{"ً":{"ٌ":1507,"ٍ":"مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع - السالوس ط 7","files":["61190.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع [موسوعة شاملة]\nوملحق بها السنة بيان الله تعالى على لسان الرسول - ﷺ -\nالمؤلف: د علي بن أحمد علي السالوس\nالناشر: دار الفضيلة بالرياض، دار الثقافة بقطر، مكتبة دار القرآن بمصر\nالطبعة: السابعة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ١١٨٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2250,"ٕ":2,"ٖ":1770155812,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تمهيد","level":1,"page":2},{"title":"الجزء الأول في العقائد","level":1,"page":17},{"title":"مقدمة","level":2,"page":17},{"title":"الفصل الأول الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة","level":2,"page":20},{"title":"أولا: الإمامة والخلافة","level":3,"page":20},{"title":"ثانيا: التفكير في الإمامة وبيعة الصديق","level":3,"page":22},{"title":"ثالثا: الإمامة عند الجمهور","level":3,"page":24},{"title":"رابعا: على وبيعة من سبقه","level":3,"page":27},{"title":"خامسا: الخوارج ورأيهم في الإمامة","level":3,"page":32},{"title":"سادسا: الإمامة عند الزيدية","level":3,"page":33},{"title":"سابعا: الإمامة عند الإسماعيلية","level":3,"page":35},{"title":"ثامنا: عقيدة الإمامة عند الجعفرية","level":3,"page":36},{"title":"تعقيب","level":3,"page":42},{"title":"الفصل الثاني أدلة الإمامة من القرآن العظيم","level":2,"page":46},{"title":"\" بين يدى الفصل \"","level":3,"page":46},{"title":"أولا: الولاية","level":3,"page":49},{"title":"ثانيا: المباهلة","level":3,"page":59},{"title":"ثالثا: التطهير","level":3,"page":62},{"title":"رابعا: عصمة الأئمة","level":3,"page":82},{"title":"خامسا: الغدير","level":3,"page":87},{"title":"تعقيب","level":3,"page":103},{"title":"الفصل الثالث الإمامة في ضوء السنة","level":2,"page":105},{"title":"أولا: خطبة الغدير والوصية بالكتاب والسنة","level":3,"page":105},{"title":"ثانيا: روايات التمسك بالكتاب والعترة","level":3,"page":112},{"title":"مناقشة الروايات","level":4,"page":115},{"title":"الاختلاف حول الحديث","level":4,"page":122},{"title":"فقه الحديث","level":4,"page":126},{"title":"ثالثا: روايات أخرى متصلة بالغدير","level":3,"page":130},{"title":"مناقشة الروايات","level":4,"page":132},{"title":"رابعا: روايات أخرى يرى بعض الجعفرية أنها تؤيد مذهبهم","level":3,"page":138},{"title":"خامسا: روايات لها صلة بموضوع الإمامة","level":3,"page":145},{"title":"من يؤمر بعدك؟","level":4,"page":145},{"title":"الاستخلاف","level":4,"page":145},{"title":"يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر","level":4,"page":148},{"title":"المهدى","level":4,"page":151},{"title":"الفصل الرابع الاستدلال بالتحريف والوضع","level":2,"page":154},{"title":"تحريف القرآن الكريم","level":3,"page":155},{"title":"الاستدلال بالأحاديث الموضوعة","level":3,"page":180},{"title":"أولا: نهج البلاغة","level":3,"page":213},{"title":"ثانيا: الصواعق المحرقة","level":3,"page":218},{"title":"الطرق التي يعلم بها كذب المنقول","level":3,"page":255},{"title":"الفصل الخامس عقائد تابعة","level":2,"page":281},{"title":"أولا: عصمة الأئمة","level":3,"page":281},{"title":"ثانيا: البداء","level":3,"page":300},{"title":"ثالثا: الرجعة","level":3,"page":306},{"title":"رابعا: التقية","level":3,"page":308},{"title":"الجزء الثانى في التفسير وكتبه ورجاله","level":1,"page":315},{"title":"مقدمة","level":2,"page":315},{"title":"القسم الأول: التفسير وأصوله عند أهل السنة.","level":2,"page":316},{"title":"الفصل الأول: علم التفسير","level":3,"page":317},{"title":"الفصل الثاني: تفسير الرسول ﷺ","level":3,"page":328},{"title":"الفصل الثالث: تفسير الصحابة ﵃","level":3,"page":353},{"title":"الفصل الرابع: تفسير التابعين","level":3,"page":375},{"title":"الفصل الخامس: أحسن طرق التفسير","level":3,"page":382},{"title":"الفصل السادس: التفسير في القرن الثاني","level":3,"page":392},{"title":"الفصل السابع: القرن الثالث وتفسير الطبري","level":3,"page":404},{"title":"الفصل الثامن: كتب التفسير بعد الطبري","level":3,"page":440},{"title":"القسم الثاني: التفسير وأصوله عند الشيعة.","level":2,"page":444},{"title":"الفصل الأول: القرآن الصامت والقرآن الناطق","level":3,"page":447},{"title":"الفصل الثاني: الظاهر والباطن","level":3,"page":456},{"title":"الفصل الثالث: القرآن الكريم والتحريف","level":3,"page":461},{"title":"الفصل الرابع: كتب التفسير الشيعي في القرن الثالث","level":3,"page":474},{"title":"الكتاب الأول تفسير الحسن العسكرى","level":4,"page":474},{"title":"الكتاب الثاني تفسير القمي","level":4,"page":485},{"title":"الكتاب الثالث تفسير العياشى:","level":4,"page":514},{"title":"الفصل الخامس التبيان للطوسي وتفاسير الطبرسي","level":3,"page":529},{"title":"الفصل السادس التفسير بعد الطوسي والطبرسي","level":3,"page":546},{"title":"أولا: تفسير الصافى:","level":4,"page":546},{"title":"ثانيا: البرهان في تفسير القرآن","level":4,"page":550},{"title":"ثالثا: بحار الأنوار","level":4,"page":553},{"title":"رابعا: تأويل الآيات الباهرة","level":4,"page":560},{"title":"خامسا: تفسير شبر:","level":4,"page":561},{"title":"سادسا: كنز العرفان","level":4,"page":566},{"title":"سابعا: زبدة البيان","level":4,"page":569},{"title":"ثامنا: الميزان","level":4,"page":572},{"title":"تاسعا: التفسير الكاشف","level":4,"page":579},{"title":"عاشرا: البيان","level":4,"page":588},{"title":"الفصل السابع نظرة عامة لباقي كتب التفسير","level":3,"page":591},{"title":"خاتمة الجزء الثاني","level":2,"page":601},{"title":"الجزء الثالث في الحديث وعلومه وكتبه ورجاله","level":1,"page":608},{"title":"مقدمة","level":2,"page":608},{"title":"القسم الأول الحديث وعلومه عند الجمهور","level":2,"page":614},{"title":"الفصل الأول: بيان الكتاب والسنة","level":3,"page":615},{"title":"الفصل الثاني: السنة وحي","level":3,"page":619},{"title":"الفصل الثالث: اعتصام السلف بالسنة","level":3,"page":622},{"title":"الفصل الرابع: تدوين السنة","level":3,"page":626},{"title":"الفصل الخامس: الجرح والتعديل","level":3,"page":638},{"title":"الفصل السادس: حوار الإمام الشافعي لفرقة ضلت","level":3,"page":652},{"title":"الفصل السابع: بعد الإمام الشافعى","level":3,"page":654},{"title":"الفصل الثامن: في عصر السيوطي","level":3,"page":657},{"title":"الفصل التاسع: الطاعنون في العصر الحديث","level":3,"page":660},{"title":"الفصل العاشر: أبو هريرة رضى الله تعالي عنه","level":3,"page":663},{"title":"القسم الثاني: الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة","level":2,"page":664},{"title":"الفصل الأول: التدوين عند الشيعة","level":3,"page":665},{"title":"الفصل الثاني: الجرح والتعديل عند الشيعة والرافضة","level":3,"page":690},{"title":"الفصل الثالث: مفهوم السنة عندهم","level":3,"page":697},{"title":"الفصل الرابع: مراتب الحديث","level":3,"page":699},{"title":"الفصل الخامس: التعارض والترجيح","level":3,"page":706},{"title":"الفصل السادس: الكتب الأربعة","level":3,"page":713},{"title":"أولا: الجزء الأول من أصول الكافى","level":4,"page":718},{"title":"ثانيا: الجزء الثانى من أصول الكافى","level":4,"page":758},{"title":"ثالثا: روضة الكافى","level":4,"page":764},{"title":"رابعا - فروع الكافى وبقية الكتب","level":4,"page":774},{"title":"ملحق الجزء الثالث: السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله -ﷺ-","level":2,"page":783},{"title":"تقديم","level":3,"page":784},{"title":"بيان الكتاب والسنة","level":3,"page":786},{"title":"القرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول ﷺ ويحذر من معصيته","level":3,"page":787},{"title":"السنة وحى","level":3,"page":789},{"title":"اعتصام السلف بالسنة","level":3,"page":791},{"title":"حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت","level":3,"page":795},{"title":"بعد الإمام الشافعى","level":3,"page":805},{"title":"فى عصر السيوطى","level":3,"page":808},{"title":"الطاعنون فى العصر الحديث","level":3,"page":811},{"title":"أهذا مفكر إسلامى؟ !","level":3,"page":814},{"title":"أولا: زعمه أن الشريعة قاصرة وأن الرسول غير معصوم!!","level":4,"page":815},{"title":"ثانيا: التشكيك فى كتاب الله المجيد","level":4,"page":816},{"title":"ثالثا: موقفه من السنة المطهرة:","level":4,"page":829},{"title":"رابعا: موقفه من عقائد المسلمين","level":4,"page":840},{"title":"خامسا: قوله الكذب بوثنية المسلمين!!","level":4,"page":841},{"title":"أبو هريرة رضي الله تعالي عنه","level":3,"page":844},{"title":"هذا الصوت نعرفه","level":3,"page":859},{"title":"الجزء الرابع في أصول الفقه والفقه","level":1,"page":864},{"title":"مقدمة","level":2,"page":864},{"title":"الباب الأول: أصول الفقه","level":2,"page":870},{"title":"الفصل الأول: القرآن الكريم","level":3,"page":871},{"title":"الفصل الثاني: السنة المطهرة","level":3,"page":874},{"title":"الفصل الثالث: الإجماع","level":3,"page":877},{"title":"الفصل الرابع: العقل","level":3,"page":882},{"title":"الباب الثاني: العبادات","level":2,"page":887},{"title":"الفصل الأول: الطهارة","level":3,"page":888},{"title":"أولا: حكم سؤر الآدمى","level":4,"page":888},{"title":"ثانيا: اعتبار المذى والودى من موجبات الوضوء","level":4,"page":899},{"title":"ثالثا: غسل الوجه","level":4,"page":903},{"title":"رابعا: غسل اليدين","level":4,"page":905},{"title":"خامسا: مسح الرأس","level":4,"page":907},{"title":"سادسا: حكم الأذنين","level":4,"page":912},{"title":"سابعا: نوع طهارة الرجلين","level":4,"page":913},{"title":"ثامنا: المسح على الخفين","level":4,"page":927},{"title":"تاسعا: التوقيت في الغسل","level":4,"page":931},{"title":"عاشرا: التولية اختيارا","level":4,"page":933},{"title":"حادي عشر: غسل مخرج البول","level":4,"page":935},{"title":"ثاني عشر: الوطء في الدبر","level":4,"page":937},{"title":"ثالث عشر: الأغسال المندوبة","level":4,"page":938},{"title":"رابع عشر: قراءة القرآن الكريم ومس المصحف للجنب والحائض والنفساء","level":4,"page":940},{"title":"خامس عشر: أقل الطهر بين الحيضتين وأكثر النفاس","level":4,"page":944},{"title":"سادس عشر: ما يتعلق بالميت من الأحكام","level":4,"page":946},{"title":"سابع عشر: التيمم","level":4,"page":957},{"title":"ثامن عشر: النجاسات","level":4,"page":958},{"title":"الفصل الثاني: الصلاة","level":3,"page":963},{"title":"أولا: الجمع بين الصلاتين","level":4,"page":963},{"title":"ثانيا: الأذان","level":4,"page":966},{"title":"ثالثا: المساجد","level":4,"page":970},{"title":"رابعا: السجود على ما ليس بأرض","level":4,"page":975},{"title":"خامسا: التكلم في الصلاة","level":4,"page":979},{"title":"سادسا: صلاة الجمعة","level":4,"page":984},{"title":"سابعا: صلاة الجنازة","level":4,"page":999},{"title":"ثامنا: النوافل","level":4,"page":1006},{"title":"الفصل الثالث: الصيام والاعتكاف","level":3,"page":1012},{"title":"الفصل الرابع: الزكاة والخمس","level":3,"page":1017},{"title":"الفصل الخامس: الحج","level":3,"page":1025},{"title":"الفصل السادس: الجهاد","level":3,"page":1033},{"title":"الباب الثالث: المعاملات","level":2,"page":1038},{"title":"الفصل الأول: العقود والإيقاعات","level":3,"page":1039},{"title":"أولا: في التجارة:","level":4,"page":1039},{"title":"ثانيا: في الإجارة:","level":4,"page":1040},{"title":"ثالثا: في الوكالة:","level":4,"page":1040},{"title":"رابعا: في النكاح:","level":4,"page":1040},{"title":"خامسا: في العتق والإيمان:","level":4,"page":1041},{"title":"سادسا: أخبارهم في العقود والإيقاعات","level":4,"page":1041},{"title":"خاتمة الفصل (بحثان)","level":4,"page":1059},{"title":"البحث الأول في زواج المتعة","level":5,"page":1059},{"title":"البحث الثانى","level":5,"page":1081},{"title":"الفصل الثاني: الأحكام","level":3,"page":1103},{"title":"أولا: فى الذبائح:","level":4,"page":1103},{"title":"ثانيا: فى الأطعمة:","level":4,"page":1103},{"title":"ثالثا: فى إحياء الموات من الأرض","level":4,"page":1103},{"title":"رابعا: فى اللقطة","level":4,"page":1104},{"title":"خامسا: فى الميراث","level":4,"page":1104},{"title":"سادسا: فى القضاء","level":4,"page":1105},{"title":"سابعا: فى الشهادات","level":4,"page":1105},{"title":"ثامنا: في الحدود والتعزيرات","level":4,"page":1105},{"title":"تاسعا: فى القصاص:","level":4,"page":1106},{"title":"عاشرا: فى الديات:","level":4,"page":1106},{"title":"خاتمة الكتاب","level":1,"page":1122},{"title":"الحكيم والخوئي والخميني:","level":2,"page":1123},{"title":"مراجع الكتاب","level":2,"page":1148}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,358":353,"1,359":354,"1,360":355,"1,361":356,"1,362":357,"1,363":358,"1,364":359,"1,365":360,"1,366":361,"1,367":362,"1,368":363,"1,369":364,"1,370":365,"1,371":366,"1,372":367,"1,373":368,"1,374":369,"1,375":370,"1,376":371,"1,377":372,"1,378":373,"1,379":374,"1,380":375,"1,381":376,"1,382":377,"1,383":378,"1,384":379,"1,385":380,"1,386":381,"1,387":382,"1,388":383,"1,389":384,"1,390":385,"1,391":386,"1,392":387,"1,393":388,"1,394":389,"1,395":390,"1,396":391,"1,397":392,"1,398":393,"1,399":394,"1,400":395,"1,401":396,"1,402":397,"1,403":398,"1,404":399,"1,405":400,"1,406":401,"1,407":402,"1,408":403,"1,409":404,"1,410":405,"1,411":406,"1,412":407,"1,413":408,"1,414":409,"1,415":410,"1,416":411,"1,417":412,"1,418":413,"1,419":414,"1,420":415,"1,421":416,"1,422":417,"1,423":418,"1,424":419,"1,425":420,"1,426":421,"1,427":422,"1,428":423,"1,429":424,"1,430":425,"1,431":426,"1,432":427,"1,433":428,"1,434":429,"1,435":430,"1,436":431,"1,437":432,"1,438":433,"1,439":434,"1,440":435,"1,441":436,"1,442":437,"1,443":438,"1,444":439,"1,445":440,"1,446":441,"1,447":442,"1,448":443,"1,449":444,"1,450":446,"1,451":447,"1,452":448,"1,453":449,"1,454":450,"1,455":451,"1,456":452,"1,457":453,"1,458":454,"1,459":455,"1,460":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,488":484,"1,489":485,"1,490":486,"1,491":487,"1,492":488,"1,493":489,"1,494":490,"1,495":491,"1,496":492,"1,497":493,"1,498":494,"1,499":495,"1,500":496,"1,501":497,"1,502":498,"1,503":499,"1,504":500,"1,505":501,"1,506":502,"1,507":503,"1,508":504,"1,509":505,"1,510":506,"1,511":507,"1,512":508,"1,513":509,"1,514":510,"1,515":511,"1,516":512,"1,517":513,"1,518":514,"1,519":515,"1,520":516,"1,521":517,"1,522":518,"1,523":519,"1,524":520,"1,525":521,"1,526":522,"1,527":523,"1,528":524,"1,529":525,"1,530":526,"1,531":527,"1,532":528,"1,533":529,"1,534":530,"1,535":531,"1,536":532,"1,537":533,"1,538":534,"1,539":535,"1,540":536,"1,541":537,"1,542":538,"1,543":539,"1,544":540,"1,545":541,"1,546":542,"1,547":543,"1,548":544,"1,549":545,"1,550":546,"1,551":547,"1,552":548,"1,553":549,"1,554":550,"1,555":551,"1,556":552,"1,557":553,"1,558":554,"1,559":555,"1,560":556,"1,561":557,"1,562":558,"1,563":559,"1,564":560,"1,565":561,"1,566":562,"1,567":563,"1,568":564,"1,569":565,"1,570":566,"1,571":567,"1,572":568,"1,573":569,"1,574":570,"1,575":571,"1,576":572,"1,577":573,"1,578":574,"1,579":575,"1,580":576,"1,581":577,"1,582":578,"1,583":579,"1,584":580,"1,585":581,"1,586":582,"1,587":583,"1,588":584,"1,589":585,"1,590":586,"1,591":587,"1,592":588,"1,593":589,"1,594":590,"1,595":591,"1,596":592,"1,597":593,"1,598":594,"1,599":595,"1,600":596,"1,601":597,"1,602":598,"1,603":599,"1,604":600,"1,605":601,"1,606":602,"1,607":603,"1,608":604,"1,609":605,"1,610":606,"1,611":607,"1,616":608,"1,617":609,"1,618":610,"1,619":611,"1,620":612,"1,621":613,"1,622":614,"1,623":616,"1,624":617,"1,625":618,"1,626":619,"1,627":620,"1,628":621,"1,629":622,"1,630":623,"1,631":624,"1,632":625,"1,633":626,"1,634":627,"1,635":628,"1,636":629,"1,637":630,"1,638":631,"1,639":632,"1,640":633,"1,641":634,"1,642":635,"1,643":636,"1,644":637,"1,645":638,"1,646":639,"1,647":640,"1,648":641,"1,649":642,"1,650":643,"1,651":644,"1,652":645,"1,653":646,"1,654":647,"1,655":648,"1,656":649,"1,657":650,"1,658":651,"1,659":652,"1,660":653,"1,661":654,"1,662":655,"1,663":656,"1,664":657,"1,665":658,"1,666":659,"1,667":660,"1,668":661,"1,669":662,"1,670":663,"1,671":664,"1,672":666,"1,673":667,"1,674":668,"1,675":669,"1,676":670,"1,677":671,"1,678":672,"1,679":673,"1,680":674,"1,681":675,"1,682":676,"1,683":677,"1,684":678,"1,685":679,"1,686":680,"1,687":681,"1,688":682,"1,689":683,"1,690":684,"1,691":685,"1,692":686,"1,693":687,"1,694":688,"1,695":689,"1,696":690,"1,697":691,"1,698":692,"1,699":693,"1,700":694,"1,701":695,"1,702":696,"1,703":697,"1,704":698,"1,705":699,"1,706":700,"1,707":701,"1,708":702,"1,709":703,"1,710":704,"1,711":705,"1,712":706,"1,713":707,"1,714":708,"1,715":709,"1,716":710,"1,717":711,"1,718":712,"1,719":713,"1,720":714,"1,721":715,"1,722":716,"1,723":717,"1,724":718,"1,725":719,"1,726":720,"1,727":721,"1,728":722,"1,729":723,"1,730":724,"1,731":725,"1,732":726,"1,733":727,"1,734":728,"1,735":729,"1,736":730,"1,737":731,"1,738":732,"1,739":733,"1,740":734,"1,741":735,"1,742":736,"1,743":737,"1,744":738,"1,745":739,"1,746":740,"1,747":741,"1,748":742,"1,749":743,"1,750":744,"1,751":745,"1,752":746,"1,753":747,"1,754":748,"1,755":749,"1,756":750,"1,757":751,"1,758":752,"1,759":753,"1,761":754,"1,762":755,"1,763":756,"1,764":757,"1,765":758,"1,766":759,"1,767":760,"1,768":761,"1,769":762,"1,770":763,"1,771":764,"1,772":765,"1,773":766,"1,774":767,"1,775":768,"1,776":769,"1,777":770,"1,778":771,"1,779":772,"1,780":773,"1,781":774,"1,782":775,"1,783":776,"1,784":777,"1,785":778,"1,786":779,"1,787":780,"1,788":781,"1,789":782,"1,790":783,"1,791":785,"1,792":786,"1,793":787,"1,794":788,"1,795":789,"1,796":790,"1,797":791,"1,798":792,"1,799":793,"1,800":794,"1,801":795,"1,802":796,"1,803":797,"1,804":798,"1,805":799,"1,806":800,"1,807":801,"1,808":802,"1,809":803,"1,810":804,"1,811":805,"1,812":806,"1,813":807,"1,814":808,"1,815":809,"1,816":810,"1,817":811,"1,818":812,"1,819":813,"1,820":814,"1,821":815,"1,822":816,"1,823":817,"1,824":818,"1,825":819,"1,826":820,"1,827":821,"1,828":822,"1,829":823,"1,830":824,"1,831":825,"1,832":826,"1,833":827,"1,834":828,"1,835":829,"1,836":830,"1,837":831,"1,838":832,"1,839":833,"1,840":834,"1,841":835,"1,842":836,"1,843":837,"1,844":838,"1,845":839,"1,846":840,"1,847":841,"1,848":842,"1,849":843,"1,850":844,"1,851":845,"1,852":846,"1,853":847,"1,854":848,"1,855":849,"1,857":850,"1,858":851,"1,859":852,"1,860":853,"1,861":854,"1,862":855,"1,863":856,"1,864":857,"1,865":858,"1,866":859,"1,867":860,"1,868":861,"1,869":862,"1,870":863,"1,874":864,"1,875":865,"1,876":866,"1,877":867,"1,878":868,"1,879":869,"1,880":870,"1,881":872,"1,882":873,"1,883":874,"1,884":875,"1,885":876,"1,886":877,"1,887":878,"1,888":879,"1,889":880,"1,890":881,"1,891":882,"1,892":883,"1,893":884,"1,894":885,"1,895":886,"1,896":887,"1,897":889,"1,898":890,"1,899":891,"1,900":892,"1,901":893,"1,902":894,"1,903":895,"1,904":896,"1,905":897,"1,906":898,"1,907":899,"1,908":900,"1,909":901,"1,910":902,"1,911":903,"1,912":904,"1,913":905,"1,914":906,"1,915":907,"1,916":908,"1,917":909,"1,918":910,"1,919":911,"1,920":912,"1,921":913,"1,922":914,"1,923":915,"1,924":916,"1,925":917,"1,926":918,"1,927":919,"1,928":920,"1,929":921,"1,930":922,"1,931":923,"1,932":924,"1,933":925,"1,934":926,"1,935":927,"1,936":928,"1,937":929,"1,938":930,"1,939":931,"1,940":932,"1,941":933,"1,942":934,"1,943":935,"1,944":936,"1,945":937,"1,946":938,"1,947":939,"1,948":940,"1,949":941,"1,950":942,"1,951":943,"1,952":944,"1,953":945,"1,954":946,"1,955":947,"1,956":948,"1,957":949,"1,958":950,"1,959":951,"1,960":952,"1,961":953,"1,962":954,"1,963":955,"1,964":956,"1,965":957,"1,966":958,"1,967":959,"1,968":960,"1,969":961,"1,970":962,"1,971":963,"1,972":964,"1,973":965,"1,974":966,"1,975":967,"1,976":968,"1,977":969,"1,978":970,"1,979":971,"1,980":972,"1,981":973,"1,982":974,"1,983":975,"1,984":976,"1,985":977,"1,986":978,"1,987":979,"1,988":980,"1,989":981,"1,990":982,"1,991":983,"1,992":984,"1,993":985,"1,994":986,"1,995":987,"1,996":988,"1,997":989,"1,998":990,"1,999":991,"1,1000":992,"1,1001":993,"1,1002":994,"1,1003":995,"1,1004":996,"1,1005":997,"1,1006":998,"1,1007":999,"1,1008":1000,"1,1009":1001,"1,1010":1002,"1,1011":1003,"1,1012":1004,"1,1013":1005,"1,1014":1006,"1,1015":1007,"1,1016":1008,"1,1017":1009,"1,1018":1010,"1,1019":1011,"1,1020":1012,"1,1021":1013,"1,1022":1014,"1,1023":1015,"1,1024":1016,"1,1025":1017,"1,1026":1018,"1,1027":1019,"1,1028":1020,"1,1029":1021,"1,1030":1022,"1,1031":1023,"1,1032":1024,"1,1033":1025,"1,1034":1026,"1,1035":1027,"1,1036":1028,"1,1037":1029,"1,1038":1030,"1,1039":1031,"1,1040":1032,"1,1041":1033,"1,1042":1034,"1,1043":1035,"1,1044":1036,"1,1045":1037,"1,1046":1038,"1,1047":1040,"1,1048":1041,"1,1049":1042,"1,1050":1043,"1,1051":1044,"1,1052":1045,"1,1053":1046,"1,1054":1047,"1,1055":1048,"1,1056":1049,"1,1057":1050,"1,1058":1051,"1,1059":1052,"1,1060":1053,"1,1061":1054,"1,1062":1055,"1,1063":1056,"1,1064":1057,"1,1065":1058,"1,1066":1059,"1,1067":1060,"1,1068":1061,"1,1069":1062,"1,1070":1063,"1,1071":1064,"1,1072":1065,"1,1073":1066,"1,1074":1067,"1,1075":1068,"1,1076":1069,"1,1077":1070,"1,1078":1071,"1,1079":1072,"1,1080":1073,"1,1081":1074,"1,1082":1075,"1,1083":1076,"1,1084":1077,"1,1085":1078,"1,1086":1079,"1,1087":1080,"1,1088":1081,"1,1089":1082,"1,1090":1083,"1,1091":1084,"1,1092":1085,"1,1093":1086,"1,1094":1087,"1,1095":1088,"1,1096":1089,"1,1097":1090,"1,1098":1091,"1,1099":1092,"1,1100":1093,"1,1101":1094,"1,1102":1095,"1,1103":1096,"1,1104":1097,"1,1105":1098,"1,1106":1099,"1,1107":1100,"1,1108":1101,"1,1109":1102,"1,1110":1103,"1,1111":1104,"1,1112":1105,"1,1113":1106,"1,1114":1107,"1,1115":1108,"1,1116":1109,"1,1117":1110,"1,1118":1111,"1,1119":1112,"1,1120":1113,"1,1121":1114,"1,1122":1115,"1,1123":1116,"1,1124":1117,"1,1125":1118,"1,1126":1119,"1,1127":1120,"1,1128":1121,"1,1129":1122,"1,1130":1123,"1,1131":1124,"1,1132":1125,"1,1133":1126,"1,1134":1127,"1,1138":1128,"1,1139":1129,"1,1140":1130,"1,1141":1131,"1,1142":1132,"1,1143":1133,"1,1144":1134,"1,1145":1135,"1,1146":1136,"1,1147":1137,"1,1148":1138,"1,1149":1139,"1,1150":1140,"1,1151":1141,"1,1152":1142,"1,1153":1143,"1,1154":1144,"1,1155":1145,"1,1156":1146,"1,1157":1147,"1,1160":1148,"1,1161":1149,"1,1162":1150,"1,1163":1151,"1,1164":1152,"1,1165":1153,"1,1166":1154,"1,1167":1155,"1,1168":1156,"1,1169":1157,"1,1170":1158,"1,1171":1159,"1,1172":1160,"1,1173":1161,"1,1174":1162,"1,1175":1163,"1,1176":1164,"1,1177":1165,"1,1178":1166,"1,1179":1167,"1,1180":1168,"1,1181":1169,"1,1182":1170,"1,1183":1171,"1,1184":1172,"1,1185":1173,"1,1186":1174,"1,1187":1175},"ٜ":{"1":[5,1187]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,320","1,321","1,322","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854","1,855","1,857","1,858","1,859","1,860","1,861","1,862","1,863","1,864","1,865","1,866","1,867","1,868","1,869","1,870","1,874","1,875","1,876","1,877","1,878","1,879","1,880","1,880","1,881","1,882","1,883","1,884","1,885","1,886","1,887","1,888","1,889","1,890","1,891","1,892","1,893","1,894","1,895","1,896","1,896","1,897","1,898","1,899","1,900","1,901","1,902","1,903","1,904","1,905","1,906","1,907","1,908","1,909","1,910","1,911","1,912","1,913","1,914","1,915","1,916","1,917","1,918","1,919","1,920","1,921","1,922","1,923","1,924","1,925","1,926","1,927","1,928","1,929","1,930","1,931","1,932","1,933","1,934","1,935","1,936","1,937","1,938","1,939","1,940","1,941","1,942","1,943","1,944","1,945","1,946","1,947","1,948","1,949","1,950","1,951","1,952","1,953","1,954","1,955","1,956","1,957","1,958","1,959","1,960","1,961","1,962","1,963","1,964","1,965","1,966","1,967","1,968","1,969","1,970","1,971","1,972","1,973","1,974","1,975","1,976","1,977","1,978","1,979","1,980","1,981","1,982","1,983","1,984","1,985","1,986","1,987","1,988","1,989","1,990","1,991","1,992","1,993","1,994","1,995","1,996","1,997","1,998","1,999","1,1000","1,1001","1,1002","1,1003","1,1004","1,1005","1,1006","1,1007","1,1008","1,1009","1,1010","1,1011","1,1012","1,1013","1,1014","1,1015","1,1016","1,1017","1,1018","1,1019","1,1020","1,1021","1,1022","1,1023","1,1024","1,1025","1,1026","1,1027","1,1028","1,1029","1,1030","1,1031","1,1032","1,1033","1,1034","1,1035","1,1036","1,1037","1,1038","1,1039","1,1040","1,1041","1,1042","1,1043","1,1044","1,1045","1,1046","1,1046","1,1047","1,1048","1,1049","1,1050","1,1051","1,1052","1,1053","1,1054","1,1055","1,1056","1,1057","1,1058","1,1059","1,1060","1,1061","1,1062","1,1063","1,1064","1,1065","1,1066","1,1067","1,1068","1,1069","1,1070","1,1071","1,1072","1,1073","1,1074","1,1075","1,1076","1,1077","1,1078","1,1079","1,1080","1,1081","1,1082","1,1083","1,1084","1,1085","1,1086","1,1087","1,1088","1,1089","1,1090","1,1091","1,1092","1,1093","1,1094","1,1095","1,1096","1,1097","1,1098","1,1099","1,1100","1,1101","1,1102","1,1103","1,1104","1,1105","1,1106","1,1107","1,1108","1,1109","1,1110","1,1111","1,1112","1,1113","1,1114","1,1115","1,1116","1,1117","1,1118","1,1119","1,1120","1,1121","1,1122","1,1123","1,1124","1,1125","1,1126","1,1127","1,1128","1,1129","1,1130","1,1131","1,1132","1,1133","1,1134","1,1138","1,1139","1,1140","1,1141","1,1142","1,1143","1,1144","1,1145","1,1146","1,1147","1,1148","1,1149","1,1150","1,1151","1,1152","1,1153","1,1154","1,1155","1,1156","1,1157","1,1160","1,1161","1,1162","1,1163","1,1164","1,1165","1,1166","1,1167","1,1168","1,1169","1,1170","1,1171","1,1172","1,1173","1,1174","1,1175","1,1176","1,1177","1,1178","1,1179","1,1180","1,1181","1,1182","1,1183","1,1184","1,1185","1,1186","1,1187"],"ٞ":{"2":[1],"17":[2,3],"20":[4,5],"22":[6],"24":[7],"27":[8],"32":[9],"33":[10],"35":[11],"36":[12],"42":[13],"46":[14,15],"49":[16],"59":[17],"62":[18],"82":[19],"87":[20],"103":[21],"105":[22,23],"112":[24],"115":[25],"122":[26],"126":[27],"130":[28],"132":[29],"138":[30],"145":[31,32,33],"148":[34],"151":[35],"154":[36],"155":[37],"180":[38],"213":[39],"218":[40],"255":[41],"281":[42,43],"300":[44],"306":[45],"308":[46],"315":[47,48],"316":[49],"317":[50],"328":[51],"353":[52],"375":[53],"382":[54],"392":[55],"404":[56],"440":[57],"444":[58],"447":[59],"456":[60],"461":[61],"474":[62,63],"485":[64],"514":[65],"529":[66],"546":[67,68],"550":[69],"553":[70],"560":[71],"561":[72],"566":[73],"569":[74],"572":[75],"579":[76],"588":[77],"591":[78],"601":[79],"608":[80,81],"614":[82],"615":[83],"619":[84],"622":[85],"626":[86],"638":[87],"652":[88],"654":[89],"657":[90],"660":[91],"663":[92],"664":[93],"665":[94],"690":[95],"697":[96],"699":[97],"706":[98],"713":[99],"718":[100],"758":[101],"764":[102],"774":[103],"783":[104],"784":[105],"786":[106],"787":[107],"789":[108],"791":[109],"795":[110],"805":[111],"808":[112],"811":[113],"814":[114],"815":[115],"816":[116],"829":[117],"840":[118],"841":[119],"844":[120],"859":[121],"864":[122,123],"870":[124],"871":[125],"874":[126],"877":[127],"882":[128],"887":[129],"888":[130,131],"899":[132],"903":[133],"905":[134],"907":[135],"912":[136],"913":[137],"927":[138],"931":[139],"933":[140],"935":[141],"937":[142],"938":[143],"940":[144],"944":[145],"946":[146],"957":[147],"958":[148],"963":[149,150],"966":[151],"970":[152],"975":[153],"979":[154],"984":[155],"999":[156],"1006":[157],"1012":[158],"1017":[159],"1025":[160],"1033":[161],"1038":[162],"1039":[163,164],"1040":[165,166,167],"1041":[168,169],"1059":[170,171],"1081":[172],"1103":[173,174,175,176],"1104":[177,178],"1105":[179,180,181],"1106":[182,183],"1122":[184],"1123":[185],"1148":[186]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع - موسوعة شاملة]ـ\nوملحق بها السنة بيان الله تعالى على لسان الرسول - ﷺ -\nالمؤلف: ا. د. علي أحمد السالوس\nالناشر: دار الفضيلة بالرياض، دار الثقافة بقطر، مكتبة دار القرآن بمصر\nالطبعة: السابعة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تمهيد</span>\nإن الحمد كله لله نحمده سبحانه وتعالي ونستهديه، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله ﷿ أن يجنبنا الزلل في القول والعمل. ونصلى ونسلم على رسله الكرام، وعلى أولهم خاتم الأنبياء والمرسلين، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفمنذ نحو أربعين سنة بدأت الاطلاع على كتب الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية، والاتصال ببعض علمائهم. وشجعني على هذا أستاذي المرحوم الشيخ محمد المدني، أحد دعاة التقريب بين المذاهب الخمسة، حيث اعتبروا المذهب الشيعي هذا مذهبًا خامسًا، ولذلك كانت رسالتي للماجستير في الفقه المقارن بين الشيعة الإمامية - أي الجعفرية الاثنى عشرية - والمذاهب الأربعة.\nغير أنني عندما بدأت الدراسة، ثم قرأت كثيرًا من كتبهم، وجدت الأمر على خلاف ما تصوره دعاة التقريب، حيث إن عقيدتهم في الإمامة، وما ينبنى عليها، تمنع التقريب وتحول دونه، فإن هذه العقيدة لا تصح إلا بالطعن في خير أمة أخرجت للناس، حيث يعتبر باقي الصحابة - وحاشاهم - مقرين للمعصية، راضين عنها.\nوإذا كانت مسألة الإمامة في ذمة التاريخ، فلا حاجة لإثارتها، وخلاف الأمس لا يمنع تقريب اليوم، ومن هنا كانت رسالتي للدكتوراه عن أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله، وللأسف الشديد أنني وجدت هذه العقيدة الباطلة قد أفسدت الكثير من أصول الفقه. فكيف تكون دعوة التقريب؟\nإن قلنا للشيعة: دعوا مسألة الإمامة في مجال العقيدة، ولا تجعلوا لها أثرًا في التشريع وأصوله حتى تصبحوا كأي مذهب من مذاهب أهل السنة والجماعة، أفيقبلون؟","vol":"1","page":5},{"text":"وإذا كانوا لا يقبلون، بل لم توجه لهم هذه الدعوة، أفنؤمن نحن بعقيدتهم الباطلة؟\nلهذا يجب أن تكون دعوة التقريب على هدى وبصيرة. ولذا رأيت أن أجعل بين أيدي المسلمين، ودعاة التقريب منهم، بعض الكتب التي تبين الفوارق بين السنة والشيعة في مجالات مختلفة، ليفكروا في هذه الفوارق، ولنحدد كيف تكون دعوة التقريب، ومن الذي يجب أن يترك رأيه ويقترب من الآخر.\nوكنت جمعت المادة العلمية منذ عدة سنوات، ثم توقفت بضعة أعوام عندما شغلت بالاقتصاد الإسلامي، والمعاملات المعاصرة، وتم بحمد الله تعالي وفضله تأليف بعض الكتب والأبحاث، غير أن البحث في المعاملات المعاصرة أمر متجدد لا ينتهي، فرأيت ألا أجعل الوقت كله له، وأن أعود إلى ما جمعت من مادة للدراسة المقارنة حتى أخرج الكتب التي أريدها، مستعينًا بالله ﷿.\nوتوطئة لهذه الدراسة صدر كتابى الأول تحت عنوان:\n\" عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية- دراسة في ضوء الكتاب والسنة - هل كان شيخ الأزهر البشرى شيعيًا؟ ! \"\nوانتهت الدراسة إلي أن عقيدتهم لا تستند إلى كتاب ولا إلى سنة، بل باطلة تصطدم بالكتاب والسنة، وأظهرت الدراسة كثيرًا من الأخطاء، وكشفت عن مفتريات وأباطيل، ونزهت الشيخ البشرى مما نسبه إليه المفترى الكذّاب صاحب كتاب المراجعات.\nورأيت أن تكون الدراسة التالية للكتاب السابق تتعلق بكتاب الله العزيز، المصدر الأول للعقيدة والشريعة. فكان الكتاب الثانى في التفسير المقارن وأصوله بين أهل السنة والشيعة الاثنى عشرية، وقسمته قسمين: -\nالقسم الأول: للحديث عن التفسير وأصوله عند أهل السنة.\nالقسم الثانى: للتفسير وأصوله عند الشيعة الاثنى عشرية.","vol":"1","page":6},{"text":"ومن يقرأ ما احتواه القسمان يدرك الفوارق البينة الظاهرة بين التفسيرين، وأصول كل منهما. ويتأكد من أن مسألة الإمامة ليست نظرية بحتة تاريخية، بل لها أثرها في كتبهم خلال جميع العصور، ولهذا وجدنا الغالين الضالين من الشيعة يحرفون القرآن نصا ومعنى، ويطعنون في الصحابة الكرام، ويجعلون أئمتهم هم المراد من كلمات الله حتى وصل بعضهم إلى تأليه الأئمة، ووجدنا المعتدلين منهم يقعون في تناقض بين، وهذه نتيجة حتمية، فكيف يجمع بين هذه العقيدة والاعتدال؟! وكيف يجمع بين توثيقهم وإجلالهم لأكبر كبار علمائهم كالقمى والعياشى والكلينى، وهم رءوس الغلو والضلال، وحملة لواء التشكيك والتضليل، وتحريف القرآن المجيد، وتكفير خير أمة أخرجت للناس؟! كيف يجمع بين هذا كله وبين شيء من الاعتدال؟! والمهم أن ما أنسبه إليهم هنا منقول من كتبهم وليس مما كتب عنهم، وبذلك يكون الحكم دقيقًا غير جائر.\n\nوانتهيت من الكتاب الثانى سنة ١٤٠٩ هـ (١٩٨٩م)، وفى أواخر ذلك العام كانت الطامة حيث صدر البيان المشهور عن دار الإفتاء المصرية الذي أحل بعض المعاملات التي أجمعت المجامع الفقهية كلها وجميع دور الإفتاء على أنها من الربا المحرم، وتبع البيان بعد ذلك تحليل صور أخرى من المعاملات الربوية حتى وصل الأمر إلى القول بأن البنوك في جميع بقاع الأرض تستثمر بالطرق التي أحلها الله تعالي!!\nفشغلت بالرد على البيان، وعلى ما صدر بعد ذلك من الفتاوى الباطلة، فكتبت عشرات المقالات، وبضعة كتب وأبحاث، ووقفت عند الكتاب الثانى بين الشيعة والسنة.\nومنذ سنوات طلبت منى إحدى الجهات العلمية البارزة كتابة رد على كتاب المراجعات لعبد الحسين شرف الدين الموسوي، ثم تكرر الطلب حتى استحييت، وكنت كتبت بعض الملاحظات حول الكتاب استعدادًا للرد قبل هذا الطلب، فأعدت","vol":"1","page":7},{"text":"النظر فيما كتبت، واستعنت بالله ﷿، وبذلت أقصى ما أستطيع حتى انتهيت بحمد الله ﷿ وفضله وكرمه - من كتاب \" المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى \"، حيث أثبت يقينا براءة شيخ الأزهر مما نسب إليه، وأن عبد الحسين هو وحده صاحب هذه المراجعات المفتراة. والقارئ يجد هذا الأمر واضحًا جليًا، وسيعجب كل العجب من جرأة هذا الرافضي لا على الكذب والافتراء فقط، ولكن أيضا على تصوير شيخ الأزهر وشيخ المالكية وقد جاوز الثمانين عاما في صورة جاهل لا يدرى ما في كتب في التفسير والحديث عند أهل السنة أنفسهم، وما يدرس منها لطلاب الأزهر، فبدا كأنه أقل علمًا من هؤلاء الطلاب، إلى أن جاء هذا الشاب الرافضي الطريد الذي لجأ إلى مصر ليعلم شيخ الأزهر نفسه ما في هذه الكتب، ويصور الرافضي نفسه في صورة من أخرج شيخ الأزهر من ظلمات الجهل إلى نور العلم، وجعله يسلم بصحة عقيدة الرافضة وشريعتهم وبطلان ما عليه أمة الإسلام منذ الصحابة الكرام البررة إلى عصرنا!!\nوقد ناقشت الرافضي مناقشة علمية مستفيضة، نسأل الله تعالى أن يتقبلها منا فهو ﷾ يعلم السر وأخفى.\n\nوبعد أن انتهيت من كتاب المراجعات رأيت أن أستكمل الموضوع الذي بدأته بالكتابين اللذين أشرت إليهما من قبل، ولكن بدا لي أن أقدم للمسلمين موسوعة شاملة في هذا الموضوع تبين حقيقة الشيعة والرافضة في الماضي والحاضر في ضوء الكتاب والسنة، وكل ما أنسبه إليهم منقول من كتبهم هم أنفسهم، وليس مما كتب عنهم، وبذلك يكون الحكم دقيقا غير جائر. وهذه الموسوعة يضمها كتاب في أربعة أجزاء:\nالجزء الأول في العقائد.\nالجزء الثانى في التفسير وكتبه ورجاله.\nالجزء الثالث في الحديث وعلومه وكتبه ورجاله.","vol":"1","page":8},{"text":"والجزء الرابع في أصول الفقه والفقه.\nوكل جزء له مقدمة تخصه وتناسبه.\nوكتبت بحثا عنوانه \" السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله ﷺ \"، فرأيت من المناسب أن ألحقه بالجزء الثالث الخاص بالسنة المشرفة.\nوقبل أن أنتقل إلى مقدمة الجزء الأول أحب أن أذكر بما يأتي: -\n\nأولا: لماذا كثر ما كتبت عن الشيعة؟\nبعد أن تخرجت في كلية دار العلوم سنة ١٣٧٦ هـ (١٩٥٧م)، والتحقت بالدراسات العليا، كان ممن درس لنا أستاذنا الجليل / محمد المدني - رحمه الله تعالى - وهو من الأعضاء البارزين لدار التقريب بين المذاهب في القاهرة، وكثيرًا ما كان يحدّثنا عن الشيعة، وفقههم وأنهم لا يختلفون كثيرًا عن المذاهب الأربعة، ويمكن اعتبارهم مذهبا خامسا.\nوالشيعة يزيدون على سبعين فرقة، لكنه كان يقصد الشيعة الإمامية الجعفرية الاثنى عشرية بالذات، فهى صاحبة دار التقريب فكرة وتنفيذا.\nونتيجة فهمى لما سمعته منه سجلت رسالة الماجستير تحت عنوان ... \" فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة \" وأردت أن أحدد مواضع الخلاف فقط، أي ما ينفردون به دون أي مذهب من المذاهب الأربعة، ثم أناقش هذه المواضع باعتبارهم مذهبا خامسا من باب التقريب.\n\nغير أننى عندما بدأت البحث، واطلعت على مراجعهم الأصلية وجدت الأمر يختلف عما سمعت تماما. ورأيت أن عقيدة الإمامة عندهم، التي جعلوها","vol":"1","page":9},{"text":"أصلا من أصول الدين، أثرت في مصادر الشريعة، وجميع أبواب الفقه، ولذلك جعلت رسالة الدكتوراه عنوانها \" أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله\".\nفدراستى إذن بدأت بتوجيه من الشيخ المدني من أجل التقريب. ولكن الدراسة العلمية لها طابعها الذي لا يخضع للأهواء والرغبات.\nوكان طبيعيا ألا أقف عند الماجستير والدكتوراه، وأن يظهر هذا التخصص في دراسات أخرى، ولهذا قمت بتأليف عدة كتب في سلسلة دراسات في الفرق.\n\nمن هذا التوضيح يعرف سبب كثرة ما كتبت في هذا المجال، وما أكتبه ليس من أهدافه الحوار مع الشيعة والرافضة، وإنما أوجه كتابتى لأهل السنة والجماعة وجمهور المسلمين في ضوء المصادر المعتمدة التي تلقتها الأمة بالقبول، والمنهج العلمي الذي اتفق عليه جمهور المسلمين.\n\nثانيا: الشيعة ليسوا سواء\nالشيعة الاثنا عشرية ليسوا سواء، فمنهم الغلاة الذين نرى فيما كتبوا الكفر والزندقة، ومنهم من ينشد الاعتدال، ويتصدى لبعض هؤلاء الغلاة، ومنهم من يجمع بين الغلو والاعتدال. فعلى سبيل المثال.\nظهر في القرن الثالث الهجرى ثلاثة كتب في التفسير هي التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري، وتفسير العياشى، وتفسير القمي. وهذه الثلاثة كلها زيغ وضلال وزندقة: تكفر الصحابة رضي الله تعالي عنهم، وعلى الأخص الخلفاء الراشدين قبل الإمام على، ومن بايعوهم، وتحرف القرآن الكريم نصا ومعنى وتغلو في الأئمة الاثنى عشر إلى درجة الشرك بالله ﷿.","vol":"1","page":10},{"text":"وفى القرن الرابع الهجرى يؤلف الكلينى - وهو تلميذ القمي - كتابه الكافى، الكتاب الأول في الحديث عندهم، وقد ضل ضلالا بعيدًا، ونهج منهج التفاسير الثلاثة وزاد عليها كفرًا وضلالا.\nوفى القرن الخامس يؤلف الطوسي كتابه التبيان في التفسير، وينهج منهجا فيه شيء من الاعتدال، ويتصدى لحركة التشكيك والتضليل التي سبقته، ويحاول جاهدا صيانة كتاب الله العزيز نصا ومعنى، وإن تأثر بعقيدته في بعض معانى الآيات الكريمة.\nوالإمامية الاثنا عشرية بعد هذا منهم من سار في ظلمات الضالين الغلاة ومنهم من اقترب من شيخ الطائفة الطوسي، ومنهم من أخذ من كل نصيبا. وقد بينت هذا بالتفصيل في كتابى \" أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله \"، وفى هذا الكتاب بأجزائه الأربعة.\nوعبد الحسين في كتابه \" المراجعات \" الذي أشرت إليه من قبل لم ينقل إلا عن الغلاة الضالين، وأضاف إليهم ما هو أشد كفرا وضلالا، ولم ينقل شيئا عن التبيان للطوسى شيخ طائفتهم وصاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة.\nولذلك فهو يعد من أشد الروافض غلوا وزندقة وكفرا.\nوأرجو أن يكون واضحا أن ما نراه في كتب الغلاة الرافضة، وما نصمهم به نتيجة ما قدمت أيديهم، لا ينطبق على المعتدلين من الطائفة.\nوالذى تعجب له هو موقف المعتدلين الغلاة من الشيعة، حيث نرى تناقضا واضحا: -\nفهم يثنون على الصحابة الكرام، ويقولون بأن القرآن الكريم الذي بين أيدى المسلمين هو كما أنزله الله ﷿، وأن أي خبر يتعارض مع هذا سواء أكان في الكافى أو غيره، يضرب به عرض الحائط، وكذلك ما يتصل بفرية علم الأئمة للغيب.","vol":"1","page":11},{"text":"والتناقض يأتي في الإشادة بكتب الغلاة كالمراجعات، وهو الذي يتعارض مع كل ما سبق كما يظهر عند عرضه ومناقشته، وبيان ما فيه من البلايا والرزايا.\nوكذلك القول بأن كل ما في تفسير على بن إبراهيم القمي صحيح، وهو الذي كفر الصحابة وقال بالتحريف تنزيلًا وتأويلًا، وعلم الأئمة لما كان وما يكون إلى يوم القيامة.\nتناقض واضح جلى بلا شك!! ولذلك فهم جمعوا بين الاعتدال والغلو!!\nووجدنا طائفة من معتدلي الشيعة لم تقع في مثل هذا التناقض، وظهرت لهم كتب تفضح وترد على غلاة الشيعة، وذلك مثل كتاب تحطيم الصنم، والمقصود بالصنم كتاب الكافى، وكتاب لله ثم للتاريخ، وفيه تبرئة الأئمة الأطهار مما نسب إليهم من الغلو، وما كتبه أحمد الكاتب، وموسى الموسوي، وغيرهم. ... فالشيعة إذن ليسوا سواء.\n\nثالثا: منهج الرافضة في محاولة هدم الإسلام\nعبد الحسين الذي افترى كتاب المراجعات، أراد أن يبين أن علامة أهل السنة وشيخ أزهرهم، والذى جاوز الثمانين من عمره، جاهل بالكتاب والسنة ... معا، حتى بالكتب التي تدرس لطلاب الأزهر، ويسلم بكل ما يقوله هذا الرافضي الشاب الطريد الذي لجأ إلي مصر، فلا ينتهى الكتاب المفترى حتى ينطق ويشهد شيخ الأزهر- وحاشاه ثم حاشاه - بما ينطق به غلاة الروافض! وإذا كان هذا هو حال الإمام الأكبر فعلى الباقين جميعا أن يسلموا تسليمًا، وأن يعود الأزهر شيعيا كما بدأ! هكذا زين الشيطان للرافضى!","vol":"1","page":12},{"text":"وأراد شيطان الرافضة أن يبين أنه صاحب ذلك الكتاب لا ريب فيه، وبه نور الظلم، وأنقذ شيخ الأزهر من ظلمات الجهل ... هكذا دون أدنى خجل أو حياء من الله ﷿، أو من الناس.\nوما ذكر في مقدمة كتاب المراجعات عن عبد الحسين فهو من باب ما قاله الإمام الشافعى \" أشهد الناس بالزور الرافضة \".\nوأحب أن أنبه إلى أمر هام وهو منهج الرافضة في هدم الإسلام من الداخل ونشر عقائدهم الباطلة.\nرأيت كتابا لعبد الحسين هذا عنوانه \" الفصول المهمة في تأليف الأمة \"، ومن الذي لا يريد تأليف أمة الإسلام؟ فلما نظرت في الكتاب وجدته ينتهى إلى أن التأليف إنما يكون باعتناق عقيدة الرافضة وترك ما عليه أهل السنة والجماعة، وهذا هو ما انتهى إليه في كتاب المراجعات، بعد أن بدأه بالتحذير من الفرقة، ووجوب اجتماع الكلمة، أي أننا يجب أن نجتمع، على الكفر والزندقة، لا على سنة الرسول -ﷺ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، التي أمرنا أن نعض عليها بالنواجذ.\nفيجب أن نتنبه إلى هذا المنهج الخبيث، وإلى أنهم في سبيل تصدير الثورة التي نادى بها الخمينى، أي عقيدة الرافضة وشريعتهم، يغرون بالمال الوفير، وبالنساء عن طريق زواج المتعة عندهم.\n\nرابعا: عبد الله بن سبأ\nصاحب فكرة الوصي بعد النبي ﷺ\nعبد الله بن سبأ كان يهوديًا ثم أعلن إسلامه، ووالي على بن أبى طالب - رضي الله تعالى عنه - وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بالغلو،","vol":"1","page":13},{"text":"فقال في إسلامه بعد وفاة الرسول - ﷺ - في أبى الحسن مثل ذلك. وهو صاحب فكرة أن عليًا هو وصى النبي - ﷺ.\nجاء في كتاب فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختي، وسعد بن عبد الله القمي، وهما من علماء الشيعة في القرن الثالث الهجرى:\n\" عبد الله بن سبأ أول من شهر القول بفرض إمامة على ﵁، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية \". (ص ٣٢:٣٣ وانظر هذا أيضا في ترجمة ابن سبأ في تنقيح المقال للماماقانى ٢/١٨٤، والأنوار النعمانية للسيد نعمة الله الموسوي الجزائري ص ٢٣٤. وكلها مراجع شيعية) .\nونتيجة لدور ابن سبأ في تأسيس عقيدة الرافضة، ولرفع هذه التهمة الثابتة، ألف مرتضى العسكري الشيعي كتابا عن عبد الله بن سبأ، وقال: إنه شخصية خرافية لا وجود لها، وإن قصته وضعها سيف بن عمر، واشتهرت عن طريق تاريخ الطبري.\nوما قاله هذا الشيعي غير صحيح، بل جرأة عجيبة على إنكار ما هو ثابت مشتهر، فما أكثر ما جاء عن ابن سبأ من غير طريق سيف بن عمر، وما نقلته من كتاب فرق الشيعة وغيره ليس فيه سيف بن عمر، وليس منقولا عن طريق الطبري، وأضيف إليه بعض المراجع الشيعية الأخرى التي ذكرت ابن سبأ، وليس في سندها سيف بن عمر:\nفانظر على سبيل المثال لأصحاب كتب الحديث الأربعة عند الشيعة:\nالكافى للكلينى ١/٥٤٥، وللصدوق: فقيه من لا يحضره الفقيه ١/٢١٣، وعلل الشرائع ص ٣٤٤، والخصال ٦٣٨، وللطوسى: تهذيب الأحكام ٢/٣٢٢، واختيار معرفة الرجال ٢/١٠٨، والأمالى ١/٢٣٤.\nوراجع أيضا: وسائل الشيعة ١٨/٥٥٤، ورجال الكشّى، وغيرها من مراجع الشيعة أنفسهم، إلى جانب مراجع الجمهور التي يطول ذكرها. ويمكن أن يكون","vol":"1","page":14},{"text":"هذا الموضوع بحثا موسعا نثبت به أخطاء مرتضى العسكري وغيره، ولكن أكتفى بذكر نموذج لأحد الشيعة المشهورين بالاعتدال إلى حد ما وهو السيد أبو القاسم الخوئى، الذي كان المرجع الأعلى للشيعة في العراق. جاء في كتابه معجم رجال الحديث في ترجمة عبد الله بن سبأ ما نصه:\nالذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلوّ: من أصحاب على ﵁ رجال الشيخ (٧٦) .\nوقال الكشّى (٤٨): \" حدثني محمد بن قولويه القمي، قال: حدثني سعد بن عبد الله بن أبى خلف القمي، قال: حدثني محمد بن عثمان العبدى، عن يونس بن عبد الرحمان، عن عبد الله بن سنان، قال: حدثني أبى عن أبى جعفررضي الله عنه: أنّ عبد الله بن سبأ كان يدعى النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين ﵁ هو الله!! تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا فبلغ ذلك أمير المؤمنين ﵁، فدعاه وسأله فأقرّ بذلك، وقال: نعم أنت هو وقد كان ألقى في روعى أنك أنت الله وأنىّ نبي!! فقال له أمير المؤمنين ﵁: ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب، فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه بالنار\". وقال: إنّ الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقى في روعه ذلك.\nحدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا يعقوب ابن يزيد ومحمد بن عيسى، عن ابن أبى عمير، عن هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله يقول وهو يحدث أصحابه بحديث عبد الله بن سبأ، وما ادّعى من الربوبية في أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁، فقال: إنه لما ادّعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين ﵁ فأبى أن يتوب فأحرقه بالنار.\nحدثني محمد بن قولويه: قال: حدثني سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، ومحمد بن عيسى، عن على بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب الأرذى عن أبان بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادّعى الربوبية في أمير المؤمنين ﵁، وكان والله أمير المؤمنين ﵁ عبد الله طائعًا، الويل لمن كذب علينا وإن قوما يقولون فينا ما لانقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم. نبرأ إلى الله منهم.\nوبهذا الإسناد عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبى عمير، وأحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه، والحسين بن سعيد، عن ابن أبى عمير، عن هشام بن سالم، عن أبى حمزة الثمالى، قال: قال على بن الحسين صلوات الله عليهما: لعن الله","vol":"1","page":15},{"text":"من كذب علينا إنى ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدى، لقد ادّعى أمرًا عظيمًا! ما له لعنه الله، كان على ﵁ والله عبدًا لله صالحًا، أخا رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.\nوبهذا الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسى، عن ابن أبى نجران، عن عبد الله (بن سنان)، قال: قال أبو عبد الله ﵁: إنّا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلّها، وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين ﵁ أصدق من برأ الله بعد رسول الله ﷺ، وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفترى على الله الكذب عبد الله بن سبأ.\nأقول - أي الخوئى: وتأتى هذه الرواية الأخيرة في ترجمة محمد بن أبى زينب وفى سندها ابن سنان، بدل عبد الله.\nوقال الكشّى: \" ذكر بعض أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليا ﵁، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالغلو! فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله ﷺ في على ﵁ مثل ذلك، وكان أول من شهر بالقول بفرض إمامة على!! وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه","vol":"1","page":16},{"text":"وأكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية!! \".\nأقول: بطلان قول من خالف الشيعة واضح ناشئ عن العصبية العمياء، فإن أصل التشيع والرفض مأخوذ من الله ﷿ حيث قال ﷾:\n\" إنما وليكم لله ورسوله والذين آمنوا ... \" والرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله حيث قال في الغدير: \" من كنتٌ مولاه فهذا على مولاه، اللهم وال من ... والاه ... \" وأما عبد الله بن سبأ فعلى فرض وجوده فهذه الروايات تدل على أنه كفر وادّعى الألوهيّة في على ﵁ لا أنه قائل بفرض إمامته ﵁، مضافًا إلى أن أسطورة عبد الله بن سبأ وقصص مشاغباته الهائلة موضوعة مختلفة اختلقها سيف بن عمر الوضاع الكذّاب، ولا يسعنا المقام الإطالة في ذلك والتدليل عليه، وقد أغنانا العلامة الجليل والباحث المحقق السيد مرتضى العسكري في ما قدم من دراسات عميقة دقيقة في هذه القصص الخرافية وعن سيف وموضوعاته في مجلّدين ضخمين طبعا باسم (عبد الله بن سبأ) وفى كتابه الآخر (خمسون ومائة صحابي مختلق) ﷺ (١١/٢٠٥: ٢٠٧) . انتهت الترجمة.\nونلاحظ هنا أن الخوئى نقل الترجمة من مراجع شيعية فقط، وذكر الأخبار بأسانيدها وليس في أي منها سيف بن عمر، ومع ذلك يقول: أسطورة عبد الله بن سبأ، ويثنى على مرتضى العسكري! وعلى دراساته! أين ذهب عقل الخوئى وهو يكتب هذا؟!\nثم لا يكتفى بالافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ بالنسبة لأصل التشيع، بل يلحق به الرفض الذي يعنى الطعن في أبى بكر وعمر، خير البشر بعد الرسول ﷺ.","vol":"1","page":17},{"text":"وفى الأمة الإسلامية كلها التي بايعت كلا منهما. والخوئى مشهور بالاعتدال النسبى، فماذا ننتظر من غلاة الرافضة وزنادقتهم؟! (١)\nأما من عرف بالاعتدال وعدم الغلو والتطرف من الشيعة فقد وجدنا منهم من يكتب عن عبد الله بن سبأ ويثبت وجوده، ويرد على مرتضى العسكري ومن أيده، ففي كتاب كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار لعالم شيعي من علماء النجف وهو السيد حسين الموسوي نجد سبعة نصوص تؤيد وجود عبد الله بن سبأ، ثم يقول المؤلف بعد ذكر هذه النصوص ما يأتي:\nفهذه سبعة نصوص من مصادر معتبرة ومتنوعة، بعضها في الرجال وبعضها في الفقه والفرق، وتركنا النقل عن مصادر كثيرة لئلا نطيل، كلها تثبت وجود شخصية اسمها عبد الله بن سبأ، فلا يمكننا بعد نفي وجودها خصوصًا وأن أمير المؤمنين ﵁ قد أنزل بابن سبأ عقابًا على قوله فيه، بأنه إله، وهذا يعنى أن أمير المؤمنين ﵁ قد التقى عبد الله بن سبأ، وكفى بأمير المؤمنين بحجة، فلا يمكن بعد ذلك إنكار وجوده.\nنستفيد من النصوص المتقدمة ما يأتي: -\nـ إثبات وجود شخصية ابن سبأ، ووجود فرقة تناصره وتنادى بقوله، وهذه الفرقة تعرف بالسبئية.\nـ أن ابن سبأ هذا كان يهوديًا فأظهر الإسلام، وهو وإن أظهر الإسلام إلا أن الحقيقة أنه بقى على يهوديته وأخذ يبث سمومه من خلال ذلك.\nـ أنه هو الذي أظهر الطعن في أبى بكر وعمر وعثمان والصحابة، وكان أول من قال بذلك، وهو أول من قال بإمامة أمير المؤمنين ﵁، وهو\n_________\n(١) استدلال الخوئى هنا على أصل التشيع والرفض يأتي أثناء ذكر الأدلة ومناقشتها في هذا الجزء الأول.","vol":"1","page":18},{"text":"الذي قال بأنه ﵁ وصى النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأنه نقل هذا القول عن اليهودية؟ وأنه ما قال هذا إلا محبة لأهل البيت ودعوة لولايتهم، والتبرؤ من أعدائهم - وهم الصحابة ومن والاهم بزعمه.\nإذن شخصية عبد الله بن سبأ حقيقة لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، ولهذا ورد التنصيص عليها وعلى وجودها في كتبنا ومصادرنا المعتبرة، وللاستزادة في معرفة هذه الشخصية، انظر المصادر التالية:\n\" الغارات للثقفى، \" رجال الطوسي \"، \" الرجال \" للحلي، \" قاموس الرجال \" للتستري، \" دائرة المعارف \" المسماة بـ \" مقتبس الأثر \" للأعلمى الحائري، \" الكنى والألقاب \" لعباس القمي، \" حل الإشكال \" لأحمد بن طاووس المتوفى سنة (٦٧٣ هـ)، \" الرجال \" لابن داود، \" التحرير \" للطاوسي، \" مجمع الرجال \" للقهبانى، \" نقد الرجال \" للتفرشى، \" جامع الرواة \" للمقدسى الأردبيلى، \" مناقب آل أبى طالب \" لابن شهر أشوب، \" مرآة الأنوار \" لمحمد بن طاهر العاملي.\nفهذه على سبيل المثال لا الحصر، أكثر من عشرين مصدرًا من مصادرنا تنص كلها على وجود ابن سبأ، فالعجب كل العجب من فقهائنا أمثال المرتضى العسكري، والسيد محمد جواد مغنية، وغيرهما ... في نفى وجود هذه ... الشخصية، ولا شك أن قولهم ليس فيه شيء من الصحة.\nانتهى كلام السبد حسين الموسوي، العالم الشيعي النجفي، ومصادره كلها شيعية كما ذكر","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الجزء الأول في العقائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة</span>\nبعد أن انتهينا من التمهيد للكتاب كله بأجزائه الأربعة ننتقل إلى مقدمة هذا الجزء الأول، فأقول مستعينا بالله ﷾:\nلا شك أن الإمامة قد حظيت بكثير من الدراسة والبحث، ولا غرو فأعظم خلاف وقع بين المسلمين إنما كان بسببها.\nوالشيعة الإمامية الجعفرية الاثنا عشرية أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة وإليها اتجهت دعوة التقريب، لذا رأيت أن أبين عقيدة الإمامة عندهم كما جاءت في كتبهم هم أنفسهم، دون اعتماد على شيء مما كتب عنهم، فبعض من كتبوا عنهم خلطوا بينهم وبين فرق شيعية أخرى.\nوالإسلام - عقيدة وشريعة - إنما يستمد أصلًا من الوحي الذي أنزله الله ﷿ في كتابه المجيد، وما بينه على لسان رسوله ﷺ في السنة المطهرة.\nوصحة عقيدة الجعفرية أو بطلانها لا يثبت إذن إلا بالكتاب والسنة. لهذا رأيت أن أحدد أهم أدلتهم التي تستند إلى القرآن الكريم، وأبين وجهة نظرهم، وأناقشهم فيما ذهبوا إليه.\nوإذا كان من اليسير أن نحدد أدلتهم التي تستند إلى القرآن الكريم، فمن العسير تعيين أدلتهم التي تستند إلى السنة النبوية الشريفة، لأن السنة مجال واسع رحب، ودور الكذّابين والوضاعين معروف. والجعفرية معنيون كل عناية بالحديث عن الإمامة، ومحاولة إثبات صحة مذهبهم بالأدلة النقلية والعقلية، ولهم في القديم والحديث مئات المؤلفات، بل عشرات المئات، فقلما نجد عالمًا من علمائهم لم يدل بدلوه في هذا الميدان. وفى مؤلفاتهم نرى الميل إلى الإكثار الزائد من النقل والجدل، مثال هذا أنهم يستدلون على صحة الإمامة بأحد الأحاديث، فجاء كاتب من كتابهم وألف كتابًا في ستة عشر مجلدًا ليثبت به صحة هذا الحديث وشهرته، ومن قبله يقرون كتب غيره كتاب الألفين - أي من الأدلة - في إمامة أمير المؤمنين؟!","vol":"1","page":20},{"text":"وأمام هذا الفيض الزاخر رأيت أن اعتمد أساسًا على ثمانية كتب من كتب السنة هي: الموطأ ومسند الإمام أحمد، والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، ثم جمعت كل ما جاء فيها متصلًا بالإمامة سواء أأيد رأيهم أم عارضه، وناقشت ما جمعت سندًا ومتنًا لنتبين دلالة السنة.\nأما كتب السنة عند الجعفرية فلم أعتمد عليها لأننى عندما اطلعت عليها رأيت أنها ما وضعت إلا من أجل عقيدتهم وما يتصل بها. على أن كتب الجعفرية التي ينشرونها في الأوساط المختلفة وتتعرض لعقيدتهم في الإمامة، تذكر أن هذه العقيدة تؤيدها كتب السنة عند جمهور المسلمين، ويذكرون أخبارًا كثيرة ينسبونها لهذه الكتب ويحتجون بها. وجمعنا لما جاء في الكتب الثمانية المذكورة آنفًا ومناقشة ما جمع يغنى عن مناقشة ما جاء في كل كتاب من مئات الكتب الجعفرية.\nغير أننى لم أكتف بهذا، بل رأيت تخصيص فصل لأدلتهم التي يذكرونها، مع مناقشتها، وهى تعتمد على تحريف القرآن الكريم نصًا ومعنى، وعلى الأحاديث الموضوعة المفتراة.\nوهذه الأدلة نرى معظمها في كتابين من كتبهم.\nأولهما: كتاب منهاج الكرامة لابن المطهر الحلى، ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بكتابة منهاج السنة النبوية.\nوالكتاب الثانى هو: المراجعات لعبد الحسين شرف الدين الموسوي، ورددت عليه بكتابي: المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى.\n\nفتناولت في الفصل شيئًا من كتابى ابن المطهر وعبد الحسين، والرد عليهما، وبينت بعض ما جاء فيهما من الباطل والضلال.","vol":"1","page":21},{"text":"وبعد الحديث عن عقيدة الإمامة، والمناقشة ختمت الجزء بفصل عن العقائد التابعة لعقيدة الإمامة وأهمها: عصمة الأئمة، والبداء، والرجعة، والتقية. فهذا الجزء يقع في خمسة فصول: -\nالفصل الأول ...: - الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة.\nالفصل الثانى ...: - أدلة الإمامة من القرآن العظيم.\nالفصل الثالث ...: - الإمامة في ضوء السنة.\nالفصل الرابع ...: - الاستدلال بالتحريف والوضع.\nالفصل الخامس: - عقائد تابعة.\nنسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا سواء السبيل، إنه نعم المولي ونعم ... النصير، وهو المستعان.\n\" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ\"، \" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ علَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ\"","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول\nالإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أولا: الإمامة والخلافة</span>\nالإمامة لغة التقدم، نقول: أمّ القوم وبهم: تقدمهم. والإمام: ما ائتم به الناس من رئيس أو غيره: هاديًا كان أو ضالًا، ويطلق لفظ الإمام على الخليفة، وهو السلطان الأعظم وإمام الرعية ورئيسهم.\nوأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به أي اقتدى.\nويطلق لفظ الإمام كذلك على القرآن الكريم، فهو إمام المسلمين، وعلى الرسول ﷺ، فهو إمام الأئمة بأئمتها، وعليهم جميعًا الائتمام بسنته التي نص عليها.\nويطلق على قيم الأمر المصلح له، وعلى قائد الجند، وقد يذكر ويراد به غير هذه المعاني (١) .\nولم يرد لفظ الإمامة في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ إمام وأئمة، قال تعالى: -\n\" قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ \" (٢) أي جاعلك قدوة يؤتم به، وقال سبحانه: \" وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا \" (٣)\n_________\n(١) من بينها مثلا: أمة يؤمه إذا قصده كما جاء في الآية الكريمة الثانية من سورة المائدة\n﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ انظر مادة \" أمم \" في لسان العرب والقاموس المحيط.\n(٢) البقرة: ١٢٤.\n(٣) الأنبياء: ٧٣.","vol":"1","page":23},{"text":"وقال ﷿ \"فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ \" (١) أي قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم الذين صار ضعفاؤهم تبعًا لهم. وقال تعالى: \"وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ \" (٢)، أي من تبعهم فهو في النار يوم ... القيامة.\nومن المفهوم اللغوى لكلمة إمام نستطيع أن ندرك سبب إطلاق هذا الاسم على حاكم المسلمين، كما وجدنا ترادفًا بين الإمامة والخلافة. ويفسر هذا أستاذنا الشيخ أبو زهرة ﵀ فيقول: \" سميت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي ﷺ في إدارة شئون المسلمين، وتسمى الإمامة لأن الخليفة كان يسمى إمامًا، ولأن طاعته واجبة، ولأن الناس يسيرون وراءه كما يصلون وراء من يؤمهم للصلاة \" (٣) .\nوأعظم خلاف بين الأمة - كما يقول الشهر ستانى - خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان (٤)\nوبالطبع ما كان الخلاف ليجد مكانا بين المسلمين وفيهم رسول الله ﷺ يحسم الخلاف، ويصلح النفوس ويهدى إلى صراط مستقيم\n\"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا\" (٥)\n_________\n(١) التوبة ١٢\n(٢) القصص:٤١\n(٣) تاريخ المذاهب الإسلامية ١/٢١. والمعروف أن الخليفة الأول ﵁ خلف النبي - ﷺ -، وبعده كل خليفة يخلف من سبقه.\n(٤) الملل والنحل ١/٢٤.\n(٥) - سورة النساء: الآية ٦٥.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثانيا: التفكير في الإمامة وبيعة الصديق</span>\nأكان المسلمون يفكرون فيمن يخلف الرسول الكريم في إمامتهم وعلى وجه الخصوص عندما اشتد مرضه الأخير؟\nوردت روايات صحيحة الإسناد تفيد وجود مثل هذا التفكير، منها ما جاء عن ابن عباس أن على بن أبى طالب خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفى فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا، قال ابن عباس: فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال: ألا ترى أنت؟ والله إنى أعرف وجوه بنى عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا عند رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال على: والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدًا، فوالله لا أسأله أبدًا (١) .\nوجاء عن على - كرم الله وجهه - قال: \" قيل: يا رسول الله، من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًا، ولا أراكم فاعلين، تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم \" (٢)\nمعنى هذا أن التفكير في الإمامة نبت على عهد رسول الله ﷺ، ولكن الخلاف لم ينشأ إلا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى حيث كان اجتماع السقيفة المشهور الذي انتهى بالبيعة للخليفة الأول، وتحدث الخليفة الثانى في إحدى خطبه عن ذلك الاجتماع فقال: \" بلغنى أن قائلًا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت\n_________\n(١) انظر الرواية رقم ٢٣٧٤ بالجزء الرابع من مسند الإمام أحمد تحقيق وتخريج الشيخ أحمد شاكر. وانظر هذه الرواية بسند صحيح آخر رقم ٢٩٩ ج ٥ من المسند.\n(٢) المرجع السابق ج٣ رواية رقم ٨٥٩ وهى صحيحة الإسناد.","vol":"1","page":25},{"text":"فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبى بكر فلتة، وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر. من بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ إلا أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بنى ساعدة، وخالف عنا على والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالى عليه القوم، فقالا: لا عليكم أن تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: ماله؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتنى أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، وكنت أدارى منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبوبكر فكان هو أعلم منى وأوقر.\nوالله ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقى، ولا يقربنى ذلك من إثم، أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلى نفسى عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعته","vol":"1","page":26},{"text":"الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، قال عمر: وإنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبى بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا ... رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا \" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ثالثًا: الإمامة عند الجمهور</span>\nمما ذكره الفاروق نلاحظ ما يأتي: -\nأولًا: لا خلاف حول وجوب إقامة خليفة، وإنما كان الخلاف بشأن من يخلف الرسول ﷺ. وإلى هذا انتهى جمهور السنة، فلا يستقيم أمر الأمة بغير حاكم.\n\nثانيًا: أن الخلافة في قريش: \" لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش \" ولم يأخذ الأنصار بهذا أول الأمر، ولكن ما أسرع أن بايعوا قريشًا ما عدا سعد عبادة فلم يبايع، ويؤيد ما ذكره الصديق أحاديث صحيحة: فالبخارى - في كتاب الأحكام من صحيحه -جعل بابًا بعنوان \" الأمراء من قريش \"، ومما آخرجه هنا\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب المحاربين - باب رجم الحبلى، وراجع المسند تحقيق شاكر ج١ رواية رقم ٣٩١ قوله: تغرة أن يقتلا: أي خوف وقوعهما في القتل. يحضوننا: يخرجوننا: زورت: هيأت وحسنت والتزوير: إصلاح الشيء، وكلام مزور: أي محسن. جذيلها المحكك: الجذيل تصغير جذل، وهو العود الذي ينصب للإبل الجربى لتحتك به، وهو تصغير تعظيم، أي أنا ممن يستشفى برأيه كما تستشفى الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود، وقيل: أراد أنه شديد البأس صلب المكسر. المرجب من الترجيب، وهو أن تعمد النخلة الكريمة ببناء إذا خيف عليها - لطولها وكثرة حملها - أن تقع. (انظر المسند ففيه المزيد) ..","vol":"1","page":27},{"text":"قول الرسول ﷺ: \" إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين \" وقوله صلوات الله عليه: \" لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى منهم اثنان \".\nوفى كتاب الإمارة من صحيح مسلم نجد \" باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش \"، ومما جاء في هذا الباب قول الرسول الكريم \" الناس تبع لقريش في هذا الشأن \" وقوله ﷺ: \" لا يزال هذا الأمر في قريش مابقى من الناس اثنان \".\nوأخرج أحمد في مسنده روايات كثيرة صحيحة الإسناد تؤيد هذا، منها قول الرسول ﷺ: \" أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر، ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب - لقضيب في يده - ثم لحا قضية، فإذا هو أبيض يصلد \" (١)\nثالثًا: لا يكون خليفة إلا بالبيعة \" قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم \". \" فقلت ابسط يدك ياأبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار \".\nفإذا تمت البيعة وجب الوفاء بها، ولهذا قال \" خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا فإما بايعناهم على مالا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد \" وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر\" (٢) ٢) وقال أيضا: \" من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه \". (٣)\n_________\n(١) المسند ج٦ رواية رقم ٤٣٨٠، وانظر كذلك ج٧ رواية رقم ٤٨٣٢، ج٨ الروايتين ٥٦٧٧، ٦١٢١، ج١٣ الروايتين ٧٣٠٤، ٧٥٤٧.\n(٢) في فتح البارى بعد الحديث عن الرواية السابقة قال ابن حجر: قد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبى سعيد الخدري ﵁ أن عليًا بايع أبا بكر في أول الأمر. وأما ما وقع في مسلم عن الزهرى أن رجلًا قال له: لم يبايع على أبا بكر حتى ماتت فاطمة ﵂ قال: لا ولا أحد من بنى هاشم. فقد ضعفه البيهقي بأن الزهرى لم يسنده، وأن الرواية الموصولة عن أبى سعيد أصح. وجمع غيره بأنه بايعه بيعة ثانية مؤكدة للأولى لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث. وحينئذ يحمل قول الزهرى لم يبايعه على في تلك الأيام على إرادة الملازمة له والحضور عنده، وما أشبه ذلك، فإن في انقطاع مثله عن مثله يوهم من لا يعرف باطن الأمر أنه بسبب عدم الرضا بخلافته، فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر على المبايعة التي بعد موت فاطمة لإزالة هذه الشبهة.\n(٣)","vol":"1","page":28},{"text":"رابعا: ما دام الواجب الوفاء بالبيعة فلا بيعة إلا بمشورة المسلمين \" فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا \" والشورى مبدأ معروف في الإسلام فمن المقطوع به أن الحكم في الإسلام ينبنى على مبدأين أساسيين هما العدالة والشورى، قال تعالى: -\n\" وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ \" (١) . وقال جل شأنه: -\" وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ \" (٢) \" وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ\"َ (٣)\n\nخامسًا: -أن البيعة تمت لأبى بكر بهذه السرعة، بغير تدبير سابق وإنما كانت فلتة نظرًا لمكانته. \" ليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر \" (...... \" كان والله أن أقوم فتضرب عنقى - لا يقربنى ذلك من إثم - أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر \".\nبعد هذه الملاحظات نقول: إنه في ضوء ما سبق وغيره اشترط ... الجمهور للخلافة الراشدة، خلافة النبوة، أن تكون لقرشى عادل عن طريق البيعة والشورى، على خلاف في بعض الأمور مثل تحديد من تنعقد بهم البيعة (٤) .\nورأي الأنصار في أحقيتهم للخلافة انتهى بالبيعة، ولم يطل على التاريخ من جديد، ولكن أولئك القرشيين الذي امتنعوا عن البيعة أول الأمر، ثم ما لبثوا أن بايعوا كان لهم شأن آخر في تاريخ الأمة الإسلامية. والمشهور أن هؤلاء لم يبايعوا لأنهم يرون أن الإمامة ليست في قريش بصفة عامة، وإنما هي في أهل\n_________\n(١) سورة النساء - الآية ٥٨.\n(٢) سورة الشورى: الآية ٣٨.\n(٣) آل عمران - الآية ١٥٩.\n(٤) انظر تاريخ المذاهب الإسلامية ١/٩٣: ١٠٩، والفرق بين الفرق ص ٢١٠ -٢١٢.","vol":"1","page":29},{"text":"بيت النبوة وللإمام على بصفة خاصة. وهؤلاء قلة يذكر لنا التاريخ منهم بعض الصحابة من غير بنى هاشم كالمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسى، وأبى ذر الغفارى رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولكنهم جميعًا لم يتعرضوا للخليفة بتكفير أو تجريح. وعرض أبوسفيان البيعة على الإمام على ولكنه أبى لقوة دينه وفرط ذكائه.\n*****\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>رابعًا: على وبيعة من سبقه</span>\nإذا كان المشهور يدل غالبًا على واقع الأمر. فإن من الأمور ما يشتهر مخالفًا للحقيقة. فمما اشتهر أن الإمام عليًا لم يبايع لأنه كان يرى أحقيته بالإمامة من غيره. ولكن الثابت من أقواله يدل على أنه كان يرى ألا يقضى مثل هذا الأمر دون أن يكون له فيه رأي، مع اعترافه بأفضلية الصديق، وعدم إنكار ... أحقيته لإمامة المسلمين: روى البخاري أن الإمام عليًا عندما أراد مبايعة ... الصديق ﵄ أرسل إليه فجاءه، فتشهد على فقال: \" إنّا قد ... عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيبًا، حتى فاضت عينا أبى بكر. فلما تكلم أبو بكر قال: والذى نفسى بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتى، وأما الذي شجر بينى وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته. فقال على لأبى بكر: موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر ... الظهر رقى على المنبر فتشهد، وذكر شأن على وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذى اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد على فعظم حق أبى بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبى بكر ولا إنكارا للذى فضله الله به، ولكنا نرى لنا في هذا الأمر نصيبًا، فاستبد علينا، فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون ...","vol":"1","page":30},{"text":"وقالوا: أصبت. وكان المسلمون إلى على قريبًا حين راجع الأمر بالمعروف ... \" (كتاب المغازي باب غزوة خيبر) . وروى مسلم أكثر من رواية تفيد ... ما سبق، وفى إحدى رواياته \" ثم قام على فعظم من حق ... أبى بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبى بكر فبايعه، فأقبل الناس إلى على فقالوا: أصبت وأحسنت \" (كتاب الجهاد - باب قول النبي ﷺ لا نورث ماتركنا فهو صداقة) .\nواستبد بالأمر: إذا انفرد به غير مشارك له فيه، وقول الإمام: ولكنك استبددت علينا بالأمر: أي لم تشاورنا في أمر الخلافة.\n\nومن المشهور كذلك أن الإمام عليًا لم يبايع إلا بعد وفاة السيدة فاطمة ... ﵄، ولكن يوجد ما يدل على أنه لم يتآخر هذه الفترة.\n\nوقبل انتهاء فترة الخلافة الأولى القصيرة - التي بارك الله تعالى فيها أيما بركة - كان الصديق قد استقر رأيه على استخلاف عمر بعد تعرفه على آراء كثير من الصحابة الكرام. على أن بعض هؤلاء قد تخوف من خلافة الفاروق لما","vol":"1","page":31},{"text":"اشتهر به من الشدة، وقالوا لأبى بكر: قد وليت علينا فظًا غليظًا، ... فقال: لو سألنى ربى يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم (١) .\nوعندما أخذ رأي المسلمين في البيعة لمن ذكر في كتاب الخليفة الأول قالوا: نسمع ونطيع، غير أن على بن أبى طالب انفرد بقوله: \" لا نرضى إلا أن يكون عمر \" (٢) .\nولم يتأخر أحد عن بيعة عمر بن الخطاب إلا سعد بن عبادة. ومرت الخلافة العمرية الراشدة، وانتهى الأمر إلى الستة (٣) ليختاروا واحدا منهم، ثم انحصرت الخلافة في ثلاثة، فاثنين هما عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب، ثم كانت البيعة الجماعية لذى النورين، فلماذا انتهت إليه؟\nروى البخاري بسنده عن المسور بن مخرمة \" أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: لست بالذى أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالى، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان قال المسور: طرقنى عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائمًا،\n_________\n(١) انظر الملل والنحل ١/٢٥، وجاء في كتاب الاستخلاف \" إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذلك علمى به ورأيى فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت. ولكل امرئ ما اكتسب. وسيعلم الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون \" (الكامل للمبرد ١/٨) .\n(٢) عبقرية الصديق ص ١٦٤.\n(٣) الستة هم: على وعثمان والزبير وطلحة وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف. قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير: قد جعلت أمرى إلى على. فقال طلحة: قد جعلت أمرى إلى عثمان. وقال سعد: قد جعلت أمرى إلى عبد الرحمن بن عوف.","vol":"1","page":32},{"text":"فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم، انطلق فادع الزبير وسعدًا، فدعوتهما له فشاورهما، ثم دعانى فقال: ادع لي عليًا فدعوته، فناجاه حتى ابهار الليل، ثم قام على من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من على شيئًا، ثم ... قال: ادع لي عثمان فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح. فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد يا على إنى قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون (١) .\nوكانت السنوات الأولى في عهد عثمان خيرًا وبركة، ثم بدأت الفتنة التي أدت إلى مقتله. وقد بذل الإمام على كل ما استطاع في سبيل إخمادها ولكن هيهات! وفى هذه الفترة بدأت الأنظار تتعلق بعلى، وتذكر ما له من فضل ومكانة. إذا ما انتقل الخليفة الشهيد إلى حيث بشره الرسول ﷺ تجمع المسلمون حول أبى الحسن علهم يجدون على يديه مخرجًا. وتمت البيعة ولكن لم تنته الفتنة، بل زاد أوراها، وسالت دماء طاهرة على أرض الإسلام بسيوف المسلمين! وعلى قتله عثمان الوزر\n_________\n(١) البخاري - كتاب الأحكام - باب كيف يبايع الإمام الناس، وراجع فتح الباري - كتاب المناقب - باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان ﵁.","vol":"1","page":33},{"text":"الأكبر لكل ما نتج عن هذه الفتنة، ولكن \" وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً\"  (١) .\nوكان من نتيجة حادثة \" التحكيم \" الشهيرة أن انسل جماعة من أتباع الإمام وخرجوا على المتحاربين معًا، على ومعاوية! وهؤلاء هم الذين سموا \" الخوارج \" أما الذين ظلوا مع الإمام فهم الذين أطلق عليهم لقب \" الشيعة \". (٢)﴾\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية رقم ٢٥.\n(٢) الشيعة معناها الأتباع والأنصار والفرقة، ولكن غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليًا وأهل بيته حتى صار اسمًا لهم خاصًا، وجمعه أشياع وشيع. (انظر مادة شيع في القاموس المحيط) .\n\nوقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم بمعناه في عدد من آياته كقوله تعالى: - ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص آية \"١٥\") . وقوله ﷿ في سورة الأنعام (الآية ١٥٩): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ . وقيل: إن ظهور هذا اللقب كان عام سبع وثلاثين من الهجرة، وقيل بل بعد أن قبض معاوية على زمام السلطة (انظر مختصر التحفة ص ٥ وروح الإسلام ص ٣١٣) . وقال الدكتور طه حسين: الشيء الذي ليس فيه شك فيما أعتقد هو أن الشيعة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة عند الفقهاء والمتكلمين ومؤرخى الفرق لم توجد في حياة على وإنما وجدت بعد موته بزمن غير طويل. وإنما كان معنى كلمة الشيعة أيام على هو نفس معناها اللغوى القديم الذي جاء في القرآن (على وبنوه ص ١٧٣) . وتحدث بعد ذلك (ص ١٨٧ - ١٨٩) عن عودة الحسن من الكوفة إلى المدينة بعد الصلح مع معاوية، وعن مجىء وفد من أشراف الكوفة ومعاتبتهم له، وطلبهم إليه أن يعيد الحرب، وموقفه منهم. وقال الدكتور طه حسين بعد ذلك: \"وأعتقد أن اليوم الذي لقى الحسن فيه هؤلاء الوفد من أهل الكوفه، فسمع منهم ما سمع وقال لهم ما قال ورسم لهم خطتهم، هو اليوم الذي أنشئ فيه الحزب السياسى المنظم لشيعة على وبنيه، نظم الحزب في* *المدينة في ذلك المجلس وأصبح الحسن له رئيسًا، وعاد أشراف أهل الكوفة إلى من وراءهم ينبئونهم بالنظام الجديد والخطة المرسومة \" (ص ١٨٩-١٩٠) .","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>خامسًا: الخوارج ورأيهم في الإمامة</span>\nالخوارج لا يزال لهم بقية إلى يومنا هذا (١) وقد انقسموا فرقًا على مر التاريخ \" ويجمع الخوارج على اختلاف مذاهبها: إكفار على، وعثمان وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضى بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، ووجوب الخروج على السلطان الجائر \" (٢) .\nوللخوارج رأي خاص في الإمامة:\nفالإمام لا يكون إلا باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير فليس يصح أن يتنازل أو يحكم. ويظل رئيسًا للمسلمين ما دام قائمًا بالعدل مجتنبًا للجور، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، ولكن إذا غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله. ولا يشترطون القرشية كما اشترط الجمهور، فللأمة أن تختار من تشاء ولو كان عبدًا حبشيًا. كما أن فرقة منهم وهى \"النجدات\" أجمعت على أنه لا حاجة بالناس إلى إمام وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه فأقاموه جاز، فإقامة الإمام في نظرهم ليست\n_________\n(١) هذه البقية من الإباضية، وهم أكثر الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرًا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو ولذلك بقوا، ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون، ويقيم طوائف منهم في بعض واحات الصحراء الغربية، وبعض آخر في بلاد الزنجبار. ويقولون عن مخالفيهم إنهم كفار نعمة لا كفار في الاعتقاد، وذلك لأنهم لم يكفروا بالله تعالى، ولكنهم قصروا في جنب الله ﷿ (انظر ص ٩١من الجزء الأول من تاريخ المذاهب الإسلامية) كما يقيم طوائف منهم في عمان والجزائر وتونس.\n(٢) الفرق بين الفرق ص ٤٥، واقرأه إلى ص ٦٧ للتعرف على الخوارج وآرائهم، وراجع كذلك: الملل والنحل ١/١١٤ -١٣٨ والخطط المقريزية ج٤ ص ١٧٨-١٨٠وفجر الإسلام ١/٣١٤، ٣٢٥، وتاريخ المذاهب الإسلامية ١/٩٦ -٩٢.","vol":"1","page":35},{"text":"واجبة بإيجاب الشرع بل جائزة، وإذا وجبت فإنما تجب بحكم المصلحة والحاجة. وفرقة أخرى منهم وهى \" الشبيبية \" أتباع شبيب بن يزيد الشيبانى - \" أجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم. وخرجت على مخالفيهم، وزعموا أن غزالة أم شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب إلى أن قتلت \" (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>سادسًا: الإمامة عند الزيدية</span>\nالشيعة على اختلاف فرقهم يرون وجوب إمام، ولكن رأيهم في الإمامة يخالف ما ذهب إليه جمهور المسلمين.\nوأقربهم إلى الجمهور فرقة الزيدية، أتباع زيد بن على بن الحسين بن علىبن أبى طالب ﵃. فبعد استشهاد الإمام الحسين ذهبت فرقة من الشيعة إلى أن الإمامة لا تكون إلا في أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويستوى في هذا أولاد الحسن وأولاد الحسين، ورأوا أن كل فاطمى عالم شجاع سخى خرج بالإمامة فهو إمام واجب الطاعة، وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، فلما خرج زيد بن على في عهد هشام بن عبد الملك بايعه هؤلاء.\nوكان من مذهب الإمام زيد جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، فقال: \" كان على بن أبى طالب ﵁ أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبى بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين نائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبًا، وسيف أمير المؤمنين على عن دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد. والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل\n_________\n(١) الفرق بين الفرق ص ٦٥: ٦٦.","vol":"1","page":36},{"text":"الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتؤدة والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ﷺ.... وكذلك يجوز أن يكون المفضول إمامًا والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام، ويحكم بحكمه في القضايا \" (١)\nولما سمعت شيعة الكوفه هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من ... الشيخين، وإنما قال: \" إنى لا أقول فيهما إلا خيرًا، وما سمعت أبى يقول فيهما إلا خيرًا، وإنما خرجت على بنى أمية الذين قاتلوا جدى الحسين \" عندما سمعوا ذلك فارقوه، ورفضوا مقالته حتى قال لهم: رفضتمونى، ومن يومئذ سموا رافضه (٢) .\nوفرق الزيدية منهم من يتفق مع ما ذهب إليه الإمام زيد ومنهم من خالفه، فالجارودية زعموا أن النبي ﷺ نص على الإمام على بالوصف دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم فكفروا بذلك (٣) .\nولكن باقي فرق الزيدية ذهبوا إلى أن الإمامة شورى فيما بين الخلق، وأنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل، وأثبتوا إمامة الشيخين أبى بكر وعمر حقًا باختيار الأمة حقًا اجتهاديًا، واختلفوا في عثمان فمنهم من طعن، ومنهم من توقف (٤) .\n_________\n(١) الملل والنحل ١/١٥٥.\n(٢) الفرق بين الفرق ص ٢٥، وانظر الملل والنحل ١/١٥٥.\n(٣) انظر المرجع الأول ص٢٢، والملل والنحل ١/١٥٧ -١٥٨.\n(٤) انظر الملل والنحل ١/١٥٩ -١٦٢، والفرق بين الفرق ص ٢٤، وفرق الشيعة ... ص ٢٠ -٢١، ص ٥٥، والفصل في الملل والأهواء والنحل ص ٩٢-٩٣.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>سابعًا: الإمامة عند الإسماعيلية</span>\nأما الشيعة الإمامية فهم يرون أن الإمامة منصب إلهى يختار له الله بسابق علمه بعباده كما يختار النبي، ويأمر النبي بأن يدل الأمة عليه ويأمر باتباعه.\nويقولون: إن الله ﷾ أمر نبيه بأن ينص على علىّ وينصبه علمًا للناس من بعده، وقد بلغ الرسول الكريم ربه، فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى لم يتبع المسلمون أمر الله تعالى ولا أمر نبيه ﷺ، وتركوا ركنًا من أركان الإيمان. ويرون أن النص بعد الإمام على لابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق. وبعد القول بإمامة أبى عبد الله جعفر الصادق نرى منشأ أكبر فرقتين من فرق الشيعة هما الإسماعيلية والجعفرية الاثنا عشرية.\nفالإسماعيلية جعلوا الإمامة بعده لابنه إسماعيل، الابن الأكبر، وافترق هؤلاء فرقتين:\nفرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه. وفرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر حيث إن جعفر نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل، وإلى هذا القول مالت الإسماعيلية الباطنة (١) .\n_________\n(١) الفرق بين الفرق ص٣٩.","vol":"1","page":38},{"text":"والإسماعيلية جعلوا الإمامة بعد إسماعيل لابنه محمد المكتوم، ومنهم من وقف عليه وقال برجعته بعد غيبته، ومنهم من ساق الإمامة في أئمة \" مستورين\" منهم، ثم في (ظاهرين قائمين) من بعدهم. وقالوا: لم تخل الأرض قط من إمام حى قائم. إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور.\nفإذا كان الإمام ظاهرًا جاز أن يكون حجته مستورًا، وإذا كان الإمام مستورًا فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين.\nومن مذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ثامنًا: عقيدة الإمامة عند الجعفرية</span>\nالجعفرية الاثنا عشرية - وهم أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة - لهم عقيدة خاصة في الإمامة أحب بيانها بشئ من التفصيل، فأقول:\nيعتقد الجعفرية أن الإمامة كالنبوة في كل شئ باستثناء الوحي، فالقول فيه مخلتف، ولذلك قالوا (٢) .\n_________\n(١) انظر الملل والنحل ١/١٩١-١٩٢.\n(٢) انظر أقوالهم في المراجع الآتية:\nعقائد الأمامية ص ٨٠:٦٥ - أصل الشيعة وأصولها ص ٤١:٣٣ - كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد: المقصد الخامس: الإمامة ص٢٨٤ وما بعدها - بحار الأنوار: باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة ٢٥/١١٥: ١٧٥ وباب أنه جرى لهم (أي للأئمة) من الفضل والطاعة مثل ما جرى للرسول - ﷺ - وأنهم في الفضل سواء. انظر نفس الجزء من ص ٣٥٢ إلى٣٦٣.","vol":"1","page":39},{"text":"إن الإمامة أصل من أصول الدين: -\nلا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، فمن لم يذهب مذهبهم في الإمامة فهم يجمعون على أنه غير مؤمن، وإن اختلفوا في تفسير غير المؤمن هذا: فمن قائل بكفره، إلى قائل بالفسق، وأكثرهم اعتدالا أو أقلهم غلوًا يذهب إلى أنه ليس مؤمنًا بالمعنى الخاص وإنما هو مسلم بالمعنى العام، ما لم يكن مبغضًا للأئمة وشيعتهم فضلًا عن حربهم فهو يعد كافرًا عند جميع الجعفرية.\nذكر الحلى - الملقب عند الجعفرية بالعلامة - بأن إنكار الإمامة شر من إنكار النبوة! حيث قال: \" الإمامة لطف عام والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حى بخلاف الإمام....وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص \" (الألفين ١/٣) .\nوعقب أحد علمائهم على هذا بأنه \" نعم ما قال \" وأضاف: وإلى هذا أشار الصادق بقوله عن منكر الإمامة هو شر الثلاثة، فعنه أنه قال: الناصبى شر من اليهودى. قيل: وكيف ذلك يا بن رسول الله؟ فقال: إن اليهودى منع لطف النبوة وهو لطف خاص، والناصبى منع لطف الإمامة وهو عام ... (انظر حاشية ص٤٣ النافع يوم الحشر) .\nوفى مصباح الهداية (ص ٦١-٦٢) ذكر المؤلف أن الإمامة مرتبة فوق النبوة!\nوقال ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق: \" اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين على بن أبى طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء. واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد ﷺ (رسالته في الاعتقادات ص ١٠٣) .\nوقال المفيد: \" اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في","vol":"1","page":40},{"text":"النار\" (بحار الأنوار للمجلسى ٢٣/٣٩٠، والمجلسى ذكر قول المفيد لتأييد رأيه) . والمفيد كان رأس الإمامية، وشيخًا لشيخ طائفتهم أبى جعفر الطوسي.\nوإلى جانب ضلال هؤلاء القوم وغلوهم نجد غلوهم في جانب آخر، فهم يرون أن الفاسق منهم يدخل الجنة وإن مات بلا توبة! (انظر أجوبة المسائل الدينية - العدد الثامن-المجلد التاسع ص ٢٢٦وراجع كتابى: فقه الشيعة الإمامية ١/١٥) .\nالإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه: -\nفالإمام يجب أن يكون معصومًا من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمدًا وسهوًا، كما يجب أن يكون معصومًا من السهو والخطأ والنسيان!\nويجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة وكرم وعفة وصدق وعدل ومن تدبير وعقل وحكمة وخلق.\nأما علمه فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام من قبله.\nوإذا استجد شئ فلابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجه إلى شئ وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقى، لا يخطئ فيه ولايشتبه عليه، ولا يحتاج في كل ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلي تلقينات المعلمين، وإن كان علمه قابلًا للزيادة والاشتداد. وذهب بعضهم إلى أن أحد الملائكة كان يلازم الرسول ﷺ ليسدده ويرشده ويعلمه، فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى ظل الملك بعده. ولم يصعد ليؤدى نفس وظيفته مع الأئمة بعد الرسول ﷺ (١) .\n_________\n(١» انظر أصول الكافى: باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة (١/٢٧١-٢٧٢) وباب الروح التي يسدد الله بها الأئمة (١/٢٧٣-٢٧٤) وهذا الباب فيه ستة أخبار منها عن أبى * *عبد الله ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ قال: خلق من خلق الله ﷿ أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله - ﷺ - يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده. وفى الباب الأسبق ذكر أن روح القدس خاصة بالأنبياء، فإذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار إلى الإمام. وروح القدس لاينام ولا يغفل ولايلهو ولا يزهو والإمام يرى به، وفيه الحاشية فسر الرؤية بقوله: يعنى ماغاب عنه في أقطار الأرض وما في عنان السماء! وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى! وانظر بحار الأنوار (٤٧/٢٥-٩٩) باب الأرواح التي فيهم (أي في الأئمة) وأنهم مؤيدون بروح القدس..وقال ابن بابويه القمي في رسالته (ص ١٠٨-١٠٩): \" اعتقادنا في الأخبار الصحيحة عن الأئمة أنها موافقة لكتاب الله، متفقة المعانى، غير مختلفة، لأنها مأخوذة من طريق الوحي عن الله ﷾ \" وهذا القمي صاحب كتاب \" فقيه من لايحضره الفقيه \": أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عند الجعفرية. وقال المجلسى: أصحابنا أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم من الذنوب الصغيرة والكبيرة. عمدًا وخطأ ونسيانّا قبل النبوة والإمامة وبعهدهما، بل من وقت ولادتهما إلى أن يلقوا الله تعالى. ولم يخالف في ذلك إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخة ابن الوليد، فإنهما جوزا الإسهاء من الله تعالى لا السهو الذي يكون من الشيطان في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام \" (بحار الأنوار: ٢٥/٣٥٠-٣٥١) . وقال الطوسي: \" لا يجوز عليهم- أي على الأئمة - السهو والنسيان فيما يؤدونه عن الله. فأما غير ذلك فإنه يجوز أن ينسوه أو يسهوا عنه ما لم يؤد ذلك إلى الإخلال بكمال العقل. وكيف لا يجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ويغشى عليهم. والنوم سهو، وينسون كثيرًا من تصرفاتهم أيضًا، وما جرى لهم فيما مضى من الزمن \" (التبيان ٤/١٦٥-١١٦) . والطوسى يلقبونه بشيخ الطائفة، وهو صاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة.","vol":"1","page":41},{"text":"لابد أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية","vol":"1","page":42},{"text":"العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فإن الإمامة استمرار للنبوة.\nالأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وهم الشهداء على الناس، وأبواب الله والسبل إليه والأدلاء عليه. فأمرهم أمر الله تعالى ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه وعدوهم عدوه. ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم.\nولذا فالجعفرية يعتقدون أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير ماء أئمتهم، ولا يصح أخذها إلا منهم، ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى، غيرهم، ولايطمئن بينه وبين الله تعالى إلى أنه قد أدى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم.\nمادامت الإمامة كالنبوة فهى لا تكون إلا بنص من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ أو على لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده، وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق، فليس للناس أن يتحكموا فيمن يعينه هاديًا ومرشدًا لعامة البشر، كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه، لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمل أعباء الإمامة العامة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يعرف إلا بتعريف الله تعالى، ولا يعين إلا بتعيينه.\nويعتقدون كذلك أن النبي ﷺ نص على خليفته والإمام في البرية من بعده، فعين ابن عمه على بن أبى طالب أميرًا للمؤمنين وأمينًا للوحى، وإمامًا للخلق في عدة مواطن، ونصبه وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم غدير خم. كما أنه ﷺ بين أن الأئمة من بعده اثنا عشر، نص عليهم جميعًا بأسمائهم، ثم نص المتقدم منهم على من بعده.","vol":"1","page":43},{"text":"٦-الأئمة الاثنا عشرية الذين نص عليهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَهم: -\n١- ابو الحسن على بن أبى طالب (المرتضى) الذي ولد قبل البعثة بعشر سنوات، واستشهد سنة أربعين من الهجرة.\n٢- أبو محمد الحسن بن على \" الزكى \" ... (٣-٥٠)\n٣- أبو عبد الله الحسين بن على \"سيد الشهداء \" ... (٤-٦١)\n٤- أبو محمد على بن الحسين \" زين العابدين \" ... (٣٨-٩٥)\n٥-أبو جعفر محمد بن على \" الباقر\" ... (٥٧-١١٤)\n٦- أبو عبد الله جعفر بن محمد \" الصادق \" ... (٨٣-١٤٨)\n٧- أبو إبراهيم موسى بن جعفر \" الكاظم \" ... (١٢٨-١٨٣)\n٨- أبو الحسن على بن موسى \" الرضا \" ... (١٤٨-٢٠٢ أو ٢٠٣)\n٩- ابو جعفر محمد بن على \" الجواد \" ... (١٩٥-٢٢٠)\n١٠-أبو الحسن على بن محمد \" الهادى \" ... (٢١٢أو ٢١٤-٢٥٠)\n١١-أبو محمد الحسن بن على \" العسكري\" ... (٢٣٢-٢٦٠)\n١٢-أبو القاسم محمد بن الحسن \"المهدى \" وهو الحجة في هذا العصر الغائب ليملأ الأرض عدلًا وقسطًا بعد ما ملئت ظلمًا وجورًا. قيل ولد سنة ٢٥٦ هـ، وغاب غيبة صغرى سنة ٢٦٠ هـ، وغيبة كبرى سنة ٣٢٩","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>تعقيب</span>\nبعد بيان عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية كما جاءت في كتبهم هم أنفسهم أذكر بما يأتي: -\nجعلهم الإمامة أصلا من أصول الدين فيه طعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فما منهم من أحد يقول بالإمامة التي تقصدها هذه الفرقة، حتى أن الإمام عليًا رضى عنه هو نفسه لم يقل بهذا كما بينت وأثبت فيما جاء تحت عنوان \" رابعًا: على وبيعة من سبقه \"، وأول من قال بالوصى بعد النبي ﷺ هو عبد الله بن سبأ كما نقلت من المراجع الشيعية نفسها في التمهيد.\nإجماعهم على تكفير من حارب أمير المؤمنين على بن طالب ﵁ يعنى تكفير آلاف الصحابة الكرام البررة، وتكذيب الرسول ﷺ الذي شهد لهم بالخيرية، وبشر بعضهم بالجنة، بل يصطدم مع كتاب ربنا ﷿، فمنهم من شهد الله ﷾ بأنه رضى عنهم، ولم يثبت أنه عاد فسخط عليهم فمن أين إذن جاءوا بهذه الفرية الكبرى؟!\nما سبق من قول المفيد - شيخ طائفتهم الطوسي، وابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق، وصاحب أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم، وابن المطهر الحلى الملقب عندهم بالعلامة، وغيرهم يدل على أنهم يرون تكفير الأمة كلها ما عدا الرافضة وأتباع عبد الله بن سبأ، وعلى الأخص خير أمة أخرجت للناس وهم الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه. وهذا ما سنراه عند تناولنا لكتاب الكافى للكلينى، وهو أول وأعلى كتب الحديث المعتمدة عندهم، وكتاب شيخه على بن إبراهيم القمي في التفسير.","vol":"1","page":45},{"text":"وفى كتابى \" المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى \" أثبت أن عبد الله الحسين شرف الدين يرى هذا الرأي الفاجر الكافر الضال، وهذا يقطع بأن مسألة تكفير الأمة والصحابة الكرام ليس مسألة تاريخية جاءت في كتب التراث عندهم كما يحلو لدعاة التقريب عن جهل أو تضليل أن يبرروا هذا الضلال. بل إن عبد الحسين الذي يرى هذا الرأي ذكر أنه من دعاة التقريب!! وقد جاء هذا في أحد مؤتمرات التقريب في طهران، وعبد الحسين في كتابيه المراجعات والفصول المهمة في تأليف الأمة يعتبر فعلًا من دعاة التقريب ولكن بمفهوم خاص!! فهو يدعو إلى تأليف الأمة كلها وجمعها تحت راية عبد الله بن سبأ، وجعلها جميعها من الرافضة التي رفضت تبرئة الشيخيين خير البشر بعد رسول الله ﷺ واجتمعت على تكفيرهما وتكفير من بايعهما!!\n\nويحضرنى هنا ما اشتهر عن أبى زرعة الرازى أنه قال:\n\" إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق: وذلك أن القرآن حق، والرسول ﷺ حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة. فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به أليق، والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق \".\nقولهم بوجوب استمرار الإمامة أبدًا دون انقطاع أو توقف إلى يوم القيامة بعد الإمام الحسين ﵁ في أحد من نسله، بحيث يكون الابن خلفا للأب، هذا القول جعلهم يضطرون إلى تنصيب طفل صغير في السابعة من عمره، وهو إمامهم محمد الجواد الإمام التاسع، ولذلك وجدنا فرقتين من شيعة أبيه على الرضا لم يعترفوا بإمامته لأنهم استصبوه واستصغروه. وفى كتاب فرق الشيعة (ص ٩٢) للنوبختى والقمى الشيعيين جاء بيان هذا حيث قالا:","vol":"1","page":46},{"text":"\" إن أبا الحسن الرضا ﵇ توفى وابنه محمد ابن سبع سنين، فاستصبوه واستصغروه، وقالوا: لا يجوز أن يكون الإمام إلا بالغا، ولو جاز أن يأمر الله ﷿ بطاعة غير بالغ لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فإنه كما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ، فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس، دقيقه وجليله، وغامض الأحكام وشرائع الدين، وجميع ما أتى به النبي ﷺ، وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها، طفل غير بالغ، ولو جاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجة، لجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجتين وثلاثا وأربعا راجعا إلى الطفولة، حتى يجوز أن يفهم ذلك طفل في المهد والخرق، وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف \" ا. هـ\nوكذلك اعتبروا ابنه عليا الهادى إماما وهو في السادسة من عمره، وعلى قول آخر في الثامنة، أي أنه كسابقه في سن الطفولة!\nوأعجب من هذا كله قولهم بعد إمامهم الحادي عشر الحسن العسكري: فقد توفى ولم ير له خلف، ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه، فافترق أصحابه من بعده أكثر من عشر فرق، فاخترع الاثنا عشرية له ابنا طفلا إماما حيا لا يموت إلى يوم القيامة!! وهو غائب يحج كل عام يرانا ولانراه!!\nوالإمامية الذين ساروا مع ضلال الاثنى عشرية في أحد عشر إماما، جميعهم - ما عدا فرقة واحدة - قالوا وأكدوا أن الحسن العسكري ليس له ولد.\nمن يراجع كتب الفرق يجد ظاهرة عامة وهى افتراق الشيعة إلى فرق مختلفة عند موت كل إمام، وكل فرقة من هذه الفرق يمكن أن تفترق هي الأخرى إلى عدة فرق. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان لشىء من هذا في موضوع تدوين السنة عند الشيعة في الجزء الثالث، ونجد من هذه الفرق من بلغت درجة تأليه بعض البشر، والشرك بالله ﷿، ومن ادعت نبوة","vol":"1","page":47},{"text":"فرد من أفرادها، ومن استباحت اللواط ونكاح المحارم، وقالت: من عرف الإمام فليصنع ما شاء فلا إثم عليه!\nوالمهم أن كل فرقة من هذه الفرق الضالة تزعم أنها هي الفرقة الناجية، وأنها تمثل مذهب أهل البيت! وأهل البيت الأطهار الأبرار برءاء منهم جميعًا.\nوإن تعجب فعجب قول كل فرقة أنها مؤيدة بالكتاب العزيز، والسنة ... المطهرة!!\nويأتى لهذا مزيد بيان في الفصل التالي، وفى التدوين وكتب الحديث عند الاثنى عشرية في الجزء الثالث من هذا الكتاب.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الثاني\nأدلة الإمامة من القرآن العظيم</span>\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-15> بين يدى الفصل </span>\"\nمن المعلوم أن القرآن الكريم ليس فيه نص ظاهر يؤيد المذهب الجعفرى، فلجأ معتنقوه إلى التأويل، والاستدلال بروايات ذكرت في أسباب النزول لآيات كريمة. وأهم ما استدل به الجعفرية هو:\nقال تعالى:\n\" إِنمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ \" (١)\nهذه الآية الكريمة يسمونها آية الولاية، ويقولون: إنها تدل على أن إمام المسلمين بعد النبي ﷺ بلا فصل هو على بن أبى طالب، لأن لفظة \" إنما \" تفيد الحصر و\" وليكم \" تفيد من هو أولى بتدبير الأمور ووجوب طاعته، والآية الكريمة نزلت في على بلا خلاف - كما يقولون - عندما تصدق بخاتمه وهو راكع.\nفي آية المباهلة\n\" فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ \" (٢)\n_________\n(١) سورة المائدة - الآية ٥٥.\n(٢) سورة آل عمران - الآية ٦١.","vol":"1","page":49},{"text":"٣ - قال تعالي:\n\" وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\" (١)\n\nقالوا: إن المراد بأهل البيت هنا على وفاطمة والحسن والحسين، وهذه الآية الكريمة تدل على عصمتهم، والإمامة تدور مع العصمة.\n٤- قال ﷾: \"وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ\" (٢)\nقالوا: إن هذه الآية الكريمة قد أبطلت إمامة كل ظالم، فصارت في الصفوة من ذرية إبراهيم الخليل. ومن عبد غير الله ولو لحظة فهو ظالم، وعلى هو الذي لم يعبد صنمًا قط. أما غيره من الخلفاء فهم ظالمون لا يستحقون هذه الخلافة.\nومعنى هذا أن القرآن الكريم - على قولهم - قد أشار في أكثر من موضع أن عليا هو المستحق للإمامة دون غيره، ولذلك فهم يعتقدون أن الله سبحانه أمر نبيه بأن ينص على علىِّ وينصبه علمًا للناس من بعده، وكان النبي يعلم أن ذلك سوف يثقل على الناس، وقد يحملونه على المحاباة والمحبة لابن عمه وصهره، ومن المعلوم أن الناس ذلك اليوم، وإلى اليوم ليسوا في مستوى واحد من الإيمان واليقين بنزاهة النبي وعصمته عن الهوى والغرض، ولكن الله سبحانه لم يعذره في ذلك، فأوحى إليه:\n\"\n_________\n(١) سورة الأحزاب - الآية ٣٣.\n(٢) سورة البقرة - الآية ١٢٤.","vol":"1","page":50},{"text":"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ\" (١)\nفلم يجد بدًا من الامتثال بعد هذا الإنذار الشديد، فخطب الناس عند منصرفه من حجة الوداع في غدير خم، فنادى وجلهم يسمعون:\n\" ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: اللهم بلى. فقال: من كنت مولاه فهذا على مولاه، إلى آخر ما قال، ثم أكد ذلك في مواطن آخرى تلويحًا وتصريحًا، وإشارة ونصًا حتى أدى الوظيفة (٢) .\nوقبل أن ينصرف الرسول ﷺ من غدير خم وقبل أن يتفرق الجمع نزل قوله تعالى: \"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا \" (٣)\nفقال رسول ﷺ: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتى، والولاية لعلى من بعدى، ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين وفى مقدمتهم الشيخان (٤) . فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري. فأتى رسول الله ﷺ على ناقة له حتى أتى الأبطح فنزل عن ناقته فأناخها، فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا، وأمرتنا أن نصلى خمسًا فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم\n_________\n(١) سورة المائدة - الآية ٦٧.\n(٢) أصل الشيعة وأصولها ص ١٣٤، وفيه \" يا أيها النبي \" و\" اللهم نعم \".\n(٣) الآية الثالثة من سورة المائدة.\n(٤) انظر الغدير ١/١١.","vol":"1","page":51},{"text":"شهرًا فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعى ابن عمك ففضلته علينا، وقلت من كنت مولاه فعلى مولاه، فهذا شىء منك أم من الله ﷿؟ فقال: والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله. فولى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتى رماه الله تعالى بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله ﷿: \"سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ \" (١) الآيات (٢)\nهذه الآيات الكريمة السبعة السابقة هي أساس ما يستدلون به من القرآن الكريم، فلنعرض رأيهم، ونناقشه بالتفصيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>أولا: الولاية</span>\nننظر في الآية الكريمة الأولى، آية الولاية كما يسميها الجعفرية والتي يعتبرونها نصًا صريحًا في إمامته، فنجد أنهم يروون أنها نزلت في على بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فأومى بخنصره اليمنى إليه فأخذ السائل الخاتم من خنصره.\nوقالوا في المعنى: إن الله تعالى بين من له الولاية على الخلق، والقيام بأمورهم، وتجب طاعته عليهم فقال:\n_________\n(١) أول سورة المعارج.\n(٢) الغدير ١/٢٤٠.","vol":"1","page":52},{"text":"\"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ\" أي الذي يتولى مصالحكم ويدبر أموركم هو الله تعالى ورسوله ﷺ، \" وَالَّذِينَ آمَنُواْ \" ثم وصف الذين آمنوا فقال: \" الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ \" بشرائطها \"وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ\" أي يعطونها في حالة الركوع.\nثم قالوا: هذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة على بعد النبي ﷺ بلا فصل، والوجه فيه أنه إذا ثبت أن لفظ وليكم تفيد من هو أولى بتدبير أموركم ويجب طاعته، وثبت أن المراد بالذين آمنوا على، ثبت النص عليه بالإمامة، ووضح. الذي يدل على الأول هو الرجوع إلى اللغة، فمن تأملها علم أن القوم نصوا على ذلك، ولا يجوز حمل لفظة الولى على الموالاة في الدين والمحبة، لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر، ولفظة \" إنما \" تقتضى التخصيص ونفى الحكم عمن عدا المذكور. والذى يدل على أن المراد بالذين آمنوا على الروايات الكثيرة. فهو وحده الذي تصدق في حال الركوع، كما أن الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية، وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه (١) .\nهذا ما ذهب إليه الجعفرية، ولكن أهل التأويل - كما يقول الطبري (٢) .\n-اختلفوا في المعنى بقوله تعالى:\n\"\n_________\n(١) راجع تأويلات الجعفرية للآية الكريمة، والروايات التي ذكروها لتأييد ما ذهبوا إليه في المراجع التالية: التبيان ٣/٥٥٨ - ٥٦٤. ومجمع البيان ٦/١٢٦ -١٣٠، والميزان ٦/٢ -٢٤، وزبدة البيان ص ١٠٧ -١١٠، وكشف المراد ص ٢٨٩، ومصباح الهداية ص ١٧٩ -١٨١، وتفسير شبر ص١٤١\n(٢) انظر تفسير الطبري، تحقيق شاكر ١٠/٤٢٤ - ٤٢٥","vol":"1","page":53},{"text":"وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ\"، فقال بعضهم: عنى به على بن أبى طالب، وقال بعضهم: عنى به جميع المؤمنين.\nوذكر الطبري الروايات التي تؤيد ما ذهب إليه القائلون بأن المعنى به جميع المؤمنين، وفى بعضها تعجب ممن سأل عن المراد بالذين آمنوا، لأنه يسأل عن شيء لا يسأل عن مثله. ثم ذكر روايتين:\nالأولى: عن إسماعيل بن إسرائيل قال: حدّثنا أيوب بن سويد قال، حدّثنا عتبة بن أبى حكيم في هذه الآية \" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ \" قال: على بن أبى طالب.\nالثانية: هي حدثني الحارث قال: حدثني عبد العزيز قال: حدّثنا غالب بن عبيد الله قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: \" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ \" قال: نزلت في على ابن أبى طالب، تصدق وهو راكع.\nوالرواية الأولى في سندها أيوب بن سويد، وعتبة بن أبى الحكيم: فأما أيوب فقد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال البخاري في الكبير \" يتكلمون فيه \" (١) وأما عتبة فقد ضعفه ابن معين، وكان أحمد يوهنه قليلًا، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات (٢) .\nفهذه الراوية إذن ضعيفة السند. والرواية الثانية في سندها غالب بن عبيد الله وهو منكر الحديث متروك (٣) فراويته لا يؤخذ بها.\nوالحافظ ابن كثير عند تفسير الآية قال (٤): \"\n_________\n(١) انظر المرجع السابق ج ٥ حاشية ص ٢٢٤.\n(٢) نفس المرجع ج١٠ حاشية ص ٤٢٦.\n(٣) الموضع السابق من المرجع ذاته.\n(٤) انظر تفسيره ٢/٧١.","vol":"1","page":54},{"text":"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ \" أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين، وقوله:\n\"الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ \" أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقامة الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهى له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين. وأما قوله \"وَهمْ رَاكِعُون\"َفقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال في قوله: \"وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ \" أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى. وحتى أن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن على بن أبى طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه.\nوذكر ابن كثير الروايات التي تشير إلى هذا، ثم بين أنها لا يصح شئ منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. ثم قال: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت - ﵁ - حيث تبرأ من حلف اليهود، ورضى بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: \" وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ\"\nكما قال تعالى: \"كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أنا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (... أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ\".\nفكل من رضى بولاية الله ورسله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة. \"","vol":"1","page":55},{"text":"وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ\"\nوبعد هذا كله نذكر بعض الملاحظات:\nبدراسة روايات الطبري، ومما ذكره الحافظ ابن كثير، نجد أن رواية التصدق في حالة الركوع لا تصح سندًا، يضاف إلى هذا أن كتب السنة التي رجعت إليها لم أجد فيها ذكرًا لمثل هذه الرواية (١) .\nالروايات مرفوضة كذلك من ناحية المتن كما أشار ابن كثير وغيره، فالفضيلة في الصلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات، سواء أكانت كثيرة أو قليلة، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة، ولكن تؤثر قصورًا في معنى لإقامة الصلاة ألبتة (٢) .\nقال ثعلب: الركوع الخضوع، ركع يركع، ركعًا وركوعًا: طأطأ رأسه. وقال الراغب الأصبهانى: الركوع الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة، وإما في غيرها. وكانت العرب في الجاهلية تسمى الحنيف راكعًا إذا لم يعبد الأوثان، ويقولون: ركع إلى الله، قال الزمخشري: أي اطمأن، قال النابغة الذيبانى:\nسيبلغ عذرًا أو نجاحًا من امرئ ... إلى ربه رب البرية راكع\nوتقول: ركع فلان لكذا وكذا إذا خضع له، ومنه قول الشاعر:\n_________\n(١) راجع أيضا ما ذكر عن الإمام على في مفتاح كنوز السنة، فلا توجد إشارة لمثل هذه الرواية\n(٢) انظر تفسير الآلوسى ٢/٣٣١.","vol":"1","page":56},{"text":"بيعت بكسر لئيم واستغاث بها من الهزال أبوها بعد ما ركعا\nيعنى بعد ما خضع من شدة الجهد والحاجة.\nومنه كذلك: لا تهين الفقير علك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه\nوقد استعمل بهذا المعنى في القرآن الكريم أيضًا كما قيل في قوله سبحانه: \" وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ\"، إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع. وكذا في قوله تعالى \" وَخَرَّ رَاكِعًا \" إلى غير هذا (١)\nفقوله تعالى: - \" وَهُمْ رَاكِعُونَ \" يعنى به وهم خاضعون لربهم منقادون لأمره، متواضعون متذللون في أدائهم للصلاة وإيتائهم للزكاة، فهو بمعنى الركوع الذي هو في أصل اللغة بمعنى الخضوع.\nوأرى تأييد لهذا المعنى مجئ الآية الكريمة بالفعل المضارع، فهو يدل على أن الآية الكريمة لا تشير إلى حادثة حدثت وانتهت، وإنما تدل على الاستمرار والدوام، أي أن صفات المؤمنين وطبيعتهم الصلاة والزكاة وهم راكعون، ولا يستقيم المعنى - بغير تكلف - أن يكون من صفاتهم إخراج الزكاة أثناء الصلاة.\n_________\n(١) انظر مادة ركع في لسان العرب، وتاج العروس، وأساس البلاغة، وانظر كذلك تفسير الطبري ١/ ٥٧٤ –٥٧٥، وتفسير الألوسى ٢ / ٣٣٠.","vol":"1","page":57},{"text":"ذكر الشيعة أن التصدق أثناء الركوع لم يقتصر على أمير المؤمنين ولكن اقتدى به باقي أئمتهم جميعًا! وهنا يرد تساؤل: إذا كان هذا العمل من الفضائل التي امتدح بها أبو الأئمة وتبعه جميعهم فكيف لم يحرص على هذه الفضيلة سيد الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه؟ وكذلك سائر الأمة؟\n٥. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: \" وَهُمْ رَاكِعُونَ\" ما يأتي:\n\" الواو فيه للحال: أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذ صلوا وإذا زكوا. وقيل هو حال من يؤتون الزكاة بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وأنها نزلت في على كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع فطرح له خاتمه كأنه كان مرجا في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته.\nفإن قلت: كيف صح أن يكون لعلى ﵁ واللفظ لفظ جماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلًا واحدًا ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير في الصلاة لم يؤخروه إلى الفرغ منه \" (١)\nوالزمخشرى هنا ذكر أولًا المعنى المفهوم من النص، ثم ما قيل في سبب النزول دون تمحيص، وقد ظهر أن سبب النزول هذا غير صحيح، فلا ضرورة للتأويل الذي ذهب إليه. ثم ما هذا الأمر الذي لا يقبل التأخير وهم في الصلاة؟ ألم يكن الأفضل أن يصلى السائل مع المصلين؟ أو أن ينتظرهم حتى تنتهى الصلاة؟ وكيف يذهب لراكع يسأله الصدقة ويشغله عن الصلاة؟ ولو وجد مثل هذا السائل فكيف نشجعه على ارتكاب خطأ جسيم كهذا؟\n٦.\n_________\n(١) الكشاف: ١/٦٢٤، ولزهم إلى كذا: اضطرهم.","vol":"1","page":58},{"text":"سبق قول الإمامة بأن الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وهذا نوع من الجدل العقيم، لأن المراد ولاية بعض المؤمنين بعضًا لا أن يكون كل واحد منهم ولى نفسه. كما أن الخطاب موجه كذلك إلى أولئك الذي تبرءوا من ولاية اليهود فأولياؤهم المؤمنون، وهم أيضًا أولياء لغيرهم من المؤمنين، وفى مثل قوله تعالى: -\n\" وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ \" خطاب للمؤمنين جميعًا أفمعنى هذا أنه نهى لكل مسلم أن يلمز نفسه؟! قال الألوسى: كيف يتوهم من قولك مثلًا: أيها الناس لا تغتابوا الناس أنه نهى لكل واحد من الناس أن يغتاب نفسه؟! (١)\n٧. من المعلوم لدى جميع العلماء - شيعة وسنة - أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلوصح ما ذكر في سبب النزول لا نطبق على كل من يتصف بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع كما ذكروا، أو الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء كما أوله الزمخشري.\n٨. كلمة الولى تأتى بمعنى المتولى للأمور والمستحق للتصرف فيها، وتأتى بمعنى الناصر والخليل، والسياق يحدد المعنى المراد، والقرآن الكريم عندما يأمر بموالاة المؤمنين، أو ينهاهم عن موالاة غير المؤمنين من الكفار وأهل الكتاب تأتى الموالاة بمعنى النصرة والمحبة كقوله تعالى: - \" وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا\" (٢)\n_________\n(١) راجع تفسيره ٢/٣٣٢.\n(٢) سورة النساء – الآية ٨٩.","vol":"1","page":59},{"text":"وقوله ﷿: \" الذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ \" (١)\nوقوله سبحانه: \" وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ \" (٢)\nولم يخرج عن هذا المعنى إلا حالات خاصة كولاية الدم وولاية السفيه. ولكن حالة من هذه الحالات لم تأت بمعنى الولاية العامة على المؤمنين (٣) أفآية الولاية شذت عن هذا النسق القرأنى؟\nوقبل هذه الآية الكريمة جاء قوله سبحانه: \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ\" (٤) . فهذا نهى عن موالاة من تجب معاداتهم. ثم بينت الآية الكريمة - آية الولاية - من تجب موالاتهم، ثم جاء النهى مرة أخرى في قوله ﷾: \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ\" (٥)\n_________\n(١) نفس السورة – الآية ١٣٩.\n(٢) سورة التوبة – الآية ٧١.\n(٣) راجع الآيات القرآنية التي تبين ما ذكر مستعينًا بما جاء في مادة \" ولى \" من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.\n(٤) ... سورة المائدة – الآية ٥١.\n(٥) السورة السابقة – الآية ٥٧.","vol":"1","page":60},{"text":"ولا شك أن الذي جاء قبل الآية الكريمة وبعدها ينهى عن المالاة في الدين والمحبة، فإذا جاء الأمر بالموالاة بين نهيين فإنه قطعًا لا يخرج عن هذا المعنى إلا بدليل آخر.\nفكلمة \" وليكم \" ليست دليلًا على أن الإمامة العظمى لأبى الحسن - كرم الله وجهه. وإنما هي في حاجة إلى دليل يظهر أنها خرجت على الاستعمال القرآنى العام، وعلى المفهوم الخاص لتلك الأيات الكريمة المتتابعة في سورة المائدة.\n٩. لا خلاف في أن لفظة \" إنما \" تقتضى التخصيص ونفى الحكم عمن عدا المذكور، ولكن الجعفرية بنوا على هذا عدم جواز حمل لفظة الولى على الموالاة في الدين والمحبة لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر.\nوهذا الاستدلال أيضًا لا يستقيم، فالموالاة مختصة بالمؤمنين جميعًا دون غيرهم ممن تجب معاداتهم، وليست لمؤمن دون مؤمن، بل إن هذا التخصيص يقتضى عكس ما ذهبوا إليه \" لأن الحصر يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف، بل كان في النصرة والمحبة (١) .\n١٠. أمر الله تعالى للمؤمنين بموالاة أقوام، ونهيه إياهم عن موالاة آخرين، كل هذا صدر في حياة الرسول ﷺ ونفذ في حياته، فكيف يكون إمام المسلمين الأعظم عليًا مع وجود الرسول ﷺ؟\nهذه بعض الملاحظات، وأعتقد بعد هذا أن الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة لا تدل بحال على أن إمام المسلمين بعد الرسول ﷺ يجب أن يكون على بن أبى طالب. على أن هذه الآية الكريمة تعد أهم دليل قرآنى يستندون إليه. فلننظر بعد هذا في باقي الأدلة.\n_________\n(١) تفسير الآلوسى ٢/٣٣٠.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>ثانيًا: المباهلة</span>\nفي آية المباهلة قالوا: اتفق المفسرون كافة أن الأبناء إشارة إلى الحسن والحسين، والنساء إشارة إلى فاطمة، والأنفس إشارة إلى على رضي الله تعالى عنه. ولا يمكن أن يقال: إن نفسهما واحدة، فلم يبق المراد من ذلك إلا ... المساوى، ولا شك في أن رسول الله ﷺ أفضل الناس فمساويه كذلك أيضًا (١) .\nونلاحظ هنا:\nلو سلمنا بكل ماسبق فإن الآية الكريمة لا تنص على إمامة أحد، لأن ولاية أمر المسلمين تحتاج إلى قدرات خاصة تتوافر في صاحبها، حتى يستطيع أن يقود الأمة بسلام، ويرعى مصالحها على الوجه الأكمل، والآية الكريمة لا تشير إلى شىء من هذا ولاتتعرض للخلافة على الإطلاق، وإنما تذكر الأبناء والنساء والأنفس في مجال التضحية لإثبات صحة الدعوى، وهؤلاء المذكورون من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ، وبهذا يتحقق للمعاندين صحة دعواه لتقديمه للمباهلة أقرب الناس إليه. وفرق شاسع بين مجال التضحية ومجال الإمامة، ففي التضحية يمكن أن يقدم النساء والصغار ولكنهم لا يقدمون للخلافة.\nالقول بأن الإمام عليا يساوى الرسول ﷺ غلو لا يقبله الإمام نفسه كرم الله وجهه، ويجب ألا يذهب إليه مسلم، مكانة الرسول المصطفى غير مكانة من اهتدى بهديه واقتبس من نوره.\nلو قلنا: أن الآية الكريمة تدل على أفضلية الإمام على ﵁ فإن إمامة المفضول مع وجود الأفضل جائزة حتى عند بعض فرق الشيعة أنفسهم كالزيدية، وهذا لا يمنعه الشرع ولا العقل، لأن المفضول بصفة عامة قد\n_________\n(١) كشف المراد ص ٣٠٤، وانظر مصباح الهداية ص ٩٩-١٠٣","vol":"1","page":62},{"text":"يكون أفضل بصفة خاصة فيما يتعلق بأمور الخلافة ومصلحة المسلمين، وكان الرسول الكريم يولى الأنفع على من هو أفضل منه (١) .\nعقب ابن تيمية على قولهم بأن الله تعالى جعل عليا نفس رسول الله ﷺ بقوله: هذا خطأ، وإنما هذا مثل قوله: \"لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُموهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا \" (٢)\nوقوله تعالى: \"فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ \" (٣)، \" وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيارِكُمْ \" (٤)\nفالمراد بالأنفس: الإخوان نسبًا أو دينًا (٥) .\n_________\n(١) قال ابن قيم الجوزية تحت عنوان: \" تولية الرسّول - ﷺ - الأنفع على من هو أفضل منه \": وبهذا مضت سنة رسول الله - ﷺ -، فإنه يولى الأنفع للمسلمين عى من هو أفضل منه، كما ولى خالد بن الوليد من حين أسلم على حروبه لنكايته في العدو، وقدمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار. وكان أبو ذر من أسبق السابقين وقال له: (ياأبا ذر، إنى أراك ضعيفًا، وأحب لك ما أحبه لنفسى، لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم) . وأمر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، لأنه كان يقصد أخواله بنى عذرة، فعلم أنهم يطيعونه ما لايطيعون غيره للقرابة.... إلخ - انظر أعلام الموقعين ١/١١٤ -١١٥.\n(٢) سورة النور - الآية ١٢.\n(٣) سورة البقرة - الآية ٥٤.\n(٤) نفس السورة - الآية ٨٤.\n(٥) المنتقى ص ١٧ - حاول أحد الجعفرية نقض كلام ابن تيمية فقال: \" فلولا إذ سمعتموه ظن كل مؤمن بنفسه خيرًا، وظنت كل مؤمنة بنفسها خيرًا، لا أن كل مؤمن ظن بأخيه خيرًا \" (منهاج الشريعة ٢/٢٨٧) ويكفى هنا أن نذكر ما قاله الطوسي شيخ الطائفة في تفسيره:\n\" هلا حين سمعتم هذا الإفك من القائلين ظن المؤمنون بالمؤمنين الذين هم كأنفسهم - خيرًا، لأن المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة فيما يجرى عليها من الأمور، فإذا جرى على أحدهم محنة، * *فكأنه جرى على جماعتهم وهو كقوله: \" فسلموا على أنفسكم \" وهو قول مجاهد ... . إلخ \" ... (انظر التبيان ٧/٤١٦) .","vol":"1","page":63},{"text":"قال الزمخشري: \" فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه. وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه حتى يقتل. ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم. وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شىء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ﵈ (١) .\nوبعد: فمهما اختلفت الأقوال فالآية الكريمة تدل على مكانة أولئك الذين قدموا للمباهلة، ولكن هذا لا صلة له بالخلافة كما بينا.\n_________\n(١) تفسير الكشاف ١/٤٣٤ - وقال أحد مفسري الجعفرية: \" والمباهلة والملاعنة وإن كانت بحسب الظاهر كالمحاجة بين رسول الله - ﷺ - وبين رجال النصارى، لكن عممت الدعوة للأبناء والنساء ليكون أدل على اطئنان الداعى بصدق دعواه، وكونه على الحق، لما أودعه الله سبحانه في قلب الإنسان من محبتهم والشفقة عليهم، فتراه يقيهم بنفسه، ويركب الأهوال والمخاطرات دونهم، وفى سبيل حمايتهم والغيرة عليهم والذب عنهم. ولذلك بعينه قدم الأبناء على النساء لأن محبة الإنسان بالنسبة إليهم أشد وأدوم \". الميزان (٣/٢٤٤) .","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثالثًا: التطهير</span>\nقال تعالى: \" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًاوَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا \" (١) فخير الرسول ﷺ زوجاته، فاخترن جميعًا الله ورسوله والدار الآخرة، واستحققن بعد هذا الاختيار مخاطبة الله تعالى لهن بقوله: \" يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ «.... \" إلى قوله تعالى \" لَطِيفًا خَبِيرًا \" (٢)\n««) . فهذه الآيات الخمس في نساء النبي كما يبدو، ولكن جدلًا كثيرًا دار حول عجز الآية الثالثة والثلاثين \" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\"\n_________\n(١) سورة الأحزاب - الآيتان ٢٨، ٢٩.\n(٢) الآيات الخمسة من نفس السورة وهى:\n\n﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .","vol":"1","page":65},{"text":"وهذا الجزء يطلق عليه اسم آية التطهير، ويرى الشيعة أنه لا صلة له بما قبله ولا بما بعده، وإنما هو خاص بالنبي ﷺ والسيدة فاطمة الزهراء والإمام على وبنيهما الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم جميعًا، وأنه يدل على عصمتهم، ومن ثم يستدلون به على مذهبهم في الإمامة.\nفاستدلالهم ينبنى على ثلاث نقاط هي: تحديد المراد بأهل البيت في الآية الكريمة، ثم دلالة الآية على عصمتهم، وأخيرًا التلازم بين العصمة والإمامة.\nوقد ذهبوا إلى أن المراد بأهل البيت هم هؤلاء الخمسة فقط مستدلين بشيئين: (١) .\nالأول: الخطاب في قوله تعالى \" عنكم \"، \" يطهركم \" بالجمع المذكر يدل - كما يقولون (- على أن الآية الشريفة في حق غير زوجات رسول الله ﷺ وإلا فسياق الآيات يقتضى التعبير بخطاب الجمع المؤنث؛ أي \" عنكن \" و\" يطهركن \" فالعدول عنهما إلى الخطاب بالجمع المذكر يشهد بأن المراد من أهل البيت غير الزوجات.\nالثانى: أخبار تدل على أنها في الخمسة الأطهار.\nوبالرجوع إلى كتاب الله تعالى نجد قوله: \" قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ\" (٢) وهذا خطاب لامرأة إبراهيم ﵇.\n_________\n(١) انظر أدلتهم في: التبيان ٨/٣٣٩ –٣٤٠، ومجمع البيان ط مكتبة الحياة ... ٢٢/١٣٧ –١٣٩، وجوامع الجامع ص ٣٧٢، والميزان ١٦/٣٣٠-٣٣١، ومصباح الهداية ... ص ١٠٣-١٠٩.\n(٢) سورة هود - الآية ٧٣.","vol":"1","page":66},{"text":"وقوله تعالى: \" فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ\" (١) ومعلوم أن موسى سار بزوجته ابنة شعيب.\nوقوله تعالى: \" وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ \" (٢)\nوقوله ﷿: \" إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ\" (٣)\nوقوله تعالى: \" وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ \" (٤)\nإلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تبين أن الاستعمال القرآنى لا يمنع أن يكون المراد بأهل البيت في الآية الكريمة نساء النبي مع الخطاب بالجمع المذكر،\n_________\n(١) سورة القصص – الآية ٢٩.\n(٢) السورة السابقة – الآية ١٢.\n(٣) سورة العنكبوت – الآية ٣٣.\n(٤) سورة يوسف – الآية ٢٩.","vol":"1","page":67},{"text":"بل إن المذكر هو الذي يتمشى مع هذا الاستعمال، فلم أجد التعبير بالمؤنث مع كلمة الأهل - سواء أأريد بها الزوجات أم غيرهن - في القرآن الكريم كله (١) .\nواحتج طائفة من العلماء على أن الآل هم الأزواج والذرية بما جاء عن الرسول ﷺ عندما سئل: كيف نصلى عليك؟ فقال: \" قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد \". وهذا الحديث متفق عليه.\nوكذلك بما ورى عنه ﷺ أنه قال: \" من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك، حميد مجيد \" (٢) .\nوروى الإمام البخاري بسنده عن أنس ﵁ قال: \" بنى على النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيًا.... فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما قال لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة \" (٣)\nكما أن المعنى اللغوى للأهل لا يخرج الزوجات (٤) .\nفالاستعمال القرآنى والنبوي واللغوى لا يخرج الزوجات من آية التطهير، والسياق إن لم يحتم دخولهن فعلى أقل تقدير يعتبر مرجحًا. هذا بالنسبة\n_________\n(١) انظر مادة \" أهل \" في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وارجع إلى الآيات التي اشتملت على هذه الكلمة.\n(٢) نيل الأوطار ٢/ ٣٢٤ –٣٢٦.\n(٣) صحيح البخاري – كتاب التفسير – باب \" لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ... \".\n(٤) انظر المادة في معاجم اللغة.","vol":"1","page":68},{"text":"لأمهات المؤمنين. ولكن سواء أشملتهن الآية أم لم تشملهن، فإن تخصيص المراد بالخمسة لا يكون إلا إذا بين الرسول ﷺ ذلك. فلننظر إذن في الروايات.\nقال الطبري: حدثني محمد بن المثنى، قال ثنا بكر بن يحيى بن زياد العنزى، قال ثنا مندل عن الأعمش عن عطية، عن أبى سعيد الخدري قال:\nقال رسول الله ﷺ: \" نزلت هذه الآية في خمسة: في وفى على ﵁ وحسن ﵁ وحسين ﵁، وفاطمة ﵂ \" (١) .\nوذكر الطبري بعد ذلك كثيرًا من الروايات التي تبين أن الآية الكريمة تعنى هؤلاء المذكورين أو بعضهم، ثم ذكر أخيرًا ما روى عن عكرمة من أنها نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة (٢) .\nوالروايتان الأولى والأخيرة فيهما نظر، فأما الأولى ففي سندها عطية عن أبى سعيد الخدري، وعطية هذا كان يأتي الكلبى فيأخذ عنه التفسير وكان يكنيه بأبى سعيد فيقول: قال أبو سعيد ليوهم أنه الخدري. وقد ضعفه أحمد والنسائى وغيرهما (٣) .\nأما الرواية الأخيرة فذكرت أيضًا عن عكرمة عن ابن عباس، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي ﷺ (٤) . فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فهذا يتفق مع ما ذهب إليه كثير من المفسرين.\n_________\n(١) تفسير الطبري ط الحلبي ٢٢/٦.\n(٢) انظر نفس المرجع ٢٢/٦ -٨.\n(٣) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب وميزان الاعتدال، وسيأتي الحديث عنه مفصلًا في روايات الغدير في بحث قادم إن شاء الله.\n(٤) انظر تفسير ابن كثير ٣/٤٨٣.","vol":"1","page":69},{"text":"وراوية عطية المذكورة ظهر ضعفها فلا أثر لمعارضتها، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن فهذا معارض بكثير من الروايات، ولذلك فالرواية لا تقٌبل إلا على الوجه الأول.\nوروايات الطبري الأخرى منها رواية عن السيدة عائشة قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم قال: \"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\" وهذه الرواية تقتصر على الحسن، ولكنها بلا شك لا تمنع كون غيره من أهل البيت، وقد روى الإمام مسلم عنها رواية مماثلة وفيها دخول باقي الخمسة الأطهار.\nوروى الطبري عن أنمس أن النبي ﷺ كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت \" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ\". وهذه الرواية كذلك لا تمنع شمول الآية لغير من ذكر.\nوروى عدة روايات عن أم سلمة: قالت: كان النبي ﷺ عندي، وعلى فاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة (١)، فأكلوا وناموا، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: \" اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا \"\nوفى رواية أخرى أنه ﷺ أجلسهم على كساء، ثم أخذ بأطرافه الأربعة بشماله، فضمه فوق رءوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، فقال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا.\n_________\n(١) الخزيرة: لحم يقطع قطعًا صغارًا ثم يطبخ بماء كثير وملح، فإذا اكتمل نضجه ذر عليه الدقيق وعصد به، ثم أٌدم بأي إدام. وتطلق الكلمة أيضًا على الحساء من الدسم والدقيق.","vol":"1","page":70},{"text":"وهاتان الروايتان تتفقان مع رواية مسلم عن السيدة عائشة في دخول الخمسة في الآية، ولكن هذا لا يحتم عدم دخول غيرهم.\nوذكر الطبري روايتين عن واثلة بن الأسقع تتفقان مع الروايات الثلاثة السابقة وتدخلانه هو مع أهل البيت، ففي إحداهما:\nعن أبى عمار قال: إنى لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليًا ﵁، فشتموه، فلما قاموا، قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا، إنى عند رسول الله ﷺ إذ جاءه على وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا. (قلت: يا رسول الله وأنا؟ قال وأنت. قال: فوالله إنها لأوثق عمل عندي. وفى الأخرى: اللهم هؤلاء أهلي، اللهم أهلي أحق. قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي. قال واثلة، إنها لمن أرجى ما أرتجى) .\nولكن باقي روايات الطبري عن أم سلمة فيها زيادات تشير إلى عدم دخولها مع أهل الكساء. وهذه الروايات هي: -\nحدثني أبو كريب قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبى سعيد الخدري، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية \"إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\" دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فجلل عليهم كساء (١) خيبريًا، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، قالت أم سلمة: ألست منهم؟ قال: أنت إلى خير.\n_________\n(١) أي جعل الكساء يغطيهم.","vol":"1","page":71},{"text":"حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبى سعيد، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن هذه الآية نزلت في بيتها \"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرًا\" قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي ﷺ قالت، وفى البيت رسول الله ﷺ وعلى وفاطمة والحسن والحسين ﵃.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: ثنا هاشم بن هاشم بن عقبة بن أبى وقاص عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرتني أم سلمة \" أن رسول الله ﷺ جمع عليا والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ثم قال: هؤلاء أهل بيتي. فقالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلنى معهم. قال: إنك من أهلي \".\nحدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا محمد بن سليمان الأصبهانى، عن يحيى بن عبيد المكى، عن عطاء عن عمر بن أبى سلمة، قال: \" نزلت هذه الآية على النبي ﷺ وهو في بيت أم سلمة \"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\" فدعا حسنًا وحسينًا وفاطمة، وأجلسهم بين يديه، ودعا عليًا فأجلسه خلفه. فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطيرًا. وقالت أم سلمة أنا معهم مكانك، وأنت على خير \"\nحدثنا ابن حميد، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم ابن سعد قال: \" ذكرنا على بن أبى طالب ﵁ عند أم سلمة، ... قالت: فيه نزلت \"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\" قالت أم سلمة: جاء النبي: ﷺ إلى بيتي، فقال: لاتأذنى لأحد، فجاءت","vol":"1","page":72},{"text":"فاطمة، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن فلم استطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، وجاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي ﷺ على بساط، فجللهم نبي الله بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا، قالت: فوالله ما أنعم وقال: إنك إلى خير \"\nوبالنظر في هذه الروايات نجد ما يأتي:\nأولًا: في الروايتين الأولى والثانية ينتهى الإسناد إلى عطية عن أبى سعيد عن أم سلمة، وقد بينا ضعف عطية ورواياته عن أبى سعيد.\nثانيًا: - في إسناد الرواية الثالثة \" خالد بن مخلد \": وهو متكلم فيه: وثقة عثمان بن أبى شيبة وابن حبان والعجلى، وقال ابن معين وابن عدى: لا بأس به، وقال أبو حاتم، يُكتب حديثه، وقال الآجري عن أبى داود: صدوق ولكنه يتشيع، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: له أحاديث مناكير، وقال ابن سعد: كان متشيعا منكر الحديث في التشيع مفرطًا، وكتبوا عنه للضرورة. وقال صالح بن محمد جزرة: ثقة في الحديث إلا أنه كان متهمًا بالغلو. وقال الجوزجانى: كان شتامًا معلنًا لسوء مذهبه. وقال الأعين: قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل في المثالب أو المثاقب، يعنى بالمثلثة لا بالنون. وحكى أبوالوليد الباجى في رجال البخاري عن أبى حاتم أنه قال: لخالد بن مخلد أحاديث مناكير و‘يكتب حديثه. وقال الأزدى: في حديثه بعض المناكير وهو عندنا في عداد أهل الصدق. وذكره الساجى والعقيلى في الضعفاء (١) .\n_________\n(١) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.","vol":"1","page":73},{"text":"من هنا نرى أن ما يرويه خالد عن مخلد متصلًا بمذهبه الشيعي لا يحتج به (١) .\nوفى إسناد هذه الرواية كذلك يروى خالد عن موسى بن يعقوب، وهو متكلم فيه أيضًا: وثقه ابن معين وابن حبان وابن القطان، وقال الآجري عن أبى داود: هو صالح، وقال ابن عدى: لابأس به عندي ولا برواياته. وقال على بن المديني: ضعيف الحديث: منكر الحديث.\nوقال النسائي: ليس بالقوى - وقال أحمد: لا يعجبني.\nثالثًا: في إسناد الرواية الرابعة عبد الرحمن بن صالح، وهو من شيعة الكوفة ومتكلم فيه: وثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما. وقال موسى بن هارون: كان ثقة وكان يحدث بمثالب أزواج رسول الله ﷺ. وقال الآجري عن أبى داود: لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله ﷺ. وقال: وذكروه مرة أخرى فقال: كان رجل سوء. وقال ابن عدى: معروف مشهور في الكوفيين لم يُذكر بالضعف في الحديث ولا اتهم فيه إلا أنه محترق فيما كان فيه من التشيع (٢) .\nوفى الإسناد أيضًا محمد بن سليمان الأصبهانى: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: لا بأس به. يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدى:\n_________\n(١) قد يقال: كيف لا يحتج به وهو من شيوخ البخاري؟ فنقول: من الثابت أن له مناكير كما قال الإمام أحمد بن حنبل، والإمام البخاري يعرف متى يكتب ومتى يترك ولذا جاء في كتاب توجيه النظر (ص ١٠٣) في الحديث عن خالد بن مخلد:\n\" أما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدى من حديثه وأوردها في كامله، وليس فيها شىء مما أخرجه له البخاري، بل أم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد وهو حديث أبى هريرة: من عادى لي وليا – الحديث \"\nوما ذكره الجزائرى هنا هو قول ابن حجر (انظر هدى الساري ص ٤٠٠) .\n(٢) انظر الترجمة في تهذيب التهذيب.","vol":"1","page":74},{"text":"مضطرب الحديث، قليل الحديث، ومقدار ماله قد أخطأ في غير شىء منه. وضعفه النسائي.\nرابعًا: في سند الرواية الأخيرة عبد الله بن عبد القدوس، وهو شيعي متكلم فيه:\nقال البخاري: هو في الأصل صدوق إلا أنه يروى عن أقوام ضعاف. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أغرب. وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه قال: ليس بشىء، رافضى خبيث. وقال محمد بن مهران الحمال: لم يكن بشىء كان يُسخر منه يشبه المجنون يصيح الصبيان في أثره. وقال أبو ... داود: ضعيف الحديث كان يرمى بالرفض، قال وبلغنى عن يحيى أنه قال: ليس ... بشىء. وقال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير وضعَّفه النسائي والدار قطنى (١) .\nوفى سند الرواية كذلك ضعف آخر، فالأعمش - وهو مدلس - لم يذكر ما يفيد سماعه من حكيم.\nبعد النظر في أسانيد هذه الروايات يمكن القول بأنها ليست حجة يرد بها دلالة السياق، والظاهر من الآيات الكريمة، فكيف إذن يحتج بمثل هذه الروايات لإثبات أصل من أصول العقيدة؟ (٢)\nوذكر الترمذي رواية عن أم سلمة وفيها: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك وأنت إلى خير. ثم عقب على الحديث بقوله: إنه غريب (٣) .\nوفى أبواب العلل يتحدث عن الغريب فيقول: \"\n_________\n(١) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.\n(٢) الشيعة يستندون في استدلالهم على ما روى عن أم سلمة – انظر مراجعهم السابق ذكرها.\n(٣) كتاب المناقب – باب مناقب أهل بيت النبي - ﷺ -","vol":"1","page":75},{"text":"أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان: رُب حديث يكون غريبًا لا يروى إلا من وجه واحد «.... ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه....، ورب حديث يروى من أوجه كثيرة وإنما يستغرب لحال الإسناد \".\nومعنى الحديث يتفق مع ما ذكره مسلم، فلعل الترمذي استغربه من أجل هذه الزيادة.\nوالحافظ ابن كثير ذكر الآية الكريمة وقال: (١) إنها نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ههنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا: إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح.\nوذكر روايات الطبري وروايات أخرى، ثم ذكر رواية في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا بماء يدُعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: \" أما بعد: \" ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتينى رسول ربى فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به \" فحث على كتاب الله ﷿ ورغب فيه ثم قال: \" وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثًا \". فقال له حصين. ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال ومن هم؟ قال: هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، ﵃.\nوذكر رواية مسلم الأخرى عن زيد أيضًا بنحو ما تقدم وفيها: فقلت له: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا. وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل ...\n_________\n(١) انظر تفسيره ٣/٤٨٣-٤٨٦.","vol":"1","page":76},{"text":"العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (١) .\nثم قال ابن كثير: هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح جمعًا بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعًا أيضًا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرًا والله أعلم.\nويؤيد هذا الاحتمال الذي ذكره ابن كثير أن السؤال في الحديث الأول فيه من التبعيضية \" أليس نساؤه من أهل بيته؟ وفى رواية مماثلة عن زيد أيضًا في المسند: قال حصين: \" ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده \" (٢) ««) . فهنا تأكيد أن نساءه من أهل بيته.\nوقال ابن كثير بعد ذلك: الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَداخلات في قوله تعالى: \"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرًا\" فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: \" وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ «... (\"ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية كما تقدم في الحديث \" وأهل بيتي\n_________\n(١) الرواية الأولى ذكرت بطريقين آخرين أيضًا – انظر الرواية في صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة – باب من فضائل على بن أبى طالب، رضي الله تعالى عنهم جميعًا.\n(٢) المسند ٤/٣٦٦-٣٦٧.","vol":"1","page":77},{"text":"أحق \"، وهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال: \" هو مسجدى هذا \"، فهذا من هذا القبيل، فإن الآية إنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخر، ولكن إذا كان ذلك أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ أولى بتسميته بذلك والله أعلم. وبمثل هذا قال ابن تيمية من قبل (١) .\nوقال القرطبى (٢): قوله تعالى: \" وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ \". هذه الألفاظ تعطى أن أهل البيت نساؤه، وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت، ومن هم؟ فقال عطاء وعكرمة وابن عباس: هم زوجاته خاصة لا رجل معهن، وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي ﷺ لقوله تعالى: \" وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ \" وقالت فرقة منهم الكلبى: هم على وفاطمة والحسن والحسين خاصة. وفى هذا أحاديث عن النبي ﵊. واحتجوا بقوله تعالى \" لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ \" \" بالميم \" ولو كان للنساء خاصة لكان \" عنكن ويطهركن \"، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل. كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ أي امرأتك ونساؤك، فيقول هم بخير، قال تعالى: \" قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ\"، الذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيره. وإنما قال \" ويطهركم \" لأن رسول الله ﷺ وعليًا وحسنًا وحسينًا كانوا فيهم، وإذا اجتمع\n_________\n(١) انظر المنتقى ص ١٦٨ - ١٦٩.\n(٢) راجع تفسيره ١٤/١٨٢-١٨٤.","vol":"1","page":78},{"text":"المذكر والمؤنث غلب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت. لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام والله أعلم.\nثم قال القرطبى: \" فكيف صار في الوسط كلام منفصل لغيرهن، وإنما هذا جرى في الأخبار أن النبي ﷺ لما نزلت عليه هذه الآية دعا عليًا وفاطمة والحسن والحسين، فعمد النبي ﷺ إلى كساء فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى السماء فقال: \" اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا \" فهذه دعوة من النبي ﷺ لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب الكلبى ومن وافقه فصيرها لهم خاصة، وهى دعوة لهم خارجة من التنزيل.\nوممن صير الآية لأهل الكساء خاصة أبو جعفر الطحاوي، فقد انتهى إلى هذا في كتابه مشكل الآثار (١) وبنى رأيه على مجرد احتمالات فقال: إن أم سلمة من أهله لأنها من أزواجه، وأزواجه أهله، كما قال في حديث الإفك: \" من يعذرنى من رجل قد بلغ أذاه في أهلي؛ والله ما علمت في أهلي إلا خيرًا \" ليحتمل أن يكون قوله لأم سلمة أنت من أهلي من هذا المعنى أيضًا لا أنها من أهل الآية المتلوة في هذا الباب. واستدل ببعض الروايات المذكورة عنها، وفى بعضها: وما قال إنك من أهل البيت، وفى أخرى: أنت من أزواج النبي، وأنت على خير أو إلى خير.\nوفى رواية: قلت يا رسول الله: ألستُ من أهلك؟ قال: بلى (٢) .\n_________\n(١) انظر كتابه ١/٣٣٢-٣٣٩.\n(٢) وذكر القرطبى عن القشيرى قال: قالت أم سلمة: أدخلت رأسى في الكساء وقلت: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: نعم. (انظر تفسيره ١٤/١٨٣) وقال الزمخشري: \" أهل البيت\" نصب على النداء أو على المدح. وفى هذا دليل بين على أن نساء النبي - ﷺ - من أهل بيته \". ... (انظر الكشاف ٣/٢٦٠) .","vol":"1","page":79},{"text":"قالت: فأدخل في الكساء؟ قلت: فدخلته بعد ما قضى دعاءه لابن عمه على وبنيه وبنته فاطمة ﵃.\nوأرى أن الرواية الأخيرة تدل على دخولها في الآية لا على خروجها منها، فالسؤال متصل بدخولها فيمن شملتهم الآية. والجواب يؤيده. ودخولها في الكساء بعدهم أليق بالأدب النبوي، فما كان ﷺ ليدخل زوجته في كسائه مع ابن عمه.\nوذكر الطحاوي الاعتراض بأنها في آيات نساء النبي وقال: جوابنا له: أن الذي تلاه إلى آخر ما قبل قوله \" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ \" الآية خطاب لأزواجه ثم أعقب ذلك بخطاب لأهله بقوله\" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ\" فجاء على خطاب الرجال.... فعقلنا أن قوله خطاب لمن أراده من الرجال بذلك ليعلمهم تشريفه لهم، ورفعه لمقدارهم، أن جعل نساءهم ممن قد وصفه لما وصفه به مما في الآيات المتلوة قبل الذي خاطبهم به تعالى.\nولكن جواب الطحاوي - لو صح - لاقتصرت الآية على الرسول ﷺ فقط لأن الآيات في نساء النبي، فكيف تشمل غيره من الرجال والبنين فضلًا عن النساء؟ وقد مر من قبل الحديث عن التعبير بالمذكر في الآية الكريمة، وبيان ضعف الروايات التي تمنع شمول الآية الكريمة لنساء النبي ﷺ.\n\nوالطحاوي على أية حال حاول ألا يخرج على السياق ولكن الغريب أن نجد من يقول:\n\" الآية لم تكن بحسب النزول جزءًا من آيات نساء النبي، ولا متصلة بها، وإنما وضعت بينها. إما بأمر من النبي ﷺ أو عند التأليف بعد الرحلة \" (١) .\n_________\n(١) الميزان ١٦/٣٣٠","vol":"1","page":80},{"text":"فكيف أن عجز آية ُيضم إلى صدرها ولا صلة بينهما؟ ثم كيف يكون الصدر متصلًا بما قبله وما بعده، والعجز يبعد عن هذا كل البعد؟ وما الحكمة في وضعه هنا إذن؟ والأشد غرابة ونكرًا أن يوجد احتمال وضعه بدون أمر النبي ﷺ.\nوقال الطبرسي: \" متى قيل إن صدر الآية وما بعدها في الأزواج، فالقول فيه أن هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم \" (١) .\nوهذا القول وإن كان ينقصه الدليل، وبيان الحكمة المقتضية لمثل هذا، وبالذات إذا كان الخروج إلى ما ليس له علاقة بالموضوع، هذا القول لا ينزل إلى مستوى القول السابق.\nونخرج من هذا بأن آية التطهير في نساء النبي وغيرهم من أهل البيت كما بين الرسول ﷺ، ولكن إذا كان لأحد أن يتكلم في شمولها لأمهات المؤمنين فليس هناك دليل على الإطلاق يخرج باقي قرابة رسول الله ﷺ، فأي دليل يمنع شمولها لباقى بنات النبي؟ ومفارقتهن للحياة قبل نزول الآية لا يعنى عدم إرادة تطهيرهن في حياتهن، وما الذي يمنع دخول باقي ذرية الإمام على؟ وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس؟\n\nوعلى القول بأنها منحصرة في الخمسة كيف تتعداهم إلى غيرهم من باقي الأئمة الاثنى عشر؟ ولماذا لم تشمل أئمة الزيدية مثلًا أو الإسماعيلية أو باقي فرق الشيعة التي جاوزت السبعين؟\n_________\n(١) مجمع البيان ٢/١٣٩ ط مكتبة الحياة.","vol":"1","page":81},{"text":"وننتقل بعد هذا إلى دلالة الآية الكريمة على العصمة. قال الطوسي (١):\n\" استدل أصحبنا بهذه الآية أن في جملة أهل البيت معصومًا لا يجوز عليه الغلط وأن إجماعهم لا يكون إلا صوابًا بأن قالوا: ليس يخلو إرادة الله لإذهاب الرجس عن أهل البيت بأن يكون هو ما أراد منهم من فعل الطاعات واجتناب المعاصى، أو يكون عبارة عن أنه أذهب عنهم الرجس بأن فعل لهم لطفًا اختاروا عنده الامتناع من القبائح، والأول لا يجوز أن يكون مرادًا لأن هذه الإرادة حاصلة مع جميع المكفلين، فلا اختصاص لأهل البيت في ذلك، ولا خلاف أن الله تعالى خص بهذه الآية أهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيرهم، فكيف يحمل على ما يبطل هذا التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيها فضيلة ومزية على غيرهم؟ على أن لفظة إنما تجرى مجرى ليس، فيكون تلخيص الكلام (ليس يريد الله إلا إذهاب الرجس على هذا الحد من أهل البيت)، فدل ذلك على أن إذهاب الرجس قد حصل فيهم، وذلك يدل على عصمتهم\" (٢)\nوقد انفرد الجعفرية بهذا القول، وخالفوا أهل التأويل جميعًا، وما ذكروه فيه نظر لعدة أمور:\nمخالفتهم لأهل التأويل جميعًا يجعل قولهم غير مقبول ما لم يؤيد بأدلة قوية تسنده.\nفي الأحاديث السابقة ما يبين أن الرسول ﷺ جمع أهل الكساء ودعا لهم بأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا، فإذا كان إذهاب الرجس قد حصل والتطهير قد تم فما الحاجة إلى الدعاء؟\nأية التطهير واقعة بين آيات فيها الأمر والنهى مما يؤيد إرادة فعل الطاعات، واجتناب المعاصى ليؤدى ذلك إلى إذهاب الرجس وحدوث\n_________\n(١) يطلق عليه الجعفرية لقب \" شيخ الطائفة \".\n(٢) مجمع البيان ٢٢/١٣٩ ط مكتبة الحياة.","vol":"1","page":82},{"text":"التطهير، ويؤيده أيضًا ما روى من قبل أن النبي ﷺ كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت \" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\" فهنا يبدو الربط بين الأمر بالصلاة والآية الكريمة.\nويزيد ذلك تأييدًا ما روى بسند صحيح عن على بن أبى طالب أنه قال:\n\" أتانى رسول الله ﷺ وأنا نائم وفاطمة، وذلك من السحر، حتى قام على الباب، فقال: ألا تصلون؟ فقلت مجيبًا له: يا رسول الله، إنما نفوسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا، قال: فرجع رسول الله ﷺ ولم يرجع إلى الكلام، فسمعته حين ولى يقول، وضر ب بيده على فخذه: وكان الإنسان أكثر شئ جدلًا \" (١)، وفى رواية أخرى عن الإمام أيضًا قال: \" دخل على رسول الله ﷺ وعلى فاطمة من الليل، فأيقظنا للصلاة، قال: ثم رجع إلى بيته فصلى هويًّا من الليل، قال، فلم يسمع لنا حسًا، قال: فرجع إلينا فأيقظنا، وقال: قوما فصليا، قال: جلست وأنا أعرك عينى وأقول: إنا والله ما نصلى إلا ما كتب لنا، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، قال: فولى رسول الله ﷺ وهو يقول ويضرب بيده على فخذه: ما نصلى إلا ما كتب لنا! ما نصلى إلا ماكتب لنا! وكان الإنسان أكثر شئ جدلًا \" (٢) .\nفهنا يتضح حرص الرسول ﷺ على إذهاب الرجس عن أهل بيته وتطهيرهم تطهيرًا، وغضبه لما بدر من زوج الزهراء رضي الله تعالى عنهما.\n_________\n(١) حديث رقم ٥٧١ ج ٢ من المسند، وانظر في التعليق بيان المرحوم الشيخ أحمد شاكر لصحة الإسناد، والروايات الأخرى الصحيحة لهذا الحديث.\n(٢) حديث رقم ٧٠٥ ج ٢ من المسند، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":83},{"text":"قال ابن تيمية:\nأما الآية (الأحزاب ٣٣) \" وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\" فليس فيها إخبار بذهاب الرجس وبالطهارة، بل فيها الأمر لهم بما يوجبها، وذلك كقوله تعالى:\n\"مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ علَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ \" (١)\n\" يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ \" (٢)\n\" يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ \" (٣)\nفالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا، ليست هي الملتزمة لوقوع المراد، ولو كان كذلك لتطهر كل من أراد الله طهارته، ثم أيد رأيه بدعائهصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحاب الكساء (٤) .\n٦.انتهينا إلى أن آية التطهير في نساء النبي، وغيرهن من أهل البيت وهم: آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. ولا قائل بعصمة هؤلاء، وتخصيص الخمسة يحتاج إلى دليل، والأدلة التي وجدناها تمنع هذا التخصيص.\nبقى بعد هذا ما ذكره الطوسي من أن حمل الإرادة على هذا المعنى لا يجوز لأن هذه الإرادة حاصلة مع جميع المكلفين. فلا اختصاص لأهل البيت في ذلك، ولا خلاف أن الله تعالى خص بهذه الآية أهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيره، فكيف يحمل على ما يبطل هذا التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيه فضيلة ومزية على غيرهم؟!\n_________\n(١) سورة المائدة – الآية رقم ٦.\n(٢) سورة النساء – الآية ٢٦.\n(٣) سورة النساء – الآية ٢٨.\n(٤) انظر المنتقى ص ١٦٨، وانظر ص ٤٢٨.","vol":"1","page":84},{"text":"هذا هو الدليل الذي استند إليه الطوسي (١)، وهو استدلال عقلى، فهل يرد بمثل هذا الدليل ما ذكرناه من الأدلة؟!\nولو صح هذا القول لكانت آية التطير في نساء النبي ﷺ خاصة، فقد اختصصن بمضاعفة الأجر، وهذا يجعلهن أقرب إلى التطهير وإذهاب الرجس، كما اختصصن بنزول الوحي في بيوتهن، ولكنا نقول: إن إرادة التطهير وإن كانت حاصلة مع المكلفين، إلا أن أهل البيت بها أخص فهم المقتدى بهم، ولأصحاب الكساء النصيب الأوفى. فهذا التأويل لا يمنع الفضيلة والمزية، ولكنه لا يثبت العصمة.\nوالاستدلال بآية التطهير بعد هذا يصبح غير مسلم به، فتخصيصها بالخمسة الأطهار غير ثابت، وتأويلها بما يثبت العصمة لا دليل عليه، وهم يرون ثبوت الإمامة لثبوت العصمة. على أن القول بعصمة الإمام نتحدث عنه عند مناقشة الدليل التالي.\n*****\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>رابعا: عصمة الأئمة</span>\nذكرت من قبل ما ذهب إليه الشيعة من القول بعصمة الأئمة، فلا يخطئون عمدًا ولا سهوًا ولا نسيانًا طوال حياتهم، لافرق في ذلك بين سن الطفولة وسن النضج العقلى، ولا يختص هذا بمرحلة الإمامة.\nومما استدلوا به قوله تعالى: - \" إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ \".\n_________\n(١) وبهذا أيضا استدل العالم المعاصر محمد تقى الحكيم، وذهب إلى أن الإرادة تكوينية لا تشريعية (انظر الأصول العامة للفقه المقارن ص ١٥٠) .","vol":"1","page":85},{"text":"قالوا: تدل هذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصومًا عن القبائح، لأن الله ﷾ نفى أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالمًا إما لنفسه وإما لغيره، فإن قيل: إنما نفى أن يناله ظالم في حال ظلمه، فإذا تاب لا يسمى ظالمًا، فيصح أن يناله، فالجواب أن الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالمًا. فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها. والآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها، فلا ينالها الظالم وإن تاب فيما بعد (١) .\nثم قالوا: إن الله ﷾ عصم اثنين فلم يسجدا لصنم قط وهما: محمد بن عبد الله وعلى بن أبى طالب، فلأحدهما كانت الرسالة، وللآخر كانت الإمامة، أما الخلفاء الثلاثة فلم يعصموا، وهم ظالمون ليسوا أهلًا للإمامة.\nونلاحظ هنا:\n١. في تأويل الآية الكريمة (٢) \" إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا \" يحتمل جعله رسولًا ُيقتدي به، لأن أهل الأديان، مع اختلافهم، يدينون به، ويقرون بنبوته. ويحتمل إمامًا من الإمامة والخلافة، أو الإمامة والاقتداء، فيقتدي به الصالحون. والعهد اختُلف في تأويله: فقيل الرسالة والوحي، وقيل الإمامة، وهو واضح من التأويل السابق، ويؤيده عدة روايات. وعن ابن عباس ... قال: \" لا ينال عهدي الظالمين \" قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته أنقضه، وروى عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حبان نحو ذلك. وقال الثوري عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: ليس لظالم عهد. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: لا ينال\n_________\n(١) انظر التبيان ١/٤٤٩، ومجمع البيان ١/٢٠٢، ومصباح الهداية ٦٠-٦٣.\n(٢) نظر تفسير الماتريدى: ص ٢٧٩، والطبرى تحقيق شاكر ٣/١٨- ٢٤، وابن كثير١/١٦٧، والآلوسى ١/٣٠٦ -٣٠٨، والبحر المحيط ١/٣٧٤ -٣٧٩، والقرطبى ٢/١٠٧-١٠٩.","vol":"1","page":86},{"text":"عهد في الآخرة الظالمين، وأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به وأكل وعاش، وكذا قال إبراهيم النخعى وعطاء والحسن وعكرمة. وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول لا ينال الظالمين، ألا ترى أنه قال:\n\" وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ \" (١)\nيقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق، وكذا روى عن أبى العالية وعطاء ومقاتل بن حيان، وقال جويبر عن الضحاك: لاينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًا يطيعني. وروى عن على بن أبى طالب عن النبي ﷺ قال: \" لا ينال عهدي الظالمين \" قال: \" لا طاعة إلا في المعروف. فالآية الكريمة إذا اختلف في تأويلها، والقطع بأن المراد هو ما ذهب إليه الجعفرية من التأويل ينقصه الدليل، ورد باقي الأدلة.\n٢. ولكن مع هذا فلا خلاف بأن الظالم لا يصلح لإمامة المسلمين، قال الزمخشري: \" وكيف يصلح لها من لايجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة؟ وكان أبو حنيفة ﵀ يفتى سرًا بوجوب نصرة زيد بن على رضوان الله عليهما، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقى (٢) وأشباهه، وقالت له امرأة: أشرت على بنى بالخروج مع إبراهيم ومحمد بنى عبد الله بن الحسن حتى قتل: فقال ليتنى مكان ابنك وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف\n_________\n(١) سورة الصافات – الآية ١١٣.\n(٢) اللص المتغلب والخليفة الذي ذكره الزمخشري هو هشام بن عبد الملك، وأما الدوانيقى فهو المنصور أخو السفاح، سمى بذلك قيل لبخله، وقد ذكر يعض المصنفين أنه لم يكن بخيلًا (البحر المحيط ١/٣٧٨) .","vol":"1","page":87},{"text":"الظلمة، فإذا نصب من كان ظالمًا في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم \" (١)\nا\n٣. لايمكن التسليم بأن غير المعصوم لابد أن يكون ظالمًا، أو أن غير الظالم لابد أن يكون معصومًا، فبين العصمة وعدم الظلم فرق شاسع، فالمخطئ قبل التكليف ليس ظالمًا ولا يحاسب بالاتفاق، ومن ندر ارتكابه للصغائر وأتبعها بالتوبة والاستغفار لا يكون ظالمًا، أما الخطأ والنسيان فمما لايحاسب عليه كما قال ﷺ: \" وُضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه \" (٢) . وكما يؤخذ من دراسة قوله تعالى:\n\" رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا \" (٣)\n٤. في رفض الآلوسى لما ذهب إليه الشيعة قال: استدل بها بعض الشيعة على نفى إمامة الصديق وصاحبيه ﵃، حيث إنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك، وإن الشرك لظلم عظيم، والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة، وأجيب بأن (غاية ما يلزم أن الظالم في حال الظلم لايناله، والإمامة إنما نالتهم رضي الله\n_________\n(١) الكشاف ١/٣٠٩ وقال القرطبى (٢/١٠٩) قال بن خويزمنداد: وكل من كان ظالمًا لم يكن نبيًا ولا خليفة، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام.\n(٢) رواه ابن ماجة وابن أبى عاصم، ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وقال النووى في الروضة وفى الأربعين أنه حسن. ووقع في كتب كثيرين من الفقهاء والأصوليين بلفظ \" رفع \" بدل \" وضع \"، وحول الحديث كلام يطول ذكره، انظر المقاصد الحسنة ص ٢٢٨ – ٢٣٠ وكشف الخفاء ١/٤٣٣-٤٣٤.\n(٣) روى الامام مسلم وغيره ما يفيد استجابة ربنا ﷿ لهذا الدعاء، وروى كذلك عند الجعفرية: انظر مجمع البيان ٢/٤٠٤، وانظر كذلك تفسير بن كثير ١/٣٤٢-٣٤٣، والقرطبى ٣/٤٣١-٤٣٢ والكشاف ١/٤٠٨.","vol":"1","page":88},{"text":"تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم)، ثم قال: \" ومن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر، أو ظالم في لغة وعرف وشرع، إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة وفى غيره مجاز، ولا يكون المجاز أيضًا مطردًا بل حيث يكون متعارفًا وإلا لجاز صبى لشيخ ونائم لمستيقظ وغنى لفقير وجائع لشبعان وحى لميت وبالعكس، وأيضًا لو اطرد ذلك يلزم من حاف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافرًا قبل سنين متطاولة أن يحنث، ولا قائل به \" (١) .\n٥. ليس من المقطوع به أن الإمام عليا لم يسجد لصنم قط، ولم أجد أثرًا صحيحًا يؤيد هذا، ولكن يرجحه أن الإسلام أدركه وهو صبى، وأنه تربى في بيت النبوة، واقتدى بابن عمه سيد المرسلين ﷺ وتخلق بخلقه، ولهذا كان أول من أسلم بعد خديجة رضي الله تعالى عنهما.\nوالذين لم يسجدوا للأصنام كثيرون كالصحابة الذين عاشوا في بيئة إسلامية في صغرهم فنشئوا على الإسلام، ثم الذين ولدوا في هذه البيئة، فلا اختصاص لأمير المؤمنين هنا.\n٦. العصمة من الخطأ كبيره وصغيره، عمدًا وسهوًا ونسيانًا من المولد إلى الممات أمر يتنافى مع الطبيعة البشرية، فلا يقبله العقل إلا بالدليل قطعى من النقل. وهذه الآية الكريمة لا تثبته للأئمة عمومًا فضلًا عن أئمة الجعفرية على وجه الخصوص، على أن دلالة القرآن الكريم تتنافى مع مثل هذه العصمة حتى بالنسبة لخير البشر جميعًا الذين اصطفاهم الله تعالى للنبوة والرسالة. وقد أثبتُّ هذا من قبل في بحثى الذي نلت به درجة الماجستير (٢)، وسيأتي الحديث عن العصمة في الفصل الخامس من هذا الجزء.\n_________\n(١) انظر تفسير الآلوسى ١/٣٠٧ - ٣٠٨.\n(٢) انظر فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة ج١ ص ٣٧:١٨.","vol":"1","page":89},{"text":"٧. الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه، والذين مدحهم القرآن الكريم في أكثر من موضع، ويبين أنهم.\n\" كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ \" (١)\nكيف يستبيح مسلم لنفسه أن يصفهم بأنهم ظالمون؟ وكيف يصدر هذا ممن يقول: الظلم اسم ذم، ولا يجوز أن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله تعالى:\n\"أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ\" (٢)\nوكيف يبين القرآن الكريم أنهم خير أمة أخرجت للناس ثم تؤول آية من آياته بأنهم ملعونون؟\nفعلى الجعفرية إذا أن يعيدوا النظر في تأويلهم، وما بنوه على هذا التأويل.\nوالآية الكريمة على كل حال لا تدل على أن إمام المسلمين بعد الرسول ﷺ يجب أن يكون على بن أبى طالب ولا على إمامة أحد بعينه.\n*****\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>خامسا: الغدير</span>\nذكرت من قبل ما قاله الجعفرية من أن الله ﷾ أمر نبيه ﷺ بأن ينص على على وينصبه علمًا للناس، وأن الرسول ﷺ امتثل للأمر - بعد تردد! وبلغ المسلمين عند غدير خم بعد منصرفه من حجة الوداع. وبحث ما قاله الرسول ﷺ في الغدير يتعلق بالسنة، ولكنهم ذكروا أن ثلاث آيات تتصل بهذه الحادثة، آيتان من سورة المائدة، وأول سورة المعارج كما بينت عند ذكر أدلتهم من القرآن الكريم. وآية التبليغ هي قوله تعالى:\n\"\n_________\n(١) سورة آل عمران - الآية رقم ١١٠.\n(٢) انظر التبيان ١/١٥٨، والآية المذكورة هي رقم ١٨ من سورة هود.","vol":"1","page":90},{"text":"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ\" (١)\nولم يكتف بعضهم بذكر أنها نزلت في على، ولكن ذكر الأقوال المختلفة في أسباب النزول، قال الطوسي (٢):\nقيل في سبب نزول هذه الآية أربعة أقوال:\nأحدها: قال محمد بن كعب القرظى وغيره: إن أعرابيًا هم بقتل النبي ﷺ فسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه شجرة حتى انتثر دماغه.\nالثانى: أن النبي ﷺ كلن يهاب قريشًا، فأزال الله ﷿ بالآية تلك الهيبة. وقيل: كان للنبي ﷺ حراس بين أصحابه، فلما نزلت الآية قال: ألحقوا بملاحقكم، فإن الله تعالى عصمنى من الناس.\nالثالث: قالت عائشة: إن المراد بذلك إزالة التوهم أن النبي ﷺ كتم شيئًا من الوحي للتقية.\nالرابع: قال أبو جعفر وأبو عبد الله ﵉: إن الله تعالى لما أوحى إلى النبي ﷺ أن يستخلف عليًا كان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعًا له على القيام بما أمره بأدائه.\n_________\n(١) سورة المائدة – الآية ٦٧.\n(٢) التبيان ٣/٥٨٧-٥٨٨.","vol":"1","page":91},{"text":"ولم يناقش الطوسي ما قيل، ولم يذكر ما يرجح أحد هذه الأقوال، ولكن كثيرًا من طائفته استدلوا بروايات على أنها استخلاف على (١)، وظاهر النص لا يدل على هذا، والروايات كلها أقصى ما تبلغه لا تصل إلى مرتبة السنة، فليس فيها ما أثر عن النبي ﷺ، على أنا لم نجد رواية واحدة صحيحة عن طريق الجمهور تؤيد ما ذهب إليه الجعفرية، ولننظر إلى ما ذهب إليه المفسرون.\nقال الطبري في تفسير الآية الكريمة: -\n\" هذا أمر من الله تعالى ذكره نبيه محمدًا بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قص تعالى ذكره قصصهم في هذه السورة، وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجتراءهم على ربهم وتوثبهم على أنبيائهم، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم إياه، ورداءة مطاعمهم ومآكلهم، وسائر المشركين وغيرهم، ما أنزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم، والتقصير بهم والتهجين لهم، وما أمرهم به وما نهاهم عنه، وأن لا يشعر نفسه حذرًا منهم أن يصيبوه في نفسه بمكروه ما قام فيهم بأمر الله، ولاجزعًا من كثرة عددهم وقلة عدد من معه، وأن لايتقى أحدًا في ذات الله، فإن الله تعالى ذكره كافيه كل أحد من خلقه، ودافع عنه مكروه كل من يبغى مكروهه، وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصر عن إبلاغ شئ مما يبلغ إليه إليهم، فهو في تركة تبليغ ذلك وإن قل ما لم يبلغ منه فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذنب بمنزلته لو لم يبلغ من تنزيله شيئًا. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل \" (٢) .\nوالذى ذهب إليه أهل التأويل هو الذي يتفق مع سياق الآيات الكريمة، ومع تكملة الآية ذاتها. والخروج على السياق وفصل صدر الآية عن عجزها لا يجوز بغير أدلة صحيحة.\n_________\n(١) انظر البيان ط مكتبة الحياة ٦/١٥٢ –١٥٣، والميزان ٦/٤٢ –٦٤ وتفسير شبر ... ص ١٤٣، والغدير ١/٢١٤ –٢٢٩، ومصباح الهداية ١٩٠-١٩٨.\n(٢) تفسير الطبري تحقيق شاكر ١٠/٤٦٧.","vol":"1","page":92},{"text":"والطبرى بعد أن ذكر اتفاق أهل التأويل في المراد من الآية الكريمة، ذكر أنهم اختلفوا في السبب الذي من أجله نزلت، فقال بعضهم نزلت بسبب أعرابى كان هُّم بقتل رسول الله ﷺ فكفاه الله إياه، وقال آخرون: بل نزلت لأنه كان يخاف قريشًا، فأومن من ذلك، وذكر روايات القائلين بهذين القولين (١) .\nأما الحافظ ابن كثير فقد توسع في الحديث عن هذه الآية الكريمة، حيث قال:\n\" يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله بذلك به وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام، قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول:\n\" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ \" الآية هكذا رواه ههنا مختصرًا، وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولًا، وكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان، والتزمذى والنسائى في كتاب التفسير من سننهما، من طرق عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها رضي الله تعالى عنها. وفى الصحيحين عنها أيضًا أنها قالت: لو كان محمد ﷺ كاتمًا شيئًا من القرآن لكتم هذه الآية: -\n_________\n(١) صاحب كتاب الغدير ذكر أن الطبري يرى أن الآية الكريمة نزلت في الغدير كما يذهب الجعفرية (امظر كتابه ١/٢١٤ –٢١٦ –٢٢٣-٢٢٥) وما قاله الطبري يتفق مع أهل التأويل – كما نص هو على هذا – وإن اختلفوا في السبب الذي من أجله نزلت، ومعنى هذا أن أهل التأويل متفقون على صحة ما ذهب إليه الجعفرية لو صح ما ذكره صاحب الغدير! قول غريب نعود إليه في الحديث عن الآية التالية.","vol":"1","page":93},{"text":"\" وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ \" (١)\nوقال ابن أبى حاتم:\nحدثنا أحمد بن منصور الرمادى، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال له: إن ناسًا يأتونا يخبرونا أن عندكم شيئًا لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: -\n\" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ \" والله ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء وهذا إسناد جيد. وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبى جحيفة وهب بن عبد الله السوائى قال: قلت لعلى بن أبى طالب ﵁: هل عندكم شئ من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل (٢)، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.\nوقال البخاري:\nقال الزهرى: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو أربعين ألفًا، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ: \" أيها الناس إنكم مسئولون عنى فما أنتم قائلون؟ \" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول: \" اللهم هل بلغت \". قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا فضيل يعنى ابن غزوان،\n_________\n(١) المائدة الآية- ٦٧.\n(٢) أي الدية.","vol":"1","page":94},{"text":"عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع \" يا أيها الناس أي يوم هذا؟ \" قالوا: يوم حرام، قال: \" أي بلد هذا؟ \" قالوا: بلد حرام، قال: \" فأي شهر هذا \" قالوا: شهر حرام، قال: \" فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا من شهركم هذا \" مرارًا قال: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه ﷿، ثم قال: ألا فليبلغ الشاهد الغائب، ولا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض \". وقد روى البخاري عن على بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه، وقوله تعالى:\n\" وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ \" يعنى وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به فما بلغت رسالته، أي وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع، \" وقال على بن أبى طلحة عن ابن عباس\" وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ\" يعنى إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته (١) . ا. هـ.\nثم استمر ابن كثير في تفسيره ليبين ما يتعلق بتتمة الآية الكريمة. وأشار إلى كيد المشركين وأهل الكتاب لرسول الله ﷺ الذي عصمه الله تعالى منهم، وقال بعد أن ذكر شيئًا من كيدهم: \" ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها. فمن ذلك ما ذكره المفسرون عن هذه الآية الكريمة \" (٢)﴾ ١٢٩ ﴿)، وذكر بعض روايات الطبري ... وغيره.\nوهكذا نجد أن تفسير الآية الكريمة لا يتفق مع ما ذهب إليه الجعفرية.\nوبالإضافة إلى ما ذكره المفسرون روى الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس قال: \" كان رسول الله ﷺ عبدًا مأمورًا بلغ والله ما أرسل\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ٢/٧٧ –٧٨.\n(٢) المرجع السابق ٢/٩٧.","vol":"1","page":95},{"text":"به، وما اختصنا دون الناس بشئ ليس ثلاثا، أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، ولا ننزى حمارًا على فرس \" (١)﴾ ١٣٠ ﴿) .\nوهذه رواية صحيحة السند، ونصها يتعارض مع تأويل الجعفرية.\nعلى أن بعض المفسرين ناقش الشيعة فيما ذهبوا إليه، وبين أنه قول لا يستقيم. قال الآلوسى عند تفسيره للآية الكريمة: (أخبار الغدير التي فيها الأمر بالاستخلاف غير صحيحة عند أهل السنة، ولا مسلمة لديهم أصلًا) (٢) وأيد هذا القول: ثم قال: ومما يبعد دعوى الشيعة من أن الآية نزلت في خصوص خلافة على كرم الله وجهه، وأن الموصول فيها خاص كقوله تعالى: \" وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ\" فإن الناس فيه وإن كان عامًا إلا أن المراد بهم الكفار، ويهديك إليه ... \" إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ \" فإنه في موضع التعليل بعصمته ﵊ (٣): وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر، أي لأن الله تعالى لا يهديهم إلى أمنيتهم فيك. ومتى كان المراد بهم الكفار بعد إرادة الخلافة: بل لو قيل لم تصح، لم يبعد، لأن التخوف الذي تزعمه الشيعة منه ﷺ - وحاشاه - في تبليغ أمر الخلافة إنما هو من الصحابة. رضي الله تعالى عنهم - حيث إن فيهم - معاذ الله تعالى - من يطمع فيها لنفسه، ومتى رأي حرمانه منها لم يبعد قصد الإضرار برسول الله ﷺ، والتزام القول - والعياذ بالله ﷿ - بكفر من عرضوا بنسبة الطمع في الخلافة إليه، مما يلزمه محاذير كلية أهونها تفسيق الأمير كرم الله\n_________\n(١) انظر الرواية وتخريجها، وبيان صحة سندها في المسند ج ٣ رواية رقم ١٩٧٧ تحقيق المرحوم الشيخ أحمد شاكر، وأشار إلى روايات أخرى مؤيدة. وفى التعليق تفسير للجزء الأخير بأن الخيل كانت في بنى هاشم قليلة فأحب - ﷺ - أن تكثر فيهم.\n(٢) تفسير الآلوسى ٢/٣٤٩.\n(٣) انظر مثل ما ذكره الآلوسى هنا في الكشاف ١/٦٣١، والبحر المحيط ٣/٥٣٠.","vol":"1","page":96},{"text":"وجهه وهو هو، أو نسبة الجبن إليه وهو أسد الله تعالى الغالب، أو الحكم عليه بالتقية وهو الذي لا يأخذه في الله تعالى لومة لائم، ولا يخشى إلا الله سبحانه (١) .\nولقد وفق الآلوسى في الاستدلال عن طريق ربط الآية بعضها ببعض وتأويله الآية كما ذهب إليه جمهور المفسرين لا يحتاج إلى دليل، لأنه أخذ بظاهر النص وعمومه، وبدلالة السياق، ولكن تخصيصها باستخلاف على هو الذي يحتاج إلى أدلة أصح وأكثر قبولًا من أدلة الجمهور المذكورة، وهذا ما لم نجده. وروايات الغدير تناقش تفصيلًا في بحث متصل بالسنة النبوية الشريفة.\nوالآية الكريمة الأخرى من سورة المائدة هي \" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي \" (٢) وإختلف أهل التأويل في المراد بإكمال الدين، فقال بعضهم: يعنى جل ثناؤه بقوله: \" الْيَوْمَ أَكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ \" اليوم أكملت لكم أيها المؤمنون فرائضى عليكم، وحدودى وأمرى إياكم ونهى وحلالى وحرامى، وتنزيلى من ذلك ما أنزلت منه في كتاب، وتبيانى ما بينت لكم منه بوحيى على لسان رسولى، والأدلة نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم.\nوقال آخرون: إن الله ﷿ أخبر نبيه -ﷺ والمؤمنين به، أنه أكمل لهم - يوم أنزل هذه الآية على نبيه - دينهم، بإفرادهم البلد الحرام، وإجلائه عنه\n_________\n(١) انظر مثل ما ذكره الآلوسى هنا في الكشاف ١/٦٣١، والبحر المحيط ٣/٥٣٠.\n(٢) جزء من الآية الثالثة.","vol":"1","page":97},{"text":"المشركين، حتى حجه المسلمون دونهم لا يخالطهم المشركون، وهذا هو الذي اختاره الطبري وأيده (١) .\nوالجعفرية لا يخرجون في تأويلهم عن القولين، ولكنهم يزيدون أن الآية الكريمة نزلت بعد أن نصب النبي ﷺ عليًا علمًا للأنام يوم غدير خم عند منصرفه من حجة الوداع، ويروون هذا عن الإمامين الباقر والصادق، ويرون أن الولاية آخر فريضة أنزلها الله تعالى، ثم لم ينزل بعدها فريضة (٢) .\nوفسر الطبرسي \" وأتممت عليكم نعمتي \" بولاية على بن أبى طالب، وذكروا رواية عن أبى سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال بعد نزوله الآية الكريمة: الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وولاية على بن أبى طالب من بعدى.\nولكن الطوسي لا يذكر مثل هذه الرواية، ويفسر \" وأتممت عليكم نعمتي \" بقوله: \" خاطب الله تعالى جميع المؤمنين بأنه أتم نعمته عليهم، بإظهارهم على عدوهم المشركين ونفيهم إياهم عن بلادهم، وقطعه طمعهم من رجوع المؤمنين وعودهم إلى ملة الكفر، وانفراد المؤمنين بالحج والبلد الحرام، وبه قال ابن عباس وقتادة والشعبي\".\nولم يشر الطوسي إلى الولاية، وما ذكره كأنما نقل عن شيخ المفسرين، فقد قال الطبري في تفسيره: \" يعنى جل ثناؤه بذلك: وأتممت نعمتي، أيها المؤمنون بإظهاركم على عدوى وعدوكم من المشركين، ونفيي إياهم عن بلادكم، وقطعي طمعهم من رجوعكم وعودكم إلى ماكنتم عليه من الشرك. وبنحو الذي قلنا\n_________\n(١) انظر تفسير الآية الكريمة في الطبري تحقيق شاكر ٩/٥١٧ - ٥٣١ وابن كثير ٢/١٢ - ١٤ والكشاف ١/٥٩٣، والآلوسى ٢/٢٤٨ - ٢٤٩ والقرطبى ٦/٦١ - ٦٣، والبحر المحيط ٣/٤٢٦.\n(٢) راجع للجعفرية: التبيان ٣/٤٣٥ -٤٣٦، ومجمع البيان ط مكتبة الحياة ٦/٢٥ - ٢٦، وجوامع الجامع ص ١٠٤، وتفسير شبر ص ١٣٣، ومصباح الهداية ص ٢٠٤ - ٢٠٥.","vol":"1","page":98},{"text":"في ذلك قال أهل التأويل. وروى عن ابن عباس أنه قال: كان المسلمون والمشركون يحجون جميعًا، فلما نزلت براءة: فنفُى المشركون عن البيت، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك في تمام النعمة: \" وأتممت عليكم نعمتي \".\nوعن قتادة: نزلت على رسول الله ﷺ يوم عرفة يوم جمعة حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، وأخلص للمسلمين حجهم.\nوعن الشعبي قال: نزلت هذه الآية بعرفات، حيث هدم منار الجاهلية، واضمحل الشرك ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك.\nوعن عامر قال: نزلت على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفات، وقد أطاف به الناس، وتهدمت منار الجاهلية ومناسكهم واضمحل الشرك، ولم يطف حول البيت عريان فأنزل الله: \" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ \". وعن الشعبي بنحوه.\nإن روايات قتادة والشعبى التي ذكرها الطبري تعارض ما قيل من أن الآية الكريمة نزلت يوم الغدير. وهناك روايات أخرى صحيحة السند تثبت نزولها يوم عرفة يوم جمعة لا يوم الغدير. وذكر الطبري بعض هذه الروايات، وروايات أخرى معارضة، ثم قال: وأولى الأقوال في وقت نزول الآية القول الذي روى عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، ووهى أسانيد غيره.\nوقال الحافظ ابن كثير: \" قال الإمام أحمد: حدثنا أبى جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آية؟","vol":"1","page":99},{"text":"قال: قوله \" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي \" فقال عمر: والله إنى لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ عشية عرفة في يوم جمعة (١) ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به، ورواه أيضًا مسلم والترمذى والنسائى أيضًا من طرق عن قيس بن مسلم به. ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية عن طريق سفيان الثوري عن قيس عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدًا. فقال عمر: إنى لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حين أنزلت: يوم عرفة وأنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا: \" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ \" الآية وشك سفيان ﵀ إن كان في الرواية فهو تورع حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا، وإن كان شكًا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة فهذا ما إخاله يصدر عن الثوري ﵀، فإن هذا أمر مقطوع به لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها، والله أعلم. وقد روى هذا عن غير وجه من عمر \".\nوبعد هذه الروايات ذكر ابن كثير روايات الطبري التي صح سندها، وهى تبين - كما سبق - أن الآية نزلت يوم الجمعة. ثم ذكر الروايات المعارضة، وهى التي استوهاها الطبري، وبين ضعفها، ومنها ما روى عن الربيع بن أنس أنها نزلت في المسير في حجة الوداع، وقال: وقد روى ابن مردويه عن طريق أبى هارون العبدى، عن أبى سعيد الخدري، أنها نزلت على رسول الله ﷺ يوم غدير خم حين قال لعلى: \" من كنت مولاه فعلى مولاه \". ثم رواه عن أبى هريرة\n_________\n(١) الرواية صحيحة الإسناد، ورواها الإمام أحمد بسند صحيح أخر، وانظر الروايتين رقم ١٨٨، ٢٧٢ في الجزء الأول من المسند.","vol":"1","page":100},{"text":"وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذى الحجة، يعنى مرجعه ﵇ من حجة الوداع، ولايصح هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك فيه ولامرية أنها أنزلت يوم عرفة وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبى سفيان، (١) وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب ﵃، وأرسله الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب، وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير الطبري ﵀.\nومن هنا يظهر أن الروايات الصحيحة تعارض ما ذهب إليه الجعفرية من نزول الآية الكريمة يوم الغدير، ولكن أحد كتابهم أيد ما ذهبوا إليه بقوله بأنه \" يؤكده النقل الثابت في تفسير الرازى (٣ ص ٥٢٩) عن أصحاب الآثار أنه لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ لم يعمر بعد نزولها إلا أحدًا وثمانين يومًا، أو اثنين وثمانين، وعينه أبو السعود في تفسيره بهامش تفسير الرازى (٣ ص ٥٢٣) وذكره المؤرخون منهم: إن وفاته ﷺ في الثانى عشر من ربيع الأول، وكأن فيه تسامحًا بزيادة يوم واحد على الاثنين والثمانين يومًا بعد إخراج يومى الغدير والوفاة، وعلى أي فهو أقرب إلى الحقيقة من كون نزولها يوم عرفة كما جاء في\n_________\n(١) المروى في الصحاح الستة عن طريق معاوية في الأحكام ثلاثون حديثًا، ذكرها ابن الوزير – من علماء الزيدية – في كتابه الروض الباسم، وأثبت صحتها ثم صحة باقي الأحاديث المروية عن طريقه في غير الأحكام، وأشار إلى أنه لم يرد حديث واحد عن طريق معاوية في ذم الإمام على \" انظر كتابه ٢/١١٤ –١١٩\".","vol":"1","page":101},{"text":"صحيحى البخاري ومسلم وغيرهما (١) . لزيادة الأيام حينئذ، على أن ذلك معتضد بنصوص كثيرة لا محيص عن الخضوع لمفادها \" (٢) .\nأما النصوص الكثيرة التي يرى ألا محيص عن الخضوع لمفادها فقد سبق ذكر بعضها وبيان عدم الأخذ بها، فهى روايات ضعيفة السند متعارضة مع روايات صحيحة بل متواترة كما ذكر الحافظ ابن كثير.\nومن الواضح البين أن رواية الرازى للأيام إذا تعارضت مع هذ الروايات وجب طرح رواية الرازى. وليس من البحث العلمي الصحيح أن رواية تأتى في أحد كتب التفاسير تسقط بها روايات متعددة كثيرة السند، جاءت عن طريق الأئمة أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم.\nوأول النصوص الكثيرة التي يرى مؤلف الغدير ألا محيص عن الخضوع لمفادها نص ذكر أن الطبري رواه بإسناده عن زيد بن أرقم في كتاب الولاية، وأشار إليه هنا حيث أثبته بالكامل عند استدلاله على آية التبليغ السابقة في ... غديره (٣)، وبالرجوع إلى النص نجد أمرًا عجيبًا! فهو يكاد يجمع ما يتصل بعقيدة الإمامية وغلاتهم في الإمامة، فهى لعلى بالنص، ثم في أولاده إلى يوم القيامة إلى القائم المهدى، وغيرهم أئمة يدعون إلى النار، وهم وأتباعهم في الدرك الأسفل منها، والله تعالى ورسوله بريئان منهم.... إلخ.\n_________\n(١) من العجيب الغريب أن الروايات التي ينكرها هنا يستدل بها هي ذاتها في مكان آخر بشيء آخر، فذكر قول اليهودى \" لو نزلت فينا هذه الآية لاتخذنا يوم نزولها عيدًا \" ثم قال: وصدر من عمر ما يشبه التقرير لكلامه. وانتهى من هذا إلى أن يوم نزولها عيد وهو عيد الغدير! ولم يشر إلى يوم عرفة! (انظر الغدير ١/٢٨٣) .\n(٢) المرجع السابق ١/٢٣٠.\n(٣) انظر المرجع المذكور ١/٢١٤-٢١٦.","vol":"1","page":102},{"text":"والمعروف أن شيخ المفسرين الطبري ليس شيعيًا فضلًا عن غلاتهم، ولكن صاحب الغدير بعد ذكر الرواية وروايات أخرى قال (١) بأن الطبري أول من عرفناه ممن ذكر أن آية التبليغ حول قصة الغدير.\nوأخذ يناقش الروايات التي جاءت في تفسير الطبري ليبين أنها لا تتعارض مع الرواية المذكورة في كتابه عن الولاية، مع أن الطبري متفق مع أهل التأويل كما ذكرنا من قبل عند مناقشة الآية الكريمة، أفكل أهل التأويل جعفريون؟!\nوعند الحديث عن آية الإكمال هذه ذكر رواية الطبري وأشار إلى كتابه في الولاية، ولم يشر إلى تفسيره، ويتضح سر هذا وقد عرفنا الرأي الذي اختاره الطبري حيث استوهى الروايات المخالفة لرواية عمر بن الخطاب. إذن لسنا في حاجة إلى بيان ضلال الباحث عندما يسيره هواه، ولكن أحب أن أقول هنا بأن كتاب الولاية في ضوء ما سبق إما أنه ألف ونسب إلى الطبري زورا وانتصارا لمذهب، وإما أن الطبري جمع ما وجده من الولاية بغير نظر إلى مصادر الروايات: وفى كلتا الحالتين الكتاب لا وزن له، ولا يبين رأي الطبري (٢) .\n_________\n(١) راجع قوله في ج١ ص ٢٢٣-٢٢٥.\n(٢) قد بحثت عن الكتاب المذكور فلم أجده، وبحثت عن أسماء الكتب المنسوبة للطبرى فوجدت ما يزيد عن مائة كتاب منها كتاب فضائل على بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه. قال ياقوت الرومى في كتابه إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب ٦/٤٥٢ بأن الطبري تكلم في أوله بصحة الأخبار الواردة في غدير خم، ثم تلاه بالفضائل، ولم يتم، فالطبرى إذن لم يتم كتابه وهو – مع عشرات الكتب الأخرى – غير موجود، فلعل أحدًا استغل هذا فأخرج كتابًا بعنوان الولاية ونسبه للطبرى. والرواية التي ذكرها صاحب كتاب الغدير عن زيد بن أرقم نقلا عن كتاب الولاية لا تصح بحال، وقد ذكرنا من قبل الروايات الصحيحة عن زيد بن أرقم كما رواها الإمامان أحمد ومسلم. فإذا كان الطبري قد صحح الأخبار الواردة في غدير خم كما قال ياقوت فإنها لا تزيد عما أخرجه مسلم، وما صح من مسند أحمد، أما أن يصح عنده مالا يؤمن به، بل لا يقول به إلا الغلاة فهذا أمر مرفوض قطعًا. *\n*ومن المعاصرين لشيخ المفسرين عالم شيعي اسمه محمد بن جرير بن رستم الطبري ويكنى أبا جعفر، وله كتاب المسترشد في الإمامة (انظر الفهرست للطوسى ص ١٥٨ - ١٥٩) فلعله صاحب كتاب الولاية، واستغل التشابه بين الاسمين والكنيتين في نسبة الكتاب لشيخ المفسرين، وهو بلا أدنى شكل براء مما جاء به.","vol":"1","page":103},{"text":"وإذا كانت آية التبليغ السابقة نزلت قبل آية الإكمال هذه - كما قال الجعفرية أنفسهم - فإن الروايات السابقة تدل على أن آية التبليغ نزلت قبل الغدير، مما يؤيد ما ذهب إليه جمهور المفسرين في تأويلها، ويعارض ما قاله الجعفرية من أنها خاصة بالاستخلاف يوم الغدير، وهذا دليل آخر يضاف إلى أدلة الجمهور.\nومما سبق رأينا أن آية الإكمال نزلت يوم عرفة، ولكن لو فرضنا أنها نزلت يوم الثامن عشر من ذى الحجة يوم الغدير فإنها لا تعتبر دليلًا على استخلاف على، لأن هذا مبنى على أساس أن آية التبليغ خاصة بالاستخلاف وهذا غير ثابت كما بينت من قبل.\nويبقى بعد هذا ما يتعلق بأول سورة المعارج \" سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ \".\nوالسورة الكريمة \" مكية \" بالاتفاق، وما ذكره بعضهم (١) يستلزم أن تكون مدنية بل من أواخر ما نزل بالمدينة بعد حجة الوداع قبيل الوفاة: وشيخ طائفتهم الطوسي لم يقع في هذا الخطأ، ولذا قال: سورة المعارج مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما. وفسرها بما يتفق مع جمهور المفسرين، ولم يشر إلى أن التكذيب كان بالولاية، ولا أن جزءًا من هذه السورة نزل بالمدينة فضلًا عن كونه بعد حجة الوداع (٢) .\nوفى مجمع البيان ذكر الطبرسي مثل هذا التفسير، ثم زاد رواية عن جعفر ابن محمد عن آبائه، قال: لما نصب رسول الله ﷺ عليًا ﵇ يوم غدير\n_________\n(١) سبق ذكر روايتهم في بداية الفصل.\n(٢) انظر التبيان ١٠/١١٢ –١١٣.","vol":"1","page":104},{"text":"خم، وقال: من كنت مولاه فعلى مولاه، طار ذلك في البلاد، فقدم على النبي ﷺ النعمان بن الحرث الفهرى فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة ففعلناها، ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعلى مولاه: فهذا شىء منك أو أمر من عند الله؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله، فولى النعمان ابن الحرث وهو يقول: \" اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء \"، فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، وأنزل الله تعالى: \" سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ\".\nولكن هذه الرواية تتعارض مع ما ذكره الطبرسي نفسه حيث قال: \"سورة المعارج مكية، وقال الحسن: إلا قوله \" وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ\" (١) .\nوفى موضع آخر ذكر روايات تبين ترتيب نزول سور القرآن الكريم، وبحسب هذا الترتيب نجد سورة المعارج مكية، وبعدها سبع سور مكية أخرى، ثم ذكر السور المدنية. وفى إحدى هذه الروايات: \" وكانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة \".\nومعنى هذا أن سورة المعارج مكية وبالأخص فاتحتها، والطبرسي في تفسيره الآخر \" جوامع الجامع \" الذي كتبه بعد أن اطلع على تفسير الكشاف للزمخشرى وأعجب به (٢)، ذكر أن سورة المعارج مكية، وفسرها بما يتفق مع مكيتها، ولم\n_________\n(١) المرجع السابق ١٠/٣٥٠.\n(٢) انظر مقدمة جوامع الجامع ففيها بيان سبب التأليف، ومما جاء في هذه المقدمة ... ص ٣: \" وحثني وبعثنى عليه أن خطر ببالى وهجس بضميرى، بل ألقى في روعى، محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه، فإن لألفاظه لذة الجدة ورونق الحداثة \".","vol":"1","page":105},{"text":"يشر للرواية المنسوبة للإمام الصادق. وفى تفسير الآية الخامسة وهى\" فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا \" قال: فاصبر يتعلق بسأل سائل لأنهم استعجلوا العذاب استهزاء وتكذيبًا بالوحي (١) .\nفالطبرسي هنا لم يأخذ بالرواية المنسوبة للإمام الصادق، وما ذكره الطوسي موافقًا به جمهور المفسرين فيه ما يكفى لرد ما ذهب إليه بعض الجعفرية.\n\n*****\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>تعقيب</span>\n\nبعد المناقشة السابقة نقول: -\nظهر أن عقيدة الإمامة عند المذهب الجعفرى لا تستند إلى شىء من القرآن الكريم، واستدلالاتهم تنبنى على روايات متصلة بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها، ولم يصح شئ من هذا ولا ذاك بما يمكن أن يكون دليلًا يؤيد مذهبهم.\nقال أحد مفسرى الجعفرية عن أسباب النزول:\n\" ما ذكروه من أسباب النزول كلها أو جلها نظرية، بمعنى أنهم يردون غالبًا الحوادث التاريخية، ثم يشفعونها بما يقبل الانطباق عليها من الآيات الكريمة فيعدونها أسباب النزول، وربما أدى ذلك إلى تجزئة آية واحدة، أو آيات ذات سياق واحد، ثم نسبة كل جزء إلى تنزيل واحد مستقر وإن أوجب ذلك اختلال نظم\n_________\n(١) انظر المرجع السابق ص ٥٠٨-٥٠٩.","vol":"1","page":106},{"text":"الآيات وبطلان سياقها. وهذا أحد أسباب الوهن في نوع الروايات الواردة في أسباب النزول (١) .\nوما ذكره هذا المفسر الجعفرى يكاد ينطبق على جميع الآيات الكريمة التي استدلوا بها.\nومن قبل قال الإمام أحمد بن حنبل:\nثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازى (٢) .\nويروى \" ليس لها أصل \" أي إسناد، لأن الغالب عليه المراسيل.\nيرى الجعفرية أن الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثنى عشر ركن من أركان الإيمان، والقرآن الكريم - تبيان كل شيء - كيف لا يبين هذا الركن بنصوص ظاهرة من آياته البينات.\nغلاة الجعفرية لم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة، ووضع الروايات كأسباب للنزول، وإنما أقدموا على ما هو أشنع من هذا وأشد جرمًا، ذلك أنهم قالوا بتحريف القرآن الكريم، وحذف اسم على منه في أكثر من موضع، وسيأتي لهذا مزيد بيان في بحث التفسير عندهم في الجزء الثانى من هذه الموسوعة، والذي جرفهم إلى هذه عقيدتهم في الإمامة، وجعلهم إياها ركنًا من أركان الإيمان.\n*****\n_________\n(١) الميزان ٤/٧٦-٨٨.\n(٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٢٠.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الفصل الثالث\nالإمامة في ضوء السنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>أولا: خطبة الغدير والوصية بالكتاب والسنة</span>\nأخبار الغدير تعتبر المستند الأول من السنة عند الجعفرية، فهم يرون أن الرسول ﷺ عند غدير خم، بعد منصرفه من حجة الوداع، بين للمسلمين أن وصيه وخليفته من بعده على بن أبى طالب، وذكرت من قبل أن كاتبًا جعفريًا ألف كتابًا يقع في ستة عشر مجلدًا ليثبت به صحة حديث وشهرته، وهذا الكتاب الذي أشرت إليه عنوانه \" الغدير في الكتاب والسنة والأدب\"! فالتأليف إذن كان من أجل واقعة الغدير، وإذا لم يثبت في القرآن الكريم شئ مما أراده المؤلف لم يبق إلا السنة، أما الأدب فلا حاجة لنا به في هذا المجال!\nوقبل النظر في كتب السنة الثمانية التي حددت في منهجى الرجوع إليها، وهى: الموطأ، والمسند والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، نسترشد بما جاء في سيرة محمد بن إسحاق (١) التي جمعها ابن هشام.\nتحت عنوان موافاة على في قفوله من اليمن رسول الله في الحج ورد ما قاله ابن إسحاق عما أمر به الرسول ﷺ عليًا من أمور الحج (٢) . ثم ورد ما يأتي:\n\"\n_________\n(١) ولد في المدينة سنة ٨٥ هـ، ثم خرج إلى العراق وأقام ببغداد حتى توفى. ووفاته محصورة بين سنة ١٥٠ وبين ١٥٣ هـ. قيل إنه كان يتشيع، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، أخرج له مسلم في المتابعات، واستشهد به البخاري في مواضع، وروى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. وقال الدارقطنى: اختلف الأئمة فيه وليس بحجة إنما يعتبر به. (انظر ترجمته في السيرة النبوية لابن هشام: مقدمة الناشرين ص ١٣: ١٧، وراجع ترجمته كذلك في تهذيب التهذيب) .\nوقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعد أن ذكر ترجمته: فالذى يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق. وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا. وقد احتج به الأئمة، والله أعلم.\n(٢) السيرة النبوية ٤/٦٠٢.","vol":"1","page":108},{"text":"قال ابن اسحاق: وحدثنى يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة، عن يزيد بن طلحة بن ركانة، قال: لما أقبل على ﵁ من اليمن ليلقى رسول الله ﷺ واستخلف على جنده الذي معه رجلًا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع على ﵁. فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل قال: ويلك؟ ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس. قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهى به إلى الرسول ﷺ. قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.\nقال ابن اسحاق: فحدثنى عبد الله بن عبد الرحمن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب وكانت عند أبى سعيد الخدري، قال: اشتكى الناس عليًا رضوان الله عليه، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبًا، فسمعته يقول: أيها الناس، لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يشكى.\nخطبة الرسول في حجة الوداع\nقال ابن اسحاق: ثم مضى رسول الله ﷺ على حجه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بيَّن فيها ما بيَّن، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:\nأيها الناس، اسمعوا قولى: فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا الموقف أبدًا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من أئتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظَلمون ولا تظُلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان","vol":"1","page":109},{"text":"مسترضعًا في بنى ليث، فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيها الناس: إن النسىء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب ... مضر (١)، الذي بين جمادى وشعبان.\nأما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقًا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن أن لايأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوان (٢) . لايملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولى واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟ فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ: اللهم اشهد (٣) .\n_________\n(١) ورجب مضر: إنما قال لأن ربيعة كانت تحرم رمضان، وتسميه رجبًا، فبين ﵊ أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وأنه الذي بين جمادى وشعبان.\n(٢) عوان: جمع عانية وهى الأسيرة.\n(٣) السيرة النبوية ٤/٦٠٣ -٦٠٤.","vol":"1","page":110},{"text":"وغير ما ذكره ابن اسحق من سبب تلك الشكوى، نجد سببًا آخر يذكر وهو أن الرسول ﷺ بعث جيشًا، واستعمل عليهم على بن أبى طالب، فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه، ونجد رواية أخرى أنه أصاب الجارية عندما كان على جيش وخالد بن الوليد على جيش آخر، فأرسل خالد للرسول ﷺ يخبره لما فعله أبو الحسن.\nوالروايات كلها تشير إلى أن الرسول ﷺ دافع عن زوج الزهراء ﵉، والأقوال مختلفة، وسنبين الصحيح منه إن شاء الله تعالى.\nوخطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع التي ذكرها ابن اسحاق، نرى معناها مبثوثًا في كتب السنة، ففي صحيح البخاري نجد شيئًا منها في باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج، وفى آخر الباب \" فطفق النبي ﷺ \" يقول: اللهم اشهد وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع \".\nونجد كثيرًا منها في باب حجة النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كتاب الحج في صحيح مسلم. وهذه الحجة يرويها الإمام الصادق عن أبيه الباقر عن جابر رضي الله تعالى ... عنهم، كما أخرجها أيضًا غيرالإمام مسلم (١) .\nوقد بينت في الفصل السابق أنه في يوم عرفة من حجة الوداع نزل قوله تعالى \" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ \" ومن قبله: \" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ \" ويرى الجعفرية أن استخلاف الإمام على كان يوم الغدير في الثامن عشر من ذى الحجة، وهنا يأتي تساؤل وهو: أفيمكن أن يترك ركن من أركان الإيمان لا يذكر، وقد أكمل الله تعالى دينه، وخطب رسوله ﷺ، وودع الناس في حجة الوداع؟\n_________\n(١) انظر حجة النبي - ﷺ - لمحمد ناصر الدين الألبانى ص ٤٠-٤٥، ص ٧٧-٧٩.","vol":"1","page":111},{"text":"أظن هذا مستبعدًا، ولكن ليس مستحيلًا!\nولم يَدُر جدل بين الجمهور والجعفرية حول معنى من معانى الخطبة كما ذكرها ابن إسحاق إلا في قوله ﷺ: \" وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينا، كتاب الله وسنة نبيه \". فالجعفرية يرون أن الرسول ﷺ أمر بالتمسك بالكتاب والعترة في خطبة الغدير، وأنه ترك الثقلين كتاب الله تعالى وأهل بيته.\nوليس معنى هذا أن الجعفرية يرون عدم طاعة الرسول ﷺ، فليس بمسلم من يرى هذا، ولكنهم يرون أن الأئمة معصومون، وأقوالهم كأقوال الرسول ﷺ فهى تعتبر عندهم من السنة، فلابد من الرجوع إليهم حتى لا تضل الأمة!\nوننظر في مفتاح كنوز السنة فنجده يذكر وصيته ﷺ بكتاب الله وسنة رسوله عن عشرة مراجع منها: الصحيحان، والمسند، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه (١) .\nوفى صحيح البخاري نجد \" كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة \" ومما جاء في هذا الكتاب \" وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوا إلى غيره، اقتداء بالنبي ﷺ.\nوفى الموطأ يروى الإمام مالك قول الرسول ﷺ: \" تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه \" (٢) .\n_________\n(١) انظر مفتاح كنوز السنة – باب الميم فيما ذكره عن محمد - ﷺ - ... .\n(٢) كتاب النهى عن القول بالقدر، وهذا الحديث الشريف وصلة ابن عبد البر من حديث كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده (انظر تنوير الحوالك ٢/٢٠٨) . *\n*وقال ابن عبد البر كذلك: مرسلات مالك كلها صحيحة مسندة (١/٣٨) . وقال جلال الدين السيوطى: \" ما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد ... فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شىء \" (نفس المرجع ١/٦) .","vol":"1","page":112},{"text":"ونجد في بعض هذه المراجع العشرة الوصية بكتاب الله تعالى دون ذكر السنة، من ذلك ما جاء في سنن الدارمى: حدثنا محمد بن يوسف، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف اليامى، قال: \" سألت عبد الله بن أبى أوفى: أوصى رسول الله ﷺ؟ قال: لا، قلت: فكيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا بالوصية؟ فقال: أوصى بكتاب الله \". (انظر كتاب الوصايا. باب من لم يوص ج ٢ ص ٢٩٠-٢٩١)\nوفى سنن النسائي رواية أخرى لهذا الحديث، وقال السيوطى في شرحه: \" أوصى بكتاب الله أي بدينه، أو به وبنحوه ليشمل السنة \". (انظر كتاب الوصايا - باب هل أوصى النبي ﷺ؟ ج٦ ص ٢٤٠) .\nوفى غير المراجع العشرة نجد مثلًا في كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك \" باب في لزوم السنة \" ويحتوى الباب على ثمانية أخبار.\nوفى المسند لأبى بكر عبد الله بن الزبير الحميدى حدث المصنف قال: ثنا سفيان قال: ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبى أوفى: \" هل أوصى رسول الله ﷺ؟ فقال: لم يترك رسول الله ﷺ شيئًا يوصى فيه. قلت: وكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله \". (انظر المجلد الثانى - حديث رقم ٧٢٢) .\nوفى فيض القدير شرح الجامع الصغير، نجد رواية عن أبى هريرة ﵁ قال: خطب النبي ﷺ في حجة الوداع فقال: \" تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتى، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض \".","vol":"1","page":113},{"text":"ومما قاله المناوى في شرحه:\nإنهما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدى إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما. واعتصم بحبلهما، وهما الفرقان الواضح، والبرهان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما، والمبطل إذا خلاهما، فوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة متعين معلوم من الدين بالضرورة.\n(راجع الجزء الثالث ص ٢٤٠-٢٤١، حديث رقم ٣٢٨٢ وشرحه، وانظر صحيح الجامع الصغير للشيخ ناصر الدين الألبانى جـ ٢، حديث رقم ٢٩٣٤) .\nولسنا في حاجة إلى أن نطيل الوقوف هنا، فلا خلاف بين المسلمين في وجوب التمسك والاعتصام بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.\nوالخلاف حول شىء من السنة مرده إلى الخلاف حول الثبوت أو الدلالة، أما ما ثبت عن الرسول ﷺ، وكان واضح الدلالة، فلا خلاف حول الأخذ به ووجوب اتباعه، فقد نطق بهذا الكتاب المجيد في مثل قوله تعالى: \" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا \" (١)\nوقوله ﷿: \" مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ \" (٢)\nوقوله ﷾: \" فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا\" (٣)\n_________\n(١) سورة الحشر – آية ٧.\n(٢) سورة النساء – آية ٨٠.\n(٣) سورة النساء – آية ٦٥.","vol":"1","page":114},{"text":"إلى غير ذلك من آيات الله البينات التي بينت أن من لم يتمسك بسنة الرسول ﷺ، فقد ابتعد عن الإيمان. وضل ضلالًا بعيدًا.\nمن الواضح إذن أن عصمة الأمة وعدم ضلالها في التمسك بما أنزل الله تعالى في كتابه العزيز، وبما بينه جل شأنه على لسان رسوله ﷺ في السنة المطهرة، دون حاجة إلى الرجوع إلى أئمة الجعفرية، أو غيرهم من فرق الشيعة، ولكنا نجد روايات أخرى تذكر أن الرسول ﷺ ترك الكتاب والعترة، وفى بعضها الأمر بالتمسك بهما حتى لا نضل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثانيا: روايات التمسك بالكتاب والعترة</span>\nمن هذه الروايات ما رواه الإمامان مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم، وسبق ذكره عند الحديث عن آية التطهير، وفى تلك الروايات الحث على التمسك بكتاب الله تعالى، ثم قوله ﷺ: \" أذَّكركم الله في أهل بيتي \"، وقول زيد: \" إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده \" وقال \" هم آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس \". وهذه الروايات تحثنا معشر المسلمين على أن نرعى حقوق آل البيت، بيت نبينا ﷺ، فنحبهم ونوقرهم وننزلهم منازلهم، فحبنا لرسولنا الأعظم يدفعنا لحبنا لآله الأطهار، وعلينا أن نصلهم، ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: \" والذى نفسى بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتى\" (١)، وقال \" ارقبوا محمدًا ﷺ في أهل بيته \" (٢) .\n_________\n(١) البخاري - كتاب المناقب - باب مناقب رسول الله - ﷺ - وانظر كذلك الرواية رقم ٥٥ بالجزء الأول من المسند، وسندها صحيح.\n(٢) البخاري - كتاب المناقب - باب مناقب الحسن والحسين.","vol":"1","page":115},{"text":"وبالطبع لا تدل هذه الروايات على وجوب الإمامة لآل البيت، ولا لأحد بعينه، فلا صلة بين التذكير بأهله والنص على خلافة بعضهم.\nوأما باقي الروايات فإنها جاءت في المسند، وفى سنن الترمذي. وروايات المسند هي: -\n١. حدثنا عبد الله، حدثني أبى، حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل يعنى إسماعيل بن أبى إسحق الملائى، عن عطية، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ:\n\" إنى تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض \" (٣/١٤) .\n٢.حدثنا عبد الله، حدثني أبى، حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد يعنى ابن طلحة، عن الأعمش، عن عطية العوفى، عن أبى سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ... قال: \" إنى أوشك أن أدعى فأجيب، وإنى تارك فيكم الثقلين، كتاب الله ﷿، وعترتى، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظرونى بم تخلفونى فيهما؟ \" (٣/١٧) .\n٣.حدثنا عبد الله، حدثنا أبى، ثنا ابن نمير، ثنا عبد الملك يعنى ابن أبى سليمان، عن عطية، عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \" إنى قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله ﷿ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي. ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض \" (٣/٢٦) .\n٤.حدثنا عبد الله، حدثني أبى، ثنا ابن نمير، ثنا عبد الملك بن أبى سليمان، عن عطية العوفى، عن أبى سعيد الخدري قال:","vol":"1","page":116},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \" إنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدى: الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله ﷿ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي. ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض \" (٣/٥٩) .\n٥.حدثنا عبد الله، حدثني أبى، ثنا الأسود بن عامر، ثنا شريك، عن الركين، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: \" إنى تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو ما بين السماء إلى الأرض - وعترتى أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض \" (٥/١٨١/١٨٢) .\n٦.حدثنا عبد الله، حدثني أبى، ثنا أحمد الزبيرى، ثنا شريك عن الركين، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: \" إنى تارك فيكم خليفتين، كتاب الله وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض جميعًا \" (٥/١٨٩-١٩٠) .\nوالترمذى أخرج روايتين هما (١): - حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن هو الأنماطى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجه يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: \" ياأيها الناس، قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدى، كتاب الله وعترتى أهل بيتي \" (حسن غريب) .\n-حدثنا على بن المنذر كوفى، حدثنا محمد بن فضيل قال، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبى سعيد، والأعمش عن حبيب بن أبى ثابت، عن زيد بن أرقم ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: \" إنى تارك فيكم ما إن\n_________\n(١) انظر مناقب أهل بيت النبي - ﷺ - في أبواب المناقب من سننه.","vol":"1","page":117},{"text":"تمسكتم به لن تضلوا بعدى، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفونى فيهما \". (حسن غريب) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>مناقشة الروايات</span>\nهذه هي روايات التمسك بالكتاب والعترة، وبالنظر فيها نجد ما يأتي: -\nعن أبى سعيد الخدري خمس روايات، الأربع الأولى من المسند، والثانية من سنن الترمذي، وهذه الروايات كلها يرويها عطية عن أبى سعيد.\nوعطية هو \" عطية بن سعد بن جنادة العوفى \" والإمام أحمد نفسه - صاحب المسند - تحدث عن عطية وعن روايته عن أبى سعيد فقال بأنه ضعيف الحديث، وأن الثوري وهشيما كانا يضعفان حديثه، وقال: بلغنى أن عطية كان يأتي الكلبى فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبى سعيد فيقول: قال أبو سعيد فيوهم أن الخدري.\nوقال ابن حبان: سمع عطية من أبى سعيد الخدري أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبى، فإذا قال الكلبى: قال رسول الله ﷺ كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد، وروى عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبى، قال: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب.\nوقال البخاري في حديث رواه عطية: أحاديث الكوفيين هذه مناكير، وقال أيضًا: كان هشيم يتكلم فيه. وقد ضعفه النسائي أيضًا في الضعفاء، وكذلك أبو حاتم. ومع هذا كله وثقه ابن سعد فقال: \" كان ثقه إن شاء الله، وله أحاديث","vol":"1","page":118},{"text":"صالحة، ومن الناس من لا يحتج به \". وسئل يحيى بن معين: كيف حديث عطية؟ قال: صالح (١)\nوما ذكره ابن سعد وابن معين لا يثبت أمام ما ذكر من قبل. وقد يقُال هنا: إذا كان الإمام أحمد يرى ضعف حديث عطية فلماذا روى عنه؟\nوالجواب أن الإمام إنما روى في مسنده ما اشتهر، ولم يقصد الصحيح ولا السقيم. ويدل على ذلك أن ابنه عبد الله قال: قلت لأبى: ما تقول في حديث ربعى بن خراش عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبى رواد؟ قلت: نعم، قال الأحاديث بخلافه، قلت: فقد ذكرته في المسند؟ قال: قصدت في المسند المشهور، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي لن أرو من هذا المسند إلا الشئ اليسير. وقد طعن الإمام أحمد في أحاديث كثيرة من المسند، ورد كثيرًا مما روى، ولم يقل به، ولم يجعله مذهبًا له (٢) .\nوعندما عد ابن الجوزي من الأحاديث الموضوعة أحاديث أخرحها الإمام أحمد في مسنده، وثار عليه من ثار، ألف ابن حجر العسقلانى كتابه \" القول المسدد في الذب عن المسند \"، فذكر الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي، ثم أجاب عنها، ومما قال: \" الأحاديث التي ذكرها ليس فيها شئ من أحاديث الأحكام في الحلال والحرام، والتساهل في إيرادها مع ترك البيان بحالها شائع، وقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام شددنا. وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا. وهكذا حال هذه الأحاديث (٣) .\nوما ذكره ابن حجر ينطبق على الأحاديث المروية في فضائل أهل البيت والتمسك بالعترة.\n_________\n(١) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال.\n(٢) انظر المسند تحقيق شاكر – طلائع الكتاب ١/٧٥.\n(٣) ص ١١ من القول المسدد.","vol":"1","page":119},{"text":"الرواية الثانية للترمذى رواها عن على بن المنذر الكوفي، عن محمد بن فضيل، ثم انقسم السند إلى طريقين: انتهى الأول إلى عطية عن أبى سعيد، والثانى إلى زيد بن أرقم، ولا يظهر هنا أي السندين هو الأصل. وإذا نظرنا إلى الروايات الأربع السابقة التي رواها عطية عن أبى سعيد نجد توافقًا تامًا في المعنى وفى كثير من اللفظ بينها وبين هذه الرواية، مما يرجح أن هذا الطريق هو الأصل، وهو المذكور أولًا في الإسناد، ومن قبل تحدثنا عما رواه الإمامان أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم بطرق متعددة وفى تلك الروايات ذكر قوله ﷺ \" وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به \" فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: \" وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي \" (١) .\nوهذا يتفق بعض الشئ مع رواية الترمذي، لكن بينهما اختلاف كبير يستوجب عدم الجمع، مما يجعلنا نطمئن إلى ضم رواية الترمذي إلى الروايات الأربع التي رواها عطية عن أبى سعيد، واستبعادها عن روايات زيد بن أرقم إلا في موضع الاتفاق.\nوالذى جمع بين الطريقين في هذا الإسناد على بن المنذر الكوفي أو محمد بن فضيل، ولكن الثانى روى عنه مسلم في إحدى رواياته السابقة عن زيد بن أرقم، فيُستبعد الجمع عن طريقه. فلم يبق إلا على بن المنذر، وهو من شيعة الكوفة. قال ابن أبى حاتم: سمعت منه مع أبى، وهو صدوق ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن نمير: هو ثقة صدوق. وقال الدار قطنى: لا بأس به، وكذا قال مسلمة بن قاسم، وزاد: كان يتشبع.\n_________\n(١) راجع صحيح مسلم – كتاب فضائل الصحابة – باب من من فضائل على بن ابى طالب رضي الله تعالى عنهم، والمسند ٤/٣٦٦-٣٦٧.","vol":"1","page":120},{"text":"وقال الإسماعيلى: في القلب منه شىء لست أخيره. وقال ابن ماجه: سمعته يقول: حججت ثمانيًا وخمسين حجة أكثرها راجلًا (١) .\nوما سمعه منه ابن ماجه يجعلنا نتردد كثيرًا في الاحتجاج بقوله: فكيف يقطع آلاف الأميال للحج ثمانيًا وخمسين مرة أكثرها راجلًا؟ ليس من المستبعد إذن أن يجمع راوٍ شيعي كهذا روايتين في مناقب أهل البيت تتفقان في شىء وتختلفان في شىء آخر، وهذا يجعلنا نزداد اطمئنانًا إلى ما انتهينا إليه من جعل هذه الرواية مع الروايات الأخرى لعطية عن أبى سعيد، وفصلها عن روايات زيد بن أرقم.\nعلى أن هذه الرواية فيها ضعف آخر. وهو الانقطاع في موضعين، فالأعمش وحبيب بن أبى ثابت مدلسان. وهما يرويان بالعنعنة. فلم يثبت سماع كل منهما هنا.\nوالأعمش وحبيب من الثقات. وثبت سماع الأعمش من حبيب، وسماع حبيب من زيد بن أرقم. إلا أن في هذه الرواية لم يثبت السماع، والأعمش فيه تشيع وهو كوفى، وحبيب كوفى أيضًا، وفى بيئة الكوفة يمكن أن تشيع مثل هذه الأحاديث دون دقة أو تمحيص.\nوحبيب نفسه قال لابن جعفر النحاس: إذا حدثني رجل عنك بحديث، ثم حدثت به عنك كنت صادقًا (٢) .\nفحبيب كان صادقًا ليس بكاذب، إلا أنه أبان عن رأيه، فليس من الكذب عنه أن يسمع من راوٍ عن آخر، فيروى عن الآخر مباشرة بما لايفيد السماع منه.\n_________\n(١) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.\n(٢) الأعمش هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلى، مولاهم أبو محمد الكوفي. انظر ترجمته وترجمة حبيب في تهذيب التهذيب. وميزان الاعتدال.","vol":"1","page":121},{"text":"وفى المستدرك روى الحاكم (١) هذا الحديث بما يفيد سماع الأعمش من حبيب. وهذا ما يحتاج إلى مراجعة الإسناد الذي ذكره، وما أكثر رجاله. غير أننا لسنا مضطرين إلى بذل هذا الجهد، فإن ثبت سماع الأعمش بقى أكثر من موطن ضعف. والحاكم ذكر الحديث بروايتين: -\nإحداهما في إسنادها الإمام أحمد بن حنبل، وسيأتي أنه هو نفسه ضعف الحديث كما ذكر ابن تيمية، والأخرى بين الذهبي وهَىْ إسنادها (٢)﴾\n﴿) .\nالقاسم بن حسان العامرى الكوفي روى الروايتين الخامسة والسادسة من المسند عن زيد بن ثابت، ورجح المرحوم الشيخ أحمد شاكر توثيقه وقال:\n\" وثقة أحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر البخاري في الكبير اسمه فقط، ولم يذكر عنه شيئًا، وترجمه ابن أبى حاتم في الجرح والتعديل فلم يذكر فيه جرحًا، ثم نقل عن المنذرى أن البخاري قال: القاسم بن\n_________\n(١) هو عبد الله بن عبد الله الضبى النيسابورى. ولد سنة ٣٢١ هـ وجاوز الثمانين حيث توفى سنة ٤٠٥ هـ. قال عنه ابن حجر في لسان الميزان: إمام صدوق ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك، فما أدرى هل خفيت عليه؟ فما هو ممن يجهل ذلك. وإن علم فهو خيانة عظيمة\nثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. والحاكم أجل قدرًا وأعظم خطرًا وأكبر ذكرًا من أن يذكر في الضعفاء. ولكن قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره. وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها.\n(٢) انظر المستدرك ٣/١٠٩ - ١١٠.\n\nوهذا الحديث من الأحاديث التي أنكرها عليه أصحاب الحديث، ولم يلتفتوا إلى تصحيحه. ... (راجع ترجمته بشئ من التفصيل في التذكرة التي كتبت في صدر كتابه معرفة علوم الحديث للدكتور السيد معظم حسين) .","vol":"1","page":122},{"text":"حسان سمع من زيد بن ثابت، وعن عمه عبد الرحمن بن حرملة، وروى عنه الركين بن الربيع، لم يصح حديثه في الكوفيين \".\nثم عقب شاكر على هذا بقوله \" والذى نقله المنذرى عن البخاري في شأن القاسم بن حسان لا ادرى من أين جاء به، فإنه لم يذكر في التاريخ الكبير إلا اسمه فقط كما قلنا، ثم لم يترجمه في الصغير، ولم يذكره في الضعفاء، وأخشى أن يكون المنذرى وهم فأخطأ، فنقل كلام ابن أبى حاتم بمعناه منسوبًا للبخاري، وأنا أظن أن قول البخاري في عبد الرحمن بن حرملة \" لا يصح حديثه \" إنما مرده إلى أنه لم يعرف شيئًا عن القاسم بن حسان، فلم يصح عنده لذلك حديث عمه عبد الرحمن \" (١)\nوفى توثيق القاسم بن حسلن نظر، فابن حبان ذكره أيضًا في أتباع التابعين ومقتضاه أنه لم يسمع من زيد بن ثابت، وقال ابن القطان: لايعرف حاله (٢) .\nوالبخاري ذكر اسمه فقط في التاريخ الكبير، وليس في هذا توثيق ولا تضعيف. وفى الجرح والتعديل حقيقة لم يذكر فيه جرحًا، ولكن لم يذكر فيه كذلك تعديلًا. وإذا كان الظن بأن البخاري ضعف عبد الرحمن بن حرملة من أجل القاسم، فمن باب أولى أن يدخل القاسم في الضعفاء، ويبقى هنا الإشكال وهو أن البخاري لم يذكره في الضعفاء، ولم يذكر فيه جرحًا في كتبه الأخرى المذكورة، فمن أين جاء المنذرى بما نقله عن البخاري؟\nلعل المرحوم الشيخ شاكرًا كان يتردد فيما كتب لو عرف أن البخاري له كتاب كبير في الضعفاء يقع في تسعة أجزاء، وهو مخطوط ولا يوجد منه نسخ\n_________\n(١) انظر المسند ج ٥ التعليق على الرواية ٣٦٠٥، وهذه غير روايات العترة.\n(٢) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.","vol":"1","page":123},{"text":"في مصر، فلم لا يكون المنذرى نقل منه (١)؟ وفاته كذلك أن يقرأ ترجمة القاسم في ميزان الاعتدال، فقد نقل الذهبي عن البخاري أن القاسم بن حسان حديثه منكر ولا يعرف (٢)، وهذا قول لا يحتمل الوهم. فلا شك أن المنذرى والذهبي قد رجعا لما لم يتيسر لنا الرجوع إليه، وأغلب الظن - إن لم يكن من المؤكد - أنهما نقلا عن كتاب الضعفاء الكبير للبخاري.\nلم يبق إذن إلا الرواية الأولى للترمذى، وفى سندها زيد بن الحسن الأنماطى الكوفي، الذي روى عن الإمام الصادق عن أبيه عن جابر بن عبد الله، قال أبو حاتم عن زيد هذا: كوفى قدم بغداد، منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات (٣) .\nوخطبة الرسول ﷺ في حجة الوداع رواها مسلم بسند صحيح عن الإمام الصادق عن أبيه عن جابر، وليس فيها \" وعترتى أهل بيتي \" (٤)، وهذه الخطبة رويت عن جابر بطرق متعددة في مختلف كتب السنة، وليس فيها جميعًا ذكر لهذه الزيادة (٥) .\n_________\n(١) في الحديث عن أحد الرواة قال العلامة المرحوم أحمد شاكر: \" نقل الحافظ في التهذيب أن البخاري ذكره في الضعفاء، ولم أجد فيه \". وهذا يؤيد أنه لم يسمع بكتاب الضعفاء الكبير للبخاري – انظر قوله في الحديث عن الرواية رقم ٦٤٦ بالجزء الثانى من المسند.\n(٢) يطلق البخاري \" منكر الحديث \" على من لا تحل الرواية عنه، أما عند غيره فمنكر الحديث في درجة ضعيف الحديث – انظر: قواعد في علوم الحديث للتهانوى ص ٢٥٨، وانظر كذلك تدريب الراوى ١/٣٤٩ وحاشية ص ٣٤٧ وميزان الاعتدال ١/٦.\n(٣) نظر ترجمته في تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال.\n(٤) راجع صحيح مسلم – كتاب الحج – باب حجة النبي - ﷺ -.\n(٥) انظر حجة النبي - ﷺ - كما رواها جابر بن عبد الله ص ٤٠-٤٥.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الاختلاف حول الحديث</span>\nرأينا فيما سبق ما رواه الإمامان مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم، وهذا لا خلاف حول صحته.\nورأينا الروايات الأخرى لهذا الحديث، وظهر ما بها من ضعف. وهنا ملحظ هام وهو أن الضعف أساسًا جاء من موطن واحد وهو الكوفة. وهذا يذكرنا بقول الإمام البخاري في حديث رواه عطية: أحاديث الكوفيين هذه مناكير.\nومن هنا ندرك لماذا اعتبر ابن الجوزي هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة، وإن كانت الروايات في جملتها كما يبدو لنا لا تجعل الحديث ينزل إلى درجة الموضوع.\nوفى فيض القدير شرح الجامع الصغير ذكر الحديث من مسند الإمام أحمد، ومعجم الطبرانى رواية عن زيد بن ثابت، وصحح الحديث السيوطى والمناوى، وقال المناوى: \" قال الهيثمى: رجاله موثقون، ورواه أيضًا أبو يعلى بسند لا بأس به، والحافظ عبد العزيز بن الأخضر وزاد أنه قال: في حجة الوداع، ووهم من زعم وضعه كابن الجوزي. قال السمهودى: وفى الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة \" ا. هـ.\nوتحدثنا من قبل عما رواه الإمام أحمد عن زيد بن ثابت، وبينا ضعف الإسناد، وبالنظر فيما رواه الطبرانى نجد موطن الضعف نفسه. فهو من رواية القاسم بن حسان، فقول الهيثمى يعنى توثيق القاسم.\nوما ذكره عن حجة الوداع هنا بيناه من قبل. فالتصحيح إذن غير مقبول، غير أننا قد نوافق على عدم جعل الحديث من الموضوعات، ومع هذا فابن الجوزي قد يكون له ما يؤيد رأيه، فليس من المستبعد أن يكون الحديث كوفى النشأة، وأن يكون مصنوعًا في دار الضرب التي أشار إليها الإمام مالك، ومن هنا يمكن أن ينسب إلى عشرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل إلى سبعين","vol":"1","page":125},{"text":"غير أنه لو صح عن صحابى واحد لكفى إلا أن يكون ممن لا يستحق شرف الصحبة.\nولعل من المهم هنا أن نذكر أن الإمام أحمد بن حنبل، وهو ممن أخرج الحديث، ذكر أنه ضعيف لا يصح، فهو إذن غير صحيح بالنسبة إلى أي من الصحابة الكرام.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية رفض هذا الحديث وقال: \" وقد سئل عنه أحمد ابن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصح \" (١) .\nوفى عصرنا وجدنا العلامة المحقق الشيخ ناصر الدين الألبانى - ﵀ - يذهب إلى تصحيح رواية التمسك بالكتاب والسنة التي أشرنا إليها من قبل، ويوافق السيوطى والمناوى هنا أيضًا فيصحح حديث الثقلين الذي يأمر بالتمسك بالكتاب والعترة، فيذكره في صحيح الجامع الصغير لا في ضعيفه (٢) .\nوعندما سعدت بلقائه في زيارته الأخيرة لدولة قطر، دار نقاش حول هذا الحديث، وذكرت مواطن الضعف في الروايات التي جمعتها، فقال - زاده الله علمًا وفضلًا - إن ضعف هذه الروايات لا يعنى ضعف الحديث، فقد يكون مرويًا من طرق أخرى صحيحة لم تصل إليك (٣)، ثم أشار إلى كتابين أخرجا الحديث ولم يكونا من المصادر التي اعتمدت عليها قبل هذا البحث.\nأحدهما:\n_________\n(١) منهاج السنة النبوية ٤/١٠٥.\n(٢) انظر صحيح الجامع الصغير ٢/٢١٧- حديث رقم ٢٤٥٤.\n(٣) كلام الشيخ صحيح، ولذلك فقد جمعت كل ما استطعت جمعه والنظر فيه من الروايات، وقد أرشدني إلى هذا المنهج، وساعدني في التطبيق منذ سنوات العلامة الثبت المحقق الأستاذ محمود شاكر - ﵀ رحمة واسعة.","vol":"1","page":126},{"text":"معجم الطبرانى، فنظرنا فيه ووجدنا في الإسناد القاسم بن حسان، فالرواية إذن غير صحيحة.\nوالثانى: مستدرك الحاكم وفيه ما يفيد سماع الأعمش من حبيب، ولكن يبقى أيضًا مواطن الضعف الأخرى (١) . ولم يتذكر لماذا صحح الحديث، ولم يتمكن من الرجوع إلى ما كتب نظرًا لإبعاده عن داره ومكتبته، وبعد سفره قرأت ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فلما أبلغ به طلب تصوير الصفحات.\nوالشيخ الجليل في تصحيحه للحديث أشار إلى تخريج المشكاة، فرأيت الرجوع إليها عسى أن أقف على حجته في التصحيح.\nفي الجزء الثالث في مشكاة المصابيح (ص ١٧٣٥) جاءت روايتان للحديث هما رقم ٦١٤٣، ٦١٤٤.\nقرأت الروايتين والتخريج فكانت المفاجأة مذهلة. وأثبت هنا ما جاء في الكتاب بالنص:\nالرواية رقم ٦١٤٣:\nعن جابر، قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: \" ياأيها الناس: إنى تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي \" (رواه الترمذي) .\nوالرواية الأخرى نصها كما يلى:\nوعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ: \" إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من\n_________\n(١) راجع ما ذكرناه من قبل عن الحاكم ومستدركه، وعن روايتيه لهذا الحديث.","vol":"1","page":127},{"text":"السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفونى فيهما \". (رواه الترمذي) .\nهاتان هما الروايتان، أما التخريج فهو كما يلى:\nالرواية الأولى: \" وقال - أي الترمذي -: حديث حسن غريب.\nقلت - أي الألبانى -: وإسناده ضعيف \"\nالرواية الثانية: \" وقال: حديث حسن غريب قلت: وإسناده ضعيف أيضًا، لكنه شاهد للذى قبله \".\nهذا ما قرأته، ونقلته بنصه، والضعيف الذي يشهد للضعيف لا يرفعه لمرتبة الصحيح، بل قد لا يزيده إلا ضعفًا، فمن أين جاء تصحيح الشيخ إذن؟\nوبعد لقائى بالشيخ الجليل تتبعت روايات الطبراني للحديث في المعجم الكبير، فوجدت خمس عشرة رواية:\nتسع منها عن زيد بن أرقم، وهى الرواية رقم ٢٦٨١ بالجزء الثالث، وفى الجزء الخامس الروايات الثمانية وأرقامها: ٤٩٨٠، ٤٩٨١، ٤٩٨٢، ٥٠٢٥، ٥٠٢٦، ٥٠٢٧، ٥٠٢٨، ٥٠٤٠ وعرفنا ما صح عن زيد بن أرقم، فلا حاجة للنظر في هذه الروايات.\nأما الروايات الستة الباقية فهى كما يلى:\nروايتان يرويهما عطية عن أبى سعيد، وهما رقم ٢٦٧٨، ٢٦٧٩ بالجزء الثالث.\nوروايتان يرويهما زيد بن الحسن الأنماطى، وهما رقم ٢٦٨٠، ٢٦٨٣، وهما بالجزء الثالث أيضًا.","vol":"1","page":128},{"text":"وروايتان يرويهما القاسم بن حسان، وهما رقم ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، وهما بالجزء الخامس.\nومن هذا التتبع نرى أن الضعف في هذه الروايات لا يخرج عما ذكرته من قبل في مناقشة روايات مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي، ويؤكد عدم استبعاد أن يكون الحديث كوفي النشأة، وأن يكون مصنوعًا في دار الضرب التي أشار إليها الإمام مالك. كما يزيدنا اطمئنانا إلى صحة المنهج الذي بدأت به، واكتفيت بالرجوع إلى الكتب السبعة والموطأ. فالرجوع إلى غير هذه الكتب لم يضف إلينا جديدا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>فقه الحديث</span>\nمما سبق نرى أن حديث الثقلين التي صح سندها صح متنها، وأن الروايات الثمانية التي تأمر بالتمسك بالعترة إلى جانب الكتاب الكريم لم تخل واحدة منها من ضعف في السند (١)، وفى متن هذه الروايات نجد الإخبار بأن الكتاب وأهل البيت لن يفترقا حتى يردا الحوض على رسول الله ﷺ، ومن أجل هذا وجب التمسك بهما. ولكن الواقع يخالف هذا الإخبار، فمن المتشيعين لأهل البيت من ضل وأضل، وأكثر الفرق التي كادت للإسلام وأهله وجدت من التشيع لآل البيت ستارًا يحميها، ووجدت من المنتسبين لآل البيت من يشجعها لمصالح دنيوية، كأخذ خمس مايغنمه الأتباع، وفرق الشيعة التي زادت على السبعين كل فرقة ترى أنها على صواب، وأن غيرها قد ضل إن لم يكن قد كفر! ولسنا في حاجة إلى إثبات هذا القول، فالكتب التي تبحث في الفرق، وكتب الفرق ذاتها تبين هذا، والجعفرية\n_________\n(١) ومع هذا الضعف جاء في كتاب المراجعات للموسوي بأنها متواترة! (ص ٥١) ونسب للشيخ سليم البشرى أنه تلقى هذا القول بالقبول! (ص ٥٤) وأنه طلب المزيد، وذكر صاحب المراجعات روايات أخرى أشد ضعفًا، ونسب للشيخ البشرى أنه أعجب بها، ورآها حججًا ملزمة! (ص ٥٥-٦١) وسيأتي الحديث مرة أخرى عن هذا الكتاب.","vol":"1","page":129},{"text":"مثلًا عندما يشترطون للإيمان عقيدتهم في الأئمة الاثنى عشر يخرجون الأمة كلها من الإيمان! وعقيدتهم هذه لا يسندها نص واحد من كتاب الله تعالى كما رأينا، فإذا أمرنا بالتمسك بأهل البيت فبمن نتمسك؟ أبكل من ينتسب لأهل البيت! وإن تركوا كتاب الله وسنة نبيه! بالطبع لا.\nإذن عدم الضلال يأتي من التمسك بالكتاب والسنة، وإذا تمسك أهل البيت بهما كان لهم فضل الانتساب مع فضل التمسك واستحقوا أن يكونوا أئمة هدى يقتدي بهم كما قال تعالى: -\n\"وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا\"أي أئمة نقتدى بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا (١)، ولا يختص هذا بأهل البيت ولكن بكل من يعتصم بالكتاب والسنة.\nفالروايات التي ضعف سندها لا يستقيم متنها كذلك، وهذا ضعف آخر، ومع هذا كله فلو صحت هذه الروايات فإنها لا تدل على وجوب إمامة الأئمة الاثنى عشر وأحقيتهم للخلافة.\nوللننظر في فقه روايات الحديث الكوفية.\nقال العلامة المناوى في فيض القدير (٣/١٤): \" إن ائتمرتم بأوامر كتابه، وانتهيتم بنواهيه، واهتديتم بهدى عترتى، واقتديتم بسيرتهم، اهتديتم فلم تضلوا.\nقال القرطبى: وهذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم، يقتضى وجوب احترام أهله، وإبرازهم وتوقيرهم ومحبتهم، وجوب الفروض المؤكدة التي لاعذر لأحد في التخلف عنها \".\nثم قال المناوى بعد هذا (٣/١٥): لن يفترقا: أي الكتاب والعترة، أي يستمرا متلازمين حتى يردا على الحوض: أي الكوثر يوم القيامة.\n_________\n(١) راجع البخاري - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب الاقتداء بسنن الرسول - ﷺ -.","vol":"1","page":130},{"text":"زاد في رواية: كهاتين، وأشار بأصبعيه، وفى هذا مع قوله أولًا: \" إنى تارك \" تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين، خلفهما ووصى أمته بحسن معاملتهما، وإيثار حقهما على أنفسهما، واستمساك بهما في الدين، أما الكتاب فلأنه معدن العلوم الدينية، والأسرار والحكم الشرعية، وكنوز الحقائق وخفايا الدقائق. وأما العترة فلأن العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين، فطيب العنصر يؤدى إلى حسن الأخلاق، ومحاسنها تؤدى إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته. قال الحكيم: \" والمراد بعترته هنا العلماء العاملون إذ هم الذين لا يفارقون القرآن. أما نحو جاهل وعالم مخلط فأجنبي من هذا المقام، وإنما ينظر للأصل والعنصر عند التحلى بالفضائل، والتخلى عن الرذائل، فإن كان العلم النافع في غير عنصرهم لزمنا اتباعه كائنًا ما كان، ولا يعارض حثه هنا على اتباع عترته حثه في خبر على اتباع قريش، لأن الحكم على فرد من أفراد العام بحكم العام لا يوجب قصر العام على ذلك الفرد على الأصح، بل فائدته مزيد الاهتمام بشأن ذلك الفرد، والتنويه يرفعه قدره. ثم قال الشريف: هذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلًا للتمسك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كل زمن إلى قيام الساعة حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به، كما أن الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أمانًا لأهل الأرض، فإن ذهبوا ذهب أهل الأرض \" ا. هـ.\nوقال ابن تيمية بعد أن بيَّن أن الحديث ضعيف لا يصح: \" وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة. قالوا: ونحن نقول بذلك كما ذكر ذلك القاضى أبو يعلى وغيره \".\nوقال أيضًا: \" إجماع الأمة حجة بالكتاب والسنة والإجماع، والعترة بعض الأمة، فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة \".\nبالنظر في هذه الأقوال، وبتدبر متن الحديث، نقول:","vol":"1","page":131},{"text":"يجب ألا يغيب عن الذهن المراد بأهل البيت، فكثير من الفرق التي رزئ بها الإسلام والمسلمون ادعت أنها هي التابعة لأهل البيت.\nأهل البيت الأطهار لا يجتمعوا على ضلالة، تلك حقيقة واقعة، ونلحظ هنا أنهم في تاريخ الإسلام لم يجتمعوا على شىء يخالف باقي الأمة، فالأخذ بإجماعهم أخذ بإجماع الأمة كما أشار ابن تيمية.\nإذا نظرنا إلى أهل البيت كأفراد يتأسى بهم، فمن يتأسى به منهم، ونتمسك بسيرته، لابد أن يكون متمسكًا بالكتاب والسنة، فإن خالفهما فليس بمستحق أن يكون من أهل البيت.\nوكل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ، ولذلك فعند الخلاف نطبق قول الله: -\n\" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ \" (١)\nلو كان ما ذكره الشريف من الفقه اللازم للحديث لكان في هذا ما يكفى لرفض المتن، فالأيام أثبتت بطلانه، وإلا فمن الذي نؤمر باتباعه في عصرنا هذا على سبيل المثال؟\nأبإحدى الفرق التي تنتسبب آل؟ أم بجميع الفرق وكل فرقة ترى ضلال غيرها أو كفره؟ أم بنسل آل البيت من غير الفرق؟ !\n٥. فرق كبير بين التذكير بأهل البيت والتمسك بهم، فالعطف على الصغير، ورعاية اليتيم، والأخذ بيد الجاهل، غير الأخذ عن العالم العابد العامل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.\n_________\n(١) النساء - الآية ٥٩.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>ثالثا: روايات أخرى متصلة بالغدير</span>\nهناك روايات أخرى متصلة بالغدير منها في المسند عن الإمام على سبع روايات هي (١): -\nحدثنا ابن نمير، حدثنا عبد الملك، عن أبى عبد الرحيم الكندى، عن زاذان أبى عمر قال: سمعت عليًا في الرحبة وهو ينشد الناس: من شهد رسول الله ﷺ يوم غدير خم وهو يقول ما قال؟ فقام ثلاثة عشر رجلًا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ﷺ وهو يقول: من كنت مولاه فعلى مولاه.\nحدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا الربيع يعنى ابن أبى صالح الأسلمى، حدثني زياد بن أبى زياد: سمعت على بن أبى طالب ينشد الناس فقال: أنشد الله رجلًا مسلمًا سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما قال؟ فقام اثنا عشر بدربًا فشهدوا.\nقال عبد الله بن أحمد، حدثنا على بن الحكيم الأودى، أنبأنا شريك، عن أبى إسحق، عن سعيد بن وهب، عن زيد بن يثُيع قالا: نشد على الناس في الرحبة: من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم إلا قام؟ قال: فقام من قبل سعيد ستة، ومن قبل زيد ستة، فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول لعلى يوم غدير خم: أليس الله أولى بالمؤمنين؟ قالوا: بلى، قال: اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.\nقال عبد الله بن أحمد، حدثنا على بن حكيم، أنبأنا شريك، عن أبى إسحق، عن عمرو ذى مر، بمثل حديث أبى إسحق، يعنى عن سعيد وزيد، وزاد فيه: وانصر من نصره، واخذل من خذله.\n_________\n(١) انظر الروايات وتخريج المرحوم شاكر لها في المسند ج ٢، وأرقامها على التوالى ٦٤١، ٦٧٠، ٩٥٠، ٩٥١، ٩٦١، ٩٦٤، ١٣١٠.","vol":"1","page":133},{"text":"قال عبد الله بن أحمد: حدثني عبد الله بن عمر القوايرى، حدثنا يونس بن أرقم، حدثنا يزيد بن أبى زياد، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: شهدت عليًا في الرحبة ينشد الناس:\nأنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلى مولاه لما قام فشهد؟\nقال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر بدريًا، كانى أنظر إلى أحدهم، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم: ألست أولى بالمؤمنين من انفسهم وأزواجى أمهاتهم؟ فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.\nقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أحمد بن عمر الوكيعى، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الوليد بن عقبة بن نزار العنسى، حدثني سماك بن العبيد ابن الوليد العبسى قال: دخلت على عبد الرحمن بن أبى ليلى، فحدثنى أنه شهد عليًا في الرحبة قال: أنشد الله رجلًا سمع رسول الله ﷺ وشهده يوم غدير خم إلا قام، ولا يقوم إلا من قد رآه؟ فقام اثنا عشر رجلًا فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فقام إلا ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم، فأصابتهم دعوته.\nقال عبد الله بن أحمد: حدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا شبابة، حدثني نعيم بن حكيم، حدثني أبو مريم ورجل من جلساء على عن على: أن النبي ﷺ قال يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلى مولاه، قال: فزاد الناس بعد: وال من والاه، وعاد من عاداه.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>مناقشة الروايات</span>\nهذه هي الروايات السبع، والرواية الأولى سندها ضعيف، إلا أن متنها صحيح وهو: \" من كنت مولاه فعلى مولاه \"، والروايات الأخرى تؤيده، كما أنه روى بطرق مختلفة عن غير الإمام على، حتى عده بعض رجال الحديث من المتواتر أو المشهور (١) .\nوفى الروايتين الثالثة والخامسة نجد زيادة \" اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه \". وفى الرابعة \" وانصر من نصره، واخذل من خذله \" ولكن نجد في السابعة \" فزاد الناس بعد: وال من والاه، وعاد من عاداه \".\nفهذه الرواية تنص على أن الزيادة ليست من قول الرسول ﷺ.\nوالإشكال هنا أن هذه الروايات الأربع صحيحة السند، وفى المسند كذلك عن زيد بن أرقم عدة روايات في بعضها زيادة \" اللهم وال من والاه، وعاد من ... عاداه \"، وفى بعضها إنكار لهذه الزيادة (٢)، وهذا يجعلنا نتوقف فلا نستطيع الحكم بأن هذا قول النبي الكريم أو زيادة الناس بعد إلا بمزيد من البحث للترجيح.\n_________\n(١) انظر كشف الخلفاء ٢/٢٧٤، والرواية الساسة تتفق مع كثير من الروايات فيما عدا زيادة إنكار بعض الصحابة ودعاء الأمير عليهم، وهى ضعيفة السند بحمد الله تعالى، فاتفق هذا الضعف مع هذه الزيادة التي لم تأت في رواية صحيحة على الإطلاق، والتي لا تستقيم مع ماعرف عن الصحابة الكرام، فليس بمؤمن من يكتم شهادة حق، وهذه شهادة معروفة لا ضرر في إظهارها ولا خير في إنكارها، فلو كان هؤلاء ممن نافقوا لا من المؤمنين فلم يقدمون على هذا الكتمان؟ وأنى هذا إذا كان الجرم ينسب لأنس بن مالك وزيد بن أرقم وبراء بن عازب وغيرهم من أجلاء الصحابة! ثم أنى لمن تربى في بيت النبوة وتخلق بخلقها أن يدعو عليهم بدلًا من أن يدعو لهم! ولكن هذه الاتهامات لخير قرن - مع ضعفها - تعجب بعض الشيعة فيلتقطونها من أي مصدر لتأييدها وترويجها. (انظر مثلًا الغدير ١/١٩١-١٩٥) .\n(٢) انظر المسند ط الميمنية ٤/٣٦٨ - ٣٧٣.","vol":"1","page":135},{"text":"والمهم هنا دلالة المتن مع الزيادة أو بدونها، أيعتبر هذا نصًا في أن الخلافة يجب أن تكون للإمام على؟\nسبق بيان أن الولى بمعنى المتولى للأمور والمستحق للتصرف فيها، وبمعنى الناصر والخليل، والقرآن الكريم عندما أمر بمولاة أقوام، أو نهى عن موالاة آخرين جاءت الموالاة بمعنى النصرة والمحبة، ولم تأت حالة واحدة بمعنى الولاية العامة على المؤمنين، وهذه الروايات تأمر بموالاة الإمام على ونصرته وتنهى عن معاداته وخذلانه، وهذا لا يخرج عن الاستعمال القرآنى كما هو واضح، فإذا كان النهى عن المعاداة والخذلان، فالأمر بالمحبة وهى الموالاة والنصرة، ولا مكان للخلافة هنا، ولو أرادها الرسول ﷺ لكان التعبير بنص صريح لا يحتمل تأويلًا يخرجه عن معناه، ولكانت القرائن كذلك تؤيده.\nومما يدل على أن المراد بالموالاة المحبة والنصرة لا الخلافة، أن الإمام نشد الناس في الكوفة بعد أن آلت الخلافة إليه، وأهل الكوفة - ومن ذهب معه إليها - بايعوه بلا خلاف، ولكن أكثرهم خذلوه ولم ينصروه كما هو معلوم مشهور (١)\nولو كان المراد بالموالاة الخلافة لاحتج بهذا على الخلفاء الراشدين\n_________\n(١) للإمام على خطب كثيرة تبين تخاذل هؤلاء الشيعة، يمكن الرجوع إليها في نهج ... البلاغة - وعندما أغار سفيان بن عوف بجنده على الأنبار، ثم انصرفوا وافرين، خطب الإمام خطبة منها: \" فقبحًا لكم وترحًا حين صرتم غرضًا يرمى، يغار عليكم ولا تُغيرون، وتُغزَون ولا تَغزُون، ويعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الصيف قلتم: هذه حمارةّ القيظ، أمهلنا يُسَّبح عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارًا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر!\n\nيا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أنى لم أركم ولم أعرفكم! معرفة والله جرت ندمًا، وأعقبت سدمًا، قاتلكم الله! لقد ملأتم قلبى قيحًا، وشحنتم صدرى غيظًا، وجرعتمونى نغب التهمام أنفاسًا، وأفسدتم على رأيى ... بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبى طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له* *بالحرب \" (نهج البلاغة ص ٥٣ -٥٤) (ترحًا: همًا وحزنًا أو فقرًا - حمارة القيظ: شدة الحر - سبخ عنا الحر: خفف - صبارة الشتاء: شدة برده - القر بالضمة: البرد - ربات الحجال: النساء - السدم: الهم مع أسف أو غيظ - النغب: جمع نغبة كجرعة لفظًا ومعنى ... - التهمام: الهم - أنفاسًا: أي جرعة بعد جرعة) .","vol":"1","page":136},{"text":"السابقين وعلى من بايعهم، وهذا لم يثبت على الإطلاق، ولم أجد في كتب السنة التي رجعت إليها رواية واحدة تذكر مثل هذا الاحتجاج.\nوفى الفصل الأول ذكرت ما رواه البخاري ومسلم عن بيعة أبى الحسن للصديق، وليس فيها ذكر لشىء عن الغدير، ولم ينكر الإمام على أحقية الصديق ولا فضله، وسر المسلمون بذلك الموقف وقالوا لعلى: أصبت وأحسنت، وكانوا إليه قريبًا حين راجع المعروف، أي حين بايع، ولو نشد المسلمين هنا لشهد المئات ممن حضر الغدير، ومنهم من شهد بعد ذلك بالفعل في الكوفة، ولكنه بين سبب تأخره عن البيعة بقوله لأبى بكر: \" إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيبًا \". وعند البيعة أمام المسلمين في مسجد رسول الله ﷺ استغفر وتشهد، وعظم حق أبى بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبى بكر، ولا إنكارًا للذى فضله الله به، \" ولكننا نرى لنا في هذا الأمر نصيبًا، فاستبد علنا، فوجدنا في أنفسنا \".\nفالإمام على قد وجد في نفسه لأنه لم يشرك في أمر الخلافة واستبد به غيره، وله ما يؤيد وجهة نظره، فأمر خطير كهذا لا يُقضى دون مشورة أبى الحسنين ابن عم رسول الله ﷺ، وزوج ابنته فاطمة الزهراء، إلى جانب فضله وسبقه وعلمه. وعذر أبى بكر وعمر وسائر الصحابة كان واضحًا - كما يقول النووى - لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي ﷺ حتى عقدوا البيعة لأنها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو","vol":"1","page":137},{"text":"غسله، أو الصلاة عليه أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقديم البيعة أهم الأشياء.\nفلو كانت الموالاة تعنى الخلافة لاحتج بها على الصديق ومن بايعه، ولما تمت البيعة أصلًا.\nوالشكوى التي من أجلها دافع الرسول ﷺ عن أبى الحسن توضح أن المراد بالموالاه شىء آخر غير الخلافة، أو على أقل تقدير لا ترجح أن الخلافة هي المراد.\nوتبين الشكوى كذلك السبب في أن الرسول ﷺ لم يقل هذا في خطبته الجامعة يوم عرفة في حجة الوداع، فلو كان المراد الخلافة لكان من الأرجح - إن لم يكن من المؤكد - أن يقال هذا في تلك الخطبة لا أن يقال بعد الشكوى (١)﴾\n﴿) .\nقال الآلوسى:\n\"\n_________\n(١) ذكر صاحب كتاب المراجعات أن الشيخ سليم البشرى لم يقتنع فقط بقول الجعفرية في تفسير كلمة المولى التي وردت في روايات الغدير، بل كتب يخاطبه (ص ٢٢٠): \" لو كان المراد الناصر أو نحوها ما سأل سائل بعذاب واقع، فرأيكم في المولى ثابت مسلم! \".\n\nولا أدرى أكان علامة زمانه شيخ الجامع الأزهر يجهل ما ذهب إلى جمهور المفسرين بلا خلاف من مكية سورة المعارج؟ لقد ذكرت من قبل ما ذهب إليه جمهور المفسرين، وموافقة الطوسي لهم، وهو شيخ طائفة الجعفرية، وكذلك إمام المفسرين عند الجعفرية، أكان شيخ الأزهر والمالكية جعفريًا أكثر من شيخ طائفتهم وإمام مفسريهم فاتخذ من السورة الكريمة ما يؤيد رأي صاحب المراجعات؟ أم أن هذا نُسب كذبًا لشيخ الأزهر – ولم يطبع الكتاب إلا بعد وفاته – كدأب كثير من أصحاب الفرق عند البحث عن طريق يسلكونها لتأييد مذهبهم؟ وقد رأينا من قبل ما نسبه صاحب الغدير لشيخ المفسرين الطبري! وسبق في ص ١٣٧ ما نسب للشيخ البشرى، المسألة إذن تحتاج إلى نظر! وقد دعانى هذا إلى تأليف كتاب \" المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى \" أثبت به يقينًا براءة الشيخ البشرى مما نسب له، وبينت بالأدلة ضلال عبد الحسين مؤلف المراجعات، بل كفره وزندقته.","vol":"1","page":138},{"text":"ربما يستدل على أن المراد بالولاية المحبة بأنه لم يقع التقييد بلفظ بعدى، والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في زمان واحد. ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف بخلاف ما إذا كان المراد المحبة \" (١) .\nوإذا كان عدم التقييد بلفظ بعدى في جميع الروايات السابقة يؤيد ما ذهب إليه الآلوسى، فإنى وجدت روايات فيها التقييد، وربما يستدل بها على أن المراد بالولاية أولوية التصرف، ويحمل المطلق على المقيد حينئذ، وهذه الروايات نجدها في المسند وسنن الترمذي، ففيها أن الرسول ﷺ قال: \" إن عليًا منى وأنا منه، وهو ولى كل مؤمن بعدى\" (٢) وزاد الترمذي: \" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من جعفر بن سليمان \". وجعفر هذا نجده في رواية الإمام أحمد كذلك، ثم انفرد برواية أخرى عن طريق غير جعفر وفيها: \" وإنه منى وأنا منه، وهو وليكم بعدى \" (٣) .\nوجعفر بن سليمان من شيعة البصرة، وهو متكلَّم فيه: وثقة ابن معين وعباس وابن حبان والبزار. قال ابن سعد: كان ثقة وبه ضعف، وكان يتشيع.\n\nوقال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به. قيل له: إن سليمان بن حرب يقول لا يكتب حديثه؟ فقال: إنما كان يتشيع، وكان يحدث بأحاديث في فضل على، وأهل البصرة يغلون في على. قلت عامة حديثة رقاق؟ قال:\nنعم، كان قد جمعها وكان يحيى بن سعيد لا يروى عنه، وكان يستضعفه. وكان عبد الرحمن بن مهدى يستثقل حديثه.\n_________\n(١) تفسير الآلوسى ٢/٣٥١.\n(٢) المسند ط الميمنية ٤/٤٣٨، والترمذى – كتاب المناقب – باب مناقب على بن أبى طالب ﵁.\n(٣) المسند ٥ / ٣٦٥.","vol":"1","page":139},{"text":"وقال البخاري: يقال كان أميًّا، وقال في الضعفاء، يخالف في بعض أحاديثه. وقال ابن المديني: هو ثقة عندنا، وقال أيضًا: أكثر عن ثابت، وبقية أحاديثه مناكير.\nوقال ابن شاهين في المختلف فيهم: إنما تكلم فيه لعلة المذهب، وما رأيت من طعن في حديثه إلا ابن عمار يقول: جعفر بن سليمان ضعيف.\nوبغير ترجيح لتوثيق جعفر بن سليمان أو تضعيفه يمكن القول بأن حديثًا ينفرد به ويتصل بمذهبه لا يرقى إلى مرتبة الاحتجاج.\nوالرواية الأخرى للإمام أحمد نجد في سندها الأجلح الكندى (١)، وهو من شيعة الكوفة، ومتكلَّم فيه أيضًا، وثقه ابن معين والعجلى وابن عدى، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة حديثة لين.\nوقال أحمد: روى الأجلح غير حديث منكر.\nوقال القطان: في نفسى منه شىء. وقال أيضًا: ما كان يفصل بين الحسين ابن على وعلى بن الحسين، يعنى أنه ما كان بالحافظ. وقال ابن حبان: كان لا يدرى ما يقول، جعل أبا سفيان أبا الزبير.\nوضعفه أبو داود والنسائى وأبو حاتم، وقال ابن سعيد: كان ضعيفًا جدًا، بل وصمه الجوزجانى بالافتراء. إذن فهذه الرواية التي انفرد بها أحمد عن الأجلح لا يحتج بها، ولا توجد روايات فيها تقييد بلفظ بعدى، وبذا يظل ما ذكره الآلوسى صحيحًا.\n_________\n(١) انظر ترجمة كل منهما في تهذيب التهذيب.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>رابعا: روايات أخرى يرى بعض الجعفرية أنها تؤيد مذهبهم</span>\nيرى بعض الجعفرية أنها تؤيد مذهبهم\nبعد هذا كله نقول: إن الروايات السابقة هي جميع ما يتصل بالغدير عمدة أدلة الشيعة، ومن عرضها ومناقشتها تبين لنا أنها لا تؤيد ما ذهب إليه الجعفرية\n\nمن القول في الإمامة، وتوجد روايات أخرى يرى بعض الجعفرية أنها تؤيد مذهبهم، نعرض أهمها ونناقشها بشىء من الإيجاز.\n١-خلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفنى في النساء والصبيان؟ فقال: \" أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدى \".\nهذا الحديث الشريف رواه الشيخان وغيرهما (١)، وهو بلا شك يدل على فضل الإمام كرم الله وجهه، وقد استخلف الرسول ﷺ على المدينة آخرين (٢)، فهذا الاستخلاف ليس خاصًا بأبى الحسن، ومثل هذا الاستخلاف في حياة الرسول ﷺ لايقتضى الخلافة في الأمة بعد مماته، ولو أراد الرسول ﷺ الخلافة العظمى لقالها، فما يمنعه ﷺ ولقال ذلك للمسلمين، ووجب عليهم السمع والطاعة وإن ولى عليهم عبد حبشى مجدع الأطراف. وواضح من شكوى الإمام في جعله مع الخوالف من النساء والصبيان أن في قول الرسول ﷺ ترضية لنفسه وتهدئة\n_________\n(١) راجع البخاري - كتاب المناقب - باب مناقب على بن أبى طالب- وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل على بن أبى طالب واللفظ لمسلم، والمسند ج ٣ رواية رقم ١٤٦٣ وتخريج الشيخ شاكر لها.\n(٢) استخلف الرسول - ﷺ - على المدينة ابن أم مكتوم لما خرج لحرب بنى النضير، وفى غزوة الخندق، وعثمان بن عفان لما خرج لغزوة ذات الرقاع، وأبا لبابة بن عبد المنذر لما سار لغزوة بدر (انظر المنتقى ص ٥٣، ٢١٢) .","vol":"1","page":141},{"text":"لخواطره، فموسى استخلف هارون ﵉ عندما توجه إلى الطور، ولكن الجعفرية يرون أن الرسول ﷺ \" أنزله منه منزلة هارون من موسى، ولم يستثن من جميع المنازل إلا النبوة، واستثناؤها دليل على العموم \" (١) .\nوقولهم فيه نظر، فمثلًا كان هارون أخًا لموسى وأفصح منه لسانًا، وهذا ينقض العموم، لأن هاتين المنزلتين لا تتحققان لعلى. بل إن التطابق لا يتحقق في الاستخلاف ذاته، فموسى استخلف أخاه على بنى إسرائيل وذهب هو للمناجاة، ولكن الرسول ﷺ استخلف ابن عمه على المدينةوليس فيها إلا من لم يخرج للقتال من النساء، والصبيان والعجزة، أما عامة المسلمين فكانوا الجيش الذي خرج للقتال مع الرسول ﷺ كما أن \" هارون لم يل أمر بنى إسرائيل بعد موسى ﵉، وإنما ولى الأمر بعد موسى ﵁ يوشع بن نون فتى موسى وصاحبها الذي سافر معه لطلب الخضر ﵉، كما ولى الأمر بعد رسول الله ﷺ صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة \" (٢) .\n٢-روى الإمام البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ... \" يكون اثنى عشر أميرًا، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبى: إنه قال: كلهم من قريش (٣) \".\nوروى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبى على النبي ﷺ فسمعته يقول: \" إن هذا الأمر لا ينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثم تكلم بكلام خفى على قال: فقلت لأبى ما قال؟ قال: كلهم من ... قريش \".\n_________\n(١) المراجعات ص ١٥٢.\n(٢) لفصل في الملل والأهواء والنحل ص ٩٤، وانظر المنتقى حاشية ص ٢١٣.\n(٣) كتاب الأحكام من صحيحه – باب الاستخلاف.","vol":"1","page":142},{"text":"وفى رواية أخرى \" لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا \" وفى إحدى الروايات كذلك \" لا يزال هذا الدين عزيزًا منيعًا إلى اثنى عشر ... خليفة \" (١)، وفى رواية لأبى داود \" كلهم تجتمع عليه الأمة \" (٢) .\nوتحديد الخلفاء باثنى عشر هو الذي جعل الاثنى عشرية يحتجون بهذه الروايات، ولكن من الواضح أن هذه الروايات تشير إلى المدة التي يظل فيها عزة الإسلام والدين، وصلاح حال المسلمين. وعلى قول الجعفرية تظل هذه العزة وهذا الصلاح إلى يوم القيامة كما يظهر من قولهم في الإمام الثانى عشر!\nوواقع الأمر ودلالة الروايات يدلان على غير هذا. ومن الواضح كذلك أن الأمة لم تجتمع على أئمة الجعفرية، بل لم يتولوا الخلافة أصلًا باستثناء الإمام على.\n٣-أخرج البخاري (٣) عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما حضر النبي ﷺ قال: وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلم أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعدى. قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي ﷺ قال: قوموا عنى.\nقال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.\nوعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: إئتونى أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا. فتنازعوا، ولاينبغى عند نبي تنازع، فقالوا: ماشأنه أهجر؟ استفهموه، فذهبوا يردون عليه فقال: دعونى فالذى أنا فيه خير مما تدعوننى إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها (٤) .\nوفى رواية للإمام أحمد (٥): حدثنا سفيان عن سليمان بن أبى مسلم خال ابن أبى نجيح، سمع سعيد جبير يقول: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه - الحصى، قلنا يا أبا العباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: ائتونى أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا،\n_________\n(١) راجع مسلم – كتب الإمارة – باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.\n(٢) راجع سنن أبى داود – كتاب المهدى.\n(٣) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة – باب كراهية الخلاف.\n(٤) راجع صحيح البخاري - باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته.\n(٥) المسند ج ٣ رواية رقم ١٩٣٥، وانظر تخريج الشيخ شاكر وشرحه لها.","vol":"1","page":143},{"text":"فتنازعوا، ولا ينبغى عند نبي تنازع، فقالوا ما شأنه؟ أهجر؟ قال سفيان: يعنى هذى، استفهموه، فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعونى، فالذى أنا فيه خير مما تدعونى إليه، وأمر بثلاث، وقال سفيان مرة أوصى بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت سعيد عن الثالثة، فلا أدرى أسكت عنها عمدًا، وقال مرة أو نسيها؟ وقال سفيان مرة: وإما أن يكون تركها أو نسيها.\nووردت هذه الروايات كذلك في صحيح مسلم (١) .\n_________\n(١) كتاب الوصية - باب ترك الوصية، وفى كتاب الجهاد والسير من صحيح البخاري - باب جوائز الوفد - جاءت رواية أخرى اختلفت النسخ في متنها (انظر طبعة مطابع الشعب سنة ١٣٧٨ هـ) ففي إحدى النسخ أسند الهجر إلى الرسول الكريم بغير استفهام، ولكن في نسختين أخريين أثبتت همزة الاستفهام، ولعلهما هنا أصح، وهذا يتفق مع الروايات الأخرى، وفى صحيح مسلم كانت الروايات بلفظ \" أهجر\" ولكن رواية جاءت بلفظ \" إن رسول الله - ﷺ - يهجر \" هكذا بغير استفهام بل بأداة تأكيد! وصاحب فتح البارى تحدث عن المراد بقولهم ... \" أهجر \" فقال: المراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم* ... *فائدته، ووقوع ذلك من النبي - ﷺ - مستحيل، لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى ... (٣: النجم) ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾، ولقوله - ﷺ -: \" إنى لا أقول في الغضب والرضا إلا حقًا\". وإذا عرف ذلك فإنما قاله من قاله منكرًا على من توقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة، فكأنه قال: كيف تتوقف؟ أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه؟ ويحتمل أن بعضهم قال ذلك عن شك عرض له، ولكن يبعده أن لا ينكره الباقون عليه من كونهم من كبار الصحابة ولو أنكروه عليه لنقل. ويحتمل أن يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة كما أصاب كثيرًا منهم عند موته. ويحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنه اشتد وجعه فأطلق اللازم وأراد الملزوم، لأن الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ من شدة وجعه. وقيل: قال ذلك لإرادة سكوت الذين لغطوا ورفعوا أصواتهم عنده، فكأنه قال: إن ذلك يؤذيه ويفضى في العادة إلى ما ذكره \".\n\nثم قال: وأوصاهم بثلاث أي في تلك الحالة، وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتب لم يكن أمرًا متحتمًا، لأنه لو كان مما أمر بتبليغه لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، ويعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظًا كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك وقد عاش بعد هذه المقالة أيامًا، وحفظوا عنه أشياء لفظًا، فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه والله أعلم. (انظر باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته) .","vol":"1","page":144},{"text":"ولا تبدو صلة بين هذه الروايات وبين الإمامة، ولكن الوصية الثالثة - التي نسيت أو تركت - كانت المدخل للجدال! فوجدنا من الجعفرية من يقول بأن الصحابة \" علموا أنه ﷺ إنما أراد توثيق العهد بالخلافة، وتأكيد النص بهذا علَى علىّ خاصة، وعلى الأئمة من عترته عامة، فصدوه عن ذلك كما اعترف به الخليفة الثانى في كلام دار بينه وبين ابن عباس، وأنت إذا تأملت في قوله ﷺ ... \" ائتونى أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده \"، وقوله في حديث الثقلين: \" إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتى أهل بيتي \"، تعلم أن المرمى في الحديثين واحد، وأنه ﷺ أراد في مرضه أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين \" - كتاب المراجعات ص ٢٨٤، وفى ص ٢٥٥ قال: \" ومع","vol":"1","page":145},{"text":"ذلك فقد أوصاهم عند موته بوصايا ثلاث: أن يولوا عليهم عليًا، وأن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزه، لكن السلطة والسياسة يومئذ ما أباحتا للمحدثين بوصيته الأولى، فزعموا أنهم نسوها \".\nولسنا في حاجة إلى الحديث عن كبار الصحابة، رضوان الله عليهم. وعن تنزيههم عن مثل هذه المفتريات، ولكن يكفى أن نقول: بأن هذه الروايات ليست دليلًا قائمًا بذاته وإنما يحتاج إلى أدلة أخرى لترجيح احتمالات الوصية الثالثة وما أريد كتابته، ولذلك احتج بحديث الثقلين للاستدلال، وهذا الحديث لم يصح له إسناد كما ثبت من قبل، والذى صح حديث التمسك بالكتاب والسنة، فلعله هو المراد من الوصية الثالثة.\nعلى أن ذلك من باب الترجيح لا الجزم (١) . واتهام المحدثين بأنهم زعموا النسيان خوفًا من السلطة وميلًا مع السياسية، وهم يعلمون أن الوصية خاصة بخلافة على، هذا الاتهام لو صح فإنه يوجه إلى سعيد بن جبير، ويكفى لرده أن يعرف تاريخ سعيد، وشجاعته أمام الحجاج، وأن نقرأ ما كتب عنه في كتب الجعفرية أنفسهم (٢) .\n_________\n(١) جاء في الموضع السابق من فتح البارى: \" قال الداودى: الثالثة الوصية بالقرآن، وبه جزم ابن التين. وقال المهلب: بل هو تجهيز جيش أسامة، وقواه ابن بطال بأن الصحابة لما اختلفوا على أبى بكر في تنفيذ جيش أسامة قال لهم أبو بكر إن النبي - ﷺ - عهد بذلك عند موته. وقال عياض: يحتمل أن تكون هو قوله (ولا تتخذوا قبرى وثنا) فإنها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود. ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله: الصلاة وما ملكت أيمانكم.\n(٢) انظر ما كتب عنه في الغدير ١/٦٥.","vol":"1","page":146},{"text":"وإن تعجب فعجب قولهم بأن الفاروق اعترف بأن الكتاب أريد به توثيق العهد بالخلافة لعلى والأئمة من عترته، وأنه هو وكبار الصحابة صدوا الرسول ﷺ عن ذلك! (١)\n﴿) .\nوسيأتي بعد قليل رواية الصحيحن عن عمر بأن النبي ﷺ لم يستخلف.\n_________\n(١) قال ابن تيمية: \" من توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة على فهو ضال باتفاق عامة الناس من علماء السنة والشيعة، وأما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبى بكر وتقديمه. وأما الشيعة القائلون بأن عليًا كان هو المستحق للإمامة فيقولون أنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصًا جليًا ظاهرًا معروفا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب، وإن قيل: إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور فلأن تكتم كتابًا حضره طائفة قليلة أولى وأحرى، وأيضًا فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته، ولا يجوز له ترك الكتاب لشك من شك، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته لكان النبي - ﷺ - يبينه ويكتبه ولا يلتفت إلى قول أحد فإنه أطوع الخلق له (أي للواجب) . فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجبًا ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب لفعله (المنتقى ص ٣٤٩-٣٥٠) .\n\nوقال العقاد: \" أما القول بأن عمر هو الذي حال بين النبي - ﷺ - والتوصية باختيار على للخلافة بعده فهو قول من السخف بحيث يسىء إلى كل ذى شأن في هذه المسألة، ولا تقتصر مساءته على عمر ومن رأي في المسألة مثل رأيه. فالنبي - ﷺ - لم يدع بالكتاب الذي طلبه ليوصى بخلافة على أو خلافة غيره، لأن الوصية بالخلافة لا تحتاج إلى أكثر من كلمة تقال، أو إشارة كالإشارة التي فهم منها إيثار أبىبكر بالتقديم، وهى إشارته إليه أن يصلى بالناس، وقد عاش النبي بعد طلب الكتاب فلم يكرر طلبه، ولم يكن بين على وبين لقائه حائل، وكانت السيدة فاطمة زوج على عنده إلى أن فاضت نفسه الشريفة، فلو شاء لدعى به وعهد إليه. وفضلًا عن هذا السكوت الذي لا إكراه فيه، نرجع إلى سابقة من سنن النبي في تولية الولاة، فنرى أنه كان يجنب آله الولاية ويمنع وراثة الأنبياء، وهذه السنة مع هذا السكوت لا يدلان على أن محمدًا - ﷺ - أراد خلافة على فحيل بينه وبين الجهر بما أراد \". (عبقرية عمر ص ٢٠٩-٢١٠) .","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>خامسا: روايات لها صلة بموضوع الإمامة</span>\nمما سبق نرى أن السنة النبوية - كما روتها الكتب الثمانية وغيرها أيضًا مما رجعنا إليه - ليس فيها ما يؤيد عقيدة الشيعة الجعفرية في الإمامة، وفى هذه الكتب وردت روايات أخرى لها صلة بموضوع الإمامة نعرضها ونناقشها فيمتا يأتي: -\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>من يؤمّر بعدك</span>؟\n١- روى الإمام أحمد بسند صحيح (١) عن الإمام على ﵁ أنه قال: \" قيل: يا رسول الله: من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًا أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًّا، ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم \".\nوهذا الحديث الشريف يدل على أن الإمامة بالاختيار لا بالتعيين، فالرسول ﷺ لم يعين أحدًا، وإنما جعل هذا للمسلمين، وذكر ثلاثة يصلحون لخلافته (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الاستخلاف</span>\n٢- روى الشيخان بسندهما عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: \" قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى؛ أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير منى، رسول الله ﷺ. فأثنوا عليه فقال: راغب راهب، وددت أنى نجوت منها كفافًا لا لي ولا على، لا أتحملها حيًا وميتًا \" (٣) .\n_________\n(١) انظر ج ٢ - رواية رقم \" ٨٥٩\" - وراجع بيان الشيخ شاكر لصحة الإسناد.\n(٢) ذكر صاحب كتاب الغدير (١/١٢) الجزء الأخير فقط \" وإن تؤمروا عليًا \" ولم يشر إلى الصاحبين، وبذلك يتغير مدلول الحديث ليتفق مع عقيدته!\n(٣) راجع البخاري - كتاب الأحكام: باب الاستخلاف، ومسلم: كتاب الإمارة باب الاستخلاف وتركه، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":148},{"text":"وفى رواية أخرى لمسلم بسند آخر عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: \" دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: فقلت: ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أنى أكلمه في ذلك، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه، قال: فكنت كأنما أحمل بيمينى جبلًا حتى رجعت، فدخلت عليه، فسألنى عن حال الناس وأنا أخبره، قال: ثم قلت: إنى سمعت الناس ... يقولون فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعى إبل أو راعى غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد. قال: فوافقه قولى فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلىّ فقال: إن الله ﷿ يحفظ دينه، وإنى لئن لا أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدًا، وأنه غير مستخلف\" (١) .\nوروى أحمد بسند صحيح عن الإمام على ﵁ أنه قال: \" لتخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بى الأشقى؟ قالوا: ياأمير المؤمنين، فأخبرنا به نبير عترته! قال: إذن تالله تقتلون بى غير قاتلى، قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ. قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: اللهم تركتنى فيهم ما بدا لك، ثم قبضتنى إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم \".\n_________\n(١) انظر الموضع السابق من صحيح مسلم، وروى أبو داود عن ابن عمر أيضًا قال: قال عمر: إنى إن لا أستخلف، فإن رسول الله - ﷺ - لم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله إلا أن ذكر رسول الله - ﷺ - وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله - ﷺ - أحدًا، وأنه غير مستخلف. (انظر سنن أبى داود - كتاب الخراج والفىء والإمارة - باب في الخليفة يستخلف) .","vol":"1","page":149},{"text":"وفى رواية بسند آخر أن الإمام قال: \" والذى فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، قال الناس: فأعلمنا من هو؟ والله لنبيرن عترته! قال: أنشدكم بالله أن يقتل غير قاتلى، قالوا: إن كنت قد علمت ذلك استخلف إذن. قال لا، ولكن أكلكم إلى ما وكلكم إليه رسول الله ﷺ (١) .\nفهذه الروايات تدل على أن عمر وعليًا ﵄ لم يستخلفا أحدًا تأسيًا برسول الله ﷺ، فهى تشترك مع الرواية الأولى في الدلالة على أن الرسول ﷺ لم يعين أحد لخلافته.\nويؤيد هذا أيضًا ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن قيس بن عباد قال: \" كنا مع على فكان إذا شهد مشهدًا أو أشرف على أكمة أو هبط واديًا قال: سبحان الله! صدق الله ورسوله، فقلت لرجل من بنى يشكر: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين حتى نسأله عن قوله صدق الله ورسوله، قال: فانطلقنا إليه: فقلنا: يأأمير المؤمنين، رأيناك إذا شهدت مشهدًا، أو هبطت واديًا، أو أشرفت على أكمة، قلت: صدق الله ورسوله، فهل عهد رسول الله إليك شيئًا في ذلك؟ قال: فأعرض عنا، وألححنا عليه، فلما رأي ذلك قال: والله ما عهد إلى رسول الله ﷺ عهدًا إلا شيئًا عهده إلى الناس، ولكن الناس وقعوا على عثمان فقتلوه، فكان غيرى فيه أسوأ حالًا وفعلًا منى، ثم إنى رأيت أنى أحقهم بهذا الأمر فوثبت عليه، فالله أعلم أصبنا أم أخطأنا (٢) .\n_________\n(١) انظر المسند ج ٢ الروايتين ١٠٧٨، ١٣٣٩، وبالحاشية بيان الشيخ شاكر لصحة الإسناد.\n(٢) انظر الرواية وصحة إسنادها بالمسند ج ٢ رقم ١٢٠٦.","vol":"1","page":150},{"text":"وكذلك يؤيد ما سبق ما رواه الشيخان وأحمد بأسانيد صحيحة أن الرسول ﷺ مات ولم يوص، وقد روى هذا عن ابن عباس، وعبد الله بن أبى أوفى، والسيدة عائشة (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر</span>\n٣- روى البخاري بسنده عن السيدة عائشة ﵂ أن رسول الله صلوات الله عليه قال: \" لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبى بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون \" (٢) .\nوروى مسلم عنها أيضًا أنها قالت: \" قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعى لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإنى أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر \" (٣) .\nوأخرج أحمد في مسنده هذا الحديث الشريف بسند صحيح كسند مسلم، وبسندين آخرين (٤) .\n_________\n(١) راجع صحيح البخاري - باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته، وكتاب التفسير: باب من قال لم يترك النبي - ﷺ - إلا ما بين الدفتين، وباب الوصاة بكتاب الله ﷿ - وراجع كذلك مسلم كتاب الوصية: باب ترك الوصية. والمسند حـ ٥ روايات ٣١٨٩، ٣٣٥٥، ٣٣٥٦.\n(٢) البخاري - كتاب الأحكام - باب الاستخلاف.\n(٣) مسلم كتاب الفضائل - باب من فضائل أبى بكر الصديق.\n(٤) انظر المسند حـ ٦ ص ٤٧، ١٠٦، ١٤٤ وذكر استاذ الفلسفة الدكتور أحمد محمود صبحى الرواية الأخيرة لهذا الحديث الشريف، ولم يذكر مصادره بل اكتفى بنسبته لبعض أهل السنة، ثم قال \" ولا شك أن الوضع ظاهر في هذا الحديث، وأنه أريد به معارضة حديث الشيعة في أمر كتاب النبي الذي ينسب إلى عمر* *أنه منعه، ولو صح كتاب النبي إلى أبى بكر لكان نصًا جليًا لأبى بكر، وهو ما لم يقل به جمهور المسلمين \"\nورجل الفلسفة أقحم نفسه هنا فيما لا يعرف، فحديث يرويه الشيخان والإمام أحمد بسند صحيح كيف يقال أنه موضوع بلا شك؟ ! ومن المتهم بالوضع إذن؟\nوالشيخان والإمام أحمد رووا الحديث الذي ظنه حديث الشيعة في أمر كتاب النبي وقال: بأن هذا وضع لمعارضته! ورواية البخاري تدل أن الرسول - ﷺ - هم ولكنه لم يرسل، فلا نصًا جليًا هنا لأبى بكر حتى يرفض الحديث لعدم صحة المتن.\nوالمؤلف كذلك اعتبر حديث التمسك بالكتاب والعترة من الأحاديث المتفق على صحتها عند أهل السنة، مع أن رواياته لم تصح منها واحدة كما بينا من قبل. (انظر كتابه نظرية الإمامة ص ٢٣٥-٢٣٦) .","vol":"1","page":151},{"text":"وهذا الحديث الشريف يدل على أن الخلافة لو كانت بالنص لكانت لأبى بكر الصديق، فهو الأولى بها، وتم ما قاله الرسول ﷺ، فقد أبى الله سبحانه والمؤمنون إلا أبا بكر.\nوأرى أن الرسول صلوات الله عليه قد مهد لخلافة الصديق بعدة أمور، منها: جعله أمير الحج في العام التاسع، ولما أرسل أبا الحسن بسورة براءة لم يرسله أميرًا، بل جعله تحت إمرة الصديق.\nومنها خطبته ﷺ في مرضه الذي مات فيه، فقد أخرج البخاري بسنده عن أبى سعيد الخدري قال: خطب النبي ﷺ فقال: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ماعند الله. فبكى أبو بكر ﵁، فقلت في نفسى: ما يُبكى هذا الشيخ، إن يكن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ماعنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا.\nقال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنّ الناس على في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتى لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر \".\n","vol":"1","page":152},{"text":"وأخرج البخاري أيضًا بسنده عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن على في نفسه وماله من أبى بكر بن أبى قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عنى كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبى ... بكر \" (١) .\nوروى الخطبة كلُّ من أحمد والترمذى بسند صحيح (٢) .\nومما مهد كذلك لخلافة الصديق أمر الرسول ﷺ أن يؤم المسلمين في الصلاة عندما اشتد المرض ولم يستطع ﷺ أن يؤمهم، واستمر المسلمون مأمومين خلف أبى بكر إلى أن انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى.\nوروى أحمد في مسنده بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، وروى النسائي عنه أيضًا (٣) قال: \" لما ُقبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار، ألستهم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر \". فإمامة الصلاة إذن مما مهد للإمامة الكبرى (٤)\n_________\n(١) راجع صحيح البخاري - كتاب الصلاة: باب الخوخة والممر في المسجد.\n(٢) راجع المسند جـ ٤ رواية رقم ٢٤٣٢. والترمذى: كتاب المناقب: باب مناقب أبى بكر الصديق.\n(٣) انظر المسند ج ١ رواية رقم ١٣٣، وانظر كذلك ج ٥ الروايتين ٣٧٦٥، ٣٨٤٢ وانظر سنن النسائي - كتاب الإمامة، واللفظ لأحمد.\n(٤) ذكر سيدى عبد القادر الجيلانى -الذي ينتهى نسبه إلى الحسن بن على بن أبى طالب ﵃ - أن خلافة أبى بكر ﵁ كانت باتفاق المهاجرين والأنصار وفيهم* *الإمام على، وذكر قول عمر في إمامة الصلاة التي رواها الإمام أحمد، ثم قال: \" قيل في النقل الصحيح: لما بويع أبو بكر الصديق قام ثلاثًا يقبل على الناس يقول: ياأيها الناس أقلتكم بيعتى، هل من كاره؟ فيقوم على في أوائل الناس فيقول: لا نقيلك ولا نستقيلك أبدًا، قدمك رسول الله - ﷺ - فمن يؤخرك؟ وبلغنا عن الثقات أن عليًا - ﵁ - كان أشد الصحابة قولًا في إمامة أبى بكر ﵁. وروى أن عبد الله بن الكواء دخل على على بعد قتال الجمل وسأله: هل عهد إليك رسول الله - ﷺ - في هذا الأمر شيئًا؟ فقال: نظرنا في أمرنا فإذا الصلاة عضد الإسلام، فرضينا لدنيانا بما رضي الله ورسوله لديننا، فولينا الأمر أبا بكر \".\n\nانظر الغنية ١/٦٨، وراجع كذلك القول في عدم تأخر الإمام على عن المبايعة فيما نقلناه عن فتح البارى في حاشية ص ١٨ من فصل الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة.","vol":"1","page":153},{"text":"﴿) .\nومما مهد لهذه الإمامة كذلك ما رواه الشيخان بأسانيدهما عن جبير بن مطعم قال: أتت النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة فكلمته في شئ فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله، أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تريد الموت، قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المهدى</span>\n٤-أخرج أحمد في مسنده عن الإمام على قال: قال رسول الله ﷺ: \" المهدى منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة \".\nوفى رواية أخرى \" لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله ﷿ رجلًا منا، يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا \".\nوفى المسند أيضًا عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ: \" لا تقوم الساعة حتى يلى رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمى \".\n_________\n(١) انظر البخاري كتاب الأحكام: باب الاستخلاف، ومسلم كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أبى بكر الصديق، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":154},{"text":"وفى رواية ثانية: \" لا تذهب الدنيا أو قال: لا تنقضى الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي ويواطئ اسمه اسمى \"، ووردت هذه الرواية بأسانيد ... أخرى (١) .\nوأحاديث المهدى لم يرد منها شىء في الصحيحين، ولكنها جاءت في المسند وكتب السنن، وكثر حولها الجدل. والذى يعنينا هنا هو أن الأحاديث منها صحيحة الأسانيد بما لايدع مجالًا لرفضها (٢) ومع هذا فإنها لا تدل على أنه المهدى الذي قالت به \" الجعفرية \" وإنما هو رجل من أهل البيت يُبعث قبيل الساعة، وفى بعض الروايات أنه يحكم خمس سنين أو سبعًا أو تسعًا (٣) .\n_________\n(١) سئل أستاذنا العلامة المحقق محمود محمد شاكر عن المهدى قال: الحديث عن المهدى متصل بالمسيح والمسيح الدجال، فالثلاثة من علامات الساعة، وسيكونون في وقت واحد، ومن هنا يظهر خطأ من يجعل المهدى منفصلًا عن غيره. وسيكون المهدى حاكمًا كسائر الحكام، ثم يهديه الله - ﷾ - ويصلحه في ليلة. وأشار سيادته إلى خطأ الشيعة وأمثالهم، وخطأ المنكرين لأحاديث المهدى صحيحة. وفى صحيح مسلم قول الرسول - ﷺ -: \" لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم - ﵇ - فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمه الله هذه الأمة \". وعقب الشيخ ناصر الدين الألبانى على كلمة \" أميرهم \" بقوله: \" هو المهدى محمد بن عبد الله - ﵇ - كما تظاهرت بذلك الأحاديث بأسانيد بعضها صحيح، وبعضها حسن، وقد خرجت شيئًا منها في (الأحاديث الضعيفة) \". انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم ٢٠٦١.\n(٢) انظر روايات المسند وتخريجها: جـ ٢، جـ ٥، جـ ٦،: روايات ٦٤٥، ٧٧٣، ٣٥٧١، ٣٥٧٢، ٣٥٧٣، ٤٠٩٨، ٤٢٧٩.\n(٣) انظر الترمذي - كتاب الفتن: باب ما جاء في المهدى، وفى سنن ابن ماجة \" يكون في أمتى المهدى، إن قصر فسبع، وإلا فتسع \". (كتاب الفتن - باب خروج المهدى، وانظر سنن أبى داود - كتاب المهدى) .","vol":"1","page":155},{"text":"فلابد من أحاديث أخرى تبين أنه الإمام الثانى عشر المعين بالنص، الذي بقى من القرن الثالث الهجرى إلى قيام الساعة (١) !\nوهاذا ما لم نجده في كتب الحديث الثمانية التي التزمنا الرجوع إليها، ولا في غيرها من الكتب التي رجعنا إليها، بل وجدنا أن الرسول ﷺ لم يعين أحدًا للخلافة من بعده كما ذكرنا من قبل، والإمام الثانى عشر الذي قالت به الجعفرية تبع لقولهم في باقي الأئمة. ووجدنا كذلك في بعض الأحاديث ما ينقض قول الجعفرية، ففيها \" يؤاطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى \". وفيها أن عليًا نظر إلى ابنه الحسن ﵄ فقال: إن ابنى هذا سيد كما سماه النبي ﷺ وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم ﷺ يشبهه في الُخلق ولا يشبهه في الخْلق ﷺ.... يملأ الأرض عدلًا (٢)\nوبعد: فتلك سنة المصطفى ﷺ تشهد بصحة ما ذهب إليه جمهور المسلمين، وتشهد بأن الإمامة ما كانت بنص ولا تعيين. فالحمد لله ﷿ الذي هدانا ... لهذا، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.\n_________\n(١) ذهبت فرقة الشيخية - التي خرجت على الجعفرية - إلى أن المهدى سيوجد بالولادة مما أثار غضب الاثنى عشرية. (انظر المهدية في الإسلام ص ٢٤١) .\n(٢) فالمهدى إذن اسمه محمد بن عبد الله وليس محمد بن الحسن، وينتهى نسبه إلى الحسن لا إلى الحسين ﵄. (انظر عون المعبود شرح سنن أبى داود - كتاب المهدى ١١ / ٣٧٠، ٣٧١، ٣٨١، ٣٨٢) وفى التفسير الكاشف للعالم الجعفرى محمد جواد مغنية أشار إلى المهدى وأحاديثه وقال: وفى هذا المعنى أحاديث كثيرة وصحيحة، منها ما رواه أبو داود في كتاب السنن - وهو أحد الصحاح السته: \" قال رسول الله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلًا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى \" ... (٥/٣٠٢) .\nولا ندرى لم ذكر هذا الحديث الشريف واعترف بصحته مع أنه يخالف عقيدته!","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفصل الرابع\nالاستدلال بالتحريف والوضع</span>\nرأينا في الفصول السابقة أن عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية لا تستند إلى شيء من القرآن الكريم، واستدلالاتهم تبنى على روايات متصلة بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها، ولم يصح شيء من هذا ولا ذاك بما يمكن أن يكون دليلا يؤيد مذهبهم. كما رأينا أن السنة النبوية المطهرة لا تؤيد هذه العقيدة الباطلة، بل تعارضها، وتثبت بطلانها بكثير من الأحاديث الصحيحة الصريحة.\nوالإسلام - عقيدة وشريعة - إنما يستمد من الكتاب العزيز والسنة المشرفة. وكان إذن يمكن الاكتفاء بما سبق والانتقال إلى موضوع آخر، غير أننى رأيت أن كتبهم التي يحاولون بها إفساد المجتمع المسلم، ونشر هذه العقيدة الباطلة، رأيت هذه الكتب لا تكتفي بما سبق مما ناقشناه من الأدلة، بل تلجأ إلى تحريف القرآن الكريم نصا ومعنى، وجمع الروايات المختلفة للأحاديث الموضوعة والباطلة، وتقدم كل هذا على أنه أدلة ثابتة أو يقينية متواترة تؤيد عقيدتهم. وغير أهل الاختصاص، وهم الكثرة، بل عامة الناس، لا يستطيعون أن يميزوا بين الروايات الصحيحة وغير الصحيحة.\n\nولذلك كان من المناسب كشف هذا التضليل وبيان هذا الباطل. ومن الكتب القديمة التي حاولت إفساد المجتمع المسلم آنذاك كتاب \" منهاج الكرامة في معرفة الإمامة \" لابن المطهر الحلي وقد رد عليه بالتفصيل ممن عاصره شيخ الإسلام ابن تيمية بكتابه القيم الفذ \" منهاج السنة النبوية \".","vol":"1","page":157},{"text":"وفى عصرنا وجدنا كتابا طبع منه ملايين النسخ، أو مئات الآلاف على أقل تقدير، حاول مؤلفه أيضا أن يفسد المجتمع المسلم المعاصر، وأن يشككه في عقيدته الصحيحة، ويزين له باطل هذا الرافضي، وهذا الكتاب المشهور هو كتاب المراجعات لعبد الحسين شرف الدين الموسوي، وقد رددت عليه بكتابي\" المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى \".\nوفى هذا الفصل أتناول شيئا من كتابى الرافضيين، والرد عليهما، وبيان بعض ما جاء فيهما من الباطل والضلال، كما نبين منهج الرافضة في التضليل، والله ﷿ هو المستعان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>تحريف القرآن الكريم</span>\nللاستدلال بالقرآن الكريم على عقيدة الرافضة، سلكوا كغيرهم من الفرق الضالة مسلك التحريف في النص والمعنى، وسنرى هذا بوضوح وجلاء عند دراستنا لكتب تفسيرهم، وبيان موقفهم من القرآن الكريم، وكذلك عند عرضنا لكتابهم الأول - والأعلى عندهم - في الحديث، وهو كتاب الكافى، وذلك أثناء عرض الأبواب والأخبار المتصلة بالقرآن المجيد.\nوعبد الحسين في كتابه نرى المراجعة الثانية عشرة تدور حول ما أسماه ... \" حجج الكتاب \"، وذكر فيها كثيرا من الآيات الكريمة، وحرف معناها حتى بدا القرآن الكريم كأي كتاب من كتب الفرق الضالة وليس \" ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ\"، \" وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ \" فعلى سبيل المثال جاء في هذه المراجعة أن الرافضة هم مراد الله تعالى فيمن ذكر أنهم أصحاب الجنة، والمتقون، وخير البرية، ... إلى آخره، أما خير أمة","vol":"1","page":158},{"text":"أخرجت للناس من الصحابة الكرام الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه، فهؤلاء في زعم خليفة ابن سبأ هم أصحاب النار، والفجار، والكفار، وكذلك خير البشر بعد رسول الله ﷺ وهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، حيث خصهما بمزيد من الطعن؛ فهما في زعمه الجبت والطاغوت وأئمة الضلال. وهكذا يستمر هذا الرافضي اللعين في زندقته وضلاله مما يوجب إقامة الحد عليه.\nوما ذكره هذا الرافضي يردده غلاة الرافضة في كتبهم واستدلالاتهم. ومعظم ما ذكره هنا سبقه إليه ابن المطهر الحلى، حيث جاء بأربعين آية كريمة، وحرف معناها لتتفق مع ضلاله. وقد أثبتها كاملة شيخ الإسلام وأجاب ... عنها، وفصل بطلان الاستدلال بها في الجزء السابع من منهاج السنة (من بدايته إلى ص ٢٩٧) ولولا الإطالة لنقلت تلك الصفحات، ففيها إقناع وإمتاع، وفضح للغلاة الرافضة. وسأكتفى هنا بذكر جزء جاء في بداية الرد على البرهان الأول، وهو نفسه الدليل الأول الذي ذكرته في الفصل الثانى من هذا الباب، وهو ما يتعلق بقوله تعالى ... \" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ ... رَاكِعُونَ \" (٥٥: المائدة) بعد ذكر كلام الرافضي قال شيخ الإسلام:\nوالجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكره ما يصلح أن يقبل ظنا، بل كل ما ذكره كذب وباطل، من جنس السفسطة، وهو لو أفاده ظنونا كان تسميته براهين تسمية منكرة؛ فإن البرهان في القرآن وغيره يطلق على ما يفيد العلم واليقين، كقوله تعالى:\n\" وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ \" (سورة البقرة: ١١١) .","vol":"1","page":159},{"text":"وقال تعالى:\n\" أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ \" (سورة النمل: ٦٤) .\nفالصادق لابد له من برهان على صدقه، والصدق المجزوم بأنه صدق هو المعلوم.\nوهذا الرجل جميع ما ذكره من الحجج فيها كذب، فلا يمكن أن يذكر حجة واحدة جميع مقدماتها صادقة، فإن المقدمات الصادقة يمتنع أن تقوم على باطل. وسنبين إن شاء الله تعالى عند كل واحدة منها ما يبين كذبها، فتسمية هذه براهين من أقبح الكذب.\nثم إنه يعتمد في تفسير القرآن على قول يحكى عن بعض الناس، مع أنه قد يكون كذبا عليه، وإن كان صدقا فقد خالفه أكثر الناس. فإن كان قول الواحد الذي لم يُعلم صدقه، وقد خالفه الأكثرون برهانا، فإنه يقيم براهين كثيرة من هذا الجنس على نقيض ما يقوله فتتعارض البراهين فتتناقض، والبراهين لا تتناقض.\nبل سنبين إن شاء الله تعالى قيام البراهين الصادقة التي لا تتناقض على كذب ما يدعيه من البراهين، وأن الكذب في عامتها كذب ظاهر، لا يخفى إلا على من أعمى الله قلبه، وأن البراهين الدالة على نبوة الرسول حق، وأن القرآن حق، وأن دين الإسلام حق - تناقض ما ذكره من البراهين، فإن غاية ما يدّعيه من البراهين إذا تأمله اللبيب، وتأمل لوازمه وجده يقدح في الإيمان والقرآن والرسول.\nوهذا لأن أصل الرفض كان من وضع قوم زنادقة منافقين، مقصودهم الطعن في القرآن والرسول ودين الإسلام، فوضعوا من الأحاديث ما يكون التصديق به طعنا في دين الإسلام، وروجوها على أقوام، فمنهم من كان صاحب هوى وجهل، فقبلها لهواه، ولم ينظر في حقيقتها. ومنهم من كان له نظر فتدبرها","vol":"1","page":160},{"text":"فوجدها تقدح في حق الإسلام، فقال بموجبها، وقدح بها في دين الإسلام، إما لفساد اعتقاده في الدين، وإما لاعتقاده أن هذه صحيحة وقدحت فيما كان يعتقده من دين الإسلام.\nولهذا دخلت عامة الزنادقة من هذا الباب؛ فإن ما تنقله الرافضة من الأكاذيب تسلَّطوا به على الطعن في الإسلام، وصارت شبها عند من لم يعلم أنها كذب، وكان عنده خبرة بحقيقة الإسلام.\nوضلت طوائف كثيرة من الإسماعيلية والنصيرية، وغيرهم من الزنادقة الملاحدة المنافقين، وكان مبدأ ضلالهم تصديق الرافضة في أكاذيبهم التي يذكرونها في تفسير القرآن والحديث، كأئمة العُبيْديين إنما يقيمون مبدأ دعوتهم بالأكاذيب التي اختلقتها الرافضة، ليستجيب لهم بذلك الشيعة الضُلاَّل، ثم ينقلون الرجل من القدح في الصحابة، إلى القدح في علىّ، ثم في النبي ﷺ، ثم في الإلهية، كما رتبه لهم صاحب البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم. ولهذا كان الرفض أعظم باب ودهليز إلى الكفر والإلحاد.\nثم نقول: ثانيا: الجواب عن هذه الآية حق من وجوه: الأول: أنا نطالبه بصحة هذا النقل، أو لا ُيذكر هذا الحديث على وجه تقوم به الحجة؛ فإن مجرد عزوه إلى تفسير الثعلبى، أو نقل الإجماع على ذلك من غير العالمين بالمنقولات، الصادقين في نقلها، ليس بحجة باتفاق أهل العلم، إن لم نعرف ثبوت إسناده. وكذلك إذا روى فضيلة لأبى بكر وعمر، لم يجز اعتقاد ثبوت ذلك بمجرد ثبوت روايته باتفاق أهل العلم.\nفالجمهور - أهل السنة - لا يثبتون بمثل هذا شيئا يريدون إثباته: لا حكما، ولا فضيلة، ولا غير ذلك. وكذلك الشيعة.\nوإذا كان هذا بمجرده ليس بحجة باتفاق الطوائف كلها، بطل الاحتجاج به. وهكذا القول في كل ما نقله وعزاه إلى أبى نُعيم أو الثعلبى أو النقاش أو ابن المغازلى ونحوهم.","vol":"1","page":161},{"text":"الثانى: قوله: \" قد أجمعوا أنها نزلت في علىّ \" من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علىّ بخصوصه، وأن عليا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع.\nوأما ما نقله من تفسير الثعلبى، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أن الثعلبى يروى طائفة من الأحاديث الموضوعات، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة عن أبى أمامة في فضل تلك السورة، وكأمثال ذلك. ولهذا يقولون: \" هو كحاطب ليل \".\nوهكذا الواحدى تلميذه، وأمثالهما من المفسرين: ينقلون الصحيح والضعيف.\nولهذا لما كان البغوى عالما بالحديث، أعلم به من الثعلبى والواحدى، وكان تفسيره مختصر تفسير الثعلبى، لم يذكر في تفسيره شيئا من هذه الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبى، ولا ذكر تفاسير أهل البدع التي ذكرها الثعلبى، مع أن الثعلبى فيه خير ودين، لكنه لا خبرة له بالصحيح والسقيم من الأحاديث، ولا يمّيز بين السنة والبدعة في كثير من الأقوال.\nوأما أهل العلم الكبار: أهل التفسير، مثل تفسير محمد بن جرير الطبري، وبقىّ بن مخلد، وابن أبى حاتم، وابن المنذر، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، وأمثالهم - فلم يذكروا فيها مثل هذه الموضوعات.\nدع من هو أعلم منهم، مثل تفسير أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. بل ولا ُيذكر مثل هذا عند ابن حُميد ولا عبد الرزاق، مع أن عبد الرزاق كان يميل إلى التشيع، ويروى كثيرا من فضائل علىّ، وإن كانت ضعيفة، لكنه أجل قدرا من أن يروى مثل هذا الكذب الظاهر.\nوقد أجمع أهل العلم بالحديث على أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد خبر يرويه الواحد، من جنس الثعلبى والنقَّاش والواحدى، وأمثال هؤلاء المفسرين، لكثرة ما","vol":"1","page":162},{"text":"يروونه من الحديث ويكون ضعيفا، بل موضوعا. فنحن لو لم نعلم كذب هؤلاء من وجوه أخرى، لم يجز أن نعتمد عليه، لكون الثعلبى وأمثاله رووه، فكيف إذا كنا عالمين بأنه كذب؟ !\nوسنذكر إن شاء الله تعالى ما يبيّن كذبه عقلا ونقلا، وإنما المقصود هنا بيان افتراء هذا المصنف أو كثرة جهله، حيث قال: \" قد أجمعوا أنها نزلت في علىّ \" فيا ليت شعرى من نقل هذا الإجماع من أهل العلم العالمين بالإجماع في مثل هذه الأمور؟ فإن نقل الإجماع في مثل هذا لا يُقبل من غير أهل العلم بالمنقولات، وما فيها من إجماع واختلاف.\nفالمتكلم والمفسّر والمؤرخ ونحوهم، لو ادّعى أحدهم نقلا مجردًا بلا إسناد ثابت لم يُعتمد عليه، فكيف إذا ادّعى إجماعا؟ !\n\nالوجه الثالث: أن يقال: هؤلاء المفسرون الذين نقَلَ من كتبهم، هم - ومن هم أعلم منهم - قد نقلوا ما يناقض هذا الإجماع المدَّعَى، والثعلبى قد نقل في تفسيره أن ابن عباس يقول: نزلت في أبى بكر. ونقل عن عبد الملك: قال: سألت أبا جعفر، قال: هم المؤمنون. قلت: فإن ناسا يقولون: هو علىّ. قال: فعلىُّ من الذين آمنوا. وعن الضحاك مثله.\nوروى ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه قال: حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا معاوية بن صالح، حدثنا علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عباس في هذه، قال: \" كل من آمن فقد تولَّى الله ورسوله والذين آمنوا \". قال: وحدثنا أبو سعيد الأشجّ عن المحاربىّ، عن عبد الملك بن أبى سليمان، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علىّ عن هذه الآية، فقال: \" هم الذين آمنوا \". قلت: نزلت في علىّ؟ قال: علىّ من الذين آمنوا. وعن السدى مثله.\nالوجه الرابع: أنّا نعفيه من الإجماع، ونطالبه أن ينقل ذلك بإسناد واحد صحيح. وهذا الإسناد الذي ذكره الثعلبى إسناده ضعيف، فيه رجال متهمون.","vol":"1","page":163},{"text":"وأما نقل ابن المغازلى الواسطى فأضعف وأضعف، فإن هذا قد جمع في كتابه من الأحاديث الموضوعات ما لا يخفى أنه كذب عَلىَ من له أدنى معرفه بالحديث، والمطالبة بإسناد يتناول هذا وهذا.\nواستمر شيخ الإسلام إلى أن ذكر تسعة عشر وجها.\nوالملاحظ أن ابن المطهر كان أكثر ترتيبا وتنظيما من خلفه رافضى المراجعات، وأنه كان ضالا غاليا رافضيا خبيثا، ومع هذا كله كان أقل فحشا وسوءا من عبد الحسين.\nوالملاحظ أيضا أن عبد الحسين ذكر المراجع التي رجع إليها ابن المطهر، غير أنه أضاف إليها مراجع أخرى، فأكثر من النقل من الصواعق المحرقة، وسيأتي الحديث عنه لفضح منهج هذا الرافضي في نقله من الكتب، كما نقل من مراجع تحتاج إلى وقفة خاصة.\nمن هذه المراجع صحيح البخاري!\nومن المسلم به بين جمهور الأمة أنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، فكيف يستدل به هذا الرافضي؟ ! وما عهدناه يستدل بغير الموضوع والباطل. فلننظر ماذا أخذ من صحيح البخاري.\nقال الرافضي: وقال - أي الله ﷿ فيهم وفى خصومهم:\n\" هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ\" (١٩: الحج)\nوقال في الحاشية: أخرج البخاري في تفسير سورة الحج بالإسناد إلى علي قال: أنا أول من يجثو بين يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة. (قال البخاري): قال قيس: وفيهم نزلت: \" هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ \"، قال: هم الذين","vol":"1","page":164},{"text":"بارزوا يوم بدر: على وصاحباه حمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وصاحباه عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.\nقلت: نزول هذه الآية الكريمة في الذين بارزوا يوم بدر من المسلمين وكفار قريش أخرجه الإمام البخاري في التفسير وفى المغازي من صحيحه، كما أخرجه غيره. والاختصام هنا واضح أنه بين المسلمين وغيرهم وهم الكفار، وبينت الآية الكريمة جزاء الذين كفروا، وما سيلقونه في جهنم.\nومن المعلوم أن الذين خرجوا للمبارزة أولا كانوا من الأنصار، فرفض المشركون، فخرج هؤلاء الثلاثة الكرام. وكان خلفهم جيش المسلمين بقيادة الرسول ﷺ، ومعه أبو بكر الصديق في العريش، وهو مركز القيادة، وليس معه غيره. وممن شهد بدرا عمر وعثمان (١) ﵃ جميعا. والرافضى جعل هذه المراجعة لحجج الكتاب التي تثبت ما عليه الرافضة من القول بإمامة على ومن بعده، وتبطل ما عليه جمهور المسلمين من مبايعة أبى بكر بالخلافة، ومن بعده من الخلفاء الراشدين. وهذا يعنى أن الرافضي - لعنة الله عليه - جعل الرافضة وحدهم هم المسلمين، وجعل الخلفاء الراشدين الثلاثة ومن بايعوهم هم الذين كفروا، وقطعت لهم ثياب من نار.\nأي أن الآية الكريمة - بحسب فريته - لم تجعل الاختصام بين المسلمين وكفار قريش، وإنما في أهل بدر أنفسهم ممن كانوا مع رسول الله ﷺ وأولهم من كان معه في العريش حيث كان أول الخلفاء الراشدين بعد ذلك.\n\nفالرافضى أخذ الخبر الصحيح من البخاري، ثم وضع أهل بدر - رضي الله عنهم ورضوا عنه - بدلا من كفار قريش! ! انظر كيف يفترى على الكذب! ... (\n_________\n(١) تخلف عثمان على امرأته رقية بنت رسول الله - - ﷺ - ـ، وكانت مريضة، فتوفيت وجاءت البشرى بالفتح حين دفنت، فضرب له رسول الله - - ﷺ - - بسهمه من الغنيمة، وبأجره من المشهد، فهو بدرى - جوامع السيرة النبوية لابن حزم ص ٨٨.","vol":"1","page":165},{"text":"ومع كل هذا الكفر والفجور فسينسب للإمام البشرى إعجابه بحججه، واتهامه لمن خالف هذا الرافضي! ولذلك أثبت يقينا أن المراجعات المنسوبة لشيخ الأزهر البشرى، علامة زمانه، افتراها عليه الرافضي عبد الحسين)\nهذا هو أحد خبرين أخذهما من صحيح البخاري.\nوإليك الخبر الثانى:\nقال تعالى: \" إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا\" (٥٦: الأحزاب)\nنقل الرافضي عن البخاري ومسلم أيضا ما يأتي:\n\" فقالوا: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، الحديث \" ثم قال الرافضي: \" فعلم بذلك أن الصلاة عليهم جزء من الصلاة المأمور بها في هذه الآية \". ا. هـ.\nقلت: هذه رواية متفق على صحتها، ولكن من الآل؟\nذكرت عند آية التطهير أن طائفة من العلماء احتجوا على أن الآل هم الأزواج والذرية بما جاء في الصحيحين عن الرسول ﷺ عندما سئل: كيف نصلى عليك؟ فقال: \" قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته. . . إلخ \" فهذه الرواية مفسرة للرواية الأولى. ونحن نعرف موقف الرافضة من أمهات المؤمنين.\nوالرافضة يزعمون أن فرقتهم هي مذهب أهل البيت في الأصول والفروع، وزعمهم يحتاج إلى وقفة من البداية لتجلية هذا الأمر، وإزالة هذا اللبس والتلبيس، فقد كان لهذا أثره على السذج من الناس الذين لا يعرفون حقيقة هذه الفرقة.","vol":"1","page":166},{"text":"ومن المعروف أن عشرات الفرق من الشيعة ينازع بعضها بعضا في هذا الزعم، بل إن عبد الله بن سبأ - الذي وضع فكرة الوصي بعد النبي ﷺ وتبنتها فرق الغلاة - يزعم أنه هو نفسه من أتباع أهل بيت رسول الله ﷺ.\nونحدد أولا المراد بالأهل:\nجاء في المعجم الوسيط تحت مادة أهل:\nأهل يأهل أهلا وأهولا: تزوج، وأهل المكان أهولا: عمر بأهله، وأهل فلانة: تزوجها.\nوالأهل: الأقارب والعشيرة والزوجة.\nوأهل الدار ونحوها: سكانها.\nوفى معجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية قال في مادة أهل: أهل: يحدد معناه بما يضاف إليه.\nفأهل الرجل: زوجه، وعشيرته، وذوو قرباه.\nوأهل الدار: سكانها.\nوأهل الكتاب، وأهل الإنجيل، وأهل القرية، وأهل المدينة، ... إلخ: من يجمعهم الكتاب، أو الإنجيل ... إلخ.\nثم أشار إلى الآيات الكريمة التي ورد فيها كلمة أهل.\nوروى الإمام البخاري بسنده عن أنس ﵁ قال:\n\" بنى على النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا ... فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك.. فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة (١) .\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب \" لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم..\".","vol":"1","page":167},{"text":"من هذا نرى أن أهل بيت رسول الله ﷺ هم: زوجاته أمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهن، وذريته وذوو قرباه - رضي الله تعالى عنهم: كعلى بن أبى طالب، وابن عباس وأبيه، وجعفر، وغيرهم. وأهل السنة والجماعة يقدرون أهل البيت جميعا حق قدرهم، وينزلون هؤلاء الأطهار منزلتهم، ويأخذون بما صح عنهم من الأحاديث والآثار، وكتبنا تشهد بذلك: انظر مثلا ما روى عن فضائلهم في كتب السنة المشرفة، وما روى عنهم من الأحاديث الشريفة والآثار.\nوالرسول ﷺ لم يختص أحدا بعلم دون غيره، وإنما علم صحابته الكرام، وأهل بيته الأطهار، وعلى الأخص زوجاته أمهات المؤمنين.\nوالصحابة الكرام جميعا - سواء منهم من كان من أهل البيت ومن كان من غيرهم من المهاجرين والأنصار، هم خير أمة أخرجت للناس، شهد لهم ربهم ﷿ في كثير من آيات كتابه البينات المحكمات، وكفى بالله شهيدا، وشهد لهم الرسول ﷺ، وما أعظم شهادة من لا ينطق عن الهوى، المبلغ والمبين عن الله ﷾.\nوعن هؤلاء الصحابة الكرام، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، نقل إلينا كتاب ربنا العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة نبينا المطهرة، وما يتصل بهما من البيان والأحكام، فتم علينا نعمة الله ﵎.\nولذلك اشتهر قول أبى زرعة الرازى:\n\" إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق. وذلك أن القرآن حق، والرسول حق، وما جاء به حق. وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به أليق، والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق \".","vol":"1","page":168},{"text":"هذا موقف جمهور المسلمين من خير القرون، فما موقف عبد الحسين وفرقته؟\nأما موقفهم من غير أهل البيت من الصحابة الكرام، فليس موقف انتقاص فقط كما قال أبو زرعة، وإنما سنجد في كتبهم التي قال عنها عبد الحسين في مراجعات تأتى فيما بعد: بأنها مقدسة، ومتواترة - ما يشيب لهوله الولدان. سنجد الطعن والتفسيق، بل التكفير والنفاق.. لمن؟ لخير أمة أخرجت للناس!! وسيأتي هذا مفصلا في موضعه من كتابنا هذا.\nوما موقفهم من أهل بيت رسول الله ﷺ؟ أمهات المؤمنين، وهن أول المراد من أهل البيت، فهن: الصديقة بنت الصديق، عائشة ﵄ المعلوم منزلتها عند رسول الله ﷺ ومنزلتها العلمية وما استدركته على الصحابة ... إلخ، غير أنها بنت خير البشر بعد رسول الله ﷺ كما روى متواترا عن على رضي الله تعالى عنه، وعن غيره، وهذه الفرقة ترى أنه أول من اغتصب الخلافة، وموقف أم المؤمنين من أمير المؤمنين على معروف - وإن نقل مشوها، ولذلك فهم لا يأخذون شيئا من علمها الذي علمها إياه زوجها رسول الله ﷺ، بل يعتبرونها - والعياذ بالله - كافرة لأنها اشتركت في الحرب ضد الإمام، وهذا واضح فيما سبق من بيان عقيدة الإمامة عندهم.\nوأم المؤمنين حفصة لم تسلم من طعن هذه الفرقة، لموقفهم من أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁: ففي قوله تعالى:\n\" ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا \" (١) نرى الطعن في تفسير هذه الفرقة:\n_________\n(١) التحريم - ٠١","vol":"1","page":169},{"text":"يقول أحد علمائهم، بل علامتهم المجلسى: \" لا يخفى على الناقد البصير والفطن الخبير ما في تلك الآيات من التعريض، بل التصريح بنفاق عائشة وحفصة وكفرهما!! \" (١) .\nكما طعنوا في أمهات المؤمنين: أم حبيبة، وصفية وسودة رضي الله تعالى عنهن (٢) . (انظر إلى ما ذكره عبد الحسين من الكتب المقدسة التي تحمل علم أهل البيت!!)\nولم يقف الأمر عند أمهات المؤمنين، بل طعنوا في غيرهن من أهل البيت: فهذا مثلا عبد الله بن عباس، حبر الأمة وترجمان القرآن، وأبوه عم رسول الله ﷺ، ماذا قالوا فيهما؟\nمن أهم كتبهم وأقدمها التي يرى عبد الحسين وغيره أن كل ما جاء فيه صحيح: تفسير على بن إبراهيم القمي، وستأتى دراسة مفصلة لهذا الكتاب، ونجد القمي يروى أن ابن عباس، وأباه، نزل فيهما قوله تعالى: \" وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا\" (٣)، وفى أبيه نزل قوله تعالى: \" وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ \" (٤)\n_________\n(١) بحار الأنوار جـ ٢٢ ص ٣٣.\n(٢) انظر كتابى: بين الشيعة والسنة. دراسة مقارنة في التفسير وأصوله، ص ٢٥٥.\n(٣) ٧٢: الإسراء.\n(٤) ٣٤: هود، وانظر فرية القمي في تفسيره ٢ / ٢٣.","vol":"1","page":170},{"text":"ولم يقف أمر هؤلاء القوم عند هذا الحد، بل تجرءوا على بنات النبي ﷺ غير السيدة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنهن جميعا وأرضاهن! أي والله بنات النبي نفسه ﷺ!\nفقوم عبد الحسين لا يريدون أن يكون لأحد شرف مصاهرة النبي ﷺ غيرعلى رضي الله تعالى عنه، ولذلك الذين اجترءوا على القرآن الكريم وقالوا بتحريفه، منهم من ذكر أن سورة الشرح أسقط الصحابة منها: وجعلنا عليا صهرك (١) .\nفإذا كان علي من أهل البيت، وله شرف الزواج من إحدى بنات رسول الله ﷺ، فإن عثمان من أهل البيت أيضا (٢)، وله شرف الزواج من اثنتين - لا واحدة فقط من بنات النبي الطاهرات ﷺ، فرقية تزوجها بعد إسلامه، وهاجر بها إلى الحبشة، ثم إلى المدينة حيث ماتت بعد بدر بثلاثة أيام. وأصغر بنات الرسول ﷺ هي أم كلثوم، كانت لابن عمها عتبة بن أبى لهب، وطلقها قبل أن يدخل بها، وكانت هي التي لا تزال بغير زواج بعد أن تزوج على أختها فاطمة الزهراء، فتزوجها عثمان بعد موت أختها رقية عنده سنة ثلاث من الهجرة.\nأما أكبر بنات النبي ﷺ ورضي الله عنهن جميعا - فهى زينب، تزوجها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف. وهو ابن هالة بنت خويلد أخت السيدة خديجة ﵂، وهو كما نرى من نسبه يعد من أهل البيت.\nهؤلاء هن بنات النبي الأربعة، والأزواج الثلاثة، فما موقف هذه الفرقة من هؤلاء السبعة، وهم جميعا من أهل البيت؟\n_________\n(١) سيأتي الحديث عن موقف هذه الفرقة من القرآن الكريم في الجزء الثانى.\n(٢) انظر بيان قرابته من الرسول - ﷺ - في كتاب \" ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ \" للشيخ محب الدين الخطيب: ص ٥، ٦.","vol":"1","page":171},{"text":"رأينا من قبل عند بيان عقيدتهم في الإمامة كيف أنهم جعلوا فاطمة الزهراء وزوجها - رضي الله تعالى عنهما - فوق الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، فيعتبر هذا عندهم من ضروريات المذهب، أي أن من لم يعتقد هذا فليس مؤمنا، وواضح أن هذا من مقالات الغلاة وعقائدهم الباطلة وذو النورين بايع الشيخين، وتولى الخلافة بعدهما، فهو في زعمهم ممن اغتصب هذا المنصب الإلهي، ولذلك فإن كتبهم - التي أشار إليها عبد الحسين واعتبرها مقدسة متواترة - تجعله من الكفار والمنافقين والعياذ بالله.\nوأبو العاص ولدت له زينب ابنته أمامه التي جاء في الصحيحين أن الرسول ﷺ حملها وهو يصلى. وتزوج على أمامه هذه بعد موت خالتها فاطمة. ومات أبو العاص في خلافة أبى بكر الصديق في ذى الحجة سنة اثنتى عشرة (١) .\nأما أخوات الزهراء الطاهرات فماذا قالوا عنهن؟\nقال أحد علمائهم: \" رقية وزينب كانتا ابنتى هالة أخت خديجة، ولما مات أبوهما ربيتا في حجر رسول الله ﷺ فنسبتا إليه كما كانت عادة العرب في نسبة المربى إلى المربى. وهما اللتان تزوجهما عثمان بعد موت زوجيهما \" (٢) . ا. هـ.\nومعلوم أن زينب بنت خير البشر ﷺ لم يتزوجها عثمان، ولم يمت زوجها قبلها، فقد مات في خلافة أبى بكر - كما ذكر من قبل - زوجها أبو العاص. أما هي فقد ماتت في أول سنة ثمان من الهجرة. وأخرج مسلم في الصحيح بسنده عن\n_________\n(١) انظر ترجمة أبى العاص في باب الكنى من الجزء الرابع من الإصابة لابن حجر، ... ص ١٢١: ١٢٣ ترجمة رقم ٦٩٢.\n(٢) انظر زبدة البيان - حاشية ص ٥٧٥.","vol":"1","page":172},{"text":"أم عطية قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال: \" اغسلنها وترا، ثلاثا أو خمسا، واجعلن في الآخرة كافورا \".\nوزوجها أبو العاص ابن هالة بنت خويلد أخت السيدة خديجة، فهل تزوج أخته بنت أمه هالة؟ !\nأفيعتبر هذا المفترى الكذاب من أتباع أهل البيت؟ ! أم أن أهل البيت الأطهار منه براء، ومن أمثاله سائر الغلاة الروافض؟\nأما الطاهرتان رقية وأم كلثوم فهما اللتان تزوجهما ذو النورين. وفى كتاب منهاج الشريعة، الذي ألفه محمد مهدى للرد على منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية، جاء الحديث عن أختى الزهراء ﵅ في أكثر من موضع.\nومما قاله: \" ما زعمه - أي ابن تيمية - من أن تزويج بنتيه لعثمان فضيلة له من عجائبه، من حيث ثبوت المنازعة في أنهما بنتاه \" (١) وقال: \" لم يرد شىء من الفضل في حق من زعموهن شقيقاتها بحيث يميزن به ولو عن بعض ... النسوة \" (٢) .\nوقال: \" قد عرفت عدم ثبوت أنهما بنتا خير الرسل ﷺ وعدم وجود فضل لهما تستحقان به الشرف والتقدم على غيرهما \" (٣) .\nأهؤلاء إذن أتباع مذهب أهل البيت؟ أم أعداء أهل البيت الأطهار؟ وما الفرق بينهم وبين دعوى ابن سبأ وحقيقته؟\nولتأكيد أن الرافضة كاذبون في زعمهم حب آل بيت رسول الله ﷺ، نذكر شيئا من سيرة آل البيت الأطهار يفضح هؤلاء الرافضة:\n_________\n(١) منهاج الشريعة ٢ / ٢٨٩.\n(٢) المرجع نفسه ٢ / ٢٩٠.\n(٣) منهاج الشريعة ٢ / ٢٩١.","vol":"1","page":173},{"text":"زوج على ابنته عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهذا يؤكد معنى طيبا يجمع بين الخليفتين الراشدين يفهمه أي عاقل، فإذا بالرافضة يقولون: \" ذاك فرج غصبناه \"!! ويفترون روايات تذكر أن عليا زوج ابنته خوفا من عمر وتهديده له!! (انظر وسائل الشيعة ١٤ / ٤٣٣ - ٤٣٤) .\nوهذا ليس إساءة إلى عمر وحده كما يظهرون، وإنما هو إساءة أشد إلى على الذي يسلبه ما عرف عنه من شجاعة وإقدام، فيبدو ذليلا جبانا!! وسيأتي لهذا مزيد بيان في الجزء الرابع عند الحديث عن النكاح.\nونترك هذا ونأتى إلى ما يبين مدى حب آل البيت الأطهار للخلفاء الراشدين الثلاثة الذين عرفنا موقف الرافضة منهم، وسأترك كتب جمهور المسلمين وآتى إلى كتاب من كتب الشيعة ألفه السيد أبو القاسم الخوئى الذي كان المرجع الأعلى للشيعة بالعراق، وهو كتاب معجم رجال الحديث:\nونقرأ في هذا الكتاب الأرقام الآتية للتراجم وهى:\n(٧٦١٨، ٨٧٢٩، ٨٧٣١، ٨٧٨٧، ٨٧٨٨، ١٤٠٠٠، ١٤٠٠٢) .\nهذه التراجم لسبعة رجال فمن هم؟\nكلهم من آل البيت الأطهار، وكلهم أبو بكر أو عمر أو عثمان.. تأمل! فأما الإمام على فقد اختار أسماء إخوانه الثلاثة جميعا فسمى بهم أبناءه، منهم أبو بكر وعثمان اللذان قتلا مع أخيهما الحسين في واقعة الطف. وقتل أيضا عمر مع أبيه الحسين، وأبو بكر بن الحسن مع عمه الحسين، وعمر بن الحسن مع عمه الحسين.\nهؤلاء آل البيت الأطهار: على والحسن والحسين، وأولادهم أبو بكر وعمر وعثمان، فاعتبروا يا أولى الأبصار، وتدبروا سيرة آل البيت الأطهار، وبراءتهم من الرافضة الفجار.","vol":"1","page":174},{"text":"وفى كتاب كشف الأسرار (ص ١٧، ١٨) يقول السيد حسين الموسوي تحت عنوان:\nالحقيقة في انتساب الشيعة لأهل البيت: \"إن من الشائع عندنا معاشر الشيعة، اختصاصنا بأهل البيت، فالمذهب الشيعي كله قائم على محبة أهل البيت – حسب رأينا – إذ الولاء والبراء مع العامة – وهم أهل السنّة – بسبب أهل البيت، والبراءة من الصحابة، وفى مقدمتهم الخلفاء الثلاثة، وعائشة بنت أبى بكر بسبب الموقف من أهل البيت، والراسخ في عقول الشيعة جميعًا صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وجاهلهم، ذَكَرهم وأنثاهم، أنّ الصحابة ظلموا أهلّ البيت، وسفكوا دماءهم واستباحوا حرماتهم.\nوإن أهل السنّة ناصبوا أهل البيت العداء، ولذلك لا يتردد أحدنا في تسميتهم بالنواصب، ونستذكر دائمًا دم الحسين الشهيد ﵁ ولكن كُتبنا المعتبرة عندنا تُبيّن لنا الحقيقة، إذ تذكر لنا َتذمُّرَ أهلِ البيت صلوات الله عليهم من شيعتهم، وتذكر لنا ما فعله الشيعة الأوائل بأهل البيت، وتذكر لنا من الذي سفك دماء أهل البيت ﵈، ومن الذي تسبب في مقتلهم واستباحة حرماتهم.\nقال أمير المؤمنين ﵁: \" لو ميزت شيعتى لما وجدتهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحّصتهم لما خلص من الألف واحد \" \" الكافى / الروضة \" (٨/٣٣٨)\nوقال أمير المؤمنين ﵁: \" ياأشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، لّوددت ُ أنّى لم أركم ولم أعرفكم، معرفةُ جرّت والله ندمًا وأعقبت سَدَمًا (١) ... قاتلكم الله! لقد ملأتم قلبي قيحًا، وشحنتم صدري غيظًا، وجرَّعتمونى نغب التهمام أنفاسا، وافسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى\n_________\n(١) السدم: الهم. والنُّغَب: جمع نغبة كجرعة وجُرع. والتهمام: الهم.","vol":"1","page":175},{"text":"لقد قالت قريش: إن ّ ابن أبى طالب رجل شجاع ولكن لا علم َ له بالحرب، ولكن ْ لا رأي َ لمن لا يطاع \". \" نهج البلاغة \" (ص ٧٠، ٧١)\nوقال لهم موبّخًا: منيت بكم بثلاث، واثنتين: \" صُمُّ ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعُمْى ذوو أبصار، لا أحرار وصُدُق‘ عند اللقاء، ولا إخوان‘ ثقة عند البلاء ... قد انفرجتم عن ابن أبى طالب انفراجَ المرأة عن قُبُلها \". \" نهج البلاغةَّ \" (ص ١٤٢)\nقال لهم ذلك بسبب تخاذلهم وغدرهم بأمير المؤمنين ﵁، وله فيهم كلام كثير.\nوقال الإمام الحسين ﵁ في دعائه على شيعته: \" اللهم إنْ متَّعهم إلى حين ففرقهم فرقًا، واجعلهم طرائق قددًا، ولا تُرْضِ الولاة عنهم أبدًا، إنَّهم دَعَوْنا لينصرونا ثم عَدَْوا علينا فقتلونا \". \" الإرشاد المفيد \" (ص ٢٤١) .\nوقد خاطبهم مرة أخرى ودعا عليهم، فكان مما قال:\n\" لكنكم استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدباء، وتهافتم كتهافت الفراش، ثم نقضتموها، سفهًا وبعدًا وسحقًا لطواغيت هذه الأمة وبقية الأحزاب ونَبَذَةِ الكتاب، ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلوننا، ألا لعنةُ الله على الظالمين \". \" الاحتجاج \" (٢/٢٤) .\nوهذه النصوص تبيّن لنا مَنْ هم قتلةُ الحسين الحقيقيون، إنهم شيعة أهل الكوفة، أي أجدادنا، فلماذا نُحَمل أهلَ السنة مسؤولية مقتل الحسين ﵁؟!\nولهذا قال السيد محسن الأمين: \" بايع الُحسَيْنَ من أهل العراق عشرون ألفًا غدروا به وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم، وقتلوه \". \" أعيان الشيعة \" (القسم الأول)","vol":"1","page":176},{"text":"وقال الحسن ﵁: \" أرى والله معاوية خيرًا لي من هؤلاء، يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلى وأخذوا مالى، والله لأن آخذ من معاوية ما أحقنُ به من دمى، وآمن به في أهلي خير من أن يقتلونى، فيضيع أهل بيتي، والله لو قاتلتُ معاوية لأخذوا بعنقى حتى يدفعوا بى إليه سلمًا، والله لأن أُسالمه وأنا عزيز خيرُ من أن يقتلنى وأنا أسير \". \" الاحتجاج \" (٢/١٠) .\nوقال الإمام زين العابدين ﵁ لأهل الكوفة: \" هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبى وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق، ثم قاتلتموه وخذلتموه ... بأي عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول لكم: قاتلتم عترتى، وانتهكتم حرمتى؛ فلستم من أمتى \". \" الاحتجاج \" (٢/٣٢)\nوقال أيضًا عنهم: \" إن هؤلاء يبكون علينا فَمَنْ قتلَنا غيرُهم؟ \". \" الاحتجاج \" (٢/٢٩) .\nوقال الباقررضي الله عنه: \" لو كان الناس كلّهم لنا شيعة لكان ثلاثة أرباعهم لنا شكاكًا، والربع الآخر أحمق \". \" رجال الكشّي \" (ص ٧٩) .\nوقال الصادق ﵁\" أما والله لو أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثى ما استحللت ُ أن أكتمهم حديثًا \". \" أصول الكافى \" (١/٤٩٦) . انتهى. هذا بعض ما قاله العالم الشيعي.\nبعد بيان موقف الرافضة من أهل البيت الأطهار نعود مرة أخرى للنظر في المراجع:","vol":"1","page":177},{"text":"ومن المراجع التي ذكرها عبد الحسين تفسير مجاهد، ومجاهد كما نعلم تلميذ حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وذكرت من قبل طعن الرافضة فيهما.\nقال الرافضي:\nعن تفسير مجاهد ويعقوب بن سفيان عن ابن عباس في قوله تعالى:\n\" وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا \"، أن دحية الكلبى جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة، فنزل عند أحجار الزيت، ثم ضرب بالطبول ليؤذن الناس بقدومه، فنفر الناس إليه، وتركوا النبي - ﷺ - قائما يخطب على المنبر إلا عليا والحسن والحسين وفاطمة وسلمان وأباذر والمقداد، فقال النبي ﷺ: لقد نظر الله إلى مسجدى يوم الجمعة، فلولا هؤلاء لأضرمت المدينة على أهلها نارا، وحصبوا بالحجارة كقوم لوط. وأنزل الله فيمن بقى مع رسول الله في المسجد قوله تعالى:\n\" يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ\" الآية.\nقلت: نظرت في تفسير مجاهد، وهو مطبوع، فلم أجد ما سبق. ثم نظرت في الدر المنثور (٦ / ٢٢٠ - ٢٢١) فوجدت الروايات المختلفة التي ذكرت من بقى مع رسول الله ﷺ تنص على أبى بكر وعمر. وأول هذه الروايات هي ما روى عن جابر بن عبد الله، وفيها: \" لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا: أنا فيهم، وأبو بكر، وعمر \".\nوالحافظ ابن حجر في الفتح عند شرحه لحديث جابر الذي أورده البخاري في كتاب الجمعه من صحيحه، وفيه. \" ما بقى مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا \" قال ابن حجر:","vol":"1","page":178},{"text":"وأما تسميتهم فوقع في رواية خالد الطحان عند مسلم أن جابرا قال: \" أنا فيهم \" وله في رواية هشيم \" فيهم أبو بكر وعمر \".\nثم قال: وروى العقيلى عن ابن عباس \" أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأناسا من الأنصار \".\nوليس في أي رواية من الروايات كلها ذكر للحسن أو الحسين.\nأما الآية الأخيرة وهى رقم ٣٦ من سورة النور فلم يذكر في تفسيرها وأسباب النزول ما ذكره الرافضي من أن الرافضة هم رجال التسبيح!! فقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس ﵄: -\n\" فِي بُيوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ \" الآية قال: هي المساجد تكرم ونهى عن اللغو فيها \"وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ\" يتلى فيها كتابه \" يُسَبِّحُ \" يصلى \" لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ \" صلاة الغداة \" وَالْآصَالِ \" صلاة العصر، وهما أول ما فرض الله من الصلاة، وأحب أن يذكرهما، ويذكرهما عباده. (الدر المنثور ٥ / ٥٠) .\nوأخرج ابن أبى حاتم عن الضحاك في قوله تعالى: - \" رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ \" قال: هم في أسواقهم يبيعون ويشترون، فإذا جاء وقت الصلاة لم يلههم البيع والشراء عن الصلاة.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس\" رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ....\" قال: عن شهود الصلاة المكتوبة. وأخرج الفريابى عن عطاء مثله.","vol":"1","page":179},{"text":"وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ثم دخلوا المسجد. فقال ابن عمر: فيهم نزلت \" رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ \" (الدر المنثور ٥ /٥٢) .\nولم أجد في جميع الروايات أن آية سورة النور نزلت فيمن بقى يوم الجمعة. ولو أنها نزلت فيهم فأولهم بلا ريب الصديق والفاروق كما جاء في الأخبار الصحيحة.\nقال الرافضي: أخرج المحدثون والمفسرون وأصحاب الكتب في أسباب النزول بأسانيدهم إلى ابن عباس في قوله تعالى: \" الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً \" (٢٧٤: البقرة)\nقال: نزلت في على بن أبى طالب.\nقلت: أصحاب الكتب ذكروا عليا وغيره، فقالوا: نزلت في أصحاب الخيل، فيمن يربطها في سبيل الله لا رياء ولا سمعة. ولا خيلاء، وقالوا: نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة. (انظر أصحاب هذه الكتب ورواياتهم في الدر المنثور ١ / ٣٦٣) وما أكثر الصحابة الكرام الذين كانوا ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية! ومثل على ما كان ليبخل لو كان عنده مال، لكنه لم يكن كثير المال كما هو معلوم، وأصحاب الأموال الذين كانوا ينفقونها في سبيل الله مشهود لهم، وأولهم أبو بكر الصديق، الذي نزل فيه قول الله تعالى:\n\"وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىوَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى\".","vol":"1","page":180},{"text":"والمحدثون والمفسرون وأصحاب الكتب لم يذكروا أحدا آخر غير أبى بكر الصديق. (انظر جميع الروايات في الدر المنثور ٦ / ٣٥٩ - ٣٦٠) ولذلك فإن الرسول ﷺ قال: \" إن أمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر \" وقال: \" وواسانى بنفسه وماله \" (راجع صحيح البخاري - كتاب فضائل الصحابة تجد الحديثين الشريفين وغيرهما من فضائل الصديق، وأنه أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ. ومن شهد له الله - عزوجل، والرسول ﷺ، يأتي هذا الرافضي فيقول بكفره، وأنه الجبت، وكفر الأمة الإسلامية التي أقرت بيعته، وبعد هذا العداء للإسلام وأهله ينسب الرافضي اللعين نفسه لأهل البيت الأطهار!! ثم يفترى الكذب على الإمام الأكبر شيخ الأزهر فينسب له أنه وافقه بل أعجب بهذا التكفير!!) .\nقال الرافضي:\nوفى جميل بلائهم وجلال عنائهم قال الله تعالى: (وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد «١)\nثم قال: أخرج الحاكم (٣، ٤) عن ابن عباس قال: \" شرى على نفسه ولبس ثوب النبي \" الحديث. وأخرج أيضا عن على بن الحسين قال: \" إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله على بن أبى طالب إذ بات على فراش رسول الله ﷺ \". ا. هـ.\nقلت: لا شك أن عليا رضي الله تعالى عنه قد شرى نفسه حتى ولو لم يصح الخبر عن ابن عباس، لكن الروايات كلها لم تخصه بسبب النزول، لا عند الحاكم ولا عند غيره، بل إن الحاكم في الجزء نفسه ذكر أن الآية الكريمة نزلت في صهيب، وصحح الخبر، ولم يتعقبه الذهبي (٣ / ٣٩٨) .\n_________\n(١) البقرة: الآية ٢٠٧.","vol":"1","page":181},{"text":"وقبل أن أنتقل إلى نقطة أخرى أحب أن أصفع هذا الرافضي وأمثاله بحديث شريف أخرجه الحاكم الذي عرف عنه التشيع وهو ما رواه بسنده عن الرسول ﷺ أنه قال: \" إن الله ﵎ اختارنى، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا. فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل \".\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (جـ ٣ ص ٦٣٢)\nإذن عندما نلعن هذا الرافضي فإننا ننفذ حديث رسول الله ﷺ، فقد سب الصحابة الكرام وعلى الأخص خيرهم بعد رسول الله ﷺ. وهو أبو بكر الصديق، فعمر الفاروق، بل قال بأنهما الجبت والطاغوت، والصحابة الذين بايعوهما كفار آمنوا بالجبت والطاغوت!\nفمن كان عدوا لهؤلاء فهو عدو لله ولرسوله وملائكته، يستحق ما ذكره الرسول ﷺ من اللعنة والخسران يوم القيامة.\nإذن يجب أن نضع الأمور في نصابها، ونزنها بميزان الشرع وحكم الله تعالى ورسوله الكريم، حتى لا يأتىأحد ويقول: كيف تلعن مسلما؟ وأين أنت من دعوة التقريب؟ ! أقول: قد لعنه رسول الله ﷺ فكيف لا نلعنه؟ أما التقريب فهذا الرافضي له كتاب عنوانه \" الفصول المهمة في تأليف الأمة \"، انتهى إلى وجوب أن ترتد الأمة كلها فتصبح رافضة مثله! !\nفالتقريب إذن لا يكون مع مثل هذا الرافضي اللعين، عدو الإسلام والمسلمين، وإنما يكون مع الشيعة من غير الرافضة.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الاستدلال بالأحاديث الموضوعة</span>\nبعد تحريف القرآن الكريم لجأ الرافضة إلى الأحاديث الموضوعة، سواء أكانت من وضعهم وأكاذيبهم أم من وضع غيرهم.\nوعندما نأتى إلى دراسة كتب السنة عندهم وتدوينها فسيتضح جليا أنها مبنية على الكذب والافتراء، وموضع هذه الدراسة في الجزء الثالث من هذا الكتاب.\nولكننا نقف هنا عند بعض الأحاديث التي ذكرها الرافضيان: ابن المطهر وعبد الحسين، أحدهما أو كلاهما، ونثبت جواب شيخ الإسلام ابن تيمية، مع إضافة بعض ما كتبته في ردى على المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى، والتى افتراها عبد الحسين. ونبدأ بالدليل الأول الذي ذكره ابن المطهر، وجواب شيخ الإسلام.\nحديث الدار\nهذا هو الدليل الأول عن ابن المطهر حيث قال:\n\" المنهج الثالث في الأدلة المستندة إلى السنة، المنقولة عن النبي ﷺ، وهى اثنا عشر.\nالأول: ما نقله الناس كافة أنه لما نزل قوله تعالى:\n\" وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ \" (سورة الشعراء: ٢١٤) جمع رسول الله ﷺ بنى عبد المطلب في دار أبى طالب، وهم أربعون رجلا، وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مد من البر ويعد لهم صاعا من اللبن، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة في مقعد واحد، ويشرب الفرق من الشراب في ذلك المقام، فأكلت الجماعة كلهم من ذلك الطعام اليسير حتى شبعوا، ولم يتبين ما أكلوه، فبهرهم (النبي صلى الله عليه وآله) بذلك، وتبين لهم آية نوبته، فقال:","vol":"1","page":183},{"text":"يا بنى عبد المطلب، إن الله بعثنى بالحق إلى الخلق كافة، وبعثنى إليكم خاصة، فقال: \"وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ \" وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر، ويؤازرنى على القيام به يكن أخي ووزيرى، ووصيي ووارثي، وخليفتى من بعدى. فلم يجبه أحد منهم. فقال أمير المؤمنين: أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر. فقال: اجلس. ثم أعاد القول مرة ثانية فصمتوا. فقال على: فقمت فقلت مثل مقالتى الأولى، فقال: اجلس ثم أعاد القول ثالثة، فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقمت فقلت: أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر. فقال: اجلس فأنت أخي ووزيرى، ووصيى ووارثى، وخليفتى من بعدى. فنهض القوم وهم يقولون لأبى طالب: ليهنئك اليوم أن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا عليك \". ا. هـ\nقال شيخ الإسلام:\nوالجواب من وجوه: الأول: المطالبة بصحة النقل. وما ادعاه من نقل الناس كافة من أظهر الكذب عند أهل العلم بالحديث، فإن هذا الحديث ليس في شىء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل: لا في الصحاح ولا في المساند والسنن والمغازى والتفسير التي يذكر فيها الإسناد الذي يحتج به، وإذا كان في بعض كتب التفسير التي ينقل منها الصحيح والضعيف، مثل تفسير الثعلبى والواحدى والبغوى، بل وابن جرير وابن أبى حاتم، لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء، دليلا على صحته باتفاق أهل العلم؛ فإنه إذا عرف أن تلك المنقولات فيها صحيح وضعيف، فلابد من بيان أن هذا المنقول من قسم الصحيح دون الضعيف.","vol":"1","page":184},{"text":"وهذا الحديث غايته أن يوجد في بعض كتب التفسير التي فيها الغث والثمين، وفيها أحاديث كثيرة موضوعة مكذوبة، مع أن كتب التفسير التي يوجد فيها هذا مثل تفسير ابن جرير وابن أبى حاتم والثعلبى والبغوى، ينقل فيها بالأسانيد الصحيحة ما يناقض هذا، مثل بعض المفسرين الذين ذكروا هذا في سبب نزول الآية، فإنهم ذكروا مع ذلك بالأسانيد الصحيحة الثابتة التي اتفق أهل العلم على صحتها ما يناقض ذلك، ولكن هؤلاء المفسرين ذكروا ذلك على عادتهم في أنهم ينقلون ما ذكر في سبب نزول الآية من المنقولات الصحيحة. والضعيفة، ولهذا يذكر أحدهم في سبب نزول الآية عدة أقوال، ليذكر أقوال الناس وما نقلوه فيها، وإن كان بعض ذلك هو الصحيح وبعضه كذب، وإذا احتج بمثل هذا الضعيف وأمثاله واحد بذكر بعض ما نقل في تفسير الآية من المنقولات، وترك سائر ما ينقل مما يناقض ذلك - كان هذا من أفسد الحجج، كمن احتج بشاهد يشهد له ولم تثبت عدالته بل ثبت جرحه، وقد ناقضه عدول كثيرون يشهدون بما يناقض شهادته، أو يحتج برواية واحد لم تثبت عدالته بل ثبت جرحه، ويدع روايات كثيرين عدول، وقد رووا ما يناقض ذلك.\nبل لو قدر أن هذا الحديث من رواية أهل الثقة والعدالة، وقد روى آخرون من أهل الثقة والعدالة ما يناقض ذلك، لوجب النظر في الروايتين: أيهما أثبت وأرجح؟ فكيف إذا كان أهل العلم بالنقل متفقين على أن الروايات المناقضة لهذا الحديث هي الثابتة الصحيحة، بل هذا الحديث مناقض لما علم بالتواتر، وكثير من أئمة التفسير لم يذكروا هذا بحال لعلمهم أنه باطل.\nالثانى:\nأنا نرضى منه من هذا النقل العام بأحد شيئين: إما بإسناد يذكره مما يحتج به أهل العلم في مسائل النزاع، ولو أنه مسألة فرعية، وإما قول رجل من أهل الحديث الذين يعتمد الناس على تصحيحهم. فإنه لو تناظر فقيهان في فرع من الفروع، لم تقم الحجة على المناظرة إلا بحديث يعلم أنه مسند إسنادًا تقوم به","vol":"1","page":185},{"text":"الحجة، أو يصححه من يرجع إليه في ذلك. فأما إذا لم يعلم إسناده، ولم يثبته أئمة النقل، فمن أين يعلم؟ لا سيما في مسائل الأصول التي يبنى عليها الطعن في سلف الأمة وجمهورها، ويتوسل بذلك إلى هدم قواعد المسألة، فكيف يقبل في مثل ذلك حديث لا يعرف إسناده ولا يثبته أئمة النقل ولا يعرف أن عالما صححه؟!\nالثالث:\nأن هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث، فما من عالم يعرف الحديث إلا وهو يعلم أنه كذب موضوع، ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات، لأن أدنى من له معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب.\nوقد رواه ابن جرير والبغوى بإسناد فيه عبد الغفار بن القاسم بن فهد، أبو مريم الكوفي، وهو مجمع على تركه، كذبه سماك بن حرب وأبو داود، وقال أحمد: ليس بثقة، عامة أحاديث بواطيل. قال يحيى: ليس بشئ. قال ابن المديني: كان يضع الحديث. وقال النسائي وأبو حاتم: متروك الحديث. وقال ابن حبان البستى: كان عبد الغفار بن قاسم يشرب الخمر حتى يسكر، وهو مع ذلك يقلب الأخبار، لا يجوز الاحتجاج به، وتركه أحمد ويحيى.\nورواه ابن أبى حاتم، وفى إسناده عبد الله بن عبد القدوس، وهو ليس بثقة. وقال فيه يحيى بن معين: ليس بشئ رافضى خبيث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطنى: ضعيف.\nوإسناد الثعلبى أضعف، لأن فيه من لا يعرف، وفيه من الضعفاء والمتهمين من لا يجوز الاحتجاج بمثله في أقل مسألة.\nالرابع:\nأن بنى عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلا حين نزلت هذه الآية؛ فإنها نزلت بمكة في أول الأمر. ثم ولا بلغوا أربعين رجلا في مدة حياة النبي ﷺ؛ فإن بنى عبد المطلب لم يعقب منهم باتفاق الناس إلا أربعة: العباس، وأبو طالب، والحارث، وأبو لهب. وجميع ولد عبد المطلب من هؤلاء الأربعة، وهم بنو","vol":"1","page":186},{"text":"هاشم، ولم يدرك النبوة من عمومته إلا أربعة: العباس، وحمزة، وأبو طالب، وأبو لهب، فآمن اثنان، وهما حمزة والعباس، وكفر اثنان، أحدهما نصره وأعانه، وهو أبو طالب، والآخر عاداه وأعان أعداءه، وهو أبو لهب.\nوأما العمومة وبنو العمومة فأبو طالب كان له أربعة بنين: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلى. وطالب لم يدرك الإسلام، وأدركه الثلاثة، فآمن على وجعفر في أول الإسلام، وهاجر جعفر إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة عام خيبر.\nوكان عقيل قد استولى على رباع بنى هاشم لما هاجروا وتصرف فيها، ولهذا لما قيل للنبي ﷺ في حجته: \" ننزل غدا في دارك بمكة \" قال: \" وهل ترك لنا عقيل من دار؟ \"\nوأما العباس فبنوه كلهم صغار، إذ لم يكن فيهم بمكة رجل. وهب أنهم كانوا رجالًا فهم: عبد الله، وعبيد الله، والفضل. وأما قثم فولد بعدهم، وأكبرهم الفضل، وبه كان يكنى. وعبد الله ولد في الشعب بعد نزول قوله: \" وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ \" (سورة الشعراء: ٢١٤) وكان له في الهجرة نحو ثلاث سنين أو أربع سنين، ولم يولد للعباس في حياة النبي ﷺ إلا الفضل وعبد الله وعبيد الله، وأما سائرهم فولدوا بعده.\nوأما الحارث بن عبد المطلب وأبو لهب فبنوهما أقل. والحارث كان له ابنان: أبو سفيان وربيعة، وكلاهما تأخر إسلامه، وكان من مسلمة الفتح.\nوكذلك بنو أبى لهب تأخر إسلامهم إلى زمن الفتح، وكان له ثلاثة ذكور، فأسلم منهم اثنان: عتبة ومغيث، وشهد الطائف وحنينا، وعتيبة دعا عليه رسول الله ﷺ أن يأكله الكلب، فقتله السبع بالزرقاء من الشام كافرًا. فهؤلاء بنو عبد المطلب لا يبلغون عشرين رجلا، فأين الأربعون؟ !","vol":"1","page":187},{"text":"الخامس:\nقوله: \" إن الرجل منهم كان يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن \" فكذب على القوم، ليس بنو هاشم معروفين بمثل هذه الكثرة في الأكل، ولا عرف فيهم من كان يأكل جذعة ولا يشرب فرقا.\nالسادس:\nأن قوله للجماعة: \" من يجيبنى إلى هذا الأمر ويؤازرنى على القيام به يكن أخي ووزيرى ووصيى وخليفتى من بعدى \" كلام مفترى على النبي ﷺ، لا يجوز نسبته إليه. فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله؛ فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين الكلمتين، وأعانوه على هذا الأمر، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامته وطاعته، وفارقوا أوطانهم، وعادوا إخوانهم، وصبروا على الشتات بعد الألفة، وعلى الذل بعد العز، وعلى الفقر بعد الغنى، وعلى الشدة بعد الرخاء، وسيرتهم معروفة مشهورة، ومع هذا فلم يكن أحد منهم بذلك خليفة له.\nوأيضا فإن كان عرض هذا الأمر على أربعين رجلا أمكن أن يجيبوه - أو أكثرهم أو عدد منهم - فلو أجابه منهم عدد من كان الذي يكون الخليفة بعده؟ أيعين واحدا بلا موجب؟ أم يجعل الجميع خلفاء في وقت واحد؟ وذلك أنه لم يعلق الوصية والخلافة والأخوة والمؤازرة، إلا بأمر سهل، وهو الإجابة إلى الشهادتين، والمعاونة على هذا الأمر. وما من مؤمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر إلى يوم القيامة، إلا وله من هذا نصيب وافر، ومن لم يكن له من ذلك حظ فهو منافق، فكيف يجوز نسبة مثل هذا الكلام إلى النبي َصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ !\nالسابع:\nأن حمزة وجعفرا وعبيدة بن الحارث أجابوا إلى ما أجابه على من الشهادتين والمعاونة على هذا الأمر؛ فإن هؤلاء من السابقين الأولين الذين آمنوا بالله ورسوله في أول الأمر. بل حمزة أسلم قبل أن يصير المؤمنون أربعين رجلا، وكان النبي ﷺ","vol":"1","page":188},{"text":"في دار الأرقم بن أبى الأرقم، وكان اجتماع النبي ﷺ به في دار الأرقم، ولم يكن يجتمع هو وبنو عبد المطلب كلهم في دار واحدة، فإن أبا لهب كان مظهرًا لمعاداة رسول الله ﷺ، ولما حصر بنو هاشم في الشعب لم يدخل معهم أبو لهب.\nالثامن:\nأن الذي في الصحاح من نزول هذه الآية غير هذا. ففي الصحيحين عن ابن عمر وأبى هريرة - واللفظ له - عن النبي ﷺ لما نزلت: \" وَأَنذِرْ عَشِيرَتكَ الْأَقْرَبِينَ \" (سورة الشعراء: ٢١٤) دعا رسول الله ﷺ قريشا، فاجتمعوا، فخص وعم فقال: \" يابنى كعب بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار، فإنى لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها \".\nوفى الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ أيضا لما نزلت هذه الآية قال: \" يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئا. يا بنى عبد المطلب لا أغنى عنكم من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئا. سلانى ما شئتما من مالى \". وخرجه مسلم من حديث ابن المخارق وزهير بن عمرو ومن حديث عائشة وقال فيه: \" قام على الصفا \".\n\nوقال في حديث قبيصة: \" انطلق إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها حجرا، ثم نادى: يا بنى عبد مناف إنى لكم نذير. إنما مثلى ومثلكم كمثل رجل رأي العدو فانطلق يربأ أهله، فخشى أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه \".","vol":"1","page":189},{"text":"وفى الصحيحين من حديث ابن عباس قال: \" لما نزلت هذه الآية خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه \" فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فجعل ينادى: \" يا بنى فلان، يا بنى عبد مناف، يا بنى عبد المطلب \" وفى رواية: \" يا بنى فهر، يا بنى عدى، يا بنى فلان \" لبطون قريش فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا ينظر ما هو، فاجتمعوا فقال: \" أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقى؟ \" قالوا: ما جربناعليك كذبا. قال: \" فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد \" قال: فقال أبو لهب: تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا؟ فقام فنزلت هذه السورة: \" تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ \" (سورة المسد: ١) .\nوفى رواية: \" أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم ويمسيكم أكنتم تصدقونى؟ \" قالوا: \" بلى \".\nفإن قيل: فهذا الحديث قد ذكره طائفة من المفسرين والمصنفين في الفضائل، كالثعلبى والبغوى وأمثالهما والمغازلى.\nقيل له: مجرد رواية هؤلاء لا توجب ثبوت الحديث باتفاق أهل العلم بالحديث؛ فإن في كتب هؤلاء من الأحاديث الموضوعة ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع، وفيها شئ كثير يعلم بالأدلة اليقينية السمعية والعقلية أنها كذب، بل فيها ما يعلم بالاضطرار أنه كذب. والثعلبى وأمثاله لا يتعمدون الكذب، بل فيهم من الصلاح والدين ما يمنعهم من ذلك، لكن ينقلون ما وجدوه في الكتب، ويروون ما سمعوه، وليس لأحدهم من الخبرة بالأسانيد ما لأئمة الحديث، كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدى، وأحمد بن حنبل، وعلى بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق، ومحمد بن يحيى الذهلى، والبخاري، ومسلم، وأبى داود، والنسائى، وأبى حاتم وأبى زرعة الرازيين، وأبى عبد الله ابن منده، والدار قطنى، وأمثال هؤلاء من أئمة الحديث ونقاده وحكامه وحفاظه","vol":"1","page":190},{"text":"الذين لهم خبرة ومعرفة تامة بأحوال النبي ﷺ، وأحوال من نقل العلم والحديث عن النبي ﷺ من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم من نقلة العلم.\nوقد صنفوا الكتب الكثيرة في معرفة الرجال الذين نقلوا الآثار وأسماءهم، وذكروا أخبارهم وأخبار من أخذوا عنه، ومن أخذ عنهم. مثل كتاب \" العلل وأسماء الرجال \" عن يحيى القطان، وابن المديني، وأحمد، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وأبى زرعة، وأبى حاتم، والنسائى، والترمذى، وأحمد بن عدى، وابن حبان، وأبى الفتح الأزدى، والدارقطنى وغيرهم.\nوتفسير الثعلبى فيه أحاديث موضوعة وأحاديث صحيحة. ومن الموضوع فيه الأحاديث التي في فضائل السور: سورة سورة.\nوقد ذكر هذا الحديث الزمخشري والواحدى، وهو كذب موضوع باتفاق أهل الحديث. وكذلك غير هذا.\nوكذلك الواحدى تلميذ الثعلبى، والبغوى اختصر تفسيره من تفسير الثعلبى والواحدى، لكنهما أخبر بأقوال المفسرين منه، والواحدى أعلم بالعربية من هذا وهذا، والبغوى أتبع للسنة منهما.\nوليس كون الرجل من الجمهور الذين يعتقدون خلافة الثلاثة يوجب له أن كل ما رواه صدق، كما أن كونه من الشيعة لا يوجب أن يكون كل ما رواه كذبا، بل الاعتبار بميزان العدل.\nوقد وضع الناس أحاديث كثيرة مكذوبة على رسول الله ﷺ: في الأصول، والأحكام، والزهد، والفضائل. ووضعوا كثيرا من فضائل الخلفاء الأربعة، وفضائل معاوية.\nومن الناس من يكون قصده رواية كل ما روى في الباب، من غير تمييز بين صحيح وضعيف، كما فعله أبو نعيم في فضائل الخلفاء، وكذلك غيره ممن\nصنف في الفضائل. ومثل ما جمعه أبو الفتح بن أبى الفوارس، وأبو على الأهوازى وغيرهما من فضائل معاوية. ومثل ما جمعه النسائي في فضائل على،","vol":"1","page":191},{"text":"وكذلك ما جمعه أبو القاسم بن عساكر في فضائل على وغيره، فإن هؤلاء وأمثالهم قصدوا أن يرووا ما سمعوا من غير تمييز بين صحيح ذلك وضعيفه، فلا يجوز أن يجزم بصدق الخبر بمجرد رواية الواحد من هؤلاء باتفاق أهل العلم.\nوأما من يذكر الحديث بلا اسناد من المصنفين في الأصول والفقه والزهد والرقائق، فهؤلاء يذكرون أحاديث كثيرة صحيحة، ويذكر بعضهم أحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة، كما يوجد ذلك في كتب الرقائق والرأي وغير ذلك. ا. هـ.\nقلت: وهذا الحديث ذكره بنصه السابق عبد الحسين، وقال بأن الإمام أحمد أخرجه في المسند، وذكر اسناده، ونسب للشيخ سليم البشرى موافقته على ثبوت الحديث وصحته.\nوما جاء في المسند (١ / ١١١) هو ما يأتي: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد ابن عبد الله الأسدي، عن على، قال: لما نزلت هذه الآية \" وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ\". قال: جمع النبي ﷺ أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا. قال: فقال لهم: من يضمن عنى دينى ومواعيدى، ويكون معى في الجنة، ويكون خليفتى في أهلي؟ فقال رجل لم يسمه شريك: يا رسول الله، أنت كنت بحرا، من يقوم بهذا! قال: ثم قاله الآخر، قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال على: أنا. (انتهى الخبر) .\nهذا هو نص المسند الذي ذكر الرافضي إسناده، وقال: \" كل واحد من سلسلة هذا المسند حجة عند الخصم، وكلهم من رجال الصحاح بلا كلام \".\nقلت: لننظر في الاسناد ثم في المتن:\nأما الاسناد ففيه ما يأتي:\n١-","vol":"1","page":192},{"text":"الأعمش ثقة لكنه مدلس، ولا يقبل حديث المدلس إذا عنعن، \".... الأعمش (عن) المنهال ... \"\n٢ - المنهال هو ابن عمرو الكوفي:\nوثقه ابن معين والعجلى والنسائى وقال أحمد بن حنبل: أبو بشر أحب إلى من المنهال وأوثق. وقال الحاكم: غمزه يحيى بن سعيد، وتكلم فيه ابن حزم، وكان يضعفه. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبى يقول: ترك شعبة المنهال بن عمرو على عمد.\nوقال الحافظ ابن حجر في هدى الساري (ص ٤٤٦):\nماله في البخاري سوى حديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في تعويذ الحسن والحسين من رواية زيد بن أبى أنيسة عنه، وحديث آخر في تفسير حم فصلت، اختلف فيه الرواة هل هو موصول أو معلق. (انظر ترجمته في تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال، وهدى الساري ص ٤٤٥: ٤٤٦) .\n٣ - عباد بن عبد الله الأسدي:\nقال الرافضي: هو عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشى الأسدي، احتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما. سمع أسماء وعائشة بنتى أبى بكر. وروى عنه في الصحيحين ابن أبى مليكة، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وهشام بن عروة.\nقلت: هذا من كذب الرافضي وتضليله! فمن ذكره الرافضي مدني، وصاحبنا كوفي!\nوالاثنان مترجم لهما في صفحة واحدة في تهذيب التهذيب، وكذلك في كتاب الجرح والتعديل، فهما اثنان: والمدني لا خلاف حول توثيقه، أما صاحبنا فقال ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب: عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي. روى عن على. وعنه المنهال بن عمرو. قال البخاري: فيه نظر. وذكره ابن حبان","vol":"1","page":193},{"text":"في الثقات. قلت (أي ابن حجر): وقال ابن سعد: له أحاديث. وقال على بن المديني ضعيف الحديث. وقال ابن الجوزي: ضرب ابن حنبل على حديثه عن على: أنا الصديق الأكبر، وقال: هو منكر. وقال ابن حزم: هو ... مجهول. ا. هـ\nولم يترجم له ابن حجر في هدى الساري كما ترجم للمنهال وأمثاله، لأنه ليس من رجال الصحيحين كما ذكر الرافضي، والبخاري نفسه ضعفه حين قال: فيه نظر.\nوفى ميزان الاعتدال نجد ترجمة عباد الكوفي ولا نجد ترجمة عباد المدني. قال الذهبي في الميزان:\nعباد بن عبد الله الأسدي. عن على. قال البخاري: سمع منه المنهال بن عمرو. فيه نظر.\nقلت (أي الذهبي): روى العلاء بن صالح، حدثنا المنهال، عند عباد بن عبد الله، عن على، قال: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، وأنا الصديق الأكبر، وما قالها أحد قبلى، ولا يقولها إلا كاذب مفتر، ولقد أسلمت وصليت قبل الناس بسبع سنين.\nقلت (أي الذهبي): هذا كذب علَى علىّ.\nقال ابن المديني: ضعيف الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، له في خصائص على. ا. هـ.\nوالذهبي ذكره أيضا في كتابه المغنى في الضعفاء.\nهذه ثلاث علل في الإسناد وليست علة واحدة، ومع كل هذه العلل ينسب للعلامة شيخ الأزهر أنه قال:\n\"راجعت الحديث في ص ١١١ من الجزء الأول من مسند أحمد، ونقبت عن رجال سنده، فإذا هم ثقات أثبات حجج \" !","vol":"1","page":194},{"text":"وكأن شيخ الأزهر لا يعرف شيئا عن الحديث وعلومه ورجاله!! ولا يفرق بين عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي، وهو من الضعفاء، وبين عباد بن عبد الله ابن الزبير بن العوام الأسدي المدني، وهو من الثقات! حاشا لعلامة زمانه أن يكون كذلك!\nونأتى إلى ما هو أوضح ولا يحتاج إلى عالم ليميز كلام الرافضي من حديث المسند، بل يدركه كل من يحسن القراءة !\nفنص المسند:\n\" ويكون خليفتى في أهلي \"، فأين الإمامة العامة هنا؟! ونهاية الخبر \" فقال على: أنا \"، وليس فيه الزيادة الباطلة المفتراة: \" إن هذا أخي ووصيى وخليفتى فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا....\" فكيف تنسب هذه الزيادة للمسند، وهو موضع الاستدلال؟ وفى رواية أخرى في المسند أيضا:\n\".. يابنى عبد المطلب، إنى بعثت لكم خاصة وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعنى على أن يكون أخي وصاحبى؟ قال: فلم يقم إليه أحد. قال (أي على): فقمت إليه، وكنت أصغر القوم، قال: فقال: اجلس، قال: ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدى \". انتهى الخبر.\n(انظر المسند بتحقيق شاكر ٢ / ٣٥٢ - رواية رقم ١٣٧١) وواضح من الخبر أن عليا لم يكن هو المقصود، ولذلك أمره الرسول ﷺ بالجلوس، ولما لم ينفذ أمر رسول الله ﷺ اضطر إلى زجره أو تنبيهه بالضرب على يده في المرة الثالثة.\nفكيف تتخذ مثل هذه الأخبار في هدم الإسلام، والطعن في نقلة الكتاب والسنة، وتكفير خير جيل عرفته البشرية لعدم أخذهم بمبدأ ابن سبأ في الوصي بعد النبي، ومبايعتهم للصديق خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟!\n","vol":"1","page":195},{"text":"قال الرافضي في المراجعة (٢٠) بعد ذكر الخبر:\n\" أخرجه بهذه الألفاظ كثير من حفظة الآثار النبوية \" وقد رأينا كذبه فيما نسبه لمسند الإمام أحمد، وكان الكذب في الإسناد والمتن.\nوأحب أن أبين طريقة أخرى من طرق الرافضي في التضليل:\nذكر الرافضي أن أبا الفداء الحافظ ابن كثير أخرج هذا الخبر بهذه الألفاظ في تاريخه. فنظرت في البداية والنهاية فوجدت الخبر مع إشارة للزيادة: \" إن هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا \". قال (أي على): فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبى طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ! (جـ٣ ص٤٠) .\nفأين التضليل هنا إذن ما دام الخبر يتفق مع ماذكره الرافضي؟ التضليل - أيها المسلمون - هو أن الرافضي لم يشر من قريب أو بعيد إلى ما ذكره الحافظ ابن كثير بعد إيراده الخبر مباشرة، حيث قال ما نصه:\n\" تفرد به عبد الغفار بن القاسم أبو مريم، وهو كذاب شيعي، اتهمه على بن المديني وغيره بوضع الحديث وضعفه الباقون \".\nالمراجعة الثامنة وأحاديثها\nفي هذه المراجعة يظهر لنا بوضوح أن عبد الحسين رافضى، بل من أخبث الروافض، فهو ينتهى إلى القول بضلال الأمة وكفرها بدءا بخير أمة أخرجت للناس، وخير قرن عرفته البشرية، خير الناس الصحابة الكرام الذين بايعوا الخلفاء الراشدين الثلاثة فهم في زعم هذا الرافضي خالفوا أمر رسول الله ﷺ، فلم يجعلوا الوصي بعده مباشرة على بن أبى طالب، وهو القول الذي اخترعه لأول مرة اليهودى عبد الله بن سبأ.\nوهذا الطعن يشمل الإمام عليا نفسه لأنه ممن بايع كما بينا من قبل، وممن فضل الصديق والفاروق على باقي الأمة بعد رسول الله ﷺ كما ثبت بالتواتر من ثمانين طريقا.","vol":"1","page":196},{"text":"وهذا الرافضي يضيف إلى هذا الطعن العام طعنا خاصًا، فيصف الخلفاء الراشدين الثلاثة بأنهم \" أبناء الوزغ \":\nوالوزغ دويبة يقال لها سام أبرص، ويوصف بها الرجل إذا كان ضعيفا جبانا رزلا رديئا لا مروءة له.\n(راجع معاجم اللغة: والمجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث ٤٠٩ - ٤١٠) لو كان هذا الرافضي في عهد الإمام على كرم الله وجهه - لكان موقفه منه كموقفه من ابن سبأ سواء بسواء.\nولننظر في الأحاديث التي ذكرها في هذه المراجعة لينتهى منها إلى الحكم بضلال وكفر الصحابة الكرام وخير أمة أخرجت للناس.\nاستند أساسا إلى حديث الثقلين، وفيما سبق جمعت كل روايات هذا الحديث، وبينت الصحيح منها وغير الصحيح، وتحدثت عن فقه الحديث الصحيح وعدم صلته بالخلافة على الإطلاق. أما الروايات غير الصحيحة، سواء أكانت ضعيفة أم موضوعة مكذوبة، فإنها ليست حجة في شرع الله تعالى، ويعارضها ويسقطها الصحيح الصريح من الأحاديث الشريفة.\nوالملاحظ أنه ترك الروايات الصحيحة، كرواية صحيح مسلم وغيره، وذكر الروايات الأخرى.\nوأثناء الروايات جاء ذكر \" من كنت مولاه فعلى مولاه \"، وقد سبق الحديث عنه. وأكثر هنا من النقل من كتاب \" الصواعق المحرقة \"، ومن أجل مثل هذه النقول ستكون الوقفة الطويلة مع هذا الكتاب.\nوبعد حديث الثقلين ذكر حديثين آخرين استدل بهما على ضلال وكفر خير أمة أخرجت للناس !! هكذا ظهر خليفة ابن سبأ.\nفلننظر إلى هذين الحديثين","vol":"1","page":197},{"text":"الحديث الأول:\n\" ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق \"\nوقال الرافضي: أخرجه الحاكم بالإسناد إلى أبى ذر.\nوذكر رواية أخرى للحديث، وهى:\n\" إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بنى إسرائيل من دخله غفر له \".\nوقال: أخرجه الطبرانى في الأوسط عن أبى سعيد.\nالحديث الثانى:\n\" النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتى من الاختلاف (في الدين)، فإذا خالفتها قبيلة من العرب (يعنى في أحكام الله ﷿) اختلفوا فصاروا حزب إبليس \".\nوقال الرافضي: أخرجه الحاكم عن ابن عباس ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nقلت: الحديث الأول أخرجه الحاكم في المستدرك (٣ / ١٥١)، وتعقبه الذهبي وبين وهى الإسناد، والحديث الثانى في المستدرك (٣ / ١٤٩)، وصححه الحاكم كما ذكر الرافضي، ولكنه لم يذكر تعقيب الذهبي حيث قال: بل موضوع.","vol":"1","page":198},{"text":"والحديث الأول في إسناده المفضل بن صالح الكوفي. قال البخاري عنه: منكر الحديث، وهذا الجرح عند البخاري يعنى أنه لا يحل الرواية عنه. وقال مثل هذا أيضا أبو حاتم، وغيره (١) .\nوالحديث الثانى بين الذهبي أنه موضوع، وأن الوضع بسبب راويين اثنين وليس راويا واحدا. وذكر الشيخ الألبانى الحديث بلفظ \" أهل بيتي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم \"، وبين أنه موضوع، وقال: وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذاب، وقد وقفت عليها (٢) . وذكره أيضا ابن عراق في كتابه \" تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة: ١ / ٤١٩ \"، وقال بأنه من طريق أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط، وترجم له من قبل في مقدمة الكتاب (ص)، فقال: \" كذاب، حدث عن أبيه عن جده بنسخة فيها بلايا \".\nومن قبل عند مناقشة روايات التمسك بالكتاب والعترة، وهو حديث الثقلين، أشرت إلى أن أصحاب الحديث أنكروا على الحاكم كثيرا من الأحاديث، ولم يلتفتوا إلى تصحيحه. وذكرت قول ابن حجر في لسان الميزان عند ترجمة الحاكم: إمام صدوق، ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك، فما أدرى هل خفيت عليه؟ فما هو ممن يجهل ذلك. وإن علم فهو خيانة عظيمة. ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. والحاكم أجل قدرا وأعظم خطرا وأكبر ذكرا من أن يذكر في الضعفاء. ولكن قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره. وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية\n_________\n(١) انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠ / ٢٧١ - ٢٧٢، والجرح والتعديل لابن أبى حاتم ٨ / ٣١٦ - ٣١٧، والمغنى في الضعفاء للذهبى ٢ / ٣٢٠.\n(٢) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١ / ٨٤ - ٨٥.","vol":"1","page":199},{"text":"عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها. إذن تصحيح الحاكم ليس بحجة، مع إمامته وصدقه كما بين الحافظ ابن حجر.\nونأتى بعد هذا إلى رواية الطبرانى في الأوسط التي ذكرها الرافضي، وبالبحث نجد أن هذه الرواية إضافة إلى ثلاث روايات أخرى أخرجها الطبرانى في المعجم الكبير: في الجزء الثالث (ص ٤٥، ٤٦) ثلاث روايات:\nالأولى\nهي رقم ٢٦٣٦، وفى سندها الحسن بن أبى جعفر: وهو متروك، وعلى بن زيد ابن جدعان: وهو ضعيف.\nوالثانية\nرقم ٢٦٣٧، وفى سندها عبد الله بن داهر: وهو متروك. وعبد الله بن عبد القدوس: بينت عدم الاحتجاج به عند الحديث عن آية التطهير، والأعمش: وهو مدلس، وهنا عنعن.\nوالرواية الثالثة\nرقم ٢٦٣٨، وفى سندها الحسن بن أبى جعفر الموجود في الرواية الأولى. وهو أيضا في الرواية الرابعة، وهى في الجزء الثانى عشر ص ٣٤، ورقمها ١٢٣٨٨.\nفروايات الطبرانى كلها لم تخل من المتروكين، فكيف يحتج بمثلها؟ ! (انظر تخريج الروايات في المواضع المذكورة من المعجم الكبير) بقى أن نقول بأن استدلال الرافضي بهذه الأحاديث الثلاثة ليس جديدا!\nفقد وجدنا ابن المطهر الحلى يستدل بهذه الأحاديث نفسها، وهو الرافضي الذي رد عليه شيخ الإسلام، وأبطل احتجاجه بهذه الأحاديث وغيرها. بل إن ابن","vol":"1","page":200},{"text":"المطهر استدل بحديث السفينة نقلا عن شيخه نصير الدين الطوسي المتوفى سنة ٦٧٢ هـ (١) .\nوالطوسى هذا هو أبو جعفر - أو أبو عبد الله - محمد بن محمد بن الحسن، ويعرف بالمحقق وبالخواجه. \" اتصل بهولاكو وأصبح مقربا عنده، وأشار عليه بقتل المستعصم وذبح المسلمين في بغداد (٢) .\nوتحدث ابن القيم عنه فقال: \" ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد، وزير الملاحدة، النصير الطوسي وزير هولاكو، شفا إخوانه نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة، والمنجمين، والطبائعيين والسحرة. ونقل أوقاف المدارس والمساجد، والربط إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه، ونصر في كتبه قدم العالم، وبطلان الميعاد، وإنكار صفات الرب ﷻ: من علمه، وقدرته، وحياته، وسمعه وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد ألبتة، واتخذ للملاحدة مدارس \" (٣) ثم قال:\n\" وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر \" (٤) .\nوقال أيضا:\n\" وكان هؤلاء زنادقة، يتسترون بالرفض، ويبطنون الإلحاد المحض، وينتسبون إلى أهل بيت الرسول ﷺ. وهو وأهل بيته براء منهم نسبا ودينا،\n_________\n(١) انظر الأحاديث الثلاثة ورد شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية: ٣ / ٤٤٤، ... ٧ / ١٤٢، ٧ / ٣٩٥، وما بعد الصفحات المذكورة.\n(٢) مقدمة منهاج السنة للدكتور محمد رشاد سالم١ / ٩٥، وانظر قول ابن تيمية في٧ / ٤١٤.\n(٣)، (٢٥٤) إغاثة اللهفان، ص ٦٠١.\n(٤)","vol":"1","page":201},{"text":"وكانوا يقتلون أهل العلم والإيمان ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران، لا يحرمون حراما، ولا يحلون حلالا (١) .\nوهذا الملحد يلقبه أهل السنة بشيطان الطاق، ولكن الرافضة يطلقون عليه مؤمن الطاق! والرافضى في مراجعاته يلقبه بمؤمن الطاق (٢)، ولا عجب، فهدفهما واحد. ووجدنا من الرافضة من يعتبر مجدد المائة السابعة الخواجه نصير الدين الطوسي كما صرح شهاب الدين الحسينى المرعشى النجفي في كتابه غاية الآمال (ص: خ) الذي جعله مقدمة لكتاب بهجة الآمال لرافضى مثله!!\nالمراجعة التاسعة\nوجرأة الرافضي على الكذب والافتراء\nمرت المراجعة الثامنة بما فيها من البلايا والرزايا، وتكفير خير أمة أخرجت للناس، وسب الخلفاء الراشدين الثلاثة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأثبتت المراجعة أن صاحبها ليس رافضيا فقط بل من أخبث الروافض أتباع عبد الله بن سبأ.\nوتأتى المراجعة التاسعة لتثبت من جديد قول الإمام الشافعى: \" ما من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة \". ولتبين أن هذا الرافضي من أكثرهم جرأة على الكذب والافتراء. لو أن شيخ الأزهر والمالكية عرض عليه المراجعة الثامنة لعاقب هذا الرافضي عقوبة تتناسب مع جريرته وجريمته.\nووضوح الكذب بجلاء في المراجعة كلها من بدايتها إلى نهايتها:\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ٦٠٠.\n(٢) انظر المراجعة ١١٠، ص ٣٤٢.","vol":"1","page":202},{"text":"فكيف يرحب الشيخ البشرى بتكفير الصحابة وسب الخلفاء الراشدين الثلاثة، ويطلب المزيد بقوله: أطلق عنان القلم....؟ !\nيصف ما سبق بأنه من جوامع الكلم، ونوابغ الحكم، وضوال الحكمة؟!\nوالشيخ بمكانته وعلمه وقد بلغ الثانية والثمانين من عمره قبيل وفاته ببضع سنوات لم يستحى هذا الرافضي أن ينسب له منكرا من القول وزورا: \" وأنا في أخذ العلم عنك على جمام من نفسى و..... إلخ \"؟! ..........\" فزدنى منه لله أبوك زدنى \"؟!\nوالعلم هنا من كتب أهل السنة والجماعة وليس من كتب الروافض! فبعد الثمانين جاء رافضى يعلمه ما في كتبنا!!\nوالأحاديث التي بينا ما فيها ينسب الرافضي للعالم العلامة أنه رحب بها، وطلب المزيد منها، ووصفها بأنها أدلة وبينات!! إن الطالب الذي حصل شيئا من العلم يستطيع الرجوع إلى منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، والصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمى، ليبين بطلان وضلال ما جاء في المراجعة الثامنة.\nلكن هذا الرافضي الطريد أراد - دون خجل أو استحياء - أن يجعل شيخ الأزهر العالم الثبت تلميذا صغيرا جاهلا يتلقى العلم لأول مرة على يديه!\nالمراجعة العاشرة وأحاديثها\nبعد أن جعل المراجعة السابقة تأييدا لباطله، بل إعجابا بهذا الباطل، ونسب للشيخ البشرى أنه طلب المزيد من النصوص دون أن يعترض على نص واحد، أو يشير إلى ضعفه فضلا عن وضعه، كما لم يعترض على تكفير الصحابة وخير أمة أخرجت للناس، وسب الخلفاء الراشدين الثلاثة، وغير ذلك من البلايا والرزايا، بعد هذا تأتى المراجعة العاشرة بمزيد من الأحاديث الموضوعة المكذوبة، وكل الأحاديث بلا استثناء أخذت من مراجع يعلم من له أدنى دراية بالحديث وعلومه أنها مراجع لا يكفى نسبة الأحاديث إليها لتكون حجة في الفروع، فكيف إذا كان","vol":"1","page":203},{"text":"يستدل بها على عقيدة الرافضي، والحكم على الأمة كلها بالضلال؟! وإذا كان الباحث عادة يبدأ بأقوى الأدلة في نظره، فإن هذا يعنى أنه يرى أن أحاديث المراجعة الثامنة أقوى من أحاديث هذه المراجعة. فإذا لم يثبت هناك أي حديث فمن باب أولى ألا يثبت هنا حديث واحد.\nولننظر في الأحاديث الثلاثة التي بدأ بها مراجعته، أي أقوى الأحاديث في نظره.\nوقد أغنانا عن البيان الشيخ الألبانى حيث ذكر هذه الأحاديث في الجزء الثانى من سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وبين أنها موضوعة وليست ضعيفة فقط، وأشار إلى هذا الرافضي، ومنهجه في كتابه المراجعات.\nولذلك فإننى أنقل كلامه هنا تاما غير منقوص، وأرقامها في كتابه هي: ٨٩٢، ٨٩٣، ٨٩٤.\nوهذه هي الأحاديث بأرقامها في الكتاب\n٨٩٢ (من أحب أن يحيا حياتى، ويموت موتتى، ويسكن جنة الخلد التي وعدنى ربى عزوجل، غرس قضبانها بيديه، فليتول على بن أبى طالب، فإنه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة) .\nموضوع: رواه أبو نعيم في \" الحلية \" (٤ / ٣٤٩ - ٣٥٠) والحاكم (٣ / ١٢٨) وكذا الطبرانى في \" الكبير \" وابن شاهين في \" شرح السنة \" (١٨ / ٦٥ / ٢) من طرق عن يحيى بن يعلى الأسلمى قال: ثنا عمر بن رزيق عن أبى إسحاق عن زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم - زاد الطبرانى: وربما لم يذكر زيد بن أرقم - قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. وقال أبو نعيم: \" غريب من حديث أبى إسحاق، تفرد به يحيى \".\nقلت: وهو شيعي ضعيف، قال ابن معين: \" ليس بشئ \". وقال البخاري: \"","vol":"1","page":204},{"text":"مضطرب الحديث \". وقال ابن أبى حاتم (٤ / ٢ / ١٩٦) عن أبيه: \" ليس بالقوى، ضعيف الحديث \".\nوالحديث قال الهيثمى في \" المجمع\" (٩ / ١٠٨): \" رواه الطبرانى، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمى، وهو ضعيف \".\n\" قلت: وأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد \"! فرده الذهبي بقوله: \" قلت: أنى له الصحة والقاسم متروك. وشيخه (يعنى الأسلمى) ضعيف. واللفظ ركيك، فهو إلى الوضع أقرب \".\nوأقول: القاسم - وهو ابن شيبة - لم يتفرد به، بل تابعه راويان آخران عند أبى نعيم، فالحمل فيه على الأسلمى وحده دونه.\nنعم للحديث عندي علتان أخريان:\nالأولى: أبو إسحاق، وهو السبيعى فقد كان اختلط مع تدليسه، وقد عنعنه.\nالأخرى: الاضطراب في إسناده منه أو من الأسلمى، فإنه يجعله تارة من مسند زيد بن أرقم، وتارة من مسند زياد بن مطرف، وقد رواه عنه مطين والباوردى وابن جرير وابن شاهين في \" الصحابة \" كما ذكر الحافظ بن حجر في \" الإصابة \" وقال: \" قال ابن منده: \" لا يصح \": قلت: في إسناده يحيى بن يعلى المحاربى. وهو واه \".\nقلت: وقوله \" المحاربى \" سبق قلم منه. وإنما هو الأسلمى كما سبق ويأتى.\n(تنبيه) لقد كان الباعث على تخريج هذا الحديث ونقده. والكشف عن علته. أسباب عدة، منها أنني رأيت الشيخ المدعو بعبد الحسين الموسوي الشيعي قد خرج الحديث في (مراجعاته) (ص ٢٧) تخريجا أوهم به القراء أنه صحيح كعادته في أمثاله. واستغل في سبيل ذلك خطأ قلميا وقع للحافظ ابن حجر ﵀. فبادرت إلى الكشف عن إسناده، وبيان ضعفه، ثم الرد على الإيهام المشار إليه،","vol":"1","page":205},{"text":"وكان ذلك منه على وجهين. فأنا أذكرهما، معقبا على كل منهما ببيان ما فيه فأقول:\n\nالأول: أنه سابق الحديث من رواية مطين ومن ذكرنا معه نقلا عن الحافظ من رواية زياد بن مطرف، وصدره برقم (٣٨) . ثم قال:\n\" ومثله حديث زيد بن أرقم.... \" فذكره، ورقم له بـ (٣٩) . ثم علق عليهما مبينا مصادر كل منهما، فأوهم بذلك أنهما حديثان متغايران إسنادا ! والحقيقة خلاف ذلك، فإن كل منهما مدار إسناده على الأسلمى، كما سبق بيانه غاية ما في الأمر أن الراوى كان يرويه تارة عن زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم، وتارة لا يذكر فيه زيد بن أرقم ويوقفه على زياد بن مطرف، وهو مما يؤكد ضعف الحديث لاضطرابه في إسناده كما سبق.\nوالآخر: أنه حكى تصحيح الحاكم للحديث دون أن يتبعه بيان علته، أو على الأقل دون أن ينقل كلام الذهبي في نقده. وزاد في إيهام صحته أنه نقل عن الحافظ قوله في \" الإصابة \". \" قلت في إسناده يحيى بن يعلى المحاربى وهو واه \".\nفتعقبه عبد الحسين (!) بقوله: \" أقول: هذا غريب من مثل العسقلانى، فإن يحيى بن يعلى المحاربى ثقة بالاتفاق، وقد أخرج له البخاري ... ومسلم.... \".\nفأقول: أغرب من هذا الغريب أن يدير عبد الحسين كلامه في توهيمه الحافظ في توهينه للمحاربى، وهو يعلم أن المقصود بهذا التوهين إنما هو الأسلمى وليس المحاربى، لأن هذا مع كونه من رجال الشيخين، فقد وثقه الحافظ نفسه في \" التقريب \" وفى الوقت نفسه ضعف الأسلمى، فقد قال في الترجمة الأولى:\n\" يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربى الكوفي ثقة، من صغار التاسعة مات سنة ست عشرة \". وقال بعده بترجمة:\n\"","vol":"1","page":206},{"text":"يحيى بن يعلى الأسلمى الكوفي شيعي ضعيف، من التاسعة \".\nوكيف يعقل أن يقصد الحافظ تضعيف المحاربى المذكور وهو متفق على توثيقه، ومن رجال \" صحيح البخاري \" الذي استمر الحافظ في خدمته وشرحه وترجمة رجاله قرابة ربع قرن من الزمان؟! كل ما في الأمر أن الحافظ في \" الإصابة \" أراد أن يقول: \" ... . الأسلمى وهو واه \" فقال واهما: \" المحاربى وهو واه \".\nفاستغل الشيعي هذا الوهم أسوأ الاستغلال. فبدل أن ينبه أن الوهم ليس في التوهين. وإنما في كتب \" المحاربى \" مكان الأسلمى. أخذ يوهم القراء عكس ذلك وهو أن راوى الحديث إنما هو المحاربى الثقة وليس الأسلمى الواهى! فهل في صنيعه هذا ما يؤيد من زكاه في ترجمته في أول الكتاب بقوله:\n\" ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة.. وأمانة النقل \".\nأين أمانة النقل يا هذا وهو ينقل الحديث من \" المستدرك \" وهو يرى فيه يحيى ابن يعلى موصوفا بأنه \" الأسلمى \" فيتجاهل ذلك، ويستغل خطأ الحافظ ليوهم القراء أنه المحاربى الثقة. وأين أمانته أيضا وهو لا ينقل نقد الذهبي والهيثمى للحديث بالأسلمى هذا؟! فضلا عن أن الذهبي أعله لمن هو أشد ضعفا من هذا كما رأيت، ولذلك ضعفه السيوطى في \" الجامع الكبير \" على قلة عنايته فيه بالتضعيف فقال: \" وهو واه \".\nوكذلك وقع في \" كنز العمال \" رقم (٢٥٧٨)، ومنه نقل الشيعي الحديث دون أن ينقل تضعيفه هذا مع الحديث، فأين الأمانه المزعومه أين؟!\n(تنبيه) أورد الحافظ ابن حجر الحديث في ترجمة زياد بن مطرف في القسم الأول من \" الصحابة \" وهذا القسم خاص كما قال في مقدمته، \" فيمن وردت صحبته بطريق الروايه عنه أو عن غيره، سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان، وقد كنت أولا","vol":"1","page":207},{"text":"رتبت هذا القسم الواحد على ثلاثة أقسام، ثم بدا لي أن أجعله قسما واحدا، وأميز ذلك في كل ترجمة \".\nقلت: فلا يستفاد إذن من إيراد الحافظ للصحابى في هذا القسم أن صحبتة ثابتة، ما دام أنه قد نص على ضعف إسناد الحديث الذي صرح فيه بسماعه من النبي ﷺ وهو هذا الحديث، ثم لم يتبعه بما يدل على ثبوت صحبته من طريق أخرى، وهذا ما أفصح بنفيه الذهبي في \" التجريد \" بقوله: (١ / ١٩٩): \" زياد بن مطرف، ذكره مطين في الصحابة، ولم يصح \".\nوإذا عرفت هذا فهو بأن يذكر في المجهولين من التابعين أولى من أن يذكر في الصحابة المكرمين وعليه فهو علة ثالثة في الحديث.\nومع هذه العلل كلها في الحديث يريدنا الشيعي أن نؤمن بصحته عن رسول الله ﷺ غير عابئ بقوله ﷺ: \" من حدث عنى بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين \". رواه مسلم في مقدمة \" صحيحة \" فالله المستعان.\nوكتاب \" المراجعات \" للشيعى المذكور محشو بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل على ﵁، مع كثير من الجهل بهذا العلم الشريف، والتدليس على القراء والتضليل عن الحق الواقع. بل والكذب الصريح. مما لا يكاد القارئى الكريم يخطر في باله أن أحدا من المؤلفين يحترم نفسه يقع في مثله. من أجل ذلك قويت الهمة في تخريج تلك الأحاديث - على كثرتها - وبيان عللها وضعفها. مع الكشف عما في كلامه عليها من التدليس والتضليل. وذلك ما سيأتي بإذن الله تعالى برقم (٤٨٨١ - ٤٩٧٥) .\n٨٩٣ (من سره أن يحيا حياتى، ويموت ميتتى، ويتمسك بالقصبة الياقوتة التي خلقها الله بيده، ثم قال لها \" كونى فكانت \" فليتول على بن أبى طالب من بعدى) .\nموضوع: رواه أبو نعيم (١ / ٨٦ و٤ / ١٧٤) من طريق محمد بن زكريا الغلابى: ثنا بشر بن مهران: ثنا شريك عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة مرفوعا. وقال: \" تفرد به بشر عن شريك \"","vol":"1","page":208},{"text":"قلت: هو ابن عبد الله القاضى وهو ضعيف لسوء حفظه.\nوبشر بن مهران قال ابن أبى حاتم: \" ترك أبى حديثه \". قال الذهبي: \" قد روى عنه محمد بن زكريا الغلابى، لكن الغلابى متهم \". قلت: ثم ساق هذا الحديث. والغلابى قال فيه الدارقطنى: \" يضع الحديث \". فهو آفته.\nوالحديث أورده ابن الجوزي في \" الموضوعات\" (١ / ٣٨٧) من طرق أخرى، وأقره السيوطى في \" اللآلئ \" (١ / ٣٦٨ - ٣٦٩)، وزاد عليه طريقين آخرين أعلهما، هذا أحدهما وقال: \" الغلابى متهم \".\nوقد روى بلفظ أتم منه، وهو:\n٨٩٤ \" من سره أن يحيا حياتى، ويموت مماتى، ويسكن جنة عدن غرسها ربى فليوال عليا من بعدى، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدى. فإنهم عترتى، خلقوا من طينتى، رزقوا فهما وعلما، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتى، القاطعين فيهم صلتى، لا أنالهم الله شفاعتى \".\nموضوع: أخرجه أبو نعيم (١ / ٨٦) من طريق محمد بن جعفر بن عبد الرحيم: ثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم: ثنا عبد الرحمن بن عمران ابن أبى ليلى - أخو محمد بن عمران ـ: ثنا يعقوب بن موسى الهاشمى عن ابن أبى رواد عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا. وقال:\n\" وهو غريب \".\nقلت: وهذا إسناد مظلم، كل من دون ابن أبى رواد مجهولون. لم أجد ذكرهم. غير أنه يترجح عندي أن أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم إنما هو ابن مسلم الأنصارى الأطرابلسى المعروف بابن أبى الحناجر، قال ابن أبى حاتم (١ / ١ / ٧٣): \"","vol":"1","page":209},{"text":"كتبنا عنه وهو صدوق \". وله ترجمة في \" تاريخ ابن عساكر\" (٢ / ق ١١٣ - ١١٤ / ١) .\nوأما سائرهم فلم أعرفهم، فأحدهم هو الذي اختلق هذا الحديث الظاهر البطلان والتركيب، وفضل على ﵁ أشهر من أن يستدل عليه بمثل هذه الموضوعات، التي يتشبث الشيعه بها، ويسودون كتبهم بالعشرات من أمثالها مجادلين بها في إثبات حقيقة لم يبق اليوم أحد يجحدها، وهى فضيلة على ﵁.\nثم الحديث عزاه في \" الجامع الكبير \" (٢ / ٢٥٣ / ١) للرافعى أيضا عن ابن عباس، ثم رأيت ابن عساكر أخرجه في \" تاريخ دمشق \" (١٢ / ١٢٠ / ٢) من طريق أبى نعيم ثم قال عقبه:\n\" هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجهولين \".\nقلت: وكيف لا يكون منكرا، وفى مثل ذاك الدعاء! \" لا أنالهم الله شفاعتى \" الذي لا يعهد مثله عن النبي ﷺ، ولا يتناسب مع خلقه ﷺ ورأفته ورحمته بأمته؟\nوهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها صاحب \" المراجعات \" عبد الحسين الموسوي نقلا عن كنز العمال (٦ / ١٥٥ و٢١٧ - ٢١٨) موهما أنه في مسند الإمام أحمد، معرضا عن تضعيف صاحب الكنز إياه تبعا للسيوطى ... ... .\nوكم في هذا الكتاب \" المراجعات \" من أحاديث موضوعات، يحاول الشيعي أن يوهم القراء صحتها وهو في ذلك لا يكاد يراعى قواعد علم الحديث حتى التي هي على مذهبهم إذ ليست الغاية عنده التثبت مما جاء عنه ﷺ في فضل على ﵁، بل حشر كل ما روى فيه! وعلى ﵁ كغيره من الخلفاء الراشدين والصحابة الكاملين أسمي مقاما من أن يمدحوا بما لم يصح عن رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":210},{"text":"ولو أن أهل السنة والشيعة اتفقوا على وضع قواعد في \" مصطلح الحديث \" يكون التحاكم إليها عند الاختلاف في مفردات الروايات، ثم اعتمدوا جميعا على ما صح منها، لو أنهم فعلوا ذلك لكان هناك أمل في التقارب والتفاهم فهيهات هيهات أن يمكن التقارب والتفاهم معهم. بل كل محاولة في سبيل ذلك فاشلة. والله المستعان.\nانتهى كلام الشيخ العلامة، حفظه الله تعالى ونفعنا بعلمه.\nهذه هي الأحاديث الثلاثة التي بدأ بها مراجعته، وكلها موضوعة مكذوبة، وما يأتي بعدها ليس بأحسن حالًا منها، وعددها ثلاثة عشر، وبالنظر إلى مراجعه التي جمع منها هذه الأحاديث نجد الآتى:\nخمسة أحاديث من كتاب الصواعق المحرقة، وابن حجر الهيثمى أثبت بطلان عقيدة الرافضة، ولهذا ألف كتابه الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة. وقد بين في كتابه عدم صحة ما يستدلون به، وأنه معارض بالمتواتر والصحيح. والرافضى ينقل غير الصحيح الذي يؤيد باطله، متجاهلا ما يعارضه. ولذلك سأقف وقفة طويلة تغنينا عن الرجوع لما ينقل من كتاب الصواعق.\nونقل ثلاثة أحاديث من كنز العمال لم يصح منها شيء.\nوباقى مراجعه هي: إسعاف الراغبين، والشرف المؤبد، والشفا، وإحياء الميت، والأربعين للنبهانى، وتفسير الثعلبى، وتفسير الزمخشري. وأخذ الأحاديث من هذه المراجع يدل على جهل أو تجاهل الرافضي للحديث وعلومه، والمنهج العلمى في الاستدلال بالسنة المطهرة.\nفهذه الكتب كلها ليست من الكتب المعتمدة للسنن والآثار، فضلا عن أن تكون من الصحاح. بل إن هذه الكتب يكثر فيها الأخبار الباطلة مثل هذه الأخبار المنقولة.\n\n*****","vol":"1","page":211},{"text":"باب مدينة العلم\nمن الأحاديث التي استدل الرافضيان \" أنا مدينة العلم وعلى بابها \"، وأثبت هنا رد شيخ الإسلام على ابن المطهر.\nقال رحمه الله تعالى:\nوحديث: \" أنا مدينة العلم وعلى بابها \" أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعدّ في الموضوعات، وإن رواه الترمذي، وذكره ابن الجوزي وبيّن أن سائر طرقه موضوعة، والكذب يعرف من نفس متنه، فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم، ولم يكن لها إلا باب واحد، ولم يُبلّغ عنه العلم إلا واحد، فَسَدَ أمر الإسلام، ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلغ عنه العلم واحدا، بل يجب أن يكون المبلغون أهل التواتر، الذي يحصل العلم بخبرهم للغائب.\nوخبر الواحد لا يفيد العلم إلا بقرائن، وتلك قد تكون منتفية أو خفية عن أكثر الناس، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنن المتواترة.\nوإذا قالوا: ذلك الواحد المعصوم يحصل العلم بخبره.\nقيل لهم: فلابد من العلم بعصمته أولا. وعصمته لا تثبت بمجرد خبره قبل أن يعلم عصمته، فإنه دَوْر، ولا تثبت بالإجماع، فإنه لا إجماع فيها. وعند الإمامية إنما يكون الإجماع حجة، لأن فيهم الإمام المعصوم، فيعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرد دعواه، فعُلم أن عصمته لو كانت حقا لابد أن تعلم بطريق آخر غير خبره.\nفلو لم يكن لمدينة العلم باب إلا هو، لم يثبت لا عصمته ولا غير ذلك من أمور الدين، فعلم أن هذا الحديث إنما افتراه زنديق جاهل ظنه مدحا، وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام، إذ لم يبلغه إلا واحد.\nثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر؛ فإن جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير على. أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهما ظاهر، وكذلك الشام والبصرة؛ فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن على إلا شيئا قليلا، وإنما كان غالب","vol":"1","page":212},{"text":"علمه في الكوفة، ومع هذا فأهل الكوفة كانوا يعلمون القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان، فضلا عن علىّ.\nوفقهاء أهل المدينة تعلموا الدين في خلافة عمر، وتعليم معاذ لأهل اليمن ومقامه فيهم أكثر من على. ولهذا روى أهل اليمن عن مُعاذ بن جبل أكثر مما رووا عن على، وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ بن جبل. ولما قدم على الكوفة كان شريح فيها قاضيا. وهو وعبيدة السلمانى تفقها على غيره، فانتشر علم الإسلام في المدائن قبل أن يقدم على الكوفة.\nوقال ابن حزم: \" واحتج من احتج من الرافضة بأن عليا كان أكثرهم علما \". قال: \" وهذا كذب، وإنما يعرف علم الصحابى بأحد وجهين لا ثالث لهما: أحدهما: كثرة روايته وفتاويه. والثانى: كثرة استعمال النبي ﷺ له. فمن المحال الباطل أن يستعمل النبي ﷺ من لا علم له. وهذه أكبر شهادة على العلم وسعته، فنظرنا في ذلك فوجدنا النبي ﷺ قد ولى أبا بكر الصلاة بحضرته طول علته، وجميع أكابر الصحابة حضور، فعمر وعلى وابن مسعود وأبى وغيرهم، فهذا بخلاف استخلافه عليا إذا غزا، لأن ذلك على النساء وذوى الأعذار فقط، فوجد ضرورة أن يكون أبو بكر أعلم الناس بالصلاة وشرائعها، وأعلم المذكورين بها، وهى عمود الإسلام. ووجدناه أيضا قد استعمله على الصدقات، فوجب ضرورة أن يكون عنده من علم الصدقات كالذى عند غيره من علماء الصحابة، لا أقل، وربما كان أكثر، إذ قد استعمل غيره، وهو لا يستعمل إلا عالما بما استعمله فيه، والزكاة ركن من أركان الدين بعد الصلاة.\nوبرهان ما قلناه من تمام علم أبى بكر بالصدقات أن الأخبار الواردة في الزكاة أصحها، والذى يلزم العمل به ولا يجوز خلافه فهو حديث أبى بكر، ثم الذي من طريق عمر. وأما من طريق على فمضطرب، وفيه ما قد تركه الفقهاء جملة، وهو أن في خمس وعشرين من الإبل خمسا من الشياه.","vol":"1","page":213},{"text":"وأيضا فوجدناه ﷺ استعمل أبا بكر على الحج، فصح ضرورة أنه أعلم من جميع الصحابة بالحج. وهذه دعائم الإسلام.\nثم وجدناه قد استعمله على البعوث، فصح أن عنده من أحكام الجهاد مثل ما عند سائر من استعمله النبي ﷺ على البعوث، إذ لا يستعمل إلا عالما بالعمل، فعند أبى بكر من علم الجهاد كالذى عند على وسائر أمراء البعوث لا أقل.\nوإذا صح التقدم لأبى بكر علَى علىّ وغيره في العلم بالصلاة والزكاة والحج، وساواه في الجهاد، فهذه عمدة للعلم.\nثم وجدناه ﷺ قد ألزم نفسه في جلوسه ومسامرته وظعنه وإقامته أبا بكر، فشاهد أحكامه وفتاويه أكثر من مشاهدة على لها، فصح ضرورة أنه أعلم بها، فهل بقيت من العلم بقية إلا وأبو بكر المقدم فيها الذي لا يلحق؟ أو المشارك الذي لا يسبق؟ فبطلت دعواهم في العلم، والحمد لله رب العالمين.\nوأما الرواية والفتيا، فإن أبا بكر ﵁ لم يعش بعد رسول الله ﷺ إلا سنتين وستة أشهر، ولم يفارق المدينة إلا حاجا أو معتمرا، ولم يحتج الناس إلى ما عنده من الرواية عن رسول الله ﷺ، لأن كل من حواليه أدركوا النبي ﷺ، وعلى ذلك كله فقد روى عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنين وأربعين حديثا مسندة، ولم يرو عن على إلا خمسمائة وستة وثمانون حديثا مسندة، يصح منها نحو خمسين حديثا. وقد عاش بعد رسول الله ﷺ أزيد من ثلاثين سنة، فكثر لقاء الناس إياه وحاجتهم إلى ما عنده، لذهاب جمهور الصحابة، وكثر سماع أهل الآفاق، منه مرة بصفين، وأعواما بالكوفة، ومرة بالبصرة، ومرة بالمدينة، فإذا نسبنا مدة أبى بكر من حياته، وأضفنا تفرى على البلاد بلدا بلدا، وكثرة سماع الناس منه، إلى لزوم أبى بكر موطنه، وأنه لم تكثر حاجة من حواليه إلى الرواية عنه، ثم نسبنا عدد حديثه من عدد حديثه، وفتاويه من فتاويه، علم كل ذى حظ من علم أن الذي عند أبى بكر من العلم أضعاف ما كان عند على منه.","vol":"1","page":214},{"text":"وبرهان ذلك أن مَنْ عُمّر من الصحابة عُمرا قليلا قلّ النقل عنه، ومن طال عمره منهم كثر النقل عنه إلا اليسير ممن اكتفى بنيابة غيره عنه في تعليم الناس. وقد عاش على بعد عمر سبعة عشر عاما غير أشهر، ومسند عمر خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثا، يصح منها نحو خمسين، كالذى عن على سواء، فكل ما زاد حديث علىّ علَى حديث عمر تسعة وأربعون حديثا في هذه المدة، ولم يزد عليه في الصحيح إلا حديث أو حديثان.\nوفتاوى عمر موازية لفتاوى على في أبواب الفقه، فإذا نسبنا مدة من مدة، وضربا في البلاد من ضرب فيها، وأضفنا حديثا إلى حديث، وفتاوى إلى فتاوى، علم كل ذى حس علما ضروريا أن الذي كان عند عمر من العلم أضعاف ما كان عند على، ووجدنا مسند عائشة ألفى مسند ومائتى مسند وعشرة مسانيد، وحديث أبى هريرة خمسة آلاف مسند، وثلثمائة مسند، وأربعة وسبعون مسندا، ووجدنا مسند ابن عمر وأنس قريبا من مسند عائشة لكل واحد منهما، ووجدنا مسند جابر وابن عباس لكل واحد منهما، أزيد من ألف وخمسمائة، ووجدنا لابن مسعود ثمانمائة مسند ونيفا، ولكل من ذكرنا - حاشا أبى هريرة وأنس - من الفتاوى أكثر من فتاوى على أو نحوها، فبطل قول هذا الجاهل \".\nإلى أن قال: \" فإن قالوا: قد استعمل النبي ﷺ عليا على الأخماس وعلى القضاء باليمن؟ قلنا: نعم، لكن مشاهدة أبى بكر لأقضية النبي ﷺ أقوى في العلم وأثبت مما عند على وهو باليمن، وقد استعمل النبي ﷺ أبا بكر على بعوث فيها الأخماس، فقد ساوى علمه علم على في حكمها بلا شك، إذ لا يستعمل النبي ﷺ إلا عالما بما يستعمله عليه، وقد صح أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يفتيان على عهد رسول الله ﷺ وهو يعلم ذلك، ومحال أن يبيح لهما ذلك إلا وهما أعلم من غيرهما، وقد استعمل رسول الله ﷺ أيضا على القضاء باليمن مع على معاذا وأبا موسى الأشعرى، فلعلىّ في هذا شركاء كثير، منهم أبو بكر وعمر، ثم انفرد أبو بكر بالجمهور والأغلب من العلم \".","vol":"1","page":215},{"text":"نظرة في الكتب التي ينقل منها الرافضيان\nأشار شيخ الإسلام الى بعض الكتب التي نقل منها الرافضي ابن المطهر الحلى، وبين خطأ منهجه في النقل. وعبد الحسين كسلفه الرافضي نقل من تلك الكتب بالمنهج الخاطئ هو نفسه، غير أنه في مراجعاته نقل نقولا كثيرة من كتابين هما: نهج البلاغة، والصواعق المحرقة، مما يستدعى أن نقف وقفة أمام كل منهما لنرى القيمة العلمية لما ينقل من نهج البلاغة، ومنهج التضليل والتلبيس في النقل من الصواعق: وتكفينا وقفة قصيرة بالنسبة للكتاب الأول، أما الثانى فيحتاج إلى وقفة طويلة تفضح هذا الرافضي وأمثاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أولا: نهج البلاغة</span>\n\nكتاب نهج البلاغة كتاب بغير إسناد، فسواء أكان من تأليف وجمع الشريف الرضى المتوفى سنة ٤٠٦ هـ، أم أخيه الشريف المرتضى المتوفى سنة ٤٣٦ هـ، فليس متصل الإسناد إلى الإمام على ﵁ بل كان التأليف والجمع بعد ما يقرب من أربعة قرون، وكما قال عبد الله بن المبارك وابن سيرين وغيرهما: \" لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء \".\nوروى الإمام الحاكم بسنده عند عبد الله بن المبارك قال: \" الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء \"، ثم قال بعد هذا - وهو شيعي لكنه غير رافضى: \" فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه،","vol":"1","page":216},{"text":"لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بترا \".\nوروى أن ابن أبى فروة ذكر أحاديث بغير إسناد فقال له الزهرى: \" قاتلك الله يا بن أبى فروة، ما أجرأك على الله! لا تسند حديثك؟ تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة \"! .\n(انظر كتابه معرفة علوم الحديث ص ٦) .\nفكتاب نهج البلاغة إذا بغير خطم ولا أزمة، ولا وزن له من الناحية العلمية. وفى ضوء المنهج العلمى لا يعتبر حجة في أي فرع من فروع الشريعة فضلا عن أصول العقيدة.\nوإذا ثبت أن هذا الكتاب للشريف الرضى - كما سيأتي - فإن هذا الشاعر رافضى جلد لا يحتج بروايته كما هو معلوم من ترجمته، وهذا يعنى أن نهج البلاغة لو كان مسندا عن طريقه فلا يجوز الإحتجاج بما جاء فيه. فلو كان مسندا فليس بحجة، فما بالك إذا خلا تماما عن الإسناد؟ !\nوفى عام ١٤٠٦ هـ (١٩٨٦ م) ظهرت طبعة جديدة للكتاب، وجاء تحت العنوان ما يأتي:\nنسخة جديدة محققة وموثقة، تحوى ما ثبت نسبته للإمام على ﵁ وكرم الله وجهه من خطب ورسائل وحكم. تحقيق وتوثيق دكتور صبرى إبراهيم السيد، تقديم العلامة المحقق الأستاذ عبد السلام محمد هارون.\nفلننظر في هذه النسخة لنرى ماذا قال أستاذنا ﵀ في تقديمه، ولنرى نتيجة التحقيق والتوثيق. قال أستاذنا في التقديم:\nإنها قضية ذات كتاب: أو كتاب ذو قضية. فكتابنا هذا \" نهج البلاغة \"يعد في طليعة أمهات كتب الأدب العربى. ولا تكاد مكتبة أديب حفى بالتراث العربى تخلو من الظفر به أو اقتنائه.","vol":"1","page":217},{"text":"وكنا إلى الأمس القريب في ريبتين اثنتين منه: أولاهما: من هو صانع هذا الكتاب؟ أهو الشريف الرضى، أم هو أخوه المرتضى؟ والأخرى: مدى صحة هذا الحشد الهائل من الخطب والرسائل والحكم، أو بعبارة أدق: ما مدى توثيق هذا الكم الضخم ونسبته إلى الإمام على كرم الله وجهه؟ من ذا الذي يقضى في هذه المسائل؟ فإن كثيرين من علماء القرن السادس الهجرى يزعمون أن معظم هذه النصوص لا يصح إسناده إلى الخليفة الإمام، وإنما هو من صناعة قوم من فصحاء الشيعة، صنعوه ليزيدوا الناس يقينا بما عرفوه من فصاحة الإمام واقتداره، مع أن فصاحة وبلاغة وسمو بيانه لا تحتاج إلى دليل، أو تفتقر إلى برهان، وزعموا أيضا أن الشريف الرضى أو غيره من الشيعة نظموا أنفسهم في سلك هؤلاء الأقوام.\nوقالوا: إنه مما يحير هذا الشك ويقويه، ما اشتمل عليه هذا الكتاب من تعريض بالصحابة في غير ما موضع: وإن السجع والصناعة اللفظية تظهر في كثير من جوانبه على خلاف المعهود في نتاج هذا العصر النبوي.\nقالوا: إن فيه من دقة الوصف، وغرابة التصوير ما لم يكن معروفا في آثار الصدر الأول الإسلامي، كما أنه يطوى في جنباته كثيرا من المصطلحات التي لم يتداولها الناس بعد أن شاعت علوم الحكمة، كالأين والكيف، إلى ما فيه من لغات علم الكلام وأبحاث الرؤية الإلهية، والعد، وكلام الخالق، وما لم يكن معهودا كذلك من التقسيمات الرياضية ذات النظام.\nوقالوا: إن الكتاب مشتمل على ادعاء المعرفة بالغيبيات، وهو الأمر الذي يجل قدر الإمام على بن أبى طالب وإيمانه الصريح الخالص عن التلبس له أو اصطناعه.\nوأن في الكتاب تكرارا للمقاطع بالتطويل تارة، وبالإيجاز أخرى، وأن كثيرا من نصوصه لم يظهر فيما أثر من كتب الأدب والتاريخ التي صنعت قبل الشريف الرضى أو أخيه، وأن فيه تطويلا يتجاوز حد الغلو في بعض نصوصه، كعهده","vol":"1","page":218},{"text":"إلى الأشتر النخعى. دع عنك ما يسرى فيه من مظاهر التشيع المذهبى، والتعصب الشيعي التي يعلو قدر الإمام عنها.\nوأمر آخر يريب: وهو أن جامع هذه النصوص لم يسجل في صدر كتابه أو أثنائه شيئا من مصادر التوثيق والرواية، كما هو المألوف في أمثال هذه الكتب التي ينظر إليها بعين خاصة، وهذه كلها شبهات تعلو، ومسائل تطفو، تحمل الباحث على كثير من التأمل، وطويل من الدرس. شبهات ومسائل كانت تحيك في صدر كل دارس لهذا الكتاب الخالد، ويود لو أن قد تفرغ لدراستها من يزيل عنها تلك الأوضار، ليظهر من بينها يقين التحقيق.\nلهذا كله كانت غبطتى بهذا البحث الذي تولاه باحث أعرف فيه الدقة والصبر، وأعرف فيه خلة التأنى، فقد استطاع الدكتور صبرى أن يحقق نسبة الكتاب إلى الشريف الرضى بما لا يدع مجالا للشك.\nويمكن من تحقيق نسبة النصوص في هذا الكتاب بمختلف ضروبها من خطب ورسائل وحكم إلى أصحابها، ومن بينها ما صحت نسبته إلى الإمام على في جملتها وتفصيلها، أو في تفصيلها فقط دور جملتها. وهذا أمر يحدث للمرة الأولى بين الباحثين في هذا الكتاب بهذا الأسلوب المنهجي الفريد \" ا. هـ\n\nوبعد هذا التقديم نأتى إلى نتائج التوثيق التي انتهى إليها الدكتور صبرى، حيث قال:\nوهكذا أجد نفسى - بعد هذه الجولة التوثيقية - أمام مستويات خمسة من النصوص:\n١- نصوص ثبتت نسبتها إلى الإمام علي.\n٢- نصوص رواها الشيعة وحدهم.\n٣- نصوص لم يروها أحد.\n٤- نصوص مشكوك في صحة نسبتها لأسباب خاصة.","vol":"1","page":219},{"text":"٥- نصوص ثبتت نسبتها لآخرين.\n(انظر ص ٨١: ٩٧)\nوالذى يعنينا هو المستوى الأول فقط. وكيف استطاع المحقق إثبات نسبتها إلى الإمام على؟\nبين المحقق منهجه في التوثيق حيث قال: (ص ٦٥)\n\" وهأنذا أحاول استكشاف ما في بطون الكتب الأدبية والتاريخية من نصوص أوردها صاحب النهج، ملتزما في ذلك باعتماد أقوال من سبقوا الشريف الرضى، أو عاصروه، واستبعاد من جاءوا بعده أو لم يعاصروه \".\nوقبل أن ننظر في مراجع المحقق نراه هنا يذكر أنها كتب أدبية وتاريخية، وهذه الكتب كما نعلم ليست حجة في أي فرع من فروع الشريعة، فما بالك بأصول العقيدة؟ !\nبعد نتائج التوثيق انتقل المحقق إلى تحقيق النصوص وتوثيقها، وبدأها بتوثيق الخطب:\nأثبت الخطبة الأولى من أولها إلى قوله: \" ولا وقت معدود \"، ومرجعه العقد الفريد لابن عبد ربه. (انظر ص ١٠١) وهى هنا خمسة أسطر فقط، وفى الأصل أكثر من خمسين ومائة سطر. والثانية نصف سطر، وقال المحقق (ص ١٠١): الكلمة موجودة في تاريخ اليعقوبى. والثالثة في الإمامة والسياسة لابن قتيبة (ص ١٠٢) - قلت: الكتاب غير صحيح النسبة لابن قتيبة. وهكذا نجد مراجع المحقق من هذا النوع من الكتب التي لا تعتبر إطلاقا مراجع معتمدة في مجال الشريعة. وفى ص ٢٩٧: ٣٠٩ ذكر مراجع البحث والتوثيق. وبالنظر فيها نراها كما ذكر المحقق من كتب الأدب والتاريخ ما عدا مسند الإمام أحمد، وقد سبق جمع ما في المسند ودراسته، إذن لا يجوز ذكر شىء مما جاء في نهج البلاغة ليحتج به في أي مجال من مجالات الشريعة، ولسنا بعد هذا في حاجة إلى مناقشة ما يذكره هذا الرافضي، وبيان أن ما جاء به من طعن في الصحابة الكرام","vol":"1","page":220},{"text":"الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وخيرهم الشيخان، يتعارض مع كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ، وما ثبت متواترا وصحيحا عن الإمام على هو نفسه، ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ثانيا: الصواعق المحرقة</span>\n\nكتاب الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة للمحدث الفقيه أحمد بن حجر الهيتمى المكى، المتوفى سنة ٩٧٤ هـ.\nوالكتاب كما يظهر من عنوانه إنما هو للرد على هذه الفرقة وأمثالها، ولذلك قال في بداية الكتاب:\n\" سئلت قديما في تأليف كتاب يبين حقية خلافة الصديق، وإمارة ابن الخطاب، فأجبت إلى ذلك مسارعة في خدمة هذا الجانب، فجاء بحمد الله أنموذجا لطيفا، ومنهاجا شريفا، ومسلكا منيفا. ثم سئلت قديما في إقرائه في رمضان سنة خمسين وتسعمائة بالمسجد الحرام لكثرة الشيعة والرافضة ونحوهما الآن بمكة المشرفة. . إلخ \" (ص ٩) .\nفالكتاب إذن لبيان بطلان مذهب الشيعة والرافضة ونحوهما، فكيف يستدل عبد الحسين بما جاء في هذا الكتاب لبيان صحة مذهبه لا بطلانه؟\nلننظر إلى ما جاء في الصواعق أولا، ثم نبين مسلك عبد الحسين.\nبدأ ابن حجر الهيتمى بثلاث مقدمات، ومما جاء فيها: بيان وجوب تعظيم أصحاب رسول الله ﷺ، ورد ما افتراه الرافضة عليهم من الروايات. ثم إجماع الصحابة على وجوب تنصيب الإمام بعد عصر النبوة. وأخيرا طريق ثبوت الخلافة.\nوقسم الكتاب إلى أحد عشر بابا:","vol":"1","page":221},{"text":"جعل الباب الأول في بيان كيفية خلافة الصديق، والاستدلال على حقيتها بالنقل والعقل، وقسم الباب إلى خمسة فصول:\nالأول: في بيان كيفيتها: وبدأه بقول: \" روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتد به، أن عمر ﵁ خطب الناس مرجعه من الحج.. \" وذكر ما يتصل ببيعة الصديق، وأثبتها من قبل.\nوقال بعد هذا (ص ٢٠) .\n\" وأخرج النسائي، وأبو يعلى، والحاكم وصححه: عن ابن مسعود قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر ابن الخطاب، فقال: يا معشر الأنصار: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، وأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر \". ثم قال بعد هذا (ص ٢١):\nوأخرج موسى بن عقبة في مغازيه، والحاكم، وصححه عن عبد الرحمن ابن عوف ﵁ قال: خطب أبو بكر فقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط، ولا كنت راغبا فيها ولا سألتها الله في سر ولا علانية، ولكننى أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، لقد قلدت أمرا عظيما مالى به من طاقة، ولا يد إلا بتقوية الله. فقال على والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها؛ إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بين الناس وهو حى \".\nوقال أيضا:\nوأخرج أحمد أن أبا بكر لما خطب يوم السقيفة لم يترك شيئا أنزل في الأنصار، وذكره رسول الله ﷺ في شأنهم إلا ذكره، وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادى الأنصار، وقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال: وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر،","vol":"1","page":222},{"text":"فبر الناس تابع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء. ويؤخذ منه ضعف ما حكاه ابن عبد البر أن سعدا أبى أن يبايع أبا بكر حتى لقى الله - (انظر ص ٢١: ٢٢) .\nوجعل الفصل الثانى في بيان انعقاد الإجماع على ولاية أبى بكر، فقال:\nقد علم مما قدمناه أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على ذلك، وأن ما حكى من تخلف سعد بن عبادة عن البيعة مردود.\nومما يصرح بذلك أيضا ما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا، فهو عند الله سيئ. وقد رأي الصحابة جميعا أن يستخلف أبو بكر، فانظر إلى ما صح عن ابن مسعود، وهو من أكابر الصحابة، وفقهائهم ومتقدميهم من حكاية الإجماع من الصحابة جميعا على خلافة أبى بكر، ولذا كان هو الأحق بالخلافة عند جميع أهل السنة والجماعة في كل عصر منا إلى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكذلك عند جميع المعتزلة، وأكثر الفرق، وإجماعهم على خلافته قاض بإجماعهم على أنه أهل لها مع أنها من الظهور بحيث لا تخفى. فلا يقال إنها واقعة يحتمل أنها لم تبلغ بعضهم، ولو بلغت الكل لربما أظهر بعضهم خلافا. على أن هذا إنما يتوهم أن لو لم يصح عن بعض الصحابة المشاهدين بذلك الأمر من أوله إلى آخره حكاية الإجماع، وأما بعد أن صح عن مثل ابن مسعود حكاية إجماعهم كلهم، فلا يتوهم ذلك أصلا، سيما وعلى كرم الله وجهه ممن حكى الإجماع على ذلك أيضا، كما سيأتي عنه أنه لما قدم البصرة سئل عن مسيره هل هو بعهد من النبي ﷺ، فذكر مبايعته هو وبقية الصحابة لأبى بكر، وأنه لم يختلف عليه منهم اثنان.\nوأخرج البيهقي عن الزعفرانى قال سمعت الشافعى يقول: أجمع الناس على خلافة أبى بكر، وذلك أنه اضطرب الناس بعد رسول الله ﷺ فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبى بكر فولوه رقابهم. وأخرج أسد السنة عن معاوية بن قرة","vol":"1","page":223},{"text":"قال: ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يشكون أن أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ، وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول الله، وما كانوا يجتمعون على خطأ ولا ضلالة. وأيضا فالأمة اجتمعت على حقية إمامة أحد الثلاثة أبى بكر وعلى والعباس، ثم إنهما لم ينازعاه بل بايعاه، فتم بذلك الإجماع له على إمامته دونهما. إذ لو لم يكن على حق لنازعاه كما نازع على معاوية مع قوة شوكة معاوية عدة وعددا على شوكة أبى بكر، فإذا لم يبال على بها، ونازعه، فكانت منازعته لأبى بكر أولى وأحرى، فحيث لم ينازعه دل على اعترافه بحق خلافته، ولقد سأله العباس في أن يبايعه، فلم يقبل، ولو علم نصا عليه لقبل سيما ومعه الزبير مع شجاعته وبنو هاشم وغيرهم. ومر أن الأنصار كرهوا بيعة أبى بكر وقالوا منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر بخبر: الأئمة من قريش، فانقادوا له وأطاعوه، وعلى أقوى منهم شوكة وعدة وعددا وشجاعة، فلو كان معه نص لكان أحرى بالمنازعة، وأحق بالإجابة، ولا يقدح في حكاية الإجماع تأخر على والزبير والعباس وطلحة مدة لأمور منها أنهم رأوا أن الأمر تم بمن تيسر حضوره حينئذ من أهل الحل والعقد، ومنها أنهم لما جاءوا وبايعوا اعتذروا كما مر عن الأولين من طرق بأنهم أخروا عن المشورة مع أن لهم فيها حقا، لا للقدح في خلافة الصديق. هذا مع الاحتياج في هذا الأمر لخطره إلى الشورى التامة، ولهذا مر عن عمر بسند صحيح أن تلك البيعة كانت فلتة، ولكن وقى الله شرها.\nويوافق ما مر عن الأولين من الاعتذار، ما أخرجه الدار قطنى من طرق كثيرة أنهما قالا عند مبايعتهما لأبى بكر: إلا أنا أخرنا عن المشورة، وإنا لنرى أن أبا بكر أحق الناس بها. إنه لصاحب الغار وثانى اثنين، وإنا لنعرف له شرفه وكبره، وفى آخرها أنه اعتذر إليهم، فقال \" والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما قط ولا ليلة، ولا كنت فيها راغبا، ولا سألتها الله عزوجل في سر ولا علانية، ولكننى أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولقد قلدت","vol":"1","page":224},{"text":"أمرا عظيما \"، إلى آخر ما مر، فقبلوا منه ذلك، وما اعتذر به. (انظر ص ٢٣: ٢٥) .\nوعقب على ما سبق وعلى رواية للبخاري، بقوله:\nفتأمل عذره وقوله: لم ننفس على أبى بكر خيرا ساقه الله إليه، وأنه لا ينكر ما فضله الله به، وغير ذلك مما اشتمل عليه هذا الحديث تجده بريئا مما نسبه إليه الرافضة ونحوهم، فقاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم! (ص ٢٦) .\nأما الفصل الثالث ففي النصوص السمعية الدالة على خلافة أبى بكر من القرآن والسنة، وبدأ بالنصوص القرآنية فقال:\nفمنها قوله تعالى:\n\" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ\"\nأخرج البيهقي عن الحسن البصري أنه قال: هو والله أبو بكر، لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام، وأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال: لما توفى النبي ﷺ ارتدت العرب، فذكر قتال أبى بكر لهم إلى أن قال: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبى بكر وأصحابه. \" فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ \"وشرح ثم قال:\nوأخرج الدار قطنى عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر واستوى على راحلته أخذ على بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله، أقول لك ما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: شمر سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا. (انظر ٢٧: ٢٨) .","vol":"1","page":225},{"text":"واستمر في ذكر الآيات الكريمة، ومما قاله:\nومن الآيات الدالة على خلافته أيضا قوله تعالى: \" قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا \".\nأخرج ابن أبى حاتم عن جويبر أن هؤلاء القوم هم بنو حنيفة، ومن ثم قال ابن أبى حاتم وابن قتيبة وغيرهما: هذه الآية حجة على خلافة الصديق لأنه الذي دعا إلى قتالهم، فقال الشيخ أبو الحسن الأشعرى ﵀ إمام أهل السنة: سمعت الإمام أبا العباس بن سريج يقول: الصديق في القرآن في هذه الآية. قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلا دعاء أبى بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة. قال: فدل ذلك على وجوب خلافة أبى بكر، وافتراض طاعته إذ أخبر الله أن المتولى عن ذلك يعذب عذابا أليما. قال ابن كثير: ومن فسر القوم بأنهم فارس والروم، فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان وهما فرعا الصديق.\nفإن قلت: يمكن أن يراد بالداعى في الآية النبي ﷺ أو على قلت: لا يمكن ذلك مع قوله تعالى: \" قُل لَّن تَتَّبِعُونَا \" ومن ثم لم يدعوا إلى محاربة في حياته ﷺ إجماعا كما مر، وأما على فلم يتفق له في خلافته قتال لطلب الإسلام أصلا بل لطلب الإمامة، ورعاية حقوقها، وأما من بعده فهم عندنا ظلمة، وعندهم كفار، فتعين أن ذلك الداعى الذي يجب باتباعه الأجر الحسن وبعصيانه العذاب الأليم أحد الخلفاء الثلاثة، وحينئذ فالألزم عليه حقية أبى بكر على كل تقدير؛ لأن حقية خلافة الآخرين فرع عن حقية خلافته إذ هما فرعاها الناشئان عنها والمترتبان عليها.","vol":"1","page":226},{"text":"ومن تلك الآيات أيضا قوله تعالى: \"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ \"\nقال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق، وأخرج ابن أبى حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهرى قال: إن ولاية أبى بكر وعمر في كتاب الله. يقول الله تعالى: \" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ\".\nومنها قوله تعالى: \" لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ\".\nوجه الدلاله: أن الله تعالى سماهم صادقين، ومن شهد له ﷾ بالصدق لا يكذب، فلزم أن ما أطبقوا عليه من قولهم لأبى بكر خليفة رسول الله صادقون فيه، فحينئذ كانت الآية ناصة على خلافته. أخرجه الخطيب عن أبى بكر ابن عياش وهو استنباط حسن، كما قاله ابن كثير، (انظر ص ٣١: ٣٢) .\nوبعد أن انتهى صاحب الصواعق من ذكر الآيات الكريمة، وبيان دلالتها على خلافة أبى بكر، انتقل إلى السنة المطهرة. فقد جمع كثيرا من الأحاديث التي تدل على خلافتة، والأحاديث التي تدل على فضله، وهى تزيد على المائة، وذكرها في أبواب متفرقة.\nوأثبت هنا بعض الأحاديث التي بين أنها تدل على خلافة أبى بكر.","vol":"1","page":227},{"text":"١ - أخرج أحمد وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر، وأخرجه الطبرانى من حديث أبى الدرداء والحاكم من حديث ابن مسعود. وروى أحمد والترمذى وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن حذيفه: إنى لا أدرى ما قدر بقائى فيكم فاقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر، وتمسكوا بهدى عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوا. والترمذى عن ابن مسعود والرويانى عن حذيفة وابن عدى عن أنس:\nاقتدوا باللذين من بعدى من أصحابى أبى بكر وعمر، واهتدوا بهدى عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود.\n٢ - أخرج الشيخان عن أبى سعيد الخدري قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: إن الله ﵎ خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ: إن من أمنّ الناس علَىَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبى بكر، وفى لفظ لهما: لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبى بكر، وفى آخر لعبد الله بن أحمد: أبو بكر صاحبى ومؤنسى في الغار سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبى بكر. وفى آخر للبخاري: ليس في الناس أحد أمنّ على في نفسى ومالي من أبى بكر بن أبى قحافة، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل. سدوا عنى كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبى بكر. وفى آخر لابن عدى: سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبى بكر. وطرقه كثيرة منها عن حذيفة وأنس وعائشة وابن عباس ومعاوية بن أبى سفيان رضي الله تعالى عنهم.","vol":"1","page":228},{"text":"قال العلماء: في هذه الأحاديث إشارة إلى خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه؛ لأن الخليفة يحتاج إلى القرب من المسجد لشدة احتياج الناس إلى ملازمته له في الصلاة بهم وغيرها.\n٣ - أخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: بعثنى بنو المصطلق إلى رسول الله ﷺ أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك، فأتيته فسألته، فقال: إلى أبى بكر. ومن لازم دفع الصدقة إليه كونه خليفة إذ هو المتولى قبض الصدقات.\n٤ - أخرج مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، فإنى أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. وأخرجه أحمد وغيره من طرق عنها. وفى بعضها قال لي رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: ادعى لي عبد الرحمن بن أبى بكر أكتب لأبى بكر كتابا لا يختلف عليه أحد، ثم قال: دعيه معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبى بكر، وفى رواية عن عبد الله بن أحمد: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر.\n٥ - أخرج الشيخان عن أبى موسى الأشعرى قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت عائشة؛ يا رسول الله إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس، فقال: مرى أبا بكر فليصل بالناس، فعادت، فقال: مرى أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف! فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله ﷺ. وفى رواية أنها لما راجعته فلم يرجع لها قالت لحفصة: قولى له يأمر عمر، فقالت له، فأبى حتى غضب وقال: أنتن أو إنكن أو لأنتن صواحب يوسف! مروا أبا بكر.\nواعلم أن هذا الحديث متواتر، فإنه ورد من حديث عائشة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن زمعة وأبى سعيد وعلى بن أبى طالب وحفصة.","vol":"1","page":229},{"text":"وفى بعض طرقه عن عائشة: لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملنى على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبى أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبى بكر. وفى حديث ابن زمعة أن رسول الله ﷺ أمرهم بالصلاة، وكان أبو بكر غائبا، فتقدم عمر، فصلى، فقال رسول الله ﷺ: لا، لا، لا، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فيصلى بالناس أبو بكر، وفى رواية عنه أنه ﷺ قال له: اخرج وقل لأبى بكر يصلى بالناس، فخرج فلم يجد على الباب إلا عمر في جماعة ليس فيهم أبو بكر، فقال يا عمر: صل بالناس، فلما كبر وكان صيتا وسمع ﷺ صوته قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر. وفى حديث ابن عمر: كبر عمر فسمع رسول الله ﷺ تكبيره فأطلع رأسه مغضبا، فقال: أين ابن أبى قحافة؟ قال العلماء: في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة، وأولاهم بالإمامة.\nقال الأشعرى:\nقد علم بالضرورة أن رسول الله ﷺ أمر الصديق أن يصلى بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) . فدل على أنه كان أقرأهم أي أعلمهم بالقرآن. انتهى. وقد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة، منهم عمر، ومر كلامه في فضل المبايعة. ومنهم على، فقد أخرج ابن عساكر عنه: لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلى بالناس، وإنى لشاهد وما أنا بغائب، وما بى مرض، فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي ﷺ لديننا.\nقال العلماء: وقد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي ﷺ.\nوأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بنى عمرو بن عوف، فبلغ النبي ﷺ فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم، فقال يا ...","vol":"1","page":230},{"text":"بلال: إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة. ثم أمر أبا بكر فصلى. ووجه ما تقرر من أن الأمر بتقديمه للصلاة كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته بالخلافة؛ لأن القصد الذاتى من نصب الإمام العالم إقامة شعائر الدين على الوجه المأمور به من أداء الواجبات وترك المحرمات وإحياء السنن، وإماتة البدع، وأما الأمور الدنيوية وتدبيرها كاستيفاء الأموال من وجوهها وإيصالها لمستحقها ودفع الظلم، ونحو ذلك فليس مقصودا بالذات، بل ليتفرغ الناس لأمور دينهم إذ لا يتم تفرغهم له إلا إذا انتظمت أمور معاشهم بنحو الأمن على الأنفس، والأموال، ووصول كل ذى حق إلى حقه، فلذلك رضى النبي ﷺ لأمر الدين، وهو الإمامة العظمى، أبا بكر بتقديمه للإمامة في الصلاة، كما ذكرنا ومن ثم أجمعوا على ذلك كما مر.\nوأخرج ابن عدى عن أبى بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد: يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ قلت: يا أمير المؤمنين: سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون. قال والله وما زدتنى إلا عماء، قلت: يا أمير المؤمنين مرض النبي ﷺ ثمانية أيام، فدخل عليه بلال، فقال يا رسول الله: من يصلى بالناس؟ قال: مر أبا بكر يصلى بالناس، فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل عليه (١)، فسكت رسول الله ﷺ لسكوت الله، وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله ﷺ، فأعجبه فقال: بارك الله فيك.\n٦ - أخرج ابن حبان عن سفينة: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع في البناء حجرا، قال لأبى بكر: ضع حجرك إلى جنب حجرى، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبى بكر، ثم قال لعثمان: ضع حجرك إلى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء بعدى. قال أبو زرعة: إسناده لا بأس به، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه، والبيهقى في الدلائل، وغيرهما. وقوله\n_________\n(١) أي على الرسول - ﷺ -.","vol":"1","page":231},{"text":"لعثمان ما ذكر يرد على من زعم أن هذا إشارة إلى قبورهم. على أن قوله آخر الحديث: هؤلاء الخلفاء بعدى صريح فيما أفاده الترتيب الأول أن المراد به ترتيب الخلافة (١) .\nهذه بعض الأحاديث التي ذكر أنها تنص على إمامة أبى بكر. وأراد بعد هذا أن يبين أن الموضوع محل خلاف، ولذلك جعل عنوان الفصل الرابع \" في بيان أن النبي ﷺ هل نص على خلافة أبى بكر؟\nوقال (ص ٤٢ وما بعدها):\nاعلم أنهم اختلفوا في ذلك. ومن تأمل الأحاديث التي قدمناهاعلم من أكثرها أنه نص عليها نصا ظاهرا. وعلى ذلك جماعة من المحدثين وهو الحق، وقال جمهور أهل السنة والمعتزلة والخوارج: لم ينص على أحد، ويؤيدهم ما أخرجه البزار في مسنده عن حذيفة قال: قالوا يا رسول الله: ألا تستخلف علينا؟ قال: إنى إن أستخلف عليكم فتعصون خليفتى ينزل عليكم العذاب. وأخرجه الحاكم في المستدرك لكن في سنده ضعف. وما أخرجه الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى (يعنى أبا بكر)، وإن أترككم فقد ترككم من هو خير منى رسول الله ﷺ. وما أخرجه أحمد والبيهقى بسند حسن عن على أنه لما ظهر على يوم الجمل قال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأي من الرأي أن نستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضى الله فيها. والجران بكسر الجيم باطن عنق البعير يقال ضرب بجرانه الشئ أي استقر وثبت.\nوأخرج الحاكم وصححه أنه قيل لعلى: ألا تستخلف علينا؟ فقال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله الناس خيرا فسيجمعهم بعدى\n_________\n(١) انظر كتاب الصواعق ص ٣٥: ٣٩.","vol":"1","page":232},{"text":"على خيرهم. وما أخرجه ابن سعد عن على أيضا قال: قال على: لما قبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي ﷺ لديننا فقدمنا أبا بكر. وقول البخاري في تاريخه: روى عن ابن جمهان عن سفينة أن النبي ﷺ قال لأبى بكر وعمر وعثمان: هؤلاء الخلفاء بعدى. قال البخاري: ولم يتابع على هذا لأن عمر وعليا وعثمان قالوا لم يستخلف النبي ﷺ. انتهى، ومر أن هذا الحديث، أعنى قوله هؤلاء الخلفاء بعدى، صحيح ولا منافاة بين القول بالاستخلاف والقول بعدمه لأن مراد من نفاه أنه لم ينص عند الموت على استخلاف أحد بعينه، ومراد من أثبته أنه ﷺ نص عليه وأشار إليه قبل ذلك. ولا شك أن النص على ذلك قبل قرب الوفاة يتطرق إليه الاحتمال، وإن بعد بخلافه عند الموت، فلذلك نفى الجمهور كعلى وعمر وعثمان الاستخلاف، ويؤيد ذلك قول بعض المحققين من متأخرى الأصوليين: معنى لم ينص عليها لأحد لم يأمر بها لأحد. على أنه قد يأخذ مما في البخاري عن عثمان أن خلافة أبى بكر منصوص عليها، والذى فيه في هجرة الحبشة عنه من جملة حديث أنه قال: وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته ووالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم استخلف الله أبا بكر، فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلف عمر فو الله ما عصيته ولا غششته. الحديث.\nفتأمل قوله في أبى بكر: ثم استخلف الله أبا بكر، وفى عمر: ثم استخلف عمر، تعلم دلالته على ما ذكرته من النص على خلافة أبى بكر، وإذا أفهم كلامه هذا ذلك مع ما مر عنه من أنها غير منصوص عليها تعين الجمع بين كلاميه بما ذكرناه. وكان اشتمال كلاميه على ذلك مؤيدا للجمع الذي قدمناه، وعلى كل فهو ﷺ كان يعلم لمن هي بعده بإعلام الله له، ومع ذلك فلم يؤمر بتبليغ الأمة النص على واحد بعينه عند الموت، وإنما وردت عنه ظواهر تدل على أنه علم بإعلام الله له أنها لأبى بكر، فأخبر بذلك كما مر، وإذا أعلمها فإما أن يعلمها علما واقعا موافقا للحق في نفس الأمر أو أمرا","vol":"1","page":233},{"text":"واقعا مخالفا له، وعلى كل حال لو وجب على الأمة مبايعة غير أبى بكر لبالغ رسول الله ﷺ في تبليغ ذلك الواجب إليهم بأن ينص عليه نصا جليا ينقل مشتهرا حتى يبلغ الأمة ما لزمهم، ولما لم ينقل كذلك مع توفر الدواعى على نقله دل على أنه لا نص. . وتوهم أن عدم تبليغه لعلمه بأنهم لا يأتمرون بأمره فلا فائدة فيه باطل، فإن ذلك غير مسقط لوجوب التبليغ عليه، ألا ترى أنه بلغ سائر التكاليف للآحاد مع الذين علم منهم أنهم لا يأتمرون فلم يسقط العلم بعدم ائتمارهم التبليغ عليه؟ واحتمال أنه بلغ أمر الإمامة سرا - واحدا واثنين - ونقل كذلك لا يفيد؛ لأن سبيل مثله الشهرة لصيرورته بتعدد التبليغ وكثرة المبلغين أمرا مشهورا، إذ هو من أهم الأمور لما يتعلق به من مصالح الدين والدنيا كما مر، مع ما فيه من دفع ما قد يتوهم من إثارة فتنة.\nواحتمال أنه بلغه مشتهرا ولم ينقل أو نقل ولم يشتهر فيما بعد عصره باطل أيضا، إذ لو اشتهر لكان سبيله أن ينقل نقل الفرائض لتوفر الدواعى على نقل مهمات الدين، فالشهرة هنا لازمة لوجود النص، فحيث لا شهرة لا نص بالمعنى المتقدم لا لعلى ولا لغيره، فلزم من ذلك بطلان ما نقله الشيعة وغيرهم من الأكاذيب وسودوا به أوراقهم من نحو خبر: أنت الخليفة من بعدى وخبر سلموا على على بإمرة المؤمنين، وغير ذلك مما يأتي. إذ لا وجود لما نقلوه فضلا عن اشتهاره، كيف وما نقلوه لم يبلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها، إذ لم يصل علمه لأئمة الحديث المثابرين على التنقيب عنه كما اتصل لهم كثير مما ضعفوه. وكيف يجوز في العادة أن ينفرد هؤلاء بعلم صحة تلك الآحاد مع أنهم لم يتصفوا قط برواية ولا بصحبة محدث؟ ويجهل تلك الآحاد مهرة الحديث وسباقه الذي أفنوا أعمارهم في الرحلات والأسفار البعيدة وبذلوا جهدهم في طلبه وفى السعى إلى كل من ظنوا عنده قليلا منه؟ فلذلك قضت العادة المطردة القطعية بكذبهم واختلاقهم فيما زعموه من نص علَى علِىّ صح آحادا عندهم مع عدم اتصافهم برواية حديث ولا صحبة لمحدث كما تقرر. نعم روى آحادا خبر: أنت منى بمنزلة هارون من موسى. وخبر: من كنت مولاه فعلى مولاه. وسيأتي","vol":"1","page":234},{"text":"الجواب عنهما واضحا مبسوطا، وأنه لا دلالة لواحد منهما على خلافة على لا نصا ولا إشارة، وإلا لزم نسبة جميع الصحابة إلى الخطأ وهو باطل لعصمتهم من أن يجتمعوا على ضلالة، فإجماعهم على خلاف ما زعمه أولئك المبتدعة الجهال قاطع بأن ما توهموه من هذين الحديثين غير مراد. أن لو فرض احتمالهم لما قالوه فكيف وهما لا يحتملانه كما يأتي. فظهر أن ما سودوا به أوراقهم من تلك الآحاد لا تدل لما زعموه، واحتمال أن ثم نصا غير ما زعموه يعلمه على أو أحد المهاجرين أو الأنصار باطل أيضا.\nوإلا لأورده العالم به يوم السقيفة حين تكلموا في الخلافة أو فيما بعده لوجوب إيراده حينئذ.\nوقولهم: ترك على إيراده مع علمه تقية باطل إذ لا خوف يتوهمه من له أدنى مسكة وإحاطة بعلم أحوالهم في مجرد ذكره لهم ومنازعته في الإمامة به كيف وقد نازع من هو أضعف منه وأقل شوكة ومنعة من غير أن يقيم دليلا على ما يقوله ومع ذلك فلم يؤذ بكلمة فضلا عن أن يقتل. فبان بطلان هذه التقية المشؤومة عليهم سيما وعلى قد علم بواقعة الحباب وبعدم إيذائه بقول أو فعل مع أن دعواه لا دليل عليها، ومع ضعفه وضعف قومه بالنسبه لعلى وقومه، وأيضا فيمتنع عادة من مثلهم أنه يذكره لهم ولا يرجعون إليه كيف وهم أطوع الله وأعمالهم بالوقوف عند حدوده وأبعد عن اتباع حظوظ النفس لعصمتهم السابقة وللخبر الصحيح: خير القرون قرنى، ثم الذين يلونهم. وأيضا ففيهم العشرة المبشرون بالجنة. ومنهم أبو عبيدة أمين هذه الأمة كما صح من طرق، فلا يتوهم فيهم وهم بهذه الأوصاف الجليلة أنهم يتركون العمل بما يرويه لهم من تقبل روايته بلا دليل أرجح يعولون عليه. معاذ الله أن يجوز ذلك عليهم شرعا أو عادة إذ هو خيانة في الدين وإلا لارتفع الأمان في كل ما نقوله عنه من القرآن والأحكام. ولم يجزم بشئ من أمور الدين مع أنه بجميع أصوله وفروعه إنما أخذ منهم، على أن في نسبة على إلى الكتم غاية نقص له لما يلزم عليه من نسبته، وهو أشجع الناس، إلى الجبن والظلم. ولهذا التوهم كفره بعض الملحدين كما يأتي فعلم مما تقرر","vol":"1","page":235},{"text":"جميعه أنه لا نص على إمامة على حتى ولا بالإشارة، وأما أبو بكر فقد علمت النصوص السابقة المصرحة بخلافته، وعلى فرض أن لا نص عليه أيضا ففي إجماع الصحابة عليها غنى عن النص إذ هو أقوى منه؛ لأن مدلوله قطعى ومدلول خبر الواحد ظنى، وأما تخلف جمع كعلى والعباس والزبير والمقداد عن البيعة وقت عقدها فمر الجواب عنه مستوفى.\nوحاصله مع الزيادة: أن أبا بكر أرسل إليهم بعد فجاءوا فقال للصحابة: هذا على ولا بيعة لي في عنقه وهو بالخيار في أمره. ألا فأنتم بالخيار جميعا في بيعتكم إيأي، فإن رأيتم لها غيرى فأنا أول من يبايعه، فقال على: لا نرى لها أحدا غيرك، فبايعه هو وسائر المتخلفين.\nونرى صاحب الصواعق بعد هذا يذكر الشبه التي أثارها الروافض ويدحضها، وهذه الشبه كرر ذكرها صاحب المراجعات، فهى إذن في صلب موضوعنا، غير أننا إذا أثبتناها كاملة يطول النقل كثيرا، ولذلك أكتفى بذكر بعضها:\nالشبهة السابعة\nزعموا أنه ظالم لفاطمة لمنعه إياها مخلف أبيها، وأنه لا دليل له في الخبر الذي رواه: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة؛ لأن فيه احتجاجا بخبر الواحد مع معارضته لآية المواريث، وفيه ما هو مشهور عند الأصوليين. وزعموا أيضا أن فاطمة معصومة بنص \" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت \". وخبر: \" فاطمة بضعة منى \" وهو معصوم، فتكون معصومة، وحينئذ فيلزم صدق دعواها الإرث.\nوجوابها: أما عن الأول، فهو لم يحكم بخبر الواحد الذي هو محل الخلاف، وإنما حكم بما سمعه من رسول الله ﷺ وهو عنده قطعى فساوى آية المواريث في قطعية المتن، وأما حمله على ما فهمه منه فلانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرقها إليه عنه بقرينة الحال، فصار عنده دليلا قطعيا مخصصا لعموم تلك الآيات. وأما عن الثانى، فمن أهل البيت أزواجه على ما يأتي في فضائل أهل البيت، ولسن","vol":"1","page":236},{"text":"بمعصومات اتفاقا، فكذلك بقية أهل البيت. وأما بضعة منى: فمجاز قطعا فلم يستلزم عصمتها وأيضا فلا يلزم مساواة البعض للجملة في جميع الأحكام بل الظاهر أن المراد أنها كبضعة منى: فيما يرجع للخير والشفقة، ودعواها أنه ﷺ نحلها فدك لم تأت عليها إلا بعلى وأم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة، على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء، وعدم حكمه بشاهد ويمين، إما لعلة كونه ممن لا يراه ككثيرين من العلماء، أو أنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها، وزعمهم أن الحسن والحسين وأم كلثوم شهدوا لها باطل، على أن شهادة الفرع والصغير غير مقبولة، وسيأتي عن الإمام زيد بن الحسن بن على بن الحسين ﵃، أنه صوب ما فعله أبو بكر، وقال: لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به. وفى رواية تأتى في الباب الثانى أن أبا بكر كان رحيما وكان يكره أن يغير شيئا تركه رسول الله ﷺ، ولما قالت: أعطانى فدك، فقال: هل لك","vol":"1","page":237},{"text":"بينة، فشهد لها على وأم أيمن، فقال لها: فبرجل وأمرأة تستحقينها. ثم قال زيد: والله، لو رفع الأمر فيها إلى لقضيت بقضاء أبى بكر ﵁. وعن أخيه الباقر أنه قيل له: أظلمكم الشيخان من حقكم شيئا؟ فقال: لا ومنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ما ظلمنا من حقنا ما يزن حبة خردلة.\nوأخرج الدارقطنى، أنه سئل ما كان يعمل على في سهم ذوى القربى؟ قال: عمل فيه بما عمل أبو بكر وعمر، وكان يكره أن يخالفهما.\nوأما عذر فاطمة في طلبها روايته لها الحديث، فيحتمل أنه لكونها رأت أن خبر الواحد لا يخصص القرآن كما قيل به. فاتضح عذره في المنع وعذرها في الطلب، فلا يشكل عليك ذلك، وتأمله فإنه مهم. ويوضح ما قررناه في هذا المحل حديث البخاري، فإنه مشتمل على نفائس تزيل ما في نفوس القاصرين من شبه وهو: عن الزهرى، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النضرى، أن عمر بن الخطاب دعاه إذ جاءه حاجبه يرفا فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم، فأدخلهم فلبث قليلا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلى يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بينى وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله من بنى النضير، فاستب على وعباس، فقال الرهط: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تكون السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال لا نورث ما تركناه صدقة، يريد بذلك نفسه، قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على على وعباس، فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: نعم.\nقال: فإنى أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره فقال: \" وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ\" إلى قوله \"قَدِيرٌ\"، فكانت هذه خالصة برسول الله ﷺ، ثم والله ما اختارها دونكم ولا استأثر بها عليكم لقد أعطاكموها، وقسمها فيكم حتى بقى هذا المال منها، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقى فيجعله مجعل مال الله فعمل بذلك رسول الله ﷺ حياته، ثم توفى النبي ﷺ فقال أبو بكر ﵁: فأنا ولى رسول الله ﷺ، فقبضه أبو بكر يعمل فيه بما عمل فيه رسول الله ﷺ وأنتم حينئذ، وأقبل على على والعباس وقال: تذكرانى أن أبا بكر كان فيه كما تقولان، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فقلت: أنا ولى رسول الله ﷺ وأبى بكر، فقبضته سنتين من إمارتى أعمل فيه بما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر، والله يعلم أنى فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتمانى كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، فجئتنى يعنى عباسا، فقلت لكما إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر وما عملت فيه منذ وليت، وألا فلا تكلمانى، فقلتما ادفعه","vol":"1","page":238},{"text":"إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان منى قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضى فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه فادفعاه إلى فأنا أكفيكماه.\nقال، فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير، فقال: صدق مالك بن أوس أنا سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول أرسل أزواج النبي ﷺ عثمان إلى أبى بكر يسألنه مما أفاء الله على رسوله ﷺ فكنت أنا أردهن، فقلت لهن: ألا تتقين الله، ألم تعلمن أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا نورث ما تركناه صدقة، يريد بذلك نفسه؛ إنما يأكل آل محمد في هذا المال، فانتهى أزواج النبي ﷺ إلى ما أخبرتهن. قال، فكانت هذه الصدقة بيد على منعها على عباسا، فغلبه عليها، ثم كانت بيد الحسن بن على ﵄، ثم بيد الحسين بن على، ثم بيد على بن الحسين، وحسن بن حسن كلاهما كانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن ﵃، وهى صدقة رسول الله ﷺ حقا. ثم ذكر البخاري بسنده أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال، والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتى.\nفتأمل ما في حديث عائشة والذى قبله تعلم حقيقة ما عليه أبو بكر ﵁، وذلك أن استباب على والعباس صريح في أنهما متفقان على أنه غير إرث، وإلا لكان للعباس سهمه ولعلى سهم زوجته، ولم يكن للخصام بينهما وجه، فخصامهما إنما هو لكونه صدقة وكل منهما يريد أن يتولاها، فأصلح بينهما عمر ﵃ وأعطاه لهما بعد أن بين لهما وللحاضرين السابقين، وهم من أكابر العشرة المبشرين بالجنة أن النبي ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة، وكلهم حتى على والعباس أخبر بأنه يعلم أن النبي ﷺ قال ذلك، فحين إذن أثبت عمر أنه غير إرث ثم دفعه إليهما ليعملا فيه بسنة رسول الله ﷺ","vol":"1","page":239},{"text":"وبسنة أبى بكر، فأخذاه على ذلك وبين لهما أن ما فعله أبو بكر فيه كان فيه صادقا بارًا راشدًا تابعًا للحق، فصدقاه على ذلك. فهل بقى لمعاند بعد ذلك من شبهة؟! فإن زعم بقاء شبهة قلنا يلزمك أن تغلب على الجميع وأخذه من العباس ظلم لأنه يلزم على قولكم بالإرث، أن للعباس فيه حصة، فكيف مع ذلك ساغ لعلى أن يتغلب على الجميع ويأخذه من العباس، ثم كان في يد بنيه وبنيهم من بعده ولم يكن منه شئ في يد بنى العباس، فهل هذا من على وذريته إلا صريح الاعتراف بأنه صدقة، وليس بإرث، وإلا لزم عليه عصيان على وبنيه وظلمهم وفسقهم وحاشاهم الله من ذلك بل هم معصومون عند الرافضة، ونحوهم، فلا يتصور بهم ذنب، فإذا استبدوا بذلك جميعه دون العباس وبنيه علمنا أنهم قائلون بأنه صدقة وليس بإرث، وهذا عين مدعانا، وتأمل أيضا أن أبا بكر منع أزواج النبي ﷺ من ثمنهن أيضا، فلم يخص المنع بفاطمة والعباس ولو كان مداره على محاباة لكان أولى محاباة ولده، فلما لم يحاب عائشة ولم يعطها شيئا علمنا أنه على الحق المر الذي لا يخشى فيه لومة لائم.\nوتأمل أيضا تقرير عمر للحاضرين ولعلى وللعباس بحديث لا نورث وتقرير عائشة لأمهات المؤمنين به أيضا وقول كل منهما ألم تعلموا! يظهر لك من ذلك أن أبا بكر لم ينفرد برواية هذا الحديث، وأن أمهات المؤمنين وعليًا والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد كلهم كانوا يعلمون أن النبي ﷺ قال ذلك، وأن أبا بكر إنما انفرد باستحضاره أولًا، ثم استحضره الباقون، وعلموا أنهم سمعوه منه ﷺ: فالصحابة رضوان الله عليهم لم يعلموا برواية أبى بكر وحدها. ... (ص ٥٧: ٦٠) .\nالشبهة الثانية عشرة\nزعموا أنه من النص التفصيلى على على قوله ﷺ له لما خرج إلى تبوك واستخلفه على المدينة: أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى. قالوا: ففيه دليل على أن جميع المنازل الثابته لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة","vol":"1","page":240},{"text":"لعلى من النبي ﷺ، وإلا لما صح الاستثناء، ومما ثبت لهارون من موسى استحقاقه الخلافه عنه لو عاش بعده إذ كان خليفة في حياته، فلو لم يخلفه بعد مماته لو عاش بعده لكان لنقص فيه، وهو غير جائز على الأنبياء، وأيضا فمن جملة منازله منه أنه كان شريكًا له في الرسالة ومن لازم ذلك وجوب الطاعة لو بقى بعده، فوجب ثبوت ذلك لعلى إلا أن الشركة في الرسالة ممتنعة في حق على، فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبي ﷺ عملا بالدليل بأقصى ما يمكن.\nوجوابها: أن الحديث إن كان غير صحيح كما يقوله الآمدى فظاهر وإن كان صحيحًا كما يقوله أئمة الحديث والمعول في ذلك ليس إلا عليهم، كيف وهو في الصحيحين فهو من قبيل الآحاد وهم لا يروونه حجة في الإمامة، وعلى التنزيل فلا عموم له في المنازل بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أن عليا خليفة عن النبي ﷺ مدة غيبته بتبوك كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة. وقوله: اخلفنى في قومى - لا عموم له حتى يقتضى الخلافة عنه في كل زمن حياته وزمن موته، بل المتبادر منه ما مر أنه خليفة مدة غيبته، وحينئذ فعدم شموله لما بعد وفاة موسى ﵁، إنما هو لقصور اللفظ عنه لا لعزله كما لو صرح باستخلافه في زمن معين، ولو سلمنا تناوله لما بعد الموت، وأن عدم بقاء خلافته بعده عزل له، لم يستلزم نقصا يلحقه؛ بل إنما يستلزم كمالًا له أي كمال لأنه يصير بعده مستقلا بالرسالة والتصرف من الله تعالى، وذلك أعلى من كونه خليفة وشريكًا في الرسالة.\nسلمنا أن الحديث يعم المنازل كلها لكنه عام مخصوص إذ من منازل هارون كونه أخًا نبيًا، والعام المخصوص غير حجة في الباقى أو حجه ضعيفه على الخلاف فيه، ثم نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لو فرض إنما هو للنبوة لا للخلافة عنه، وقد نفيت النبوة هنا لاستحالة كون على نبيا، فيلزم نفى مسببه الذي هو افتراض الطاعة ونفاذ الأمر، فعلم مما تقرر أنه ليس المراد من الحديث - مع كونه آحادا لا يقاوم الإجماع - إلا إثبات بعض المنازل","vol":"1","page":241},{"text":"الكائنه لهارون من موسى، والحديث وسببه سياق يبينان ذلك البعض لما مر أنه إنما قاله لعلى حين استخلفه، فقال على كما في الصحيح: أتخلفنى في النساء والصبيان؟ كأنه استنقص تركه وراءه فقال له: ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ يعنى حيث استخلفه عند توجهه إلى الطور، إذ قال له: اخلفنى في قومى وأصلح، وأيضًا فاستخلافه على المدينة لا يستلزم أولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضًا ولا ندبًا بل كونه أهلًا لها في الجملة، وبه نقول، وقد استخلف ﷺ في مرار أخرى غير على كابن أم مكتوم، ولم يلزم فيه بسبب ذلك أنه أولى بالخلافة بعده.\n\nالشبهة الثالثة عشرة\nزعموا أيضا أن من النصوص التفصيلية الدالة على خلافة على قوله ﷺ لعلى: أنت أخي ووصيى وخليفتى وقاضى دينى - أي بكسر الدال، وقوله: أنت سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، وقوله: سلموا على على بإمرة الناس.\nوجوابها: مر مبسوطا قبيل الفصل الخامس ومنه أن هذه الأحاديث كذب باطلة موضوعة مفتراة عليه ﷺ ألا لعنة الله على الكاذبين، ولم يقل أحد من أئمة الحديث أن شيئا من هذه الأكاذيب بلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها بل كلهم مجمعون على أنها محض كذب وافتراء، فإن زعم هؤلاء الجهلة الكذبه على الله ورسوله وعلى أئمة الإسلام ومصابيح الظلام أن هذه الأحاديث صحت عندهم، قلنا لهم هذا محال في العادة إذ كيف تتفردون بعلم صحة تلك مع أنكم لم تتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث، ويجهل ذلك مهرة الحديث وسباقه الذين أفنوا أعمارهم في الأسفار البعيدة لتحصيله وبذلوا جهدهم في طلبه وفى السعى إلى كل من ظنوا عنده شيئًا منه حتى جمعوا الأحاديث ونقبوا عنها وعلموا صحيحها من سقيمها، ودونوها في كتبهم على غاية من الاستيعاب ونهاية من التحرير، وكيف","vol":"1","page":242},{"text":"والأحاديث الموضوعة جاوزت مئات الألوف وهم مع ذلك يعرفون واضع كل حديث منها وسبب وضعه الحامل لواضعه على الكذب والافتراء على نبيه ﷺ، فجزاهم الله خير الجزاء وأكمله إذ لولا حسن صنيعهم هذا لاستولى المبطلون والمتمردون المفسدون على الدين وغيروا معالمه وخلطوا الحق بكذبهم حتى لم يتميز عنه، فضلوا وأضلوا ضلالًا مبينًا، لكن لما حفظ الله على نبيه ﷺ شريعته من الزيغ والتبديل بل والتحريف، وجعل من أكابر أمته في كل عصر طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم لم يبال الدين بهؤلاء الكذبة البطلة الجهلة، ومن ثم قال ﷺ: تركتكم على الواضحة البيضاء ليلها كنهارها ونهارها كليلها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك، ومن عجيب أمر هؤلاء الجهلة أنا إذا استدللنا عليهم بالأحاديث الصحيحه الدالة صريحًا على خلافة أبى بكر كخبر: اقتدوا باللذين من بعدى وغيره من الأخبار الناصة على خلافته التي قدمتها مستوفاة في الفصل الثالث قالوا: هذا خبر واحد فلا يغنى فيما يطلب فيه\nالتعيين، وإذا أرادوا أن يستدلوا على ما زعموه من النص على خلافة على أتوا بأخبار تدل لزعمهم كخبر من كنت مولاه، وخبر: أنت منى بمنزلة هارون من موسى مع أنها آحاد وإما بأخبار باطلة كاذبة متيقنه البطلان واضحة الوضع والبهتان لا تصل إلى درجة الأحاديث الضعيفة التي هي أدنى مراتب الآحاد، فتأمل هذا التناقض الصريح والجهل القبيح، لكنهم لفرط جهلهم وعنادهم وميلهم عن الحق يزعمون التواتر فيما يوافق مذهبهم الفاسد، وإن أجمع أهل الحديث والأثر على أنه كذب موضوع مختلق، ويزعمون فيما يخالف مذهبهم أنه آحاد، وإن اتفق أولئك على صحته وتواتر رواته تحكمًا وعنادًا وزيغًا عن الحق، فقاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم!\n\nالشبهة الرابعة عشرة\nزعموا أنه لو كان أهلًا للخلافة لما قال لهم أقيلونى أقيلونى لأن الإنسان لا يستقيل من الشىء إلا إذا لم يكن أهلًا له.","vol":"1","page":243},{"text":"وجوابها: منع الحصر فيما عللوا به، فهو من مفترياتهم، وكم وقع للسلف والخلف التورع عن أمورهم لها أهل وزيادة، بل لا تكمل حقيقة الورع والزهد إلا بالإعراض عما تأهل له المعرض، وأما مع عدم التأهل فالإعراض واجب لا زهد، ثم سببه هنا أنه إما خشى من وقوع عجز ما منه عن استيفاء الأمور على وجهها الذي يليق بكماله له، أو أنه قصد بذلك استبانة ما عندهم، وأنه هل فيهم من يود عزله فأبرز ذلك كذلك، فرآهم جميعهم لا يودون ذلك لو أنه خشى من لعنه ﷺ لإمام قوم وهم له كارهون، فاستعلم أنه هل فيهم أحد يكرهه أو لا - والحاصل أن زعم ذلك يدل على عدم أهليته غاية في الجهالة والغباوة والحمق فلا ترفع بذلك رأسًا.\n\nالشبهة الخامسة عشرة\nزعموا أيضًا أن عليًا إنما سكت عن النزاع في أمر الخلافة لأن النبي ﷺ أوصاه أن لا يوقع بعده فتنة ولا يسل سيفًا..\nوجوابها: أن هذا افتراء كذب وحمق وجهالة مع عظيم الغباوة عما يترتب عليه، إذ كيف يعقل مع هذا الذي زعموه أنه جعله إمامًا واليًا على الأمة بعده ومنعه من سل السيف على من امتنع من قبول الحق؟ ولو كان ما زعموه صحيحًا لما سل على السيف في حرب صفين وغيرها، ولما قاتل بنفسه وأهل بيته وشيعته وجالد وبارز الألوف منهم وحده وأعاذه الله من مخالفة وصية رسول الله ﷺ، وأيضًا فكيف يتعقلون أنه ﷺ يوصيه بعدم سل السيف على من يزعمون فيهم أنهم يجاهرون بأقبح أنواع الكفر مع ما أوجبه الله من جهاد مثلهم.\nقال بعض أئمة أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة: وقد تأملت كلماتهم فرأيت قومًا أعمى الهوى بصائرهم، فلم يبالوا بما ترتب على مقالاتهم من المفاسد. ألا ترى إلى قولهم: إن عمر قاد عليًا بحمائل سيفه وحصر فاطمة فهابت، فأسقطت ولدا اسمه المحسن، فقصدوا بهذه الفرية القبيحة والغباوة التي","vol":"1","page":244},{"text":"أورثتهم العار والبوار والفضيحة وإيغار الصدور على عمر ﵁، ولم يبالوا بما يترتب على ذلك من نسبة على ﵁ الى الذل والعجز والخور بل ونسبة جميع بنى هاشم وهم أهل النخوة والنجدة والأنفة إلى ذلك العار اللاحق بهم الذي لا أقبح منه عليهم، بل ونسبة جميع الصحابة ﵃ إلى ذلك، وكيف يسع من له أدنى ذوق أن ينسبهم إلى ذلك مع ما استفاض وتواتر عنهم من غيرتهم لنبيهم ﷺ وشدة غضبهم عند انتهاك حرماته حتى قاتلوا وقتلوا الآباء والأبناء في طلب مرضاته لا يتوهم إلحاق أدنى نقص أو سكوت على باطل بهؤلاء العصابة الكمل الذين طهرهم الله من كل رجس ودنس ونقص على لسان نبيه في الكتاب والسنة، كما قدمته في المقدمة الأولى أول الكتاب - بواسطة صحبتهم له ﷺ وموته وهو عنهم راض وصدقهم في محبته واتباعه إلا عبدًا أضله الله وخذله فباء منه تعالى بعظيم الخسار والبوار، وأحله الله تعالى نار جهنم وبئس القرار. نسأل الله السلامة آمين. ... (ص ٧٣: ٧٧) .\nوبعد أن دحض شبهات الرافضة انتقل إلى الباب الثانى (ص ٧٨) وجعل عنوانه:\n\" فيما جاء عن أكابر أهل البيت من مزيد الثناء على الشيخين ليعلم براءتهما مما يقول الشيعة والرافضة من عجائب الكذب والافتراء، وليعلم بطلان ما زعموه من أن عليا إنما فعل ما أثر عنه تقية ومداراة وخوفًا، وغير ذلك من قبائحهم \".\nويقع هذا الباب في ثمان صفحات، يحسن قراءتها، ولولا الإطالة لنقلتها كاملة، وأكتفى هنا بما ختم به هذا الباب (ص ٨٥) حيث قال:\n\" فهذه أقاويل المعتبرين من أهل البيت رواها عنهم الأئمة الحفاظ الذين عليهم المعول في معرفة الأحاديث والآثار، وتمييز صحيحها من سقيمها بأسانيدهم المتصلة، فكيف يسمح المتمسك بحبل أهل البيت، ويزعم حبهم أن يعدل عما قالوه","vol":"1","page":245},{"text":"من تعظيم أبى بكر وعمر واعتقاد حقية خلافتهما، وما كانا عليه. وصرحوا بتكذيب من نقل عنهم خلافه، ومع ذلك يرى أن ينسب إليهم ما تبرءوا منه ورأوه ذمًا في حقهم حتى قال زين العابدين على بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فوالله ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا، وفى رواية حتى نقصتمونا إلى الناس. أي بسبب ما نسبوه إليهم مما هم براء منه، فلعن الله من كذب على هؤلاء الأئمة ورماهم بالزور والبهتان\"أهـ\nواستمر صاحب الصواعق فجعل الباب الثالث عنوانه:\n\" في بيان أفضلية أبى بكر على سائر هذه الأمة، ثم عمر، ثم عثمان، ثم، على، وفى ذكر فضائل أبى بكر الواردة فيه وحده أو مع عمر أو مع الثلاثة أو مع غيرهم. وفيه فصول \".\nوجعل عنوان الفصل الأول:\n\" في ذكر أفضليتهم على هذا الترتيب، وفى تصريح على بأفضلية الشيخين على سائر الأمة، وفى بطلان ما زعمه الرافضة الشيعة من أن ذلك منه قهر وتقية \".\nوقال: \" اعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق، ثم عمر. ثم اختلفوا، فالأكثرون: ومنهم الشافعى وأحمد وهو المشهور عن مالك أن الأفضل بعدهما عثمان، ثم على، وجزم الكوفيون ومنهم سفيان الثوري بتفضيل على على عثمان، وقيل: بالوقف عن التفاضل بينهما، وهو رواية عن مالك، فقد حكى أبو عبد الله المازرى عن المدونة: أن مالكًا ﵀ سئل أي الناس أفضل بعد نبيهم؟ فقال: أبو بكر، ثم عمر، ثم قال: أو في ذلك شك؟ فقيل له: وعلى وعثمان؟ فقال: ما أدركت أحدا ممن","vol":"1","page":246},{"text":"اقتدى به يفضل أحدهما على الآخر. انتهى، وقوله ﵁: أو في ذلك شك؟ يريد ما يأتي عن الأشعرى أن تفضيل أبى بكر، ثم عمر على بقية الأمة قطعى، وتوقفه هذا رجع عنه، فقد حكى القاضى عياض عنه: أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان. قال القرطبى: وهو الأصلح إن شاء الله تعالى ... إلخ\" (ص ٢٨٦) .\nواستمر ابن حجر في حديثه بإثبات ما جعله عنوانًا لهذا الفصل، وقال:\n\" إن أفضلية أبى بكر ثبتت بالقطع حتى عند غير الأشعرى أيضًا بناء على معتقد الشيعة والرافضة، وذلك لأنه ورد عن على - وهو معصوم عندهم والمعصوم لا يجوز عليه الكذب - أن أبا بكر وعمر أفضل الأمة. قال الذهبي: وقد تواتر ذلك عنه في خلافته وكرسى مملكته وبين الجم الغفير من شيعته. ثم بسط الأسانيد الصحيحه في ذلك، قال: ويقال رواه عن على نيف وثمانون نفسًا. وعدد منهم جماعة، ثم قال: فقبح الله الرافضة ما أجهلهم! انتهى.\nومما يعضد ذلك ما في البخاري عنه أنه قال: خير الناس بعد النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر ﵄، ثم رجل آخر. فقال ابنه محمد بن الحنفيه: ثم أنت، فقال: إنما أنا رجل من المسلمين، وصحح الذهبي وغيره طرقًا أخرى عن على بذلك، وفى بعضها: ألا وإنه بلغنى أن رجالًا يفضلونى عليهما، فمن وجدته فضلنى عليهما فهو مفتر، عليه ما على المفترى. ألا ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت، ألا وإنى أكره العقوبة قبل التقدم.\nوأخرج الدار قطنى عنه: لا أجد أحدًا فضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى. وصح عن مالك، عن جعفر الصادق، عن أبيه الباقر، أن عليا ﵁ وقف على عمر بن الخطاب وهو مسجى، وقال: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أحدًا أحب إلى أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى (ص ٩٠ - ٩١) .","vol":"1","page":247},{"text":"ثم قال: ومما يلزم من المفاسد والمساوئ والقبائح العظيمة على ما زعموه من نسبة على إلى التقية أنه كان جبانًا ذليلًا مقهورًا. أعاذه الله من ذلك، وحروبه للبغاة لما صارت الخلافة له ومباشرته ذلك بنفسه ومبارزته للألوف من الأمور المستفيضه والتي تقطع بكذب ما نسبه إليه أولئك الحمقى والغلاة؛ إذ كانت الشوكة من البغاة قوية جدا، ولا شك أن بنى أمية كانوا أعظم قبائل قريش شوكة وكثرة جاهلية وإسلاما، وقد كان أبو سفيان بن حرب ﵁ هو قائد المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب وغيرهما، وقد قال لعلى لما بويع أبو بكر ما مر آنفا فرد عليه ذلك الرد الفاحش. وأيضا فبنو تميم ثم بنو عدى قوما الشيخين من أضعف قبائل قريش، فسكوت على لهما مع أنهما كما ذكر وقيامه بالسيف على المخالفين لما انعقدت البيعة له مع قوة شكيمتهم أوضح دليل على أنه كان دائرًا مع الحق حيث دار، وأنه من الشجاعة بالمحل الأسنى، وأنه لو كان معه وصيه من رسول الله ﷺ في أمر القيام على الناس لأنفذ وصية رسول الله ﷺ ولو كان السيف على رأسه مسلطًا، لا يرتاب في ذلك إلا من اعتقد فيه ﵁ ما هو بريء منه.\nومما يلزم أيضا على تلك التقيه المشؤومة عليهم أنه ﵁ لا يعتمد على قوله قط؛ لأنه حيث لم يزل في اضطراب من أمره، فكل ما قاله يحتمل أنه خالف فيه الحق خوفا وتقية. ذكره شيخ الإسلام الغزالى. قال غيره: بل يلزمهم ما هو أشنع من ذلك، وأقبح؛ كقولهم: إن النبي ﷺ لم يعين الإمامة إلا لعلى، فمنع من ذلك وقال: مروا أبا بكر تقية! فيتطرق احتمال ذلك إلى كل ما جاء عنه ﷺ، ولا يفيد حينئذ إثبات العصمة شيئًا.\nوأيضا فقد استفاض عن على ﵁ أنه كان لا يبالى بأحد حتى قيل للشافعى ﵁ ما نفر الناس عن على إلا أنه كان لا يبالى بأحد، وقال الشافعى: أنه كان زاهدًا لا يبالى بالدنيا وأهلها، وكان عالمًا والعالم لا يبالى","vol":"1","page":248},{"text":"بأحد، وكان شجاعًا والشجاع لا يبالى بأحد، وكان شريفا والشريف لا يبالى بأحد. أخرجه البيهقي.\nوعلى تقدير أنه قال ذلك تقية، فقد أبقى مقتضيها بولايته، وقد مر عنه من مدح الشيخين فيها وفى الخلوة وعلى منبر الخلافة مع غاية القوة والمنعة ما تلى عليك قريبًا فلا تغفل.\nوأخرج أبو ذر الهروى والدار قطنى من طرق، إن بعضهم مر بنفر يسبون الشيخين فأخبر عليا، وقال: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا ما اجترءوا على ذلك، فقال على: أعوذ بالله، رحمهما الله، ثم نهض فأخذ بيد ذلك المخبر وأدخله المسجد، وصعد المنبر، ثم قبض على لحيته وهى بيضاء، وجعلت دموعه تتحادر على لحيته، وجعل ينظر البقاع حتى اجتمع الناس، ثم خطب خطبة بليغة من جملتها: ما بال أقوام يذكرون أخوى رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدى قريش وأبوى المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون وعليه معاقب، صحبا رسول الله ﷺ بالجد والوفاء والجد في أمر الله، يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان، لا يرى رسول الله ﷺ كرأيهما رأيا ولا يحب كحبهما حبًا لما يرى من عزمهما في أمر الله، فقبض وهو عنهما راض، والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله ﷺ وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك فرحمهما الله، فوالذى فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقى مارق. حبهما قربة وبغضهما مروق. ثم ذكر أمر النبي ﷺ لأبى بكر بالصلاة وهو يرى مكان على، ثم ذكر أنه بايع أبا بكر، ثم ذكر استخلاف أبى بكر لعمر، ثم قال: ألا ولا يبلغنى عن أحد أنه يبغضهما إلا جلدته حد المفترى، وفى رواية: وما اجترءوا على ذلك أي سب الشيخين - إلا","vol":"1","page":249},{"text":"وهم يرون أنك موافق لهم منهم عبد الله بن سبأ (١)،\nوكان أول من أظهر ذلك، فقال على: معاذ الله أن أضمر لهما ذلك. لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، وسترى ذلك إن شاء الله، ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيره إلى المدائن وقال: لا يساكننى في بلدة أبدا، قال الأئمة: وكان ابن سبأ هذا يهوديا فأظهر الإسلام وكان كبير طائفة من الروافض وهم الذين أخرجهم على ﵁ لما ادعوا فيه الألوهية.\nوأخرج الدارقطنى من طرق أن عليًا بلغه أن رجلًا يعيب أبا بكر وعمر فأحضره وعرض له بعيبهما لعله يعترف ففطن، فقال له: أما والذى بعث محمدًا ﷺ بالحق أن لو سمعت منك الذي بلغنى أو الذي نبئت عنك وثبت عليك ببينة لأفعلن بك كذا وكذا.\nإذا تقرر ذلك، فاللائق بأهل البيت النبوي اتباع سلفهم في ذلك، والإعراض عما يوشيه إليهم الرافضة وغلاة الشيعة من قبيح الجهل والغباوة والعناد، فالحذر الحذر عما يلقونه إليهم من أن كل من اعتقد تفضيل أبى بكر علَى علِىّ ﵄ كان كافرًا، لأن مرادهم بذلك أن يقرروا عندهم تكفير الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وعلماء الشريعة وعوامهم، وأنه لا مؤمن\n_________\n(١) ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق أن \" أصله من اليمن وابن أمة سوداء، وكان يهوديا فأظهر الإسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر ودخل دمشق لذلك..وأفاض فيه ابن جرير في تاريخه وهو الذي قال بالنص على الخلافة في على وأبنائه وأحدث القول برجعة على، وأنه فيه الجزء الإلهي وأنه هوالذى يجئ في السحاب - قال المقريزى: ومن ابن سبأ تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة ـوذكر أنه كان يتنقل من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريد إضلالهم، فلم يطق ذلك فرجع إلى كيد الإسلام وأهله، ونزل البصرة سنة ثلاث وثلاثين، فطرده عبد الله بن عامر منها لسوء مقالته، فخرج إلى الكوفة، فأخرج منها، فنزل بمصر واستقر بها وبث دعاته في الأمصار، وكاتب من مال إليه منهم بالعيب في ولاتهم. انظر \" من عبر التاريخ للكوثرى \". وراجع ما سبق عن ابن سبأ في بداية الجزء الأول.","vol":"1","page":250},{"text":"غيرهم، وهذا مؤد إلى هدم قواعد الشريعة من أصلها، وإلغاء العمل بكتب السنة وما جاء عن النبي ﷺ وعن صحابته وأهل بيته؛ إذ الراوي لجميع آثارهم وأخبارهم وللأحاديث بأسرها بل والناقل للقرآن في كل عصر من عصر النبي ﷺ وإلى هلم، هم الصحابة والتابعون وعلماء الدين. إذ ليس لنحو الرافضة رواية ولا دراية يدرون بها فروع الشريعة، وإنما غاية أمرهم أن يقع في خلال بعض الأسانيد من هو رافضي أو نحوه. والكلام في قبولهم معروف عند أئمة الأثر ونقاد السنة، فإذا قدحوا فيهم قدحوا في القرآن والسنة وأبطلوا الشريعة رأسا، وصار الأمر كما في زمن الجاهلية الجهلاء، فلعنة الله وأليم عقابه وعظائم نقمته على من يفترى على الله وعلى نبيه بما يؤدى إلى إبطال ملته وهدم شريعته ... إلخ \".\n\nويأتى الفصل الثانى من هذا الباب وعنوانه: \" في ذكر فضائل أبى بكر الواردة فيه وحده وفيه آيات وأحاديث \" (ص ٩٨) . ويذكر اثنتى عشرة آية كريمة (ص ٩٨: ١٠٢)، ثم قال: \" وأما الأحاديث: فهى كثيرة مشهورة \" وأثبت عشرات الأحاديث الشريفة.\nويطول الأمر كثيرا إذا أردنا أن نثبت ما جاء في هذا الكتاب متصلا بموضوعنا، إذن لنقلناه كله أو جله، ولهذا أكتفى هنا بإثبات آخر باب جعله قبل خاتمة الكتاب، وعنوان الباب هو \" في التخيير والخلافة \" (٣٧٢) وتحت العنوان جاء ما يأتي:\nوكان خير الناس بعده وبعد المرسلين أبا بكر الصديق ﵁، وقد تواترت بذلك الأحاديث المستفيضه الصحيحة التي لا تعتل، المرويةٍ في الأمهات والأصول المستقيمة، التي ليست بمعلولة ولا سقيمه. قال سبحانه: ... \"","vol":"1","page":251},{"text":"وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ \" فنعته بالفضل. ولا خلاف أن ذلك فيه رضوان الله عليه، وقال سبحانه: \" ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ\" فشهدت له الربوبيه بالصحبة وبشره بالسكينه وحلاه بثانى اثنين. كما قال على كرم الله وجهه: من يكون أفضل من اثنين الله ثالثهما. وقال سبحانه: \" وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ \"، لا خلاف وهو قول جعفر الصادق رضوان الله عليه، وقول على كرم الله وجهه، إن الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ والذى صدق به أبو بكر. وأي منقبه أبلغ من هذا، ولما أخبرنا ﷾: أنه لا يستوى السابقون ومن بعدهم بقوله ﷾: \" لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى \"والخبر في البخاري مسطور: أن عقبة بن أبى معيط وضع رداء رسول الله ﷺ في عنقه وخنقه به، فأقبل أبو بكر يعدو حول الكعبة ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله؟ قال: فترك رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبى بكر فضربوه حتى لم يعرف أنفه من وجهه، فكان أول من جاهد وقاتل ونصر دين الله، وأنه الشخص الذي به قام الدين وظهر، وهو أول القوم إسلاما، وذلك ظاهر جلى.\nوقال جابر بن عبد الله الأنصارى: كنا ذات يوم على باب رسول الله ﷺ نتذاكر الفضائل فيما بيننا إذ أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: أفيكم أبو بكر؟ قالوا: لا، قال: لا يفضلن أحد منكم على أبى بكر، فإنه أفضلكم في الدنيا والآخرة.\nوخبر أبى الدرداء المشهور قال: رآنى رسول الله ﷺ وأنا أمشى أمام أبى بكر، وقال: يا أبا الدرداء أتمشى أمام من هو خير منك؟ ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبى بكر. ومن وجه آخر: أتمشى بين يدى من هو خير منك؟ فقلت يا رسول الله: أبو بكر خير منى؟ قال: ومن أهل مكة جميعًا، قلت يا رسول الله: أبو بكر خير منى ومن أهل مكة جميعًا؟ قال: ومن أهل المدينة جميعًا، قلت: يا رسول الله: أبو بكر خير منى ومن أهل الحرمين؟ قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء بعد النبيين والمرسلين خيرا وأفضل من أبى بكر.\nونذكر في كثير منها تخيير عمر بعده ثم عثمان ثم على.\nفمن ذلك خبر أبى عقال قد رواه مالك، وقد سأل عليا كرم الله وجهه وهو على المنبر: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم أنا، وإلا فصمت أذنأي إن لم أكن سمعته من رسول الله ﷺ، وإلا فعميت وأشار إلى عينيه إن لم أكن رأيته - يعنى رسول الله ﷺ يقول: ما طلعت الشمس ولا","vol":"1","page":252},{"text":"غربت على رجلين أعدل ولا أفضل - وروى ولا أزكى ولا خيرًا - من أبى بكر وعمر.\nوقد روى محمد بن الحنفية قال: سألت والدى عليًا وأنا في حجره، فقلت: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر، ثم حملتنى حداثة سنى قلت: ثم أنت يا أبتى؟ قال: أبوك رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم.\nوخبر أبى هريرة عن رسول الله ﷺ: أبو بكر وعمر خير أهل السماء وخير أهل الأرض، وخير الأولين، وخير الآخرين إلا النبيين والمرسلين. وقال ﷺ: على وفاطمة والحسن والحسين أهلي، وأبو بكر وعمر أهل الله وأهل الله خير من أهلي. وقال ﷺ: لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان الأمة لرجح.\nوخبر عمار بن ياسر ﵁ المشهور قال: قلت يا رسول الله: أخبرني عن فضائل عمر. فقال: يا عمار لقد سألتنى عما سألت عنه جبريل عليه","vol":"1","page":253},{"text":"السلام، فقال لي يا محمد: لو مكثت معك ما مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا أحدثك في فضائل عمر ما نفذت، وإن عمر لحسنة من حسنات أبى بكر، وقال: قال لي ربى ﷿: لو كنت متخذا بعد أبيك إبراهيم خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولو كنت متخذًا بعدك حبيبا لاتخذت عمر حبيبًا. نقل ذلك من تفسير القرآن العظيم للبغوى رحمه الله تعالى في آخر سورة الحشر في قوله تعالى:\n\" وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ \" يعنى التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان بالمغفرة فقال: \"يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا \" -غشًا وحسدًا وبغضًا - \" لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ \" فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية؛ لأن الله رتب المؤمنين على ثلاث منازل: ... المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجا من أقسام المؤمنين.\nقال ابن أبى ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرون، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل.\nأخبرنا أبو سعيد الشريحى، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبى، أنبأنا عبد الله بن جليد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا ابن نمير، حدثنا أبى، عن إسماعيل ابن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة قالت: أمرتم","vol":"1","page":254},{"text":"بالاستغفار لأصحاب النبي ﷺ فسببتموهم، سمعت نبيكم ﷺ يقول: \" لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها \".\nقال مالك بن معرور، قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة؛ سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ فقالت: أصحاب موسى ﵁، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ فقالت: حوارى عيسى ﵁، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ!! أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة لا تقوم لهم حجة ولا يثبت لهم قدم ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وادحاض حججهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة.\nقال مالك بن أنس: من ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ، أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فىء، ثم تلا:\n\" مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ\" حتى أتى هذه الآية:\n\" لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ \" \"وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ \" \" وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ\" إلى قوله \" رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ\".\nنقل البغوى ﵀ في قوله: \" ثَانِيَ اثْنَيْنِ \" قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: أنت صاحبى في الغار وصاحبى على الحوض.\nقال الحسن بن الفضيل: من قال إن أبا بكر ﵁ لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر لإنكار نص القرآن، وفى سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعًا لا كافرًا.","vol":"1","page":255},{"text":"والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا.\n*****\nتعقيب\nأطلت إلى حد ما في النقل من كتاب الصواعق المحرقة ليستبين منهج الرافضي صاحب المراجعات، وجرأته على الباطل وتزييف الحقائق، فصاحب الصواعق إنما أراد أن يحرق أمثاله، فإذا به يأخذ من الصواعق لإحقاق باطله وإبطال ما أجمعت عليه الأمة، وثبت بالنصوص القاطعة، وذلك بمنهج ليس له أدنى صلة بالمنهج العلمى.\nولذلك لسنا في حاجة بعد هذا للوقوف أمام نقوله الكثيرة من هذين الكتابين:\nفنهج البلاغة بغير إسناد ولشاعر رافضى جلد هو نفسه غير ثقة لو أسند. فكيف بانقطاع أربعة قرون؟!، كما أن في الكتاب ما يتعارض مع النصوص القطعية الثابتة عن على رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومالا يمكن أن يصدر إلا من الرافضة!\nوأما الصواعق المحرقة فصاحب الكتاب أفاض وأسهب في بيان بطلان ما ذهب إليه الشيعه والرافضة، فهو يبطل إذن ما أراده صاحب كتاب المراجعات بالقرآن المجيد، والسنة المطهرة الثابتة.\nوأثبت في هذا التعقيب ما ذكره ابن حجر في الصواعق (ص ٦٩)، وهو ما أخرجه البيهقي عن الإمام الشافعى قال:\n\" ما من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة \".\nأما أهل السنة فمنهجهم يوضحه الإمام أحمد بن حنبل بقوله:\n\" إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا \".","vol":"1","page":256},{"text":"وإذا نظرنا في مسند الإمام أحمد نجد تساهله لا ينزل عن درجة الضعيف إلا في الأخبار القليلة المختلف فيها، حيث عدها ابن الجوزي في الأحاديث الموضوعة، ورد عليه الحافظ ابن حجر العسقلانى.\nأما ابن حجر الهيتمى في صواعقه فقد أكثر من ذكر أسباب النزول والأحاديث والآثار، ومنها الصحيح والضعيف والموضوع ومالا أصل له، ومنها الصريح وغير الصريح في الدلاله. وقد بين أن الأحاديث الصحيحة التي يحتج بها الشيعة والرافضة ليست صريحة، ويعارضها الصريح من الصحيح، بل المتواتر أحيانا. أما الروايات الصريحة التي يحتجون بها فليس منها ما يصل إلى درجة الصحيح أو الحسن، ومعظمها روايات باطلة موضوعة مكذوبة، وقد نجد فيها ما يصل إلى درجة الضعيف، وكل هذا يعارضه ما سبق ذكره من المتواتر والصحيح.\nومنهج الشيعي الرافضي في مراجعاته أن يذكر من كتاب الصواعق ما يحتج به الروافض متجاهلا بطلانه، وتواتر وصحة ما يعارضه كما بين صاحب الصواعق هو نفسه! ثم ينسب زورا للشيخ البشرى إقراره بل إعجابه بهذا الباطل!\nأكرر هنا ما قاله الإمام الشافعى: \" ما من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة \".\nوجاء في حاشية ص ٤٣ من الصواعق: ذكر الفخر الرازى أنه لم ينقل عن على ذكر النص في شئ من خطبه، ولا نعرفه إلا عن الكذابين، ولو كان موجودا لعلمناه ولاشتهر.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الطرق التي يعلم بها كذب المنقول</span>\nفي مناقشة شيخ الإسلام ابن تيمية للرافضى ابن المطهر الحلى بين بيانا شافيا الطرق التي يعلم بها كذب المنقول، وذلك في الجزء السابع من كتابه (ص٤٣٧: ٤٧٩) وما ذكره شيخ الإسلام في غاية الأهمية، وعلى الأخص بالنسبة لغير علماء الحديث والمتخصصين، ولهذا رأيت أن أجعل كلامه القيم ختاما لهذا الفصل. قال رحمه الله تعالى وأنزله الفردوس الأعلى:\n\nفصل\nفي الطرق التي يعلم بها كذب المنقول.\nمنها: أن يروى خلاف ما علم بالتواتر والاستفاضة، مثل أن نعلم أن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، واتبعه طوائف كثيرة من بنى حنيفة، فكانوا مرتدين لإيمانهم بهذا المتنبئ الكذاب، وأن أبا لؤلؤة قاتل عمر كان مجوسيا كافرا، وأن الهرمزان كان مجوسيا أسلم، وأن أبا بكر كان يصلى بالناس مدة مرض رسول الله ﷺ، ويخلفه في الإمامة بالناس لمرضه، وأن أبا بكر وعمر دفنا في حجرة عائشة مع النبي ﷺ، ومثل ما يعلم من غزوات النبي ﷺ التي كان فيها القتال كبدر ثم أحد ثم الخندق ثم خيبر ثم فتح مكة ثم غزوة الطائف، والتى لم يكن فيها قتال كغزوة تبوك وغيرها، وما نزل من القرآن في الغزوات، كنزول الأنفال بسبب بدر، ونزول آخر آل عمران بسبب أحد، ونزول أولها بسبب نصارى نجران، ونزول سورة الحشر بسبب بنى النضير، ونزول الأحزاب بسبب الخندق، ونزول سورة الفتح بسبب صلح الحديبية، ونزول براءة بسبب غزوة تبوك، وغيرها وأمثال ذلك.","vol":"1","page":258},{"text":"فإذا روى في الغزوات - وما يتعلق بها ما يعلم أنه خلاف الواقع، علم أنه كذب، مثل ما يروى هذا الرافضي، وأمثاله من الرافضة وغيرهم، من الأكاذيب الباطلة الظاهرة في الغزوات، كما تقّدم التنبيه عليه، ومثل أن يُعلم نزول القرآن في أي وقت كان، كما يعلم أن سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال وبراءة نزلت بعد الهجرة في المدينة، وأن الأنعام والأعراف ويونس وهود ويوسف والكهف وطه ومريم واقتربت الساعة وهل أتى على الإنسان وغير ذلك نزلت قبل الهجرة بمكة، وأن المعراج كان بمكة، وأن الصفٌةَّ كانت بالمدينة، وأن أهل الصفة كانوا من جملة الصحابة الذين لم يقاتلوا النبي ﷺ ولم يكونوا ناسًا معينين، بل كانت الصفة منزلا ينزل بها من لا أهل له من الغرباء القادمين، وممن دخل فيهم سعد بن أبى وقاص وأبو هريرة وغيرهما من صالحى المؤمنين، وكالعريين الذين ارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي ﷺ في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقاهم في الحرة يستسقون، فلا يسقون وأمثال ذلك من الأمور المعلومة.\nفإذا روى الجاهل نقيض ذلك علم أنه كذب.\nومن الطرق التي يُعلم بها الكذب أن ينفرد الواحد والاثنان بما يعلم أنه لو كان واقعا لتوفرت الهمم والدواعى على نقله؛ فإنه من المعلوم أنه لو أخبر الواحد لبلد عظيم بقدر بغداد والشام والعراق لعلمنا كذبه في ذلك، لأنه لو كان موجودا لأخبر به الناس.\nوكذلك لو أخبرنا بأنه تولى رجل بين عمر وعثمان، أو تولّى بين عثمان وعلى، أو أخبرنا بأن النبي ﷺ كان يؤذن له في العيد، أو في صلاة الكسوف أو الاستسقاء، أو أنه كان يقام بمدينته يوم الجمعة أكثر من جمعة واحدة، أو يصلى يوم العيد أكثر من عيد واحد، أو أنه كان يصلى العيد بمنى يوم العيد، أو أن أهل مكة كانوا يتمون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى خلفه، أو أنه كان يجمع بين الصلاتين بمنى كما كان يقصر، أو أنه فرض صوم شهر آخر غير رمضان، أو","vol":"1","page":259},{"text":"أنه فرض صلاة سادسة وقت الضحى أو نصف الليل، أو أنه فرض حج بيت آخر غير الكعبة، أو أن القرآن عارضه طائفة من العرب أو غيرهم بكلام يشابهه، ونحو هذه الأمور - لكنا نعلم كذب هذا الكاذب، فإنا نعلم انتفاء هذه الأمور بانتفاء لازمها، فإن هذه لو كانت مما يتوفر الهمم والدواعى على نقلها عامة لبنى آدم، وخاصة لأمتنا شرعا، فإذا لم ينقلها أحد من أهل العلم، فضلا عن أن تتواتر، علم أنها كذب.\n\nومن هذا الباب نقل النص على خلافة علىّ، فإنّا نعلم أنه كذب من طرق كثيرة؛ فإن هذا النص لم ينقله أحد (من أهل العلم) بإسناد صحيح، فضلا عن أن يكون متواترا، ولا نقل أن أحدا ذكره على عهد الخلفاء، مع تنازع الناس في الخلافة وتشاورهم فيها يوم السقيفة، وحين موت عمر، وحين جعل الأمر شورى بينهم في ستة، ثم لما قتل عثمان واختلف الناس على على فمن المعلوم أن مثل هذا النص لو كان كما تقوله الرافضة من أنه نص على على نصا جليا قاطعا للعذر علمه المسلمون، لكان من المعلوم بالضرورة أنه لابد أن ينقله الناس نقل مثله، وأنه لابد أن يذكره لكثير من الناس، بل أكثرهم في مثل هذه المواطن التي تتوفر الهمم على ذكره فيها غاية التوفر، فانتفاء ما يعلم أنه لازم يقتضى انتفاء ما يعلم أنه ملزوم، ونظائر ذلك كثيرة.\nففي الجملة الكذب هو نقيض الصدق، وأحد النقيضين يعلم انتفاؤه تارة بثبوت نقيضه، وتارة بما يدل على انتفائه بخصوصه.\nوالكلام مع الشيعة أكثره مبنى على النقل، فمن كان خبيرا بما وقع وبالأخبار الصادقة التي توجب العلم اليقينى علم انتفاء ما يناقض ذلك يقينا، ولهذا ليس في أهل العلم بالأحاديث النبوية إلا ما يوجب العلم بفضل الشيخين وصحة إماماتهما، وكذب ما تدعيه الرافضة.","vol":"1","page":260},{"text":"ثم كل من كان أعلم بالرسول وأحواله، كان أعلم ببطلان مذهب الزيدية وغيرهم، ممن يدّعى نصًا خفيًا، وأن عليا كان أفضل من الثلاثة، أو يتوقف في التفضيل؛ فإن هؤلاء إنما وقعوا في الجهل المركّب أو البسيط لضعف علمهم بما علمه أهل العلم بالأحاديث والآثار.\nفصل\nواعلم أنه ثم أحاديث أُخر لم يذكرها هذا الرافضي، لو كانت صحيحة لدلت على مقصوده، وفيها ما هو أدل من بعض ما ذكره، لكنها كلها كذب.\nوالناس قد رووا أحاديث مكذوبة في فضل أبى بكر وعمر وعثمان وعلىّ ومعاوية ﵃ وغيرهم، لكن المكذوب في فضل على أكثر، لأن الشيعة أجرأ على الكذب من النواصب.\nقال أبو الفرج ابن الجوزي: \" فضائل علىّ الصحيحة كثيرة، غير أن الرافضة لم تقتنع فوضعت له ما يضع لا ما يرفع، وحوشيت حاشيته من الاحتياج إلى الباطل \".\nقال: \" فاعلم أن الرافضة ثلاثة أصناف: صنف منهم سمعوا أشياء من الحديث فوضعوا أحاديث وزادوا ونقصوا. وصنف لم يسمعوا فتراهم يكذبون على جعفر الصادق، ويقولون: قال جعفر، وقال فلان. وصنف ثالث عوام جهله يقولون ما يريدون مما يسوغ في العقل ومما لا يسوغ \".\nفمن أماثل الموضوعات ما رواه ابن الجوزي من طريق النسائي في كتابه الذي وضعه في خصائص على من حديث عبيد الله بن موسى، حدثنا العلاء ابن صالح، عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي قال: قال علىّ ﵁: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، وأنا الصديقِّ الأكبر، لا يقولها بعدى إلا كاذب، صليت قبل الناس سبع سنين \" ورواه أحمد في \" الفضائل \" وفى رواية له: \" ولقد أسلمت قبل الناس بسبع سنين \".\nورواه من حديث العلاء بن صالح أيضا عن المنهال عن عباد.","vol":"1","page":261},{"text":"قال أبو الفرج: \" هذا حديث موضوع والمتهم به عباد بن عبد الله. قال على بن المديني: كان ضعيف الحديث \". وقال أبو الفرج: \" حماد الأزدى: روى أحاديث لا يتابع عليها. وأما المنهال فتركه شعبه. قال أبو بكر الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث علىّ: \" أنا عبد الله وأخو رسول الله \" فقال: اضرب عليه فإنه حديث منكر \".\nقلت: وعباد يروىُ من طريقه عن علىّ ما يُعلم أنه كذب عليه قطعا، مثل هذا الحديث؛ فإنّا نعلم أن عليا كان أبرَّ وأصدق وأتقى لله من أن يكذب ويقول مثل هذا الكلام، الذي هو كذب ظاهر معلوم بالضروره أنه كذب. وما علمنا أنه كذب ظاهر لا يشتبه، فقد علمنا أن عليًا لم يقله، لعلمنا بأنه أتقى لله من أن يتعمد هذا الكذب القبيح، وأنه ليس مما يشتبه حتى يخطئ فيه، فالناقل عنه إما متعمد الكذب وإما مخطئ غالط، وليس قدح المبغض لعلى من الخوارج والمتعصبين لبنى مروان وغيرهم مما يشككنا في صدقه وبره وتقواه، كما أنه ليس قدح الرافضة في أبى بكر وعمر، بل وقدح الشيعة في عثمان، لا يشككنا في العلم بصدقهم وبرهم وتقواهم، بل نحن نجزم بأن واحدا منهم لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ، ولا هو فيما دون ذلك.\nفإذا كان المنقول عنه مما لا يغلط في مثله، وقد علمنا أنه كذب، جزمنا بكذب الناقل متعمدا أو مخطئا.\nمثل ما رواه عبد الله في \" المناقب \": حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، عن على. وحدثنا أبو خثيمة، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي عن على قال: لما نزلت: ... \" وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ \" (سورة الشعراء: ٢١٤) دعا رسول الله ﷺ","vol":"1","page":262},{"text":"رجالا من أهل بيته: إن كان الرجل منهم لآكلا جذعة، وإن كان شاربا فرقا ... إلى آخر الحديث.\nوهذا كذب علَى علىّ ﵁ لم يروه قط، وكذبه ظاهر من وجوه.\nوهذا حديث رواه أحمد في \" الفضائل \": حدثنا عثمان، حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبى صادق، عن ربيعة بن ناجز، عن على، وهؤلاء يعلم أنهم يروون الباطل.\nوروى أبو الفرج من طريق أجلح عن سلمة بن كهيل، عن حبة بن جوين، قال: سمعت عليا يقول: أنا عبدت الله ﷿ مع رسول الله ﷺ قبل أن يعبده رجل من هذه الأمة خمس سنين أو سبع سنين \" قال أبو الفرج: \" حبة لا يساوى حبة فإنه كذاب. قال يحيى: ليس بشيء قال السعدى: غير ثقة. وقال ابن حبان: كان غاليا في التشيع واهيا في الحديث. وأما الأجلح فقال أحمد: قد روى غير حديث منكر. قال أبو حاتم الرازى: لا يحتج به. وقال ابن حبان: كان لا يدرى ما يقول \"\nقال أبو الفرج: \" ومما يبطل هذه الأحاديث أنه لا خلاف في تقدم إسلام خديجة وأبى بكر وزيد، وأن عمر أسلم في سنة ست من النبوة بعد أربعين رجلا، فكيف يصح هذا؟ \".\nوذكر حديثا عن النبي ﷺ: \" أنا الصديق الأكبر \" \" وهو مما عملته يد أحمد ابن نصر الذراع، فإنه كان كذابا يضع الحديث \".\nوحديثا فيه: \" أنا أولهم إيمانا، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية، وأبصرهم بالقضية \" قال: \" وهو موضوع، والمتهم به بشر بن إبراهيم. قال ابن عدى وابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات \". ورواه الأبرازى الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سعيد الجوهرى، عن مأمون عن الرشيد. قال: وهذا الأبرازى كان كذابا.","vol":"1","page":263},{"text":"وذكر حديثا: \" أنت أول من آمن بى، وأنت أول من يصافحنى يوم القيامة، وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكافرين، أو يعسوب الظلمة \".\nقال: \" وهذا حديث موضوع. وفى طريقه الأول: عباد بن يعقوب. قال ابن حبان: يروى المناكير عن المشاهير فاستحق الترك، وفيه علىّ بن هاشم. قال ابن حبان: كان يروى المناكير عن المشاهير.، وكان غاليا في التشيع. وفيه محمد بن عبد الله قال يحيى: ليس بشئ. وأما الطريق الثانى ففيه أبو الصلت الهروى كان كذابا رافضيا خبيثا، فقد اجتمع عباد وأبو الصلت في روايته، والله أعلم بهما أيهما سرقه من صاحبه \".\nقلت: لعل الآفة فيه من محمد بن عبد الله.\nوروى عن طريق ابن عباس وفيه عبد الله بن زاهر. قال ابن معين: ليس بشئ لا يكتب عنه إنسان فيه خير. قال أبو الفرج بن الجوزي: \" كان غاليا في الرفض \".\nفصل\nوهنا طرق يمكن سلوكها لمن لم تكن له معرفة بالأخبار من الخاصة؛ فإن كثيرا من الخاصة - فضلا عن العامة - يتعذر عليه معرفة التمييز بين الصدق والكذب من جهة الإسناد في أكثر ما يروى من الأخبار في هذا الباب وغيره. وإنما يعرف ذلك علماء الحديث، ولهذا عدل كثير من أهل الكلام والنظر عن معرفة الأخبار بالإسناد وأحوال الرجال لعجزهم عنها، وسلكوا طريقا آخر.\nولكن تلك الطريق هي طريقة أهل العلم بالحديث، العالمين بما بعث الله به رسوله. ولكن نحن نذكر طريقًا آخر فنقول: نقدِّر أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد، أو لم يُعلم أيها الصحيح، ونترك الاستدلال بها في الطرفين، ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر، وما يٌعلم من العقول والعادات، وما دلت عليه النصوص المتفق عليها.","vol":"1","page":264},{"text":"فنقول: من المعلوم المتواتر عند الخاصة والعامة، الذي لم يختلف فيه أهل العلم بالمنقولات والسير: أن أبا بكر ﵁ لم يطلب الخلافة: لا برغبة ولا برهبة، لا بذل فيها ما يرغّب الناس به، ولا شهر عليهم سيفًا يرهبهم به، ولا كانت له قبيلة ولا موالٍ تنصره وتقيمه في ذلك، كما جرت عادة الملوك أن أقاربهم ومواليهم يعاونونهم، ولا طلبها أيضا بلسانه، ولا قال: بايعونى، بل أمر بمبايعة عمر وأبى عبيدة، ومن تخلف عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه، ولا أكرهه على المبايعة، ولا منعه حقا له، ولا حرك عليهم ساكنا. وهذا غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة. .\nثم إن المسلمين بايعوه ودخلوا في طاعته، والذين بايعوه هم الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وهم السابقون الأّولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد، ولم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة.\nوأما علىّ وسائر بنى هاشم فلا خلاف بين الناس أنهم بايعوه، لكن تخلف من كان يريد الإمرة لنفسه، ﵃ أجمعين. ثم إنه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين والمشركين، لم يقاتل مسلمين، بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة، وأخذ يزيد الإسلام فتوحا، وشرع في قتال فارس والروم، ومات والمسلمون محاصرو دمشق، وخرج منها أزهد مما دخل فيها: لم يستأثر عنهم بشئ، ولا أمّر له قرابة.\nثم وَلِىَ عمر بن الخطاب، ففتح الأمصار، وقهر الكفّار، وأعزّ أهل الإيمان، وأذلّ أهل النفاق والعدوان، ونشر الإسلام والدين، وبسط العدل في العالمين، ووضع ديوان الخراج والعطاء لأهل الدين، ومصَّر الأمصار للمسلمين، وخرج منها أزهد مما دخل فيها: لم يتلوث لهم بمال، ولا ولَّى أحدًا من أقاربه ولاية، فهذا أمر يعرفه كل أحد.","vol":"1","page":265},{"text":"وأما عثمان فإنه بنى على أمر قد استقرّ قبله بسكينة وحلٍ، وهدى ورحمة وكرم، ولم يكن فيه قوة عمر ولا سياسته، ولا فيه كمال عدله وزهده، فطُمع فيه بعض الطمع، وتوسّعوا في الدنيا، وأدخل من أقاربه في الولاية والمال، ودخلت بسبب أقاربه في الولايات والأموال أمور أنكرت عليه، فتولد من رغبة بعض الناس في الدنيا، وضعف خوفهم من الله ومنه، ومن ضعفه هو، وما حصل من أقاربه في الولاية والمال - ما أوجب الفتنة، حتى قُتل مظلوما شهيدًا.\nوتولىّ علىُّ علَىَ إثر ذلك، والفتنة قائمة، وهو عند كثير منهم متلطّخ بدم عثمان، والله يعلم براءته مما نسبه إليه الكاذبون عليه، المبغضون له، كما نعلم براءته مما نسبه إليه الغالون فيه، المبغضون لغيره من الصحابة؛ فإن علياّ لم يُعِن على قتل عثمان ولا رضى به، كما ثبت عنه - وهو الصادق - أنه قال ذلك، فلم تصف له قلوب كثير منهم، ولا أمكنه هو قهرهم حتى يطيعوه، ولا اقتضى رأيه أن يكف عن القتال حتى ينظر ما يؤول إليه الأمر، بل اقتضى رأيه القتال، وظن أنه به تحصل الطاعة والجماعة، فما زاد الأمر إلا شدة، وجانبه إلا ضعفا، وجانب من حاربه إلا قوة، والأمة إلا افتراقًا، حتى كان في آخر أمره يطلب هو أن يكف عنه من قاتله، كما كان في أول الأمر يُطلب منه الكفّ.\nوضعفت خلافة (النبوة) ضعفًا أوجب أن تصير ملكا، فأقامها معاوية ملكا برحمة وحلم، كما في الحديث المأثور: \" تكون نبوّة ورحمة، ثم تكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك \" ولم يتول أحد من الملوك خيرا من معاوية، فهو خير ملوك الإسلام، وسيرته خير من سيرة سائر الملوك بعده، وعلى آخر الخلفاء الراشدين، الذين هم ولايتهم خلافة نبوة ورحمة، وكل من الخلفاء الأربعة ﵃ يشهد له بأنه من أفضل أولياء الله المتقين، بل هؤلاء الأربعة أفضل خلق الله بعد النبيين، لكن إذا جاء القادح فقال في أبى بكر وعمر: إنهما كانا ظالمين متعديين طالبين للرئاسة مانعين للحقوق، وإنهما كانا من أحرص الناس على الرئاسة، وإنهما - ومن أعانهما - ظلموا الخليفة المستحق","vol":"1","page":266},{"text":"المنصوص عليه من جهة الرسول، وإنهم منعوا أهل البيت ميراثهم، وإنهما كانا من أحرص الناس على الرئاسة والولاية الباطلة، مع ما قد عُرف من سيرتهما - كان من المعلوم أن هذا الظن لو كان حقا فهو أولى بمن قاتل عليها حتى غُلب، وسُفكت الدماء بسبب المنازعة التي بينه وبين منازعه، ولم يحصل بالقتال لا مصلحة الدين ولا مصلحة الدنيا، ولا قوتل في خلافته كافر، ولا فرح مسلم، فإن عليًا لا يفرح بالفتنة بين المسلمين، وشيعته لم تفرح بها، لأنها لم تغلب، والذين قاتلوه لم يزالوا أيضا في كرب وشدة.\nوإذا كنا ندفع من يقدح في علىّ من الخوارج، مع ظهور هذه الشبهة، فلأن ندفع من يقدح في أبى بكر وعمر بطريق الأولى والأحرى..\nوإن جاز أن يظن بأبى بكر أنه كان قاصدًا للرئاسة بالباطل، مع أنه لم يُعرف منه إلا ضد ذلك، فالظن بمن قاتل عَلَى الولاية - ولم يحصل له ... مقصودة - أولى وأحرى.\nفإذا ضرب مثل هذا وهذا بإمامى مسجد، وشيخى مكان، أو مدرسى مدرسة - كانت العقول كلها تقول: إن هذا أبعد عن طلب الرئاسة، وأقرب إلى قصد الدين والخير.\nفإذا كنا نظن بعلىّ أنه كان قاصدا للحق والدين، وغير مريد علوًا في الأرض ولا فسادا، فظنُّ ذلك بأبى بكر وعمر ﵄ أولى وأحرى.\nوإن ظن ظان بأبى بكر أنه كان يريد العلوّ في الأرض والفساد، فهذا الظن بعلىّ أجدر وأولى.\nأما أن يقال: إن أبا بكر كان يريد العلو في الأرض والفساد، وعلىُّ لم يكن يريد علوّا في الأرض ولا فسادا، مع ظهور السيرتين - فهذا مكابرة، وليس فيما تواتر من السيرتين ما يدل على ذلك، بل المتواتر من السيرتين يدل على أن سيرة أبى بكر أفضل.","vol":"1","page":267},{"text":"ولهذا كان الذين ادّعَوْا هذا لعلىّ أحالوا على ما لم يُعرف، وقالوا: ثَمَّ نص على خلافته كُتم، وثَمَّ عداوة باطنة لم تظهر، بسببها مُنع حقه.\nونحن الآن مقصودنا أن نذكر ما عُلم وتيقن وتواتر عن العامة والخاصة، وأما ما يذكر من منقول يدفعه جمهور الناس، ومن ظنون سوء لا يقوم عليها دليل بل نعلم فسادها، فالمحتج بذلك ممن يتبع الظن وما تهوى الأنفس، وهو من جنس الكفار وأهل الباطل، وهى مقابلة بالأحاديث من الطرق الأخر.\nونحن لم نحتج بالأخبار التي رُويت من الطرفين، فكيف بالظن الذي لا يُغنى من الحق شيئا؟ !\nفالمعلوم المتيقَّن المتواتر عند العام والخاص أن أبا بكر كان أبعد عن إرادة العلو والفساد من عمر وعثمان وعلىّ فضلا عن علىّ وحده، وأنه كان أولى بإرادة وجه الله تعالى وصلاح المسلمين من الثلاثة بعده، فضلا عن على، وأنه كان أكمل عقلا ودينا وسياسة من الثلاثة، وأن ولايته الأمة خير من ولاية على، وأن منفعته للمسلمين في دينهم ودنياهم أعظم من منفعة على، ﵃.\nوإذا كنا نعتقد أنه كان مجتهدا مريدا وجه الله بما فعل، وأن ما تركه من المصلحة كان عاجزًا عنه، وما حصل من المفسدة كان عاجزا عن دفعه، وأنه لم يكن مريدًا للعلوّ في الأرض ولا الفساد - كان هذا الاعتقاد بأبى بكر وعمر أولى وأخلق وأحرى.\nفهذا وجه لا يقدر أحد أن يعارضه إلا بما يظن أنه نقل خاص، كالنقل لفضائل على، ولما يقتضى أنه أولى بالإمامة، أو أن إمامته منصوص ... عليها. وحينئذ فيعارض هذا بنقل الخاصة - الذين هم أصدق وأكثر - لفضائل الصديق التي تقضى أنه أولى بالإمامة، وأن النصوص إنما دلت عليه.\nفما من حجة يسلكها الشيعي إلا وبإزائها للسنى حجة من جنسها أولى منها؛ فإن السنة في الإسلام كالإسلام في الملل، فما من حجة يسلكها كتابى إلا وللمسلم فيها ما هو أحق بالاتباع منها.","vol":"1","page":268},{"text":"قال تعالى: \" وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا \" ... (سورة الفرقان: ٣٣) لكن صاحب الهوى الذي له غرض في جهة، إذا وجه له المخالف لهواه ثقل عليه سمعه واتباعه.\nقال تعالى: \"وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ\" (سورة المؤمنون: ٧١) .\nوهنا طريق آخر. وهو أن يُقال: دواعى المسلمين بعد موت النبي ﷺ كانت متوجهة إلى اتباع الحق، وليس لهم ما يصرفهم عنه، وهم قادرون على ذلك، فإذا حصل الداعى إلى الحق، وانتفى الصارف مع القدرة، وجب الفعل.\nفعُلم أن المسلمين اتّبعوا فيما فعلوه الحق. وذلك أنهم خير الأمم، وقد أكمل الله لهم الدين، وأتم عليهم النعمة. ولم يكن عند الصديق غرض دنيوى يقدّمونه لأجله، ولا عند علىّ غرض دنيوى يؤخرونه لأجله، بل لو فعلوا بموجب الطبع لقدَّموا عليًا. وكانت الأنصار لو اتبعت الهوى أن تتّبع رجلا من بنى هاشم أحب إليها من أن تتبع رجلا من بنى تيم. وكذلك عامة قبائل قريش، لا سيما بنو عبد مناف وبنو مخزوم؛ فإن طاعتهم لمنافى كانت أحب إليهم من طاعة تيمى لو اتبعوا الهوى. وكان أبو سفيان بن حرب وأمثاله يختارون تقدم علىّ.\nوقد روى أن أبا سفيان طلب من علىّ أن يتولى لأجل القرابة التي بينهما. وقد قال أبو قحافة، لما قيل له أن ابنك تولى، قال: \" أو رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو مخزوم؟ \" قالوا: نعم. فعجب من ذلك، لعلمه بأن بنى تيم كانوا من أضعف القبائل، وأن أشراف قريش كانت من تلك القبيلتين.\nوهذا وأمثاله مما إذا تدبره العاقل علم أنهم لم يقدموا أبا بكر إلا لتقديم الله ورسوله، لأنه كان خيرهم وسيدهم وأحبهم إلى الله؛ فإن الإسلام إنما يقدم بالتقوى لا بالنسب، وأبو بكر كان أتقاهم.","vol":"1","page":269},{"text":"وهنا طريق آخر، وهو أنه تواتر عن النبي ﷺ أن خير هذه الأمة القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وهذه الأمة خير الأمم كما دل عليه الكتاب والسنة.\nوأيضا فإنه من تأمّل أحوال المسلمين في خلافة بنى أمية، فضلا عن زمن الخلفاء الراشدين، علم أن أهل ذلك الزمان كانوا خيرًا وأفضل من أهل هذا الزمان، وأن الإسلام كان في زمنهم أقوى وأظهر. فإن كان القرن الأول قد جحدوا حق الإمام المنصوص عليه المولى عليهم، ومنعوا أهل بيت نبيهم ميراثهم، وولوا فاسقا وظالما، ومنعوا عادلا عالما، مع علمهم بالحق، فهؤلاء من شر الخلق، وهذه الأمة شر الأمم، لأن هذا فعل خيارها، فكيف بفعل شرارها؟ !\nوهنا طريق آخر. وهو أنه قد عُرف بالتواتر، الذي لا يخفى على العامة والخاصة، أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كان لهم بالنبي ﷺ اختصاص عظيم، وكانوا من أعظم الناس اختصاصًا به، وصحبة له، وقربا إليه، واتصالا به، وقد صاهرهم كلهم، وما عُرف عنه أنه كان يذمهم ولا يلعنهم، بل المعروف عنه أنه كان يحبهم ويثنى عليهم.\nوحينئذ: فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهرا وباطنا، في حياته وبعد موته. وإما أن يكونوا بخلاف ذلك، في حياته أوبعد موته. فإن كانوا على غير الاستقامة، مع هذا التقرب، فأحد الأمرين لازم: إما عدم علمه بأحوالهم، أو مداهنته لهم. وأيهما كان فهو من أعظم القدح في الرسول ﷺ كما قيل:\nفإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة ... وإن كنت تدر فالمصيبة أعظم\nوإن كانوا انحرفوا بعد الاستقامة فهذا خذلان من الله للرسول في خواص أمته وأكابر أصحابه. ومن قد أخبر بما سيكون بعد ذلك، أين كان عن علم ذلك؟ وأين الاحتياط للأمة حتى لا يولّى مثل هذا أمرها؟ ومن وعد أن يظهر دينه على الدين كله، فكيف يكون أكابر خواصه مرتدين؟ فهذا ونحوه من أعظم ما يقدح به الرافضة في الرسول، كما قال مالك وغيره: إنما أراد هؤلاء الرافضة الطعن في","vol":"1","page":270},{"text":"الرسول ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلا صالحًا لكان أصحابه صالحين.\nولهذا قال أهل العلم: إن الرافضة دسيسة الزندقة، وإنه وضع عليها. وطريق آخر أن يقال: الأسباب الموجبة لعلىّ - إن كان هو المستحق - قوية، والصوارف منتفية، والقدرة حاصلة، ومع وجود الداعى والقدرة وانتفاء الصارف يجب الفعل، وذلك أن عليًا هو ابن عم نبيهم، ومن أفضلهم نسبا، ولم يكن بينه وبين أحدٍ عداوة: لا عداوة نسب ولا إسلام، بأن يقول القائل: قتل أقاربهم في الجاهلية.\nوهذا المعنى منتفٍ في الأنصار؛ فإنهم لم يقتل أحدًا من أقاربهم، ولهم الشوكة، ولم يقتل من بنى تيم ولا عدى ولا كثير من القبائل أحدا، والقبائل التي قتل منها، كبنى عبد مناف، كانت تواليه، وتختار ولايته، لأنه إليها أقرب. فإذا كان النبي ﷺ نص على ولايته، أو كان هو الأفضل المستحق لها، لم يكن هذا مما يخفى عليهم، وعلمهم بذلك يوجب انبعاث إرادتهم إلى ولايته، إذا لم يكن هناك صارف يمنع، والأسباب كانت مساعدة لهذا الداعى، ولا معارض لها ولا صارف أصلا.\nولو قُدِّر أن الصارف كان في نفر قليل، فجمهور المسلمين لم يكن لهم فيها صارف يصرفهم عنه، بل هو قادرون على ولايته. ولو قالت الأنصار: علىُّ هو أحق بها من سعد ومن أبى بكر ما أمكن أولئك النفر من المهاجرين أن يدافعوهم، وقام أكثر الناس مع علىّ، لاسيما وكان جمهور الذين في قلوبهم مرض يبغضون عمر لشدته عليهم، وبغض الكفار والمنافقين لعمر أعظم من بغضهم لعلى بما لا نسبة بينهما، بل لم يعرف أن عليًا كان يبغضه الكفّار والمنافقون، إلا كما يبغضون أمثاله. بخلاف عمر، فإنه كان شديدا عليهم، وكان من القياس أن ينفروا عن جهة فيها عمر.","vol":"1","page":271},{"text":"ولهذا لما استخلفه أبو بكر، كره خلافته طائفة، حتى قال له طلحة: ماذا تقول لربك إذا وليت علينا فظا غليظا؟ فقال: أبا لله تخوفنى؟ أقول: وليت عليهم خير أهلك.\nفإذا كان أهل الحق مع علىّ، وأهل الباطل مع علىّ، فمن الذي يغلبه إذا كان الحق معه؟ وهب أنهم إذا قاموا لم يغلبوا، أما كانت الدواعى المعروفة في مثل ذلك توجب أن يجرى في ذلك قيل وقال ونوع من الجدال؟ أوليس ذلك أولى بالكلام فيه من الكلام في ولاية سعد؟ فإذا كانت الأنصار بشبهة لا أصل لها طمعوا أن يتأمر سعد، فمن يكون فيهم المحق؟\nونص الرسول الجلى كيف لا يكون أعوانه أطمع في الحق؟ فإذا كان لم ينبز متكلم منهم بكلمة واحدة في ذلك، ولم يّدع داع إلى علىّ: لا هو ولا غيره، واستمر الأمر على ذلك، إلى أن بويع له بعد مقتل عثمان، فحينئذ قام هو وأعوانه فطلبوا وقاتلوا ولم يسكتوا، حتى كادوا يغلبوا - عُلم بالاضطرار أن سكوتهم أولا كان لعدم المقتضى، لا لوجود المانع، وأن القوم لم يكن عندهم علم بأن عليا هو الأحق، فضلا عن نص جلى، وأنه لما بدا لهم استحقاقه قاموا معه، مع وجود المانع.\nوقد كان أبو بكر ﵁ أبعدهم عن الممانعة من معاوية بكثير كثير، لو كان لعلىّ حق. فإن أبا بكر لم يدع إلى نفسه، ولا أرغب ولا أرهب، ولا كان طالبا للرئاسة بوجه من الوجوه، ولا كان في أول الأمر يمكن أحدًا القدح في علىّ كما أمكن ذلك بعد مقتل عثمان، فإنه حينئذ نسبه كثير من شيعة عثمان إلى أنه أعان على قتله، وبعضهم يقول: خذله. وكان قتلة عثمان في عسكره، وكان هذا من الأمور التي منعت كثيرا من مبايعته.\nوهذه الصوارف كانت منتفية في أول الأمر، فكان جنده أعظم، وحقه إذ ذاك - لو كان مستحقا - أظهر، ومنازعوه أضعف داعيًا وأضعف قوة، وليس","vol":"1","page":272},{"text":"هناك داع قوى يدعو إلى منعه، كما كان بعد مقتل عثمان، ولا جند يجمع على مقاتلته، كما كان بعد مقتل عثمان.\nوهذه الأمور وأمثالها من تأملها تبين له انتفاء استحقاقه إذ ذاك بيانا لا يمكنه دفعه عن نفسه، فلو تبين أن الحق لعلىّ، وطلبه علىّ لكان أبو بكر: إما أن يُسلم إليه، وإما أن يجامله، وإما أن يعتذر إليه. ولو قام أبو بكر وهو ظالم يدافع عليا وهو محق، لكانت الشريعة والعادة والعقل توجب أن يكون الناس مع على المحق المعصوم على أبى بكر المعتدى الظلوم، لو كان الأمر كذلك، لا سيما والنفوس تنفر عن مبايعة من ليس من بيت الولاية، أعظم من نفرتها عن مبايعة أهل بيت المطاع، فالدواعى لعلىّ من كل وجه كانت أعظم وأكثر، لو كان أحق، وهى عن أبى بكر من كل وجه كانت أبعد، لو كان ظالما.\nلكن لما كان المقتضى مع أبى بكر - وهو دين الله - قويا، والإسلام في جدته وطراوته وإقباله، كان أتقى لله ألا يصرفوا الحق عمن يعلمون أنه الأحق إلى غيره، ولو كان لبعضهم هوى مع الغير.\nوأما أبو بكر فلم يكن لأحدٍ معه هوى إلا هوى الدين، الذي يحبه الله ويرضاه.\nفهذه الأمور وأمثالها من تدبرها علم بالاضطرار أن القوم علموا أن أبا بكر هو الأحق بخلافة النبوة، وأن ولايته أرضى لله ورسوله فبايعوه، وإن لم يكن ذلك لزم أن يعرفوا ويحرفوا، وكلاهما ممتنع عادة ودينا، والأسباب متعددة فهذا المعلوم اليقينى لا يندفع بأخبار لا يُعلم صحتها، فكيف إذا علم كذبها؟ وألفاظ لا تعلم دلالتها، فكيف إذا علم انتفاء دلالتها؟ ومقاييس لا نظام لها، يعارضها من المعقول والمنقول الثابت الإسناد المعلوم المدلول ما هو أقوى وأولى بالحق وأحرى.\nوهؤلاء الرافضة الذين يدفعون الحق المعلوم يقينا بطرق كثيرة علمًا لا يقبل النقيض بشبه في غاية الضعف، هم من أعظم الطوائف الذين في قلوبهم الزيغ،","vol":"1","page":273},{"text":"الذين يتبعون المتشابه ويدعون المحكم، كالنصارى والجهمية وأمثالهم من أهل البدع والأهواء، الذين يدعون النصوص الصحيحة الصريحة التي توجب العلم، ويعارضونها بشبه لا تفيد إلا الشك، لو تعرض لم تثبت. وهذا في المنقولات سفسطة كالسفسطة في العقليات، وهو القدح فيما علم بالحس والعقل بشبهة تعارض ذلك. فمن أراد أن يدفع العلم اليقينى المستقر في القلوب بالشبه، فقد سلك مسلك السفسطة، فإن السفسطة أنواع: أحدها: النفى والجحد والتكذيب: إما بالوجود وإما بالعلم به.\nوالثانى: الشك والريب، وهذه طريقة اللاأدرية، الذين يقولون: لا ندرى، فلا يثبتون ولا ينفون، لكنهم في الحقيقة قد نفوا العلم، وهو نوع من النفس فعادت السفسطة إلى جحد الحق المعلوم أو جحد العلم به.\nوالثالث: قول من يجعل الحقائق تبعا للعقائد، فيقول: من اعتقد العالم قديما فهو قديم، ومن اعتقده محدثا فهو محدث، وإذا أريد بذلك أنه قديم عنده ومحدث عنده فهذا صحيح، فإن هذا هو اعتقاده. لكن السفسطة أن يراد أنه كذلك في الخارج.\nوإذا كان كذلك فالقدح فيما عُلم من أحوال الرسول ﷺ مع الخلفاء الثلاثة، وما علم من سيرتهم بعده بأخبار يرويها الرافضة، يكذبهم فيها جماهير الأمة من أعظم السفسطة، ومن روى لمعاوية وأصحابه من الفضائل ما يوجب تقديمه على علىّ وأصحابه، كان كاذبًا مبطلا مسفسطًا.\nومع هذا فكذب الرافضة الذين يروون ما يقدح في إيمان الخلفاء الثلاثة ويوجب عصمة علىّ، أعظم من كذب من يروى ما يُفضَّل به معاوية على علىّ، وسفسطتهم أكثر؛ فإن ظهور إيمان الثلاثة أعظم من ظهور فضل علىّ عَلَىَ معاوية من وجوه كثيرة، وإثبات عصمة علىّ أبعد عن الحق من إثبات فضل معاوية.\nثم خلافة أبى بكر وعمر هي من كمال نبوة محمد ﷺ ورسالته، ومما يُظهر أنه رسول حق، ليس ملكا من الملوك؛ فإن عادة الملوك إيثار أقاربهم بالولايات","vol":"1","page":274},{"text":"لوجوه: أحدهما: محبتهم لأقاربهم أكثر من الأجانب، لما في الطباع من ميل الإنسان إلى قرابته. والثانى: لأن أقاربهم يريدون إقامة ملكهم ما لا يريده الأجنبي، لأن في عز قريب الإنسان عز لنفسه، ومن لم يكن له أقارب من الملوك استعان بممالكه ومواليه فقربهم واستعان بهم، وهذا موجود في ملوك المسلمين والكفار.\nولهذا لما كان ملوك بنو أمية وبنو العباس ملوكا، كانوا يريدون أقاربهم ومواليهم بالولايات أكثر من غيرهم، وكان ذلك مما يقيمون به ملكهم.\nوكذلك ملوك الطوائف، كبنى بويه، وبنى سلجق، وسائر الملوك بالشرق والغرب، والشام، واليمن، وغير ذلك.\nوهكذا ملوك الكفار من أهل الكتاب والمشركين، كما يوجد في ملوك الفرنج وغيرهم، وكما يوجد في آل جنكشخان بأن الملوك تبقى في أقارب الملك، ويقولون: هذا من العظم، وهذا ليس من العظم، أي من أقارب الملك.\nوإذا كان كذلك فتولية أبى بكر وعمر بعد النبي ﷺ دون عمه العباس وبنى عمه على وعقيل وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وغيرهم، ودون سائر بنى عبد مناف: كعثمان بن عفان وخالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد بن العاص وغيرهم من بنى عبد مناف، الذين كانوا أجل قريش قدرًا، وأقرب نسبا إلى النبي ﷺ من أعظم الأدلة على أن محمدا عبد الله ورسوله، وأنه ليس ملكا؛ حيث لم يقدم في خلافته أحدًا: لا بقرب نسب منه، ولا بشرف بيته، بل إنما قدّم بالإيمان والتقوى.\nودل ذلك على أن محمدًا ﷺ وأمته من بعده إنما يعبدون الله ويطيعون أمره، لا يريدون ما يريده غيرهم من العلو في الأرض، ولا يريدون أيضا ما أبيح لبعض الأنبياء من الملك. فإن الله خير محمدًا بين أن يكون عبدًا ورسولًا وبين أن يكون ملكا نبيا فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.","vol":"1","page":275},{"text":"وتولية أبى بكر وعمر بعده من تمام ذلك؛ فإنه لو قدم أحدًا من أهل بيته لكانت شبهة لمن يظن أنه كان ملكا، كما أنه لو ورث مالا لورثته لكانت شبهة لمن يظن أنه جمع المال لورثته. فلما لم يستخلف أحدًا من أهل بيته ولا خلف لهم مالا، كان هذا مما يبين أنه كان من أبعد الناس عن طلب الرياسة والمال، وإن كان ذلك مباحا، وأنه لم يكن من الملوك الأنبياء، بل كان عبد الله ورسوله.\nكما قال ﷺ في الحديث الصحيح: \" إنى والله لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت \".\nوقال: \" إن ربى خيرنى بين أن أكون عبدًا رسولا ً أو نبيا ملكا، فقلت: بل عبدا رسولا \".\nوإذا كان هذا مما دل على تنزيهه عن كونه من ملوك الأنبياء، فدلالة ذلك على نبوته ونزاهته عن الكذب والظلم أعظم وأعظم. ولو تولى بعده على أو واحد من أهل بيته لم تحصل هذه المصالح والإلطافات العظيمة.\nوأيضًا فإنه من المعلوم أن الإسلام في زمن علىّ كان أظهر وأكثر مما كان في خلافة أبى بكر وعمر وكان الذين قاتلهم علىّ أبعد عن الكفر من الذين قاتلهم أبو بكر وعمر؛ فإن أبا بكر قاتل المرتدين وأهل الكتاب، مع ما حصل للمسلمين بموت النبي ﷺ من الضعف العظيم، وما حصل من الارتداد لأكثر البوادى، وضعف قلوب أهل الأمصار، وشك كثير منهم في جهاد مانعى الزكاة وغيرهم.\nثم عمر تولى قتال أمتين عظيمتين، لم يكن في العادة المعروفة أن أهل الحجاز واليمن يقهرونهم وهما فارس والروم، فقهرهم وفتح بلادهم. وتمم عثمان ما تمم من فتح المشرق والمغرب، ثم فتح بعد ذلك في خلافة بنى أمية ما فتح بالمشرق والمغرب كما وراء النهر والأندلس وغيرهما مما فتح في خلافة عبد الملك.\nفمعلوم أنه لو تولى غير أبى بكر وعمر بعد موت النبي ﷺ، مثل علىّ أو عثمان، لم يمكنه أن يفعل ما فعلا؛ فإن عثمان لم يفعل ما فعلا، مع قوة الإسلام","vol":"1","page":276},{"text":"في زمانه، وعلىّ كان أعجز من عثمان، وكان أعوانه أكثر من أعوانهما، وعدوه أقل وأقرب إلى الإسلام من عدوهما، ومع هذا فلم يقهر عدوه، فكيف كان يمكنه قهر المرتدين وقهر فارس والروم، مع قلة الأعوان وقوة العدو؟!\nوهذا مما يبين فضل أبى بكر وعمر، وتمام نعمة الله بهما على محمد ﷺ وعلى الناس بعده، وأن من أعظم نعم الله تولية أبى بكر وعمر بعد النبي ﷺ؛ فإنه لو تولى غيرهما كان لم يفعل ما فعلا، إما لعدم القدرة، وإما لعدم الإرادة.\nفإنه إذا قيل: لِمَ لمْ يغلب علىّ معاوية وأصحابة؟ فلابد أن يكون سبب ذلك: إما عدم كمال القدرة، وإما عدم كمال الإرادة. وإلا فمع كمال القدرة وكمال الإرادة يجب وجود الفعل، ومن تمام القدرة طاعة الأتباع له، ومن تمام الإرادة إرادة ما هو الأصلح الأنفع الأرضى لله ولرسوله.\nوأبو بكر وعمر كانت قدرتهما أكمل، وإرادتهما أفضل. فبهذا نصر الله بهما الإسلام، وأذل بهما الكفر والنفاق، وعلى ﵁ لم يؤت من كمال القدرة والإرادة ما أوتيا.\nوالله تعالى كما فضّل بعض النبيين على بعض، فضّل بعض الخلفاء على بعض. فلما لم يؤت ما أوتيا، لم يمكنه أن يفعل في خلافته ما فعلا، وحينئذ فكان عن ذلك بموت النبي ﷺ أعجز وأعجز؛ فإنه على أي وجه ُقدر ذلك فإن غاية ما يقول المتشيّع: إن أتباعه لم يكونوا يطيعونه.\nفيقال: إذا كان الذين بايعوه لم يطيعوه، فكيف يطيعه من لم يبايعه؟ وإذا قيل: لو بايعوه بعد موت النبي ﷺ لفعل بهم أعظم مما فعل أبو بكر وعمر.\nفيقال: قد بايعه أكثر ممن بايع أبا بكر وعمر ونحوهما، وعدوه أضعف وأقرب إلى الإسلام من عدو أبى بكر وعمر، ولم يفعل ما يشبه فعلهما، فضلا عن أن يفعل أفضل منه.\nوإذا قال القائل: إن أتباع أبى بكر وعمر ﵄ أعظم إيمانا وتقوى، فنصرهم الله لذلك.","vol":"1","page":277},{"text":"قيل: هذا يدل على فساد قول الرافضة؛ فإنهم يقولون: إن أتباع أبى بكر وعمر كانوا مرتدين أو فاسقين، وإذا كان نصرهم وتأييدهم لإيمانهم وتقواهم، دل ذلك على أن الذين بايعوهما أفضل من الشيعة الذين بايعوا عليا.\nوإذا كان المقرون بإمامتهما أفضل من المقرين بإمامة على، دل ذلك على أنهما أفضل منه.\nوإن قالوا: إن عليا إنما لم ينتصر لأن أتباعه كانوا يبغضونه ويختلفون عليه.\nقيل: هذا أيضا يدل على فساد قول الشيعة: إن الذين بايعوا عليا وأقروا بإمامته أفضل ممن بايع أبا بكر وعمر وأقر بإمامتهما، فإذا كان أولئك الشيعة الذين بايعوا عليا عصاة للإمام المعصوم، كانوا من أشر الناس، فلا يكون في الشيعة طائفة محمودة أصلا، ولا طائفة ينتصر بها على العدو، فيمتنع أن يكون على مع الشيعة قادرا على قهر الكفار.\nوبالجملة فلابد من كمال حال أبى بكر وعمر وأتباعهما، فالنقص الذي حصل في خلافة علىّ من إضافة ذلك: إما إلى الإمام، وإما إلى أتباعه، وإما إلى المجموع.\nوعلى كل تقدير فيلزم أن يكون أبو بكر وعمر وأتباعهما أفضل من علىّ وأتباعه، فإنه إن كان سبب الكمال والنقص من الإمام ظهر فضلهما عليه، وإن كان من أتباعه كان المقرون بإمامتهما أفضل من المقرين بإمامته، فتكون أهل السنة أفضل من الشيعة، وذلك يستلزم كونهما أفضل منه، لأن ما امتاز به الأفضل أفضل مما امتاز به المفضول.\nوهذا بين لمن تدبره؛ فإن الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ وقاتلوا معهم، هم أفضل من الذين بايعوا عليا وقاتلوا معه؛ فإن أولئك فيهم من عاش بعد النبي ﷺ، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه.","vol":"1","page":278},{"text":"وعامة السابقين الأولين عاشوا بعد النبي ﷺ، إنما توفى منهم أو قتل في حياته قليل منهم.\nوالذين بايعوا عليا كان فيهم من السابقين والتابعين بإحسان بعض من بايع أبا بكر وعمر وعثمان. وأما سائرهم فمنهم من لم يبايعه ولم يقاتل معه، كسعد بن أبى وقاص، وأسامة بن زيد، وبن عمر، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وأبى هريرة، وأمثال هؤلاء من السابقين، والذين اتبعوهم بإحسان.\nومنهم من قاتله، كالذين كانوا مع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية من السابقين والتابعين.\nوإذا كان الذين بايعوا الثلاثة وقاتلوا معهم أفضل من الذين بايعوا عليا وقاتلو معه، لزم أن يكون كل من الثلاثة أفضل، لأن عليا كان موجودا على عهد الثلاثة، فلو كان هو المستحق للإمامة دون غيره، كما تقول الرافضة، أو كان أفضل وأحق بها، كما يقوله من يقوله من الشيعة، لكان أفضل الخلق قد عدلوا عما أمرهم الله به ورسوله إلى ما لم يؤمروا به، بل ما نهوا عنه، وكان الذين بايعوا عليا وقاتلوا معه فعلوا ما أمروا به.\nومعلوم أن من فعل ما أمر الله به ورسوله كان أفضل ممن تركه وفعل ما نهى الله عنه ورسوله، فلزم لو كان قول الشيعة حقا أن يكون أتباع على أفضل. وإذا كانوا هم أفضل وإمامهم أفضل من الثلاثة، لزم أن يكون ما فعلوه من الخير أفضل مما فعله الثلاثة.\nوهذا خلاف المعلوم بالاضطرار، الذي تواترت به الأخبار، وعلمته البوادى والحضار؛ فإنه في عهد الثلاثة جرى من ظهور الإسلام وعلوه، وانتشاره ونموه وانتصاره وعزه، وقمع المرتدين، وقهر الكفار من أهل الكتاب والمجوس وغيرهم - ما لم يجر بعدهم مثله.\nوعلىّ ﵁ فضّله الله وشرّفه بسوابقه الحميدة وفضائله العديدة، لا بما جرى في زمن خلافته من الحوادث، بخلاف أبى بكر وعمر وعثمان فإنهم","vol":"1","page":279},{"text":"فضلوا مع السوابق الحميدة والفضائل العديدة، بما جرى في خلافتهم من الجهاد في سبيل الله، وإنفاق كنوز كسرى وقيصر، وغير ذلك من الحوادث المشكورة، والأعمال المبرورة.\nوكان أبو بكر وعمر أفضل سيرة وأشرف سريرة من عثمان وعلى ﵃ أجمعين. فلهذا كانا أبعد عن الملام وأولى بالثناء العام، حتى لم يقع في زمنهما شئ من الفتن؛ فلم يكن للخوارج في زمنهما لا قول مأثور ولا سيف مشهور، بل كان كل سيوف المسلمين مسلولة على الكفار، وأهل الإيمان في إقبال، وأهل الكفر في إدبار.\nثم إن الرافضة - أو أكثرهم - لفرط جهلهم وضلالهم يقولون: إنهم ومن اتبعهم كانوا كفارا مرتدين، وإن اليهود والنصارى خير منهم، لأن الكافر الأصلى خير من المرتد. وقد رأيت هذا في عدة من كتبهم، وهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين.\nومن الدلائل الدالة على فساده أن يقال: من المعلوم بالاضطرار، والمتواتر من الأخبار، أن المهاجرين هاجروا من مكة وغيرها إلى المدينة، وهاجر طائفة منهم، كعمر وعثمان وجعفر بن أبى طالب، هجرتين: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وكان الإسلام إذ ذاك قليلا، والكفار مستولون على عامة الأرض، وكانوا يؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى، متجرعون لمرارة البلوى، وفارقوا الأوطان، وهجروا الخلان لمحبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، كما وصفهم الله تعالى بقوله:\n\" لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ \" (سورة الحشر: ٨) .","vol":"1","page":280},{"text":"وهذا كله فعلوه طوعا واختيارا من تلقاء أنفسهم، لم يكرههم عليه مكره، ولا ألجأهم إليه أحد؛ فإنه لم يكن للإسلام إذ ذاك من القوة ما يكره به أحد على الإسلام، وكان النبي ﷺ إذ ذاك - هو ومن اتبعه - منهيين عن القتال، مأمورين بالصفح والصبر، فلم يسلم أحد إلا باختياره، ولا هاجر أحد إلا باختياره.\nولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره من العلماء: إنه لم يكن من المهاجرين من نافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار لما ظهر الإسلام بالمدينة، ودخل فيه قبائل الأوس والخزرج، ولما صار للمسلمين دار يمتنعون بها ويقاتلون دخل في الإسلام من أهل المدينة وممن حولهم من الأعراب من دخل خوفا وتقية، وكانوا منافقين.\nكما قال تعالى:\n\" وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ \" ... (سورة التوبة: ١٠١)\nولهذا إنما ذكر النفاق في السور المدنية، وأما السور المكية فلا ذكر فيها للمنافقين، فإن من أسلم قبل الهجرة بمكة لم يكن فيهم منافق، والذين هاجروا لم يكن فيهم منافق، بل كانوا مؤمنين بالله ورسوله، محبين لله ولرسوله، وكان الله ورسوله أحب إليهم من أولادهم وأهلهم وأموالهم.\n\nوإذا كان كذلك علم أن رميهم - أو رمى أكثرهم أو بعضهم - بالنفاق، كما يقوله من يقوله من الرافضة، من أعظم البهتان، الذي هو نعت الرافضة وإخوانهم من اليهود؛ فإن النفاق كثير ظاهر في الرافضة إخوان اليهود، ولا يوجد في الطوائف أكثر وأظهر نفاقا منه، حتى يوجد فيهم النصيرية والإسماعيلية وأمثالهم، ممن هو من أعظم الطوائف نفاقا وزندقة وعداوة لله ولرسوله.","vol":"1","page":281},{"text":"وكذلك دعواهم عليهم الردة من أعظم الأقوال بهتانًا؛ فإن المرتد إنما يرتد بشبهة أو شهوة. ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى، فمن كان إيمانهم مثل الجبال في حال ضعف الإسلام، كيف يكون إيمانهم بعد ظهور آياته وانتشار أعلامه؟!\nوأما الشهوة: فسواء كانت شهوة رياسة أو مال أو نكاح أو غير ذلك، كانت في أول الإسلام أولى بالاتباع، فمن خرجوا من ديارهم وأموالهم، وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعز حبا لله ولرسوله، طوعا غير إكراه، كيف يعادون الله ورسوله طلبا للشرف والمال؟!\nثم هم في حال قدرتهم على المعاداة، وقيام المقتضى للمعاداة، لم يكونوا معادين لله ورسوله، بل موالين لله ورسوله، معادين لمن عادى الله ورسوله، فحين قوى المقتضى للموالاه، وضعفت القدرة على المعاداة، يفعلون نقيض هذا؟! هل يظن هذا إلا من هو من أعظم الناس ضلالًا؟\nوذلك أن الفعل إذا حصل معه كمال القدرة عليه، وكمال الإرادة له وجب وجوده، وهم في أول الإسلام كان المقتضى لإرادة معاداة الرسول أقوى، لكثرة أعدائه وقلة أوليائه، وعدم ظهور دينه وكانت قدرة من يعاديه باليد واللسان حينئذ أقوى، حتى كان يعاديه آحاد الناس ويباشرون أذاه بالأيدي والألسن. ولما ظهر الإسلام وانتشر، كان المقتضى للمعاداة أضعف، والقدرة عليها أضعف. ومن المعلوم أن من ترك المعاداة أولا، ثم عاداه ثانيا لم يكن إلا لتغير إرادته أو قدرته.\nومعلوم أن القدرة على المعاداة كانت أولًا أقوى، والموجب لإرادة المعاداة كان أولا أولى، ولم يتجدد عندهم ما يوجب تغير إرادتهم ولا قدرتهم، فعلم علما يقينيا أن القوم لم يتجدد عندهم ما يوجب الردة عن دينهم ألبتة، والذين ارتدوا بعد موته إنما كانوا ممن أسلم بالسيف، كأصحاب مسيلمة وأهل نجد، فأما المهاجرون الذين أسلموا طوعا فلم يرتد منهم - ولله الحمد - أحد، وأهل مكة لما أسلموا بعد فتحها همَّ طائفة منهم بالردة، ثم ثبتهم الله بسهيل بن عمرو.","vol":"1","page":282},{"text":"وأهل الطائف لما حاصرهم النبي ﷺ بعد فتح مكة، ثم رأوا ظهور الإسلام، فأسلموا مغلوبين، فهموا بالردة، فثبتهم الله بعثمان بن أبى العاص.\nفأما أهل مدينة النبي ﷺ فإنما أسلموا طوعا، والمهاجرون منهم والأنصار، وهم قاتلوا الناس على الإسلام، ولهذا لم يرتد من أهل المدينة أحد، بل ضعف غالبهم بموت النبي ﷺ، وذلت أنفسهم عن الجهاد على دينه، حتى ثبتهم الله وقواهم بأبى بكر الصديق ﵁، فعادوا إلى ما كانوا عليه من قوة اليقين، وجهاد الكافرين، فالحمد لله الذي من على الإسلام وأهله بصديق الأمة، الذي أيد الله به دينه في حياة رسوله، وحفظه به بعد وفاته، فالله يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء. انتهى كلام شيخ الإسلام رضي الله تعالى عنه.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفصل الخامس\nعقائد تابعة</span>\n\nرأينا فيما سبق عقيدتهم في الإمامة، وأثبتنا بطلانها بأدلة صحيحة صريحة، بل قطعية يقينية. وهذه العقيدة الباطلة هي الطامة الكبرى التي دفعتهم إلى كل غلو وضلال، وقد رأيت هذا واضحًا جليا منذ عشرات السنين عندما كنت أدرس للحصول على درجة الماجستير، وكان عنوان الرسالة \" فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة ... \" ولذلك جعلت رسالة الدكتوراه تحت عنوان \" أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله \" وإن كنا في غنى عن مناقشة ما تبع عقيدة الإمامة من عقائد أخرى، فما بنى على باطل فهو باطل، غير أننا آثرنا توضيح أهم العقائد التابعة، وستكون المناقشة موجزة كل الإيجاز، وهذه العقائد أهمها: عصمة الأئمة، والبداء، والرجعة، والتقية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>أولا: عصمة الأئمة</span>\nيرى الشيعة الاثنى عشرية وجوب عصمة الإمام \" بحيث يحصل للمكلفين القطع بأنه حجة الله، وأن قوله قول الله تعالى، وقول رسول الله ﷺ. وحكمه وجوب طاعته والتسليم له، والرد إليه على جهة القطع. (١)\nوأهم أدلتهم على وجوب هذه العصمة ما يأتي: -\n\n١.وجوب وجود الإمام لطف من الله سبحانه، فبه يتم ارتفاع القبيح وفعل الواجب، وفعل القبيح والإخلال بالواجب لا يكونان إلا ممن ليس بمعصوم، فلابد على هذا من أن يكون الإمام معصومًا، فهو مكان النبي، متصف بكل صفاته إلا النبوة.\n_________\n(١) جوامع الكلم ١ / ٨.","vol":"1","page":284},{"text":"٢.الإمام مقتدى به في جميع الشريعة، فلو كان غير معصوم لم نأمن في بعض أفعاله مما يدعونا إليه أن يكون قبيحًا، ويجب علينا موافقته من حيث وجب الاقتداء به، ولا يجوز من الحكيم تعالى أن يوجب علينا الاقتداء بما هو قبيح، فإذا لم يجز ذلك عليه تعالى دل على أن من أوجب علينا الاقتداء به لا يصدر منه فعل القبيح ولا يكون كذلك إلا المعصوم.\n٣.إذا ثبت لنا عصمته في الظاهر، فلابد من عصمته في الباطن، إذ لا يحسن من الحكيم تعالى أن يولى الإمامة - وهى منصب يقتضي التعظيم والتبجيل - من يجوز أن يكون مستحقا للعنة والبراءة في باطنه.\n٤.لابد أن يكون معصوما قبل حال الإمامة لأنه لو لم يكن كذلك لأدى إلى التنفير عنه، وعدم الاطمئنان إليه (١) .\nوهم يرون كذلك أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فيهما ما يؤيد اعتقادهم، فكريمة قوله تعالى: \" إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ \"صريحة في لزوم العصمة في الإمام لمن تدبرها جيدا (٢) .\n\" ومن ذلك مثل قوله تعالى \" أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ\"\nوجه الاستدلال العقلى من دليل الموعظة الحسنة أنه سبحانه أخبرهم بأن من يهدى إلى الحق أولى بالاتباع، ومن فعل الذنب لا يكون هاديًا إلى الحق حال معصيته ولا بفعله، أما حال معصيته فلا يقبل منه ولا تؤثر موعظته في القلوب، بل تنكر عليه، وذلك موجب لخلاف دعوته إلى الحق، وأما بفعله ففعله ذنب\n_________\n(١) انظر تلخيص الشافى ص ٣١٨، وجوامع الكلم جـ ١ صفحات: ٧، ٨، ١٩، ٢٠.\n(٢) انظر أصل الشيعة وأصولها ص ١٠٢.","vol":"1","page":285},{"text":"والذنب باطل يدعو إلى الباطل، وأما في غير تلك الحال فالعقول تجوز عليه حالًا لمعصيته لما فيها من شائبة النفرة، فلا يتم له هدايته إلى الحق، ولو فرض أنها لا تجوز عليه حال الطاعة حال المعصية، لم يستحق أحقية الاتباع المطلقة المستمرة التي هي مراد في الآية الشريفة، ولو فرض الاستحقاق والحال هذه في الجملة، أو بقول مطلق، لم يكن في الاستحقاق للأتباع مثل إن لم يقع منه ذنب مطلقا، فإذا كان الاتباع إنما هو للهداية للحق والصواب الموجبة للنجاة من عذاب الله وسخطه، وجب في العقل اتباع من لم يجوز عليه العقل شيئًا من المعاصي بالقطع بحصول النجاة في اتباعه، دون من وقع منه الذنب، لعدم القطع بحصول النجاة في اتباعه \" (١) .\nومعنى هذا أن الإمام غير المعصوم عندما يعصى ويفعل الذنب لا يصلح للدعوة إلى الحق، وفي غير حال المعصية لا يصلح كذلك، لأن العقول تجوز وقوع المعصية منه. وإذا فرض أنها لا تجوز ذلك في حال طاعته فإن غير المعصوم - مع هذا - ليس أهلا لأن يتبع الاتباع المطلق المستمر.\nوأما السنة الشريفة فهى - في رأيهم - مستفيضة في الدلالة على العصمة، بل إنه \" ما نشأ القول بعصمة الأئمة إلا من رسول الله ﷺ وآله \" (٢) .\nوهم يرون كذلك أن ما ورد في القرآن الكريم من العتابات المروية في حق الأنبياء ﵈ ليست مقصودة على ما هو المعروف عند سائر الناس، \" فإن المعروف عندهم أن الشخص إذا عاتب آخر، والسيد إذا عاتب عبده، فإنه في تلك الحال واجد عليه أو مريد لعقوبته، لأجل مخالفته لما أمره به أو نهاه عنه، لأنه عاص له، قادم على مخالفة أمره، وأما عتاب الله ﷿ فإنه ليس من هذا القبيل؛ لأن أنبياءه لا يقدمون على مخالفته، وإن ما يقع منهم بمقتضى الطبيعة\n_________\n(١) جوامع الكلم ١ / ٢٠.\n(٢) الدعوة الإسلامية ص ٢٥٣.","vol":"1","page":286},{"text":"البشرية ليس مما نهى الله عنه نهى تحريم ليقال كيف يرجحون داعي الطبيعة البشرية على داعي أمر الله وداعي الطبيعة البشرية النفس الأمارة بالسوء، وداعي أمر الله هو العقل. وأصحاب العقول الكاملة لا يطيعون قرين الشيطان. وإنما هو نهى تنزيه وإرشاد \".\nوالنبي أو الولي \" قد يقع منه خلاف الأولى لأنه ينافي الكمال، ولا يستلزم النقصان، لأنه بتلك الصفات الحميدة تام قائم في مقامه ومرتبته التي وضعه الله فيها، فإذا وقع منه خلاف الأولى استوجب العقاب والذم من رب الأرباب لعلم ذلك الولي أنه مرجوح لا ينبغى له أن يفعله، فإذا فعله مع علمه بذلك عرف من نفسه التقصير واستحقاق العتاب، لأن الله سبحانه أقامه مقام القدس الذي هو محل الخلافة والسفارة المقتضى لأن يجرى على الحكمة التي هي مقتضى إرادة المولى سبحانه وفعله، فإذا ورد عليه الذم والعتاب انكسر وأناب، فاستحق بانكساره وذله واستغفاره وتوبته تلك الدرجة العالية \" (١) .\n\" فتلك العتابات والتوبيخات دالة على عظم شأنهم، وجلالة قدرهم عنده لعظيم اعتنائه ﷿ بهم، فإنه قد يعاتبهم ويلومهم على ما ليس بذنب، وإنما هو تكميل على تكميل، وتنزيه لهم عن ملابسة مالا يليق بمقامهم عنده \" (٢) .\nومن أمثلة ذلك قول الله ﷿: \" عَفَا اللهُ عَنكَ \"، فقالوا تفسيرا للعفو: \" هذا يستعمل من لطيف المعاتبة، وإن كان العتاب على فعل جائز مثل المراد في هذه الآية، وليس للعفو متعلق إلا التلطف في العتاب \" (٣) .\n_________\n(١) جوامع الكلم ١ / ١٨.\n(٢) المرجع السابق ١ / ١٩.\n(٣) المرجع السابق ١ / ٢٤.","vol":"1","page":287},{"text":"وقوله تعالى: \" لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ \"\nخرجوا معنى الآية الكريمة على أنه \" محمول على ترك الأولى كما تقدم \". وقيل: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب أمتك بشفاعتك، وحسنت إضافة ذنوب أمته إليه للاتصال بينه وبينهم.\nوعن الصادق ﵁ أنه سئل عن هذه الآية فقال ما كان له ذنب ولا هم بذنب، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له..\nوفي رواية ابن طاووس عنهم ﵈ أن المراد: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر عند أهل مكة وقريش، يعنى ما تقدم قبل الهجرة وبعدها، فإنك إذا فتحت مكة بغير قتل لهم ولا استيصال، ولا أخذهم بما قدموه من العداوة والقتال، غفروا ما كانوا يعتقدونه ذنبا لك عندهم متقدمًا أو متأخرًا، وما كان يظهر من عداوته لهم في مقابلة عداوتهم له. فلما رأوه قد تحكم وتمكن، وما استقصى، غفروا ما ظنوه من الذنوب، ونقل أنه ﷺ وآله حين كسر الأصنام قالوا: ما كان أحد أعظم ذنبًا من محمد، كسر ثلثمائة وستين إلهًا، فقال تعالى: \" إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ \" من عبادتها \" وَمَا تَأَخَّرَ\"بكسرك إياها، تهكما بهم واستهزاء (١) .\n_________\n(١) المرجع السابق ١ / ٢٥، والمعروف أن الرسول الكريم لم يعبد الأصنام قط، ولذلك فالمراد بقوله \" من عبادتها \" أنه - ﷺ - أذنب - من وجهة نظر الكفار - لأنه قصر في عبادة الأصنام فلم يتخذها آلهة.","vol":"1","page":288},{"text":"وفي واقعة آدم ﵁ \" لا يقال إنه عصى من حيث هو معصوم - كما هو حال ما نحن بصدده - بل إنما عصى حين صرف عنه وجه العصمة ليتم مقادير الله ﷿ \" (١) .\nوتفسير العصيان بأنه راجع إلى ترك الأولى، وهو ليس بذنب في الحقيقة. نعم يسمى معصية وذنبًا وسيئة إذا صدر من أصحاب المراتب العالية في القرب من الله ﷿ كالنبيين، ولهذا ورد: حسنات الأبرار سيئات المقربين (٢) .\nوفي قصة داود رووا عن الرضا أنه قال: \" إن داود ﵁ إنما ظن أن ما خلق الله ﷿ خلقا هو أعلم منه، فبعث الله ﷿ إليه ملكين فتسورا المحراب. فقالا له: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة، فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب. فعجل داود ﵁ على المدعى عليه فقال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، ولم يسأل المدعى البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة رسم حكم \" (٣) .\nهذا هو رأي الإمامية في مسألة العصمة، والذي دفعهم إلى كل هذا نظرتهم إلى الإمام على أنه مكان النبي تماما بفارق واحد هو مسألة النبوة! فلولا وجود الإمام لضلت الأمة، وهذا الذي يعصم الأمة من الضلال لابد أن يكون معصومًا.\nوإن كان هؤلاء الغلاة يقصدون أئمتهم على وجه الخصوص دون غيرهم من سائر أئمة المسلمين، فإن أي إمام من الأئمة في الإسلام كائنا من كان منفذ للشرع وليس مشرعا، والذي يعصم الأمة الإسلامية من الضلال هو القرآن الكريم الذي\n_________\n(١) جوامع الكلم ١ / ٢٦.\n(٢) نفس المرجع ١ / ٢٧.\n(٣) جوامع الكلم ١ / ٣٢.","vol":"1","page":289},{"text":"تعهد الله سبحانه بحفظه \" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ\" (١) ثم من بعد ذلك السنة النبوية الشريفة. وما تحتاج إليه الأمة ولا تجده في هذين المصدرين، فإنها تعمل عقلها وتجتهر فيما يعرض لها، فإنها لا تجمع على ضلالة بنص قول الرسول ﷺ (٢)، وهى التي تعصم الإمام من الخطأ، فالإمام فرد يخطئ ويصيب كسائر البشر من لدن آدم ﵇، أما الأمة فهى أحقٍ بأن تصيب.\nوعندما أرسل الرسول ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، فوضه في أن يجتهد بعد الرجوع إلى الكتاب والسنة، ومعاذ ليس معصومًا، فلو وجبت العصمة للإمام لوجبت هنا لنفس الأدلة التي ساقوها: من فعل القبيح وترك الواجب، واتباع الناس له، إلى غير ذلك.\nولو وجبت العصمة للإمام، لوجب نصب إمام معصوم لكل بلد، لأن الإمام الواحد لا يكفي، ولوجب استمرار وجود هؤلاء الأئمة المعصومين في كل زمان ومكان وهذا - كما يسلم الجميع - لم يحدث.\nفاللطف من الله سبحانه إذا ليس في وجود الإمام المعصوم، وإنما في إرسال النبي ﷺ، وإنزال القرآن الكريم وحفظه لهداية الناس.\n_________\n(١) ... سورة الحجر: الآية التاسعة.\n(٢) ... \" لا تجتمع أمتى على ضلالة \": رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه وغيرهم، واختلف في إسناده فتحدث السخاوى عن رواياته المختلفة ثم قال: \" حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثيرة، وشواهد متعددة في المرفوع وغيره \". المقاصد الحسنه للسخاوى ص ٤٦٠.","vol":"1","page":290},{"text":"ونحن إذا تمسكنا بالقرآن الكريم، وبسنة النبي ﷺ فلن نضل أبدا كما قال نبينا صلوات الله عليه في حجة الوداع: \" تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا. كتاب الله وسنة نبيه (١) .\nويقول تعالى في سورة النساء: \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا\"\n(فلم يقل: وأطيعوا أولى الأمر، ليبين أن طاعتهم فيما كان طاعة للرسول أيضا، إذ اندراج طاعة الرسول في طاعة الله أمر معلوم، فلم يكن تكرير لفظ الطاعة مؤذنا بالفرق، بخلاف ما لو قيل: أطيعوا الرسول وأطيعوا أولى الأمر منكم، فإنه قد يوهم طاعة كل منهما على حياله.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنه قال \" إنما الطاعة في المعروف \"، وقال: \" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق \"، وقال: \" على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة \".\nولهذا قال سبحانه بعد ذلك: \"\n_________\n(١) راجع الخطبة في السيرة النبوية لابن إسحاق التي جمعها ابن هشام ٤، ٦٠٣ - ٦٠٤. والحديث رواه الإمام مالك في الموطأ، مرسلا، ووصله ابن عبد البر. (انظر تنوير الحوالك ٢ / ٢٠٨)، ورواه الحاكم عن ابن عباس، وعن أبى هريرة، وبين صحة الحديث ووافقه الذهبي - (انظر المستدرك وتلخيصه ١ / ٩٣) .","vol":"1","page":291},{"text":"فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا\"\nفلم يأمر عند التنازع إلا بالرد إلى الله والرسول دون الرد إلى أولى الأمر ... ولو كان غير الرسول معصومًا أو محفوظًا فيما يأمر به ويخبر به لكان ممن يرد إليه مواقع النزاع (١) .\nفإذا أمر الإمام بالقبيح فليس على الأمة أن تطيعه وتقتدى به؛ لأن ذلك لا يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله، ولا يعقل أن أمة لا تستطيع أن تميز القبيح من غير القبيح، في حين يستطيع ذلك الإمام وحده حتى لو كان طفلا!\nقال ابن تيمية (٢)، معقبا على القول بعصمة الإمام الثانى عشر: أجمع أهل العلم بالشريعة على ما دل عليه الكتاب والسنة: أن هذا لو كان موجودا لكان من أطفال المسلمين الذين يجب الحجر عليهم في أنفسهم وأموالهم حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد، كما قال تعالى: (٣) \" وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ \"\nوليس في القرآن الكريم، ولا في أحاديث الرسول ﷺ ما يدل على هذه العصمة.\nفقوله تعالى: (٤) \" قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ \"\n_________\n(١) جامع الرسائل ١ / ٢٧٣ - ٢٧٥.\n(٢) المرجع السابق ١ / ٢٦٣.\n(٣) سورة النساء: الآية السادسة.\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٢٤.","vol":"1","page":292},{"text":"ليس فيه معنى العصمة، فهناك فرق كبير بين الظلم وعدم العصمة، فغير المعصوم إذا أخطأ فلم يصر على هذا الخطأ وتاب وأناب إلى الله تعالى فليس بظالم. ثم أين هذا من السهو والنسيان الذي لا يحاسب عليه الإنسان، كما قال الرسول ﷺ: \" رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه \"؟ (١) وقوله تعالى (٢) \" أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى \"\nجزء من آية كريمة جاءت في سياق الاستدلال على إبطال دعوى المشركين فيما أشركوا بالله غيره، وعبدوا من الأصنام والأنداد. قال تعالى: (٣) \" قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُون قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ\"\nفالله سبحانه يهدى للحق وهو أحق أن يتبع، والمشركون ضالون فيما أشركوا بالله، فأين وجوب العصمة للإمام هنا؟!\nوبصفه عامة كل من يدعو للحق أحق أن يتبع سواء أكان إمامًا أم غير إمام، ومن دعا إلى الضلال أحق ألا يتبع.\n_________\n(١) وقع بهذا اللفظ في كتب كثيرين من الفقهاء والأصوليين. له شاهد جيد أخرجه أبو القاسم الفضل بن جعفر التميمى المعروف بأخى عاصم في فوائده، بسنده عن ابن عباس بلفظ: رفع الله. ورواه ابن ماجه وابن أبى عاصم بلفظ: وضع بدل رفع، ورجاله ثقات، ولذا صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما وقال النووى في الروضة وفى الأربعين أنه حسن (انظر المقاصد الحسنة للسخاوى ص ٢٢٨ - ٢٣٠) .\n(٢) سورة يونس: الآية ٣٥.\n(٣) سورة يونس: الآيتان ٣٤، ٣٥.","vol":"1","page":293},{"text":"ويقول تعالى في سورة السجدة: (١) \" وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ \"\nفإذا كانت العصمة واجبة للأئمة، فهل هؤلاء جميعا - الذين ذكرتهم الآية الكريمة - معصومون؟!\nإن القرآن الكريم يبين أن لا عصمة لبشر، فهذا آدم ﵁ أبو البشر قد عصى ربه فغوى كما يبين القرآن الكريم، قال تعالى: (٢) \" وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ\"\nوفي سورة الأعراف: (٣) . \" فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ\"\n_________\n(١) الآيتان ٢٣، ٢٤.\n(٢) سورة البقرة: الآيات: ٣٥، ٣٦، ٣٧.\n(٣) الآيتان: ٢٢، ٢٣.","vol":"1","page":294},{"text":"وفي سورة طه (١): \" فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى\"\nفهذه الآيات الكريمة تذكر أن آدم ﵁ قد أطاع الشيطان وعصى الله تعالى فغوى، وظلم نفسه. فلو كان معصومًا كالعصمة التي تدعى للأئمة ما فعل ذلك.\nوكونه \" إنما عصى حين صرف عنه وجه العصمة \" (٢) يمكن أن يقال مثله عن أي إنسان، فكل إنسان معصوم إذن. وإنما يخطئ عندما يصرف عنه وجه العصمة! وليس الأمر كذلك! وإذا لم يكن ذلك ذنبا من آدم - كما قيل - فلم حاسبه الله تعالى وعاقبه ثم تاب عليه وهداه؟ ولم عد ذلك الذي فعله ظلمًا وخسرانًا وغيًا؟\nيقول ابن تيمية: \" من زعم أن الله ذم أحدا من البشر أو عاقبه على ما فعله، ولم يكن ذلك ذنبا، فقد قدح فيما أخبر الله به وما وجب له من حكمته وعدله \". (٣)\nويقول فخر الدين الرازى - وهو يدافع عن مبدأ عصمة الأنبياء - إن ما نسب لآدم ﵁ كان قبل النبوة. وأورد رأي أولئك الذين لم يجوزوا صدور المعصية عن الأنبياء قبل النبوة ولكنه لم يستطع أن يسلم بهذا الرأي، وانتهى ... إلى قوله بلزوم أن يكون اطلاق لفظ العصيان على آدم إنما كان لكونه تاركا للواجب (٤) .\n_________\n(١) الآيتان: ١٢١، ١٢٢.\n(٢) جوامع الكلم ١ / ٢٦.\n(٣) جامع الرسائل ١ / ٢٧٥.\n(٤) انظر عصمة الأنبياء ص ١٢ - ١٣.","vol":"1","page":295},{"text":"إن تلك الآيات الكريمة واضحة الدلالة في عدم العصمة، ويزيد ذلك وضوحا لا لبس فيه قول الله تعالى:\n\" وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ. قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ \" (١)\nفقتل موسى للرجل، واعتبار ذلك من عمل الشيطان، واعترافه بظلم نفسه، وطلبه المغفرة من الله تعالى، واستجابة الله له، كل هذا لا تتحقق معه عصمة.\nوفي أكثر من موضع في القرآن الكريم لم يقر الرسول ﷺ على أخطاء وقع فيها.\nففي سورة الأنفال: (٢)\n\" مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ\"\n_________\n(١) سورة القصص، الآيتان: ١٥، ١٦.\n(٢) الآية: ٦٧.","vol":"1","page":296},{"text":"وفي سورة التوبة: (١) \" لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ\"\nوفي سورة الأحزاب (٢) \"وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ \"\nوفي سورة عبس: (٣) \"عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى \"\nوفي آيات كريمة أخرى ذكر أن له ﷺ ذنوبًا: قال تعالى: (٤) \"فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ\"\n_________\n(١) الآيتان: ٤٢، ٤٣.\n(٢) الآية ٣٧.\n(٣) الآيات من ١: ١٠.\n(٤) سورة غافر الآية: ٥٥.","vol":"1","page":297},{"text":"وقال ﷿: (١) \"فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ\"\nوقال سبحانه: (٢) \" إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا\"\nوقال تعالى: (٣) \" وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ\"\nوتخريج هذه الآيات الكريمة على أنها من باب ترك الأولى لا يتفق مع دعوى العصمة المطلقة.\nوما روى عن الصادق في الآية الثانية من سورة الفتح أنه قال: \" ما كان له ذنب ولا هم بذنب ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له \". (٤) يعد مبدأ خطيرا يتنافي مع مبادئ الإسلام كلية، فأين هذا من قوله تعالى: (٥)\n_________\n(١) سورة محمد الآية ١٩.\n(٢) سورة الفتح، الآيتان ١، ٢.\n(٣) سورة الانشراح، الآيتان ٢، ٣.\n(٤) جوامع الكلم ١ / ٢٥.\n(٥) سورة فاطر، الآية: ١٨.","vol":"1","page":298},{"text":"\"وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ\"\n\nومن قوله سبحانه: (١) \" فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ\"\nفالقرآن الكريم إذن ينفي وجوب هذه العصمة المطلقة لخير البشر أجمعين وهم الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم، وإنما عصمتهم مقيدة محددة، فمثلا \" اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبلغونه، فلا يقرون على سهو فيه، وبهذا يحصل المقصود من البعثة \". (٢)\nقال الإمام فخر الدين الرازى بعد نقل الآراء المختلفة في القول بعصمة الأنبياء: \" والذى نقول:\nإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في زمان النبوة عن الكبائر والصغائر بالعمد. أما على سبيل السهو فهو جائز. (٣)\nفالرازى وقد كتب رسالته - كما يقول (٤) - في النضح عن رسل الله وأنبيائه والذب عن خلاصة خلقه وأتقيائه، لم يدع لهم عصمة كتلك التي ادعيت للأئمة.\n_________\n(١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧، ٨.\n(٢) المنتقى ص ٨٤ - ٨٥.\n(٣) عصمة الأنبياء ص ٤، وانظر الآراء المختلفة حول العصمة في الصفحتين الثانية والثالثة.\n(٤) المرجع السابق ص ١.","vol":"1","page":299},{"text":"وبالطبع لا يمكن أن تتعارض السنة الشريفة مع هذا المبدأ. لكن الإمامية يستدلون على عصمة الأئمة بكثير من الأحاديث، بعضها صحيح وبعضها لا يمكن الأخذ به، وقد رأينا فيما سبق نظرة الشيعة إلى الإمام ونحن لا يمكن بحال أن نأخذ بها، فهى ترفعه فوق الأنبياء والبشر جميعا!\nفما وجه الاستدلال في الأحاديث الصحيحة التي استدلوا بها؟\nمن الأحاديث التي استدلوا بها قول الرسول ﷺ لعلى: \" أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى \". وقوله ﷺ: \" لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله \" ثم أعطاها عليًا.\nوهذا الحديثان الشريفان ورد معناهما في البخاري ومسلم. (١)\nأما الحديث الأول فقد ذكر مسلم بإسناده عن سعد بن أبى وقاص قال: \" خلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفنى في النساء والصبيان، فقال: أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير انه لا نبي من بعدى \".\nفالإمام على كرم الله وجهه يشبه هارون ﵁ في الاستخلاف (٢)، وقد استخلف غيره أيضا. وهذا الحديثان الشريفان يبينان مكانة! على ﵁، وما أسماها من مكانة ولكنهما لو كانا يوجبان عصمة لوجبت لكل الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فكلهم يحبون الله تعالى، ورسوله ﷺ، ويحبهم الله\n_________\n(١) راجع صحيح البخاري: كتاب المناقب. باب مناقب على بن أبى طالب، وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة. باب من فضائل على بن أبى طالب.\n(٢) انظر الوشيعة ص م ط وما بعدها ففيه تحليل مفصل لهذا الحديث، وبيان بطلان استدلال الإمامية، وانظر الفصل في الملل ص ٩٤ - ٩٥، ومختصر التحفة ص ١٦٢ - ١٦٤، والمنتقى ص ٤٦٨ - ٤٧٠.","vol":"1","page":300},{"text":"﷿، ورسوله ﷺ، ولوجبت العصمة كذلك لكل من استخلف على المدينة، فهم جميعا بمنزلة هارون من موسى في الاستخلاف، ولوجبت أيضا لكثيرين غير من ادعيت لهم، مثال ذلك ما جاء في حق أبى بكر الصديق ﵁ من الأحاديث الصحيحة.\nروى البخاري ومسلم بإسنادهما أن رسول الله ﷺ قال: \" إن من أمن ... الناس على في صحبته، وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربى لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر \" (١) .\nوأكثر من هذا صراحة ما روياه أيضًا بإسنادهما أن أمرأة أتت النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تقول الموت. قال ﵊: إن لم تجدينى فأتى أبا بكر \" (٢) .\nوبمنطق الشيعة نقول: إذا جاءت المرأة ولم تجد النبي -ﷺ- فإنها مأمورة بأن تسأل أبا بكر، وتتبعه فيما يقوله لها، فإذا لم يكن معصومًا فربما دلها على قبيح فتتابعه عليه، وهذا غير جائز فلابد إذن أن يكون معصومًا! أظن هذا أكثر منطقية واستدلالًا من استدلال الإمامية، ولكن أحدا لم يقل به، لأن أبا بكر - ﵁ - بشر كسائر البشر، يصيب ويخطئ، والمرأة مأمورة بأن تتبعه فيما يوافق كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأبو بكر - كغيره - منفذ للشرع وليس مشرعًا. وغير هذا كثير فيما ورد عن فضائل الصحابة رضوان الله عليهم (٣) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: \" كتاب المناقب – باب مناقب المهاجرين، وصحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة – باب من فضائل أبى بكر الصديق، واللفظ للبخاري.\n(٢) المرجعيين السابقين، وفى مسلم \" فإن لم ... \" بزيادة الفاء.\n(٣) راجع صحيح البخاري في كتاب المناقب، وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة.","vol":"1","page":301},{"text":"نخرج من كل هذا إلى أن عصمة الأنبياء ليست مطلقة، فهم بشر معرضون للخطأ والسهو والنسيان، ولكنهم - ﵈ - لا يقرون على هذا الخطأ \" بل لابد من التوبة والبيان، والاقتداء إنما يكون بما استقر عليه الأمر، فأما المنسوخ، والمنهى عنه، والمتوب عنه، فلا قدوة فيه بالاتفاق، فإذا كانت الأقوال المنسوخة لا قدوة فيها، فالأفعال التي لم يقر عليها أولى بذلك\" (١) أما باقي البشر فهى أدنى من هذا بكثير جدًا.\nودعوى العصمة للأئمة ليس لها سند من الشريعة والعقل، فإنها ترفعهم فوق مستوى الأنبياء ﵈. ولا نقول إن الأئمة جميعًا لا يصلون إلى درجة الأنبياء، فهذا مسلم به، وإنما نقول: إن جميع الأئمة ليس فيهم من يصل إلى منزلة الصديق والفاروق ﵄ باعتراف الإمام على نفسه كرم الله وجهه، فقد روى الإمام البخاري ﵁ بسنده عن محمد بن الحنفية ﵁ قال: \" قلت لأبى: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟\nقال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر \". (٢)\nقال ابن تيمية: \" قد روى هذا عن على من نحو ثمانين طريقًا، وهو متواتر عنه \" (٣) .\nوالواقع العملي للأئمة يتنافى مع هذه العصمة، مثال ذلك أن الحسن ﵁ هادن مع كثرة أنصاره، والحسين ﵁ حارب مع قلة من أنصاره (٤) . فلو كان أحدهما مصيبًا، كان الآخر مخطئًا، أي غير معصوم، ولا\n_________\n(١) جامع الرسائل ١/٢٧٦.\n(٢) ... صحيح البخاري، كتاب المناقب - باب مناقب المهاجرين.\n(٣) ... جامع الرسائل ١/٢٦١.\n(٤) ولذلك حارت فرقة من أصحابه وقالت: قد اختلف علينا فعل الحسن وفعل الحسين، فشكوا في إمامتها، ورجعوا عنها: انظر فرق الشيعة - ص ٢٥-٢٦.","vol":"1","page":302},{"text":"يمكن أن يكون الاثنان مصيبين. فلعل في هذا كله ما يكفى لدحض دعوى العصمة، والله سبحانه يهدينا سواء السبيل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ثانيًا: البداء</span>\nالبداء: الظهور والانكشاف، تقول: بدا َبدْوا وُبدُوّا وبَداء وَبدَّا وبداءة، ويستخدم كذلك بمعنى نشأة الرأي الجديد، تقول: بدا له في الأمر بدوا وبداء وبداة: نشأ له فيه رأي. (١)\nوقد ورد المعنيان في القرآن الكريم، الأول في مثل قوله تعالى: \" وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ \" (٢) .\nوقوله ﷾: (٣) ... \" وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ\".\nوالثانى في قوله تعالى: (٤) \" ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين \".\nوالبداء بمعنييه يستوجب جهل من يبدو له بالأمر قبل بدائه، ولكن الشيعة ينسبون البداء لله تعالى، فهل معنى ذلك أنهم ينسبون عدم العلم لله؟ ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\n_________\n(١) انظر مادة (بدو) في القاموس المحيط ولسان العرب.\n(٢) سورة الزمر: الآية ٤٧.\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٨٤.\n(٤) سورة يوسف: الآية ٣٥.","vol":"1","page":303},{"text":"رأي الكثير من المسلمين هذا الرأي، فرفضوا القول بالبداء، وسلطوا أقلامهم تعصف بالشيعة عصفها بالكفرة الملحدين، وأقاموا من البراهين القاطعة ما يثبت العلم الكامل لله ﷿. (١)\nومما لا جدال فيه أن القول بالبداء بهذا المعنى المرفوض، يُخرج الشيعة قطعًا من ملة الإسلام، ولكنني أرى أنهم لا يقصدون على الإطلاق نسبة الجهل إلى الله سبحانه، فهم يرون أن الله ﷿ يحيط علمه بكل شئ، وأن اللوح المحفوظ المشار إليه بأم الكتاب فيه كل ما كان وما يكون، وذكر لما يثبت وما يمحى ... \" يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ\"فالمحو والإثبات ليس في أم الكتاب، فنقوشه محفوظة مستمرة. (٢)\nوقد جاء في باب البداء من كتاب الكافي (٣) عن أبى عبد الله جعفر الصادق قال: \" ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو شيء له \".\n_________\n(١) انظر: الوشيعة ص ١١٠ – ١٢٠، والتحفة الاثنا عشريه ص ٣١٥ وما بعدها، والنسخ في القرآن الكريم لأستاذنا الدكتور مصطفى زيد ﵀ ص١٩-٢٦ جـ ١: وشيخنا لم يذكر الإمامية بالذات، والبداء الذي أنكره لم تقل به الإمامية وإنما ذهبت إليه فرق أخرى من الشيعة كالبدائية، فقد زعمت أن الله سبحانه قد يريد بعض الأشياء ثم يبدو له، ويندم لكونه خلاف المصلحة! وحملت خلافة الثلاثة ومدحهم في الآيات الكريمة على ذلك! انظر مختصر التحفة ص ١٦.\n(٢) انظر: الدين والإسلام ص ١٧١.\n(٣) ص ١٤٨.","vol":"1","page":304},{"text":"وقال: \" إن الله لم يبد له من جهل \"وسئل: هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله. قيل: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله؟ قال: بلى قبل أن يخلق الخلق (١) .\nيقول الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء: \" البداء وإن كان جوهر معناه هو ظهور الشىء بعد خفائه، ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشىء لله جل شأنه بعد خفائه عنه، معاذ الله، وأي ذى حريجة ومسكة يقول بهذه المضلة؟\nبل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم، وقولنا (بدا لله) أي بدا حكم لله، أو شأن لله \" (٢) .\nفالبداء بهذا التفسير لا يتعارض وعلم الله التام بكل شيء، وظهور أحكام لله كانت خافية علينا شيء يسلم به كل المسلمين، وقد نسب البداء إلى الله ﷾ في حديث شريف ورد في صحيح البخاري: فقد روى عن أبى هريرة - ﵁ - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \" إن ثلاثة في بنى إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص ... \" إلى آخر الحديث الشريف (٣) .\n_________\n(١) عقب أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة - ﵀ - على نسبة مثل هذه الأخبار إلى الإمام الصادق بقوله: إن هذه الأخبار في مجموعها تدل على أن البداء في نظر الصادق هو أن يظهر للناس ما أكنه الله تعالى في علمه، وذلك لا ينافى علم الله تعالى \". (الإمام الصادق ص ٢٣٦) .\n(٢) الدين والإسلام ص ١٧٣، وانظر كذلك قول الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه \" الشيعة والتشيع \" ص ٥٣-٥٤ ففيه بيان أن البداء لا يستدعى الجهل وحدوث العلم لذات الله سبحانه.\n(٣) انظر صحيح البخاري - الجزء الرابع - كتاب بدء الخلق: باب ما ذكر عن بنى إسرائيل.","vol":"1","page":305},{"text":"فكيف إذن اُعتبر مبدأ خاصا بالشيعة؟ ينافحون عنه، ويبالغون في قيمته حتى أنهم قالوا: \" ما عبد الله بشئ مثل البداء \"، \" ما عظم الله بمثل البداء \" (١) .\nإن توضيحهم لكيفية البداء تكشف عن هذا، فهم يقولون: إن الله جلت قدرته قد يخبر ملائكته، أو رسله المقربين بحادثة ما، ويخفى عنهم أشياء إذا تحققت تغيرت النتيجة، وقد يكون في علمه سبحانه أنها ستتحقق وسيتبع ذلك تغير الحال: مثال هذا: أن يخبرهم بأن فلانا سيموت في الثلاثين من عمره، ويخفى عنهم أن ذلك مقترن بعدم تصدقه، وأنه سيتصدق وسينسأ له في أجله، فعندما يظهر ذلك الذي أخفى يقال: بدا لله فيه أن يمد في أجله، فيكون البداء في التكوين كالنسخ في التشريع (٢) .\nوإذا كنا نعلم الحكمة من النسخ في التشريع، فما الحكمة من هذا البداء؟ وكيف يخبر الله سبحانه وأنبياءه وملائكته بمعلومات ناقصة؟ وعندما يخبرون الناس بهذه المعلومات فما الفرق بينهم وبين المنجمين الكاذبين الضالين ... المضلين؟ (٣) .\n\nإن الدافع الحقيقى لهذا المبدأ هو أنهم غالوا في أئمتهم، وأحلوهم منزلة فوق البشر كما رأينا من ذى قبل، ونسبوا لهم العصمة وعلم الغيب، فكان لابد من مخرج إذا حدثوا بمغيب فكذبهم الواقع، وكان هذا المخرج هو القول بالبداء!\n_________\n(١) راجع باب البداء من كتاب الكافى.\n(٢) انظر: الدين والإسلام ص ١٧٢ وما بعدها، وانظر كذلك: جوامع الكلم ص ١٤٥ من الرسالة القطيفية، والدعوة الإسلامية ص ٣٥ وما بعدها.\n(٣) لهذا وقع الخلاف بين الإمامية في الإخبار: أيجوز أم لا؟ (انظر الدعوة الإسلامية ... ص ٣٧-٣٨) .","vol":"1","page":306},{"text":"وأول من نادى به المختار الثقفى، لأنه كان يدعى علم الغيب، فإذا حدثت حادثة على خلاف ما أخبر قال: قد بدا لربكم! (١) .\nوروى أن أبا الخطاب محمد بن أبى زينب الأسدي الأجدع عندما حارب والى الكوفة عيسى بن موسى بن محمد بن عبد الله بن العباس جعل القصب مكان الرماح، واستخدم الحجارة والسكاكين، وقال لقومه: قاتلوهم فإن قصبكم يعمل فيهم عمل الرماح والسيوف. ورماحهم وسيوفهم وسلاحهم لا تضركم، ولا تخل فيكم: فقدمهم عشرة عشرة للمحاربة، فلما قتل منهم نحو ثلاثين رجلًا قالوا له: ما ترى ما يحل بنا من القوم، وما نرى قصبنا يعمل فيهم ولا يؤثر، وقد عمل سلاحهم فينا، وقتل من ترى منا، فقال لهم: إن كان قد بدا لله فيكم فما ذنبي؟ (٢)\nولهذا جاء في الكافى عن أبى عبد الله: \" إن لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو، من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه \" (٣) .\nوفى رواية أخرى في الكافى أيضا (١/٣٦٩):\n\" إذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم به فقالوا: صدق الله، وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله تؤجروا مرتين \".\nوعلق صاحب الحاشية بقوله: \" مرة للتصديق، وأخرى للقول بالبداء \"\n_________\n(١) انظر: النسخ في القرآن الكريم ١/٢٥ –٢٦، وضحى الإسلام ١/٣٥٤، والإمام الصادق ص: ٢٣٤، والملل والنحل للشهرستانى ١/١٣٢-١٣٣.\n(٢) فرق الشيعة ص ٧٠.\n(٣) ص ١٤٧ من الكتاب المذكور ج ١.","vol":"1","page":307},{"text":"فالقول بالبداء، وإن كان لا يتنافى مع علم الله سبحانه الذي وسع كل شئ، إلا أنه اتخذ ذريعة للتضليل بأن الأئمة يعلمون الغيب، فإذا حدث غير ما أخبروا، فإنما قد بد الله! ومصدق الكذب يؤجر مرتين!\nوالمسلمون قاطبة - عدا الشيعة - يرفضون هذا القول، ويكفى لبطلانه مثل قوله تعالى: (١)\n\" وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ \"\nوأمره سبحانه لرسول الله ﷺ بأن يقول: (٢) \" وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ \"\n\" قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ \" (٣)\nعلى أن من الشيعة أنفسهم من ينكر علم الأئمة للغيب، بل ينكر نسبة ذلك إلى الشيعة! يقول الشيخ محمد جواد مغنية: وكيف ينسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن أئمتهم يعلمون الغيب، وهم يؤمنون بكتاب الله، ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيه: \"وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ \"، وقوله: \" إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ\"، وقوله: \" قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ \".\nوذكر قول الشيخ الطبرسي المفسر: لقد ظلم الشيعة الإمامية من نسب إليهم القول بأن الأئمة يعلمون الغيب، ولا نعلم أحدًا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق.\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ١٧٩.\n(٢) سورة الأعراف: الآية ١٨٨.\n(٣) الأنعام: الآية ٥٠.","vol":"1","page":308},{"text":"ثم قال: وإن افترض وجود خبر أو قول ينسب علم الغيب إلى الأئمة وجب طرحه باتفاق المسلمين. ثم ذكر عن الشيعة أنهم لا يدعون لأئمتهم علم الغيب، ولا الإيحاء والإلهام، وأن من نسب إليهم شيئًا من ذلك فهو جاهل متطفل، أو مفتر كذاب (١) .\n\nوفى قول الشيخ مغنية ما يبين افتراء من يستجيز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، ولكنه بعد عن الواقع عندما ذكر أن الشيعة لا يستجيزون هذا، فما أكثر الشيعة القائلين بأن الأئمة يعلمون الغيب! (٢) ولولا هذا لما قيل بالبداء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>ثالثًا: الرجعة</span>\nيعتقد الإمامية الاثنا عشرية أن إمامهم الثانى عشر محمدا المهدى، سيرجع بعد غيبته الكبرى، فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. ورأينا أنهم ينتظرون خروجه حتى الآن، رغم مضى أكثر من ألف عام! وبسطنا بعض حججهم وأثبتنا بطلانها، وهذه العقيدة من جوهر الإمامة التي أجمعت عليها هذه الفرقة.\nوالإمامية ليست أول من قال برجوع الإمام بعد غيبته، فأكثر فرق الشيعة رأت أن بعض الأئمة سيعودون بعد موتهم أو غيبتهم، ولهم تفصيلات في ذلك يعحب الباحثون لوجود مثلها بين فرق من المسلمين (٣) .\n_________\n(١) انظر: الشيعة والتشيع: ص ٤٣، ٤٨.\n(٢) في تفسير البداء اعتراف بعلم الغيب، وكذلك يرى أكثر الشيعة أن الأئمة يعلمون الغيب: انظر مثلا حديث السيد كاظم الكفائى في تعقيبه على الأخبار التي تنسب علم الغيب للأئمة. (الحديث آخر هذه الموسوعة)، وراجع رأي عبد الحسين شرف الدين في ردى على مراجعاته.\n(٣) انظر: جوامع الكلم ١/١٢.","vol":"1","page":309},{"text":"وللإمامية عقيدة أخرى خاصة بالرجعة، وهى رجعة النبي ﷺ وأهل بيته قبل يوم القيامة، وكذلك رجعة أعدائهم ومن اغتصبوهم حقهم بحسب زعمهم ليقتصوا منهم، ولهم في ذلك خرافات كثيرة: كظهور جسد أمير المؤمنين على ابن أبى طالب في قرص الشمس، يعرفه الخلائق، وينادى مناد باسمه في السماء، وينادى جبريل أن الحق مع على وشيعته (١) .\n\nوألف في موضوع الرجعة كثير من الرافضة، وأطالوا الحديث عنها، وعن إمكانها، وعن أدلة إثباتها، والرد على من ينكرها. كما نرى الحديث عن الرجعة في كتب التفسير والحديث عندهم، والكتب التي تتناول موضوعات عامة.\nونضرب مثلا هنا بكتاب: \" الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة \" لمؤلفه محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى سنة ١١٠٤ هـ.\nنرى في مقدمة الكتاب ذكر تسعة وعشرين كتابًا في موضوع واحد هو إثبات الرجعة!!\nوفى مراجع المؤلف نرى كثيرًا من كتب التفسير والحديث وغيرها.\nوالكتاب كله مثل للغلو والضلال، بل يصل إلى الكفر والزندقة. ولا نرى حاجة للوقوف أمام هذا الكتاب وأمثاله، ويكفى ما بيناه من قبل من بطلان عقيدتهم في الإمامة، وإثبات ضلال القائلين بها. والرجعة إنما هي تابعة لعقيدتهم في الإمامة، وهى من أشد أقوالهم غلوًا وضلالًا.\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق ص ١٣، ٤١، والشيعة والتشيع ص ٥٥، ضحى الإسلام ٣/٢٤٢، والإمام الصادق ص ٢٤٠.","vol":"1","page":310},{"text":"ووجدنا من الشيعة الاثنى عشرية أنفسهم من ينكر هذه العقيدة الخرافية (١) .\nفهى إذن ليست من المبادئ المجمع عليها، ونحن نرى أن الصواب مع أولئك الذين أنكروها، وأن من قال بها فقد أدخل على الإسلام ما هو منه براء (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>رابعًا: التقية</span>\nنقول: اتقيت الشئ وَتقَيْته أتَّقِيته وأتقْيٍةٍ تُقىّ وتقَّية وِتقاء: أي: حِذَرْته (٣) ومنها قوله تعالى (٤):\n\" لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً \"\nوفى قراءة: \" تقية \" (٥)\nومعنى هذا أن الله سبحانه قد أباح للمؤمنين: إذا خافوا شر الكافرين أن يتقوهم بألسنتهم، فيوافقوهم بأقوالهم وقلوبهم مطمئنة بالإيمان.\nوقد اتخذت الشيعة التقية مبدأ من مبادئها، و\" معنى التقية التي قالوا بها أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك، أو مالك، أو لتحتفظ بكرامتك، كما لو كنت بين قوم لا يدينون بما تدين، وقد بلغوا الغاية في التعصب،\n_________\n(١) انظر جوامع الكلم ١/١٣، ٤١ والشيعة والتشيع ص ٥٥، وضحى الإسلام ٣/٢٤٢، والإمام الصادق ص ٢٤٠.\n(٢) راجع مناقشة هذه العقيدة، وبيان بطلانها بالأدلة العقلية والنقلية في كتاب: مختصر التحفة الاثنى عشرية ص ٢٠٠-٢٠٣\n(٣) انظر القاموس المحيط ولسان العرب مادة \" وقى \".\n(٤) آل عمران: الآية ٢٨.\n(٥) انظر: تفسير البيضاوى ص ٧٠، وإملاء ما من به الرحمن للعكبرى ١/١٣٠.","vol":"1","page":311},{"text":"بحيث إذا لم تجارهم في القول والفعل تعمدوا إضرارك والإساءة إليك. فتماشيهم بقدر ما تصون به نفسك، وتدفع الأذى عنك، لأن الضرورة تقدر بقدرها \" (١) .\nواستدلوا على صحة هذا المبدأ بالآية الكريمة السابقة، وبقوله تعالى: (٢)\n\" إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ \"\nوبقصة عمار، فقد أخذه المشركون ولم يتركوه حتى سب النبي ﷺ، وذكر آلهتهم بخير، ولم يؤثر ذلك في إيمانه، إلى غير ذلك من الأدلة التي تبيح للمؤمن أن يظهر غير ما يضمر حفاظًا على حياته أو عرضه (٣) .\nوالتقية في هذه الصورة لا تتعارض ومبادئ الإسلام، فلا ضرر ولا ضرار، والضرورات تبيح المحظورات.\nومن يرجع إلى التاريخ ير من الأهوال التي نزلت بالشيعة ما تقشعر منه الأبدان، وتأباه النفوس المؤمنة.\nونذكر على سبيل المثال: كتاب مقاتل الطالبيين لأبى الفرج الأصفهانى، فقد ترجم فيه لنيف ومائتين من شهداء الطالبين!\nفمن العبث إذن أن يعرض الإنسان حياته للهلكة دون أن يكون من وراء ذلك وصول إلى هدف مقدس، أو غاية شريفة.\nويرى الإمامية أن \" العمل بالتقية له أحكامه الثلاثة \"\nفتارة يجب كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة، وأخرى يكون رخصة كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية له، فله أن يضحى بنفسه، وله أن يحافظ عليها.\n_________\n(١) الشيعة والتشيع ص ٤٩.\n(٢) سورة النحل: الآية ١٠٦.\n(٣) انظر: الدعوة الإسلامية ص ٣٨ – ٣٩ وأصل الشيعة وأصولها: ص ١٩٢ –١٩٥، والشيعة والتشيع ص ٤٨-٥٣.","vol":"1","page":312},{"text":"وثالثة يحرم العمل بها كما لو كان ذلك موجبا لرواج الباطل، وإضلال الخلق، وإحياء الظلم والجور \" (١)\nوالعمل بالتقية في ظل هذه الأحكام لا تنفرد به الإمامية، فلماذا إذن اختصوا بهذا المبدأ، وهوجموا من أجله؟\n\nأرى أن ذلك يرجع إلى الأسباب الآتية:\nالأول: أنهم غالوا في قيمة التقية، مع أنها رخصة لا يقدم عليها المؤمن إلا اضطرارًا. من ذلك ما جاء في كتاب الكافى:\nعن أبى عبد الله في قوله تعالى: \" أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا \" قال: بما صبروا على التقية. \" وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِئَةَ \". قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة. (فهذا تحريف لمعانى القرآن الكريم) .\nوعن أبى عبد الله: \" إن تسعة أعشار الدين التقية، ولا دين لمن لا تقية له! \".\nوعنه عن أبيه: \" لا والله ما على وجه الأرض شىء أحب إلى من التقية (٢) . وعن أبى جعفر: \" التقية من دينى ودين آبائى، ولا إيمان لمن لا تقية له \".\nفمثل هذه الأخبار تنزل التقية منزلة غير المنزلة، فمن ارتآها كذلك فإنما تخلق منه إنسانًا جبانًا كذوبًا، وأين هذا من الإيمان؟!\n_________\n(١) أصل الشيعة: ص١٩٣.\n(٢) انظر: الأصول من الكافى ج ٢ باب التقية ص ٢١٧-٢٢١.","vol":"1","page":313},{"text":"والسبب الثانى: أنهم وقد أحلوها هذه المكانة، فلم يتمسكوا بأحكامها، وتعلقوا بها تعلق المؤمن بإيمانه، وطبقوها في غير حالاتها (١)، ولنضرب لذلك الأمثال:\nيرون في التيمم مسح الوجه والكفين، وورد عن أحد أئمتهم أنه سئل عن كيفية التيمم، فوضع يده على الأرض فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين. وقالوا: إن ذلك محمول على ضرب من التقية (٢) . فما الذي يدعو إلى هذه التقية؟ إن كثيرًا من المسلمين يرون رأيهم في التيمم، فلا ضير عليهم، ولا ضرورة تلجئهم لترك ما يرون صحته ويطبقونه فيما بينهم، والتعبد بما يرونه باطلًا\nوهم لا يشترطون للجمعة المصر، وروى نحو ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والأوزاعى والليث ومكحول وعكرمة والشافعى وأحمد (٣) . ورووا عن الإمام على أنه قال: لا جمعة إلا في مصر يقام فيه الحدود. وقالوا: إن هذا الخبر قيل تقية (٤) .\n\nومن الواضح أنه لا حاجة إلى هذه التقية، ثم من الذي يتقى؟ أعلى كرم الله وجهه؟ وهو الشجاع الذي يأبى التقية إباءه للضيم، واستشهد من أجل مبادئه، وكان لفتاواه الدينية قيمتها عند المسلمين، أمن روى عنه؟ وكيف إذن يتعمدون الكذب على أمير المؤمنين وليست هناك رقاب ستقطع أو أعراض تنتهك بله أدنى ضرر؟!\n_________\n(١) يقول المؤرخ الهندى سيد أمير على: \" إلا أن هذه التقية، وهى الابن الطبيعى للاضطهاد والخوف، قد غدت عادة متأصلة في نفوس الفرس الشيعيين إلى درجة أنهم أصبحوا يمارسونها حتى في الظروف التي لا تكون ضرورية فيها \" ص ٣٣٦ من كتابه: روح الإسلام.\n(٢) انظر: الاستبصار: باب كيفية التيمم: ص ١٧٠-١٧١ ج١.\n(٣) انظر: المغنى: ٢/١٧٤.\n(٤) انظر: الاستبصار: ص ٤٢٠ ج١.","vol":"1","page":314},{"text":"وفى صلاة الجنازة يرون رفع اليدين في كل تكبيرة، ويوافقون في ذلك ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والشافعى وأحمد وغيرهم (١) .\nولكنهم رووا عن الإمام جعفر عن أبيه قال: كان أمير المؤمنين يرفع يديه في أول التكبير على الجنازة، ثم لا يعود حتى ينصرف.\nورووا أيضًا عن أبى عبد الله عن أبيه أن الإمام عليا لا يرفع يديه في الجنازة إلا مرة، يعنى في التكبير.\nوعقب شيخ طائفتهم الإمام الطوسي على هاتين الروايتين بقوله: \" يمكن أن يكونا وردا مورد التقية لأن ذلك مذهب كثير من العامة \" (٢) .\nوأشد من هذا عجبا رواياتهم في أكثر أيام النفاس، فهم يرون أن أيام النفاس مثل أيام الحيض، ويتعارض ذلك مع روايات لهم كثيرة مثل ما رووه عن الإمام على قال: النفساء تقعد أربعين يوما. وعن أبى عبد الله: سبع عشرة، وثمانى عشرة، وتسع عشرة، وثلاثين أو أربعين إلى الخمسين، وبين الأربعين إلى الخمسين! وعن أبى جعفر: ثمانى عشرة.\nفجوز إمامهم الطوسي حمل هذه الأخبار على ضرب من التقية، وقال: لأنها موافقة لمذهب العامة، ولأجل ذلك اختلفت كاختلاف العامة في أكثر أيام النفاس، فكأنهم أفتوا كلا منهم بمذهبه الذي يعتقده (٣) .\nبمثل هذا تكون التقية تضييعًا للعلم، وإخفاء للحق، وترويجًا للكذب.\nيقول أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة - ﵀ -: \" لا يصح أن تكون التقية لإخفاء الأحكام ومنعها، فإن ذلك ليس موضوع التقية وليس صالحًا لأن\n_________\n(١) انظر المغنى ٢ / ٣٧٣.\n(٢) الاستبصار ج ١: ص ٤٧٩، وانظر ص ٤٩٨.\n(٣) انظر: الاستبصار ج١: باب أكثر أيام النفاس: ص ١٥١ وما بعدها.","vol":"1","page":315},{"text":"يتسمى بها، بل له اسم آخر، وهو كتمان العلم - ويوصف معتنقه بوصف لا يوصف به المؤمن \" (١)\nوالسبب الثالث: أنهم جعلوا من التقية منفذًا للغلو والانحراف، مثال هذا أن بعضهم حكم بكفر كثير من الصحابة لعداوتهم للإمام على، وقالوا بنجاستهم تبعًا لذلك، وعللوا مخالطة الشيعة لهم بأن طهارتهم مقرونة إما بالتقية، أو الحاجة، وحيث ينتفيان فهم كافرون قطعًا! (٢) .\nويرون أن الصلاة لا تصح خلف من ليس إماميًا، فكيف إذن كان يصلى الإمام على مثلًا خلف الخلفاء الثلاثة؟ هذا من الأسئلة التي امتنع السيد كاظم الكفائى ان يجيب عنها، وقال: \" أبو بكر وعمر أتريد أن يكفرونا؟ \" ومثل هذا الغلو الذي أجمعوا عليه يجد التقية أسهل مخرج.\nفالتقية إذن بهذه الصورة تعد مبدأ ينفرد به الشيعة الاثنا عشرية.\n\n---\n_________\n(١) الإمام الصادق: ص ٢٤٥.\n(٢) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة: ص ١٤٥.","vol":"1","page":316},{"text":"الكتاب الثاني\nالقسم الأول\nالتفسير وأصوله عن أهل السنة\n\nد. علي السالوس","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الجزء الثانى في التفسير وكتبه ورجاله</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>مقدمة</span>\nإن الحمد كله لله، نحمده سبحان وتعالى، ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله ﷿ أن يجنبنا الزلل في القول والعمل، ونصلى ونسلم على رسله الكرام، وعلى أولهم خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.\nأما بعد: فهذا الجزء الثاني من كتابنا الذي يبين حقيقة الشيعة الاثنى عشرية، حيث كان الجزء الأول دراسة مقارنة في عقيدة الإمامة والعقائد التابعة، وجاء هذا الجزء في التفسير وأصوله، وهو دراسة مقارنة أيضًا، ولذلك جعلته قسمين:\nالقسم الأول: تحدثت فيه عن التفسير وأصوله عند أهل السنة.\nالقسم الثاني: جعلته لبيان التفسير وأصوله عند الشيعة.\nوالقسم الأول يضم ثمانية فصول، والقسم الثاني سبعة فصول.\nوهذا الجزء طبع من قبل في كتاب مفرد، ولم أجد فيه ما يحتاج إلى الحذف أو الإضافة، غير أن خاتمته عرضت موجزا للبحث، وأشارت إلى نتائجه، فلا حاجة هنا إذن إلى إثبات ما كتبته في الخاتمة.\nنسأل الله تعالى أن يجعل عملنا خالصا لوجهه، وأن يتقبله منا، إنه نعم المولى ونعم النصير، وهو المستعان، وله الحمد في الأولى والآخرة. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>القسم الأول: التفسير وأصوله عند أهل السنة</span>.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفصل الأول: علم التفسير</span>\nالتفسير في اللغة:\nالتفسير في اللغة راجع إلى معنى الإظهار والكشف والبيان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١) فكلمة: \" تفسيرا \" هنا يراد بها البيان والوضوح.\nالتفسير في الاصطلاح:\nقال الزركشى في البرهان التفسير في الاصطلاح: هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها. ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها. وزاد فيها قوم فقالوا: علم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها (٢).\nوما ذكره الزركشى يحدد ما يقوم به المفسر لكتاب الله المجيد، فعليه أن يبين كل ما ذكر، ويوضحه ويكشف عنه.\nالتأويل:\nوقد يطلق على التفسير التأويل؛ فتفسير الطبري سماه \" جامع البيان عن تأويل أي القرآن \"، وعند تفسير الآيات الكريمة يقول: القول في تأويل كذا، أو اختلف أهل التأويل، أو اتفق أهل التأويل ... إلخ.\n_________\n(١) ٣٣: الفرقان.\n(٢) انظر البرهان: ٢/ ١٤٨.","vol":"1","page":322},{"text":"وفى لسان العرب: أول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وأوله وتأوله: فسره.\nوممن ذهب إلى عدم التفرقة بين التفسير والتأويل: أبو عبيد، وأبو العباس أحمد ابن يحيى، وابن الأعرابى، وثعلب: غير أنه قال: التفسير والتأويل واحد، أو هو كشف المراد عن المشكل، والتأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر (١) .\nوأصل التأويل في اللغة من الأول وهو الرجوع لعاقبة الأمر، ومعنى ... قولهم: ما تأويل هذا الكلام؟ أي: إلام تئول العاقبة في المراد به؟ ويقال: آل الأمر إلى كذا: أي صار إليه؛ والمآل: هو العاقبة والمصير.\nوتقول: أولته فآل: أي صرفته فانصرف، فكأن التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني.\nوقيل: أصل التأويل من الإيالة، وهى السياسة، فكأن المؤول للكلام يسوى الكلام ويسوسه، ويضع المعنى فيه موضعه.\nوالمعنى اللغوى للتأويل لا يمنع من إطلاقه على التفسير، ولكن قومًا ذهبوا إلى التفرقة بين التفسير والتأويل: فالماتريدى الذي سمى تفسيره \" تأويلات أهل السنة \"، مما يرجح أنه لا يفرق بينهما، قال:\nالتفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله ﷾ أنه عنى باللفظ هذا. والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة.\nوقال ابن حبيب النيسابورى والبغوى وغيرهما: التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها، تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنة، من طريق الاستنباط. والتفسير هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها.\n_________\n(١) راجع التفسير والتأويل في لسان العرب، والقاموس المحيط، وكشف الظنون: علم التأويل ١ / ٣٣٤، وعلم التفسير ١ / ٤٢٧.","vol":"1","page":323},{"text":"وقال ابن الأثير: المراد بالتأويل: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلى إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ.\nوقال الراغب الأصفهانى: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل في الكتب الإلهية وغيرها.\nوقال السيد الشريف على بن محمد الجرجانى: التفسير علم يبحث فيه عن أحوال كلام الله المجيد من حيث دلالته على مراده، وينقسم إلى تفسير: وهو ما لا يدرك إلا بالنقل؛ كأسباب النزول، والقصص، فهو ما يتعلق بالرواية، وإلى تأويل: وهو ما يمكن إدراكه بالقواعد العربية، وهو ما يتعلق بالدراية، فالقول في الأول بلا نقل خطأ، وكذا القول في الثاني بمجرد التشهى وإن أصاب فيهما (١) .\nوأمام هذا الخلاف ننظر إلى معنى التأويل كما يفهم من الكتاب والسنة.\nكلمة تأويل في القرآن الكريم: كلمة تأويل ذكرت في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، ففى سورة آل عمران (آية ٧) ﴿... هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾\n_________\n(١) انظر حاشيته على تفسير الكشاف للزمخشرى ١ / ١٥.","vol":"1","page":324},{"text":"والمعنى هنا أن الذين في قلوبهم زيغ، أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، يصرفون المتشابه عن معناه الذي يوافق المحكم إلى ما يوافق أغراضهم وباطلهم، ولا يعلم تأويله الحق الذي يحمل عليه وتفسيره الصحيح إلا الله، والعلماء الثابتون في علمهم المتمكنون يرجعون المتشابه إلى المحكم، ويقولون: كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا، فلا يمكن أن يخالف بعضه بعضا.\nفكلمة تأويله الأولى تعنى تحريف المعنى، ولهذا يأخذون من القرآن الكريم \" المتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم \" (١) .\nوكلمة تأويله الثانية تعنى التأويل الحق الذي يحمل عليه المتشابه، وهو المعنى الصحيح الذي لا يتعارض مع المحكم. وفى سورة النساء آية ٥٩: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أحسن تأويلا: أحسن عاقبة ومآلا.\nوفى سورة الأعراف آية ٥٣: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ والتأويل هنا معناه: عاقبة أمره، وما يئول إليه ما أخبر به ﷾ من الوعد والوعيد.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ١ / ٣٤٥، وانظره إلى ص ٣٤٧.","vol":"1","page":325},{"text":"وفى سورة يونس آية ٣٩: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه ُ﴾ أي: مآله وعاقبة أمره، وهو خذلانهم في الدنيا، وخلودهم في النار في الآخرة. وفى سورة يوسف وردت الكلمة في ثمانى آيات، أرقامها: ٦، ٢١، ٣٦، ٣٧، ٤٤، ٤٥، ١٠٠، ١٠١.\nومن هذه الآيات الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ أي: بيان الرؤيا، وهو تفسيرها وعبارتها.\nومنها: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾\n\nوالأولى تعني تعبير الرؤيا، والثانية: نبأتكما بتأويله: أي أخبرتكما بأحواله التي سيكون عليها وماهي.\nفالتأويل هنا بيان ما هيته وكيفيته (١)،\nوقال ابن كثير: يخبرهما يوسف ﵇ أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم فإنه عارف بتفسيره، ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه (٢) .\nومن هذه الآيات الكريمة أيضا: ﴿\n_________\n(١) انظر الكشاف ٢ / ٣٢٠.\n(٢) انظر تفسيره ٢ / ٤٧٨.","vol":"1","page":326},{"text":"قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ . ومنها: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ...﴾ .\nوفى سورة الإسراء آية ٣٥: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ...﴾ أي: مآلا في الآخرة.\nوفى سورة الكهف آية ٧٨: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ .\nوفيها أيضًا آية ٨٢: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرً﴾ والتأويل هنا هو ما ذكره الخضر - ـ تفسيرًا للأحداث التي رآها موسى - ـ وأنكرها، وهى: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار.\nكلمة تأويل في السنة المطهرة:\nوننظر بعد هذا في كتب السنة:\n١ - روى الإمام أحمد والطبرانى عن ابن عباس أن الرسول ﷺ دعا له فقال: \" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل \".\nوعند البزار: \" اللهم علمه تأويل القرآن \".","vol":"1","page":327},{"text":"وعند أحمد من وجه آخر عن عكرمة: \" اللهم اعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل \" (١) .\n٢ - وروى الشيخان أن الرسول ﷺ قال:\n\" بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون على وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك. وعرض على عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين \" (٢) .\n٣ - وفى رواية جابر لحجة الرسول ﷺ قال:\n\" نظرت إلى مد بصري من بين يديه، بين راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، ما عمل به من شيء عملنا به...... \" (٣) .\n٤ - وروى الإمام البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده:\nسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن \" (٤)\nتعنى أنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾\n٥ - وفى صحيح البخاري أيضًا: ... فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا يرث المؤمن الكافر.\n_________\n(١) انظر فتح الباري ٧ / ١٠٠ - كتاب فضائل الصحابة - باب ذكر ابن عباس ﵄.\n(٢» البخاري - كتاب الإيمان - باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، ومسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عمر ﵁.\n(٣) سنن ابن ماجه - كتاب المناسك - باب حجة رسول الله - ﷺ -، ورواه أبو داود والنسائى.\n(٤) البخاري - كتاب الأذان - باب التسبيح والدعاء في السجود.","vol":"1","page":328},{"text":"قال ابن شهاب: وكانوا يتأولون قول الله تعالى \" ٧٢: الأنفال \": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ ... الآية (١) .\nقال ابن حجر: قوله \" قال ابن شهاب: وكانوا يتأولون إلخ \" أي كانوا يفسرون قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ بولاية الميراث، أي يتولى بعضهم بعضا في الميراث وغيره (٢) .\n٦ - ومن حديث رواه الإمام أحمد أن الرسول قال: \" يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله عزوجل \" (٣) .\n٧ - روى الإمام مالك عن كعب الأحبار، أن رجلًا نزع نعليه، فقال:\nلم خلعت نعليك؟ لعلك تأولت هذه الآية ... ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ... قال: ثم قال كعب للرجل: أتدرى ما كانت نعلا موسى؟ ... إلخ (٤)\n٨ - عن عائشة ﵂ قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر. قال الزهرى: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان (٥) .\n_________\n(١) البخاري - كتاب الحج - باب توريث دور مكة وبيعها.\n(٢) فتح البارى ٣ / ٤٥٢.\n(٣) المسند ٤ / ١٥٥.\n(٤) الموطأ - كتاب اللباس - باب ما جاء في الانتعال. والآية الكريمة المذكورة هي رقم ١٢ من سورة طه.\n(٥) البخاري - كتاب تقصير الصلاة - باب يقصر إذا خرج من موضعه.","vol":"1","page":329},{"text":"أراد بتأويل عثمان ﵁ ما روى عنه أنه أتم الصلاة بمكة في الحج، والخلاف حول تأويل عثمان يطول ذكره (١) .\nبعد هذا العرض لما جاء في القرآن الكريم، وفى كتب السنة النبوية المطهرة، نرى أن إطلاق تأويل القرآن على تفسيره لا يتعارض مع ما جاء من استعمال كلمة تأويل في هذين المصدرين، إضافة إلى ما رأيناه من قبل من المعنى اللغوى، مع عدم إغفال أن التأويل منه ما هو باطل فاسد، ومنه ما هو حق صحيح، وكذلك التفسير.\nالتفرقة بين التفسير والتأويل:\nوالذين رأوا التفرقة بين التفسير والتأويل نرى أن فيما ذهبوا إليه نظرًا:\n١ - فكلام الماتريدى يجعل التفسير قاصرًا على قول المعصوم ﷺ، وعلى ما لا يحتاج إلى تفسير! ولعل هذا هو الذي جعله يسمى تفسيره \" تأويلات أهل السنة \".\nويتعارض هذا مع ما جاء في السنة من أن الرسول ﷺ يعرف تأويل القرآن الكريم، وأنه يتأول القرآن.\n٢ - ما ذهب إليه النيسابوري والبغوي وغيرهما من قصر التفسير على الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها غير مسلم، فالتفسير بمعناه المفهوم لا يتم بهذا وحده، وإنما لابد من النظر والاستنباط حتى يتم التوضيح والإظهار والبيان، أي التفسير، فما ذكروه من أنه تأويل هو أيضا تفسير، ومثله ما ذكره ابن الأثير.\n٣ - كلام الراغب الأصفهاني لا يمنع اطلاق التأويل على التفسير.\n٤ - كلام الشريف الجرجاني يشير إلى نوعى التفسير المعروفين، وهما: التفسير المأثور أو النقلي، وهو يتعلق بالرواية، والتفسير العقلي، وهو يتعلق\n_________\n(١) انظر فتح البارى ٣ / ٥٧٠ - ٥٧٢.","vol":"1","page":330},{"text":"بالدراية، وما ذكره عن كل منهما صحيح، غير أنه سمى أحدهما تفسيرًا والآخر تأويلًا، وتفسير القرآن الكريم يجمع الاثنين.\nوقد بين ابن تيمية سبب الخلاف في فهم المراد بالتأويل فقال: \" أصل ذلك أن لفظ التأويل فيه اشتراك بين ما عناه في القرآن، وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف، وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين فبسبب الاشتراك في لفظ التأويل اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور في القرآن\" (١) ثم بين أن معاني التأويل ثلاثة، فقال: \" التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف\nوأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان:\nأحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالفه، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا، وهذا - والله أعلم - هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله، ومحمد بن جرير الطبري يقول في تفسيره: القول في تأويل قوله كذا وكذا، واختلف أهل التأويل في هذه الآية، ونحو ذلك، ومراده التفسير.\nوالمعنى الثاني في لفظ السلف، وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقًا، هو نفس المراد بالكلام، فإن الكلام إن كان طلبا كان تأويله نفس الشئ المخبر به (٢) .\n_________\n(١) ... دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ١ / ١٠٦.\n(٢) المرجع السابق ص ١٠٩ - ١١٠.","vol":"1","page":331},{"text":"التفسير والتأويل والمعنى:\nوقد يطلق على التفسير أيضًا المعنى؛ فالفراء - مثلًا - سمى تفسيره \" معاني القرآن \"، وسئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن التأويل فقال: التأويل والمعنى والتفسير واحد، وقال مثل هذا ابن الأعرابي (١) .\nوروى عن ابن مسعود أنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن (٢) .\nوعلى هذا يمكن القول: تفسير الآية كذا، أو تأويلها، أو معناها، وكل هذا تعبير صحيح.\nغير أننا إذا جئنا إلى العلم القائم بذاته، الذي له نشأته وتطوره، وكتبه ورجاله، فإننا لا نكاد نجد إلا اسمًا واحدًا تعارف عليه الجميع وهو: \" علم التفسير \".\n_________\n(١) راجع لسان العرب، مادتى \" فسر \" و\" أول \".\n(٢) انظر تفسير الطبري تحقيق شاكر ١ / ٨٠.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفصل الثاني: تفسير الرسول ﷺ</span>\nبيان السنة للقرآن:\nقال ﷾: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ...﴾ (١) .\nوقال عزوجل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢)\nوقال جلت قدرته: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣)\nفالله ﷾ كما تكفل بحفظ القرآن الكريم، تكفل كذلك ببيانه. والرسول ﷺ قد فهم القرآن الكريم جملة وتفصيلا، فلم يعزب عنه شئ من علمه. ثم كان عليه أن يبين لصحابته الكرام ما يغيب عنهم.\nوتفسير الرسول ﷺ للقرآن الكريم فيه بيان للمجمل، وقد يقيد المطلق أو يطلق المقيد، وقد يخصص العام أو يعمم الخاص، كل ذلك بوحى من الله وأمره، وتعليمه وتوفيقه جلت عظمته كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ...﴾ (٤) .\n_________\n(١) ١٧ - ١٩: القيامة.\n(٢) ٤٤: النحل.\n(٣) ٢: يوسف.\n(٤) ٣ - ٥ النجم.","vol":"1","page":333},{"text":"القسم الثاني\nالتفسير وأصوله عند الشيعة الاثني عشرية\nثلاثة وجوه:\nقال الإمام الشافعى ﵁: فلم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه:\nفأجمعوا منها على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرقان. أحدهما ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول الله ﷺ مثل ما نص الكتاب. والآخر مثل ما أنزل فيه جملة كتاب، فبين عن الله تعالى معنى ما أراده.\nوهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.\nوالوجه الثالث: ماسن رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب. فمنهم من قال: جعل الله سبحانه له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن سن فيما ليس له فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن فيه من البيوع وغيرها من الشرائع لأن الله قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحرَّمَ الرِّبَا﴾\nوأورد الإمام الشافعى قول الرسول ﷺ: \" ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه \" (١) .\nعدم كثرة ما يتصل بالتفسير من السنة:\nومن المعلوم أن الرسول ﷺ بين كثيرا من أحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، وغير ذلك مما لم يبين في القرآن الكريم، ولا سبيل إلى معرفته إلا بهذا البيان النبوى، غير أن هذا البيان من الأحاديث المتصلة بالتفسير،\n_________\n(١) انظر الرسالة للإمام الشافعى: ص ٢٨ - ٢٩.\nوالآيتان الكريمتان المذكورتان هما: رقم ١٨٨ من سورة البقرة، ورقم ٢٧٥ من السورة نفسها.","vol":"1","page":334},{"text":"والتى صحت عن رسول الله ﷺ، ليس كثيرًا. وسبب هذا أن الصحابة الكرام كانوا أعلم الناس بالقرآن الكريم؛ فبلغتهم نزل، وهم أفصح العرب، وعاشوا أسباب النزول، فعرفوا ظواهر القرآن الكريم، وتعلموا الأحكام وطبقوها: فعن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن.\nوعن أبى عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يقرءوننا أنهم كانوا يستقرءون من النبي ﷺ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا (١) .\nقال ابن خلدون: \" أما التفسير فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه. وكان ينزل جملا جملا، وآيات آيات، لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع. ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخًا لها. وكان النبي ﷺ يبين المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرفه أصحابه فعرفوه، وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها \" (٢) .\nجمع أحاديث التفسير:\nوأورد هنا بعض الأحاديث الصحيحة والحسنة المتصلة بالتفسير التي أمكننى جمعها ما استطعت بحول الله تعالى وقدرته وتوفيقه، وأعتمد هنا أساسًا على هذه الكتب:\n_________\n(١) انظر الخبرين في تفسير الطبري ١ / ٨٠ تحقيق شاكر.\n(٢) مقدمة ابن خلدون ٣ / ٩٩٦. ونلحظ أن الدقة تنقصه في قوله \" فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه \"، وسنرى - على سبيل المثال - أن بعض الصحابة فهموا بعض الآيات فهما خاطئا، وأن أشياء غابت عن االصحابه كلهم أو بعضهم.","vol":"1","page":335},{"text":"أولا: صحيح البخاري - وشرحه فتح الباري - حيث أخرج الكثير من الأحاديث في كتاب التفسير، قال ابن حجر في نهاية هذا الكتاب في فتح الباري:\n\" اشتمل كتاب التفسير على خمسمائة حديث وثمانية وأربعين حديثا من الأحاديث المرفوعه وما في حكمها، الموصول من ذلك أربعمائة حديث وخمسة وستون حديثًا، والبقية معلقة وما في معناه. المكرر من ذلك فيه وفيما مضى أربعمائة وثمانية وأربعون حديثًا، والخالص منها مائة حديث وحديث، وافقه مسلم على تخريج بعضها ولم يخرج أكثرها لكونها ليست ظاهرة في الرفع، والكثير منها من تفاسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهى ستة وستون حديثا \".\nوبعد أن ذكر هذه الأحاديث قال:\n\" وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم خمسمائة وثمانون أثرًا \".\nفصحيح البخاري إذن فيه الكثير من الأحاديث المرفوعة وما في حكمها، ومن الآثار كذلك، والأخذ منه يغنينا عن النظر في السند، وإن كنا هنا سنقتصر على الأحاديث المرفوعة فقط.\nيضاف إلى هذا أن ابن حجر في شرحه يذكر ما يتصل بالموضوع من الأحاديث برواياتها المختلفة، وكذلك الرواة.\nثانيا: صحيح مسلم، ومختصره للحافظ المنذرى. وإن كان الإمام مسلم لم يخرج الكثير (١)، غير أننا نأخذ مما أخرجه لكونه من الصحيح.\nثالثا: الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي: قال بعد أن تحدث عن طبقات المفسرين، وأوشك على الانتهاء من كتابه:\n\" وإذ قد انتهى بنا القول فيما أردناه من هذا الكتاب فلنختمه بما ورد عن النبي ﷺ من التفاسير المصرح برفعها إليه \".\n_________\n(١) أخرج في كتاب التفسير سبعة وخمسين حديثًا، واتفق مع البخاري منها في أربعة عشر حديثًا.","vol":"1","page":336},{"text":"وبعد أن ذكر قدرًا كبيرًا من الأحاديث قال:\n\" فهذا ما حضرنى من التفاسير المرفوعة المصرح برفعها، صحيحها وحسنها، وضعيفها ومرسلها ومعضلها، ولم أعول على الموضوعات والأباطيل\".\nوإذ نستعين بما أورده السيوطي في الإتقان إلا أنا لا نأخذ منه إلا الصحيح والحسن سواء أكان ما ذكره مأخوذًا من كتب السنة أم من كتب التفسير.\nرابعًا: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي أيضا: وهذا الكتاب يختلف عن سابقيه، فهو في ستة أجزاء من الحجم الكبير، وفيه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة أكثر مما فيه من الأحاديث الصحيحة.\nفلا نزعم أنا قرأناه كله، ولكننا رجعنا إليه في تفسير بعض الآيات الكريمة لأنه يتوسع كثيرا في ذكر الروايات المختلفة، والإشارة إلى من رواها من رجال الحديث والتفسير.\nخمسة وثلاثون حديثًا:\nبعد هذا لنبدأ في ذكر أحاديث الرسول ﷺ، وعدد ما جمعته بلغ خمسة وثلاثين حديثا.\n١ - عن أبى سعيد بن المعلى قال: \" كنت أصلى في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلى، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾؟ ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدى، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أوتيته \". [","vol":"1","page":337},{"text":"البخاري - كتاب التفسير - باب ما جاء في فاتحة الكتاب. وأخرجه الترمذى بسند آخر في فضائل القرآن: باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، وقال: حسن صحيح. وأخرجه كذلك ابن خزيمة والحاكم: انظر فتح الباري ٨ / ١٥٧] .\n٢ - قال ﷺ: \" اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال \". [أخرجه الترمذى في أبواب التفسير: سورة فاتحة الكتاب، وأخرجه أحمد وابن حبان: انظر فتح الباري ٨ / ١٥٩. ... وذكر السيوطي أخبارا كثيرة ثم قال: قال ابن أبى حاتم: لا أعلم خلافا بين المفسرين في تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى - انظر الدر المنثور ١ / ١٦] .\n٣ - قال ﷺ: \" الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين \". [البخاري - كتاب التفسير - سورة البقرة - باب: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وفى رواية \" من المن الذي أنزل على بنى إسرائيل \" انظر فتح الباري ٨ / ١٦٤] .\n٤ - قال ﷺ: \" قيل لبنى إسرائيل ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ...﴾ فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة \". [أخرجه الشيخان في كتابي التفسير في صحيحيهما، واللفظ لمسلم، وفى سنن الترمذي دخلوا متزحفين على أوراكهم أي منحرفين. وانظر روايات أخرى في الدر المنثور ١ / ٧١] .","vol":"1","page":338},{"text":"٥ - قال ﷺ: \" يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا فذلك قوله جل ذكره ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً﴾ والوسط: العدل \". [أخرجه البخاري في كتاب التفسير - سورة البقرة: باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ...﴾ وأخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، وزيد في رواية: \" فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه \": انظر فتح الباري ٨ / ١٧٢] .\n٦ - عن عدى بن حاتم ﵁ قال: \" قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين. ثم قال: لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار \".\n[البخاري: باب: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ...﴾ وأخرجه الترمذى في تفسير الآية الكريمة بلفظ \" إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل \" وقال: هذا حديث حسن صحيح] .\n٧ - عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حرْثَكُمْ إني شِئْتُمْ ...﴾ يعنى صمامًا واحدًا. [أخرجه الترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح، ويروى: في صمام واحد] .","vol":"1","page":339},{"text":"وعن ابن عباس قال: \" جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلى الليلة. قال: فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا، قال: فأنزلت على رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ إني شِئْتُمْ﴾ أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة \".\n[أخرجه الترمذى وقال: حسن غريب. وقال ابن حجر في الفتح \" ... ٨ / ١٩١ \": أخرجه أحمد والترمذى من وجه صحيح.\nوراجع كثيرًا من الأخبار المرفوعة والموقوفة في الدر المنثور ... ١ / ٢٦١ - ٢٦٧] .\n٨ - قال ﷺ يوم الخندق: \" حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم - أو أجوافهم - نارا \" \" شك يحيى بن سعيد القطان أحد الرواه \".\n[البخاري - سورة البقرة: باب \" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطىـ وأخرج مسلم عدة روايات في كتاب الصلاة: باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وفى بعضها \" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر \"، وعند الترمذى \" صلاة الوسطى صلاة العصر \" وقال: حسن ... صحيح، ورواه غيرهم: انظر فتح الباري ٨ / ١٩٥، والإتقان ٢ / ١٩٢، والدر المنثور ١ / ٣٠٠ - ٣٠٥] .\n٩ - عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان. إنما المسكين الذي يتعفف. اقرءوا إن شئتم - يعنى قوله تعالى ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ .","vol":"1","page":340},{"text":"[البخاري - سورة البقرة - باب ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ وروى أحمد وأبو داود والنسائى وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه مرفوعًا \" من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف \"، وفى رواية ابن خزيمة \" فهو ملحف \"، والأوقية أربعون درهما.\nولأحمد من حديث عطاء بن يسار عن رجل من بنى أسد رفعه \" ومن سأل وله أوقية أوعدلها فقد سأل إلحافًا \".\nولأحمد والنسائى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه \" من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف \" انظر فتح الباري ٨ / ٢٠٢ - ٢٠٣، والدر المنثور ١ / ٣٥٨ - ٣٦٣] .\n١٠ - قال ﷺ: \" من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه: يعنى بشدقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إلى آخر الآية\n[البخاري - سورة آل عمران: باب: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، وعند الترمذى: \" ما من رجل لا يؤدى زكاة ماله إلا جعل الله يوم القيامة في عنقه شجاعا \"، وقال: حسن صحيح. ورواه أيضًا أحمد والنسائى وابن خزيمة. انظر فتح الباري ٨ / ٢٣٠] .\n١١ - قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب. [","vol":"1","page":341},{"text":"أخرجه ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد والحميدى في مسانيدهم وأبو داود والترمذى وصححه والنسائى وابن ماجه وغيرهم - انظر الدر المنثور ٢ / ٣٣٩، والإتقان ٢ / ١٩٣] .\n١٢ - قال ﷺ: مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ...﴾ وفى رواية أخرى قال: مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتى المطر أحد إلا الله، ولا تدرى نفس بأى أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله.\n[انظر البخاري: سورة الأنعام. باب: ﴿وَعِندَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ وسورة الرعد باب: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ وسورة لقمان - باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ .\nوروى أحمد والبزار وصححه ابن حبان والحاكم أن الرسول ﷺ قال: خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَة﴾ الآية. انظر فتح الباري ٨ / ٥١٤، والدر المنثور ٣ / ١٥] .\n١٣ - قال ﷺ: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.\nوفى رواية أخرى قال: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها. ثم قرأ الآية.","vol":"1","page":342},{"text":"[انظر البخاري - سورة الأنعام: باب ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ﴾، وباب: ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ .\nورواه مسلم وأحمد والترمذى وغيرهم، انظر الإتقان ٢ / ١٩٤، وفى رواية لمسلم: ثلاث إذا خرجن ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض.\nراجع كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم - سورة الأنعام باب في قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ واقرأ أخبارًا كثيرة في الدر المنثور ٣ / ٥٧ - ٦٢] .\n١٤ - قال ﷺ: ينادى مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدًا، فذلك قوله عزوجل: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .\n[مختصر مسلم - سورة الأعراف - باب في قوله تعالى ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ...﴾ .\nوأخرجه ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدارمى والترمذى والنسائى وآخرون - انظر الدر المنثور ٣ / ٨٥] .\n١٥ - عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بى عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى ﵁، قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في","vol":"1","page":343},{"text":"المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبى: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا \" لمسجد المدينة \". قال: فقلت: أشهد بأنى سمعت أباك هكذا يذكره.\n[مختصر صحيح مسلم - كتاب الصلاة باب في المسجد الذي أسس على التقوى، وكتاب الحج باب بيان المسجد الذي أسس على التقوى، وأخرجه ابن أبى شيبة وأحمد والترمذى والنسائى وغيرهم.\nوفي إحدى الروايات: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول ﷺ، وقال الآخر هو مسجد قباء، فأتيا النبي ﷺ فسألاه، فقال: هو مسجدى هذا.\nانظر الدر المنثور ٣ / ٢٧٧، والإتقان ٢ / ١٩٥.\nومن المعلوم أن الآية الكريمة إنما نزلت في مسجد قباء، ولكن إذا كان هذا المسجد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى ... بتسميته بذلك.\nراجع ما قاله ابن تيمية وابن كثير في كتابى: آية التطهير بين أمهات المؤمنين وأهل الكساء: ص ٢٦] .\n١٦ - عن صهيب ﵁، أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ...﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم تثقل موازيننا، وتبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم.","vol":"1","page":344},{"text":"[أخرجه أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه وغيرهم، وفى رواية: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن. انظر الدر المنثور ٣ / ٣٠٥ والإتقان ... ٢ / ١٩٥] .\n١٧ - عن الرسول ﷺ في قوله تعالى ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ قال: هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وفى الآخرة الجنة.\nوفى رواية: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، فهى بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة.\n[أخرجه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وأحمد والترمذى وحسنه وغيرهمـ انظر الدر المنثور ٣ / ٣١١ والإتقان ٢ / ١٩٥ - ١٩٦] .\n١٨ـ قال ﷺ: يدنى المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف، يقول: رب أعرف \" مرتين \". فيقول: سترتها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تطوى صحيفة حسناته.\nوأما الآخرون - أو الكفار - فينادى على رءوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.\n[البخاري - سورة هود - باب ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .\nوفى مسلم: يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه عزوجل حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف. قال: فإنى قد سترتها عليك في الدنيا، وإنى أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله.","vol":"1","page":345},{"text":"راجع مختصر صحيح مسلم - كتاب التوبة وقبولها - باب في النجوى وتقرير العبد بذنوبه.\nوأخرجه ابن المبارك وابن أبى شيبة وابن جرير وغيرهم - انظر الدر المنثور ٣ / ٣٢٥] .\n١٩ - قال ﷺ: إن الله ليملى للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .\n[البخاري - سورة هود - باب ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .\nوفى مسلم: إن الله عزوجل يملى للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ ... انظر مختصر صحيح مسلم - كتاب الظلم - باب في الإملاء للظالم.\nوأخرج الحديث: الترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم - انظر الدر المنثور ٣ / ٣٤٩] .\n٢٠ - عن ابن مسعود ﵁ أن رجلًا أصاب من إمرأة قبلة، فأتى رسول الله ﷺ، فذكر ذلك له، فأنزلت عليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال الرجل: أَِلىَ هذا؟ قال: لمن عمل بها من أمتى.\n[البخاري - سورة هود - باب: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ .","vol":"1","page":346},{"text":"وفى مسلم: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني عالجت أمرأة في أقصى المدينة، وإنى أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت نفسك. قال: فلم يرد النبي ﷺ شيئا، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه الرسول ﷺ رجلًا دعاه، وتلا عليه هذه الآية:\n\n﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فقال رجل من القوم: يا نبي الله: هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة.\nسورة هود - باب في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ...﴾ .\nوأخرجه أحمد والترمذى والنسائى وغيرهم - انظر الدر المنثور ٣ / ٣٥٢] .\n٢١ - عن ابن عمر ﵄ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبرونى بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا، تؤتى أكلها كل حين، قال ابن عمر: فوقع في نفسى أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم. فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله ﷺ هي النخلة.....\n[البخاري - سورة إبراهيم - باب: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ...﴾ .\nورواه الترمذى والنسائى والحاكم وابن حبان وأحمد باختلاف يسير عن البخاري - انظر الإتقان ٢ / ١٩٧، وراجع كذلك الدر المنثور ٤ / ٧٦ - ٧٧","vol":"1","page":347},{"text":"وفى مسلم: أخبرونى بشجرة شبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها، تؤتى أكلها كل حين.\nمختصر مسلم: كتاب الإيمان - باب مثل المؤمن ... ..] .\n٢٢ - قال ﷺ: المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ...﴾ .\n[البخاري - سورة إبراهيم باب: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ... ورواه غير البخاري كثير من الأئمة - انظر الإتقان ٢ / ١٩٧ ... والدر المنثور ٤ / ٧٨] .\n٢٣ - عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح.\nيقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ .\n[البخاري - سورة الإسراء - باب ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ .\nوأخرجه عبد الرزاق ومسلم وابن جرير وغيرهم. وأخرج أحمد والترمذى وصححه والنسائى وابن ماجه وآخرون عن أبى هريرة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها.\nانظر الدر المنثور ٤ / ١٩٦، والإتقان ٢ / ١٩٨] .","vol":"1","page":348},{"text":"٢٤ - قال ﷺ: إن موسى قام خطيبًا في بنى إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ... إلخ.\n[انظر الخبر بتمامه، وأخبارًا أخرى للبخارى وغيره في فتح الباري ... ٨ / ٤٠٩ - ٤٢٥، وانظر الدر المنثور ٤ / ٢٢٩ - ٢٤٠ ومختصر صحيح مسلم - كتاب ذكر الأنبياء وفضلهم - باب في قصة موسى مع الخضر ﵉] .\n٢٥ - عن المغيرة بن شعبة قال: بعثنى رسول الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾؟ وموسى قبل عيسى بكذا أوكذا قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم.\n[أخرجه ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذى والنسائى وغيرهم - انظر الدر المنثور ٤ / ٢٧٠ والإتقان ٢ / ١٩٨] .\n٢٦ - عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا فأحبه، فينادى في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .\n[أخرجه الشيخان وغيرهما - انظر الدر المنثور ٤ / ٢٨٧، والإتقان ... ٢ / ١٩٩] .\n٢٧ ـ","vol":"1","page":349},{"text":"عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا قال: يا نبي الله، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة.\n[البخاري - سورة الفرقان باب: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ...﴾ .\nقال ابن حجر: وفى حديث أبى هريرة عند البزار \" يحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل: فكيف يمشون على وجوههم \" الحديث.\nويؤخذ من مجموع الأحاديث أن المقربين يحشرون ركبانا، ومن دونهم من المسلمين على أقدامهم، وأما الكفار فيحشرون على وجوههم. فتح الباري ... ٨ / ٤٩٢.\nوروى الحديث مسلم وغيره - انظر الإتقان ٢ / ١٩٨.\nومختصر مسلم - كتاب صفة القيامة - باب حشر الكافر على وجهه يوم القيامة] .\n٢٨ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال رسول الله ﷺ: إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .\n[البخاري سورة لقمان باب ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾","vol":"1","page":350},{"text":"ورواه أحمد ومسلم وغيرهما - انظر الإتقان ٢ / ١٩٣، والدر المنثور ... ٣ / ٢٦. ومختصر صحيح مسلم: كتاب التفسير - سورة الأنعام - باب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾] .\n٢٩ - عن فروه بن مسيك المرادى ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومى بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم وأمرنى، فلما خرجت من عنده أرسل في أثرى فردنى، فقال: ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، قال وأنزل في سبأ ما أنزل. فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أم امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، وأما الذين تشاءموا: فلخم وجذام وغسام وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار.\nفقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة.\nأخرجه أحمد وعبد بن حميد والبخارى في تاريخه والترمذى وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه.\nوأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبرانى وابن أبى حاتم وابن عدى والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن سبأ: أرجل هو أم امرأة أم أرض؟ فقال: بل هو رجل ولد عشرة: فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون: فمذحِج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشاميون: فلخم وجذام وعاملة وغسان.\n[الدر المنثور ٥ / ٢٣١، وانظر الإتقان ٢ / ٢٠٠] .\n٣٠ - عن أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \" ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبيت. ...","vol":"1","page":351},{"text":"قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. ويبلى كل شئ من الإنسان إلا عجب ذنبه، فيه يركب الخلق.\nوفى رواية أخرى. ما بين النفختين أربعون. قال: أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شئ إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا. وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.\n[البخاري - سورة الزمر - باب ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وسورة النبأ - باب: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ .\nوقوله: أبيت: أي امتنعت عن القول بتعيين ذلك لأنه ليس عندى في ذلك توقيف. ولابن مردويه عن الأعمش في هذا الحديث فقال \" أعييت \" من الإعياء وهو التعب، وكأنه أشار إلى كثرة من يسأله عن تبيين ذلك فلا يجيبه.\nوفى حديث أبى سعيد عند الحاكم وأبى يعلى: قيل: يا رسول الله ما عجب الذنب؟ قال: مثل حبة خردل.\nوالعجب. عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع.\nوقال العلماء. هذا عام يخص منه الأنبياء، لأن الأرض لا تأكل أجسادهم. (انظر فتح الباري ٨ / ٥٥٢ - ٥٥٣. وانظر الحديث في مختصر صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ما بين النفختين أربعون ويبلى الإنسان إلا عجب الذنب. وأخرج الحديث أحمد والترمذى وابن ماجه وآخرون. انظر الدر المنثور ... ٥ / ٣٣٦) .\n٣١ ـ","vol":"1","page":352},{"text":"قال ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.\n[البخاري - سورة المطففين - باب ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .\nوقوله: \" في رشحه \": بفتحتين أي عرقه لأنه يخرج من البدن شيئا بعد شىء كما يرشح الإناء المتحلل الأجزاء.\nوفى رواية أخرى: حتى إن العرق يلجم أحدهم إلى أنصاف أذنيه.\nوفى رواية لمسلم: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق: فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا.\nانظر فتح الباري: ٨ / ٦٩٦. ومختصر صحيح مسلم: كتاب صفة القيامةـ باب دنو الشمس من الخلق يوم القيامة. والإتقان: ٢ / ٢٠٣. وأخرجه مالك وعبد بن حميد والترمذى وغيرهم: انظر الدر المنثور ٦ / ٣٢٤] .\n٣٢ - عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله ﷺ: ليس أحد يحاسب إلا هلك. قالت: قلت: يا رسول الله جعلنى الله فداءك، أليس يقول الله عزوجل ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: ذاك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك.\n[البخاري - سورة الانشقاق - باب ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾\nومختصر مسلم - كتاب التفسير - سورة الانشقاق - باب في قولة ... تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ .","vol":"1","page":353},{"text":"وأخرجه أحمد وعبد بن حميد والترمذى وغيرهم: انظر الدر المنثور ... ٦ / ٣٢٩، والإتقان ٢ / ٢٠٣] .\n٣٣ - عن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذكر الناقة والذى عقر، فقال رسول الله ﷺ: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ إنبعث لها رجل عزيز عارم، منيع في رهطه مثل أبى زمعه عم الزبير بن العوام.\n[البخاري - سورة الشمس، وانظر فتح الباري ٨ / ٧٠٥ - ٧٠٦.\nوأخرج الحديث: سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذى والنسائى وآخرون - انظر الدر المنثور ٦ / ٣٥٧] .\n٣٤ - عن على بن أبى طالب - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسة، إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة. قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآية.\nوفى رواية أخرى قال ﷺ: \" اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ...﴾ الآية.\n[انظر البخاري - سورة الليل - من الباب الثالث إلى الباب السابع، وهو الأخير.","vol":"1","page":354},{"text":"والحديث: أخرجه الجماعة وغيرهم - انظر الدر المنثور ٦ / ٣٥٩] .\n٣٥ - عن أنس ﵁ قال: لما عرج بالنبى ﷺ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر.\n[البخاري - سورة الكوثر - الحديث الأول] .\nوذكر الإمام البخاري حديثين آخرين:\nأحدهما: عن أبى عبيدة عن عائشة ﵂ قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ، شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم.\nوالحديث الآخر عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.\nوفى رواية للنسائى لحديث السيدة عائشة: هو نهر أعطيه نبيكم في بطنان الجنة. قلت: ما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها.\nوقال ابن حجر تعقيبًا على الحديث الثالث للبخارى: هذا تأويل من سعيد بن جبير جمع به بين حديثى عائشة وابن عباس. وقد أخرج الترمذى من طريق ابن عمر رفعه: \" الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت \" الحديث: قال: إنه حسن صحيح. وفى صحيح مسلم: \" بينما نحن عند النبي ﷺ إذ غفا إغفاءه، ثم رفع رأسه مبتسمًا. فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت على سورة. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخرها، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربى عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتى يوم القيامة \" الحديث.","vol":"1","page":355},{"text":"وحاصل ما قاله سعيد بن جبير أن قول ابن عباس أنه الخير الكثير لا يخالف قول غيره أن المراد به نهر في الجنة، لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير، ولعل سعيدًا أومأ إلى أن تأويل ابن عباس أولى لعمومه، لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي ﷺ فلا معدل عنه.\n[انظر فتح الباري ٨ / ٧٣٢، وراجع مجموع الأحاديث المتصلة بالموضوع في الدر المنثور ٦ / ٤٠١ - ٤٠٣] .\nنتائج الجمع:\nهذه هي الأحاديث الشريفة في التفسير التي أمكن جمعها. وأشرنا من قبل إلى دور السنة بالنسبة للقرآن الكريم، فلا حاجة للإعادة، ولكن نذكر هنا بعض الملاحظات، في ضوء هذه الأحاديث:\n١ - بين الرسول ﷺ للصحابة الكرام ما لا علم لهم به، ولا طريق إلى معرفته إلا بهذا البيان النبوى، مثل الأمور المتعلقة بالأمم السابقة، وأنبيائهم، أو الأمور الغيبية كبعض ما سيحدث يوم القيامة وأشار إليه القرآن الكريم، واحتاج إلى بيان.\n٢ - ونلاحظ كذلك أن بعض الصحابة ﵃ فهموا بعض الآيات الكريمة فهما خاطئًا، فصحح لهم الرسول ﷺ ما فهموا، وبين لهم مراد الله تعالى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ . وقوله عزوجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ .\n٣ - بين الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قد يغيب عن الصحابة كلهم أو بعضهم، مثل: تعريف المسكين، والصلاة الوسطى، ومفاتح الغيب..إلخ.","vol":"1","page":356},{"text":"٤ - كان الرسول ﷺ يسأل أحيانا صحابته ليتأكد من صحة فهمهم، كما سأل عن الشجرة الطيبة، والصحابة بدورهم كانوا يسألونه ﷺ فيما غاب عنهم، كالسؤال عن \" الذين يحشرون على وجوههم \"، وعن ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ مع قول الرسول ﷺ: \" من نوقش الحساب هلك \".\n٥ - لعل هذه الأحاديث الشريفة هي أكثر ما صح عن الرسول ﷺ في تفسير آيات من كتاب الله العزيز، إلى جانب بيانه ﷺ لما أجمل في القرآن الكريم من أحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وغيرها.\nوهذه الأحاديث قليلة بلا شك، وهى وما يصح مثلها تعتبر وحدها عند جمهور المسلمين الحجة التي لا ترد، لأنها قول المعصوم ﷺ. وهنا يظهر الفرق جليًا بين جمهور المسلمين والشيعة الجعفرية، فالشيعة يعتبرون أئمتهم جميعًا معصومين، فأقوالهم كأقوال الرسول ﷺ ولهم ما للرسول ﷺ من بيان مجمل الكتاب، أو تقييد مطلقه، أو تخصيص عامة، لأن أقوالهم تدخل ضمن مفهوم السنة كمصدر من مصادر التشريع، ولها دورها بالنسبة للقرآن الكريم.\nولهذا عندما ندرس كتب التفسير عندهم فإنا سنجد أن بعض التفاسير تعتبر في معظمها حجة عندهم، لأنهم يرون أنها مأخوذة عن الأئمة","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الفصل الثالث: تفسير الصحابة ﵃</span>\nأعلم الناس بالقرآن:\nبعد تفسير الرسول ﷺ يأتى تفسير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهم - كما أشرنا من قبل - كانوا أعلم الناس بالقرآن الكريم؛ فبلغتهم نزل، وهم أفصح العرب، وعاشوا أسباب النزول، فعرفوا ظاهر القرآن الكريم، وتعلموا الأحكام وطبقوها.\nالموقوف والمرفوع:\nوكثير من التفسير المأثور عن الصحابة ﵃ يعتبر في حكم المرفوع وإن لم يكن مرفوعًا. وسبق من قبل كلام ابن حجر في اشتمال كتاب التفسير من صحيح البخاري على خمسمائة حديث وثمانية وأربعين حديثًا من الأحاديث المرفوعة وما في حكمها، وعلى خمسمائة وثمانين أثرًا من آثار الصحابة التي لا تأخذ حكم الرفع. فما ينتهى إلى الصحابة إذن قد يأخذ حكم المرفوع وقد يعتبر موقوفًا عليهم. على أن الإمام مسلمًا لم يوافق الإمام البخاري على تخريج أكثر أحاديثه لكونها ليست ظاهرة في الرفع. واتفق الشيخان على أن تفسير الصحابى يأخذ حكم المرفوع إذا كان التفسير يتعلق بسبب نزول آية أو نحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي ﷺ، ولا مدخل للرأى فيه: ومشى على هذا الحاكم في علوم الحديث، وابن الصلاح وغيرهما (١) .\nبعض ما صح من تفسيرهم:\nوكى نأخذ صورة واضحة لتفسير الصحابة ﵃، ننقل هنا بعض ما جاء في كتاب التفسير من صحيح البخاري.\n_________\n(١) انظر: تدريب الراوى ١ / ١٩٢ - ١٩٤، والإتقان ١ / ٣١.","vol":"1","page":358},{"text":"١ - \" ٤٤٩٥ \" - حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه ﵄ أنه قال: قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ، وأنا يومئذ حديث السن:\nأرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ...﴾ فما أرى على أحد شيئًا أن لا يطوف بهما.\nفقالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ...﴾ (١) .\n٢ - \" ٤٤٩٨ \" حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال: سمعت مجاهدًا قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: \" كان في بنى إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة\n\n﴿كُتِبَ عَليْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ... ﴿\n_________\n(١) نقلنا الأخبار بأرقامها التي وضعها المرحوم محمد فؤاد عبد الباقى كما جاءت في فتح البارى طبع المطبعة السلفية. وكتاب التفسير يقع في الجزء الثامن.","vol":"1","page":359},{"text":"فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدى بإحسان ... ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ ... وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية \".\n٣ - \" ٤٥٠٥ \" حدثنى إسحاق، أخبرنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ: ... ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينًا.\n٤ - \" ٤٥٠٦ \" حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه قرأ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخة.\n٥ - \" ٤٥٠٧ \" حدثنا قتيبة، حدثنا بكر بن معز، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة قال: \" لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ...﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها \".\n٦ - \" ٤٥١٢ \" حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتو البيت من ظهره فأنزل الله ... ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ .\n٧ - \" ٤٥٢١ \"","vol":"1","page":360},{"text":"حدثنى محمد بن أبى بكر، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرنى كريب، عن ابن عباس قال: \" يطوف الرجل بالبيت ما كان حلالا حتى يهل بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمن تيسر له هديه من الإبل أو البقر أو الغنم ما تيسر له من ذلك أي ذلك شاء، غير إن لم يتيسر له فعليه ثلاثة أيام في الحج وذلك قبل يوم عرفة، فإن كان آخر يوم من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه، ثم لينطلق حتى يقف بعرفات من صلاة العصر إلى أن يكون الظلام ثم ليدفعوا من عرفات، فإذا أفاضوا منها يبلغوا جمعًا الذي يتبرز فيه، ثم ليذكروا الله كثيرًا، أو أكثروا التكبير والتهليل قبل أن تصبحوا، ثم أفيضوا فإن الناس كانوا يفيضون، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ حتى ترموا الجمرة \".\n٨ - \" ٤٥٢٨ \" حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر، سمعت جابرًا ﵁، قال: \" كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت ﴿نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ إني شِئْتُمْ﴾ .\n٩ - \" ٤٥٦٨ \" حدثنى إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، عن ابن أبى مليكة، أن علقمة بن وقاص خبره، أن مروان قال لبوا به: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان امرئ فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يعمل معذبًا لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه؟ إنما دعا النبي ﷺ يهود فسألهم عن شئ فكتموه إياه، وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم. ثم قرأ ابن عباس ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ...﴾ كذلك حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ .\n١٠ - \" ٤٥٧٣ \"","vol":"1","page":361},{"text":"حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج قال: أخبرنى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: \" أن رجلًا كانت له يتيمة فأنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شئ، فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفى ماله \".\n١١ - \" ٤٥٧٤ \" حدثنى عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: \" أخبرنى عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ فقالت: يا بن أختى، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال \"\n١٢ - \" ٤٥٩٠ \" حدثنا آدم بن أبى إياس، حدثنا شعبة، حدثنا مغيرة بن النعمان قال: سمعت سعيد بن جبير قال: \" آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت","vol":"1","page":362},{"text":"فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شئ \".\n١٣ - \" ٤٦٠٠ \" حدثنا عبيد بن اسماعيل، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة: \" هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية \".\n١٤ - \" ٤٦٠١ \" حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ ... قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأنى في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك \".\n١٥ - \" ٤٦١٣ \" حدثنا على بن سلمة، حدثنا مالك بن سعير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: \" أنزلت هذه الآية ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ ...﴾ في قول الرجل: لا والله وبلى والله \".\n١٦ - \" ٤٦٨٢\" حدثنى إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج، وأخبرنى محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عباس قرأ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ تَثْنُونىَ","vol":"1","page":363},{"text":"صُدُورَهُمْ﴾ قلت: يا أبا العباس ما تثنونى صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحى أو يتخلى فيستحى فنزلت ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ .\n] تثنونى: بفوقانية، وسكون المثلثة، وفتح النون، وسكون الواو، وكسر النون بعدها ياء، على وزن تفعو عل، وهو بناء مبالغة كاعشوشب، لكن جعل الفعل للصدور - قاله ابن حجر في الفتح [.\n١٧ - \" ٤٦٨٣ \" حدثنا الحميدى حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال: \" قرأ ابن عباس ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ وقال غيره عن ابن عباس \" يستغشون \" يغطون رءوسهم \" سىء بهم \" ساء ظنه بقومه \" وضاق بهم \" بأضيافه \" بقطع من الليل \" بسواد \" إليه أنيب \" أرجع \".\n١٨ - \" ٤٦٩٥ \" حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: \" أخبرنى عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قال: قلت: أكذبوا أم كذّبوا؟ قالت عائشة: كذبوا. قلت: فقد استيقنوا بذلك أن قومهم كذبوهم، فما هو بالظن. قالت: أجل لعمرى، لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك \".\n١٩ - \" ٤٧٠٠ \" حدثنا على بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء سمع ابن عباس: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا﴾ قال: \" هم كفار أهل مكة \".\n٢٠ - \" ٤٧٠٥ \"","vol":"1","page":364},{"text":"حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتا ب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه \".\n٢١ - \" ٤٧٠٦ \" حدثنى عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبى ظبيان، \" عن ابن عباس ﵄: ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض، اليهود والنصارى \".\n٢٢ - \" ٤٧١٤ \" حدثنى عمرو بن على، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، حدثنى سليمان، عن إبراهيم، عن أبى معمر، عن عبد الله: \" إلى ربهم الوسيلة \" قال: \" كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم \" زاد الأشجعى، عن سفيان، عن الأعمش: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾ .\n٢٣ - \" ٤٧١٦ \" حدثنا على بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ قال: شجرة الزقوم.\n٢٤ - \" ٤٧٢٢ \" حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ... ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ ... قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ أي","vol":"1","page":365},{"text":"بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ .\n٢٥ - \" ٤٧٣٢ \" حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق، قال: سمعت خبابا قال: جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقًا لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ. فقلت: لا، حتى تموت ثم تبعث. قال: وإنى لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم. قال: إن لي هناك مالًا وولدًا فأقضيك، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ . رواه الثورى وشعبة وحفص وأبو معاوية ووكيع عن الأعمش.\n٢٦ - \" ٤٧٥٣ \" حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى، عن عمر بن سعيد ابن أبى حسين قال: حدثنى ابن مليكة قال: استأذن ابن عباس - قبيل موتها - على عائشة وهى مغلوبة، قالت: أخشى أن يثنى على، فقيل: ابن عم رسول الله ﷺ، ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له. فقال: كيف تجدينك؟ قال: بخير إن اتقيت. قال: فأنت بخير إن شاء الله تعالى، زوجة رسول الله ﷺ، ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء.\nودخل ابن الزبير خلافه، فقالت: دخل ابن عباس فأثنى على، وددت إني كنت نسيًا منسيًا \".\n٢٧ - \" ٤٨٠٦ \" حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن العوام قال: سألت مجاهدًا عن السجدة في ص فقال: سئل ابن عباس فقال: ... ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ...﴾، وكان ابن عباس يسجد فيها.","vol":"1","page":366},{"text":"٢٨ - سورة حم السجدة. قال المنهال، عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف على، قال ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾، ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا - رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ...﴾ فقد كتموا هذه الآية. وقال: ﴿أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ إلى قوله ﴿دَحَاهَا﴾ فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال ... ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ...﴾ إلى ﴿طَائِعِينَ﴾ فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا - عَزِيزًا حَكِيمًا - سَمِيعًا بَصِيرًا ...﴾ فكأنه كان ثم مضى، فقال: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾ ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ ...﴾ ثم في النفخة الأخرى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ وأما قوله ... ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ... - ... وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ﴾ فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم. وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم. فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثًا. وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما","vol":"1","page":367},{"text":"بينهما في يومين آخرين فذلك قوله \" دحاها \" وقوله ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فجعلت الأرض وما فيها من شئ في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين.\n﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا﴾ سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك فإن الله لم يرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله.\n٢٩ - \" ٤٨١٨ \" حدثنى محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاوسًا عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن قوله ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ...﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بينى وبينكم من القرابة.\n٣٠ - \" ٤٨٢٢ \" حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق قال: دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول لما لا يعلم: الله أعلم. إن الله قال لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ...﴾ إن قريشًا لما غلبوا النبي ﷺ واستعصوا عليه قال: اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ﴿قَالوا رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ...﴾ فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا، فدعا ربه،","vol":"1","page":368},{"text":"فكشف عنهم فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَأْتي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إلى قوله جل ذكره ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ .\n٣١ - \" ٤٩٣٣ \" حدثنا عمرو بن على، حدثنا يحيى، أخبرنا سفيان، حدثنى عبد الرحمن بن عابس: \" سمعت ابن عباس ﵄: ... ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك فنرفعه للشتاء فنسميه القصر ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ...﴾ حبال السفن، تجمع حتى تكون كأوساط الرجال \".\n٣٢ - ٤٩٤٠ \" حدثنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر جعفر بن أياس، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ ...﴾: حالًا بعد حال، قال هذا نبيكم ﷺ.\n٣٣ - \" ٤٩٦٩ \" حدثنا عبد الله بن أبى شيبة، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: \" أن عمر ﵁ سألهم عن قوله تعالى ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ... قالوا: فتح المدائن والقصور، قال: ما تقول يا بن عباس؟ قال: أجل أو مثل ضرب لمحمد ﷺ، نعيت له نفسه \".\nخصائص تفسيرهم:\nهذا بعض ما جاءنا من تفسير الصحابة ﵃، ونكتفى بهذا القدر؛ ففيه بيان لمعالم هذا التفسير.\nونلاحظ هنا ما يأتى:\n١ ـ","vol":"1","page":369},{"text":"الصحابة الكرام لم يتعرضوا لتفسير القرآن الكريم كله آية آية، وإنما فسروا القليل من الآيات الكريمة التي لم يدرك معناها بعض المسلمين.\n٢ - وإذا كانوا ﵃ لم يفسروا إلا القليل من الآيات الكريمة، فإنهم فسروا كثيرا من الكلمات، ويبدوا هذا واضحًا جليًا لمن يقرأ كتاب التفسير من صحيح البخاري.\n٣ - تحدثوا عن أسباب النزول، ونحن ندرك العلاقة بين سبب النزول والمعنى المراد.\nوأشرنا إلى أن مثل هذا التفسير يأخذ حكم المرفوع.\n٤ - تكلموا كذلك عن الناسخ والمنسوخ.\n٥ - الصحابة ﵃ ليسوا سواء في فهم القرآن الكريم وإدراك معانيه؛ وإنما برز منهم من اشتهر بالتفسير كالخلفاء الراشدين الأربعة، وبن عباس، وابن مسعود، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهم، وهؤلاء كما كان لهم دورهم في بيان بعض ما أنزل الله تعالى، كان لهم كذلك دور آخر في تصحيح ما يظهر من فهم خاطئ لبعض الآيات الكريمة، سواء أكان ذاك الخطأ فرديًا أم جماعيًا، وإن كانت تلك الأخطاء قليلة. وهؤلاء الكرام البررة كانوا يستجيبون لكل من يطلب علمهم، وكانت تشد إليهم الرحال. وقام بعضهم بدور كبير في عصر التابعين كما سنرى إن شاء الله سبحانه.\n٦ - قد نجد شيئًا من الاختلاف أو التعارض في بعض ما ثبت من تفسير الصحابة ﵃، غير أن هذا قليل نادر.\nالتدوين:\nمن المعلوم أن الصحابة ﵃ لم يدونوا من التفسير إلا ما كان يكتبه بعضهم في مصاحفهم الخاصة، وهو جد قليل، حتى أخطأ بعض المتأخرين فظنوه من وجوه القرآن الكريم التي نزل بها من عند الله ﷿.","vol":"1","page":370},{"text":"ويذكر أن ابن عباس ﵄ له كتاب في التفسير (١)، وقد يكون هذا صحيحا، إلا أن مثل هذا الكتاب لم يصلنا، ولم نسمع عن كتاب آخر لأى أحد من الصحابة الكرام، فكيف إذن وصلنا ما أثر عنهم من تفسير؟\nتفسير الصحابة ﵃ جاءنا عن طريق رجال الحديث، وعن طريق أصحاب التفاسير الذين عنوا بالتفسير المأثور؛ فعندما جاء عصر التدوين، الذي يبدأ من القرن الثاني الهجرى، أخذ علماء الحديث يجمعون ما جاء عن النبي ﷺ، وأخذوا كذلك يدونون ما أثر عن الصحابة الكرام. وفى بحثهم دونوا ما يتصل بأمور العقيدة، وفروع الشريعة، ودونوا كذلك ما يتصل بالتفسير، فقد اعتبروه بابًا من أبواب السنة.\nوإلى جانب التسليم بأن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أفهم الناس بكتاب الله تعالى، فإن رجال الحديث يعتبرون بعض ما يثبت من التفسير عن الصحابة الكرام في حكم المرفوع إلى الرسول ﷺ كما أشرنا في بداية الحديث عن تفسير الصحابة.\nأما رجال التفسير فإنهم يعلمون أن ما ثبت عن الرسول ﷺ من التفسير قليل، فغاية ما يطمحون إليه أن يجدوا من الآثار ما يصل إلى الصحابة ﵃.\nكتاب تنوير المقباس:\nوبين أيدينا كتاب \" تنوير المقباس من تفسير ابن عباس \" لأبى طاهر محمد ابن يعقوب الفيروز ابادى صاحب القاموس، وهو يحتوى على تفسير القرآن الكريم كله، أفحقًا وصلنا تفسير جميع أي القرآن الكريم عن ابن عباس رضي الله ... عنهما؟\nلنقرأ أولًا شيئًا مما جاء في هذا التفسير.\n_________\n(١) راجع ترجمة ابن عباس في طبقات المفسرين للداودى، ومعجم المؤلفين ٦ / ٦٦.","vol":"1","page":371},{"text":"قراءة الكتاب:\nفي سورة الفاتحة فسر البسملة كما يلى:\n\" الباء \" بهاء الله وبهجته وبلاؤه وبركته، وابتداء اسمه بارئ.\n\" السين \" سناؤه وسموه أي ارتفاعه، وابتداء اسمه سميع.\n\" الميم \" ملكه ومجده ومننه على عباده الذين هداهم الله تعالى للإيمان، وابتداء اسمه مجيد.\n\" الله \" معناه الخلق يألهون ويتألهون إليه أي يتضرعون إليه عند الحوائج ونزول الشدائد.\n\" الرحمن \" العاطف على البر والفاجر بالرزق لهم ودفع الآفات عنهم.\n\" الرحيم \" خاصة على المؤمنين بالمغفرة وإدخالهم الجنة، ومعناه الذي يستر عليهم الذنوب في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة فيدخلهم الجنة (١) .\nوفى سورة البقرة قال بأنها مدنية ويقال مكية، ثم بدأ تفسيرها بما يأتى:\n﴿ألم﴾ يقول: ألف الله، لام جبريل، ميم محمد، ويقال: ألف آلاؤه، لام لطفه، ميم ملكه، ويقال: ألف ابتداء اسمه الله، لام ابتداء اسمه لطيف، ميم ابتداء اسمه مجيد، ويقال: أنا الله أعلم، ويقال: قسم أقسم به.\n﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: أي هذا الكتاب الذي يقرأ عليكم محمد ﷺ ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه أنه من عندى، فإن آمنتم به هديتم، وإن لم تؤمنوا به عذبتم. ويقال ذلك الكتاب يعنى اللوح المحفوظ، ويقال: ذلك الكتاب الذي وعدتك يوم الميثاق به أن أوحيه إليك، ويقال: ذلك الكتاب: يعنى التوراة والإنجيل، لا ريب فيه: لا شك فيه أن فيهما صفة محمد ونعته (٢) .\n_________\n(١) انظر الصفحة الثانية من التفسير المذكور.\n(٢) انظر الصفحة الثالثة.","vol":"1","page":372},{"text":"نتيجة القراءة:\nهذا بعض ما جاء في هذا التفسير المنسوب لابن عباس، ونلاحظ هنا ما يأتى:\n١ - بادئ ذى بدء نذكر بأن الثابت عن ابن عباس ﵄ في التفسير لا يكاد يزيد عن مائة حديث كما قال الإ مام الشافعى (١)، وهذا الكتاب فيه تفسير لكل آيات القرآن الكريم!\n٢ - في هذا التفسير - كما نرى - ما لا يصح عن ابن عباس أو غيره من مفسري الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أو أي أحد من الراسخين في العلم، وإنما بعضه أقرب إلى التفسير الباطني والإشاري الذي لا يستند إلى أي أساس علمي صحيح. وبعضه الآخر غير مقبول: كاحتمال أن تكون سورة البقرة مكية، وأن يكون المراد من ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ شيئًا غير القرآن الكريم.\n٣ - قال الحافظ ابن كثير في فضل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾: روى الحافظ ابن مردويه من طريقين عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن مسعر، عن عطية، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن عيسى بن مريم ﵇ أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب. فقال: ما أكتب؟ قال: بسم الله. قال له عيسى: وما باسم الله؟ قال المعلم: وما أدرى. قال له عيسى: الباء: بهاء الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة \".\nوقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب بابن زبريق، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبى مليكة، عمن حدثه عن ابن مسعود، ومسعر، عن عطية، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.\n_________\n(١) انظر الإتقان ٢ / ١٨٩.","vol":"1","page":373},{"text":"وقال ابن كثير بعد هذا: وهذا غريب جدًا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ، وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات والله أعلم (١) .\nوفى سورة البقرة قال ابن كثير في تفسير ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ...﴾: قال ابن جريج قال ابن عباس: ذلك الكتاب أي هذا الكتاب، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدى ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج.\nثم قال: وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبى وغيره أن \" ذلك \" إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه، أو التوراة أو الإنجيل، أو نحو ذلك في أقوال عشرة، وقد ضعف هذا المذهب كثيرون والله أعلم.\nوالكتاب القرآن، ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير وغيره فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم له به (٢) .\nوفى كتاب \" الدر المنثور في التفسير بالمأثور \" قال السيوطي: أخرج ابن جرير، وابن عدى في الكامل، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والثعلبى، بسند ضعيف جدًا عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن عيسى بن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه. \" وذكر ما نقلناه من قبل (٣) .\n_________\n(١) انظر تفسير ابن كثير ١ / ١٧.\n(٢) انظر المرجع السابق ١ / ٣٩.\n(٣) انظر الدر المنثور ١ / ٨.","vol":"1","page":374},{"text":"وهذا الخبر الذي رفضه ابن كثير والسيوطى يرويه عطية عن أبى سعيد الخدرى: وعطية هذا هو \" عطية بن سعد بن جنادة العوفى \".\nتحدث عنه الإمام أحمد بن حنبل، وعن روايته عن أبى سعيد، فقال بأنه ضعيف الحديث، وأن الثورى وهشيمًا كانا يضعفان حديثه، وقال: بلغنى أن عطية كان يأتى الكلبى فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبى سعيد، فيقول: قال أبو سعيد فيوهم أنه الخدرى.\nوقال ابن حبان: سمع عطية من أبى سعيد الخدرى أحاديث، فلما مات جعل يجالس الكلبى، فإذا قال الكلبى: قال رسول الله ﷺ كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد، وروى عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثنى أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدرى، وإنما أراد الكلبى.\nقال: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب (١) .\nوتفسير تنوير المقباس يرويه الكلبى، مما يؤيد استبعاد أن يكون هذا الخبر لأبى سعيد الخدرى، ويؤكد ما ذكر عن عطية من أنه أخذ التفسير عن الكلبى الذي كناه بأبى سعيد ليوهم أنه الخدرى.\nوفى تفسير الطبري. الذي حققه وعلق حواشيه أستاذنا العلامة محمود محمد شاكر، وراجعه وخرج أحاديثه أخوه الأكبر الشيخ أحمد – رحمهما الله -، نجد الخبر المتعلق بالبسملة المذكور آنفًا، وفى الحاشية نجد في التخريج \" هذا حديث موضوع، لا أصل له \"، ثم تفصيلًا لبيان هذا الوضع، وإشارة وتعليقًا على ما ذكره ابن كثير والسيوطى (٢) .\n_________\n(١) انظر ترجمة عطية في تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال. وراجع ما كتبته عن عطية في الفصل الثالث من الباب السابق عند مناقشة روايات التمسك بالكتاب والعترة.\n(٢) انظر الكتاب المذكور ١ / ١٢١ - ١٢٢.","vol":"1","page":375},{"text":"ونخرج من هذا إلى أن بعض ما جاء في كتاب تنوير المقباس ساقط بالمرة، لا تصح نسبته إلى حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، وبعضه ينقضه ويرده ما روى عن ابن عباس نفسه في التفسير من طرق مقبولة.\nسلسلة الكذب:\nالفيروز ابادى روى التفسير بإسناده عن محمد بن مروان، عن الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس: وإذا نظرنا في هذا السند تبين لنا موضع الكذب على الصحابى الجليل عبد الله ابن عباس ﵄. فمحمد بن مروان هو السدى الأصغر، كوفى:\nقال عبد السلام بن حازم، عن جرير بن عبد الحميد: كذاب.\nوقال الدورى، عن ابن معين: ليس بثقة.\nوقال ابن نمير: ليس بشئ.\nوقال يعقوب بن سفيان: ضعيف غير ثقة.\nوقال صالح بن محمد: كان ضعيفا، وكان يضع.\nوقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، متروك الحديث، لا يكتب حديثه ألبتة.\nوقال ابن عدى: الضعف على رواياته بين.\nوقال الجوزجانى: ذاهب.\nوقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا اعتبارًا، ولا يحتج به بحال.\nوقال أبو جعفر الطبري: لا يحتج بحديثه.\nوقال عبد الله بن نمير: كان السدى كذابًا، ذكره ابن شاهين في الضعفاء.\nوقال الساجى: لا يكتب حديثه.","vol":"1","page":376},{"text":"هذا بعض ما جاء في ترجمته (١)، ولا خلاف حول جرحه، ومثل هذا الراوى يكفى لرد ما يروى عن طريقه، فما بالك إذا روى عن الكلبى؟\nوالكلبى هو محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن عبد الحارث بن عبد العزى، أبو النضر الكوفى.\nاتفق ثقات أهل النقل على ذمه وترك الرواية عنه في الأحكام والفروع. قال الإمام أحمد: لا يحل النظر في تفسير الكلبى.\nوقال الحاكم أبو عبد الله: روى عن أبى صالح أحاديث موضوعة.\nوقال الجوزجانى: كذاب ساقط.\nوقال ابن حبان: وضوح الكذب فيه اظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه. روى عن أبى صالح التفسير، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس؛ لا يحل الاحتجاج به.\nوقال أبو صالح: إني لم أقرأ على الكلبى من التفسير شيئًا! ويبدو أن الكلبى نفسه في وقت من حياته أحس بفداحة جرمه، ولذلك قال فيما رواه عنه سفيان الثورى:\nما حدثت عن أبى صالح عن ابن عباس فهو كذب، فلا ترووه.\nوقال ليث بن أبى سليم: كان بالكوفة كذابان: أحدهما الكلبى (٢)، والآخر السدى!\n_________\n(١) انظر ترجمته في تهذيب ٩ / ٤٣٦، ترجمة رقم ٧١٩ والسدى نسبة إلى سدة مسجد الكوفة، ومن الرواة السدى الكبير، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبى كريمة: أحسن حالًا من الصغير، متكلم فيه؛ وثقه بعضهم وضعفه وآخرون.\n(٢) انظر ترجمة الكلبى في تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال ووفيات الأعيان ... ٤ / ٣٠٩ - ٣١١، وطبقات المفسرين للداودى - ترجمة رقم ٤٩١.\nومما جاء في ترجمته أنه كان من أتباع عبد الله بن سبأ الذين يقولون إن عليًا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها! *\n* وفيها أنه اعترف بأنه سبئى، وقال: كان جبرائيل يملى الوحي على النبي - ﷺ -، فلما دخل النبي - ﷺ - الخلاء جعل يملى على على!!","vol":"1","page":377},{"text":"فسلسلة الكذب (١) إذن قد اجتمعت في إسناد هذا التفسير الذي طبع مرات وانتشر بين المسلمين!! غير أن الأستاذ الشيخ محمد حسين الذهبى ﵀ قد نبه من قبل، وبين هذا الكذب (٢) .\nوالكتاب على أي حال لا تصح نسبته إلى ابن عباس، ولا يمثل التفسير في عصر الصحابة ﵃.\nموقف الشيعة من تفسير الصحابة:\nويبقى هنا أن نقول بأننا قد عرفنا منزلة التفسير الذي يثبت عن الصحابة الكرام عند جمهور المسلمين، وأن بعض هذا التفسير قد يأخذ حكم المرفوع.\nأما موقف الشيعة فلا يتفق مع الجمهور.\nفإذا كان الصحابة من أئمتهم الاثنى عشر فتفسيرهم كتفسير الرسول ﷺ دون أدنى فرق، لأن لهم ما للرسول ﷺ من العصمة، وما يثبت عنهم يعتبر داخلًا في مفهوم السنة عند الجعفرية كما ذكرنا في نهاية الحديث عن تفسير الرسول ﷺ.\nوينطبق هذا على ثلاثة من الصحابة هم: على بن أبى طالب، وابناه الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم.\nولا خلاف حول هذا الحكم بين الجعفرية، فهم مجمعون عليه، أما الخلاف فواقع بالنسبة لغير الثلاثة:\nفبعض المفسرين يذكر آراء الصحابة ويروى عنهم، وهؤلاء قلة نادرة، أما أكثر مفسرى الجعفرية فإنهم يطعنون في الصحابة الكرام، بل يكفرون من رضي\n_________\n(١) تحدث السيوطي عن جيد الطرق عن ابن عباس، ثم قال: \" وأوهى طرقه طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدى الصغير فهى سلسلة الكذب \" \" الإتقان ٢ / ١٨٩ \".\n(٢) راجع كتابه \" التفسير والمفسرون \" ١ / ٨٢.","vol":"1","page":378},{"text":"الله عنهم ورضوا عنه كما سيأتى بالتفصيل في تناولنا لكتب التفسير عندهم، وإنما أردنا إشارة سريعة قبل ترك الحديث عن تفسير الصحابة. ولعل هذا الأمر يزداد وضوحًا عندما نتحدث عن الجرح والتعديل عند الجعفرية، فعلى سبيل المثال: إذا نظرنا في كتاب تنقيح المقال في أحوال الرجال، وهو من أشهر كتب الجرح والتعديل عندهم، ولمؤلفه عبد الله المامقانى منزلة وأى منزلة! إذا نظرنا في هذا الكتاب رزئنا بالآتى:\nعثمان بن عفان الأموى خليفة العامة - أي عامة المسلمين غيرهم - ضعيف.\nعبد الله بن عمر بن الخطاب: خبيث، ضعيف.\nعبد الرحمن بن عوف من أضعف الضعفاء.\nالمغيرة بن شعبة: في غاية الضعف.\nمعاوية بن أبى سفيان: زندقته أشهر من كفر إبليس.\nنعمان بن بشير الأنصارى: من أضعف الضعفاء.\nخالد بن الوليد: صحابى لعين\nوهكذا!! (١)\n_________\n(١) راجع ترجمة هؤلاء وغيرهم في الكتاب المذكور، وبإذن الله جلت عظمته سنتحدث بالتفصيل عن الجرح والتعديل عند الجعفرية في الباب التالى عن السنة المطهرة.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الفصل الرابع: تفسير التابعين</span>\nحاجة التابعين إلى التفسير:\nالتابعون ﵃ جاءوا بعد عصر التنزيل فكانوا أكثر حاجة إلى التفسير ممن شهدوا نزول القرآن الكريم، وفيهم رسول الله ﷺ يبين لهم ما نزل إليهم.\nفكان على التابعين أن يتعلموا من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ما أخذوه عن رسول الله ﷺ، وما شاهدوه من أسباب النزول، وما فهموه وعملوا به من أي الذكر الحكيم.\nوالصحابة الكرام بدورهم ما كانوا ليكتموا علمًا تعلموه، أو فهمًا فهموه، سواء منهم من استقر في مواطن التنزيل، ومن رحل إلى الأمصار الإسلامية التي فتحت.\nجلس التابعون يستفسرون من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى أن بعضهم كان يجلس إلى الصحابى ومعه الألواح يستفسر عن كل ما هو في حاجة إليه من فاتحة الكتاب الكريم إلى نهاية آياته البينات (١) . قال مجاهد بن جبر: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه، وأسأله عنها فيما نزلت وكيف كانت (٢) .\n_________\n(١) عن ابن أبى مليكة قال: رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: \" اكتب \"، حتى سأله عن التفسير كله. انظر دقائق التفسير ١ / ٨١.\n(٢) انظر الإتقان ٢ / ١٨٩.","vol":"1","page":380},{"text":"مدارس التفسير:\nواشتهر في ذلك العصر ثلاث مدارس للتفسير، إحداها بمكة المكرمة، والثانية بالمدينة المنورة، والثالثة بالكوفة.\nقال ابن تيمية: \" أما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس، وأبى الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم. وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن \" (١) .\nوشهرة هذه المدارس لا يعنى أن باقى الصحابة الكرام لم يجلسوا إلى تابعيهم يعلمونهم، أو أن التابعين لم يلجئوا لباقى الصحابة.\nنواة التدوين:\nمع أن التفسير ظل يحمل طابع التلقى والرواية، إلا أن نواة التدوين ظهرت في بعض الجهود الفردية، حيث كان بعض التابعين يكتب ما يسمع، وما يفهم نتيجة تمكنه من اللغة، ومعرفته بأساليب القول.\nوتفسير التابعين نراه مبثوثًا في كتب التفسير التي جاءت بعد ذلك كتفسير الطبري، وفى بعض كتب السنة. والمشهور أن لكل من سعيد بن جبير، ومجاهد\n_________\n(١) دقائق التفسير ١ / ٥٧. ورجح المرحوم الشيخ الذهبى قيام مدرسة المدينة على أبى بن كعب - راجع ما كتبه بإسهاب عن المدارس الثلاث، وعن أشهر المفسرين من التابعين الذين أخذوا التفسير عن أساتذة هذه المدارس من الصحابة، في كتابة \" التفسير والمفسرون \" ... ١ / ١٠٠ - ١٢٧.","vol":"1","page":381},{"text":"ابن جبر، تفسيرًا مدونًا (١) .\nغير أن الأول لم يصلنا تفسيره هذا حتى الآن، أما مجاهد فعثر على مخطوطة لتفسيره، ونسخت في القرن السادس الهجرى، وهيأ الله تعالى لها من يحققها، ويخرجها كتابًا للناس (٢) .\nولعلنا بدراسة هذا التفسير نأخذ صورة عامة لما كان عليه التفسير في عهد التابعين.\nتفسير مجاهد:\nمن دراسة التفسير نلاحظ ما يأتى:\nأولا: التفسير، وإن تناول السور الكريمة كلها تقريبا (٣) غير أنه لم يفسر إلا بعض الآيات فقط وهى ليست كثيرة وإن كانت أكثر مما جاء عن الصحابة ﵃، وهذه نتيجة متوقعة، فكلما بعد الناس عن عصر التنزيل كلما احتاجوا إلى المزيد من التفسير والبيان.\n_________\n(١) ويذكر أن لغيرهما كذلك تفاسير، منهم: رفيع بن مهران أبو العالية الرياحى، والضحاك ابن مزاحم، والحسن البصرى، وعطاء بن أبى رباح، وأبو جعفر الباقر، وغيرهم من التابعين كما نرى في تراجمهم.\n\n\" راجع ترجمة من سبق وغيرهم في طبقات المفسرين للداودى \".\n(٢) حقق هذه المخطوطة الأستاذ عبد الرحمن الطاهر بن محمد السورتى \" مجمع البحوث الإسلامية بباكستان \".\nوحققها كذلك الأخ الصديق الأستاذ الدكتور محمد عبد السلام.\nواعتمد كل من المحققين على نسخة واحدة لم يعثرا على غيرها، وذكرت لزميلى الدكتور محمد بأن دار الكتب المصرية فيها نسختان ولعل كلا من الأخوين يرجع إلى النسخة الثانية ليستفاد منها في طبعات تالية إن شاء الله تعالى.\n(٣) قال الدكتور محمد عبد السلام في وصف المخطوطة:\nليست كلها عن مجاهد وإنما بها قدر غير يسير عن غيره، بل هناك سور بتمامها لم يذكر شئ عن مجاهد في تفسيرها، وهى: المعارج، نوح، المدثر، القيامة، الدهر، التكاثر، القارعة. ولم يأت بالمخطوطة تفسير للفاتحة، ولا لسورة \" الكافرون \".","vol":"1","page":382},{"text":"ثانيا: معظم ما في التفسير بيان لمعانى كلمات، وهذا يعنى أن التابعين كما كانوا لا يفسرون الآيات التي يظنونها واضحة المعنى، كانوا كذلك يتناولون الآيات التي يرون الحاجة إلى تفسيرها، ويكتفون ببيان معاني الكلمات التي يتوقف عليها فهم المعنى.\nعلى أنا نجد أن بعض الكلمات القرآنية المفسرة أوضح معنى بالنسبة لنا من كلمات التفسير. مثال هذا ما جاء في تفسيره لسورة الذاريات:\nعن مجاهد قال: \" المحروم \": المحارف.\nوعنه: \" فجاء بعجل \" يقول: حسيل.\nولعل هذا يرجع إلى أن بعض الكلمات تشيع في عصر دون عصر، ... ككلمتى: المحارف وحسيل، شاعتا في عصره وكادتا لا تظهران في عصرنا.\nثالثا: في تفسير بعض الآيات الكريمة وتوضيح معناها نرى الحديث عن أسباب النزول، مثال هذا ما جاء في تفسير سورة الرعد:\nعن مجاهد: قال كفار قريش، يا محمد، سير لنا جبالنا فتتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم، فأنزل الله عزوجل ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ﴾ إلى آخر الآية.\nوعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ...﴾ قال: قالت قريش حين أنزل ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ ...﴾ ما نراك يا محمد تملك من شئ، ولقد فرغ من الأمر، فنزلت: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ...﴾ تخويفًا ووعيدًا لهم، أي إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ويحدث في كل شهر","vol":"1","page":383},{"text":"رمضان فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء: أرزاق الناس، ومصائبهم، وما يقسم لهم.\nرابعا: وفى التفسير نرى أحيانًا الإشارة الى النسخ: ففي سورة النساء مثلًا:\nعن مجاهد في قوله: \" فئاذوهما \" يعنى سبًَّا، ثم نسختها ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ...﴾ \" ٢: النور \".\nخامسا: في بعض الحالات نرى خلافًا بين مجاهد وأستاذه ابن عباس، أو بين مجاهد وغيره من التابعين.\nسادسا: يتعرض التفسير أحيانا لبعض الأحكام الفقهية، مثال هذا ما جاء في سورة النساء من الحديث عن صلاة الخوف وهو ما يلى: عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ ...﴾ وذلك يوم كان النبي ﷺ بعسفان، والعدو بضحنان، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر أربع ركعات، ركوعهم وسجودهم وقيامهم وقعودهم جميعًا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم إذا قاموا للعصر، فأنزل الله عزوجل: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ...﴾ إلى آخر الآية. فصف رسول الله ﷺ أصحابه خلفه صفين، ثم كبر بهم وكبروا جميعًا، ثم سجد الأولون بسجود النبي ﷺ، والآخرون قيام، ثم سجد الآخرون، ثم كبر بهم وكبروا جميعًا، فتقدم الصف الآخر واستأخر الصف الأول، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصرت صلاة العصر ركعتين.\nسابعا: بدت الإسرائيليات واضحة في هذا التفسير! وأكثرها يتصل بنبيين هما: موسى وسليمان ﵉.","vol":"1","page":384},{"text":"هذا ما بدا لي عندما قرأت تفسير مجاهد، ثم أتحفنى زميلى المفضال الدكتور محمد عبد السلام برسالته للدكتوراه \" تفسير مجاهد بن جبر \" وفى هذه الرسالة جعل الباب الثاني لبيان منهج مجاهد في التفسير.\nأشار في بداية الباب أن المفسرين من الصحابة ﵃ لم يفسروا القرآن الكريم كله، وإنما تناولوا قدرًا يسيرًا من آياته، وأنهم كانوا يقتصرون على توضيح المعنى اللغوى بأوجز لفظ، مع ندرة ما يستنبط من الأحكام الفقهية، وذكر لسبب النزول، وأخذ عن أهل الكتاب في حدود ما سمح به.\nثم قال:\nوهذا كان منهج ابن عباس كبير مفسرى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإذا نحن تتبعنا تفسير تلميذه مجاهد، وجدناه ينهج هذا النهج، ويزيد عليه بما يلى:\n١ - زيادة القدر المفسر من الأحكام.\n٢ - كثرة ما استنبط من الأحكام.\n٣ - بذر نواة المذاهب الفقهية والكلامية، ولذا وجدنا الشافعى يعتمد على مجاهد في فقهه، والمعتزلة أيضًا يعتمدون عليه فيما ذهبوا إليه من القول بعدم رؤية الله ﷿.\n٤ - التوسع في الاتصال بأهل الكتاب وسؤالهم.\nقال: والمدقق في تفسير مجاهد يجده قد أفاد كثيرًا من أستاذه ابن عباس، واقتفى أثره ووافقه في تفسير العديد من الآيات، كما أنه كان يخالفه أحيانًا، وأبرز تلك المخالفة قول مجاهد بالرأى في بعض الآيات فمنهج مجاهد هو:\nتوضيح المعنى اللغوى بأوجز عبارة، مع ذكر سبب النزول، واستنباط الأحكام، والأخذ عن أهل الكتاب، والقول بالرأى في حدود ما سمح به. ا. هـ.\nوإن كان لتفسير التابعين منزلته غير أنه ليس بحجة إلا عند إجماعهم، فإذا اختلفوا فليس قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من جاء بعدهم.","vol":"1","page":385},{"text":"والشيعة الاثنا عشرية يجعلون العصمة لاثنين من التابعين، هما: على بن الحسين زين العابدين، المتوفى سنة ٩٥، وابنه محمد: أبو جعفر الباقر، المتوفى سنة ١١٤، أما غير أئمتهم فلا وزن لتفسيرهم عند الشيعة.","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفصل الخامس: أحسن طرق التفسير</span>\nبعد أن انتهينا من الحديث عن تفسير التابعين، وقد ذكر الأخذ عن أهل الكتاب، والتفسير بالرأى، نرى أن نقف هنا وقفة عند أحسن طرق التفسير كما يراه غالب الجمهور.\nوفى هذه الوقفة بيان لقيمة التفسير المأثور عن التابعين، وحديث عن الإسرائيليات، والتفسير بالرأى، وهو ما كان يلزمنا أن نبينه بعد الحديث عن تفسير التابعين، فهذه الوقفة إذن تغنينا عن التكرار. ولعل أنسب ما نثبته هنا هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أيضًا\" ما قاله الحافظ ابن كثير، وحاول الالتزام به في تفسيره.\nقال ابن تيميه رحمه الله تعالى في مقدمة التفسير من فتاواه \"ص٣٦٣: ٣٧٥ \" وطبعت المقدمة كاملة في كتاب مستقل:\nفإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟\nتفسير القرآن بالقرآن وبالسنة:\nفالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل ... في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له؛ ... بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعى: كل ما حكم به ... رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾","vol":"1","page":387},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ولهذا قال رسول الله ﷺ: \" إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه \" يعنى السنة.\nوالسنة أيضًا تنزل عليه بالوحى كما ينزل القرآن؛ لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.\nوالغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \" بم تحكم؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيى. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله \"، وهذا الحديث في المسانيد والسنن بإسناد جيد.\nأقوال الصحابة:\nوحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها؛ ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح؛ لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: \" مثل عبد الله ابن مسعود \"، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش عن أبى الضحى، عن مسروق قال: قال عبد الله - يعنى ابن مسعود: والذى لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منى تناوله المطايا لأتيته. وقال الأعمش أيضًا، عن أبى وائل، عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.","vol":"1","page":388},{"text":"ومنهم الحبر البحر \" عبد الله بن عباس \"، ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: \" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل \". وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، أنبأنا وكيع، أنبأنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله - يعنى ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. ثم رواه عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به كذلك، فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة، وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمر بعده ابن عباس ستًا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش، عن أبى وائل: استخلف على عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة - وفى رواية سورة النورـ ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا.\nالإسرائيليات:\nولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: \" بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار \" رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام:\n\" أحدها \" ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.\nو\" الثاني \" ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.\nو\"","vol":"1","page":389},{"text":"الثالث \" ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر دينى، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتى عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ .\nوقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغى في مثل هذا. فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلًا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا ...﴾ أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب.\nفهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن","vol":"1","page":390},{"text":"الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا، فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور، والله الموفق للصواب.\nأقوال التابعين:\nإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين \" كمجاهد بن جبر \" فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا إبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمتة، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، وبه قال الترمذى، قال: حدثنا الحسين بن مهدى البصرى، حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة. قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا، وبه إليه قال: حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان بن ... عيينة، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم احتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكى، عن ابن أبى مليكة، قال: رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اِكتب، حتى سأله عن التفسير كله، ولهذا كان سفيان الثورى يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.\nوكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبى رباح، والحسن البصرى، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبى العاليه، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها","vol":"1","page":391},{"text":"من لا علم عنده اختلافًا، فيحكيها أقوالا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشىء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشىء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.\n\nوقال شعبه بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشىء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.\nالتفسير بمجرد الرأى حرام:\nفأما \" تفسير القرآن بمجرد الرأى فحرام، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \" من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار \".\nحدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \" من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار \". وبه إلى الترمذى قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنى حسان بن هلال قال: حدثنا سهيل - أخو حزم القطعى، قال: حدثنا أبو عمران الجونى، عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: \" من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ \"، قال الترمذى هذا حديث غريب وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهل بن أبى حزم.\nوهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم، وأما الذي روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم،","vol":"1","page":392},{"text":"أو من قبل أنفسهم، وقد روى عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم، فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت بالأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر؛ لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم. وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين، فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، وتكلف ما لا علم له به. والله أعلم.\nولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبى معمر، قال: قال أبو بكر الصديق: أي أرض تقلنى وأى سماء تظلنى إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟!\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمود بن يزيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمى، أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله:\n﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلنى، وأى أرض تقلنى، إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ - منقطع.\nوقال أبو عبيد أيضًا: حدثنا يزيد، عن حميد، عن أنس، أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.\nوقال عبد بن حميد: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن يزيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنا عند عمر بن الخطاب، وفى ظهر قميصه أربع","vol":"1","page":393},{"text":"رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك أن لا تدريه؟ .\nوهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ .\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية عن ... أيوب، عن ابن أبى مليكة، أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها. إسناده صحيح. وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبى مليكه، قال: سأل رجل ابن عباس عن: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؟ فقال الرجل إنما سألتك لتحدثنى فقال ابن عباس، هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم. وقال ابن درير: حدثنى يعقوب - يعنى ابن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن مهدى بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن. فقال أحرج عليك إن كنت مسلمًا لما قمت عنى، أو قال: أن تجالسنى، وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال إنا لا نقول في القرآن شيئًا.\nوقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل سعيد ابن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألنى عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شىء، يعنى عكرمة. وقال ابن شوذب: حدثنى يزيد بن أبى","vol":"1","page":394},{"text":"يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع.\nوقال ابن جرير: حدثنى أحمد بن عبده الضبى، حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وأنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع. وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث، عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبى تأول آية من كتاب الله قط. وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائى، عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلمانى عن آية من القرآن، فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد.\nوقال أبو عبيد: حدثنا معاذ، عن ابن عون عن عبيد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده. حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال شعبة، عن عبد الله بن أبى السفر، قال: قال الشعبى: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله. وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم، أنبأنا عمر بن أبى زائدة، عن الشعبى، عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله.\nالتفسير بالرأى عن علم:\nفهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه؛ ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به فكذلك يجب فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله","vol":"1","page":395},{"text":"تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾، ولما جاء في الحديث المروى من طرق: \" من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامه بلجام من نار \".\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبى الزناد، قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. والله ﷾ أعلم. \" انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية \"","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل السادس: التفسير في القرن الثاني</span>\nوفى القرن الثاني الهجرى بدأ عصر التدوين. ونحن نعلم أن خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز أمر بجمع السنة وتدوينها، وخلافته كانت في العام التاسع والتسعين من القرن الأول، وتوفى في العام الأول من القرن الثاني، وأول من استجاب له ابن شهاب الزهرى المتوفى سنة ١٢٤ هـ، وتبعه آخرون، وشاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقته، وكان التفسير كما عرفنا بابًا من أبواب السنة، ومن هنا كان جمعه وتدوينه. ولم يصلنا مما دُوِن في ذلك القرن إلا القليل: كموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام الشافعى، ومسند أبى داود الطيالسى المتوفى سنة٢٠٤هـ، وكتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيبانى صاحب الإمام أبى حنيفة.\nغير أن هذا القرن شهد التفسير كعلم قائم بذاته، ونتحدث هنا عن ثلاثة كتب هي: التفسير الكبير لمقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ، وتفسير يحيى بن سلام المتوفى سنة ٢٠٠ هـ، ومعانى القرآن لأبى زكريا يحيى بن زياد الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ.\nأولًا: تفسير مقاتل بن سليمان\nهذا أول تفسير يصلنا حتى الآن يفسر جميع أي القرآن الكريم، والراجح أن أحدًا لم يسبقه في هذا المجال. وسفيان الثورى الذي توفى بعد مقاتل بأحد عشر عامًا طبع تفسيره في مجلد واحد، وهو أقرب ما يكون إلى تفسير مجاهد (١)، مما يرجح أن طريقة تفسير بعض الآيات والكلمات هي التي كانت لا تزال سائدة\n_________\n(١) عبد الرحمن السورتى محقق تفسير مجاهد كثيرًا ما نراه يشير إلى تفسير سفيان الثورى في الحاشية.","vol":"1","page":397},{"text":"في القرن الثاني، وعلى الأخص في النصف الأول منه قبل أن ينتهى عصر التابعين.\nفي القرن الثاني، وعلى الأخص في النصف الأول منه قبل أن ينتهى عصر التابعين.\nومع سبق مقاتل، وضخامة تفسيره الذي يقع في أربعة مجلدات، إلا أن هذا التفسير لم يحتل مكانة علمية عند جمهور العلماء، وذلك لأن مقاتلًا مجروح؛ متهم بالكذب، والتجسيم، وكثرة النقل عن أهل الكتاب.\nوليس لهذا التفسير من قيمة إلا بمقدار صحة ما فهمه هو من معاني الآيات الكريمة، ولهذا قال الذهبى عنه: متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلم، بحرًا في التفسير. ويروى عن الشافعى ﵁ أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة: مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير ابن أبى سلمى في الشعر، وعلى أبى حنيفة في الكلام (١) .\n\nثانيًا: تفسير يحيى بن سلام\nالمؤلف والكتاب: يحيى بن سلام بن أبى ثعلبة التميمى - مولى لهم - يكنى أبا ذكريا، بصرى، قدم مصر وصار إلى إفريقيا وسكنها، وحج منها، وتوفى بمصر بعد رجوعه من الحج في صفر سنة مائتين.\nقال ابن الجزرى في ترجمته ليحيى:\nصاحب التفسير. روى الحروف عن أصحاب الحسن البصرى عن الحسن ابن دينار وغيره.\nوله اختيار في القراءه من طريق الآثار.\nروى عن حماد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وسعيد بن أبى عروبة.\n_________\n(١) انظر ترجمة مقاتل بن سليمان في تهذيب التهذيب ١٠ / ٢٧٩: ٢٨٥ وطبقات المفسرين للداودى ٢ / ٣٣٠ - ٣٣١.","vol":"1","page":398},{"text":"قال الدانى: ويقال أنه أدرك من التابعين نحوًا من عشرين رجلًا وسمع ... منهم، وروى عنهم.\nنزل المغرب، وسكن أفريقيا دهرًا، وسمع الناس بها كتابه في تفسير القرآن، وليس لأحد من المتقدمين مثله، وكتابه الجامع.\nوكان ثقة ثبتًا، ذا علم بالكتاب والسنة، ومعرفة اللغة العربية، وكان صاحب سنة، وسمع منه بمصر عبد الله بن وهب، ومثله من الأئمة (١) .\nوفى ترجمته في لسان الميزان قال ابن حجر:\nحدث بالمغرب عن سعيد بن أبى عروبة ومالك وجماعة.\nضعفه الدارقطنى. وقال ابن عدى: يكتب حديثه مع ضعفه، روى عنه بحر ابن نصر وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال سعيد بن عمرو البردعى: قلت لأبى زرعة في يحيى بن سلام المغربى: فقال: لا بأس به، ربما وهم. وقال أبو حاتم الرازى: كان شيخا بصريًا وقع إلى مصر، وهو صدوق. وقال أبو العرب في طبقات القيروان: كان مفسرًا، وكان له قدر ومصنفات كثيرة في فنون العلم، وكان من الحفاظ، من خيار خلق الله (٢) .\nنقرأ ما سبق عن يحيى وعن تفسيره، ولكن أين هذا التفسير؟ وما منهجه؟ ولماذا قيل: ليس لأحد من المتقدمين مثله؟\nما كنت أدرى عن هذا التفسير شيئًا.\nونحن نعرف أن القرن الثاني شهد طائفة من الأئمة تكلموا في الجرح والتعديل، وكان لهذا أثره في جمع الأخبار، مع التصحيح والتضعيف والترجيح،\n_________\n(١) غاية النهاية في طبقات القراء لشمس الدين أبى الخير محمد بن محمد ابن الجزرى ... ٢ / ٣٧٣ ترجمة رقم ٣٨٤٨. وانظر طبقات المفسرين للداودى ٢ / ٣٧١ ترجمة رقم ٦٨٥.\n(٢) انظر ترجمته أيضًا في ميزان الاعتدال للذهبى.","vol":"1","page":399},{"text":"ولكن ما كنت أعرف أحدًا سبق محمد بن جرير الطبري إلى هذا في مجال التفسير كعلم مستقل، مع أن الطبري عاش في القرن الثالث وتوفى أوائل الرابع\" ٢٢٤: ٣١٠ \" غير إني عندما قرأت كتاب \" التفسير ورجاله \" لعالم تونس الشيخ محمد الفاضل بن عاشور وجدته يتحدث عن تفسير يحيى بن سلام. وأورد هنا ما كتبه ذلك العالم الفاضل ليستفيد القارئ كما استفدت، وحتى تكون الحلقة متصلة عندما نأتى للحديث عن تفسير الطبري.\n\nمنهج التفسير في النصف الثاني من القرن الثاني:\nتحدث الشيخ عن منهج التفسير في النصف الثاني من القرن الثاني الهجرى فقال:\nكانت أول التفاسير ظهورًا في النصف الثاني من القرن الثاني بعد كتاب عبد الملك بن جريج - التفاسير المتوخيه طريقة جمع الأقوال - بحسب ما انتهى إلى مؤلفيها من طرق الإسناد.\nوقد اقتضى ذلك لا محالة اشتمال الكتاب الواحد، في الآية الواحدة على أخبار متخالفة، وآثار متفاوتة الدرجات من حيث مظنة الثبوت لقوة الأسانيد وضعفها. فتطلب ذلك رجوعًا إلى تلك الأخبار بالنقض والتمحيص، ليوضع منها ما يوضع على بساط الطرح والتزييف، ويثبت منها ما يثبت على مدرجة الاعتماد والتحصيل.\nلا سيما وقد انتهى الكثير منها إلى المؤلفين متبعًا لتعاليق نقدية اتصلت بها وصارت ذيولا لها، منذ أن كانت متناقلة بالطريق الشفهى، قبل أن تدخل حيز التدوين.\nفأصبح موقف المؤلفين حيال تلك الأخبار، مثل موقف مصنفى السنة من مختلف الحديث، وموقف الفقهاء من متعارض فتاوى فقهاء الصحابة والتابعين، موقفًا يستدعى إدخال عناصر جديدة من المعارف المتصلة بتوضيح البحث، ثم","vol":"1","page":400},{"text":"إدخال عنصر شخصى من النقد والتقدير، والإسقاط والتحصيل، أو الجمع والتأويل، ينتهى إلى حكم موضوعى فاصل بحسب اجتهاد المؤلف، وتقديره، تتخذ له تلك الأخبار المتخالفة أسانيد ومقومات للاستنتاج كما يتخذ مجموع البينات المتعارضة مع ما يتصل بها من وسائل الإثبات سندًا لقضاء القاضى.\nوكانت أهم العناصر المرجوع إليها، بالإضافة إلى عنصر الروايات الواردة، عنصرين يتصلان مباشرة باللفظ القرآنى: هما عنصر القراءة وعنصر الإعراب.\n\nحلقة الاتصال بين القرنين الأول والثالث:\nوبعد أن تحدث عن العنصرين، وصلة كل منهما بالتفسير، قال:\n\" وإنه لمما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام: أن الذين يشيرون إلى هذه الطريقة وخصائصها من الكاتبين حديثًا في تاريخ التفسير، يبادرون إلى ضرب المثل بتفسير محمد بن جرير الطبري، فيقطعون بذلك اتصال سلسلة التطور في الأوضاع التفسيرية بين القرن الأول والقرن الثالث بإضاعة الحلقة من تلك السلسلة التي تمثل منهج التفسير في القرن الثاني، لأن تفسير ابن جرير الطبري ألف في أواخر القرن الثالث، وصاحبه توفى أوائل القرن الرابع، والحال أن الحلقه التي يتم بها اتصال السلسلة وضاعت عن الكاتبين المحدثين في تاريخ التفسير: من المستشرقين وغير المستشرقين، هي حلقة أفريقية تونسية، بالوقوف عليها يتضح كيف تطور فهم التفسير عما كان عليه في عهد ابن جريج، إلى ما أصبح عليه في تفسير الطبري، ويتضح لمن كان الطبري مدينًا له بذلك المنهج الأثرى النظرى الذي درج عليه في تفسيره العظيم.\nوإنما نعنى بهذا تفسيرًا جليلًا من صميم آثار القرن الثاني، وهو أقدم التفاسير الموجودة اليوم على الإطلاق، ألف بالقيروان وروى فيها، وبقيت نسخته الوحيده بين تونس والقيروان، وهو الذي يعتبر مؤسس طريقة التفسير","vol":"1","page":401},{"text":"النقدى، أو الأثرى النظرى التي سار عليها بعده ابن جرير الطبري واشتهر بها.\nذلك هو تفسير يحيى بن سلام التميمى البصرى الأفريقى المتوفى سنة ٢٠٠، وهو تفسير يقع في ثلاثين جزءًا من التجزئة القديمة، أي في ثلاث مجلدات ضخمة، مبنى على إيراد الأخبار مسندة، ثم تعقبها بالنقد والاختيار. فبعد أن يورد الأخبار المروية مفتتحًا إسنادها بقوله: \" حدثنا \" يأتى بحكمه الاختيارى مفتتحًا بقوله: \" قال يحيى \"، ويجعل مبنى اختياره على المعنى اللغوى، والتخريج الإعرابى، ويتدرج من اختيار المعنى إلى اختيار القراءة التي تتماشى وإياه، مشيرًا إلى اختياراته في القراءة بما يقتضى أن له رواية أو طريقًا لا يبعد أن تكون راجعة إلى قراءة أبى عمرو بن العلاء البصرى، لأن يحيى بن سلام بصرى النشأة، وإلى طريقه المختار في القراءة يشير في تفسيره بقوله: \" والذى في مصحفنا \".\nوقد نص ابن الجزرى على أن هذا الكتاب سمع من مؤلفه بإفريقيا، وشهد بأنه كتاب ليس لأحد من المتقدمين مثله، وكذلك نقل عن إمام القراءات أبى عمرو الدانى أنه قال: \" ليس لأحد من المتقدمين مثل تفسير ابن سلام \". وذلك ينطق بسبقه إلى طريقه، وابتكاره منهجًا. وقد تلقى هذا التفسير عن مؤلفه فقيه أفريقى هو أبو داود العطار المتوفى سنة ٢٤٤.\nوتوجد من هذا التفسير لبلادنا التونسية نسخة عظيمة القدر موزعة الأجزاء، نسخت منذ ألف عام تقريبا، منها: مجلد يشتمل على سبعة أجزاء بالمكتبة العبدلية بجامع الزيتونة الأعظم، وآخر يشتمل على عشرة أجزاء بمكتبة جامع القيروان، ومن مجموعهما يتكون نحو الثلثين من جملة الكتاب. ويوجد جزء آخر لعله يتمم بعض نقص النسخة، هو من المقتنيات الخاصة لبعض العلماء الأفاضل.\nولعل فذاذة هذه النسخة التونسية هو الذي يعتذر به للذين أهملوا شأن ابن سلام في مراحل التفسير، وإن كان التعريف بها حاصلًا منذ أكثر من خمسين سنة،","vol":"1","page":402},{"text":"في الجزء الأول من الفهرس التفصيلى للمكتبة العبدلية، وقد أخذت عنها صور لمعهد المخطوطات العربية، وكثير من دور الكتب في المشرق ... والمغرب \" ا. هـ.\nمن كلام الشيخ محمد الفاضل بن عاشور نرى أن التفسير في النصف الثاني من القرن الثاني لم يختلف عن الحديث في الاستفادة من الجرح والتعديل، وسلك منهج التصحيح والتضعيف والترجيح. ونسأل الله تعالى أن يهيئ لكتاب التفسير هذا من يحققه ويخرجه للمسلمين.\n\nثالثًا: معاني القرآن للفراء\nالفراء وإملاء الكتاب:\nالفراء وهو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمى، ولد بالكوفة سنة ١٤٤ هـ، ونشأ بها وتربى على شيوخها، ومنزلته العلمية معروفة: لقب بأمير المؤمنين في النحو، وكان زعيم الكوفيين بعد الكسائى. واستقر به المقام في بغداد، وتوفى سنة ٢٠٧ هـ.\nوفى بداية الكتاب يقول راويه أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السمرى:\n\" هذا الكتاب فيه معاني القرآن، أملاه علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء - يرحمه الله - عن حفظه من غير نسخة، في مجالسه أول النهار من أيام الثلاثاوات والجمع في شهر رمضان، وما بعده من سنة اثنتين، وفى شهور سنة ثلاث، وشهور من سنة أربع ومائتين. قال: حدثنا محمد بن الجهم، قال: حدثنا الفراء، قال:\nتفسير مشكل إعراب القرآن ومعانية \" ا. هـ.","vol":"1","page":403},{"text":"الهدف والمنهج:\nومن العنوان الذي اختاره الفراء يتضح الهدف من أماليه، فهو لا يريد تفسير القرآن الكريم آية آية، وإنما يقف عند بعض الآيات الكريمة ليفسر مشكل الإعراب والمعانى. ولذلك رأينا الكتاب يزخر بمناقشات نحوية مستفيضة، ووقفات لغوية.\nوهذا التفسير يعتمد على تمكن صاحبه من اللغة، ومعرفته بأساليبها، وإمامته في النحو، ومعرفته بلهجات العرب، وبالقراءات المختلفة.\nولا نكاد نجد فيه اهتمامًا بذكر الأخبار المروية عن الرسول ﷺ، أو الصحابة أو التابعين.\nومثل هذا التفسير لا يعد من التفسير المأثور، ولعله أول كتاب يصلنا في التفسير العقلى، وقيمته العلميه تستند إلى مدى التزامه بالمنهج العلمى المقبول لمثل هذا النوع من التفسير، وتمكنه من أدواته ووسائله. ولنذكر شيئا من هذا التفسير يوضح منهجه.\nبعد قول الفراء السابق \" تفسير مشكل إعراب القرآن ومعانيه \" قال:\nفأول ذلك اجتماع القراء وكتاب المصاحف على حذف الألف من\n﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وفى فواتح الكتب، وإثباتهم الألف في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ... وأخذ يبين سبب هذا، ثم انتقل إلى تفسير أم الكتاب فقال: قوله تعالى: ﴿الْحَمْد للهِ﴾ .\nاجتمع القراء على رفع الحمد. وأما أهل البدو فمنهم من يقول: ﴿الْحَمْدَ للهِ﴾ ومنهم من يقول ﴿الْحَمْدِ للهِ﴾ . ومنهم من يقول ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ . فيرفع الدال واللام.","vol":"1","page":404},{"text":"وقال: \" فأما من نصب ... \" وبين وجه كل من الحالات المذكورة.\nثم قال: \" عليهُم \" و\" عليهِم \": وهما لغتان، لكل لغة مذهب في العربية.\nوفصل في بيان سبب ضم الهاء وكسرها، ثم قال:\nوقوله تعالى: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ .\nبخفض \" غير \" لأنها نعت للذين.\nوبعد أن بين سبب ضبط كلمة \" غير \" قال:\nوأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فإن معنى \" غير \" معنى \" لا \"، فلذلك ردت عليها \" ولا \" ... إلخ.\nوهكذا سار الفراء في تفسيره لفاتحة الكتاب (١) .\nوعند تفسير سورة النور قال:\nومن سورة النور بسم الله الرحمن الرحيم: قوله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ ترفع السورة بإضمار هذه سورة أنزلناها. ولا ترفعها براجع ذكرها لأن النكرات لا يبتدأ بها قبل أخبارها، إلا أن يكون ذلك جوابًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: رجل قام، إنما الكلام أن تقول: قام رجل. وقبح تقديم النكرة قبل خبرها أنها توصل ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة. فيقال: رجل يقوم أعجب إلىّ من رجل لا يقوم: فقبح إذ كنت كالمنتظر للخبر بعد الصلة. وحسن في الجواب؛ لأن القائل يقول: من في الدار؟ فتقول: رجل، وإن قلت: رَجُلٌ فيها فلا بأس؛ لأنه كالمرفوع بالرد لا بالصفة.\n_________\n(١) راجع التفسير في ج ١ ص ٣ - ٨.","vol":"1","page":405},{"text":"ولو نصبت السورة على قولك: أنزلناها سورة وفرضناها كما تقول: مجردًا ضربته كان وجهًا. وما رأيت أحدًا قرأ به (١) .\nوفى سورة النمل قال الفراء:\nوقوله: ﴿إِنِّي لَا يخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ...﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فهذا مغفور له. فيقول القائل كيف صُير خائفًا؟ قلت: في هذه وجهان: أحدهما أن تقول: إن الرسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القيامة. ومن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا يخاف ويرجو: فهذا وجه. والآخر أن تجعل الاستثناء من الذين تُركوا في الكلمة؛ لأن المعنى: لا يخاف المرسلون إنما الخوف على غيرهم.\nثم استثنى فقال: إلا من ظلم فإن هذا لا يخاف، يقول: كان مشركًا فتاب وعمل حسنًا فذلك مغفور له ليس بخائف.\nوقد قال بعض النحويين: إن \" إلا \" في اللغة بمنزلة الواو، وإنما معنى هذه الآية: لا يخاف لدى المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنًا، وجعلوا مثله قول الله: ﴿لِئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ...﴾ أي ولا الذين ظلموا. ولم أجد العربية تحتمل ما قالوا، لأنى لا أجيز قام الناس إلا عبد الله، وهوقائم؛ إنما الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد إلا من معنى الأسماء قبل إلا. وقد أراه جائزًا أن تقول: عليك ألف سوى ألف آخر، فإن وضعت \" إلا \" في هذا الموضع صلحت وكانت \" إلا \" في تأويل ما قالوا. فأما مجردة قد استثنى قليلها من كثيرها فلا. ولكن مثله مما يكون في معنى إلا كمعنى الواو وليست بها.\n_________\n(١) راجع ص ٢٤٣، ٢٤٤.","vol":"1","page":406},{"text":"قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ...﴾ هو في المعنى: إلا الذي شاء ربك من الزيادة. فلا تجعل إلا \" في منزلة \" الواو ولكن بمنزلة سوى. فإذا كانت سوى في موضع إلا صلحت بمعنى الواو؛ لأنك تقول: عندى مال كثير سوى هذا، أي وهذا عندى؛ كأنك قلت: عندى مال كثير وهذا. وهو في سوى أنفذ منه في إلا لأنك قد تقول: عندى سوى هذا، ولا تقول: إلا هذا (١) .\nوفى سورة سبأ:\nوقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ \" ١٧ \" هكذا قرأه يحيى وأبو عبد الرحمن أيضًا. والعوام: ﴿وَهَلْ يُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ . وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم﴾ موضع \" ذلك \" نصب بـ \" جزيناهم \".\nيقول القائل: كيف خص الكفور بالمجازاة والمجازاة للكافر وللمسلم وكل واحد؟ فيقال: إن جازيناه بمنزلة كافأناه والسيئة للكافر بمثلها وأما المؤمن فيجزى لأنه يزاد ويتفضل عليه ولا يجازى. وقد يقال: جازيت في معنى جزيت، إلا أن المعنى في أبين الكلام على ما وصفت لك؛ ألا ترى أنه قد قال ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم﴾ ولم يقل ﴿جاَزَيْنَاهُم﴾ وقد سمعت جازيت في معنى جزيت وهى مثل عاقبت وعقبت، الفعل منك وحدك. وبناؤها - يعنى - فاعلت على أن تفعل ويفعل بك (٢) .\n_________\n(١) ج ٢ ص ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(٢) ج ٢ ص ٣٥٩.","vol":"1","page":407},{"text":"وأكتفى بهذا القدر، ولعله - مع قلته - يبين منهج الفراء في تفسيره، وقيمته العلمية.\n\n*****","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الفصل السابع: القرن الثالث وتفسير الطبري</span>\nالقرن الثالث الهجرى يعتبر العصر الذهبى بالنسبة لتدوين السنة؛ فقد شهد ميلاد مسند الإمام أحمد والصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وسنن أبى داود، والترمذى، وابن ماجه، والنسائى، وغيرها من كتب السنة.\nومع أننا رأينا التفسير علمًا قائمًا بذاته، إلا أن رجال الحديث كانوا يدونون الأخبار المتصلة بالتفسير مع غيرها من الأخبار، فكان هذا خيرًا عظيمًا بالنسبة للتفسير.\nوإلى جانب هذا فإن أعظم كتاب في التفسير ظهر في هذا القرن، وهو تفسير أبى جعفر محمد بن جرير الطبري، المسمى \" جامع البيان عن تأويل أي القرآن \".\nالطبري: علمه وكتبه:\nالطبري هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير. وهو - كما قال الذهبى - الإمام العالم المجتهد، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة، من أهل آمل طبرستان. مولده سنة أربع وعشرين ومئتين، وطلب العلم بعد الأربعين ومئتين، وأكثر الترحال، ولقى نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علمًا، وذكاء، وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله (١) .\nكان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك (٢) .\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٢٦٧.\n(٢) المرجع السابق ١٤ / ٢٧٠.","vol":"1","page":409},{"text":"ونقل الذهبى وابن كثير وابن حجر قول الخطيب في تاريخه عن الطبري: كان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه بمعرفته وفضله. وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره: فكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعانى، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في \" أخبار الأمم وتاريخهم \"، وله كتاب: \" التفسير \" لم يصنف مثله ... إلخ (١) .\n\nوقال ابن كثير: روى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وصنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير، وغيرهما من المصنفات النافعة في الأصول والفروع، ومن أحسن ذلك تهذيب الآثار ... إلخ (٢) .\nوقال السيوطي: رأس المفسرين على الإطلاق، أحد الأئمة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره\nثم قال: وله التصانيف العظيمة، منها: \" تفسير القرآن \"، وهو أجل التفاسير، لم يؤلف مثله كما ذكره العلماء قاطبة، منهم النووى في تهذيبه، وذلك لأنه جمع فيه بين الرواية والدراية، ولم يشاركه في ذلك أحد لا قبله ولا بعده.. إلخ (٣) .\n_________\n(١) انظر المرجع السابق ١٤ / ٢٦٩، والبداية والنهاية ١١ / ١٤٥، ولسان الميزان ... ٥ / ١٠٠.\n(٢) انظر البداية والنهاية ١١ / ١٤٥.\n(٣) انظر طبقات المفسرين للسيوطي: ص ٩٥، ٩٦.","vol":"1","page":410},{"text":"والطبرى - رأس المفسرين والمؤرخين - نجد في ترجمته (١) الحديث عن كتبه، ما تم منها وما لم يتم. وأهم كتبه التي مات قبل تمامها كتابه \" تهذيب الآثار\"، وهو مطبوع ميسر الرجوع إليه والحمد لله تعالى (٢) .\nعقيدة الطبري:\nالحديث عن الطبري وعن كتبه يطول كثيرًا، والذى يعنينا أساسًا هو تفسيره، ولكن ونحن في مجال التفسير المقارن بين الشيعة وأهل السنة نرى من اللازم بيان عقيدة هذا الإمام التي وقع ضجاج كبير حولها، حيث رماه بعضهم بأنه من الشيعة الإمامية، غير أن كتبه تثبت براءته.\nلما بلغه أن أبا بكر بن أبى داود تكلم في حديث غدير خم، عمل كتاب: \" الفضائل \"، فبدأ بفضل أبى بكر، ثم عمر، وتكلم على تصحيح حديث غدير خم، واحتج لتصحيحه، ولم يتم الكتاب.\nوفى الباب السابق ذكرت الروايات المختلفة لهذا الحديث، وبينت ما هو صحيح منها، وما هو مختلف فيه، وما هو ضعيف أو موضوع مصنوع في دار الضرب بالكوفة. ولا أدرى ما الذي صح عند الطبري؟ وربما صحح ما بينت ضعفه أو وضعه. وعندما رجعت لتهذيب الآثار رأيت عدم استبعاد هذا ... الاحتمال:\nففى مسند على ﵁ يذكر حديث \" أنا دار الحكمة وعلى بابها \"، ويقول: \" وهذا خبر عندنا صحيح سنده \" ولكنه يضيف قوله \" وقد يكون على\n_________\n(١) انظر ترجمته في المراجع السابقه، وأخص سير أعلام النبلاء، وفى غيرها من المراجع مثل: تاريخ بغداد ٢ / ١٦٢، وطبقات المفسرين للداودى ٢ / ١٠٦.\n(٢) طبع بتحقيق الدكتور ناصر الرشيد وآخر، ثم حققه شيخنا العلامة محمود محمد شاكر، محقق تفسير الطبري، جزاه الله خيرًا.","vol":"1","page":411},{"text":"مذهب الآخرين سقيمًا غير صحيح لعلتين \" ثم يذكر تأييدًا له حديثًا عن ابن عباس: \" أنا مدينة العلم وعلى بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها \" (١) .\nوتصحيح مثل هذه الآحاديث لا يعنى أنه من الإمامية وإلا لما تحدث عن فضل أبى بكر وعمر، فضلًا عن أن يبدأ بهما. ونراه في مسند على يروى أن قاتل الزبير استأذن على على فقال: ليدخل النار، سمعت النبي ﷺ يقول: \" لكل نبي حوارى وإن حوارى الزبير بن العوام \" (٢) ونحن نعرف تكفير الشيعة لمن قاتل عليًا، وما رواه الطبري ينقض قولهم. وكان الطبري يكلم ابن صالح الأعلم، وجرى ذكر على ﵁، ثم قال الطبري: من قال إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامى هدى، أيش هو؟ قال: مبتدع. فقال ابن جرير إنكارًا عليه: مبتدع! مبتدع! هذا يقتل، من قال إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامى هدى يقتل يقتل (٣) .\nوقال الذهبى في ميزان الاعتدال \" ٣ / ٤٩٨ \" في ترجمة الطبري:. \" ثقة صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر.\nأقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ، فقال: كان يضع للروافض، كذا قال السليمانى: وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندعى عصمته من الخطأ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغى أن يتأنى فيه، ولا سيما في مثل إمام كبير، فلعل السليمانى أراد الآتى:\n_________\n(١) انظر تهذيب الآثار ١ / ٨٩ - ٩٠ - والحديث الأول رواه الترمذى في الباب الخامس من مناقب على بن أبى طالب، وقال: \" هذا حديث غريب منكر \" والثاني قال عنه البخاري: \" منكر \" وقال بوضعه ابن معين وابن الجوزى والذهبى وغيرهم، وصححه الحاكم!! وافتى بحسنه ابن حجر - انظر فيض القدير ٣ / ٤٦ - ٤٧، والمقاصد الحسنة ٩٧، وكشف الخفاء ١ / ٢٣٥.\n(٢) تهذيب الآثار ١ / ١٤٠.\n(٣) انظر سير أعلام النبلاء ١٤ / ٢٧٥، ولسان الميزان ٥ / ١٠١، وفيه زياده العبارة الأخيرة: \" من قال إن ... \".","vol":"1","page":412},{"text":"محمد بن جرير بن رستم، أبو جعفر الطبري. رافضى ... \".\nوعقب ابن حجر فقال: \" ولو حلفت أن السليمانى ما أراد إلا الآتى لبررت، والسليمانى حافظ متقن، كان يدرى ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن في مثل هذا الإمام بهذا الباطل، والله أعلم. وإنما رمى بالتشيع لأنه صحح حديث غدير خم، وقد اغتر شيخ شيوخنا أبو حيان بكلام السليمانى ... \" (١) .\nهذه كلمة موجزة عن الطبري، وبعد حياة بارك الله تعالى فيها توفى سنة عشر وثلاثمائة، ودفن ببغداد.\nتفسير الطبري\nالثناء على الكتاب:\nذكرنا آنفا بعض ما جاء في ترجمة أبى جعفر عن تفسيره القيم.\nومما جاء عن هذا الكتاب أيضًا أن ابن جرير قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم. فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة.\nولما أراد أن يملى التفسير قال لهم نحوًا من ذلك، ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ.\nوقال الحاكم: سمعت أبا بكر بن بالويه يقول: قال لي أبو بكر بن خزيمة: بلغنى أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: بلى، كتبته عنه إملاء. قال: كله؟ قلت: نعم. قال: أي سنة؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ومئتين. قال: فاستعاره منى أبو بكر، ثم رده بعد سنين، ثم قال: لقد نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.\n_________\n(١) لسان الميزان ٥ / ١٠٠.","vol":"1","page":413},{"text":"وقال أبو محمد الفرغانى: لو ادعى عالم أن يصنف من كتاب التفسير لابن جرير عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوى على علم مفرد مستقصى لفعل.\nوقال أبو حامد الإسفرايينى: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرًا.\nوقال السيوطي في الإتقان \" ٢ / ١٩٠ \": \". . . وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبى حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه، وأبو الشيخ ابن حبان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك، إلا ابن جرير؛ فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوقها بذلك \".\nهذه بعض الأقوال التي تبين قيمة هذا الكتاب، ولكنها لا تغنى عن النظر في الكتاب نفسه لنبين منهجه وقيمته العلمية، فلننظر فيه.\nبيان الطبري لمنهجه:\nذكر الطبري في مقدمة التفسير \" ص ٦ \" ما يلى:\n\" ونحن - في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه - منشئون إن شاء الله ذلك، كتابًا مستوعبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه، جامعًا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيًا، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه منه، واختلافها فيما اختلفت فيه منه. ومبينو علل كل مذهب من مذاهبهم، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأختصر ما أمكن من الاختصار فيه \".\nوفى المقدمة أيضا \" ص ٧٣ \" نجد \" القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن \"، ويذكر تحت هذا العنوان ما يبين أن مما أنزل الله تعالى من القرآن ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ، وأن منه ما لا يعلم","vol":"1","page":414},{"text":"تأويله إلا الله الواحد القهار، وأن منه مايعلم تأويله كل ذى علم باللسان الذي نزل به القرآن.\nثم يذكر أبو جعفر بعد هذا بعض الأخبار التي رويت بالنهى عن القول في تأويل القرآن بالرأى، ويعقب عليها \" ص ٧٧: ٧٩ \" وبعده نجد \" ذكر الأخبار التي رويت في الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة \" ... \" ص ٨٠ \".\nثم نجد \" ذكر الأخبار عن بعض السلف، فيمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير، ومن كان منهم مذمومًا علمه به \" \" ص ٩٠ \" وبعد الأخبار نجد ما يأتى:\nقال أبو جعفر: قد قلنا فيما مضى من كتابنا هذا في وجوه تأويل القرآن، وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:\nأحدها لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقاتُ ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.\nوالوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله.\nوالثالث منها: ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يُوصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم.\nفإذا كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق - في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيلُ - أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته من أخبار رسول الله ﷺ الثابته عنه: إما من جهة النقل المستفيض، فيما وُجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من جهة","vol":"1","page":415},{"text":"نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبه على صحته؛ وأصحهم برهانًا - فيما ترجم وبين من ذلك - ممّا كان مُدركًا علمُه من جهة اللسان: إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد أن لا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة \". \" ص ٩٢: ٩٣ \".\nتفسير الطبري لختام فاتحة الكتاب:\nهذا بعض ما جاء في مقدمته المستفيضة، ولعله يوضح المنهج الذي ارتضاه الطبري لتفسيره.\nوأضيف هنا شيئًا من هذا التفسير قبل الحديث عنه، وقد يبدو ما أنقله غير مناسب لكثرة صفحاته، غير أنه تفسير آية كريمة واحدة هي الأخيرة من سورة الفاتحة، وما ذكره بعد تفسيرها، وأريد أن يشترك القارئ في الاستنباط حيث يجد نصًا بين يديه، ولهذا أهميته في مجال التفسير المقارن، وما أكثر ما في هذا النص من العلم والنفع!\nكما رأيت أن أذكر في الحاشية تخريج الأحاديث للشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، ولكن سأكتفى بالنتائج دون التفصيل حتى لا يزداد المنقول. وإليك ما ذكره الطبري في تفسير قوله تعالى: ... ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ .\nالقول في تأويل قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾: وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾، إبانة عن الصراط المستقيم، أي الصراط هو؟ إذ كان كل طريق من طرق الحق صراطًا مستقيمًا. فقيل لمحمد ﷺ:","vol":"1","page":416},{"text":"قل يا محمد: أهدنا يا ربنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين. وذلك نظير ما قال ربنا جلّ ثناؤه في تنزيله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ \" سورة النساء: ٦٦: ٦٩ \".\nقال أبو جعفر: فالذى أمر محمد ﷺ وأمته أن يسألوا ربهم من الهداية للطريق المستقيم، هي الهداية للطريق الذي وصف الله جل ثناؤه صفته. وذلك الطريق، هو طريق الذين وصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سلكه فاستقام فيه طائعًا لله ولرسوله ﷺ، أن يورده مواردهم، والله لا يخلف الميعاد.\nوبنحو ما قلنا في ذلك رُوى الخبر عن ابن عباس وغيره:\n١٨٨ - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾ يقول: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك (١) .\n١٨٩ - حدثنى أحمد بن حازم الغفارى، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبى جعفر، عن ربيع: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾، قال: النبيون (٢) .\n١٩٠ ـ\n_________\n(١) ضعبف الإسناد.\n(٢) أبوجعفر هو الرازى التميمى: ثقة، تكلم فيه بعضهم.","vol":"1","page":417},{"text":"حدثنى القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ قال: المؤمنين (١) .\n١٩١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: قال وكيع: ... ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾، المسلمين.\n١٩٢ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد في قوله ﴿صرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾، قال: النبي ﷺ ومن معه (٢) .\nقال أبو جعفر: وفى هذه الآية دليل واضح على أن طاعة الله جل ثناؤه، لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم، وتوفيقه إياهم لها. أوَلا يسمعونه يقول: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾، فأضاف كل ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم؟\nفإن قال قائل: وأين تمام هذا الخبر؟ وقد علمت أن قول القائل لآخر: ﴿... أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ مقتض الخبر عما أنعم به عليه، فأين ذلك الخبر في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم؟\nقيل له: قد قدمنا البيان - فيما مضى من كتابنا هذا - عن اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض، إذا كان البعض الظاهر دالًا على البعض الباطن وكافيًا منه. فقوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾ من ذلك. لأن أمرَ الله جل\n_________\n(١) هذا الخبر منقطع بين ابن جريج وابن عباس.\n(٢) عبد الرحمن بن زيد: متأخر من أتباع التابعين، وهو ضعيف جدًا.","vol":"1","page":418},{"text":"ثناؤه عباده بمسألته المعونة، وطلبهم منه الهداية للصراط المستقيم، لما كان متقدمًا قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾ ...، الذي هو إبانه عن الصراط المستقيم وإبدال منه - كان معلومًا أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم، هو المنهاج القويم والصراط المستقيم، الذي قد قدمنا البيان عن تأويله آنفًا. فكان ظاهرُ ما ظهر من ذلك - مع قرب تجاور الكلمتين - مغنيًا عن تكراره.\nكما قال نابغة بنى ذبيان:\nكأنك من جمال بنى أُقْيشٍ ... يُقَعْقَعُ خلف رِجْليه بِشَن\nيريد: كأنك من جمال أقيش، جمل يقعقع خلف رجليه بشن، فاكتفى بما ظهر من ذكر \" الجمال \" الدال على المحذوف، من إظهار ما حذف.\nوكما قال الفرزدق بن غالب:\nترى أرباقَهُمْ مُتقَلدِيها إذا صَدِى الحديدُ عَلَى الكُمَاةِ\nيريد: متقلديها هم، فحذف \" هم \"، إذ كان الظاهر من قوله أرباقهم، دالًا عليها. والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى. فكذلك ذلك في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾ .\n******\nالقول في تأويل قوله: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَليهِمْ﴾:\nقال أبو جعفر: والقراءة مجمعة على قراءة \" غير \" بجر الراء منها والخفض يأتيها من وجهين:\nأحدهما: أن يكون \" غير \" صفة لـ \" الذين \" ونعتًا لهم فتخفضها. إذ كان ... \" الذين \" خفضًا، وهى لهم نعت وصفة. وإنما جاز أن يكون \" غير \" نعتًا لـ ... \" الذين \"، و\" الذين \"، معرفة و\" غير \" نكرة، لأن \" الذين \" بصلتها ليست بالمعرفة الموقته كالأسماء التي هي أماراتّ بين الناس، مثل زيد وعمرو وما أشبه ذلك، وإنما هي كالنكرات المجهولات، مثل الرجل والبعير وما أشبه ذلك. فلما كان \" الذين \" كذلك صفتها، وكانت \" غير \" مضافة إلى مجهول من الأسماء، نظير \" الذين \"، في أنه معرفة غير مؤقته، كما \" الذين \" معرفة غيرمؤقتة - جاز من أجل ذلك أن يكون ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ... نعتًا لـ ﴿","vol":"1","page":419},{"text":"الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ كما يقال: \" لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل \"، يراد: لا أجلس إلا إلى من يعلم، لا إلى من يجهل. ولو كان ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ معرفة موقتة، كان غير جائز أن يكون ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ لها نعتًا. وذلك أنه خطأ في كلام العرب - إذا وصفت معرفة موقتة بنكرة - أن تلزم نعتها النكرة إعراب المعرفة المنعوت بها، إلا على نية تكرير ما أعرب المنعوت بها. خطأ في كلامهم أن يقال: \" مررت بعبد الله غير العالم \"، فتخفض \" غير \" إلا على نية تكرير الباء التي أعربت عبد الله. فكان معنى ذلك لو قيل كذلك: مررت بعبد الله، مررت بغير العالم. فهذا أحد وجهى الخفض في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ .\nوالوجه الآخر من وجهى الخفض فيها: أن يكون \" الذين \" بمعنى المعرفة الموقتة، وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت \" غير \" مخفوضةٌ بنية تكرير \" الصراط \" الذي خُفض \" الذين \" عليها، فكأنك قلت: صراط الذين أنعمت عليهم، صراط غير المغضوب عليهم.","vol":"1","page":420},{"text":"وهذان التأويلان في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، وإن اختلفا في اختلاف معربيهما، فإنهما يتقارب معناهما. من أجل أن من أنعم الله عليه فهداه بدينه الحق، فقد سلم من غضب ربه، ونجا من الضلال في دينه.\nفسواء - إذ كان سبب قوله ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ غير جائز أن يرتاب، مع سماعه ذلك من تاليه، في أن الذين أنعم الله عليهم بالهداية للصراط غير غاضب ربهم عليهم، مع النعمة التي قد عظمت منته بها عليهم في دينهم؛ ولا أن يكونوا ضلآلا، وقد هداهم الحق ربهم. إذ كان مستحيلا في فطرهم اجتماع الرضا من الله جل ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة، واجتماع الهدى والضلال له في وقت واحد - أًوُصِفَ القوم؛ مع وصف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم، وإنعامه عليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم، بأنهم غير مغضوب عليهم ولا هم ضالون؛ أم لم يوصفوا بذلك. لأن الصفة الظاهرة التي وصفوا بها، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يصرح وصفهم به.\nهذا، إذا وجهنا ﴿غَيرِ﴾ إلى أنها مخفوضة على نية تكرير ﴿الصِّرَاطَ﴾ الخافض ﴿الَّذِينَ﴾، ولم نجعل ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ من صفة ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾، بل إذا جعلناهم غيرهم. وإن كان الفريقان لا شك منعمًا عليهما في أديانهما.","vol":"1","page":421},{"text":"فأما إذا وجهنا ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ...﴾ إلى أنها من نعت، ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾، فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذ كان الصريح من معناه قد أغنى عن الدليل.\nوقد يجوز نصب ﴿غَيرِ﴾ في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، وإن كنت للقراءة بها كارهًا لشذوذها عن قراءة القراء. وإن ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرًا مستفيضًا، فرأى للحق مخالف، وعن سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ وسبيل المسلمين متجانف. وإن كان له - لو كان جائزًا القراءة به - في الصواب مخرج.\nوتأويل وجه صوابه إذا نصبت: أن يوجه إلى أن يكون صفة للهاء والميم اللتين في ﴿عَلَيهِمْ﴾، العائدة على ﴿الَّذِينَ﴾ . لأنها وإن كانت مخفوضة بـ ﴿عَلَي﴾ فهى في محل نصب بقوله ﴿... أَنعَمتَ﴾ . فكان تأويل الكلام - إذا نصبت ﴿غَيرِ﴾ التي مع ﴿المغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ـ: صراط الذين هديتهم إنعاما منك عليهم، غير مغضوب عليهم، أي لا مغضوبا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذ، كالنصب في ﴿غَيرِ﴾ في قولك: مررت بعبد الله غير الكريم ولا الرشيد، فتقطع \" غير الكريم \" من \" عبد الله \"، إذ كان \" عبد الله \" معرفة موقتة، و\" غير الكريم \" نكرة مجهولة.\nوقد كان بعض نحويى البصريين يزعم أن قراءة من نصب ﴿غَيرِ﴾ في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، على وجه استثناء ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ من","vol":"1","page":422},{"text":"معاني صفة ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾، كأنه كان يرى أن معنى الذين قرأوا ذلك نصبًا: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾ إلا المغضوبَ عليهم - الذين لم تنعم عليهم في أديانهم ولم تهدهم للحق - فلا تجعلنا منهم. وكما قال نابعة بنى ذبيان:\nوقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... عيت جوابًا، وما بالربع من أحد\nإلا أوارى لأيًا ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد\nوالأوارى معلوم أنها ليست من عداد \" أحد \" في شىء. فكذلك عنده، استثنى ﴿غَيرِ المَغضوبِ عَلَيهِمْ﴾ من ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ...﴾، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شىء.\nوأما نحويو الكوفيين، فأنكروا هذا التأويل واستخفوه. وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة، لكان خطأ أن يقال ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، لأن \" لا \" نفى وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد. وقالوا: لم نجد في شىء من كلام العرب استثناء يعطف عليه بجحد، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء وبالجحد على الجحد، فيقولون في الاستثناء: قام القوم إلا أخاك وإلا أباك. وفى الجحد: ما قام أخوك ولا أبوك. وأما: قام القوم إلا أباك ولا أخاك. فلم نجده في كلام العرب. قالوا: فلما كان ذلك معدومًا من كلام العرب، وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله، علمنا - إذ كان قوله ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ معطوفا على قوله ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ - أن ﴿غَيرِ﴾ بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء، وأن تأويل من وجهها إلى الاستثناء خطأ.\nفهذه أوجه تأويل ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، باختلاف أوجه إعراب ذلك.","vol":"1","page":423},{"text":"وإنما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجه إعرابه - وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل أي القرآن لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله، على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته.\nوالصواب من القول في تأويله وقراءته عندنا، القول الأول، وهو قراءة ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ بخفض الراء من ﴿غَيرِ﴾، بتأويل أنها صفة لـ ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ونعت لهم - لما قدمنا من البيان - إن شئت، وإن شئت فبتأويل تكرير ﴿صِرَاطَ﴾ كل ذلك صواب حسن.\nفإن قال قائل: فمن هؤلاء المغضوب عليهم، الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم؟\nقيل: هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في تنزيله فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ \" سورة المائدة: ستين \". فأعلمنا جل ذكره ثمة، ما أحل بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه. ثم علمنا، منة منه علينا، وجه السبيل إلى النجاة من أن يحل بنا مثل الذي حل بهم من المثلات، ورأفة منه بنا.\nفإن قال: وما الدليل على أنهم أولاء الذين وصفهم الله وذكر نبأهم في تنزيله، على ما وصفت؟\nقيل:\n١٩٣ ـ","vol":"1","page":424},{"text":"حدثنى أحمد بن الوليد الرملى، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقى، قال: حدثنا سفيان بن عيينه، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن عدى ابن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ: المغضوب عليهم، اليهود (١) .\n١٩٤ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث، عن عدى بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ: إن المغضوب عليهم اليهود (٢) .\n١٩٥ - حدثنى على بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد ابن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مرى ابن قطرى، عن عدى بن حاتم، قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله ﷿ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: هم اليهود (٣) .\n١٩٦ - حدثنا حميد بن مسعدة السامى، قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا الجريرى، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر وادى القرى، فقال: من هؤلاء الذين تحاصر يا رسول الله؟ قال: هؤلاء المغضوب عليهم اليهود (٤) .\n١٩٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريرى، عن عروة، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ، فذكر نحوه.\n١٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلى، قال: أخبرنى عبد الله بن شقيق: أنه أخبره من سمع\n_________\n(١) إسناده صحيح.\n(٢) إسناده صحيح.\n(٣) صحيح الإسناد.\n(٤) هذا الإسناد مرسل، وسيأتى مرسلًا أيضًا ١٩٧، ١٩٩، ولكنه سيأتى موصولًا ١٩٨.","vol":"1","page":425},{"text":"النبي ﷺ وهو بوادى القرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بنى القين فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ - قال: المغضوب عليهم. وأشار إلى ... اليهود (١) .\n١٩٩ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال حدثنا خالد الواسطى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا سأل النبي ﷺ، فذكر نحوه.\n٢٠٠ - حدثنا أبو كريب، قال حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: \" غير المغضوب عليهم \" يعنى اليهود الذين غضب الله عليهم (٢) .\n٢٠١ - حدثنى موسى بن هرون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن طلحة، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدى في خبر ذكره، عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانى عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، اليهود.\n٢٠٢ - حدثنا ابن حميد الرازى، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد، قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ ...﴾، قال: هم اليهود.\n٢٠٣ - حدثنا أحمد بن حازم الغفارى، قال: حدثنا عبد الله، عن أبى جعفر، عن ربيع: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، قال: اليهود.\n٢٠٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين: قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: اليهود.\n_________\n(١) إسناد صحيح، وسيأتى تفسير \" الضالين\" بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣.\n(٢) لم يخرجوه.","vol":"1","page":426},{"text":"٢٠٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن ... زيد: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، اليهود.\n٢٠٦ - حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنى ابن زيد عن أبيه، قال: المغضوب عليهم اليهود.\nقال أبو جعفر: واختلف في صفة الغضب من الله جل ذكره:\nفقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من خلقه، إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه وإما في آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره في كتابه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ...﴾ \" سورة الزخرف: ٥٥ \".\nوكما قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ \" سورة المائدة: ٦٠ \".\nوقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من عباده، ذم منه لهم ولأفعالهم، وشتم لهم منه بالقول.\nوقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم كالذي يعرف من معاني الغضب، غير أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم. لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها.\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾:","vol":"1","page":427},{"text":"قال أبو جعفر: كان بعض أهل البصرة يزعم أن: \" لا \" مع \" الضالين \" أدخلت تتميما للكلام، والمعنى إلغاؤها، ويستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج:\nما كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فعلَهُمُ ... وَالطيبَان أبو بَكْرِ وَلا عُمَرُ\nفجاز ذلك، إذ كان قد تقدم الجحد في أول الكلام.\nقال أبو جعفر: وهذا القول الآخر أولى بالصواب من الأول، إذ كان غير موجود في كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحد تقدمه بـ \" لا \" التي معناها الحذف، ولا جائز العطف بها على \" سوى \" ولا على حرف الاستثناء. وإنما لـ \" غير \" في كلام العرب معان ثلاثة، أحدهما: الاستثناء، والآخر: الجحد، والثالث: سوى. فإذا ثبت خطأ أن تكون \" لا \" بمعنى الإلغاء مبتدأ، وفسد أن يكون عطفا على \" غير \" التي مع \" المغضوب عليهم \" لو كانت بمعنى \" إلا \" التي هي استثناء، ولم يجز أيضا أن يكون عطفا عليها لو كانت بمعنى \" سوى \"، وكانت \" لا \" موجودة عطفا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قبلها - صح وثبت أن لا وجه لـ \" غير \" التي مع \" المغضوب عليهم \"، يجوز توجيهها إليه على صحة، إلا بمعنى الجحد والنفى، وأن لا وجه لقوله \" ولا الضالين \" إلا العطف على \" غير المغضوب عليهم \".\nفتأويل الكلام إذا - إذ كان صحيحا ما قلنا بالذى عليه استشهدنا - اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، لا المغضوب عليهم ولا الضالين.\nفإن قال لنا قائل: ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بالاستعاذة بالله أن يسلك بنا سبيلهم ونضل ضلالهم؟\nقيل: هم الذين وصفهم الله في تنزيله فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ \" سورة المائدة: ٧٧ \".","vol":"1","page":428},{"text":"فإن قال: وما برهانك على أنهم أولاء؟\nقيل:\n٢٠٧ - حدثنا أحمد بن الوليد الرملى، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ: \" ولا الضالين \"، قال: النصارى (١) .\n٢٠٨ - حدثنا محمد بن المثنى، أنبأنا محمد بن جعفر، أنبأنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث، عن عدى بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ إن الضالين النصارى.\n٢٠٩ - حدثنى على بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مرى بن قطرى، عن عدى بن حاتم، قال: سألت النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قول الله: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، قال: النصارى هم الضالون.\n٢١٠ - حدثنا حميد بن مسعدة السامى، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا الجريرى، عن عبد الله بن شقيق أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر وادى القرى، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الضالون، النصارى.\n٢١١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد بن الجريرى، عن عروة - يعنى ابن عبد الله بن قيس، عن عبد الله بن شقيق، عن رسول الله ﷺ، بنحوه (٢) .\n_________\n(١) هذه الأحاديث والأخبار والآثار ٢٠٧ - ٢٢٠، في تفسير \" الضالين \"، سبقت أوائلها في تفسير \" المغضوب عليهم \"، مع تخريجها، في الأرقام ١٩٣ - ٢٠٦، مع شئ من التقديم والتأخير.\n(٢) الحديث ٢١١ - سبق هذا الإسناد ١٩٧.","vol":"1","page":429},{"text":"٢١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلى، قال: أخبرنى عبد الله بن شقيق: أنه أخبره من سمع النبي ﷺ وهو بوادى القرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بنى القين، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ - قال: هؤلاء الضالون، يعنى النصارى.\n٢١٣ـ حدثنا القاسم، قال حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا سأل النبي ﷺ وهو محاصر وادى القرى، وهو على فرس: من هؤلاء؟ قال: الضالون. يعنى النصارى.\n٢١٤ - حدثنا محمد بن حميد: قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: \" ولا الضالين \" قال: النصارى.\n٢١٥ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: \" ولا الضالين \" قال: وغير طريق النصارى الذين أضلهم الله بِفِرْيَتهمْ عليه. قال: يقول: فألهِمنا دينك الحق، وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود، ولا تضلنا كما أضللت النصارى، فتعذبنا بما تعذبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك.\n٢١٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الضالين، النصارى.\n٢١٧ - حدثنى موسى بن هرون الهمذانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدّىّ في خبر ذكره عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمذانى، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: \" ولا الضالين \"، هم النصارى.\n٢١٨ - حدثنى أحمد بن حازم الغفارى، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبى جعفر، عن ربيع: \" ولا الضالين \"، النصارى.","vol":"1","page":430},{"text":"٢١٩ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: اخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: \" ولا الضالين \"، النصارى.\n٢٢٠ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، قال: الضالين، النصارى.\n*****\nقال أبو جعفر: فكلّ حائد عن قصد السبيل، وسالك غير المنهج. القويم، فضالٌ عند العرب لإضلاله وجه الطريق. فلذلك سمى الله جل ذكره النصارى ضُلالًا. لخطئهم في الحق منهج السبيل. وأخذهم من الدين في غير الطريق المستقيم.\nفإن قال قائل: أو ليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟\nقيل: بلى.\nفإن قال: كيف خصَّ النصارى بهذه الصفة، وخصَّ اليهود بما وصفهم به من أنهم مغضوب عليهم؟\nقيل: كلا الفريقين ضلاّل مغضوبٌ عليهم، غيَر أن الله جل ثناؤه وسَم كل فريق منهم من صفته لعباده بما يعرفونه به، إذا ذكرهُ لهم أو أخبرهم عنه. ولم يسم ِّواحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفةٌ على حقيقته، وإن كان له من صفات الذم زيادات عليه.\nفيظن بعض أهل الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال، بقوله \" ولا الضالين \"، وإضافته الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضللون، كالذي وصف به اليهود أنهم المغضوب عليهم - دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية، جهلًا منه لسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه.\nولو كان الأمر على ما ظنّه الغبي الذي وصفنا شأنه، لوجب أن يكونَ شأنُ كل موصوفٍ بصفةٍ أو مضاف إليه فعل، لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره، وأن","vol":"1","page":431},{"text":"يكون كل ما كان فيه من ذلك لغيره سبب، فالحق فيه أن يكون مضافًا إلى مسببه. ولو وجب ذلك، لوجب أن يكون خطأ قول القائل: \" تحركت الشجرة \"، إذْ حَّركتها الريح؛ و\" اضطربت الأرض \"، إذ حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكلام.\nوفى قول الله جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم ...﴾ ... \" سورة يونس: ٢٢ \" بإضافته الجرى إلى الفلك، وإن كان جريها بإجراء غيرها إياها - ما دل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله \" ولا الضالين\"، وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى، تصحيحًا لما ادعى المنكرون: أن يكون لله جل ثناؤه في أفعال خلقه سبب من أجله وجدت أفعالهم، مع إبانة الله عز ذكره نصًا في أي كثيرة من تنزيله، أنه المضل الهادي، فمن ذلك قوله جل ثناؤه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ...﴾ \" سورة الجاثية: ٢٣ \". فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادي دون غيره.\nولكن القرآن نزل بلسان العرب على ما قدمنا البيان عنه في أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه - وإن كان مسببه غير الذي وجد منه - أحيانًا، وأحيانًا إلى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيره. فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا، ويوجده الله جل ثناؤه عينًا منشأة؟ بل ذلك أحرى أن يضاف إلى مكتسبه؛ كسبًا له، بالقوة منه عليه، والاختيار منه له - وإلى الله جل ثناؤه، بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرًا.","vol":"1","page":432},{"text":"مسألة يسأل عنها أهل الإلحاد الطاعنون في القرآن:\nإن سألنا منهم سائل فقال: إنك قد قدمت في أول كتابك هذا في وصف البيان: بأن أعلاه درجة وأشرفه مرتبة، أبلغه في الإبانة عن حاجة المبين به عن نفسه، وأبينه عن مراد قائله، كلام الله جل ثناؤه، لفضله على سائر الكلام بارتفاع درجته على أعلى درجات البيان، فما الوجه - إذ كان الأمر على ما وصفت - في إطالة الكلام بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات؟ وقد حوت معاني جميعها منها آيتان، وذلك قوله ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إذ كان لا شك أن من عرف ملك يوم الدين، فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى. وأن من كان لله مطيعًا، فلا شك أنه لسبيل من أنعم الله عليه في دينه متبع، وعن سبيل من غضب عليه وضل منعدل. فما في زيادة الآيات الخمس الباقية من الحكمة التي لم تحوها الآيتان اللتان ذكرنا؟\nقيل له: إن الله تعالى ذكره جمع لنبينا محمد ﷺ ولأمته - بما أنزل إليه من كتابه - معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله، ولا لأمة من الأمم قبلهم. وذلك أن كل كتاب أنزله جل ذكره على نبي من أنبيائه قبله، فإنما أنزله ببعض المعاني التي يحوى جميعها كتابه الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ. كالتوراة التي هي مواعظ وتفصيل، والزبور الذي هو تحميد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير - لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق. والكتاب الذي أنزل على نبينا محمد ﷺ، يحوى معاني ذلك كله، ويزيد عليه كثيرًا من المعاني التي سائر الكتب غيره منها خال. وقد قدمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب.\nومن أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابنا سائر الكتب قبله، نظمه العجيب ورصفه الغريب وتأليفه البديع؛ الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء، وكلت عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيرت في تأليفه الشعراء، وتبلدت كسورًا عن أن تأتى بمثله - لديه أفهام الفهماء، فلم يجدوا له إلا التسليم","vol":"1","page":433},{"text":"والإقرار بأنه من عند الواحد القهار. مع ما يحوى، مع ذلك، من المعاني التي هي ترغيب وترهيب. وأمرٌ وزجرٌ، وقصص وجدل ومثل، وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.\nفمهما يكن فيه من إطالة، على نحو ما في أم القرآن، فلما وصفت قبل من أن الله جل ذكره أراد أن يجمع - برصفه العجيب ونظمه الغريب، المنعدل عن أوزان الأشعار وسجع الكهان وخطب الخطباء ورسائل البلغاء، العاجز عن رصف مثله جميع الأنام، وعن نظم نظيره كل العباد - الدلاله على نبوة نبينا محمد ﷺ، وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء عليه - تنبيه العباد على عظمته وسلطانه وقدرته وعظم مملكته، ليذكروه بآلائه، ويحمدوه على نعمائه، فيستحقوا به منه المزيد، ويستوجبوا عليه الثواب الجزيل؛ وبما فيه من نعت من أنعم عليه بمعرفته، وتفضل عليه بتوفيقه لطاعته - تعريف عباده أن كل ما بهم من نعمة، في دينهم ودنياهم، فمنه، ليصرفوا رغبتهم إليه، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دون ما سواه من الآلهة والأمداد؛ وبما فيه من ذكره ما أحل بمن عصاه من مَثُلاته، وأنزل بمن خالف أمره من عقوبته - ترهيب عباده عن ركوب معاصيه، والتعرض لما لا قبل لهم به من سخطه، فيسلك بهم في النكال والنقمات سبيل من ركب ذلك من الهُلاك.\nفذلك وجه إطالة البيان في سورة أم القرآن، وفيما كان نظيرًا لها من سائر سور الفرقان. وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة.\n٢٢١ـ حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربى، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنى العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبى السائب مولى زهره، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: \" حمدنى عبدى \". وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ...﴾، قال: \" أثنى علىّ عبدى \". وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: \" مجدنى عبدى. فهذا لي \"","vol":"1","page":434},{"text":"وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ...﴾ إلى أن يختم السورة، قال: \" فذاك له \" (١) .\n٢٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة، عن ابن اسحق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبى السائب، عن أبى هريرة ن قال: إذا قال العبد: \" الحمد لله \"، فذكر نحوه، ولم يرفعه (٢) .\n٢٢٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الوليد بن كثير، قال: حدثنى العلاء بن عبد الرحمن مولى الحُرقة عن أبى السائب، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله (٣) .\n٢٢٤ - حدثنى صالح بن مسمار المروزى، قال: حدثنا زيد بن الحُباب، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد، عن مطرف بن طريف، عن سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله الأنصارى، قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله عزوجل: \" قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين، وله ما سأل \". فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: \" حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ...﴾، قال: \" أثنى على عبدي \" وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: \" مجدني عبدي \" قال: \" هذا لي، وله ما بقى \" (٤) .\n\" آخر تفسير سورة فاتحة الكتاب \"\n_________\n(١) صحيح الإسناد.\n(٢) و(٣) صحيح الإسناد، وهذا الحديث - بإسناديه الموقوفين - مرفوع حكمًا.\n(٣) صحيح الإسناد.\n(٤)","vol":"1","page":435},{"text":"مدى التزام الطبري بمنهجه:\nهذا هو تفسير الطبري للآية الأخيرة من سورة الفاتحة، وذكرنا من قبل بعض ما جاء في المقدمة عن المنهج الذي ارتضاه لتفسيره، وخلاصة هذا المنهج هو ما يأتى:\nأولًا: الاستيعاب لكل ما بالناس إليه الحاجة بحيث يكون كتابه في التفسير جامعًا يكفى عن سائر الكتب غيره.\nثانيًا: نقل ما اتفق عليه المفسرون، وما اختلفوا فيه، وبيان علل كل مذهب من مذاهبهم، وتوضيح ما صح لديه من ذلك.\nثالثًا: ذكر الطبري أن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:\nأحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه.\nالوجه الثاني: لا يعلم إلا ببيان الرسول ﷺ.\nالثالث: ما كان علمه عند أهل اللسان.\nوالوجه الأول يدخل في نهى الطبري عن القول في تأويل القرآن بالرأى.\nوالوجه الثاني يعتمد فيه على صحة النقل.\nوالوجه الثالث: يعتمد فيه على الشواهد من أشعار العرب السائرة، ومنطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، ويضع الطبري هنا قيدًا له أهميته وهو ألا يخرج التأويل عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.\nهذا هو المنهج الذي رأى الطبري الأخذ به لتأليف كتابه في التفسير، فإلى أي مدى التزم بهذا المنهج؟\nإذا نظرنا لتفسيره لختام فاتحة الكتاب نراه قسم الآية الكريمة ثلاثة أجزاء، وفى كل جزء يسترشد بكتاب الله تعالى لتوضيح المعنى، فالقرآن الكريم يفسر بعضه بعضًا، ثم يسهب في ذكر الأخبار المسندة التي تؤيد هذا المعنى، وهذه سمة غالبة في تفسيره كله. ومن الإشارة إلى تخريج الأخبار وجدنا منها الصحيح وغير الصحيح. والطبرى عند اختلاف أهل التأويل نراه غالبًا يختار ويرجح، ويصحح","vol":"1","page":436},{"text":"ويضعف: مثال هذا ما نقلته من تفسيره في الباب الأول عند الحديث عن الغدير، فتعقيبًا على الروايات التي ذكرت في تفسيره لقوله تعالى ﴿... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ...﴾ قال الطبري: \" وأولى الأقوال في وقت نزول الآية القول الذي روى عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، ووهى أسانيد غيره \" (١) .\nونذكر مثلا آخر يبين هذا المنهج؛ ونراه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٢) .\nحيث فسر الآية الكريمة، وقال: \" وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل\".\nثم قال: \" ثم اختلفوا في مدة الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع: ما هي؟ وما نهايتها؟ \".\nوذكر الأقوال المختلفة، ثم عقب بقوله:\n\" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أعلم المشركين المكذبين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين من غير حد منه لذلك الحين بحد، وقد علم نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلى ظهور حقيقته، ووضوح صحته في الدنيا، ومنهم من علم حقيقته ذلك بهلاكه ببدر، وقبل ذلك، ولا حد عند العرب للحين، لا يجاوز ولا يقصر عنه.\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري للآية الثالثة من سورة المائدة في كتابه بتحقيق شاكر ٩/٥١٧ـ٥٣١، وراجع ما كتبته عن الغدير في الفصل الثاني من الباب الأول، وعبارة الطبري تجدها في ص ١٠٤.\n(٢) الآية ٨٨ من سورة ص، وراجع تفسيرها في كتابه ٢٣ / ١٨٨ - ١٨٩ وانظر أيضًا تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ ...﴾ \" ٥١: سبأ \" فقد ذكر الأخبار المختلفة، ثم رجح الصحيح منها - انظر ٢٢ / ١٠٦ - ١٠٩.","vol":"1","page":437},{"text":"فإذ كان ذلك كذلك فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل \".\nوأيد ما ذهب إليه بخبر عن عكرمة.\nومع هذا نرى الطبري أحيانا يأخذ بأخبار غير صحيحة، ونرى هذا مثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ (١)، ولهذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة: \" ذكر ابن أبى حاتم وابن جرير ههنا آثارا. عن بعض السلف ﵃ أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها، فلا نوردها \" (٢) .\nوأخذ الطبري بمثل هذه الأخبار لا يمثل المنهج الذي ارتضاه لنفسه، وإنما يشير إلى الخطأ عند التطبيق.\nولقد حاول الطبري أن يلتزم بمنهجه، ومما يبين حرصه على الالتزام بالمنهج ما ذكره عند القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ...﴾ ... \" ٣٥: البقرة \"، حيث قال:\n\" اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نهى عن أكل ثمرها آدم، فقال بعضهم: هي السنبلة. ذكر من قال ذلك \" (٣) .\nوذكر الطبري اثنى عشر خبرا، ثم قال:\n\" وقال آخرون: هي الكرمة. ذكر من قال ذلك \".\nوذكر عشرة أخبار، وقال:\n\"\n_________\n(١) ٣٧: الأحزاب.\n(٢) تفسير ابن كثير ٣ / ٤٩١.\n(٣) تفسير الطبري بتحقيق شاكر ١ / ٥١٦، وانظره إلى ص ٥٢١.","vol":"1","page":438},{"text":"وقال آخرون هي التينة. ذكر من قال ذلك \".\nوذكر خبرا واحدا، ثم عقب بقوله:\n\" والقول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجه أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أن بين الله جل ثناؤه لهما عين الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها، وأشار لهما إليها بقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطبين بالقرآن، دلالةً على أي أشجار الجنة كان نهيه آدم أن يقربها، بنص عليها باسمها، ولا بدلالة عليها. ولو كان لله في العلم بأى ذلك من أي رضا، لم يخل عباده من نصب دلالة لهم عليها يصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضا.\nفالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة. فأنى يأتى ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم، إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به \" ا. هـ.\nهذا كلام الطبري وهو يؤكد ما ذكره في منهجه.\nوهذا يتصل بوجهين من أوجه التأويل الثلاثة التي ذكرها، وهما:\nالوجه الأول: الذي لا سبيل إلى الوصول إليه.\nوالثاني: الذي لا يعلم إلا ببيان الرسول ﷺ.\nأما الوجه الثالث، وهو ما كان علمه عند أهل اللسان، فيتضح في تفسيره السابق للآية الأخيرة من فاتحة الكتاب عندما تحدث عما يتصل بمحذوف وهو تمام","vol":"1","page":439},{"text":"الخبر عن النعمة التي أنعمها عليهم، حيث أشار إلى اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض، واستدل ببيتين، ثم قال:\nوالشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى.\nويتضح أيضًا في بيانه لقراءة \" غير \"، وذكره للخلاف بين أهل البصرة وبعض نحويى الكوفة في القول بإلغاء \" لا \".\nومما يسترعى الانتباه أنه بعد أن ذكر جواز نصب كلمة \" غير \"، رفض القراءة بالنصب قائلا:\n\" وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء. وإن ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرا مستفيضا، فرأى للحق مخالف، وعن سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ متجانف. وإن كان له - لو كان جائزا القراءة به - في الصواب مخرج  ́\nوقول الطبري يؤيد التزامه بالقيد الذي ذكره في هذا الوجه الثالث، حيث اشترط لقبول التأويل ألا يخرج عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.\nويؤيد هذا أيضا قوله في تأويل قول الله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ (١) .\nحيث قال: قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين.\nوبعد أن بين الأوجه الأربعة قال: \" والقراءة التي هي القراءة، الرفع دون النصب، لأنه ليس لأحد خلاف رسوم مصاحف المسلمين. وإذا قرئ نصبا كانت قراءة مخالفة رسم مصاحفهم \" (٢) .\n_________\n(١) ١٨: سورة البقرة.\n(٢) تفسير الطبري بتحقيق شاكر ١ / ٣٣٠.","vol":"1","page":440},{"text":"ونرى الطبري قبيل الانتهاء من تفسير آخر الفاتحة يرد على القدرية، ثم نراه بعد هذا يقول: \" مسألة يسأل عنها أهل الإلحاد الطاعنون في القرآن \"، ويذكر المسألة، ويرد على هؤلاء الطاعنين.\nويختم الطبري تفسير فاتحة الكتاب بذكر بعض الأخبار في فضلها. وهى أخبار صحيحة الإسناد.\nولعل هذا يرينا ما أراده من أن يكون تفسيره مستوعبا لكل ما بالناس إليه الحاجة، جامعا يكفى عن سائر الكتب غيره. ويبين ما نقلناه من قبل في فضل هذا الكتاب القيم، وقيمته العلمية.\n\nموقف الطبري من الإسرائيليات:\nوقبل أن نختم هذه الكلمة الموجزة عن تفسير الطبري نريد أن نعرف موقفه من الإسرائيليات.\nولعل أحسن ما نثبته هنا هو ما قاله أستاذنا العلامة الشيخ محمود محمد شاكر﵀، الذي قضى سنوات من عمره المبارك في تحقيق هذا الكتاب. فبعد أن وصل أستاذنا مع الطبري إلى الآية الثلاثين من سورة البقرة، وانتهى من قول الطبري في تأويل قوله تعالى \" خليفة \"، والأخبار التي ذكرها في هذا التأويل كتب أستاذنا الكلمة التالية:\n\" تذكرة \"\nتبين لي مما راجعته من كلام الطبري، أن استدلال الطبري بهذه الآثار التي يرويها بأسانيدها، لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ، أو بيان سياق عبارة. فهو قد ساق هنا الآثار التي رواها بإسنادها ليدل على معنى \" الخلافة \"، و\" الخليفة \"، وكيف اختلف المفسرون من الأولين في معنى \" الخليفة \". وجعل استدلاله بهذه الآثار، كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ في كتاب الله. وهذا بين في","vol":"1","page":441},{"text":"الفقرة التالية للأثر رقم: ٦٠٥، إذ ذكر ما روى عن ابن مسعود وابن عباس، وما روى عن الحسن في بيان معنى \" الخليفة \"، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم. ومن أجل هذا الاستدلال، لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه. ودليل ذلك أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر: ٤٦٥ عن ابن مسعود وابن عباس، فيما مضى ص: ٣٥٣ \" فإن كان ذلك صحيحا، ولست أعلمه صحيحا، إذ كنت بإسناده مرتابا ... \"، فهو مع ارتيابه في هذا الإسناد، قد ساق الأثر للدلالة على معنى اللفظ وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس - إن صح عنهما - أو ما فهمه الرواه الأقدمون من معناه. وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال. ومثله أيضا ما يسوقه من الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها، أو في كونها من الإسرائيليات، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير أي التنزيل الكريم، بل يسوق الطويل الطويل، لبيان معنى لفظ، أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به الحجة في الدين، ولا في التفسير التام لآى كتاب الله.\nفاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون، لم يكن إلا استظهارا للمعانى التي تدل عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يستظهر بالشعر على معانيها. فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويا. ولما لم يكن مستنكرا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله، ما صحت لغته؛ فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي يرتضيها أهل الحديث، والتى لا تقوم بها الحجة في الدين، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن، وكيف فهمه الأوائل - سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم.\nوأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قارىء كتاب الطبري، إذا ما انتهى إلى شىء مما عده أهل علم الحديث من الغريب والمنكر. ولم يقصر أخى السيد أحمد شاكر في بيان درجة رجال الطبري عند أهل العلم بالرجال، وفى هذا مقنع لمن","vol":"1","page":442},{"text":"أراد أن يعرف علم الأقدمين على وجهه، والحمد لله أولا وآخرا. \" ١ / ٤٥٣، ٤٥٤ \". ا. هـ.\nوفى الآية الكريمة ذاتها عند قول الطبري في تأويل قوله جل ثناؤه خبرا عن ملائكته: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ...﴾ .\nذكر الطبري خبرًا فيه كثير من الإسرائيليات (١)، ثم نقده، فعقب أستاذنا بقوله: نقد الطبري دال أيضا على ما ذهبنا إليه من الاستدلال بالآثار كاستدلال المستدل بالشعر. وأنت تراه ينقض هذا الخبر نقضا، ويبين الخطأ في سياقه، وتناقضه في معناه. وهذا بين إن شاء الله (٢) .\n\nثم قال الطبري: \" وأخشى أن يكون بعض نقلة هذا الخبر هو الذي غلط على من رواه عنه من الصحابة \" وبين الطبري بعد هذا تأويل الخبر، ثم قال:\n\" وهذا الذي ذكرنا هو صفة منا لتأويل الخبر، لا القول الذي نختاره في تأويل الآية \" فعقب أستاذنا أيضا بقوله:\n\" وهذا أيضا دليل واضح على أن استدلال الطبري بالأخبار والآثار، ليس معناه أنه ارتضاها، بل معناه أنه أتى بها ليستدل على سياق تفسير الآية مرة، وعلى بيان فساد الأخبار أنفسها مرة أخرى؛ وقد أخطأ كثير ممن نقل عن الطبري في فهم مراده وتحامل عليه آخرون لم يعرفوا مذهبه في هذا التفسير \" (٣) .\nومما يؤيد ما ذكره أستاذنا الشيخ شاكر ما يأتى:\n_________\n(١) انظر الخبر رقم ٦٠٧ ج ١ ص ٤٥٨، ٤٦٠، وقول الطبري بعده.\n(٢) ١ / ٤٦٢ بالحاشية.\n(٣) تفسير الطبري - الحاشية ١ / ٤٦٢.","vol":"1","page":443},{"text":"في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (١)، نرى الطبري يذكر أخبارا، ولكنه لا يأخذ بها (٢) .\nوفى تأويل قوله ﷿ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ...﴾ (٣)، نرى الطبري في ذكره للمراد بالأمانة يثبت أخبارا مختلفة، ثم يأخذ بغير الإسرائيليات (٤) .\nومثل هذا ما ذكرناه من قبل عند بيان منهجه في قبول الأخبار أو رفضها.\nومع هذا كله نراه أحيانا يذكر الإسرائيليات ولا يرفضها، مثل الإسرائيليات التي ذكرها عند تأويل قول الحق ﵎ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدً ًا﴾ (٥) .\nويمكن أن يقال هنا ما قلناه عند الحديث عن زواج الرسول ﷺ، وأخذ الطبري بأخبار لا تصح.\nوالله ﷾ أعلم بالصواب.\n\n******\n_________\n(١) ٦٩: الأحزاب.\n(٢) انظر تفسيره ٢٢ / ٥٠ وما بعدها.\n(٣) ٧٢: الأحزاب.\n(٤) انظر تفسيره ٢٢ / ٥٤ وما بعدها.\n(٥) ٣٤: سورة \" ص \"، وانظر تأويلها في تفسير الطبري ٢٣ / ١٥٦ وما بعدها. ورفض الحافظ ابن كثير هذه الإسرائيليات - انظر تفسيره ٤ / ٣٤ - ٣٦.","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الفصل الثامن: كتب التفسير بعد الطبري</span>\nلا يتسع المجال للحديث عن كتب التفسير المختلفة بعد الطبري، فإن هذا يطول كثيرًا. ويكفى أننا عرفنا ما يتصل بالتفسير منذ النشأة في عصر الرسالة لآخر القرن الثالث الهجرى، ورأينا أحسن طرق التفسير وما يقبل وما يرفض من التفسير المأثور والتفسير العقلى.\nوهذا الجزء إنما ألف أساسًا في مجال التفسير المقارن بين الجمهور، وهم أهل السنة والجماعة، وبين الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية.\nوما سبق من دراسة يبين أصول التفسير، والاتجاهات المختلفة إلى حد كبير. والتفسير بعد هذه القرون يمكن وضع الضوابط لقبوله أو رفضه في ضوء ما سبق من هذه الدراسة.\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشرى أم القرطبى؟ أم البغوى؟ أو غير هؤلاء؟ فأجاب: الحمد لله\nأما التفاسير التي في أيدى الناس فأصحها \" تفسير محمد بن جرير الطبري \" فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلبى.\nوالتفاسير غير المأثورة بالأسانيد كثيرة، كتفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ووكيع، وابن أبى قتيبة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.\nوأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فاسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة \" البغوى \" لكنه مختصر من \" تفسير الثعلبى \"، وحذف منه الأحاديث الموضوعة، والبدع التي فيه، وحذف أشياء غير ذلك.","vol":"1","page":445},{"text":"وأما \" الواحدى \" فإنه تلميذ الثعلبى، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبى فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره. وتفسيرة و\" تفسير الواحدى: البسيط والوسيط والوجيز \" فيها فوائد جليلة، وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها.\nوأما \" الزمخشرى \" فتفسيرة محشو بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة ... وأصولهم خمسة ... وهذه الأصول حشا بها كتابه بعبارة لا يهتدى أكثر الناس إليها ولا لمقاصده فيها، مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين.\nو\" تفسير القرطبى \" خير منه بكثير، وأقرب إلى طريقة أهل الكتاب والسنة، وأبعد عن البدعة، وإن كان كل من هذه الكتب لابد أن يشتمل على ما ينقد، لكن يجب العدل بينها، وإعطاء كل ذى حق حقه.\nو\" تفسير ابن عطية \". خير من تفسير الزمخشرى، وأصح نقلًا وبحثًا، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير، لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها.\nوثم تفاسير كثيرة جدًا، كتفسير ابن الجوزى، والماوردى \" (١). ا. هـ.\nمن هذا نرى شيخ الإسلام وهو يعطى صورة مجملة للتفاسير، يذكر في البداية، ثم يؤكد في النهاية أن أصحها تفسير الطبري.\nأما ابن عطية، الذي اثنى ابن تيمية على تفسيرة، فإنا نجده يشير إلى تفسير الرسول ﷺ، وعدد من الصحابة والتابعين تحت \" باب ما قيل في الكلام في تفسير القرآن، والجرأة عليه، ومراتب المفسرين \"، ثم يقول: \" ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف، وألف الناس فيه: كعبد الرزاق، والمفضل، وعلى بن أبى طلحة، والبخارى، وغيرهم.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٨٥ - ٣٨٨.","vol":"1","page":446},{"text":"ثم إن محمد بن جرير الطبري ﵀ جمع على الناس أشتات التفسير، وقرب البعيد، وشفا في الإسناد \" (١).\nوابن الجوزى في تفسيره نقل عن مصادر \" في طليعتها تفسير ابن جرير، وكتب الحديث، وكتابا ابن قتيبة: مشكل القرآن، وغريب القرآن، وكتب معاني القرآن، ولا سيما كتابا الفراء والزجاج، والحجة: لأبى على الفارسى، ومجاز القرآن: لأبى عبيدة، وكتب ابن الأنبارى في القرآن، وأسماء الله الحسنى: للخطابى، وغيرها \" (٢).\nومعنى هذا أن ما صح من تفسير مأثور عند ابن الجوزى فهو مستمد من مصدرين رئيسين، هما: تفسير الطبري، وكتب الحديث.\nولم يخل تفسيره من الاستشهاد ببعض الأحاديث المنكرة التي لا ... تصح ... إلخ \" (٣).\nوالماوردى في تفسيره يذكر الأخبار دون ذكر الأسانيد، ومثله ابن عطية وابن الجوزى، ولذلك وجدت من حقق هذه التفاسير الثلاثة حاولوا تخريج هذه الأخبار (٤).\n_________\n(١) تفسير ابن عطية ١/ ٣١، وابن عطية توفى سنة ٥٤١ هـ.\n(٢)، (٣) زاد المسير في علم التفسير لأبى فرج عبد الرحمن بن الجوزى المتوفى ... سنة ٥٩٦ - انظر مقدمة المحقق ص ٤، ٥.\n(٤) انظر التفاسير الثلاثة: النكت والعيون للماوردى المتوفى سنة ٤٥٠ هـ نشرة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، والمحرر الوجيز لابن عطية طبع في دولة قطر على نفقة أميرها، وتفسير ابن الجوزى نشره المكتب الإسلامى.","vol":"1","page":447},{"text":"والذين سبقوا هؤلاء، كالسمرقندى والثعلبى، الأخبار في تفسيرهم غير مسندة. والبغوى الذي اختصر تفسير الثعلبى لم يذكر الأسانيد أيضًا (١). والخبر إنما يكون حجة إذا كان مسندًا صحيحًا.\nوأهم كتاب في التفسير بعد الطبري هو تفسير الحافظ ابن كثير، ومنهجه في التفسير هو منهج شيخه ابن تيمية. وينقل عن شيخ المفسرين ابن جرير، وعن كتب السنة، غير أنه لا يكتفى بالنقل، بل يبين الصحيح وغيره وما يقبل وما يرفض ويحذر من الإسرائيليات وينبه عليها. وهو من أكثر الكتب فائدة وانتشارًا.\nوالسيوطى في كتابه: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، يكتفى بنقل الأخبار، ونسبتها لأصحابها، دون تمييز بين غث وسمين. والتفسير النقلى الذي يعتبر حجة، وحاكمًا للتفسير العقلى، يمكن القول بأنه بعد شيخ المفسرين إلى عصرنا يستمد من رافدين رئيسين، هما: كتب السنة، وتفسير الطبري. لذا رأيت أن أقف عنده لأنتقل للقسم الثاني من الكتاب، وهو بيان التفسير عند الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية، والله المستعان، وهو نعم المولى ونعم النصير.\n_________\n(١) السمرقندى توفى سنة ٣٧٣ هـ، والثعلبى سنة ٤٢٧، أما البغوى فتوفى سنة ٥١٠. انظر ما كتبه المرحوم الدكتور الذهبى عن هذه التفاسير في كتابه القيم التفسير والمفسرون ... ج ١ ص ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٣٤.","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>القسم الثاني: التفسير وأصوله عند الشيعة</span>.","vol":"1","page":449},{"text":"تحدثت في الجزء السابق عن عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية، رأيناهم يجعلون الإمام كالنبى ﷺ في عصمته وصفاته وعلمه، ويرون أن الإمامة كالنبوة في كل شئ باستثناء الوحى عند جمهورهم؛ حيث يقولون بأن الأئمة لا يوحى إليهم كالنبى ﷺ، وإنما يقوم الإلهام مقام الوحى في عصمة الإمام وعدم خطئه، وذهب بعضهم إلى أن أحد الملائكة كان يلازم الرسول ﷺ، ليسدده ويرشده ويعلمه، فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى ظل الملك بعده، ولم يصعد ليؤدى الوظيفة نفسها مع الأئمة. ومع هذا الخلاف في القول بالوحى، غير انهم لم يختلفوا في القول بعصمة الأئمة.\nوبمراجعة التفسير عندهم، أصوله وكتبه، رأيت أن عقيدتهم في الإمامة كان لها أكبر الأثر في وضع الأصول، وفى تناولهم لكتاب الله تعالى، ولعل بيان هذا الأثر كاف شاف في مجال التفسير المقارن بين السنة والشيعة، فحيث لا يوجد أثر لعقيدتهم في الإمامة يصبح تفسيرهم كتفسير غيرهم، وبقدر وجود هذا الأثر بقدر افتراقهم عمن سواهم.\nوالشيعة الاثنا عشرية ليسوا سواء، فمنهم من ينهج منهجا فيه شئ من الاعتدال والابتعاد عن الغلو، وصيانة كتاب الله المجيد، ومنهم الغالى المفترى الكذاب، الذي حاول أن يؤيد عقيدته في الإمامة بتحريف كتاب الله تعالى نصًا ومعنى، وجعل القرآن العظيم كأى كتاب من كتب الفرق الضالة المضلة.\nوفى هذا القسم الثاني من الجزء الثاني ننتقل للحديث عن التفسير وأصوله عند الشيعة: فنبين أولًا أصول التفسير عندهم ببيان دور الإمام بالنسبة للقرآن المجيد، ثم ننتقل للدراسة التطبيقية، فننظر في كتب التفسير عندهم. وما دام الشيعة ليسوا سواء فإن الدراسة تشمل الكتب التي تمثل الاتجاهات المختلفة، ونبدؤها بدراسة ثلاثة كتب ظهرت في القرن الثالث الهجرى تعتبر","vol":"1","page":449},{"text":"مصادرهم الرئيسة للتفسير المأثور، وإن كانت كلها تمثل أقصى درجة في الغلو والتطرف، والضلال والتضليل. ونتبع هذه الثلاثة نماذج من الكتب الأخرى التي تبين اتجاهات التفسير بعد القرن الثالث إلى العصر الحديث.\nواستكمالًا للبيان والتوضيح رجعت إلى كتاب \" الذريعة إلى تصانيف الشيعة \"، فوجدت عشرات الكتب التي يدل العنوان نفسه على غلو المؤلف وضلاله، وكتبًا أخرى يظهر فيها هذا الأثر عندما يتحدث عنها صاحب كتاب الذريعة، فرأيت أن أثبت شيئًا مما جاء في كتاب الذريعة هذا.\nفالقسم الثاني إذن يبين أصول التفسير الشيعى، ويقدم دراسة لبعض كتبهم، وهى ستة عشر كتابًا من القرن الثالث إلى العصر الحديث، ثم نشير إلى عشرات الكتب التي تبين تأثر أصحابها بعقيدة الإمامة.\nفإذا ضممنا هذا القسم إلى القسم الأول اتضحت الصورة في مجال التفسير المقارن، والله عزوجل هو المستعان.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفصل الأول: القرآن الصامت والقرآن الناطق</span>\nالإمام كالنبي:\nذكرنا من قبل قول الجعفرية بأن الإمام كالنبى في عصمته وصفاته وعلمه، ولذلك فهم يشيرون إلى القرآن الكريم والإمام بقولهم: ذلك القرآن الصامت وهذا القرآن الناطق، فالإمام هو - في رأيهم - القرآن الناطق (١)، ودوره بالنسبة للقرآن الصامت كدور النبي ﷺ سواء بسواء.\nمذهب الإخباريين:\nوما دام القرآن الكريم صامتًا فلابد من الرجوع إلى القرآن الناطق حتى يوضح مراد الله تعالى، ولهذا قال الإخباريون من الجعفرية (٢): لا يجوز العمل\n_________\n(١) انظر الشيعة والتشيع ص ٤٥، ويزعمون أن الإمام عليًا قال: \" ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم، أخبركم عنه. إن فيه علم ما مضى وعلم ما يأتى إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه مختلفين. فلو سألتمونى عنه لأخبرتكم عنه لأنى أعلمكم \". ... (ص ٣ من مقدمة تفسير القمي، وانظر الكافى ١ / ٦١، ٨ / ٥٠) . ويزعمون كذلك أن الإمام الصادق قال: \" إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق \" وأن أباه الباقر قال: \" القرآن ضرب فيه الأمثال للناس، وخاطب الله نبيه به ونحن، فليس يعلمه غيرنا \". (تفسير القمي ٢ / ٢٩٥، ٤٢٥) .\n(٢) ينقسم الجعفرية إلى أصوليين وإخباريين: الأصوليون يعتمدون على الاستنباط والاجتهاد وإعمال العقل، فهم يبحثون ويفكرون بذهنية أصولية، وهم أصحاب علم أصول الفقه عند الجعفرية. والإخباريون لا يعتمدون إلا على متون الأخبار التي تروى عن أئمتهم. ويرى الأصوليون أن الحركة الإخبارية ظهرت في أوائل القرن الحادى عشر على يد الميرزا محمد أمين الاسترابادى، واستفحل أمرها بعده وبخاصة في أواخر القرن الحادى عشر وخلال القرن الثاني عشر، على حين يرى الإخباريون أن الاتجاه الإخبارى كان هو الاتجاه السائد بين الفقهاء الإمامية إلى نهاية عصر الأئمة ولم يتزعزع هذا الاتجاه إلا في أواخر القرن الرابع وبعده ـ*","vol":"1","page":451},{"text":"بظاهر القرآن الكريم!! وقال جمهور الجعفرية - وهم الأصوليون - بحجية الظواهر ولكنهم قالوا: لا يجوز الاستقلال في العمل في بظاهر الكتاب بلا مراجعة الأخبار الواردة عن الأئمة. (١)\nقول الأصوليين:\nوناقش الأصوليون الإخباريين فيما ذهبوا إليه: قال صاحب فوائد الأصول بعد أن بين حجية الظواهر:\n\" نسب إلى الإخباريين عدم جواز العمل بظاهر الكتاب العزيز، واستدلوا على ذلك بوجهين، الأول: العلم الإجمالى بتقييد وتخصيص كثير من المطلقات والعمومات الكتابية، والعلم الإجمالى كما يمنع عن جريان الأصول العملية، يمنع عن جريان الأصول اللفظية من أصالة العموم والإطلاق التي عليها مبنى الظهورات. الثاني: الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب.\nولا يخفى ما في كلا الوجهين، أما الأول فلأن العلم الإجمالى ينحل بالفحص عن تلك المقيدات والمخصصات، والعثور على مقدار منها يمكن انطباق المعلوم بالإجمال عليها ... وأما الثاني فلأن الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب وإن كانت مستفيضة، بل متواترة، إلا أنها على كثرتها بين طائفتين: طائفة تدل على المنع عن تفسير القرآن بالرأى والاستحسانات الظنية، وطائفة تدل على المنع عن الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب من دون مراجعة أهل البيت الذين نزل الكتاب\n_________\n(١) *حين بدأ جماعة من علماء الإمامية ينحرفون عن الخط الإخبارى، ويعتمدون على العقل في استنباطهم، ويربطون البحث الفقهى بعلم الأصول تأثرًا بالطريقة السنية في الاستنباط، ثم أخذ هذا الانحراف - كما يقولون - في التوسع والانتشار. والإخباريون الآن قلة قليلة بالنسبة للأصوليين، والقسم الكثير منهم في البحرين، وهم أيضًا عدد قليل (انظر المعالم الجديدة للأصول ص ٧٦ - ٨٢، وفقه الشيعة الإمامية ١ / ٤٨ - ٥٠ وانظر كذلك موقف الإخباريين من علم الأصول في الحاشية للقمى ٢ / ٢١١) .","vol":"1","page":452},{"text":"في بيتهم صلوات الله عليهم، ولا يخفى أن مفاد كل من الطائفتين أجنبى عما يدعيه الإخباريون \" (١) .\nفالإخباريون يمنعون العمل بظاهر الكتاب، والأصوليون يمنعونه كذلك إلاَّ بعد الرجوع إلى أقوال الأئمة، ويندرج تحت هذا الظاهر مثل العام والمطلق وغيرهما مما هو ظاهر في معنى ومحتمل لمعنى آخر، فالعام ظاهر في العموم مع احتمال التخصيص، والمطلق ظاهر في الإطلاق مع احتمال التقييد (٢) فيرون إذن وجوب الرجوع إلى الأئمة وما روى عنهم بمعرفة مراد الله عزوجل.\nقال أحد علمائهم المعاصرين (٣): \" لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص \"، ويوضح هذا بقوله: \" لا شك في أن بعض عمومات القرآن الكريم\n_________\n(١) فوائد الأصول ٣ / ٤٨، وانظر كذلك الأصول العامة للفقه المقارن ص ١٠٢ - ١٠٥ وأصول الفقه للمظفر ٣ / ١٣٠: ١٣٤، ١٣٨، ١٤١.\n(٢) تحدث أحد علمائهم عن الأصول اللفظية وحددها بخمسة هي: أصالة الحقيقة - أي الأصل أن تحمل الكلام على معناه الحقيقى، وأصالة العموم، واصالة الإطلاق، وأصالة عدم التقدير، والأصل الخامس هو أصالة الظهور، وقال عن هذه الأصالة: \" موردها ما إذا كان اللفظ ظاهرًا في معنى خاص لا على وجه النص فيه الذي يحتمل معه الخلاف، بل كان يحتمل إرادة خلاف الظاهر، فإن الأصل حينئذ أن يحمل الكلام على الظاهر فيه. وفى الحقيقة أن جميع الأصول المتقدمة راجعة إلى هذا الأصل، لأن اللفظ مع احتمال المجاز - مثلًا - ظاهر في الحقيقة، ومع احتمال التخصيص ظاهر في العموم، ومع احتمال التقييد ظاهر في الإطلاق، ومع احتمال التقدير ظاهر في عدمه، فمؤدى أصالة الحقيقة نفس مؤدى أصالة الظهور في مورد احتمال التخصيص، وهكذا في باقى الأصول المذكورة، فلو عبرنا بدلًا عن كل من هذه الأصول بأصالة الظهور كان التعبير صحيحًا مؤديًا للغرض، بل كلها يرجع اعتبارها إلى اعتبار أصالة الظهور، فليس عندنا في الحقيقة إلا أصل واحد هو أصالة الظهور \". (أصول الفقه للمظفر، ١ / ٣١ - ٣٢) .\n(٣) هو الشيخ محمد رضا المظفر، من كبار علمائهم. انظر كتابه أصول الفقه ١ / ١٣٦. وهو الذي نقلنا عنه الأصول اللفظية آنفًا.","vol":"1","page":453},{"text":"والسنة الشريفة لها مخصصات منفصلة شرحت المقصود من تلك العمومات، وهذا معلوم من طريقة صاحب الشريعة، والأئمة الأطهار - عليهم الصلاة والسلام. حتى قيل ما من عام إلا وقد خص. ولذا ورد عن أئمتنا ذم من استبدوا برأيهم في الأحكام، لأن في الكتاب المجيد والسنة عامًا وخاصًا، ومطلقًا ومقيدًا، وهذه الأمور لا تعرف إلا من طريق آل البيت، وصاحب البيت أدرى بالذى فيه.\nوهذا ما أوجب التوقف في التسرع بالأخذ بعموم العام قبل الفحص، واليأس من وجود المخصص، لجواز أن يكون هذا العام من العمومات التي لها مخصص موجود في السنة أو الكتاب لم يطلع عليه من وصل إليه العام. وقد نقل عدم الخلاف بل الإجماع على عدم جواز الأخذ بالعام قبل الفحص واليأس \". ا. هـ.\nوالسنة - عند الجعفرية تتسع لتشمل أقوال أئمتهم، وهم مجمعون على الأخذ بما ورد من كلام الأئمة مخصصا لكثير من عمومات القرآن الكريم، ومقيدًا لكثير من مطلقاته، وما قام قرينة على صرف جملة من ظواهره، ويعتبرون هذا من الأمور القطعية التي لا يشك فيها أحد (١) . ولكن المخصصات التي ترد عن الأئمة أتعتبر من باب النسخ أم التخصيص؟ خلاف وقع بين الجعفرية!\nالنسخ بعد عصر النبوة:\n١ - فمنهم من ذهب إلى أن المخصصات ناسخة لحكم العمومات، لأن العام لما ورد وصل وقت العمل به بحسب الغرض، فتأخير الخاص عن وقت العمل لو كان مخصصًا ومبينًا لعموم العام يكون من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهو قبيح من الحكيم، لأن فيه إضاعة للأحكام ولمصالح العباد بلا مبرر. فوجب أن يكون ناسخا للعام، والعام باق على عمومه يجب العمل به إلى حين ورود الخاص، فيجب العمل ثانيا على طبق الخاص (٢) .\n_________\n(١) انظر أصول الفقه للمظفر ١ / ١٤١: ١٤٢.\n(٢) المرجع السابق ١ / ١٤٣: ١٤٤ وعند أهل السنة إذا قصر العام على بعض أفراده يعتبر تخصيصًا عند جمهور الأصوليين، لأن المراد بالتخصيص عندهم بيان أن المراد بالعام* *بعض أفراده، لا فرق بين أن يكون البيان متصلا بالمبين أو منفصلًا عنه ما دام لم يتأخر عن وقت الحاجة إليه، فإذا تأخر كان نسخًا، ولا يكون حينئذ إلاَّكلامًا مستقلًا. أما الحنفية فإنهم يفرقون بين المتصل والمنفصل من الكلام المستقل، فيجعلون الأول مخصصًا ومبينًا، والثاني ناسخًا، لأن الشارع إذا أراد بالعام - من أول الأمر بعض أفراده قرنه بما يدل على مراده من المخصصات حتى لا يقع التجهيل الذي يتنزه الشارع الحكيم عنه، فإذا أورد العام من غير مخصص ومبين دل هذا على أن الشارع يريد جميع أفراده ابتداء. فإذا جاء بعد ذلك نص يخرج من العام بعض ما كان داخلًا فيه كان ناسخًا لا مخصصًا، فالخارج من العام بالتخصيص لم يدخل فيه ابتداء، والخارج منه بالنسخ دخل فيه ابتداء ثم أخرج. \" انظر أصول التشريع ... ص ٢٤٤ \"\nوهذا التخصيص أو النسخ عند الحنفية لا يكون إلا إذا وصل الحديث عن رسول الله - ﷺ - إلى حد التواتر أو الشهرة: أما إن كان خبر واحد فلا يخصصه ولا ينسخه إلا إذا كان عام الكتاب قد خص قبل بقطعى حتى صار بذلك التخصيص ظنيًا، ويرى الجمهور أن خبر الواحد يخص عام الكتاب \" انظر أصول الفقه للخضرى ١٨٤ \".","vol":"1","page":454},{"text":"وكيف يمكن النسخ بعد عصر النبوة وانقطاع الوحى؟\nقيل \" إن إنقطاع الوحى لا يلازم عدم تحقق النسخ بعده ﷺ لأنه يمكن أن يكون النبي ﷺ قد أودع الحكم الناسخ إلى الوصي، وأودع الوصي إلى وصى آخر إلى أن يصل زمان ظهوره وتبليغه. وقد وردت أخبار عديدة في تفويض دين الله تعالى إلى الأئمة، وعقد في الكافى باب في ذلك، وبعد هذا لا يصغى إلى شبهة عدم إمكان تحقق النسخ بعد النبي ﷺ \" (١) .\nومن المعلوم أن حلآل محمد ﷺ حلال إلى يوم القيامة، وحرامه ﷺ حرام إلى يوم القيامة، وهم يروون هذا أيضا عن أئمتهم، فأنى يتحقق النسخ؟\nيقول السيد أبو القاسم الخوئى - مرجعهم السابق بالعراق: \" الظاهر منه - أي من الخبر - عرفًا بيان استمرار الشريعة المقدسة، وأنها لا تنسخ بشريعة أخرى، فالمراد منه أن كل ما يكون إلى يوم القيامة متصفًا بالحلية أو الحرمة فهو\n_________\n(١) فوائد الأصول ٤ / ٢٧٤.","vol":"1","page":455},{"text":"حلال محمد ﷺ أو حرامه، فأحكامه ﷺ مستمرة إلى يوم القيامة، ولا تنسخ بشريعة أخرى \" (١) .\nالتخصيص:\n٢ - ومن الجعفرية من جعل هذه المخصصات كاشفة عن اتصال كل عام بمخصصه، فهى ليست تخصيصًا طارئًا بعد عصر النبوة، وإنما اختفت تلك المخصصات المتصلة ووصلت إليهم المخصصات المنفصلة.\nوقال الشيخ الطوسى: \" لكثرة الدواعى إلى ضبط القرائن والمخصصات المتصلة، واهتمام الرواة إلى حفظها ونقلها، فمن المستحيل عادة أن تكون مخصصات متصلة بعد المخصصات المنفصلة وقد خفيت كلها علينا. وأجيب عن هذا بأنه لا وجه لهذه الاستحالة، فإنا نرى أن كثيرًا من المخصصات المنفصلة المروية من طرقنا عن الأئمة مروية عن العامة - أي جمهور المسلمين - بطرقهم عن النبي ﷺ فيكشف ذلك عن اختفاء المخصصات المتصلة علينا \" (٢) .\nكتمان الحكم تقية أو للتدرج:\n٣ - ومن الجعفرية من ذهب إلى التخصيص كذلك، ولكن على أساس أن هذه المخصصات \" هي المخصصات حقيقة، ولا يضر تأخرها عن وقت العمل بالعام، لأن العمومات المتقدمة لم يكن مفادها الحكم الواقعى، بل الحكم هو الذي تكفل المخصص المنفصل ببيانه. وإنما تأخر بيانه لمصلحة كانت هناك في التأخير، وإنما تقدم العموم ليعمل به ظاهرًا إلى أن يرد المخصص، فيكون مفاد العموم حكمًا ظاهريًا، ولا محذور في ذلك، فإن المحذور إنما هو تأخر الخاص عن وقت العمل بالعام إذا كان مفاد العام حكمًا واقعيًا لا حكمًا ظاهريًا \" (٣) .\n_________\n(١) أجود التقريرات ص ٥١٢.\n(٢) فوائد الأصول ٤ / ٢٧٤.\n(٣) المرجع السابق ٤ / ٢٧٤.","vol":"1","page":456},{"text":"ويوضح عالم آخر هذا الرأى فيقول: \" العام يجوز أن يكون واردًا لبيان حكم ظاهرى صورى لمصلحة اقتضت كتمان الحكم الواقعى، ولو لمصلحة التقية، أو لمصلحة التدرج في بيان الأحكام كما هو معلوم من طريقة النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيان أحكام الشريعة، مع أن الحكم الواقعى التابع للمصالح الواقعية الثابتة للأشياء بعناوينها الأولية إنما هو على طبق الخاص. فإذا جاء الخاص يكون كاشفًا عن الحكم الواقعى، فيكون مبينًا للعام ومخصصًا له، وأما الحكم العام الذي ثبت أولًا، ظاهرًا وصورة، إن كان قد ارتفع وانتهى أمره، فإنه إنما ارتفع لارتفاع موضوعه، وليس هو من باب النسخ \" (١) .\nثم يعقب على هذا بقوله: \" وإذا جاز أن يكون العام واردًا على هذا النحو من بيان الحكم ظاهرًا وصورة: فإن ثبت ذلك كان الخاص مخصصًا، أي كان كاشفًا عن الواقع قطعًا. وإن ثبت أنه في حدود بيان الحكم الواقعى للمصالح الواقعية الثابتة للأشياء بعناوينها الأولية، فلا شك في أنه يتعين كون الخاص ناسخًا له. وأما لو دار الأمر بينهما، إذ لم يقم دليل على تعيين أحدهما، فأيهما أرجح في الحمل؟ فنقول الأقرب إلى الصواب هو الحمل على التخصيص \" (٢) .\nومع هذا الترجيح فقد رأى غيره أن هذه الحالة لا يجوز حملها إلا على النسخ (٣) .\nوكتمان الحكم الواقعى تقية هذا أمر غير معروف عن النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما أظن الشيعة يقولون به، فما يجوز لمسلم أن يعتقده، فلعلهم أرادوا التقية بالنسبة للأئمة؛ بمعنى أن الإمام يكتم هذا الحكم، لأنه لو أظهره خشى على نفسه وعلى شيعته،\n_________\n(١) أصول الفقه المظفر ١ / ١٤٤.\n(٢) المرجع السابق ١ / ١٤٤.\n(٣) انظر الآراء المختلفة والترجيحات في الحاشية على الكفاية ٢ / ١٩٨: ١٩٩، وفوائد الأصول ٤ / ٢٧٣، وأجود التقريرات ص ٥٠٦: ٥١٢ والبيان ص ٤٢٤: ٤٢٨.","vol":"1","page":457},{"text":"ومن هنا تكون التقية. وهذا الرأى وإن كان غير مقبول أصلًا، إلا أنه يتمشى مع عقيدة الجعفرية.\nأما التدرج في بيان الأحكام الذي يعتقده الجعفرية فيوضحه عالمهم المشهور محمد الحسين آل كاشف الغطاء بقوله: \" يعتقد الإمامية أن لله بحسب الشريعة الإسلامية من كل واقعة حكما حتى أرش الخدش، وما من عمل من أعمال المكلفين من حركة أو سكون إلا ولله فيه حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة. وما من معاملة على مال، أو عقد نكاح، ونحوها إلا وللشرع فيه حكم صحة أو فساد. وقد أودع الله سبحانه جميع تلك الأحكام عند نبيه خاتم الأنبياء، وعرفها النبي بالوحى من الله أو الإلهام، ثم إنه - سلام الله عليه - حسب وقوع الحوادث أو حدوث الوقائع أو حصول الابتلاء، وتجدد الآثار والأطوار، بين كثيرا منها للناس، وبالأخص لأصحابه الحافين به، الطائفين كل يوم بعرش حضوره، ليكونوا هم المبلغين لسائر المسلمين في الآفاق ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) وبقيت أحكام كثيرة لم تحصل الدواعى والبواعث لبيانها، إما لعدم الابتلاء بها في عصر النبوة، أو لعدم اقتضاء المصلحة لنشرها.. والحاصل أن حكمة التدرج اقتضت بيان جملة من الأحكام، وكتمان جملة، ولكنه - سلام الله عليه - أودعها عند أوصيائه، كل وصى يعهد به إلى الآخر لينشره في الوقت المناسب له حسب الحكمة من عام مخصص، أو مطلق مقيد، أو مجمل مبين، إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عامًا ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته، وقد لا يذكره أصلا، بل يودعه عند وصيه إلى وقته \" (٢) .\n_________\n(١) ١٤٣: سورة البقرة.\n(٢) أصل الشيعة وأصولها ص ١٤٥ - ١٤٦.","vol":"1","page":458},{"text":"من الواضح البين بعد هذا أن ما ذكره الجعفرية بالنسبة للقرآن الناطق- أي الإمام - أثر من آثار عقيدتهم في الإمامة، فأقوالهم هنا لا تصح إلا بصحة عقيدتهم حتى يكون للإمام ما للنبى ﷺ من البيان والتخصيص والتقييد، بل النسخ، وحتى لا ينتهى التدرج بانقطاع الوحى وانتقال صاحب الرسالة ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وإنما يبقى دور لمن جعلوهم شركاءه ﷺ في الرسالة.\nوما ذكره الشيعة هنا ليس مسألة نظرية، وإنما يبين أصول التفسير، والتشريع أيضًا، وسنرى تطبيقًا عمليًا لها في كتبهم التي تناولت بالدراسة كتاب الله تعالى، وعند الحديث عن كتبهم سنرى ثلاثة كتب في التفسير ظهرت في القرن الثالث الهجري، وأن هذه الكتب جعلت كتاب الله تعالى أشبه بكتاب من كتب الشيعة، فأكثر الآيات خاصة بالأئمة وولايتهم، وكفر من ينكر هذه الولاية، إلى غير ذلك من الغلو والضلال كما سيتضح، وسنرى هذا في عشرات من كتب التفسير الشيعى الأخرى.\nوالجعفرية لم يبدأوا التفكير في علم الأصول إلا في القرن الرابع الهجري، ولم يدخل هذا العلم دور التصنيف والتأليف إلا في القرن الخامس (١) . إذا عرفنا هذا أمكن القول بأن ما ذكره الشيعة هنا من علم الأصول إنما كان استنتاجًا من تلك الكتب الثلاثة، أو تبريرًا لها، حيث إنها كانت تعتمد على روايات تزعم نسبتها للأئمة.\n\n*****\n_________\n(١) راجع التصنيف في علم الأصول ص ٥٤ وما بعدها من كتاب المعالم الجديدة للأصول.","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الفصل الثاني: الظاهر والباطن</span>\nحجية الظواهر:\nذكرنا آنفًا موقف الإخباريين من ظاهر القرآن الكريم، ورد جمهور الجعفرية عليهم. فهم يرون حجية الظهور. قال مرجعهم السابق بالعراق عن حجية ظواهر القرآن:\n\" لاشك أن النبي ﷺ لم يخترع لنفسه طريقة خاصة لإفهام مقاصده، وأنه كلم قومه بما ألفوه من طرائق التفهيم والتكلم، وأنه أتى بالقرآن ليفهموا معانيه، وليتدبروا آياته، فيأتمروا بأوامره ويزدجروا بزواجره، وقد تكرر في الآيات الكريمة ما يدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ \" ٤٧: ٢٤ \" (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ \" ٣٩: ٢٧ \".\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \" ٢٦ / ١٩٢ \".\n﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين﴾ \" ١٩٣: ١٩٤ \".\n﴿بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُّبِينٍ﴾ \" ١٩٥ \". وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ \" ٣: ١٣٨ \". وقوله تعالى: ﴿... فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ\n_________\n(١) يقصد المؤلف بالرقم الأول رقم السورة وهى سورة محمد، وباقى السور التي أشار إلى أرقامها هي على الترتيب: الزمر، الشعراء، آل عمران، الدخان، القمر، النساء.","vol":"1","page":460},{"text":"يَتَذَكَّرُونَ﴾ \" ٤٤: ٥٨ \". وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ \" ٥٤: ١٧ \". وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ...﴾ \" ٤: ٨٢ \". إلى غير ذلك من الآيات الداله على وجوب العمل بما في القرآن، ولزوم الأخذ بما يفهم من ظواهره.\nومما يدل على حجية ظواهر الكتاب، وفهم العرب لمعانيه، أن القرآن نزل حجة على الرسالة، وأن النبي ﷺ قد تحدى البشر على أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ومعنى هذا أن العرب كانت تفهم معاني القرآن من ظواهره، ولو كان القرآن من قبيل الألغاز لم تصح مطالبتهم بمعارضته، ولم يثبت لهم إعجازه، لأنهم ليسوا ممن يستطيعون فهمه، وهذا ينافى الغرض من إنزال القرآن، ودعوة البشر إلى الإيمان به ... إلخ \" (١) .\nوقال عالم آخر عن حجية الظواهر (٢):\n\"هي أوضح من أن يطال فيها الحديث مادام البشر في جميع لغاته قد جرى على الأخذ بظواهر الكلام، وترتيب آثارها ولوازمها عليها، بل لو أمكن أن يتخلى عنها لما استقام له التفاهم بحال، لأن ما كان نصًا في مدلوله مما ينتظم في كلامه لا يشكل إلا أقل القليل.\nوبالضرورة أن عصر النبي ﷺ ما كان بدعًا من العصور، لينفرد به الناس في أساليب تفاهمهم بنوع خاص من التفاهم لا يعتمد الظهور ركيزة من ركائزه، وما كان للنبى ﷺ طريقة خاصة في التفاهم انفرد بها عن معاصريه، وإلا لكانت\n_________\n(١) البيان للخوئىص ٢٨١: ٢٨٢، وراجعه إلى ص ٢٩١.\n(٢) هو العالم محمد تقى الحكيم، أستاذ الأصول والفقه المقارن في كلية الفقه بالنجف بالعراق. انظر كتابه الأصول العامة ص ١٠٢: ١٠٧.","vol":"1","page":461},{"text":"أحدوثة التاريخ، فالقطع بإقرار النبي ﷺ لطريقتهم في التفاهم كاف في إثبات حجية الظواهر.\nوقد نزل القرآن بلغة العرب، وتبنى طريقتهم في عرض أفكاره، وكان لكلامه ظاهر يفهمونه ويسيرون على وفقه \" (١) .\nاللجوء للتأويل تأييدًا للعقيدة:\nومع القول بحجية الظاهر، إلا أنهم - كما رأينا من قبل - جعلوا للإمام ما للنبى ﷺ من بيان المراد من قول الله تعالى، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه. وفى الجزء الأول وجدنا أنهم لما لم يجدوا من ظاهر القرآن الكريم ما يؤيد عقيدتهم لجئوا إلى التأويل، وناقشناهم فيما ذهبوا إليه فلم نجد لهم دليلا يمكن الاحتجاج به. وإذا كانت العقيدة من أساسها ليس لها ما يؤيدها من كتاب الله تعالى فكيف بما يتبعها من عقائد وتفريعات؟\nالباطن:\nوالشيعة الاثنا عشرية لم يقفوا عند حد التأويل الذي أشرنا إليه، فهم ينسبون للنبى ﷺ وللأئمة أنهم قالوا: إن للقرآن ظهرًا وبطنًا، ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن، أو إلى سبعين بطنًا! (٢) وهم لا ينفردون بالقول بأن للقرآن الكريم ظاهرا وباطنا، فقد قيل به قديمًا وحديثًا. قال أستاذنا الجليل المرحوم على حسب الله تحت عنوان ظاهر القرآن وباطنه: \" إذا سمع المرء كلامًا عربيًا تبادر إلى ذهنه ما يدل عليه الكلام بحسب وضعه العربى، فإذا تدبره فقد يفهم منه مقاصد مطوية وأغراضًا خفية، فالمتبادر الأول هو ظاهر الكلام، ويكاد يدركه كل عارف باللغة. والمفهوم الثاني هو باطنه وهو لا يدرك إلا بشىء من التدبر. وللقرآن ظاهر\n_________\n(١) المرجع السابق ص ١٠٢: ١٠٣ وانظر كذلك للجعفرية في حجية الظواهر: فوائد الأصول ٣ / ٤٧: ٤٨، وأصول الفقه للمظفر ١ / ٢٤، ٣٠: ٣٢، جـ ٣ / ١٢٩: ١٣٠، ١٣٤، ١٤١، والمعالم الجديدة للأصول ص ١٣٩: ١٤٥.\n(٢) انظر الميزان ١ / ٥، وانظر الكافى ١ / ٣٧٤.","vol":"1","page":462},{"text":"وباطن بهذا المعنى، وكلاهما مراد، غير أن الثاني لا يعتد به إلا إذا لم يكن مناقضًا للأول، وكان له شاهد من مقاصد الدين ومراميه \" (١) .\nوالإمام الغزالى من قبل أفاض في الحديث عن الظاهر والباطن، وقسم الباطن إلى خمسة أقسام:\nالقسم الأول: أن يكون الشىء في نفسه دقيقًا تكل أكثر الأفهام عن دركه، فيختص بدركه الخواص.\nالقسم الثاني: من الخفيات التي يمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها، ما هو مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه، ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر بالأنبياء والصديقين.\nالقسم الثالث: أن يكون الشىء بحيث لو ذكر صريحًا لفهم ولم يكن فيه ضرر، ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز.\nالقسم الرابع: أن يدرك الإنسان الشىء جملة ثم يدركه تفصيلًا بالتحقيق والذوق.\nالقسم الخامس: أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال، فالقاصر الفهم يقف على الظاهر ويعتقده نطقًا، والبصير بالحقائق يدرك السر فيه (٢) .\n_________\n(١) أصول التشريع الإسلامى ص ٢٥ - ٢٦.\n(٢) راجع هذه الأقسام بالتفصيل، والحديث عن الظاهر والباطن في إحياء علوم الدين: ... ١ / ١٧١ - ١٨٠، والصوفية لهم حظ معلوم من التأويل! وانظر ما كتبه أستاذنا العلامة المرحوم أبو زهرة عن ظاهر القرآن وباطنه عند الجعفرية، والموازنة بين كلامهم وكلام الغزالى \" الإمام الصادق ص ٣٠٥ - ٣١٥ \". وراجع الفرق بين قولهم وما ذهب إليه جمهور المفسرين في \" التفسير والمفسرون ٢ / ٢٨ - ٣٢ \". وانظر كذلك أعلام الموقعين \" ٤ / ٣١٠ - ٣٢٠ \" ففيه بحث قيم عن التأويل، وراجع فيه رأى ابن رشد، ومهاجمته للغزالى ولغيره من المتأولة.","vol":"1","page":463},{"text":"ثلث القرآن في الأئمة! ! وثلثه في عدوهم! !:\nفالجعفرية إذن لم ينفردوا بالقول بالباطن جملة، ولكن أثر عقيدتهم في الإمامة - إلى جانب ما سبق - ظهر في التوسع في القول بالباطن إلى غير حد، حتى أن بعضهم - كما سيأتى - اعتبر ثلث القرآن فيهم، وثلثه في عدوهم، وبعضهم جعل الربع لا الثلث، وهؤلاء وأولئك نسبوا هذا الضلال للأئمة الأطهار افتراء عليهم، حتى يضلوا غيرهم، وبذلك أخضعوا كتاب الله تعالى لأهوائهم، وحرفوه ليصبح أقرب ما يكون إلى كتاب من كتب الفرق، ولم يفترقوا كثيرًا عن الإسماعيلية الباطنية (١) .\nوعند تناولنا لكتبهم سنرى أنهم مختلفون، فمن ناشد للاعتدال نسبيا مقترب منه، إلى راغب في الضلال هابط إلى الغلو. وقبل الحديث عن هذه الكتب نتحدث عن موضوع جد خطير، حيث يتعلق بصيانة القرآن الكريم من النقص والتحريف.\n_________\n(١) مما رواه الإسماعيلية عن النبي - ﷺ - أنه قال \" ما نزلت على من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن \" ومما رووه عن الإمام الصادق - وهو آخر إمام يجمعهم بالجعفرية - أنه قال \" إنا نتكلم في الكلمة الواحدة سبعة أوجه، فقال الرجل متفكرًا: سبعة يا بن رسول الله؟ فقال: نعم.. وسبعين ولو استزادنا لزدناه \". \" انظر أساس التأويل ص ٣٠، ٣٧ \" وقالوا: \" من معجزات وغرائب تأليفه - أي القرآن الكريم - أنه يأتى بالشىء الواحد وله معنى في ظاهره ومعنى في باطنه، فجعل عزوجل ظاهره معجزة رسوله، وباطنه معجزة الأئمة من أهل بيته، لا يوجد إلا عندهم، ولا يستطيع أحد أن يأتى بباطنه غير الأئمة من ذريته، وهو علم متوافر بينهم مستودع فيهم، يخاطبون كل قوم منه بمقدار ما يفهمون، ويعطون كل أهل حد منه ما يستحقون، ويمنعون منه ما يجب منعه، ويدفعون عنه من استحق دفعه \". \" ص ٣١ - ٣٢ أساس ... التأويل \".\nوإذا كان هذا المنهاج مختصًا بالإسماعيلية الباطنية، فإنا سنرى من دراستنا لكتب الجعفرية أن منها ما لا يرتفع عن هذا الدرك الأسفل، وكل يخضع كتاب الله تعالى لهواه، هذا يجعله إسماعيليًا، وذاك يحرف مثله ولكن ليجعله جعفريًا اثنى عشريًا.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الفصل الثالث: القرآن الكريم والتحريف</span>\nلماذا قالوا بالتحريف؟\nبالرجوع إلى كتب الجعفرية نجد جدلًا حول التحريف بين معتدليهم نسبيا وغلاتهم، ونتعرض لهذا الأمر بإيجاز قدر المستطاع قبل الحديث عن كتبهم بشىء من التفصيل:\nفمن المقطوع به عند جمهور المسلمين أنه ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ (١) وأن الله تعالى هو الذي تعهد بحفظ القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، ولذا هيأ له، وسيهيئ له من يحفظه إلى يوم القيامة. وقد كتب على عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وجمع ما كتب عند الصديق ثم الفاروق، ثم كان المصحف الإمام الذي كتب في خلافة ذى النورين كما هو معلوم، فحفظ في السطور والصدور على مر القرون، وكلما أصاب المسلمون تقدمًا وجهوه قدر استطاعتهم لحفظ كتاب الله تعالى، هذا ما نلمسه جميعا بغير خلاف.\nوالذين حاولوا هدم الإسلام وجهوا مردة شياطينهم للطعن في القرآن المجيد، لكن هيهات، فباءوا بمرارة الفشل، وبغضب ممن علم القرآن. ولا عجب في مسلك هؤلاء الكفار، ولكن العجب كل العجب أن نجد ممن ينتمى إلى الإسلام من يضل ضلال هؤلاء الكفار! فغلاة الاثنى عشرية عز عليهم أن يخلو القرآن الكريم من نصوص ظاهرة صريحة تؤيد عقيدتهم في الإمامة، فلم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة كما سنرى، بل أقدموا على جريمة مدبرة، فطعنوا في الصحابة الأكرمين،\n_________\n(١) ٦٤: يونس.\n(٢) ٩: الحجر.","vol":"1","page":465},{"text":"وعلى الأخص الخلفاء الراشدون الذين سبقوا الإمام عليًا، وأرادوا من هذا الطعن الافتراء عليهم بأنهم غير أمناء على تنفيذ الشريعة ونقلها، وحفظ كتاب الله العزيز، ولذا انتهوا من هذا الطعن إلى أنهم اغتصبوا الخلافة، وحرفوا القرآن الكريم حتى لا يفتضح أمرهم، ولا يظهر حق على في الخلافة والأئمة من بعده! !\nكتاب فصل الخطاب:\nومن أشهر كتب هؤلاء الغلاة كتاب \" فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب \"، قال مؤلفه حسين بن محمد تقى النورى الطبرسي (١) في ص ٢ \" هذا كتاب لطيف وسفر شريف، عملته في إثبات تحريف القرآن، وفضايح أهل الجور والعدوان \".\nوذكر روايات كثيرة تفيدالتحريف منها: \" لما انتقل سيد البشر محمد بن عبد الله ﷺ من دار الفناء، وفعلا صنما قريش ما فعلا من غصب الخلافة الظاهرية، جمع أمير المؤمنين ﵇ القرآن كله ووضعه في إزار، وأتى به إليهم وهم في المسجد، فقال لهم: هذا كتاب الله سبحانه، أمرنى رسول الله ﷺ أن أعرضه عليكم لقيام الحجة عليكم يوم العرض بين يدى الله تعالى. فقال فرعون هذه الأمة ونمرودها: لسنا محتاجين إلى قرآنك.. فنادى ابن أبى قحافة بالمسلمين وقال لهم: كل من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها، فجاءه أبو عبيدة بن الجراح وعثمان، وسعد بن أبى وقاص، ومعاوية بن أبى سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سعيد الخدرى، وحسان بن ثابت، وجماعات المسلمين، وجمعوا هذا القرآن، أسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت عنهم بعد وفاة سيد المرسلين ﷺ، فلذا ترى الآيات غير مرتبطة!! والقرآن الذي جمعه\n_________\n(١) ولد سنة ١٢٥٤ هـ بإحدى كور طبرستان، وتوفى بالكوفة سنة ١٣٢٠ هـ، وهو صاحب كتاب مستدرك وسائل الشيعة الذي طبع بالقاهرة مع الوسائل للحر العاملى.","vol":"1","page":466},{"text":"أمير المؤمنين ﵇ بخطه محفوظ عند صاحب الأمر عجل الله فرجه، فيه كل شىء حتى أرش الخدش \" (١) .\nومنها ما نسب للإمام الصادق \" لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين \" (٢) .\nسورة الولاية في كتاب دبستان المذاهب:\nونقل عن صاحب كتاب دبستان المذاهب قوله: \" بعضهم يقولون إن عثمان أحرق المصاحف، وأتلف السور التي كانت في فضل على وأهل بيته، منها هذه السورة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وذكر سورة كاملة مفتراة، ثم عقب عليها بقوله: \" ظاهر كلامه أنه أخذها من كتب الشيعة، ولم أجد لها أثرًا فيها، غير أن الشيخ محمد بن على بن شهر أشوب المازندرانى ذكر في كتاب المثالب، على ما حكى عنه، أنهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية، ولعلها هذه السورة \" (٣) .\nهذه نماذج قليلة ذكرناها بنصها، والكتاب كله يخبط في ظلام هذا الضلال، ثم يفترى هذا على أهل البيت الأطهار، فمن أولئك الغلاة المفترون؟\nمن القائلون بالتحريف؟\nقال مؤلف الكتاب السابق: \" وقوع التغيير والنقصان فيه هو مذهب الشيخ الجليل على بن إبراهيم القمي شيخ الكلينى، في تفسيره صرح بذلك في أوله، وملأ كتابه من أخباره، مع التزامه في أوله بأن لا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته.\n_________\n(١) ص ٩ - ١٠، ويقصد الضالون بصنمى قريش الصديق والفاروق وفرعون هذه الأمة ونمرودها الفاروق ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تخرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ \" ٥: الكهف \" ويراد بصاحب الأمر إمامهم الثاني عشر، وفى روايات أخرى يطلق هؤلاء الضالون على الراشدين الثلاثة: عجل هذه الأمة وفرعونها وسامريها انظر ص ١٥٥، ١٥٦، ٢١٨ من الكتاب المذكور.\n(٢) ص ١٤.\n(٣) انظر ص ١٥٦، ١٥٧ من فصل الخطاب.","vol":"1","page":467},{"text":"ومذهب تلميذه ثقة الإسلام الكلينى ﵀ على ما نسبه إليه جماعة لنقله الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب الحجة، خصوصًا كتاب النكت والنتف من التنزيل، وفى الروضة، ومن غير تعرض لردها أو تأويلها (١) .\nواستظهر المحقق السيد محسن الكاظمى في شرح الوافية مذهبه من الباب الذي عقده فيه وسماه \" باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ﵈ \"، فإن الظاهر من طريقته أنه إنما يعقد الباب لما يرتضيه. قلت: وهو كما ذكره، فإن مذاهب القدماء تعلم غالبًا من عناوين أبوابهم، وبه صرح أيضًا العلامة المجلسى في مرآة العقول. وبهذا يعلم مذهب الثقة الجليل محمد بن الحسن الصفار في كتاب البصائر من الباب الذي له أيضًا فيه، وعنوانه هكذا \" باب في الأئمة أن عندهم لجميع القرآن الذي أنزل على رسول الله ﷺ \"، وهو أصرح في الدلالة مما في الكافى، ومن باب \" أن الأئمة محدثون \".\nوهذا المذهب صريح الثقة محمد بن إبراهيم النعمانى، تلميذ الكلينى صاحب كتاب الغيبة المشهور، في تفسيره الصغير الذي اقتصر فيه على ذكر الآيات وأقسامها، وهو بمنزلة الشرح لمقدمة تفسير على بن إبراهيم، وصريح الثقة الجليل سعيد بن عبد الله القمي في كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه كما في المجلد التاسع عشر من البحار، فإنه عقد فيه بابًا ترجمته \" باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله عزوجل مما رواه مشايخنا رحمة الله عليهم من العلماء من آل محمد \" (٢) .\n_________\n(١) انظر دراستنا لكتاب الحجة من الجزء الأول لأصول الكافى، وكذلك دراستنا لروضة الكافى، في كتاب أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله ص ٢٩٦: ٣٥٥، وفى الجزء الثالث من هذه الموسوعة.\n(٢) فصل الخطاب ص ٢٥ - ٢٦.","vol":"1","page":468},{"text":"واستمر المؤلف في ذكر القائلين بالتحريف (١) إلى أن قال: \" ومن جميع ما ذكرناه ونقلناه بتتبعى القاصر، يمكن دعوى الشهرة العظيمة بين المتقدمين، وانحصار المخالف فيهم بأشخاص معينين يأتى ذكرهم. قال السيد المحدث الجزائرى في الأنوار ما معناه أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلامًا ومادة وإعرابًا والتصديق بها \" (٢) .\nثم قال: \" ومن جميع ذلك ظهر فساد ما ذكره المحقق الكاظمى من انحصار القائل به في على بن إبراهيم والكلينى، أو مع المفيد وبعض متأخرى ... المتأخرين \" (٣) .\nثم اتهم الصحابة - خير أمة أخرجت للناس - بالكفر والعناد والجبروت والغباء، ليصل إلى أنهم ليسوا أهلًا لجمعه كما أنزل (٤) .\nوأكثر من ذكر الروايات كرواية الكلينى عن الإمام الصادق:\n\" إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه إلى محمد ﷺ سبعة عشرألف آية \" (٥) .\n_________\n(١) وممن ذكرهم محمد بن مسعود العياشى صاحب أحد تفاسيرهم المشهورة، انظر ص ٢٦.\n(٢) المرجع السابق ص ٣٠.\n(٣) المرجع السابق ص ٣١ - ٣٢.\n(٤) انظر ص ٨٢.\n(٥) الكتاب نفسة ص ٢١١، ومعلوم أن القرآن الكريم آياته لا تصل إلى ستة آلاف وثلاثمائة، ومعنى رواية الكلينى أن أكثر من عشرة آلاف آية حذفت. \" جاء في البرهان للزركشى \" ١ / ٢٥١ \": عدد آياته في قول على ﵁ ستة آلاف ومائتان وثمان عشرة. وعطاء: ستة آلاف ومائة وسبع وسبعون. وحميد: ستة آلاف ومائتان واثنتا عشرة. وراشد: ستة آلاف ومائتان وأربع \".","vol":"1","page":469},{"text":"وقال: \" إن الأخبار الدالة على ذلك - أي التحريف - تزيد على ألفى حديث، وادعى لاستفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق والداماد والعلامة المجلسى وغيرهم (١) .\nثم قال: \" واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية، والآثار النبوية، إلا كتاب القراءات لأحمد بن محمد السيارى، فقد ضعفه أئمة الرجال، فالواجب علينا ذكر بعض القرائن الدالة على جواز الاستناد لهذا الكتاب \" (٢) .\nوقال أحد مفسرى الجعفرية (٣): \" أما اعتقاد مشايخنا ﵏ في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكلينى - طاب ثراه - أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافى، ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه، وكذلك أستاذه على بن إبراهيم القمي، فإن تفسيره مملو منه، وله علو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبى طالب الطبرسي قدس سره، فإنه أيضًا نسج على منوالهما في كتاب الاحتجاج \".\nوقال أحد كتابهم المعاصرين في مقدمة كتبها لتفسير القمي: \" هذا التفسير، كغيره من التفاسير القديمة، يشتمل على روايات مفادها أن المصحف الذي بين أيدينا لم يسلم من التحريف والتغيير، وجوابه أنه لم ينفرد المصنف بذكرها، بل وافقه فيه غيره من المحدثين المتقدمين والمتأخرين عامة وخاصة \" (٤) .\nثم ذكر القائلين بالتحريف فقال بأنهم \" الكلينى والبرقى، والعياشى والنعمانى، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبى طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج،\n_________\n(١) ص: ٢٢٧.\n(٢) ص: ٢٢٨.\n(٣) هو محمد بن مرتضى المدعو بمحسن، انظر كتابه الصافى ج ١ الورقة ١٩.\n(٤) انظر المقدمة المذكورة ص ٢٢.","vol":"1","page":470},{"text":"والمجلسى، والسيد الجزائرى، والحر العاملى، والعلامة الفتونى، والسيد البحرانى، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عنها.\nوالذى يهون الخطب أن التحريف اللازم على قولهم يسير جدًا مخصوص بآيات الولاية، فهو غير مغير للأحكام ولا للمفهوم الجامع الذي هو روح القرآن، فهو ليس بتحريف في الحقيقة، فلا ينال لغير الشيعة أن يشنع عليهم من هذه الجهة \" (١) .\nمعتدلو الشيعة يتصدون لحركة الغلاة:\nهذه حركة من حركات التشكيك والتضليل قام بها غلاة الشيعة الاثنى عشرية، وسنعود للحديث عن بعض هؤلاء الغلاة عند تناولنا لكتبهم، ولكن المهم هنا هو أن المعتدلين – إلى حد ما - من إخواننا الجعفرية قد تصدوا لهذه الحركة قديمًا وحديثًا، وكشفوا القناع عن هذا الباطل، وفندوا مزاعم القائلين بالتحريف، وبينوا أن ما ذكر من روايات منسوبة لأهل البيت - تمسك بها القائلون بالتحريف - منها ما يحتمل التأويل ولا يفيد وقوع التحريف، والباقى يضرب به عرض الحائط. وأشهر من تصدى منهم لحركة التضليل في القديم محمد بن بابويه القمي، الملقب بالصدوق صاحب كتاب \" من لا يحضره الفقيه \"، أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عند الجعفرية، والسيد الشريف المرتضى، وتلميذه الشيخ الطوسى: صاحب تفسير التبيان، وصاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة السابقة، وشيخ مفسرى الجعفرية أبى على الفضل بن الحسن الطبرسي (٢) .\nومما ذكره السيد المرتضى قوله: \" القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية\n_________\n(١) تفسير القمي - المقدمة نفسها ص ٢٣ - ٢٤.\n(٢) وفاة هؤلاء على الترتيب: ٣٨١، ٤٣٦، ٤٦٠، ٥٤٨ هـ.","vol":"1","page":471},{"text":"حتى عرفوا كل شىء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرًا أو منقوصًا مع العناية الصادقة والضبط الشديد \" (١) .\nوقال: \" إن القرآن كان على عهد رسول الله ﷺ مجموعًا مؤلفًا على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأن كان يعرض على النبي ﷺ ويتلى عليه، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبى بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي ﷺ عدة ختمات، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعًا مرتبًا غير مبتور ولا مبثوث، وذكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته \" (٢) .\nوقال الشيخ الطوسى: \" أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضًا، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضًا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في الروايات. غير أنه رويت روايات كثيرة، من جهة الخاصة والعامة، بنقصان كثير من أي القرآن، ونقل شىء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علمًا ولا عملا، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها، لأنه يمكن تأويلها. ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته، لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه \" (٣) .\n_________\n(١) مقدمة مجمع البيان ص ١٥.\n(٢) المقدمة السابقة ص ١٥ وانظر رأى الطبرسي في الصفحة ذاتها.\n(٣) التبيان ١ / ٣.","vol":"1","page":472},{"text":"وقال الصدوق: \" اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه ﷺ هو ما بين الدفتين: وهو ما في أيدى الناس، وليس بأكثر من ذلك ... ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب \" (١) .\nهذا موقف المعتدلين نسبيا في القديم، أما في الحديث فأكثر شيعة اليوم يتفقون في الظاهر مع جمهور المسلمين في أن القرآن الكريم هو ما بين الدفتين بلا زيادة أو نقصان، ومن شذ برأيه منهم، حتى كاد يخرج عن الإسلام، فلا يعتد به، ولذا قال محمد الحسين آل كاشف الغطاء: يعتقد الشيعة الإمامية \" أن الكتاب الموجود في أيدى المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه - أي إلى محمد ﷺ للإعجاز والتحدى، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم، ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطئ بنص الكتاب العظيم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصة أو تحريفة ضعيفة شاذة، وأخبار آحاد، لا تفيد علمًا ولا عملًا، فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار، أو يضرب بها الجدار \" (٢) .\nوعندما خرج صاحب فصل الخطاب بكتابه تصدى له كثير من علماء الشيعة وسفهوا رأيه، وبينوا خطأ ما جاء به جملة وتفصيلًا. منهم - على سبيل المثال - السيد أبو القاسم الخوئى مرجعهم السابق بالعراق (٣) والشيخ محمد جواد البلاغى\n_________\n(١) رسالته في الاعتقادات: ص ٩٣.\n(٢) أصل الشيعة وأصولها ص ١٣٣.\n(٣) انظر كتابه البيان ص ٢١٥ - ٢٧٨ وبعد بحثه قال تحت عنوان \" النتيجة \" ص ٢٧٨: \" ومما ذكرناه: قد تبين للقارئ أن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه بحب القول به، والحب يعمى ويصم، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته \".","vol":"1","page":473},{"text":"النجفى (١) والشيخ محمد تقى الحكيم (٢) . فلسنا في حاجة إذن إلى ذكر شبهات الضالين، وبيان بطلانها، فقد تكفل إخواننا الجعفرية بهذا، بل إن الإخباريين الذين يرون صحة جميع الأخبار الواردة عن أهل البيت، ولذا ذهبوا إلى القول بالتحريف، وجدنا منهم من ينكر هذا التحريف. قال مرجعهم السابق بالكويت: \" مذهبنا - ومذهب كل مسلم - بأن القرآن الكريم المتداول بين أيدينا ليس فيه أي تحريف بزيادة أو نقصان، وما ذكر في بعض الأحاديث بأن فيه تحريفًا ونقصانًا فهو مخالف لعقيدتنا في القرآن الذي هو الذكر المحفوظ، والذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه \" (٣) .\nهذا اتجاه طيب، وهداية مرجوة، فلعل الله عزوجل يهدى باقى إخواننا الجعفرية الصراط المستقيم، وإن كان هؤلاء الذين يمثلون جانب الاعتدال إلى حد ما في المذهب الجعفرى عز عليهم أن يكون الغلاة الضالون القائلون بالتحريف جعفريين، ولذا حاولوا إبعاد هذه التهمة عمن له مكانة عالية بينهم، وإلصاقها بجمهور المسلمين! ومن المقطوع به أن جمهور المسلمين ليس منهم من يقول بالتحريف.\nفلا نعرف أحدًا من جمهور المسلمين يقول بأن الصحابة الكرام أسقطوا شيئًا من القرآن الكريم كما قال غلاة الجعفرية، والجعفرية يدركون هذا تمامًا ولذا حاولوا نسبة هذا الجرم الشنيع لغيرهم بقولهم بأن القول بنسخ التلاوة قول بالتحريف، ليصلوا من هذا إلى أن أكثر أهل السنة قائلون بالتحريف!\n_________\n(١) انظر مقدمته لتفسير شبر ص ١٦: ١٩.\n(٢) راجع كتابه الأصول العامة للفقه المقارن ص ١٠٧: ١١٧.\n(٣) تعليق على مقال ص ١٣.","vol":"1","page":474},{"text":"ونسخ التلاوة يعنى أن آيات نزلت، ثم أمر الله تعالى برفعها، وقد أتى الله تعالى بمثلها أو بخير منها ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ...﴾ \" ١٠٦: البقرة \" أي أن الشارع الحكيم هو الذي أمر بهذا الرفع. فهذا النسخ لو سلمنا بوجوده فإنه كما يقول أستاذنا الجليل المرحوم الدكتور مصطفى زيد \" لا يعتبر مطعنًا ولا شبه مطعن في القرآن الكريم الذي تكفل الله - عزوجل - بحفظه من التغيير والتبديل، وهو الذي جمع بين دفتى المصحف، ولا يعتبر مطعنًا ولا شبه مطعن كذلك في الوحى الذي تنزل به جبريل على قلب محمد، ما دام المرفوع منه قد رفع في عهد التنزيل، ولم ترفع منه كلمة واحدة بعد أن انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى. \" النسخ في القرآن الكريم ١ / ٢٨٢: ٢٨٣ \".\nفما بين الدفتين هو القرآن الكريم الذي أمرنا بتلاوته وتدبره، وتنفيذ أحكامه، بغير زيادة أو نقصان، فكيف يقال بأن النسخ تحريف؟\nعلى أن الجعفرية الذين تصدوا لحركة التضليل في الماضى قائلون بهذا النسخ، بل مدافعون عنه، فكيف غاب هذا عن شيعة اليوم وهم يخلطون بين النسخ والتحريف ليصلوا إلى مأربهم!\nولنذكر مثلًا شيخ الطائفة الطوسى، قال في تفسيره التبيان \" ١ / ١٣ \": \" لا يخلو النسخ في القرآن الكريم من أقسام ثلاثة، أحدها: نسخ حكمه دون لفظه.. الثاني ما نسخ لفظه دون حكمه كآية الرجم، فإن وجوب الرجم على المحصنة لا خلاف فيه، والآية التي كانت متضمنه له منسوخة بلا خلاف وهى قوله (والشيخ والشيخة إذا زنيا) .. والثالث: ما نسخ لفظه وحكمه، وذلك نحو ما رواه المخالفون عن عائشة أنه كان فيما أنزل الله عشر رضعات \".\nوقال في موضع آخر \" ١/ ٣٩٤ \": \" وقد أنكر قوم جواز نسخ القرآن، وفيما ذكرناه دليل على بطلان قولهم، وجاءت أخبار متظافرة بأنه كانت أشياء في القرآن نسخت تلاوتها \".","vol":"1","page":475},{"text":"والنوع الثالث لأن روايته عن المخالفين - أي غير الجعفرية - قال عنه الطوسى بأنه \" مجوز وإن لم يقطع بأنه كان \"، أما النوع الثاني فإنه يؤيده برواية الشيخ والشيخة، ويقول بأنها رواية مشهورة، فهذه الرواية من روايات الجعفرية كذلك، ورواها أيضا على بن إبراهيم القمي الذي ينسب رواياته إلى الإمامين الباقر والصادق \" انظر تفسيره ٢ / ٩٥، وانظر كذلك مجمع البيان ١ / ١٨٠ - ١٨١ لترى اتفاق الطبرسي مع الطوسى في النسخ \".\nولسنا بهذا نؤيد إمكان وقوع هذا النسخ أو عدم إمكانه، ولكنا نبين لإخواننا الجعفرية أن شيخ طائفتهم الذي دافع عن القول بعدم التحريف، دافع عن القول بنسخ التلاوة، لأن النسخ من الشارع الحكيم والتحريف من البشر بعد عصر التنزيل، فالنسخ والتحريف مختلفان تمامًا، فكيف إذن يغيب هذا عن مرجع الجعفرية السابق بالعراق فيقول: \" غير خفى أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف والإسقاط \" \" البيان ص ٢٤٤ \" ثم يستمر ليقول: \" وعلى ذلك فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة! لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة \" ثم يقول في ص ٢٢٥: \" قد عرفت أن القول بعدم التحريف هو المشهور، بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم! \" ويشير إلى ما ذكره الطبرسي في مجمع البيان \" ج ١ ص ١٥ \" من الاستدلال على بطلان القول بالتحريف. ولو استمر مرجع الجعفرية إلى ص ١٨٠ لوجد استدلال الطبرسي كذلك على نسخ التلاوة! وما الرأى عند السيد فيمن ذكروا من الضالين القائلين بالتحريف؟ أليسوا من علماء الشيعة؟ أولا يعد أكثرهم عند الشيعة من المحققين؟ كالقمى، والعياشى، والكلينى، والنعمانى، والمجلسى وغيرهم.\nأفلا يذكر السيد الخوئى ما ذهب إليه في كتابه معجم رجال الحديث ... \" ج ١ ص ٣ - ٦٤ \" من صحة تفسير على بن إبراهيم القمي، شيخ الكلينى، وأن روايات كتاب التفسير هذا \" ثابتة وصادرة من المعصومين ﵈، وأنها انتهت إليه بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة \"؟ أو لم يقرأ السيد تلك","vol":"1","page":476},{"text":"الروايات ليرى فيها النص على القول بتحريف القرآن الكريم؟ وقد حكم هو بصحتها!\nوإذا صدر هذا منه فماذا تنتظر من غيره؟! (١)\nوبعد: فقد أوجزت هنا سائلًا الله تعالى ألا أكون تركت ما يجب ذكره، أو ذكرت ما يجب تركه.\n_________\n(١) بعد قليل يأتى الحديث عن تفسيرى القمي والعياشى الضالين، وانظر ما كتبته عن الكافى للكلينى في كتاب أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله.","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الفصل الرابع: كتب التفسير الشيعي في القرن الثالث</span>\nذكرت من قبل أن الجعفرية درجات بين الاعتدال النسبى والغلو فليسوا سواء، وإنا نرى لزامًا علينا الرجوع إلى كتبهم المختلفة لنرى إلى أي مدى أثرت عقيدة الإمامة عندهم في تناولهم لكتاب الله تعالى.\nوعندما رجعت إلى الكثير من كتبهم وجدت أن القرن الثالث ظهر فيه ثلاثة كتب هي التفسير المنسوب للإمام العسكرى - إمامهم الحادى عشر - وتفسيرا العياشى، والقمى، وهذه الثلاثة تمثل جانب التطرف في المذهب الجعفرى.\nثم يأتى شيخ الطائفة الطوسى \" المتوفى سنة ٤٦٠ هـ \" فيخرج كتابه التبيان الذي يمثل جانبا من الاعتدال، ويليه الطبرسي شيخ مفسريهم. والجعفرية بعد هذا منهم من سلك أحد المسلكين، ومنهم من جمع بينهما، أو اقترب من أحدهما.\nونتحدث في هذا الفصل عن الكتب الثلاثة التي ظهرت في القرن الثالث، ثم نتحدث عن باقى الكتب في الفصول الأخرى.\n*****\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الكتاب الأول\nتفسير الحسن العسكرى</span>\nقصة إملاء الكتاب:\nالتفسير المنسوب للإمام الحسن العسكرى يرويه أبو يعقوب يوسف بن محمد ابن زياد، وأبو الحسن على بن محمد بن سيار (١)، ويقولان: إن الإمام أملى عليهما هذا التفسير، ويذكران قصة لهذا الإملاء (٢) . وهو تفسير لم يكمل، وإنما يتناول الفاتحة وسورة البقرة إلى قبيل خاتمتها بأربع آيات.\n_________\n(١) الراويان من الثقات عند الجعفرية - انظر ترجمتيهما في تنقيح المقال للمامقانى.\n(٢) انظر الصفحة الثانية وما بعدها.","vol":"1","page":478},{"text":"غلو وضلال:\nوهو كتاب يبين عقيدة الإمامة، وما يتصل بها عند غلاة الجعفرية، ويخضع الآيات الكريمة لهذه العقيدة الفاسدة، ذاكرًا ما يأباه ديننا الحنيف، وكل عقل سليم لم يمرضه الهوى والضلال. والكتاب مملوء بالافتراء على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ وعلى أهل البيت الأطهار. فالكتاب إذن ليس تفسيرًا بالمعنى الصحيح، وإنما هو كتاب من كتب الفرق الضالة، ولنضرب لذلك الأمثال حتى يحكم القارىء بنفسه.\nكفر من أنكر ولاية على:\nجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ \" ٤: البقرة \".\nقال الإمام: \" قال الحسن بن على: من دفع فضل أمير المؤمنين على جميع من بعد النبي فقد كذب بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة، فإنه ما نزل شىء منها إلا وأهم ما فيه - بعد الأمر بتوحيد الله تعالى والإقرار بالنبوة - الاعتراف بولاية على والطيبين من آله.\nولقد حضر رجل عند على بن الحسين فقال له: ما تقول في رجل يؤمن بما أنزل الله على محمد، وما أنزل على من قبله، ويؤمن بالآخرة، ويصلى ويزكى، ويصل الرحم، ويعمل الصالحات، ولكنه مع ذلك يقول ما أدرى الحق لعلى أو لفلان، فقال له على بن الحسين: ما تقول أنت في رجل يفعل هذه الخيرات كلها إلا إنه يقول: لا أدرى: النبي محمد أو مسيلمة؟ هل ينتفع بشىء من هذه الأفعال؟ فقال: لا. فقال: وكذلك قال صاحبك هذا، كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب من لا","vol":"1","page":479},{"text":"يدرى: أمحمد النبي أم مسيلمة الكذاب؟ وكذلك (١) كيف يكون مؤمنًا بهذه الكتب، أو منتفعا به، من لا يدرى أعلى محق أم فلان \" (٢) .\nشهادة البساط والسوط والحمار للوصى:\nوفى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ \" ٦: البقرة \" قال الإمام: \" فلما ذكر هؤلاء المؤمنين، ومدحهم بتوحيد الله وبنبوة محمد رسول الله، ووصيه على ولى الله، ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم فقال: إن الذين كفروا بما آمن به هؤلاء المؤمنون بتوحيد الله تعالى، وبنبوة محمد رسول الله، وبوصيه على ولى الله، وبالأئمة الطاهرين الطيبين، خيار عباده الميامين، القوامين بمصالح خلق الله تعالى، سواء عليهم ءأنذرتهم وخوفتهم أم لم تنذرهم ولو تخوفهم فهم لا يؤمنون. قال محمد بن على الباقر: إن رسول الله لما قدم المدينة، وظهرت آثار صدقه، وآيات حقه، وبينات نبوته، كادته اليهود أشد كيد: وقصدوه أقبح قصد، يقصدون أنواره ليطمسوها، وحججه ليبطلوها، وكان ممن قصده للرد عليه وتكذيبه مالك بن الصيف، وكعب بن الأشرف، وحيى بن الأخطب، وأبو ياسر بن الأخطب، وأبو لبابة بن عبد المنذر، وشيبة. فقال مالك لرسول الله: يا محمد تزعم أنك رسول الله؟ قال رسول الله: كذلك قال الله خالق الخلق أجمعين. قال: يا محمد لن نؤمن أنك رسوله حتى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتنا، ولن نشهد لك أنك من الله جئتنا حتى يشهد لك هذا البساط. وقال أبو لبابة بن عبد المنذر: لن نؤمن لك يا محمد أنك رسول الله، ولا نشهد لك به، حتى يؤمن ويشهد لك به هذا السوط الذي في يدى. وقال كعب الأشرف: لن نؤمن لك أنك رسول الله ولن نصدقك به حتى يؤمن لك هذا الحمار الذي أركبه، فقال رسول الله: إنه ليس للعباد الاقتراح على الله تعالى، بل عليهم التسليم لله،\n_________\n(١) في الأصل \" كك \".\n(٢) ص ٣٢: ٣٣.","vol":"1","page":480},{"text":"والانقياد لأمره، والاكتفاء بما جعله كافيا.\nأما كفاكم أن أنطق التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم بنبوتى، ودل على صدقى، وبين فيها ذكر أخى ووصيى وخليفتى في أمتى، وخير ما أتركه على الخلايق من بعدى، على بن أبى طالب؟\nفلما فرغ رسول الله من كلامه هذا أنطق الله البساط فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا قيومًا أبدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يشرك في حكمه أحدًا. وأشهد أنك يا محمد عبده ورسوله، أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهرك على الدين كله ولو كره المشركين. وأشهد أن على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أخوك ووصيك، وخليفتك في أمتك وخير من تركته على الخلايق بعدك، إن من والاه فقد والاك، ومن عاداه فقد عاداك، ومن أطاعه فقد أطاعك، ومن عصاه فقد عصاك \" (١) .\nوتستمر القصة لتبين أن البساط تحرك وأوقع من عليه، وأنه نطق ثانيًا ليبين أن الله تعالى أنطقه ليشهد هذه الشهادة، وأنه لا يجلس عليه إلا المؤمنون. فقال رسول الله ﷺ لسلمان والمقداد وأبى ذر وعمار: قوموا فاجلسوا عليه، فإنكم بجميع ما شهد به هذا البساط مؤمنون، فجلسوا عليه. وبمثل هذا شهد السوط، ثم الحمار، ثم قال: فلما انصرف القوم من عند رسول الله ولم يؤمنوا أنزل الله يا محمد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآية (٢) .\nقصص خرافية:\nوفى الحديث عن قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ ... الآية ٧: البقرة \" قصص خرافية عن على: كسائل طلب منه مساعدته لقضاء دينه فنادته الملائكة\n_________\n(١) ص ٣٤.\n(٢) انظر ص ٣٤: ٣٦.","vol":"1","page":481},{"text":"من السماء ليخبر السائل بأن يضع يده على ما يشاء لتكون ذهبًا، ففعل وقضى دينه، وبقى له كذا وكذا ... إلخ (١) .\nيوم الغدير ومابعده:\nوفى تفسير: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ \"٨: البقرة \" يقول: قال الإمام: قال العالم موسى بن جعفر: \"إن رسول الله لما أوقف أمير المؤمنين في يوم الغدير موقفه المشهور \" وذكر صاحب التفسير هنا أخذ البيعة من الصحابة وأولهم أبو بكر وبعده عمر، ثم قال: \"ثم إن قومًا من متمرديهم وجبابرتهم تواطئوا بينهم لئن كانت لمحمد كائنة ليدفعن هذا الأمر من على، ولا يتركونه له، فعرف الله ذلك من قبلهم، وكانوا يأتون رسول الله ويقولون: لقد أقمت علينا أحب خلق الله إلى الله وإليك وإلينا، فكفيتنا به مؤنة الظلمة لنا والجبارين في سياستنا، وعلم الله من قلوبهم خلاف ذلك من مواطأة بعضهم لبعض، أنهم على العداوة مقيمون، ولدفع الأمر عن مستحقه مؤثرون، فأخبر الله ﷿ محمدًا عنهم فقال: يا محمد، ومن الناس من يقول آمنا بالله الذي أمرك بنصب على إمامًا وسايسًا لأمتك ومدبرًا، وماهم بمؤمنين بذلك، ولكنهم تواطئوا على إهلاكك وإهلاكه، يوطنون أنفسهم على التمرد على علىّ إن كانت بك كائنة \" (٢) .\nاتهام الشيخين والصحابة بالنفاق والكذب والكفر!!\nثم يستمر الكتاب بعد ذلك في جعل الآيات متصلة ببيعة الصحابة للإمام على، واتهام الصحابة الأكرمين - وفى مقدمتهم الصديق والفاروق - بالنفاق والكذب والكفر!! فعند الحديث عن قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا\n_________\n(١) انظر ص ٣٦: ٤١.\n(٢) ص: ٤١ - ٤٢.","vol":"1","page":482},{"text":"يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ...﴾ \" ٩: البقرة \" يقول: \" قال الإمام: قال موسى بن جعفر: لما اتصل ذلك من مواطأتهم، وقيلهم في على، وسوء تدبيرهم عليه، برسول الله فدعاهم وعاقبهم، فاجتهدوا في الإيمان، وقال أولهم: يا رسول الله، والله ما اعتددت بشىء كاعتدادى بهذه البيعة، ولقد رجوت أن يفتح الله بها لي في قصور الجنان، ويجعلنى فيها من أفضل النزال والسكان. وقال ثانيهم: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، ما وثقت بدخول الجنة والنجاة من النار إلا بهذه البيعة، والله ما يسرنى أن نقضتها أو نكثت بعد ما أعطيت من نفسى ما أعطيت، وأن لي طلاع ما بين الثرى إلى العرش. وقال ثالثهم: يا رسول الله، لقد صرت من الفرح والسرور بهذه البيعة والفتح من الآمال في رضوان الله، وأيقنت أنه لو كانت ذنوب أهل الأرض كلها على لمحصت عنى بهذه البيعة. ثم تتابع بمثل هذا الاعتذار من بعدهم من الجبابرة والمتمردين. فقال الله عزوجل لمحمد: يخادعون الله: يعنى يخادعون رسول الله بائتمان خلاف ما في جوانحهم، والذين آمنوا كذلك أيضًا، الذين سيدهم وفاضلهم على بن أبى طالب. ثم قال: وما يخادعون ما يضرون من تلك الخديعة إلا أنفسهم، فإن الله غنى عنهم وعن نصرتهم، ولولا إمهاله لهم لما قدروا على شئ من فجورهم وطغيانهم، وما يشعرون أن الأمر كذلك، وأن الله يطلع نبيه على نفاقهم وكذبهم وكفرهم، ويأمره بلعنهم في لعنة الظالمين الناكثين، وذلك اللعن لا يفارقهم في الدنيا، ويلعنهم خيار عباد الله، وفى الآخرة يبتلون بشدائد عقاب الله \" (١) .\nزعمه بأن الصحابة لا يؤمنون بأى دين!!\nوهو يرى بأن هؤلاء الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - لا يؤمنون بأى دين!! فمثلًا عند الحديث عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ\n_________\n(١) ص: ٤٢.","vol":"1","page":483},{"text":"قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ \" ١١ - ١٢ البقرة \" يقول: \" قال العالم موسى بن جعفر: إذا قيل لهؤلاء الناكثين للبيعة في يوم الغدير، لا تفسدوا في الأرض بإظهار نكث البيعة بعباد الله المستضعفين، فتشوشون عليهم دينهم، وتحيرونهم في مذاهبهم، قالوا: إنما نحن مصلحون، لأنا لا نعتقد دين محمد ولا غير دين محمد ... إلخ (١) .\nدعوة موسى لولاية على!!\nوالكتاب كله تقريبًا يدور حول الإمامة وما يتصل بها، وكأن القرآن الكريم ما نزل إلا لدعوة الناس إلى إمامة الإمام على!\nثم إن هذه الدعوة ليست قاصرة على أمة محمد - صلوات الله عليه - فعند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ... \" ٥٣: البقرة \" يقول: \" لما أكرمهم الله بالكتاب والإيمان به والانقياد له، أوحى الله بعد ذلك إلى موسى ... يا موسى: تأخذ على بنى إسرائيل أن محمدًا خير النبيين وسيد المرسلين، وأن أخاه ووصيه عليًا خير الوصيين، لعلكم تهتدون: أي لعلكم تعلمون أن الذي شرف العبد عند الله - عزوجل - هو اعتقاد الولاية كما شرف به أسلافكم \" (٢) .\nقصص خرافية تصلح للأطفال:\nوالكتاب لا يكتفى بهذا الضلال في تحريف القرآن الكريم ليتفق مع هواه وغيه، وإنما يذكر من الخرافات ما يذكرنا بالقصص الخرافية للأطفال! فمثلًا عندما يتحدث عن سبب نزول قوله تعالى: ﴿في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا\n_________\n(١) ص ٤٤.\n(٢) ص ١٠٠.","vol":"1","page":484},{"text":"وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ...﴾ \" ١٠: البقرة \" يقول: \" قال الإمام: قال موسى بن جعفر: إن رسول الله لما اعتذر هؤلاء المنافقون إليه بما اعتذروا، وتكرم عليهم بأن قبل ظواهرهم، ووكل بواطنهم إلى ربهم، لكن جبريل أتاه فقال: يا محمد، إن العلى الأعلى يقرئك السلام ويقول: أخرج بهؤلاء المردة الذين اتصل بك عنهم في على نكثهم لبيعته، وتوطيهم نفوسهم على مخالفتهم عليًا، ليظهر من عجايب ما أكرمه الله به من طواعية الأرض والجبال والسماء له، وسائر ما خلق الله، لما أوقفه موقفك وأقامه مقامك، ليعلموا أن ولى الله عليًا غنى عنهم، وأنه لا يكف عنهم انتقامه منهم إلا بأمر الله الذي له فيه وفيهم التدبير الذي هو بالغه \" (١) .\nوذكر أنه خرج ﷺ، وهؤلاء وعلى، حيث استقر عند سفح بعض جبال المدينة، فسأل ربه فانقلبت ذهبًا، ثم فضة، ثم انقلبت الأشجار إلى رجال شاكى السلاح، وأسود ونمور وثعابين، وكلها ناجت وصى رسول الله بأنها تحت أمره ... إلخ. فمرضت قلوب القوم لما شاهدوا من ذلك. مضافًا إلى ما كان من مرض حسدهم لعلى بن أبى طالب، فقال الله عند ذلك:\n﴿فِي قلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ الآية (٢) .\nمعجزات الإمام علي:\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ \" ٢٣: البقرة \" يتحدث عن المعنى - وهو متصل بالولاية كسائر الآيات - ثم يتحدث عن معجزات الرسول ﷺ، ومعجزات الإمام على، ومن هذه المعجزات التي ذكرها:\n_________\n(١) ص ٤٢: ٤٣.\n(٢) انظر ص ٤٣: ٤٤.","vol":"1","page":485},{"text":"الغمامة التي أظلت الرسول الكريم في تجارته للشام، وكان مكتوبًا عليها \" لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلى سيد الوصيين، وشرفته بأصحابه الموالين له ولعلى ولأوليائهما، والمعادين لأعدائهما \" (١) .\nومنها: تسليم الجبال والصخور والأحجار على الرسول ﷺ، وتبشيره بوصيه وباب مدينة علمه على بن أبى طالب (٢) .\nومنها: أن شجرتين تلاصقتا ليقضى الرسول حاجته، وأن نظير هذا كان لعلى بن أبى طالب لما رجع من صفين، حيث تلاصقت شجرتان كان بينهما أكثر من فرسخ (٣) .\nصكوك الغفران:\nوحتى يغرر بضعاف العقول، وجهلة القوم، ليؤمنوا بهذه الخرافات، ويسيروا في ظلمات هذا الضلال، يصدر صكوك الغفران! وقد بين أن جهنم اعدت للكافرين بولاية على، المنافقين في اظهار الرضا عن البيعة كما أشرنا من قبل. ثم يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ ليكون للصك قيمته حتى يمكن التأثير على هذا الصنف من الناس. اقرأ مثلًا ما كتب عن قوله تعالى:\n﴿أُوْلَئِكَ الذِينَ اشْتَرُوُاْ الضلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ...﴾ ... \" ١٦: البقرة \"، فإنك تجد الحديث عن البيعة، والافتراء على الرسول ﷺ بأنه قال: \" أما إن من شيعة على لمن يأتى يوم القيامة وقد وضع له في كفة ميزانه من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرواسى، والبحار الثبار، يقول الخلائق: هلك هذا العبد، فلا يشكون أنه من الهالكين، وفى عذاب الله من الخالدين. فيأتيه ... النداء من قبل الله عزوجل: يأيها العبد الخاطى الخانى هذه الذنوب الموبقات، فهل\n_________\n(١) انظر ص ٦٠.\n(٢) انظر ص ٦١.\n(٣) انظر ص ٦٤.","vol":"1","page":486},{"text":"بإذائها حسنات تكافيها فتدخل جنة الله برحمة الله، أو تزيد عليها فتدخلها بوعد الله؟ يقول العبد: لا أدرى، فيقول منادى ربنا عزوجل: فإن ربى يقول ناد إلى عرضات القيامة: ألا إني فلان بن فلان، من أهل بلد كذا وكذا، وقرية كذا وكذا، قد رهنت بسيئات كأمثال الجبال والبحار، ولا حسنات لي بإزائها، فأى أهل هذا المكان لي عنده يد أو عارفة فينعتنى بمجازاتى عنها، فهذا أوان أشد حاجتى إليها. فينادى الرجل بذلك، فأول من يجيبه على بن أبى طالب: لبيك لبيك، أيها الممتحن في محبتى، المظلوم بعداوتى، ثم يأتى هو ومعه عدد كثير وجمع غفير، وإن كانوا أقل عددًا من خصمائه الذين لهم قبله الظلامات، فيقول ذلك العدد: يا أمير المؤمنين، نحن إخوانه المؤمنون، كان بنا بارًا ولنا مكرمًا، وفى معاشرته إيانا مع كثرة إحسانه إلينا متواضعًا، وقد بذلنا له جميع طاعاتنا، وبذلناها له.\nفيقول على: فبماذا تدخلون جنة ربكم؟ فيقولون: برحمته الواسعة التي لا يعدمها من والاك يا أخا رسول الله، فيأتى النداء من قبل الله عزوجل: يا أخا رسول الله، هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا له، فأنت ماذا تبذل له؟ فإنى أنا الحاكم ما بينى وبينه من الذنوب، قد غفرتها له بموالاته إياك، وما بينه وبين عبادى من الظلامات فلابد من فصل الحكم بينه وبينهم. فيقول على: يا رب أفعل ما تأمرنى. فيقول الله عزوجل: يا على، اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلاماتهم قبله، فيضمن لهم على ذلك، ويقول لهم: اقترحوا على ما شئتم اعطيكموه عوضًا عن ظلاماتكم قبله. فيقولون: يا أخا رسول الله تجعل لنا ... ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيوتك على فراش محمد رسول الله. فيقول على: قد وهبت ذلك لكم. فيقول الله عزوجل: فانظروا يا عبادى الآن إلى ما نلتموه من على بن أبى طالب فدى لصاحبه من ظلاماته، ويظهر لكم ثواب نفس واحد في الجنان من عجايب قصورها وخيراتها: ثم قال رسول الله: أذلك خير نزلًا أم شجرة الزقوم المعدة لمخالفى أخى ووصيي على بن أبى طالب \" (١) .\n_________\n(١) ص: ٤٨ - ٤٩.","vol":"1","page":487},{"text":"بعد هذا العرض أظن أن القارئ قد تأكد بنفسه مما قلته من أن هذا الكتاب ليس تفسيرًا بالمعنى الصحيح، وإنما هو كتاب من كتب الفرق الضالة التي رزئ بها الإسلام، وأنه أثر من آثار الغلو في عقيدة الإمامة.\nلمن هذا الكتاب؟\nيبقى هنا أن نتساءل: لمن هذا الكتاب؟ أهو فعلًا للإمام الحسن العسكرى؟ أظن لا، بل أكاد أقطع بهذا؛ فهذا الرجل الطاهر الصالح ليس كافرًا وليس ضالًا، وإنما كفر وضل أولئك الذين غالوا فيه، وفى آبائه الكرام البررة.\nومن الشيعة أنفسهم من يرى عدم صحة نسبة الكتاب للإمام، ويطعن في السند، ويرى أنه مشتمل على المناكير. وأشار إلى هذا صاحب كتاب الذريعة عند حديثه عن هذا التفسير، غير أنه أطال في محاولة إثبات أن هذا الكتاب من إملاء الإمام، وسود بهذا تسع صفحات في الجزء الرابع \" ص ٢٨٥: ٢٩٣ \"، وقال عن المناكير التي ذكرنا شيئًا منها: ليس فيه إلا بعض غرائب المعجزات مما لا يوجد في غيره!\nوالكتب التي اطلعت عليها لغير غلاة الشيعة لا تشير إلى هذا التفسير، ولا تنقل عنه، فلو كان عندهم كتاب إمام يرونه القرآن الناطق، لالتزموا بما جاء فيه. ولكن هذا في رأيي لا يكفى، فكان الواجب الإشارة إلى الكتاب وما به من كفر وضلال.\nويبقى أن بعض شيعة الأمس واليوم من المتطرفين الغلاة يعتقدون صحة نسبة هذا التفسير للإمام العسكرى، وبعض مفسريهم نقله كاملًا.\n*****","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الكتاب الثاني\nتفسير القمي</span>\nمنزلة الكتاب وصاحبه عند الشيعة:\nثانى هذه الكتب الثلاثة تفسير القمي: لأبى الحسن على بن إبراهيم بن هاشم القمي، وهو يشمل القرآن الكريم كله. وصاحب الكتاب (١) كان في عصر الإمام العسكرى، وعاش إلى سنة ٣٠٧، وهو ثقة عند الشيعة، يعتبر من أجل الرواة عندهم، وقد أكثر من النقل عنه تلميذه محمد بن يعقوب الكلينى في كتابه الكافى، الكتاب الأول في الحديث عند الجعفرية الاثنى عشرية.\nوقال آقابزرك الطهرانى - صاحب الذريعة - عن الكتاب بأنه أثر نفيس وسفر خالد مأثور عن الإمامين أبى جعفر الباقر وأبى عبد الله الصادق (٢) .\nوقال السيد طيب الموسوى الجزائرى في مقدمته عنه (٣) بأنه \" تحفة عصرية، ونخبة أثرية لأنها مشتملة على خصائص شتى قلما تجدها في غيرها، فمنها:\n١ - أن هذا التفسير أصل أصوله للتفاسير الكثيرة.\n٢ - أن رواياته مروية عن الصادقين ﵉ مع قلة الوسائط والإسناد، ولهذا قال في الذريعة: \" إنه في الحقيقة تفسير الصادقين عليهما ... السلام \".\n٣ - مؤلفه كان في زمن الإمام العسكرى.\n٤ - أبوه الذي روى هذه الأخبار لابنه كان صحابيًا للإمام الرضا.\n٥ - أن فيه علمًا جمًا من فضائل أهل البيت ﵈ التي سعى أعداؤهم\n_________\n(١) انظر ما كتبه الجزائرى عنه في مقدمته لهذا التفسير ص ٨.\n(٢) انظر كلمته: ج ١ ص ٥ - ٦ من تفسير القمي، وراجع ما ذكره عن تفسير القمي في الذريعة ٤ / ٣٠٢: ٣٠٩.\n(٣) راجع ص ١٥.","vol":"1","page":489},{"text":"لإخراجها من القرآن.\n٦ - أنه متكفل لبيان كثير من الآيات القرآنية التي لم يفهم مرادها تمامًا إلا بمعونة إرشاد أهل البيت التالين للقرآن (١) .\nوبادئ ذى بدء أحب أن أسجل الدهشة والعجب! فكيف يحتل الكتاب وصاحبه هذه المكانة عند إخواننا الجعفرية وهو من أوائل الغلاة الضالين الذين قادوا حركة القول بتحريف القرآن الكريم؟ !\nونقلنا هذا من قبل، ونقلنا كذلك ما ذكره الجزائرى في مقدمته للكتاب من ذهاب القمي إلى القول بتحريف القرآن الكريم ودفاع الجزائرى عنه وعن هذا التحريف (٢) !!\nوالقمى في مقدمته لتفسيره يذكر هذا الذي يذهب إليه، ويضرب له أمثلة ببعض آيات يرى أنها محرفة (٣)، والكتاب كله بعد ذلك مملوء بالضلال المضل من ذكر التحريف، والجدل لتخطئة بعض آيات الله تعالى، أو الزعم بفساد الترتيب والنظم (٤) .\n_________\n(١) انظر ص ٢٠.\n(٢) انظر ص ٢٣ - ٢٤ من المقدمة المذكورة.\n(٣) راجع مقدمة تفسيره ص ١٠ - ١١.\n(٤) انظر مثلًا: ج ١ ص ١١٠، ١١٨، ١٢٢، ١٢٥، ١٢٦، ٢٧٢ ... . إلخ.","vol":"1","page":490},{"text":"مظاهر الغلو والضلال\nأثر عقيدة الإمامة في الكتاب يظهر فيما يأتى:\nأولًا: القول بتحريف القرآن الكريم:\nما ذكرناه آنفًا من القول بالتحريف، وبينا من قبل أن عقيدة أولئك الغلاة هي التي دفعتهم إلى ما ذهبوا إليه (١) ونزيد ذلك بيانًا بقليل من الأمثلة التي ما أكثرها في هذا التفسير!!\nنسب للإمام ابى جعفر أنه قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ يا على فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًًا﴾ هكذا نزلت. ... ثم قال: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ...﴾ (٢) .\nوفى سورة الزخرف قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣) . وواضح ان الآيات تتحدث عن المسيح\n_________\n(١) راجع ص ١٥٣ من هذا الفصل.\n(٢) ١ / ١٤٢، والآيتان من سورة النساء \" ٦٤ - ٦٥ \"، والخطاب فيهما للرسول الكريم، فجعله القمي للإمام على فزاد \" يا على \" مرتين، أي أن هذه الزيادة حذفت من القرآن الكريم، وهذا يذكرنا بالفرقة الغرابية - من غلاة الشيعة - التي قالت بأن الرسالة كانت لعلى فأخطأ جبريل ونزل على محمد!!\n(٣) الآيات ٥٧ - ٥٩.","vol":"1","page":491},{"text":"﵇، ولكنه يذكر الآية الأخيرة هكذا \" إن على إلا عبد ... \" ثم يقول: \" فمحى اسمه من هذا الموضع \" (١) .\nوفى سورة محمد يروى أن اسم على أسقط في موضعين ذكرهما في كتابه (٢) .\nثانيًا: الطعن في الصحابة:\nنتيجة لما ذكرته من التلازم بين القول بالتحريف والطعن في خير أمة أخرجت للناس صحابة رسول الله ﷺ الذين تحملوا معه أعباء الرسالة ونشرها، والدفاع عنها والتضحية من أجلها بالنفس والأهل والمال والوطن، نتيجة هذا التلازم نرى القمي يقدم على هذا الجرم، فيطعن في الصحابة الأكرمين، ويتهمهم بالكفر والنفاق والإشراك ليصل إلى القول بالتحريف، وإسقاط أسماء الأئمة، واغتصاب الخلافة! ولنذكر بعض الأمثلة:\nفي سورة المائدة \" الآية السابعة \": ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ ...﴾ يقول القمي: \" لما أخذ رسول الله ﷺ الميثاق عليهم بالولايه قالوا سمعنا وأطعنا، ثم نقضوا ميثاقهم \".\nثم يقول عن قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ﴾ (٣) يعنى نقض عهد أمير المؤمنين (٤) .\n_________\n(١) ٢ / ٢٨٦.\n(٢) انظر ٢ / ٣٠١ - ٣٠٢.\n(٣) المائدة: الآية: ١٣ والآية السابقة لها هي، ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ ...﴾ فجعلها القمي لولاية الإمام على، وجعل اللعن للصحابة الأبرار بأنهم نقضوا عهد أمير المؤمنين.\n(٤) ١ / ١٦٣.","vol":"1","page":492},{"text":"وسورة القصص: ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (١) وهذه الآيات الكريمة بالنص تتحدث عن موسى وفرعون ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ ولكن القمي يقول عن فرعون وهامان وجنودهما: \" هم الذين غصبوا آل محمد حقهم وقوله \" منهم \" أي من آل محمد \" ما كانوا يحذرون \" أي من القتل والعذاب، ولو كانت هذه الآية. نزلت في موسى وفرعون لقال: ونرى فرعون وهامان وجنودهما منه ما كانوا يحذرون أي من موسى، ولم يقل منهم \" (٢) .\nوفى سورة الزمر: ﴿وَقَالَ لَهمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (٣) يقول: \" أي طابت مواليدكم لأنه لا يدخل الجنة إلا طيب المولد: قال أمير المؤمنين: إن فلانًا وفلانًا غصبوا حقنا واشتروا به الإماء، وتزوجوا به النساء، ألا وإن قد جعلنا شيعتنا من ذلك في حل لتطيب مواليدهم \" (٤) .\n_________\n(١) من أول السورة إلى الآية السادسة.\n(٢) ٢ / ١٣٣، ومعلوم أن ضمير الجمع كضمائر الجمع السابقة تعود على قوم موسى لا عليه هو.\n(٣) الآية ٧٣.\n(٤) ٢ / ٢٥٤، والمراد بفلان وفلان الشيخان الصديق والفاروق حيث اعتبر خلافتهما غصبًا، وهذا الافتراء طعن للإمام نفسه، فقد زوج ابنته سيدنا عمر.","vol":"1","page":493},{"text":"وفى سورة الزخرف يقول: نزلت هاتان الآيتان هكذا قول الله تعإلى:\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءنَا﴾ - يعنى فلانًا وفلانًا - يقول أحدهما لصاحبه حين يراه - ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ فقال الله لنبيه: قل لفلان وفلان واتباعهما ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ آل محمد حقهم أَنَّكمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ثم قال الله لنبيه: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ يعنى من فلان وفلان، ثم أوحى الله إلى نبيه ﷺ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ في على إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعنى إنك على ولاية على، وعلى هو الصراط المستقيم (١) .\nوسورة محمد كلها تقريبًا تدور حول الطعن والتحريف فأولها: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعمَالَهُمْ﴾ يقول القمي: \" نزلت في الذين ارتدوا بعد رسول الله ﷺ وغصبوا أهل بيته حقهم، وصدوا عن أمير\n_________\n(١) ٢ / ٢٨٦، وما ذكره هنا فيه جمع بين الطعن في الشيخين والصحابة وذكر للتحريف، ونص الآيات الكريمة هو: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ \" ٣٨: ٤٣ \".","vol":"1","page":494},{"text":"المؤمنين وعن ولاية الأئمة، أضل أعمالهم: أي أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله ﷺ من الجهاد والنصرة \" (١) .\nثم يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ في على وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾، هكذا نزلت. \" ثم يقول: نزل جبريل على محمد ﷺ بهذه الآية هكذا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ في على فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . (٢) ... وهكذا يستمر في ضلاله.\nوسورة الرحمن كلها تقريبًا تسير على هذا النمط، وإن ركز فيها على اتهام الشيخين بالكفر ودخول النار (٣) .\nهذه نماذج كافية لبيان ما أردنا حتى لا يطول بنا الحديث، نذكره مضطرين، ونسأله تعالى أن يحفظ العقل والدين.\nثالثًا: جعل الأئمة هم المراد من كلمات الله:\nإلى جانب التحريف نجده يؤول كلمات بأن المراد منها الأئمة - كلهم أو بعضهم - مع أنه لا ذكر لهم ولا إشارة إليهم من قريب أو بعيد في تلك المواضع، بل إن بعضها مختص بالله تعالى:\n_________\n(١) ٢ / ٣٠٠.\n(٢) ٢ / ٣٠٢.\n(٣) انظر ٢ / ٣٤٤، ٣٤٦، وهو هنا يستخدم أكثر من رمز من الرموز التي يبدو أنها كانت متداولة بين حزبه السرى في هذا الوقت، فالدولة العباسية التي حكمت عصر القمي ما كانت لتسمح للعلويين بالظهور والمجاهرة بآرائهم. ولعل ظلم الأمويين للشيعة وما لاقوه على أيدى أبناء عمومتهم العباسيين، ساعد على هذا التطرف والضلال، ولكنه لا يبرره.","vol":"1","page":495},{"text":"كقوله تعالى في سورة الزمر \" الآية ٦٩ \": ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي بنور الله عزوجل، ولكن الكتاب يقول: \" قال أبو عبد الله: رب الأرض يعنى إمام الآرض، فقلت فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذًا يستغنى الناس عن ضوء الشمس ونور القمر، ويجتزون بنور الإمام! \" (١) .\nوقوله تعالى في سورة الرعد \" الآية ٢٨ \": ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ ...﴾ يقول القمي: \" الذين آمنوا: الشيعة، وذكر الله: أمير المؤمنين والأئمة \" (١ / ٣٦٥) .\nوفى موضع آخر يفسر الذكر بولاية على في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي﴾ (٢ / ٤٧، والآية هي ١٠١: الكهف) .\nويفسر الشرك بأنه \" من أشرك بولاية على \" في قوله تعالى في سورة الشورى \" الآية ١٣ \": ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ولذا يفسر \" ما تدعوهم إليه \" بقوله \" من ولاية على \" (٢ / ١٠٥) .\nوفى آخر الرحمن ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجلَالِ وَالْإِكْرَامِ ...﴾ يروى عن أئمته \" نحن جلال الله وكرامته \" (٢ / ٣٤٦) .\n_________\n(١) ٢ / ٢٥٣، وهذا القول قريب من أولئك الذين قالوا بألوهية على في حياته فأحرقهم بالنار، فعلى شيعته ومحبيه - إن كانوا صادقين أن يحرقوا الكتاب، ويبينوا ضلال صاحبه، لا أن يرفعوه مقامًا عليا.","vol":"1","page":496},{"text":"وبعض الآيات تختص بالقرآن الكريم كمفتتح سورة البقرة ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ...﴾، فيقول القمي بأن المراد بالكتاب هنا على بن أبى طالب! (١ / ٣٠) .\nوفى سورة يونس (الآية ١٥) ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ يقول القمي: \" أو بدله \" يعنى أمير المؤمنين على بن أبى طالب، ﴿قلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ... يعنى في على بن أبى طالب. (١ / ٣١٠) .\nوفيها أيضًا (الآية ٦٤) ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ فيقول: \" أي لا يغير الإمامة \" (١ / ٣١٤) .\nوقوله تعالى في سورة الإسراء (الآية ٧٣): ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ...﴾ قال القمي: \" يعنى أمير المؤمنين \" (٢ / ٢٤) .\nوفى سورة الحج (الآية ٥٥): ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ...﴾ أي من القرآن الكريم، فيقول القمي: \" أي في شك من أمير المؤمنين \".\nويقول كذلك عن (الآية ٥٧) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بأن معناها ... \" ولم يؤمنوا بولاية أمير المؤمنين والأئمة \" (١) .\n_________\n(١) ٢ / ٨٦.","vol":"1","page":497},{"text":"وفى سورة الطور (الآية ٣٣): ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ...﴾ يتحدث عنها القمي فيقول: أم يقولون - يا محمد تقوله: يعنى أمير المؤمنين، بل لا يؤمنون أنه لم يتقوله ولم يقمه برأيه، ثم قال: فليأتوا بحديث مثله: أي برجل مثله من عند الله (١) .\nوقد رأينا من قبل أن آيات كريمة خاصة بالرسول وبالمسيح صلوات الله عليهما، حرفها القمي ليجعلها للإمام على.\nوهناك كذلك ما هو متصل بيوم القيامة فجعل للإمام، جاء في تفسيره (٢ / ١١٢) ما يأتى: \" إن الليل والنهار اثنتا عشرة ساعة، وإن على بن أبى طالب، أشرف ساعة من اثنتى عشرة ساعة، وهو قول الله تعالى (٢): ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ .\nوهو لا يكتفى بهذا، وإنما يحاول أن يجعل الإمام هو المراد من كثير من آيات الله تعالى دون نظر إلى ما هو مختص بالله تعالى ورسله وكتبه واليوم الآخر كما رأينا، وما هو مختص بالحيوان أو الجماد حتى يكاد يحط من قدر الإمام وهو يحاول أن يرفعه! انظر مثلًا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ...﴾ (٣)، فإنك تعجب وقد حاول القمي من قبل أن يرفع الإمام على إلى مرتبة الألوهية، ينزل به هنا إلى مرتبة الحشرات الضارة حيث يجعله المراد من كلمة \" بعوضة \" (٤) .\n_________\n(١) ٢ / ٣٣٣.\n(٢) ١١: الفرقان.\n(٣) سورة البقرة - الآية ٢٦.\n(٤) ص ١٩.","vol":"1","page":498},{"text":"بعد هذا لا يستبعد منه أن يجعل الإمام المراد من أي آية يظن أنها تدل على الاهتمام والرفع من قيمة الإمام. ويوضح الجزائرى في مقدمته للكتاب سر هذا التأويل فيقول: \" الله تعالى كان عالمًا بأعمال أمة نبيه ﷺ بعد وفاته ﷺ، بأنهم يلعبون بالدين، ويهتكون بنواميس حماته في كل حين ... فحينئذ لم يؤمن منهم أن لا يبقوا أسامى الأئمة أو فضائلهم في القرآن، فلذا لم يكن بد إلا أن يبينها الله تعالى بالكناية والاستعارة كما هو دأب القرآن وأسلوبه في أكثر آياته، فإن له ظاهرًا يتعلق بشىء وباطنًا بشىء آخر \" (١) .\nثم يقول: \" ومن هنا قال أبو جعفر: إن القرآن نزل أثلاثًا: ثلث فينا وفى أحبائنا، وثلث في أعدائنا وعدو من كان قبلنا، وثلث سنة ومثل \" (٢) .\nثم عقب على هذا بقوله: \" فانكشف مما ذكرنا أن كل ما ورد في القرآن من المدح كناية وصراحة فهو راجع إلى محمد وآله الطاهرين، وكل ما ورد فيه من القدح كذلك فهو لأعدائهم أجمعين، السابقين منهم واللاحقين، ويحمل عليه جميع الآيات من هذا القبيل وإن كان خلافًا للظاهر \" (٣) .\nفهذا التأويل الفاسد إذن نتيجة للقول بالتحريف، والطعن في الصحابة الكرام.\nرابعا: ما يتصل بعقيدة الإمامة\n١ - الرجعة:\nالقمي يرى أشياء تتصل بعقيدته في الإمامة، ولذا يضمنها تفسيره. فهو مثلا يؤمن بالرجعة، أي رجعة الأئمة قبل يوم القيامة، ورجعة من غصبوهم حقهم - على حد زعمه - ليقتص الأئمة من أعدائهم. وعلى هذا جعل من الأمور الأساسية التي اشتمل عليها القرآن الكريم الرد على من أنكروا الرجعة.\n_________\n(١) انظر التفسير ١ / ٣٤.\n(٢) ص ٢١ من المقدمة المذكورة.\n(٣) انظر مقدمته للتفسير ص ٢٤، ٢٥.","vol":"1","page":499},{"text":"واستدل بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ فقال: \" أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجًا ويدع الباقين \"؟ ثم قال: ومثله كثير نذكره في مواضعه (١) .\nومن هذا الذي ذكره قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٢) . قال: يعنى الرجعة. يرجع إليكم نبيكم ﷺ وأمير المؤمنين والأئمة (٣) .\nوفى سورة \" ق \" (الآية ٤١) يقول: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمنَادِ﴾ باسم القائم واسم أبيه.. والصيحة - صيحة القائم من السماء..والخروج الرجعة (٤) .\nوفى سورة النحل (الآية ٢٢) ﴿فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ قال القمي: يعنى أنهم لا يؤمنون بالرجعة أنها حق ﴿قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ ... يعنى أنها كافرة ... ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ يعنى أنهم عن ولاية على مستكبرون (٥) .\n_________\n(١) الموضع السابق ص ٢٤.\nوالآية هي رقم ٨٣: النمل ومعناها أنهم يحشرون فوجًا، أي زمرًا، فلا يبقى أحد، ونحن مأمورون بالإيمان بيوم القيامة، لا بيومين: يوم لأئمة الجعفرية ويوم للقيامة.\n(انظر مناقشة هذه العقيدة وبيان بطلانها بالأدلة العقلية والنقلية في مختصر التحفة الاثنى عشرية ص ٢٠٠: ٢٠٣) .\n(٢) ٨٥: القصص.\n(٣) ٢ / ١٤٧.\n(٤) ٢ / ٣٢٧.\n(٥) ١ / ٣٨٣.","vol":"1","page":500},{"text":"ويستمر في تفسيره للسورة الكريمة فيقول: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ من العذاب في الرجعة.. ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ قال القمي: الكفار كانوا لا يحلفون بالله، وإنما أنزلت في قوم من أمة محمد ﷺ قيل لهم ترجعون بعد الموت قبل القيامة فحلفوا أنهم لا يرجعون (١) .\n٢ - نزول الوحى على الأئمة:\nوالقمى ممن ذهب إلى أن الوحى لم ينقطع بانتقال الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى، لأن الإمام يقوم مقامه! فعند تفسيره لسورة القدر يقول: معنى ليلة القدر أن الله يقدر فيها الآجال والأرزاق، وكل ما يحدث من موت أو حياة، أو خصب أو جدب، أو خير أو شر، كما قال الله فيها ﴿فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ...﴾ إلى سنة.\nوقال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ تنزل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأمور (٢) .\nونسب للإمام أبى جعفر أنه سئل: \" تعرفون ليلة القدر؟ فقال: وكيف لا نعرف ليلة القدر والملائكة يطوفون بنا فيها \" (٣) .\n٣ ـ\n_________\n(١) ١ / ٣٨٥.\n(٢) انظر ٢ / ٤٣١. والآية الكريمة التي استدل بها هي الرابعة من سورة الدخان. ونصها ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وليس فيها \" إلى سنة \" كما ذكرها.\n(٣) ٢ / ٤٣٢.","vol":"1","page":501},{"text":"الأئمة يعلمون الغيب:\nوهو يرى أن الأئمة يعلمون الغيب، ولهذا نراه عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ (١) . يقول: يعنى عليًا المرتضى من الرسول ﷺ وهو منه (٢) .\nفعلم الغيب ليس خاصًا بالله تعالى والمصطفين من الرسل الكرام، وإنما هوـ حسب افترائه - خاص بالإمام على مع الله ﷿!\nوحتى يظهر أن علم الأئمة يحيط بكل شىء يأتى بأشياء لا سبيل إلى العلم بها في ذلك الوقت، وإن اكتشف بعضها في عصر الكشوف العلمية للكون ومظاهره.\nوإذا كان كثير من الكشف العلمى يأتى بوجوه جديدة من وجوه الإعجاز القرآنى، ويستحيل التناقض بين نظرية علمية صحيحة وبين القرآن الكريم، إلا أن هذه الكشوف كشفت عن كذب القمي ومفترياته.\nفهو ينسب للإمام على أنه قال: \" الأرض مسيرة خمسمائة عام، والشمس ستون فرسخًا في ستين فرسخًا، والقمر أربعون فرسخًا في أربعين فرسخًا، بطونهما يضيئان لأهل السماء، وظهورهما يضيئان لأهل الأرض، والكواكب كأعظم جبل على الأرض \" (٣) !\nويزعم أن الإمام على بن الحسين بين علة كسوف الشمسين بوجود بحر بين السماء والأرض، إذا كثرت ذنوب العباد، وأراد الله أن يستعتبهم بآية، أمر الملائكة الموكلين فجعلوا الشمس أو القمر في ذاك البحر (٤) .\n_________\n(١) ٢٦ / ٢٧: الجن.\n(٢) ٢ / ٣٩٠.\n(٣) ٢ / ١٧.\n(٤) انظر ٢ / ١٤ - ١٥.","vol":"1","page":502},{"text":"وفى موضع آخر ينسب للأئمة أن الأرض على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور أملس، والثور على الثرى (١) .\nوفى أول سورة الشورى ﴿حم عسق﴾ يقول: \" قاف جبل محيط بالدنيا من زمرد أخضر، فخضرة السماء من ذلك الجبل \" (٢) .\n٤ - نفى العلم عمن اشتهروا به من غيرهم:\nوالقمى لا يكتفى بمثل هذه المفتريات ليبين إحاطة الأئمة بكل شىء علمًا، ولكن تحدث عن غيرهم ممن لهم مكانتهم العلمية لينفى عنهم ما اشتهروا به من العلم، حتى لا يبقى في المجال العلمى إلا أئمة الجعفرية!\nفمثلا ابن عباس اشتهر بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن، انظر إلى هذا القمي وهو يتحدث عن ابن عباس، بل عن أبيه عم الرسول ﷺ:\nنسب للإمام أبى جعفر الباقر أنه قال: جاء رجل إلى أبى على بن الحسين فقال: إن ابن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت، وفيمن نزلت، فقال أبى: سله فيمن نزلت، ﴿وَمَن كَانَ فِي هذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي\n_________\n(١) انظر ٢ / ٥٨ - ٥٩.\n(٢) ٢ / ٢٦٨، وفى سورة \" ق \" قال \" ق: جبل محيط بالدنيا من وراء يأجوج ومأجوج \" (٢ / ٣٢٣) .\nومما يضحك - ومن شر البلية ما يضحك - أن نجد في عصرنا من يؤمن بهذه الخرافات والأكاذيب، بل يتخذ منها دليلًا على علم الأئمة وعصمتهم!! \" انظر مثلًا ج ٢ حاشية ... ص ١٥ - ١٦، ٥٨ - ٥٩ \" والروايات لو ثبتت لأثبتت لأهل البيت وحاشاهم - الجهل والافتراء! ولكن ما أكثر المتظاهرين بحب آل البيت وآل البيت منهم براء!","vol":"1","page":503},{"text":"الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١) وفيمن نزلت: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ (٢) وتستمر الرواية لتذكر بأن الرجل ذهب إلى ابن عباس فسأله، فلم يجبه، بل أورد أسئلة أخرى، فبين الإمام سبب النزول بقوله: بأن الآية الأولى نزلت في ابن عباس وفى أبيه، والثانية نزلت في أبيه (٣) ! !\n٥ - أحكامهم الفقهية كالمتعة والخمس:\nثم لا ينسى القمي ما ارتبط بعقيدته من الأحكام الفقهية، فيعرضها بطريقة يأباها كتاب الله تعالى، ففى سورة مريم \" الآية ٨٣ \": ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ...﴾ قال: نزلت في مانعى الخمس والزكاة (٤) .\n_________\n(١) ٧٢: الإسراء.\n(٢) ٣٤: هود.\n(٣) انظر ٢ / ٢٣.\nوأظن أن هنا كذلك سببًا دفينًا، فالتاريخ يذكر لنا تنازعًا حدث بين العباس وابن أخيه على - رضي الله تعالى عنهما، ويذكر لنا أيضًا أن ابن عباس تولى إمارة البصرة في خلافة ابن عمه الإمام على، ثم ترك البصرة مغاضبًا، وتبادل مع ابن عمه رسائل اتهامات: فلعل القمي سمع بهذا فرأى أن يأتى بهذه الفرية ليهاجم من تجرأ على المعصوم أبى الأئمة!\n] انظر متنازع العباس وابن أخيه في صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير باب حكم الفئ. وانظر الكتب المتبادلة بين الإمام على وابن عمه في أنساب الأشراف للبلاذرى ... ١ / ١٩٢ - ١٩٤، وفى \" على وبنوه \" لطه حسين ص ١٢٥ - ١٢٨، وانظر أحد كتب الإمام هذه في نهج البلاغة ص ٣٢٣ - ٣٢٤ [.\n(٤) ٢ / ٥٣.","vol":"1","page":504},{"text":"وفى سورة ق \" الآية ٢٦ \": ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال: \"هو ما قالوا نحن كافرون بمن جعل لكم الإمامة والخمس \" (١) .\nوفى سورة النساء يحرف الآية الرابعة والعشرين فيقول ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ويعقب بقوله: فهذه الآية دليل على المتعة (٢) .\nخامسًا: أسباب النزول:\nفي ذكر القمي لأسباب النزول نرى أثر الإمامة واضحًا، ولنضرب بعض الأمثلة:\n١ - تحالف الصحابة مع إبليس:\nفي سورة سبأ \" الآية ٢٠ \" ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ...﴾ قال: لما أمر الله نبيه أن ينصب أمير المؤمنين للناس في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ في على﴾ (٣) بغدير خم فقال: \" من كنت مولاه فعلى مولاه \"، فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر، وحثوا التراب على رءوسهم، فقال لهم إبليس: ما لكم؟ فقالوا: إن هذا الرجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلها شىء إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) ٢ / ٣٢٦.\n(٢) ١ / ١٣٦، ونص الآية الكريمة ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ...﴾ .\n(٣) \" في على \" زيادة من تحريفهم، وقد ضمت الرواية إلى التحريف اتفاق الصحابة الكرام مع إبليس على نقض البيعة.","vol":"1","page":505},{"text":"فقال لهم إبليس: كلا، إن الذين حوله قد وعدونى فيه عدة لن يخلفونى، فأنزل الله على رسوله ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ الآية (١) .\n٢ - البيعة يوم الغدير:\nوعن البيعة أيضًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (٢) يقول: كان سبب نزولها أن رسول الله ﷺ دعا إلى بيعة علىّ يوم غدير خم، فلما بلغ الناس وأخبرهم في على ما أراد الله أن يخبره، رجعوا الناس فاتكأ معاوية على المغيرة بن شعبة وأبى موسى الأشعرى، ثم أقبل يتمطى نحو أهله ويقول: ما نقر لعلى بالولاية أبدًا، ولا نصدق محمدًا مقالته.. فصعد رسول الله المنبر وهو يريد البراءة منه، فأنزل الله ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ...﴾ (٣) فسكت رسول الله ﷺ ولم يسمه (٤) .\n٣ - مصير من غصبوا الولاية:\nوفى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ (٥)، قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الذين غصبوا آل محمد حقهم، فيعرض عليهم أعمالهم، فيحلفون به أنهم لم يعملوا فيها شيئًا كما حلفوا لرسول الله ﷺ في الدنيا\n_________\n(١) ٢ / ٢٠١.\n(٢) الآية ٣١ من سورة القيامة، وهى وسبأ مكيتان، وموقف الغدير بلا خلاف حتى بين الشيعة أنفسهم كان بعد حجة الوداع.\n(٣) سورة القيامة الآية ١٦ وهى تتحدث عن القرآن الكريم، فالآيات التالية لها هي ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .\n(٤) ٢ / ٣٩٧.\n(٥) ١٨: المجادلة.","vol":"1","page":506},{"text":"أن لا يردوا الولاية في بنى هاشم، وحين هموا بقتل رسول الله ﷺ في العقبة!! فلما أطلع الله نبيه وأخبره، حلفوا له أنهم لم يقولوا ذلك، ولم يهموا به، حتى أنزل الله على رسوله (١): ﴿يحلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ...﴾ (٢) .\n٤ - القائم يطالب بدم الحسين:\nوفى سورة الحج (الآية: ٣٩): ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ .. قال: إن العامة - أي جمهور المسلمين - يقولون نزلت في رسول الله ﷺ لما أخرجته قريش من مكة، وإنما هي للقائم إذا خرج يطلب بدم الحسين (٣) .\nولا يقتصر أثر عقيدة الإمامة - على مثل ما سبق مما يتصل بالإمامة والأئمة، وإنما يتعداه إلى اتهام غيرهم، ومحاولة سلب فضائلهم، ولنذكر لهذا المثل التالى:\n٥ - حادث الإفك اتهام لأم المؤمنين لا تبرئة إلهية لها!!\nحادث الإفك معروف مشهور، ونزل القرآن الكريم بتبرئة أم المؤمنين السيدة عائشة، فعز على القمي أن يبرئ الله تعالى صلحبه الجمل، وابنة أبى بكر أول من اغتصب الخلافة في رأيه! ولهذا قام القمي بإفك جديد، فجعل من الحديث عن\n_________\n(١) ٧٤: التوبة.\n(٢) ٢ / ٣٥٨.\n(٣) ٢ / ٨٤ - ٨٥.","vol":"1","page":507},{"text":"الإفك اتهامًا للسيدة عائشة لا تبرئة لها!! فعند قوله تعالى: ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ...﴾ (١) الآية قال: فإن العامة رووا أنها نزلت في عائشة، وما رميت به في غزوة بنى المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به بعض النساء المنافقات \".\nثم ذكر رواية عن الإمام أبى جعفر أنه قال: \" لما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ، حزن عليه حزنًا شديدًا، فقالت منافقة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جريج! فبعث رسول الله ﷺ عليًا وأمره بقتله \" (٢) .\nوفى سورة الحجرات ذكر قصة اتهام فلانة لمارية، وأمر الرسول ﷺ عليًا بأن يقتل جريجًا، وأن هذا كان سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (٣) .\nوفى سورة التحريم قال عن كلمة \" أبكارًا \" التي جاءت في ختام الآية الخامسة \" عرض عائشة لأنه لم يتزوج ببكر غير عائشة \" (٤) .\nوبعد هذا في نفس الصفحة ورد ما يأتى: \" ثم ضرب الله مثلا فقال ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ (٥) فقال: والله ما عنى بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة،\n_________\n(١) سورة النور آية: ١١.\n(٢) ٢ / ٩٩.\n(٣) انظر ٢ / ٣١٨ - ٣١٩ والآية هي \" ٦ \".\n(٤) ٢ / ٣٧٧.\n(٥) ١٠: التحريم.","vol":"1","page":508},{"text":"وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق ... وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى ... قال لها فلان: لا يحل لك أن تخرجى من غير محرم، فزوجت نفسها من فلان \" (١) .\nوإذا كان القمي ذكر بأن الخاصة - أي الشيعة - رووا أن فلانة، وهى إحدى المنافقات، جاءت بالإفك، ولم يصرح باسمها، فإن غيره من الجعفرية قد صرح باسمها وقال بأنها عائشة (٢) . وضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط يعتبره الجعفرية تعريضًا بالسيدتين عائشة وحفصة من أمهات المؤمنين (٣)، والقمى هنا يؤكد أن الخيانة المرادة هي الفاحشة، ثم مهد لإلصاقها بمن برأها الله تعالى!\nسادسًا: القرآن كتاب تاريخ اثنى عشرى!!\nعندما آلت الخلافة إلى الإمام على كرم الله وجهه - لم تسلم له، وخاض عدة معارك، ولاقى الشيعة بعد ذلك ما لاقوا في ظل الحكم الأموى. وقد تحدثت كتب التاريخ عن ذلك مفصلًا، ولكن القمي يحاول أن يغير من طبيعة القرآن الكريم ليصله بكتب التاريخ عند الجعفرية، فتسمع عن البصرة والجمل وبنى أمية من وجهة النظر الجعفرى، ولنضرب لذلك الأمثال.\n١ - أصحاب الجمل والبصرة:\nفي سورة الأعراف (الآية ٤٠): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ...﴾ ...\n_________\n(١) منقول بالنص وفيه النقط.\n(٢) انظر تفسير شبر ص ٣٣٨.\n(٣) بل يعتبره بعضهم تصريحًا لكفرهما، قال المجلسى: \" لا يخفى على الناقد البصير والفطن الخبير ما في تلك الآيات من التعريض بل التصريح بنفاق عائشة وحفصة وكفرهما! \". \" بحار الأنوار ٢٢ / ٣٣ \".","vol":"1","page":509},{"text":"ولن يلج الجمل في سم الخياط، فالكفار إذن لن يدخلوا الجنة، ولكن القمي إذا به يقول \" نزلت هذه الآية في طلحة والزبير والجمل جملهم \" (١) !\nويقول أيضا: إن أصحاب الجمل نزلت فيهم (الآية: ١٢) من سورة التوبة ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ...﴾ الآية (٢) .\nوفى سورة النجم يقول بأن المؤتفكة هي البصرة، وقال: ائتفكت بأهلها مرتين، وعلى الله تمام الثالثة، وتمام الثالثة في الرجعة (٣) .\nوفى سورة الحاقة يقول بأن البصرة أيضًا هي المؤتفكات (٤) .\n٢ - بنو أمية:\nأما بنو أمية فإنا نصادفهم كثيرًا ونحن نقرأ هذا التفسير العجيب، وما دام ثلث القرآن في أعداء الجعفرية - كما زعموا - فلابد إذن أن يكون للأمويين نصيب كبير! انظر مثلا تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) .\nيقول: نزلت في بنى أمية، فهم أشر خلق الله، هم الذين كفروا في باطن القرآن، فهم لا يؤمنون (٦) .\n_________\n(١) ١ / ٢٣٠.\n(٢) انظر ١ / ٢٨٣، وتكملة الآية الكريمة ﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ... .\n(٣) انظر ٢ / ٣٤٠ - ٣٤١.\n(٤) انظر ٢ / ٣٨٤.\n(٥) الأنفال: الآية ٥٥.\n(٦) ١ / ٢٧٩.","vol":"1","page":510},{"text":"ولهذا نجد كثيرا من الآيات التي تتناول الكفار يجعلها لبنى أمية (١) .\n٣ - بنو السباع:\nوالقمى عاش في العصر العباسى الأول، والعلويون رأوا الحكم يذهب لغيرهم، ثم لم يسلموا من ظلم ذوى القربى، فالعباسيون - من وجهة النظر الجعفرية - لا يفترقون كثيرًا عن الأمويين، ولكن القمي لا يستطيع أن يصرح بهم عند الحديث عن كفرهم فيسميهم بنى السباع بدلًا من بنى العباس (٢) .\n٤ - الاتفاق على قتل على!\nوعندما تناول بعض الأحداث التاريخية الأخرى وضع قصصًا خيالية غريبة، فمثلا عند قوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ...﴾ (٣) نراه يتحدث عن ذلك في خمس صفحات، ويأتى بقصيدة يقول بأن السيدة فاطمة الزهراء - رضي الله تعالى عنها - احتجت بها على الصديق، وكذلك احتج الإمام على، وخاف الصديق من ضياع الحكم نتيجة هذا الموقف، فبعث إلى الفاروق الذي أشار بقتل على! وأمر خالد بن الوليد بقتله فوافق خالد، إلى آخر تلك الخرافة (٤) .\n٥ - كفر أصحاب بيعة الرضوان:\nوعندما تحدث عن صلح الحديبية قال \" فلما. أجابهم رسول الله ﷺ إلى الصلح أنكر عامة أصحابه، وأشد ما كان إنكارًا فلان، فقال يا رسول الله، ألسنا\n_________\n(١) انظر مثلًا: ج ١ ص ١٥٦، ١٩٦، ٢١١، ٣٧١، وج ٢ ص ٦٨، ٨٠، ١٢٣، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٥٥، ٣٨٤.\n(٢) انظر ٢ / ٢٤٢.\n(٣) سورة الروم الآية ٣٨.\n(٤) انظر ٢ / ١٥٥: ١٥٩.","vol":"1","page":511},{"text":"على الحق وعدونا على الباطل؟ فقال: بلى! قال: فنعطى الذلة في ديننا؟ ... قال: إن الله وعدنى ولن يخلفنى. قال لو أن معى أربعين رجلًا لخالفته \" (١) .\nوالمعروف أن عمر بن الخطاب ﵁ صاحب الجزء الأول من هذه المناقشة، فافترى القمي هذه الزيادة المنكرة \" لو أن معى أربعين رجلا لخالفته \"، وقال بأن عامة أصحابه الذين أنكروا الصلح أكثروا القول على رسول الله ﷺ فقال لهم: إن لم تقبلوا الصلح فحاربوهم. ويزيد فريته بأنهم حاربوا فعلًا، وهزموا هزيمة قبيحة، إلى أن قام على بسيفه فتراجعت قريش (٢) .\nثم يستمر ليقول بأن عامة الصحابة هؤلاء هم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (٣) .\nوهكذا يستمر هذا القمي ليجعل عامة أصحاب بيعة الرضوان من أصحاب النار، وهم الذين ﵃ بنص القرآن الكريم، ويطعن في ترتيب آيات سورة الفتح ليصل إلى ضلاله (٤) !\n٦ - الفرق الأخرى:\nونراه كذلك يخضع القرآن الكريم للحديث عن الفرق الأخرى، فمثلا عند قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ\n_________\n(١) ٢ / ٣١١ - ٣١٢. وفى الأصل: فقال نعم!\n(٢) انظر ٢ / ٣١٢.\n(٣) انظر ٢ / ٣١٥، والآية الكريمة - هي السادسة من سورة الفتح.\n(٤) انظر ٢ / ٣١٥.","vol":"1","page":512},{"text":"وُجُسْوَدَّوههُم مُّةٌ﴾ (١) يقول: \" من ادعى أنه إمام وليس بإمام يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ... . وإن كان علويًا فاطميًا \" (٢) .\n٧ - القائم وجيش السفيانى:\nوكثير من فرق الشيعة قالت بعودة بعض الأئمة قبل يوم القيامة، ومنهم من وقف عند إمام معين، وقال بأنه لم يمت وإنما أظهر موته تقية، إلى غير ذلك مما تذكره كتب التاريخ. وكان من صدى هذا أن بعض الأمويين قالوا بعودة رجل منهم أسموه السفيانى: فزاد بعض الجعفرية خرافة أخرى وهى أن المهدى عندما يرجع سيقابل جيش السفيانى ويهزمه! وإذا بنا نجد هذا في تفسير القمي!\nفعند قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ (٣) قال: هم والله أصحاب القائم، يجتمعون والله إليه في ساعة واحدة، فإذا جاء إلى البيداء يخرج إليه جيش السفيانى، فيأمر الله الأرض فتأخذ أقدامهم، وهو قوله ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ (٤) يعنى بالقائم (٥) .\nوفى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ ... (٦) قال يعنى ما يحدث من أمر القائم والسفيانى (٧) .\n_________\n(١) ٦٠: الزمر.\n(٢) ٢ / ٢٥١.\n(٣) ٨: هود.\n(٤) سبأ: ٥١ / ٥٢.\n(٥) ٢ / ٢٠٥.\n(٦) ١١٣: طه.\n(٧) ٢ / ٦٥.","vol":"1","page":513},{"text":"وبهذا يصبح تفسير القمي مرجعًا من مراجع التاريخ لغلاة الجعفرية!\nسابعا: طرق التغرير والتضليل:\nوالقمى قد خالف ظاهر القرآن الكريم، وحرف معانيه إلى جانب القول بتحريف نصه، وأتى بما لا يحتمله كتاب الله تعالى بل يعارضه، وخالف ما أجمعت عليه الأمة في أكثر الآيات وما يتعلق بها، وجعل أكثرها - مكية ومدنية - متعلقة ببيعة غدير خم التي قال الجعفرية أنفسهم بأنها بعد حجة الوداع. وزعم أن صفوة هذه الأمة كفار ومشركون ومنافقون، إلى غير ذلك مما يبرأ منه الإسلام والعقل السليم.\nورأينا من قبل كيف حاول صاحب التفسير المنسوب للإمام العسكرى أن يغرر بضعاف العقول، وجهلة القوم، ليؤمنوا بخرافاته، ويسيروا في ظلمات ضلاله. والقمى هو الآخر قد حاول القيام بنفس الدور فسلك لذلك عدة طرق:\n١ - جل آرائه نسبها للأئمة وعلى الأخص الإمامان الباقر والصادق. كما أشرنا في مقدمة الحديث عن الكتاب.\n٢ - ذهب إلى أن القرآن الكريم لا يفهم معناه ولا يدرك مراده إلا عن طريق الرسول ﷺ وهؤلاء الأئمة.\nنسب للإمام على - كرم الله وجهه - أنه قال: \" ذلك القرآن فاستنطقوه، فلن ينطق لكم، أخبركم عنه، إن فيه علم ما مضى وعلم ما يأتى إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه مختلفين، فلو سألتمونى عنه لأخبرتكم عنه لأنى أعلمكم \" (١) ونسب للإمام الصادق أنه قال: إن الكتاب لم ينطق، ولن ينطق، ولكن رسول الله ﷺ. هو الناطق بالكتاب، قال الله ﴿هَذَا بكتابنا يَنطِقُ\n_________\n(١) المقدمة ص ٣.","vol":"1","page":514},{"text":"عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ...﴾ فقال أحدهم: إنا لا نقرؤها هكذا، فقال الإمام: هكذا والله نزل بها جبريل على محمد، ولكنه فيما حرف من كتاب الله تعالى (١) .\nونسب للإمام الباقر أنه قال: \" القرآن ضرب فيه الأمثال للناس، وخاطب الله نبيه به ونحن، فليس يعلمه غيرنا \" (٢) .\nوذهب إلى أن من لا يقبل تأويل الكتاب فهو مشرك كافر (٣) .\n٣ - وضع أسسًا غريبة للتفسير، فإلى جانب القول بأن القرآن أصابه التحريف، ولا يؤخذ تأويله إلا عن طريقهم، نراه يذهب إلى أن هناك آيات لا يعرف تأويلها إلا بعد وقت نزولها! ويتحدث عن هذا النوع فيقول: \" وأما ما تأويله بعد تنزيله فالأمور التي حدثت في عصر النبي ﷺ وبعده من غصب آل محمد حقهم، وما وعدهم الله به من النصر على أعدائهم، وما أخبر الله به من أخبار القائم وخروجه، وأخبار الرجعة والساعة \" (٤) .\nويذهب إلى أن هناك آيات \" مما خاطب الله به نبيه ﷺ والمعنى لأمته، وهو قول الصادق: إن الله بعث نبيه ﷺ بإياك أعنى واسمعى يا جارة \" (٥) .\nوذهب إلى ما هو أبعد من هذا، فقال بأن هناك \" ما هو مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين! فقوله ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ أنتم يا معشر\n_________\n(١) انظر ٢ / ٩٥، ونص الآية الكريمة ﴿هَذَا كتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ...﴾ \" الجاثية: ٢٩ \" فحرف الآية الكريمة لأنها تعارضت مع ما ذهب إليه.\n(٢) ٢ / ٤٢٥.\n(٣) انظر ٢ / ٢٦٠.\n(٤) مقدمة تفسيرة ص ١٤.\n(٥) مقدمة تفسيرة ص ١٤.","vol":"1","page":515},{"text":"أمة محمد فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ...﴾، فالمخاطبة لبنى إسرائيل، والمعنى لأمة محمد ﷺ (١) \".\nوبهذه الأسس استطاع أن يحرف القرآن الكريم نصًا ومعنى ليصل إلى ضلاله.\n٤ - وقد ذهب إلى تكفير غير المعتنقين عقيدته في الإمامة، الرافضين لتحريفه، لم ينس - من وقت لآخر في تفسيره - بيان أن الشيعة سيدخلون الجنة حتى فساقهم العصاة!\nفمثلًا في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ (٢) الآية، يقول بأن الله ﷾ يدفع بمن يعمل كل فريضة من الشيعة عمن لا يعملها، ولو أجمعوا على الترك لهلكوا (٣) . وفى سورة طه \" الآية ١٠٨ \" ... ﴿... وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ...﴾ يذكر أن النبي ﷺ يشفع لعصاة الشيعة، فكلهم يدخل الجنة (٤) .\nوفى سورة المؤمنون \" الآية: ١٠٠ \": ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول: البرزخ هو أمر بين أمرين، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة.. وهو قول الصادق: والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ، فأما إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم (٥) .\n_________\n(١) نفس المقدمة ص ١٦، والآية هي الرابعة من سورة الإسراء، والتحريف واضح.\n(٢) ٤٠: الحج.\n(٣) ١ / ٨٣.\n(٤) انظر ٢ / ٦٤: ٦٥.\n(٥) ٢ / ٩٤.","vol":"1","page":516},{"text":"وفى سورة غافر \" الآية الثالثة \" ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قال: ذلك خاصة لشيعة أمير المؤمنين (١) .\nوفى سورة ق \" الآية ٢٤ \": ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ يقول بأن الآية الكريمة مخاطبة للنبى ﷺ وعلى، ويبين أنهما في منزلة خاصة دون الخلق جميعا؛ وأن رضوان يأتى بمفاتيح الجنة فيأخذها الرسول ﷺ ويعطيها عليًا وكذلك يفعل مالك بمفاتيح جهنم، فيأخذ على المفاتيح ويقعد إلى شفير جهنم، فتنادى: ياعلى جزنى، قد أطفأ نورك لهيبى! فيقول لها على: ذرى هذا وليى، وخذى هذا عدوى! فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلى من غلام أحدكم لصاحبه (٢) .\nوفى سورة الرحمن \" الآية ٣٩ \": ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ﴾ قال: ... \" منكم \"، يعنى من الشيعة. معناه أنه من تولى أمير المؤمنين، وتبرأ من أعدائه عليهم لعائن الله، وأحل حلاله، وحرم حرامه، ثم دخل في الذنوب ولم يتب في الدنيا، عذب لها في البرزخ، ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه يوم القيامة (٣) .\nوفى سورة الحاقة \" الآية ١٩ \": ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ قال: كل أمة يحاسبها إمام زمانها، ويعرف الأئمة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم، وهو قوله تعالى ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ (٤)، وهم الأئمة ... ﴿\n_________\n(١) ٢ / ٢٥٤.\n(٢) انظر ٢ / ٣٢٤ - ٣٢٦.\n(٣) ٢ / ٣٤٥.\n(٤) ٤٦: الأعراف.","vol":"1","page":517},{"text":"يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ﴾ فيعطون أولياءهم كتابهم بيمينهم فيمرون إلى الجنة بلا حساب، ويعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم فيمرون إلى النار بلا حساب \" (١) .\n\n*****\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>الكتاب الثالث\nتفسير العياشى: </span>منزلة العياشى كالقمى\nتلك أهم آثار الإمامة في تفسير القمي الذي يمثل جانب الغلو والتطرف في هذه العقيدة كتفسير العسكرى.\nوالتفسير الثالث الذي طالعنا به القرن الثالث هو تفسير العياشى، لمحمد بن مسعود العياشى، المتوفى في حدود سنة ٣٢٠ هـ، والذى يعد من الثقات عند الشيعة الاثنى عشرية (٢) .\n_________\n(١) ٢ / ٣٨٤.\nذكرنا من قبل عند الحديث عن التحريف قول السيد أبى القاسم الخوئى - المرجع الأعلى للجعفرية بالعراق: إن الروايات التي ذكرها القمي في تفسيره صحيحه، فهى ثابتة وصادرة من الأئمة المعصومين، وانتهت إليه بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة! ولا ندرى كيف يمكن الجمع بين هذه الروايات الصحيحة في نظر السيد الخوئى وبين ما ذهب إليه هو من القول بعدم تحريف القرآن الكريم، وغير ذلك مما يتعارض مع هذه الروايات؟ !\n(٢) هو أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمى السمرقندى، المعروف بالعياشى - انظر ترجمته في تنقيح المقال، وهدية العارفين ٢/٣٢، ومعجم المؤلفين ١٢/٢٠.\nوفى كتاب \" بهجة الآمال في شرح زبدة المقال \" ذكره المؤلف ضمن علماء الجعفرية الذين يرجع إلى أقوالهم في الجرح والتعديل، وقال عنه: \" جليل القدر، واسع الأخبار، بصير بالرواية، مطلع بها، ثقة صدوق، من عيون هذه الطائفة وكبارها ... إلخ \" انظر ص ٤٣.","vol":"1","page":518},{"text":"وفى صدر التفسير كتب محمد حسين الطباطبائى (١) مقدمة حول الكتاب ومؤلفه، قال فيها:\n\" وقد بعث الله رجالًا من أولى النهى والبصيرة، وذوى العلم والفضلة، على الاقتباس من مشكاة أنوارهم – أي الأئمة – والأخذ والضبط لعلومهم وآثارها، وإبداع ذخائرها في كتبهم، وتنظيم شتاتها في تأليفهم، ليذوق بذلك الغائب من منهل الشاهد، ويرد به اللاحق مورد السابق.\nوإن من أحسن ما ورثناه من ذلك كتاب التفسير المنسوب إلى شيخنا العياشى ﵀، وهو الكتاب القيم الذي يقدمه الناشر اليوم إلى القراء الكرام.\nفهو لعمرى أحسن كتاب ألف قديمًا في بابه، وأوثق ما ورثناه من قدماء مشايخنا من كتب التفسير بالمأثور.\nأما الكتاب فقد تلقاه علماء هذا الشأن منذ ألّف إلى يومنا هذا – ويقرب من أحد عشر قرنًا – بالقبول من غير أن يذكر بقدح أو يغمض فيه بطرف.\nوأما مؤلفه الشيخ الجليل أبو النضر محمد بن مسعود بن العياش التميمى الكوفى السمرقندى، من أعيان علماء الشيعة، وأساطين الحديث والتفسير بالرواية، من عاش في أواخر القرن الثالث من الهجرة النبوية.\nأجمع كل من جاء بعده من أهل العلم على جلالة قدره وعلو منزلته وسعة فضله، وإطراء علماء الرجال متسالمين على أنه ثقة عين صدوق في حديثه، ومن مشايخ الرواية، يروى عنه أعيان المحدثين: كشيخنا الكشى صاحب الرجال وهو من تلامذته، وشيخنا جعفر بن محمد بن مسعود العياشى وهو ولده ... إلخ \".\nمنهج العياشى وأهدافه كالقمى:\nمن هذا نرى أن العياشى وتفسيره عند الشيعة في منزلة تشبه منزلة القمي وتفسيره.\n_________\n(١) صاحب كتاب الميزان في تفسير القرآن – سيأتى الحديث عن كتابه.","vol":"1","page":519},{"text":"بدراسة تفسير العياشى يظهر لنا أنه كان يسير مع القمي في طريق واحد، فلا فرق بينهما في المنهج والأهداف، والغلو والتطرف والضلال، وما أخذناه على تفسير القمي يتسم به أيضًا تفسير العياشى، وإليك البيان:\nأولًا: القول بتحريف القرآن الكريم\n\nيشترك العياشى مع القمي في محاولة التشكيك في كتاب الله العزيز، والدعوة إلى القول بتحريفه. ولذلك وجدنا صاحب كتاب \" فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب \" يذكر العياشى مع القائلين بالتحريف، ويقول بأنه روى في أول تفسيره أخبارًا عامة صريحة في التحريف، وأن نسبة القول بالتحريف إلى العياشى كنسبة القول به إلى على بن إبراهيم القمي، بل صرح بنسبته إلى العياشى جماعة كثيرة (١) .\nوينقل عن العياشى بعض الأخبار التي استدل بها على التحريف.\nمنها ما رواه عن الإمام الصادق أنه قال: \" لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين \" (٢) .\nومنها ما رواه عن الإمام الباقر أنه قال: تنزل جبرائيل بهذه الآية على محمد ﷺ هكذا: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ في علي بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ اللهُ «٣)\nوفى تفسير العياشى نجد كثيرًا من مثل هذا الضلال:\nفتحت عنوان \" ما عنى به الأئمة من القرآن \" (١/١٣) يذكر عدة أخبار، منها الخبر السابق عن الإمام الصادق، ويرويه أيضًا عن الإمام الباقر، كما يروى\n_________\n(١) انظر فصل الخطاب ص ٢٦.\n(٢) المرجع السابق ص ١٤.\n(٣) المرجع نفسه ص ٢٣٢، والآية الكريمة هي رقم ٩٠ من سورة البقرة، وحرفها بزيادة \" في علي \".","vol":"1","page":520},{"text":"عن الإمام الباقر أنه قال أنه قال: \" لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفى حقنا على ذى حجى، ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن \".\nوعن الإمام الصادق: \" إن القرآن قد طرح منه أي كثيرة، ولم يزد فيه إلاَّ حروف، وقد أخطأت بها الكتبة، وتوهمتها الرجال \".\nوفى أول سورة البقرة يروى العياشى عن الصادق أنه قال: (كتاب على لا ريب فيه) .\nوعن عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، فقال: كذبوا، ما هكذا هي! إذا كان ينسى وينسخها أو يأتى بمثلها لم ينسخها. قلت: هكذا قال الله. قال: ليس هكذا قال ﵎. قلت: فكيف قال؟ قال: ليس فيها ألف ولا واو، قال: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها مثلها، يقول: ما نميت من إمام أو ننسه ذكره نأت بخير منه من صلبه مثله (١) .\nوفى تفسير العياشى لسورة النساء يذكر الرواية التالية:\nعن جابر قال: قلت لمحمد بن على: قول الله في كتابه ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ (قال: هما والثالث والرابع وعبد الرحمن وطلحة، وكانوا سبعة عشر رجلًا. قال: لما وجّه النبي ﷺ علىّ بن أبى طالب ﵁ وعمّار بن ياسر ﵀ إلى أهل مكة قالوا: بعث هذا الصبى، ولو بعث غيره يا حذيفة إلى أهل مكة؟ وفى مكة صنايدها، وكانوا يسمّون عليَّا الصبى لأنه كان اسمه في كتاب الله الصبى لقول الله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا\n_________\n(١) الآية الكريمة هي رقم ١٠٦ من سورة البقرة، وحرفها ليصل إلى تأويله الذي يعد تحريفًا آخر.","vol":"1","page":521},{"text":"وهو صبى وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) فقالوا: والله الكفر بنا أولى مما نحن فيه، فساروا فقالوا لهما، وخوَّفوهما بأهل مكة، فعرضوا لهما وغلَّظوا عليهما الأمر، فقال علىّ صلوات الله عليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومضى، فلما دخلا مكَّة أخبر الله نبيه بقولهم لعلىّ وبقول علىّ لهم، فأنزل الله بأسمائهم في كتابه، وذلك ... قول الله ﴿ألم تر إلى الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ «٢) إلى قوله:\n﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ وإنما نزلت ألم تر إلى فلان وفلان لقوا عليُّا وعمارًا فقال إنَّ أبا سفيان وعبد الله بن عامر وأهل مكة قد جمعوا لكم فاخشوهم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، وهما اللذان قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ ‘إلى آخر الآية، فهذا أول كفرهم.. والكفر الثاني قول النبي عليه وعلى آله السلام: يطلع عليكم من هذا الشعب رجل فيطلع عليكم بوجهه؛ فمثله عندالله كمثل عيسى، لم يبق منهم أحد إلاَّ تمنى أن يكون بعض أهله، فإذا بعلىّ قد خرج وطلع بوجهه وقال: هو هذا، فخرجوا غضابًا وقالوا: ما بقى إلاَّ أن يجعله نبيَّا، والله الرجوع إلى آلهتنا خير ممّا نسمع منه في ابن عمّه، وليصدّنا علىّ إن دام هذا، فأنزل الله ... ﴿وَلَمَّا ضرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ إلى آخر الآية فهذا الكفر الثاني. وزاد الكفر بالكفر حين قال الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ\n_________\n(١) الآية ٣٣ من سورة فصلت، وحرفها بزيادة \" وهو صبى \".\n(٢) ١٧٣: آل عمران، وتبدأ بقول ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ﴾ بدون: ﴿ألم تر إلى﴾، وقول العياشى ... \" وإنما نزلت ... \" فيه تحريف يذكرنا بكلام مسيلمة الكذاب.","vol":"1","page":522},{"text":"هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ...﴾ فقال النبي ﷺ: يا علىُّ أصبحت وأمسيت خير البريَّة، فقال له الناس: هو خير من آدم ونوح ومن إبراهيم ومن الأنبياء، فأنزل الله ... ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قالوا: فهو خير منك يا محمد؟ قال الله: ﴿قُلْ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ولكنَّه خير منكم وذريَّته خير من ذريتكم، ومن اتَّبعه خير ممَّن اتبعكم، فقاموا غضابًا وقالوا: زيادة الرجوع إلى الكفر أهون علينا مما يقول في ابن عمه، وذلك قول الله ﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا (.\nوفى تفسير سورة النحل يروى العياشى عن أبى جعفر أنه قال: نزل جبرائيل هذه الآية هكذا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ في على قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (١)\nويروى عن إسماعيل الحريرى قال: قلت لأبى عبد الله: قول الله:\n«إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ (قال البغى: اقرأ كما أقول لك يا إسماعيل ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى حقه ...﴾ قلت: جعلت فداك إنَّا لا تقرأ هكذا في قراءة زيد، قال ولكنّا نقرأها هكذا في قراءة علىّ، قلت، فما يعنى بالعدل؟: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، قلت: والإحسان؟ قال: شهادة أن محمدًا رسول الله،\n_________\n(١) ٢/٢٥٧، والآية الكريمة رقم ٢٤ من سورة النحل، وحرفها بزيادة \" في على \".","vol":"1","page":523},{"text":"قلت: فما يعنى بإيتاء ذى القربى حقّه، قال: أداء إمامة إلى إمام بعد إمام، ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ قال: ولاية فلان وفلان (١) .\nثانيًا الطعن في الصحابة الكرام:\nالرواية التي ذكرتها دون اختصار من تفسير العياشى لسورة النساء لبيان موقفه من تحريف القرآن الكريم توضح أمرين آخرين، هما طعنه في خير أمة أخرجت للناس، الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وعلى الأخص من بشر منهم بالجنة غير على ﵁، كالشيخين، وذى النورين، وطلحة والزبير، والأمر الآخر موقفه من أسباب النزول، ومفتريات هذا الضال الممجوجة ليتفق سبب النزول مع ضلاله.\nوإذا كانت الرواية وضعها العياشى ليقول بأن الخلفاء الراشدين الثلاثة، وغيرهم من خيرة الصحابة، كفروا في حياة الرسول ﷺ، فإنه يرى ويروى أن الصحابة الكرام جميعًا ارتدوا عن الإسلام بعد الرسول ﷺ إلاَّ ثلاثة هم: المقداد وأبو ذر وسلمان الفارسى (٢) .\nوتفسيره مملوء محشو بالطعن في الصحابة وتكفيرهم، ونذكر بعض الأمثلة:\nيروى عن جابر قال: سألت أبا عبد الله ﷺ عن قول الله:\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ قال:\n_________\n(١) ٢/٢٦٧، والآية الكريمة هي التسعون في سورة النحل، وحرفها بزيادة \" حقه \"، ثم جاء التأويل الذي ذهب إليه ليكون تحريفًا آخر، وطعنًا في الصديق والفاروق، والصحابة الكرام لأنهم بايعوا كلًا منهما، وهو قول هذا الضال: \" ولاية فلان وفلان \".\n(٢) انظر تفسير الصافى ج ١ ورقة ١٤٨.","vol":"1","page":524},{"text":"فقال هم أولياء فلان وفلان (١)، اتخذوهم أئمة من دون الإمام الذي جعل الله للناس، فلذلك قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَاب إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ قال: ثم قال أبو جعفر: والله يا جابر هم أئمة الظلم وأشياعتهم (٢) .\nوفى رواية أخرى: أعداء على هم المخلدون في النار أبد الآبدين، ودهر الداهرين (٣) .\nوروى عن عبد الله النجاشى قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يعنى والله فلانًا وفلانًا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ إلى قوله ... ﴿تَوَّابا رَّحِيمًا﴾ يعنى والله النبي وعليًّا بما صنعوا، أي لو جاءوك بها يا علىّ فاستغفروا مما صنعوا، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ثم قال أبو عبد الله: هو والله\n_________\n(١) يقصد الخلفاء الراشدين الثلاثة، ومن بايعهم.\n(٢) تفسير العياشى ١/٧٢، والآيات الكريمة في سورة البقرة من ١٦٥/١٦٧، ومن الواضح أنها تتحدث عن المشركين عبده الأوثان \" ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا ... . \"، فجعلها العياشى: من دون الإمام.\n(٣) تفسير العياشى ١/٧٢، والآيات الكريمة في سورة البقرة من ١٦٥/١٦٧، ومن الواضح أنها تتحدث عن المشركين عبده الأوثان \" ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا ... . \"، فجعلها العياشى: من دون الإمام.","vol":"1","page":525},{"text":"على بعينه ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ على لسانك يا رسول الله يعنى به ولاية علي ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ لعلى بن أبى طالب (١) .\nوروى عن أبى عبد الله قال: والله لو أن قومًا عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم لم يسلموا إلينا لكانوا بذلك مشركين (٢) .\nوروى عن جابر عن أبى جعفر قال: سألته عن هذه الآية ﴿... وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: اَّلذين يدعون من دون الله الأول والثاني والثالث، كذَّبوا رسول الله ﷺ بقوله: والوا عليًا واتبعوه، فعادوا عليًا ولم يوالوه، ودعوا الناس إلى ولاية أنفسهم، فذلك قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ ... قال: وأما قوله: (لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ فإنه يعنى: لايعبدون شئيًا، ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ ...﴾، فإنه يعنى وهم يعبدون، وأما قوله ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء﴾ يعنى كفارغير مؤمنين، وأما قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فإنه يعنى أنهم لا يؤمنون، أنهم\n_________\n(١) و(٢) ا /٢٥٥، والآيات الكريمة من سورة النساء: من ٦٣ إلى ٦٥، وقبل هذه الآيات جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾، فجعل العياشى النفاق لخير الناس بعد الرسول - ﷺ -، وهما أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.","vol":"1","page":526},{"text":"يشركون، ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فإنه كما قال الله، وأما قوله ﴿فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فإنه يعنى لايؤمنون بالرجعة أنها حق، وأما قوله ﴿قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ فإنه يعنى قلوبهم كافرة، وأما قوله: ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ فإنه يعنى عن ولاية على مستكبرون، قال الله لمن فعل ذلك وعيدًا منه ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عن ولاية على﴾ (١) .\nثالثًا جعل الأئمة هم المراد من كلمات الله:\nفي أصول التفسير عند العياشى نجد العنوان التالي (٢) \"في ما أنزل القرآن \" وتحت هذا العنوان يذكر روايات منها:\nعن أبى جعفر قال: نزل القرآن على أربعة أرباع. ربع فينا، وربع في عدونا، وربع فرايض وأحكام، وربع سنن وأمثال، ولنا كرائم القرآن.\nوعن أمير المؤمنين قال: نزل القرآن أثلاثًا: ثلث فينا وفى عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرايض وأحكام.\nونجد عنوانًا آخر، وهو: \" ما عنى به الآئمة من القرآن \" (٣) وأشرنا إلى هذا العنوان من قبل، وذكرنا بعض رواياته لبيان التحريف.\n_________\n(١) ٢/٢٥٦: ٢٥٧، والآيات الكريمة في سورة النحل: من ٢٠إلى ٢٣، وحرفها بزيادة \" عن ولاية على \" ويقصد بالأول والثاني والثالث: الخلفاء الراشدين المهديين، وبدلًا من أن يستحل دم هذا العياشى أجمعت طائفته على توثيقه وعلو منزلته!! وما وجدنا أحدًا من دعاة التقريب يطعن فيه! فماذا يراد بالتقريب إذن؟!\n(٢) تفسير العياشى ١ / ٩.\n(٣) ١/١٣.","vol":"1","page":527},{"text":"وأضيف بعض الروايات الأخرى:\nعن أبى عبد الله قال: من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن.\nوعن أبى جعفر قال: لنا حق في كتاب الله المحكم من الله، لومحوه فقالوا ليس من عندالله، أو لم يعلموا، لكان سواه.\nوعنه أيضًا: إذا سمعت الله ذكر أحدًا من هذه الأمة بخير فنحن هم، وإذا سمعت الله ذكر قومًا بسوء ممن مضى فهم عدونا.\nوعن على بن أبى طالب ﵁ قال: سموهم بأحسن أمثال القرآن، يعنى عترة النبي ﷺ: هذا عذب فرات فاشربوا، وهذا ملح أجاج فاجتنبوا.\nوعن عمر بن حنظلة، عن أبى عبد الله، عن قول الله ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾؟ فلما رآنى أتتبع هذا وأشباهه من الكتاب قال: حسبك، كل شئ في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو في الأئمة عنى به.\nهذه بعض الأصول التي وضعها العياشى، ونسبها للأئمة الأطهار حتى يحكم فريته. وفى ظلماتها يمكن معرفة ما عليه هذا التفسير من جعل الأئمة هم المراد من كثير من كلمات القرآن الكريم، وحصر هذا يطول ذكره، ويكفى أن نذكر بعض الأمثلة:\nيروى العياشى عن سلام عن أبى جعفر في قوله: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ قال: إنما عنى بذلك عليَّا والحسن والحسين وفاطمة، وجرت بعدهم في الأئمة. قال: ثم يرجع القول من الله في الناس فقال: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ﴾ يعنى الناس ... ﴿","vol":"1","page":528},{"text":"بِمِثْلِ مَآ آمَنتُم بِهِ﴾ يعنى عليَّا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم ﴿فَقَدِ اهْتدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ (١) .\nوعن أبى عبد الله في قول الله ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ قال: الصبغة معرفة أمير المؤمنين بالولاية في الميثاق (٢) .\nوعن بريد بن معوية العجلى عن أبى جعفر قال: قلت له ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ قال نحن الأمَّة الوسطى، ونحن شهداء الله على خلقه، وحجّتْه في أرضه (٣) .\nوعن أبى عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: أتمهن بمحمد وعلى والأئمة من ولد على (٤) .\nوعن أبى جعفر أن الولاية هي المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (٥)\n_________\n(١) ١ / ٦٢، والآيتان الكريمتان في سورة البقرة: ١٣٦، ١٣٧، وقبلهما ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .\n(٢) ١/٦٢، والآية الكريمة هي رقم ١٣٨ من سورة البقرة، أي بعد الآيات السابقة.\n(٣) ١/٦٢، والآية الكريمة هي رقم ١٤٣ من السورة نفسها.\n(٤) ١/٥٧، الآية الكريمة هي رقم ١٢٤ من السورة نفسها أيضًا.\n(٥) ١ /٣٣٠، والآية الكريمة هي رقم ٦٦ من سورة المائدة.","vol":"1","page":529},{"text":"وعن أبى عبد الله، وعن أبيه، أن أصحاب القائم - أي الإمام الثاني عشر-هم الأمة المعدودة التي قال الله في كتابه: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ (١) .\nوعن أبى جعفر أن عليًا هو المراد من كلمة النور في قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾ (٢) .\nوعن أبى عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، قال: هم الأئمة (٣) .\nوعن أبى جعفر: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: وهو محمد، ﴿وَالإِحْسَانِ﴾: وهو على، ﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾: وهو قرابتنا. أمر الله العباد بمودتنا وإيتائنا، ونهاهم عن الفحشاء والمنكر: من بغى على أهل البيت، ودعا إلى غيرنا (٤) .\nوالعياشى يرفع الأئمة لمرتبة الألوهية كالقمى:\nفعند تفسير قوله تعالى ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ يروى العياشى عن أبى عبد الله أنه قال: يعنى بذلك: ولا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد (٥) .\n_________\n(١) ٢/١٤٠، ١٤١، والآية الكريمة الثامنة من سورة هود.\n(٢) ٢ / ٣١، والآية الكريمة هي رقم ١٥٧ من سورة الأعراف.\n(٣) ٢ / ٢٥٦، والآية الكريمة هي رقم ١٦ من سورة النحل.\n(٤) ٢ / ٢٦٧، وسبق من قبل ذكر رواية أخرى عن أبى عبد الله في التحريف لهذه الأية.\n(٥) ٢ / ٢٦١، والآية الكريمة هي رقم ٥١ من سورة النحل.","vol":"1","page":530},{"text":"وعند قوله ﷿: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)، بقوله: طائعين للأئمة.\nوفى قوله سبحانه: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، يروى العياشى أن العمل الصالح: المعرفة بالأئمة، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا: التسليم لعلى، ولا يشرك معه في الخلافة من ليس له ذلك، ولا هو من أهله (٣) .\nهذه نماذج كافية لبيان أن العياشى كالقمى في هذا الضلال، وكل ما قيل عن القمي يمكن أن نراه من خلال هذه النماذج، وأختمها بما ختمت به دراستى عن العياشى في كتاب \" أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله: ص ٢٠٨، ٢٠٩ \":\nوفى سورة هود يتحدث عن سبب نزول آيات من ١٢ إلى ٢٤ فيقول: دعا رسول الله ﷺ لأمير المؤمنين في آخر صلاته، رافعًا بها صوته يسمع الناس، يقول اللهم هب لعلى المودة في صدور المؤمنين، والهيبة والعظمة في صدور المنافقين فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ (٤) بنى أمية. فقال رمع (٥)\n: والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلى مما سأل محمد ربه، أفلا سأله ملكًا يعضده؟ أو كنزًا يستظهر به على فاقته؟ فأنزل الله فيه عشر آيات من هود\n_________\n(١) ٢٣٨: البقرة.\n(٢) ١١٠: سورة الكهف.\n(٣) انظر ما سبق في كتابى: أثر الإمامة في الفقه الحعفرى وأصوله – ص ٢٠٥.\n(٤) ٩٦، ٩٧: سورة مريم.\n(٥) قال المجلسى: \" رمع كناية عن عمر لأنه مقلوبه \" بحار الأنوار ٣٦/١٠١ \"","vol":"1","page":531},{"text":"أولها ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ إلى ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ولاية على ... ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ إلى ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ في ولاية على ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ لعلى ولايته ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ يعنى فلانًا وفلانًا ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ رسول الله ﷺ ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ أمير المؤمنين ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً﴾ قال: كان ولاية على في كتاب موسى ﴿... أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ في ولاية على ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ ﴿هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) .\n*****\n_________\n(١) بحار الأنوار ٣٦ / ١٠٠-١٠١، والآيات ثلاث عشرة لا عشر آيات.","vol":"1","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الفصل الخامس\n\nالتبيان للطوسي وتفاسير الطبرسي</span>\nأصول التفسير عند الطوسى والطبرسى:\nوننتقل بعد هذا الحديث عن أولئك الذين يمثلون شيئا من الاعتدال عند مفسرى الجعفرية، وأول هؤلاء شيخ الطائفة في زمانه أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى (١) . وإذا كان الصدوق والشريف المرتضى من الجعفرية الذين سبقوا للتصدى لحركة التضليل والتشكيك في كتاب الله تعالى، فإن الطوسى أول من تصدى لهذه الحركة بطريقة عملية، حيث ألف تفسيره الكبير\" التبيان \"، فبين أن القرآن الكريم هو ما بين الدفتين بغير زيادة أو نقصان كما نقلنا من قبل، ثم وضع أسسًا للتفسير، وطبقها في تفسيره، فصان كتاب الله تعالى من التحريف في المعنى إلى درجة كبيرة. وننقل هنا ما ذكره الطوسى فيما يتعلق بالتفسير. قال في كتابه التبيان \" ١ / ٤ - ٦ \": \" اعلم أن الرواية ظاهرة في أخبار أصحابنا بأن تفسير القرآن لا يجوز إلاَّ بالأثر الصحيح عن النبي ﷺ، وعن الأئمة - ﵃، الذين قولهم حجة كقول النبي ﷺ، وأن القول بالرأى فيه لا يجوز والذى نقول في ذلك: إنه لا يجوز أن يكون في كلام الله تعالى وكلام نبيه تناقض وتضاد.\n_________\n(١) ولد الطوسى سنة ٣٨٥ هـ، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد، ثم انتقل إلى الكوفة والنجف، كان ينتمى أولًا إلى مذهب الشافعى، ثم أخذ الكلام والأصول عن الشيخ المفيد رأس الإمامية. له كثير من الكتب. توفى سنة ٤٦٠.\nراجع ترجمته في هدية العارفين ٢ / ٧٢ \" جعل له تفسيري الطبرسي! \" ومعجم المؤلفين ٩/٢٠٢.","vol":"1","page":533},{"text":"وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) وقال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلسَانِ قَوْمِهِ﴾) (٣) وقال: ﴿وفيه تبيان كل شئ﴾ (٤) ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (٥)، فكيف يجوز أن يصفه بأنه عربى مبين، وأنه بلسان قومه، وأنه بيان للناس، ولا يفهم بظاهره شىء. وهل ذلك إلاَّ وصف له باللغز والمعمى الذي لا يفهم المراد به إلاَّ بعد تفسيره وبيانه. وذلك منزه عنه القرآن. وقد مدح الله أقوامًا على استخراج معاني القرآن فقال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٦)، وقال في قوم يذمهم حيث لم يتدبروا القرآن ولم يتفكروا في معانيه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٧)، وقال النبي ﷺ: \" إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتى أهل بينى \"، فبين أن الكتاب حجة، كما أن العترة حجة، وكيف يكون حجة ما لايفهم به شىء؟ وروى عنه ﷺ أنه قال: \" إذا جاءكم عنى حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط \" وروى مثل ذلك\n_________\n(١) الزخرف: ٣.\n(٢) الشعراء: ١٩٥.\n(٣) إبراهيم: ٤.\n(٤) نص الآية ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ \" النحل: ٨٩ \".\n(٥) الأنعام: ٣٨.\n(٦) النساء: ٨٣.\n(٧) محمد: ٢٤.","vol":"1","page":534},{"text":"عن أئمتنا - ﵃-، وكيف يمكن العرض على كتاب الله، وهو لا يفهم به شىء؟ وكل ذلك يدل على أن ظاهر هذه الأخبار متروك.\nوالذى نقول به: إن معاني القرآن على أربعة أقسام:\nأحدها: ما اختص الله تعالى بالعلم به، فلا يجوز لأحد تكلف القول فيه ولا تعاطى معرفته، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ (١)، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) إلى آخرها. فتعاطى معرفة ما اختص الله تعالى به خطأ.\nوثانيها: ما كان ظاهره مطابقًا لمعناه فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناها، مثل قوله تعالى: \" وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ \" (٣)، ومثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤)، وغير ذلك.\nوثالثها: ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلًا، مثل قوله تعالى: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ «٥)، ومثل قوله تعالى ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ\n_________\n(١) الأعراف: ١٨٧.\n(٢) لقمان: ٣٤.\n(٣) النعام: ١٥١.\n(٤) أول سورة الإخلاص.\n(٥) البقرة ...: ٤٣.","vol":"1","page":535},{"text":"الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)، ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢)، وقوله ... ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعلُومٌ﴾ (٣)، وما أشبه ذلك. فإن تفصيل أعداد الصلاة وعدد ركعاتها، وتفصيل مناسك الحج وشروطه، ومقادير النصاب في الزكاة لا يمكن استخراجه إلاَّ ببيان النبي ﷺ، ووحى من جهة الله تعالى، فتكلف القول في ذلك خطأ ممنوع منه، يمكن أن تكون الأخبار متناولة له.\nورابعها: ما كان اللفظ مشتركًا بين معنيين فما زاد عنهما، ويمكن أن يكون كل واحد منهما مرادًا. فإنه لا ينبغى أن يقدم أحد به فيقول: إن مراد الله فيه بعض ما يحتمل لأمور، وكل واحد يجوز أن يكون مرادًا على التفصيل، والله أعلم بما أراد.\nومتى كان اللفظ مشتركًا بين شيئين، أو ما زاد عليها، ودل الدليل على أنه لايجوز أن يريد إلاَّوجهًا واحدًا، جاز أن يقال: إنه هو المراد.\nومتى قسمنا هذه الأقسام نكون قد قبلنا هذه الأخبار، ولم نردها على وجه يوحش نقلتها والمتمسكين بها، ولا منعنا بذلك من الكلام في تأويل الآى جملة.\nوقال في موضع آخر: \" ينبغى لمن تكلم في تأويل القرآن أن يرجع إلى التاريخ، ويراعى أسباب نزول الآية على ما روى، ولا يقول على الآراء والشهوات \" (٤)\n_________\n(١) آل عمران: ٩٧.\n(٢) الأنعام ...: ١٤١.\n(٣) المعارج: ٢٤.\n(٤) التبيان ٩ / ٣٢٥ - ٣٢٦.","vol":"1","page":536},{"text":"الفرق بينهما وبين الجمهور:\nهذا ما ذكره الشيخ الطوسى، وهو يتفق مع جمهور المفسرين فيما عدا حديثه عن المشترك، حيث جعل للأئمة ما للنبى ﷺ، ولكن هذا ليس بمستغرب منه، لأنه يتفق مع عقيدته في الإمامة. ولم يجعل للصحابة الكرام دورًا في التفسير، وهم الذين تلقوه عن الرسول ﷺ.\nوالقرن الذي تلاه - أي القرن السادس الهجرى - ظهر فيه إمام المفسرين عند الجعفرية أبو على الفضل بن الحسن الطبرسي (١) الذي أخرج كتابًا في التفسير هو \" مجمع البيان \"، ثم ألف كتابًا آخر أصغر منه أسماه \" جوامع الجامع \"، وله كتاب ثالث (٢) .\nوقد سلك مسلك الشيخ الطوسى، وتأثر به إلى حد كبير، فهما يمثلان جانب الاعتدال النسبى عند مفسرى الجعفرية في القديم كما أشرنا من قبل. ومع أنهما يمثلان شيئا من الاعتدال، إلاَّ أن تناولهما لكتاب الله تعالى لم يسلم من التأثر بعقيدتهما في الإمامة، وأهم مظاهر التأثر نراها فيما يأتى:\nأولًا: اللجوء لتأويل بعض آيات الكتاب المجيد للاستدلال على عقيدة الإمامة:\nفالذين ذهبوا إلى القول بنحريف القرآن المجيد لم يضطروا للاستدلال على عقيدتهم عن طريق التأويل ما دام هؤلاء الغلاة قد زعموا أن القرآن الكريم نص على الإمامة التي يعتقدونها، أما هما فقد وقفا طويلًا أمام بعض آيات الله تعالى: يؤولان ويجادلان لإثبات عقيدتهم، مثال هذا ما نقلناه عنهما في الجزء الأول، وذلك عند الحديث عن آية الولاية والتطهير وعصمة الأئمة.\n_________\n(١) توفى سنة ٥٤٨ هـ.\n(٢) قال صاحب الذريعة \" ٤ / ٣١٠ \": تفسير الكاف الشاف من كتاب الكشاف، أو الوجيز، هو ثالث تفاسير الطبرسي. والكتاب المذكور وجدته في مكتبة لندن.","vol":"1","page":537},{"text":"ثانيًا: ذكرهما لبعض القراءات الموضوعة والشاذة ذات الصلة بالمذهب:\nمثال هذا ما جاء في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى:\n﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)، فإنهما يذكران أن قراءة أهل البيت \" وآل محمد على العالمين \" (٢) .\nوفى سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا للْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٣)، يفسرها الطوسى بقوله: \" بأن يجعلهم ممن يقتدى بأفعالهم الطاعات \"، ولكنه يذكر أن قراءة أئمتهم ﴿وَاجْعَلْ لنَا من الْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٤) .\nوالطبرسى يذكر للإمام الصادق أقوالًا في هذه الآية الكريمة يجعلها خاصة بأئمة الجعفرية. كقول الإمام فيها: \" إيانا عنى \" وقوله: \" هذه فينا \". ولا يكتفى بهذا بل يذكر ما يتفق مع الغلاة القائلين بالتحريف، فيخطئ ما جاء بالمصحف الشريف ليصل إلى القراءة التي ذكرها الطوسى، والرواية هي: \" عن أبى بصير قال: قلت: واجعلنا للمتقين إمامًا، فقال: - أي الإمام الصادق: \" سألت ربك عظيمًا، إنما هي: واجعل لنا من المتقين إمامًا \" (٥) .\n_________\n(١) الآية ٣٣.\n(٢) انظر التبيان ٢ / ٤٤١، ومجمع البيان ٢ / ٤٣٣.\n(٣) الآية ٧٤.\n(٤) انظر التبيان ٧ /٥١٢.\n(٥) انظر جوامع الجامع ص ٣٢٦.","vol":"1","page":538},{"text":"وفى قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١)، يقول الطوسى: \" بالريح والملائكة \"، وقيل بعلى، وهى قراءة ابن مسعود، وكذلك هو في ... مصحفه \" (٢) .\nوقال الطبرسي: \" وكفى الله المؤمنين القتال بالريح والجند، وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ: وكفى الله المؤمنين القتال بعلى \" (٣) .\nوفى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤)، يذكران قراءة لتأييد رأى فقهى ارتبط بالمذهب الجعفرى، وهو إباحتهم لزواج المتعة، هذه القراءة هي زيادة \" إلى أجل مسمى \" بعد \" فما استمعتم به منهن \" (٥)﴾\n_________\n(١) سورة الأحزاب الآية ٢٥.\n(٢) التبيان ٨ / ٣٣١.\n(٣) جوامع الجامع ص ٣٧٠.\n(٤) النساء: الآية ٢٤.\n(٥) انظر التبيان ٦ / ١٦٦، وجوامع الجامع ص ٨٣ – ٨٤ وراجع تحريف القمي لها الذي ذكرناه في ص ١٨٨.\n\nوقد روى الشيعة – وغيرهم – أن حمزة أحد القراء السبعة، قرأ على الإمام جعفر الصادق \" انظر مجمع البيان ١ /١٢ \". وفى غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزرى ذكر أن جعفر ابن محمد لم يخالف حمزة في شىء من قراءته إلاَّ في عشرة أحرف. وبمراجعة هذه الأحرف لا نجد قراءة مما ذكره معتدلو الشيعة فضلًا عن غلاتهم، ولا نجد فيها أي أثر للإمامة. ونجد بعد الأحرف قول الإمام جعفر: \" هكذا قراءة على بن أبى طالب \". \" انظر الكتاب المذكور ... ١ / ١٩٦ \".","vol":"1","page":539},{"text":"﴿) .\nثالثًا: أسباب النزول:\nفي ذكرهما لبعض أسباب النزول يبدو أثر الإمامة واضحًا، فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (١)، يذكر الطوسى سبب النزول فيقول: روى عن النبي ﷺ أنه قال يومًا لعلى: \" لولا إني أخاف أن يقال فيك ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك قولًا لا تمر بملأ إلاَّ أخذوا التراب من تحت قدميك، أنكر ذلك جماعة من المنافقين وقالوا: لم يرض أن يضرب له مثلًا إلاَّ بالمسيح، فأنزل الله الآية \" (٢) .\nأما الطبرسي فيذكر سببًا آخر، قال: \" المروى عن أهل البيت أن أمير المؤمنين قال: جئت إلى النبي ﷺ يومًا فوجدته في ملأ من قريش، فنظر إلى ثم قال: يا على، إنما مثلك في هذه الأمة مثل عيسي ابن مريم، أحبه قوم وأفرطوا في حبه فهلكوا، وأبغضه قوم وأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا، فعظم ذلك عليهم وضحكوا، فنزلت الآية \" (٣)\nوفى سورة النحل \" الآية ٩١ \": ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قال\n_________\n(١) ٥٧: الزخرف، والسورة الكريمة مكية، فكيف غاب هذا عن الطوسى وهو يذكر هذه الرواية، ويتحدث عن المنافقين! أوجدت جماعات المنافقين في العهد المكى!!\n(٢) التبيان ٩ / ٢٠٩ -٢١٠.\n(٣) جوامع الجامع ص ٤٣٦، وانظر مجمع البيان ٩ / ٥٣.","vol":"1","page":540},{"text":"الطبرسي بأن الإمام الصادق قال: \" نزلت هذه الآية في ولاية على والبيعة له حين قال النبي ﷺ سلموا على علىّ بإمرة المؤمنين (١)\nوفى سورة القلم قال الطبرسي: \" لما رأت قريش تقديم النبي ﷺ عليًا قالوا: افتتن به محمد ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾، وهم النفر الذين قالوا ما قالوا، ﴿وَهُوَ أَعلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾، على بن أبى طالب \" (٢)\nوسورة عبس سبب نزولها معروف مشهور، ولكن الطوسى يرفض ما ذكره المفسرون (٣)، ويذهب إلى أنها \" نزلت في رجل من بنى أمية كان واقفًا مع النبي ﷺ، فلما أقبل ابن مكتوم تنفر منه وجمع نفسه وعبس في وجهه، وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله تعالى ذلك وأنكر معاقبة على ذلك \" (٤)\nوإذا وجدنا بين أسباب النزول ما يتصل بالإمام على وبيعته، وهو لم يصح من طريق، ويقطع برفضه كون النزول في مكة، وسياق الآيات الكريمة كذلك، إلاَّ أنا نجد الأمر يختلف بالنسبة لغير أبى الحسن، مثال هذا ما جاء في سورة الليل: فالطبرسى يورد رواية تبين أن أبا الدحداح هو المراد من قوله تعالى: ... ﴿\n_________\n(١) جوامع الجامع ص ٢٤٩، وسورة النحل نزلت في العهد المكى كذلك، والبيعة المزعومة قالوا إنها كانت بعد حجة الوداع!\n(٢) المرجع السابق ص ٥٠٤، وسورة القلم ليست مكية فحسب، بل من أوائل ما نزل، فهى بعد العلق: أول سور القرآن الكريم نزولًا، وقت أن كان على بن أبى طالب - رضي الله تعالى عنه - صبيًا!\n(٣) انظر التبيان ١٠ /٢٦٨.\n(٤) المرجع السابق ١٠ / ٢٦٩.","vol":"1","page":541},{"text":"فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ثم يقول ... \" وعن ابن الزبير قال: إن الآية نزلت في أبى بكر، لأنه اشترى المماليك الذين أسلموا مثل بلال وعامر بن فهيرة وغيرهما، وأعنقهم، والأولى أن تكون الآيات محمولة على عمومها في كل من يعطى حق الله من ماله \" (١) أما الطوسى فإنه لا يذكر سببًا للنزول (٢) .\nرابعًا: جعل الأئمة هم المراد من كلمات الله:\nذكرنا من قبل أن أولئك الغلاة الذين عز عليهم خلو القرآن من ذكر الأئمة ووجوب ولايتهم، ذهبوا إلى القول بالتحريف وإسقاط أسماء الأئمة وآيات الولاية. وهنا نجد الدافع نفسه يدفع الطوسى والطبرسى إلى شئ آخر هو اللجوء إلى تأويل كثير من أي القرآن الكريم حتى يكون للأئمة والولاية ذكر، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة التي ما أكثرها!\nفي سورة النساء \" الآية ٨٣ \" ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾، يروى الطبرسي عن أئمته أن \" فضل الله ورحمته النبي وعلى ﵉ \" (٣) .\n_________\n(١) انظر مجمع البيان ١٠ / ٥٠١ - ٥٠٢.\n(٢) انظر التبيان ١٠ / ٣٦٣ وما بعدها، وحمل الآيات على عمومها لا ينفى سبب النزول، فكما هو معلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وشتان بين موقفهما هنا وموقفهما من الآيات التي وضع المفترون أسبابًا لنزولها تتصل بأئمتهم.\n(٣) جوامع الجامع ص ٩٢، ولكن الطوسى لم يشر لعلى. انظر التبيان ٣ / ٢٧٤.","vol":"1","page":542},{"text":"وفى نفس السورة \" الآية ١٥٩ \" ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾، يروى الطبرسي عن الإمامين الباقر والصادق: \" حرام على روح امرئ أن تفارق جسدها حتى ترى محمدًا وعليًا بحيث تقر عينها أو تسخن \" (١) .\nوفى سورة الأعراف \" الآية ٤٤ \" ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، فينقل الطبرسي عن تفسير القمي، عن الإمام الرضا أنه قال: المؤذن أمير المؤمنين على. ويذكر كذلك أن الإمام عليا قال: أنا ذلك المؤذن، وعن ابن عباس: إن لعلى في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس. ويقول الطبرسي أيضًا: فهو المؤذن بينهم يقول: ألا لعنة الله على الذين كذبوا بولايتى واستخفوا بحقى (٢) .\nوعند الحديث عن أصحاب الأعراف في الآيات التالية يقول الطوسى بأن عليًا قسيم الجنة والنار، ويزعم أن النبي ﷺ قال: \" يا على، كأنى بك يوم القيامة وبيدك عصا موسى، تسوق قومًا إلى الجنة وآخرين إلى النار \" (٣) .\n_________\n(١) نفس المرجع ص ١٠١، وأنكر الطوسى هذا قائلًا \" لم يجر لمحمد - ﷺ - ذكر فيما تقدم، ولا ها هنا ضرورة موجبة لرد الكناية عليه، وما هذه صورته لا تجوز الكناية عنه \" التبيان ... ٣ /٣٨٧.\n(٢) انظر مجمع البيان ط مكتبة الحياة ٨ / ٦٣، والآية الكريمة التالية التي تحدثت عن أولئك الظالمين هي \" الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا وهم بالأخرة كافرون \". ولا ندرى أين على وولايته هنا؟ على أن الطوسى لم يذكر عليًا هنا. انظر التبيان ٤ / ٤٠٦.\n(٣) التبيان ٤ / ٤١١، ومن المعلوم – كما نص القرآن الكريم في أكثر من موضع – أن مثل هذا الأمر يكلف به الملائكة.","vol":"1","page":543},{"text":"ويروى الطبرسي عن أمير المؤمنين قال: \" نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار، فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار \" (١) .\nوفى سورة النمل \" الآية ٨٢ \": ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، يذكر الطبرسي أن الإمام عليًا هوهذه الدابة، وينقل عن تفسير العياشى ما يفيد هذا (٢)\nوفى سورة محمد \" الآية ٣٠ \": ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ يروى الطبرسي أن لحن القول بغضهم على بن أبى طالب (٣)\nوفى سورة ق \" الآية ٢٤ \": ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، يزعم الطبرسي أن الرسول ﷺ قال: \" إذا كان يوم القيامة يقول الله لي ولعلى: \" ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا في الجنة من أحبكما \". وذلك قوله عز اسمه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٤) .\nونجد الطوسى والطبرسى لا يقتصران في التأويل على ذكر الإمام على، فقد جعلا لغيره من الأئمة نصيبًا، ومن أمثلة هذا ما نقرؤه عند تأويلهما لقوله تعالى في\n_________\n(١) جوامع الجامع ص ١٤٦.\n(٢) انظر مجمع البيان ط مكتبة الحياة ٢٠ / ٢٥١، والطوسى أشار إلى أنها من الإنس ولكنه لم يذكر عليًا ولا غيره. انظر التبيان ٨ / ١١٩ -١٢٠.\n(٣) انظر مجمع البيان ٩ / ١٠٦ ولكن الطوسى لم يشر لهذا، انظر التبيان ٩ / ٣٠٥.\n(٤) مجمع البيان ٩ / ١٤٧ ولكن الطوسى أيضًا لم يذكر هذا – انظر التبيان ٩ / ٣٦٦ – ٣٦٧.","vol":"1","page":544},{"text":"سورة البقرة \" الآية ٣٧ \": ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، فالطوسى بعد أن ذكر الروايات المختلفة في تأويل الكلمات يقول: \" في أخبارنا توسله - أي آدم- بالنبى ﷺ وأهل بيته، وكل ذلك جائز \" (١) .\nوالطبرسى بعد ذكره لتلك الروايات يقول: \" قيل - وهى رواية تختص بأهل البيت ﵈ - إن آدم رأى مكتوبًا على العرش أسماء معظمة مكرمة، فسأل عنها، فقيل له: هذه الأسماء أجل الخلق منزلة عند الله تعالى، والأسماء: محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين، فتوسل آدم ﵇ إلى ربه بهم في قبول توبته ورفع منزلته \" (٢) .\nونجد الزعم كذلك بأن الأئمة هم حبل الله (٣) في قوله تعالى في سورة آل عمران \" الآية ١٠٣ \": ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ .\nوهم المخاطبون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (٤) فيرويان عن أئمتهما أن هذا أمر لكل واحد من الأئمة أن يسلم الأمر إلى ولى الأمر بعده (٥) .\n_________\n(١) التبيان ١ / ١٦٩.\n(٢) مجمع البيان ١ / ٨٩.\n(٣) ذكر الطبرسي في المراد بحبل الله ثلاثة أقوال: أحدها بأنه القرآن، وثانيها أنه دين الإسلام، وثالثها أنه أئمة الجعفرية، ثم قال: والأولى حمله على الجميع، وأيد قوله بإحدى روايات الغدير التي أثبتنا عدم صحتها في أكثر من كتاب – انظر مجمع البيان ٢ / ٤٨٢. أما الطوسى فلم يذكر القول الثالث: انظر التبيان ٢ / ٥٤٥ – ٥٤٦.\n(٤) ٥٨: النساء.\n(٥) انظر التبيان ٣ / ٢٣٤، جوامع الجامع ص ٨٩.","vol":"1","page":545},{"text":"وهم أولو الأمر في الآية التي تلتها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (١)\nوفى الآية الثالثة والثمانين من نفس السورة: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ﴾ (٢) .\nوهم أهل الذكر (٣) ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ \" الأنبياء: ٧ \". وهم المصطفون (٤) ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ \" فاطر: ٣٢ \".\nوهم من أذن له الرحمن (٥) ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ \" النبأ: ٣٨ \".\nوالأئمة الذين ورد ذكرهم كثيرًا في هذين التفسيرين نجد لولايتهم حظًا من التأويل، فعند قوله تعالى في سورة البقرة \" الآية ٢٠٨ \": ﴿\n_________\n(١) راجع التبيان ٣ / ٢٣٦-٢٣٧، وجوامع الجامع ص ٨٩.\n(٢) راجع التبيان ٣ / ٢٧٣، وجوامع الجامع ص ٨٩.\n(٣) انظر التبيان ٧ / ٢٣٢، وجوامع الجامع ص ٢٨٩.\n(٤) انظر التبيان ٨ / ٢٤٣، وجوامع الجامع ص ٣٨٩.\n(٥) انظر مجمع البيان ٩ / ٤٢٧، والطوسى لم يشر لهذا – انظر التبيان ١٠ / ٢٤٩.","vol":"1","page":546},{"text":"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، يرويان عن أصحابهما أن السلم الدخول في الولاية (١) .\nوفى الآية السابعة من سورة المائدة: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ . يرويان دخول الولاية في المراد بالميثاق (٢) .\nوفى سورة طه \" الآية ٨٢ \": ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾، يرويان أن الاهتداء إلى الولاية (٣) .\nوسورة محمد \" الآية ٢٦ \": ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾، روى الطبرسي أن ما نزل الله في الولاية (٤) .\nوإمامهم الثاني عشر - الإمام المهدى - نجد له ذكرًا خاصًا.\nفعند قوله تعالى في سورة البقرة \" الآية الثالثة \": ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، نراهما يدخلان في الإيمان بالغيب ما رواه أصحابهما من زمان غيبة المهدى ووقت خروجه (٥) .\n_________\n(١) راجع التبيان ٢ / ١٨٥، ومجمع البيان ٢ / ٣٠٢.\n(٢) راجع التبيان ٣ / ٤٥٩ – ٤٦٠، وجوامع الجامع ص ١٠٦.\n(٣) انظر التبيان ٧ / ١٩٦، وجوامع الجامع ص ٢٨٤.\n(٤) انظر مجمع البيان ١ / ١٠٥، والطوسى لم يشر للولاية \" انظر التبيان ٩ / ٣٠٤ – ٣٠٥ \".\n(٥) انظر التبيان ٩ / ٢٥٥، ومجمع البيان ١ / ٣٨.","vol":"1","page":547},{"text":"وفى سورة الأنبياء \" الآية: ١٠٥ \": ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، يروى الطبرسي عن الإمام الباقر، أن هؤلاء الوارثين هم أصحاب المهدى في آخر الزمان (١) .\n\nوفى سورة النور \" الآية ٥٥ \": ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، يرويان عن أئمتهم \" هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل ذلك بهم على يد رجل منا، وهو مهدى هذه الأمة \" (٢) . وفى سورة الفتح \" الآية ٢٨ \": ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، يذكر \" أنه إذا خرج المهدى صارالإسلام في جميع البشر، وتبطل الأديان كلها \" (٣) .\nوبعد: فهذه أهم آثار الإمامة في تفسير هذين الشيخين: الطوسى والطبرسى، وإن كان الثاني (- كما يظهر (- أكثر تأثرًا من شيخ الطائفة، وهما وإن لم يجنبا كتاب الله تعالى هذه الناحية الطائفية -التي ليس لها مستند من كتاب ولا سنة كما أثبتنا - إلاَّ أنهما مع هذا من أكثر الشيعة اعتدالًا، أو أقلهم غلوًا.\n_________\n(١) جوامع الجامع ص ٢٩٦، وروى الطوسى عن الإمام نفسه قال: \" إن ذلك وعد للمؤمنين بأنهم يرثون جميع الأرض \" \" التبيان ٧ / ٢٨٤ \".\n(٢) جوامع الجامع ص ٣١٨، وانظر التبيان ٧ / ٤٥٧.\n(٣) التبيان ٩ / ٣٣٦، وانظر مجمع البيان ٩ / ١٢٧.","vol":"1","page":548},{"text":"ويبدو البون شاسعًا عند المقارنة بينهما وبين من سبقهما من الغلاة. ولذلك جاء القول بالاعتدال النسبى أو إلى حد ما نتيجة المقارنة بغلاتهم الضالين، وإلا فجانب الغلو والتطرف فيهم، وفى أمثالهم، واضح بين!","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الفصل السادس\nالتفسير بعد الطوسي والطبرسي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>أولًا: تفسير الصافى:</span>\nذكرنا من قبل أن الشيعة بعد هذا في تناولهم لكتاب الله تعالى منهم من سلك منهجا فيه شئ من الاعتدال، أو سلك مسلك الغلو، ومنهم من جمع بين المسلكين أو اقترب من أحدهما.\nومن الكتب التي اطلعت عليها: تفسير الصافى، لمحمد بن مرتضى المدعو بمحسن. انتهى مؤلفه من كتابته سنة ١٠٧٥ هـ. وقد حاول أن يأتى بكل ضلالة جاءت في الكتب الثلاثة التي رزئ بها القرن الثالث الهجرى، والتي تحدثنا عنها، وهى تفاسير الحسن العسكرى والعياشى والقمى، وزاد كذلك في النقل عن بعض الكتب الأخرى كروايات التحريف والتأويلات الفاسدة التي رواها الكلينى في كتابه الكافى. فهذا الكتاب إذن يمثل جانب الغلو والتطرف، ويعد استمرارًا لحركة التضليل والتشكيك، ولذلك نقرأ فيه القول بتحريف القرآن الكريم، ومهاجمة الصحابة الأكرمين، والتأويلات التي تجعل من كتاب الله تعالى كتابًا من كتب فرق الغلاة، وغير ذلك مما ذكرناه عند تناولنا للكتب الثلاثة.\nفهو يرى أن تفسير القرآن الكريم لا يصح إلاَّ عن طريق أئمة الجعفرية \" فكل ما لايخرج من بيتهم فلا تعويل عليه \" (١) والرسول ﷺ فسره لرجل واحد هو الإمام على (٢)، ويهاجم من يأخذ التفسير المروى عن الصحابة لأن \" أكثرهم كانوا يبطنون النفاق، ويجترئون على الله، ويفترون على رسول الله في عزة وشقاق \" (٣) .\n_________\n(١) تفسير الصافى ج ١ ورقة ٢.\n(٢) انظر التفسير المذكور ج ٤ ورقة ١١، وانظر ج ١ ورقات ٦، ٧، ٨ \" نبذ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو عند أهل البيت \".\n(٣) تفسير الصافى ج ١ ورقة ٢.","vol":"1","page":550},{"text":"وهو يرى أن جل القرآن إنما نزل في أئمة الجعفرية، وفى أوليائهم، وأعدائهم (١) . ويذكر روايات كثيرة في تحريف القرآن الكريم (٢)، بل يزعم أن في القرآن الكريم من التنافر والتناكر ما يدل على التحريف.\nمثال هذا ما نصه: \" وأما ظهورك على تناكر قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ (٣)، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتامًا، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن \" (٤) .\nوصاحب الصافى يعقب على روايات التحريف بقوله: \" المستفاد من مجموع هذه الأخبار، وغيرها من الروايات عن طريق أهل البيت، أن القرآن الذي بين\n_________\n(١) انظر ج ١ الورقة الثامنة وما بعدها.\n(٢) انظر ج ١ الورقة إلى ١٨، والتفسير كله مملوء بذكر آيات كثيرة محرفة.\n(٣) ٣: النساء.\n(٤) ج ١ الورقتان ١٧، ١٨.\n\nقال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة \" إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه \". وذكر سبب النزول كما رواه الإمام البخاري، عن عائشة ﵂: \" أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شئ، فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفى ماله.\nثم ذكر عن الإمام البخاري أن عروة بن الزبير سأل عن الآية الكريمة فقالت: \" يابن أختى، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلاَّ أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن \" (انظر تفسيره ١ / ٤٤٩ - ٤٥٠) .","vol":"1","page":551},{"text":"أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد ﷺ، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة، منها اسم علىّ في كثير من المواضع، ومنها لفظْة آل محمد غير مرة. ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك. وأنه ليس أيضًا على الترتيب المرضى عند الله وعند رسوله \" (١) .\nولا يكتفى بذكر هذه الروايات، والتعقيب عليها، ولكن يذكر آراء الطبرسي والصدوق والطوسى في عدم التحريف، ويرد عليهم بما يبين مدى غلو هذا الضال المضل (٢) .\nومن أحاديثه عن الصحابة - رضوان الله تعالى عنهم، أنهم كانوا أهل ردة بعد رسول الله ﷺ إلاَّ ثلاثة هم: المقداد وأبو ذر وسلمان الفارسى! وأن أربعة اجتمعوا على قتل رسول الله ﷺ بالسم، هم: أبو بكر وعمر وابنتاهما عائشة وحفصة (٣) !!\nوالكتاب كله يسير في ظلمات الضلال، ولنزد ذلك بيانًا ببعض الأمثلة:\nفي أول سورة البقرة: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ينقل عن العياشى عن الإمام الصادق أنه قال: \" كتاب على لا ريب فيه \"، ويعقب على هذا بقوله: \" ذاك تفسيره، وهذا تأويله، وإضافته الكتاب إلى على بيانية، يعنى أن\n_________\n(١) ج ١ الورقة ١٨.\n(٢) انظر ج ١ الورقتين ١٩، ٢٠، ومن رده يظهر اعتقاده بأن عندهم قرآنًا غير القرآن الكريم الذي بأيدى المسلمين، وأن ما بين الدفتين هو المحرف، وأما قرآنهم فليس بمحرف!! والعجيب أن هذا المتظاهر بالإسلام وحب آل البيت، بدلًا من أن يستباح دمه وتحرق كتبه، نراه احتل مكانًا عاليًا عند كثير من الشيعة الاثنى عشرية! . وتفسيره مطبوع ومنتشر في الوسط الشيعى!\n(٣) انظر هذه المفتريات العجيبة في ج ١ ورقة ١٤٨، ج ٤ ورقة ١٣٣.","vol":"1","page":552},{"text":"ذلك إشارة إلى على. والكتاب عبارة عنه، والمعنى أن ذاك الكتاب الذي هو على لا مرية فيه \". ثم يفسر المتقين بأنهم الشيعة، ويقول: \" وإنما خص المتقين بالاهتداء به لأنهم المنتفعون به \" (١) .\nوعند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) يقول: \" كابن أبى وأصحابه، وكالأول والثاني وأضرابهما من المنافقين، الذين زادوا على الكفر الموجب للختم والغشاوة والنفاق، ولا سيما عند نصب أمير المؤمنين للخلافة والإمامة \" (٣) . ثم يذكر ما نقلناه من قبل عن تفسير الحسن العسكرى لهذه الآية الكريمة، وذكره للغدير، وخيانة خير أمة أخرجت للناس (٤) .\nوفى تفسيره لسورة القدر نراه يتفق مع القمي وينقل عنه ما ذكرناه من قبل، بل يزيد عنه بأن وجود القرآن متعلق بوجود الإمام!! وكلامه بالنص بعد أن ذكر رواية عن الإمام أبى عبد الله بأنه لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن: \" وذلك لأن في ليلة القدر ينزل كل سنة من تبيين القرآن وتفسيره ما يتعلق بأمور تلك السنة إلى صاحب الأمر، فلو لم يكن ليلة القدر لم ينزل من أحكام القرآن ما لا بد منه في القضايا المتجددة، وإنما لم ينزل ذلك إذا لم يكن من ينزل عليه، وإذا لم يكن من ينزل عليه لم يكن قرآنًا، لأنهما متصاحبان لن يفترقا حتى يردا على رسول الله ﷺ حوضه كما ورد في الحديث المتفق عليه \" (٥) .\n_________\n(١) ج ١ ورقة ٣٠.\n(٢) ج ١ ورقة ٣١ – ويريد بالأول والثاني الخليفتين – رضي الله تعالى عنهما. أفضل المسلمين بعد رسول الله - ﷺ -، كما ثبت في النص المتواتر عن الإمام على كرم الله وجهه.\n(٣) راجع ص ١٦٨.\n(٤) انظر ج ٤ ورقة ١٧٧.\n(٥) ج ١ ورقة ٢٣ – والحديث الذي أشار إليه هو الذي أثبتنا عدم صحته من أي طريق.","vol":"1","page":553},{"text":"إذن يمكن القول بأن تفسير الصافى لا يقل غلوًا عن التفاسير الثلاثة بل زاد عنها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>ثانيًا: البرهان في تفسير القرآن</span>\nوممن عاصر صاحب الصافى السيد هاشم البحرانى \" توفى سنة ١١٠٧ أو سنة ١١٠٩ \" وله كتاب \" البرهان في تفسير القرآن \" جمع فيه كثيرًا من الروايات الجعفرية في تفسير القرآن الكريم (١) .\nوالكتاب لا يختلف كثيرًا عن تفسير الصافى، فهو يسير في طريق الضلال نفسه، يحرف كتاب الله تعالى نصًا ومعنى، ويطعن في حفظة الكتاب الكريم، وحملة الشريعة من الصحابة الكرام الأطهار، ويذكر من الروايات المفتراة ما يؤيد ضلاله.\nونستطيع أن ندرك منهج هذا التفسير الضال المضل، وأثر الإمامة فيه، من الأبواب التي نراها في الجزء الأول قبيل البدء في تفسير السور الكريمة، ومن الأخبار التي أثبتها البحرانى في هذا الكتاب، فلنضرب بعض الأمثلة.\nذكر البحرانى \" باب في أن القرآن لم يجمعه كما أنزل إلاَّ الأئمة، وعندهم تأويله \". وتحت هذا الباب نجد ستة وعشرين خبرًا (٢) .\nوفى \" باب فيما نزل عليه القرآن من الأقسام \" (٣) يذكر عن أمير المؤمنين أنه قال: نزل القرآن أثلاثًا: ثلث فينا وفى عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام. وعن أبى عبد الله: إن القرآن نزل على أربعة أرباع.\n_________\n(١) راجع اتجاه التأليف في تلك الفترة ص ٨٢ - ٨٣ من كتاب المعالم الجديدة للأصول.\n(٢) انظر ص ١٥-١٧.\n(٣) انظر ص ٢١.","vol":"1","page":554},{"text":"ويذكر \" باب في أن القرآن نزل بإياك أعنى واسمعى يا جارة \" (١) و\" باب فيما عنى به الأئمة في القرآن \"، وفيه، لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين كما سمى من قبلنا (٢) .\nويقول البحرانى:\nوأما ما هو على خلاف ما أنزل الله فهو قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ... وأما ما هو محرف منه قوله: ﴿لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ في على﴾ كذا نزلت (٣) .\n\nوأما ما تأويله بعد تنزيله: فالأمور التي حدثت في عصر النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعده، في غصب آل محمد ﷺ حقهم، وما وعدهم الله تعالى من النصرة على أعدائهم، وما أخبر الله سبحانه به نبيه من أخبار القائم وخروجه، وأخبار الرجعة (٤) .\nوأما ما هو مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين فقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ﴾ أنتم يا معشر أمة محمد (٥) .\n_________\n(١) انظر ص٢٢.\n(٢) انظر ص ٢٢، ٢٣.\n(٣) ص ٣٤، والآية الكريمة التي حرفها هذا المفترى الضال نصها هو \" لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه \" (١٦٦: سورة النساء) \".\n(٤) ص ٣٥.\n(٥) ص ٣٦، والآية الكريمة المذكورة هي الرابعة من سورة الإسراء.","vol":"1","page":555},{"text":"وأما الرد على من أنكر الرجعة فقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ (١)\nومن هذا يتضح منهج هذا البحرانى، ونزيد لك بيانًا بشئ مما جاء في تفسيره للآيات الكريمة.\nمما جاء في تفسيره للفاتحة: \" غير المغضوب عليهم النصاب، والضالين: الشكاك الذين لا يعرفون الإمام \".\nويروى عن أبى جعفر أنه قال: \" إن الله ﷿ خلق جبلًا محيطًا بالدنيا، زبرجدة خضراء، وإنما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل، وخلق خلفه خلقًا لم يفترض عليهم شيئًا مما افترض على خلقه من صلاة وزكاة، وكلهم يلعن رجلين من هذه الأمة سماهما \".\nويروى عنه أيضًا أنه قال: \" من وراء شمسكم هذه أربعون عين شمس، ما بين عين شمس إلى عين شمس أربعون عامًا، فيها خلق كثير، ما يعلمون أن الله تعالى خلق آدم أو لم يخلقه. وإن من وراء قمركم هذا أربعون قرصًا، وبين القرص إلى القرص أربعون عامًا، فيها خلق كثير لا يعلمون أن الله - ﷿- خلق آدم أو لم يخلقه، قد ألهموا كما ألهمت النحلة لعنة الأول والثاني في كل الأوقات، وقد وكل بهم ملائكة متى لم يلعنوا عذبوا \" (٢) .\n_________\n(١) ص ٣٧، والآية الكريمة في سورة النمل ٨٣ ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون﴾ .\n(٢) انظر ص ٤٧، ولاحظ بها أخبارًا أخرى متشابهة. ويقصد هذا الضال بالأول والثاني خير الناس بعد الرسول - ﷺ -، الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر.","vol":"1","page":556},{"text":"وفى أول سورة البقرة يذكر ما رأيناه من قبل في تفسير الصافى فيقول \" كتاب على لا ريب فيه \" (١) .\nوهكذا نرى من هذه الأمثلة القليلة (٢) أن هذا التفسير كسابقه يسير في طريق الضلال، ويعتبر امتدادًا للحركة التي منى بها القرن الثالث، ويمثل جانب الغلو والتطرف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>ثالثًا: بحار الأنوار</span>\nوممن عاصر صاحبى الصافى والبرهان المولى محمد باقر المجلسى، المتوفى سنة ١١١١، وهو من أشهر علماء الجعفرية، وله مكانته عندهم. وللمجلسى موسوعته الكبرى \" بحار الأنوار \"، تحدث فيها عن أشياء كثيرة، يعنينا منها هنا ما يتصل بكتاب الله تعالى، وأثر الإمامة فيه والمجلسى لم يؤلف بحاره للتفسير، وإنما لخدمة المذهب الجعفرى الاثنى عشرى، فالحديث عن القرآن الكريم جاء من هذا الباب. وقد جعل كتابًا للإمام تحته مئات الأبواب، ضمتها مجموعة من أجزاء البحار. ومن هذه الأبواب \" أبواب الآيات النازلة فيهم \": أي في الأئمة كما يزعم، وهى تقع في أكثر من ستمائة صفحة في جزأين (٣) . ومنها كذلك \" أبواب الآيات النازلة في شأنه الدالة على فضله وإمامته \"، أي في شأن الإمام على، وهى تقع فيما يقرب من أربعمائة وخمسين صفحة في جزأين كذلك (٤) .\nويكفى أن نذكر عناوين بعض هذه الأبواب ليظهر مدى غلو هذا الضال، فمن أبوابه:\n_________\n(١) انظر ص ٥٣.\n(٢) راجع أيضًا الخبر، الذي نقلناه من تفسير الميزان نقلًا عن هذا التفسير ص ٢٦٠.\n(٣) الجزءان هما: ج ٢٣ من ص ١٦٧ إلى أخر الجزء ص ٣٩٣، وج ٢٤ كله وعدد صفحاته ٤٠٢.\n(٤) ج ٣٥ من ص١٨٣ إلى آخر الجزء ص ٤٣٦، وج ٣٦ من أوله إلى ص ١٩٢.","vol":"1","page":557},{"text":"باب أنهم - أي الأئمة - آيات الله وبيناته وكتابه (١)، وأن الأمانة في القرآن الإمامة (٢)، وأنهم أنوار الله تعالى وتأويل آيات النور فيهم (٣)، وتأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم ... والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغون واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم (٤)، وأنهم خير أمة وخير أئمة أخرجت للناس (٥)، وأنهم جنب الله ووجه الله ويد الله ... وأمثالها (٦)، وأنه - أي الإمام عليًا - المؤمن والإيمان والدين والإسلام والبينة والسلام وخير البرية في القرآن الكريم ... وأعداؤه \" الكفر والفسوق والعصيان\" (٧)، وأنه أنزل فيه - صلوات الله عليه - الذكر والنور والهدى والتقى في القرآن (٨)، وأنه النبأ العظيم والآية الكبرى (٩) .\nوالمجلسى ينقل عن التفاسير الثلاثة الضالة التي ظهرت في القرن الثالث الهجرى، وعن غيرهما من كتب غلاة الشيعة، ولكنه لا يكتفى بالنقل، وإنما كثيرًا ما يذكر رأيه سواء في هذه الأجزاء أو في غيرها من كتابه البحار.\nوإذا كان تأليف الأبواب على هذه الصورة يدل على فساد عقيدته التي تنزل به إلى درك الغلاة، فإن ذكر الآراء يكشف عن حقيقته بوضوح يمنع المماحكة وخلق الأعذار، وهاك بعض ما جاء في كتابه.\n_________\n(١) باب ١١ ج ٢٣ ص ٢٠٦ - ٢١١.\n(٢) باب ١٦ ج ٢٣ ص ٢٧٣ – ٢٨٣.\n(٣) باب ١٨ ج ٣ ص ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٤) باب ٢١ ج ٢٣ ص ٣٥٤ - ٣٩٠.\n(٥) باب ٤٦ ج ٢٤ ص ١٥٣-١٥٨.\n(٦) باب ٥٣ ج ٢٤ ص ١٩١- ٢٠٣.\n(٧) باب ١٣ ج ٣٥ ص ٣٣٦ - ٣٥٢.\n(٨) باب ٢٠ ج ٣٥ ص ٣٩٤ - ٤٠٧.\n(٩) باب ٢٥ ج ٣٦ ص ١-٤.","vol":"1","page":558},{"text":"نقل عن الكافى ثلاث روايات عن الإمام أبى جعفر قال: نزل جبريل بهذه الآية على محمد ﷺ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ﴾ في على \" بَغْيا\"\" ... وقال: نزل جبرائيل بهده الآية على محمد ﷺ هكذا: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ في على ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ وقال: نزل بهذه الآية هكذا: ﴿يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا أنَزَّلْنَا﴾ في علىّ ﴿نُورًا مُّبِينًا﴾\nوبعد هذه الروايات قال المجلسى (١):\nبيان: قوله: \" على عبدنا في على ع \" لعله كان شكهم فيما يتلوه ﷺ في شأن على \" ع \"، فرد الله عليهم بأن القرآن معجزة، ولا يمكن أن تكون من عند\n_________\n(١) انظر الروايات وبيانه في ج ٢٣ ص ٣٧٢ – ٣٧٣، ويظهر من السند المذكور أن الكلينى – صاحب الكافى – نقل هذه الروايات الثلاث عن شيخه على بن إبراهيم القمي.\nوالتحريف الأول في الأية ٩٠ من سورة البقرة، والثاني في الأية ٢٣ من السورة ذاتها.\nأما الرواية الثالثة فإنها أخذت صدر الأية ٤٧ من سورة النساء مع وضع كلمة \" أنزلنا \" بدلًا من \" نزلنا \" ثم وضع التحريف، ثم كان الختام هو عجز الآية ١٧٤ من نفس السورة! ومع هذا فالقمى والكلينى والمجلسى من علماء الشيعة الاثنى عشرية الأعلام!! المعتدلون منهم والمتطرفون على السواء، يثنون على الثلاثة كل الثناء! حتى دعاة التقريب! ما وجدنا أحدًا منهم يقول في الثلاثة إلاَّ ما قاله شيعتهم! فكيف يكون التقريب؟ أنؤمن بهذا الكفر ونتبع هؤلاء الضالين؟!","vol":"1","page":559},{"text":"غيره. وأما الأية الثالثة فصدرها في أوائل سورة النساء هكذا: ﴿يَا أَيهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم﴾ وآخرها في آخر تلك السورة هكذا:\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾، ولعله سقط من الخبر شئ، وكان اسمه \" ع \" في الموضعين، فسقط آخر الأولى وأول الثانية من البين، أو كان في مصحفهم ﵈ إحدى الآيتين كذلك، ولا يتوهم أن قوله ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم﴾ في الأولى ينافى ذلك، إذ يمكن أن يكون على هذا الوجه أيضًا الخطاب إلى أهل الكتاب، فإنهم كانوا مبغضين لعلى \" ع \" لكثرة ما قتل منهم، وكان اسمه \" ع\" مثبتًا عندهم في كتبهم كاسم النبي ﷺ، وكذا قوله ﴿أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾، وإن احتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن.\nوذكر المجلسى بعد هذا روايات أخرى عن الكافى أيضًا فيها آيات محرفة كذلك، وقال عن التحريف في بعضها:\n\" يحتمل التنزيل والتأويل \"، واحتمل في موضع آخر وجود الآيات المحرفة في مصحف خاص بأئمتهم كما ذكر من قبل (١) .\nثم أورد المجلسى ثلاث روايات من الكافى عن الإمام أبى عبد الله جعفر الصادق هي (٢):\nعنه في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قال: نزلت في فلان وفلان وفلان وفلان: آمنوا بالنبىصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول\n_________\n(١) انظر ٢٣ / ٣٧٤.\n(٢) راجعها في ٢٣ / ٣٧٥ – ٣٧٦.","vol":"1","page":560},{"text":"الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي ﷺ: من كنت مولاه فعلى مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين ﵁، ثم كفروا حيث مضى رسول الله ﷺ فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرًا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء.\nوعنه في قول الله تعالى \" ٢٥: محمد \": ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ فلان وفلان وفلان، ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين ﵁، قلت: قوله تعالى \" ٢٦: محمد \"\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ قال: ... نزلت والله فيهما وفى أتباعهما، وهو قول الله ﷿ الذي نزل ... به جبرائيل \" ع \" على محمد ﷺ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ ... في على ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ قال: دعوا بنى أمية إلى ميثاقهم ألا يصيروا الأمر فينا بعد النبي ﷺ، ولا يعطونا من الخمس شيئًا، وقالوا: إن أعطيناهم إياه لم يحتاجوا إلى شئ، ولا يبالوا ألاَّ يكون الأمر فيهم، فقالوا: سنطيعكم في بعض الأمر الذي دعوتمونا إليه، وهو الخمس ألا نعطيهم منه شيئًا، وقوله \" كرهوا ما نزل الله \" والذى نزل الله ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنين، وكان معهم أبو عبيدة، وكان كاتبهم، فأنزل الله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ \" ٧٩: ٨٠ الزخرف \".","vol":"1","page":561},{"text":"والرواية الثالثة أنه قال في قوله تعالى \" ٢٥: الحج \": ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، نزلت فيهم: حيث دخلوا الكعبة، فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم، وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين ﵁، فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليه، فبعدًا للقوم الظالمين.\nوبعد هذه الرواية قال المجلسى:\nبيان: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أقول: الآية في سورة النساء (١) هكذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، وفى سورة آل عمران (٢) هكذا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾، ولعله - ضم جزءًا من إحدى الآيتين إلى جزء من الأخرى لبيان اتحاد مفادها، ويحتمل أن يكون في مصحفهم \" ع \" هكذا، والظاهر أن المراد بالإيمان في الموضعين الإقرار باللسان فقط، وبالكفر الإنكار باللسان أيضًا، كما صرح به في تفسير على بن إبراهيم.\nقوله: بأخذهم من بايعه بالبيعة: لعل المراد بالموصول أمير المؤمنين ﵁، والمستتر في قوله: بايعه راجع إلى أبى بكر، والبارز إلى الموصول، ويحتمل أن يكون المستتر راجعًا إلى الموصول، والبارز إليه، أي أخذواالذين بايعوا أمير المؤمنين يوم الغدير بالبيعة لأبى بكر، ولعله أظهر.\n_________\n(١) الآية ١٣٧.\n(٢) الآية التسعين.","vol":"1","page":562},{"text":"قوله: فلان وفلان وفلان: هذه الكنايات يحتمل وجهين: الأول أن يكون المراد بها بعض بنى أمية كعثمان وأبى سفيان ومعاوية، فالمراد بالذين كرهوا ما نزل الله أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، إذ ظاهر السياق أن فاعل \" قالوا \" الضمير الراجع إلى \" الذين ارتدوا \" والثاني أن يكون المراد بالكنايات أبا بكر وعمر وأبا عبيدة، وضمير \" قالوا \" راجعًا إلى بنى أمية بقرينة كانت عند النزول، والمراد بالذين كرهوا الذين ارتدوا، فيكون من قبيل وضع المظهر في موضع المضمر. نزلت والله فيهما: أي في أبى بكر وعمر، وهو تفسير للذين كرهوا. وقوله: وهو قول الله: تفسير لما نزل الله، وضمير \" دعوا \" راجع إليهما وأتباعهما، \" وقالوا \" أي هما وأتباعهما.\nقوله، في بعض الأمر: لعلهم لم يجترئوا أن يبايعوهم في منع الولاية فبايعوهم في منع الخمس، ثم أطاعوهم في الأمرين جميعًا، ولا يبعد أن تكون كلمة \" في \" على هذا التأويل تعليلية، أي نطيعكم بسبب الخمس لتعطونا منه شيئا. وقوله: \" كرهوا ما نزل الله \" إعادة للكلام السابق لبيان أن ما نزل الله في على هو االولاية، إذ لم يظهر ذلك مما سبق صريحًا، ولعله زيدت الواو في قوله: \" والذى \" من النساخ، وقيل: قوله مرفوع على قول الله من قبيل عطف التفسير، فإنه لا تصريح في المعطوف عليه، بأن النازل فيهما في أتباعهما كرهوا أم قالوا (١) .\nوبعد أن انتهى المجلسى من بيانه السابق ذكر عشرات الروايات التي تحمل التحريف لكتاب الله تعالى، والتكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه من الصحابة الكرام البررة، ثم قال:\nاعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده \" ع \" وفضل عليهم غيرهم، يدل على أنهم كفار مخلدون في\n_________\n(١) ٢٣ / ٣٧٦ - ٣٧٨.","vol":"1","page":563},{"text":"النار (١) . ثم أورد ما يؤيد به رأيه، فقال: \" قال الشيخ المفيد قدس الله روحه - في كتاب المسائل: اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار، وقال في موضع آخر: اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم ... كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم، وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا من بدعهم، وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار \".\nومن هذا نرى أن كتاب بحار الأنوار للمجلسى يعتبر امتدادًا لحركة التضليل والتشكيك في كتاب الله العزيز، ويمثل جانب الغلو والتطرف عند الجعفرية الاثنى عشرية (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>رابعًا: تأويل الآيات الباهرة</span>\nوالمجلسى ليس أول من عنى بجمع الآيات التي أجرم الضالون من طائفته بتحريفها في اللفظ أو المعنى، فمن قبله مثلًا شرف الدين بن على النجفى الذي ألف كتابًا أسماه \" تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة \"، ونقل المجلسى عنه بعض رواياته (٣) .\n_________\n(١) ٢٣ / ٣٩٠، وفى موضع آخر عقد المجلسى بابًا كاملًا أسماه \" باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم \" ويعنى بالثلاثة الخلفاء الراشدين!! (انظر كتابة ٨ / ٢٠٨ إلى ٢٥٢ طبع حجر \".\n(٢) الشيخ محمد جواد عالم شيعى معاصر، له مؤلفاته في فقه المذاهب الخمسة، حيث اعتبر المذهب الجعفرى مذهبًا خامسًا، ونرى شيئًا من الاعتدال في كثير من مؤلفاته. أشارهذا العالم إلى بعض \" المؤلفات الشيعية التي بحثت التراث الإسلامي والديني والسياسي على أساس العلم، ونطقت بالصدق وكلمة \" الحق \" هكذا قال بالنص، ومن تلك المؤلفات بحار الأنوار للمجلسى!! ترى: أيدرى ما في البحار أم لا يدرى؟!\n\" انظر فضائل الإمام على ص ٢٤٧ \".\n(٣) انظر مثلًا بحار الأنوار ٢٣ / ١٦٨.","vol":"1","page":564},{"text":"والكتاب لا يجمع الآيات تحت أبواب - كما فعل المجلسى، وإنما يسير بترتيب السور الكريمة.\nوفى ذكره لبعض آيات سورة البقرة يجمع أكثر ما جاء به من التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكرى. والتحريف في النص يكثر نقله عن القمي، وتلميذه الكلينى.\nولسنا في حاجة لذكر أمثلة، فالكتاب كله صورة واضحة لهذا الضلال والإضلال (١) .\nوسيأتى ذكر لكثير من كتبهم مثل هذا الكتاب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>خامسًا: تفسير شبر:</span>\nويبدو أن حركة التضليل والتشكيك كانت أقوى من الحركة المضادة، ذلك أن الكتب الضالة التي ظهرت في القرن الثالث منها كتاب ينتسب إلى إمام، وآخر لمفسر يوثقونه كل توثيق، أحد تلاميذه هو الكلينى، صاحب كتاب الحديث الأول عند الجعفرية، وقد نقل عن شيخه القمي مئات الروايات في التحريف والتكفير وغير ذلك، والثالث للعياشى وهو في مكانة القمي عندهم، ولهذا ما وجدت أو قرأت من كتاب من كتب التفسير الجعفرى يصل إلى كتاب التبيان للطوسى في اعتداله النسبى أو قلة غلوه (٢) . ولكن ظهر بعض التفاسير التي لم ترتفع إلى هذا المستوى، ولم تنزل إلى ذلك الدرك الأسفل. ومن هذه الكتب تفسير القرآن الكريم للسيد عبد الله شبر (٣) .\nولنتبين أهم آثار الإمامة في هذا التفسير ومدى غلوه نعرض ما يأتى:\n_________\n(١) الكتاب مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٨ مواعظ شيعة، ومصور بمكتبة جامعة الدول العربية تحت رقم ٩٧ تاريخ.\n(٢) ربما ظهر شئ في السنوات الأخيرة لا علم لي به، وسيأتى الحديث عن التفسير الكاشف لمغنيه، وتفسير البيان لمرجعهم الحالى بالعراق.\n(٣) توفى سنة ١٢٤٢ هـ.","vol":"1","page":565},{"text":"أولا ً:\nبالنسبة للقول بتحريف القرآن الكريم أو عدم تحريفه لم أجد لشبر نصًا صريحًا، ولكن يبدو أنه يميل إلى القول بالتحريف، ويظهر هذا الترجيح مما يكثر منه على أنه من القراءات، ومن هذه القراءات.\nفي سورة آل عمران الآيات ١٠٢، ١٠٤، ١١٠، فالآية الأولى ... هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ولكن شبرًا يذكر أنها قرئت \" تقية \" و\" مسلّمون \" وواضح أن تحريف التقوى بالتقية لتأييد مبدأ من مبادئ الجعفرية، وأما الكلمة الأخرى فيقول عنها شبر \" وقرئ بالتشديد أي منقادون للرسول ثم للإمام من بعده \" (١) .\n\nوالآية الثانية ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يبدل كلمة \" أمة \" بأئمة (٢) أي أئمة الجعفرية.\nوكذلك فعل في الآية الثالثة ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ فيقول: \" هم آل محمد ﵈، وقرئ كنتم خير أئمة \" (٣) .\n_________\n(١) تفسير شبر ص ٩٦.\n(٢) انظر تفسيره ص ٩٦.\n(٣) ص ٩٧.","vol":"1","page":566},{"text":"وفى سورة الحجر \" الآية ٤١ \": ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتقِيمٌ﴾ يبدل الجار والمجرور باسم الإمام على فيقول \" صراط عَلِىٍّ بالإضافة (١) .\nوفى سورة الحج \" الآية ٥٢ \": ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يقول شبر: \" وعنهم أي أئمته أو محدث بفتح الدال، هو الإمام يسمع الصوت ولا يرى الملك (٢) . وغير هذا كثير (٣) .\nومما يرجح كذلك انضمام شبر إلى القائلين بالتحريف، موقفه من الآية التاسعة من سورة الحجر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ حيث أولها بقوله: \" وإنا له لحافظون عند أهل الذكر واحدًا بعد واحد إلى القائم أو في ... اللوح ... وقيل الضمير للنبى \" (٤) .\nثانيًا: نجد شبرًا ممن يطعن في الصحابة الأبرار، وأمهات المؤمنين الطاهرات: فمثلًا آيات سورة النور التي تحدثت عن الإفك لتبرئة أم المؤمنين السيدة عائشة - ﵂، نرى شبرًا يجعل فيها اتهامًا لمن برأها الله تعالى فيقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ تحمل معظمه ﴿مِنْهُمْ﴾ من الآفكين ﴿\n_________\n(١) تفسيره ص ٢٦٤.\n(٢) ص ٣٢٨، ومعنى هذا التحريف أن الإمام مرسل يوحى إليه!\n(٣) راجع مثلًا ص ١٤٦، ٢١٢، ٣٥٣، ٤٢٥.\n(٤) قال الأستاذ محمد حسين الذهبى ﵀: \" نجد شبرًا يعتقد بأن القرآن بدل وحرف، ولما اصطدم بقوله تعالى في الآية التاسعة من سورة الحجر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ نجده يتفادى هذا الاصطدام بالتأويل \" ثم نقل تأويله للآية الكريمة. \" انظر التفسير والمفسرون ... ٢ / ١٩١ \".","vol":"1","page":567},{"text":"لَهُ عذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة. أو في الدنيا بجلدهم، نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة من أنها حملت بإبراهيم من جريج القبطى، وقيل في عائشة\" (١) .\nوفى سورة التوية \" الآية ٤٠ \": ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ...﴾ يعز على شبر أن ينزل من السماء تكريم لأبى بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه ولا يكتفى بنفى هذا التكريم، بل يفترى على الله تعالىمرة أخرى، ويجعل من الآية الكريمة اتهامًا لأفضل المسلمين بعد رسول الله ﷺ، ولذلك يقول: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ ولا مدح فيه إذ قد يصحب المؤمن الكافر كما: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ (٢) ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾: فإنه خاف على نفسه، وقبض واضطرب حتى كاد أن يدل عليهما، فنهاه عن ذلك ﴿... إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ عالم بنا (﴿فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾ طمأنينة ﴿عَلَيْه﴾ ِ على الرسول، وفى إفراده ﷺ بها ههنا مع اشتراك المؤمنين معه حيث ذكرت ما لايخفى (٣) .\n_________\n(١) ص ٢٣٨، وراجع ما ذكرناه عن الإفك الذي جاء به القمي ص ١٩٠.\n(٢) ٣٧: الكهف.\n(٣) ص ٢٠٤ ومن الواضح البين أن صحبة الكافر غير صحبة الصاحب المختار، فالاتهام هنا اتهام لمن اختاره صاحبًا. ومن الواضح البين كذلك أن أي مؤمن يقل إيمانه عن الصديق بدرجات ودرجات يدرك أن موته يعنى موت رجل، وأن موت الرسول الكريم يعنى موت رسالة، وما أكثر الذين ضحوا في سبيل الرسالة والرسول! فكيف يخاف الصديق على نفسه ولا يخاف على من أرسل رحمة للعالمين! وخوف أبى بكر - ﵁ - على الرسول* *الأكرم كان ظاهرًا عندما سبقه إلى الغار ليستبرئه، وعندما كان يتقدمه ويتأخر عنه ... إلخ - أما ذكر إنزال السكينة عليه وليس عليهما فيكفى أن نذكر ما قاله أحد علمائهم عند قوله تعالى ... ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ \" ٣٧: البقرة\n\nقال الطبرسي: إنما قال \" فتاب عليه \" ولم يقل عليهما لأنه اختصر وحذف للإيجاز والتغليب، كقوله ﷾: \" ٦٢ التوبة: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضوهُ﴾، ومعناه أن يرضوهما، وقوله \" آخر الجمعة \": ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَ ...﴾ وكقول الشاعر:\nرمانى بأمر كنت منه ووالدى بريا ومن حول الطوى رمانى\nوقول الآخر:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف\nفكذلك معنى الآية: فتاب عليهما. \" مجمع البيان ١ / ٨٩، وراجع نقض ابن تيمية لما ذهب إليه أمثال شبر في ص ٥٥٧ من المنتقى \".","vol":"1","page":568},{"text":"ثالثًا: نجد شبرًا يغالى في أئمته، ويخضع القرآن الكريم لهذا الغلو، فيضيف إلى التحريف في النص تحريفًا في المعنى. انظر مثلًا تأويله لسورة القدر حيث يقول: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾: جبرائيل أو خلق أعظم من الملائكة ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ يأمره كل سنة إلى النبي وبعده إلى أوصيائه، ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾: بكل أمر قدر في تلك السنة أو من أجله، ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾: قدم الخبر للحصر أي ما هي إلاَّ سلامة أو سلام؛ لكثرة سلام الملائكة فيها على ولى الأمر (١) .\nوفى سورة المعارج، بعد أن ذكر أنها مكية، يقول:\n_________\n(١) ص ٥٦٢.","vol":"1","page":569},{"text":"﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾: دعا داع، ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾: نزلت لما قال بعض المنافقين يوم الغدير: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فرماه الله بحجر فقتله (١) .\nوفى الآية الثامنة من سورة هود يقول:\n﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾: أوقات قليلة، قال الصادق: هي أصحاب المهدى عدة أصحاب أهل بدر (٢) .\nهذا بعض ما جاء في تفسير شبر، وأظنه يكفى لبيان أثر الإمامة فيه، وهو وإن كان في منزلة بين المنزلتين، إلاَّ أنه إلى الغلو أقرب، وعن الاعتدال أكثر بعدًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>سادسًا: كنز العرفان</span>\nوبعد الانتهاء من النظر في تلك الكتب، نأتى إلى لون آخر من التفاسير، وهى تختص بآيات الأحكام فقط، رجعت إلى كتابين أحدهما يمثل جانب الاعتدال النسبى، والآخر سار في طريق الغلاة.\nالكتاب الأول هو \" كنز العرفان في فقه القرآن \"، لمقداد بن عبد الله السيورى الحلى (٣)، والكتاب ينتصر للأحكام التي استقر عليها رأى الشيعة الجعفرية، مخالفين بها كل المذاهب أو بعضها، فمثلًا عند قوله تعالى:\n_________\n(١) ص ٥٣١.\n(٢) ص ٢٢٨.\n(٣) عاش إلى أوائل القرن التاسع الهجرى.","vol":"1","page":570},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (١)، نراه يقف طويلًا عند عجز الآية، محاولًا إثبات أن الواجب مسح الرجلين لا غسلهما (٢) .\nوعند قوله ﷿ ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣)، حاول أن يثبت وجوب رد السلام في أثناء الصلاة (٤) .\nوالانتصار للفقه الشيعى الجعفرى من باحث جعفرى أمر متوقع، بل لا ينتظر غيره، ولكنه ينتهى أحيانًا إلى آراء أثر الإمامة يبدو فيها واضحًا، ومن أمثلة هذه الأراء ما يأتى:\nعند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٥) ينتهى إلى أن في الآية أحكامًا هي:\nأن المشركين أنجاس نجاسة عينية لا حكمية، وأن آثارهم وكل ما باشروه برطوبة نجس أيضًا، وأنه لا يجوز دخولهم المسجد الحرام، وكذا باقى المساجد لنصوص الأئمة. ثم يقول: \" لا فرق بينهم وبين الكفار عندنا في جميع ما تقدم للإجماع المركب، فإن كل من قال بنجاستهم عينًا قال بنجاسة كل كافر، ولأن أهل الذمة مشركون \" (٦) . وبالبحث عن باقى الكفار عندهم نجد أن الجعفرية توسعوا في\n_________\n(١) سورة المائدة: ٦.\n(٢) انظر ص ٩، ١٠.\n(٣) سورة النساء: ٨٦.\n(٤) انظر ص ٧٠ - ٧١.\n(٥) التوبة: ٢٨.\n(٦) انظر ص: ٢١ - ٢٢.","vol":"1","page":571},{"text":"مفهوم الكفر فحكموا بكفر كثير من المسلمين، حتى أن بعضهم اعتبر غير الجعفرى كافرًا مشركًا (١) .\nوفى قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢): يذكر مشروعية الصلاة على الآل تبعًا للنبى ﷺ، وجواز الصلاة عليهم \" لا تبعًا له بل إفرادًا كقولنا اللهم صلى على آل محمد، بل الواحد منهم لا غير \"، وأن الصلاة عليهم واجبة في الصلاة، ومستحبة في غيرها، ثم يقول: \" والذين يجب الصلاة عليهم في الصلاة، هم الأئمة المعصومون لإطباق الأصحاب على أنهم هم الآل، ولأن الأمر بذاك مشعر بغاية التعظيم المطلق الذي لا يستوجبه إلاَّ المعصومون، وأما فاطمة ﵍ فتدخل أيضًا لأنها بضعة منه ﷺ \".\nويذكر كذلك أن أئمته هم القائمون مقام الرسول ﷺ، وأن مقام إمامتهم اغتصب (٣) .\nوفى قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (٤) .\nينتهى إلى أحكام منها قوله: \" وجوب القصر، وإن كان عامًا لظاهر الآية، لكنه عندنا مخصوص بما عدا المواضع الأربعة: مسجد مكة، والمدينة، وجامع\n_________\n(١) انظر حكم سؤر الآدمى في الجزء الرابع من هذه الموسوعة، وراجع كذلك آراء من سبق الحديث عنهم من غلاة مفسريهم، وانظر ما كتبناه عن أصول الكافى وروضته في الجزء التالي.\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٥٦.\n(٣) انظر كتابه ص ٥٨ – ٦١.\n(٤) النساء: الآية ١٠١.","vol":"1","page":572},{"text":"الكوفة، والحاير الشريف، وعليه إجماع أكثر الأصحاب، لأن الإتمام فيها ... أفضل، لكونها مواضع شريفة تناسب التكثير من العبادة فيها \" (١) .\nسابعا ً: زبدة البيان\nذلك هو الكتاب الأول، أما الكتاب الثاني فهو \" زبدة البيان في أحكام القرآن\"، لأحمد بن محمد الشهير بالمقدسى الأردبيلى (٢) ولنتبين مدى غلوه، وأثر الإمامة فيه نعرض ما يأتى: -\nفي كتاب الطهارة ذكر أن الإيمان المطلق عند الجعفرية يدخل فيه التصديق والإقرار \" بالولاية والإمامة والوصاية لأهل البيت (ع) بخصوص كل واحد واحد \" (٣) .\nثم قال: فلنشر إلى ما يدل على كون أمير المؤمنين \" ع \" إمامًا، وهو غير محصور، ونقتصر على نبذ منه. منه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) .\nومما قاله في الآية الكريمة: \" ظاهر أنها في أمير المؤمنين وأصحابه الذين ارتدوا بعده من الخوارج، ومحاربيه يوم الجمل وصفين وغيره \".\nواستمر لبيان أنها فيه، واستدل بأحاديث لا تصلح للاستدلال هنا، وبأخرى موضوعة، إلى أن قال: وبالجملة الأوصاف كلها موجودة فيه، ويؤيد كونها فيه قوله تعالى متصلًا بالآية المذكورة:\n_________\n(١) ص ٨٨، وجامع الكوفة فيه محراب أمير المؤمنين على ﵁، وفيه ضربه بالسيف الشقى اللعين عبد الرحمن بن ملجم. \" راجع ما كتب عن المسجد ونظرة الشيعة في الجزء الرابع \". والمسجد الرابع هو الحاير الحسينى بكربلاء.\n(٢) توفى سنة ٩٩٣ هـ.\n(٣) ص ١٠.\n(٤) سورة المائدة: الآية ٥٤.","vol":"1","page":573},{"text":"﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ مع إجماع المفسرين على أنها في شأنه (١) .\nوفى كتاب الصلاة عاد الأردبيلى للحديث عن الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ليستدل بها على إمامة أمير المؤمنين، والأئمة الأحد عشر من ولده الذين تصدقوا في حال ركوعهم كذلك (٢) .\nوفى كتاب الطهارة ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، واستدل بها على وجوب عصمة الأئمة (٤) .\nوفى كتاب النكاح: ذكر أول سورة التحريم، وتحدث عن أسباب النزول، ثم قال: \" وفى السبب شئ عظيم لحفصة، ولعائشة أعظم، حيث كذبت وغدرت وفتنت، وأمرت بهذه المناكير، وحصل الأذى للنبى ﷺ بذلك (٥) .\nواستدلالًا بالآية الخامسة ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ ...\n_________\n(١) انظر الكتاب ص ١٠ – ١٤، وراجع ما كتبته عن آية الولاية في الجزء الأول.\n(٢) انظر ص ١٠٧ - ١١٠.\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٢٤.\n(٤) انظر ٤٧ - ٤٨.\n(٥) ص ٥٦٥.","vol":"1","page":574},{"text":"قال: \" وبالجملة هذه تدل على عدم اتصافهما بهذه الصفات، واتصاف غيرهما بها (١) .\nوبعد ذلك تحدث عن ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط، ثم قال: ... \" ولعل فيه تسلية للنبى وغيره من المؤمنين، بأنه لا يستبعد حصول امرأة غير صالحة للنبى وغيره، ودخولها النار، مع كون جسدها مباشرًا لجسده، ووجود الزوجية، وهى صريحة في ذلك، والمقصود واضح فافهم. وكذا رجاء من يتقرب بتزويجه وزوجيته ﷺ، ولهذا كانت أم حبيبة بنت أبى سفيان أخت معاوية أيضًا عنده ﷺ، وهى أحدى زوجاته، وأبوها كان أكبر رءوس الكفار، وصاحب حروبه ﷺ وأخرى صفية بنت حيى بن أخطب بعد أن أعتقها، وقد قتل أبوها على الكفر، وأخرى سودة بنت زمعة، وكان أبوها مشركًا ومات عليه، وقيل: قد زوج رسول الله ﷺ ابنتيه قبل البعثة بكافرين يعبدان الأصنام\" (٢) .\n_________\n(١) ص: ٥٧١.\n(٢) ص ٥٧٥، وجاء في الحاشية: \" قيل هما رقية وزينب كانتا بنتى هالة أخت خديجة، ولما مات أبوهما ربيتا في حجر رسول الله - ﷺ -، فنسبتا إليه كما كانت عادة العرب في نسبة المربى إلى المربى. وهما اللتان تزوجهما عثمان بعد موت زوجيهما \".\nوفى كتاب منهاج الشريعة، الذي ألفه محمد مهدى للرد على منهاج السنة النبوية ... لابن تيمية، جاء الحديث عن أختى الزهراء - ﵅ - في أكثر من موضع، ومما قاله: \" ما زعمه - أي ابن تيمية - من أن تزويج بنتيه لعثمان فضيلة له من عجائبه من حيث ثبوت المنازعة في أنهما بنتاه \" \" ٢ / ٢٨٩ \".\n\nوقال: \" لم يرد شئ من الفضل في حق من زعموهن شقيقاتها بحيث يميزن به ولو عن بعض النسوة \" \" ٢ / ٢٩٠ \".\nوقال: \" قد عرفت عدم ثبوت أنهما بنتا خير الرسل - ﷺ -، وعدم وجود فضل لهما تستحقان به الشرف والتقدم على غيرهما \" (٢ / ٢٩١) .\nولا أدرى كيف يستطيع من يهاجم بنات النبي - ﷺ - أن يزعم أنه محب لآل البيت؟ وكيف يقبل إخواننا الشيعة وجود أمثال هؤلاء بينهم؟","vol":"1","page":575},{"text":"بعد هذا لسنا في حاجة إلى ذكر المزيد لبيان أن هذا الكتاب يمثل جانب الغلو والتطرف والضلال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>ثامنًا: الميزان</span>\nبعد الحديث عن كتب للجعفرية الاثنى عشرية ظهرت في القرون السابقة أرى أن ننظر فيما كتب علماؤهم المعاصرون، لنرى إلى أي مدى لا يزال التأثر بعقيدة الإمامة في تناولهم لكتاب الله العزيز.\nومن أكثر الكتب انتشارًا وشهرة، ولها مكانتها عند شيعة اليوم كتاب ... \" الميزان في تفسير القرآن \": للسيد محمد حسين الطباطبائى (١) . وأهم آثار الإمامة في هذا الكتاب تبدو فيما يأتى: -\nأولا ً: عندما ينتصر لعقيدته في الإمامة، أو لشئ متصل بها، يقف من التحريف موقفًا غير حميد، ففى الحديث عن آية التطهير سبق أن أوردت قوله الذي يفيد احتمال وضع الصحابة للآيات في غير موضعها حيث قال \" ١٦ / ٣٣٠ \": \" الآية لم تكن بحسب النزول جزءًا من آيات نساء النبي، ولا متصلة بها، وإنما وضعت بينها: إما بأمر من النبي ﷺ، أو عند التأليف بعد الرحلة \" (٢) .\nوعند الحديث عن موقف شبر من التحريف ذكرت ما نسبه لأئمته من زيادة كلمة \" أو محدث \" بعد قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، وذكرت كذلك تفسير شبر للمحدث بأنه الإمام يسمع الصوت ولا يرى الملك. وصاحب الميزان نراه يقول: \" الروايات في معنى المحدث عن أئمة أهل البيت\n_________\n(١) سبق ثناؤه على تفسير العياشى - الضال المضل - بدلًا من أن يكفره، مما يبين اتجاه صاحب تفسير الميزان هذا: فلم ينكر تحريفه للقرآن الكريم، ولا تكفيره للصحابة الكرام، ولا غير ذلك من ضلاله الذي بيناه.\n(٢) راجع ما كتب عن آية التطهير في الجزء الأول.","vol":"1","page":576},{"text":"كثيرة جدًا، رواها في البصائر والكافى والكنز والاختصاص وغيرها. وتوجد في روايات أهل السنة أيضًا \" (١) .\nوإذا كان قوله ينحصر في معنى المحدث، إلاَّ أن روايات أئمته التي أشار إليها تتناول زيادة الكلمة في الآية الكريمة ومعناها (٢) .\nأما روايات أهل السنة فنجدها في الصحيحن وغيرهما: ففى البخاري \" قال رسول الله ﷺ: لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتى أحد فإنه عمر \" (٣) .\nوفى مسلم: عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: \" قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون، فإن يك في أمتى منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم. قال ابن وهب: تفسير محدثون ملهمون \" (٤) .\nوفى الترمذى أن الرسول ﷺ أنه قال: \" قد كان يكون الأمم محدثون، فإن يك في أمتى أحد فعمر بن الخطاب \" وزاد الترمذى: \" قال سفيان بن عيينة: محدثون يعنى مفهون \" (٥) .\nفهذه الروايات إذن ليس فيها تحريف للقرآن الكريم، أو زعم استمرار الوحى وسماع صوته.\nوعند قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٦) .\n_________\n(١) الميزان ٣ / ٢٤٠.\n(٢) انظر الكافى ١ / ١٧٦ – ١٧٧ \" باب الفرق بين الرسول والنبى والمحدث \".\n(٣) انظر كتاب المناقب – باب مناقب عمر بن الخطاب.\n(٤) انظر كتاب فضائل الصحابة – باب من فضائل عمر.\n(٥) راجع أبواب المناقب – باب مناقب عمر.\n(٦) سورة النساء: الآية ٢٤.","vol":"1","page":577},{"text":"روى عن أئمته بأنها إنما نزلت ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ثم يعقب بقول عام يبين رأيه في هذه الرواية وأمثالها حيث يقول:\n\" لعل المراد بأمثال هذه الروايات الدلالة على المعنى المراد من الآية دون النزول اللفظى \" (١) .\nفهو إذن لا يجزم بالتحريف أو عدمه، أي أنه في منزلة بين القمي والطوسى.\nثانيًا: بينا لجوء الطوسى والطبرسى لتأويل بعض أي القرآن الكريم للاستدلال على عقيدة الإمامة، وهنا نجد صاحب الميزان يزيد عنهما غلوًا وافتراء، فمثلًا آية الولاية التي تحدثنا عنها في الجزء الأول، نرى الطباطبائى يتناولها في أكثر من عشرين صفحة محاولًا أن يثبت بها الولاية، وضلال من لا يشاركه عقيدته، ويذكر أن عليًا حاج أبا بكر بها فاعترف بأن الولاية لعلى (٢) .\nوعند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (٣) . نراه يقول: \" على الناس أن يطيعوا الرسول فيما بينه بالوحى، وفيما يراه من الرأى، وأما أولو الأمر منهم - كائنين من كانوا - لا نصيب لهم من الوحى، وإنما شأنهم\n_________\n(١) ٤ / ٣٠٨.\n(٢) راجع تفسيره ٦ / ٢: ٢٤.\n(٣) سورة النساء: الآية ٥٩.","vol":"1","page":578},{"text":"الرأى الذي يستصوبونه، فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول في رأيهم وقولهم، ولذلك لما ذكر وجوب الرد والتسليم عند المشاجرة لم يذكرهم بل خص الله والرسول \". (١) ثم قال: \" وبالجملة لما لم يكن لأولى الأمر هؤلاء خيرة في الشرائع، ولا عندهم إلا ما لله ورسوله من الحكم - أعنى الكتاب والسنة - لم يذكرهم الله ﷾ ثانيا، عند ذكر الرد. فلله تعالى إطاعة واحدة وللرسول وأولى الأمر إطاعة واحدة \" (٢) . ويبدو الاعتدال هنا في اختصاص الوحى بالرسول - ﷺ - ولكنه جعل رأى أولى الأمر كرأى الرسول سواء بسواء، وطاعتهم داخلة في طاعة الرسول، لينتهى من هذا إلى وجوب عصمتهم والنص عليهم، وأنهم هم أئمة الجعفرية! وذكر روايات تؤيد ما ذهب إليه، فأحال كتاب الله تعالى إلى كتاب من كتب الإمامة عند الجعفرية.\nونكتفى هنا بذكر إحدى رواياته، وتعقيبه عليها، ليتضح مدى الغلو والافتراء، وهاك نص الرواية: \" في تفسير البرهان عن ابن بابويه، بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصارى. لما أنزل الله ﷿ على نبيه محمد - ﷺ: \" \"\" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ \"\" \" قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال: هم خلفائى ياجابر، وأئمة المسلمين من بعدى، أولهم على بن أبى طالب، ثم الحسين، ثم على بن الحسين، ثم محمد بن على المعروف في التوراة بالباقر، ستدركه ياجابر، فإذا لقيته فأقرئه منى السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم على بن موسى، ثم محمد بن على، ثم على بن محمد، ثم الحسين بن\n_________\n(١) ٤ / ٤١٣.\n(٢) ٤ / ٤١٤، وانظره إلى ص ٤٣٩.","vol":"1","page":579},{"text":"على، ثم سميى محمد وكنيى، حجة الله في أرضه، وبغيته في عباده، ابن الحسن ابن على، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان.\nقال جابر: فقلت له: يارسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال ﷺ: أي والذى بعثنى بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله! \" ثم عقب الطباطبائى بقوله: \" وعن النعمانى.. عن على ما في معنى الرواية السابقة، ورواها على بن إبراهيم بإسناده عن سليم عنه، وهناك روايات أخر من طرق الشيعة وأهل السنة! ومنها ذكر إمامتهم بأسمائهم، من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى كتاب ينابيع المودة، وكتاب غاية المرام للبحرانى، وغيرهما \" (١) .\nثالثًا: وهو يتحدث عن منهجه في التفسير، واستدلاله بالروايات قال: \" وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من أبحاث روائية، نورد فيها ما تيسر لنا إيراده من الروايات المنقولة عن النبي ﷺ، وأئمة أهل البيت ﵈، من طرق العامة والخاصة. وأما الروايات الواردة عن مفسرى الصحابة والتابعين فإنها على ما فيها من الخلط والتناقض لا حجة فيها على مسلم \" (٢) .\nوبالاطلاع على هذه الأبحاث الروائية وجدنا أنه لا يفترق كثيرًا عن القمي والعياشى وأضرابهما، وعنهم أخذ أكثر رواياته، ولنضرب بعض الأمثلة:\n_________\n(١) ٤ / ٤٣٥ – ٤٣٦، وانظر تفسيره إلى ص ٤٣٩ تجد روايات أخرى موضوعة كذلك – لتأييد ما ذهب إليه من عقيدة أثبتنا بطلانها في أكثر من كتاب.\n(٢) ١ / ١١ -١٢.","vol":"1","page":580},{"text":"من هذه الروايات \" أن آدم لما أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنة، قال: هل خلق الله بشرًا أفضل منى؟ فعلم الله ﷿ ما وقع في نفسه فناداه، ارفع رأسك يا آدم، وانظر إلى ساق العرش، فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوبًا: لا إله إلاَّ الله، محمد رسول الله، على بن أبى طالب أمير ... المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال ﷿: يا آدم، هؤلاء ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقى، ولولاهم ما خلقتك، ولا الجنة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد، فأخرجك عن جوارى، فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم، فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهى عنها، وتسلط على حواء فنظرت إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجهما الله تعالى من جنته، وأهبطهما من جواره إلى الأرض \".\nثم عقب صاحب الميزان بقوله: \" وقد ورد هذا المعنى في عدة روايات، بعضها أبسط من هذه الرواية وأطنب، وبعضها أجمل وأوجز \" (١) .\nوروى عن الكلينى في قوله تعالى \" ٣٧: البقرة \": ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: \" سأله بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين \". وعقب يقوله: \" وروى هذا المعنى أيضًا الصدوق والعياشى والقمى وغيرهم \" (٢) .\n_________\n(١) ١ / ١٤٤- ١٤٥.\n(٢) ١ / ١٤٩.","vol":"1","page":581},{"text":"وروى عن الكلينى أيضًا: \" إن الله أعز وأمنع من أن يظلم، أو ينسب نفسه إلى الظلم، ولكنه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته، ثم أنزل الله بذلك قرآنًا على نبيه فقال: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١)\nوعن الكافى كذلك: \" إذا جحدوا ولاية أمير المؤمنين فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون \" (٢) .\nوعن العياشى أن الإمام الصادق قال: \" الذين باءوا بسخط من الله هم الذين جحدوا على وحق الأئمة منا أهل البيت، فباءوا بسخط من الله \" (٣) .\nوعنه كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٤) عن الإمام الصادق: نحن نعنى بها، والله المستعان، إن الواحد منا إذا صارت إليه لم يكن له أو لم يسعه إلاَّ أن يبين للناس من يكون بعده (٥) .\nوعن العياشى أيضًا أن الرسول ﷺ كان يقول: \" لا دين لمن لا تقية له \" (٦) .\n_________\n(١) ١ / ١٩٣، والآية هي رقم ٥٧ من سورة البقرة، ١٦٠: الأعراف.\n(٢) ١/ ٢١٩.\n(٣) ٤ /٧٣.\n(٤) البقرة: الآية ١٥٩.\n(٥) الميزان: ١ / ٣٩٧.\n(٦) ٣ / ١٧٤.","vol":"1","page":582},{"text":"وعن القمي والكافى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، رويا أنها نزلت في ولاية الإمام على (١) .\nومن هذا كله يتضح أثر الإمامة في هذا التفسير، وهو بلا شك أكثر غلوًا من تفسير الطوسى، بل من الطبرسي، وأبحاثه الروائية نقلها من القمي والعياشى والكلينى وغيرهم، فهو في هذا لا يكاد يفترق عن باقى الضالين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>تاسعًا: التفسير الكاشف</span>\nإذا كان التبيان للطوسى - كما رأينا - هو أكثر الكتب اعتدالًا أو أقلها غلوًا، فإن عصرنا شهد بعض الكتب في التفسير الشيعى لا تقل عنه اعتدالا، ولا تزيد عنه غلوا. من هذه التفاسير كتابان: أحدهما \" التفسير الكاشف \" للعالم الجعفرى اللبنانى المشهور: محمد جواد مغنية، ومظاهر الاعتدال نراها فيما يأتى:\nأولًا: في بيانه لمنهجه في التفسير، حيث يقول:\nاعتمدت - قبل كل شىء - في تفسير الآية وبيان المراد منها على حديث ثبت في سنة الرسول ﷺ لأنها ترجمان القرآن، والسبيل إلى معرفة معانيه: ... ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٢) .\nفإذا لم يكن حديث من السنة اعتمدت ظاهر الآية، وسياقها، لأن المتكلم الحكيم يعتمد في بيان مراده على ما يفهمه المخاطب من دلالة الظاهر، كما أن المخاطب بدوره يأخذ بهذا الظاهر، حتى يثبت العكس.\nوإذا أوردت آية ثانية في معنى الأولى، وكانت أبين وأوضح، ذكرتهما معًا، لغاية التوضيح، لأن مصدر القرآن واحد، ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض.\n_________\n(١) انظر ٩ / ٥٩ - ٦٠، والآية الكريمة في سورة الأنفال: الآية ٢٤.\n(٢) سورة الحشر: الآية ٧.","vol":"1","page":583},{"text":"وإذا تعارض ظاهر اللفظ مع حكم العقل وبداهته، أولت اللفظ بما يتفق مع العقل باعتباره الدليل والحجة على وجوب العمل بالنقل.\nوإذا تعارض ظاهر اللفظ مع إجماع المسلمين في كل عصر ومصر على مسألة فقهية حملت الظاهر على الإجماع، كقوله تعالى (إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ «١)، حيث دلت \" فاكتبوه \" على الوجوب، والإجماع قائم على استحباب كتابة الدين، فأحمل الظاهر على الاستحباب دون الوجوب.\nأما أقوال المفسرين فلم أتخذ منها حجة قاطعة، ودليلًا مستقلًا، بل مؤيدًا ومرجحًا لأحد الوجوه إذا احتمل اللفظ لأكثر من معنى، فلقد بذل المفسرون جهودًا كبرى للكشف عن معاني القرآن وأسراره وإبراز خصائصه وشوارده، وأولوا كتاب الله من العناية ما لم يظفر بمثلها كتاب في أمة من الأمم قديمها أو حديثها.\nوإن في المفسرين أئمة كبارًا في شتى علوم القرآن التي كانت الشغل الشاغل للمسلمين في تاريخهم الطويل، فإذا لم تكن أقوال هؤلاء الأقطاب حجة، كقول المعصوم، فإنها تلقى ضوءًا على المعنى المراد، وتمهد السبيل إلى ... تفهمه (٢) .\nثانيًا: في التزامه بهذا المنهج إلى حد كبير:\nمثال هذا ما ذكره في تفسير الفاتحة عند قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ قال: \" جاء في بعض الروايات أن المغضوب عليهم هم اليهود،\n_________\n(١) ٢٨٢: سورة البقرة، والآية كتبت في التفسير الكاشف خطأ حيث سقط منها \" إلى أجل مسمى \".\n(٢) ١ / ١٦.","vol":"1","page":584},{"text":"والضالين هم النصارى، ولكن لفظ الآية عام لا تخصيص فيه، ولا استثناء، فكل مطيع تشمله نعمة الله ورحمته، وكل عاص ضال ومغضوب عليه \" (١) .\nوعند تفسير الآيات من \" ١١١ إلى ١١٣ \" من سورة البقرة، أشار إلى أن اليهود والنصارى يكفر بعضهم بعضًا، ثم وضع عنوانًا نصه: \" أيضًا المسلمون يكفر بعضهم بعضًا \"، وتحت هذا العنوان قال:\nوإذا كان اليهود بحكم الطائفة الواحدة، لأن التوراة تعترف بعيسى، والإنجيل يعترف بموسى، فبالأولى أن تكون السنة والشيعة طائفة واحدة، حقيقة وواقعة: لأن كتابهم واحد، وهو القرآن، لا قرءانان، ونبيهم واحد، وهو محمد، لا محمدان، فكيف إذن يكفر بعض من الفريقين إخوانهم في الدين؟\nولو نظرنا إلى هذه الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ (٢)، ولو نظرنا إليها بالمعنى الذي بيناه، واتفق عليه جميع المفسرين، ثم قسنا من يرمى بالكفر أخاه المسلم - لو نظرنا إلى الآية، وقسنا هذا بمقياسها لكان أسوأ حالًا ألف مرة من اليهود والنصارى.. (لقد كفر اليهود النصارى وكفر النصارى اليهود، ﴿وَهُمْ يتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي التوراة والإنجيل، فكيف بالمسلم يكفر أخاه المسلم، وهو يتلو القرآن؟ فليتق الله الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقلوبهم عمى عن معانيه ... ومراميه (٣) .\n_________\n(١) ١ / ٣٥.\n(٢) سورة البقرة: الآية ١١٣.\n(٣) ١ / ١٨٠.","vol":"1","page":585},{"text":"وفى تفسير سورة الأنفال \" الآيات ٧٢: ٧٥ \" تحدث عن المهاجرين والأنصار فقال: ما قرأت شيئًا أبلغ من وصف الإمام زين العابدين \" ع \" للمهاجرين والأنصار وهو يناجى ربه، ويطلب لهم الرحمة والرضوان بقوله:\n\" اللهم أصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا، وأبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوا وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له، حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته ... فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك ... وكانوا مع رسولك لك إليك \".\nوبعد أن ذكر الشيخ مغنية قول الإمام قال:\nملحوظة: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة، وتقدس كل حرف منها، وهى رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة (١) .\nوفى تفسير سورة الرعد \" الآيات ٣٥: ٣٨ \" قال تحت عنوان \" الشيعة الإمامية والصحابة \": دأب بعض المأجورين والجاهلين على إثارة الفتن والنعرات بين المسلمين لتشتيت وحدتهم وتفريق كلمتهم، دأبوا على ذلك عن طريق الدس والافتراء على الشيعة الإمامية، وذلك بأن نسبوا إليهم النيل من مقام الصحابة، وتأليه على، والقول بتحريف القرآن الذي يهتز له العرش ... وما إلى ذلك من الكذب والبهتان ... (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ «٢) قال الطبرسي: \" يريد الله سبحانه أصحاب النبي ﷺ الذين آمنوا به، وصدقوه\n_________\n(١) ٣ / ٥١٥.\n(٢) سورة الرعد: الآية ٣٦.","vol":"1","page":586},{"text":"وأعطوا القرآن، وفرحوا بإنزاله \" ... ولو كانوا ينالون من مقام الصحابة لاتجه شيخهم الطبرسي في تفسير هذه الآية إلى غير هذا الوجه (١) .\nوفى تفسير سورة التحريم يقول عن الآية الرابعة: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: أي مالت إلى الحق، ثم يقول مشيرًا إلى حفصة وعائشة من أمهات المؤمنين: فإن تابتا وأصلحتا فقد مال قلباهما إلى أمر الله والإخلاص لرسوله، وإن أصرتا على التعاون ضد الرسول فإن الله وليه وناصره، وأيضًا يعينه ويؤازره جبريل، وجميع الملائكة والمؤمنين الصالحين (٢) .\n_________\n(١) ٤ / ٤١٢.\n\nنلاحظ على إخواننا الشيعة الذين يتجهون نحو الاعتدال والابتعاد عن الغلو، أنهم يتجاهلون الواقع ويقعون في التناقض، والصحابة الكرام، رضي الله عنهم ورضوا عنه، لهم مقام معلوم عند الله تعالى، وعند جمهور المسلمين. وما نقله الشيخ مغنية مدحًا في الصحابة هو عين الحق بلا أدنى ريب، ولكننا نلاحظ أن ما ذكره في تفسير سورتى الأنفال والرعد كأنما جاء للدفاع عن الشيعة لا الصحابة! فالشيخ مغنية نفسه أثنى على كتاب بحار الأنوار للمجلسى أيما ثناء، ورأينا من قبل في دراستنا لهذا الكتاب أن صاحبه يرى تحريف القرآن الكريم، ويكفر الصحابة وعلى الأخص الخلفاء الراشدون الثلاثة. وأشرت من قبل بعد دراسة ... تفسير القمي الضال المضل إلى التناقض الذي وقع فيه السيد أبو القاسم الخوئى - مرجع الشيعة السابق بالعراق - حيث ذهب إلى صحة جميع روايات هذا التفسير، والخوئى يقطع بعدم تحريف القرآن الكريم، والقمى يجزم بتحريفه، ويكفر الصحابة ويلعنهم، والكلينى صاحب كتاب الكافى أعظم كتاب عندهم - ذهب مذهب شيخه القمي في التكفير والتحريف.\nفكان على الشيخ مغنية - وأمثاله ممن ينشدون الاعتدال - ألا يتجاهلوا الواقع، وألا يقعوا في التناقض، كان عليهم إذن أن يهاجموا القمي والكلينى والعياشى والمجلسى وأمثالهم، ويبينوا أن هؤلاء ليسوا من شيعة الإمام زين العابدين، وغيره من الأئمة الأطهار، فضلًا عن أن يكونوا من أعلام الشيعة الثقات، كان عليهم هذا بدلًا من أن يهاجموا من يذكر الواقع والحقيقة!!\n(٢) ٧ / ٣٦٤.","vol":"1","page":587},{"text":"وبعد تفسير سورة الليل يقول: قال الشيخ محمد عبده: روى المفسرون هنا أسبابأ للنزول، وأن الآيات نزلت في أبى بكر، ومتى وجد شىء من ذلك في الصحيح لم يمنعا من التصديق به مانع، ولكن معنى الآيات لا يزال عامًا (١) .\nمن هذا نرى أن الشيخ مغنية في تفسيره يمثل جانب الاعتدال النسبى عند الجعفرية في المنهج والتطبيق، وبالطبع لا يخلو تفسيره من التأثر بعقيدته في الإمامة، فعلى سبيل المثال:\nنراه ينسب لأمير المؤمنين على بن أبى طالب - ﵁ - أنه قال: \" ذاك القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق \" (٢)، وناقشنا هذا من قبل (٣) .\nكما نراه يتحدث عن عصمة أهل البيت (٤)، وعن الإمامة وفكرة العصمة (٥) . ويتحدث عن المهدى المنتظر في أكثر من موضع (٦)، غير أنه كان يذكر بعض الأحاديث التي صحت عن طريق أهل السنة (٧) .\n_________\n(١) ٧ / ٥٧٦.\n(٢) ١ / ١٠، ١ /٣٩.\n(٣) راجع ص ١٣٥ وما بعدها.\n(٤) انظر ١ /٨٨.\n(٥) ١ / ١٩٦ - ١٩٩.\n(٦) انظر ١ / ٢٠٦، ٥ / ٥٧، ٥/ ٣٠٢.\n(٧) ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو داود في سننه، واعترف الشيخ مغنية بصحته، وهو: \" قال رسول الله - ﷺ -: لو لم يبق من الدنيا إلاَّ يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلًا من أهل بيتى، يواطئ اسمه اسمى، واسم أبيه اسم أبى، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا \" \" ٥/٣٠٢ \"، والشيخ مغنية هنا وقع في التناقض الذي أشرنا إليه من قبل، لأن هذا الحديث الشريف يخالف عقيدته في المهدى، حيث يعتقد أنه محمد بن الحسن العسكرى، وليس محمد بن عبد الله الذي سيبعث قبيل الساعة.","vol":"1","page":588},{"text":"ويتحدث عن التقية ويقول: \" من خص التقية بالشيعة فقط، وشنع بها عليهم، فهو إما جاهل، وإما متحامل \" (١) .\nويفصل القول في الحديث عن الخمس، ويهاجم أبا سفيان وحفيده يزيد، ذاكرا قول الشاعر:\nفابن حرب للمصطفى وابن هند ... لعلى وللحسين يزيد (٢)\n\nوفى تفسير سورة آل عمران \" الآيات ٣٣: ٣٧ \" يضع هذا العنوان: \" فاطمة ومريم \"، ويذكر تحته حقًا وباطلًا، ويشير إلى أن فاطمة كمريم، وعلى كزكريا، كان كلما دخل عليها وجد عندها رزقًا من عند الله تعالى (٣) .\nوفى تفسير سورة النساء \" الآيتين ٩٥، ٩٦ \" يتحدث عن تفسير الآيتين، وتحت عنوان: \" على وأبو بكر \"، يجادل ليصل إلى أفضلية على بحهاده وعلمه، وفى آخر جدله العقيم يقول: منزلة على من العلم لا تدانيها منزلة واحد من الصحابة على الإطلاق، وكفى شاهدًا على ذلك ما تواتر عن الرسول الأعظم \" أنا مدينة العلم وعلى بابها \". وقد حفظ التراث الإسلامى من علم على ما لم يحفظه لأبى بكر، ولا لغيره من الصحابة (٤) .\n_________\n(١) وانظر بحث التقية والأسباب التي جعلتها مبدأ خاصًا بالشيعة في الفصل الخامس من الجزء السابق.\n(٢) انظر ٣ / ٤٨٢-٤٨٤.\n(٣) انظر ٢ / ٥٠-٥١.\n(٤) انظر ٢ / ٤١٤ - ٤١٦.\nوالحديث الذي ذكر أنه متواتر، قال عنه الدار قطنى في العلل: هذا حديث مضطرب غير ثابت، وقال الترمذى: منكر، وقال البخاري: ليس له وجه صحيح، وقال يحيى بن معين: كذب لاأصل له، وذكره ابن الجوزى في الموضوعات \" انظر كشف الخلفاء ١ /٢٠٣ - ٢٠٥ وراجع فيه الآراء المختلفة حول هذا الحديث، وانظر أيضًا: فيض القدير ٣/٤٧٠٤٦، والمقاصد الحسنة ٩٧، وذكرت تخرج الحديث من قبل. *\n*وروى الإمام البخاري بسنده عن محمد بن الحنفية قال: \" قلت لأبى: أي الناس خير بعد رسول الله - ﷺ - قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال \" ثم عمر \" قال ابن تيمية: قد روى هذا عن على من نحو ثمانين طريقا، وهو متواتر عنه. \" انظر جامع الرسائل١ / ٢٦١ \" واذكر هذا هنا من باب التذكير، فليس هنا مجال لمناقشة مثل هذه الآراء.","vol":"1","page":589},{"text":"وفى سورة المائدة: وعند تفسير الآية الثالثة من السورة، تحت عنوان \" إكمال الدين وإتمام النعمة \"، نراه يتظاهر بأنه يعرض رأى كل من الشيعة والسنة فقط، لينتهى من هذا إلى خلافة على  (ويشير إلى كتاب الغدير ككتاب قيم، وأن هذا الكتاب ذكر رواة حديث الغدير، وهم ١٢٠ صحابيًا، ٨٤٠ تابعًا، ٣٦٠ إمامًا وحافظًا للحديث، وفيهم الحنفى والشافعى وغيرهما، كل ذلك نقله عن كتب ... السنة (١) .\nوعند تفسير الآية الخامسة والخمسين من السورة ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ يذكر كغيره أنها نزلت في على بن أبى طالب (٢) .\nثم يعود إلى الغدير عند تفسير الآية السابعة والستين من سورة المائدة أيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ...﴾ ويذكر أن الشيعة استدلوا بأحاديث رواها أهل السنة (٣) .\n_________\n(١) انظر ٣ /١٣-١٥، وراجع ما كتبته فيما سبق عن الغدير في الفصل الثالث من الجزء الأول، وفيه إشارة لكتاب الغدير المذكور، وبعض أكاذيبه وافتراءاته، وإثبات أن حديث الغدير في التمسك بالكتاب والعترة كوفى المنشأ، ليس له طريق إلاَّ عن المجروحين من شيعة الكوفة!\n(٢) انظر ٣ / ٨١ وانظر مناقشة ما ذهبوا إليه في الجزء السابق.\n(٣) انظر ٣ / ٩٦ - ٩٩.","vol":"1","page":590},{"text":"وعند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ يذكر ما ذهب إليه الشيعة، وبين أدلتهم، محاولاإثبات صحة ما ذهبوا إليه (١) .\nوفى سورة الشورى، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، يقول عن البحر المحيط: هم على وفاطمة والحسن والحسين، ويقول أيضًا: ونقل بعض المفسرين رواية، في سندها معاوية، ومؤدى هذه الرواية أن معنى الآية: قل يا محمد لقريش: ناشدتكم الرحم أن لا تؤذونى. ثم أخذ يناقش ليثبت أنها في الأربعة (٢) .\n_________\n(١) انظر ٦ / ٢١٦ - ٢١٨.\n(٢) انظر ٦ /٥٢٢ -٥٢٣.\nوما ذكره عن البحر المحيط لا يمثل رأى أبى حيان، ولا يبين أنه يرى صحة هذا الخبر، فأبو حيان جمع أخبارًا - صحيحة أو غير صحيحة - وأثبتها في تفسيره، ومنها هذا الخبر الذي لا يقبل، فالسورة مكية، أي أنها نزلت قبل أن يولد الحسن والحسين بسنوات، أما إذا أردنا أن نبحث عن الصحيح فإنا نرى الإمام البخاري يروى في صحيحه بسنده عن ابن عباس - ﵄ أنه سئل عن قوله ﴿إلا المودة في القربى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد - ﷺ -، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي - ﷺ - لم يكن بطن من قريش إلاَّ كان له فيهم قرابة، فقال: إلاَّ أن تصلوا ما بينى وبينكم من القرابة، \" كتاب التفسير سورة حم عسق باب ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾\nوقال ابن حجر في فتح البارى في شرحه لهذا الخبر: قال ابن عباس: عجلت: أي أسرعت في التفسير، وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا، فأخرج الطبري وابن أبى حاتم، من طريق قيس بن الربيع، عن الأعمش عن سعيد بن جبير، * * عن ابن عباس قال: لما نزلت قالوا: يا رسول الله، من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ الحديث، وإسناده ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح.\n\nأما ذكر الشيخ مغنية لمعاوية، يريد أن يلمزه، ففيه بعد عن الحق، فعلى الرغم مما حدث بينه وبين سيدنا على لم يرد عن طريقه حديث واحد فيه طعن للإمام على، وكل الأحاديث التي صحت عن طريق معاوية ليس فيها أي مطعن، وقد جمع ابن الوزير- وهو من علماء الشيعة الزيدية - ما روى عن طريق معاوية في الصحاح الستة، وأثبت صحته من طرق ليس فيها معاوية. ﵁. \" انظر الروض الباسم في الذب عن سنة أبى القاسم ٢/١١٤ - ١١٩\".","vol":"1","page":591},{"text":"هذه بعض الأمثلة التي تبين أثر الإمامة في هذا التفسير، ومع هذا كله فالشيخ مغنية يمثل جانب الاعتدال إلى حد ما في عصرنا الحديث، وتفسيره يبين منهجه الذي يمثل الحق في بعض جوانبه، غير أنه لا يخلو من الغلو والضلال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>عاشرًا: البيان</span>\nوالكتاب الثاني الذي يمثل جانب الاعتدال، والبعد عن الغلو إلى حد ما ظهر في عصرنا هذا، هو \" البيان \" في تفسير القرآن \" ألفه السيد أبو القاسم الموسوى الخوئى \"، المرجع السابق للجعفرية بالعراق. ومع أن الكتاب لم يظهر منه إلاَّ المجلد الأول الذي يشمل المدخل وتفسير الفاتحة، إلاَّ أننا انتهينا إلى هذا الرأى لما يأتى:\nأولا ً: جاء في مقدمة الكتاب: \" سيجد القارئ إني لا أحيد في تفسيرى هذا عن ظواهر الكتاب ومحكماته، وما ثبت بالتواتر أو بالطرق الصحيحة من الآثار الواردة عن أهل بيت العصمة من ذرية الرسول ﷺ، وما استقل به العقل الفطرى الصحيح الذي جعله الله حجة باطنة كما جعل نبيه - صلى الله عليه وعلى آله-وأهل بيته المعصومين ﵈ حجة ظاهرة، وسيجد القارئ أيضًا إني كثيرًا","vol":"1","page":592},{"text":"ما أستعين بالآية على فهم أختها، وأسترشد القرآن إلى إدراك معاني القرآن، ثم أجعل الأثر المروى مرشدًا إلى هذه الاستفادة (١) . ... وفى بيانه لأصول التفسير قد فصل ما أجمله هنا (٢) .\nثانيا: أنه قد أسهب وأفاض في إثبات صيانة القرآن الكريم من التحريف (٣)، وهو لا يكفر المخالفين لطائفته، بل يرى ويروى أن الإسلام يدور مدار الإقرار بالشهادتين (٤) .\nثالثًا: أنه أفاض كذلك في الحديث عن حجية ظواهر القرآن (٥) .\nرابعًا: أنه التزم بمنهجه هذا في تفسيره لفاتحة الكتاب، والقارئ لتفسيره يلمس هذا بوضوح.\nومع هذا فأثر الإمامة نراه في قوله بصحة إطلاق الأسماء الحسنى على الأئمة (٦)، وبوجوب طاعتهم والخضوع لهم والتوسل بهم (٧)، وفضل السجود على التربة الحسينية (٨) وجواز تقبيل قبورهم وتعظيمها (٩)، وأن عبادتهم لله تعالى لا\n_________\n(١) ص ٢٢.\n(٢) انظر ص ٤٢١: ٤٢٧.\n(٣) راجع ص ٢١٥: ٢٧٨.\n(٤) راجع ص ٥٠٩، ٥٦٣، ٥٦٤.\n(٥) انظر ص٢٨١ -٢٩١.\n(٦) انظر ص ٤٦١.\n(٧) راجع ص ٤٩٩، ٥٠١، ٥٠٢.\n(٨) راجع ص ٥٠٥.\n(٩) انظر ٥٠٨.","vol":"1","page":593},{"text":"يرقى إليها إلاَّ المعصوم (١)، وأنهم المأذون لهم في الشفاعة فيشفعون للشيعة، فلا يردهم ربهم ﷿ (٢) .\nهذا ما جاء في ثنايا تفسيره تأثرًا بعقيدته، وهو لا ينزله عن مرتبة الطوسى في تبيانه. وبالطبع نتمنى أن يجعلوا ما يتصل بالإمامة في كتب أخرى غير كتب التفسير، ولكن السيد الخوئى إذا أتم تفسيره على المنهج الذي بينه فإنه أفضل بكثير من الكتب المنتشرة في الوسط الجعفرى الآن.\nوبعد: فهذه الكتب تمثل منهجين مختلفين في التفسير عند شيعة اليوم، يبين أحدهما أن الوسط الجعفرى لما يتطهر من أولئك الذين يخضعون كتاب الله العزيز لأهوائهم وشهواتهم تأثرًا بعقيدتهم في الإمامة، ويكشف الآخر عن وجود من ينشد الاعتدال، ويحكم العقل لا الهوى إلى حد ما، وإن لم يخل من الغلو والضلال.\n_________\n(١) انظر ص ٥١٠.\n(٢) انظر ص ٥١٥.","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الفصل السابع\nنظرة عامة لباقي كتب التفسير</span>\nبعد الدراسة السابقة لستة عشركتابا من كتب التفسير الشيعى ننظر في \" الذريعة إلى تصانيف الشيعة \" لأقابزرك الطهرانى، لمزيد من التوضيح.\nفي كتاب الذريعة نجد الإشارة إلى عدد كبير جدًا من كتب التفسير الشيعى، ونجد عنوان بعض هذه الكتب يغنى عن النظر فيها، فهى مثل ما ذكرته من قبل عند الحديث عن كتاب \" تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة \".\nوبعض هذه الكتب لا يظهر أثر الإمامة في العنوان ولكن يظهر هذا الأثر عند الإشارة إلى موضوع الكتاب، ونذكر هنا عددًا من هذه الكتب التي حاول أصحابها إخضاع كتاب الله المجيد لأهوائهم، كما نثبت شيئًا من تعليق صاحب كتاب الذريعة. وترتيب الكتاب ألفبائى، فلا حاجة لذكر الأجزاء والصفحات.\n(١) آيات الأئمة:\nفارسى، في بيان الآيات المتعلقة بالإمامة، وفضائل الأئمة، لمؤلفه مير محمد على الأريجانى الطهرانى المتوفى بها سنة ١٣٢٣.\n(٢) آيات الأئمة:\nوذكر في حرف التاء بعنوان \" تفسير آيات الأئمة \" فارسى. قال صاحب الذريعة: في ذكر آيات تستخرج منها بالزبر والبينات أسماء الأئمة، وبعض أوصافهم وخصوصياتهم، للعالم الكامل ميرزا على نقى الهمدانى، المتوفى عام ١٢٩٧.\n(٣) الآيات البينات:\nأو: بيان الآيات بالزبر والبينات: قال: للمولى المعاصر يوسف بن أحمد بن يوسف الجيلانى النجفى، استخرج فيه بالزبر والبينة أسامى المعصومين الأربعة عشر، وبعض خصوصياتهم من ستين آية من آيات القرآن.","vol":"1","page":595},{"text":"قلت: مراده بالمعصومين الذين أشركهم مع الرسول ﷺ، الأئمة الاثنا عشر، والسيدة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها. ونلاحظ ثناءه على الضالين، ورضاه وإعجابه بضلالهم، ومشاركته لهم في الغلو والتضليل، وهذا واضح بيّن ملازم لصاحب الذريعة، وسيأتى ما يؤكد هذا.\n(٤) آيات الحجة والرجعة:\nقال: في تفسير الآيات المتعلقة بهم، مع بيان واف، والنكات الدقيقة، وذكر الروايات المروية عنهم في تفسيرها وتأويلها للعلامة الشيخ محمد على بن المولى حسن على الهمدانى الحاير، المولود سنة ١٢٩٣. رأيت النسخة الأصلية عنده، استخرج فيها ٣١٣ آية من القرآن الشريف على عدد أصحاب الحجة وأنصاره وقت ظهوره.\nقلت: يشير هنا إلى خرافة الإمام الثاني عشر التي ذكرتها في الجزء السابق، ومثل هذا كتاب \" ما نزل من القرآن في صاحب الزمان \" لأبى عبد الله الجوهرى أحمد بن محمد \" انظر إيضاح المكنون ٢ /٤٢١ \"، وغير هذا كتب أخرى سيأتى ذكرها.\n(٥) الآيات النازلة في ذم الجائرين على أهل البيت:\nللمولى حيدر على الشروانى.\n(٦) الآيات النازلة في فضائل العترة الطاهرة:\nقال: وهى ٥٠٠ آية من القرآن في فضائل أمناء الرحمن، جمعها مع تفسيرها وبيانها الشيخ تقى الدين عبد الله حاجى ... ويأتى في حرف الميم كتب كثيرة تحت عنوان ما نزل في أهل البيت، أو في على، أو في صاحب الزمان، كلها في هذا الموضوع.\n(٧) آيات الولاية:\nفارسى، لميرزا أبى القاسم بن محمد الشيرازى.","vol":"1","page":596},{"text":"قال: فسر فيه إحدى وألف آية من كتاب الله العزيز النازلة: خمسمائة منها في حق أهل البيت وولايتهم باتفاق المفسرين - هكذا قال المفترون (- والباقى حسب تفاسير أهل البيت الذين نزل فيهم القرآن، وهم أعرف به، من طرق أصحابنا الإمامية خاصة.\nقلت: إذن يقصد اتفاق المفسرين جميعًا لا مفسرى فرقته خاصة (قدرة عجيبة على الافتراء «\n(٨) تأويل الآيات:\nلأبى إسحاق بن مجير الأصفهانى.\nوآخر: للسيد الأمير روح الأمين الحسينى الأصفهانى.\n(٩) تأويلات القرآن:\nلكمال الدين أبى الغنائم عبد الرزاق الكاشانى، المتوفى سنة ٧٣٠.\n(١٠) تأويل الآيات التي تعلق بها أهل الضلال:\nللمولى عبد الرشيد بن الحسينى بن محمد الإسترابادى.\nقال: وله كتاب \" مناقب النبي والأئمة \".\nقلت: ماذا يريد بأهل الضلال؟ لعله يقصد خير أمة أخرجت للناس كما سيظهر من موقفهم من قوله تعالى في سورة الليل ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَىالَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾، حيث إنها نزلت في أبى بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.\n(١١) تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة:\nفارسى، لمحمد تقى بن محمد باقر الطهرانى الأصفهانى، المتوفى سنة ١٣٢٢.\nقلت: سبق الحديث عن كتاب بالعربية يحمل العنوان نفسه.","vol":"1","page":597},{"text":"(١٢) تأويل الآيات الظاهرة في فضل العترة الطاهرة:\nللسيد شرف الدين على الحسينى الإسترابادى، المتوفى سنة ٩٤٠.\nقال: جمع فيه تأويل الآيات التي تتضمن مدح أهل البيت، ومدح أوليائهم، وذم أعدائهم من طرقنا، وطرق أهل السنة - هكذا قال «وينقل فيه عن كنز الفوائد للشيخ الكراكجى المتوفى سنة ٤٤٩، وعن كتاب ما نزل من القرآن في أهل البيت لابن الجحام، الذي سمع منه الدلعكبرى سنة ٣٢٨، وعن كشف الغمة للأربلى المتوفى سنة ٦٩٢، وعن كتب العلامة الحلى.\n(١٣) تأويل الآيات النازلة:\nقال: في فضل أهل البيت وأوليائهم، يقرب من عشرين ألف بيت لبعض الأصحاب ... قال الفيض في أول كتاب الصافى: إن جماعة من أصحابنا صنفوا كتبًا في تأويل القرآن على هذا النحو، جمعوا فيها ما ورد عنهم في تأويل آيه: إما بهم، أو بشيعتهم، أو بعدوهم، على ترتيب القرآن، وقد رأيت منها كتابًا يقرب من عشرين ألف بيت.\n(١٤) تأويل ما نزل في النبي وآله.\n(١٥) تأويل ما نزل في شيعتهم.\n(١٦) تأويل ما نزل في أعدائهم:\nقال: هذه الثلاثة كلها لأبى عبد الله محمد بن العباس المعروف بابن الجحام، الذي سمع منه الدلعكبرى سنة ٣٢٨.\nوذكر الشيخ - أي الطوسى - في رجاله ثمانية كتب أخرى له أيضًا، لكن النجاشى لم يذكر منها إلا كتاب \" المقنع \" و\" والدواجن \" و\" ما نزل من القرآن في أهل البيت \"، وهذا الكتاب هو الذي مر أنه ينقل عنه السيد شرف الدين على في كتابه \" تأويل الآيات الظاهرة \" أحاديث كثيرة.\n(١٧) تفسير الآيات البينات النازلة في فضائل أهل بيت سيد الكائنات:","vol":"1","page":598},{"text":"فارسى، للسيد مصطفى بن أبى القاسم الموسوى النجفى - ولد سنة ١٣٢٠.\n(١٨) تفسير الأئمة لهداية الأمة:\nلمحمد رضا بن عبد الحسين النصيرى الطوسى، عاش في القرن الحادى عشر. قال: وتفسيره هذا كبير، يقال إنه في ثلاثين مجلدًا.\nوديدن هذا المفسر أن يذكر عدة آيات، مع ترجمتها إلى الفارسية، ثم يشرع في تفسير الآيات على ما هو المأثور، وترجمة الأحاديث بالفارسية، ثم تفسيرها بالعربية. وينقل غالبًا عن تفسيرى العياشى والبيضاوى، وينقل عن كتب الاحتجاج للطبرسى، وتمام تفسير الإمام العسكرى، وتمام تفسير القمي ... إلخ.\nو\" مختصر تفسير الأئمة \".\nلمؤلف الأصل، وهو فارسى محض، في ست مجلدات.\n(١٩) تفسير أبى الجارود:\nقال: اسمه زياد بن منذر، المتوفى سنة ١٥٠، وتنسب إليه الزيدية الجارودية، ويروى تفسيره عن الإمام الباقر أيام استقامته.\nقلت: يقصد قبل أن يصبح زيديًا، ولعل الصواب: أيام ضلاله البعيد، والإمام الباقر ﵁ برىء مما في هذا التفسير؛ فالقمى أخرجه في تفسيره الذي تحدثنا عنه بالتفصيل.\n(٢٠) تفسير الحافظ محمد بن مؤمن النيسابورى:\nذكر المؤلف أنه استخرج تفسيره من اثنى عشر تفسيرًا\nقال صاحب الذريعة: ويأتى كتاب: \" نزول القرآن في شأن على \" للشيخ محمد بن مؤمن الشيرازى، والظاهر أنه هو الحافظ المذكور.\n(٢١) تفسير المصابيح بما نزل من القرآن في أهل البيت:\nلأبى العباس أحمد بن الحسن الإسفرائينى.\n(٢٢) تفسير المنشى:","vol":"1","page":599},{"text":"قال: لعله للأمير محمد رضا الحسينى منشى الممالك، المعاصر للشيخ الحر، والساكن بأصفهان حين تأليف \" الأمل \" سنة ١٠٩٧، وصفه فيه بأنه كبير أكثر من ثلاثين مجلدًا، عربى وفارسى، جمع فيه الأحاديث وترجمتها، ويظهر من بعض هذه الخصوصيات أنه غير تفسير الأئمة السابق ذكره، وإن شاركه في بعضها.\n(٢٣) تفسير النعمانى:\nقال: هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر، تلميذ ثقة الإسلام الكلينى. جعل مقدمة تفسيره روايات رواها بإسناده إلى الإمام الصادق، وهى التي دونت مفردة مع خطبة مختصرة وتسمى بـ \" المحكم والمتشابه \"، طبعت في إيران، وقد أوردها بتمامها العلامة المجلسى في مجلد القرآن من البحار.\nقلت: الكلينى، الذي يراه الشيعة ثقة الإسلام، بينت مدى ضلاله وافترائه في الجزء الثالث، وهو تلميذ القمي الذي سبق الحديث عن تفسيره، ويأتى النعمانى ليكمل سلسلة الضلال، وعلامتهم المجلسى تحدثنا عنه في هذه الدراسة من قبل، ويبقى تقديرنا وإجلالنا للعالم العابد المجتهد الإمام الصادق، المبرأ مما نسبه إليه هؤلاء الضالون.\n(٢٤) تفسير ميرزا هادى:\nقال: ابن السيد على، من احفاد مير كلان الهروى البجستانى الخراسانى الحائرى المعاصر، وهو تكميل لتفسير على بن إبراهيم القمي بإيراد الأحاديث المروية، من طرق العامة - أي غير فرقته - المطابقة لروايات الأئمة المذكورة في تفسير القمي.\nقلت: وأى روايات تطابق ما جاء في تفسير هذا الضال ما لم تكن من الروايات الموضوعة؟\n(٢٥) تفسير آية ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ \" ١٢٤: سورة البقرة \":","vol":"1","page":600},{"text":"قال: للمولى محمد رفيع الكيلانى، المتوفى بها سنة ١١٦١، وتفسيره هذا جزء لطيف في الإمامة، وإثبات عصمة الإمام.\nقلت: ذكرت أقوالهم في هذه الآية الكريمة، وبينت بطلان ما ذهبوا إليه في الجزء السابق، وبينت أن العصمة التي جعلوها لأئمتهم لم يصل إليها خير البشر وهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام.\n(٢٦) تفسير آية ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ \" ٦٩: آل عمران \":\nلميرزا محمد التنكابنى، قال في قصصه إنه يقرب من ألف بيت.\nقلت: قد يبدو عجيبًا أن نورد هذا الكتاب في هذا الموضع، فما علاقة الإمامة بالحديث عن بيت الله الحرام بمكة المكرمة - زاده الله تعظيمًا وتشريفًا؟!\nولكنى وجدتهم يقولون هنا: \" وفيه بيان تأويله بكربلاء \"!\nفذكرنى هذا بقول شاعر هؤلاء القوم الذي ذكره صاحب كتاب الأرض والتربية الحسينية:\nومن حديث كربلا والكعبة ... بان لكربلا علو الرتبة\n\nولنا أن نسأل: أفيكون التقريب وداره بالقاهرة لنؤمن بهذا الكفر الصراح؟ أم يجب أن يكون في طهران لتنقية عقيدتهم حتى يكونوا مثلنا؟\n\n(٢٧) تفسير آية التطهير ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ \" ٣٣: الأحزاب \":\nذكر صاحب الذريعة أربعة كتب بهذا العنوان، أحدها فارسى. وقولهم في هذه الآية الكريمة ناقشته بتوسع في الجزء السابق.\n(٢٨) تفسير آية \"\"وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى\"\":","vol":"1","page":601},{"text":"ذكر صاحب الذريعة كتابين بهذا العنوان.\nقلت: الذي دفعهم للكتابة هو ما روى أن الآية الكريمة وما بعدها نزلت في أبى بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كما روى البزار عن ابن الزبير، والحاكم عن الزبير، وابن أبى حاتم عن عروة. وخير البشر بعد رسول الله ﷺ - كما ثبت بالتواتر عن على نفسه ﵄ - يعتبر في نظر هؤلاء القوم مغتصبًا للخلافة، ولذلك جعلوه تحت الآيات التي تتحدث عن الكفار والمنافقين، والجبت والطاغوت، وأرادوا أن يبعدوا عنه هذه الآيات الكريمة من سورة الليل.\n(٢٩) تفسير آية الكرسى:\nلعطاء الله بن محمود الحسينى.\nقلت: لا يبدو أي نوع من الربط بين آية الكرسى التي يتحدث فيها رب العزة عن نفسه، وبين الإمامة، غير أننى وجدت في الذريعة القول بأن في هذا التفسير دلالة على تشيع المؤلف، وقوة فهمه، وكثرة علمه، وأنه لا يبعد أن يكون من علماء الدولة الصفوية. ورأينا من قبل أن بعض هؤلاء رفع الأئمة لمرتبة الألوهية، كما أننا نعرف ما أصاب الإسلام على يد الدولة الصفوية الشيعية.\n(٣٠) تفسير آية ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ \" ١١٠: آل عمران \":\nلحسين بن دلدار على.\nقلت: مر من قبل تحريفهم لهذه الآية الكريمة، حيث ذكروا أنها نزلت هكذا \" كنتم خير أئمة ... \"، وجعلوها لأئمتهم.\n\n*****","vol":"1","page":602},{"text":"هذه بعض كتب التفسير التي ذكرها صاحب الذريعة في الهمزة تحت كلمة \" آيات \"، وفى التاء تحت كلمتى \" تأويل \" و\" تفسير \". ونجد غير هذه الكتب في مواضع أخرى، فمثلًا نراه يقول في الجزء الرابع ص ٣١٨: \" تفسير نور الأنوار ومصباح الأسرار \"، و\" نور التوفيق \"، و\" نور الثقلين \"، كلها تأتى - أي تأتى في النون. ويقول في الجزء نفسه \" ص ٢٦٨ \": \" تفسير تنزيل الآيات الباهرة \"، وكذا \" التنزيل \" متعددا، و\" التنزيل في أمير المؤمنين \"، و\" التنزيل من القرآن \"، و\" التنزيل والتعبير \"، يأتى الجميع بعنوان: \" التنزيل \".\nوقال في الجزء الثالث بعد الحديث عن \" تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة \":\nقد ذكرنا في الجزء الأول آيات الأئمة، وآيات الفضائل، والآيات النازلة في فضائل العترة الطاهرة، وآيات الولاية، وغيرها. ويأتى في حرف الميم ما يقرب من عشرين كتابًا من تأليفات قدماء المحدثين، بعنوان ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين، أو في أهل البيت، أو في الحجة، أو في الخمسة وغيرها، وكل واحد من هذه الكتب يصح أن يعد من كتب الحديث، لأنه دون فيه نوع خاص من الأحاديث، أي خصوص ما روى عنهم ﵈ في بيان الآيات التي نزلت في فضائل أهل البيت ﵈ ومناقبهم، ويصح أن يعد من كتب التفسير: لأنه يذكر فيه تفسير تلك الآيات وتأويلها، وشرحها، وبيان المراد منها، ولا سيما مع ترتيب تلك الآيات في أكثر هذه الكتب على ترتيب سور القرآن من سورة فاتحة الكتاب إلى سورة الناس كما هو الترتيب في كتب التفاسير. والداعى إلى إفراد القدماء والمتأخرين هذا النوع من الأحاديث واستقلالها بالتأليف هو تخصيص النصف أو الثلث أو الربع من الآيات الشريفة التي وردت أخبار كثيرة على اختلافها في التعبير بأنها نزلت في أهل البيت ﵈ وشيعتهم ومواليهم","vol":"1","page":603},{"text":"وأعدائهم، وقد أورد الفيض بعضها بالمقدمة الثالثة في أول الصافى، وذكر وجه عدم التنافى بينها، ودون كل منهم ما وصل إليه من هذا النوع من الحديث ليعرف الناس تفاصيلها.\nقلت: سبق الحديث عن كتاب الصافى، وبيان ما وصل إليه من ضلال وتضليل. وما يقوله صاحب الذريعة هنا يؤكد ما قلته عن صاحب تفسير الصافى وأمثاله من غلاة الشيعة الاثنى عشرية. ومن يقرأ الذريعة يلحق مؤلفها بهؤلاء الغلاة الضالين، وقوله آنفًا خير شاهد.\nوبعد كل ما سبق أعتقد أن معالم التفسير الشيعى الاثنى عشرى قد اتضحت إلى حد كبير، فدراستنا لستة عشر كتابًا من القرن الثالث إلى العصر الحديث بينت اتجاهات التفسير خلال هذه القرون. ونظرتنا إلى ثلاثين كتابًا مما جاء في كتاب الذريعة، جعلت الصورة أكثر وضوحًا، وهذه الكتب منها ما كان في النصف الأول من القرن الثاني، وهو تفسير أبى الجارود، ومنها ما هو في العصر الحديث. وتفسير أبى الجارود الذي نقله القمي يشير إلى أن حركة التشكيك والتضليل بدأت مع بداية عصر التدوين، والتفاسير الحديثة الكثيرة تشير إلى استمرار هذه الحركة الضالة، وعدم توقفها.\nوإلى جانب الثلاثين كتابًا، ذكرت إشارة صاحب الذريعة لعشرين كتابًا في موضع واحد، وتعليقه على ما جاء بها، وهذا يدل على ضخامة هذه الحركة الضالة، وربما يعطى السمة الغالبة للتفسير الشيعى، نسأل الله تعالى الهداية والرشاد.","vol":"1","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>خاتمة الجزء الثاني</span>\nالحمد لله الذي أعاننا، وهدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.\nوبعد أن تم بتوفيق الله - ﷿ - ما أردنا من بيان التفسير وأصوله عند أهل السنة، وعند الشيعة الاثنى عشرية، أقدم هنا موجزًا للبحث، وأشير إلى نتائجه.\nقسمت هذا البحث قسمين:\nالقسم الأول: تحدثت فيه عن التفسير وأصوله عند أهل السنة.\nوالقسم الثاني: جعلته لبيان التفسير وأصوله عند الشيعة.\nوالقسم الأول يضم ثمانية فصول:\nفي الفصل الأول تحدثت عن علم التفسير، وبينت المراد من التفسير والتأويل.\nوفى الفصل الثاني تحدثت عن تفسير الرسول ﷺ، فالسنة المطهرة هي المبينة للقرآن الكريم، وجمعت أحاديث التفسير، الصحيح منها والحسن، دون الضعيف والموضوع، فبلغت خمسة وثلاثين، وذكرت بعض الملاحظات في ضوء ما جمعت، وأشرت إلى أن الشيعة أشركوا مع الرسول ﷺ في العصمة من رأوهم أئمة لهم، فجعلوا أقوالهم كأقوال الرسول ﷺ بلا أدنى فرق.\nوفى الفصل الثالث تحدثت عن تفسير الصحابة، أعلم الناس بالقرآن، وأشرت إلى ما يأخذ حكم المرفوع من تفسيرهم، ثم جمعت بعض ما صح من تفسيرهم، وبينت خصائصه، ثم تحدثت عن التدوين، وأثبت أن كتاب تنوير المقباس ليس صحيح النسبة لابن عباس، ومن الخطأ شيوعه، وطبعه مرات على أنه تفسير","vol":"1","page":605},{"text":"ترجمان القرآن ابن عباس ﵄، وختمت الفصل بإشارة سريعة لموقف الشيعة من\nترجمان القرآن ابن عباس ﵄، وختمت الفصل بإشارة سريعة لموقف الشيعة من تفسير الصحابة الكرام.\nوجعلت الفصل الرابع لتفسير التابعين، فبينت أنهم أكثر حاجة للتفسير من الصحابة، وأشرت إلى مدارس التفسير في عصرهم، وإلى بدء التدوين، ثم تحدثت عن تفسير مجاهد، وبينت خصائص تفسير التابعين من خلال النظر في تفسيره.\nثم رأيت أن يكون الفصل الخامس وقفه لبيان أحسن طرق التفسير عند الجمهور، وفى هذه الوقفة بيان لقيمة التفسير المأثور عن التابعين، وحديث عن الإسرائيليات، والتفسير بالرأى، وهو ما كان يلزمنا أن نبينه بعد الحديث عن تفسير التابعين، فأغنت الوقفة عن التكرار. ورأيت أن أنسب ما أثبته في هذا الفصل هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أيضًا ما قاله الحافظ ابن كثير، وحاول الالتزام به في تفسيره.\nوفى الفصل السادس: تحدثت عن التفسير في القرن الثاني، وبينت منهجه، وتناولت ثلاثة كتب ظهرت في هذا القرن، وهى: تفسير مقاتل بن سليمان، ولم أقف عنده؛ حيث إن مؤلفه مجروح، وتفسير يحيى بن سلام، الذي يعتبر حلقة الاتصال بين القرنين الأول والثالث، ومعانى القرآن للفراء، الذي يعد نموذجًا للتفسير العقلى.\nوالفصل السابع: جعلته للقرن الثالث، وتفسير الطبري، وقد وقفت طويلًا عند شيخ المفسرين الإمام الطبري، وعند كتابه الذي يعتبر أفضل ما كتب في مجال التفسير.","vol":"1","page":606},{"text":"والفصل الثامن أشرت فيه إلى كتب التفسير بعد الطبري. وبينت إمكان الاستغناء عن الوقوف عندها، لا لأنه يطول جدًا فقط، ولكن أيضًا لأن التفسير المأثور - بعد الطبري - الذي هو حجة يستمد أساسًا من مصدرين رئيسين، هما: كتب الحديث والآثار، وكتاب تفسير الطبري. وكان هذا الفصل ختامًا للقسم الأول في التفسير وأصوله عند أهل السنة.\nوانتقلت بعد هذا إلى القسم الثاني الذي جعلته للتفسير وأصوله عند الشيعة الاثنى عشرية، وتحت هذا القسم سبعة فصول، تسبق بكلمة تمهيدية فيها إشارة إلى أننى بمراجعة التفسير عندهم، أصوله وكتبه، رأيت أن عقيدتهم في الإمامة كان لها أكبر الأثر في وضع الأصول، وفى تناولهم لكتاب الله العزيز، وأن بيان هذا الأثر يكفى في مجال التفسير المقارن؛ فحيث لا يوجد أثر لعقيدتهم في الإمامة يصبح تفسيرهم كتفسير غيرهم، وبقدر وجود هذا الأثر بقدر افتراقهم عمن سواهم.\n\nوالفصل الأول جعلت عنوانه: \" القرآن الصامت والقرآن الناطق \"، حيث جعلوا القرآن الكريم صامتًا لا ينطق! والإمام هو القرآن الناطق، فلا يؤخذ القرآن إلاَّ عن طريقه! والإمام كالنبى في عصمته وعلمه! وأشرت إلى مذهب الإخباريين الذين يقفون عند الأخبار دون إعمال للعقل، والأصوليين منهم الذين خالفوا الإخباريين، وذكرت قول بعضهم بالنسخ بعد عصر النبوة، وأن الحكم يمكن ألاَّ يبين في وقته من باب التقية، أو من باب التدرج في التشريع، فيمكن - بحسب زعمهم - ألاَّ يبين الرسول ﷺ بعض الأحكام، ويتركها لأئمتهم الاثنى عشر لبيانها في وقتها المناسب!! هكذا زعموا!","vol":"1","page":607},{"text":"والفصل الثاني جعلته للظاهر والباطن، فأشرت إلى الخلاف عندهم حول حجية الظواهر، وإلى اللجوء للتأويل تأييدًا للعقيدة، وإلى حقيقة الباطن عندهم، وقرب قولهم من الإسماعيلية الباطنية، وبعده عن قول الجمهور، ثم أشرت إلى قولهم بأن ثلث القرآن، أو ربعه، في الأئمة، وثلثه، أو ربعه، في مخالفيهم!\nوالفصل الثالث أو جزت فيه الحديث عن قول غلاتهم بتحريف القرآن الكريم، فبينت سبب لجوئهم لهذا القول، حيث عز عليهم أن يخلو كتاب الله المجيد من ذكر أئمتهم وعقيدتهم، وتحثدت عن أشهر كتاب عندهم في هذا المجال، وهو \" فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب \"، وذكرت بعض أسماء القائلين بالتحريف، ويدخل فيهم - بكل أسف - أكبر علمائهم الأعلام! كالقمى، صاحب كتاب من أهم كتب التفسير عندهم، يرون صحة كل ما جاء به، وتلميذه الكلينى، صاحب الكافى، كتاب الحديث الأول عندهم كالبخارى عندنا، والعياشى، وغيرهم. وبينت أن من أنفسهم من - الشيعة تصدوا لحركة الغلاة قديمًا وحديثًا، غير أن المحدثين منهم وقعوا في تناقض عجيب أشرت إليه.\nوبدأت بعد هذا في دراسة كتب التفسير الشيعى، فجعلت الفصل الرابع لكتب القرن الثالث، وهى أقدم كتب وصلت إليها، وتغنى عما سبقها: مثال هذا تفسير أبى الجارود الذي يعدونه تفسير الإمام الباقر - وحاشاه، والذى كان في أواخر القرن الأول وأوائل الثاني، هذا التفسير لم أعثر عليه، غير أن القمي في القرن الثالث نقله في تفسيره.\nوتحدثت في هذا الفصل عن ثلاثة كتب:\nالكتاب الأول: تفسير الحسن العسكرى، وهو يمثل الغلو والضلال والخرافات، فهو يكفر الصحابة الكرام، وعلى الأخص أبو بكر وعمر، ويتهمها والصحابة بالنفاق والكذب إلى جانب الكفر، ويذكر أن منكر ولاية على كافر،","vol":"1","page":608},{"text":"وأن موسى دعا لهذه الولاية، ويذكر أن عليًا له معجزات كثيرة، ويأتى بقصص خرافية لا تصلح إلاَّ للأطفال ليبين ما زعمه من معجزات، ثم يصدر صكوك الغفران لمن آمن بخرافاته وضلاله وسار خلفه في ظلمات هذا الكفر.\nولذلك ذكرت تنزيه الإمام العسكرى - فيما أرى - من أن يكون صاحب هذا الكتاب، وأشرت إلى أن هذا الرأى يراه أيضًا بعض الشيعة، ولكن شيعة الأمس واليوم منهم من يرى صحة نسبة الكتاب للإمام!\nولو صحت النسبة لقلنا بكفره لا بإمامته.\nوالكتاب الثاني هو تفسير القمي، وقد أطلت الوقوف عند هذا الكتاب، فله ولصاحبه المنزلة العليا عند الشيعة، غلاتهم ومعتدليهم، الإخباريين والأصوليين، في عصرنا وما قبله، وهذا أمر نجد له ما يبرره عند الغلاة الضالين، ولكن لم نجد له تفسيرًا عند المعتدلين نسبيا ودعاة التقريب.\nفالكتاب محشو بتحريف القرآن الكريم نصًا ومعنى، تنزيلًا وتأويلًا، والطعن في الصحابة، وجعل الأئمة هم المراد من كلمات الله البينات، وما يتصل بعقيدة الإمامة كالرجعة، ونزول الوحى على الأئمة وعلمهم للغيب.\n\nوفى أسباب النزول يزعم تحالف الصحابة مع إبليس، ويشير إلى البيعة يوم الغدير، ومصير من غصبوا الولاية بزعمه، وأن القائم سيطالب بدم الحسين، ويجعل حادث الإفك اتهامًا لأم المؤمنين لا تبرئة إلهية لها، ونراه يحيل كتاب الله تعالى إلى كتاب في التاريخ للشيعة الاثنى عشرية، فترى أصحاب الجمل والبصرة، وتسمع عن بنى أمية وبنى السباع؛ أي العباس، والاتفاق على قتل علىّ، وكفر أصحاب بيعة الرضوان، وتجد الحديث عن الفرق الأخرى، وعن القائم وجيش السفيانى.\nثم تراه يسلك طرقًا مختلفة للتغرير بضعاف العقول، وإضلال خلق الله من جهلة القوم.","vol":"1","page":609},{"text":"وهذا الكتاب الذي جمع كل هذه المصائب والرزايا يعتبر من أهم مصادر التفسير المأثور عند الشيعة الاثنى عشرية، فانظر وتأمل وقارن!!\nوهو الذي وقع في أيدى المستشرقين فاتخذوه سلاحًا لضرب الإسلام، والطعن في المعجزة الكبرى، ومع هذا فصاحب التفسير ينتسب للإسلام!!\nوالكتاب الثالث هو تفسير العياشى، وهذا الكتاب كسابقه منزلة ومنهجًا وأهدافًا، وقد بينت هذا.\nوبعد الفصل الرابع جعلت الفصل الخامس لتفسير التبيان للطوسى، وتفاسير الطبرسي.\n\nوالطوسى والطبرسى يمثلان جانب الاعتدال النسبى والبعد عن الغلو إلى حد ما بينت أصول التفسير عندهما، والفرق بينهما وبين الجمهور، ومع الاعتدال النسبى، ظهر أثر الإمامة في اللجوء للتأويل استدلالًا للعقيدة، وفى ذكرهما للقراءات الموضوعة والشاذة ذات الصلة بالمذهب، وفى روايتهما لأسباب النزول، وفى جعلهما الأئمة هم المراد من كلمات الله تعالى عند تأويل بعض الآيات، ورأيت أن شيخ الطائفة الطوسى أكثر اعتدالًا وأقل غلوًا من الطبرسي.\n\nوالفصل السادس جعلته للحديث عن كتب التفسير بعد الطوسى والطبرسى، تحدثت فيه عن عشرة كتب تمثل الاتجاهات المختلفة للتفسير، فبعد الطوسى والطبرسى وجدنا منهم من يسير في طريق الغلو والضلال، ويستمد التفسير من كتب القرن الثالث الثلاثة، وما شابهها ككتاب الكافى للكلينى، ومنهم من سلك طريق الاعتدال النسبى والبعد عن الغلو والتطرف إلى حد ما ومنهم من اقترب من أحد الطريقين مبتعدًا عن الآخر.\nوالكتب العشرة تبين هذه الاتجاهات، وثلاثة منها تبين اتجاه التفسير في العصر الحديث.","vol":"1","page":610},{"text":"وختمت هذا القسم بالفصل السابع الذي خصصته لنظرة عامة لباقى كتب التفسير من خلال كتاب \" الذريعة إلى تصانيف الشيعة \"، وذلك حتى نستكمل ما أردنا بيانه. وجدت في الذريعة عشرات من كتب التفسير الشيعى يدل العنوان نفسه على غلو المؤلف وضلاله، وكتبًا أخرى يظهر فيها هذا الأثر عندما يتحدث عنها صاحب كتاب الذريعة. وهذا القدر الهائل من الكتب الضالة يشير إلى ضخامة حركة الغلاة، ومدى تأثيرها في الوسط الشيعى الاثنى عشرى، بل ربما يعطى السمة الغالبة للتفسير الشيعى، وقد أشرت لهذا في ختام الفصل.\nبعد هذا كله أعتقد أن الصورة أصبحت واضحة تمامًا، ولسنا في حاجة إلى مزيد بيان.\nومما أمرنا بتلاوته:\n(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (\n\" ٨٩: الأعراف \"","vol":"1","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الجزء الثالث في الحديث وعلومه وكتبه ورجاله</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>مقدمة</span>\nالحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والحمد لله الذى لا يؤَّدى شكرُ نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدِّى ماضي نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكره بها. ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذى هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه.\nأحمده حمدًا كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله، وأستعينه استعانة من لاحول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذى لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أزلفت وأخرت. استغفار من يقر بعبوديته ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو. وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله (١) .\nوبعد:\n\nفهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الذى يبين حقيقة الشيعة الاثنى عشرية، حيث كان الجزء الأول دراسة مقارنة في عقيدة الإمامة والعقائد التابعة، وكان الجزء الثانى في التفسير المقارن وأصوله، وجاء هذا الجزء ليتناول الحديث وعلومه وكتبه، وقسمت هذا الجزء إلى قسمين:\n\nالقسم الأول: في الحديث وعلومه عند الجمهور\nالقسم الثانى: في الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة\n\nوالقسم الأول يضم عشرة فصول:\nالفصل الأول: وضحت فيه ما جاء في القرآن الكريم بينا لا يحتاج إلى بيان، وما جعل بيانه للرسول ﷺ، فكان الفصل تحت عنوان \" بيان الكتاب والسنة \".\nوالفصل الثانى عنوانه \" السنة وحى \"، وقد أثبت هذا.\n_________\n(١) نقلت ما سبق من مقدمة الإمام الشافعي لكتابه \" الرسالة \".","vol":"1","page":616},{"text":"والفصل الثالث لبيان \" اعتصام السلف بالسنة \"، فذكرت من الأخبار الصحيحة ما يبين هذا الاعتصام.\nوالفصل الرابع عن \" تدوين السنة \" وبينت فيه أن من السنة المشرفة ما وصلنا مدونًا في عهد الرسول ﷺ، ومنها ما دون في عهد الصحابة رضى الله تعالى عنهم والتابعين لهم بإحسان إلى أن بدأ التدوين الرسمى بأمر خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ـ– رضى الله تعالى عنه. ثم جاء عصر التدوين في منتصف القرن الثانى الهجرى، ووصلنا من كتب القرن الثانى بعض الكتب، ثم كان القرن الثالث العصر الذهبى لتدوين السنة المطهرة، وكثير مما دون في القرنين الأول والثانى مما لم يصلنا جاءنا عن طريق ما دون في القرن الثالث.\nوفى الفصل الخامس تحدثت عن \" الجرح والتعديل \"، فبينت الأسس العلمية التي قام عليها الجرح والتعديل عند جمهور المسلمين، ونقلت آراء الأئمة الأعلام، وما جاء في أول كتب ألفت في هذا الموضوع، وبينت موقف الجمهور من الفرق المختلفة.\nوفى الفصل السادس نقلت \" حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت \" حيث أنكرت العمل بالسنة المطهرة، والاكتفاء بالقرآن الكريم، وشككت في حجية السنة، وانتهى الحوار بإبطال شبهات هذه الفرقة، وتسليم من حاوره الإمام الشافعى بصحة ما قاله الإمام.\nوفى الفصل السابع أشرت إلى ضلال الطاعنين في السنة الذين جاءوا \" بعد الإمام الشافعي \"، وعلى الأخص في القرنين الثالث والرابع.\nولم أرد استقصاء واستيعاب حركات التشكيك والتضليل في كل العصور، فهذا أمر يطول جدًا، ويكفى فيه النماذج، ولذلك جعلت الفصل الثامن لما وجد \" في عصر السيوطى \"، حيث تحدث الإمام السيوطى عن الطاعنين في عصره من","vol":"1","page":617},{"text":"الزنادقة والرافضة، فألف كتابه \" مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة \" للرد على هؤلاء الضالين المضلين.\nثم جعلت الفصل التاسع تحت عنوان \" الطاعنون في العصر الحديث \" فبينت أصناف هؤلاء الضالين، ومدى خطر كل طائفة.\nوختمت هذا القسم بالفصل العاشر، أشرت فيه إلى راوية الإسلام، وأحفظ من روى الحديث في دهره، وهو \" أبو هريرة \". رضى الله تعالى عنه، حيث وجدنا المستشرقين، وتلامذتهم من العلمانيين، وكذلك الزنادقة والرافضة، كل هؤلاء الذين أرادوا هدم الإسلام من أساسه أخذوا يطعنون في هذا الصحابى الجليل الذى حفظ لنا سنة رسولنا ﷺ وتركت الحديث عنه للبحث الملحق بهذا الجزء، وهو بحث: السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله ﷺ.\nثم انتقلت إلى القسم الثانى الذى تناول الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة، ويضم ستة فصول\nفي الفصل الأول تحدثت عن \" التدوين عند الشيعة \"، فبينت انقسام الشيعة إلى عدة فرق عند موت كل إمام، وكل فرقة كانت تضع من الأحاديث ما تؤيد به عقيدتها، وما كانت أية فرقة تستطيع أن تضع أحاديث في إمام لم يولد بعد، فإنها لا تعلم الغيب مهما زعم الزاعمون من غلاة وزنادقة هذه الفرق. وعند موت الإمام الحسن العسكرى، وهو الحادى عشر، ولم يعرف له ولد، ولم يترك عقبا، وقسمت تركته، انقسم الشيعة عندئذ إلى أكثر من عشر فرق، وكلها وضعت عقيدتها على أساس عدم وجود ولد للحسن العسكرى ما عدا فرقة واحدة مع فرقة الشيعة الاثنى عشرية، حيث زعمتا أن له عقبا، وقالت الاثنا عشرية مقالتها في الإمام الثانى عشر، وهو ما بينته في الجزء الأول من هذا الكتاب.","vol":"1","page":618},{"text":"انتهيت من هذا الفصل إلى أن جميع الأخبار التي تذكر أسماء الأئمة الاثنى عشر كلها وضعت واختلقت بعد موت الإمام العسكرى، ووجدت أن الواقع العملى يؤيد ما انتهيت إليه حتى بالنسبة لما يعرف عندهم بالأصول الأربعمائة، وهى تسبق كتبهم الأربعة التي ألفت في القرنين الرابع والخامس.\nوانتقلت إلى الفصل الثانى، وعنوانه \" الجرح والتعديل عند الشيعة والرافضة \"، وأردت من هذا العنوان أن نفرق بين معتدلى الشيعة وغلاة الرافضة.\nفمن أوائل الكتب كتاب \" علوم الحديث \" للحاكم المعروف بتشيعه، وبالنظر في الكتاب وجدنا الحاكم يتفق مع جمهور المسلمين، ومثله من الشيعة النسائى صاحب السنن، وابن عبد البر، وغيرهم.\nأما الرافضة، الذين رفضوا الإمام زيد بن على بن الحسين لثنائه على الشيخين أبى بكر وعمر، واعترافه بإمامتهما، هؤلاء الرافضة تأثروا بعقيدتهم الباطلة في الإمامة فربطوا الجرح والتعديل بموقف الرواة من عقيدتهم، ولذلك جرحوا وفسقوا جمهور الصحابة الكرام، بل وصل الأمر إلى تكفير خير البشر بعد رسول الله ﷺ وهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق، وتكفير أمة الإسلام التي اعترفت بإمامتهما واقتدت بسنتهما بعد سنة رسول الله ﷺ، وذكرت من كتب الجرح والتعديل عند هؤلاء الرافضة ما يبين ضلالهم، بل كفرهم وزندقتهم.\n\nوالفصل الثالث تناول \" مفهوم السنة عندهم \"، وهو يختلف عما أجمعت عليه الأمة، حيث إنهم أشركوا مع رسول الله ﷺ غيره من أئمتهم، وجعلوا أقوالهم وأفعالهم كالمعصوم ﷺ دون أدنى فرق، فهم يرونهم معصومين كالرسول ﷺ، سواء أكان من اعتبروه إمامًا كبيرًا أم صغيرًا، أم لا يزال طفلا في الخرق","vol":"1","page":619},{"text":"يلهو ويعبث كما يلهو الأطفال ويعبثون، فلهوه وعبثه سنة تشريعية ملزمة لأمة محمد ﷺ كالقرآن الكريم!! \" انظر كيف يفترون على الله الكذب \"!!\nوالفصل الرابع تحدثت فيه عن \" مراتب الحديث \"، وهى عندهم أربعة: الصحيح والحسن والموثق والضعيف، وكلها مبنية على آرائهم الضالة في الجرح والتعديل.\nوالفصل الخامس تحدثت فيه عن \" التعارض والترجيح \"، وهو يوضح أسباب ابتعاد هذه الفرقة الضالة عن الأمة الإسلامية، حيث يرجحون ما خالف الأمة وإن وافق الكتاب والسنة، ويعتبرون الأخذ بما خالف جمهور المسلمين رشدًا، بل من علامات الإيمان! وبينت من قبل مفهوم الإيمان والكفر عند هؤلاء الرافضة أتباع عبد الله بن سبأ لعنه الله تعالى، وسيأتى لهذا مزيد بيان في هذا الجزء والجزء الذى يليه.\nأما الفصل السادس، وهو الفصل الأخير في هذا القسم فتحدثت فيه عن \" الكتب الأربعة \"، أى المعتمدة عندهم، وهى: الكافى للكلينى، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسى.\nولما كان الكافى هو الكتاب الأول عندهم أشبه بصحيح البخارى عند المسلمين، وهو يشتمل على الأصول والفروع، ويقع في ثمانية أجزاء، أما الكتب الثلاثة الأخرى فتقتصر على الفروع فقط دون الأصول، فلذلك رأيت أن يكون الحديث أولًا عن الجزء الأول من أصول الكافى، وثانيًا عن الجزء الثانى من أصول الكافى، وثالثًا عن روضة الكافى، ثم أخيرًا يكون الحديث عن فروع الكافى والكتب الثلاثة الأخرى.\nوهذه الكتب الأربعة كتبت بعد عصر الأئمة الاثنى عشر في ظلمات عقيدتهم الباطلة، وقد بينت الدراسة ما في هذه الكتب من باطل وزيغ وضلال وعلى الأخص كتابهم الأول حيث سلك الكلينى منهج شيخه على بن إبراهيم القمى في","vol":"1","page":620},{"text":"تحريف القرآن الكريم، وتكفير الصحابة الكرام، وعلىالأخص أبو بكر وعمر خير البشر بعد الرسول ﷺ، ومن تولاهما ورضى بخلافتهما الراشدة.\nوالقارئ لهذا القسم يعجب أشد العجب لوجود مثل هذا الزيغ والضلال والزندقة لفرقة تنتمى إلى الإسلام، وتبذل أقصى ما تستطيع لنشر هذا الفساد بين المسلمين.\nوبقراءة هذا الجزء بقسميه يبدو واضحًا جليًا بينًا الفرق بين المنهج العلمي للجمهور في الحديث وعلومه ومنهج غلاة الرافضة وزنادقتهم، ويشترك مع الجمهور معتدلو الشيعة من غير الرافضة.\nويبقى بعد هذا أصول الفقه وهو ما نتحدث عنه في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى.\n\" سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين \".","vol":"1","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>القسم الأول\nالحديث وعلومه عند الجمهور</span>","vol":"1","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الفصل الأول: بيان الكتاب والسنة</span>\nنزل القرآن الكريم مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة، قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ (١)\nوالرسول ﷺ عندما يقرأ القرآن الكريم على الناس فإنما يقرأ ويبين مراد الله تعالى. وكان منهج الصحابة رضى الله تعالى عنهم كما قال ابن مسعود \" كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن ونعمل بهن فتعلمنا العلم والعمل جميعًا \"، وكانوا يأخذون عن الرسول ﷺ ما يخفى عليهم من هذا العلم.\nوفى العهد المكى الذى نزلت فيه سورة الإسراء نزل قوله تعالى في الآية التاسعة والثمانين من سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾.\nوفى الآية الرابعة والأربعين من سورة النحل أيضًا نزل قوله ﷿: ﴿أنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فما البيان الذى جاء به القرآن الكريم؟ وما بيان الرسول ﷺ؟ وما العلاقة بين البيانين؟\nأولًا: من القرآن ما جاء البيان نصا لا يحتاج إلى بيان آخر: كقوله ﵎: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢).\n_________\n(١) الآية: ١٠٦.\n(٢) ١٩٦: سورة البقرة.","vol":"1","page":622},{"text":"فحرف الواو كما يأتى للجمع قد يأتى للإباحة، فيحتمل أن يكون المتمتع مخيرًا بين صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فمنع هذا الاحتمال بمزيد من البيان ... \" تلك عشرة كاملة \" ومثل هذه الآية الكريمة ما يعرف في أصول الفقه: بالمحكم أو المفسر إذا كان التفسير من القرآن الكريم نفسه وهو كثير، وما كان قطعى الدلالة لا يحتمل التأويل وهو أكثر.\nثانيًا: في الآية الكريمة السابقة الذكر ذكر العمرة والحج، ولكن كيف نؤديهما؟ وفى قوله ﷿ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ بيان أن الصلاة مفروضة، وأن الزكاة مفروضة ولكن ما عدد الصلوات المفروضة؟ وكيف تؤدى؟ وما مواقيتها؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بالصلاة، وكذلك ما يتعلق بالزكاة. كل هذا بينه الله ﷾ على لسان نبيه ﷺ، فأنزل الله –﷿ الذكر بإحكام الفرض وترك للرسول ﷺ بيان ما أنزل. وهذا أمر واضح جلى لا يحتاج إلى وقفة فلا يستطيع أحد أن ينكره.\nومثل هذا بيان ما كان ظنى الدلالة محتملًا للتأويل: كمطلق يقيد وعام يخصص إلى غير ذلك مما هو معلوم مشهور.\nثالثًا: جاءت السنة المطهرة بما ليس فيه نص من كتاب الله ﵎، وبيان الرسول ﷺ إنما هو عن الله تعالى، فقد بين القرآن الكريم وجوب طاعة الرسول ﷺ \" فكل من قبل عن الله فرائضه فى كتابه: قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه. ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته. فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما \" (١) .\n_________\n(١) الرسالة للإمام الشافعى: ص ٣٣.","vol":"1","page":623},{"text":"والآيات الكريمة التي تبين وجوب طاعة الرسول ﷺ، وأنها من طاعة الله ﷿، وتحذر من مخالفة أمر الرسول ﷺ هذه الآيات كثيرة نكتفى هنا بذكر بعضها.\nالقرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول ﷺ ويحذر من معصيته.\nقال الله ﷾:\n﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ \" الحشر: ٧ \"\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ ... تَأْوِيلًا﴾ \" النساء: ٥٩ \"\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ \" الأحزاب: ٣٦ \"\n﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ \" النساء: ٨٠ \"\n﴿إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ \" الفتح: ١٠ \"\n﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ \" النساء: ٦٥ \"","vol":"1","page":624},{"text":"﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ... \" النور: ٦٣ \"\n﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ... \" النور: ٥١، ٥٢ \"\nفهذه الآيات الكريمة فرضت طاعة الرسول ﷺ: مقرونة بطاعة الله ﷿، ومذكورة وحدها، وحذرت من يعصى أمر رسول الله وحكمت عليه بالضلال المبين وبعدم الإيمان، فطاعة الرسول الكريم طاعة الله ﵎. إذن بيان السنة من بيان كتاب الله العزيز.","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الفصل الثاني: السنة وحي</span>\nولا يكون مثل هذا للرسول ﷺ إلا إذا كان معصومًا لا ينطق عن الهوى، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣ - ٤:النجم) . وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (٥٢ - ٥٣: الشورى) .\nوفى آيتين كريمتين إحداهما تخاطب الرسول ﷺ والأخرى تخاطب المؤمنين جاء البيان بأن الله ﷾ أنزل الكتاب والحكمة، وسيأتى في كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هي السنة، والآيتان هما قوله تعالى:\n﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١١٣: النساء)، وقوله ﷿: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢٣١: البقرة) . وإذا كان القرآن الكريم وحيًا منزلا أمرنا باتباعه والتعبد به وتلاوته فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد والتلاوة.\nوروى عن الرسول ﷺ ما يبين وجوب طاعته ويحذر من معصيته.\nفقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة والحاكم أن الرسول ﷺ قال: \" لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه \" وفى رواية لهم أيضًا \" يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثى فيقول:","vol":"1","page":626},{"text":"بينى وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه. وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله \" (١) .\nوفى خطبته الشريفة في حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال: \" وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه (٢) .\nوروى أبو داود في مراسيله عن حسان بن عطية قال: \" كان جبريل ﵁ ينزل على رسول ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن \" (٣) .\nوروى الدارمى عن محمد بن كثير عن الأوزاعى عن حسان قال: \" كان جبريل ينزل على النبى ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن \" (٤) .\n_________\n(١) انظر الروايتين وبيان الشيخ أحمد شاكر لصحة الإسناد في الرسالة ص ٨٩: ٩١.\n(٢) راجع الخطبة في السيرة النبوية لابن اسحاق التي جمعها ابن هشام ٤ / ٦٠٣ – ٦٠٤ والحديث رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلا ووصله ابن عبد البر (انظر تنوير الحوالك ٢ / ٢٠٨) ورواه الحاكم عن ابن عباس وعن أبى هريرة وبين صحة الحديث ووافقه الذهبى (انظر المستدرك وتلخيصه ١ / ٩٣) .\n(٣) انظر قواعد التحديث للقاسمى ما روى أن الحديث من الوحى – ص ٥٩ وراجع حكم مراسيل أبى داود في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه ص ٢٤ – ٢٥، ٣٢.\n(٤) سنن الدارمى ١ / ١١٧.\nوهذه الروية من المراسيل عن حسان أيضًا، وهو ثقة. قال خالد بن نزار: قلت للأوزاعى: حسان بن عطية عن من قال؟ فقال لى: مثل حسان كنا نقول له: عن من؟ ... (انظر تهذيب التهذيب ٢ / ٢٥١) .\nوالحديث ذكره السيوطى في كتابه مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة – ص ٣١ وقال: أخرجه البيهقى بسنده عن حسان بن عطية وأخرجه الدارمى. *\n*وفى الحاشية أضاف المعلق: نعيم بن حماد في زوائده، وابن نصر في السنة، والخطيب في الفقيه والمتفقة، وفى الكفاية، وابن عبد البر في الجامع وغيرهم. ثم قال: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":627},{"text":"ورواه الخطيب البغدادى في الكفاية (ص١٢) بسنده عن حسان بن عطية أيضًا.","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الفصل الثالث: اعتصام السلف بالسنة</span>\nكان السلف الصالح متمسكًا بسنة الرسول ﷺ تمسكهم بالقرآن الكريم، فالكل وحى واجب الاتباع.\nففى صحيح البخارى نجد كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ومما جاء في هذا الكتاب: \" وكانت الأئمة بعد النبى ﷺ - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى ﷺ \".\nويوضح ما سبق ما رواه الإمام الدارمى في باب التورع عن الجواب فيما ليس في كتاب ولا سنة:\nمن هذه الروايات أن أبا بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه - كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى به، فأن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتانى كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به.\nوموقف الصديق من ميراث الجدة معلوم مشهور حيث توقف \" لا أجد لك في كتاب الله شيئًا \" إلى أن بلغه حكم رسول الله ﷺ فأعطاها السدس.","vol":"1","page":629},{"text":"من روايات سنن الدارمى أيضًا أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى شريح: إذا جاءك شئ في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به.\nومنها أن ابن عمر لقى جابر بن زيد فقال له: يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت.\nومنها أن عبد الله بن مسعود قال: أتى علينا زمان لسنا نقضى ولسنا هناك، وأن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله ﷿، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله ولم يقض به رسول الله فليقض بما قضى به الصالحون.\nومما يبين ما جاء في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ما رواه هو ومسلم وأحمد وغيرهم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أذكر الله امرأ سمع من النبى ﷺ في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جارتين لى –ـ يعنى ضرتين - فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول ﷺ بغرة، فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره. وقال غيره: إن كدنا أن نقضى في مثل هذا برأينا.\nوروى الإمام الشافعى بسنده عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة وإلى التي تليها بعشر، وفى الوسطى بعشر، وفى التي تلى الخنصر بتسع، وفى الخنصر بست.\nثم قال الشافعى: لما كان معروفًا - والله أعلم - عند عمر أن النبى قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، نزلها منازلها، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فهذا قياس على الخبر.","vol":"1","page":630},{"text":"فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم، فيه: أن رسول الله قال: \" وفى كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل \" صاروا إليه.\nولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله.\nوفى الحديث دلالتان:\nأحدهما: قبول الخبر، والآخر: أن يقبل الخبر في الوقت الذى يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبرالذى قبلوا.\nودلالة على أنه لو مضى أيضًا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبر عن النبى ﷺ يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله.\nودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده.\nولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه.\nولو بلغ عمر هذا صار إليه، إن شاء الله كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله، بتقواه لله، وتأديتة الواجب عليه، في اتباع أمر رسول الله وعلمه، وبأن ليس لأحد مع رسول الله أمر، وأن طاعة الله فى اتباع رسول الله.\nثم أيد الإمام الشافعى قوله السابق فروى بسنده أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى أخبره الضحاك ابن سفيان أن رسول الله كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته، فرجع إليه عمر (١) .\nولمكانة السنة عند الصحابة الكرام وجدنا منهم من يرحل لطلب حديث واحد:\n_________\n(١) انظر الرسالة ص ٤٢٢: ٤٢٦، واقرأ في الحاشية تعليق الشيخ أحمد شاكر وتخريجه للروايات.","vol":"1","page":631},{"text":"روى البخارى في الأدب المفرد بسنده عن ابن عقيل، أن جابر بن عبد الله حدثه أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبى ﷺ، فابتعت بعيرا، فشددت إليه رحلى شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعث إليه أن جابرا بالباب. فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج فاعتنقنى. قلت: حديث بلغنى لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت.. إلخ (١) .\nوروى الحميدى في مسنده (١ / ١٨٩) وبسنده عن عطاء بن أبى رباح: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ، لم يبق أحد سمعه من رسول ﷺ غيره وغير عقبة. فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى وهو أمير مصر، فأخبر به، فعجل وخرج إليه فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيرى وغير عقبة، فابعث من يدلنى على منزله. فقال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة به، فعجل فخرج إليه فعانقه وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال حديث سمعته من رسول الله ﷺ ولم يبق أحد سمعه غيرى وغيرك في ستر المؤمن.\nفقال عقبة: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من ستر مؤمنا في الدنيا على خزيه ستره الله يوم القيامة \".\nفقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعًا إلى المدينة فما أدركته جايزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر.\nهذان مثلان فيهما من الدلالة ما يكفى ويغنى، والرحلة في طلب الحديث معلومة مشهورة.\n_________\n(١) انظر الأدب المفرد ٢ / ٤٣٣، باب المعانقة. ورواه الحاكم في المستدرك ... (٤ / ٥٧٤ – ٥٧٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى على التصحيح.","vol":"1","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الفصل الرابع: تدوين السنة</span>\nمن المعلوم أن الرسول ﷺ نهى عن كتابة أحاديثه الشريفة، وأنه كذلك أباح، وأمر بمثل هذه الكتابة، وبالطبع لا يمكن أن يجتمع النهى والإباحة والأمر مع اتحاد الزمان والأحوال. والمتتبع لهذا يجد أن النهى صدر في أول الأمر حتى لا يختلط شىء بكتاب الله تعالى كما يبدو، أو لأية حكمة أخرى.\nوالصحيح في النهى ينحصر في حديث واحد رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد من صحيحه، تحت باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ورواه بسنده، عن أبى سعيد الخدرى، أن رسول الله ﷺ قال: \" لا تكتبوا عنى، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على - قال همام: أحسبه قال متعمدًا: فليتبوأ مقعده من النار \".\nوقال الإمام النووى في شرح الحديث الشريف:\nقوله ﷺ: \" لا تكتبوا عنى غير القرآن ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه \" قال القاضى: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم: فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم.\nثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهى، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لايوثق بحفظه، كحديث \" اكتبوا لأبى شاه \"، وحديث صحيفة على ﵁، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذى فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة، ونصب الزكاة الذى بعث به أبو بكر ﵁ أنسا ﵁ حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبو هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث، وقيل: إن حديث النهى منسوخ بهذه الأحاديث، وكان","vol":"1","page":633},{"text":"النهى حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة والله أعلم \" (١) .\nوالأحاديث التي أشار إليها الإمام النووى جاءت بعد حديث النهى عن الكتابة، ومن هنا قيل بالنسخ، ولذلك عندما ورد الحديث في مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذرى عقب الشيخ الألبانى بقوله: \" هذا منسوخ بأحاديث كثيرة فيها الأمر بكتابة الحديث النبوى \" (٢) . والرامهرمزى الذى ولد في النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، وتوفى سنة ٣٦٠ هـ، تحدث عن التدوين في كتابه المحدث الفاصل بين الراوى والواعى (ص ٣٦٣: ٤٠٢) تحت عنوان \" باب الكتاب \" وذكر بإسناده ستة أحاديث. أولها عن أبى هريرة ﵁ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلى، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، وأنها لا تحل لأحد كان بعدى، لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفتدى، وإما أن يقتل فقال العباس: إلا الأذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: \" إلا الأذخر \". فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال: اكتبه لى يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \" اكتبوا لأبى شاه \". قال المديد: قلت للأوزاعى: ما قوله اكتبوا لأبى شاه؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول ﷺ.\n_________\n(١) راجع بيان عدم صحة باقي الأحاديث التي تنهى عن كتابة العلم في كتاب دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور محمد مصطفى الأعظمى، ص ٧٦، وما بعدها.\n(٢) انظر ٢ / ٢٥٢ حديث رقم ١٨٦١، وتعليق الشيخ الألباني، والحافظ المنذرى ذكره في كتاب العلم لا الزهد، واختلف اسم الباب أيضًا.","vol":"1","page":634},{"text":"أما باقى الأحاديث فكلها عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضى الله تعالى عنهما، وهى:\n١ - قلت: يا رسول الله، أقيد العلم؟ قال: \" نعم \"، قلت: وما تقييده؟ قال: \" الكتاب \".\n٢ - قلت: يا رسول الله، أكتب ما أسمعه منك؟ قال \" نعم \" قلت: في الغضب والرضا؟ قال: \" نعم، فإنى لا أقول إلا حقا \"\n٣ - قلنا: يا رسول الله، إنا نسمع منك أشياء لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال: \" بلى فاكتبوها \".\n٤ - عن النبى ﷺ قال: \" قيدوا العلم بالكتاب \".\n٥ - قلت: يا رسول الله، إنى أسمع منك الشئ أفأكتبه؟ قال: \" نعم فاكتبه \" قلت: إنك تغضب وترضى؟ قال: \" إنى لا أقول في الرضا والغضب إلا حقا\" (١) .\nوالحديث الأول - حديث أبى هريرة - أخرجه الإمام البخارى في كتاب العلم، باب كتابة العلم، وفيه أخرج ثلاثة أحاديث أخرى، أحدها عن أبى جحفة قال: قلت لعلى: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما فى هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.\nوأخرج عن أبى هريرة ﵁ قوله: ما من أصحاب النبى ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه منى، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.\nوالحديث الرابع في الباب جاء عن ابن عباس -﵄ - قال: لما اشتد بالنبى ﷺ وجعه قال: \" ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده \".\n_________\n(١) انظر الأحاديث من رقم ٣١٥ إلى ٣١٩، وتخريجها ص ٣٦٤: ٣٦٥.","vol":"1","page":635},{"text":"ومن المعلوم المشهور كتابة عبد الله بن عمرو التي أشار إليها أبو هريرة، وصحيفته \" الصادقة \" التي أخذها من في رسول الله ﷺ.\nوفى أحاديث عبد الله بن عمرو من مسند الإمام أحمد نجد أربع روايات صحيحة تثبت هذه الكتابة، منها قوله: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ﷺ، أريد حفظه، فنهتنى قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شىء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: \" اكتب، فوالذى نفسى بيده ما خرج منى إلا حق \" (١)\nوفى رواية: \" ما خرج منه إلا حق \" (٢) .\nوفى رواية ثالثة: \" فإنه لا ينبغى لى أن أقول في ذلك إلا حقًا \" (٣) .\nوفى الأخيرة من الروايات الصحيحة: \".... فإنى لا أقول فيهما إلا حقا \" (٤)\nوعقب الشيخ أحمد شاكر على الحديث الأول ببيان صحته، وذكر ما يتصل بتخريجه، ثم انتقل للحديث عن الكتابة في عهد الرسول ﷺ ...، فاكتفى بإثبات ما قاله ابن القيم في تعليقه على اختصار المنذرى لسنن أبى داود، وهو ما يأتى: -\n\" قد صح عن النبى ﷺ النهى عن الكتابة والإذن فيها. والإذن متأخر، فيكون ناسخا لحديث النهى، فإن النبى ﷺ قال في غزاة الفتح: اكتبوا لأبى شاه، يعنى خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهى، لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته وهى الصحيفة التي\n_________\n(١) المسند - بشرح الشيخ شاكر جـ ١٠، رواية رقم ٦٥١٠، وفى الحاشية بيان صحتها.\n(٢)، (٣)، (٤) حـ ١١، وأرقام الروايات هي: ٦٨٠٢، ٦٩٣٠، ٧٠٢٠، وفى الحاشية بين الشيخ شاكر صحة هذه الروايات.\n(٣)\n(٤)","vol":"1","page":636},{"text":"كان يسميها الصادقة. ولو كان النهى عن الكتابة متأخرا لمحاها عبد الله، لأمر النبى ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن. فلما لم يمحها وأثبتها دل أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهى عليها، هذا واضح والحمد لله.\nوقد صح عن النبى ﷺ أنه قال لهم في مرض موته: ائتونى باللوح والدواة والكتف، لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. وهذا إنما يكون كتابة كلامه بأمره، وإذنه. وكتب النبى ﷺ لعمرو بن حزم كتابا عظيما، فيه الديات وفرائض الزكاة وغيرها. وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب، وكتاب أبى بكر الصديق الذى دفعه إلى أنس ﵁. وقيل لعلى: هل خصكم رسول الله ﷺ بشئ؟ فقال: لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا ما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقول، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. وإنما نهى النبى ﷺ عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام، لئلا يختلط القرآن بغيره، فلما علم القرآن وتميز، وأفرد بالضبط والحفظ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط، أذن في الكتابة.\nوقد قال بعضهم: إنما كان النهى عن كتابة مخصوصة، وهى أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، خشية الالتباس. وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقا. وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ، فإذا حفظ محاها. وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها. ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل ا. هـ.\nوفى مقدمة ابن الصلاح (ص ٨٧) جاء عنوان: \" في كتاب الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده \".\nوقال: \" اختلف الصدر الأول - ﵃ - في كتابة الحديث، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم، وأمروا بحفظه، ومنهم من أجاز ذلك. وممن روينا عنه كراهة ذلك: عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد الخدرى في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين \".","vol":"1","page":637},{"text":"وذكر حديث أبى سعيد الخدرى، وقال: \" وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله: على، وابنه الحسن، وأنس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص في جمع آخرين من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين. ومن صحيح حديث رسول الله ﷺ الدال على جواز ذلك حديث أبى شاه ... إلخ \".\nثم قال (ص ٨٨): \" ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة والله أعلم \" (١) .\nوفى الباعث الحثيث (ص ١٣٢) سلك الحافظ ابن كثير منهج ابن الصلاج، وذكر قوله فيما رواه عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم، ثم قال: \" وقد حكى إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث وهذا مستفيض شائع ذائع، من غير نكير \".\nوفى التعليق على ما ذكره الحفاظ بين الشيخ أحمد شاكر أن القول الصحيح هو ما ذهب إليه أكثر الصحابة من جواز الكتابة، وذكر حديث أبى سعيد في النهى، ثم قال: إن النهى منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة، وذكر عددا من هذه الأحاديث، وقال:\n\" وهذه الأحاديث، مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين، ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها: كل هذا يدل على أن حديث أبى سعيد منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حيث خيف اشتغالهم عن القرآن، وحين خيف اختلاط غير\n_________\n(١) اختصر الإمام النووى كتاب ابن الصلاح فى كتابه \" الإرشاد \" ثم اختصره فى \" التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير والنذير \" وهو الذى شرحه السيوطى فى كتابه \" تدريب الراوى فى شرح تقريب النواوى \". وفى الجزء الثانى من كتاب السيوطى (ص ٦٤) بدأ الحديث عن كتابة الحديث وضبطه، وفى شرحه فصل القول فى اختلاف السلف من الصحابة والتابعين، والجمع بين حديث النهى والأحاديث الأخرى. (انظر كتابه إلى ص ٦٨) .","vol":"1","page":638},{"text":"القرآن بالقرآن. وحديث أبى شاه في أواخر حياة النبى ﷺ، وكذلك إخبار أبى هريرة، وهو متأخر الإسلام، أن عبد الله بن عمرو كان يكتب، وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلام أبى هريرة، ولو كان حديث أبى سعيد في النهى متأخرًا عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز، لعرف ذلك عند الصحابة يقينا صريحًا. ثم جاء إجماع الأمة القطعى يعد قرينة قاطعة على أن الإذن هو الأمر الأخير، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملى، عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول ﵃ أجمعين \". ا. هـ\nمما سبق نرى أن تدوين السنة بدأ في حياة الرسول نفسه ﷺ، ومنها ما كتب بأمره وبين يديه ﷺ.\nومن المعلوم أن الاتجاه العام إلى جمع السنة المشرفة وتدوينها في الدولة الإسلامية إنما كان في عهد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنهم، وكانت مبايعته بالخلافة في صفر سنة تسع وتسعين، ووفاته فى رجب سنة إحدى ومائة، وهذا يعنى أن الجمع كان لكل من المكتوب منها والمحفوظ، مع مراعاة الإسناد الذى شرفت به وانفردت خير أمة أخرجت للناس. فالجمع إذن لم يكن للمحفوظ وحده، كما لم يكن لهذا المحفوظ قيمة علمية بغير الإسناد المتصل المرفوع إلى الرسول ﷺ.\nقال الجزائرى في توجيه النظر إلى أصول الأثر (ص ٧: ٨) .\nقال البخارى في صحيحه فى كتاب العلم: \" وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم، وذهاب العلماء \"، وابو بكر هذا كان نائب عمر بن عبد العزيز في الإمرة والقضاء على المدينة. روى عن السائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وعمرو بن سليم الزرقى. وروى عن خالته عمرة، وعن خالدة ابنة أنس، ولها صحبة. قال مالك: لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر ابن حزم.. وكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يكتب له من العلم ما عند عمرة","vol":"1","page":639},{"text":"والقاسم فكتبه له. وأخذ عنه معمر، والأوزاعى، والليث، ومالك وابن أبى ذئب، وابن إسحق، وغيرهم. وكانت وفاته فيما قاله الواقدى وابن سعد وجماعة سنة عشرين ومائة، وأول من دون الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب المدنى، أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام. أخذ عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وسعيد بن المسيب، وأبى أمامة ابن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين، وأخذ عنه معمر، والأوزاعى، والليث، ومالك، وابن أبى ذئب وغيرهم. ولد سنة خمسين وتوفى سنة أربع وعشرين ومائة. قال عبد الرزاق: سمعت معمرا يقول: كنا نرى أناقد أكثرنا عن الزهرى حتى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه يقول من علم الزهرى، ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقة الزهرى. ولوقوع ذلك في كثير من البلاد وشيوعه بين الناس اعتبروه الأول فقالوا: كانت الأحاديث في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدونة فلما انتشر العلماء في الأمصار وشاع الابتداع دونت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.\nوأول من جمع ذلك ابن جريج بمكة، وابن إسحق أو مالك بالمدينة: والربيع ابن صبيح أو سعيد بن أبى عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثورى بالكوفة والأوزاعى بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالرى، وابن المبارك بخراسان. وكان هؤلاء في عصر واحد، ولا يدرى أيهم سبق. قال الحافظ ابن حجر: \" إن ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى الجمع في الأبواب، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبى، فإنه روى عنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم، وساق فيه أحاديث\".\nوتلا المذكورين كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعض الأئمة إفراد أحاديث النبى ﷺ خاصة وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسى الكوفى مسندا، وصنف مسدد البصرى مسندا، وصنف أسد بن موسى","vol":"1","page":640},{"text":"مسندا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعى مسندا، ثم اقتفى الحفاظ آثارهم: فصنف الإمام أحمد مسندا، وكذلك إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبى شيبة، وغيرهم. ولم يزل التأليف في الحديث متتابعا إلى أن ظهر الإمام البخارى وبرع في علم الحديث وصار له فيه المنزلة التي ليس فوقها منزلة، فأراد أن يجرد الصحيح ويجعله في كتاب على حدة ليخلص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال، فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبين له صحته. وكانت الكتب قبله ممزوجا فيها الصحيح بغيره بحيث لا يتبين للناظر فيها درجة الحديث من الصحة إلا بعد البحث عن أحوال رواته وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث عنه. فإن لم يتيسر له ذلك بقى ذلك الحديث مجهول الحال عنده، واقتفى أثر الإمام البخارى في ذلك الإمام مسلم ابن الحجاج. وكان من الآخذين عنه والمستفيدين منه، فألف كتابه المشهور، ولقب هذان الكتابان بالصحيحين، فمعظم انتفاع الناس بهما، ورجعوا عند الاضطراب إليهما، وألفت بعدهما كتب لا تحصى، فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها.\nهذا وقد توهم أناس مما ذكر آنفا أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شىء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك، فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض، وذكر البخارى في صحيحه أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث ... إلخ. ا. هـ\nوالتوهم الذى أشار إليه صاحب توجيه النظر أنه ليس له أساس علمى، وكان المنهج العلمي والواقع العملى يستلزمان إزالة هذا التوهم، فلم يقف الأمر عند ثبوت الكتابة عن طريق الأخبار الصحيحة، بل وصل إلينا بعض ما كتب، وطبع وانتشر: مثال هذا صحيفة همام بن منبه التي كتبها سماعا من راوية الإسلام الأول أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، نقلا عن رسول الله ﷺ، فقد نشرها المجمع العلمي العربى بدمشق، وطبعت عدة مرات بتحقيق الدكتور محمد حميد الله،","vol":"1","page":641},{"text":"وأخرجها من قبل الإمام أحمد في مسنده (حـ ٢ ص ٣١٢: ٣١٨)، وعندما قام الشيخ أحمد شاكر ﵀.. بتحقيق وشرح المسند طبع خمسة عشر جزءا، وتوفى قبل طبع الجزء السادس عشر، وهو الذى يبدأ بصحيفة همام.\nوفى المسند أيضًا أحاديث كثيرة من صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، كما طبع تفسير مجاهد بن جبر، تلميذ ابن عباس ﵃، وصلة التفسير بالسنة واضحة معلومة.\nبل إن كتب النبى ﷺ وصلنا كثيرمن نصوصها، وعثر على بعض النسخ الأصلية التي كتبت في حياته ﷺ: ففى كتاب الأموال لأبى عبيد - على سبيل المثال - يوجد \" باب كتب العهود التي كتبها رسول الله ﷺ وأصحابه لأهل الصلح \" (ص ٢٤٤)، ويروى أبو عبيد بإسناده تحت هذا الباب نصوص سبعة كتب، وفى كتاب الأموال لابن زنجوية يوجد \" كتاب العهود التي كتبها رسول الله ... ﷺ وأصحابه لأهل الصلح \" (٢ / ٤٤٩)، وهو قريب مما ذكره أبو عبيد.\nوجمع الدكتور محمد حميد الله ما استطاع من كتب الرسول ﷺ فأثبت نصوصها، وبين مصادرها، وذكر ما يوجد من أصولها وعرض صورًا لكتبه ﷺ إلى كل من: النجاشى، وهرقل، والمقوقس، وكسرى، وغيرهم (١) .\nبعد هذا كله كيف يبقى أى توهم، أو أدنى شك في ثبوت الكتابة في عصر الرسول ﷺ والصحابة الكرام من بعده؟!\n_________\n(١) انظر كتابه \" مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة \" وانظر صور كتب النبي - ﷺ -. في الطبعة الخامسة ص ١٠٢، ١٠٨، ١٢٣، ١٣٧، ١٤١، ١٤٧، ١٦٢، ٢٢٥.\nوانظر كذلك: ما جمعه من كتب في عهد الخلفاء الراشدين رضى الله تعالى عنهم.","vol":"1","page":642},{"text":"كان الواجب إذن أن يزال هذا التوهم، ولا يبقى أى شك أو لبس، ولكن العجيب الغريب أن الأمر زاد واستشرى، طعنا في السنة المشرفة، وتشكيكا في صحتها، والذين تولوا كبره المستشرقون وتلامذتهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله، والجهلة بمكانة السنة المطهرة وحجيتها وعلومها. وقد صنفت كتب عديدة في الرد على هؤلاء الطاعنين. وحتى لا يطول بنا الحديث عن التدوين أكتفى بالإشارة إلى كتاب واحد وبعض ما جاء فيه، وذلك هو \" دراسات في الحديث النبوى وتاريخ تدوينه \" للدكتور محمد مصطفى الأعظمى، جعل المؤلف الباب الثالث حول كتابة الأحاديث النبوية (ص ٧١: ٨٣)، وانتهى منه إلى نتيجة وهى أن المسلمين كانت قد أصبحت لديهم إمكانيات واسعة تمكنهم من كتابة الأحاديث النبوية، ولم يكن ثمة عائق خارجى يقف في وجه تقييد العلم.\nوجعل عنوان الباب الرابع \" تقييد الحديث من عصر النبى ﷺ إلى منتصف القرن الثانى الهجرى على وجه التقريب \"، وهذا الباب يقع في مائتين واثنتين وأربعين صفحة (٨٤: ٣٢٥)، وقسمه إلى أربعة فصول:\nالفصل الأول لكتابة الصحابة والكتابة عنهم:\nذكر فيه اثنين وخمسين من الصحابة الذين كتبوا أو كتب عنهم الأحاديث النبوية، ورد على الشبه التي تشكك فيما انتهى إليه، وعلى سبيل المثال ذكر أسماء عشرة كتاب كتبوا عن أبى هريرة، ومنهم همام بن منبه صاحب الصحيفة التي وصلتنا كاملة، وأشرت إليها من قبل، وأربعة عشر كتبوا عن جابر بن عبد الله، وهو نفسه من المؤلفين الأوائل، وتسعة كتبوا عن ابن عباس، أما هو فكانت كتبه حمل بعير، وهكذا.\nوالفصل الثانى عنوانه: \" تابعيو القرن الأول وكتاباتهم والكتابة عنهم \"، وأثبت من هؤلاء ثلاثة وخمسين.\nوالفصل الثالث جعله المؤلف لكتابة صغار التابعين والكتابة عنهم، وذكر من هؤلاء التابعين تسعة وتسعين.","vol":"1","page":643},{"text":"أما الفصل الأخير من هذا الباب فكان لكتابة بعض صغار التابعين وأتباع التابعين والكتابة عنهم، وبلغ عدد من ذكرهم هنا اثنين وخمسين ومائتين.\nوبهذا يتضح بدء الكتابة في عصر النبوة، واتصالها واتساعها دون توقف حتى ما جاء ما عرف بعصر التدوين في القرن الثانى الهجرى.\nوقبل هذا الباب قال المؤلف (ص ٧٦): \" في ضوء دراستنا هذه نستطيع أن نقول أن كل من نقل عنه كراهية كتابة العلم فقد نقل عنه عكس ذلك أيضًا، ما عدا شخصًا أو شخصين، وقد ثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم، كما يتضح ذلك بمراجعة الباب الرابع من هذا الكتاب \"\nوممن نقل عنهم كراهية كتابة العلم، وتحدث المؤلف عنهم في هذا الباب، ليثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم:\n١ - أبو سعيد الخدرى (١) .\n٢ - أبو موسى الأشعرى (٢) .\n٣ - زيد بن ثابت (٣) .\n٤ - عبد الله بن مسعود (٤) .\n٥ - عمر بن الخطاب: وقد أفاض في الحديث عنه، وذكر سبع قضايا نقلت عن عمر وأسىء فهمهما، واستدل بها على عدم أخذه بالسنة النبوية، ورد المؤلف على هذا كله، وذكر من الأدلة ما هو كاف شاف، ثم تحدث عن جهود عمر لنشر السنة، وعن كتابته للسنة (٥) .\n_________\n(١) انظر ص ٩٥ رقم ٦.\n(٢) انظر ص ٩٦ رقم ٨.\n(٣) انظر ص ١٠٨ رقم ٢٢.\n(٤) انظر ص ١٢٥ رقم ٣٩.\n(٥) راجع ما كتبه بالتفصل ص ١٣١: ١٣٩.","vol":"1","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الفصل الخامس: الجرح والتعديل</span>\nتكفلت كتب علوم الحديث ببيان ما يتصل بالجرح والتعديل، ولعل أول كتاب ألف في علوم الحديث هو المحدث الفاصل بين الراوى والواعى للرامهرمزى، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ. ولكن قبل هذا بكثير كان لبعض الأئمة الأعلام ما يتصل بالجرح والتعديل من أحكام عامة، وبيان لمن تقبل روايتهم ومن ترد وذكر لأسماء كثير من هؤلاء الرواة. وتوسع بعضهم في ذكر هذه الأسماء فيما يعرف بكتب الرجال، ومن أقدمها وأنفعها ما كتبه الإمام البخارى في تاريخه الكبير، وفى الضعفاء، وكان أثره واضحًا، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.\nوكتب علوم الحديث حفظت لنا آراء الأئمة من الجرح والتعديل، ولكن قبل أن ننظر في هذه الكتب أريد أن أثبت هنا بعض ما جاء في غيرها سابقا لها، وأكتفى ببعض ما كتبه ثلاثة من الأئمة:\nأولهم الإمام الشافعى، صاحب كتاب الرسالة، الذى يعد أول ما صنف في أصول الفقه، وفى هذا الكتاب، تحدث الإمام عن خبر الواحد فقال:\nولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معانى الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إن حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه. إذ شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم، بريا من أن يكون مدلسا: يحدث عن من لقى ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبى ما يحدث الثقات خلافه عن","vol":"1","page":645},{"text":"النبي. ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبى أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت. (ص ٣٧٠: ٣٧٢) .\nثم قال بعد هذا: ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته. وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق. فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثًا حنى يقول فيه \" حدثنى \" أو \" سمعت \" (ص ٣٧٩: ٣٨٠) .\nوقال أيضًا: ومن كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح، لم نقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته.\nوأهل الحديث متباينون:\nفمنهم المعروف بعلم الحديث، بطلبه وسماعه من الأب والعم وذوى الرحم والصديق، وطول مجالسة أهل التنازع فيه. ومن كان هكذا كان مقدما في الحفظ، إن خالفه من يقصر عنه، كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه من أهل التقصير عنه.\nويعتبر أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له.\nوإذا اختلفت الرواية استدللنا عن المحفوظ منها والغلط بهذا، ووجوه سواه، تدل على الصدق والحفظ والغلط. (الرسالة: ص ٣٨٢: ٣٨٣) .\nونأتى بعد الإمام الشافعى إلى الإمام مسلم، حيث تحدث في مقدمة صحيحه عن حال بعض الرواة وبين طبقاتهم. وبعد أن بين من تقبل أحاديثهم قال (ص ٤٥): \" فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم \". وسمى بعضهم وقال: \" وأشباههم","vol":"1","page":646},{"text":"ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضا عن حديثهم.\nوعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها. فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا نستعمله \" (ص: ٤٦) .\nويأتى بعد هذا باب النهى عن الرواية عن الضعفاء، والاحتياط في تحملها، ثم باب بيان أن الإسناد من الدين، وبين فيه وجوب عدم الأخذ إلا عن الثقة الثبت، ونبه إلى أمر هام حيث روى عن أبى الزناد قوله: \" أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله \" (١) .\nوعن يحيى بن سعيد القطان قال: \" لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث \"، وفسر الإمام مسلم هذا بقوله: يجرى الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب.\nوقال النووى في شرحه: معناه ما قاله مسلم أنه يجرى الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون ذلك، لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث، فيقع الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه، ويروون الكذب ولا يعلمون أنه كذب. وقد قدمنا أن مذهب أهل الحق أن الكذب هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو: عمدا كان أو سهوا أو غلطا (٢) .\nوفى الكشف عن معايب رواة الحديث أورد مسلم بعض الأخبار التي تذكر أسماء بعض الكذابين والوضاعين، ومن هؤلاء جابر بن يزيد الجعفى، وروى عن غير واحد أن جابرا كان يؤمن بالرجعة، وفسرها النووى بقوله: معنى\n_________\n(١) صحيح مسلم ١ / ٧٢. وقال النووى: أبو الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان، وكان الثورى يسميه: أمير المؤمنين في الحديث.\n(٢) انظر ص ٧٩.","vol":"1","page":647},{"text":"إيمانه بالرجعة هو ما تقوله الرافضة وتعتقده بزعمها الباطل أن عليا - كرم الله وجهه - في السحاب، فلا نخرج - يعنى مع من يخرج من ولده حتى ينادى من السماء: أن اخرجوا معه، وهذا نوع من أباطيلهم، وعظيم من جهالاتهم اللائقة بأذهانهم السخيفة وعقولهم الواهية (ص: ٨٥) .\nومما رواه مسلم أيضًا أن جابرا قال: إن عندى لخمسين ألف حديث، ما حدثت منها بشئ. ثم حدث يوما بحديث فقال: هذا من الخمسين ألفا، وفى خبر زاد أنها عن النبى ﷺ.\nوفى خبر أيضًا قال جابر: عندى سبعون ألف حديث عن أبى جعفر عن النبى ﷺ كلها.\nوروى عن الإمام سفيان بن عيينه أنه قال: سمعت رجلا سأل جابرا عن قوله - ﷿:\n﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١)، فقال جابر: لم يجئ تأويل هذه الآية. قال سفيان: وكذب. فقلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: لإن الرافضة تقول أن عليا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادى مناد من السماء، يريد عليا أنه ينادى: اخرجوا مع فلان. يقول جابر: فذا تأويل هذه الآية، وكذب، كانت في إخوة يوسف ﷺ.\nوروى عن سفيان أيضًا قال: سمعت جابرا يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث، ما أستحل أن أذكر منها شيئا وأن لى كذا وكذا (٢) .\n_________\n(١) سورة يوسف: الآية ٨٠.\n(٢) انظر الأخبار المتصلة بجابر في صحيح مسلم ١ / ٨٥ - ٨٧. ووفاته كانت سنة ١٢٨ هجرية في عصر الإمام الصادق، والأخبار التي وضعها افتراء على الأئمة لا تذكر أسماء من يأتى بعده، ولذلك ذكر عليا في السحاب، ولم يذكر اسم من يخرج من ولده، أما الذين وضعوا الروايات بعد إمامهم الثانى عشر في النصف الثانى من القرن الثالث وما بعدها فإنهم ذكروا* *خروجه. وللرجعة معنى آخر أيضًا عند الشيعة كما سبق بيانه في الفصل الخامس من الجزء الأول.","vol":"1","page":648},{"text":"ثم ذكر الإمام مسلم عددًا غير قليل ممن لا تقبل روايتهم (١)\n، ثم قال: \" وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمى رواة الحديث، وأخبارهم عن معايبهم، كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه، وفيما ذكرنا غاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا. وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن\n_________\n(١) ذكرت ما يتصل بجابر لنقارن بين ما قاله الأئمة الأعلام من طعن فيه وبيان لأكاذيبه، وبين ما يقوله الشيعة الاثنا عشرية:\nفهم يعتبرونه من اصحاب الأصول الأربعمائة التي نتحدث عنها في القسم الثانى، وجاء في ترجمته عندهم ما يأتى:\nوثقه بن الغضايرى وغيره، وروى الكشى وغيره أحاديث كثيرة تدل على مدحه وتوثيقه وروى فيه ذم يأتى ما يصلح جوابا عنه في زرارة، وضعفه بعض علمائنا، والأرجح توثيقه. وقال الشيخ: له أصل، وروى أنه روى سبعين ألف حديث عن الباقر، وروى مائة وأربعين ألف حديث، والظاهر أنه ما روى أحد بطريق المشافهة عن الأئمة أكثر مما روى جابر، فيكون عظيم المنزلة عندهم لقولهم: اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا (وسائل الشيعة: ٢٠ / ١٥١) .\n\nوترجمة زرارة بن أعين التي أشار إليها صاحب الوسائل هنا جاء فيها ما يأتى: ... وروى أحاديث في ذمه ينبغى حملها على التقية، بل يتعين، وكذا ما ورد في حق أمثاله من أجلاء الإمامية بعد تحقق المدح من الأئمة (وسائل الشيعة ك ٢٠ / ١٩٦) . وجاء في حاشية الوسائل (١٩ / ٣٣٨) . جابر بن يزيد الجعفى من أصحاب الإمامين الباقر والصادق، تابعى روى عنهما، مات أيام الصادق سنة ١٢٨ هجرية، له كتب وأصل، وروى أن الصادق ترحم عليه، وقال: إنه كان يصدق علينا، وكان باب الإمام الباقر، وفيه أحاديث كثيرة رواها الكشى وغيره تدل على مدحه وعظيم شأنه.","vol":"1","page":649},{"text":"معايب رواة الحديث وناقلى الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتى بتحليل أو تحريم ... إلخ. (١)\nوللإمام مسلم في بيان علل الحديث كتاب التمييز:\nبين فيه الدواعى إلى الجرح والتعديل، ثم أورد باب ما جاء في الترقى في حمل الحديث وأدائه والتحفظ من الزيادة فيه والنقصان (ص ١٢٧) . وبعد هذا أخذ يبين علل بعض الأخبار والروايات كالخطأ أو الوهم في الإسناد أو المتن، أو فيهما معا، وأشار إلى شىء من التصحيف، وما يدفعه الأخبار الصحاح، ثم قال بعد هذا كله (ص ١٧١):\n\" واعلم رحمك الله، أن صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفين بها دون غيرهم، إذ الأصل الذى يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر من لدن النبى ﷺ إلى عصرنا هذا، فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم في المذهب، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار، من نقال الأخبار وحمال الآثار.\nوأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح. وإنما اقتصصنا هذا الكلام لكى ننبه من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه على تثبيت الرجال وتضعيفهم فيعرف ما الشواهد عندهم، والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله، أو سقطوا من أسقطوا منهم. والكلام في تفسير ذلك يكثر، وقد شرحناه في مواضع غير هذا، وبالله التوفيق، في كل ما نؤم ونقصد \".\nوبعد الإمامين الشافعى ومسلم نأتى إلى الثالث وهو ابن أبى حاتم في كتابه الجرح والتعديل الذى أشرت إليه من قبل، حيث جعل لكتابه مقدمة بدأها ببيان\n_________\n(١) انظر مقدمة صحيح مسلم ص ١٠٥.","vol":"1","page":650},{"text":"مرتبة النبى ﷺ، ثم بمعرفة السنة وأئمتها، ثم تحدث عن التمييز بين الرواة وبيان طبقاتهم، فقال (ص ٥: ٧)\nالتمييز بين الرواة: قال أبو محمد: فلما لم نجد سبيلًا إلى معرفة شئ من معانى كتاب الله ولا من سنن رسوله ﷺ إلا من جهة النقل والرواية، وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة.\nولما كان الدين هو الذى جاءنا عن الله ﷿ وعن رسوله ﷺ بنقل الرواة حق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه، وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبه عليهم بالأغلوطات.\nوأن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط والسهو والاشتباه، ليعرف به أدلة هذا الدين وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنة رسوله ﷺ وهم هؤلاء أهل العدالة، فيتمسك بالذى رووه، ويعتمد عليه، ويحكم به، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ، فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إن كذب فكذب، وإن وهم فوهم، وإن غلط فغلط، وهؤلاء هم أهل الجرح فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به ولا يعمل عليه، ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه.","vol":"1","page":651},{"text":"طبقات الرواة: ثم احتيج إلى تبيين طبقاتهم ومقادير حالاتهم وتباين درجاتهم ليعرف من كان منهم في منزلة الانتقاد والجهبذة والتنقيب والبحث عن الرجال والمعرفة بهم - وهؤلاء هم أهل التزكية والتعديل والجرح.\nويعرف من كان منهم عدلا في نفسه من أهل الثبت في الحديث والحفظ له والإتقان فيه - فهؤلاء هم أهل العدالة. ومنهم الصدوق فى روايته الورع فى دينه الثبت الذى يهم أحيانًا وقد قبله الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه أيضًا.\nومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط – فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.\nومنهم من قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم - ممن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته ويسقط ولا يشتغل به.\nوبعد هذا تحدث ابن أبى حاتم عن الصحابة الكرام فقال (ص ٧: ٨)\nالصحابة: فأما أصحاب رسول الله فهم الذين شهدوا الوحى والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل. وهم الذين اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه ﷺ ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه ﷺ ما بلغهم عن الله ﷿ وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده - بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله ﷿ بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم عدول الأمة فقال عز ذكره في محكم كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء","vol":"1","page":652},{"text":"عَلَى النَّاسِ﴾ ففسر النبى ﷺ عن الله عز ذكره قوله \" وسطا \" قال: عدلا. فكانوا عدول الأمة، وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة.\nوندب الله ﷿ إلى التمسك بهديهم والجرى على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية (١) .\nووجدنا النبى ﷺ قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال: نضر الله امرأ سمع مقالتى فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره. وقال ﷺ في خطبته: فليبلغ الشاهد منكم الغائب. وقال: بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عنى ولا حرج.\nثم تفرقت الصحابة ﵃ في النواحى والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازى والإمارة والقضاء والأحكام، فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذى هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله ﷺ، وحكموا بحكم الله ﷿، وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله ﷺ، وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله ﷺ عن نظائرها من المسائل، وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله ﷿ رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين.\nوبعد الصحابة قال عن التابعين (ص ٨: ٩) .\nالتابعون: فخلف بعدهم التابعون الذين اختارهم الله ﷿ لإقامة دينه وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه وأحكامه وسنن رسوله ﷺ وآثاره،\n_________\n(١) التلاوة ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ النساء: ١١٥.","vol":"1","page":653},{"text":"فحفظوا عن صحابة رسول الله ﷺ ما نشروه وبثوه من الأحكام والسنن والآثار وسائر ما وصفنا الصحابة به ﵃، فأتقنوه وعلموه وفقهوا فيه فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله ﷿ ونهيه بحيث وضعهم الله ﷿، ونصبهم له إذ يقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ \" الآية \"\nحدثنا عبد الرحمن محمد بن يحيى، أنا العباس بن الوليد الترسى، نايزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ التابعين.\nفصاروا برضوان الله ﷿ لهم وجميل ما أثنى عليهم بالمنزلة التي نزههم الله بها عن أن يلحقهم مغمز، أو تدركهم وصمة، لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم، ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله ﷿ لإثبات دينه وإقامة سنته وسبله، فلم يكن لاشتغالنا بالتمييز بينهم معنى، إذ كنا لا نجد منهم إلا إماما مبرزا مقدما في الفضل والعلم ووعى السنن وإثباتها ولزوم الطريقة واحتبائها، رحمة الله ومغفرته عليهم أجمعين - إلا ما كان ممن ألحق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس يلحقهم، ولا هو في مثل حالهم: لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان، ولا ثبت ممن ذكرنا حالهم وأوصافهم ومعانيهم في مواضع من كتابنا هذا، فاكتفينا بها وبشرحها في الأبواب مستغنية عن إعادة ذكرها مجملة أو مفسرة في هذا المكان.\nوفى ص ٩، ١٠ جاء الحديث عن أتباع التابعين ومراتبهم:\nأتباع التابعين: ثم خلفهم تابعو التابعين وهم خلف الأخيار وأعلام الأمصار في دين الله ﷿، ونقل سنن رسول الله ﷺ وحفظه وإتقانه، والعلماء بالحلال والحرام، والفقهاء في أحكام الله ﷿ وفروضه وأمره ونهيه، فكانوا على مراتب أربع.","vol":"1","page":654},{"text":"مراتب الرواة: فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث - فهذا الذى لا يختلف فيه ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال.\nومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه المتقن فيه، فذلك العدل الذى يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه.\nومنهم الصدوق الورع الثبت الذى يهم أحيانا وقد قبله الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه.\nومنهم الصدوق الورع المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو - فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.\nوخامس قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب -– فهذا يترك حديثه ويطرح روايته. انتهى المنقول من كلام ابن أبى حاتم.\nوننتقل بعد هذا إلى كتب علوم الحديث:\nوأولها المحدث الفاصل للرامهرمزى المتوفى سنة ٣٦٠هـ. ومما جاء في موضوعنا ما أثبته تحت عنوان: \" القول فيمن يستحق الأخذ عنه \" بدأه بما يبين رأى الإمام مالك حيث قال:\nالقول فيمن يستحق الأخذ عنه:\nحدثنا عبد الله بن الصقر السكرى، ثنا إبراهيم بن المنذر الجزامى، ثنا ... معن - وقال مرة محمد بن صدقة الفدكى أحدهما أو كلاهما - قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن بالسفه وإن كان من أروى الناس، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على","vol":"1","page":655},{"text":"رسول الله ﷺ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث. قال الحزامىّ: فذكرت ذلك لمطرف بن عبد الله فقال: ما أدرى ما تقول، غير أنى أشهد لسمعت مالكا يقول: أدركت ببلدنا هذا - يعنى المدينة - مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، فما كتبت عن أحد منهم حديثا قط. قلت: لم يا عبد الله؟\nقال: لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدثون. قال: وقال مالك: كنا نزدحم على باب ابن شهاب (ص ٤٠٣: ٤٠٤) .\nوانتقل المؤلف بعد هذا إلى الإمام الشافعى، حيث نقل عنه ما ذكرته من قبل، ثم قال:\nقال الشافعى: وكان ابن سيرين والنخعى وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن من عرف.\nقال الشافعى: وما لقيت أحدا من أهل العلم يخالف هذا المذهب (ص ٤٠٥) .\nوجاء بعد هذا بآراء آخرين غير مالك والشافعى.\nوبعد الرامهرمزى يأتى كتاب علوم الحديث للحاكم المعروف بتشيعه، ولكنه لم يكن رافضيا، ولذلك أترك النقل منه هنا وأبقيه عند الحديث عن الجرح والتعديل عند الشيعة الاثنى عشرية ليتضح الفرق بين الشيعة والرافضة.\nومن الكتب المتقدمة فى علوم الحديث الكفاية في علم الرواية، لأبى بكر أحمد بن على بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادى، والمتوفى سنة ٤٦٣ هـ.\nوتحدث عن الرواية عن أهل الأهواء والبدع فقال (ص ١٢٥):\nوالذى يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم","vol":"1","page":656},{"text":"الكذب، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم، فاحتجوا برواية عمران بن حطان وهو من الخوارج، وعمرو بن دينار، وكان ممن يذهب إلى القدر والتشيع وكان عكرمة إباضيًا، وابن أبى نجيح وكان معتزليا، وعبد الوارث بن سعيد وشبل بن عياد، وسيف بن سليمان، وهشام الدستوائى، وسعيد بن أبى عروبة وسلام بن مسكين، وكانوا قدرية وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مرة، ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة، وعبيد الله بن موسى وخالد بن مخلد، وعبد الرزاق بن همام وكانوا يذهبون إلى التشيع، في خلق كثير يتسع ذكرهم، دوّن أهل العلم قديما وحديثًا رواياتهم واحتجوا بأخبارهم فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقاربة الصواب.\nباب ذكر بعض المنقول\nعن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع قد اسلفنا الحكاية عن أبى عبد الله الشافعى في جواز قبول شهادة أهل الأهواء غير صنف من الرافضة خاصة، ويحكى نحو ذلك عن أبى حنيفة إمام أصحاب الرأى وأبى يوسف القاضى.\nوبعد هذا ذكر عدة روايات منها:\nبسنده عن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعى يقول: لم أر أحدا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة (ص: ١٢٦) .\nوعن أبى يوسف قال: أجيز شهادة أهل الأهواء أهل الصدق منهم إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون أن الله لا يعلم الشئ حتى يكون.\nوعن ابن المبارك قال: سأل أبو عصمة أبا حنيفة: ممن تأمرنى أن أسمع الآثار؟ قال: من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد ﷺ، ومن أتى السلطان طائعا، أما إنى لا أقول إنهم يكذبونهم أو","vol":"1","page":657},{"text":"يأمرونهم بما لا ينبغى ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم. فهذان لا ينبغى أن يكونا من أئمة المسلمين (ص: ١٢٦) .\nوعن عبد الرحمن بن مهدى قال: من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك (ص: ١٢٧) .\nوقيل لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله سمعت من أبى قطن القدرى؟\nقال: لم أره داعية، ولو كان داعية لم اسمع منه.\nقلت - أى الخطيب البغدادى: إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة خوفا أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيها على وضع ما يحسنها كما حكينا في الباب الذى قبل هذا عن الخارجى التائب قوله: كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا (ص: ١٢٨) .\nوعن أبى داود قال: ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج (ص: ١٣٠) .","vol":"1","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الفصل السادس: حوار الإمام الشافعي لفرقة ضلت</span>\nإذا كان السلف الصالح متمسكًا بسنة رسول الله ﷺ تمسكهم بكتاب الله العزيز، فإن فرقة شذت في عصر الإمام الشافعى فردت سنة رسول ﷺ، ورأت أنها لا تقوم على الكتاب الذى أنزله الله تبيانًا لكل شئ. وأشار الإمام الشافعى إلى هذه الفرقة، وذكر حواره مع واحد منها في كتاب جماع العلم في الجزء السابع من كتابة الأم.\nوقد بدأ الإمام كتاب جماع العلم بقوله:\nلم أسمع أحدًا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله ﷿ اتباع أمر رسول الله ﷺ، والتسليم لحكمه، بأن الله ﷿ لم يجعل لمن بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، وأن سواهما تبع لهما، وأن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى.\nثم قال ﵀ وجزاه خيرًا:\nباب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها\nقال الشافعى رحمه الله تعالى:\nقال لى قائل يُنسب إلى العلم بمذهب أصحابه ... ..\nوذكر الشافعى قوله بأن القرآن نزل تبيانًا لكل شىء، بلسان عربى مبين، وأن الأحاديث تعتمد على من يجوز عليهم الكذب، والخطأ، والنسيان، والغلط.\nفبين الإمام أن السنة وحى، لا يمكن الاستغناء عنها؛ فلا يستقيم أمر الدين بغيرها، ولا نعرف أحكام العبادات والمعاملات وغيرها إلا بها. وأنه يحتاط فى قبولها أكثر مما يحتاط فى قبول الأقوال التى تستباح بها الدماء والأموال","vol":"1","page":659},{"text":"والأعراض. واستمر الإمام فى حواره الممتع المقنع حتى اهتدى ذاك الضال. وهذا الحوار نقلته تامًا فى بحث \" السنة بيان الله على لسان رسوله \" وهو ملحق بهذا الجزء، ولذلك أكتفى به، وأحيل عليه.","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الفصل السابع: بعد الإمام الشافعى</span>\nهذا هو حوار الإمام الشافعى الذى هدى من حاوره بعد ضلال، ولكن هداية هذا الرجل لا تعنى عدم ضلال الطائفة. ويأتى القرن الثالث، الذى توفى الإمام الشافعى في العام الرابع من بدايته، ليكون العصر الذهبى لجمع السنة وتنقيتها وتدوينها، حيث دون مسند الإمام أحمد، والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، وغيرها من الكتب الآخرى: كسنن سعيد بن منصور، والدارمى، ومسانيد إسحاق بن راهويه، وبقى بن مخلد، والبزار، وأبى يعلى.\nغير أن ذاك القرن ضم أيضًا من حاول هدم السنة المطهرة.\nننظر مثلا إلى كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ. فنراه جعل كتابه في الرد على أعداء أهل الحديث، والجمع بين الأخبار التي ادعوا عليها التناقض والاختلاف، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأى. ولا يكتفى ابن قتيبة بالرد على الشبه، وبيان سوء فهم من أثاروا تلك الشبه، وإنما يتحدث عن الأشخاص أنفسهم الذين أثاروها حتى يعرف القارئ سبب عدائهم لأهل الحديث.\nفيذكر منهم النظام ويقول: وجدنا النظام شاطرا من الشطار، يغدو على سكر، ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات ... إلخ\nوذكر أن النظام خرج على إجماع الأمة، وطعن في أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة، ثم عقب ابن قتيبة بعد هذا بقوله: هذا هو قوله- أى ... النظام - في جلة أصحاب رسول الله ﷺ، ورضى عنهم، كأنه لم يسمع بقول الله","vol":"1","page":661},{"text":"﷿ في كتابه الكريم \" محمد رسول الله والذين معه \" إلى آخر السورة، ولم يسمع بقول الله ﷿ في كتابه الكريم \" محمد رسول الله والذين معه \" إلى آخر السورة، ولم يسمع بقوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ [(١) .\nوبعد حديثه عن النظام، ورده عليه يقول: ثم نصير إلى قول أبى هذيل العلاف فنجده كذابا أفاكا ... إلخ وهكذا استمر ابن قتيبة في كتابه.\nوكان أسوأ وأشد خطرا من هؤلاء الذين تحدث عنهم الرافضة الذين اتخذوا لأنفسهم سنة خاصة تختلف عن مفهوم السنة عند الأمة، فأشركوا مع الرسول ﷺ في العصمة ووجوب الاتباع أشخاصًا اعتبروهم أئمة طائفتهم، ووضعوا الأخبار في ظلمات هذا المفهوم، وفى ظلماته أيضًا كتبوا في الجرح والتعديل.\nشهد القرن الثالث ثلاثة من كتب التفسيرهي تفاسير العسكرى والقمى والعياشى التي تحدثنا عنها من قبل في الجزء الثانى، وبالرجوع إليها وجدنا أنها تطعن في خير الناس: صحابة رسول الله ﷺ، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وتذكر أن القرآن الكريم حرف نصا ومعنى، وجاء الطعن والقول بالتحريف في روايات مفتريات اعتبروها صحيحة بمقياسهم.\nوألف كتاب رابع وهو الكافى للكلينى تلميذ القمى، واعتبر هذا الكتاب الكتاب الأول في الحديث عندهم، وعندما قرأته وجدت صاحبه قد ضل ضلالًا بعيدًا، ووضع من المفتريات ما لايستطيع أن يتصوره أى مسلم، وسيأتى الحديث عنه بالتفصيل.\nوعندما رجعت لكتب الجرح والتعديل عندهم وجدت آثار هذه الظلمات: فصاحب الكتاب الرابع ثقة الإسلام! وشيخه ليس ثقة فحسب، بل كل من وثقهم\n_________\n(١) راجع حديثه عن النظام، ومناقشته له في ص ١٧: ٤٢.","vol":"1","page":662},{"text":"وروى عنهم فهم ثقات، ولا يعتبر الحديث صحيحا إلا إذا كان الرواة كلهم جميعا من طائفتهم، والجرح عندهم سيئ للغاية، وسيتضح هذا جليا في الفصول التالية.\n\n*****","vol":"1","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الفصل الثامن: في عصر السيوطي</span>\nوفى هذه العجالة التي لاتهدف إلى الحصر والاستقصاء، ننتقل من القرن الثالث إلى القرن التاسع، فنرى الإمام السيوطى يؤلف كتابا تحت عنوان \" مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة \"، وبين سبب تأليف كتابه فقال: اعلموا - يرحمكم الله - أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الأراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان وكان دارسًا - بحمد الله تعالى - منذ أزمان، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علوًا وشرفًا - لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة، وأورد على ذلك حديث \" وما جاءكم عنى من حديث فاعرضوه على القرآن، فإن وجدتم له أصلًا فخذوا به وإلا فردوه \" (١)\n_________\n(١) ذكر الإمام الشافعى في رسالته، تحت باب العلل في الأحاديث، قول قائل: أفتجد: حجة على من روى النبي - ﷺ - قال: \" ما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله \"؟\nوأجاب: \" فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر، فيقال لنا: قد ثبتم حديث من روى هذا فى شئ \" (الرسالة: ٢٢٤ - ٢٢٥) .\nوقال السخاوى في تخريج الحديث: قال الدار قطنى: إن أشعث تفرد به. انتهى.\n\nوهو شديد الضعف، والحديث منكر جدًا، استنكره العقيلى وقال: إنه ليس له إسناد يصح. (المقاصد الحسنة ١ / ٣٦) .\nوذكر العجلونى قول السخاوى، وقال: قال الصغائى: هو موضوع (انظر كشف الخفاء ١ / ٨٦) .\nوقال ابن حزم في رواية لحديث عرض السنة على القرآن: رواه الحسين بن عبد الله، وهو ساقط متهم بالزندقة (الأحكام: المجلد الأول ص ٢٥٠) . وفى رواية أخرى رواها أشعث قال: أشعث بن بزار كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه (٢٥٢) وتتبع الروايات المختلفة للحديث، = = وبين سبب رفضه لها، ثم قال: أول ما نعرض على القرآن الحديث الذى ذكرتموه، فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، وقال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾، وقال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيما﴾ .\nونسأل قائل هذا القول الفاسد: في أى قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات؟ وأن المغرب ثلاث ركعات؟ إلخ ص (٢٥٢ - ٢٥٣)، ثم قال ابن حزم \" ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم \". (ص ٢٥٣ - ٢٥٤ من الإحكام المجلد الأول) .\nوقال الشيخ شاكر في تخريج الحديث: هذا المعنى لم يرد فيه صحيح ولا حسن، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة، كلها موضوع أو بالغ الغاية في الضعف حتى لايصلح شئ منها للاحتجاج أو الاستشهاد. ثم أفاض في بيانه - انظر حاشية ص ٢٢٤ - ٢٢٥ من الرسالة.","vol":"1","page":664},{"text":"هكذا سمعت الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيرى، فمنهم من لايلقى لذلك بالًا، ومنهم من لايعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء، فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك.\nفاعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر حديث النبى ﷺ - قولا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من يشاء الله من فرق الكفرة.\nروى الإمام الشافعى - ﵁ - يوما حديثا، وقال أنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فاضطرب وقال: يا هذا! أرأيتنى خارجا من كنيسة؟ أرأيت في وسطى زنارا؟ أروى حديثا عن رسول الله ﷺ ... ولا أقول به؟","vol":"1","page":665},{"text":"وأصل هذا الرأى الفاسد أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن، وهم في ذلك مختلفو المقاصد، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلى، وأن جبريل - ﵁ - أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين ﷺ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرًا، ومنهم من أقر للنبى ﷺ بالنبوة، ولكن قال: إن الخلافة كانت حقا لعلى ... إلخ.\nثم قال السيوطى بعد ذلك: وهذه آراء ما كنت استحل حكايتها، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذى كان الناس في راحة منه من أعصار.\nوقد كان أهل هذا الرأى موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم، وتصدى الأئمة الأربعة وأصحابهم في دروسهم ومناظراتهم للرد عليهم، وسأسوق إن شاء الله جملة من ذلك والله الموفق (١) .\nوالكتاب طبع في ستين ومائة صفحة، فارجع إليه.\nتعقيب\nقد يقال: كيف ذكر السيوطى أن الرافضة تنكر الاحتجاج بالسنة وعندها أربعة كتب معتمدة في السنة؟\nوالجواب أن الرافضة أرادوا هدم السنة المشرفة التي بين أيدى المسلمين حتى لا يبقى إلا كتبهم التي يتداولونها فيما بينهم والتي وضعت لتأييد عقيدتهم الباطلة كما سيتضح من دراستها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) انظر الكتاب المذكور: ص ١١ - ١٢.","vol":"1","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الفصل التاسع: الطاعنون في العصر الحديث</span>\nوننتقل بعد هذا إلى عصرنا الحديث، حيث زات الطامة، وكثر الطاعنون، وهم أصناف:\nفمنهم بقايا الفرق، وأشرت إلى بعض آنفًا، وهم لا يكتفون بما فى كتب من ضلال، ولكنهم من وقت لآخر يثيرون ما يريدون به هدم السنة: كالطعن في صحابى جليل راوية، أو راو أجمعت الأمة على توثيقه، أو كتاب صحيح تلقته الأمة بالقبول ... إلخ.\nوالرافضة أكثرها طعنًا، وجرأة على الله تعالى، وعلى رسوله - ﷺ -.\nفمنهم من يطعن لجهله ما يتصل بالسنة، فيتشكك ويشكك فى ثبوتها، وهو لا يدرى أن البشرية كلها فى تاريخها الطويل لم تعرف علما نقل من جيل إلى جيل بالدقة التي نقل بها حديث رسول الله - ﷺ -، ولو رجع إلى كتب مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وشروح السنة، لاستراح وأراح.\nومنهم من دفعه هذا الجهل إلى القول بأن القرآن الكريم وحده يكفى، مستدلًاّ بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ .\nوهذا جهل بالكتاب والسنة معًا، ووقوع فيما حذر منه الله ﷿، ورسوله - ﷺ -، وردة إلى قول الطائفة التي ذكرها الإمام الشافعى. ولو أن هؤلاء قرءوا حوار الشافعى، وتدبروا ما ذكرنا من آيات كريمة، وأحاديث شريفة، لأدركوا مدى ضلالهم وبعدهم عن سواء السبيل، والعجيب أن هؤلاء أسموا أنفسهم بالقرآنيين، والقرآن نفسه يشهد على بطلان دعواهم.","vol":"1","page":667},{"text":"ومنهم من جعل عقله حكما لرفض أحاديث صحت سندا ومتنا، بل في أرقى مراتب الصحاح، كالأحاديث الثابتة المتعلقة بالغيبيات مثل الجنة والنار، وعلامات الساعة، والملائكة والجن. ومن المعلوم أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم، ولكن كيف نقيس الغائب على الشاهد، وكيف نحكم العقل في أمور لا نعرف شيئا عنها إلا بالنقل الصحيح؟ فمتى ثبت النقل لزم التسليم. أحيانا ترى جاهلا مغرورًا يقف أمام حديث متفق عليه ويقول: هذا مرفوض عقلا! وكان عليه أن يسأل نفسه: أكان البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بلا عقول؟ بل أعاشت الأمة أربعة عشر قرنًا بغير عقل حتى جاء بعقله ليستدرك عليها؟\nومن أسوأ الطاعنين في عصرنا المستشرقون، وأشد منهم خطرًا تلامذتهم المقلدون التابعون لهم: والمستشرقون طعنوا في القرآن الكريم نفسه كما أشرت من قبل، أما السنة فقد أنكروا وجود سنة يتصل سندها إلى الرسول ﷺ، وقالوا بأن أقصى اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول.\nومعنى ذلك أن السنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعًا من اختراعات المسلمين المتأخرين، أرادوا أن يثبتوا أحكاما فنسبوها للرسول ﷺ. ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان لهم دور كبير في السنة، فمثلا طعنوا في أبى هريرة الصحابى الجليل ﵁، الذى روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين، وهو كما قال الشافعى \" أثبت من روى الحديث فى دهره \". وطعنوا في ابن شهاب الزهرى، الإمام الحجة الثبت، أول من استجاب لعمر بن عبد العزيز في جمع السنة ... وهكذا.\nثم ظهر اتجاه آخر عندهم، اعتبره بعضهم هدما للفكر الاستشراقى، ولذلك ثاروا على القائلين به، مع أنه في النهاية يصل إلى البهتان نفسه.\nويقوم هذا الاتجاه الخبيث على الاعتراف أولا بأن السنة لها أصل، وذلك حتى يضلل جهلة المسلمين بالتظاهر بأنه لا ينكر وجود أصل للسنة، ولكن بعد هذا الاعتراف تأتى محاولة الهدم، فيقولون: إن المدارس الإسلامية الأولى لم تستطع","vol":"1","page":668},{"text":"أن تحدد ما يعتبر من أقوال محمد وما لا يعتبر من أقواله، لأن السند لم يكن معروفا عندهم، فكانت كلمة سنة تعنى الرأى المقبول لدى جمهور علماء المدرسة، ثم نسبوا هذه الأقوال المقبولة لدى المدرسة إلى الصحابة حتى تكون أكثر قبولا، ثم نسبوها بعد ذلك إلى الرسول ﷺ (١) .\nومعنى هذا أنهم يريدون أن يصلوا في النهاية إلى التشكيك في السنة كلها.\nهؤلاء القوم لا يعرفون الإسناد، فكتبهم المقدسة ذاتها بغير إسناد، ولذلك فهى محرفة مزورة، ولكن لا شك أنهم قرءوا عن جمع السنة وتنقيتها، وشروط رجال الحديث، وعرفوا أن الأمة الإسلامية فاقت الخلق جميعا بهذا الإسناد، ولكن ماذا تنتظر من مستشرق يهودى أو صليبى حاقد على الإسلام وأهله، مريد هدمه ما استطاع إلى ذلك سبيلاّ؟\nفلا تنتظر من أعداء الإسلام إلا مثل هذه المحاولات. وإن كنا مطمئنين تماما إلى أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون، فالله ﷿ لم يترك حفظ القرآن الكريم كما ترك غيره للأحبار والرهبان فضيعوه، وإنما تعهد بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، كما تعهد ببيانه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، ومن تمام حفظ القرآن الكريم حفظ السنة المطهرة، وهى المبينة له.\n_________\n(١) بين هذا الاتجاه مفصلا الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا في إحدى محاضرات رئاسة المحاكم الشرعية بدولة قطر لعام ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل العاشر: أبو هريرة رضى الله تعالي عنه</span>\nفي عصرنا وجدنا المستشرقين من الصليبيين والصهيونيين، ومعهم العلمانيون والرافضة، يجترءون على راوية الإسلام الأول سيدنا أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه وأرضاه.\nوهؤلاء جميعا ليس بينهم وبين الصحابى الجليل عداء خاص، وإنما العداء للسنة المشرفة التى كان الصحابى الجليل أحفظ من رواها في دهره كما قال الإمام الشافعى، والعداء للإسلام نفسه، فلا يقوم بغير السنة المطهرة\nوفى المؤتمر الثانى لجمعية إحياء التراث الإسلامى الذى عقد بالكويت في شوال سنة ١٤٠٥، وخصص للسنة المطهرة، ألقيت محاضرة عن منزلة السنة وشبهات حول الحديث، وبعد المحاضرة ظهر أثر حملات التشكيك في أسئلة الحاضرين، وظهرت الحيرة فيما يتصل بهذا الصحابى الجليل.\nولا أستطيع هنا أن أقدم ترجمة له، فسيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر، ويكفى ذكر بعض الحقائق من باب الذكرى، فإنها تنفع المؤمنين، حتى يعرف القارئ الكريم من قال فيهم الإمام ابن خزيمة \" إنما يتكلم في أبى هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معانى الأخبار \".\nوما أريد أن أثبته هنا كتبته في بحث \" السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله ﷺ \". وهذا البحث نشر في مجلة مركز السيرة والسنة بجامعة قطر، ثم رأيت أن ألحقه بهذا الجزء الثالث، وبذلك يمكن الرجوع إليه، ولا حاجة للتكرار.","vol":"1","page":670},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>القسم الثاني:\nالحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة</span>","vol":"1","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفصل الأول: التدوين عند الشيعة</span>\nتحدثنا من قبل عن تدوين السنة المطهرة، وأثبتنا أن التدوين بدأ في حياة الرسول ﷺ، ثم تتابع التدوين بعد ذلك وظل متصلا دون توقف حتى جاء ما عرف بعصر التدوين في القرن الثانى الهجرى.\nوكتب السنة التي بين أيدينا يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجرى، ووصلنا الكثير مما دون في القرن الثانى، أما القرن الثالث فيعتبر العصر الذهبى لتدوين السنة المشرفة.\nوالفرق التي ظهرت في تاريخ الإسلام، ولها عقائد خاصة بها، لم تظهر كتبها إلا بعد استقرار عقائدها، ووضوحها لدى معتنقيها. وهذا أمر بدِهى، أن الكتب إنما توضع لتأييد هذه العقائد، والدعوة لها، فلابد أن تسبق العقائد هذه الكتب.\nبل إن هناك مرحلة تلى العقائد وتسبق الكتب، وهى وضع الأخبار وتناقلها والاحتجاج بها قبل أن تجمع في كتاب، وقبل أن يوضع كتاب مرة واحدة.\nفبالنسبة للشيعة مثلا وجدنا بعد موت كل إمام حدوث تفرق جديد، فكانت كل فرقة تحتج بأخبار تؤيد ما انتهت إليه في تلك المرحلة، إلى أن تصل إلى الإمام الأخير الذى تستقر عنده آراؤها، وما كانت أى فرقة لتضع أخبارًا في إمام إلا بعد ولادته، لأنها لا تعلم الغيب في واقع الأمر، وإن زعم منها من زعم أنه يعلم مثل هذا العلم.\nوللبيان أثبت بعض ما جاء في كتاب من كتب الشيعة أنفسهم، وهو كتاب فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختى، وسعد بن عبد الله القمى، والاثنان عاشا في القرن الثالث، وأدركا بداية القرن الرابع.","vol":"1","page":671},{"text":"يبين الكتاب تفرق الشيعة بعد موت الإمام جعفر الصادق، ومما جاء فيه: لما توفى أبو عبد الله بن محمد، افترقت بعده شيعته ست فرق وكانت وفاته بالمدينة في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابن خمس وستين سنة، وكان مولده في سنة ثلاث وثمانين، ودفن في القبر الذى دفن فيه أبوه وجده في البقيع، وكانت إمامته أربعا وثلاثين سنة إلا شهرين، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر بن قحافة.\nففرقة منها قالت: إن جعفر بن محمد حى لم يمت، ولا يموت حتى يظهر ويلى أمر الناس، وهو القائم المهدى، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسى قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوا فإننى أنا صاحبكم، وأنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عنى أنه مرضنى وغسلنى وكفننى ودفننى فلا تصدقوه، فإنى صاحبكم، صاحب السيف، وهذه الفرقة تسمى الناووسية، وسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن فلان الناووس.\nوفرقة زعمت: أن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس، لأنه خاف فغيبه عنهم، وزعموا: أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض، ويقوم بأمور الناس، وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده، وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم والإمام لا يقول إلا الحق، فلما أظهر موته علمنا أنه قد صدق، وأنه القائم لم يمت. وهذه الفرقة هي الإسماعيلية الخالصة. وأم إسماعيل وعبد الله ابنى جعفر بن محمد هي فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب. وأمها أسماء بنت عقيل بن أبى طالب.\nوفرقة ثالثة زعمت: أن الإمام بعد جعفر هو ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأمه أم ولد، وقالوا إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلما توفى قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن إسماعيل، وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك لأن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن والحسين، ولا تكون إلا","vol":"1","page":672},{"text":"في الأعقاب، ولم يكن لأخوى إسماعيل عبد الله وموسى في الإمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية فيها حق مع على بن الحسين. وأصحاب هذه المقالة يسمون المباركية، برئيس لهم كان يسمى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر.\nفأما الإسماعيلية الخالصة فهم الخطابية أصحاب أبى الخطاب محمد بن أبى زينب الأسدى الأجدع. وقد دخلت منهم فرقة في فرقة محمد بن إسماعيل، وأقروا بموت إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه، وهم الذين خرجوا في حياة أبى عبد الله جعفر بن محمد فحاربوا عيسى بن موسى بن محمد بن عبد الله بن العباس، وكان عاملا على الكوفة، فبلغه عنهم أنهم أظهروا الإباحات، ودعوا إلى نبوة \" أبى الخطاب \"، وأنهم مجتمعون في مسجد الكوفة قد لزموا الأساطين يرون الناس أنهم لزموها للعبادة، فبعث إليهم رجلا من أصحابه في خيل ورجال ليأخذهم ويأتيه بهم، فامتنعوا عليه وحاربوه، وكانوا سبعين رجلًا، فقتلهم جميعًا فلم يفلت منهم إلا رجل واحد أصابته جراحات فسقط بين القتلى فعد فيهم، فلما جن الليل خرج من بينهم فتخلص، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقب بأبى خديجة. وذكر بعد ذلك أنه قد تاب ورجع، وكان ممن يروى الحديث، فحارب عيسى محاربة شديدة بالحجارة والقصب والسكاكين التي كانت مع أتباعه، وجعلوا القصب مكان الرماح، وقد كان أبو الخطاب قال لهم: قاتلوهم فإن قصبكم يعمل فيهم عمل الرماح والسيوف، ورماحهم وسيوفهم وسلاحهم لايضركم ولا يعمل فيكم، ولا يحتك في أبدانكم، فجعل يقدمهم عشرة عشرة للمحاربة، فلما قتل منهم نحو ثلاثين رجلا، قالوا له ياسيدنا، ما ترى ما يحل بنا من القوم؟ وما ترى قصبنا لا يعمل فيهم ولا يؤثر، وقد يكسر كله، وقد عمل سلاحهم فينا وقتل من ترى منا؟ فذكر رواة العامة أنه قال لهم إن كان قد بدا لله فيكم فما ذنبى؟\nوقال رواة الشيعة أنه قال لهم: يا قوم قد بليتم وامتحنتم، وأذن في قتلكم وشهادتكم، فقاتلوا على دينكم واحسابكم، ولا تعطوا بلدتكم فتذلوا مع أنكم لا تتخلصون من القتل، فموتوا كراما أعزاء واصبروا فقد وعد الله الصابرين أجرًا","vol":"1","page":673},{"text":"عظيما، وأنتم الصابرون. فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وأسر أبو الخطاب، فأتى به عيسى بن موسى، فأمر بقتله فضربت عنقه في دار الرزق على شاطئ الفرات وأمر بصلبه وصلب أصحابه فصلبوا، ثم أمر بعد مدة بإحراقهم فأحرقوا، وبعث برءوسهم إلى المنصور، فأمر بها فصلبت على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام، ثم أحرقت.\nفلما فعل ذلك قال بعض أصحابه: إن أبا الخطاب لم يقتل، ولا قتل أحد من أصحابه، وإنما لبس على القوم وشبه عليهم، وإنما حاربوا بأمر أبى عبد الله جعفر ابن محمد، وخرجوا متفرقين من أبواب المسجد ولم يرهم أحد، ولم يجرح منهم أحد، وأقبل القوم يقتل بعضهم بعضا على أنهم يقتلون أصحاب أبى الخطاب، وإنما يقتلون أنفسهم، حتى جن عليهم الليل، فلما أصبحوا نظروا في القتلى فوجدوهم كلهم منهم، ولم يجدوا من أصحاب أبى طالب قتيلا ولا جريحا، ولا وجدوا منهم أحدا. وهذه الفرقة هي التي قالت: إن أبا الخطاب كان نبيًا مرسلًا، أرسله جعفر بن محمد، ثم إنه صيره بعد ذلك حين حدث هذا الأمر من الملائكة - لعن الله من يقول هذا. ثم خرج بعد ذلك من قال بمقالته من أهل الكوفة وغيرهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر بعد قتل أبى الخطاب، فقالوا بإمامته وأقاموا عليها.\nوصنوف الغالية افترقوا بعده على مقالات كثيرة، واختلفوا في رئاسات أصحابهم ومذاهبهم، حتى تراقى بعضهم إلى القول بربوبيته، وأن الروح التي صارت في آدم ومن بعده من أولى العزم من الرسل صارت فيه.\nوقالت فرقة منهم: إن روح جعفر بن محمد تحولت عن جعفر في أبى الخطاب، ثم تحولت بعد غيبة أبى الخطاب في محمد بن إسماعيل بن جعفر، ثم ساقوا الإمامة على هذه الصفة في ولد محمد بن إسماعيل.\nوتشعبت منهم فرقة من المباركية ممن قال بهذه المقالة، تسمى القرامطة، وإنما سميت بهذا برئيس لهم من أهل السواد من الأنباط كان يلقب بقرمطويه،","vol":"1","page":674},{"text":"وكانوا في الأصل على مقالة المباركية ثم خالفوهم وقالوا لا يكون بعد محمد ﷺ وآله إلا سبعة أئمة: على بن أبى طالب وهو إمام رسول، والحسن والحسين، وعلى بن الحسين، ومحمد بن على، وجعفر بن محمد، ومحمد بن إسماعيل بن جعفر وهو الإمام القائم المهدى، وهو رسول. وزعموا أن النبى ﷺ وآله انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذى أمر فيه بنصب على بن أبى طالب ﵁ للناس بغدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم إلى أمير المؤمنين وفيه، واعتلوا في ذلك بخبر تأولوه، وهو قول رسول الله ﷺ وآله: من كنت مولاه فعلى مولاه، وأن هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوة، وتسليم منه ذلك لعلى بن أبى طالب بأمر الله ﷿، وأن النبى ﷺ وآله بعد ذلك صار مأموما لعلى بن أبى طالب، محجوجا به، فلما مضى على ﵁ صارت الإمامة في الحسن، ثم صارت من الحسن في الحسين، ثم صارت في على بن الحسين، ثم في محمد بن على، ثم كانت في جعفر بن محمد، ثم انقطعت عن جعفر في حياته فصارت في إسماعيل بن جعفر كما انقطعت الرسالة عن محمد صلى الله عليه وآله في حياته.\nثم إن الله ﷿ بدا له في إمامة جعفر وإسماعيل فصيرها في محمد بن إسماعيل، واعتلوا في ذلك بخبر رووه عن جعفر بن محمد أنه قال: ما رأيت مثل بداء لله في إسماعيل، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حى ... لم يمت وأنه غائب مستتر في بلاد الروم، وأنه القائم المهدى، ومعنى القائم عندهم أنه عندهم أنه يبعث بالرسالة، وبشريعة جديدة ينسخ بها شريعة محمد صلى الله عليه وآله، وأن محمد بن إسماعيل من أولى العزم، وأولو العزم عندهم سبعة: \" نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم، وعلى ﵁، ومحمد بن إسماعيل \" على معنى أن السموات سبع، وأن الأرضين سبع، وأن الإنسان بدنه سبع: يداه ورجلاه، وظهره، وبطنه، وقلبه، وأن رأسه سبع: عيناه وأذناه، ومنخراه، وفمه وفيه لسانه وفمه بمنزلة ...","vol":"1","page":675},{"text":"صدره الذى فيه قلبه، والأئمة سبع كذلك وقلبهم محمد بن إسماعيل، واعتلوا في نسخ شريعة محمد ﷺ وآله وتبديلها، بأخبار رووها عن أبى عبد الله جعفر بن محمد أنه قال: لو قام قائمنا علمتم القرآن جديدًا \" وأنه قال: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء \"، ونحو ذلك من أخبار القائم، وزعموا أن الله ﵎ جعل لمحمد بن إسماعيل جنة آدم، ومعناها عندهم الإباحة للمحارم وجميع ما خلق في الدنيا، وهو قول الله ﷿ ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (البقرة: ٣٥) يعنى محمد بن إسماعيل وأباه إسماعيل، ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: ٣٥) أى موسى بن جعفر بن محمد، وولده من بعده، ومن ادعى منهم الإمامة، وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين الذى حكاه الله ﷿ في كتابه، وأن الدنيا اثنتا عشرة جزيرة في كل جزيرة حجة، وأن الحجج اثنا عشر، ولكل حجة داعية، ولكل داعية يد، يعنون بذلك أن اليد رجل له دلائل وبراهين يقيمها كدلائل الرسل،\nويسمون الحجة الأب، والداعية الأم، واليد الابن يضاهئون قول النصارى في ثالث ثلاثة، أن الله الأب والمسيح الابن، وأمه مريم، فالحجة الأكبر هو الرب، وهو الأب، والداعية هي الأم، واليد هو ... الابن –- كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدًا، وخسروا خسرانا مبينا. وزعموا أن جميع الأشياء التي فرضها الله تعالى على عباده، وسنها نبيه ﷺ وآله، وأمر بها ظاهر وباطن، وأن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة، أمثال مضروبة، وتحتها معان هي بطونها، وعليها العمل، وفيها النجاة، وأن ما ظهر منها هي التي نهى عنها، وفى استعمالها الهلاك والشقاء وهى جزء من العقاب الأدنى، عذب الله بهم قوما، وأخذهم به ليشقوا بذلك، إذ لم يعرفوا الحق، ولم يقوموا به ولم يؤمنوا.","vol":"1","page":676},{"text":"وهذا أيضًا مذهب عامة أصحاب أبى الخطاب - ومع ذلك استحلوا استعراض الناس بالسيف وسفك دمائهم، وأخذ أموالهم، والشهادة عليهم بالكفر والشرك على مذهب البيهسية والأزارقة من الخوارج، في قتل أهل القبلة وأخذ أموالهم والشهادة عليهم بالكفر، واعتلوا في ذلك بقول الله تعالى ﷿ ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (التوبة: ٥) قالوا: إن قتلهم يجب أن يكون بمنزلة نحر الهدى وتعظيم شعائر الله، وتأولوا في ذلك قول الله ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب﴾ (الحج: ٣٢) . ورأوا سبى النساء وقتل الأطفال، واعتلوا في ذلك بقول الله ﵎ ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (نوح: ٢٦)، وزعموا أنه يجب عليهم أن يبدأوا بقتل من قال بالإمامة ممن ليس على قولهم، وخاصة من قال بإمامة \" موسى بن جعفر \" وولده من بعده، وتأولوا في ذلك قول الله تعالى ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة: ١٢٣)، فالواجب أن يبدأوا بهؤلاء ثم بسائر الناس، وعددهم كثير إلا أنه لا شوكة لهم ولا قوة، وكانوا كلهم بسواد الكوفة واليمن أكثر، ونواحى البحر واليمامة وما والاها، ودخل فيهم كثير من العرب فقووا بهم وأظهروا أمرهم، ولعلهم أن يكونوا زهاء مائة ألف.\nوقالت الفرقة الرابعة من أصحاب أبى عبد الله جعفر بن محمد: إن الإمام بعد جعفر ابنه محمد، وأمه أم ولد يقال لها حميدة، وهو موسى وإسحق بنو جعفر بن محمد لأم واحدة. وتأولوا في إمامته خبرا، وزعموا أن بعضهم روى لهم أن محمد بن جعفر دخل ذات يوم على أبيه وهو صبى صغير، فدعاه أبوه فعدا إليه فكبا في قميصه، ووقع لحر وجهه، فقام إليه جعفر وقبله، ومسح التراب عن","vol":"1","page":677},{"text":"وجهه، ووضعه على صدره، وقال: سمعت أبى يقول: إذا ولد لك ولد يشبهنى، فسمه باسمى، فهو شبيهى وشبيه رسول الله ﷺ وآله وعلى سنته، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر، وفى ولده من بعده. وهذه الفرقة تسمى السميطية، وتنسب إلى رئيسهم يقال له \" يحيى بن أبى السميط \"، وقال بعضهم هم الشميطية لأن رئيسهم كان يقال له يحيى بن أبى شميط.\nوالفرقة الخامسة منهم قالت: الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد الله بن جعفر الأفطح، وذلك أنه كان عند مضى جعفر أكبر ولده سنا، وجلس مجلس أبيه بعده، وادعى الإمامة بوصية أبيه، واعتلوا أى الأفطحية بحديث يروونه عن أبيه وعن جده أنهما قالا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام: فمال إلى عبد الله والقول بإمامته جل من قال بإمامة أبيه، غير نفر يسير عرفوا الحق وامتحنوا عبد الله بالمسائل في الحلال والحرام والصلاة والزكاة والحج وغير ذلك فلم يجدوا عنده علما، وهذه الفرقة القائلة بإمامة عبد الله بن جعفر هي \" الفطحية\" وسموا بذلك لأن عبد الله كان أفطح الرأس، وقال بعضهم كان أفطح الرجلين، وقال بعض الرواة أنهم نسبوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له عبد الله بن فطيح. ومال إلى هذه الفرقة عامة مشايخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في أن الإمامة في عبد الله بن جعفر وفى ولده من بعده.\nفلما مات عبد الله ولم يخلف ذكرًا، ارتاب القوم واضطربوا وأنكروا الروايات الكثيرة عن على بن الحسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد من أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسنين، ولا تكون إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إلى انقضاء الدنيا، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته سوى قليل منهم، إلى القول بإمامة موسى بن جعفر. وقد كانت جماعته من شيعة عبد الله قد رجعوا في حياته عن إمامته لروايات وقفوا عليها رووها عن جعفر أنه قال \" إن الإمامة بعدى في ابنى موسى، وأنه دل عليه، وأشار إليه، وأعلمهم في عبد الله أمورا لا يجوز أن تكون في الإمام ولا يصلح من كانت فيه للإمامة، وروى بعضهم أن جعفر قال","vol":"1","page":678},{"text":"لموسى: يابنى إن أخاك سيجلس مجلسى ويدعى الإمامة بعدى فلا تنازعه ولا تتكلمن فإنه أول أهلى الذين لحقوا بى.\nفلما توفى عبد الله رجعت شيعته عن القول به، وثبتت طائفة على القول بإمامته ثم بإمامة موسى بن جعفر من بعده. وعاش عبد الله بعد أبيه سبعين يوما أو نحوها.\nوقالت الفرقة السادسة منهم: إن الإمام هو موسى بن جعفر بعد أبيه، وانكروا إمامة عبد الله، وخطأوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة. هذا هو التفرق الذى حدث بعد موت الإمام جعفر الصادق.\nوأضيف هنا ما جاء في الكتاب عن تفرق الشيعة بعد الإمام الحادى عشر، وهو الحسن العسكرى:\nقال المؤلفان في بيان هذا التفرق:\nوتوفى ولم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه، وهى أم ولد يقال لها عسفان، ثم سماها أبوه حديثا، فافترق أصحابه من بعده فرقا:\nففرقة منها قالت: إن الحسن بن على حى لم يمت، وإنما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت الإمام ولا ولد له، ولا خلف معروف ظاهر، لأن الأرض لا تخلو من إمام، وقد ثبتت إمامة الحسن بن على، والرواية قائمة أن للقائم غيبتين فهذه الغيبة إحداهما، وسيظهر ويعرف ثم يغيب غيبة أخرى، وذهبوا في ذلك إلى بعض مذاهب الواقفة على موسى بن جعفر. وإذا قيل لهذه الفرقة: ما الفرق بينكم وبين الواقفة؟ قالوا إن الواقفة أخطأت في الوقوف على موسى لما ظهرت وفاته لأنه توفى عن خلف قائم أوصى إليه وهو الرضا ﵁، ولأنه ﵀ عليه توفى عن بضعة عشر ذكرا، كل إمام ظهرت وفاته كما ظهرت وفاة آبائه وله خلف ظاهر معروف فهو ميت لا محالة، وإنما القائم المهدى الذى يجوز الوقوف على حياته من ظهرت له وفاة عن غير خلف، فيضطر شيعته إلى","vol":"1","page":679},{"text":"الوقوف عليه إلى أن يظهر، لأنه لا يجوز موت إمام بلا خلف، فقد صح أنه غاب.\nوقالت الفرقة الثانية: إن الحسن بن على مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهدى، واعتلوا في ذلك برواية اعتلت بها فرقة من واقفة موسى بن جعفر رووها عن جعفر بن محمد، أنه قال: إنما سمى القائم قائما لأنه يقوم بعدما يموت، فالحسن بن على قد مات ولا شك في موته، ولا خلف له، ولا وصى موجود، فلا شك أنه القائم، وأنه حى بعد الموت، لأن الأرض لا تخلو من حجة ظاهر، فهو ﵁ غائب مستتر، وسيظهر ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وإنما قالوا إنه حى بعد الموت، وأنه مستتر خائف لأنه لا يجوز عندهم أن تخلو الأرض من حجة قائم على ظهرها، عدل حى ظاهر أو خائف مغمور، للخبر الذى روى عن على بن أبى طالب ﵁ أنه قال في بعض خطبه: \" اللهم إنك لا تخلى الأرض من حجة لك ظاهر أو مغمور، لئلا تبطل حججك وبيناتك \". فهذا دليل على أنه عاش بعد موته. وليس بين هذه الفرقة والفرقة التي قبلها فرق أكثر من أن هذه صححت موت الحسن بن على ﵁، وأن الأولى قالت إنه غاب وهو حى وأنكرت موته، وهذه أيضًا شبيهة بفرقة من الواقفة على موسى بن جعفر ﵁. وإذا قيل لهم: من أين قلتم هذا، وما دليلكم عليه، رجعوا إلى تأول الروايات.\nوقالت الفرقة الثالثة: إن الحسن بن على توفى ولا عقب له، والإمام بعده أخوه، جعفر، وإليه أوصى الحسن، ومنه قبل جعفر الوصية وعنه صارت إليه الإمامة. فلما قيل لهم إن الحسن وجعفر ما زالا متهاجرين متصارعين متعاديين طول زمانهما، وقد وقفتم على صنايع جعفر ومخلفى الحسن، وسوء معاشرته له في حياته، ولهم من بعد وفاته في اقتسام مواريثه، قالوا: إنما ذلك بينهما في الظاهر، فأما في الباطن فكانا متراضيين، متصافيين، لا خلاف بينهما، ولم يزل جعفر مطيعا له، سامعا منه، فإذا ظهر فيه شىء من خلافه فعن أمر الحسن، فجعفر وصى الحسن، وعنه أفضت إليه الإمامة. ورجعوا إلى بعض قول الفطحية","vol":"1","page":680},{"text":"في عبد الله وموسى وزعموا أن موسى بن جعفر إنما كان إماما بوصية أخيه عبد الله إليه، وعن عبد الله صارت إليه الإمامة لا عن أبيه، وأقروا بإمامة عبد الله بن جعفر وثبوتها بعد إنكارهم لها وجحودهم إياها، وأوجبوا فرضها على أنفسهم ليصححوا بذلك مذهبهم. وكان رئيسهم والداعى لهم إلى ذلك رجل من أهل الكوفة من المتكلمين يقال له على الطاحى الخزار، وكان مشهورا في الفطحية، وهو ممن قوى إمامة جعفر وأمال الناس إليه، وكان متكلما محجاجا، وأعانته على ذلك أخت الفارس بن حاتم بن ماهويه القزوينى، غير أن هذه أنكرت إمامة الحسن بن على ﵁، وقالت إن جعفرا أوصى أبوه إليه لا إلى الحسن.\nوقالت الفرقة الرابعة: إن الإمام بعد الحسن هو جعفر، وأن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه، لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن. ولم يكن محمد إماما، ولا الحسن أيضًا، لأن محمدا توفى في حياة أبيه، وتوفى الحسن ولا عقب له، وكان مدعيا مبطلا، والدليل على ذلك أن الإمام لا يموت حتى يوصى ويكون له خلف، والحسن قد توفى ولا وصى له، ولا ولد، فادعاؤه الإمامة باطل، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهر معروف مشار إليه، ولا يجوز أيضًا أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر لقول أبى عبد الله جعفر بن محمد وغيره من آبائه صلوات الله عليهم أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين ﵉، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه.\nأما الفرقة الخامسة: فإنها رجعت إلى القول بإمامة محمد بن على المتوفى في حياة أبيه، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما، وأن أباهما لم يشر إليهما بشىء من الوصية والإمامة. ولا روى عنه في ذلك شىء أصلا، ولا نص عليهما بشىء يوجب إمامتهما، ولا هما في موضع ذلك وخاصة جعفر: فإن فيه خصالا مذمومة، وهو بها مشهور، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل. وأما الحسن فقد توفى ولا عقب له، فعلمنا أن محمدا كان الإمام، قد صحت","vol":"1","page":681},{"text":"الإشارة من أبيه إليه، والحسن قد توفى ولا عقب له، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف، ثم رأينا جعفر في حياة الحسن وبعد مضيه، ظاهر الفسق، غير صائن لنفسه، معلنا بالمعاصى، وليس هذا صفة من يصلح للشهادة على درهم، فكيف يصلح لمقام النبى ﷺ وآله، لأن الله ﷿ لم يحكم بقول شهادة من يظهر الفسق والفجور، فكيف يحكم له بإثبات الإمامة مع عظم فضلها وخطرها وحاجة الخلق إليها. وإذ هي السبب الذى يعرف به دينه ويدرك رضوانه، فكيف تجوز في مظهر الفسق، وإظهار الفسق لا يجوز تقية، هذا ما لايليق بالحكيم ﷿، ولا يجوز أن ينسب إليه ﵎، فلما بطل عندنا أن تكون الإمامة تصلح لمثل جعفر، وبطلت عمن لا خلف له، لم يبق إلا التعلل بإمامة أبى جعفر محمد بن على أخيهما، إذ لم يظهر منه إلا الصلاح والعفاف، وإن له عقبا قائما معروفا، مع ما كان من أبيه من الإشارة بالقول مما لا يجوز بطلان مثله، فلابد من القول بإمامته وأنه القائم المهدى، أو الرجوع إلى القول ببطلان الإمامة أصلا، وهذا مما لايجوز.\nوقالت الفرقة السادسة: إن لحسن بن على ابنا سماه محمدا، ودل ... عليه، وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفى ولا خلف له، وكيف يكون إمام قد ثبتت إمامته ووصيته، وجرت أموره على ذلك، وهو مشهور عند الخاص والعام، ثم توفى ولا خلف له، ولكن خلفه قائم وولد قبل وفاته بسنين، وقطعوا على إمامته وموت الحسن، وأن اسمه محمد، وزعموا أن أباه أمر بالاستتار في حياته مخافة عليه، فهو مستتر خائف في تقية من عمه جعفر وغيره من أعدائه وأنها إحدى غيباته، وأنه هو الإمام القائم، وقد عرف في حياة أبيه ونص عليه، ولا عقب لأبيه غيره، فهو الإمام لا شك فيه.\nوقالت الفرقة السابعة: بل ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، والذين ادعوا له ولدا في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم، لأن ذلك لو كان، لم يخف كما لم يخف غيره، ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، ولا يجوز أن يكابر في مثل","vol":"1","page":682},{"text":"ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف. وقد كان الحبل فيما مضى قائمًا ظاهرًا ثابتا عند السلطان، وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك، فقد ولد له ابن بعد وفاته بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يسمى محمدًا. وأوصى بذلك وهو مستور لا يرى. واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبر يروى عن أبى الحسن الرضا ﵁، أنه قال: ستبتلون بالجنين في بطن أمه والرضيع، فهذا هو.\nوقالت الفرقة الثامنة: أنه لا ولد للحسن أصلًا، لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه وفتشنا عنه سرا وعلانية وبحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب فلم نجده ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن بن على وقد توفى ولا ولد له ظاهر معروف أن له ولدا مستورًا لجازت مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبى صلى الله عليه وآله، أن يقال خلف ابنا نبيا رسولا، ولجاز أن تدعى الفطحية أن عبد الله بن جعفر بن محمد خلف ولدا ذكرا إماما، وأن أبا الحسن الرضا ﵁ خلف ثلاثة بنين غير أبى جعفر، أحدهم الإمام، لأن مجىء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب، كمجىء الخبر بأن النبى ﷺ وآله لم يخلف ذكرا من صلبه ولا خلف عبد الله بن جعفر ابنا ولا كان للرضا أربعة بنين، فالوالد قد بطل لا محالة. ومع ذلك فهناك حبل قائم ... فإنه لا يجوز أن يمضى الإمام ولا خلف له فتبطل الإمامة وتخلو الأرض من الحجة.\nواحتج أصحاب الولد على هؤلاء بالخبر الذى روى عن جعفر أن القائم يخفى على الناس حمله وولادته، وقالوا أنكرتم علينا أمرا وقلتم بمثله قلتم إن هناك حبلا قائما. فإن كنتم اجتهدتم في طلب الولد فلم تجدوه فأنكرتموه لذلك فقد طلبنا معرفة الحبل وتصحيحه أشد من طلبكم، واجتهدنا فيه أشد من اجتهادكم، فاستقصينا في ذلك غاية الاستقصاء فلم نجده، فنحن في الولد لذلك أصدق منكم، لأنه قد يجوز في العقل والعادة والتعارف أن يكون للرجل ولد مستور لا يعرف في الظاهر ثم يعرف بعد ذلك ويصح نسبه.","vol":"1","page":683},{"text":"وقال المنكرون: الأمر الذى ادعيتموه منكر شنيع ينكره عقل كل عاقل، ويدفعه التعارف والعادة مع ما فيه من كثرة الروايات الصحيحة عن الأئمة الصادقين، أن الحبل لا يكون أكثر من تسعة أشهر، وقد مضى للحبل الذى ادعيتموه سنون، وأنكم على قولكم بلا صحة ولا بينة.\nوقالت الفرقة التاسعة: إن الحسن بن على قد صحت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطؤ الأخبار التي لايجوز تكذيب مثلها، وكثرة المشاهدين لموته وتواتر ذلك عن الولى له والعدو، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه، وصح بمثل هذه الأسباب أنه لا خلف له فلما صح عندنا الوجهان ثبت أنه لا إمام بعد الحسن ابن على، وأن الإمامة انقطعت وذلك جائز في المعقول والقياس والتعارف، كما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد، فلا يكون بعد محمد ﷺ وآله نبى، فكذلك جاز أن تنقطع الإمامة لأن الرسالة والنبوة أعظم خطرًا وأجل والخلق إليها أحوج، والحجة بها ألزم، والعذر بها أقطع، لأن معها البراهين الظاهرة والأعلام الباهرة، ومع ذلك فقد انقطعت، فكذلك يجوز أن تنقطع الإمامة. واعتلوا في ذلك بخبر يروى عن الصادق أن الأرض لا تخلو من حجة، إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت، فهذا عندنا ذلك الوقت، والله يفعل ما يشاء، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة.\nوهذا أيضًا جائز من وجه آخر كما جاز أن لا يكون قبل النبى ﷺ وآله فيما بينه وبين عيسى ﵁ نبى، ولا وصى، ولما رويناه من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات، ورووا ثلاثمئة سنة وروى مائتا سنة، ليس فيها نبى ولا وصى، وقد قال الصادق ﵁: إن الفترة هي الزمان الذى لا يكون فيه رسول ولا إمام، والأرض اليوم بلا حجة، إلا أن يشاء اللع فيبعث القائم من آل محمد ﷺ وآله، فيحيى الأرض بعد موتها، كما بعث محمدًا ﷺ وآله على حين فترة من الرسل، فجدد ما درس من دين عيسى ودين الأنبياء قبله صلى الله عليهم، فكذلك يبعث القائم إذا شاء ﷿ والحجة علينا إلى أن يبعث القائم - وظهوره: الأمر والنهى المتقدمان والعلم الذى في أيدينا","vol":"1","page":684},{"text":"مما خرج عنهم إلينا، والتمسك بالماضى، مع الإقرار بموته، كما كان أمر عيسى ﵁ ونهيه، وما خرج من علمه واعلم أوصيائه، والتمسك بالإقرار بنبوته وبموته، والإقرار بمن ظهر من أوصيائه، حجة على الناس قبل ظهور نبينا ﷺ وآله.\nوهذه الفرقة لا توجب قيام القائم، ولا خروج مهدى، وتذهب في ذلك إلى بعض معانى البداء.\nوقالت الفرقة العاشرة: إن محمد بن على، الميت في حياة أبيه، كان الإمام بوصية من أبيه، وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وعينه، ولا يجوز أن يشير إمام قد ثبتت إمامته وصحت على غير إمام، فلما حضرت الوفاة محمدا لم يجز أن يوصى ولا يقيم إماما، ولا يجوز له أن يوصى إلى أبيه، إذ إمامة أبيه ثابتة عن جده ولا يجوز أيضًا أن يأمر مع أبيه وينهى ويقيم من يأمر معه ويشاركه. وإنما ثبتت له الإمامة بعد مضى أبيه، فلما لم يجز إلا أن يوصى فقد أوصى إلى غلام لأبيه صغير كان في خدمته يقال له نفيس، وكان عنده ثقة أمينا، ودفع إليه الكتب والوصية، وأمره إذا حدث به حدث الموت أن يؤدى ذلك كله إلى أخيه جعفر، ما فعل الحسين بن على بن أبى طالب ﵁، لما خرج إلى الكوفة، فقد دفع كتبه والوصية وما كان عنده من السلاح وغيره إلى أم سلمة زوج النبى ﷺ وآله واستودعها ذلك كله، وأمرها أن تدفعه إلى على بن الحسين الأصغر إذا رجع إلى المدينة، فلما انصرف على بن الحسين من الشام إليها، دفعت إليه جميع ذلك، وسلمته له، فهذا بتلك المنزلة في الإمامة لجعفر بوصية \" نفيس \" إليه عن محمد أخيه، فإن نفيسا لما خاف على نفسه لما علم أهل الدار قصته وأحسوا بأمره وحسدوه، ونصبوا له وبغوه الغوائل، وخشى أن تبطل الإمامة وتذهب الوصية دعا جعفرا وأوصى إليه، ودفع إليه جميع ما استودعه أخوه الميت في حياة أبيه، ودفع إليه الوصية على نحو ما أمره، وهكذا ادعى جعفر أن الإمامة صارت إليه من قبل محمد أخيه، لا من قبل أبيه وهذه الفرقة تسمى النفيسية.","vol":"1","page":685},{"text":"وقالت فرقة من النفيسية أنكروا إمامة الحسن ﵁: لم يوص أبوه إليه، ولا غير وصيته إلى محمد ابنه، وهذا عندهم جائز صحيح، فقالوا بإمامة جعفر من هذا الوجه وناظروا عليها. وهذه الفرقة تتقول على أبى محمد الحسن بن على ﵁ تقولا شديدًا، وتكفره وتكفر من قال بإمامته، وتغلو في القول في جعفر، وتدعى أنه القائم، وتفضله على أمير المؤمنين على ابن أبى طالب ﵁ وتقدمه على الحسن والحسين وجميع الأئمة، وتعتل في ذلك: أن القائم أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ وآله. وأخذ نفيس ليلا وألقى في حوض كان في الدار كبير فيه ماء كثير، فغرق فيه فمات وهذه الفرقة هي النفيسية الخالصة.\nوقالت الفرقة الحادية عشرة منهم: لما سئلوا عن ذلك وقيل لهم ما تقولون في الإمام: أهو جعفر أم غيره؟ قالوا: لا ندرى ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته فقد اشتبه علينا الأمر ولسنا نعلم أن للحسن بن على ولدا أم لا، أم الإمامة صحت لجعفر أم لمحمد، وقد كثر الاختلاف، إلا أنا نقول إن الحسن بن على كان إماما مفترض الطاعة ثابت الإمامة، وقد توفى ﵁ وصحت وفاته، وأن الأرض لا تخلو من حجة، ونحن نتوقف ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعده إذ لم يصح عندنا أن له خلفا وخفى علينا أمره حتى يصح لنا الأمر ويتبين، ونتمسك بالأول كما أمرنا أنه إذا هلك الإمام، ولم يعرف الذى بعده فتمسكوا بالأول حتى يتبين لكم الآخر، فنحن نأخذ بهذا ونلزمه، ولا ننكر إمامة أبى محمد، ولا ننكر موته، ولا نقول إنه رجع بعد موته، ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره ولا ننتميه حتى يظهر الله الأمر إذا شاء ويكشفه ويبينه لنا، وهذه الفرقة لا تثبت لجعفر بن على إمامة أحد من ولده ولا من غيره، بوجه من الوجوه ولا تثبت إمامة إمام إلا بوصية أبيه إليه، ووصية ظاهرة، ولم تثبت لجعفر وصية ظاهرة ولا باطنة، وكل إمام اختلف المؤتمون به في مخرج إمامته ممن هي، وممن أوصى إليه، ومن أقامه فهى باطلة لا تثبت، وأصحاب جعفر يختلفون في","vol":"1","page":686},{"text":"إمامة جعفر ومخرجها، فبعضهم يقول إنها له بوصية أبيه إليه وإقامته، وبعضهم يدعيها له من قبل أخيه محمد الميت في حياة أبيه، وبعضهم يدعيها له عن أخيه.\nوقالت الفرقة الثانية عشرة: منهم وهم الإمامية: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم، بل الله ﷿ في الأرض حجة من ولد الحسن بن على بن محمد ابن على الرضا، وأمر الله بالغ، وهو وصى لأبيه قائم بالأمر بعده هاد للأمة مهدى على المنهاج الأول والسنن الماضية، ولا تكون الإمامة في الأخوين بعد الحسن والحسين ﵉ ولا يجوز ذلك، ولا تكون إلا في عقب الحسن بن على بن محمد إلى فناء الخلق وانقطاع أمر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده متصلا ذلك ما اتصلت أمور الله. ولو كان في الأرض رجلان، لكان أحدهما الحجة، ولو مات أحدهما لكان الآخر الحجة ما اتصل أمر الله، ودام نهيه في عباده وتكليفه قائما في خلقه. ولا يجوز أن تكون الإمامة في عقب من لم تثبت له إمامة، ولم تلزم العباد به حجة ممن مات في حياة أبيه، ولا في ولده ولا في وصى له من أخ ولا غيره، ولو جاز ذلك لصح مذهب أصحاب إسماعيل بن جعفر ابن محمد ولثبتت إمامة ابنه محمد بن إسماعيل بعد مضى جعفر بن محمد، وكان من قال بها من المباركية والقرامطة محقا مصيبا في مذهبه، وهذا الذى ذكرناه هو المأثور عن الأئمة الصادقين مما لا دفع له بين هذه العصابة من الشيعة الإمامية، ولا شك فيه عندهم ولا ارتياب لصحة مخرج الأخبار المروية فيه وقوة أسبابها، وجودة أسانيدها وثقة ناقليها.\nولا يجوز أن تخلو الأرض من حجة، ولو خلت ساعة لساخت الأرض ومن عليها ولا يجوز شئ من مقالات هذه الفرق كلها، فنحن متمسكون بإمامة الحسن بن على، مقرون بوفاته، معترفون بأن له خلفا من صلبه، وأن خلفه هو الإمام من بعده، حتى يأذن الله ﷿ له فيظهر ويعلن أمره، كما ظهر وعلن أمر من مضى قبله من آبائه، إذ الأمر لله ﵎ يفعل ما يشاء، ويأمر بما يريد من ظهور وخفاء، ونطق وصموت، كما أمر رسوله ﷺ وآله في حال نبوته بترك إظهار أمره، والسكوت والإخفاء من","vol":"1","page":687},{"text":"أعدائه والاستتار وترك إظهار النبوة التي هي أجل وأعظم وأشهر من الإمامة، فلم يزل كذلك سنين إلى أن أمره بإعلان ذلك، وعند الوقت الذى قدره ﵎، فصدع بأمره وأظهر الدعوة لقومه، ثم بعد الإعلان بالرسالة، وإقامة الدلائل المعجزة والبراهين الواضحة اللازمة بها الحجة وبعد أن كذبته قريش وسائر الخلق من عرب وعجم، وما لقى من الشدة ولقيه أصحابه من المؤمنين، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة، وأقام هو مع قومه حتى توفى أبو طالب فخاف على نفسه وبقية أصحابه، فأمره الله عند ذلك بالهجرة إلى المدينة، وأمره بالاختفاء في الغار والاستتار من العدو، فاستتر أياما، خائفا مطلوبا، حتى أذن الله له وأمره بالخروج، وكما قال أمير المؤمنين ﵁: اللهم إنك لا تخلى الأرض من حجة لك على خلقك ظاهرًا معروفا، أو خافيًا مغمودًا كيلا تبطل حجتك وبيناتك.\nوبذلك أمرنا، وبه جاءت الأخبار الصحيحة المشهورة عن الأئمة الماضين، وليس للعباد أن يبحثوا عن أمور الله ويقفوا أثر ما لا علم لهم به، ويطلبوا إظهاره، فستره الله عليهم وغيبه عنهم وقال الله ﷿ لرسوله ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ... (الإسراء: ٣٦)، فليس يجوز لمؤمن ولا مؤمنة طلب ما ستره الله، ولا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه حتى يؤمر بذلك، إذ هو ﵁ مغمود خائف مستور بستر الله تعالى، وليس علينا البحث عن أمره، بل البحث عن ذلك وطلبه محرم ولا يحل، لأن في طلب ذلك وإظهار ما ستره الله عنا وكشفه وإعلان أمره والتنويه باسمه معصية لله والعون على سفك دمه ﵁ ودماء شيعته وانتهاك حرمته، أعاذ الله من ذلك كل مؤمن ومؤمنة برحمته وفى ستر ذلك والسكون عنه حقنها وصيانتها وسلامة ديننا والانتهاء إلى أمر الله وأمر وأئمتنا وطاعتهم. وفقنا الله وجميع المؤمنين بطاعته ومرضاته بمنه ورأفته، ولا يجوز لنا ولا لأحد من المؤمنين أن يختار إماما برأيه ومعقوله واستدلاله، وكيف يجوز هذا وقد حظره الله جل وتعالى على رسله وأنبيائه وجميع خلقه، فقال في كتابه إذ لم يجعل الاختيار","vol":"1","page":688},{"text":"إليهم في شىء من ذلك ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، وقال ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (القصص: ٦٨)، وإنما اختيار الحجج والأئمة إلى الله ﷿ وإقامتهم إليه فهو يقيمهم ويختارهم ويخفيهم إذا شاء ويظهرهم ويعلن أمرهم إذا أراد ويسترهم إذا شاء فلا يبديهم، لأنه ﵎ أعلم بتدبيره في خلقه وأعرف بمصلحتهم، والإمام أعلم بأمور نفسه وزمانه وحوادث أمور الله منا.\nوقد قال أبو عبد الله الصادق ﵁: \" وهو ظاهر الأمر، معروف المكان، لا ينكر نسبه ولا تخفى ولادته وذكره شائع مشهور في الخاص والعام: من سمانى باسم فعليه لعنة الله \" ولقد كان الرجل من شيعته يلقاه في الطريق فيحيد عنه ولا يسلم عليه تقية، فإذا لقيه أبو عبد الله شكره على فعله وصوب له ما كان منه وحمده عليه، وذم من تعرف إليه وسلم عليه وأقدم عليه بالمكروه من الكلام. وكذلك وردت الأخبار عن أبى إبراهيم موسى بن جعفر ﵁ من منع تسميته مثل ذلك، وكان أبو الحسن الرضا يقول: لو علمت ما يريد القوم منى لأهلكت نفسى عندى بما لايوثق دينى، بلعب الحمام والديكة وأشباه ذلك، هذا كله لشدة التستر من الأعداء ولوجوب فرض استعمال التقية فكيف يجوز في زماننا هذا ترك استعمال هذا مع شدة الطلب وجور السلطان وقلة رعايته لحقوق أمثالهم، ومع ما لقى ﵁ من \" صالح بن وصيف \" لعنه الله، وحبسه إياه ولأهل بيته، والأمر بقتله، وطلب الشيعة، وما نالهم منه من الأذى والتعنت، وتسميته من لم يظهر خبره ولا اسمه وخفيت ولادته. وقد رويت أخبار كثيرة: أن القائم تخفى على الناس ولادته ويخمل ذكره ولا يعرف اسمه ولا يعلم مكانه ولا يعرف إلا أنه لا يقوم حتى يظهر ويعرف أنه إمام ابن إمام، ووصى ابن وصى، يؤتم به قبل أن يقوم، ومع ذلك فإنه لابد من أن يعلم أمره ثقاته وثقات أبيه، وإن قالوا، لأن الإشارة بالوصية من","vol":"1","page":689},{"text":"إمام إلى إمام بعده لا تصح ولا تثبت إلا بشهود عدول من خاصة الأولياء أقل ذلك شاهدان فما فوقهما، إلا أن لا يكون للإمام الماضى إلا ولد واحد فيستغنى بذلك عن الإشارة إليه على ما يروى عن أبى جعفر محمد بن الرضا.\nومع هذا فإن الرضا لم يدع الإشارة إليه، والوصية والإشهاد على ذلك لأنه لابد منه، إذ السنة جارية من رسول الله بذلك، ومن الأئمة من بعده، وإذ قد فعله أمير المؤمنين بالحسن وفعله الحسن بالحسين مع وصية رسول الله وإشارته إليه أن الإمامة في عقب الحسن بن محمد ما اتصلت أمور الله ولا ترجع إلى أخ، ولا عم، ولا ابن عم، ولا ولد ولد مات أبوه في حياة جده، ولا يزول عن ولد الصلب، ولا يكون أن يموت إمام إلا ولد له لصلبه وله ولد. فهذه سبيل الإمامة، وهذا المنهاج الواضح والفرض الواجب اللازم الذى لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإمامية الصحيحة التشيع عليه، وعلى ذلك كان إجماعنا إلى يوم مضى الحسن بن على رضوان الله عليه.\nوقالت الفرقة الثالثة عشرة: مثل مقالة الفطحية، والفقهاء منهم أهل الورع والعبادة، مثل عبد الله بن بكير بن أعين ونظرائه، فزعموا: أن الحسن بن على توفى، وأنه كان الإمام بعد أبيه بوصية أبيه إليه، وأن جعفر بن على هو الإمام بعده، كما كان موسى بن جعفر إماما بعد عبد الله بن جعفر، للخبر الذى روى: أن الإمامة فى الأكبر من ولد الإمام إذا مضى، وأن الخبر الذى روى عن الصادق ﵁: أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين ﵉ صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضى خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه، بل تثبت في خلفه، وإذا توفى ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة، لأن هذا معنى الحديث عندهم، وكذلك قالوا في الحديث الذى روى: أن الإمام لا يغسله إلا إمام، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره، وأقروا أن جعفر بن محمد ﵁ غسله موسى، وادعوا أن عبد الله أمره بذلك لأنه كان الإمام بعد عبد الله، فلذلك جاز أن يغسله موسى، فهذه الأخبار بأن الإمام لا يغسله إلا الإمام صحيحة جائزة","vol":"1","page":690},{"text":"على هذا الوجه، فهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولدا، والإمام عندهم \" جعفر بن على \" على هذا التأويل ضرورة، وعلى هذه الأخبار والمعانى التي وصفناها ...\nمما سبق نلاحظ ما يأتى: -\n١ - عندما وقفت الناوسية عند الإمام الصادق، واعتبرته القائم المهدى، بدأت في وضع الأخبار التي تؤيد عقيدتها، ولم تستطع أن تقوم بهذا قبل موته.\n٢ - والإسماعيلية الخالصة قامت بمثل هذا بالنسبة لإسماعيل بن جعفر.\n٣ - والمباركية جعلت الإمامة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر، ويذكر التاريخ تفرقها بعد ذلك لعدة فرق، ومنهم القرامطة الذين زعموا أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين، واستباحوا المحارم وجميع ما خلقه الله!! ومع وضوح كفرهم استدلوا بما يؤيد عقيدتهم.\n٤ - والفرقة الرابعة التي قالت بإمامة محمد بن جعفر، وفى ولده من بعده، وضعت من الأخبار ما يدل على إمامته، ولم تستطع أن تضع ما ينص على أسماء من يأتى بعده.\n٥ - والفرقة الخامسة وضعت أيضًا من الأخبار ما يدل على إمامة عبد الله بن جعفر، ولم تستطع أن تضع ما ينص على أسماء من يأتى بعده. فلما مات ولم يخلف ذكرا حدث التفرق المذكور، وأنكر القوم ما أنكروا من الروايات، ووضعوا روايات جديدة تتفق مع العقيدة الجديدة، وانظر مثلا إلى هذه الرواية:\nقال جعفر لموسى: \" يا بنى إن أخاك - يقصد عبد الله - سيجلس مجلسى، ويدعى الإمامة بعدى، فلا تنازعه ولا تتكلمن، فإنه أول أهلى الذين لحقوا بى \".\nفهذه الرواية التي ذكرت للاستدلال على إمامة موسى بن جعفر لم توضع قبل موت عبد الله بن جعفر، لأن الوضاعين من هؤلاء الشيعة لم يكونوا يعرفون من الذى سيموت قبل الآخر.","vol":"1","page":691},{"text":"٦ - والفرقة السادسة التي قالت بإمامة موسى بن جعفر بعد أبيه صارت بعد وفاته خمس فرق.\nولعل في هذا ما يكفى لبيان ما أردت بيانه.\nفالشيعة الاثنا عشرية التي نتحدث عنها كانت انبثاقا من إحدى الفرق الخمس السابقة، وخمس الفرق كلها كانت إحدى الفرق الست السابقة. وكل فرقة من الفرق الخمسة افترقت بعد ذلك عدة فرق. وإذا واصلنا المسيرة نجد أن الشيعة اتباع الحسن العسكرى - الإمام الحادى عشر عند الاثنى عشرية - انقسمت بعد موته إلى ما يقرب من عشرين فرقة، وكل فرقة تضع من الأخبار ما يؤيد عقيدتها الجديدة، ولا يمكن وضع هذه الأخبار قبل وفاة الإمام.\n\nونلحظ أن كل هذه الفرق أكدت أن الحسن العسكرى لا خلف له ما عدا فرقة مع فرقة الإمامية.\n\nومعنى هذا أن الشيعة الاثنى عشرية لم تبدأ في وضع الأخبار التي تتصل بالاثتى عشر إماما إلا بعد الحسن العسكرى، أى في النصف الثانى من القرن الثالث. وبعد هذا تبدأ مرحلة الكتب.\nوالواقع العملى يؤيد ما بينته هنا، فكتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم أولها ظهر في القرن الرابع، وهو الكافى، ثم جاء بعده باقى الكتب.","vol":"1","page":692},{"text":"الأصول الأربعمائة\nقال مؤلف كتاب \" دراسة حول الأصول الأربعمائة \" ص ٧:\nبلغ الرواة عنه – أى الإمام الصادق – أربعة آلاف رجل، وانصرفت طائفة كبيرة من هؤلاء لضبط ما رووه عن الإمام سماعًا في كتاب خاص في مواضيع الفقه والتفسير والعقائد وغيرها، وقد اصطلح التاريخ الشيعى على تسمية هذه الكتب بالأصول، كما حصرها في أربعمائة أصل، وهذا ما نعنيه بالأصول الأربعمائة. ا. هـ\nوتحدث المؤلف بعد هذا مباشرة عن الاختلاف حول تحديد مفهوم الأصل، ثم ذكر أسماء أصحاب الأصول، ولكن عددهم لم يبلغ الثمانين، ثم قدم دراسة حول الأصول بصفة عامة، ثم تعريفًا مقتضبًا للأصول الموجودة كاملة، أو الموجود قسم منها، وبلغ العدد ثمانية وعشرين.\nوانتهى بعد ذلك إلى نتيجة البحث فقال: -\n\" وقد توصلنا من هذا البحث إلى النتائج التالية \":\nأولًا: أن الأصل مما اصطلح عليه علماء الشيعة في القرن الخامس الهجرى.\nثانيًا: أن المحدثين ذكروا في تحديد مفهوم الأصل أقوالًا كانت في الغالب مجرد حدس وتخمين كما صرح بذلك السيد محسن الأمين.\nوأن لكلمة الأصل معنيين:\nالأول: المعنى الاصطلاحي وهو عبارة عن الحاوى للحديث المروى سماعًا من الإمام الصادق (ع) غالبا ومن تأليف رواته (ع) وقد استشهدنا لذلك بنصوص المتقدمين، وأن أغلب من ذكرهم الطوسى والنجاشى في أصحاب الأصول هم من أصحاب الإمام الصادق (ع) ودراسة الأصول الموجودة.\nالثانى: المعنى اللغوى بمعنى المصدر والمرجع – كما في عصرنا – وذلك حيث تستعمل في غير كتب الحديث من العلوم المختلفة أو تستعمل قبل القرن الخامس الهجرى.","vol":"1","page":693},{"text":"ثالثًا: تحديد زمن التأليف بعصر الإمام الصادق (ع) أى من روى عنه (ع) وينافى ذلك أن يروى عن أبيه الباقر (ع) أو ابنه الكاظم (ع) .\nرابعًا: إن أريد من الأصل مفهومه اللغوى فأصول أحاديث الشيعة عددًا ستة آلاف وستمائة – تقريبًا.\nوإن أريد مفهومه الاصطلاحى المذكور فلا يزيد على المائة عددا والمذكور منها في فهرستى الطوسى والنجاشى لا تزيد على نيف وسبعين أصلًا.\nخامسًا: أن أعيان الأصول قد أهملت نظرًا لاحتواء الكتب الأربعة وجوامع الحديث لهذه الأصول وغيرها من مصادر أحاديث الشيعة، ولأجل ذلك استغنى المحدثون عن الأصول بأعيانها لوجود مضامينها ورواياتها في هذه الكتب المتأخر تأليفها زمنًا عن زمن تأليف الأصول ولم أقف – حسب تتبعي – للأصول التي ذكرها الشيخ الطوسى على اكثر من ثلاثة أصول موجودة اليوم، ومن الكتب التي وصفت بأنها أصول على أكثر من سبعة وعشرين كتابًا، وعسانى أوفق للاطلاع عليها في المستقبل.\nويقول الشهيد الثانى بهذا الصدد: كان قد استقر أمر الإمامية على أربعمائة مصنف سموها أصولًا فكان عليها اعتمادهم، وتداعت الحال إلى أن ذهب معظم تلك الأصول ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريبا على المتناول، وأحسن ما جمع منها الكافى والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه. انتهى كلام المؤلف.\nولو صح كلامه فإنه يعنى أن التدوين كان للآراء والاجتهادات الفقهية وغيرها، كما كان للأحاديث التي رواها الإمام الصادق، والشيعة يرون أن كل ما صدر عنه يعتبر من السنة، ولكن الإمام الصادق نفسه لا يمكن أن يرى العصمة لنفسه أو حق التشريع، ويندر أن يوجد في عصره من يرى عصمته إلا الغلاة.\nفما يصح نقله عن الإمام الصادق لا يختلف عما ثبت عن الأئمة الأربعة: أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد، وغيرهم من الأئمة الأعلام إلا فيما نراه من","vol":"1","page":694},{"text":"الاختلاف بين هؤلاء الأئمة المجتهدين أنفسهم. أما ما يدون في عصر الإمام الصادق افتراء عليه فإن الافتراء لا يتجاوز عصره والعصور السابقة، ولا يمكن أن يتصل بمن يأتى بعده مما يعد في علم الغيب. ولسنا هنا في حاجة إلى دراسة هذه الأصول، أو البحث عن أصحابها، ولكن الذى يعنينا هو أن ما يخص الشيعة الاثنى عشرية لم يظهر في هذا العصر حتى يدون، ولذا عجبت كل العجب من عنوان أحد هذه الأصول، وقد ذكره المؤلف في ص ٤٧، والعنوان:\n\" مقتضب الأثر في الأئمة الاثنى عشر \"! ... ومن غير الممكن على الإطلاق أن يوضع هذا العنوان فى عصر الإمام الصادق، فما كان أحد في وقته يعرف أسماء من يأتى بعده، حيث لا يعلم الغيب إلا الله، ولكن يمكن أن يوضع هذا العنوان بعد الإمام الحادى عشر، وتنسب الأقوال المفتراة إلى الصادق أو غيره، هذا هو الواقع الذى يمكن أن يكون. فلو نسب هذا العنوان إلى من عاش في عصر الصادق فإن هذا يعنى أن واضع العنوان يفتري على من عاش في عصر الإمام.\nوعلى كل حال بعد قراءة العنوان جاء ما يلي:\n\" تأليف أحمد بن محمد بن عياش الجوهرى، المتوفى سنة ٤٠١ هـ \".\nإذن عاش المؤلف بعد الإمام الحادى عشر، بل بين وفاة كل منهما قرن ونصف، فهذا هو الذى يتفق مع ما سبق بيانه.","vol":"1","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الفصل الثاني: الجرح والتعديل عند الشيعة والرافضة</span>\nرأينا من قبل الجرح والتعديل عن الجمهور، والموقف من الرواية عن أهل البدع، وما يتصل بالعدالة والضبط.\nوالصحابة الكرام، خير أمة أخرجت للناس، شهد لهم ربهم ﷿ وكفى بالله شهيدا، وشهد لهم الرسول - ﷺ، وما أعظمها من شهادة! ولذلك فهم ليسوا في حاجة إلى شهادة بعد الله تعالى ورسوله ﷺ، وعدالتهم أمر معلوم مسلم به عند جمهور المسلمين. ومن طعن فيهم ممن ينتسب إلى الإسلام كاد أن يخرج عن الملة إن لم يكن قد خرج بالفعل. وتبعًا للجرح والتعديل عند الفرق يحكم على الأحاديث، وتؤلف الكتب.\nوقبل أن أبين الجرح والتعديل عند سلف عبد الحسين، وأثر هذا في كتبهم التي قال إنها مقدسة، وصحاح متواترة، أردت أن أوضح موقف الحاكم - كما جاء في كتابه معرفة علوم الحديث، وهو شيعى لكنه غير رافضى، حتى لا نخلط بين موقف الشيعة وموقف الرافضة.\nتحدث الحاكم عن أصح الأسانيد فقال (ص ٥٥):\nإن أصح أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على إذا كان الراوى عن جعفر ثقة.\nوأصح أسانيد الصديق: إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى بكر.\nوأصح أسانيد عمر: الزهرى عن سالم عن أبيه عن جده.\nوأصح أسانيد المكثرين من الصحابة لأبى هريرة: الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة، ولعبد الله بن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر، ولعائشة","vol":"1","page":696},{"text":"عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن القاسم بن محمد ابن أبى بكر، عن عائشة.\nسمعت أبا بكر أحمد بن سلمان الفقية يقول: سمعت جعفر بن أبى عثمان الطيالسى يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ترجمة مشبكة بالذهب.\nومن أصح الأسانيد أيضًا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن زهرة القرشى عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشى عن عائشة.\nوأصح أسانيد عبد الله بن مسعود: سفيان بن سعيد الثورى عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم بن يزيد النخعى عن علقمة بن قيس النخعى عن عبد الله بن مسعود.\nوأصح أسانيد أنس: مالك بن أنس عن الزهرى عن أنس.\nوأصح أسانيد المكيين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر.\nوأصح أسانيد اليمانيين: معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة.\nومما ذكره الحاكم نرى أنه لا يختلف عن جمهور المسلمين في نظرته للصحابة الكرام، وفى التوثيق بصفة عامة على خلاف ما نراه عند الرافضة.\nوفى ص ٥٦ يقول: إن أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر، عن جابر الجعفى، عن الحارث الأعور، عن على.\nوفى ص ٦٣ تحدث عن معرفة فقه الحديث فقال: \" فأما فقهاء الإسلام، أصحاب القياس والرأى والاستنباط والجدل والنظر، فمعروفون في كل عصر وأهل كل بلد. ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحر فيها لا يجهل فقه الحديث، إذ هو نوع من أنواع هذا العلم.","vol":"1","page":697},{"text":"فمن أشرنا إليه من أهل الحديث محمد بن مسلم الزهرى \" وذكر الحاكم بإسناده بعد هذا عن مكحول قال: \" ما رأيت أحدًا أعلم بسنة ماضية من ... الزهرى \".\nوفى ص ٢٤٠ بدأ الحديث عن النوع التاسع والأربعين فقال: \" هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم ممن يجمع حديثهم للحفظ والمذاكرة، والتبرك بهم وبذكرهم من الشرق إلى الغرب \".\nوأول من ذكرهم من هؤلاء الأئمة الإمام الزهرى. وفى عصرنا وجدنا الرافضة والمستشرقين – لهدف واحد خبيث – يطعنان في هذا الإمام الجليل. ومن الأئمة الأعلام الذين ذكرهم: الإمام سفيان الثورى (ص ٢٤٥)، وسيأتى في نماذج من الجرح والتعديل ما قاله الرافضة في هذا الإمام.\nومستدرك الحاكم معروف مشهور، وسبق الإشارة إليه، غير أنه جمع الصحيح والحسن والضعيف والموضوع.\nوممن عرف بالتشيع كذلك النسائى، صاحب السنن، أحد الكتب الستة المعتمدة عند جمهور المسلمين، وعبد الرزاق صاحب المصنف، وابن عبد البر، صاحب الكتب الكثيرة النافعة. (انظر منهاج السنة لابن تيمية ج ٧ ص ١٣، ٣٧٣)، ومنهج هؤلاء في الجرح والتعديل يعتبر من منهج الجمهور.\nأما أسلاف عبد الحسين فإن منهجهم تأثر بعقيدتهم في الإمامة، فكما رفضوا الخلافة الراشدة للشيخين وذى النورين، رفضوا ما ثبت عنهم من أخبار، وطعنوا فيهم وفيمن لم يقل بقول عبد الله بن سبأ في الوصى بعد النبى، ولذلك طعنوا وجرحوا من شهد لهم ربهم ﷿ والرسول المصطفى ﷺ. وفى ظلمات هذه الجهالة ألفت كتبهم.","vol":"1","page":698},{"text":"نماذج من الجرح والتعديل\nالجرح والتعديل عند هؤلاء القوم – كما رأينا – يرتبط بعقيدتهم الباطلة في الإمامة، ووضعت كتبهم – كما سنرى – لتأييد هذه العقيدة. وكتب الرجال عندهم طعنت في خير جيل عرفته البشرية وجرحت صحابة الرسول ﷺ، ورضى عن الصحابة الكرام البررة. ولم يسلم من الطعن إلا من اشتهر في التاريخ بولائه لعلى ابن أبى طالب. وقولهم بعصمة الأئمة جعلهم لا ينظرون إليهم على أنهم رواة ثقات بل جعلوهم مصدرا للتشريع، فأقوالهم سنة واجبة الاتباع كسنة رسول الله ﷺ، دون أدنى فرق، وأشرت إلى هذا من قبل. وسأكتفى هنا ببيان بعض النماذج مما جاء في كتب الرجال عندهم. وأصول هذه الكتب الرجالية خمسة هي: رجال البرقى، ورجال الكشى، ورجال الشيخ الطوسى، وفهرسته، ورجال النجاشى. وقد رجع إلى هذه الأصول وغيرها عبد الله الماماقانى في كتابه \" تنقيح المقال في علم الرجال \". والمؤلف يلقبونه بالعلامة الثانى آية الله، أما علامتهم الأول فهو ابن المطهر الحلى الذى رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية. كما أشرت من قبل، وكتاب تنقيح المقال من أكبر الكتب حجمًا ومكانة عندهم.\nوإليك بعض النماذج مما جاء في هذا الكتاب.\n١ - على بن ابى طالب:\nأمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، مناقبه وفضائله لا يسع البشر عدها وإحصاءها، قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربى. وقد ورد أنه لو كان البحر مدادًا، والأشجار أقلامًا وأوراق الأشجار قرطاسًا، والجن والإنس كتابًا، لما أحصوا مناقبه!! (جـ ٢ ص ٢٦٤) .\n٢ - محمد بن أبى بكر بن أبى قحافة:\nجليل القدر عظيم المنزلة من خواص على ﵁ وحوارييه. أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس لا من قبل أبيه. من أنجب النجباء، من أهل بيت","vol":"1","page":699},{"text":"سوء. بايع أمير المؤمنين على البراءة من أبيه، ومن الخليفة الثانى، وقال له: أشهد أنك إمام مفترض الطاعة، وأن أبى في النار ... إلخ.\n(انظر ترجمته في ملحق الجزء الثانى ص ٥٧، ٥٨ وينسب الرافضة هذه الأقوال للإمامين الباقر والصادق، وحاشاهما - رضى الله تعالى عنهما - أن ينطقا بمثل هذا الكفر الذى لا يقوله إلا عبد الله بن سبأ وأمثاله وأتباعه)\n٣ - عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوى خليفة العامة:\nبالغت العامة في مدحه، ومن لاحظ ترجمته المتفرقة وأمعن النظر فيها لم يعتمد على خبره ... إلخ (٢/ ٢٠١)\n٤ - عبد الله بن عمرو بن العاص:\nكان كأبيه في الرأى والنفاق، والكذب على الله ورسوله، والخروج مع معاوية بصفين، وكفى بذلك جرحا ... إلخ (٢ / ٢٠٠، وفى ترجمته أخذ الرافضى يلعنه ويلعن أباه!) .\n٥ - عبد الرحمن بن عوف:\nفي ترجمته اتهام له ولذى النورين عثمان بن عفان - رضى الله تعالى عنهما، وفى نهاية الترجمة قال: لا أعتمد على روايته، لأن من خان في الأصول لا يوثق به في الفروع (٢/١٤٦: ١٤٧)\n٦ - خالد بن الوليد:\nتعاقد مع أبى بكر على قتل على ﵁، ثم ندم أبو بكر خوفًا من الفتنة، سماه العامة سيف الله، والأحق بتسميته سيف الشيطان ... زنديق، أشهر من كفر إبليس في العداوة لأهل البيت.. إلخ. (اقرأ ترجمته ١ / ٣٩٤ تجد هذا الكفر والضلال والمفتريات وغيرها) .\n٧ ـ","vol":"1","page":700},{"text":"أنس بن مالك:\nجاء في ترجمته أنه كان من المنحرفين عن على ﵁، الكاتمين لمناقبه حبًا للدنيا، فدعا عليه بالعمى فكف بصره، وأنه كان يكذب على رسول الله ﷺ! . (انظر أكاذيب وأباطيل هؤلاء الرافضة في ترجمته ١ /١٥٤: ١٥٥) .\n٨ - النعمان بن بشير:\nكان منحرفا عن على ﵁، وعدوًا له، فزندقته لا شك فيها.. إلخ (٣ / ٢٧٢، وفى الترجمة غير هذا من التكفير واللعن لهذا الصحابى الجليل ولغيره من الكرام البررة) .\n٩ - معاذ بن جبل:\nفي ترجمته أنه مالأعدو الله أبا بكر وعمر، على ولى الله على بن أبى طالب، والبشرى بالنار له ولأبى بكر وعمر وأبى عبيدة وسالم، وأن الصحابة هلكوا بعد رسول الله ﷺ - إلا أربعة.. إلى غير ذلك مما لا يصدر إلا عن الكفار والضالين. (انظر هذا الضلال في ترجمته ٣ / ٢٢٠: ٢٢١) .\n١٠ - سفيان الثورى:\nإذا كان هؤلاء القوم قد طعنوا وكفروا خير الناس بعد رسول الله ﷺ، وهم الصحابة الكرام، وخيرهم جميعا الشيخان الصديق والفاروق، رضى الله تعالى عنهم جميعًا، إذا كان الأمر قد انحط إلى هذا الدرك الأسفل، فلا نعجب بعد هذا إذا طعنوا في أئمة المسلمين بعد الصحابة.\nففى ترجمة الإمام سفيان الثورى يذكرون أكاذيب ينسبونها إلى الإمام الصادق افتراء على الله تعالى وعلى الصادق ﵁، ثم يعقبون عليها بما يأتى:\nيتبين أمران: -\nأحدهما: أن سفيان الثورى كذاب خبيث مدلس معاند يهودى، قد آثر دنياه على آخرته على علم منه بذلك بنص الصادق.","vol":"1","page":701},{"text":"والآخر: أن مذهب العامة - أى جمهور المسلمين - مبنى على الأكاذيب!! من بدايته إلى نهايته، أعاذنا الله تعالى من ذلك، ولا جمع الله بيننا وبينهم في الدنيا ولا الآخرة. (انظر ٢/٣٧: ٣٨) .\nوبعد....\nفلعل هذه التراجم - مع قلتها - كافية لبيان منهج الرافضة في الجرح والتعديل، واجترائهم على الله ﷿، وعلى رسوله ﷺ، وعلى الصحابة الكرام، وعلى أئمة المسلمين سواء أكانوا من أهل البيت الأطهار أم من غيرهم. وإذا جئنا إلى التطبيق العملى فإنا نرى هذا المنهج مطبقا في كتبهم التي قال عنها الرافضى عبد الحسين إنها مقدسة، متواترة صحيحة، وما هي إلا هدم للإسلام أصوله وفروعه، وامتداد لمآرب عبد الله بن سبأ.\nوفى الجزء الرابع في خاتمة الكتاب سنجد مثل هذه التراجم عندما نتحدث عن أبى القاسم الخوئى المرجع الأعلى للشيعة في العراق، وعن كتابه معجم رجال الحديث، مما يبين استمرار غلو الرافضة وزندقتهم حتى عصرنا إلا من عصم ربى من معتدلى الشيعة غير الرافضة.","vol":"1","page":702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الفصل الثالث: مفهوم السنة عندهم</span>\nقال أحد علمائهم المعاصرين: -\n\" السنة في اصطلاح الفقهاء: قول النبى أو فعله أو تقريره \" ثم قال: \" أما فقهاء الإمامية بالخصوص - فلما ثبت لديهم أن المعصوم من آل البيت يجرى قوله مجرى قول النبى، من كونه حجة على العباد واجب الاتباع - فقد توسعوا في اصطلاح السنة إلى ما يشمل قول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره، فكانت السنة باصطلاحهم: قول المعصوم أو فعله أو تقريره.\nوالسر في ذلك أن الأئمة من آل البيت - ﵈ - ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبى والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية، بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبى لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا يحكون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي، وذلك من طريق الإلهام كالنبى من طريق الوحى أو من طريق التلقى من المعصوم قبله كما قال مولانا أمير المؤمنين ﵁: علمنى رسول الله - ﷺ ألف باب من العلم ينفتح لى من كل باب ألف باب. (١)\n\nوعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنة وحكايتها، ولا من نوع الاجتهاد في الرأى والاستنباط من مصادر التشريع بل هم أنفسهم مصدر\n_________\n(١) اقرأ هذا القول المنسوب لأمير المؤمنين في الفصل السادس ص ١٥٤، ١٥٥ واقرأ في الرواية ذاتها: \" إن عندنا علم ما كان، وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ... وما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشىء بعد الشىء إلى يوم القيامة \" ومعلوم أن الإمام عليًا - ﵁ - لم يختص بعلم دون سائر الأمة ولا ادعى هذا لنفسه فضلا عن أن يزعم أنه يعلم ما لا يعلمه إلا الله ﷾. ولكن إذا وجد من أله عليا، فليس بمستغرب أن يوجد من ينسب هذا العلم له.","vol":"1","page":703},{"text":"للتشريع، فقولهم (سنة) لا حكاية السنة. وأما ما يجىء على لسانهم أحيانًا من روايات وأحاديث عن نفس النبى ﷺ، فهى إما لأجل نقل النص عنه كما يتفق في نقلهم لجوامع كلمه، وإما لأجل إقامة الحجة على الغير، وإما لغير ذلك من الدواعى.\nوأما إثبات إمامتهم، وأن قولهم يجرى مجرى قول الرسول ﷺ، فهو بحث يتكفل به علم الكلام \" (١) .\nوما أظننا بحاجة إلى بيان أثر الإمامة هنا، فهى أوضح من أن يطال فيها الحديث، فجعلوا الإمام كالنبى المرسل: العصمة لهم جميعًا، والسنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره يستوى في هذا أن يكون المعصوم هو الرسول الكريم وأن يكون أحد أئمة الجعفرية. ولذلك رأينا من قبل أنهم جعلوا للإمام ما للنبى المصطفى من بيان القرآن الكريم وتقييد مطلقة، وتخصيص عامة. ورأينا كذلك أن الإخباريين منعوا العمل بظاهر القرآن الكريم لأنهم لا يستمدون شريعتهم إلا مما ورد عن أئمتهم. وحتى يكون الإمام مصدرًا للتشريع قائمًا بذاته جعل له الإلهام مقابلًا للوحى بالنسبة للرسول ﷺ.\nوهذا العالم الجعفرى - مع شططه - يمثل جانب الاعتدال النسبى، فقد رأينا غيره يذهب إلى بقاء الوحى مع الأئمة وإن لم ينزل بقرآن جديد. وما ذكره هذا العالم لا يصح إلا بما أشار إليه في الفقرة الأخيرة من إثبات إمامة الأئمة، وأن قولهم يجرى مجرى قول الرسول ﷺ، وهو ما أثبتنا خلافه في الجزء الأول.\n_________\n(١) أصول الفقه لمحمد رضا المظفر ٣ /٥١ -٥٢. وانظر: الأصول العامة للفقه المقارن ص ١٢٢، واقرأ فيه كذلك: سنة أهل البيت ص ١٤٥ وما بعدها، وراجع تجريد الأصول ص ٤٧، وضياء الدراية ص ١٤.","vol":"1","page":704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الفصل الرابع: مراتب الحديث</span>\nالإخباريون من الجعفرية - وهم قلة قليلة - لا علم لهم بمصطلح الحديث، فهم يتلقون بالقبول كل ما ورد عن أئمتهم في كتب الحديث المعتمدة عندهم، بل يرون تواتر \" كل حديث وكلمه بجميع حركاتها وسكناتها الإعرابية والبنائية وترتيب الكلمات والحروف \" (١) وكتب الحديث هذه أربعة ظهرت في القرنين الرابع والخامس، وأصحابها يرون صحة ما أثبتوا في كتبهم.\nوالجعفرية الاثنا عشرية ظلوا قرابة ثلاثة قرون بعد ظهور هذه الكتب لا يفترقون كثيرًا عن النزعة الإخبارية، فأول من وضع مصطلح الحديث وبين مراتبه عندهم هو الحسن بن المطهر الحلى الملقب بالعلامة الذى توفى سنة ٧٢٦ هـ (٢) .\nوالحديث عند جمهور الجعفرية ينقسم إلى متواتر وأخبار آحاد. وأثر عقيدتهم الباطلة يظهر في المتواتر باشتراطهم \" أن لا يكون ذهن السامع مشوبًا بشبهة أو تقليد يوجب نفى الخبر ومدلوله \" (٣) وندرك الأثر هنا عندما نراهم يقولون: \" بهذا الشرط يندفع احتجاج مخالفينا في المذهب على انتفاء النص على أمير المؤمنين ﵁ - بالإمامة \" (٤) فإذا ما نقل بالتواتر أن الرسول ﷺ لم ينص على إمامة أحد من بعده فالاتهام يوجه إلى السامعين، وبذلك يصلون إلى هدفهم\n_________\n(١) تنقيح المقال في أحوال الرجال ص ١٨٣.\n(٢) انظر ضياء الدراية: ص٢٣.\n(٣) المرجع السابق: ص ١٧.\n(٤) انظر حاشية الصفحة السابقة من نفس المرجع.","vol":"1","page":705},{"text":"بعدم حجية هذا النقل. وعلى العكس من هذا نراهم يذهبون إلى تواتر حديث الثقلين والغدير (١) .\nفعقيدة الإمامة توجههم في رفض الأخذ بالتواتر أو رفع غيره إلى مرتبته، ما دام الخبر متعلقًا بهذه العقيدة.\nوأخبار الآحاد عندهم تنقسم إلى أربع مراتب، هي أصول الأقسام وإليها يرجع كل تقسيم آخر، وهذه المراتب هي: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف. فأما الصحيح عندهم فهو \" ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامى عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعددة \" (٢) .\nوزاد بعضهم في التعريف أن يكون العدل ضابطًا، ورأى صاحب مقباس الهداية أن قيد العدل يغنى عن ذلك، فمن ليس ضابطا فليس بعدل (٣) أى أنهم متفقون على أن شروط الصحة هي: -\n١. اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع.\n٠٢ أن يكون الرواة إماميين في جميع الطبقات.\n٠٣ وأن يكونوا كذلك عدولا ضابطين.\nوأثر الإمامة هنا يبدو إلى جانب تحديد المعصوم - في اشتراط إمامية الراوى، فالحديث لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثنى عشرية في جميع الطبقات.\nوأول واضع لأقسام الحديث عندهم يوضح سبب هذا الاشتراط بقوله: \" لا تقبل رواية الكافر، وإن علم من دينه التحرز عن الكذب، لوجوب التثبت عند الفاسق، والمخالف من المسلمين، إن كفرناه فكذلك، وإن علم منه تحريم الكذب - خلافًا لأبى الحسن لاندراجه تحت الآية، وعدم علمه لا يخرجه عن الاسم، ولأن\n_________\n(١) انظر الأصول العامة للفقه المقارن: ص ١٩٦.\n(٢) مقباس الهداية في علم الدراية ص ٣٣، وضياء الدراية ص ٢١.\n(٣) انظر الموضع السابق من مقباس الهداية.","vol":"1","page":706},{"text":"قبول الرواية تنفيذ الحكم على المسلمين، فلا يقبل كالكافر الذى ليس من أهل القبلة. احتج أبو الحسن بأن أصحاب الحديث قبلوا أخبار السلف كالحسن البصرى وقتادة وعمر بن عبيد، مع علمهم بمذهبهم، وإنكارهم على من يقول بقولهم، والجواب المنع من المقدمتين، ومع التسليم فنمنع الإجماع عليه وغيره ليس بحجة. والمخالف غير الكافر لا تقبل روايته أيضًا لاندراجه تحت اسم الفاسق \" (١) .\nويقول الماماقانى (٢): \" الموافق للتحقيق هو أن العدالة لا تجامع فساد العقيدة وأن الإيمان شرط في الراوى \". ويقول أيضًا: \" وهو الذى اختاره العلامة في كتبه الأصولية وفاقًا للأكثر لقوله تعالى: -\n﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [(٣) ولا فسق أعظم من عدم الإيمان، والأخبار الصريحة في فسقهم بل كفرهم لا تحصى كثرة \".\nيستفاد مما سبق: أن الإيمان شرط في الراوى، وخبر الفاسق يجب التأكد من صحته، وغير الجعفرى كافر أو فاسق، فخبره لا يمكن بحال أن يكون صحيحًا، وهنا لا يبدو أثر الإمامة فحسب بل يظهر التطرف والغلو والزندقة.\nويأتى بعد الصحيح: الحسن:، وهو \" ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامى ممدوح مدحًا مقبولا معتدًا به، غير معارض بذم، من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقة، أو في بعضها. (٤)\n_________\n(١) تهذيب الوصول إلى علم الأصول ص ٧٧ - ٧٨.\n(٢) هو صاحب كتاب تنقيح المقال في علم الرجال، وكتاب مقباس الهداية في علم الدراية وله مكانته عند الجعفرية وعلى الأخص في هذا المجال، والنقل من كتابه الأول ص ٢٠٧.\n(٣) ٦: الحجرات.\n(٤) مقباس الهداية: ص ٣٤، ضياء الدراية: ص٢٣.","vol":"1","page":707},{"text":"ويستفاد من هذا النص أنهم يشترطون للحسن:\n١. اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع.\n٢. أن يكون جميع الرواة إماميين.\n٣. وأن يكون ممدوحين مدحًا مقبولًا معتدًا به، دون معارضة بذم، وبالطبع الذم غير المقبول لا يعتد به.\n٤. ألا ينص على عدالة الراوى، فلو كان الرواة عدولًا لأصبح الحديث صحيحا كما عرفنا من دراستنا للصحيح.\n٥. تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقه، أو في بعضها. يفهم من هذا أن جميع الرواة غير ثابتى العدالة، أو بعضهم كذلك والآخرين عدول، فالمعروف أن الحديث يحمل على أدنى مرتبة في الرواة - فلو فقد شرطا آخر غير العدالة لما أصبح حسنًا.\nويقول صاحب ضياء الدراية (ص ٢٤):\n\" ألفاظ المدح على ثلاثة أقسام \":\n- ما له دخل في قوة السند، مثل صالح وخير.\n- ما له دخل في قوة المتن لا في السند، مثل فهيم وحافظ.\n- ما ليس له دخل فيهما، مثل شاعر وقارئ.\nفالأول يفيد في كون السند حسنا أو قويا، والثانى ينفع في مقام الترجيح، والثالث لا عبرة له في المقامين، بل هو من المكملات \".\nويقول عن الجمع بين القدح والمدح (الصفحة ذاتها):\n\" القدح بغير فساد المذهب قد يجامع المدح لعدم المنافاة بين كونه ممدوحًا من جهة، ومقدوحًا من جهة أخرى \".\nوأثر عقيدة الإمامة في هذا النوع يبدو فيما يأتى:\n١. اشتراط إمامية الراوى.","vol":"1","page":708},{"text":"٢. قبول رواية الإمامى غير ثابت العدالة، ورفض رواية غير الإمامى كائنًا من كان، وبالغًا ما بلغ من العدالة والتقوى والورع.\n٣. قبول رواية الإمامى الممدوح المقدوح أحيانًا بشرط ألا يكون القدح بفساد المذهب، وفساد المذهب يعنى الخروج عن الخط الجعفرى: فهذا قدح لا يغتفر (١) .\nويأتى بعد الحسن الموثق، وهو: \" ما اتصل سنده إلى المعصوم بمن نص الأصحاب على توثيقه، مع فساد عقيدته، بأن كان من أحد الفرق المخالفة للإمامية، وإن كان من الشيعة، مع تحقق ذلك في جميع رواة طريقه أو بعضهم مع كون الباقين من رجال الصحيح \" (٢) .\nوهذا التعريف يفيد اشتراط ما يأتى:\n١. اتصال السند إلى المعصوم.\n٢. أن يكون الرواة غير إماميين، ولكنهم موثقون من الجعفرية على وجه الخصوص.\n٣. أو يكون بعضهم كذلك، والآخرون من رجال الصحيح، حتى لا يدخله ضعف آخر، فيكفى أن دخل في الطريق من ليس بإمامى.\nوأثر عقيدة الإمامة هنا يبدو فيما يأتى: -\n١. جعل الموثق بعد الصحيح والحسن لوجود غير الجعفرية في السند.\n٢. التوثيق لا يكون إلا من الجعفرية أنفسهم، ولذلك قال صاحب ضياء ... الدراية: (٣) \" توثيق المخالف لا يكفينا، بل الموثق عندهم ضعيف عندنا، والمدار في الموثق إنما هو توثيق أصحابنا \".\n_________\n(١) أنظر في ألفاظ الذم والقدح، والمذاهب الفاسدة في نظر الجعفرية: ضياء الدراية: ... ص ٥٠: ٥٣.\n(٢) مقباس الهداية: ص ٣٥، وراجع ضياء الدراية: ٢٤ -٢٥.\n(٣) حاشية ٢٤.","vol":"1","page":709},{"text":"ويوضح المامقانى توثيق أصحابه بقوله:\n\" يمكن معرفة غير الإمامى الموثق بأن يكون الإمام قد اختاره لتحمل الشهادة أو أدائها، في وصية، أو وقف، أو طلاق، أو محاكمة، أو نحوها، أو ترحم عليه أو ترضاه، أو أرسله رسولًا إلى خصم له أو غير خصمه، أو ولاه على وقف أو على بلدة، أو اتخذه وكيلًا، أو خادمًا ملازمًا، أو كاتبًا، أو أذن له في الفتيا والحكم أو أن يكون من مشايخ الإجازة (١) أو تشرف برؤية الإمام الثانى عشر الحجة المنتظر أو نحو هذا \" (٢) .\nفالتوثيق إذن لا يخرج عن النطاق الجعفرى الاثنى عشرى.\n٣. مع هذا النوع من التوثيق لا يدخل السند مع الموثقين إلا رجال الصحيح، وعلى الرغم من ذلك يبقى هذا القسم في المرتبة الثالثة.\nوبعد الموثق يأتى: الضعيف، وهو \" ما لم يجتمع فيه شرط أحد الأقسام السابقة، بأن اشتمل طريقة على مجروح بالفسق ونحوه، أو على مجهول الحال، أو ما دون ذلك كالوضاع \" (٣) .\nوفى الحديث عن الصحيح رأينا كيف أنهم اعتبروا غير الجعفرى كافرًا أو فاسقًا فروايته ضعيفة غير مقبولة. ولا تقبل من غير الجعفرى إلا من نال توثيق الجعفرية.\n_________\n(١) قد جرى على ألسنة أهل الفن وصف بعض الرجال بكونه شيخ الإجازة وآخر بأنه شيخ الرواية، وفرق صاحب التكملة بينهما بأن الأول من ليس له كتاب يروى ولا رواية تنقل، بل يجيز برواية كتاب غيره، ويذكر في السند لمجرد اتصال السند قال: فلو كان ضعيفًا لم يضر ضعفه. والثانى: هو من تؤخذ الرواية منه ويكون في الأغلب صاحب كتاب بحيث يكون هو أحد من تستند إليه الرواية وهذا تضر جهالته في الرواية وتشترط في قبولها عدالته، وانظر كذلك ضياء الدراية ص ٥٧: ٥٩.\n(٢) انظر: تنقيح المقال: ص ٢١٠ - ٢١١.\n(٣) مقباس الهداية: ٣٥، وراجع ضياء الدراية: ص ٢٥.","vol":"1","page":710},{"text":"وعلى هذا الأساس يرفضون الأحاديث الثابتة عن الخلفاء الراشدين الثلاثة وغيرهم من أجلاء الصحابة، والتابعين، وأئمة المحدثين والفقهاء، ما داموا لا يؤمنون بعقيدة الإمامية الاثنى عشرية. فالروايات التي يدخل في سندها أى من هؤلاء الصديقين الصالحين الأئمة الأعلام الأمناء، تعتبر روايات ضعيفة في نظر هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثا (١) .\n_________\n(١) وجدنا من شيعة اليوم من يرى النظر إلى ذوات الرواة لا إلى مذاهبهم ولكنهم لما يغيروا شيئًا. نسأل الله تعالى أن يوفقهم للعمل بما ينفع الإسلام والمسلمين.","vol":"1","page":711},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الفصل الخامس: التعارض والترجيح</span>\nروى الكلينى في أصول الكافى عن عمر بن حنظلة قال:\n\" سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان، وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا، وإن كان حقًا ثابتًا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ (١) قلت: فكيف يصنعان؟ قال ينظران إلى ما كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكمًا فإنى قد جعلته عليكم حاكمًا، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله.\nقلت: فإن كان كل رجل اختار رجلًا من أصحابنا، فرضيا أن يكون الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما: اختلفا في حديثكم؟\nقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.\nقال - قلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟\n_________\n(١) ٦٠: النساء.","vol":"1","page":712},{"text":"قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذى حكما به المجمع عليه من أصحابك فيأخذ به من حكمنا. ويترك الشاذ الذى ليس بمشهور عند أصحابك.\nقلت: فإن كان الخبران عنكما (١) مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟\nقال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة، وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة.\nقلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفًا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقًا للعامة والآخر مخالفًا لهم بأى الخبرين يؤخذ؟\nقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد.\nفقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعًا؟\nقال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم، فيترك، ويؤخذ بالآخر.\nقلت: فإن وافق حكامهم الخبران جميعًا؟\nقال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (٢) .\nهذه الرواية يسميها الجعفرية الرافضة مقبولة ابن حنظلة، وفى باب الترجيح عندهم هى \" العمدة في الباب، المقبولة التي قبلها العلماء بأن راويها صفوان بن يحيى الذى هو من أصحاب الإجماع، أى الذين أجمع العصابة على تصحيح ما يصح عنهم: كما رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم \" (٣) .\nويقول المظفر: \" من الواضح أن موردها التعارض بين الحاكمين، لا بين الراويين، ولكن لما كان الحكم والفتوى في الصدر الأول يقعان بنص الأحاديث، لا أنهما يقعان بتعبير من المحاكم أو المفتى كالعصور المتأخرة استنباطًا من\n_________\n(١) يقصد الباقر والصادق.\n(٢) الكافى ١ / ٦٧ - ٦٨.\n(٣) أصول الفقه للمظفر: ٣ / ٢١٧ ويعنى بالمشايخ الثلاثة أصحاب كتب الحديث عندهم وهم: الكلينى والصدوق والطوسى.","vol":"1","page":713},{"text":"الأحاديث تعرضت هذه المقبولة للرواية والراوى، لارتباط الرواية بالحكم. ومن هنا استدل بها على الترجيح للرواية المتعارضة \" (١) .\nثم يقول بعد بيان انحصار دليل مخالفة العامة في هذه المقبولة: والنتيجة أن المستفاد من الأخبار أن المرجحات المنصوصة ثلاثة: الشهرة وموافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة. وهذا ما استفاده الشيخ الكلينى في مقدمة الكافى (٢) .\nوهذه المقبولة التي اعتبرت العمدة في باب الترجيح بصفة عامة، والدليل الوحيد على مخالفة العامة ـ–أى جمهور المسلمين ـ– بصفة خاصة، أقول: هذه المقبولة مرفوضة من وجهة نظرنا لما يأتى:\n١. أنها اعتبرت كل حاكم أو قاض غير جعفرى اثنى عشرى طاغوتًا أمرنا أن نكفر به بنص القرآن الكريم.\n٢. أنها اعتبرت أخذ الحق الثابت سحتًا ما دام أخذه عن طريق هؤلاء الحكام والقضاة.\n٣. أنها جعلت حكم الحكم الجعفرى الرافضى كحكم الله تعالى، ومن لم يقبله فكأنما أشرك بالله سبحانه.\n٤. أنها تدعو إلى مخالفة جمهور المسلمين حتى عند ظهور موافقتهم للكتاب والسنة.\n_________\n(١) المرجع السابق: ٣ / ٢١٩.\n(٢) نفس المرجع: ٣ /٢٢٣.\nوقال السيد حسين الموسوى: لو فرضنا أن الحق كان مع العامة في مسألة ماذا يجب علينا أن نأخذ بخلاف قولهم؟\nأجابني السيد محمد باقر الصدر مرة فقال: فنعم يجب الأخذ بخلاف قولهم، لأن الأخذ بخلاف قولهم. وإن كان خطأ فهو أهون من موافقتهم، على افتراض وجود الحق عندهم في تلك المسألة. \" كشف الأسرار ص ٩٢ \".","vol":"1","page":714},{"text":"فالإمام الصادق أعمق إيمانًا، وأرفع شأنا من أن يصدر منه هذه الجهالة، وإنما تصدر هذه الرواية عن غال، يفترى على الأئمة، يريد لأمة الإسلام أن تفترق ولا تتحد.\nوبعد هذا نرى أثر عقيدة الإمامة في باب الترجيح عند الجعفرية يظهر فيما يأتى:\n١. جعلوا المشهور عندهم مقدما على غيره، حتى قدموه على ما وافق الكتاب والسنة، فالمشهور الجعفرى المخالف للكتاب والسنة مقدم على غيره الموافق للكتاب والسنة.\nثم \" إنهم لا يزالون يقدمون المشهور على غيره ولو كان راوى الغير أعدل وأصدق \" (١) وهذا مما جعل غلاة الجعفرية يسيرون إلى أهدافهم من طريق ممهد، ولنضرب لهذا مثلا لعله كاف لما أردنا توضيحه.\nصاحب كتاب \" فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب \" قال عن الروايات التي يرى أنها تثبت - على حد افترائه - تحريف القرآن الكريم: \" الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفى حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق والداماد، والعلامة المجلسى وغيرهم \" (٢) فهذه روايات جعفرية مشهورة مستفيضة، فلما تعارضت مع كتاب الله تعالى: حيث أخبر سبحانه بأنه الحافظ لكتابه العزيز ولا تبديل لكلماته، حرفوا معناه كما رأينا من قبل في الجزء الثانى، فهؤلاء القوم لم يناقضوا أنفسهم هنا، فهم غلاة في المبدأ وغلاة في التطبيق. ولكن الذين يمثلون جانب الاعتدال النسبى عند الجعفرية أبوا أن يهدم\n_________\n(١) فوائد الأصول: ٤ / ٢٩١ وقال المظفر بعد حديث عن المفاضلة بين المرجحات: \" والنتيجة أنه لا قاعدة هناك تقتضي تقديم أحد المرجحات على الآخر، ما عدا الشهرة التي دلت المقبولة على تقديمها \" (أصول الفقه ٣ /٢٢٧) .\n(٢) ص ٢٢٧ من الكتاب المذكور وهو ينقل هذا عن ضال مثله ثم أخذ يؤيده، راجع ما ذكرناه عن هذا الكتاب في الجزء السابق.","vol":"1","page":715},{"text":"الإسلام من أساسه فرفضوا الأخذ بهذه الروايات، وكان عليهم إذن أن يغيروا المبدأ حتى لا يناقضوا أنفسهم عند التطبيق. فهم يتفقون مع الغلاة في تقديم المشهور، واختلفوا معهم عندما جاء المشهور الجعفرى لتقويض البناء الإسلامى.\n٢. جعلوا من المرجحات مخالفة العامة، أى عامة المسلمين، فما خالف الأمة الإسلامية أولى بالقبول عندهم مما وافقهم، استنادًا إلى المقبولة المرفوضة فهى مستندهم الوحيد، وهى التي تزعم أن الإمام الصادق قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد.\nولعل هذا من أخطر المبادئ التي جعلت بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية هوة ـ– سحيقة عميقة ـ– فابتعد الجعفرية كثيرًا عن الخط الإسلامى الصحيح، لأنهم استقروا \" على تقديم مخالف العامة على موافقهم، من غير ملاحظة المرجحات السندية وجودًا وعدمًا، حتى لو كان الخبر مستفيضًا يحملونه على التقية عند التعارض \" (١) .\nوالحمل على التقية هنا يعنى أن الخبر في ذاته لا يحمل قرائن التقية لأنهم يقولون: \" الذى يكون من الشرائط لحجية الخبر هو أن لا يكون في الخبر قرائن التقية بحيث يستفاد من نفس الخبر أنه صدر تقية، والذى يكون مرجحًا، مجرد المخالفة والموافقة للعامة من دون أن يكون في الخبر الموافق قرائن التقية \" (٢) .\nوهم يعودون بهذا المبدأ الهدام إلى عصر الصحابة الكرام: فيقولون: \" بأن الرشد في خلافهم، وأن قولهم في المسائل مبنى على مخالفة أمير المؤمنين ﵁ فيما يسمعونه منه \" (٣) .\nثم يقولون: \" التعليل بأن الرشد في خلافهم محتمل لوجوه:\n_________\n(١) الحاشية على الكفاية ٢ / ٢٠٣.\n(٢) فوائد الأصول ٤ / ٢٩٣.\n(٣) الحاشية على الكفاية ٢ / ١٩٠.","vol":"1","page":716},{"text":"الأول - أن يكون إصابة الواقع غالبًا في مخالفتهم، فهم غالبًا في ضلالة وبعد عن الواقع.\nوالثانى - أن يكون نفس مخالفتهم رشدًا، فالمخالفة لهم حسن ذاتًا.\nوالثالث - أن يكون ذلك من جهة صدور الخبر الموافق تقية، فيكون الأخذ بالخبر المخالف رشدًا من باب تمامية وجه صدوره بخلاف الموافق \" (١) .\nوبعد: فإنا لا نعجب عندما ينفث غلاة الجعفرية الرافضة وزنادقتهم سمومهم بمثل هذه الأقوال، ولكن لا ندرى كيف يصبح هذا المبدأ مقبولا عند الجعفرية جميعًا؟ وكنا ننتظر، من معتدليهم نسبيًا ودعاة التقريب منهم، أن يقفوا موقفًا يتفق مع اعتدالهم الظاهرى، ودعوتهم للتقريب بين المذاهب الإسلامية.\nونضرب مثلا هنا - والأمثلة جد كثيرة - يبين كيف تمكن واضعو هذا المبدأ من توجيه المذهب الجعفرى وجهة بعيدة عن أمة الإسلام في كثير من الأحكام، وبالطبع على غير أساس من الحق، والمثل هو ما رواه الكلينى:\n\" عن زرارة بن أعين، عن أبى جعفر قال: سألته عن مسألة فأجابنى، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابنى، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابنى وأجاب صاحبى، فلما خرج الرجلان قلت يا بن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه، فقال: يا زرارة: إن هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم \" (٢) .\nفهنا إذن ثلاث فتاوى تعطى أحكامًا مختلفة لمسألة واحدة، ولا أساس لهذا الاختلاف سوى عدم اجتماع الشيعة على حكم واحد، حتى لا يكشف أمرهم،\n_________\n(١) المرجع السابق ٢ /١٩٣.\n(٢) الكافى ١ /٦٥، على أنا نرى عدم صدور هذا من سيدنا الباقر رضى الله تعالى عنه، فمتن الرواية يعنى أنه يفتى بغير دليل من كتاب أو سنة بل يتعمد المخالفة والتضليل فى أحكام الله تعالى: فهذه الرواية كأختها المقبولة المرفوضة.","vol":"1","page":717},{"text":"فيصبحوا عرضة للقتل. ولكن هذه الفتاوى عند الجعفرية الاثنى عشرية سنة ومصدر تشريع، فعند الترجيح يؤخذ بما خالف الأمة الإسلامية، ويترك ما وافقها، حتى إذا كان المتروك موافقًا للكتاب والسنة: على أن هذا ما حضره زرارة ويمكن أن يأتى آخرون، فتكثر الروايات، وتختلف الأحكام بغير دليل شرعى، والترجيح لما خالف جمهور المسلمين.","vol":"1","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الفصل السادس: الكتب الأربعة</span>\nللجعفرية الاثنى عشرية كتب كثيرة تروى عن الرسول -ﷺ وكذلك عن أئمتهم، ولكن الذى يعنينا هنا الكتب المعتمدة لديهم، فغير المعتد ليس بحجة لهم أو عليهم.\nوهذه الكتب المعتمدة أربعة:\nأولها (الكافى) لأبى جعفر محمد بن يعقوب الكلينى، الملقب بحجة الإسلام وثقته، المتوفى سنة ٣٢٩ هـ.\nوالثانى (فقيه من لا يحضره الفقيه) لمحمد بن بابويه القمى، الملقب بالصدوق، المتوفى سنة ٣٨١ هـ.\nوالآخران هما (التهذيب) و(الاستبصار)، وكلاهما لمحمد بن الحسن الطوسى شيخ الطائفة، المتوفى سنة ٤٦٠ هـ.\nوالكافى له المقام الأعلى عند الجعفرية، يقول عبد الحسين المظفر في مقدمته لأصول الكافى: \" ولما كان البحث يدور حول كتابنا هذا، فقد عرفت ما سجله على صفحاته مؤلفه من الأحاديث التي يبلغ عددها زهاء سبعة عشر ألف حديث، وهى أول موسوعة إسلامية استطاع مؤلفها أن يرسم بين دفتيها مثل هذا العدد من الأحاديث، وقد كلفته هذه المجموعة أن يضحى من عمره عشرين سنة قضاها في رحلاته متنقلا من بلدة إلى أخرى، لا يبلغه عن أحد مؤلف، أو يروى حديثا، إلا وشد الرحال إليه، ومهما كلفه الأمر فلا يبرح حتى يجتمع به، ويأخذ عنه، ولذلك تمكن من جمع الأحاديث الصحيحة. وهذه الأحاديث التي جاءت في الكافى جميعها ذهب المؤلف إلى صحتها، ولذلك عبر عنها بالصحيحة \" (١) .\n_________\n(١) ص ٨.","vol":"1","page":719},{"text":"ويقول: \" ويعتقد بعض العلماء أنه عرض على القائم ﵁ (يعنى الإمام الثانى عشر) فاستحسنه وقال: كاف لشيعتنا \" (١) .\n\" وقد اتفق أهل الإمامة، وجمهور الشيعة على تفضيل هذا الكتاب، والأخذ به والثقة بخبره، والاكتفاء بأحكامه. وهم مجمعون على الإقرار بارتفاع درجته وعلو قدره، على أنه القطب الذى عليه مدار روايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان إلى اليوم، وعندهم أجل وأفضل من جميع أصول الأحاديث \" (٢) .\nفلا خلاف إذن بين الجعفرية حول مكانة الكافى، ولكنا ذكرنا من قبل أن مراتب الحديث المعروفة عند متأخرى الجعفرية ظهرت على يد علامتهم الحلى، أى بعد الكلينى بقرابة أربعة قرون، والكلينى يذهب إلى أن كل ما جمعه في الكافى صحيح، فماذا يعنى بالصحيح هنا؟\nيوضح هذا أحد كتابهم فيقول: \" إن الصحيح عند المتقدمين هو الذى يصح العمل به والاعتماد عليه، ولو لم يكن من حيث سنده مستوفيًا للشروط التي ذكرناها، والصحيح في عرف المتأخرين هو الجامع لتلك الشروط \" (٣) .\nثم يقول بعد حديث عن الكلينى وكتابه: \" المتحصل من ذلك أن الذين اعتمدوا على الكافى، واعتبروا جميع مروياته حجة عليهم فيما بينهم وبين الله سبحانه، هؤلاء لم يعتمدوا عليها إلا من حيث الوثوق والاطمئنان بالكلينى الذى اعتمد عليها، وكما ذكرنا فإن وثوق الكلينى بها لم يكن مصدره بالنسبة إلى جميعها عدالة الرواة، بل كان في بعضها من جهة القرائن التي تيسر له الوقوف عليها نظرًا لقرب عهده بالأئمة ﵈، ووجود الأصول المختارة في عصره.\n_________\n(١) ص ١٩.\n(٢) ص ٢٠.\n(٣) دراسات في الكافى للكلينى والصحيح للبخاري لهاشم معروف الحسنى ص ٤٣.","vol":"1","page":720},{"text":"هذا بالاضافة إلى عنصر الاجتهاد والذى يرافق هذه البحوث في الغالب. يؤيد ذلك أن الكلينى نفسه لم يدع بأن مرويات كتابه كلها من الصحيح المتصل سنده بالمعصوم بواسطة العدول، فإنه قال في جواب من سأله تأليف كتاب جامع يصح العمل به، والاعتماد عليه، قال: وقد يسر لى الله تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت. وهذا الكلام منه كالصريح في أنه قد بذل جهده في جمعه وإتقانه، معتمدا على اجتهاده وثقته بتلك المجاميع والأصول الأربعمائة التي كانت مرجعًا لأكثر المتقدمين عليه، ومصدرًا لأكثر مرويات كتابه \" (١) .\nويقول الحسنى أيضا: \" والشئ الطبيعى أن تتضاءل تلك الثقة التي كانت للكافى - على مرور الزمن بسبب بعد المسافة بين الأئمة ﵈ وبين الطبقات التي توالت مع الزمن بمجئ دور العلامة الحلى: انفتح باب التشكيك في تلك الروايات على مصراعيه بعد أن صنف الحديث إلى الأصناف الأربعة، فتحرر العلماء من تقليد المتقدمين فيما يعود إلى الحديث، وعرضوا مرويات الكافى وغيره على أصول علم الدراية وقواعده، فما كان منها مستوفيًا للشروط المقررة أقروا العمل به والاعتماد عليه، وردوا ما لم تتوفر فيه الشروط المطلوبة. وعلى هذا الأساس، توزعت أحاديث الكافى التي بلغت ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثًا على النحو التالي:\n_________\n(١) المرجع السابق: ص ١٢٦ والأصول الأربعمائة يراد بها ما اشتمل على كلام الأئمة، أو روى عنهم بلا واسطة كما يعتقد الجعفرية، ويعتقدون كذلك أن ما في هذا الأصول قد جمع في الكتب الأربعة المعتمدة عندهم. (انظر ضياء الدراية الباب العاشر ص ٧١ وما بعدها وص ٨٦، وراجع الفصل الأول من هذا القسم) .","vol":"1","page":721},{"text":"الصحيح منها خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثًا، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثًا، الموثق ألف ومائة وثمانية وعشرون حديثًا، القوى (١) ثلاثمائة وحديثان والضعيف تسعة آلاف وأربعمائة وخمسة وثمانون حديثًا (٢) .\nومما تجدر الإشارة إليه أن اتصاف هذا المقدار من روايات الكافى بالضعف لا يعنى سقوطها بكاملها عن درجة الاعتبار، وعدم جواز الاعتماد عليها في أمور الدين، ذلك لأن وصف الرواية بالضعف من حيث سندها، وبلحاظ ذاتها لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة، أو بعض الكتب المعتبرة، أو موافقتها للكتاب والسنة، أو لكونها معمولًا بها عند العلماء وقد نص أكثر الفقهاء أن الرواية الضعيفة إذا أشتهر العمل بها والأعتماد عليها تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة وربما تترجح عليها في مقام التعارض (٣) .\nوالكافى يقع في ثمانية أجزاء تضم الأصول والفروع: فالأصول وهى التي تتصل بالعقائد، تقع في الجزأين الأول والثانى. والفروع في الفقه تقع في خمسة أجزاء، أما الجزء الأخير وهو الروضة، فيقول عنه الدكتور حسين على محفوظ: لما أكمل الكلينى كتابه هذا، وأتم رد مواده إلى فصولها، بقيت زيادات كثيرة من خطب أهل البيت، ورسائل الأئمة وآداب الصالحين وطرائف الحكم وألوان العلم مما لاينبغى تركه، فألف هذا المجموع الأنف، وسماه (الروضة)\n_________\n(١) في ضياء الدراية: قد يقال للموثق (القوى) لقوة الظن بجانبه بسبب توثيقه، قال المامقانى: وهو وإن كان صحيحًا لغة ولكنه خلاف الاصطلاح. ونقل عن غيره أن القوى هوالمروى الإمامي غير الممدوح ولا المذموم. وعرفه غير أحد من المتأخرين، بأنه ما خرج عن الأقسام المذكورة ولم يدخل في الضعيف. ثم قال:\nوكيف ما كان عده الأكثر من أقسام الموثق، وبعضهم جعله أصلًا مستقلًا (انظر ص ٢٥) .\n(٢) ويبقى ثمانية وستون بغير ذكر؟\n(٣) دراسات في الكافى: ص ١٢٩ – ١٣٠ وراجع ما كتب آنفًا عن الترجيح وعلى الأخص مخالفة العامة التي لم يشر لها هنا.","vol":"1","page":722},{"text":"لأن الروضة منبت أنواع الثمر، ومعدن ألوان الزهر. والروضة على كل حال مرجع قيم وأصل شريف ... إلخ (١) .\nهذا هو الكافى، الكتاب الأول عند الجعفرية، أما الكتب الثلاثة الأخرى فإنها تقتصر على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية، أى أنها تلتقى مع الفروع من الكافى. ولذلك عندما نبحث عن أثر عقيدة الإمامة في الكتب الأربعة سندرس أولًا الأصول مع الروضة، ثم نجعل الفروع من الكافى مع بقية الكتب الأربعة. وأصحاب هذه الكتب سبق الحديث عنهم في الجزء الثانى عندما عرضنا ما دار بين الجعفرية حول تحريف القرآن الكريم ونقصه، فالغلاة الضالون الذين ذهبوا إلى وقوع التحريف والنقص استندوا إلى روايات من الكافى كتلك التي ذكرها زاعمًا نسبتها إلى الإمام الصادق وهى \" إن القرآن الذى جاء به جبرئيل ﵁ إلى محمد - ﷺ سبعة عشر ألف آية \"، أى أن أكثر من عشرة آلاف آية أسقطت من كتاب الله تعالى: وكذلك ألصقت التحريف بكثير من آى القرآن الكريم، كما استندوا إلى روايات مشابهة جاءت في غير الكافى كما بينا. وعندما بحثنا عن الغلاة الضالين الذين قاموا بحركة التشكيك في كتاب الله تعالى وجدنا القول عندما ضاق انحصر في على بن إبراهيم القمى الذى تحدثنا عنه وعن تفسيره وفى تلميذه الكلينى، وكلما اتسع أضيف إليهما غيرهما، أى الكلينى من أوائل الغلاة الذين قادوا حركة التضليل والتشكيك في كتب الله العزيز. وعندما بحثنا عمن تصدى لهذه الحركة الضالة وجدنا الصدوق والطوسى من الأوائل الذين سبقوا إلى هذا الفضل (٢) والإشارة هنا إلى ما سبق الحديث عنه تغنى عن الخوض في هذا الموضوع خوضا نجتنبه قدر الإمكان إلا ما دعت الضرورة إليه، فالكافى مملوء بهذا الضلال المضل، وعلى الأخص في الأصول والروضة، وهى الأجزاء التي\n_________\n(١) مقدمة الروضة ص ٩.\n(٢) راجع الجز ءالثانى من هذا الكتاب.","vol":"1","page":723},{"text":"نبدأ الآن الحديث عنها، وبيان ما بها من ضلال وزيع تأثرًا بعقيدة الرفض الباطلة، وبما نادى به ابن سبأ اللعين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>أولا: الجزء الأول من أصول الكافى</span>\nعندما ننظر فى الجزء الأول من أصول الكافى نجد أن أكثر من ثلثيه يقع تحت عنوان (كتاب الحجة)، قال الكلينى فى خطبة الكافى \" ووسعنا قليلًا كتاب الحجة، وإن لم نكمله على استحقاقه لأنا كرهنا أن نبخس حظوظه كلها، وأرجو أن يسهل الله - جل وعز - إمضاء ما قدمنا من النية، إن تأخر الأجل صنفنا كتابًا أوسع وأكمل منه، نوفيه حقوقه كلها \" (ص ٩) .\nوالكتاب كما يبدو من عنوانه يتعلق بالحجة أى الإمام، فالكتاب نفسه إذن أثر من آثار عقيدة الإمامة الباطلة! وننظر فى أبواب كتاب الحجة هذا فنرى \" باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث \" (ص ١٦٧) .\nوالرواية الأولى: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عن قول الله ﷿ وكان \" رسولًا نبيًا \" ما الرسول وما النبي؟ قال النبي الذي يرى في منامه، ويسمع الصوت ولا يعاين الملك. والرسول الذي يسمع الصوت، ويرى في المنام ويعاين الملك. قلت \" الإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ... ولا يرى، ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية] وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ [ولا محدث (١) .\nوضم الباب ثلاث روايات أخرى (٢) .\n_________\n(١) الآية الكريمة نصها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٥٢: الحج) وحرفها الكلينى ليصل إلى أن الإمام مرسل يوحى إليه.\n(٢) انظر ص ١٧٧.","vol":"1","page":724},{"text":"وذكر الكلينى بعد هذا ثلاث روايات بأن \" الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف \".\nوفى \" باب أن الأرض لا تخلو من حجة \" (ص ١٧٨ –١٧٩) ذكر الكلينى ثلاث عشرة رواية منها:\nعن أبى عبد الله: أن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام كيما إن زاد المؤمنون شيئًا ردهم وإن نقصوا شيئًا أتمه لهم (١) .\nوعنه: أن الله أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل.\nوعنه أيضًا: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت.\nوعن أبى جعفر: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله.\nوفى \" باب أنه لو لم يبق فى الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة \" ... (١٧٩-١٨٠) ذكر خمس روايات منها: ... \" عن أبى عبد الله: لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام وقال: إن آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله ﷿ – أنه تركه بغير حجة لله عليه \". ... وذكر الكلينى أربع عشرة رواية فى \" باب معرفة الإمام والرد إليه \" (ص ١٨٠-١٨٥) منها:\n\" عن أبى حمزة عن أبى جعفر قال: إنما يعبد الله من يعرف الله فأما من لايعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالًا.\nقلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله ﷿، وتصديق رسوله ﷺ، وموالاة على والائتمام به وأئمة الهدى والبراءة إلى الله ﷿ من عدوهم، هكذا يعرف الله ﷿ \" (٢) .\n_________\n(١) ومعنى هذا أن إمامهم الثانى عشر يقوم بهذا الدور الآن.\n(٢) ص ١٨٠.","vol":"1","page":725},{"text":"وعن أبى عبد الله: \" كان أمير المؤمنين إمامًا ثم كان الحسن إماما ثم كان الحسين إمامًا، ثم كان على بن الحسين إمامًا ثم كان محمد بن على إمامًا، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله ﵎: ومعرفة الرسول ﷺ \" (١) .\nوترى الكلينى بعد هذا يحرف معانى بعض آي القرآن الكريم ليؤيد ما سبق وليصل إلى الافتراء بأن أصحاب الثلاثة ضلوا أى أصحاب الخلفاء الراشدين الثلاثة.\nوفى \" باب فرض طاعة الأئمة \" يذكر سبع عشرة رواية، منها ما نسبه للإمام الصادق: \" نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا من عرفنا كان مؤمنًا، ومن أنكرنا كان كافرًا ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالًا \" (٢) .\nوفى \" باب فى أن الأئمة شهداء الله ﷿ على خلقه \" (ص ١٩٠ - ١٩١) يذكر خمس روايات ويحرف معانى بعض آيات القرآن الكريم، ليجعل أئمة الجعفرية الرافضة هم الشهداء على الناس.\nوفى \" باب أن الأئمة هم الهداة \" (١٩١ - ١٩٢) يذكر أربع روايات، ويحرف معنى الآية السابعة من سورة الرعد \" إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ\" فيؤول كلمة هاد بأنها الإمام على، ثم أئمة الشيعة الجعفرية من بعده.\nوفى \" باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه \" (ص ١٩٢-١٩٣) يذكر ست روايات منها:\nعن أبى جعفر عن الرسول - ﷺ - قال ﵎: \" استكمال حجتى على الأشقياء من أمتك من ترك ولاية على والأوصياء من بعدك، فإن فيهم سنتك\n_________\n(١) ص ١٨١.\n(٢) ص ١٨٧، وانظر الباب: ص ١٨٥: ١٩٠.","vol":"1","page":726},{"text":"وسنة الأنبياء من قبلك، وهم خزانى على علمى من بعدك \". ثم قال الرسول: \" لقد أنبأنى جبريل ﵁ بأسمائهم وأسماء آبائهم \".\nوفيها: \" عن أبى عبد الله إن الله ﷿ خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا وجعلنا خزانه فى سمائه وأرضه، ولنا نطقت الشجرة، وبعبادتنا عبد الله ﷿، ولولانا ما عبد الله \".\nوفى \" باب أن الأئمة خلفاء الله ﷿ فى أرضه وأبوابه التى منها يؤتى \" (ص ١٩٣-١٩٤) يذكر الكلينى ثلاث روايات ويذكر أن الأئمة المراد من قول الله تعالى:] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [(٥٥: النور) .\nوفى \" باب أن الائمة نور الله ﷿ \" (ص ١٩٤-١٩٦) يذكر هذه الروايات: عن أبى خالد الكابلى، عن أبى جعفر:] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [(١) .\nقال: يا أبا خالد، النور والله نور الأئمة من آل محمد ﷺ إلى يوم القيامة، وهم والله نور الله الذى أنزل، وهم نور الله فى السموات والأرض. والله يا أبا خالد لنور الإمام فى قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم والله ينورن قلوب المؤمنين، ويحجب الله ﷿ نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم، والله يا أبا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه، ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلمًا لنا، فإذا كان سلمًا لنا سلمه الله من شديد الحساب، وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر \".\n_________\n(١) التغابن: ٨.","vol":"1","page":727},{"text":"وعن أبى عبد الله فى تفسير النور فى (الآية ١٥٧) من الأعراف \" النور في هذا الموضع على أمير المؤمنين والأئمة \".\nوعن أبى جعفر فى] نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [(الحديد: ٢٨) يعنى إمامًا ... تأتمون به.\nوعن صالح بن سهل الهمدانى قال: قال أبو عبد الله فى قول الله ... تعالى:] اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ [. فاطمة ﵍ ...] فِيهَا مِصْبَاحٌ [الحسن] الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ [الحسين] الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [فاطمة كوكب درى بين نساء أهل الدنيا] يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ ... مُّبَارَكَةٍ﴾ إبراهيم ﵁ ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يهودية ولا نصرانية ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ [يكاد العلم ينفجر بها] وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ [إمام منها بعد إمام] يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء [يهدى الله للأئمة من يشاء] وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [(١) .\nقلت: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ [قال: الأول وصاحبه ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ [الثالث ...] مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ [الثانى ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ [معاوية لعنه الله وفتن بين أمية] إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ [المؤمن فى ظلمه فتنتهم] لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ\n_________\n(١) النور: ٣٥.","vol":"1","page":728},{"text":"اللَّهُ لَهُ نُورًا [إمامًا من ولد فاطمة ﵍] فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [إمام يوم القيامة (١) .\nوقال فى قوله تعالى] يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم [(٢) أئمة المؤمنين يوم القيامة تسعى بين يدي المؤمنين وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازل أهل الجنة. وعن على بن جعفر عن أخيه موسى مثله.\nوعن أبى الحسن] يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [، (٣) قال: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم ... \" والله متم نوره: والله متم الإمامة، والإمامة هي النور وذلك قوله ﷿:] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [(٤) قال: النور هو الإمام.\nوفى \" باب أن الأئمة هم أركان الأرض \" (١٩٦-١٩٨) يروى الكاينى: عن أبى عبد الله: ما جاء به على آخذ به، وما نهى عنه أنتهى عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد - ﷺ، ولمحمد - ﷺ - الفضل على جميع من خلق\n_________\n(١) يقصد الكلينى بالأول والثاني والثالث الخلفاء الراشدين رضى الله تعالى عنهم، وفى الآية التى ذكرها من سورة النور \" ٤٠ \"، ولكنه ذكر أجزاء منها ونصها ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، ومع ظهور زندقة الكلينى وموقفه من خير البشر بعد الرسول - ﷺ -، يطلق عليها الرافضة: حجة الإسلام.\n(٢) الحديد: ١٢.\n(٣) الصف: ٨.\n(٤) التغابن: ٨.","vol":"1","page":729},{"text":"الله ﷿، المتعقب عليه في شىء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله. كان أمير المؤمنين باب الله الذى لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذى من سلك بغيره هلك، وكذلك يجرى لأئمة الهدى واحدًا بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين كثيرًا ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لى جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمدرضي الله عنه، ولقد حملت على مثل حمولته وهى حمولة الرب، وأن رسول الله ﷺ يدعى فيكسى، وأدعى فأكسى، ويستنطق وأستنطق فأنطق على حد منطقه، ولقد أعطيت خصالًا ما سبقنى إليها أحد قبلى: علمت المنايا والبلايا والأنساب، وفصل الخطاب، فلم يفتنى ما سبقنى، ولم يعزب عنى ما غاب عنى، أبشر بإذن الله وأؤدى عنه، كل ذلك من الله مكننى فيه بعلمه (١) .\nوذكر الرواية السابقة أيضًا بطريق آخر، وذكر مضمونها بطريق ثالث، وفيها أن الأئمة \" جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم، والحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى \".\nثم ذكر رواية مماثلة عن أبى جعفر، وفيها أن الإمام عليًا قال: \" وإنى لصاحب الكرات (٢) ودولة الدول، وإنى لصاحب العصا والميسم، والدابة التي تكلم الناس \".\n_________\n(١) مما جاء في الحاشية.\nصاحب العصا: أى عصا موسى التي صارت إليه من شعيب، وإلى شعيب من آدم، يعنى هي عندى أقدر بها على ما قدر عليه موسى.\nالميسم: المكواة، لما كان بحبه وبغضه يتميز المؤمن من المنافق، فكأنه كان يسم على جبين المنافق بكى النفاق. المنايا والبلايا: آجال الناس ومصائبهم فلم يفتنى ما سبقنى: أى علم ما مضى. ما غاب عنى: أى علم ما يأتى.\n(٢) في الحاشية فسرها بقوله: أى الرجعات إلى الدنيا.","vol":"1","page":730},{"text":"وفى \" باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته \" (ص ١٩٨-٢٠٥) يذكر الكلينى فيما يرويه: إن الإمامة خص الله ﷿ بها إبراهيم الخليل ﵁ بعد النبوة ... فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله تعالى النبى ﷺ فقال جل وتعالى] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [(١) فكانت له خاصة فقلدها ﷺ عليًا بأمر الله تعالى على رسم مما فرض الله. فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى] وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ [(٢) فهى في ولد على خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبى بعد محمد، فمن أين يختار هؤلاء الجهال الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ من العيوب، المخصوص بالعلم الموسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين. الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذى يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره.. راموا إقامة الإمام بعقول حائرة ناقصة، وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعدًا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، ولقد راموا صعبًا، وقالوا إفكًا وضلوا ضلالًا بعيدًا، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.\nرغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله ﷺ، وأهل بيته إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ\n_________\n(١) آل عمران: ٦٨.\n(٢) الروم: ٥٦.","vol":"1","page":731},{"text":"وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [(١) وقال ﷿:] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [(٢) وقال:] مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ [إلى] إِن كَانُوا صَادِقِينَ [(٣) .\nوأن العبد إذا اختاره الله ﷿ لأمور عباده شرح صدر لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهامًا، فلم يعى بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد موفق مسدد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار.\nوفى \" باب أن الأئمة ولاة الأمر وهم الناس المحسودون الذين ذكرهم الله ﷿ \" (ص ٢٠٥ - ٢٠٦) يذكر الكلينى خمس روايات منها:\nإن الإمام الباقر سئل عن قول الله تعالى:] أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [(٤) فكان جوابه:] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا [، يقولون لأئمة الضلالة والدعاة إلى النار: هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلا ...] أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ [يعنى الإمامة والخلافة.] فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [نحن الناس الذين عنى الله. ...]\n_________\n(١) القصص: ٦٨.\n(٢) الأحزاب: ٣٦.\n(٣) القلم: ٣٦ - ٤١.\n(٤) النساء: ٥٩.","vol":"1","page":732},{"text":"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ [(١) نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين.\nوفى \" باب أن الأئمة هم العلامات التي ذكرها الله ﷿ في كتابه \" (ص ٢٠٦ –- ٢٠٧) يذكر ثلاث روايات.\nوفى \" باب أن الآيات التي ذكرها الله ﷿ في كتابه هم الأئمة \" (ص ٢٠٧) يذكر ثلاث روايات، يحرف بها معانى بعض آى القرآن الكريم كما فعل في الباب السابق.\nوفى \" باب ما فرض الله - ﷿، ورسوله - ﷺ. من الكون مع الأئمة\" (ص ٢٠٨ - ٢١٠)، يذكر سبع روايات، روايتين أن الأئمة هم مراد الله تعالى من قوله:] اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [(٢) .\nوينسب خمسًا من الروايات للرسول -ﷺ، فيزعم أنه قال: من سره أن يحيا حياتى، ويموت ميتتى، ويدخل الجنة. فليتول على بن أبى طالب وأوصياءه من بعده. وفى بعضها: لقد أتانى جبرائيل بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وأحبائهم والمسلمين لفضلهم.\nوفى رواية أخرى: إلى الله أشكو أمر أمتى، المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتى، وأيم الله ليقتلن ابنى، لا أنا لهم الله شفاعتى.\nونجد تحريف الكلينى لمعانى بعض آيات القرآن المجيد في الأبواب التالية \" باب أن الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة \" (ص ٢١٠-٢١٢) ثلاث روايات.\n\" باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هو الأئمة \" (ص ٢١٢، روايتان) .\n\"\n_________\n(١) النساء: ٥١ - ٥٤.\n(٢) التوبة: ١١٩.","vol":"1","page":733},{"text":"باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة \" (ص ٢١٣، ثلاث روايات) .\n\" باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم \" (ص ٢١٣ - ٢١٤خمس روايات) .\n\" باب في أن من اصطفاه الله من عباده، وأورثهم كتابه هم الأئمة \" (ص ٢١٤ -٢١٥، أربع روايات) .\n\" باب أن القرآن يهدى للإمام \" (ص ٢١٦، روايتان) .\n\" باب أن النعمة التي ذكرها الله ﷿ في كتابه الأئمة \" (ص ٢١٧، أربع روايات) .\n\" باب أن المتوسمين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة والسبيل فيهم مقيم \" (ص ٢١٨-٢١٩، خمس روايات) .\nويذكر الكلينى روايتين في \" باب أن الأئمة في كتاب الله إمامان: إمام يدعو إلى الله، وإمام يدعو إلى النار \" (ص ٢١٥-٢١٦) وأولى الروايتين هي:\nعن أبى حعفر: لما نزلت هذه الآية \"] يَوْمَ نَدْعُو كلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [(١) قال المسلمون: يا رسول الله، ألست إمام الناس كلهم أجمعين؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: أنا رسول الله إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون من بعدى أئمة على الناس من الله من أهل بيتى، يقدمون فى الناس فيكذبون، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو منى ومعى وسيلقانى، ألا ومن ظلمهم وكذبهم فليس منى ولا معى، وأنا منه برىء.\nوفى\" باب عرض الأعمال على النبى ﷺ والأئمة \" (ص ٢١٩- ٢٢٠) يذكر ست روايات منها:\nعن عبد الله بن أبان الزيات، وكان مكينا عند الرضا قال: قلت للرضا: ادع الله لى ولأهل بيتى، فقال: أو لست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض على في كل\n_________\n(١) الإسراء: ٧١.","vol":"1","page":734},{"text":"يوم وليلة قال: فاستعظمت ذلك، فقال لى: أما تقرأ كتاب الله ﷿] وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [(١) قال: هو والله على بن أبى طالب (٢) .\nوفى \" باب أن الطريقة التي حث على الاستقامة عليها ولاية على \" (ص ٢٢٠)، يذكر روايتين.\nوفى \" باب أن الأئمة معدن العلم، وشجرة النبوة ومختلف الملائكة \" (ص ٢٢١) يذكر ثلاث روايات.\nوفى \" باب أن الأئمة ورثة العلم، يرث بعضهم بعضًا العلم \" (ص ٢٢١ - ٢٢٣) يذكر ثمانى روايات.\nوفى \" باب أن الأئمة ورثوا علم النبى وجميع الأنبياء والأوصياء، الذين قبلهم \" (ص ٢٢٣- ٢٢٦) يذكر سبع روايات، منها:\nكتب الرضا: أما بعد، فإن محمدًا - ﷺ - كان أمين الله في خلقه، فلما قبض ﷺ كنا أهل البيت ورثته، فنحن أمناء الله في أرضه عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب، ومولد الإسلام (٣)، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان، وحقيقة النفاق. وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق، يردون موردنا ويدخلون مدخلنا، ليس على ملة الإسلام غيرنا وغيرهم ...] كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ [(من أشرك بولاية على)]\n_________\n(١) التوبة: ١٠٥.\n(٢) في الحاشية لم يرفض هذا الافتراء البين، وإنما علق على الرواية: يعنى عليًا وأولاده الأئمة \" وانما خص عليًا بالذكر لأنه كان خاصة الموجود في زمان المأمورين بالعمل مشافهة.\n(٣) في الحاشية: مولد الإسلام: أى يعلمون كل من يولد هل يموت على الإسلام أو على الكفر، وقيل موضع تولده ومحل ظهوره.","vol":"1","page":735},{"text":"مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [(من ولاية على) إن الله (يا محمد)] وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ [(١) . من يجيبك إلى ولاية على.\nعن أبى الحسن الأول (٢) أن الله يقول:] وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [(٣)، ثم قال:] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [(٤) فنحن الذين اصطفانا الله ﷿، أورثنا هذا الذى فيه تبيان كل شىء (٥) .\nوفى \" باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها \" (ص ٢٢٧ - ٢٢٨) يذكر روايتين تفيدان معنى الباب.\nويذكر الكلينى ست روايات في \" باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وأنهم يعلمون علمه كله \" (ص ٢٢٨-٢٢٩) . والجزء الأول من الباب يتفق مع ما ذكرناه من ذهاب الكلينى إلى وقوع النقص في كتاب الله تعالى، والجزء الأخير يذكرنا بما قلنا عن القرآن الناطق (٦) .\n_________\n(١) الشورى: ١٣، والآية محرفة، فنصها ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ .\n(٢) هو إمامهم السابع موسى بن جعفر.\n(٣) النمل: ٧٥.\n(٤) فاطر: ٣٢.\n(٥) ومعنى هذا أنه ما من غائبة في السماء والأرض إلا يعلمها أئمة الجعفرية، فالكلينى هنا يجعل علمهم فوق مستوى المخلوقات ويسويهم برب العالمين.\n(٦) راجع الجزء الثانى من هذا الكتاب.","vol":"1","page":736},{"text":"وفى \" باب ما أعطى الأئمة من اسم الله الأعظم \" (ص ٢٣٠) يذكر ثلاث روايات تفيد أن الذى أحضر عرش بلقيس كان عنده حرف واحد من اسم الله الأعظم، وهو ثلاثة وسبعون حرفا، على حين أن أئمة الجعفرية عندهم اثنان وسبعون، واستأثر الله سبحانه بحرف واحد.\nوفى \" باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء \" (ص ٢٣١-٢٣٢) يذكر خمس روايات هي: عن أبى جعفر: كانت عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب، ثم صارت إلى موسى بن عمران، وإنها لعندنا، وإن عهدى بها آنفا وهى خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها، وإنها لتنطق إذا استنطقت، أعدت لقائمنا يصنع بها ما كان يصنع موسى، وإنها لتروع وتلقف ما يأفكون، وتصنع ما تؤمر به، إنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون. يفتح لها شعبتان: إحداهما في الأرض والأخرى في السقف وبينهما أربعون ذراعا، تلقف ما يأفكون بلسانها.\nوعن أبى عبد الله: ألواح موسى عندنا، وعصا موسى عندنا، ونحن ورثة النبيين.\nوعن أبى عبد الله: قال أبو جعفر: إن القائم إذا قام بمكة وأراد أن يتوجه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاما ولا شرابا، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلا إلا انبعث عين منه، فمن كان جائعا شبع، ومن كان ظامئا روى، فهو زادهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة.\nوعن أبى جعفر: خرج أمير المؤمنين ذات ليلة بعد عتمة وهو يقول: همهمة همهمة وليلة مظلمة، خرج عليكم الإمام وعليه قميص آدم، وفى يده خاتم سليمان، وعصا موسى.\nوالرواية الأخيرة تبين أن قميص يوسف جاء إبراهيم من الجنة، فحماه من النار، وأن هذا القميص عندهم من الرسول ﷺ.","vol":"1","page":737},{"text":"وفى \" باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله ﷺ ومتاعه \" (ص٢٣٢-٢٣٧) يذكر تسع روايات تفيد أن الأئمة عندهم كل ما ترك الرسول ﷺ. وفى بعض الروايات أن من هذا المتاع ما هو من الجنة، وفى رواية عن أمير المؤمنين أن رسول ﷺ كلمه حماره قائلًا: \" بأبى أنت وأمى: إن أبى حدثنى، عن أبيه عن جده، عن أبيه، أنه كان مع نوح في السفينة، فقام إليه نوح فمسح على كفله، ثم قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم. فالحمد لله الذى جعلنى ذلك الحمار \" (١) .\n_________\n(١) قال العالم الشيعى المعتدل السيد حسين الموسوى:\nوعندما نقرأ في كتبنا المعتبرة نجد فيها عجبًا عجابًا، قد لا يصدق أحدنا إذا قلنا: إنَّ كتبنا معاشر الشيعة - تطعنُ بأهل البيت ﵈، وتطعن بالنبى صلى الله عليه وآله وإليك البيان:\nوذكر هذه الرواية ثم قال: هذه الرواية تفيدنا بما يأتى:\n١- الحمار يتكلم (\n٢- الحمار يخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: فداك أبى وأمى (مع أنّ المسلمين هم الذين يفدون رسول الله صلوات الله عليه بآبائهم وأمهاتهم لا الحمير.\n٣- الحمار يقول: \" حدثنى أبى عن جدى إلى جده الرابع \" (مع أن بين نوح ومحمد ألوف السنين، بينما يقول الحمار إنّ جده الرابع كان مع نوح في السفينة. كنا نقرأ \" أصول الكافى \" مرة مع بعض طلبة الحوزة في النجف على الإمام الخوئى، فرد الإمام الخوئى قائلًا:\n\nانظروا إلى هذه المعجزة، نوح سلام الله عليه يخبر بمحمد - ﵇ - وبنبوتّه قبل ولادته بألوف السنين.\nبقيت كلمات الإمام الخوئى تتردد في مسمعى مدة وأنا أقول في نفسى:\nكيف يمكن أن تكون هذه معجزة وفيها حمارُ يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله: بأبى أنت وأمى؟ (وكيف يمكن لأمير المؤمنين سلام الله عليه أن ينقل مثل هذه الرواية؟ (\nلكنى سكت كما سكت غيرى من السامعين ا. هـ.","vol":"1","page":738},{"text":"وفى \" باب أن مثل سلاح رسول الله مثل التابوت في بنى إسرائيل \" (ص ٢٣٨) ذكر أربع روايات، وهى تفيد أن أى أهل بيت وجد التابوت على بابهم أوتوا النبوة، ومثلهم من صار إليه السلاح، فإنه يؤتى الإمامة.\nوفى \" باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة \" (ص ٢٣٨ - ٢٤٢) ذكر الكلينى ثمانى روايات هي:\n١- عن أبى بصير قال: دخلت على أبى عبد الله ﵁ فقلت له: جعلت فداك إننى أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامى؟ قال: فرفع أبو عبد الله ﵁ سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدا لك. قال: قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله ﷺ علم عليا ﵁ بابًا يفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال يا أبا محمد، علم رسول ﷺ عليا ﵁ ألف باب يفتح من كل باب ألف باب. قال: قلت هذا والله العلم. قال: فنكث ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك.\nقال: ثم قال: يا أبا محمد، وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله ﷺ وإملائه من فلق فيه، وخط على بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شىء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش. وضرب بيده إلى فقال: تأذن لى يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.\nثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: ومال الجفر؟ قال وعاء من أدم، فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بنى إسرائيل، قال: قلت إن هذا هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك. ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍، وما يدريهم ما مصحف فاطمة ﵁؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة ﵍؟","vol":"1","page":739},{"text":"قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وما هو بذاك.\nثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: جعلت فداك هذا والله أعلم. قال: إنه لعلم وليس بذاك.\nقال: قلت: جعلت فداك فأى شئ العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من عبد الأسر، والشىء بعد الشىء إلى يوم القيامة.\n٢- عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، ذلك أننى نظرت في مصحف فاطمة ﵍ قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه ﵊ دخل على فاطمة ﵍ من وفاته من الحزن ما لايعلمه إلا الله ﷿، فأرسل الله إليها ملكا يسلى غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين ﵁ فقال: إذ أحسست بذلك وسمعت الصوت، فقولى لى. فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين ﵁ يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا. قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شىء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون.\n٣-عن الحسن بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: إن عندي الجفر الأبيض: قلت: فأي شىء فيه؟ قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، ومصحف إبراهيم ﵁، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة ما أزعم أن فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلي أحد، حتى فيه الجلدة، ونصف الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش.\nوعندى الجفرالأحمر، قال: قلت: وأي شئ في الجفر الأحمر؟ قال السلاح، وبذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل. فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أصلحك الله أيعرف هذا بنو الحسن؟ فقال: أي والله كما يعرفون الليل أنه ليل، والنهارأنه نهار، ولكنهم يحملهم الحسد على الجحود والإنكار، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرًا لهم.","vol":"1","page":740},{"text":"٤- عن سليمان بن خالد قال: قال أبوعبد الله: إن في الجفرالذين يذكرونه لما يسوؤهم، لأنهم لا يقولون الحق (١) والحق فيه، فليخرجوا قضايا على وفرائضه إن كانوا صادقين، وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجوا مصحف فاطمة ﵍، فإن فيه وصية فاطمة ﵍، ومعه سلاح رسول الله - ﷺ - وإن الله ﷿ يقول: ﴿فأتوا بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢) .\n٥-عن أبى عبد الله: هو (آي الجفر) جلد ثور مملوء علما، قال له فالجامعة؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض الأديم مثل فخذ الفالج فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهى فيها، حتى أرش الخد ش.\nإن فاطمة مكثت بعد رسول الله ﷺ خمسة وسبعين يوما، وكان داخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل ﵇ يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان على يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة.\n٦-عن أبى عبد الله قال: إن عندنا كتابا إملاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوخط على صحيفة فيها كل حلال وحرام.\n٧-عبد الملك بن أعين قال لأبى عبد الله: إن الزيدية والمعتزلة قد أطافوا بمحمد بن عبد الله فهل له سلطان؟ فقال: والله إن عندى لكتابين فيهما تسمية كل نبى وكل ملك يملك الأرض، لا والله مامحمد بن عبد الله في واحد منهما.\n٨-كتاب فاطمة: ليس من ملك يملك الأرض إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا.\n_________\n(١) أى فى المسائل إذا سئلوا عنها، وقوله: والحق فيه يعنى في الجفر وهو خلاف ما يقولون. وقوله فليخرجوا إلخ يعنى ليس عندهم ولا يدرون ما فيه من ذلك (الحاشية) .\n(٢) ٤: الأحقاف، والآية هكذا: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ﴾ .","vol":"1","page":741},{"text":"وفي\" باب في أن الأئمة يزدادون في ليلة يوم الجمعة \" (ص ٢٥٣-٢٥٤) يذكر ثلاث روايات عن أبى عبد الله منها:\nإذا كان ليلة الجمعة وافي رسول الله ﷺ - العرش ووافي الأئمة معه ووافينا معهم، فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لأفقدنا.\nوفي \" باب لولا أن الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم \" (ص٢٥٤ -٢٥٥) يذكرأربع روايات. ويذكر أربع روايات كذلك تحت \" باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التى خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل \" (ص ٢٥٥-٢٥٦)\nوفى \"باب نادر فيه ذكر الغيب \" (٢٥٦ –٢٥٧) يذكر أربع روايات، منها رواية تعجب لوجودها في هذا الكافى، وهى:\nعن أبى عبد الله: \" يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله ﷿. لقد هممت بضرب جاريتى فلانة فهربت منى، فما علمت في أى بيوت الدار هي \".\nكلمة حق جرى بها قلم لا يعرف الحق، لذا كان عجيبا، ولكن سرعان ما زال هذا العجب، فالراوية التالية عن نفس الإمام أنه سئل \" الإمام يعلم الغيب؟ فقال: لا ولكن إذا أراد أن يعلم الشئ أعلمه الله ذلك \"\nفالكلينى إذن لم يذكر الراوية الأولى للأخذ بها، ولكن ليهدم هذا المعنى المستقر في أخلاد المؤمنين ببيان أن الأئمة لا يعلمون الغيب إلا بإرادتهم عن طريق الله سبحانه، فما أهون أن يعلم مكان الجارية إذا أراد! والأبواب التالية توضح ما أراده الكلينى:\n\" باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا \" (ص ١٥٨) فيه ثلاث روايات.\n\" باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم \" ... (ص ٢٥٨ –٢٦٠) فيه ثمانى روايات.\n\"","vol":"1","page":742},{"text":"باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشىء \" (ص ٢٦٠-٢٦٢) فيه ست روايات.\n\" باب جهات علوم الأئمة \" (ص٢٦٤) فيه ثلاث روايات تفيد أن هذه الجهات هي الوارثة والإلهام.\n\" باب أن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه \" (ص ٢٦٤-٢٦٥) فيه روايتان.\nوفى \" باب أن الله ﷿ لم يعلم نبيه علما إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين وأنه كان شريكه في العلم \" (ص٣٦٢) يذكر ثلاث روايات.\nوفى \" باب التفويض إلى رسول الله ﷺ، وإلى الأئمة في أمر الدين (ص ٢٦٥-٢٦٨) يذكر عشر روايات.\nوفى \" باب في أن الأئمة بمن يشبهون ممن مضى، وكراهية القول فيهم بالنبوة \" (١) (ص ٢٦٨-٢٧٠)، يذكر سبع روايات.\nوفى \" باب أن الأئمة محدثون مفهمون \" (ص ٢٧٠-٢٧١) يذكر خمس روايات.\nوفى \" باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة \" (ص ٢٧١- ٢٧٢) يذكر ثلاث روايات تفيد أن هذه الأرواح خمس: روح الإيمان وروح القوة، وروح الشهوة، وروح الحياة، والخامسة روح القدس وهى خاصة بالأنبياء \" فإذا قبض النبى ﷺ - انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو وروح القدس كان يرى به \" (٢) .\n_________\n(١) معنى هذا جواز القول بنبوة أئمة الجعفرية. فالقول لا يتعدى حكم الكراهة!\n(٢) في الحاشية فسر الجزء الأخير بقوله \" يعنى ما غاب عنه في أقطار الأرض وما في عنان السماء وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى \".","vol":"1","page":743},{"text":"وفى \" باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة \" (ص ٢٧٣-٢٧٤) يذكر ست روايات، منها أن الإمام الصادق قال عن قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [(١)\nقال: \" خلق من خلق الله - ﷿ - أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله ﷺ يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده \"\nومنها أن الإمام الصادق قال: ما سبق أيضًا عن قوله تعالى] وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [(٢) وأنه كذلك قال: منذ أنزل الله ﷿ ذلك الروح على محمد ﷺ ما صعد إلى السماء وأنه لفينا.\nوفي \" باب وقت ما يعلم الإمام جميع علم الإمام الذي كان قبله \" (ص٢٧٤-٢٧٥) يذكر ثلاث روايات.\nوفي \" باب أن الأئمة في العلم والشجاعة والطاعة سواء\" (ص٢٧٥) يذكر ثلاث روايات ويحرف معنى آية كريمة.\nوفي \" باب أن الإمام يعرف الإمام الذي يكون من بعده، وأن قول الله تعالى] إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [(٣) فيهم عليهم الصلاة والسلام نزلت \" (ص ٢٧٦ - ٢٧٧) يذكر سبع روايات، ويحرف معنى آيات أخريات:\nوفى \" باب أن الإمامة عهد من الله عزوجل معهود من واحد إلى واحد \" (ص ٢٧٧ - ٢٧٩)، يذكر أربع روايات منها:\n_________\n(١) الشورى: ٥٢.\n(٢) الإسراء: ٨٥.\n(٣) ٥٨: النساء.","vol":"1","page":744},{"text":"عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله فذكر الأوصياء وذكرت إسماعيل فقال: لاوالله يا أبا محمد، ما ذاك إلينا، وما هو إلا إلي الله ﷿، ينزل واحد بعد واحد (١) .\nوفي \" باب أن الأئمة لم يفعلوا شيئا ولا يفعلون إلا بعهد من الله ﷿، وأمر منه لا يتجاوزونه \" (ص٢٧٩-٢٨٤) يذكر أربع روايات مطولة، والكلينى هنا يخرج لنا بطريقة جديدة في الافتراء على الله ﷿، فالروايات تفيد أن جبرئيل – ﵁ - نزل على محمدﷺ - بكتاب كل إمام يفك خاتما، وينفذ ما بالجزء الذى يخصه من الكتاب.\nومن هذه الروايات:\nعن أبي عبد الله: أن الوصية نزلت من السماء على محمد كتابا (٢) لم ينزل على محمد كتاب مختوم إلا الوصية، فقال جبرئيل: يا محمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك فقال رسول الله ﷺ: أى أهل بيتى يا جبرئيل؟ قال: نجيب الله منهم وذريته، ليرثك علم النبوة كما ورثه إبراهيم ﵁، وميراثه لعلى وذريتك من صلبه. قال: وكان عليها خواتيم، قال ففتح على الخاتم الأول ومضى لما فيها، ثم فتح الحسن الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها، فلما توفي الحسن فتح الحسين الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فاقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة، لا شهادة لهم إلا معك، قال: ففعل ... إلخ.\nومنها ... وأن الحسين قرأ صحيفته التى أعطيها، وفسر له ما يأتى بنعى وبقى فيها أشياء لم تقض، فخرج للقتال..وكانت تلك الأمور التى بقيت أن الملائكة سألت الله تعالى في نصرته فأذن لها، ومكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك حتى\n_________\n(١) أراد الكلينى من هذه الرواية إبطال ما ذهبت إلية الطائفة الأخرى من الأمامية وهى طائفة الإسماعيلية.\n(٢) أي مكتوبا بخط إلهي مشاهد من عالم الأمر كما أن جبرئيل - ﵇ - كان ينزل عليه في صورة آدمي مشاهد من هناك (هذا تفسير الحاشية) .","vol":"1","page":745},{"text":"قتل، فنزلت وقد انقضت مدته وقتل، فقالت الملائكة: يارب أذنت لنا في الانحدار وأذنت لنا في نصرته، فانحدرنا وقد قبضته، فأوحى الله إليهم: أن الزموا قبره حتى تروه قد خرج فانصروه، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته، فإنكم قد خصصتم بنصرته وبالبكاء عليه، فبكت الملائكة تعزيا وحزنا على ما فاتهم من نصرته، فإذا خرج يكونون أنصاره.\nوفي \" باب الأمور التى توجب حجة الإمام (ص٢٨٤-٢٨٥) يذكر ست روايات تفيد أن الأمور هي: الفضل، والوصية والسلاح وأن يكون الإمام أكبر ولد أبيه ما لم يكن فيه عاهة كإسماعيل بن جعفر. ومن هذه الروايات: الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس، ولا طير ولا بهيمة، ولا شئ فيه الروح، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام. وفي \" باب ثبات الأمانة في الأعقاب، وأنها لاتعود في أخ ولا عم ولا غيرهما من القرابات (ص٢٨٥-٢٨٦) يذكر خمس روايات، ويستثنى الحسين من عدم العودة في الأخ.\nوفي \" باب ما نص الله ﷿ ورسوله ﷺ على الأئمة واحدا فواحدا \" (ص ٢٨٦-٢٩٢) يذكر سبع روايات وفي إحداها إبطال إمامة محمد بن الحنفية.\nوفي \" باب الإشارة والنص على أمير المؤمنين \" (ص٢٩٢-٢٩٧) يذكر تسع روايات، وفيها تحريف لبعض آى القرآن الكريم نصا ومعنى، وفيها تخطئة وإنكار لنص آيه كريمة، وتعريض بالشيخين: الصديق والفاروق رضى الله تعالى عنهما، وبأنهما ارتدا.. إلخ.\nويعقد الكليني بعد هذا أحد عشر بابا كل باب للإشارة والنص على أحد الأئمة بحسب الترتيب الزمني إلى أن يصل إلي الإمام الثاني عشر في باب الإشارة والنص إلي صاحب الدار في (ص٣٢٩) ويضمن هذه الأبواب ثلاثة وتسعين رواية؟ !\nوبعد الباب الأخير يأتي \" باب في تسمية من رآه \" (ص٣٢٩-٣٣٢) يذكر خمس عشرة رواية لتسمية من رأى إمامهم الأخير.","vol":"1","page":746},{"text":"وباب في النهى عن الاسم (ص٣٣٢-٣٣٣) يذكر أربع روايات وفيها: لا يرى جسمه ولا يسمى اسمه.\n\" وباب نادر في حال الغيبة \" (ص٣٣٣-٣٣٥) فيه ثلاث روايات.\n\" وباب في الغيبة \" (ص٣٣٥-٣٤٣) يذكر الكليني فيه إحدى وثلاثين رواية يستفاد منها أن إمامهم الثاني عشر يشهد المواسم ويرى الناس ولا يرونه. وأن له غيبتين ... إلخ. وفي بعض الروايات تحريف لمعاني آيات من القرآن الكريم، وفي بعض التحريف تحديد لزمن الغيبة، ففي قوله تعالى \" فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس\" (١) يروى روايتين أن المراد هو \" إمام يخنس سنة ستين ... ومائتين \" (٢) .\nوفي\" باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة \" (ص٣٤٣ – ٣٦٧) يذكر تسع عشرة رواية منها:\nرواية بطريقين عن أبي جعفر: أن محمد بن على المسمى بابن الحنفية طلب من على بن الحسين بعد استشهاد أبيه الحسين ألا ينازعه في الإمامة لأنه أحق بها. ولكن عليا خوف عمه من عقاب الله تعالى، وطلب الاحتكام للحجر الأسود، فسأل ابن الحنفية الحجر فلم يجبه، فقال على بن الحسين لو كنت إماما لأجابك، ثم سأل على الحجر فتحرك حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله ﷿ بلسان عربي مبين، وشهد بأن الوصية لعلى (٣) .\nوفي رواية عن موسى بن جعفر أنه أثبت إمامته لمن طلب الإثبات بأن أمر شجرة لتأتيه، فجاءت تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت (٤) .\n_________\n(١) ١٥-١٦: التكوير.\n(٢) ص ٣٤١.\n(٣) أنظر ص ٣٤٨.\n(٤) أنظر ص ٣٥٣.","vol":"1","page":747},{"text":"وعن محمد بن على الرضا: أن عصا في يده نطقت وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة (١) .\nوفي \" باب كراهية التوقيت \" (ص ٣٦٨-٣٦٩) يذكر سبع روايات، الأولى هي: -\nعن أبي جعفر: إن الله ﵎ قد كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتًا عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.\nوفي رواية: إذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، وإذا حد ثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله تؤجروا مرتين (٢) .\nوفي \" باب التمحيص والامتحان \" (ص٣٦٩-٣٧١) يذكر ست روايات.\nوفي \" باب من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر\" ... (ص٣٧١-٣٧٢) يذكر سبع روايات وفي\" باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل \" (ص٣٧٢-٣٧٤) يذكر اثنتي عشرة رواية، وهذه الروايات يستفاد منها أن غير أئمة الجعفرية الرافضة كفار وإن كانوا فاطميين علويين، ومن تبعهم كان مشركا بالله. وفي الروايات تحريف لمعانى آيات ذكرت، وتكفير لفلان وفلان، أي الصديق والفاروق – ومن والاهما، وقاعدة عامة لظاهر القرآن وباطنه \" وأن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق \".\n_________\n(١) أنظر ص ٣٥٣.\n(٢) في الحاشية: (مرة للتصديق وأخرى للقول بالبداء) .","vol":"1","page":748},{"text":"وفي \" باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى \" (ص٣٧٦-٣٧٧) يذكر أربع روايات تفيد أنه يموت ميتة جاهلية.\nوفي \" باب فيمن عرف الحق من أهل البيت ومن أنكر \" (ص٣٧٧-٣٧٨) يذكر أربع روايات منها:\nعن الرضا: الجاحد منا له ذنبان، والمحسن له حسنتان.\nوفي \" باب ما يجب على الناس عند مضى الإمام (ص ٣٧٨-٣٨٠) يذكر ثلاث روايات.\nوفي \" باب أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه \" (ص٣٨٠-٣٨٢) يذكر ست روايات.\nوفي \" باب حالات الأئمة في السن \" (ص٣٨٢-٣٨٤) يذكر ثماني روايات.\nوفي \" باب أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمة \" (١) (ص٣٨٤-٣٨٥) يذكر ثلاث روايات.\nوفي \" باب مواليد الأئمة (ص٣٨٥-٣٨٩) يذكر ثماني روايات منها: عن أبي عبد الله: إن الله ﵎ إذا أحب أن يخلق الإمام أمر ملكا فأخذ شربة من ماء تحت العرش فيسقيها أباه، فمن ذلك يخلق الإمام، فيمكث أربعين يوما وليله في بطن أمه لا يسمع الصوت. ثم يسمع بعد ذلك الكلام، فإذا ولد بعث ذلك الملك فيكتب بين عينيه: \" وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم \" (١١٥: الأنعام) فإذا مضى الإمام الذي كان قبله رفع لهذا منار من نور ينظر به إلى أعمال الخلائق فبهذا يحتج الله على خلقه (٢)\nوفي الباب أكثر من راوية تفيد هذا المعنى باختلاف في مكان الكتابة.\n_________\n(١) ولذلك فهم يرون أن الإمام الثاني عشر عندما يموت يكون الحسين قد رجع إلي الحياة فيقوم بغسله  ... !\n(٢) ص ٣٨٧.","vol":"1","page":749},{"text":"وفي \" باب خلق أبدان الأئمة وأرواحهم وقلوبهم \" (ص٣٨٩-٣٩٠) يذكر أربع روايات منها:\nعن أبي جعفر: إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا، وخلق أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوى إلينا لأنها خلقت مما خلقنا، ثم تلا هذه الآية:] كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [(١) وخلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه، وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوى إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية] كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ [(٢) .\nوفي \" باب التسليم وفضل المسلمين \" أى للأئمة (ص٣٩٠-٣٩٢)، يذكر ثماني روايات.\nوفي \" باب أن الواجب على الناس بعد ما يقضون مناسكهم، أن يأتوا الإمام ... فيسألون عن معالم دينهم، ويعلمونه ولا يتهم ومودتهم له \" (ص٣٩٢-٣٩٣) يذكر ثلاث روايات منها:\nنظر أبو جعفر إلى الناس يطوفون حول الكعبة فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية، إنما أمروا أن يطوفوا بها ثم ينفروا إلينا يعلمونا ولا يتهم ومودتهم، ويعرضوا علينا نصرتهم.\nومنها أنه نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حلق في المسجد فقال: هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم، فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن\n_________\n(١) ١٨ -٢١ المطففين.\n(٢) ٧- ٩ المطففين.","vol":"1","page":750},{"text":"الله ﵎، وعن رسوله ﷺ حتى يأتونا فنخبرهم عن الله ﵎، ... وعن رسوله ﷺ.\nوفي \" باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم، وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار \" (ص٣٩٣-٣٩٤)، يذكر أربع روايات.\nوفي \" باب أن الجن يأتيهم: فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم \" (ص٣٩٤-٣٩٧) يذكر سبع روايات تفيد معنى الباب، وأن بعض الناس رأوا الجن يخرجون من عند الأئمة، وفي رواية: إن ثعبانا جاء وأمير المؤمنين يخطب، فأمر بعدم قتله، وصعد الثعبان إليه فقال أمير المؤمنين من أنت؟ فقال الثعبان: عمرو بن عثمان خليفتك على الجن، وإن أبي مات، وأوصاني أن آتيك فأستطلع رأيك..إلخ.\nوفي \" باب في الأئمة أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود (١) ولا يسألون البينة \" ص (٣٩٧-٣٩٨) يذكر خمس روايات.\nوفي \" باب أن مستقى العلم من بيت آل محمد ﷺ \" (ص٣٩٨-٣٩٩) يذكر روايتين.\nوفي \" باب أنه ليس شىء من الحق في يد الناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شىء لم يخرج من عندهم فهو باطل \" (ص٣٩٩-٤٠٠) .\nيذكر ست روايات.\nوفي \" باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستعصب \" (ص٤٠١-٤٠٢) يذكر خمس روايات.\nوفي \" باب ما أمر النبي ﷺ بالنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم ومن هم؟ \" (ص٤٠٣-٤٠٥) يذكر خمس روايات تؤيد فرقته الرافضة.\n_________\n(١) وليس بشريعة محمد - ﷺ -!! الحنين إلى عبد الله بن سبأ، اليهودى أول من قال بفكرة الوصى بعد النبى!!","vol":"1","page":751},{"text":"وفي \" باب ما يجب من حق الإمام على الرعيه وحق الرعيه على الإمام \" (ص٤٠٥-٤٠٧) يذكر سبع روايات.\nوفي \" باب أن الأرض كلها للإمام \" (٤٠٧-٤١٠) يذكر ثماني روايات تفيد معنى الباب، وأن الله تعالى أورث أئمة الجعفرية الأرض كلها، فأداء الخراج يجب أن يكون لهم.\nومما جاء في \" باب نادر\" (ص٤١١-٤١٢): عن جابر عن أبي جعفر قال: قلت له: لم سمى أمير المؤمنين؟ قال: الله سماه وهكذا أنزل في كتابه:\n] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [وأن محمدًا رسولى وأن عليًا أمير المؤمنين؟ (١) .\nوفي \" باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية \" (ص٤١٢-٤٣٦)، يذكر الكلينى اثنتين وتسعين رواية: ويبدو من العنوان أن الكلينى أراد هنا أن يخضع كتاب الله لهواه، فيحرف معناه ليؤيد عقيدته في الإمامة، أراد إذا أن يجعل آيات الله تعالى تتحدث عن أئمة الجعفرية. ولكن الكلينى لم يكتف بهذا فسلك مسلك شيخه على بن إبراهيم القمي صاحب التفسير الضال المضل الذي تحدثنا عنه، ولذا ترى الكلينى هنا يحرف نصوص آيات قرآنية، ويطعن في الصحابة الكرام بصفة عامه، فيصمهم بالكفروالردة والنفاق، ويطعن في الخلفاء الراشدين الثلاثة بصفة خاصة باعتبار أنهم – كما يفتري - اغتصبوا الولاية من أمير المؤمنين، ويطعن في الشيخين بصفة أخص.\nوالروايات التى تحمل تحريف نصوص الآيات الكريمة هي الروايات أرقام ٨، ٢٣، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣١، ٣٢، ٤٣، ٤٧، ٤٨، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦٢، ٦٣، ٦٤، ٩١.\n_________\n(١) الآية الكريمة في سورة الأعراف (١٧٢) والجزء الأخير \" وأن محمدا رسولي وأن عليا أمير المؤمنين \" زيادة من الكلينى ليثبت ضلاله \" الله سماه وهكذا أنزل في كتابه \".","vol":"1","page":752},{"text":"والطعن في الصحابة الكرام البررة في أكثر الروايات، أما الروايات التي تطعن في الخلفاء الراشدين الثلاثة فهي أرقام:١٧، ٤٢، ٧٣، ٨٣.\nوالروايات التى تطعن في أبي بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما –هي:٣، ١٤، ٤٣، ٧٩.\nونكتفى هنا بذكر رواية واحدة من روايات الباب، وهي الرواية رقم ٩١ (ص٤٤٢-٤٣٥) وهي:\nعن محمد بن الفضيل عن إمامهم الحادى عشر:\nقال: سألته عن قول الله ﷿] يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [قال: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم. قلت] وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [قال: والله متم الإمامه لقوله ﷿] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [فالنور هو الإمام: قلت] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [قال: هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه والولاية هي دين الحق، قلت:] لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [قال: يظهر على جميع الأديان عند قيام القائم، قال ... الله:] وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [ولاية القائم] وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [بولاية على، قلت: هذا تنزيل؟ قال: نعم أما هذا الحرف فتنزيل وأما غيره فتأويل.\nقلت:] ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [قال: إن الله ﵎ سمى من لم يتبع رسوله في ولاية وصيه منافقين، وجعل من جحد وصية إمامته كمن جحد محمدا، وأنزل بذلك قرآنا: يا محمد] إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ [(بولاية وصيك) قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين (بولاية على) لكافرون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله (والسبيل هو الوصي)","vol":"1","page":753},{"text":"إنهم ساء ما كانوا يعملون. ذلك بأنهم آمنوا (برسالتك) وكفروا (بولاية وصيك) فطبع (الله) على قلوبهم فهم لا يفقهون \" وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله \" قال: وإذا قيل لهم ارجعوا إلى ولاية على يستغفر لكم النبي من ذنوبكم \" لووا رءوسهم \" قال الله \" ورأيتهم يصدون: (عن ولاية على) وهم مستكبرون \" عليه. ثم عطف القول من الله بمعرفته بهم فقال.\n] سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [يقول الظالمين لوصيك.\nقلت:] أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [قال: إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية على كمن يمشي على وجهه لا يهتدى لأمره وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم، والصراط المستقيم أمير المؤمنين.\nقال: قلت:] إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [قال يعنى جبرئيل عن الله في ولاية على قال: قلت:] وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [قال: قالوا: إن محمدا كذاب على ربه وما أمره الله بهذا في على فأنزل الله بذلك قرآنا فقال (إن ولاية على) تنزيل من رب العالمين. ولو تقول علينا (محمد) بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين \" ثم عطف القول فقال: إن (ولاية على) لتذكرة للمتقين (العالمين) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين. وإن (عليا) لحسرة على الكافرين. وإن (ولايته) لحق اليقين. فسبح (يا محمد) باسم ربك العظيم \" يقول اشكر ربك العظيم الذي أعطاك هذا الفضل.","vol":"1","page":754},{"text":"قلت: قوله:] لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ [قال الهدى الولاية، آمنا بمولانا فمن أمن بولاية مولاه] فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [قلت: تنزيل قال: لا تأويل قلت: قوله] لَا أَمْلِكُ لكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [قال إن رسول الله دعا الناس إلى ولاية على فاجتمعت إليه قريش فقالوا: يا محمد اعفنا من هذا، فقال لهم رسول الله ﷺ:\nهذا إلى الله ليس إلى، فاتهموه، وخرجوا من عنده فأنزل الله] قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ (إن عصيته) أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ [(في على) قلت: هذا تنزيل قال: نعم ثم قال توكيدا:] وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (في ولاية على) فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [قلت \" حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا \" يعنى بذلك القائم وأنصاره، قلت \" واصبر على ما يقولون\" قال: يقولون فيك\n] وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [] وَذَرْنِي (يا محمد) وَالْمُكذِّبِينَ (بوصيك) أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [قلت: إن هذا تنزيل؟ قال: نعم.. إلخ (١) .\nوفي \" باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية \" (٤٣٦ - ٤٣٨)، يذكر تسع روايات يستفاد منها أن ولاية أئمة الجعفرية الإمامية الرافضة ولاية الله تعالى جاء بها كل الأنبياء، وكتبت فى جميع صحفهم، ويؤمن بها ما لا يحصى\n_________\n(١) لترى التحريف راجع سورة: التغابن (٨)، والمنافقين (١، ٣، ٥، ٦) والحاقة (٤٣، ٤٦، ٤٨، ٥٢) والجن (٢١، ٢٤)، والمزمل (١٠، ١١) .","vol":"1","page":755},{"text":"من الملائكة، منكرها كافر، وجاهلها ضال، ومن اتخذ معهم أئمة آخرين كان مشركًا، ومن جاء بهذه الولاية دخل الجنة.\nوفى \" باب فى معلافتهم أولياءهم والتفويض إليهم \" (ص ٤٣٨ - ٤٣٩)، يذكر ثلاث روايات هى:\n١-عن أبي عبد الله: إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين وقال له: إني أحبك وأتولاك، فكذبه. فكرر ثلاثا فقال له: كذبت ما أنت كما قلت، إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم عرض علينا المحب لنا، فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض، فأين كنت؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه\".\nوفي رواية أخرى قال ابو عبد الله: كان في النار.\n٢- عن أبي حعفر: إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق. ٣-عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله قال سألته عن الإمام فوض الله إليه كما فوض إلى سليمان بن داود؟ فقال نعم. وذلك أن رجلا سأله عن مسألة فأجابه فيها، وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأول، ثم سأله آخر فأجابه بغير جواب الأولين ثم قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ (أعط) بِغَيْرِ ... حِسَابٍ﴾ (١) وهكذا هي فى قراءة على.. إلخ.\nوفي أبواب التاريخ \" يذكر الكلينى روايات نرى في الحاشية رفضا لبعضها وطعنا في سندها، ولكن أثر الإمامه يبدو كذلك فيما لم يطعن، فيه، مثال هذا ما رواه أن أبا جعفر المنصور أمر بإحراق دار الإمام جعفر الصادق، فخرج يتخطى النار، ويمشى فيها، ويقول: أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله (٢) .\nوفي \" باب ما جاء في الاثنى عشر والنص عليهم (ص٢٥٢-٥٣٥) يذكر الكلينى عشرين رواية، نذكر هنا نص إحدى الروايات:\n_________\n(١) ٣٩ سورة ص، ولكنه حرفها فجعل (أعط) بدلا من (أمسك) .\n(٢) أنظر ص ٤٧٣.","vol":"1","page":756},{"text":"عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: أى الأوقات أحببته، فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر أخبرنى عن اللوح الذى رأيته في يد أمي فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ، وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح المكتوب؟ فقال جابر: أشهد بالله أنى دخلت على أمك فاطمة ﵍ في حياة رسول الله - ﷺ فهنيتها بولادة الحسن ورأيت في يديها لوحا أخضر، ظننت أنه من زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض، شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول الله ﷺ ما هذا اللوح؟\nفقالت هذا لوح أهداه الله إلى رسوله - ﷺ - فيه اسم أبي واسم بعلى واسم ابنى واسم الأوصياء من ولدى، وأعطانيه أبي ليبشرنى بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة ﵍ فقرأته واستنسخته. فقال له أبي: فهل لك ياجابر أن تعرضه على؟ فقال: نعم فمشى معه أبي إلى منزله فأخرج صحيفة من رق فقال: يا جابر انظر في كتابك لأقرأ أنا عليك. فنظر جابر في نسخته فقرأه فما خالف حرف حرفا فقال جابر: فأشهد بالله أنى هكذا رأيته في اللوح مكتوبا.\nونص الكتاب هو:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد أسمائى، واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا، قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا فمن رجا غير فضلي، أو خاف غير عدلي، عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. فإياى فاعبد وعلىّ فتوكل، إنى لم أبعث نبيًا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا. وإنى فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسنا معدن علمى بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسينا خازن","vol":"1","page":757},{"text":"وحيي، وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة. جعلت كلمتى التامة معه وحجتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أولهم على سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين، وابنه شبه جده المحمود: محمد الباقر علمى والمعدن لحكمتى، سيهلك المرتابون في جعفر الراد عليه كالراد على، حق القول منى لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعد موسى فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضى لاينقطع، وحجتي لا تخفي، وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفي، من جحد واحدًا منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترى على، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدى وحبيبي، وخيرتي في على، وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة، وأمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي - حق القول منى لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي وموضع سري، وحجتي علي خلقي.\nلا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه على وليي وناصري والشاهد في خلقي وأمينى على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن وأكمل ذلك بابنه \" م ح م د \" رحمة للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب فيذل أوليائي في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين، وجلين تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنة في نسائهم، أولئك أوليائي حقا، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.","vol":"1","page":758},{"text":"قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله (١) .\n_________\n(١) ذكرنا من قبل في هذا الفصل أن الكلينى خرج بطريقة جديدة في الافتراء على الله ﷿. عندما ذكر روايات تفيد أن جبريل نزل على محمد - ﵉ - بكتاب مختوم، كل إمام يفك خاتما، وينفذ ما بالجزء الذي يخصه من الكتاب، وهنا يعود الكلينى مرة أخرى إلى هذا النوع من الافتراء وأرى إبداء الملاحظات الآتية:\n١ـ هذا الافتراء لايقل ضلالا عن القول بتحريف القرآن الكريم، فالقرآن الكريم نزل مشافهة، والكلينى - وقد أعظم الفرية - يزعم أن تعيين أئمة الجعفرية الاثنى عشرية نزل مكتوبا بخط إلهي، فتضييع الأمر الإلهي المكتوب بخط الله تعالي لا يقل عن تضييع الأمر الإلهي غير المكتوب، والأمة التي تضيع أمرا مكتوبا غير أمينه على نقل أمر غير مكتوب، ومن هنا يتضح هدف الكلينى وهو تقويض البناء الإسلامى من أساسه ولكن هيهات.\n\n٢ - وقف بعض الجعفرية من القول بتحريف القرآن الكريم موقفا محمودا كما رأينا، ولكنهم لم يقفوا نفس الموقف من افتراء الكلينى الذي لا يقل خطورة عن القول بالتحريف والنقصان من القرآن المجيد. ولعل بعضهم وقف نفس الموقف ولم أطلع عليه، وذكرت رواية الكلينى المفتراة لصديقنا العالم الجعفرى السيد طالب الرفاعى فقال \" إننا ندين الله تعالى بهذا \"، ومعنى هذا أن الجعفرية متفقون على قبول رواية الكلينى الضالة المضلة.\n٣- بعد أن بين الخوئى المرجع الأعلى بالعراق أن احتمال وقوع التحريف من الشيخين مقطوع بعدمه قال: وأما احتمال وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد من الدعوى الأولى، لأن الإسلام قد انتشر فى زمان عثمان على نحو ليس فى إمكان عثمان أن ينقص من القرآن شيئا، ولا فى إمكان من هو أكبر شأنًا من عثمان، ولأن تحريفه إن كان للآيات التى لا ترجع إلى الولاية ولا تمس زعامة سلفه بشىء، فهو بغير سبب موجب، وإن كان للآيات التى ترجع إلى شىء من ذلك فهو مقطوع بعدمه، لأن القرآن لو اشتمل على شىء من ذلك وانتشر بين الناس لما وصلت الخلافة إلى عثمان ... ... (البيان ص ٢٣٧) .\nونقول لإخواننا الجعفرية: ألا ينطبق كلام السيد أبى القاسم الخوئى على رواية الكلينى ... المفتراة؟ فلو صحت لما خرجت الإمامة عن أئمة الجعفرية، ولما استطاع أحد أن يمنع الأمة الإسلامية من تنفيذ أمر مكتوب بخط إلهى، وكان يكفى الإمام عليا إظهار الكتاب والمطالبة بتنفيذه. *\n* ٤ - قال تعالى فى سورة النساء (الأية ١٥٣) ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ وقال ﷿ فى الأية السابعة من سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ وقال سبحانه فى سورة الإسراء (٩٠-٩٣) ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ .\nفالذين طلبوا من الرسول - ﷺ - إنزال صحيفة مكتوبة من السماءهم أهل الكتاب والكفار، ولم يجابوا لهذا المطلب، ويوضح شيخ طائفتهم الطوسى سبب عدم إنزال الكتاب بقوله فى تفسير آية الأنعام:\n\" أخبر الله تعالى فى هذه الآية أنه لو نزل على نبيه كتابًا - يعنى صحيفة مكتوبة - فى قرطاس حتى يلمسوه بأيدهم ويدركوه بحواسهم، لأنهم سألوا النبى - ﷺ - أن يأتيهم بكتاب يقرءونه من الله إلى فلان بن فلان أن آمن بمحمد وأنه لو أجابهم إلى ذلك لما آمنوا، ونسبوه إلى السحر لعظم عنادهم وقساوة قلوبهم، وعزمهم على أن لايؤمنوا على كل حال، وعرفه أن التمساهم هذه الآيات ضرب من العنت، ومتى فعلوا ذلك اصطلمهم واستأصلهم، وليس تقتضى المصلحة ذلك لما علم فى بقائهم من مصلحة المؤمنين، وعلمه بمن يخرج من أصلابهم من المؤمنين، وأن فيهم من يؤمن فيما بعد \". (التبيان ٤ /٨٢) . فلو نزل مثل هذا الكتاب لما كان التعبيربقوله تعالى ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا﴾ ولكان هذا كافيًا لأهل الكتاب والكفار فضلا عن المسلمين وداعيًا لاصطلام المكذبين واستئصالهم، ولكن شيئا من هذا لم يحدث، إنما أراد الكلينى بفريته أن يصور خير أمة أخرجت للناس بأنها أكثر كفرًا وتكذيبًا من أهل الكتاب والكفار حتى أن أمرًا إلهيًا مكتوبًا نزل وكذبته.\n٥- فات الكلينى أن الإمامة بعد الصادق كانت لابنه إسماعيل فلما مات فى حياة أبيه انتقلت إلى موسى، وظل الإسماعيلية على الرأى الأول، وقال الجعفرية بالبداء هنا، فهو لم يحكم الفرية حيث لم يشر لهذا وإنما جعلها لموسى مباشرة، ولكن لم يفته أن يجعل بعض الألقاب كالباقر* *بتسمية من الله تعالى، وأن يجعل الإمام الأخير بحروف منفصلة حتى لا يذكر اسمه حسب ما يذهب إليه الجعفرية. (انظر الكافى ١/٣٣٢ باب فى النهى عن الاسم) ويبقى من الملاحظات الكثير، ومن شاء فلينظر فى الكتاب المفترى وفى كتاب الله العزيز المعجزة الكبرى.","vol":"1","page":759},{"text":"وفى \" باب صلة الإمام \" (ص٥٣٧-٥٣٨) يذكر سبع روايات منها:\nعن أبى عبد الله: ما من شئ أحب إلى الله من إخراج الدراهم إلى الإمام وأن الله ليجعل له الدرهم فى الجنة مثل جبل أحد، ثم قال: إن الله يقول فى كتابه: ...] مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [(١) .\nقال: هو والله فى صلة الإمام خاصة.\nوعنه: درهم يوصل به الإمام أفضل من ألفى درهم فيما سواه من وجوه البر.\nوفى \" باب الفىء والأنفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه \" ... (٥٣٨-٥٤٩) يكتب الكلينى صفحة عن الباب، ثم يذكر ثمانيًا وعشرين رواية منها:\nعن الإمام الصادق \" نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال \" (٢) .\nويفسر ابنه موسى الكاظم - كما يزعم الكلينى - صفو المال بقوله: \" للإمام صفو المال: أن يأخذ من هذه الأموال صفوها، الجارية الفارهة، والدابة الفارهة، والثوب والمتاع بما يحب أو يشتهى، فذاك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس \" (٣) .\n_________\n(١) ٢٤٥: البقرة، والآية الحادية عشرة من سورة الحديد ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يروى الكلينى كذلك أنها نزلت فى صلة الإمام خاصة. وما يوصل به الإمام يوصل به علماء الجعفرية بعد عصر الأئمة.\n(٢) ص ٥٤٦.\n(٣) ص ٥٤٠.","vol":"1","page":761},{"text":"وعن الإمام الصادق أيضًا: \" من أين دخل على الناس الزنى؟.. من قبل خمسنا أهل البيت إلا شيعتنا الأطيبين، فإنه محلل لهم لميلادهم \" (١) .\nوبانتهاء هذا الباب ينتهى كتاب الحجة.\nوإذا نظرنا فى بقية الجزء الأول فإنا نراه لا يخلو من التأثر بعقيدة الإمامة. مثال هذا:\nما يطالعنا فى خطبة الكتاب \" دعوا ما وافق القوم فإن الرشد فى خلافهم \" (٢)، وفى كتاب فضل العلم \" يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وسائر الناس غثاء \" (٣)، والرواية عن الإمام الصادق.\nوعن ابنه موسى \" لعن الله أبا حنيفة، وكان يقول: قال على، وقلت \" (٤)، وعن الإمام على: \" ذلك القرآن فاستنطقوه.. ولن ينطق لكم، ... أخبركم عنه.. إلخ \" (٥) .\nوعن سليم بن قيس الهلالى قال: قلت لأميرالمؤمنين: إنى سمعت من سلمان والمقداد وأبى ذر شيئًا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبى الله ﷺ غير ما فى أيدى الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت فى أيدى الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبى الله ﷺ أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله ﷺ متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم، قال فأقبل على فقال: قد سألت فافهم الجواب، إن فى أيدى الناس حقًا وباطلًا، وصدقًا وكذبًا، وناسخًا ومنسوخًا، وعامًا وخاصًا،\n_________\n(١) ص ٥٤٦.\n(٢) ص ٨، راجع المقبولة التى نقلناها من هذا الجزء وناقشناها فى الحديث عن الترجيح.\n(٣) ص ٣٤.\n(٤) ص ٥٦.\n(٥) انظر ص ٦١، وراجع ما كتبناه عن القرآن الناطق.","vol":"1","page":762},{"text":"ومحكمًا ومتشابهًا ووهمًا، وقد كذب على رسول الله ﷺ على عهده حتى قام خطيبًا فقال: أيها الناس قد كثرت على الكذابة، كمن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده، وإنما آتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: ... رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثر ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله ﷺ متعمدًا، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله ﷺ ورآه وسمع منه وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره، ووصفهم بما وصفهم، فقال ﷿:] وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ ... لِقَوْلِهِمْ [(٤: المنافقون)، ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.\nورجل سمع من رسول الله ﷺ شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه ولم يتعمد كذبًا.\nورجل ثالث سمع من رسول الله ﷺ شيئا أمر به، ثم نهى عنه، وهو لا يعلم - أو سمعه ينهى عن شئ، ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ.\nوآخر رابع لم يكذب على رسول الله ﷺ، مبغض للكذب خوفًا من الله وتعظيمًا لرسول الله ﷺ، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ.. وقد كنت أدخل على رسول الله ﷺ","vol":"1","page":763},{"text":"كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلة، فيخلينى فيها أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيرى (١) .\nوتنظر مثلا فى باب النوادر من كتاب التوحيد (ص ١٤٣-١٤٦) تجد ... ما يأتى: عن الحارث بن المغيرة النصرى قال: سئل أبو عبد الله عن قول الله ﵎] كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [(٨٨: القصص) فقال: ما يقولون فيه؟ قلت يقولون يهلك كل شىء إلا وجه الله، فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولًا عظيمًا، إنما عنى بذلك وجه الله الذى يؤتى منه.\nوعن أبى جعفر: \" نحن المثانى الذى أعطاه الله نبينا محمدًا ﷺ، ونحن وجه الله نتقلب فى الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله فى خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفنا من عرفنا، وجهلنا من جهلنا وإمامة المتقين \".\nوعن أبى عبد الله فى قول الله ﷿:] وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ ... بِهَا [(١٨٠: الأعراف) قال: نحن والله الأسماء الحسنى التى لا يقبل الله من العباد عملًا إلا بمعرفتنا.\nوعنه: إن الله خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا، وجعلنا عينه فى عباده، ولسانه الناطق فى خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة ... والرحمة، ووجهه الذى يؤتى منه وبابه الذى يدل عليه وخزانه فى سمائه\n_________\n(١) ص ٦٢: ٦٤، وفى الحاشية (ص٦٣) \" أى أئمة الضلال بسبب وضع الأخبار أعطوا هؤلاء المنافقين الولايات، وسلطوهم على الناس \" فالكلينى هنا يريد بافترائه اتهام الخلفاء الراشدين الثلاثة بأنهم أئمة ضلال والذين تولوا الإمارة فى عهدهم من الصحابة الكرام، كانوا منافقين، وصلوا إلى الإمارة بتعمد الكذب على رسول الله - ﷺ - فشجعهم الخلفاء على هذا الكذب بجعلهم عمالا لهم. وأراد الكلينى إيجاد سند يؤيد غلاة الجعفرية الذين انفصلوا عن الأمة الإسلامية بإسناد الرواية للإمام على كرم الله وجهه وبرأه مما قال زنادقة الرافضة.","vol":"1","page":764},{"text":"وأرضه، بنا أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا نزل غيث السماء وينبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله، ولولا نحن ما عبد الله.\nوعن أسود بن سعيد قال: كنت عند أبى جعفر فأنشأ يقول ابتداء منه من غير أن أسأله: نحن حجة الله، ونحن باب الله، ونحن لسان الله، ونحن وجه الله ونحن عين الله فى خلقه، ونحن ولاة الله فى عباده.\nوعن أمير المؤمنين: أنا عين الله وأنا يد الله، وأنا جنب الله وأنا باب الله.\nوعن أبى الحسن موسى:] يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [... (الزمر:٥٦) قال: جنب الله أمير المؤمنين، وكذلك ما كان بعده من الأوصياء بالمكان الرفيع إلى أن ينتهى الأمر إلى آخرهم.\nوعن أبى جعفر: بنا عبد الله وبنا عرف الله وبنا وحد الله ﵎ ومحمد حجاب الله ﵎.\nوعن أبى جعفر:] وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [(٥٧: البقرة، ١٦٠: الأعراف) قال: إن الله تعالى أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم ولكن خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته حيث يقول:] إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ [(٥٥: المائدة) يعنى الأئمة منا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>ثانيًا: الجزء الثانى من أصول الكافى</span>\nبعد عرضنا للجزء الأول أعتقد أننا لسنا في حاجة إلى أن نطيل الحديث عن الجزء الثانى، ذلك أن هذا الجزء يتحدث في جملته عن الإيمان والكفر، والجزء السابق بين مفهوم الإيمان والكفر عند الكلينى، وأمثاله من غلاة الفرقة الضالة وزنادقتهم. كما رأينا في كثير من رواياته، فقد ربط الإيمان والكفر بإمامة","vol":"1","page":765},{"text":"الجعفرية الإمامية فالمؤمن بها هو المؤمن، ومنكرها كافر، إلى غير ذلك مما رأينا. فهذا الجزء إذن يعتبر امتدادا للجزء الأول، فيكفى أن نورد بعض الأمثلة لنرى أن الكلينى ظل سائرا في نفس الطريق الذى رسمه لنفسه تأثرًا بعقيدته في الإمامة.\nمن هذه الأمثلة ما رواه عن أبى جعفر قال: \" إن الله ﵎ حيث خلق ماء عذبا وماء أجاجا فامتزج الماءان، فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدًا، فقال لأصحاب اليمين وهم كالذريدبون: إلى الجنة بسلام، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالى، ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، ثم أخذ الميثاق على النبيين، فقال: ألست بربكم وأن هذا محمد رسولى، وأن هذا على أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى فثبت لهم النبوة. وأخذ الميثاق على أولى العزم أننى ربكم، ومحمد رسولى، وعلى أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمرى وخزان علمى – عليهم ... السلام -، وأن المهدى أنتصر به لدينى، وأظهر به دولتى، وانتقم به من أعدائى، وأعبد به طوعا وكرها. قالوا: أقررنا يارب وشهدنا. ولم يجحد آدم ولم يقر، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة فى المهدى، ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به وهو قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ قال: إنما هو فترك (١) . ثم أمر نارا فأججت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها. وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا\n_________\n(١) جاء في الحاشية: أى معنى النسيان هنا الترك، لأن النسيان غير مجوز على الأنبياء ﵈. أو كان في قراءتهم ﵈ فترك مكان فنسى، ولعل السر في عدم عزم آدم على الإقرار بالمهدى استبعاده أن يكون لهذا النوع الإنسانى اتفاق على أمر واحد \" والآية الكريمة في سورة طه: ١١٥.","vol":"1","page":766},{"text":"وسلاما. فقال أصحاب الشمال: يارب أقلنا فقال قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها، ثم ثبتت الطاعة والولاية والمعصية (١) .\nوعنه أيضًا قال: \" إن الله ﷿ خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب، وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار. ثم بعثهم في الظلال. فقلت. وأى شئ الظلال؟ فقال: ألم تر إلى ظلك في الشمس شيئا وليس بشئ. ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله ﷿: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢) ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين فأقر بعضهم وأنكر بعض.\nثم دعوهم إلى ولايتنا، فأقر بها والله من أحب وأنكر من أبغض وهو قوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾ (٣) .\nثم قال أبو جعفر ﵁: كان التكذيب ثم (٤) .\nوعنه كذلك قال: \" بنى الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشئ كما نودى بالولاية \" (٥) .\nوفى رواية أخرى زاد: فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه، يعنى الولاية (٦) .\n_________\n(١) ص ٨.\n(٢) الزخرف: ٨٧.\n(٣) يونس: ٧٤.\n(٤) ص١٠.\n(٥) ص ١٨.\n(٦) ص ١٨.","vol":"1","page":767},{"text":"وعن عجلان أبى صالح قال: \" قلت لأبى عبد الله ﵁: أوقفنى على حدود الإيمان. فقال الخمس وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وولاية ولينا، وعداوة عدونا، والدخول مع الصادقين \" (١) .\nوعن زرارة عن أبى جعفر قال: \" بنى الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية. قال زرارة: قلت وأى شئ من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن، والوالى هو الدليل عليهن.\nأما لو أن رجلا قام ليله، وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولى الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان \" (٢) .\nوالكلينى لا يكتفى بربط الإيمان والكفر بالإمامة ولكن يربطهما كذلك بمبادئ الجعفرية، استمع إليه مثلا وهو يروى عن الإمام الصادق: \" إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له \" \" التقية من دين الله \"، \" والله ما عبد الله بشئ أحب إليه من الخبء. قلت: وما الخبء؟ قال التقية \"، \" التقية من دينى ودين آبائى ولا إيمان لمن لا تقية له \" (٣) .\nوكتاب الإيمان والكفر في أصول الكافى يبدأ من أول الجزء الثانى إلى صفحة ٤٦٤، وعدد رواياته ١٦٠٩، وباقى الجزء يقع في ٢١٠ صفحة ويتناول ثلاثة كتب، منها كتاب فضل القرآن، ونورد هنا بعض الروايات التي ذكرها الكافى في هذا الكتاب.\nروى عن سعد الخفاف قال: قلت \" جعلت فداك يا أبا جعفر، وهل يتكلم القرآن؟ فتبسم ثم قال: رحم الله الضعفاء من شيعتنا، إنهم أهل تسليم ثم قال لهم: يا سعد والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى. قال سعد: فتغير لذلك لونى\n_________\n(١) ص١٨.\n(٢) ص ١٨-١٩.\n(٣) انظر هذه الروايات في ص ٢١٧-٢١٩.","vol":"1","page":768},{"text":"وقلت: هذا شئ لا أستطيع أنا أتكلم به في الناس. فقال أبو جعفر: وهل الناس إلا شيعتنا؟ فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقنا. ثم قال يا سعد أسمعك كلام القرآن؟ قال سعد: فقلت: بلى صلى الله عليك فقال: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر \" فالنهى كلام، والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر الله، ونحن أكبر \" (١) .\nوعن أبى عبد الله قال: \" لا والله لا يرجع الأمر والخلافة إلى آل أبى بكر وعمر أبدا، ولا إلى بنى أمية أبدا، ولا في ولد طلحة والزبير أبدا، وذلك أنهم نبذوا القرآن وأبطلوا السنن، وعطلوا الأحكام. وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار \" (٢) .\nويروى الكلينى عن أبى عبد الله أيضًا: \" إن القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم \" (٣) .\n\nإلا أنه يروى عن أبى جعفر: \" نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام \" (٤) .\nويروى عن أمير المؤمنين: \" نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا وفى عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام \" (٥) .\n_________\n(١) ص ٥٩٨ وانظر الخبر من بدايته ص ٥٩٦.\n(٢) ص ٦٠٠ -٦٠١.\n(٣) ص ٦٢٧.\n(٤) ص ٦٢٨.\n(٥) ص ٦٢٧.","vol":"1","page":769},{"text":"وروى عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبى عبد الله ﵁: \" إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال: كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد \" (١) .\nوروى الكلينى أن أبا عبد الله قال: \" نزل القرآن بإياك أعنى واسمعى يا جارة \" (٢) .\nوعن أحمد بن محمد بن أبى نصر قال: \" دفع إلى أبو الحسن ﵁ مصحفا وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه \" لم يكن الذين كفروا \" فوجدت فيه اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. قال: فبعث إلى: ابعث إلى بالمصحف \" (٣) .\nوعن سالم بن سلمة قال: \" قرأ رجل على أبى عبد الله ﵁ وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله ﵁: كف عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم ﵁ قرأ كتاب الله ﷿ على حده، وأخرج المصحف الذى كتبه على ﵁ وقال: أخرجه على ﵁ إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله ﷿ كما أنزله الله على محمد ﷺ وآله، وقد جمعته من اللوحين. فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا، وإنما كان على أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه \" (٤) .\n_________\n(١) ص ٦٣٠.\n(٢) ص ٦٣١.\n(٣) ص ٦٣١.\n(٤) ص ٦٣٣، ومعنى هذا – بحسب فرية الكلينى – أن للشيعة مصحفا آخر، أشرنا إلى ضلاله المبين عند الحديث عن القرآن الكريم والتحريف في الجزء الثانى.","vol":"1","page":770},{"text":"ويختم الكلينى كتاب فضل القرآن برواية عن أبى عبد الله جعفر الصادق أنه قال: \" إن القرآن الذى جاء به جبرئيل ﵁ إلى محمد ﷺ وآله سبعة عشر آلف آية \" (١) .\nبعد هذا أعتقد أن هذه الأمثلة - على قلتها - تكفى لبيان ما أردنا إيضاحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثالثًا: روضة الكافى</span>\nبعد الانتهاء من الأصول يجىء دور الجزء الثامن من الكافى وهو الروضة وننظر في هذه المسماة بالروضة فنرى الكلينى مواصلا السير يخبط في ظلمات جهالته وضلاله، يدفعه غلوه في عقيدته في الإمامة.\nفالكلينى يظل مصرا على قوله بتحريف القرآن، ونراه هنا، وهو يزعم نسبة هذا الافتراء للأئمة الكرام، يتخذ من الأساليب ما يؤيد فريته، فمثلا يصور أحد الأئمة قارئا لآية تخالف ما بين الدفتين، فيأتى الراوى المذكور في السند ليقول: ... \" جعلت فداك، إنا نقرؤها هكذا \" فيجيب الإمام على حد زعمه قائلًا:\n\" هكذا والله نزل به جبرئيل على محمد ﷺ ولكنه فيما حرف من كتاب الله \" (٢) .\nأو قائلا: \" هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد ﷺ، وهكذا والله مثبت في مصحف فاطمة ﵉ \" (٣) .\nأو يزعم أنه قال: \" هذا مما أخطأت فيه الكتاب \" (٤) .\n_________\n(١) ص ٦٣٤، والمعروف أن القرآن الكريم لا يصل إلى سبعة الآف آية، فأين الباقى أيها الكلينى؟!\n(٢) ص ٥٠.\n(٣) ص ٥٨.\n(٤) ص ٢٠٥.","vol":"1","page":771},{"text":"أو قال \" هكذا نقرؤها وهكذا تنزيلها \" (١) .\nوأحيانًا يذكر تعليلا ليثبت التحريف (٢) أو يؤيد أن كلمة موجودة في الآية وهى غير موجودة (٣) .\nوأحيانًا يأتى بافتراء ليثبت التحريف بصفة عامة، استمع إليه وهو ينسب حديثا لأحد الأئمة قال: لا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم، فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم. وتدرى ما خانوا أماناتهم؟ ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه، وبدلوه، ودلوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (٤) .\nهذا بالنسبة للتحريف في نص القرآن الكريم، أما التحريف في المعنى فإنا لا نكاد نجد آية تعرض لها الكلينى إلا حرف معناها، ولذلك فهو يضع قاعدة عامة تؤيد هذا التحريف، فينسب لأحد الأئمة أنه قال:\n\" ما من آية نزلت تقود إلى الجنة، وتذكر أهلها بخير، إلا وهى فينا وفى شيعتنا، وما من آية نزلت تذكر أهلها بشر، وتسوق إلى النار، إلا وهى في عدونا ومن خالفنا..\nليس على مالة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس من ذلك براء \" (٥) .\nعن أبى عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: قتل على بن أبى طالب وطعن الحسن ﴿وَلَتَعْلُنَّ\n_________\n(١) ص ٣٨٧.\n(٢) انظر ص ٣١٦.\n(٣) انظر ص ٢٠٥.\n(٤) ص ١٢٤-١٢٥ ولاحظ هذا الربط بين التحريف وترك الولاية.\n(٥) ص ٣٦.","vol":"1","page":772},{"text":"عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ قال: قتل الحسين ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا﴾: فإذا جاء نصر دم الحسين ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ﴾ قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم، فلا يدعون وترا لآل محمد إلا قتلوه ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ خروج القائم، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ خروج الحسين في سبعين من أصحابه، عليهم البيض المذهب، لكل بيضة وجهان، المؤدون إلى الناس أن الحسين قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه، وأنه ليس بدجال ولا شيطان، والحجة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين جاء الحجة الموت، فيكون الذى يغسله ويكفنه ويحنطه ويلحده فى حضرته الحسين بن على، ولا يلى الوصى إلا الوصى (١) .\nوعن عبد الله بن النجاش قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول في قول الله ... ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يعنى الله فلانا وفلانا (٢) . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ يعنى والله النبى ﷺ وآله وعليا ﵁ \" مما صنعوا \" (٣) أى لو جاءوك بها يا على فاستغفروا الله مما صنعوا، واستغفر لهم\n_________\n(١) ص ٢٠٦، والآيات المذكورة من سورة الإسراء (٤-٦) .\n(٢) \" فلانا وفلانا \" يقصد هذا الكلينى الشيخين: الصديق والفاروق.\n(٣) \" مما صنعوا \" زيادة ليست من الآية الكريمة.","vol":"1","page":773},{"text":"الرسول، لوجدوا الله توابا رحيما ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فقال أبو عبد الله: هو والله على بعينه ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ على لسانك يا رسول الله (١)، يعنى به من ولاية على ... ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ لعلى (٢) .\nوينسب الكلينى للإمام على خطبا يبرأ منها الإمام، ويبرأ ممن وضعها افتراء عليه.\nانظر إلى \" خطبة الوسيلة \" (٣)، تجد غلوا في الأئمة وتكفيرا لمن أنكر إمامتهم، واتهاما للصديق والفاروق ولصحابة رسول الله ﷺ، وبيان أن إمهال الله لهم كإمهاله سبحانه لعاد وثمود وأضرابهم، وأن المصير واحد.\nوانظر إلى \" خطبة الطالوتية \" (٤) تجد اتهاما للصحابة الكرام الذين سينزل بهم على حد زعمه ما نزل بالأمم من قبلهم، لصدهم عن الحق، وتركهم الوصى\n_________\n(١) هذه زيادة أيضًا وجعل \" قضيت \" للمتكلم لا للمخاطب لتناسب هذا التحريف وجاء في الحاشية: \" الظاهر أنه كان في مصحفهم ﵈ على صيغة المتكلم ويحتمل أن يكون بيانا لحاصل المعنى، أى المراد بقضاء الرسول ما يقضى الله على لسانه \".\n(٢) ص ٣٣٦ والآيات المذكورة هي ٦٣-٦٥: من سورة النساء وانظر مثل هذا التحريف في صفحات ٣٥-٣٦-٥٠-٥١-٥٧-٥٨-١٠٧-١٢٨-١٦٠-١٧٩-١٨٤-٢٠٠-٢٢٤-٢٣٠-٢٨٦-٣٠٢-٣٠٤-٣١٣-٣٣٠-٣٣٤-٣٣٨.\n(٣) ص ١٨:٣٠.\n(٤) ص ٣١:٣٣.","vol":"1","page":774},{"text":"الذى به أمروا. وتجد قوله: \" أما والله لو كان لى عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر وهم أعداؤكم - لضربتكم بالسيف حتى تئولوا إلى الحق \" (١) .\nوتجد بعد هذا: \" ثم خرج من المسجد فمر بصيرة فيها نحو ثلاثين شاه فقال: والله لو أن لى رجالا ينصحون لله ﷿ ولرسوله بعدد هذه الشياه لأزلت ابن أكلة الذبان عن ملكه \" (٢) .\nوتجد كذلك: \" لولا عهد عهده إلى النبى الأمى - ﷺ - لأوردت المخالفين خليج المنية ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت، وعن قليل يعلمون \" (٣) .\nوانظر إلى خطبته بعد مقتل ذى النورين تجد حديثا عن الجبابرة وهامان وفرعون وعثمان (٤) وتجد القول: قام الثالث (٥) كالغراب، همه بطنه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له: شغل عن الجنة، والنار أمامه (٦) .\nوالكلينى لا يقتصر على خطب وأقوال تفترى على سيدنا على - رضى الله تعالى عنه - ولكنا نرى أثرا للغلو كذلك في الحديث عن الإمام على، مثال هذا:\n_________\n(١) ص ٣٢.\n(٢) جاء في الحاشية (ص ٣٣): \" الذبان: جمع ذباب، وكنى بابن أكلتها عن سلطان الوقت فإنهم كانوا في الجاهلية يأكلون من كل خبيث نالوه \" والمراد بسلطان الوقت الصديق خير من خلف الرسول - ﷺ -.\n(٣) ص ٣٣ وهذا القول: إلى جانب ما فيه من الضلال يحمل التناقض البين. وفى الخطبة السابقة كذلك تناقض حاول في الحاشية إزالته بأن الإمام كان يعلم ما سيكون (انظر ص ٢٧) .\n(٤) انظر ص ٦٧.\n(٥) يقصد الخليفة الثالث الذى بشره الصادق الأمين بالجنة.\n(٦) ص ٦٨.","vol":"1","page":775},{"text":"إنه كان في يوم ميلاد الرسول الكريم بشر أبو طالب زوجته بقوله: أما إنك ستلدين غلاما يكون وصى هذا المولود (١) .\nوأن الرسول ﷺ قال \" إن عليا يحملكم على الحق، فإن أطعتموه ذللتم، وإن عصيتموه كفرتم بالله \" (٢) .\nوأن حرب على شر من حرب الرسول ﷺ (٣) .\nوأن من يشهد للأنبياء جعفر وحمزة، أما على فهو أعظم منزلة من ذلك (٤) وأن عليا كتم وبايع مكرها (٥)، وأنه أشار إلى الأرض عندما اضطربت وقال لها: اسكنى مالك، ثم التفت إلى أصحابه وقال: أما إنها لو كانت التي قال الله ﷿ لأجابتنى ولكن ليست بتلك (٦)، وأنه أعتق ألف مملوك (٧) .\nوفى الحديث عن إمامهم الثانى عشر يروى الكلينى عن الإمام الباقر أنه قال: إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله ﷺ في أيامه (٨) .\nوعنه أيضًا: \" إذا قام القائم عرض الإيمان على كل ناصب فإن دخل فيه بحقيقة وإلا ضرب عنقه، أو يؤدى الجزية كما يؤديها اليوم أهل الذمة، ويشد على وسطه الهميان ويخرجهم من الأمصار إلى السواد \" (٩) .\n_________\n(١) ص ٣٠٢.\n(٢) ص ٦٦.\n(٣) انظر ص ٢٥٢.\n(٤) انظر ص ٢٦٧.\n(٥) انظر ص ٢٩٥.\n(٦) ص ٢٥٥.\n(٧) انظر ص ١٦٣، ١٦٥، ٣٦٤، وواضح أن أبا الحسن لم يكن له دور في مجال الاعتاق وأن الدور الكبير كان لأبى بكر في مكة، ومن هنا جاء اختلاق هذا الخبر.\n(٨) ص ١٨.\n(٩) ص ٢٢٧ والهميان: شداد السراويل والمنطقة وكيس للنفقة يشد في الوسط.","vol":"1","page":776},{"text":"وعن أبى عبد الله الصادق، \" إن قائمنا إذا قام مد الله ﷿ لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لايكون بينهم وبين القائم يريد أن يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه \" (١) .\nوعنه أيضًا عندما سئل: متى فرج شيعتكم؟ فقال: إذا اختلف ولدا العباس، ووهى سلطانهم، وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم، وخلعت العرب أعنتها، ورفع كل ذى صيصية صيصيته، وظهر الشامى وأقبل اليمانى وتحرك الحسنى وخرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة بتراث رسول الله ﷺ \" (٢) .\nوالكلينى يكثر من الحديث عن الجعفرية الإمامية ومخالفيهم ونستطيع أن نعرف الطابع العام لهذا الحديث ما دمنا قد عرفنا أنه ربط الإيمان بالولاية.\n_________\n(١) ص ٢٤٠.\n(٢) ص ٢٢٤ والكلينى هنا يجعل ظهور إمامهم الثانى عشر بعد ضعف الدولة العباسية التي عاش أثناء حكمها، وقد مضى على سقوطها لا ضعفها أكثر من سبعة قرون حتى وقتنا هذا، والكلينى كان يدرك أن أكذوبته لا ينكشف أمرها إلا بعد موته، إذن فليكذب ولا حرج!!\nومن أكاذيبه التي كشفت كذلك: رواياته عن الأرض، ومظاهر الطبيعة كهبوب الرياح والحر والبرد.\nراجع ص ٨٩، ٢٧١، ٣٠٦ وراجع مثل هذه الروايات التي نقلناها عن شيخه القمى في الجزء السابق.\nوانظر تفسير القمى (ص ٨٩) تجد تعليقا على رواية أن الأرض على حوت والحوت على الماء والماء على صخرة ... إلخ والتعليق هو: \" في هذا الحديث رموز إنما يحلها من كان من أهلها. وذلك لأن حديثهم صعب مستعصب \".\n\nفالله ﷾ يسر القرآن للذكر والرسول - ﷺ - بين ما نزل إلينا، أما أئمة الجعفرية فحديثهم صعب مستعصب! فإذا افترى عليهم من الأقوال ما يناقض الواقع أو العقل أو الشرع فلتقبل هذه الأقوال بدلا من أن يضرب بها وبراويها عرض الحائط، ولنتشكك نحن في عقولنا وفهمنا لأن حديثهم صعب مستعصب!!","vol":"1","page":777},{"text":"فالإمامية الرافضة كلهم يدخلون الجنة ولا يدخل النار منهم أحد (١)، وهم وحدهم دون غيرهم المغفور لهم (٢) وغير الجعفرى كافر (٣) ولا توبة بغير الولاية (٤) والناصب شر ممن ينتهك المحارم كلها (٥) لا يبالى صلى أم زنى (٦) وأبو حنيفة ناصب (٧) .\nوحضور مساجد غير الجعفرية الاثنى عشرية والمشى إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم (٨) .\nويروى الكلينى عن الإمام الكاظم: \" إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله ﷿ حتمنا على الله في تركه لنا فأجبنا إلى ذلك، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم، وأجابوا إلى ذلك، وعوضهم الله ﷿ \" (٩)\nويروى عن أبى جعفر بأن على بن أبى طالب ينزل أهل الجنة منازلهم ويزوجهم، ويدخل أهل النار النار، وأبواب الجنة والنار إليه (١٠) .\n_________\n(١) راجع ص: ٣٦، ٧٨، ١٤١، ٣٦٦.\n(٢) راجع ص ٣٣-٣٤.\n(٣) انظر ص ١٠٧، ٢٥٤، ٢٧٠، ٣٣٧ وراجع مثلا حديثه عن الشيعة ومخالفيهم في صفحات: ١٤٦، ٢١٢، ٢٢٤، ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٤٤، ٢٨٥، ٣٣٣.\n(٤) انظر ص ١٢٨.\n(٥) ص ١٠١.\n(٦) ص ١٦٠.\n(٧) ص ٢٩٢.\n(٨) ص ٣٨٩ ولذلك فالجعفرية لهم مساجدهم الخاصة نتيجة للدور الذى قام به الكلينى وأمثاله.\n(٩) ص ١٦٢.\nوانظر إلى قول الكلينى وإلى قول الله ﷿ في نهاية سورة الغاشية ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ .\n(١٠) انظر ص ١٥٩.","vol":"1","page":778},{"text":"وبمثل هاتين الروايتين يريد الكلينى أن يؤكد ما ذهب إليه من حديثه عن الجعفرية ومخالفيهم.\nوالكلينى الذى سلك مسلك شيخه القمى فى محاولة التشكيك فى كتاب الله تعالى، والطعن فى الصحابة الكرام، نراه هنا يعود مرة أخرى للطعن فى نقلة الشريعة، وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول ﷺ، وقد مر شىء منه فى الصفحات السابقة، ولكن المتصفح لروضة الكافى يجد الكثير من هذا الطعن، مثال هذا:\nما رواه من أن المسلمين ارتدوا بعد الرسول ﷺ إلا ثلاثة هم: المقداد وأبو ذر وسلمان، وأنهم أصبحوا أهل جاهلية، وبمثابة من عبد العجل، وكل حاكم قبل القائم فهو طاغوت يعبد من دون الله (١) .\nوما رواه من أن الشيخين كافران منافقان سخرا من الرسول ﷺ واستهزءا به ورمياه بالجنون وأنهما صنما هذه الأمة (٢) .\nوما رواه كذلك هذا المفترى الضال الزنديق: من أن أبا بكر أضمر وهو فى الغار أن الرسول ﷺ ساحر، وأن أول عداوة بدت منه للرسول ﷺ فى على، وأول خلاف منه على رسول الله ﷺ كان بقبا فى الهجرة، وأول من بايعه إبليس حيث جاء على هيئة شيخ كبير (٣) .\nوإلى جانب ما سبق نرى الكلينى متأثرًا بعقيدته الباطلة فى الإمامة عندما يأتى بروايات لها صلتها بالموضوعات التاريخية، فإلى جانب الحديث عن البيعة أو النص على الأئمة كما رأينا نرى موضوعات أخرى فمثلًا:\n_________\n(١) انظر ص ١٢٥، ٢٤٥، ٢٥٣، ٢٩٥، ٢٩٦.\n(٢) انظر ص ٢٨، ١٠٢، ١٠٣، ١٢٤، ١٨٩، ٢١٦، ٢٤٥، ٣١٨، ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٨٧.\n(٣) راجع ص: ٢٦٣، ٣٤٠، ٣٤٣، ٣٤٤.","vol":"1","page":779},{"text":"ذكرنا فى الجزء السابق شيئًا عن خرافة السفيانى (١) ونجد هنا ذكرًا له فى عدد من الروايات (٢) .\nوالشيعة الإمامية يسمون الرافضة لسبب تاريخى معروف (٣) ولكن الكلينى يروى أن الله تعالى سماهم بهذا الاسم (٤) .\nواسم الجعفرية نسبة إلى الإمام جعفر، فنرى الكلينى هنا يرى أن الجنة فيها نهر يقال له جعفر على شاطئه الأيمن درة بيضاء فيها ألف قصر، فى كل قصر ألف قصر لمحمد وآل محمد ﷺ (٥) .\nوهكذا نرى روضة الكافى لا تكاد تقل عن أصوله تأثرًا بعقيدة الإمامة.\nوبعد هذا العرض لأصول الكافى وروضته نستطيع أن نقول:\n١ - إن الكلينى اتخذ من السنة بمفهومها عنده وسيلة لإثبات عقيدته فى الإمامة ورأيه فى الأئمة وما يتصفون به. ووسيلة كذلك لبيان بطلان ما ذهب إليه غير الجعفرية الذين لم يأخذوا بعقيدته فى الإمامة، وأنهم مهما تعبدوا فهم فى النار، فعبادتهم غير مقبولة فى زعم الكلينى، على حين أن الجعفرية جميعًا بغير استثناء سيدخلون الجنة ولا تمسهم النار مهما ارتكبوا من الموبقات والآثام، ومهما كان خطؤهم فى حق الله تعالى أو فى حق عباده.\n_________\n(١) راجع حديثنا عن تفسير القمى.\n(٢) راجع ص ٢٠٩، ٢٦٤، ٢٧٤، ٣١٠، ٣٣١.\n(٣) كان الإمام زيد بن على بن الحسين يثنى على أبى بكر وعمر، وقال: إنى لا أقول فيهما إلا خيرًا، وما سمعت أبى يقول فيهما إلا خيرًا، وإنما خرجت على بنى أمية الذين قاتلوا جدى الحسين \" فعندما سمع شيعة الكوفة قوله فارقوه ورفضوا مقالته حتى قال لهم: رفضتمونى، ومن يومئذ سموا \" رافضة \". انظر الفرق بين الفرق ص ٢٥، والملل والنحل ١ / ١٥٥.\n(٤) انظر ص ٣٤.\n(٥) انظر ص ١٥٢.","vol":"1","page":780},{"text":"والكلينى من أجل هذا كله نراه يفترى آلاف الروايات وينسبها للرسول ﷺ ولآل بيته الأطهار.\nوفى بحثنا للإمامة فى الجزء الأول عندما وصلنا إلى دلالة السنة اعتمدنا على ثمانية كتب لم نضم إليها كتاب الكافى، وأظننى الآن لست فى حاجة لتأييد وجهة نظرى.\n٢ - والكلينى اتخذ من السنة كذلك وسيلة لتحريف كتاب الله تعالى نصًا ومعنى، وقد نهج هنا منهج شيخه على بن إبراهيم القمى، صاحب التفسير الضال المضل الذى تحدثنا عنه فى الجزء السابق، ونهج منهجه كذلك فى الطعن فى الصحابة الكرام: نقلة الشريعة وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول ﷺ. وخص بمزيد من الطعن الذين تولوا الخلافة الراشدة قبل الخليفة الرابع الإمام على رضى الله تعالى عنهم أجمعين وأرضاهم.\n٣ - والكلينى أقدم على ما لا يقل خطورة وضلالًا عن القول بتحريف القرآن الكريم ونقصه حيث افترى على الله الكذب فزعم أنه جل شأنه أنزل كتبًا من السماء بخط إلهى تؤيد فرقته الجعفرية.\n٤ - والكلينى يضمن كتابه بعض الأحداث التاريخية، ويذكرها بحسب هواه، ويفسرها بما يشتهى، وبما يشبع غيه وضلاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>رابعًا - فروع الكافى وبقية الكتب</span>\nقلنا إن الفروع من الكافى تشتمل على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية وهى بهذا تلتقى مع كتاب الصدوق \" فقيه من لا يحضره الفقيه \" وكتابى الطوسى \" التهذيب والاستبصار \".\nوبعد أن انتهينا من الحديث عن أثر عقيدة الإمامة فى أصول الكافى وروضته لسنا فى حاجة إلى التوسع فى بيان أثر الإمامة فى الفروع والكتب الثلاثة ما دامت هذه كلها متعلقة بالفقه، فالفقه خصصناه بالجزء الرابع، والآراء التى تأثرت","vol":"1","page":781},{"text":"بالإمامة تعتمد بصفة عامة على ما جاء فى هذه الكتب. إذن يمكن القول بأن أثر الإمامة فى الفقه يبين إلى حد كبير أثر الإمامة فى فروع الكافى والكتب الثلاثة الأخرى.\nولنأخذ مثلًا أثر الإمامة فى \" كتاب الحج \" كما نراه فى الفقه وفى كتب الحديث الأربعة عند الجعفرية.\nفأما الفقه فنجد أنهم يرون أن غير الجعفرى الإمامى إذا حج ثم صار جعفريًا فيستحب أن يعيد الحج. ولا يصح للجعفرى أن ينوب فى الحج عن غير الجعفرى إلا إذا كان أباه، وفى الزيارة يستحب استحبابًا مؤكدًا زيارة الأئمة، وفى الدعاء يستحب أن يكون بالأدعية المأثورة، إلى غير ذلك مما سيظهر من دراستنا للحج فى الجزء اللاحق.\nوننظر إلى ما كتبه المحمدون الثلاثة - أصحاب الكتب الأربعة فى كتاب الحج من كتبهم فنراهم يذكرون ما يدل على هذه الأحكام:\nفيروى الثلاثة عن الإمام الصادق: عن رجل حج ولا يدرى، ولا يعرف هذا الأمر ثم من الله عليه بمعرفته والدينونة به أعليه حجة الإسلام؟ فقال: قد قضى فريضة الله عزوجل والحج أحب إلي (١) .\n\nوفى \" باب الحج عن المخالف \" (٢) يروى الكلينى عن وهب قال: قلت لأبى عبد الله: \" أيحج الرجل عن الناصب؟ فقال: لا، فقلت: فإن كان أبى؟ قال: فإن كان أباك فنعم \".\nويروى أن الإمام الهادى كتب \" لا يحج عن الناصب ولا يحج به \".\n_________\n(١) انظر فقيه من لا يحضره الفقيه ٢ / ٢٦٣ والاستبصار ٢ / ١٤٥.\n(٢) راجع الكافى ٤ / ٢٠٩.","vol":"1","page":782},{"text":"وفى فضل الزيارة وثوابها يروى الكلينى والقمى أن الرسول ﷺ قال للحسن: يا بنى من زارنى حيًا أو ميتًا، أو زار أباك أو زار أخاك أو زارك كان حقًا علي أن أزوره يوم القيامة فأخلصه من ذنوبه (١) .\nويرويان عن أبى جعفر أنه قال: \" من تمام الحج لقاء الإمام \" (٢) .\nويروى الكلينى والطوسى عن يونس بن أبى وهب قال: \" دخلت المدينة فأتيت أبا عبد الله فقلت: جعلت فداك، أتيتك ولم أزر أمير المؤمنين؟ قال: بئس ما صنعت، لولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك، ألا تزور من يزوره الله مع الملائكة، ويزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون \" (٣) .\nويروى القمى والطوسى عن الإمام الصادق قال: \" إن الله ﵎ يبدأ إلى زوار قبر الحسين بن على بن أبى طالب عشية عرفة، قيل له: قبل نظره إلى أهل الموقف؟ قال نعم، قيل وكيف ذلك؟ قال: لأن فى أولئك أولاد زنى وليس فى هؤلاء أولاد زنى \" (٤) .\nويروى القمى عن البيزنطى قال: قرأت كتاب أبى الحسن الرضا: أبلغ شيعتى أن زيارتى تعدل عند الله تعالى ألف حجة. قال: قلت لأبى جعفر - يعنى ابنه - ألف حجة؟ قال: إى والله وألف ألف حجة لمن زاره عارفًا بحقه (٥) .\nويروى الثلاثة عن الإمام الصادق: يا سدير تزور قبر الحسين فى كل يوم؟ قلت: جعلت فداك لا. قال: فما أجفاكم! قال: فتزورونه فى كل جمعة؟ قلت: لا قال: فتزورونه فى كل شهر؟ قلت لا: قال فتزورونه فى كل سنة: قلت قد يكون ذلك. قال: يا سدير ما أجفاكم للحسين! أما علمت أن لله عزوجل ألفى ألف\n_________\n(١) انظر الفقيه ٢ / ٣٥٤.\n(٢) انظر الكافى ٤ / ٥٨٠.\n(٣) الفقيه ٢ / ٣٤٧.\n(٤) المرجع السابق ٢ / ٣٤٩.\n(٥) انظر الكافى ٤ / ٥٨٩ والفقيه ٢ / ٣٦١ - ٣٦٢.","vol":"1","page":783},{"text":"ملك شعث غبر يبكون ويزورونه لا يفترون؟ وما عليك يا سدير أن تزور قبر الحسين فى كل جمعة خمس مرات وفى كل يوم مرة؟\nقلت: جعلت فداك إن بيننا وبينه فراسخ كثيرة. فقال لى: اصعد فوق سطحك ثم تلتفت يمنة ويسرة ثم ترفع رأسك إلى السماء ثم تنحو نحو القبر وتقول: السلام عليك يا أبا عبد الله السلام عليك ورحمة الله وبركاته. تكتب لك زورة، والزورة حجة وعمرة (١) .\nوروى الكلينى عن بشير الدهان قال: قلت لأبى عبد الله: \" ربما فاتنى الحج فأعرف (٢) عند قبر الحسين فقال: أحسنت يا بشير، أيما مؤمن أتى قبر الحسين عارفًا بحقه فى غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات، وعشرين حجة وعمرة مع نبى مرسل أو إمام عدل، ومن أتاه فى يوم عيد كتب الله مائة حجة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبى مرسل أو إمام عدل. (٣) قال: قلت له: كيف لى بمثل الموقف؟ قال: فنظر إلى شبه المغضب ثم قال لى: يا بشير إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها، ولا أعلمه إلا قال: وغزوة (٤) .\nوذكر الكلينى بعد هذا عشر روايات لم يقل فضل زيارة قبر الحسين فى إحداها عن عشرين حجة، وفى أكثر من رواية قال: من أتى قبر أبى عبد الله عارفًا بحقه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٥) .\n_________\n(١) انظر الكافى ٤ / ٥٨٩ والفقيه ٢ / ٣٦١ - ٣٦٢.\n(٢) عرف: أى وقف بعرفات ولكنه هنا جعله عند قبر الحسين.\n(٣) فى هذا حث على ترك الحج وزيارة قبر الحسين، وسيأتى أنه يمكن أن تسقط فريضة الحج بزيارة قبر الحسين.\n(٤) الكافى ٤ / ٥٨٠.\n(٥) انظر الكافى ٤ / ٥٨٠: ٥٨٣.","vol":"1","page":784},{"text":"وبالنسبة للأدعية المأثورة روى الثلاثة فيما يقال عند زيارة قبر أمير المؤمنين:\nالسلام عليك يا ولى الله، أنت أول مظلوم، وأول من غصب حقه.. جئتك عارفًا بحقك، مستبصرًا بشأنك معاديًا لأعدائك ومن ظلمك.. لعن الله من خالفك، ولعن الله من افترى عليك وظلمك، ولعن الله من غصبك، ولعن الله من بلغه بذلك فرضى به، أنا إلى الله منهم برىء. لعن الله أمة خالفتك وأمة جحدتك وجحدت ولايتك، وأمة تظاهرت عليك، وأمة قتلتك، وأمة حادت عنك وخذلتك. الحمد لله الذى جعل النار مثواهم وبئس الورد المورود، وبئس ورد الواردين، وبئس الدرك المدرك. اللهم ألعن قتلة أنبيائك، وقتلة أوصياء أنبيائك بجميع لعناتك، وأصلهم حر نارك، اللهم العن الجوابيت والطواغيت والفراعنة واللات والعزى والجبت وكل ند يدعى من دون الله، وكل مفتر. اللهم العنهم وأشياعهم وأتباعهم وأولياءهم وأعوانهم ومحبيهم لعنًا كثيرًا.\nأشهد أنك جنب الله، وأنك باب الله، وأنك وجه الله الذى يؤتى منه، وأنك سبيل الله.\nأشهد أن من قاتلكم وحاربكم مشركون، ومن رد عليكم فى أسفل درك من الجحيم (١) .\nومما رواه القمى عند زيارة قبر الحسين:\n\" بكم تنبت الأرض أشجارها وبكم تخرج الأشجار أثمارها، وبكم تنزل السماء قطرها، وبكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث، وبكم تسبح الأرض التى تحمل أبدانكم. لعنت أمة قتلتكم، وأمة خالفتكم، وأمة جحدت ولايتكم، وأمة ظاهرت عليكم، وأمة شهدت ولم تنصركم، الحمد لله الذى جعل النار مأواهم وبئس الورد المورود \" (٢) .\n_________\n(١) انظر الكافى ٤ / ٥٦٩ والفقيه ٢ / ٢٥٢.\n(٢) الفقيه ٢ / ٣٥٩.","vol":"1","page":785},{"text":"هذه بعض روايات كتاب الحج التى بدا فيها أثر الغلو فى عقيدة الإمامة. وكان لهذه الروايات صداها فى الفقه الجعفرى، ولكن نجد روايات أخرى يبدو فيها هذا الأثر، أثر الغلو فى العقيدة، ولا أثر لها فى الفقه. مثال هذا ما رواه الكلينى عن الحارث عن أبى جعفر قال:\n\" كنت دخلت مع أبى الكعبة، فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين فقال: بهذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله ﷺ أو قتل ألا يردوا هذا الأمر فى أحد من أهل بيته أبدا.\nقال: قلت: ومن كان؟ قال: كان الأول والثانى وأبو عبيدة بن الجراح وسالم بن الحبيبة (١) .\nوما رواه أيضًا عن حسان الجمال قال: حملت أبا عبد الله من المدينة إلى مكة، فلما انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد فقال: ذلك موضع قدم رسول الله ﷺ حيث قال: من كنت مولاه فعلى مولاه. ثم نظر إلى الجانب الآخر فقال: ذلك موضع فسطاط أبى فلان وفلان وسالم مولى أبى حذيفة وأبى عبيدة الجراح.\nفلما رأوه رافعًا يديه قال بعضهم: انظروا إلى عينيه تدور كأنهما عينا مجنون، فنزل جبرئيل بهذه الآية: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٢) .\nوبعد: فهذه الأمثلة القليلة توضح الاتجاه العام لتأليف هذه الكتب تأثرًا بعقيدة الإمامة؛ وما يقال عن أثر الإمامة فى الفقه الجعفرى أقل مما يقال عن\n_________\n(١) الكافى ٤ / ٤٥٤. والمراد بالأول والثانى الخليفتان الصديق والفاروق.\n(٢) الكافى ٤ / ٥٦٦ - ٥٦٧ والآيتان آخر سورة القلم.","vol":"1","page":786},{"text":"أثرها فى هذه الكتب الأربعة، ففى الكتب مزيد من التأثر بالغلو فى عقيدة الإمامة، ومزيد من الكفر والضلال والزندقة.\nوإذا كان هؤلاء أعداء الإسلام الذين أرادوا هدمه من الداخل كما يتضح بجلاء من كتبهم وآرائهم ومعتقداتهم فمن الواضح البين أنهم اتخذوا شعار حب آل البيت الأطهار ستارًا لهدفهم وعدائهم، ومن اللازم الذى لا ينفك أبدًا أن عداءهم للإسلام وأهله يستتبع عداءهم لآل البيت الأطهار، وهذا العداء يظهر من وقت لآخر من حيث أرادوا كتمانه:\nانظر مثلًا إلى زواج عمر بن الخطاب ابنة على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنهم، وما سبق من قولهم \" ذاك فرج غصبناه \"، وقولهم بأن عليًا وافق خوفًا من تهديد عمر!\nإن أمة الإسلام تعرف عليًا الشجاع المقدام الذى لا يخشى أحدًا إلا الله عزوجل، والرافضة يصورونه هنا جبانًا ذليلًا مهانًا!! وانظر إلى عثمان بن عفان ذى النورين، وهو من آل البيت، وزواجه من ابنتى الرسول ﷺ، فلم يراع الرافضة مكانتهما من أبيهما ﷺ، وأخذوا يتحدثون عنهما بعبارات ساقطة، بل شكوا فى نسبهما كما بينا فى الجزء الأول.\nثم انظر إلى حب آل البيت الأطهار للخلفاء الراشدين الثلاثة رضى الله تعالى عنهم:\nفهذا على بن أبى طالب يختار أسماء الثلاثة لثلاثة من أبنائه، وهم أبو بكر الذى قتل بين يدى أخيه الحسين، وعمر، وعثمان الذى قتل أيضًا مع أخيه الحسين.\nومن أحفاد على بن أبى طالب:\nأبو بكر بن الحسن الذى قتل بين يدى عمه الحسين، وعمر بن الحسن الذى قتل كذلك مع أخيه وعمه الحسين.\nوعمر بن الحسين الذى قتل بين يدى أبيه.","vol":"1","page":787},{"text":"(انظر معجم رجال الحديث للخوئى، ففيه ترجمة هؤلاء جميعًا) .\nأفترى رافضة الأمس أو اليوم يسمون أحد أسماء هؤلاء الثلاثة؟ أم أنهم - لعنهم الله تعالى - لا يذكرون أى اسم من الأسماء الثلاثة إلا مع اللعن والتكفير؟!\n\nكسر الصنم\nأو\nتحطيم الصنم\n\nالعالم الشيعى المعروف آية الله العظمى البرقعى هاله موقف إخوانه الشيعة من كتاب الكافى، على الرغم مما فيه.\nوقد بينت أنه قائم على هدم الإسلام كله، بكتابه الكريم، وسنته المشرفة المطهرة، وحماته الصحابة الكرام البررة، متخذًا منهج ابن سبأ اللعين.\nفآية الله العظمى البرقعى هاله تقديس إخوانه الشيعة لهذا الكتاب، فألف كتابًا كبيرًا أسماه:\n\nكسر الصنم، أو تحطيم الصنم\n\nوالمقصود بالصنم هنا كتاب الكافى، ولقد أحسن كثيرًا فى اختيار العنوان؛ فالرافضة بالنسبة لهذا الكتاب كعبدة الأصنام بالنسبة للصنم، فكما حطمت الأصنام يجب أن يحطم هذا الكتاب الصنم! (١)\n_________\n(١) أكبر لقب عند الشيعة هو \" آية الله العظمى \"، والذين يحملون هذا اللقب خمسة فقط، فمن مات منهم يختارون بدلا منه أحدا ممن يلقب بلقب \" آية الله \"، وعددهم أربعون. وعندما سجن الخمينى في أيام الشاه، ومات أحد الخمسة، رأى الأربعة - ومنهم البرقعى - اختيار* *الخمينى حتى يخرج من سجنه؛ لأن القانون لا يسمح بسجن من يحمل لقب \" آية الله العظمى \"، ولكن يمكن أن تحدد إقامته.\nالبرقعى رأى أن يقرأ ما كتبه ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما ممن يهاجمهم الشيعة، فشرح الله - عزوجل - صدره، وبدأ يصرح بهذا لإخوانه. ويظهر ما اقتنع بأنه الحق، ويبطل الباطل الذى نشأ عليه، ومن هنا جاء تأليف كتابه كسر الصنم، وترجم بعض ما كتبه ابن تيمية إلى الفارسية. ولأنه آية الله العظمى فلا يسجن حددت إقامته حتى مات. وقد حدثنى بهذا أحد الإخوة الكرام الذين عاشوا فى إيران.","vol":"1","page":788},{"text":"فلعل الشيعة يثوبون إلى رشدهم، ويتنبهون إلى هذا الخطر بعد أن نبههم عالم من أكبر علمائهم، نسأل الله جلت قدرته أن يتوب عليهم ليتوبوا.","vol":"1","page":789},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>ملحق الجزء الثالث: السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله -ﷺ</span>-\nبحث نشر في مجلة السيرة والسنة بجامعة قطر","vol":"1","page":790},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>تقديم</span>\nالحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.\nوالحمد لله الذى لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه، توجب على مؤدى ماضى نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكره بها. ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته. الذى هوكما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه. أحمده حمدًا كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله. وأستعينه استعانة من لا حول ولا قوة إلا به.\nوأستهديه بهداه الذى لا يضل من أنعم به عليه.\nوأستغفره لما أزلفت وأخرت، استغفار من يقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله (١) .\nأما بعد: فقد نزل القرآن الكريم مفرقًا فى ثلاث وعشرين سنة، قال تعالى فى سورة الإسراء: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ (٢) .\n_________\n(١) نقلت هذا من مقدمة الإمام الشافعى لرسالته فى أصول الفقه.\n(٢) الآية: ١٠٦.","vol":"1","page":790},{"text":"والرسول ﷺ. عندما يقرأ القرآن الكريم على الناس فإنما يقرأ، ويبين مراد الله تعالى.\nوكان منهج الصحابة. رضى الله تعالى عنهم - كما قال ابن مسعود: \" كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن، ونعمل بهن، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا. \" وكانوا يأخذون عن الرسول ﷺ ما يخفى عليهم من هذا العلم. وفى العهد المكى الذى نزلت فيه سورة الإسراء، نزل قوله تعالى فى الآية التاسعة والثمانين من سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ . وفى الآية الرابعة والأربعين من سورة النحل أيضًا نزل قوله ﷿: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ . فما البيان الذى جاء به القرآن الكريم؟ وما بيان الرسول ﷺ؟ وما العلاقة بين البيانين؟","vol":"1","page":791},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>بيان الكتاب والسنة</span>\nأولًا: من القرآن الكريم ما جاء البيان نصًا لا يحتاج إلى بيان آخر: كقوله ﵎:\n﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) .\nفحرف الواو كما يأتى للجمع قد يأتى للإباحة، فيحتمل أن يكون المتمتع مخيرًا بين صيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع، فمنع هذا الاحتمال بمزيد البيان ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ .\nومثل هذه الآية الكريمة ما يعرف فى أصول الفقه: بالمحكم، أو المفسر. إذا كان التفسير من القرآن الكريم نفسه، وهو كثير. وما كان قطعى الدلالة لا يحتمل التأويل، وهو أكثر.\n\nثانيًا: فى الآية الكريمة السابقة ذكر العمرة والحج، ولكن كيف نؤديهما؟\nفى قوله ﷿: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ بيان أن الصلاة مفروضة، وأن الزكاة مفروضة ولكن ما عدد الصلوات المفروضة؟ وكيف تؤدى؟ وما مواقيتها؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بالصلاة، وكذلك ما يتعلق بالزكاة.\n_________\n(١) الآية ١٩٦: سورة البقرة.","vol":"1","page":792},{"text":"كل هذا بينه الله ﷾ على لسان نبيه ﷺ، فأنزل الله عزوجل - الذكر بإحكام الفرض، وترك للرسول ﷺ بيان ما أنزل. وهذا أمر واضح جلى لا يحتاج إلى وقفة؛ فلا يستطيع أحد أن ينكره.\nومثل هذا بيان ما كان ظنى الدلالة، محتملًا للتأويل، كمطلق يقيد، وعام يخصص، إلى غير ذلك مما هو معلوم مشهور.\nثالثًا: جاءت السنة المطهرة بما ليس فيه نص من كتاب الله ﵎، وبيان الرسول ﷺ إنما هو عن الله تعالى؛ فقد بين القرآن الكريم وجوب طاعة الرسول ﷺ.\n\" فكل من قَبِل عن الله فرائضه فى كتابه، قبل عن رسول الله سننه، بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه. ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل، لما افترض الله من طاعته. فيجمع القبولُ لما فى كتاب الله ولسنة رسول الله، القبولَ لكل واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التى قبل بها عنهما \" (١) .\nوالآيات الكريمة التى تبين وجوب طاعة الرسول ﷺ، وأنها من طاعة الله عزوجل، وتحذر من مخالفة أمر الرسول ﷺ، هذه الآيات كثيرة، نكتفى هنا بذكر بعضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>القرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول ﷺ ويحذر من معصيته</span>\nقال الله ﷾: ﴿... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ . (٧: الحشر) .\n_________\n(١) الرسالة للإمام الشافعى ص ٣٣.","vol":"1","page":793},{"text":"وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (٥٩ النساء) .\nوقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (٣٦: ... الأحزاب) .\nوقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (٨٠: النساء) .\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١٠: الفتح) .\nوقال: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٦٥: النساء) .\nوقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ... أَلِيمٌ﴾ (٦٣: النور) .","vol":"1","page":794},{"text":"وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٥١ - ٥٢: النور)\nفهذه الآيات الكريمة فرضت طاعة الرسول ﷺ مقرونة بطاعة الله عزوجل، ومذكورة وحدها، وحذرت من يعصى أمر رسول الله، وحكمت عليه بالضلال المبين، وبعدم الإيمان، فطاعة الرسول الكريم طاعة الله ﵎. إذن بيان لسنة من بيان كتاب الله العزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>السنة وحى</span>\nولا يكون مثل هذا للرسول ﷺ إلا إذا كان معصومًا لا ينطق عن الهوى، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣، ٤: النجم) .\nوقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (٥٢، ٥٣: الشورى) .\nوفى آيتين كريمتين: إحداهما تخاطب الرسول ﷺ، والأخرى تخاطب المؤمنين، جاء البيان بأن الله ﷾ أنزل الكتاب والحكمة، وسيأتى فى كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هى السنة.\nوالآيتان هما قوله تعالى:] وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١١٣: النساء) .","vol":"1","page":795},{"text":"وقوله عزوجل: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ...﴾ (٢٣١: البقرة) .\nوإذا كان القرآن الكريم وحيًا منزلًا أمرنا باتباعه، والتعبد به وتلاوته، فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد والتلاوة. وروى عن الرسول ﷺ ما يبين وجوب طاعته، ويحذر من معصيته.\nفقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه والحاكم أن الرسول ﷺ قال: \" لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدرى، ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه \".\nوفى رواية لهم أيضًا: \" يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يحدث بحديثى، فيقول: بينى وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله \" (١) .\nوفى خطبته الشريفة فى حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال: \" وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا، كتاب الله وسنة نبيه \" (٢) .\n_________\n(١) انظر الروايتين، وبيان الشيخ أحمد شاكر لصحة الإسناد، فى الرسالة ص ٨٩: ٩١.\n(٢) راجع الخطبة فى السيرة النبوية لابن إسحاق التى جمعها ابن هشام ٤ / ٦٠٣ - ٦٠٤، والحديث رواه الإمام مالك فى الموطأ مرسلًا، ووصله ابن عبد البر - (انظر تنوير الحوالك ٢ / ٢٠٨) . ورواه الحاكم عن ابن عباس، وعن أبى هريرة، وبين صحة الحديث ووافقه الذهبى. ... (انظر المستدرك وتلخيصه ١ / ٩٣) .","vol":"1","page":796},{"text":"وروى أبو داود فى مراسيله عن حسان بن عطية قال: \" كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن \" (١) .\nوروى الدارمى عن محمد بن كثير، عن الأوزاعى، عن حسان قال: \" كان جبريل ينزل على النبى ﷺ بالسنة كما ينزل عليه القرآن \" (٢) ورواه الخطيب البغدادى فى الكفاية (ص ١٢) بسنده عن حسان بن عطية أيضًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>اعتصام السلف بالسنة</span>\nكان السلف الصالح متمسكًا بسنة الرسول ﷺ تمسكهم بالقرآن الكريم، فالكل وحى واجب الاتباع.\nففى صحيح البخارى نجد \" كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة \" ومما جاء فى هذا الكتاب: \" وكانت الأئمة بعد النبى ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداء بالنبى ﷺ \".\n_________\n(١) انظر قواعد التحديث للقاسمى - ما روى أن الحديث من الوحى - ص ٥٩، وراجع حكم مراسيل أبى داود فى رسالته إلى أهل مكة فى وصف سننه - ص ٢٤ - ٢٥، ٣٢.\n(٢) سنن الدارمى ١ / ١١٧. وهذه الرواية من المراسيل عن حسان أيضًا، وهو ثقة. قال خالد بن نزار: قلت للأوزاعى: حسان بن عطيه عن من قال؟ فقال لى: مثل حسان كنا نقول له: عن من؟ ! ... (انظر تهذيب التهذيب ٢ / ٢٥١) . والحديث ذكره السيوطى فى كتابه \" مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة - ص ٣١ \" وقال: أخرجه البيهقى بسنده عن حسان بن عطيه، وأخرجه الدارمى - وفى الحاشية أضاف المعلق: نعيم بن حماد فى زوائده، وابن نصر فى السنة، والخطيب فى الفقيه والمتفقه، وفى الكفاية، وابن عبد البر فى الجامع، وغيرهم، ثم قال: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":797},{"text":"ويوضح ما سبق ما رواه الإمام الدارمى فى باب التورع من الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.\nمن هذه الروايات أن أبا بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه - كان إذا ورد عليه الخصم نظر فى كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به، وإن لم يكن فى الكتاب وعلم من رسول الله فى ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتانى كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فى ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به.\nوموقف الصديق من ميراث الجدة معلوم مشهور، حيث توقف \" لا أجد لك فى كتاب الله شيئًا \" إلى أن بلغه حكم رسول الله ﷺ، فأعطاها السدس.\nومن روايات سنن الدارمى أيضًا أن عمر بن الخطاب ﵁، كتب إلى شريح \" إذا جاءك شىء فى كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به \".\nومنها أن ابن عمر لقى جابر بن زيد فقال له: \" يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت \".\nومنها أن عبد الله بن مسعود قال: \" أتى علينا زمان لسنا نقضى ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما فى كتاب الله ﷿، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله ولم يقض به رسول الله فليقض بما قضى به الصالحون \".","vol":"1","page":798},{"text":"ومما يبين ما جاء فى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ما رواه هو ومسلم وأحمد وغيرهم، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أذكر الله امرأ سمع النبى ﷺ فى الجنين شيئًا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جارتين لى، يعنى ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة، فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره. وقال غيره: إن كدنا أن نقضى فى مثل هذا برأينا.\nوروى الإمام الشافعى بسنده عن سعيد بن المسيب: \" أن عمر بن الخطاب قضى فى الإبهام بخمس عشرة، وفى التى تليها بعشر، وفى الوسطى بعشر، وفى التى تلى الخنصر بتسع، وفى الخنصر بست \".\nثم قال الشافعى: لما كان معروفًا - والله أعلم - عند عمر أن النبى قضى فى اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، نزلها منازلها، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فهذا قياس على الخبر.\nفلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم، فيه: أن رسول الله قال: \" وفى كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل \"، صاروا إليه ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله.\nوفى الحديث دلالتان:\nأحدهما: قبول الخبر والآخر: أن يقبل الخبر فى الوقت الذى يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذى قبلوا.\nودلالة على أنه لو مضى أيضًا عمل من أحد من الأئمة، ثم وجد خبر عن النبى ﷺ يخالف عمله، لترك عمله لخبر رسول الله.\nودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه، لا بعمل غيره بعده.","vol":"1","page":799},{"text":"ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله، وترك كل عمل خالفه.\nولو بلغ عمر هذا صار إليه، إن شاء الله، كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله، بتقواه لله، وتأديته الواجب عليه فى اتباع أمر رسول الله، وعلمه، وبأن ليس لأحد مع رسول الله أمر، وأن طاعة الله فى اتباع أمر رسول الله.\nثم أيد الإمام الشافعى قوله السابق، فروى بسنده أن عمر بن الخطاب كان يقول: \" الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا \"، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه: \" أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته، فرجع إليه عمر \" (١) . ولمكانة السنة عند الصحابة الكرام، وجدنا منهم من يرحل لطلب حديث واحد.\nروى البخارى فى الأدب المفرد بسنده عن ابن عقيل، \" أن جابر بن عبد الله حدثه، أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبى ﷺ. فابتعت بعيرًا، فشددت إليه رحلى شهرًا، حتى قدمت الشام. فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابرًا بالباب. فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج فاعتنقنى. قلت: حديث بلغنى لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت ... إلخ \" (٢) .\nوروى الحميدى فى مسنده (١ / ١٨٩)، وبسنده عن عطاء بن أبى رباح قال: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر، وهو بمصر، يسأله عن حديث سمعه\n_________\n(١) انظر الرسالة ص ٤٢٢: ٤٢٦، واقرأ فى الحاشية تعليق الشيخ أحمد شاكر وتخريجه للروايات.\n(٢) انظر الأدب المفرد ٢ / ٤٣٣ - باب المعانقة. ورواه الحاكم فى المستدرك (٤ /٥٧٤ ـ٥٧٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى على التصحيح.","vol":"1","page":800},{"text":"من رسول الله ﷺ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره وغير عقبة، فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى، وهو أمير مصر، فأخبر به، فجعل فخرج إليه فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟\nفقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيرى وغير عقبة، فابعث من يدلنى على منزله. قال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة به فعجل فخرج إليه فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ، لم يبق أحد سمعه غيرى وغيرك فى ستر المؤمن. قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من ستر مؤمنًا فى الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة \".\nفقال له أبو أيوب: صدقت. ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعًا إلى المدينة، فما أدركته جايزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر.\nهذان مثلان، فيهما من الدلالة ما يكفى ويغنى، والرحلة فى طلب الحديث معلومة مشهورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت</span>\nإذن كان السلف الصالح متمسكًا بسنة رسول الله ﷺ، تمسكهم بكتاب الله العزيز، غير أن فرقة شذت فى عصر الإمام الشافعى، فردت سنة رسول الله ﷺ، ورأت أنها لا تقدم مع الكتاب الذى أنزله الله تبيانًا لكل شىء. وأشار الإمام الشافعى إلى هذه الفرقة، وذكر حواره مع واحد منها فى كتاب جماع العلم، فى الجزء السابع من كتابه الأم (ص ٢٥٠) .\nوقد بدأ الإمام كتاب جماع العلم بقوله:\nلم أسمع أحدًا نسبه الناس، أونسب نفسه إلى علم، يخالف فى أن فرض الله ﷿ اتباع أمر رسول الله ﷺ، والتسليم لحكمه، بأن الله ﷿ لم يجعل لمن","vol":"1","page":801},{"text":"بعده إلا اتباعه. وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله تعالى علينا، وعلى من بعدنا وقبلنا، فى قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد لا يختلف فى أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى. ثم قال ﵀ وجزاه خيرًا:\n\nباب حكاية قول الطائفة التى ردت الأخبار كلها\nقال الشافعى رحمه الله تعالى: قال لى قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه: أنت عربى، والقرآن نزل بلسان من أنت منه، وأنت أدرى بحفظه، وفيه لله فرائض أنزلها، لو شك شاك - قد تلبس عليه القرآن بحرف منها - استتبته، فإن تاب وإلا قتلته. وقد قال الله ﷿ فى القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ . فكيف جاز عند نفسك، أو لأحد فى شىء فرض الله - أن يقول مرة: الفرض فيه عام، ومرة: الفرض فيه خاص، ومرة: الأمر فيه فرض، ومرة: الأمر فيه دلالة، وإن شاء: ذو إباحة؟\nوأكثر ما فرقت بينه من هذا عندك حديث ترويه عن رجل عن آخر عن آخر، أو حديثان أو ثلاثة، حتى تبلغ به رسول الله ﷺ. وقد وجدتك ومن ذهب مذهبك لا تبرءون أحدًا لقيتموه وقدمتموه فى الصدق والحفظ، ولا أحدًا لقيت ممن لقيتم ـ: من أن يغلط وينسى ويخطئ فى حديثه. بل وجدتكم تقولون بغير واحد منهم: أخطأ فلان فى حديث كذا، وفلان فى حديث كذا. ووجدتكم تقولون، لو قال رجل لحديث أحللتم به وحرمتم من علم الخاصة: لم يقل هذا رسول الله ﷺ، إنما أخطأتم أو من حدثكم، وكذبتم أو من حدثكم ـ: لم تستتيبوه، ولم تزيدوا: على أن تقولوا: بئس ما قلت.","vol":"1","page":802},{"text":"أفيجوز أن يفرق بين شىء من أحكام القرآن، وظاهره واحد عند من سمعه ـ: يخبر من هو كما وصفتم فيه؟ وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله، وإنكم تعطون بها وتمنعون بها؟\nقال: فقلت: إنما نعطى من وجه الإحاطه، أو من جهة الخبر الصادق، وجهة القياس. وأسبابها عندنا مختلفة، وإن أعطينا بها كلها فبعضها أثبت من بعض.\nقال: ومثل ماذا؟\nقلت: إعطائى من الرجل بإقراره، وبالبينه، وإبائه اليمين وحلف صاحبه. والإقرار أقوى من البينة، والبينة أقوى من إباء اليمين ويمين صاحبه. ونحن وإن أعطينا عطاء بها واحدًا فأسبابها مختلفة.\nقال: وإذا قمتم على أن تقبلوا أخبارهم، وفيهم ما ذكرت من أمركم بقبول أخبارهم، وما حجتكم فيه على من ردها؟\nفقال: لا أقبل منها شيئًا إذا كان يمكن فيه الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله، كما أشهد بكتابه، الذى لا يسع أحدًا الشك فى حرف منه. أو يجوز أن يقوم شئ مقام الإحاطة وليس بها؟\nفقلت له: من علم اللسان الذى به كتاب الله وأحكام الله، دله علمه بهما على قبول أخبار الصادقين عن رسول الله ﷺ، والفرق بين ما دل رسول الله ﷺ على الفرق بينه من أحكام الله. وعلم بذلك مكان رسول الله ﷺ. إذ كنت لم تشاهده خبر الخاصة وخبر العامة.\nقال: نعم.\nقلت: فقد رددتها إذ كنت تدين بما تقول!\nقال: أفتوجدنى مثل هذا، مما تقوم بذلك الحجة فى قبول الخبر؟ فإن أوجدته كانت أزيد فى إيضاح حجتك، وأثبت للحجة على من خالفك، وأطيب لنفس من رجع من قوله لقولك.\nـ","vol":"1","page":803},{"text":"فقلت: إن سلكت سبيل النصفة، كان فى بعض ما قلت دليل على أنك مقيم من قولك على ما يجب عليك الانتقال عنه. وأنت تعلم أن قد طالت غفلتك فيه عما لا ينبغى أن تغفل من أمر دينك.\nقال: فاذكر شيئًا إن حضرك؟\nقلت: قال الله عزوجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ .\nقال: فقد علمنا أن الكتاب كتاب الله، فما الحكمة؟\nقلت: سنة رسول الله ﷺ.\nقال: أفيحتمل أن يكون يعلمهم الكتاب جملة، والحكمة خاصة، وهى أحكامه؟\nقلت: تعنى بأن يبين لهم عن الله عزوعلا مثل ما بين لهم فى جملة الفرائض، من الصلاة والزكاة والحج وغيرها، فيكون قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه، وبين كيف هى لسان نبيه ﷺ.\nقال: إنه ليحتمل ذلك.\nقلت: فإن ذهبت هذا المذهب فهى فى معنى الأول قبله، الذى لا تصل إليه إلا بخبر عن رسول الله ﷺ.\nقال: فإن ذهبت مذهب تكرير الكلام؟\nقلت: وأيهم أولى به إذا ذكر الكتاب والحكمة: أن يكونا شيئين أو شيئًا واحدًا؟\nقال: يحتمل أن يكونا كما وصفت، كتابًا وسنة، فيكونا شيئين، ويحتمل أن يكونا شيئًا واحدًا.","vol":"1","page":804},{"text":"قلت: فأظهرهما أولاهما فى القرآن دلالة على ما قلنا، وخلاف ما ذهبت إليه.\nقال: وأين هى؟\nقلت: قول الله عزوجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ فأخبر أنه يتلى فى بيوتهن شيئان.\nقال: فهذا القرآن يتلى، فكيف تتلى الحكمة؟\nقلت: إنما معنى التلاوة أن ينطق بالقرآن والسنة، كما ينطق بها.\nقال: فهذه أبين فى أن الحكمة غير القرآن من الأولى.\nوقلت: افترض الله علينا اتباع نبيه ﷺ.\nقال: وأين؟\nقلت: قال الله عزوجل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ .\nوقال عزوجل: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ .\nوقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .\nقال: ما من شئ أولى بنا أن نقوله فى الحكمة: من أنها سنة رسول الله ﷺ، ولو كان بعض ما قال أصحابنا: أن الله أمر بالتسليم بحكم رسول الله ﷺ، وحكمته إنما هو مما أنزله - لكان من لم يسلم، له أن ينسب إلى التسليم لحكم رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":805},{"text":"قلت: لقد فرض الله عزوجل علينا اتباع أمره فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ .\nقال: إنه لبين فى التنزيل أن علينا فرضًا أن نأخذ الذى أمرنا به، وننتهى عما نهانا رسول الله ﷺ.\nقال: قلت: والفرض علينا وعلى من هو من قبلنا ومن بعدنا واحد؟\nقال: نعم.\nقلت: فإن كان ذلك علينا فرضًا فى اتباع أمر رسول الله ﷺ: أنحيط أنه إذا فرض علينا شيئًا فقد دلنا على الأمر الذى يؤخذ به فرضه؟\nقال: نعم.\nقلت: فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عزوجل فى اتباع أوامر رسول الله ﷺ، أو أحد قبلك أو بعدك، ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ إلا بالخبر عن رسول الله ﷺ؟\nوإن فى أن لا آخذ ذلك إلا بالخبر لما دلنى على أن الله أوجب على أن أقبل عن رسول الله ﷺ.\n*****\nقال: وقلت له أيضًا: يلزمك هذا فى ناسخ القرآن ومنسوخه.\nقال: فاذكر منه شيئًا؟\nقلت - قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ .","vol":"1","page":806},{"text":"وقال فى الفرائض: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ .\nفزعمنا بالخبر عن رسول الله ﷺ أن آية الفرائض نسخت الوصية للوالدين والأقربين. فلو كنا ممن لا يقبل الخبر فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض، هل نجد الحجة عليه إلا بخبر عن رسول الله ﷺ؟ !\nقال: هذا شبيه بالكتاب والحكمة، والحجة لك ثابتة بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله ﷺ. وقد صرت إلى: قبول الخبر لزم للمسلمين، لما ذكرت وما فى مثل معانيه من كتاب الله. وليست تدخلنى أنفة من إظهار الانتقال عما كنت أرى إلى غيره، إذا بانت الحجة فيه، بل أتدين بأن على الرجوع عما كنت أرى إلى ما رأيت الحق.\nولكن أرأيت العام فى القرآن، كيف جعلته عامًا مرة، وخاصًا أخرى؟\nقلت له: لسان العرب واسع. وقد تنطق بالشىء عامًا تريد به الخاص فيبين فى لفظها. ولست أصير فى ذلك بخبر إلا بخبر لازم. وكذلك أنزل فى القرآن، فبين فى القرآن مرة، وفى السنة أخرى.\nقال: فاذكر منها شيئًا؟\nقلت: قال الله عزوجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . فكان مخرجًا بالقول عامًا يراد به العام.\nوقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . فكل نفس مخلوقه من ذكر وأنثى فهذا عام يراد به العام.","vol":"1","page":807},{"text":"وفيه الخصوص: وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . فالتقوى وخلافها لا تكون إلا للبالغين غير المغلوبين على عقولهم.\nوقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ . وقد أحاط العلم أن كل الناس فى زمان رسول الله ﷺ لم يكونوا يدعون من دونه شيئًا، لأن فيهم المؤمن. ومخرج الكلام عامًا فإنما أريد من كان هكذا.\nوقال: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ دل على أن العادين فيه أهلها دونها.\nوذكرت له أشياء مما كتبت فى (كتابى) (١) .\nفقال: هو كما قلت كله. ولكن بين لى العام الذى لا يوجد فى كتاب الله أنه أريد به خاص؟\nقلت فرض الله الصلاة. ألست تجدها على الناس عامًا؟\nقال: بلى.\nقلت: وتجد الحيض مخرجات منه؟\nقال: نعم.\nوقلت: وتجد الزكاة على الأموال عامة، وتجد بعض الأموال مخرجًا منها؟\nقال: بلى.\n_________\n(١) مراد الإمام الشافعى بكتابه: الرسالة. قال فى ص ٦٢: \" فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآية ـ: دل ذلك على أنه إنما أراد أهل القرية، لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان فى السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون \".","vol":"1","page":808},{"text":"قلت: وتجد الوصية للوالدين منسوخة بالفرائض؟\nقال: نعم.\nقلت: وفرض المواريث للآباء وللأمهات والولد عامًا، ولم يورث المسلمون كافرًا من مسلم، ولا عبدًا من حر، ولا قاتلًا ممن قتل: بالسنة؟\nقال: نعم. ونحن نقول ببعض هذا.\nقلت: فما دلك على هذا؟\nقال: السنة. لأنه ليس فيه نص قرآن.\nقلت: فقد بان لك فى أحكام الله تعالى فى كتابه فرض الله طاعة رسوله، والموضع الذى وضعه الله ﷿ به، من الإبانة عنه: ما أنزل خاصًا وناسخًا ومنسوخًا؟\nقال: نعم. وما زلت أقول بخلاف هذا، حتى بان لى خطأ من ذهب هذا المذهب. ولقد ذهب فيه أناس مذهبين: أحد الفريقين لا يقبل خبرًا، وفى كتاب الله البيان.\nقلت: فما لزمه؟\nقال: أفضى به ذلك إلى عظيم من الأمر، فقال: من جاء بما يقع عليه اسم \" صلاة \" وأقل ما يقع عليه اسم \" زكاة \" فقد أدى ما عليه، لا وقت فى ذلك، ولو صلى ركعتين فى كل يوم، أو قال: فى كل أيام! وقال: ما لم يكن فيه كتاب الله فليس على أحد فيه فرض!\nوقال غيره: ما كان فيه قرآن يقبل فيه الخبر! فقال بقريب من قوله فيما ليس فيه قرآن. فدخل عليه ما دخل على أو قريب منه. ودخل عليه أن صار إلى قبول الخبر بعد رده. وصار إلى أن لا يعرف ناسخًا ولا منسوخًا، ولا خاصًا ولا عامًا.\nوالخطأ ومذهب الضلال فى هذين المذهبين واضح، لست أقول بواحد منهما.\nولكن هل من حجة فى أن تبيح المحرم بإحاطة بغير إحاطة؟\nقلت: نعم.","vol":"1","page":809},{"text":"قال: ما هو؟\nقلت: ما تقول فى هذا، لرجل إلى جنبى، أمحرم الدم والمال؟\nقال: نعم.\nقلت: فإن شهد عليه شاهدان بأنه قتل رجلًا وأخذ ماله، فهو هذا الذى فى يديه؟\nقال: أقتله قودًا، وأدفع ماله الذى فى يديه إلى ورثة المشهود له.\nقال: قلت: أو يمكن فى الشاهدين أن يشهدا بالكذب والغلط؟\nقال: نعم.\nقلت: فكيف أبحت الدم والمال، المحرمين بإحاطة ـ: بشاهدين، وليسا بإحاطة؟\nقال: أمرت بقبول الشهادة.\nقلت: أفتجد فى كتاب الله تعالى نصًا أن تقبل الشهادة على القتل؟\nقال: لا. ولكن استدلالًا أنى لا أؤمر بها إلا بمعنى.\nقلت: أفيحتمل ذلك المعنى أن يكون لحكم غير القتل، ما كان القتل يحتمل القود والدية؟\nقال: فإن الحجة فى هذا: أن المسلمين إذا اجتمعوا أن القتل بشاهدين فقلنا: الكتاب محتمل لمعنى ما أجمعوا عليه، وأن لا تخطئ عامتهم معنى كتاب الله، وإن أخطأ بعضهم.\nفقلت له: أراك قد رجعت إلى قبول الخبر عن رسول الله ﷺ، والإجماع دونه؟ !\nقال: ذلك الواجب على.\nوقلت له: أتجدك إذا أبحت الدم والمال المحرمين بإحاطة ـ: بشهادة، وهى غير إحاطة؟\nقال: كذلك أمرت.","vol":"1","page":810},{"text":"قلت: فإن كنت أمرت بذلك على صدق الشاهدين فى الظاهر، فقبلتهما على الظاهر، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنا لنطلب فى المحدث أكثر مما نطلب فى الشاهد، فنجيز شهادة بشر لا نقبل حديث واحد منهم.\nونجد الدلالة على صدق المحدث وغلطه ممن شركه من الحفاظ، وبالكتاب والسنة. ففى هذا دلالات. ولا يمكن هذا فى الشهادات.\nقال: فأقام على ما وصفت من التفريق فى رد الخبر، وقبول بعضه مرة ورد مثله أخرى، مع ما وصفت فى بيان الخطأ فيه، وما يلزمهم اختلاف أقاويلهم.\nوفيما وصفنا ههنا، وفى الكتاب قبل هذا - دليل على الحجة عليهم وعلى غيرهم.\nفقال لى: قد قبلت منك أن أقبل الخبر عن رسول الله ﷺ، وعلمت أن الدلالة على معنى ما أراد بما وصفت من فرض الله وطاعته، فأنا إذا قبلت خبره فعن الله قبلت ما أجمع عليه المسلمون فلم يختلفوا فيه، وعلمت ما ذكرت من أنهم لا يجتمعون ولا يختلفون إلا على حق، إن شاء الله تعالى ... إلخ.\n\n*****\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>بعد الإمام الشافعى</span>\nهذا هو حوار الإمام الشافعى الذى هدى من حاوره بعد ضلال، ولكن هداية هذا الرجل لا تعنى عدم ضلال الطائفة.\nويأتى القرن الثالث، الذى توفى الإمام الشافعى فى العام الرابع من بدايته، ليكون العصر الذهبى لجمع السنة وتنقيتها وتدوينها، حيث دون مسند الإمام أحمد، والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، وغيرها من الكتب الأخرى: كسنن سعيد بن","vol":"1","page":811},{"text":"منصور، والدارمى، ومسانيد إسحاق بن راهويه، وبقى بن مخلد، والبزار، وأبى يعلى. غير أن ذاك القرن ضم أيضًا من حاول هدم السنة المطهرة.\nننظر مثلًا إلى كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، فنراه جعل كتابه فى الرد على أعداء أهل الحديث، والجمع بين الأخبار التى ادعوا عليها التناقض والاختلاف، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأى. ولا يكتفى ابن قتيبة بالرد على الشبه، وبيان سوء فهم من أثاروا تلك الشبه، وإنما يتحدث عن الأشخاص أنفسهم الذين أثاروها حتى يعرف القارئ سبب عدائهم لأهل الحديث.\nفيذكر منهم النظام ويقول: وجدنا النظام شاطرًا من الشطار، يغدو على سكر، ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها، ويدخل فى الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات ... إلخ.\nوذكر أن النظام خرج على إجماع الأمة، وطعن فى أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة، ثم عقب ابن قتيبة بعد هذا بقوله: هذا هو قوله - أى النظام - فى جلة أصحاب رسول الله ﷺ، ورضى عنهم، كأنه لم يسمع بقول الله ﷿ فى كتابه الكريم: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى آخر السورة، ولم يسمع بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) .\nوبعد حديثه عن النظام، ورده عليه يقول: ثم نصير إلى قول أبى هذيل العلاف فنجده كذابًا أفاكًا ... إلخ.\n_________\n(١) راجع حديثه عن النظام، ومناقشته له فى ص ١٧: ٤٢.","vol":"1","page":812},{"text":"وهكذا استمر ابن قتيبة فى كتابه.\nوكان أسوأ وأشد خطرًا من هؤلاء الذين تحدث عنهم، قوم اتخذوا لأنفسهم سنة خاصة تختلف عن مفهوم السنة عند الأمة، فأشركوا مع الرسول ﷺ فى العصمة ووجوب الاتباع أشخاصًا اعتبروهم أئمة طائفتهم، ووضعوا الأخبار فى ظلمات هذا المفهوم، وفى ظلماته أيضًا كتبوا فى الجرح والتعديل.\nشهد القرن الثالث ثلاثة من كتب هؤلاء، وبالرجوع إليها نجد أنها تطعن فى خير الناس: صحابة رسول الله ﷺ، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وتذكر أن القرآن الكريم حرف نصًا ومعنى، وجاء الطعن والقول بالتحريف فى روايات مفتراه، اعتبروها صحيحة بمقياسهم.\nوألف كتاب رابع لتلميذ لأحد أصحاب الكتب الثلاثة، واعتبر هذا الكتاب الكتاب الأول فى الحديث عندهم، وعندما قرأته وجدت صاحبه قد ضل ضلالًا بعيدًا، ووضع من المفتريات ما لا يستطيع أن يتصوره أى مسلم. وعندما رجعت لكتب الجرح والتعديل عندهم وجدت آثار هذه الظلمات: فصاحب الكتاب الرابع ثقة الإسلام! وشيخه ليس ثقة فحسب، بل كل من وثقهم وروى عنهم فهم ثقات! ولا يعتبر الحديث صحيحًا إلا إذا كان الرواة كلهم جميعًا من طائفتهم.\nوالجرح عندهم سيئ للغاية، ولذلك أكتفى بالإشارة السريعة. فأذكر هذه النماذج:\nعثمان بن عفان الأموى خليفة العامة: ضعيف.\nعبد الله بن عمر بن الخطاب: الخبيث، ضعيف.\nعبد الرحمن بن عوف: من أضعف الضعفاء.\nالمغيرة بن شعبة: صحابى فى غاية الضعف.\nمحمد بن أبى بكر بن أبى قحافة: من أجلاء الثقات، وتربى فى بيت سوء.\nمعاوية بن أبى سفيان: زندقته أشهر من كفر إبليس.","vol":"1","page":813},{"text":"هذه نماذج قليلة، نجد منها أكثر من عشرة آلاف فى كتاب واحد، وهى مع قلتها تكشف ضلال هؤلاء فى جرحهم وتعديلهم.\nوأذكر هنا أن أحد هذه الكتب الثلاثة التى رزئ بها القرن الثالث وصل إليه المستشرقون، فاعتمدوا عليه فى طعنهم فى القرآن الكريم، وهكذا أخذ أعداء الله سلاحهم فى الطعن فى الإسلام من قوم انتسبوا للإسلام.\nوأذكر أيضًا أن معاوية بن أبى سفيان، وهو من الأمناء، أحد كتاب الوحى لرسول الله ﷺ، قام ابن الوزير اليمانى من الشيعة الزيدية، بتتبع أحاديثه، فوجد أن ما صح عنه من أحاديث الأحكام ثلاثون حديثًا كلها صحيحة مروية من طرق أخرى ليس فيها معاوية، كما لم يصح أى حديث عنه، فيه طعن فى على بن أبى طالب - رضى الله تعالى عنهم جميعًا. ولعل فى هذا ما يدمغ أولئك الطاعنين.\n\n*****\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>فى عصر السيوطى</span>\nوفى هذه العجالة التى لا تهدف إلى الحصر والاستقصاء، ننتقل من القرن الثالث إلى القرن التاسع، فنرى الإمام السيوطى يؤلف كتابًا تحت عنوان \" مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة \". وبين سبب تأليف كتابه فقال:\nاعلموا - يرحمكم الله - أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه فى هذا الزمان وكان دارسًا - بحمد الله تعالى - منذ أزمان وهو أن قائلًا رافضيًا زنديقًا أكثر فى كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علوًا وشرفًا - لا يحتج بها، وأن الحجة فى القرآن خاصة، وأورد على ذلك حديث: \" ما جاءكم عنى","vol":"1","page":814},{"text":"من حديث فاعرضوه على القرآن، فإن وجدتم له أصلًا فخذوا به وإلا فردوه. \" (١)\n_________\n(١) ذكر الإمام الشافعى فى رسالته، تحت باب العلل فى الأحاديث، قول قائل: أفتجد حجة على من روى أن النبى - ﷺ - قال: \" ما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله \"؟ وأجاب: فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه فى شئ صغر ولا كبر، فيقال لنا: قد ثبتم حديث من روى هذا فى شىء. (الرسالة ٢٢٤ - ٢٢٥) . وقال السخاوى فى تخريج الحديث: قال الدارقطنى: إن أشعث تفرد به. انتهى\n\nوهو شديد الضعف، والحديث منكر جدًا. استنكره العقيلى وقال: إنه ليس له إسناد يصح. (المقاصد الحسنة ١ / ٣٦) . وذكر العجلونى قول السخاوى، وقال: قال الصغائى: هو موضوع (انظر كشف الخفاء ١ / ٨٦) . وقال ابن حزم فى رواية لحديث عرض السنة على القرآن: رواه الحسين بن عبد الله، وهوساقط متهم بالزندقة. (الإحكام المجلد الأول ص ٢٥٠) وفى رواية أخرى رواها أشعث قال: أشعث بن بزار كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه. (ص ٢٥٢) وتتبع الروايات المختلفه للحديث، وبين سبب رفضه لها، ثم قال: أول ما نعرض على القرآن الحديث الذى ذكرتموه، فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ . وقال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ . وقال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ . ونسأل قائل هذا القول الفاسد: فى أى قرآن وجد أن الظهر اربع ركعات؟ وأن المغرب ... إلخ (ص ٢٥٢ - ٢٥٣) ثم قال ابن حزم: ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا فى القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكن لا يلزمه إلا ركعه ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر فى ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم \". (ص ٢٥٣ - ٢٥٤ من الإحكام المجلد الأول) . *وقال الشيخ شاكر فى تخريج الحديث: هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة، كلها موضوع أو بالغ الغاية فى الضعف، حتى لا يصلح شىء منها للاحتجاج أو الاستشهاد. ثم أفاض فى بيانه - انظر حاشية ص ٢٢٤، ٢٢٥ من الرسالة.","vol":"1","page":815},{"text":"هكذا سمعت الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيرى، فمنهم من لا يلقى لذلك بالًا، ومنهم من لا يعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء.\nفأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك.\nفاعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر كون حديث النبى ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف فى الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة.\nروى الإمام الشافعى ﵁ يومًا حديثًا، وقال إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فاضطرب وقال: يا هذا! أرأيتنى خارجًا من كنيسة؟ أرأيت فى وسطى زنارًا؟ أروى حديثًا عن رسول الله ﷺ ولا أقول به؟\nوأصل هذا الرأى الفاسد أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن، وهم فى ذلك مختلفو المقاصد، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلى وأن جبريل ﵇ أخطأ فى نزوله إلى سيد المرسلين ﷺ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ومنهم من أقر للنبى ﷺ بالنبوة، ولكن قال: إن الخلافة كانت حقًا لعلى ... إلخ.\nثم قال السيوطى بعد ذلك:\nوهذه آراء ما كنت أستحل حكايتها، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذى كان الناس فى راحة منه من أعصار.","vol":"1","page":816},{"text":"وقد كان أهل هذا الرأى موجودين بكثرة فى زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم، وتصدى الأئمة الأربعة وأصحابهم فى دروسهم ومناظراتهم للرد عليهم، وسأسوق إن شاء الله جملة من ذلك، والله الموفق (١) .\nوالكتاب طبع فى ستين ومائة صفحة، فارجع إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>الطاعنون فى العصر الحديث</span>\nوننتقل بعد هذا إلى عصرنا الحديث، حيث زادت الطامة، وكثر الطاعنون، وهم أصناف:\nفمنهم بقايا الفرق، وأشرت إلى بعضهم آنفًا. وهم لا يكتفون بما فى كتبهم من ضلال. ولكنهم من وقت لآخر يثيرون ما يريدون به هدم السنة: كالطعن فى صحابى جليل راوية، أو راو أجمعت الأمة على توثيقه. أو كتاب صحيح تلقته الأمة بالقبول ... إلخ\nومنهم من يطعن لجهله ما يتصل بالسنة، فيتشكك ويشكك فى ثبوتها. وهو لا يدرى أن البشرية كلها فى تاريخها الطويل لم تعرف علمًا نقل من جيل إلى جيل بالدقة التى نقل بها حديث رسول الله ﷺ. ولو رجع إلى كتب مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وشروح السنة لاستراح وأراح.\nومنهم من دفعه هذا الجهل إلى القول بأن القرآن الكريم وحده يكفى، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ .\nوهذا جهل بالكتاب والسنة معًا، ووقوع فيما حذر منه الله ﷿، ورسوله ﷺ، وردة إلى قول الطائفة التى ذكرها الإمام الشافعى. ولو أن هؤلاء قرأوا حوار الشافعى، وتدبروا ما ذكرنا من آيات كريمة، وأحاديث شريفة، لأدركوا\n_________\n(١) انظر الكتاب المذكور ص ١١ - ١٢.","vol":"1","page":817},{"text":"مدى ضلالهم وبعدهم عن سواء السبيل. والعجيب أن هؤلاء أسموا أنفسهم بالقرآنيين، والقرآن نفسه يشهد على بطلان دعواهم.\nومنهم من جعل عقله حكمًا لرفض أحاديث صحت سندًا ومتنًا، بل فى أرقى مراتب الصحاح، كالأحاديث الثابتة المتعلقة بالغيبيات مثل الجنة، والنار، وعلامات الساعة، والملائكة، والجن. ومن المعلوم أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم، ولكن كيف نقيس الغائب على الشاهد، وكيف نحكم العقل فى أمور لا نعرف شيئًا عنها، إلا بالنقل الصحيح، فمتى ثبت النقل لزم التسليم. أحيانا ترى جاهلًا مغرورًا يقف أمام حديث متفق عليه ويقول: هذا مرفوض عقلا! وكان عليه أن يسأل نفسه: أكان البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بلا عقول؟ بل أعاشت الأمة أربعة عشر قرنًا بغير عقل حتى جاء بعقله ليستدرك عليها؟ !\nومن أسوأ الطاعنين فى عصرنا المستشرقون، وأشد منهم خطرًا تلامذتهم المقلدون التابعون لهم.\nوالمستشرقون طعنوا فى القرآن الكريم نفسه كما أشرت من قبل، أما السنة فقد أنكروا وجود سنة يتصل سندها إلى الرسول ﷺ، وقالوا بأن أقصى اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول. ومعنى ذلك أن السنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعًا من اختراعات المسلمين المتأخرين، أرادو أن يثبتوا أحكامًا فنسبوها للرسول ﷺ. ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان لهم دور كبير فى السنة، فمثلا طعنوا فى أبى هريرة الصحابى الجليل رضى الله تعالى عنه، الذى روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين، وهو كما قال الإمام الشافعى \" أثبت من روى الحديث فى دهره \"، وطعنوا فى ابن شهاب الزهرى، الإمام الحجة الثبت، أول من استجاب لعمر بن عبد العزيز فى جمع السنة ... . وهكذا.\nثم ظهر اتجاه آخر عندهم، اعتبره بعضهم هدمًا للفكر الاستشراقى، ولذلك ثاروا على القائلين به، مع أنه فى النهاية يصل إلى البهتان نفسه.","vol":"1","page":818},{"text":"ويقوم هذا الاتجاه الخبيث على الاعتراف أولًا بأن السنة لها أصل، وذلك حتى يضلل جهلة المسلمين بالتظاهر بأنه لا ينكر وجود أصل للسنة، ولكن بعد هذا الاعتراف تأتى محاولة الهدم، فيقولون: إن المدارس الإسلامية الأولى لم تستطع أن تحدد ما يعتبر من أقوال محمد وما لا يعتبر من أقواله، لأن السند لم يكن معروفًا عندهم، فكانت كلمة سنة تعنى الرأى المقبول لدى جمهور علماء المدرسة، ثم نسبوا هذه الأقوال المقبولة لدى المدرسة إلى الصحابة حتى تكون أكثر قبولًا، ثم نسبوها بعد ذلك إلى الرسول ﷺ (١) .\nومعنى هذا أنهم يريدون أن يصلوا فى النهاية إلى التشكيك فى السنة كلها.\nهؤلاء القوم لا يعرفون الإسناد، فكتبهم المقدسة ذاتها بغير إسناد، ولذلك فهى محرفة مزورة، ولكن لا شك أنهم قرأوا عن جمع السنة وتنقيتها، وشروط رجال الحديث، وعرفوا أن الأمة الإسلامية فاقت الخلق جميعًا بهذا الإسناد، ولكن ماذا ننتظر من مستشرق يهودى أو صليبى حاقد على الإسلام وأهله، مريد هدمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا؟\nفلا ننتظر من أعداء الإسلام إلا مثل هذه المحاولات، وإن كنا مطمئنين تمامًا إلى أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون، فالله ﷿ لم يترك حفظ القرآن الكريم كما ترك غيره للأحبار والرهبان فضيعوه، وإنما تعهد بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما تعهد ببيانه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، ومن تمام حفظ القرآن الكريم حفظ السنة المطهرة وهى المبينة له.\n_________\n(١) بين هذا الاتجاه مفصلًا الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا فى إحدى محاضرات رئاسة المحاكم الشرعية (لعام ١٤٠٥ هـ) بدولة قطر.","vol":"1","page":819},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>أهذا مفكر إسلامى</span>؟ !\nالأمر العجيب الغريب حقًا أن نجد من المسلمين من يردد قول المستشرقين، ومن يصبح لهم تبعًا، ومن يعجب بأقوالهم فيذكرها منسوبة إليهم، أو يذكرها وينسبها لنفسه!\nذكر المرحوم الدكتور مصطفى السباعى أن الدكتور على حسن عبد القادر عندما ألف كتابًا، وذكر فيه شبه المستشرقين، وطعنهم فى الإمام الزهرى، فثار عليه الأزهر، قال له الأستاذ أحمد أمين: \" إن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسبًا من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك، وألبسها ثوبًا رقيقًا لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا فى فجر الإسلام وضحى الإسلام \"!\nوالشيخ السباعى ﵀ ناقش المستشرقين وأتباعهم، وبين تهافت وسخف أقوالهم فى كتابه \" السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى \"، غير أنه لم يعش ليرى ثمرة غرس أحمد أمين، فقد ربى أبناءه فى هذه البيئة التى تتضح من نصيحته الدكتور عبد القادر، ولا شك أنه نصح ابنه نصائح أدهى وأمر، ولذلك جاء الابن أسوأ بكثير من أبيه. أخذ حسين بنصيحة أبيه أحمد أمين فى سرقة كلام المستشرقين، لكنه لم يختر ما يراه مناسبًا بل لم يتردد فى أخذ أى شىء عندهم، ولا مانع من أن يزيد: ولذلك نراه يطعن فى القرآن الكريم وفى عقائد المسلمين، وهذا ما لم يفعله أبوه.\nوفى السنة يقول ما قاله المستشرقون تمامًا! ويضيف إضافات تدل على جهله التام، وافترائه إلى غير حد.\nولنذكر شيئًا قليلًا مما قاله:","vol":"1","page":820},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>أولًا: زعمه أن الشريعة قاصرة وأن الرسول غير معصوم</span>!!\nللكاتب مقالات منشورة فى مجلات لها اتجاهات معلومة، وجمع أكثر هذه المقالات فى كتاب، إذا حملت نفسك على قراءته، وتصبرت ولم تقف عند المقدمات الخادعة، أدركت يقينًا أنك أمام مؤامرة خبيثة لئيمة لهدم الإسلام:\nوإن كنت ممن رزئ بقراءة هذا الكتاب، غير أننى سأقتصر على ذكر نماذج منه تكفى لكشف المؤامرة، وبيان حقيقة التآمر. وما جاء فى الكتاب لا يحتاج إلى مناقشة؛ فهو بعيد عن المنهج العلمى، والكاتب ينسب نفسه للإسلام ثم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فكيف يناقش؟\nمع غير المسلمين طالت المناقشات التى أثبتت حقائق الإسلام، ودمغت أباطيل خصومه، ودحضت شبههم، ولكن كيف تكون مثل هذه المناقشات مع من أطلق عليه المزيفون \" المفكر الإسلامى، والكاتب الإسلامى\"؟!\nأيمكن أن نتصور مسلمًا يقول: إن القرآن الكريم جاء بشريعة قاصرة لا تصلح لكل زمان ومكان، وأرسل بها رسول غير معصوم؟\nقال الكاتب فى ص ٤٣: قد كان هذا القرآن وحده كافيًا لأن يحكم أوضاع المجتمع الإسلامى فى صورته الأولى، وأن ينظم شئونه الدينية والاجتماعية والسياسية، بيد أنه ما انقضت فترة وجيزة على وفاة النبى حتى كان العرب قد انطلقوا من بيدائهم ... وباتوا يحكمون شعوبًا شديدة التباين فى عاداتها وأخلاقها وبيئاتها وحضارتها عن أهل شبه الجزيرة، وأسسوا مدنًا جديدة، أو سكنوا مدنًا قائمة تزخر بسكان هم الآن فى حاجة إلى شريعة أكثر تعقيدًا، وأوفى تفصيلًا من تلك التى كانت صالحة لأن تحكم مجتمعًا فى بساطة مجتمع مكة والمدينة\nوعن اتخاذ السنة مصدرًا ثانيًا للشريعة قال فى ص ٤٤:","vol":"1","page":821},{"text":"إزاء هذا التوسع الجغرافى الهائل، وإزاء ضغط الظروف التاريخية الجديدة دائبة التغير، واختلاف المكان والزمان، تلمس المسلمون وفقهاؤهم الدليل ... الهادى\nومع أن الرسول لم يدع قط أنه معصوم من الخطأ إلا حين يملى أو يتلو آيات ربه، بل ونبهه القرآن ذاته إلى أخطاء بدرت منه، فقد افترض أنصار الالتزام بالسنة أن العناية الإلهية إنما كانت توجه كل عمل أتى به، وكل كلمة صدرت عنه منذ بعثه الله رسولًا إلى قومه إلى أن مات. ومن ثم فقد رأوا أن أحكام السنة ملزمة فى الحالات التى لم يرد بصددها حكم قرآنى.\nومما ذكره الكاتب هنا تظهر آراؤه الآتية:\n١ - إنكار صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، فالقرآن الكريم جاء بشريعة قاصرة، لا تصلح لغير المجتمع الأول فى مكة والمدينة.\n٢ - الرسول ﷺ أرسل إلى قومه، أى أنه لم يرسل إلى الناس كافة.\n٣ - الرسول ﷺ غير معصوم، فلا يجب اتباعه.\n٤ - الذين رأوا وجوب اتباع الرسول ﷺ هم طائفة فقط من المسلمين أسماهم الكاتب \" أنصار الالتزام بالسنة \".\nوهذه الآراء تعارض الكتاب والسنة، وتنكر ما أجمعت عليه خير أمة أخرجت للناس، وما هو معلوم من الدين بالضرورة.\nوالدراسة الموجزة السابقة فيها ما يكفى لبيان هذا، ومناقشة علماء الأمة لأعدائنا أبطلت مثل هذه المفتريات، ولكن العجب كل العجب أن تصدر هذه الآراء ممن ينسب نفسه أو ينسبه أحد إلى الإسلام!\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>ثانيًا: التشكيك فى كتاب الله المجيد</span>\nيقول الكاتب فى ص ٣٨: صحيح أننا نعلم أن الصحابى عبد الله بن مسعود - وكان يعتبر نفسه أحد الثقات الكبار فى القرآن - ذهب إلى أن نسخة القرآن التى أقرها الخليفة عثمان بن","vol":"1","page":822},{"text":"عفان محرفة غير كاملة، واتهم زيد بن ثابت وأصحابه ممن جمعوا القرآن باستبعاد آيات تلعن الأمويين، غير أن هذا الاتهام غير مقبول، فقد كان على بن أبى طالب والكثيرون غيره من الصحابة أحياء وقت قيام زيد بمهمته، ولم نسمع أن أحدهم أيد زعم ابن مسعود، واحتج على استبعاد آيات.\nثم يقول فى ص ٤٨: وقد اتهمه - أى عثمان بن عفان ﵁ هؤلاء الخصوم بأنه قد حذف من مصحفه خمسمائة كلمة أوردتها مصاحف أخرى كمصحف الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود.\nوفى الصفحة ذاتها يقول: وقد حكى عن عبد الله بن مسعود أنه كان شديد الخشية من أن يغير من نص كلمات الرسول، فكان لا يحدث عنه إلا أضاف قوله: \" والحديث إما فوق ذلك وإما قريب من ذلك، وإما دون ذلك. \"\nثم يقول فى ص ٨٣: وقد أبى بعض مفكرى اليونان وروما الأقدمين - مثل فيثاغورث ونومابومبيليوس - أن يخلفوا نصوصًا تكبل فكر التابعين، فأحرقوا قبيل وفاتهم ما كتبوا أو أوصوا بأن تدفن كتاباتهم معهم، حتى يتيحوا لكل جيل فى كل قطر أن يخرج بفكر يناسب عصره وبيئته.\nوقد يقال إن نبى الإسلام أيضًا لم يأمر بجمع القرآن، بدليل أن الخليفة أبا بكر تردد حين عرض ابن الخطاب عليه الفكرة، قائلًا لعمر إنه لايستطيع أن يقدم علي ما لم يقدم عليه النبى، ولا أوصى به قبل وفاته. غير أن الافتراض الأساسى فى الدين - أى دين - هو أن تعاليمه الواردة في النص المقدس صالحة للكافة في كل زمان ومكان.","vol":"1","page":823},{"text":"ويقول فى الصفحات من١٣١ إلى ١٣٣: كان الشكل الغالب للملكية فى شبه جزيرة العرب فى الجاهلية وفى زمن رسول الله ﵇ هو الملكية المنقولة دون العقارية. وكان يمكن للبدوى أن يحمل راحلته كل ما يملكه وينتقل به من موطن إلى موطن سعيًا وراء الماء والكلأ. وبالتالى فقد كان الاعتداء على السارى فى الصحراء بسرقة ناقته بما تحمل من ماء وغذاء وخيمة وسلاح، فى مصاف قتله. لذلك كان من المهم للغاية أن تقرر الشريعة عقوبة حازمة رادعة بالغة الشدة لجريمة السرقة فى مثل هذا المجتمع. أما وقد دخل الإسلام مجتمعات تعرف شكلًا من الملكية أهم من الملكية المنقولة، وأصبح سلب الرجل قربة مائة لا يعنى أمرًا جللًا، فقد يجد المجتمع عقوبة لجريمة السرقة غير العقوبة فى المجتمع البدوى، دون أن يكون اختياره للعقوبة الثانية خروجًا على الإسلام وروحه. بالعكس، فإن الالتزام بروح الإسلام يقتضى منا اختيار هذه العقوبة الثانية، حيث إنها - فى المجتمع غير البدوى - تحقق نفس النتائج المرجوة التى توخاها الإسلام فى المجتمع البدوى.\nإن الشاعر يقول:\nإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا\nبمعنى أن المعاملة الواحدة فى حالتين مختلفتين ستسفر حتمًا عن نتيجتين متنافرتين. فى حين يعلم أى معلم صبيان مثلًا أن هناك وسائل متباينة لمعاملة صبية مختلفى الطباع والمستوى، للوصول إلى نتيجة واحدة، وهى التلقى الحسن للعلم.\nوكذلك بالنسبة للحجاب الذى فرض فى المدينة حيث كان النساء يلقين من المتسكعين من شبان المدينة كل مضايقة وعبث كلما خرجن وحدهن إلى الخلاء، فنزلت آية ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن","vol":"1","page":824},{"text":"جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (سورة الأحزاب ٥٩)، وذلك حتى يميز الشبان بين المحصنات وغير المحصنات.\nوقد يعزز من رأيى هذا: أن أحكامًا قرآنية معينة نسختها أحكام قرآنية تالية، حين تغيرت أوضاع المسلمين بالهجرة وانتشار الإسلام والفتح، وغير ذلك من التطورات التى حدثت خلال أقل من ربع قرن، واستلزمت مع ذلك نسخًا لبعض الأحكام.\nإن تسليمنا بأن روح الإسلام هى التى ينبغى أن تكون الهادى للسلوك، لن يدع مجالًا لاتهام الإسلام بمنافاة مقتضيات العصر والتطورات التاريخية التى حدثت بعد القرن السابع الميلادى. كذلك لن تكون الحكومات والفقهاء حينئذ فى حاجة إلى النفاق والمداراة، والالتواء والسفسطة، وغض الطرف عن تفسير ما يقعون فيه من تناقض حين يقررون مثلًا إلغاء الرق الذى أباحه الإسلام، أو يستبدلون عقوبة الحبس بعقوبة قطع يد السارق التى نصت عليها أحكام الشريعة.\nكذلك سيؤدى الأخذ بهذا المنحى من التفكير إلى الحد من عدد المتخلين من أبنائنا المثقفين عن الإسلام بأسره بدعوى أن الديانات والتقاليد إنما هى للمتاحف والسياح لا لمواجهة احتياجات العصر، وسيكون من الأسهل إقناعهم بأن هذه الديانات والتقاليد ليست عقبة فى سبيل التقدم، وإنما يمكن أن تكون وسيلته\" أ. هـ.\nهذه أقوال الكاتب منقولة بنصها، ومنها نلحظ ما يأتى:\n١ - أنه لجأ إلى التشكيك فى كتاب الله العزيز بطريقة خبيثة خادعة:\nفهو فى الصفحة الثامنة والثلاثين ينسب لابن مسعود القول بالتحريف، ونسبة هذا لابن مسعود من المفتريات التى لا أصل لها، فهو كغيره من الصحابة - رضى الله تعالىعنهم وأرضاهم - يعرف كيف كتب الوحى بعد نزوله مباشرة بأمر الرسول ﷺ وإملائه، ويعرف معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ","vol":"1","page":825},{"text":"لَحَافِظُونَ﴾ (٩: الحجر)، وقوله عزوجل: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ (٦٤: يونس) .\nوقوله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤١ - ٤٢: فصلت) .\nوقوله جلت قدرته: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١٦ - ١٩ القيامة) .\nويعرف ابن مسعود كغيره كيف جمع القرآن الكريم بعد الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السطور والصدور ليكون بين دفتين فى مصحف واحد.\nومن المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن الكريم وصلنا متواترًا كما أنزل على الرسول ﷺ، دون تغيير أو تحريف أو تبديل، أوإسقاط أو زيادة. من أنكر هذا فقد كذب كتاب الله العزيز نفسه.\nولكن الكاتب يورد الكذب على ابن مسعود كأنه شىء ثابت مسلم حيث يقول \" صحيح أننا نعلم ... إلخ \".\nثم بعد هذه الفرية يظهر نفسه كأنه مدافع عن كتاب الله تعالى رافض (لزعم) ابن مسعود.\nوبعد عشر صفحات يذكر أن مصحف الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود فيه خمسمائة كلمة ليست فى مصحف عثمان، وهو الذى نقل منه مصاحف المسلمين اليوم، ثم يضيف أن هذا الصحابى الجليل كان شديد الخشية من أن يغير من نص كلمات الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.\nوهكذا يحاول أن يصل إلى هدفه، فابن مسعود بلا شك له مكانته عند المسلمين قاطبة. وهو إذا كان يتحرى الدقة بالنسبة لكلمات الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن باب","vol":"1","page":826},{"text":"أولى أن يكون موقفه من القرآن الكريم، ولذلك فعنده خمسمائة كلمة ليست عند المسلمين اليوم.\nوظهور الكاتب كالمدافع فى المرة الأولى يساعده فى الوصول الى هدفه، فهو أولًا يحاول أن يبعد عن نفسه تهمة الكفر والردة إذا ظهر مشككًا فى كتاب الله تعالى غير مؤمن به فألصق التهمة بالصحابى الجليل، تهمة التشكيك، فإذا أخذ أى مسلم بروايات الكاتب فليس عليه من حرج أن يكون كالصحابى الجليل ابن مسعود الذى يعرف من قوله \" كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن، ونعمل بهن، فتعلمنا العلم والعمل جميعا \"\nوإذا قال أحد: القرآن محرف أو سقط منه ما سقط فعلى مسلمى العصر أن يقبلوا قوله، فهو منسوب لصحابى يجلونه، وليس لهم أن يكفروا القائل، أو أن يحكموا بردته، وإلا كان حكمًا بكفر وردة الصحابى الجليل\n٢ - ماذكره فى الصفحة الثالثة والثمانين يكشف عن خبيئة نفسه تجاه النصوص: فالنصوص تكبل فكر التابعين، لذلك أحسن أولئك المفكرون صنعًا بإحراق الكتابات أو دفنها حتى يتيحوا لكل جيل فى كل قطر أن يخرج بفكر يناسب عصره وبيئته.\nوإذا كان لايستطيع أن يصرح بوجوب إحراق أو دفن القرآن الكريم حتى لانتكبل بالنص، ونشرع لأنفسنا ما يناسب عصرنا وبيئتنا، إذا كان لا يستطيع هذا (المسلم) أن يصرح بهذا، فإنه يقوله بطريقته الملتوية الخبيثة: وقد يقال إن نبى الإسلام أيضًا لم يأمر بجمع القرآن ... إلخ، فهذا موقف المفكرين، ومثله موقف الرسول ﷺ، فالاعتصام بالكتاب العزيز، فضلًا عن السنة المطهرة، السبب فى أننا لم نستطع أن نختار ما يناسب جيلنا وبيئتنا، حيث كبلتنا النصوص.\nومن قبل ذكر أن القرآن الكريم جاء بشريعة ناقصة غير عامة، فلم تستطع أن تسير المجتمع خارج مكة والمدينة، وهنا يقول قولته، وبعد هذا يصرح بوجوب ترك أحكام شرعية نص عليها القرآن الكريم، وهكذا يحاول أن يصل إلى","vol":"1","page":827},{"text":"الهدف ولكن كما جاء فى ص ١٤٣ \" هذه المواقف تبدو عند تسطيرها للنشر وقد تقنعت بألف قناع، وإذا هذه الآراء وقد أقدمت على إيصالها إلى جمهور المؤمنين تظهر مقمطة فى قماط المومياء، تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، وكأنما هى تسعى فى آن واحد إلى أن تكشف عن نفسها وتستتر، وتسفر عن وجهها وتحتجب \"\nثم يحاول أن يهدم إيمان المسلمين بأن الإسلام الذى جاء بخير كتاب أنزل صالح لكل زمان ومكان، فيقول \" غير أن الافتراض الأساسى فى الدين - أى دين - هو أن تعاليمه الواردة فى النص المقدس صالحة للكافة فى كل زمان ومكان \" ومعلوم أن هذا الافتراض غير صحيح إلا فى الإسلام، فكل نبى جاء إلى قومه خاصة وجاء خاتم النبيين إلى الناس عامة، والكاتب يسوى بين الإسلام وغيره، ويجعل الصلاحية مجرد افتراض فى جميع الديانات.\n٣ - فى الصفحات الثلاث الأخيرة بعد أن مهد بأباطيله السابقة، يصل إلى ما يرمى إليه وهو ترك العمل بكتاب الله تعالى، ولكن لا يريد أن يعلن أنه خرج عن الإسلام كلية. وإنما هو مصلح دينى ثائر، ولذلك يظل حريصًا على اللجوء إلى الخداع والأساليب الملتوية الخبيثة، فهو عندما يأتى إلى حد السرقة، وأمرالله تعالى القطعى الثبوت القطعى الدلالة، فلا مجال فيه لاجتهاد مجتهد ولا تأويل متأول، نراه يتحدث عن البدوى والملكية المنقولة دون العقارية ويترك مجتمع مكة والمدينة الذى تحدث عنه من قبل. وكأن الإسلام جاء بهذا الحكم للسرقات التى هى فى مصاف القتل فى المجتمع البدوى، وأما غيره فحكم الله لا يصلح ولا يتناسب. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nولو أن الكاتب لم ينسب نفسه للإسلام لنبهناه إلى منهج القرآن الكريم حيث ينص على مبادئ عامة كلية لا جزئية فيما يتغير تبعًا للزمان والمكان كالمبادئ التى تتصل بالحكم، ويفصل فيما هو ثابت لا يتغير كأحكام الميراث وبعض ما يتصل بالزواج والفرقة بين الزوجين، والحدود والقصاص وغير ذلك مما يعرفه المسلمون.","vol":"1","page":828},{"text":"فالسارق هو السارق فى أى زمان وأى مكان، وقطع الرسول ﷺ فى مجن لا تصل قيمته إلى دينار واحد، وليس المجن فى ذاته أمرًا جللًا ولكن ذات السرقة هى الأمر الجلل، والمرأة المخزومية التى سرقت لم تسرق مثل ما تحدث عنه وأراد أن يبرر به إبطال حكم الله تعالى. ومما يؤكد عموم الحكم المعلوم قول الرسول ﷺ \" وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها \" ثم أمر بقطع يد المخزومية. وتنفيذ حكم الله تعالى يعنى صلاح الناس ودرء المفاسد، فهو الخالق ﷾ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ولو أن حكم السرقة كان لمجتمع محدود فى زمن محدود لما جاء بهذا العموم والتأكيد، فالله عزوجل الذى أرسل خاتم رسله كافة للناس بشيرًا ونذيرًا كان يعلم مدى انتشار الإسلام إلى يوم القيامة، والبيئات التى سيدخلها هذا الدين.\nولو أن الكاتب لم ينسب نفسه للإسلام لبينا له الفرق بين الحد والتعزير، وكيف أن الحدود وضعت لهذا العدد القليل من الجرائم للحفاظ على الضرورات التى كفلها الإسلام ولا تقوم حياة ولاتصلح بغيرها، أما ماعدا هذه الجرائم فقد شرع الإسلام لها العقوبة التعزيرية، وهذه العقوبة التى شرعها القرآن الكريم وبينتها السنة النبوية المطهرة، وطبقها سلفنا الصالح، ومن تبعهم بإحسان، هذه العقوبة التعزيرية هى التى يمكن أن تختلف تبعًا لاختلاف الأحوال والزمان والمكان.\nوقول الكاتب \" فقد يجد المجتمع عقوبة لجريمة السرقة غير العقوبة فى المجتمع البدوى \" يبين أن الحكم ليس لله ﷿، فليس هو المشرع وحده، وإنما المجتمع هو الذى يصنع الأحكام لنفسه، وأن هذا الحكم للمجتمع البدوى فقط، وليس حكمًا إلهيًا لكل الناس فى كل زمان ومكان. ومع أن هذا كفر صريح، حاول الكاتب أن يوهم المسلمين بأن هذا هو الإسلام، فأضاف \" دون أن","vol":"1","page":829},{"text":"يكون اختياره للعقوبة الثانية خروجًا عن الإسلام وروحه، وبالعكس فإن الالتزام بروح الإسلام يقتضى منا اختيار هذه العقوبة الثانية \".\nوإذا كان الكاتب يعتبر نفسه من المسلمين فإنا نسأله: ما ضوابط الإسلام؟ وعلى أى أساس تختار العقوبة الثانية؟ ومن الذى يختارها؟\nولماذا جعل الله ﷿ لعقوبة السرقة حدًا ولم يجعلها من العقوبات التعزيرية مثل معظم العقوبات؟\nوإذا قال ربنا ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ﴾ وقال أحد: لا، لا نقطع، فهل يكون مؤمنًا بالله خاضعًا لحكمه؟ ولو جاز هذا فى السرقة، أفليس من الجائز أن يقال فى أى حكم آخر؟ وإذا كانت أحكام الله لا تنفذ فما الفرق بيننا وبين الكفار والمشركين الذين لا يتلقون حكمًا من الله تعالى وإنما يضعون الأحكام لأنفسهم؟\n٤ - فى حديثه عن الحجاب يؤكد ما أراده آنفًا، وهو ترك العمل بكتاب الله المجيد، فيذكر سبب نزول الآية التاسعة والخمسين من سورة الأحزاب، وكأنى به لا يدرى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، سواء أجهل هذا أم تجاهله فقد أراد إبطال العمل بكتاب الله العزيز: فجعل حكم السرقة لا يتعدى المجتمع البدوى فى زمن قصير محدود، والحجاب لا يتعدى مجتمع المدينة فى زمن محدود أيضًا، فالافتراض الذى ذكره من قبل ليضل به، وهو افتراض الصلاحية لكل زمان ومكان، يأتى هنا ليؤكد بطلان هذا الافتراض.\nوالآية الكريمة التى ذكرها تتحدث عن التغطية بالجلباب، وهو الرداء فوق الخمار، وفسرها ابن عباس ﵄ بقوله: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن فى حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة.","vol":"1","page":830},{"text":"ولم يشر الكاتب إلى الآية الكريمة التى ذكرت الخمار ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، وأظنه قرأ تفسيرها وعرف ما فعلته الصحابيات - رضى الله تعالى عنهن - من الاستجابة الفورية لأمر الله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ . والصحابيات - رضى الله تعالى عنهن، خير جيل عرفته البشرية، وضعن الخمر على رءوسهن ونحورهن عندما نزل الأمر الإلهى، وغطين الوجوه من فوق رءوسهن بالجلابيب. ونهاهن الرسول ﷺ عن لبس النقاب والقفازين أثناء الإحرام، فكن يلبسن هذا وهن غير محرمات، فإذا أحرمن خلعن النقاب والقفازين. وروى أبو داود تحت باب فى المحرمة تغطى وجهها عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:\n\" كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا جاوزنا كشفناه \".\nوالأمر بالحجاب واضح وصريح، وطبقته الصحابيات فور نزوله، وأجمعت عليه أمة الإسلام خلال أربعة عشر قرنًا من الزمان، ووقع الخلاف فقط فى الجزء المعفو عنه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ولكن الخلاف لا يتعدى الوجه والكفين فى هذا الاستثناء.\nومع هذا أراد الكاتب أن يشكك فى هذا الأمر المستقر نصًا وإجماعًا فقال فى حاشية ص ١٣١ \" وقد اختلف المفسرون حول آيات الحجاب وما إذا كانت تخاطب نساء النبى وحده، أم تلزم المسلمات طرا \" ولا أدرى من أين اختلق هذا الاختلاق؟ وهل عمى عن قراءة الآية الكريمة التى ذكرها هو نفسه عند الحديث","vol":"1","page":831},{"text":"هنا عن الحجاب وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ﴾ نعم ﴿... فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . ثم يضيف فرية أخرى حيث يقول فى حاشيته \" وعلى أى الأحوال فقد كانت كل من سكينة بنت الحسين بن على وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله من السافرات \"، هكذا يقول هذا المفترى، ولو كان مسلمًا حقًا وقرأ خبرًا ساقطًا مثل هذا لكان عليه أن يرد هذا الإفك لكنه يأتى به كشىء مؤكد لينتقل منه إلى إفك جديد، فيهاجم المفسرين الأولين، ويذكر أنهم هم الذين فرضوا على كل نساء المسلمين ما فرضه القرآن على نساء النبى وبناته، ومرة أخرى أعمى هذا المفترى الكذاب عن قراءة] وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ﴾ بعد قوله تعالى ﴿قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾؟!\nوإذا كان هذا (المسلم) حزينًا لأن المرأة المسلمة التزمت بحجاب فرضه عليها - بحسب إفكه - المفسرون، وليس الوحى المنزل، فما الذى يريده حتى يذهب حزنه؟\nنرى الإجابة على هذا السؤال فى بداية حديثه عن الموضوع الذى ذكر فيه الحجاب، وهو تحت عنوان\" فرص نجاحنا فى إقامة مجتمعنا على أسس إسلامية \".\nقال فى ص ١٢٤: \" كان تطوير الحضارة الأوربية، بصفة عامة تطورًا متصلًا متجانسًا \".\nثم قال فى ص ١٢٦: \" لقد جاء تحرير المرأة فى الغرب - حريتها الجنسية (أى والله هكذا قال: الجنسية!) وحقوقها السياسية واستقلالها الاقتصادى - ثمرة لقرون طويلة من التطور والكفاح، وجاء فى مجتمعاتنا الإسلامية لا نتيجة لفكر أصيل عميق الجذور ... إلخ.\nثم يضرب مثلًا لحرية المرأة العربية التى وصلت إليها دون تطور متصل متجانس ودون فكر أصيل عميق الجذور، ولذلك فهى حرية بعيدة عن روح","vol":"1","page":832},{"text":"الحضارة الغربية، يضرب هذا المثل بالفتاة العربية المرتدية البكينى على شاطىء البحر!! هكذا تتضح إجابة السؤال. والمسلمون يعرفون أن المرأة فى الإسلام شرع لها ربها كل ما يناسبها من الحقوق، فأخذت من الاستقلال الاقتصادى ما لم تصل إليه المرأة فى الغرب، وأخذت من الحقوق السياسية ما يتناسب معها ولا يخرجها عن طبيعهتا، غير أنها لم تأخذ - لا هى ولا الرجل - الحرية الجنسية التى أخذها سادة الكاتب الغربيون بل أربابه.\nوالإسلام أوصل عقوبة الزنى إلى حد الرجم، ولما ترك الناس شرع الله ﷿ ووضعوا لأنفسهم القوانين، لم يروا الزنى جريمة فى ذاته، فالمتزوجة مثلًا إذا زنت فإنها لا تعاقب بأى عقوبة فضلًا عن الرجم ما دام الزوج رضى بمعاشرتها، أما إذا لم يرض ورغب فى عقوبتها، فأقصى حكم هو أن تحبس سنتين، وغير المتزوجة إذا زنت فهى لم تعتد على حقوق أحد، ولم ترتكب جريمة، وإنما لها حريتها الجنسية!!\nهكذا اختار الناس ما يناسب عصرهم، ولا يمكن أن يكون هذا باسم الإسلام إلا إذا أحرقت النصوص ودفنت حتى لا تكبل مثل هذا (المفكر الإسلامى والمصلح الدينى!!) فيعيدها جاهلية باسم روح الإسلام، بل كان أهل الجاهلية أقل فجورًا، وفسقًا من سادته الغربيين، وما زلنا نذكر القول المشهور: أو تزنى الحرة؟!\nوصدق رسول الله ﷺ إذ يقول \" تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه \".\nليس عجيبًا أن نجد من ينادى بالحرية الجنسية، فقد وجدنا من ينادى بحرية الشذوذ الجنسى، ولكن العجيب الغريب أن نجد من يجعل هذا من الأسس الإسلامية التى يريد أن يقوم عليها مجتمعنا الحديث، والأشد غرابة ونكرًا أن ينسب القائل نفسه أو أن ينسبه أحد إلى الإسلام، فما بالك إذا قيل بأنه مفكر إسلامى؟! إلا إذا كانت المعانى اضطربت، فأريد باللقب أنه مفكر فى هدم الإسلام ومحاربته وإفساد المجتمع المسلم.","vol":"1","page":833},{"text":"٥ - معلوم أن النسخ لا يكون إلا بأمر الله عزوجل، ولا نسخ بعد انقطاع الوحى.\nوالكاتب بعد حديثه عن حرق النصوص أو دفنها يأتى إلى نسخها، والنتيجة واحدة، وهى ترك العمل بكتاب الله العزيز ما دام النسخ ليس من حق الله وحده. ويحاول أن يزين هذا الضلال، ضلال ترك العمل بكتاب الله العزيز بقوله \" إن تسليمنا بأن روح الإسلام هى التى ينبغى أن تكون الهادى للسلوك لن يدع مجالًا لاتهام الإسلام بمنافاة مقتضيات العصر والتطورات التاريخية التى حدثت بعد القرن السابع الميلادى \".\nومعنى هذا أن نصوص القرآن لا تصلح بعد ذلك القرن فقد فقدت صلاحيتها منذ ثلاثة عشر قرنًا، وعلينا أن نحل مكانها ما أسماه بروح الإسلام، وحينئذ يكون حكمًا إسلاميًا شرعيًا استبدال عقوبة الحبس بعقوبة قطع يد السارق التى نصت عليها أحكام الشريعة.\nلا يخفى علينا ما كتبه بعض أعلام المسلمين عن صلاحية الإسلام للتطبيق فى كل زمان ومكان، وعن الحدود وأثر تطبيقها فى المجتمع، وعن حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ورد الشبهات التى أثارها أعداء الإسلام، ولكن هذا الكاتب لا يسلك مسلك المسلمين، بل يردد أقوال أعداء الإسلام وخصومه بل أكثر مما قاله الأعداء! وانظر إلى إشارته إلى الرق، وإلى إشارته الأخيره من أن الإسلام الذى استمدت أحكامه من النصوص، إنما هو للمتاحف والسياح لا لمواجهة احتياجات العصر، مما جعل الكثير من المسلمين المثقفين يتخلون عن الإسلام بأسره.\nفهو لا يريد الإسلام الذى ارتضاه الله لنا دينًا، وإنما يريد إسلامًا عصريًا، يبيح مثلًا الحرية الجنسية لا الاستعفاف، والبكينى لا الحجاب. والرد عليه يطول جدًا، وهو مسطور فى كتب كثيرة، ولكن الذى أريده هنا أن أبين موقفه من القرآن الكريم.","vol":"1","page":834},{"text":"وبعد هذا البيان لنا أن نتساءل: أمسلم هو؟ أم أنه حزين لأن الله عزوجل قد حفظ القرآن وحفظ دينه؟ ولنا أيضًا أن نتساءل: لمصلحة من النفخ فيمن يحاول أن يهدم الإسلام؟ وكيف بمجلات تصدر فى بلاد الإسلام تفسح صدورها وصفحاتها لمثله وتلقبه بالمفكر الإسلامى؟!\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>ثالثًا: موقفه من السنة المطهرة</span>\nأوامر الله ﵎ جاءتنا فى كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين، والسنة وحى، وهى كالقرآن فى وجوب الاتباع، وذكرت ما بين هذا من قبل.\nوالمستشرقون من اليهود والصليبيين والملاحدة، والحاقدون على الإسلام والمسلمين، حاولوا أن يدكوا صرح الإسلام بالطعن فى الوحى من الكتاب ... والسنة، وأهداف هؤلاء واضحة معلومة فلا عجب من مسلكهم، ولكن إن تعجب فعجب أن تجد ممن ينتسبون إلى الإسلام من مدهم بمعاول الهدم، ومن أصبح لهم تابعًا وبوقًا يردد أقواهم على أنها العلم الصحيح لا البهتان العظيم.\nفذلك على بن إبراهيم القمى، المتوفى سنة ٣٠٧ هـ، وهو من الفرق الإسلامية، له كتاب فى التفسير، بينت ما به من ضلال وزيغ فى الباب السابق، وعندما طعن المستشرقون فى كتاب الله العزيز اعتمدوا على تفسير القمى كما صرح بهذا المستشرق اليهودى جول تسيهر. وهذا كاتبنا يردد أقوال سادته، ولكن لأن الأمر يتعلق بكتاب الله المجيد لجأ إلى طريقته التى أشرت إليها آنفًا.\nوأحمد أمين لم يأخذ بأقوال المستشرقين فى القرآن الكريم، ولكن أخذ شيئًا من أقوالهم فى السنة المطهرة ونسبه لنفسه كما صرح فى نصيحته للدكتور على حسن عبد القادر.\nأما شجرته الخبيثة، ابنه حسين، فقد كان أسوأ من المستشرقين وأشد خطرًا. ولم يتورع أن يأخذ عنهم أى شىء قالوه فى السنة، بل أضاف من الأكاذيب والمفتريات ما لا يليق بذى بقية من دين، أو مسكة من عقل.","vol":"1","page":835},{"text":"وقد رأينا فريته بأن الشريعة الإسلامية قاصرة، والرسول غير معصوم، وهذا القول بداية حديثه عن السنة، ولو صح فلا سنة إذن عند المسلمين!\nولا حاجة لكتبها، ولا وزن للصحيحين ولا لكتب السنن الأربعة ولا لغيرها، فالحديث إذا ثبت ثبوت التواتر، وقطعنا بأنه قول الرسول الكريم، فما قيمة هذا الحديث إذا كان لرجل غير معصوم؟\nوإذا كان الكفار لا يرونه معصومًا لأنهم لا يرونه رسولًا، فكيف ينطق بهذا الكفر من ينسب نفسه أو ينسبه أحد إلى الإسلام؟\nوالله عزوجل تعهد بحفظ كتابه المجيد نصًا وبيانًا، وكان من تمام حفظ الكتاب حفظ السنة، ولهذا هيأ الله ﵎ من يحفظ سنة رسوله المصطفى، فلم تعرف البشرية فى تاريخها علمًا نقل من جيل إلى جيل بالدقة التى نقلت بها السنة المطهرة. قال الإمام مسلم فى كتاب التمييز (ص١٧١) وهو كتابه فى العلل:\n\" واعلم، رحمك الله، أن صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هى لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين دون غيرهم. إذ الأصل الذى يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر من لدن النبى ﷺ إلى عصرنا هذا. فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم فى المذهب، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار، من نقال الأخبار وحمال الآثار.\nوأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم فى التعديل والتجريح. وإنما اقتصصنا هذا الكلام، لكى ننبه من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه، على تثبيت الرجال وتضعيفهم، فيعرف ما الشواهد عندهم، والدلائل التى بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله، أو سقطوا من أسقطوا منهم، والكلام فى تفسير ذلك يكثر \" ا. هـ.\nبمثل هذا نقل إلينا الكثير من حديث رسول الله ﷺ. وأصحاب كتب الحديث منهم من لم يلتزم بالوقوف عند الصحيح، وإنما نقل الصحيح وغير الصحيح،","vol":"1","page":836},{"text":"وفى بعض الكتب نجد أحاديث موضوعة، ولكن الجهابذة من الأئمة الأعلام وضعوا من الشروط وألفوا من الكتب ما يجعل علماء أى عصر يستطيعون معرفة درجة كل حديث، وأى مسلم يستطيع أن يدرك هذه الحقائق متى عرف كيف دونت السنة من قبل عصر التدوين إلى ما بعده، وبالاطلاع على ما كتب فى علوم الحديث، والجرح والتعديل. والذين أثاروا الشبه حول السنة تصدى لهم من بين زيفها وبطلانها، ورأينا كلام الإمام الشافعى الممتع المقنع الذى هدى الله تعالى به من حاوره بعد الضلال.\nوفى عصرنا بين كثير من العلماء أباطيل المستشرقين، أما الكاتب فنراه يأخذ بهذه الأباطيل، ويأخذ أيضًا بنصيحة أبيه، فيسطو على أقوالهم وينسبها لنفسه. بل سطا على أبيه (!!) فيما أخذه عنه عن المستشرقين، فلم يرده لأبيه ولا للمستشرقين.\nوأقوال المستشرقين التى أشرت إليها من قبل يرددها حيث يقول: \" وقد شرع الجيل التالى للصحابة، جيل التابعين، يجمع روايات أقوال النبى وأفعاله. مما كان شائعًا فى عصره، واتخذ من هذه السنة مصدرًا ثانيًا للشريعة \" ويقول بعد هذا: \" ثم بذلت المحاولات بعد ذلك من أجل رفع أحكام السنة إلى مصاف الأحكام القرآنية فيما يتصل بالتشريع، وقيل إن النبى إنما استنها بأمر من الله تعالى، وأنها نزلت عليه كما أنزلت آيات الذكر \" - ثم يقول: \"أدرك الفقهاء أنه ما من فرصة أمام الرأى لأن يصادف القبول لدى جمهور المؤمنين ما لم يستند إلى سنة متواترة، أو يزعم أن له أصلًا فى الحديث، ومن ثم فقد لجأ الفقهاء والعلماء إلى تأييد كل رأى يرونه صالحًا ومرغوبًا فيه بحديث يرفعونه إلى النبى \".\nهكذا ردد الكاتب أباطيلهم فرحًا بنسبتها لنفسه، منفذًا بحمق وجهل وصية أبيه، وهذا المسلم أما عرف موقف الصحابة الكرام من السنة المطهرة، وكيف أن أبا بكر الصديق توقف فى أحكام حتى وجدها فى السنة كمسألة الجدة.","vol":"1","page":837},{"text":"والفاروق عدل من أحكام عندما بلغته السنة؟ وغير الشيخين من الصحابة رضي الله عنهم ورضوا عنه، الذين اعتصموا بالكتاب والسنة معًا، فلا إسلام بدونهما، ولا حكم إلا لهما، فكيف إذن يقول مسلم بأن السنة ليست مصدرًا من مصادر التشريع وإنما لجأ إلى هذا التابعون، والفقهاء والعلماء هم الذين كذبوا على الله ورسوله فاختلقوا السنة؟ ! كيف يقول هذا مسلم؟ ولكن لا غرابة بعد أن عرفنا رأيه فى القرآن الكريم نفسه.\nولوضع الأحاديث واستباحة الكذب على رسول الله ﷺ أسباب كثيرة تحدث عنها العلماء. وكان من نتائج هذا ما رأيناه من جهود الأئمة الأعلام لحفظ السنة المطهرة، وتنقيتها من هذا الزيف. ومنذ وقت مبكر بدأ النظر فى الإسناد، فكما قال ابن سيرين: ما كانوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم.\nأى أن الإسناد بدأوا ينظرون فيه فى عهد الخليفة الثالث ذى النورين ﵁ عندما وقعت الفتنة، فإذا كان الراوى من ذوى الأهواء أو المجروحين لم يؤخذ عنه الحديث. وقال ابن سيرين أيضًا: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.\nفليس الأمر كما قال المستشرقون وأبواقهم من أن السنة وضعت فى القرن الثانى، فالواقع العملى وكتب السنة، تشهد بكذبهم، ومن فضل الله ﷾ على المسلمين أن وفق هؤلاء الأئمة، فكشفوا الوضّاعين، وبينوا علامات الوضع فى السند، وعلاماته فى المتن، وذكروا لنا كثيرًا من هذه الأحاديث الموضوعة أفردت لها مؤلفات للتحذير منها، ونبه على بعضها فى مؤلفات أخرى جمعت بين الموضوع وغيره.\nوالكاتب لا يسلك المنهج العلمى فى كلامه عن أسباب الوضع، وإنما يأخذ شيئًا قليلًا من الأسباب الحقيقية ويخلطه بكلام المستشرقين، فيطعن فى أئمة أثبات أعلام، بل فى صحابة كرام بررة، ويبدو مضطربًا كاللص وهو يأخذ من هنا","vol":"1","page":838},{"text":"وهناك، فيضرب أمثلة للوضع بأحاديث موضوعة وأخرى صحيحة، قد تصل إلى أعلى مراتب الصحيح، بعضها وصل إلى مرتبة التواتر، وفى موضع يطعن فى الإسناد ويقول: كان الاهتمام بالمتن، وفى موضع آخر يطعن فى المتن، ويقول: كان الاهتمام بالإسناد دون المتن. ويتحدث عن تزييف الأسانيد الصحيحة، وأن أى أحد يستطيع أن يقوم بهذا، وهو كلام يدل على جهل تام بعلم الإسناد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.\nوالرد على ما بثه الكاتب من سموم وأكاذيب ومفتريات، يحتاج إلى سفر ضخم، ولكن بحسبنا أن نكشف حقيقته، ونبين موقفه من السنة الشريفة عند الله وعند المؤمنين، كما بينا موقفه المخزى من كتاب الله المجيد.\nويمكن أن يذكر هنا أقوال علماء الإسلام فى السنة المطهرة، وأقوال المعاصرين منهم فى الرد على المستشرقين الذين سرق الكاتب أكاذيبهم وشبههم، وواضح أن هذا يطول جدًا، ولذلك نكتفى بذكر بعض الأمثلة، ونكتفى أيضًا بأخذ هذه الأمثلة من كتاب السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى للشيخ الدكتور مصطفى السباعى ﵀، فقد أبطل باطل المستشرقين وأحمد أمين أبى الكاتب وناصحه الأمين.\nبدأ الدكتور السباعى حديثه عن السنة مع المستشرقين بعرض تاريخى لأغراض المستشرقين، وبين مدى خطر هؤلاء وأثرهم السيئ على من خدع بهم من المثقفين المسلمين.\nثم قال ﵀: ننتقل من هذه المقدمة الضرورية إلى بيان موقف المستشرقين من السنة وشبههم التى أثاروها حولها، والتى تأثر بها كثير من الكتاب المسلمين كما رأيت، ولعل أشد المستشرقين خطرًا وأوسعهم باعًا، وأكثرهم خبثًا وإفسادًا فى هذا الميدان، هو المستشرق اليهودى المجرى \" جولد تسيهر \".","vol":"1","page":839},{"text":"وذكر خلاصة قوله فى السنة وتشكيكه بها، ثم أخذ يفصل الجواب لهذه الخلاصة، دون تتبع لكل فقرة من الفقرات. فإن كتابه كما قال - يضيق عن الرد التفصيلى، وللعلم فإن الكتاب اقترب من خمسمائة صفحة.\nهل كان الحديث نتيجة لتطور المسلمين؟\nقال الدكتور السباعى ﵀ تحت عنوان: هل كان الحديث نتيجة لتطور المسلمين: \" يقول جولد تسيهر: إن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الدينى والسياسى والاجتماعى للإسلام فى القرنين الأول والثانى! ولا ندرى كيف يجرؤ على مثل هذه الدعوى، مع أن النقول الثابتة تكذبه \" وأخذ يثبت كذب هذا المفترى الحاقد. أما ابن أحمد أمين فقد أخذ الفرية وصاغها بأسلوبه كأنه صاحبها.\nالأمويون وعلماء المدينة:\nوانتقل الدكتور السباعى بعد هذا للرد على افتراءات اليهودى الحاقد حول دور الأمويين وعلماء المدينة فى وضع الأحاديث، وأن العلماء الأتقياء استجازوا الكذب دفاعًا عن الدين.\nوالمفتريات الذى ذكرها الدكتور السباعى وبين بطلانها وتهافتها أخذها (المفكر الإسلامى) كأنها من بنات أفكاره.\nالإمام الزهرى:\nقبل أن يتحدث الدكتور السباعى عن الإمام الزهرى ومكانته فى التاريخ، ليدفع الباطل قال ﵀: ـ\nوهنا نجد من حقنا وواجبنا أن نزيح الستار عن مؤامرة هذا اليهودى المستشرق على أكبر إمام من أئمة السنة فى عصرة، بل على أول من دون السنة من التابعين، لنرى ما فيها من لؤم وخبث ودس وتحريف، وإنها لخطة مبيتة من","vol":"1","page":840},{"text":"هذا المستشرق أن يهاجم أركان السنة واحدًا بعد الآخر، فلقد هاجم أكبر صحابى روى الحديث عن رسول الله ﷺ وهو أبو هريرة ﵁.\nوسترى كيف ناقشنا هذه الاتهامات التى أوردها الأستاذ أحمد أمين فى فجر الإسلام وتابع فيها المستشرق احتسابًا لغير وجه الله تعالى، حتى إذا فرغ من تهديم أبى هريرة على زعمه جاء هنا لهدم ركن السنة فى عصر التابعين، حتى إذا تم له انهارت السنة بعد أن وجه إليها المعاول من ناحيتين، ناحية رواتها وأئمتها، وناحية الشك بها جملة، كما ترى صنيعه هنا، ولكن الله غالب على أمره، ولابد للحق من هزيمة الباطل مهما أوى الباطل إلى ظل ظليل وركن متين \" (ص ٢٠٦) .\nوالمؤامرة التى دبرها المستشرق وتابعه أحمد أمين فى جزء منها، أعادها كاملة غير منقوصة (المصلح الدينى!) ابن أحمد أمين \" والله يعلم المصلح من المفسد \".\nحديث لا تشد الرحال: المثل الذى أراد الكاتب أن يصل به إلى هدفه السيئ فى الطعن فى الإمام الزهرى، العلم الثبت الحجة العدل الضابط الذى لم يطعن فيه أحد قبل اليهودى المستشرق، وهو حديث \" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... \" وقال: حين أراد الخليفة عبد الملك بن مروان بن الحكم صد الناس عن الحج إلى مكة خشية أن يجبر عدوه عبد الله بن الزبير الحجاج الوافدين من الشام على مبايعته خليفة للمسلمين، أسند إلى الزهرى - وهو الفقيه التقى الصالح - مهمة البحث عن حديث (أو اختلاق حديث) يضع الحج إلى بيت المقدس، بمثابة الحج إلى مكة، فكان إذا اشتكى الناس من خطر الحج إلى مكة أجابهم عبد الملك بقوله: هذا ابن شهاب الزهرى يحدثكم أن رسول الله ﷺ قال: لا تشد الرحال.. إلخ.\nواختلاق أن الإمام ابن شهاب الزهرى - وحاشاه - اختلق هذا الحديث هو من كلام اليهودى الخبيث المفترى، وذكر الدكتور السباعى هذه الفرية وقال: \" فهذا","vol":"1","page":841},{"text":"لعمرى عجب من أعاجيب الافتراء والتحريف والتلاعب بحقائق التاريخ \" ثم أخذ يفند هذا الافتراء بأدلة منها سن الزهرى آنذاك، وأن نصوص التاريخ قاطعة بأنه فى عهد الزبير لم يكن يعرف عبد الملك ولا رآه بعد، وأهم من هذا أن الحديث روته كتب السنة كلها، وهو مروى عن طرق مختلفة غير طريق الزهرى: فقد أخرجه البخارى عن أبى سعيد الخدرى من غير طريق الزهرى، ورواه مسلم من ثلاث طرق إحداها من طريق الزهرى، وثانيتها من طريق جرير عن ابن عمير عن قزعه عن أبى سعيد، وثالثتها عن طريق ابن وهب عن عبد الحميد بن جعفر ابن عمران بن أبى أنس عن سلمان الأغر عن أبى هريرة، أى أن الإمام الزهرى لم ينفرد برواية الحديث كما زعم المستشرقون.\nومع أن هذه الأدلة وغيرها تثبت سخف هذا الافتراء الذى اختلقه اليهودى، إلا أن هذا المسلم ابن أحمد يذكر الفرية كحقيقة مسلمة دون نسبتها لمفتريها الأول، ودون نظر إلى الأدلة الواضحة البينة، ودون أن يعبأ بعقول المسلمين ومشاعرهم تجاه إمام أجمعت الأمة على إمامته وعلمه وفضله.\nحديث اتخاذ الكلب للزرع: ـ\nروى ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية انتقص من أجره كل يوم قيراطان، فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة ﵁ يزيد فى الرواية (أو كلب زرع)، فقال ابن عمر: \" إن لأبى هريرة زرعًا \". اعتبر جولد قول ابن عمر نقدًا لأبى هريرة، وقال أحمد أمين: \" وهذا نقد من ابن عمر لطيف فى الباعث النفسى \".\nوذكر الدكتور السباعى حديث أبى هريرة الذى ذكر فيه اتخاذ الكلب للزرع، وأشار إلى الكتب التى أخرجته كالصحيحين وغيرها، ثم قال: قد تعرض الشراح لزيادة أبى هريرة ومن وافقه فيها، وبينوا مراد ابن عمر من مقالته تلك فى أبى هريرة. قال الحافظ ابن حجر فى \" فتح البارى \" بعد أن بين","vol":"1","page":842},{"text":"أن مراد ابن عمر تثبيت رواية أبى هريرة: \" وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع سفيان بن زهير وعبد الله بن مغفل، وهو عند مسلم. \"\nوقال النووى عند قول ابن عمر، إن لأبى هريرة زرعا: \" ليس هذا توهينًا لرواية أبى هريرة ولا شكا فيها، بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشىء يتقنه عن غيره ويتعرف من أحكامه ما لا يعرف غيره، وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهى اتخاذه للزرع من رواية ابن مغفل ومن رواية سفيان بن زهير. وذكرها أيضا من رواية ابن الحكم واسمه عبد الرحمن بن أبى نعيم البجلى عن ابن عمر. فيحتمل أن ابن عمر لما سمعها من أبى هريرة وتحققها عن النبى ﷺ رواها عنه بعد ذلك، وزادها فى حديثه الذى كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر فى وقت أنه سمعها من النبى ﷺ فرواها، ونسيها فى وقت، فتركها. والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الزيادة، بل وافقه جماعة من الصحابة فى روايتها عن النبى ﷺ، ولو انفرد بها لكانت مقبولة مرضية مكرمة. \".\nوقال الدكتور السباعى بعد بيان الإمام النووى: هذا هو الوضع الصحيح للمسألة، ومنه تعلم أنه ليس فيها تكذيب ابن عمر لأبى هريرة فى تلك الزيادة، وبيان الباعث النفسى على اختلاقها ونسبتها إلى النبى ﷺ، وكيف يتصور هذا من ابن عمر وهو الذى اعترف بأن أبا هريرة كان أحفظهم لحديث رسول الله ﷺ؟ وسيأتى معنا مزيد بيان لمكان أبى هريرة فى نفس ابن عمر ونفوس الصحابة جميعًا. أم كيف يذكرالأئمة قول ابن عمر ويخرجونه فى صحاحهم لو كان تكذيبًا منه لأبى هريرة؟ أم كيف يعمل الفقهاء برواية أبى هريرة ويبنون عليها أحكامهم لو كان مراد ابن عمر تكذيبها وإنكارها؟ .\nالواقع أنه ليس فى الأمر شىء من هذا، ولكن أمانة صاحب \" فجر الإسلام \" أبت عليه إلا أن يرى فيما صنع ابن عمر نقدًا لطيفًا ... لأبى هريرة ... وبيانًا للباعث له على هذه الزيادة، وتأبى عليه أمانته العلمية أيضا إلا أن يرشدنا إلى","vol":"1","page":843},{"text":"موضوع هذا النقد من كتب الحديث، فيقول فى ذيل الصحيفة \" انظر النووى على مسلم \"، وأنت سمعت كلام النووى فهل سمعت فيه رائحة التكذيب من ابن عمر لأبى هريرة؟ بل ألم تره يرد على ما قد يخطر بالبال ردا قويًا واضحًا؟ ولك أن تتساءل بعد هذا: أهو لم يفهم عبارة النووى؟ أم فهمها ولكنه آثر رأى المستشرق اليهودى جولد تسيهر؟ (ص ٢٨٧ - ٢٨٩) . وابن أحمد أمين الذي ترعرع في هذه البيئة، جاء بعد كل هذا ليقول:\nروى البخارى حديثًا يأمر النبى فيه بقتل كل الكلاب إلا كلاب الصيد، فلما قيل لعبد الله بن عمر: إن أبا هريرة يضيف إلى الحديث عبارة \" أو الزرع \" رد ساخرًا بأن أبا هريرة إنما أضافها بعد أن أصبح صاحب مزرعة!\nكذب الصالحين وتدليس المحدثين: ـ\nذكر الدكتور السباعى هنا كلامًا للمستشرق اليهودى، ثم فنده، ومما قاله: \" أما ما نقله جولد تسيهر من قول وكيع عن زياد بن عبد الله البكائى من أنه كان مع شرفه فى الحديث - كذوبًا - فهذه إحدى تحريفات هذا المستشرق الخبيث، فأصل العبارة كما وردت فى التاريخ الكبير للإمام البخارى: وقال ابن عقبة السدوسى عن وكيع: هو (أى زياد بن عبد الله) أشرف من أن يكذب. فأنت ترى أن وكيعا ينفى عن زياد بن عبد الله الكذب مطلقًا لا فى الحديث فحسب، وأنه أشرف من أن يكذب، فحرفها هذا المستشرق اليهودى إلى أنه كان مع شرفه فى الحديث كذوبًا. وهكذا تكون أمانة هذا المستشرق. هذا ما قاله الدكتور السباعى ﵀، أما حسين أحمد أمين فيقول:\nتحدث وكيع عن زياد بن عبد الله قائلًا: \" إنه كان يكذب فى الحديث مع شرفه \". \" وحسين لم ينسب هذا لليهودى حتى يمكن أن يقال مثلًا بأنه لم ينتبه لتحريفه وتضليله، ولكنه يذكر هذا كحقيقة يعرفها هو. فما أعظم أمانة اليهودى المستشرق وحسين معًا! وما أنبل هدفهما!!","vol":"1","page":844},{"text":"وذكر الدكتور السباعى ما نقله المستشرق عن يزيد بن هارون \" إن أهل الحديث بالكوفة فى عصره ما عدا واحدًا كانوا مدلسين \".\nثم أخذ الشيخ يبين المراد باصطلاح التدليس عند المحدثين، والمقبول منه والمرفوض، والكلام فى التدليس مفصل فى كتب مصطلح الحديث، والمدلسون معروفون، والكلام عنهم مفصل فى كتب الجرح والتعديل.\nوهذا المفكر المسلم كان أسوأ وأقبح من اليهودى اللعين، ويبدو أنه يجهل مفهوم التدليس، فبنى على ما قرأه لسيده المستشرق اليهودى قولًا يهدم - فى زعمه - كل صحيح ثابت ثبوت الجبال فى زعمه.\nفقال: \" أما الإسناد الذى من شأنه أن يكسب القول وقارًا وينيله التصديق، فكان أمره هينًا وشكليًا محضًا، فبوسع أى مختلق أن يدلس حديثًا ويصدره بسلسلة ذهبية من الإسناد، يراعى فيها الاتصال بين المحدث وكاتب الحديث، أو حتى دون أن يراعيه \". (ص ٥١)\nفالكاتب يريد أن يهدم الإسناد الذى فاق به المسلمون البشرية جمعاء فيذكر هذا القول الجاهل. فالسلسلة الذهبية هى ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، ولا تكون ذهبية إلا إذا كان من سمع من الإمام مالك عدلًا ضابطًا ثقة، وعادة لا يكون واحدًا هو الذى سمع وإنما يكون الإمام أثبته فى الموطأ أو حدث به تلامذته، أو مجموعة من المسلمين. وإذا جاء مختلق - كما يقول الجاهل (المفكر المسلم!!) وقال: حدثنى مالك، فإن الحديث يكون موضوعًا غير مقبول لوجود هذا المختلق، فالحديث يحمل على أقل درجة فى رجال الإسناد. فإذا وجدنا حديثًا متصل الإسناد، وكل رواته فى أعلى مراتب التوثيق والعدالة والضبط ما عدا واحدًا؛ وهذا الواحد مختلق، فالحديث يحمل على هذه الدرجة السفلى، فيحكم عليه علماء الحديث بأنه موضوع لا يجوز الاحتجاج به ولا يحل كتابته إلا على سبيل التحذير.","vol":"1","page":845},{"text":"وإذا كان الإسناد غير متصل وخلا من الوضاعين، فالحديث مع هذا لا يكون صحيحا، فما بالك إذا كان فيه مختلق.\nوبعد: فلعل فى هذا ما يكفى لبيان موقف هذا الكاتب من سنة الرسول ﷺ، واشتراكه فى المؤامرة الدنيئة التى حاكها المستشرقون، وأنه قام بدوره بغير هدى ولا علم ولا إسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>رابعًا: موقفه من عقائد المسلمين</span>\nموقف غير المسلمين من عقائدنا معلوم معروف، سواء أكانوا كفارًا أم يهود أم نصارى، أما أن نتحدث عن موقف كاتب من عقائدنا وهو منسوب لنا فهذا أمر غريب حقًا.\nولكن ماذا نقول والإسلام فى تاريخه الطويل رزئ بمن انتسب إليه وحاول أن يهدمه من الداخل. وكان هؤلاء خطرهم أشد ممن عادى الإسلام صراحة، ومن هنا ندرك قول الحق ﵎:\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ .\nوما سبق يبين موقفه من عقيدة المسلمين في كتاب ربهم، وسنة نبيهم، والشريعة التامة الكاملة العامة.\nومن العقائد الأساسية في الإسلام الإيمان بالقضاء والقدر، ولكنه يتحدث عن هذا الإيمان كنزعة لا عقيدة إسلامية، ثم يرد هذه النزعة عند البدوي إلي حياته في الصحراء وليس إلي إيمانه بالله ﷿، أما هذه النزعة عند غير البدوي فيفسرها بقوله الفاجر: \" ليس المسئول عن ذلك وحده اتصال الغازي البدوي به، وإنما لابد من إرجاعه كذلك إلي شكل الحكم الاستبدادي الذي ساد كافة الأقطار الإسلامية، والذي خلق للريفي وقاطن المدينة موقفًا شبيهًا بالموقف الذي يتعرض له البدوي في الصحراء \". (ص١٣٦) .","vol":"1","page":846},{"text":"فالإيمان بقضاء الله تعالي وقدره لا يراها هذا (المصلح الديني!) عقيدة إسلامية مردها دخول الإيمان في القلوب، وإنما هي أثر من آثار سوء طبيعة البادية، وسوء الحكم في غيرها.\nومعني هذا أنه لا يري الإيمان بقضاء الله ولا قدره متي عاش الإنسان في بيئه غير بدوية، وفي ظل حكم غير مستبد.\nولعله هنا ينظر إلي سادته الغربيين فيقرهم علي عدم إيمانهم بالقضاء والقدر. ولذلك يقول بعد قليل في صفحة ١٣٩:\n\" قد يكون بوسع الألماني أو السويسري أن يخطط من الآن لإجازة سنوية يقضيها في جزيرة مايوركا بعد خمس سنوات خلال النصف الثانى من شهر حزيران. أما عن عباد الله في أقطارنا، فلا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله \".\nولا أدري ممن يسخر وهو يذكر آيات كريمة يرددها عباد الله، وهي قوله تعالى في سورة الكهف (٢٣: ٢٤): ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ .\nوهل الإيمان بالمشيئة الإلهية يمنع التخطيط؟ وهل التخطيط يمنع المشيئة الإلهية؟ ويبقي أن نسأل: أيعتبر مسلمًا من يستهزئ بقول الله تعالي، ولا يؤمن بمشيئته ولا بقضائه وقدره؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>خامسًا: قوله الكذب بوثنية المسلمين</span>!!\nالإسلام دين التوحيد الخالص، تلك حقيقة يعرفها كل مسلم، وكل من يدرس الإسلام دراسة صحيحة.\nولكن كاتبنا المسلم يرى غير هذا!\nاقرأ معى قوله في صفحة ٨٤:\n\" وقد كان أشق ما فرضته عليهم الأديان السماوية تجريد مفهوم الرب:","vol":"1","page":847},{"text":"فالعبادة في العالم القديم لم تكن بالتى يمكن تحليلها دون وثن أو صورة، وكانت آلهة الأقدمين دومًا محسوسة مجسدة، صنمًا كانت أو كوكبًا أو ملكًا أو ظاهرة طبيعية. فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للإله في الأذهان.\nغير أن الإحساس ظل قائمًا لدى عامة البشر بالفجوة الهائلة التي باتت تفصل بينهم وبين إلههم، حتى إن صور لهم هذا الإله على أنه أب لهم، أو أقرب إليهم من حبل الوريد. وكان أن نشأت لديهم حاجة (وثنية) ملحة إلى ملء هذه الفجوة بأية وسيلة، أو اجتيازها بأية حيلة، وهى حاجة نفسية رأى بعض رجال الدين من الحكمة أن يستجيبوا لها بقدر محدود خشية أن تنصرف العامة عن الدين بأسره، أو حرصًا على بقاء سلطانهم، وسرعان ما حلت التماثيل الدينية والأيقونات مكان الوثن، وتقديس الأولياء محل عبادة الآلهة والملوك والأسلاف \".\nهذا ما قاله بالنص! وفكر في قوله: \" فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للإله في الأذهان \"، وما دام الأمر يحتاج إلى مرور قرون طويلة فعلى أقل تقدير يكون الصحابة ﵃ وأرضاهم، والتابعون لهم بإحسان، يكون خير الناس هؤلاء وثنيين!\nفإذا شهد الله ﷾ وهو يخاطب هؤلاء المسلمين ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ .\nقال الكاتب: لا، بل كانت عندهم حاجة وثنية ملحة، وهى حاجة نفسية! التخلص منها يحتاج إلى مرور قرون طويلة حتى يؤمنوا بإله واحد أحد فرد صمد لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.\nوطعنه في سلفنا الصالح لا يعنى أنه يريد أن يبرئ الخلف، وأن الوثنية انتهت بعد هذه القرون الطويلة، وإنما ينتقل من فرية إلى فرية، ليصل إلى ما رسمه","vol":"1","page":848},{"text":"لنفسه إرضاء لسادته، أو ما رسمه له سادته من أعداء الإسلام فيتحدث عن الذين دخلوا فى دين الله أفواجًا فى البلاد التى فتحها المسلمون، ويصور الجزيه كما صورها الأعداء، ويرى أن الذين دخلوا فى الإسلام دخلوا بمعتقداتهم القديمة، وخدعوا المسلمين الفاتحين، بل أثروا في الدين نفسه، وأقرهم عدد من الفقهاء على وثنيتهم، وعلى هدم أركان إسلامية.\nوهذا الكاتب عنده جرأة عجيبة على الكذب والافتراء على الأموات وعلى الأحياء على السواء، اقرأ مثلًا قوله في صفحة ٩٨: \" فإن نحن قلنا بعد كل هذا إن شطرًا من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوى بقنا (وهو طواف يبادر إليه الكثيرون فور وصولهم إلى تلك المدينة)، فيه غناء عن أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، وإن قلنا إن عددًا من الفقهاء قد أيد هذا الرأى استنكارًا منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحميل ما لايطيق من نفقات الحج إلى مكة، ثم إن نحن افترضنا بعد ذلك أن هذا الشيخ أسطورة، وأن القبر إنما أقيم على طلل معبد إله من آلهة القدماء المصريين، لوصلنا إذن إلى نتيجة غربيه وهى أن العامة قد أحلت محل ركن من أركان الإسلام الخمسة طقسًا وثنيًا خالصًا يرجع إلى زمن الفراعنة. وبهذا تكون شعوب الأقطار المفتوحة قد أفلحت في خداع الفاتحين \"\nهذا كلامه عن أمر لا يزال موجودًا! ونسأل هنا: أين الكثيرون الذين يطوفون بالقبر سبعًا؟\nومَنْ مِنْ المسلمين رأي أن هذا يغني عن الحج؟ وما أسماء هؤلاء الفقهاء الذين أيدوا هذا الرأي وأحلوا الطقس الوثني محل ركن من أركان الإسلام؟ بل ما اسم فقيه واحد من هذا العدد؟\nأي قارئ يستطيع أن يدرك مدى صفاقة هذا الكاتب في اختلاقه للأكاذيب ووضعه للإفك، ولكن انظر إلي ما يكشف عن خبيئة نفسه عندما يقول \" استنكارًا منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحمل ما لا يطيق من نفقات الحج إلي مكة \".","vol":"1","page":849},{"text":"ومعلوم أن الحج فرض علي المستطيع فقط ﴿وَلِلّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .\nفكان يكفى أن يبين هذا العدد من الفقهاء حكم الله تعالي، ولكن المفتري يري أنهم استنكروا فكرة الحج المكلف، فاستبدلوا به الطقس الوثنى. ومن كلام هذا الكاتب يتضح هدفه، فلا إسلام في أى عصر: فالعرب ظلوا علي وثنيتهم بعد دخولهم في الإسلام، والبلاد التي دخلها الإسلام ظل أهلها علي وثنياتهم القديمة وإن خدعوا الفاتحين وتظاهروا باعتناق الإسلام، ويضرب مثلًا لذلك بعامة من المصريين، وعدد من فقهائهم، لا يزالون علي وثنيتهم الفرعونية حتي عصرنا الحاضر.\nوهكذا يرضى الكاتب سادته وأربابه من دون الله، ويسخط الله ورسوله والمؤمنين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>أبو هريرة رضي الله تعالي عنه</span>\nوجدنا مؤامرة المستشرقين في محاولة هدم السنة المطهرة، وذلك بالتشكيك فيها جملة، والطعن في رواتها من الأئمة الأعلام.\nوالكاتب غذي بهذا التضليل، فردده وزاد عليه. ورأينا فريته بأن الفقهاء والعلماء بعد عصر الصحابة هم الذين اخترعوا السنة. ولكن شياطينه زينت له أن هذا وحده لا يكفي، فأراد أن يطعن في خير جيل من خير أمة أخرجت للناس، شهد الله تعالي لهم، وشهد الرسول ﷺ. ولذلك أراد أن يكون الطعن هنا بأسلوبه الملتوي الخبيث. أثني علي بعضهم وشهد لهم، ولكن هذا يذكرنا بقول الله ﷿:","vol":"1","page":850},{"text":"﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ .\nوانتقل الكاتب من هذا الثناء إلي الطعن في بقية الصحابة الكرام ليقول بأنهم هم جذور المأساة: مأساة وضع واختلاق الأحاديث، أي أن هذا الجيل المثالي الغرة في جبين البشرية كلها، هو الذي بدأ الكذب علي الرسول ﷺ!! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .\nوهذا الكذاب الأشر لا يجد ما يؤيد به كذبته إلا ما ذكره المستشرق اليهودى، ثم أبوه أحمد أمين بعد هذا، وهو حديث كلب الزرع الذي سبق بيان ما يتصل به. وراوية الإسلام الأول كثير في عصرنا من سلك مسلك اليهودى المستشرق في الطعن فيه.\nوفي المؤتمر الثانى لجمعية إحياء التراث الإسلامي الذي عقد بالكويت في شوال سنة ١٤٠٥ هـ، وخصص للسنة المطهرة، ألقيت محاضرة عن منزلة السنة وشبهات حول الحديث، وبعد المحاضرة ظهر أثر حملات التشكيك في أسئلة الحاضرين، وظهرت الحيرة فيما يتصل بهذا الصحابى الجليل.\nولا أستطيع هنا أن أقدم ترجمة له، فسيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر، وأكتفي بذكر بعض الحقائق من باب الذكرى، فإنها تنفع المؤمنين، حتي يعرف القارئ الكريم من قال فيهم الإمام ابن خزيمة \" إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمي الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار \".\nإسلامه:\nعاش أبو هريرة أكثر من ثلاثين سنة قبل إسلامه. ثم هداه الله عزوجل وشرح صدره للإسلام فى عام خيبر. والمعروف أن الرسول ﷺ صار إلى خيبر فى المحرم، وتم فتحها فى صفر فى العام السابع من الهجرة، وقد شهدها أبو","vol":"1","page":851},{"text":"هريرة وأسهم له الرسول ﷺ، ومعنى هذا أن أبا هريرة ﵁ أسلم فى بداية العام السابع. وقد عاش فى الإسلام خمسين عامًا، أو يزيد؛ لأنه مات سنة ٥٩ هـ على الأشهر، وقيل بأنه مات قبل هذا بعام أو عامين.\nعريف أهل الصفة:\nعندما أسلم لزم الرسول ﷺ ولم يفارقه مدة أربع سنوات إلا قليلًا. وساعد على هذه الملازمة أنه كان من أهل الصفة، ذلك المكان المظلل فى مسجد الرسول ﷺ الذى كان يعتبر أول مدرسة فى المدينة المنورة، ومثوى لفقراء المسلمين.\nوبارك الله عزوجل لأبى هريرة فى هذه الفترة الزمنية القصيرة التى صحب فيها رسول الله ﷺ، فحفظ الكثير من الحديث النبوى الشريف حتى أصبح أشهر من لجأ إلى الصفة وأعلم من تخرج فى تلك المدرسة وعريفها، بفضل دعاء الرسول ﷺ، وتفرغه وإخلاصه وجده فى طلب العلم.\nقال ابن عبد البر فى الاستيعاب (٤ / ٢٠٨):\n\" أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ. ثم لزمه وواظب عليه رغبة فى العلم، راضيًا بشبع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ، وكان يدور معه حيث دار. وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ. وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار؛ لاشتغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم.\nفقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث. وقال له: يا رسول الله، إنى قد سمعت منك حديثًا كثيرًا، وأنا أخشى أن أنسى. فقال: ابسط رداءك. قال فبسطته، فغرف بيده فيه، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئًا بعد \".\nحديث بسط الرداء:","vol":"1","page":852},{"text":"وحديث بسط الرداء ذكره البخارى فى كتاب المناقب من صحيحه، فى باب ملحق بباب علامات النبوة، ولفظ الحديث الشريف: \" قلت: يا رسول الله، إنى سمعت منك حديثًا كثيرًا فأنساه. قال: فأبسط رداءك، فبسطته، فغرف بيده فيه، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت حديثًا بعد \".\nوذكره الحميدى فى مسنده (٢ / ٤٨٣)، وزاد: \" وقام آخر فبسط رداءه، فقال النبى ﷺ: سبقك بها الغلام الدوسى \".\nروى الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: \" إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﵌، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﵌ مثل حديث أبى هريرة؟ وإن إخوتى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق فى الأسواق، وكنت ألزم الرسول ﷺ على ملء بطنى، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا. وكان يشغل إخوتى من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينًا من مساكين الصفة أعى حين ينسون؛ وقد قال رسول الله ﷺ فى حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضى مقالتى هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة على، حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدرى، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شئ \". وفى رواية \" فما نسيت شيئًا سمعته بعد \".\nويعقب الحافظ ابن حجر على هذا الخبر فيقول: \" وهو من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ من كل من يروى الحديث فى عصره، ولم يأت عن أحد من الصحابة كلهم ما جاء عنه \".\nوفى موضع آخر يقول: \" والحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية فى عصره \". (","vol":"1","page":853},{"text":"انظر قوله الأول فى تهذيب التهذيب ١٢ / ٢٦٦، والآخر فى الإصابة ٤ / ٢٦٨، وراجع شرحه: فتح البارى) .\nشهادة الرسول ﷺ:\nأما شهادة خير البشر ﷺ لأبى هريرة التى أشار إليها ابن عبد البر فإنا نرى ما يبينها فى حديث شريف. ففى الجزء الثالث من المستدرك (ص ٥٠٩) نقرأ ما يأتى: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدورى، ثنا أبو النضر، ثنا أبو الأحوص، عن زيد العمى، عن ابى الصديق الناجى، عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: \" أبو هريرة وعاء العلم \"\nولم يتكلم الحاكم على الحديث، قال الذهبى فى تلخيص المستدرك (١ / ٣): \" لم أره يتكلم عن أحاديث جمة، بعضها جيد وبعضها واه \".\nوالذهبى الذى تعقب الحاكم فى كثير من الأحاديث، وبين أنها ضعيفة أو موضوعه، لم يشر إلى أى وهى فى إسناد هذا الحديث الشريف. وربما كان هذا كافيًا لقبوله، حيث إنه من أحاديث الفضائل؛ فقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا: \"إذا روينا فى الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا فى الفضائل ونحوها تساهلنا \".\n(راجع ص ١١ من كتاب: القول المسدد فى الذب عن المسند لابن حجر) . والذهبى نفسه قال فى سير أعلام النبلاء (٢ / ٥٩٤): \" كان حفظ أبى هريرة الخارق من معدودات النبوة \"، واستدل باحاديث أشار إلى صحتها، وذكر من الأدلة ما يثبت ما ذهب إليه هو وغيره من الأئمة، ثم ذكر","vol":"1","page":854},{"text":"هذا الحديث الشريف ولكن بلفظ: \" أبو هريرة وعاء من العلم \" بزيادة \" من \" وهذا يدل على قبوله وعدم رفضه، وإن لم ينص على صحته (١) .\n_________\n(١) ومع هذا فلننظر إلى الإسناد، ونعرف برجاله. رجال الإسناد:\n١ - أبو العباس محمد بن يعقوب: هو الأصم الإمام المفيد الثقة، محدث عصره بلا مدافعة، تفرد فى الدنيا بإجازته أبو نعيم الحافظ، لم يختلف فى صدقه. (انظر تذكرة الحفاظ للذهبى ٣ / ٨٦٠، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص ٣٥٤) .\n\n٢ - العباس بن محمد الدورى: هو أبو الفضل البغدادى الحافظ، متفق على عدالته. قال الأصم لم أر فى مشائخى أحسن حديثًا منه.\nقال ابن أبى حاتم: \" سمعت منه مع أبى، وهو صدوق. نا عبد الرحمن قال: سئل أبى عنه فقل: صدوق (الجرح والتعديل ٦ / ٢١٦) .\nروى عنه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، ووثقه النسائى ومسلمة وابن حبان، ولم يذكر فى ترجمته أى جرح له.\n(انظر ترجمته فى تهذيب التهذيب، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٥٧٩، وطبقات الحفاظ ص ٥٢٧) .\n٣ - ابو النضر: هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام محمد بن محمد بن يوسف الطوسى. كان أحد الأعلام. لم أقرأ فى ترجمته ما يجرحه، أثنى عليه الحاكم والذهبى والسيوطى. (انظر تذكرة الحفاظ ٣ / ٨٩٣، وطبقات الحفاظ ص ٣٦٥) . وقال الحافظ ابن كثير فى البداية والنهاية عند الحديث عنه (١١ / ٢٢٩): كان عالمًا عابدًا، رحل فى طلب الحديث إلى الأقاليم النائية والبلدان المتباعدة.\n٤ - أبو الأحوص: هو محمد بن الهيثم بن حماد بن واقد الثقفى البغدادى القنطرى، قاضى عكبراء. قال ابن عقدة عن ابن خراش: كان من الأثبات المتقنين. وقال الدارقطنى: كان من الثقات الحفاظ. وقال أيضًا ثقة مأمون حافظ. * وقال الخطيب: كان من أهل الفضل والرحلة.\nوذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: مستقيم الحديث.\nوقال مسلم بن قاسم: ثقة. (انظر ترجمته فى تهذيب التهذيب، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٦٠٥، وطبقات الحفاظ ص ٢٦٣) .\n٥ - زيد العمى: هو زيد بن الحوارى أبو الحوارى العمى البصرى قاضى هراة. مختلف فيه: قال الحسن بن سفيان: ثقة. وقال أحمد بن حنبل: صالح، روى عنه سفيان وشعبه وهو فوق يزيد الرقاشى، وفوق فضل بن عيسى. وقال الدارقطنى والبزار: صالح. وقال السعدى والجوزجانى: متماسك. وقال ابن معين: صالح. وقال مرة: لا شىء، ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، كان شعبة لا يحمد حفظه.\nوقال أبو حاتم وابن عدى: ضعيف، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الآجرى عن أبى داود: حدث عنه شعبة وليس بذاك. وقال الآجرى ايضًا: سألت أبا داود عنه فقال: ما سمعت إلا خيرًا. وضعفه النسائى: وابن سعد، وابن المدينى، والعجلى. (انظر ترجمته فى ميزان الاعتدال، وتهذيب التهذيب، والجرح والتعديل ٣ / ٥٦٠) .\n٦ - أبو الصديق الناجى: هو بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس. جاء فى ترجمته فى تهذيب التهذيب (١ / ٤٨٦) . قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائى: ثقة. قلت: وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الذهبى فى الميزان (٤ / ٥٣٩) . صدوق. قال ابن سعد: يتكلمون فى أحاديثه يستنكرونها. وقال غيره: ثقة، تابعى، واحتج به فى الصحاح. * وأبو الصديق الناجى يروى الحديث الشريف عن الصحابى الجليل أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه.","vol":"1","page":855},{"text":"ومن النظر فى رجال الإسناد نرى أن الحديث صحيح أو حسن على الأقل عند بعض الأئمة، وعند أكثرهم يعتبر ضعيفًا لا يحتج به فى الحلال والحرام، ولكن يكتب، وموضع الخلاف مرده إلى وجود زيد العمى، ومثله إن لم يحتج بحديثه، أخذ به فى الفضائل ونحوها، أى أن هذا الحديث يقبل من حيث الإسناد.\nأما المتن فله ما يعضده، ويشهد بصحته، وقد يكفى ما سبق من الأحاديث الشريفة الأخرى، وما بينته من الدلالات، وما أثبته الأئمة من أن حفظ أبى هريرة من علامات النبوة، ولكن فلنزد الأمر وضوحًا وتأكيدًا.\nفى كتاب العلم فى صحيح البخارى نجد \" باب حفظ العلم \". ونقرأ أحاديث الباب فنراها كلها تتعلق بحفظ أبى هريرة وحده.\nويأتى الحافظ فى الفتح ليفسر مسلك الإمام البخارى فيقول: \" لم يذكر فى الباب شيئًا عن غير أبى هريرة، وذلك لأنه كان أحفظ الصحابة للحديث، قال الشافعى ﵁: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى عصره وقد كان ابن عمر يترحم عليه فى جنازته ويقول: كان يحفظ على المسلمين حديث النبى ﷺ.\nهكذا فليكن الحفظ:\nومما يثبت حفظه ما رواه الحاكم بسنده: \" حدثنا الزعيزعه كاتب مروان بن الحكم، أن مروان دعا أبا هريرة، فأقعدنى خلف السرير، وجعل يسأله، وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر \".\nوصحح الحاكم الخبر، ووافقه الذهبى. (انظر المستدرك ٣ / ٥١٠) .","vol":"1","page":857},{"text":"وذكره الذهبى فى سير أعلام النبلاء (٢ / ٥٩٨) ثم عقب بقوله: \" قلت: هكذا فليكن الحفظ. قال الشافعى: أبو هريرة ... إلخ. \".\nوذكره ابن حجر فى الإصابة (٤ / ٢٠٥)، وابن كثير فى البداية والنهاية (٨ / ١٠٦) .\nوبين لنا زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه سبب حفظ أبى هريرة رضى الله تعالى عنه:\nحدث محمد بن قيس بن مخرمة أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه يسأله عن شئ فقال له زيد: \" عليك بأبى هريرة فإنى بينما أنا وأبو هريرة وفلان فى المسجد ذات يوم ندعو الله تعالى ونذكره، إذ خرج علينا النبى ﷺ حتى جلس إلينا، فسكتنا فقال: عودوا للذى كنتم فيه. قال زيد: فدعوت أنا وصاحبى قبل أبى هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إنى اسألك ما سألك صاحباى، وأسألك علمًا لا ينسى. فقال رسول الله ﷺ: آمين. فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله تعالى علمًا لا ينسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسى \". قال ابن حجر: \" أخرجه النسائى بسند جيد فى العلم من كتاب السنن \". (الإصابة ٤ / ٢٠٨، وذكره فى التهذيب ١٢ / ٢٦٦) وأخرجه الحاكم فى المستدرك (٣ / ٥٠٨) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ولكن الحاكم رواه عن طريق حماد بن شعيب، فتعقبه الذهبى وقال: قلت: حماد ضعيف. وفى سير أعلام النبلاء (٢ / ٦٠٠) ذكر هذا الخبر وقال: \" أخرجه الحاكم، لكن حماد ضعيف \".\nوفى موضع آخر من السير (٢ / ٦١٦) ذكر الخبر بإسناد آخر، فيه الفضل بن العلاء بدلًا من حماد، ثم قال: \" تفرد به الفضل بن العلاء، وهو صدوق \".","vol":"1","page":858},{"text":"وفى موضع ثالث (٢ / ٦٨) قال الذهبى: \" وفى سنن النسائى أن أبا هريرة دعا لنفسه: اللهم إنى أسألك علمًا لا ينسى. فقال النبى ﷺ. آمين \".\nشهادة ابن عمر:\nوابن عمر رضى الله تعالى عنهما بين حفظ أبى هريرة وعلمه وفضله، أما الذين ذكروا أنه كذبه وسخر منه فقد وقعوا فى خطأ جسيم، حيث أخذوا من الأخبار ما يشتهون وتركوا منها ما يثبت ما لا يريدون.\nولننظر مثلًا إلى هذا الخبر الصحيح عن ابن عمر نفسه، فإنه: مر بأبى هريرة وهو يحدث عن النبى ﷺ أنه قال: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد. فقال له ابن عمر: أبا هر، انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ!!\nفقام إليه أبو هريرة، حتى انطلق به إلى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان؟ فقالت: اللهم نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلنى عن رسول الله ﷺ غرس الودى ولا صفق بالأسواق، إنى إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها، وأكلة يطعمنيها.\nفقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ، وأعلمنا بحديثه \".\n(انظر الخبر، وبيان الشيخ شاكر لصحة إسناده، فى المسند للإمام أحمد ج ٦ ص ٢١٣، حديث رقم ٤٤٥٣ ط دار المعارف) .\nوالخبر انتهى بشهادة ابن عمر، ولكن الطاعنين يذكرون الجزء الأول فقط!! أما غيرهم فإما أن يذكر الخبر كاملًا، أو يكتفى بذكر الشهادة، فهى المقصود من إيراد الخبر.","vol":"1","page":859},{"text":"فالحاكم يذكر الخبر كاملًا فى المستدرك (٣ / ٥١٠ - ٥١١)، ويقول: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوالذهبى فى تلخيص المستدرك يكتفى بشهادة ابن عمر، ويعقب بقوله: ... \" صحيح \" وفى سير أعلام النبلاء، يذكر الخبر بتمامه، ويقول: رواته ثقات ... (٢ / ٦١٧) . وفى موضع آخر (٢ / ٦٢٩) يذكر الشهادة وحدها. ويضيف ابن حجر شهادة أخرى، وهى قول ابن عمر: \" أبو هريرة خير منى وأعلم بما يحدث \". (الإصابة ٤ / ٢٠٨، وتهذيب التهذيب ١٢ / ٢٦٧) . وذكر أيضًا أن ابن عمر قال: \" أكثر أبو هريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما ذنبى إن كنت حفظت ونسوا \". (انظر الإصابة ٤ / ٢٠٩) .\nحفظ ونسوا\nومراجعة بعض الصحابة الكرام لأبى هريرة يرجع فى الغالب الأعم إلى حفظ أبى هريرة ونسيان غيره؛ فحفظه من معجزات النبوة كما رأينا، ويرجع إلى أنه سمع ما لم يسمعوه.\nروى الحاكم بسنده عن محمد بن عمرو بن حزم: أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة، يحدثهم عن رسول الله ﷺ، ينكره بعضهم، ويعرفه البعض، حتى فعل ذلك مرارًا، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ. ولم يعقب الذهبى على هذا الخبر. (انظر المستدرك ٣ / ٥١١) .\nولكن الذهبى فى سير أعلام النبلاء (٢ / ٦١٧) ذكر الخبر وقال: رواه البخارى فى تاريخه، وهو عن محمد بن عمارة بن حزم الأنصارى، وفيه: \" أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ، بضعة عشر رجلًا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبى ﷺ بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم، ثم يحدثهم بالحديث، فلا","vol":"1","page":860},{"text":"يعرفه بعضهم، ثم يعرفه، حتى فعل ذلك مرارًا قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ \".\nوروى الترمذى والحاكم أن طلحة رضى الله تعالى عنه سئل عن كثرة أحاديث أبى هريرة فقال:\n\" والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم. إنا كنا قومًا أغنياء لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتى رسول الله ﷺ طرفى النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينًا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله ﷺ وكان يدور معه حيثما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع \".\nوهذا الخبر ذكره أيضًا البخارى فى التاريخ وأبو يعلى (انظر تحفة الأحوذى ٤ / ٣٥٣) والذهبى فى السير (٢ / ٦٠٥، ٦٠٦، وفى حاشية ٦٠٦ بيان لصحة الإسناد) وابن كثير فى البداية والنهاية (٨ / ١٠٩)، وابن حجر فى أكثر من كتاب، وزاد فى الإصابة (٤ / ٢٠٩) قول طلحة: \" قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا \". وقال ابن كثير فى البداية والنهاية (٨ / ١٠٩): \" قال شعبة، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، قال: سمعت أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة، فقيل له: أنت صاحب رسول الله ﷺ، وتحدث عن أبى ... هريرة؟ ! فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإنى إن أحدث عنه أحب إلى من أحدث عن رسول ﷺ يعنى ما لم أسمعه منه \". والخبر أخرجه الحاكم فى المستدرك (٣ / ٥١٢)، وذكره الذهبى فى السير (٢ / ٦٠٦) . وقال ابن حجر فى الإصابة (٤ / ٢٠٥): قال وكيع فى نسخته: حدثنا الأعمش عن أبى صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ. وأخرجه البغوى من رواية أبى بكر بن عياش عن","vol":"1","page":861},{"text":"الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم ولكنه كان أحفظ. (وانظر المستدرك ٣ / ٥٠٩، سير أعلام النبلاء ٢ / ٥٩٧) وابن حجر بعد أن ذكر عدة أخبار تبين حفظ وفضل هذا الصحابى الجليل، قال: والأخبار فى ذلك كثيرة (الإصابة ٤ / ٢٠٨) .\nوابن كثير ذكر قول أبى صالح بلفظ: \" كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ. ولم يكن بأفضلهم \". (البداية ٨ / ١٠٦) . وفى موضع سابق (٨ / ١٠٤) قال ابن كثير: \" قد لزم أبو هريرة رسول الله ﷺ بعد إسلامه فلم يفارقه فى حضر ولا سفر، وكان أحرص شىء على سماع الحديث منه وتفقه عنه، وكان يلزمه على شبع بطنه \". ثم ذكر حديثًا رواه الإمام أحمد وفيه: \" قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببنى وأمى إلى عباده المؤمنين، فقال: اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما، قال أبو هريرة: فما خلق الله من مؤمن يسمع بى ولا يرانى أو يرى أمى إلا وهو يحبنى \".\nثم عقب الحافظ ابن كثير على هذا الحديث بقوله:\nوقد رواه مسلم من حديث عكرمة عن عمار نحوه. وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس. قد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدى الخطبة والإمام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له ﵁.\nمن أسباب كثرة مروياته:\nوهكذا نرى أن أبا هريرة رضى الله تعالى عنه قد بورك في الفترة الزمنية القصيرة التي شرف فيها بصحبة خير البشر ﷺ، وإلى جانب هذا فقد بارك الله ﷾ له في باقى عمره في الإسلام حيث استطاع أن يعوض كثيرًا مما فاته، فلم يكتف بالرواية عن رسول الله ﷺ وروى عن كبار الصحابة الذين","vol":"1","page":862},{"text":"أدركهم مثل: أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وأبى بن كعب - أستاذ مدرسة التفسير بالمدينة في عصر التابعين - وأسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وأم المؤمنين عائشة، وغيرهم من الصحابة الكرام البررة رضى الله تعالى عنهم، وكان هذا من أسباب كثرة مروياته، حيث امتد عمره بعد عصر النبوة، واحتاج الناس إلى علمه.\nأما الذين رووا عنه فما أكثرهم!!!\nقال الإمام البخارى: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم. (سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٦٨، والبداية والنهاية ٨ /١٠٣، والاستيعاب ٤ /٢٠٩، والإصابة ٤ /٢٠٥، وأضاف ابن حجر: وكان أحفظ من روى في عصره) .\nترى: أيمكن أن يروى عنه مثل هذا العدد، وأن يثقوا به ويلجأوا إليه ما لم يجدوا عنده العلم الصحيح النافع. والكلم الطيب الثابت عن رسول الله ﷺ. وليس هذا فحسب، فإنه وجد في عصر لم يشع فيه التدوين، وقل من دون السنة الشريفة، ومع هذا بالبحث نجد أن عشرة قد دوَّنوا بعض ما سمعوا منه، وأول صحيفة كاملة وصلتنا هي صحيفة همام بن منبه كتبها عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه. (انظر من كتب عنه في ص ٩٧: ٩٩ من كتاب الدكتور محمد الأعظمى: دراسات في الحديث النبوى) .\nونتيجة لهذا الاهتمام المشكور بالرواية عن هذا الصحابى الجليل وصلنا من الأخبار التي رويت عنه (٥٣٧٤)، روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من هذه الأخبار (٣٨٤٨)، واتفق الشيخان على (٣٢٥)، وانفرد الإمام البخارى بثلاثة وتسعين، والإمام مسلم بتسعة وثمانين ومائة.","vol":"1","page":863},{"text":"وهذه الروايات التي زادت على خمسة آلاف إنما هي بالمكرر، وذكر الدكتور الأعظمى في كتابه: أبو هريرة في ضوء مروياته (ص٧٦) بأن أحاديثه في المسند والكتب الستة هي ١٣٣٦ حديثًا فقط، وذلك بعد حذف الأسانيد المتكررة.\nوهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه في أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة.\nوالفرق بينهما أن الطالب يبذل مجهودًا ليحفظ، ثم من طبيعته النسيان، أما الإعجاز فظهر في الحفظ بالسماع وعدم النسيان.\nمن شهادات الأئمة\nأحب أن أختم هذه الكلمة الموجزة بذكر شئ من أقوال بعض الأئمة والحفاظ:\nقال الإمام الشافعى فى الرسالة (ص ٢٨١): \" أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره \".\nوقال الحاكم فى مستدركه (٣ / ٥١٢): \" قد تحريت الابتداء من فضائل أبى هريرة ﵁؛ لحفظه لحديث المصطفى ﷺ، وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلى عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته، إن هو أولهم، وأحقهم باسم الحفظ \".\nثم قال: وفى الصفحة التالية ذكر اسماء الصحابة الذين رووا عنه، وعددهم ثمانية وعشرون، منهم: زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصارى، وأبى بن كعب، وغيرهم من أكابر الصحابة ﵃.\nوقال بعد ذكرهم\n\" فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبى هريرة، وذكرهم فى هذا الموضع يطول لكثرتهم، والله يعصمنا من مخالفة رسول رب العالمين، والصحابة المنتخبين، وأئمة الدين من التابعين ومن بعدهم من أئمة","vol":"1","page":864},{"text":"المسلمين، ﵃ أجمعين، فى أمر الحافظ علينا شرائع الدين أبى هريرة ﵁ \".\nوقال الذهبى فى سير أعلام النبلاء\n\" كان حفظ أبى هريرة الخارق من معجزات النبوة \". (٢ / ٥٩٤) \" احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه \" (٢ / ٦٠٩) \" إليه المنتهى فى حفظ ما سمعه من الرسول ﷺ وأدائه بحروفه. \" (٢ / ٦١٩)\n\" قد كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ فى حديث \". (٢ / ٦٢١)\n\" ... فهو رأس فى القرآن، وفى السنة، وفى الفقه \". (٢ / ٦٢٧)\nوقال ابن كثير فى البداية والنهاية (٨ / ١١٠)\n\" قد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم \".\n\nخاتمة\nهذا هو أبو هريرة وعاء العلم، فكيف نجد فى عصرنا من ينسب نفسه للإسلام ويعرض عن قول رسول الله ﷺ، والصحابة والتابعين، والأئمة الأعلام الهداة المهديين، ويأخذ بقول الضالين المضلين؟ !\nهذا المسلك يفسره العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر فيقول:\n\" وقد لهج أعداء السنة، أعداء الإسلام، فى عصرنا، وشغفوا بالطعن فى أبى هريرة، وتشكيك الناس فى صدقه وفى روايته. وما إلى ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا - زعموا - إلى تشكيك الناس فى الإسلام، تبعًا لسادتهم المبشرين. وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن، أو الأخذ بما صح من الحديث - فى رأيهم، وما صح من الحديث فى رأيهم إلا ما وافق","vol":"1","page":865},{"text":"أهواءهم وما يتبعون من شعائر أوربة وشرائعها. ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن، إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ فى اللغة التى نزل بها القرآن، ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون!!\nوما كانوا فى أول من حارب الإسلام من هذا الباب، ولهم فى ذلك سلف من أهل الأهواء قديمًا. والإسلام يسير فى طريقه قدمًا، وهم يصيحون ما شاءوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميرًا.\nومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع فى أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون! بفرق واحد فقط: أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين، كانوا علماء مطلعين، أكثرهم ممن أضله الله على علم!!\nأما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة، وامتضاغ ألفاظ لا يحسنونها، يقلدون فى الكفر، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم!! \" ا. هـ. (المسند للإمام أحمد بشرحه ١٢ / ٨٤ - ٨٥)\nرحم الله تعالى أبا هريرة جزاء ما قدم للإسلام وأهله وجعلنا من محبيه، وجمعنا معه فى واسع جنته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>هذا الصوت نعرفه</span>\nهذا الكاتب لم يكتف بما جنته يداه، وما سطره فى كتابه من كفر صريح، بل استمر فى غيه وضلاله، وركز هجومه على أحكام الله تعالى التى شرعها لعباده ورضيها لهم بنص كتابه المجيد. فسخر من آيات الله عزوجل، وما جاءت به من أحكام، كجعل شهادة الرجل كشهادة امرأتين.\nوالذين تصدوا لبيان ضلال الكاتب منهم من ذكر اسمه متأذيًا، ومنهم من رأى ألا يذكر اسم اللعين.\nوقد اعجبتنى كلمة الأستاذ ثروت أباظة تحت عنوان:\n\" هذا الصوت نعرفه \"، وأحب أن أختم الموضوع بذكر شىء منها.","vol":"1","page":866},{"text":"بدأ الأستاذ كلمته بقوله:\nتصبح الشهرة عند بعض الناس نشيدة حياه، وأملًا يتخطفهم الموت فى سبيلها، ويبذلون من أجل رنينها كل ما يشرف الإنسان أن يتحلى به، حتى إذا أعيتهم الوسائل، ووقفت دون مقاصدهم العراقيل، بذلوا دينهم وإيمانهم، وأعلنوا إلحادهم مجاهرين به غير مخافتين.. صارخين به غير هامسين، يحدوهم الأمل الحقير أن يعود عليهم الكفر بما لم يدركوه فى ستار الإيمان.\nولقد نعرف بعض هؤلاء اليوم، ولقد عرفنا أشباهًا لهم من قبل. ومنهم من عاصرناه. ومنهم من أكرمنا الله بعدم رؤيته، أو العيش معه فى زمن واحد.\nوربما لا يكون هؤلاء الملحدون شيوعيين. فالقاعدة المنطقية تقول: إن كل شيوعى ملحد وليس كل ملحد شيوعيًا. فقد يكون الملحد إذن غير شيوعى، بل قد يكون رأسماليًا متطرفًا. ولكنه يظل مع ذلك ملحدًا كافرًا زنديقًا.\nوقد يصيب الملحد بإلحاده نصيبًا من الشهرة، ولكنه ينسى أن الشهرة ليست فى ذاتها نوعًا من الشرف، بل قد تكون لونًا من حقارة الشأن وتفاهة الفكر وهوان الشأن.\nإن نوع الشهرة هو الذى يدعو الجمهور إلى احترام الشهير وليست الشهرة فى ذاتها..\nفالناس لا تحترم القاتل الشهير ولا اللص الحقير مهما يكن بعيد الصيت.. ولا المرتشى الوضيع مهما يكن ذا منصب خطير. ونصيب الملحد ذى الشهرة أن يدوسه الناس بالأقدام، ويرجموه بالحجارة\nثم قال:\nومن هؤلاء من أدرك أن الهجوم على العباد مهما يكونوا أعلامًا خفاقة لن يصل بهم إلى الشهرة التى بها يحلمون وبمجدها يهيمون، فقالوا وما لنا لا نهاجم الدين نفسه ونعلن عدم إيماننا بكلام الله وهو الله؟ فما دامت مهاجمة الكتاب لم تأت لنا إلا بالشهرة المؤقته فلابد أن مهاجمة كلام الله ستأتى لنا بالشهرة الثابتة!","vol":"1","page":867},{"text":"وظهرت كتب ملحدة صريحة فى إلحادها، وثار بها الناس وأصاب أصحابها الشهرة، ولكنها كانت شهرة نجسة بخيسة مرغت أسماءهم فى الدنس أيامًا ثم زالت عنهم الشهرة وبقى لهم الدنس.\nوتعلم الملحدون ألا يعلنوا إلحادهم، واستفادوا من الدرس الذى رأوه رأى العين فيمن سبقهم.. ... ..\nثم قال:\nولكن رأينا فى الزمن الأخير بعض من لا نذكره، ومن يعف القلم عن أن يخط حروف اسمه، يعلن إلحاده فى وقاحة نعرفها لسابقيه فى الإلحاد.\nوانتقل الأستاذ ثروت أباظة بعد هذا لما أثاره هذا الكاتب فقال:\nوالقضية التى ساقها هذا الملحد ليعلن بها عن إلحاده قضية متهاوية لا تحتمل أى نقاش. فالأمر فيها واضح غاية الوضوح، وقد شرحها الله تعالى بمحكم آياته\nولكنه الملحد الجاهل يهاجم النص القرآنى فى جهالة رعناء ساذجة سذاجة ينفر منها الأطفال. ولو أننا قبلنا أن نناقش القضية لعقدنا مقارنة لا تنعقد بين كلام الله - وهو الله - وبين رأى فطير حقير لا يجوز له أن يذكر أو يناقش.\nوقد نسى هذا الجاهل فى حمأة جنونه بالشهرة أن هذا القرآن مر بألف وأربعمائة عام وتزيد، وحفظه مئات الملايين، وناقشه الأئمة الهداة.. وناقشه أيضًا الملحدون الباحثون عن الشهرة وتهجموا على قدسيته، فإذا بالقرآن الكريم يقف شامخًا سابقًا ميسورًا على الهداة، متأنيًا إباء الجبال الشم على الملحدين الزنادقة، لم يستطيعوا أن يهزوا حرفًا من حروفه بتشكيك، أو يهزوا كلمة من محكم كلامه لأى أثر من حيرة.\nومن هؤلاء الذين قرأوا القرآن علماء فى شتى ألوان العلوم: منهم علماء فى اللغة ومنهم علماء فى الفقه.. ومنهم علماء فى المنطق، ومنهم علماء فى علم الكلام، ومنهم من ولى القضاء، ومنهم رجال الشرع.. وهيهات أن يحيط","vol":"1","page":868},{"text":"بالباحثين فى كتاب الله تحديد.. إنه معروض على الأزمان وعلماء هذه الأزمان على مدى ألف وأربعمائة عام.\nأولم يقدر هذا الملحد الجديد أن الذى عرض له تعرض لملايين البحوث، ولم يقل واحد منهم بما قال، لهوان ما قال وضآلته أن يثبت لتفكير على قدر ضئيل من الاستقامة.\nومهما يكن مقدار جهلك فأنت تعلم هذا علم يقين.. ومهما يكن مقدار جهلك فأنت تعلم مقدار سخافة الرأى الذى سقته.. وأنت لا شك تقدر مدى الغضب الذى أثرته فى نفوس المسلمين كافة بما تقول.. وأنت أيضًا لا شك أردت أن تثير هذا الغضب بأمل منك سقيم أن تنال به ما تهفو إليه نفسك المريضة الساقطة من شهرة.. وقسمًا لن أنيلك ما تصبو إليه من الشهرة المريضة وأنا أكتب هذا الحديث متوجهًا إلى علمائنا الأفاضل ألا يحاول أحد منهم أن يجعل منك صاحب رأى فيناقشه، فما تبقى أنت إلا أن يناقشك كرام الفقهاء وينزلوا بك سخطهم لتنال به شهرتك.\nوقد تفضل عالم جليل وتنازل وتناول رأيك بالتفنيد دون أن يذكر اسمك أو اسم مجلتك الحمراء الرعناء. وإنى أرى أنك أهون من هذا الذى فعل الشيخ الجليل. وعلى كل حال فحسبك هذا النقاش بل هو فوق الحسب.. وإنى أكاد أثق أن الفقهاء لن يذكروك بعد ذلك أبدًا فإنهم - لا شك - أدركوا مقصدك، وإنهم من الذكاء واللماحية بحيث يجعلونك تعود من جولتك الملحدة بالخيبة وسوء المآب (١) .\nولا شك أنك تعلم أن مثلك لا غفران له عند الله، فقد أشركت وما لمشرك غفران، ولو لم تنل إلا بعدك عن رحمة لكان هذا فى ذاته أوفى عقاب لو كنت\n_________\n(١) هذا رأى وجيه، ولكن كيد اللعين لا يزال مستمرًا لم يتوقف، وخدع الكثير من المسلمين، ودعى إلى مؤتمر إسلامى كمفكر إسلامى!! وجعلته إحدى الإذاعات شاهد عصر! لذا أرى أن يكشف ويعرى، والله ﷾ هو الأعلم بالصواب.","vol":"1","page":869},{"text":"تملك من العقل صبابة.. ولكن من أين لك بها؟ ! وهل لمن يقدم على ما أقدمت عليه أى نصيب من عقل أو إحساس أو منطق أو فكر أو خلق؟\nلقد صدمت الشعور العام لكل المسلمين، ولو أنك فعلت هذا وقلت شيئًا يستحق النقاش لقلنا ملحد ولكنه يحاول أن يفكر، أما أن تصنع هذا من أجل الشهرة وحدها بعد أن أخطأتها في كل ميدان سعيت إليها فيه فتلك إذن كبرى الكبائر.. وليكونن عقابك في الدنيا خزيًا وفى الآخرة نارًا لا تموت فيها ولا تحيا.\nربنا سبحانك وتعاليت وتقدست أسماؤك ... وما هم إلا عبادك وأنت وحدك تعلم الكافر منهم، وتعلم من اهتدى ... وأنت العدل المطلق القاهر على العباد الواحد القيوم الحق ... سبحانك لا تحاسبنا بما أتى السفهاء منا، فإنهم يا الله لا يعلمون ... وأنت وحدك سبحانك من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ... تعاليت..","vol":"1","page":870},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الجزء الرابع في أصول الفقه والفقه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>مقدمة</span>\nإن الحمد كله لله، نحمده سبحانه وتعالي ونستعينه ونستهديه ونشكره أن وفقنا - بعظيم فضله وكرمه ومنه - إلى إنجاز هذا العمل الخالص لوجهه الكريم، ونسأله ﷿ أن ينفع به المسلمين، وينير به الطريق أمام الذين ضلوا وتأثروا بأباطيل الرافضة، وأن يجعله في ميزاننا يوم نلقاه سبحانه وتعالي، ونصلى ونسلم على رسوله المصطفي خير البشر، وعلى آله الأطهار، وصحبه الكرام الأبرار، وعلى من اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.\n\nأما بعد: فمنذ عدة سنوات وأنا أتضرع إلى الله جلت قدرته لتحقيق هذا الهدف الكبير، هدف إخراج موسوعة علمية تبين للمسلمين حقيقة الشيعة والرافضة، وتناقش ما يتصل بالأصول والفروع في ضوء الكتاب والسنة والأدلة المعتبرة، كما تناقش أدلتهم الباطلة، وما يثيرونه من شبه واهية تمتلئ بها المئات من كتبهم المنتشرة بين المسلمين، وهذه الكتب غالبًا توزع مجانًا، وتهدى إلى كل من يستطيعون الإهداء إليه لنشر عقيدتهم الباطلة، وآرائهم الضالة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك كتاب المراجعات.\nفالحمد الكثير والشكر والثناء العظيم لله المنعم الوهاب الذي أعانني على الانتهاء من الجزء الرابع بعد أن أعانني على الانتهاء من الأجزاء الثلاثة السابقة.\n\nوالجزء الأول تكفل بعقيدة الإمامة والعقائد التابعة للشيعة الاثنى عشرية، والثاني كان في التفسير المقارن وأصوله وكتبه، والجزء الثالث تناول الحديث وعلومه وكتبه، دراسة مقارنة.\nأما آخر أجزاء الموسوعة، وهو هذا الجزء الرابع، فيشتمل على أصول الفقه والفقه، دراسة مقارنة أيضًا.","vol":"1","page":874},{"text":"أصول الفقه عند الشيعة الاثنى عشرية أربعة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع والعقل، وتحدثنا عما يتصل بالكتاب والسنة في الجزأين الثاني والثالث، ولذلك اكتفيت هنا بالإشارة السريعة إلى ما سبق بيانه ثم تحدثت عن الإجماع والعقل، وجعلت أصول الفقه في الباب الأول، أما الفقه فقد خصصته ببابين، يليهما خاتمة للكتاب كله بأجزائه الأربعة.\nوالغاية من البابين الثاني والثالث أن نستخرج الأحكام الفقهية التي ذهب إليها الجعفرية الاثنا عشرية تأثرًا بعقيدتهم في الإمامة، أي أنها أحكام لا تصح إلا بصحة الإمامة التي يعتقدونها.\nوالجزء الأول تكفل بمناقشة الإمامة، وانتهينا منه إلى أن عقيدة الإمامة عند الجعفرية الاثنى عشرية لا مستند لها من كتاب ولا سنة، وأن الأدلة أثبتت غير ما ذهبوا إليه، وما دمنا قد انتهينا من بحثنا إلى هذه النتيجة فلا حاجة إذن إلى مناقشة ما نذكره من الآراء الفقهية المرتبطة بالإمامة عندهم، فما بنى على باطل فهو باطل.\nوقد يقال: إن هذه الآراء الفقهية ربما يكون لها أدلة استندوا إليها، وهذا يستدعى مناقشة الأدلة، فنقول: إن الآراء التي ستذكر في هذا الجزء لها أدلتها عندهم فعلًا ولكن الأدلة هي أيضًا أثر من آثار الإمامة، أي أنها مبنية على العقيدة التي أثبتنا عدم صحتها، مثال هذا ما ذكرناه في أواخر الجزء الثاني عن أثر الإمامة في الحج: من حيث الأحكام، والروايات التي وردت في كتب السنة عند الجعفرية الرافضة، وقد رأينا أن واضعي الروايات أكثر غلوًا من واضعي الآراء الفقهية، وقد أثبتنا في الجزء الثالث أن جميع الأخبار المتصلة بأئمتهم الاثنى عشر وضعت في عصور متأخرة.\nفالآراء الفقهية التي تعتبر نتيجة التأثر أو الغلو في عقيدة الإمامة لا مستند لها من كتاب أو سنة، وإنما تستند إلى روايات ينسب أكثرها للأئمة، ومع أن الأدلة أثبتت عدم صحة إمامتهم بالطريقة التي يذهب إليها الجعفرية الرافضة، إلا أن","vol":"1","page":875},{"text":"الأئمة كانوا من التقوى والصلاح، من وجهة نظرنا، بحيث إننا نراهم أجل من أن يأتوا بمثل هذه الروايات المفتراة، وإنما افتراها على الأئمة غلاة الجعفرية الرافضة الضالون، المضلون، كما افتروا الكذب على الرسول - ﷺ -.\nومع أنه يكفي أن نذكر الآراء الفقهية التي ذهب إليها الجعفرية الرافضة تأثرًا بعقيدتهم في الإمامة، ولا حاجة لمناقشتها، غير أنني ناقشت بعض النقاط بشيء من التفصيل في الفصلين الأول والثاني من الجزء الثاني كنموذج للمناقشات التفصيلية حتى لا يطول بنا الحديث، وبعد الفصلين اكتفيت بالإشارة إلى أهم ما جاء في فقههم تأثرًا بعقيدتهم الباطلة، ثم ذكرت بعض الأخبار التي وضعوها لتأييد باطلهم (١) .\nوبتحديد هذه الآراء الفقهية نرى أن بقية الفقه الجعفري يمكن أن ينظر إليه كسائر المذاهب الفقهية، فتقبل الأحكام أو ترفض في ضوء الأدلة (٢)، وبذا نكون قد أوضحنا بعض معالم الطريق أمام دعاة التقريب، وهذا الفقه الذي تأثر واضعوه بعقيدتهم الباطلة، وبنى على ترجيح ما خالف جمهور المسلمين وإن وافق الكتاب والسنة، هذا الفقه لا يمكن معه التقريب إلا إذا تخلى الرافضة عن باطلهم.\nوفي مقدمة كتابى \" فقه الشيعة الإمامية ... \" ذكرت أنني اعتمدت على ثلاثة كتب لبيان الأحكام عند الجعفرية الاثنى عشرية:\nالأول: المختصر النافع في فقه الإمامية، ألفه أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلى الملقب بالمحقق.\n_________\n(١) وضحت منهجى هذا في بداية الفصل الثالث من الباب الثاني قبيل الحديث عن الصيام والاعتكاف.\n(٢) على أن يراعى ما ذكرناه في أصول فقههم.","vol":"1","page":876},{"text":"الثاني: الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية لزين الدين الجبعى العاملى الملقب بالشهيد الثاني، واللمعة الدمشقية لمحمد بن جمال الدين مكى العاملى الملقب بالشهيد الأول.\nوذكرت ما يبين مكانة هذين الكتابين عند الجعفرية الاثنى عشرية.\nالثالث: مفتاح الكرامة شرح قواعد العلامة لمحمد الجواد بن محمد الحسين العاملى، والمقصود بالعلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلى.\nويعتبر هذا الكتاب من أكبر الموسوعات في الفقه الجعفري، أخذت منه ما تركه الكتابان الأولان، ورأيت أن لا حاجة إلى ذكره، وهو ليس بكثير، ولهذا كنت أشير إلى صفحاته فيما استخرجه منه.\nهذا ما سلكته لتحديد أحكام الطهارة والصلاة في ذلك الكتاب، وهنا سأستند إلى هذه الكتب الثلاثة أيضًا مع إضافة مرجع جديد هو \" مستمسك العروة الوثقى \" للسيد محسن الطباطبانى الحكيم، مرجع الجعفرية بالعراق قبل الخوئى، والكتاب موسوعة فقهية عصرية فهو يبين ما عليه الجعفرية الرافضة في عصرنا (١)، وسوف أسلك نفس الطريقة في عدم ذكر صفحات ما هو موجود في الكتابين الأولين لكثرة المنقول منهما وسهولة استخراجه، ونكتفي بالإشارة إلى موضع ما نأخذه من الموسوعتين إلى جانب بعض الكتب الأخرى كالخلاف للطوسى وغيره (٢) .\nوهذان البابان مقسمان حسب تقسيم الفقه عند الجعفرية الاثنى عشرية، قال الأستاذ محمد تقى القمي: \" جرت العادة عند المؤلفين من فقهاء الإمامية أن يقسموا\n_________\n(١) يقع الكتاب في أحد عشر مجلدًا، وهو تقريبا في حجم كتاب المغنى لابن قدامة، ولكنه مع هذه الضخامة ينتهي قبيل الجهاد في العبادات.\n(٢) في الستينيات التقيت بأحد علمائهم وهو السيد كاظم الكفائى، ووجهت إليه عددًا من الأسئلة أجاب عن بعضها بخطه، فصورت ما كتب وألحقته برسالتي للماجستير حيث رجعت إليه في بعض المسائل، ثم رأيت أن أجعله هنا أيضًا، وهو بعد الخاتمة.","vol":"1","page":877},{"text":"الموضوعات الفقهية إلى أربعة أقسام (العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام) ولعل وجه الحصر أن المبحوث عنه في الفقه إما أن يتعلق بالأمور الأخروية؛ أي معاملة العبد ربه، أو الأمور الدنيوية: فإن كان الأول فهو عبادات، أما الثاني فإما أن يحتاج إلى صيغة أولًا، فغير المحتاج إلى صيغة هو الأحكام كالديات والميراث والقصاص والأطعمة، وما يحتاج إلى صيغة فقد يكون من الطرفين أو من طرف واحد: فمن طرف واحد يسمى الإيقاعات كالطلاق والعتق، ومن الطرفين يسمى العقود، ويدخل فيها المعاملات والنكاح، وتبدأ العبادات بكتاب الطهارة كمقدمة للعبادات \" (١) .\nوبعد: فلقد بذلت ما استطعت لإخراج هذه الموسوعة العلمية بالصورة التي ترضي الله ﷿، وترفع سخطه، ولقد أمسكت القلم عن التجريح فضلًا عن التكفير إلا إذا وجدت من يكفر أو يفسق خير البشر بعد رسول الله - ﷺ -، وهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق – ﵄ وحشرنا معهما بفضله وكرمه، وخير جيل عرفته البشرية في تاريخها، وهو جيل الصحابة الكرام البررة، رضي الله تعالي عنهم ورضوا عنه، فمن طعن في هؤلاء الذين شهد لهم الله تعالي، والرسول - ﷺ -، وهم نقلة الإسلام والقرآن الكريم والسنة المطهرة، من طعن في هؤلاء فاعلم أنه زنديق أراد أن يجرح شهودنا كما قال الإمام أبو زرعة، وإذا لعنا هؤلاء الزنادقة أتباع عبد الله بن سبأ اللعين، فإننا لا نكون خرجنا على المنهج العلمي، بل اتبعنا سنة رسول الله - ﷺ - كما روى ذلك شيعي غير رافضي، وهو الحاكم في مستدركه، بسنده الذي صححه ووافقه الذهبي - عن الرسول - ﷺ - - أنه قال: \" إن الله تبارك وتعالي اختارني، واختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم\n_________\n(١) راجع تقديمه للمختصر النافع حاشية صفحتي: ل، م وانظر هذا التقسيم في مفتاح الكرامة: كتاب التجارة ص ٢، ٣.","vol":"1","page":878},{"text":"وزراء وأنصارًا وأصهارًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل \" (٣/٦٣٢) .\nولا شك أن الرافضة لن يرضوا عن هذه الموسوعة، وهذا يذكرنا بقول الحق تبارك وتعالي: \"\" وَلَن تَرضي عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ \"\".\nيكفي إذن أن نرضي الله ﷿، والمؤمنين من جمهور المسلمين، ومن الشيعة غير الرافضة المعتدلين غير الغلاة.\nهذا ما أردته، فإن كنت قد أصبت فهذا من الله جلت قدرته وعظمته، وإن كنت قد أخطأت فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومما أمرنا بتلاوته:\n\"\" ... رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ \". (سورة البقرة) .\n\"\" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ \"\" (٨٩: الأعراف) .\nو\" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \" (الصافات) .","vol":"1","page":879},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>الباب الأول: أصول الفقه</span>","vol":"1","page":880},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الفصل الأول: القرآن الكريم</span>\nالقرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي، وهذا بلا شك لا خلاف حوله، فهو كتاب ربنا ﷿.\nوفي الجزء الثاني تحدثت عن هذا المصدر بالتفصيل، حيث قسمت الجزء إلى قسمين:\nالأول عن القرآن الكريم وعلومه عند جمهور المسلمين، حتى نتبين الفرق بين منهجهم ومنهج الشيعة الاثنى عشرية.\nوالقسم الثاني جعلته للحديث عن هذا المصدر عند الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية، ومن الدراسة ظهر تأثرهم تأثرًا كبيرًا بعقيدتهم الباطلة في موقفهم من القرآن الكريم، ولا حاجة إلى أن نعيد الحديث مرة أخرى، ولكن أوجز هنا ما يبين منهجهم، وأثر عقيدتهم في تناولهم لهذا المصدر وأثر هذه العقيدة الباطلة ظهر فيما يأتي:\nأولًا:\nاعتبروا القرآن الكريم قرآنًا صامتًا، والإمام قرآنًا ناطقًا، ودوره بالنسبة للقرآن الصامت كدور النبي - ﷺ - سواء بسواء، فله بيان القرآن الكريم، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامه، بل نسخه عند فريق منهم، وما دام القرآن الكريم صامتًا فلابد من الرجوع إلى القرآن الناطق حتى يوضح مراد الله تعالي، ولهذا قال الإخباريون من الجعفرية - وهم قلة: لا يجوز العمل بظاهر القرآن الكريم، وقال جمهور الجعفرية - وهم الأصوليون - بحجية الظواهر، ولكنهم قالوا: لا يجوز الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب بلا مراجعة الأخبار الواردة عن أئمتهم.","vol":"1","page":880},{"text":"ثانيا:\nلما لم يجدوا من ظاهر القرآن الكريم ما يؤيد عقيدتهم لجئوا إلى التأويل، وقالوا بباطن القرآن، وتوسعوا في القول بالباطن إلى غير ما حد حتى أن فريقًا منهم اعتبر ثلث القرآن فيهم، وثلثه في عدوهم، وبذلك أخضعوا كتاب الله العزيز لأهوائهم، وحرفوه ليصبح أقرب ما يكون إلى كتاب من كتب الفرق، ولم يفترقوا كثيرًا عن الإسماعيلية الباطنية.\nثالثا:\nغلاة الجعفرية عز عليهم أن يخلوا القرآن الكريم من نصوص ظاهرة صريحة تؤيد عقيدتهم في الإمامة، فلم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة بل أقدموا على جريمة مدبرة، فطعنوا في الصحابة الأكرمين، وعلى الأخص الخلفاء الراشدون الذين سبقوا الإمام عليًا، أرادوا من هذا الطعن الافتراء عليهم بأنهم غير أمناء على تنفيذ الشريعة ونقلها، وحفظ كتاب الله، ولذا انتهوا من هذا الطعن إلى أنهم اغتصبوا الخلافة، وحرفوا القرآن الكريم حتى لا يفتضح أمرهم، ولا يظهر حق على في الخلافة والأئمة من بعده، ووجدت المعتدلين نسبيا من الجعفرية - في القديم والحديث - قد تصدوا لهؤلاء الغلاة وكشفوا القناع عن هذا الباطل، وفندوا مزاعم القائلين بالتحريف.\nرابعا:\nالجعفرية درجات بين الاعتدال والغلو، فليسوا سواء، لذا كان لزامًا علينا الرجوع إلى كتبهم المختلفة لنرى إلى أي مدى أثرت عقيدة الإمامة عندهم في تناولهم كتاب الله تعالي.\nوقد رجعت إلى الكثير من كتبهم، وقدمت دراسة لستة عشر كتابًا، مقتصرًا على بيان أثر الإمامة في كل منها، ووجدت أن القرن الثالث ظهر فيه ثلاثة كتب هي:","vol":"1","page":881},{"text":"التفسير المنسوب للإمام العسكرى - إمامهم الحادى عشر، وتفسير العياشى والقمي، وهذه الثلاثة تمثل جانب التطرف والغلو في المذهب الجعفري، ثم يأتى شيخ طائفتهم الطوسى (المتوفي سنة ٤٦٠ هـ) فيخرج كتابه \" التبيان في تفسير القرآن \" وهو يمثل جانب الاعتدال إلى حد ما، ثم يليه الطبرسى - شيخ مفسريهم - ورأيناه قريبًا من الطوسى. والجعفرية بعد هذا إلى عصرنا- كما ظهر من دراستى لباقى كتبهم - منهم من سلك أحد المسلكين، ومنهم من جمع بينهما، أو اقترب من أحدهما، وإن بدا لنا أن الكتب الضالة المضلة التي رزئ بها القرن الثالث كانت أقوى أثرًا من غيرها، فمنها كتاب ينسب إلى إمام، وآخر لعلى بن إبراهيم القمي الذى يوثقونه كل توثيق، وأحد تلاميذه هو الكليني صاحب كتاب الحديث الأول عندهم، وقد نقل عن شيخه القمي مئات الروايات في التحريف والتكفير وغير ذلك مما يكشف عن غلو صاحبه.","vol":"1","page":882},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>الفصل الثاني: السنة المطهرة</span>\nلا شك أن السنة النبوية المشرفة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم.\nوإذا كان الجزء الثاني جعلته للمصدر الأول، فإن الجزء الثالث جعلته للمصدر الثاني، وقسمته أيضًا قسمين:\nالقسم الأول: للحديث وعلومه عند جمهور المسلمين.\nالقسم الثاني: للحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة الاثنى عشرية.\nوتناول هذا القسم بيانًا مفصلًا شافيًا يتضح منه موقف الشيعة والرافضة من السنة المطهرة.\nوظهر من هذا البيان أثر عقيدتهم الباطلة في موقفهم منها، ويبدو هذا الأثر فيما يلي:\nأولًا: جعلوا الإمام كالنبى المرسل - ﷺ -:\nفالعصمة لهم جميعًا، والسنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره، يستوي في هذا كله أن يكون المعصوم هو الرسول - ﷺ -، وأن يكون أحد أئمة الرافضة، وبذلك أشركوا مع الرسول الكريم المصطفي هؤلاء الأئمة، وحتى يكون الإمام مصدرًا للتشريع قائمًا بذاته، جعلوا له الإلهام مقابلًا للوحى بالنسبة للرسول - ﷺ -، وبعضهم ذهب إلى بقاء الوحي مع الأئمة وإن لم ينزل بقرآن جديد.\nثانيا: في مراتب الحديث:\nالحديث عندهم لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثنى عشرية في جميع الطبقات.","vol":"1","page":883},{"text":"ويأتي بعد الصحيح الحسن: فيشترطون إمامية الراوى، ويقبلون رواية الإمامي غير ثابت العدالة، ويرفضون رواية غير الإمامي كائنًا من كان، ويقبلون رواية الإمامي الممدوح المقدوح أحيانًا بشرط ألا يكون القدح بفساد المذهب، وفساد المذهب يعنى الخروج عن الخط الجعفري الرافضي فهذا قدح لا يغتفر!!\nويأتي بعد الحسن الموثق لوجود غير الجعفرية في السند، والتوثيق لا يكون إلا من الجعفرية أنفسهم.\nوإذا دخل في السند غير جعفري لم يوثقه الجعفرية، فالحديث ضعيف، وعلى هذا الأساس يرفضون الأحاديث الثابتة عن الخلفاء الراشدين الثلاثة، وغيرهم من أجلاء الصحابة والتابعين وأئمة المحدثين والفقهاء، ما داموا لا يؤمنون بعقيدة الإمامية الاثنى عشرية!\nوذكرت بعض النماذج في الجرح والتعديل عندهم، وهي تبين مدى غلوهم وضلالهم، سيأتي شيىء منها في خاتمة الكتاب من هذا الجزء.\nثالثا: في الترجيح:\nجعلوا المشهور عندهم مقدمًا على غيره، حتى قدموه على ما وافق الكتاب والسنة.\nوجعلوا من المرجحات مخالفة العامة، أي عامة المسلمين، فما خالف الأمة الإسلامية أولى بالقبول عندهم مما وافقها، ولعل هذا من أخطر المبادئ التي جعلت بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية هوة سحيقة عميقة، فابتعد الاثنا عشرية الرافضة كثيرًا عن المنهج الإسلامي الصحيح.\nرابعا: في كتب السنة المعتمدة عندهم:\nبدراسة أصول الكافي وروضته، وجدنا أن الكليني اتخذ من السنة - بمفهومها عنده - وسيلة لإثبات عقيدته في الإمامة، ورأيه في الأئمة وما يتصفون به، ووسيلة كذلك لبيان بطلان ما ذهب إليه غير الرافضة الذين لم يأخذوا بعقيدته في الإمامة، وإنهم مهما تعبدوا فهم في النار، فعبادتهم غير مقبولة في زعم","vol":"1","page":884},{"text":"الكليني، على حين أن الرافضة جميعًا بغير استثناء سيدخلون الجنة، ولا تمسهم النار مهما ارتكبوا من الموبقات والآثام، ومهما كان خطؤهم في حق الله تعالي أو في حق عباده، والكليني من أجل هذا كله رأيناه يفترى آلاف الروايات وينسبها للرسول - ﷺ - ولآل بيته الأطهار.\nوالكليني اتخذ من السنة كذلك وسيلة لتحريف كتاب الله تعالي نصًا ومعنى، وقد نهج منهج شيخه على بن إبراهيم القمي - صاحب التفسير الضال المضل - في التحريف وفي الطعن في الصحابة الكرام: نقلة الشريعة وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول - ﷺ - وخص بمزيد من الطعن الذين تولوا الخلافة الراشدة قبل الخليفة الرابع الإمام على ﵃ جميعًا وأرضاهم.\nوالكليني أقدم على ما لا يقل خطورة وضلالًا عن القول بتحريف القرآن الكريم ونقصه، حيث افترى على الله الكذب فزعم أنه - جل شأنه - أنزل كتبًا من السماء بخط إلهي تؤيد فرقته، والكليني يضمن كتابه بعض الأحداث التاريخية، ويذكرها بحسب هواه ويفسرها بما يشتهي، وبما يشبع غيه وضلاله.\nويبقى من الكافي الفروع، ومن كتب الحديث المعتمدة: الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسى، وهذه كلها تشتمل على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية، لذا لم نتوسع في بيان أثر الإمامة فيها؛ فالفقه خصصناه بهذا الجزء: والآراء التي تأثرت بالإمامة تعتمد بصفة عامة على ما جاء في هذه الكتب، إذن يمكن القول بأن أثر الإمامة في الفقه - يبين إلى حد كبير أثر الإمامة في فروع الكافي والكتب الثلاثة الأخرى، وعرضت مثلًا انتهيت منه إلى أن ما يقال عن أثر الإمامة في الفقه الجعفري أقل مما يقال عن أثرها في هذه الكتب الأربعة، ففي الكتب مزيد من التأثر بالغلو في عقيدة الإمامة، كما أننى نقلت كثيرًا من الروايات التي افتراها أصحاب هذه الكتب في البابين التاليين.","vol":"1","page":885},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الفصل الثالث: الإجماع</span>\nهو المصدر الثالث من مصادر التشريع عند الجعفرية الرافضة، وقد يظن هنا إذن أنهم متفقون مع جمهور المسلمين، ولكن الواقع غير هذا لأن الإجماع عندهم في مفهومه وحجيته لا يخرج عن النطاق الجعفري وأئمة الجعفرية الاثنى عشرية: -\nفالإجماع عند الجمهور يعنى \" اتفاق المجتهدين من أمة محمد - ﷺ -، في عصر من العصور بعد وفاته على حكم، وهذا التعريف: يخرج المجتهد المبتدع بما يكفر فلا يعتد بقوله وإن لم يعلم بكفر نفسه، لأنه لا يعد من الأمة، ولا يؤتمن على شئونها، أما المبتدع بما لا يكفر فالمختار دخوله فيمن يعتد بآرائهم من المجتهدين\" (١) .\nإذن الإجماع هنا ينظر فيه إلى الأمة التي قال عنها الرسول - ﷺ - \" لا تجتمع أمتى على ضلالة\" (٢) .\nهذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما الجعفرية الاثنا عشرية فالإجماع عندهم يعنى شيئًا آخر، لأنهم لا ينظرون إلى المجتهدين من أمة محمد - ﷺ -، وإنما ينظرون إلى من دان بإمامة الأئمة الاثنى عشر، شريطة أن يكون الإجماع كاشفًا عن رأي الإمام، ما لم يكن الإمام داخلا بنفسه في المجمعين.\n_________\n(١) أصول التشريع الإسلامي ص ١١٠.\n(٢) \"حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره\" المقاصد الحسنة للسخاوى ص ٤٦٠ - وللجمهور أدلة كثيرة على حجية الإجماع لسنا بحاجة إلى ذكرها أو مناقشتها.","vol":"1","page":886},{"text":"وكى نتبين هذا الرأي ننظر أولًا إلى حجية الإجماع عند الجعفرية. جاء في فوائد الأصول للخراسانى (٣/ ٥٢):\n\" اختلفت مشارب الأعلام في مدرك حجية الإجماع المحصل (١) الذي هو أحد الأدلة الأربعة: فقيل إن الوجه في حجيته دخول شخص المعصوم في المجمعين، ويحكى ذلك عن السيد المرتضى.\nوقيل إن قاعدة اللطف تقتضي أن يكون المجمع عليه هو حكم الله الواقعي الذي أمر المعصوم بتبليغه إلى الأنام، ويحكى ذلك عن شيخ الطائفة، وقيل إن المدرك في حجيته هو الحدس برأيه - أي الإمام - ورضاه بما أجمع عليه للملازمة العادية بين اتفاق المرءوسين المنقادين على شيىء وبين رضا الرئيس بذلك الشيء، ويحكى ذلك عن بعض المتقدمين.\nوقيل إن حجيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حد يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر.\nوقيل إن الوجه في حجيته إنما هو لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجمعين \".\nمن هذا نرى أنهم على اختلاف مشاربهم يربطون الإجماع بالإمام بشخصه أو برأيه، وكذا بالنسبة للدليل المعتبر عندهم لا يخرج عن هذا، فهم يقولون بأن المجمعين لا يخرج الدليل الذي استندوا إليه عن السنة (بالمفهوم الجعفري) فلا\n_________\n(١) الإجماع في الاصطلاح عند الجعفرية ينقسم إلى قسمين:\nأـ الإجماع المحصل: والمقصود به الإجماع الذي يحصله الفقيه بتتبع أقوال أهل الفتوى.\nب - الإجماع المنقول: والمقصود به الإجماع الذي لم يحصله الفقيه بنفسه وإنما ينقله له من حصله من الفقهاء، سواء أكان النقل له بواسطة أم بوسائط، ثم النقل تارة يقع على نحو التواتر، وهذا حكمه حكم المحصل من جهة الحجية. وأخرى يقع على نحو خبر الواحد، وإذا أطلق قول الإجماع المنقول في لسان الأصوليين فالمراد منه هذا الأخير وقد وقع الخلاف بينهم في حجيته على أقوال. (أصول الفقه للمظفر ٣/١٠١) .","vol":"1","page":887},{"text":"يصح أن يكون هذا الإجماع كاشفًا عن وجود دليل معتمد من أي أصل من أصول الفقه الأخرى عندهم (١) .\nفالجعفرية الإمامية إذن ينظرون في الإجماع إلى الإمام نفسه لا إلى ذات الإجماع، قال علامتهم الحلى: \" الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع \" (٢) .\nوقال غيره: \" أما الإجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله \" (٣) .\nومادام الإمام عندهم يعتبر معصومًا وقوله سنة، فما جدوى الإجماع إذن؟ وما الفرق بينه وبين السنة؟ يوضح هذا أحد علمائهم إذ يقول:\n\" إن الإجماع بما هو إجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم ... فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف فيدخل حينئذ في السنة ولا يكون دليلًا مستقلًا في مقابلها.\nو... لم تثبت عندنا عصمة الأمة من الخطأ وإنما أقصى ما يثبت عندنا من اتفاق الأمة أنه يكشف عن رأي من له العصمة! فالعصمة في المنكشف لا في الكاشف.\nوعلى هذا فيكون الإجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم، فكما أن الخبر المتواتر ليس بنفسه دليلًا على الحكم الشرعي\n_________\n(١) انظر أصول الفقه للمظفر ٣ / ٩٧ - ٩٨.\n(٢) تهذيب الوصول ص ٧٠، وانظر في هذا المعنى: تجريد الأصول ص ٧٥، وزبدة البيان ص ٦٨٧ والحقائق في الجوامع والفوارق ص ١/٧٥.\n(٣) المعتبر ص ٦ ويلقبون القائل بالمحقق.","vol":"1","page":888},{"text":"رأسًا بل هو دليل على الدليل على الحكم، فكذلك الإجماع ليس بنفسه دليلًا بل هو دليل على الدليل.\nغاية الأمر أن هناك فرقًا بين الإجماع والخبر المتواتر، فإن الخبر دليل لفظي على قول المعصوم، أي أنه يثبت به نفس كلام المعصوم ولفظه فيما إذا كان التواتر للفظ، أما الإجماع فهو دليل قطعي على نفس رأي المعصوم لا على لفظ خاص له، لأنه لا يثبت به - في أي حال - أن المعصوم قد تلفظ بلفظ خاص معين في بيانه للحكم.\nولأجل هذا يسمى الإجماع بالدليل اللبى، نظير الدليل العقلي، يعنى أنه يثبت بهما نفس المعنى والمضمون من الحكم الشرعي الذي هو كاللب بالنسبة إلى اللفظ الحاكى عنه الذي هو كالقشر له \" (١) .\nإذن فالإمام هو الأساس الذى ينبنى عليه الإجماع عند الجعفرية الإمامية.\nومن هنا نستطيع أن ندرك سبب نظر المحدثين - من علماء الشيعة - إلى الإجماع نظرة تباين ما كان عليه الأقدمون منهم، قال عالمهم المعاصر الشيخ مغنية: \" اتفق المتقدمون على أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وغالوا في الاعتماد على الإجماع حتى كادوا يجعلونه دليلاُ على كل أصل وكل فرع.\nوعد المتأخرون لفظ الإجماع مع هذه المصادر ولكنهم أهملوه عمليًا، ولم يعتمدوا عليه إلا نادرًا، بل لم يعتمدوا عليه إلا منضمًا مع دليل أو أصل معتبر\". (٢) ثم قال: \" والخلاصة أن الإجماع المنقول ليس بحجة، والإجماع المحصل حجة شريطة أن يحصل من الصدر الأول إلى العصر الأخير، وقد اشتهر على ألسنة\n_________\n(١) أصول الفقه للمظفر ٣/٩٢.\n(٢) أصول الفقه للشيعة الإمامية بين القديم والحديث – بحث بمجلة رسالة الإسلام السنة الثانية– العدد الثالث، والمنقول تجده في ص ٢٨٤: ٢٨٦.","vol":"1","page":889},{"text":"رجال الدين في هذا العصر، وذهب مذهب المثل القول بأن الإجماع المنقول ليس بحجة والمحصل غير حاصل \" (١) .\nوقال الشيخ المظفر: \" على كل حال لم تبق لنا ثقة بالإجماع فيما بعد عصر الإمام في استفادة قول الإمام على سبيل القطع واليقين \" (٢) .\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٢٨٦.\n(٢) كتابه \" أصول الفقه ٣/١٠٠ \".","vol":"1","page":890},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الفصل الرابع: العقل</span>\nالمراد بالعقل الذي اتخذوه دليلًا على الحكم الشرعي - ما لم يوجد دليل من كتاب أو سنة أو إجماع - إنما هو أحكامه المستقل بها، مثل حكمه بوجوب دفع الضرر، واستحالة الترجيح بلا مرجح، وبقبح العقاب بلا بيان.\nومما استدلوا عليه بالأول وجوب النظر والمعرفة، لأن ترك النظر - وكذلك ترك المعرفة - موجب للخوف وهو ضرر، ودفع الضرر واجب بالضرورة. وبالثاني على التخيير عند تعارض الأدلة مع عدم المرجح. وبالثالث على الحكم بإباحة ما لم يعلم من الشرع حرمته كالحكم بإباحة شرب القهوة لعدم ورود بيان من الشارع، وقبح العقاب بلا بيان ضروري (١) .\nوهذا الدليل ينبني على أساس التحسين والتقبيح العقليين، باعتبار أن الأشياء لها حسن ذاتي أو قبح ذاتي يمكن إدراكه بالعقل كالعدل والظلم، وكالصدق والكذب. \" فإن العدل بما هو عدل لا يكون إلا حسنًا أبدًا: أي أنه متى ما صدق عنوان العدل فإنه لابد أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء ويعد عندهم محسنًا، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلا قبيحًا، أي أنه متى صدق عنوان الظلم، فإن فاعله مذموم ويعد مسيئًا \" (٢)، \" والصدق بما هو صدق فيه اقتضاء التأثير فى إدراك العقلاء بأنه مما ينبغى أن يفعل، ويمدحون فاعله عليه بخلاف الكذب فإنه مذموم لديهم. ولكن هذا التأثير لا يتم عادة مع وجود مزاحم له يمنع من تأثيره نظرًا لأهميته كأن يكون فى الصدق ما يوجب قتل النفس المحترمة، أو انتهاك عرض، أو تسلط ظالم على مؤمن، وهكذا (٣) .\n_________\n(١) انظر الحقائق في الجوامع والفوارق جـ ١ ص ٧٨.\n(٢) الأصول العامة للفقه المقارن ص ٢٨٦ (نقلًا عن أصول الفقه للمظفر) .\n(٣) الأصول العامة للفقه المقارن ص ٢٨٧.","vol":"1","page":891},{"text":"وإذا كنا ندرك علاقة الحسن بالمصلحة، والقبح بالمضرة، أفيعنى هذا أن الشيعة يأخذون بالمصلحة؟\nيقول أحد علمائهم المعاصرين (١) في تلخيص وتعقيب بعد دراسة مقارنة للمصالح المرسلة:\nإن تعاريف المصالح المرسلة مختلفة، فبعضها ينص على استفادة المصلحة من النصوص والقواعد العامة، ومقتضى هذا النوع من التعاريف إلحاقها بالسنة، والاجتهاد فيها إنما يكون من قبيل تحقيق المناط بقسمه الأول، أي تطبيق الكبرى على صغراها بعد التماسها أي الصغرى - بالطرق المجعولة من الشارع لذلك، ولا يضر في ذلك كونها غير منصوص عليها بالذات، إذ يكفي في إلحاقها بالسنة دخولها تحت مفاهيمها العامة. وأما على تعاريفها الأخرى فينحصر إدراكها بالعقل.\nوالذي ينبغى أن يقال عنها أنها تختلف من حيث الحجية باختلاف ذلك الإدراك، فإن كان ذلك الإدراك كاملًا – أي إدراكًا للمصلحة بجميع ما يتعلق بها في عوالم تأثيرها في مقام جعل الحكم لها من قبل المشرع – فهي حجة. ورفض الأخذ بالمصلحة إذا لم يكن إدراك العقل لها كاملًا، كأن يدركها مع احتمال وجود مزاحم لها يمنع من جعل الحكم.\nوانتهي إلى قوله: \" وبهذا يتضح أن الشيعة لا يقولون بالمصالح المرسلة إلا ما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم \" (٢) .\nومما يتصل بهذا الأصل الرابع فتح الذرائع وسدها، حيث يعتبرون فتحها وسدها تابعًا للعقل أو السنة، \" لأن اكتشاف حكم المقدمة إما أن يستفاد من العقل\n_________\n(١) هو الشيخ محمد تقى الحكيم أستاذ الأصول والفقه المقارن في كلية الفقه بالنجف، انظر المصالح المرسلة في كتابه \" الأصول العامة للفقه المقارن \" ص ٣٨١-٤٠٢ وانظر تلخيصه وتعقيبه ص ٤٠٢-٤٠٤.\n(٢) ص ٤٠٤.","vol":"1","page":892},{"text":"بقاعدة الملازمة، بمعنى أن العقل يحكم بوجود ملازمة بين الحكم على شيىء والحكم على مقدمته، فإذا علمنا أن الشارع قد حكم على ذى المقدمة بالوجوب فقد علمنا بحكمه على المقدمة كذلك، وعندها تكون من صغريات حكم العقل وليست أصلًا برأسه، وإما أن يستفاد من طريق الملازمة اللفظية، أي من الدلالة الالتزامية لأدلة الأحكام، كما هو مبنى فريق بدعوى أن اللفظ الدال على وجوب الصلاة هو بنفسه يدل على لازمه وهو وجوب مقدماتها، وعليها يكون وجوب المقدمات مدلولًا للسنة، فتكون المسألة من صغريات دليل السنة \" (١) .\nويدخل تحت هذا الأصل كذلك الاستصحاب، ويعللون هذا بقولهم: \"وجود الشيء في الحال يقتضي ظن وجوده في الاستقبال لقضاء العقل بذلك في أكثر الوقائع، ولأن الأحكام الشرعية مبنية عليه لأن الدليل إنما يتم لو لم يتطرق إليه المعارض من نسخ وغيره، وإنما يعلم نفي المعارض بالاستصحاب \" (٢) .\nأما القياس فقد رفضوا الأخذ به إلا ما كان منصوص العلة، وهم لا يرونه قياسًا وإنما يرون ذلك من دليل العقل لحكمه بوجوب وجود الشيىء عند وجود علته، وما عدا ذلك من قياس الشبه وأمثاله فلا يعتبرونه من حكم العقل، ويرون أنه لا دليل على الأخذ به، وأن روايات أئمتهم كثيرة في المنع عنه. (٣)\nوهناك قسم آخر اعتبره بعضهم من دليل العقل وهو ما يتوقف فيه على الخطاب وهو ثلاثة: فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب (٤) (٥)\n_________\n(١) الأصول العامة للفقه المقارن ص ٤١٥.\n(٢) تهذيب الوصول ص ١٠٥.\n(٣) انظر: الحقائق في الجوامع والفوارق جـ ١ ص ٧٩، وانظر مناقشة الشيخ أبوزهرة لأدلتهم في كتابه الإمام الصادق ص ٥١٥ وما بعدها.\n(٤) انظر المعتبر ص ٦، وأصول الفقه للمظفر ٣/١٠٩.\nولحن الخطاب: هو أن تدل قرينة عقلية على حذف لفظ.\nوفحوى الخطاب: يعنون به مفهوم الموافقة. *\n*ودليل الخطاب: يراد به مفهوم المخالفة.\nوهذه كلها تدخل في حجية الظهور، ولا علاقة لها بدليل العقل المقابل للكتاب والسنة.\n(٥)","vol":"1","page":893},{"text":"وفي أصول الفقه للمظفر (٣ / ١٩) قال المؤلف: \" من تصريحات المحقق والشهيد الأول يظهر أنه لم تتجل فكرة الدليل العقلي في تلك العصور، فوسعوا في مفهومه إلى ما يشمل الظواهر اللفظية مثل: لحن الخطاب و٠٠٠ إلخ \".\nوالمحقق توفي سنة ٦٧٦ هـ، والشهيد الأول توفي سنة ٧٨٦ هـ.\nوالجعفرية الاثنا عشرية - كما ذكرنا من قبل - ينقسمون إلى أصوليين وهم الكثرة الغالبة، وإخباريين وهم قلة قليلة، والذين اتخذوا من العقل دليلًا بعد الأدلة الثلاثة هم الأصوليون، أما الإخباريون فإنهم يأبون تحكيم العقل في الأمور الشرعية، ويكتفون بما ورد عن أئمتهم في كتب الحديث الأربعة.\nهذا هو الدليل الرابع عند الجعفرية الاثنى عشرية، وأثر الإمامة هنا لا يبدو واضحًا كما رأينا في الأدلة الثلاثة، ولكن يمكن القول بأن الإخباريين عندما رفضوا الأخذ بهذا الدليل تأثروا بعقيدتهم في الإمامة حيث اكتفوا بما ورد عن الأئمة. وهذا الاتجاه يتفق مع ما يراه جمهور الجعفرية من عدم الاجتهاد في زمن الأئمة حيث يرجع إليهم، وأقوالهم ليست اجتهادًا - في نظر الجعفرية - وإنما سنة كسنة الرسول - ﷺ - كما سبق بيانه، غير أن الإخباريين استمروا في المنع من الاجتهاد بعد عصر الأئمة، بل قالوا: \" بالمنع عن الاحتياج إلى علم الأصول والمنع عن تدوينه، بل عن بعضهم أنه بدعة محرمة \".\nوقالوا: \" إن هذا العلم مما أحدثه العامة – أي جمهور المسلمين- فسرى منهم إلى أصحابنا الإمامية في زمن الغيبة، ولم يكن يعرفه أصحاب الأئمة. فلولا أنه من البدع المستحدثة والطرق المخترعة الممنوع عنها في الشريعة لما أهمل بيانه أهل العصمة \" (١) .\n_________\n(١) الحاشية على الكفاية ٢/٢١١.","vol":"1","page":894},{"text":"ولعل أهم ترابط بين الإمامة والعقل عند الجعفرية جميعًا أنهم حاولوا إثبات عقيدتهم في الإمامة بالعقل حتى \" كانت الحركة الإخبارية تستبطن في رأي كثير من ناقديها تناقضًا، لأنها شجبت العقل من ناحية لكى تخلى ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي، وظلت من ناحية أخرى متمسكة به لإثبات عقائدها الدينية \". (١)\nوعقيدة الجعفرية الاثنى عشرية في الإمامة لم تثبت بالكتاب والسنة، بل ثبت خلاف ما ذهبوا إليه كما رأينا في الجزء الأول. إذن لا يمكن أن تثبت هذه العقيدة بالعقل، فلسنا في حاجة إلى مناقشة ما اعتبروه إثباتًا للإمامة بدليل العقل (٢) .\n_________\n(١) المعالم الجديدة للأصول: ص ٤٥.\n(٢) انظر مناقشة ابن تيمية لهم، ففيها إقناع وإمتاع:\nالمنتقى ص ٢٥ - ٣٤، وص ٤٨٢ وما بعدها.","vol":"1","page":895},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الباب الثاني: العبادات</span>","vol":"1","page":896},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الفصل الأول: الطهارة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>أولًا: حكم سؤر الآدمى</span>\nأجمعت المذاهب الأربعةعلى طهارة سؤر الآدمى مسلمًا كان أو كافرًا (١) فالآدمى طاهر، ورأي الإماميون أن سؤر الكافر نجس، لأن الكافر ذاته نجس، وتوسعوا في مفهوم الكفر فحكموا بكفر كثير من المسلمين، بل كفر كل من لا يدين بدين الرافضة كما مر وسيأتى.\nاستدل الشيعة الرافضة بقوله تعالي في سورة التوبة: \"\" إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا \"\" (الآية ٢٨).\nفالمشركون أنجاس، والنجاسة عينية لا حكمية. وردوا على من قال: إن كونهم نجسًا أنهم لا يغتسلون من الجنابة، ولا يجتنبون النجاسات، أو كناية عن خبث أبدانهم سبعين مرة لم يزيدوا إلا نجاسة.\nوما دام المشركون أنجاسًا، فأسآرهم نجسة تبعًا لذلك، ولا فرق بينهم وبين باقى الكفار، فإن كل من قال بنجاستهم عينًا قال بنجاسة كل كافر، وأهلالذمة مشركون لقوله تعالي: \"\" وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ. \" إلى قوله تعالي: \" سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ \" وكل مشرك نجس بالآية (٢).\n_________\n(١) راجع المبسوط ١/ ٤٧، والأم ١/ ٥، وحاشية الدسوقى ١/ ٤٤، والمغنى ١/ ٤٣.\n(٢) انظر كنز العرفان في فقه القرآن ص ٢١ - ٢٢.","vol":"1","page":896},{"text":"ورووا عن الإمام الصادق أنه سئل عن سؤر اليهودي والنصراني، فقال: \" لا \". ورووا كذلك عنه أنه كره سؤر ولد الزنى، وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الإسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب (١) .\nوقد وافق الظاهرية الإمامية في الحكم بنجاسة المشركين نجاسة عينية، مستدلين بالآية الكريمة، وبحديث إنزاله - ﷺ - وفد ثقيف المسجد، وتقريره لقول الصحابة: قوم أنجاس، لما رأوه أنزلهم المسجد، وقوله لأبى ثعلبة لما قال له: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب أفناكل في آنيتهم؟\nقال: \" إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها \" (٢) .\nويجاب عن ذلك كله بأن المراد من الآية الكريمة أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، والحجة على صحة هذا التأويل: أن الله سبحانه أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلا يجب من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليهم من غسل المسلمة. وحديث إنزال وفد ثقيف صريح في نفي النجاسة الحسية لا في إثباتها، فبعد قول الصحابة قوم أنجاس، قال - ﷺ - \" ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء، إنما أنجاس القوم على أنفسهم \".\nوحديث أبى ثعلبة الأمر فيه بغسل الآنية ليس لتلوثها برطوباتهم بل لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر فيها، يدل على ذلك ما عند أحمد وأبى داود من حديث أبى ثعلبة أيضًا بلفظ: \" إن أرضنا أرض أهل الكتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ \"\nوحديثه الأول مطلق، وهذا مقيد بآنية يطبخ فيها ما ذكر، ويشرب، فيحمل المطلق على المقيد، ويجوز حمله على كراهية الأكل في آنيتهم للاستقذار لا لكونها\n_________\n(١) انظر الاستبصار ١ / ١٨. والوسائل ١ / ٢٢٤.\n(٢) انظر نيل الأوطار ١ / ٢٥.","vol":"1","page":897},{"text":"نجسة، إذ لو كانت نجسة لم يجعله مشروطًا بعدم وجدان غيرها، إذ الإناء المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء.\nوقد ثبت في الصحيحين أنه - ﷺ - توضأ من مزادة مشركة، وربط ثمامة بن آثال - وهو مشرك - بسارية من سوارى المسجد. وأكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر. وأكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى، كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر، وأكل من خبز الشعير والإهالة (١) لما دعاه إلى ذلك يهودى\nويستدل كذلك بتحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية المائدة، وهي آخر ما نزل، وإطعامه - ﷺ - وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسل الآنية ولا أمر به.\nفلو حرمت رطوبتهم لاستفاض بين الصحابة نقل توقيهم لها، لقلة المسلمين حينئذ، مع كثرة استعمالاتهم التي لا يخلو منها ملبوس ومطعوم، والعادة في مثل ذلك تقتضى بالاستفاضة. (٢)\nوقد رد هذه الأدلة أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه البحر الزخار (١/١٣) بقوله: (دليلنا أصرح لقوله تعالي: \"\" فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسجدَ الْحَرَامَ \"\"، ولأنها بعد الفتح فنسخت ما قبلها) .\nويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الأدلة صريحة في نفي النجاسة العينية، مما دل على صحة تأويل الآية الكريمة، وأما دعوى النسخ فيعارضها آية المائدة، حيث لا نسخ بينهما، وهي صريحة في نفي النجاسة، فبتأويل آية التوبة يمكن الجمع بينها وبين آية المائدة، والأحاديث الموافقة لحكمها دون اضطرار لادعاء النسخ.\n_________\n(١) الإهالة: الشحم والزيت وكل ما ائتدم به.\n(٢) انظر نيل الأوطار ١/٢٥-٢٦ وسبل السلام ١ / ٣١: ٣٣، وصحيح البخارى: كتاب الصلاة: باب دخول المشرك المسجد.","vol":"1","page":898},{"text":"وأما استدلال الإمامية بروايتهم عن الإمام الصادق، فالرواية الأولى تناقضها رواية أخرى عن الإمام نفسه أنه سئل عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب فيه على أنه يهودى، فقال: نعم، قيل: من ذلك الماء الذي يشرب منه، قال: نعم (١) .\nوحاول شيخ الطائفة الطوسى أن يوفق بين الروايتين فقال: \" فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على من يظن أنه كافر ولا يعرف على التحقيق، فإنه لا يحكم له بالنجاسة إلا مع العلم بحاله، ولا يعمل فيه على غلبة الظن، أو يحمل على من كان يهوديا فأسلم، فإنه لا بأس باستعمال سؤره ويكون حكم النجاسة زائلًا عنه \" (٢) .\nوالرواية فيها تكرار للاستفسار، وتأكيد لإثبات الطهارة، فلو كانت المسألة مبنية على الظن لوضحها الإمام، واليهودى الذي يسلم لا يسمى يهوديًا بل مسلمًا.\nرأي صاحب وسائل الشيعة أن الخبر يمكن حمله على التقية. وقد روى عن الإمام مالك أنه قال \" لا يتوضأ بسؤر النصرانى ولا بما أدخل يده فيه \" (٣) فلا حاجة إذن إلى التقية.\nولو صحت الروايات الثلاثة عن الإمام الصادق، لأمكن تخريج الرواية الأولى على الكراهية حملًا لها على الرواية الثانية، ففيها النص بالكراهية، كما أن الجواز المفهوم من الرواية الثالثة لا يتعارض مع الكراهية، فلا تتعارض الأخبار، دون لجوء إلى تخريجات الطوسى والعاملى. فلا دليل في هذه الروايات على نجاسة الكافر وسؤره، وإن كنا نرى أن الرواية الثانية لا يمكن بحال أن تكون صادرة من الإمام الصادق؛ فلا يعقل أن ينزل إلى هذا الدرك الأسفل فيرى أن\n_________\n(١) انظر الاستبصار ١/١٨، والوسائل ١/٢٢٤.\n(٢) الاستبصار ١/١٨.\n(٣) انظر المدونة ١/١٤، والمذهب المالكى على خلاف هذا كما هو معلوم.","vol":"1","page":899},{"text":"سؤر الناصب من المسلمين أشد كراهية من سؤر اليهودى والنصرانى والمشرك وكل من خالف الإسلام.\nوهناك روايات أخرى عن الإمام الصادق تفيد طهارة أهل الكتاب، فقد سئل عن مؤاكلة اليهود والنصارى؟ قال: لا بأس إذا كان من طعامك. وعن زكريا بن إبراهيم أنه قال: كنت نصرانيًا، فأسلمت فقلت للإمام الصادق: إن أهل بيتى على دين النصرانية، فأكون معهم في بيت واحد، وأكل من آنيتهم. فقال لى: أيأكلون لحم الخنزير؟ قلت لا. قال: لا بأس.\nوقيل للإمام الرضا حفيد الإمام الصادق: الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة. قال: لا بأس، تغسل يدها.\nإلى غير ذلك من الروايات (١) .\n_________\n(١) انظر فقه الإمام جعفر الصادق للشيخ محمد جواد مغنية ص ٣١-٣٣، وقد ذكر الروايات السابقة، وقال بأن القول بالطهارة ذهب إليه بعض من تقدم وجماعة ممن تأخر منهم صاحب المدارك والسبزوارى، وآخرون متسترون. وقال \" أحدث القول بنجاسة أهل الكتاب مشكلة اجتماعية للشيعة، حيث أوجد هوة سحيقة عميقة بينهم وبين غيرهم، وأوقعهم في ضيق وشدة، خاصة إذا سافروا إلى بلد مسيحى كالغرب، أو كان فيه مسيحيون كلبنان، وبوجه أخص فى هذا العصر الذى أصبحت فيه الكرة الأرضية كالبيت الواحد، تسكنه الأسرة البشرية جمعاء. وليس من شك أن القول بالطهارة يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية السهلة السمحة، وأن القائل بها لا يحتاج إلى دليل، لأنها وفق الأصل الشرعي والعقلي والعرفي والطبيعى، أما القائل بالنجاسة فعليه الإثبات \". وناقش أدلة القائلين بالنجاسة، ونقضها، وعقب بقوله: \" وعليه فلا دليل على النجاسة من نص، ولا إجماع، ولا عقل. ومازلت أذكر أن الأستاذ قال في الدرس ما نصه بالحرف: (إن أهل الكتاب طاهرون علميًا - أي نظريًا - نجسون عمليًا)، وأنى أجبته بالحرف أيضًا: (هذا اعتراف صريح بأن الحكم بالنجاسة عمل بلا علم)، فضحك الأستاذ ورفاق الصف، وانتهي كل شيء. وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الأول كان في النجف الأشراف، وهو الشيخ محمد رضا آل يس، والثاني في قم، وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان، وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعًا بالطهارة، وأسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفًا من المهوشين، على أن يس كان أجرأ الجميع* *وأنا على يقين بأن كثيرًا من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل، والله أحق أن يخشوه \".\n\nوقد سألت السيد كاظم الكفائى عما سبق، فقال - دون أن يكتب - بأن الإمام الغطاء أفتى بالطهارة لخاصته. فقلت له: ولم لم يعلن ذلك؟ فقال: إن عقول العامة لا تحتمله !\nوهكذا يضيع العلم، ويفترى على الإسلام، لأن أناسًا ائتمنوا على العلم فضيعوه وزيفوه، لأنهم يخشون الناس ولا يخشون الله. وإذا كان الشيخ مغنية قد كتب ما كتب فإنها جرأة فى الحق، ساعد عليها وجوده بلبنان، وهذا بالنسبة لأهل الكتاب - الذين قيل في حقهم فى القرآن الكريم ما قيل وبالذات اليهود - فما بالنا بالمسلمين الموحدين الأتقياء البررة؟","vol":"1","page":900},{"text":"ومع أن الأدلة تؤيد المذاهب الأربعة، إلا أن الخلاف بينها وبين الإمامية حول نجاسة المشرك والكافر خلاف مبنى على تعقل وتفكر، ونظر واستدلال من الجانبين، وفلو اقتصر الخلاف حول ذلك لهان الخطب، ولكن الإمامية في تحديدهم لمفهوم الكافر خرجوا كلية عن نصوص الإسلام وروحه إلى جهل الطائفية وعصبيتها الحمقاء، فحكموا بكفر الخوارج والغلاة والنواصب.\nوإذا كان الغلاة قد اشتطوا في آرائهم فخرجوا عن الإسلام، وإذا كان الخوارج قد كفروا سائر المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم فاستحقوا بذلك اللعنة، فمن أولئك النواصب الذين حكم عليهم بالكفر من الإمامية؟\nرووا عن الإمام الصادق أنه قال: \" ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلًا يقول أنا أبغض محمدًا أو آل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولوننا، وأنكم من شيعتنا \". ورووا عن الإمام على الهادى (١) أن أحدهم كتب إليه يسأله عن الناصب:\n\n\"\n_________\n(١) هو إمامهم العاشر، اعتبروه إمامًا وهو في الثامنة من عمره!","vol":"1","page":901},{"text":"هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت (١) واعتقاد إمامتها؟ \" فرجع الجواب: \" من كان على هذا فهو ناصب \" (٢) .\nوبهذا يصبح كل المسلمين غير الرافضة نواصب أي كفارًا، نقلنا من قبل بعض الروايات التي عقب عليها المامقانى بقوله بأن غاية ما يستفاد منها جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة على من لم يكن اثنى عشريا (٣) .\nوفي ظلمات هذا الجهل والزندقة نظم محمد باقر الطباطبائى منظومة منها:\nفمذهب الصادق خير مذهب ... وهو وبيت الله أولى بالنبى\nذخرت حبى لهم ليوم لا ... ينفع للمرء سوى ما عملا\nوما أخذتم منهم وعنهم ... بل اتبعتم من هم دونهم\nحتى انتهي الأمر إلى التقليد في ... شرايع الدين القويم الحنفي\nقلدتم النعمان أو محمدًا ... أو مالك بن أنس أو أحمدًا\nفهل أتى الذكر به أو أوصى ... به النبى أو وجدتم نصًا (٤)\nوعنوان كتابه هو: \" الشهاب الثاقب في رد ما لفقه الناصب \" (٥) فأهل السنة جميعًا في رأيه نواصب. (٦)\n_________\n(١) يقصد السائل - لعنه الله ومن وافقه - بالجبت والطاغوت من أقاما دولة الإسلام بعد رسول الله - ﷺ -، وهما الصديق والفاروق أفضل المسلمين قاطبة بعد الرسول الكريم كما قال الإمام على نفسه. ولذا نعتقد في مثل هذا الخبر أنه من وضع غلاة الشيعة الرافضة الزنادقة.\n(٢) انظر الروايتين في تنقيح المقال ص ٢٠٧، وفي وسائل الشيعة كما سيأتى.\n(٣) راجع ص ٦٥ من كتابى فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة جـ ١.\n(٤) الشهاب الثاقب ص ١١٩.\n(٥) قيل في وصف مؤلفه: \" العلامة حجة الإسلام وملاذ الأنام \"! والإسلام براء منه ومن أمثاله وممن أثنى عليه.\n(٦) فما رأي دعاة التقريب؟ !","vol":"1","page":902},{"text":"وقال صاحب مفتاح الكرامة: \" إن الذى يظهر من السير والتواريخ أن كثيرًا من الصحابة في زمن النبى - ﷺ - وبعده وأكثر أهل مكة وغيرهم، كانوا في أشد العداوة لأمير المؤمنين، وذريته. مع أن مخالطتهم ومساورتهم لم تكن منكرة عند الشيعة أصلا ولو سرًا \".\nيفهم من هذا أن هناك إشكالًا: فكيف أباح الشيعة مخالطة هؤلاء مع أنهم نجس لكفرهم بسبب هذا العداء؟\nأجاب صاحب الكتاب عن هذا بقوله: \" الحاصل أن طهارتهم مقرونة إما بالتقية، أو الحاجة وحيث ينتفيان فهم كافرون قطعا \"! (١)\nفأكثر الصحابة، وغيرهم من السلف الصالح رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان في نظر هؤلاء الرافضة، يعدون كافرين!\nوبعض الإمامية يرى أن النواصب هم الخوارج فقط، وبعضهم يرى أنهم المبغضون لأمير المؤمنين على وجه التدين به أو المتظاهرون بهذا البغض، إلى غير ذلك من الآراء! (٢) .\nوحاول بعض الكتاب المعاصرين من الشيعة الإمامية أن يحدوا من سورة المغالين فقال بعضهم: \" إن بين أهل السنة وبين الناصب بونًا شاسعًا، فأهل السنة لا ينصبون العداء لعلى وذريته \" (٣) .\nوقال آخر: الناصب في الحقيقة عبارة عمن ينصب العداوة لعلى ويظهرها، لا من يخالفه في الخلافة والفضيلة بحيث يشتهر في الشيعة بأنه ناصب. فمن ذكرهم صاحب مفتاح الكرامة لا يعدون كذلك، لأنهم لم يكونوا مشتهرين بهذا، ولا نجد في كل عصر من الأعصار إلا نفرًا قليلًا.\n_________\n(١) انظر ص ١٤٥ من الكتاب المذكور - كتاب الطهارة، ونكرر: ما رأي دعاة التقريب؟\n(٢) انظر مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص ١٤٤ - ١٤٥.\n(٣) انظر الدعوة الإسلامية ص ١٦٩.","vol":"1","page":903},{"text":"وعقب على الرواية المنسوبة للصادق \" ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت ٠٠ إلخ \" قال: وحيث إن هذا المعنى موجود في أغلب المخالفين فلا محالة لا يكون النصب بهذا المعنى محكومًا بالنجاسة، وإنما يكون الموجب للنجاسة من يكون معلنا بالعداوة، وهم قليلون في كل عصر، ومعروفون بالنصب عند الشيعة، ولا دليل على مساورة الشيعة أو أئمتهم معهم، بل الأمر كان على العكس، فلقد كان معاوية من الناصبين ومن الذين يضمرون الشرك بالله تعالي ... وقد نقل أن ابن خلدون كان ناصبًا (١) .\nهذه آراء متباينة، وأقوال متضاربة، ولا غرو، فهي مبنية على غير أساس من الشريعة أو العقل، وما ينسبونه لأئمتهم في هذا كذب وبهتان.\nوإذا كان لمثل هذه الآراء المنحرفة متنفس بين الشيعة وهم منعزلون عن سائر الأمة الإسلامية، فالواجب أن يقضى عليها الآن وهم يحاولون أن يجعلوا من طائفتهم مذهبًا خامسًا، فأولى بهم أن يطهروا أنفسهم أولًا من هذه الأدران قبل أن يلتصقوا بجسم الأمة الإسلامية. وأكرر هنا ما قاله محمد جواد مغنية، وهو يبين طهارة أهل الكتاب: \" وأنا على يقين بأن كثيرًا من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل والله أحق أن يخشوه \".\n_________\n(١) انظر دليل العروة الوثقى ١/٤٤٦-٤٦٨، ولا أدرى كيف حكم على معاوية بأنه يضمر الشرك؟! وكيف يصل بهم التعصب والجهل والحمق إلى الحكم بنجاسة رائد من روادنا كابن خلدون؟\n\nراجع كتاب تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبى سفيان للمحدث أحمد بن حجر الهيتمى المكى (ملحق بكتاب الصواعق المحرقة للمؤلف) وراجع أيضًا كتاب عبد الرحمن بن خلدون للدكتور على عبد الواحد وافي، واقرأ فيه: إسفاف خصومه في حملاتهم عليه، وآراء المنصفين من معاصريه في حقه ص ١٢٦ وما بعدها. وهذا مع بعده عن الإسلام قول المعتدلين نسبيا، أما روايات الكتب المعتمدة عندهم تؤيد الغلاة الضالين الزنادقة الذين اتبعوا ابن سبأ اللعين.","vol":"1","page":904},{"text":"وفي كتاب وسائل الشيعة (١/٩٦:٩٠) تحت باب \" بطلان العبادة بدون ولاية الأئمة، واعتقاد إمامتهم \" يذكر تسعة عشر حديثًا في وجوب الإمامة، وكفر من لا يقول بها، ووجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى الإمام، وإن ذلك شرط الايمان.\nفالتكفير إذن لا يتعلق بنصب العداء فقط، وإنما يتعداه ليشمل كل أمة الإسلام، خير أمة أخرجت للناس، ماداموا ليسوا من الرافضة الذين يرفضون إمامة الشيخين أبى بكر وعمر، ويرفضون القول بعدم تكفيرهما، وهما كما ثبت متواترًا خير البشر بعد رسول الله - ﷺ -.\nوما جاء هنا يتفق مع ما ذكرناه من قبل عند الحديث عن تفسير الحسن العسكرى وعلى بن إبراهيم القمي، والكافي للكلينى، وغيرها من كتب الكفر والضلال، ولذلك فهو ينقل منها ومن أمثالها، ويكثر النقل من كتاب الكافي كما يبدو لمن يقرأ الوسائل.\nوالأخبار كلها تدور حول المعنى المراد من الباب، وضعها المفترون من غلاة الرافضة الضالين. وأعود هنا لتأكيد ما ذكرته من قبل من أن الغلو والضلال والكفر إنما هو للرواة وأصحاب الكتب الذين أرادوا أن يهدموا الإسلام من الداخل بتكفير نقلة الشريعة، وحملة الرسالة من خير البشر بعد رسول الله - ﷺ -. أما الإمام الصادق الذي يكثرون من نسبة الأقوال إليه، وغيره من الأئمة الأطهار الأبرار، فهم بريئون من هذه الأباطيل والمفتريات.\nوأذكر أن أحد الكتاب قابل هذا الغلو والضلال بمثله، فذكر خبرًا من الأخبار التي وضعها غلاة الرافضة وزنادقتهم، غير أنه أثبت القول للإمام الصادق نفسه - وحاشاه - حيث قال: \" قال صادقهم الكذب: \"، وهذا ضلال لا يصح أن يصدر من مسلم، فالإمام الصادق ﵁ أجل قدرًا وأعظم منزلة من أن ينسب إليه الكذب، ولقد عبرت عن أسفي وحزنى، وذكرت هذا لشيخى الإمام محمد أبو زهرة ﵀ فغضب غضبًا شديدًا، وعجب كيف يجرؤ أي مسلم على اتهام الإمام الصادق.","vol":"1","page":905},{"text":"وفي مواضع أخرى من كتاب وسائل الشيعة نجد كثيرًا من روايات غلاة الرافضة وزنادقتهم.\nففي الجزء الأول (ص ١٥٨: ١٥٩) باب \" كراهة الاغتسال بغسالة الحمام مع عدم العلم بنجاستها، وأن الماء النجس لا يطهر ببلوغه كرًا \".\nوتحت الباب خمس روايات، كلها تذكر نجاسة الناصب، وأنه شر من غيره من النجاسات، ومن كل من خلق الله تعالي.\nوينسبون هذا الكفر والزندقة للأئمة الأطهار.\nفينسبون إليهم أنهم قالوا: \" إن الله تعالي لم يخلق خلقًا شرًا من الكلب، وإن الناصب أهون على الله تعالي من الكلب، وإن الله تعالي لم يخلق خلقًا أنجس من الكلب، وإن الناصب لأنجس منه \"!!\nوفي ص ١٦٥ باب \" نجاسة أسآر أصناف الكفار \"، وفي الباب أن الناصب أشد من اليهودى، والنصرانى والمشرك وكل من خالف الإسلام!!\nوفي الجزء الثاني (ص ١٠١٨: ١٠٢١) باب نجاسة الكافر ولو ذميًا ولو ناصبيًا.\nوبعد ذكر الروايات أشار المؤلف إلى ما سبق في الجزء الأول من نجاسة الناصب وغيره.\nونحن لا نزال في بداية الفصل الأول من دراسة الفقه، بعد أن مررنا بالعقائد والأصول، نتساءل: ما الرأي في دعوة دار التقريب بالقاهرة لجعل الذين يأخذون فقههم من كتاب \" وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة \" لجعل هؤلاء القوم مذهبًا خامسًا يضاف للمذاهب الأربعة لأهل السنة؟\nوما الرأي في فتوى الشيخ شلتوت - غفر الله تعالي له - بجواز التعبد بمذهب هؤلاء القوم؟\nأكان يعلم هذه البلايا والرزايا عندما أفتى؟ أم أنه لم يقرأ وأخذ علمه بهم من أفواه من يدينون بالتقية؟","vol":"1","page":906},{"text":"وما الرأي فيما ذكر من كلام الشيخ الباقورى من أن الخلاف بينهم وبين المذاهب الأربعة كالخلاف بين أي مذهب وباقى المذاهب؟!\nونكتفي هنا بالتساؤل دون إجابة أو تعقيب، والله ﷿ يحفظ دينه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>ثانيًا: اعتبار المذى والودى من موجبات الوضوء</span>\nأجمعت المذاهب الأربعةعلى اعتبار المذى والودى من موجبات الوضوء (١)، وخالفهم في ذلك الإمامية الرافضة.\nاستدل الإمامية بروايات عن أئمتهم تفيد ما ذهبوا إليه. وبحديث عن النبى - ﷺ -، وهو أن عليًا كان رجلًا مذاء، فاستحيا أن يسأل رسول الله - ﷺ - لمكأن\nفاطمة، فأمر المقداد أن يسأله وهو جالس، فسأله، فقال له النبى - ﷺ -: ليس بشيء (٢) .\nوورد عن طريقهم أيضًا ما يعارض رأيهم فحملوه على التقية أو الاستحباب أو غير ذلك.\nمن هذا ما رووه عن أحد أئمتهم أنه سئل عن المذى أينقض الوضوء؟ قال: إن كان من شهوة نقض (٣) .\nفحمله شيخ الطائفة الطوسى على الاستحباب، ولكن نلاحظ أن كلمة \" نقض \" تنفي هذا الاحتمال، لأن النقض يوجب التطهر.\n_________\n(١) انظر: المبسوط ١/٦٧، المدونة ١/١٠، الأم ١/٣٣ المغنى ١/١٦٥.\n(٢) انظر: وسائل الشيعة ١/٢٦١-٢٦٢ والاستبصار ص ٩١ جـ ١ وانظر كتاب الخلاف للطوسى ١ / ٢٤.\n(٣) انظر المرجعين السابقين: الأول ص ٢٦٣، والثانى ص ٩٣.","vol":"1","page":907},{"text":"ورووا عن أبى عبد الله أنه قال: ثلاث يخرجن من الإحليل، وهن المنى وفيه الغسل والودى فمنه الوضوء لأنه يخرج من دريرة البول. قال: والمذى ليس فيه وضوء، إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف. (١)\nوأعجب تخريج لهذه الرواية هو حملها على التقية، فذلك الذي خاف على نفسه فقال تقية: إن الودى ينقض الوضوء، كيف ذهب عنه الروع وهو يخالف جمهور المسلمين بقوله: والمذى ليس فيه وضوء. إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف.\nوحديث المقداد - الذي سبق - ورد عن طريقهم برواية خرى - هي \" عن على - ﵇ - قال: كنت رجلًا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله - ﷺ - لمكان فاطمة ﵍ بنته، لأنها عندى، فقلت للمقداد يمضى ويسأله، فسأل رسول الله - ﷺ - وآله وسلم عن الرجل الذي ينزل المذي من النساء، فقال: يغسل طرف ذكره وأنثييه، وليتوضأ وضوءه للصلاة \" (٢) .\nوهذه الرواية توافق الرواية التي احتج بها أهل السنة، فقد روى عن \" المقداد ابن الأسود أن على بن أبى طالب أمره أن يسأل له رسول الله - ﷺ - عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذى، ماذا عليه؟ قال على: فإن عندى ابنة رسول الله - ﷺ - وأنا استحى أن اسأله.\nقال المقداد: فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة \" (٣) .\n_________\n(١) انظر الوسائل ١/٢٦٣-٢٦٤.\n(٢) انظر وسائل الشيعة جـ ١: المستدرك ص ٢٦٥.\n(٣) أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الطهارة: باب الوضوء من المذى. وانظر صحيح ابن خزيمة ١/ ١٤: ١٦. ورواه غيرهما: انظر سبل السلام ١ / ٦٤، ونيل الأوطار ١ / ٦٣.","vol":"1","page":908},{"text":"ويؤيده من طريق أهل السنة ما روى عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذى شدة وعناء. وكنت أكثر من الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \" إنما يجزيك من ذلك الوضوء \" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (١) .\nوعن عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: \" ذلك المذى، وكل فحل يمذى، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة \" رواه أبو داود والترمذى وحسنه (٢) .\nوحديث الوضوء من المذى متفق عليه (٣) .\nويؤيد ذلك أيضًا من طريق الإمامية، ماروى عن على قال: سمعت رسول الله - ﷺ - بعد أن أمرت المقداد يسأله وهو يقول:\nثلاثة أشياء: منى ووذى، وودى، فأما المذى فالرجل يلاعب امرأته فيمذى ففيه الوضوء.\nوأما الودى: فهو الذي يتبع البول يشبه المنى، ففيه الوضوء أيضًا.\nوأما المنى: فهو الماء الدافق الذي يكون منه الشهوة، ففيه الغسل (٤) .\nوهذه الروايات لا يمكن حملها إلا على وجوب الوضوء، وقد صحت من الطريقين. أما ما روى من أن الرسول - ﷺ - أجاب المقداد بقوله: \" ليس بشيء \"\n_________\n(١) نيل الأوطار ص ٦٢.\n(٢) نفس المرجع ٦٣.\n(٣) انظر صحيح البخارى: كتاب الوضوء – باب من لم ير الوضوء الا من المخرجين من القبل والدبر، وكتاب الغسل – باب غسل المذى والوضوء منه، واقرأ شرح الحديث في فتح البارى.\nوصحيح مسلم: كتاب الحيض – باب المذى.\n(٤) وسائل الشيعة ج ١: المستدرك ص ٢٦٥.","vol":"1","page":909},{"text":"فهذا لم يثبت من طريق أهل السنة، ولو صح لأمكن الجمع بينه وبين هذه الأخبار بأن نقول: إن قوله \" ليس بشيء \" متعلق بالغسل لا بالوضوء، أي أنه لا يوجب الغسل، ففي رواية سهل بن حنيف السابقة \" كنت أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك لرسول الله \"، ووقع عند أبى داود والنسائى وابن خزيمة عن على بلفظ \" كنت رجلًا مذاء فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهرى \" (١) . وبهذا يكون الرسول - ﷺ - قد بين أن المذى لا يوجب الغسل، وهذا لا يتعارض مع وجوب الوضوء. ويؤيد ما ذهبت إليه ما رواه الشيعة عن على قال:\n\" إنى لمذاء، وما أزيد على الوضوء \" (٢) .\nفأما ما رواه الشيعة عن أئمتهم من أن المذى لا يوجب الوضوء، فيمكن حمله على ما ذهب إليه الإمام مالك حيث قال: \" إذا كان ذلك منه من سلس من برد أو ما أشبه ذلك قد استنكحه ودام به فلا أرى عليه الوضوء. وإن كان ذلك من طول عزبة إذا تذكر فخرج منه، أو كان إنما يخرج المرة بعد المرة، فأرى أن ينصرف فيغسل ما به ويعيد الوضوء \" (٣) .\nويؤيد هذا من طريق الشيعة ما روى عن محمد بن إسماعيل، عن أبى الحسن الرضا قال: سألته عن المذى فأمرنى بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنة أخرى، فأمرنى بالوضوء منه، وقال: إن عليًا - ﵇ - أمر المقداد أن يسأل رسول الله - ﷺ - واستحيا أن يسأله، فقال: فيه الوضوء. قلت: وإن لم أتوضأ، قال لا بأس \" (٤) .\n_________\n(١) انظر: سبل السلام ١/٦٤.\n(٢) وسائل الشيعة جـ ١ المستدرك ص ٢٦٥.\n(٣) المدونة ١/١٠، وقد ذهب الإمام إلى ذلك لأنه لا يوجب الوضوء على أصحاب الأعذار، كالمستحاضة، والسلس البول.\n(٤) الوسائل ١/٢٦٣، وانظر الاستبصار ص ٩٢ جـ ١.*\n*وبهذه الرواية أيد السيد محسن الحكيم - مرجع الشيعة السابق بالعراق - ما ذهب إليه من حمل الروايات التى تذكر أن من المذى الوضوء على الاستحباب (انظر كتابه: مستمسك العروة الوثقى ٢/٢١٧-٢١٨) ولكنا وجدنا فيما سبق عدم جواز هذا الحمل، ثم إن هذه الرواية يمكن تخريجها كما نرى في التعقيب عليها.","vol":"1","page":910},{"text":"فكيف يخالف أمر رسول الله إذن ويبيح للسائل عدم الوضوء. مع أن الرسول قال: فيه الوضوء؟ فلعله ارتأي ما يراه الإمام مالك، ولا شك أن السائل لقى مشقة كبيرة، حيث سأل، ثم جاء بعد عام ليسأل مرة أخرى، وحيث قال: وإن لم أتوضأ بعد أن سمع حكم الرسول - ﷺ -، فيلحق بأصحاب الأعذار الذين لا يوجب عليهم الوضوء في رأي الإمام مالك.\nبهذا يمكن الجمع بين أحاديث أهل السنة وأحاديث الشيعة ورواياتهم عن الأئمة، وإذا لم يمكن الجمع، فإنا بلا ريب نسقط روايات الأئمة، وتبقى أحاديث الرسول - ﷺ - وهي صريحة نصًا في إيجاب الوضوء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>ثالثًا: غسل الوجه</span>\nاتفق الجميع على وجوب غسل الوجه، وانفرد الشيعة الرافضة برأيهم في تحديد الوجه، وطريقة غسله.\nذهبت المذاهب الأربعة في تحديد الوجه بأنه من منابت شعر الرأس إلى الذقن إلى الأذنين (١) وروى عن مالك أن ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه، وبذلك لا يجب غسله (٢) .\nأما الشيعة فقد اتفقوا معهم في الطول، واختلفوا في العرض. حيث حددوه بما اشتمل عليه الإبهام والوسطى (٣) .\n_________\n(١) انظر المبسوط ١/٦ وحاشية الدسوقى ١/٨٥، والأم: ١/٢١، والمغنى ١/٦٦.\n(٢) انظر المغنى ١/٩٧: وإن كان الراجح في المذهب خلاف ذلك.\nوانظر الهداية في تخريج أحاديث البداية ١/١١٩.\n(٣) انظر: كتاب الخلاف للطوسى ١ / ١١.","vol":"1","page":911},{"text":"وأقرب الآراء إليهم كما نرى رأي الإمام مالك. ولكن فى تحديدهم إخراج لجزء كبير من الوجه وهذا يفتقر إلى الدليل.\nوإذا نظرنا إلى رواياتهم في الوضوء نجدها لا تسند إجماعهم، بل تعارضه، مثال ذلك:\nعن زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر - ﵇ - وضوء رسول الله - ﷺ - وآله، فدعا بقدح من ماء، فأخذ كفًا من ماء، فأسدله على وجهه. ثم مسح من الجانبين جميعًا.\nوفي رواية أخرى: فأخذ كفًا من ماء، فصبه على وجهه، ثم مسح جانبيه حتى مسحه كله.\nوفي رواية ثالثة: ثم غمس كفه اليمنى في التور، فغسل وجهه بها واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه (١) .\nوهذه الروايات كلها معتبرة عندهم في الاحتجاج بكيفية الوضوء فعلى أي أساس بنى إجماعهم إذًا؟ ثم إن هذا الإجماع يعارضه أيضًا إجماع جمهور المسلمين بإيجاب غسل بعض الأجزاء التى أجمعوا على عدم غسلها استنادًا إلى الأمر بغسل الوجه.\nفتحديد الوجه بهذه الصورة تحكم يحتاج إلى نظر من فقائهم بدلا من أن ينساقوا وراء قول يعارض كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله - ﷺ -.\nوالخلاف الثانى في طريقة الغسل، فقد أوجبوا الابتداء بغسل الوجه من الأعلى، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن هناك من لم يوجب ذلك ووجدنا\n_________\n(١) انظر الوسائل جـ ١: باب كيفية الوضوء ص ٣٦٩: الروايات: ٦، ٧، ١١.\nوالتور: إناء يشرب فيه - انظر مادة \" تور\" في القاموس المحيط.","vol":"1","page":912},{"text":"من فقهاء الشيعة اليوم من يقول: \" يلاحظ بأن الأمر بغسل الوجه مطلق، ولا نص على وجوب الابتداء بالأعلى، فيحصل الامتثال بالغسل كيف اتفق.\nأما ابتداء الإمام بالأعلى فغاية ما يدل عليه الجواز والمشروعية، لا الحصر والتعيين \" (١) .\nوهذا يتفق مع المذاهب الأربعة، وبذا ينتفي الخلاف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>رابعا: غسل اليدين</span>\nالخلاف هنا في نقطتين: الأولى: إيجابهم الابتداء بالمرفقين. الثانية: إيجابهم كذلك الابتداء باليد اليمنى.\nفأما إيجاب الابتداء بالمرفق فهو خلاف الظاهر \"\" فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ \"\" فظاهر الآية الانتهاء إلى المرفق، فإذا لم ننظر إلي غسل اليدين على أنه مجرد الغسل الذي يعم اليد إلى المرفق، سواء ابتدأ به المتوضئ أو انتهي إليه وجب الانتهاء إلى المرفق لا الابتداء به.\nوالذي دفع الشيعة إلى هذا القول ورود روايات عن الأئمة في الوضوء مبتدئين بالمرفقين. (٢) ولكن هذه الروايات لا تتعارض مع ما ذهب إليه أصحاب المذاهب الأربعة، لأنه جائز، أما إيجاب الابتداء بهما فهو التحكم الذي لا دليل عليه. ويخالف ظاهر القرآن الكريم. وإجماع سائر المسلمين.\nوأما الابتداء باليمنى فلا شك أنه الأولى، فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم \" أخرجه الأربعة،\n_________\n(١) فقه الإمام جعفر الصادق ص ٦٤.\n(٢) انظر وسائل الشيعة جـ ١: باب كيفية الوضوء ص ٣٦٩، وانظر كذلك: المعتبر ص ٣٧، والانتصار ص ١١، والحقائق ١/١٦٨ وفقه الإمام جعفر الصادق ص ٦٤.","vol":"1","page":913},{"text":"وصححه ابن خزيمة، وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقى وزاد فيه \" وإذا لبستم \" وقال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصحح (١) .\nوما روى عن وضوء الرسول - ﷺ - عن طريقى السنة والشيعة فيه أنه صلوات الله عليه كان يبدأ بالميامن، وعن عائشة ﵂ قالت: \" كان النبى - ﷺ - يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره. وفي شأنه كله \" متفق (٢) .\nفلو جعلنا ذلك على الوجوب، لوجب في اليدين والرجلين، ولكنهم جميعا لا يقولون بذلك. فالشيعة يوجبونه في اليدين دون الرجلين، والمذاهب الأربعة لا توجبه، ولوجب كذلك في اللبس، ولا خلاف في عدم وجوبه، فيمكن حمله إذن على الاستحباب لا الإيجاب، وقول السيدة عائشة \" يعجبه التيمن \" تدل على هذا وكذلك التنعل والترجل وفي شأنه كله. فلا خلاف في عدم وجوب البدء بالميامن في ذلك.\n_________\n(١) انظر سبل ١/٥٠، ونيل الأوطار ١/٢١٣.\n(٢) المرجعين السابقين: الأول ص ٤٩ والثانى ص ٢١٢. وصحيح البخارى كتاب الوضوء: باب التيمن في الوضوء والغسل، وفتح البارى ١/٢٨٩، وصحيح مسلم بشرح النووى كتاب الطهارة ١/٥٥٤، وانظر صحيح ابن خزيمة ١/٩١ باب الأمر بالتيامن في الوضوء، أمر استحباب لا أمر إيجاب، وباب ذكر الدليل على أن الأمر بالبدء بالتيامن في الوضوء أمر استحباب واختيار لا أمر فرض وإيجاب.","vol":"1","page":914},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>خامسًا: مسح الرأس</span>\nانفرد الإمامية بالقول بوجوب مسح مقدم الرأس ببقية البلل. وبعدم إجزاء الغسل على أي حال.\nفهم متفقون مع الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة في جواز مسح بعض الرأس (١)، ولكنهم يوجبون المقدم، ويختلفون مع الجميع في إيجاب المسح ببقية البلل.\nرووا عن الإمام أبى جعفر - وهو يحكى وضوء الرسول - ﷺ - أنه \" مسح مقدم رأسه، وظهر قدميه ببلة يساره، وبقية بلة يمناه \". وفي رواية أخرى \" مسح بفضل يديه رأسه ورجليه \". وفي إحدى الروايات \" مسح ببقية ما بقى فى يديه رأسه ورجليه، ولم يعدهما فى الإناء \"، إلى غير ذلك من الروايات (٢) .\nوالرواية الأولى قد تكون بيانًا للمجمل في الروايتين الأخيرتين، وقد تدل على جواز مسح المقدم، ولكنهم رووا عن الإمام أبى جعفر أيضًا بأن المتوضئ إذا مسح بشئ من رأسه فقد أجزأه (٣) . مما يؤيد الاحتمال الثانى - وهو الجواز - ويرفض الاحتمال الأول.\nوقد استدل الإمام الشافعي بروايات أن الرسول - ﷺ - مسح بمقدم رأسه، ومع هذا لم يوجب المقدم، وإنما رأي أن من مسح من رأسه شيئًا فقد مسح برأسه (٤) .\n_________\n(١) وذهب بعض الإمامية إلى حرمة مسح كل الرأس، وبعضهم إلى الكراهية، وآخرون إلى عدم الاستحباب، وفريق إلى الإجزاء (انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص ٢٤٨) .\nوقد روى أن النبى - ﷺ - قد مسح الرأس كله، وهو مستحب باتفاق العلماء، وأوجبه مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (انظر: نيل الأوطار جـ ١: باب مسح الرأس كله، ... وصفته، وما جاء في مسح بعضه ص ١٩١) .\n(٢) انظر: الوسائل جـ ١ باب كيفية الوضوء ص ٣٦٩.\n(٣) انظر المستدرك من الوسائل ١/٣٨١.\n(٤) انظر الأم ١/٢٢.","vol":"1","page":915},{"text":"وقد ورد عن طريق الشيعة روايات تفيد عدم إيجاب المقدم، فحاولوا تخريجها: (١) مثال ذلك ما روى عن الإمام الصادق أنه سئل عن الرجل يمسح رأسه من خلفه وعليه عمامة بأصبعه أيجزيه ذلك؟ فقال: نعم. فحمله الطوسى على أنه أدخل الأصبع من الخلف، فمسح بها مقدم الرأس، واحتمل أن يكون الخبر خرج مخرج التقية، لأن ذلك مذهب بعض العامة.\nولا أدرى لم ترفع العمامة ويضع الإنسان يده من الخلف ليمسح المقدم؟ أهذا هو الذي فهمه الإمام الصادق من السائل فقال: نعم؟ أم أنه جبن فقال ذلك تقية لأنه مذهب بعض العامة؟ إنى أربأ بالصادق أن يكون بهذا الخلل من الفهم، أو بهذه المنزلة من الجبن.\nورواية أخرى عن الإمام الصادق أيضًا أنه سئل عن المسح على الرأس فقال: كأنى أنظر إلى عكنة في قفاء أبى يمر عليها يده. وغير ذلك مما لم يستطع الطوسى تخريجه إلا على التقية، وهو تخريج لا يمكن أن يقبل بحال، فإذا كان السائل يسأل عن المسح فلو أجيب بمسح مقدم الرأس لوافقت الرواية روايات ثبتت عند كثير من أهل السنة، كتلك التى احتج بها الإمام الشافعي، ثم ما الذي يدعو إلى الكذب في قوله \" كأني أنظر إلى عكنة في قفاء أبى \"؟ فلم احتاج إلى الاستشهاد بهذا الدليل، ولم يكتف بتحديد موضع المسح ولو تقية؟ أهو الإيغال في الكذب والجبن؟ كان الأجدر بالطوسى أن يحمل هذه الأخبار جميعها على جواز المقدم وغيره، فينتفي التعارض، بدلًا من أن ينزل إلى هذا المستوى في تخريجاته. وروى عن الإمام الصادق \" مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما \". ومعلوم أن جمهور المسلمين يقول بغسل الرجلين لا مسحهما، ومع هذا حمل الخبر على التقية (٢) ! .\n_________\n(١) انظر الروايات، وتخريجها في: الاستبصار جـ ١ ص ٦٠-٦١، والوسائل جـ ٢ ص ١٤-١٥.\n(٢) انظر الوسائل جـ ٢ ص ١٧-١٨.","vol":"1","page":916},{"text":"وأما إيجاب المسح ببقية البلل، فالخلاف بين أهل السنة على العكس من ذلك، فبعضهم أوجب ماء جديدًا والآخرون أجازوا المسح ببقية البلل، وخلافهم مبنى على أساس الماء المستعمل: أهو مطهر أم غير مطهر؟\nفظاهر مذهب الحنابلة أنه طاهر غير مطهر، وهو المشهور عن أبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وظاهر مذهب الشافعى، وعن أحمد رواية أخرى أنه طاهر مطهر، وهو الرواية الثانية لمالك، والقول الثانى للشافعى، وروى عن على وابن عمر وأبى أمامة فيمن نسى مسح رأسه إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل، وذهب أبو يوسف إلى نجاسته، وهو رواية عن أبى حنيفة. (١)\nولكل من هؤلاء أدلته التي استند إليها (٢)، ولسنا بحاجة إلى مناقشتها ما دام فيهم من يوافق الإمامية على طهورية هذا الماء.\nولكن ما الذي دفع الشيعة إلى القول بإيجاب بقية البلل، وبطلان الماء الجديد؟ فلو جف ماء الوضوء قبله أخذ من لحيته، وحاجبيه وأشفار عينيه مسح به، فإن لم يبق نداوة استأنف الوضوء (٣) .\nلا خلاف في أن الماء الجديد طاهر مطهر، وأدلة الشيعة التي ذكرناها لو صحت (٤) فغاية ما تدل عليه جواز المسح ببقية البلل، ويؤيد ذلك ما روى عن\n_________\n(١) انظر المغنى جـ ١ ص ١٨ وما بعدها.\n(٢) انظر ما سبق، وانظر كذلك: نيل الأوطار جـ ١ ص ٢٣ باب طهارة الماء المتوضأ به، وص ٢٧ باب بيان زوال تطهيره، والهداية في تخريج أحاديث البداية - الماء المستعمل: ١/٢٧٣، وصحيح البخاري وشرحه فتح الباري - كتاب الوضوء: باب استعمال فضل وضوء الناس.\n(٣) انظر: مفتاح الكرامة – كتاب الطهارة ص ٢٥٨-٢٥٩.\n(٤) هذه الروايات توجب مسح الرأس والرجلين، وسنناقش ذلك فيما يأتى من نوع طهارة الرجلين.","vol":"1","page":917},{"text":"طريق أهل السنة من أن الرسول - ﷺ - مسح رأسه بما بقى من وضوئه، أو من فضل ماء كان بيديه، وروايات أخرى أنه - ﷺ - مسح رأسه بماء غير فضل يديه، أو أنه أخذ لرأسه ماء جديدا (١) . ولا تعارض بين هذه الأخبار، فكل جائز، بل إننا نجد فيما روى عن طريق الشيعة ما يؤيد القائلين بإيجاب ماء جديد، جاء في الاستبصار: \" سألت أبا الحسن - ﵇ -: أيجوز للرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال: برأسه لا، فقلت: أبماء جديد؟ فقال: برأسه نعم. \" ورواية أخرى: \" سألت أبا عبد الله - ﵇ - عن مسح الرأس قلت: أمسح بما في يدي من الندى رأسى فقال: لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح \" (٢) .\nوحاول شيخ الطائفة الطوسى أن يوفق بين هذين الخبرين والأخبار السابقة، فقال: \" فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على ضرب من التقية؛ لأنهما موافقان لمذاهب كثير من العامة، ويحتمل أن يكون المراد بهما إذا جفت أعضاء الطهارة بتفريط من جهته، فيحتاج أن يجدد غسلها، فيأخذ ماء جديدًا، ويكون الأخذ بها أخذًا للمسح حسب ما تضمنه الخبر الأول.\nوأما الخبر الثانى فيحتمل أن يكون المراد بقوله: \" بل تضع يدك في الماء \" إنما أراد الماء الذي بقى في لحيته أو حاجبيه، وليس فيه أن يضع يده في الماء الذي في الإناء أو غيره. فإذا احتمل لذلك لم يعارض ما قدمناه من الأخبار\" (٣) .\nولا شك أن هذا التخريج فيه من البطل ما فيه: فالخبر الأول يفيد - خلاف الماء الجديد - مسح الرجلين في الوضوء، وقد أجمعت المذاهب الأربعة على وجوب غسلهما. ولهذا أجاز الشيعة غسلهما للتقية مع إيجابهم المسح. فكيف إذن يحمل هذا الخبر على التقية لمجرد ذكر الماء الجديد مع إفادته مسح الرجلين؟\n_________\n(١) انظر نيل الأوطار جـ ١ ص ٢٩.\n(٢) انظر ص ٥٨-٥٩ من الكتاب المذكور جـ ١.\n(٣) الاستبصار جـ ١ ص ٥٩.","vol":"1","page":918},{"text":"والتخريجات الأخرى غير مقبولة، فالخبران يفيدان عدم جفاف الأعضاء، فالأول فيه فضل الرأس، والثاني فيه ما في اليدين من الندى، ولو أراد بالثاني أخذ الماء من اللحية والحاجبين لقال: ضع يدك على اللحية والحاجبين، لا ضع يدك في الماء. وما الحاجة إلى ذلك مع وجود الندى ما لم يكن في حاجة إلى ماء جديد؟\nوأخبار الشيعة لو صحت لأمكن الجمع بينها بالقول بجواز المسح ببقية الماء واستحباب الماء الجديد. وذلك أولى من القول بإيجاب المسح ببقية البلل، فذلك لا يستند إلى أي دليل (١) .\nويرى الشيعة أن غسل الرأس لا يجزى عن مسحه، وهم إذا كانوا يشترطون في المسح أن يكون ببقية البلل، فمن باب أولى أن يرفضوا إجزاء الغسل.\nوأما المذاهب الأربعة فيرون أجزاءه، لأن فيه مسحًا وزيادة.\nاشترط بعض الحنابلة إمرار اليد على الرأس مع الغسل أو بعده للإتيان بالمسح (٢) .\nولا شك أن المسح أولى من الغسل، فهو الفرض بالنص، ولكن ليس معنى هذا أن الغسل يبطل الوضوء، لأن في الغسل إتيانًا بالفرض وزيادة. وهذه الزيادة وإن لم تكن مستحبة إلا أنها ليست مبطلة، كمن غسل أعضاء الوضوء أربعًا، فإن\n_________\n(١) بعضهم يذكر أدلة نتركها لتفاهتها، وعدم جدواها ووضوح ما بها من سفسطة: مثال ذلك هنا ما ذكره بعضهم من أن آية الوضوء فيها أمر بمسح الرأس والواجب الفور في امتثال أوامر الله، والإتيان بماء جديد للمسح ينافي الفور. انظر: الحقائق جـ ص ١٧٥.\nولا شك أن الاشتغال بأخذ الماء لمسح العضو متعلق بمسح العضو نفسه، فالفورية في هذا الاشتغال فورية في المسح، ثم إن أخذ الماء مباشرة والمسح به أسرع من نشدانه بين اللحىوالحواجب وأشفار العيون، وسواء هذا أو ذاك فهو لا يستغرق وقتا يذكر حتى يقال إنه ينافى الفور.\n(٢) انظر المبسوط جـ١ ص ٦٤ وص ٧٢، وحاشية الدسوقى ص ٨٩ جـ١، وحاشية البجيرمى جـ ١ ص ٧٨ والمغنى جـ ١ ص١١٨-١١٩، وأحكام القرآن لابن العربي ... جـ ٢ ص ٥٧٠-٥٧١.","vol":"1","page":919},{"text":"ذلك غير مستحب، لكنه لا يبطل الوضوء، وكمن اغتسل ينوى به الوضوء، فالشيعة يرون أن غسل الجنابة يجزى عن الوضوء، واختلفوا في غيره، فلم يجمعوا على عدم الإجزاء. إذا فالمسح أولى من الغسل ولكن الغسل لا يبطل، والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>سادسًا: حكم الأذنين</span>\nأجمع أصحاب المذاهب الأربعة على القول بمسح الأذنين، والخلاف بينهم حول وجوبه او استحبابه، أما الإمامية فلا يرون وجوب مسح الأذنين ولا استحبابه، واستدلوا بما روى عن الإمام الباقر \" ليس عليهما غسل ولا مسح \" (١) .\nولكن هناك رواية أخرى. وهي \" سألت أبا عبد الله - ﵇ -: الأذنان من الرأس؟ قال نعم. قلت: فإذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ قال: نعم، كأني أنظر إلى أبى في عنقه عكنة وكان يخفي رأسه إذا جزه، كأني أنظر والماء ينحدر على عنقه \" (٢) .\nويمكن الجمع بين هذين الخبرين بأن يحمل الأول على عدم الوجوب بدلًا من حمل الثانى على التقية، أو على ما لا صلة له بالطهارة كمسح الرأس بعد الحلق! (٣) .\nوعن طريق أهل السنة وردت روايات صحيحة بأن الرسول - ﷺ - مسح أذنيه (٤) ورواية الباقر لا تنهض دليلًا على بطلان هذه الروايات، ورواية الصادق تؤيدها، والتوفيق بين الروايات ممكن، فلا حاجة إلى التشبث بما لم يقم عليه دليل.\n_________\n(١) الوسائل جـ ٢ ص ٩، والاستبصار جـ ١ ص ٦٣.\n(٢) المرجع الأخير ص ٦٣-٦٤.\n(٣) خرجوا: الأول على التقية، والثانى عليها أو على مسح الرأس بعد الحلق.\n(٤) انظر نيل الأوطار جـ ١: باب مسح ظاهر الأذنين وباطنهما ص ٢٠١، وانظر كذلك المبسوط جـ ١ ص ٥-٦، والمدونة جـ ١ ص ١٦، وحاشية البجيرمى جـ١* *ص ٨٨، والمغنى جـ ١ ص ١٢٠، الهداية في تخريج أحاديث البداية ١/١٤٧، وصحيح ابن خزيمة ١ /٧٧.","vol":"1","page":920},{"text":"وأما ما روى عن الإمام الصادق: \" الأذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس \" فهو دليل على عدم الإيجاب، ولا يمنع الاستحباب، ويمكن أن يسقط بما ثبت من مسح الرسول - ﷺ - لأذنيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>سابعًا: نوع طهارة الرجلين</span>\nأجمعت المذاهب الأربعة على وجوب غسل الرجلين، وأجمع الشيعة على وجوب مسحهما ببقية البلل إلا في حالة التقية.\nوسبب ذلك الخلاف أن آية المائدة قرئ فيها \" أرجلكم \" بالنصب والجر وثبت، لدى فريق أن الرسول - ﷺ - كان يغسلهما، ولدى الآخر أنه كان يمسحهما، فاستدل القائلون بالغسل بقراءة النصب وقالوا بالعطف على اليدين. واستدل الآخرون بقراءة الجر، وقالوا بالعطف على الرءوس. ولنذكر ذلك تفصيلا.\nاستدل الشيعة (١)\nبالآية الكريمة، فقالوا: إن الاحتجاج بها في قراءة الجر واضح، وذلك أن للمعطوف حكم المعطوف عليه، فكما أنه يجب في الرءوس المسح من غير خلاف بين أحد فكذلك يجب في الأرجل إعطاء للمعطوف حكم المعطوف عليه.\nأما في قراءة النصب، فالوجه أن الأرجل معطوفة على الموضع من (برءوسكم) لا على اللفظ، وذلك أن برءوسكم منصوبة الموضع لأنها مفعول (لامسحوا) في المعنى، وإن كانت مجرورة بالباء في اللفظ. والعطف تارة يكون\n_________\n(١) انظر أدلتهم في المراجع الآتية:\n\nوسائل الشيعة ومستدركاتها: ١/٣٦٩-٣٨٣، ٢/٢٢-٢٥ والاستبصار ١/٦٤-٦٦ ومجمع البيان في تفسير القرآن ١/٦٤-١٦٧ وكنز االعرفان في فقه القرآن ٩-١٠ والمعتبر ٣٨-٣٩والانتصار ١٣-١٧ والحقائق في الجوامع والفوارق ١/١٧٦-١٨٢ والوضوء في الكتاب والسنة، وملحق به المسح على الأرجل أو غسلهما في الوضوء.","vol":"1","page":921},{"text":"على اللفظ، فيعطى المعطوف حكم المعطوف عليه، وتارة يكون على الموضع فله كذلك حكمه، وهو كثير في كلام العرب؛ قالوا: ليس فلان بقائم ولا ذاهبًا، فجعلوا ذاهبًا معطوفة على موضع بقائم مع أنها مجرورة اللفظ.\nوقال الشاعر:\nمعاوى إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا\nفعطف الحديد على موضع الجبال لأن موضعها النصب، وإن كان لفظها مجرورًا.\nوقال تأبط شرًا:\nهل أنت باعث دينار لحاجتنا ... وعبد رب أخا عون بن مخراق\nفعطف عبد على موضع دينار، فموضعه النصب على المفعولية لباعث، مع أنه مجرور اللفظ بالإضافة.\nوقال آخر:\nجئنى بمثل بنى بدر لقومهم ... أو مثل إخوة منظور بن سيار\nفعطف مثل الثانية على موضع بمثل الأولى.\nوعلى هذا ذهبوا إلى أن الآية تدل على وجوب المسح سواء أكان نزولها بالجر أو بالنصب، لأنها معطوفة على الرءوس في القراءتين.\nوذهب القائلون بالغسل إلى عكس ذلك؛ (١)\nفهم يرون أن النصب عطف على اليدين، وبذلك يجب غسل الرجلين، والعطف على محل الرءوس خلاف الظاهر،\n_________\n(١) انظر أدلتهم في المراجع الآتية.\n\nصحيح البخارى - كتاب الوضوء: باب غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين، وفتح البارى ١/٢٦٥-٢٦٦، وصحيح مسلم - كتاب الطهارة: باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما وشرح النووي ١/٥٢٥ -٥٢٨، وصحيح ابن خزيمة ١/٨٣-٨٧، ونيل الأوطار جـ ١ ... ص ٢٠٧- ٢١٢، والمبسوط جـ١ ص ٨-٩، والأم ١/٢٧-٢٨، والمغنى ١/١٢١-١٢٥، ومختصر التحفة ص ٢٥-٢٨، وتفسير الطبرى ١/٥٢-٥٧، وتفسير ابن كثير ٢/٢٢-٢٩، * *والجامع لأحكام القرآن للقرطبى ٦/٩١-٩٦، والكشاف للزمخشرى ١/٢٤٨-٢٤٩، وأحكام القرآن لابن العربى ٢/٥٧٤-٥٧٦.","vol":"1","page":922},{"text":"وقراءة الجر لا تمنع العطف على اليدين، فهي مجرورة للمجاورة، وجر الجوار جائز في النعت وفي العطف، أما النعت فقوله تعالى: \"\" إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ \"\" (جر أليم) وهو صفة العذاب المنصوب لمجاورته المجرور. وأما العطف فكقوله تعالى: \"\" وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ \"\" ففي قراءة الجر لحور يكون ذلك لمجاورة \" أكواب وأباريق \" مع أنه معطوف على \" ولدان مخلدون \".\nوقوله تعالى: \"\" عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ \"\".\nوقد وقع هذا الجر في كلام العرب العرباء، كقول امرئ القيس:\nوظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل\nجر قديرًا مع العطف للمجاورة. وقول النابغة:\nلم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في عقال الأسر مكبول\nبجر \" موثق \" و\" مكبول \" بجوار \" منفلت \" مع أنهما معطوفان على أسير. وتقول العرب \" جحر ضب خرب \" بجر خرب بالجوار.\nوفائدة الجر بالجوار في الآية الإيماء إلى وجوب الاقتصاد في الماء بغسلهما غسلًا يقرب من المسح، لأنهما مظنة الإسراف فيه، ولبيان أنهما يمسحان حال الاختيار على حائل وهما الخفان بخلاف سائر الأعضاء، والفصل بقوله \" برءوسكم \" إشارة إلى الترتيب.","vol":"1","page":923},{"text":"والقول بأن الجر بالجوار إنما يصار إليه حيث الأمن من الالتباس فهنا كذلك، لأن الرسول - ﷺ - يبين للناس ما نزل إليهم. (١)\nويمكن في غير المجاورة أن يحمل المسح على الغسل، فذلك مستعمل في كلام العرب، قال أبو على الفارسى: العرب تسمى خفيف الغسل مسحًا، فيقولون: تمسحت للصلاة أي: توضأت، وقال أبو زيد الأنصارى نحو ذلك. ويؤيد هذا أنهما محدودان بحد ينتهي إليه، فأشبها اليدين. ثم إنه إذا اجتمع فعلان متقاربان بحسب المعنى جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور، ومن ذلك قول لبيد:\n\nفعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها\nأي باضت نعامها، لأنها لا تلد.\nوقال آخر:\nتراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه أن مولاه ثاب له وفر\nومنه قول الأعرابي: علفتها تبنًا وماء باردًا، أي: وسقيتها.\n_________\n(١) فرح الشيعة بالإمام الرازى حين ذهب إلى بطلان الكسر على الجوار بقوله \" إن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذى قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله يجب تنزيهه عنه، وإنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، وهناغير حاصل، وكذلك إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حروف العطف فلم تتكلم به العرب\". والأدلة السابقة فيها بطلان دعوى الرازى كما هو واضح. وبعد ذلك رأيناهم يهاجمونه عندما وصل إلى القول: \" إن الأخبار الكثيرة ورددت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها \". (انظر: المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء ص١٢٦وما بعدها، ورأي الفخر الرازى في تفسيره جـ ٦ ص ٣٦٨، وقد نقلوا عنه بتصرف) .","vol":"1","page":924},{"text":"وحاول الشيعة نقض احتجاجات القائلين بالغسل فقالوا بالمنع من الجر بالجوار مستدلين بما استدل به الإمام الرازى (١)، وقد رأينا الإجابة عن هذه الاعتراضات.\nوقالوا: إن ذلك يجرى مجرى \" ضربت زيدًا وعمرًا وأكرمت خالدًا وبكرًا \" فإن رد بكر إلى خالد في الإكرام هو الوجه في الكلام الذي لا يسوغ سواه، ولا يجوز رده إلى الضرب الذي انقطع حكمه.\nونلاحظ هنا بونًا شاسعًا بين هذه الجملة، وبين الآية الكريمة، فبكر لا يجوز فيه إلا النصب، ولا تقارب بين الضرب والإكرام، ولا حكمة وراء هذا الفصل، إلى غير ذلك مما يبين فساد هذا القياس (٢) .\nوقالوا بأن حمل المسح على الغسل باطل، ففائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة، وقد فرق الله سبحانه بين الأعضاء المغسولة وبين الأعضاء الممسوحة. والعطف على الرءوس يعطى نفس الحكم. ولو كان المسح بمعنى الغسل لسقط استدلال القائلين بالغسل بأن الرسول - ﷺ - توضأ وغسل رجليه، فيجوز حمل ذلك على المسح. وقولهم \" تمسحت للصلاة \" المعنى فيه لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن يقولوا تغسلت للصلاة، لأن ذلك تشبيه بالغسل، قالوا بدلا من ذلك: تمسحت لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضًا، فتجوزوا لذلك تعويلا على أن المراد مفهوم، وهذا لا يقتضى أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل.\nوفي تحديد طهارة الرجلين قالوا: المسح أوجبته الشريعة كالغسل فلا ينكر تحديده، ولم توجب الغسل في اليدين للتحديد، بل للأمر به.\nونلاحظ أن ردهم بأن \" المغسول من الأعضاء ممسوح أيضًا فتجوزوا لذلك تعويلًا على أن المراد مفهوم \"، من الواضح أنه يؤيد القائلين بحمل المسح على\n_________\n(١) انظر المرجعين السابقين.\n(٢) الشيعة – كما نعلم – لا يأخذون بمثل هذا القياس، ولكنه الانتصار للرأي وكفي!","vol":"1","page":925},{"text":"الغسل ولو مجازًا، والعكس غير صحيح، لأن الغسل مسح وزيادة، وتحديد طهارة الرجلين قرينة، وليست دلالة قائمة بذاتها.\nوقالوا في مثل \" علفتها تبنًا وماء باردًا \" بأن ذلك إنما يجوز - على ضعفه إذا استحال حمله على ظاهره.\nومما لا شك فيه أن الرسول - ﷺ - إذا بين أن المقصود هو المسح، أو الغسل، فإن الآية الكريمة لا تأبى ذلك ولا تعارضه.\nفكل من الفريقين إذا له ما يؤيد وجهة نظره، وبهذا لا تعد الآية الكريمة نصًا في إيجاب الغسل أو المسح إلا بالرجوع إلى صاحب الشريعة - ﷺ -. والشيعة يذهبون إلى أنه كان يمسحهما، والمذاهب الأربعة يذهبون إلى أنه واظب على غسلهما، فلننظر في أدلة كل منهما.\nيروى الشيعة (١) عن الأئمة عدة روايات أنهم حكوا وضوء الرسول - ﷺ -، فمسحوا رءوسهم وأرجلهم ببقية البلل، لم يجددوا ماء. وعلى هذا ذهبوا إلى وجوب مسح الرجلين ببقية البلل.\nووردت عن طريقهم أخبار تناقض ما ذهبوا إليه، من ذلك ما روى عن الإمام الصادق في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه، ثم يخوض الماء بهما خوضًا، فقالوا: أنه محمول على التقية (٢) .\nوروى عن الإمام زيد بن على عن آبائه عن على كرم الله وجهه قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول الله - ﷺ - حين ابتدأت في الوضوء فقال لى: تمضمض واستنشق واستن. ثم غسلت ثلاثًا فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت\n_________\n(١) أدلتهم تجدها في مراجعهم التي ذكرناها من قبل.\n(٢) انظر: الاستبصار جـ ١ ص ٦٥.","vol":"1","page":926},{"text":"ذراعي ومسحت برأسي مرتين فقال قد يجزيك من ذلك المرة. وغسلت قدمي فقال لي: يا على خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار (١) .\nوحملهم هذا الخبر على التقية، مرفوض فما من مسلم ذي عقل يرى أن الإمام عليًا قال ذلك كذبًا وتقية من المسلمين، أما الرواة فما الذي يدعوهم إلى الكذب على الإمام وعلى الرسول - ﷺ -؟\nإذا كان هناك ما يدعو إلى التقية فكان يكفيهم أن يغسلوا أرجلهم. أو يقولوا بأن الغسل هو الواجب، دون أن يتعمدوا الافتراء على الله ورسوله. ثم إن هذه الرواية عن الإمام زيد بن على الذي خرج على الدولة الأموية، وقاتل من أجل حق ارتآه حتى استشهد، فكيف إذن يصل إلى هذا الجبن والكذب؟\nورفض الطوسى هذا الخبر لشيء آخر أيضًا، وهو أن رواة الخبر ليسوا إماميين، ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به (٢) .\nفالرواة ليسوا كذابين، ولا وضاعين، ولا مدلسين، وإنما جريمتهم التى تدعونا إلى تكذيبهم، وعدم الأخذ بروايتهم، أنهم زيديون وليسوا إماميين، والعترة الطاهرة وقف على الإمامية، ومن ليس من العترة فليس أهلا لأن يروى عن رسول الله - ﷺ -!\nولاشك أن الرسول وعترته بريئون من هذا الإسفاف. ولقد ناقشنا ذلك من قبل في بحثنا للسنة (٣) .\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ٦٥-٦٦، والوسائل جـ ٢ ص ٢٤.\n(٢) انظر: الاستبصار جـ ص ٦٦.\n(٣) انظر: الحديث الصحيح، ومناقشة اشتراط إمامية الراوى: في الجزء الثالث من هذا الكتاب.","vol":"1","page":927},{"text":"ورووا عن الإمام الصادق أنه قال: إذا توضأت فامسح قدميك ظاهرهما وباطنهما. ثم قال: هكذا: فوضع يده على الكعب وضرب الأخرى على باطن قدميه، ثم مسحهما إلى الأصابع.\nفحملوا هذا الخبر على التقية أيضا (١)، مع أنه قال امسح ولم يقل اغسل، وفيه أنه وضع يده على الكعب لا على الكعبين، فمذهبهم أن الرجل لها كعب واحد وهي قبة القدم، ولم يوافقهم في هذا التحديد إلا بعض الحنفية (٢) ومع هذا حملوه على التقية لأنه يخالف ما ذهبوا إليه من عدم استيعاب الرجل في المسح.\nورووا عنه أيضًا أنه قال في مسح الرأس ومسح القدمين، مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما. وقد حملوه كالسابق\n_________\n(١) انظر الوسائل ٢/١٧.\n(٢) ويرد هذا التحديد أنه خلاف المشهور في العرف، قال أبو عبيد: الكعب هو الذي في أصل القدم، منتهي الساق إليه، بمنزلة كعاب القنا، كل عقد منها يسمى كعبا، وقد روى أبو القاسم الجزلى عن النعمان بن بشير قال: كان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة، ومنكبه بمنكب صاحبه. رواه الخلال، وقاله البخارى. وروى أن قريشا كانت ترمى كعبى رسول الله - ﷺ - من ورائه حتى تدميهما، ومشط القدم أمامه. وقد اعترض على ذلك بأن قوله تعالى ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ يدل على أن في الرجلين كعبين لا غير، ولو كان لكل رجل كعبان لكانت كعاب الرجلين أربعة. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن المراد غسل كل رجل إلى الكعبين، إذ لو أراد كعاب جميع الأرجل لقال: \" الكعاب \" كما قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ . انظر: المغنى ١/١٢٥ –١٢٦: وانظر كذلك: المبسوط ١/٩: حيث ذكر حديثا عن الرسول - ﷺ - وهو: \" ألصقوا الكعاب بالكعاب في الصلاة \"، واستدل كذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾، وبين أن تفسير الكعب بأنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك جاء عن طريق رواية رواها هشام عن محمد، وأن هذا سهو من هشام، وارجع إلى أحكام القرآن لابن العربى جـ ٢ ص ٥٧٧.","vol":"1","page":928},{"text":"على التقية \" لأنهما موافقان لمذهب بعض العامة ممن يرى المسح ويقول باستيعاب الرجل \" (١) .\nفالتعصب للرأي أدى إلى الاضطراب والتناقض في التخريج، فمن يخشى بعض الناس، وهم القلة النادرة، كيف يجرؤ على الوقوف أمام الكثرة الغالبة، ويخالف جمهور المسلمين القائلين بالغسل؟ وهناك رواية عن الإمام الصادق ذكرها الكليني في الكافي. والطوسى في كتابيه: التهذيب والاستبصار، استدلوا بها فيما استدلوا على وجوب الترتيب في الوضوء، وهذه الرواية هي:\n\" عن أبى عبد الله - ﵇ - قال: إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك (٢) الأيسر فأعد على الأيمن ثم اغسل اليسار، وإن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك \" (٣) .\nولم يتكلم فيها الطوسى، وإنما استدل بها على وجوب الترتيب وكفي، فالرواية صحيحة في نظره، فماذا يقول في غسل الرجلين؟\nلو حمل ذلك على التقية لشك الناس في عقليته وتفكيره، فهذه الرواية خالفت ما أجمع عليه المسلمون من عدم إيجاب الترتيب في اليدين، ولكن العاملى في وسائله وقع فيما لم يقع فيه الطوسى، وقال: \" غسل الرجلين محمول على التقية \" (٤) .\nوالتعصب للرأي الذي اقترن بالمذهب، والذي كان له أثره فيما وجدنا من الاضطراب في التفكير والتخريج، كان له أثر أسوأ من ذلك بكثير، وهو وضع الأحاديث.\n_________\n(١) انظر: الوسائل ٢/١٨.\n(٢) انظر: الاستبصار ١/٧٤.\n(٣) الوسائل ٢ / ٥٢.\n(٤)","vol":"1","page":929},{"text":"ونحن بهذا - علم الله - لا نريد الافتراء على الشيعة، إنما نذكر ما بدا لنا عند النظر في أدلتهم. ولنذكر أمثلة لذلك:\nيروون أن الرسول - ﷺ - قال: \" إن العبد إذا توضأ فغسل وجهه تناثرت ذنوب وجهه، وإذا غسل يديه إلى المرفقين، تناثرت عنه ذنوب يديه، وإذا مسح برأسه تناثرت عنه ذنوب رأسه، وإذا مسح رجليه أو غسلهما للتقية، تناثرت عنه ذنوب رجليه، وإن قال في أول وضوئه: بسم الله الرحمن الرحيم، طهرت أعضاؤه كلها من الذنوب، وإن قال في آخر وضوئه أو غسله من الجنابة: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك وأشهد أن عليًا وليك وخليفتك بعد نبيك. وأن أولياءه خلفاؤهوأوصياؤه ٠٠٠ إلخ \" (١) .\nويبدو أثر الوضع واضحًا في قوله: \" أو غسلهما تقية \" وفي قوله: \" وأشهد أن عليًا وليك وخليفتك بعد نبيك، وأن أولياءه خلفاؤه وأوصياؤه \" فارتباط الرأي الفقهي بالمذهب جعل من لا خلاق لهم يضعون الأحاديث لنصرة الاثنين. ويؤيد هذا أيضا ما رووه عن الرسول - ﷺ - أنه قال للمقداد وسلمان وأبى ذر: أتعرفون شرائع الإسلام؟ قالوا: نعرف ما عرفنا الله ورسوله، فقال: هي أكثر من أن تحصى: أشهدوني على أنفسكم بشهادة أن لا إله إلا الله - إلى أن قال: وأن القبلة قبلتي شطر المسجد الحرام لكم قبلة، وأن على بن أبى طالب وصى محمد - ﷺ -، وأمير المؤمنين، وأن مودة أهل بيته مفروضة واجبة مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والخمس، وحج البيت، والجهاد في سبيل الله، وصوم شهر رمضان، وغسل الجنابة، والوضوء الكامل على الوجه واليدين والذراعين إلى المرافق،\n_________\n(١) الوسائل ١ / ٣٧٧ - ٣٧٨.","vol":"1","page":930},{"text":"والمسح على الرأس والقدمين إلى الكعبين، لا على خف، ولا على خمار، ولا على عمامة - إلى أن قال: فهذه شروط الإسلام وقد بقى أكثر (١) .\nنخرج من هذا أن رواياتهم متناقضة، فبعضها فيه مسح جزء من الرجلين ببقية البلل، وبعضها فيه مسح مع استيعاب الرجلين، وروايات أخرى فيها الغسل.\nوهم يرون أن عددًا من الأخبار وضع للتقية - على حين رأينا روايات وضعت لنصرة المذهب، فرواياتهم إذن غير قاطعة بالمسح أو الغسل - وإن كانت ترجح الغسل، لأن روايات الغسل تخالف المذهب، ورأينا أن بعضها لا يحتمل التقية على الإطلاق، أما روايات المسح فيحتمل أنها موضوعة انتصارًا للمذهب كما وضح في الروايتين الأخيرتين.\nأما أهل السنة فقد رووا أحاديث صحيحة متعددة في الغسل (٢) ومنهاحديث عثمان ﵁، وهو يحكى وضوء رسول الله - ﷺ - ففيه \" ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا \" متفق عليه. وفي لفظ: \" ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك \". وعن الإمام على أنه حكى وضوء رسول الله - ﷺ - فقال: \" ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثًا ثلاثًا \". وكذلك قالت الربيع بنت معوذ، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمر. وعن أبى هريرة أن النبى - ﷺ - رأي رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: \" ويل للأعقاب من النار \" إلى غير ذلك من الروايات التى تصل إلى حد التواتر. وهي تبين أن الرسول - ﷺ - كان يغسل رجليه في الوضوء.\nوهذه الروايات كافية لإسقاط روايات الشيعة التى توجب المسح، بخاصة إذا نظرنا إلى رواياتهم القائلة بالغسل والتى لا تحتمل التقية، وإلى رواياتهم الأخرى\n_________\n(١) الوسائل ١ / ٣٧٩.\n(٢) انظر مراجعهم التى ذكرناها من قبل.","vol":"1","page":931},{"text":"التى ثبت أنها موضوعة انتصارًا للمذهب الجعفري، ولما ذهب إليه من آراء فقهية.\nوقد ورد عن طريق أهل السنة أيضًا روايات بالمسح، ولكنها لا تتعارض مع الروايات السابقة.\nمثال ذلك: ما روى عن الإمام على كرم الله وجهه أنه مسح برأسه ورجليه، وقد رأينا فيما رووا عن طريق أهل السنة والشيعة من أن الرسول - ﷺ - أمره بتخليل الأصابع وهو يغسل رجليه، وأنه حكى وضوء الرسول - ﷺ -، فغسل الرجلين. ولا يمكن بحال أن يخالف الإمام أمر الرسول - ﷺ -، فبم نعلل ذلك؟\nمن روايات المسح أن عليًا صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتى بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث. ورواية أخرى أنه اكتال من حب فتوضأ وضوءًا فيه تجوز، فقال هذا وضوء من لم يحدث.\nوقال عكرمة: كان على ﵁ يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية \"\" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ \"\". فالتجوز في وضوئه إذن لأنه لم يحدث، وأراد أن يجدد وضوءه (١) .\n_________\n(١) ورد عن طريق الشيعة أن على بن أبى طالب – كرم الله وجهه – قال للناس في الرحبة: \" ألا أدلكم على وضوء رسول الله - ﷺ - وآله؟ قالوا: بلى. فدعا بقعب فيه ماء فغسل وجهه وذراعيه، ومسح على رأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث حدثا \". وعقب الكراكجى – أحد علمائهم – بقوله: \" مراده أنه الوضوء الصحيح الذي كان يتوضؤه رسول الله - ﷺ -، وليس هو وضوء من غير، وأحدث في الشريعة ما ليس منها \". (انظر: الوسائل – المستدرك ١/٣٨١-٣٨٢) وهذه الرواية تتفق مع ما ذكرنا، وتفسير الكراكجى باطل، فالإمام ذكر أنه وضوء الرسول - ﷺ -، فلا داعى لأن يذكر بعد ذلك أنه وضوء من لم يغير في الشريعة. ويحدث فيها ما ليس منها، وإنما الضرورة تلجئه أن يذكر أن هذا الوضوء في حالة تجديده ... فقط، دون أن يكون هناك حدث موجب له، ففي الحالة الأخرى – أي عند الحدث – بين الإمام* *نفسه كيفية الوضوء بغسل الرجلين كما ورد عن طريقى السنة والشيعة. ثم إذا ذكر الحدث في مجال الوضوء أفيفهم منه التغيير، أم الحدث الموجب للطهارة؟ إن إطلاق الحدث هنا يحتم المعنى الأخير.","vol":"1","page":932},{"text":"ولعل مثل هذه الروايات هي التى جعلت الإمامية يظنون أن هذا مذهب الإمام، فتعصبوا له، وأعرضوا عن سائر الأدلة الثابتة التى ذكرت الغسل، ووجد أعداء الإسلام - الذين استتروا وراء قناع التشيع لآل البيت فرصتهم لإذكاء نار الفرقة بين المسلمين، ومحاولة طمس سنة سيد المرسلين، فأخذوا يكذبون عمدًا على الرسول - ﷺ -، وعلى الأئمة الكرام، مبينين أن المسح هو الواجب. ومن غسل فلا وضوء له.\nوقد رأينا أمثلة للوضع في أحاديثهم. ونزيد ذلك بيانًا بهذه الرواية:\nقال أبو عبد الله - ﵇ -: \" يأتى على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه \" (١) (٢)\nفالإمام الصادق عاصر الإمامين أبا حنيفة ومالكًا، ويعلم أنهما أفتيا بوجوب الغسل نتيجة أدلة ثبتت لديهما، وتمسك بالغسل كل المسلمين، إلا القلة النادرة، وهم قريبو عهد من الرسول الكريم وصحابته، وفيهم كثير من تابعيه ﵃ أجمعين، ترى هل كان الإمام الصادق يرى أن هؤلاء جميعًا لا تقبل صلاتهم؟ لا يقول بذلك إلا عدو للإسلام والمسلمين.\nومما ساعد على تفشى هذه الروايات المكذوبة التعصب للرأي، فيقبل ما وافقه، ويرفض كل ما خالفه، ولو أدى ذلك إلى إهمال العقل، واضطراب التفكير، وقد مرت أمثلة كثيرة لذلك.\n_________\n(١) الاستبصار ١/١٤، والوسائل ٢/٢٢، وقد روى الحديث الكليني والصدوق والطوسى أصحاب كتب الحديث الأربعة.\n(٢) تهذيب الوصول لعلامتهم الحلى ص ٨٥.","vol":"1","page":933},{"text":"وقد رووا عن الإمام على أنه قال: \" لولا أنى رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح ظاهر قدميه لظننت أن باطنها أولى بالمسح من ظاهرها \".\nويستدلون بذلك فيما يستدلون به على مسح الرجلين.\nوفي موضع آخر يستدلون برواية عن الإمام في إبطال القياس، وهي: \" لو كان الدين يؤخذ قياسًا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره \" (١) .\nفروايات المسح إذن يمكن أن تحمل أيضًا على المسح على الخفين، وهذا واضح بمقابلة الروايتين، ولكنهم مع هذا يرفضون المسح على الخفين ويوجبون المسح على القدمين.\nوكذلك يمكن حمل هذه الروايات على الغسل الخفيف. فابن عباس الذي روى أنه قال بالمسح، جاء في حديثه عن الرسول - ﷺ -: \" أخذ ملء كف من ماء فمسح على قدميه \"، والمسح يكون بالدلك لا برش الماء والشيعة يوجبونه ببقية البلل.\nوقد مرت مناقشة حول إطلاق المسح على الغسل، ورأينا إمكان ذلك، ويؤيده من جهة الشيعة ما روى عن الإمام موسى الكاظم: \" لا تعمق في الوضوء، ولا تلطم وجهك بالماء لطمًا، ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحًا، وكذلك فامسح الماء على ذراعيك ورأسك وقدميك \".\nقال العاملى: المسح هنا محمول أولًا على المجاز - بمعنى الغسل، ثم على الحقيقة (٢) .\nفلما وجب الغسل للذراعين حمل المسح على معنى الغسل، فلماذا لا يكون كذلك بالنسبة للرجلين ما دامت أخبار الغسل ثابتة إلى حد التواتر؟\nوروى عن ابن عباس وأنس والشعبى والإمام الباقر وغيرهم أن القرآن الكريم نزل بالمسح، ونجد في رواية أنس: \" نزل القرآن الكريم بالمسح والسنة\n_________\n(١)\n(٢) انظر الوسائل ١ / ٣٧٨.","vol":"1","page":934},{"text":"الغسل \" فليس معنى ذلك أن السنة الشريفة عارضت القرآن الكريم فلا قائل بذلك، ولكن معنى هذا أن الذين نظروا إلى قراءة الجر رأوا أن الظاهر هو المسح ولكن الرسول - ﷺ - بين أن المقصود هو الغسل، وفي هذا إيجاب للغسل لا للمسح. (١)\nونقل عن ابن جرير الطبرى أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، وقال ابن كثير تعقيبًا على ذلك: \" كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، لكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما (٢) .\nوروى عن الحسن البصرى أن المضرور مخير بين الغسل والمسح (٣) .\nومعنى هذا أنه يرى جواز العدول عن أصل الطهارة وهو الغسل إلى رخصة المسح في حال الضرر.\nونخرج من هذا البحث إلى أن الواجب في الوضوء غسل الرجلين لا مسحهما، والله ﷾ أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>ثامنا: المسح على الخفين</span>\nمنع الشيعة المسح على الخفين سفرًا وحضرًا، وأجازه أصحاب المذاهب الأربعة، إلا في رواية عن مالك بالمنع في الحضر (٤) .\n_________\n(١) وروى مثل هذا أيضا عن الشعبى، قال: نزل القرآن بالمسح والغسل سنة، ومعنى أنه سنة هنا أي ثبت عن طريق السنة.\n(٢) تفسير ابن كثير ٢/٢٦، وانظر تفسير الطبرى ١٠/٦١-٨٠، وفيه رد على أحاديث المسح.\n(٣) انظر المبسوط ١/٨، وإن كان بعض الباحثين يروى عنه التخيير مطلقا، فلعله قد التبس عليهم.\n(٤) انظر المبسوط جـ ١ ص ٩٧، والمدونة جـ ١ ص ٤١، والأم جـ ١ ص ٢٧، والمغنى جـ ١ ص ٢٩٣.","vol":"1","page":935},{"text":"وحجة من أجازه (١) ما روى عن جرير \" أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم. رأيت رسول الله - ﷺ - بال ثم توضأ ومسح على خفيه \".\nفكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متفق عليه، ورواه أبو داود، وزاد: فقال جرير لما سئل هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها: ما أسلمت إلا بعد المائدة، وكذلك رواه الترمذى. ووردت روايات أخرى تؤيد هذا، كرواية عبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم كثير.\nواستدل المانعون، بأن آية المائدة ناسخة له. وبروايات في المنع. ويبطل دعوى النسخ رواية جرير، فهي نص في الموضوع (٢)\n، ثم إنه لا تعارض بين\n_________\n(١) انظر ما سبق، مع متابعة الأدلة في بعض الصفحات، وانظر كذلك: نيل الأوطار ١/٢٢١-٢٢٦، وسبل السلام ١ / ٥٦ - ٦٠.\n(٢) قال الموسوى - أحد علماء الشيعة - تعقيبا على ذلك: \" بل أسلم قبل نزول المائدة، بدليل حضوره حجة الوداع مع رسول الله، وقد أمره - ﷺ - يومئذ - كما في ترجمته من الإصابة نقلا عن الصحيحين - أن يستنصت الناس، فإسلامه لابد أن يكون قبل تلك الحجة، ونزول المائدة لم يكن قبلها يقينا \" (ص ١٤٤ المسح على الأرجل أو غسلها) .\n\nولو سلمنا بذلك في بعض آيات من سورة المائدة، فلا نسلم بأن جميعها نزل بعد حجة الوداع أو إبانها، فمن الثابت أن بعضها نزل قبل ذلك يقينا، وجرير - وهو الثقة الذي روى عن الرسول الكريم - هو نفسه الذي قال بأن إسلامه لم يكن قبل آية الوضوء. (انظر صحيح ابن خزيمة ١ / ٩٢ جماع أبواب المسح على الخفين وفيه المسح بعد نزول سورة المائدة، ... وراجع ما جاء في سورة المائدة في كتاب التفسير في صحيح البخاري، والاختلاف في آخر ما نزل في البرهان للزركشى ١/٢٠٩-٢١٠، وراجع كذلك تعليق الشيخ شاكر على هذا الحديث في: سنن الترمذى جـ ١: حاشية ص ١٥٥-١٥٦، وانظر صحيح البخاري - كتاب الوضوء: باب المسح على الخفين، وشرح أحاديث الباب في فتح الباري ١ / ٣٠٥: ٣٠٩، وباب من ادخل رجليه وهما طاهرتان، وصحيح مسلم: كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، وشرح النووي ١/٥٥٦) .","vol":"1","page":936},{"text":"الآية والمسح على الخفين، فتخصيص العام، أو تقييد المطلق، أو تفسير المجمل لا يعد نسخًا.\nقال الإمام الشافعى بعد ذكر الآية: \" فاحتمل أمر الله ﷿ بغسل القدمين أن يكون على كل متوضئ، واحتمل أن يكون على بعض المتوضئين دون بعض، فدل مسح رسول الله - ﷺ - على الخفين أنها على من لا خفين عليه إذا هو لبسهما على كمال الطهارة، كما دل صلاة رسول الله - ﷺ - صلاتين بوضوء واحد، وصلوات بوضوء واحد، على أن فرض الوضوء على من قام إلى الصلاة على بعض القائمين دون بعض، لا أن المسح خلاف لكتاب الله ﷿، ولا الوضوء على القدمين \" (١) .\nوروايات المنع المذكورة عن طريق السنة رفضها المجيزون، فما أخرجه ابن أبى شبيبة، عن على ﵁ أنه قال: \" سبق الكتاب الخفين \" منقطع وقد روى عنه مسلم والنسائى القول به بعد موت النبى - ﷺ -، وأخرج أبو داود عنه \" لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه \"، وهذا يذكرنا بما ذكره الشيعة عن أمير المؤمنين من قوله \" لو كان الدين يؤخذ قياسًا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره \".\nوقلنا إنهم استدلوا به على بطلان القياس. ولكنهم يرفضون المسح على الخفين. (٢)\nوروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سلوا هؤلاء الذين يروون المسح، هل مسح رسول الله - ﷺ - بعد نزول المائدة؟ والله ما مسح رسول الله - ﷺ - بعد نزول المائدة، ولأن أمسح على ظهر عنز في الفلاة أحب إلى من أن أمسح على الخفين.\n_________\n(١) الأم ١/٢٧-٢٨.\n(٢) انظر ما ذكر آنفا في نوع طهارة الرجلين.","vol":"1","page":937},{"text":"وإنما قال جرير روايته المذكورة لما روى عن ابن عباس. وقد صح رجوعه عنه على ما قال عطاء بن أبى رباح رضي الله تعالى عنه: \" لم يمت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حتى اتبع أصحابه في المسح على الخفين \".\nوروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها: \" لأن تقطع قدمأي أحب إلى من أن أمسح على الخفين \"، وقد صح رجوعها عنه على ما روى شريح بن هانئ قال: سألت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن المسح على الخفين، فقالت: لا أدرى، سلوا عليًا رضي الله تعالى عنه، فإنه كان أكثر سفرًا مع رسول الله - ﷺ - فسألنا عليًا رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على الخفين. وفي رواية: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\nيمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها. فبلغ ذلك عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: هو أعلم (١) .\nونجد الشيعة يروون المنع عن على وعائشة ﵄. ويروون رواية المغيرة، ويقولون أنها منسوخة بآية الوضوء (٢) .\nوقد تقدم الكلام في ذلك.\nونجد روايات أخرى تحتم علينا أن نعيد ما قلناه من وضع الأحاديث لنصرة المذهب، وما ارتبط به من آراء فقهية، وقد ضربنا أمثلة لذلك، وفي رواية منها ذكر لعدم جواز المسح على الخفين (٣)، ونكتفي هنا بذكر هذه الرواية: \" خطب أمير المؤمنين - - ﵇ - - فقال: \" قد عملت الولاة قبلى أعمالا خالفوا فيها رسول\n_________\n(١) وروى عنها أنها قالت: لأن تقطعا أحب إلى من أن أمسح على القدمين بغير خفين (انظر: الكشاف للزمخشرى) فإن صحت هذه الرواية فهي تؤيد غسل الرجلين، والمسح على الخفين.\n(٢) انظر الوسائل جـ ١: باب عدم جواز المسح على الخفين إلا لضرورة شديدة أو تقية عظيمة ص ٥٥ وما بعدها.\n(٣) راجع ما جاء من قبل في نوع طهارة الرجلين.","vol":"1","page":938},{"text":"الله - ﷺ - وآله متعمدين لخلافه، ولوحملت الناس على تركها لتفرق عنى جندى، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي كان فيه (إلى أن قال): وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، (إلى أن قال): إذا لتفرقوا عنى \" (١) .\nونحن نعلم جزاء من يخالف أمر الرسول - ﷺ -:\nقال ﷿: (٢)\n\"\" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ \"\".\nوالخلفاء الراشدون الثلاثة قد خالفوا الرسول متعمدين هذا الخلاف، والخليفة الرابع لا يخشى الله فيقيم حدوده، وإنما يخشى أن يتفرق عنه جنده لو أقام هذه الحدود!\nيدل الخبر على هذا المعنى الضال فكيف يقبله مسلم؟! أو لم يدرك هذا من سولت له نفسه أن يضع مثل هذه الأخبار؟ ومن تلقاها بالقبول؟!\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>تاسعا: التوقيت في الغسل</span>\nلم يوقت الإمام مالك في الوضوء مرة ولا ثلاثًا، وإنما قال بإسباغه، والمشهور في المذهب استحباب الثلاث، وباقى المذاهب الأربعة على إجزاء المرة، واستحباب الثلاث (٣) .\nأما الشيعة فيرون إجزاء المرة، واستحباب المرتين، وأن الثالثة بدعة.\n_________\n(١) الوسائل ٢ / ٥٦.\n(٢) سورة النور: الآية (٦٣) .\n(٣) انظر: المبسوط ١/٩، والمدونة ١/ ٢ وحاشية الدسوقى ١/١٠١، والأم ١/٢٧، والمغنى ١/١٣٠.","vol":"1","page":939},{"text":"والخلاف هنا يمكن أن يكون هينًا لو اكتفوا بالقول باستحباب المرتين فقد يكون الإسباغ بهما، بل بالمرة الواحدة، وهنا يتفقون مع الإمام مالك، ولكن القول بأن الثالثة بدعة يجعل الخلاف واضحًا، فغسل أعضاء الوضوء ثلاثًا روى عن الرسول - ﷺ -، كرواية عثمان الصحيحة، وقد روى عن على نفسه أنه حكى وضوء رسول الله - ﷺ - وقال بالثلاث (١) .\nوقد استدل الشيعة بروايات عن أئمتهم بالغسل مرة ومرتين وحملوا ما عداها على التقية (٢) .\nمثال ذلك ما روى عن داود الرقى قال: \" دخلت على أبى عبد الله - ﵇ -، فقلت له: جعلت فداك كم عدة الطهارة؟ فقال: ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها الرسول - ﷺ - واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثًا ثلاثًا فلا صلاة له. أنا معه في ذا حتى جاءه داود بن زربى، فسأله عن عدة الطهارة، فقال له: ثلاثًا ثلاثًا. من نقص عنه لا صلاة له \" (٣) .\nفقوله لابن زربى إذن للتقية، ولكن لا أحد من المسلمين يقول ببطلان الصلاة لمن ينقص عن الثلاث، فمن الذى يتقيهم بقوله هذا؟ وبطلان الصلاة لمن يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ينافي ما ثبت عن الرسول - ﷺ -.\nوقيل: إن خبر الثلاث مدنى، وقد اطرحه مالك ولم يصححه، وهو أمارة الضعف. ثم هو معارض بما روى (٤) .\nونلاحظ أنه لا تعارض بين روايات أهل السنة. فمجموعها يدل على جواز المرة والمرتين والثلاث. وتعارضها مع بعض روايات الشيعة يسقط هذا البعض،\n_________\n(١) ارجع إلى هذه الروايات في نيل الأوطار ١/٢١٣-٢١٦، وانظر الوضوء في الكتب والسنة.\n(٢) انظر: الاستبصار ١/٦٩-٧٢، والوسائل ٣/٣٨-٤٦.\n(٣) المرجع الأخير ص ٤٤.\n(٤) انظر المعتبر ص ٤٢.","vol":"1","page":940},{"text":"والاستشهاد على الضعف بموقف الإمام مالك يجاب عنه بما جاء في المدونة (١) بعد ذكر رواية عثمان بن عفان، قال ابن شهاب: \" وكان علماؤنا بالمدينة يقولون هذا الوضوء أسبغ ما توضأ به أحد للصلاة \".\nفالإمام مالك لم يضعف هذه الرواية، وإنما نظر إلى الروايات المختلفة ورأي أن المقصود هو الإسباغ، فقال به. وإن كان بالمرة أو المرتين أو الثلاث (٢) والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>عاشرًا: التولية اختيارًا</span>\nفرق الشيعة بين الاستعانة بالغير في الوضوء وبين التولية. فهم يرون أن الاستعانة هي صب الماء على يد المتوضئ، لا على أعضاء وضوئه، على أن يتولى هو بنفسه توزيع هذا الماء على الأعضاء.\nأما التولية فهي التوضئة بصب الغير الماء على أعضاء الوضوء كلًا أو بعضًا، وإن تولى هو الدلك. (٣)\nوهم يكرهون الاستعانة، ويحرمون التولية اختيارًا.\nوهم بهذا لا ينفردون بالقول بكراهة الاستعانة، وإنما بالتفرقة بين الاستعانة والتولية، وتحريم الأخيرة.\nوالتولية بهذا المفهوم تعد استعانة تكره عند الشافعية والحنابلة، والمالكية لا يرون كراهتها، والحنفية لا يرون الكراهة إلا إذا لم يباشر المتوضئ بنفسه غسل الأعضاء ومسحها (٤) .\n_________\n(١) جـ ١ ص ٣.\n(٢) والمشهور في المذهب استحباب الثلاث كما ذكرنا.\n(٣) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص ٢٧٦-٢٧٧.\n(٤) انظر: حاشية ابن عابدين ١/١٣١، وحاشية الدسوقى ١/١٠٤، وحاشية البجيرمى ... ١/٨٩ والشرح الكبير /١٤٧-١٤٨.","vol":"1","page":941},{"text":"وقد ورد عن طريقى السنة والشيعة ما يفيد جواز الصب في الوضوء، وفي روايات أخرى كراهة ذلك. وإن كان المروى في الكراهة عن طريق أهل السنة ضعيفًا. ولم يرد عن الطريقين ما يفيد التحريم (١) .\nفبم إذن استدل الشيعة على ماذهبوا إليه؟\nاحتجوا (٢) بالوضوءات البيانية، وبظاهر الأوامر بالغسل والمسح فإنها تقتضى المباشرة، وإرادة كون الفعل مستندًا إلى المأمور به. وقوله تعالى: \"\" فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ \"\" خطاب لنا يجب علينا امتثاله، وإنما يتحقق الامتثال بوقوع الفعل منا، وصدوره عنا.\nوإذا صح ذلك فإنه يتعلق بمباشرة الغسل والمسح. فلم يثبت عن النبى - ﷺ - أنه وكل غسل أعضاء وضوئه إلى أحد. أو قال بجواز ذلك. وهنا يكون الامتثال والاتيان بالفعل، أما الصب على اليد والصب على الأعضاء، فكله استعانة بجنس الصب، وهو ما أفادت الأدلة جوازه، كحديث المغيرة \" فصببت عليه - أي على النبى - ﷺ - وضوءه للصلاة \"، وحديث صفوان بن عسال: \" صببت الماء على النبى - ﷺ - في السفر والحضر في الوضوء \".\nوعن طريق الشيعة رواية أبى عبيدة الحذاء \" وضأت أبا جعفر - ﵇ - بجمع وقد بال، فناولته الماء فاستنجى، ثم صببت عليه كفًا فغسل به وجهه، وكفًا غسل به ذراعه الأيمن، وكفا غسل به ذراعه الأيسر، ثم مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه \" (٣) .\n_________\n(١) انظر الموضع السابق من الشرح الكبير، وحاشية ابن عابدين، وانظر نيل الأوطار ١/٢١٩-٢٢٠، وصحيح مسلم: باب المسح على الخفين، والنسائى: باب صفة الوضوء، وابن ماجه: باب الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه.\n(٢) انظر في ذلك: الانتصار ص ١٧ -١٨، والحقائق ١/١٨٤-١٨٥.\n(٣) الوسائل ١ / ٢٧٣.","vol":"1","page":942},{"text":"وأعجب ما قيل في هذه الرواية هو جواز حملها على التقية (١) .\nفذلك الذى استعان بغيره في الوضوء بصب الماء خوفًا وتقية من جمهور المسلمين، الذين يجيزون ذلك مع القول بالكراهة عند كثير منهم، ولم يوجبه أحد على الإطلاق، أفلا خافهم فغسل رجليه بدلا من مسحهما مخالفًا بذلك ما أجمعوا عليه؟\nعلمًا بأن الشيعة يجيزون غسل الرجلين تقية.\nفلا دليل على التفرقة بين الاستعانة والتولية، وجعل الصب على الأعضاء تولية تحرم اختيارًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>حادي عشر: غسل مخرج البول</span>\nاتفق الشيعة مع المذاهب الأربعة في وجوب الماء لغسل موضع الغائط إذا تعدى المخرج، ونظر أصحاب المذاهب الأربعة أيضًا إلى تعدى المخرج في البول، فأوجبوا الماء حينئذ فقط كالغائط (٢) .\nأما الشيعة فقد فرقوا بين البول والغائط ورأوا وجوب الماء لغسل مخرج البول عمومًا.\nولم يثبت عن الرسول - ﷺ - - من طريقى السنة والشيعة - أنه أوجب الماء، ولكنهم استدلوا بروايات عن الأئمة مثل ما رووه عن الإمام الباقر: \" لا صلاة إلا بطهور، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار. بذلك جرت السنة من رسول الله - ﷺ - وأما البول فإنه لا بد من غسله \" (٣) .\nفإذا كانت السنة جرت بإجزاء الأحجار، فمن أين استمدوا الحكم الآخر؟\n_________\n(١) انظر: الوسائل ٢/٧٧.\n(٢) انظر: حاشية ابن عابدين ١/٣٥٠، وحاشيتى القليوبى وعميرة ١/٤٣، وحاشية الدسوقى ١/١١٢، والمغنى ١ / ١٥٣.\n(٣) الاستبصار جـ ١ ص ٥٥.","vol":"1","page":943},{"text":"ورأي بعضهم أن التفرقة بين البول والغائط لأن الغائط قد لا يتعدى المخرج إذا كان يابسًا، ويتعداه إذا كان بخلاف هذه الصفة، والبول مائع جار لابد من تعديه المخرج، وهو في تعديه أبلغ من دقيق الغائط، فوجب فيه ما وجب فيما تعدى المخرج من مائع الغائط، ولا خلاف في وجوب غسل ذلك (١) .\nوهذا التفسير، إن صح لما كان هناك خلاف، فالمذاهب الأربعة توجب الغسل إذا تعدى البول المخرج، ولكن المعروف أن البول لا يتعدى المخرج في جميع الحالات، ومن الشيعة أنفسهم من صرح بإيجاب الماء سواء تعدى البول المخرج أو لم يتعد (٢) وهذا يناقض التفسير السابق.\nوقد رووا عن الإمام الصادق عن الرجل يبول ولا يكون عنده الماء، فيمسح ذكره بالحائط، قال: \" كل شيىء يابس زكى \".\nقال صاحب وسائل الشيعة (٣): \" هذا محمول على التقية لأنه عادة المخالفين، أو على الجواز لمنع تعدى النجاسة، وإن لم تحصل الطهارة، بل لا دلالة له عليها أصلا \".\nوأقول له: بل توجد الدلالة، فكلمة \" زكى\" توحى بهذه الطهارة، ولو كان المقصود غير ذلك لوضحه (٤)، أما التقية فإنها أسهل مركب للرفض وإن كان في البول! مع العلم بأنه لا خلاف في أفضلية الماء.\n_________\n(١) انظر الحقائق ١/١٦٤.\n(٢) انظر كنز العرفان ص ١٧.\n(٣) جـ ١ ص ٣٣٣.\n(٤) وبهذا يرد على السيد محسن الحكيم حيث عقب على الرواية السابقة بقوله \" لكن ظاهر الجواب عدم سراية نجاسة الذكر بعد المسح إلى ما يلاقيه لاطهارته بالمسح. ... (مستمسك العروة ٢/١٧٤) .","vol":"1","page":944},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>ثاني عشر: الوطء في الدبر</span>\nلا نتحدث هنا عن جواز الوطء في دبر المرأة أو عدم جوازه، وإنما عما يستتبعه من وجوب الغسل.\nفمن المعلوم أن الوطء يوجب الغسل، سواء أكان في موضع الحرث أم في غيره.\nوقال المحقق الحلى في المختصر النافع في فقه الإمامية (ص ٣٢) أن الجماع في دبر المرأة يوجب الغسل على الأشبه.\nوقال في شرائع الإسلام (١/٢١): \" وإن جامع في الدبر ولم ينزل وجب الغسل على الأصح \".\nفاعتبر وجوب الغسل هو الأصح، ولم يلتفت للرأي الآخر.\nغير أن شيخ طائفتهم الطوسى قال في كتاب الخلاف (١/٢٤): \" لأصحابنا في الدبر روايتان:\nإحداهما: أن عليه الغسل، وبه قال جميع الفقهاء - أي فقهاء الأمة من غير فرقته.\nوالأخرى: لا غسل عليه ولا على المفعول به، ولا يوافقهم على هذه الرواية أحد \".\nوفي وسائل الشيعة (١/٤٨١) تحت باب: حكم الوطء في الدبر من غير إنزال، يذكر ثلاثة أخبار عن الإمام الصادق:\nالأول عن الرجل يأتى أهله من خلفها - قال: هو أحد المأتيين، فيه الغسل.\nوالثانى عنه قال: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزلا فلا غسل عليهما، وإن أنزل فعليه الغسل، ولا غسل عليها.\nوالثالث عنه في الرجل يأتى المرأة في دبرها وهي صائمة قال: لا ينقض صومها  (!!) وليس عليها غسل.","vol":"1","page":945},{"text":"والخبر الأول يوجب الغسل خلافًا للخبرين الآخرين، فقال صاحب وسائل الشيعة: \" قد حمل الشيخ - أي الطوسى -  الأول على التقية \" قلت: لو كان الإمام الصادق - حاشاه - على هذه الدرجة من الجبن والخوف فقال بوجوب الغسل، فكيف ذهب عنه الروع عندما خالف جمهور الأمة حيث أباح الإتيان قائلًا هو أحد المأتيين، فجعل الدبر كالقبل؟!\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>ثالث عشر: الأغسال المندوبة</span>\nتوسع الشيعة في الأغسال المندوبة، حتى قال بعضهم باستحباب الغسل لكل شريف من الأماكن والمشاهد، والأيام والليالى، وعند ظهور الآثار في السماء، وعند كل فعل متقرب به إلى الله تعالى، ويلجأ إليه فيه (١) .\nوكثير من الأغسال التى يرون استحبابها تتعلق بمذهبهم الاثنى عشرى، فهم يرون استحباب الاغتسال لزيارة الأئمة، وفي ليلة النصف من شهر رمضان، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين منه: فالأولى وإن كانت احتفالا بانتصاف رمضان المعظم، فقد قيل بأن فيها ولد الإمام الثانى: الحسن بن على، والإمام التاسع محمد الجواد (٢) . والليلة الثانية فيها ضرب الإمام على، ومات في الثالثة، والغدير يعدونه عيدًا يحتفلون به، حيث يرون أن في مثل هذا اليوم وهو الثامن عشر من ذى الحجة كان حديث غدير خم المشهور، والذى يعد سندهم الأول في الإمامة. والاغتسال يوم المباهلة لنزول قول الله تعالى: (٣)\n\"\"فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ \"\".\n_________\n(١) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص ١٦.\n(٢) انظر: المرجع السابق ص ١٥.\n(٣) سورة آل عمران: الآية ٦١.","vol":"1","page":946},{"text":"والرسول ﵊ دعا عليًا وفاطمة والحسن والحسين، فلم ينظر الشيعة إلى أن صلة القرابة لها مكانتها في مجال التضحية لا العبادة، وإنما رأوا أن هذه الآية الكريمة دليل على فضلهم وتقدمهم غيرهم، وهم يقولون بعصمة هؤلاء الأربعة، وبإمامة على وولديه.\nويبدو العجب في قولهم بالاغتسال لنيروز الفرس، فهذا احتفال بعيدٌ كل البعد عن الإسلام، ولكن نجد من يقول بأنه يوم ظهور الإمام الثانى عشر القائم المنتظر (١)، وقيل بأن في هذا اليوم أعلن النبى - ﷺ - خلافة على (٢) .\nفالخلاف في هذه الاغسال تبع للخلاف في المذهب من أساسه، وما أهون هذا الخلاف إذا قيس بالخلاف في الإمامة! فهذه أغسال مستحبة، وليست شرطًا في عبادة من العبادات.\nوهذه الأغسال قد تتمشى مع منطق الشيعة الرافضة إلا فيروز الفرس، ففيه مشاركة لأعداء الإسلام. وإذا كان هذا اليوم قد ارتبط بناحية دينية عندهم، فالأولى تحويل ذلك إلى التاريخ الهجرى، فإذا كانت الخلافة بزعمهم لعلى قد أعلنها الرسول - ﷺ - في هذا اليوم فيكفيهم يوم الغدير، أما ظهور الإمام الثانى عشر فلو صح ذلك على خلاف ما يقطع به كل المسلمين قاطبة إلا الإمامية الرافضة فلا يعلم ميقاته إلا الله ﷾.\nوفي الجزء الثانى من وسائل الشيعة نجد أبواب الأغسال المسنونة، وتحت هذه الأبواب ينسبون للأئمة الأخيار القول بكل الأغسال التى ابتدعها غلاة الرافضة.\nففي الباب الأول (ص ٩٤١:٩٣٦) حصر أنواعها وأقسامها:\nينسبون للإمام الصادق في الخبر الثالث أن غسل المباهلة واجب، وفي أكثر من خبر أنه قال بغسل الزيارة، أي زيارة الأئمة في قبورهم.\n_________\n(١) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص ١٦.\n(٢) انظر دائرة المعارف البريطانية - مجلد ١٢ - ص ٧١١.","vol":"1","page":947},{"text":"حتى نيروز الفرس، الذى يدل على المجتمع المجوسى، وأن من شاركهم كان ممن يحن إلى المجوسية إن لم يكن مجوسيًا، حتى هذا الغلو الواضح الفاضح ينسبونه كذبًا للإمام الصادق المبرأ مما قالوا.\nففي الباب الرابع والعشرين (ص ٩٦٠) تحت عنوان \" استحباب غسل يوم النيروز \"، ينسبون للإمام الصادق أنه قال: \" إذا كان يوم النيروز فاغتسل، والبس أنظف ثيابك \"!!\nوفي الباب الثامن والعشرين (ص ٩٦١) \" استحباب غسل يوم الغدير \"، وتحت الباب يفترون على الإمام الصادق أنه قال:\n\" صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا \"!!\n\" ومن صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس عدلت عند الله تعالى مائة ألف حجة، ومائة الف عمرة \"!!!\nوفي الباب الذى يليه \" استحباب غسل الزيارة \" ينسبون له أيضًا أنه قال \" إذا أتيت قبر الحسين - ﵇ - فأت الفرات واغتسل \".\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>رابع عشر: قراءة القرآن الكريم ومس المصحف\nللجنب والحائض والنفساء</span>\nيرى الشيعة تحريم قراءة العزائم الأربع للجنب والحائض والنفساء، وهذه العزائم هي السور التى بها السجدات الواجبة عندهم (١) . وهي: السجدة، وفصلت، والنجم، والعلق. ويكره عندهم كذلك قراءة ما زاد على سبع آيات من غير هذه السور. ويحرم مس كتابة القرآن الكريم. ويكره مس المصحف دون الكتابة، ويمنعون غير المتوضئ مس كتابة القرآن، ويجوز له مس المصحف دون الكتابة.\n_________\n(١) وقع الخلاف بين المذاهب في حكم السجود، وفي عدد السجدات التى هي عزائم، انظر ذلك مثلا في: بداية المجتهد جـ ١ ص ٢٢٦ وما بعدها، وفي كتب المذاهب المختلفة.","vol":"1","page":948},{"text":"أما المذاهب الأربعة فقد منعوا الثلاثة من قراءة القرآن مطلقًا، دون تفرقة بين العزائم وغيرها، ومن أباح منهم ذلك فبشرط ألا يزيد عن الآية، أو بغير قصد للقراءة، كأن يكون للدعاء أو الثناء، أو التعليم، إلى غير ذلك، وأباح المالكية القراءة للحائض والنفساء حال استرسال الدم، واشترطوا لمن يمس المصحف عمومًا أن يكون متطهرًا من الحدثين الأصغر والأكبر.\nوأباح المالكية المس للمعلمة والمتعلمة إذا كانت حائضًا أو نفساء (١) .\nوالتفرقة بين السور الأربع وباقى القرآن الكريم لابد لثبوتها من دليل قاطع، فالقرآن كله له قدسيته وحرمته.\nوحكم السجود وعزائمه مختلف فيه، ولو صح كما ذهب الشيعة إليه من إيجاب السجود وتحديد عزائمه - لتعلقت الحرمة بمواضع السجود فقط، ولكنهم يحرمون السور الأربع كلها حتى البسملة إذا نواها منها، ثم إنهم لا يشترطون الطهارة لهذه السجدات.\nفإذا كانت الطهارة ليست شرطًا لسجود القرآن، فكيف تكون شرطًا فيما يؤدى إلى هذا السجود؟\nوإذا نظرنا إلى رواياتهم نجد أنهم يروون ثلاثة أحاديث عن الرسول - ﷺ -، وباقى الروايات عن الأئمة (٢) .\nفأما أحاديث الرسول - - ﷺ -: فالأول هو أن النبى - - ﷺ - - قال للإمام على: \" يا على، من كان جنبًا في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن، فإنى أخشى أن تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما \".\n_________\n(١) انظر حاشية ابن عابدين ١/٢٧٨-٢٧٩، والمبسوط ٣/١٥٢، وحاشية الدسوقى ١/١٢٥-١٢٦، ص ١٣٨-١٣٩، وص ١٧٤-١٧٥، وحاشية البجيرمى ١/٥٢-٥٤، ص ١٠٢-١٠٣ والمغنى ١/١٣٥-١٣٦ وص ١٣٦-١٤١ وانظر كذلك بداية المجتهد ١/٤٢-٤٣ وص ٥٠ ونيل الأوطار ١/٢٥٩-٢٦١ وسبل السلام ١/٦٩-٧٠.\n(٢) انظر جميع الروايات في الوسائل ٢/٢٩٦-٢٩٨.","vol":"1","page":949},{"text":"والحديث الثانى عن الإمام كرم الله وجهه: \" كان رسول - ﷺ - لا يحجزه عن قراءة القرآن إلا الجنابة \".\nوالحديث الثالث كالثانى وفيه: \" لا يحجبه أو لا يحجزه \".\nوهذه الأحاديث الثلاثة تؤيد ما ذهب إليه أصحاب المذاهب الأربعة، وتخريج القراءة على أنها قراءة العزائم، أو احتمال النسخ (١) كل ذلك ينقصه الدليل. وما يتعارض مع أحاديث الرسول - - ﷺ - - من أقوال للأئمة أو غيرهم - فإنا بلا ريب لا يمكن أن نأخذ بها.\nعلى أن الشيعة أنفسهم منهم من ذهب إلى تحريم القراءة مطلقًا كالمذاهب الأربعة، ومنهم من حرم ما زاد على سبع آيات (٢) .\nوبالنسبة لمس المصحف فقد فرق الشيعة بين مسه ومس الكتابة، ورأوا أن المقصود من الضمير في قوله تعالى: \"\" لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ \"\" وهو القرآن الكريم، وهو غير المصحف، فالقرآن عبارة عن المقروء وهو نفس الكتابة، والمصحف إنما هو الكتاب الذى جعلت فيه الصحف (٣) .\nونلاحظ أن المصحف ما استمد قدسيته إلا بما فيه من الكتابة، وإذا كان بعض الشيعة الرافضة يرون حرمة مس أسماء الأئمة، فهل يرى هؤلاء أن المصحف لا يصل إلى هذه المرتبة؟ \"\" أَفَلَا يَعْقِلُونَ \"\"؟\nوقد ورد عن طريقهم: \" لا يجوز لك أن تمس المصحف وأنت جنب، ولا بأس أن يقلب لك الورق غيرك \" (٤) .\n_________\n(١) انظر ذلك في الصفحة الأولى من الموضع السابق.\n(٢) انظر مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص ٣٢٧.\n(٣) انظر الحقائق ٢/١٢.\n(٤) الوسائل - المستدرك ٢/٢٩٥.","vol":"1","page":950},{"text":"وقد استدل أحمد بحديث ابن عمر: \" لا يمس المصحف إلا على طهارة \" (١) .\nففي هاتين الروايتين ذكر صريح للمصحف، والله أعلم بالصواب.\nوبعد هذا النقاش نأتى إلى رأي لا يحتاج إلى مناقشة، فهو يتصل بغلوهم في عقيدة الإمامة، حيث يجعلون بيوت أئمتهم تقترب من المساجد في الحكم فيمنع الجنب من دخولها، كما يجعلونها بيوت أنبياء: ونذكر هنا ما جاء في وسائل الشيعة (١/٤٨٩-٤٩٠) تحت باب \" كراهة دخول الجنب بيوت النبى ﵌ والأئمة ﵈ \".\nنجد هنا خمس روايات:\nأربعة منها تذكر أن أبا بصير دخل - وهو جنب - على أبى عبد الله، أي الإمام الصادق، فقال له: \" أما تعلم أنه لا ينبغى لجنب أن يدخل بيوت الأنبياء؟ \"\nوفي رواية: \" أما علمت أن بيوت الأنبياء وأولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب \".\nوفي رواية أنه فعل ذلك عمدًا ليعطيه من دلالة الإمامة مثل ما أعطاه أبوجعفر، أي الإمام الباقر. والكذاب يقصد هنا نسبة علم الغيب للأئمة، حيث عرف أنه جنب بمجرد أن رآه.\nوفي الرواية الأخيرة: \" هكذا تدخل بيوت الأنبياء وأنت جنب \"؟\nوغير الأربعة رواية عن الحسين - ﵇ -، أن أعرابيًا دخل عليه فقال له: \" أما تستحي يا أعرابي تدخل على إمامك وأنت جنب \"؟!\n_________\n(١) انظر نيل الأوطار ١/٢٥٩.","vol":"1","page":951},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>خامس عشر: أقل الطهر بين الحيضتين وأكثر النفاس</span>\n\nقال الشيعة بأن أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام، وأكثر النفاس عشرة كذلك على المشهور، وقيل ثمانية عشر.\nوأقل الطهر عند الحنابلة ثلاثة عشر يومًا، وبقية المذاهب يرون أنه خمسة عشر، وأكثر النفاس عند المالكية والشافعية ستون يومًا. وغالبه أربعون يومًا فيما استقرأه الإمام الشافعى. وأكثره عند الحنفية والحنابلة أربعون (١) (٢)\nوقد استدل الشيعة في أقل الطهر بروايات عن الأئمة تفيد ذلك (٣) . وأرى ألا مانع من الأخذ بها، فلا تعارض بينها جميعًا، ولا علاقة لها بأصل المذهب حتى يخالجنا الشك بأنها موضوعة.\nوممن روى عنهم الإمامان الباقر والصادق، ولهما مكانتهما عند الفقهاء، ولم يرو عن طريق أهل السنة ما يعارض ذلك، فإن الرواية الوحيدة التى رواها الإمام أحمد عن أمير المؤمنين على، واستدل بها الحنابلة على صحة رأيهم، ورفضها باقي المذاهب، هذه الرواية تتفق مع ما ذهب إليه الشيعة (٤) .\nولم يرو غيرها عن الرسول - ﷺ - أو صحابته الأكرمين.\n_________\n(١) انظر حاشية ابن عابدين ١ / ٢٠٩ - ٢٩٣، وحاشية الدسوقى ١/١٦٨-١٧٣، حاشيتى الدسوقى وعميرة ١/٩٧-١٠٧، المغنى ١/٣٢٦-٣٢٧. وص ٣٦٢-٣٦٣.\n(٢) انظر الوسائل ٢/٣٣-٣٤.\n(٣) تفيد الرواية إمكان وقوع ثلاث حيض في شهر واحد، وهذا لا يجىء إلا على قول الحنابلة من المذاهب الأربعة، حيث يذهبون إلى أن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما. وهذا ممكن أيضا بالنسبة للشيعة، فهم يذهبون إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأقل الطهر بين الحيضتين عشرة.\n(٤)","vol":"1","page":952},{"text":"وقد روى عن الإمام مالك ثلاث روايات: إحداهن: عشرة أيام. (١) فإن ثبتت ينتفي انفراد الشيعة بما ذهبوا إليه من التحديد بعشرة أيام.\nوأما النفاس، فقد اضطربت فيه روايات الشيعة أيما اضطراب، (٢) فإلى جانب الروايات التى تفيد أن أكثره عشرة، نجد روايات أخرى تفيد أنه سبع عشرة، وثمان عشرة، فحملوا ذلك على التقية، مع أن المذاهب الأربعة ترفض ذلك، والشيعة منهم من قال بأن أكثره ثمانية عشر يومًا، فكيف يحمل على ... التقية؟!\nورووا عن الإمام على أنه قال: \" النفساء تقعد أربعين يومًا فإن طهرت وإلا اغتسلت وصلت، ويأتيها زوجها، وكانت بمنزلة المستحاضة تصوم وتصلى \". ولا شك أن الإمام عليًا لم يذق طعم التقية أبدًا.\nوعن الإمام الصادق: \" تقعد النفساء إذا لم ينقطع عنها الدم ثلاثين أو أربعين يومًا إلى الخمسين \". وعنه أيضًا: \" كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها وما جربت \" قيل له: فلم تلد فيما مضى، فقال \" بين الأربعين إلى الخمسين \".\nوعنه أيضًا: \" أن نساءكم لسن كالنساء الأول، إن نساءكم أكثر لحمًا وأكثر دمًا، فلتقعد حتى تطهر \".\nوروايات الأربعين تتفق مع الروايات التى وردت عن طريق أهل السنة (٣)، ويمكن أن يقوى بعضها بعضًا، وأن نجعل هذا هو الغالب، كما ذهب إليه الإمام الشافعى نتيجة استقرائه، ونأخذ بالرواية الأخيرة للإمام الصادق، فالنساء يختلفن، وما أكثر الاختلاف كذلك باختلاف العصور! ولهذا فإن الإمام مالكًا بعد أن حدد\n_________\n(١) انظر: بداية المجتهد ١/٥١.\n(٢) انظر الروايات في: الوسائل ٢/١١٥-١٢٢، والاستبصار جـ ١ ص ١٥٠-١٥٤.\n(٣) انظر نيل الأوطار ١ / ٣٥٧ - ٣٥٩، سبل السلام ١ / ١٠٥.","vol":"1","page":953},{"text":"أكثر النفاس بستين يومًا، رجع عن ذلك. وقال يسأل عن ذلك النساء. وأصحابه ثابتون على القول الأول (١) .\nوالطب الحديث - وهو الخبير بما نحن فيه - يقرر أن النفاس يستمر إلى ستة أسابيع، وأنه قد يمتد إلى ثمانية أسابيع (٢)، مما يؤيد الروايات الأخيرة للشيعة التى رفضوا الأخذ بها، ويؤيد ما ذهب إليه المالكية والشافعية، ويدل على دقة ما أفتى به الإمام الشافعى، ويقطع برفض رأي الشيعة، الذى لا يتفق والروايات الأخيرة لهم. (٣)\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>سادس عشر: ما يتعلق بالميت من الأحكام</span>\nالأحكام المختلف فيها تنقسم إلى قسمين (٤):\nالأول: مرجعه إلى مذهبهم الاثنى عشر الرافضي.\nالثانى: مرده إلى الخلاف في النظر والاستدلال.\nفمن النوع الأول: أنهم يرون ألا يغسل الكافر، وتوسعوا في مفهوم الكفار حتى حكموا بكفر كثير من المسلمين غير الإماميين، وقد ناقشنا ذلك من قبل عندما تناولنا حكم سؤر الآدمى.\nوفي تلقين الميت فإلى جانب تلقين الشهادتين يضيفون الإقرار بالأئمة.\n_________\n(١) انظر بداية المجتهد ١/٥٣.\n(٢) انظر\n- A text Book For Midwives: John S.Fairbairn. p. ٢٢١\n(٣) راجع ما يتعلق بأحكام الميت عند السنة في المراجع الآتية: المبسوط ٢/٥٨ وما بعدها، حاشية ابن عابدين ١/٨٨٨ وما بعدها، والمدونة ١/١٧٤ وما بعدها، وحاشية الدسوقى ١/٤٠٧ وما بعدها، الأم ١/٢٣٤ وما بعدها، وحاشية البجيرمى ١/٢٩٤ وما بعدها، وكتابى المغنى والشرح الكبير ١/٣٠٢ وما بعدها، سبل السلام ٢/٨٨ وما بعدها، وبداية المجتهد ١/٢٣٠ وما بعدها.\n(٤)","vol":"1","page":954},{"text":"وفي الكتابة يرون أن تكتب أسماء الأئمة بالتربة الحسينية، وأن يجعل مع الميت شيىء من هذه التربة.\nوفي نجاسة الإنسان بالموت، يخرجون الأئمة من هذا الحكم.\nوهذا القسم لا يصح إلا بصحة مذهبهم الذى يخالفه كل المسلمين غيرهم.\nوقد رأينا من قبل مدى التعصب والغلو والضلال، الذى دفعهم إلى تكفير الصحابة وغيرهم من المسلمين. وهنا نقطة أخرى نقف عندها قليلًا وهي التربة الحسينية، فقد جاء ذكرها هنا، وسيجىء لها ذكر في مواضع أخرى، فهم يفضلونها على بقاع الأرض جميعًا. وقد كتب أحد كبار علمائهم - وهو الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء - رسالة بعنوان\" الأرض والتربة الحسينية \" (١)، وذكر في هذه الرسالة فضل الأرض، ثم فضل التربة الحسينية بالذات، ومما جاء\nفي هذه الرسالة:\n\" لا يبعد أن تكون تربة العراق على الإجمال من أطيب بقاع الأرض في دماثة طينتها، وسعة سهولها، وكثرة أشجارها ونخيلها وجريان الرافدين عليها ... \" (٢) .\nوجاء أيضًا \" إنما يعرف طيب كل شئ، بطيب آثاره، وكثرة منافعه، وغزارة فوائده. ويدل على طيب الأرض، وامتيازها على غيرها، طيب ثمارها، ورواء أشجارها، وقوة ينعها وريعها، وقد امتازت تربة كربلاء من حيث المادة والمنفعة بكثرة الفواكه وتنوعها، وجودتها وغزارتها حتى أنها في الغالب هي التى تمون أكثر حواضر العراق وبواديه بكثير من الثمار اليانعة التى تختصها، ولا توجد في غيرها.\nإذًا أفليس من صميم الحق والحق الصميم أن تكون أطيب بقعة في الأرض مرقدًا أو ضريحًا لأكرم شخصية في الدهر؟\n_________\n(١) الرسالة ملحقة بكتاب \" الوضوء في الكتاب والسنة \" ابتداء من ص ١٦٩.\n(٢) ص ١٧٧.","vol":"1","page":955},{"text":"نعم لم تزل الدنيا تمخض لتلد أكمل فرد في الإنسانية، وأجمع ذات لأحسن ما يمكن من مزايا العبقرية في الطبيعة البشرية، وأسمى روح ملكوتية في أصقاع الملكوت، وجوامع الجبروت، فولدت نورًا واحدًا شطرته نصفين: سيد الأنبياء محمدًا، وسيد الأوصياء عليًا، ثم جمعتهما ثانيًا فكان الحسين مجمع النورين، وخلاصة الجوهرين كما قال - ﷺ -: حسين منى وأنا من حسين \" (١) (٢)\nوذكر فيما ذكر هذا البيت:\nومن حديث كربلا والكعبة لكربلا بأن علو الرتبة (٣) .\nوقال كذلك (٤)\n\" اتفق علماء الإمامية، وتضافرت الأخبار، بحرمة أكل الطين إلا من تربة قبر الحسين - ﵇ - بآداب مخصوصه وبمقدار معين \".\nوذكر في موضع آخر رواية منسوبة للإمام الصادق وهي: \" السجود على طين قبر الحسين ينور الأرضين السبع، ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين كتب مسبحًا وإن لم يسبح \" (٥) .\nونلاحظ ما يأتى:\n١ - لو كان فضل هذا المكان لطيب الثمار، ورواء الأشجار إلى ما شابه ذلك، لوجدنا أماكن أخرى تشبهه أو تفضله في سائر بقاع الأرض، فضلًا عن أن هذا ليس من الأسس التى شرعها الإسلام في التفضيل من حيث السجود، أو التسبيح، أو غير ذلك من الأمور الدينية.\n_________\n(١) ص ١٧٨.\n(٢)\n(٣) ص ١٧٩.\n(٤) ص ١٨٠.\n(٥) ص ١٨٥. آخر المنقول من \" الأرض والتربة الحسينية \".","vol":"1","page":956},{"text":"٢ - ولو كان فضل هذا المكان يرجع لكونه ضريحًا لأكرم شخصية في الدهر، فهناك من هو أكرم منه بكثير. أفلا يفضله من اصطفاه الله واجتباه، وأرسله رحمة للعالمين؟\n٣ - إذا كان فضل الحسين يرجع لشرف انتسابه إلى الرسول - ﷺ -، فلا يمكن أن يصل إلى صاحب الفضل. وإذا فسرنا \" مجمع النورين \" بأنه يفضل كل نور على حدة؛ أي أنه يفضل الرسول صلوات الله عليه، فلا أحد من المسلمين يقول به، ولا أظن الشيعة يقولونه، وإلا لخرجوا عن الإسلام.\n٤- تفضيل كربلاء على بيت الله الحرام غلو وأي غلو؟! وأين كربلاء من قول الله تعالى: (١) \"\"إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ \"\" ... وقال سبحانه: (٢) \"\" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا \"\"\n٥ - مذهبهم الاثنا عشرى ليس هو وحده الذى دفعهم إلى هذا الغلو، وإلا لفضلوا تربة أبى الأئمة كرم الله وجهه، وإنما الذى دفعهم إلى ذلك عقدة الشعور بالذنب، فالعراقِ هو الذى خدع الحسين ﵁، وأغراه بالخروج، ثم تخلى عنه، فكانَ سببًا في استشهاده ومن معه، فكأنهم يريدون أن يكفروا عن هذا الذنب، ولكِنهَم يفعلون ذلك بارتكاب ذنب آخر!\nوننتقل بعد ذلك إلى القسم الثانى من هذه الأحكام. وهو الذى يرجع إلى النظر والاستدلال، وإن كان لا يخلو من الطائفية المذهبية.\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآيتان (٩٦، ٩٧) .\n(٢) سورة محمد: الآية (٢٤) .","vol":"1","page":957},{"text":"ومن هذا القسم نجد نقط الخلاف الآتية:\n١ - تغسيل الميت بماء السدر ثم بماء الكافور، وإمساس أعضاء سجوده بالكافور، وكراهة تجمير الأكفان، أو تطييبه بغير الكافور والذريرة.\n٢ - يجعل مع الميت جريدتان.\n٣ - وجوب الغسل على من مس الميت.\nولنناقش هذه النقاط:\n١- فالشيعة قد خالفوا المذاهب الأربعة بإيجابهم تغسيل الميت بماء السدر ثم بماء الكافور، وإمساس أعضاء سجوده بالكافور، فلم يوجب ذلك أحد منهم وإن كان مستحبًا.\nفقد نظر الشيعة إلى ما حدث على عهد الرسول - ﷺ - فأنزلوه منزلة الإيجاب، ولذا أوجبوا ما سبق، وكرهوا التطييب بغير الكافور والذريرة، أما أهل السنة فقد أنزلوا ذلك منزلة الاستحباب، ورأوا جواز ما يؤدى نفس الغرض من التنقية والتطييب، ولهذا قال الإمام مالك \" ليس في غسل الميت حد، يغسلون وينقون \" (١) .\nوقال كذلك: وأحب إلى أن يغسل كما قال رسول الله - ﷺ - ثلاثًا أو خمسًا بماء وسدر، ويجعل في الآخرة كافور إن تيسر ذلك \" (٢) .\nوسئل عن المسك والعنبر في الحنوط للميت فقال: \" لا بأس بذلك \" (٣) .\nوعاب بعض الناس قوله الأول، وقال: سبحان الله! كيف لم يعرف أهل المدينة غسل الميت؟ ففسر الإمام الشافعى ذلك بأن الروايات فيه كثيرة، فرأي مالك معانيها على إنقاء الميت لأنها جاءت عن رجال غير واحد في عدد الغسل وما\n_________\n(١) المدونة جـ ١ ص ١٨٤.\n(٢) نفس المرجع ص ١٨٥.\n(٣) المرجع السابق ص ١٨٧.","vol":"1","page":958},{"text":"يغسل به فقيل: غسل فلان فلانًا بكذا وكذا، وقيل بكذا وكذا، فهذا على قدر ما يحضرهم مما يغسل به الميت، وعلى قدر إنقائه لاختلاف الموتى في ذلك، واختلاف الحالات، وما يمكن الغاسلين ويتعذر عليهم، فقال مالك قولًا مجملًا: يغسل فينقى (١) .\nوإلى جانب ما ورد عن طريق السنة تأييدًا لما ذهبوا إليه، ورد كذلك عن طريق الشيعة، فقد رووا أن النبى - ﷺ - حنط بمثقال مسك سوى الكافور (٢) .\nقالوا: \" هذا محمول إما على بيان الجواز، أو على الاختصاص بالنبى - ﷺ -، أو على التقية في الرواية \".\nفأما الجواز، فلو كان ذلك مكروهًا لما فعل، وأما الاختصاص فلا يوجد ما يدل عليه، وأما التقية فليس هناك ما يدعو الى الكذب فلا أحد يوجب المسك، ولو وجب لكفاهم الإتيان بذلك تقية بدلًا من الكذب على رسول الله - ﷺ -، وعلى أهله الأطهار.\nورووا عن أبى الحسن الثالث (٣) أنه سئل: هل يقرب إلى الميت المسك والبخور؟ قال: \" نعم \".\nوعن الإمام الباقر: أنه كان يجمر الميت (الكفن) بالعود فيه المسك وربما جعل على النعش الحنوط، وربما لم يجعله، وكان يكره أن يتبع الميت ... بالمجمرة (٤) .\nوعن الإمام على أنه كان لا يرى بالمسك في الحنوط بأسًا، وكان لا يرى بتجمير الميت بأسًا وتجمير كفنه، والموضع الذى يغسل فيه ويكفن (٥) .\n_________\n(١) انظر: الأم ١ / ٢٣٤.\n(٢) الوسائل ٣ / ٣٤٤.\n(٣) هو على الهادى، إمامهم العاشر.\n(٤) الموضع السابق من الوسائل.\n(٥) نفس المرجع - المستدرك ص ٣٤٥.","vol":"1","page":959},{"text":"ونرى أن في هذا كفاية.\n٢- وقد اتفق الشيعة مع كثير من السنة باستحباب وضع الجريد فوق القبر أو داخله، ولكنهم رأوا استحبابه أصلا داخل الكفن عن يمين الميت ويساره، ولا نظن في هذا كبير خلاف، ما دام مبدأ الاستحباب متفقًا عليه.\n٣- وأوجب الشيعة الغسل على من مس الميت بعد برده، وقبل غسله، ولم يوجبه أي من المذاهب الأربعة، وإنما جعلوا من الأغسال المستحبة غسل من غسل الميت ما عدا الحنفية، فلم يجعلوه واجبًا ولا مستحبًا، واختلفوا في إيجاب الوضوء منه (١) .\nوالخلاف الذى وقع هنا بين الشيعة وأهل السنة لا يزيد عن الخلاف الذى وقع بين أهل السنة أنفسهم، فعلى حين نرى الحنفية لم يجعلوه حتى من الأغسال المستحبة، نرى المالكية والحنابلة يجعلونه مستحبًا، ونرى الشافعية يكادون يجعلونه واجبًا، فقد قال الإمام الشافعى: \" أولى الغسل عندى أن يجب بعد غسل الجنابة من غسل الميت ولا أحب تركه بحال \" وقال أيضًا: \" إنما منعنى من إيجاب الغسل من غسل الميت أن في إسناده رجلًا لم أقع من معرفة ثبت حديثه إلى يومى هذا على ما يقنعنى، فإن وجدت ما يقنعنى من معرفة ثبت حديثه أوجبت الوضوء من مس الميت مفضيًا إليه، فإنهما في حديث واحد \" (٢) .\nوالحديث الذى رأي الإمام الشافعى أن الغسل لا يجب إلا أن يثبت هو حديث أبى هريرة أن النبى - ﷺ - قال: \" من غسل ميتًا فليغتسل \". رواه الخمسة وأخرجه البيهقى، وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف. وبينما نجد من يضعف هذا الحديث، نجد الترمذى يحسنه، وابن حبان يصححه، والدارقطنى يرويه بسند رواته موثقون، وقدد صححه كذلك ابن حزم، وقال الحافظ: بأن الحاصل أن\n_________\n(١) انظر: المبسوط جـ ١ ص ٩٠، وحاشية الدسوقى جـ ١ ص ٤١٦، والأم ١ / ٣٢، والمغنى والشرح الكبير ١ / ٢١٤، وبداية المجتهد ١ / ٢٣٤.\n(٢) الأم جـ ١ ص ٣٢.","vol":"1","page":960},{"text":"الحديث أسوأ أحواله أن يكون حسنًا لكثرة طرقه، وذكر المواردى أن بعض أصحاب الحديث خرج لهذا الحديث مائة وعشرين طريقًا (١) .\nوإذا نظرنا إلى أدلة أهل السنة نرى أنها تمنع إيجاب الغسل على من مس ميتًا، مثل \" لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا \"، وكذلك حديث \" المؤمن لا ينجس \"، بل إنها تمنع إيجابه من غسل الميت كحديث ابن عباس: \" لا غسل عليكم من غسل الميت \"، وكحديث \" كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل \"، وما رواه الإمام مالك فى الموطأ عن عبد الله بن أبى بكر أن أسماء بنت عميس امرأة أبى بكر الصديق ﵁ غسلت أبا بكر حين توفى، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إن هذا يوم شديد البرد، وأنا صائمة، فهل على من غسل؟\nقالوا: لا.\nوحديث أبى هريرة، إذا ثبت، يمكن حمله على الاستحباب.\nويؤيد هذا من طرق الشيعة، ما روى عن الإمام على أنه قال: \" الغسل من سبعة: من الجنابة وهو واجب، ومن غسل الميت، وإن تطهرت أجزأك \" (٢)\nونجد من الشيعة من يرى استحباب هذا الغسل، وهو اختيار المرتضى، ورماه بعضهم بالضعف، وآخرون بالشذوذ (٣) .\nوهكذا نجد خلافًا وقع بين الشيعة والسنة لا يزيد عن الخلاف الداخلى فى كل منهما، ولا غرو، فهو مبنى على اجتهاد واستدلال. فشتان بين هذا، وبين الخلاف الذى يبنى على التعصب المذهبى، فيخلق هوة سحيقة بينهما تمنع اللقاء.\n_________\n(١) انظر نيل الأوطار جـ ١: باب الغسل من غسل الميت ص ٢٩٧ وما بعدها.\n(٢) الوسائل جـ ٤ ص ٢٢٥.\n(٣) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص ٥١٢.","vol":"1","page":961},{"text":"من أخبارهم في كتاب وسائل الشيعة:\nكل غلو عند الرافضة نراهم ينسبونه كذبًا إلى الأئمة الأطهار، وفيما يتعلق بالميت من الأحكام نذكر بعض ما جاء فى الوسائل من الأخبار التى تبين غلوهم.\nفى الجزء الثانى (ص ٦٦٥: ٦٦٦) يذكر أربع روايات تحت باب \" استحباب تلقى المحتضر الإقرار بالأئمة ﵈ وتسميتهم بأسمائهم \"، ثلاث منها منسوبة لأبى جعفر الباقر:\nالأولى قوله: لو أدركت عكرمة عند الموت لنفعته. فقيل لأبى عبد الله - أي ابنه جعفر الصادق: بماذا كان ينفعه؟ قال: بلغته ما أنتم عليه.\nوالثانية قوله: أما إني لو أدركت عكرمة قبل أن تقع النفس موقعها لعلمته كلمات ينتفع بها، ولكنى أدركته وقد وقعت موقعها. فقال أبو بصير: جعلت فداك، وما ذاك الكلام؟ قال: هو والله ما أنتم عليه، فلقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله والولاية.\nوفى الثالثة: فلقنه كلمات الفرج والشهادتين، وتسمى له الإقرار بالأئمة ﵈ واحدًا بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام.\nوالرواية الأخيرة، أو الكذبة الرابعة، منسوبة للإمام الصادق (افتراء عليه) وهي قوله: والله لو أن عابد وثن وصف ما تصفون عند خروج نفسه ما طعمت النار من جسده شيئًا أبدًا!\nهذه هي روايات الباب، وقولهم عن الصحابي عكرمة ﵁ ليس غريبًا بعد أن مر كثيرًا تكفيرهم لخير الأمة، صحابة رسول الله - ﷺ -.\nوالجرأة العجيبة فى نسبة الكذب على الله ﷿ للإمام الصادق ﵁: فلو أن عقيدة الإمامة الباطلة كانت صحيحة، بل لو كانت كالإيمان بالله ﷾ سواء بسواء، فهل ينتفع عابد الوثن بالإيمان عند خروج نفسه؟! أو لم يؤمن فرعون قبل خروج نفسه؟ فهل نفعه إيمانه؟ .","vol":"1","page":962},{"text":"وفى الجزء الثانى أيضًا (ص ٧٤٢: ٧٤٣) باب \" استحباب وضع التربة الحسينية مع الميت فى الحنوط والكفن وفى القبر \".\nوتحت الباب ثلاث روايات يكتفى بإثبات إحداها، وهي بالنص ما يأتى:\n\" إن امرأة كانت تزنى وتوضع (هكذا) أولادها وتحرقهم بالنار خوفًا من أهلها، ولم يعلم به غير أمها. فلما ماتت دفنت فانكشف التراب عنها ولم تقبلها الأرض، فنقلت من ذلك المكان إلى غيره فجرى لها ذلك. فجاء أهلها إلى الصادق - ﵇ - وحكوا له القصة، فقال لأمها: ما كانت تفعل هذه من المعاصي؟ فأخبرته بباطن أمرها، فقال الصادق - ﵇ -: إن الأرض لا تقبل هذه، لأنها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله، اجعلوا في قبرها شيئًا من تربة الحسين - ﵇ -. ففعل ذلك بها، فسترها الله تعالى \"!!\nانتهت القصة بدون تعليق!\nوفى الجزء نفسه (ص ٧٥٧: ٧٥٨) باب \" استحباب كتابة اسم الميت على الكفن، وأنه يشهد أن لا إله إلا الله، ويكون ذلك بطين قبر الحسين - ﵇ - \".\nوفى معنى الباب ثلاث روايات، نسبت إحداها إلى الإمام الثانى عشر الذى غاب منذ توليه الإمامة وهو طفل لم يكد يترك فترة الرضاعة إلا قليلًا، ولا يزال غائبًا حتى عصرنا، وهو يرانا ولا نراه!! ويحج كل عام!! وسبق الحديث عن هذه الخرافة، وموقف الشيعة أنفسهم منها. وفى نهاية هذا الجزء بعد الخاتمة تجد ما قاله السيد كاظم الكفائى عن هذا الذى اعتبروه إمامًا!! وتجد الحديث نفسه فى كتابى \" فقه الشيعة الإمامية \" (١ / ٢٦٤ - ٢٦٥) .\nوفى ص ٨٦٩ نجد بابًا عنوانه \" كراهية البناء على القبر فى غير قبرالنبي - - ﷺ - - والأئمة ﵈ \".","vol":"1","page":963},{"text":"وفى الواقع العملي نراهم يطوفون حول قبور الأئمة، ويدعون بأدعية مخصوصة فيها تكفير للصحابة الكرام البررة، وعلى الأخص أبو بكر وعمر خير الناس بعد رسول الله - - ﷺ - - واللذان أقاما دولة الإسلام. وفى خاتمة الكتاب يأتى الحديث عن دعاء صنمى قريش. وموقف الرافضة منه فى عصرنا تبعًا لمن سبقوهم بالضلال والزندقة.\nوفى الجزء الثانى أيضًا من الوسائل (ص ٨٤٢: ٨٤٤) باب \" استحباب قراءة الحمد والمعوذتين والإخلاص وآية الكرسي عند وضع الميت في قبره، وتلقينه الشهادتين، والإقرار بالأئمة ﵈ بأسمائهم حتى إمام زمانه \":\nويضم الباب تسع روايات، والرواية لا تقف عند الكذب على الأئمة، بل تتعداهم لتصل إلى الصحابة الكرام، والرسول - - ﷺ -، فتنسب لابن عباس - رضي الله تعالى عنهما، أن النبي - - ﷺ - - لما وضع فاطمة بنت أم على بن أبى طالب ﵁ فى قبرها زحف حتى صار عند رأسها، ثم قال: يا فاطمة إن أتاك منكر ونكير فسألاك عن ربك فقولى: \" الله ربى، ومحمد نبيي، والإسلام دينى، والقرآن كتابى، وابنى إمامي ووليي \".\nوالباب التالى \" استحباب الدعاء بالمأثور للميت عند وضعه فى القبر، وجملة من أحكام الدفن. (ص ٨٤٥ - ٨٤٨) ويضم الباب ست روايات، الأخيرتان فيهما التلقين بأسماء الأئمة كالباب السابق.\n\nوفى باب آخر (ص ٨٦٢: ٨٦٣) عنوانه \" استحباب تلقين الولى الميت الشهادتين، والإقرار بالأئمة ﵈ بأسمائهم بعد انصراف الناس \"، نجد فيه ثلاث روايات.","vol":"1","page":964},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>سابع عشر: التيمم</span>\nلا نجد بين الشيعة والسنة هنا إلا القليل من الخلاف وهو ينحصر في نقطتين:\nالأولى: وجوب الترتيب بين اليد اليمنى واليسرى. وقد ناقشنا ذلك من قبل عند مناقشتنا للترتيب فى الوضوء.\nالثانية: جواز التيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء ندبًا. فإنهم لا يشترطون الطهارة لصلاة الجنازة، لأنهم لا يعدونها صلاة بالمعنى الحقيقى وإنما هي بمثابة دعاء، فلا ركوع ولا سجود، ويروون فى ذلك روايات منها: إن الإمام الصادق سئل عن الجنائز يصلى عليها على غير وضوء. فقال: \" نعم، إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل، كما تكبر وتسبح فى بيتك على غير وضوء \" (١) .\nوهم يعدون صلاة الجنازة من الصلوات الواجبة كالصلوات الخمس، والطهارة شرط لأي صلاة، فكيف إذن خرجوا بها عن مفهوم الصلاة لخلوها من الركوع والسجود، فهل التكبير والتسبيح فى البيت واجب كالصلوات الخمس، وبكيفية وشروط لابد منها كاشتراط تكبيرة الإحرام وغيرها من التكبيرات؟\nنحن نصلى كما بين لنا الرسول - ﷺ - وليس لنا أن نسقط شرطًا من شروط الصلاة إلا بأمر من المشرع نفسه، وهو الذى بين لنا أن صلاة الجنازة لا ركوع فيها ولا سجود، وألا صلاة بلا طهور، فهل استثنى من ذلك صلاة الجنازة كما ذهب الشيعة؟\nليس هناك عن طريق السنة ولا عن طريق الشيعة ما يثبت هذا الاستثناء من صاحب الشريعة r (٢) . إنما ورد عن طريق الشيعة روايات عن الأئمة فقط\n_________\n(١) الوسائل ٣ / ٤٥٣.\n(٢) انظر المرجع السابق ص ٤٥٢ وما بعدها.","vol":"1","page":965},{"text":"كالرواية التي ذكرناها من قبل، ورواية واحدة عن الإمام على وهي أنه سئل عن الرجل يحضر الجنازة وهو على غير وضوء ولا يجد الماء؟ قال: يتيمم ويصلى عليها إذا خاف أن يفوته (١) .\nوهذه الرواية تتفق مع ما ذهب إليه السنة من اشتراط الطهارة لأنه لم يبح التيمم إلا مع عدم وجود الماء، وخوف الفوت.\nعلى أن من الشيعة أنفسهم من قيد جواز التيمم بخوف الفوت، ورد ما يخالف ذلك، ولم يعجب بعضهم هذا الرد، فقال: عمل الأصحاب بالرواية - أي رواية جواز التيمم مع وجود الماء ندبًا - فلا يضر ضعفها (٢) .\nوكيف لا يضر ضعفها، وهي تهدم مبدأ أساسيًا من مبادئ العبادة وهو اشتراط الطهارة لأي صلاة، وعدم جواز التيمم لمن يستطيع الوضوء؟\nإن صلاة الجنازة صلاة لا تجوز بغير طهور، والتيمم لها لا يجوز إلا بشروط كأي صلاة، والروايات التي تخالف ذلك لابد من إسقاطها وترك العمل بها، فإنها - مع ضعفها - تخالف الكتاب والسنة بإسقاطها شرطًا من شروط الصلاة، وإجازتها التيمم مع وجود الماء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>ثامن عشر: النجاسات</span>\n١-يرى الشيعة الرافضة أن الكافر نجس، وقد ناقشنا ذلك من قبل وبينا ضلال غلاة الرافضة وكفرهم.\n٢- ويرون كذلك أن الميت ينجس الملاقى له مطلقًا. ولذلك أوجبوا الغسل على من مسه، وقد ناقشنا هذا أيضًا من قبل.\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٤٥٤.\n(٢) انظر مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص ٤٧٢ - ٤٧٣.","vol":"1","page":966},{"text":"٣- ويرون طهارة المذى والودى على خلاف المذاهب الأربعة (١) وأنهما لا ينقضان الوضوء. وقد أثبتنا من قبل نقضهما للوضوء.\nوالأدلة التى استدلوا بها على طهارتهما تدخل ضمن ما احتجوا به على أنهما لا ينقضان الوضوء، وما استدل به على نجاستهما مما يستدل به على نقضهما للوضوء. وأضيف إلى ذلك ما ورد عن طريق الشيعة عن الإمام الصادق أنه سئل عن المذى يصيب الثوب؟ قال: إن عرفت مكانه فاغسله، وإن خفى عليك مكانه فاغسل الثوب كله. وفى رواية أخرى: يغسله ولا يتوضأ (٢) .\nوحمل الروايتين على الاستحباب بعيد، فلو كان كذلك لكفى غسله إن عرف مكانه، دون مراعاة لتكلف غسل الثوب كله إن لم يعرف مكانه. وأما الحمل على التقية (٣) فهو إلغاء للعقل، ففى الرواية الأخيرة \" يغسله ولا يتوضأ \"، والمذاهب الأربعة توجب الوضوء منه كما ذكرنا.\nوالحنابلة وإن كانوا يرون أن حكم الودى حكم البول سواء، لأنه خارج من مخرجه، وجار مجراه، والمذى ظاهر المذهب أنه نجس، إلا أن هناك رواية عن الإمام أحمد أنه سئل عن المذى أشد أو المنى؟ قال: هما سواء، ليسا من مخرج البول، إنما هو من الصلب والترائب كما قال ابن عباس، هو عندى بمنزلة البصاق والمخاط (٤) .\n_________\n(١) انظر: حاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٧، وحاشية الدسوقى ١ / ٥٦، وحاشيتى القليوبى وعميرة ١ / ٦٩ - ٧٠، والمغنى ١ / ٧٢٢٥.\n(٢) انظر الوسائل ٤ / ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(٣) انظر المرجع السابق ص ٣٧٥.\n(٤) انظر المغنى ١ / ٧٣٥.","vol":"1","page":967},{"text":"وهذه الرواية تتفق مع الشيعة فى طهارة المذى. ولكنها تخالفهم فى حكم المنى. وسواء ألحقنا هذا أو ذاك بالبول أو المنى، فالشيعة يرون نجاستهما، فالأولى أن يلحق بهما المذى والودى.\n٤ - وفى النجاسة المعفو عنها فى الصلاة: فرق الشيعة بين الدم ودم الحيض، وبين ما يتم الصلاة فيه منفردًا، وما لا يتم فيه منفردًا: كالتكة، والجورب، والقلنسوة، ولم نجد هذه التفرقة عند المذاهب الأربعة (١)، فهم يرون العفو عن يسير الدم مطلقًا فى ثياب المصلى.\nأما الشيعة فيرون أن دم الحيض تجب إزالته وإن قل، وألحق بعضهم به دم الاستحاضة والنفاس، وأجازوا الصلاة فيما لا يتم الصلاة فيه منفردًا مع نجاسته.\nواستدلوا بروايات عن أئمتهم، مثل ما رووه عن الإمام الصادق أو الباقر أنه قال: لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره، غير دم الحيض، فإن قليله وكثيره فى الثوب - إن رآه أو لم يره - سواء (٢) .\nوعن زرارة قال: \" قلت لأبى عبد الله - ﵇ -: إن قلنسوتى وقعت فى بول فأخذتها فوضعتها على رأسى ثم صليت؟ فقال: لا بأس \" (٣) .\nوعن الإمام الصادق أيضًا: لا بأس بالصلاة فى الشيىء الذى لا تجوز الصلاة فيه وحده يصيب القذر، مثل: القلنسوة والتكة والجورب.\nوتبدو المشقة البالغة في الرواية الأولى، فدم الحيض القليل الذى لم يره المصلى مبطل لصلاته، على حين يظهر الاستهتار البالغ فى الرواية الثانية، فما\n_________\n(١) انظر: حاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٥. وما بعدها، وحاشية الدسوقى ١ / ٧٢، ... الأم ١ / ٤٧، والمغنى ١ / ٧٢٨ وما بعدها.\n(٢) الوسائل ٤ / ٣٨٠.\n(٣) المرجع السابق ص: ٤٠٤.","vol":"1","page":968},{"text":"الذى ألجأ زرارة إلى أن يأخذ قلنسوته من البول ويصلى بها؟ ولماذا لم يصل بدونها؟ ألا تندرج هذه من ضمن ما يشمله قوله تعالى: \"\" وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ\"\"؟، ثم ألم تصب هذه القلنسوه بدنه بالنجاسة؟ إن هذه الرواية - وأمثالها - لا يمكن بحال أن تقبل، فهي تجيز الصلاة بنجاسة مغلظة يمكن تجنبها دون عسر ومشقة.\nأما ما يرونه من وجوب إزالة دم الحيض وإن قل، فإنا قد نجد ما يؤيدهم عن طريق أهل السنة (١) كحديث أسماء بنت أبى بكر قالت: \" جاءت امرأة إلى النبى - ﷺ - فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض - كيف تصنع؟ فقال: تحته، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه، ثم تصلى فيه \" متفق عليه.\nوفى حديث آخر: \" فإذا طهرت فاغسلى موضع الدم، ثم صلى فيه \". وفى رواية: \" حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر \".\nفهذه الأحاديث تفيد وجوب إزالة دم الحيض - وإن قل - لعمومها، ولكنا نجد رواية عن السيدة عائشة فى الحائض يصيب ثوبها الدم، قالت: \" تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشئ من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله - ﷺ - ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لى ثوبًا \".\n\nوفى رواية أخرى عنها قالت: \" قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، وفيها تصيبها الجنابة، ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها. وفى لفظ: ما كان لإحدانا إلا ثوب فيه تحيض فإن أصابه شيىء من دمها بلته بريقها ثم قصعته بظفرها \".\n_________\n(١) انظر نيل الأوطار جـ ١ ص ٤٧ وما بعدها - باب الحت والقرص والعفو عن الأثر بعدهما. وراجع صحيح البخارى: كتاب الحيض: باب غسل دم الحيض، وكتاب الوضوء: باب غسل الدم. وصحيح مسلم: كتاب الطهارة - باب نجاسة الدم وكيفية غسله.","vol":"1","page":969},{"text":"وهذه الروايات - وما شاكلها - يمكن الجمع بينها دون تعارض بالعفو عن اليسير من دم الحيض، وتحمل الروايات التى أوجبت الغسل على غير اليسير تمامًا كالدم بصفه عامة، والأحوط أن يغسل موضع الدم ما أمكن خروجًا من هذا الخلاف، والله سبحانه أعلم بالصواب.","vol":"1","page":970},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>الفصل الثاني: الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>أولًا: الجمع بين الصلاتين</span>\nاختلف الشيعة فيما بينهم فى تحديد مواقيت الصلاة (١) والروايات التى رووها عن النبى - ﷺ - تتفق مع روايات أهل السنة، كالرواية المشهورة عن جبريل - ﵇ -، والروايات التى خالفت ذلك تنتهي إلى أئمتهم (٢) . وهم فى اختلافهم لا ينفردون بالرأي، فمنهم من حدد المواقيت كالسنة، ولكنهم انفردوا بالقول دون المذاهب الأربعة، بإجازتهم الجمع بين الصلاتين بلا عذر، فلم يوافقهم أي مذهب منها (٣) .\n\nوقد استدل الشيعة بعدة أحاديث مؤداها: أن الرسول - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف، ولا مطر، ولا سفر، توسعة لأمته، ومنعا للحرج عن المسلمين، إلى جانب روايات أخرى عن أئمتهم (٤) .\nوإذا نظرنا في روايات السنة وجدنا ما يوافق أحاديثهم: كرواية ابن عباس ﵄ \" أن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة سبعا وثمانيا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء \" متفق عليه، وفى رواية أخرى:\n_________\n(١) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة ١/١٣ ـ٢٩.\n(٢) انظر وسائل الشيعة ومستدركاتها جـ ٥ باب أوقات الصلوات الخمس ص١٦٦ - ١٧٧.\n(٣) انظر: المبسوط ١ / ١٩٤ والموطأ ١ / ١٢٣ والأم ١ / ٦٥ والمغنى ٢ / ١٢١.\n(٤) انظر الوسائل ومستدركاتها جـ ٥: باب جواز الجمع بين الصلاتين لغير عذر ص ٢٢٥ وما بعدها.","vol":"1","page":971},{"text":"\" جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته \" (١) .\nوقد خرج أصحاب المذاهب الأربعة مثل هذه الرواية على الجمع الصوري، بأن يصلى الظهر في آخر وقته، والعصر في أول وقته، وكذلك المغرب والعشاء، أو أن ذلك كان لعذر كمرض أو مطر، أو غير ذلك، ولهم ما يؤيد وجهة نظرهم (٢) .\nولكنا وجدنا آخرين: كابن سيرين وربيعة وابن المنذر وغيرهم، يستدلون بهذا على جواز الجمع مطلقا بشرط ألا يتخذ ذلك خلقا وعادة (٣)، ووجدنا من علماء السنة المعاصرين من يؤيد الأخذ برواية الجمع دفعا للحرج والمشقة (٤) .\n_________\n(١) راجع صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة: باب تأخير الظهر إلى العصر، وفتح البارى ٢/ ٢٤، وباب وقت المغرب، وكتاب التهجد: باب من لم يتطوع بعد المكتوبة، وفيه الجمع الصوري.\nوراجع صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وانظر شرح النووي ٢/٣٥٦:٣٥٩.\nوانظر نيل الأوطار ١/٢٦٤ باب جمع المقيم لمطر أو غيره.\n(٢) انظر مراجع أهل السنة السابقة، وبداية المجتهد ١ / ١٧٤ وما بعدها.\n(٣) انظر الموضع السابق من نيل الأوطار.\n(٤) أورد الشيخ أحمد شاكر ما حكى عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء، ما لم يتخذه عادة، ثم قال: \" وهذا هو الصحيح الذى يؤخذ من الحديث، وأما التأول بالمرض أو العذر أو غيره فإنه تكلف لا دليل عليه، وفى الأخذ بهذا رفع كثير من الحرج عن أناس قد تضطرهم أعمالهم، أو ظروف قاهرة، إلى الجمع بين الصلاتين، ويتأثمون من ذلك ويتحرجون، ففى هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة، ما لم يتخذه عادة، كما قال ابن سيرين \" (سنن الترمذى ١ / ٣٥٨ - ٣٥٩ الحاشية) .\n\nوقد ذكر الأستاذ الشيخ على الخفيف ما يؤخذ على المالكية من تركهم العمل بخبر الواحد إذا كان العمل في المدينة على خلافه، ومن هذه الأخبار حديث الجمع بين الصلاتين.\n(انظر: أسباب اختلاف الفقهاء ص ٧٨ - ٧٩) .","vol":"1","page":972},{"text":"فلو اقتصر الشيعة على جواز الجمع دفعا للحرج \"\" َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ \"\"، وتأسوا بالرسول - ﷺ -: حيث كان يفرق غالب الأوقات، وما كان يجمع إلا نادرا باعترافهم (١)، لو فعلوا ذلك لكان لهم ما يؤيد مذهبهم، ولكنهم يجمعون دائما جماعة وفرادى كما يقول السيد كاظم الكفائى (٢)، بل يروون روايات تفيد استحباب الجمع، مثل: عن عياش الناقد قال: تفرق ما كان فى يدى، وتفرق عنى حرفائى، فشكوت ذلك إلى أبى محمد (ع) فقال لى: اجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، ترى ما تحب \" (٣) .\nو\" عن أمير المؤمنين - ﵇ - قال: الجمع بين الصلاتين يزيد فىالرزق \" (٤) .\nفهذه مخالفة صريحة لما كان عليه الرسول - ﷺ -. ولما أمر به ﷾ فى قوله: \"\" إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا \"\"، فالجمع بهذه الصورة مضيعة للمواقيت التى بينها جبريل والرسول ﵉.\nوجاء عن طريقهم - غير حديث جبريل - روايات أخرى تفيد تحديد المواقيت الخمس، ولزوم المحافظة على هذه المواقيت، من ذلك ما كتبه الإمام على لمحمد بن أبى بكر عندما ولاه مصر: \" وانظر إلى صلاتك كيف هي، فإنك إمام لقومك. ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها، ولا تعجل بها قبله لفراغ، ولا تؤخرها عنه لشغل، فإن رجلا سأل رسول الله - ﷺ - عن أوقات الصلاة فقال: أتانى جبريل (ع) فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه\n_________\n(١) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة ١ / ٢٣.\n(٢) انظر حديثه بآخر هذا الجزء، وهذا ما رأيته في العراق والكويت.\n(٣) الوسائل ٥ / ٢٢٧.\n(٤) الوسائل ٥ /٢٢٧.","vol":"1","page":973},{"text":"الأيمن، ثم أراني وقت العصر وكان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح فأغلس بها والنجوم مشتبكة، فصل لهذه الأوقات، والزم السنة المعروفة، والطريق الواضح \" (١) .\nوقد احتج أحد علمائهم على مانعي الجمع لغير عذر بروايات السنة التي أباحت ذلك، وقال في آخر كلمته: \" لا كلام في أن التفريق أفضل، ولذلك كان يؤثره رسول الله ﵌ إلا لعذر كما هي عادته في المستحبات كلها \" (٢) .\nفإذا كانت هذه حقيقة لا كلام فيها، فعلى أي أساس إذن يجمع الشيعة دائمًا بين الصلاتين؟؟\n\n*****\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>ثانيا: الأذان</span>\nينحصر الخلاف هنا في أن الشيعة يزيدون \" حي على خير العمل \" مرتين بعد \" حي على الفلاح \"، ويثنون لا إله إلا الله، وحاليا يزيدون الشهادة بالولاية بعد الشهادتين.\nوحجة الشيعة روايات عن أئمتهم تفيد ذلك (٣) .\nوقالوا: إن \" حى على خير العمل \" كان موجودًا فى الأذان والإقامة إلى عهد عمر بن الخطاب ﵁، وهو الذى أسقطها رغبة منه فى إعلام الناس بأن خير العمل إنما هو الجهاد فى سبيل الله، وقد كان عصره عصر فتوحات، فلو\n_________\n(١) انظر المرجع السابق ص ١٧٠.\n(٢) انظر: رسالة الإسلام - العدد الثامن، السنة السابعة (رمضان سنة ١٣٧٤): الجمع بين الصلاتين للسيد شرف الدين الموسوى ص ١٤٨ وما بعدها.\n(٣) انظر: الاستبصار جـ ١ ص ٣٠٥ وما بعدها.","vol":"1","page":974},{"text":"عرف الناس أن الصلاة خير العمل مع ما فيها من الدعة والسلامة لاقتصروا فى ابتغاء الثواب عليها، وأعرضوا عن خطر الجهاد المفضول بالنسبة إليها، وفتح الممالك لا يكون إلا بتشويق الجند إلى التورط فى سبيله بالمهالك، بحيث يشربون فى قلوبهم الجهاد، حتى يعتقدوا أنه خير عمل يرجونه يوم الميعاد، فقدم المصلحة على التعبد بما جاء به الشرع الأقدس، وقد تبعه فى إسقاطها عامة من تأخر عنه من المسلمين، حاشى أهل البيت ومن يرى رأيهم \" (١) .\nوروى أن ابن عمر كان يؤذن بحى على خير العمل أحيانًا، وعن على بن الحسين أنه قال: هو الأذان الأول، وعن زيد بن أرقم أنه أذن بذلك، وروى بذلك عن أمامة بن سهيل البدرى (٢) .\nويلعب الخيال الشيعى دوره، ويجد الوضاعون مجالا لهم هنا، فيروى أن الإمام السابع موسى الكاظم سئل عن (حي على خير العمل) لم تركت من الأذان؟ فقال: \" أما العلة الظاهرة فلئلا يدع الناس الجهاد اتكالا على الصلاة، وأما الباطنة فإن خير العمل الولاية، فأراد من أمر بترك (حى على خير العمل) من الأذان ألا يقع حث عليها، ودعاء إليها \" (٣) .\nوسواء قال الإمام ذلك أو لم يقله، فهو طعن فى عمر بن الخطاب ﵁، وتعصب جاهل لمبدأ دخيل، وإذا كانت الولاية خير العمل فلم لم يوضح ذلك الرسول - ﷺ -؟ وكيف حرم منها الصفوة الصافية من سلف المسلمين رضوان الله عليهم؟ وكيف أن عمر الفاروق يعلم بأن الولاية خير عمل فيقدم على أمر فيه مخالفة لله سبحانه ولرسوله ﵊؟\nلقد ذكرنا من قبل أن الشيعة جميعهم ليس فيهم من يصل إلى مكانة عمر ﵁ باعتراف أبى الأئمة على كرم الله وجهه، ولكن العداء للإسلام،\n_________\n(١) انظر: الفصول المهمة ص ٨٩ - ٩٢.\n(٢) انظر: نيل الأوطار ٢ / ١٩.\n(٣) الحقائق جـ ٢ ص ١٤٥.","vol":"1","page":975},{"text":"ولرافعى رايته من خيرة المسلمين، هو الذى دفع هؤلاء إلى الطعن في شخصية ارتبط اسمها بالعدالة الإسلامية، وبالدفاع عن الدين، ونشره في العالمين.\nويبقى بعد ذلك أن روايات الشيعة يعارضها الأحاديث الصحيحة في كتب السنة عن النبي - ﷺ -، فليس في شيء منها ما يدل على ثبوت حي على خير العمل، وليس فيها أن عمر رضوان الله عليه أو غيره هو الذى أسقط ذلك، فالأذان كما بينه الرسول - ﷺ - يتفق مع ما ذهب إليه أصحاب المذاهب الأربعة (١) .\nولا خلاف في أن الأذان المشروع هو ما كان على عهد رسول الله - ﷺ -، وليس لأحد أن يزيد فيه أو ينقص منه.\nولكنني عندما سمعت آذانهم وجدتهم يزيدون بعد الشهادتين \" أشهد أن عليًا ولى الله، أشهد أن عليًا أمير المؤمنين وأولاده المعصومين حجة الله \".\nبحثت فى كتاب \" مستمسك العروة الوثقى \" للمرجع السابق السيد محسن الحكيم، فوجدته يقرر أن الشهادة بالولاية ليست جزءًا من الأذان والإقامة بلا خلاف ولا إشكال، وينقل عن محكى الفقيه قوله: (هذا هو الأذان الصحيح، لا يزاد فيه ولا ينقص منه، والمفوضة لعنهم الله قد وضعوا أخبارا زادوا بها فى الأذان: \" محمد وآل محمد خير البرية \" مرتين، وفى بعض رواياتهم بعد \" أشهد أن محمدًا رسول الله \" \" أشهد أن عليًا ولى الله \" مرتين.\nومنهم من روى بدل ذلك \" أشهد أن عليًا أمير المؤمنين حقًا \" مرتين، ولا شك فى أن عليًا ولى الله، وأمير المؤمنين حقًا، وأن محمدًا وآله صلى الله عليهم خير البرية، لكن ليس ذلك فى أصل الأذان) .\n_________\n(١) ارجع إلى: المبسوط ١ / ١٢٧ - ١٢٩، والمدونة ١ / ٥٧ - ٥٨، والأم ١ / ٧٣ - ٧٤، والمغنى ١ / ٤١٨ - ٤٢٢، وانظر كذلك: نيل الأوطار ٢ / ١٥ - ٢٦. وصحيح مسلم - كتاب الصلاة: باب صفة الأذان، وصحيح البخارى - كتاب الأذان - وصحيح ابن خزيمة - جماع أبواب الأذان والإقامة.","vol":"1","page":976},{"text":"وقال: \" وإنما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم فى جملتنا \".\nوعن الشيخ فى محكى النهاية \" فأما ما روى فى شواذ الأخبار من قول: أن عليًا ولى الله وآل محمد خير البرية، فمما لا يعمل عليه فى الأذان والإقامة، فمن عمل به كان مخطئًا \".\nونقل عن المبسوط: \" وأما قول: أشهد أن عليًا أمر المؤمنين وآل محمد خير البرية - على ما ورد في شواذ الأخبار - فليس بمعمول عليه في الأذان، ولو فعله الإنسان لم يأثم به، غير أنه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله \".\nوعن المنتهي: \" وأما ما روى من الشاذ من قوله: أن عليًا ولى الله وأن محمدا وآله خير البرية - فمما لا يعول عليه \" (١) .\nولكن السيد الحكيم عقب على ذلك بقوله: \" الظاهر من المبسوط إرادة نفى المشروعية بالخصوص، ولعله أيضا مراد غيره، لكن هذا المقدار لا يمنع من جريان قاعدة التسامح على تقدير تماميتها في نفسها، ومجرد الشهادة بكذب الراوي لا يمنع من احتمال الصدق الموجب لاحتمال المطلوبية، كما أنه لا بأس بالإتيان به بقصد الاستحباب المطلق لما في خبر الاحتجاج \" إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فليقل: على أمير المؤمنين، بل ذلك في هذه الإعصار، معدود من شعائر الإيمان، ورمزا إلى التشيع، فيكون من هذه الجهة راجحًا شرعًا، بل قد يكون واجبًا، لكن لا بعنوان الجزئية من الأذان. ومن ذلك يظهر وجه ما في البحار من أنه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للأذان: بشهادة الشيخ والعلامة والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها \" (٢) .\n_________\n(١) راجع ما سبق في مستمسك العروة الوثقى جـ ٥ ص ٤٣٧ - ٤٣٨. والمبسوط، وغيره من الكتب التى ذكرت، لعلماء من الشيعة.\n(٢) المرجع السابق ٥ / ٤٣٨.","vol":"1","page":977},{"text":"ولا أدرى لم استحق قوم اللعنة لأنهم زادوا \" محمد وآل محمد خير البرية \" ولم يستحق هذه اللعنة من زاد الشهادة بالولاية التي لا يقول بها أحد غير الإمامية الرافضة؟!\nولنا أن نتساءل بعد هذا: أكل من ارتأي رأيا - ولو كان صحيحًا - فله أن يزيده فى الأذان؟ وكيف يكون الأذان إذن لو زاد كل ما ارتأي؟!\nإن الأذان شرع للصلاة، وليس اعلانًا عن المبادىء التي يراها كل فريق. فيجب أن يبقى كما بينه رسول الله - ﷺ -، فليس لأحد أن يشرع من بعده.\nوشيء آخر أحب أن أشير إليه هنا وهو أنهم أسقطوا أذانين!!\nفحرصهم على الجمع بين الصلاتين دائما جرفهم إلى الاكتفاء في مساجدهم بالأذان ثلاث مرات، وأسقطوا أذان العصر وأذان العشاء. ولا شك أن هذا يخالف ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، وما أمر به\"\" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ... \"\".\nوأولى لمن يزعمون أنهم أتباع أهل البيت أن يتبعوا سنة صاحب البيت - ﷺ -، لا أن يهدموا البيت لبنة لبنة، أو يغيروا معالمه، فجمعهم الدائم وآذانهم فيهما هدم وتغيير. نسأل الله تعالى أن يهديهم سواء السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>ثالثا: المساجد</span>\nلبيوت الله تعالى أحكامها الخاصة، فهي ليست كغيرها من البيوت.\nوالشيعة الاثنا عشرية يتفقون مع جمهور المسلمين في تعظيم المساجد بصفة عامة، وفى الأحكام الخاصة بها، لكن الغلو والضلال لا يفارقهم، والوضاعون من غلاتهم وزنادقتهم يضعون من الأخبار ما يتفق مع ضلالهم.\nونضرب أمثلة لبعض ما نراه من ضلالهم:\nاتخذ هؤلاء القوم قبور أئمتهم مساجد، ونراهم في الواقع العملي يزورون هذه القبور، ويطوفون حولها، ويصلون خلفها، أي يجعلون القبر قبلتهم. وفى","vol":"1","page":978},{"text":"زيارتهم وطوافهم يدعون بدعاء مخصوص، يعتبرونه مأثورا، فيه تكفير للصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم ولعن أعداءهم، ويخصون خير الناس بعد رسول الله - - ﷺ -، وهم الشيخان الصديق والفاروق، بمزيد من التكفير واللعن.\nومسجد الكوفة أسسه سعد بن أبى وقاص ﵁ فى العام السابع عشر من الهجرة، وأعيد بناؤه بعد ذلك. وفى هذا المسجد محراب أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ وكرم وجهه، وفيه ضربه بالسيف الشقى اللعين عبد الرحمن بن ملجم (١) .\nولهذا يغالون فى هذا المسجد، ويقدمونه على باقي بيوت الله تعالى عدا الحرمين الشريفين فقط، فالصلاة فيه بألف صلاة، أي كالصلاة في مسجد رسول الله - - ﷺ - وأفضل من المسجد الأقصى: أولى القبلتين، وثالث الحرمين. وسيأتي مزيد من الضلال في مروياتهم، ووصفهم لبعض مساجد الكوفة بأنها ملعونة - لعنوا بما قالوا.\nوفى مسجد رسول الله - - ﷺ - - بيت على وفاطمة رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، فيرى هؤلاء القوم الضالون أن الصلاة في بيتهما أفضل من الصلاة في الروضة الشريفة.\nوننظر في كتاب وسائل الشيعة:\nفي الجزء الثالث نجد عدة أبواب:\nمنها: باب أنه يجوز لزائر الإمام أن يصلى خلف قبره، أو إلى جانبيه ولا يستدبره ولا يساويه - (ص ٤٥٤: ٤٥٦) .\nفي الرواية الأولى: أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة، بل يضع خده الأيمن على القبر. وأما الصلاة فإنها خلفه ويجعله\n_________\n(١) انظر: مساجد ومعاهد جـ ٢: جامع الكوفة ص ٢١٩: ٢٢١ - بحث للدكتور السيد محمود عبد العزيز سالم.","vol":"1","page":979},{"text":"الإمام، ولا يجوز أن يصلى بين يديه، لأن الإمام لا يتقدم ويصلى عن يمينه وشماله.\nوفى الرواية الثانية: لا يجوز أن يصلى بين يديه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، لأن الإمام لا يتقدم عليه ولا يساوى.\nوقال صاحب الوسائل: الأولى محمولة على الجواز، والثانية على الكراهة.\nقلت: أي أن المستحب أن يكون القبر قبلة فى الصلاة بركوعها وسجودها، أقرب ما يكون إلى عبادة الأصنام والأوثان!!\nومع هذا ففى الرواية السادسة: من صلى خلفه صلاة واحدة يريد بها الله تعالى لقى الله تعالى يوم يلقاه وعليه من النور ما يغشى له كل شيىء يراه.\nوفى السابعة: يصلى خلفه ولا يتقدم عليه، فهما تأكيد لضلالهم السابق. أما الرواية الثالثة ففيها أن النبى - ﷺ - - قال: لا تتخذوا قبرى قبلة ولا مسجدًا، فإن الله ﷿ لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.\nومثلها الرواية الخامسة. فقال صاحب الوسائل: هذا محمول على الكراهة لما مر، ويحتمل النسخ، ويحتمل أن يريد بالقبلة أن يصلى إليه من جميع الجهات كالكعبة!!\nقلت: يا هذا كيف أن اللعن يحتمل الكراهة!! وكيف ينسخ؟!! أفبعد أن لعنهم الله ﷿ رضي عنهم عندما ظهر منهم - مثلا - عبد الله بن سبأ صاحب فكرة الوصى بعد النبى!! وكيف تكون الصلاة إلى جميع الجهات وهي لا تكون إلا إلى الكعبة؟ !! أي أن المصلى يجعل القبر بينه وبين شطر الكعبة؟!\nومن هذه الأبواب باب ما يستحب الصلاة فيه من مساجد الكوفة، وما يكره منها (ص ٥١٩: ٥٢٠)\nفى الرواية الأولى ينسب كذبا للإمام الباقر أنه قال: إن بالكوفة مساجد ملعونة، ومساجد مباركة ... إلخ","vol":"1","page":980},{"text":"والروايات كلها تدور حول هذه الفكرة الضالة حيث جعلوا مساجد الرافضة مباركة، ومساجد غيرهم ملعونة. لعنوا بما قالوا، بل كلها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه ﵎.\nأما مسجد الكوفة الذى بناه سعد بن أبى وقاص، وأشرت إليه آنفت فى الحديث عن المساجد فقد خصص له باب يضم ثمانية وعشرين خبرا من مروياتهم، وهو باب تأكد استحباب قصد مسجد الأعظم بالكوفة ولو من بعيد، وإكثار الصلاة فيه فرضًا ونفلًا، واختياره على غيره من المساجد إلا ما استثنى: (ص ٥٢٠: ٥٢٨)\nويطول بنا الحديث لو أثبتنا هنا كل هذه الأكاذيب والضلالات، ولذا نكتفى ببعضها:\nالخبر الأول عن الإمام الباقر أنه قال: مسجد كوفان روضة من رياض الجنة، صلى فيه ألف نبى وسبعون نبيًا، وميمنته رحمة، وميسرته مكرمة، فيه عصا موسى، وشجرة يقطين، وخاتم سليمان، ومنه فار التنور وبحرت السفينة، وهي صرة بابل ومجمع الأنبياء.\nوفى الخبر الثانى: صلى فيه ألف نبى وألف وصى:\nوفى الخبر الثالث: ما من عبد صالح ولا نبى إلا وقد صلى فى مسجد كوفان، حتى أن رسول الله - - ﷺ - - لما أسرى به قال له جبريل: أتدرى أين أنت الساعة يا رسول الله؟ أنت مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لي ربى حتى آتيه فأصلى ركعتين. فاستأذن الله ﷿ فأذن له.. (١) .\nوإن الصلاة المكتوبة فيه لتعدل بألف صلاة وإن النافلة فيه لتعدل بخمسمائة صلاة..\n_________\n(١) هذه الفرية لها أثرها فى الواقع العملى عند الشيعة، فعندما زرت هذا المسجد وجدت محرابًا يقولون عنه أنه محراب رسول الله - - ﷺ - - الذى صلى فيه ليلة الإسراء!!","vol":"1","page":981},{"text":"وفى عدد من الأخبار تأكيد أنه روضة من رياض الجنة، وأن الصلاة فيه بألف صلاة، ومن المعلوم أن هذا ليس إلا لمسجد الرسول - - ﷺ - - بعد المسجد الحرام حيث تعدل مائة ألف صلاة، وقبل ثالث الحرمين وأولى القبلتين، المسجد الأقصى، فالصلاة فيه بخمسمائة صلاة.\nوفى بعض الأخبار أن آدم هو الذى خط هذا المسجد!! وفى بعضها أن النافلة فى هذا المسجد تعدل عمرة مع النبى - ﷺ - والفريضة تعدل حجة مع النبى - ﷺ -..\nوفى بعضها: حجة مقبولة، وعمرة مقبولة.. وفى بعضها: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد الكوفة!\nفوضع الكذابون مسجد الكوفة بدلًا من المسجد الأقصى كما جاء فى الحديث الصحيح المشتهر.\nوفى بعضها: مكة حرم الله - تعالى، وحرم رسوله - ﷺ -، وحرم على بن أبى طالب ﵁..\nوالمدينة حرم الله، وحرم رسوله، وحرم على بن أبى طالب..\nوالكوفة حرم الله، وحرم رسوله، وحرم على بن أبى طالب..\nوفى بعضها أن أمير المؤمنين قال:\nياأهل الكوفة، لقد حباكم الله ﷿ بما لم يحب به أحدا، من فضل مصلاكم، بيت آدم، وبيت نوح، بيت إدريس، ومصلى إبراهيم الخليل، ومصلى أخى الخضر، ومصلأي. وإن مسجدكم هذا لأحد المساجد الأربعة التى اختارها الله ﷿ لأهلها، وكأنى به قد أتى به يوم القيامة فى ثوبين أبيضين يتشبه بالمحرم ويشفع لأهله ولمن يصلى فيه فلا ترد شفاعته، ولا تذهب الأيام والليالى حتى ينصب الحجر الأسود فيه، وليأتين عليه زمان يكون مصلى المهدى من ولدى، ومصلى كل مؤمن ... إلخ","vol":"1","page":982},{"text":"وبعد: نكتفى بهذا القدر من أكاذيب هؤلاء الغلاة، والخبر الأخير يذكرنا بما فعله القرامطة، وهي فرقة من فرق الشيعة، أو من يسمون أنفسهم بأهل البيت، حيث نزعوا الحجر الأسود من مكانه بالكعبة المشرفة، وحملوه إلى ديارهم، إلى أن أعيد بعد ذلك.\nولعل هؤلاء القوم يفكرون فى حمله إلى الكوفة كما فعل أسلافهم من القرامطة!\nوبعد الباب السابق يأتى \" باب استحباب اختيار الإقامة فى مسجد الكوفة والصلاة فيه على السفر إلى زيارة المسجد الأقصى (ص ٥٢٨: ٥٢٩) .\nويليه \" باب عدم استحباب السفر للصلاة فى شيىء من المساجد إلا المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد الكوفة (٥٢٩: ٥٣٠) .\nوفى ص ٥٤٧ من الجزء الثالث نفسه يقع \" باب استحباب اختيار الصلاة فى بيت على وفاطمة ﵉، على الصلاة فى الروضة!!\nولا حاجة لذكر الأخبار، فالأبواب السابقة يكفى قراءة العنوان لتدرك ضلال هؤلاء القوم.\n*****\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>رابعا: السجود على ما ليس بأرض</span>\n\nيرى الشيعة عدم جواز السجود على ما ليس بأرض كالجلود والأصواف، ويجيزونه عليها وعلى نباتها غير المأكول والملبوس عادة، عدا الكتان والقطن ففيه خلاف.\nوهم كذلك يرون أفضلية السجود على التربة الحسينية، ولذا يضعون فى مساجدهم قطعا من هذه التربة معدة للسجود عليها، يضعونها تحت الجبهة، كما يحمل الكثيرون مثل هذه القطع.","vol":"1","page":983},{"text":"وقد خالفهم فى ذلك أصحاب المذاهب الأربعة، حيث أجازوا السجود على ما ليس بأرض ما دام طاهرا، ولكن، كان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم، وكان يقول: لا بأس أن يقوم عليها، ويركع عليها، ويقعد عليها، ولا يسجد عليها، ولا يضع كفيه عليها (١) .\nومستند الشيعة فيما ذهبوا إليه روايات عن أئمتهم، مثل ما روى عن الإمام الصادق أنه قال: \" لا تسجد إلا على الأرض، أو ما أنبتته الأرض، إلا القطن والكتان \" (٢) .\nوما روى عن هشام بن الحكم أنه قال للإمام الصادق:\nأخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز. قال: السجود لا يجوز إلا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض، إلا ما أكل أو لبس. فقال له: جعلت فداك، ما العلة فى ذلك، قال: لأن السجود خضوع لله ﷿، فلا ينبغى أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون. والساجد فى سجوده فى عبادة الله ﷿، فلا ينبغى أن يضع جبهته فى سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها (٣) .\nولكنا نجد روايات أخرى عن طريقهم تعارض هذا، مثل ما روى عن ياسر الخادم قال: \" مربى أبو الحسن وأنا أصلى على الطبرى، وقد ألقيت عليه شيئًا أسجد عليه، فقال لى: مالك لا تسجد عليه، أليس هو من نبات الأرض؟ \" (٤)\nوسئل إمامهم العاشر أبو الحسن الثالث على الهادى: \" هل يجوز السجود على الكتان والقطن من غير تقية؟ فقال: جائز \" (٥) .\n_________\n(١) المدونة ١ / ٧٥، وانظر: الأم ١ / ٧٨، والمغنى ١ / ٧٢٨.\n(٢) الاستبصار جـ ١ ص ٣٣١.\n(٣) انظر: الحقائق ٢ / ١٤٠.\n(٤) الموضع السابق من الاستبصار.\n(٥) المرجع السابق ص ٣٣٢.","vol":"1","page":984},{"text":"وكتب إليه أحدهم يسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة، فكتب إليه: ذلك جائز (١) .\nوأمام هذا الاضطراب فى الروايات، حمل بعضهم مثل الروايات الأخيرة على التقية أو الضرورة (٢)، مع أنها تنفى ذلك، ورأي آخرون الأخذ بها، فأجازوا السجود على القطن والكتان (٣) .\nورأينا بعضهم يجيز السجود على الحنطة والشعير (٤)، وهذا ينافى التعليل السابق فى الرواية الثانية من أن السجود لا ينبغى أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، فأي شئ أقرب إلى الناس من القطن والكتان، والحنطة والشعير؟\nويعارض ما ذهب إليه الشيعة، ما روى عن طريق السنة من أن النبى - ﷺ - صلى على بساط، وكان يصلى على الحصير والفروة المدبوغة، وعن أبى الدرداء قال: ما أبالى لو صليت على خمس طنافس، وصلى ابن عباس على طنفسة (٥) .\nفلم يثبت إذن عن النبي - ﷺ - أنه لم يجز السجود على ما ليس بأرض، بل ثبت غير ذلك، كصلاته - - ﵇ - - على الفروة المدبوغة.\n_________\n(١) نفس المرجع ص ٣٣٣.\n(٢) انظر المواضع السابقة من الاستبصار.\n(٣) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة ١ / ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٤) انظر: المرجع السابق ص ٢٤٥.\n(٥) انظر: نيل الأوطار ٢: باب الصلاة على الفراء والبسط وغيرهما من المفارش ... ص ١٢٧، وراجع صلاته - ﷺ - على البساط في صحيح البخاري - كتاب الأدب: باب الكنية للصبى، باب الزيارة، وارجع إلى صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب المساجد باب جواز الجماعة في النافلة - والصلاة على الحصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات.","vol":"1","page":985},{"text":"ونجد في القرآن الكريم ما يؤيد ما ذهب إليه السنة، قال تعالى: في سورة النحل (آية ٨٠): \"\" وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ \"\".\nرأي الشيعة أن فى هذه الآية الكريمة دلالة على جواز اتخاذ الفرش والآلات من جلود الأنعام وأصوافها وأشعارها، وجواز الصلاة عليها إلا ما أخرجه الدليل من عدم جواز السجود على شئ من ذلك، بل إما على الأرض، أو ما ينبت فيها غير مأكول ولا ملبوس (١) .\nوقد رأينا ألا دليل على عدم جواز السجود على شئ من ذلك، بل ما روى عن الرسول - ﷺ - يتمشى مع مدلول هذه الآية الكريمة، فلا مناص إذن من رفض رواياتهم عن أئمتهم التى تعارض الكتاب والسنة.\nوأما تفضيل الشيعة السجود على التربة الحسينية، فيقول فى ذلك أحد أعلامهم: \" ولعل السر فى التزام الشيعة الإمامية السجود على التربة الحسينية مضافًا إلى ما ورد فى فضلها من الأخبار، ومضافًا إلى أنها أسلم من حيث النظافة والنزاهة من السجود على سائر الأرض، وما يطرح عليها من الفرش والبوارى والحصر الملوثة، والمملوءة غالبًا من الغبار والمكروبات الكامنة فيها، مضافًا إلى كل ذلك، لعل من جملة الأغراض العالية، والمقاصد السامية، أن يتذكر المصلى حين يضع جبهته على تلك التربة تضحية ذلك الإمام نفسه وآل بيته، والصفوة من أصحابه فى سبيل العقيدة والمبدأ، وتحطم هياكل الجور والفساد والظلم والاستبداد. ولما كان السجود أعظم أركان الصلاة، وفى الحديث (أقرب ما يكون العبد إلى ربه حال سجوده)، فناسب أن يتذكر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية،\n_________\n(١) انظر: كنز العرفان ص ٤٦.","vol":"1","page":986},{"text":"أولئك الذين وضعوا أجسامهم عليها ضحايا للحق، وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى، ليخشع ويخضع، ويتلازم الوضع والرفع، ويحتقر هذه الدنيا الزائفة، وزخارفها الزائلة، ولعل هذا هو المقصود من أن السجود عليها يخرق الحجب السبع \" (١) .\nوقد ناقشنا ذلك من قبل في الفصل السابق (٢) وبينا مدى مغالاة الشيعة في نظرتهم إلى التربة الحسينية، وحاولنا تعليل ذلك، فلا مدعاة إذن لتكرار ما ذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>خامسا: التكلم في الصلاة</span>\nاتفق الشيعة مع المذاهب الأربعة على منع التكلم فى أثناء الصلاة، ولكنهم اختلفوا فى نقاط ثلاث، فقد أجاز الشيعة تشميت العاطس وأوجبوا رد السلام، وحرموا قول آمين آخر الحمد على خلاف بينهم؛ فالكثرة الغالبة تذهب إلى القول بالتحريم وبطلان الصلاة، وذهب بعضهم إلى الحرمة دون البطلان، وقيل بالكراهية فقط (٣) .\nأما المذاهب الأربعة فقد منعوا رد السلام، وتشميت العاطس واستحبوا قول آمين، إلا أن الإمام مالكا جعل التأمين للمأموم دون الإمام (٤) .\n_________\n(١) الأرض والتربة الحسينية للإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء: ص ١٧٠ - ١٨٠، ملحق بكتاب: الوضوء فى الكتاب والسنة.\n(٢) انظر: \" سادس عشر \" من الفصل السابق.\n(٣) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة: ١ / ٣٦٧ - ٣٦٩، ٢ / ٣٧ - ٤٥.\n(٤) انظر: المبسوط ١ / ٣٢ - ٣٣، و١٧٠ - ١٧١، والمدونة ١ / ٧١، ٩٩ - ١٠٠ والأم ١ / ٩٤ - ٩٥، و١٠٧، والمغنى ١ / ٥٣٢ - ٥٣٣، و٧١٥ - ٧١٦.","vol":"1","page":987},{"text":"واستدل الشيعة على وجوب رد السلام بقوله تعالى: \"\" وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا \"\" (١) .\nقال صاحب كنز العرفان: \" إذا سلم أحد على المصلى وجب عليه الرد، لإطلاق الأمر بالرد المتبادل لحال الصلاة وغيرها، وليس هو من كلام الآدميين فيدخل تحت النهي، لأن هذه الصيغة وردت فى القرآن \" (٢) .\nواستدلوا كذلك بروايات عن أئمتهم، كرواية عثمان بن عيسى عن الإمام الصادق قال: \" سألته عن الرجل يسلم عليه فى الصلاة، قال: يرد بقوله: سلام عليكم، ولا يقول: عليكم السلام، فإن رسول الله - ﷺ - كان قائما يصلى، فمر به عمار بن ياسر، فسلم عليه، فرد عليه النبى - ﷺ - وهكذا \" (٣) .\nوعن محمد بن مسلم قال: \" دخلت على أبى جعفر - ﵇ - وهو فى الصلاة، فقلت: السلام عليك. فقال: السلام عليك. قلت: كيف أصبحت؟ فسكت. فلما انصرف قلت له: أيرد السلام وهو فى الصلاة؟ قال: نعم مثل ما قيل له \" (٤) .\nوأجازوا تشميت العاطس، مستندين إلى روايات عن أئمتهم، مثل ما روى عن أبى بصير: \" قلت له (أي للإمام الصادق): أسمع العطسة، فأحمد الله، وأصلى على النبى وأنا فى الصلاة؟ قال نعم ولو كان بينك وبين صاحبك البحر \" (٥) .\n_________\n(١) سورة النساء: الآية (٨٦) .\n(٢) ص ٧١، وانظر كذلك: المعتبر ١٩٨، والانتصار ٢٧.\n(٣) المعتبر ص ١٩٨.\n(٤) المرجع السابق: ١٩٨.\n(٥) المرجع السابق ص ١٩٧.","vol":"1","page":988},{"text":"أما قول آمين فقد اعتبروه من الكلام المنهي عنه فى الصلاة، واحتجوا بما روى عن أئمتهم، كقول الإمام الصادق: \" إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد، وفرغ من قراءتها، فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل آمين (١) .\nونلاحظ فيما سبق أن استدلالهم بالآية الكريمة يصح إذا لم يكن لها ما يخصصها، وأن آراءهم تتعلق بمدى صحة رواياتهم، والأخذ بها، وإلا فلا يمكن أن يكون التأمين كلاما منهيا عنه فى الصلاة، على حين يجوز تشميت العاطس، فالمسألة إذن تتعلق بالأدلة النقلية.\nومن المعروف أن التكلم كان مباحا فى الصلاة، ثم نهي المسلمون عنه، فقد ثبت ما يفيد ذلك، كرواية زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم فى الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه فى الصلاة، حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام \". رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٢) .\nوينطبق هذا على رد السلام، وتشميت العاطس، فقد ثبت النهي عنهما، فعن ابن مسعود قال: \" كنا نسلم على النبى - ﷺ - وهو فى الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشى، سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك فى الصلاة فترد علينا، فقال: \" إن فى الصلاة لشغلا \" متفق عليه. وفى رواية: \" كنا نسلم على النبى - ﷺ - إذ كنا بمكة قبل أن نأتى أرض الحبشة، فلما قدمنا من أرض الحبشة أتيناه، فسلمنا عليه، فلم يرد، فأخذنى ما قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة، فسألته، فقال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه\n_________\n(١) الاستبصار ١ / ٣١٨.\n(٢) انظر: نيل الأوطار ٢ / ٣٦٠.\nوالبخارىـ كتاب العمل فى الصلاة: باب ما ينهي من الكلام فى الصلاة.\nومسلم - كتاب المساجد - باب تحريم الكلام فى الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته.","vol":"1","page":989},{"text":"قد أحدث من أمره أن لا نتكلم فى الصلاة \" رواه أحمد والنسائى وأبو داود وابن حبان فى صحيحه (١) .\nوعن معاوية بن الحكم السلمى قال: \" بينما أنا أصلى مع رسول الله - ﷺ -، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرمانى القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه! ما شأنكم تنظرون إلى؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوننى لكنى سكت، فلما صلى رسول الله - ﷺ -، فبأبى وأمى ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما كهرنى، ولا ضربنى، ولا شتمنى، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيىء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن \". رواه أحمد ومسلم والنسائى وأبو داود، وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقى (٢) .\nومن الواضح أن روايات الشيعة حتى إذا صحت لا يؤخذ بها، فالأحاديث التى وردت عن طريق أهل السنة قد بينت أن ذلك كان مباحا ثم نهي عنه رسول الله - ﷺ - (٣) .\nوأما التأمين فقد وردت عن طريق السنة عدة روايات تدل على مشروعيته، فعن أبى هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه \". وقال ابن شهاب: \" كان رسول الله - ﷺ - يقول آمين \". رواه الجماعة إلا أن الترمذى لم يذكر قول ابن شهاب، وفى رواية \" إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق\n_________\n(١) انظر نيل الأوطار ٢ / ٣٦٣.\n(٢) نفس المرجع ص ٣٦٣ - ٣٦٤، وصمته: أسكته. والكهر: القهر، والانتهار، واستقبالك إنسانًا بوجه عابس تهاونًا به. (انظر المادتين فى القاموس المحيط) .\n(٣) يقول السيد محسن الحكيم فى تشميت العاطس:\nالبناء على جوازه فى الصلاة محل تأمل أو منع اللهم إلا أن يكون إجماع، لكنه غير ثابت، ولا سيما بملاحظة استدلال كثير منهم على الحكم بأن الدعاء غير مبطل للصلاة، مما يوجب كون الإجماع معلوم المستند، فيسقط عن الحجية، ولا سيما بملاحظة خبر آيات عن جعفر: ... \" فى رجل عطس فى الصلاة فسمته رجل \"، فقال: \" فسدت صلاة ذلك الرجل \" (متمسك العروة الوثقى ٦ / ٤٩٢) .\nولكنه ذهب إلى وجوب رد السلام فى الصلاة - انظر المرجع السابق ٦ / ٤٧٤ - ٤٧٥.","vol":"1","page":990},{"text":"تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه \" رواه أحمد والنسائى.\nوعن وائل بن حجر قال: \" سمعت النبى - ﷺ - قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين يمد بها صوته \". رواه أحمد وأبو داود والترمذى، وأخرجه أيضا الدارقطنى وابن حبان، إلى غير ذلك من الروايات التى تدل على مشرعية التأمين (١) .\nفالكلمة تدل على الدعاء، وليست كلاما خارجا عن الصلاة، ويؤيد مشروعيتها ما ورد عن طريق الشيعة من أن الإمام الصادق سئل عن قول الناس فى الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب \" آمين \" قال: ما أحسنها؟ واخفض بها الصوت (٢) .\nوقد حمل بعضهم هذه الرواية على التقية، وهذا بعيد، فلو كان القول تقية فلم خفض الصوت؟\nفالأولى إذن إسقاط الروايات التى تنهي عن التأمين، بدلا من إسقاط هذه الرواية، أو حملها على التقية، فالأحاديث التى تدل على مشروعيته كثيرة، ووردت من طرق صحيحة مختلفة، ولا جدال أن الدعاء مشروع فى الصلاة، وكونها اسم فعل وليست بفعل لا يخرجها عن قصد الدعاء، وهذا هو السيد محسن\n_________\n(١) انظر نيل الأوطار ٢ / ٢٤٤ - ٢٤٧، وصحيح البخارى: كتاب الأذان باب جهر الإمام بالتأمين، وباب فضل التأمين، وباب جهر المأموم بالتأمين، وصحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب التسميع والتحميد والتأمين، وأبو داود والترمذى: الصلاة: باب التأمين وراء الإمام، والنسائى: كتاب الإمامة، باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم.\n(٢) انظر الاستبصار ٢ / ٣١٨.","vol":"1","page":991},{"text":"الحكيم يعقب على قول المحتجين للمنع بأنها ليست دعاء وإنما هي اسم للدعاء بقوله (١): \" لو سلم ذلك لم تخرج عن كونها دعاء، لأن أسماء الأفعال حاكية عن نفس الأفعال بما هي حاكية عن معانيها \".\nثم يقول: \" فآمين إذا كان اسمًا لـ \" استجب \" كان دعاء مثله، ولا يكون بذلك من كلام الآدميين. نعم كونه من الدعاء الجدى، موقوفًا عن فرض دعاء، ليطلب استجابته، وإلا كان لقلقة لسان، ويخرج بذلك عن كونه مناجاة لله تعالى، ومكالمة له سبحانه \".\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>سادسا: صلاة الجمعة</span>\n\nيشترط الشيعة لصلاة الجمعة ألا يقل العدد عن خمسة، وقيل سبعة.\nوهذا خلاف يسير، فإذا كان العدد كذلك فالصلاة صحيحة على مذهبهم ومذهب الحنفية، وإذا كان أقل من ذلك فلا جمعة لهم فى رأي الشيعة والمالكية والشافعية والحنابلة (٢)، فهم إذن لا ينفردون بقول فى كلتا الحالتين.\nأما الخلاف الأكبر هنا فهو أنهم يشترطون السلطان العادل أو نائبه، (٣) ويقصدون بالسلطان العادل النبى ﵊، أو أحد أئمتهم الذين\n_________\n(١) انظر كتابه مستمسك العروة الوثقى ٦ / ٥٠٧ - ٥٠٨.\n(٢) يشترط الإمام أبو حنيفة ألا يقل العدد عن أربعة، وقال أبو يوسف: تصح بثلاثة، والشافعية والحنابلة يشترطون أربعين، والإمام مالك رأي أنها تنعقد بمن يمكن أن تتقرى بهم قرية، وذلك ممكن بما دون الأربعين، لكنه غير ممكن بالثلاثة والأربعة.\nانظر المبسوط ٢ / ٢٤ - ٢٥، المدونة ١ / ١٥٢ - ١٥٣، بداية: ١ / ١٦١، ١٦٢، الأم ١ / ١٦٩، المغنى ٢ / ١٧٢ - ١٧٣.\n(٣) فى صلاة الجمعة خلف من لا يرضونه يرون تقديم الظهر عليها، أو الصلاة خلفه بنية الظهر، ثم القيام - بعد ركعتى الإمام - لإتمام الظهر، على خلاف بينهم فى أفضلية التقديم أو الإتمام (انظر: مفتاح الكرامة كتاب الصلاة ٢ / ١٧٠ - ١٧١) . وهم فى كلتا الحالتين مسقطون للجمعة، غير معتدين بها، يتظاهرون بصلاتها تقية.","vol":"1","page":992},{"text":"يقولون بعصمتهم (١)، ويشترطون فى النائب أن يكون مؤمنا، قالوا: \" والإيمان إنما يتحقق بالاعتراف بإمامة الأئمة الاثنى عشر ﵈، إلا من مات فى عهد أحدهم، فلا يشترط في إيمانه إلا معرفة إمام زمانه ومن قبله \" (٢) .\nوبعضهم يرى أن هذا شرط فى ماهية الجمعة ومشروعيتها، والكثيرون منهم يرونه شرطًا فى وجوبها، وآخرون ينكرون اشتراط هذا الشرط من أصله (٣) .\nوفى زمن غيبة إمامهم الثانى عشر - كما يعتقدون - اختلفوا حول هذا الشرط اختلافا بلغ إلى أربعة أقوال: (٤)\nالأول: أنها واجبة عينا.\nالثانى: أنها حرام.\nالثالث: أنها واجبة تخييرًا (٥) مع الفقيه الجامع لشرائط الافتاء.\nالرابع: أنها واجبة كذلك، لكن لا يشترط فى إمامها إلا شروط إمام الجماعة.\nوكان من الممكن أن نترك الشيعة الرافضة وما اشترطوا، لأنا لا نعدم أن نجد من يوافق أهل السنة، وكان من الممكن أيضًا لوانحصر فى زمن الأئمة أن نبين خطأ هذا الشرط، ونمر مرورا سريعًا، حيث ينتفى ضرره الآن، ولكن الواقع المؤلم هو أن شيعة اليوم لا يصلون الجمعة إلا قليلا منهم، مثال ذلك ما أخبرنا به السيد كاظم الكفائى فى حديثه قال: \" فى العراق الآن الشيعة لا يصلون الجمعة إلا الشيخ الخالصى فى المسجد الصفوى فى الصحن الكاظمى \" (٦) .\n_________\n(١) انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة ٢ / ٥٦ - ٥٧.\n(٢) المرجع السابق ص ٨٠.\n(٣) انظر المرجع السابق ص ٥٦.\n(٤) نفس المرجع. انظر ص ٥٦.\n(٥) يقصدون بذلك استحباب الاجتماع - انظر المرجع السابق ص ٥٩.\n(٦) انظر حديثه بآخر هذا الجزء. *\n*وقد ذهبت إلى الكاظمية لألتقى بالشيخ الخالصى، ولكن سفره حال دون الملتقى.\nوالعجيب أن سفره أيضًا منع إقامة الجمعة، وكأن أحدًا لا يصلح لإقامتها!\nوفى الكويت لا يقيم الجمعة إلا الشيخ إبراهيم جمال الدين مرجع الإخباريين هناك.","vol":"1","page":993},{"text":"فهذا موضوع جد خطير، لذا رأيت أن أبحث عن الدوافع التى دفعتهم إلى ترك فريضة من فرائض الله، وأن أناقش أدلتهم.\nوأحب هنا أن أوضح موقف الحنفية، فهم وحدهم - من المذاهب الأربعة - الذين اشترطوا السلطان عادلًا كان أم جائرًا (١) .\nاستدل الحنفية بحديث جابر ﵁ قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال \" أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وتقربوا إلى الله بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وتحببوا إلى الله بالصدقة فى السر والعلانية تجبروا وتنصروا وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى كتب عليكم الجمعة فى يومى هذا، فى شهرى هذا، فى مقامى هذا، فمن تركها تهاونًا بها، واستخفافًا بحقها، وله إمام جائر أو عادل، فلا جمع الله شمله، ألا فلا صلاة له، ألا فلا صوم له، إلا أن توب، فإن تاب تاب الله عليه \" (٢) .\nوقالوا أيضًا: جاء فى الأثر: أربع إلى الولاة منها الجمعة، لأن الناس يتركون الجماعات لإقامة الجمعة، ولو لم يشترط فيها السلطان أدى إلى الفتنة، لأنه يسبق بعض الناس إلى الجامع، فيقيمونها لغرض لهم، وتفوت على غيرهم، وفيه من الفتنة ما لا يخفى، فيجعل مفوضًا إلى الإمام الذى فوض إليه أحوال الناس والعدل بينهم، لأنه أقرب إلى تسكين الفتنة (٣) .\n_________\n(١) انظر: المبسوط ٢ / ٢٥، المدونة ١ / ١٥٢ - ١٥٣، الأم ١ / ١٧٠، المغنى ٢ / ١٧٣ - ١٧٤.\n(٢) المبسوط ٢ / ٢١ - ٢٢.\n(٣) انظر المرجع السابق ص ٢٥.","vol":"1","page":994},{"text":"ومعنى هذا أن الحنفية خافوا الفتنة عند ما لا يجتمع الناس على رأي، يسىء بعضهم إلى بعض، فاشترطوا إذن السلطان كائنًا من كان، ولهذا قالوا: إذا صلى رجل الجمعة بالناس بغير إذن الإمام، أو خليفته، أو صاحب الشرط، أو القاضى، لم يجزئهم. وقالوا أيضًا: لو مات من يصلى الجمعة بالناس فاجتمعوا على رجل فصلى بهم الجمعة أجزأهم، لأن عثمان رحمه الله تعالى لما حصر اجتمع الناس على علي ﵁، فصلى بهم الجمعة، ولأن الخليفة إنما أمر بذلك نظرًا منه لهم، فإذا نظروا لأنفسهم، واتفقوا عليه، كان ذلك بمنزلة أمر الخليفة إياه (١) .\nفالحنفية، وإن كانوا قد خالفوا باقى المذاهب الأربعة، غير أنهم لا يسقطون الجمعة إلا حين تخشى الفتنة، ولذا أجازوا الإذن حتى من صاحب الشرط، وأسقطوا هذا الشرط عند تعذره، واجتماع الناس على رجل يصلى بهم، وبهذا يتبين لنا أن الحنفية ما كانوا ليسقطوا فرضا من فرائض الله، فلننظر بعد ذلك فيما ذهب إليه الشيعة الاثنا عشرية.\nإن اشتراطهم الإمام أو نائبه فى زمن الحضور مستند أساسًا إلى إجماعهم، فهم يرون أن هذا للإمام كحقه فى الخلافة، ولذا يروون \" الجمعة والحكومة لإمام المسلمين \" (٢) فكما أنهم ينظرون إلى من تولى الحكم من غير المعصومين - فى اعتقادهم - نظرة من اغتصب حق الأئمة، فكذلك الجمعة، وهذا هو الذى دفعهم إلى هذا الاشتراط، حتى أن بعضهم رأي إسقاط الجمعة فى زمن الغيبة تحرزًا عن غصب منصب الإمام (٣) .\n_________\n(١) انظر نفس المرجع ص ٣٤ - ٣٥.\n(٢) مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة - ٢ / ٦٩.\n(٣) انظر نفس المرجع ص ٦٧.","vol":"1","page":995},{"text":"ولقد ناقشنا من قبل إجماعهم، وبينا عدم جدواه (١) . ثم إن هذا الإجماع محل نظر، حيث إن الشيعة أنفسهم منهم من لم يشترط هذا الشرط كما ذكرنا، وهو كذلك معارض بإجماع باقى المسلمين كافة، وهذا الموقف يعيد إلى الأذهان المأساة من جديد، فهم ينظرون إلى الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبى بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم - على أنهم اغتصبوا الجمعة فيما اغتصبوا، ويرون أن الجمعة ليست واجبة على المسلمين فى زمنهم، لأنها ليست بإذن من الإمام المعصوم، فخير جيل بعد الرسول الكريم لم يكن - بناء على هذا الرأي الضال - يعرف أحكام دينه، حتى أنه فرض على نفسه فرضًا لم تفرضه الشريعة، وصلى الجمعة بإذن من غير المعصوم.\nوإذا كان هؤلاء الأكرمون لا يعرفون فمن ذا الذى يعرف من بعدهم؟ فياله من افتئات! ويالها من مأساة!\nوإذا كان الرافضة قد ارتكنوا إلى الإجماع فيما ذهبوا إليه سابقًا، فإن الخلاف قد ظهر بينهم فى زمن الغيبة حيث افتقدوا هذا السند الذى يسلمون به تسليمهم بالقرآن الكريم، بل إنهم يرون أن هذا الكتاب المجيد قرآن صامت، وأن الإمام - حجة الإجماع عندهم - قرآن ناطق. ولذا قال بعضهم: \" لولا دعوى الأصحاب الإجماع على عدم الوجوب علينا لكان القول به فى غاية القوة \" (٢) .\nوهم فى خلافهم هنا يصلون إلى مرتبة لم نرها من قبل، حيث يؤدى بهم الخلاف إلى أن يصم بعضهم بعضا بالقصور والغرور، والجهل والغفلة، أو التجاهل والتغافل (٣) .\n_________\n(١) انظر الفصل الثالث من الباب الأول من هذا الجزء.\n(٢) مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة ٢ / ٦٠.\n(٣) المرجع السابق ص ٧٢، وانظر كذلك: جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفى ... ١١ / ١٧٨ - ١٧٩.","vol":"1","page":996},{"text":"والقائلون بالوجوب عينا فى زمن الغيبة عدد كبير، لهم مكانتهم عند الشيعة، منهم مثلا: الشيخ الصدوق صاحب كتاب \" من لا يحضره الفقيه \" أحد كتب الحديث الأربعة، وشيخ الطائفة فى زمانه الإمام الطوسى، صاحب كتابين من تلك الكتب، هما \" التهذيب والاستبصار \" والحر العاملى مؤلف كتاب \" وسائل الشيعة \"، وغيرهم كثير حتى أن بعضهم نسب هذا القول إلى أكثر المتقدمين (١) . بل إننا إذا نظرنا في أدلة الشيعة القائلين بعدم اشتراط الإمام المعصوم أصلًا نجدهم يحتجون فيما يحتجون بأقوال الأئمة، فهم يقولون (٢)، بأن الأصل والظاهر فيما ثبت وجوبه عينا عمومه لكافة المكلفين فى جميع الأزمان والأصقاع، إلا أن يدل دليل على التخصيص أو النسخ، وقد ثبت وجوب عقد الجمعة والاجتماع إليها عينًا بالإجماع والنصوص من الكتاب والسنة، ولم يعذر فيها سوى غير المكلفين والمرأة والمسافر وغيرهم ممن ذكروه فى الأخبار، ولم يذكر فيها ولا فى غيرها معذورية من لم يكن عنده الإمام أو من نصبه، وهي لإطلاقها إذن من الشارع فى فعلها، إيجاب لها على كل مكلف كان عنده الإمام أو منصوبه أو لم يكن، فلا حاجة إلى إذنه لواحد أو جماعة بخصوصهم، ونصبه لهم لخصوص الجمعة كسائر العبادات إلى أن يقوم دليل على امتيازها من سائر العبادات بافتقارها إلى هذا الإذن.\nأما الكتاب فقوله تعالى: \"\" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ \"\".\nوأما السنة (٣) فمنها ما روى عن الإمام أبى جعفر الباقر: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام،\n_________\n(١) انظر مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة ٢ / ٥٧.\n(٢) انظر أدلتهم فى المرجع السابق ٧٢.\n(٣) أقوال الأئمة عندهم يعدونها من السنة - انظر الجزء الثالث من هذا الكتاب.","vol":"1","page":997},{"text":"فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمهم بعضهم وخطبهم، وقوله: من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه.\nوعن عبد الملك عن أبى جعفر قال: مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله تعالى. قال: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة. يعنى صلاة الجمعة.\nوعن الإمام الصادق قال: يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة إلى أن قال: والجمعة واجبة على كل أحد. وقال زرارة: حثنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك فقال: لا. إنما عنيت عندكم.\nوروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" إن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد موتى استخفافًا بها. أو جحودًا فلا جمع الله شمله \".\nوهذه الأدلة كما نرى صريحة الدلالة في وجوب الجمعة دون اشتراط الإمام المعصوم، ولكن القائلين بالمنع يردونها بأنها تنصرف إلى الجمعة الصحيحة بشرائطها، ولا تصح الجمعة بدون إذن الإمام أو نائبه، واستدلوا على ذلك بالسنة والعقل (١) .\nأما السنة فرووا عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" اعلموا أن الله تعالى قد افترض عليكم فرض الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي، وله إمام عادل استخفافًا بها أو جحودًا لها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة له حتى يتوب \". وقال \" أربع للولاة: الفىء والحدود والجمعة والصدقات \". وقال كذلك: \" الجمعة والحكومة لإمام المسلمين \". وقالوا بأن النبى - ﷺ - كان يعين لإمامة الجمعة كما يعين للقضاء، فكما لا يصح أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام، فكذلك إمامة الجمعة.\n_________\n(١) انظر أدلتهم في: مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة ٢ / ٧٢ - ٧٨، وكنز العرفان ٧٨ - ٧٩، والنور الساطع للشيخ على كاشف الغطاء ١ / ٥٤٧ - ٥٥١، والمعتبر ٢٠٢.","vol":"1","page":998},{"text":"ومما رووه عن أئمتهم أن الإمام الصادق سئل عن الصلاة يوم الجمعة فقال: أما مع الإمام فركعتان، وأما لمن صلى وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، يعنى إذا كان إمام يخطب فإن لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات وإن صلوا جماعة. وقال الإمام أبو جعفر: صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع إليها فريضة مع الإمام. ورووا عن الإمام على ﵁ أنه قال: \" لا جمعة إلا فى مصر يقام فيه الحد \" قال بعضهم: \" ومن المعلوم أن المصر الذى يقام فيه الحد هو مصر الإمام أو نائبه، فيكون هذا التعبير كناية عن لزوم كونها مع الإمام أو نائبه \" (١) .\nوأما الاستدلال بالعقل ففى قولهم: أن اشتراط عدل الإمام فلأن الاجتماع مظنة النزاع ومثار الفتن، فيجب أن يكون هناك حاكم عادل غير محتاج إلى مسدد، يرتدع بوجوده غيره، ويكون وجوده حاسمًا لمادة النزاع، وقاطعًا لمثار الفتن.\nوهذه الأدلة لا تصل بهم إلى ما يريدون، فالحديث الأول روى عن طريقهم دون ذكر للإمام، وعن طريق أهل السنة وفيه. \" وله إمام جائر أو عادل \" وهو ما استدل به الحنفية كما ذكرنا من قبل. وهذا الحديث الشريف فيه من التهديد والوعيد ما يثير النفوس المؤمنة الزاكية. والحديثان الآخران لو صحا يدلان على أن الحكام عامة ينظمون إقامة الجمع فيما ينظمون، وليس معنى هذا أنهم محصورون فى الأئمة الاثنى عشر، وإنما هو يعنى حكام المسلمين إلى يوم القيامة، وكذلك ما روى من فعله ﵊. على أن ذلك لو سلمنا بصحته لكان دليلا على جواز ما وقع لا على تحريم غيره، كالحج يتولاه أئمة\n_________\n(١) النور الساطع ١ / ٥٤٨.","vol":"1","page":999},{"text":"المسلمين وليس بشرط فيه (١) . وفرق بين إمام الجمعة الذى يصلى بالناس، وبين القاضى الذى يحتاج إلى سلطة مستمدة من الإمام لتنفيذ أحكامه.\nوأما روايات الأئمة فإنها لا تزيد عن اشتراط الإمام الذى يخطب الناس يوم الجمعة، والأول نص على ذلك، وتفسير رواية الإمام على تحملها فوق ما تحتمل، ثم إنهم لا يشترطون للجمعة المصر، ولذا رفضوا الأخذ بهذه الرواية، وحملوها على التقية (٢) .\nهذه الروايات إذن لا تنهض دليلًا على ما يزعمون، ولذا قال مؤلف \" الروضة البهية \" الذى تحدثنا عنه فى المقدة بأن إطلاق القرآن الكريم بالحث العظيم المؤكد بوجوه كثيرة، يضاف إليه النصوص المتضافرة على وجوب الجمعة بغير الشرط المذكور، بل فى بعضها ما يدل على عدمه (٣) .\nواستدلالهم بالعقل لا يعنى وجوب الإمام المعصوم، بل إن أبا الأئمة نفسه لم يستطع أن يحسم مادة النزاع بين المسلمين، ويقطع ثائرة الفتنة، فكيف بمن جاءوا بعده ولا حول لهم ولا قوة؟ وهم لا يشترطون ذلك فى الحج، فأيهما أكثر مظنة للنزاع ومثارًا للفتن: اجتماع العدد القليل فى الجمعة، أم الجم الغفير فى موسم الحج؟ ثم إن هذا مبنى على الظن، وإن الظن لا يغنى عن الحق شيئا، ولا يقف دليلًا أمام نصوص القرآن الكريم، ولا الأحاديث الشريفة.\nوقد ورد عن طريق أهل السنة أحاديث كثيرة (٤)، منها أن النبى - ﷺ - قال: \" الجمعة على من سمع النداء \"، وقال: \" رواح الجمعة واجب على كل محتلم \"، وقال أيضًا: \" الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد\n_________\n(١) انظر: المغنى ٢ / ١٧٣ - ١٧٤.\n(٢) انظر: الاستبصار ١ / ٤٢٠.\n(٣) انظر ص ٨٩ - جـ ١ من الكتاب المذكور.\n(٤) انظر: نيل الأوطار جـ ٣: باب من تجب عليه ومن لا تجب ص ٢٧٦، وراجع ما يتصل بالجمعة فى الصحيحين، وكتب السنن.","vol":"1","page":1000},{"text":"مملوك، أو امرأة، أو صبى، أو مريض \" وغير ذلك من الأحاديث الشريفة التى تؤيد روايات الشيعة القائلين بوجوبها، دون اشتراط الإمام، فالقرآن الكريم والسنة الشريفة صريحان بإيجاب الجمعة دون هذا الشرط، بل إن روايات الأئمة تصرح بذلك كما ذكر من قبل، ولم ينقل أحد عن الأئمة أنهم كانوا ينصبون للناس إمامًا للجمعة بالخصوص (١) . فالشيعة الذين أسقطوا الجمعة قد خالفوا كتاب الله، وسنة رسوله.\nوقد أثار ذلك الشيخ الخالصى الذى انفرد بإقامتها (٢) دون سائر شيعة العراق، فألف كتابًا أسماه \" الجمعة \" ليثبت أنها واجبة عينًا فى جميع الأزمنة، وقد استطاع أن يثبت ذلك بما لا يدع لأي شيعى مجالًا للتردد فى إقامتها، إن كان يريد أن يطيع الله ورسوله.\nذكر قول الله تعالى فى سورة الجمعة: \"\" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ \"\".\nوقال: اشتملت هذه الآيات على ضروب من التأكيدات، ووجوه من الدلالات، جعلتها نصًا على الوجوب التعيينى فى جميع الأزمنة (٣) . وأخذ يبين هذه التأكيدات والدلالات، ومما ذكره أن:\n\" الأحكام الواردة بعد الخطابات العامة فى القرآن كلها تشمل جميع المكلفين، وقد أوضحت ذلك السنة بقولها (حلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم\n_________\n(١) انظر: فقه الإمام جعفر الصادق ص ٢٦٧.\n(٢) ومن بعده ابنه، ويقال له أيضًا: الشيخ الخالصى، ومحمد اسم كل منهما.\n(٣) ص ٤ من الكتاب المذكور.","vol":"1","page":1001},{"text":"القيامة) ومن جملتها حكم صلاة الجمعة. فما الذى خصصه بزمان النبى والأئمة ﵈، وأي شيىء أسقطه عمن كان فى زمن الغيبة؟ وما الذى استثناه من سائر الأحكام الخطابية حتى شملت المعدومين دونه؟\nومن جملة ضروب التأكيد توحيد الخطاب بالنداء إلى الذين آمنوا، إيماء إلى أن صلاة الجمعة من لوازم الإيمان، وإلا لم يبق فرق بين قوله: \"\" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا \"\" وقوله: \"\" يَا أَيُّهَا النَّاسُ \"\" والذين آمنوا لفظ يشمل جميع المؤمنين، إذ ليس الخطاب بمقصود كأمر، فما الذى أسقطها عن مؤمنى زمان الغيبة؟\nولو كان لها بدل فى زمان لما كان فعلها من لوازم الإيمان، إذ تركها حينئذ إلى بدل يكون جائزًا للمؤمنين.\nومن جملتها \" إذا \" لفظ عام، وهو يدل على تحقق الجزاء عند تحقق الشرط، فالأمر بالسعى حاصل كلما تحقق النداء، فما الذى سوغ لأهل زمان الغيبة عدم امتثال أمر الله عند النداء؟\nومنها أن لفظ (نودى) فعل مبنى للمفعول، وترك فيه الفاعل ليدل على وجوب السعى عند أي مناد من غير اعتبار شرط فيه من عصمة أو غيرها، لأن حذف المتعلق دليل العموم كما تقرر فى البيان والأصول، ولو كان إذن الإمام شرطا لما كان بحذف المتعلق وجه.\nومنها أن لفظ الصلاة عام، وذكرها تأكيدا لبيان اشتمال صلاة الجمعة على كل ما اشتملت عليه الصلاة من المصالح التى ذكرت لها: كالنهي عن الفحشاء والمنكر، وغير ذلك.\nإن وجوبها متعين على المكلفين بدون شرط إذن الامام كما هو كذلك فى ساير الصلوات، لأنها صلاة مثلها، فكيف أبيح تركها لأهل زمان الغيبة ولو إلى بدل؟ أو جعلت حرامًا عليهم مع أنها صلاة بنص الكتاب؟\n\"\"","vol":"1","page":1002},{"text":"أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهي عَبْدًا إِذَا صَلَّى \"\" (١) .\nواستمر فى ذكر مثل هذه الدلالات ثم قال:\nوعلى كل حال فكيف يناسب هذا الاهتمام الشديد فى الكتاب المجيد سقوط الجمعة عن المسلمين فى زمان الغيبة، بل بعد خلافة الحسن بن على ﵉، لأن الأئمة كانوا ممنوعين عن إقامتها، فلم تكن واجبة إلا عشر سنين زمن النبى، وأربع سنين زمن خلافة على والحسن ﵉ (٢) .\nولو قلنا إن الآيات تدل على الوجوب التعيينى المطلق فى كل زمان، والخبر الدال على سقوطه عن أهل زمان الغيبة، مخصص لها، فالأمر يكون أشكل، لأن ذلك يكون من باب النسخ، والقول بنسخ الكتاب بالخبر الواحد، ولا سيما غير النبوى، جرأة على الله ورسوله، والمدعى دلالته من الأخبار على السقوط ليس من الأخبار النبوية.\nعلى أن هذا مناف لكون حلال محمد حلالًا إلى يوم القيامة، وحرامه حرامًا إلى يوم القيامة، ومستلزم لنزول الوحي على المهدى، لأنهم متفقون على وجود صلاة الجمعة زمانه، ولا دليل عليه، إذ الآيات مخصصة بزمان الغيبة، فلا يعود الحكم بغير الوحي، والقول بذلك ينافى الإيمان، فلا يتم القول بالسقوط إلا بادعاء شرطية الإذن للوجوب أو الصحة، وهو مخالف لنص الكتاب.\nفنحن فى غنى عن مراجعة الأخبار والبحث فى سندها ودلالتها، بعد قيام الحجة علينا فى وجوبها علينا بكتاب الله، ونحن ندينه ونتقرب إليه بإقامتها، ونسأله التوفيق لذلك، ولكل ما يرضيه عنا، وإنه أرحم الراحمين.\nهذا على سبيل التنزل، وفرض أن يكون فى الأحاديث ما يدل على السقوط عن أهل زمان الغيبة، وهذا الفرض مخالف للواقع، إذ السنة نطقت بما نطق به\n_________\n(١) انظر ما سبق فى ص ٥ - ٧.\n(٢) انظر ما سبق فى ص ٩.","vol":"1","page":1003},{"text":"الكتاب، ونصت على ما نص عليه، وليس فى الأحاديث ما يدل على شرطية الإمام أو إذنه، أو الحرمة أو التخيير فى زمن الغيبة، وقد تواترت الأحاديث بوجوبها التعيينى على كل مكلف، سواء فى زمن الغيبة أو الحضور (١) .\nوهذا بعض ما أورده الشيخ الخالصى فى كتابه (٢) .\nومن قبله آخرون ارتأوا هذا الرأي، واستدلوا عليه، منهم الشيخ ملا محسن المعروف بالفيض الكاشانى، ألف كتابا أسماه \" الشهاب الثاقب فى تحقيق صلاة الجمعة ووجوبها العينى \".\nقال فى مقدمة كتابه: \" هذه رسالة فى رفع الشبهة التى وقعت لبعض متأخرى أصحابنا فى حتمية وجوب صلاة الجمعة فى زمان الغيبة ابتغيت بتأليفها وجه الله سبحانه لما رأيت أنه قد ابتلى بالبلية أهل الإيمان فى هذا الزمان، وخذلهم بحده وعداوته الشيطان، حتى هدمت أعظم قواعد الدين بالشبهة لا بالبرهان، وحرمت أهم العبادات بالجهل والخذلان \" (٣) .\nوقال كذلك: \" إن جميع علماء الإسلام طبقة بعد طبقة قاطعون بأن النبى - ﷺ - استمر يفعلها على الوجوب العينى طول حياته المقدسة، وأن النسخ لا يكون بعده - ﷺ -.\nولم يذهب إلى اشتراط وجوبها بشرط يوجب سقوطها فى بعض الأزمان، إلا رجل واحد أو رجلان من متأخرى فقهائنا الذين هم أصحاب الرأي والاجتهاد،\n_________\n(١) انظر ما سبق فى ص ١٧ - ١٨.\n(٢) أورد بعد ذلك الأحاديث الموجبة للجمعة (ص ١٨ - ٥٤) وذكر فيها أن أئمتهم كانوا أشد الناس مواظبة على صلاة الجمعة، وكانوا يصلونها مع الجائرين، ثم نفى التعارض بين الكتاب الكريم والأخبار فى أحكام الجمعة (ص ٨٠ - ٨٤) ورد على الشبهات التى تمسك بها القائلون بالوجوب التخييرى فى (ص ٨٥ - ١٦٧) وكذلك على شبهات القائلين بحرمة الجمعة زمن الغيبة (ص ١٦٧ - ١٧٢) .\n(٣) ص ١٥ من الكتاب المذكور.","vol":"1","page":1004},{"text":"دون القدماء الذين لا يتجاوزون مدلول ألفاظ الكتاب والسنة، وأخبار أهل البيت صلوات الله عليهم فإنه لا خلاف بينهم فى وجوبها الحتمى \" (١) .\nثم استدل بعد ذلك بكلام الله تعالى، وبالأحاديث المروية عن النبى - ﷺ -، وبكلام الأئمة، وبالإجماع وبالوجوه العقلية.\nوالسيد هبة الدين الحسينى، المعروف بآية الله الشهرستانى، فى كتيبه \" وجوب صلاة الجمعة \" استدل على هذا الوجوب، وذكر أسماء سبعة وأربعين من فقهاء الإمامية القائلين بالوجوب (٢) .\nوفى كل هذا غنى وكفاية، فما الذى دعا معظم شيعة اليوم إلى ترك هذه الفريضة؟ وما الذى يخشونه لو استجابوا لنداء الله تعالى، ولم يضيعوا الجمعة التى تعد عيدًا إسلاميًا باعترافهم (٣) .\nولمَ لم يقيموها حتى فى مناطق تجمعهم؟ أرى أنهم فى ذلك على ضربين: ففريق منهم رأوا أنهم إن صلوا الجمعة قاموا مقام الإمام المعصوم، وأخذوا منصبه من غير إذنه، وجعلوا إمامهم من اغتصب هذا المنصب (٤) .\nوهؤلاء فيما يظنونه خاصًا بالإمام يتعصبون تعصبًا جاهلًا كل الجهل، ولهذا رأينا بعضهم يضع الجمعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعتبر الجمعة منكرًا (٥) .\n_________\n(١) نفس الكتاب ص ١٥ - ١٦.\n(٢) انظر الكتيب ص ١٦ - ٢٢.\n(٣) انظر: مفتاح الكرامة ٢ / ٧٠ كتاب الصلاة. وانظر كذلك: جواهر الكلام (١١ / ١٣١) حيث يقول مؤلفه عن يوم الجمعة: \" ليس للمسلمين عيد - بعد يوم غدير خم - أولى منه، بل هو أعظم عند الله من يومى الفطر والأضحى \" فهو يقدمه على العيدين ولكن الناحية المذهبية جعلته يضع كل هذه الأعياد بعد يوم الغدير!\n(٤) انظر مفتاح الكرامة - كتاب الصلاة ٢ / ٦٧.\n(٥) انظر نفس المرجع ص ٦٠.","vol":"1","page":1005},{"text":"والفريق الآخر: نظر إلى الجمعة نظرة دنيوية لا دينية، فقد نقل أحد علمائهم المعاصرين (١) عن صاحب الجواهر قوله: قيل \" إن بعضهم كان يبالغ فى حرمتها - أي الجمعة - حال قصور يده، ولما ظهرت له كلمة بالغ فى وجوبها، ولولا خوف الملل لنقلنا أكثر كلماتهم فى هذه الوسائل، وأوقفنا على ما فيها من الفضائح والغرائب \".\nوعقب على ذلك بقوله: \" ولا أدرى ماذا كان يسجل صاحب الجواهر لو رأي قضاة الشرع اليوم، الذين أعرضوا عن كتاب الله، وسنة نبيه، وإجماع العلماء والعقل والحياء، واتخذوا من شهواتهم وأهوائهم مقياسا للدين والشرعية، واستعاضوا عن مصادرها بالرشوات، وإغراء السيدات من ربات الحاجات، وبالشفاعات والوساطات، ووجاهة الوجهاء وأبناء الدنيا \". ا. هـ.\nوقد أردت من ذكر هذا قبيل توضيح الرأي أن أبين أن هذا الفريق يحكم الهوى والمصلحة الدنيوية، غير عابئ بأحكام الشرع المقدسة، ولهذا نظروا إلى \" الخمس \" (٢) الذى يأخذ أئمة المساجد منه الآن النصيب الأوفى، ورأوا أنهم لو أقاموا الجمعة فسيقيمها في كل بلدة إمام واحد لاشتراط المسافة، وضرورة التجمع، ومعنى ذلك أن الأخماس ستنهال عليه دون الآخرين، فقنع كل بإقامة الظهر فى مسجده، واستغنوا عن العيد الإسلامي بمتاع دنيوي.\nهذا ما بدا لي، والله سبحانه أعلم بالصواب.\n_________\n(١) هو الشيخ محمد جواد مغنية - انظر كتابه فقه الإمام جعفر الصادق ص ٢٦٨ وانظر كذلك كتاب \" جواهر الكلام \" ١١ / ١٧٨، ١٧٩.\n(٢) يرى الشيعة إيجاب الخمس فى الغنائم والكنائز، وأرباح التجارات، وغيرها، ونصف هذا الخمس يعطى للإمام، واختلفوا فى زمن الغيبة لمن يعطى؟ وكثير منهم يعطيه أئمة المساجد.","vol":"1","page":1006},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>سابعا: صلاة الجنازة</span>\nرأينا من قبل كيف أن الشيعة أجازوا صلاة الجنازة بغير طهارة، وناقشناهم فيما ذهبوا إليه. وهنا نراهم يذهبون إلى أن عدد التكبيرات في الصلاة خمس، وأن الانصراف منها بلا تسليم.\nوإذا كان الحنفية والمالكية والشافعية يذهبون إلى أن التكبير أربع فقط، ففى رواية عن أبى يوسف أنها خمس، والحنابلة يذهبون إلى جواز ذلك، حيث إنهم لا يجيزون الزيادة على سبع ولا النقصان عن أربع، والأولى عندهم أربع لا يزاد عنها.\nوقد روى عن رسول الله ﵌ أنه كبر أربعًا وخمسًا وأكثر من ذلك، حتى أن عمر بن الخطاب ﵁ جمع الصحابة حين اختلفوا في عدد التكبيرات، وقال لهم: إنكم اختلفتم، فمن يأتى بعدكم أشد اختلافًا، فانظروا آخر صلاة صلاها رسول الله - ﷺ - على جنازة فخذوا بذلك، فوجدوه صلى على امرأة كبر عليها أربعًا، فاتفقوا على ذلك، وكأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة فى سائر الصلوات، وليس في المكتوبات زيادة على أربع ركعات، ولكن ابن أبى ليلى ﵀ يقول: التكبيرة الأولى للافتتاح فينبغى أن يكون بعدها أربع تكبيرات، كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وأكثر أهل العلم يرون التكبير أربعا، فمنهم - إلى جانب من ذكر - ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن أبى أوفى، والحسن بن على، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وابن الحنفية، وعطاء، والأوزاعي، والثوري، وقد ذهبوا إلى ذلك لأن النبي - ﷺ - كبر على النجاشي أربعًا. متفق عليه. وكبر على قبر بعد ما دفن","vol":"1","page":1007},{"text":"أربعًا، وكذلك آخر ما كبر على الجنائز كان أربعًا، وجمع عمر الناس على أربع كما سبق، ولأن أكثر الفرائض لا تزيد على أربع (١) .\nوكان من الممكن ألا نناقش هذا الخلاف، فمع أن الأربع رأي من ذكرنا وحجتهم واضحة، إلا أن الخمس قال بها أبو يوسف، وأجازها الحنابلة، وأخذ بها ابن أبى ليلى، وكل قد روى عن الرسول ﵌، حتى أن أصحاب عبد الله بن مسعود قالوا له: إن أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمسًا فلو وقت لنا وقتًا. فقال: إذا تقدمكم إمامكم فكبروا ما يكبر، فإنه لا وقت ولا عدد (٢) . وروى عنه أنه قال: التكبير تسع وسبع وخمس وأربع، وكبر ما كبر الإمام (٣) .\nمثل هذا أيضا قد روى عن طريق الشيعة، فقد رووا أن أبا جعفر الباقر سئل عن التكبير على الجنازة هل فيه شيء موقت؟ فقال: لا، كبر رسول الله - ﷺ - أحد عشر، وتسعًا، وسبعًا، وخمسًا، وستًا، وأربعًا. ورووا عن الإمام على أنه كبر خمسًا وأربعًا (٤) .\nومع هذا فهم يأبون إلا الخلاف؛ فقالوا بالخمس، وأجازوا ما زاد، ولم يجيزوا الأربع إلا مع التقية، أو كون الميت مخالفا لهم، لأن الرسول - ﷺ - كان - في زعمهم - يصلى على المؤمنين فيكبر خمسًا، وعلى المنافقين فيكبر أربعًا (٥) .\n_________\n(١) انظر المبسوط ٢ / ٦٣، والأم ١ / ٢٣٩، وحاشية الدسوقى ١ / ٤١١، والمغنى ... ٢ / ٣٩٢ - ٣٩٤، وبداية المجتهد ١ / ٢٤٠، ونيل الأوطار ٤ / ٩٨ - ١٠١، وسبل السلام ٢ / ١٠١ - ١٠٣.\n(٢) انظر المغنى ٢ / ٢٩٣.\n(٣) انظر: نيل الأوطار ٤ / ١٠٠.\n(٤) انظر: وسائل الشيعة ٣ / ٤٢٣، ص ٤١٦.\n(٥) انظر المرجع السابق ص ٤١٠ – باب وجوب تكبيرات الخمس في صلاة الجنازة وإجزاء الأربع مع التقية، أو كون الميت مخالفا.","vol":"1","page":1008},{"text":"فهم بذلك ينزلون المخالفين لهم من المسلمين كافة منزلة المنافقين الذين هم فى الدرك الأسفل من النار (١) .\nويلعب الخيال الشيعى الوضاع هنا دوره كذلك فيروون روايات منها: إن علة التكبير على الميت خمسًا أن الله أخذ من كل فريضة تكبيرة للميت، فأخذ من الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، وإن العلة فى ترك العامة - يعنى باقى المسلمين - تكبيرة: أنهم أنكروا الولاية وتركوا تكبيرها (٢) .\nويحتج الشيعة هنا بإجماعهم، وبروايات منها ما يروونه عن الإمام الصادق: \" لما مات آدم فبلغ إلى الصلاة عليه، فقال هبة الله لجبرئيل: تقدم يا رسول الله فصل على نبى الله، فقال جبرائيل: إن الله أمرنا بالسجود لأبيك، فلسنا نتقدم أبرار ولده، وأنت من أبرهم، فتقدم فكبر عليه خمسًا عدة الصلوات التى فرضها الله على أمة محمد ﵌، وهي السنة الجارية فى ولده إلى يوم القيامة \" (٣) .\nومنها ما يروونه عن أئمتهم أنهم قالوا: \" كان رسول الله ﵌ يصلى على المؤمنين ويكبر خمسًا، ويصلى على أهل النفاق - سوى من ورد النهي عن الصلاة عليهم - فيكبر أربعًا، فرقًا بينهم وبين أهل الإيمان، وكانت الصحابة إذا رأته قد صلى على ميت وكبر أربعًا قطعوا عليه بالنفاق \" (٤) .\nولهذا خرجوا الروايات التى تذكر الأربع على أن الصلاة كانت على منافقين، أو على التقية كما ذكرنا آنفا.\n_________\n(١) يرون في الصلاة علي المنافق الدعاء عليه، وبعضهم يفسر المنافق بالناصب، وآخرون يرونه كل مخالف مطلقا (انظر مفتاح الكرامة، كتاب الطهارة ص ٤٨٠) .\n(٢) انظر نفس المرجع ص ٤١٧، وانظر المسح علي الخفين في الفصل السابق تجد رواية فيها التكبير علي الجنائز خمس تكبيرات، وقد بينا أنها موضوعة.\n(٣) وسائل الشيعة ٣ / ٤١٣.\n(٤) نفس المرجع ص ٤١٦، وانظر لاستدلالاتهم كذلك: الحقائق جـ ٢ ٤٥ - ٧٤.","vol":"1","page":1009},{"text":"ولا ندرى كيف أن الصلاة على آدم كانت بخمس تكبيرات، وأن هذه هي السنة إلى يوم القيامة؟ (١) ومن الذى عنده علم هذا ما دام الرسول ﵌ لم يخبرنا به؟\nوإذا كان الرسول يعلم هذا فلم يخرج على هذه السنة فيصلى بغير الخمس كما ورد عن الطريقين؟\nثم أنى للرسول الكريم أن يصلى على المنافقين بعد أن نهاه ربه سبحانه عن ذلك في قوله تعالى: \"\" وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ \"\" (٢) فهذه الآية الكريمة تشمل المنافقين جميعا، فمن إذن أولئك المنافقون الذين لم يرد النهي بالصلاة عليهم؟\nوإذا كان الصحابة يعلمون أن تكبير الأربع لا يكون إلا في الصلاة على المنافق، فكيف بهم إذن يجتمعون فى عهد عمر على الأربع (٣) .\n_________\n(١) وفي إحدي رواياتهم أن هبة الله كبر خمسا وسبعين تكبيرة بعدد صفوف الملائكة الذين صلوا عليه، وفي أخري أنه كبر خمسا وسبعين تكبيرة: سبعين لآدم، وخمسا لأولاده، وفي ثالثة أن السبعين تفضلا لآدم، والخمس للسنة (انظر الوسائل ٣ / ٤٢٣، ٤٣٠) وهذا الاضطراب نتيجة حتمية لمن قال بغير علم.\n(٢) ٨٤: التوبة.\n(٣) تري - معاذ الله - هل وهم هؤلاء أيضا، وظل هذا الوهم إلي أن اكتشفه صاحب كتاب الحقائق حيث يقول (٢ / ٤٨ - ٤٩): \" تكبيره - أي الرسول الكريم - خمسا كان علي المؤمنين، وتكبيره أربعا كان علي المنافقين، ومن هنا وهم إخواننا فعملوا علي الأربع \"!\n\nوفي رواية لابن عبد البر أن النبي - ﷺ - بعد أن صلي علي النجاشي وكبر أربعا، ثبت علي هذا التكبير حتي توفاه الله (انظر: سبل السلام ٢ / ١٠٣، وبداية المجتهد ١ / ٢٤٠) فهل معني ذلك أن إخوانه السنة لم ينتبهوا إلي أن النجاشي ومن صلي عليهم الرسول بعده، كانوا جميعا منافقين؟! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم! كان الأجدر بصاحب الحقائق أن يبحث عن الحقائق بحثا جادا نزيها بلا تعصب، بدلا من أن ينسب الوهم لجمهور المسلمين.","vol":"1","page":1010},{"text":"فما ذهب إليه الشيعة يرفضه الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، وإجماع الكثيرين من الصحابة الأجلاء، وليس لهم من مستند إلا حب الخلاف، وإجماعهم الذى لا جدوى منه، والذى دفعهم إلى الوضع والتحريف.\nوأما إسقاطهم التسليم، فكما قلنا من قبل، عند إسقاطهم الطهارة بأن هذه صلاة مفروضة، والمشرع هو الذى أسقط الركوع والسجود، فليس من حق أحد غيره أن يسقط شيئا آخر (١) .\nعلى أنا إذا نظرنا فى روايات الشيعة وجدنا منها عددا يشترط التسليم، وحمل هذه الروايات على التقية فيه من التناقض ما لا يقبله العقل فإنها تذكر خمس تكبيرات، وبلا قراءة، وفيها دعاء للميت (٢) .\nفمعنى هذا فى مذهبهم أنها صلاة على من ليس بمخالف، فلو كانت هذه الروايات وردت مورد التقية لاقتضى المذهب الشيعي أن تكون التكبيرات أربعًا، وأن تكون الصلاة بقراءة، فإنهم يجيزون الأربع والقراءة تقية، لأن ذلك مذهب أكثر السنة، فأما أن تأتى الروايات بالشروط التي يرونها كاملة، حتى إذا ما انتهت بالتسليم حملوه على التقية فهذا عين التناقض.\nوأعجب من هذا أن بعضهم يرى أن التسليم زيادة عن حمله على التقية يمكن كونه كناية عن الانصراف، ويحمل كونه سنة خارجة عن صلاة الجنازة لاستحباب التسليم عند المفارقة (٣) .\nفأيهما أولى بالحمل على الكناية: أن نحمل \" ثم تنصرف \" التى وردت فى بعض رواياتهم على الانصراف المعهود وهو بالتسليم، أم أن نحمل التسليم على\n_________\n(١) انظر ما سبق عن التيمم.\n(٢) انظر: وسائل الشيعة ٣ / ٣٩٧: الرواية السادسة، وص ٣٩٩: الروايتين العاشرة والحادية عشرة.\n(٣) انظر المرجع السابق ص ٤٣٥.","vol":"1","page":1011},{"text":"الإنصراف بدون تسليم؟ على أن إحدى رواياتهم ورد فيها \" فإذا فرغت من الصلاة على الميت انصرفت بتسليم \".\nثم إذا كان التسليم سنة خارجة عن صلاة الجنازة فلم يذكر في بيان كيفية الصلاة؟\nلابد إذن من التسليم كسائر الصلوات، ورواياتهم التى تعارض هذا لا يمكن الأخذ بها، فهي إلى جانب معارضتها بروايات لا تقل عنها، نرى في بعضها ظهور وضعه لنصرة الرأي، فمثلًا يروون عن أبى الحسن الرضا أنه سئل عن الصلاة على الميت فقال: \" أما المؤمن فخمس تكبيرات، وأما المنافق فأربع، ولا سلام فيها \".\nوقد أثبتنا في التكبير خطأ هذا الرأي، مما يؤدى إلى إسقاط مثل هذه الرواية.\nوفى وسائل الشيعة (٢/ ٧٦٢: ٨١٩) نجد أبواب صلاة الجنازة، وفى الأخبار التي ينسبونها كذبًا للأئمة الأطهار نرى ما يؤيد ما سبق من أقوالهم الضالة من كون التكبيرات لا تكون أربعًا إلا مع التقية أو كون الميت منافقًا، أو مخالفًا للشيعة الرافضة.\nوصلاة الجنازة إنما شرعت للدعاء للميت، وطلب الرحمة والمغفرة له، ولذلك نهي الله ﷿، رسوله - - ﷺ -، عن الصلاة عمن لا يستحقون الرحمة والمغفرة وإن تظاهروا بالإسلام وهم المنافقون حيث قال جل شأنه في سورة التوبة (٨٤): \"\" وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ \"\". وكان - ﷺ - يعامل المنافقين بحكم الظاهر معاملة المسلمين، حتى نزلت هذه الآية، فما صلى بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض - ﷺ -.\nولكن الرافضة جعلوا الصلاة على غيرهم من الموتى على عكس ما شرعه الله ﵎، وجاءوا إفكًا وزورًا بما لا يتفق مع أخلاق المسلمين، فضلًا","vol":"1","page":1012},{"text":"عن خلق خير البشر صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، حيث جعلوا الصلاة للدعاء على الميت وليس الدعاء له ما دام الميت لم يكن من غلاة الرافضة وزنادقتهم.\nوأكتفي هنا بالنظر في باب واحد من هذه الأبواب، فإنه يكشف حقيقة هؤلاء القوم بما لا يدع مجالًا للشك أو التبرير.\nوهذا الباب هو \" كيفية الصلاة على المخالف، وكراهة الفرار من جنازته إذا كان يظهر الإسلام \". (ص ٧٦٩: ٧٧١) . فالباب إذن يتحدث عن كيفية الصلاة على من خالف الرافضة، فكيف تكون هذه الصلاة التى ابتدعها زنادقة هؤلاء القوم؟\nيتضمن الباب سبع روايات، إحداها بلغ الوضاعون بها رسول الله - ﷺ -، والباقيات منسوبة للأئمة.\nوالروايات الستة تتحدث عن المخالفين، لكن بعضهم يصف المخالف بالنفاق، وبعضها يذكر أن الميت كان من بنى أمية، وكلها تذكر الدعاء على الميت مثل ما نسبوه للإمام الصادق في الرواية الأولى: \" اللهم فاحش قبره نارا واحش جوفه نارًا، وعجل به إلى النار، فإنه كان يوالى أعداءك، ويعادى أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك. اللهم ضيق عيه قبره \".\nوما نسبوه للإمام الحسين - رضي الله تعالى عنه - فى الرواية الثانية أنه رفع يديه فقال: \" اللهم أخزِ عبدك في عبادك وبلادك، اللهم اصله أشد نارك، اللهم أذقه حر عذابك، فإنه كان يتولى أعداءك، ويعادى أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك \".\nوما نسبوه لأبى جعفر الباقر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في الرواية الخامسة: \" إن كان جاحدًا للحق فقل: اللهم املأ جوفه نارًا، وقبره نارًا، وسلط عليه الحيات والعقارب \".","vol":"1","page":1013},{"text":"أما الرواية المرفوعة، وهي رقم (٤)، فتنسب للإمام الصادق أنه قال: \" لما مات عبد الله بن أبى ابن سلول حضر النبى ﵌ جنازته، وقال عمر: يا رسول الله، ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فسكت، فقال: ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فقال له: ويلك وما يدريك ما قلت؟! إنى قلت: اللهم احش جوفه نارًا، واملأ قبره نارًا، وأصله نارًا.\nوضلال هذه الرواية المفتراة أوضح من أن يناقش..\nهذا باب من الأبواب التى وضعها غلاة الرافضة وزنادقتهم، وسار عليها الشيعة الاثنا عشرية، فهذه مصادر تحصيل شريعتهم ولذلك نحذر جميع المسلمين من أن يشترك هؤلاء فى صلاة الجنازة، فإنهم سيدعون على الميت بمثل هذه الدعوات الآثمة الفاجرة!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>ثامنًا: النوافل</span>\nذكرنا في مناقشتنا للأغسال المندوبة أن كثيرًا منها مما يرى الشيعة استحبابه يتعلق بمذهبهم، كالاغتسال لزيارة الأئمة، أو يوم الغدير، أو المباهلة، وتتكرر الصورة هنا فنرى صلاة الزيارة والغدير والمباهلة وهكذا.\nوهذا - كما قلنا هناك - تبع للخلاف فى المذهب من أساسه (١) . ونرى هنا كذلك صورة أخرى للصلاة تعمد إلى قراءة سور معينة مع الفاتحة، مع تكرار هذه السور لدرجة تجعل المصلى مشغولا بالعد والإحصاء أكثر من التدبر والتأمل والخشوع، كتكرار السورة مائة مرة بل ألف مرة، ومثل هذه لم تثبت عن الرسول ﵌، وقد نجد لها مكانًا فى الأحاديث الموضوعة (٢) .\nوالشيعة ينسبون بعضها إلى الإمام على أو السيدة فاطمة الزهراء أو غيرهما.\n_________\n(١) راجع ص ٧٤.\n(٢) انظر مثلا: اللآلئ المصنوعة ٢ / ٤٨ - ٦٢، والفوائد المجموعة ١ / ٤٤- ٥٢.","vol":"1","page":1014},{"text":"وإذا كان هناك خلاف بين الشيعة والسنة حول السنن الراتبة فى اليوم والليلة أو غيرها، فإنا نجد الخلاف أيضا بين الشيعة أنفسهم.\nوكذلك السنة، حتى أن الإمام مالكا لم يوقت شيئًا معلومًا للسنن الرواتب وقال فى صلاة الليل والنهار: النافلة مثنى (١) . فقد اختلفت الآثار الواردة فى النوافل، وهي - كما قيل سابقًا - قربان كل تقى، وخير موضوع، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر.\nولكن الذى يلفت النظر هنا هو موقف الشيعة من صلاة الضحى والتراويح، وما يروونه عن رسول الله ﵌ لتأييد مذهبهم. فصلاة الضحى ثبت أن الرسول - ﷺ - صلاها، ولكنه لم يداوم عليها (٢) وحتى لو لم يثبت ذلك فهي نافلة فى وقت غير منهي عنه، والشيعة وهم يستدلون على عدم مشروعيتها، يأتون بروايات - لو صحت - تدل على خطأ من ينهي عنها، مثل ما يروونه عن عبد الله بن المختار الأنصارى، عن أبى جعفر قال: سألته عن صلاة الضحى، فقال أول من صلاها قومك، إنهم كانوا من الغافلين فيصلونها، ولم يصلها رسول الله - ﷺ -. قال: إن عليًا مر على رجل وهو يصليها، فقال على: ما هذه الصلاة، فقال: أدعها يا أمير المؤمنين؟ فقال على: أكون أنهي عبدًا إذا صلى \" (٣) .\nوأما صلاة التراويح فقد روى أن النبى - ﷺ - - صلى في المسجد ذات ليلة من رمضان فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا\n_________\n(١) انظر: المدونة ١ / ٩٧ – ٩٩.\n(٢) انظر: الموطأ ١ / ١٢٧ – ١٣٠، والمغني ١ / ٧٧١ – ٧٧٢، وسبل السلام ... ٢ / ١٦ –١٧، والبخاري وشرحة فتح الباري – كتاب التهجد: باب صلاة الضحي في السفر، وباب من لم يصل الضحي ورآه واسعا، وباب صلاة الضحي في الحضر.\n(٣) الوسائل ٥ / ١٠٤.","vol":"1","page":1015},{"text":"فى الليلة الثالثة فخرج إليهم رسول الله - ﷺ -، فلما أصبح قال: \" قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم \"، وفى رواية للبخارى: \" أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها \" (١) .\nإلى جانب روايات أخرى، والثابت أنها لم تأخذ الصورة التى عليها الآن إلا فى عهد عمر بن الخطاب، حيث جمع الناس علَى أبىّ بن كعب، وأخرج القناديل إلى المسجد، فجعلهم جماعة واحدة بعد أن كانوا يصلونها جماعات، وفرادى. وفى عهد على بن أبى طالب بقيت هذه السنة ولم يمنع المسلمين منها، بل على العكس كان معجبا بما قام به عمر، وروى أنه قال نور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا (٢) .\nومع هذا نجد الإمام الشافعى - من المذاهب الأربعة - يرى عدم استحبابها جماعة، وإنما فرادى (٣)، فلو اقتصر الشيعة الاثنا عشرية على عدم استحبابها لما كان هناك خلاف يذكر، فهم يرون قيام رمضان فرادى. لكن الخلاف الذى استحق الذكر هو أنهم أخذوا برواية موضوعة نتيجة لدور عمر في صلاة التراويح، وهو الخليفة الثانى، وكان له أثره في بيعة الخليفتين الأول والثالث، والثلاثة في نظر الشيعة الرافضة قد أخذوا حق علي في الخلافة، وهذه الرواية هي أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيصلى. فخرج من أول ليلة في شهر رمضان ليصلى ما كان يصلى، فاصطف الناس خلفه، فهرب منهم إلى بيته فتركهم ففعلوا ثلاث ليال. فقام في\n_________\n(١) انظر فتح الباري (٣ / ١٠) رواية رقم ١١٢٩ وشرحها.\n(٢) انظر: المبسوط ٢ / ١٤٤ – ١٤٥، والموطأ ١ / ١٠٢ – ١٠٥، والمغني ... ١ / ٨٠١ – ٨٠٤، وانظر كذلك: سبل السلام ٢ / ٩ – ١١، والمنتقي ص ٥٤١ – ٥٤٢، والبحر الزخار ٢ / ٣٥ وما في حاشيته من كتاب: جواهر الأخبار.\n(٣) انظر الأم ١ / ١٢٥.","vol":"1","page":1016},{"text":"اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: يا أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان في النافلة جماعة بدعة، صلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلًا في شهر رمضان لصلاة الليل، ولا تصلوا صلاة الضحى، فإن تلك معصية، ألا وإن كل بدعة ضلالة، وإن كل ضلالة سبيلها إلى النار، ثم نزل وهو يقول قليل في سنة خير من كثير في بدعة (١) .\nفهذه الرواية ينقضها ما سبق من صلاة الرسول ﵊، والصحابة والخلفاء الراشدين ﵃، وكيف تكون النافلة التى هي قربى إلى الله تعالى معصية وبدعة ضالة تؤدى إلى النار؟ وإذا وجدنا بدعة فإنما جمع الناس على إمام في جماعة واحدة بعد أن كانوا يؤدونها جماعات ووحدانا، وهذا الاجتماع لم يكن إلا بعد الرسول - ﷺ -، وهو ما قصده عمر عندما خرج ذات ليلة بعد أن جمع المسلمين على أبى بن كعب ووجد اجتماعهم في الصلاة، فقال: \" نعمت البدعة هذه \".\nفعمر لم يشرع صلاة جديدة، وإنما جعل الجماعات جماعة واحدة لخير ارتآه (٢)، والرسول - ﵇ - لم يفعل ذلك رأفة بالمسلمين خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا كما روى عنه، فهذه طبيعته، وكما قالت أم المؤمنين عائشة: كان رسول الله ﵌ يدع العمل وهو يحب أن يعمله، خشية أن\n_________\n(١) انظر: الاستبصار ١ / ٤٦٧ – ٤٦٨، وقال محمد بن يحي بهران الصعدي، بعد أن ذكر حديثا قريبا من هذا: \" الأقرب أنه موقوف علي علي - ﵇ - إن صحت الرواية عنه \" (انظر: جواهر الأخبار بحاشية البحر الزخار ٢ / ٣٤) . ونقول له: نربأ بعلي أن يقول هذا، فقد صلاهما رسول الله - ﷺ -.\n(٢) تحدث الأستاذ محمد مصطفي شلبي عن الأفعال التي فعلها الصحابة، ولم تكن علي عهد رسول الله - ﷺ -، وبين علة ذلك، وضرب له الأمثال، مؤيدا صحة ما ذهبوا إليه (انظر كتابة: تعليل الأحكام ص ٦٤ – ٧١) .","vol":"1","page":1017},{"text":"يعمل به الناس فيفرض عليهم (١)، فهل يعد ما فعله عمر معصية وضلالة سبيلها إلى النار؟ وكيف خفي ذلك على إجلاء الصحابة؟\nولماذا لم يبطله على وهو بالكوفة؟ بل استحسنه أيما استحسان فأبقاه ودعا لعمر.\nومع هذا فالضحى والتراويح نافلتان، فللمسلم أن يصليهما، وله أن يدعهما، وله أن يصلى التراويح فردا، أو في جماعة، ولكن ليس بمسلم من يتعمد الكذب على رسول الله - ﷺ - ليؤيد ما ذهب إليه، ويبطل ما ذهب إليه مخالفوه.\nونجد في الجزء الثالث من وسائل الشيعة (ص ٧٤ - ٧٥) باب عدم استحباب صلاة الضحى، وعدم مشروعيتها.\nوتحت الباب ست روايات، منها الرواية التي ذكرتها من قبل، ومنها أن الرسول - - ﷺ - - قال: \" صلاة الضحى بدعة \".\nومن وضع هذه الرواية المفتراة نسأله: من الذى يجيء بصلاة بدعة في عهد رسول الله - ﷺ -؟\nفالهدف من هذا الباب برواياته هو مخالفة ما عليه جمهور المسلمين تبعا لأصول هذه الفرقة كما بينتها من قبل.\nوفى الجزء الخامس (ص ٢٢٤ - ٢٢٥) \" باب استحباب صلاة يوم غدير ... \" ومما جاء فيه:\nصيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا.. وهو عيد الله الأكبر، وما بعث الله نبيا إلا وتعبد فى هذا اليوم وعرف حرمته.. ومن صلى فيه ركعتين عدلت عند الله ﷿ مائة ألف حجة، ومائة ألف عمرة ... وما خلق ﷿ - يوما أعظم حرمة منه ... إلى آخر هذه الأباطيل والمفتريات العجيبة التى وضعها غلاة الرافضة.\n_________\n(١) انظر: الموطأ ١ / ١٢٨، وفتح الباري (٣ / ١٠) رواية رقم ١١٢٨ وشرح الرواية رقم ١١٢٩.","vol":"1","page":1018},{"text":"وفى الجزء الخامس أيضًا (ص ٢٨٨: ٢٨٩) نجد الحنين إلى المجوسية حيث يصادفنا \" باب استحباب صلاة يوم النيروز، والغسل فيه، والصوم، ولبس أنظف الثياب، والطيب، وتعظيمه، وصب الماء فيه \"!!\nوكل ضلالة ينسبها الغلاة والزنادقة إلى الأئمة الأطهار كذبًا وبهتانًا.","vol":"1","page":1019},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>الفصل الثالث: الصيام والاعتكاف</span>\nبعد أن انتهينا من الحديث عن الطهارة والصلاة في الفصلين السابقين، وناقشنا بعض النقاط بشيء من التفصيل، نكتفي بهذا كنموذج للمناقشات التفصيلية حتى لا يطول بنا الحديث، فقليل جدًا من فقه هؤلاء القوم الرافضة يخضع للمناقشة العلمية التي نراها في مجال الفقه المقارن.\nوهذا واضح من النموذج الذى قدمناه آنفًا، ويتضح أكثر من العرض الذى يبدأ من هنا إلى آخر أبواب الفقه.\nوفى هذا العرض نشير إلى أهم ما جاء في فقههم تأثرًا بعقيدتهم الباطلة في الإمامة التي اخترعها ابن سبأ كما بينا في الجزء الأول، ثم نذكر بعض الأخبار التي وضعوها لتأييد ما ذهبوا إليه لبيان مدى غلوهم وضلالهم، وهذه الأخبار التي جاءت في كتبهم المختلفة جمعها الحر العاملى في كتابه \" وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة \"، وذكرت في الفصلين السابقين شيئًا من هذه الأخبار، والنقل من الوسائل يغنى عن الرجوع إلى الكتب التي نقل منها، وقد تحدثت عن هذه الكتب، وقدمت دراسة لأهمها في الجزأين الثانى والثالث.\nوننظر في كتب الفقه عندهم فنجد في الصيام ما يأتى:\nفي رؤية الهلال يعتبرون البينة الشرعية خبر عدلين. يأخذون كذلك بحكم الحاكم، ولكن هذا لا يخرج عن النطاق الجعفري، الرافضي، أي أنهم لا يأخذون بشهادة غيرهم ولا بحكمه (١) .\n_________\n(١) راجع مستمسك العروة ٨ / ٤٦١ تجد ما يبين هذا، كما أن واقعهم يدل عليه، فهم لا يأخذون بما تعلنه الدول الإسلامية. وأذكر أننى زرت النجف يوم عيد وقال لى محدثى: \" هذا عيد الحكومة أما عيدنا ففى الغد \" بل وجدت من الذين يزورون مصر من يسلك نفس المسلك.","vol":"1","page":1020},{"text":"وفى شرائط صحة الصوم يشترطون مع الإسلام الإيمان. ويقولون لا يصح الصوم من غير المؤمن (١) وقد عرفنا مرادهم بالإيمان، وقولهم بأن العبادة لا تصح من المخالف إجماعا.\nوفيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطرات يجعلون من هذه المفطرات الكذب على أئمتهم، وألحق بعضهم بهم السيدة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها (٢) .\nوفى المندوب من الصيام يجعلون من المؤكد صوم يومي الغدير والمباهلة، ويجعلون صوم عاشوراء حزنًا (٣) .\nهذا في الصيام، أما الاعتكاف فنجد فيه ما يأتى:\nيشترطون لصحة الاعتكاف الإيمان.. قال صاحب المستمسك (٨ / ٥٣٩): \" الاعتكاف من العبادات إجماعًا، وهي لا تصح من غير المؤمن للإجماع والنصوص كما سبق، مضافا إلى ما في الجواهر: من كون اللبث في المسجد حرام على الكافر والحرمة مانعة من صحة التعبد \"..\nوإذا أضفنا قوله هذا إلى قوله السابق عن الإيمان ظهر أنه ومن يرى رأيه - يعتقد أن المسلم غير الجعفري الرافضي كافر لا يحل لبثه في المسجد. والمؤلف\n_________\n(١) قال الحكيم بأن هذا إجماع محقق (انظر المرجع السابق ص ٤٠٢) .\n(٢) إذن ليس مجرد الكذب هو المفطر، وإنما خصوه بالكذب على هؤلاء إلى جانب الكذب على الله تعالى ورسوله - - ﷺ -، وقالوا: الكذب على الفقهاء والمجتهدين والرواة لا يوجب بطلان الصوم، (انظر المرجع السابق ص ٢٥١ - ٢٥٧) .\nويبقى هنا تساؤل: فوضع الفرق للأحاديث التي تؤيد مبادئهم شيء معروف، وكتب الجعفرية الاثنى عشرية التى درسناها فى أجزاء سبقت رأينا وضوح الكذب والافتراء فيها، فلماذا إذن يجعلون هذا الكذب مفطرًا؟ لعله من باب الإيهام بالصدق، والقناع الذى يستعين به الكذوب، أما الصادقون فإنهم لا يكذبون على هؤلاء ولا على غيرهم.\n(٣) وذلك لأنه يوم استشهاد سيدنا الحسين - رضي الله تعالى عنه، وبالطبع صوم عاشوراء على عهد الرسول - - ﷺ - - لم يكن من أجل هذا.","vol":"1","page":1021},{"text":"هو محسن الحكيم - كان المرجع الأعلى للشيعة في العراق، وهو أحد الثلاثة الذين وجهوا الشيعة الرافضة في عصرنا كما سأبين في خاتمة الكتاب.\nوإلى جانب قولهم بصحة الاعتكاف في كل مسجد جامع، وجدنا منهم من يقول بأنه لا يصح إلا في أحد المساجد الأربعة: مكة والمدينة وجامع الكوفة والبصرة (١) .\nوقال آخرون: الأحوط مع الإمكان كونه في أحد المساجد الأربعة ... المذكورة (٢) .\nويرون أن الاعتكاف يفسده ما يفسد الصوم، أي يدخل فيه الكذب الذى تحدثنا عنه آنفًا.\nهذا بعض ما جاء فى كتب الفقه، أما \" كتاب وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة \" فإنا نجد فيه ما يأتى:\nالجزء السابع يشتمل على الصوم والاعتكاف.. وفى ص ٢٠: ٢٢ نجد باب وجوب إمساك الصائم عن الكذب على الله ﷿، وعلى رسوله - - ﷺ -، وعلى الأئمة.\nومن أحاديث الباب ما روى عن أبى بصير قال: سمعت أبا عبد الله ... (أي الإمام الصادق) يقول: الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم، قال: قلت له: هلكنا. قال: ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله تعالى، وعلى رسولهـ - ﷺ -، وعلى الأئمة.\nومما يضحك - ومن شر البلية ما يضحك! - أن هذا الحديث نفسه من الكذب على الأئمة!\n_________\n(١) في هذه المرة مسجد البصرة بدلًا من مسجد كربلاء.\n(٢) قال صاحب المستمسك (٨ / ٥٤٩) يعقب على القول بالأحوط: \" خروجنا عن شبهة الخلاف المتقدم. أما مع عدم الإمكان فالأحوط الإتيان به فى غيرها برجاء المطلوبية \".","vol":"1","page":1022},{"text":"وفى ص ٩٤: ٩٦ باب جواز الإفطار للتقية والخوف من القتل ونحوه ويجب القضاء.\nومن أحاديث الباب:\nما نسب إلى الصادق: \" لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقًا \".\nوما نسب إليه أيضا: \" لا دين لمن لا تقية له \". وما نسب لغيره: \" وأما الرخصة التى صاحبها فيها بالخيار فإن الله تعالى نهي المؤمن أن يتخذ الكافر وليًا، ثم من عليه بإطلاق الرخصة له عند التقية فى الظاهر أن يصوم بصيامه، ويفطر بإفطاره، ويصلى بصلاته، ويعمل بعمله، ويظهر له استعمال ذلك موسعا عليه فيه. وعليه أن يدين الله سبحانه فى الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين \".\nونلاحظ هنا أنه أطلق المؤمن على الرافضي، والكافر على من يخالف الرافضة!\nومن خرافاتهم وأباطيلهم باب أن من نذر أن يصوم حتى يقوم القائم لزمه ووجب عليه صوم ما عدا الأيام المحرمة!! (ص ٢٨١: ٢٨٢) أي أنه صيام دهر منذ أكثر من ألف ومائة عام!\nوفى ص ٣٢٣: ٣٢٩ باب استحباب صوم يوم الغدير، وهو ثامن عشر ذى الحجة، واتخاذه عيدًا\nوفى روايات الباب أنه أعظم حرمة وأشرف من الفطر والأضحى، وأن صيامه يعدل صيام عمر الدنيا، ويعدل فى كل عام مائة حجة ومائة عمرة مبرورات متقبلات، وهو عيد الله الأكبر!! ومن صامه كان أفضل من عمل ستين سنة!!\nإلى غير ذلك من الضلال والزندقة مما زاد على ما ذهب إليه عبد الله بن سبأ هو نفسه صاحب فكرة الرافضة!","vol":"1","page":1023},{"text":"وفى ص ٣٣٧: ٣٣٩ باب استحباب صوم يوم التاسع والعاشر من المحرم حزنا.. والإفطار بعد العصر بساعة!!\nوفى ص ٣٣٩: ٣٤٢ باب عدم جواز صوم التاسع والعاشر من المحرم على وجه التبرك بهما.\nوفى ص ٣٤٢ باب جواز صوم يوم الاثنين لا على وجه التبرك به.\nوفى ص ٤٠٠: ٤٠٣ باب اشتراط كون الاعتكاف فى المسجد الحرام، أو مسجد النبى - - ﷺ -، أو مسجد الكوفة، أو مسجد البصرة، أو فى مسجد جامع رجلا كان المعتكف أو امرأة.\nومما جاء تحت الباب:\nعن الإمام الصادق: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول - - ﷺ -، أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة.\nوعنه: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه إمام عدل صلاة جماعة ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومسجد مكة.\nوروى أنه لا يكون الاعتكاف إلا في مسجد جمع فيه نبي، أو وصى نبي، وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام، جمع فيه رسول الله - ﷺ -، ومسجد المدينة جمع فيه رسول الله - - ﷺ - وأمير المؤمنين - ﵇ -، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين. قال صاحب الوسائل: هذا محمول على الفضل والكمال..\nونختم الكلام هنا ببيان حنين هؤلاء إلى المجوسية.. ففى ص ٣٤٦ باب استحباب صوم يوم النيروز والغسل فيه ولبس أنظف الثياب والطيب!!\nويفترون الكذب على الإمام الصادق أنه قال:\nإذا كان يوم النيروز فاغتسل والبس أنظف ثيابك، وتطيب بأطيب طيبك، وتكون ذلك اليوم صائمًا!!","vol":"1","page":1024},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الفصل الرابع: الزكاة والخمس</span>\nيرى الاثنا عشرية الرافضة أن الزكاة واجبة على الكافر، ولكنها لا تصح منه إذا أداها لاشتراطهم الإيمان - بحسب أهوائهم في تعريفه - ويرون أن من حق إمامهم أو نائبه أن يأخذ الزكاة من الكافر قهرًا (١) .\nهذا بالنسبة لأخذها، ولكنها لا تعطى إلا للجعفري، الرافضي لأن مستحقها يجب أن يكون مؤمنا، والإيمان وقف على الجعفرية، ولذا يجيزون دفعها إلى الفساق، ومرتكبى الكبائر، وشاربى الخمر بعد كونهم فقراء من أهل الإيمان (٢) .\nأما غير الجعفري الرافضي، فيجوز أن يأخذ - كما يأخذ الكفرة عادة - من سهم المؤلفة قلوبهم، وسهم سبيل الله في الجملة إذا كان هذا في مصلحة الجعفري (٣) .\nويرون أن غير المؤمن - أي غير الجعفري الرافضي - إذا أعطى زكاته أهل نحلته ثم أتبصر - أي أصبح رافضيا - أعادها. ولو كان قد دفع الزكاة إلى المؤمن ثم استبصر أجزأه، ويرون أن الأحوط الإعادة أيضا (٤) .\n_________\n(١) انظر مستمسك العروة ٩ / ٤٧ - ٤٨، ٣٧٧.\n(٢) انظر المرجع السابق ص ٢٧٤ - ٢٧٥، ٢٨٣ - ٢٨٥.\n(٣) قال في المرجع السابق (٢٧٥): \" إذا كان الصرف على المخالف بملاحظة مصلحة المؤمن، لأنه في الحقيقة صرف على المؤمن لا على المخالف ... أما لو لم يكن كذلك فلا يجوز الصرف من السهم المذكور \".\n(٤) انظر نفس المرجع ٩ / ٢٧٩ - ٢٨٠.","vol":"1","page":1025},{"text":"ويرون الزكاة يجب دفعها إلى الإمام إذا طلبها، ويستحب دفعها إليه ابتداء، ومع فقده إلى الفقيه المأمون من الرافضة لأنه أبصر بمواقعها.\nوحتى يحثوا الناس على دفعها للفقهاء قالوا: إذا قبضها الفقيه برئت ذمة المالك ولو تلفت.\nوقالوا: يجوز دفع الزكاة إلى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء، كما يجوز بعنوان الوكالة في الإيصال، ويجوز بعنوان أنه ولى عام على الفقراء (١) .\nوأثر عقيدتهم الباطلة في صدقة الفطر كأثرها في الزكاة بصفة عامة.\nهذا في الزكاة، وبعدها نأتي إلى الخمس وعند جمهور المسلمين لا نجد في الفقه كتابًا مستقلًا بعنوان الخمس، وإنما نرى الحديث عن خمس الغنائم في كتاب الجهاد، ونرى فى كتاب الزكاة الحديث عن خمس الركاز (٢)، وعن المعدن وما يجب فيه من خمس إلحاقا بالركاز، أو مقدار الزكاة لمن لم يلحقه بالركاز.\nولكن نجد في الفقه الجعفري الاثنى عشري كتابا كاملا بعنوان الخمس، وقد حظي بعناية غير عادية، واعتبروه من الفرائض المهمة وقالوا: \"من منع منه درهما - أو أقل - كان مندرجا في الظالمين لهم (أي لآل البيت) والغاصبين لحقهم، بل من كان مستحلا لذلك كان من الكافرين، ففى الخبر عن أبى بصير، قال: قلت لأبى جعفر: ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهما ونحن اليتيم ... إلخ (٣) .\nوتوسعوا فيما يجب فيه الخمس حتى جعلوه فيما يفضل عن مؤنة السنة من أرباح التجارات، ومن سائر التكسبات من الصناعات والزراعات، والإيجارات،\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٣٥٠.\n(٢) الركاز: هو ما أوجده الله تعالى فى باطن الأرض من المعادن فى حالتها الطبيعية ويطلق كذلك على الكنز، وعلى المال المدفون قبل الإسلام.\n(٣) انظر المستمسك ٩ / ٤٤٢.","vol":"1","page":1026},{"text":"حتى الخياطة والكتابة والنجارة والصيد، وحيازة المباحات، وأجرة العبادات الاستئجارية من الحج والصوم والصلاة والزيارات، وتعليم الأطفال، وغير ذلك من الأعمال التى لها أجرة، وجعلوا الأحوط ثبوته فى مطلق الفائدة وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصى به ونحوها، وجزم بعضهم بهذا (١) .\nكما جعلوا الأحوط إخراج خمس رأس المال وقالوا: لا إشكال في أن رأس المال ومالا يعد للصرف ويدخر للقنية كالفرش ونفس الضيعة وأمثال ذلك - لا يحسب من المؤنة. ثم قالوا: وعلى هذا يتعين تقويمه في آخر السنة وإخراج خمسه (٢) بل قالوا: الأحوط إخراج الخمس في الآلات المحتاج إليها في الكسب مثل آلات النجارة للنجار وآلات النساجة للنساج، وآلات الزراعة للزارع وهكذا (٣) .\nومخرجو الخمس الآن يعطونه فقهاءهم لينفق بمعرفتهم، ولا يخرج عن النطاق الجعفري الرافضي ما يخرج من أيدى هؤلاء الفقهاء بعد الإنفاق على أنفسهم، ويتفاوت قدر هذا الإنفاق بقدر حاجة الفقهاء ومن ينفقون عليهم، وبقدر الإيمان أو النفاق والاستغلال وبقدر الخشية من الله تعالى أو الخشية من الناس (٤) .\nوأثر عقيدتهم الباطلة في الخمس يبدو فيما يأتى:\n_________\n(١) انظر المرجع السابق ٩ / ٥١٥ - ٥٢٣.\n(٢) نفس المرجع ص ٥٣٣ - ٥٣٥.\n(٣) المرجع السابق أيضًا ص ٥٣٩.\n(٤) اقرأ \" وجوب دفع الخمس للفقيه زمن الغيبة \" فى كتاب النور الساطع (١ / ٤٣٩) واقرأ فيه: إن الفقيه يأخذ نصف الخمس لنفسه ويقسم النصف الآخر منه على قدر الكفاية فإن فضل كان له، وإن أعوز أتمه من نصيبه.\nومن واقع الجعفرية الرافضة في هذه الأيام نجد أن من أراد أن يحج فعليه أن يقوم كل ممتلكاته جميعًا ثم يدفع خمس قيمتها إلى الفقهاء الذين أفتوا بوجوب هذا الخمس وعدم قبول حج من لم يدفع، واستحل هؤلاء الفقهاء أموال الناس بالباطل؟!","vol":"1","page":1027},{"text":"لما كان الخمس مرتبطا بأئمتهم، أو من ينوب عنهم من الفقهاء، رأيناهم مع توسعهم الزائد فيما يجب فيه الخمس، يتشددون في إيجابه فيجعلون منع الدرهم - أو أقل - ظلما لآل البيت واغتصابا لحقهم، ويكفرون من يستحل ذلك كما سبق.\nوفيما يجب فيه الخمس يشترطون إذن أحد أئمتهم في القتال حتى يكون الواجب فى الغنائم هو الخمس فقط. أما إذا كان الغزو بغير إذن الإمام فإن كان في زمان الحضور، وإمكان الاستئذان منه، فالغنيمة للإمام، وإن كان في زمن الغيبة - أي غيبة إمامهم الثانى عشر، كما يعتقدون - فالأحوط إخراج الخمس. ولذا يقولون بأن ما يأخذه السلاطين (١) في هذه الأزمنة من الكفار بالمقاتلة معهم - من المنقول وغيره - يجب فيه الخمس على الأحوط. ويقولون: إذا أغار المسلمون على الكفار فأخذوا أموالهم، أو أخذوها بالسرقة والغيلة، فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها إذا كان بإذن الإمام، وإلا فهي له وإن كان فى زمن الغيبة.\nويرون جواز أخذ مال الناصب أينما وجد، مع إخراج خمسه من باب الحيطة (٢) .\nوقد عرفنا تحديد الكافر والناصب عند الجعفرية الرافضة وكيف أنه يشمل كثيرا من المسلمين إن لم يكن كل المسلمين عدا الرافضة، كما أنهم يرون كفر غير المسلمين، ومنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.\nومعنى هذا أن كل هؤلاء يباح للرافضى أخذ أموالهم بالإغارة أو بالسرقة والغلبة (٣) .\n_________\n(١) على حد تعبيرهم، لأنه لا يوجد حاكم شرعي من وجهة نظرهم.\n(٢) راجع الأقوال السابقة فى المستمسك ٩ / ٤٤٢ - ٤٥١.\n(٣) ماذا يريد علماء الشيعة الرافضة من إباحة السلب والنهب وهم المنتفعون قبل غيرهم بالخمس؟ والذى يبيح هذا أيمكن أن يكون دينا سماويا فضلا عن أن يكون الإسلام العظيم؟ وكيف ينسبون هذه المضلة لآل البيت الأطهار؟ وكيف يقولون بأن الإمام الصادق صح عنه أنه* *قال: \" خذ مال الناصب حيثما وجدته، وادفع إلينا الخمس \"!! إننا نرفض أن يصور سيدنا جعفر الصادق فى صورة زعيم عصابة تغير وتسرق ثم تتقاسم.","vol":"1","page":1028},{"text":"وفى تقسيم الخمس قالوا (١): يقسم ستة أسهم: سهم لله ﷾، وسهم للنبي - ﷺ -، وسهم للإمام الجعفري. وهذه الثلاثة الآن لإمامهم الغائب الثانى عشر. والأسهم الثلاثة الأخرى للأيتام والمساكين وأبناء السبيل بشرط الإيمان - أي أن يكونوا من الرافضة، ولا يعتبر في المستحق العدالة، وهذا يذكرنا برأيهم في مستحق الزكاة.\nوقالوا: النصف من الخمس الذى للإمام أمره في زمان الغيبة راجع إلى نائبه، وهو المجتهد الجامع للشرائط (٢) فلابد من الإيصال إليه أو الدفع إلى المستحقين بإذنه (٣) .\nأما النصف الآخر - الذى للأصناف الثلاثة - فيجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه لكن الأحوط فيه أيضا الدفع إلى المجتهد أو بإذنه (٤) .\nوبالنسبة للأنفال قالوا بأنها بعد الرسول - - ﷺ - - لأئمة الجعفرية الرافضة زيادة على مالهم من سهم الخمس (٥) .\n_________\n(١) انظر المستمسك ٩ / ٥٦٧ - ٥٨٥.\n(٢) انظر شرائط المجتهد فى المرجع السابق جـ ١ ص ٤٠ وما بعدها، وفى النور الساطع في الفقه النافع جـ ١ ص ٧٨ وما بعدها وجـ ٢ ص ١٩٦ وما بعدها.\n(٣) اختلف الجعفريه الاثنا عشرية فى هذا النصف: فمن ذاهب إلى إباحته للشيعة مطلقا، ومن ذاهب إلى وجوب عزله وإيداعه الوصية به عند الموت، ومن ذاهب إلى وجوب دفنه لاعتقاده أن الأرض تخرج كنوزها للإمام الثانى عشر عند ظهوره، ومن ذاهب إلى وجوب صرفه إلى المحتاجين من أهل البيت، إلى غير ذلك من الآراء. (انظر المستمسك ٩ / ٥٧٨ - ٥٨٠) .\n(٤) اختلفوا فى هذا النصف أيضا كوجوب دفنه إلى زمان ظهور إمامهم الأخير، أو الوصية به، أو غير ذلك، ولكن المشهور بين المتأخرين منهم والمتقدمين وجوب قسمته على الأصناف الثلاثة (انظر المرجع السابق ص ٥٨٥) .\n(٥) انظر نفس المرجع ص ٥٩٦ وما بعدها.","vol":"1","page":1029},{"text":"ويبقى أن نقول:\nإن الخمس الذي ينادى به الجعفرية الاثنا عشرية لم يكن علي عهد الرسول - ﷺ -، ومن المقطوع به أن أبا الأئمة علي بن أبي طالب لم يأخذه ولم يفرضه، ولا ندري من أين تسللت هذه الفكرة إلي الفقه الجعفري؟! وإن كنا ندري أن الكليني وأمثاله تبعا لابن سبأ بذلوا ما استطاعوا من جهد لإبعاد الرافضة عن المنهج الإسلامي.\nويبقى كذلك أن نقول: إن المسلمين اليوم إن أرادوا ألا يحكم عليهم رافضة العصر بالكفر فعليهم أن يجمعوا خمس مكاسبهم ورؤوس أموالهم ويبعثوا به إلي علماء الشيعة الرافضة!!\nوبعد كتب الفقه نأتي إلي كتاب وسائل الشيعة فنجد ما يأتي في الزكاه في الجزء السادس (ص ١٩) يروون عن الإمام الصادق أنه قال:\n\" دمان في الإسلام حلال من الله – ﷿، لا يقضي فيهما أحد حتي يبعث الله قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله – ﷿ – قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله تعالى ذكره: الزانى المحصن يرجمه، ومانع الزكاه يضرب عنقه \".\nوهذه الرواية المفتراة علي الإمام الصادق تعني تعطيل إقامة حدود الله ﷾، وربط إقامتها بهذه الخرافة، خرافة الإمام الثانى عشر الذي مر علي غيابه – لو كان قد ولد – أكثر من ألف ومائة عام!!\nوفي الجزء السادس أيضًا نجد أبواب المستحقين للزكاه (ص ١٤٣: ... ٢٢٠): وللاستدلال علي ضلال هؤلاء القوم يكفى أن نقرأ عناوين بعض الأبواب دون حاجة إلي ذكر الروايات المفتراة علي الأئمة الأطهار.\nومن هذه الأبواب:\nباب أن من دفع الزكاة إلي غير المستحق كغير المؤمن أو غير الفقير ونحوهما ضمنها.","vol":"1","page":1030},{"text":"باب وجوب إعادة الزكاة إذا دفعها إلي غير المستحق كغير المؤمن ونحوه مخالفًا ثم استبصر\nباب اشتراط الإيمان والولاية في مستحق الزكاة إلا المؤلفة والرقاب والأطفال\nباب عدم جواز دفع الزكاة إلى المخالف في الاعتقاد الحق من الأصول كالمجسمة والمجبرة والواقفية والنواصب ونحوهم.\nهذه بعض الأبواب، وهي كافية لبيان غلو هؤلاء وضلالهم، بعد أن عرفنا أن مرادهم بالمؤمن، أي أن يكون رافضيا، وغير المؤمن أمة الإسلام كلها عدا الرافضة، والمخالف إذا استبصر أي إذا أصبح من الرافضة.\nوبعد الزكاة نأتي إلى الخمس:\nوالحديث عن الخمس في الجزء السادس يبدأ من ص ٣٣٦ والروايات هنا تتفق مع ما ذكرته آنفًا من ضلالهم، فلا حاجة لذكرها، ولكن نقف هنا عند نقطة واحدة وهي ما يتصل بالناصب:\nفعند بيان وجوب الخمس في مال الناصب كما أشرت من قبل بين المراد من الناصب فشمل أمة الإسلام كلها عدا الرافضة!\nففى ص ٣٣٩ رووا عن الإمام الصادق أنه قال:\n\" ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلا يقول: أنا أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا \".\nوفى ص ٣٤١: ٣٤٢ نسبوا للإمام العاشر على بن محمد الهادي أنهم كتبوا إليه يسألونه عن الناصب: هل نحتاج فى امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟","vol":"1","page":1031},{"text":"فرجع الجواب: \" من كان على هذا فهو ناصب \".. ويقصد هؤلاء الزنادقة بالجبت والطاغوت خير البشر - بعد رسول الله - - ﷺ - - وهم خليفة رسول الله أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق - رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.\nوالرافضة إنما سموا رافضة لرفضهم إمامتهما والثناء عليهما، والمسلمون جميعًا - عدا الرافضة - يقدمون الشيخين ويقولون بإمامتهما، أي أنهم جميعا كلهم فى نظر الرافضة يعتبرون من النواصب الذين يستحلون أموالهم.\nفما رأي دعاة التقريب؟!\nأفيجوز أن نتعبد بهذا المذهب كما أفتى الشيخ شلتوت؟!\nوهل يمكن أن يكوّن هؤلاء القوم مذهبا خامسا كما نادى الشيخ الباقورى ودار التقريب بين المذاهب في القاهرة؟! ما رأيكم أيها السادة؟","vol":"1","page":1032},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>الفصل الخامس: الحج</span>\nذكرنا من قبل ما ذهب إليه هؤلاء الجعفرية الرافضة من بطلان عبادة المسلمين جميعا ما داموا ليسوا رافضة. ومحسن الحكيم يعود ليذكرنا بهذه المأساة من جديد فيقول: \" لا ريب بشرطية الإيمان في صحة العبادة، وعليه فعبادة المخالف باطلة لا يترتب عليها الأحكام \" (١) .\nويقولون: إذا حج المخالف ثم استبصر - أي أصبح رافضيا - يستحب أن يعيد حجه.\nوفى الإنابة: يرون أن الجعفري الرافضي لا يجوز أن يحج عن المخالف إلا إذا كان أباه. وكذلك يشترط فى النائب الإيمان، أي أن يكون رافضيًا (٢) .\nويقولون: إذا نذر - قبل حصول الاستطاعة - أن يزور الحسين فى عرفة، ثم حصلت الاستطاعة لم يجب عليه الحج (٣) .\nوجعلوا من اللواحق إلى جانب زيارة الرسول - ﷺ -، استحباب الغسل وزيارة السيدة فاطمة الزهراء - رضي الله تعالى عنها - فى الروضة، وأئمتهم الذين دفنوا بالبقيع. وأثر عقيدة الإمامة هنا فى تخصيص هؤلاء بالزيارة، فمن دخل مسجد الرسول - - ﷺ - - فلا يتجه صوب الشيخين، ومن ذهب إلى البقيع فليذهب إلى مراقد أئمة الجعفرية فقط، فلا أحد غيرهم يستحب زيارته فضلا عن الاغتسال للزيارة. وهم يجعلون الاستحباب هنا استحبابًا مؤكدًا.\n_________\n(١) المستمسك ١٠ / ٢٢٦.\n(٢) قالوا: يشترط الإيمان لعدم صحة عمل غير المؤمن وإن كان معتقدًا بوجوبه، وحصل منه نية القربى. وقال بعضهم بعدم اعتبار الإيمان وصحة نيابة المخالف اكتفاء باشتراط الإسلام. (انظر المرجع السابق ١١ / ٧) .\n(٣) قال صاحب المستمسك (١٠ / ١١٧): يظهر من الأصحاب الاتفاق عليه، وراجع الجزء السابق حيث جعلوا زيارة قبر الحسين رضي الله تعالى عنه أفضل من الحج والعمرة؟!","vol":"1","page":1033},{"text":"وفى الدعاء يستحبون أن يكون بالأدعية المأثورة. وإذا رجعنا إلى هذه الأدعية وجدنا أثر عقيدتهم الباطلة واضحًا في كثير منها (١) .\nهذا بعض ما وجدناه فى كتب الفقه عند هؤلاء القوم فماذا نجد في وسائل الشيعة؟\nفى الحديث عن كتب السنة عند الشيعة، وهي أربعة، ضربت مثلا ببعض ما جاء فى هذه الكتب عن الحج لبيان مدى غلو هذه الفرقة وضلالها.\nوإذا أضفنا إلى ذلك البيان ما جاء آنفًا عن فقه الحج عندهم، وتأثرهم بعقيدتهم الباطلة، أرى أننا لسنا في حاجة إلى عرض ما جاء في الوسائل بالتفصيل، وإنما يكفى الإشارة إلى بعض الأبواب والأخبار، والحج يقع في ثلاثة أجزاء هي: الثامن والتاسع والعاشر، ومما جاء في هذه الأجزاء:\n١ـ باب أن المسلم المخالف للحق إذا حج ثم استبصر لم يجب عليه إعادة الحج، بل يستحب (٨ / ٤٢) .\nفاعتبروا دعوة ابن سبأ التى ورثها الرافضة هي الحق، وأن أمة الإسلام على باطل، فمن أصبح رافضيا - والعياذ بالله - فالمستحب إعادة الحج. ومعلوم أن من أراد أن يحج من الرافضة فعليه أن يخرج خمس كل ما يملك إلىفقهائهم، ومن أجل هذا وجدناهم يحرصون كل الحرص على تضليل عامتهم، وتوسيع هوة الخلاف بينهم وبين غيرهم، وترهيبهم من ترك غلو الرفضوضلالهم، وإصدار صكوك الغفران ما داموا على ملة الرفض، ملتزمين بأداء الخمس!!\n٢ـ باب عدم جواز الحج عن الناصب إلا أن يكون أبا النائب، وعدم جواز الحج به. (٨ / ١٣٥) .\n_________\n(١) انظر شيئا منها فى الجزء السابق، وفى صلاة الجنازة فى الفصل الثانى من هذا الباب، وفى خاتمة الكتاب.","vol":"1","page":1034},{"text":"٣ـ باب استحباب الطواف عن المعصومين ﵈ أحياء وأمواتًا (٨/ ١٤١) .\n٤ـ باب استحباب استصحاب التربة الحسينية فى السفر، وتقبيلها ووضعها علىالعينين، والدعاء بالمأثور. (٨ / ٣١٣) .\n٥ـ باب تأكد استحباب زيارة النبى - - ﷺ - - والأئمة وخصوصًا بعد الحج (١٠ /٢٥٢) .\nومن أخبار الباب: \" ليقضوا تفثهم \": التفث لقاء الإمام (ص ٢٥٣) ... تمام ... الحج لقاء الإمام (أكثر من خبر) . وأخبار الباب تؤكد أن زيارة قبور الأئمة تؤدي إلى الجنة.\n٦ـ باب استحباب اختيار زيارة النبى - ﷺ - على الحج ندبا. (١٠ / ٢٧٣) . وفى الباب أن زيارة الحسين أيضًا مقدمة على الحج ندبًا.\n٧ـ باب وجوب احترام مكة والمدينة والكوفة، واستحباب سكناها، والصدقة بها وكثرة الصلاة فيها، والإتمام سفرًا بها. (١٠ / ٢٨٢) .\n٨ـ باب استحباب الصلاة فى مسجد الغدير ولو نهارًا فى السفر. (١٠ / ٢٩٢)\n٩ـ باب استحباب زيارة أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وكراهة تركها. (١٠ / ٢٩٣) .\nومن أحاديث الباب ما نسبه غلاة الرافضة للإمام الصادق أنه قال: ما خلق الله - تعالى - خلقًا أكثر من الملائكة، وإنه لينزل كل يوم سبعون ألف ملك، فيأتون البيت المعمور فيطوفون به، فإذا هم طافوا به نزلوا فطافوا بالكعبة، فإذا طافوا بها أتوا قبر النبى - ﷺ - فسلموا عليه، ثم أتوا قبر أمير المؤمنين - ﵇ - فسلموا عليه، ثم أتوا قبر الحسين ﵇ فسلموا عليه، ثم عرجوا فينزل مثلهم أبدا إلى يوم القيامة. وقال: من زار قبر أمير المؤمنين عارفًا بحقه، غير متجبر ولا متكبر، كتب الله له أجر مائتى ألف شهيد و.. إلى آخر الفرية.\nومن مفتريات الباب أيضًا عن الإمام الصادق:","vol":"1","page":1035},{"text":"من زاره عارفًا بحقه كتب الله له بكل خطوة حجة مقبولة وعمرة مبرورة. وعن النبى - ﷺ - أنه قال: من زار عليا بعد وفاته فله الجنة.\n١٠ـ باب استحباب زيارة أمير المؤمنين - ﵇ - ماشيًا ذهابًا وعودًا. ... (١٠ /٢٩٦) .\nوفى الباب: من زاره ماشيًا كتب الله تعالى له بكل خطوة حجة وعمرة فإن رجع ماشيًا كتب الله له بكل خطوة حجتين وعمرتين.\n١١ـ باب استحباب اختيار زيارة أمير المؤمنين - - ﵇ - - على زيارة الحسين - - ﵇ - - وعلى الحج والعمرة ندبًا. (١٠ / ٢٩٧) .\nقلت: ولماذا إذن الحج والعمرة ما دامت الخطوة الواحدة بحجتين وعمرتين؟!\nولماذا أيضًا الجهاد فى سبيل الله تعالى ما دامت زيارة القبر تعدل أجر مائة ألف شهيد؟!\nيكفى الرافضي إذن أن يزور القبر، ويطوف حول المقام ويصلى إليه راكعا ساجدًا، ولا يظن أحد أنه قد عاد إلى الوثنية، أو إلى المجوسية فجاء بما يعوضه عنها، فإن الكليني وأمثاله أخبروه عن المعصومين أن درجته لن يبلغها الحجاج والعمار والمجاهدون فى سبيل الله!!\n١٢ـ باب استحباب عمارة مشهد أمير المؤمنين ومشاهد الأئمة، وتعهدها وكثرة زيارتها. (١٠ / ٢٩٨) .\nوفى الباب أن الرسول - ﷺ - قال لعلى رضي الله تعالى عنه: يا أبا الحسن، إن الله قد جعل قبرك وقبر ولدك بقاعًا من بقاع الجنة، وعرصة من عرصاتها.\nوإن الله تعالى ﷿ جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن إليكم، وتحتمل الأذى والمذلة فيكم، فيعمرون قبوركم.. أولئك يا علىالمخصوصون بشفاعتى، والواردون حوضى، وهم زوارى غدًا فى الجنة.","vol":"1","page":1036},{"text":"يا على، من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام..\nولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم بزيارتكم كما تعيرون الزانية بزناها، أولئك شرار أمتى، لا أنالهم الله - تعالى - بشفاعتى، ولا يردون حوضى!!! (١٠ / ٢٩٨ - ٢٩٩) .\nقلت: أراد هؤلاء الغلاة الضالون من كذبهم على الرسول - ﷺ - أن يحثوا الرافضة على الإكثار من الطواف حول الأضرحة تحت القباب الذهبية، والصلاة والركوع والسجود إليها كعبدة الأوثان، ومعلوم أنهم يرددون منالدعاء ما يكفرون به خير أمة أخرجت للناس من الصحابة الكرام البررة، نقلة الشريعة وحملة الإسلام بعد الرسول - ﷺ -.\nومن أنكر هذه البدع والضلالات فهو من حثالة الناس ومن أهل النار!! انظركيف يفترون على الله الكذب!!\n١٣ـ باب استحباب زيارة آدم ونوح وإبراهيم مع أمير المؤمنين (١٠ / ٢٩٩) ومن مفتريات الباب ما نسبه الضالون للإمام الصادق أنه قال: الكوفة روضة من رياض الجنة، فيها قبر نوح وإبراهيم، وقبور ثلاثمائة نبى وسبعين نبيًا، وستمائة وصى، وقبر سيد الأوصياء أمير المؤمنين. (١٠ / ٣٠١) .\nوفى الباب أيضًا:\nإذا زرت أمير المؤمنين فاعلم أنك زائر عظام آدم! (١٠ / ٢٩٩) .\n١٤ـ باب تأكد استحباب زيارة أمير المؤمنين يوم الغدير، وكثرة الصدقة فيه. (١٠ / ٣٠٢) .\nوفى الباب خبر واحد، ومما جاء فيه:\nإن يوم الغدير فى السماء أشهر منه فى الأرض، إن لله تعالى فى ... الفردوس الأعلى قصرًا: لبنة من فضة ولبنة من ذهب، يجتمع فيه الملائكة ... . أينما كنت فاحضر يوم الغدير عند أمير المؤمنين، فإن الله تعالى يغفر لكل","vol":"1","page":1037},{"text":"مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، ذنوب ستين سنة، ويعتق من النار ضعف ماأعتق فى شهر رمضان، وفى ليلة القدر، وليلة الفطر، والدرهم فيه بألفدرهم لإخوانك العارفين ... ... إلخ\n١٥ـ باب استحباب الغسل لزيارة أمير المؤمنين وغيره من الأئمة، ثم يمشى إليه حافيًا متطيبًا و... .. إلخ (١٠ / ٣٠٣)\nوفى الباب:\n٠٠٠ قصر خطاك، وألق ذقنك إلى الأرض، يكتب لك بكل خطوة مائة ألف حسنة، وتمحى عنك مائة ألف سيئة، وترفع لك مائة ألف درجة، وتقضى لك مائة ألف حاجة، ويكتب لك ثواب كل صديق وشهيد مات أو قتل. (١٠/ ٣٠٥) .\n١٦ـ باب استحباب زيارة أمير المؤمنين والأئمة بالزيارات المأثورة. (١٠ / ٣٠٥) .\nقلت: سنقف - إن شاء الله تعالى - وقفة خاصة عند الزيارات والدعاء المأثور عند الرافضة، وبيان ما فيه من كفر وزندقة وغلو، حيث إنهم يكفرون الصحابة الكرام، ويعتبرون الشيخين الصديق والفاروق مغتصبين لحق أبى الحسن، ولذلك يطلقون عليهما الجبت والطاغوت، وصنمى قريش، ومرشيىء من هذا أثناء عرض كتبهم فى التفسير والحديث.\n١٧ـ باب استحباب زيارة هود وصالح عند قبر أمير المؤمنين. (١٠ / ٣٠٨)\n١٨ـ باب استحباب زيارة الحسين، ووجوبها كفاية. (١٠ / ٣١٨) .\nويضم الباب ثمانية وأربعين خبرا..\nمنها: وكل الله تعالى بقبر الحسين أربعة آلاف ملك شعث غبر، يبكونه إلى يوم القيامة. فمن زاره عارفًا بحقه شيعوه حتى يبلغوه مأمنه، وإن مرض عادوه غدوة وعشية، وإن مات شهدوا جنازته واستغفروا له إلى يوم القيامة. (١٠ / ٣١٨، وانظر ص ٣٢٧) .","vol":"1","page":1038},{"text":"ومنها: من زار قبره كان كمن زار الله ﷿ فوق عرشه!!\n(١٠ / ٣١٩) .\nومنها: والله لقد تمنيت أنى كنت زرته ولم أحج. (١٠ / ٣٢١) .\nومنها: إتيانه مفترض على كل مؤمن يقر له بالإمامة من الله تعالى.\n(١٠ / ٣٢٢) .\nومنها: إن أيام زائره لا تعد من آجالهم. (١٠ / ٣٢٢، وانظر ... ص ٣٢٩:٣٣٠) .\nومنها: ليس شيىء فى السموات إلا وهم يسألون الله سبحانه أن يؤذن لهم في زيارة الحسين، ففوج ينزل، وفوج يعرج. (١٠ / ٣٢٢) .\nومنها: وكل بالحسين سبعون ألف ملك شعثًا غبرا، يصلون عليه يوم قتل إلى ما شاء الله، يعنى قيام القائم. (١٠ / ٣٢٣) .\nومنها: ما بين قبره إلى السماء السابعة مختلف الملائكة. (١٠ / ٣٢٣) .\nومنها: إن زواره يدخلون الجنة قبل الناس بأربعين عامًا وساير الناس فى الحساب. (١٠ / ١٣١) .\nومنها: أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين لم يؤذن لهم في القتال، فرجعوا فى الاستيذان فهبطوا وقد قتل الحسين، فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له: منصور، فلا يزوره زائر إلا استقبلوه و.. إلخ (١٠ / ٣٣٣) .\n١٩ـ باب كراهة ترك زيارة الحسين. (١٠ / ٣٣٣) .\nويضم الباب واحدًا وعشرين خبرًا.\nمنها: لو أن أحدكم حج دهره، ثم لم يزر الحسين لكان تاركًا حقًا من حقوق رسول الله - - ﷺ -، لأن حق الحسين فريضة من الله تعالى واجبة على كل مسلم (١٠ / ٣٣٣، وانظر ص ٣٣٧) .","vol":"1","page":1039},{"text":"ومنها: من لم يأت قبر الحسين حتى يموت كان منتقص الإيمان، منتقص الدين. إن أدخل الجنة كان دون المؤمنين فيها. (١٠ / ٣٣٥) .\nومنها: من ترك زيارة قبره من غير علة كان من أهل النار. (١٠ / ٣٣٧) .\n٢٠ - باب استحباب زيارة النساء الحسين وسائر الأئمة - ولو من سفر بعيد (١٠ / ٣٣٩) .\nوفى الباب:\nقلت (أي للإمام الصادق): إنى امرأة. فقال: لا بأس لمن كان مثلك أن تذهب إليه وتزوره. قالت: قلت: أي شيىء لنا فى زيارته؟ قال تعدل حجة وعمرة واعتكاف شهرين في المسجد الحرام، وصيامها، وخير منها. (١٠ / ٣٣٩) .\nوفيه: زيارة الحسين واجبة على الرجال والنساء. (١٠ / ٣٤٠) .\n٢١ - باب استحباب تكرار زيارة الحسين بقدر الإمكان. (١٠ / ٣٤٠) .\nوفى الباب: حق على الغنى أن يأتى قبره فى السنة مرتين، وعلى الفقير مرة. (١٠ / ٣٤٠) .\nوفيه: من زاره فى كل شهر كان له ثواب مائة ألف شهيد، ومثل شهداء بدر (١٠ / ٣٤١) .\n٢٢ - باب استحباب المشى إلى زيارة الحسين وغيره. (١٠ / ٣٤١) .\nوبعد: فهذا الجزء العاشر يستمر إلى ص ٤٧٠، وكله من مثل هذه الأباطيل المضلة التى تدل على أن غلاة الرافضة بلغوا من الكذب والكفر والزندقة ما لا يمكن تصوره إلا لمن يقرأ كتبهم. ولعل فيما نقلته ما يكفى لبيان ما أردنا\nحتى لا نطيل أكثر من هذا القدر. ومن أراد المزيد فليرجع إلى الجزء كله، فما نقلت منه إلا اليسير.","vol":"1","page":1040},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>الفصل السادس: الجهاد</span>\nرأينا في الخمس أنهم يشترطون إذن أحد أئمتهم في القتال حتى يكون في الغنائم الخمس فقط، ومعنى هذا أنهم يرون أن القتال المشروع هو ما كان بإذن أئمتهم. لهذا قالوا بأن الجهاد واجب مع وجود الإمام العادل أو من نصبه لذلك ودعائه إليه، فلا يجوز مع الجائز إلا أن يدهم المسلمين من يخشى منه على بيضة الإسلام، أو يكون بين قوم ويغشاهم عدو فيقصد الدفع عن نفسه في الحالتين لا معاونة الجائر. وكل حاكم في زمن أئمتهم يعتبرونه جائرًا مغتصبًا للإمامة، بل في زمن الغيبة ما لم يكن جعفريًا رافضيًا.\nويقولون: يجب قتال من خرج على إمام عادل إذا دعا إليه أو من نصبه، والتأخر عنه كبيرة. ويسقط بقيام من فيه غنى مالم يستنهضه الإمام على التعيين، والفرار منه فى حربهم كالفرار فى حرب المشركين.\nوفى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا: لو افتقر إلى الجراح أو القتل لم يجز إلا بإذن الإمام أو من نصبه. وكذا الحدود لا ينفذها إلا الإمام أو من نصبه.\nوإذا كان الجعفرية الاثنا عشرية اتفقوا على مشروعية الجهاد ووجوبه فى زمن حضور الأئمة مع الإذن فإنهم قد اختلفوا في زمن الغيبة: فرأي بعضهم مشروعيته ووجوبه بأمر المجتهد الجامع للشرائط، ورأي آخرون عدم الاكتفاء بالمجتهد وحرمة توليه لأمر الجهاد. (١)\nوبالنسبة لإقامة الحدود في زمن الغيبة قالوا: يقيمها الفقهاء إذا أمنوا ويجب على الناس مساعدتهم.\n_________\n(١) انظر النور الساطع فى الفقه النافع ١ / ٥٦٢ - ٥٦٣.","vol":"1","page":1041},{"text":"وبالجملة: الجهاد وما يتعلق به موكول إلى أئمة الجعفرية الرافضة وفقهائهم (١)\nهذا بعض ما جاء في كتب فقههم، وننتقل بعده إلى كتاب وسائل الشيعة، فماذا نجد في هذا الكتاب تأثرًا بعقيدتهم التي وضعها عبد الله بن سبأ؟\nنجد الجهاد والأمر بالمعروف في الجزء الحادي عشر. ومما جاء فيه ما يأتى:\n١ - باب حكم المرابطة في سبيل الله، ومن أخذ شيئًا ليرابط به، وتحريم القتال مع الجائر إلا أن يدهم المسلمين من يخشى منه على بيضة الإسلام فيقاتل عن نفسه أو عن الإسلام. (ص ١٩)\nوفى الباب:\nقلت لأبى عبد الله - أي الإمام الصادق: جعلت فداك، ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ فقال: الويل: يتعجلون قتلة في الدنيا وقتلة في الآخرة! والله ما الشهيد إلا شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم. (ص ٢١)\n٢ - باب من يجوز له جمع العساكر والخروج به إلى الجهاد. (ص ٢٣)\nوفى الباب:\nجميع ما بين السماء والأرض لله ﷿، ولرسوله - ﷺ -، ولأتباعهم من المؤمنين من أهل هذه الصفة، فما كان عن الدنيا في أيدى المشركين والكفار والظلمة والفجار من أهل الخلاف لرسول الله - - ﷺ - - والمولى عن طاعتهما مما كان في أيديهم ظلموا فيه المؤمنين من أجل هذه الصفات ... .. إلخ (ص٢٥)\nوفيه: إن لم يكن مستكملًا لشرائط الإيمان فهو ظالم ممن ينبغى ويجب جهاده حتى يتوب، وليس مثله مأذونا له في الجهاد ... (ص٢٦)\n٣ - باب اشتراط وجوب الجهاد بأمر الإمام وإذنه، وتحريم الجهاد مع غير الإمام العادل. (ص٣٢)\n_________\n(١) راجع هذا بالتفصيل في المرجع السابق ١ / ٥٦٣ - ٥٦٦.","vol":"1","page":1042},{"text":"٤ - باب حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم. (ص٣٥)\nوفيه: والله لا يخرج أحد منا قبل خروج القائم إلا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه ... (ص٣٦)\nوفيه: كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله ﷿. (ص٣٧)\nقلت: ومادام الجهاد مرتبطًا بخرافة القائم الذى لن يقوم فقد أبطلوا الجهاد إلى يوم القيامة. ويكفى زيارة القبور والطواف بالأضرحة!\n٥ - باب حكم قتال البغاة. (ص٥٩)\nوفى الباب:\nمال الناصب وكل شيء يملكه حلال إلا امرأته، فإن نكاح أهل الشرك غير جائز. (ص٦٠)\nقلت: هذه الفرية الكبرى ينسبها غلاة الرافضة الزنادقة إلى الإمام المجتهد العلامة أبى عبد الله جعفر الصادق، برأه الله تعالى مما قالوا، وقد أشرت من قبل أنهم جعلوه كزعيم عصابة تغير وتسرق وتنهب ثم تعطيه الخمس! فأين دعاة التقريب؟ وأين معتدلو الشيعة؟ وأين المحبون لأهل البيت الأطهار؟ وكيف تلصق بهم هذه الأدناس المضلة؟ وسيأتي استحلال الدم أيضًا وليس المال فقط.\nوفى الباب أيضًا:\nلا يحل قتل أحد من النصاب والكفار في دار التقية إلا قاتل أو ساع فى فساد، وإذا لم تخف على نفسك وعلى أصحابك. (ص٦٢)\nومع هذه المضلات المهلكات جاء في رواية أن عليًا ﵁ وكرم وجهه، لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا. (ص٦٢)\nهذا هو ما يتفق مع الواقع، فكيف ينسب الشرك أو النفاق إلى أم المؤمنين، زوج رسول الله - ﷺ - - في الدنيا والآخرة، وإلى من شهد لهم الوحي","vol":"1","page":1043},{"text":"بأنهم من أهل الجنة، أفنكذب الله ﷿، ورسوله - - ﷺ -؟ وقوله يتفق مع ما جاء في كتاب الله العزيز في سورة الحجرات:\n\"\" وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ \"\"\nوصاحب كتاب وسائل الشيعة لم يطعن فى صحة الخبر ولا فى ثبوت ذلك عن الإمام على، وإنما قال:\n\" هذا محمول على التقية \" انتهي!\nقلت: وهذا طعن في الإمام نفسه، الشجاع الذى لا يخشى فى الله تعالى لومة لائم، والذى يضرب بشجاعته المثل، فكيف يصور بهذه الدرجة من الجبن والخوف وهو لم يذق طعم الجبن أبدًا؟!\nإن محاولة هدم الإسلام من الداخل لم تترك أحدا من نقلة الوحي وحملة الشريعة، ولذلك كان موقف الإمام من ابن سبأ مؤسس حزب الرافضة.\n٦ - باب وجوب التقية مع الخوف إلى خروج صاحب الزمان. (ص٤٥٩) ويضم الباب خمسة وثلاثين خبرًا، كلها في التقية!\nمنها ما هو تحريف لكتاب الله تعالى، مثل:\n\"\"أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا \"\" قال الإمام الصادق: بما صبروا على التقية \"\" وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ \"\" قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة \"\" ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ \"\" قال: التي هي أحسن التقية. (ص٤٥٩، ٤٦٠)، وفى أكثر من رواية أخرى:\n\"\"","vol":"1","page":1044},{"text":"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ \"\" قال: أشدكم تقية. (ص ٤٦٦) وكثير منها ينسب للأئمة قولهم: التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا تقية له.\nومنها: عليكم بالتقية، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره. (ص ٤٦٦)\nومنها: تارك التقية كتارك الصلاة. (ص ٤٦٦)\nوالأشد غرابة ونكرًا أن يفتري هذا على الرسول - - ﷺ - - هو نفسه! حيث نسبوا إليه أنه - ﷺ - كان يقول:\n\" لا إيمان لمن لا تقية له \"! (ص ٤٦٧)\n٧ - باب وجوب عشرة العامة بالتقية. (ص ٤٧٠)\nوالمقصود بالعامة هنا عامة المسلمين من غير الرافضة.\n٨ - باب وجوب طاعة السلطان للتقية. (ص ٤٧١)\n٩ - باب وجوب التقية في الفتوى مع الضرورة. (ص ٤٨٢)\n١٠ - باب وجوب كتم الدين عن غير أهله مع التقية. (ص ٤٨٣)\n١١ - باب وجوب كف اللسان على المخالفين وعن أئمتهم مع التقية. (ص ٤٩٨)\nقلت: من هذه الأبواب نستطيع تفسير معاملة الرافضة لجمهور المسلمين في عصرنا. ولذلك لم نعرف حقيقتهم إلا من قراءة كتبهم، أما مخالطتهم فلا تظهر شيئا من واقعهم، فقد يبدون لك المحبة والمودة والموافقة بغير خلاف يذكر، وهم يستحلون دمك ومالك!","vol":"1","page":1045},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الباب الثالث: المعاملات</span>","vol":"1","page":1046},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الفصل الأول: العقود والإيقاعات</span>\nفي كتب فقه هؤلاء القوم نجد أثر عقيدتهم الباطلة التي وضعها ابن سبأ تظهر فيما يأتى:\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>أولا: في التجارة:</span>\nفيما يكتسب به يرون من الأعمال المحرمة حفظ كتب الضلال ونسخها لغير النقد أو الحجة (١) وقد عرفنا نظرتهم لغيرهم من سائر الأمة.\nويرون من المحرم كذلك هجاء المؤمنين واغتيابهم وسبهم، والتشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة، ومعنى هذا أن التحريم خاص بالجعفرية الرافضة، ويحل الهجاء والغيبة والسب لغيرهم، وكذلك التشبيب. وقالوا: لا فرق في المؤمن - أي الرافضي - بين الفاسق وغيره (٢).\nوفى تولى الأعمال - كالقضاء والسياسة وتدبير النظام ونحوها - يرون أن الولاية من قبل العادل مستحبة، وقد تجب، ومن قبل الجائر تحرم الولاية إلا مع التمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقسمة الصدقات والأخماس على\n_________\n(١) لا خلاف بينهم حول هذا، ولكنهم اختلفوا حول الكتب التى يرون أنها تجمع بين الحق والضلال من وجهة نظرهم - راجع مفتاح الكرامة - كتاب التجارة: ص ٦٢ - ٦٣.\n(٢) انظر المرجع السابق ص ٦٣: ٦٩، وانظر فيه ما ذهب إليه بعضهم من حرمة الغيبة مطلقًا بالنسبة للمسلم، ورد الآخرين بأن الإيمان خاص بالجعفرية الإمامية، وأن المخالف لهم ليس مؤمنا، وليس أخا، أي أن ما جاء في سورة الحجرات (آية ١٢) خاص بالرافضة! واقرأ فيه كذلك \" سب غير أهل الإيمان من شرائط الإيمان \"، وسيأتي في الحدود أنهم يرون قتل من يسب أحد أئمتهم.\nواقرأ أيضًا الآراء المختلفة حول هجاء الفاسق الجعفري وغيبته - حيث أباح بعضهم بالنسبة للفاسق المتظاهر، وحول التشبيب بغير الرافضية.","vol":"1","page":1046},{"text":"من يرون أنه مستحق لها، وصلة الإخوان من الجعفرية الإمامية (١) . ومعلوم أنهم يرون أن الحاكم ما لم يكن جعفريا رافضيا فهو جائر.\nوفى آداب البيع يرون استحباب ترك الربح للمؤمن إلا اليسير مع الحاجة، وعدم الدخول في سومه (٢)؛ أي أن هذا خاص ببيع الرافضي لأخيه الرافضي فقط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>ثانيًا: في الإجارة:</span>\nيشترطون لانعقاد الإجارة أن تكون المنفعة مباحة، فلو استأجر العين لتعليم كفر ونحوه من المعلومات الباطلة بطل العقد. وقد لا يظهر أثر عقيدتهم هنا، ولكن إذا راجعنا مفهوم الكفر عند الشيعة الرافضة والمعلومات التي يعتبرونها باطلة ظهر الأثر. وهذا يعنى - مثلا - أنه لا يحل للرافضى أن يؤجر مكانًا لتعليم فقه غير الرافضة أو لبيع الكتب التي يسمونها كتب الضلال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>ثالثًا: في الوكالة:</span>\nاشترط بعض الجعفرية - كالطوسى وغيره - أن يكون الوكيل مؤمنًا، فلا يصح عندهم توكيل المخالف، (٣) أي غير الرافضي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>رابعًا: في النكاح:</span>\nيرى الرافضة أنه لا يصح نكاح الناصب ولا الناصبة، وأشرنا من قبل إلى المراد بالنواصب.\n_________\n(١) انظر المرجع السابق: ص ١١٣ - ١١٤.\n(٢) لهم تفصيلات راجعها فى المرجع السابق ص ١٣٤: ١٣٩ واقرأ فيه: \" يحرم - أي الربح من الرافضي، ويكون ربًا إذا ظهر الحق وقام قائمنا أهل البيت \"، وعن الإمام الصادق: \" ربح المؤمن على المؤمن حرام إلا أن يشترى بأكثر من مائة درهم فاربح قوت يومك، أو يشتريه لتجارة فاربحوا عليهم وارفقوا بهم \".\n(٣) انظر مفتاح الكرامة ٧ / ٥٤٢، وأكثر الجعفرية الاثنى عشرية لم يشترطوا هذا الشرط.","vol":"1","page":1047},{"text":"وهل يجوز للمؤمنة التزويج بالمخالف من أي فرق الإسلام ولو كان من الشيعة غير الاثنى عشرية؟ قولان: أحدهما - وعليه معظم الجعفرية - المنع، والثاني: الجواز على كراهية.\nوبالنسبة للمولود: يرون استحباب تحنيكه (١) بتربة الإمام الحسين. ويرون أن أفضل الأسماء - إلى جانب أسماء الأنبياء - أسماء الأئمة (٢) .\nأما نكاح المتعة وما فيه من البلايا والرزايا والفجور فسأكتفي بذكر بعض ما جاء في وسائل الشيعة من روايات، ثم أختم الفصل ببحث قيم لشيخنا الأستاذ على حسب الله ﵀ إتماما للفائدة، وبعده بحث آخر لأحد علماء شيعة النجف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>خامسًا: في العتق والإيمان:</span>\nلا نكاد نجد في الإيقاعات أثرا للإمامة غير أنهم في العتق يرون كراهة عتق المخالف، على حين يقولون: إذا أتى على المملوك المؤمن سبع سنين يستحب عتقه.\nوفى الأْيمان يرون أن من حلف على تخليص مؤمن لم يأثم وإن كان كاذبًا، فعدم الإثم هنا لتخليص جعفري رافضي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>سادسًا: أخبارهم في العقود والإيقاعات</span>\nبعد النظر في كتب فقههم نأتي إلى كتاب وسائل الشيعة لنرى أخبارهم التي وضعوها تأثرًا بعقيدتهم الباطلة.\n_________\n(١) المراد بالتحنيك: إدخال ذلك إلى حنكه، وهو أعلى داخل الفم.\n(٢) ونسأل الرافضة: لماذا فضل الإمام على أسماء الخلفاء الراشدين الثلاثة فسمى ثلاثة من أولاده: أبو بكر وعمر وعثمان؟ ولماذا كان من أولاد الإمام الحسن أبو بكر وعمر؟ ولماذا سمى الإمام الحسين ابنًا له باسم عمر؟\nفمن الكافر الزنديق إذن: هؤلاء الثلاثة الأبرار الأطهار أو الذين يكفرونهم من الرافضة أتباع ابن سبأ؟ (","vol":"1","page":1048},{"text":"ونقف هنا وقفة قصيرة عند آرائهم في النكاح بصفة عامة، ووقفة طويلة عند نكاح المتعة بصفة خاصة.\nوالنكاح تناوله المؤلف في الجزء الرابع عشر، وأكمله في ٢٦٥ صفحة من الجزء الخامس عشر، وبعده يبدأ الطلاق.\nومما جاء في النكاح:\nباب جواز التزويج بغير بينة في الدائم والمنقطع، واستحباب الإشهاد والإعلان. (١٤ / ١٧) .\nوتحت الباب عشر روايات، والمراد بالمنقطع زواج المتعة.\nعن الإمام الصادق أنه قال:\n\" إذا أتى الرجل المرأة في الدبر وهي صائمة لم ينقض صومها، وليس عليها غسل \" (١٤ / ١٠٤) .\nباب تحريم الجماع والإنزال في المسجد لغير المعصوم. (١٤ / ١٩٢) وفى الباب رووا أن الرسول - ﷺ - قال:\n\" لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد إلا أنا وعلى وفاطمة والحسن والحسين \".\nباب حكم الجمع بين ثنتين من ولد فاطمة ﵍. (١٤ / ٣٨٧) .\nوفى الباب: لا يحل لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة ﵍، فإن ذلك يبلغها فيشق عليها. (١٤ / ٣٨٨) .\nأبواب ما يحرم بالكفر ونحوه. (١٤ / ٤١٠) .\nوهي خمسة عشر بابًا:\nمنها: باب تحريم مناكحة الكفار حتى أهل الكتاب. (٤١٠: ٤١٢) أخبار الباب تدل على هذا التحريم، وأن قوله تعالى: \"\" وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ \"\" نسخ بقوله تعالى: \"\"","vol":"1","page":1049},{"text":"وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ \"\"، وبقوله تعالى: \"\" وَلاَ تَنكحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ \"\". وسبق مرارًا بيان مراد الرافضة بالكفار.\nوجاء ما يخالف ما سبق في الباب التالي، وهو باب جواز تزويج الكتابية عند الضرورة (١٤ / ٤١٢)، فقال المؤلف: هذا محمول على التقية أو الضرورة أو المستضعفة. (ص ٤١٤)\nوفى باب جواز نكاح الكتابية المستضعفة (ص ٤١٤) روى أن زرارة قال: قلت لأبى جعفر - ﵇ -: إنى أخشى أن لايحل لى أن أتزوج ممن لم يكن على أمرى، فقال: \" وما يمنعك من البله؟ وهن المستضعفات من اللاتى لا ينصبن ولا يعرفن ما أنتم عليه \"؟ (ص ٤١٤ - ٤١٥) .\nومن أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه: باب تحريم تزويج الناصب بالمؤمنة، والناصبة بالمؤمن. (١٤ / ٤٢٣) .\nويضم الباب سبعة عشر خبرًا تبين حقيقة هؤلاء الرافضة الغلاة، وسبق من قبل بيان أن تقديم الشيخين والاعتراف بخلافتهما يكفى ليكون المسلم ناصبًا كافرًا عند هؤلاء الرافضة.\nوأخبار الباب تذكر أحيانا كلمة الناصب والناصبة، مع التحريم: كما جاء في الأخبار الثلاثة الأولى (ص ٤٢٣ - ٤٢٤) .\nوبعضها تذكر أن المخالفة – أي مخالفة الرافضة – تعتبر كفرًا.\nمثال هذا ما جاء في الخبر الرابع (ص ٤٢٤) .\nقلت لأبى عبد الله: إن لامرأتي أختًا عارفة على رأينا، وليس على رأينا بالبصرة إلا قليل، فأزوجها ممن لا يرى رأيها؟ قال: لا ولا نعمة، إن الله – ﷿ – يقول: \"\" فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ \"\".","vol":"1","page":1050},{"text":"وفى الخبر السادس اعتبر استنكار شتم السلف دليل النصب والكفر! (ص ٤٢٥) .\nأي أن شتم سلفنا الصالح يعتبر عند هؤلاء الزنادقة من لوازم الإيمان، وإنكار هذا يعتبر كفرًا.\nومما يدل على حقد هؤلاء القوم على الإسلام وأهله ما نسبوه كذبًا وزورًا للإمام الصادق إنه قال: تزوج اليهودية أفضل من أن تزوج الناصبى والناصبة ... (ص ٤٢٦) .\nومن أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه: باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية. (١٤ / ٤٣٣) .\nويشيرون في هذا الباب إلى زواج عمر – رضي الله تعالى عنه - من ابنة على - رضي الله تعالى عنه، فماذا قالوا؟\nرووا عن الإمام الصادق في تزويج أم كلثوم أنه قال: \" إن ذلك فرج غصبناه \" (ص ٤٣٣) .\nوبالطبع ليس في هذا إساءة سيدنا عمر فقط، بل إساءة أشد إلى سيدنا على رضي الله تعالى عنهما، فكيف غصب فرج ابنته؟ لا يكون إلا إذا كان ذليلا جبانا، في مجتمع جاهلى!\nوبهذا يرى هؤلاء الزنادقة من الرافضة أنهم يستطيعون أن يهدموا الإسلام من الداخل.\nبل حاول هؤلاء أن يصوروا خير أمة أخرجت للناس في صورة أسوأ من الجاهلية، فبعد الرواية السابقة ذكروا الراوية التالية:\n\" لما خطب عمر إلى أمير المؤمنين - ﵇ - قال له: إنها صبية، فلقى - أي عمر - العباس، فقال: مالى؟ أبى بأس؟ فقال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردنى. أما والله لأغورن زمزم، ولا أدع لكم مكرمة إلا هدمتها، ولأقيمن","vol":"1","page":1051},{"text":"عليه شاهدين بأنه سرق، ولأقطعن يمينه. فأتاه العباس فأخبره، وسأله أن يجعل الأمر إليه فجعله إليه \" (١٤ / ٤٣٣ / ٤٣٤) .\nوهذه الرواية أيضا نسبها الزنادقة من الرافضة إلى الإمام الصادق - رضي الله تعالى عنه، والروايتان رواهما الكليني في الكافى. والرواية الثانية تضيف إلى سابقتها صورة مجتمع فاسد، وتبين مدى جبن على والعباس وما بهما من ذلة ومهانة، وتفشى شهادة الزور، أما عمر فسيجعل ماء زمزم غورًا، وسيستعين بشهداء الزور لإلصاق تهمة السرقة لعلى، ثم يقوم هو بتنفيذ الحد فيقطع يمينه، ثم سيفترى الكذب لهدم كل مكرمة لأهل بيت رسول الله - ﷺ -!! وعندئذ يخضع ويذل على والعباس!! .\nهذا ما يؤخذ من رواية الكليني الضال وأمثاله من الزنادقة، وإذا عرفنا أن هذا المجتمع هو الذى شهد له الله عزوجل حيث قال: \"\" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ\"\" إلى جانب ما قاله في صحابة رسول الله - ﷺ - من الآيات البينات، وشهد له رسول الله - ﷺ - بأنه خير الناس \" خير الناس قرنى \" إلى جانب ما جاء متواترًا، وصحيحا، في فضل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه، وعرفنا أن هؤلاء هم نقله كتاب ربنا ﷿، وسنة نبينا - ﷺ -، وحملة الشريعة بعد رسول الله - ﷺ -، إذا عرفنا هذا أدركنا هدف هؤلاء الزنادقة وهو هدم الإسلام من الداخل، وهو الهدف نفسه الذى رامه ابن سبأ اللعين، صاحب فكرة الوصى بعد النبى - ﷺ -، والطعن في الصحابة الكرام البررة، فأين إذن المعتدلون من الشيعة في عصرنا؟\nوما موقفهم من هذا الكفر والزندقة؟ ومن أصحاب هذه الكتب؟ ومن أين يستمدون عقيدتهم وشريعتهم؟\nوبعد هذه البلايا والرزايا التي رزئ بها الإسلام نأتى إلى ما هو أدهي وأمر!! نأتى إلى الأخبار المتصلة بزواج المتعة.","vol":"1","page":1052},{"text":"وأبواب المتعة في الجزء الرابع عشر، وتبدأ من ص ٤٣٦، وتنتهي في ص٤٩٦، وتضم ستة وأربعين بابًا، ومما جاء تحت إباحتها \" ليس منا من لم يؤمن بكرتنا، ولم يستحل متعتنا \". (ص ٤٣٨) .\nفجعلوا استحلال زواج المتعة كالإيمان بالرجعة التي تحدثنا عنها عند بيان عقيدتهم ومبادئهم، فمن لم يستحلها فليس بمؤمن عند هؤلاء القوم.\nوجعلوها أيضًا من محض الإسلام مع شهادة أن لا إله إلا الله. (ص ٤٣٩) .\nوافتروا على الرسول - ﷺ - أنه تزوج متعة، فاطلع عليه بعض نسائه فاتهمته - ﷺ - بالفاحشة! (ص ٤٤٠) .\nوجاء في رواية عن على رضي الله تعالى عنه - أنه قال: \" حرم رسول الله - - ﷺ - يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة \". فقال صاحب ... الوسائل: حمله الشيخ - أي الطوسى - وغيره على التقية يعنى في الرواية، ... لأن إباحة المتعة من ضروريات مذهب الإمامية (ص ٤٤١) .\nولم يقف الأمر عند جواز المتعة، فالباب الثانى من أبواب المتعة ... عنوانه \" باب استحباب المتعة وما ينبغى قصده منها \".\nومما جاء تحت هذا الباب:\nإن كان المتمتع يريد بذلك وجه الله تعالى، وخلافا على من أنكرها، لم يكلمها كلمة إلا كتب الله له حسنة، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة، فإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنبًا، فإذا اغتسل غفر الله بقدر ما مر من الماء على شعره بعدد الشعر (ص ٤٤١) .\nوقالوا: إن جبريل - ﵇ - لحق بالنبى - ﷺ - في الإسراء، وقال له: يا محمد، إن الله ﵎ يقول: إنى قد غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء (ص ٤٤٢) .\nوقالوا أيضًا:\n\" المؤمن لا يكمل حتى يتمتع \". (ص ٤٤٢)","vol":"1","page":1053},{"text":"\" يستحب للرجل أن يتزوج المتعة، وما أحب للرجل منكم أن يخرج من الدنيا حتى يتزوج المتعة ولو مرة \". (ص ٤٤٣) .\n\" ما من رجل تمتع ثم اغتسل إلا خلق الله من كل قطرة تقطر منه سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة، ويلعنون متجنبها إلى أن تقوم الساعة \" ... (ص ٤٤٤) .\nوالباب الثالث عنوانه \" باب استحباب المتعة، وإن عاهد الله تعالى على تركها أو جعل عليه نذرا \". (ص ٤٤٤) .\nوالروايات المفتراة على الأئمة كسابقتها - تدور حول معنى الباب، وإحداها منسوبة لإمامهم الثانى عشر، الطفل المشكوك في ولادته الذى تحدثنا عنه في بيان عقيدة هؤلاء القوم.\nوالباب الرابع هو: \" باب أنه يجوز أن يتمتع بأكثرمن أربع نساء وإن كان عنده أربع زوجات بالدائم \" (ص ٤٤٦) .\nومما جاء تحت هذا الباب:\n\" تزوج منهن ألفا، فإنهن مستأجرات \". (ص ٤٤٦) .\n\" المتعة ليست من الأربع، لأنها لا تطلق، ولا ترث، وإنما هيمستأجرة \". (ص ٤٤٦)\n\" صاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء بغير ولى ولا شهود \". (ص ٤٤٧)\nقلت: ما الفرق إذن بين هذا الفجور وبين الزنى، فكل من يخلو بامرأة ليزنى بأجر يكفيه أن يقول: \" متعة \"!! وإن كرر هذا مع ألف فاجرة، وإن جمع بين هؤلاء الفاجرات كلهن!! .","vol":"1","page":1054},{"text":"والعجيب أنهم يجعلون هذا الفجور هو مراد الله تعالى من قوله: \"\" فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ \"\" مع تحريف الآية الكريمة بزيادة قولهم: إلى أجل مسمى.\nوسيأتى ما هو أشد نكرا.\nونلاحظ أن الروايات التي رووها هم أنفسهم مخالفة لهذا الفجور رفضوا الأخذ بها، وحملوها على التقية أو غيرها، كما سبق في الرواية التي ذكر فيها - رضي الله تعالى عنه - أن الرسول - ﷺ - حرمها يوم خيبر، وهي ليست في كتبهم فقط بل رواها البخارى ومسلم وغيرهما. والحمل على الكذب تقية فيه طعن وأي طعن في الإمام على نفسه، وهو من هو شجاعة وقوة!!\nوفى رواية عن الإمام الباقر - رضي الله تعالى عنه - أنه أحل المتعة، فقيل له: يسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن؟ فأعرض حيث ذكر السائل هؤلاء النساء (١٤ / ٤٣٧) . فإذا كان الإمام لا يرضي هذا لأهله فكيف رضيه لغيرهن من المسلمات؟ !\nوفى رواية عن الإمام الصادق - ﵁ - قال: لا تتمتع بالمؤمنة فتذلها فقال الشيخ - أي الطوسى: هذا شاذ، ويحتمل أن يكون المراد به إذا كانت المرأة من أهل بيت الشرف يلحق أهلها العار، ويلحقها، ويكون ذلك مكروها. (١٤ / ٤٥٢- ٤٥٣)، فكيف إذن ينسب إلى الإسلام أن يبيح ما يؤدى إلىالعار والذل؟!\nوعن الإمام الصادق أيضا في المتعة قال: ما يفعلها عندنا إلا الفواجر (١٤ / ٤٥٦)، فكيف يستحب، بل يثاب، ما يفعله هؤلاء الفواجر؟!\nأليس من الشيعة رجل رشيد يحارب هذا الفجور الذى قرنوه بالعقيدة فزادوها بطلانا وضلالا وغيا؟!","vol":"1","page":1055},{"text":"ولا زلت أذكر أن أحد الشيعة سألنى عن المتعة فأجبته بالتحريم، فقال لى على الفور: أنت كافر!!\nمرة أخرى: أليس منهم رجل رشيد؟\nوإليك ما هو أشد نكرا!!\nتحت \" باب عدم تحريم التمتع بالزانية وإن أصرت \" جاء ما يلى: قيل لأبى الحسن - رضي الله تعالى عنه: نساء أهل المدينة؟ قال: فواسق، قيل: فأتزوج منهن؟ قال: نعم (ص ٤٥٥) .\nقلت: لقد أعظموا الفرية! وأساءوا أكبر إساءة للإمام نفسه، فما كان لينزل إلى هذا الدرك الأسفل فيحكم بفسق الطاهرات التقيات العابدات، نساء أهل المدينة المنورة من المهاجرات والأنصاريات وذرياتهن.\nوفى روايات نجد جواز التمتع بالمرأة المعروفة بالفجور، وبالعاهرات، واللائى يرفعن الرايات منهن (انظر ص ٤٥٥) .\nوتحت \" باب تصديق المرأة في نفى الزوج والعدة ونحوها، وعدم وجوب التفتيش والسؤال، ولا منها \"، (ص ٤٥٦) جاء ما يلى:\nقلت لأبى عبد الله - أي الإمام الصادق رضي الله تعالى عنه وأذل من افترى عليه: ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها: لك زوج؟ فتقول لا، فأتزوجها؟ قال: نعم، هي المصدقة على نفسها.\nوعن الرضا ﵁: المرأة تتزوج متعة فينقضى شرطها، وتتزوج رجلا آخر قبل أن تقضى عدتها، قال: وما عليك؟ إنما إثم ذلك عليها.\nوقيل لأبى عبد الله: إنى تزوجت امرأة متعة، فوقع فى نفسى أن لها زوجا، ففتشت عن ذلك فوجدت لها زوجا، قال: ولم فتشت؟\nوقيل له أيضا: إن فلانا تزوج امرأة متعة، فقيل للرجل: إن لها زوجا فسألها، فقال أبو عبد الله: ولم سألها؟","vol":"1","page":1056},{"text":"قلت: وهكذا أصبحت المتعة زنى مباحا حتى بالمتزوجات!! ويثاب فاعله عندما يغتسل بعدد شعر رأسه!!\nوتحت \" باب حكم التمتع بالبكر بغير إذن أبيها \" جاء ما يلى:\nسئل أبو عبد الله عن التمتع بالأبكار فقال ﵁: هل جعل ذلك إلا لهن؟ فليستترن وليستعففن. (ص ٤٥٨) .\nوقيل: جارية بكر بين أبويها تدعونى إلى نفسها سرا من أبويها فأفعل ذلك؟ قال ﵁: نعم واتق موضع الفرج فإنه عار على الأبكار. (ص ٤٥٨ - ٤٥٩) .\nوقال: لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن أبويها ما لم يفتض ما هناك لتعف بذلك. (ص ٤٥٩) .\nوهذه الروايات، بل الجرائم المفتريات على الأئمة الأطهار جاء ما يعارضها، فقال صاحب الوسائل بأن الشيخ حمل ذلك على التقية أو الكراهة. (انظر ص ٤٥٩ - ٤٦٠) .\nوتحت \" باب عدم جواز التمتع بالبنت قبل البلوغ بغير ولى \". (ص ٤٦٠) نقرأ قولهم: أجمعوا كلهم على أن ابنة تسع لا تستصبى إلا أن يكون في عقلها ضعف، وإلا فإذا بلغت تسعا فقد بلغت.\nقلت: أي خطر وكارثة أكبر من هذا؟ فيمكن أن تخرج الصغيرة في المرحلة الابتدائية وقد بلغت تسعا فلا تذهب إلى مدرستها، وإنما تذهب إلى من يزنى بها باسم المتعة والعفة!!\nأما في غير المرحلة الابتدائية فحدث ولا حرج!!\nولعل المسلمين كافة يتنبهون إلى هذا الخطر متى وجدوا في بيئة يدنسها أي من هؤلاء الذين يستحلون الزنى بالصغيرات سرا دون علم أهلهن، وغير الصغيرات من المراهقات، وإنا لله وإنا إليه راجعون.\nوحتى نخرج من هذه المنطقة العفنة الموبوءة أكتفى بذكر شيئين: -","vol":"1","page":1057},{"text":"الأول: أن الاغتصاب والإكراه على الزنى جعلوه زواجا.\nالثانى: الإشارة السريعة إلى بعض ما تبقى من أبواب المتعة.\nوإليك الأول ويبينه ما يأتى:\nعن أبى عبد الله - ﵇ - قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: إنى زنيت فطهرنى، فأمر بها أن ترجم، فأخبر بذلك أمير المؤمنين - ﵇ -، فقال: كيف زنيت؟ قالت: مررت بالبادية فأصابنى عطش شديد، فاستقيت أعرابيا فأبى أن يسقينى إلا أن أمكنه من نفسى. فلما أجهدنى العطش وخفت على نفسى سقانى فأمكنته من نفسى. فقال أمير المؤمنين - ﵇ -: \" تزويج ورب الكعبة \"!!؟ (ص ٤٧٢) .\nهذا هو الخبر، نقلته كما هو، ونلحظ ما يأتى:\nكلمة عمر، وهو أمير المؤمنين أنذالك رضي الله تعالى عنه، ذكرت مجردة، وأخفى الرافضة في أنفسهم ما أخفوا، والكليني روى هذا الخبر، وقد عرفنا من دراستنا لكتابه \" الكافى \" تكفيره للصحابة الكرام البررة وعلى الأخص الثلاثة الخلفاء الراشدين. وعبارة \" - ﵇ - \" التي تذكر عادة للأنبياء جعلت لأبى عبد الله أي جعفر الصادق - رضي الله تعالى عنه، ولأمير المؤمنين على - رضي الله تعالى عنه، وهذا قبل أن يصبح أميرا للمؤمنين.\nالاختلاف والكذب في القصة من أوضح ما يكون، فحفظ النفس مقدم على العرض فكيف ترجم من خافت، ولم تمكن الأعرابى من أن يزنى بها إلا وهي كارهة مضطرة، وعامة الناس يدرك هذا فكيف بمن لو كان نبى بعد خاتم الأنبياء - ﷺ - لكان هو عمر؟ !\nإذا كان الهدف مما سبق من الكذب هو تجريح عمر الفاروق - رضي الله تعالى عنه وأرضاه وأذل شانئيه - فإن الكذب الأكبر والتجريح الأشد هو ما نسب لعلى رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه وبرأه مما قالوا، حيث جعل الإكراه على","vol":"1","page":1058},{"text":"الزنى واغتصاب امرأة توشك على الهلاك لحاجتها لشربة ماء، جعل هذا زواجا بأركانه وشروطه التي شرعها الله ﷿، ورسوله - ﷺ -.\nهدف أتباع ابن سبأ هدم الإسلام من الداخل، لذلك لم يتورعوا عن ذكر ما يسىء للإمام على هو نفسه ما دام ذلك يساعد على تحقيق هدفهم.\nوأحب هنا أن أعود إلى التذكير مرة أخرى بالخطأ الفادح الذى لا يجوز أن يصدر من مسلم، وهو التسليم بصحة نسبة هذه الأكاذيب للإمام الصادق - رضي الله تعالى عنه، ثم اتهامه هو - وحاشاه ثم حاشاه - بالكذب، حيث جاء في كتابات بعض من رد على الرافضة عبارة \" قال صادقهم الكذاب \"!! وقد كاد شيخى الإمام محمد أبو زهرة ﵀ - أن يكفر من اتهم الإمام الصادق بالكذب.\nكما أذكر أيضا بأن المعتدلين من الشيعة عليهم واجب أكبر في التصدى لهؤلاء الغلاة من الرافضة، وفضحهم، وبيان كيدهم للإسلام وأهله وأئمة المسلمين.\nوبعد ما سبق ننتقل إلى الإشارة السريعة إلى بعض ما تبقى من أبواب المتعة.\n\" باب أنه لا حد للمهر ولا للأجل في المتعة قلة ولا كثرة \" (ص ٤٧٠) .\nوفى الباب بيان جواز الدرهم، وكف الطعام والسواك، وما شاء من الأجل.\n\" باب ما يجب على المرأة من عدة المتعة \". (ص ٤٧٣):\nوفيه: إن كانت تحيض فحيضة، وإن كانت لا تحيض فشهر ونصف، فرقة بغير طلاق، ولذلك يمكن أن تتكرر الفرقة ألف مرة أو أكثر.\n\" باب أن المرأة المتمتع بها مع الدخول لا يجوز لها أن تتزوج بغير الزوج إلا بعد العدة، ويجوز أن تتزوج به فيها \" (ص ٤٧٥) .\nوفيه: ليس بينهما عدة إلا لرجل سواه، إن شاءت تمتعت منه أبدا، وإن شاءت تمتعت من عشرين بعد أن تعتد من كل من فارقته.","vol":"1","page":1059},{"text":"\" باب وجوب كون الأجل في المتعة معلوما مضبوطا، وحكم الساعة والساعتين، فأنه يجوز اشتراط المرة والمرات مع تعيين الأجل \". (ص ٤٧٨)\nوفيه: إن الساعة والساعتين لا يوقف على حدهما، ولكن يجوز أن يشرط الجماع مرة واحدة، فإذا فرغ فليحول وجهه ولا ينظر، ويجوز أن يشرط المرتين أو المرات مع تحديد الأجل.\n\" باب أنه يجوز أن يتمتع بالمرأة الواحدة مرارًا كثيرة، ولا تحرم في الثالثة ولا في التاسعة كالمطلقة، بل هي كالأمة \". (ص ٤٨٠) .\nوفيه: ليس هذه مثل الحرة، هذه مستأجرة وهي بمنزلة الإماء.\n\" باب جواز حبس المهر عن المرأة المتمتع بها يقدر ما تخلف من المدة إلا أيام حيضها فإنها لها \" (ص ٤٨١) .\nوفيه: إذا اشترط أن تأتيه كل يوم حتى توفيه شرطه، يحاسبها على ما لم تأته من الأيام.\nفمهر البغاء الواضح الجلى - سرا أو علنا - يعتبرونه من شرع الله ﷿! ولكن فلنستمر في الإشارة للأبواب وكفى.\n\" باب أن المرأة المتمتع بها إذا ظهر لها زوج وقد بقى من مهرها شيىء سقط عن المتمتع وبطل العقد \". (ص ٤٨٢) .\n\" باب أنه لا يجب في المتعة الإشهاد ولا الإعلان بل يستحبان \" (ص ٤٨٤) .\nوفيه: صاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء بغير ولى ولا شهود.\n\" باب عدم ثبوت الميراث في المتعة للزوج ولا المرأة \". (ص ٤٨٥) .\n\" باب جواز العزل عن المتمتع بها \". (ص ٤٨٩) .\n\" باب جواز اشتراط الاستمتاع بما عدا الفرج في المتعة فيلزم الشرط \" (ص ٤٩١) .\n\" باب جواز التمتع بالهاشمية والقرشية \". (ص ٤٩١) .","vol":"1","page":1060},{"text":"\" باب أن من أراد التمتع بامرأة فنسى العقد حتى وطأها فلا حد عليه، بل يتمتع بها، ويستغفر الله \". (ص ٤٩٢) .\n\" باب حكم من تمتع بامرأة على حكمه \". (ص ٤٩٣) . وفيه: لا بأس ولكن لابد أن يعطيها شيئا لأنها لا ترثه.\n\" باب حكم من تمتع بامرأة فزوجها أهلها رجلا آخر \". (ص ٤٩٣) .\n\" باب أن المتمتع بها تبين بانقضاء المدة وبهبتها ولا يقع بها طلاق \" (ص ٤٩٤) .\n\" باب أنه لا نفقه ولا قسم ولا عدة على الرجل في المتعة \". (ص ٤٩٥) .\nفي \" باب حكم من اشترى جارية حاملا \" (١٤ / ٥٠٥) جاء قولهم: \" لك ما دون الفرج إلى أن تبلغ في حملها أربعة أشهر وعشرة أيام، فإذا جاز حملها أربعة أشهر وعشرة أيام فلا بأس بنكاحها في الفرج \".\nوجاءت روايات تبين النهي والتحريم، وبعضها مرفوع، فقال صاحب الوسائل: حمل الشيخ: أي الطوسى - وغيره النهي عن الوطء بعد أربعة أشهر وعشرة على الكراهة. (١٤ / ٥٠٧) .\nوبعد ما رأيناه في المتعة لم يعد شيىء يستغرب يصدر عن هؤلاء القوم فإتيان الحبلى من غيره في دبرها وما دون الفرج قبل أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم استباحة الفرج بعد هذه الفترة، كل هذا لم نعهده في الإسلام، دين النقاء والطهر.\nثم بعد إجارة الفروج نفاجأ بإعارتها!!\nحيث يوجد \" باب أنه يجوز للرجل أن يحل جاريته لأخيه فيحل له وطؤها بملك المنفعة \" (١٤ / ٥٣١) .\nوفيه: إذا أحل الرجل لأخيه جاريته فهي له حلال، وفى رواية: يحل فرج جاريته لأخيه، وفى أخرى ينسبون للإمام الصادق - وحاشاه - أنه قال: يا محمد، خذ هذه الجارية تخدمك وتصيب منها، فإذا خرجت فأرددها إلينا.","vol":"1","page":1061},{"text":"وهذا يعنى أن جواز مواقعة الجارية ليس قاصرًا على مالكها، وإنما له أن يعيرها لمن يواقعها، ثم يردها إليه، وبالطبع يمكن أن يكرر هذه الإعارة لمن شاء، شأن أي متاع يعار فتوهب منفعته دون العين. ويمكن لأهل حى أن يشترى أحدهم جارية، ثم يستعيرها من شاء!! ويستحل فرجها لكل من استعارها للوطء!! وتحت الباب جاء ما يخالف هذا الفجور والمجون، فحملوه على التقية، ورفضوا الأخذ به.\nوإذا كان كل ما سبق ليس من الزنى فما مفهوم الزنى إذن عند هؤلاء القوم؟!\nوفى \" باب جواز وطء الأمة وفى البيت من يرى ذلك ويسمع على كراهية \" (١٤/ ٥٤٨):\nعن أبى عبد الله في الرجل ينكح الجارية من جواريه ومعه في البيت من يرى ذلك ويسمعه، قال: \" لا بأس \"\nومن أبواب المهور:\n\" باب أنه يجوز أن تشترط المرأة على الزوج استمتاعه منها بما دون الوطء، فلا يحل له إلا أن تأذن بعد ذلك. (١٥ / ٤٥) .\nوفيه: \" لا تدخل فرجك فى فرجى وتلذذ بما شئت، فإنى أخاف الفضيحة \".\n\" رجل تزوج بجارية على أن لا يفتضها، ثم أذنت له بعد ذلك؟ قال: إذا أذنت له فلا بأس \"\nقلت: أي فضيحة في الزواج؟ وكيف تظل الزوجة بكرًا فيأتيها زوجها من الدبر وما دون الفرج؟ !\nإن هذا لا يكون إلا في زنى السر الذى أسموه زواج المتعة.","vol":"1","page":1062},{"text":"ومن أبواب أحكام الأولاد ما يأتى:\n\" باب استحباب التسمية بأحمد والحسن والحسين وجعفر وطالب وعبد الله وحمزة وفاطمة \" (١٥ / ١٢٨) .\n\" وباب كراهة التسمية بالحكم وحكيم وخالد ومالك وحارث ويس وضرار ومرة وحرب وظالم وضريس وأسماء أعداء الأئمة ﵈ \". (١٥ / ١٣٠) .\n\" وباب استحباب تحنيك المولود بالتمر وماء الفرات، وتربة قبر الحسين، - ﵇ - \". (١٥ / ١٣٧) .\nو\" باب كراهة استرضاع الناصبية \". (١٥/ ١٨٧)\nوفيه: رضاع اليهودية والنصرانية خير من رضاع الناصبية.\nوسبق من قبل بيان أن هؤلاء الرافضة يعتبرون من قال بتقديم الشيخين وصحة إمامتهما يعتبرونه ناصبيا.\nو\" باب استحباب تعليم الأولاد في صغرهم الحديث قبل أن ينظروا في علوم العامة \". (١٥ / ١٩٦) .\nوفيه: إنا نأتى هؤلاء المخالفين فنسمع منهم الحديث فيكون حجة لنا عليهم، فقال - أي الإمام الصادق: لا تأتهم ولا تسمع منهم، لعنهم الله ولعن مللهم المشركة!!\nو\" باب استحباب إكرام البنت التي اسمها فاطمة، وترك إهانتها \" ... (١٥ / ٢٠٠) .\nقلت: هؤلاء الرافضة الغلاة يفترون الكذب على الإمام الصادق رضي الله تعالى عنه، فينسبون له الحكم بأن غير الرافضة مشركون يستحقون اللعنة، أفلا يستحق زنادقة الرافضة لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين؟!\nومن أعداء الأئمة الذين يكره التسمية بأسمائهم؟ إن الرافضة الذين رفضوا إمامة أبى بكر وعمر والثناء عليهما، وأجمعوا على كفر الخلفاء الراشدين الثلاثة","vol":"1","page":1063},{"text":"ومن تبعهم ولم يؤمن بعقيدتهم الباطلة، هؤلاء الرافضة يرون أن الخلفاء الراشدين كفروا لأنهم اغتصبوا الإمامة، فهم أعداء الأئمة.\nوقد ذكرت من قبل في هذا الفصل أسماء أبو بكر وعمر وعثمان من أبناء على بن أبى طالب، ومن أحفاده أبناء الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم جميعا، فماذا يقول هؤلاء القوم؟! أليسوا هم أنفسهم بالرفض يعتبرون بحسب الواقع الملموس أعداء الأئمة؟ وفى خاتمة الكتاب سنجد أن ثلاثة من الذين وجهوا الشيعة الاثنى عشرية في عصرنا لم يتأسوا بسيرة أهل البيت الأطهار، ولم يحدوا من غلو زنادقة الرافضة في موقفهم من المخالفين لهم، بل وجهوا الشيعة إلى أسوأ ما عليه الرافضة في أي عصر من العصور. وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nعلى كل حال بعد أن مررنا بهذه المنطقة العفنة، وتحملنا الآلام ونحن نقرأ ما قاله الرافضة في زواج المتعة، وهم الذين قال الإمام الشافعى فيهم: أشهد الناس بالزور الرافضة \" ولذلك نسبوا للإسلام زورا وبهتانا أنه يقر الزنى والفجور، بالمتزوجة وغير المتزوجة، ويقر اغتصاب المرأة التي توشك على الهلاك مقابل إعطائها شربة ماء، وغير ذلك من الجرائم والموبقات التي جعلوها تحت اسم نكاح المتعة، بعد أن مررنا بهذه المنطقة بسرعة تاركين التفصيل لمن يشاء أن يرجع إلى الأصل، بعد هذا أنتقل إلى روايات العتق والأيْمان، ثم نختم هذا الفصل بالبحث القيم عن زواج المتعة لأستاذى الجليل الشيخ على حسب الله يرحمه الله تعالى، وببحث آخر لأحد علماء الشيعة المعتدلين.\nفي كتاب العتق نجد \" باب جواز عتق المستضعف - ولو في الواجب - دون المشرك والناصب \". (١٦ / ١٩) .\nوفى كتاب الأيمان نجد\" باب تحريم الحلف بالبراءة من الله ورسوله صادقا كان أو كاذبا..\" (١٦ /١٢٥) .\n\" وباب تحريم الحلف بالبراءة من الأئمة ﵈ \" (١٦ / ١٢٦) .","vol":"1","page":1064},{"text":"\" وباب جواز الحلف باليمين الكاذبة للتقية ... \" (١٦ / ١٣٤) وبينت من قبل مفهوم التقية عندهم.\nو\" باب أن من حلف يمينا ثم رأي مخالفتها خيرا من الوفاء بها جاز له المخالفة بل استحبت، ولا كفارة عليه \" (١٦ / ١٤٥) .\nولو لم يقولوا بعدم الكفارة لوافقوا جمهور المسلمين، وهم لا يريدون هذا كما بينا في التعارض والترجيح، وما تقرر عند هؤلاء القوم من أن مخالفة العامة - أي عامة المسلمين - من علامات الإيمان.","vol":"1","page":1065},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>خاتمة الفصل (بحثان)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>البحث الأول في زواج المتعة</span>\nللأستاذ / على حسب الله\nمنذ أكثر من ربع قرن كنت في الكويت، وسعدت بصحبة أستاذى الجليل الشيخ على حسب الله قبل وفاته يرحمه الله تعالى، وأخبرنى برغبته في كتابه بحث عن زواج المتعة، فسعدت بهذه الرغبة لما تميز به شيخنا من دقة وعمق في أبحاثة، يدرك هذا جميع طلبته ومن يقرأ كتبه. ونقلت هذه الرغبة لبعض إخواننا من الشيعة، حيث تم لقاء وحوار بينهم، كما أمكن الحصول على المراجع التي تتصل بالموضوع.\nوكنت مع شيخنا - يرحمه الله - طوال فترة كتابته للبحث، غير أننى لم أطلع على شيىء مما كتبه إلا بعد الانتهاء من الكتابة، فوجدته بحثا علميا دقيقا قيما، ومع هذا فلا زلت أذكر أن أحد الشيعة الذين زاروه أعطيته نسخة من البحث، ووجدته بعد اطلاعه غاضبا ثائرا، فذكرنى بقول الحق ﵎: \"\"وَلَن تَرضي عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ \"\".\nوالبحث جعله أستاذى في كتابه \" الزواج في الشريعة الإسلامية \"، وإتماما للفائدة المرجوة رأيت أن أنقله هنا كاملا تاما مع حاشيته.","vol":"1","page":1066},{"text":"نص البحث\nزواج المتعة (١): وجمهور المسلمين على أن العقد لا يصح، لأن المراد به مجرد الاستمتاع دون الولد، وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - نهي عن زواج المتعة، وهو الزواج الذى لا يقصد به إلا الاستمتاع، سواء أعقد بلفظ المتعة أم عقد بغيره.\nوذلك لأن أهم مقاصد الزواج سكن الرجل إلى المرأة وبقاء النوع بالتناسل، وتكثير سواد المسلمين، قال تعالى \"\" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً \"\" (٢)، وقال تعالى: \"\" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ\n_________\n(١) وجدنا من بعض طلبتنا في جامعة الكويت – وخاصة من ينتسب إلى الشيعة منهم تطلعا إلى معرفة شيء عن حكم المتعة، واطلعنا على كتب ألفها بعض إخواننا من الشيعة في موضوعه فأطلنا في عرض قضيتها من وجهة نظرنا – على غير منهجنا في هذا الكتاب – لا لنقنع إخواننا الشيعة برأينا، فقد وجدناهم يدعون لأئمتهم العصمة، ويعتبرون أقوالهم نصوصًا كنصوص الكتاب والسنة، على حين نعتمد نحن على الكتاب الكريم وما صح من سنة النبى ﷺ، ولا ندعى العصمة لأحد بعده، وتعد أقوال علماء المسلمين جميعا آراء اجتهادية: للمخطئ فيها أجر، وللمصيب أجران. وكذلك وجدناهم يعدون استباحة المتعة من أصول الدين، ويروون عن أبى عبد الله الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: ليس منا من لا يؤمن بكرتنا ولا يستبيح متعتنا (ص ٨٥: المتعة في الإسلام للسيد حسين يوسف مكى العاملى الشيعى) .\nوإنما بسطنا القول فيها بعض البسط استجابة لرغبة أبنائنا، ولعلنا نجد في أثناء البحث ما قد يجرنا إلى تغيير رأينا، ثم نقول لإخواننا الشيعة: إنهم منا وإن خالفونا في هاتين المسألتين، وليس أحب إلينا من أن يحقق الله أملهم في الرجعة، فتمتلئ الدنيا عدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا، والله يهدى إلى الحق من يشاء ويعفو بفضله عن كثير.\n(٢) الروم: ٢١.","vol":"1","page":1067},{"text":"حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ\"\" (١)\nوقال سبحانه: \"\" وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً \"\" (٢)، وعن معقل بن يسار أن رجلًا جاء إلى النبى - ﷺ - فقال: \" إنى أصبت امرأة ذات حسن وجمال، وإنها لاتلد، أفأتزوجها؟ قال: لا. ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوجوا الودود الولود، فإنى مكاثر بكم الأمم \" (٣) .\nوهذه المقاصد الشريفة لا تتم لبنى الإنسان على الوجه الأكمل إلا بزواج مستمر دائم، يتعاون فيه الزوجان على العناية بثمرة اجتماعهما.\nوإذا كان الخالق سبحانه قد وضع في الإنسان غريزة الجنس لتكون حافزًا إلى زواج يبقى به النوع، ويعمر به الكون - فلا شك في أن فتح باب المتعة يحول مجرى هذا الحافز، إذ يجعل كثيرا من الناس يكتفون في قضاء حاجتهم الجنسية بالمتعة، وينصرفون عن الزواج المطلوب بما فيه من تبعات وتكاليف.\nوذهب فريق من الشيعة إلى إباحة زواج المتعة، واستدلو لهذا:\n١ـ بقوله تعالى: \"\" فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً \"\" (٤) . فقد عبر بالاستمتاع دون النكاح، فدل على اعتبار عقد المتعة كما اعتبر عقد النكاح الدائم.\n_________\n(١) الأعراف: ١٨٩.\n(٢) النحل: ٧٢.\n(٣) ص ٧ جـ ٣: الترغيب والترهيب.\n(٤) النساء: ٢٤.","vol":"1","page":1068},{"text":"ويرشحه أنه عبر في الآية بالأجور دون المهور.\n٢ـ بما ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه أباح المتعة لأصحابه، ولم يثبت أنه نهي عنها، فبقيت إباحة الرسول - ﷺ - مع دلالة الآية الكريمة دون أن يلحقهما ناسخ.\n٣ـ بما روى عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين من الإفتاء بحلها.\n(أ) فأما تفسيرهم للآية فيرده سياقها، حيث قال تعالى في بيان المحرمات: \" حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم والمحصنات من النساء \"، أي حرم عليكم التزوج بهؤلاء.. يعنى ذلك الزواج الدائم المعهود في الإسلام، ثم عطف قوله تعالى: \"\" أُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ \"\" على قوله: \"\" حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ \"\".\nومعنى قوله تعالى: \"\" وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ \"\" - أحل لكم أن تتزوجوا من عدا المحرمات المذكورات ... قبل (١) لتبتغوا النساء بأموالكم، أي لتتزوجوهن بالمهور قاصدين ما شرع الله النكاح لأجله، من الإحصان وتحصيل النسل دون مجرد سفح الماء وقضاء الشهوة، كما يفعل الزناة، ففى الآية نهي عن وضع المرأة موضع الذلة والمهانة يجعلها مستأجرة لمجرد سفح الماء، وإبعادها بهذا عن وظيفتها الكريمة في الحياة الإنسانية، ولا نزاع في أن الذى يعقد المتعة ليوم أو يومين ويجوز له أن يشترط العزل كما قالوا، لا يكون غرضه إلا سفح الماء وقضاء الشهوة الحيوانية.\n_________\n(١) من قواعد الأصول أن أحكام الشارع لا تتعلق بذوات الأشياء، بل تتعلق بأفعال العباد، فإذا ورد الحكم متعلقا بذات فلابد من تقدير فعل إنساني مناسب للمقام؛ فقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (معناه حرم عليكم أكلها، وقوله تعالى \" (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ (معناه حرم عليكم التزوج، وقوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ (معناه أحل لكم التزوج بما وراء ذلكم، وهكذا! (راجع دلالة الاقتضاء في أصول التشريع) .","vol":"1","page":1069},{"text":"وكما حرم الله المسافحة على الرجال في هذه الآية الكريمة - حرم المسافحة واتخاذ الأخدان على الرجال والنساء جميعا في قوله تعالى: \"\"مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ \"\" (١)، وقوله سبحانه: \"\" ُمحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ \"\" (٢) وأين الزواج المؤقت بليلة ونحوها من اتخاذ الأخدان؟\nثم رتب بالفاء على ذلك الزواج الذى يعقد للمقاصد التي أرادها الخالق سبحانه: من الإحصان وتحصيل النسل، دون المسافحة واتخاذ الأخدان، قوله تعالى: ... \"\" فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً \"\".\nوحقيقة الاستمتاع فيه تحصيل المتعة واللذة، ويشمل بإطلاقة الوطء والتقبيل وغيرهما، والمعنى استمعتم به - بوطء أو غيره - منهن، أي ممن تزوجتموهن مما أحله الله لكم - فقد وجب إعطاؤهن مهورهن كاملة.\nوروى عن ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: \" إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة - فقد وجب صداقها كله \".\nفالآية دليل على أن المهر يجب أو يتأكد وجوبه كاملا بالاستمتاع، لا بعقد الزواج وحده (٣) . ومن زعم أن الاستمتاع هنا مصروف عن معناه إلى عقد زواج مؤقت فعليه الدليل (٤) .\n_________\n(١) النساء: ٢٥.\n(٢) المائدة: ٥.\n(٣) راجع ما يتأكد به المهر فيما يأتى، وانظر ما قاله مالك وأحمد بن حنبل في ذلك، واقرأ ما قلناه في باب المتعة: كتابنا \" الفرقة بين الزوجين \"\n(٤) يعبر القرآن الكريم عن إنشاء العلاقة الزوجية بأحد لفظين: النكاح وهو الكثير، والزواج أحيانًا، ودلالة اللفظين على هذا المعنى لغوية وشرعية. أما الاستمتاع فلم يستعمل في* *عقد الزواج، فيبقى على معناه الحقيقى حتى يدل دليل على صرفه عنه إلى غيره، وقبول تفسيرهم للاستمتاع في الآية بعقد زواج مؤقت من غير دليل - هو أول خطأ يقع فيه الباحث في هذا الموضوع، وإذا سلم به تعذر عليه التخلص منه.","vol":"1","page":1070},{"text":"وإنما سميت المهور في الآية أجورًا للإشعار بأنها تعطى في نظير منفعة للزوج، حثا على عدم المماطلة والتهاون في أدائها، وهي تسمية معهودة في الكتاب الكريم حيث قال تعالى في أزواج النبى - ﷺ -: \"\" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ \"\" (١)، وقال سبحانه في التزوج بالمحصنات من المؤمنات ومن الكتابيات: \"\" الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ٠٠٠ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ \"\" (٢)، وقال في التزوج بالإماء: \"\" فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ \"\" (٣) .\nوهذا الذى قلناه في تفسير الآية هو المتبادر منها والموافق لما جعله الله تعالى صفة أصلية من صفات المؤمنين، وأنزله على رسوله - ﷺ - قبل الهجرة مرتين توكيدا له حيث قال تعالى في سورتى المعارج والمؤمنين \"\" وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ\n_________\n(١) الأحزاب: ٥٠.\n(٢) المائدة: ٥.\n(٣) النساء: ٢٥.","vol":"1","page":1071},{"text":"حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ \"\" (١) .\nوقد نزلت هذه الآيات الكريمة في وقت لا نجد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ما يعد اعترافا من الإسلام بنكاح المتعة فيه، فلا يراد بالأزواج فيه إلا الأزواج المعهودة في زواج دائم، ومن ادعى أن المتمتع بها تدخل في عداد الأزواج في هذه الآية فعليه الدليل.\nولو كان ما ذهبوا إليه في تفسير الآية صحيحا لوجد في المسلمين من يقول لعمر - حينما أذاع حرمة المتعة كما سيأتى ـ: أنبأنا الله بغير ما قلت في قوله تعالى: \"\"فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً \"\"، ولرجع عمر عن قوله واعترف بخطئه (٢)، ولاحتج بها ابن عباس على عبد الله بن الزبير في مناقشتهما الآتية.\nوبهذا لا ينبغى لأحد أن يتعلق في إباحة المتعة بشئ من الكتاب الكريم، ويحمل آياته ما لاتحتمل، انتصارا لمذهب اعتنقه، أو رأي قلد فيع غيره، فإن الكتاب الكريم فوق كل مذهب، وأعلى من كل رأي.\n_________\n(١) ٢٩ - ٣١: المعارج، ٥- ٧: المؤمنون.\n(٢) وقد وقع مثل هذا حينما نهي عمر عن المغالاة في المهور وعارضته امرأة، وهي حادثة مشهورة، وراجع في التحريم المؤقت فيما يأتى – ما ورد في حرمة التزوج بالمعتدة، من إفتاء عمر بفتوى بلغت عليا ﵄ فانتقدها وأفتى بغيرها، فلما بلغ ذلك النقد عمر عد فتواه جهالة، وأمر الناس بالرجوع عنها إلى فتوى على فقال: يأيها الناس، ردوا الجهالات إلى السنة.\nوأغلب ظنى أن الاتجاه إلى آية النساء للاستدلال بها على إباحة المتعة لم يكن في زمن عمر ولا في زمن ابن عباس وابن الزبير، بل كان بعد ذلك حينما احتدم الجدل في المسألة وأريد تأييد المذهب بشئ من أي الكتاب الكريم.","vol":"1","page":1072},{"text":"والكلام بعد هذا في مسألة النسخ لا يقوم على أساس، بل هو اشتغال بما لاحاجة إليه، ولا فائدة فيه.\n(ب) وأما قولهم: إن الرسول - ﷺ - أباح المتعة لأصحابه فهو حق، ولكنه - ﷺ - إنما أباحها بأمر الله لحاجة عارضة في فتح مكة استثناء من الأصل القرآنى العام، ثم نهي عنها عقب الإذن بها نهيا مؤبدا، كما استباح مكة بأمر الله ساعة من نهار، وكما منع إقامة حد السرقة في الحرب.\nومن استعرض الآثار التي وردت في النهي عن المتعة مرتبة بحسب الزمن الذى تعلقت به، وحاول أن يصل منها إلى الحق لوجه الحق دون تأثر بمذهب تجلت له الحقيقة إن شاء الله تعالى، وإليك هذه الآثار بترتيبها الزمنى: -\n١ـ روى البخارى ومسلم ومالك وغيرهم عن على ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهي عن المتعة وعن الحمر الأهلية زمن خيبر (صفر سنة ٧ هـ) .\nوروى محمد بن الحنفية عن على ﵁ أن منادى رسول الله - ﷺ - نادى يوم خيبر - \" ألا إن الله تعالى ورسوله ينهيانكم عن المتعة \".\nوليس في الحديثين كما ترى، ما يدل على أن المسلمين فعلوها في خيبر، ولا أن الرسول أمرهم بها حينئذ وليس فيها ولا في غيرها ما يدل على أنه أباحها لهم قبل ذلك، إلا ما روى عن ابن مسعود أنه قال: \" كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصى؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، وفى رواية: \" ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل \"، وفى أخرى: \" رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ففعلنا، ثم ترك ذلك \"، وفى أخرى: \" ثم جاء تحريمها بعد \" وفى أخرى: \" ثم نسخ \" (١) .\nوقد يكون المراد بهذا الحديث - إذا اقتصرنا على الرواية الأولى - تيسير أمر الزواج بما قل من المهر، وإن صح ما بعد ذلك - فإنه يحمل على ما كان\n_________\n(١) راجع ص ٩٤، ١٣٨ جـ، فتح البارى، وص ٢٦٨ جـ ٦: نيل الأوطار.","vol":"1","page":1073},{"text":"من الغزوات قبل خيبر، وكان الناس قريبى عهد بالجاهلية التي كانت تستباح فيها الحرمات.\nفلما فتحت خيبر، وغنم المسلمون فيها مالا، وسبوا نساء - اغتنم النبى - ﷺ - هذه الفرصة، فنهي عنها، اكتفاء بما أصابوا من سبايا، فنقل المسلمين في رفق مما كانوا عليه في الجاهلية إلى الأصل العام في صفات المؤمنين وكانت الفترة السابقة فترة تدرج في التشريع، على عادة الإسلام في التدرج في التشريع حتى يكمل الدين بتمام الرسالة، كما تدرج بهم في تحريم الخمر (١) .\nوروى أن رسول الله - ﷺ - نهي عن المتعة في عمرة القضاء (ذى القعدة سنة ٧ هـ)، وقد ضعف بأنه من مراسيل الحسن، ومراسيله كلها ضعيفة، لأنه كان يأخذ عن كل أحد، ولعل الأمر اختلط على الراوى لأن عمرة القضاء كانت في عام خيبر، وإذا صح فإنه يكون من باب تكرار النهي في وقت تدعو الحاجة فيه إلى التذكير بالحرمة. ولا دلالة فيه على أن المتعة كانت مباحة كما قدمنا.\n٢ـ وروى مسلم بسنده عن سبرة بن معبد الجهنى - أنه غزا مع رسول - ﷺ - فتح مكة (رمضان سنة ٨ هـ)، فأذن لهم في المتعة، ثم نهي عنها فقال: \" أيها الناس، إنى كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وقد حرم الله ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده شيىء منهن فليخل سبيله ولا تأخذوا مماآتيتموهن شيئا \".\n_________\n(١) وقد توهم بعض الناس أن نهي النبي عن المتعة في وقت ما يدل على أنه كان قد أذن بها قبل هذا النهي، وهو وهم فاسد، وخطأ آخر يتعرض له الباحث في هذا الموضوع، والذين وقعوا فيه اضطروا إلى القول بأن المتعة أبيحت ثم نسخت عدة مرات، وليس في الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك. وإنما تكرر النهي عنها تكرر الظروف التي تقتضي التذكير بحرمتها، وهل يدل تكرار النهي عن الزنى وغيره في الكتاب الكريم ... على إذن سابق بشيء من ذلك؟","vol":"1","page":1074},{"text":"وفى رواية أخرى عنه \" أمرنا رسول الله - ﷺ - بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ولم نخرج منها حتى نهانا عنها \".\nوعن الربيع بن سبرة أنه قال: أباح رسول الله - ﷺ - المتعة عام الفتح ثلاثة أيام، فجئت مع عم لى إلى باب امرأة ومع كل منا بردة وكانت بردة عمى أحسن من بردتى، فخرجت إلينا امرأة كأنها دمية عيطاء، فجعلت تنظر إلى شبابى وإلى بردته وقالت: هلا بردة كبردة هذا، أو شباب كشباب هذا؟ ثم آثرت شبابى على بردته، فبت عندها، فلما أصبحنا إذا منادى رسول الله - ﷺ - ينادى: \" ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عن المتعة \"، فانتهي الناس عنها ـ\nوروى مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه قال: \" رخص رسول الله - ﷺ - عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام، ثم نهي عنها \".\nويلاحظ في هذا الحديث أن الراوى قال: \" عام أوطاس \"، ولم يقل: \" في أوطاس \"، وعام أوطاس هو عام الفتح، فقد كان الفتح في رمضان، وكانت أوطاس - أو حنين أو هوازن - عقب ذلك في شوال، ولأمر ما كانت أوطاس أقرب إلى ذهن الراوى فذكرها بدل الفتح، وإلا فليس من المعقول أن ينهي الرسول عن المتعة نهيا مؤبدا في رمضان، ثم يبيحها في شوال.\nهذا إلى أن حال المسلمين في أوطاس كحالهم في خيبر: غنموا مالا، وسبوا نساء، فكان لهم فيما سبوا ما يغنيهم عن المتعة، ولهذا اهتم الرسول - ﷺ - بسبايا أوطاس فقال فيهن: \" لا توطأ حامل حتى تضع حملها ولا غير حامل حتى تحيض حيضة \".\n٣ـ أخرج الحازمى عن جابر أنه قال: خرجنا مع النبى - ﷺ - إلى غزوة تبوك (سنة ٩ هـ)، حتى إذا كنا عند العقبة مما يلى الشام جاءتنا نسوة - كنا تمتعنا بهن - يطفن برحالنا، فسألنا النبى - ﷺ - عنهن فأخبرناه، فغضب وقام","vol":"1","page":1075},{"text":"إلينا خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم نهي عن المتعة، فتواعدنا يومئذ، فسميت ثنية الوداع.\nوأخرج ابن حبان مثله عن أبى هريرة، وفى آخره ... فقال - ﷺ -: -\n\" هدم المتعةَ النكاحُ والطلاق والميراث \".\nوقد ضعف حديث جابر بأنه من طريق عباد بن كثير وهو متروك، وضعف حديث أبى هريرة بأنه من رواية مؤمل بن إسماعيل عن عكرمة بن عمار، وفى كل منهما مقال.\nوعلى فرض صحتهما ليس فيهما إباحة المتعة، ولا التصريح بوقوعها فعلا بل فيهما تقرير التحريم من رسول الله - ﷺ - حيث خشى أن يقع فيها - أو أن يكون قد وقع فيها - بعض أصحابه.\n٤ـ وروى أحمد وأبو داود عن سبرة أن رسول الله - ﷺ - نهي عن المتعة في حجة الوداع (سنة ١٠هـ) .\nوقد ضعف بأنه لو وقع لنقله خلق كثير، ولعله من باب الخلط بين الفتح وحجة الوداع لتشابههما، وعلى فرض صحته يكون توكيدا للنهي السابق عام الفتح وليس منافيا له.\nولعلك تلاحظ معى أن نهي النبى - ﷺ - عن المتعة كان يقع حينما تكون هناك تجمعات غير عادية، قد يعتبرها بعض الناس فرصة لاستباحتها كما كانوا يفعلون في الجاهلية.\nوإذا كان النهي عنها قد وقع في عدة مواقف - أولها ما روى عن على ﵁ في خيبر - فإن الإذن بها لم يصح بغير علة - كما قال صاحب الفتح - إلا في غزوة الفتح، فهي التي صرح فيها بالإباحة، وهي التي وقع فيها النهي المؤبد عنها.\nوانتصار المسلمين في فتح مكة هو ذروة سنام انتصاراتهم في الغزوات السابقة، وبه زال الجفاء وارتفع العداء بين المدينتين العظيمتين، واتصل ما انقطع","vol":"1","page":1076},{"text":"من الرحم بين أهلها، وأيامه أيام عيد كبير لا يقل عن الأعياد العادية التي أباح رسول الله فيها اللعب البرىء، وقال عنها: \" إنها أيام أكل وشرب وبعال \". ولم يكن في فتح مكة مثل ما كان في خيبر وأوطاس من سبايا، فأباح - ﷺ - المتعة فيه من باب التوسعة وإدخال البهجة والسرور على نفوس جنود بعدوا عن أزواجهم وأهلهم في فرصة لا مثيل لها في تاريخهم، فالإباحة فى الواقع استثنائية، وترك بابها مفتوحا أبدا يعود على المشروع الأصلى بالنقض، إذ يؤدى إلى وضع العلاقة الزوجية موضع المسافحة، ويبعدها عن الغرض المقصود من الزواج الدائم، ولا أدل على هذا من أن يؤدى القول بإباحتها إلى القول بصحة تزوج الرجل المرأة متعة على عرد واحد كما سيأتى. ومن أجل هذا نهي الرسول - ﷺ - عنها بعد ثلاث كما تقدم.\nوإذا كان هذا النهي لم يبلغ بعض الناس - كابن عباس وغيره - فبقى على القول بالحل مطلقا أو عند الضرورة فقد حمله إلى الأمة من تقوم به الحجة على مثله، ومتى صدر الحكم من الرسول - ﷺ -، وسمعه من تقوم الحجة بسماعه - كان على من سمعه أن يبلغه، عملا بقوله - ﷺ -: \" ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع \"، وعلى كل من علمه أن يعمل به، ومن لم يبلغه الخبر لا يكون حجة على من سمعه أو بلغه، فإن من عرف حجة على من لم يعرف، والإثبات مقدم على النفى.\nوليس بعجيب أن يجهل بعض الناس حكم المتعة، لأنها ليست من شعائر الإسلام، ولا من الأمور التي تعم بها البلوى، فيحتاج الناس جميعًا إلى معرفة حكمها كما يحتاجون إلى معرفة وجوب الصلاة وحرمة الزنى ونحو ذلك، فقد فتح الإسلام باب الزواج الذى يكون به الإحصان، وتتعلق به مصلحة بقاء النوع على مصراعيه، وحث الناس على ولوجه، فأغناهم عن قضاء وطرهم الجنسى بسواه، والذين أصلح الله قلوبهم بالإسلام، وهذب طباعهم بأدابه إنما يستجيبون لنداء الفطرة من هذا الطريق، ولا تحملهم شهوة جامحة على التطلع إلى","vol":"1","page":1077},{"text":"غيره عملا بقوله تعالى: \"\" وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ \"\" (١) .\nوفى زمن عمر ﵁ وقعت حوادث فردية دلت على أن في الناس من يفعل المتعة جاهلًا أن الرسول - ﷺ - إنما أباحها لحاجة عارضة ثم حرمها تحريمًا مؤبدًا.\nومن ذلك ما روى مالك في الموطأ عن عروة بن الزبير - أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه. فخرج عمر فزعًا يجر رداءه وقال: \" هذه المتعة لو تقدمت فيها لرجمت \" يعنى لو أنى علمت الناس من أمرها ما جهلوا، وأذعت بينهم حرمتها - لرجمت من يفعلها (٢) .\nومنه ما أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن جابر- أنه قال: قدم عمرو بن حريث الكوفة، فاستمتع بمولاة، فأتى بها عمرو حبلى، فسأله فاعترف (٣) .\nقال جابر: فذلك حين نهي عنها عمر.\nولا يجوز في تقديرنا أن يكون ربيعة بن أمية أو عمرو بن حريث أو غيرهما- إذا صح أن غيرهما قد فعلها - لا يجوز أن يكون أحد من هؤلاء قد علم أن الرسول حرمها ثم يقدم على فعلها.\nلهذا خطب عمر الناس - فيما أخرج ابن ماجه عنه بسند صحيح فقال: \" إن رسول الله - ﷺ - أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدًا تمتع وهو\n_________\n(١) النور: ٣٣.\n(٢) يدل اهتمام خولة بالأمر، ورفعها إياه إلى عمر، وفزعه منه، وقوله هذه المتعة – على أن هذا الفعل لم يكن ذائعًا بين الناس، ولهذا لا يقال: لم لم ينه عنه أبو بكر وعمر قبل ذلك.\n(٣) قوله: فسأله فاعترف – يدل على أن من كان يفعل المتعة كان يتحرج من إظهارها وقد ينكرها.","vol":"1","page":1078},{"text":"محصن إلا رجمته بالحجارة \"، وروى ابن جرير بسنده، أن عمر بن الخطاب لما ولى أمر الناس خطب فقال \" إن رسول الله - ﷺ - أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدا تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة إلا أن يأتينى بأربعة يشهدون أن رسول الله - ﷺ - أحلها بعد أن حرمها، ولا أجد رجلا من المسلمين متمتعًا إلا جلدته مائة جلدة إلا أن يأتينى بأربعة يشهدون أن رسول الله - ﷺ - أحلها بعد أن حرمها \" (١) .\nقال عمر هذا منذرًا ومعلنًا في ملأ من الصحابة ولم يعارضه أحد، لا من الحاضرين الذين سمعوه، ولا من الغائبين الذين بلغهم الخبر، ولم يقل له أحد من المسلمين: إنك خالفت آية في كتاب الله، أو أمرًا من أوامر رسول الله، مع أنه كان يقبل أن تعارضه امرأة ويرجع إلى قولها، فكان سكوتهم جميعًا تصديقًا له، وإذا عد عمله خروجًا على الدين فكل من سكت عليه يكون شريكًا له في ذلك حتى على ﵁، ولا نظن أحدا من المسلمين يرضي باتهام أحد من أصحاب رسول الله بالجبن في دين الله.\nوفى مسلم أن عمر ﵁ قال في متعة النساء: \" إن الله تعالى كان يحل لرسوله ما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله (٢)، فأبتوا نكاح هذه النساء،\n_________\n(١) يدل هذا الحديث على أن عمر يهدد بالعقوبة كل متمتع محصنا كان أو غيرمحصن، ومن عجب أن يورد بعض المؤلفين فى المتعة هذا النص بتمامه، ثم يستدل به على أن عمر كان يحرم المتعة على المحصن دون غيره (ص ٢١: المتعة في الإسلام) .\n(٢) أي أنه في أثناء نزول الوحي وقبل كمال الشريعة كان الله تعالى يبيح لرسوله ما شاء بما شاء من أسباب عارضة تقتضى الإباحة، كإباحاته مكة ساعة من نهار ثم تحريمها إلى يوم القيامة، وإباحته المتعة ثم تحريمها تحريمًا مؤبدًا وبكمال الشريعة وانقطاع الوحي أخذت الأحكام وضعها الأصيل الدائم، فلا نسخ ولا استثناء بعد ذلك إلا بدليل.","vol":"1","page":1079},{"text":"أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة \" (١)، وقال في متعة الحج: \" أتموا الحج والعمرة كما أمركم ربكم \" وفى رواية: \" افصلوا حجكم عن عمرتكم، فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم \".\nومن هذا ترى أن عمر ﵁ ما كان يهدد بالعقوبة على متعة الحج بل كان يرشد الناس - مصيبًا أو مخطئًا - إلى ما يراه أكمل لحجهم وعمرتهم، وأكثر ثواباُ لهم، من غير إلزام لأحد منهم، ولهذا قال عبد الله بن عمر - حينما أفتى في متعة الحج بغير ما أفتى أبوه، وسئل عن ذلك -: \" إن عمر لم يقل إن المتعة في أشهر الحج حرام، بل قال إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج، وإنما كان يبتغى بذلك الخير للناس، فلم تحرمون ما أحل الله وعمل به رسوله؟ أفسنة رسول الله أحق أن تتبعوا أم سنة عمر؟ \" (٢) .\nوقد تبين مما قدمنا أن عمر كان يعتمد في تحريم متعة النساء على تحريم رسول الله - ﷺ - إياها، وهي التي كان يتهدد من يفعلها ولا عليه بعد هذا أن يقول أحيانًا مشددًا ومتوعدًا ومنفذًا لأحكام الشريعة التي نصب لإقامتها -: \" أنا أحرم المتعة وأعاقب عليها \"، فإن كل مسلم - فضلا عن ولى الأمر - يستطيع أن يقول\n_________\n(١) قال الفقهاء: إن عمر ما كان يريد بقوله هذا إلا التهديد، لأنه ما كان يجهل أن الحدود تدرأ بالشبهات، وقد درأ هو الحد عن بغى بأجرة، ولعله درأ عنها الحد لأن الناس ما كانوا يجترءون على الزنى في زمنه جرأتهم عليه بعد أن عطلت الحدود.\n(٢) راجع ص ٦٧ حـ ٧: المحلى، ويظهر أن الحزبية لعبت دورًا هامًا في هذه المسألة عن قصد أو غير قصد، وإلا فلماذا يصور عمر بصورة الطاغية العنيد الذى يعاقب بالحق وبالباطل وينقل قوله بصيغة توهم أنه يتحدى رسول الله، ويشرع من عند نفسه. فيحرم ما أحل الله ورسوله حيث يقول \" متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما \"، وإذا صح أن يعاقب على متعة النساء فكيف يعاقب على متعة الحج؟ ولماذا يكثر البحث في متعة النساء خاصة، وتؤلف فيها الكتب وليست إلا مسألة فرعية من مسائل الفقه الإسلامي، وما أكثر المسائل التي اختلف فيها الأئمة، وقال فيها بعضهم بالحل وبعضهم بالحرمة، وإذا كان الباعث على الاهتمام بها تعلقها بالأعراض - فما كان أولانا جميعا بالاتفاق على حرمتها","vol":"1","page":1080},{"text":"أنا أحرم الخمر وأحرم الزنى، يعنى أنه يدين بهذا ويعمل به، لا أنه ينشئ تحريمًا من عند نفسه، فدعوى أن عمر ﵁ يحرم من تلقاء نفسه دعوى هزيلة رخيصة.\n(ج) وأما قولهم: إن ابن عباس وغيره قد أفتوا بإباحتها، وإن من الصحابة من كان يفعلها، فتلك آراء فردية لا ترقى إلى رتبة المعارضة للآثار المروية عن رسول الله - ﷺ -، ولا شك أن عمل بعض الناس بها في زمن الرسالة، فضلا عن عملهم بها في زمن أبى بكر وعمر - لا يكون حجة على الإباحة إلا إذا ثبت أن رسول الله - ﷺ - قد علم به وأقره.\nوقد تقدم في حديث جابر وأبى هريرة عن غزوة تبوك أن رسول الله - ﷺ - حينما علم أن نسوة كن موضع متعة سابقة يطفن برحال الجنود - غضب ونهي عن المتعة، لأنه خشى أن تتوجه نفوس الجنود إليها، فلو أنه لم يعلم وتمتعوا بهن - فهل يكون فعلهم هذا حجة على الإباحة إذا قالوا بعد: لقد فعلنا المتعة على عهد رسول الله - ﷺ -؟\nوقد روى أن عليا ﵁ لما سمع ابن عباس يلين في متعة النساء قال له: \" مهلا يا بن عباس، إنك رجل تائه، فإنى سمعت رسول الله - ﷺ - نهي عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية \"، وروى البخارى بسنده عن على ﵁ أنه قال لابن عباس: \" إن النبى - ﷺ - نهي عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر\".\nوروى مسلم بسنده عن عروة بن الزبير - أن عبد الله بن الزبير قام بمكة خطيبًا فقال \" إن ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم - يعرض بابن عباس وكان قد كف بصره - يفتون بحل المتعة \"، فقال له ابن عباس: \" إنك لجلف جاف، فلعمرى لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين \" (١) - يعنى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) قول ابن عباس هذا لا حجة فيه على بقاء حل المتعة كما قدمنا، ولو كانت إباحتها تستند إلى شيء من الكتاب الكريم ما ترك ابن عباس الاستدلال به في هذا المقام، وهو من أعلم الناس بكتاب الله.","vol":"1","page":1081},{"text":"فقال له ابن الزبير: \" فجرب نفسك فوالله لإن فعلتها لأرجمنك بأحجارك\".\nوقد روى ما يدل على أن فتوى ابن عباس كانت مقصورة على حال الضرورة، فقد روى البخارى عن أبى جمرة أنه قال: سمعت ابن عباس يسأل عن متعة النساء، فرخص فيها، فقال له مولى له (١): إنما ذلك في الحال الشديدة وفى النساء قلة أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم.\nوروى الحازمى بسنده عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس، لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء، قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:\nقد قلت للشيخ لما طال محبسه ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس\nوهل ترى رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس\n\nفقال ابن عباس: سبحان الله! ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير، لا تحل إلا للمضطر.\nوقال الحازمى: إن النبى - ﷺ - لم يبح المتعة للناس وهم في أوطانهم وبيوتهم، وإنما أباحها لهم في أوقات ضرورة، ثم حرمها عليهم تحريما مؤبدا، لم يخالف فيه إلا طائفة من الشيعة (٢) .\n_________\n(١) قال ابن حجر: أظن عكرمة.\n(٢) راجع ٧٦٨ - ٢٧٤ حـ ٦: نيل الأوطار، ١٧٠ حـ ٣: سبل السلام، ... ٣٨٥ حـ ٢: فتح القدير.","vol":"1","page":1082},{"text":"وروى البهيقى عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: إن ابن عباس ما مات حتى رجع عن هذه الفتيا.\nومن هذا يتبين:\n١ـ أن الآية التي استدل بها الشيعة على الإباحة لا تدل له، بل هي حجة عليهم، ولو صح ما ذهبوا إليه في تفسيرها لعارض الناس بها عمر، ولرد بها ابن عباس على ابن الزبير.\n٢ـ وأن إباحة الرسول - ﷺ - لها لم تثبت بغير علة إلا في غزوة الفتح، والنهي عنها وقع في عدة مواقف منها ما روى عن على ﵁، وقد رواه الشيعة في كتبهم، وكلها مواقف تجمعات غير عادية كما قدمنا\n٣ـ والذى روى إباحتها عام الفتح روى مع هذا أن النبى - ﷺ - حرمها عقب ذلك تحريمًا مؤبدا فكانت الإباحة استثناء من الأصل الأصيل في صفات المؤمنين، وكان التحريم رجوعا إلى ذلك الأصل كما قدمنا.\n٤ـ وبقاء بعض الناس على القول بالحل مطلقا أو عند الضرورة لعدم علمهم بالتحريم أو عدم ثبوته عندهم لا يؤثر في ثبوت الحكم بالحرمة عند الكافة، كما لايؤثر فيه عمل بعض الناس بها في زمن الرسول، فقد يكون عمله بها في وقت الإباحة الاستثنائية، والعمل بها فى هذا الوقت لا يكون حجة على الإباحة إلا إذا ثبت أن الرسول قد علم به وأقرهم عليه.\nويؤيد هذا قوله تعالى: \"\" وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللهُ مِن فَضْلِهِ \"\"، وقول الرسول - ﷺ -: \" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لا يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء \".","vol":"1","page":1083},{"text":"فقد أمر الله تعالى من لايستطيع الزواج بأن يجاهد نفسه ويعف عن طلب المرأة، وأمره الرسول - ﷺ - بأن يستعين على ذلك بالصوم، ولو كان هناك ذلك الزواج المؤقت على نحو ما ذكروا من اليسر والسهولة لكان فيه مندوحه عن ذلك.\nوروى البخاري بسنده عن أبى هريرة أنه قال: قلت يا رسول الله، إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء فأذن لي اختصي، فسكت عنى، ثم قلت مثل ذلك فسكت عنى، ثم قلت مثل ذلك فسكت عنى، ثم قلت مثل ذلك فقال لي: \" يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر \". ولو كانت المتعة مباحة لنصح الرسول أبا هريرة - وقد وصلت به الحال إلى ما وصلت إليه - بزواج مؤقت لا يكلفه ما يكلف الزواج الدائم من أعباء.\nوإذا سلمنا جدلا بأن أدلة الإباحة تعادل أدلة الحرمة في القوة فإنها تكون متعارضة، ولا شك أن دليل الحرمة يقدم حينئذ على دليل الإباحة - كما تقرر في الأصول؛ لأن ترك المباح أولى من ارتكاب المحرم، وقد سئل على ﵁ عن الجمع بين أختين وطئا بملك اليمين، فقال: (أحلتهما آية يعنى قوله تعالى: \"\" فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ \"\" - وحرمتهما آية - يعنى قوله تعالى \"\" وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ \"\" - والتحريم أحب إلينا) . وعلى هذا جمهور المسلمين في العالم والحمد لله.\nولا نظن إخواننا من الشيعة يفعلون المتعة، لأنهم لايرضون أن يتمتعوا بالمؤمنة أو بالشريفة حتى لا يذلوها أو يلحقوا العار بأهلها كما قالوا، وهو ما لا يرضاه الله لأحد من عباده المؤمنين، ولعلهم يأنفون من التمتع بالوضيعة، ويأبون- كما يأبى كل شريف عاقل - أن يتمتع ناس ببناتهم، أو أخواتهم.\nولا داعى حينئذ إلى جدل في مسألة ليس لها في الواقع العملى مجال.","vol":"1","page":1084},{"text":"هذا - ومما نلاحظ على ما ورد في المتعة عند إخواننا الشيعة أمور (١): -\n١ـ أنهم رووا عن على ﵁ بسند يرضونه - ما روى الشيخان عنه: حرم رسول الله - ﷺ - وآله - لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة ثم قالوا: إن هذه رواية شاذة تحمل على التقية، لأنها موافقة لمذاهب العامة، فجعلوا الموافقة لمذاهب العامة حجة لشذوذ الخبر أو حمله على التقية، كأن مخالفة العامة أمر يقصد لذاته. ومن من كانت هذه التقية؟ وما الذى كان يتقيه أكان المتقى أحد الرواة؟ أم كان عليا ﵁، وحاشاه أن يخشى في الله لومة لائم وهو ما هو شجاعة وشدة بأس.\nقد تكون التقية بتجنب المتعة خوفا من معاقبة ولى الأمر، كالذى كان من ابن عباس أيام عبد الله بن الزبير، مع ملاحظة أنه لم يمنعه من الجهر برأيه في شدة وصرامة كما تقدم، أما أن تكون التقية بأن ينسب إلى رسول الله - ﷺ - ما لم يقله - فهذا ما ننزه عنه عليا ﵁ وشيعته ﵏ أجمعين.\n٢ - أنهم قالوا بحل المتعة بالبكر التي تعيش بين أبويها بإذن وليها إذا لم تبلغ سن العاشرة، وبغير إذنه إذا بلغت هذه السن، وندع التعليق على هذا للقارئ بعد أن يطلع على ما كتب عنه في كتاب الاستبصار، وندعو الله تعالى ألا نبتلى بصديق أو جار يتسبيح التمتمع ببناتنا أو أخواتنا - ليعفهن كما قالوا - بغير إذن منا.\n٣ - أنهم أفتوا بصحة تزوج الرجل المرأة متعة على عرد واحد أو أكثر (٢)، وقد يشترطون أن تقدر لذلك مدة كيوم أو يومين، لا ساعة أو ساعتين، لعدم انضباط الوقت، وأباحوا له أن يشترط العزل، ونحن لا نعرف الفرق بين الزنى وهذه المتعة، ولعل الفرق بينهما أن من اتفق مع المرأة على عرد واحد مثلا ً - يجب عليه بمجرد فراغه من المواقعه أن يحول وجهه ولا ينظر إليها كما قالوا، أفلا\n_________\n(١) راجع ص ١٤١ – ١٥٤ حـ ٣: من كتاب \" الاستبصار \" للعالم الجليل والفقيه الشيعي أبى جعفر الطوسى المتوفى سنة ٤٦٠هـ، وص ٧٠ –٨٠ حـ ١١: فتح الباري.\n(٢) أي مواقعه واحدة أو أكثر، وراجع معنى العرد – بفتح فسكون – في القاموس المحيط.","vol":"1","page":1085},{"text":"نكون معذورين في الجهل بهذا الفرق وقد روى البيهقى عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: \" هي الزنى بعينه \" (١)\n٤-أنهم رووا عن على ﵁ أنه قال: \" لولا ما سبقنى به ابن الخطاب ما زنى إلا شفا \" (٢)، أي إلا قليل، وفى رواية إلا شقى، وإذا كان الأمر كذلك عنده، وكان هناك نص قرآنى في الموضوع - وهو أبو الحسن القادر على حل المشكلات وأفقه الفقهاء من غير منازع - فلماذا سكت عن عمرولم يعارضه؟ وهل هو أضعف أو أقل شأنًا من المرأة التي عارضت عمر في المهر علنًا وخضع لرأيها؟! وإذا كان السكوت تقية، وهو ما لا نرضاه لعلى ﵁ فلماذا لم يعلن رأيه، ويبين خطأ عمر فيما ذهب إليه بعد أن آل الأمر إليه؟\nوما كان المعقول - والمتعة تجوز على عرد أو عردين كما قالوا - أن يقول الإمام ﵁: \" لولا ما سبقنى به ابن الخطاب ما زنى أحد \"، فإن كل زنى سيكون متعة عندهم، أو ليس الزنى مواقعة رجل لامرأة بتراضيهما؟ أم أن الزنى لا يكون إلا بإكراه؟\nعلى أنا نستطيع أن نفهم هذا الذى روى عن على ﵁ على ضوء ما روى عنه من نهي النبى - ﷺ - عن المتعة، ومن إنكاره إباحتها على ابن عباس - ﵁ - بأن معناه أن ما سبقنى به عمر من إعلان الناس بما خفى على بعضهم من حرمة المتعة وكان من الجائز أن أسبقه إليه وأنادى به - لولا هذا لادعى كل زان أنه يستمتع، فلا يعد زانيا ويقام عليه الحد إلا القليل الذى يغفل عن ادعاء المتعة، أي\n_________\n(١) ص ٧٧ حـ ١١ ك فتح البارى، الشيعة يبطلون هذه الرواية لأنها منقطعة لم يذكر لها سند، وقد توفى الصادق سنة ١٤٨ هـ، وولد البيهقى سنة ٣٨٤هـ، والخطب هين، لأن هذه الرواية مرسلة وليست دليلًا في الموضوع عندنا.\n(٢) ص ٨٥: المتعة في الإسلام.","vol":"1","page":1086},{"text":"لولا ما فعله عمر لانتشر الزنى بين الناس باسم المتعة، وما وقع تحت طائلة العقوبة إلا قليل، فالكلام موافقة على ما صنع عمر، ورضا به لا معارضة له. والله يهدينا جميعا سواء السبيل. انتهى","vol":"1","page":1087},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>البحث الثانى</span>\nشيخنا الأستاذ على حسب ﵀ انتهي إلى عدم جواز زواج المتعة، والبحث الثانى لعالم شيعي من علماء النجف وهو السيد حسين الموسوى. قال تحت عنوان: (١)\nالمتعة وما يتعلق بها\nكنت أود أن أجعل عنوان هذا الفصل \" المرأة عند الشيعة \" لكنى عدلت عن ذلك لأني رأيت أن كل الروايات التي روتها كتبنا ُتنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله، وإلى أمير المؤمنين، وأبى عبد الله - ﵇ - وغيرهما من الأئمة.\nفما أردت أن يصيب الأئمة ﵈ أي طعن، لأن في تلك الروايات من قبيح الكلام ما لا يرضاه أحدنا لنفسه، فكيف يرضاه لرسول الله صلى الله عليه وآله وللأئمة ﵈.\nلقد استُغلت المتعةُ أبشع استغلال، وأهينت المرأة شر إهانة، وصار الكثيرون يُشبعون رغباتهم الجنسية تحت ستار المتعة وباسم الدين، عملًا بقوله تعالى: \"\" فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً \"\" (النساء:٢٤)\nلقد أوردوا روايات في الترغيب بالمتعة، وحددوا أو رتّبوا عليها الثواب، وعلى تاركها العقاب، بل اعتبروا كل من لم يعمل بها ليس مسلمًا، اقرأ معي هذه النصوص:\nقال النبي صلى الله عليه وآله: \" من تمتع بامرأة مؤمنة كأنما زار الكعبة سبعين مرة \".\nفهل الذى يتمتع كمن زار الكعبة سبعين مرة؟ وبِمَنْ؟ بامرأة مؤمنة؟\nوروى الصدوق عن الصادق - ﵇ - قال:\n\"\n_________\n(١) راجع كتابه كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار ص ٣٥ وما بعدها.","vol":"1","page":1088},{"text":"إن المتعة ديني ودين آبائي، فمن عمل بها عمل بديننا، ومن أنكرها أنكر ديننا واعتقد بغير ديننا \" \" من لا يحضره الفقيه \" (٣ / ٣٦٦)، وهذا تكفير لمن لم يقبل بالمتعة.\nوقيل لأبى عبد الله - ﵇ -: هل للتمتع ثواب؟ قال: \" إن كان يريد بذلك وجه الله لم يُكلمها كلمةً إلا كتب الله له بها حسنة، فإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنبًا، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره \" \" من لا يحضره الفقيه \" (٣ / ٣٦٦) .\nوقال النبي صلى الله عليه وآله: \" من تمتع مرة أَمِنَ سخط الجبار، ومن تمتع مرتين حُشر مع الأبرار، ومن تمتع ثلاث مرات زاحمني في الجنان \" \" من لا يحضره الفقيه \" (٣/٣٦٦) .\nقلت: ورغبة في نيل هذا الثواب فإن علماء الحوزة في النجف وجميع الحسينيات ومشاهد الأئمة يتمتعون بكثرة، وأخص بالذكر منهم السيد الصدر والبروجردى والشيرازي والقزوينى والطباطبائي، والسيد المدني إضافة إلى الشاب الصاعد أبو الحارث الياسري وغيرهم، فإنهم يتمتعون بكثرة وكل يوم رغبة فى نيل هذا الثواب ومزاحمة النبي صلوات الله عليه في الجنان.\nوروى السيد فتح الله الكاشانى في \" تفسير منهج الصادقين \" عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: \" من تمتع مرة كانت درجته كدرجة الحسين - ﵇ -، ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن - ﵇ -، ومن تمتع ثلاث مرات كانت درجته كدرجة على بن أبى طالب - ﵇ -، ومن تمتع أربع فدرجته كدرجتي \".\nلو فرضنا أن رجلًا قذرًا تمتع مرة، أفتكون درجته كدرجة الحسين - ﵇ -؟\nوإذا تمتع مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا كانت درجته كدرجة الحسن وعلى والنبي ﵈؟\nأَمنزلةُ النبي صلوات الله عليه ومنزلة الأئمة هينة إلى هذا الحد؟","vol":"1","page":1089},{"text":"وحتى لو كان المتمتع هذا قد بلغ فى الإيمان مرتبة عالية، أيكون كدرجة الحسين؟ أو أخيه؟ أو أبيه؟ أو جده؟\nإن مقام الحسين أسمى وأعلى من أن يبلغه أحد، مهما كان قوى الإيمان، ودرجة الحسن وعلى والنبى ﵈ جميعا لايبلغها أحد، مهما سما وعلا إيمانه.\nلقد أجازوا التمتع حتى بالهاشمية، كما روى ذلك الطوسى فى\" التهذيب \" (٢/١٩٣) .\nأقول: مكانة الهاشميات أرفع من أن يتمع بهن، فهن سليلات النبوة ومن أهل البيت، فحاشا لهن ذلك، وسيأتى السبب إن شاء الله، وقد بين الكليني أن المتعة تجوز ولو لضجعة واحدة بين الرجل والمرأة، وهذا منصوص عليه فى \" فروع الكافى \" (٥/٤٦٠) .\nولايشترط أن تكون الُمتَّمتعُ بها بالغةً راشدة، بل قالوا: يمكن التمتع بمن فى العاشرة من العمر ولهذا روى الكليني فى \" الفروع \" (٥/٤٦٣)، والطوسى فى \" التهذيب \" (٧/٢٥٥)، أنه قيل لأبى عبد الله - ﵇ -: \" الجارية الصغيرة هل يتمتع بها الرجل؟ فقال: نعم، إلا أن تكون صبية تُخدع قيل: وما الحد الذى إذا بلغته لم تخدع؟ قال: عشر سنين \".\nوهذه النصوص كلها سيأتى الرد عليها إن شاء الله، ولكنى أقول: إن ما نُسبَ إلى أبى عبد الله - ﵇ - فى جواز التمتع بمن كانت فى العاشرة من عمرها.\nأقول: قد ذهب بعضهم إلى جواز التمتع بمن هي دون هذا السن.\nلما كان الإمام الخمينى مقيمًا فى العراق كنا نتردد إليه ونطلب منه العلم حتى صارت علاقتنا معه وثيقة جدًا، وقد اتفق مرة أن وُجَّهَتْ إليه دعوة من مدينة تلعفر، وهي مدينة تقع غرب الموصل على مسيرة ساعة ونصف تقريبًا بالسيارة، فطلبنى للسفر معه فسافرت معه، فاستقبلونا وأكرمونا غاية الكرم مدة بقائنا، عند","vol":"1","page":1090},{"text":"إحدى العوائل الشيعية المقيمة هناك، وقد قطعوا عهدًا بنشر التشيع فى تلك الأرجاء، وما زالوا يحتفظون بصورة تذكارية لنا تَمَّ تصويرها فى دارهم.\nولما انتهت مدة السفر رجعنا، وفى طريق عودتنا ومرورنا فى بغداد أراد الإمام أن نرتاح من عناء السفر، فأمر بالتوجه إلى منطقة العطيفية حيث يسكن هناك رجل إيرانى الأصل يقال له سيد صاحب، كانت بينه وبين الإمام معرفة قوية.\nفرح سيد صاحب بمجيئنا وكان وصولنا عند الظهر، فصنع لنا غداء فاخرًا واتصل ببعض أقاربه فحضروا، وازدحم منزله احتفاء بنا، وطلب سيد صاحب إلينا المبيت عنده تلك الليلة فوافق الإمام، ثم لما كان العشاء أتونا بالعشاء وكان الحاضرون يقبلون يد الإمام ويسألونه ويجيب عن أسئلتهم، ولما حان وقت النوم وكان الحاضرون قد انصرفوا إلا أهل الدار، أبصر الإمام الخمينى صبية بعمر أربع سنوات أو خمس، ولكنها جميلة جدًا، فطلب الإمام من أبيها سيد صاحب إحضارها للتمتع بها، فوافق أبوها بفرح بالغ، فبات الإمام الخمينى والصبية فى حضنه ونحن نسمع بكاءها وصريخها.\nالمهم أنه أمضى تلك الليلة، فلما أصبح الصباح وجلسنا لتناول الأفطار، نظر إلى فوجد علامات الإنكار واضحة فى وجهي؛ إذ كيف يتمتع بهذه الطفلة الصغيرة، وفى الدار شابات بالغات راشدات، كان بإمكانه التمتع بإحداهن، فلم يفعل؟\nفقال لى: سيد حسين ما تقول فى التمتع بالطفلة؟\nقلت له: سيد القول قولك، والصواب فعلك، وأنت إمام مجتهد ولا يمكن لمثلى أن يرى أو يقول إلا ما تراه أو تقوله، ومعلوم أنى لا يمكننى الاعتراض وقتذاك.\nفقال: سيد حسين؛ إن التمتع بها جائز، ولكن بالمداعبة والتقبيل والتفخيذ.","vol":"1","page":1091},{"text":"أما الجماع فإنها لا تقوى عليه.\nوكان الإمام الخمينى يرى جواز التمتع حتى بالرضيعة، فقال:\n\" لا بأس بالتمتع بالرضيعة، ضمًا وتفخيذًا - أي يضع ذكره بين فخذيها - وتقبيلًا \" انظر كتابه \" تحرير الوسيلة \" (٢ / ٢٤١) مسألة رقم (١٢) .\nجلست مرة عند الإمام الخوئى فى مكتبه فدخل عليه شابان يبدو أنهما اختلفا فى مسألة فاتفقا على سؤال االإمام الخوئى ليدلهما على الجواب.\nفسأله أحدهما قائلًا: سيد ما تقول فى المتعة أحلال هي أم حرام؟\nنظر إليه الإمام الخوئى وقد أوجس من سؤاله أمرًا، ثم قال له: أين تسكن؟ قال الشاب السائل: أسكن الموصل، وأقيم هنا فى النجف منذ شهرين تقريبًا.\nقال له الإمام: أنت سنى إذن؟\nقال الشاب: نعم.\nقال الإمام: المتعة عندنا حلال وعندكم حرام.\nفقال له الشاب: أنا هنا منذ شهرين تقريبًا، غريب فى هذه الديار، فهلاَّ زوجتنى ابنتك لأتمتع بها ريثما أعود إلى أهلى؟\nفحملق فيه الإمام هنيهة ثم قال له: أنا سيد، وهذا حرام على السادة وحلال عند عوام الشيعة.\nونظر الشاب إلى السيد الخوئى وهو مبتسم، ونظرته توحى أنه علم أن الخوئى قد عمل بالتقية.\nثم قاما فانصرفا، فاستأذنت الإمام الخوئى فى الخروج، فلحقت بالشابين، فعلمت أن السائل سني وصاحبه شيعى اختلفا فى المتعة أحلال أم حرام، فاتفقا على سؤال المرجع الدينى الإمام الخوئى، فلما حادثت الشابين انفجر الشاب الشيعى قائلًا: يا مجرمين تبيحون لأنفسكم التمتع ببناتنا وتخبروننا بأنه حلال وأنكم تتقربون بذلك إلى الله، وتحرمون علينا التمتع ببناتكم؟","vol":"1","page":1092},{"text":"وراح يسب ويشتم، وأقسم أنه سيتحول إلى مذهب أهل السنة، فأخذت أُهدِّئُ به ثم أقسمت له أن المتعة حرام وبينت له الأدلة على ذلك.\nإن المتعة كانت مباحة فى العصر الجاهلى، ولما جاء الإسلام أبقى عليها مدة، ثم حرمت يوم خيبر، لكن المتعارف عليه عند الشيعة، عند جماهير فقهائنا، أن عمر بن الخطاب هو الذى حرمها، وهذا ما يرويه بعض فقهائنا. والصواب فى المسألة أنها حُرمت يوم خيبر.\nقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: \" حرم رسول الله صلى اله عليه وآله يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة \" انظر \" التهذيب \" (٢/١٨٦)، \" الاستبصار \" (٣/١٤٢)، \" وسائل الشيعة \" (١٤/٤٤١) .\nوسئل أبو عبد الله - ﵇ -: \" كان المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوجون بغير بينة؟ قال: لا \" انظر \" التهذيب \" (٢/١٨٩) .\nوعلق الطوسى على ذلك بقوله: إنه لم يُرد من ذلك النكاح الدائم، بل أراد منه المتعة، ولهذا أورد هذا النص فى باب المتعة. لاشك أن هذين النصين حجة قاطعة فى نسخ حكم المتعة وإبطاله.\nوأمير المؤمنين صلوات الله عليه نقل تحريمها عن النبى صلى الله عليه وآله، وهذا يعنى أن أمير المؤمنين قد قال بحرمتها من يوم خيبر، ولاشك أن الأئمة من بعده قد عرفوا حكم المتعة بعد علمهم بتحريمها، وهنا نقفُ بين أخبارٍ منقولة وصريحة فى تحريم المتعة، وبين أخبار منسوبة إلى الأئمة فى الحث عليها وعلى العمل بها.\nوهذه مشكله يحتار المسلم إزاءها أيتمتع أم لا؟\nإن الصواب هو ترك المتعة، لأنها حرام كما ثبت نقله عن أمير المؤمنين - ﵇ -، وأما الأخبار التى نسبت إلى الأئمة؛ فلا شك أن نسبتها إليهم غير صحيحة، بل هي أخبار مفتراة عليهم، إذ ما كان للأئمة ﵈ أن يخالفوا أمرًا حرمه رسول الله","vol":"1","page":1093},{"text":"وسار عليه أمير المؤمنين من بعده، وهم - أي الأئمة - الذين تلقوا هذا العلم كابرًا عن كابر، لأنهم ذرية بعضهم من بعض.\nلما سئل أبو عبد الله - ﵇ -: \" كان المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوجون بغير بينة؟ قال: لا \"، فلولا علمه بتحريم المتعة لما قال: لا، خصوصًا وأن الخبر صحيح فى أن السؤال كان عن المتعة، وأن أبا جعفر الطوسي راوى الخبر أورده فى باب المتعة كما أسلفنا.\nوما كان لأبى عبد الله والأئمة من قبله ومن بعده أن يخالفوا أمر رسول الله صلوات الله عليه، أو أن يُحلَّوا أمرا حرمه، أو أن يبتدعوا شيئًا ما كان معروفا فى عهده - ﵇ -.\nوبذلك يتبّين أن الأخبار التى تحث على التمتع، ما قال الأئمةُ منها حرفًا واحدًا، بل افتراها وتَقولَّها عليهم أناسٌ زنادقة، أرادوا الطعن بأهل البيت الكرام والإساءة إليهم، وإلا بِم تُفسر إباحتهم التمتع بالهاشمية، وتكفيرهم لمن لا يتمتع؟\nمع أن الأئمة ﵈ لم يُنقل عن واحد منهم نقلُ ثابت أنه تمتع مرة أو قال بحلّية المتعة، أيكونون قد دانوا بغير دين الإسلام؟\nفإذا توضح لنا هذا ندرك أن الذين وضعوا تلك الأخبار هم قوم زنادقة أرادوا الطعن بأهل البيت والأئمة ﵈، لأن العمل بتلك الأخبار فيه تكفير للأئمة ... فتنبه.\nروى الكليني عن أبى عبد الله - ﵇ - أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت: \" إنى زنيت، فأمر أن تُرجم، فأخبر أمير المؤمنين - ﵇ - فقال: كيف زنيت؟\nفقالت: مررت بالبادية فأصابنى عطش شديد، فاستسقيت أعرابيًا فأبى إلا إنْ مَكَّنتةُ من نفسى، فلما أجهدنى العطش وخفت على نفسى سقانى فأمكنته من نفسى، فقال أمير المؤمنين - ﵇ - تَزويجٌ ورب الكعبة \". (الفروع ٢ / ١٩٨) .","vol":"1","page":1094},{"text":"إن المتعه كما هو معروف تكون عن تَراضٍ بين الطرفين وعن رغبة منهما.\nأما فى هذه الرواية فإن المرأة المذكورة مضطرة ومجبورة، فساومها على نفسها مقابل شربة ماء، وليست هي فى حكم الزانية حتى تطلب من عمر أن يطهرها وفوق ذلك - وهذا مهم - أن أمير المؤمنين - ﵇ - هو الذى روى تحريم المتعة فى نقله عن النبى صلى الله عليه وآله يوم خيبر، فكيف يفتى هنا بأن هذا نكاح متعة؟! وفتواه على سبيل الحِلَّ والإقرار والرضا منه بفعل الرجل والمرأة؟\nإن هذه الفتوى لو قالها أحد طلاب العلم لَعُدَّت سقطة، بل غلطة يعاب عليه بسببها، فكيف تنسب لأمير المؤمنين - ﵇ -، وهو مَنْ هو فى العلم والفتيا؟\nإن الذى نسب هذه الفتوى لأمير المؤمنين، إما حاقد أراد الطعن به، وإما ذو غرض وهوى، اخترع هذه القصة فنسبها لأمير المؤمنين ليضفى الشرعية على المتعة، كى يسوغ لنفسه ولأمثاله استباحة الفروج باسم الدين، حتى وإن أدى ذلك إلى الكذب على الأئمة ﵈، بل على النبى صلوات الله عليه.\nإن المفاسد المترتبة على المتعة كبيرة ومتعددة الجوانب:\n١ - فهي مخالفة للنصوص الشرعية لأنها تحليلُ لما حرم الله.\n٢ - لقد ترتب على هذا، اختلاق الروايات الكاذبة ونسبتها إلى الأئمة ﵈، مع ما فى تلك الروايات من مطاعن قاسية لا يرضاها لهم من كان قلبه مثقال ذرة من إيمان.\n٣ - ومن مفاسدها؛ إباحة التمتع بالمرأة المحصنة - أي المتزوجة - رغم أنها فى عصمة رجل دون علم زوجها، وفى هذه الحالة لا يأمن الأزواج على زوجاتهم، فقد تتزوج المرأة متعة دون علم زوجها الشرعي ودون رضاه، وهذه مفسدة ما بعدها مفسدة، انظر \" فروع الكافى \" (٥ / ٤٦٣)، \" تهذيب الأحكام \" (٧ /٥٥٤)، \" الاستبصار \" ... (٣/١٤٥)،","vol":"1","page":1095},{"text":"وليت شعرى ما رأي الرجل وما شعوره إذا اكتشف أن امرأته التى فى عصمته متزوجة من رجلٍ آخَر غيرهِ زواجَ متعة؟ !\n٤ - والآباء أيضًا لا يأمنون على بناتهم الباكرات إذ قد يتزوجن متعة دون علم آبائهن، وقد يفاجأ الأب أن ابنته الباكر قد حملت، ... . لم؟ كيف؟ لا يدرى.... ممن؟ لا يدرى أيضًا، فقد تزوجت من واحد فمن هو؟ لا أحد يدرى لأنه تركها وذهب.\n٥ - إن أغلب الذين يتمتعون، يبيحون لأنفسهم التمتع ببنات الناس، ولكن إذا تقدم أحد لخطبة بناتهم أو قريباتهم فأراد أن يتزوجها متعة، لَمَا وافق ولما رضي، لأنه يرى هذا الزواج أشبه بالزنى، وإن هذا عار عليه، وهو يشعر بهذا من خلال تمتعه ببنات الناس، فلا شك أنه يمتنع عن تزويج بناته للآخرين متعة، أي أنه يبيح لنفسه التمتع ببنات الناس وفى المقابل يحرم على الناس أن يتمتعوا ببناته.\nإذا كانت المتعة مشروعة أو أمرًا مباحًا، فلمَ هذا التحرج فى إباحة تمتع الغرباء ببناته وقريباته؟\n٦ - إن المتعة ليس فيها إشهادُ ولا إعلان ولا رضا ولى أمر المخطوبة، ولا يقع شيىء من ميراث المتمتع للمُتمتَّع بها، إنما هي مستأجرة (١)\n، كما نسب ذلك القول إلى أبى عبد الله - ﵇ -، فكيف يمكن إباحتها وإشاعتها بين الناس؟\n٧ ـ\n_________\n(١) انظر فى ذلك \" الاستبصار \" لشيخ الطائفة الطوسى ح ٣ /١٤٧ حيث أورد تحت باب \" يجوز الجمع بين أكثر من أربع فى المتعة \" ما يلى:\n\n\" عنه عن الحسين بن محمد عن أحمد بن إسحاق عن سعدان بن مسلم عن عبيد بن زرارة عن أبيه عن أبى عبد الله - ﵇ - قال: ذكر له المتعة أهي من الأربع؟ قال: تزوجْ منهن ألفًا فإنهن مستأجرات \"!؟ وفى حديث آخر أنها لا تطلق، ولا ترث، ولا تورث وإنما هي مستأجرة!؟ وانظر أيضًا التهذيب ح ٢ /١٨٨، والكافى للكلينى ح ٢ /٤٣.","vol":"1","page":1096},{"text":"إن المتعة فتحت المجال أمام الساقطين والساقطات من الشباب والشابات فى لصق ما عندهم من فجور بالدين، وأدى ذلك إلى تشويه صورة الدين والمتدينين.\nوبذلك يتبين لنا أضرار المتعة دينيًا واجتماعيًا وخلقيًا، ولهذا حُرّمت المتعة، ولو كان فيها مصالح لما حُرّمت، ولكن لما كانت كثيرة المفاسد، حرّمها رسول الله صلى الله عليه وآله، وحرّمها أمير المؤمنين - ﵇ -.\nتنبيه\nسألت الإمام الخوئى عن قول أمير المؤمنين فى تحريم المتعة يوم خيبر، وعن قول أبى عبد الله فى إجابة السائل عن الزواج بغير بينة أكان معروفًا على عهد النبى - ﵇ -؟\nفقال: إن قول أمير المؤمنين - ﵇ - فى تحريم المتعة يوم خيبر إنما يشمل تحريمها فى ذلك اليوم فقط لا يتعدى إلى ما بعده.\nوأما قول أبى عبد الله للسائل، فقال الإمام الخوئى: إنما قال أبو عبد الله ذلك تقية وهذا متفق عليه بين فقهائنا.\nقلت:\nوالحق أن قول فقهائنا لم يكن صائبًا، ذلك أن تحريم المتعة يوم خيبر صاحبه تحريمُ لحوم الحمر الأهلية، وتحريم لحوم الحمر الأهلية جرى العمل عليه من يوم خيبر وإلى يومنا هذا وسيبقى إلى قيام الساعة.\nدعوى تخصيص تحريم المتعة بيوم خيبر فقط دعوى مجردة لم يقم عليها دليل، خصوصًا وأن حرمة لحوم الحمر الأهلية والتى هي قرينة المتعة فى التحريم بقىَ العملُ عليها إلى يومنا هذا.\nوفوق ذلك لو كان تحريم المتعة خاصًا بيوم خيبر فقط لورد التصريح من النبى صلى الله عليه وآله بنسخ تلك الحرمة، على أنه يجب أن لا يغيب عن بالنا","vol":"1","page":1097},{"text":"أن علة إباحة المتعة هي السفر والحرب، فكيف تحرم فى تلك الحرب والمقاتل أحوج ما يكون إليها، خصوصًا وأنه فى غربة من أهله وما ملكت يمينيه، ثم تباح فى السلم؟\nإن معنى قوله - ﵇ - إنها حُرّمت يوم خيبر، أي: إن بداية تحريمها كان يوم خيبر، وأما أقوال فقهائنا إنما هي تلاعب بالنصوص لا أكثر.\nفالحق أن تحريم المتعة ولحوم الحمر الأهلية متلازمان، نزل الحكم بحرمتهما يوم خيبر وهو باق إلى قيام الساعة، وليس هناك من داع لتأويل كلام أمير المؤمنين - ﵇ - من أجل إشباع رغبات النفس وشهواتها فى البحث الدائم عن الجميلات والفاتنات من النساء للتمتع بهن والتلذذ باسم الدين وعلى حسابه.\nوأما أن قول أبى عبد الله - ﵇ - فى جوابه للسائل كان تقية، أقول: إن السائل كان من شيعة أبى عبد الله، فليس هناك ما يبرر القول بالتقية، خصوصًا وأنه يوافق الخبر المنقول عن أمير المؤمنين - ﵇ - فى تحريم المتعة يوم خيبر.\nإن المتعة التى أباحها فقهاؤنا تعطى الحق للرجل فى أن يتمتع بعدد لا حصرله من النسوة، ولو بألف امرأة وفى وقت واحد.\nوكم من متمتع جمع بين المرأة وأمها، وبين المرأة وأختها، وبين المرأة وعمتها أو خالتها وهو لايدرى.\nجاءتنى امرأة تستفسر منى عن حادثة حصلت معها، إذ أخبرتنى أن أحد السادة وهو السيد حسين الصدر كان قد تمتع بها قبل أكثر من عشرين سنة فحملت منه، فلما أشبع رغبته منها فارقها، وبعد مدة رزقت ببنت، وأقسمت أنها حملت منه هو، إذ لم يتمتع بها وقتذاك أحد غيره.\nوبعد أن كبرت البنت وصارت شابة جميلة متأهلة للزواج، اكتشفت الأم أن ابنتها حبلى، فلما سألتها عن سبب حملها، أخبرتها البنت أن السيد المذكور استمتع بها فحملت منه، فدهشت الأم وفقدت صوابها، إذ أخبرت ابنتها أن هذا","vol":"1","page":1098},{"text":"السيد هو أبوها، وأخبرتها القصة، فكيف يتمتع بالأم واليوم يأتى ليتمتع بابنتها التى هي ابنته هو؟ ثم جاءتنى مستفسرة عن موقف السيد المذكور منها ومن ابنتها التى ولدتها منه.\nإن الحوادث من هذا النوع كثيرة جدًا. فقد تمتع أحدهم بفتاة تبين لهم فيما بعد أنها أخته من المتعة، ومنهم من تمتع بامرأة أبيه.\nوفى إيران الحوادث من هذا القبيل لا يستطيع أحد حصرها. وقد رأينا ذلك بقوله تعالى: \"\" وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ \"\" (النور: ٢٣)، فمن لم يتمكن من الزواج الشرعي بسبب قلة ذات اليد، فعليه بالاستعفاف ريثما يرزقه الله من فضله كى يستطيع الزواج.\nفلو كانت المتعة حلالًا لما أمره بالاستعفاف والانتظار ريثما تتيسر أمور الزواج بل لأرشده إلى المتعة كى يقضى وطره بدلًا من المكوث والتحرق بنار الشهوة.\nوقال الله تعالى: \"\" وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ \"\" إلى قوله تعالى: \"\" ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ \"\" (النساء ٢٥) .\nفأرشد الذين لا يستطيعون الزواج لقلة ذات اليد أن يتزوجوا ما ملكت أيمانهم، ومن عجز حتى عن ملك اليمين؛ أمره بالصبر، ولو كانت المتعة حلالًا لأرشده إليها. ولابد لنا أن ننقل نصوصًا أخرى عن الأئمة ﵈ فى إثبات تحريم المتعة:","vol":"1","page":1099},{"text":"عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله - ﵇ - عن المتعة فقال: \" لا تُدَنسْ نفسك بها \" \" بحار الأنوار \" (١١٠ / ٣١٨) .\nوهذا صريح في قول أبى عبد الله - ﵇ -: إن المتعة تدنس النفس، ولو كانت حلالًا لما صارت في هذا الحكم، ولم يكتف الصادق - ﵇ - بذلك بل صرح بتحريمها:\nعن عمار قال: قال أبو عبد الله - ﵇ - لي ولسليمان بن خالد: \" قد حرمت عليكما المتعة \" \" فروع الكافى \" (٢ / ٤٨)، \" وسائل الشيعة \" (١٤ / ٤٥٠) .\nوكان - ﵇ - يوبخ أصحابه ويحذرهم من المتعة فقال: \" أما يستحى أحدكم أن يرى فى موضع، فيحمل ذلك على صالحى إخوانه وأصحابه؟ \" \" الفروع \" (٢ / ٤٤)، \" وسائل الشيعة \" (١٤ / ٤٥٠) .\nولما سأل على بن يقطين أبا الحسن - ﵇ - عن المتعه أجابه: \" ما أنت وذلك؟ قد أغناك الله عنها \" \" الفروع \" (٢ / ٤٣)، \" الوسائل \" (١٤ / ٤٤٩) . نعم، إن الله تعالى أغنى الناس عن المتعة بالزواج الشرعي الدائم.\nولهذا لم ينقل أن أحدًا تمتع بامرأة من أهل البيت ﵈، فلو كان حلالًا لفعلن، ويؤيد ذلك أن عبد الله بن عمير قال لأبى جعفر - ﵇ -: \" يسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن؟ - أي يتمتعن - فأعرض عنه أبو جعفر - ﵇ - حين ذكر نساءه وبنات عمه \" \" الفروع \" (٢ / ٤٢)، \" التهذيب \" (٢ / ١٨٦) .\nوبهذا يتأكد لكل مسلم عاقل أن المتعة حرام، لمخالفتها لنصوص القرآن الكريم وللسنة ولأقوال الأئمة ﵈.\nوالناظر للآيات القرآنية الكريمة والنصوص المتقدمة فى تحريم المتعة - إن كان طالبًا للحق محبًا له - لا يملك إلا أن يحكم ببطلان تلك الروايات التى تحث","vol":"1","page":1100},{"text":"على المتعة لمعارضتها لصريح القرآن وصريح السنة المنقولة عن أهل البيت ﵈، ولما يترتب عليها من مفاسد لا حصر لها، بينا شيئًا منها فيما مضى.\nإن من المعلوم أن دين الإسلام جاء ليحث على الفضائل وينهي عن الرذائل، وجاء ليحقق للعباد المصالح التى تستقيم بها حياتهم، ولا شك أن المتعة مما لا تستقيم بها الحياة؛ إن حققت للفرد مصلحة واحدة - افتراضًا - فإنها تسبب له مفاسد جمة، أجملناها فى النقاط الماضية.\nإن انتشار العمل بالمتعة جر إلى إعارة الفرج، وإعارة الفرج معناها أن يعطى الرجل امرأته أو أمته إلى رجل آخر، فيحل له أن يتمتع بها أو أن يصنع بها ما يريد، فإذا ما أراد رجل ما أن يسافر أودع امرأته عند جاره أو صديقه أو أي شخص كان يختاره، فيبيح له أن يصنع بها ما يشاء طيلة مدة سفره. والسبب معلوم حتى يطمئن الزوج على امرأته لئلا تزنى فى غيابه (!!) .\nوهناك طريقه ثانية لإعارة الفرج، إذا نزل أحد ضيفًا عند قوم وأرادوا إكرامه فإن صاحب الدار يعير امرأته للضيف طيلة مدة إقامته عندهم، فيحل له منها كل شئ، وللأسف يروون فى ذلك روايات ينسبونها إلى الإمام الصادق - ﵇ - وإلى أبيه أبى جعفر سلام الله عليه.\nروى الطوسى عن محمد بن أبى جعفر - ﵇ - قال: قلت:\nالرجلُ يُحُل لأخيه فرج جاريته؟ قال: نعم لا بأس به له ما أَحلَّ له منها \" الاستبصار \" (٣/ ١٣٦) .\nوروى الكليني والطوسى عن محمد بن مضارب قال: قال لى أبو عبد الله - ﵇ -: \" يا محمد! خذ هذه الجارية تخدمك وتصيب منها، فإذا خرجت فارددها إلينا \" \" الكافى، الفروع \" (٢ / ٢٠٠)، الاستبصار \" (٣ /١٣٦) .\nقلت: لو اجتمعت البشرية بأسرها، فأقسمت أن الإمامين الصادق والباقر ﵉ قالا هذا الكلام ما أنا بمصدَّق.","vol":"1","page":1101},{"text":"إن الإمامين سلام الله عليهما أجلُّ وأعظم من أن يقولا مثل هذا الكلام الباطل، أو يبيحا هذا العمل المقزز الذى يتنافى مع الخلق الإسلامي الرفيع، بل هذه هي الدياثة. ولا شك أن الأئمة سلامُ الله عليهم ورثوا هذا العلم كابرا عن كابر، فنسبة هذا القول وهذا العمل إليهما! إنما هو نسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فهو إذن تشريع إلهي.\nفى زيارتنا للهند ولقائنا بأئمة الشيعة هناك كالسيد النقوى وغيره، مررنا بجماعة من الهندوس وعبدة البقر والسيخ وغيرهم من أتباع الديانات الوثنية، وقرأنا كثيرًا، فما وجدنا دينًا من تلك الأديان الباطلة يبيح هذا العمل ويحله لأتباعه.\nفكيف يمكن لدين الإسلام أن يبيح مثل هذا العمل الخسيس الذى يتنافى مع أبسط مقومات الأخلاق؟\nزرنا الحوزة القائمية فى إيران فوجدنا السادة هناك يبيحون إعارة الفروج، وممن أفتى بإباحة ذلك السيد لطف الله الصافى وغيره، ولذا فإن موضوع إعارة الفروج منتشر فى عموم إيران، واستمر العمل به حتى بعد الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوى ومجىء آية الله العظمى الإمام الخمينى الموسوى، وبعد رحيل الإمام الخمينى أيضًا استمر العمل عليه، وكان هذا أحد الأسباب (١) التى أدت إلى فشل أول دولة شيعية فى العصر الحديث، كان الشيعة فى عموم بلاد العالم يتطلعون إليها، مما حدا بمعظم السادة إلى التبرؤ منها، بل ومهاجمتها أيضًا، فهذا\n_________\n(١) لقد خاب ظنى وظن كثير من السادة بحكومة الإمام الخمينى، فكنا نتوقع أن تكون إيران معقل الإسلام، ولكن للأسف فقد بدأت تصفية المعارضين وإراقة دمائهم مع عوائلهم، وصارت أنهار الدماء تجرى بلا رحمة، وكان يفترض أن يتم القضاء على ما أحدثه آل بهلوى من فساد، ولكن الفساد استمر حتى بعد مجىء الإمام الخمينى، فالحمامات مختلطة رجالًا ونساء، والزنى كان علنًا أصبح سرًا ولكن بصورة أوسع، والتبرج بقى كما هو بحيث تخرج المرأة بالبنطال وبكامل زينتها وقد وضعت فقط غطاء الرأس، عدا الرشوة والسرقة وغيرها.","vol":"1","page":1102},{"text":"صديقنا العلامة السيد موسى الموسوى سماها (الثورة البائسة) وألف كتبًا وبحوثًا، ونشر مقالات فى مهاجمتها وبيان أخطائها.\nوقال السيد جواد الموسوى: إن الثورة الإسلامية فى إيران ليس لها من الإسلام إلا الاسم.\nوكان آية الله العظمى السيد محمد كاظم شريعتمدارى من أشد المعارضين لها، لما رآه من انحراف واضح عن جادة الإسلام.\nوهناك كثير من السادة ممن أعرفهم معرفة شخصية انتقدوا حكومة الإمام الخمينى ونفروا منها.\nومما يؤسف له أن السادة هنا أفتوا بجواز إعارة الفرج، وهناك كثير من العوائل فى جنوب العراق وفى بغداد فى منطقة الثورة ممن يمارس هذا الفعل بناء على فتاوى كثير من السادة، منهم: السيستانى والصدر والشيرازى والطباطبائى والبروجردى وغيرهم، وكثير منهم إذا حل ضيفًا عند أحد منهم استعار امرأته إذا رآها جميلة، وتبقى مستعارة عنده حتى مغادرته.\nإن الواجب أن نحذر العوام من هذا الفعل الشنيع، وأن لا يقبلوا فتاوى السادة بإباحة هذا العمل المقزز، الذى كان للأصابع الخفية التى تعمل من وراء الكواليس الدور الكبير فى دسه فى الدين ونشره بين الناس.\nولم يقتصر الأمر على هذا، بل أباحوا اللواطة بالنساء، ورووا أيضًا روايات نسبوها إلى الأئمة سلام الله عليهم، فقد روى الطوسى عن عبد الله بن أبى اليعفور قال: \" سألت أبا عبد الله - ﵇ - عن الرجل يأتى المرأة من دبرها، قال: لا بأس إذا رضيت، قلت: فأين قول الله تعالى \"\"فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ\"\"؟ فقال: هذا فى طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله، إن الله تعالى يقول: \"\" نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ \"\" \" الاستبصار \" (٣ / ٢٣٤) .","vol":"1","page":1103},{"text":"وروى الطوسى أيضًا عن موسى بن عبد الملك عن رجل قال: \" سألت أبا الحسن الرضا - ﵇ - عن إتيان الرجل المرأة من خلفها فى دبرها فقال:\nأحلتها آية من كتاب الله؛ قول لوط - ﵇ -: \"\" هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ \"\"، فقد علم أنهم لا يريدون الفرج \" \" الاستبصار \" (٣ / ٢٤٣) .\nوروى الطوسى عن على بن الحكم قال: سمعت صفوان يقول: قلت للرضا - ﵇ -: \" إن رجلًا من مواليك أمرنى أن أسألك عن مسألة فهابك واستحيا منك أن يسألك، قال: ما هي؟ قال: للرجل أن يأتى امرأته فى دبرها؟ قال: نعم ذلك له \" المصدر السابق \".\nلا شك أن هذه الأخبار معارضة لنص القرآن إذ يقول الله تعالى \"\" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ \"\" (البقرة: ٢٢٢)، فلو كان إتيان الدبر مباحًا لأمر اعتزال الفرج فقط ولقال: (فاعتزلوا فروج النساء فى المحيض)، ولكن لما كان الدبر محرمًا إتيانه أمر باعتزال الفروج والأدبار فى محيض النساء، بقوله: \"\" وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ \"\" ... ثم بين الله تعالى بعد ذلك من أن يأتى الرجل امرأته فقال تعالى: \"\" فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ \"\" (البقرة: ٢٢٢) .\nوالله تعالى أمر بإتيان الفروج فقال: \"\" نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ \"\" (البقرة: ٢٢٣)، والحرث هو موضع طلب الولد.\nإن رواية أبى اليعفور عن أبى عبد الله مفهومها أن طلب الولد يكون فى الفروج لقوله فى قوله تعالى: \"\" نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ \"\"، هذا فى طلب الولد،","vol":"1","page":1104},{"text":"كمفهوم الرواية تخصيص الفروج لطلب الولد، وأما قضاء الوطر والشهوة فهو فى الأدبار، وسياق الرواية واضح فى إعطاء هذا المفهوم.\nوهذا غلط لأن الفروج ليست مخصصة لطلب الولد فقط، بل لقضاء الوطر والشهوة أيضًا، وهذا واقع العشرة بين الأزواج من لدن آدم - ﵇ - وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأبو عبد الله أجل وأرفع من أن يقول هذا القول الباطل.\nولو افترضنا جواز إتيان الدبر لما كان هناك معنى للآية الكريمة: \"\"فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ \"\"، لأنه قد علم - على الافتراض المذكور - أن الإتيان يكون فى القبل والدبر، وليس هناك موضع ثالث يمكن إتيانه. فلم يبق أي معنى للآية ولا للأمر الوارد فيها.\nولكن لما كان أحد الموضعين محرما لا يجوز إتيانه، والآخر حلالًا احتيج إلى بيان الموضع الذى يجب أن يؤتى، فكان أمر الله تعالى بإتيان الحرث، والحرث هو موضع طلب الولد، وهذا الموضع يؤتى لطلب الولد ولقضاء الوطر أيضًا.\nأما الرواية المنسوبة إلى الرضا - ﵇ - فى إباحة اللواطة بالنساء واستدلاله بقول لوط - ﵇ -:\nأقول: إن تفسير الآية؛ قول الله تعالى: \"\" هَؤُلاءبَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ \"\" (هود: ٧٨)، قد ورد فى آية أخرى فى قوله تعالى: \"\" وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ \"\" (العنكبوت: ٢٨)، وقطع السبيل لا يعنى ما يفعله قُطاعُ الطرق وحدهم. لا، وإنما معناه أيضًا قطع النسل فى الإتيان فى غير موضع طلب الولد،","vol":"1","page":1105},{"text":"أي فى الأدبار، فلو استمر الناس فى إتيان الأدبار - أدبار الرجال والنساء - وتركوا أيضًا طلب الولد لانقرضت البشرية وانقطع النسل.\nفالآية الكريمة تعطى هذا المعنى أيضًا وبخاصة إذا لاحظنا سياق الآية مما قبلها. ولا مرية أن هذا لا يخفى على الإمام الرضا - ﵇ -، فثبت بذلك كذب نسبة تلك الرواية إليه.\nإن إتيان النساء فى أدبارهن لم يقل به إلا الشيعة، وبالذات الإمامية الاثنا عشرية.\nاعلم أن جميع السادة فى حوزة النجف والحوزات الأخرى، بل وفى كل مكان، يمارسون هذا الفعل.\nوكان صديقنا الحجة السيد أحمد الوائلى يقول بأنه منذ أن اطلع على هذه الروايات بدأ ممارسة هذا الفعل وقليلًا ما يأتى امرأة فى قبلها.\nوكلما التقيت واحدًا من السادة وفى كل مكان فإنى أسأله فى حرمة إتيان النساء فى الأدبار أو حله، فيقول لى بأنه حلال، ويذكر الروايات فى حليتها، منها الروايات التى تقدمت الإشارة إليها.\nولم يكتفوا بإباحية اللواطة بالنساء بل أباح كثير منهم حتى اللواطة بالذكور وبالذات المردان.\nكنا فى أحد الأيام فى الحوزة فوردت الأخبار بأن سماحة السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوى قد وصل بغداد، وسيصل إلى الحوزة ليلتقى سماحة الإمام آل كاشف الغطاء، وكان السيد شرف الدين قد سطع نجمه عند عوام الشيعة وخواصهم، خاصة بعد أن صدر بعض مؤلفاته كالمراجعات، والنص والاجتهاد.\nولما وصل النجف زار الحوزة، فكان الاحتفاء به عظيمًا من قبل الكادر الحوزى علماء وطلابًا، وفى جلسة له فى مكتب السيد آل كاشف الغطاء ضمت عددًا من السادة وبعض طلاب الحوزة، وكنت أحد الحاضرين، وفى أثناء هذه","vol":"1","page":1106},{"text":"الجلسة دخل شاب فى عنفوان شبابه فسلم فرد الحاضرون السلام، فقال للسيد آل كاشف الغطاء:\nسيد عندى سؤال: فقال له السيد: وجه سؤالك إلى السيد شرف الدين - فأحاله إلى ضيفه السيد شرف الدين تقديرًا وإكرامًا له ـ.\nقال السائل: سيد أنا أدرس فى لندن للحصول على الدكتوراه، وأنا ما زلت أعزب غير متزوج، وأريد امرأة تعيننى هناك - لم يفصح عن قصده أول ... الأمر ـ.\nفقال له السيد شرف الدين: تزوج ثم خذ زوجتك معك.\nفقال الرجل: صعب على أن تسكن امرأة من بلادى معى هناك.\nفعرف السيد شرف الدين قصده، فقال له: تريد أن تتزوج امرأة بريطانية إذن؟\nقال الرجل: نعم، قال له شرف الدين: هذا لا يجوز، فالزواج باليهودية أو النصرانية حرام.\nفقال الرجل: كيف أصنع إذن؟\nفقال له السيد شرف الدين: ابحث عن مسلمة مقيمة هناك عربية أو هندية أو أي جنسية أخرى بشرط أن تكون مسلمة.\nفقال الرجل: بحثت كثيرًا فلم أجد مسلمات مقيمات هناك تصلح إحداهن زوجة لى.\nوحتى أردت أن أتمتع فلم أجد، وليس أمامى خيار، إما الزنى وإما الزواج وكلاهما متعذر على.\nأما الزنى فإني مبتعد عنه لأنه حرام، وأما الزواج فمتعذر على كما ترى، وأنا أبقى هناك سنة كاملة أو أكثر، ثم أعود إجازة لمدة شهر، وهذا كما تعلم سفر طويل، فماذا أفعل؟","vol":"1","page":1107},{"text":"سكت (١) السيد شرف الدين قليلًا ثم قال:\nإن وضعك هذا محرج فعلًا ... على أية حال أذكر أنى قرأت رواية للإمام جعفر الصادق - ﵇ -، إذ جاء رجل يسافر كثيرًا ويتعذر عليه اصطحاب امرأته أو التمتع في البلد الذى يسافر إليه، بحيث أنه يعانى مثلما تعانى أنت، فقال له أبو عبد الله - ﵇ -: \" إذا طال بك السفر فعليك بنكح الذكر \" (٢) . هذا جواب سؤالك.\nخرج الرجل وعليه علامات الارتياب من هذا الجواب، وأما الحاضرون ومنهم السيد زعيم الحوزة فلم ينبس أحد منهم ببنت شفة.\nضبط أحد السادة في الحوزة وهو يلوط بصبي أمرد من الدارسين في الحوزة. وصل الخبر إلى أسماع الكثيرين، وفى اليوم التالي، بينما كان السيد المشار إليه يتمشى في الرواق، اقترب منه سيد آخر من علماء الحوزة أيضًا - وكان قد بلغه الخبر - فخاطبه بالفصحى مازحًا: سيد ما تقول في ضرب الحلق (٣)؟\nفأجابه السيد الأول بمزاح أشد قائلًا له وبالفصحى أيضًا: يستحسن إدخال الحشفة فقط، وقهقه الاثنان بقوة!!؟؟\nوهناك سيد من علماء الحوزة مشهور باللواطة، رأي صبيًا يمشى مع سيد آخر من علماء الحوزة أيضًا، فسأله: من هذا الصبى الذى معك؟\n_________\n(١) يبدو أنه احتار فى جواب السائل، فلما سنحت لى فرصة الانفراد بالسيد آل كاشف الغطاء سألته عن هذه الرواية التى ذكرها السيد شرف الدين فقال لى: لم أقف عليها فيما قرأت، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحاول أن أجد مصدر تلك الرواية فى كل ما قرأت وما وقع بيدى من كتب الأخبار فلم أعثر على مصدر لها، وأظن أنه ارتجلها لئلا يحرج بالجواب أمام الحاضرين.\n(٢) أخبرنى بعض تلاميذ السيد شرف الدين أنه فى زيارته بأوربا كان يتمتع بالأوربيات كثيرًا، وبخاصة الجميلات منهن فكان يستأجر كل يوم واحدة، وكان متزوجًا من شابة مسيحية مارونيه اسمها نهار كتابيات أيضًا، فلماذا يحل لنفسه ما يحرمه على غيره؟\n(٣) يريد بذلك حلقة الدبر.","vol":"1","page":1108},{"text":"فاجابه: هذا ابنى فلان.\nفقال له: لم لا ترسله إلينا لنقوم بتدريسه وتعليمه كى يصبح عالمًا مثلك؟\nفأجابه ساخرًا: أيها السافل الحقير أتريد ان آتيك به لتفعل به (كذا وكذا) !؟\nوهذه الحادثة حدثني بها أحد الثقات من أساتذة الحوزة (١) .\nلقد رأينا الكثير من هذه الحوادث، وما سمعناه أكثر بكثير حتى أن صديقنا المفضال السيد عباس جمع حوادث كثيرة جدًا ودونها بتفاصيلها وتواريخها وأسماء أصحابها، وهو ينوى إصدارها في كتاب أراد أن يسميه \" فضائح الحوزة العلمية فى النجف \"، لأن الواجب كشف الحقائق للعوام من الشيعة أولئك المساكين الذين لا يعلمون ما يجرى وراء الكواليس، ولا يعلمون ما يفعله السادة، فيرسل أحدهم امرأته أو بنته أو أخته لغرض الزيارة أو لطلب الولد أو لتقديم (مراد الحسين)، فيستلمها السادة وخاصة إذا كانت جميلة ليفجروا بها ويفعلوا بها كل منكر!! ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهي بحث السيد حسين الموسوى من علماء الشيعة بالنجف.\n_________\n(١) وليس بغريب ولا عجيب، فإن بعض المنظومات التى كنا نقرؤها تنص على ذلك نصًا لا شبهة له، ألم يقل الناظم: \" وجائز نكاح الغلام الأمرد ... \".","vol":"1","page":1109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الفصل الثاني: الأحكام</span>\nبالرجوع إلى كتب الفقه عندهم نجد أثر عقيدتهم الباطلة التي نادى بها ابن سبأ تبدو فيما يأتى:\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>أولا: فى الذبائح:</span>\nيرى الرافضة حرمة ذبيحة الناصب بلا خلاف بينهم، واختلفوا في ذبيحة غير الجعفري: فقصر بعضهم الحل على ما يذبحه الجعفري الاثنى عشرى، ورأي الباقون كراهة ذبيحة المخالف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>ثانيا: فى الأطعمة:</span>\nيرون حرمة أكل الطين إلا طين قبر الحسين، فيزعمون أن فيه شفاء من كل داء، وأمنا من كل خوف، فيجوز الاستشفاء منه بقدر الحمصة المعهودة المتوسطة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>ثالثا: فى إحياء الموات من الأرض</span>\nاتفقوا على أن الموات للإمام خاصة لا يملكه أحد وإن أحياه - ما لم يأذن له الإمام، فيملكه - إن كان مسلمًا - بالإحياء إذا أذن له الإمام. هذا بالنسبة لزمن حضور أئمتهم. وقالوا كذلك: كل أرض لم يجر عليها ملك مسلم، أو ليس لها مالك معين، فهي للإمام.\nأما في زمن غيبة إمامهم فقد اختلفوا: فرأي بعضهم أن الأرض لمن أحياها، فإذا ظهر الثانى عشر - كما يعتقدون - كان له إقرار ملكية المحيى للأرض، أو إزالة يده (١) .\n_________\n(١) انظر ما سبق في مفتاح الكرامة ٧ / ٤ - ١٣.","vol":"1","page":1110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>رابعا: فى اللقطة</span>\nيرون أن اللقيط العبد، إذا لم يتول أحدا، فعاقله (١) ووارثه الإمام إذا لم يكن له وارث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>خامسا: فى الميراث</span>\nيرون من موانع الإرث الكفر، ولكنهم يفسرون الكفر، بقولهم: هو كل ما يخرج به معتقده من دين الإسلام: سواء أكان حربيًا، أم ذميًا، أم مرتدًا، أم على ظاهر الإسلام إذا جحد ما يعلم ثبوته من الدين ضرورة، كالخوارج والغلاة والنواصب.\nوهم بعد هذا يختلفون في التوارث بين الجعفرية، وغيرهم، فأكثرهم يرى أن المسلمين يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب، ويذهب بعضهم إلى ان جاحد الإمامة لا يرث المؤمن، أي الجعفري الرافضي، على حين يرث المؤمن غيره كما يرث المسلم الكافر (٢) .\nويرون أن الابن الأكبر يأخذ بغير عوض بعض الأشياء الخاصة بالأب كمصحفه وسيفه، ولكن فريقا من الجعفرية يشترطون لهذه الحبوة ألا يكون الابن فاسد المذهب (٣)، أي أن يكون جعفريًا رافضيًا.\nوفى الميراث بسبب الولاء يقولون بولاء الإمامة أي أن الإمام يرث من لا وارث له - ما عدا الزوجين - ومن في حكمه: كالمسلم والمرتد بغير وارث مسلم، والمقتول بغير وارث إلا القاتل، وهكذا. أما بالنسبة للزوجين: اختلف الجعفرية الاثنا عشرية عند انفراد أحدهما: فذهب بعضهم إلى أن الزوج - أو الزوجة - يأخذ نصيبه والباقى للإمام، وذهب آخرون إلى أن الإمام لا يرث وباقى\n_________\n(١) العاقل دافع الدية.\n(٢) انظر مفتاح الكرامة - كتاب الفرائض: ص ١٧ - ١٨، ٣٤ -٣٥، وراجع مفهوم الكفر عند الرافضة في بداية الباب الثانى وفى أكثر من موضع من هذا الكتاب.\n(٣) انظر المرجع السابق: ص ١٣٤ - ١٣٧.","vol":"1","page":1111},{"text":"التركة يرد على الوارث منهما، وفرق بعضهم بين زمن حضور أئمتهم وزمن الغيبة بالنسبة للزوجة، فقالوا بإرث الإمام الظاهر، وبالرد زمن الغيبة (١) .\nواتفقوا على أن الإمام الظاهر يأخذ إرثه يصنع به ما شاء، واختلفوا في زمن الغيبة، فقيل: يحفظ للإمام لحين ظهوره، وقيل يصرف على المحتاجين من الجعفرية، وقيل كما ذكرنا في إحياء الموات: إنه ملك لفقهاء الشيعة الاثنى عشرية.\nوهم متفقون على أن هذا المال لايعطى - مع الأمن - الحكام الجائرين، أي الحكام من غير الرافضة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>سادسا: فى القضاء</span>\nاتفق الإمامية الرافضة على أن القاضى لابد أن يكون منهم، وأن يكون بإذن الإمام لا بنصب العوام. وفى الغيبة يكون القضاء للفقيه الجعفري الجامع للشرائط (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>سابعا: فى الشهادات</span>\nلا يقبلون شهادة غير الرافضي، وأشرنا إلى هذا من قبل في الصيام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>ثامنا: في الحدود والتعزيرات</span>\nذكرنا في الجهاد أن الحدود لا ينفذها إلا الإمام أو من نصبه، وفى زمان الغيبة يقيمها فقهاء الرافضة إذا أمنوا ويجب على الناس مساعدتهم.\n_________\n(١) انظر نفس المرجع: ص ٢٠-٢٨، ٤٧، ٦٤، ١٧٩ - ١٨٣، ٢٠٥ - ٢١٢، ٢٦٧ وانظر النور الساطع ١ / ٤٢٥ - ٤٢٧.\n(٢) ذكر الشيخ على كاشف الغطاء: أن من ضرورة المذهب الجعفري أن القضاء من مناصب النبى - ﷺ - - وأئمتهم بالأصالة لكونه من شئون الرياسة العامة والولاية التامة الثابتة لهم، وأن ثبوت هذا المنصب لغيرهم إنما هو من قبلهم وبواسطتهم، وأنهم قد أثبتوه للمجتهد العادل الجامع لشرائط الافتاء. (انظر النور الساطع ١ / ٥٧٦) .\nوالجعفرية الاثنا عشرية الآن لهم محاكم خاصة بالبلاد التي يكثر عددهم فيها.","vol":"1","page":1112},{"text":"ونجد أثر عقيدة الإمامة هنا كذلك في قولهم: من زنى في زمان شريف، أو مكان شريف عوقب زيادة على الحد، فأثر الإمامة في تحديد الأزمنة والأمكنة الشريفة عندهم، وأشرنا إليها من قبل في الحديث عن الطهارة والصلاة، حيث وجدنا الغدير ومراقد الأئمة إلى غير ذلك مما يتصل بعقيدتهم.\nولعل أخطر أثر هنا قولهم بقتل من سب أحد أئمتهم وحل دمه لكل سامع إذا أمن (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>تاسعا: فى القصاص:</span>\nيقولون: لا يقتل مسلم بكافر، ولسنا في حاجة إلى التذكير بمفهوم الكفر عند الرافضة من الشيعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>عاشرًا: فى الديات:</span>\nيقولون: لا دية لأهل الكفر ما عدا الذمى، ولا تجب الكفارة بقتل الكافر.\nويرون أن الإمام ولى دم من لا ولى له. وأن الإمام يأخذ الدية من الأب الذى يقتل ولده عمدا وإذا لم يكن للولد من يرثه.\nوبعد: فقبل أن ننتهي من كتب الفقه في هذا الباب، أورد هنا بعض ما ذكره عالم النجف المعاصر الشيخ على كاشف الغطاء في الولاية العامة للمجتهد، حيث أنه يكشف عن الاتجاه السائد في الوسط الجعفري في عصرنا، وإن كان كثيرًا مما ذكره سبق مجيئه مبثوثًا في هذا الجزء، وسيأتى نظيره عن الخمينى في خاتمة الكتاب.\n_________\n(١) لا ندرى كيف أباحوا لأنفسهم هذا القتل، وفى الوقت ذاته أباحوا سب الخلفاء الراشدين الثلاثة والصحابة الكرام؟ ! بل وجدنا منهم من يقول - والعياذ بالله - بأن الله ورسوله وكل نبى مجاب لعنوا الصديق والفاروق لموقفهما من العترة وأحاديث الإمامة ولذا فلا يتصور عقوبة ما لمن سبهما!! (انظر منهاج الشريعة ١/ ١١٢- ١١٣، ٢٩٣ -٢٩٤) . غلاة في الجانبين، وأن وجدنا من شيعة اليوم من يستنكر السب، ولكنا لم نجد من يستنكر القتل.","vol":"1","page":1113},{"text":"قال كاشف الغطاء: \" وقع النزاع بين الفقهاء في أن الولاية المجعوله للفقيه الجامع لشرائط المرجعية هي الولاية الخاصة في موارد مخصوصة: كالرجوع إليه في الفتيا، وقطع الخصومات، وكل مورد قام الدليل على ولاية الفقية فيه، بحيث لو شك في مورد أنه له الولاية فالأصل عدمها. أو أن المجعول للفقيه الولاية العامة، بمعنى أن المجعول له هو الولاية العامة المجعولة للإمام بحيث تكون الولاية ثابتة له في كل مورد إلا إذا قام الدليل على عدمها \" (١) .\nثم قال: \" والحق هو الثانى، وأن الفقيه الجامع للشرائط قد جعل الله له من الولاية ما جعله للإمام، فيثبت للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة المقدار الثابت للإمام: من السلطة الدينية، والسلطة الزمنية، والولاية العامة لأمور الناس، والرياسة المكلفة، والزعامة الشاملة فيما يخص تدبير شئون المسلمين العامة: الداخلية والخارجية، الدينية والدنيوية، وما يرجع لمصالحهم، وما يتوقف عليه نظم البلاد وانتظام العباد ورفع الفساد بالنحو الذى هو ثابت للإمام في الموارد التي يكون للإمام الإذن فيها يكون للفقيه الإذن فيها، وفى الموارد التي يكون للإمام التصرف فيها يكون الفقيه ذلك.\nوالحاصل أنه قد جعل الله تعالى للفقيه الجامع الشرائط في عصر الغيبة الكبرى كل ما جعله تعالى للإمام بما هو إمام يرجع إليه فى شئون تدبير الملة دينا ودنيا، لا بما هو مبلغ لأحكام الله تعالى، فإنه بالصفة الثانية لابد من إظهار المعجزة لصدقه، والعصمة لعدم خطئه، وإزالة حب الدنيا عن نفسه، لرفع التهمة عنه في التبليغ، ولا بما يرجع لتعظيمه واحترامه ومحض إكرامه. وإنما جعل الله تعالى للفقيه كل ما جعله للإمام من حيث رياسته على كافة الأنام، وسلطنته على سائر العباد وإدارته لأمور الملة، وإمامته لقيادة الأمة، لتنفيذ القوانين الدينية، وتدبير الشئون الحيوية.\n_________\n(١) النور الساطع ١ / ٣٤١.","vol":"1","page":1114},{"text":"والفقهاء عبروا عن هذه الحيثية للإمام بالولاية، وهي التي من آثارها الإفتاء والقضاء، وقبض ما يعود لمصالح المسلمين: كأموال الخراج، والمقاسمة، والأوقاف العامة والنذور، والجزية، والصدقات، ومجهول المالك، واللقطة قبل التعريف، وقبض ما يعود للإمام من الأموال: كحق الإمام والأنفال وإرث من لا وارث له (١) .\nوالتولى للوصايا مع فقد الوصى، وللأوقاف مع فقد المتولى، وحقظ أموال الغائبين واليتامى، والمجانين والسفهاء، والتصرف بما فيه المصلحة لهم حفظًا أو إدارة أو بيعا أو نحو ذلك، وجعل بيت المال، ونصب الولاة على الأمصار والوكلاء والنواب والعمال المعبر عنهم في لسان الفقهاء بالأمناء. وتجنيد الجنود والشرطة: للجهاد، ولحفظ الثغور ومنع التعديات وحماية الدين وإقامة الحدود على المعاصى والتعزيزات على المخالفات وإعاشتهم وتقدير أرزاقهم وتعيين رواتبهم. ونصب القضاء لرفع الخصومات وحمل الناس على مصالحهم الدينية والدنيوية: كمنع الغش والتدليس في المعايش والكاييل والموازين، وكمنع\n_________\n(١) من الأموال التي ذكر أنها ملك للإمام وأنها تعود للفقيه في زمن الغيبة يصرفها على نفسه وشئونه ما يأتى:\n\nالمعادن، البحار (في رأي الكليني وغيره، والمشهور عدم عدها من أمواله)، والأرض التي استولى عليها المسلمون من غير قتال، والأرض الميتة والأرض التي لا مالك لها، ورءوس الجبال، وتبعها ما يكون فيها من حجارة أو شجر أو معدن أو عين ماء ونحو ذلك حتى ولو كانت مملوكة لشخص معين، وبطون الأودية بما فيها، والآجام، وصفو الغنيمة: وهو ما يصطفيه الإمام لنفسه قبل القسمة مما يحب ويشتهي كالجارية الحسناء والسيف القاطع، وما كان في الغنيمة من المال الخالص لسلطان المحاربين، والغنيمة بغير إذن الإمام.\nانظر النور الساطع ١ / ٤٠٥ - ٤٣٢ واقرأ فيه كذلك:\nالأمور التي للفقيه الولاية عليها في صرفها في مواردها في زمن الغيبة: ص ٤٣٣ - ٤٧٠، وتذنيب فيما ذكره الفقهاء للمجتهد من الولايات الخاصة ص ٣٨٣ - ٥٢٨.","vol":"1","page":1115},{"text":"المضايقات في الطرقات، ومنع أهل الوسائط من تحميلها أكثر من قابليتها، والحكم على المبانى المتداعية بهدمها أو إزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة. وضرب السكة، وإمامة الصلاة، وإجبار الممتنع عن أداء الحقوق الخالقية والمخلوقية وقيامه مقامه في أدائها. وإجبار المحتكر والراهن على الأداء والبيع، وإجبار الشريك على القسمة، وإجبار الممتنع عن حضور مجلس الترافع والخصومة. وتسيير الحج، وتعيين يوم طلوع الأهلة، والجهاد في سبيل الله، وإصلاح الجسور وفتح الطرق وحفر الترع وصنع المستشفيات وسياسة الرعية وإعطاء الراية والعلم واللواء وتقسيم الغنيمة والأمر بالمعروف والنهي عن ... المنكر (١) .\nهذا ما ذكره العالم الجعفري الإمامي المعاصر، وإذا كان ما جعله لأئمته غير صحيح - كما أثبتنا - فمن باب أولى أنه لا يثبت لفقهائهم، ولا خلاف بين الجعفرية حول جعل الولاية للأئمة وإنما الخلاف في جعلها للفقهاء (٢)، فالفقهاء من جانبهم حاولوا إثباتها لأنفسهم ليقنعوا شيعتهم، ويبدو أنهم أقنعوهم.\nوإذ كانت الحكومات تتولى هذه الولاية العامة فلا ضير، لأن الأموال - من الخمس وغيره - التي استحلها الفقهاء لأنفسهم جاءتهم وفيرة غزيرة، وأعتقد أنه لولا هذه الأموال لما ظل الخلاف قائما بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية إلى هذا الحد، فكثير من فقائهم يحرصون على إذكاء هذا الخلاف حرصهم على هذه الأموال. والله ﷾ أعلم، ونسأله ﷿ أن يطيب مطعمنا، ويهدينا الصراط المستقيم.\n_________\n(١) المرجع السابق ١ / ٣٤١ -٣٤٣.\n(٢) سواء أثبتت الولاية لأئمة الجعفرية أم لم تثبت فهم من آل البيت الأطهار الكرام البررة، أما الفقهاء - في كل عصر ومصر - فمنهم من يعبد الله تعالى، ومنهم من يعبد المال ويتخذ إلهه هواه.","vol":"1","page":1116},{"text":"وسائل الشيعة\nبعد هذه النظرة وهذا العرض لما جاء في كتب فقه الرافضة تأثرًا بعقيدتهم الباطلة في الأحكام نأتى إلى كتاب وسائل الشيعة لنرى ماذا فيه من الأبواب والروايات المفتراة.\nفي كتاب الصيد والذبائح\nنجد \" تحريم ذبائح الكفار من أهل الكتاب وغيرهم سواء سموا عليها أم لم يسموا إلا مع التقية \" - (١٦ /٢٨٢) .\nو\" باب إباحة ذبائح أقسام المسلمين وتحريم ذبيحة الناصب والمرتد إلا للضرورة والتقية \". (١٦ / ٢٩٢) .\nوأبواب في تحريم السمك إذا مات في الماء، أو خارج الماء إلا إذا أدركه الإنسان وهو يتحرك. (انظر ج ١٦ ص ٣٠٠: ٣٠٤) .\nوفى كتاب الأطعمة والأشربة نجد تحريم السمك الذى ليس له قشور، وأنواع أخرى من السمك. (انظر ج ١٦ ص ٣٢٩ وما بعدها) .\nو\" باب تحريم أكل الطين والمدر \" (١٦ / ٣٩١) .\nو\" باب عدم تحريم أكل طين قبر الحسين (ع) بقصد الشفاء..\" - ... (١٦ / ٣٩٥) .\nو\" باب عدم جواز إطعام الكافر إلا ما استثنى \" - (١٦ / ٤٢٩)، وفى هذا الباب نجد قولهم: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحدا يقول: أنا أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتبرءون من أعدائنا. ثم قال - ﵇ -: أي الإمام الصادق: من أشبع عدوا لنا فقد قتل وليا لنا \" (١٦ / ٤٣٠) .\nو\" باب استحباب اختيار إطعام الشيعة على إطعام غيرهم \". (١٦ / ٤٧٨) وفى الباب أن إطعام الشيعى أحب إلى أئمتهم من إطعام مائة ألف من غيرهم. (انظر ١٦ / ٤٧٩) .\nو\"","vol":"1","page":1117},{"text":"باب استحباب الشرب من ماء الفرات، والاستشفاء به، وتحنيك الأولادبه \" (١٧ / ٢١١) .\nوفى الباب: \" يصب فيه ميزابان من ميازيب الجنة \".\n\" لو كان بيننا وبينه أميال لأتيناه فنستشفى به \"\n\" أما إن أهل الكوفة لو حنكوا أولادهم بماء الفرات لكانوا شيعة لنا \"\n\" إن ملكا من السماء يهبط في كل ليلة معه ثلاثة مثاقيل مسكا من مسك الجنة فيطرحها في الفرات، وما من نهر في شرق الأرض ولا غربها أعظم بركة منه \" (١٧ / ٢١١ - ٢١٢) .\nو\" باب الشرب من نيل مصر وماء العقيق وسيحان وجيجان، وكراهة اختيار ماء دجلة وماء بلخ للشرب \". (١٧ / ٢١٤) . وفيه: \" نهران مؤمنان ونهران كافران، فالمؤمنان: الفرات ونيل مصر، وأما الكافران: فدجلة وماء بلخ \" (١٧/٢١٥) .\nو\" باب استحباب ذكر الحسين - ﵇ -، ولعن قاتله عند الشرب \" (١٧ /٢١٦) .\nوفى الباب أن من فعل هذا كتب الله ﷿ له مائة ألف حسنة، وحط عنه مائة ألف سيئة، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنما أعتق مائة ألف نسمة.\nوفى كتاب الفرائض والمواريث نجد ما يأتى: \" باب أن البنت إذا انفردت ورثت المال كله ... \". (١٧ / ٤٤١)\nو\" باب أنه لا يرث الإخوة ولا الأعمام ولا العصبة ولا غيرهم سوى الأبوين والزوجين مع الأولاد شيئا \" (١٧ / ٤٤٤) .\nوفى الباب الأول:\n\" ورث على - ﵇ - علم رسول الله - - ﷺ -، وورثت فاطمة ﵍ تركته \".","vol":"1","page":1118},{"text":"وأخبار البابين تدور حول عنوانيهما خلافا لما ثبت عن الرسول - - ﷺ -، وأخذ به الصحابة الكرام ومن جاء بعدهم.\n\" وباب أن الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس بشرط كونهم للأبوين أو أب، لا من الأم وحدها \". (١٧ / ٤٥٤) .\nو\" باب أنه إذا اجتمع الأعمام والأخوال فللأعمام الثلثان ولو واحدا، ويرثون بالتفاضل، وللأخوال الثلث ولو واحدا بالسوية \". (١٧ / ٥٠٤) .\nوفيه: إن لها الربع، والباقى للإمام.\n\" وباب أن الزوجة إذا لم يكن لها منه ولد لا ترث من العقار والدور والسلاح والدواب شيئا ... \". (١٧ /٥١٧) .\nوالجزء الثامن عشر من وسائل الشيعة يبدأ بكتاب القضاء، وأوله أبواب صفات القاضى وما يقضى به، وهي أربعة عشر بابا، تقع في ١٥٣ صفحة. وجلها، إن لم يكن كلها، فيه الغلو والتطرف والضلال مثل الذى رأيناه في عقيدتهم في الإمامة، وذلك لاتصال القضاء بالإمامة.\nولا نستطيع هنا أن ننقل هذه الصفحات، ولكن نكتفى بذكر شيىء منها.\nفالباب الأول هو \" باب أنه يشترط فيه الإيمان والعدالة، فلا يجوز الترافع إلى قضاة الجور وحكامهم إلا مع التقية والخوف، ولا يمضى حكمهم وإن وافق الحق \". (ص ٢: ٥) .\nوهم يحصرون الإيمان في الرافضة وحدهم دون المسلمين جميعا كما سبق في أكثر من موضع، ولهذا لا يجيزون الترافع إلى غيرهم وهو ما عبروا عنه بقضاة الجور وحكامهم. وفى الباب أكثر من رواية أن من ترافع إلى غيرهم كان ممن حاكم إلى الطاغوت، وبمنزلة من قال الله تعالى فيهم: \"\" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ \"\"","vol":"1","page":1119},{"text":"والثالث \" باب أنه لا يجوز لأحد أن يحكم إلا الإمام أو من يروى حكم الإمام فيحكم به \". (ص ٦: ٩) .\nوفيه ينسبون لأمير المؤمنين على كرم الله وجهه أنه قال: إن مجلس القضاء لا يجلسه إلا نبى، أو وصى نبى، أو شقى.\nويفترون الكذب كذلك على غيره أيضا، فيروون عن الإمام الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم، ومتعلم، وغثاء: فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء.\nوأنه استنكر أن يقضى بقضاء أبى بكر وعمر مع قضاء على، رضي الله تعالى عنهم جميعا ورضوا عنه.\nوالرابع \" باب عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين ﵈ \". (ص ٩: ١٧) . وهنا يستمرون في الافتراء على الأئمة الأبرار، طعنا في الصحابة الكرام الأطهار: فمن المشهور أن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - أعلم الأمة بالفرائض كما شهد له الرسول - ﷺ - فيما رواه الإمام أحمد في مسنده (٣ / ١٨٤، ٢٨١)، فإذا بالرافضة يفترون الكذب على الإمام الباقر ﵁، وينسبون له أنه قال:\n\" أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية \".\nوفى الباب السادس يفترون روايات تفيد عدم جواز تقليد غير أئمتهم، وبطلان القياس حتى القياس الجلى قياس الأولوية، وعدم حجية الإجماع ما لم يدخل فيه قول الإمام، وعدم الأخذ بظاهر القرآن الكريم وتفسيره إلا ما نسبوه - كذبا - إلى أئمتهم. (ص ٢٠: ٤١) . وقد رأينا من قبل الرزايا والبلايا عند عرض كتب التفسير عندهم.","vol":"1","page":1120},{"text":"والسابع \" باب وجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى الأئمة المعصومين ﵈ \". (ص ٤١: ٥٢) .\nوفيه يذكرون تحريم العمل بقول العامة وطريقتهم، أي عامة المسلمين غير الرافضة.\nوالثامن \" باب وجوب العمل بأحاديث النبى صلى الله عليه وآله والأئمة ﵈ المنقولة في الكتب المعتمدة وروايتها وصحتها وثبوتها \" (ص ٥٢: ٧٥) .\nوالإشارات السابقة لما نقله صاحب كتاب الوسائل من تلك الكتب المعتمدة عندهم تبين مدى ما عليه هؤلاء الرافضة من الضلال، بل الكفر والزندقة، حيث يذهبون إلى تكفير هذه الأمة الوسط خير أمة أخرجت للناس بدءا بخير الناس بعد الرسول - - ﷺ - - أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، وعن الصحابة الكرام البررة.\nيا هؤلاء: كيف إذن يكون التقريب؟ ! انظروا إلى ما مضى وما سيأتى!\nوالتاسع \" باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفية العمل بها \". ... (ص ٧٥: ٨٩) .\nوفى الباب بيان الترجيح عند التعارض، ويكون بالأخذ بإجماعهم - أي الرافضة - والشهرة بينهم، ومخالفة العامة، أي عامة المسلمين غير الرافضة، ومخالفة المشهور عندهم، والأمر بسؤال علماء العامة عما لا نص فيه، والعمل بخلافهم: (انظروا: بخلافهم) ! .\nوإلى دعاة التقريب أذكر بعض ما جاء من روايات هذا الباب منسوبة كذبا إلى الأئمة الأطهار:\nفي الرواية الأولي قال الراوى:\nسألت أبا عبد الله - ﵇ -: فإن كان الخبران عنكم مشهورين، قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة","vol":"1","page":1121},{"text":"فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة، ووافق العامة. قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة، والآخر مخالفا لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جمعيا؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر ... إلخ.\nوفي الرواية التاسعة عشرة، وكذلك في الثلاثين، والحادية والثلاثين، وغيرها: دعوا ما وافق القوم، فإن الرشد في خلافهم.\nوفي الثالثة والعشرين:\nقلت للرضا - ﵇ -: يحدث الأمر لا أجد بدا من معرفته، وليس فى البلد الذى أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ فقال: ائت فقيه البلد فاستفته من أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه.\nوفي الحاشية عقب أحد علمائهم المعاصرين - فقال:\nمن جمله نعماء الله على هذه الطائفة المحقة أنة خلى بين الشيطان وبين علماء العامة ليضلهم عن الحق في كل مسألة نظرية، فيكون الأخذ بخلافهم ضابطة للشيعة.\nوفي الرواية الرابعة والعشرين:\nقال أبو عبد الله - ﵇ -: أتدرى لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ فقلت: لا أدرى. فقال: إن عليا ﵇ لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين - ﵇ - عن الشيء الذى لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدا من عندهم ليلتبسوا على الناس.","vol":"1","page":1122},{"text":"وفي الثانية والثلاثين:\nوالله ما جعل الله لأحد خيرة في اتباع غيرنا، وأن من وافقنا خالف عدونا، ومن وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منهم.\nوفي السادسة والأربعين:\nقال أبوعبد الله - ﵇ -: ما سمعته منى يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت منى لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه.\nوالحادي عشر \" باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة فيما رووه عن الأئمة ﵈ من أحكام الشريعة \" (ص ٩٨-١١١) .\nوالثالث عشر \" باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الأئمة ﵈ \" (ص١٢٩-١٥٢) .\nوالرابع عشر \" باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كلام النبي - صلي الله عليه وآله - المروى من غير جهة الأئمة ﵈ ما لم يعلم تفسيره منهم \" (ص ١٥٢- ١٥٤) .\nهذا عرض سريع مختصر جدا، ومنه ومن عناوين الأبواب الأخيرة يتبين لنا أنهم يرون وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى كتبهم في التفسير، وكتب الحديث المعتمدة عندهم، وقد قدمت دراسة وافية لهذه الكتب، وبينت ما فيها من ضلال وكفروزندقة. وهذه الكتب توجب مخالفة الأمة الإسلامية كلها عداهم، لو جعلنا الرافضة من هذه الأمة، واتضح هذا جليا حتى عند التعارض والترجيح وما ليس فيه نص.\nوإذا كنا نرى وجوب عدم تكفير طائفة تنتسب للإسلام مادامت لم تجمع على الكفر، وعدم تكفير أشخاص بأعيانهم ما لم يتضح كفرهم، إلا أن الأخذ بهذه الكتب المشار إليها يؤدى حتما إلى الكفر.\nولذا لا نعجب عندما نجد أمثال الشيخ محب الدين الخطيب ﵀ يذهبون إلى أن الرافضة لهم دين آخر غير دين الإسلام.","vol":"1","page":1123},{"text":"وفى الحدود التعزيرات نجد ما يأتي:\nمن أبواب حد الزنى:\nالباب الثاني \" باب ثبوت الإحصان الموجب للرجم في الزنى بأن يكون له فرج حرة أو أمة يغدو عليه ويروح بعقد دائم أو ملك يمين مع الدخول. وعدم ثبوت الإحصان بالمتعة \" (ص ٣٥١: ٣٥٤) .\nوالثالث \" باب عدم ثبوت الإحصان مع وجود الزوجة الغائبة، ولا الحاضرة التي لا يقدر على الوصول إليها، فلا يجب الرجم على أحدهما بالزنى\" (ص٣٥٥: ٣٥٦)\nوالرابع \" باب حد السفر المنافي للإحصان \" (ص٣٥٦: ٣٥٧) .\nوفيه: إذا قصر وأفطر فليس بمحصن.\nوالتاسع \" باب أن غير البالغ إذا زنى بالبالغة فعليه التعزير وعليها الجلد لا الرجم وإن كانت محصنة، وكذا البالغ مع غير البالغة \" (ص٣٦٢: ٣٦٣) .\nوالثاني والأربعون \" باب أن من أراد أن يتمتع بامرأة فنسى العقد حتى واقعها لم يكن عليه حد \" (ص٤١١: ٤١٢) .\nومن أبواب حد القذف:\n\" باب قتل من سب عليا - ﵇ -، أو غيره من الأئمة ﵈، ومطلق الناصب مع الأمن \" (ص٤٦١: ٤٦٤) .\nوروايات الباب تنسب للأئمة - كذبا - أن من سب أحدهم فهو حلال الدم، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، بل تضيف جرائم أكبر وأشد خطرا على أمة الإسلام، حيث تبيح دم كل من ليس على ملة الرافضة، وإليك كلامهم ننقله بنصه.\nفي الراوية الخامسة قال أحد رواتهم: \" قلت لأبي عبد الله - ﵇ -: ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: حلال الدم، ولكنى أتقى عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه","vol":"1","page":1124},{"text":"حائطا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل. قلت: فما ترى في ماله؟ قال: نوّه ما قدرت عليه \"\nوفي الرواية السادسة: \" إنى سمعت محمد بن بشير يقول: إنك لست موسى ابن جعفرالذى أنت إمامنا وحجتنا فيما بيننا وبين الله؟ فقال - أي الإمام: \" لعنه الله - ثلاثا، أذاقه الله حر الحديد، قتله الله أخبث ما يكون من قتلة. فقلت له: إذا سمعت ذلك منه أوليس حلال لي دمه؟ مباح كما أبيح دم السباب لرسول الله ﷺ وآله والأمام؟ قال: نعم حل والله، حل والله دمه، وأباحه لك ولمن سمع ذلك منه ... فقلت: أرأيت إذا أنا لم أخف أن أغمر بذلك بريئا ثم لم أفعل ولم اقتله، ما على من الوزر؟ فقال: يكون عليك وزره أضعافا مضاعفة من غير أن ينقص من وزره شيىء \".\nهذه بعض نصوصهم واضحة جلية في أن مجرد عدم الأخذ بقولهم في الإمامة يبيح دم المسلم، ويوجب قتله، ومن استطاع أن يقتله ولم يفعل كانت جريمته أكبر ممن أحل دمه.. هكذا!!\nومن أبواب حد المحارب\n\" باب قتل الدعاة إلى البدع \" (ص ٥٤٢ ـ٥٤٣)\nوبالطبع المراد بالبدع ما خالف ضلال الرافضة والذين هم أهل البدع والزندقة، فمن عض بالنواجذ على سنة رسول الله - - ﷺ -، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين كما أمر رسول الله - - ﷺ -، أصبح عند هولاء الرافضة داعيا إلى البدع حلال الدم.\nومن أبواب حد المرتد\n\" باب حكم الزنديق والمنافق والناصب \" (ص٥٥١-٥٥٢) .\nوسبق بيان معنى الناصب عند الرافضة، فهو يشمل الأمة الإسلامية كلها التي لم تضل ضلالهم، ولم تأخذ بقول عبد الله بن سبأ في الوصي بعد النبي.","vol":"1","page":1125},{"text":"وآخر الأبواب \" باب جملة مما يثبت به الكفر والارتداد \" (ص٥٥٧-٥٧٠) وهذا هو أكبر الأبواب، فيه سبع وخمسون رواية، والتفصيل هنا يبين ما سبق الإشارة إليه من أنهم يكفرون غيرهم بدءا من الصحابة الكرام، حملة الإسلام.\nفالأمة كلها تقول بإمامة الشيخين الصديق والفاروق، رضي الله تعالى عنهما، ولا تقول بإمامه على - رضي الله تعالى عنه - إلا بعدهما، ولاتقول بخرافاتهم وأوهامهم وضلالاتهم في عقيدة الإمامة، وما تقوله الأمة يثبت به الكفر والارتداد وحل الدم والمال، عند هؤلاء القوم الذين رزئ بهم الإسلام.\nولننقل شيئا مما جاء في هذا الباب:\nفي الرواية الثانية نسب لموسى بن جعفر أنه قال عن ابنه على وهو في حجره بأنه الإمام من بعده: \"من أطاعه رشد، ومن عصاه كفر \".\nوفي الثامنة نسب للإ مام الصادق أنه قال بكفر من ادعى إماما ليست إمامته من الله، ومن جحد إماما إمامته من عند الله.\nوإليه نسب في الحادية عشرة أنه قال: منا الإمام المفروض طاعته، من جحده مات يهوديا أو نصرانيا.\nوفي الثانية عشرة أنه قال: مدمن الخمر كعابد وثن، والناصب لآل محمد شر منه.\nإن الله تعالي جعل عليا - ﵇ - علما بينه وبين خلقه، ليس بينهم وبينه علم غيره: فمن تبعه كان مؤمنا، ومن جحده كان كافرا، ومن شك فيه كان مشركا.\nوفي الرابعة عشرة: على باب هدى، من خالفه كان كافرا، ومن أنكره دخل النار.\nوفي الخامسة عشرة: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر.\nوفي الثامنة عشرة: الإمام علم فيما بين الله ﷿ وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا.\nوالتاسعة عشرة تؤكد المعنى السابق، وتذكر عليا، ومن بعده الحسن.","vol":"1","page":1126},{"text":"وفى العشرين: من شك فى كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر.\nوفي الحادية والعشرين: لا يرد على علي بن أبي طالب - ﵇ - أحد ما قال فيه النبي صلى الله عليه وآله إلا كافر.\nوفي الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين: حبنا إيمان، وبغضنا كفر.\nوفي الخامسة والعشرين: لما نزلت الولاية لعلى - ﵇ - قام رجل من جانب الناس فقال: لقد عقد هذا الرسول لهذا الرجل عقدة لا يحلها إلا كافر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا جبرئيل - ﵇ -.\nوفي السابعة والعشرين ينسبون للنبي - ﷺ - أنه قال: الأئمة بعدى اثنا عشر، أولهم على بن أبي طالب، وآخرهم القائم.. المقر بهم مؤمن، والمنكر لهم ... كافر.\nوفي التاسعة والعشرين: من أبغضنا وردنا أو رد واحدا منا فهو كافر بالله وبآياته.\nوفي الثلاثين: كفر من قال رؤية الله تعالي بالبصر.\nوفى الثانية والثلاثين: من المحتوم الذى لا تبديل له عند الله تعالى قيام قائمنا، فمن شك فيما أقول لقى الله وهو به كافر وله جاحد.\nوفي الثالثة والثلاثين إلى التاسعة والثلاثين نجد تكفير من جحد إماما من أئمتهم، أو ادعى الإمامة من غير الرافضة.\nوفي الأربعين نجدهم يكفرون إحدى فرق الشيعة التي خالفتهم، مع اشتراكها معهم في سبعة من الأئمة.\nوفي الثانية والأربعين: من طعن في دينكم هذا فقد كفر.\nوفي روايات كثيرة بعد هذا نجد تأكيد ما سبق من ربط الإيمان والكفر بقولهم في الإمامة، وما ذكرناه يكفي لبيان حقيقة هؤلاء القوم، ومدى خطرهم على الأمة الإسلامية.","vol":"1","page":1127},{"text":"وفي الجزء التاسع عشر من الوسائل نجد القصاص والديات.\nومن أبواب القصاص \" باب عدم ثبوت القصاص على المؤمن بقتل الناصب وتفسيره \" (ص٩٩ـ١٠٠) .\nومعنى الباب واضح بعد ما سبق من أن مرادهم بالمؤمن من كان من الرافضة فقط، والناصب من كان من غيرهم.\nوأكدوا هذا المعنى بما كرروه هنا من تفسير الناصب، وهو من نصب للشيعة الرافضة، ومن قدم الجبت والطاغوت واعتقد إمامتهما، وجاء هذا في بيان مفهوم الناصب عندهم الذي تحدثنا عنه من قبل، وتفسير الجبت والطاغوت بخير الناس بعد رسول الله - ﷺ -، أي بالصديق والفاروق رضي الله تعالي عنهما، ولعن شانئيهم من أمثال هؤلاء الكفرة الزنادقة أتباع ابن سبأ.\nأي أنهم يعتبرون الأمة كلها التي رضيت بإمامة الشيخين بعد رسول الله - ﷺ -، يعتبرونها من النواصب الكفار حيث قدمت الجبت والطاغوت، ورضيت بإمامتهما.\nومن أبواب الديات \" باب دية الناصب إذا قتل بغير إذن الإمام \". (ص ١٦٩: ١٧١) .\nوفي الباب أن ديته شاة تذبح بمنى لأن القتل بغير إذن الإمام، فلو كان بإذن الإمام فلا شيىء على القاتل.\nوفيه أيضا كيف كان القتل، حيث قال القاتل:\nمنهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه فإذا خرج قتلته، ومنهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لى قتلته.\nومن الأبواب \" باب حكم ضمان الناصب وديته \". (ص٢٠٤: ٢٠٥) وهو كسابقه غير أنه جعل الدية هنا كبشا بدلا من الشاة.","vol":"1","page":1128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>خاتمة الكتاب</span>\nهذا الكتاب بأجزائه الأربعة يقدم دراسة متكاملة علمية مجردة عن الهوى والتشهي بإذن الله ﷿، الذى نسأله سبحانه وتعالي أن يجعله في ميزاننا يوم نلقاه.\nوهذه الدراسة تبين حقيقة الشيعة الاثنى عشرية الرافضة، ففى الجزء الأول تناولنا عقيدتهم، والجزء الثانى يتصل بموقفهم من كتاب الله تعالي، والثالث كان موضوعه الحديث وعلومه وكتبه، وألحقنا به بحثا عن السنة، وهذا الجزء الرابع وهو الأخير - تناول الفقه وأصوله.\nوالسؤال الذي يتردد في أيامنا في أوساط المسلمين من غير الرافضة هو: لماذا مثل هذه الدراسة لموضوع أصبح في ذمة التاريخ، وإثارته تؤدى إلى الفرقة بين المسلمين في وقت نحن في أشد الحاجة إلى التعاون والتآزر والتآخى لنقف صفا وأحدا أمام أعداء الإسلام؟\nوقد يبدو السؤال وجيها ولكن لا يردده إلا من لا يعرف حقيقة الشيعة الرافضة في عصرنا، ولهذا رأيت أن أبين في خاتمة الكتاب بعد الانتهاء من الدراسة كلها موقف علمائهم المعاصرين، فلو كان الأمر في ذمة التاريخ لما جاز إثارته من جديد، أما إذا كان الغلو والضلال، والدعوة إلى عقيدتهم الباطلة التي تعد هدما للإسلام من أساسه، إذا كان كل هذا هو ما نراه عند الشيعة الرافضة في عصرنا يصبح من فروض الكفاية بيان حقيقة هؤلاء القوم لنحذرهم ونتقى شرهم، ونكون على بصيرة من عوامل الهدم التي يلجئون إليها حتى نتمكن من الدفاع عن ديننا، وليتبين لعامة الشيعة غير الرافضة مدى تضليل علماء الرافضة لهم، تحت شعار حب آل البيت، وآل البيت الأطهار براء منهم. وبنظرة سريعة إلى جانب من","vol":"1","page":1129},{"text":"وبنظرة سريعة إلى جانب من سيرة آل البيت يتضح بجلاء لأولى الألباب أن الرافضة أعداء آل البيت وإن زعموا كذبا وزورا أنهم أتباعهم وأحباؤهم.\nانظر مثلا إلى تزويج على بن أبي طالب ابنته عمر بن الخطاب، ودلالة هذا التزويج، وإذا بالرافضة يقولون \" ذاك فرج غصبناه \" وهذا طعن وتجريح لعلى أكثر منه لعمر!\nولا شك أن الإنسان يختار أحب الأسماء إلى نفسه عند تسمية أولاده، وهذا أمر فطرى ليس موضوع جدل، وإذا رجعنا إلى أسماء آل البيت وجدنا من أبناء على ابن أبي طالب أبو بكر وعمر وعثمان، ومن أحفاده أبو بكر وعمر ابني الحسن، وعمر بن الحسين، وعمر بن على بن الحسين. ... فماذا يقول الرافضة في عصرنا؟\nأهم أتباع آل البيت وأحباؤه أم أعداؤه وشانئوه؟ إذا كان بيان حقيقة الشيعة الرافضة فرض كفاية فقد يصبح فرض عين على بعض الشيعة من العلماء غير الرافضة.\nوما حقيقة الشيعة الاثنى عشرية في عصرنا؟ أهم من معتدلي الشيعة أم من غلاة الرافضة؟\nفلننظر إلى كبار علمائهم الذين بلغوا مرتبة \" المرجع الأعلى \" وتولوا توجيه الشيعة في عصرنا، وإلي غيرهم من علمائهم البارزين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>الحكيم والخوئي والخميني:</span>\nكان السيد محسن الحكيم المرجع الديني الأعلى للشيعة في العراق، وجاء بعده السيد أبو القاسم الخوئى. أما الخميني فقصته معروفة. هؤلاء الثلاثة الذين وجهوا الشيعة الاثنى عشرية في عصرنا ما دورهم الذى قاموا به؟\nأجعلوا الرفض مسألة تاريخية، وحاربوا الغلو والتطرف والضلال الذى رأينا منه شيئا في الدراسة التي قدمناها في هذه الأجزاء الأربعة، ودعوا أتباعهم إلى","vol":"1","page":1130},{"text":"الصراط المستقيم، أم أنهم ظلوا في طريق الضلال نفسه، ودعوا أتباعهم ليتبعوا سبيلهم؟\nهذا ما نبينه في هذه الخاتمة ليحيا من حي عن بينه ويهلك من هلك عن بينة، وليتضح لكل مسلم أن هذا الكتاب ليس دارسة لموضوع أصبح في ذمة التاريخ، فما أكثر دعاته في عصرنا الذين يسلكون شتى الطرق لاحياء دعوة ابن سبأ، وما تصدير الثورة الذى نادى به الخميني وسعى إليه إلا إحياء لهذه الدعوة، ونشاطهم في أنحاء العالم معلوم ملحوظ، يخدعون المسلمين بزعمهم الكاذب بأنهم أتباع أهل البيت الأطهار، ويستغلون حاجتهم، ويغرون بالمال والنساء عن طريق ما يسمى زواج المتعة.\nعلى كل حال لننظر إلى جهود وفكر الثلاثة الكبار الذين وجهوا الشيعة في عصرنا، وإلى غيرهم من علمائهم البارزين.\nدعاء صنمي قريش:\nسبق ذكر ما جاء متواترا عن على بن أبى طالب ﵁ من أن خير الناس بعد رسول الله - ﷺ - هو أبو بكر، ثم عمر، ورأينا ما يبين مدى حب علىّ للخلفاء الراشدين الثلاثة الذي سبقوه، مما يثبت بجلاء أن الرافضة أعداء آل البيت خلافا لزعمهم الكاذب.\nفما موقف علمائهم المعاصرين، أتأسوا بعلي والحسن والحسين أم ظلوا في طريق الضلال والزندقة.\nمن الدعاء المشهور عند الرافضة ما يسمى بدعاء صنمي قريش، ويقصد هؤلاء الزنادقة بالصنمين الشيخين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله تعالي عنهما وأخزى أعداءهما:\nفي الجزء الثاني من هذا الكتاب (ص٢٣٥-٢٤١) تحدثنا عن كتاب بحار الأنوار للمجلسى، ونقلنا تكفيره لغير الرافضة، وتخصيصه بابا كاملا للخلفاء الراشدين الثلاثة جعل عنوانه \" باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم \"","vol":"1","page":1131},{"text":"مثل هذا السبئى الزنديق لا نعجب عندما يذكر دعاء صنمي قريش ويشرحه، ويفترى الكذب على أهل البيت الأطهار حيث يروى عن ابن عباس أن على بن أبي طالب كان يقنت به، وقال: أن الداعي به كالرامى مع النبي - ﷺ - في بدر وأحد وحنين بألف ألف سهم.\nوالدعاء لا يقف عند الشيخين بل يذكر ابنتيهما: أي أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة رضي الله تعالى عنهما، بل يذكر أنصارهما ويشمل أمة الإسلام كلها التي أحبت الشيخين، واقتدت بهما امتثالا لأمر رسول الله - ﷺ - فيما أخرجه أحمد والترمذى وابن ماجه والطبرانى: \" اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر \" (انظر كشف الخفاء ١/١٦٠) . وما جاء في الحديث الصحيح المشهور \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ \" (انظر تخريجه للشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين)\nوفي الجزء السابق مر قول الكليني في روضة الكافي بأن الشيخين كافران منافقان وأنهما صنما هذه الأمة.\nوإليك نص دعاء هؤلاء الزنادقة الفجرة من الرافضة:\nنص دعاء صنمى قريش\nاللهم العن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وإفكيها، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك، وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدا في آياتك، وعاديا أولياءك وواليا أعداءك، وخربا بلادك وأفسدا عبادك.\nاللهم العنهما وأنصارهما فقد أخربا بيت النبوة، وردما بابه، ونقضا سقفه، وألحقا سماءه بأرضه، وعاليه بسافله، وظاهره بباطنه، استأصلا أهله، وأبادا أنصاره وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه ووارثه، وجحدا نبوته، وأشركا بربهما، فعظم ذنبهما وخلدهما في سقر وما أدارك ما سقر؟ لا تبقي ولا تذر.","vol":"1","page":1132},{"text":"اللهم العنهما بعدد كل منكر أتوه، وحق أخفوه، ومنبر علوه، ومنافق ولوه، ومؤمن أرجوه، وولي آذوه، وطريد آووه، وصادق طردوه، وكافر نصروه، وإمام قهروه، وفرض غيروه، وأثر أنكروه، وشر أضمروه، ودم أراقوه، وخبر بدلوه، وحكم قلبوه، وكفر أبدعوه، وكذب دلسوه، وإرث غصبوه، وفىء اقتطعوه، وسحت أكلوه، وخمس استحلوه، وباطل أسسوه، وجور بسطوه، وظلم نشروه، ووعد أخلفوه، وعهد نقضوه، وحلال حرموه، وحرام حللوه، ونفاق أسروه، وغدر أضمروه، وبطن فتقوه، وضلع كسروه، وصك مزقوه، وشمل بددوه، وذليل أعزوه، وعزيز أذلوه، وحق منعوه، وإمام خالفوه.\nاللهم العنهما بكل آية حرفوها، وفريضة تركوها، وسنة غيروها، وأحكام عطلوها، وأرحام قطعوها، وشهادات كتموها، ووصية ضيعوها، وأيمان نكثوها، ودعوى أبطلوها وبينة أنكروها، وحيلة أحدثوها، وخيانة أوردوها، وعقبة ارتقوها، وأزياف لزموها، وأمانة خانوها.\nاللهم العنهما في مكنون السر وظاهر العلانية لعنا كثيرا دائبا أبدا دائما سر مدا لاانقطاع لأمده، ولانفاذ لعدده، يغدو أوله ولا يروح آخره، لهم ولأعوانهم وأنصارهم ومحبيهم ومواليهم والمسلمين لهم، والمائلين إليهم والناهضين بأجنحتهم والمقتدين بكلامهم، والمصدقين بأحكامهم.\nثم يقول: اللهم عذبهم عذابا يستغيث منه أهل النار آمين رب العالمين، أربع مرات، ودعا - ﵇ - في قنوته: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، واقنعني بحلالك عن حرامك وأعذني من الفقر، إنى أسأت وظلمت نفسي، واعترفت بذنوبي، فها أنا واقف بين يديك، فخذ لنفسك رضاها من نفسي، لك العتبى لا أعود، فإن عدت فعد على بالمغفرة والعفو، ثم قال - ﵇ -: العفو والعفو مائه مرة، ثم قال: أستغفر الله العظيم من ظلمي وجرمي وإسرافي على نفسي وأتوب إليه، مائة مرة، فلما فرغ ﵇ من الاستغفار ركع وسجد وتشهد وسلم \" ا. هـ","vol":"1","page":1133},{"text":"انتهي نص دعاء صنمي قريش الذي وضعه أعداء الله تعالي من الزنادقة أتباع عبد الله بن سبأ لعنهم الله لعنا كبيرا\nونحن نلعنهم هنا اتباعا لسنة رسول الله - ﷺ - كما روى ذلك شيعي غير رافضي وهو الحاكم في مستدركه (٣/٦٣٢)، بسنده عن الرسول - ﷺ - أنه قال: ... \" إن الله تبارك وتعالي اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا.\nفمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل \"\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوما ذكره المجلسى وغيره من شرح لهذا الدعاء الفاجر طويل، ونحن في غنى عنه، فبعض ما جاء في نص الدعاء يكفى لبيان حقيقة هؤلاء الرافضة. وبعد هذا نأتي إلي موضوعنا.\nأوقف هذا الدعاء عند المجلسى المتوفى سنة ١١١١ هـ ومن سبقه من زنادقة الرافضة أم استمر الأخذ به بعدهم إلي عصرنا؟\nوما موقف الحكيم والخوئي والخميني من هذا الدعاء؟ (١)\nنجد نص الدعاء باللغة العربية في كتاب باللغة الأردية عنوانه \" تحفة العوام مقبول \"والكتاب مطابق لفتاوى الثلاثة وثلاثة آخرين مذكورين.\nوإليك صورة لصدر الكتاب، وفيه أسماء الستة الذين طابق الكتاب فتواهم، وصورة الدعاء بالنص العربي، وهو يثبت بجلاء ووضوح أن رافضة العصر كرافضة القرون السابقة منذ دعوة عبد الله بن سبأ.\n_________\n(١) ذكر الدعاء السيد حسين الموسوى العالم الشيعى، ثم قال: هذا دعاء منصوص عليه فى الكتب المعتبرة، وكان الإمام الخمينى يقوله بعد صلاة صبح كل يوم. ... (راجع كشف الأسرار ص ٩٣) .","vol":"1","page":1134},{"text":"وقد يكون هذا الدعاء كافيا لاثبات أن موضوع كتابنا ليس مسألة تاريخية، وأن دعوة الرفض السبئية مستمرة، غير أننا لانكتفي بهذا بل نذكر المزيد لتأكيد هذا المعنى.\nفي هذا الجزء الأخير من الكتاب نقلت بعض آراء محسن الحكيم من كتابه \" مستمسك العروة الوثقى \"، وهي تبين أنه يرى كغيره من الرافضة أن الأمة الإسلامية كلها - ماعداهم - عبادتهم كلها باطلة، فلا تصح صلاتهم ولا صيامهم ولا زكاتهم ولا حجهم، واعتكافهم ليس باطلا فقط، بل لايحل مكثهم في المسجد باعتبارهم كفارا\nوآراء هذا الرافضي نقلت نصها من كتابه مع ذكر الجزء والصفحه.\nهذا محسن الحكيم، ونأتي إلى الخوئى فنرى العجب الغريب!\nوبيان موقفه يحتاج إلى وقفه طويلة، وأشرت إلى شيىء منه في الجزء الثاني من هذا الكتاب:\nففي (ص٢٧٥-٢٧٦): تحدثت عن تفسيره المسمى \" البيان \"، وذكرت أنه يمثل جانب الاعتدال، والبعد عن الغلو، حيث إن الخوئي أسهب وأفاض في إثبات صيانة القرآن الكريم من التحريف، وهو لا يكفر المخالفين، بل يرى ويروى أن الإسلام يدور مدار الإقرار بالشهادتين، وأفاض كذلك في الحديث عن حجية ظواهر القرآن\nوفي صفحات أخرى نقلت ما يناقض أقواله في تفسيره.\nففي كتابه معجم رجال الحديث (١/٣: ٦٤) ذهب إلي صحة تفسير على بن إبراهيم القمي، وقال بأن روايات الكتاب \" ثابتة وصادرة من المعصومين ﵈، وأنها انتهت إلية بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة \".\nوتفسير القمي قدمت دارسة عنه في (ص١٧٥: ٢٠٠) في الجزء الثاني نفسه، وفيه من البلايا والرزايا ما يبين كفر من يعتقد ما جاء فيه، وما يتعارض كل التعارض","vol":"1","page":1138},{"text":"مع ما قاله الخوئي في تفسيره، حيث يقول بتحريف القرآن الكريم نصا ومعنى، فلا يأخذ بظواهره، ويطعن في الصحابة الكرام ويكفرهم.\nفكيف نجمع بين ما قاله الخوئي في تفسيره، وبين توثيقه لكل ما جاء في تفسير القمي وتوثيقه لدعاء صنمي قريش؟ !\nويقول الخوئي في تفسيره (ص٢٢٥): \" القول بعدم التحريف هو المشهور، بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم \"!\nفكيف نجمع بين هذا أيضا وبين قوله في القمي وتفسيره؟ ! وبينه وبين القول بالتحريف الذي ذهب إليه معظم علمائهم غير القمي كالعياشى والكليني والنعمانى والمجلسى وغيرهم؟ ! ولم ينكر التحريف منهم إلا القلة النادرة!\nوأشهر من قال بعدم التحريف من علمائهم القدامى محمد بن بابوية القمي الملقب بالصدوق المتوفى سنه ٣٨١ هـ، ومع هذا نراه في كتابه \" معاني الأخبار \" يحرف القرآن الكريم نصا ومعنى:\nففي قول الله تعالى في سورة البقرة (٢١٠): \" هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ \" يحرفه بقوله: \" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام \"\" هكذا نزلت (ص ١٣) .\nوفي سورة النور (٣٥): \"\" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ \"\"\nيقول ابن بابوية القمي: الزجاجة كأنه كوكب درى وبعد تحريف النص يأتي إلي تحريف المعنى فيجعل المراد هنا على بن أبي طالب: (انظر ص ١٥) .\nوتحريف المعنى لاتسل عنه: فهو كالقمي والعياشى والكليني وغيرهم من زنادقة الرافضة الضالين.","vol":"1","page":1139},{"text":"وإليك بعض النماذج:\nيروى المؤلف في معنى بسم الله الرحمن الرحيم:\nبسم: الباء بهاء الله، والسين سناء الله، والميم ملك الله.\nالله: الألف: آلاء الله على خلقه من النعم بولايتنا، واللام: إلزام الله خلقه ولايتنا، والهاء: هوان لمن خالف محمدا وآل محمد صلوات الله عليهم. (انظر ص ٣)\nوفي باب آخر:\nمعنى قول القائل \" بسم الله \": أي اسم علىّ نفسي سمة من سمات الله ﷿ وهي العبادة. (ص٣)\nوفي ص١٣: كل شئ هالك إلا وجهه: قال الإمام الصادق: نحن.\nوفي ص١٦: إن رسول الله - ﷺ - يوم القيامة آخذ بحجزة الله، ونحن آخذون بحجزة نبينا، وشيعتنا آخذون بحجزتنا، والحجزة النور..\nإن لله ﷿ خلقا خلقهم من نوره، ورحمة من رحمته لرحمته وهم الأوصياء - يقصد هذا الرافضي الأئمة الاثنى عشر - فهم عين الله الناظرة، وأذنه السامعة، ولسانه الناطق في خلقه بإذنه، وأمناؤه على ما أنزل من عذر أو نذر أو حجة، فبهم يمحو الله السيئات، وبهم يدفع الضيم، وبهم ينزل الرحمة، وبهم يحيي ميتا ويميت حيا.. إلخ وأنا حبل الله المتين، وأنا عروة الله الوثقى، وكلمة الله التقوى، وأنا عين الله، ولسانه الصادق، ويده، وأنا جنب الله الذي يقول: \" أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّه ِ\" وأنا يد الله المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة، وأنا باب حطة، من عرفني وعرف حقي فقد عرف ربه، لأني وصى نبيه في أرضه، وحجته على خلقه، لا ينكر هذا إلا راد على الله وعلى رسوله.","vol":"1","page":1140},{"text":"وبعد أن انتهي من معاني ألفاظ وردت في التوحيد، انتقل إلى بيان معنى رضا الله وسخطه، فقال في ص ١٩: إن الله تعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، فجعل رضاهم لنفسه رضا، وسخطهم لنفسه سخطا.. إلخ.\nوفي ص٢٣: \" ألم \": هو حرف من حروف اسم الله الأعظم، المقطع في القرآن، الذي يؤلفه النبي - ﷺ - والإمام فإذا دعا به أجيب.\n\" ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ \" بيان لشيعتنا.\n\" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ \": مما علمناهم ينبئون، ومما علمناهم من القرآن يتلون.\nوفي ص٥٢ يكذب على الإمام الصادق أنه قال في معنى \" ألم \" ما يأتى:\n\" الألف \" حرف من حروف قول الله، دل بالألف على قولك الله، ودل باللام على قولك المالك العظيم القاهر للخلق أجمعين، ودل بالميم على أنه المجيد المحمود في كل أفعاله، وجعل هذا القول حجة على اليهود، وذلك أن الله لما بعث موسى بن عمران ثم من بعده من الأنبياء إلى بنى إسرائيل لم يكن فيهم أحد إلا أخذوا عليهم العهود والمواثيق ليؤمنن بمحمد العربي الأمي المبعوث بمكة الذى يهاجر إلى المدينة، يأتي بكتاب من الحروف المقطعة فى افتتاح بعض سوره، يحفظه أمته فيقرءونه قياما وقعودا ومشاة وعلى كل الأحوال، يسهل الله ﷿ حفظه عليهم، ويقرنون بمحمد - ﷺ - أخاه ووصيه على بن أبي طالب - ﵇ - الآخذ عنه علومه التي علمها، والمتقلد عنه الأمانة التي قدرها، ومذلل كل من عاندمحمدا - ﷺ - بسيفه الباتر، ويفحم كل من جادله وخاصمه بدليله الظاهر، يقاتل عباد الله على تنزيل كتاب الله حتى يقودهم إلي قبوله طائعين وكارهين، ثم إذا","vol":"1","page":1141},{"text":"صار محمد - ﷺ - إلي رضوان الله ﷿، وارتد كثير ممن كان أعطاه ظاهر الإيمان، وحرفوا تأويلاته وغيروا معانيه، ووضعوها على خلاف وجوهها قاتلهم - أي على بن أبي طالب - بعد ذلك على تأويله\nوفي معنى الحروف المقطعة يقول في \" ألم \" أيضا:\nإن على بن أبي طالب اختلف مع اليهود في معناها، فقال اليهود: مالنا حجة فيما نقول، ولا لكم حجة فيما تقولون، فقال على: لاسواء إن لنا حجة هي المعجزة الباهرة، ثم نادى جمال اليهود: يأيتها الجمال اشهدى لمحمد ولوصيه. فتبادر الجمال: صدقت صدقت، يا وصى محمد وكذب هؤلاء اليهود، فقال على: هؤلاء جنس من الشهود، يا ثياب اليهود التي عليهم: اشهدى لمحمد ولوصيه. فنطقت ثيابهم كلها: صدقت صدقت يا على نشهد أن محمدا رسول الله حقا، وأنك يا على وصيه حقا، لم يثبت محمدا قدما في مكرمة إلا وطأت على موضوع قدمه بمثل مكرمته، وأنتما شقيقان من إشراق أنوار الله فميزتما اثنين وأنتما في الفضائل شريكان إلا أنه لا نبي بعد محمد - ﷺ -!! فعند ذلك خرست اليهود وآمن بعض النظارة منهم برسول الله - ﷺ -، فغلب الشقاء على اليهود وسائر النظارة الآخرين، فذلك ما قال الله: \" لاريب فيه \" أنه كما قال محمد - ﷺ - ووصى محمد عن قول محمد - ﷺ - عن قول رب العالمين، ثم قال \" هدى \" بيان وشفاء \" للمتقين \" من شيعة محمد وعلى، أنهم اتقوا أنواع الكفر فتركوها، واتقوا الذنوب الموبقات فرفضوها، واتقوا إظهار أسرار الله سبحانه وأسرار أزكياء عباده الأوصياء بعد محمد - ﷺ - فكتموها\nوفي ص ٢٨ عن \" كهيعص \":\n\" كاف \": كاف لشيعتنا، \" ها \" هادى: لهم، \" يا \": ولي لهم، \" عين \" عالم بأهل طاعتنا، \" صاد \" صادق لهم وعْدَهم حتى يبلغ بهم المنزلة التي وعدها إياهم في بطن القرآن.","vol":"1","page":1142},{"text":"هذا بعض ما جاء في بداية كتابه، ولسنا في حاجة للسير مع هذا الرافضي إلي نهاية كتابه، فبعض هذه النماذج فيه غنى وكفاية، وإن كان الكتاب أقل ضلالا وزندقة من كتاب الكافي للكلينى وتفسير على بن إبراهيم ألقمي، وتفسير العياشى وأمثالها من كتب الكفر والزندقة.\nوبعد: فهذا هو المفترى الكذاب الملقب عند الرافضة بالصدوق، أشهر علمائهم القدامى الذين نفوا القول بالتحريف، وأنكروا نسبة هذا إلي فرقتهم. ويأتي الخوئي في عصرنا لينكر نسبة القول بالتحريف إلي فرقته، ثم في جرأة عجيبة يقول في تفسيره (ص٢٤٤): \" القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة \"!!\nإذن ليس الهدف هو صيانة كتاب الله تعالي وإنما الهدف هو تبرئة الشيعة الرافضة من هذه الجريمة النكراء!! وزاد الخوئي إلصاقها بجمهور المسلمين!! (راجع موضوع القرآن الكريم والتحريف في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص١٥١ وما بعدها، واقرأ مناقشتنا لهراء الخوئى ص١٦٠، ١٦١) .\nفالخوئي أمره عجيب غريب، فتراه مرة يرتدى ثياب الاعتدال والبعد عن الغلو والزندقة، ومرات على خلاف ذلك تماما! ولمزيد من التوضيح نكرر النظر في كتابه معجم رجال الحديث.\nفي ترجمه عبد الله بن سبأ نقل قول الكشى:\n\" ذكر بعض أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم، ووالي عليا - ﵇ -، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالغلو، فقال فى إسلامه بعد وفاة رسول الله - ﷺ - في على - ﵇ - مثل ذلك، وكان أول من شهر القول بفرض إمامة على، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية \".","vol":"1","page":1143},{"text":"وعقب الخوئى على ذلك بقوله (١١/٢٠٧): \" بطلان من خالف الشيعه واضح وناشئ من العصبية العمياء، فإن أصل التشيع والرفض مأخوذ من الله ﷿ حيث قال سبحانه \"\" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ \"\" والرسول الأعظم صلوات الله عليه ... \"\nفالخوئى هنا لم يكرر قول الغلاة بأن التشيع مأخوذ من الكتاب والسنة، وإنما زاد وسلك مسلك أشدهم غلوا وضلالا فأضاف إلي التشيع الرفض، وقوله في الرفض هنا يتسق مع قوله بدعاء صنمي قريش، وبتوثيقه لتفسير القمي وجميع رواياته.\nونرى الضلال والزندقة بوضوح في ترجمة الخوئي لمحمد بن أبي بكر الصديق، حيث ذكر ست روايات مفتريا الكذب على الإمامين الطاهرين الباقر والصادق:\nففي الرواية الأولي عن الصادق: \" أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس \".\nوعنه في الثالثة أن محمد بن أبي بكر قال في بيعته لعلى بن أبي طالب \" أشهد أنك إمام مفترض طاعتك، وأن أبى فى النار \" فقال أبو عبد الله: \" كان النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس رحمة الله عليها، لامن قبل أبيه \".\nوعنه أيضا في السادسة: \" ما من أهل بيت إلا ومنهم نجيب من أنفسهم، وأنجب النجباء من أهل بيت سوء منهم: محمد بن أبى بكر \".\nوعن الإمام الباقر في الرواية الرابعة: \" محمد بن أبي بكر بايع عليا - ﵇ - على البراءة من أبيه \"، وفي الخامسة \" على البراءة من الثاني \". أي الخليفة عمر.\nوقال الخوئى: \" هذه الروايات وإن كان بعضها ضعيف السند، إلا أن في الصحيح منها كفاية \".","vol":"1","page":1144},{"text":"أيها الخوئى: إذا كان أبو بكر في النار فهل الجنة لابن سبأ وأتباعه من زنادقة الرافضة؟ !\nأليس من يعتقد هذا يعتبر كافرا زنديقا؟ ألا يكفى هذا لبيان ضلال الخوئى وزندقته؟ فكيف نجمع بين هذا وبين قوله في تفسيره؟ على كل حال فلنستمر في النظر في كتابه معجم رجال الحديث، فمن تراجمه:\nعمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي: قال الخوئى: مر عمر بعلي بن الحسين فقال: لن يموت هذا الفاسق حتى يلى الناس، ولا يلبث فيهم إلا يسيرا حتى يموت، فإذا مات لعنه أهل السماء، واستغفر له أهل الأرض!!\n(نقله الخوئى من بصائر الدرجات: باب أن الأئمة عندهم الكتب التي فيها أسماء الملوك الذين يملكون، ولم يذكر أي تعقيب)\nخالد بن الوليد: قال الخوئى: مخازيه مشهورة في كتب الفريقين، منها أنه أمر بقتل على - ﵇ -، لكن أبا بكر ندم، فنهاه عن ذلك!!\nوفي طلحة بن عبيد الله قال الخوئى: مرعلى - ﵇ - على طلحة بعد قتله فأمر بإجلاسه ثم قال: ياطلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فهل وجدت ما وعدك ربك حقا؟ !\nوفي عبد الله بن عمر قال: مات منكوثا؟ !\nوفي عمرو بن العاص قال: هو الذى قال: إني لأشنأ محمدا فنزل \"\" إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ \"\"!!\nوإن النبي - ﷺ - لعن عمرو بن العاص!! وفي سفينة البحار عدة من مخازى هذا الخبيث الفاجر، وهو من هجاه الرسول - ﷺ -!!","vol":"1","page":1145},{"text":"هذا هو موقف الخوئى من الصحابة الكرام البررة، ومفترياته وأكاذبيه الفاجرة المنكرة. وما جاء في كتابه في الرجال، وتكرر في مواضع كثيرة ذكرنا بعضها، ويؤكده قوله في تفسير القمي، إضافة لتوثيقه لدعاء صنمي قريش، كل هذا يؤكد بما لا يحتاج إلى مزيد من البيان أن غلو الرافضة، وضلالهم وزندقتهم، وسيرهم على خطا ابن سبأ، وكل هذا ليس في ذمة التاريخ بل لايزال هذا التيار مستمرا متدفقا، فموضوع كتابنا هذا إذن موضوع قديم جديد.\nالخميني\nوننتقل من الحديث عن الخوئى إلي الخميني الذى غطى على غيره في عصرنا، حيث قام بثورة شيعية كان لها آثارها في داخل إيران وخارجها، ووضع المال والسلاح لتصدير الثورة، أي الدعوة لاعتناق عقيدة الشيعة الرافضة، وهو ثالث الذين وثقوا دعاء صنمي قريش، وما كتبه يتفق مع هذا التوثيق:\nففي كتابه \" الحكومة الإسلامية \" (ص٥٢-٣٥) يقول تحت عنوان\nالولاية التكوينية\n\" وثبوت الولاية والحاكمية للإمام (ع) لا تعنى تجرده عن منزلته التى هي له عند الله، ولا تجعله مثل من عداه من الحكام. فإن للإمام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون. وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم (ص) والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنوارا فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفي مالا يعلمه إلا الله. وقد قال جبرئيل - كما ورد في روايات المعراج ـ: لو دنوت أنملة لاحترقت. وقد ورد عنهم (ع): إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل. ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء ﵍ لا بمعنى أنها خليفة أو حاكمه أو قاضيه، فهذه المنزلة شيىء آخر وراء الولاية والخلافة والإمرة، وحين نقول: أن فاطمة (ع) لم تكن قاضية أو حاكمة أو خليفة","vol":"1","page":1146},{"text":"فليس يعنى ذلك تجردها عن تلك المنزلة المقربة، كما لايعنى ذلك أنها امرأة عادية من أمثال ما عندنا \". ا. هـ\nوالخميني هنا وقد بلغ ذروة الضلال يبين أن هذا هو واقع الرافضة الذي لاينفك عنهم كقوله: \" من ضروريات مذهبنا \" وقوله: \" وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث \"\nوفي ص٧٨-٧٩ يقول: \" حجة الله تعنى أن الإمام مرجع للناس في جميع الأمور، والله قد عينه، وأناط به كل تصرف وتدبير من شأنه أن ينفع الناس ويسعدهم، وكذلك الفقهاء، فهم مراجع الأمة وقادتها. فحجة الله هو الذي عينه الله للقيام بأمور المسلمين، فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين، يجب إنفاذها ولا يسمح بالتخلف عنها، في إقامة الحدود، وجباية الخمس والزكاة والخراج والغنائم وإنفاقها، وذلك يعنى أنكم إذا راجعتم - مع وجود الحجة - حكام الجور فأنتم محاسبون على ذلك ومعاقبون عليه يوم القيامة. فالله - سبحانه - يحتج بأمير المؤمنين (ع) على الذين خرجوا عليه، وخالفوا عن أمره، كما يحتج على معاوية وحكام بنى أمية وبنى العباس وأعوانهم ومساعديهم، بما غصبوه من الحق، بما اشغلوه من المنصب الذي ليسوا له بأهل \". ا. هـ\nويقول في ص ٨٠: \" فالفقهاء اليوم هم الحجة على الناس، كما كان الرسول (ص) حجة الله عليهم، وكل ما كان يناط بالنبي (ص) فقد أناطه الأئمة بالفقهاء من بعدهم، فهم المرجع في جميع الأمور والمشكلات والمعضلات، وإليهم قد فوضت الحكومة وولاية الناس وسياستهم والجبابة والإنفاق، وكل من يتخلف عن طاعتهم، فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك \" ا. هـ\nفي الجزء الأول من هذا الكتاب بينت عقيدة الإمامة عند الاثنى عشرية وذكرت أنهم يجعلون أئمتهم كالرسول - - ﷺ - - في العصمة ووجوب الاتباع كما","vol":"1","page":1147},{"text":"أمر الله ﷿. والخمينى هنا يخطو خطوة أشد ضلالا وبعدا عن الإسلام حيث جعل فقهاء الرافضة أيضا كالرسول - ﷺ - سواء بسواء!!\nويجعل الخلفاء الراشدين الثلاثة - ومن باب أولي غيرهم - حكام جور، غصبوا الحق، وشغلوا منصبا ليسوا له بأهل، وهذا يتفق مع زندقة الخمينى وضلاله الذي رأيناه في دعاء صنمي قريش. ثم هو يجعل خير أمة أخرجت للناس، وخير جيل عرفته البشرية في تاريخها، وهو جيل الصحابة الكرام الذين اقتدوا بسنة الرسول - ﷺ - وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، جعل هذا الجيل المثالي محاسبا معاقبا مخالفا أمر الله ﷿ بسبب هذا الاقتداء، وعدم الأخذ بما نادى به ابن سبأ. وبعد هذا الضلال يأتي إلي كتاب الله تعالي ليحرفه تأييدا لضلاله، فيذكر قول الله ﷿ في سورة النساء (٥٨): \"\" إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا\"\" فيقول في ص ١٨:\n\" أمر الله الرسول - ﷺ - برد الأمانة - أي الإمامة - إلى أهلها، وهو أمير المؤمنين (ع) وعليه هو أن يردها إلي من يليه، وهكذا \".\nونستمر مع الخمينى فى كتابه الحكومة الإسلامية لنصل إلي ص ١٢٨ فنجد ما يبين مدى عداء الخمينى للإسلام والمسلمين:\nفالخواجة نصير الدين الطوسى اتصل بهولاكو، وأصبح مقربا عنده، وأشار عليه بقتل المستعصم، وذبح المسلمين ببغداد. وفي الفصل الرابع من الجزء الأول نقلت حديث ابن القيم عنه حيث قال: إنه نصير الشرك والكفر الملحد، وزير الملاحدة، شفي إخوانه من الملا حدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين\nثم قال: وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.","vol":"1","page":1148},{"text":"وقال أيضًا: وكان هؤلاء زنادقة، يتسترون بالرفض، ويبطنون الإلحاد المحض، وينتسبون إلي أهل بيت الرسول - - ﷺ - - وهو وأهل بيته براء منهم نسبا ودينا، وكانوا يقتلون أهل العلم والإيمان، ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران، لا يحرمون حراما، ولا يحلون حلالا \". (انظر إغاثة اللهفان ص ٢٦٠، ٦٠١)\nومن تلامذة هذا الملحد ابن المطهر الحلي، الملقب عند الرافضة بالعلامة، وهو الذي ذهب إلي تكفير الصحابة الكرام، وصاحب كتاب \" منهاج الكرامة \" الذي أبطله شيخ الإسلام ابن تيميه بكتاب \" منهاج السنة \" وبين ما فيه من ضلال وزندقة، وبينت هذا بشيء من التفصيل في الفصل الرابع من الجزء الأول.\nوهو صاحب القواعد التي شرحها العاملي في كتاب \" مفتاح الكرامة شرح قواعد العلامة \"، الذى نقلنا عنه فى أكثر من موضع في هذا الجزء قوله بكفر الصحابة الكرام البررة، بل قال بأنهم كافرون قطعا!! ولم يستثن منهم إلا القليل النادر، أو قل بضعة نفر يذكرونهم بأسمائهم.\nهذان الزنديقان ... ما موقف الخمينى منهما؟\nفي ص١٢٨ من كتابه الحكومة الإ سلامية نرى الخمينى يقف مع الخواجه فرحا بمذابح أولئك المسلمين على أيدي الكفار، ويترحم على عدو الله سبحانه ويتحسر على فقدانه هو وأضرابه فيقول بعد أن ذكر ما يحدث بفقد الإمام الحسين والأئمة من بعده: \" ويشعر الناس بالخسارة أيضا بفقدان الخواجة نصير الدين الطوسى، والعلامة، وأضرابهم ممن قدم خدمات جليلة للإسلام \"!!\nفالخدمات الجليلة عند الخمينى هي قتل المسلمين وعلمائهم على أيدي التتار! وتأليف الكتب في تكفير الصحابة وسبهم كما فعل علامة الرافضة الزنادقة!\nفإجلال الخمينى وتعظيمه لمن كفر الصحابة وعلى الأخص أبو بكر وعمر يتفق مع توثيقه لدعاء صنمي قريش.","vol":"1","page":1149},{"text":"والعجيب أن يقرن هذين الزنديقين بالإمام الحسين وغيره من الأئمة الأطهار.\nإلي هنا نرى أن توثيق الخمينى للدعاء المذكور، وما نقلناه من كتابه \" الحكومة الإسلامية \" فيه الكفاية لبيان استمرار ضلال الرافضة وغلوهم، ولكن لننظر إلي شيىء مما جاء في بعض كتبه الأخرى لمزيد تأكيد ما أردنا إثباته.\nفي محاضرات طبعت في تفسير آية البسملة قال في ص ٣١ تحت عنوان: على (ع) التجلي الإلهي العظيم:\n\" إذا أنشد قصيدة في مدح الأمير على (ع) فهو يريد أن يقول إنه يدرك أنها لله، لأن الإمام ﵇ هو التجلي العظيم لله، ولكونه كذلك لذا فإن ما فرضتموه مدحا له فهو مدح لله من خلال مدح تجليه \"\nويقول في ص ٤٩: \" ضربة على يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين \"!\nوله كتاب \" كشف أسرار \" باللغة الفارسية، وقد تفضل أحد الإخوة فجمع مجموعة من نصوصه وذكر كل نص بالفارسية وترجمته بالعربية، ولطوله أكتفي بذكر بعض التراجم العربية أو خلاصتها:\nفي ص ٣٠ يقول: الاستعانة والاستمداد من الأموات ليس بشرك، لأن الشرك هو الاستعانة والاستمداد من دون الله معتقدا بأنه هو الله، وإن لم يكن كذلك فليس بشرك ولا فرق في ذلك بين الحي والميت، حتى لو طلب حاجة من حجر أو مدر مع أن هذا لغو وباطل. ونحن نستعين ونستمد من أرواح الأنبياء والأئمة لأن الله أعطاهم القدرة والتصرف\nوفي ص ٤٠-٤١ يقول: إذا استشفي أحد بقبر أو أي شيىء اعتقادا بأنه هو الله أو مستقل بالتأثير مثل الله فهذا شرك، أما إذا كان يعتقد بأن هذا الشخص له مكانة عند الله لأنه كان يقدر","vol":"1","page":1150},{"text":"الله ويضحى بنفسه في سبيله، ولذلك جعل الله في تربته شفاء، فإن الاستشفاء بالقبر لا يكون شركا وكفرا أبدا!!\nويقول في ص ٤٤، ٤٥: من أكبر مظاهر التواضع وعلامات الخضوع السجدة التي لا نجيزها لغير الله تعالي لوجود النهي الإلهي عن ذلك، وهذه السجدة إذا لم يقصد بها العبادة لا تعتبر شركا إذا كانت لغير الله!!\nويقول في ص ٦٠، ٦١: إذا كان بناء القبب والعتبات والأضرحة لعبادة الأصنام والأنبياء والأئمة فهذا شرك وكفر، أما إذا كان القصد من ذلك احترامهم واستراحة القادمين للزيارة فهذا ليس بشرك.\nوفي الكتاب يذكر مثل ما نقلناه من الحكومة الإسلامية غلوا في الأئمة، ويطعن في الصحابة الكرام وعلى الأخص أبو بكر وعمر وعثمان، ويرى أنهم أظهروا الإسلام طمعا في الرياسة، وأنهم خالفوا القرآن الكريم، وأن تصرف عمر في مرض النبي - ﷺ - يدل على الكفر والزندقة، وأن الله ﷿ لو ذكر أسماء أئمة الرافضة في القرآن الكريم لحرفه الصحابة، ولذلك كان الرسول - ﷺ - يخشى ذكر الآيات التي تنص على إمامة على بالاسم مخافة أن يقع بين المسلمين شجار بعده، وتحريف في القرآن ... إلخ. (انظر على سبيل المثال في الصفحات التالية ٦٨، ١١٢، ١١٤، ١١٥، ١١٧، ١٣٠)\nوفي بداية هذا الجزء وفي غير موضع تحدثت عن المراد بالنواصب عند الرافضة، والخمينى كالغلاة السابقين، بل من أشدهم غلوا، فتراه في \" تحرير الوسيلة \" يقول: \" وأما النواصب والخوارج لعنهم الله تعالى فهما نجسان من غير توقف ذلك إلي جحودهما الراجع إلي إنكار الرسالة \". (١/١١٨)","vol":"1","page":1151},{"text":"ويقول: \" فلو أرسل - أي كلب الصيد - كافر بجميع أنواعه أو من كان بحكمه كالنواصب لعنهم الله لم يحل ما قتله \" (١/١٣٦)\n\" فتحل ذبيحة جميع فرق الإسلام عدا الناصب وإن أظهر الإسلام \" (١/١٤٦) .\nويقول: \" ولا تجوز - الصلاة - على الكافر بأقسامه حتى المرتد ومن حكم بكفره ممن انتحل الإسلام كالنواصب والخوارج \". (١/٧٩)\nويقول: \" والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخمس به، بل الظاهر أخذ ماله أينما وجد وبأي نحو كان، ووجوب إخراج خمسه \". (١/٣٥٢)\nوهكذا كفر أمة الإسلام التي رضيت بخلافة أبى بكر وعمر ولم تأخذ بقول ابن سبأ، ولعن خير أمة أخرجت للناس، وحكم بنجاستهم، واستباح أموالهم وأخذها بطريقة قطاع الطرق، ومع إعطاء الخمس لزعيم عصابة المجرمين ولمعرفة المزيد راجع كتاب \" وجاء دور المجوس \"، المبحث السابع: الخمينى والنواصب. ص١٨٥ وما بعدها. ومجلة المجاهد - الأعداد من الثالث والأربعين إلي السادس والأربعين - موضوع \" الرفض ... الشر المستطير \".\nهؤلاء هم أكبر ثلاثة وجهوا الشيعة الاثنى عشرية في عصرنا، فجعلوهم امتدادًا لغلاة الرافضة وزنادقتهم بدءا من أتباع دعوة عبد الله بن سبأ، وابتعدوا بهم عن منهج الاعتدال، وبهذا يستيقن قارئ هذا الكتاب بأن الموضوع الذي يعالجه قديم معاصر متصل الحلقات من ابن سبأ إلي الحكيم والخوئى والخمينى مرورا بالقمي والعياشى والكليني وغيرهم!","vol":"1","page":1152},{"text":"وفي هذا الكتاب مر ذكر غيرهؤلاء الثلاثة من غلاة الرافضة في عصرنا، وما أكثر من ذكر! أما من لم يذكر فهم أشد كثرة.\nوعلى سبيل المثال وجدنا عبد الحسين شرف الدين الموسوى يقدم في اللقاءات التي عقدها الشيعة للتقريب بين الشيعة وأهل السنة على أنه من دعاة التقريب! وهو صاحب كتاب المراجعات الذي رددت علية بكتابي \" المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى \"، وأثبت أنه من أشد الرافضة غلوا وضلالا وزندقة، حيث حرف القرآن الكريم نصا ومعنى، وبين أن الكتب الأربعة عندهم مقدسة، ورواياتها مضمونها متواتر، وهي كتب الحديث عندهم التي تحدثت عنها في الفصل الرابع من الجزء الثالث، ونقلت منها شيئا مما جاء فيها من الكفر والضلال والزندقة، وذهب إلي إسقاط كتب الحديث عند جمهور المسلمين. وقد مر ما يبين هذا في الفصل الرابع من الجزء الأول.\nوعبد الحسين هذا هو أيضا صاحب كتاب \" الفصول المهمة في تأليف ... الأمة \"، والتأليف الذي أراده هذا الزنديق هو أن ترتد أمة الإسلام فتصبح كلها رافضة تابعة لدعوة عبد الله بن سبأ، وتجتمع كلها على التحريف والتكفير..!!\nهذا علم من أعلام دعاة - التقريب الشيعة، وهذا هو منهج التقريب الذى يسلكه الشيعة بعد التحذير من الفرقة والاختلاف!\nفما رأي دعاة التقريب من جمهور المسلمين؟\nأفيدونا أفادكم الله تعالى..\nنسأل الله جلت قدرته أنه يجمع المسلمين على الحق، وأن يكفينا شر اعداء الإسلام، وأن يهدينا جمعيا سواء السبيل، وأن يفتح بيننا وبين إخواننا بالحق، إنه نعم المولي ونعم النصير، وهو المستعان.\n\"\" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \"\".","vol":"1","page":1153},{"text":"السيد حسين الموسوى عالم شيعى من علماء النجف، له كتاب كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار، وهو مرجع سبق ذكره فى بعض المواضع، وننقل هنا خاتمة هذا الكتاب.\nقال المؤلف: بعد هذه الرحلة المرهقة فى بيان تلك الحقائق المؤلمة، ما الذى يجب على فعله؟\nهل أبقى فى مكانى ومنصبى وأجمع الأموال الضخمة من البسطاء والسذج باسم الخمس والتبرعات للمشاهد، وأركب السيارات الفاخرة (!!) وأتمتع بالجميلات؟ أم أترك عرض الدنيا الزائل وأبتعد عن هذه المحرمات، وأصدع بالحق - لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس؟\nلقد عرفت أن عبد الله بن سبأ اليهودى هو الذى أسس التشيع. وفرق المسلمين وجعل العداوة والبغضاء بينهم، بعد أن كان الحب والإيمان يجمع بينهم ويؤلف قلوبهم، وعرفت أيضًا ما صنعه أجدادنا - أهل الكوفة - بأهل البيت، وما روته كتبنا فى نبذ الأئمة والطعن بهم، وضجر أهل البيت من شيعتهم كما سبق القول، ويكفى قول أمير المؤمنين - ﵇ - فى بيان حقيقتهم:\n\" لو ميزت شيعتى لما وجدتهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد \" \" الكافى \" (٨ / ٣٣٨) .","vol":"1","page":1154},{"text":"وعرفت أنهم يكذبون على الله تعالى، فإن الله تعالى بين أن القرآن الكريم لم تعبث به الأيادى، ولن تقدر، لأن الله تكفل بحفظه، وأما فقهاؤنا فيقولون إن القرآن محرف، فيردون بذلك قول الله تعالى، فمن أصدق؟ أأصدقهم؟ أم أصدق الله تعالى؟ وعرفت أن المتعة محرمة، ولكن فقهاءنا أباحوها، وجرت إباحتها، إلى إباحة غيرها، كان آخرها اللواطة بالمردان من الشباب.\nوعرفت أن الخمس لا يجب على الشيعة دفعه ولا إعطاؤه للفقهاء المجتهدين، بل هو حل لهم حتى يقوم القائم، ولكن فقهاءنا هم الذين أوجبوا على الناس دفعه وإخراجه وذلك لمآربهم - أي الفقهاء - الشخصية ومنافعهم الذاتية.\nوعرفت أن التشيع قد عبث به أياد خفية، هي التى صنعت فيه ما صنعت كما أوضحنا فى الفصول السابقة، فما الذى يبقينى فى التشيع بعد ذلك؟\nولهذا ورد عن محمد بن سليمان عن أبيه قال: قلت لأبى عبد الله - ﵇ -: \" جعلت فداك، فإنا قد نبزنا نبزًا أثقل ظهورنا، وماتت له أفئدتنا، واستحلت له الولاة دماءنا، فى حديث رواه لهم فقهاؤهم.\nقال أبو عبد الله - ﵇ -: الرافضة؟ فقلت: نعم.\nقال: \" لا والله ما هم سموكم به، ولكن الله سماكم به \"، \" روضة ... الكافى \" (٥ / ٣٤) .\nفإذا كان أبو عبد الله قد شهد عليهم بأنهم رافضة - لرفضهم أهل البيت - وأن الله تعالى سماهم به فما الذى يبقينى معهم؟\nوعن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله يقول: \" لو قام قائمنا بدأ بكذابى الشيعة فقتلهم \"، \" رجال الكشى \" (ص ٢٥٣)، ترجمة ابن الخطاب.\nلماذا يبدأ بكذابى الشيعة فيقتلهم؟\nيقتلهم قبل غيرهم لقباحة ما افتروه وجعلوه دينًا يتقربون به إلى الله تعالى به، كقولهم بإباحة المتعة واللواطة، وقولهم بوجوب إخراج خمس الأموال،","vol":"1","page":1155},{"text":"وكقولهم بتحريف القرآن، والبداء لله تعالى، ورجعة الأئمة، وكل السادة الفقهاء والمجتهدين يؤمنون بهذه العقائد وغيرها، فمن منهم سينجو من سيف القائم - عجل الله فرجه ـ؟؟\nوعن أبى عبد الله - ﵇ - قال: \" ما أنزل الله سبحانه آية فى المنافقين إلا وهي فيمن ينتحل التشيع \"، \" رجال الكشى \" (ص ٢٥٤)، أبى الخطاب.\nصدق أبو عبد الله بأبى هو وأمى، فإذا كانت الآيات التى نزلت فى المنافقين منطبقة على من ينتحل التشيع، فكيف يمكننى أن أبقى معهم؟؟\nوهل يصح بعد هذا أن يدعوا أنهم على مذهب أهل البيت؟؟، وهل يصح أن يدعوا محبة أهل البيت؟\nلقد عرفت الآن أجوبة تلك الأسئلة التى كانت تحيرنى وتشغل بالى.\nبعد وقوفى على هذه الحقائق وعلى غيرها، أخذت أبحث عن سبب كونى ولدت شيعيًا، وعن سبب تشيع أهلى وأقربائى، فعرفت أن عشيرتى كانت على مذهب أهل السنة، ولكن قبل حوالى مئة وخمسين سنة جاء من إيران بعض دعاة التشيع إلى جنوب العراق فاتصلوا ببعض رؤساء العشائر واستغلوا طيب قلوبهم وقلة علمهم فخدعوهم بزخرف القول، فكان ذلك سبب دخولهم فى المنهج الشيعى.\nفهناك الكثير من العشائر والبطون تشيعت بهذه الطريقة بعد أن كانت على مذهب أهل السنة.\nومن الضرورى أن أذكر بعض هذه العشائر أداء لأمانة العلم:\nفمنهم بنو ربيعة، بنو تميم، الخزاعل، الزبيدات، العمير وهم بطن من تميم، الخزرج، شرطوكة الدوار، الدفافعة، آل محمد وهم من عشائر العمارة، عشائر الديوانية وهم آل أقرع وآل بدير وعفج والجبور والجليحة، وعشيرة كعب، وبنو لام، وغيرها كثير.","vol":"1","page":1156},{"text":"وهؤلاء العشائر كلهم من العشائر العراقية الأصيلة المعروفة فى العراق، وهم معروفون بشجاعتهم وكرمهم ونخوتهم، وهم عشائر كبيرة لها وزنها وثقلها، إذ هم من العشائر العربية الأصيلة، ولكن مع الأسف تشيعوا منذ أكثر من مئة وخمسين سنة، بسبب موجات دعاة الشيعة الذين وفدوا إليهم من إيران، فاحتالوا عليهم وشيعوهم بطريقة أو بأخرى.\nونسيت هذه العشائر الباسلة - رغم تشيعها - فإن سيف القائم ينتظر رقابهم ليفتك بهم كما مر بيانه، إذ أن الإمام الثانى عشر المعروف بالقائم، سيقتل العرب شر قتلة، رغم كونهم من شيعته، وهذا ما صرحت به كتبنا - معاشر الشيعة - فلتنتظر تلك العشائر سيف القائم ليفتك بها.\nلقد أخذ الله تعالى العهد على أهل العلم أن يبينوا للناس الحق، وها أنا ذا أبينه للناس، وأوقظ النيام الغافلين، وأدعو هذه العشائر العربية الأصيلة أن ترجع إلى أصلها، وألا تبقى تحت تأثير أصحاب العمائم، الذين يأخذون منهم أموالهم باسم الخمس والتبرعات للمشاهد، ويعتدون على شرف نسائهم باسم المتعة، وكل من الخمس والمتعة محرم كما سبق بيانه، وأدعو هذه العشائر الأصيلة لمراجعة تاريخها وتاريخ أسلافها ليقفوا على الحقيقة التى طمسها الفقهاء والمجتهدون وأصحاب العمائم، حرصًا منهم على بقاء منافعهم الشخصية.\nوبهذا أكون قد أديت جزءًا من الواجب.\nاللهم أسألك بمحبتى لنبيك المختار وبمحبتى لأهل بيته الأطهار أن تضع لهذا الكتاب القبول فى الدنيا والآخرة، وأن تجعله خالصًا لوجهك الكريم، وأن تنفع به النفع العميم، والحمد لله من قبل ومن بعد.\nانتهي كلام السيد حسين الموسوى.","vol":"1","page":1157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>مراجع الكتاب </span>بعد القرآن الكريم\n\n١- الإتقان في علوم القرآن:\nجلال الدين عبد الرحمن السيوطى - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - مكتبة ومطبعة المشهد الحسينى - الطبعة الأولى.\n٢- أجوبة المسائل الدينية:\nنشرة شهرية تصدر عن لجنة الثقافة الدينية في كربلاء.\n٣- أجود التقريرات في الأصول:\nالسيد أبو القاسم الخوئى - مكتبة المصطفوى في قم.\n٤- أحكام القرآن:\nأبو بكر أحمد بن على الرازى الجصاص - دار الكتاب العربى بيروت - طبعة مصورة عن الطبعة الأولى سنة ١٣٣٥ هـ.\n٥- أحكام القرآن:\nلأبى بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربى - تحقيق على محمد البيجاوى - الطبعة الأولى - دار إحياء الكتب العربية بمصر.\n٦- إحياء علوم الدين:\nأبو حامد محمد بن محمد الغزالى - دار الشعب بالقاهرة.\n٧- إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب المعروف بمعجم الأدباء:\nياقوت الرومى الحموى - مطبعة هندية بمصر - الطبعة الثانية.","vol":"1","page":1160},{"text":"٨-الأرض والتربة الحسينية:\nمحمد الحسين آل كاشف الغطاء - ملحق بكتاب الوضوء لنجم الدين العسكرى - الطبعة الأولى - مطبعة دار التأليف.\n٩- أساس البلاغة:\nجار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى.\n١٠- أساس التأويل:\nالنعمان بن حيون التميمى - تحقيق وتقديم عارف تامر - دار الثقافة بيروت.\n١١- أسباب اختلاف الفقهاء:\nعلى الخفيف - مطبعة الرسالة سنة ١٣٧٥ هـ.\n١٢- الاستبصار فيما اختلف من الأخبار:\nأبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى - دار الكتب الإسلامية - طهران - الطبعة الثالثة.\n١٣- الاستيعاب في معرفة الأصحاب:\nيوسف بن عبد الله محمد بن عبد البر - الطبعة الأولى سنة ١٣٢٨ هـ بهامش الإصابة.\n١٤- الإصابة في تمييز الصحابة:\nابن حجر العسقلانى - الطبعة الأولى سنة ١٣٢٨ هـ.\n١٥- أصل الشيعة وأصولها:\nمحمد الحسين آل كاشف الغطاء - المطبعة العربية بالقاهرة - الطبعة العاشرة.\n١٦- أصول التشريع الإسلامي:\nعلى حسب الله - الطبعة الرابعة - دار المعارف بمصر.","vol":"1","page":1161},{"text":"١٧- الأصول العامة للفقه المقارن:\nمحمد تقى الحكيم - دار الأندلس ببيروت - الطبعة الأولى.\n١٨- أصول الفقه:\nمحمد الخضرى - مطبعة الاستقامة - الطبعة الثالثة.\n١٩- أصول الفقه:\nمحمد رضا المظفر - طبع النجف - سنة ١٣٨٢ هـ.\n٢٠- الأضواء:\nنشرة إسلامية عامة تشرف عليها اللجنة التوجيهية لجماعة العلماء بالنجف.\n٢١- الأعلام:\nخير الدين الزركلى - الطبعة الخامسة سنة ١٩٨٠.\n٢٢- أعلام الموقعين عن رب العالمين:\nابن قيم الجوزية - دار الكتب الحديثة سنة ١٣٨٩ هـ.\n٢٣- الألفين في إمامة أمير المؤمنين:\nالحسن بن يوسف بن المطهر الحلى - تعليق محمد الحسين المظفر - المطبعة الحيدرية في النجف سنة ١٣٧٢ هـ.\n٢٤- الإمام الصادق:\nمحمد أبو زهرة - دار الفكر العربى.\n٢٥- الأم:\nللإمام أبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعى - الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية سنة ١٣٢١ هـ.\n٢٦- الأموال:\nحميد بن زنجوية - تحقيق شاكر ذيب فياض - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٢٧ -","vol":"1","page":1162},{"text":"الأموال لأبى عبيد:\nأبو عبيد القاسم بن سلام - تحقيق محمد خليل هراس - الطبعة الثانية ١٣٩٥ هـ.\n٢٨- الانتصار:\nللسيد الشريف علم الهدى أبى القاسم المرتضى - طبع حجر.\n٢٩- أنساب الأشراف:\nللبلاذرى أحمد بن يحيى - نسخة مصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالقاهرة رقم ٣٢ ملكية.\n٣٠- أنوار التنزيل وأسرار التأويل:\n(تفسير البيضاوى) - المطبعة العثمانية سنة ١٣٠٥ هـ.\n٣١- الإيقاظ من الهجعة:\nللحر العاملى - المطبعة العلمية بقم.\n٣٢- آية التطهير بين أمهات المؤمنين وأهل الكساد:\nد. على أحمد السالوس - مكتبة ابن تيمية بالكويت - الطبعة الأولى.\n٣٣- الباعث الحثيث:\nشرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير. أحمد محمد شاكر - الطبعة الثانية سنة ١٣٧٠ هـ.\n٣٤- بحار الأنوار:\nالمولى محمد باقر المجلسى - دار الكتب الإسلامية - طهران سنة ١٣٨٥ هـ (والجز ءالثامن طبع حجر) .\n٣٥- البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار:\nأحمد بن يحيى بن المرتضى - الطبعة الأولى - مطبعة السعادة.","vol":"1","page":1163},{"text":"٣٦- البحر المحيط:\nأبو عبد الله محمد بن يوسف بن على بن يوسف بن حبان الأندلسى الشهير بأبى حيان - الطبعة الأولى سنة ١٣٢٨ هـ - مطبعة السعادة.\n٣٧- بداية المجتهد ونهاية المقتصد:\nلأبى الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبى - مكتبة الكليات الأزهرية سنة ١٣٨٦ هـ.\n٣٨ - البداية والنهاية:\nأبو الفداء إسماعيل بن كثير - الطبعة الثانية، مكتبة المعارف بيروت.\n٣٩- البرهان في تفسير القرآن:\nالسيد هاشم البحرانى - الطبعة الثانية - طهران.\n٤٠- البرهان في علوم القرآن:\nبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى - تحقيق: محمد أبوالفضل إبراهيم - الطبعة الأولى - عيسى البابى الحلبى.\n٤١ -البيان في تفسير القرآن:\nالسيد أبو القاسم الموسوى الخوئى - طبع الآداب في النجف - الطبعة الثانية.\n٤٢- تاج العروس:\nمحب الدين أبو الفيض السيد محمد مرتضى الزبيدى.\n٤٣- تاريخ المذاهب الإسلامية:\nمحمد أبو زهرة - دار الفكر العربى.\n٤٤- تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة:\nشرف الدين بن على النجفى - نسخة مصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالقاهرة - رقم ٩٧ تاريخ.","vol":"1","page":1164},{"text":"٤٥- التبيان في تفسير القرآن:\nأبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى - طبع النجف سنة ١٣٧٦ هـ.\n٤٦- تجريد الأصول:\nالمولى محمد مهدى - مطبعة السيد مرتضى سنة ١٣١٧ هـ.\n٤٧- تحرير الوسيلة:\nللخمينى.\n٤٨- التحفة الاثنا عشرية (أصله بالفارسية):\nللمولى غلام حكيم بن الشيخ قطب الدين أحمد بن أبى الفيض الدهلوى. وترجمه إلى العربية المولى غلام محمد بن محيى الدين بن الشيخ عمر المدعو بالأسلمى. (مخطوط بدار الكتب: عقائد تيمور رقم ٣٣٢) .\n٤٩- تدريب الراوى في شرح تقريب النواوى:\nجلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف - الطبعة الثانية - منشورات المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.\n٥٠- تطهير الجنان واللسان عن المحظور والتفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبى سفيان:\nللمحدث أحمد بن حجر الهيتمى المكى (ملحق بكتابة الصواعق المحرقة) - خرج أحاديثه د. عبد الوهاب عبد اللطيف - الطبعة الثانية - شركة الطباعة الفنية المتحدة.\n٥١- تعليق على مقال:\nإبراهيم جمال الدين - طبع سنة ١٩٦٠م.\n٥٢ -تعليل الأحكام:\nد. محمد مصطقى شلبى - مطبعة الأزهر سنة ١٩٤٧ م.","vol":"1","page":1165},{"text":"٥٣- تفسير الإمام الحسن العسكرى:\nطبع حجر بإيران سنة ١٣١٥ هـ.\n٥٤ - تفسير القرآن العظيم:\nأبو الفداء إسماعيل بن كثير - طبع عيسى البابى الحلبى.\n٥٥ - تفسير القمي:\nأبو الحسن على بن إبراهيم القمي - تقديم وتعليق: السيد طيب الموسوى الجزائرى - مطبعة النجف سنة ١٣٨٦ هـ.\n٥٦ - التفسير الكاشف:\nمحمد جواد مغنية - دار العلم للملايين - بيروت: الطبعة الأولى سنة ١٩٨٦ م.\n٥٧ - تفسير الماتريدى المسمى تأويلات أهل السنة:\nأبو منصور محمد بن محمد الماتريدى - طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سنة ١٣٩١ هـ.\n٥٨ - تفسير مجاهد:\nتحقيق عبد الرحمن الطاهر السورتى - مجمع البحوث الإسلامية - باكستان. نسخة أخرى: تحقيق الدكتور محمد عبد السلام.\n٥٩ - تفسير شبر:\nالسيد عبد الله شبر.\n٦٠- التفسير ورجاله:\nمحمد الفاضل بن عاشور.\n٦١ - التفسير والمفسرون:\nمحمد حسين الذهبى - دار الكتب الحديثة - الطبعة الأولى.","vol":"1","page":1166},{"text":"٦٢ - تلخيص الشافى:\nللشيخ أبى جعفر محمد بن الحسن بن على الطوسى - ملحق بكتاب الشافى للسيد المرتضى أبو القاسم على بن الحسن بن موسى - طبع حجر.\n٦٣ - تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة:\nلأبى الحسن على بن محمد عرق الكتانى - تحقيق عبد الوهاب عبد الله وعبد الله محمد الصديق.\n٦٤ - تنقيح المقال:\nعبد الله المامقانى - المطبعة المرتضوية بالنجف سنة ١٣٥٢ هـ.\n٦٥ - تهذيب الاثار:\nأبو حعفر محمد بن جرير الطبرى - تحقيق د. ناصر بن مسعد الرشيد وعبد القيوم عبدرب النبى - مطابع الصف مكة المكرمة سنة ١٤٠٢ هـ.\n٦٦- تهذيب التهذيب:\nأبو الفضل أحمد بن على بن حجر العسقلانى - طبعة أولى بالهند سنة ١٣٢٦هـ.\n٦٧ - تهذيب الوصول إلى علم الأصول:\nحسن بن يوسف بن على بن المطهر الحلى - دار الخلافة بطهران سنة ١٣٠٨ هـ.\n٦٨ - توجيه النظر إلى أصول الأثر:\nطاهر بن صالح بن أحمد الجزائرى الدمشقي - المطبعة الجمالية بمصر - الطبعة الأولى.","vol":"1","page":1167},{"text":"٦٩ - جامع البيان عن تأويل أي القرآن (تفسير الطبرى):\nأبو جعفر محمد بن جرير الطبرى - حققه وعلق حواشيه: محمود محمد شاكر - دار المعارف: ١٦ جزءا - ج ٢٢، ٢٩: طبعة الحلبى - الطبعة الثانية) .\n٧٠ - جامع الرسائل:\nلابن تيمية أبى العباس تقى الدين أحمد بن عبد الحليم - المجموعة الأولى تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم - مطبعة المدنى بالقاهرة.\n٧١ - الجامع الصحيح:\nوهو سنن الترمذى لأبى عيسى بن سورة - بتحقيق أحمد محمد شاكر - مطبعة مصطفى البابى الحلبى وأولاده. (طبعة أخرى مع شرحه: تحفة الأحوذى للمبار كفورى) .\n٧٢ - الجرح والتعديل:\nلابن أبى حاتم الرازى - الطبعة الأولى.\n٧٣ - الجمعة:\nللشيخ محمد الخالصى - مطبعة المعارف - بغداد سنة ١٣٦٩ هـ.\n٧٤- جوامع الجامع:\nأبو على الفضل بن الحسن الطبرسى - مطبعة مصباحى بتبريز إيران سنة ١٣٧٩ هـ.\n٧٥- جوامع الكلم:\nللشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائى - طبع حجر.\n٧٦ - جواهر الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار:\nمحمد بن يحيى بهران الصعيدى (ملحق بكتاب البحر الزخار) .\n\n٧٧-","vol":"1","page":1168},{"text":"جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام:\nالشيخ محمد حسن النجفى - مطبعة النجف بالنجف - الطبعة السادسة سنة ١٣٨١ هـ.\n٧٨ - حاشية البجيرمى على شرح الخطيب المسماة تحفة الحبيب على شرح الخطيب - طبع بولاق سنة ١٢٩٤ هـ.\n٧٩ - حاشية السيد محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين المسماة رد المحتار على الدر المختار - طبع بولاق سنة ١٢٧٢ هـ.\n٨٠- حاشية الشيخ محمد عرفة الدسوقى على الشرح الكبير لأبى البركات أحمد الدردير - المطبعة الأزهرية سنة ١٣٥٠ هـ.\n٨١ - الحاشية على الكفاية:\nمحمد على القمي - المطبعة المرتضوية في النجف سنة ١٣٤٥ هـ.\n٨٢ - حجة النبى - ﷺ - كما رواها عنه جابر ﵁:\nمحمد ناصر الدين ألبانى - منشورات المكتب الإسلامي - الطبعة الثالثة.\n٨٣ - الحقائق في الجوامع والفوارق:\nحبيب آل إبراهيم - مطبعة العرفان بصيدا سنة ١٣٥٦ هـ.\n٨٤ - الحكومة الإسلامية:\nالخمينى - الطبعة الرابعة.\n٨٥ - الخطط المقريزية المسماة بالمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار:\nتقى الدين أحمد بن على المعروف بالمقريزى - مطبعة النيل بمصر سنة ١٣٢٦ هـ.\n٨٦ - الخلاف في الفقه:\nلشيخ الطائفة الطوسى - الطبعة الثانية ١٣٧٧ هـ.\n٨٧ -","vol":"1","page":1169},{"text":"خلفاء الرسول الاثنا عشر:\nالسيد محمد على - مطبعة أهل البيت بكربلاء سنة ١٣٨٢هـ.\n٨٨ - الخوارج والشيعة:\nيوليوس قلهزون - ترجمة عبد الرحمن بدوى - مكتبة النهضة المصرية سنة ١٩٥٨ م.\n٨٩ - دائرة المعارف الإسلامية:\nيصدرها باللغة العربية أحمد الشنتناوى وإبراهيم زكى خورشيد وعبد الحميد يونس.\n٩٠ - دراسات في الحديث النبوى وتاريخ تدوينه:\nد. محمد مصطفى الأعظمى - مطابع جامعة الرياض.\n٩١ - دراسات في الكافى للكلينى والصحيح للبخارى:\nهاشم معروف الحسنى - مطبعة صور الحديثة بلبنان - الطبعة الأولى.\n٩٢ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور:\nجلال الدين السيوطى وبهامشه تنوير المقباس تفسير ابن عباس - دار المعرفة ااطباعة والنشر - بيروت.\n٩٣- الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنة والإمامية:\nللإمام أبو الحسن الخنيزى - الطبعة الأولى.\n٩٤- دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية:\nد. محمد السيد الجليند.\n٩٥- دليل العروة الوثقى:\nحسن السعيد - مطبعة النجف سنة ١٣٧٩ هـ.\n\n٩٦-","vol":"1","page":1170},{"text":"الدين والإسلام:\nمحمد الحسين آل كاشف الغطاء - مطبعة العرفان صيدا سنة ١٣٣٠ هـ -الطبعة الثانية.\n٩٧- الذريعة إلى تصانيف الشيعة:\nآغا برزك الطهرانى.\n٩٨- ذو النورين عثمان بن عفان:\nمحب الدين الخطيب - الطبعة الأولى ١٣٩٤هـ.\n٩٩- الرسالة:\nللإمام الشافعى - تحقيق أحمد محمد شاكر.\n١٠٠- رسالة أبى داود إلى أهل مكة في وصف سننه:\nحققها محمد الصباغ - طبع بيروت سنة ١٣٩٤هـ - الطبعة الثانية.\n١٠١- رسالة الإسلام:\nمجلة تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة.\n١٠٢- رسالة للصدوق في الاعتقادات:\nأبو جعفر محمد بن على بن بابويه القمي - ملحق بكتاب النافع يوم الحشر للسيورى.\n١٠٣- روح الإسلام:\nسيد أمير على - نقله إلى العربية عمر الديراوى- دار العلم للملايين بيروت - الطبعة الأولى.\n١٠٤- روح المعانى في تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى:\nالسيد محمود الآلوسى البغدادى - المطبعة الأميرية ببولاق - الطبعة الأولى.\n١٠٥- الروض الباسم في الذب عن سنة أبى القاسم:\nأبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوزير اليمانى - إدارة الطباعة المنيرية بمصر.","vol":"1","page":1171},{"text":"١٠٦- الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية:\nاللمعة لمحمد بن جمال الدين مكى العاملى (الشهيد الأول) والروضة لزين الدين الجبعى العاملى (الشهيد الثانى) - مطابع دار الكتاب العربى بمصر.\n١٠٧- زاد المسير في علم التفسير:\nأبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن على بن محمد الجوزى - المكتب الإسلامي- الطبعة الأولى سنة ١٣٨٤ هـ.\n١٠٨- زبدة البيان في أحكام القرآن:\nأحمد بن محمد الشهير بالمقدس الأردبيلى - حققه وعلق عليه محمد الباقر البهبودى - المكتبة المرتضوية - طهران - طبع المطبعة الحيدرية.\n١٠٩-الزواج في الشريعة الإسلامية:\nعلى حسب الله - الطبعة الأولى.\n١١٠ - سبل الإسلام:\nلمحمد بن إسماعيل الكحلانى ثم الصنعانى المعروف بالأمير - المكتبة التجارية.\n١١١- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة:\nمحمد ناصر الدين الألبانى.\n١١٢- السنة والشيعة أو الوهايبة والرافضة:\nللسيد الإمام محمد رشيد رضا - الطبعة الثانية - دار المنار.\n١١٣ - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي:\nالدكتور مصطفى السباعى - مطبعة المدنى - الطبعة الأولى سنة ١٣٨٠ هـ.\n١١٤- سنن الدارمى:\nأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى - طبع المدينة المنورة سنة ١٣٨٦.","vol":"1","page":1172},{"text":"١١٥- سنن الحافظ أبى عبد الله محمد بن يزيد القزوينى بن ماجه:\nحققه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقى - عيسى البابى الحلبى سنة ١٣٧٢.\n١١٦- سنن النسائى:\nأبو عبد الرحمن أحمد بن سعيد بن على بن بحر النسائى - بشرح الحافظ جلال الدين السيوطى وحاشية الإمام السندى -الطبعة الأولى سنة ١٣٤٨ هـ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.\n١١٧- سير أعلام النبلاء:\nشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبى - تحقيق شعيب الأرنؤوط - مؤسسة الرسالة بيروت - الطبعة الثالثة.\n١١٨- السيرة النبوية:\nأبو محمد عبد الله بن هشام - مطبعة مصطفى البابى الحلبى - الطبعة الثانية.\n١١٩- شرائع الإسلام:\nللمحقق الحلى - الطبعة الثانية سنة ١٤٠٩هـ.\n١٢٠- الشرح الكبير:\nلأبى الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسى - ملحق بكتاب المغنى لابن قدامة.\n١٢١ - الشهاب الثاقب في تحقيق صلوة الجمعة ووجوبها العينى:\nالشيخ ملا محسن المعروف بالفيض الكاشانى - المطبعة العلمية بالنجف سنة ١٣٦٨ هـ.\n١٢٢ - الشهاب الثاقب في رد ما لفقه الناصب:\nمحمد باقر الطباطبائى - مطبعة المباركة المرتضوية في النجفة.\n١٢٣- الشيعة والتشيع:\nمحمد جواد مغنية - دار الكتاب اللبنانى.","vol":"1","page":1173},{"text":"١٢٤ - الشيعة في التاريخ:\nمحمد حسن الزين العاملى - مطبعة العرفان صيدا - سنة ١٣٥٧ هـ.\n١٢٥- الصافى:\nمحمد بن مرتضى المدعو بمحسن - مخطوط بدار الكتب ٢٠٣١٠.\n١٢٦- صحيح ابن خزيمة:\nأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة - تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمى، المكتب الإسلامي.\n١٢٧- صحيح البخارى:\nأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى. وشرحه فتح البارى لابن حجر العسقلانى.\n١٢٨- صحيح الجامع الصغير:\nمحمد ناصر الدين الألبانى.\n١٢٩- صحيح مسلم:\nأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى النيسابورى.\n١٣٠ - الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة:\nلابن حجر الهيتمى - الطبعة الثانية - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.\n١٣١- ضحى الإسلام:\nأحمد أمين - مكتبة النهضة المصرية - الطبعة الثالثة.\n١٣٢- ضياء الدراية:\nالسيد ضياء الدين العلامة - مطبعة الحكم في قم سنة ١٣٧٨ هـ.\n١٣٣- عبد الرحمن بن خلدون:\nللدكتور على عبد الواحد وافى - سلسلة أعلام العرب.","vol":"1","page":1174},{"text":"١٣٤- عبقرية الصديق:\nعباس محمود العقاد - دار المعارف بمصر - الطبعة الثامنة.\n١٣٥- عبقرية عمر:\nعباس محمود العقاد - مطابع دار الهلال بالقاهرة سنة ١٣٨٨ هـ.\n١٣٦- عصمة الأنبياء:\nللإمام فخر الدين الرازى - إدارة الطباعة المنيرية سنة ١٣٥٥ هـ.\n١٣٧- عقائد الإمامية:\nمحمد رضا المظفر - مطبعة النعمان بالنجف - الطبعة الثالثة.\n١٣٨- عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية:\nد. على أحمد السالوس - دار الاعتصام بالقاهرة.\n١٣٩- العقيدة والشريعة في الإسلام:\nالمستشرق أجناس جولد تسهير - نقله إلى العربية محمد يوسف موسى وآخرون - الطبعة الثانية - مطابع دار الكتاب العربى بمصر.\n١٤٠-على وبنوة:\nطه حسين - دار المعارف بمصر - الطبعة السابعة.\n١٤١- غاية النهاية في طبقات القراء:\nشمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن الجزرى - مكتبة الخانجى - طبعة أولى.\n١٤٢- الغدير في الكتاب والسنة والأداب:\nعبد الحسين أحمد الأمينى - دار الكتاب العربى ببيروت - الطبعة الثالثة.\n١٤٣- الغنية لطالبى طريق الحق ﷿:\nسيدى عبد القادر الجيلانى - طبع بولاق سنة ١٢٨٨ هـ.\n\n١٤٤-","vol":"1","page":1175},{"text":"فجر الإسلام:\nأحمد أمين - مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - الطبعة الرابعة.\n١٤٥- فرق الشيعة:\nالحسن بن موسى النوبختى وسعد بن عبد الله القمي - حققه د. عبد المنعم الحفنى - الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n١٤٦- الفرق بين الفرق:\nأبو منصور عبد القادر بن طاهر البغدادى - مكتب نشر الثقافة الإسلامية سنة ١٣٦٧ هـ.\n١٤٧- فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب:\nحسين بن محمد تقى النورى الطبرسى - طبع حجر.\n١٤٨- الفصل في الملل والأهواء والنحل:\nأبو محمد على بن أحمد بن حزم - مطبعة التمدن - الطبعة الأولى.\n١٤٩- الفصول المهمة في تأليف الأمة:\nعبد الحسين شرف الدين الموسوى العاملى - مطبعة العرفان صيدا سنة ١٣٣٠ هـ.\n١٥٠- فضائل الإمام على:\nمحمد جواد مغنية - مطبعة الآداب بالنجف.\n١٥١- فقه الإمام جعفر الصادق:\nمحمد جواد مغنية - دار العلم للملايين - بيروت - طبعة أولى سنة١٣٦٥ هـ.\n١٥٢- فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة:\nد. على أحمد السالوس - الطبعة الأولى.","vol":"1","page":1176},{"text":"١٥٣- الفقه على المذاهب الخمسة:\nمحمد جواد مغنية - الطبعة الثانية - دار العلم للملايين - بيروت.\n١٥٤- فقيه من لا يحضره الفقيه:\nأبو جعفر الصدوق محمد بن على الحسين بن بابويه القمي - دار الكتب الإسلامية، تهران - الطبعة الخامسة.\n١٥٥- الفهرست:\nأبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى - المطبعة الحيدرية بالنجف سنة ١٣٥٦هـ.\n١٥٦- فوائد الأصول:\nمحمد على الكاظمى الخراسانى - مكتبة الصدر - تهران خيابان ناصر خسرو.\n١٥٧ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة:\nمحمد بن على الشوكانى - مطبعة السنة المحمدية - الطبعة الأولى.\n١٥٨- فيض القدير شرح الجامع الصغير:\nالجامع الصغير للسيوطى، وفيض القدير للمناوى - الطبعة الثانية سنة ١٣٩١ هـ.\n١٥٩- القاموس المحيط:\nلمجد الدين الفيروز بادى.\n١٦٠- قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث:\nمحمد جمال الدين القاسمى - تحقيق محمد بهجة البيطار - طبع عيسى البابى الحلبى بمصر.","vol":"1","page":1177},{"text":"١٦١- قواعد في علوم الحديث:\nظفر أحمد العثمانى التهانوى - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة - الطبعة الثالثة - مطابع دار القلم - بيروت.\n١٦٢- القول المسدد في الذب عن المسند:\nأحمد بن على بن محمد المعروف بابن حجر العسقلانى - الطبعة الأولى سنة ١٣١٩ هـ.\n١٦٣ - الكافى:\nأبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازى - صححه وعلق عليه: على أكبر الغفارى - دار الكتب الإسلامية بطهران - الطبعة الثالثة.\n١٦٤- الكامل فى اللغة والأدب:\nأبو العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد - مطبعة الاستقامة سنة ١٣٦٥ هـ.\n١٦٥- كتاب التفسير \" تفسير العياشى \":\nأبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمى المعروف بالعياشى - المكتبة العلمية الإسلامية - طهران.\n١٦٦- كتاب التمييز:\nللإمام مسلم - حققه د. مصطفى الأعظمى - مطبوعات جامعة الرياض.\n١٦٧- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل:\nأبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشرى - طبع مصطفى البابى الحلبى سنة ١٣٨٥ هـ.\n١٦٨- كشف الأسرار:\nالخمينى.","vol":"1","page":1178},{"text":"١٦٩- كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار:\nالسيد حسين الموسوى.\n١٧٠- كشف الخفاء ومزيل الألباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس:\nإسماعيل بن محمد العجلونى - دار إحياء التراث العربى بيروت - الطبعة الثانية.\n١٧١- كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون:\nمصطفى بن عبد الله \" حاجى خليفة \".\n١٧٢- كشف المراد فى شرح تجريد الاعتقاد:\nالحسن بن يوسف بن المطهر الحلى - مكتبة المصطفوى فى قم.\n١٧٣- الكفاية فى علم الرواية:\nأبو بكر أحمد بن على بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادى - المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.\n١٧٤- كنز العرفان فى فقه القرآن:\nمقداد بن عبد الله بن محمد الحلى السيورى - طبع حجر.\n١٧٥- اللآلئ المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة:\nجلال الدين عبد الرحمن السيوطى - المكتبة الحسينية المصرية بالأزهر - الطبعة الأولى.\n١٧٦- لسان العرب:\nجمال الدين المعروف بابن منظور المصرى.\n١٧٧-لسان الميزان:\nالحافظ ابن حجر العسقلانى.","vol":"1","page":1179},{"text":"١٧٨- المبسوط:\nلشمس الدين السرخى - مطبعة السعادة سنة ١٣٢٤ هـ.\n١٧٩- مجمع البيان فى تفسير القرآن:\nأبو على الفضل بن الحسن الطبرسى - شركة المعارف الإسلامية سنة ١٣٨٣هـ. (الأجزاء الناقصة التي أشير إلى طبعتها: طبع دار مكتبة الحياة سنة ١٣٨٠هـ) .\n١٨٠- مجلة المجاهد:\nبباكستان.\n١٨١- مجموع فتاوى:\nشيخ الإسلام ابن تيمية.\n١٨٢ - المجموع المغيث فى غريبى القرآن والحديث:\nأبو موسى محمد بن أبى بكر المدينى الأصفهانى - من مطبوعات جامعة أم القرى - الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.\n١٨٣- مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة:\nد. محمد حميد الله - الطبعة الخامسة.\n١٨٤- محاضرات فى تفسير آية البسملة:\nالخمينى.\n١٨٥- مختصر التحفة الاثنى عشرية:\nاختصره وهذبه السيد محمود شكرى الآلوسى - حقق حواشيه: محب الدين الخطيب - المطبعة السلفية سنة ١٣٧٣هـ.\n١٨٦- المختصر النافع فى فقه الإمامية:\nأبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي - مطبعة وزارة ... الأوقاف بمصر- الطبعة الثانية.","vol":"1","page":1180},{"text":"١٨٧- مختصر صحيح مسلم:\nتحقيق محمد ناصر الدين الألبانى.\n١٨٨- المدونة الكبرى:\nللإمام مالك بن أنس - مطبعة السعادة سنة ١٣٢٣ هـ.\n١٨٩- المراجعات:\nعبد الحسين شرف الدين الموسوي - دار النعمان بالنجف - الطبعة السادسة.\n١٩٠- مساجد ومعاهد:\nكتاب الشعب (٧٨) .\n١٩١- المستدرك:\nلأبى عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم. فى ذيله تلخيص المستدرك للذهبى - دار الباز للنشر بمكة المكرمة.\n١٩٢- مستمسك العروة الوثقى:\nالسيد محسن الطباطبائى الحكيم - مطبعة الآداب بالنجف - الطبعة الرابعة.\n١٩٣- المسح على الأرجل أو غسلها فى الوضوء:\nالسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي. ملحق بكتاب الوضوء فى الكتاب والسنة لنجم الدين العسكرى.\n١٩٤- المسند:\nالإمام أحمد بن حنبل - شرحه وصنع فهارسه: أحمد محمد شاكر - دار المعارف بمصر (الأجزاء غير مخرجه الأحاديث: طبع المطبعة الميمنية، إدارة السيد أحمد البابى الحلبى سنة ١٣١٣ هـ) .\n١٩٥- مشكاة المصابيح:\nالخطيب التبريزى - تحقيق محمد ناصر الدين الألبانى - المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":1181},{"text":"١٩٦- مشكل الآثار:\nأبو جعفر الطحاوى أحمد بن محمد سلامة بن سلمة الأرذى - الطبعة الأولى بالهند سنة ١٣٣٣ هـ.\n١٩٧- مصباح الهداية فى إثبات الولاية:\nعلى الموسوي البهبانى - ناشر: أصفهان كتابفروش دين ودانش - جاب دون - مطبعة ربانى.\n١٩٨- المعالم الجديدة للأصول:\nمحمد باقر الصدر - مطبعة النعمان بالنجف سنة ١٣٨٥هـ.\n١٩٩-معانى الأخبار:\nلابن بابويه القمي الملقب بالصدوق - طبع فى بيروت سنة ١٣٩٩هـ.\n٢٠٠- معانى القرآن:\nأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء - عالم الكتب - بيروت الطبعة الثانية سنة ١٩٨٠م.\n٢٠١- معجم ألفاظ القرآن الكريم:\nمجمع اللغة العربية.\n٢٠٢- معجم رجال الحديث:\nالسيد أبو القاسم الموسوي الخوئى - مطبعة الآداب فى النجف سنة ١٣٩٠هـ - ١٩٧٠م.\n٢٠٣- المعجم الكبير:\nللطبرانى\n٢٠٤- معجم المؤلفين:\nعمر رضا كحالة - مطبعة الترقى بدمشق ١٣٨١هـ - ١٩٦١م.","vol":"1","page":1182},{"text":"٢٠٥- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوى:\nونسنك وآخرون بمشاركة محمد فؤاد عبد الباقى.\n٢٠٦- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم:\nمحمد فؤاد عبد الباقى.\n٢٠٧- المعجم الوسيط:\nمجمع اللغة العربية.\n٢٠٨- المعتبر:\nأبوالقاسم الحلى - طبع حجر.\n٢٠٩- معرفة علوم الحديث:\nللحاكم - تعليق د. السيد معظم حسين - طبع بيروت.\n٢١٠- المغنى:\nلأبى محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة - تعليق السيد محمد رشيد رضا، طبعة أخرى تحقيق د. عبد الله التركى ود. عبد الفتاح الحلو.\n٢١١- المغنى في الضعفاء للذهبى:\nتحقيق نور الدين عتر.\n٢١٢- مفاتيح الغيب المشتهر بالتفسير الكبير:\nللإمام محمد الرازى فخر الدين - الطبعة الأولى بمصر سنة ١٣٨٠ هـ.\n٢١٣- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة:\nللسيوطى.\n٢١٤- مفتاح الكرامة شرح قواعد العلامة:\nمحمد الجواد بن محمد الحسينى العاملى - طبع الأجزاء ما بين سنة ١٣٢٣ -١٣٣١ هـ.\n٢١٥-","vol":"1","page":1183},{"text":"مفتاح كنوز السنة:\nترجمة محمد فؤاد عبد الباقى.\n٢١٦- المقاصد الحسنة:\nشمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوى - دار الأدب العربى للطباعة سنة ١٣٧٥هـ.\n٢١٧- مقباس الهداية في علم الدراية:\nعبد الله المامقانى - ملحق بكتابه تنقيح المقال.\n٢١٨- مقدمة العلامة ابن خلدون:\nعبد الرحمن بن خلدون - مطبعة مصطفى محمد صاحب المكتبة التجارية.\n٢١٩- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث:\nدار الباز للنشر بمكة المكرمة سنة ١٣٩٨هـ.\n٢٢٠- مقدمة في أصول التفسير:\nابن تيمية: أبو العباس تقى الدين أحمد بن عبد الحليم.\nالمطبعة السلفية سنة ١٣٧٠هـ.\n٢٢١- الملل والنحل:\nأبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستانى - تحقيق محمد سيد كيلانى - مطبعة مصفى البابى الحلبى سنة ١٢٨٧هـ.\n٢٢٢- المنتقى من منهاج الاعتدال:\nوهو مختصر منهاج السنة لابن تيمية: اختصره أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبى - تعليق محب الدين الخطيب: المطبعة السلفية سنة ١٣٧٤هـ.\n٢٢٣- منهاج السنة النبوية:\nلابن تيمية - تحقيق د. محمد رشاد سالم - طبع جامعة الإمام محمد محمد بن سعود سنة ١٤٠٦ هـ.\n٢٢٤ -","vol":"1","page":1184},{"text":"منهاج الشريعة:\nالسيد محمد مهدى الكاظمى القزوينى - النجف سنة ١٣٤٦ هـ.\n٢٢٥- المهدية في الإسلام:\nسعد محمد حسن - مطابع دار الكتاب العربى بمصر سنة ١٣٧٣هـ.\n٢٢٦- الموطأ:\nللإمام مالك وشرحه تنوير الحوالك للسيوطى - مطبعة مصطفى البابى الحلبى سنة ١٣٧٠هـ.\n٢٢٧- ميزان الاعتدال في نقد الرجال:\nأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبى - الطبعة الأولى سنة ١٣٢٥هـ.\n٢٢٨- الميزان في تفسير القرآن:\nالسيد محمد حسين الطباطبائى - دار الكتب الإسلامية بطهران - الطبعة الثانية.\n٢٢٩- النافع يوم الحشر في شرح باب الحادى عشر:\nجمال الدين المقداد بن عبد الله السيورى - طبع حجر بإيران سنة ١٣٧٠هـ.\n٢٣٠- النسخ في القرآن الكريم:\nالدكتور مصطفى زيد - دار الفكر العربى - الطبعة الأولى.\n٢٣١- النظريات السياسية الإسلامية:\nمحمد ضياء الدين الريس - الطبعة الثانية سنة ١٩٧٥م - مكتبة الأنجلو المصرية.\n٢٣٢- نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشر:\nالدكتور أحمد محمود صبحى - دار المعارف بمصر سنة ١٩٦٩ م.","vol":"1","page":1185},{"text":"٢٣٣- النكت والعيون (تفسير المارودى):\nأبو الحسن على بن حبيب المارودى - مطابع مقهوى بالكويت الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢هـ.\n٢٣٤- نهج البلاغة:\nاختاره الشريف الرضي من كلام الإمام على شرح الشيخ محمد عبده - دار ومطابع الشعب - طبعة أخرى تحقيق وتوثيق د. صبرى إبراهيم السيد سنة ١٤٠٦ هـ.\n٢٣٥- النور الساطع في الفقه النافع:\nعلى كاشف الغطاء - مطبعة الآداب بالنجف سنة ١٣٨١هـ.\n٢٣٦- نيل الأوطار:\nمحمد بن على بن محمد الشوكانى - مطبعة مصطفى البابى الحلبى - الطبعة الثانية.\n٢٣٧- الهداية في تخريج أحاديث البداية:\nأبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغمارى - تحقيق يوسف المرعشلى وعدنان شلاق.\n٢٣٨- هدية العارفين:\nإسماعيل باشا البغدادي - طبع بالأوفست على طبعة إستنابول سنة ١٩٥١ م. منشورات مكتبة المثنى ببغداد.\n٢٣٩- هدى السارى:\nأحمد بن على بن حجر العسقلانى - المطبعة السلفية بالقاهرة.\n٢٤٠- وجاء دور المجوس:\nد. عبد الله محمد الغريب.","vol":"1","page":1186},{"text":"٢٤١- وجوب صلاة الجمعة:\nللسيد هبة الدين الحسينى المعروف بآية الله الشهرستانى - الطبعة الخامسة - مطبعة أهل البيت بكربلاء.\n٢٤٢- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة:\nللشيخ محمد بن الحسن الشهير بالحر العاملى - ومعه مستدرك الوسائل للميرزا حسين النورى - الطبعة الأولى - مطبوعات النجاح بالقاهرة (خمسة أجزاء) وطبعة أخرى بدون المستدرك: بيروت - الطبعة الرابعة ١٣٩١ هـ (٢٠ مجلدا) .\n٢٤٣- الوشيعة في نقد عقائد الشيعة:\nموسى جار الله - مكتبة الخانجى بمصر سنة ١٣٥٥ هـ.\n٢٤٤- الوضوء في الكتاب والسنة:\nنجم الدين العسكرى - الطبعة الأولى - مطبعة دار التأليف.\n٢٤٥- وفيات الأعيان:\nلابن خلكان.","vol":"1","page":1187}]}