{"ً":{"ٌ":150962,"ٍ":"الكوكب الدري على جامع الترمذي","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الكوكب الدري على جامع الترمذي\nالمؤلف: رشيد أحمد الكنكوهي (ت ١٣٢٣ هـ)\nجمعها ورتبها: محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكاندهلوي (ت ١٣٣٤ هـ)\nالمحقق: محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي\nالناشر: مطبعة ندوة العلماء الهند\nعام النشر: ١٣٩٥ هـ\nعدد الأجزاء: ٤\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3035,"ٕ":7,"ٖ":1770156242,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":2},{"title":"تقديم بقلم: فضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي","level":2,"page":2},{"title":"مقدمة المحشى","level":2,"page":12},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":22},{"title":"أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":26},{"title":"باب ما جاء لا تقبل صلاة إل","level":2,"page":26},{"title":"باب الاستنجاء بالماء","level":2,"page":54},{"title":"باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم إلخ","level":2,"page":57},{"title":"باب في التسمية عند الوضوء","level":2,"page":58},{"title":"باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد","level":2,"page":62},{"title":"باب في تخليل اللحية","level":2,"page":63},{"title":"باب الوضوء مرة مرة، وليس هذا بشيء","level":2,"page":71},{"title":"باب وضوء النبي ﷺ كيف كان","level":2,"page":73},{"title":"باب في النضح","level":2,"page":74},{"title":"باب كراهية الإسراف في الوضوء","level":2,"page":85},{"title":"باب الوضوء لكل صلاة","level":2,"page":85},{"title":"باب في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد","level":2,"page":88},{"title":"باب ما جاء أن الماء طهور لا ينجسه شيء","level":2,"page":89},{"title":"باب كراهية البول في الماء الراكد","level":2,"page":98},{"title":"باب في ماء البحر آه","level":2,"page":99},{"title":"باب التشديد في البول إلخ","level":2,"page":100},{"title":"[باب ما جاء في نضح بول الغلام قبل أن يطعم]","level":2,"page":102},{"title":"باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه","level":2,"page":103},{"title":"باب ما جاء في الوضوء من الريح","level":2,"page":107},{"title":"باب الوضوء من النوم","level":2,"page":108},{"title":"باب الوضوء مما غيرت النار","level":2,"page":110},{"title":"باب الوضوء من لحوم الإبل","level":2,"page":111},{"title":"باب الوضوء من مس الذكر","level":2,"page":112},{"title":"باب الوضوء من القيء والرعاف","level":2,"page":119},{"title":"باب الوضوء بالنبيذ","level":2,"page":120},{"title":"باب في كراهية رد السلام غير متوضئ","level":2,"page":125},{"title":"باب ما جاء في سور الكلب إلخ","level":2,"page":126},{"title":"باب ما جاء في سور الهرة، قوله إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات","level":2,"page":128},{"title":"باب المسح على الخفين، قوله وهذا حديث مفسر","level":2,"page":130},{"title":"باب في المسح أعلى الخف وأسفله","level":2,"page":131},{"title":"باب في المسح على الجوربين والنعلين","level":2,"page":134},{"title":"[باب المسح على الجوربين والعمامة]","level":2,"page":136},{"title":"باب ما جاء في الغسل من الجنابة","level":2,"page":140},{"title":"باب ما جاء أن تحت كل شعر جنابة","level":2,"page":143},{"title":"باب ما جاء إذا التقى الختانان إلخ","level":2,"page":143},{"title":"باب في من يستيقظ ويرى بللا","level":2,"page":145},{"title":"باب ما جاء في المني والمذي","level":2,"page":146},{"title":"باب في المذي في الثوب، فقال بعضهم لا يجزئ إلا الغسل","level":2,"page":147},{"title":"باب في المني يصيب الثوب، صفراء","level":2,"page":148},{"title":"باب الجنب ينام قبل أن يغتسل إل","level":2,"page":151},{"title":"باب ما جاء في مصافحة الجنب","level":2,"page":153},{"title":"باب ما جاء في المرأة ترى مثل ما يرى الرجل","level":2,"page":156},{"title":"باب الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل","level":2,"page":156},{"title":"باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء","level":2,"page":157},{"title":"باب في المستحاضة","level":2,"page":159},{"title":"باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة","level":2,"page":162},{"title":"باب المستحاضة تغتسل عند كل صلاة","level":2,"page":169},{"title":"[باب ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة]","level":2,"page":170},{"title":"[باب الجنب والحائض لا يقرآن القرآن].","level":2,"page":171},{"title":"باب ما جاء في مباشرة الحائض","level":2,"page":172},{"title":"باب الحائض تتناول الشيء من المسجد","level":2,"page":173},{"title":"باب في كراهية إتيان الحائض","level":2,"page":176},{"title":"باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب","level":2,"page":179},{"title":"باب كم يمكث النفساء","level":2,"page":183},{"title":"باب إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء","level":2,"page":184},{"title":"باب ما جاء في الوضوء من الموطئ","level":2,"page":185},{"title":"باب ما جاء في التيمم","level":2,"page":185},{"title":"باب","level":2,"page":187},{"title":"باب البول يصيب الأرض","level":2,"page":187},{"title":"أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":189},{"title":"باب التغليس بالفجر","level":2,"page":200},{"title":"باب ما جاء في تعجيل الظهر","level":2,"page":202},{"title":"باب الرخصة في السمر بعد العشاء","level":2,"page":205},{"title":"باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل","level":2,"page":206},{"title":"باب ما جاء في النوم عن الصلاة","level":2,"page":208},{"title":"باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر","level":2,"page":211},{"title":"باب الصلاة بعد العصر","level":2,"page":213},{"title":"باب ما جاء في الصلاة قبل المغرب","level":2,"page":215},{"title":"باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر","level":2,"page":216},{"title":"باب ما جاء في الجمع بين الصلاتي","level":2,"page":220},{"title":"باب بدء الأذان","level":2,"page":221},{"title":"باب ما جاء في الترجيع","level":2,"page":222},{"title":"باب من أذن فهو يقيم","level":2,"page":226},{"title":"باب كراهة الأذان","level":2,"page":226},{"title":"باب ما جاء أن الإمام أحق بالإقامة","level":2,"page":227},{"title":"باب ما جاء في الأذان بالليل","level":2,"page":227},{"title":"باب كراهية الخروج عن المسجد بعد الأذان","level":2,"page":231},{"title":"باب الأذان في السفر","level":2,"page":232},{"title":"باب فضل الأذان","level":2,"page":233},{"title":"باب ما جاء الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن","level":2,"page":234},{"title":"باب ما يقول إذا أذن المؤذن","level":2,"page":236},{"title":"باب كم فرض الله على عباده من الصلوات","level":2,"page":237},{"title":"باب ما جاء في فضل الجماعة","level":2,"page":239},{"title":"باب فيمن سمع النداء فلا يجيب","level":2,"page":241},{"title":"باب الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة","level":2,"page":242},{"title":"باب فضل العشاء والفجر في جماعة","level":2,"page":244},{"title":"باب فضل الصف الأول","level":2,"page":244},{"title":"باب إقامة الصفوف","level":2,"page":245},{"title":"باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهي","level":2,"page":245},{"title":"باب ما جاء في كراهة الصف بين السواري","level":2,"page":247},{"title":"باب الصلاة خلف الصف وحده","level":2,"page":248},{"title":"باب الرجل يصلي ومعه رجل","level":2,"page":249},{"title":"باب الرجل يصلي مع الرجلين","level":2,"page":249},{"title":"باب من أحق بالإمامة يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله إل","level":2,"page":251},{"title":"باب في نشر الأصابع عند التكبي","level":2,"page":256},{"title":"باب فضل التكبيرة الأول","level":2,"page":257},{"title":"[باب ما يقول عند افتتاح الصلاة]","level":2,"page":259},{"title":"باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم","level":2,"page":260},{"title":"باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب","level":2,"page":264},{"title":"باب ما جاء في التأمين","level":2,"page":265},{"title":"باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال","level":2,"page":269},{"title":"باب رفع اليدين عند الركوع والسجود","level":2,"page":270},{"title":"باب ما جاء في النهي عن القراءة","level":2,"page":276},{"title":"باب ما جاء فيمن لا يقيم صله في الركوع والسجود","level":2,"page":276},{"title":"باب وضع الركبتين","level":2,"page":278},{"title":"باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف","level":2,"page":279},{"title":"باب ما جاء في التجافي في السجود","level":2,"page":281},{"title":"باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين","level":2,"page":283},{"title":"باب إقامة الصلب إذا رفع رأسه","level":2,"page":284},{"title":"باب كراهية الإقعاء بين السجدتين","level":2,"page":285},{"title":"باب ما جاء في التشهد التحيات","level":2,"page":287},{"title":"[باب منه أيضا]","level":2,"page":289},{"title":"باب ما جاء في الإشارة","level":2,"page":289},{"title":"باب ما جاء أن حذف السلام سنة","level":2,"page":291},{"title":"باب ما يقول إذا سلم","level":2,"page":292},{"title":"[باب ما جاء في وصف الصلاة]","level":2,"page":294},{"title":"باب ما جاء في القراءة خلف الإمام","level":2,"page":300},{"title":"باب النوم في المسجد","level":2,"page":318},{"title":"باب ما جاء في كراهة البيع والشراب وإنشاد الضالة والشعر في المسجد","level":2,"page":319},{"title":"باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى","level":2,"page":321},{"title":"باب ما جاء لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى","level":2,"page":321},{"title":"باب المشي إلى المسجد","level":2,"page":323},{"title":"باب القعود في المسجد","level":2,"page":324},{"title":"باب ما جاء في الصلاة على الخمرة","level":2,"page":326},{"title":"باب ما جاء في الصلاة على الحصير","level":2,"page":326},{"title":"باب ما جاء في الصلاة على البسط","level":2,"page":326},{"title":"باب ما جاء في الصلاة في الحيطان","level":2,"page":328},{"title":"باب في كراهية المرور بين يدي المصلي","level":2,"page":329},{"title":"باب ما جاء لا يقطع الصلاة شيء","level":2,"page":329},{"title":"باب الصلاة في الثوب الواحد","level":2,"page":331},{"title":"باب ما جاء في ابتداء القبلة","level":2,"page":332},{"title":"باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة","level":2,"page":334},{"title":"باب كراهية ما يصلي إليه","level":2,"page":336},{"title":"باب ما جاء في الصلاة على الدابة","level":2,"page":338},{"title":"باب الصلاة عند النعاس","level":2,"page":340},{"title":"[باب من أم قوما وهم له كارهون]","level":2,"page":341},{"title":"[باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا]","level":2,"page":341},{"title":"[باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيا].","level":2,"page":343},{"title":"باب ما جاء في الإشارة","level":2,"page":345},{"title":"باب التسبيح للرجال والتصفيق للنساء","level":2,"page":346},{"title":"باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة","level":2,"page":346},{"title":"باب ما جاء إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم","level":2,"page":347},{"title":"[باب فيمن يتطوع جالسا]","level":2,"page":348},{"title":"باب ما جاء لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار","level":2,"page":350},{"title":"[باب ما جاء في كراهة السدل في الصلاة]","level":2,"page":350},{"title":"باب ما جاء في كراهة مسح الحصى في الصلاة","level":2,"page":352},{"title":"باب ما جاء في كراهة النفخ في الصلاة","level":2,"page":353},{"title":"باب ما جاء في النهي عن الاختصار","level":2,"page":353},{"title":"باب التشبيك","level":2,"page":355},{"title":"باب طول القيام في الصلاة","level":2,"page":355},{"title":"باب ما جاء في قتل الأسودين في الصلاة","level":2,"page":356},{"title":"باب ما جاء في سجدتي السهو قبل السلام","level":2,"page":358},{"title":"باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام","level":2,"page":360},{"title":"باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو","level":2,"page":361},{"title":"باب ما جاء في الصلاة في النعال","level":2,"page":366},{"title":"[باب القنوت في صلاة الفجر].","level":2,"page":368},{"title":"باب ما جاء في الرجل يعطس في الصلاة","level":2,"page":369},{"title":"باب في نسخ الكلام في الصلاة","level":2,"page":370},{"title":"باب ما جاء في الصلاة عند التوبة","level":2,"page":370},{"title":"باب متى يؤمر الصبي بالصلاة","level":2,"page":371},{"title":"باب ما جاء في الرجل يحدث بعد التشهد","level":2,"page":371},{"title":"باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في الرحال","level":2,"page":372},{"title":"باب التسبيح في إدبار الصلاة","level":2,"page":373},{"title":"باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر","level":2,"page":373},{"title":"باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة","level":2,"page":375},{"title":"باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة","level":2,"page":376},{"title":"باب من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة","level":2,"page":377},{"title":"باب ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر","level":2,"page":378},{"title":"باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر","level":2,"page":379},{"title":"باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكنوبة","level":2,"page":379},{"title":"باب فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر","level":2,"page":381},{"title":"باب ما جاء أنه يصليهما في البيت","level":2,"page":384},{"title":"باب ما جاء في فضل التطوع","level":2,"page":385},{"title":"باب منه","level":2,"page":390},{"title":"أبواب الوتر","level":1,"page":392},{"title":"باب ما جاء في فضل الوتر","level":2,"page":392},{"title":"باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم","level":2,"page":393},{"title":"باب ما جاء في الوتر بخمس","level":2,"page":395},{"title":"باب ما جاء ما يقرأ في الوتر","level":2,"page":396},{"title":"باب ما جاء في الوتر على الراحلة","level":2,"page":399},{"title":"باب ما جاء في صلاة الضحى","level":2,"page":399},{"title":"باب صلاة الحاجة","level":2,"page":402},{"title":"باب صلاة الاستخارة","level":2,"page":403},{"title":"باب صلاة التسبيح","level":2,"page":403},{"title":"أبواب الجمعة","level":1,"page":408},{"title":"باب فضل الجمعة","level":2,"page":408},{"title":"[باب الساعة التي ترجى في يوم الجمعة].","level":2,"page":409},{"title":"باب ما جاء أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة","level":2,"page":412},{"title":"باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر","level":2,"page":413},{"title":"باب ما جاء في الخطبة على المنبر","level":2,"page":419},{"title":"باب القراءة على المنبر","level":2,"page":420},{"title":"باب في استقبال الإمام إذا خطب","level":2,"page":420},{"title":"باب في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب","level":2,"page":420},{"title":"باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب","level":2,"page":422},{"title":"باب رفع الأيدي في الدعاء على المنبر","level":2,"page":423},{"title":"[باب في الصلاة قبل الجمعة وبعدها].","level":2,"page":425},{"title":"باب فيمن يدرك من الجمعة ركعة","level":2,"page":426},{"title":"باب ما جاء في السفر يوم الجمعة","level":2,"page":427},{"title":"باب السواك والطيب يوم الجمعة","level":2,"page":428},{"title":"أبواب العيدين","level":1,"page":430},{"title":"باب في صلاة العيدين قبل الخطبة","level":2,"page":430},{"title":"باب أن صلاة العيدين بغير أذان ولا إقامة","level":2,"page":431},{"title":"باب القراءة في العيدين","level":2,"page":432},{"title":"باب التكبير في العيدين","level":2,"page":433},{"title":"باب لا صلاة قبل العيدين ولا بعدها","level":2,"page":434},{"title":"باب في خروج النساء في العيدين","level":2,"page":435},{"title":"باب ما جاء في خروج النبي ﷺ إلى العيد في طريق ورجوعه من طريق","level":2,"page":436},{"title":"باب في الأكل يوم الفطر قبل الخروج","level":2,"page":436},{"title":"أبواب السفر","level":1,"page":438},{"title":"باب الجمع بين الصلاتين","level":2,"page":442},{"title":"[باب ما جاء في صلاة الاستسقاء]","level":2,"page":444},{"title":"باب في صلاة الكسوف","level":2,"page":445},{"title":"باب ما جاء في صلاة الخوف","level":2,"page":447},{"title":"باب خروج النساء","level":2,"page":454},{"title":"باب في كراهة البزاق في المسجد","level":2,"page":454},{"title":"باب ما يقول في سجود القرآن","level":2,"page":461},{"title":"باب ما ذكر فيمن فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار","level":2,"page":461},{"title":"باب ما جاء من التشديد في الذي يرفع رأسه قبل الإمام","level":2,"page":462},{"title":"باب ما جاء في الذي يصلي الفريضة ثم يؤم الناس","level":2,"page":463},{"title":"باب الرخصة في السجود على الثوب","level":2,"page":467},{"title":"باب ما ذكر مما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح إلخ","level":2,"page":467},{"title":"باب ما ذكر في الالتفات في الصلاة","level":2,"page":469},{"title":"[باب الرجل يدرك الإمام ساجدا].","level":2,"page":470},{"title":"باب كراهية أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام","level":2,"page":471},{"title":"باب في تطييب المساجد","level":2,"page":472},{"title":"باب كراهية الصلاة في لحف النساء","level":2,"page":473},{"title":"باب ما ذكر في قراءة السورتين في ركعة","level":2,"page":474},{"title":"باب في الاغتسال عندما يسلم الرجل","level":2,"page":477},{"title":"باب ما ذكر من التسمية في دخول الخلاء","level":2,"page":477},{"title":"باب ما يستحب من التيمن في الطهور","level":2,"page":478},{"title":"باب ما يجزئ من الماء","level":2,"page":478},{"title":"أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":483},{"title":"باب في زكاة الحلي قوله تصدقن ولو من حليكن","level":2,"page":496},{"title":"باب في زكاة مال اليتيم","level":2,"page":497},{"title":"باب ما جاء في الخرص","level":2,"page":499},{"title":"باب في رضا المصدق","level":2,"page":502},{"title":"باب من تحل له الزكاة","level":2,"page":502},{"title":"باب كراهية الصدقة للنبي ﷺ إلخ","level":2,"page":504},{"title":"باب ما جاء في حق السائل","level":2,"page":507},{"title":"باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم","level":2,"page":507},{"title":"باب المتصدق يرث صدقته قوله كان عليها صوم شهر","level":2,"page":508},{"title":"باب ما جاء في نفقة المرأة من بيت زوجها","level":2,"page":509},{"title":"[باب ما جاء في صدقة الفطر قوله صاعا من طعام]","level":2,"page":510},{"title":"باب في تعجيل الزكاة","level":2,"page":513},{"title":"باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك","level":2,"page":515},{"title":"باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال","level":2,"page":515},{"title":"[باب الشهر يكون تسعا وعشرين]","level":2,"page":517},{"title":"باب ما جاء في الصوم بالشهادة","level":2,"page":517},{"title":"[باب ما جاء شهرا عيد لا ينقصان]","level":2,"page":518},{"title":"باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم","level":2,"page":519},{"title":"باب ما يستحب عليه الإفطار","level":2,"page":521},{"title":"باب ما جاء في فضل السحور","level":2,"page":524},{"title":"[باب ما جاء في الصوم عن الميت]","level":2,"page":527},{"title":"باب ما جاء في الكفارة","level":2,"page":528},{"title":"[باب فيمن استقاء عمدا].","level":2,"page":529},{"title":"[باب ما جاء في الصائم يأكل ويشرب ناسيا]","level":2,"page":529},{"title":"باب في كفارة الفطر قوله فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا","level":2,"page":530},{"title":"باب السواك للصائم","level":2,"page":532},{"title":"باب الكحل للصائم","level":2,"page":533},{"title":"باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل","level":2,"page":534},{"title":"باب في إفطار الصائم المتطوع","level":2,"page":534},{"title":"باب في وصال شعبان برمضان","level":2,"page":536},{"title":"باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الباقي من شعبان لحال رمضان","level":2,"page":536},{"title":"باب ما جاء في صوم يوم السبت","level":2,"page":539},{"title":"باب ما جاء في الحث على صيام عاشوراء","level":2,"page":540},{"title":"[باب ما جاء في عاشوراء أي يوم هو]","level":2,"page":541},{"title":"باب ما جاء في صيام العشر","level":2,"page":542},{"title":"باب ما جاء في العمل في أيام العشر","level":2,"page":542},{"title":"[باب في صيام ستة]","level":2,"page":543},{"title":"باب في صوم ثلاثة من كل شهر","level":2,"page":543},{"title":"باب في فضل الصوم","level":2,"page":544},{"title":"باب في صوم الدهر","level":2,"page":545},{"title":"باب الحجامة للصائم","level":2,"page":546},{"title":"باب ما جاء في كراهة الوصال في الصيام","level":2,"page":547},{"title":"باب الجنب يدركه الفجر وهو يريد الصوم","level":2,"page":549},{"title":"باب في إجابة الصائم الدعوة","level":2,"page":549},{"title":"باب في كراهة صوم المرأة إلا بإذن زوجها","level":2,"page":550},{"title":"باب الاعتكاف","level":1,"page":552},{"title":"[باب في ليلة القدر قوله يجاور]","level":2,"page":553},{"title":"باب الصوم في الشتاء","level":2,"page":556},{"title":"[باب ما جاء فيمن أكل ثم خرج يريد سفرا]","level":2,"page":557},{"title":"باب في تحفة الصائم قوله الدهن والمجمر","level":2,"page":557},{"title":"[باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه]","level":2,"page":558},{"title":"باب في قيام شهر رمضان","level":2,"page":559},{"title":"أبواب الحج عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":561},{"title":"باب ما جاء في حرمة مكة","level":2,"page":561},{"title":"باب ما جاء كم فرض الحج","level":2,"page":567},{"title":"باب كم حج النبي ﷺ","level":2,"page":570},{"title":"باب ما جاء في أي موضع أحرم النبي ﷺ","level":2,"page":573},{"title":"باب ما جاء في إفراد الحج","level":2,"page":575},{"title":"باب ما جاء في التلبية","level":2,"page":581},{"title":"باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام","level":2,"page":582},{"title":"باب ما جاء ما يقتل المحرم من الدواب","level":2,"page":584},{"title":"باب في كراهة تزويج المحرم","level":2,"page":585},{"title":"باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم","level":2,"page":587},{"title":"باب ما جاء في صيد البحر للمحرم","level":2,"page":589},{"title":"باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم","level":2,"page":591},{"title":"باب ما جاء في الاغتسال لدخول مكة","level":2,"page":591},{"title":"باب في استلام الركن اليمائي والحجر دون ما سواهما","level":2,"page":593},{"title":"باب في استلام الركن اليمائي والحجر دون ما سواهما","level":2,"page":593},{"title":"[باب في الطواف راكبا]","level":2,"page":594},{"title":"باب في فضل الطواف قوله خمسين مرة","level":2,"page":594},{"title":"[باب الصلاة بعد العصر إلخ]","level":2,"page":595},{"title":"باب في دخول الكعبة","level":2,"page":598},{"title":"باب الخروج إلى منى","level":2,"page":600},{"title":"باب تقصير الصلاة بمنى","level":2,"page":600},{"title":"باب الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلقة","level":2,"page":605},{"title":"[باب من أدرك الإمام بجمع]","level":2,"page":608},{"title":"باب في تقديم الضعفة جمع من بليل","level":2,"page":609},{"title":"باب ما جاء أن الجمار التي ترمي مثل حصى الخذف","level":2,"page":610},{"title":"[باب الاشتراك في البدئة والبقرة واحتج بهذا الحديث]","level":2,"page":612},{"title":"باب في إشعار البدن","level":2,"page":612},{"title":"باب في تقليد الهدى للمقيم","level":2,"page":614},{"title":"باب ما جاء في تقليد الغنم","level":2,"page":615},{"title":"باب إذا عطب الهدى","level":2,"page":615},{"title":"باب ما جاء بأي جانبي الرأس يبدو في الحلق","level":2,"page":617},{"title":"باب الطيب عند الإحلال","level":2,"page":618},{"title":"باب ما جاء في نزول الأبطح","level":2,"page":619},{"title":"باب في حج الصبي","level":2,"page":620},{"title":"باب الحج عن الشيخ الكبير والميت","level":2,"page":622},{"title":"[باب في العمرة أو واجبة هي أم لا]","level":2,"page":622},{"title":"باب منه","level":2,"page":623},{"title":"باب في عمرة رمضان","level":2,"page":627},{"title":"باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر","level":2,"page":628},{"title":"[باب ما جاء أن القارن يطوف طوافا واحدا]","level":2,"page":631},{"title":"باب مكث المهاجر بعد الصدر","level":2,"page":632},{"title":"باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه","level":2,"page":634},{"title":"باب ما جاء في المحرم يحلق رأسه في الإحرام ما عليه","level":2,"page":635},{"title":"[باب قوله أولا أن معي هديا لأحللت].","level":2,"page":640},{"title":"أبواب الجنائز","level":1,"page":645},{"title":"باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع","level":2,"page":647},{"title":"باب في تلقين المريض عند الموت والدعاء له","level":2,"page":649},{"title":"باب في التشديد عند الموت","level":2,"page":650},{"title":"باب ما جاء في كراهية النعي","level":2,"page":651},{"title":"باب الصبر في الصدمة الأولى","level":2,"page":651},{"title":"باب غسل الميت","level":2,"page":652},{"title":"باب المسك للميت","level":2,"page":655},{"title":"باب الغسل من غسل الميت","level":2,"page":655},{"title":"باب ما يستحب من الأكفان","level":2,"page":656},{"title":"باب النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب","level":2,"page":657},{"title":"باب ما جاء في الرخصة في ذلك","level":2,"page":663},{"title":"باب في قتلي أحد","level":2,"page":663},{"title":"[باب الجلوس قبل أن توضع]","level":2,"page":664},{"title":"باب فضل المصيبة إذا احتسب","level":2,"page":665},{"title":"باب التكبير على الجنازة","level":2,"page":665},{"title":"باب ما يقول في الصلاة على الميت","level":2,"page":666},{"title":"باب كيف الصلاة على الميت","level":2,"page":667},{"title":"باب في كراهية الصلاة على الجنازة، عند طلوع الشمس وعند غروبها","level":2,"page":667},{"title":"باب في الصلاة على الأطفال","level":2,"page":668},{"title":"باب الصلاة على الميت في المسجد","level":2,"page":669},{"title":"باب أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة","level":2,"page":670},{"title":"[باب في ترك الصلاة على الشهيد]","level":2,"page":671},{"title":"[باب في الصلاة على القب","level":2,"page":671},{"title":"باب الصلاة على النجاشي","level":2,"page":673},{"title":"باب فضل الصلاة على الجنازة","level":2,"page":673},{"title":"[باب القيام للجنازة]","level":2,"page":674},{"title":"باب قوله ﷺ: اللحد لنا والشق لغيرن","level":2,"page":675},{"title":"باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت","level":2,"page":676},{"title":"باب في تسوية القب","level":2,"page":677},{"title":"باب في كراهية الوطي على القبور والجلوس عليها","level":2,"page":678},{"title":"باب في كراهية تجصيص القبور","level":2,"page":678},{"title":"باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر","level":2,"page":679},{"title":"باب في زيارة القبور","level":2,"page":680},{"title":"[باب الدفن بالليل]","level":2,"page":681},{"title":"باب الثناء على الميت","level":2,"page":682},{"title":"[باب في ثواب من قدم ولدا]","level":2,"page":683},{"title":"[باب ما جاء في الشهداء من هم]","level":2,"page":686},{"title":"[باب فيمن يقتل نفسه لم يصل عليه]","level":2,"page":687},{"title":"باب في المديون","level":2,"page":688},{"title":"باب ما جاء في عذاب القبر","level":2,"page":690},{"title":"باب في النهي عن التبتل","level":2,"page":693},{"title":"باب فيمن ترضون دينه فزوجوه","level":2,"page":694},{"title":"باب النظر إلى المخطوبة","level":2,"page":695},{"title":"باب في إعلان النكاح","level":2,"page":696},{"title":"باب ما يقال للمتزوج","level":2,"page":697},{"title":"باب من يجبي إلى الوليمة بغير دعوة","level":2,"page":699},{"title":"باب ما جاء لا نكاح إلا بولي","level":2,"page":699},{"title":"باب لا نكاح إلا ببنية","level":2,"page":704},{"title":"باب استيمار البكر والثيب","level":2,"page":705},{"title":"باب في الوليين يزوجان","level":2,"page":706},{"title":"باب في نكاح العبد","level":2,"page":706},{"title":"باب في مهور النساء","level":2,"page":706},{"title":"[باب في المحل والمحلل له]","level":2,"page":713},{"title":"باب في نكاح المتعة","level":2,"page":715},{"title":"باب النهي عن نكاح الشغار","level":2,"page":717},{"title":"باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها","level":2,"page":718},{"title":"باب في الشرط عند عقدة النكاح","level":2,"page":718},{"title":"باب في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة","level":2,"page":719},{"title":"باب في الرجل يسلم وعنده أختان","level":2,"page":720},{"title":"باب في كراهة مهر البغي","level":2,"page":721},{"title":"باب لا يخطب على خطبة أخيه","level":2,"page":724},{"title":"باب في العزل","level":2,"page":724},{"title":"باب القسمة للبكر والثيب","level":2,"page":725},{"title":"باب في الزوجين المشركين يسلم أحدهما","level":2,"page":725},{"title":"باب الرجل يتزوج فيموت قبل أن يفرض","level":2,"page":728},{"title":"أبواب الرضاع","level":1,"page":728},{"title":"باب في لين الفحل","level":2,"page":729},{"title":"[باب في شهادة المرأة الواحدة في الرضاع]","level":2,"page":731},{"title":"باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر","level":2,"page":732},{"title":"[باب ما يذهب مذمة الرضاع]","level":2,"page":733},{"title":"باب الأمة تعتق ولها زوج","level":2,"page":734},{"title":"باب الولد للفراش","level":2,"page":736},{"title":"باب في الرجل يرى المرأة فتعجبه","level":2,"page":736},{"title":"باب في حق الزوج","level":2,"page":737},{"title":"باب في حق المرأة","level":2,"page":738},{"title":"باب في كراهية إتيان النساء في أدبارهن","level":2,"page":739},{"title":"باب في كراهية خروج النساء في الزينة","level":2,"page":740},{"title":"باب في كراهية أن تسافر المرأة وحدها","level":2,"page":740},{"title":"باب في كراهية الدخول على المغيب","level":2,"page":741},{"title":"أبواب الطلاق واللعان عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":742},{"title":"[باب في الرجل طلق امرأته البتة، قال والله قلت والله","level":2,"page":743},{"title":"باب في أمرك بيدك","level":2,"page":744},{"title":"باب في الخيار","level":2,"page":745},{"title":"[باب في المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة]","level":2,"page":745},{"title":"باب ما جاء في الخلع","level":2,"page":748},{"title":"باب ما جاء في مداراة النساء","level":2,"page":749},{"title":"باب ما جاء في طلاق المعتوه","level":2,"page":751},{"title":"باب في المظاهر بواقع قبل أن يكفر","level":2,"page":754},{"title":"باب في الإيلاء","level":2,"page":755},{"title":"باب في اللعان","level":2,"page":756},{"title":"باب أين تعتد المتوفى عنها","level":2,"page":757},{"title":"أبواب البيوع عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":758},{"title":"باب في ترك الشبهات","level":2,"page":758},{"title":"باب في آكل الربا","level":2,"page":759},{"title":"باب في كتابة الشروط","level":2,"page":763},{"title":"باب في المكيال والميزان","level":2,"page":764},{"title":"باب في بيع من يزيد","level":2,"page":764},{"title":"باب بيع المدبر","level":2,"page":765},{"title":"باب في كراهة تلقى البيوع","level":2,"page":765},{"title":"باب في النهي عن المحاقلة والمزابنة","level":2,"page":766},{"title":"باب في كراهية بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها","level":2,"page":769},{"title":"[باب في النهي عن بيع حبل الحبلة]","level":2,"page":770},{"title":"باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة","level":2,"page":772},{"title":"باب في الصرف","level":2,"page":776},{"title":"باب ما جاء في من يخدع في البيع","level":2,"page":782},{"title":"باب ما جاء في المصراة","level":2,"page":783},{"title":"باب ما جاء في اشتراط ظهر الدابة عند البيع","level":2,"page":785},{"title":"باب في شراء القلادة فيها ذهب","level":2,"page":787},{"title":"باب ما جاء في اشتراط الولاء","level":2,"page":788},{"title":"باب إذا أفلس للرجل غريم","level":2,"page":795},{"title":"باب في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له","level":2,"page":796},{"title":"باب ما جاء في الاحتكار","level":2,"page":799},{"title":"باب في اليمين الفاجرة","level":2,"page":800},{"title":"باب ما جاء إذا اختلف البيعان","level":2,"page":800},{"title":"باب ما جاء في بيع فضل الماء","level":2,"page":801},{"title":"باب ما جاء في كراهة عسب الفحل","level":2,"page":803},{"title":"باب ما جاء في كسب الحجام","level":2,"page":804},{"title":"باب ما جاء في الرخصة في أكل الثمار للمار بها","level":2,"page":807},{"title":"باب ما جاء في الثنيا","level":2,"page":808},{"title":"باب كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه","level":2,"page":809},{"title":"باب ما جاء في النهي عن البيع على بيع أخيه","level":2,"page":809},{"title":"باب ما جاء في بيع الخمر","level":2,"page":809},{"title":"باب ما جاء في احتلاب المواشي بغير إذن الأرباب","level":2,"page":810},{"title":"باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام","level":2,"page":811},{"title":"باب كراهية الرجوع من الهبة","level":2,"page":812},{"title":"باب ما جاء في العرايا والرخصة في ذلك","level":2,"page":814},{"title":"باب ما جاء في كراهة النجش","level":2,"page":816},{"title":"باب ما جاء في الرجحان في الوزن","level":2,"page":816},{"title":"باب ما جاء في الأنظار للمعسر","level":2,"page":817},{"title":"[باب ما جاء في مطل الغني ظلم]","level":2,"page":818},{"title":"باب ما جاء في السلف في الطعام والثمر","level":2,"page":819},{"title":"باب ما جاء في الأرض المشترك يريد بعضم بيع نصيبه","level":2,"page":820},{"title":"أبواب الأحكام عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":823},{"title":"باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان","level":2,"page":827},{"title":"باب في هدايا الأمراء","level":2,"page":827},{"title":"باب ما جاء في التشديد على من يقضي له بشيء ليس له أن يأخذه","level":2,"page":828},{"title":"باب ما جاء في اليمين مع الشاهد","level":2,"page":829},{"title":"[باب ما جاء في العبد يكون بين رجلين","level":2,"page":830},{"title":"باب ما جاء في العمري","level":2,"page":832},{"title":"باب ما جاء في الرقبي","level":2,"page":832},{"title":"[باب في الرجل يضع على حائط جارة خشبا]","level":2,"page":833},{"title":"باب أن اليمين على ما يصدقه صاحبه","level":2,"page":833},{"title":"باب أن الوالد يأخذ من مال ولده","level":2,"page":835},{"title":"باب فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر","level":2,"page":835},{"title":"باب في حد بلوغ الرجل والمرأة","level":2,"page":837},{"title":"باب فمن تزوج امرأة أبيه","level":2,"page":837},{"title":"باب في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء","level":2,"page":838},{"title":"باب فيمن يعتق مماليكه عند موته","level":2,"page":839},{"title":"باب ما جاء في من زرع في أرض قوم بغير إذنهم","level":2,"page":840},{"title":"باب ما جاء في النحل","level":2,"page":841},{"title":"باب ما جاء في الشفعة","level":2,"page":841},{"title":"باب في اللقطة","level":2,"page":843},{"title":"باب في إحياء أرض الموات","level":2,"page":846},{"title":"باب ما جاء في المزارعة","level":2,"page":847},{"title":"أبواب الديات عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":848},{"title":"باب في النهي عن المثلة","level":2,"page":850},{"title":"باب في المرأة ترث من دية زوجها","level":2,"page":852},{"title":"أبواب الحدود عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":855},{"title":"باب ما جاء في التلقين في الحد","level":2,"page":855},{"title":"[باب في المرأة إذا استكرهت على الزنا]","level":2,"page":865},{"title":"أبواب الصيد عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":869},{"title":"باب ما يؤكل من صيد الكلب وما لا يؤكل","level":2,"page":869},{"title":"باب ما جاء في صيد كلب المجوسي","level":2,"page":869},{"title":"أبواب الأضاحي عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":874},{"title":"باب في الجذع من الضان","level":2,"page":875},{"title":"باب في العقيقة","level":2,"page":878},{"title":"أبواب النذور والإيمان","level":1,"page":881},{"title":"باب في كراهية الحلف بغير الله","level":2,"page":882},{"title":"باب في كراهية النذور","level":2,"page":883},{"title":"أبواب السير عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":885},{"title":"باب من يعطي الفئ","level":2,"page":889},{"title":"باب في طعام المشركين","level":2,"page":891},{"title":"باب ما جاء في قتل الأساري والفداء","level":2,"page":891},{"title":"باب في الغلول","level":2,"page":892},{"title":"باب ما جاء في خروج النساء في الحروب","level":2,"page":893},{"title":"باب ما جاء في قبول هدايا المشركين","level":2,"page":894},{"title":"باب ما جاء في سجدة الشكر","level":2,"page":894},{"title":"باب ما جاء في أمان المرأة والعبد","level":2,"page":895},{"title":"باب في الغدر","level":2,"page":895},{"title":"باب في النزول على الحكم","level":2,"page":895},{"title":"باب ما جاء في الحلف","level":2,"page":896},{"title":"باب في الهجرة","level":2,"page":898},{"title":"باب في بيعة النبي ﷺ","level":2,"page":898},{"title":"باب في بيعة النساء","level":2,"page":900},{"title":"باب في كراهية النهبة","level":2,"page":901},{"title":"باب التسليم على أهل الكتاب","level":2,"page":902},{"title":"باب في كراهة المقام بين أظهر المشركين","level":2,"page":903},{"title":"باب ما جاء في تركة النبي ﷺ","level":2,"page":903},{"title":"باب في الطيرة","level":2,"page":905},{"title":"باب في وصية النبي ﷺ في القتال","level":2,"page":907},{"title":"أبواب فضائل الجهاد عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":909},{"title":"باب الصوم في سبيل الله","level":2,"page":910},{"title":"باب من أغبرت قدماه","level":2,"page":911},{"title":"باب من شاب شيبة في سبيل الله","level":2,"page":911},{"title":"[باب من ارتبط فرسا في سبيل الله]","level":2,"page":911},{"title":"باب في ثواب الشهيد","level":2,"page":912},{"title":"باب من يقاتل رياء","level":2,"page":914},{"title":"أبواب الجهاد عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":916},{"title":"باب في أهل العذر في القعود","level":2,"page":916},{"title":"باب فمن خرج إلى الغزو وترك أبويه","level":2,"page":917},{"title":"باب في الرجل يبعث سرية وحده","level":2,"page":917},{"title":"باب ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده","level":2,"page":918},{"title":"باب ما جاء في الرخصة في الكذب والخديعة","level":2,"page":918},{"title":"باب في غزوات النبي ﷺ","level":2,"page":919},{"title":"باب في الرايات","level":2,"page":920},{"title":"باب الفطر عند القتال","level":2,"page":920},{"title":"باب الخروج في الفزع","level":2,"page":921},{"title":"باب في الثبات عند القتال","level":2,"page":921},{"title":"باب في المغفر","level":2,"page":922},{"title":"[باب في الرهان]","level":2,"page":922},{"title":"باب ما جاء في الإمام","level":2,"page":924},{"title":"باب التحريش بين البهائم والوسم في الوجه","level":2,"page":924},{"title":"باب فيمن يستشهد وعليه دين","level":2,"page":925},{"title":"باب في دفن الشهداء","level":2,"page":925},{"title":"أبواب اللباس عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":927},{"title":"باب لبس الحرير في الحرب","level":2,"page":927},{"title":"باب في جلود الميتة إذا دبغت","level":2,"page":928},{"title":"باب في الصورة","level":2,"page":930},{"title":"باب في الخضان","level":2,"page":931},{"title":"أبواب الأطعمة عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":938},{"title":"باب في أكل الأرنب","level":2,"page":940},{"title":"باب في أكل الضب","level":2,"page":943},{"title":"باب في أكل الضبع","level":2,"page":945},{"title":"باب الفارة تموت في السمن","level":2,"page":946},{"title":"باب ما جاء في لعق الأصابع","level":2,"page":947},{"title":"باب ما جاء في استحباب التمر","level":2,"page":951},{"title":"باب الأكل مع المجذوم","level":2,"page":952},{"title":"باب ما جاء أن المؤمن يأكل في معي واحد","level":2,"page":952},{"title":"باب في طعام الواحد يكفي الاثنين","level":2,"page":954},{"title":"باب ما جاء في أكل الشواء","level":2,"page":956},{"title":"باب ما جاء، نعم الادام الخل","level":2,"page":957},{"title":"باب ما جاء في أكل البطيخ بالرطب","level":2,"page":958},{"title":"كتاب الأشربة","level":1,"page":963},{"title":"باب في شارب الخمر","level":2,"page":963},{"title":"باب في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة","level":2,"page":971},{"title":"باب في التنفس في الإناء","level":2,"page":974},{"title":"[باب ما جاء في أن ساقي القوم آخرهم شربا]","level":2,"page":977},{"title":"أبواب البر والصلة عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":978},{"title":"باب في بر الخالة","level":2,"page":981},{"title":"باب في قطعية الرحم","level":2,"page":982},{"title":"باب في حب الولد","level":2,"page":983},{"title":"باب في رحمة الولد","level":2,"page":984},{"title":"باب في النفقة على البنات","level":2,"page":984},{"title":"باب في رحمة الناس","level":2,"page":985},{"title":"باب الستر على المسلمين","level":2,"page":987},{"title":"باب في مواساة","level":2,"page":987},{"title":"باب في الغيبة","level":2,"page":987},{"title":"باب في الحسد","level":2,"page":987},{"title":"باب في إصلاح ذات البين","level":2,"page":988},{"title":"باب في حق الجوار","level":2,"page":989},{"title":"باب النهي عن ضرب الخدام","level":2,"page":989},{"title":"باب في أدب الولد","level":2,"page":989},{"title":"باب الشكر لمن أحسن إليك","level":2,"page":989},{"title":"باب المجالس بالأمانة","level":2,"page":990},{"title":"باب السخاء","level":2,"page":991},{"title":"باب في البخل","level":2,"page":991},{"title":"باب النفقة على الأهل","level":2,"page":992},{"title":"باب في الضيافة","level":2,"page":992},{"title":"باب الصدق والكذب","level":2,"page":994},{"title":"باب في الشتم","level":2,"page":995},{"title":"باب في فضل المملوك الصال","level":2,"page":996},{"title":"باب في سوء الظن","level":2,"page":997},{"title":"باب في المزاح","level":2,"page":998},{"title":"باب في المراء","level":2,"page":999},{"title":"باب في المداراة","level":2,"page":1000},{"title":"باب في الكبر","level":2,"page":1000},{"title":"باب في حسن الخلق","level":2,"page":1001},{"title":"باب في الإحسان والعفو","level":2,"page":1002},{"title":"باب في الحياء","level":2,"page":1002},{"title":"باب التأني والعجلة","level":2,"page":1002},{"title":"باب خلق النبي ﷺ","level":2,"page":1003},{"title":"[باب ما جاء في الحسن العهد]","level":2,"page":1006},{"title":"باب ما جاء في اللعن والطعن","level":2,"page":1007},{"title":"باب ما جاء في كثرة الغضب","level":2,"page":1007},{"title":"باب ما جاء في الصب","level":2,"page":1009},{"title":"باب ما جاء في العي","level":2,"page":1010},{"title":"باب ما جاء في التواضع","level":2,"page":1010},{"title":"باب ما جاء في الظلم","level":2,"page":1011},{"title":"باب ما جاء في تعظيم المؤمن","level":2,"page":1011},{"title":"باب ما جاء في التجارب","level":2,"page":1011},{"title":"باب ما جاء في المتشيع بما لم يعطه","level":2,"page":1011},{"title":"أبواب الطب عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1013},{"title":"باب ما جاء في الحمية","level":2,"page":1013},{"title":"باب ما جاء في الدواء والحث","level":2,"page":1013},{"title":"[باب ما جاء لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب]","level":2,"page":1015},{"title":"باب ما جاء في الحبة السوداء","level":2,"page":1016},{"title":"باب من قتل نفسه بسم أو غيره","level":2,"page":1017},{"title":"باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر","level":2,"page":1019},{"title":"باب ما جاء في السعوط","level":2,"page":1019},{"title":"باب ما جاء في كراهية الكي","level":2,"page":1021},{"title":"باب ما جاء في الرخصة في ذلك","level":2,"page":1022},{"title":"باب ما جاء في الحجامة","level":2,"page":1022},{"title":"باب ما جاء في كراهية الرقية","level":2,"page":1022},{"title":"باب ما جاء في الرخصة في ذلك","level":2,"page":1023},{"title":"باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين","level":2,"page":1023},{"title":"باب ما جاء في الرقية من العين","level":2,"page":1024},{"title":"باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ","level":2,"page":1024},{"title":"باب ما جاء في الكمأة والعجوة","level":2,"page":1025},{"title":"باب في كراهة التعليق","level":2,"page":1027},{"title":"باب ما جاء في تبريد الحي بالماء","level":2,"page":1027},{"title":"باب ما جاء في الغيلة","level":2,"page":1030},{"title":"باب في دواء ذات الجنب","level":2,"page":1030},{"title":"باب في العسل","level":2,"page":1032},{"title":"أبواب الفرائض عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1033},{"title":"باب ما جاء في ميراث بنت الابن مع بنت الصلب","level":2,"page":1033},{"title":"باب في ميراث الإخوة من الأب والأم","level":2,"page":1033},{"title":"باب في ميراث العصبة","level":2,"page":1036},{"title":"باب في ميراث الجد","level":2,"page":1037},{"title":"باب ميراث الجدة","level":2,"page":1037},{"title":"باب في ميراث الخال","level":2,"page":1038},{"title":"باب في الذي يموت وليس له وارث","level":2,"page":1038},{"title":"باب في إبطال الميراث بين المسلم والكافر","level":2,"page":1039},{"title":"باب الميراث للورثة والعقل على العصبة","level":2,"page":1040},{"title":"باب في الرجل يسلم على يدي الرجل","level":2,"page":1041},{"title":"باب من يرث الولاء","level":2,"page":1043},{"title":"أبواب الوصايا عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1045},{"title":"باب في الحث على الوصية","level":2,"page":1046},{"title":"باب أن النبي ﷺ لم يوص","level":2,"page":1047},{"title":"باب في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت","level":2,"page":1048},{"title":"باب الولاء لمن اعتق","level":2,"page":1049},{"title":"باب في حث النبي ﷺ على الهدية","level":2,"page":1050},{"title":"أبواب القدر عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1051},{"title":"باب ما جاء في التشديد","level":2,"page":1051},{"title":"باب في الشقاء والسعادة","level":2,"page":1053},{"title":"باب أن الأعمال بالخواتيم","level":2,"page":1053},{"title":"باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة","level":2,"page":1053},{"title":"أبواب الفتن عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1057},{"title":"باب لا يحل دم امرئ مسلم","level":2,"page":1057},{"title":"[باب لا يحل لمسلم أن يروع مسلما]","level":2,"page":1057},{"title":"باب من صلى الصبح فهو في ذمة الله","level":2,"page":1058},{"title":"باب في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر","level":2,"page":1059},{"title":"باب في تغيير المنكر باليد","level":2,"page":1059},{"title":"باب أفضل الجهاد","level":2,"page":1060},{"title":"[باب سؤال النبي ﷺ ثلاثا في أمته]","level":2,"page":1060},{"title":"باب الرجل يكون في الفتنة","level":2,"page":1061},{"title":"باب لتركبن سنن من كان قبلكم","level":2,"page":1067},{"title":"باب في انشقاق القمر","level":2,"page":1067},{"title":"باب في الخسف","level":2,"page":1068},{"title":"باب في خروج يأجوج ومأجوج","level":2,"page":1071},{"title":"باب في صفة المارقة","level":2,"page":1072},{"title":"باب فتنة القاعد فيها خير من القائم","level":2,"page":1073},{"title":"باب في الهرج","level":2,"page":1076},{"title":"باب في أشراط الساعة","level":2,"page":1077},{"title":"باب في قتال الترك","level":2,"page":1079},{"title":"(باب في القرن الثالث)","level":2,"page":1080},{"title":"باب في الخلفاء","level":2,"page":1081},{"title":"باب ما جاء أن الخلفاء من قريش","level":2,"page":1083},{"title":"باب في المهدي","level":2,"page":1085},{"title":"باب في نزول عيسى","level":2,"page":1087},{"title":"باب ما جاء في الدجال","level":2,"page":1087},{"title":"باب من أين يخرج الدجال","level":2,"page":1092},{"title":"باب في ذكر ابن صياد","level":2,"page":1106},{"title":"أبواب الرؤيا عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1122},{"title":"باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات","level":2,"page":1127},{"title":"باب قول النبي ﷺ: من رآني في المنام","level":2,"page":1129},{"title":"باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع","level":2,"page":1130},{"title":"باب الذي في يكذب في حلمه","level":2,"page":1134},{"title":"باب ما جاء في رؤيا النبي ﷺ في الميزان والدلو","level":2,"page":1137},{"title":"أبواب الشهادات عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1148},{"title":"أبواب الزهد عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1161},{"title":"باب في ذكر الموت","level":2,"page":1165},{"title":"باب ما جاء في إنذار النبي ﷺ قومه","level":2,"page":1167},{"title":"باب في قلة الكلام","level":2,"page":1170},{"title":"باب ما جاء في هوان الدنيا","level":2,"page":1171},{"title":"باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر","level":2,"page":1173},{"title":"باب فقر","level":2,"page":1174},{"title":"[باب في هم الدنيا]","level":2,"page":1175},{"title":"باب في أعمال هذه الأمة","level":2,"page":1176},{"title":"باب في تقارب الزمن","level":2,"page":1176},{"title":"باب في قصر الأمل","level":2,"page":1177},{"title":"باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان","level":2,"page":1179},{"title":"باب في الزهادة في الدنيا","level":2,"page":1180},{"title":"باب في فضل الفقر","level":2,"page":1184},{"title":"باب ما جاء في معيشة النبي ﷺ","level":2,"page":1187},{"title":"باب في الرياء والسمعة","level":2,"page":1195},{"title":"باب المرأ مع من أحب","level":2,"page":1199},{"title":"باب في البر والإثم","level":2,"page":1199},{"title":"باب الحب في الله","level":2,"page":1201},{"title":"باب في إعلام الحب","level":2,"page":1202},{"title":"باب في كراهية المدحة والمداحين","level":2,"page":1202},{"title":"باب في الصبر على البلاء","level":2,"page":1203},{"title":"باب في ذهاب البصر","level":2,"page":1204},{"title":"باب في حفظ اللسان","level":2,"page":1204},{"title":"[باب في شأن الحساب والقصاص]","level":2,"page":1205},{"title":"باب ما جاء في شأن الحشر","level":2,"page":1207},{"title":"باب ما جاء في شأن الصراط","level":2,"page":1209},{"title":"باب ما جاء في الشفاعة","level":2,"page":1211},{"title":"باب ما جاء في صفة أواني الحوض","level":2,"page":1217},{"title":"أبواب صفة الجنة عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1240},{"title":"باب في صفة غرف الجنة","level":2,"page":1243},{"title":"[باب صفة درجات الجنة]","level":2,"page":1244},{"title":"باب في صفة نساء أهل الجنة","level":2,"page":1244},{"title":"باب في صفة ثياب أهل الجنة","level":2,"page":1247},{"title":"باب صفة طير الجنة","level":2,"page":1248},{"title":"باب في صفة خيل الجنة","level":2,"page":1248},{"title":"باب في كم صف أهل الجنة","level":2,"page":1249},{"title":"باب في سوق الجنة","level":2,"page":1249},{"title":"باب [في رؤية الرب ﵎]","level":2,"page":1250},{"title":"باب في احتجاج الجنة والنار","level":2,"page":1252},{"title":"أبواب صفة جهنم عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1254},{"title":"باب ما جاء أن للنار نفسين","level":2,"page":1257},{"title":"أبواب الإيمان عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1262},{"title":"[باب ما جاء في وصف جبرئيل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام]","level":2,"page":1268},{"title":"[باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان]","level":2,"page":1277},{"title":"باب الحياء من الإيمان","level":2,"page":1282},{"title":"باب في حرمة الصلاة","level":2,"page":1283},{"title":"باب في ترك الصلاة","level":2,"page":1284},{"title":"باب في علامة المنافق","level":2,"page":1286},{"title":"باب سباب المسلم فسوق","level":2,"page":1287},{"title":"باب في من يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله","level":2,"page":1289},{"title":"باب افتراق هذه الأمة","level":2,"page":1289},{"title":"أبواب العلم عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1291},{"title":"باب في ذهاب العلم","level":2,"page":1293},{"title":"باب في الحث على تبليغ السماع","level":2,"page":1294},{"title":"[باب فيمن روى حديثا وهو يرى أنه كذب]","level":2,"page":1295},{"title":"باب الرخصة في ذلك","level":2,"page":1296},{"title":"باب ما جاء الدال على الخير كفاعله","level":2,"page":1298},{"title":"باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة","level":2,"page":1299},{"title":"باب في فضل الفقه على العبادة","level":2,"page":1301},{"title":"أبواب الاستيذان والآداب عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1306},{"title":"باب في إفشاء السلام","level":2,"page":1306},{"title":"باب في أن الاستيذان ثلاث","level":2,"page":1307},{"title":"باب في كراهية إشارة اليد في السلام","level":2,"page":1311},{"title":"باب ما جاء في التسليم على النساء","level":2,"page":1311},{"title":"باب في كراهية التسليم على الذي","level":2,"page":1313},{"title":"باب السلام على مجلس فيه مسلمون وغيرهم","level":2,"page":1315},{"title":"باب التسليم عند القيام والقعودي","level":2,"page":1315},{"title":"باب الاستيذان قبالة البيت","level":2,"page":1315},{"title":"باب في كراهية التسليم على من يبول","level":2,"page":1318},{"title":"باب في كراهية أن يقول: عليك السلام","level":2,"page":1319},{"title":"باب في المصافحة","level":2,"page":1324},{"title":"[باب في قبلة اليد والرجل]","level":2,"page":1326},{"title":"باب في تشميت العاطس","level":2,"page":1328},{"title":"باب ما جاءكم يشمت العاطس","level":2,"page":1330},{"title":"باب في إعفاء اللحية","level":2,"page":1334},{"title":"باب ما جاء في حفظ العورة","level":2,"page":1336},{"title":"باب الرجل أحق بصدر دابته","level":2,"page":1337},{"title":"باب الرخصة في اتخاذ الأنماط","level":2,"page":1337},{"title":"باب في ركوب ثلاثة على دابة","level":2,"page":1337},{"title":"باب في نظرة الفجاءة","level":2,"page":1338},{"title":"باب في كراهية اتخاذ القصة","level":2,"page":1340},{"title":"باب في كراهية خروج المرأة متعطرة","level":2,"page":1343},{"title":"باب ما جاء في حفظ العورة","level":2,"page":1345},{"title":"باب في النظافة","level":2,"page":1346},{"title":"باب مام جاء في الاستتار عند الجماع","level":2,"page":1346},{"title":"باب في دخول الحمام","level":2,"page":1346},{"title":"باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر الرجال","level":2,"page":1348},{"title":"باب في العدة","level":2,"page":1354},{"title":"باب في فداك أبي وأمي","level":2,"page":1355},{"title":"باب ما جاء في يا بني","level":2,"page":1356},{"title":"باب ما يكره من الأسماء","level":2,"page":1356},{"title":"باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي ﷺ وكنيته","level":2,"page":1357},{"title":"باب ما جاء في إنشاد الشعر","level":2,"page":1358},{"title":"[باب لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا]","level":2,"page":1364},{"title":"باب ما جاء في الفصاحة والبيان","level":2,"page":1365},{"title":"أبواب الأمثال عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1369},{"title":"باب مثل النبي والأنبياء ﷺ وعليهم أجمعين","level":2,"page":1377},{"title":"باب ما جاء مثل الصلوات الخمس","level":2,"page":1382},{"title":"أبواب فضائل القرآن","level":1,"page":1404},{"title":"باب في فضل فاتحة الكتاب","level":2,"page":1405},{"title":"باب في آخر سورة البقرة","level":2,"page":1408},{"title":"باب في سورة الكهف","level":2,"page":1412},{"title":"باب ما جاء في يس","level":2,"page":1414},{"title":"باب ما جاء في سورة الملك","level":2,"page":1414},{"title":"باب في إذا زلزلت","level":2,"page":1416},{"title":"باب في سورة الإخلاص","level":2,"page":1416},{"title":"باب في المعوذتين","level":2,"page":1419},{"title":"باب في فضل قارئ القرآن","level":2,"page":1419},{"title":"باب في تعليم القرآن","level":2,"page":1422},{"title":"[باب من قرأ حرفا من القرآن]","level":2,"page":1427},{"title":"أبواب القراءة عن رسول الله -ﷺ-","level":1,"page":1436},{"title":"أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1454},{"title":"من سورة آل عمران","level":2,"page":1487},{"title":"سورة النساء","level":2,"page":1499},{"title":"سورة المائدة","level":2,"page":1521},{"title":"ومن سورة الأنعام","level":2,"page":1533},{"title":"سورة الأنفال","level":2,"page":1542},{"title":"سورة التوبة","level":2,"page":1544},{"title":"من سورة يونس","level":2,"page":1562},{"title":"من سورة هود","level":2,"page":1563},{"title":"من سورة يوسف","level":2,"page":1567},{"title":"من سورة الرعد","level":2,"page":1571},{"title":"من سورة إبراهيم","level":2,"page":1572},{"title":"من سورة الحجر","level":2,"page":1573},{"title":"من سورة النحل","level":2,"page":1573},{"title":"من سورة بني إسرائيل","level":2,"page":1575},{"title":"سورة الكهف","level":2,"page":1588},{"title":"من سورة مري","level":2,"page":1596},{"title":"من سورة طه","level":2,"page":1597},{"title":"من سورة الأنبياء","level":2,"page":1598},{"title":"من سورة الحج","level":2,"page":1602},{"title":"من سورة المؤمني","level":2,"page":1606},{"title":"سورة النور","level":2,"page":1608},{"title":"من سورة الفرقان","level":2,"page":1623},{"title":"سورة الشعراء","level":2,"page":1623},{"title":"سورة النمل","level":2,"page":1625},{"title":"من سورة الروم","level":2,"page":1625},{"title":"سورة السجدة","level":2,"page":1627},{"title":"سورة الأحزاب","level":2,"page":1628},{"title":"سورة سبأ","level":2,"page":1636},{"title":"سورة الملائكة","level":2,"page":1637},{"title":"سورة يس","level":2,"page":1638},{"title":"سورة الصافات","level":2,"page":1638},{"title":"سورة ص","level":2,"page":1640},{"title":"سورة الزمر","level":2,"page":1644},{"title":"سورة السجدة","level":2,"page":1650},{"title":"سورة الشورى","level":2,"page":1651},{"title":"سورة الزخرف","level":2,"page":1653},{"title":"سورة الدخان","level":2,"page":1653},{"title":"سورة الأحقاف","level":2,"page":1658},{"title":"سورة محمد ﷺ","level":2,"page":1661},{"title":"سورة الفتح","level":2,"page":1662},{"title":"سورة الحجرات","level":2,"page":1663},{"title":"سورة ق","level":2,"page":1667},{"title":"سورة الذاريات","level":2,"page":1668},{"title":"سورة النجم","level":2,"page":1673},{"title":"سورة القمر","level":2,"page":1676},{"title":"سورة الواقعة","level":2,"page":1678},{"title":"سورة الحديد","level":2,"page":1680},{"title":"سورة المجادلة","level":2,"page":1680},{"title":"سورة الحشر","level":2,"page":1681},{"title":"سورة المممتحنة","level":2,"page":1682},{"title":"سورة الصف","level":2,"page":1689},{"title":"سورة الجمعة","level":2,"page":1691},{"title":"سورة المنافقين","level":2,"page":1691},{"title":"سورة التغابن","level":2,"page":1694},{"title":"سورة التحريم","level":2,"page":1694},{"title":"سورة ن والقلم","level":2,"page":1697},{"title":"سورة الحاقة","level":2,"page":1697},{"title":"سورة سأل سائل","level":2,"page":1698},{"title":"سورة الجن","level":2,"page":1698},{"title":"سورة المدثر","level":2,"page":1699},{"title":"سورة القيامة","level":2,"page":1700},{"title":"سورة عبس","level":2,"page":1701},{"title":"سورة المطففي","level":2,"page":1702},{"title":"سورة إذا السماء انشقت","level":2,"page":1702},{"title":"سورة البروج","level":2,"page":1703},{"title":"سورة الضحى","level":2,"page":1706},{"title":"سورة ألم نشرح","level":2,"page":1707},{"title":"سورة القدر","level":2,"page":1711},{"title":"سورة لم يكن","level":2,"page":1712},{"title":"سورة ألهاكم التكاثر","level":2,"page":1712},{"title":"سورة الكوثر","level":2,"page":1714},{"title":"سورة الفتح","level":2,"page":1714},{"title":"سورة المعوذتين","level":2,"page":1715},{"title":"باب","level":2,"page":1716},{"title":"أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1718},{"title":"باب الداعي يبدأ بنفسه","level":2,"page":1723},{"title":"باب ما يقول إذا رأى الباكورة","level":2,"page":1733},{"title":"أبواب المناقب عن رسول الله ﷺ","level":1,"page":1767},{"title":"باب في فضل النبي -ﷺ","level":2,"page":1767},{"title":"باب في مبعث النبي ﷺ إل","level":2,"page":1772},{"title":"مناقب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه","level":1,"page":1782},{"title":"باب الصدقة مشتمل على أبواب شتى","level":2,"page":1790},{"title":"مناقب عمر","level":2,"page":1793},{"title":"مناقب عثمان","level":2,"page":1798},{"title":"مناقب علي","level":2,"page":1800},{"title":"مناقب الحسن والحسي","level":2,"page":1807},{"title":"مناقب أهل بيت النبي ﷺ","level":2,"page":1811},{"title":"باب في فضل من رأى النبي ﷺ وصحبه","level":2,"page":1828},{"title":"باب في فضل فاطمة","level":2,"page":1833},{"title":"فضل عائشة","level":2,"page":1834},{"title":"باب في فضل المدينة","level":2,"page":1841},{"title":"باب فضل مكة","level":2,"page":1846},{"title":"كتاب العلل","level":1,"page":1859}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,46":47,"1,47":48,"1,48":49,"1,49":50,"1,50":51,"1,51":52,"1,52":53,"1,53":54,"1,54":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,58":59,"1,59":60,"1,60":61,"1,61":62,"1,62":63,"1,63":64,"1,64":65,"1,65":66,"1,66":67,"1,67":68,"1,68":69,"1,69":70,"1,70":71,"1,71":72,"1,72":73,"1,73":74,"1,74":75,"1,75":76,"1,76":77,"1,77":78,"1,78":79,"1,79":80,"1,80":81,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84,"1,84":85,"1,85":86,"1,86":87,"1,87":88,"1,88":89,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":94,"1,94":95,"1,95":96,"1,96":97,"1,97":98,"1,98":99,"1,99":100,"1,100":101,"1,101":102,"1,102":103,"1,103":104,"1,104":105,"1,105":106,"1,106":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,126":127,"1,127":128,"1,128":129,"1,129":130,"1,130":131,"1,131":132,"1,132":133,"1,133":134,"1,134":135,"1,135":136,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,142":143,"1,143":144,"1,144":145,"1,145":146,"1,146":147,"1,147":148,"1,148":149,"1,149":150,"1,150":151,"1,151":152,"1,152":153,"1,153":154,"1,154":155,"1,155":156,"1,156":157,"1,157":158,"1,158":159,"1,159":160,"1,160":161,"1,161":162,"1,162":163,"1,163":164,"1,164":165,"1,165":166,"1,166":167,"1,167":168,"1,168":169,"1,169":170,"1,170":171,"1,171":172,"1,172":173,"1,173":174,"1,174":175,"1,175":176,"1,176":177,"1,177":178,"1,178":179,"1,179":180,"1,180":181,"1,181":182,"1,182":183,"1,183":184,"1,184":185,"1,185":186,"1,186":187,"1,187":188,"1,188":189,"1,189":190,"1,190":191,"1,191":192,"1,192":193,"1,193":194,"1,194":195,"1,195":196,"1,196":197,"1,197":198,"1,198":199,"1,199":200,"1,200":201,"1,201":202,"1,202":203,"1,203":204,"1,204":205,"1,205":206,"1,206":207,"1,207":208,"1,208":209,"1,209":210,"1,210":211,"1,211":212,"1,212":213,"1,213":214,"1,214":215,"1,215":216,"1,216":217,"1,217":218,"1,218":219,"1,219":220,"1,220":221,"1,221":222,"1,222":223,"1,223":224,"1,224":225,"1,225":226,"1,226":227,"1,227":228,"1,228":229,"1,229":230,"1,230":231,"1,231":232,"1,232":233,"1,233":234,"1,234":235,"1,235":236,"1,236":237,"1,237":238,"1,238":239,"1,239":240,"1,240":241,"1,241":242,"1,242":243,"1,243":244,"1,244":245,"1,245":246,"1,246":247,"1,247":248,"1,248":249,"1,249":250,"1,250":251,"1,251":252,"1,252":253,"1,253":254,"1,254":255,"1,255":256,"1,256":257,"1,257":258,"1,258":259,"1,259":260,"1,260":261,"1,261":262,"1,262":263,"1,263":264,"1,264":265,"1,265":266,"1,266":267,"1,267":268,"1,268":269,"1,269":270,"1,270":271,"1,271":272,"1,272":273,"1,273":274,"1,274":275,"1,275":276,"1,276":277,"1,277":278,"1,278":279,"1,279":280,"1,280":281,"1,281":282,"1,282":283,"1,283":284,"1,284":285,"1,285":286,"1,286":287,"1,287":288,"1,288":289,"1,289":290,"1,290":291,"1,291":292,"1,292":293,"1,293":294,"1,294":295,"1,295":296,"1,296":297,"1,297":298,"1,298":299,"1,299":300,"1,300":301,"1,301":302,"1,302":303,"1,303":304,"1,304":305,"1,305":306,"1,306":307,"1,307":308,"1,308":309,"1,309":310,"1,310":311,"1,311":312,"1,312":313,"1,313":314,"1,314":315,"1,315":316,"1,316":317,"1,317":318,"1,318":319,"1,319":320,"1,320":321,"1,321":322,"1,322":323,"1,323":324,"1,324":325,"1,325":326,"1,326":327,"1,327":328,"1,328":329,"1,329":330,"1,330":331,"1,331":332,"1,332":333,"1,333":334,"1,334":335,"1,335":336,"1,336":337,"1,337":338,"1,338":339,"1,339":340,"1,340":341,"1,341":342,"1,342":343,"1,343":344,"1,344":345,"1,345":346,"1,346":347,"1,347":348,"1,348":349,"1,349":350,"1,350":351,"1,351":352,"1,352":353,"1,353":354,"1,354":355,"1,355":356,"1,356":357,"1,357":358,"1,358":359,"1,359":360,"1,360":361,"1,361":362,"1,362":363,"1,363":364,"1,364":365,"1,365":366,"1,366":367,"1,367":368,"1,368":369,"1,369":370,"1,370":371,"1,371":372,"1,372":373,"1,373":374,"1,374":375,"1,375":376,"1,376":377,"1,377":378,"1,378":379,"1,379":380,"1,380":381,"1,381":382,"1,382":383,"1,383":384,"1,384":385,"1,385":386,"1,386":387,"1,387":388,"1,388":389,"1,389":390,"1,390":391,"1,391":392,"1,392":393,"1,393":394,"1,394":395,"1,395":396,"1,396":397,"1,397":398,"1,398":399,"1,399":400,"1,400":401,"1,401":402,"1,402":403,"1,403":404,"1,404":405,"1,405":406,"1,406":407,"1,407":408,"1,408":409,"1,409":410,"1,410":411,"1,411":412,"1,412":413,"1,413":414,"1,414":415,"1,415":416,"1,416":417,"1,417":418,"1,418":419,"1,419":420,"1,420":421,"1,421":422,"1,422":423,"1,423":424,"1,424":425,"1,425":426,"1,426":427,"1,427":428,"1,428":429,"1,429":430,"1,430":431,"1,431":432,"1,432":433,"1,433":434,"1,434":435,"1,435":436,"1,436":437,"1,437":438,"1,438":439,"1,439":440,"1,440":441,"1,441":442,"1,442":443,"1,443":444,"1,444":445,"1,445":446,"1,446":447,"1,447":448,"1,448":449,"1,449":450,"1,450":451,"1,451":452,"1,452":453,"1,453":454,"1,454":455,"1,455":456,"1,456":457,"1,457":458,"1,458":459,"1,459":460,"1,460":461,"1,461":462,"1,462":463,"1,463":464,"1,464":465,"1,465":466,"1,466":467,"1,467":468,"1,468":469,"1,469":470,"1,470":471,"1,471":472,"1,472":473,"1,473":474,"1,474":475,"1,475":476,"1,476":477,"1,477":478,"1,478":479,"1,479":480,"1,480":481,"2,1":482,"2,2":484,"2,3":485,"2,4":486,"2,5":487,"2,6":488,"2,7":489,"2,8":490,"2,9":491,"2,10":492,"2,11":493,"2,12":494,"2,13":495,"2,14":496,"2,15":497,"2,16":498,"2,17":499,"2,18":500,"2,19":501,"2,20":502,"2,21":503,"2,22":504,"2,23":505,"2,24":506,"2,25":507,"2,26":508,"2,27":509,"2,28":510,"2,29":511,"2,30":512,"2,31":513,"2,32":514,"2,33":515,"2,34":516,"2,35":517,"2,36":518,"2,37":519,"2,38":520,"2,39":521,"2,40":522,"2,41":523,"2,42":524,"2,43":525,"2,44":526,"2,45":527,"2,46":528,"2,47":529,"2,48":530,"2,49":531,"2,50":532,"2,51":533,"2,52":534,"2,53":535,"2,54":536,"2,55":537,"2,56":538,"2,57":539,"2,58":540,"2,59":541,"2,60":542,"2,61":543,"2,62":544,"2,63":545,"2,64":546,"2,65":547,"2,66":548,"2,67":549,"2,68":550,"2,69":551,"2,70":552,"2,71":553,"2,72":554,"2,73":555,"2,74":556,"2,75":557,"2,76":558,"2,77":559,"2,78":560,"2,79":561,"2,80":562,"2,81":563,"2,82":564,"2,83":565,"2,84":566,"2,85":567,"2,86":568,"2,87":569,"2,88":570,"2,89":571,"2,90":572,"2,91":573,"2,92":574,"2,93":575,"2,94":576,"2,95":577,"2,96":578,"2,97":579,"2,98":580,"2,99":581,"2,100":582,"2,101":583,"2,102":584,"2,103":585,"2,104":586,"2,105":587,"2,106":588,"2,107":589,"2,108":590,"2,109":591,"2,110":592,"2,111":593,"2,112":594,"2,113":595,"2,114":596,"2,115":597,"2,116":598,"2,117":599,"2,118":600,"2,119":601,"2,120":602,"2,121":603,"2,122":604,"2,123":605,"2,124":606,"2,125":607,"2,126":608,"2,127":609,"2,128":610,"2,129":611,"2,130":612,"2,131":613,"2,132":614,"2,133":615,"2,134":616,"2,135":617,"2,136":618,"2,137":619,"2,138":620,"2,139":621,"2,140":622,"2,141":623,"2,142":624,"2,143":625,"2,144":626,"2,145":627,"2,146":628,"2,147":629,"2,148":630,"2,149":631,"2,150":632,"2,151":633,"2,152":634,"2,153":635,"2,154":636,"2,155":637,"2,156":638,"2,157":639,"2,158":640,"2,159":641,"2,160":642,"2,161":643,"2,162":644,"2,163":645,"2,164":646,"2,165":647,"2,166":648,"2,167":649,"2,168":650,"2,169":651,"2,170":652,"2,171":653,"2,172":654,"2,173":655,"2,174":656,"2,175":657,"2,176":658,"2,177":659,"2,178":660,"2,179":661,"2,180":662,"2,181":663,"2,182":664,"2,183":665,"2,184":666,"2,185":667,"2,186":668,"2,187":669,"2,188":670,"2,189":671,"2,190":672,"2,191":673,"2,192":674,"2,193":675,"2,194":676,"2,195":677,"2,196":678,"2,197":679,"2,198":680,"2,199":681,"2,200":682,"2,201":683,"2,202":684,"2,203":685,"2,204":686,"2,205":687,"2,206":688,"2,207":689,"2,208":690,"2,209":691,"2,210":692,"2,211":693,"2,212":694,"2,213":695,"2,214":696,"2,215":697,"2,216":698,"2,217":699,"2,218":700,"2,219":701,"2,220":702,"2,221":703,"2,222":704,"2,223":705,"2,224":706,"2,225":707,"2,226":708,"2,227":709,"2,228":710,"2,229":711,"2,230":712,"2,231":713,"2,232":714,"2,233":715,"2,234":716,"2,235":717,"2,236":718,"2,237":719,"2,238":720,"2,239":721,"2,240":722,"2,241":723,"2,242":724,"2,243":725,"2,244":726,"2,245":727,"2,246":728,"2,247":729,"2,248":730,"2,249":731,"2,250":732,"2,251":733,"2,252":734,"2,253":735,"2,254":736,"2,255":737,"2,256":738,"2,257":739,"2,258":740,"2,259":741,"2,260":742,"2,261":743,"2,262":744,"2,263":745,"2,264":746,"2,265":747,"2,266":748,"2,267":749,"2,268":750,"2,269":751,"2,270":752,"2,271":753,"2,272":754,"2,273":755,"2,274":756,"2,275":757,"2,276":758,"2,277":759,"2,278":760,"2,279":761,"2,280":762,"2,281":763,"2,282":764,"2,283":765,"2,284":766,"2,285":767,"2,286":768,"2,287":769,"2,288":770,"2,289":771,"2,290":772,"2,291":773,"2,292":774,"2,293":775,"2,294":776,"2,295":777,"2,296":778,"2,297":779,"2,298":780,"2,299":781,"2,300":782,"2,301":783,"2,302":784,"2,303":785,"2,304":786,"2,305":787,"2,306":788,"2,307":789,"2,308":790,"2,309":791,"2,310":792,"2,311":793,"2,312":794,"2,313":795,"2,314":796,"2,315":797,"2,316":798,"2,317":799,"2,318":800,"2,319":801,"2,320":802,"2,321":803,"2,322":804,"2,323":805,"2,324":806,"2,325":807,"2,326":808,"2,327":809,"2,328":810,"2,329":811,"2,330":812,"2,331":813,"2,332":814,"2,333":815,"2,334":816,"2,335":817,"2,336":818,"2,337":819,"2,338":820,"2,339":821,"2,340":822,"2,341":823,"2,342":824,"2,343":825,"2,344":826,"2,345":827,"2,346":828,"2,347":829,"2,348":830,"2,349":831,"2,350":832,"2,351":833,"2,352":834,"2,353":835,"2,354":836,"2,355":837,"2,356":838,"2,357":839,"2,358":840,"2,359":841,"2,360":842,"2,361":843,"2,362":844,"2,363":845,"2,364":846,"2,365":847,"2,366":848,"2,367":849,"2,368":850,"2,369":851,"2,370":852,"2,371":853,"2,372":854,"2,373":855,"2,374":856,"2,375":857,"2,376":858,"2,377":859,"2,378":860,"2,379":861,"2,380":862,"2,381":863,"2,382":864,"2,383":865,"2,384":866,"2,385":867,"2,386":868,"2,387":869,"2,388":870,"2,389":871,"2,390":872,"2,391":873,"2,392":874,"2,393":875,"2,394":876,"2,395":877,"2,396":878,"2,397":879,"2,398":880,"2,399":881,"2,400":882,"2,401":883,"2,402":884,"2,403":885,"2,404":886,"2,405":887,"2,406":888,"2,407":889,"2,408":890,"2,409":891,"2,410":892,"2,411":893,"2,412":894,"2,413":895,"2,414":896,"2,415":897,"2,416":898,"2,417":899,"2,418":900,"2,419":901,"2,420":902,"2,421":903,"2,422":904,"2,423":905,"2,424":906,"2,425":907,"2,426":908,"2,427":909,"2,428":910,"2,429":911,"2,430":912,"2,431":913,"2,432":914,"2,433":915,"2,434":916,"2,435":917,"2,436":918,"2,437":919,"2,438":920,"2,439":921,"2,440":922,"2,441":923,"2,442":924,"2,443":925,"2,444":926,"2,445":927,"2,446":928,"2,447":929,"2,448":930,"2,449":931,"2,450":932,"2,451":933,"2,452":934,"2,453":935,"3,1":936,"3,2":937,"3,3":938,"3,4":939,"3,5":940,"3,6":941,"3,7":942,"3,8":943,"3,9":944,"3,10":945,"3,11":946,"3,12":947,"3,13":948,"3,14":949,"3,15":950,"3,16":951,"3,17":952,"3,18":953,"3,19":954,"3,20":955,"3,21":956,"3,22":957,"3,23":958,"3,24":959,"3,25":960,"3,26":961,"3,27":962,"3,28":963,"3,29":964,"3,30":965,"3,31":966,"3,32":967,"3,33":968,"3,34":969,"3,35":970,"3,36":971,"3,37":972,"3,38":973,"3,39":974,"3,40":975,"3,41":976,"3,42":977,"3,43":978,"3,44":979,"3,45":980,"3,46":981,"3,47":982,"3,48":983,"3,49":984,"3,50":985,"3,51":986,"3,52":987,"3,53":988,"3,54":989,"3,55":990,"3,56":991,"3,57":992,"3,58":993,"3,59":994,"3,60":995,"3,61":996,"3,62":997,"3,63":998,"3,64":999,"3,65":1000,"3,66":1001,"3,67":1002,"3,68":1003,"3,69":1004,"3,70":1005,"3,71":1006,"3,72":1007,"3,73":1008,"3,74":1009,"3,75":1010,"3,76":1011,"3,77":1012,"3,78":1013,"3,79":1014,"3,80":1015,"3,81":1016,"3,82":1017,"3,83":1018,"3,84":1019,"3,85":1020,"3,86":1021,"3,87":1022,"3,88":1023,"3,89":1024,"3,90":1025,"3,91":1026,"3,92":1027,"3,93":1028,"3,94":1029,"3,95":1030,"3,96":1031,"3,97":1032,"3,98":1033,"3,99":1034,"3,100":1035,"3,101":1036,"3,102":1037,"3,103":1038,"3,104":1039,"3,105":1040,"3,106":1041,"3,107":1042,"3,108":1043,"3,109":1044,"3,110":1045,"3,111":1046,"3,112":1047,"3,113":1048,"3,114":1049,"3,115":1050,"3,116":1051,"3,117":1052,"3,118":1053,"3,119":1054,"3,120":1055,"3,121":1056,"3,122":1057,"3,123":1058,"3,124":1059,"3,125":1060,"3,126":1061,"3,127":1062,"3,128":1063,"3,129":1064,"3,130":1065,"3,131":1066,"3,132":1067,"3,133":1068,"3,134":1069,"3,135":1070,"3,136":1071,"3,137":1072,"3,138":1073,"3,139":1074,"3,140":1075,"3,141":1076,"3,142":1077,"3,143":1078,"3,144":1079,"3,145":1080,"3,146":1081,"3,147":1082,"3,148":1083,"3,149":1084,"3,150":1085,"3,151":1086,"3,152":1087,"3,153":1088,"3,154":1089,"3,155":1090,"3,156":1091,"3,157":1092,"3,158":1093,"3,159":1094,"3,160":1095,"3,161":1096,"3,162":1097,"3,163":1098,"3,164":1099,"3,165":1100,"3,166":1101,"3,167":1102,"3,168":1103,"3,169":1104,"3,170":1105,"3,171":1106,"3,172":1107,"3,173":1108,"3,174":1109,"3,175":1110,"3,176":1111,"3,177":1112,"3,178":1113,"3,179":1114,"3,180":1115,"3,181":1116,"3,182":1117,"3,183":1118,"3,184":1119,"3,185":1120,"3,186":1121,"3,187":1122,"3,188":1123,"3,189":1124,"3,190":1125,"3,191":1126,"3,192":1127,"3,193":1128,"3,194":1129,"3,196":1130,"3,197":1131,"3,198":1132,"3,199":1133,"3,200":1134,"3,201":1135,"3,202":1136,"3,203":1137,"3,204":1138,"3,205":1139,"3,206":1140,"3,207":1141,"3,208":1142,"3,209":1143,"3,210":1144,"3,211":1145,"3,212":1146,"3,213":1147,"3,214":1148,"3,215":1149,"3,216":1150,"3,217":1151,"3,218":1152,"3,219":1153,"3,220":1154,"3,221":1155,"3,222":1156,"3,223":1157,"3,224":1158,"3,225":1159,"3,226":1160,"3,227":1161,"3,228":1162,"3,229":1163,"3,230":1164,"3,231":1165,"3,232":1166,"3,233":1167,"3,234":1168,"3,235":1169,"3,236":1170,"3,237":1171,"3,238":1172,"3,239":1173,"3,240":1174,"3,241":1175,"3,242":1176,"3,243":1177,"3,244":1178,"3,245":1179,"3,246":1180,"3,247":1181,"3,248":1182,"3,249":1183,"3,250":1184,"3,251":1185,"3,252":1186,"3,253":1187,"3,254":1188,"3,255":1189,"3,256":1190,"3,257":1191,"3,258":1192,"3,259":1193,"3,260":1194,"3,261":1195,"3,262":1196,"3,263":1197,"3,264":1198,"3,265":1199,"3,266":1200,"3,267":1201,"3,268":1202,"3,269":1203,"3,270":1204,"3,271":1205,"3,272":1206,"3,273":1207,"3,274":1208,"3,275":1209,"3,276":1210,"3,277":1211,"3,278":1212,"3,279":1213,"3,280":1214,"3,281":1215,"3,282":1216,"3,283":1217,"3,284":1218,"3,285":1219,"3,286":1220,"3,287":1221,"3,288":1222,"3,289":1223,"3,290":1224,"3,291":1225,"3,292":1226,"3,293":1227,"3,294":1228,"3,295":1229,"3,296":1230,"3,297":1231,"3,298":1232,"3,299":1233,"3,300":1234,"3,301":1235,"3,302":1236,"3,303":1237,"3,304":1238,"3,305":1239,"3,306":1240,"3,307":1241,"3,308":1242,"3,309":1243,"3,310":1244,"3,311":1245,"3,312":1246,"3,313":1247,"3,314":1248,"3,315":1249,"3,316":1250,"3,317":1251,"3,318":1252,"3,319":1253,"3,320":1254,"3,321":1255,"3,322":1256,"3,323":1257,"3,324":1258,"3,325":1259,"3,326":1260,"3,327":1261,"3,328":1262,"3,329":1263,"3,330":1264,"3,331":1265,"3,332":1266,"3,333":1267,"3,334":1268,"3,335":1269,"3,336":1270,"3,337":1271,"3,338":1272,"3,339":1273,"3,340":1274,"3,341":1275,"3,342":1276,"3,343":1277,"3,344":1278,"3,345":1279,"3,346":1280,"3,347":1281,"3,348":1282,"3,349":1283,"3,350":1284,"3,351":1285,"3,352":1286,"3,354":1287,"3,355":1288,"3,356":1289,"3,357":1290,"3,359":1291,"3,360":1292,"3,361":1293,"3,362":1294,"3,363":1295,"3,364":1296,"3,365":1297,"3,366":1298,"3,367":1299,"3,368":1300,"3,369":1301,"3,370":1302,"3,371":1303,"3,372":1304,"3,373":1305,"3,374":1306,"3,375":1307,"3,376":1308,"3,377":1309,"3,378":1310,"3,379":1311,"3,380":1312,"3,381":1313,"3,382":1314,"3,383":1315,"3,384":1316,"3,385":1317,"3,386":1318,"3,387":1319,"3,388":1320,"3,389":1321,"3,390":1322,"3,391":1323,"3,392":1324,"3,393":1325,"3,394":1326,"3,395":1327,"3,396":1328,"3,397":1329,"3,398":1330,"3,399":1331,"3,400":1332,"3,401":1333,"3,402":1334,"3,403":1335,"3,404":1336,"3,405":1337,"3,406":1338,"3,407":1339,"3,408":1340,"3,409":1341,"3,410":1342,"3,411":1343,"3,412":1344,"3,413":1345,"3,414":1346,"3,415":1347,"3,416":1348,"3,417":1349,"3,418":1350,"3,419":1351,"3,420":1352,"3,421":1353,"3,422":1354,"3,423":1355,"3,424":1356,"3,425":1357,"3,426":1358,"3,427":1359,"3,428":1360,"3,429":1361,"3,430":1362,"3,431":1363,"3,432":1364,"3,433":1365,"3,434":1366,"3,435":1367,"3,436":1368,"3,437":1369,"3,438":1370,"3,439":1371,"3,440":1372,"3,441":1373,"3,442":1374,"3,443":1375,"3,444":1376,"3,445":1377,"3,446":1378,"3,447":1379,"3,448":1380,"3,449":1381,"3,450":1382,"3,451":1383,"3,452":1384,"3,453":1385,"3,454":1386,"3,455":1387,"3,456":1388,"3,457":1389,"3,458":1390,"3,459":1391,"3,460":1392,"3,461":1393,"3,462":1394,"3,463":1395,"3,464":1396,"3,465":1397,"3,466":1398,"3,467":1399,"3,468":1400,"3,469":1401,"4,1":1402,"4,2":1403,"4,3":1404,"4,5":1405,"4,6":1406,"4,7":1407,"4,8":1408,"4,9":1409,"4,10":1410,"4,11":1411,"4,12":1412,"4,13":1413,"4,14":1414,"4,15":1415,"4,16":1416,"4,17":1417,"4,18":1418,"4,19":1419,"4,20":1420,"4,21":1421,"4,22":1422,"4,23":1423,"4,24":1424,"4,25":1425,"4,26":1426,"4,27":1427,"4,28":1428,"4,29":1429,"4,30":1430,"4,31":1431,"4,32":1432,"4,33":1433,"4,34":1434,"4,35":1435,"4,36":1436,"4,37":1437,"4,38":1438,"4,39":1439,"4,40":1440,"4,41":1441,"4,42":1442,"4,43":1443,"4,44":1444,"4,45":1445,"4,46":1446,"4,47":1447,"4,48":1448,"4,49":1449,"4,50":1450,"4,51":1451,"4,52":1452,"4,53":1453,"4,54":1454,"4,55":1455,"4,56":1456,"4,57":1457,"4,58":1458,"4,59":1459,"4,60":1460,"4,61":1461,"4,62":1462,"4,63":1463,"4,64":1464,"4,65":1465,"4,66":1466,"4,67":1467,"4,68":1468,"4,69":1469,"4,70":1470,"4,72":1471,"4,73":1472,"4,74":1473,"4,75":1474,"4,76":1475,"4,77":1476,"4,78":1477,"4,79":1478,"4,80":1479,"4,81":1480,"4,82":1481,"4,83":1482,"4,84":1483,"4,85":1484,"4,86":1485,"4,87":1486,"4,88":1487,"4,89":1488,"4,90":1489,"4,91":1490,"4,92":1491,"4,93":1492,"4,94":1493,"4,95":1494,"4,96":1495,"4,97":1496,"4,98":1497,"4,99":1498,"4,100":1499,"4,101":1500,"4,102":1501,"4,103":1502,"4,104":1503,"4,105":1504,"4,106":1505,"4,107":1506,"4,108":1507,"4,110":1508,"4,111":1509,"4,112":1510,"4,113":1511,"4,114":1512,"4,115":1513,"4,116":1514,"4,117":1515,"4,118":1516,"4,119":1517,"4,120":1518,"4,121":1519,"4,122":1520,"4,123":1521,"4,124":1522,"4,125":1523,"4,126":1524,"4,127":1525,"4,128":1526,"4,129":1527,"4,130":1528,"4,131":1529,"4,132":1530,"4,133":1531,"4,134":1532,"4,135":1533,"4,136":1534,"4,137":1535,"4,138":1536,"4,139":1537,"4,140":1538,"4,141":1539,"4,142":1540,"4,143":1541,"4,144":1542,"4,145":1543,"4,146":1544,"4,147":1545,"4,148":1546,"4,149":1547,"4,150":1548,"4,151":1549,"4,152":1550,"4,153":1551,"4,154":1552,"4,155":1553,"4,156":1554,"4,157":1555,"4,158":1556,"4,159":1557,"4,160":1558,"4,161":1559,"4,162":1560,"4,163":1561,"4,164":1562,"4,167":1563,"4,168":1564,"4,169":1565,"4,170":1566,"4,171":1567,"4,172":1568,"4,173":1569,"4,174":1570,"4,175":1571,"4,176":1572,"4,177":1573,"4,178":1574,"4,179":1575,"4,180":1576,"4,181":1577,"4,182":1578,"4,183":1579,"4,184":1580,"4,185":1581,"4,186":1582,"4,187":1583,"4,188":1584,"4,189":1585,"4,190":1586,"4,191":1587,"4,192":1588,"4,193":1589,"4,194":1590,"4,195":1591,"4,196":1592,"4,197":1593,"4,198":1594,"4,199":1595,"4,200":1596,"4,202":1597,"4,203":1598,"4,204":1599,"4,205":1600,"4,206":1601,"4,207":1602,"4,208":1603,"4,209":1604,"4,210":1605,"4,211":1606,"4,212":1607,"4,213":1608,"4,214":1609,"4,215":1610,"4,216":1611,"4,217":1612,"4,218":1613,"4,219":1614,"4,220":1615,"4,221":1616,"4,222":1617,"4,223":1618,"4,224":1619,"4,225":1620,"4,226":1621,"4,227":1622,"4,229":1623,"4,230":1624,"4,231":1625,"4,232":1626,"4,234":1627,"4,235":1628,"4,236":1629,"4,238":1630,"4,239":1631,"4,240":1632,"4,242":1633,"4,243":1634,"4,244":1635,"4,245":1636,"4,246":1637,"4,247":1638,"4,248":1639,"4,249":1640,"4,250":1641,"4,251":1642,"4,252":1643,"4,253":1644,"4,254":1645,"4,255":1646,"4,256":1647,"4,257":1648,"4,258":1649,"4,259":1650,"4,260":1651,"4,261":1652,"4,262":1653,"4,263":1654,"4,264":1655,"4,265":1656,"4,266":1657,"4,267":1658,"4,268":1659,"4,269":1660,"4,270":1661,"4,271":1662,"4,272":1663,"4,273":1664,"4,274":1665,"4,275":1666,"4,276":1667,"4,277":1668,"4,278":1669,"4,280":1670,"4,281":1671,"4,282":1672,"4,283":1673,"4,284":1674,"4,285":1675,"4,286":1676,"4,288":1677,"4,289":1678,"4,290":1679,"4,291":1680,"4,292":1681,"4,293":1682,"4,294":1683,"4,295":1684,"4,296":1685,"4,297":1686,"4,298":1687,"4,299":1688,"4,300":1689,"4,301":1690,"4,302":1691,"4,303":1692,"4,304":1693,"4,305":1694,"4,306":1695,"4,307":1696,"4,308":1697,"4,309":1698,"4,310":1699,"4,311":1700,"4,312":1701,"4,313":1702,"4,314":1703,"4,316":1704,"4,317":1705,"4,318":1706,"4,319":1707,"4,320":1708,"4,321":1709,"4,322":1710,"4,323":1711,"4,324":1712,"4,325":1713,"4,326":1714,"4,327":1715,"4,328":1716,"4,329":1717,"4,330":1718,"4,331":1719,"4,332":1720,"4,333":1721,"4,334":1722,"4,335":1723,"4,336":1724,"4,337":1725,"4,338":1726,"4,339":1727,"4,340":1728,"4,341":1729,"4,342":1730,"4,343":1731,"4,344":1732,"4,345":1733,"4,346":1734,"4,347":1735,"4,348":1736,"4,349":1737,"4,350":1738,"4,351":1739,"4,352":1740,"4,353":1741,"4,354":1742,"4,355":1743,"4,356":1744,"4,357":1745,"4,358":1746,"4,359":1747,"4,360":1748,"4,361":1749,"4,362":1750,"4,363":1751,"4,364":1752,"4,365":1753,"4,366":1754,"4,367":1755,"4,368":1756,"4,369":1757,"4,370":1758,"4,371":1759,"4,372":1760,"4,373":1761,"4,374":1762,"4,375":1763,"4,376":1764,"4,377":1765,"4,378":1766,"4,379":1767,"4,380":1768,"4,381":1769,"4,382":1770,"4,383":1771,"4,384":1772,"4,385":1773,"4,386":1774,"4,387":1775,"4,388":1776,"4,389":1777,"4,390":1778,"4,391":1779,"4,392":1780,"4,393":1781,"4,394":1782,"4,395":1783,"4,396":1784,"4,397":1785,"4,399":1786,"4,400":1787,"4,401":1788,"4,402":1789,"4,403":1790,"4,404":1791,"4,405":1792,"4,406":1793,"4,407":1794,"4,408":1795,"4,409":1796,"4,410":1797,"4,411":1798,"4,413":1799,"4,414":1800,"4,415":1801,"4,416":1802,"4,417":1803,"4,418":1804,"4,419":1805,"4,420":1806,"4,421":1807,"4,422":1808,"4,423":1809,"4,424":1810,"4,425":1811,"4,426":1812,"4,427":1813,"4,428":1814,"4,429":1815,"4,430":1816,"4,431":1817,"4,432":1818,"4,433":1819,"4,434":1820,"4,435":1821,"4,436":1822,"4,437":1823,"4,438":1824,"4,439":1825,"4,440":1826,"4,441":1827,"4,442":1828,"4,443":1829,"4,444":1830,"4,445":1831,"4,447":1832,"4,448":1833,"4,449":1834,"4,450":1835,"4,451":1836,"4,452":1837,"4,453":1838,"4,454":1839,"4,455":1840,"4,456":1841,"4,457":1842,"4,458":1843,"4,459":1844,"4,461":1845,"4,462":1846,"4,463":1847,"4,464":1848,"4,465":1849,"4,466":1850,"4,467":1851,"4,468":1852,"4,469":1853,"4,470":1854,"4,471":1855,"4,472":1856,"4,473":1857,"4,474":1858,"4,475":1859,"4,476":1860,"4,477":1861,"4,478":1862,"4,479":1863,"4,480":1864,"4,481":1865,"4,482":1866,"4,483":1867,"4,484":1868,"4,485":1869,"4,486":1870,"4,487":1871,"4,488":1872,"4,489":1873,"4,490":1874,"4,491":1875,"4,492":1876,"4,493":1877,"4,494":1878,"4,495":1879,"4,496":1880,"4,497":1881,"4,498":1882,"4,499":1883,"4,500":1884,"4,501":1885,"4,502":1886},"ٜ":{"1":[1,480],"2":[1,453],"3":[1,469],"4":[1,502]},"ٝ":["1,1","1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","2,1","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,354","3,355","3,356","3,357","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","4,1","4,2","4,3","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,229","4,230","4,231","4,232","4,234","4,235","4,236","4,238","4,239","4,240","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502"],"ٞ":{"2":[1,2],"12":[3],"22":[4],"26":[5,6],"54":[7],"57":[8],"58":[9],"62":[10],"63":[11],"71":[12],"73":[13],"74":[14],"85":[15,16],"88":[17],"89":[18],"98":[19],"99":[20],"100":[21],"102":[22],"103":[23],"107":[24],"108":[25],"110":[26],"111":[27],"112":[28],"119":[29],"120":[30],"125":[31],"126":[32],"128":[33],"130":[34],"131":[35],"134":[36],"136":[37],"140":[38],"143":[39,40],"145":[41],"146":[42],"147":[43],"148":[44],"151":[45],"153":[46],"156":[47,48],"157":[49],"159":[50],"162":[51],"169":[52],"170":[53],"171":[54],"172":[55],"173":[56],"176":[57],"179":[58],"183":[59],"184":[60],"185":[61,62],"187":[63,64],"189":[65],"200":[66],"202":[67],"205":[68],"206":[69],"208":[70],"211":[71],"213":[72],"215":[73],"216":[74],"220":[75],"221":[76],"222":[77],"226":[78,79],"227":[80,81],"231":[82],"232":[83],"233":[84],"234":[85],"236":[86],"237":[87],"239":[88],"241":[89],"242":[90],"244":[91,92],"245":[93,94],"247":[95],"248":[96],"249":[97,98],"251":[99],"256":[100],"257":[101],"259":[102],"260":[103],"264":[104],"265":[105],"269":[106],"270":[107],"276":[108,109],"278":[110],"279":[111],"281":[112],"283":[113],"284":[114],"285":[115],"287":[116],"289":[117,118],"291":[119],"292":[120],"294":[121],"300":[122],"318":[123],"319":[124],"321":[125,126],"323":[127],"324":[128],"326":[129,130,131],"328":[132],"329":[133,134],"331":[135],"332":[136],"334":[137],"336":[138],"338":[139],"340":[140],"341":[141,142],"343":[143],"345":[144],"346":[145,146],"347":[147],"348":[148],"350":[149,150],"352":[151],"353":[152,153],"355":[154,155],"356":[156],"358":[157],"360":[158],"361":[159],"366":[160],"368":[161],"369":[162],"370":[163,164],"371":[165,166],"372":[167],"373":[168,169],"375":[170],"376":[171],"377":[172],"378":[173],"379":[174,175],"381":[176],"384":[177],"385":[178],"390":[179],"392":[180,181],"393":[182],"395":[183],"396":[184],"399":[185,186],"402":[187],"403":[188,189],"408":[190,191],"409":[192],"412":[193],"413":[194],"419":[195],"420":[196,197,198],"422":[199],"423":[200],"425":[201],"426":[202],"427":[203],"428":[204],"430":[205,206],"431":[207],"432":[208],"433":[209],"434":[210],"435":[211],"436":[212,213],"438":[214],"442":[215],"444":[216],"445":[217],"447":[218],"454":[219,220],"461":[221,222],"462":[223],"463":[224],"467":[225,226],"469":[227],"470":[228],"471":[229],"472":[230],"473":[231],"474":[232],"477":[233,234],"478":[235,236],"483":[237],"496":[238],"497":[239],"499":[240],"502":[241,242],"504":[243],"507":[244,245],"508":[246],"509":[247],"510":[248],"513":[249],"515":[250,251],"517":[252,253],"518":[254],"519":[255],"521":[256],"524":[257],"527":[258],"528":[259],"529":[260,261],"530":[262],"532":[263],"533":[264],"534":[265,266],"536":[267,268],"539":[269],"540":[270],"541":[271],"542":[272,273],"543":[274,275],"544":[276],"545":[277],"546":[278],"547":[279],"549":[280,281],"550":[282],"552":[283],"553":[284],"556":[285],"557":[286,287],"558":[288],"559":[289],"561":[290,291],"567":[292],"570":[293],"573":[294],"575":[295],"581":[296],"582":[297],"584":[298],"585":[299],"587":[300],"589":[301],"591":[302,303],"593":[304,305],"594":[306,307],"595":[308],"598":[309],"600":[310,311],"605":[312],"608":[313],"609":[314],"610":[315],"612":[316,317],"614":[318],"615":[319,320],"617":[321],"618":[322],"619":[323],"620":[324],"622":[325,326],"623":[327],"627":[328],"628":[329],"631":[330],"632":[331],"634":[332],"635":[333],"640":[334],"645":[335],"647":[336],"649":[337],"650":[338],"651":[339,340],"652":[341],"655":[342,343],"656":[344],"657":[345],"663":[346,347],"664":[348],"665":[349,350],"666":[351],"667":[352,353],"668":[354],"669":[355],"670":[356],"671":[357,358],"673":[359,360],"674":[361],"675":[362],"676":[363],"677":[364],"678":[365,366],"679":[367],"680":[368],"681":[369],"682":[370],"683":[371],"686":[372],"687":[373],"688":[374],"690":[375],"693":[376],"694":[377],"695":[378],"696":[379],"697":[380],"699":[381,382],"704":[383],"705":[384],"706":[385,386,387],"713":[388],"715":[389],"717":[390],"718":[391,392],"719":[393],"720":[394],"721":[395],"724":[396,397],"725":[398,399],"728":[400,401],"729":[402],"731":[403],"732":[404],"733":[405],"734":[406],"736":[407,408],"737":[409],"738":[410],"739":[411],"740":[412,413],"741":[414],"742":[415],"743":[416],"744":[417],"745":[418,419],"748":[420],"749":[421],"751":[422],"754":[423],"755":[424],"756":[425],"757":[426],"758":[427,428],"759":[429],"763":[430],"764":[431,432],"765":[433,434],"766":[435],"769":[436],"770":[437],"772":[438],"776":[439],"782":[440],"783":[441],"785":[442],"787":[443],"788":[444],"795":[445],"796":[446],"799":[447],"800":[448,449],"801":[450],"803":[451],"804":[452],"807":[453],"808":[454],"809":[455,456,457],"810":[458],"811":[459],"812":[460],"814":[461],"816":[462,463],"817":[464],"818":[465],"819":[466],"820":[467],"823":[468],"827":[469,470],"828":[471],"829":[472],"830":[473],"832":[474,475],"833":[476,477],"835":[478,479],"837":[480,481],"838":[482],"839":[483],"840":[484],"841":[485,486],"843":[487],"846":[488],"847":[489],"848":[490],"850":[491],"852":[492],"855":[493,494],"865":[495],"869":[496,497,498],"874":[499],"875":[500],"878":[501],"881":[502],"882":[503],"883":[504],"885":[505],"889":[506],"891":[507,508],"892":[509],"893":[510],"894":[511,512],"895":[513,514,515],"896":[516],"898":[517,518],"900":[519],"901":[520],"902":[521],"903":[522,523],"905":[524],"907":[525],"909":[526],"910":[527],"911":[528,529,530],"912":[531],"914":[532],"916":[533,534],"917":[535,536],"918":[537,538],"919":[539],"920":[540,541],"921":[542,543],"922":[544,545],"924":[546,547],"925":[548,549],"927":[550,551],"928":[552],"930":[553],"931":[554],"938":[555],"940":[556],"943":[557],"945":[558],"946":[559],"947":[560],"951":[561],"952":[562,563],"954":[564],"956":[565],"957":[566],"958":[567],"963":[568,569],"971":[570],"974":[571],"977":[572],"978":[573],"981":[574],"982":[575],"983":[576],"984":[577,578],"985":[579],"987":[580,581,582,583],"988":[584],"989":[585,586,587,588],"990":[589],"991":[590,591],"992":[592,593],"994":[594],"995":[595],"996":[596],"997":[597],"998":[598],"999":[599],"1000":[600,601],"1001":[602],"1002":[603,604,605],"1003":[606],"1006":[607],"1007":[608,609],"1009":[610],"1010":[611,612],"1011":[613,614,615,616],"1013":[617,618,619],"1015":[620],"1016":[621],"1017":[622],"1019":[623,624],"1021":[625],"1022":[626,627,628],"1023":[629,630],"1024":[631,632],"1025":[633],"1027":[634,635],"1030":[636,637],"1032":[638],"1033":[639,640,641],"1036":[642],"1037":[643,644],"1038":[645,646],"1039":[647],"1040":[648],"1041":[649],"1043":[650],"1045":[651],"1046":[652],"1047":[653],"1048":[654],"1049":[655],"1050":[656],"1051":[657,658],"1053":[659,660,661],"1057":[662,663,664],"1058":[665],"1059":[666,667],"1060":[668,669],"1061":[670],"1067":[671,672],"1068":[673],"1071":[674],"1072":[675],"1073":[676],"1076":[677],"1077":[678],"1079":[679],"1080":[680],"1081":[681],"1083":[682],"1085":[683],"1087":[684,685],"1092":[686],"1106":[687],"1122":[688],"1127":[689],"1129":[690],"1130":[691],"1134":[692],"1137":[693],"1148":[694],"1161":[695],"1165":[696],"1167":[697],"1170":[698],"1171":[699],"1173":[700],"1174":[701],"1175":[702],"1176":[703,704],"1177":[705],"1179":[706],"1180":[707],"1184":[708],"1187":[709],"1195":[710],"1199":[711,712],"1201":[713],"1202":[714,715],"1203":[716],"1204":[717,718],"1205":[719],"1207":[720],"1209":[721],"1211":[722],"1217":[723],"1240":[724],"1243":[725],"1244":[726,727],"1247":[728],"1248":[729,730],"1249":[731,732],"1250":[733],"1252":[734],"1254":[735],"1257":[736],"1262":[737],"1268":[738],"1277":[739],"1282":[740],"1283":[741],"1284":[742],"1286":[743],"1287":[744],"1289":[745,746],"1291":[747],"1293":[748],"1294":[749],"1295":[750],"1296":[751],"1298":[752],"1299":[753],"1301":[754],"1306":[755,756],"1307":[757],"1311":[758,759],"1313":[760],"1315":[761,762,763],"1318":[764],"1319":[765],"1324":[766],"1326":[767],"1328":[768],"1330":[769],"1334":[770],"1336":[771],"1337":[772,773,774],"1338":[775],"1340":[776],"1343":[777],"1345":[778],"1346":[779,780,781],"1348":[782],"1354":[783],"1355":[784],"1356":[785,786],"1357":[787],"1358":[788],"1364":[789],"1365":[790],"1369":[791],"1377":[792],"1382":[793],"1404":[794],"1405":[795],"1408":[796],"1412":[797],"1414":[798,799],"1416":[800,801],"1419":[802,803],"1422":[804],"1427":[805],"1436":[806],"1454":[807],"1487":[808],"1499":[809],"1521":[810],"1533":[811],"1542":[812],"1544":[813],"1562":[814],"1563":[815],"1567":[816],"1571":[817],"1572":[818],"1573":[819,820],"1575":[821],"1588":[822],"1596":[823],"1597":[824],"1598":[825],"1602":[826],"1606":[827],"1608":[828],"1623":[829,830],"1625":[831,832],"1627":[833],"1628":[834],"1636":[835],"1637":[836],"1638":[837,838],"1640":[839],"1644":[840],"1650":[841],"1651":[842],"1653":[843,844],"1658":[845],"1661":[846],"1662":[847],"1663":[848],"1667":[849],"1668":[850],"1673":[851],"1676":[852],"1678":[853],"1680":[854,855],"1681":[856],"1682":[857],"1689":[858],"1691":[859,860],"1694":[861,862],"1697":[863,864],"1698":[865,866],"1699":[867],"1700":[868],"1701":[869],"1702":[870,871],"1703":[872],"1706":[873],"1707":[874],"1711":[875],"1712":[876,877],"1714":[878,879],"1715":[880],"1716":[881],"1718":[882],"1723":[883],"1733":[884],"1767":[885,886],"1772":[887],"1782":[888],"1790":[889],"1793":[890],"1798":[891],"1800":[892],"1807":[893],"1811":[894],"1828":[895],"1833":[896],"1834":[897],"1841":[898],"1846":[899],"1859":[900]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"- (الجزء الأول) -","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>تقديم\nبقلم: فضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين محمد وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد! فإن علم الحديث -بجميع فروعه وأقسامه وما يتصل به اتصالًا قريبًا أو بعيدًا- من العلوم التي نضجت واحترقت. كما قال بعض حذاق العلماء والمؤرخين، وصيارفة العلوم والفنون، ولم يدع المشتغلون بهذه الصناعة في القوس منزعًا، وهبت على الصحاح الستة التي عليها الاعتماد في صناعة الحديث نفحة من نفحات الخلود والقبول، اللذين خص الله بهما نبيه المصطفى ﵌، وأعلن عن ذلك بقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ لاختصاص هذه الكتب بأخباره وأقواله، وأحواله وآثاره - ﷺ -، ولشدة إخلاص جامعيها في عملهم، وجهادهم الأكبر في ذلك، وعلو همتهم ودقة نظرهم، وإيثارهم هذا المقصد الأسنى على كل ما يعز ويلذ، ويشغل ويستهوى، وتجردهم له تجردًا يندر نظيره في تاريخ العلوم والفنون، وفي تاريخ المنقطعين والمتجردين، من العلماء والزاهدين، والمتبتلين المجاهدين.\nوسرى نور هذا العمل الخالص، والحياة المباركة التي يدور حولها، وينبع عنها هذا العلم الشريف، وهذه المكتبة الفذة، فأشرقت الأرض بنور ربها، وأضاء كل جانب من جوانب هذه المكتبة، وتناول أئمة كل عصر، ونوابغ كل بلد كل","vol":"1","page":1},{"text":"ما يتبادر إليه الذهن. ويجول في الخاطر، أو تقع إليه الحاجة من أخبار جامعيها، وتراجم حياتهم، وأخبار أساتذتهم وشيوخهم، وشروطهم والتزاماتهم في هذه الكتب، وخصائصها، وما يمتاز به بعضها عن بعض، والمقارنة بينها، وفضل بعضها على بعض، ومذاهبهم في اختيار الروايات، وترجيحها وتركها. وقبول الرواة وردهم، وحكمهم على الأحاديث المروية، والفوائد التي استخرجوها منها، والأحكام التي استنبطوها، إن كان هنالك هذا الصنف من الكلام، وهذا الجانب من الفقه. وسمت همة الشراح ودقة فهومهم، فاقتصوا في ذلك الأوابد، وشقوا فيه الشعرة، وكثرت الشروح والتعليقات، واشتدت العناية بتدريسها ونشرها وروايتها، والإجازة فيها حتى أصبحت تلي كتاب الله في تلقي الأمة لها، والعناية بها، ولنظرة عجلى في الكتب التي ألفت في تاريخ العلوم، وفي تاريخ علوم الحديث خاصة، وفي الكتب التي ألفت في أسامي العلوم والفنون والكتب، ومقدمات الشروح الكبيرة لهذه الكتب الستة. تكفي للاطلاع على ضخامة هذه الثروة، واتساع هذه المكتبة الحديثية، ومدى عناية الأمة وشغفها بحديث نبيها ﷺ بصفة عامة، وبالصحاح الستة بصفة خاصة.\nولجامع الإمام أبي عيسى الترمذي مكانة خاصة في هذه الصحاح التي تلقتها الأمة بالقبول، وأجمعت على علو درجتها، فإنه قد استفاد بما سبق إليها أستاذاه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام مسلم بن الحجاج القشيري بالتأليف. وبذل الجهد في جمع الصحاح، وكل ما سبق تأليفه في هذا الشأن، وشق له طريقة خاصة من بين أئمة الحديث، والذين صنفوا في هذا الموضوع، وهكذا كل من جاء بعد السابقين الأولين، ورزق ملكة التصنيف وقوة الاجتهاد والإبداع، والاقتدار على الصناعة، وقوة التصرف فيها، ونضج علمه ونبغ عقله بالتقدم في السن، وبطول الممارسة للصناعة، وطول الصحبة لأئمة هذا الفن، وحبه ووفائه لهم، والاعتراف لهم بالسبق والفضل، وتواضعه وزهده في الدنيا، وتجرده من الأغراض، وطول دعائه وابتهاله إلى الله.","vol":"1","page":2},{"text":"وكان يبدو للناظر في الصحيحين وقد بلغا في الصحة والدقة، والاقتدار على الصناعة، وفي سنن الإمام أبي داؤد السجتاني فقد جمع شمل أحاديث الأحكام بترتيب حسن ونظام جيد، إنهم ما تركوا لمن يأتي بعدهم شيئًا، وإن وضع كتاب في الأحاديث الصحيحة يكون من قبيل تحصيل الحاصل. وجهادًا في غير جهاد، وجاء الإمام أبو عيسى فوضع هذا الكتاب، وقد نيف على الستين من عمره وهي سن النضج والنبوغ العقلي والحصافة، فظهرت فيه شخصيته التأليفية الفنية واضحة جلية، وبرهن على أنه سد عوزًا في هذه المكتبة الزاخرة التي كانت قد تكونت في هذا العصر الباكر، وعلى أنه زاد في هذه الثروة، وجاء بشيء جديد، فقد جمع بين طريقتي شيخيه البخاري ومسلم في الجمع بين الفقه وبين وضع الحديث في موضعه، وجمع بين محاسنهما واختصاصاتهما، فجمع الروايات المتعددة في مكان واحد، كما فعل مسلم، وأتى بالفوائد الإسنادية كما هو دأب البخاري في مواضع من كتابه، وتكلم على أحاديث كتابه حديثًا حديثًا، وتفرد بمصطلحات ومسائل علمية خاصة به، لا توجد في غير كتابه.\nوكان من أول من طرق موضوع ما يسميه الناس اليوم بالفقه المقارن، وكان له فضل كبير يجب أن تعترف الأمة به في حفظه لفقه المدارس الاجتهادية في عصره، ولولاه لضاع منه الشيء الكثير، وعفا عليه الزمان، وتلك خصيصة لجامعه تفرد بها من بين مصنفات الحديث والسنة، فهو من أوثق المراجع وأقدمها في الخلاف، سيما في معرفة المذاهب المهجورة، كمذاهب الأوزاعي والثوري، وإسحاق بين راهويه، وكان من حسناته أنه حفظ للمتأخرين مذهب الشافعي القديم.\nويكاد يكون كتابه «الجامع» المرجع الأساسي في الأحاديث الحسنة، وهي ثروة حديثية لا يستهان بقيمتها، ولا يستغني عنها، ولا نعرف أحدًا من المحدثين الكبار الذين عليهم العمدة في هذه الصناعة اعتنى بهذا الجانب مثل اعتنائه، حتى قال الإمام أبو عمر عثمان بن صلاح في كتابه «علوم الحديث» (١) «كتاب\n_________\n(١) ص ١٤ - ١٥.","vol":"1","page":3},{"text":"أبي عيسى الترمذي ﵀ أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في جامعة».\nثم إنه اعتنى اعتناءًا خاصًا بعلوم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وتفرد ببعض المسالك في صناعة الأسانيد، لا يتفطن لها، ولا يعرف قدرها إلا من رسخت قدمه، وعلا كعبه في علوم الحديث وصناعته، هذا عدا فنون كثيرة اشتمل عليها هذا الكتاب، ولذلك قال حافظ بن الأثير في جامع الأصول «هو أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أحوال الحديث من الصحيح والسقيم، والغريب. وفيه جرح وتعديل» وقال الإمام أبو إسماعيل عبد الله محمد بن الأنصاري «وكتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم ....... لأن كتابه يصل إلى فائدته كل أحد من الناس».\nوكان كلام شيخ مشائخنا شيخ الإسلام ولي الله الدهلوي أشمل لمحاسن هذا الكتاب وخصائصه، وأدق وأعمق في بيان فضله من بين الصحاح الستة، قال ﵀ في «حجة الله البالغة»:\n«ورابعهم أبو عيسى الترمذي، وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما أيهما، وطريقة أبي داؤد حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب فجمع كلتا الطريقتين وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار، فجمع كتابًا جامعًا، واختصر طرق الحديث اختصارًا لطيفًا، فذكر واحدًا وأومأ إلى ما عداه، وبين أمر كل حديث من أنه صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منكر، وبين وجه الضعف ليكون الطالب على بصيرة فيعرف ما يصح للاعتبار عما دونه، وذكر أنه مستفيض أو غريب، وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار وسمى من يحتاج إلى التسمية، وكنى من يحتاج إلى الكنيسة، ولم يدع خفاءًا لمن هو من رجال العلم، ولذلك كاف للمجتهد مغن للمقلد» (١).\n_________\n(١) حجة لله البالغة ص ١٧٦ - ١٧٧.","vol":"1","page":4},{"text":"وقد عنى بشرحه والتعليق عليه كبار المحدثين في عصور مختلفة، ذكر أسماءهم الحاج خليفة جلبي صاحب «كشف الظنون» والعلامة المحدث عبد الرحمن المباركفوري صاحب «مقدمة تحفة الأحوذي» وجاءت هذه الأسماء في المقدمة التي تلي هذا التقديم، وكان منهم علماء الهند في عصور وبلاد مختلفة، استقصى أسماءهم وأسماء كتبهم وتعليقاتهم صاحب (١) كتاب «الثقافة الإسلامية في الهند» وكان ذلك هو المتوقع واللائق بعلو درجة هذا الكتاب وأهميته، وتعرضه للمذاهب الفقهية، والأحاديث المؤيدة لها، الدالة عليها، أو الناقضة لها، وحلوله المكان الأول في المناهج الدراسية، وحلقات التدريس للحديث الشريف.\nوكان علماء المذهب الحنفي من أحوج علماء المذاهب، والمشتغلين بعلم الحديث بالاعتناء بهذا الكتاب الجليل، لاشتماله على مجموعة كبيرة من أحاديث الأحكام، وما يستدل به أهل المذاهب في إثبات مذاهبهم، وما ذهبوا إليه من قديم الزمان، ولاعتماد كثير من مخالفيهم على ما أخرجه الترمذي، وما نقله من مذاهب الفقهاء فكان هذا الكتاب جديرًا كل الجدارة باعتنائهم به، وعكوفهم على شرحه، والاستدلال على صحة مذهبهم، وقوته في ضوء الحديث الصحيح، وبيان أدلة مذهبهم. ووجوه استنباطها على أساس ما صح من الأحاديث، واحتوت عليه دواوين السنة، وذلك شيء طبيعي، فإن جامع الترمذي هو أقوى الكتب الستة اتصالًا بالمذاهب الفقهية وأدلتها، وترجيح بعضها على بعض، فما يمكن التغاضي عنه لمحدث أو مدرس للحديث الشريف يعمل بالمذهب الحنفي.\nولكن من الغريب أن علماء المذهب الحنفي، والمشتغلين منهم بعلم الحديث لم يخلفوا آثارًا كثيرة في هذا الموضوع، وكل ما عثرنا عليه مما كتب بالعربية، شرح عليه للشيخ طيب بن أبي الطيب السندي من رجال آخر القرن العاشر الهجري، وشرح لأبي الحسن بن عبد الهادي السندي المدني (م ١١٣٩ هـ) وجل ما أثر عن علماء الهند- وهم حملة راية الدفاع عن المذهب الحنفي، والجامعين بين الحديث\n_________\n(١) هو العلامة السيد عبد الحي الحسني صاحب «نزهة الخواطر» المتوفي ١٣٤١ هـ.","vol":"1","page":5},{"text":"والفقه- إما بالفارسية، لغة المسلمين العلمية والتأليفية التي تلي اللغة العربية في هذه البلاد، كشرح الشيخ سراج أحمد السرهندي (م ١٢٣٠ هـ) وإما بالأردية اللغة التي حلت محل الفارسية في العهد الأخير كجائزة الشعوذي للشيخ بديع الزمان بن مسيح الزمان اللكهنوي (م ١٣٠٤ هـ) وشرح للشيخ فضل أحمد الأنصاري (١).\nوإما مجموع إفادات أفاد بها بعض كبار شيوخ الحديث في درسهم لجامع الترمذي، قيدها بالكتابة بعض نجباء تلاميذهم غالبًا في أثناء الدرس، ونادرًا على إثر انصرافهم عنه إلى مكانهم ويسمى (تقرير) وعبر عنه صاحب «الثقافة الإسلامية في الهند» بقوله: «شرح عليه بالقول» ومن هذه المذكرات أو الإفادات شرح للمفتي صبغة الله بن محمد غوث الشافعي المدارسي (م ١٢٨٠ هـ)، ومنها «المسك الزكي» للإمام المحدث الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ﵀ (م ١٣٢٣ هـ) وتعليقات للعلامة محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند (م ١٣٣٩ هـ)، ومنها «العرف الشذى على جامع الترمذي» للعلامة محمد أنور شاه الكشميري (م ١٣٥٢ هـ) وجمعها تلميذه الفاضل الشيخ محمد جراغ البنجاني.\nواستثنى من هذه الكلية كتاب «معارف السنن» للعلامة المحدث الشيخ محمد يوسف البنوري شيخ الحديث بالمدرسة العربية الإسلامية في «كراتشي» ومديرها، وهذا الشرح كما يقول مؤلفه، ألفه في ضوء ما أفاده أستاذه العلامة الجليل الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، إلا أن هذا الكتاب لم يتم طبعه بعد (٢).\nوهذا الكتاب القيم الذي بأيدينا مجموع إفادات وتحقيقات للإمام المحدث الفقيه، المربي الجليل، المصلح الكبير، الداعي إلى عقيدة التوحيد الخالص، والسنة السنية البيضاء، وإصلاح النفس، والإنابة إلى الله، الإمام رشيد أحمد الكنكوهي (٣) (م ١٣٢٣ هـ) وقد جاء في ترجمته في «نزهة الخواطر».\n_________\n(١) ذكره صاحب الثقافة، ولم نعثر على سنة وفاته؛ ولا اسم كتابه.\n(٢) قد ظهرت منه ستة مجلدات إلى الآن؛ ووصل المؤلف في الجزء السادس منه إلى آخر أبواب الحج.\n(٣) اقرأ ترجمته الحافلة في الصفحات الآتية بعد هذا التقديم نقلًا عن الجزء الثامن من «نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر» للعلامة عبد الحي الحسنى.","vol":"1","page":6},{"text":"«وكان قبل سفر الحجاز في المرة الثالثة يقرئ في علوم عديدة من الفقه والأصول والكلام؟، والحديث والتفسير، وبعد العودة من الحجاز في المرة الآخرة، أفرغ أوقاته لدرس الصحاح الستة والتزم بدرسها في سنة واحدة، وكان يقرئ جامع الترمذي أولًا، ويبذل جهده فيه في تحقيق المتن والإسناد، ودفع التعارض، وترجيح أحد الجانبين، وتشييد المذهب الحنفي، ثم يقرئ الكتب الآخر «سنن أبي داؤد» فصحيحي البخاري ومسلم، فالنسائي، فابن ماجة سردًا مع بحث قليل فيما يتعلق بالكتاب» (١).\nفكان الشيخ كما فهم مما نقلناه، وتواتر عن تلاميذه، يقدم تدريس «جامع الترمذي» على سائر كتب الحديث، ويفيض في الشرح والإيضاح، ويذكر ما فتح الله به عليه، وأدت إليه دراسته وممارسته للفن، وتعمقه فيه، ويتوسع ما لا يتوسع في غيره، وكان مما أكرمه الله به، القول المتين الفصل بعبارة وجيزة، قليلة المباني، كثيرة المعاني، مؤسسًا على دراسة عميقة للفقه وأصول الفقه، ومناسبة فطرية بصناعة الحديث، والتمسك بلباب المقصود، بعيدًا عن الافراط والتفريط، والتوسع في نقل أقوال السلف وحججهم، مستعينًا في ذلك بما امتاز به من بين أقرانه من سلامة ذوق، وصفاء حسن، واقتصاد في النقد والمحاكمة، وحسن ظن بالسلف، والتماس عذر لهم، وتواضع ظاهر.\nوقد قيد هذه الإفادات والتحقيقات تلميذه النجيب النسابغ الوفي الشيخ محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكاندهلوي (م ١٣٣٤ هـ) حين حضر هذا الدرس الحافل سنة ١٣١١ هـ، وكانت له (كما جاء في تقديم كاتب هذه السطور لمقدمة أوجز المسالك) ملكة علمية راسخة، يتوقد ذكاءًا وفطنة، وكان شيخه عظيم الحب كثير الإيثار له، قد اتخذه بطانة لنفسه، وراوية علمه، وكاتب رسائله، فقيد دروس الشيخ، ودون أماليه، ونقحها وحررها.\n_________\n(١) ج ٨ ص ١٤٩ - ١٥٠.","vol":"1","page":7},{"text":"ومن ضمن هذه الإفادات والتحقيقات بل في مقدمتها هذه المجموعة التي (١) نتشرف بتقديمها، وتنشر للقراء العرب بالحروف الحديدية لأول مرة باسم «الكوكب الدري» وكان يقيد ما يسمعه من شيخه في درس جامع الترمذي نفس اليوم بالعربية، وكان ينتهز أول فرصة لتقييدها حتى لا تفوته فائدة، ولم يقدر له أن يستأنف النظر في هذه المذكرات، والفوائد المقيدة، وأن يحررها تحرير المؤلفات التي تؤلف على هدوء تام، وطمأنينة نفس، واجتماع فكر، وفراغ خاطر، واتساع وقت، إلا أنه- جزاه الله عن المشتغلين بتدريس الجامع، وعن جميع من يعرف قيمة هذه الإفادات التي هي عصارة دراسة طويلة، وتأمل كبير- قد صان هذه الدرر العلمية من الضياع والتلف، وترك أساسًا يبني عليه ويشيد البناء، فجاء نجله العلامة الشيخ محمد زكريا الذي قدر الله له حفظ هذا التراث العلمي ونشره، والتوسيع فيه، وإكمال ما بدأ به والده العظيم، وأفاد به شيخه الجليل، فتناول هذه المجموعة التي كادت تضيع وتطير به العنقاء، بالتحرير والتنقيح، والمقابلة والتصحيح.\nوكتاب «الكواكب الدري» - وهو بالمذكرات أشبه منه بشرح ضاف واف، لجامع الترمذي- على وجازته وقلة حجمه، وعدم استيفائه للشرح للكتاب من أوله إلى آخره، يشتمل على فوائد كثيرة لا يعرف قيمتها إلا من اشتغل بتدريس الجامع طويلًا، وعرف مواضع الدقة والغموض التي لا يرتاح فيها المدرس الحاذق، أو الطالب الذكي إلى ما جاء في عامة الشروح والتعليقات، ويتوق فيها ويتطلع إلى ما يحل العقدة، ويروى الغلة بكلام فصل لا فضول فيه ولا تقصير، هذا إضافة إلى فوائد في اللغة وغريب الحديث وعلم الرجال والأصول، ومقاصد الشريعة، وفيه بعض النكت واللطائف التي يعين عليها صفاء النفس وإشراق القلب والحب، والقول السديد في ترجيح بعض الوجوه\n_________\n(١) ظهرت الطبعة الحجرية في جزئين من المكتبة اليحيوية بسهارنفور قبل مدة طويلة.","vol":"1","page":8},{"text":"على بعض، وتعيين معنى من المعاني بالذوق والممارسة، وجواب للإيراد على المذهب الحنفي.\nوقد تجلى الذوق الأدبي في بعض المواضع من الشرح، وظهرت طلاوة العبارة وحلاوة التعبير، لأن الشارح كانت له قدم في الأدب، وقد تأتي العبارات مقفاة مسجوعة على عادة الكتاب في ذلك العصر من غير تكلف وركاكة.\nوأضاف العلامة المحدث الشيخ محمد زكريا جامع هذه المذكرات إلى صلب الكتاب ما جاء من فوائد في شروح للكتب الأخرى مستقاة من نبع على واحد، كـ «بذل المجهود» و«لامع الدراري» وغيره، وعلق على الكتاب تعليقًا مفيدًا منيرًا يكشف عن الغامض، ويفصل المجمل، ويوضح المبهم، وضمه تحقيقات استخرجها من كتب أخرى، وعنى بتنقيح الأقوال، وتحرير المذاهب، معتمدًا في ذلك على ما توصل إليه من كتب المذاهب الأربعة التي لم يتفق نشرها في حياة الشارح، ولم يتسن الاطلاع عليها فزاد في قيمة الكتاب العلمية، وساعد على الانتفاع به، وزاد فوائد استفادها في حياته التعليمية الطويلة، وطول ممارسته لصناعة الحديث، وكثرة مراجعته لما ألف في علوم الحديث ونشر أخيرًا، والعلم بحر لا ساحل له.\nوأضاف إليه كذلك ما استفاده في درس والده العلامة، وقد تكون أمورًا ذوقية، أو علومًا وجدانية، هداه إليها ذوقه السليم، ونظره العميق، وطول اشتغاله بصناعة الحديث وإخلاصه وصفاء ذهنه، وقد تكون أقرب إلى الصواب، وأكثر كشفًا لمعاني الحديث من كثير ما تناقله الشراح.\nوإني وإن لم استوعب قراءة الكتاب حرفيًا لضعف بصري، وكثرة اشتغالي سعدت بتصفحه وإجالة النظر فيه، وتمنيت لو وقع هذا الكتاب بيدي وحظيت به حين أكرمني الله بتدريس الجامع لفترة قصيرة في دار العلوم لندوة العلماء فوفر علي وقتًا، وعثرت على حصيلة دراسات وتأملات في لفظ قليل وعبارة","vol":"1","page":9},{"text":"وجيزة، ولا أزكي على الله أحدًا، ولا أدعي أن كل ما جاء فيه من تحقيقات وآراء، وترجيحات واختيارات، لا يجوز العدول عنه، ولا يمكن الزيادة عليه، ولكني أشعر بغبطة وشرف إذ أقدم لهذا الكتاب الذي له اعتزاء إلى موضوع هو من أشرف المواضيع ومقصد هو من أسنى المقاصد، وينتهي نسبته ونسبه إلى حديث رسول الله - ﷺ - وصدر من فم عالم رباني، ودون بقلم تلميذ مخلص، وعالم جليل، وحلى بتعليق من عالم أجهد نفسه، وأضنى قواه، ووهب حياته لخدمة الحديث الشريف، وكفى بذلك فخرًا وشرفًا، وأولئك قوم لا يشقى بهم جليسهم والمنخرط في سلكهم، والحمد لله أولًا وآخرًا.\nأبو الحسن علي الحسني الندوي\nدار العلوم ندوة العلماء- لكهنؤ\n١٣ ربيع الأولى ١٣٩٥ هـ\n٢٧/ ٣/١٩٧٥ م","vol":"1","page":10},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nالكوكب الدري\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة المحشى</span>\nالحمد لله الذي آتانا من لدنه رحمة فهيأ لنا من أمرنا رشدًا، وأنزل لنا من أمره روحًا يحيى به قلوب السعداء ويصير للأشقياء شهابًا رصدًا، أرسل سيد الرسل بالرشد والفلاح فالعاضون بالنواجذ على سننه هم الأحباء لله وأولياؤه ونشر به الحكم والمعارف فالمبلغون لمقالاته بعد سماعها هم الناضرون وجوهًا يوم القيامة وأصفياؤه، وعلى آله وصحبه وأتباعه الذين أراد الله بهم الخير ففقهم في الدين والشرائع، وجعلهم أئمة وهداة يخرجون الناس من غياهب الشكوك والأوهام إلى أنوار الحجج والسواطع، أفاض عليهم من العلوم الدنية ما خلت عنه الدواوين والأسفار، وكلت دون إدراكها إذهان ذوي الألباب الذكية والأبصار، غرسهم بأيدي الكرامة فالمقتطفون من ثمار جهدهم هم النجباء الفائزون، وجدد بهم الدين القويم فالمتبعون لآثارهم هم السعداء الناجحون.\nأما بعد: فمن أعظم ما من الله به على هذه الملة البيضاء أن بعث لها مجددين مثل حضرة قطب الأقطاب، رئيس ذوي الفضل والألباب، إمام الأئمة، مقتدي الآجلة، مقدام الحكماء، مفتخر النجباء، من بأنفاسه الشذية تحي النفوس والأرواح وبهمته القدسية تتجلى القلوب وتتزكى الأشباح، ملأ أطباق الأرض شرقًا وغربًا بالمعارف والإيقان، ونشر في أرجاء الغبراء فوائح السنة والإحسان، أبي حنيفة","vol":"1","page":11},{"text":"الزمان، وشبلى الدوران، أمير المؤمنين في الحديث حجة الله على العالمين، العارف بالله، شمس العلماء مولانا أبي مسعود رشيد أحمد الأنصاري الأيوبي الكنكوهي الحنفي الجشتي النقشبندي القادرون السهروردي -قدس الله سره العزيز- فإنه رحمه الله تعالى ترعرع مجدًا في العلوم الدينية وارتحل لها إلى البلدان القصية، وحضر حلق أفاضل مشايخ الزمان، فتفقه وسمع وخاض بحار العلوم وأسفار الفنون لدى الكمل من أساتذة الدوران.\nولم يزل هذا دأبه حتى مهر في سائر العلوم سيما علوم السنن والأحاديث النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية، فما أنفك مرتقيًا قللها الشامخة حتى أشير إليه بالبنان، بأنه هو السابق في الميدان، وضربت إليه إكباد الإبل من كل فج عميق من الهند والسند وآفاق الصين والخراسان، فهرعت إليه عطشى السنن يغترفون من بحار حديثه ويصدرون بالارتواء، فمن مستكثر ومقل ومنهوم لا يكاد ينقطع له العيش والظمأ هذا وإن من لم تساعده المقادير لم يزل أيضًا مذعنًا بجناته، ومقرًا بلسانه، إنه هو المتوحد في زمانه، والمتفرد في أوانه، وكيف لا؟ فإن القوة الاجتهادية وحافظة الحديث وملكة الاستنباط وإجادة وجوه التطبيق بين الأحاديث المختلفة، وإظهار محاسن الارتباط بين المضامين المتنافرة، وكمال العدالة والتقدس والتبحر في العلوم العقلية والنقلية والبراعة في الفقه والأصول والحيازة في الآلات والمقاصد والارتقاء على قلل المعارف الإلهية، والاكتساب بوجوه الحضور الدائم مع الاستقامة الشرعية لم توجد بمثابة لدى أحد في زمانه، لا منفردة ولا مجتمعة.\nوليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم واحد\nوذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\nوالحقيقة التي لا تنكر أن الله ﷾ قد تفضل عليه برابطة روحانية قوية بسيد الرسل عليه أكمل الصلوات وأفضل التحيات، والفنائية فيه حتى صارت","vol":"1","page":12},{"text":"العلوم والمعارف تنعكس على قلبه الأطهر من مشكاته ﵇ فإذا خاض في بحار معاني الحديث والآيات تشاهد كأن الكلمات والجمل تصدر من حضرة الرسالة ﵊ وذلك فضل الله ليس يجحد، ومن ههنا كان الحضار لمجلس التحديث يزدادون شغفًا ومحوًا لدى تكلمه وإفادته فلم يكادوا أن يقنعوا بسكوته في تلك المجالس الذكية وكانوا يشتاقون إلى جريانه في أساليب الكلام وتقدير السنن وتحقيق المسائل، ولعل هذا السر هو الذي أحدث وجود جذبات العمل بالسنة في تلاميذه فوق ما يوجد في عامة طلبة العلم وكان رحمه الله تعالى يهتم جدًا لتطبيق الأحاديث المختلفة بادي الرأي، وجل توجهه إنما كان إلى الدراية وفقه الروايات لأسرد متون الروايات فقط، كما هو دأب عامة المحدثين في الأزمنة المتأخرة وكانت الأنوار والبركات المعنوية والسكينة القلبية تسكب هطالة على قلوب المسترشدين والتلامذة يشاهدها أرباب البصائر والقلوب، وكان رحمه الله تعالى في ابتداء الأمر يشتغل بتدريس الفقه والأصول والتفسير أيضًا علاوة على الحديث، ولكنه اقتصر في أواخر عمره، على تدريس الحديث فقط، وكانت الأمهات الست تبتدئ عليه في أوائل شوال، وتختم إلى أواخر شعبان، فجرت هذه الوتيرة نحوًا من عشرين سنة وتخرج عليه في هذه المدة ما ينوف من ثمان مائة رجل من الفضلاء والأذكياء.\nثم عاقه رحمه الله تعالى عن هذا الاشتغال تواتر الآلام والبلايا، كما هو سنة الله في المقربين، فإن أشد الناس بلاءًا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وكذلك تكاثرت عليه الفتاوى من سائر الأقطار والبلاد وهجمت على أعتابه العلية ظمأي المعارف الروحانية وعطشى شراب القرب والمرضاة الربانية وقصاد النسبة الإلهية فأشغلته عما كان بصدده من عنفوان شبابه فقصد أن يترك الاشتغال بالتدريس والأسماع ورأى أن الأهم حينئذ غيره مما ذكر آنفًا، وكان سيدي الوالد حضرة مولاي وسندي وملجائي وملاذي ووسيلتي في الدارين مولانا محمد يحيى الكاندهلوي -قدس الله سره العزيز- بعد فراغه عن سائر الكتب الدراسية النظامية مجتنبًا عن","vol":"1","page":13},{"text":"قراءة الحديث ظنًا منه أن الاشتغال به عند غير الماهر المتقن المتضلع بالعلوم العقلية والنقلية المتكمل للآلات والمقاصد مقدمة لسوء الظن بالأئمة المجتهدين بل مرادف لترك تقليد هؤلاء الكرام، شموس الهدى ومصابيح الظلام.\nفقد جرب غير مرة أن أهل الزمان لم يستفيدوا بمثل هذا إلا اللعن على أوائل الأمة، والطعن عن منار الهدى والأئمة، والسب والشتم للأخلاف، والعناد والبغض بالأسلاف، فالأحرى أن لا يشتغل والحالة هذه بعلم الحديث وحديث إنه رحمه الله تعالى كان قرأ سائر الفنون والكتب في مدرسة حسين بخش المرحوم الواقعة بدهلي، المشهورة إذ ذاك بحسن التعليم والتدريس وكمال النظام، فلما حان اختتام بعض السنين أعلن أراكين المدرسة بأسامي من يعطي له حسب العادة سند الفراغ والعمامة في تلك السنة بعد الامتحان في الكتب الانتهائية، فأعلنوا اسم سيدي الوالد المرحوم في جملة من يمتحن في صحيح البخاري، وحيث إن سيدي الوالد المرحوم كان مصرًا على عزمه المذكور آنفًا، فلم يحضر في شيء من كتب الحديث بالمدرسة ولا غيرها، ولم يقرأ منها إلى تلك الساعة ولا سطرًا فشدد النكير على أراكين المدرسة على إعلان اسمه وأبي كل الآباء عن قراءة الحديث والامتحان في كتبها وأولئك كانوا يصرون على امتحانه والقراءة لما يعرفون من ذكاوته فقالوا إن المدة الواقعة بين الإعلان والامتحان طويلة تنوف عن خمسة أشهر فيسهل لك فيها أن تفرغ عن قراءة الجامع الصحيح البخاري، بل وعن سائر الصحاح الستة فلم يلق بالًا لمقترحهم.\nولما رأوا أنه لا يواتيهم على مقصودهم رفعوا الأمر إلى سيدي الجد المرحوم أعنى مولائي الحافظ محمد إسماعيل -قدس الله سره العزيز- وألحوا عليه إلحاحًا غير معتاد وطلبوا منه أن يأمر ولده سيدي الوالد المؤمى إليه آنفًا أمر إيجاب بإسعاف ما يراد فقبل حضرة الجد المرحوم بغيتهم وحكم على سيد الوالدي المرحوم","vol":"1","page":14},{"text":"حكمًا باتًا بإتيان ما يطلبون فلم يجد بدًا عن الإسعاف فأراد أن يشترك الامتحان بالمطالعة فقط، بدون أن يقرأ الكتاب لدى أحد من مدرسي المدرسة ففرغ نفسه لمطالعة صحيح البخاري وحواشيه والشروح، واختلى عن الناس في حجرة ذات بابين بمسجد سلطان نظام الدين المرحوم، وكان أحد البابين ينفتح إلى مسجد، والآخر إلى الصحراء، فأما الأول فكان يغلقه على نفسه دائمًا، ويفتحه للصلوات لدى تكبيرة الافتتاح، ويحضر الجماعة ثم يغلق ولا يأتي بالرواتب وغيرها إلا بالحجرة، وأما الثاني: فكان مفتوحًا دائمًا لتلاميذ الجد المرحوم، الذين كانوا موظفين بإحضار الطعام والحوائج الآخر، فكانوا يضعونها في أمكنتها المعينة فمضى على هذه الحالة زمان طويل لا يدري أهل المحلة بوجوده هناك.\nومن غرائب ما وقع في تلك الأيام، أنه جاء التلغراف من كاندهلة، طلبًا لقدومه إليها للنكاح، فردوه قائلين: إنه ليس بموجود ههنا منذ مدة مديدة، وكان -رحمه الله تعالى- لدى مطالعة صحيح البخاري وحواشيه وشروحه، يطالع «سيرة ابن هشام، و«معاني الآثار» للطحاوي، و«الهداية» و«فتح القدير» فاستوعبها، بغاية الدقة والإمعان، فلم يأت أيام الامتحان، إلا وقد فرغ من هذه الكتب جملتها، وعلق في صدره سائر المضامين المندرجة فيها بغاية الإتقان، فكان من ثمرات ذلك أن حضرة الممتحن أعنى صدر الأفاضل، فخر الأكابر والأماثل، مولانا خليل أحمد الأنصاري صدر المدرسين بمظاهر العلوم، وشارح أبي داؤد، لما امتحنه واطلع على أجوبته فرح جدًا، وقال: إن كثيرًا من علماء الزمان والمدرسين لا يقدرون أن يكتبوا مثل هذه الأجوبة، وأطرى في مدحه بين الناس جدًا.\nثم ذهب إلى أمير المؤمنين في الحديث حضرة القطب الكنكوهي قدس سره المؤمى إليه سابقًا، فمدح الوالد لدى حضرته وأبدى أن حسن قابليته للعلوم الدينية حفظًا وفهمًا من عجائب الزمن، فمثله لا ينهر عن الأنهار، ولا يزجر عن","vol":"1","page":15},{"text":"اغتراف البحار، فلا بد من فتح دورة الحديث وتدريسه له خاصة، فإنه لم يأت على أعتابك تلميذ يتوسم فيه ما يتوسم في المولوي محمد يحيى ولم يزل يمدحه ويشفعه ويظهر كمال قابليته إلى أن رضى حضرة القطب الكنكوهي -قدس الله سره العزيز- بتدريس دورة الحديث فشرع فيها بغاية الطمأنينة والتحقيق فلولا تزول الماء في عيني حضرته -قدس الله سره العزيز- الذي اضطره إلى ختم الدورة تيك في مقدار سنتين لأدى الأمر إلى مدة طويلة تنوف عن أربع أو خمس سنوات، ولما فاز حضرة الوالد المرحوم بمرامه الذس كان مضطربًا له منذ مدة مديدة سر جدًا وبذل غاية جده في سائر ما يلزم لطالب العلم عمومًا، ولطالب الحديث خصوصًا، فكان يقول إنه لم يفتني شيء من روايات الصحاح الستة، وكتب الدورة عن السماع أو القراءة لدى حضرة الأستاذ -قدس الله سره العزيز-.\nوكان رحمه الله تعالى بعد الفراغ عن الدرس يكتب سائر ما يسمع من حضرة الأستاذ باللغة العربية، فهذه المجموعة المهداة إلى أرباب البصائر هي تلك المضامين التي جمعها حضرة سيدي الوالد -قدس الله سره العزيز- حتى ينتفع بها العامة من أرباب العلم والكمال، وكان يقول إني كنت في أيام كتابة التقريرات لا اشتغل بعمل ما ما لم أفرغ من الكتابة المذكورة، ثم كنت أعطي من طلبها من الشركاء فيكتبون تقاريرهم بالهندية بالاستعانة منها وهي وإن كانت قليلة الحجم والمبنى، ولكن الفطن الممعن لن يتوقف في أنها بحر زاخر أحرز في كوز، فاحتوت على كثير من المباحث العلية والنكات العلمية والفوائد العظيمة التي خلت عنها الشروح والحواشي، ولأجل ذلك صرف عدة من فضلاء العصر مبلغًا جسيمًا لاستنساخ هذه المجموعة فاستفاد بها لدى تدريس الحديث، وكثيرًا ما كنت اشتهي أن تطبع هذه التقارير فتحفظ عن الضياع ويعم نفعها لأرباب العلم.\nثم قوى هذا العزم إصرار بعض الأكابر على ذلك فوق العادة لكنه كان يعوقني عن الإقدام إلى ذلك أن جامعها وإن كان صاحب صفات كاملة من التبحر","vol":"1","page":16},{"text":"العلمي والذكاوة وقدرة التحرير ومهارة الأدب، وقد اهتم بكتابته جدًا لكنها لا تفوق عن درجة المسودات اللاتي لم تفز بالنظر الثاني من المؤلف ولا تبييضها فكنت اشتهي أن يتوجه إليه أحد من المهرة أصحاب الفن فينظر إليه ثانيًا فإن وجد فيه زيادة أو نقصًا أزال منه ما لا بد من إزالته وأصلح فيه ما يحتاج إلى ذلك، ولكني رأيت أن الكمل الذين هم أهل الفن حقيقة لا يتفرغون لذلك، فإن المشاغل قد أحاطت بهم إحاطة الهالة بالقمر ومن ليس في درجتهم لا اعتداد بهم وهذا الذي حيرني وأخرني إلى هذه المدة.\nفلما رأيت أن أناسًا يريدون أن يستنسخوها مني، ثم يطبعوها خفية ووجدت أناسًا طبعوا بعض الأجزاء مما استنسخوها عن نسخة نقلت عن الأصل فمسخوها وحرفوها وصحفوها، فرأيت أن طبعها بالحالة الراهنة أولى وأفيد من هذه الطباعات الممسوخة فتوكلت على الله وشمرت عن ساق الجد، ثم وجدت تأييدات غيبية حركتني إلى ذلك وأزعجتني، فإن تقارير بعض المجلد الثاني من الترمذي ضاعت في حياة سيدي الوالد المرحوم لغفلة بعض الناسخين فسعى حضرته لتحصيلها، فلم يفز ثم سعيت جدًا فلم أصل لا إلى الأصل ولا إلى نقله، وكنا في غاية القنوط واليأس من جهتها إذ فزت بنقل ذلك من مكتبة مولانا فتح محمد المرحوم التهانوي نسخ من الأصل في سنة ١٣١٣ هـ، فوصل إلى بتأييد بعض طلاب الحديث فوجدته تأييدًا غيبيًا وأمرًا إلهيًا حضني على الإسراع والتعجيل وزجرني عن التوقف والتأخير، وكذلك ظهرت محركات عديدة وتأييدات متواترة من غير ما ذكر أفهمتني أنه قد جاء أوان طبعها فاعتصمت بالله سبحانه فنظرت إلى الأصل، ثم طبعتها وقدمتها للناظرين.\nوحيث إني لست من فرسان هذا الميدان ولا لي فراغ من أجل تسويد أوجز المسالك في شرح الموطأ للإمام مالك والمشاغل التدريسية وغيرها مما يتعلق بالمدرسة، لم يتيسر لي النظر إلى الأصل بالإتقان والتدبر التام، فإنه يحتاج إلى ملكة قوية وفراغ تام فحيثما ظهر لي في بادئ الرأي شيء من سبق قلم أو إجمال مخل","vol":"1","page":17},{"text":"أو غير ذلك أشرت له في الحاشية إحالة إلى أنظار أرباب الفضل والنهي فيحققوا هنالك وليصلوا إلى ما هو الصحيح المحكم بآرائهم الثاقبة وأفكارهم الثابتة بيد أني أصلحت بنفسي سبق قلم كان في غاية الوضوح وزدت في بعض الأمكنة ترجمة الباب قبل القول، وقد كان بعض الأحباب يرغبني منذ مدة أن ألخص هذه التقارير وأخذف منها المباحث المشكلة والمجملة، وأسميها بخلاصة التقارير، فعاقني عن ذلك أمران، الأول: عدم الاعتماد على بصيرة نفسي. والثاني: لما تأملت فيما استشكله بعض الأعلام وكتب ذلك على الهوامش مع الإصلاح منه وجدت بعض الإمعان والإتقان الأصل صحيحًا معتمدًا عليه وما أورد عليه ناشئًا من ضعف الرأي، ولنعم ما قيل:\nوكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم\nفلا اعتمد على نفسي أن المحلات التي استشكلها هل هي في الواقع كذلك أم لا وهل يستشكلها ذوو الآراء والأنظار أيضًا أم لا فأني على يقين بأني ذو بضاعة مزجاة من العلم والفهم وغيرهما فاستحسنت أن أشيع هذه التقارير، كما هي عليها بلا مخافة لومة اللائمين ولا أغير الأصل بشيء فإنه لاحق لأمثالي في ذلك، نعم أكتب على الهوامش ما أراه من الإضافة أو التوضيح.\nوحيث إن حضرة أمير المؤمنين في الحديث قطب الأقطاب -قدس الله سره العزيز- كان يقدم تعليم جامع الترمذي على سائر كتب الحديث ويزيد البحث فيه ما لا يزيده في غيره قدمت إشاعة تقارير الترمذي قبل غيره وسميته «بالكوكب الدري على جامع الترمذي، فإن وفقني الله تعالى بعد ذلك للتقارير الآخر فإنشاء الله تعالى أهديها أيضًا للناظرين، وعلى الله التكلان وهو الجواد المستعان، وما توفيقي (١) إلا بالله.\n_________\n(١) كتبه شيخ الإسلام العلامة السيد حسين أحمد المدني، المتوفى لإحدى عشرة خلون من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلاث مائة وألف، ولم يصرح الكاتب العلام باسمه تواضعًا منه (نور الله مرقده).","vol":"1","page":18},{"text":"وكانت الإجازات مطبوعة عند الشيخ -قدس سره- على ورقة صغيرة لوزية غير ثمينة عند أهل الدنيا غالية الأثمان ذات اللآلي عند أهل الدين ترك فيها من الطباعة موضع الاسم والتاريخ فإذا أعطاها الشيخ -قدس سره- أحدًا يكتب فيها بيده الشريفة اسم الطالب والتاريخ وهذه صورته.\nبسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد سيد الأنبياء والمرسلين، وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين.\nأما بعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الصمد الفقير الأحقر المدعو برشيد أحمد الأنصاري نسبًا، والكنكوهي موطنًا، تجاوز الله عن زلله ومعائبه ورضي عنه وعن مشايخه، أن المولوي قد قرأ علي واستمع عندي الأمهات الست المشهورة عند المحدثين المحتوية للصحاح والحسان من أحاديث الرسول السيد الأمين الصحيحين للشيخين، والجامع المسند للترمذي، والسنن لأبي داؤد السجستاني، والسنن للنسائي، والسنن لابن ماجة القزويني، ﵃ وأفاض علينا من بركاتهم، وجمعنا معهم يوم الدين، وأنا أجيزه أن يرويها عني بشرط الضبط والإتقان، في الألفاظ والمعاني والتيقظ والتثبت في المقاصد والمباني بشرط استقامة العقائد والأعمال على طريقة الصحابة والتابعين، وحسن التأدب بحضرة العلماء المحدثين والمجتهدين، وأوصيه بتقوى الله تعالى، والاعتصام بسنة سيد المرسلين، وبالاجتناب عن البدع المخترعة في الدين، والتبعد عن صحبة المبتدعين، وبالاشتغال بإشاعة العلوم السنية الدينية، والاحتراز عن التدنس برذائل الفلسفة وحطام الدنيا الدنية، وأسأل الله لي وله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعل آخرتنا خيرًا من الأولى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم، وآله وأصحابه وأتباعه وناصري طريقة القويم فقط.","vol":"1","page":19},{"text":"حررته ..... من الشهر .... المنتظم في سنة ألف وثلاث مائة و..... من الهجرة، على صاحبها ألوف الصلوات والتسليمات والتحية، انتهى.\nوكان قدس سره يختم عليه بخاتمه وهذه صورته.\nرشيد أحمد ١٣٠١","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مقدمة المؤلف</span>\nاللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على السيد المدرة (١) الكريم، محمد الهادي إلى منهج قويم، وعلى آله وأصحابه الفائزين، من بركاته بحظ جسيم، أحلهم الله في النعيم المقيم.\nوبعد فهذا ما كتبه العبد الأواه عفا الله عنه، ما اقترف على نفسه وجناه، أوان حضرتي جناب السيد الجليل مولاي ومولى كل مؤمن نبيل، فما كان فيه من صواب يتلقى بالقبول فمن الله، ثم من المولى الأستاذ المنتجع لكل سؤل، وما كان من خطأ موجب للرد والإزراء فمني، وأني لي الاستقامة والاستواء، هذا، وعلى الله التوكل وبه الاعتماد إنه ولي العصمة والسداد وبيده أزمة التوفيق والرشاد.\nاعلم أولًا: أن موضوع علم الحديث هو ذات نبينا محمد ﷺ من حيث إنه رسول ونبي، وهذا أولى مما قيل: إن موضوع هذا الفن أقواله ﷺ أو أقواله وأفعاله وأحواله، وأيًا ما كان فشرف هذا العلم أبين من أن يبين بشرف موضوعه والاحتياج إليه في امتثال أمره تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ وقوله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ إلى غير ذلك، فوجب البحث عن النبي ﷺ في أحواله وأقواله وأفعاله، لامتثال ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، وغايته، الفوز برضوان الله تعالى ورسوله، ومن ثم يظهر أن البدعة، وإن كانت حسنة فيما يبدو للناس ففيها قبح ظاهر، كما لا يخفى.\n_________\n(١) قال المجد: المدره كمنبر السيد الشريف والمقدم في اللسان واليد عن الخصومة والقتال، انتهى.","vol":"1","page":21},{"text":"وثانيًا: إن سلسلة مولانا الأستاذ أدام الله مجده، كسلسلة (١) مولانا أحمد على المرحوم السهارنفوري غير أن المولى المحقق حصل القراءة والإجازة والسماع من الشاه عبد الغني (٢) الدهلوي، وهو والمولوي أحمد علي من الشاه إسحاق رحمة الله عليهم أجمعين.\nفباقي السلسلة متفقة وهي مطبوعة في بعض كتب الحديث المطبوعة في مطبع المولوي أحمد علي المرحوم كسنن الترمذي وصحيح البخاري ومسلم رحمهم الله تعالى، ثم أعلم أن أكثر النسخ المتداولة بأيدينا التي هي مطبوعة، قد نقلت من النسخة التي أتى بها المولى أحمد علي (٣) من العرب، وكان ابتداء الإسناد فيها من قوله أخبرنا الشيخ أبو الفتح إلى آخر ما قال: ولعل التي كتب هي عليها نسخة أحد تلامذة الشيخ أبي الفتح حيث ذكر فيها أخبرنا الشيخ أبو الفتح، ثم استمر الأمر على ذلك من غير أن يزاد فيه رأوا أو ينقص مع أن ابتداء الكتاب من قوله أبواب الطهارة وأن التزام إدخال الإسناد فيه فلا بد من إدخال كل قارئ وطالب أستاذه حتى نقول أخبرنا الحبر القمقام والبحر الزاخر الطمطام مولانا العلامة الألمعي الأوحد المولى المشتهر بشريف اسمه رشيد أحمد، لا زالت سرادق مجده ممدودة وحياض إفاداته مشفوهة مورودة، قال: أخبرنا الشيخ العالم الرباني مولانا الشاه عبد الغني نور الله مرقده قال: أخبرنا الشيخ المحدث المشتهر في الآفاق مولانا الشاه\n_________\n(١) لما كان سند مولانا أحمد علي مطبوعًا في أوائل الكتب، كما سيأتي أحال حضرة الشيخ سنده على سنده ونبه على الفرق الذي كان بينهما في أسفل السند.\n(٢) قلت: وأخذ الشيخ عبد الغني عن والده أيضًا، كما في مقدمة الأوجز، وله أسانيد شهيرة طبعت باسم اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني.\n(٣) وحكى المولى رضي المرحوم عن تقرير الشيخ، أن المولى أحمد علي كان ينسخ الكتاب من الصبح إلى الظهر، ثم يقرأ على مولانا الشاه محمد إسحاق بعد الظهر.","vol":"1","page":22},{"text":"إسحاق أحله الله من جنة الفردوس أعلاها، وجازاه على حسن سعيه من المثوبة أسناها وأغلاها إلى آخر ما هو مذكور في أوائل الكتب التي أشرنا إليها عن قريب فلا علينا أن نترك سرد الإسناد إلى المؤلف رحمة الله تعالى.\nقوله [أخبرنا] والفرق بين لفظي أخبرنا وحدثنا، أن الثاني مشير إلى قراءة الأستاذ، والأول إلى قراءة التلميذ عليه، وقولهم: قرئ عليه، وأنا أسمع إلى أنه كان في جملة من حضر ثمة، ولم يكن قارئًا بنفسه واختلفوا في ترجيح (١) الراجح منها.\nقوله [المروزي] نسبة إلى مرو زيدت فيه الزاء على غير قياس.\nقوله [الثقة الأمين] صفة (٢) الشيخ أبي العباس فهو فاعل قوله أقر\n_________\n(١) أي من قراءة الشيخ أو قراءة التلميذ، قال القارئ: اختلفوا في القراءة على الشيخ هل تساوى السماع من لفظه أو هي دونه أو فوقه على ثلاثة أقوال، فذهب مالك وأصحابه ومعظم أهل الحجاز والبخاري إلى التسوية بينهما، وذهب أبو حنيفة وابن أبي ذئب إلى ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه، وروى عن مالك أيضًا، وذهب جمهور أهل الشرق إلى ترجيح السماع على القراءة عليه، وصححه زين العراقي والنووي وغيرهما، كما بسط في مقدمة أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك.\n(٢) اختلف مشايخ الدرس في توجيه العبارة على أقوال أوجهها ما أفاده الشيخ الحبر كلها -نور الله مرقده ويرد مضجعه- إذ على هذا التوجيه تتحد النسخ المختلفة كلها، فإن النسخ ليس في بعضها لفظ فأقر، بل فيها أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضل التاجر المروزي المحبوبي الشيخ الثقة الأمين، هكذا في المصرية، ونحو ذلك في بعض النسخ المكتوبة وعلى هذه النسخ كلها هو صفة للشيخ أبي العباس لا غير فالأوجه أن يجعل صفة له في النسخ الهندية التي بأيدينا أيضًا، كما لا يخفى على الفطن.","vol":"1","page":23},{"text":"وأبو محمد عبد الجبار قائله لا كما زعم بعضهم أن الموصوف به وفاعل الفعل المذكور الشيخ أبو الفتح المذكور في وسط السند، إذ لو كان الأمر على ما قال لكان هذا التقرير في آخر السند بعد قوله الترمذي الحافظ، كما هو ظاهر لا يخفى على من له ممارسة بالفن بل المعنى أن تلاميذ أبي العباس لما قرأوا الكتاب على أستاذهم أبي العباس كما هو مفهوم، قوله أنبأنا المذكور (١)، قال لهم أبو العباس نعم، والبعض الآخرون لما استشكلوا الجمع بين قوله أخبرنا وبين قوله أقريه الشيخ لغفلتهم عن اصطلاح القوم حذفوا تلك الجملة عن الكتاب وأنت تعلم أنه صحيح لا ريب فيه ولا ريبة فإن التلميذ إذا قرأ على الأستاذ فلا بد من سكوته، وهو إقرار بقرينة المقام أو إقراره أو إنكاره، ولما كان الشيخ صرح ههنا بالإقرار، ذكره التلميذ تنصيصًا، ولم لم يصرح بالإقرار لكان محمولًا عليه أيضًا، إذ لو كان هناك إنكار لما ساغ الرواية بعد منسوبًا إليه، فأفهم واغتنم ولا تكن من الغافلين.\nقوله [الترمذي] وكان -رضي الله تعالى عنه- أكمه وكان (٢) من أرشد تلامذة الإمام أبي عبد الله البخاري، ملازمًا لمجلسه، وقد أخذ عنه البخاري عدة (٣) أحاديث ولم يتفق ذلك لأحد غيره من تلامذة البخاري.\n_________\n(١) هكذا في الأصل والظاهر لفظ أخبرنا بدله، فإن المذكور في الكتاب لفظ أنا، وهو مخفف أخبرنا عند أهل الأصول.\n(٢) قلت: اختلف فيه أهل الرجال، فقيل هكذا، وقيل ذهب بصره لشدة بكائه في الله، وقيل غير ذلك.\n(٣) منها ما ذكره الحافظ في تهذيبه: قال الترمذي في حديث أبي سعيد: إن النبي ﷺ قال لعلي: لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك سمع متى يعني البخاري هذا الحديث، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ سمع من أبي عيسى أبو عبد الله البخاري وغيره.","vol":"1","page":24},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ</span>\nفيه إشارة إلى أن كل باب باب منها باب للعلم يدخل منه في مدينة وأن المقصود (١) الأصلي إيراد الروايات المرفوعة، فأما ما يذكر فيه من بيان المذاهب وأحوال الرواة والروايات فتبع واستطراد لتأييده وإيراثه بصيرة فيما هو البغية القصوى والغاية الأقصى ولا يبعد أن يقال إن بيان المذاهب أيضًا بيان للروايات غير أن المروي منه ﷺ منه ما هو مذكور بلفظ الشريف صراحة، ومنه ما دل عليه كلامه دلالة أو إشارة فيبانه بيان لمعنى كلامه وإن لم يكن بيان لفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>[باب ما جاء لا تقبل صلاة إل </span>خ] ولما كان كل حديث تستنبط منه مسائل جمة صح التعبير بلفظ الباب وإن كان الحديث الوارد فيه واحدًا فإن الباب إنما يطلق على طائفة من المسائل ونوع منها وههنا كذلك، ثم إن ما أضيف إليه الباب وهي الترجمة بمنزلة الدعوى وما يورد بعده من الرواية دليل على إثباته كما فيما نحن فيه، فإن قوله لا تقبل صلاة بغير طهور حكم ادعاه المؤلف فرام إثباته بإيراد الحجة عليه وهو قوله ﵊ إلخ، وكم من أشياء هي مذكورة استطرادًا وتبعًا فلا تكونن منها على غفلة.\n_________\n(١) يعني التقييد بقوله عن رسول الله ﷺ إشارة إلى أن المقصود بالذكر الروايات المرفوعة وما سواها استطراد وتبع.","vol":"1","page":25},{"text":"[قوله ح وحدثنا إلخ] قال بعضهم (١): إنه إشارة إلى قوله إلى آخر ما سيجيئ، وقيل إلى قولهم، الحديث، والصحيح المنقول عن الأساتذة أنه إشارة إلى التحويل.\n[قوله عن سماك إلخ] إنما كرر قوله عن سماك ليعلم موضع التحويل ولأنهما روايتان على أصل أهل الحديث فإن السماك في الأول منسب وفي الثاني غير منسب وتختلف الرواية عندهم لمثله.\n[قوله لا تقبل صلاة بغير طهور إلخ] ومما ينبغي أن يتنبه له أن الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم وعلى من تبعهم أو تبعوه قد تفرقت أصولهم التي يتفرع عليها اختلافهم في المسائل الشرعية وفيه كثرة، فمن ذلك أنهم اختلفوا في وجه ترجيح الروايات المتخالفة فيما بينها فقال (٢) مالك رحمه الله تعالى: يترجح رواية المدنيين على غيرهم وإنما كانت روايتهم بالقبول أحرى لأن صاحب البيت بما فيه أدرى وما لم يكن فيه منهم شيء وجب المصير إلى غيرهم، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: يترجح الحديث بقوة الإسناد فإذا ثبتت الرواية وكان السند متينًا وجب القول بمقتضاها وإن خالف بعض الأصول الشرعية الثابتة بالروايات الآخر أو الآيات\n_________\n(١) وتوضيح ذلك أن الحديث إذا كان له إسنادان أو أكثر فمن دأب المحدثين أنهم جمعوا بينهما في متن واحد وكتبوا عند الانتقال من سند إلى آخر لفظ ح مفردة واختلفوا في أنها معجمة بمعنى إسناد آخر أو مهملة وهو المشهور ثم اختلفوا هل يتلفظ عندها بشيء فقيل لا يتلفظ بشيء وعن بعض المغاربة يقول بدلها: الحديث، لأنها مأخوذة منه عندهم والجمهور على أنه يقول عند الوصول إليها حا ويمر، صرح بذلك السيوطي في التدريب والنووي في مقدمة شرح مسلم، ثم قيل هي رمز صح، وقيل من الحائل وقال النووي: المختار أنه مأخوذ من التحول كما بسط في مقدمة الأوجز.\n(٢) حتى قال ابن العربي أصل مالك أن شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده وإن لم يتابع عليه، وقد تكلمنا في ذلك في أصول الفقه بما فيه كفاية.","vol":"1","page":26},{"text":"غاية الأمر أن تلك الجزئية بنوعها تستثنى عن هذه الكلية وكان رضي الله تعالى عنه مدة إقامته بالحجاز يعمل برواياتهم لكونها أصح عنده فلما ورد مصر أخذ برواياتهم ولم ينكر على ما كان قاله من المسائل أولًا فتفرقت أقاويله في مسألة واحدة، وهذا هو المراد بما يذكر في الفقه من قوله القديم والجديد، بل الذي ثبت أن له أقاويل ثلاثة أو أزيد في بعض المسائل إلا أن هذا قليل والأكثر أن له قولين، وأما أحمد بن حنبل فأكثر أخذه بظاهر الحديث لا غير، وقلما يسيغ في الحديث اجتهادًا وإذا تعددت الروايات في مسألة كان العمل عنده على أيها أحب ولا يكون العمل بإحدى الروايات موجبًا لترك العمل بالأحرى بل كان له العمل بهذا تارة وبذلك أخرى.\nوأما إمامنا العلامة فقال: إن النبي ﷺ كان مقننًا يقنن القوانين ويضع الأصول ليعمل بها وترجع الفروع إليها وهي العمدة في العمل، فأما ما ورد من الجزئيات التي خالفت بظاهرها تلك الأصول المقررة وجب عند الإمام الهمام جمعها بتلك الأصول بضرب من التأويل كزيادة قيد أو تعميم أو تخصيص أو غير ذلك من وجوه التوفيق وما لم يمكن جمعها بالأصول وجب قصرها على موردها وكان خاصًا استثنى من الأصول بشخصه لا بنوعه فتفكروا إذا تمهد هذا، فنقول: تفرقت أقوال العلماء في معنى قوله ﷺ «لا تقبل صلاة بغير طهور، فقال مالك: لا تقبل الصلاة ما لم يتطهر غير أن الفريضة تسقط من الذمة وكان تاركًا للواجب ولعل هذا مبني على ما ذكرنا من أنه لم يثبت له من أصحابه المدنيين عدم الصحة في حالة التنجس (١) مع أن المنفي في هذه الرواية القبول وهو لا يستلزم الفساد كالحجة (٢)\n_________\n(١) الظاهر أن المراد به التنجس بالأنجاس دون الأحداث فإن صحة صلاة المحدث لم أرها في شيء من كتب الفروع أو الشروح بل حكوا الإجماع على اشتراط الطهارة من الأحداث وصرح باشتراطها في فروع المالكية أيضًا، ففي الشرح الكبير للدروير شرط لصحة صلاة ولو نفلًا أو جنازة أو سجود تلاوة طهارة حدث أكبر أو أصغر ابتداء ودوامًا ذكر وقدر أولًا فلو صلى محدثًا أو طرأ عليه الحدث فيها ولو سهوًا بطلت، انتهى. نعم الطهارة من الأنجاس مختلف فيها عندهم فقيل بالوجوب وقيل بالسنية وهو المشهور عندهم، ففي الشرح الكبير شرط طهارة خبث وابتداء ودوامًا لجسده وثوبه ومكانه أن ذكر وقدر فسقوطها في صلاة مبطل كذكرها فيها بناء على القول بوجوب إزالة النجاسة وأما على القول بالسنية فليست بشرط صحة بل شرط كمال، انتهى.\n(٢) قال النووي في مناسكه: إن حج بمال مغصوب صح حجه في ظاهر الحكم لكنه ليس حجًا مبرورًا ويبعد قوله، هذا هو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة ﵏ وجماهير العلماء من السلف والخلف، وقال أحمد بن حنبل لا يجزيه الحج بمال حرام، انتهى.","vol":"1","page":27},{"text":"من مال الغصب فإنها تسقط الفريضة مع عدم القبول، ونظيره ما ورد من قوله (١) ﷺ: من شرب الخمر لا يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن الأمة والأئمة اتفقوا على فراغ الذمة بصلاته مع تنصيص الرواية بعدم قبولها منه، وقالت الثلاثة لا يقبل صلاة من لم يتطهر ولم تصح أيضًا ولم تفرغ ذمته وذلك أن المنفى هو القبول بجملة أنواعه وسقوطها عن الذمة نوع من القبول فلا بد من إدخاله تحت النفي كيف وقد ورد في الرواية مفتاح الصلاة الطهور فهذا التشبيه مصرح بالمدعي من أنه لا يمكن الدخول في باب الصلاة من دون طهارة وأيضًا فقد تأيد ذلك بقوله ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية، ولعل مالكًا رحمه الله تعالى لم ينكر اشتراطها للقبول بل أنكر أن يكون شرط الصحة ولا يبعد أن يكون ﵁ نظمها في سلك الشروط التي تحتمل السقوط كالاستقبال أو القراءة للمقتدي.\n[قوله من غلول] الغلول (٢) خاص بما هو من مال الغنيمة والصدقة\n_________\n(١) كما سيأتي عند المصنف في الأشربة من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(٢) قال القارئ بالضم على ما في النسخ الصحيحة، وأصل الغلول الخيانة في الغنيمة ووهم ابن حجر إذ ظن أن الرواية بفتح الغين أي كثيرًا فعل وفيه أن المبالغة غير مراد، انتهى.","vol":"1","page":28},{"text":"تقبل من غضب أيًا كان ومن الغنيمة أشد فلذا ذكرها، أو يقال (١) تخصيص الغنيمة باعتبار المحل الذي قال فيه هذا الكلام وإن كان الحكم لا يفترق بين خيانة وخيانة.\n[قال أبو عيسى إلخ] ومما اختصت به سنن الترمذي رحمه الله تعالى من\n_________\n(١) وأفاد الشيخ في البذل لعل وجه تخصيصه بالذكر أن الغنيمة فيها حق لجميع المسلمين فإذا كان التصدق من المال الذي له فيها حق غير مقبول فأولى أن لا تقبل من المال الذي ليس له فيها حق، انتهى، وكتب الشيخ محمد حسن في تقريره: اعلم أن الصدقة من مال الغلول وكذا من كل مال حرام كمال السرقة وثمن الخمر وأجرة المزينة ونحوها لا تقبل، وكذلك المال الحرام لا يصير حلالًا وإن تداوله الأيدي لأن الحرمة ثبتت بالنص ولم يوجد نص آخر يدل على رفع الحرمة بتداول الأيدي، فإن قلت إن النبي ﷺ كان يشتري من أهل الحرب ومن أهل الذمة أموالهم مع أن أكثر أموالهم كان حرامًا لكونها حاصلة بالربا والسرقة ونحوهما من غير أن يسألهم عنها، فعلم أن الحرمة ترفع بتداول الأيدي.\nقلت: أموال أهل الحرب على نوعين: منها ما حصل لهم على وجه حلال في عرفهم وإن كان حرامًا عندنا كالربا ونحوه، فهذا المال يصير ملكًا لهم لأنهم لما لم يكونوا مخاطبين بالفروع كان المعتبر فيهم عرفهم فحلال لنا أن نشتري هذا المال منهم، ومنها ما حصل لهم على وجه لا يكون حلالًا في عرفهم أيضًا كالسرقة ونحوها، فقلنا هذا المال يصير ملكًا لهم باستيلائهم عليه فحل لنا أن نشتريه منهم، وأما أهل الذمة فهم مبقون على عرفهم فكان الجواب فيهم كالجواب في أهل الحرب فيما هو حلال في عرفهم، أما لو اكتسبوا مالًا على وجه لا يكون حلالًا في عرفهم ولا في شرعنا فذلك المال لا يصير ملكًا لهم ولا يحل لنا أن نشتريه منهم، انتهى.","vol":"1","page":29},{"text":"بين الكتب (١) أن المؤلف يذكر فيها حال الرواية من الصحة والحسن وغيرهما دون أصحاب السنن الآخر، والفرق بين الحسن والصحيح أن الضبط وإتقان الرواية في رواة الحسن دونهما في رواية الصحيح، وعلى هذا فلا يصح اجتماع الصحة والحسن في رواية واحدة، فإن أحدًا من رجال الإسناد إذا اتصف بكونه دون رواة الصحيح تنزل الإسناد من الصحة فلا يكون إلا حسنًا، وإذا كانت جملة رواته في المرتبة القصوى من الضبط والإتقان لم يكن إلا صحيحًا وإذا كان الأمر على ما وصفنا افتقر إلى الجواب عما جمعها الترمذي رحمه الله تعالى في أكثر الروايات، ومعنى التفضيل غير مرعى فيه وأجيب (٢) بتعدد طرق المتن، فإحدى\n_________\n(١) قلت: يعني من بين الأمهات الستة خاصة وإلا فالمبدع لهذا الاصطلاح على بن المديني، قال الحافظ في نكته على ابن الصلاح: قد أكثر على بن المديني من وصف الأحاديث بالصحة وبالحسن في مسنده، وفي علله، وكأنه الإمام السابق لهذا الاصطلاح وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبة وغير واحد، وعن البخاري أخذ الترمذي، فاستمداد الترمذي لذلك إنما هو من البخاري لكن الترمذي أكثر منه وأظهر الاصطلاح فيه وصار أشهر به من غيره، كذا في القوت.\n(٢) قلت: وأجاب عنه عماد الدين بن كثير بأن ههنا ثلاث مراتب: الصحيح أعلاها والحسن أدناها، والجمع بينهما رتبة متوسطة كقولهم الحلو الحامض، وتعقبه الحافظ وغيره بأن هذا يقتضي إثبات قسم ثالث ولا قائل به، وحاصل ما قاله ابن دقيق العيد في الاقتراح بأن بينهما عمومًا وخصوصًا فكل صحيح حسن بدون العكس وأجاب عنه الزركشي بأنه إذا جمع بينهما فيحتمل أن يريد في هذه الصورة الخاصة الترادف ويحتمل أن يكون الترمذي أدى اجتهاده إلى حسنه وأدى اجتهاد غيره إلى صحته أو بالعكس فهو باعتبار مذهبين، وأجاب عنه الحافظ في النكت بأجوبة منها يجوز أن يكون باعتبار وصفين مختلفين وهما الإسناد والحكم فيجوز أن يكون حسنًا باعتبار الإسناد صحيحًا باعتبار الحكم، وأجيب أيضًا بأن ذلك للتردد من المجتهد في الناقل هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها وغير ذلك من الأجوبة التي ذكرها صاحب القوت وغيره.","vol":"1","page":30},{"text":"طرقه حسن والأخرى صحيح وبأن الحسن والصحة كلاهما للغير، والضعيف يترقى إلى درجة الحسن بتعدد طرقه كما أن الحسن بتعدد أسانيده يصحح فيمكن كونه حسنًا صحيحًا معًا إذا كان الحسن والصحة كلاهما لغيره لا لنفسه أو كان الحسن لنفسه والصحة لغيره وبأن الحسن والصحة ههنا أريد بهما المعنى اللغوي لا الاصطلاحي أو الصحة اصطلاحية دون الحسن أو بالعكس، ولا يخفى ما فيه من البعد أما أولًا فلأن الكلام على هذا لا يجدي بعائدة ولا يأتي بفائدة فإن الرواية لا يخفي كونها حسنًا وصحيحًا كيف وهو من كلام خير البشر بل من وحي خالق القوى والقدر وأما ثانيًا فلأن المراد لو كان ذلك لأطلق لفظ الحسن أو الصحيح على الروايات الغريبة بل الضعيفة أيضًا مع أنه لم ينقل من أحدهم وأما ثالثًا فلأن التزام ترك الاصطلاح من غير ضرورة إليه أمر ينفر عنه القلب السليم ويشمئز منه الفهم المستقيم (١).\n[وفي الباب إلخ] يعني بذلك أن الرواية (٢) قد بلغت بحسب المعنى حد\n_________\n(١) ثم لا يذهب عليك أن قولهم أصح شيء في الباب كذا وهذا يوجد في جامع الترمذي كثيرًا، وفي تاريخ البخاري وغيرهما قال النووي في الأذكار لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث فإنهم يقولون هذا أصح ما جاء في الباب وإن كان ضعيفًا ومرادهم أرجحه وأقله ضعفًا، كذا في التدريب.\n(٢) قال السيوطي في التدريب: إن الترمذي في الجامع حيث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان فإنه لا يريد ذلك الحديث المعين بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في الباب، قال العراقي: وهو عمل صحيح إلا أن كثيرًا من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه وليس كذلك بل قد يكون كذلك وقد يكون حديث آخر يصح إيراده في ذلك الباب، انتهى.","vol":"1","page":31},{"text":"الاشتهار حيث نقلت عن جم غفير من تلك الكبار ثم إن الرواية كثيرًا ما تشتهر باسم الصحابي الذي رواها وقد تنسب إلى التابعي أيضًا وستقف على ذلك إن شاء الله تعالى.\n[مالك بن أنس إلخ] الكلام فيه كالكلام في سماك المار قبل ذلك وأيضًا ففي السند الأول تصريح بتحديث مالك دون الثاني فإن فيه عنعنة.\n[إذا توضأ العبد المسلم إلخ] لما كان الحكم (١) على المشتق يستلزم عليه مأخذ الاشتقاق للحكم وجب القول بأن ذلك الموعود من الأجر إذا كان المتوضئ قد أسلم وجهه لله أو قد أيقن بقلبه الحضور إلى الله، ولما كان كذلك كان العبد المتوضئ تائبًا إلى الله تعالى بقلبه نادمًا على ما فرط في جنب الله مقنعًا عما اقترفته يداه إذًا لتيقن بالحضور والإسلام له لا يتركه لاهيًا عن ذلك وهذه هي التوبة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ولا تترك في كتاب حسابه جريمة ولا جريرة وعلى هذا لا يفتقر إلى التخصيص بالصغائر وما ذكروا في أسفارهم من أن المراد الصغائر فقط فمحتمل، ويحمل على أن المراد بلفظ العام بعض أفراده والقرينة عليه قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ علق تكفير السيئات بالاجتناب عن الكبائر، وفيه بعض تفصيل سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ولا يبعد أن يقال إن تكفير السيئات أي الصغائر فقط عام لكل متوضئ ويعم الكبائر إذا اشتمل على إنابة وندامة كما ذكرنا والله تعالى أعلم، وفيه تنبيه على أن المسلم شأنه أن\n_________\n(١) يعني عبر النبي ﷺ بلفظ المسلم أو المؤمن ولم يعبره بلفظ الرجل فكان فيه إشارة إلى مراعاة صفة الإسلام والإيمان، قلت: وأفاد حضرة الوالد عند الدرس بتوجيه آخر أيضًا وهو أن المراد بالخطيئة الأعم المطلق لكن لا يمكن أن يبقى على ذمة المسلم كبيرة فإن المسلم المسلم إذا صدر عنه كبيرة فيبعد عنه أن يغفل عنه حتى يغسلها بعبرات التوبة فمن شأن المسلم أن لا يبقى عليه إلا صغيرة وسيأتي البسط في ذلك بما لا مزيد عليه في كتاب الأمثال في باب مثل الصلوات الخمس.","vol":"1","page":32},{"text":"يكون عند تطهره كذلك ولا يغفل عن حاله ولا ينسى عن آثامه وبلباله.\n[وهو حديث مالك إلخ] هذا من غاية احتياط المؤلف حيث لا يبالي بلزوم التكرار، ومحط المقصود إنما هو توضيح المرام كيفما حصل فكرر ههنا قوله وهو حديث مالك إلخ مع أنه نفسه مصرح بقوله هذا حديث حسن لئلا يتوهم إرجاع الإشارة إلى الحديث السابق أو يختص الإشارة بالسند الثاني المذكور بعد التحويل فقط إلى غير ذلك، وأيضًا فقد تكلم بعضهم في سهيل هذا ففي التصريح باسمه تنصيص على رد زعمهم وتعديل له.\n[وأبو صالح] ومما ينبغي التنبه عليه أن الذين يذكر الترمذي أنسابهم وبعض متعلقاتهم الآخر إنما هم الذين لم يكونوا من الشهرة بمرتبة الرجال الأخر عند هؤلاء الفحول، وأما بالنسبة إلينا فالمشاهير أيضًا كالمساتير وإلى الله المشتكي من زمان شاع فيه الجهل والبدع.\n[قول الصنابحي] والحاصل (١) أن الصنابحي الذي ذكره المؤلف في سلك\n_________\n(١) ما أفاده الشيخ قدس سره مبني على النسخة الأحمدية فإن مدلولها أن الصنابحي عند المصنف اثنان فقط كما هو عند جماعة، أحدهما صنابح بن الأعسر الصنابحي الذي له حديث واحد عند المصنف وأربع عند الحافظ في تهذيبه والثاني أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة التابعي صاحب أبي بكر والنسخة التي في هامش العارضة المصرية صريحة في هذا المعنى ولفظها والصنابحي هذا الذي روى عن النبي ﷺ في فضل الطهور هو أبو عبد الله الصنابحي واسمه عبد الرحمن بن عسيلة هو صاحب أبي بكر إلخ، ويؤيده أيضًا ما في الأوجز عن الترمذي عن البخاري أن مالكًا وهم في عبد الله إنما هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة فعلم من هذا كله أن ما في بعض النسخ المطبوعة الجديدة الهندية من المجتبائية وغيرها للترمذي بلفظ والصنابحي هذا الذي روى عن النبي ﷺ في فضل الطهور هو عبد الله الصنابحي، والصنابحي الذي روى إلخ غلط من الناسخ فإن هذا السياق يدل على أن الصنابحي ثلاثة عند الترمذي وليس كذلك بل الصواب أنه اثنان فقط عند الترمذي كما أفاده الشيخ قدس سره، وإن كان الصواب عند هذا العبد الضعيف أنهم ثلاثة وصاحب حديث الباب هو عبد الله الصنابحي الصحابي كما حققته في الأوجز.","vol":"1","page":33},{"text":"من روى هذا الحديث المتقدم ليس بالصنابحي الذي له صحبة بل هو التابعي الذي يروي عن أبي بكر الصديق، وأما الصنابح بن الأعسر الذي يقال له الصنابحي أيضًا فإنما له حديث واحد مرفوعًا وله صحبة وليس بالمراد ههنا، انتهى.\n[وقد روى إلخ] أي من غير ذكر الواسطة فكان إرسالًا (١)\n[وإنما حديثه إلخ] وليس له حديث منه ﷺ غيره (٢).\n[قوله إني مكائر بكم الأمم] لما كان المكاثرة تقتضي أن تتكثر الأمة والاقتتال عكسه لأنه مستأصل أراد أن ينهاهم عنه فالقاتل لأخيه المسلم كان ساعيًا في إعدام ما تمناه النبي ﷺ وأراد فكان كبيرة لا محالة منه.\n[مفتاح الصلاة إلخ] ولا يخفى ما يرد فيه على الحنفية حيث فرقوا فيما بين الثلاثة مع أن الرواية المسوقة لإيجاب الثلاثة واحدة فقالوا شرط لافتتاح الصلاة مطلق الذكر وإن لم يكن خصوص قوله الله أكبر أو الله الكبير أو الله الأكبر، وكذلك لا يشترط عندهم لتمام الصلاة والخروج عنها خصوص لفظ التسليم بل تتم الصلاة بالكلام وغيره مما يفسد الصلاة وإن لم يخل فعله هذا عن ارتكاب محرم\n_________\n(١) يعني أن عبد الرحمن بن عسيلة أبا عبد الله طالما يروي عن النبي ﷺ بلا واسطة فهذه الروايات تكون مرسلة لأنه تابعي كما ثبت في كتب الرجال.\n(٢) أي على المشهور وإليه يشير كلام الترمذي بلفظ الحصر إنما حديثه ولذا قال صاحب التهذيب: له صحبة روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا، وقال صاحب الخلاصة: له صحبة وحديث، وأما على غير المشهور فبلغ الحافظ مروياته إلى ثلاثة أحاديث وقيل أكثر منها.","vol":"1","page":34},{"text":"لو عمدًا وكان الإعادة عليه واجبًا، نعم سلموا فرضية الطهارة وشرطيتها، والجواب أن الخبر الواحد لا يجب تسليمه تسليم الخبر المتواتر أو المشهورة، وكذلك لا يوجب خبر الواحد إيجاب النص القرآني فالفرق بين مقتضى تلك الثلاثة وموجبها ثابت عقلًا ونقلًا فكيف يسلك بالثلاثة مسلكًا واحدًا بل ينزل كل منها منزلته فما ثبت بالخبر الواحد فقط يكون فرضًا عمليًا لا كالفرائض القطعية التي يكفر جاحدها وهو الواجب كالتسليم والتكبير (١)، وما ثبت بالنص القرآني أو الخبر المشهور أو المتواتر يكون فرضًا كالطهارة مع أن العمل بالخبر في باب التكبير يخصص إطلاق قوله تعالى ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ والتخصيص في حكم النسخ وليس الخبر الواحد صلاح ذلك، وكذلك قوله ﷺ تحليلها التسليم بالمعنى الذي ذكرتم معارض بقوله ﷺ إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك فوجب تنزيلها عن منزلة الفرض إلى الوجوب لئلا تتعارض النصوص فيما بينهما، والأئمة الآخر لما لم يفرقوا فيما بين الأخبار ذهبوا إلى أن الثلاثة أركان بعينها.\n[ابن عقيل] كلهم عقيل إلا ثلاثة (٢).\n[يحتجون إلخ] واحتجاج تلك الأعلام يخرجه من الضعف إلى الصحة أو الحسن.\n[وهو مقارب الحديث (٣) أي يقارب حديثه القبول أو الذهن إلى\n_________\n(١) فإن الابتداء بمطلق ذكر الله ﷿ فرض وخصوص التكبير واجب كما بسطه ابن نجيم.\n(٢) ذكر النووي في مقدمته: عقيل كله بفتح عين إلا عقيل بن خالد ويأتي كثيرًا عن الزهري غير منسوب وإلا يحيى بن عقيل وبني عقيل فبالضم انتهى، وهكذا ذكر في المعنى وغيره.\n(٣) وذكر السيوطي هذه الكلمة في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل على رأي النووي والمرتبة الخامسة على رأي غيره والاختلاف مبني على اختلافهم في مراتب الجرح والتعديل كما لا يخفي على من نظر كتب الأصول والمعتمد أنه يكسر الراء وفتحها من ألفاظ التعديل فمعنى الكسر أن حديثه يقارب حديث غيره ومعنى الفتح أن حديثه يقاربه حديث غيره، وما قيل إنه بفتح الراء بمعنى الردى من ألفاظ الجرح رده شراح الألفيتين العراقي والسيوطي.","vol":"1","page":35},{"text":"غير ذلك.\n[وقد قال مرة إلخ] أي قال أستاذي عبد العزيز تارة ما ذكر مرة أخرى هذا ولما كانت الرواية بحسب المعنى شائعة بين الأئمة الأعلام ذائعة بين العلماء الكرام لم يضر ذلك ويمكن أن يكون قد سمع ذاك تارة وهذا أخرى، ثم أن الخبث جمع خبيث كما أن الخبائث جمع خبيثة وظاهر تفسير الخبث والخبائث ذكور مردة الجن وإنائهم، وفيه أقوال (١) آخر والعوذ من استهزائهم بعوراته واطلاعهم على سوأته وغير ذلك.\n[قال سعيد عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد] اعلم أن في هذه الرواية اضطرابًا لوجهين: الأول في اسم الصحابي حيث ذكر بعضهم زيدًا أو بعضهم أنس بن مالك، والثاني في ذكر القاسم وتركه فكانت الروايات أربعًا بأربع أسانيد الأولى رواية سعيد عن قتادة عن القاسم عن زيد، ورواية هشام عن قتادة عن عن زيد، وشعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد ومعمر عن قتادة عن النضر عن أنس، والحاصل أن فيه اضطرابين الأول أن سعيدًا وهشامًا اختلفا على قتادة فقال سعيد عن قتادة عن القاسم عن زيد، وقال هشام عن قتادة عن زيد، والثاني أن شعبة ومعمر اختلفا على قتادة أيضًا فقال شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس\n_________\n(١) منها أن الخبث الشياطين والخبائث المعاصي، وروى الخبث بسكون الباء وأنكره الخطابي وتعقبه النووي وغيره، وذكر الشيخ في البذل: قيل الخبث بسكون الباء خلاف طيب الفعل والخبائث الأفعال المذمومة.","vol":"1","page":36},{"text":"عن زيد بن أرقم، وقال معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه، فأما دفعه عن البخاري فأما مقصور على أولهما ولم يذكر الثاني لأنهما يندفعان معًا بجواب واحد فقياس الثاني على الأول ويحتمل أنه لم يحضر له جواب عنه والضمير على هذا عائد إلى القاسم وزيد، وإما عام بحيث يشمل الجواب عن الاضطرابين معًا بإرجاع الضمير إلى زيد والنضر، وحاصل الجواب على ذلك أن قتادة يحتمل أن يروي عنهما أي عن زيد بن أرقم وعن النضر بن أنس، والنضر يروي عن أبيه، وعن زيد فالمعنى أن قتادة يروي عن زيد بواسطة القاسم لكنه يرسل وإرسال الثقة مقبول ما لم يعلم أنه مدلس فصار المعنى أن قتادة يحتمل أن يكون هذا الحديث عن زيد وعن النضر سواء كان روايته عن زيد بواسطة القاسم أو بلا واسطة، وسواء كانت روايته عن النضر عن أبيه أو عن النضر عن زيد هذا (١) والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) أعلم أن المشايخ في اختلفوا تقرير الاضطراب ودفعه بكلام البخاري على أقاويل كثيرة، والأوجه عندي أن الاضطراب ههنا بثلاثة وجوه، الأول في الواسطة بين قتادة والصحابي وعدمها، والثاني في تعيين الصحابي أيهم هو، والثالث في تعيين الواسطة هل هي القاسم أو النضر، وحمل كلام البخاري محتمل على كل واحد من هذه الثلاثة كما يظهر من كلام الشيخ -نور الله مرقده- وإن كان الحمل على بعضها أقرب من بعض آخر، والظاهر عندي حمله على دفع الاضطراب الثالث فقط، وذلك لأن الاضطرابين الأولين ليسا مما يحتاج لدفعهما إلى جواب فإن رواية قتادة عن زيد بلا واسطة مرسلة ظاهر الإرسال لا يخفي على من مارس كتب الرجال فإن عامة روايات قتادة عن الصحابة مرسلة وقد ذكر الحافظ في تهذيبه جماعات من الصحابة وغيرهم الذين أرسل عنهم قتادة، وقال الحاكم في علوم الحديث لم يسمع قتادة عن صحابي غير أنس وذكر ابن أبي حاتم عن أحمد بن حنبل مثل ذلك.\nقلت: لا سيما عن زيد فظاهر الإرسال فإن ولادة قتادة سنة ٦١ هـ ووفاة زيد مختلف من سنة ٦٥ إلى سنة ٦٨ ولذا قال محمد الأشبيلي في حديث الباب كما حكاه العيتي واختلف في إسناده والذي أسنده ثقة، انتهى، فعلم أن من أسقط الواسطة فروايته مرسلة ولذا لم يحتج إلى دفعه، وهكذا الاضطراب الثاني في تعيين الصحابي، فأيضًا كان مدفوعًا ظاهرًا إذ قال البيهقي قال الإمام أحمد: قيل عن معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس وهم فلم إلا الاحتمال الثالث فدفعه باحتمال السماع عنهما أي القاسم والنضر ويؤيده ما قال العيني: سأل الترمذي عن البخاري عن هذا الاضطراب فقال لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف والنضر بن أنس، وحكى البيهقي قال أبو عيسى قلت لمحمد يعني البخاري أي الروايات عندك أصح فقال لعل قتادة سمع منهما جميعًا عن زيد بن أرقم، انتهى.","vol":"1","page":37},{"text":"ثم إن الاضطراب (١) قد يدفع حيثما وقع بكون راوي إحدى الروايتين أحفظ من راوي الأخرى أو بإثبات اللقاء بالمذكورين كليهما عند البخاري ومن دان دينه أو بإمكان اللقاء عند مسلم ومن سار سيره أو بكثرة في رواة إحداهما.\n[غفرانك (٢)] وجه الاستغفار انقطاع ذكر اللسان مدة كذا وهذا وإن\n_________\n(١) قال السيوطي في التدريب: فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويهما مثلًا أو كثرة صحبة المروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالحكم للراجحة ولا يكون الحديث مضطربًا، انتهى.\n(٢) قال ابن العربي: مصدر كالغفر والمغفرة ومثله سبحانك ونصبه بإضمار فعل تقديره أطلب غفرانك، وفي طلب المغفرة ههنا محتملان: الأول أنه سأل المغفرة من تركه ذكر الله ﷿ في ذلك الوقت فإن قيل إنما تركهما بأمر ربه فكيف يسأل المغفرة عن فعل كان بأمر الله، فالجواب أن الترك وإن كان بأمر الله إلا أنه من قبل نفسه وهو الاحتياج إلى الخلاء، فإن قيل: هو مأمور بما جره إلى الدخول في الخلاء وهو الأكل قلنا: العبد مأمور بالأكل المؤدي إلى الاحتياج إلى الغائط مقدور عليه خلو ذلك الوقت عن الذكر والباري يعد على العبد ما يقوده إليه ويلزمه ما يخلقه فيه ولذلك موضع يحقق فهمه فيه وهذا المحتمل أكثر وأغمض. الثاني وهو أشتهر وأخص أن النبي ﷺ سأل المغفرة في العجز عن شكر النعمة في تيسير الغذاء وإبقاء منفعته وإخراج فضلته عن سهولة، انتهى.\nقلت: ويحتمل طلب المغفرة على إجراء الذكر القلبي والحضور في هذه الحالة فتأمل.","vol":"1","page":38},{"text":"لم تكن نسبته إلينا مما يعد نقصًا وذنبًا حتى يستغفر منه فإن اشتغال القلب بذكر الله تعالى طاعة لا تدري حقيقتها إلا أنه إذا نسب إلى ذلك الجناب عد بالنسبة إليه ذنبًا ونقصًا فإن الاكتفاء بذكر القلب لمن يداوم على الذكر اللساني والقلبي معًا يكون نقصانًا أو السبب في استغفاره ﷺ إذ ذاك أن المتغوط إذا تفكر فيما خرج منه وعلم تقذره توقف بذلك على أقذار باطنه وتنجس قلبه بالقاذورات النفسانية والنجاسات الشهوانية فاستغفر منها أو السبب فيه أن المرأ إذا تفكر في بروز هذه النجاسة منه وهو مضطر إلى ذلك تنبه على صدور الآثام منه من غير أن يكون له علم بعض منها لكثرة الغفلة وقلة التيقظ وأن استحالة الغذاء إلى مثل هذه الكيفية في مقدار من الوقت المعلوم وهو غير كثير نبهه على خبثه وتلطخه بالأنجاس فاستغفر مما هو فيه من هذا القبيل، قلت: ومنه كل ما هو له حتى إن وجوده كذلك أيضًا، وأيًا ما كان فضيعه ﵊ هذا كان تعليمًا لأمته المرحومة، والله تعالى أعلم.\n[قوله إلا من حديث إسرائيل إلخ] يعني قد تفرد في أخذ هذا الحديث عن يوسف فلو أخذه معه غيره لم يبق غريبًا وأشار بقوله أبو بردة بن أبي موسى إلخ إلى اسم الراوي قصدًا واسم أبيه وجده تبعًا واستطرادًا لتضمنه فائدة جديدة (١).\n_________\n(١) ولا يذهب عليك أنه واقع في مبدأ السند شتى من التحريف فإنه ليس في الرواة أحد اسمه محمد بن حميد بن إسماعيل، وما في النسخ المصرية في محله حدثنا محمد بن إسماعيل نا حميد نا مالك بن إسماعيل، الحديث أيضًا خلاف الظاهر فالظاهر أن المراد بمحمد بن إسماعيل البخاري، ولفظ حميد مقحم ويؤيد ذلك ما قال الشيخ عثمان وهبي في الدر الغالي بعد ذكر رواية الباب عن عائشة، وكذا رواه البخاري في الأدب المفرد، وعنه رواه الترمذي ووهم ابن سيد الناس حيث قال هو أبو إسماعيل الترمذي، انتهى.","vol":"1","page":39},{"text":"[إذا أتيتم الغائط إلخ] لما كانت حالة كشف العورة هيئة منكرة يستحي منها وجب التحرز عن استقبال القبلة واستدبارها لئلا يقابل البيت بشتى مستهجن قيح، وكذلك عند الجماع والبول وإن لم يلزم فيه عند الاستدبار مقابلة البيت بشيء سوء وذلك لما فيه من سوء الأدب، ثم إن العلماء اختلفوا فيما بينهم في كون هذا النهي مطلقًا أو مقيدًا فقال الإمام الهمام أبو حنيفة المقدام رضي الله تعالى عنه: أن النهي عام فلا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار مطلقًا لا في البنيان ولا في الفيافي، وهذا مبني على أصل له وهو أن أحكام الشرع معللة إلا نادرًا حيث لم يعلم لنا علة وإن كان في نفس الأمر معللًا أيضًا فالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها مبني على علة تعم الكنف والفيافي، وأجابوا عن الأحاديث التي وردت على خلاف ذلك بأجوبة سترد عليك تفصيلها إن شاء الله تعالى، والشافعي رحمه الله تعالى فقد علل النهي كما عللنا غير أنه قال الاستقبال والاستدبار كلاهما سواء ولكن النبي ﷺ لما رخص في الاستقبال بفعله لزم الترخص في الاستدبار أيضًا لاستوائهما فوجب الجمع بين الروايات بحمل النهي عن الفيافي والإجازة على الكنف فهذا ناش على أصله من حمل المطلق على المقيد ولكننا لما لم نقل به أجرينا المطلق على إطلاقه، وأما (١)\n_________\n(١) قلت: اختلفت الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل في ذلك كما بسطت في أوجز المسالك إلى مؤطأ فأحداهما لا يجوز الاستقبال مطلقًا لا في الصحارى ولا في العمران ويجوز الاستدبار فيهما، والثانية أن النهي للتنزيه، والثالثة يحرم الاستقبال والاستدبار بشرطين: الأول أن يكون في الصحراء، والثاني أن يكون بلا حائل ويكفي إرخاء ذيله والاستتار بداية وجبل كذا في نيل المآرب، وفي الروض المربع: يحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان ويكفي انحرافه عن جبهة القبلة وحائل ولو كمؤخرة الرحل انتهى، فهذه الرواية مختار فزوعه، والرابعة النهي مطلقًا كقول الحنفية وهي مختار ابن القيم. والظاهر أن الرواية التي ذكرها الترمذي هي الرواية الأولى، وما أفاده الشيخ فلعله رواية عنه لكثرة الروايات عنه في ذلك.","vol":"1","page":40},{"text":"أحمد بن حنبل فلم يتصرف في الحكم بتعديته إلى غيره بل أخرج الاستدبار عن عموم النهي بفعله ﷺ وأبقى سائر الصور تحت النهي. والحاصل أن الأصل في الأحكام لما كان أن يعلل وجب تعليل النهي الوارد في ذلك فسوينا بين الاستقبال والاستدبار والصحراء والبنيان وفعل الشافعي كذلك غير أنه حمل المطلق على المقيد فأخرج الكنف وكل منا ومنهم يفتقر إلى الجواب عما يخالف مذهبه ولم يستثن ابن حنبل غير الصورة الواحدة فقط جريًا على أصله المذكور من عدم التعليل وأنت تعلم أن رأي أبي أيوب الراوي يوافق رأي الحنفية حيث استغفر في استقبال مراحض الشام ولولا أنه عم النهي عنده لما فعل ذلك وكان استغفاره لما يقع في أول وهلة من جلوسه من استقبال القبلة وكان استغفار هذا بقلبه إذ ليس ذاك بمقام تكلم أو يكون ثمة بقلبه ثم بعد الخروج منه بلسانه.\n[قوله فرأيته قبل أن يقبض بعام إلخ] ظاهره معارض بما سلف من النهي فيرجح القول على الفعل لاحتمال الخصوص ولأن عين الكلمة لعله كان بمرأى منه ﷺ فمال عنه (١) ولم يتنبه لذلك الراوي الذي رآه ﷺ فظنه مستقبلًا فكما أن\n_________\n(١) أو كان مائلًا عنه بخصوص الذاكرة قال ابن عابدين: ونص الشافعية على أنه لو استقبلها بصدره وحول ذكره عنها وبال لم يكره بخلاف عكسه أي فالمعتبر الاستقبال بالفرج وهو ظاهر قول محمد في الجامع الصغير يكره أن يستقبل القبلة بالفرج في الخلاء، انتهى.","vol":"1","page":41},{"text":"الفرض للمكي في الاستقبال إصابة عينها ولغيره إصابة جهتها فكذلك النهي عن الاستقبال والاستدبار إنما المقصود تعظيم عين هذا المكان غير أن الاطلاع على عين تلك البقعة لما تعسر أمرنا باستقبال جهة في الصلاة ونهينا عن استقبال جبهته أيضًا واستدبارها في الغائظ، وما في حكمه لأجل هذا التعسر فإذا سلم أنه ﷺ كان ينظر إليه (١) لم يستبعد إصابته جهتها إذا لم يلزم فيها إصابة عينها التي هي المقصود بالنهي ولا يبعد أن يجاب أيضًا بأن الأمر بالتحرز عن استقبالها واستدبارها لما فيهما من إساءة أدب فأما جملة أعضاء النبي ﷺ فأشرف ما يكون فليس في استقباله إياها ترك تعظيم وهذا راجع إلى ما تقدم من الاختصاص مع أن استقباله هذا يحتمل بناءه على عذر من تحصيل الستر ومثله فلا يعارض النهي كالبول قائمًا الآتي عن قريب فإنه كان مبنيًا على عذر كما سيذكر فلا يمكن أن يعارض عموم النهي والله أعلم.\n[رقيت يومًا على بيت حفصة إلخ] أسند البيت في بعض الروايات إلى نفسه وفي بعضها إلى أخته حفصة، وفي الأخرى إلى النبي ﷺ ولا ضير في كل ذلك فإن المراد واحد والتفاوت إنما هو في التعبير والعنوان فإن لكل من الثلاثة المذكور تلبسًا به (٢) فأضيف إلى أيهم شاء، ثم إن الرواية تخالف مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى حيث تبث فيه استقبال القبلة ولم يكن ثمة كنيف وإلا لما نظر إليه ابن عمر وغاية ما يمكن من الاعتذار فيه للشافعي ﵀ أن يقال إنه ﷺ كان\n_________\n(١) أي بطريق الكشف كما كشف له ﷺ جنازة النجاشي حيث صلى عليها وكما كشفت له الجنة والنار في صلاة الكسوف وغيرها.\n(٢) وذكر الشيخ في البذل طريق الجمع أن يقال أضاف البيت إلى نفسه على سبيل المجاز إما لكونه بيت أخته أو أضافه إلى نفسه باعتبار ما آل إليه الحال لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونه شقيقها ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب وأضافه إلى حفصة لأنه البيت الذي أسكنها فيه رسول الله ﷺ انتهى، وبسطه الحافظ في الفتح.","vol":"1","page":42},{"text":"متبرز يستره من القبلة وهو المراد بالكنيف المبني وإن لم يكن ستر في الجهة التي رقى منها ابن عمر، ثم الجواب عنه قد سبق ولا يبعد أن يقال أيضًا إن ابن عمر لم يتبين إليه النظر ولم يحقق الأمر لما أن النظر في مثل ذلك ينصرف ولا يستقر حتى يظهر الواقع، وأيضًا ففي تلك الواقعة كان تبرزه ﷺ في موضع محاط لئلا يلزم تعريه في فضاء مع ورود النهي عن ولئلا يلزم خلاف ما اخترتم من الاستقبال في الكنيف المبني، فإذا كان كذلك احتمل أن يكون النبي ﷺ جلس غير مستقبلها إلا أنه لما أحس بقعقعة (١) ابن عمر صرف بصره إليه وأدار رأسه وعنقه فقط كما هو العادة إذا تبدى له آخر في موضع خال فظن أنه مستقبل ولم يكن الأمر بل نشأ الاستقبال لهذا العارض.\n[قوله من حدثكم إلخ] أرادت نفي اعتياده لذلك وكونه دأبًا له فلا ينافيه ما سيأتي لبنائه على العذر والأعذار مستثناة فلا حاجة إلى الجواب عنه بأنها لم تبلغها رواية البول قائمًا وكان بوله قيامًا لعلة بمأبضه كما روى أو تحصيل الستر الغير الحاصل إلا به أو عدم موضع صالح للجلوس إما لوجود النجاسات هناك أو لخوف أن يرتد البول إليه لارتفاع الموضع وعدم قراره إلى غير ذلك من الوجوه وعلى هذا فلا يخالف هذا ما ورد من النهي عن البول قائمًا.\nثم إن في [قوله أتى سباطة قوم فبال] إجازة الاستمتاع بملك الغير إذا علم رضاه بذلك وأنه لا يستضر به ولا يكرهه فإن بوله ﷺ وسائر فضلاته وإن كانت طاهرات على ما هو صحيح (٢) غير أنه لم يكن يعامل بها في العادة إلا معاملة\n_________\n(١) قال المجد القعقعة حكاية صوت السلاح وصريف الأسنان لشدة وقعها في الأكل وتحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت والذهاب في الأرض وصوت الرعد، انتهى.\n(٢) قال ابن عابدين: صحح بعض الشافعية طهارة بوله ﷺ وسائر فضلاته وبه قال أبو حنيفة كما نقله في المواهب اللدنية عن العيني، وصرح به البيري في شرح الأشياء، وقال الجاحظ ابن حجر: تظافرت الأدلة على ذلك وعد الأئمة ذلك من خصائصه ﷺ، انتهى.","vol":"1","page":43},{"text":"النجاسات تعليمًا للأمة وتشريعًا لهم ليكون فعله سنة وطريقه مسلوكة في الدين من بعده.\n[قوله وروى حماد بن أبي سليمان إلخ] ثم الظاهر أنهما وقعتان فكلاهما صحيح والمؤلف لما حمل الروايتين على اتحاد القصة احتاج إلى ترجيح إحدى الروايتين (١) على الأخرى وقد عرفت أنه كان مستغنيًا عن ذلك لو فعل.\n[قوله لم يرفع ثوبه إلخ] تحصيلًا للستر ما أمكن له وفيه دلالة على قبح كشف العورة إذا لم يفتقر إليه ويمكن منه استنباط قولهم ما أبيح للضرورة تقدر بقدرها.\n[قوله مرسل] أراد بالمرسل ههنا أعم من معناه المصطلح عليه وهو ما لم يذكر فيه الصحابي فالمراد (٢) ههنا ما ترك فيه راو أو أكثر صحابيًا أو تابعيًا وهي مرسل ومنقطع ومعضل.\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح: وهو كما قال الترمذي، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصمًا على قوله عن المغيرة فجاز أن يكونن أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معًا لكن من حيث الترجيح رواية منصور والأعمش لاتفاقهما أصح من رواية عاصم وحماد لكونهما في حفظهما مقال، انتهى، ومال في الدراية إلى أن الحديث عند أبي وائل عنهما معًا، ولا يذهب عليك أن حديث المغيرة هذا في البول قائمًا غير حديثه المشهور في المسح على الخفين فإنه في سفر تبوك وحديث سباطة هذا كان في المدينة.\n(٢) وتوضيح كلام الشيخ أن المرسل في كلام المصنف ليس المصطلح إذ المعروف في الاصطلاح أن المرسل ما ترك فيه صحابي، والمتروك ههنا تابعي فإطلاق المرسل عليه باعتبار المعنى العام وهو ما ترك فيه راو أعم من أن يكون واحدًا أو أكثر صحابيًا أو تابعيًا فالمرسل باعتبار هذا المعنى يشمل المرسل الاصطلاحي والمنقطع والمعضل واختلفوا في إطلاق المرسل على أربعة أقوال بسطت في مقدمة الأوجز والمشهور هو المعنى الأول.","vol":"1","page":44},{"text":"[قوله فورثه مسروق] يعني أن أمه (١) كانت أتت به إلى دار الإسلام وهو\n_________\n(١) هذا تفسير للحميل في قوله كان أبي حميلًا، ففي المجمع: هو الذي يحمل من بلاده صغيرًا إلى بلاد الإسلام، وقيل هو المحمول النسب بأن يقول الرجل لآخر هو أخي أو ابني، ومذهب الحنفية في ذلك ما في موطأ محمد إذ قال بسنده عن سعيد بن المسيب قال أبي عمر بن الخطاب أن يورث أحدًا من الأعاجم إلا ما ولد في العرب قال محمد: وبهذا نأخذ لا يورث الحميل الذي يسبي وتسبي معه امرأة فتقول هو ولدي أو تقول هو أخي ولا نسب من الأنساب يورث إلا بينه إلا الوالد والولد فإنه إذا ادعى الوالد أنه ابنه وصدقه فهو ابنه ولا يحتاج في هذا إلى بينة إلا أن يكون الولد عبدًا فيكذبه مولاه بذلك فلا يكون ابن الأب ما دام عبدًا حتى يصدقه المولى والمرأة إذا ادعت الولد وشهدت امرأة حرة مسلمة على أنها ولدته وهو يصدقها وهو حر فهو ابنها وهو قول أبي حنيفة والعامة، انتهى، إذا عرفت ذلك فتوريث مسروق إياه يحتمل وجوهًا عديدة ذكر منها حضرة الشيخ وجهين سأوضحهما وهذه الوجوه تنحصر في احتمالين: الأول أن مسروقًا ورثه من بعض أقربائه غير الأم وهذا مختار ابن العربي إذ قال يعني به أنه كان مسببًا محمولًا من بلد إلى بلد في جملة ذكروا أنهم إخوة فورث بعضهم بعضًا بذلك القول قال مالك لا يكون ذلك إلا إذا كانوا جماعة نحو العشرين، وقد بيناه في مسائل الفقه، انتهى، وهذا الاحتمال يتضمن وجوهًا منها أنهم حملتهم أمهم وكانت هناك بينة فأفنى بها مسروق، وعلى هذا لا يخالف الحنفية ومنها أنها لم تكن هنالك بينة فأفتى مسروق بمجرد الدعوى ويكون هذا مذهبه وهذا أحد الوجهين اللذين ذكرهما الشيخ وهذا الوجه يخالف الحنفية كما عرفت وأنت خبير بأن فتوى عمر أولى من فتوى مسروق، ويحتمل وجوهًا آخر غير الوجهين المذكورين، والاحتمال الثاني وهو لا يخالف الحنفية بشرط إن لم تبق الورثة المقدمة عليها ومن حكى فيه خلاف الحنفية جهل بمسلكهم ففي السراجية: يبدأ بأصحاب الفرائض والعصبة ثم بالعصبة من جهة السبب ثم الرد على ذوي الفروض ثم ذوي الأرحام ثم مولى الموالات ثم المقر له بالنسب على الغير بحيث لم يثبت نسبه بإقراره من ذلك الغير إذا مات المقر على إقراره فعلى هذا إذا كان مهران حميل أمه ولم تبق الورثة فوقها فلا مانع من توريثه عنها.","vol":"1","page":45},{"text":"صغير، وفي تحميل النسب على الغائب فاقة إلى البينة ولم يكن ثمة غير أن مسروقًا أفتى بذلك من غير بينة وكان من مذهبه ولا يبعد أن يراد التوريث من أمه فلا يخالف المسلك المختار، وقيل له الأعمش لعمش عينيه ونسبة إلى كاهلة قبيلة من أسد لكون أبيه مولى الموالاة لهم وأراد المؤلف بقوله «وقد نظر إلى أنس» إثبات أنه تابعي فإن التابعي من رأى صحابيًا مسلمًا ومات عليه كما أن الصحابي من رأى النبي ﷺ مسلمًا أو حضره كذلك ومات على ذلك تحمل أو لم يتحمل.\n\n[باب كراهية الاستنجاء باليمين] لما كان بعض الأفعال وبعض الأشياء محقرة مقذرة والبعض الآخر على خلاف ذلك أكرم الله سبحانه اليمنى على اليسرى ليستعمل كل منهما فيما يناسبه فكان ترك هذا الاستحباب الذي يوافق الوضع الإلهي إساءة وقباحة فنهينا عنه.\n[قد علمكم نبيكم إلخ] كان السائل اعترض بذلك التعليم وأورده مورد الاستهزاء فرده سلمان عليه بأن ما علمنا لم يكن من الذي يفطن له من غير تعليم ولم يعلمنا ما يستغني من تعليمه حتى يعترض فإنه ﷺ مبعوث لإتمام المكارم فكانت جملة","vol":"1","page":46},{"text":"همته مصروفة إلى ذلك ثم إن الأمر في قوله وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار بإتمام الثلاث أمر استحباب (١) وليس لتوكيد وإيجاب فيجزئ الأقل إذا أنقى الموضع وكذلك لزم الزيادة عليها إذا لم ينق بها غير أن الغالب لما كان حصول الأنقاء بالثلاثة اقتصر على ذكر هذا العدد وهذا هو المراد بقول الفقهاء ليس فيه عدد مسنون أي مؤكد بحيث لا يجوز الزيادة عليه أو النقص عنه ويدل على جواز الزيادة والنقصان رواية ابن عمر الآتية (٢) بعد فإنه لما طلب ثلاثة وأتى بها وكانت فيها روثة فألقاها ولم يأمره بإحضار ثالثة (٣).\n_________\n(١) لما ورد من قوله ﷺ من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ولأن ظاهر قوله ﷺ أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار متروك الظاهر إجماعًا إذ قالت الشافعية وغيرهم لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز ولأن قوله ﷺ في حديث عائشة فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه مشير إلى أن المقصود الأنقاء وهذا العدد يكفي في الأجزاء غالبًا ولذا أمر بها المستيقظ من منامه وليس التثليث هناك واجبًا بالإجماع، وكذا أمر بها المتوضئ في غسل أعضائه وليس بواجب وغير ذلك ولذا ذهب إلى الاستحباب داؤد مع ظاهريته.\n(٢) هذا سبقه قلم فإن الرواية الآتية لابن مسعود لا لابن عمر ولعله انتقل الذهن من لفظ عبد الله في الحديث الآتي إلى ابن عمر وكان ابن مسعود.\n(٣) كما أقر الطحاوي وهو إمام الحديث وما أورد عليه الحافظ من زيادة قوله ائتني بحجر تعقبه العينى وتكلم على هذه الزيادة وإليه يظهر ميل الترمذي إذ بوب على الحديث الاستنجاء بالحجرين فكأنه لم يثبت عنده الأخذ بالثالث وإلا لا يصح تبويبه ولم يصح عند ابن العربي فقال: وفي حديث عبد الله أنه أخذ الحجرين وألقى الروثة ولم يأمر بالإتيان بعوض منها، قال العيني: وقد قال أبو الحسن بن القصار المالكي روى أنه أتاه بثالث لكن لا يصح ولو صح فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم لأنه اقتصر في الموضعين (أي البول والغائط) على ثلاثة فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة وقول ابن حزم هذا باطل لأن النص ورد في الاستنجاء ومسح البول لا يسمى استنجاء باطل على ما لا يخفى، انتهى.","vol":"1","page":47},{"text":"[قوله برجيع] الرجيع للبقر والجاموس كالروثة للفرس والحمار كما أن البعرة للغنم والإبل وساغ إرادة كل منها بالآخر ووجه النهي عن التطهر بها زيادة التلوث إما إن كانت رطبة فظاهر، وإما إن كانت يابسة فالأمر كذلك فإن بلل الموضع يوجب تلطخًا بها ولا يحصل المقصود وهو النقاء والطهارة.\n[قوله فأتيته بحجرين] لا يقال: إنه رضي الله تعالى عنه خالف الأمر بالإتيان بالروثة لأنا نقول انه ظن أن المقصود إنقاء الموضع بماذا حصل مع أن الحجر كثيرًا ما يطلق على كل جسم (١) متحجر.\n[قوله وكأنه رأى حديث (٢) زهير إلخ] أشار بزيادة لفظ التشبيه إلى\n_________\n(١) ثم وقع في الحديث هذا ركس واختلفوا في المراد منه قال الحافظ: كذا وقع ههنا بكسر الراء وإسكان الكاف فقيل هي لغة في رجس بالجيم ويدل عليه رواية ابن ماجة وابن خزيمة في هذا الحديث فإنها عندهما بالجيم، وقيل: الركس الرجيع رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة، قال الخطابي وغيره، والأولى أن يقال رد من حالة الطعام إلى حالة الروث، وقال ابن بطال لم أر هذا الحرف في اللغة يعني الركس بالكاف وتعقب بأن معناه الرد كما قال تعالى ﴿واركسوا فيها﴾ أي ردوا فكانه قال هذا رد عليك، قال الحافظ: فلو ثبت ما قال لكان بفتح الراء يقال أركسه ركسًا إذا رده، وفي رواية الترمذي هذا ركس يعني نجسًا وهذا يؤيد الأول، وأغرب النسائي فقال عقب هذا الحديث الركس طعام الجن وهذا إن ثبت في اللغة فهو مريح من الأشكال.\n(٢) حاصله أن الحديث المذكور فيه اضطراب كما أقربه المصنف نصًا وذلك لأن روى بعدة وجوه هكذا:\nإسرائيل: عن أبي إسحاق ... عن أبي عبيدة ... عن عبد الله\nوقيس\nمعمر: ... «... عن علقة ... «\nوعمار\nزهير: ... «... عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه ... «\nزكريا: ... «... عن عبد الرحمن بن يزيد ... «\nفاختلف على أبي إسحاق والإمام الترمذي سأله عن عبد الله فلم يرجح شيئًا من طرقه وكذا الإمام البخاري في سؤال الترمذي عنه لكنه لما ذكر في صحيحه رواية زهير فكأنه ترجيح منه لهذا الطريق دلالة والراجح عند الترمذي طريق إسرائيل لوجوه ذكرها وذكر الحافظ في مقدمة الفتح وجوه ترجيح الرواية التي رجحها البخاري فأرجع إليه لو شئت التفصيل.","vol":"1","page":48},{"text":"أن ذلك لازم له لا أنه ألتزمه فإنه لما وضعه في جامعه بهذا السند دل ذلك على ترجحه عنده، وأما أنه لم يجب المؤلف بشيء ففيه دلالة على أنه لم يلتزم ترجيح إحدى طرقه ثم إن المؤلف ترجحت عنده إحدى طرقه فلذلك رام الرد على البخاري فيما قاله فقال وزهير في أبي إسحاق إلخ.\n[قوله ما فاتني الذي فاتني إلخ] والغرض من هذا الكلام توثيق إسرائيل وترجيح روايته على رواية غيره، ومعنى الكلام (١) أن الذي فاتني من حديث\n_________\n(١) هذا هو الظاهر في معناه بل هو المتعين في نظري القاصر وما ذكره حضرة الشيخ (يرد الله مضجعه) من البعد في معناه إنما يلزم إذا أريد به فوت حديث سفيان بالكلية لكن إن أريد بالموصول المقدار الخاص من حديث سفيان الذي لم يلتفت إليه عبد الرحمن فلا إشكال على الظاهر وسيعيد المصنف هذا الكلام في النكاح أيضًا، وذكر الشيخ فيه احتمالين لا غير، ويظهر من بعض التقارير الآخر أن المراد بالذي فاتني من حديث سفيان هو حديث النكاح خاصة فتأمل.","vol":"1","page":49},{"text":"سفيان ولم أعتمد عليه كان السبب فيه اتكالي على إسرائيل فإنه كان يأتي برواية أبي إسحاق أتم من سفيان وعلى هذا فإسناد الفوت إلى الحديث لا إلى نفسه أدب كما في قولهم فاته الصلوات.\nولفظة [لما] على ما ذكرنا من المعنى تحتمل أن تكون شرطية تفيد معنى الظرفية وتحتمل أن تكون بتخفيف الميم واللام للتعليل، وعلى هذا التقرير يلزم أن يكون ابن مهدي قائل هذا القول لم يأخذ من سفيان روايته مع أنه لا يصح فالصواب في معنى العبارة أن يقال ما فاتني فهمه ولم يدهشني شيء ولم يلقني في حيرة وعمه شيء كما أوحشني وأدهشني حديث سفيان وما ورد على من الاضطراب في روايته على أن يكون الذي بمعنى كالذي والموصوف محذوف أي لم يهلكني شيء كما أهلكني حديث سفيان إلا إذا اتكلت على إسرائيل فإنه تخلصت من الهلكة باتكالي عليه وعلى هذا الأخير لا تكون كلمة «لما» إلا ظرفية، ولا يبعد أن يراد بالموصول الدهش والتحير والاضراب الذي قد كان وقع له في رواية سفيان، والمعنى أن الذي (١) فاتني من الاضطراب لم يفت إلا لاتكالي أو وقت اتكالي على رواية إسرائيل وعلى هذا فكلمة من ليست بيانًا للموصول بل الجار مع المجرور حال من ضمير الفاعل المستتر في الفعل أي لم يذهب مني الاضطراب الناشئ من رواية سفيان إلا وقت اتكالي أو لأجل اتكالي على رواية إسرائيل وهذا المعنى أولى المعاني فيه لولا أن كلمة الفوت لا تستعمل في مثل هذا الذاهب المقصود ذهابه بل كثر استعماله فيما لم يقصد فوته وحبب بقاؤه، والله تعالى أعلم.\n[قوله بآخرة] أي في آخر عمر أبي إسحاق وكان قد توسوس في آخر عمره وساء حفظه، وأما زهير فليس به بأس إلا أنه روى عنه في آخره، فلم يعتبر ومما ينبغي أن يتنبه له أن المؤلف أثبت ههنا أن أبا عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه\n_________\n(١) ويكون لفظ فات على هذا المعنى بمعنى زال وذهب يعني لم يذهب الاضطراب ولم يندفع إلا بعد اتكالي على حديث إسرائيل.","vol":"1","page":50},{"text":"ليثبت بذلك مذهبه فيما بعد ومع ذلك الانقطاع تلقت الأمة هذا الحديث والأئمة بالقبول ولم يترك ففيه دلالة على اعتبار المنقطع من الروايات فليحفظ فإنه يفيد.\n[قوله عمر بن مرة] وفي النسخة (١) القديمة المطبوعة عمرو بن مرة.\n[قوله فإنه زاد إخوانكم إلخ] مسوق لبيان العلة في النهي الثاني والأول معلوم ضرورة (٢) لتنجيسه ويحتمل كونه علة المسألتين كلتيهما بإرجاع الضمير إلى كل منهما وكون العظم من زاد الجن معلوم، وأما الروث فلكونه زاد دوابهم نسب إليهم مجازًا لأنهم ينتفعون بها والعلة مشيرة إلى كراهة الاستنجاء بماله ثمن وما هو منتفع به في الأكل وغيره للدواب وغيرها فيشمل الحكم للثياب والحشيش وغيرهما فأفهم. ثم الظاهر أن الجن تأكل الزاد المذكور من العظم كما هو ولا بعد فإن الكلب يأكله مع أنه أضعف منهم بكثير ويمكن أن يكون الله تعالى يخلق لهم لحمًا (٣)\n_________\n(١) قلت: وهو الصواب يعني بالواو كما عليه أكثر النسخ القديمة والجديدة وهكذا بالواو ذكره أهل الرجال الحافظ وغيره.\n(٢) وتقدم قريبًا أنه ﷺ ألقى الروثة وقال: إنها ركس.\n(٣) ويؤيده رواية البخاري بسنده عن أبي هريرة وفيه فقلت ما بال العظم والروثة فقال هما من طعام الجن وأنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت لهم أن لا يمروا بالعظم والروثة إلا وجدوا عليها طعامًا، انتهى، قال ابن رسلان: وفي دلائل النبوة: أنهم قالوا ليلة الجن أعطنا هدية فأعطاهم ذلك فإذا وجدوا عظمًا أو روثًا جعله الله لهم كأنه لم يؤكل وكذا الروث للدواب فإن كانوا أكلوا شعيرًا جعله الله شعيرًا وإن كانوا أكلوا تبنًا وغيره من العلف جعله الله كذلك ويشبه أن يجعل الله الفحم خشبًا لنارهم ويحتمل أن يكون رزقهم لذلك هو الرائحة التي يظهر لهم ونحو ذلك فتكون قوتهم لأنفس العين فإن أجسادهم لطيفة، انتهى، وسيأتي في باب الوضوء بالنبيذ أن ليلة الجن كانت ست مرات.","vol":"1","page":51},{"text":"عليه وإن لم نعلم به ولم نبصره ولا يمكن أن يستنبط منه حرمتها للناس فإن جواز أكلها لهم وكونها زادهم لا يحرمها على الناس ولا يبعد أن يكون إشارة إلى جواز أكلها للناس فإن الجن إنما تستحقها إذا فضلت من حوائجنا.\n[قوله وكان رواية إلخ] لأن حفص بن غياث رفع الجزء الموقوف وهو قوله قال الشعبي (١) إلخ فإن الشعبي وإن كان يروي هذا عن أحد ممن روى عن النبي ﷺ إلا أنه لم ينص على كونه مرويًا بهذا السند المذكور من قبل وهو علقمة عن ابن مسعود وهذا هو السبب في ترجيح رواية إسماعيل على رواية حفص فإن إسماعيل رواه كما ثبت بأن (٢) الحديث بطوله عن علقمة عن ابن مسعود والجزء\n_________\n(١) وإلى ذلك أشار مسلم في صحيحه إذ ميز قوله قال الشعبي إلخ عما قبله وذكر له عدة متابعات، قال النووي: انتهى حديث ابن مسعود عند قوله فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وما بعده من قول الشعبي، كذا رواه أصحاب داؤد الراوي عن الشعبي وابن علية (كذا في نسخ النووي الهندية والمصرية بالواو والصواب على الظاهر حذفه فإن ابن علية ومن بعده بيان لأصحاب داؤد فإن مسلمًا روى حديث ابن علية وابن إدريس عن داؤد وذكر الحافظ في تلامذة داؤد بن زريع وذكر أحمد في مسنده رواية ابن أبي زائدة عن داؤد) وابن زريع وابن أبي زائدة وابن إدريس وغيرهم، هكذا قاله الدارقطني وغيره ومعنى قوله: إنه من كلام الشعبي أنه ليس مرويًا عن ابن مسعود بهذا الحديث وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي ﷺ، انتهى.\n(٢) تفسير لقوله كما ثبت يعني أن الثابت عند المحدثين أن الحديث بطوله مروي عن علقمة عن ابن مسعود والجزء الأخير الذي ذكره بلفظ قال الشعبي هو موقوف على الشعبي فإسماعيل رواه هكذا مفصلًا مميزًا للموقوف عن الموصول وحفص بن غياث جمعهما في سند واحد والحديث بطوله ذكره المصنف في تفسير الأحقاف ومسلم في صحيحه.","vol":"1","page":52},{"text":"الذي رواه بلفظ قال الشعبي موقوف على الشعبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>[باب الاستنجاء بالماء]</span>\nلا خلاف في أنه مستحب ومندوب، وأما الوجوب فالمذهب (١) عندنا أن النجاسة إذا تجاوزت موضع الاستنجاء فإن زادت على قدر الدرهم افترض غسله وإن نقصت عنه سن غسله وإن بقدره وجب ثم إن وجود تلك الكيفية فيهم رضى الله تعالى عنهم معلوم حيث يقول قائلهم ما كنا إلا نبعر بعرًا فأتى التنجس فلم يكن الغسل إلا أدبًا وندبًا، وأما إذا أكلوا الخمير والفطير فلا يمكن ذلك.\n[قوله مرن أزواجكن إلخ] فيه أن الأمر بما يستحي من ذكره لمن ليس بمحرم منه ينبغي أن يكون بواسطة محرم.\n[قوله أبعد في المذهب] مصدر ميمي (٢) أي اختار البعد في الذهاب ليكون أستر.\n[قوله كما يرتاد منزلًا] أي كما يرتاد مريد المنزل للنزول فيه ويتفحص أمورًا من خيرية الجار وفسحة الدار وقرب المسجد والماء وغير ذلك من المرافق والأشياء كذلك النبي ﷺ كان يرتاد لبوله أي يطلب (٣) مكانًا وأن مطمح النظر فيه أمور أن لا يكون مرتفعًا حتى يرجع إليه البول ولا يكون في مستقبل\n_________\n(١) اختلفت أقوال الفقهاء في هذا التفصيل كما بسطت في الفروع سيما في رد المختار والمذكور في التقرير هو مختار الشيخ وهو فقيه أوانه وبذلك جزم صاحب الدر المختار إذ قال: وعفا الشارع عن قدر الدرهم وإن كره تحريمًا فيجب غسله وما دونه تنزيهًا فيسن وفوقه مبطل فيفرض.\n(٢) هو المتعين في رواية الترمذي ورواية أبي داؤد تحتمل الظرفية والمصدر.\n(٣) قال ابن رسلان: هذا أدب مجمع عليه ويؤخذ منه أن الرشاش لا يعني في الجسد والثوب وهو مذهب الشافعي وصحح النووي العفو، انتهى، قلت: ويعفى عندنا إلا في الماء فإن طهارته أوكد","vol":"1","page":53},{"text":"الريح لئلا يترشش منه إليه وأن لا يكون الأرض صلبة وأن يكون في موضع الستر إلى غير ذلك.\n[قوله قال إن عامة الوسواس منه] يعني بذلك أن الرجل إذا بال في المستحم فوقع عليه الماء وطارت رشاشة توهم تنجس العضو الذي وصل منه إليه شيء ثم إذا أمر الماء على هذا العضو توهم تنجس ممر الماء وهلم جرأ إلى أن يشتد الأمر على المصلي فقطع النبي ﷺ أصل ذلك السبب حيث نهى عن المبال فيه، وأما في نفس الأمر فليس البول في المستحم مورثًا للوهم بنفسه بل يكون سببًا إليه لما ذكرنا فأما إذا أمر الماء بعد البول فإنه لا يبقى شيء ثمة سيما إذا كان الأرض مجصصة أو مشيدة وهذا الذي ذكرناه مراد بن سيرين رحمه الله تعالى بقوله «ربنا الله لا شريك له» فإنه قصد أن الموجد بنفسه والمؤثر الحقيقي هو الله تعالى ولكنه وضع أسبابًا ومناشي تنسب إليه الأشياء فإذا ارتفعت لم يبق للمسبب وجود بعدها فإذا انقطع أثر البول فيما نحن فيه عن المستحم لم يبق للوسواس وجود، وغرض ابن سيرين من هذا الإنكار على ما رأى من تشدد أهل زمانه على البول في المستحم وليس المعنى ما يتبادر من ظاهر العبارة حتى يلزم أنه رفض لما عليه السنة والجماعة وتمذهب بما ذهب إليه الجبرية.\n[قوله لأمرتهم بالسواك] أمر إيجاب [ولأخرت العشاء] أي وقته إذ ذاك، وأما الآن فكلاهما ندب واستحباب والمراد بالصلاة ههنا هي الطهارة استظهارًا بسائر الروايات مع أن السواك يناسب الطهارة لا الصلاة فجعله من أجزائها أولى، والشافعية رحمهم الله تعالى جمعوا بين الروايتين يحمل كل منها على السنية والاستحباب وهو حسن في نفسه إلا أنه عمل بما فهم الراوي من الرواية وما فهموه منها وليس عملًا بشيء من مقتضيات الرواية ثم إن المؤلف إنما ذكر تصحيح رواية أبي هريرة موجهًا وترك توجيه تصحيح الثانية للاتفاق على صحتها (١) فلم يفتقر\n_________\n(١) أو لما سيذكر عن البخاري إذ قال إن حديث أبي سلسة عن زيد بن خالد","vol":"1","page":54},{"text":"إلى توجيه ثم إن حمل رواية السواك عند كل صلاة على رواية الوضوء من المجاز المتعارف الشائع بين النصوص نظيره حمل القيام على الإرادة والقصد في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ والاستنان الاستياك وأصله السنن وهو الجري والإجراء.\n_________\nأصح بخلاف حديث أبي هريرة فإنه ذكره أهل الأصول في مثال الصحيح لغيره قال العراقي:\nوالحسن المشهور بالعدالة ... وصدق راويه إذا أتى له\nطرق أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتن لولا أن أشق\nإذ تابعوا محمد بن عمرو ... عليه فارتقى الصحيح يجرى\nثم قول المصنف وحديث أبي هريرة إنما صحح لأنه قد روى عن غير وجه هكذا هذه العبارة في النسخ الهندية فالغرض منه التأكيد لما سبق، وفي المصرية: وحديث أبي هريرة أصح لأنه قد روى من غير وجه فيكون الكلام تأسيسًا ويكون الدليل على الأصحية هو كثرة الطرق بعينها كما أنها دليل على نفس الصحة ثم يشكل على ما قاله الإمام البخاري من أصحية حديث زيد أنه ذكر في صحيحه قال = أبو هريرة عن النبي ﷺ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء ويروي نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي ﷺ فذكر حديث أبي هريرة بلفظ الجزم وحديث زيد بلفظ التمريض والمعروف عن البخاري أن ما ذكره بصيغة الجزم مجزوم بسحته بخلاف ما ذكره بصيغة التمريض، قال العبي: وإنما ذكره بصيغة التمريض لأجل محمد بن إسحاق ويمكن أن يوجه بينهما بأن أصحية حديث أبي هريرة باعتبار حديث زيد بن خالد على الإطلاق، وأما أصحية حديث زيد فباعتبار حديثي أبي سلمة عن أبي هريرة عن زيد ففي حديثي أبي سلمة حديث زيد أصح عند البخاري لتضمنه زيادة قصة وضعف ابن إسحاق منجبر بالمتابعة فتأمل.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>[باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم إلخ]</span>\nومن لطائف هذا الباب أن الترجمة مشتملة على لفظ الحديث (١) ثم إن الأصل عندنا كون الحكم معللًا كما مر ومن ثم لم تكن القيود معتبرة في النصوص فكرهت أئمة الأحناف إدخال اليد في الماء وغيره من المائعات من المستيقظ والقائل والمغمي عليه وغيره من كل من لا يشعر بحاله حتى يعلم طهارة يده من نجاستها (٢) ومع هذا كله فلو أدخل أحد من المذكورين يده في الماء لم يفسد الماء للشك في النجاسة والطهارة كانت مستيقنًا بها قبل النوم ولا يزول الأمر اليقيني إلا بيقين مثله (٣) والشافعي ﵀ متفق معنا في هذا كله ومعنى قوله كرهت له ذلك أنه أتى بما يكره وفعل ما كان الأليق به تركه لا أن الماء صار مكروهًا، وأما أحمد (٤) بن حنبل فلما لم يكن من دأبه تعليل الأحكام\n_________\n(١) فإن مسلمًا وغيره أخرجوه بنحوه.\n(٢) هذا هو المشهور في سبب الحديث فالمنقول عن الإمام الشافعي وغيره أنهم كانوا يستنجون بالأحجار والبلاد حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، انتهى، فعلم أن العلة الشك في النجاسة فمتى وقع الشك ليلًا أو نهارًا أو وقع الشك بدون النوم كره غمسها كما قاله النووي، وقال الباجي في سبب الحديث الأظهر ما ذهب إليه شيوخنا العراقيون من المالكيين وغيرهم أن النائم لا يكاد أن يسلم من حك جسده وموضع بثرة في بدنه ومس رفغه وإبطه وغير ذلك من مغابن جسده ومواضع عرقه فاستحب له غسل اليد تنظفًا وتنزهًا كما في أوجز المسالك إلى موطأ مالك.\n(٣) كما سيأتي قريبًا من مذاهب الأئمة مختصرًا والبسط في شروح البخاري من الفتح والعيني.\n(٤) قال ابن قدامة في المغنى: غسل اليدين ليس بواجب عند غير القيام من النوم بغير خلاف نعلمه، أما عند القيام من نوم الليل فروى عن أحمد وجوبه وهو الظاهر عنه وروى عنه أنه مستحب وليس بواجب وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ولا تختلف الرواية في أنه لا يجب غسلها من نوم النهار، وسوى الحسن في نوم الليل ونوم النهار فإن غمس يده في الماء فعلى قول من لم يوجب غسلها لا يؤثر غمسها شيئًا ومن أوجبه قال: إن كان الماء كثيرًا لم يؤثر أيضًا وإن كان يسيرًا فقال أحمد أعجب إلى أن يهريق، وقال الحسن: تجب إراقته، انتهى ملخص ما في الأوجز.","vol":"1","page":56},{"text":"وتعديتها إلى غيرها لوجود العلة اعتبر قيد الليل في الرواية فقال: إن أدخل يده في الإناء مستيقظ الليل أحب أن يهريقه، وفي غير الليل لا، والتقييد بالليل عندنا للبناء على ما هو العادة من طول النوم فيه وكثرة الغفلة فكان التنجس فيه أوجه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>[باب في التسمية عند الوضوء]</span>\nوالعلماء رحمهم الله تعالى قد تفرقت آراءهم في معنى حديث الباب من حمله على ظاهر معناه فذهب إلى وجوب التسمية وهم طائفة قليلة من الظاهرية (١) والشافعية وموافقوهم ذهبوا بها إلى النية (٢) فإن\n_________\n(١) قال في العارضة قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا ولكنه أوجب التسمية وروى عنه أنه ليس بواجب، وقال علمائنا إن المراد بالحديث النية.\n(٢) قال ابن رسلان: أجاب أصحابنا وغيرهم من الحديث بأجوبة أحسنها أنه ضعيف، والثاني المراد الكامل، والثالث جواب ربيعة شيخ مالك والدارمي وغيرهما أن المراد منه النية، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره إلى أن هذه الصيغة التي دخل فيها النفي على ذوات شرعية مجملة لأنها مترددة بين نفي الكمال ونفي الصحة كما في «لا نكاح إلا بولي» و«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» قلت: وكما في حديث «لا أجر لمن لا حسبة له» و«لا عمل إلا بنية» و«لا صلاة بحضرة الطعام».","vol":"1","page":57},{"text":"التسمية بالقلب هي النية والقصد وأيًا ما كان فالنفي عندنا راجح إلى الكمال فالطهارة صحيحة كافية من غير نية وتسمية وإن كان له في الإتيان بهما أجر كثير وفضل كبير والوجه في ذلك أن كلمة لا هذه تستعمل في نفي الذات وهو حقيقة معناها ولا تحتاج فيه إلى قرينة، وفي نفي الكمال وهو مجاز فيه فإن الذي لم يأت على ما كان ينبغي له أن يكون عليه فكان وجوده كلا وجود وهو كثير في الكلام سيما في الروايات وههنا كذلك والقرينة عليه قوله (١) الصلاة والسلام «من توضأ وذكر اسم الله كان طهورًا لجميع بدنه ومن توضأ ولم تذكر اسم الله كان طهورًا\n_________\n(١) الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وفيه أبو بكر الدابري متروك ومنسوب إلى الوضع ورواه الدارقطني والبيهقي أيضًا من حديث أبي هريرة وفيه مرداس بن محمد عن أبيه وهما ضعيفان ورواه البيهقي والدارقطني أيضًا من حديث ابن مسعود وفي إسناده يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك، ورواه عبد الملك بن حبيب عن إسماعيل بن عياش عن أبان وهو مرسل ضعيف جدًا، وقال أبو عبيد في كتاب الطهور سمعت من خلف بن خليفة حديثًا يحدث بإسناده إلى أبي بكر فلا أجدني أحفظه وهذا مع إعضاله موقوف، كذا في التلخيص، وقال الشيخ في البذل: ويؤيد ذلك حديث ذكر الله على قلب المؤمن سماه أو لم يسم، وأما الجواب عن ضعف هذا الحديث فإنه تعاضد لكثرة طرقه واكتسب قوة كما قلنا في ضعف حديث الباب واحتج البيهقي على عدم الوجوب بحديث لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله واستدل الطحاوي بحديث مهاجر بن قنفذ أنه سلم على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ، الحديث، وقد صرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي أنه قد ورد في بعض الروايات في حديث الباب «لا وضوء كاملًا، وقد استدل به الرافعي، وقول الحافظ في التلخيص: لم أره، ليس بحجة على من رآه من المتقدمين.","vol":"1","page":58},{"text":"لأعضاء وضوئه» فهذا يبين مراده ﷺ بقوله «لا وضوء لمن لم يسم» وأي قرينة أعظم من تصريح المتكلم بمراده فكان قوله هذا نظير قوله «لا إيمان لمن لا أمانة له» وغير ذلك مما هو أكبر من أن يحصي مع أن حمل الرواية على حقيقة معناها الظاهر يوجب تخصيص الآية الذي هو في حكم النسخ وليس ذلك إلى خبر الواحد (١) وإنما ذهب إسحاق إلى فساد الوضوء بترك التسمية لما فيه من رفض الفريضة وأما إذا نسى أو تأول كما ذهب إليه من لم يوجب التسمية فإنما أجزأه عنده لأن اختلاف العلماء يورث تخفيفًا مع أن قوله ﷺ «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» محمول عند هؤلاء على أجزاء الفعل وصحته إذا ترك شيئًا من الأركان بنسيانه.\n[قوله أحسن شيء إلخ] هذا الحسن إضافي فلا ينافي قول أحمد «لا أعلم» في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد إذ المراد بالجودة بلوغه مرتبة الصحة.\n[قوله إذا توضأت فانتثر وإذا استجمرت فأوتر] أمران اقتضيا وجوبًا لأنه أصل فيه وعارض الثاني فعله ﷺ المار ذكره عن قريب، والأول إطلاق الآية فوجب حملهما على الاستحباب ولا يمكن حمل فعله ﷺ في رواية ابن عمر على الخصوصية لعدم الضرورة إلى ذلك مع أن تنقية الموضع ليس أمرًا يختص به، هذا ما أخترنا، وأما الآخرون (٢) فمنهم من ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق\n_________\n(١) لا سيما إذا كان ضعيفًا فقد تقدم عن أحمد أنه قال: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا، وأما حديث الباب فقال الدارقطني: اختلف فيه، ثم ذكر الاضطراب فيه، حكاه الحافظ في التلخيص، وذكر عن أبي حاتم وأبي زرعة أنهما قالا، إن الحديث ليس بصحيح، أبو ثفال ورباح مجهولان، وقال ابن القطان: الحديث ضعيف جدًا، وقال البزار: أبو ثفال مشهور ورياح وجدته لا نعلمهما رويًا إلا هذا الحديث، ولا حدث عن رياح إلا أبو ثفال فالخبر من جهة النقل لا يثبت، انتهى.\n(٢) قال ابن العربي اختلف الفقهاء في المضمضة والاستنشاق في الطهر على أربعة أقوال: الأول أنهما سنتان في الطهارتين قاله مالك والشافعي والأوزاعي وربيعة، الثاني أنهما واجبتان فيهما قاله أحمد وإسحاق، الثالث: أن الاستنشاق واجب والمضمضة سنة، قاله أبو ثور، الرابع أنهما واجبتان في الغسل سنتان في الوضوء قاله الثوري وأبو حنيفة.","vol":"1","page":59},{"text":"معًا ومنهم من ذهب إلى كونهما مسنونين غير أن الاستنشاق آكد من المضمضة، ثم إن تفرق أصحابنا رحمهم الله تعالى بين الوضوء والغسل فيهما وجوبًا وسنية مذكور في كتبنا بما لا مزيد للبيان عليه وجملة الأمر أن القول بوجوبهما في الوضوء يؤدي إلى نسخ الآية فوجب القول بالسنية ولا كذلك في الغسل (١) لأنه مؤيد\n_________\n(١) على أنه قد روى الدارقطني والبيهقي من حديث بركة بن محمد الحلبي عن يوسف بن أسباط عن سفيان عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة، قال القدوري في تجريده قولهم: بركة الحلبي ضعيف ليس بصحيح لأن ابن معين أثنى عليه في كتبه الأخيرة وقد روى الخبر من غير طريق مرسلًا، وقال الشيخ تقي الدين في الإمام قد روى هذا الحديث موصولًا من غير حديث بركة ثم أخرجه بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا المضمضة والاستنشاق ثلاثًا للجنب فريضة، قال الدارقطني: غريب تفرد به سليمان عن همام ثم ذكر الكلام على ضعفه وأخرج البيهقي بسنده عن ابن عباس أنه سئل عمن نسى المضمضة والاستنشاق قال لا يعيد إلا أن يكون جنبًا فهذه الروايات كلها شاهدة على فرضيتهما وضعف بعضها يرتفع بضم الآخر وأخرج أبو داؤد والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة مرفوعًا أن تحت كل شعر جنابة فاغسلوا الشعر، الحديث، وأنت خبير بأن في الأنف أيضًا شعرًا وأخرج أبو داؤد بمعناه عن على مرفوعًا وسكت عليه فهو صالح للاحتجاج على أنه ﷺ واظب عليهما في الغسل، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":60},{"text":"بقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ حيث أورد فيه صيغة المبالغة ولا يتصور المبالغة إلا بزيادة في الكم أو الكيف، أما الثاني فلم يثبت شرعًا ولا هو معقول فوجب المصير إلى الأول ويتحقق إما بزيادة في المرات أو بزيادة في المغسول ولا سبيل إلى الأول لقوله ﷺ «من نقص عن هذا أو زاد فقد تعمدى وظلم» أو كما قال، فلم يبق إلا الزيادة في مقدار المغسول ولا شيء وراء الجسم يغسل في الغسل حتى يتحقق مقتضى المبالغة فقلنا بوجوب المضمضة والاستنشاق معًا في الغسل حتى يغسل فيه ما هو داخل في الوجه من وجه وخارج منه من وجه ولا كذلك في الوضوء فإن الوارد فيه الغسل مطلقًا فيتحقق بأدنى ما تناوله، ثم إن الظاهر المبني على العادة كون مثل هذه الأمور واجبًا لا سنة فإن الثابت بخبر الواحد يكون واجبًا إلا أنهم لم يذهبوا إلى الوجوب لثبوت وجود هذه الأمور تارة والترك أخرى مع أن الواجب ما ورد على تركه ثم إن المراد (١) بالانتثار والاستنشاق كليهما واحد وهو إدخال الماء في الأنف ثم إخراجه وإن كان المذكور أحدهما وإنما اقتصر على ذكر أحدهما لما فيهما من الملازمة فإن الاستنشاق لا يكون إلا للانتشار وكذا الانتشار لا يكون إلا بعد الاستنشاق، وللاتسجمار ثلاثة معان كلها تصح ههنا لكن الأول أولى وأليق ههنا من الباقيين، والثاني من الثالث، الأول طلب الجمرة لتنقية موضع الغائط، والثاني تجمير الأكفان، والثالث رمي الجمار في الحج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>[باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد]</span>\nهذا جائز عندنا أيضًا وغير مستحب عند الشافعي (٢) رحمه الله تعالى فلا وجه لبيان الاختلاف فيه بيننا\n_________\n(١) أي المقصود والمطلوب في الشرع مجموع الأمرين وإلا فباعتبار اللغة مختلفان كما يظهر من آخر الكلام ففي اللغة الاستنشاق إدخال الماء في الأنف والاستنثار إخراج ما في الأنف من الماء وغيره.\n(٢) يعني على ما حكاه الإمام الترمذي بنفسه وإلا ففي العيني والنووي وغيرهما أن للشافعية في ذلك خمسة أوجه واختلف نص الإمام الشافعي أيضًا في ذلك فنص الأم والمزني أن الجمع أفضل ونص البويطي أن الفصل أفضل وهذا هو الذي نقله الترمذي عن الإمام الشافعي.","vol":"1","page":61},{"text":"وبينه كما فعله بعض الأعلام إلا عدم الوقوف على المذهب وخالد ثقة فكانت زيادته معتبرة فإن زيادة الثقة معتبرة ما لم تقع منافية لرواية أوثق منه كما فيما نحن فيه (١).\n[قوله يفرقهما] مبتدأ (٢) بتأويل تجريده عن النسبة إلى الفاعل والزمان فصلح للحكم عليه أو بتقدير أن المصدرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>[باب في تخليل اللحية]</span>\nتفرقت آراء الفقهاء (٣) الحنفيين في هذه المسألة فمن\n_________\n(١) يعني فلأجل ذلك صار حديث الوصل صالحًا للاستدلال لمن استدل به وإلا فصارت روايته ضعيفة لكن بعد صحة الاستدلال أيضًا تبقى بيانًا للجواز جمعًا بين الروايات على أن روايات الفصل نص في الباب بخلاف روايات الكف الواحد فإنها محتمل للاحتراز عن الكفين واليدين أو للاحتراز عن اليد اليسرى لأن الاستنشاق في الأنف وهو موضع الأذى مما لا يخفى، ورواية بماء واحد رواية بالمعنى ضرورة.\n(٢) أو يقال إن قوله أحب خبر مبتدأ محذوف فهما جملتان، وفي بعض النسخ تفريقهما فلا حاجة إلى التأويل.\n(٣) ففي الدر المختار غسل جميع اللحية فرض على المذهب الصحيح المفتى به المرجوع إليه وما عدا هذه الرواية مرجوع عنه كما في البدائع ثم لا خلاف أن المسترسل لا يجب غسله ولا مسحه بل يسن وأني الخفيفة التي ترى بشرتها يجب غسل ما تحتها، انتهى، قال ابن عابدين قوله جميع اللحية ظاهر كلامهم أن المراد بها الشعر الثابت على الخدين والذقن، وقوله ماعدا هذه الرواية أي من رواية مسح الكل أو الربع أو الثلث أو ما يلاقي الشك أو غسل الربع أو الثلث أو عدم الغسل والمسح فالمجموعة ثمانية، قوله ثم لا خلاف أي بين أهل المذهب على جميع الروايات، وقوله المسترسل أي الخارج عن دائرة الوجه، انتهى، وقال ابن العربي: اختلف العلماء في تخليلها على أربعة أقوال: أحدها أنه لا يستحب، قاله مالك في العتية، الثاني أنه يستحب، قاله ابن حبيب، الثالث إن كانت خفيفة وجب إيصال الماء إليها وإن كانت كثيفة لم يجب، قاله مالك عن عبد الوهاب، الرابع من علمائنا من قال يغسل ما قابل إيجابًا وما ورائه استحبابًا، وفي تخليلها في الجناية روايتان عن مالك إحداهما أنه واجب وإن كشفت، رواه ابن وهب وروى ابن القاسم وابن عبد الحكم سنة لأنها قد صارت في حكم الباطن ووجه آخر وهو قول أبي حنيفة والشافعي أن الفرض قد انتقل إلى الشعر بعد نباته كشعر الرأس.","vol":"1","page":62},{"text":"قائل بفرضية مسح ربع اللحية قياسًا على مسح الرأس فإنه لما سقط غسل كله قام مسح الربع مقامه فكذلك في اللحية وأنت تعلم ما فيه فإن القياس على الرأس إنما كان صحيحًا لو كان الرأس مغسولًا كالذقن ثم سقط غسله إلى مسح ربعه وإذ ليس فليس ومن ذاهب إلى وجوب غسل السطح الظاهر ومسح ما استرسل منها، والصحيح أن غسل ما يلاقي البشرة واجب فإنه إذا سقط وجوب غسل الذقن تاب منابه غسل ما يلاقي بشرة الوجه منها، وأما الشعر المسترسل منها فلا يجب غسله ولا مسحه ولكن لا خلاف في أن تخليل اللحية واستيعابه بالمسح سنة والله تعالى أعلم.\n[قوله لم يسمع عبد الكريم] لكن الرواية لما تعددت طرقها اتجبر الضعف الناشئ من سوء حفظه.\n[قوله مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر] الإقبال الإتيان إلى قبل الرأس والأدبار الذهاب إلى دبره فكان الابتداء الإقبال من خلف وابتداء الأدبار من قدام.\nثم قوله [بدأ بمقدم رأسه] دفع لما عسى أن يتوهم من تقديم ذكر الإقبال أنه ابتدأ المسح من خلف فدفعه بأن الواو في قوله أقبل بهما وأدبر للجمع وليس تقديم","vol":"1","page":63},{"text":"ذكره للتقدم بالوجود ولعل الوجه في تقديم ذكره الاكتفاء بالإقبال في المسح فناسب تأكده.\nثم المراد بقوله [ذهب بعض أهل الكوفة] إن كان الحنفية فمعنى العبارة أنهم ذهبوا إلى جواز الوضوء بذلك وقالوا بسقوط الواجب به لا أنه سند عندهم وإن كانوا قومًا آخرين فلا علم (١) لنا بهم [بدأ بمؤخر رأسه (٢)] إنما فعل ذلك والله تعالى أعلم لئلا يذهب بدوام ابتدائه بالمقدم إلى حرمة خلافه أو عدم الأجزاء به في باب الطهارة فأظهر بهذا القلب إنما المقصود هو الإتيان بالمسح كيف كان ولا يبعد أن يستنبط منه أن الترتيب في غسل الأعضاء لا يشترط فإن الوضوء هو مجموع تلك الأركان، فلما لم يجب إتيان كل ركن حسب ما ثبت دوامه عليه من الكيفية لم يجب في كل الأركان إتيانها كذلك مع أن المسح في ذاته لزم أن يكون على تقدير وجوب الترتيب مرتبًا بعضه على بعض ويجب أن يكون مسح مقدمه مقدمًا على مسح مؤخره فإذا عكس فيه علم أنه لا ترتيب، نعم يكون الترتيب سنة لدوام عمل النبي ﷺ.\n[قوله مرة واحدة] إما أن يقال في بيان معناه إن الإقبال والأدبار كله مسح واحد وعلى هذا فمؤدي الروايتين واحد أو يحمل على اختلاف الأحوال\n_________\n(١) قال ابن العربي: لا أعلم أحدًا قال إنه بدأ بمؤخر الرأس إلا وكيع بن الجراح كما ذكره أبو عيسى والصحيح البداية بالمقدم وهي رواية الحفاظ كلهم، انتهى، قلت: وحكى العيني عن الحسن بن صالح أنه قال يبدأ بمؤخر الرأس، وحكى صاحب السعاية عن الحسن البصري، السنة البداية من الهامة يضع يده عليها ويمر بها إلى مقدم الرأس ثم يعيدها إلى القفا، انتهى، فهذا قول ثالث.\n(٢) قال ابن العربي لعله من تفسير الراوي لقول الآخر فأدبر بهما فحمله على البداية بالمؤخر فذكره بذلك اللفظ، انتهى.","vol":"1","page":64},{"text":"فيكون كله سنة، تكرار المسح وتثليثه وإفراده كلها سنة وإنما الخلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله تعالى في أخذ الماء الجديد هل يسن؟ قالوا نعم والعجب منهم جوزوا شرب المستعمل من الماء والتطهر به ولم يجوزوا المسح به، والعذر (١) أن الجواز لا ينكر وإنما الكلام في السنية ولا تثبت إلا بفعله ﷺ، والله أعلم.\n[قوله بما غير فضل يديه] هذا وإن كان غلطًا من الراوي كما صرح به المؤلف إلا أنه يمكن تصحيحه بحسب المعنى بأن يقال قوله فضل يديه بدل عن ما غبر أو هو فاعل لقوله غير أي بماء تركه فضل يديه وإسناد الترك إلى الفضل لا استبعاد فيه، فإن الماء لم يبق على اليد إلا لأجل كونه فاضلًا على اليد عن حاجة الغسل فإن السائل والنازل من العضو الذي وقع على الأرض كان فضلًا على القدر الضروري للغسل وترك هذا الفضل ذلك البلل ويحتمل منصوبًا بنزع الخافض أبي بماء بقى من فضل يديه على أن يكون كلمة من هذه المقدرة المنزوعة للبيان والأول أولى وأسلم (٢).\n_________\n(١) يعني يمكن أن يجاب عن الشافعية بأنهم لا ينكرون الجواز إذ الماء المستعمل طاهر عندهم وإنما أنكروا السنية وهي لا تثبت إلا بفعله ﷺ وثبت عنه ﷺ عندهم تجديد الماء فقالوا به فتأمل ثم لا يذهب عليك أن ما حكاه الترمذي من مذهب الشافعي يخالف المشهور من مذهبه، وفي السعاية أن التثليث هو قول الشافعي على ما حكاه النووي وابن حجر وغيرهما، وهو المشهور في كتب مذهبه لكن عده الترمذي ممن رأوا المسح مرة واحدة ونقل العيني عن النووي أنه قال لا أعلم أحدًا من أصحابنا حكى هذا عن الشافعي لكن حكاه الرافعي وجهًا لأصحابنا، انتهى.\n(٢) قلت: هذا باعتبار اللفظ وأما باعتبار الفقه فالمشهور على الألسن أن حديث عمرو بن الحارث حجة على الحنفية إذ قالوا بجواز المسح بالبلة الباقية على اليدين بعد غسل اليدين قال الحلبي: لو توضأ ومسح ببلة بقيت على كفيه","vol":"1","page":65},{"text":"[قوله لا أدري هذا من قول إلخ] هذا انتصار لمذهبه (١) وأنت تعلم\n_________\n=  بعد الغسل يجوز مسحه لأن البلة الباقية بعد الغسل غير مستعملة إذ المستعملة فيه ما سال على العضو وانفصل عنه ولو مسح رأسه ثم مسح خفيه ببلة بقيت بعد المسح لا يجوز مسحه على الخف لأن البلة الباقية بعد المسح مستعملة لأن المستعمل فيه ما أصاب الممسوح، انتهى.\nوأنت خبير بأن الحديث لا ينافي قولهم لأنهم لا ينكرون جواز المسح بالماء الجديد بل قالوا بجواز الأمرين معًا قال القارئ: وفي الحديث أنه عمل بأحد الجائزين عندنا، انتهى، قال النووي معناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية من ماء يديه ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس ولا يلزم من ذلك اشتراطه انتهى، على أن أصحية رواية عمرو عند المصنف لا يستلزم أن يكون رواية ابن لهيعة غير صحيح عنده فضلًا عند غيره لا سيما إذ هي مؤيدة بعدة روايات فقد أخرج أبو داؤد من حديث الربيع أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل كان في يده وسكت عليه فهو صالح للاحتجاج، قال الحافظ وروى الدارقطني والبيهقي بلفظ «مسح رأسه بماء فضل في يديه» وفي رواية «ببلل في يده» وإسناده حسن، انتهى، وقال ابن قدامة في المغنى: روى عن علي وابن عمر وأبي أمامة فيمن نسى مسح رأسه إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل، انتهى.\n(١) وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا في أن السنة لمسح الأذنين أخذ الماء الجديد أو تمسحان بماء الرأس وبالأول قالت الأئمة الثلاثة مع اختلاف نقلة المذاهب في بيان مسالكهم كما بينته في أوجز المسالك ولم يختلفوا في أن الحنفية قالوا بالثاني مستدلًا برواية الباب وهو حديث مشهور روى من عدة صحابة مرفوعًا منها عن أبي أمامة عند أبي داؤد والترمذي وابن ماجه","vol":"1","page":66},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وعن عبد الله بن زيد عند ابن ماجة وغيره قواه المنذري وابن دقيق العيد وعن ابن عباس عند الدارقطني، قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته، قال الزيلعي بعد ذكر حديث عبد الله بن زيد هذا أمثل إسنادًا في هذا الباب ثم قال فأنظر كيف أعرض البيهقي عن حديث عبد الله بن زيد وابن عباس واشتغل بحديث أبي أمامة وزعم أن إسناده أشهر وترك هذين الحديثين وهما أمثل منه ومن ههنا يظهر تحامله، انتهى، وروى من عدة صحابة أخر بسطت طرقه في التلخيص والسعاية، وفيه أيضًا روى بطرق مختلفة، وبعضها وإن كان فيه ضعف إلا أنه ينجبر بالكثرة ثم قال وتقرير دلالة الحديث على المدعي على ما ذكره الاتقاني في غاية البيان وغيره أنه لا يخلو من أحد الأمرين إما أن يراد به الحكم أو بيان الخلقة لا يجوز الثاني لكونه ﵊ مبعوثًا لبيان الأحكام دون الحقائق ولكونهما من الرأس مشاهدة (لا يخالف هذا ما تقدم في كلام الشيخ من أنهما عضو على حدة كما هو مشاهد إلخ لاختلاف الجهات فالأول مشاهد حسًا وهذا مشاهد عرفًا) مغنية عن البيان فتعين الأول ثم لا يخفى إما أن يكون المراد من الحكم كونهما ممسوحتين بماء الرأس أو كونهما ممسوحتين كالرأس ولا يجوز الثاني لأن اشتراك الشيء مع الشيء في حكم لا يوجب أن يكون ذلك الشيء من الشيء الآخر كالرجل مع الوجه يشتركان في حكم الغسل ولا يقال إن الرجل من الوجه فتعين الأول وهو كونهما ممسوحتين بماء الرأس وذلك ما أردنا، انتهى.\nقلت: ويؤيد الحنفية حديث التكفير بالوضوء عن ابن عباس في صفة وضوئه ﷺ ثم غرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، الحديث، رواه ابن حبان وآخرون وصححه ابن خزيمة وابن مندة قال النيموي، وقال ابن القيم لم يثبت أنه ﷺ أخذ للأذنين ماءًا جديدًا، وفي المعنى قال ابن المنذر وهذا الذي قالوه أي أخذ ماء جديد غير موجود في الأخبار وقد روى أبو أمامة وأبو هريرة وعبد الله بن زيد مرفوعًا «الأذنان من الرأس» رواهن ابن ماجة وروى ابن عباس والربيع والمقدام بن معد يكرب أن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، رواهن أبو داؤد، انتهى.","vol":"1","page":67},{"text":"ما فيه فإنه مرفوع على تقدير تسليمه موقوفًا أيضًا لكونه ما لا يدرك بالقياس والنبي ﷺ بعث لبيان الحكم لا الخلقة مع أنه على تقدير كونه بيان الخلقة غير صحيح أيضًا فحاشاه أن يقول ذلك كيف والرأس عضو والأذنان عضو على حدة كما هو مشاهد ومسلم في باب الديات لا يقال مراده ﷺ أنهما واحد في الحكم فكما يأخذ لرأسه ماءًا جديدًا كذلك ينبغي للأذن لأنا نقول الشيئان اللذان حكمهما واحد لا يقال لأحدهما أنه من الآخر وإنما يقال إنه مثله أو من جنسه فلو أريد ذلك لقيل: الأذنان مثل الرأس أو من جنسه والتزام حذف المضاف فرار عن الظاهر من غير ضرورة ناشئة أو قرينة مواتية بخلاف قوله ﷺ الجراد من صيد البحر فإن وقوع الأمر بخلافه ملجئ إلى التزام حذف المضاف ومع هذا كله فلو أخذ لأذنيه ماءًا جديدًا لم يفعل بأسًا.\n[قوله وقال إسحاق اختار بلفظ المتكلم هذا مبني على ما قاله بعض أهل العلم (١).\n[قوله قال أبو عيسى لا نعرفه إلا إلخ] مثل ذلك قد سبق مرارًا أن الضعف منجبر بتعدد الطرق فلا ضير في ضعفه لغرابة أو غيرها.\n[قوله وفقه هذا الحديث] فيه وجهان: الأول أن الاستيعاب لا يشترط\n_________\n(١) قلت ما أفاده الشيخ محتمل ويحتمل أن يكون المراد بقول بعض أهل العلم مذهب الشعبي والحسن وغيرهما إذ قالوا يغسل ما أقبل منهما مع الوجه ويمسح ما أدبر مع الرأس وعلى هذا يكون مختار إسحاق مذهبًا ثالثًا وبالتثليث شرح صاحب السعاية كلام الترمذي وذكر في المسألة ثمانية مذاهب تبعًا للعيني.","vol":"1","page":68},{"text":"في شيء من المسرح (١) والتيمم خارج بعارض الخلفية فلما كان كذلك فاعتراضه ﷺ على ما كان لامعًا من الأعقاب الغير المغسولة مستدع عدم جواز المسح في غير حالة التخفف، والوجه الثاني على تقدير تسليم الاستيعاب في المسح هو أن المسح لو كان كافيًا في الرجل لكان لكان مسحهم الأعقاب بالأيدي المبلولة كافيًا وإن لم يتدارك الماء عليها ولم يسل فقوله ﷺ ويل للأعقاب من النار بعد إمرارهم الأيدي المبلولة على الأعقاب مستدع عدم إجزائه إذ كاذبوا (٢) قد فعلوه.\nوأما القراءة التي أنجز فيها لفظ الأرجل فالجواب عنه أن العمل بإحدى القراءتين يجب أن يكون بحيث لا يفوت العمل بالمثانية فقلنا بالمسح في حالة التخفف والغسل في ساعة التكشف وبأن الجر فيه للجوار، وأورد عليه عبد الرسول شارح عوامل النحو بأن جر الجوار إنما يجوز حيث لم يتخلل بينهما عاطف وههنا ليس كذلك فلا يكون من هذا القبيل وهذا تحقيق منه للمسألة لأنه كان رافضيًا وأصل هذا الإيراد للرازي في تفسيره ثم الجواب عن إيراده هذا أن جر الجوار في لسان العرب، وفي القرآن مع وجود العاطف بينهما كيف وقد قرئ قوله تعالى ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ ومن الظاهر أنه لا يصح عطفًا على قوله كأس إذ ليس المراد أن الغلمان تطوف على أهل الجنة بحور عين فكان الجر فيه للمجاورة نعم يرد عليه أن الجر فيه يمكن أن يكون عطفًا على قوله ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ صرح به\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والظاهر الممسوح ولو أريد الجمع لقيل المسحات.\n(٢) فقد روى عن عبد الله بن عمر وقال تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفر سافرناها فأدركنا وقد أرهقنا صلاة العصر ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا، قال الطحاوي فدل أنهم كانوا يمسحون حتى أمرهم رسول الله ﷺ بأسباغ الوضوء وخوفهم بالنار فدل ذلك على أن حكم المسح الذي كانوا يمسحونه قد نسخه ما تأخر عنه، كذا في السعاية.","vol":"1","page":69},{"text":"غير واحد من أهل التفسير نعم لا يستبعد الاستدلال بقول امرئ القيس:\nفظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل\n\nإذ لا يتصور التصفيف في اللحم القدير، والله تعالى أعلم (١).\n[قوله في<span data-type=\"title\" id=toc-12> باب الوضوء مرة مرة، وليس هذا بشيء]</span>\nيعني أن الرواية (٢) منسوبة إلى ابن عباس هو الصحيح وأما نسبته إلى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر فليس بشيء لمخالفته الثقات فإنهم لم يرووه كذلك.\n[قوله في باب الوضوء مرتين مرتين، وقد روى عن أبي هريرة إلخ] يعني بذلك أن نقل أبي هريرة رواية التثنية لا يستلزم كونها سنة عنده فقد روى هو بنفسه رواية الوضوء ثلاثًا ثلاثًا فليس مقصوده رضي الله تعالى عنه إلا مجرد إثبات أن الاكتفاء بالمرتين جائز في باب الوضوء وتحصل الطهارة به وهو كاف في إسقاط الفرض وهذا هو الغرض من إيراد المؤلف هذه الأبواب ههنا حتى لا يظن فرضية شيء من تلك الأمور المذكورة ههنا التي أكثرها سنن وبعضها آداب ومستحبات إلى غير ذلك فعلم به أن الطهر الكافي في إسقاط الفرضية أمر (٣) وأداء الطهارة\n_________\n(١) قلت: وقد روى عن ابن عباس أنه ذهب إلى جواز المسح لكن قال الحافظ في الفتح: الثابت عنه خلافه وبسط صاحب السعاية الكلام على المسألة أشد البسط فأرجع إليه لو شئت.\n(٢) قال العيني بعد ذكر كلام الترمذي هذا: ونبه الدارقطني أيضًا على أن ابن لهيعة ورشد بن سعد روياه عن الضحاك كما سلف وأن عبد الله بن سنان خالفه فرواه عن زيد عن عبد الله بن عمر قال وكلاهما وهم والصواب زيد عن عطاء عن ابن عباس، وفي مسند البزار ما أتى هذا إلا من الضحاك وحديث عمر أخرجه ابن ماجة والطحاوي.\n(٣) وهو نص رواية ذكرها ابن العربي برواية أحمد بسنده إلى ابن عمر عن النبي ﷺ قال من توضأ مرة فتلك وظيفة الوضوء التي لا بد منها، ومن توضأ ثنتين فله كفلان ومن توضأ ثلاثًا (كذا في الأصل) وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، انهى، قلت: وبمعناه ذكره صاحب جمع الفوائد برواية معاوية بن قرة عن أبيه عن جده، ثم قال ابن العربي: إن قول الرواة عن النبي ﷺ أنه توضأ مرة ومرتين وثلاثًا لا يخلو إما أن يعبرونه عن الغرفات أو عن إيعاب العضو كل مرة ولا يجوز أن يكون إخبارًا عن إيعاب العضو فإن ذلك أمر مغيب لا يصح لأحد أن يعلمه فعاد القول إلى أعداد الغرفات ولذا قال ابن القاسم لم يكن مالك يوقت في الوضوء مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا إلا ما أسبغ وقد اختلفت الآثار في التوقيت إشارة إلى أن التعويل على الاسباغ وذلك يختلف بحسب اختلاف قدر الغرفة وحال البدن في الشعث والسلامة وحال العضو في الاعتدال أو الاختلاف ولذلك روى أن النبي ﷺ غسل وجهه ثلاثًا ويديه ورجليه مرتين لأن الوجه ذو غصون لا يمر الماء عليه مسترسلًا، انتهى.","vol":"1","page":70},{"text":"على حسب ما أمروا به من الإتيان بالسنن والآداب أمر آخر والله (١) تعالى أعلم.\n[قوله مبتلي] أي مجنون أو من ابتلى بالوهم أو من أبلاه الله بالمحنة فجعل حظه التشقق بما ليس يجديه والتغفل عما ينجيه ويغنيه.\n[وثابت بن أبي صفية] وإن كان رافضيًا إلا أن رواية البدعي (٢) مقبولة\n_________\n(١) ثم لا يذهب عليك أن المصنف ذكر الاحوال الثلاثة من مرات الوضوء في ثلاثة أبواب ثم ذكر الباب الرابع فجمع الأحوال الثلاثة في باب واحد، ومال الشراح في غرض المصنف إلى أنه أراد ذكر الحديث الواحد المتضمن الأحوال الثلاثة والأوجه عندي أن الغرض دفع توهم الاضطراب في الأبواب الثلاثة المذكورة قبل ذلك فتأمل.\n(٢) قال النووي في التقريب: من كفر ببدعة لم يحتج به بالاتفاق ومن لا يكفر قيل لا يحتج به مطلقًا، وقيل يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، وحكى عن الشافعي، وقيل يحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعة وهذا هو الأظهر الأعدل وقول الكثير أو الأكثر وضعف الأول باحتجاج صاحبي الصحيحين وغيرهما بكثير من المبتدعة غير الدعاة، انتهى.","vol":"1","page":71},{"text":"ما لم يكن داعية كيف وقد أخذ منه (١) البخاري وكان صدوقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>[باب وضوء النبي ﷺ كيف كان]</span>\nلما فرغ من بيان الوضوء وبيان أركانه ركنًا ركنًا وسرد ذكر الأعضاء المغسولة فيه والممسوحة عضوًا عضوًا فقد أن يذكر وضوء النبي ﷺ على طريق شمل المتفرق ليقتدي به دائمًا ويحمل ما خالفه من الروايات على العوارض والأسباب، وعلى هذا فما يذكر في هذه الرواية يكون أعمد وأوثق مما ورد في غيرها وما ورد في هذه الرواية أنه مسح برأسه مرة فهو نص في أنه كان بماء واحد فحيث يرد تكرار المسح يحمل على كونه بماء واحد لا بمياه لئلا تتخالف الروايات، وقوله فغسل كفيه هذا وإن كان موضوعًا لباطن اليد لغة لكن المراد بها ههنا الكل من اليد إلى الرسغ مجازًا وذكر فيه أنه ﷺ مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وظاهرة يقتضي إفرادهما بمياه لا أنهما جمعًا بماء إذ لو كانا لكان حقه أن يقال مضمض واستنشق ثلاثًا من غير تكرير كلمة الثلاث.\nوأما مقولة عبد خير فمزيدة بعد (٢) قوله فشربه وهو قائم مقام قوله ثم\n_________\n(١) الضمير إلى البدعي على الظاهر لا إلى ثابت يعني يجوز الرواية عن البدعي ما لم يكن داعية لبدعته وكان صدوقًا فقد أخذ البخاري عن البدعي كما تقدم في كلام النووي وإما ثابت هذا فلم يذكره أحد من أهل الرجال في رواة البخاري.\n(٢) هكذا أفاد حضرة الشيخ نور الله مرقده ولم أتحصله بل الظاهر أن قوله كان إذا فرغ إلخ قائم مقام قول أبي حية ثم قام فأخذ فضل طهوره إلخ فلما كان بين سياقي أبي حية وعبد خير شيء من الفرق نبه المصنف على ذلك، وأما قوله ثم قال أحببت إلخ فموجود في رواية عبد خير أيضًا كما ذكر في سائر كتب الرواية فتأمل.","vol":"1","page":72},{"text":"قال أحببت والتقدير قال أبو خبر (١) وكان على إذا توضأ وضوءه ﷺ فعل ذلك ثم الذي ذكر فيه من شرب الماء قائمًا ينافي ما ورد في غير هذا من النهي عنه فأما أن يحمل النهي على التنزيه (٢) والأدب أو النهي الطبي لا الشرعي فيقال إنه مقصور على ما إذا كان الماء المشروب كثيرًا إذ لا إضرار في القليل منه إذا شربه قائمًا ثم إن تحضير البركة بشربه لا يقتضي كونه بحيث لا يجوز به الاستنجاء كما هو معتقد العوام والله أعلم.\n[وروى شعبة هذا الحديث إلخ] هذا ليس باضطراب (٣) حتى يخل بصحة الحديث أو حسنه وإنما هو خطأ في تسمية شخص واحد والاضطراب إنما يكون حيث يختلف المسمى دون الاسم فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>[باب في النضح]</span>\nلما كان النضج مشتركًا لفظيًا بين معنيين (٤) أحدهما الاستنجاء\n_________\n(١) هكذا في الأصل والصواب على الظاهر قال عبد خير.\n(٢) وبسطه ابن القيم وابن عابدين فأرجع إليهما لو شئت وسيأتي شيء منه في المجلد الثاني.\n(٣) أي اضطراب مخل للصحة قال السيوطي في التدريب: إن الاضطراب قد يجامع الصحة وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك ويكون ثقة فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر، انتهى.\n(٤) أي على المشهور وإلا فقد قال ابن العربي: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أربعة أقوال: الأول معناه إذا توضأت فصب الماء على العضو صبًا ولا تقتصر على مسحه الثاني معناه استبرى الماء (أي البول) بالنثر والتنجنح الثالث رش الازار، والرابع الاستنجاء بالماء، انتهى مختصرًا، قلت: وميل المصنف إلى المعنى الثالث لأن بعد الوضوء لا يكون إلا هذا وعزا النووي هذا المعنى إلى الجمهور ويؤيده رواية ابن ماجة عن الحكم بن سفيان أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ ثم أخذ كفًا من ماء فنضح به فرجه وغير ذلك من الروايات فهذا المعنى أشهر معانيه.","vol":"1","page":73},{"text":"لما فيه من النضح على الذكر، والثاني الرش على الازار الذي يماس الذكر وكان المعنى الأول لا يفيد فائدة جديدة إذ الاستنجاء بعد الحدثين معلوم ومندوب إليه في الكتاب العزيز، وفي غير رواية حمل الحافظ رضي الله تعالى عنه النضج ههنا على المعنى الثاني بزيادة قوله في الترجمة بعد الوضوء فإن النضج بالمعنى الاول لا يكون إلا قبل الوضوء ومعنى قوله إذا توضأت على المعنى الأول أنك إذا أردت الوضوء وقد بلت فانتضح، وأما على المعنى الثاني فهو على ظاهره وفائدة هذا النضج دفع الوسوسة عن نفس المصلي لو أحس بردًا في أثناء الصلاة، ومن البين أنه لو تبين بعد الصلاة خروج شيء فيها لم تصح صلاته ولو أحس فمضى على صلاته ثم ظهر أنه لا شيء صحت صلاته غير أن النضج في الصورتين يفيد الطمأنينة في وقت أدائه الصلاة حتى لا تلتبس عليه صلاته.\n[قوله واضطربوا في هذا الحديث] لفظ الحديث ههنا بالمعنى اللغوي (١) أي في هذا اللفظ من الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم أو المعنى اضطربوا في هذا الحديث لأجل هذا اللفظ فالحديث بمعناه المصطلح والاضطراب يقع تارة في المتن وأخرى في الإسناد (٢).\n[قوله ألا أدلكم إلخ] فائدة السؤال الإيقاع في النفس بأوكد كرز إذ ربما\n_________\n(١) فإن الحديث لغة ضد القديم ويطلق على قليل الكلام وكثيره كذا في شرح الشرح للنخبة ولا مانع من الحمل على هذا اللفظ.\n(٢) فإن الاضطراب قد يقع في الإسناد وأخرى في المتن وقد يقع في كليهما أي الإسناد والمتن معًا، كما بسطه أهل الفن والواقع ههنا هو الاضطراب في السند ومثل السيوطي في التدريب الاضطراب في السند بهذا الحديث، وقال: اختلف فيه على عشرة أقوال ثم بسطها فأرجع إليه لو شئت.","vol":"1","page":74},{"text":"يتوهم أن ذلك الحظ الجسيم من الثواب كيف يحصل بالحقير من العمل فيظن أن النبي ﷺ لعله أراد بكلامه الترغيب والمجاز لا حقيقته المفهومة منه بحسب الظاهر فلما سألهم وتشوقوا إليه أجاب بقوله إسباغ الوضوء إلخ أي إتمام فرائضه وسننه على المكاره أي مع مكاره النفس من يرد الماء وصرد الهواء وغير ذلك.\n[وكثرة الخطأ] جمع خطوة إلى المساجد إما لبعده عنه أو لكثرة دوره إليه في الفرائض والنوافل والمراد بالانتظار انتظاره في مجلسه من المسجد بعد الصلاة لصلاة أخرى وإلى هذه الخصلة الثالثة أشار بقوله «فذلكم الرباط (١») وإن كان بمعنى ربط الخيول لكنه أريد به ههنا القيام على الثغور رابطي خيولهم وهذا على مراتب الجهاد وإن كان الجهاد كله خيرًا إذ المجاهد يجاهد ويقاتل في حين من الأحيان معلوم وسائر أوقاته فارغة تحصل له طمأنينة ولا كذلك المرابط فإنه لا يأمن أن يناله العدو في حين وذلك للصوق أرضهم وديارهم ووجه الشبه غير مختلف فإن المقيم في المسجد لانتظار الصلاة يجاهد نفسه الباعثة على الخروج من المسجد كل وقت والمحرضة على الاشتغال بأشغاله الدنيوية كل ساعة وممكن إرجاعه إلى الثلاثة جميعًا فأفهم وبالله التوفيق.\nثم المحو المذكور في الرواية محو عن كتاب الأعمال (٢) لا المحو عن اللوح المحفوظ فيمحى من كتب الأعمال التي تكتبه الملائكة ويمحى ما أثره منه في قلبه وعلى وجهه تراه الأرواح المطهرة والملائكة وإن لم نشاهده والمراد بالخطايا هي كل ما اقترفه من الصغائر والكبائر وحقوق الله، وأما حقوق العباد فيغتفر بالندم ما فيه من الذنب والإثم، وأما نفس حقه فلا يغتفر بنفس الندم والتوبة لما كانت هي الرجوع عما اكتسب فالتوبة من حقوق العباد إنما هو إيتاء حقوقهم\n_________\n(١) وقال ابن العربي: أشار بذلك إلى تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية.\n(٢) وبهذا جزم ابن العربي في العارضة.","vol":"1","page":75},{"text":"وردها إليهم فكيف يكتفي بمجرد الندم ولا يذهبن عليك الفرق بين الإثم والحق وهما موجودان في أخذ حقوق العباد والتعدي عليهم والأول لما كان حقه تعالى اغتفر بالندم والاستغفار دون الثاني فأحفظ وبالله التوفيق.\n[قوله يقال عبيدة] بفتح العين المهملة مكبرًا ككريمة، والأول صغر، ومما (١) إنسانيه الشيطان.\n[حديث المسح بالمنديل] واختلف فيه أقوال العلماء (٢) وجملة الأمر عندنا أن مسحه ﷺ كان لبيان الجواز وثبوته الذي كان لابسه لبيان الجواز وإظهار أن المستعمل من الماء لا يكون نجسًا ولا منجسًا، غاية الأمر أنه لا يبقى مطهرًا للنجس الحكمي ويكون اختلاطه بالماء الغير المستعمل منافيًا للتنظيف فقط لا مورثًا للتنجيس فيه ما لم يغلب، والسبب فيه أن النجاسة الظاهرة لا توجب حكمًا (٣) باطنًا والنجاسة\n_________\n(١) كان هذا في الأصل على الحاشية بطريق الترك.\n(٢) قال ابن العربي: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، أنه جائز في الوضوء والغسل، قاله مالك والثوري، الثاني مكروه فيهما قاله ابن عمر وابن أبي ليلى واختاره أبو حامد من أصحاب الشافعي، الثالث كرهه ابن عباس في الوضوء دون الغسل، وقال الأعمش: إنما كره في الوضوء مخافة العادة والصحيح جواز التنشق بعد الوضوء ثم ذكر الآثار المؤيدة لذلك ثم قال وما روى الترمذي من الكراهية لأن الوضوء يوزن، ضعيف لأن وزنه لا يمنع من مسحه، انتهى، وذكر صاحب الدر المختار التمسح بمنديل في الآداب وبسطه ابن عابدين، وقال النووي: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه، أشهرها أن المستحب تركه، وقيل مكروه، وقيل مباح، وقيل مستحب، وقيل مكروه في الصيف مباح في الشتاء، انتهى. وبسط العيني في روايات المنديل.\n(٣) قلت: وعلى هذا فينبغي أن يجوز الوضوء بماء خالطته نجاسة ظاهرية والأمر ليس كذلك اللهم إلا أن يقال إن ذلك لعارض وهو أن ماء الوضوء يحتاج إلى الطهارة عن النجاسة الحقيقية والحكمية معًا كما يحتاج إلى الخلو عن الجامدات المخرجة له عن طبع الماء.","vol":"1","page":76},{"text":"الباطنة لا تورث حكمًا ظاهرًا فالماء المستعمل لما لم يخالطه شيء من النجاسات التي نجاساتها ظاهرة لم يحكم بنجاسته بحسب الظاهر بل يجوز به إزالة النجاسات الظاهرة، وأما في الباطن الغيب عنا فقد أزيلت به نجاسة الآثام فلا يتصور إزالة النجاسة كذلك به ثانيًا كما لا يتصور إزالة النجاسة الحقيقية ثانيًا بالماء الذي أزيلت هي به مرة وهذه هي الرواية المعتمدة من مذهب الإمام التي ينبغي أن يعتد بها من أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر فيجوز استعماله في إزالة النجاسات الحقيقية دون الحكمية فيكتفي به حيث يكون المناط إزالتها عن محالها بخلاف ما لا يكتفي فيه بذلك.\n[وقد رخص قوم إلخ] هذه الفرقة لا ترى بأسًا ولا كراهة بخلاف الآتين (١) ذكرهم فإنهم قربوا ذلك بالكراهة التحريمة.\n_________\n(١) هكذا في الأصل، ومقتضى القواعد الآتي ذكرهم لأفراد الفاعل لكن قد يحصل المضاف من المضاف إليه معنى الجمعية، قال شارح الأشباه: وقد تقصيت عما يكتسبه المضاف من المضاف إليه فأوصلت ذلك إلى ثمانية عشر شيئًا، ولم يسبقني أحد إلى ذلك إذ غاية ما أوصلها الجمال ابن هشام في المغنى إلى عشرة، والجلال السيوطي في الأشباه والنظائر النحوية إلى ثلاثة عشر وقد نظمتها في أبيات وهي، شعر:\nثمان وعشر يكتسبها المضاف من ... مضاف إليه فاستمعها مفصلًا\nفتعريف تخصيص وتخفيف بعده ... بناء وإعراب وتصغير قد تلا\nوتذكير تأنيث وتصدير بعده ... إزالة قبح والتجوز يافلا\nوظرفية جنسية مصدرية ... وشرط وتنكير فلا تك مهملًا\nوتثنية جمع وقد تم جمعنا ... صحيحًا من الأدواء على زعم من قلا","vol":"1","page":77},{"text":"واعلم أن الوضوء الموزون هو الذي (١) التصق بالعضو، فأما ما تقطر منه كان غسالة، ومما ينبغي أن يعلم أن الفرق بين المستحب (٢) والمكروه بمعنى ترك الأولى مما يعسر ويشتبه لما بين التعريفين من التشابه وصدق تعريف المستحب على كثير مما فعله النبي ﷺ لبيان الجواز مع أنها كانت أحرى أن لا تفعل، والتفصي عنه بأن الذي فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين إما أن يكون بعد العلم بكونه محظورًا أو فعله لئلا يعد محظورًا فهو على ترك الأولى وبيان الجواز، وإما أن يكون فعله تحصيلًا للمثوبة والحسنى وإنما كان تركه شفقة على الأمة وخوفًا من أن تتأكد السنية أو تصل إلى حد الوجوب فيتشققوا فهو مستحب فترك الفعل ههنا مع رغبته إليه بخلاف الأول فإن الترك ثمة مرغوب فيه والفعل لعارض البيان، وهذا التمييز موقوف على استقراء تام وتصفح وافر، ثم إن قوله «الوضوء يوزن» لفظ الحديث (٣) وكونه من قول الزهري وسعيد مما يحمل على ذلك لكونه مما لا يدرك بالرأي، وهذا الحديث دال على طهارة المستعمل من الماء.\n_________\n(١) هذا هو الأوجه لما قال السيوطي أخرج تمام في فوائده وابن عساكر في تاريخه من طريق مقاتل بن حيان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا: من توضأ فمسح بثوب نظيف فلا بأس به ومن لم يفعل فهو أفضل لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعمال، انتهى، فالتقريب لا يتم إلا بأن يراد به الملتصق بالعضو لأنه لا دخل للمسح وعدمه في الساقط.\n(٢) يعني أن تعريف المستحب وهو ما فعله النبي ﷺ مرة أو مرات وتركه أخرى يصدق على أفعاله التي فعلت مرة أو مرات لبيان الجواز فالفرق بينهما دقيق.\n(٣) قال السيوطي رواه البيهقي في شعب الإيمان من طريق الهندي بلفظ كل قطرة توزن وهذا الذي ذكره الزهري قد ورد مرفوعًا ثم ذكر حديث مقاتل ابن حبان المذكور قبل.","vol":"1","page":78},{"text":"[قوله حدثنيه على بن مجاهد إلخ] كان جرير قد تداخله النسيان في كبره فأراد أن ينبه أن روايتي هذه مما يرويها علي بن مجاهد عني فكان إسناده أولًا: حدثني علي بن مجاهد قال حدثنا جرير عن ثعلبة عن الزهري، ثم آل أمر الإسناد بعد أخذ جرير عن مجاهد (١) حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا جرير قال حدثنا علي بن مجاهد قال حدثنا جرير عن ثعلبة عن الزهري ولما كان علي بن مجاهد ثقة أخذ أستاذه بقوله وإن لم يتذكر روايته (٢) إياه، فأفهم، ومن العجائب في هذا المقام ما وقع لبعض من لا ممارسة له بهذا الفن فقال علي بن مجاهد عنين بكسر العين وتشديد الياء والنون فقال معناه أن عليًا وإن كان عنينًا غير قادر على النساء إلا أنه ثقة فسبحان الله.\n[قوله عن ربيعة بن يزيد] هذا هو المعطوف عليه لقوله عن أبي عثمان لا كما يتوهم من ظاهر العبارة أن عقبة (٣) بن عامر وأبا عثمان في درجة واحدة بل الأمر على ما وصفناه من العطف، وكذلك فيما بعد في قوله عن معاوية بن صالح عن\n_________\n(١) كذا في الأصل والصواب بعد أخذ جرير عن علي بن مجاهد.\n(٢) قال الحافظ في شرح النخبة: إن روى عن شيخ حديثًا وجحد الشيخ مرويه فإن كان جزمًا كان يقول كذب على أو ما رويت له رد ذلك الخبر لكذب واحد منهما لا بعينه ولا يكون ذلك قادحًا في واحد منهما للتعارض أو كان جحده احتمالًا، قبل ذلك الحديث في الأصح لأن ذلك يحمل على نسيان الشيخ وقيل لا يقبل، وفي هذا النوع صنف الدارقطني كتاب «من حدث ونسى».\n(٣) هكذا في الأصل والصواب على الظاهر محله أبا إدريس فتأمل ثم لا يذهب عليك أن لفظ «أشهد» يوجد في جميع النسخ الهندية في الموضعين، ولا يوجد في المصرية في الموضع الثاني، وكذا نفاه صاحب المشكاة فقال رواه الترمذي في جامعة إلا كلمة «أشهد» قبل أن محمدًا، انتهى، فتأمل.","vol":"1","page":79},{"text":"ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر عن عمرو عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عمر، ويمكن أن يقال إن زيد (١) بن حباب أخطأ في هذا الإسناد في موضعين في ترك الراويين عن عمرو هما عقبة بن عامر وجبير بن نفير، وفي جعل أبي إدريس شريكًا لأبي عثمان فجعلهما تلميذًا على أستاذ مع أنهما مختلفان في الأخذ وبينهما وسائط لا تخفى فإن ربيعة وأبا عثمان قد حدثا معاوية بن صالح ولم يأخذا عن واحد بل أخذ أبو عثمان عن جبير وأخذ ربيعة عن أبي إدريس هذا وقد ذكر النووي في شرحه (٢) على المسلم ما نصه، اختلفوا من القائل لقول «وحدثني أبو عثمان» فقيل معاوية بن صالح، وقيل ربيعة، والصحيح الأول فمعاوية يروي بإسنادين أحدهما عن ربيعة عن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة والثاني عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة، انتهى، فأفهم وتذكر.\n[وقوله كثير شيء] أي شيء معتبر يعتد به وهذا ذهول منه فإن حديث الباب رواه مسلم في صحيحه بإسناد (٣) جيد.\n[كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع] وهو مكيل يسع أربعة أمداد والمد\n_________\n(١) أي على رأي الترمذي إذ حمل الوهم فيه على زيد كما سيجيئ عن النووي وإليه أشار المصنف بقوله «قد حولف زيد بن الحباب في هذا الحديث وإلا فرأى النووي أن زيدًا بريتي من هذه العهدة كما سيأتي.\n(٢) وبسط الكلام عليه فأرجع إليه ورد على الترمذي إذ قال قال: أبو علي وقد خرج الترمذي هذا الحديث من طريق زيد بن الحباب عن شيخ له لم يقم إسناده عن زيد وحمل أبو عيسى في ذلك علي زيد بن الحباب وزيد بريتي نم هذه العهدة والوهم في ذلك من أبي عيسى أو من شيخه الذي حدثه به لأنا قدمنا من رواية أئمة حفاظ عن زيد بن الحباب ما خالف ما ذكره أبو عيسى، وذكره أبو عيسى أيضًا في كتاب العلل وسؤالاته محمد بن إسماعيل البخاري فلم يجوده وأتى فيه عنه بقول يخالف ما ذكرنا عن الأئمة ولعله لم يحفظه عنه.\n(٣) ولذا تعقب الحافظ في التلخيص كلام الترمذي فقال لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض.","vol":"1","page":80},{"text":"رطل وثلث وبه قالت الشافعية وفقهاء الحجاز، وقيل المد رطلان وبه قالت الحنفية فالصاع ثمانية أرطال وقد ثبت رجوع أبي يوسف (١) إلى مذهب الشافعية لما ورد المدينة مع الخليفة هارون الرشيد (٢) فأراد أن يتكلم مع فقهاء المدينة وكان ذا فصاحة ولسان وصاحب تقرير وبيان فامتنعوا أن يتكلموا معه وكان قد ألزم مالكًا ﵀ من قبل وكان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل المدينة وكان معه أبو يوسف أراد أن تقع بين ذينك الإمامين مناظرة كما هو دأب أرباب الدولة والثروة وكان مالك رضي الله تعالى عنه قد صم فسأله أبو يوسف عن سجدتي السهو (٣) قبل\n_________\n(١) على ما هو المشهور في الفقه وشروح الحديث، وقال ابن عابدين: وفي الزيلعي والفتح اختلف في الصاع فقال الطرفان ثمانية أرطال بالعراقي، وقال الثاني (أي أبو يوسف) خمسة أرطال وثلث، وقيل لا خلاف لأن الثاني قدره برطل المدينة لأنه ثلاثون أستارًا والعراقي عشرون وإذا قابلت ثمانية بالعراقي بخمسة وثلث بالمدني وجدتهما سواء وهذا هو الأشبه لأن محمدًا لم يذكر خلاف أبي يوسف وهو أعلم بمذهبه وتمامه في «الفتح».\n(٢) وكان الخليفة كثير الحج قيل أنه كان يحج سنة ويغزو سنة وفيه يقول بعض شعرائه:\nفمن يطلب لقاءك أبو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور\nوفي سيرة مغلطائي قد كان حج تسع حجج وغزا ثماني غزوات، كذا في «الخميس» وذكر ابن قتيبة في كتاب الإمامة خروج الرشيد سنة أربع وسبعين ومائة إلى مكة ثم إلى المدينة وسماع الموطأ عن مالك بقراءة حبيب كاتب الرشيد وسؤال أبي يوسف أن يجمع بينه وبين مالك ليكلمه في الفقه وأنف مالك إلى آخر ما ذكره لكنه لم يذكر هذه القصة.\n(٣) ذكر أهل الفروع هاتين المسألتين في بابهما وذكر قصة الصاع أهل السير والحديث في كتب الرواية والشروح أيضًا.","vol":"1","page":81},{"text":"السلام أو بعده فأجاب عنه مالك حسب مذهبه إن زاد بسهوه شيئًا في صلاته فبعد السلام، وإن نقص فقبله فقال أبو يوسف فإن أتى بهما أي الزيادة والنقصان معًا فسكت مالك ولم يدر ما يقول له فقال الرشيد لمالك ما لك لا تجب يا إمام فقال أبو يوسف أشيخ يخطئ مرة فلا يصيب (١) أبدًا وفهمه مالك ظانًا أنه يقول الشيخ يخطئ مرة ويصيب أخرى فقال على هذا وجدنا مشايخنا وأخذ أرباب المجلس في القهقهة فقال مالك: وقد أحفظه ضيعهم ذلك وقام مغضبًا من ذهب معاصروه ووقع بأيدي الشأن هكذا سخرت به الأحداث فطار الحديث وامتنع أهل المدينة من المناظرة معه في تعيين الصاع والمد وقالوا نجيب غدًا إن شاء الله تعالى فلما كان من الغد حضروا ومعهم من الأمداد ما شاء الله بعضها قديم وبعضها جديد وما منها مد وزنه رطلان فأنصف أبو يوسف من نفسه ورجع عما كان عليه واستقر رأيه أن الصاع والمد الحجازيين هما المعتبران دون العراقي، وأما الإمام الهمام قدوة العلماء الأعلام فقد ذهب إلى الأحوط ومستدله ما قد نص عليه في بعض الروايات في بيان الوضوء المد رطلان (٢) وعلى هذا فلو أراد الشارع بالمد والصاع\n_________\n(١) وذكر صاحب الكفاية (وذكر الحافظ في تهذيبه القصة لعمر بن قيس المكي بسياق آخر) عن مبسوط شيخ الإسلام محله الشيخ تارة يخطئ وتارة لا يصيب ولم يذكر القهقهة ولا جواب مالك نعم ذكر في خزانة الروايات محل ذلك هذا جزاء من لم يمت مع أقرانه.\n(٢) قلت: بسط الكلام على هذه الروايات الشيخ في البذل وهذا الحقير في الأوجز منها ما وراه الطحاوي بسند صحيح عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يغتسل بمثل هذا قال مجاهد فحزرته ثمانية أرطال تسعة أرطال عشرة أرطال وقالوا لم يشك مجاهد في الثمانية وإنما شك فيما فوقها.\nقلت: وأخرجه النسائي بلا شك فروى في السنن بسنده عن موسى الجهني قال أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال حدثني عائشة أن النبي ﷺ كان يغتسل بمثل هذا، قال ابن التركماني: إسناده جيد ثم ذكر توثيق رواته ومنها ما رواه الدارقطني بطريقين عن أنس أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال وتضعيفه الدارقطني منجبر بالتعدد والجملة الأولى أخرجها الطحاوي بطريقين عن أنس وأخرجها أبو داؤد وسكت عليه هو والمنذري فهو صالح للاحتجاج، ومنها ما رواه أبو عبيد بسنده إلى إبراهيم قال كان صاع النبي ﷺ ثمانية أرطال ومده رطلين والمرسل حجة لا سيما إذا توبع وههنا كما ترى عدة متابعات له.","vol":"1","page":82},{"text":"ما أردنا لزم عدم انفراغ الذمة أن لو عمل على الصاع المدني فإنه خمسة أرطال وثلث فلا بد من الاعتماد على الصاع العراقي احتياطًا بتلك الرواية التي أسلفناها لا بمجرد الوهم، وأما الوضوء (١) فليس تقدير الماء فيه تحديدًا أو تعيينًا لا يجوز الزيادة عليه أو النقص عنه وإنما هو تقريب (٢) وتخمين حيث اعترف به المؤلف\n_________\n(١) ولا يذهب عليك أن روايات وضوئه ﷺ وغسله بالصاع بيان لمقدار ماءهما عند الجمهور وأبدع الباجي في شرح الموطأ احتمالًا آخر فقال: ويحتمل بيان الإناء يعني يغتسل بهذا الإناء وإن استعمل اليسير من مائه أو كله أو أكثر منه، انتهى.\n(٢) قال ابن عابدين عن الحلية أنه نقل غير واحد إجماع المسلمين على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدور بمقدار وما في ظاهر الرواية من أن أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مد للحديث المتفق عليه كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ليس بتقدير لازم بل هو بيان أدنى القدر المسنون، قال في البحر حتى إن من أسبغ يدون ذلك أجزأه وإن لم يكفه زاد عليه لأن طباع الناس وأحوالهم مختلفة، كذا في البدائع، انتهى، قلت: وحكى ابن رسلان فيه خلاف ابن شعبان من المالكية وحكى الباجي دون ابن العربي خلاف أبي إسحاق وما حكى ابن قدامة من خلاف الحنفية لا يصح كما بسط في الأوجز.","vol":"1","page":83},{"text":"أيضًا فلا يرد أن الاحتياط في صدقة الفطر وإن كان هو الاعتماد على الصاع العراقي غير أن الأحوط في ماء الطهارة هو العبرة بصاع أهل الحجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[باب كراهية الإسراف في الوضوء]</span>\nالولهان (١) نوع منه وقسم لا أنه واحد بالشخص، اعلم أن لكل من أمم المكلفين فرقًا وطوائف كما أن للرياسة الملكية والانتظامات السلطانية فرقًا وطوائف يختص كل صنف منهم باسم مشترك بين جملة تلك الطائفة فالولهان كل شيطان من أمره الوسوسة في باب الطهارة لا أنه واحد بالشخص يوسوس كل متوضئ والعمل الذي التزموا إتيانه إلقاء الوساوس في قلوب المتطهرين فيشتغلوا به حتى تفوتهم الصلاة فإن المتوسوس إذا أخذ في الطهارة وعلم من نفسه أنه لم يكمل الطهارة يأخذ في إتمامها وإسباغها حتى يستوعب هذا الأمر وقت صلاته وربما آل الأمر إلى أن المرء صلاته رأسًا حيث يظن أن صلاته فاسدة لنقص في طهارته فكان التكلف في أدائها هدرًا لا فائدة فيه، أعاذنا الله من شر كل ذي شر.\n[عتى] بضم العين (٢) المهملة وفتح المثناة التحتية وتشديد التحتية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>[باب الوضوء لكل صلاة]</span>\nاعلم أن بعض الروايات (٣) دالة على أن النبي ﷺ كان يجب عليه تجديد الوضوء لكل صلاة، والبعض الآخر (٤) على خلاف\n_________\n(١) بفتحتين مصدر وله يوله ولهانًا بمعنى ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق فسمى به شيطان الوضوء لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء أو لإلقائه الناس بالوسوسة في مهورة الحيرة فهو بمعنى اسم الفاعل أو باق على المصدرية للمبالغة، كذا في المرقاة، وفي السعاية عن الحسن البصري شيطان الوضوء ويدعي الولهان يضحك بالناس في الوضوء، وكان طاؤس يقول هو أشد الشياطين.\n(٢) يعني بضم أوله مصغرًا كما في التقريب.\n(٣) كما يدل عليه حديث أنس في أول الباب.\n(٤) كما يدل عليه أول الحديث من الباب الآتي.","vol":"1","page":84},{"text":"ذلك ويجمع بأن الوجوب (١) نسخ بعد ما كان أولًا وبقى الاستحباب فكان النبي ﷺ يتوضأ أولًا وجوبًا ثم بعد ذلك كان يتوضأ استحبابًا لما أنه ﷺ كان يواظب على ما وجب عليه ثم نسخ فقد روى أن النبي ﷺ كان يصلي خمسين ركعة في اليوم والليلة كما فرض عليه أولًا وغير ذلك من النظائر التي فيها كثرة، والله أعلم.\n[قوله وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة] استحبابًا يعني بذلك (٢) أن بعض هؤلاء صرح في كلامه بذلك مما وجدنا كلماتهم وإلا فهذا مذهب العلماء كافة.\n[قوله مشرقي] لم يرد بذلك تضعيف الإسناد (٣) والاعتراض عليه فإن المشرقية لا تعتمد ذلك وإنما أراد بذلك بيان الحال من أنه لم يرو من أهل المدينة\n_________\n(١) كما هو مصرح في حديث أبي داؤد أن النبي ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة فلما شق عليه أمر بالسواك.\n(٢) قلت: ما أفاده حضرة الشيخ ظاهر ويحتمل عندي وجهًا آخر قال ابن العربي: اختلف العلماء في تجديد الوضوء لكل صلاة فمنهم من قال يجدد إذا صلى أو فعل فعلًا يفتقر إلى الطهارة وهم الأكثرون ومنهم من قال يجدد وإن لم يفعل فعلًا يفتقر إلى الطهارة وذلك مروى عن سعد بن أبي وقاص وعن ابن عمر وغيرهما، انتهى، فيحتمل عندي أن المصنف أشار إلى هذا القول الثاني الذي هو مذهب البعض، ثم لا يذهب عليك أن عمرو بن عامر الأنصاري الراوي عن أنس في حديث الباب لا إشكال فيه في رواية الترمذي ووصفه في أبي داؤد بالبجلي وهو مشكل كما بسطه شراح أبي داؤد.\n(٣) قلت: ولا بعد في أن المصنف أشار بذلك إلى التضعيف فإن المنقول عن إمامه الشافعي كل حديث لا يوجد له أصل في حديث الحجازيين واه وعد الحازمي في وجوه ترجيح الرواية أن يكون أحد الحديثين حجازيًا وإسناد الآخر شاميًا أو عراقيًا وإن كان للمخالف فيه مجال وسيع للكلام.","vol":"1","page":85},{"text":"والحرم المنيف وإنما اشتهر من أهل المشرق وهم أهل الكوفة والبصرة ومن حلم حول حماهم والإسناد مع ذلك ضعيف في نفسه لا لكونه مشرقيًا بل لأن فيه الإفريقي وهو ضعيف عند أهل الحديث.\n[فلما كان عام الفتح] يعني به يوم فتح مكة خاصة ثم إنا قد قدمنا أن تجديد الوضوء كان واجبًا عليه ﷺ ثم نسخ الوجوب وبقى استحبابه فهذا الذي فعله يوم الفتح يحتمل أن يكون أول ما فعله بعد نسخ الوجوب ويحتمل أن يكون النبي ﷺ فعل ذلك قبل (١) هذا إلا أنه خفى على عمر وأصحابه فأعاد النبي ﷺ ذاك الفعل ليكون سنة لهم كافة.\n[وهذا إسناد ضعيف] إلا أنه لما توبع عليه صار قويًا معتبرًا به ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث الأول من هذا الباب رواية سفيان عن علقمة بن مرثد والثاني روايته عن محارب بن دثار واختلف فيه وكيع وغيره من آخذي رواية سفيان (٢) فرفعه وكيع وأرسله غيره فقال الترمذي وهذا أصح من حديث وكيع\n_________\n(١) قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح لحديث بريدة ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا ثم خشى أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز، قال الحافظ: وهذا أقرب وعلى تقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان فإنه كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان، انتهى، قلت: والمراد بحديث سويد ما في البخاري وغيره قال خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء، الحديث، وفيه: ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ.\n(٢) أي وصله وأسنده وكيع والمرفوع قد يطلق بمقابل المرسل أيضًا، وصاحب الطيب الشذى نقل في شرحه هذا الكلام للشيخ وإن لم يعزه إليه وأورد عليه بعض من لا نظر له على كتب الأصول، وقد قال السيوطي في التدريب: المرفوع ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة متصلًا كان أو منقطعًا، وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعله ﷺ أو قوله فأخرج بذلك المرسل، وقال ابن الصلاح: من جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابلة المرسل أي حيث يقولون مثلًا رفعه فلان وأرسله فلان فقد عنى بالمرفوع المتصل، انتهى مختصرًا.","vol":"1","page":86},{"text":"يعني أن إرساله أصح من رفعه لكون من أرسل أوثق ممن رفعه وأكثر فيكون الإرسال أعمد، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[باب في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد]</span>\nلما كانت أمزجة النسوان مائلة لا إلى النظافة الطبيعية أمر النبي ﷺ باجتناب الرجل فضل طهور المرأة أن يستعمله لاحتمال أن تقع غسالتها فيه بخلاف الرجال فإنهم ليسوا كذلك فلا ضير في استعمال المرأة فضل طهوره وإنما نهى الفقهاء رحمهم الله تعالى عن شرب الرجل فضل سور المرأة دون العكس فلأن المرأة مستورة بجميع أجزائها وشرب المائع سبب لاختلاط شيء من لعابها به فيكون شرب الرجل إياه استعمالًا لجزئها المستور وكون الذوق من الحواس لا ينكر وهذا كله إذا لم يخف الفتنة، وأما إذا خيفت فالنهي عام لكل من الرجل والمرأة، ثم إن النهي عن استعمال فضل طهور المرأة لما كان مشعرًا بالتحريم (١) كما هو الأصل أظهر النبي ﷺ بالغسل والوضوء من\n_________\n(١) والمسألة خلافية عند الأئمة، قال النووي: أما تطهر المرأة والرجل من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين، وأما تطهر المرأة بفضل الرجل فهو جائز بالإجماع أيضًا، وأما تطهر الرجل بفضلها فهو جائز عندنا ومالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء سواء خلت به أو لم تخل، وذهب أحمد بن حنبل وداؤد إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، انتهى، قلت: وما حكى من الخلاف في المسألتين الأوليين فشاذ، وأما الثالثة فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما هذه والثانية يجوز للرجال والنساء ثم قال النووي: أما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو فأجاب العلماء عنه بأجوبة: أحدها أنه ضعيف ضعفه أئمة الحديث منهم البخاري وغيره، الثاني المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط منها، والثالث النهي للاستحباب، وقال ابن العربي: حديث جواز التوضئ بفضلها فصحيح كلها وحديث الحكم فقال الغفاري: لا أراه صحيحًا، وحديثنا أولى لوجهين: أحدهما أنه أصح، الثاني أنه متأخر عنه بدليل أنه ﷺ لما أراد أن يغتسل من الإناء قالت ميمونة: إني قد توضأت منه هذا يدل على تقدم النهي أو يكون معناه كراهية الوضوء بفضل الأجنبية ليذكرها أثناء الغسل واشتغل البال بها.","vol":"1","page":87},{"text":"فضل طهور بعض أزواجه أن النهي تنزيه وليس بتحريم وإنما اختص النهي بما إذا كانت المرأة قد تطهرت بغيبة من الرجل دون ما إذا تطهرت بمرأي عينه لأنها إذا كانت بمحضر منه فالظاهر أنها تحتاط في أمر الماء مع أنها لو تبادرت إلى شيء مما يفسد الماء منعه، وقوله الماء لا يجنب من الأفعال أي لا يصير ذا جنابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>[باب ما جاء أن الماء طهور لا ينجسه شيء]</span>\nأعلم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته تحيرت فيها آراء ذوي الألباب ولم يأتوا بشيء واف شاف صاف في هذا الباب فنقول وعلى الله التوكل وبه الاعتصام إنه كريم مفضل منعام فعليك أولًا أن العلماء كافة أجمعوا على أن (١) ملاقاة النجس بالماء الطاهر يفسده وإنما اختلفوا (٢) في\n_________\n(١) قال ابن نجيم: إن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به قليلًا كان الماء أو كثيرًا جاريًا كان أو غير جار هكذا نقل الإجماع في كتبنا وممن نقله أيضًا النووي في شرح المهذب عن جماعات من العلماء وإن لم يتغير فأتفق عامة العلماء على أن القليل ينجس بها دون الكثير لكن اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير.\n(٢) أي وإنما اختلفوا في مقدار الماء الذي يؤثر فيه الملاقي من النجاسة فاختلافهم في الحد الفاصل بين القليل والكثير من الماء.","vol":"1","page":88},{"text":"مقدار الملاقي في تأثيره ذلك فتفرقت فيه الأقوال (١) أوسعها (٢) مذهب مالك ﵏ ودليله الحديث الوارد في الباب وقد ورد في بعض طرقه زيادة قوله ما لم يتغير فلذلك قيد طهارته بعدم تغير شيء من أحد الأوصاف الثلاثة فاعتبر غلبة الملاقي بحسب الوصف فإن غلب الماء وصفًا ولم يظهر فيه شيء من أوصاف النجس كان طاهرًا وإن غلب النجس بحسب الوصف وظهر شيء من أوصافه في الماء كان نجسًا، وثانيها ما روى (٣) عن عائشة ﵂ من أن العبرة لغلبة الماء أو النجس بحسب الذات فإن زالت رقة الماء وسيلانه لغلبة النجاسة كان الماء نجسًا وإلا لا، فإن ثبت هذا العزو لعائشة رضي الله تعالى عنها لكان كافيًا ومغنيًا عن تفتيش غيره من المذاهب لما فيه من الوسعة ولما كانت (٤) من التمكن على المراجعة والبحث في كل ما تشاء إلى النبي ﷺ ما لا يستمكنه غيره ولما لها من غزارة العلم وجودة القريحة وإصابة الفهم وقدم في التفقه راسخة وأعلام في التحقيق شامخة فكيف يتوهم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته يخفى عليها مع طول ملابستها بالنبي ﷺ وقلة المياه عندهم الداعية إلى كثرة البحث عنه والعلم بحاله إلا أن رواية هذا المذهب الذي أشرنا إليه لما لم يثبت بإسناد صحيح يعول إليه ولا طريق جيد يطمئن إليه لزمنا القول بتركه والمصير إلى غيره من المذاهب ولذا لم يذهب إليه أحد من الأئمة\n_________\n(١) ذكر فيها صاحب السعاية خمسة عشر مذاهب للعلماء وبسط الكلام على المياه أشد البسط.\n(٢) أي أوسع المذاهب في مذاهب الأئمة وإلا فما روى عن عائشة -رضي الله تعالى عنه- وسيأتي قريبًا أوسع من ذلك أيضًا.\n(٣) وروى عن غيرها من الصحابة والتابعين وداؤد الظاهري كما في السعاية عن البناية عن المحلي لابن حزم.\n(٤) إلا أن احتمال أنها سمعت قوله ﷺ الماء طهور لا ينجسه شيء فحملته على عمومه ليس بمنتف.","vol":"1","page":89},{"text":"الأعلام ولو أنه ثبت لكان قولها هو القول الثابت الراجح ومذهبها هو المذهب المقبول للكل من غير قادح.\nوالثالث مذهب الشافعي رحمه الله تعالى من كون الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثًا إلا أن يتغير شيء من أوصافه الثلاثة فإنه يفسده كائنًا ما كان، وقد أخذ في ما اختاره بحديث جيد الإسناد قابل للاعتماد وزاد هذا القيد اعتبارًا لما في غير هذه الرواية من العبرة بالنجاسة إذا ظهر أثرها في الماء أيضًا فإن الأئمة مجمعون على عبرة النجاسة إذا غلبت وهذا الثالث هو الذي تخيره الأئمة الآخرون مثل أحمد (١) وإسحاق وغيرهما لموافقته ظاهر قول النبي ﷺ إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا وأما الإمام الهمام قدوة الأئمة الأعلام فقد ذهب نظرًا إلى اختلاف الروايات في ذلك إلى أن الأمر موكول إلى رأي (٢) من ابتلى به فإن ظنه نجسًا كان نجسًا وإن طاهرًا فطاهرًا، وعلى هذا لا يضره شيء مما ورد في هذا الباب مما أخذ به الأئمة الثلاثة أو أخذ به مالك رضي الله تعالى عنه، فأما الرواية التي أخذ بها مالك رضي\n_________\n(١) أي في المشهور عنه وإلا فعنه في مسألة الماء روايتان آخرهما كقول مالك قال ابن قدامة في «المغنى»: أما ما دون القلتين إذ لاقته النجاسة فلم يتغير بها فالمشهور في المذهب أنه نجس، وبه قال الشافعي وإسحق وأبو عبيد وروى عن أحمد رواية أخرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليله وكثيره روى ذلك عن ابن المسيب والحسن ومالك والأوزاعي والثوري وغيرهم وهو قول الشافعي.\n(٢) ففي الدر المختار: والمعتبر في مقدار الراكد أكبر رأي المبتلي به فيه فإن غلب على ظنه عدم وصول النجاسة إلى الجانب الآخر جاز وإلا لا، هذا ظاهر الرواية عن الإمام وإليه رجع محمد وهو الأصح كما في الغاية وغيرها وحقق في البحر أنه المذهب وبه يعمل، انتهى، وأكثر ابن نجيم في النقول عن المشايخ في أن العبرة عندنا الحنفية لرأي المبتلى به.","vol":"1","page":90},{"text":"الله تعالى عنه من قوله ﷺ الماء طهور لا ينجسه شيء فلأن السؤال (١) عن بئر بضاعة قد أخرجه مخرج الجواب فإنهم لما ظنوا أن البئر إذا تنجس مرة فإنه لا يمكن تطهيره أبدًا لملاقاة الماء النجس جدرانه عند الإخراج مع أن البئر كيفما أخرج ماؤها فإنه لا يخلو عن بقية من الماء النجس فيها فكان مظنة أن لا يتطهر فسألوا عنه، ولا يمكن أن يكون السؤال عن الماء النجس القليل حين لم تخرج النجاسة عنه إذ من الظاهر أن الماء القليل الذي وقع فيه شيء من النجاسات لا يسأل عنه عام فضلًا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وكذلك لا يشربه مؤمن فكيف بهذا النبي الأطهر الأكرم، فعلم أن منشأ السؤال أن النجاسة إذا أخرجت واستقى الماء الذي كان فيها وقت الوقوع فالماء الجديد المجتمع فيها ينبغي أن يكون نجسًا لملاقاته الجدران النجسة وعلالة الماء النجس فأجابهم النبي ﷺ بأن الماء طهور بتعريف العهد إذ الجواب على وفق السؤال، والأصل في اللام العهد الخارجي فما أمكن حملها عليه لم تحمل على غيره وممن صرح بكون الأصل في اللام هو العهد العلامة في التلويح والشريف الجرجاني في بعض تصانيفه فإذا كان الأمر كما وصفنا كان المعنى أن الماء (٢) الذي سألتم عنه لا ينجسه شيء مما ذكرتم إذا أخرجت النجاسة والماء الذي كان ملاقيها فهذا الذي أخذ به مالك يؤيد ما ذكرنا من إدارة الأمر على رأي المبتلي به فإنه ﷺ لما ظن برأيه الشريف أن الماء لا يتنجس بذلك المذكور كان طاهرًا لا يتنجس، وأما رأي الصحابة رضوان الله عليهم فلم يعتد به على خلاف رأيه حتى يقال إنها كانت نجسة في حقهم وإنما لم يتنجس الماء فيها لجريانه (٣) في البساتين\n_________\n(١) ومال إلى ذلك الطحاوي وبسط هذا التوجيه.\n(٢) وما قيل إن العبرة لعموم اللفظ، هذا إذا كانت الألف واللام للجنس إما إذا كانت للعهد فلا، كذا في النيابة وغيرها من شروح الهداية، كذا في السعاية.\n(٣) وبه جزم صاحب الهداية إذ قال إن الحديث ورد في بئر بضاعة وكان ماؤها جاريًا في البساتين.","vol":"1","page":91},{"text":"إما بتدارك الاستقاء منها أو لما في داخلها من كوة تخرج منها الماء كما يشاهد في بعض الآبار واعترض المخالفون على الواقدي (١) في قوله في بئر بضاعة أن مائه كان جاريًا في البساتين وقالوا إن البئر كانت كغيرها من الآبار والسبب في إيرادهم ذلك أنهم فهموا أن مراد الواقدي أن البئر كانت كالنهر فأوردوا عليه بأنه لم يكن كذلك وكان كغيره من الآبار وأنت تعلم أنه برئ من تلك الإدارة (٢) وإنما أراد أنه كان في حكم الجاري لكثرة ما يستقي منها وهذا غير خفي على ذي روية فإن من البديهي الغير المحوج إلى فكر ونظر أن البئر (٣) في البستان لا يكون إلا لسقي أشجاره وقد علم أن بئر بضاعة كانت قليلة الماء فإذا سقيت منها الأشجار ولم يبق فيها شيء من تلك النجاسات ولا هذا الماء كيف وقد ذكر على ما هو (٤) مذكور في سنن أبي داؤد: إني ذهبت في سفري إلى بستان بئر بضاعة فرأيتهم وذرعتها وكان قطرها ستة أذرع فسألت مالك البستان من تغير بناءها فأنكر وسألت عن مقدار مائها فقال إذا كثر فإلى ما فوق السرة وإذا قل فإلى ركبتيه فكيف يظن أن هذا البئر إذ\n_________\n(١) وما قالوا من تضعيف الواقدي رده صاحب السعاية أحسن الرد وبسط عليه.\n(٢) يعني إيرادهم هذا نشأ عن قلة تدبرهم إذا حصروا الجريان في كون الماء كالنهر والعين وليس بسديد فإن الجريان بنزع كثير جريان هكذا أفاده الشيخ -رحمه الله تعالى- بنفسه في موضع آخر.\n(٣) فقد كان في بستان بني ساعدة يسقي منها أشجارها.\n(٤) لخص حضرة الشيخ ما ورد في سنن أبي داؤد بإضافة شيء من التوضيح وسياق كلامه قال أبو داؤد سمعت قتيبة بن سعيد قال سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قال أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص قال دون العورة قال أبو داؤد: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه هل غير بناؤها عما كانت عليه قال لا، انتهى.","vol":"1","page":92},{"text":"وقعت فيه نجاسة ثم استقى منها البستان تبقى فيها النجاسة ولا تخرج ولا يخرج كل ماءها فأما إذا أخرجا كلاهما فأمر طهارتها ظاهر على مذهب الإمام، بقى الجواب عما تمسك به الشافعي ﵀ من حديث القلتين (١) فنقول إنه لا يضر مذهب الإمام شيئًا فإن مذهبه رضي الله تعالى عنه أن الماء إذا كان أقل من قلتين ولم يقتض رأي المبتلي بتنجسه بوقوع شيء من النجاسات فيه لم يحكم بنجاسته فضلًا عما إذا كان الماء قلتين كيف وقد جربه الأستاذ العلامة حين قراءتنا تلك الروايات فكان قلتا الماء قدر غدير عظيم لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر وكان نحوًا من ستة أشبار في مثلها ولله الحمد، وعلى هذا يرتفع الخلاف من البين ويكون مذهبنا كمذهب الشافعي رحمه الله تعالى من غيري مين (٢) ويؤل الأمر إلى ما ذكرنا أولًا\n_________\n(١) قال ابن القيم في تهذيبه: الاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات: الأول صحة سنده، الثاني ثبوت وصله وأن إرساله غير قادح. الثالث ثبوت رفعه وإن وقف من وقفه ليس بعلة، الرابع أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه، الخامس أن القلتين مقدرتان بقلال هجر، السادس أن قلال هجر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار. السابع أن القلة مقدرة بقربتين حجازيتين وإن قرب الحجاز لا يتفاوت، الثامن أن المفهوم حجة، التاسع أنه مقدم على العموم، العاشر أنه مقدم على القياس الجلي، الحادي عشر أن المفهوم عام في سائر صور المسكوت، الثاني عشر أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد، الثالث عشر الجواب عن المعارض ومن جعلهما خمس مائة رطل احتاج إلى مقام رابع عشر وهو أنه يجعل الشيء نصفًا احتياطًا، ومقام خامس عشر أن ما وجب به الاحتياط صار فرضًا، انتهى ثم ذكر الأجوبة عن المحددين بالقلتين وردها أبسط الرد فأرجع إليه لو شئت.\n(٢) المين الكذب كما في القاموس وغيره.","vol":"1","page":93},{"text":"من إدارة الأمر على رأي المبتلي به وذلك لأن علمائنا رحمهم الله تعالى لما شاهدوا في مذهب الإمام الذي قدمناه اختلاف أمر العوام لبون بعيد في آرائهم فمن منجس ماء البحر بإلقائه يده النجسة فيه ومن مجوز طهارة ماء الكوز إذا وقعت فيه قطرة من البول حددوا فيه حدودًا ينتظم بها أمرهم فمنهم من قدره بعشر في عشر وأصله على ما نقلوا أن محمدًا رحمهم الله تعالى سئل عن الماء الكثير فقال نحو مسجدي هذا فلما خرج ذرعوه فكان داخله ثمانيًا في ثمان وخارجه عشرًا في عشر فأخذوا بالمزيد احتياطًا ولعل محمدًا رحمه الله تعالى إن سئل عن الأقل من ذلك لأجاب بقوله نعم فإنه لم يرد بذلك تحديدًا بل تقريبًا ومنهم من قدر الكثير بقوله هو الغدير (١) العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر ثم اختلفوا فيما بينهم في التحريك المعتبر هل هو باليد أو بالتوضئ أو الاغتسال وإلى كل ذهب ذاهب ولا يذهب عليك أن التحرك المعتبر إنما هو التحرك الذي ينشأ في الجانب الآخر ويسري إليه معًا لا التحرك الناشئ بالتموج وتدريجًا وهذا القول الأخير يوافق رأي الشافعية في اعتبار الكثرة بالقلتين فقد ذكرنا أن الأستاذ العلامة جربه فكان كذلك فإنه مد الله ظلال جلاله وسقى الطلاب وإياي من نمير (٢) نواله أمر بحفر حفيرة فألقى فيها الماء مقدار قلتين ولم يتحرك أحد طرفيها بتحريك الطرف الآخر، وأما ما\n_________\n(١) ذكره محمد في موطأه وعزاه إلى أبي حنيفة، وفي السعاية عن فتح القدير قال أبو حنيفة في ظاهر الرواية يعتبر أكبر رأي المبتلي به وعنه الاعتبار بالتحريك على ما هو مذكور في الكتاب أي الهداية بالاغتسال أو الوضوء أو باليد روايات والأول أصح عند جماعة منهم الكرخي وصاحب الغاية والينابيع وغيرهم، انتهى وقال ابن عابدين ثانيها أصح لأنه الوسط كما في المحيط والحاوي القدسي وتمامه في الحلية، انتهى.\n(٢) على وزن عظيم قال المجد النمر كفرح وأمير الزاكي من الماء ومن الحسب والكثير ومن الماء الناجع عذبًا كان أو غير عذب، انتهى.","vol":"1","page":94},{"text":"طول البحث فيه صاحب شرح الوقاية من إثبات العشر في العشر فقد رده ابن نجيم المصري في بعض (١) تصانيفه حرفًا حرفًا، وقد أجاب بعض الأحناف عن حديث القلتين بأجوبة لا ترضاها الطبائع السليمة فقيل إسناده ضعيف (٢) وأن فيه اضطرابًا حيث ورد في بعضها قلتان، وفي البعض الآخر ثلاث، وفي البعض الآخر أربع حتى قيل: وردت فيه الروايات إلى أربعين قلال وأن القلة غير متعينة المقدار فإنها مختلفة المقادير فتعذر العمل بأحد معانيها إلى أن يتعين أحد المعاني لدخولها في الإجمال والمجمل لا يمكن العمل به إلا بعد بيان المجمل وأنت تعلم أن كل ذلك تعسفًا، أما الأول فلما فيه من إنكار البداهة فإن صحة روايات القلتين غير منكرة (٣) والروايات\n_________\n(١) قلت: الظاهر أن الشيخ رضي الله تعالى عنه أراد البحر الرائق فإنه بسط فيه وتعقب شارح الوقاية ويحتمل أنه أراد غيره من تصانيفه الآخر.\n(٢) مال إلى هذا الجواب جمع من المشايخ الحنفية وغيرهم، ففي البناية حديث القلتين ضعفه ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي، وقال أبو بكر في التمهيد في القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت الأثر لأن حديث القلتين قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، وفي فتح القدير: وممن ضعفه الحافظ ابن عبد البر والقاضي إسماعيل بن إسحاق وابن العربي المالكيون وفي البدائع عن علي بن المديني لا يثبت حديث القلتين فوجب العدول عنه وفي البحر الرائق قد بالغ الحافظ أبو العباس بن تيمية في تضعيفه، كذا في السعاية، قلت: وتقدم ما قال ابن القيم أن الاحتجاج به يتوقف على ثبوت خمسة عشر مقامات ولم تثبت، وقال ابن العربي: حديث القلتين مداره على مطعون عليه أو مضطرب أو موقوف وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد وهو إباضي.\n(٣) قلت: وفيه أن من ضعف الحديث وهو جمع من المحدثين أنكر الصحة قال ابن القيم: أما تصحيح من صححه من الحفاظ فمعارض بتضعيف من ضعفه، ومنهم ابن عبد البر وغيره ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة، انتهى.","vol":"1","page":95},{"text":"الواردة في السنن شاهد صدق على ذلك أما الاضطراب فمندفع يحمل تعدد الروايات على تعدد الواقعات (١) وكثرة التساؤلات فأجاب النبي ﷺ كلا من السائلين حسب ما تضمنه سؤاله فلا اضطراب ولا اختلاف والأسانيد شاف كل صاف وإلزام الإجمال تحكم أما أولًا فلأن القلة كانت معلومة عندهم فلا يضر جهالتها عندكم، وأما ثانيًا فلما ورد في بعض الروايات من زيادة لفظ يفسر المراد ويبين الإجمال وهو قوله من قلال (٢) هجر بل الجواب (٣) هو الذي أشرنا إليه من أن الأمر موكول إلى رأي المبتلي به فلا يحكم بنجاسة الماء إذا لم يتنجس الماء قدر ذلك عنده بوقوع النجاسة فيه ومعنى قول محمد بن إسحاق القلة هي الجرار إلخ إنها تكون صغيرة (٤)\n_________\n(١) لكنه مشكل في وحدة الرواية ووحدة مخرجها، قال ابن القيم: ومن المعلوم أن هذا الحديث لم يروه غير ابن عمر ولا عن ابن عمر غير عبد الله وعبيد الله فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير وأين أهل المدينة وعلمائهم من هذه السنة التي مخرجها عندهم، انتهى، قلت: ولو سلم فالاضطراب في الحديث من وجهين سندًا ومتنًا فأين اضطراب السند.\n(٢) قال ابن القيم: أما تقدير القلتين بقلال هجر فلم يصح فيه عن رسول الله ﷺ وما ذكره الشافعي فمنقطع وليس قوله بقلال هجر من كلام النبي ﷺ ولا أضافه الراوي إليه وقد صرح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل فكيف يكون بيان هذا الحكم الذي يحتاج إليه جميع الأمة لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع وهذا اللفظ ليس من كلام رسول الله ﷺ، انتهى.\n(٣) أي كماله وبديعه وإلا فقد عرفت أن للحديث أجوبة كثيرة وبعضها عقيمة عن الجواب لكن حضرة الشيخ لم يرض بها لأن جوابه الذي اختاره يناسب طبعه النفيس العالي.\n(٤) قال المجد: القلة بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل أو كل شيء (أي أعلى كل شيء) والجرة العظيمة أو عامة أو من الفخار والكوز الصغير انتهى.","vol":"1","page":96},{"text":"وكبيرة يقلها الأرض ولا يحملها الإنسان لثقلها ويقلها الإنسان أي ما هو آله للشرب يحملها الإنسان لصغرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>[باب كراهية البول في الماء الراكد]</span>\nهذا بظاهره إثبات (١) لما ذهب إليه الحنفية كما أن أول الأحاديث لإثبات مذهب مالك مع ما فيه إشارة إلى ما نقلنا أولًا من مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها وذلك لأن الرواية مطلقة عن قيد التغير والماء ماء ما لم يذهب مائية وإن غلب عليه النجس وصفًا وأوسط الروايات مسوق لإثبات ما اختاره الشافعي ووجه إثبات مذهب الأحناف بهذه الرواية أن\n_________\n(١) قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث مما استدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الدائم وإن كان أكثر من القلتين فإن الصيغة صيغة عموم وأصحاب الشافعي يخصون هذا العموم ويحملون النهي على ما دون القلتين ولأحمد طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات فأما بول الآدمي وما في معناه فينجس الماء وإن كان أكثر من القلتين، وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان فالحديث المذكور لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فمالك حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير ولأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا خرج عنه المستبحر الكثير جدًا بالإجماع فيبقى ما عداه على حكم النص فيدخل تحته ما زاد على القلتين، ويقول أصحاب الشافعي خرج الكثير المستبحر بالإجماع والقلتان فما زاد بالحديث فيبقى ما نقص عن القلتين داخلًا تحت مقتضى الحديث، ويقول من نصر قول أحمد خرج ما ذكرتموه إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي.","vol":"1","page":97},{"text":"النهي مطلق عن قيد القلة والكثرة ثم وصف الماء بكونه راكدًا ولا يصدق الركود على ما أعطى له حكم الجاري إذ لا ركود بعد كونه جاريًا لما بينهما من المنافاة الظاهرة ثم قوله ﵊ ثم يتوضأ منه، وفي بعضها ثم يغتسل منه يبين أن المراد بذلك الماء ما هو أزيد من القلتين بل فوق القلال فإن الغسل في ماء القلتين أو التوضئ منه من دون أخذ الماء على حدة مستبعدة عادة والنهي أصله التحريم كما أن الأمر أصله الوجوب لا سيما وقد أكد بنون التأكيد وعمم الحكم بذكر الاغتسال من الجنابة إزالة الحدث والخبث، فعلم من مجموع ذلك أن البول في الماء الذي ليس جاريًا ولا في الحكم الجاري محرم كالغسل فيه وإن كان فوق القلتين ويفسد الماء ببوله فيه وإن لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة وهذا لأن تغير هذا المقدار من الماء الذي يغتسل فيه ويتوضأ عادة ببول رجل أو باغتساله فيه مشكل فهذه الرواية ظاهرة على مذهب الإمام فإن المبتلي به يعده نجسًا بعد قليل من الزمان إن كان هذا الماء كثيرًا وإن كان قليلًا لا يبلغ قدر الغدير العظيم فتنجسه عنده ظاهر، وأما مالك والشافعي رحمهما الله تعالى فمحمل الحديث عندهما الكراهة التنهزيهية أو هو محمول على ما إذا كان الماء أقل من القلتين أو يتغير بذلك شيء من أوصافه الثلاثة وأنت تعلم ما فيه، فالأول عدول عن الأصل وهو التحريم من غير ضرورة إليه، والثاني عدول عن الظاهر الذي ينبغي التعويل عليه والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>[باب في ماء البحر آه]</span>\nلما كان النبي ﷺ قال لماء (١) البحر أنه نار لما ينشأ منه آثار النار مثل الجرب واليبس وغير ذلك فهم منه بعض أصحاب النبي\n_________\n(١) فقد أخرج أبو داؤد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا وأخرج ابن عبد البر عن ابن عمر قال لا تتوضأ بماء البحر لأنه طبق وأخرج أحمد في الزهد عن سعيد بن أبي الحسن قال البحر هو طبق جهنم وغير ذلك من الآثار في الباب وهي مما لا يدرك بالقياس فمرفوعة حكمًا.","vol":"1","page":98},{"text":"ﷺ أن الغسل والوضوء لا يجوزان به فلذلك سألوه عنه فدفعه النبي ﷺ بأن الذي ذكرنا ليس في باب الطهورية والكلام (١) في ميتة البحر سيأتي في موضعه غير أن المراد بها السمك عندنا وأعم منه عند الشافعي ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[باب التشديد في البول إلخ]</span>\nأي التغليظ في أمر نجاسته كي يستبرأوا منه ويستنزهوا ولا يعدوه سهلًا فيعذبوا بسببه (٢).\n[وما يعذبان في كبير] ليس المعنى أنهما ليسا كبيرين في نفس الأمر، وفي أنفسهما إذ ليس التعذيب إلا على الكبيرة بل المعنى أنهما لم يكونا كبيرتين عندهما أو المعنى لا يعذبان في أمر يكبر ويشق على المرأ أو عليهما خاصة التحرز عنهما والتنزه منهما.\n[قوله من بوله] وفي بعض الروايات «من البول» فيجب حمل كل منهما على حسب مقتضاه فالمطلق يجري على إطلاقه فالمقيد على تقييده والقائلون بحل بول مأكول اللحم وطهارته حملوا الروايتين معًا على معنى واحد يحمل اللام على العهد قلنا لا حاجة إليه لاحتمال تعدد الوقائع مع أن الذي ذكر الإطلاق من الروايات لم يأت بالمطلق إلا لفهمه الإطلاق من قرائن هذا المقام على أن القصة (٣) التي كانت\n_________\n(١) وفي الحديث عدة أبحاث لطيفة بسطت في «أوجز المسالك إلى مؤطأ مالك» لم تذكر ههنا تبعًا لكلام الشيخ ﵁ رومًا للاختصار وقال ابن العربي فيه ثماني مسائل ثم بسطها فأرجع إليهما لو شئت التفصيل والتوضيح.\n(٢) وفي الحديث إثبات عذاب القبر وهو ثابت عند أهل السنة خلافًا للمبتدعة بسطت المسألة في محلها.\n(٣) وبهذا جزم غير واحد كصاحب نور الأنوار إذ قال بعد ذكر حديث العرنيين: وعندهما أي أبي حنيفة وأبي يوسف هو منسوخ بقوله ﷺ «استنزهوا من البول» وهو عام لمأكول اللحم وغيره، فقد نسخ الخاص بهذا العام وقصة هذا الحديث الناسخ ما روى أنه ﷺ لما فرغ من دفن صحابي صالح ابتلى بعذاب القبر جاء إلى امرأته فسألها عن أعماله فقالت كان يرعى الغنم ولا يتنزه من بوله فحينئذ قال ﵇: استنزهوا من البول الحديث، فهو بحسب شأن النزول أيضًا خاص ببول ما يؤكل لحمه كما كان المنسوخ خاصًا به لكن العبرة لعموم اللفظ، انتهى وذكر محشيه الحديث الناسخ رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح واتفق المحدثون على صحته، كذا في تنوير المنار، انتهى.","vol":"1","page":99},{"text":"سبب قوله ﷺ «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» تعين الذي أردنا من المعنى فإنه ﷺ قاله في رجل كان يرعى غنمًا له وكان لا يستتر من أبوالها فكيف يسوغ لهم حمل البول ههنا على بول نفسه.\n[وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد إلخ] اعلم أن مجاهدًا وطاؤسًا أكثر ما يأخذان عن ابن عباس وقد يأخذ أحدهما عن الآخر وهذا الحديث من هذا القبيل فقد أخذه مجاهد عن طاؤس عن ابن عباس فرواية منصور في هذا لا يصح (١) لأنه لم يذكر فيها طاؤسًا ثم أراد توثيق الأعمش بنسبته إلى المنصور ليعتمد على روايته بمقابلته فقال الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور ولما ثبت ذلك في إسناده عن إبراهيم كان الأمر في غير إسناد إبراهيم، كذلك أيضًا ما لم يقم قرينة خلافه أو يعلم اختصاصه بهذا المقام فهذا إثبات للمرام بقرينة القياس والبناء على ما هو الظاهر من حفظ\n_________\n(١) يعني على ظاهر صنيع الترمذي إذ أخرج طريق الأعمش ووجه ترجيحه لكن البخاري أخرج الحديث من الطريقين معًا، قال العيني: وإخراجه بالوجهين يقتضي أن كليهما صحيح عنده فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاؤس عن ابن عباس وسمعه أيضًا عن ابن عباس بلا واسطة والعكس ويؤيد ذلك أن في طريق مجاهد عن طاؤس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معًا وقال الترمذي رواية الأعمش أصح، وقال أيضًا في العلل سألت محمدًا أيهما أصح فقال رواية الأعمش أصح.","vol":"1","page":100},{"text":"الحافظ حيثما كان ومن ليس بحافظ في موضع فهو كذلك في غيره، وهذا هو الوجه في تعرض المؤلف لإسناد إبراهيم وإن لم يكن إبراهيم مذكورًا ههنا فأفهم وتشكر.\n\n[باب ما جاء في نضح بول الغلام (١) قبل أن يطعم] ليس المراد بالنضح هو الرش (٢) بل المراد به ههنا الغسل الخفيف الذي ليس فيه كثير عصر ولا مبالغة في الدلك وهذا لأنه لما كان لطيفًا غير لزج لحرارة مزاجه دون الجارية لم يحتج\n_________\n(١) اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب وهي ثلاثة أوجه للشافعية الصحيح المختار عندهم يكفي النضج لبول الصبي دون الجارية بل لا بد من غسل بولها كسائر النجاسات وبه قال الإمام أحمد وإسحاق وداؤد وروى عن أبي حنيفة، وروى عن مالك أيضًا لكن قال أصحابه إن هذه رواية شاذة، والثاني يكفي النضج فيهما وهو مذهب الأوزاعي وحكى عن مالك والشافعي والثالث أنهما سواء في وجوب الغسل وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأتباعهما وسائر الكوفيين، قال ابن العربي: الصحيح أنه لا يفرق بينهما وأنه يغسل لأنه نجس داخل تحت عموم إيجاب غسل البول وما ورد في الأحاديث لا يمنع غسله وإنما هو موضوع لبيان الغسل وإنما سقط العرك لأنه لا يحتاج إليه، انتهى، وهذا الخلاف في تطهير ما أصابه البول، وأما نفس البول فنجس عند الجميع حتى نقل عليه الإجماع جماعة إلا ما نقل عن داؤد الظاهري، وما نقل بعضهم عن الشافعي ومالك قولًا بطهارته غلط، رد عليه النووي والزرقاني وغيرهما وكان القائل استنبط من قولهما بالنضح كذا في الأوجز.\n(٢) قال ابن العربي: النضح في كلام العرب ينقسم إلى قسمين: أحدهما الرش والثاني صب الماء الكثير وقوله فنضحه يريد فصبه عليه بدليل رواية الموطأ بلفظ فأتبعه إياه وقوله لم يغسله إشارة إلى أنه لم يعركه بيده.","vol":"1","page":101},{"text":"إلى كثير معالجة في إخراجه من الثوب وأما إذا جعلا يطعمان لم يبق بين بولهما فصل لغلبة أثر الغذاء على ما لهما من الطبيعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>[باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه]</span>\nفيه مذاهب (١) ثلاثة طهوره وحله مطلقًا وذهب إليه مالك وأحمد وإسحاق ومحمد من أئمتنا الثلاثة ونجاسته وحله للتداوي لا مطلقًا وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف، ونجاسته مع حرمته مطلقًا إلا إذا أخبر حاذق من الأطباء بانحصار المعالجة فيه وهذا مذهب الإمام رحمه الله تعالى فجواز استعماله إذًا ليس إلا كجواز أكل الميتة والخمر أوان الاضطرار وأورث اختلاف العلماء فيه تخفيفًا عنده أيضًا حتى لا يحكم عنده بنجاسة الأرض والثوب ما لم يفحش وإن كان الماء يفسد بوقوع قليله فيه استدلال أصحاب المذهبين الأولين بحديث الباب ظاهر وجواب الإمام قد ذكر عن قريب فإن عموم قوله ﷺ (٢)\n_________\n(١) قال ابن قدامة: بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر هذا مفهوم كلام الخرقي وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومالك وعن أحمد: إن ذلك نجس وهو قول الشافعي وأبي ثور ونحوه عن الحسن لأنه داخل في عموم قوله ﷺ «تنزهوا من البول» انتهى، فعلم أن لأحمد في ذلك قولين: والمشهور هو الأول، وقال صاحب الهداية بول ما يؤكل لحمه طاهر عنده نجس عندهما له حديث العرينيين، ولهما قوله ﷺ استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه من غير فصل وتأويل ما روى أنه عرف شفائهم وحيا، ثم عند أبي حنيفة لا يحل شربه للتداوي وعند أبي يوسف يحل للتداوي، انتهى مختصرًا.\n(٢) قال الحافظ والتمسك بعموم حديث أبي هريرة الذي صححه ابن خزيمة وغيره مرفوعًا بلفظ استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه أولى لأنه ظاهر في تناول جميع الأيوال فيجب اجتنابها لهذا الوعيد، انتهى، واستدل ابن عابدين بقوله ﷺ اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر رواه الطبراني بإسناد حسن وبسط شيء من الدلائل في ذلك في الأوجز فأرجع إليه.","vol":"1","page":102},{"text":"«استنزهوا من البول» ينادي بأعلى الصوت على نسخ ما ههنا، أو يرجع (١) فيه إلى تأويل أنه ﷺ علم انحصار شفائهم فيه مع أن فعله ﷺ لا يعارض قوله فيه مع أن واقعة معاذ (٢) فيها ما يؤيد مذهب الإمام فإنه ﷺ حين فرغ من دفن معاذ رؤيت عليه آثار الحزن فسأل امرأته عن بعض ما كان يقترفه فقالت كان لا يستنزه من أبوال الغنم فقال النبي ﷺ استنزهوا من البول إلخ ففيه دلالة ظاهرة على عموم النهي وأيضًا ففيه دلالة على نسخ حكم حديث العرينيين فإن قدوم العربنيين (٣)\n_________\n(١) مال إلى هذا التأويل الحافظ في الفتح وبسط الكلام عليه، وقال: قد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا أن في أبوال الإبل شفاء للذرية بطونهم والذرب فساد المعدة، انتهى، وفي العيني قال ابن حزم: صح يقينًا أن رسول الله ﷺ إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي، انتهى.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر أنه سقط منه لفظ «ابن» فإني لم أجد لمعاذ هذه القصة نعم يوجد لسعد بن معاذ قريب من هذا قال صاحب إشراق الأبصار: أما القصة فلم أجدها بهذا اللفظ لكن روى البيهقي من طريق ابن إسحاق حدثني أمية بن عبد الله ما بلغكم من قول رسول الله في هذا أي ضم سعد بن معاذ في القبر فقال ذكر لنا أن رسول الله صلى الله سئل عن ذلك فقال كان يقصر في بعض الطهور من البول وأخرج هناد بن السري في الزهد عن الحسن أن النبي ﷺ قال حين دفن سعد بن معاذ أنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة فدعوت الله أن يرفعه عنه وذلك بأنه كان لا يستنزه من البول، وفي رواية ابن سعد لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد ولقد ضم ضمة اختلفت فيها أضلاعه من أثر البول، انتهى، قلت: هذا كله على تقدير صحة التسمية، والأوجه عندي أن القصة ليست لمعاذ ولا لابن معاذ بل لصحابي صالح لم يسم كما تقدم في الباب السابق.\n(٣) قال الحافظ ذكر ابن إسحاق أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد وكانت في جمادى الأخرى سنة ست وذكرها البخاري بعد الحديبية وكانت في ذي القعدة منها وذكرى الواقدي أنها كانت في شوال منها وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما، انتهى، قلت: وهم متفقون في قدومهم سنة ست كما عرفت والاختلاف في الشهر.","vol":"1","page":103},{"text":"لا يرتاب في كونه قبل موت (١) معاذ فإن موت معاذ رضي الله تعالى عنه كان في آخر الإسلام فهذا العام لو لم ينظر إلى خصوص الواقعة حكم بنجاسة بول مأكول اللحم، وإن نظر إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص المورد كان شموله له أظهر مع أنه مؤيد بفهم الصحابية أيضًا إذ لو لم يكن بوله نجسًا عندها لما ذكرته في موضع التفتيش عما أوجب تضييقًا عليه رضي الله تعالى عنه، ثم إن صنيع المؤلف رضي الله تعالى عنه من إيراده هذا الباب بعد باب التشديد في البول مشير إلى أن هذا التشديد عنده إنما هو في غير هذا النوع من البول لكونه مأكولًا طاهرًا عنده ولذلك تراه تعرض للجواب عن المثلة المذكورة في رواية الباب ولم يتعرض للجواب عن البول حيث أمر النبي ﷺ بشربه وذلك لأنه طاهر عنده فلا حاجة إلى الجواب ثم إن سمر (٢) أعين العرينيين مشكل على مذهب الإمام فإنه لا يرى\n_________\n(١) قد عرفت أن القصة لم أجدها لمعاذ لقصور نظري القاصر والمسمى بمعاذ في الصحابة جماعة والمعروف معاذ بن جبل رضي الله تأخر وفاته عن وفاته ﷺ بكثير، وأما سعد بن معاذ فتوفى سنة خمس وقد عرفت أن الأوجه عندي أن القصة لصحابي لم يسم، نعم هي مؤيدة بما روى في قصة سعد بن معاذ المذكورة، قال صاحب نور الأنوار: والذي يدل على كون حديث العرينيين منسوخًا بهذا الحديث أن المثلة التي تضمنها حديث العرينيين منسوخة بالاتفاق لأنها كانت في ابتداء الإسلام، انتهى.\n(٢) قال العيني: السؤال الثاني ما وجه تعذيبهم بالنار وهو تسمير أعينهم بمسامير محمية وقد نهى النبي ﷺ التعذيب بالنار والجواب أنه كان قبل نزول الحدود وآية المحارية والنهي عن المثلة فهو منسوخ وقيل ليس بمنسوخ وإنما فعل قصاصًا لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك وقد رواه مسلم في بعض طرقه ولم يذكره البخاري لأنه ليس على شرطه لكنه بوب باب إذا حرق المشرك هل يحرق قال ابن المنير كان البخاري جمع بين حديث «لا تعذبوا بعذاب الله» وبين هذا بحمل الأولى على غير سبب، والثاني بمقابلة السيئة، وقيل إن النهي عن المثلة تنزيه لا تحريم، انتهى وبسط الكلام عليه الحافظ وقال يدل على نسخ ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الأذان فيه وقصة العرينيين قبل إسلام أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقد حضر الأذان والنهي وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود لموسى بن عقبة في المغازي ذكروا أن النبي ﷺ بعد ذلك نهى عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة وإلى هذا مال البخاري وحكاه إمام الحرمين عن الشافعي واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم للإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمره ﷺ، قال الحافظ وهو ضعيف، لأنه ﷺ اطلع عليه وسكوته كاف وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له، وقال الخطابي إنما فعل لأنه أراد بهم الموت بذلك، وقيل غير ذلك.","vol":"1","page":104},{"text":"القود إلا بالسيف والجواب أنه كان تعزيزًا وتغليظًا لا تشريعًا أو كما قال ابن سيرين إنه كان قبل نزول الحدود فإن قوله ﵎ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أوجب مساواة بينها ولم يمكن ذلك في العين وأمثالها فوجب القول بانتساخ ما وقع ذلك، وأما ما يتوهم من خلافه لقول النبي ﷺ لا تمثلوا فمدفوع بحمله على النسخ أو بأن مثلتهم كانت قصاصًا وأمكن هناك أو بأنه كان تغليظًا والنهي عن المثلة حيث لا يفتقر إليها وفيه ما فيه.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>[باب ما جاء في الوضوء من الريح]</span>\nالريح المذكورة ههنا في الترجمة معناها الهواء (١) والمذكور في الحديث بمعنى الرائحة أي ما يدرك بالشم والحصر في قوله «لا وضوء من صوت أو ريح» إضافي والمعنى لا وضوء في الريح الخارجة إلا إذا وجد (٢) رائحة أو صوتًا فلا يرد فساد الوضوء بالدم والقيء أو البول وغيره من نواقض الوضوء.\nوالمراد بقوله [يقدر أن يحلف عليه] غالب الظن فإن اليمين سائغة على غالب الظن أيضًا كما هي سائغة على اليقين، فأما الريح الخارجة من قبل (٣) المرأة وذكر\n_________\n(١) لله در الشيخ ما أجاد وذلك لأن الريح في الحديث مقابل للصوت فينبغي أن يراد به الرائحة وأما في الترجمة فينبغي أن يراد الأعم ليشمل كلًا نوعي الريح الذي يكون بالصوت أو بدون الصوت.\n(٢) والمراد العلم بوجودهما بالعلم اليقيني ولا يشترط السماع والشم بالإجماع فإن الأصم لا يسمع صوته والأخشم الذي راحت حاسته شمه لا يشمه أصلًا كذا أفاده الشيخ في البذل، قال ابن قدامة: من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو على ما تيقن بهذا قال أهل العراق والشافعي والأوزاعي وسائر أهل العلم فيما علمنا إلا الحسن ومالكًا فإن الحسن قال إن شك في الصلاة مضى وإن كان قبل الدخول في الصلاة توضأ وفرق مالك بين المستنكح وغيره، انتهى مختصرًا، قلت: ذكر ابن العربي للمالكية فيه خمسة أقوال فأرجع إليه.\n(٣) ولا يرد عليه الحديث لأن الوارد فيه فوجد ريحًا بين إليتيه فهو ساكت عن ريح القبل والذكر والمطلق عندهم محمول على المقيد واختلفت الروايات عند الحنفية في نقض الوضوء منه كما بسط في محله، والمشهور ما أفاده الشيخ وبين وجهه أنها لا تنبعث من محل النجاسة وبهذا علله صاحب؟؟؟","vol":"1","page":106},{"text":"المرء فلا تنقض الوضوء لعدم انبعاثها من محل النجاسة فإن المثانة لبعدها لا تصل ريحها إلى خارج وتتلاشى فيما بين ذلك وتتحلل بخلاف الدودة الخارجة من دبرهما فإنها ناقضة لأنها وإن لم تكن نجاسة (١) إلا أن ما عليها من النجاسة ناقض وإن قل، ولا كذلك الدودة الخارجة من القبل والذكر فإن المثانة لحدتها لا يمكن تكون الدود فيها فلا يكون إلا من جرح ثمة والقليل من غير السبيلين لا يكون ناقضًا ولعله السبب في حرمة المثانة دون الأمعاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[باب الوضوء من النوم]</span>\nلا خلاف في أن النوم ليس سببًا لنقض الوضوء بنفسه وإنما القول (٢) بانتقاض الطهارة بالنوم مبني على كونه علة للاسترخاء الداعي\n_________\n(١) وتوضيح ذلك أن الآية التي ذكرت فيها موجبات الوضوء اختلفت الأئمة في تعليلها على ثلاثة أقوال فقال قوم سبب الوجوب خروج النجس فأوجبوا الوضوء في كل خارج نجس من المخرج المعتاد أو غير المعتاد وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد وجماعة ولهم من الصحابة سلف فقالوا كل نجاسة تخرج من الجسد يجب منها الوضوء كالدم والرعاف والفصد وغير ذلك، وقال آخرون العلة الخروج من المخرج المعتاد فقالوا كل ما يخرج من السبيلين فهو ناقض من أي شيء خرج من دم أو حصًا أو غير ذلك كان خروجه على سبيل الصحة أو المرض وممن قال بذلك الشافعي وأصحابه ومحمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك، وقال آخرون: العبرة للخارج والمخرج وصفة الخروج فقالوا كل ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه كالبول والغائط والودي والريح إذا كان خروجه على سبيل الصحة فهو ينقض وإلا فلا فلم يروا في الحصاة والدود وضوءًا ولا في السلسل قاله ابن رشد في البداية.\n(٢) اختلفوا في انتقاض الوضوء من النوم على ثمانية مذاهب ذكرها النووي وتبعه الشيخ في البذل وغيره وهذه المذاهب كلمها ترجع إلى ثلاثة، قال ابن العربي اختلف الناس في النوم على ثلاثة أقوال: الأول إن قليل النوم وكثيره ينقض الوضوء قاله إسحاق وأبو عبيد قاسم بن سلام والمزني، الثاني إن النوم لا ينقضه بحال ويؤثر ذلك عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز بن حميد من التابعين، والثالث الفرق بين قليل النوم وكثيره وهو قول فقهاء الأمصار والصحابة الكبار والتابعين، انتهى، قلت: وهذا هو قول الأئمة الأربعة مع الاختلاف الكثير وتعدد الأقوال لهم في الفريق بين القليل والكثير فجعل ابن العربي للنوم إحدى عشر حالًا وبسطها.","vol":"1","page":107},{"text":"للخروج وإنما الخلاف بينهم في المقدار المعتبر في ذلك الاسترخاء وهو الغلبة على العقل فكل منهم عبر عنه بما كان معتبرًا عنده في الغلبة على العقل فالاختلاف في تحديد النوم المعتبر في نقض الطهارة اختلاف تجربة وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، وأما جوابه ﷺ عن نوم نفسه الشريفة فكان ممكنًا بأنه لا ينام قلبه اليقظان وإن نامت فيما يبدو لنا العينان غير أنه ﷺ لم يجبه به إفتاء للسائل بجواب عام يشمل كل مكلف نام ولولا أنه أجاب بذلك بل أدار الأمر على الفرق بينه وبين الآخرين لما أفاد إفادة جوابه هذا الذي ذكر ههنا ثم إن مسألة ابن عباس هذا إما لعدم علمه بذلك الاختصاص الحاصل له ﷺ أو يكون قد علم بذلك غير أنه اعتراه ذهول عند ذاك والأول أقرب والله تعالى أعلم.\n[كان أصحاب النبي ﷺ ينامون ثم يقومون إلخ] هذا ظاهر على ما مهدنا فإن الرطوبة لم تكن قد غلبت على معداتهم حتى يستغرقوا في النوم استغراق أهل زمننا والغلبة على العقل هو الملاك في ذلك وعلى هذا لا تخالف بين الأقوال التي ذكرها الترمذي ههنا فإن الغلبة على العقل وذهاب الاستمساك جريه بعضهم بالرؤيا وبعضهم بالاضطجاع، والمعنى المقصود واحد لكن ينبغي لأحناف زماننا ترك مذهبهم القديم من أنه إذا نام على الهيئة الصلاتية لم تنتقض طهارته إذ كثيرًا ما رأينا من الناس أحدث في نومه جالسًا متربعًا ولم يشعر به.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>[باب الوضوء مما غيرت النار]</span>\nإما أن يقال كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ أو الأمر استحباب لا إيجاب أو المراد به ما قاله مجاهد من غسل فاه فقد توضأ.\n[أنتوضأ من الدهن أنتوضأ من الحميم] يعني بالدهن ما أخذ (١) بطبخ الشيء المأخوذ دهنه في الماء ثم طبخه في الدهن أي الشيرج (٢) ومثله أو المراد بالدهن ما طبخ الشيء المأخوذ ذهنه في الشيرج وأيًا ما كان فالدهن المذكور ههنا (٣) من قبيل ما مسته النار وكذلك ثور الأقط أريد به المطبوخ فإن من الثور (٤) ما هو حاصل بالطبخ ومنه ما هو حاصل من دون ملامسته بالنار، ثم إن إيراد ابن عباس ومعارضته إنما هو بفهم أبي هريرة الراوي لا الحديث فإن ابن عباس ﵁ لما رأى الصحابة والنبي ﷺ أيضًا أنهم لا يتوضأون بعد أكل الأشياء التي مست النار ظن أن ابا هريرة هو الذي حمل الحديث غير محمله المراد وأن النبي ﷺ لم يعن بكلامه هذا المفاد.\n[فدخل على امرأة من الأنصار] لعلها كانت محرمة له أو عجوزة أو لم يكن خالية (٥) بل كان معها غيرها والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) يعني الشيء الذي قصد إخراج الدهن منه قد يطبخ في الماء أولًا ثم يطبخ في دهن السمسم وغيره وقد يطبخ في دهن السمسم ابتداء ولا يطبخ في الماء.\n(٢) هو دهن السمسم فإنه أمهات الأدهان.\n(٣) يعني المراد في الحديث الدهن المأخوذ بالطبخ كما تقدم له صورتان وأخذ الدهن قد يكون بالطبخ وقد يكون بغيره كالاعتصار والتشميس كما في كتب الطب.\n(٤) قال ابن العربي: الثور جملة مجموعة من الطعام وقد أضيف إلى الأقط، انتهى. يعني المراد ههنا قطعة من الأقط.\n(٥) وبهذا جزم القارئ في شرح الشمائل والحديث بهذا السياق أخرجه المصنف في الشمائل والبيهقي والطحاوي وغيرهم وخالفهم أبو داؤد فقال عن جابر بن عبد الله يقول قربت للنبي ﷺ خبزًا ولحمًا، الحديث.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>[باب الوضوء من لحوم الإبل]</span>\nهذا بمنزلة الاستثناء من الاستثناء الأول والجواب عنه مثل ما سبق في الباب السابق إلا أن بعضهم فرقوا (١) بين لحوم الإبل ولحوم غيرها من الأنعام لغلظ في لحوم الإبل ما ليس في لحوم الغنم والبقر وغيرها.\n[عن ذي الغرة (٢)] بتقديم المعجمة الغين المضمومة على الراء المهملة المشددة وهذا الحديث (٣) أي حديث عبيدة الضبي أيضًا لا يصح وإنما الصحيح حديث البراء وجابر كما صرح به في آخر الباب، وقوله روى هذا الحديث حماد بن سلة عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه، وقال عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى هذا\n_________\n(١) اختلفت العلماء في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه لا ينقض الوضوء منهم الخلفاء الراشدون الأربعة وابن مسعود وأبي بن كعب وجماعة من الصحابة وجماهير التابعين والأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وابن المنذر وابن خزيمة إلى الانتقاض للحديث واختاره البيهقي وحكى عن أصحاب الحديث، كذا في البذل عن النووي وغيره، وبسط شيخ في البذل في استدلال الجمهور ويكفي للحجة إعراض جمهور الصحابة والتابعين عن حديث النقض فهو قرينة قوية على أن الوضوء في الحديث لغوي أو للاستحباب.\n(٢) ذكره الحافظ في الأسماء لا الألقاب، وقال ذو الغرة الجهني اسمه يعيش روى النبي ﷺ في لحوم الإبل قال الترمذي: لا يدري من هو وذكر جماعة في الصحابة وعامتهم سماه يعيش، وحكى ابن مأكولًا عن بعضهم اسمه البراء، انتهى، وصحح في التلخيص الأول.\n(٣) والحاصل كما ذكره الحافظ في التلخيص أن الترمذي ذكر الاختلاف فيه على ابن أبي ليلى هل هو عن البراء أو ذي الغرة أو أسيد بن حضير وصحيح أنه عن البراء، وكذا ذكره ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه، انتهى.","vol":"1","page":110},{"text":"هو الخطأ فإن عبد الله علم لرجلين: ابن عبد الرحمن (١) بن أبي ليلى وابن عبد الله الرازي فوضع الأول في موضع الثاني، وقوله عن أسيد بن حضير هذا خطأ ثان لوضعه أسيدًا موضع البراء كما أن في الأول خطًا (٢) فقط ذكر أسيد في محل البراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>[باب الوضوء من مس الذكر]</span>\nهذا مما ذهب إليه شرذمة (٣) من الفقهاء والرواية التي ذكرها الترمذي قصتها (٤) أن مروان حاج فيه عروة بن الزبير المذكور في الرواية مطلقًا وهو المراد حيث أطلق ولم ينسب وكان مذهب عروة أن مس الذكر لا ينقض الطهارة فلما تحاجا في ذلك أرسل مروان شرطيًا إلى بسرة بنت صفوان يسألها عن الوضوء يمس ذكره فأتى الشرطي من عندها وذكر أنها قالت بالوضوء من مس الذكر فهذه هي الرواية التي رواها عروة عن بسرة أفترى عروة رواها عن بسرة بنت صفوان إلا بواسطة مروان (٥) أو ذلك الشرطي ولذلك\n_________\n(١) لم أجد لعبد الرحمن هذا ابنًا يسمى عبد الله نعم حفيده يسمى بذلك وهو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن فلعله هو مراد الشيخ والنسبة إلى الجد شائع عند أهل الحديث.\n(٢) أي خطأ واحدة فقط وهو ذكر أسيد موضع البراء.\n(٣) وهم الشافعية وإحدى الروايتين عن مالك وإحداهما عن أحمد بن حنبل والأخريان عنهما وهو قول الحنفية عدم النقض.\n(٤) هكذا أخرجه الطحاوي وغيره مفصلًا.\n(٥) وما أجاب عنه بعضهم بأنه قد جزم غير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة كما في صحيح ابن خزيمة وابن حبان قال عروة فذهبت إلى بسرة فسألتها فصدقته لا يعتمد عليه لأنه لو ثبت ذلك لاعتمد عليه البخاري ومسلم أفلا ترى أنهما لم يقنعا على ذلك ولم يعتمد عليه قاله الشيخ في البذل، وبسط الكلام عليه فأرجع إليه ولذا قال البيهقي لم يخرجاه لاختلاف وقع في سماع عروة عن بسرة، قلت: ويؤيده أيضًا أن في مناظرة بين أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين، فقال ابن المديني ليحيى كيف تتقلد إسناد بسرة، ومروان أرسل شرطيًا حتى روجوا بها فلم ينكر عليه يحيى وصوبه أحمد بن حنبل أيضًا، فقال: الأمر كما قال ولم يقل أحد من هؤلاء الثلاثة أن عروة له سماع بدون واسطة أيضًا فتأمل.","vol":"1","page":111},{"text":"لم يروه إلا بلفظة «عن» دون التصريح بالسماع والتحديث ولو أنه رواها عنها بقوله سمعت بسرة أو حدثتني بسرة لكنا سلمنا كيف وأنه مصرح بتوسط مروان في الإسناد الآخر فيحمل عليه ما لم يصرح فيه بتوسطه والقرينة عليه لفظة «عن» وهذه القصة هي مشهورة معروفة، وفي كتب الحديث مسوقة مرصوفة مع أن لفظ الحديث يحمل (١) معاني آخر فكيف يعارض ما هو نص في مدلوله وقد رواه أجلة الصحابة وكبار التابعين وحجم غفير ممن تبعهم من المستندين وهو قوله ﷺ «هل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك» وقد تأيد قوله هذا بعمل فقهاء الصحابة مثل علي رضي الله تعالى عنه وغيره (٢)، وأما الروايات التي ذكر فيها الوضوء بمس الذكر فأعلاها وأجودها حديث بسرة كما اعترف به الترمذي حيث قال قال محمد: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة وقد عرفت حاله وصحته (٣) فما بال الروايات\n_________\n(١) كما ستجيء قريبًا وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.\n(٢) منهم ابن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وأبو هريرة وابن عباس وأبو الدرداء وعمران بن حصين وسعد بن أبي وقاص والآثار عن هؤلاء شهيرة بسطت في محلها وقال الطحاوي لم نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أفتى بالوضوء غير ابن عمر وقد خالفه في ذلك أكثر الصحابة، انتهى.\n(٣) فقد أورد الطحاوي على الحديث بعدة وجوه، وقال يحيى بن معين ثلاثة أحاديث لم يصح منها شيء: حديث كل مسكر خمر، وحديث من مس ذكره فليتوضأ، وحديث لا نكاح إلا بولي.","vol":"1","page":112},{"text":"التي ليست بتلك المثابة ومنهم من قال إن مروان ليس ممن لا يحتج بروايته ويرد حديثه كيف وقد أخذ عنه البخاري في صحيحه والجواب أنه إنما روى عنه ما روى قبل إمرته أو يقال (١) إنه إنما أخذ منه إذا وثقه بغيره لا أنه اكتفى به ولو سلم أنه كان معتبرًا في باب الروايات ولم يكن يكذب فيها فحال هذا الشرطي غير معلوم فإن قيل مرسل التابعي عندكم مقبول فمالكم لا تعتبرون بما أرسله عروة قلنا هذا عندنا إذا لم يعلم حال المتروك وأما إذا علم كما فيما نحن فيه فلا، ومن المعلوم أن فسق مروان وأتباعه أظهر من الشمس وأبين من الأمس ويرد عليكم معشر الشافعية إنكم كيف أثبتم بتلك الرواية المرسلة مذهبًا وقد أنكرتم حجيتها ثم الرواية إما محمولة على أنها منسوخة أو الأمر استحباب لا إيجاب لئلا يخالف الرواية الصحيحة التي ذكرناها وعمل الصحابة على ما سردناها أو هو مقيد بما إذا خرج منه شيء ولا يبعد أن يقال ترك مفعول المس ولم يذكر استهجانًا بذكره وصونًا للسانه الشريفة عنه والمعنى من مس ذكره بفرج امرأة فليتوضأ إقامة للداعي والسبب مقام المدعي والمسبب فإن التقاء الختانين داع إلى خروج شيء ونفسه يتغيب عن البصر فأدير الأمر على المس احتياطًا وتيسرًا وهذا مذهب لا يشك فيه عندنا فإن قيل قد وقع في بعض الروايات من أفضى بيده فكيف يتمشى هذا التأويل فيه مع أن فيه تصريحًا بذكر اليد ولا يمكن تقدير المفعول قلنا لما كانت الرواية بالمعنى شائعة ذائعة روى من فهم عنه هذا المعنى هذا اللفظ على حسب ما فهمه ظانًا أنهما بمعنى وإن لم يكن الأمر كذلك في نفس الأمر مع أن التأويل فيه ممكن أيضًا فإن الإفضاء يستدعي مفعولًا واليد ليست إلا آلة له مع أن حمل الأمر على استحباب يغنينا عن ارتكاب تكلف ويرد على الشافعي -﵀- فرقه بين باطن الكف وظاهره مع أن لفظ الحديث يتناول اليد مطلقًا فتخصيصه النقض بباطن الكف تخصيص من\n_________\n(١) على أنه قد طعن على البخاري إخراج حديثه ولذا ذكره الحافظ في أسماء من طعن فيه من رجال البخاري.","vol":"1","page":113},{"text":"غير مخصص ولعل (١) العذر له رضي الله تعالى عنه أن االعرف خصص اللمس بما إذا كان بباطن الكف (٢) فإن الذي تماس ظاهر كف بشيء لا يقال إنه لمسه وإنما يقال إنها وقعت يده عليه والحكم الغير المعقول معناه لا يجوز تعديته إلى غير المنصوص فيه فلم يحكم بانتقاض الطهارة إلا بما تناوله النص دون ما لم يتناوله ولا يبعد أن يكون الوارد في بعض الروايات لفظ الكف صراحة فجعل رواية اليد عليه لحمله المطلق على المقيد كما تقرر عنده والله تعالى أعلم.\n[وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحًا] يعني أن البخاري لما لم يثبت عنده سماع مكحول عن عنيسة وما رواه مكحول عن عنيسة فبواسطة آخر لا مشافهة فالظاهر من ذلك أن محمدًا لا يرى حديث مكحول عن عنبسة صحيحًا لعدم ثبوت اللقاء وكون الرواية معنعنة ولما كان هذا الأمر غير مستيقن (٣) به زاد لفظة «كان» إشارة إلى ذلك\n_________\n(١) لو ثبت ذلك فأي فرق بين القاصد وغيره والشهوة وغيرها واليد والذراع والأصبع الزائدة وغيرها والصغير والكبير وذكر نفسه وغيره وذكر الميت والحي والإنسان والبهيمة والدبر والانثيين والحائل وغيره والخنثى وغيره من الفروع المختلفة بين القائلين بالنقض البالغة إلى قريب من الأربعين بسطها ابن العربي، وهذا الاختلاف يشعر إلى أنه لم يتحقق عندهم محمل الحديث فلو صح الحديث وثبت ترجحه على حديث طلق فمجمل أيضًا لم يظهر مراده عند القائلين به فضلًا عمن لم يقل به.\n(٢) قلت: هذا مختلف عند القائلين بالنقض، قال ابن قدامة: لا فرق بين بطن الكف وظهره وهذا قول عطاء والأوزاعي، وقال مالك والليث والشافعي وإسحاق: لا ينقض مسه إلا بباطن كفه لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس فأشبه ما لو مسه بفخذه واحتج أحمد بحديث النبي ﷺ إذا أفضى أحدكم بيده، وفي لفظ إذا أفضى أحدكم إلى ذكره وظاهر كفه أفضى أحدكم بيده، وفي لفظ إذا أفضى أحدكم إلى ذكره وظاهر كفه من يده، انتهى.\n(٣) وذلك لأن البخاري لم يحكم عليه بعدم الصحة نصًا لكنه لما حكم بالانقطاع لزم منه عدم الصحة عنده وحديث مكحول هذا أخرجه ابن ماجة في سننه.","vol":"1","page":114},{"text":"والمراد بحديث مكحول هذا هو الذي أشار إليه بقوله قال أبو زرعة ولما كان استدلال الشافعية على انتقاض الوضوء بلمس الرماة بالنص لقوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لم يفتقر إلى إيراد حديث لذلك ولم يضع له بابًا بخلاف مذهبهم في انتقاض الطهارة بلمس اليد فإنه غير ثابت بالنص فاحتيج إلى إثباته بالرواية وكذلك ترك الوضوء من القبلة مخالف لمعنى الآية عندهم لحملهم اللمس في قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على المعنى الشامل للمس الخالي عن الجماع والذي فيه فعقد له بابًا فقال: [باب ترك الوضوء من القبلة]\n[قوله من هي إلا أنت إلخ] هذا بظاهره وإن كان ينسب إلى سوء أدب لما أن عائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين وخالته فإنه ابن أسماء بنت أبي بكر كما أن عائشة رضي الله تعالى عنها بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلا أنه لما كان يتضمن تحقيق مسألة فقهية ساغ له ذلك إذ ليس في تحقيق مسألة الدين وقاحة فإن القضية لو كانت قد وقعت لغير عائشة لم يكن لها تحقيقها كتحقيقها إذا وقعت معها فإن الأول بيان والثاني عيان وليس الخبر كالمعاينة فأراد عروة رضي الله تعالى عنه أن يعلم أي النوعين من العلم حصلته فعلم أن ما يستحي من ذكره يجوز إذا توقف عليه البحث عن مسألة شرعية ثم أن ضحكها رضي الله تعالى عنها جواب بقبول مقالته بمنزلة قوله نعم.\n[علي بن المديني] هذه نسبة إلى مدينة (١) أخرى غير مدينة الرسول ﷺ\n_________\n(١) قال الجوهري: النسبة إلى مدينة يثرب مدني وإلى مدينة المنصور مديني للفرق، كذا في المعنى وغيره، قلت: لكن علي بن عبد الله بن جعفر هذا مع كونه مدنيًا يقال له ابن المديني، وفي معجم البلدان ذكر ابن طاهر بإسناده إلى البخاري، قال المديني هو الذي أقام بالمدينة ولم يفارقها والمدني الذي تحول عنها وكان منها والمشهور عندنا أن النسبة إلى مدينة الرسول مدني مطلقًا وإلى غيرها من المدن مديني للفرق لا لعلة أخرى وربما رده بعضهم إلى الأصل فنسب إلى مدينة الرسول أيضًا مديني وقال الليث المدينة اسم لمدينة الرسول والنسبة للإنسان مدني فأما الغير ونحوه فلا يقال إلا مديني وعلى هذا الصيغة ينسب أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المعروف بابن المديني كان أصله من المدينة ونزل البصرة، انتهى، وفي العيني عن السمعاني الأصل فيمن ينسب إلى مدينة النبي ﷺ يقال فيه مدني بحذف الياء وفي غيرها المديني بإثبات الياء واستثنوا هذا أي من هذه القاعدة فقالوا المديني بإثبات الياء، انتهى.","vol":"1","page":115},{"text":"وأثبتت ياؤه عند النسبة فرقًا بينه وبين المنسوب إلى مدينة الرسول ﷺ ولم يعكس الأمر طلبًا للتخفيف في استعمال ما يكثر دوره على الألسنة دون ما ليس بتلك المثابة.\n[قال وسمعت إلخ] المقر بالسماع وفاعل القول هو المؤلف رضي الله تعالى عنه.\n[قوله حبيب بن أبي ثابت إلخ] يريد أن عروة عروتان، عروة المزني وعروة بن الزبير ورواية (١) حبيب هذا إنما هو عن عروة المزني دون عروة\n_________\n(١) قلت: لم يصرح الترمذي أنه أي العروتين أراد بذلك وكلاهما محتمل لأن أهل الحديث والرجال مختلفون في ذلك، قال ابن عبد البر في الاستذكار هذا الحديث عندهم معلول فمنهم من قال لم يسمع حبيب من عروة ومنهم من قال هو عروة المزني وضعفوا هذا الحديث وصححه الكوفيون وأثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث وحبيب لا ينكر لقاؤه عن عروة لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتًا، انتهى، كذا في السعاية، زاد الزيلعي وقال في موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة، انتهى، ومال البيهقي إلى أنه عروة المزني وبذلك جزم غيره، ولذا فسر الشيخ كلام الترمذي بذلك، والأوجه عندي أن الترمذي مال إلى كونه عروة ابن الزبير ولذا ذكر أن حبيبًا لم يسمعه عنه، وأما عروة المزني فإنهم لا ينكرون لقائه عنه بل عللوه بأن المزني هذا مجهول، والجملة أن الحديث مروي من كليهما، قال الشوكاني: أخرجه أبو داؤد والترمذي وابن ماجة من طريق ابن الزبير عن عائشة وأخرجه أيضًا أبو داؤد من طريق المزني وغاية ما أوردوا على الحديث الإرسال وليس بجرح عند الجمهور سيما إذا توبع بروايات كثيرة.","vol":"1","page":116},{"text":"بن الزبير وليس له سماع عن عروة المزني هذا الذي روى عنه فكان مرسلًا هو مما لا يعتد به وأنت تعلم ما فيه فإنهم قد اصطلحوا على أن مطلق تسميتهم عروة غير منسب منصرف إلى ابن الزبير (١) دون غيره مع أن أبا دؤاد مصرح بسماع حبيب عن عروة بن الزبير وأثبت هو في سننه لهذا الحديث إسنادًا جيدًا فكان شبه (٢) شيء لا شبه لا شيء، وأما الذي ذكره من أن إبراهيم (٣) التيمي ليس له سماع عن عائشة فهو حق لا يرتاب فيه لكنه لا يضرنا فإنه وصله في رواية أخرى فقال عن إبراهيم التيمي عن أبيه كما رواه الدارقطني وغيره فعلم أن التي لم يذكر فيه الواسطة أرسلها على اعتماد ذكره في موضع آخر فلا ضير في انقطاعه بعد علم اتصاله\n_________\n(١) وبرهن الشيخ في البذل بسبعة وجوه على أنه عروة بن الزبير وهو ظاهر لا شك فيه لا سيما إذ صرح بكونه ابن الزبير في رواية ابن ماجة والدارقطني ومسند أحمد ومسند أبي حنيفة وابن أبي شيبة وغيرها بأسانيد صحيحة وأقر بذلك أئمة الحديث كما حكى عنهم الزيلعي والحافظ وغيرهما.\n(٢) على أن للحديث متابعات كثيرة بسطت في الزيلعي والسعاية وغيرهما.\n(٣) قال ابن عبد البر: إبراهيم التيمي أحد الثقات ومراسيلهم حجة ويكفي في تحسين الخبر قول النسائي بعد ما رواه بالطريق المذكور ليس في الباب حديث أحسن من هذا وإن كان مرسلًا، كذا في السعاية، قلت: ووالد إبراهيم يزيد بن شريك من رواة الستة وثقة جماعة كما في التهذيب.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>[باب الوضوء من القيء والرعاف]</span>\nلما كان القول بنقض الوضوء بما يخرج من غير السبيلين من النجاسة يشمل القيء والرعاف لم يفتقر إلى إيراد حديث للرعاف على حدة لعدم القائل بالفصل فإن الذاهب (١) إلى انتقاضه بالقيء ذاهب إلى انتقاضه بالرعاف وأمثاله والنافي له ناف له فكان إثبات شيء من ذلك إثباتًا لكل ذلك ونفيه نفيًا لكل ذلك، ثم إن التعقيب بالفاء في قوله قاء فتوضأ مما يدل على كونه علة له لترتبه عليه ترتب الأجزية على شروطها والتقييد بكونه ملاء الفم لتحقق النجاسة إذا لكونه منبعثًا من قعر المعدة وهي محل النجاسة دون ما إذا كان دون (٢) ذلك ولتخصيص الروايات بذلك فإن الروايات في ذلك مختلفة تدل بعضها على انتقاض الطهارة بالقيء والبعض الآخر بعدم انتقاضها به والجمع بينهما (٣) حمل الرواية\n_________\n(١) قلت: المسألة خلافية عند الأئمة فالقيء الفاحش والدم الفاحش ينقضان الوضوء، عند الحنابلة رواية واحدة صرح بذلك ابن قدامة روى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد ابن المسيب وعلقمة وعطاء وقتادة والثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وإسحاق بن راهوية، وكان مالك والشافعي وابن المنذر وغيرهم لا يوجبون منها الوضوء، كذا في الأوجز، قال ابن قدامة: ولنا ما روى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قاء فتوضأ، قال ثوبان: صدق أنا صببت له وضوءًا رواه الأثرم والترمذي قيل لأحمد حديث ثوبان ثبت عندك قال نعم، وروى الخلال بإسناده عن ابن جريج عن أبيه مرفوعًا إذا قلس أحدكم فليتوضأ، قال ابن جريج وحدثني ابن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا مثل ذلك وأيضًا فإنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم فيكون إجماعًا، انتهى مختصرًا.\n(٢) قال ابن قدامة: وقد روى الدارقطني بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال ليس الوضوء من القطرة والقطرتين، انتهى، قلت: واستدل به صاحب الهداية أيضًا.\n(٣) وبهذا جمع بينهما صاحب الهداية فقال وإذا تعارضت الأخبار يحمل ما رواه الشافعي على القليل وما رواه زفر على الكثير.","vol":"1","page":118},{"text":"الأولى على الكثير والثانية على القليل وأيضًا فقد ورد في قول علي رضي الله تعالى عنه أو وسعة (١) تملأ الفم.\n[وقد جود حسين المعلم إلخ] أي أورد هذا الحديث جيدًا.\nوروى [معمر هذا الحديث إلخ] فيه خطأ من وجهين بل ثلاثة ترك الأوزاعي فإنه قال عن يحيى بن كثير عين يعيش بن الوليد، والثاني وضع خالد بن معدان موضع معدان بن أبي طلحة، والثالث ترك قوله عن أبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[باب الوضوء بالنبيذ]</span>\nالنبيذ أقسام (٢) نقوع التمر غير مطبوخ والامتراء\n_________\n(١) ذكره في الهداية فقال وقول على حين عد الأحداث أو وسعة تملأ الفم وذكر الزيلعي أنه غريب ثم قال: وأخرج البيهقي في الخلافيات عن أبي هريرة مرفوعًا يعاد الوضوء من سبع وعد فيها من وسعة تملأ الفم ثم قال وضعف فإن فيه سهل بن عفان والجارود بن يزيد وهما ضعيفان. انتهى.\n(٢) قال ابن عابدين: محل الخلاف ما إذا ألقى في الماء تميرات حتى صار حلوًا رقيقًا غير مطبوخ ولا مسكر فإن لم يحل فلا خلاف في جواز الوضوء به أو أسكر فلا خلاف في عدم الجواز وطبخ فكذلك في الصحيح كما في المبسوط ورجح غيره الجواز، انتهى، فعلم من ذلك أن النبيذ أربعة أنواع ومراد الشيخ القسم الأخير من أنواع ابن عابدين المختلف فيه عند صاحب المبسوط وغيره وتوضيح ذلك أن الماء إذا ألقى فيه تميرات حتى صار حلوًا رقيقًا غير مطبوخ فيجوز الوضوء به عندنا مطلقًا سواء وجد الماء أو لا؟ خلافًا لهم، وهذه مسألة لا خلاف فيها عندنا وهي مسألة الماء المخلوط بالشيء وهم لا يجوزون الطهارة بذلك ولذا يؤلون روايات غسل الميت بالماء والسدر ورواية خلط الملح في غسل المستحاضة ورواية غسل الكافر بماء وسدر وغسله ﷺ رأسه بالحظمى والاجتزاء بذلك وغير ذلك من الروايات الكثيرة، والحنفية قائلون بجواز ذلك لهذه الروايات وغيرها وهذه المسألة هي التي قال فيها الشيخ لا امتراء فيها، ومسألة أخرى هي خلافية بيننا أيضًا وهي مسألة النبيذ وهي الذي قال فيها الشيخ، إنما الخلاف واحتياج الإثبات إنما هو في ثاني أقسامه، قال العيني قال ابن بطال: اختلفوا في الوضوء بالنبيذ فقال مالك والشافعي وأحمد لا يجوز الوضوء بينه ومطبوخه مع عدم الماء ووجوده تمرًا كان أو غيره وقال أبو حنيفة لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء فإذا عدم فيجوز بمطبوخ التمر خاصة، وقال الحسن جاز الوضوء بالنبيذ، وقال الأوزاعي جاز بسائر الأنبذة وروى عن علي أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بنبيذ التمر، وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء، وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب إلى من التيمم وجمعهما أحب، انتهى.","vol":"1","page":119},{"text":"في جواز الوضوء وإن لم يسلمه المخالفون كيف والأخبار فيه مستفيضة وقال النبي ﷺ تمرة طيبة وماء طهور وهو منادي الصم بصوت جمهوري أن اختلاط الطاهر بالماء لا يخرجه من الطهورية سواء كان ذلك الشيء مما يقصد به النظافة أو لم يكن وإنما الخلاف واحتياج الإثبات إنما هو في ثاني أقسامه وهو المطبوخ الذي لم يبلغ حد السكر لكنه صار حلوًا، وأما القسم الثالث الذي صار مسكرًا فلا يجوز التوضئ به عندنا أيضًا فنقول لما كان إطلاق النبيذ على النقيع وجب أن يحمل على أحد القسمين الباقيين ومن الظاهر أن عبد الله بن مسعود ذلك الفقيه الأجل شأنه أرفع من أن يأخذ في أدواته ما بلغ الاسكار وصار حرامًا لا سيما وكان مطمح نظره أن يشربه النبي ﷺ فإنما كان قد أخذ النبيذ الحالي لوفور رغبته ﷺ في شرب الحالي فلم يبق المفتقر إلى الإثبات إلا القسم الثاني وهو ما حصل له بالطبخ تغير ما ولم يبلغ أن يسكر فالتوضئ بذلك الماء الذي لم يبق ماء مطلقًا وإن لم يجز","vol":"1","page":120},{"text":"نظرًا إلى ظاهر قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ لأنه لم يبق ماء مطلقًا والآية تتناول المطلق منه إلا أن فعله ﷺ صار تفسيرًا للآية ببيان أن هذا الماء ملحق بالماء المطلق وترك القياس في مقابلة النص وكيف لا والحديث (١) صحيح أقربه الترمذي في التفسير (٢) وأما قولهم إن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لم يكن معه ﷺ ليلة الجن مستندًا بما قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لم يك مع النبي ﷺ ليلة (٣) الجن منا أحد، فالجواب عنه (٤) أن ليلة الجن كانت غير مرة فإنكار المعية في مرة\n_________\n(١) كيف وقد رواه أربعة عشر رجلًا مثل ما رواه أبو زيد بسطها العيني في شرح البخاري وتبعه الشيخ في البذل.\n(٢) قلت: الحديث الذي أقر الترمذي بصحته في التفسير هو حديث اغتيل واستطير، والحديث الذي ذكر فيه كون ابن مسعود معه ﷺ وقال فيه حسن غريب صحيح من هذا الوجه ذكره قبيل التفسير.\n(٣) قال ابن رسلان: نقل ابن السمعاني أن ابن المديني نقل باثني عشر طريقًا أن ابن مسعود كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، انتهى.\n(٤) جزم بهذين الجوابين العيني في شرح البخاري والبيهقي والحافظ بالثاني فقط على أن المثبت مقدم على النافي، وقال ابن قتيبة معناه لم يكن معه غيري وذكر الشيخ في البذل أن ذهاب رسول الله ﷺ إلى الجن وقع ست مرات فيمكن أن يكون ابن مسعود معها في بعضها ولم يكن في بعضها، وقد ذكر الترمذي كونه معه وصححه، انتهى، قلت: وهذه المواضع الستة على ما في السعاية من آكام المرجان وتلخيصه لقط المرجان هكذا الأولى هي الليلة التي قيل فيها أنه اغتيل أو استطير وكانت بمكة ولم يحضرها ابن مسعود معه ﷺ كما في رواية مسلم والترمذي في تفسير سورة الأحقاف وغيرهما، والثانية كانت بمكة بالحجون جبل بها، والثالثة كانت بأعلى مكة وقد غاب النبي ﷺ فيها في الجبال، والرابعة كانت بالمدينة ببقيع الغرقد وفي هذه الليالي الثلاث حضر ابن مسعود معه ﷺ، والخامسة خارج المدينة حضرها الزبير بن العوام، والسادسة في بعض أسفاره حضرها بلال بن الحارث، انتهى.","vol":"1","page":121},{"text":"من تلك المرات لا يستلزم إنكار معيته في التارة الأخرى أو المعنى أنه لم يكن منا معه في موضع تعليمه الأحكام إياهم إذ كان النبي ﷺ قد أجلسه على حدة منهم وخط حوله خطأ ومنعه أن يخرج منه كما هو مصرح في الروايات.\n[وقوله أبو زيد رجل مجهول] قول من غير بينة ولا دليل ليس لمدعيه إلى إثباته من سبيل ولا يجب تسليمه على أن عدم علم المؤلف بحاله لا يخرجه عن الشهرة والمعلومية إلى الغربة والجهالة كيف وقد روى (١) عنه جماعة.\n[قال أبو عيسى وقول من قال إلخ] هذا بظاهره لا يرد، لكن الحديث الصحيح لما أخبره أن النبيذ ملحق بالماء المطلق صار ما قلنا أشبه بكتاب الله تعالى وأولى به مع موافقته لفعل النبي ﷺ.\n[وقوله باب المضمضة من اللبن] لما كان فيه نم الدسومة (٢) ما يبقى به\n_________\n(١) فقد قال ابن العربي: إن أبا زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان العبسي وأبو روق وبهذا يخرج عن حد الجهالة ولا يعرف إلا بكنيته فيجوز أن يكون الترمذي أراد به أنه مجهول الاسم ولا يضر ذلك فإن جماعة من الرواة لا تعرف أسمائها وإنما عرفوا بالكنى قاله العيني وفي البذل عن البدائع: أما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حريث فكان معروفًا في نفسه وبمولاه فالجهالة بعد الته لا يقدح في روايته وأجاب صاحب السعاية بأن جهالته لا تقدح في ثبوت الحديث بعد ورود المتابعات له فقد تابعه جماعة عن ابن مسعود، انتهى، قلت: وتقدم أنه روى عن ابن مسعود بأربعة عشر طرق.\n(٢) قال ابن العربي: إسناد الحديث صحيح مروي من طرق في الصحاح، والدسم في اللغة ما سدل من أجزاء الطعام أو الودك بيد الإنسان فيحدث تغير الرائحة وذلك مكروه شرعًا، والنظافة محبوبة شرعًا ولذلك استحبها العلماء ولم يوجبوها إلا أن تكون غالبة من صناعة أو ملازمة شعث (كذا في الأصل) فتكون إزالتها واجبة والخروج عن الجماعة لأجلها فرض كالثوم والبصل يأكلهما المرأ فيمتنع من الجماعات والمساجد لئلا تتأذى الملائكة وعمرة بيوت الله وجلساء المسلمين، انتهى، قلت: وقد ورد عند ابن ماجة وغيره الأمر بالوضوء، قال الحافظ: والدليل على أن الأمر فيه للاستحباب ما رواه الشافعي عن ابن عباس راوي الحديث أنه شرب لبنًا فتمضمض ثم قال لو لم أتمضمض ما باليت، وروى أبو دؤاد بإسناد حسن عن أنس أن النبي ﷺ شرب لبنًا فلم يتمضمض ولم يتوضأ، وأغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عباس ولم يذكر من قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى النسخ، انتهى.","vol":"1","page":122},{"text":"ذائقته في القم تدب المضمضة منه لئلا يشغل قلب المصلي في صلاته، وكذلك كل ما فيه لزج أو دسم، وقوله هذا عندنا على الاستحباب وقوله ولم ير بعضهم المضمضة من اللبن إنما هما (١) مذهب واحد لا مذهبان كما يتوهم من ظاهر العبارة\n_________\n(١) أفاد ذلك حضرة الشيخ لما أن عامة نقلة المذاهب لا يذكرون في الباب إلا الاستحباب سيما الحافظين ابن حجر والعيني وغيرهما نفوا الخلاف في ذلك وتقدم قريبًا كلام الحافظ ابن حجر رادًا على ابن شاهين أنه لم يذكر من قال فيه بالوجوب، والأوجه عندي أن الترمذي أراد بذلك اختلاف المذاهب في الباب ولعله أشار إلى ثلاثة مذاهب ولا أقل من اثنين، الأول الوجوب أشار إليه بقوله وقد رأى بعض أهل العلم وبعض آثار السلف يؤمي إليه أخرجها ابن أبي شيبة بلفظ الأمر وأخرج عن أبي سعيد لا وضوء إلا من اللبن لأنه يخرج من بين فرث ودم، وأخرج عن أبي هريرة «لا وضوء إلا من اللبن»، والثاني الاستحباب وهو مسلك الجمهور، والثالث ترك الاستحباب وإليه أشار ابن أبي شيبة في تبويبه بلفظ من كان لا يتوضأ ولا يمضمض وأخرج فيه عن طلحة سألت أبا عبد الرحمن عن الوضوء من اللبن قال من شراب سائغ للشاربين، وفي رواية كان أبو عبد الرحمن في المسجد فأتاه مدرك بن عمارة بلبن فشربه فقال مضمض فقال من أي شيء أمن السائغ الطيب إلا أنه يحتمل كما أفاده الشيخ أن يرجع قول الترمذي وهذا عندنا ولم ير بعضهم إلى قول واحد وهو عدم الوجوب مع بقاء الاستحباب فيكون مؤدي كلام المصنف مذهبان الوجوب والاستحباب ويشير إلى الاختلاف تبويب أبي داؤد إذ بوب أولًا باب الوضوء من اللبن ثم عقبه بقوله باب الرخصة في ذلك فتأمل.","vol":"1","page":123},{"text":"غاية ما في الباب أن منهم من صرح بذلك فعزاه إليه ومنهم من لم يوجد في كلامه تصريح بشيء من ذلك فنسب إليه انه لم ير ذلك يعني به لم يرو عنه شيء في هذا الباب لا أنه لا يرى المضمضة جائزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>[باب في كراهية رد السلام غير متوضئ]</span>\nهذا وإن لم يفهم من الرواية التي ذكرها (١) ههنا إلا أن بقية هذا الحديث التي لم تذكر توضح الترجمة وهي أن\n_________\n(١) لأن عدم رده ﷺ يحتمل أن يكون لعارض آخر على أن الترجمة عام بلفظ غير متوضئ والحديث خاص بالبول والحديث الذي أشار إليه الشيخ أخرجه أبو داؤد برواية محمد بن ثابت عن نافع عن ابن عمر قال مر رجل على رسول الله في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة فضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه ثم ضرب بهما ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل السلام وقال إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر فهذا نص في الباب والجمع بين قوليهما وهو يبول وقد خرج من البول هين بالتعدد والمجاز وغيرهما.","vol":"1","page":124},{"text":"النبي ﷺ لما تفرغ عن حاجته وكاد الرجل أن يغيب عن مرأى نظره تيمم فرد ﵇ بقي الجواب من أنه ﷺ كيف أخر الجواب مع وجوبه ويمكن أن يقال إنه ﷺ علم من حال المسلم ومن حال نفسه الشريفة أنه لا يفوته الرد عليه فإنه كان بمحضر منه وظن أنه لا يغيب عنه إلى أن يتمم أحب أن يرد عليه وهو طاهر مع أن رد السلام على من سلم على من يقضي حاجته غير واجب (١) فكان الرد مجرد فضل ولطف وتأخير في التفضل لا ضير فيه وكذلك من سلم على الآكل والقارئ وغيرهما لم يجب رده ولو رد هؤلاء على المسلم كان حسنًا وإحسانًا، وفيه دلالة على استحباب الطهارة للعبادات التي لا تشترط لها الطهارة وأن التيمم في مثل هذا جائز مع القدرة على الماء ولو استنبط من هذا المقام جواز الاكتفاء بالتيمم لكل قربة خيف (٢) فوتها على انتظار الماء كالجنائز والأعياد مما يفوت إلى غير خلف لم يبعد أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[باب ما جاء في سور الكلب إلخ]</span>\nقد اختلفت الروايات في تطهير سور\n_________\n(١) صرح بذلك عامة الفقهاء، وفي ابن ماجة عن جابر بن عبد الله أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فقال رسول الله ﷺ إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم على فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك وهذا يؤيد ما أفاده الشيخ أن الرد كان تفضلًا.\n(٢) وفي البذل عن العيني استدل به الطحاوي على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها وهو قول الكوفيين والليث والاوزاعي لأنه ﷺ تيمم في الحضر لأجل فوت الرد ومنع مالك والشافعي وأحمد وهو حجة عليهم، انتهى، وقال ابن رسلان: استدل به البخاري على جواز التيمم لمن خاف فوت الوقت وحجة لأحد القولين عن مالك في التيمم للجنازة، انتهى، قلت: وإذا يمكن أن يستدل به على جوازه لخوف فوت الوقت وهو فوت إلى خلف فأولى أن يستدل به على جوازه لخوف فوت الجنازة.","vol":"1","page":125},{"text":"الكلب كما ستقف عليها ومذهب الحنفية فيه مثل مذهبهم في سائر النجاسات المغلظة من غير تفاوت (١) إلا أن الأنصار لما لم يكن فيهم مبالاة بأمر الكلاب لكثرة ملابستهم بأهل الكتاب وكانوا يتساهلون في التحامي عنها غلظ فيها في أول الأمر ويرشدك إليه الأمر بقتلها ثم لما تمكنت نجاستها في نفوسهم ورسخت المنافرة عن مخالطتها عاد أمر نجاستها إلى ما هو أمر سائر النجاسات وعلى هذا فلا تنافي ما بين تلك الروايات فإن لكل من روايات الغسل سبعًا أو ثمانيًا محملًا (٢) صحيحًا لا يخالف روايات الغسل ثلاثًا، وكذلك كل رواية في ذلك فهي واردة على حسب ما ناسب هذا المقام من التغليظ هذا عندنا، وأما مالك (٣) ﵀ فقد يرد عليه في تلك\n_________\n(١) جمعًا بين الروايات كما سيأتي ولأن أبا هريرة الراوي روايات التسبيع أفي بالثلاث والآثار عنه في ذلك صحيحة عديدة ذكرها النيموي على أن روايات التسبيع يحتمل الندب وبعض الحنفية صرحوا بندبيه التسبيع ولا إشكال إذ ذاك في اختلاف الروايات ولا اضطراب.\n(٢) وإلا فاضطربت الروايات جدًا لما فيها من الأمر بالتسبيع والتثمين وغيرهما وتعفير الثامنة والسابعة وأولاهن وأخراهن وإحداهن، وقال ابن العربي: ضعف مالك غسل الإناء من ولوغه فقيل لأن القرآن عارضه قال الله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يأمر بغسل ما أصاب من لعابه من الصيد وهذا بين جدًا وقيل ضعفه لأن وجوب الغسل لا يظهر فيه لعدم سبب الوجوب لما أذن في اتخاذه فعارضه حديث الهرة أيضًا ويحتمل ضعفه لأجل اختلاف الروايات فيه ويحتمل ضعفه لأنه لا يتحقق أن غسله للنجاسة أو العبادة وغير ذلك.\n(٣) قال ابن قدامة قال مالك والأوزاعي وداؤد: سور الكلب والخنزير طاهر يتوضأ به ويشرب وإن ولغا في طعام لم يحرم أكله، وقال الزهري: يتوضأ به إذا لم يجد غيره، وقال عبدة بن أبي لبابة والثوري وابن الماجشون وابن مسلمة يتوضأ به ويتيمم.","vol":"1","page":126},{"text":"الروايات ما لا يخفي وذلك لأنه رضى الله تعالى عنه لم يقل بنجاسة الماء ما لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة ومن المعلوم أن شرب الكلب في ظرف ولو لم يكن الماء فيه كثيرًا لا يؤثر فيه تغيرًا فكيف أمروا بالغسل بتلك المبالغة ورام أصحابه التفصي عنه بأن الأمر بتطهير الأواني وإراقة الماء بولوغ الكلاب ليس مبنيًا على نجاسة وإنما ذلك لضرر فيه مختص بالكلاب من بين سائر أنواع الحيوانات هذا وإن المالكية (١) قد وافقونا على أن تطهير بول الكلب لا يفضل تطهير سائر النجاسات فنجاسة بوله أدون من نجاسة سورة الذي سموها ضررًا بالخاصية والله تعالى أعلم، والشافعية (٢) رجحوا بحال الإسناد كما هو دأبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[باب ما جاء في سور الهرة، قوله إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات]</span>\nهذه العلة عامة تناول كل ما كان من هذا القبيل مما يكثر ملابسته وذلك للحرج في التحامي منه وهذا الحديث أصل كبير يتفرع منه أصول: منها (٣) قولهم الضرر\n_________\n(١) بخلاف الشافعية والحنابلة فإن حكم البول عندهما في الكلب حكم السور صرح بذلك ابن حجر في شرح المنهاج وابن قدامة في المعنى.\n(٢) فإن الشافعية رجحوا روايات التسبيع وبه قال مالك في الواحدة من أربع روايات له، وبه قال أحمد في واحدة من روايته والرواية الأخرى له المشهورة في الشروح ترجيح روايات التثمين وفي الروض المربع يجزئ في غسل النجاسات كلها ولو من كلب أو خنزير إذا كانت على الأرض غسلة وعلى غير الأرض سبع إحداها بالتراب في نجاسة كلب أو خنزير وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب، انتهى، والحنابلة والشافعية رجحوا روايات التتريب إذ قالوا بها، والمالكية لم يقولوا بالتتريب فتكلموا على هذه الزيادة كما بسطت في المطولات.\n(٣) وتحت كل أصل منها فروع كثيرة بسطها صاحب الأشباه إذ قال القاعدة الرابعة المشقة تجلب التيسير وبيان ذلك أن أسباب التخفيف سبعة السفر والمرض والإكراه والنسيان والجهل والعسر وعموم البلوى والنقص ثم قال القاعدة الخامسة الضرر يزال وبيان ما يبتني عليها من أبواب الفقه وما تتعلق بها قواعد الأولى الضرورات تتيح المحظورات إلى آخر ما بسطه.","vol":"1","page":127},{"text":"مسقط والحرج مدفوع والمشقة تجلب التيسير ويؤيد كل ذلك قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.\nثم إن قوله [فرآني أنظر إليه إلخ] دلالة على أنها إنما تعجبت لما رأت ذلك الأمر مخالفًا لقاعدة الشرع الذي هو أصل في حرمة السور من حرمة اللحم فلحم الهرة لما كان معلوم النجاسة كان سوره (١) كذلك لما أن السور معتبر باللحم أو لأنه ﷺ لعله أمر بالتحامي عنها أولًا حكمًا بنجاسة سورها ثم رخص فيه فلما لم يبلغها نسخ الحرمة تعجبت من فعله المخالف لعلمها أو لأن حرمتها أو تقذرها كان مستقرًا في الطبائع فرأت فعله ذلك مخالفًا له فتعجبت لأجله.\n_________\n(١) واختلفت الأئمة في سورها فقالت الأئمة الثلاثة طاهر، وقال الإمام الأعظم مكروه بكراهة تحريمية أو تنزيهية قولان: قال في الدر المختار طاهر للضرورة مكروه تنزيهًا في الأصح إن وجد غيره وإلا لم يكره أصلًا كأكله للفقير واستدلت الحنفية بروايات سردها الشيخ في البذل والطحاوي في شرح الآثار فيها الأمر بغسل الإناء من ولوغ الهرة منها حديث أبي هريرة عند الترمذي إذا ولغت الهرة غسلت مرة وغير ذلك من الروايات المرفوعة والموقوفة ومنها حديث الهر سبع وأجاب الطحاوي عن حديث الباب بأنها محمولة على مماسة الثياب وغيرها لأن المرفوع منه قوله ﷺ «ليست بنجس» لا يثبت طهارة السور والإصغاء فعل أبي قتادة مستدلًا بهذا المرفوع على أن الحديث أعله ابن مندة وغيره لجهالة كبشه وحميدة كما في الأوجز وحديث الباب في دقيق النظر يؤيد من قال بالكراهة التنزيهية.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>[باب المسح على الخفين، قوله وهذا حديث مفسر]</span>\nيجوز كونه على زنة الفاعل فالمعنى أنه مفسر للآية التي يفهم منها الغسل وتفسيره إياها بيانه أن الغسل إنما هو عند عدم التخفف أو المعنى أن هذا الحديث مفسر لسائر الروايات المروية عن النبي ﷺ في المسح فإنها تحتمل أن تكون حكاية لما قبل نزول المائدة لا بعده فهذا الحديث يبين أنها حكاية لما قبله وما بعده معًا لا أنها مقصورة لحكاية مسحه ﵊ قبل نزول المائدة ويجوز كونه على زنة المفعول والمعنى أن جريرًا فسره بكونه حكاية لفعله ﷺ بعد المائدة فليس فيها احتمال النسخ أو التأويل والتخصيص وعلى هذا فالمفسر مستعمل بالمعنى المصطلح عليه لأهل الأصول، ثم إن حديث المسح على الخفين قد بلغ الاشتهار بحسب المعنى بل ادعى بعضهم (١) تواتره ولا ينكر فجاز نسخ عموم الآية بها وإنما يفتقر إلى القول بالنسخ على القول بأن قرأتي النصب والجر في لفظ أرجلكم محمولتان على الغسل وهو الحق، وأما ما اشتهر بينهم من أن النصب فيه يدل على الغسل عطفًا على الوجوه والخفض على المسح عطفًا على الرؤس فلا يفتقر فيه إلى القول بالنسخ وإنما حملوا القراءتين على حالتي التخفف وعدمه لما أن القراءتين في حكم الآيتين إلا أن المحققين ردوا هذا\n_________\n(١) صرح به جمع من أهل الأصول وروى عن أبي حنيفة أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين، وقال أبو يوسف: خبر المسح يجوز نسخ الكتاب لشهرته، وعن ابن المبارك ليس في المسح عليهما عن الصحابة اختلاف لأن كل من روى عنه إنكاره روى إثباته وسئل أنس بن مالك عن علامات أهل السنة والجماعة فقال: إن تحب الشيخين ولا تطعن الختنين وتمسح على الخفين، كذا في الأوجز، وقال ابن العربي: هي سنة قائمة وشريعة صحيحة لا ينكرها إلا مبتدع وقد روى عن مالك إنكارها ولم يصح فلا يلتفت إليه ما ردها إلا المبتدعة الخوارج والإمامية من الشيعة.","vol":"1","page":129},{"text":"التوجيه فلا ينبغي التعويل (١) عليه وليس هذا من مقاصدنا حتى نلتفت إليه والله ولي التوفيق.\n[وقد روى (٢) عن بعض أهل العلم إلخ] ووجه (٣) قولهم مع جوابه مذكور في سنن أبي داؤد وتعاليقها فلا علينا أن نتركه وقول الترمذي والتوقيت ظاهر الوجه فإن التوقيت لما استند بالروايات الصحيحة كان الأخذ به هو الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>[باب في المسح أعلى الخف وأسفله]</span>\nهذا ما اختاره (٤) بعضهم ودلالة\n_________\n(١) لما أنه يأباه قوله تعالى ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فإن المسح لا يكون إليهما.\n(٢) ذكر ابن العربي في التوقيت ستة أقوال للعلماء لكن المشهور منها قولان ترك التوقيت وهو قول مالك كما قال به الترمذي والتوقيت مذهب جمهور الفقهاء الأئمة الثلاثة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وإسحاق وداؤد ومحمد بن جرير وغيرهم كما في البذل.\n(٣) أي مستدل من قال بعدم التوقيت حديث أبي داؤد بسنده عن أبي بن عمارة أنه قال يا رسول الله أمسح على الخفين قال نعم قال يومًا قال ويومين قال وثلاثة قال نعم وما شئت، قال ابن العربي: وفي طريقه ضعفاء ومجاهيل منهم عبد الرحمن بن رزين ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن؛ وقال أبو داؤد: وليس إسناده بالقوى، ورواه يحيى بن معين، وقال: إسناده مضطرب، وقال البخاري: في إسناده مجهول لا يصح، وقد روى فيه عن عمر حديث صحيح لكن ليس بنص عن النبي ﷺ والنص عن النبي ﷺ أولى من قول عمر، انتهى، قلت: وادعى النووي الاتفاق على ضعف حديث أبي داؤد وأجيب أيضًا أنه من قبيل «التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين».\n(٤) وهم الشافعي ومالك وإسحاق كما حكى عنهم المصنف وبه جزم أهل فروعهم وقال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم أن محله ظاهر الخفين، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":130},{"text":"الرواية على ما ذهبوا إليه ظاهرة وأجاب عنه العامة (١) أن مسحه ﵊ إنما كان لعذر فلا تشريع فلا يؤخذ به سنة نعم لو فعله أحد لمثل ذلك العذر كان غير مثرب والعذر أن خفه ﵊ كان بالغًا إلى ركبته فلم يستمسك ركبته الشريفة بنفسها لمنع الخف بثخانته أن تجتمع إليه ساقه فأخذ رجله اليمنى بيده اليسرى ومسح عليه باليمنى ومدها فامتد اليسرى ففهم من رآه ولم يتبين السبب فيه أنه ﷺ مسحهما تشريعًا مع أن الأمر لم يكن كذلك والله أعلم.\nوربما يتوهم أن المسح على الجانبين كليهما إكمال للفرض في محله فلا يمنع بل يكون سنة لما أن السنة إكمال للفرض في محله والجواب أن محل الفرض حين التخفف هو الجانب الأعلى معا لا الجميع فإن الغسل لم يبق مشروعًا ما دام المرء متخففًا وإنما المشروع المفروض المسح لا غير ومحل المسح هو الأعلى نعم لو كان الفرض هو الغسل لكان المسح في أعلاه وأسلفه كما لا للفرض في محله ولا كذلك إذا سقط الغسل وصار المسح مشروعًا ففيما نحن فيه الفرض قد ثلاث أصابع والزيادة عليها إكمال للفرض في محله ولا ينبغي أن يتوهم عاقل أن غسل الساق والركبة يكون إكمالًا للفرض في محله ولا يبعد أن يستنبط من هذا أن مسح الحلقوم بدعة لأن الحلقوم ليس محلًا للفرض حتى يكون المسح عليه إكمالًا له فأفهم.\n[معلول (٢)] وهو في عرفهم ما فيه علة خفية لا يكاد يصل إليه إلا الماهر في الفن المنطلع على الأسانيد والروايات ثم أخذ يبينه (٣) بقوله لم يسنده يعني\n_________\n(١) أي بعد صحة الرواية وإلا فهي ضعيفة جدًا كما سيأتي.\n(٢) بسط أهل الأصول أن هذا لحن على طريق أهل اللغة لأنه من علة بالشراب إذا سقاه مرة بعد أخرى، كذا في لقط الدرر، إلا أنهم يستعملونه كثيرًا في محاوراتهم.\n(٣) والجملة أن في الحديث خمسة علل بسطها الحافظ في التلخيص والشيخ في البذل، الأولى أن كاتب المغيرة أرسله ونبه عليه المصنف أيضًا، والثانية أن رجاء لم يسمعه عن كاتب المغيرة كما نبه عليه الشيخ برواية البخاري، والثالث أن ثورًا لم يسمعه من رجاء، والرابع أن كاتب المغيرة مجهول، والخامس أن الوليد مدلس لكن رواية الترمذي تأبى هذا الخامس إذ فيها رواية الوليد بالإخبار وكذلك يمكن الجواب عن بعض العلل المذكورة إلا أن بعضها عقيمة عن الجواب كما يظهر من ملاحظة البذل والتلخيص.","vol":"1","page":131},{"text":"أن كل من أخذه من ثور أرسله عن كاتب المغيرة غير الوليد بن مسلم فإنه أسنده حيث قال عن كاتب المغيرة عن المغيرة عن النبي ﷺ ثم إن الذي رواه البخاري عن ابن المبارك فيه فرق آخر أيضًا فإنه قال حدثت عن كاتب المغيرة فإنه مشير إلى أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة إلا بتوسط فكان في عنعنة الوليد بن مسلم في ذلك شيء أيضًا.\n[ولا نعلم أحدًا يذكر عن] عروة عن المغيرة على ظاهرهما بل إنما (١) رووا يمسح على الخفين.\n[قال محمد وكان مالك يشير بعبد الرحمن] أشار المؤلف بذكر هذا القول بعد ما حكم على الرواية بالحسن إلى أن إشارة مالك بضعفه لم يبلغ إلى حيث يخرجه من رواة الحسن نعم لا تكون روايته صحيحة لذاتها أو المعنى بذكر هذا الكلام عقيب ما أثبته من المرام أن مالكًا وإن أشار إلى ضعفه إلا أنه لم يكن كذلك فيما أراه (٢) فكان حديثه حسنًا عندي فلا يغرنك إشارة مالك بضعفه أن تنسبني إلى غلط\n_________\n(١) قلت: وأشار إلى ذلك أبو داؤد أيضًا فأخرج الحديث برواية محمد بن الصباح البزاز عن عبد الرحمن بن أبي الزناد بهذا السند بلفظ «كان يمسح على الخفين» ثم قال وقال غير محمد على ظهر الخفين وعلم من ذلك أنه اختلف في هذا اللفظ على عبد الرحمن أيضًا.\n(٢) ولذلك صحح عدة من أحاديثه في كتابه كما أقر به الحافظ في تهذيبه وهذا كله إذا كان الغرض من قول مالك الإشارة إلى ضعفه كما قال الحافظ في تهذيبه تكلم فيه مالك لرواية عن أبيه كتاب السبعة يعني الفقهاء، وقالل أين كنا عن هذا، ويحتمل عندي أن يكون غرض الترمذي بذكر قول مالك تقوية تحسينه، ومعنى قوله «كان مالك يشير بعبد الرحمن» أي إلى الأخذ منه، ففي التهذيب عن موسى بن سلمة قدمت المدينة فأتيت مالك بن أنس فقلت له إني قدمت إليك لأسمع العلم وأسمع ممن تأمرني به فقال عليك بابن أبي الزناد، انتهى، وهذا إشارة من الإمام مالك إلى الأخذ منه.","vol":"1","page":132},{"text":"فيما فعلته من تحسين روايته فنبه على تضعيف تضعيف مالك بعد حكايته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>[باب في المسح على الجوربين والنعلين]</span>\nأي على الجوربين مع النعلين وهذا يحتمل معنيين أحدهما أن يمسح على الجوربين مع كون النعلين ملبوستين له، والثاني المسح على الجوربين المنعلين أو الجوربين أو المنعلين أو الجوربين والمنعلين (والمنعل ما فيه جرم تحته كنعال العرب) وتفصيل (١) المقام أن في مسح الجوارب مذاهب جواز المسح عليها مطلقًا ثخانًا كانت أو لا، منعلة كانت أو لا، وهذا ما ذهب إليه شرذمة قليلة من أهل الظاهر ولا يصح عند أحد من أصحاب المذاهب المعتبرة بهم المأخوذة أقوالهم ومع هذا كله فدلالة الرواية على ما ادعوه مسلمة بعد فإن الجوربين مطلقة فيها وهذا إذا كان الواو للعطف لا بمعنى مع.\n_________\n(١) اختلفت شراح الحديث وأصحاب الفروع الأربعة في تفسير الجورب ونقل مذاهب الأئمة في ذلك كثيرًا حتى قال ابن رسلان اضطرب فيه كلام الأصحاب أي الشافعية، وهكذا اختلفت نقلة المذاهب في بيان مذهب الإمام أحمد وذلك لاختلاف روايات عنه فقد ذكر ابن قدامة أقواله مختلفة نعم لم يذكر فيه الاختلاف صاحب الشرح الكبير من فروع المالكية بل شرط التجليد وتتابع المشيء ونفى جواز المسح بفقد هذين الشرطين ولم يشترط عامة أصحاب الفروع الشافعية شيئًا من التجليد والتنعيل بل شرطوا الثخانة بحيث لا يصل الماء وإمكان تتابع المشي وهكذا في فروع الحنابلة من النيل والروض وسيأتي مذهب الحنفية قريبًا.","vol":"1","page":133},{"text":"والثاني (١) مذهب الإمام الهمام رضي الله تعالى عنه وهو جواز المسح عليهما إذا كانا ثخينين ومنعلين وإذا عدم وصف منهما لم يجز وإن وجد الآخر، والحاصل اشتراط اتصافه بكل من الثخانة والتنعل.\nوالثالث مذهب صاحبيه والشافعي وأحمد وإسحاق من جوازه إذا كانا ثخينين أو منعلين، وحاصل هذا الأخير أن كلًا من الثخانة كاف لجواز المسح عليهما فكل من أصحاب المذاهب الثلاثة ذهب بالرواية على حسب ما يوافق رأيه فقال الظاهرية: إن الواو على ظاهرها وهو ظاهر، وقال الإمام الهمام: الواو بمعنى مع أي مسح عليهما مع كونهما منعلين فلا يكفي أحد الوصفين بانفراده ولا يخفى أن جواز تخلل العاطف بين الأوصاف المتعددة للشيء الواحد كالشريعة المتفقهة عليها فلا يبعد إبقاء الواو على أصلها ويلتزم أنها متخللة بين وصفي موصوف واحد ويشهد له من كلامهم ما في اشتهاره استغناء عن ذكره وتكراره وقالت البقية معنى الحديث أنه رضي الله تعالى عنه مسح على الجوربين ومن المعلوم المتفق عليه بين أصحاب\n_________\n(١) وتوضيح مسلك الحنفية كما في الدر المختار «أو جوربيه» ولو من غزل أو الشعر «الثخينين» ويثبت على الساق بنفسه ولا يرى ما تحته ولا يشف «والمنعلين والمجلدين» انتهى، قال ابن عابدين قوله الثخينين أي الذين ليسا مجلدين ولا منعلين وهذا التقييد مستفاد من عطف ما بعده عليه وما ذكره المصنف من جوازه على المجلد والمنعل متفق عليه عندنا، وأما الثخين فهو قولهما وعنه أنه رجع إليه وعليه الفتوى، كذا في الهداية وأكثر الكتب، وفي حاشية أخي جلبي: إن التقييد بالثخين مخرج لغير الثخين ولو مجلدًا ولم يتعرض له أحد قال والذي تلخص عندي أنه لا يجوز المسح عليه إذا جلد أسفله فقط لأن منشأ الاختلاف بين الإمام وصاحبيه اكتفائهما بمجرد الثخانة وعدم اكتفائه بها بل لا بد عنده مع الثخانة من النعل أو الجلد، انتهى.","vol":"1","page":134},{"text":"الاجتهاد والذين على آرائهم تعويل واعتماد أن المسح لا يجوز إلا على الثخينين فوجب تقييده لئلا يلزم مخالفة قضية الإجماع وبقى قوله «نعلين» بمعنى منعلين على انفراده فلزم القول بجواز المسح عليهما إذا كانا منعلين وإن لم يكونا ثخينين لما في الرواية من التصريح به فأما المعنى (١) الذي ذكرناه قبل الكل فلا يخفى موافقته لرأي أصحاب المذاهب كلها فأفهم إذ لا ضير فيه وغاية ما يلزم فيه انقطاع أثر الأنامل بشراك النعل أو سيورها ولا يلزم ترك واجب بل ولا مستحب إذ المسح المسنون قد حصل قبل هذا، ولهذا الحديث معنى آخر (٢) وهو أنه ﷺ مسح على الجوربين ومسح على النعلين لكنه ليس مما ذهب إليه غير أهل الظاهر وهو منسوخ عندنا والله ولي التوفيق.\n\n[باب المسح على الجوربين (٣) والعمامة] هذا (٤) الذي يروي من المسح على العمامة يجب حمله على ما في بعض طرق تلك الرواية من أنه ﵊\n_________\n(١) وهو الذي ليس فيه النعل بمعنى المنعل ويكون المعنى على هذا التقدير أن النبي ﷺ مسح على الجوربين مع أنه كان لابسًا نعليه.\n(٢) قلت: وللحديث معنى آخر بعيد من الكل وهو أنه يرجع إلى أحاديث مسح القدمين مجازًا بإرادة الحال بذكر المحل وعلى هذا فهو مؤول عند الكل بأن يراد بالمسح الغسل الخفيف ذكره أبو الطيب المدني.\n(٣) قد سبق التبويب بذلك قبله ولا ذكر له في حديث الباب ولا يوجد ذلك في بعض النسخ ولم يذكره ابن العربي في ترجمته فالأوجه حذفه وللتأويل فيه مساغ.\n(٤) قال مولانا عبد الحي في التعليق الممجد: اختلفت فيه الآثار فروى عن النبي ﷺ أنه مسح على عمامته من حديث عمرو بن أمية وبلال وابن مغيرة بن شعبة وأنس، وكلمها معلولة، انتهى.\nقلت: ومن قال بذلك صحح بعضها.","vol":"1","page":135},{"text":"مسح على ناصيته وعمامته ولا يلزم مخالفة (١) المذاهب كلها ومخالفة الروايات\n_________\n(١) هذا مشكل لأن مذهب بعض الصحابة والتابعين وأحمد وداؤد جواز المسح على العمامة يدون الناصية كما صرح به ابن قدامة وغيره مع الاختلاف فيما بينهم هل يحتاج الماسح على العمامة إلى لبسها على طهارة أم لا وهل فيه توقيت أم لا وهل يحتاج إلى تعميم الرأس أم لا وغير ذلك قال ابن قدامة: ومن شرط جواز المسح على العمامة أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين فإن كان تحت العمامة فلنسوة يظهر بعضها فالظاهر جواز المسح عليهما لأنهما صارا كالعمامة الواحدة ومن شرط الجواز أيضًا أن تكون على صفة عمائم المسلمين بأن يكون تحت الحنك منها شيء أو يكون لها ذوابة وإن لم يكن هذا ولا ذا لم يجز المسح لأنها على صفة عمائم أهل الذمة وإن كان بعض الرأس مكشوفًا مما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس يمسح المكشوف أيضًا لحديث المغيرة بالمسح على الناصية والعمامة وجوبًا أو ندبًا وجهان: وهل يجب استيعاب العمامة بالمسح وجهان، والتوقيت في مسحها كالتوقيت في المسح على الخف، انتهى مختصرًا، ومذهب الجمهور كما قاله الحافظ في الفتح عدم جواز الاقتصار على مسح العمامة وبه قالت الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن المبارك وعروة والقاسم والشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان وغيرهم، قال الترمذي: وهو قول غير واحد من الصحابة، قال ابن رسلان: مذهب الشافعي لا يجوز الاقتصار على العمامة بلا خلاف عند أصحابه وأجابوا عن الحديث بأن فيه اختصارًا والمراد مسح الناصية والعمامة كما في حديث المغيرة فإن قيل كيف يظن بالراوي حذف مثلها يقال إنه كان معلومًا عندهم، وقال الخطابي: فرض الله المسح وحديث المسح على العمامة محتمل التأويل فلا يترك المتيقن بالمحتمل، وقال الحافظ اختلف السلف في معنى الحديث فقيل إنه كمل عليها بعد مسح الناصية وفي رواية مسلم ما يدل على ذلك، قال العيني أوله البعض بأن المراد ما تحته من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل وأوله البعض بأن الراوي كان بعيدًا فتوهم، وقال عياض أحسن ما حمله عليه أصحابنا لعله كان لمرض منعه كشف رأسه فصارت العمامة كالجبيرة، انتهى، قلت: وأحسن الأجوبة عندي أن مسح الرأس قطعي لا يترك بأخبار الآحاد حتى يأتي كأحاديث المسح على الخفين إلا أن الاستيعاب سنة يكفي لها أحاديث مسح العمامة أفاده الشيخ الوالد.","vol":"1","page":136},{"text":"الصحيحة أيضًا ويبطل موجب الكتاب الذي هو مسح الرأس لا ما يستره، فأما أن يجاب عنه بأن كان زائدًا على أصل الفرض فكان قد مسح عمامته بعد مسح مقدار الفرض من رأسه فلا يخفى أن المسح على العمامة إن كان اتفاقًا بأن يكون قصده ﷺ تسوية العمامة فظنه الراوي مسحًا فلا بعد فيه وإن كان المعنى أنه ﷺ مسح عليها قصدًا فهو غير معقول المعنى لكونه إكمالًا في غير محله هذا ما هنا وقد وجهه (١) الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده بما ذكرناه في تعليقات أبي داؤد (٢) فانتظره فإنه أدق وألطف وإن أجاب أحد عن أصل الأشكال\n_________\n(١) ولا يتوهم منه تقدم درس أبي داؤد عل الترمذي فإنه قدس سره نبه بذلك عند التبيض بعد ختم الكتب كلها.\n(٢) قلت: ذكر حضرة الشيخ في تقرير أبي داؤد عدة توجيهات لم تذكر ههنا والذي أشار إليها بقوله أدق وألطف ما ذكره بقوله أو المراد المسح على الناصية ومقدار الفرض من الرأس وإتمام باقي المسح على العمائم فإن الله ﵎ وضع في الطاعات والعبادات وشروطها وأركانها آثارًا وبركات لها عند الله مقادير فبإتيان ما ناب مناسب بعضها وإن لم يحصل كل ما كان يترتب على الأصل كملًا ولكنه لا ينكر حصول شيء منها ولذلك نظار وأمثال لا تخفى بعد التأمل أما في الشرعيات فاستلام الحجر الأسود فإنه عند تعذره ينوب عند لمس العصا بل الإشارة، وأما في الحسيات فالضرب على الجسم اللابس أثوابًا فإنه وإن لم يفد مفاد الضرب على الجسم العاري عن الملابس إلا أنه لا شك أنه لا يخلو عن إيلام فلما كان كذلك أمكن أن يصير المسح على العمامة بدلًا من إتمام مسح الرأس وعائدًا على الماسح ببعض ما وضع الله ﵎ فيه فلا يمكن أن يقال لما لم تكن محل فرض كان المسح على العمامة لغوًا كيف وقد تأيد ذلك بفعله ﷺ وأمره إياهم غاية الأمر أن الاكتفاء بالمسح على العمامة لما كان مخالفًا للآية والمشهور من الرواية قلنا بوجوب مسح الناصية مع المسح على العمامة، انتهى.","vol":"1","page":137},{"text":"بأن ذلك كان قبل تزول المائدة لكان له وجه صحة أيضًا إلا أنه يرد عليه ما ورد في غير حديث أنه ﷺ قال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي فإن المشار إليه ثمة كل ما هو مشروع منه يومنا هذا من غير استثناء ويبطله اتفاقهم على وجوب الصلوات بمكة وأن المائدة مدنية وأن سنة الوضوء متلقاة من شريعة من قبلنا وأن فائدة إنزال الآية التوكيد وأمثاله لا إفادة الحكم باشتراط الطهارة فإن كأنه حاصلًا من قبل.\n[سمعت أحمد بن حنبل إلخ] أراد بذلك توثيق يحيى بن سعيد المذكور في الرواية المارة من قبل لئلا يظن به سوء حفظ وعدم إتقان وغيره لإتيانه بالرواية على ما يخالفه رواية الثقات ويرده اتفاق الروايات والآيات.\n[وهو قول غير واحد إلخ] أي المسح على العمامة بعد المسح على الناصية (١)\n_________\n(١) قد عرفت فيما سبق أن هذا البعض لم يقولوا بمسح الناصية بل قالوا بجواز الاكتفاء على مسح العمامة ولعل الباعث للشيخ على هذا الكلام قول الترمذي إن هذا البعض قالوا بحديث المغيرة، وفي حديثه مسح العمامة والناصية معًا نعم الذين قالوا بعدم كفاية المسح عليها اختلفوا في ذلك فأنكره المالكية مطلقًا وصرح الشافعية قاطبة بأن السنة تتأدى بإكمال المسح على العمامة والحنفية لم أر التصريح في كتبهم بذلك لكن أشار ابن العربي إلى اتفاق الحنفية والشافعية وإليه يشير ما تقدم عن تقرير الشيخ علي أبي داؤد.","vol":"1","page":138},{"text":"فإن كانوا أرادوا به الجواز فلا شك أنه لا يعد بذلك آثمًا إلا إذا رآه سنة وإن قصد أنه مشروع في الجملة ورد عليه ما قلنا من كونه إكمالًا في غير محله فلا يعتبر، وأما على ما ذكرناه في تعليقات أبي داؤد فقد عرفت أن له وجهًا.\n[والخمار] أراد بالخمار (١) ههنا ما يستر الرأس فيصدق على العمامة وغيرها أو يكون أراد به العمامة نفسها بجامع اشتماله على الرأس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>[باب ما جاء في الغسل من الجنابة]</span>\n\n[ثم دلك بيده الحائط أو الأرض] هذا الدلك (٢) للمبالغة في التنظيف بإزالة\n_________\n(١) قال أبو الطيب عن النووي: أراد بالخمار ههنا العمامة لأنها تخمر الرأس أي تغطيه، وقال السيوطي عن النهاية أراد بالخمار العمامة لأن الرجل يغطي بها رأسه كما أن المرأة تغطيه بخمارها وذلك إذا كان قد اعتم عمامة العرب فأدارها تحت الحنك فلا يستطيع نزعها في كل وقت فيصير كالخفين، انتهى. قال ابن العربي: الخمار نقطة غريبة عن الذي تستر به المرأة رأسها وهو كالعمامة للرجل ولم أجده مستعملًا للرجل إلا في هذا الحديث وإن اقتضاه الاشتقاق لأنه من التخمر وهو الستر، انتهى، قلت: ويحتمل أن يكون المراد بالخمار أصل معناها خمار المرأة، قال ابن قدامة: وفي مسح المرأة على مقنعتها روايتان إحداهما يجوز لهذا الحديث ولأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، والثانية لا يجوز المسح فإن أحمد سئل كيف تمسح المرأة على خمارها قال من تحت الخمار ولا تمسح على الخمار.\n(٢) كتب والدي المرحوم فيما علقه على أبي داؤد من تقرير شيخه نور الله مرقدهما تقريرًا أنيقًا فأجاد وحكاه شيخنا في البذل في باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى فأرجع إليه، وقال ابن العربي في هذا رد على الشافعي في قوله أن المني طاهر وأن رطوبة فرج المرأة طاهرة لأنهما لو كانا طاهرين لما بدأ بغسلهما ولا احتاج إلى ذلك.","vol":"1","page":139},{"text":"ما عسى أن يبقى شيء من الدسومة بعد زوال عين النجس ليكون أبعد من الكراهة والتنفر في غسل سائر الأعضاء لا سيما المضمضة والاستنشاق.\n[ولم يتوضأ أجزأه] يعني عن فرض الغسل لا تحصيل الطهارة عن الحدث الأصغر فإن الترتيب (١) المفروض عند هؤلاء لم يحصل على هذا التقرير ولا يبعد أن يكونوا قائلين بأجزاء الانغماس واللبث فيه عن فرضية الترتيب فإن علمائنا رحمهم الله تعالى صرحوا بأن المغتسل إذا دخل الماء ولبث فيه قدر ما يمكن فيه من إتيان الترتيب أجزأه ذلك عن سنة الترتيب (٢) وكذلك إذا انتقل فيه من موضع ماء إلى غيره أجزأه عن سنة الغسل فلا يبعد القول بمثل ذلك من هؤلاء الذين ذهبوا\n_________\n(١) قلت: لا شك أن الترتيب في الوضوء واجب عند الشافعية والمشهور من روايتي أحمد وغير المشهور من روايتي مالك والمشهور عنه وهي رواية أخرى عن أحمد ومذهب الحنفية أن الترتيب في الوضوء سنة، هكذا في الأوجز، وأما الترتيب في الغسل فأجمعوا على أنه ليس بواجب صرح بذلك جمع من الشراح الزرقاني وغيره، وكذلك أهل الفروع ففي شرح الإقناع: لو اغتسل محدث حدث الأصغر بنية يكفي لرفع الحدث صح وإن لم يمكث قدر الترتيب لأنه رفع أعلى الحدتين فلا صغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات لطيفة، انتهى، وفي المعنى، لا يجب الترتيب ولا الموالاة في أعضاء الوضوء إذ قلنا الغسل يجزئ عنهما لأنهما عبادتان دخلت إحداها في الأخرى.\n(٢) ففي الدر المختار قالوا: لو مكث في ماء جار أو حوض كبير أو مطر قدر الوضوء والغسل فقد أكمل السنة، انتهى.","vol":"1","page":140},{"text":"إلى افتراض الترتيب وعلى هذا فالأجزاء كامل مع أداء السنة والفريضة معًا وعلى الأول وإن أجزاه عن الفريضة إلا أن السنة لم تتحصل.\n[إنما يكفيك] هذا بمنزلة الاستثناء من عموم قوله ﷺ تحت كل شعرة جنابة فإن أم سلمة رضي الله تعالى عنها لما علمت بذلك، وعلمت أن فيه حرجًا سألته ﷺ عن ذلك فقال: إنما ذلك الرجال (١) لا لكن، وهذا لأن الحرج مدفوع وفي إيجاب النقض على المرأة حرج بخلاف الرجل مع أن الخطاب في قوله يكفيك للمرأة فيخص الاستثناء بها إذ لا ضرورة في غيرها، والضرورة هي التي نيط بها الترخص، والحاصل أن الأجزاء من غير أن يغسل شعرة شعرة لما خالف القياس لا من كل وجه عدى إلى نوعه، ولولا أنه يخالف القياس من وجه لعدى إلى كل مكلف، ولولا أنه موافق له من وجه لما عدى إلى غير أم سلمة رضي الله تعالى عنها ولأختص بها حملًا بكاف الخطاب على التخصيص إلا أن الخصوص ههنا نوعي لا شخصي وإليه يشير قول المؤلف فيما بعد أن المرأة إذا اغتسلت إلخ.\n_________\n(١) أي في المرجح عند الحنفية وتوضيح ذلك كما بسط في الأوجز: إن الأئمة الأربعة متفقة في أن المرأة لا تنقض رأسها في غسل الجنابة وكذلك في غسل المحيض على ما حكاه الزرقاني وهو المشهور من روايتي أحمد وبه قال الجمهور، وأما الرجل فكذلك عندهم صرح بذلك ابن رسلان وابن قدامة والدردير، والروايات عندنا الحنفية مختلفة كما في هوامش الهداية والشامي وفي الدر المختار لا يكفي بل ضفيرته فينقضها وجوبًا ولو علويًا أو تركيًا لإمكان حلقه، قال ابن عابدين هو الصحيح، قلت: ويؤيد ذلك ما قرره الشيخ ﵀ والتفريق بين الرجل والمرأة نص رواية ثوبان عند أبي داؤد مرفوعًا، قال الشوكاني أكثر ما علل به أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته عن الشاميين وهو قوي فيهم فيقبل، انتهى، قلت: وهو مؤيد بعدة روايات.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>[باب ما جاء أن تحت كل شعر جنابة]</span>\nقوله [شيخ] الشيخ ههنا بمعنى العالم (١) لا الشيخ اللغوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>[باب ما جاء إذا التقى الختانان إلخ]</span>\nالختان موضع الختنة من الرجل والمرأة، وهو من الرجل (٢) ما إذا قطع ظهرت الحشفة لا محالة وقد زيد في\n_________\n(١) قلت: وعلى هذا فلا يرد على المصنف ما أورده بعضهم أن الشيخ من ألفاظ التعديل، وأجاب عنه أبو الطيب بأن المراد منه معناه اللغوي أي الكبير وبسط الكلام عليه القارئ: فقال ظاهره يقتضي أن قوله شيخ للجرح وهو مخالف لما عليه عامة أصحاب الجرح والتعديل إلا أنهم قالوا بقربه من ألفاظ الجرح فيحمل على الجرح بقرينة مقارنة وهو قوله ليس بذاك أو يقال لا بد من كون الرجل ثقة من شيئين العدالة والضبط فيجوز أن يعدل باعتبار صفة ويجرح بأخرى، انتهى مختصرًا، والجملة أن الحديث ضعفه الترمذي وغيره لكنه مؤيد بما حكاه الشوكاني عن الدارقطني في العلل إنما يروي هذا عن مالك بن دينار عن الحسن مرسلًا ورواه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس عن الحسن قال: نبئت أن رسول الله ﷺ فذكره ورواه أبان العطار عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة من قوله، انتهى، قلت: فهذه كلها تقوية لحديث الباب، ويؤيده أيضًا حديث علي أخرجه أحمد وأبو داؤد مرفوعًا من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار، وصحح إسناده الحافظ، وقال ابن العربي صح من حديث عائشة في صفة غسله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل يده في الإناء فيخلل شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة وأنقى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثًا فإذا بقيت فضلة صبها عليه.\n(٢) ومن المرأة قطع جلدة في أعلى الفرج على ثقب البول كعرف الديك يقال له في اللغة الخفاض وأطلق الختانان تغليبًا مجازًا.","vol":"1","page":142},{"text":"بعض الروايات كلمة «وغابت الحشفة» وعلى كل تقدير فالسبب فيه إقامة الداعي مقام المدعو والسبب مقام المسبب فالتقاء الختانين لما كان في غالب أمرهم يتسبب إلى خروج المني وهو نفسه يتغيب عن البصر. والزمان زمان التلذاذ واضطراب، فلعله لا يحس بخروجه لذهوله عن مثل هذه الأمور في أمثال تلك الحالات أقيم هذا مقام ذاك تيسيرًا على (١) العباد واحتياطًا في العبادات، وربما يتوهم أن الرواية التي اكتفى فيها بلفظ الالتقاء تخالف ما ورد فيها لفظ المجاوزة فإن الأولى منهما توجب الغسل حيث لا توجبه الثانية، وذلك لأن الالتقاء لا يتوقف على المجاوزة والمجاوزة لا تتصور بدونه، ولعل الجواب أن رواية المجاوزة لا تدافع رواية الالتقاء بل هي ساكتة عن وجوب الغسل بنفس الالتقاء، ورواية الالتقاء تؤكد رواية المجاوزة إذ هي لا تتحقق دونه ولما لم تكن مدافعة بين الأسباب لم تحمل على المقيد بالمجاوزة فكان وجوب الغسل بالمجاوزة ثابتًا بالروايتين معًا والوجوب بالالتقاء ثابتًا بإحداهما، فلا خلاف بين مفهوميتها ولا شقاق والروايتان توجبان الغسل بالمجاوزة على الاتفاق، ومما ينبغي أن يعلم أن دخول الحشفة لازم على التقديرين لما قدمنا أن قطع موضع الختان يبرز الحشفة فالتقاء الختانين لا يتصور (٢) من دون دخولها، وبذلك يعلم أن الغسل لا يجب بإدخال\n_________\n(١) وكانت المسألة خلافية بين الصحابة حتى تحتم عمر ﵁ بعد مشاورة الصحابة وسؤال الأزواج المطهرات إيجاب الغسل بمجاوزة الختان الختان، وقال: لا أوتي بأحد فعله ولم يغتسل إلا أنهكته، فأنعقد الإجماع بعد ذلك، وما خالف فيه إلا داؤد ولم يلتفتوا إلى خلافه كذا في الأوجز، واختلفوا في مسلك البخاري إلى أي المذهبين مال فقيل وقيل ومحله تقرير البخاري، وكذلك ما حكى فيه الحافظ من خلاف بعض التابعين لم يعبأوا به ولذا حكى فيه الإجماع جمع من الشراح.\n(٢) أي عادة فلو وضع أحد ختانه على خفاضها بحيث تلاقي ولم يولجه فيها فلا غسل إجماعًا صرح بذلك جمع من الشراح.","vol":"1","page":143},{"text":"بعضها لعدم موجب الغسل فبقى المرء على طهره كما هو الأصل وليس ذلك استدلالًا بالعدم، ثم لا يبعد القول بأن إيراد المؤلف رواية المجاوزة بعد عقد الباب بلفظ الالتقاء إشارة إلى ما ذكرنا من اتفاق مدلوليهما ويشهد له رواية المجاورة بالراء المهملة.\n[إنما الماء من الماء في الاحتلام (١)] هذا يحتمل معنيين أحدهما أنه وإن كان معمولًا به في أول الإسلام إلا أنه لم يبق حكمه اليوم إلا في الاحتلام، فإن المحتلم إذا رأى ما يريبه ثم لم ير بللا لم يوجب ذلك غسلًا فإن الماء من الماء لا غير، والثاني أنه لم يرد به في الحديث إلا ذاك قبلًا وبعدًا غير أن الناس حملوه على النوم واليقظة معًا ثم لما تبين مراده ﷺ اقتصر على النوم للعلم بأن ذلك مراده ﷺ إلا أن هذا التأويل الأخير يرده صريح روايات الصحاح فإن فيها تنصيصًا على أنه ﷺ قررهم على ما فهموه من التعميم وهذا في غير رواية، ومع هذا فباب التأويل مفتوح بعد بسعته كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد إلا أن التأويل بعضه قريب وبعضه بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[باب في من يستيقظ ويرى بللا]</span>\n.\n[عبد الله بن عمر إلخ] هما أخوان (٢) كان الأول منهما عابدًا زاهدًا\n_________\n(١) والجملة أن الجمهور بعد ما قالوا بإيجاب الغسل بالتقاء الختانين اختلفوا في حديث الباب فقيل منسوخ لصريح حديث أبي بن كعب وبه قال جمع من المشايخ، وقيل هو في الاحتلام وقيل في المباشرة كما ذكره ابن رسلان، أو المراد الأعم من الماء الحقيقي والحكمي وهو الإيلاج كما قرره الشيخ في أبي داؤد.\n(٢) يعني عبد الله مكبرًا وعبيد الله مصغرًا كلاهما أخوان، أما الأول فمن رواة مسلم والأربعة، قال ابنن حبان كان ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط فاستحق الترك وفي التقريب: ضعيف عابد، وأما الثاني فمن رواة الستة ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع كذا في التقريب.","vol":"1","page":144},{"text":"ورعًا مجاهدًا لنفس فساء حفظه والآخر كان حافظًا متقنًا وأبوهما عمر هو ابن حفص بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم.\n[إذا استيقظ الرجل فرأى بلة إلخ] المذهب (١) عندنا أن المحتلم إذا تيقن بكون البلل منيًا أو ظن به أوجب الغسل وإلا فلا ولا ينافيه إطلاقه ﷺ في لفظ البلل وذلك لأن المسئول عنه إنما هي بلة المني لا غير فالتخصيص بكونه منيًا ناش عن قرينة المقام لا بالرأي فقط إذ لا يمكن أن يتوهم أحد وجوب الغسل على من استيقظ وفي ثوبه بلل بول فكذا المذي نعم ذهب بعضهم إلى وجوب الغسل بالمذي في مثل هذا بناء على الاحتياط في أمر العبادة، وأما الذي ذهب إليه بعضهم (٢) من وجوب الغسل على المرأة إذ تذكرت حلمًا وإن لم تر بللًا لاحتمال أنه وصل إلى رحمها أو لاحتمال أنه خرج ثم عاد فأمر لا ينبغي أن يعول عليه وذلك لأنه مجرد احتمال فلا يزول به الطهارة المتيقنة بها مع أن المناط فيه الخروج من الفرج ولم يوجد على سبيل اليقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[باب ما جاء في المني والمذي]</span>\n.\n_________\n(١) المسألة فروعها كثيرة الأذيال والجملة أن ههنا ثلاث صور، الأولى من رأى في المنام الاحتلام ولم يجد بللًا لا غسل عليه إجماعًا حكى عليه الإجماع ابن المنذر وتبعه ابن قدامة وغيرهما إلا ما سيأتي في كلام الشيخ من استثناء المرأة على قول بعض، والثانية من انتبه فرأى منيًا فعليه الغسل، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا أيضًا، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وغيرهم، قلت: لكن حكى ابن رسلان فيه خلاف الشافعي فقال لا يجب عنده الغسل حتى يذكر بعد التنبه من النوم أنه جامع أحدًا في النوم، والثالثة أنه رأى بللًا ولا يعلم هو مني أو مذي فهو مختلف بين الأئمة جدًا حتى عند الحنفية أيضًا فذكر ابن عابدين أربعة عشر صورًا للمسألة.\n(٢) ذكر هذا القول الحلبي في شرح المنية.","vol":"1","page":145},{"text":"[عن علي قال سألت إلخ] قد اختلفت (١) الروايات في تلك القصة حيث أسند السؤال إلى علي والمقداد، والجواب أن الذي تكلم معه ﷺ هو المقداد وكان السبب الحامل عليه علي رضي الله تعالى عنه فإسناد السؤال إلى أحدهما حقيقة وإلى الآخر مجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>[باب في المذي في الثوب، فقال بعضهم لا يجزئ إلا الغسل]</span>\nوهذا الاختلاف عائد (٢) إلى اختلاف أحوال الرجال بحسب غلظ المذي ورقته فيفتقر في إزالة\n_________\n(١) قلت: بقى فيه شيء وهو نسبة السؤال في بعض الروايات إلى عمار كما في النسائي وغيره وبسط العيني اختلاف الروايات في ذلك واختلفوا في الجمع بينها فجمع ابن حبان بأن عليًا أمر عمارًا أن يسأل ثم أمر المقداد ثم سأل بنفسه، قال الحافظ هو جمع حسن إلا آخره فيخالفه قوله وأنا استحيى فتعين حمله على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأله لكونه الآمر بذلك وبه جزم الإسماعيلي والنووي وجمع بعضهم بأن السؤال بالواسطة كان لخصوص نفسه وباشر نفسه بمطلق حكم المذي وقيل غير ذلك بسطه في الأوجز.\n(٢) ما أفاد الشيخ من عود اختلاف القولين إلى اختلاف الأحوال مبني على ما قاله النووي وغيره من جمهور الشراح من أن النضح في الحديث بمعنى الغسل الخفيف وهو متعارف في معنى النضج وإذا أخذ بهذا القول فلا شك في أن الاختلاف يؤول إلى ما أفاده الشيخ لكن الوجه عندي أن ما ذكره الترمذي من الخلاف حقيقي فإن المشهور من روايتي الإمام أحمد أن النضح بمعنى الرش يكفي عنده للمذي في الثوب لهذا الحديث كما بسط في محله وما قاله النووي وغيره من شراح الحديث في معناه مبني على تأويلهم الحديث إلى مسلكهم وهو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور وهو إحدى روايتي أحمد أن المذي لا بد من غسله كسائر النجاسات فالنضج في الحديث بمعنى الغسل الخفيف عندهم.","vol":"1","page":146},{"text":"الأول بحسب معالجة الشدة بما لا يفتقر إليه في الثاني، وفي لفظ الحديث إشارة ما إلى ذلك حيث خص الخطاب بعلي ولم يعمم لعلمه من حاله ما أوجب له هذا الحكم لا غير، فكل من كان ممن يكثر ورود المذي فيه كفاه ذلك لحصول المقصود وكذلك من ليس بمثابته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>[باب في المني يصيب الثوب، صفراء]</span>\nمن غير عصفر أو زعفران فإن باقي الألوان لا ضير في استعمالها للرجال كما هو المذهب المنصور.\n[وحديث الأعمش أصح] أي من حديث أبي معشر حيث وضع الأسود موضع همام وما كتبه (١) بين السطور خطأ ومما ينبغي أن ينتبه له أن الاختلاف بين أئمتنا الحنفيين والشافعي رحمهم الله تعالى في نجاسة المني وطهارته مبني على أصل آخر مختلف فيه بيننا وبينهم وذلك أنه رضي الله تعالى عنه لم يجوز الصلاة إذا تلبس المصلي بشيء من النجاسات قليلًا كان أو كثيرًا فليس عنده العفو في شيء من النجاسات وأثبته الإمام رضي الله تعالى عنه في النجس المغلظ قدر الدرهم وفي المخفف أقل من ربع الثوب كما هو مبسوط في كتب مذهبه فإذا كان كذلك كان التلبس ببعض تلك الأشياء حيثما ثبت لا يمنع الحكم بنجاسته عند الإمام بخلاف الشافعي رحمه الله تعالى وذلك لأن الإمام يحمله على أنه أقل من القدر المانع ولا يمكن هذا الحمل عند الشافعي رحمه الله تعالى فإذا ثبت من الروايات بما فيه كثرة أنه ﷺ اكتفى فيه بالمسح والقرص والفرك والحك والحت، ومن المعلوم أنه غير مقلع وإنما (٢) أثره التقليل لا غير كما هو ظاهر فلزم القول بطهارته (٣)\n_________\n(١) يعني قوله من حديث منصور لأن أصحيته ليس على حديثه بل على حديث أبي معشر وما ذكره من وجه الأصحية مشكل لأن لحديث أبي معشر أيضًا متابعات فتأمل وذكر الشيخ في البذل بعد ذكر الاختلاف على إبراهيم أن كل هؤلاء حفاظ وثقات لا يقدح هذا الاختلاف في حديثهم فثبت أن إبراهيم روى عنهما جميعًا.\n(٢) قال ابن قدامة: والمعنى فيه أن الفرك يراد للتخفيف إلخ، وكذا قال غيره لكن يظهر من فروع الحنفية أنهم قالوا بكونه مطهرًا ولذا صرح صاحب الدر المختار بأنه لا يعود نجسًا بعد الفرك على المعتمد فتأمل.\n(٣) ولذا استدل الشافعية ومن وافقهم بأحاديث الفرك على الطهارة.","vol":"1","page":147},{"text":"فيمن لم يجوز الصلاة بملابسة شيء منها وإن قل، وأما الإمام (١) ومن تبعه فلما لم يكن هذا من أصوله لم يلزمه القول بطهارته ومما لا ينبغي أن يغفل عنه أن الاكتفاء بالفرك إنما هو الثياب (٢) وأمثالها لا البدن، أما أولًا فلأن الرواية إنما وردت في الثوب لا في البدن فلا تتعدى موردها مع أن الثوب ليس في معنى البدن حتى يلتحق أحدهما بالآخر، وأما ثانيًا فلأن حرارة البدن جاذبة فلا يعود ما انجذب منه في الجلد إلى جرمه مع أن الإزالة على تقدير عوده إليه إنما يكون بالفرك ولا يمكن فرك البدن، وقيل (٣) بل البدن يطهر أيضًا بالفرك واستظهر\n_________\n(١) وتوضيح مسالك الأئمة في ذلك أنه نجس عند الحنفية قولًا واحدًا ويعفي عن قليله ويكفي فرك يابسه وكذلك هو نجس عند مالك ولا بد من غسله رطبًا ويابسًا واختلفت الروايات عن أحمد فالمشهور عنه أنه ظاهر وعنه أنه كالدم أي نجس ويعفى عن يسيره وعنه أنه لا يعفى عن يسيره ويجزئ فرك يابسه على كل، وكذلك اختلفت الروايات عن الشافعية فالمشهور أنه طاهر، والثاني أن مني الرجل طاهر دون المرأة، والثالثة كلاهما نجسان ونسب النووي هذين القولين إلى الشذوذ، كذا في الأوجز.\n(٢) كما حكاه صاحب الهداية عن الإمام فقال: ولو أصاب البدن قال مشايخنا: يطهر بالفرك لأن البلوى فيه أشد وعن أبي حنيفة أنه لا يطهر إلا بالغسل لأن حرارة البدن جاذبة فلا يعود إلى الجزم والبدن لا يمكن فركه، انتهى.\n(٣) رجح هذا القول صاحب الدر المختار فقال بلا فرق بين منيه ومنيها ولا بين ثوب وبدن على الظاهر، انتهى.","vol":"1","page":148},{"text":"بدلالة النص فإن البلوى والضرورة في البدن أشد منه في الثياب واستبدل بالفرك الدلك لقريه منه ثم إن هذا كله (١) إذا لم يتلطخ رأس الذكر بشيء من النجاسات الآخر كالبول ونحوه فإنه إذا تنجس بشيء من تلك لم يطهر بالفرك ثوبًا كان أو غيره فإن التخفيف والاكتفاء بالفرك ثبت في المني لا غير على خلاف القياس فلا يمكن الحكم بطهارته بالفرك فيما لم يرو فيه النص ويشكل عليه ما يروى (٢) من أن كل فحل يمذي ثم يمني فلم يكن المذي منفكًا عن المني وقت خروجه إذا الرواية صرحت بأن المني لا يخرج إلا وقد خرج المذي قبله فلا يتحقق للرخصة معنى لعدم مصداقه ويكون قول عائشة رضي الله تعالى عنها كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ محتاجًا إلى ضرب من التأويل وإلا لزم التطهير من غير المني أيضًا والاكتفاء فيه بالفرك، والجواب أن الإذن بالشيء يستلزم الإذن بلوازمه الغير المنفكة عنه فلما كان البول غير لازم للمني في خروجه والمذي لازمًا وقد عرف الشارع ذلك تم إذن بالاكتفاء بالفرك في المني علم منه أن هذا القدر من المذي معفو عنه تبعًا وإلا لأورث حرجًا ولا كذلك إذ كان المذي منفردًا من المني لا معه فإنه غير معفو عنه إذ ذاك فلا بد من الغسل إذًا ثم لا يذهب عليك أن الإجزاء بالفرك والحت وغيره في الغليظ منه لا الرقيق لأن الفرك فيه لا يأتي بفائدة من نحو التقليل والقلع وهو المقصود ولعلك عرفت مما هنا أن الشرع إنما رخص في الاكتفاء بالفرك في المني تخفيفًا منه ورخصة مع الحكم بنجاسته فلا يفهم منه طهارته، وأما قول ابن\n_________\n(١) صرح بذلك في الدر المختار وما ذكره الشيخ من الإشكال ذكره ابن الهمام وأشار إلى هذا الإشكال والجواب ابن عابدين.\n(٢) أما أول الحديث من قوله كل فحل يمذي فمشهور يروي من حديث عبد الله بن سعد ومعقل بن يسار وعلي ﵁ بسط طرقها الزيلعي وأما زيادة قوله ثم يمني لم أجدها إلا ما ذكره ابن الهمام وغيره من أهل الفروع من كلام شمس الإسلام فتأمل.","vol":"1","page":149},{"text":"عباس (١) رضي الله تعالى عنه فالمراد فيه التشبيه بما شبهه به في الاكتفاء فيهما بالفرك أو في زوالهما بالحك والحت أو في تقذر الطبع لهما معًا لا في الطهارة والنجاسة كيف وقد أمر هو نفسه بإزالته وأصل الأمر الوجوب ما لم يقم قرينة خلافه فلا يضر قوله لمن قصد إثبات نجاسته شيئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[باب الجنب ينام قبل أن يغتسل إل </span>خ] كأنه جعل النوم قبل الغسل مصدقًا بنوعين فإن النائم قبل الغسل إما أن لا يتوضأ أيضًا كما أنه لم يغتسل أو يكتفي بالوضوء ولا يغتسل فأورد المؤلف كلًا من هذين النوعين في الترجمتين وهذا بالنظر إلى نفس الروايات التي أوردها وأما رأيه (٢) ﵁ فلا يوافق إلا وجوب الوضوء أو استحبابه سيما في نقل فعله ﷺ وهذا الذي (٣) ذكره من نسبة الغلط إلى أبي إسحاق دون من أخذ منه مبني على أن الآخذين من أبي إسحاق كثيرون ممن لا يكاد العقل يجوز تطابقهم في الغلط مثل شعبة والأعمش والثوري وغيرهم فكان عزو الغلط إلى أبي إسحاق وحده أهون منه إلى هؤلاء بأسرهم وأنت تعلم أن المؤلف رحمه الله تعالى كان في سعة من ورد هذا الإشكال لو فعل إذ الروايتان لا يرد صدق إحداهما صدق الأخرى فأية ضرورة إلى القول بوهم أحد من الرواة مع إمكان الوجه الصحيح فإن عائشة رضي الله تعالى عنها يمكن أنها ذكرت للأسود كلًا من الأمرين إذ الظاهر أن النبي ﷺ وإن كان غالب أحواله النوم بعد الوضوء إلا أنه\n_________\n(١) هو ما ذكره شراح الهدلية: المني كالمخاط فأمطه عنك ولو بأذخر، انتهى، قلت: وقد روى بألفاظ مختلفة موقوفًا ومرفوعًا وحكى الترمذي بلفظ المني بمنزلة المخاط.\n(٢) كما يظهر من كلامه على حديث أبي إسحاق وترجيحه حديث الوضوء.\n(٣) ووافقه على ذلك أبو داؤد كما صرح به في سننه وغيره أيضًا كما ذكره الشيخ في البذل، وقال ابن مفوز: أجمع المحدثون أنه خطأ من ابن إسحاق وإن تعقب الحافظ الإجماع كما سيأتي.","vol":"1","page":150},{"text":"لا يبعد أن يكون فعل هذا (١) أيضًا بيانًا للجواز ولو مرة أو مرتين كيف وذكر كل من الأمرين لا يتوقف صحته على استغراق عادة هذا الأمر كان زمان من أزمنته ﷺ حتى يلزم التناقض بحمل كل منهما على الصحة (٢) فقد ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها في غير موضع من أفعاله ﷺ وعاداته في أحواله ما دل على أن الأمر كان واسعًا عنده ﷺ ولم يكن يلتزم شيئًا من أمثال هذه الأمور خوفًا من أن يثقل على أمته القيام به عينًا فقد قالت في قيام الليل أنه كان ينام ويصلي وفي وتره أنه أوتر من آخر الليل وأوسطه وأوله وفي نومه بعد الجنابة أنه نام قبل الغسل وبعده فأية استبعاد على أنه نام قبل الوضوء وهذا هو المذهب عندنا من أن النوم بعد الوضوء وإن كان يتضمن فضلًا ولا كذلك النوم دونه إلا أن ذلك لا يوجب إساءة وكراهة هذا ويحتمل (٣) أن يراد بمس الماء المنفي في الرواية المس الكامل الذي لا يغادر شيئًا من أجزاء جسمه المصدق بالغسل لا مطلقه الشامل لكل مس\n_________\n(١) وهذا هو الصواب كما بسطه الشيخ في البدل وبرهن عليه، وقال النووي: هو عندي حسن، قلت: ويؤيده ما روى الطبراني عن عائشة كان ﷺ إذا جامع بعض نسائه فقبل أن يقوم ضرب يده على الحائط وروى البيهقي عنها كان ﷺ إذا أجنب وأراد ان ينام توضأ أو تيمم وإسناده حسن قاله ابن رسلان، قال الشوكاني: ويجب الجمع بين الأدلة بحمل الأمر على الاستحباب ويؤيد ذلك أنه أخرج ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن عمر أنه سأل النبي ﷺ أينام أحدنا وهو جنب قال نعم ويتوضأ إن شاء.\n(٢) على أن الحديث صححه البيهقي وأبو عبد الله الحافظ وأبو الوليد وأبو العباس بن سريج كما حكى عنهم الشيخ في البذل.\n(٣) هذا توجيه ثان للجمع بين الروايتين وبهذا جمع البيهقي وحكاه عن أبي الوليد وهو عن أبي العباس بن سريج كما في البذل.","vol":"1","page":151},{"text":"المصدق بالوضوء والاستنجاء، وعلى هذا فلا يخالف هذه الرواية سائر الروايات لأن المنفى فيها حينئذ هو الغسل لا غير فلا ينافيه ثبوت الوضوء ونحوه في سائر الروايات وهذا وإن كان يستبعد فيما يبدو للناظر إلا أنه غير مستبعد نظرًا إلى محاوراتهم فكثيرًا ما يورد القصر على وجه العموم ولا يراد إلا القصر بالنسبة إلى من فهمه المخاطب متفردًا بالنسبة أو متشاركًا للمقصور عليه في ثبوت النسبة ومن ذلك قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «لا وضوء إلا من فساء أو ضراط» وقوله ﷺ إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضجعًا إلخ، وقوله إنما الماء من الماء مع اتفاق العلماء قاطبة على وجوب الغسل للحائض والنفساء إلى غير ذلك فأفهم.\n[أينام أحدنا وهو جنب قال نعم إذا إلخ] وهذا ندب إلى المندوب (١) المستحب لا أنه نفى لأصل الجواز كما قدمنا آنفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>[باب ما جاء في مصافحة الجنب]</span>\nوهذا وإن لم (٢) يذكره المؤلف ههنا إلا أنه مصرح (٣) به في تلك الرواية وبه تتم إيراده في هذا الباب والمنفى في قوله\n_________\n(١) أي عند الجمهور وبه قلنا وتوضيح مسالك الفقهاء في ذلك كما في الأجور أن الظاهرية وابن حبيب من المالكية قالوا بوجوبه والجمهور والأئمة الأربعة باستحبابه وما نقل ابن العربي عن مالك والشافعي أنه لا يجوز له أن ينام قبل أن يتوضأ أنكر عليه، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر وسائر الفقهاء لا يوجبونه وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، قال العيني: وذهب طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه وغسل ذكره ويديه وهو التنظيف وذلك يسمى عند العرب وضوءًا قالوا وابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل كما في الموطأ وهو روى الحديث وعلم مخرجه.\n(٢) يعني ذكر المصافحة فإن الرواية التي ذكرها المصنف في هذا الباب ليس فيها ذكر للمصافحة.\n(٣) ففي رواية للبخاري فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت فأتيت، الحديث.","vol":"1","page":152},{"text":"لا ينجس نجاسة لا يجوز معها مخالطة الناس ومصافحتهم والتكلم معهم والخروج في الأسواق وغير ذلك من المقاصد كما يظنه كثيرًا من العوام وليس المنفى النجاسة مطلقًا أعم من الحقيقي والحكمي كيف والنجاسة التي حرمت عليه قراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد غير منكرة ثم إن النبي ﷺ وإن كان قد أخذ بيده جنبًا ليمشي معه لكنه رضي الله تعالى عنه لما علم أنه ﵊ سيرضى بفعلي الذي أفعله لعلمه بأن النبي ﵇ يحب التطهر ويأمرنا به لا سيما حين نلقي أحد صلحاءنا ذهب من غير استئذان منه ﷺ ولم يعد هذا عصيانًا منه ومخالفة لأمره ﵊ ويستنبط من القصة وألفاظها مسائل.\nمنها جواز مصافحة الجنب الذي عقد الباب لأجله.\nومنها أن النجاسة لا تؤثر تلويثًا في غيره ولا تنجيسًا ما لم يكن ثمة نجس حقيقي وإلا لما أمكن أن يعطي أبو هريرة له ﷺ يده النجسة.\nومنها (١) جواز خروج الجنب لحوائجه في الأسواق والمشاهد إذ لو لم يجز لأنكر النبي ﷺ عليه خروجه من بيته جنبًا حين علم به.\nومنها جواز تأخير الغسل ما لم تحضر الصلاة.\nومنها جواز ترك الامتثال لأمر أحد من الأكابر إذا علم أنه وإن كان أمر بما أمر به صريحًا غير أنه لا يسخط على مخالفته ويرتضيه فإن الظاهر أنه ﵊ قصد مصاحبته له حين أخذ بيده لكنه لما علم رضاه في خلافه لم يبال بمخالفة هذا الأمر لعلمه أن هذه المخالفة لكونه خلافًا إلى خير لا يعد عصيانًا ولا يوجب سخطه ﵊ ولذا لم ينكر عليه انخناسه وسؤاله بقوله أين كنت يدل على ما قلنا من كونه معه ومصاحبته ومماشاته.\n_________\n(١) ولذا بوب البخاري في صحيحه على حديث الباب وغيره باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره واستنبط الحافظان بنحو هذه المسائل التي أفادها الشيخ.","vol":"1","page":153},{"text":"ومنها سؤال الرجل عمن صدر منه ما فيه مساغ للإنكار عذره فيه ليعتذر لو معقولًا ويبين له الصواب ويرشد إلى الحق أو يعزز على ما ارتكبه لو افتقر إليه.\nومنها أن لا يبادر إلى التعنيف ما لم يعلم باعثه على ما فعله.\nومنها جواز التكلم بين يدي الأكابر والعلماء ولو أئمة وخلفاء بأمثال تلك الأمور التي لا تستقبح شرعًا كيف ولو سكت أبو هريرة عن ذكره حياء لعد هذا عصيانًا منه حين يسأله النبي ﷺ وهو لا يجيبه، وبذلك علم أن ما شاع في جهلة زماننا من عد أمثال هذه الكلمات مع كبراءهم وقاحة حتى إن أحدهم يظل يومه جنبًا ولا يتمكن من الغسل حياء من أهل بيته وإن فاتته في ذلك صلاة أو صلوات فإنه يبعد عنه أن يغتسل وهو بمرئ من أعينهم أو بحيث يعلمون به ولو غيبًا وكان من قلة حيائه من ربه تعالى أنه عد قضاء فرض صلاته حياء مع أنه ليس في شيء منه وإنما كان ذلك حيلة من شيطانه تسبب بها إلى ارتكاب عصيانه وكاد يبلغ إلى أن يسلب عنه نور إيمان.\nومنها جواز الحكم على الشيء بلفظ أعم من المعنى المقصود إثباته ونفي الشيء عنه وإن لم ينتف غير نوع منه معلوم فإن قوله ﷺ إن المؤمن لا ينجس مع ما ثبت له من النجاسة المعتبرة عند الشرع بأنواعها الحدث والجنابة والحيض والنفاس بعضها فوق بعض حتى إنه حرم عليه في كثير منها قيامه بأكثر القربات مع تلبسه بها مشير إشارة ثابت مناب التصريح بأن الشيء كثيرًا ما يطلق على الشيء والمراد إثبات بعض أنواعه له وإنه كثيرًا ما ينتفي به بانتفاء بعض أنواعه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على العموم إلا أنه لا ضير فيه بعد حصول المقصود فإن من الظاهر الذي لا يكاد يستره ساتر أن المخاطب لا يلتبس عليه المراد بهذا الإطلاق وبهذا ينحل كثير من الروايات التي تظن أنها تخالف غيرها حيث أثبت في إحداها الحكم مع نفيه في أخراها فتلك المخالفة إنما نشأت من حمل كلتيهما على العموم الجنسي ولو حملتا على العموم النوعي لم يكن بينهما معارضة.","vol":"1","page":154},{"text":"ومنها استحباب الطهارة للحضور بين يدي العلماء الصلحاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[باب ما جاء في المرأة ترى مثل ما يرى الرجل]</span>\nوهذا وإن كانت قد سبقت إليه الإشارة ما إلا أنه كان استطرادًا وتبعًا لذكر الرجال فأراد الإشارة إلى حكمهن إصالة فإن كان الكلام في الأول مسوقًا للرجال وههنا لا ذكر لغيرهن أصلًا.\n[إن الله لا يستحي إلخ] هذا اعتذار منها عن تبادر مثل ما سألت عنه ومعنى قولها إن الله لا يستحي عن الحق أنه لا يأمر بها ولا يرتضيها ثم إن قول أم سليم فضحت النساء معناه أنك أعلمت النبي ﷺ بكثرة شهوتهن حتى إنهن يرين بأمثال تلك الأحلام وهذا القول منها جرى على حسب العادة وتكلم بما تقتضيه الطبيعة وإلا فشأنه ﷺ أرفع من أن يخفى عليه مثل هذا الأمر حتى يعرفونه بقولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>[باب الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل]</span>\nوهذا الحديث يدل على طهارة سور (١) المرأة المجنبة كالرجل المجنب وكذلك الحكم في الحائض والنفساء فإن نجاسة المذكورين حكمية لا غير وكذلك الحكم في العرق لاتحاد حكمهما لتولدهما من اللحم معًا فلما استدفأ النبي ﷺ بها وهي لم تغتسل ولم يكن يد من التماس وبدنه ﷺ مبتل الماء دل ذلك على طهارة العرق والسور معًا ثم إن الرواية دالة أيضًا على طهارة المستعمل من الماء فإن الماء المستعمل هو المنفصل عن عضو المتطهر بعد الطهر ولا شك أنه ﷺ لما استدفأ بها ينفصل عن جسده الشريف شيء من البلة وتبتل بها شيء من ثياب عائشة رضي الله تعالى عنها وجسدها ثم يعود النجس إليه ﷺ ولم يثبت في شيء من الروايات الضعيفة أو القوية أنه كان يعاود إلى غسل مواضع إصابة هذا الماء فيثبت المدعي لا محالة.\n[وبه يقول سفيان إلخ] والاكتفاء بذكر من ذكر إما لعدم ظفره بالتصريح\n_________\n(١) إذ لا فرق بين السور والعرق فقد صرح الفقهاء قاطبة أن عرق كل شيء معتبر بسوره.","vol":"1","page":155},{"text":"عن غيرهم أو لأن يعني (١) عن ذكرهم إذ المخالفة لا بد من التنصيص عليها وأما الوفاق فلكونه أصلًا لا يتوقف الحكم به على تصريحه به فأفهم ولا يبعد القول بكونه لم يقف على مذهب الآخرين في تلك المسألة لا صراحة ولا دلالة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>[باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء]</span>\n\n[الصعيد الطيب طهور المسلم] إضافته (٢) إلى المسلم مع العلم بكونه محتاجًا إلى إزالة الحدثين الأصغر والأكبر جميعًا مشعرة بأن التراب مطهر له عن جنابته كتطهيره له عن حدثه الموجب للوضوء مع أن المسلم بحسب عادته الجارية على أكثر أفراده لا يستغني عن الغسل ولا يكاد يسلم عن موجباته عشر سنين (٣) فلا بد من القول بجواز التيمم لإزالة الجنابة وبذلك يظهر مطابقة الرواية للترجمة.\n_________\n(١) قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر ثبت ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الفقهاء، كذا في الأوجز عن المغني، وقال العيني: المؤمن لا ينجس وأنه طاهر سواء كان جنبًا أو محدثًا حيًا أو ميتًا، وكذا سورة وعرقه ولعابه ودمعه، وعن الشافعي قولان في الميت أصحهما الطهارة، انتهى، وبسط الكلام على ذلك فأرجع إليه إن شئت، وقال ابن قدامة: سور الآدمي طاهر سواء كان مسلمًا أو كافرًا عند عامة أهل العلم إلا أنه حكى عن النخعي أنه كره سور الحائض.\n(٢) يعني أن استدلال المصنف على جواز التيمم للجنابة بأنه ﷺ جعل الصعيد طهورًا له وهو بعمومه يتناول الطهور عن الحدثين معًا لعدم التقييد ولأنه لا بد أن المسلم يحتاج إليهما معًا في عشر سنين.\n(٣) واستدل الحنفية ومن معه بذلك الحديث على أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت كما بسط في الأوجز، وأيضًا استدل الجمهور خلافًا للمالكية بقوله فأمسه جلدك على أن الدلك لا يجب في الغسل، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":156},{"text":"[فإن ذلك خير] استعمال (١) صيغة التفضيل يشير إلى الخيرية في كليهما فإن أصل الفعل ما لم يوجد في الفاضل والمفضول جميعًا لم يصح إطلاق صيغة التفضيل وهذا يستدعي جواز الاكتفاء بالتيمم وإن وجد الماء والجواب أما أولًا فبأنه من قبيل قولهم أعلم من الجدار وأفقه من الحمار أو هو مجرد (٢) عن معنى التفضيل.\nوأما ثانيًا فبأن المعنى تفضيله عليه ولكن لا عليه مطلقًا بل مقيدًا بعدم الماء والمعنى فإن استعمال الماء خير من استعمال التراب عند عدم الماء ولا شك في ثبوت الخيرية فيه عند ذاك ولا يلزم منه ثبوته له عند وجود الماء أيضًا وصار الحاصل أن الاكتفاء بالتراب وإن كان مجزيًا عند عدم الماء إلا أن الطهارة بالماء أكمل وبهذا يعلم أن راجي الماء يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها لتقع صلاته بأكمل الطهارتين فإن استعمال الماء بعد وجوده خير من الاكتفاء بالتراب عند عدمه.\nوأما ثالثًا فبأن التيمم خلف عن الوضوء وهذا هو المعنى بالخيرية في الوضوء فلما كان الوضوء أصلًا والتيمم خلفًا لم يجز الاكتفاء بالتيمم عند قدرته على الوضوء لما يلزم فيه من العمل بالخلف عند قدرته على الأصل فأفهم.\n[ويروى عن ابن مسعود (٣) أنه كان لا يرى إلخ] هذا على ما روى\n_________\n(١) فإن الخير يستعمل في الاسم وبمعنى أفعل التفضيل أيضًا كما بسطه الراغب، وقال النووي في لغاته: فلأن خير الناس ولا تقل أخير، لا يثني ولا يجمع لأنه في معنى أفضل، انتهى.\n(٢) كما في قوله تعالى أصحاب ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية، قاله أبو الطيب.\n(٣) تيمم الجنب مجمع عليه عند عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة إلا ما روى عن عمر وابن مسعود والنخفى من عدم جوازه للجنب، وقيل إن الأولين رجعًا عن ذلك، قال ابن العربي حكى عن ابن مسعود أنه لم يره وانعقد الإجماع بعد ذلك على جوازه للنصوص، كذا في الأوجز، قلت: والأوجه في سبب إنكارهما ذلك ما أفاده الشيخ ويؤيده ما ورد عنهما من الآثار.","vol":"1","page":157},{"text":"بعضهم من مذهبه ظاهر إلا أنه يبعد من هذا البحر المدره التحرير أن يخفى عليه هذا الحكم الذي لا يكاد يخفى على جليل ولا حقير كيف، ومن أهل التفسير من ذهب إلى أن المراد باللمس في الآية هو الوطى لا المس ويروى هذا التفسير عن ابن مسعود أيضًا فالحق أنه رضي الله تعالى عنه لم ينكر أصل شرعية التيمم للجنب ومن في حكمه وإنما أراد رد العوام عما هم عليه من المبادرة إلى التيمم بأدنى ما يعتري لهم من المرض وغيره وإن لم يبلغ إلى حد يبيح التيمم وهذا الذي ذكرنا هو الظاهر لمن تتبع آثاره وأقواله وجعل يتفحص أحواله وأفعاله ثم في صنيعه رضي الله تعالى عنه دلالة على أن بعض المسائل الشرعية يجوز أن يخفى عن العوام إذا تضمن إظهاره عليهم مفسدة أو كان في إخفائه عنهم مصلحة مرصدة فأفهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>[باب في المستحاضة </span>(١)] اعلم أن مسألة المستحاضة قد تحيرت فيها الأفهام (٢) وزلت فيها الأقدام قد تشتت فيها آراء العلماء واختلفت فيها أقوال الفقهاء وقد\n_________\n(١) أصلها من الحيض لحق الزوائد للمبالغة، وقيل للتحول من دم الحيض إلى غير الحيض ولا يستعمل فعلمها إلا ببناء المجهول يقال استحيضت المرأة فهي مستحاضة وحكمها حكم الطاهرات في العبادات إجماعًا وكذا في الوطى عند الجمهور، هكذا في الأوجز.\n(٢) قد أقر العلماء الفحول بالتحير فيها وأفرادوا التصانيف فيها ومع ذلك كله لم تفتح بعد مقفلاتها ولم تنحل مشكلاتها، قال ابن العربي: وما أبصر بصري وبصيرتي في إقامتي ورحلتي من يقوم على مسائل الحيض إلا واحدًا من علمائنا وهو أبو محمد إبراهيم بن أمدية المقدسي فإنه كان جعلها سمير عينيه ولديم فكره حتى استقل بأعبائها وفتح مقفلاتها وحصل فروعها غير أن أحاديثها والقول عليها ربما قصد فيها، انتهى.","vol":"1","page":158},{"text":"قرر الأستاذ العلامة والبحر النحرير الفهامة ههنا تقريرًا يشفي البال ويذهب البلبال فنلقيه عليك كما ألقاه علينا ونفيده لك كيما تقر عينًا (١) فنقول: إن المؤلف رحمه الله تعالى جزاه الله عنا وعن سائر أصحاب المذاهب خيرًا عقد لبيان هذه المسألة أربعة أبواب لما فيها من الاختلاف الوافر والأحاديث التي كل منها يقضي على خلاف الآخر فيما يبدو للناظر فالباب الأول معقود لبيان أن المستحاضة ليست في حكم الحائض حيث لا تمنعها الاستحاضة صومًا (٢) ولا صلاة ولا غيرها بخلاف الحائض وهذا الباب وإن كان المقصود عنه ما ذكرنا إلا أنه ذكر فيه بعض أحكام المستحاضة الجارية عليها عند قوم ولكن هذا الذكر تبع واستطراد.\nوالباب الثاني معقود لبيان حكم المستحاضة عند قوم (٣) وهو أنها تتوضأ\n_________\n(١) أي كي تقر بهذا التقرير عينك.\n(٢) وتقدم قريبًا أنه إجماع ولم يختلفوا في ذلك إلا في الوطي فكذلك عند الجمهور منهم الأئمة الثلاثة وهو رواية عن أحمد، وفي أخرى له لا يأتيها إلا أن يطول ذلك، وفي رواية لا يجوز إلا أن يخاف زوجها العنت، كذا في الأوجز.\n(٣) وهم الجمهور مع الاختلاف فيما بينهم أنها تتوضأ لكل فرض صلاة أو لكل وقت صلاة وتوضيح ذلك أن الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء ذهبوا إلى أن المستحاضة لا يجب عليها الغسل إلا مرة واحدة عند انقضاء حيضها إلا المتحيرة ثم بعد الغسل اختلفوا في الوضوء فقالت المالكية لا ينقض وضوئها بدم الاستحاضة للعذر وما ورد في الروايات من الوضوء محمول عندهم على الندب وقالت الأئمة الثلاثة يجب عليها الوضوء ثم اختلفت الثلاثة في وقت وجوب الوضوء فقالت الشافعية يجب عند كل صلاة، وقالت الحنفية والحنابلة عند وقت كل صلاة، ووهم من حكى مسلك الحنابلة موافقًا للشافعية، كما بسط في الأوجز.","vol":"1","page":159},{"text":"لكل صلاة ومستندهم في ذلك ما رواه في هذا الباب من أنها تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة.\nوالباب الثالث لما روى من حكم المستحاضة في رواية أخرى وهو الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر في غسل وبين المغرب والعشاء في غسل وإفراد صلاة الفجر بغسل وهو متمسك لقوم أيضًا كما سيذكره.\nوالباب الرابع لبيان حكمها عند آخرين واستدلالهم بحديث أم حبيبة المروي في هذا الباب هذا وقد اختار إمامنا الأعظم الهمام الأفخم رواية الوضوء لكل صلاة بحمل اللام فيها على الوقت كما هو الشائع فيها لوقوعه مفسرًا (١) في رواية أخرى فلم يكن للعدول عنه مساغ وسيرد عليك وجه ترجيحه إن شاء الله تعالى ثم اختلفوا في الجواب عما يخالف مذهب كل مجتهد من تلك الروايات فقال الإمام قدوة العلماء الأعلام أن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت أبي حبيش بما يجب العمل به لسائر بنات حواء من غير فصل وليس في شيء من تلك الروايات ما يخالف مفهوم الرواية الثانية المثبتة للوضوء لكل صلاة بل الذي تثبته الروايات بأسرها إنما هو الوضوء لكل صلاة، وأما الغسل حيثما أمرت به فإنما هو معالجة لها لا تشريع كما سيرد عليك تفصيله إن شاء الله تعالى، والشافعي (٢) رحمه الله تعالى وإن وافقنا في وجوب الوضوء لا الغسل لكل صلاة إلا أنه حمل الصلاة على معناها المصطلح ولم يحمل اللام فيها على الوقت وهو محجوج في ذلك بالرواية المفسرة للمراد وبكثرة\n_________\n(١) فقد روى إمام الأئمة أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: وتوضئ لوقت كل صلاة ولذلك متابعات بسطت في الأوجز، وإن لم يحتج إليها بعد السند المذكور.\n(٢) ولا يذهب عليك أن المصنف ذكر مالكًا أيضًا مع الشافعي مع الاختلاف بينهما في الوضوء فهو عند الشافعي واجب، وعند مالك مندوب كما تقدم قريبًا.","vol":"1","page":160},{"text":"استعمال اللام في مثل ذلك في الوقت ومنه قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلى غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>[باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة </span>(١)] مطابقة هذا الباب للحديث الوارد فيه ظاهرة وظهر من عقد الترجمة بما عقدها المؤلف به أن الظرف وهو قوله عند كل صلاة لا يتعلق إلا بقوله تتوضأ فقط وأن قوله تغتسل غير مقيد به فأفهم.\n[قال أحمد وإسحاق] هذا جمع منهما بين الروايات الثلاثة بأن النبي ﷺ لما أمر كلًا من تلك النسوة بشيء منها، ومن المعلوم أن أحكام الشرع لا تختص فردًا دون فرد علم منها جواز العمل لكل امرأة على كل منها حسب ما يوافقها.\n[فقد منعتني الصيام والصلاة] وذلك لأنها زعمتها حيضة فلم يسغ لها الإتيان بالصلاة ولا الصوم حسب زعمها غير أنها بعد زمان يسير أو كثير أتت النبي ﷺ تسأله ذلك فكان المنع عنهما قبل الورود إليه أول ورود الاستحاضة عليها بحملها على الحيض فلما كبر عليها تركهما أتت تستفتيه ثم في قول النبي ﷺ.\n[أنعت لك الكرسف] وغيره دلالة على أن المعذور يجب عليه رد عذره ما استطاع وذلك لأن الحكم بجواز الصلاة مع سيلان الدم وانفلات الريح وسلسل البول وغير ذلك من أسباب العذر مبني على كونه غير قادر على الامتناع عنه وأما إذا قدر عليه بنوع معالجة فلا ومن ههنا يعلم أن المعذور إن كان بحيث لو صلى يركع ويسجد سأل عذره ولو قائمًا أو قاعدًا يؤمى بالركوع والسجود لا فإنه يصلي بالإيماء لأنه قادر على أداء الصلاة بالطهارة مع أن للركوع والسجود بدلًا إلى غير ذلك من الجزئيات التي فيها كثرة.\n[قوله سآمرك بأمرين] يعني بعد بيان (٢) ما يجب عليك لأجل جواز\n_________\n(١) وقدمنا قريبًا مذاهب الأئمة في ذلك مع الاختلاف فيما بينهم.\n(٢) حاصل ما أفاده حضرة الشيخ وبه جزم جمع من شراح الحديث كشيخنا في البذل والقارئ في المرقاة وغيرهم أن المراد بالأمرين الغسل لكل صلاة والجمع بين الصلاتين بغسل مستدلين على ذلك بما ورد في الروايات في قصة أم حبيبة المفسرة من تفصيل الأمرين بهما وما يخطر في بالي من زمان أن حمل روايات حمنة على قصة أم حبيبة ليس بوجيه بل هما روايتان مختلفتان، ولم أجد (وما قال أبو دؤاد في حديث ابن عقيل الأمر أن جميعًا لا يتعلق بحديث حمنة عندي كا حررته قفي حاشيتي على بذل المجهود) في رواية في قصة حمنة الغسل لكل صلاة فالأوجه عندي إن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطًا فمني ومن الشيطان، إن المراد بالأمرين في قصة حمنة، الأول التحري في تعيين أيام الحيض فتترك الصلاة بالتحري ستة أيام أو سبعة أيام ثم تغتسل وتتوضأ لكل وقت صلاة، والثاني الجمع بين = الصلاتين بغسل واحد وجعل النبي ﷺ هذا الثاني أعجبهما إليه لأن فيه براءة الذمة باليقين بخلاف الأول فإن فيه براءة الذمة بالتحري فتأمل فإنه لطيف.","vol":"1","page":161},{"text":"صلاتك وتحصيل طهارتك كما يرشدك إليه سين التسويف فإنها لا تؤتى بها في الكلام إلا إذا قصد الإمهال والإرخاء وههنا قد أخذ النبي ﷺ في أمرها بما كان لها أن تأتمر به فلا يصح (١) إتيانه بالسين إلا للبناء على ما قلنا من أنه بين لها أولًا ما يجب عليها من الغسل أول انقطاع حيضتها ثم الاكتفاء بالوضوء لكل وقت صلاة إلا أن الرواة أوردوها في بعض طرقها بحيث يلتبس المراد كما ههنا وإلا فالأمر أظهر كما ستقف عليه.\n[قوله أيهما فعلت أجزأ (٢) عنك] في شفاء مرضك وتقليل دمك حتى لا تثجين\n_________\n(١) قلت: وأما على ما قررت لك فيكفي للتأخير في إتيان السين قوله ﷺ بأيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر فإن قويت عليهما فأنت أعلم فإن هذا القدر كاف للتسويف.\n(٢) فهذا السياق كالنص على أجزاء كل من الحكمين عن الآخر فترك الصلاة مع التحري ثم الوضوء لكل صلاة يجزئ عن الجمع بين الصلاتين وكذا العكس وإن قويت عليهما معًا بأن تتحرى ثم تجمع بين الصلاة بالغسل فهي أعلم بحال استطاعتها وقدرتها فهذا السياق كالنص على ما ابتدعت في تقرير الحديث.","vol":"1","page":162},{"text":"كما تثجين، ثم بين لها أن الذي وقع لها من ترك الصوم والصلاة.\n[إنما هي ركضة من الشيطان] وهو مجاز عن سروره بذلك وانشراح صدره به وضمير هي راجعة إلى الوسوسة التي هجست في قلبها حتى منعتها الصوم والصلاة ولا يبعد إرجاعها إلى الحيضة لكونها سببًا لتلك الوسوسة.\n[وقوله إن قويت عليهما فأنت أعلم] بما تختارين منهما لنفسك وهذا مشير إلى أن هذين الأمرين اللذين أمرها بهما لم يكونا بحسب التشريع لها ولا إيجابًا عليها وإنما هي معالجة وتدبير لإزالة مرضها وتقليل دمها وإلا لما كان للتخيير معنى ويؤيده قوله إنك أعلم وربما (١) يتوهم أن التخيير لا يمكن أن يجعل دليلًا على كون المذكور ههنا معالجة لا تشريعًا إذ ربما يخير المكلف بين أمرين أو أمور أيهما فعله سقط عنه الواجب وإن لم يكن الواجب واحدًا عينًا حتى يلزم أن لا يفرغ ذمته بفعل أحدهما وله في الشرع نظائر منها جمعة المسافر وظهره فإنه مخير بين إتيانه هذه أو هذه وكمن حلق رأسه في الإحرام بعد زفافه مخير في إحدى الخصال الثلاثة المذكورة في النص مع أنه ليس شيء منها واجبًا عليه عينًا فالتخيير لا يتمشى دليلًا على أنه معالجة لجواز كونه واجبًا والجواب أن التخيير بين نوعي جنس واحد غير معقول، وإنما المعهود التخيير بين أجناس مختلفة كما في الحلق وقتل صيد الحرم، وأما صلاة المسافر فليس له تخيير فيها وإنما الواجب عليه هو الظهر\n_________\n(١) هذا كله مبنيًا على ما اختاره حضرة الشيخ وعامة الشراح من تفسير الأمرين بالغسل لكل صلاة والجمع بين الصلاتين وما قرره هذا المبتلى بالسيئات والمقر بالتقصيرات فلا يتمشى فيه شيء من ذلك فإن الأخذ بالتحري مبائن للأخذ باليقين كلية كما لا يخفى.","vol":"1","page":163},{"text":"عينًا لا أحدهما لا بعينه غاية الأمر أن فريضة الظهر تسقط عنه بالجمعة فضلًا من الله ومنة ولئلا تجتمع الوظيفتان في وقت واحد مع أنا لواد عينًا أن الجمعة والظهر لبون بائن بين أحكامهما من الاختلاف الكثير في شرائط الوجوب والأداء وعدد الركعات وغير ذلك فأما مقام الجنسين لا نوعي جنس واحد لم يبعد وههنا الغسل في كل وقت صلاة لكل صلاة أو في كل وقت مشترك بين الصلاتين لأجلهما معًا لا يخفى كونهما نوعي جنس واحد فلا يكون التخيير فيهما من هذا القبيل ويمكن الجواب عن أصل التوهم أيضًا بأن الرواية (١) المذكورة مفصلة في سنن أبي داؤد ذكر فيها الأمرين اللذين ذكرهما علاجًا فلو حملًا على التشريع لأحدهما عين كما ذكره المتوهم لم يكن معنى (٢) لقوله فتحيضي ستة أيام إلى أن قال صومي وصلى وكذلك فأفعلي بلفظ الإيجاب فإن مقتضاه الإتيان بالصوم والصلاة مع أنه لم يذكر فيه الغسل بعد فبقى على ما هو الظاهر من الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة ثم أكد ذلك بالتشبيه حيث قال كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات إلخ وليس فيه تخيير حتى يلزم ما لزم فعلم إنما التخيير إنما هو في أمر آخر وراء ما أمرها به عينًا ونص رواية (٣) أبي داؤد في سننه هكذا أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل والمغرب\n_________\n(١) إلا أن الروايات المفصلة التي في أبي داؤد وغيره التي فيها الغسل لكل صلاة والجمع بين الصلاتين ليست في قصة حمنة ولم أجد مع التتبع الكثير في قصة حمنة في رواية ذكر الغسل لكل صلاة فتأمل إلا أن الشراح عامة فسروا حديث حمنة هذا بأحاديث غيرها فتأمل.\n(٢) إلا أني لم أجد هذا اللفظ في أحاديث وردت فيها الغسل لكل صلاة والجمع بين الصلاتين فتفكر.\n(٣) وبنحو ذاك فسره شيخنا في البذل وتبعهما عامة الشراح ومحشو زماننا لكن كما ترى هذه الروايات كلها في غير قصة حمنة فتدبر.","vol":"1","page":164},{"text":"والعشاء بغسل وتغتسل للصبح، وفي رواية له بعد هذه أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا سنة إلخ (١) ثم قال ورواه مجاهد عن ابن عباس لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين، وفي رواية له جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فذكر خبرها قال ثم اغتسلي ثم توضئ لكل صلاة وصلى فهذا كله (٢) يرشدك إلى أن الواجب شرعًا إنما كان هو الوضوء لا غير نعم أمرها بالغسل إفرادًا أو جمعًا معالجة ومن أصرح ما يدل على ما ذكرنا ما في سنن أبي داؤد أيضًا أن امرأة كانت تهراق الدم وكانت (٣) تحت عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي فهذا الاختلاف في أمرها لا يجتمع إلا بما ذكرنا وكم من رواية (٤) دلت على أن الواجب في مثل هذا هو الوضوء\n_________\n(١) ولفظها منذ كذا وكذا فلم تصل فقال رسول الله ﷺ سبحان الله هذا من الشيطان لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا وتوضأ فيما بين ذلك.\n(٢) أي النظر على مجموع هذه الروايات والجمع بينهما يدل على أن الواجب هو الوضوء فقط كما لا يخفى.\n(٣) والتي كانت تحت عبد الرحمن هي أم حبيبة، وأما حمنة فقد كانت تحت مصعب بن عمير فقتل عنها يوم أحد فتزوجها طلحة بن عبيد الله كما في الإصابة وغيره.\n(٤) يعني إذا اتحدت الروايات كلها مع قطع النظر عن نسائها وإلا فظاهر ما وقفت عليها بعد أن حمنة كانت متحيرة وحكم المتحيرة عندنا كما في الفروع أنها تتحرى فإن وقع تحريها على طهر تعطي حكم الطاهرة وإن كانت على حيض تعطي حكمه لأن غلبة الظن من الأدلة الشرعية وإن لم يغلب ظنها على شيء فمتى ترددت بين طهر ودخول حيض تتوضأ لكل صلاة ومتى ترددت بين حيض ودخول طهر تغتسل لكل صلاة، كذا في الشامي وغيره.","vol":"1","page":165},{"text":"لا غير وسيأتي لذلك زيادة بيان ثمة.\n[قال أحمد وإسحاق إلخ] هذا جمع منهما رضي الله تعالى عنهما بين الروايات المختلفة الواردة في حكم المستحاضة فإن النبي ﷺ لما أمر بأمور ثلاثة مختلفة ومن المعلوم أن الأحكام لا تختلف بحسب اختلاف أشخاص المكلفين وأفرادهم إذا كانوا من نوع واحد لزم القول بجواز كل من تلك الثلاث لكل من النسوة اللاتي تبتلين بأمر الاستحاضة ثم هذا تكرار ظاهر فيما يبدو للناظر حيث كان المؤلف ذكر مذهبهما أولًا ثم عاد إلى بيانه ثانيًا من غير فائدة جديدة في إحداهما لا تكون في الأخرى مع أن ما ههنا لو حمل على الإيجاب كان مناقضًا لما تقدم حيث ذكر التخيير لكل منها بكل منها وههنا ليس كذلك، والجواب أن ما ذكر أولًا كان بيانًا للمذهب وما ههنا جمع بين الروايات بحمل كل منها على اختلاف أحوال السائلات أو بأن الأول كان بيانًا لما يجوز لكل من النسوة وهذا بيان الأفضلية والاستحباب أو المراد في الأول ليس هو الإطلاق في العمل لكل امرأة بل المراد العمل بكل من الروايات لكل من كانت داخلة في مصداق تلك الرواية المعينة وإنما التخيير بحسب ظاهر الحال لعدم العلم بحال تلك المرأة المعينة وعلى هذا فلم يكن بد من بيان التفصيل ثانيًا ليتقيد ما أطلقه في أول بيان مراده والله أعلم بمعاني كلمات عباده.\n[قوله فتحيضي] عدي نفسك حائضًا وعاملي معك معاملة الحيض سبعة (١) أيام أو ستة وتفصيل تحقيق الترديد مذكور في الحاشية (٢) بما لا يزيد عليه غير\n_________\n(١) والأوجه عندي أن قوله ﷺ سبعة أو ستة إيماء إلى أكثر عادة النساء إلى ذلك فتتحرى على وفق عادتها وذلك أن النساء على ثلاثة أحوال رطبة الأمزجة فيحضن عشرة أيام ونحوها ويابسة الأمزجية فيحضن ثلاثة أيام ونحوها ومعتدلة فيحضن ستة أو سبعة واعتدال المزاج هو الأصل.\n(٢) إذ قال كلمة أو ليست للشك ولا للتخيير بل المراد اعتبري ما وافقك من عادات النساء وقيل للشك من الراوي، وقيل أمر ببناء الأمر على ما تبين لها من أحد العددين على سبيل التحري، انتهى مختصرًا.","vol":"1","page":166},{"text":"أن الأوجه بناء الأمر على ما هو العادة في نسائهم فلما كانت مختلفة أورد على الترديد.\n[فإن ذلك يجزئك] أي يفرض طهارتك وكذلك فأفعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما تطهرن أي ليس بينك وبين سائر تلك النسوة اللاتي تعرفين حكمين فرق وهو الذي ذكرنا سابقًا من الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة.\n[وقوله فإن قويت على أن تؤخري إلخ] بيان لأول (١) الأمرين الموعود بهما وقد ترك الرواة ثانيهما وقد ذكرنا لك ما يبين أن الثاني مذكور في كثير من الروايات وإن لم يبين ههنا وأيضًا فقد علمت في غير ما رواية أن الواجب لأجل جواز الصلاة إنما هو الوضوء لا غير وإنما كان الاكتفاء بالغسل لكل صلاتين أعجب إليه ﷺ لسهولته وكان رسول الله ﷺ يحب ما سهل (٢) على أمته ولم يتعسر سواء كان من أمور دينهم أو دنياهم مع أن الدوام على السهل أسهل وعلى العسير أعسر فينجر تعسره إلى الترك أصلًا.\n[قال الشافعي] رحمه الله تعالى وهذا وإن كان مستحسن الظاهر لما فيه من البناء على الأقل في أمر الحيض فيما مر وما يأتي لإلزام القضاء في أوله والأمر بالأداء فيما بعد ذلك إلا أنه لا يخلو من مفسدة الأداء في أيام الحيض فإن اليوم الثاني من الشهر الثاني من أيام استمرار الدم الذي بعد أول الاستمرار متردد بين كونه حيضًا واستحاضة فالأمر بأداء الصلاة في أمثال تلك الأيام ليس في شيء من الاحتياط مع أن ترك الواجب أهون من أداء الواجب (٣) وأما ما ذهب إليه\n_________\n(١) على مختار الشيخ وغيره، وأما عندي فبيان الأمر الثاني كما عرفت سابقًا.\n(٢) وهذا لا شك فيه فقد ورد ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن الأوجه عندي ههنا أن أعجبيته ﷺ لبراءة الذمة باليقين بخلاف ما في التحري من غلبة الظن بالبراءة.\n(٣) كذا في الأصل والأولى عندي على الظاهر بدله من فعل الحرام وإن أمكن تأويل كلام الشيخ بأن المراد من أداء الواجب أداء الصلاة في حالة الحيض وهو مستلزم لفعل الحرام أو يقال إن ترك الحرام واجب فهو بعينه أداء الواجب فتأمل ثم الأئمة مختلفة في مدة الحيض فقالت الحنفية أقلها ثلاثة أيام ولياليها وأكثرها عشرة، وقال أحمد والشافعي أقله يوم وليلة وأكثره قيل خمسة عشر يومًا ولياليها، وقيل سبعة عشر، وعند مالك لا حد لأقله وأكثره سبعة عشر يومًا وقيل ثمانية عشر يومًا وفي مختصر الخليل: أكثره للمبتدأة نصف شهر وللمعتادة ثلاثة استظهارًا على أكثر عادتها واستنبط الرازي مسلك الحنفية بما ورد في الروايات الكثيرة الشهيرة في الصحاح الستة من قوله ﷺ: «لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن» فقال إطلاق الأيام من ثلاثة إلى عشرة وأما قبله فيقال يوم ويومان وبعده يقال أحد عشر يومًا، كذا في الأوجز، وقد ورد نصًا مرفوعًا في روايات عديدة أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام ذكر طرقها الزيلعي والحافظ في الدراية مع الكلام على رواتها ليس هذا محلها وقد أقر ابن قدامة وغيره من محققي أهل الفقه أنهم لم يجدوا دليلًا على أن أكثره خمسة عشر يومًا فتأمل.","vol":"1","page":167},{"text":"أصحابنا رحمهم الله تعالى فالأمر ظاهر إذ الصلاة حق الله تعالى فلما أسقطه في ابتداء أيام الدم لا محالة لا يعود الوجوب بالشك لأن اليوم الثاني والثالث مشكوك في كونه حيضًا وطهرًا فإن اليقين يعارض لليقين ولا يعارضه الشك فإذا تم العشر من أيام الدم علم خروج أيام الحيض يقينًا فهذا اليقين يصلح لمعارضة مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>[باب المستحاضة تغتسل عند كل صلاة]</span>\n.\n[قوله لا إنما ذلك دم عرق إلخ] فيه دلالة على أن الحكم في الخارج من السبيلين وغيرهما مشترك في النقض وإن كان التفاوت بينهما ثابتًا بوجوه مفصلة في الفقه ولا يتوهم خروج دم الاستحاضة من إحدى السبيلين وإن كان هذا هو الظاهر بحسب ما يبدو للناظر وذلك لأن المراد بالسبيل ههنا مخرج البول لا أعم منه ودم","vol":"1","page":168},{"text":"الاستحاضة لا يخرج (١) منه كما هو ظاهر لمن له أدنى درية بأحوالهن نعم سبيل المني والاستحاضة واحد وكذلك الحكم في سبيل البراز فإن الخارج منها بحسب الظاهر لا يؤتي له حكم الخارج من المبرز ما لم يكن منه حقيقة كما في غدد البواسير فإن الطهارة لا تنتقض بخروج شيء منها ما لم يسل لأنها غير السبيلين فالخارج منها ليس له حكم الخارج منها بل هو خارج من حكمها وقاسوا على دم الاستحاضة كل ما هو خارج من غير السبيلين نجس وجعلوا الخارج النجس من غير السبيلين ناقضًا للوضوء بهذا الحديث وأمثاله غير أن قوله ﷺ في جواب السائل ما الناقض كل ما خرج من السبيلين أهدر التفاوت بين الكثير والقليل إبقاء لكلمة ما على عمومها سيما وقد وصفت بصفة عامة ولا كذلك فيما خرج من غير السبيلين وليس هذا موضع تفصيله.\n\n[باب ما جاء في الحائض أنها لا تقضي (٢) الصلاة] لما فيه من التضاعف الموجب للحرج وليس عليكم في الدين من حرج ولما فيه من الدم والتنجس، وفيه من المضادة لأمر الصلاة ما لا يخفى وذلك لأن الصلاة يشترط لها الطهارة فالتلبس بها ينافي كون الملتبس بها قابلًا لأداء الصلاة ولا كذلك الصيام فإن الركن ثمة هو الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارًا ناويًا فليس في مفهومه منافاة بالتلبس بشيء من الأنجاس، والحاصل أن منافاة التنجس بنجاسة الدماء لكون المتلبس قابلًا لأداء الصوم\n_________\n(١) ففي الفتح الرحماني عن نهاية النهاية أن مدخل الذكر هو مخرج الولد والمني والحيض وفوقه مخرج البول كاحليل الرجل وبينهما جلدة رقيقة وفوق مخرج البول جلدة رقيقة يقطع منها في الختان، كذا في الأوجز.\n(٢) نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على أنه لا يجب على الحائض قضاء الصلاة ويجب عليها قضاء الصيام وحكى عن طائفة من الخوارج أنهم يوجبون عليها قضاء الصلاة، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، قال الحافظ لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهري وغيره، كذا في البول.","vol":"1","page":169},{"text":"أكثر (١) من منافاته لكونه قابلًا لأداء الصلاة وإن كان نفس التلبس بدماء الحيض والنفاس يساوي في كون المتلبس بها غير قابل (٢) لأداء الصوم كما أنه غير قابل لأداء الصلاة وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يكون شهود رمضان يقتضي وجوب صيامها لتلك القابلية التي أشرنا إليها بخلاف وقت الصلاة إلا أنها مع كونها أهلًا للوجوب منعت عن أدائه لهذا التلبس المانع عن الأداء فأفهم فإنه وإن كان أمرًا لم يقرع سمعك قبله مثله إلا أنه لا يخلو عن لطافة وهذا من أدنى إفادات شيخنا العلامة أدام الله ظلال مجده وأفاض على العالمين من بره ورفده.\n\n[باب الجنب والحائض (٣) لا يقرآن القرآن].\n[وقال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش إلخ] لأن إسماعيل (٤) لا يروي\n_________\n(١) كذا في الأصل والصواب على الظاهر بدله أقل.\n(٢) لا يقال إن الطهارة ليست بشرط للصوم فلا يظهر كون المتلبس بالدماء غير قابل للصوم لأنا نقول إن الشارع ﵊ لما نهى المتلبس بها عن الصوم علم به عدم قابليته له بداهة إلا أن التنجس لما لم يكن منافيًا لحقيقة الصوم أوجب قضائه بخلاف الصلاة إذ لم يوجب قضائها.\n(٣) الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء على أنهما لا يقرآن القرآن إلا الحائضة عند مالك فعنه فيها روايتان، قال ابن العربي: الجنب لا يقرأ القرآن، وقال بعض المبتدعة: يقرأ وحديث على دليل على ما قلنا، وأما الحائض ففي قراءتها عن مالك روايتان إحداهما المنع حملًا على الجنب ووجه الأخرى أن الحيض ضرورة يأتي بغير الاختيار ويطول أمرها فلو منعت من ذلك لنسيت ما تعلمت بخلاف الجنب فإنه تأتي الجنابة باختياره ويمكن إزالتها في الحال وهو أصح، انتهى، قلت: وعامة شراح البخاري على أن ميل البخاري إلى الجواز فتأمل.\n(٤) فقد قال يعقوب بن سفيان: تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام وأكثر ما قالوا يغرب عن ثقات المدنيين والمكيين، وكذا قال غيره جمع من الأئمة أن أحاديثه عن الشاميين مستقيمة.","vol":"1","page":170},{"text":"منكرًا إلا عن أهل الحجاز والعراق وليس يروي منكرًا عن ثقة بخلاف بقية فإن له مناكير من الثقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>[باب ما جاء في مباشرة الحائض]</span>\n.\n[قوله اتزر] تكلموا في لفظه وفي معناه أما الكلام في لفظه (١) فإنه لا يصح ادغام همزة الافتعال بقلبها تاء في التاء وندر اتخذ إلا أن يثبت تكلم رضي الله تعالى عنها بعين تلك الكلمة فحينئذ لا يمكن في صحتها كلام وإن لم يوافق قواعدهم المستنبطة من كلام هؤلاء وذلك لأن تلك القواعد أكثرية لا كلية وأيضًا فإن اللسان قاضية على القاعدة دون العكس وأما المعنى فإن العلماء قد اختلفوا في المباشرة حسب اختلافهم في فهم المعنى من تلك الرواية فمنهم من ذهب إلى أن إصلاح الأزار كان للاتقاء عن الركبة إلى السرة، ومنهم من قال معناه أن تجعل إزارها كالسراويل ليسترها عن السرة إلى القدم، وهذا ما اختاره (٢) الإمام وهو الأحوط وما ثبت\n_________\n(١) قلت: وتوضيح ذلك أن جمعًا من أهل اللغة والتصريف كالمجد والزمخشري وغيرهما غلطوا هذا اللفظ ولا يصح تغليطهم ذلك كما رددت عليهم في أوجز المسالك لا سيما بعد ثبوته في غير حديث ولا حديثين فقد ورد هذا اللفظ في عدة أحاديث منها حديث الباب وما في معناه، ومنها قوله ﷺ في الصلاة في ثوب واحد إن كان قصيرًا فليتزر به وغير ذلك مما لا يخفى على ناظر الحديث.\n(٢) حاصل ما أفاده الشيخ في المسألة ثلاثة أقوال: الأول الاتقاء من السرة إلى الركبة، والثاني من السرة إلى القدم، والثالث اتقاء موضع الدم لا غير وجعل الثاني قول الإمام أبي حنيفة ولم أجد مع التتبع البليغ هذا القول للإمام أبي حنيفة إلا ما يؤمى إليه كلام صاحب البحر عن المحيط لكن المشهور في الفروع والشروح هو القولان فقط أحدهما الاتقاء عن السرة إلى الركبة وهو قول الإمام وأبي يوسف ومالك والشافعي، والثاني اتقاء موضع الدم فقط وهو قول محمد وأحمد واختاره من المالكية أصبغ ومن الشافعية النووي، كذا في البحر وغيره.","vol":"1","page":171},{"text":"من فعله ﷺ مما يدل على سوى ذلك فهو عنده من خصوصياته المبنية على كونه ﷺ أملك لأربه فلا يكون فعله هذا تشريعًا لسائر أفراد أمته ممن ليس بتلك المثابة إذ لا يخفى أن مباشرة ما تحت الأزار في أكثر الأمر يفضي إلى ارتكاب ما هو حرام قطعًا فيكون حرامًا لأن سبب الشيء في حكمه فيون سبب (١) الحرام كما أن تحصيل أسباب المفروض من الصلاة فرض، ومنهم من قال إن المنهي عنه الاستمتاع بموضع الدم لا غير فإصلاح الأزار عند هؤلاء كناية عن عقده ليتقي به شعار الدم وأنت تعلم أن من يرعى حول الحمي يوشك أن يقع فيه والله المسول للعصمة عن معاصيه.\n[قوله سألت النبي ﷺ] والحامل على المسألة ما أثرت فيهم مجاورة اليهود وملابستهم تشدد في أمر الحيض فإن اليهود كانت إذا حاضت (٢) فيهم المرأة اعتزلوا عنها فلم يواكلواها ولم يشاربوها ولم يخالطوها فاستثبتوا من حكم النساء في حيضها ليكونوا على بصيرة منه وأما حكم سورها وطهورها فلعلي ذكرته من قبل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>[باب الحائض تتناول الشيء من المسجد]</span>\n.\n_________\n(١) هكذا في الأصل وظاهر السياق أنه سقط من القلم خبر يكون وأصل العبارة فيكون سبب الحرام حرامًا ويحتمل أن يكون الخبر محذوفًا لظهوره ويحتمل أيضًا أن يكون قوله سبب الحرام خبرًا، والاسم ضمير يرجع إلى مباشرة ما تحت الأزار.\n(٢) أخرجه وسلم أبو داؤد وغيرهما مفصلًا.\n(٣) قلت: تقدم في باب الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل.","vol":"1","page":172},{"text":"[إن حيضتك ليست في يدك] لما علمت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النهي عن دخول الحائض المسجد لمعنى يعم الجسم كله فلا بد وأن يكون اليد متلبسة بشيء منه أيضًا فإن حلول هذا المعنى في الجسم يقتضي حلوله في جزء جزء منها، فدفعه النبي ﷺ بأن النهي عن الدخول لا يستلزم النهي عن إدخال اليد وغيرها مما لا يعد دخولًا عرفًا أو لغة أو شرعًا فإدخال سائر تلك الأجزاء منفردة لا يكون متهيأ عنه لعدم دخوله تحت الدخول ولعل الوجه في ذلك أن الحدث بنوعيه يسري في الجسم كله بحيث اتصف به المجموع كله اتصافًا واحدًا ولذا اشتهر فيما بينهم أن الحدث غير متجز كنقيضه فليس الجسم كله إلا متصفًا بمعنى واحد جعل سببًا لترتب النهي عليه لا أن حدث الرأس مثلًا وراء حدث الرجل وحدث اليد سوى حدث الوجه فإذا أدخل شيئًا من أجزائه في المسجد مثلًا لم يلزم دخول هذا المعنى المبني عليه النهي عن الدخول بل دخول شيء منها وذا لا يضر لا يقال على هذا التقرير أن الداخل في المسجد إذا أبقى رجله أو يده خارجة يعد غير داخل فيه لعدم دخول الجسم كله فلا يلزم دخول المعنى المبني عليه النهي لكون الجزء الحال منه في اليد أو الرجل غير داخل فيه لأنا نقول لما أمكن اتصاف الجسم بالحدث ونقيضه مع عدم بعض هذه الأجزاء كمن قطعت يده ورجله أو كلتاهما لم تعتبر تلك الأجزاء في مقابلة الجسم كله وكذلك الرأس فإن الجسم يتصف بالطهر ونقيضه من دون الرأس ولذلك إذا وجد الميت بغير الرأس غسل وصلى عليه وإذا وجد الرأس فقط لم يغسل ولم يصل عليه وما ذلك إلى لاتصافه بالطهارة في الصورة الأولى دون الثانية، والصلاة مترتبة على الغسل فهذا كله يدل على أن انعدام بعض هذه الأجزاء لا يمنع صحة اتصاف الجسم بالحدث والطهارة فلذلك قلنا من دخل المسجد وهو جنب، ورأسه أو رجله أو غيره من الأجزاء خارج منه كان أثمًا لوجود الدخول لا يقال يلزم من هذا الذي ذكرتم جواز مس المصحف للجنب والمحدث كليهما إذ ليست المماسة إلا بجزء من الجسم كإدخال اليد في المسجد ولا يظهر بينهما فرق والجواب","vol":"1","page":173},{"text":"أن مماسة المصحف لا يمكن بحسب العادة إلا بجزء منه ولا يعقل مس المصحف بالجسم كله أو بعضه فكان النهي عن المس الوارد فيه واردًا على هذا المس لا غير إذا المس بمعنى ماسة سائر أجزاء الجسم فممنوع من قبل فلو حمل النهي ههنا عليه أيضًا لم يبق للنهي فائدة لوروده على ما هو ممتنع عادة وما يتوهم من مضمون الحديث من جواز استعمال آلات المسجد وأسبابه فباطل إذ البورياء (١) لم تكن ههنا من أوقاف المسجد إذ لم تجر العادة بذلك بعد بل الخمرة كانت له ﷺ كان يفرشها في المسجد تارة وفي البيت أخرى ومما يدل عليه قوله الخمرة بتعريف العهد ولولا أنه معروف معهود لتعينه لقيل ناوليني خمرة من المسجد لا يقال كانت واحدة فتعينت لذلك لأنا نقول لو كان كذلك لقيل ناوليني خمرة المسجد مع أن الخمرة الواحدة وهي البورياء الصغيرة ماذا تغني في المسجد النبوي ومما ينبغي أن يتنبه له أن الظاهر مما ذكرناه كونه ﷺ خارج المسجد في حجرته وأن قوله من المسجد متعلق بقوله من المسجد (٢) وأنه لا حاجة إلى ما نقله النووي عن القاضي أن قوله من المسجد متعلق بقوله قال ونص عبارة القاضي على ما في النووي هذا معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض لقوله ﷺ إن حيضتك ليست في يدك فإنما خافت من إدخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى انتهى كلامه، وأنت تعلم أن الذي جعله القاضي رحمه الله تعالى\n_________\n(١) قال المجد: البوري والبورية والبورياء والباري والبارياء والبارية الحصير المنسوج وإلى بيعه ينسب الحسن بن الربيع البواري شيخ البخاري ومسلم.\n(٢) كذا في الأصل وفيه تحريف من الناسخ، قال صاحب المجمع قوله من المسجد متعلق بناوليني أو يقال، انتهى، قلت: والأوجه عندي أنه على الاحتمال الأول متعلق بمحذوف أي آخذه من المسجد.","vol":"1","page":174},{"text":"داعيًا للعدول عن الظاهر لا يكفي له ولا يتعين ما ادعاه إذ يمكن كون الخمرة على قرب باب الحجرة بحيث تتلقى بأدنى امتداد اليد فلا حاجة للعدول عن ظاهرة العبارة نعم لا يبعد القول بأنه ﷺ لما كان أكثر نافلته بل كلمها في البيت فلم تفرش الخمرة في المسجد إلا عند صلاته بالناس ويتعين المحراب له ومما يدل على تضعيف ما قصده القاضي رحمه الله تعالى أنها لو كانت هي المعطية للخمرة والنبي ﷺ أخذها وهو في المسجد وهي خارجة عنه لما افتقرت إلى إدخال يدها في المسجد لإيتاء الخمرة بل كان النبي ﷺ يأخذها منها ويدها خارجة من المسجد فأفهم وقد يساعد ما قلنا وضع المؤلف (١) هذا الباب لإثبات تناول الحائض شيئًا من المسجد، وقوله بعد ذلك وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[باب في كراهية إتيان الحائض]</span>\n.\n[قوله من أتى كاهنًا إلخ] المراد بإتيانه إياه تصديقه (٢) له فيما يذكره من أخبار المغيبات لا مطلق الإتيان حتى يلزم تكفير من أتاه ولو لحاجة أو تكذيبًا له وتبكيتًا أو ليسخر به ويستهزئ وكذلك لا يكفر لو أتاه وهو يعلم أو أن الجن تخير الكهنة وأن بعض أخبارهم صادق وبعضها كاذب ثم اعلم أنهم اختلفوا في تأويل قوله ﷺ في من ارتكب كبيرة قد كفر كما في قوله من أتي حائصًا أو امرأة في ديرها، لأن أهل الملل الحقة قاطبة متفقون على أن المسلم بارتكاب الكبيرة لا يكفر ولو كانت حرمتها قطعية ذاتية وما ههنا وإن كان ثابتًا بعبارة النص أو بإشارته كما هو ظاهر فارتكابها لا يكون كفرًا بواحًا فقال بعضهم هذا تغليظ حيث سمى ما ليس كفرًا كفرًا بنوع من التأويل ليحذروا أن يقعوا فيه، وقال بعضهم (٣) هو على الاستحلال\n_________\n(١) وبنحو ذلك بوب على الحديث أبو داؤد وغيره.\n(٢) وبذلك قيد الحديث عامة الشراح كالقارئ وغيره.\n(٣) وفي الدرالمختار: ويكفر مستحله كما جزم به غير واحد وكذا مستحل وطى الدبر عند الجمهور وقيل لا يكفر في المسألتين وعليه المعول لأنه حرام لغيره.","vol":"1","page":175},{"text":"والذي يتحصل من كلام الأستاذ أدام الله ظلال جلاله وأفاض على الطالبين من زلال نواله أن الشرك (١) والكفر لتضمنها من المراتب المتناهية ما يربو على حصر حاصر واشتمالهما من الدرجات المتفاوتة على ما لا يكاد يضبطه لسان ذاكر صارا معدودين في عداد الكليات الغير المتواطئة فكل منهما مقول بالتشكيك على الصغائر حتى اللمم وعلى الكبائر حتى الكفر الحقيقي المقابل للإيمان الأنوار والظلم فكل من تلك المراتب ساغ عليها إطلاق كل منهما لدخوله في مدلول لفظه من غير ارتكاب تكلف وتجتمع به أكثر تلك الروايات من غير عدول عن جادة الطريق وتعسف ومما يدل عليه أنهم اتفقوا من آخرهم على أن المراد بالشرك في قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ هو الزياء لكونه شركًا خفيًا فهذا التفسير منهم تنصيص على أن كل مرتبة من مراتب الإثم مرتبة من الكفر ويؤيده أيضًا ما ورد في بعض الروايات من قوله شرك (٢) دون شرك ولعلك بعد تدبرك\n_________\n(١) يعني أنهما كليان مشككان والكلي إن كان صدقه على أفراده الذهنية والخارجية على التساوي يسمى متواطيًا كالإنسان وإن كان صدقه على بعضها أولى وأقدم وأشد من البعض الآخر يسمى مشككًا.\n(٢) الظاهر أنه أراد الرواية بالمعنى فقد وردت الروايات الدالة على هذا المعنى بألفاظ عديدة مختلفة منها ما في الدر المنثور عن شداد قال كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر، وأخرج عن أحمد والحاكم وغيرهما عن شداد قال سمعت رسول الله ﷺ من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك ثم قرأ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية وأخرج عن البيهقي وغيره عن عبد الرحمن بن غنم قيل له أسمعت رسول الله ﷺ يقول من صام رياء فقد أشرك ومن صلى رياء فقد أشرك ومن تصدق رياء فقد أشرك قال بلى ولكن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ فشق ذلك على القوم واشتد عليهم فقال ألا أفرجها عنكم قالوا بلى يا رسول الله فقال هي مثل الآية التي في الروم وما أتيتم من راء ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله فمن عمل رياء لم يكتب لا له ولا عليه، وأخرج عن الحاكم وصححه والبيهقي وغيره عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان رجل وغير ذلك من الروايات الكثيرة وبوب البخاري في صحيحه كفر دون كفر، قال الحافظ: أشار إلى أثر رواه أحمد في كتاب الإيمان من طريق عطاء بن أبي رياح وغيره وأخرج السيوطي في الدر عن الحاكم وصححه والبيهقي وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال كفر دون كفر، الحديث.","vol":"1","page":176},{"text":"فيما ههنا تعده كالبديهي لكثرة ما يدل على صحته فلتكن على ذكر منك وتدبر في فهم هذا المرام حتى لا تتحير في كثير من أخبار سيد الأنام والله الهادي إلى سبيل الرشاد وأنه الموفق للصواب والسداد.\n[إذا كان دمًا أحمر فدينار] لغلظ الجنابة (١) بسبب شدة الأضرار في هذا الوقت وإن كان أصفر فنصف دينار لما فيه من قلة الضرر إضافة إلى الأول وإن تساوى في شمول النهي لهما ثم إن الأمر بالتصديق كما في هذا الحديث فمبني\n_________\n(١) قلت: ما أفاده الشيخ هو الأوجه ويحتمل أن يكون التفريق بين الأحمر والأصفر لما أن الأجر يكون في مبدأ الحيض والأصفر في آخره والرجل في آخر الزمان يعد معذورًا في الجملة لطول زمان الفرقة والبعد عن الصحبة بخلاف إبان زمانه فتأمل ثم الذين قالوا بالكفارة بدينار أو نصف دينار اختلفوا في أنه للتخيير كما في الروض عن أحمد أو للتنويع بأول الحيض وآخره كما في ابن رسلان عن الشافعي.","vol":"1","page":177},{"text":"على أن الشيخ المجبولة عليه الطباع يتقضي الضن بالمال وفي إنفاقه على الجناية إقلاع عنها وامتناع منها لما يتعقبه من بذل المال الثقيل على النفس مع ما فيه من إطفاء نار غضب الرب تعالى وذخيرة الخير المكافئة لما نقصته الخطايا ثم المراد بأمر التكفير (١) في قول الأولين إن كان هو الوجوب فالمراد بقول الآخرين لا كفارة عليه نفي الوجوب ليظهر بين قوليهما فرق وإن كان المراد في قول الأولين هو الاستحباب فمعنى قول هؤلاء لا كفارة عليه أن الكفارة ليست بكافية ما لم يتب منها وأن الكفارة لا تفيد رفع الجناية وإن لم يخل عن فائدة ما، والأظهر أن يقال مقصود الفريقين واحد وإن من أثبت الكفارة قصد استحباب الإتيان بها ومن نفاه نفى الوجوب أو الاكتفاء بها دون التوبة وعلى هذا فذكر المؤلف كلًا من القولين بعبارة أخرى لاختلاف أقوالهما التي وصلت إليه بحسب ألفاظها وإن اتفقت معانيها وأيًا ما كان فاستحباب التكفير لا ينكر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب]</span>\nلما كان الأمر بفرك المني\n_________\n(١) قلت: من قال بالكفارة من الأئمة قال بالوجوب، قال الشيخ في البذل: اختلف العلماء في وجوب الكفارة فقال الشافعي في أصح قوليه وهو الجديد ومالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وجماهير السلف أنه لا كفارة عليه وعليه أن يستغفر ويتوب، وقال الشافعي في القول القديم الضعيف أنه يجب عليه الكفارة وهو مروي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير وابن عباس وإسحاق وأحمد في الرواية الثانية عنه واختلف هؤلاء في الكفارة فقال الحسن وسعيد عتق رقبة، وقال الباقون دينارًا ونصف دينار وتعلقوا بهذا الحديث وهو ضعيف والصواب أن لا كفارة قاله النووي، انتهى.\n(٢) ففي الدرالمختار: يندب تصدقه بدينار أو نصفه ومصرفه كزكاة وهل على المرأة تصدق، قال في الضياء: الظاهر لا.","vol":"1","page":178},{"text":"والتخفيف فيه حتى اكتفى بالتقليل وإن لم يوجد الإزالة يوهم أن الحكم في باب الحيض كذلك لكثرة ما يرد على النساء منه سأل السائل عنه فدفع النبي ﷺ شبهته ذلك بالمبالغة في أمر إزالتها فقال حتيه أي يابسًا ثم أقرصيه بالماء أي بالغي في الدلك بعد صب الماء عليه ثم رشي عليه الماء ليخرج عن الثوب بالكلية ولعل الوجه في التخفيف في باب المني حيث اكتفى فيه بالتقليل والحك وشدد في دم الحيض مع أن الضرورة تشملهما على السوية أن أمر الحيض متعلق بالنساء والمني (١) بالرجال ولا يخفى ما في أمزجتهن من قلة المبالات في أمثال هذه الأمور فلو وجدن فيه سبيلًا إلى التخفيف لأتى الأمر إلى ما لا يكاد يرتضيه عقل ولا شرع فلم يسغ فيه ما ساغ في باب المني لأجل ذلك مع أن النجاسة لعلها في دم الحيض أكثر منها في المني وإن كانت النجاسات كلها تشترك في أنها لا تصح معها صلاة إلا أن منع الحيض عن وجوب الصلاة على المرأة يرشد إلى غلظ في الدم بحسب النجاسة ولا كذلك المني ويمكن توجيه أصل الرواية بأن الفرق بين دم الحيض والاستحاضة بجواز الصلاة والصوم وإتيان الزوج في الثاني دون الأول لما كان يوهم أن نجاسة دم الحيض لعلها تزيد على نجاسة دم الاستحاضة لما ظهر من بون بين بين آثارهما ظن السائل أن دم الحيض لعله لا يطهر بالغسل بالماء بل لا بد له من قرص ذلك الموضع وقرضه حتى يزول بالكلية فقال النبي ﷺ مجيبًا له إن ذلك غير لازم بل الثوب يطهر بالغسل إلا أنه شدد فيه مراعاة لظن السائل لئلا يخرج من قلبه نجاسته وعلى هذا فالأصل في الجواب قوله صلى فيه والباقي تمهيدًا له.\n[ولم يوجب بعض أهل العلم إلخ] والظاهر (٢) أن معنى هذا القول أنهم\n_________\n(١) أي باعتبار الأغلب والأكثر وندرته في النساء حتى روى عن النخعي وغيره إنكار وجود المني لها وأنكره طائفة من الفلاسفة وإن كان جمهور الفقهاء على وجوده لهما كما في الأوجز.\n(٢) وتوضيح كلام الترمذي واختلاف الفقهاء في ذلك أن الإمام الترمذي ذكر في المسألة أربعة مذاهب: الأول قول بعض التابعين إذا كان الدم مقدار الدرهم ولم يغسله أعاد الصلاة وحكاه ابن قدامة عن بعضهم فقال قال قتادة موضع الدرهم فاحش ونحوه عن النخعي وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي لأنه روى عن النبي ﷺ أنه قال تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم، انتهى، والثاني مذهب الثوري وابن المبارك أن الأكثر من قدر الدرهم يفسد الصلاة وهو مذهب الحنفية وسيأتي البسط في ذلك، والثالث مذهب أحمد لا يجب الإعادة وإن كان أكثر من الدرهم وكلام الترمذي هذا موهم لعدم فساد الصلاة عند أحمد مطلقًا ولذا اضطر الشيخ إلى توجيه بحمله على النسيان أو على الشرائط الساقطة وغير ذلك والحق أن في مسلك الإمام أحمد تفصيلًا في ذلك ففي المغني وإن صلى وفي ثوبه نجاسة وإن قلت أعاد إلا أن يكون ذلك دمًا أو قيحًا يسيرًا مما لا يفحش في القلب وأكثر أهل العلم يرون العفو عن يسير الدم والقيح وممن روى عنه ذلك ابن عباس وأبو هريرة وجابر وابن أبي أوفى وغيرهم، وقال الحسن كثيره وقليله سواء ونحوه عن سليمان التيمي لأنه نجاسة فأشبه البول ولنا ما روى عن عائشة في الدرح فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها رواه أبو داؤد وهذا يدل على العفو لأن الريق لا يطهر به ويتنجس به ظفرها وهو إخبار عن دوام الفعل ومثل هذا لا = يخفى عن النبي ﷺ ولا يصدر إلا عن أمره ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعًا فظاهر مذهب أحمد أن اليسير ما لا يفحش في القلب وروى عنه أنه سئل عن الكثير فقال شبر في شبر، وفي موضع قال: قدر الكف فاحش وظاهر مذهبه والذي استقر عليه قوله في الفاحش أنه قدر ما يستفحشه كل إنسان، انتهى، فعلم من ذلك ما يوهم كلام المصنف عدم فساد الصلاة مطلقًا ولو أكثر من قدر الدرهم مقيد بعدم الفحش، والرابع مذهب الشافعي وسيأتي قريبًا.","vol":"1","page":179},{"text":"* * * *","vol":"1","page":180},{"text":"وإن كانوا قائلين بنجاسة الدماء إلا أن قول النبي ﷺ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان أسقط عنه الإعادة إذا صلى جاهلًا أو ناسيًا مع تلبسه بشيء منه قليل أو كثير وعلى هذا فلا فرق بين الشافعي رحمه الله تعالى وبينهم وإن أوجب الشافعي (١) رحمه الله تعالى تشدوا في غسله وعلى هذا فتصريح المؤلف بعزو عدم الإعادة إلى أحمد وإسحاق ليس لبيان الفرق بين مذهبه ومذهبهم بل المذهب واحد وإنما نسب إلى كل منهم ما وصل إليه من أقوالهم ولا يبعد أن يكون الطهارة من النجاسات عند أحمد وإسحاق من الأمور التي أمر بها من غير أن تكون شرط جواز وسقوط فرض كما سبق في أول الكتاب من مذهب مالك رحمه الله تعالى أنه لم يجعل الوضوء (٢) شرطًا لإسقاط الفريضة وإن كان شرطًا للقبول وعلى هذا فلا يحتاج إلى بناء مذهبهما على الرواية التي ذكرناها آنفًا ويتبين الفرق بين مذهب الشافعي ومذهبها ويكون إيراد المؤلف قول كل منهما على ظاهره ويمكن أن يكونا قد جعلاها من الشرائط القابلة للسقوط كالاستقبال والقيام في حق المسبوق هذا، وأما ما ذكره من المذاهب\n_________\n(١) هذا هو المذهب الرابع والذي حكى الترمذي من مذهب الشافعي تشددًا فيه هو قول له، ففي الأوجز: إن قوله الجديد أنه لا يعفى عنه وقوله القديم أنه يعفى عنه عما دون الكف، انتهى، قلت: وهذا الثاني هو مختار فروعه قاطبة من التحفة والإقناع والروضة والتوشيح وغيرها فكلمهم صرحوا بعفو ليسير من الدم فعلم أن ما حكاه الترمذي من مذهبه هو المرجوح من قوليه.\n(٢) لم أر أحدًا لم يجعل الوضوء شرطًا وقال لصحة صلاة الحدث نعم المشهور عند المالكية كما تقدم في أول الكتاب أن الطهارة من الأنجاس ليس بشرط لصحة الصلاة.","vol":"1","page":181},{"text":"الثلاثة في غسل دم الحيض فلا يخفى موافقة الأولين منها لمذهب الحنفية (١) لأنهم يأمرون بإعادة الصلاة إذا صلى وفي ثوبه نجس قدر الدرهم وإن كان وجوبًا نعم لا يوافق رأيهم ما ذكره من عدم الإعادة ولو زاد الدم على قدر الدرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>[باب كم يمكث النفساء]</span>\n.\n[كانت النفساء تجلس أربعين (٢) يومًا] يعني إن لم تطهر قبل مضيها وأما إذا فلا.\n\n[باب الرجل يطوف على نسائه (٣) بغسل واحد] هذا يشمل صورتين يخلل\n_________\n(١) وتوضيح مسلك الحنفية كما في الدرالمختار أن الشارع ﵇ عفى عن قدر الدرهم وإن كره تحريمًا فيجب غسله وما دونه تنزيهًا فيسن وفوقه مبطل فيفرض له وقريب منه ما قاله المالكية ففي الشرح الكبير إن ما دون الدرهم يعفى عنه اتفاقًا وما فوقه لا يعفى عنه اتفاقًا، وفي الدرهم روايتان العفو وعدمه وحكى الدردير اختلافهم في تصحيحهما وعلم من هذا كله أن الأئمة الأربعة متفقة على أن اليسير منه معفو والاختلاف بينهم في مقدار السير فما حكى الترمذي من اختلاف مذاهب الأئمة مبني على بعض الروايات الغير المرجوحة ولذا حاول الشيخ إلى توجيه الاتفاق في أقوالهم فتأمل.\n(٢) ومسلك الأئمة في ذلك كما في الأوجز أنه لا حد لأقل النفاس إجماعًا وأكثره أربعون يومًا عند الجمهور منهم الإمام أحمد وأبو حنيفة وأصحابه وقال الإمامان مالك والشافعي أكثره ستون، انتهى، فعلم منه أن ما حكاه الترمذي عن الشافعي ليس بمرجح عند الشافعية، ففي شرح الإقناع وأكثره ستون يومًا وغالبه أربعون فما في خبر أم سلمة كانت النفساء تجلس أربعين يومًا لا دالة فيه على نفي الزيادة أو محمول على الغالب، انتهى، لكن الأدلة المبسوطة في موضعها قاضية بأن الأكثر أربعون يومًا.\n(٣) يشكل على الحديث مخالفة القسمة الواجبة فقيل لم تكن واجبة عليه وقيل كان الطواف برضاهن أو بين الدورين، وقيل عند الإحرام في حجة الوداع، وقال ابن العربي: كان الله تعالى خصه في النكاح بأشياء لم يعط غيره منها تسع نسوة ثم أعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيها يدخل فيها على جميع أزواجه فيطأهن أو بعضهن ثم يدخل عند التي الدور لها، وفي مسلم عن ابن عباس أن تلك الساعة كانت بعد العصر فلو اشتغل عنها كانت بعد المغرب أو غيره فلذلك قال في الحديث في الساعة الواحدة من ليل أو نهار.","vol":"1","page":182},{"text":"الوضوء بينهما أولًا فبين الثاني يقول الحسن تنصيصًا على أن الرواية التي ذكرناها يحتملهما فيحمل عليهما وعقد للأول بابًا على حدة فقال باب ما جاء إذا أراد أن يعود (١) توضأ وهذا مثل ما مر في الجنب ينام قبل الوضوء أو بعده وهذا مستنبط من عموم قوله غسل واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>[باب إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء]</span>\n.\n[قوله فأخذ بيد رجل] يعني أن عروة يحكي فعل عبد الله فيقول أن عبد الله أخذ بيد رجل بعد الإقامة فقدمه وكان عبد الله إمام القوم فلذلك احتاج إلى الإنابة وبذلك يعلم وجوب إزالة ما يشغل البال عن مخاطبة الكريم ذي الجلال فإن [قوله ليبدأ] صيغة أمر أصلها الوجوب [وقوله سمعت رسول الله ﷺ] تنبيه على بيان عذره وإرشاد إلى أنه ينبغي له نفي التهمة عن نفسه في مثل هذا المقام.\n[لا بأس أن يصلي إلخ] يشير إلى عدم الشدة (٢) فيه يخلاف قوله لا يقوم\n_________\n(١) الوضوء بين الجماعين مستحب عند الجمهور واجب عند الظاهرية وابن حبيب من المالكية كما في العيني.\n(٢) والحديث أخرجه مالك في الموطأ وبسط في الأوجز، وكذلك اختلافهم في تعليل النهي فقيل للاشتغال وقيل لانتقال النجس من موضعه وإن لم يظهر وقيل كأنه حامل نجاسة لأنها متدافعة للخروج فإذا أمسكها قصدًا فهو كالحامل لها.","vol":"1","page":183},{"text":"إلى الصلاة فإن فيه نهيأ عن الصلاة إذ ذاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>[باب ما جاء في الوضوء من الموطئ]</span>\nوهذا إن لم يكن مذكورًا في لفظ الحديث إلا أنه يعلم منه قياسًا على جر الذيل فإن الذيل لما طهر بعد تلبسه بأجزاء النجاسة الغير الرطبة فطهارة القدم اليابس أولى وجه الأولوية أن الثوب مظنة لبقاء الأجزاء القليلة المقدار فيه لما فيه من التخلخل والتخلل وإن كان غير رقيق ولا كذلك القدم فإنها بمراحل عن ذلك وإنما قيدناها في بيان معنى الحديث باليابسة لأنها إن كانت رطبة لم يطهره (١) ما بعده بل النجاسة تزداد في مثله لأن الرجل أو الثوب إذا تلطخ بشيء من النجاسات الرطبة ثم مشى بها أو به على أرض طاهرة لا يؤثر هذ المرور في إزالة نجاسة شيئًا ولا يتوهم أن النجس إذا لم يكن رطبًا لم يتنجس الثوب حتى يفتقر إلى تطهيره وذلك لأن أجزاء النجاسة لا شك ههنا تتعلق بالذيل وبالرجل أيضًا ثم بالمرور على موضع طاهر تخلفها الأجزاء الطاهرة وتلك الأجزاء النجسة الأولية وإن لم تكن بلغت حد المنع إلا أنها لا ينكر وجودها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>[باب ما جاء في التيمم]</span>\nاعلم أن فيه (٢) مذاهب مسح يديه إلى رسغيه\n_________\n(١) والمسألة إجماعية كما في الأوجز.\n(٢) اختلفت الفقهاء في التيمم على أقوال كثيرة ذكر الشيخ منها ثلاثة مذاهب الأول والثالث منها مشهورة في الشروح والفروع لكونهما مختار إمام من الأربعة، والثاني منها ما في السعاية عن التمهيد وغيره قال قال الأوزاعي التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين وهو قول عطاء والشعبي في روايته عنه، انتهى، قلت: وأما مسالك الأئمة في ذلك أنه لا بد من ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين مع المرفقين عند الحنفية والشافعية، قال النووي: هو مذهبنا ومذهب الأكثرين وضربة واحدة للوجه والكفين عند أحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث وعن مالك روايتان كالمذهبين، والثالثة مختار فروعه أن ما قاله أحمد فريضة وما قاله الجمهور سنة ومندوب كذا في الأوجز والسعاية.","vol":"1","page":184},{"text":"ووجهه بضربة واحدة ومسحهما بضربتين ومسح الوجه بضربة والأيدي مع المرافق بضربة وميل الحافظ إلى الثاني (١) فيشير إلى تأييده بإشارات خفية فدفع ما يرد على رواية عمار المثبتة له من وسمة الاضطراب بأن الأول كان اجتهادًا منه والاكتفاء بالكفين انتهاء على المأمور به.\n[وقوله حدثنا يحيى إلخ] تقوية ثانية لما مال إليه.\n[وقوله فيه إنما هو الوجه والكفين] من تتمة كلام ابن عباس وهو كالنتيجة عما قبله، والأصل في الجواب والباقي تمهيد، والجواب (٢) أما عن الأول فإن في روايات عمار اختلافًا فقد ذكر في بعضها إلى المناكب والأباط وفي الآخر من غير ذكر غاية وكذلك اختلف فيها في ذكر الضربات ففيها ضربة للوجه والكفين وفيها ضربة للوجه وضربة للكفين فأخذنا بالذي يحصل به فراغ الذمة يقينًا، وأما (٣) عن الثاني فإن القطع عن الزند ليس لترك ذكر الغاية فيه بل لأن فعله ﷺ وقع تفسيرًا ولو لم يبين لكان أظهر من أن يلتبس أيضًا لأن المقصود من الحسم في السارق روعه عما ارتكب وهو حاصل بالحسم عن الزند فالزيادة عليه لا تجدي نفعًا وجهة الخلقية في التيمم تعين المقدار لأن الخلف لا يخالف الأصل لا يقال مسح الخفين خلف عن غسل الرجلين وهو مخالف له في حق المقدار، قلنا لو سلم كونه خلفًا عنه غير مشروع بأصله لكان في بيانه ﷺ بقوله وفعله مقدار المسح على الخفين مندوحة عن ترك هذا الأصل.\n_________\n(١) الظاهر عندي أن ميل المصنف إلى الأول من المذاهب الثلاثة التي ذكرها الشيخ كما يدل عليه كلامه ولأن المذهب الثاني لم يذكره المصنف نصًا فتأمل.\n(٢) دفع للوجوه التي رجح بها المصنف مختاره وبسط شيخنا حبيب الله خليل أحمد في البذل في دلائل الحنفية فأرجع إليه.\n(٣) يعني ما استدل به المصنف من أن قوله تعالى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ في السارق يتناول الكف فكذلك في التيمم فهذا القياس ليس بصحيح.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>[باب]</span>\nإطلاقه من غير إضافة إشارة إلى مناسبة له بالأبواب السابقة دون أن يدخل مضمونه في شيء منها.\n[وقوله فيه لا يقرأ في المصحف إلا وهو طاهر] يعني به إذا قرأ فيه وهو يمسه فلو لم يمس جازت قراءته (١) عن المصحف وفيه وإن كان على غير وضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>[باب البول يصيب الأرض]</span>\n.\n[قوله ولا ترحم معنا أحدًا] والذي بعثه على تلك المسألة ما رآه فيما يرى من قلة مقادير الانصباء عند كثرة الشركاء ولم يعلم ما في رحمته ﵎ من سعة تغلب كل شيء فسبحانه وتعالى أنعم على خليقته بالنعم الجسام وأولى.\n[اهريقوا عليه سجلًا من ماء (٢)] وذلك لأن النجاسة لما لاقت ماء جاريًا ورد عليها في جريانه حكم بطهارة الأرض بمجرد جريانها معه لأن الماء الجاري إذا اختلطت به النجاسة بعد جريانه لا يحكم بنجاسة ما لم يتغير أحد أوصافه بغلبتها ومن المعلوم أنه لم يتغير لما انتشف بعضه في الأرض مع أن الظاهر قلة مقداره من الأصل لتراكم الأصوات عليه فإذا اجتمع هذا الماء في مكان اجتمع طاهرًا لا نجسًا\n_________\n(١) تقدم الكلام على قراءة الجنب وأما قراءة المحدث القرآن فقال الزرقاني: لا خلاف بين ذلك في العلماء إلا ما شذ، وقال ابن رشد: ذهب الجمهور إلى الجواز، وقال قوم لا يجوز لحديث أبي جهم في رد السلام وبسط دلائل الجمهور في الأوجز ولا حاجة إليها بعد إجماع الأئمة الأربعة وأما مس المصحف فقال الجمهور منهم الأئمة الأربعة لا يمسه إلا طاهر من الحدثين لقوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ خلافًا لداؤد وابن حزم وغيرهما من بعض السلف كما في الأوجز.\n(٢) والحديث لا يخالف الحنفية كما في الأوجز خلافًا لما توهم بعض شراح الحديث.","vol":"1","page":186},{"text":"والمشهور أن تلك الأراقة كانت لإزالة النتن ويحتمل أن تكون لينتشر أثرها فلا يجد أحد في نفسه شيئًا من المقام في عين هذا الموضع ويمكن أن يكون هذا الموضع على طرف المسجد فأريد بإراقة الماء إزالة النجاسة عن المسجد وجمعها خارجه وعلى الأول (١) والأخير يحكم بطهارة الأرض من غير حاجة إلى يبسها وجفافها وعلى الوسطين بعد الجفاف فتفكر (٢).\n[إنما بعثتم ميسرين إلخ] راجع إما إلى تبادر الصحابة إليه بأصوات شديدة عالية أو إلى ما قال بعضهم بحفر هذا الموضع وإلقاء ترابه خارجًا وإلقاء التراب الطاهر فيه وتسويته بالأرض للصلاة عليه والله تعالى أعلم.\n***\n_________\n(١) والمراد بالأول ما أفاده بقوله النجاسة لما لاقت إلخ وبالأخير ما أفاده بقوله ويمكن أن يكون هذا الموضع وبالوسطين أن تكون الإراقة لإزالة النتن وانتشار الأثر.\n(٢) وبسط الشيخ في البذل والحقير في الأوجز الكلام على أبحاث لطيفة في الحديث فأرجع إليهما.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ</span>\n[قوله أمنى جبرئيل إلخ] استدلت الشافعية بذلك على ما اعوه من جواز اقتداء المفترض بالمتنقل فإن من المعلوم أن جبرئيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يكن عليه شيء من الصلوات مفروضًا والجواب أنه لما أمر (١) بصلاته به ﵊ صار مأمورًا به وصارت الصلوات العشر مفروضة عليه وإن لم يكن مكلفًا بها من قبل ومن بعد فهذا ليس من صلاة المفترض خلف المتنقل في شيء وما قيل (٢) من أنه ﷺ لعله أعادها بعد الائتمام به في كل صلاة فمع بعده محتمل.\n[قوله عند البيت] وكان هذا للإشارة (٣) إلى أن المكي فرضه في الاستقبال إصابة عينها إلا الاكتفاء بجهتها ومما ينبغي أن يتنبه له أن الصلاة وإن افترضت ليلة الإسراء إلا أنها بما لا يتعين حينئذ لم يلزم أداء صلاة الفجر لعدم الإحاطة بكيفيتها وفائدة الإيجاب اعتقاد حقيته من غير أن يجب الأداء فلما صلى جبرئيل معه الظهر وحصل العلم بكيفيتها صار الأداء فرضًا فأفهم.\n_________\n(١) وقد ورد نصًا في حديث الإمامة بهذا أمرت وضبط بفتح التاء وضمها معًا كما صرح به النووي وغيره.\n(٢) وفيه توجيه ثالث وهو أنه ﷺ أيضًا كان متنقلًا إذ ذاك لما أنه لم ينزل عليه بعد تفصيل الصلاة ثم رأيت الشيخ أشار إلى ذلك التوجيه قريبًا.\n(٣) قلت لكنه موقوف على ثبوت أنه ﷺ صلى إذ ذاك متوجهًا إلى الكعبة والمعروف أنه صلى متوجهًا إلى الشام نعم قال بعضهم أنه ﷺ صلى متوجهًا إلى الكعبة والشام معًا.","vol":"1","page":188},{"text":"[حين كان الفتى مثل الشراك] أي سوى فتى الزوال أراد ذلك بإيراده مطلقًا اتكالًا على الفهم وما وقع مفسرًا في غير هذه الرواية أو نظرًا إلى معناه اللغوي لأن فيه معنى الرجوع فلا يصح إطلاقه بهذا المعنى على ما هو للأشياء عند استواء ذكاء في وسط السماء ويمكن توجيه الكلام بأنه لم يكن للأشياء ظل أصلي في تلك الأيام هناك.\n[ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله (١)] أي سوى الفتى أو المراد تقريبًا وإن لم يكن ثمة فتى فالأمر أظهر وأيًا ما كان فالمراد بقوله صلى العصر أخذه فيها وشروعه لا فراغه منها وإتمامه إياها وقتئذ فأفهم.\n[حين وجبت الشمس] أي فور سقوطها.\n[وقوله أفطر الصائم] توكيد لعدم التأخير وتبيين لكون المدار مجرد الغروب من غير لبث بعده وذلك لأن قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يدل دلالة واضحة على أن الصوم هو الإمساك النهاري وأنه لا يدخل فيه شيء من أجزاء الليل فذكر الإفطار ههنا لبيان أنه لا ينتظر بعد الغروب شيئًا لدخول وقت الصلاة\n_________\n(١) يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله عند الأئمة الثلاثة وبه قال صاحبا أبي حنيفة وأبو ثور وداؤد وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة والمشهور عنه رواية المثلين كما سيأتي، وقال عطاء لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة وقال طاؤس وقت الظهر والعصر إلى الليل وحكى عن مالك وقت الاختيار إلى أن يصير ظل كل شيء مثله ووقت الأداء إلى أن يبقى من غروب الشمس قدر ما يؤدى فيه العصر كذا في المعنى لابن قدامة، وفي الأوجز قال مالك: وطائفة يدخل وقت العصر بمصير ظل الشيء مثله ولا يخرج وقت الظهر وقالوا يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالحة للظهر والعصر، وقال بعض الشافعية وداؤد بالفاصلة بينهما أدنى فاصلة وقال الجمهور لا اشتراك ولا فاصلة.","vol":"1","page":189},{"text":"كما لا ينتظر لدخول وقت الفطر.\n[ثم صلى العشاء حين غاب الشفق] واختلاف العلماء في معنى الشفق أورث اختلافًا في آخر وقت المغرب المترتب عليه اختلافهم في أول وقت العشاء.\n[ثم قوله صلى الفجر حين يرق الفجر] ظاهره يؤيد قول من قال المعتبر في الصوم هو الانبلاج لا التبين كما ذهب إليه بعض الآخر وإن التبين في قوله تعالى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ الآية هو التيقن والانفصال الحقيقي القطعي لا التخميني ولهم (١) العذر بأن إدارة الإباحة في الأكل والشرب على عدم التبين وتحديد النهي بالتبين أبقى الفجر داخلًا في حكم الليل في باب الصوم خاصة لعلة قامت مقام الفارق بين فرض الصلاة وفرض الصوم فما ههنا لا يمكن إجراؤه إلى ما ثمة كما أن ما ثمة لا يمكن إجراؤه ههنا فيحمل كل من النصوص الواردة في الصلاة والصوم على معانيها ولا يترك ظواهرها بحسب ملاحظة ما ورد في غيرها مع أن الانبلاج ليس نصًا في أول البدو فيحتمل أن يراد به الظهور كالتبين ومثله البروق نعم (٢) قوله وحرم الطعام يفسر الوارد في الصوم أن المراد بالتبين ثمة ليس هو الظهور بل التبين ههنا بمعنى أول انشقاق الفجر وذلك لأنهم مجمعون بأسرهم أن وقت صلاة الفجر لا يتوقف دخوله على الظهور فوجب حمل التبين في آية الصوم عليه لقوله ﷺ المذكور.\n[وصلى الظهر المرة الثانية] حين كان ظل كل شيء مثله يعني به مع فتى الزوال وقوله لوقت العصر بالأمس يعني به قريبًا منه لأعينه قال الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده قوله صلى يستعمل كأكثر الأفعال للشروع في الفعل وللفراغ منه فقوله صلى في أحد الوقتين للفراغ من الصلاة، وفي الثاني للشروع فيها فصار المعنى أنه ﷺ فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني وقت شروعه\n_________\n(١) أي للبعض الآخر القائلين بأن المعتبر في الصوم هو التبين.\n(٢) هذا جواب لاعتذارهم المذكور قبل.","vol":"1","page":190},{"text":"في العصر في اليوم الأول ولا يخفى لطفه ولله الحمد (١).\n[ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه] هذا يشير إلى أن الوقت المستحب للعصر إنما ينتهي إلى بلوغ الظل إلى المثلين ولا يخفى أنه ليس في شيء من المواقيت كراهة في الاول ففيه دلالة على أن الوقت المستحب لصلاة العصر يبتدئ بعد المثل إلى المثلين وهذا يؤيد مذهب المثل (٢) في صلاة الظهر فأفهم.\n[ثم صلى المغرب لوقت الأول] هذا تنبيه (٣) على أن المستحب من وقت\n_________\n(١) وعلى هذا التوجيه فلا يحتاج إلى ما اضطر إليه بعض المالكية وطائفة من أن يقدر أربع ركعات مشترك بين الظهر والعصر والجمهور على أن لا اشتراك ولا إهمال بين وقتي الظهر والعصر لروايات وردت بلفظ وقت الظهر ما لم تحضر العصر كما في الأوجز.\n(٢) وهو مذهب الصاحبين ورواية للإمام وروايته الثانية المشهورة أن الظهر يبقى إلى المثلين والعصر يبتدئ من المثلين لروايات بسطت في محلها والأحوط أن يصلي الظهر قبل المثل والعصر بعد المثلين كما سيأتي في كلام الشيخ أيضًا.\n(٣) قال النووي: ذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره، والجواب عن حديث جبرئيل ﵇ بثلاثة أوجه أحدها أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر، والثاني أنه متقدم في أول الأمر بمكة وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها، الثالث إن هذه الأحاديث أصح إسنادًا من حديث بيان جبرئيل ﵇ فوجب تقديمها، انتهى، قلت: ولقائل أن يقول إن هذه الوجوه ونحوها لا بد أن تتمشى في وقت الظهر والتفريق مكابرة.","vol":"1","page":191},{"text":"المغرب غير موسع وإلا لصلاهما في اليومين في الوقتين.\n[ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل] فعلم منه بقاء وقتها المستحب إليه وهو المذهب عندنا].\n[ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض] هذا تعيين لوقته المستحب وللشافعية أن يقولوا هذا انتهاء له فلا يستلزم عدم استحباب الأول وأيًا ما كان ففيه دلالة على أنه مستحب أيضًا فيترجح الأسفار بعده لما فيه من تكشير الجماعة الموجبة لكثرة الفضل.\n[هذا وقت الأنبياء من قبلك] الظاهر منه وجوب الصلوات الخمس على الأمم السابقة مع أن في بعض الروايات تصريحًا باختصاص هذه الأمة بصلاة العشاء والجواب أن الاختصاص بالنسبة إلى الأمم دون الأنبياء فالأنبياء كانوا مأمورين (١) بالصلوات الخمس دون أممهم أو الإشارة واردة (٢) على اعتبار أكثرها دون جملتها والمعنى أن أوقات الأنبياء في جملة ما بيناه لك ولا يتوقف صدقه على أن يكون كل ما بين له ﷺ من الأوقات وقتًا لمن قبله نعم يتوقف صدقه على أن لا يتجاوز وقت الأنبياء عما وقته له ﷺ.\nومعنى [قوله والوقت فيما بين هذين] أن الوقت المستحب فيما بين هذين والذي ينبغي أن يعلم أن التجديد بحسب الاستحباب إنما هو في الجانب الآخر لا الأول\n_________\n(١) أو كانوا يصلونها تطوعًا.\n(٢) ومال ابن العربي إلى أن الإشارة إلى الوقت الموسع المحدود بطرفين الأول والآخر يعني ومثله وقت الأنبياء قبلك أي صلاتهم كانت واسعة الوقت وذات طرفين، وقال الحافظ ابن حجر: هذا باعتبار التوزيع عليهم بالنسبة لغير العشاء إذ مجموع هذا الخمس من خصوصياتنا وأما بالنسبة إليهم فكان ماعدا العشاء مغرقًا فيهم، وقال القارئ أو يجعل هذا إشارة إلى الأسفار فإنه قد اشترك فيه جميع الأنبياء الماضية والأمم الدارجة، كذا في البذل.","vol":"1","page":192},{"text":"إذ ليس قبل تلك الأوقات التي ذكرت وقت لا ناقص ولا كامل حتى ينبغي الاستحباب وإنما المنفى فيه أصل الوقت وفيما بين هذين الإشارة واقعة على أول آن الشروع في اليوم الأول وآخر آن الفراغ في اليوم الثاني وليست إلى الوقت الذي صلى فيه أولًا والذي صلى فيه ثانيًا فلا يرد أن هذا يستلزم أن لا يكون الوقت الذي صلى فيه في اليومين معدودًا في الوقت وذلك لأنه غير داخل فيما بين هذين لأنه عين هذين وأجيب عنه بأن دخول هذين الوقتين فيه وإن لم يصح بلفظة ما بين إلا أنه معلوم بالضرورة إذ لو لم يكن الوقتان داخلين في الوقت المعتبر لما صلى معه ﷺ فيهما.\n[وحديث جابر في المواقيت قد رواه إلخ] يعني أن مشهور (١) على اصطلاح المحدثين لكثرة من رواه عن جابر.\n[إن للصلاة أولًا وآخرًا] إما أن يحمل (٢) على إطلاقه ثم بيان أول الوقت\n_________\n(١) فالمشهور في الاصطلاح ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر كذا في كتب الأصول إلا أن الحديث مرسل عندهم (جزم بإرساله ابن القطان وتبعه صاحب القوت وتبعهما الشيخ أبو الطيب في شرحه ويشكل عليه أن سياق الترمذي في حديث جابر بلفظ عن النبي ﷺ كما ترى ويمكن أن يقال عن ابن القطان ومن تبعه أن المعروف في حديث جابر أن جبرئيل أتى النبي ﷺ كما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي وهكذا ذكره الزيلعي في نصب الراية وتبعه الحافظ في الدراية ونسباه إلى الترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم فتأمل) لأن جابرًا لم يذكر من حدثه بذلك وجابر لم يشاهد ذلك صحيحة الإسراء لأنه أنصاري مدني.\n(٢) يعني يحتمل أن يكون المراد بقوله إن للصلاة إلخ وقت الصلاة بعلائق يأتي ذكرها فيكون قوله إن أول وقت الظهر إلخ تفصيلًا لهذا الإجمال ويحتمل أن لا يراد في قوله إن للصلاة الوقت بل يحمل على ظاهره وعمومه ثم بين الوقت خاصة من هذا العموم كما بين التحريمه والتسليم في موضع آخر والحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة كما قاله السيوطي في الدر.","vol":"1","page":193},{"text":"وآخره لكونه من جملته كما أن التحريمة والتسليمة من جملة ذلك أو يخص بالوقت إما على حذف المضاف إلى بإرادة السبب بإطلاق المسبب أو إرادة المحل باللفظ الموضوع للحال إلى غير ذلك من العلائق.\n[حين تزول الشمس] هذا إشارة إلى أن التشبيه بالشراك حيث وقع في الرواية المتقدمة خارج مخرج العادة وبيان لأدنى مقادير الفتى وإلا فالمعتبر زوال الشمس لا غير فأفهم.\n[وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر إلخ] وهذا يحتمل أن يكون متروكًا من أحد الرواة أو يكون النبي ﷺ ترك ذكره لما علم أن الحاضرين قد علموه وتحققوه حق العلم].\n[وأن آخر وقتها حين تصفر الشمس] يجب حمل الوقت ههنا على الوقت المستحب (١) أيضًا أعم من أن يبقى بعده وقت مكروه كما في العصر أو لا يبقى كباقي الأوقات سوى وقت العشاء فإن الوقت فيها باق بعد نصف الليل ولا كراهة فيه أيضًا إلا أن التأخير إلى ما بعد الانتصاف لما كان مكروهًا سببًا للفوات بحسب العادة الأكثرية أورده على هذا المنوال فأفهم ثم لا يخفى عليك أنه يلزم على مقتضى هذا الحديث استحباب الوقت الذي فهم من الحديث المار كراهته كالعشاء بعد الثلث إلى الانتصاف والعصر بعد المثلين إلى حين الاصفرار وغاية ما يجاب عنه أن المستحب منه ما هو غاية في الاستحباب ومنه ما هو دونه إلى أن يكون بعض الأوقات المستحبة غاية في الدنو حتى إنه لا يتصور دون استحباب فالأول محمول على أعلى مراتبه، والثاني على أدناها فلا إشكال ولا معارضة فيهما ويمكن أيضًا أن يقال في روايتي الثلث والنصف أن المراد في حديث النصف، الليل الشرعي من الغروب إلى طلوع الفجر، وفي حديث الثلث، الليل العرفي وهو منه إلى طلوع الشمس فلا يجب\n_________\n(١) لما أنه إن لم يحمل على الوقت المستحب يجب أن لا يبقى بعد الاصفرار وقت والحال أن الوقت يبقى إلى الغروب بإجماع الأئمة الأربعة.","vol":"1","page":194},{"text":"أن يكون بينهما بون بعيد ومقتضى الروايتين متقارب أو المراد في حديث الثلث آن الشروع وفي حديث النصف آن الفراغ فتتفق الروايتان والله أعلم (١).\n[فأقم معنا إن شاء الله] تعالى أمره بالإقامة لأن العلم بأوقات الصلاة الحاصل بالصلاة معه أصح وأوضح من الحاصل بيانه ﷺ ولا يخفى الاهتمام بشأن الصلاة لكونها أحد أركان الإسلام ولعل الرجل كان رسول قومه فخيف لو اكتفى على مجرد البيان بالكلام التباس الأمر عليهم بتغيير بعض الألفاظ أو في فمهم المراد بها فيقع بذلك ضرر عظيم.\n[حاجب الشمس] طرفها الأعلى وذلك لأنها لا يبقى بعد غروب أكثرها إلا على صورة الحاجب.\n[قوله فأخر المغرب إلى قبيل] غروب الشفق لئلا يقع آخر أجزاء الصلاة خارجًا عن وقتها.\n[كما بين] تلك الكاف زائدة.\nثم اعلم أن الإمام وصاحبيه اختلفا في آخر وقت الظهر ما هو فآخر وقتها عند الإمام إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فتى الزوال وقال صاحباه إذا صار مثله سواه والذي بعد المثل وقت العصر عندهما وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه\n_________\n(١) ومما يجب التنبه عليه أن الترمذي حكم على الحديث أنه خطأ أخطأ فيه محمد بن فضيل والحديث رواه الدارقطني، وقال إنه لا يصح مسندًا وهم فيه ابن فضيل وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلًا وهو أصح، وقال ابن الجوزي في التحقيق: ابن فضيل ثقة يجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلًا وسمعه من أبي صالح مسندًا، وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال وهم فيه ابن فضيل إنما يرويه أصحاب الأعمش عنه عن مجاهد قوله وقال ابن القطان: لا يبعد أن يكون عند الأعمش في هذا طريقان قاله الزيلعي.","vol":"1","page":195},{"text":"الله تعالى أيضًا وما روى (١) أن ما بعد المثل إلى المثلين وقت مهمل ليس بشيء من الصلاتين فغير معتبر بها ولا هي مشهورة عن الإمام ولا تساعدها رواية ولا دراية فلا ينبغي أن يتكل عليه نعم الأحوط الفراغ من الظهر قبل انقضاء المثل والاشتغال بالعصر بعد انقضاء المثلين مع الاعتقاد بأن هذا إما وقت العصر كما هو رأي الثاني والثالث أو وقت الظهر كما هو رأي الأول والمشهور عن الإمام رواية المثلين في آخر وقت الظهر والوجه في اشتهارها عنه وقوعها في المتون فإن أكثرها من تصانيف أهل خراسان وهم قد اعتمدوا عليها فأورودا في المتون ورواية المتون مقدمة كما تقرر إلا أن الدليل يرجحهما (٢) وقد رجحه في البحر والفتح وما استدل به على رواية المثلين لا يخلو شيء منها (٣) عن شيء فمن جملته ما في الهداية وغيرها\n_________\n(١) هي رواية عن الإمام ففي البدائع وروى أسد بن عمر وعنه إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فتى الزوال خرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر ما لم يصر ظل كل شيء مثليه فعلى هذه الرواية يكون بين وقت الظهر والعصر وقت مهمل كما بين الفجر والظهر، انتهى، وبالفاصلة بين الوقتين قال بعض الشافعية وداؤد وللجمهور ما في رواية مسلم وقت الظهر ما لم تحضرالعصر كما في الأوجز وهذه الرواية كما تنكر الفاصلة بين الوقتين كذلك تأبى الاشتراك بينهما كما روى عن مالك وطائفة أن قدر أربع ركعات مشترك بين الوقتين.\n(٢) هكذا في الأصل ولعل الضمير إلى الصاحبين أي يرجح قولهما.\n(٣) قلت: ولو سلم ما أفاده الشيخ فلا أقل من أن مجموع هذه الروايات أورث شبهة في خروج الوقت والثابت بالتيقن لا يزول بالشك على أن ظاهر القرآن يؤيدهم فقد قال عز اسمه «أقم الصلاة طرفي النهار» وقال تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ ويطلق عليه طرف النهار ولا قبل الغروب بل كلاهما يوميان إلى قرب الغروب.","vol":"1","page":196},{"text":"من أن بلالًا أذن فأراد أن يقيم فقال له النبي ﷺ أبرد وله ألفاظ أخر منها أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم والإبراد في ديارهم إذ ذاك لا قبله وأنت تعلم ما فيه فإنها دعوى غير مستظهرة (١) بالدليل مع أن الإبراد شيء إضافي لا يمكن أن ينكر حصوله بعد زوال الشمس بقليل نعم لا يحس بهذه الإبراد ولإحاطة الحر لأكناف الأرض وجوانبها فلا يحس الإبراد المعتد به إلا قبيل الغروب ولم يذهب إليه أحد وأما الإبراد الحاصل بالنظر إلى نفس حرارة جرم الشمس فهو حاصل وما يقال إن أوقات إمامة جبرئيل نسخت بفعله ﵊ في المدينة فأمر دون إثباته خرط القتاد (٢) إذ لا بد للنسخ من حجة يعتمد عليها واستدل على صحة رواية المثلين أيضًا بما رواه مالك في موطأه من أن رجلًا سأل أبا هريرة عن وقت الظهر والعصر فقال صل الظهر إذا كان ظلك مثلك والعصر إذا كان ظلك مثليك فإنه صريح في أن وقت العصر إنما يبتدئ بعد المثلين وأن وقت الظهر باق بعد المثل لأنه لما أمره بالصلاة عند صيرورة الظل مثله يلزم منه أن يفرغ منها بعده ولو بقليل ولا يخفى ما فيه إذ المطلوب أن أبا هريرة إنما أمره بأمر فصل لا يفتقر معه إلى السؤال عن وقت الصلاة بعد ذلك في فصول السنة كلها فإنه إذا أخذ في الصلاة وظله مثله مع فتى الزوال فإن كان صيفًا يحصل الامتثال بأمر الإبراد ويقع الفراغ\n_________\n(١) لكنها مستظهرة بالتجربة فإن الحرارة التي تكون عند الزوال لا تبقى بعد المثل كما لا يخفى وأما مجرد الحرارة في زمان شدة الصيف تبقى إلى طلوع الفجر فليس بمراد بداهة.\n(٢) قلت: لكنهم أجمعوا على أنها منسوخة في آخر وقت الفجر إذ يبقى إلى الطلوع وآخر وقت العصر إذ يبقى إلى الغروب وآخر وقت المغرب إذ يبقى إلى غروب الشفق وآخر وقت العشاء إذ يبقى إلى طلوع الفجر فإذا نسخها في آخر الأوقات الأربعة مجمع عليه فليت شعري ما المانع في نسخ آخر وقت الظهر.","vol":"1","page":197},{"text":"إذا صار ظله مثله سوى فتى الزوال وإن كان شتاء ففتى الزوال حينئذ قريب من المتل فيقع صلاته في أول وقت الظهر فلم يثبت (١) به المدعي، والحاصل أن الاستدلال بتلك الرواية متوقف على إثبات أن المراد بالمثل فيها سوى الفتى الأصلي ولا يثبت فلا يتمشى حجة. ومن متمسكاتهم في هذا الباب ما رواه أكثر أصحاب الحديث من رواية تمثيل أجر هذه الأمة بمن استعمل أجيرًا من الفجر إلى الظهر ثم آخر منها إلى العصر ثم آخر منها إلى الغروب والأولان اليهود والنصارى، والثالث أمة محمد ﷺ فقال الأولان حين رأوا كثرة عطاءهم مع قلة عملهم مالنا أقل عطاء وأكثر عملًا فهذا يدل على أن وقت العصر أقل من وقت الظهر وإلا لم يصح التمثيل والقلة في وقت العصر لا تستبين إلا إذا ابتدئ بعد المثلين وفيه أن زيادة وقت الظهر على وقت العصر لازمة على كل حال (٢) كما يظهر بالتفحص\n_________\n(١) لكن في الصيف لا يكون في هذا الإقليم فتى مطلقًا ففي هامش الزيلعي إن لكل شيء ظلًا وقت الزوال إلا بمكة والمدينة وصنعاء اليمن في أطول أيام السنة فإن الشمس فيها تأخذ الحيطان الأربعة ولو سلم فلا يكون أكثر من شراك النعل كما تقدم في كلام الشيخ أيضًا فإذا تضمن أثر أبي هريرة لأيام السنة كلها كما أفاده الشيخ بنفسه ففي الصيف يكون صلاة الظهر بعد المثل بداهة فثبت المقصود إذ لا قائل بالفصل بين الصيف والشتاء من أن في الأول يبقى الوقت إلى المثلين وفي الثاني إلى المثل.\n(٢) هذا مسلم كما يظهر بملاحظة الفصل بين الزوال إلى المثل ومنه إلى الغروب لكنه دقيق لا يظهر إلا بمعاناة التعب ولذا قال الزيلعي لا يقال من وقت الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله أكثر من ثلاث ساعات ومن وقت المثل إلى الغروب أقل من ثلاث ساعات فقد وجد كثرة العمل لطول الزمان لأنا نقول هذا القدر اليسير من الوقت لا يعرفه إلا الحساب ومراده ﷺ تفاوت يظهر لكل أحد من أمته على أنه في صورة المثل يكون وقت العمل للفرقة الثانية والثالثة قريبًا من السواء ومقتضى السياق أن يكون وقت الفرقتين الأوليين قريبًا من السواء كما لا يخفى وهذا لا يتمشى إلا على اختيار المثلين.","vol":"1","page":198},{"text":"عن ذلك غاية ما في الباب أن القلة على تقدير المثل كثيرة وعلى تقدير المثلين قليلة وصحة التشبيه تتوقف على نفس القلة والكثرة دون مقدارها مع أن للكلام فيه مجالًا بعد وهو (١) أن يقال المراد بالصلاة فيهما ليس هو الوقت الأصلي إنما المراد إجارته إياه من حين يصلي القوم العصر بجماعة وهو أوسط وقتها المستحب لاستحباب تأخيرها فلا يضر زيادة وقت العصر على وقت الظهر لتوقف صحة التشبيه على تفاوت وقتيهما بعد أداء المفروضة فأفهم فالتحقيق الذي ارتضاه المحققون أن الصحيح من المذهب هو العمل برواية المثل في الظهر ويدخل بعده وقت العصر ومع ذلك فالأولى أن يفرغ من الظهر قبل انقضاء المثل سوى فتى الزوال ويدخل في صلاة العصر بعد المثلين لئلا يكون صلاته مختلفًا فيها لكن التشدد في ذلك مما لا ينبغي أيضًا فإياك وأن تجادل مع المخالفين لذلك الذي عينا وإياك وأن تظن قطعية العمل بالذي بينا والله ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق إنه الميسر للصعاب وإليه الموئل في كل باب والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.\n[قوله<span data-type=\"title\" id=toc-66> باب التغليس بالفجر]</span>\nهذا بيان لما أجمله من الوقت المستحب وإشارة إلى ما فعله النبي ﷺ وأمر به من بين ذلك فقال باب التغليس بالفجر، اعلم أن مذهب الشافعي (٢) أن الأحب هو التغليس وذهب في ذلك إلى ما روى أن النبي\n_________\n(١) وفيه أن القائلين بالمثل أكثرهم قالوا باستحباب الصلاة في أول الوقت فهذا التوجيه أيضًا لا يجدي لهم شيئًا.\n(٢) وبه قال مالك وأحمد في رواية، وفي أخرى له كما في الأوجز والمغنى أن العبرة بحال المصلين إن أسفروا فالأسفار أفضل، وقال الأئمة الثلاثة الحنفية الأسفار أفضل ومال الطحاوي إلى أن يبدأ بالتغليس ويطول القراءة حتى يسفر جدًا ومستدل الحنفية بسطت في الأوجز بأحسن البسط.","vol":"1","page":199},{"text":"ﷺ وأبي بكر وعمر أنهم كانوا يصلون بغلس، ولنا ما روى أن النبي ﷺ كان يصلي أحيانًا كذا وأحيانًا كذا فلا يدري أي فعليه كان للاستحباب وأي فعليه كان لعارض فرجعنا إلى أنه هل بين لأحدهما أجرًا ومحمدة، أم كلاهما حسن فرأينا قوله أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر يشفي علتنا ويسقي غلتنا فعلمنا أن المرضى المحبوب عنده الموجب للأجر هو التنوير مع أن فيه تكثير الجماعة فكان هو الأولى وما فعله كان بعارض منه (١) وجود النسوة في الجماعات ولما كان الأسفار مبني للأجر وسببًا له فكلما كان الأسفار أكثر كان الأجر أوفر وقد وقع مثل ذلك في رواية أيضًا، وأما الجواب عما أورده من حديث التغليس فيمكن أيضًا بأن المراد بالتغليس ههنا إنما هو ظلمة داخل المسجد إذا كانت له درجات فالمراد أن النساء كن لا يعرفن من ظلمة المسجد إذ لا يجوز إرادة غير ذلك لأن من المستبعد الغير المسلم أن بعد الصلاة التي رويت عن النبي ﷺ في الفجر بحيث يقرأ فيها ستون آية أو خمسون في كل ركعة تبقى الظلمة مع أن (٢) الأذان وسنة الفجر بعد طلوع الفجر وكذلك كان يسبح بعد قضاء فريضة الفجر ويكبر ويحمد على ما نقل عنه فكيف يتصور بعد كل ذلك بقاء الظلمة في الفضاء حتى لا تعرف النساء في غير البيت من وضع الشخص وطول القامة وغير ذلك من القرائن إذ الوجوه كانت مستورة فلا مصير إلا إلى ما قلنا وقال هؤلاء معناه أن يضح الفجر فلا يشك فيه وأنت تعلم ما فيه من البعد فإن\n_________\n(١) الضمير إلى العارض يعني تغليسه ﷺ كان لعوارض منها شهود النسوة الجماعات، وفي البدائع: فإن ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر أو كان ذلك في ابتداء حين كن يحضرن الجماعات ثم لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك، قلت: وأخرج ابن أبي شيبة والطحاوي عن النخعي قال ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير أفترى أنهم كلهم اجتمعوا على خلاف فعله ﷺ.\n(٢) وأيضًا فإن كان ﷺ يضطجع غالبًا بعد ركعتي الفجر.","vol":"1","page":200},{"text":"الوقت ما لم يتيقن به لم يصح الصلاة أصلًا فكيف بعظم الأجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>[باب ما جاء في تعجيل الظهر]</span>\nالجواب عنه مثل ما مر فإن فعله ﷺ يؤيد كلًا الوقتين فإن من الأخبار ما يشير إلى أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر في أول وقته، ومنها ما يشير إلى غير ذلك فرأينا قوله ﷺ أبردوا (١) في الظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) يستثنى ظهر الصيف مطلقًا فقلنا باستحباب تعجيل صلاة الظهر في جميع الأزمان إلا وقتًا استثناه النبي ﷺ وهو وقت شدة الحر أو يقال لم نتعرض بفعله لاحتمال أن يكون ذلك العارض وعملنا على الذي أمرنا بالامتثال به.\n[من سأل الناس وله ما يغنيه] هذا القدر ليس فيه بأس وإنما هو فيما بينه في تفصيل مقدار ما يغنيه فبينه حكيم بن جبير بخمسين درهمًا وليس هذا القدر من المال فاضلًا من قوت يومه لمن كثر عياله فيكون بالمال هو المروي في غير هذه الرواية إلا أن هذا منظور فيه إلى بعض الأفراد بخلاف ما اشتهر فتكلموا فيه من أجل ذلك لكن الصحيح أنه متابع في ذلك فلذلك تراهم لم يروا بحديثه بأسًا وإلى هذا أشار الترمذي بقوله حديث حسن إذ لو كان اعتبر كلام القوم في حكيم\n_________\n(١) قال الغيئ اختلفوا في كيفية هذا الأمر فحكى القاضي عياض وغيره أن بعضهم ذهب إلى أن الأمر للوجوب، وفي التوضيح اختلف الفقهاء في الإبراد بالصلاة فمنهم من لم يره وتأول الحديث على إيقاعهما في برد الوقت وهو أوله والجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم على القول به ثم اختلفوا فقيل عزيمة وقيل واجب وقيل رخصة، انتهى، وقال ابن قدامة لا نعلم في تعجيل الظهر في غير الحر والغيم خلافًا، وأما في شدة الحر فكلام الخرقي يقتضي استحباب الإبراد بها على كل حال فهو ظاهر كلام أحمد وهو قول إسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لظاهر قول النبي ﷺ إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة الحديث.","vol":"1","page":201},{"text":"ابن جبير لم يحسن الرواية فكأنه لم ير تضعيف شعبة شيئًا يعتد به.\n[قال محمد وقد روى عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير] كما روى (١) عن حكيم بن جبير عن إبراهيم.\n[قوله فإن شدة الحر من فيح جهنم (٢)] هذا وإن كان مما يستشكل الظاهر لكنه ليس مما يستبعد إذ كما أنا نرى في عالم المحسوسات من الأشياء ما لا يدرك إلا بعد تدقيق النظر كذلك ههنا يمكن أن يجعل الله تعالى بين الشمس والنار التي في جهنم تعلقًا يبلغ به حره إليها والأمر حينئذ لا يبنى إلا على بعد الشمس وقربها من الديار وأما إذا لم توجد العلة في يوم أو في بلد فهل يستحب تأخيره للصلاة فالمسألة مختلفة فيها فمن بنى الأمر على العلة لم يقل بالتأخير حينئذ ومن عمم (٣) الحكم قال به.\n[قوله والشمس في حجرتها لم يظهر الفتى من حجرتها] أي من صحن دارها أراد (٤) بذلك تعجيل صلاة العصر جدًا فإن الصحن لم يكن طويلًا قلنا فالجدران\n_________\n(١) ومال ابن العربي إلى أن الترمذي أشار بذلك إلى الاضطراب في الحديث وأشار البيهقي إلى الاضطراب في الحديث بوجه آخر.\n(٢) استشكل بأن الصلاة مظنة وجود الرحمة ففعلها مظنة طرد العذاب فكيف أمر بتركها وأجيب بأن التعليل إذا جاء من الشارع وجب قبولها وإن لم يفهم وقيل بغير ذلك من الأجوبة التي ذكرت في الأوجز.\n(٣) قلت: والمرجح عند الحنفية التعميم ففي الأوجز عن الدارالمختار وغيره تأخير ظهر الصيف مطلقًا بلا اشتراط شدة حر وحرارة بلد وقصد جماعة وما في الجوهرة وغيره من اشتراك ذلك منظور فيه قال الشامي الشروط الثلاثة مذهب الشافعية صرحوا بها في كتبهم، قلت: وهو مختار القاضي من الحنابلة ومذهب المالكية على ما نقله الزرقاني ندب الإبراد في جميع السنة ويزاد لشدة الحر.\n(٤) استدل بذلك على التعجيل وقال الطحاوي لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن تحتجب عنها إلا بقرب غروبها فيدل على التأخير لا على التعجيل، وفي البدائع كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير الشمس، كذا في الأوجز، وفي شرح أبي الطيب عن النووي أن الحجرة ضيقة العرصة قصيرة بحيث يكون طول جدارها أقل من مساحة العرصة وعن ابن سيد الناس معنى قوله لم يظهر من حجرتها أي لم يصعد السطح قال فعلي هذا تكون العصر واقعة بعد المثل بشيء كثير بل بعد المثلين لأنه قال لم يصعد السطح فعلم أنه طلع على الجدار الشرقي وقت تقرر أن الجدار الغربي كان أقصر من العرصة انتهى.","vol":"1","page":202},{"text":"كذلك فلا يثبت المرام، وصورة المسجد والحجرة مع صحتها أن قبلة المدينة إلى الجنوب فالشرق شمالهم والغرب يمينهم ويجنب المسجد إلى جانب الشرق باب دار عائشة التي سماها حجرة فهذا الصحن هو الذي سماه في الحديث حجرة عائشة فتفكر.\n[قوله إنه] أي العلاء.\n[دخل على أنس بن مالك] وقد كان كبر فلا يخرج من بينه وكان يصلي فيه بجميع أهل بيته.\n[في داره بالبصرة] أي دار أنس.\n[حين أنصرف] أي العلاء من المسجد بعد الفراغ من الظهر.\n[وداره] أي دار أنس بجنب المسجد والظاهر أن أهل المسجد كانوا صلوا (١) الظهر في آخر وقتها بعد تمام الإبراد فإن العلاء بعد أداء الفريضة لعله اشتغل بشيء من السنن والأذكار أو بالنوافل ومع ذلك فليس فيه تصريح أن أنسًا إنما صلى بفور دخول علاء عليه بل الظاهر من دأب الزيادة أنه قال ذلك بعد\n_________\n(١) قلت: ولا يبعد أن يكون أهل المسجد قائلين بالمثلين فصلوا الظهر بعد المثل وأنس يكون قائلًا بالمثل فصلى إذ ذاك العصر.","vol":"1","page":203},{"text":"ما جلس يسيرًا وتحدث معه فلا يتوهم وقوع الصلاتين في وقت واحد.\n[فقال قوموا فصلوا] هذا لأنهم ضلوا العصر على أول وقتها وفعل أنس وإن كان يدل على أفضلية الوقت الأول إلا أن الدليل الذي بينه بقوله تلك صلاة المنافق إلخ إنما يدل على كراهية التأخير الذي يؤدي إلى الاصفرار ولم نقل بذلك والجواب عما ورد في ذلك أن الروايات مختلفة فصرنا إلى كثرة الثواب فيم يحصل فرأينا أن النوافل لا يجوز بعد صلاة العصر ففي تقديم العصر وتعجيلها تقليل النوافل وبعد العصر كانوا لا يشتغلون إلا بالأعمال الدنيوية من البيع والشراء وغير ذلك ففيه أيضًا تكثير الوقت الذي يكون ضائعًا فقلنا بتأخيرها.\n[قوله حتى قال بعض أهل العلم ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد] أي الوقت المستحب الذي تصير الصلاة بعده مكروهة وأما من لم يقل بذلك فقال إن تأخيره ذلك مكروه، وأما الصلاة فغير مكروهة إذ لا كراهة في الوقت.\n[أنا أعلم] قد يظن الرجل إذا علم واجتهد في التفتيش بشيء والناس لم يبحثوا عنه في أعلم الناس لما أنه كان تعاهد ذلك ما لم يتعاهدوا.\n[لأمرتهم] أمر إيجاب بدعاء ذلك من الله تعالى فلا يرد (١) أن النبي ﵇ إنما كان مأمورًا ومقتديًا فكيف يوجب ويعين الوقت.\n[ثلث الليل ونصفه] إما تقريبي أو الابتداء بعد الثلث يستلزم الانتهاء إلى النصف.\n[النوم قبل العشاء يكره] لمن يظن فوات الجماعة وأما من لا فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[باب الرخصة في السمر بعد العشاء]</span>\n.\n_________\n(١) على أحد التوجيهات في الحديث وقيل حجة لمن قال من أهل الأصول أن له ﵊ أن يحكم بالاجتهاد وحكى ابن رسلان في شرح أبي داؤد لأهل الأصول في المسألة أربعة أقوال: الإثبات والنفي والثالث كان له ﷺ أن يجتهد في الحروب دون الأحكام والرابع الوقف.","vol":"1","page":204},{"text":"[قوله لا سمر إلا لمصل] من كان يصلي فإذا وجد النعاس تحدث بسميره فيذهب عنه ما يجد.\n[أو لمسافر] يرجو بالمسامرة قطع مسافته فهذا يدل على أن النهي عن السمر ليست بحتم وإنما هو إذا لم يحتج إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>[باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل]</span>\nلا يرد بهذا ما يرد على الأحناف من قولهم بتأخير الفجر والعصر والظهر في الصيف وعلى الكل بتأخير العشاء لما أن المراد بالأول أول وقت المستحب إذ المقابلة بالآخر يستلزم نفي ما أريد منها وهو وقت الكراهة إذ العفو الذي هو جزاء الصلاة في آخر الوقت لا يكون إلا على ما استلزم (١) كراهة فتدبر.\n[قوله أي الأعمال أفضل] اختلف أجوبة النبي ﵇ عن هذا السؤال لاختلاف السائلين والأزمنة والأمكنة فأجاب كلًا بما كان أنسب له أو المراد الفضيلة بالجهات المختلفة.\n[قوله الجنازة إذا حضرت] أي في غير الأوقات المكروهة (٢) وهذا إذا أريد بحضورها للصلاة وأما إن أريد الدفن فلا تخصيص عند الجمهور.\n[قوله واضطربوا في هذا الحديث] فقال الفضل بن موسى عن عبد الله العمري عن القاسم عن عمته أم فروة وقال وكيع عن القاسم عن بعض أمهاته عن أم فروة، وقال بعضهم عن جدته الدنيا عن أم فروة وقال يعقوب المدني عن عبد\n_________\n(١) يعني أن المراد بالوقت الآخر في الحديث الوقت المكروه كما يدل عليه لفظ العفو المشعر للسيئة.\n(٢) فيه تأمل فإن المرجح عند الحنفية على ما في رد المحتار مبسوطًا أن الجنازة إذا حضرت في الأوقات المكروهة تصح الصلاة بكراهة اللهم إلا أن يقال إن ما أفاده الشيخ محمول على القول الثاني كما حكاه ابن عابدين عن صاحب الدرالمختار أنه أراد نفي الكراهة التحريمية وأثبت التنزيهية.","vol":"1","page":205},{"text":"الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وقال بعضهم غير ذلك خرجه (١) الدارقطني.\n[قوله لوقتها الآخر مرتين] أي اختيارًا (٢) منه ﷺ فلا يرد ما صلى خلف جبرئيل ﵇ وما فات منه يوم الخندق وغيره أو المعنى أنه لم يصل مرتين اختيارًا منه ﷺ بل مرة وهو ما إذا صلى لتعليم السائل الذي ذكره الترمذي وغيره، وأما ما صلى مع جبرئيل ﵇ فكان خارجًا من ذلك لأنه لم يك اختيارًا منه أو يقال ليس المراد نفي مرتين وإثبات مرة بل المقصود المبالغة في عدم وقوع ذلك منه ﷺ فلا يحتاج إلى الجواب عما يثبت به ذلك أحيانًا منه ﷺ.\n[قوله فإن صليت لوقتها] بالبناء للمجهول كانت هذه [لك نافلة] أي التي صليت مع الإمام وإلا يلزم انتشار الضمائر وهو خلاف الظاهر.\n[قوله وإلا كنت قد أحرزت صلاتك] لما كان نفى الشق الأول وهو أن يصلي الإمام في الوقت المستحب يشمل القسمين أن يصلي الإمام في وقت مكروه أو في غير وقت مطلقًا وعلى كل تقدير فالذي يصلي من قبل إما أن يصلي معهم أولًا رتب النبي ﷺ على قوله و«إلا» جزاء (٣) يترتب على كل من الاحتمالات الأربع\n_________\n(١) قلت: وأجمل الكلام على اضطرابه ابن العربي في العارضة وأجاد ثم قال وهذا اضطراب كثير عن ضعف فهما علتان تمنعان الصحة، انتهى.\n(٢) غرض كلام الشيخ أنه كان يرد على الحديث المذكور ما ورد من صلاته ﷺ في وقته الآخر أكثر من مرة فوجه الشيخ لدفع هذا الإيراد الحديث المذكور بثلاث توجيهات والفرق بين هذه الثلاثة لطيف جدًا لا سيما بين الأول والثاني ويظهر الفرق بينهما بدقة النظر بوجوه منها أن المنظور في التوجيه الأول عدم صلاته ﷺ قصدًا مطلقًا بدون إثبات المرة الواحدة فهو في مرتبة لا بشرط شيء وفي التوجيه الثاني بشرط إثبات المرة الواحدة ومنها أن لفظ الاختيار في التوجيه الأول بمعنى إرادة الندب وفي التوجيه الثاني بمعنى القصد والعمد ومنها غير ذلك فتأمل.\n(٣) يعني قوله ﷺ وإلا شامل لأربع صور كما بسطها الشيخ فرتب النبي ﷺ جزاء يترتب على الصور الأربع وهو قوله ﷺ أحرزت صلاتك.","vol":"1","page":206},{"text":"وهو إحراز صلاته سواء حصل بشموله معهم في صلاتهم نصيبًا أو لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>[باب ما جاء في النوم عن الصلاة]</span>\nهذا الباب معقود لبيان النوم وذكر النسيان إنما وقع تبعًا واستطرادًا بخلاف الباب الآتي إذ الأمر فيه بالعكس ولا يخفى عليك الفرق بين السهو المذكور في الباب الذي تقدم وبين النسيان المذكور في هذا الباب إذ المراد بالسهو ما يلزمه من الغفلة وقلة المبالات والاهتمام بأمر الصلاة لاشتغاله بالأمور الدنيوية وعدم احتياطه فكان التفريط جاء من جانبه فجوزي على فعله وأما في النوم والنسيان فإن كان خسرانه أظهر أن يبين إلا أنه غير مفرط في ذلك، هذا ولا يبعد أن يقال (١) المراد بهما واحد والفرق أن الباب الأول معقود لبيان مقدار الخسارة التي وقعت عليه والثاني لبيان تدارك ما فاته حتى الإمكان والمقدرة.\n[وقال بعضهم: لا يصلي حتى تطلع الشمس أو تغرب] هؤلاء القائلون غير الأحناف إذ الأحناف لم يقولوا أن لا يصلي عصر يومه حتى تغرب بل قالوا يشرع في الصلاة وإن أخذت الشمس في الغروب أو نسبه إليهم لما لم يعلم بتفريقهم فيهما.\n[وأما أصحابنا فذهبوا إلى قول علي بن أبي طالب] ﵁ وهو أن يصليهما متى ذكرها في وقت أو في غير وقت إجراء للعام على عمومته وهو قوله ﷺ إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فإن لفظة إذًا لعموم (٢) الأزمان وأنت تعلم أن الشافعية\n_________\n(١) وعلى هذا التوجيه فلا يكون قيد العصر في الباب الأول للاحتراز عن غيرها من الصلوات وتحتمل في الفرق بين البابين وجوه أخر تظهر بالتأمل فيهما نتركها اختصارًا.\n(٢) أي ههنا كما يدل عليه السياق، والمسألة خلافية كما في الأصول والفقه، ففي الهداية لو قال لها أنت طالق إذا شئت أو إذا ما شئت أو متى شئت أو متى ما شئت فردت الأمر لم يكن ردًا ولا يقتصر على المجلس، أما كلمة متى ومتى ما فلأنها للوقت وهي عامة في الأوقات كلها كأنه قال في أي وقت شئت وهمه إذا وإذا ما فهي ومتى سواء عندهما وعند أبي حنيفة إن كان للشرط كما يستعمل للوقت لكن الأمر صار بيدها فلا يخرج بالشك، انتهى، وفي نور الأنوار: إذا عند نحاة الكوفة تصلح للوقت والشرط على السواء فيجازى بها مرة ولا يجازى بها أخرى وهو قول أبي حنيفة وعند نحاة البصرة هي للوقت حقيقة فقط وقد تستعمل للشرط على المجاز وهو قولها، انتهى.","vol":"1","page":207},{"text":"تركوا هنا قولهم الذي كان من أصولهم وهو أنه ما من عام إلا وخص منه البعض أو لم يعملوا به هنا أيضًا أو لم تر أن قوله ﷺ.\n[فليصلها إذا ذكرها] نص في أداء الصلاة ظاهر في بيان الوقت ونهيه عن الصلاة في الأوقات المكروهة نص في بيان الوقت الذي يحترز عن الصلاة فيه فكيف يعارض به فلذلك قدمنا حديث النهي على حديث الأمر أو يقال هذا عام خص عنه الوقت المكروه بحديث آخر كما أشرنا إليه آنفًا وسيجيئ بعض بيانه أيضًا فيما يأتي.\n[شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات] فيه تغليب فإنهم لما شغلوا عن الثلاثة وفي أدائها تأخرت صلاة العشاء أيضًا عن وقتها المعهود فكأنهم شغلوا عن الأربع وهذا هو أصل (١) في ثبوت الترتيب في الفوائت ما بينها وغيرها لصاحب الترتيب.\n_________\n(١) والمسألة خلافية بين الأئمة، قال ابن العربي اختلف العلماء في معنى هذا الحديث إذا اجتمع على المكلف صلوات فاتت هل يرتبها فيقضيها حسب ما كانت وجبت عليه أم لا (هكذا في الأصل) قد يسقط الترتيب فيها فيصليها كيف شاء فقال الإمام مالك وأبو حنيفة: ومعنى قول أحمد وإسحق أن الترتيب فيها واجب مع الذكر ساقط مع النسيان ما لم يتكرر فيكثر، وقال الشافعي وأبو ثور لا ترتيب فيها فإن ذكرها وهو في صلاة حاضرة فلا يخلو أن يكون وحده أو وراء إمام فإن كان وحده بطلت وصلى الفائتة وأعاد التي كان فيها وإن كان وراء إمام أتم معه ثم صلى التي نسى ثم أعاد التي صلى مع الإمام هذا هو مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي: يعيد التي نسى خاصة، انتهى، قلت: الترتيب واجب عند الإمام أحمد نص عليه في مواضع كما قاله ابن قدامة ولا يسقط عنده بالكثرة أيضًا خلافًا للحنفية والمالكية إذ قالوا بسقوطه بالكثرة كما في الأوجز بالتوضيح والدلائل.","vol":"1","page":208},{"text":"[قوله إلا أن أبا عبيدة] فعلم أن من المنقطع ما يبلغ درجة الحسن إذا كانوا تلقوه بالقبول.\n[قوله ما كدت أصلي العصر حتى تغرب الشمس] أي ما كنت أظن أتى أصلي العصر قبل غروب الشمس وإن كنت أتوهم ذلك، والحاصل أن استعمال كاد لما كان حيث يترصد وقوع الفعل فالمعنى أني لم أكن أتيقن أن أصلي الصلاة وإن كان ذلك يتوهم أيضًا (أي أنه لكنا تهاكه نماز بزهونكا مين قبل إذ غروب).\n[قوله والله إن صليتها] كلمة إن نافية وهذا تسلية منه ﷺ لعمر أن هون بعض ما تجد من ذلك فإني أيضًا ما فرغت حتى أصلي ولم يكن عمر يعلم أن النبي ﷺ لم يصل لما كان لكل عن غيره شغل ووقعة غزوة الخندق قد كانت بقيت أيامًا (١) ففات يومًا أربع من الصلوات كما ذكر وفات يومًا صلاة العصر فقط،\n_________\n(١) هذا جمع من الشيخ في روايتي الباب واختلفت العلماء في ذلك فمنهم من جمع بينهما بنوع من وجوه الجمع وأحسنها ما أفاده الشيخ ومنهم من مال إلى الترجيح منهم ابن العربي فقال هو حديث منقطع إلا أن رواته وإسناده لا بأس به والصحيح أن الصلاة التي شغل عنها رسول الله ﷺ وأصحابه يوم الخندق صلاة واحدة وهي العصر، انتهى.","vol":"1","page":209},{"text":"واعلم أن هذا والذي روى من حديث التعريس يؤيد ما قلنا من أنه ليس عليه أن يصلي في وقت الطلوع وأن المراد بقوله ﷺ إذا ذكرها إذا لم يكن الوقت مكروهًا وإلا لم يؤخرها فعلم أن لفظة إذا في إذا ذكرها ليست للمفاجأة والفور (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>[باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر]</span>\n.\n[قوله وقد سمع عنه] وذلك أنه خرج من المدينة وهو ابن خمس عشرة سنة ولا ينكر لقاؤه بكثير من الصحابة لأن إقامته بمدينة إنما كانت أيام (٢) خلافة علي وقد كان فيها إذًا من الصحابة غير قليل فتحمل روايته عن علي وغيره على الاتصال وإنما كان يعنعن لأنه كان زمان خلافة معاوية وأتباعه فخاف في روايته (٣)\n_________\n(١) فإن الروايات بأسرها مصرحة بأن ﷺ لم يصلها إذا ذكرها على الفور بل أخر الصلاة حتى تعالت الشمس فصلى كما هو مصرح في عدة روايات.\n(٢) الظاهر أنه سقط منه لفظ إلى يعني كان قيامه في المدينة المنورة إلى خلافة علي فإنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بلا خلاف بين أهل الرجال وحنكه عمر بيده الشريفة وكانت أمه مولاة أم سلمة فربما غابت عنه فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله بها إلى أن تجيئ أمه فيدر عليه ثديها فيشربه وكانوا يقولون إن الذي بلغ الحسن من الحكمة ببركة ذلك، ولد بالمدينة وأقام بها إلى مقتل عثمان وبعده قدم البصرة، كذا في الإكمال، وليت شعري كيف ينكرون لقائه عليًا وكان إذ ذاك بلغ عمره خمس عشرة سنة فتأمل.\n(٣) ففي هامش الخلاصة عن تهذيب الكمال قال يونس بن عبيد سألت الحسن قلت يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول الله ﷺ وإنك لم تدركه قال يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ولولا منزلتك مني ما أخبرتك إني في زمان كما ترى وكان في عمل الحجاج كل شيء سمعتي أقول قال رسول الله ﷺ فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليًا رضي الله تعالى عنه، انتهى.","vol":"1","page":210},{"text":"عن علي وقوع فتنة فعنعن يرى بذلك أنه لم يأخذ عنه وإذا جعل دأبه ذلك فيه جعل في غيره كذلك لئلا يظهر المراد وأما روايته عن سمرة فهي مما لا يتطرق فيه احتمال أن يكون بينهما أحد فإن إمكان اللقاء بين الراويين يوجب حمل عنعنة عنه على الاتصال عند مسلم ومن دان دينه وزاد البخاري ومن حذى حذوة ثبوت اللقاء في وقت من الأوقات وإذا ثبت اللقاء بينهما مرة حمل كل الروايات المعنعنة له عنه على أنه سمعه منه من غير وسط وعلى كل من المذهبين فسماع الحسن عن سمرة ثابت لأنه صرح بسماعه منه في حديث عقيقة كما بينه المؤلف فتحمل الروايات جمعاء على التشافه ثم إن الاختلاف في الصلاة الوسطى ظاهر من المذاهب التي بينها المؤلف ولكل منها وجه فوجب المحافظة على الصلوات الخمس ليكون آتيًا بالمأمور به على جهة اليقين ولعل النكتة في إخفائها هو ذلك ولا يبعد (١) أن يقال كل منها وسطى فبعضها من الوسط بمعنى التوسط وبعضها من الوسط بمعنى الخير العدل ويجتمع السببان في بعضها معًا وفيها مذاهب (٢) كثيرة وراء ما ذكره المؤلف ههنا والأكثر على أن المراد بها صلاة ال عصر لتنصيص الروايات على ذلك ولمن ذهب إلى أنها غيرها الاعتذار بأن المقصود في الآية غير المعنية في الرواية وهذا لا يرد. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) قال ابن العربي: يحتمل أن يراد بالوسطى الفضلى ويحتمل أن يراد به من الوسط وهو المساوي في البعد لكل واحد من الطرفين.\n(٢) بسطت في البذل والأوجز أكثر من عشرين قولًا والمشهور منها ثلاثة أقوال: أحدها أنها الصبح وهو مختار مالك والشافعي وغيرهما، والثاني أنها الظهر وبه قال ابن عمر وعروة وغيرهما وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة، والثالث مذهب الحنفية وأحمد والجمهور أنها العصر وهو قول جمهور الصحابة والتابعين وقواه النووي والحافظ وغيرهما من محققي الشافعية وابن حبيب من المالكية.","vol":"1","page":211},{"text":"[قوله فيه بهذا الحديث] المراد بهذا الحديث (١)\n[قوله أخبرنا منصور وهو ابن زاذان) الفرق (٢) بين قوله هذا وبين قوله منصور بن زاذان هو أن الأول إذا لم يقبل أستاذه إلا لفظ أخبرنا منصور والتلميذ أراد أن ينبه على أنه أي المناصير، وأما قوله منصور بن زاذان فإنما يقال إذا كان هذا من لفظ الأستاذ لا غير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>[باب الصلاة بعد العصر]</span>\n.\n[قوله قال إنما صلى رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر] هذا اعتذار منه وسببه أن ابن عباس كان يضرب الناس مع عمر على الصلاة بعد العصر فلما قيل لابن عباس أن النبي ﵇ صلى بعد العصر بين أن صلاته تلك ليست بمقيسة عليها وهذا هو الجواب عنا في ذلك فإنه كان إما من خصوصياته ﷺ أو كان واجبًا عليه فلم يك من قبيل التنقل بعد العصر بل من قبيل قضاء الفوائت ونحن لم نمنعه بل هو مؤيد لما ذهبنا إليه في ذلك.\n[قوله روى غير واحد عن النبي ﷺ أنه صلى بعد العصر ركعتين] وليس ذلك بمخالف لحديث ابن عباس الذي قدمنا فإن ذلك لا يقتضي دوام النبي ﷺ على ذلك فإن المصحح لثبوت صلى وصدقه إنما هو الصلاة مرة واحدة وأما قول عائشة فيها أن النبي ﵇ ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين فالجواب عنه (٣).\n_________\n(١) بياض في الأصل بعد ذلك والمراد بهذا الحديث حديث العقيقة فإنهم استدلوا على صحة سماع الحسن عن سمرة بهذا الحديث.\n(٢) هذا غاية الاحتياط من المحدثين فإن دأبهم أن الشيخ إذا لم يذكر أحدًا من الرواة بالنسب وأراد التلميذ أن ينسبه يزيد بعد كلام الشيخ لفظًا يشير إلى ذلك كلفظ هو ويعني وغير ذلك.\n(٣) بياض في الأصل بعد ذلك والجواب عنه أولًا أن روايات عائشة مضطربة في ذلك جدًا كما لا يخفى على ممارس كتب الحديث وثانيًا أن نفي ابن عباس الدوام مبني على علمه ثم الجواب عن فعله ﷺ أن ذلك كان خصيصة له ﷺ كما ثبت أنه ﷺ إذا فعل أمرًا داوم عليه وقد ورد نصًا من حديث أم سلمة عند الطحاوي، قلت يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا قال لا، وحكى الحافظ هذه الزيادة عن أحمد فهذا نص في الخصوصية وستجيئ الإشارة إلى هذا الجواب في كلام الشيخ أيضًا.","vol":"1","page":212},{"text":"[قوله هذا خلاف ما روى عنه أنه نهى عن الصلاة بعد العصر] وأنت تعلم أنه لا يخالفه إذا النهي للأمة لا يقتضي النهي له ولعل الوجه في ذلك أن النهي عن الصلاة بعد العصر إنما وجهه التشبه بعابدي الشمس وذلك إنما هو وقت الغروب بعينه لا قبله لكن النهي عن الصلاة بعد العصر مطلقًا سواء كان وقت الغروب أو قبله فإنما ذلك لئلا يفضي شروعه في الصلاة بعد العصر إلى انتهاء الصلاة وقت عين الغروب وأما النبي ﵊ فمع قطع النظر عن تنزهه عن توسخ التشبه كان يعلم وقت الغروب فلم يكن شروعه في الصلاة بعد العصر مفضيًا إلى وقوعها في عين وقت الغروب ومما يدل على كون ذلك مختصًا به ﷺ أنه صلاها في البيت ولولا أنه أراد أن لا يقتدوا به فيهما لصلاهما جهرة وعيانًا.\n[قوله فقد روى عن النبي ﷺ رخصة (١) في ذلك] وهو ما أورده\n_________\n(١) وتوضيح مسالك الأئمة في ذلك كما بسط في الأوجز أنه تصح الصلاة مطلقًا في هذه الأوقات كلها عند داؤد وابن حزم وغيرهما من الظاهرية وتحرم عند الحنابلة النوافل في هذه الأوقات الخمسة أي عند الطلوع والغروب والاستواء وبعد الفجر والعصر مطلقًا سواء كانت ذات سبب أولًا بمكة وغيرها إلا سنة الظهر في الجمع بين الصلاتين وإلا ركعتي الطواف ويجوز القضاء والنذر في هذه الأوقات كلها وأما عند الشافعية فتجوز النوافل ذات سبب أيضًا وغير ذات السبب أيضًا بمكة وسنة فلا يجوز سنة الظهر في المجموعة والمراد بذات السبب ما تقدم سببه كتحية الوضوء وغيرها، وأما ما له سبب متأخر كصلاة الاستخارة والإحرام فلا يجوز أيضًا، وأما عند المالكية فمنع غير المكتوبة حتى صلاة الجنازة أيضًا عند الطلوع والغروب وكره بعد صبح وعصر إلا لجنازة وسجدة التلاوة قبل الأسفار والاصفرار وأما عند الحنفية فلا تجوز الصلاة مطلقًا في الأوقات الثلاثة الأول إلا عصر يومه، وإلا جنازة حضرت فيها والوقتان الأخيران من الخمسة لا يجوز فيها النوافل والبسط في الأوجز مع الدلائل.","vol":"1","page":213},{"text":"في كتاب الحج أن النبي ﷺ قال يا عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل ونهار وأنت تعلم أن القصد بذلك النهي عن سد أبواب دورهم التي كانت في المطاف وحوالي البيت لا إجازة الصلاة في أي وقت كان فلا يعارض ما سبق النهي عنها وسيجيئ بعض الكلام عليه في الباب (١) الذي أورد الرواة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>[باب ما جاء في الصلاة قبل المغرب]</span>\nهذا (٢) مما اختلف فيه علماؤنا\n_________\n(١) فإن المصنف بوب له بترجمة مستقلة في الحج وذكر فيه بسنده إلى جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال يا بني عبد مناف، الحديث، فسيأتي الكلام فيه.\n(٢) واختلف فيه السلف أيضًا وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى الاستحباب والجمهور منهم الأئمة الأربعة إلى عدم الاستحباب ففي الشرح الكبير للدردير وكره النفل بعد فرض عصر إلى أن تصلي المغرب فإن دخل المسجد قبل إقامتها جلس قال الدسوقي: وحاصله أنه تمتد كراهة النفل بعد أداء فرض العصر إلى غروب طرف الشمس فيحرم إلى استتار جميعها فتعود الكراهة إلى أن تصلي المغرب، انتهى، وفي شرح الإقناع زاد بعضهم كراهة وقتين آخرين منهما بعد المغرب إلى صلاته وقال إنها كراهة تحريم على الصحيح ونقله عن النص والمشهور في المذهب خلافه وأخبرني بعض الحنابلة أن التحريم مذهبهم، انتهى، قال البجيرمي قوله والمشهور في المذهب خلافه فهي كراهة تنزيه على المعتمد، انتهى، وفي الروض المربع تباح ركعتان بعد أذان المغرب، وقال ابن قدامة اختلف في أربع ركعات منها ركعتان قبل المغرب بعد الآذان فظاهر كلام أحمد جائزتان وليستا بسنة قال الأثرم قلت لأبي عبد الله الركعتان قبل المغرب قال ما فعلنه قط إلا مرة حين سمعت الحديث وفيها أحاديث جياد أو صحاح ثم ذكر هذه الأحاديث واستدل بها على الجواز وعلم بذلك أن ما حكاه الإمام الترمذي وغيره من الندب في مذهب أحمد لو صح يكون رواية له غير مرجحة في الفروع كما أن التحريم الذي حكاه شارح الإقناع لو صح يكون رواية ثالثة وأما عند الحنفية فاختلف أهل الفروع كما أفاده الشيخ واختار صاحب الدر وغيره الكراهة وابن الهمام الإباحة والجملة أن الأئمة الأربعة متفقة على عدم الاستحباب مع اختلافهم في الكراهة.","vol":"1","page":214},{"text":"والصحيح عدم كراهتها إذا لم يخف فوات التكبيرة الأولى من صلاة المغرب.\n[قوله بين كل أذانين صلاة] فيه تغليب عند من لم ير استحبابًا في صلاة الغروب ومن ذهب إلى كراهتها، وأما من قال بالاستحباب فإنه لا يحتاج إلى القول بالتغليب.\n[فلم ير بعضهم] مستدلين بعدم رؤيتهم ونحن لا ندري ذلك دليلًا إذ عدم الرؤية ليس دليلًا على عدم الوجود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>[باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر]</span>\nغرض الترمذي من عقد هذا الباب هو التنبيه على ما سبق من أن النائم والناسي إذا استيقظ أو ذكر فليصل إذا ذكرها فإن ذلك هو وقتها ومعنى هذا الحديث هو أن من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر وتمت صلاته والذي ذهب إليه الأحناف هو الفرق بين العصر والفجر في ذلك الحكم ومستدلهم في ذلك ما ذكروه من أن حديث النهي عن الصلاة في","vol":"1","page":215},{"text":"الأوقات المكروهة لما عارضه هذا الحديث المذكور في الباب رجعنا إلى القياس إذ هو المصير عند تعارض الآثار وتناقض الأخبار فالقياس يرجح حديث النهي في صلاة الفجر وحديث الإدراك في صلاة العصر إذ الواجب في صلاة العصر هو الناقض لما أن الوجوب يضاف إلى أن الشروع وذلك الوقت ناقض فإذا اعترض الفساد بغروب الشمس لم تصر صلاته أدنى مما وجبت عليه فكان المؤدي مثل الواجب بخلاف وقت الفجر فإن كله تام حتى يبدو حاجب الشمس وبعد ذلك لم يبق فليس في ذلك الوقت جزء هو ناقص نسبة إلى الباقي فالآن المضاف إليه الوجوب لما كان كاملًا وجبت صلاته كاملة فإذا اعترض الفساد بطلوع الشمس لم يبق المؤدي على الصفة التي وجب عليها فكان باطلًا هذا ما قالوا وأنت تعلم ما فيه من الاختلال وتزويق المقال فإن قولهم النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها ينادي (١) بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس فادعاء المعارضة بينهما باطل وإن قطع النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر والجواز في العصر فإن الوقت شرط لكلتيهما فإذا غربت الشمس بعد أداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة إذ ليس ذلك إلا قولًا بعدم اشتراط الوقت فعلى هذا يلزم (٢) عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة وثوبه نجس بقدر الدرهم أو دونه ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئًا نجسًا ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمتها أو من أخذ في الصلاة وهو يدافعه الأخبثان فلما قضى ركعة أو ركعتين بال أو تغوط أو ليس نظير ما قالوا فإنه أدى صلاة بعد الحدث على نحو مما التزمه وحاصله أنكم لم تفترقوا\n_________\n(١) قلت: لكن الكلام فيه مجال يظهر من ملاحظة كتب الأصول والفقه.\n(٢) قلت: إلا أن بين الشرطين فارقًا فإن الوقت ليس بشرط لصحة الصلاة بل لأداء الصلاة فإذا فات فلا شك في أنه لا يبقى أداء بخلاف الحدث فإن الطهارة شرط لصحة الصلاة فتدبر.","vol":"1","page":216},{"text":"بين الفساد والبطلان لزمت عليكم مفاسد جمة والفرق بينهما ظاهر فوقت اصفرار الشمس وقت الفساد بعد الغروب ليس (١) الوقت أصلًا فكيف القول باتحاد الفساد فيهما كما ادعيتم بل إطلاق الفساد على الثاني بمعنى البطلان لعدم فرقهم بين الفساد والبطلان في باب العبادات فلعلهم قاسوها على المعاملات وليت شعري إذا خرج وقت العصر فأي شيء يقتضي صحة ذلك الصلاة حتى تصح ولا تبطل فالفرق بين الفجر والعصر بالتقرير الذي سبق منا لا يجدي نفعًا إذ بعد ما شرع مصلي العصر في أداء الصلاة التي وجبت ناقصة لو غربت الشمس فالوقت الذي بعد الغروب إذا سلم أن كراهته ليست إلا مثل كراهة وقت الغروب فما معنى قضاء العصر بعد غروب الشمس إذ هذا الوقت على ما ذكرتم ليس إلا مثل الوقت الذي هو وقت الغروب ولا قائل بقضاء العصر إذا لم تغرب الشمس كلها، وما قيل (٢) من أن بين وقت العصر الذي في وقت الغروب والذي بعده تجانسًا بالنسبة إلى صلاة العصر فإن كلًا الوقتين مكروه لها ولا كراهة في ذات الوقتين بل الكراهة لهما عارضية في الأول بسبب تشبه عبدة الأوثان، وفي الثاني بسبب كون ذلك الوقت معينًا لغير ذلك الصلاة وهو صلاة المغرب بخلاف\n_________\n(١) هذا صحيح أن بعد الغروب لم يبق له الوقت أصلًا إلا أن الوقت لما لم يكن من شرائط الصحة بل من شرائط الأداء فبفوته فات الأداء لكن الأداء بنية القضاء وكذا العكس لما كان صحيحًا لم تبطل الصلاة كمن شرع الظهر في وقته ثم خرج حتى دخل وقت العصر فتفكر.\n(٢) ونظري القاصر لم يصل إلى من فرق بذلك بل المذكور في كتب القوم أن الفرق بينهما باعتبار ما قبل الطلوع والغروب فإن الأول لما كان كاملًا فاعتراء النقص عليه مبطل بخلاف الثاني فإن وقت الاصفرار لما كان ناقصًا في نفسه فاعتراء الغروب عليه ليس بمناف له غاية ما فيه أنه أنقص من الأول ولا خير فيه ففتش نعم فرقوا بينهما بأن ما بعد الغروب وقت صالح للصلاة ولذا وجبت صلاة المغرب بخلاف ما بعد الطلوع فإنه وقت الكراهة حتى ترتفع الشمس فتفارقا.","vol":"1","page":217},{"text":"وقت الفجر فإن كامل وبعد الطلوع لعل النقص ذاتي له ولذلك لم يشرع في ذلك شيء من الصلوات المفروضة فاعتراض الفساد بالغروب يغاير اعتراض الفساد بالطلوع ففي الأول لا تبطل الصلاة إذ وقت المؤداة مثل وقت المفروضة في كونهما فاسدين وصفًا وفي الثاني تبطل إذ المفروضة كاملة والمؤداة مؤداة في وقت النقض ذاتي له فتطويل من غير طائل إذ الأوقات التي عينت للصلوات إنما هي أسباب لوجوب أدائها كما أنت تعلمه فإذا كان كذلك فبعد خروج الوقت سواء كان في الفجر أو العصر لا يؤديه العبد إلا من عنده فيستويان في أن كلًا منهما من عنده فإن الوقت بعد الطلوع وقبل الزوال إنما هو حق العبد كما أن أوقات سائر الصلوات حق العبد غير وقت أداء فريضة ذلك الوقت فكيف يقال بأن الوقت الذي بعد الغروب غير الذي بعد الطلوع إذ هما من حق العبد ونسبة كل وقت لغير صلاة ذلك الوقت لا تفريق بينهما في أن تكون فيه شرعية صلاة أخرى أولًا فبطل الفرق الذي بينه فأفهم فلعل ذلك البحث دقيق فلما لم يتعين عند الأحناف معنى الحديث على الوجه الذي ذكر كما بينا فالمراد بالإدراك ليس هو الإدراك على سبيل الإحاطة وإلا لزم جواز الصلاة بالاقتصار على ركعة فإنه لما أريد بالإدراك في الموضعين هو الإحاطة صار المعنى من صلى ركعة قبل الطلوع أو الغروب فقد صلى الصلاة كلها وهذا باطل لم يقل به أحد فعلم أن الإدراك ليس ههنا بمعنى الإحاطة وإنما معناه اللحوق فإنه كما يطلق على الإحاطة كما في قوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كذلك يطلق على اللحوق تقول أدركت زيدًا إذا لحقته فالمعنى أن من لحق بركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجر بمعنى أن النائم مثلًا والساهي أو المقصر إذا شرع في الصلاة والباقي من الوقت لم يكن إلا قدر ركعة لو صلى وأتم جازت صلاته وأما إن صلاته هل هي مكروهة أو لا فأمر آخر لم يبحث عنه ههنا، وحاصله أن هذه الرواية تنبئ عن فراغ الذمة لمن صلى في شيء من هذين الوقتين وإن لم يخل فعله ذلك من كراهة ولا يعارضه حديث النهي عن الصلاة في الوقتين لأن النهي عن الأفعال الشرعية لما","vol":"1","page":218},{"text":"كان هو المنبئ عن صحتها كان مؤدي الروايتين هو الجواز غير أن الرواية الأولى لم تتعرض عن القبح المجاور بخلاف الثانية فإنها أظهرت صفة الصلاة في هذين الوقتين أو يقال من ههنا ليست للجنس بل هي ههنا للنوع يعني إذا أدرك الصي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض والنفساء والوقت من الفجر والعصر باق مقدار التحريمة أي التمسكن فيه من التحريمة بعد الطهارة فقد أدرك هؤلاء الجماعة الفجر والعصر فوجبت عليهم ولعل الله يحدث (١) بعد ذلك أمرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>[باب ما جاء في الجمع بين الصلاتي </span>ن].\n[قوله جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر] الحديث، هذا الحديث مما اضطربت فيه الفقهاء والمحدثون وتحيرت فيه العلماء المتقنون حتى قال الترمذي (٢) لم يعمل على هذا الحديث أحد من أهل المذاهب المشهورة واختلفوا في توجيه المراد منه فقال الإمام قدوة العلماء الأعلام سند الفقهاء والمحدثين رأس الجهابذة العلماء والمتكلمين إما منا الأعظم الكوفي -نور الله ضريحه- المراد بالجمع الجمع (٣) الصوري لا الحقيقي إذ الاحتمالات\n_________\n(١) قلت: والحديث يحتمل عدة وجوه غير ما أفاده الشيخ كما بسطت في الأوجز فأرجع إليه لو شئت التفصيل، وأيضًا لما كان حديث الإدراك محتملًا للوجوه وأحاديث النهي محكمة لا تحتاج إلى التأويل فتقدم عليه إلا أنهم استثنوا عصر اليوم لعارض.\n(٢) وفي الأوجز عن الفتح ذهب جماعة من أهل العلم إلى الأخذ بظاهر الحديث فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقًا وعادة وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وغيرهم.\n(٣) وهو الحق الذي لا يعدل عنه في هذا الحديث وهو مختار الحافظ في الفتح والعيني في البناية والشوكاني في النيل والشيخ في البذل والأبي في الإكمال، قال الحافظ، استحسنه القرطبي ورجحه إمام الحرمين وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي إلى آخر ما بسط في الأوجز.","vol":"1","page":219},{"text":"في الجمع ثلاثة جمعهما في وقت الظهر وجمعهما في وقت العصر والجمع بينهما بحيث يقع كل منهما في وقته وهذا الثالث هو المراد ههنا وهذا كما بينا لك في حديث العلاء بن عبد الرحمن وصلاة العصر في دار أنس بالبصرة فلا يلزم على ذلك شيء من المعارضات ولا يحتاج إلى شيء من الأجوبة التي تذكر ههنا وأما الآخرون فعارضوا هذا الحديث بالحديث الآتي ذكره وهو قوله ﵇ من جمع بين الصلاتين من غير عذر إلخ، وهذا الحديث مع ضعفه لما تأيدت بقبول المجتهدين وعملهم عليه صار معارضًا لذلك الحديث (١) القوى الذي مر ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>[باب بدء الأذان]</span>\n.\n[قوله لما أصبحنا] هذه قطعة من حديث طويل لم يذكره ههنا (٢) اختصارًا.\n[قوله فإنه أندى وأمد صوتًا منك] في هذا التعليل إشارة إلى أن من هدى إلى خير فهو أحق به وإلى أن المؤذن يستحب أن يكون رفيع الصوت.\n[قوله فذلك أثبت] أي لما علم رسول (٣) الله ﷺ أن الموفقين لرؤيا حق\n_________\n(١) ولذا احتاجوا إلى التأويل فقيل كان الجمع لمطر وهو مختار مالك في الموطأ ووافقه على ذلك جماعة ويأباه ما ورد في الروايات من غير مطر وقيل كان لمرض وقواه النووي، قال السيوطي: هو مختار السبكي والبلقيني والأسنوي وهو اختياري، انتهى، وقيل كان غيم فانكشف فبان أنه دخل وقت العصر وقيل الصواب في الرواية في سفر سافرها لرواية الأكثر والبسط في الأوجز.\n(٢) وذكر أبو داؤد في سننه بتمامه مع اختلاف طرقه.\n(٣) وقال ابن العربي: رؤيا الأنبياء حق من جملة شرائع الدين ورؤيا غيرهم في الدين ليست بشيء إلا أن هذه الرؤيا من غير الأنبياء استقرت في الدين لوجوه أحدها يحتمل أنه قيل للنبي ﷺ أنفذها وحيًا فأنفذها أو كانت مما يتشوق إليها ويميل إلى العمل بها فأمر بها حتى يقر عليها أو ينهي عنها على القول بجواز الاجتهاد له وعلى أن يبين أن هذه المسألة من مسائل القياس أو لأنه رأى نظمًا لا يستطيعه الشيطان ولا يدخل في جملة الوسواس والخواطر وروى أن النبي ﷺ رأى الآذان ليلة الإسراء وسمعه ولم يؤذن له فيه عند فرض الصلاة حتى بلغ الميقات وفي قول النبي ﷺ لعمر «فذلك أثبت» دليل على ترجيح أحد الاحتمالين الثاني والثالث، انتهى.","vol":"1","page":220},{"text":"كثيرون في أمتي حمد الله وأثنى عليه وقال هذا الأمر أثبت لقلبي وليس المراد ما سبق إلى بعض الأوهام من أن رؤياك يا عمر أثبت إذ لم يبين أمر الأذان على رؤياهم وإنما كان أوحى إلى النبي ﷺ صفته فلم يكن بينها للأصحاب حتى تبادر (١) إليه عبد الله بن زيد بقص رؤياه عليه.\n[فيتحينون] أي يوقنون (٢) على تخمينهم.\n[ينادي الصلاة] ليس المراد (٣) بذلك التأذين بل قولهم الصلاة الصلاة أون الصلاة جامعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[باب ما جاء في الترجيع </span>(٤)] ووجهه على ما روى في ابن ماجة والنسائي\n_________\n(١) ويؤيده ما في القوت ذكر أبو داؤد في مراسيله أن عمر لما رأى الأذان في المنام أتى ليخبر به النبي ﷺ وقد جاء الوحي بذلك فما رأى ثمة إلا بلالًا يؤذن فقال له النبي ﷺ سبقك بذلك الوحي، انتهى.\n(٢) وفي المجمع: أي يقدرون حينها ليدركوها في وقتها ليس ينادي لها بفتح دال، انتهى.\n(٣) ذكر الشيخ قدس سره في تقرير البخاري المعروف، «لا مع الدراري» كلًا الاحتمالين وذكر في هامشه أقوال السلف في ذلك.\n(٤) واختلفت الأئمة في الترجيع فذهب مالك والشافعي إلى سنيته وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد إلى عدمه وذهب جماعة من المحدثين إلى التخيير قال ابن قدامة وجملة ذلك أن اختيار أحمد من الأذان بلال وعبد الله ابن زيد وهو خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه وبهذا قال الثوري وإسحاق والأخذ به أولى لأن بلالًا كان يؤذن مع رسول الله ﷺ دائمًا سفرًا وحضرًا وأقره النبي ﷺ بعد أذان أبي محذورة، كذا في الاوجز، وبسط فيه في الدلائل، قال ابن الجوزي: حديث عبد الله بن زيد أصل في التأذين وليس فيه ترجيع فدل على أن الترجيع ليس بمسنون، قلت: وكذلك أذان بلال وقد أذن في حياته ﷺ ثم أذن بين يدي أبي بكر في زمان خلافته وهو رئيس المؤذنين وقدوتهم وقد اتفقوا على أن لا ترجيع في أذانه ولم يختلف فيه أحد صرح به ابن الجوزي وغيره والبسط في الأوجز.\nتنبيه: لم أجد الكلام على الإقامة في هذا التقرير ووجدت في تقرير مولانا رضي الحسن ما معريه: إن الروايات في إقامة بلال مختلفة فأخذت الحنفية بالتكرار، انتهى. قلت: وتوضيح ذلك أن الأئمة الثلاثة قالوا بأفراد الإقامة إلا التكبير في أولها وآخرها ولفظ قد قامت الصلاة فإنها مثنى مثنى خلافًا لمالك في المشهور عنه وقديم قولي الشافعي أن لفظ قد قامت الصلاة أيضًا لمالك في المشهور عنه وقديم قولي الشافعي أن لفظ قد قامت الصلاة أيضًا يقال مرة وقال الحنفية والثوري وابن المبارك وأهل الكوفة إن الإقامة مثل الأذان مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين كذا في البذل واستدلوا على ذلك بعدة روايات بسطت في الأوجز، منها ما روى عن عبد الله بن زيد بتنظير الإقامة للأذان وبما قاله الطحاوي تواترت الآثار عن بلال أنه كان يثني الإقامة حتى مات وبروايات أبي محذورة المفصلة جلها على تثنية الإقامة وغير ذلك وبعد ثبوت الروايات الكثيرة في تكرار الإقامة لا احتياج لتوجيه إيتار بلال ومع ذلك وجه في البذل وغيره بعدة توجيهات، والأوجه عندي أن قوله أمر بلال إلخ قضيتان مهملتان في حكم الجزئية والمراد أذان الصبح وإقامته والمعنى يشفع أذانه بأذان أم مكتوم ويتولى الإقامة مفردًا واستثناء الإقامة على هذا التوجيه مدرج من بعض الرواة كما هو عند المالكية ولو سلم الإيتار فهو لبيان الجواز كما في الحاشية عن مواهب الرحمن.","vol":"1","page":221},{"text":"* * *","vol":"1","page":222},{"text":"أن النبي ﵇ كان ينزل في منزل فأذن فلما رأى صبيان القرية أخذوا في نقل الأذان وجعلوا يقولون الله أكبر الله أكبر كما هو دأب الصبيان فأمر النبي ﷺ بهم فأتوا فقال من الذي كان ينادي منكم بصوت رفيع وأيكم أحسن صوتًا وأندى فأشاروا إلى أبي محذورة وكان الأمر كذلك فأمره النبي ﷺ أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر فقال كذلك ورفع صوته ثم أمر أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فقال كذلك إلا أن ذلك لما كان مخالفًا لما يعتقده قومه ونفسه خفضه بذلك بصوته فقال النبي ﷺ قل أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله. ورفع النبي ﷺ بذلك صوته ورفع أبو محذورة صوته فثبت الإيمان في قلبه فاستمر الأمر عند أبي محذورة على هذا وكان ذلك تعليمًا منه لخصوصية ذلك الوقت فظنه داخلًا في الأذان.\n[قوله ويدور ويتبع (١) فاه ههنا وههنا] هذا بيان للفظة يدور فالمراد به إدارة عنقه لا غير فإن كانت المنارة غير متسعة لم يحتج إلى نقل الخطأ عن مقامه وكفى إدارة الرأس من غير انتقال وإن كانت متسعة بحيث لا يمكن له إخراج الوجه بعد قيامه مقامًا منها جاز له الانتقال إلى جوانبها فأما إذا أحاطت به الجدر من كل جانب حتى لا يخرج الصوت منها إلا عند إخراج الوجه من كواتها جاز (٢) له\n_________\n(١) قال أبو الطيب روى من الأفعال والفاعل ضمير لبلال وفاه مفعوله وههنا ظرف.\n(٢) ففي البحر إن لم يتم الإعلام بتحويل وجهه مع ثبات قدميه فإنه يستدير في المئذنة.","vol":"1","page":223},{"text":"ذلك وما يلزمه من تحويل الصدر معفو ضرورة إن التأذين لا يفيد دونه والاحتياج إلى المنارات في التأذين إنما هو حيث يشتد الحر والبرد والله أعلم بالصواب.\n[قوله إصبعاه في أذنيه] وقال بعضهم في الإقامة (١) أيضًا يدخل أصبعيه في أذنيه ولا منع عنه عند الاحتياج إلى رفع الصوت بكثرة المصلين.\n[قال سفيان نراه حبرة] لما كان النبي ﵇ قال في الحمرة ما قال احتاجوا إلى جواب ما ورد في ذلك الحديث من لفظة حلة حمراء فأجاب بعضهم بأن لبسه هذا كان قبل النسخ ثم نهى عنه ولا يخفى ما في ذلك الجواب من البعد فإن هذه القصة كانت في حجة الوداع وقضى النبي ﷺ بعده بقليل فأيان نسخ؟ والجواب على ما قال سفيان أن إطلاق الأحمر على ما فيه خطوط بيض وسود وحمر وصفرة لكن الغالب الخطوط الحمر غير قليل كما أن إطلاق الأسود على ما فيه غلبة السواد غير قليل والجرة كذلك فإنه نوع من الثياب مخطط وتوصف بصفة الخطوط الغالبة والمذهب (٢) في لبس الحمرة والصفرة أن المزعفر والمعصفر ممنوع عنه الرجال مطلقًا والحمرة والصفرة غير ذلك فالفتوى على جوازهما مطلقًا لكن التقوى غير ذلك، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.\n[قوله فقال بعضهم التثويب إلخ] اختلفوا في كراهته واستحبابه واختلافهم هذا مبني على اختلافهم في تفسيره وجملة الأمر أن التكاسل والتهاون في أمر الصلاة مكروه فما أفضى إليه كره وما لا فلا فمن فسره بتثويب الفجر وهو زيادة\n_________\n(١) كما حكاه الترمذي عن الأوزاعي.\n(٢) وفي الدر المختار كره لبس المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال مفاده أنه لا يكره للنساء ولا بأس بسائر الألوان، وفي شرح النقاية وغيره لا بأس بالثوب الأحمر ومفاده أن الكراهة تنزيهية وصرح في التحفة بالحرمة فأفاد أنها تحريمية وهي المحمل عند الإطلاق وللشرنبلالية فيه رسالة نقل فيها ثمانية أقوال منها أنه مستحب، انتهى.","vol":"1","page":224},{"text":"الصلاة خير من النوم، استحبه ومن فسره بالإعلام بعد التأذين كرهه وهو المذهب عندنا إلا أن أبا يوسف خص منهم المشتغل بأمر المسلمين كالسلطان والقاضي ومن اشتغل بالفتوى فإن في انتظارهم الصلاة في المسجد إضرارًا بالمسلمين وذلك لما ثبت أن بلالًا كان يعلم النبي ﷺ بعد الأذان لاشتغاله بشيء من الأمور.\n[قوله فاستبطأ القوم (١)] أي علم المؤذن وظن بطوء القوم.؟\n[قوله أمرني النبي ﷺ] فعلم من ذلك أن انتظار المؤذن المعهود بعد ما حان الوقت غير مسنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>[باب من أذن فهو يقيم]</span>\nهذا على الاستحباب (٢) وليس معنى ذلك أن إقامة الآخر لا يصح ولما كان ذلك رعاية لحق المؤذن فإن كان المؤذن راضيًا بإقامة الآخر أو غائبًا فلا ضير في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>[باب كراهة الأذان]</span>\nبغير وضوء.\n[قوله لا يؤذن إلا متوضئ] هذا النفي على الاستحباب لأن الأذان ذكر\n_________\n(١) وجملة الكلام أن التثويب وهو الأعلام بعد الأعلام يطلق على الإقامة أيضًا كما ورد في الحديث، وعلى قول المؤذن في أذان الصبح الصلاة خير من النوم وهو مستحب عند الجمهور، وعلى الأعلام بين الأذان والإقامة وهذا هو المحدث وذكر المصنف منها المعنيين الأخيرين وذكر صاحب الأوجز الثلاثة مع ذكر قائليها.\n(٢) قال أحمد والشافعي بحديث الباب من أذن فهو يقيم، وقال مالك إقامته وغيره سواء، قال ابن عبد البر: انفرد به عبد الرحمن بن زياد وليس بحجة عندهم وحجة مالك حديث عبد الله بن زيد لما قال له ﷺ ألقه أي الأذان على بلال فلما أذن قال لعبد الله بن زيد أقم أنت وهذا الحديث أحسن إسنادًا، انتهى، كذا في الأوجز، وجمع الحنفية بين الحديثين كما أفاده الشيخ.","vol":"1","page":225},{"text":"وأفضل الأذكار كلام الله تعالى وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يعلمهم القرآن على كل حال إلا الجنابة مع ملاحظة ما روى أنه ﵇ عليه رجل فلم يرد عليه حتى تيمم.\n[قوله هذا أصح من الحديث الأول] لأنه ثبت من أكثر الحفاظ هكذا موقوفًا على أبي هريرة مع أن في الحديث الأول (١) انقطاعًا أيضًا.\n[قوله فكرهه بعضهم] وإن كان (٢) كراهة تنزيهية ورخص في ذلك قوم وهذا أخف من الأول فليس إلا ترك فضيلة ونحن في هذه الطائفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>[باب ما جاء أن الإمام أحق بالإقامة]</span>\nأي لا يقام إلا إذا حضر الإمام إلا إذا خيف فوت الوقت وليس (٣) أن يقيموا حتى يحضر الإمام من غير اختيار منه فعلم أن المؤذن إذا أقام فليس على الإمام وجوب الحضور بفوره بل له أن لا يحضر فتعاد الإقامة عند حضوره إن كان بعد زمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[باب ما جاء في الأذان بالليل </span>(٤)] هذا مما يرد على الطرفين فإنهما لم يجوزا\n_________\n(١) قلت: الانقطاع لا يختص بالحديث الأول بل مشترك فيهما معًا لرواية الزهري عن أبي هريرة.\n(٢) اختلفت نقلة المذاهب في بيان مسلك الأئمة في أذان المحدث فأرجع إلى فروعهم ومذهب الحنفية كما في الهداية أنه يجوز اذان المحدث والوضوء مستحب.\n(٣) أي ليس للمصلين أن يقيموا الصلاة ليحضر الإمام اضطرارًا بغير قصده.\n(٤) اعلم أنهم أجمعوا على أن الأذان قبل الوقت في غير الفجر لا يجزئ قال ابن قدامة لا نعلم فيه خلافًا، وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن السنة أن يؤذن للصلوات بعد دخول وقتها، انتهى، وأما أذان الفجر فقالت الأئمة الثلاثة وأبو يوسف من الحنفية بجوازه قبل الوقت مع الاختلاف فيما بينهم في وقته فقيل لا يجوز حتى يبقى السدس الأخير وقيل يجوز من نصف الليل وقيل من بعد العشاء، قال الباجي وهذا بعيد، وقال أبو حنيفة ومحمد لا يؤذن لها حتى يطلع الفجر وبه قال الثوري وزفر، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":226},{"text":"أن يؤذن قبل الوقت ولو أذن قبل الوقت فالإعادة عندهما واجبة، وأما أبو يوسف فقد اختار جواز التقديم على الوقت في أذان الفجر وهذا لا ينتهض حجة له فإن التأذين المذكور لم يكن تأذين الفجر بل لإيقاظ (١) النوام ولو سلم فلم يثبت الاكتفاء (٢) به بل ثبتت إعادته في الوقت فأما أن يقال بجواز التأذين للنوافل وهذا أيضًا خلاف تصريحاتهم فإن علماءنا لم يصرحوا بذلك أو يقال بالتزام التأذين قبل الوقت وهذا أيضًا مخالف لمذهبهم، وأما الشافعية فقد جوزوا كون هذا التأذين لصلاة الفجر (٣) غاية ما يلزم من ذلك تكرار الأذان لصلاة واحدة ولا ضير في ذلك فإن تكرار التأذين عند الاحتياج إليه مسلم بين كلمهم فالتفصي عن ذلك إما بما ذهب إليه بعض شراح صحيح البخاري أن تفاوت ما بين الأذانين إنما كان مقدار أن ينزل هذا ويرقي هذا فإن بلالًا كان يؤذن في أول بروق الفجر وهو خفي لا يدركه كل أحد حتى إذا فرغ من تأذينه ودعائه نزل، فلما نزل بلال وعرج عبد الله ابن أم مكتوم\n_________\n(١) ففي رواية مسلم أنه ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، الحديث.\n(٢) قال ابن المنذر وطائفة من أهل الحديث والغزالي أنه لا يكتفي به وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الاكتفاء، قال القرطبي هو مذهب واضح، انتهى، وقال ابن قدامة: لأن الأذان قبل الفجر يفوت المقصود من الأعلام بالوقت فلم يجز كبقية الصلوات إلا أن يكون له مؤذنان يحصل الأعلام بأحدهما، انتهى، كذا في الأوجز.\n(٣) قلت: كون هذا التأذين لصلاة الفجر مشكل جدًا لأنه يفوت المقصود بالأذان كما تقدم قريبًا عن ابن قدامة، قال الباجي: والذي يظهر لي أنه ليس في الآثار ما يقتضي أن الأذان قبل الفجر هو لصلاة الفجر فإن كان الخلاف في الأذان في ذلك الوقت فالآثار حجة لمن أثبته وإن كان الخلاف في المقصود به فيحتاج إلى ما بين ذلك من اتصال الأذان إلى الفجر أو غير ذلك مما يدل عليه، انتهى، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":227},{"text":"فقيل له أصبحت أصبحت وكان مدار ذلك على ما ذهب إليه بعض فقهائنا أن حرمة الطعام على الصائم ليس من انبلاج الفجر إنما هو على التبين إذ على هذا التقدير كلا التأذينين يقعان في الوقت، وأما على مذهب من قال بحرمة الأكل من حين الانبلاج فليس لصحة ذلك التأويل من سبيل إذ قول النبي ﷺ كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم إنما هو تصريح بوقوع الأكل بعد أذان بلال لا يقال إذا كان تفاوت بين الأذانين مقدار العروج والنزول فكيف يمكن في ذلك المقدار من الزمان الأكل والشرب قلنا إن طعامهم كان علقمة (١) لا يحتاج فيها إلى كثير وقت فإنما هي تميرات وشربة ماء ويمكن الجواب عن أصل الإيراد الواقع على الأحناف بتسليم إباحة الأذان لغير الفرائض وقد ثبت مثل ذلك في الشرع فإن النبي ﵇ أمر بالأذان عند الحريق وظهور الغول وغير ذلك ولا يبعد استنباط ذلك عن كلام الفقهاء أيضًا فإنهم قالوا بسنية الأذان للفرائض الخمس فحسب، وأما إباحته لغيرها (٢) فغير منفى.\n[قال أبو عيسى هذا حديث غير محفوظ] اشتبه الأمر في الجمع بين هذين الحديثين: حديث أن العبد نام، وحديث أن بلالًا يؤذن بليل على هؤلاء الفحول فأجابوا بما ليس له مسحة من القبول وأقروا بتضعيف إحدى الروايتين من غير شاهد عليه عدول وما ذلك إلا ميل عن الصراط السوي أو عدول، وتقرير الحافظ في هذا المقام ظاهر لا يحتاج إلى حل وبيان لكنه يرد عليه أن تضعيف إحدى\n_________\n(١) قال في المجمع يجتزئ بالعلقة أي يكتفي بالمبلغة من الطعام وهو بضم عين أي قدر ما يمسك الرمق يريد القليل، انتهى.\n(٢) ففي الأوجز مشروعيته في أذن المولود وعند تغول الغيلان وإذا استصعبت دابته وساء خلق رجل يحسن الأذان في أذنه وفي أذنه المهموم والمصروع والغضبان وعند مزدحم الجيش وعند الحريق ولمن ضل الطريق في أرض قفر، انتهى.","vol":"1","page":228},{"text":"هاتين الروايتين إنما هو مبني على كون مورد الحديثين واحدًا ولم يبين وعلى كون بلال متعينًا للأذان الأول وعبد الله بن أم مكتوم للثاني وذلك غير متيقن كيف (١) وقد سبق عن قريب أن زياد بن الحارث أذن في الفجر فالجمع بين الحديثين بأن بلالًا كان يؤذن أحيانًا بالليل وأحيانًا بعد الفجر وكذلك ابن أم مكتوم مرة كذا ومرة كذا فاتفق أن بلالًا نام يوم توبته لتأذين الفجر مع أن الأذان الأول قد قاله غير بلال في وقته في الليل فلما استيقظ بلال ورأى ضياء ولغفلة نومه لم يميزه (٢) عن ضياء الفجر بادر إلى التأذين الذي كانوا انتظروه لصلاة الفجر وحرمة الطعام والشراب فلما كان الفجر لم ينبلج أمر النبي ﷺ بنداء أن العبد نام حتى لا يعتدوا به، وبذلك يصح أثر عمر فإنه كان يعلم أن تأذين الفجر لا يصح إلا بعد الفجر فأمر بإعادة الأذان فعلم أن حديثي أن العبد نام ولا يمنعكم أذان بلال كلاهما صحيح فإنما هما واقعتان ونداء نوم العبد كمان لتأذين صلاة الفجر قبل انبلاج الفجر وبذلك عرفت جواب ما يرد على ظاهر قوله أن بلالًا يؤذن بليل\n_________\n(١) بل وقد ورد عكس حديث الباب رواه أبو الوليد وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن عائشة وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق آخر وادعى ابن عبد البر وجماعة أنه مقلوب وأن الصواب حديث الباب، قال الحافظ: وكنت أميل إلى ذلك إلى ان رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه ثم جمع بينهما بأن الأذان كان بينهما نوبًا وحكى هذا الجمع عن ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما.\n(٢) فقد روى عن ابن عمر أن بلالًا أذن قبل الفجر فقال له النبي ﷺ ما حملك على ذلك فقال استيقظت وأنا وسنان فظننت أن الفجر طلع فأمره النبي ﷺ أن ينادي بالمدينة ثلاثًا أن العبد قد نام، الحديث، رواه البيهقي وإسناده حسن قاله النيموي.","vol":"1","page":229},{"text":"فأمره النبي ﷺ أن ينادي أن العبد نام من أن النوم يقضي تأخيره عن وقته لا تقديمه ووجه الدفع أن بلالًا لما كان هذا يوم نوبته لأذان الفجر أكثر من اهتمام أذان الليل فحين تنبه من رقدته خاف أن لا يكون آخر الأذان عن وقته فبادر إلى الأذان من غير أن يحقق هل الفجر برق أم لا فلما انكشفت عنه سنة النوم وتحقق الليل أمره النبي ﷺ بذلك فلا حاجة إلى تضعيف إحدى الروايتين كيف وشأن حماد أرفع (١) من ذلك.\n[قوله عن نافع عن عمر منقطع] ولا يضرنا (٢) انقطاعه فإن المراسيل عندنا معتبرة لا سيما وقد علم المتروك وهو ابن عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>[باب كراهية الخروج عن المسجد بعد الأذان]</span>\nفإن كان له ضرورة في الخروج ولا يمكنه العود إلى حين إقامة الصلاة صلى صلاته وخرج فإن (٣) كان صلى\n_________\n(١) وقال الحافظ: رجاله حفاظ ثقات ثم ذكر تضعيف أئمة الحديث لذلك ثم ذكر له عدة متابعات ثم قال هذه طرق يقوى بعضها بعضًا قوة ظاهرة. انتهى.\n(٢) قال النيموي رواه أبو دؤاد والدارقطني وإسناده حسن، انتهى.\n(٣) قلت: ههنا أربعة مسائل خلافية مبسوطة الذيال بسط الكلام عليها في الأوجز في أبواب متفرقة: الأول خروجه من المسجد ولم يصل الصلاة فيكره الخروج عندنا إلا إذا كان ينتظم به أمر جماعة فإنه ترك صورة وتكميل معنى، والثانية خروجه من المسجد وقد صلى تلك الصلاة قبل ذلك جماعة قال ابن رشد أكثرهم أنه لا يعيد، منهم مالك وأبو حنيفة، وقال بعضهم يعيد وممن قال بذلك أحمد وداؤد، انتهى، قلت: واستثنى في فروع الحنابلة المغرب، والثالثة كذلك، وقد صلى منفردًا فتعاد عند الشافعية كلها وعند الحنابلة إلا المغرب أو جاء وقت الكراهة وعند المالكية إلا المغرب والصبح والعشاء بعد وتر يعني لو صلى الوتر قبل ذلك لا يعيد العشاء، وعند الحنفية يراعى فيه ما يراعى في التنقل فلا يعيد إلا العشاء والظهر، والرابعة الخروج من المسجد بعد ما أقيمت الصلاة فمكروه عندنا للتهمة، كذا في الأوجز، وفي الدرالمختار: من صلى الفجر والعصر والمغرب فيخرج مطلقًا وإن أقيمت لكراهة النفل بعد الأولين، وفي المغرب أحد المحظورين البتيراء أو مخالفة الإمام بالإتمام، انتهى.","vol":"1","page":230},{"text":"قبل ذلك لا بأس بخروجه فإنه ليس عليه إجابة الدعوة فإن ذمته فارغة فأما إذا أقيم فالأكثر على أنه إن كان قد صلى قبله يصلي نافلة في غير الأوقات التي تكره فيها النوافل فإن كان مغربًا ضم (١) معه ركعة.\n[قوله قد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث عن أبيه] كما رواه عن أبيه إبراهيم بن مهاجر يعني توبع عليه إبراهيم بن مهاجر فالآخذ من أبي الشعثاء اثنان (٢): إبراهيم بن مهاجر، والثاني أشعث بن أبي الشعثاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>[باب الأذان في السفر]</span>\n.\n[قوله إذا سافرتما فأذنا وأقيما] فيه مجاز (٣) فإن التأذين والإقامة وإن\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة عن علي وبه قال الجمهور كما سيأتي، وفي الطحاوي عن شرح السيدان شرع في المغرب أتم أربعًا لأن مخالفة الإمام أخف من مخالفة السنة.\n(٢) فرواية إبراهيم أخرجها الترمذي وأبو داؤد وابن ماجة، ورواية أشعث أخرجها النسائي وأخرج مسلم والبيهقي بطريقين معًا وأخرج النسائي طريقًا ثالثًا وهو رواية أبي صخرة عن أبي الشعثاء ثم لا يذهب عليك أن أهل الأصول اختلفوا في قول الصحابي هذا معصية أو طاعة إنه مرفوع أو موقوف بسطه الشيخ في البذل فأرجع إليه.\n(٣) واحتيج إلى ذلك لما أن الأذان الواحد يكفي إجماعًا وقيل المراد من أحب منكما فليؤذن ونسب إليهما لاستوائهما ولا يعتبر في الأذان السن وغيره بخلاف الإمامة ويؤيده ما ورد في طريق أيوب عن أبي قلاية فليؤذن لكم أحدكم ويمكن أن يوجه بأن أحدهما يؤذن والآخر يحيب وفهم أبو الحسن بن القصار أن يؤذنا جميعًا وليس بمراد، كذا في البذل.","vol":"1","page":231},{"text":"كان من واحد لكن الثاني باعث عليه وسبب له وراض به فأضيف الفعل إليهما وهذا إذا كان التأذين على معناه الحقيقي وإن أريد به الاهتمام به فلا مجاز في إسناده إليهما.\n[قوله وليؤمكما أكبر كما] لما كان إسلامهما معًا فكان قراءتهما (١) القرآن وعلمهما بالسنة وزهدهما وورعهما بالسوية ولم يبق إلا الترجيح بكبر السن فلذلك قال هذا.\n[قوله والأول أصح] لما يروى (٢) أنه يشهد صلاة من أذن في السفر ما كان في ذلك المكان من الملائكة ورجال الغيب ومسلمي الجن ولما يشهد له يوم القيامة كل شيء يسمع تأذينه ولأن العلة التي ذكرها توجب ترك الإقامة أيضًا فإنها لجمع أهل المسجد ولا أحد ههنا يجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>[باب فضل الأذان]</span>\n.\n[قوله لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث] المراد بأهل الكوفة ههنا سفيان الثوري فإنه كثيرًا ما يأخذ (٣) عنه وأما إمامنا الأعظم فقد قال فيه دجال كذاب ولم يأخذ عنه وكان رافضيًا، والمذهب في أخذ الرواية عن مثل هؤلاء مختلف فيه فمنهم ومنهم البخاري من قبلها عنه إذا ثبت أنه ليس داعيًا إلى مذهبه\n_________\n(١) كما وقع نصًا في طرق الحديث، ففي رواية: وكنا يومئذ متقاربين في العلم، وفي أخرى: قلت لأبي قلابة فأين القرآن قال إنهما كانا متقاربين أخرجهما أبو داؤد وغيره.\n(٢) قال العيني: كافة العلماء على استحباب الأذان على المسافر إلا عطاء فإنه قال إذا لم يؤذن ولم يقم أعاد الصلاة، انتهى، قلت والأئمة الأربعة على استحبابه وأوجبه داؤد، كذا في الأوجز.\n(٣) وروى عنه توثيقه حتى قال لشعبة لأن تكلمت في جابر الجعفي لا تكلمن فيك.","vol":"1","page":232},{"text":"ولا يكذب إلى غير ذلك من الشروط المعتبرة في العدالة ومنهم ومنهم مسلم (١) من قال بعدم قبولها منه مطلقًا وهكذا اختلفوا في شأن جابر هذا فمنهم ومنهم سفيان الثوري من أخذ عنه ومنهم ومنهم الإمام من رده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>[باب ما جاء الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن]</span>\nلا يخفى أن الضامن مؤاخذ بفعل من ضمن عنه لا بفعل غيره فلا يلزم صحة صلاة من لم يصح التزامه الصلاة معه لعدم طهارة أو غير ذلك والذي التزم الصلاة مع الإمام وصح التزامه فإن عرضه بعد هذا التزام شيء من نقصان احتمله ضامنه وهو الإمام ولما كان صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم لم يصح اقتداء المفترض بالمتنقل ولا بمفترض آخر لأن الشيء لا يتضمن (٢) مثله ولا ما هو فوقه فمعنى قوله: الإمام ضامن، انبعاث الأئمة على الاحتياط في أمر الإمامة فإن الفساد الذي في صلواتهم لما كان يؤثر في صلوات المأمومين كان لهم مزيد احتياط إلى الاهتمام بذلك ولذلك دعا لهم بما يشمل كل ما يحتاجون إليه في ذلك فقال اللهم أرشد الأئمة\n_________\n(١) فإنه أنكر على رواية المبتدعة في مقدمة مسلم لكن الشيخين كليهما أخرجا عن المبتدعة كما في التدريب، وذكر أيضًا في أصل المسألة عدة أقوال لأهل الفن فأرجع إليه.\n(٢) قال صاحب الهداية ولا يصلي الطاهر خلف من هو في معنى المستحاضة لأن الصحيح أقوى حالًا من المعذور ولا يتضمن ما هو فوقه والإمام ضامن بمعنى تضمن صلاة المقتدي، وقال في حواشيه فإن قلت الشيء كما لا يتضمن ما هو فوقه لا يتضمن مثله كما صرح به المصنف في المضاربة فيجب أن لا يصح الاقتداء إلا إذا كان صلاة الإمام أقوى أجيب بأنا جوزنا الاقتداء عند التماثل بالإجماع، انتهى، فلا يرد حينئذ أن مصلي الظهر مثلًا ينبغي أن لا يأتم بمصلي هذه الصلاة أو يقال إن المراد بالمثل في كلام الشيخ المثل المغائر لا عين تلك الصلاة فلا يصح اقتداء مصلي الظهر بمن يصلي ظهر يوم آخر.","vol":"1","page":233},{"text":"فإن الرشد مستلزم للغفران فكان لهم فضل على المؤذنين، وأما المؤذنون فلما كان عليهم تعاهد الأوقات لئلا يؤذنوا في غير أوقات الصلوات وقد يقع في ذلك إفراط وتفريط فإن أمر الأمانة مما يسر على المرء أداء حقه قال لهم في الدعاء واغفر للمؤذنين ويعلم من ههنا أن اللائق بالأذان هو الذي يعتمد عليه في معرفة الأوقات فإن الأمانة لا تفوض إلا إلى من هو مستحق لها وحرى بإيفاء حقها.\n[قوله حدثت عن أبي صالح] هذا يشير (١) إلى واسطة بين أبي صالح وبين الأعمش.\n[قوله وذكر] أي البخاري عن علي ابن المديني (٢) أنه لم يثبت حديث أبي هريرة أي للانقطاع وحديث عائشة لمخالفة (٣) الثقات فإنهم يروونه عن أبي هريرة وأنت تعلم ما فيهما.\n[قوله فقولوا مثل ما يقول المؤذن] فيه تغليب لما ورد في الروايات (٤) الآخر.\n_________\n(١) وفي رواية لأبي داؤد عن الأعمش نبئت عن أبي صالح ولا أراني إلا قد سمعته منه يعني أنه تردد في أنه هل سمعه منه بواسطة أو بلا واسطة وبسط الحافظ في التلخيص الحبير طرق هذا الحديث والاختلاف فيه.\n(٢) اختلفوا في تصحيح الحديث فقال أبو زرعة حديث أبي صالح عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح عن عائشة، وقال البخاري عكسه وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت واحد منهما وصحح ابن حبان الطريقين معًا وقال قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعًا، قال الحافظ.\n(٣) وأيضًا في الحديث اختلاف علي أبي صالح كما لا يخفى.\n(٤) أي من تفصيل الحوقلة عند الحيعلتين وتوضيح الفقه في الحديث أن إجابة الأذان واجب عند الظاهرية وابن حبيب وندب عند الجمهور وهما قولان لمشايخنا الحنفية صرح به الشامي، وحكى ابن قدامة الإجماع على الندب ثم اختلفوا في ألفاظ الإجابة فقيل يقول مثل ما يقول المؤذن بجميع ألفاظ الأذان حكاه ابن عابدين عن البعض وهو وجه لبعض الحنابلة وقول لبعض المالكية لكن المشهور الراجح عند الأئمة الأربعة أن يجيب الحيعلنين بالحوقلة كما بسطه في الأوجز.","vol":"1","page":234},{"text":"[قوله كرهوا أن يأخذ على الأذان أجرًا] هذا يرد على الشافعية (١) مذهبهم في تجويز أخذ الأجرة على القرآن إلا أن لهم أن يعتذروا بورود النص ههنا في الترك فإن الاستئجار على الطاعات من تعليم القرآن والوعظ وأمثاله جائز عندهم ومنعه المتقدمون من علمائنا ذهابًا إلى أمثال هذه الروايات وجوزه المتأخرون منهم ضرورة فيجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والوعظ والتأذين ولا يجوز في قراءة القرآن في التراويح وعلى القبور لعدم الضرورة فيهما لإجراء إمامة غير الحافظ فيصلي بهم من لا يأخذ الاجر بسور قصار يحفظها فإن قيل إن ختم القرآن مرة سنة مؤكدة فهلا تعد إقامتها ضرورة قلنا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>[باب ما يقول إذا أذن المؤذن]</span>\n.\n[قوله حلت (٣) له إلخ] أي استحقها ومعلوم أن النبي ﷺ شأنه أرفع\n_________\n(١) قال ابن قدامة لا يجوز أخذ الأجرة عليه في ظاهر المذهب وكرهه الأوزاعي وابن المنذر ورخص مالك وبعض الشافعية لأنه عمل معلوم، انتهى، قلت: وأصل مذهب الحنفية المنع كما أفاده الشيخ وبسطه شيخنا في البذل وأول الشافعية حديث الباب على خلاف الأولى كما قاله ابن رسلان وغيره.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك، والأوجه عندي في الجواب أن الختم فيها ليس بسنة مؤكدة بل السنة المؤكدة هي التراويح فقط حتى الجماعة فيها أيضًا سنة على الكفاية كما صرح به أهل الفروع وأما ختم القرآن فهو إن كان سنة لكنها ليست بمؤكدة فإنهم صرحوا بأن القوم إن ما بالختم قرأ بقدر ما لا يؤدي إلى تنفيرهم فإذا ترك بملالهم فأولى أن لا يترك له المذهب\n(٣) قال أبو الطيب في رواية البخاري حلت بدون إلا وهو الظاهر وأما مع إلا فينبغي أن يجعل من في قوله من قال استفهامية والاستفهام للإنكار وقال بمعنى يقول فيرجع إلى النفي أي ما من أحد يقول ذلك إلا حلت له ومعنى حلت وجبت كما في رواية الطحاوي أو اللام بمعنى على ويؤيده رواية مسلم حلت وجبت كما في رواية الطحاوي أو اللام بمعنى على ويؤيده رواية مسلم حلت عليه لا بمعنى الحل المقابل للحرمة إذ هي حلال لكل مسلم وقد يقال بل لا تحل إلا لمن أذن له فيجعل الحل كناية عن حصول الإذن في الشفاعة، انتهى.","vol":"1","page":235},{"text":"من أن يترك أحدًا محرومة عما كان يحل له وهو محتاج إليه فلا حاجة إلى تأويل أن يقال حلت معناه وجبت أو يقال إن ذلك حاصل ما يؤل إليه معناه والفرق بين المعنيين أن الحل في التوجيه الأول على معناه المشهور وهو أنه لم تحرم عليه الشفاعة إلا أن النبي ﵇ يفعل ذلك الحلال لا محالة لاضطرار هذا المرء إليه فلا يتركه النبي ﵇ خاليًا عنها وهو محتاج إليها فليس في هذا الوجه لزوم عليه ﷺ، وأما في الثاني فعليه ﷺ لزوم ما لأنه كان أوجب على نفسه مكافأة من أحسن إليه فلما أحسن إليه بالدعاء فإنه يحسن إليه بالشفاعة لا محالة إن شاء (١) الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[باب كم فرض الله على عباده من الصلوات]</span>\n.\n[قوله ثم إنه نودى يا محمد] وقد وقعت تلك القصة ليلة أسرى بالنبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة (٢) ثاني شهر ربيع الأول وقيل ثانية عشر منه.\n[لا يبدل القول لدي] فيه تأويلان أحدهما أن النسخ والتبديل إنما هي بالنسبة إلى فهم العبد، وأما نحن فتعلم أن وجوب هذا الحكم إلى أي حين هو فالله ﷻ كان يعلم أن فرض الصلاة على أمة محمد ﷺ في أول الأمر خمسين ثم\nبعد مدة كذا يكون خمسًا وأربعين ثم هكذا وهكذا إلى أن يستقر الأمر على خمس صلوات حتى القيام ويمكن توجيهه بأن فرض الصلاة في علمنا كان خمسة وأجرها أجر خمسين لكنك فهمت أن فريضة الصلوات إنما هي خمسون ولم ننبهك على ذلك في أول ما سألت التخفيف عنا ويكون هذا تسلية لما أن النبي ﵇ لعله يحزن في نفسه من سؤاله التخفيف أن يكون نقص من أجر الأمة شيئا كثيرًا وأن الكريم تعالى شأنه إنما خفف عنا لما رأى فينا من ضعف في امتثال الأوامر فأزاله تعالى عن قلبه فقال يا محمد إنه لا يبدل القول لدي أي لم نكن فرضنا خمسين وخففنا لما رأى في أمتك من الضعف وقلة الامتثال بل المفروض في علمنا إنما كان خمس صلوات لا غير وهذه الخمس أجربها أجر خمسين والنكتة في أمره تعالى نبيه ﷺ بأداء خمسين ثم التنزل منها إلى خمس هو إظهار غاية امتثاله ﷺ لأمره تعالى شأنه واعتماده على أمته المرحومة فيما أتى به من الأوامر والنواهي لا\n_________\n(١) ذكر في الجامع بعد ذلك «باب الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة» لكن الشيخ كتب تقريره بين أبواب الجماعة فاقتفينا أثره لنكتة توجبه.\n(٢) هذا سبقة قلم والصواب من النبوة.","vol":"1","page":236},{"text":"كما كان موسى ﵊ يخاف في كل أمر نزل من الله تعالى قبول قومه ورده فإن النبي ﵇ قبل من الله تعالى وتبارك على أمته هذه الطاعة الكثيرة في تلك الساعات القليلة ولم يخش وقوعهم في الهرج (١) لكثرة ما بهم من الحوائج والأشغال وكان القصور في أدائها منسوبًا إلينا لو وقع وذنبًا منا إلا إليه ﷾ وتبارك بأنه أوجب ما يشق وفرض ما يسر أداؤه وكان مثال ذلك ما ينقل من أياز (٢) أن السلطان اشترى جام بلور قيمتها ألف (٣) ثم أمر أياز أن يكسره فكسره فقال لما كسرت ذلك أياز قال أذنبت يا مولاي وأجرمت فأعف عني واصفح فكان ذلك كله إظهار ما عليه النبي ﷺ من مرتبة العبودية ونهاية التسليم وغاية الامتثال والقبول في كل باب والله أعلم، ويمكن في توجيهه أن يقال هذا دفع ما يتوهم من التخفيف\n_________\n(١) هكذا في الأصل بالهاء فلو صح يكون بمعنى الفتنة.\n(٢) لما أراد محمود أن يظهر على لوامه كمال أدبه وغاية امتثاله لأمره.\n(٣) وفي تقرير مولانا رضي الحسن عشرة آلاف.","vol":"1","page":237},{"text":"من هذه الخمسة أيضًا بأن هذا القول لا يبدل ولا ينقص الصلاة منه.\n[قوله كفارات لما بينهن ما لم يغش الكبائر] هذه بظاهره يفيد أن لا تكفير ووقت غشيان الكبائر لا لها ولا للصغائر وأنت تعلم أن ذلك إنما يلزم على من قال بمفهوم المخالفة وأما عند الإمام فلما لم يعتبر مفهوم المخالفة كان مفهومه لفظ الحديث هو تكفير من لم يغش الكبائر أو تكفير الصغائر ما لم يغش الكبائر، وأما حال أمره غشيها ووقت غشيانها فمسكوت عنها فوجب في كشف حال هذه الحالة الرجوع إلى غير هذه من الروايات فيعلم أن التكفير وقت غشيانه الكبائر أيضًا مسلم، ومثل ذلك جاء في قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ بحمل الإضافة على الاستغراق وأما إذا لم يجتنب فليس التكفير للجميع بل للصغائر فقط ثم إن التكفير لما حصلت بالصلوات الخمس فالجمعة إلى الجمعة إما كفارة لما يعتري من قصور في الصلوات وإتيانها على ما هي عليه أو يكون رفع الدرجات (١) نائيًا مناب التكفير ويمكن في توجيهه أن يقال كلمة ما في قوله ﵇ كفارة لما بينهن عامة تشتمل على كبيرة وصغيرة فالمعنى أن ذلك المذكورات كفارات لكل صغيرة وكبيرة (٢) كائنة فيما بينهن ما دام الرجل لما يغش الكبائر، وأما وقت غشيانه إياها فإنما هي كفارات للصغائر فقط لا الكبائر وهذا ظاهر لا غبار عليه والحمد لله، وأما من ليس له إلا الكبائر دون الصغائر فلعله يخفف (٣) في كبائره ما علم الله تعالى منها على قدر الصغائر الكائنة في تلك المدة (يعني جتني اس مدت مين صغائر هو أتى هي تخفيف كبائر مين هوجائي كي).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[باب ما جاء في فضل الجماعة]</span>\nقيل في الجمع (٤) بينهما أن رواية خمس\n_________\n(١) فإن الأصل أن التكفير لما صادف المحل المغفور يكون سببًا لرفع الدرجات.\n(٢) يشكل ذكر الكبيرة بشرط ما دام الرجل لم يغش الكبائر اللهم إلا أن يقال أن ذكر الكبيرة لإفادة التعميم بقطع النظر عن وجودها وعدمها.\n(٣) ذكره النووي رجاء وتعقبه ابن سيد الناس كما في القوت.\n(٤) اختلفوا في توجيه العددين منهم من حاول إلى الترجيح ومنهم من حاول إلى الجمع بينهما، أما الأول فقيل رواية الخمس راجحة لكثرة من رواها، وقيل رواية السبع لأن فيها زيادة ثقة، وأما الثاني ففي الأوجز جمع بينهما بأكثر من عشرة أوجه.","vol":"1","page":238},{"text":"وعشرين كانت قبل رواية سبع وعشرين ثم زاد الله تعالى في أجر عباده ولم نبلغ الرواية الثانية إلا ابن عمر ويمكن أن يقال في توجيهه أن ليس معناهما إلا واحد أو هو أن صلاة الرجل والتي حصلت له بالجمع مع الإمام حوسبت في إحدى الروايتين دون الأخرى وتفصيله أنه كان من منته تعالى على عباده أنه أعطى في كل عمل يسير أجرًا كثيرًا فمن ذلك صلوات الرجل التي فرضها الله عليه فكان يتوهم أنه لا فضل ولا أجر في أداء الرجل الصلاة المفروضة عليه فإنه دين ولا حمد للمديون في أدائه ما يجب عليه أداؤه فدفعه النبي ﷺ في الباب الأول ومن ذلك صلاته مع الجماعة فقد أنعم (١) الله تعالى بذلك أجر خمس وعشرين صلاة لتعاكس أنوارهم فيما بينهم وتزايد فضائل صلواتهم بذلك ومن ذلك صلاته مع الإمام فإنه بذلك يستفيد أجر صلاة سوى ما كان له من صلاة نفسه والمثبت له المشير إليه قوله ﷺ من يتجر على هذا فلولا في ذلك زيادة ثواب للإمام والمأموم لما عبره النبي ﷺ بذلك اللفظ (٢) وإذا عرفت هذا فأعلم أن ابن عمر إنما حاسب الصلاتين (٣) مع ذلك الفضل الذي من الله به للجماعة، وأما عامة الرواة فإنما بينوا هذه الزيادة وذلك\n_________\n(١) وزاد ابن رسلان في إنعامه تعالى زيادة كثيرة فقال معنى الحديث أن تضعف الصلاة فتصير ثنتين ثم تضعف فتصير أربعة ثم تضعف فتصير ثمانية وهكذا إلى أن ينتهي إلى خمسة وعشرين ضعفًا وذلك كثير من فضله تعالى كذا في الأوجز.\n(٢) أي بلفظ التجارة.\n(٣) أي صلاة الرجل نفسه وصلاة إمامه.","vol":"1","page":239},{"text":"الفضل لا غير لأنه كان معلومًا.\nوأما قوله [وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب إلخ] فليس المراد به الإشارة إلى فضل سبع وعشرين فإن ذلك لا يصع (١) بل المراد بذلك إنما هو فضل الجماعة لا تعيين رواية سبع وعشرين فأفهم وتفكر وتشكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>[باب فيمن سمع النداء فلا يجيب]</span>\nاتفقوا (٢) أن إجابة الداعي باللسان سنة وبالإقدام واجبة.\n[لقد هممت أن آمر فتيتي] فيه أن الجماعة الثانية لو كانت ثابتة لما كان لذلك التحريق معنى إذ لهم الاعتذار بشمول الجماعة الثانية وفيه وجوب الجماعة المعبر عنه في كتب الفقه أنها سنة مؤكدة فإن الواجب عندهم ما على تركه وعيد فإن قيل يلزم على النبي ﷺ فعل ما ينهي عنه غيره وهو ترك الجماعة الأولى قلنا لزوم ذلك على النبي ﵇ إذا فرض أن يصلي في مسجده ذلك ونحن نعلم أنه لو فعل ذلك الإحراق والذهاب لصلى في مسجد آخر، وفي موضع غيره أي ما لم يصل فيه مرة وقوله لا يشهدون الصلاة يعني التي كان أمر بها أن تقام فإن المعرفة إذا أعيدت كانت عين الأولى مع أن الأصل في اللام إنما هو العهد وهذا يعين ما قلنا من أمر الجماعة الثانية فإنه لو كانت الجماعة الثانية معمولًا بها لكان المناسب حينئذ أن يقال لا يشهدون صلاة.\n[قوله فقال هو في النار] أي غير مخلد وأجاب الترمذي بحمله على التأييد بما لا حاجة إلى تقريره لظهوره.\n_________\n(١) فإن المصنف صرح بنفسه أن عامتهم يرددون بلفظ خمسة وعشرين درجة إلا ابن عمر وذكر العيني في شرح الصحيح رواية ابن مسعود وأبى غيرها بلفظ خمس وعشرين.\n(٢) حكى الإجماع عليه ابن قدامة وغيره مع ما فيه من خلاف مرجوح حتى إن للحنفية أيضًا فيه قولين كما تقدم.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>[باب الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة]</span>\n.\n[قوله شهدت مع النبي ﷺ حجته] أي عام حجة الوداع.\n[قوله انحرف] المراد بذلك إما انحرافه على جري عادته بعد الصبح والعصر وأما انحرافه لذهابه إلى بيته وهو ظاهر ما أفاده قوله فإذا هو يرجل إلخ.\n[فقالا يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا] هذان الصحابيان لم يصليا بالجماعة الثانية في المسجد ولا أراد ذلك من رحالهما فإنهم لو كان من عادتهم ذلك لما صليا في رحالهما بل كان عليهما إتيان المسجد لما لهم من اعتياد الجماعة الثانية فإذ لم يجدا غيرهما صليا كلاهما بالجماعة وإن وجدا غيرهما صليا معه كلهم ثم في هذا حجة للشوافع (١) على الأحناف نظرًا إلى ظاهر ألفاظ الحديث، وأما الإمام فقد أراد التفصي مما يرد عليه بما ورد في هذا الحديث من قوله ﷺ فإنها لكما نافلة فإن النافلة حكمها لما كان معلومًا لم يحتج إلى زيادة بيان في ذلك فاتكل على ما بينه النبي ﷺ من الأوقات التي يكره فيها النافلة في غير هذا الحديث ألست ترى هؤلاء الذين ذهبوا إلى الإعادة في الصلوات كلها كيف خصوا العرب (٢) بزيادة ركعة هل أمرهم النبي ﷺ بذلك فليس هذا إلا بما روى عن النبي ﵇ أنه نهى عن البتيراء فماذا عليهم في التخصيص بالأحاديث الآخر صلا (٣) الفجر والعصر أيضًا مع ما أنه\n_________\n(١) أي في مسألة إعادة الصلاة مع الجماعة مطلقًا، والحنفية قيدوها بما تصح بعدها النافلة كما تقدم.\n(٢) فقد قال ابن قدامة إذا أعاد المغرب شفعها برابعة نص عليه أحمد وبه قال الأسود بن يزيد والزهري والشافعي وإسحاق لأن هذه الصلاة نافلة ولا يشرع التنقل بوتر غير الوتر فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته، انتهى مختصرًا.\n(٣) قال أبو الطيب كيف وقد جاء فيه حديث صريح أخرجه الدارقطني عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال إذا صليت في أهلك ثم أدركت فصلها إلا الفجر والمغرب قال عبد الحق تفرد بوصله سهل بن صالح الأنطاكية وكان ثقة فلا يضره وقف من وقفه لأن زيادة الثقة مقبولة، انتهى.","vol":"1","page":241},{"text":"ﷺ منبه على علة التخصيص بقوله فإنهما لكما نافلة فكيف يفرد حكم هذه النافلة عن حكم سائر النوافل فإن قيل وقوع ذلك الأمر في صلاة الفجر (١) يؤيد مرام الشافعي قلنا أمرهم في صلاة الفجر ليس إلا أنهما لم يكونا يعلمان المسألة مطلقًا في غير صلاة الفجر أيضًا فأعلمهما إياها والله أعلم.\n[قوله أيكم يتجر] على هذا لا يخفى عليك أن هذا لا يثبت (٢) مرامهم فإنهم إنما جوزوا صلاة المفترض خلف المفترض وليس في ذلك دليل على هذا المرام بل النظر فيه يحكم بثبوت مرام المانعين بهذا الحديث (٣) فإنه لو كان أمر الجماعة الثانية ثابتًا لكان الرجل الذي جاء بعد الجماعة إنما تفحص عن آخر مثله وكان النبي\n_________\n(١) قلت: اختلفت الروايات في ذلك وجزم صاحب البدائع أن قصتها هذه كانت في صلاة الظهر ويؤيده ما في مسند أبي حنيفة نحو قصتها بلفظ أن رجلين صليا الظهر في بيوتهما، الحديث، ونحوه أخرجه محمد في كتاب الآثار فلما ثبت عند الحنفية أن القصة في صلاة الظهر فلا حاجة إلى الجواب.\n(٢) أي في تكرار الجماعة في مسجد صلى فيه مرة وهو مكروه عند الحنفية والمالكية خلافًا للحنابلة وحكى ابن عابدين أن علماء الأئمة الأربعة أجمعوا على كراهة ذلك بمكة المكرمة ٥٥١ هـ ولشيخ مشايخنا العلامة الكنكوهي نور الله مرقده، فيه رسالة أنيقة باللسان الفارسي اسمها القطوف الدانية.\n(٣) على أن الجزء الواحد في عموم البلوى لا يعتبر عند الحنفية وقد روى في الطبراني برجال ثقات عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم وقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صلى فيه صلوا فرادي وعن أبي قلابة يقول يصلون فرادي.","vol":"1","page":242},{"text":"ﷺ قال هل من رجل لم يصل صلاته حتى يصلي معه ولكان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قاموا من آخرهم أو أكثرهم إليه بل كان الأمر بعكس ذلك حتى لم يقم إليه أحد من الصحابة لما في طبعهم من رغبة عن الجماعة الثانية وكان المتجر أبا بكر (١) ﵁ لا رغبة في ذلك الثواب الذي يحصل له في الصلاة فإن الجلوس مع النبي ﷺ كان أفضل من هذا بل رغبة فيما فيه رغبة النبي ﷺ وامتثالًا لأمره الشريف.\n[قوله لا بأس أن يصلي القوم] لا بد من حمل لفظة لا بأس على معناه الاصطلاحي حتى يظهر تغاير بين القولين ولا يغرنك ما ذهب إليه أحمد وإسحاق فإن أحدًا من فقهاء المجتهدين لم يختر ذلك لكونه سبب التكاسل في أمر الجماعة الأولى وسبب المكروه مكروه فأفهم فإن فيه دقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>[باب فضل العشاء والفجر في جماعة]</span>\n.\n[قوله من صلى الصبح] لما كان الحضور في الصباح في حضرة كل دال، والالتجاء بجنايه يوجب دخوله في حزبه كان الأمر في جنابه ﵎ أيضًا كذلك وهمزة الإخفاء همزة سلب.\n[قوله بشر المشائين في الظلم] لما كان النبي ﷺ رخص في الظلمة والمطر أن يصلوا في رحالهم استحق الآتون في المسجد مزيد أجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>[باب فضل الصف الأول]</span>\n.\n[قوله خير صفوف الرجال أولها] لتسابقهم (٢) إلى الخير وبعدهم من\n_________\n(١) كما رواه ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلًا قاله أبو الطيب.\n(٢) وذكر ابن العربي في ذلك أربعة أوجه: أحدها أن التقدم أفضل في الخيرات ثانيها أن مقدم المسجد أفضل، ثالثها أن القرب من الإمام أفضل ولذلك لا يليه إلا أولو الأحلام والنهي، رابعها أن البكور إلى الصلاة أفضل وإنما كان آخرها شرها لفوائت هذه الفوائد وقربه من النساء اللاتي يشتغلن البال وربما أفسدن العبادة أو شوشن النية والخشوع، انتهى، وقال أبو الطيب الرجال مأمورون بالتقدم فمن كان أكثر تقدمًا فهو أشد تعظيمًا لأمر الشارع والنساء مأمورات بالتأخر كذلك.","vol":"1","page":243},{"text":"[النساء وقربهم من الإمام وشر صفوف النساء أولها لتسابقهن إلى ما هو شر في حقهن وتسارعهن إلى الخروج من البيت وقربهن من الرجال فإن حضور النساء المساجد إنما هو رخصة والأولى لهن إنما هو عدم الحضور ثم إن تلك الخيرية والشرية إضافية فلا ينافي خيرية الشر وشرية الخير نسبة إلى غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[باب إقامة الصفوف]</span>\n.\n[قوله فخرج يومًا] يعني أنه ترك اهتمام ذلك لما رآنا قد فهمنا فخرج إلخ.\n[قوله أو ليخالفن الله بين وجوهكم] أي تنازعوا فيما بينكم حتى لا يكاد أحدكم ينظر إلى وجه صاحبه كراهة له وبغضًا وذاك لتأثير اعوجاج الظاهر وخلافه في انحراف الباطن وشقاقه وما قيل من أن المراد به المسخ ففيه أن المسخ في أمته ﷺ لا يعم وفي هذا الموضع اشتمال وعموم حتى قال النبي ﷺ بين وجوهكم والجمع المضاف لا أقل من أن يفيد معنى الجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>[باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهي]</span>\nوهم الرجال البلغاء.\n[ثم الذين يلونهم] أي الصبيان لاشتراكهم معهم إلا في وصف البلوغ ثم الذين يلونهم وهم الخناثي لاتفاقهم مع الرجال في وصف الرجولية على تقدير وهو كونهم رجالًا دون تقدير أي كونهن إناثًا وقد علم بإقامة النبي ﷺ اليتيم معه أن محاذاة الصبي غير مفسدة للصلاة قياسًا على المرأة كما ذهبت إليه (١) شرذمة لا يعتد بها فكان\n_________\n(١) ففي الدر المختار محاذاة الأمرد الصبيح المشتهي لا يفسدها على المذهب وفيه تضعيف لما في جامع المحبوبي ودرر البحار من الفساد لأنه في المرأة غير معلول بالشهوة بل بترك فرض المقام كما حققه ابن الهمام، قلت وقد ثبت صلاة ابن عباس بحذائه ﷺ وكان عمره عند وفاته ﷺ ثلاث عشرة سنة فلا بد من أن يكون أمرد.","vol":"1","page":244},{"text":"فكان الحكمة في إقامة الخناثي بعد الصبيان أنهم لو كانوا رجالًا لم يضر ذلك في جواز صلاتهم ولو كن نساءكن قمن في مقامهن أي بعد الصبيان فلو بنى الأمر على العكس لضر ذلك صلاة الصبيان ألبتة.\nوأما قوله ﷺ [والنهي] وهو جمع نهية معناه العقل لأنها تنهي صاحبه عما لا ينبغي له، فإنما أشار بذلك إلى فضيلة قيام هؤلاء مع الإمام ليعلموا وليتعلموا كما أشار إليه الترمذي بقوله «وروى عن النبي ﷺ أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار»، وقوله ﷺ «ليليني (١)» بتشديد النون حتى لا يغلط ببقاء الياء مع أن المقرر بعد لام الأمر هو الجزم بحذفها.\nوقوله [لا تختلفوا فيختلف قلوبكم] لتأثير الاختلاف (٢) الظاهر في الاختلاف الباطن.\nوقوله [وإياكم وهيشات الأسواق] دفع لما عسى (٣) أن يتوهم أن أمر اهتمام\n_________\n(١) يعني بكسر اللامين وتشديد النون وفتح الياء التي قبلها على صيغة الأمر وهذا توضيح ما ضبطه به الشيخ وعلى هذا فالياء صحيح، وضبط أيضًا بحذف الياء وتخفيف النون وبكليهما ضبطه جمع من الشراح، قال ابن رسلان بتخفيف النون بدون الياء أو مع الياء فبثقل النون أي على التأكيد قلت: فما قيل بالياء بتخفيف النون غلط أو يقال إنه إشباع كما قاله القارئ.\n(٢) فإن للظاهر تأثيرًا بالخاصة على الباطن ولذا أكد مشايخ السلوك على دوام الطهارة ليطهر القلب ولذا حذر الشارع ﵇ من التشبه غاية التحذير.\n(٣) قلت: ويحتمل أن يكون الغرض دفعًا لما يتوهم من قوله «ولا تختلفوا غاية الارتباط حتى بين الرجال والنساء فدفعه بذلك بأن لا تختلطوا اختلاط أهل الأسواق حتى لا يتميز أولوا الأحلام عن غيرها والرجال عن النساء ويجوز أن يكون تأسيسًا وكلامًا مستأنفًا والغرض النهي عن دخول الأسواق بلا ضرورة فإنها شر البقاع.","vol":"1","page":245},{"text":"تسوية الصفوف لا ينتظم إلا بعد الجلبة الكثيرة والأصوات الشديدة العالية كما يشاهد في الأسواق، فنهى النبي ﵇ عن ذلك وأراد أن المسجد مما يعظم ويوقر وليس ينبغي فيه ارتفاع الأصوات وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[باب ما جاء في كراهة الصف بين السواري]</span>\nوجه الكراهة على ما هو (١) المشهور انقطاع (٢) الصفوف، وفي كراهة ذلك اختلاف المشايخ فتكون المسألة (٣) مختلفًا فيها، وقيل وجه الكراهة أن النبي ﷺ كان جعل للجن قيام (٤) بين السواري فلا معنى للكراهة في حقنا لعدم الاستيقان بحضورهم ولعلهم في صور الأناسي، والأوجه أن سبب ذلك عدم استواء الصفوف (٥) مع ما يلزم من انقطاعها\n_________\n(١) وقيل في وجه الكراهة أنه موضع جمع النعال.\n(٢) فإنه لا ضير فيها عند الضرورة بعد أن لا يلزم اعوجاج الصفوف.\n(٣) اختلفوا في الصف بين السواري وحكى الترمذي الكراهية عن قوم من أهل العلم منهم أحمد وإسحاق وروى سعيد بن المنصور النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة، وقال ابن سيد الناس: لا يعرف لهم مخالف في الصحابة ورخص فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المنذر قال ابن رسلان أجازه الحسن وابن سيرين، قال ابن العربي لا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما في السعة فمكروه للجماعة لا الواحد، وقال السرخسي في المبسوط: الصف بين الأسطوانتين غير مكروه لأنه صف في حق كل فريق وإن لم يكن طويلًا، كذا في البذل.\n(٤) هكذا في الأصل فهو بإضافة القيام إلى بين السواري وحكى مولانا الشيخ رضي الحسن في تقريره بعد هذا ما حاصله أنه لا يحتاج إلى ترك ما بين السواري خاليًا إذ ذاك لأنا لا نعلم أن الجن يشتركون معنا في الصلاة أم لا، وأيضًا لو اشتركوا لكانوا في صورة الأناسي أم لا، هكذا أفاده الشاه عبد الغني، انتهى.\n(٥) يعني أن الكراهية في سواري مسجد المدينة خاصة لعدم استواء سواريها إذ ذاك وأما على سواري زماننا المتساوية فلا كراهة.","vol":"1","page":246},{"text":"أيضًا فإن سواري مسجد النبي ﷺ لم تك متقابلة كما نشاهد في زماننا هذا، وعلى هذا فلا كراهة في غير مسجد النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>[باب الصلاة خلف الصف وحده]</span>\n.\nقوله [فقال زياد حدثني هذا الشيخ] أه هذه قراءة على الأستاذ (١) فلو رواه هلال عن وابصة فقال إني وابصة لكان جائزًا وأمره بإعادة (٢) الصلاة لما فاته ما يجب عليه من الشمول في الجماعة وهذا إذا كان في الصف مقام قيامه، وأما إذا لم يكن فالذي ينبغي له أن يجر أحدًا (٣) من الصف فيقوم معه ولو لم يفعل أجزأه ولا إعادة عليه حينئذ لا وجوبًا ولا استحبابًا (٤).\n_________\n(١) ويسميه المحدثون عرضًا والرواية به صحيح عند الجمهور خلافًا لمن لا يعتد به واختلفوا في مساواتها للسماع من لفظ الشيخ على ثلاثة مذاهب واختلفوا أيضًا في جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا على ذلك والبسط في الأصول، وما أفاده الشيخ لو رواه هلال عن وابصة لكان جائزًا هو عين رواية ابن ماجة إذ لم يذكر فيه واسطة زياد.\n(٢) الصلاة خلف الصنف وحده باطلة عند أحمد وإسحاق وصحيحة عند الأئمة الثلاثة والبسط في الأوجز، وما حكى الترمذي عن أحمد وإسحاق وعن قوم من أهل الكوفة مآلها واحد.\n(٣) عند الحنفية والشافعية، وكره مالك أن يحدب أحدًا كما في الأوجز.\n(٤) يشكل عليه أن القيام في الصف منفردًا مكروه وإذا صليت والصلاة مع الكراهة تعاد فكيف نفى الشيخ الإعادة مطلقًا ويمكن أن يجاب عنه بأن القاعدة مخصوصة ومرادهم بالواجب والسنة التي تعاد بتركه ما كان من ماهية الصلاة وأجزائها ولذا صرح ابن عابدين بأنها لا تشمل الجماعة لأنها وصف لها خارج عن ماهيتها فتأمل.","vol":"1","page":247},{"text":"قوله [قالوا من صلى خلف الضعف وحده يعيد] أي وجوبًا لارتكابه المحرم وقد قدمنا أن هذا إذا ما وجد في الصف موضعًا يقوم فيه.\n[فقال بعضهم حديث عمرو بن مرة إلخ] ولا بعد (١) في كونهما صحيحين بأن يكون هلال أخذ من زياد بن أبي الجعد وعمرو بن راشد كليهما وأخذ عمرو بن مرة وحصين كلاهما عن هلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>[باب الرجل يصلي ومعه رجل]</span>\n.\nقوله [برأسي من ورائي] حاصله أخذ (٢) القفا وفيه ما يدل على جواز مثل ذلك الفعل في الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>[باب الرجل يصلي مع الرجلين]</span>\n.\nقوله [أن يتقدمنا أحد] فإن كانوا (٣) من أول الأمر، فالأمر ظاهر وإن كانا اثنين ثم ثلثهما غيرهما فأما أن يجر اللاحق السابق إلى خلف أو يتقدم الإمام عليهما ولا فرق في جر اللاحق قبل دخوله (٤) في الصلاة وبعده.\nقوله [وفي الباب عن ابن مسعود إلخ] يعني الصلاة بالرجلين لا أنه إذا صلى بهما يتقدمهما لثبوت ما يخالفها عنه فكيف برواية ما هو عامل بخلافها، وأما\n_________\n(١) حكاه الزيلعي عن ابن حبان فقال رواه ابن حبان بالإسنادين المذكورين ثم قال وهلال بن يساف سمعه من عمرو بن راشد ومن زياد عن وابصة فالخبران محفوظان وبسط الكلام على طرقه.\n(٢) وفي أخذه ﷺ من قفاه وكان إدارته من بين يديه أيسر دليل لمن قال لا يجوز تقدم المأموم على الإمام، وهل يفسد الصلاة فيه خلاف بين العلماء.\n(٣) وموقف الإمام إذا كان من ورائه اثنان أن يتقدمهما عند الأئمة الأربعة وقال أبو يوسف تبعًا لعبد الله بن مسعود أن يقوم الإمام وسطهما. كذا في الأوجز.\n(٤) صرح بجوازها معًا في العالمكيرية.","vol":"1","page":248},{"text":"على (١) ما سيأتي من حمل فعله على الجواز وإظهار أن الصلاة جائزة بهذا أيضًا فلا ضير في أن يكون روى رواية التقدم على اثنين إذا صلى بهما ويكون ما روى عنه ﷺ محمولًا على ذلك أيضًا.\nقوله [وقد روى عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره] هذا ما اشتهر (٢) من مذهبه ولا يبعد أن يقال إنه فعل ذلك تعليمًا للجواز فلا يحتاج حينئذ إلى ما أجيب عنه بأن ابن مسعود لم يبلغه حديث التقدم فإنه بعيد عن مثله.\nقوله [ما لبس] فيه دلالة لما ذهب إليه الصاحبان من حرمة فراش الحرير لإطلاق اللباس على ما يفرش أيضًا.\nقوله [فنضحته] لإزالة الخشونة والدنس منه.\n[فقام عليه إلخ] فيه رد على ما ذهب إليه إفهام العامة من كراهية تخصيص الإمام بفرش شيء دون القوم وعكسه فمن الظاهر أن حصيرهم هذا لم يكن يسع الإمام والرجلين خلفه والعجوز من ورائهما لأن بواريهم لم تكن تسع ثلاثة صفوف إلا أن للخلاف فيه مجالًا، وفي الحديث دلالة على سنية الدعوة وسنية قبولها والدعاء للمضيف وجواز الصلاة بهم بركة لهم ثم إن فيه دلالة على جواز التطوع بجماعة كما قال المؤلف وذلك أنه ﷺ لم يكن ليصلي الفريضة في البيت ولكن النفل بالجماعة مقصورة عندنا على الثلاثة (٣)، وأما إذا زاد على ذلك فإنه يكره لعدم\n_________\n(١) أي على المحمل الذي حملنا عليه أثر ابن مسعود وهو بيان الجواز كما سيأتي إلا أن الأوجه هو المعنى الأول لأن المعروف من رواية ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا هو التوسط لا تقدم الإمام.\n(٢) وجه فعل ابن مسعود بوجوه أحسنها عندي ما قال العيني الجواب الثاني أنه كان لضيق المكان رواه الطحاوي عن ابن سيرين أنه قال الذي فعله ابن مسعود كان لضيق المكان أو لعذر آخر لا على أنه من السنة، انتهى.\n(٣) ففي الدارالمختار لا يصلي الوتر ولا التطوع بجماعة خارج رمضان أي يكره ذلك لو على سبيل التداعي بأن يقتدي أربعة بواحد كما في الدرر ولا خلاف في صحة الاقتداء إذ لا مانع قال ابن عابدين، والتداعي هو أن يدعو بعضهم بعضًا كما في المغرب وفسره الوافي بالكثرة وهو لازم معناه ما اقتداء واحد أو اثنين بواحد فلا يكره وثلاثة بواحد فيه خلاف وهذا كله لو كان الكل متنفلين أما لو اقتدى متنفلون بمفترض فلا كراهة، انتهى.","vol":"1","page":249},{"text":"ثبوت التطوع منه ﷺ بمن هو أكثر من ثلاثة.\n[اليتيم] هذا اسمه (١) وأما كونه صبيًا فمعلوم من موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[باب من أحق بالإمامة يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله إل </span>خ] هذا ما ذهب إليه أبو يوسف (٢)، وأما الباقون فقد اختاروا تقديم الأعلم على الأقرأ ومستدلهم ما وقع بعد ذلك من تقديم أبي بكر، وفي الجماعة أبي بن كعب وكان أقرأهم فكان منسوخًا (٣) ولا يبعد أن يقال معنى قول النبي ﷺ في هذا الحديث أقرأهم ليس هو المجود بل الأعلم بوجوه القراءات وتأويلات الآيات ومعانيها فلزمه العلم بمسائله فإذا تساووا في ذلك فأعلمهم بالسنة التي هي سوى (٤) مسائل الصلاة من علم الحلال\n_________\n(١) وبه جزم القارئ في المرقاة فقال اسم علم لأخي أنس وحكى عن ميرك وغيره أن اسمه ضميره وهو الأوجه عندي كما حررته في الأوجز مفصلًا.\n(٢) قلت: وحكى عن الإمام أحمد أيضًا ويؤيده فروعه ففي الروض المربع الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فقه صلاته ثم الأفقه إن استووا في القراءة واستدل بحديث الباب.\n(٣) وإليه مال الشيخ ابن الهمام في الفتح.\n(٤) قلت: ما ذكره من التعليل يدل على أن المراد علم الصلاة فقط، ففي الهداية أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة، وعن أبي يوسف أقرأهم لأن القراءة لا بد منها والحاجة إلى العلم إذا نابت نائبة ونحن نقول القراءة مفتقر إليها لركن واحد والعلم لسائر الأركان، انتهى، ومعلوم أن العلم الذي يحتاج إليه لسائر الأركان هو علم الصلاة لا غير.","vol":"1","page":250},{"text":"والحرام وأكثر ما هو مذكور في السنة وليس له صريح تعرض في كتاب الله الكريم إلا بتعسر وكذلك الروايات الواردة في المعاملات والسير وغير ذلك وعلى هذا فلا يكون الحديث مخالفًا لما ذهب إليه الجمهور حتى يفتقر إلى القول بنسخه والدليل على إرادة ذلك أن قراءتهم لم تكن كقراءتنا من غير فهم المعاني والمسائل بمجرد اقتناع على الألفاظ، وأما الترتيل والتجويد بالمقدار الذي يتوقف عليه صحة الصلاة فكانوا في ذلك سواء ولم يك منهم أحد لا يقرأ كذلك فأفهم (١) ثم إن الوجوه التي ذكرها الفقهاء في الأحقية بالتقديم، إنما ملاك الأمر فيها كونه ممن يرغب إليه لا من يرغب عنه وذلك باجتماع أوصاف اعتبرهما الشرع منقبة وكمالًا من كبر السن وشرافة النسب وغير ذلك على حسب ما يبنوه من الترتيب ثم إن بعض تلك الوجوه مصرحة بها في الروايات والبعض الآخر مدركة (٢) بالنظر في موارد التعليلات ولا ضير فيه بعد ثبوت أصله من حضرة الرسالة ﷺ.\nقوله [إلا بإذنه] اختلفوا في أن القيد والظرف وغير ذلك إذا ذكر بعد جمل متعددة هل يعتبر في كل من هاتيك الجمل أم يقتصر حكمه على ما اتصل به وإلى كل ذهب ذاهب والذي (٣) ذهب إليه الإمام عدم اعتباره في الكل\n_________\n(١) لعل فيه إشارة إلى أنه يلزم على هذا المعنى أن يكون أبي رضي الله تعالى عنه أعلم الصحابة لكونه أقرأهم.\n(٢) كقولهم بعد استواء السن الأحسن خلقًا ثم الأحسن وجهًا أي أكثرهم تهجدًا ثم الأسمح وجهًا ثم الأشرف نسبًا ثم الأحسن صوتًا ثم الأحسن زوجة ثم الأكثر ما لا ثم الأكثر جاهًا إلى آخر ما قالوا.\n(٣) ففي نور الأنوار الاستثناء متى تعقب كلمات معطوفة بعضها على بعض ينصرف إلى الجميع كالشرط عند الشافعي وعندنا ينصرف الاستثناء إلى ما يليه بخلاف الشرط.","vol":"1","page":251},{"text":"ولكن مذهبه (١) ههنا جواز الصلاة خلف غير صاحب البيت وجواز الإمامة للغير بقرينة أخرى لحقته وهي أن المنع إنما هو لحق صاحب البيت فإذا أذن فقوله ﷺ صلوا خلف كل ير وفاجر يجوز الصلاة خلفه.\nقوله [إذا أم أحدكم الناس فليخفف] هذا لا ينافي سنية الطوال في الفجر والظهر إلى غير ذلك فإن في الطوال مراتب فعليه اختيار أدناها.\nقوله [من أخف الناس صلاة في تمام] معناه المشهور أنه ﷺ لم يكن صلاته يحس بطولها لحسنه وحسنها وهذا مما يرده قوله ﵇ في غير هذا الحديث مخافة أن تفتتن أمة إذ لا معنى للافتتان على هذا التقدير فالمعنى أنه كان يختار من مراتب السنة أسهلها وأخفها.\nقوله [مفتاح الصلاة الطهور] قد بيناه من قبل أن الدخول في باب الصلاة لا يمكن من دون فتح بابها ودخول حرمها بالتكبير، وقوله ﵎ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ يجوز الشروع بأي (٢) اسم كان فوجب تنزيل كل من الآية القطعية\n_________\n(١) هكذا في الأصل والظاهر عندي أنه وقع فيه سبق قلم أو سقوط من الناسخ وتوضيح كلام الشيخ ما خطر في البال أن أصل مذهب الإمام عدم اعتباره في الكل كما بسط في الأصول ومع هذا مذهبه ههنا اعتباره في الكل لقرينة لحقته وهي الروايات الأخر: منها حديث مالك بن الحويرث مرفوعًا من زار قومًا فلا يؤمهم، الحديث، وحديث ابن مسعود من السنة أن لا يؤمهم إلا صاحب البيت وله شاهد ذكره الحافظ في التلخيص ولكن لو صلى غير صاحب البيت بدون إذنه فالصلاة خلفه جائز لأن المنع ليس لأمر في الصلاة بل لحق صاحب البيت فأكثر ما فيه غصب حقه وقد قال ﷺ: صلوا خلف كل بر وفاجر، فتأمل.\n(٢) وتوضيح اختلاف الأئمة في ذلك أن تكبيرة الإحرام فرض عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة مع الاختلاف فيما بينهم، أنه ركن كما قالوا أو شرط كما قالته الحنفية وهو وجه للشافعية، وقيل سنة كما حكى عن بعض السلف ثم اختلفوا في لفظه، قال ابن قدامة: وجملته أن الصلاة لا تنعقد إلا لقول الله أكبر عند إمامنا ومالك، وكذا عند الشافعي إلا أنه قال تنعقد بالله الأكبر أيضًا، وقال أبو حنيفة تنعقد بكل اسم الله تعالى على وجه التعظيم، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":252},{"text":"والرواية الظنية في منزلتها فقلنا بوجوب تعيين لفظ التكبير وفرضية ذكر مطلق الاسم فلو شرع بغير لفظ الله أكبر تمت صلاته وأثم لترك الواجب وهكذا يقول في قوله ﵇ تحليلها التسليم فإن الخروج بلفظ السلام إنما هو واجب عليه والفرض الخروج أو الخروج بصنعه فلو أحدث بعد التشهد أجزأته عن فرض الوقت وإنما الاحتياج إلى الإعادة في أداء الواجب لا غير وذلك لقوله في حديث الأعرابي إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك فلما علق الاتمام بذاك لم يبق للفظ السلام إلا الوجوب إذ لو كان من الأركان لما كان للتمام معنى.\nقوله [ولا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة وسورة معها] هذه الرواية توجب تخصيص النص القرآني المطلق وهو قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ فإن مقتاضاها جواز الصلاة بأية سورة كانت فوجب القول بالوجوب في حق الفاتحة حتى لا يبطل موجب النص فقلنا يجب عليه قراءة الفاتحة كوجوب (١) قراءة سورة\n_________\n(١) وضم السورة واجبة عندنا وحكى عن أحمد، وبه قال ابن كنانة من المالكية قاله العيني، وقال ابن قدامة لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنه يسن، والأصل في ذلك فعله ﷺ فإن أبا قتادة روى أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأولين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين وغير ذلك من الروايات وقد اشتهرت قراءة النبي ﷺ للسورة مع الفاتحة في صلاة الجهر ونقل نقلًا متواترًا وأمر به معاذًا فقال اقرأ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، انتهى انتهى، قال العيني: وقد وردت في ذلك (أي الوجوب) أحاديث كثيرة، منها ما رواه أبو سعيد مرفوعًا بلا صلاة «إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها» رواه ابن عدي في الكامل، وفي لفظ: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ الفاتحة وما تيسر» ورواه بن حبان في صحيحه، ولفظه أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ الفاتحة وما تيسر ورواه أحمد وأبو يعلى في مسنديها، قال النيموي: إسناده صحيح، قال العيني وروى ابن عدي من حديث ابن عمر مرفوعًا لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلث آيات فصاعدًا وروى أبو نعيم من حديث أبي مسعود لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها وصح أيضًا عن جماعة من الصحابة إيجاب ذلك، انتهى، قلت حديث أبي سعيد هذا ذكره النيموي بلفظ «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ثم قال رواه أبو داؤد وأحمد وأبو يعلى وابن حبان، وإسناده صحيح وحكى في التعليق عن ابن سيد الناس إسناده صحيح ورجاله ثقات، وعن الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح، وفي فتح الباري بسند قوي، وفي الدراية صححه ابن حبان، انتهى.","vol":"1","page":253},{"text":"معها، وأما فرض القراءة فيسقط بمطلق ما يطلق عليه لفظ القراءة مع أن الرواية المذكورة ههنا تسوي أمر الفاتحة والسورة فمن أتى الفرق الذي فرق به المخالف بين الفاتحة وغيرها من السور بل يجب كونهما سواء وهو فيما قلنا من أن الفريضة ساقطة والإعادة واجبة سواء ترك الفاتحة أو السورة ما كانت ولا يثبت البطلان بترك الفاتحة بهذه الرواية هذا والتفصيل في بيانه ههنا مستغنى عنه فكتب الأحناف قد شحنت بأمثالها.\nقوله [إنما الأمر على وجهه] المراد بالأمر إما الاصطلاحي فالمراد بكونه على وجهه معناه المشهور وهو الوجوب ويكون تحليلها التسليم وتحريمها التكبير مما ليس فيه صريح لفظ الأمر أمرًا بحسب المعنى فإنه أخبار معناه الإيجاب كما في","vol":"1","page":254},{"text":"قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أو المراد بالأمر الحكم ومثله فالمعنى أنه على وجهه الذي أمر به وليس فيه مساغًا (١) لتأويل ولا يبعد أن يكون (٢) هذا من كلام المؤلف أراد به توثيق مقال ابن مهدي يعني أن ما قال ابن مهدي من أني أمرته بالإعادة حق لا ريب فيه وإنما أمره ذلك له وجه وليس أمر الأوجه له فيكون لغوًا أو غير ضروري أو تشديدًا والله أعلم، ولعل المراد بذلك التعريض على من جوز التحليل بغير التسليم والتحريم بغير التكبير ولم يفرض الفاتحة في الصلاة والجواب من قبل الأحناف غنى (٣) عن البيان فإنهم حملة لواء هذا الميدان وسابقوا خيولهم في جبلة البرهان بتوفيق الله الملك المنان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>[باب في نشر الأصابع عند التكبي </span>ر] أعلم إنه فرق (٤) ما بين النشر الذي\n_________\n(١) هكذا في الأصل بالنصب والصواب على الظاهر مساغ بالرفع.\n(٢) وقال أبو الطيف يعني قوله تحليلها التسليم لا يؤول بل يحمل على ظاهره من أن السلام فرض لأنه لا يحل له ما حرم عليه في الصلاة إلا به فما لم يخرج من الصلاة إلا به يكون فرضًا كما أن ما يدخل به فيها يكون فرضًا، انتهى.\n(٣) فإنهم جعلوا الأمر على وجهه لكنهم فرقوا بين ما ثبت بالنص القرآني والخبر الواحد ولله درهم ما أدق نظرهم.\n(٤) وحاصله أن النشر يستعمل في معنيين بسطها بخلاف العقد وتفريقها بخلاف ضم بعضها إلى بعض والمراد في الحديث الأول وهو بهذا المعنى لا يخالف قول الفقهاء إذ قالوا بترك الأيدي في ما عدا الركوع والسجود على حالها من الضم والنشر، أما الركوع فيفرج فيه غاية التفريج، وأما السجود فيضم فيه غاية الضم وإذا تحقق ذلك فلم يبق الحاجة إلى تضعيفه لأنه لم يبق مخالفًا لرواية فإن بسطه الأيدي داخل في مدها ثم قد عرفت مما سبق أن الأيدي ترك على حالها عندنا الحنفية من الضم والنشر، وقال ابن قدامة يستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع ويضم بعضها إلى بعض لرواية أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًا وقال الشافعي: أن يفرق أصابعه لحديث الترمذي هذا ولنا ما ذكرناه، وحديثهم قال الترمذي خطأ، ثم لوضح كان معناه مد أصابعه قال أحمد أهل العربية قالوا هذا الضم وضم أصابعه وهذا الشر ومد أصابعه وهذا التفريق وفرق أصابعه ولأن النشر لا يقتضي التفريق كنشر الثوب انتهى.","vol":"1","page":255},{"text":"هو مقابل الضم والجمع ولا يكون في أقل من أصبعين وبين النشر الذي هو مقابل الضم والعقد الذي يمكن في كل أصبع أصبع فالمراد بالنشر ههنا ليس هو الأول بل الثاني فلا يكون معنى الحديث إلا أن النبي ﷺ حين كبر لم يعقد أصابعه بل بسطها فلا يكون هذا مخالفًا لما قرره الفقهاء من أنه يضم أصابعه في السجدة لتستقبل رؤس الأصابع كلها وينشر في الركوع ليكون أقدر على أخذ الركبة، وأما في سائر أركان الصلاة فيتركها على حالها ووجه عدم المخالفة أنه لا تعرض في هذا الحديث للنشر بالمعنى الذي يخالف هذه القاعدة، وإنما التعرض فيه للنشر بمعنى البسيط الذي هو مقابل للعقد والضم بمعنى ضم بعض أجزاء أصبع ببعضها.\nقوله [وأخطأ ابن يمان] لما لم يكن بين الروايتين تناسب حتى يحمل على الرواية (١) بالمعنى لزم القول بالغلط.\nقوله [رفع يديه] مدًا أي من غير أن يضم عضديه بجنبه ويقبض يديه بل جافيًا إياهما عنهما ومادًا يديه أي باسطًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[باب فضل التكبيرة الأول </span>ى] الصحيح في تعيين غايتها هو معية الإمام وهو الفضيلة الموعودة ووسع فيها بعضهم فقال ما لم يشرع في القراءة وقيل ما لم يفرغ\n_________\n(١) قلت: ولا بعد في الرواية بالمعنى لما تقدم عن الإمام أحمد إذا فسر النشر بمد الأصابع لكن أئمة الحديث لما حملوا الرواية على معنى غير المد ضعفوه ولا مانع عندي من كون الروايتين مستقلتان كما بسطته في شذراتي على الترمذي.","vol":"1","page":256},{"text":"منها، وأما ما قيل من أن مدرك الركعة الأولى مدرك التكبيرة الأولى ففيه أن الإدراك حينئذ لا يكون إلا بمعنى اللحوق وأنت تعلم أنه يلزم على هذا أن يكون اللاحق بعد تسليم الإمام وعليه سهوًا مدركًا للتكبيرة الأولى بصدق اللحوق فإن حكم التكبيرة الأولى باق بعد وفساده غير أخفى.\nقوله [كتب له براءتان] لما كان للظاهر تأثيرًا في الباطن فقلما يتخلف إصلاح الظاهر (١) عن تأثير في إصلاح الباطن وإفساد الظاهر عن تأثير في إفساد الباطن وقد جعل الله في العدد الذي ذكر من قبل أثرًا لتبديل الحال كما يشاهد في خلقة النطفة وقصة موسى ﵇ وغير ذلك من النظائر كان دوامه على هذه الفضيلة العظمى والمنقبة الكبرى مؤثرًا في إصلاح باطنه لا محالة وكان ذلك علامة على خلاصه من دخول النار أو خلود النار ويجوز (٢) أن يستنبط منه حصول أثر في الأربعينات.\nقوله [براءة من النار] وإن كان يستلزم براءته من النفاق أيضًا إلا أن النبي ﷺ نبه بذلك على أن دوامه على هذه أربعين يومًا دليل على أنه ليس بمنافق وأن مثل ذلك لا يتصور من منافق فكان ذلك علمًا على براءته من النار، والحاصل أن براءته من النار لما كان أمرًا لا يدرك إلا في الآخرة وما بعد الممات أعلم النبي ﷺ بعلامة يدرك بها في دار الدنيا أيضًا ولا يظن أن فعله ذلك من النفاق.\n_________\n(١) وهذا مما لا ينكره الجاهل أيضًا ولذا اهتم المشايخ في إصلاح الظاهر من الطهارة واللباس والصلاح ليرزق الله صلاح الباطن.\n(٢) قال أبو الطيب: وفي عدد الأربعين سر مكين للسالكين نطق به كتاب من رب العالمين وسنة سيد المرسلين فقد جاء في الحديث من أخلص لله أربعين يومًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فكأنه جعل هذا المقدار من الزمان معيارًا لكماله في كل شأن كما كملت له الأطوار في هذا المقدار، وقوله عن أنس موقوفًا لكن مثل هذا لا يقال بالرأي فموقوفه في حكم المرفوع، انتهى.","vol":"1","page":257},{"text":"[باب ما يقول (١) عند افتتاح الصلاة] هذا مما يشترك فيه الفرض والنفل فلذلك عقد الباب وأراد فيه بيان الفرض وأورد الحديث الوارد في صلاة النفل والمذهب فيه عند الإمام أن أكثر ما ثبت من زيادة الأدعية قبل القراءة بعد الافتتاح أو في الركوع والسجود وغير ذلك فإنما هو في النوافل وكان النبي ﷺ في فريضته أخف الناس صلاة في تمام كما ورد فينبغي له الإقصار على أقصر ما ثبت من الأدعية في جميع ذلك إذا كان يصلي في فريضته ومع القوم.\nوأما إذا انفرد في النافلة فليطل صلاته ما شاء ومع هذا كله لو قرأ في صلاته المفروضة شيئًا من تلك الزيادات الثابتة تصح صلاته من غير شائبة كراهية\n_________\n(١) قال ابن قدامة الاستفتاح من سنن الصلاة عند أكثر أهل العلم وكان مالك لا يراه بل يكبر ويقرأ لرواية أنس كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين ولنا أن النبي ﷺ كان يستفتح بما سنذكره وعمل به الصحابة وكان عمر يستفتح به في صلاته يجهر به ليسمعه الناس وعبد الله بن مسعود وحديث أنس أراد به القراءة ثم إن أحمد ذهب إلى الاستفتاح بسبحانك اللهم إلخ، وقال لو أن رجلًا استفتح ببعض ما روى عن النبي ﷺ فكان حسنًا أو قال جائزًا وهو قول أكثر أهل العلم منهم الثوري وإسحاق وذهب الشافعي وابن المنذر إلى الاستفتاح بما قد روى عن علي كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي، الحديث، ولنا ما روت عائشة عن النبي ﷺ في الاستفتاح بسبحانك اللهم رواه الترمذي وأبو داؤد وابن ماجة، وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ مثله رواه النسائي والترمذي ورواه أنس وإسناد حديثه كلهم ثقات رواه الدارقطني وعمل به السلف وكان عمر يستفتح به بين أيدي أصحاب رسول الله ﷺ فلذلك اختاره أحمد، انتهى، قلت: وهو مختار الحنفية وبسط العيني في طرق هذه الروايات فأرجع إليه.","vol":"1","page":258},{"text":"خلافًا لما قاله بعض من لا يعتد بقوله من أنه يلزم عليه بذلك سجدة السهو بتأخير الفرض الثاني فإنه ليس الأمر على هذا عند الإمام وإلا لزم سجدة السهو بإطالة القيام وكنا (١) قد تركنا أولًا بيان قوله ﷺ من همزه ونفثه ونفخه اتكالًا على ما في الحاشية ثم يتبين أنه لا بد ههنا من ذكر أن هذه الدعاء إنما كانت لتعليم الأمة وأما النبي ﷺ فقد أجاره الله وأعاذ من أن ينفخ فيه الشيطان أو ينفث ومعنى النفث إلقاء رغبة السحر أو الشعر والهمز هو الوسوسة.\nقوله [أبو الرجال] كان بنوه (٢) كثيرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>[باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم]</span>\nاختلف فيه أقوال الفقهاء المجتهدين واختلافهم في ذلك (٣) مبني على اختلاف القراء من قبل ففيه ثلاثة أقوال قال بعضهم التسمية آية من الفاتحة ومن كل سورة، وممن ذهب إلى ذلك الشافعي فوجب عنده الجهر بالتسمية عند الجهر بالسورة، والثاني أن التسمية ليست جزءًا لسورة ما ولا آية مستقلة فوجب الإخفاء عند هذا القائل إخفاء الثناء والتعوذ وغير ذلك وهذا الذي اختاره (٤) مالك.\n_________\n(١) كان هذا القول إلى آخره ملحقًا من كلام الشيخ في هامش تقريره.\n(٢) ففي الخلاصة ولد عشرة رجال.\n(٣) أي باعتبار الأغلب وإلا فالحنفية متبعة لقراءة حفص وهو يقرأ بسم الله على كل سورة وهم لا يقولون بذلك.\n(٤) أي في إحدى الروايات عند المالكية كما حكاها الدسوقي وإلا فمشهور مذهب مالك ترك التسمية، ففي الشرح الكبير جازت البسملة كمتعوذ بنفل في الفاتحة وفي السورة وكرها بفرض، قال الدسوقي أي للإمام وغيره سرًا أو جهرًا في الفاتحة أو غيرها ابن عبد البر وهذا هو المشهور عند مالك ومحصل مذهبه عند أصحابه وإنما كرهت لأنها ليست آية في القرآن إلا في النمل، انتهى.","vol":"1","page":259},{"text":"وأما مذهب الإمام (١) فهو القول الثالث وهو أن التسمية ليست جزءًا من الفاتحة ولا من أي سورة وإنما هي آية أنزلت للفصل بين السور فكان تركها في كل القرآن نقصًا وتقصيرًا واللازم قراءتها مرة على سبيل الوجوب، وأما الجهر بها عند الجهر بالفاتحة فمما لا يجوز إذ ليست جزء الفاتحة حتى يعطي لها حكمها وأدلة الفريقين من الشافعية والأحناف مما لا ينكر ثبوتها وإن كان لبعض منها قوة على بعض فقال كل واحد من المقدامين المقدمين بما ترجح عنده وجهه، وأما الدلائل التي ذكرها أئمة الحديث من القديم والحديث على إثبات جهر التسمية ففي كل منها شق ولذلك اعترف صاحب سفر السعادة بأن ليس في باب جهر التسمية رواية صحيحة فلعل الشافعي بلغه ما لم يبلغنا حتى يتكلم فيه.\nقوله [سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول] أي (٢) [أجهر ببسم الله الرحمن\n_________\n(١) وبذلك قال أحمد قال ابن قدامة أن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم مشروعة في الصلاة في أول الفاتحة وأول كل سورة في قول أكثر أهل العلم ولا تختلف الرواية عن أحمد أن الجهر بها غير مسنون، وفي الشرح الكبير لرواية نعيم المجمر قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن وقال والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ رواه النسائي وروى شعبة وشبان عن قتادة قال سمعت أنس بن مالك قال صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ كلهم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم وفي لفظ أن رسول الله ﷺ كان يسر بسم الله الرحيم وأبا بكر وعمر رواه ابن شاهين، قال ابن قدامة سائر أخبار الجهر ضعيفة فإن رواتها هم رواة الإخفاء وإسناد الإخفاء صحيح ثابت بغير خلاف فدل على ضعف رواية الجهر وقد بلغنا أن الدارقطني قال لم يصح في الجهر حديث، انتهى.\n(٢) وعلى الجهر حمله المقدسي في الشرح الكبير فقال وحديث عبد الله بن مغفل محمول على هذا جمعًا بين الروايات.","vol":"1","page":260},{"text":"الرحيم] إذ لا قائل (١) بكراهة الجهر (٢) والإخفاء كليهما وأيضًا لا يصح إيراده ههنا (٣) لو لم يسلم الجهر وأيضًا فإن قوله سمعني أبي لا يترتب على القراءة الخافية ظاهرًا، فأما سمعه مع الإخفاء بعيد وإن أمكن.\nقوله [يعني منه] لما كان استعمل أفضل التفضيل ههنا وهو أبغض من غير اللام والإضافة ولفظة من أظهرها حتى يصح ومعنى العبارة أن كل أصحاب النبي ﷺ كان يبغض الحدث في الإسلام لكن أبي كان من بينهم أشد منهم أجمعين في إبغاض الحدث في الإسلام (٤).\n_________\n(١) تعليل لما تقدم من تفسير قوله: أقول بلفظ أجهر يعني لما لم يكن أحد قائلًا بكراهة القول مطلقًا حمل ذلك على الجهر، هذا ما أفاده الشيخ فتأمل.\n(٢) قلت هذا مبني على ما أفاده الشيخ من مذهب مالك بندب الإسرار وهو رواية عنه وإلا فمشهور مذهب مالك كراهتها في الفرض مطلقًا سرًا وجهرًا كما تقدم عن الشرح الكبير.\n(٣) أي في باب ترك الجهر كما أورده المصنف.\n(٤) ويمكن أن يكون مرجع الضمير الحدث والغرض إظهار تقدير من قبل الحدث ويكون تقدير الكلام كان أبغض إليه شيء من الحدث في الإسلام والمقصود منه أن كلام ابن عبد الله لا يصح بظاهره إذ المقصود إثبات أبغضية الحدث في الإسلام للصحابة والذي يظهر من الكلام نقيضه لأنه يدل على أن الحدث لم يكن مبغوضًا إلى أصحاب رسول الله ﷺ فبين أن الحدث ههنا مفضل عليه والمقصود أنهم لم يكن شيئًا أبغض إليهم من الحدث في الإسلام وهذا لا يفيد أرجحية أبيه في بغض الحدث بل يقتضي أبغضية الحدث بالنسبة إلى سائر الأشياء إلى الصحابة ﵃ أجمعين، أفاده الشيخ الجليل والحبر النبيل مولانا السيد خليل، قلت: هذه العبارة مكتوبة على هامش التقرير من كلام الشيخ مولانا خليل أحمد شارح أبي داؤد أولها مكتوبة بيد الشيخ وآخرها بيد والدي المرحوم نور الله مرقدهما.","vol":"1","page":261},{"text":"قوله [يفتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم] أنت تعلم أن هذا ليس يكفي للمستدل على دعوى (١) الجهر بها وذلك لأن الصحابة كانوا يسمعون قراءته وأدعيته وإن أخفت هو بنفسه وربما كان يسمعهم الكلمة والكلمتين أو علموا افتتاحه بها بإخباره عن افتتاحه بها فلا قرينة فيها على الجهر غاية ما يلزم من ذلك أن النبي ﷺ كان يقولها عند افتتاح القراءة ونحن لا ننكره فلو كان يلزم الجهر بهذا الافتتاح لزم القول يجهر الثناء والتعوذ مع أنهم ليسوا بها قائلين.\n\n[باب في افتتاح بالحمد لله رب العالمين] غرض الترمذي من وضع هذا الباب بيان أن قراءة الفاتحة في الصلاة قبل قراءة السورة وأنت تعلم أنه يدل على ترك الجهر ببسم الله وتأويل الشافعي في ذلك يحكي (٢) تأويله في الأسفار ولكن نقول من جانبه وجانب أتباعه في شأنه:\nإذا قالت حذام فصدقوها\nفإن القول ما قالت حذام\nوأعوذ بالله أن أقول طعنًا عليه وتنقيصًا لشأنه وإنما سبق ذلك مني لغلبة حب حماة الدين وحملة لواء العلم واليقين فإن التسمية لو كانت جزءًا من الفاتحة لما صح التكلم بجزئها المتوسط للتعريف والتمييز فإن الشائع في مثل ذلك التلفظ بأول الجزء وابتداء السورة ولكن محل العذر منهم واسع بأن يقال (٣) لما لم يكن\n_________\n(١) كيف وقد ورد في حديث جابر أن النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال إن صلاتي ونسكي، الحديث، وفي حديث عائشة الاستفتاح بسبحانك اللهم وفي حديث علي بالتوجيه وهكذا أدعية الركوع والسجود ولم يستدل أحد بها على الجهر بها.\n(٢) أي يشبه قال المجد حكيت فلانًا حاكيته شابهته وفعلت فعله أو قوله سواء، انتهى.\n(٣) فيه أن في مثل هذا الموضع يذكر أول الجزء والجزء الفارق معًا كقولهم «حم السجدة» لا أن يذكر الجزء الوسطاني.","vol":"1","page":262},{"text":"التسمية مختصة بشيء من السور لم يفد ذكرها في باب التمييز والتعريف شيئًا فأقتصر على ذكر ما يوجب العلم والتمييز من بين أجزائها وإن كان وسطًا لكونه أول جزء يورث العلم والفرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب]</span>\nاعلم أن هذه المسألة من معظم خلافيات الأحناف (١) والشوافع وسنبرهن على ما ذهبنا إليه دليلًا قاطعًا فأعلم أنه قد روى في هذا الحديث جزء آخر قد تركوه واضطروا إلى القول بأنه سهو من الراوي لما كان يخالف مذهبهم وهو أنه روى بعد قوله بفاتحة الكتاب لفظ فصاعدًا (٢)، وفي بعض الروايات وسورة وبعضها وزيادة وقد روى الترمذي قبيل ذلك في باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها فقلنا هذه الزيادة يلزم تسليمها لتسليم أن زيادة الثقة معتبرة فوجب تسوية الحمد بالسورة في عدم إجزاء الصلاة بعدم إحداهما وهو الذي نقول ومع قطع النظر عن ذلك نقول إن قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ يجوز الصلاة إذا اكتفى بلفظ الله الصمد، والرواية الصحيحة لا تجوز فوجب القول بكل منهما بحيث لا يبطل به موجب الآخر وبهذا يعلم أن النفي في قوله ﵊ «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» نفى كمال لا نفى ذات فإن القرينة\n_________\n(١) وكذا سائر الأئمة وأصل الاختلاف في أن ركن القراءة هل يتوقف على قراءة الفاتحة أم يحصل بدونها أيضًا فذهب علماؤنا إلى ركنية ما تيسر من القرآن مطلقًا، والشافعي إلى ركنية الفاتحة، ومالك إلى ركنية الفاتحة والسورة معًا (هذا على ما حكاه صاحب الهداية، والصحيح أن قراءة الفاتحة ركن وضم السورة سنة عند مالك كما صرح بها في الدردير)، والإمام أحمد موافق للشافعي في المشهور عنه، ورواية له أخرى موافقة للحنفية، وبقولهم قال الثوري والأوزاعي كما في الأوجز.\n(٢) كما زاد المسلم وأبو داؤد وابن حبان كذا في البذل.","vol":"1","page":263},{"text":"قائمة ههنا وهي التي عليها مدار حمل لا على نفي الكمال أو نفي الذات فإن قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ نزل بمكة بعد عدة أشهر من النبوة واشتهر اشتهار الضروريات التي لا تنكر فاتكل عليه النبي ﷺ في نفيه الصلاة بفظة «لا» وهو موضوعة لنفي الذات إلا إذا قامت قرينة خلافه فعلم أن خبر لا هذه ليست ههنا شيء من الأفعال العامة، ومن القرائن الدالة على أن المراد نفي الكمال ما ورد في بعض الروايات من لفظ فهي خداج غير تمام فهل هذا إلا تصريحًا (١) بالفساد بالنقصان دون الفساد بالبطلان، ومن العجائب ههنا ما وقع للبخاري من إنكاره هذه (٢) الزيادة التي يبناها من قبل وأسند السهو إلى معمر مع علو شأنه بحيث لا ينكر ورفعة مرتبته في هذا الفن بمنزلة لا تذكر وهل هذا إلا شيء لست أقدر على بيان وجهه وأعجب منه حمل النووي شارح المسلم قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ على الفاتحة، ولا أدري كيف ساغ التخصيص مع كون اللفظ عامًا مع أن الفاتحة ليست بأقصر من أكثر (٣) سور القرآن فأنى التيسر فيها دون غيرها من السور وهل هذا إلا تعصب ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>[باب ما جاء في التأمين]</span>\nلا خلاف في ذلك إلا في اختيار (٤) ما هو أولى\n_________\n(١) هكذا في الأصل ومقتضى القواعد إلا تصريح بالرفع.\n(٢) أي زيادة فصاعدًا في حديث عبادة فقال البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام قال معمر عن الزهري فصاعدًا وعامة الثقاة لم تتابع معمرًا في قوله فصاعدًا وتعقبه شيخنا في البذل فقال هذا سفيان بن عيينة قد تابع معمرًا في هذه اللفظة، وكذلك تابعه فيها صالح والأوزاعي وعبد الرحمن بن إسحق وغيرهم كلمهم عن الزهري، انتهى.\n(٣) ليس المراد بالأكثر معنى التفضيل بل بمعنى كثير ولا شك أن الفاتحة أطول من عدة سور القرآن.\n(٤) صرح بذلك في الفروع والشروح وعد في سنن الدرالمختار التأمين وكونه سرًا، قال ابن عابدين أفاد أن الأسرار بها سنة أخرى فعلى هذا سنة الإتيان به تحصل ولو مع الجهر.","vol":"1","page":264},{"text":"وأنت تعلم أن لفظ [مد بها صوته] ليس نصًا على المدعي إذ المد كما يحصل في الرفع يحصل في الخفض أيضًا، ومن العجائب في هذا المقام أن سفيان نفسه في الرواية الثانية (١) مصرح بلفظ خفض بها صوته فلزم حمل روايتيه على معنى (٢) لئلا تتعارضا، وأما ما رواه بعضهم من لفظ رفع بها صوته وجهر بها فلعله فهم من لفظ مد بها ما رواه، وأما قوله فقال عن حجر أبي العنبس وإنما هو حجر بن العنبس فقد أجاب عنه صاحب الجوهر النقي (٣) بأن اسم ابن حجر اسم أبيه فكان أبا العنبس كما هو (٤) ابن العنبس وهذا موضعه علم أسماء الرجال فليتعرف وهذا كثير في أسماء الرواة.\nوقوله [وزاد فيه عن علقمة بن وائل] وهذا الاعتراض ناش من قلة الاطلاع أيضًا فإن حجرًا كما هو آخذ عن وائل أبي علقمة كذلك متلقف عن علقمة (٥) بن وائل فبين مرة هذا ومرة هذا.\n_________\n(١) سيأتي الكلام على ذلك قريبًا ولم أجد هذه الرواية بعد.\n(٢) أي على معنى واحد وهو الأداء بالمد مع الخفض.\n(٣) لم أجده في الجوهر النقي لكن الجواب موجه أجاب به جمع من المحققين وأيضًا روى في حديث الثوري أيضًا بلفظ أبي العنبس وأقر به البيهقي مع عصيبته فلا إيراد على شعبة وقد أخرجه أبو داؤد والدارقطني بسنديهما عن الثوري بهذه الكنية.\n(٤) وصرح بذلك الحافظ في تهذيبه وحكى عن ابن حبان أنه قال حجر بن عنبس أبو العنبس بسطه الشيخ في البذل وتكنيه بأبي السكن بعد صحته لا ينافي تكنيه بأبي العنبس فكم من رجاله له كينتان.\n(٥) فقال البيهقي رادًا على الترمذي: أما قوله عن علقمة فقد بين في روايته أن حجرًا سمعه من علقمة وقد سمعه أيضًا من وائل نفسه، انتهى، وفي البذل عن الطيالسي بسنده إلى حجر قال سمعت علقمة يحدث عن أوائل وقد سمعت من وائل، الحديث، وأخرج أبو مسلم الكجي في سننه بسنده عن حجر عن علقمة عن وائل قال وسمعه عن وائل، انتهى.","vol":"1","page":265},{"text":"وقوله [وخفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته] قد عرفت حال هذا الاعتراض فيما سبق من أن سفيان الذي اعتدوا بروايته ونسبوا إلى شعبة الخطيات بمخالفته له مصرح نفسه في روايته بهذا الإسناد بلفظ خفض بها صوت كما قاله مترجم شرح الوقاية (١) ناقلًا عن مصنف ابن أبي شيبة وههنا شبهة أخرى بنسبة الخطأ إلى شعبة أورده ابن الهمام فقال مستدلًا بما في العلل الكبير للترمذي أن علقمة لم يلق أباه وائلًا وإنما ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر فهذا إما غلط من الترمذي أو ابن الهمام إذ الترمذي نفسه مصرح في صحيحه في كتاب الحدود أن علقمة (٢) تلمذ على أبيه وائل وإنما المولود بعده أخوه عبد الجبار، كيف وقد روى مسلم في صحيحه عن علقمة قال سمعت وائلًا، وكذلك روى القزويني والنسائي رواية علقمة عن وائل بتصريح التحديث فعلم من ذلك كله أن الروايات في الجانبين صحيحة لا يذكر نقص في شيء منها إلا ويرجحه مثله أو ما هو فوقه فوجب المصير\n_________\n(١) فقال حاكيًا عن ابن أبي شيبة حدثنا وكيع ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر قال سمعت النبي ﷺ قرأ ولا الضالين فقال آمين وخفض بها صوته، انتهى، قلت: لكن النسخة التي بأيدينا من مصنف ابن أبي شيبة لفظها بهذا السند فقال آمين يمد بها صوته فلينظر النسخ الصحيحة.\n(٢) وفي هامش النسائي عن القارئ: الصحيح أن علقمة سمع من أبيه والذي لم يسمع من أبيه هو عبد الجبار، كذا نقله الترمذي عن البخاري ذكره ميرك، انتهى، وحققه الشيخ في البذل.","vol":"1","page":266},{"text":"إلى غيره إذ لا اعتداد بكثرة الطرق فرأينا قوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ يرجح ما ذهبنا إليه إذ لا خلاف في أن التأمين دعاء لأن معناه استجب كما صرح به المفسرون في قوله تعالى خطابًا لموسى وهارون وكان الداعي موسى وهارون مؤمنًا على دعائه فقد أجيبت دعوتكما ومع ذلك فلو ثبت جهره ﵇ لكان محمولًا على بيان الجواز وعلى كونه في أول الأمر.\nوأما قوله في الرواية الآتية إذا أمن الإمام فآمنوا فليس بنص على جهر الإمام فإن علم المأموم بذلك ليس بداير على جهره بل هذا معلوم بإتمام الإمام الفاتحة بل هو اللائق بحال الإمام والمأموم لئلا يلزم المنازعة بخلاف ما إذا أمن كلهم سرًا فإنها لا تلزم إذا، ولا كذلك التكبيرات فإن المقصود منها وهو الأعلام يفوت بالإخفاء.\nقوله [عن الحسن عن سمرة قال سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ] يستنبط منه لقاء الحسن سمرة وعمران بن حصين كما يظهر لمن نظر في الكتاب لأن المعبر بقوله كتبنا إنما هو الحسن وسمرة وأصحابهما لا سمرة وإلا لكان المناسب في جوابه أن يقال حفظت لكن للمخالف فيه توسعًا بأن يحمل المتكلم على أنه سمرة وأصحابه غير أن سمرة ذكر القصة للحسن بعد ذلك لكن المرام حاصل بعد وهو ثبوت لقاء الحسن (١) سمرة، والسكتتان إحداهما سكتة الثناء وثانيتهما سكتة التأمين، وقوله إذا قرأ ولا الضالين بيان لما بينه (٢) بقوله بعد القراءة لئلا يظن أن تلك السكتة في آخر السورة والسكتتان المذكورتان في الرواية محمولتان عندنا على الثناء والتأمين وإطلاق السكتة على الإخفاء باعتبار السامع لا التالي فإنه لم يسكت.\n_________\n(١) وبه جزم أبو داؤد وحكاه الترمذي عن البخاري كما في البذل.\n(٢) وفي بعض الروايات تصريح بعد الفاتحة وسورة عند الركوع فالروايات بعد اتفاقهما على السكتة الأولى عند الافتتاح مضطربة في الثانية هل بعد الفاتحة أو السورة، والبسط في البذل.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>[باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال]</span>\nهذا إثبات لما لم يذهب إليه مالك فقال بالإرسال غير أن كيفية الوضع مذكورة في الفقه (١) واختيار الوضع فوق السرة بمعنى (٢) لكونه أدخل في التعظيم والروايات دالة عليهما معًا.\n[كان يكبر في كل خفض ورفع] هذا تغليب وهذا رد لما ذهب إليه المروانيون من ترك تكبيرات الانتقال اغترارًا بخفض صوت عثمان ﵁ فظنوا أنه كان لا يكبر.\n[أن رسول الله ﷺ كان يكبر وهو يهوى] الواو الحالية مشيرة إلى أن وقت التكبير هو عين وقت الهوى (٣) فكان التكبير سنة في وقت الانتقال لا قبله\n_________\n(١) هو أن يحلق الخنصر والإبهام على الرسغ ويبسط الأصابع الثلاث على الساعد ويجعل الكف ليكون جامعًا بين الأخذ والوضع المرويين في الأحاديث.\n(٢) هكذا في الأصل والغرض أن الروايات دالة على الوضع فوق السرة وتحت السرة معًا، ومختار الشافعية الأولى والحنفية الثانية، وتوضيح اختلاف الأئمة في ذلك كما بسطه في الأوجز أن المرجح من أربع روايات الإمام مالك الإرسال، والمرجح من ثلاث روايات الإمام أحمد الوضع تحت السرة وهو مختار الحنفية رواية واحدة، والمرجح من ثلاث روايات الإمام الشافعي الوضع فوق السرة تحت الصدر والثانية له كالحنفية والثالثة فوق الصدر فالقول به ليس إلا رواية واحدة من ثلاث روايات الإمام الشافعي غير مرجحة عندهم فالقول بالوضع تحت السرة أولى لتوافق الأئمة عليه أكثر من غيره.\n(٣) ففي الدرالمختار ثم يكبر مع الانحطاط للركوع، قال ابن عابدين أفاد أن السنة كون ابتداء التكبير عند الخرور وانتهائه عند استواء الظهر وقيل إنه يكبر قائمًا، والأول هو الصحيح كما في المضمرات وتمامه في القهستاني، انتهى.","vol":"1","page":268},{"text":"ولا بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>[باب رفع اليدين عند الركوع والسجود]</span>\nلا خلاف بيننا وبين الشافعي في جواز الصلاة بالرفع وعدم الرفع فلو لم يرفع المصلي يديه في غير تكبيرة الافتتاح لا يقول الشافعي بفساد صلاته ولو رفع أحد يديه في الركوع بل في السجود أيضًا لم نقل بفساد صلاته إنما النزاع في أن الأولى بل هو عدم الرفع أو الرفع فاخترنا الأول واختاروا الثاني، والنزاع ههنا إنما هو في الرفع الذي هو قبل الركوع والذي هو بعد الركوع.\nوأما رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح فلم تنكره وكذلك عدم الرفع بين السجدتين لم يثبتوه فنقول هذه الرواية التي ذكرها الترمذي في الباب لا يجدي نفعًا وهذه الرواية إنما كانت مفيدة لو كنا أنكرنا ثبوت الرفع عن النبي ﷺ وليس كذلك بل الذي ننكره بقاء العمل علية حتى قضى النبي ﷺ فلو أثبتوا الرفع في آخر صلاة صلاها النبي ﷺ لكنا سلمنا على الرأس والعين ولعلمنا أن الصلاة بغير رفع اليدين لا تخلو عن نقص وشين، وأما إذا كان الأمر غير هذا قلنا في تسليم مقالتكم مقال ولتقديم روايات عدم الرفع مجال إذ مثبت الرفع يبني كلامه على ما عاينه في سابق الحال مع أن الاستصحاب ليس بحجة سيما وقد تعارضت الأقوال فهذا عبد الله بن مسعود حين قال ألا أريكم صلاة رسول الله ﷺ لم يرفع يديه الأول مرة مع ما روى (١) عنه البخاري رواية في الرفع أو ليس فعله هذا وقت ما صلى صلاة\n_________\n(١) لم أظفر على رواية البخاري عن ابن مسعود في الرفع فمن ظفر عليه فليخبرنا نشكره ويظهر من الإرشاد الرضى أن كلام الشيخ هذا ليس باستدلال بنفسه بل هو مبني على كلام بعض منكري التقليد ونصه هكذا «أور يه جويد مذهب إسماعيل كويلي هي لكها هي كه بخاري مين خود حضرت عبد الله بن مسعود كي رفع مين موجود هي تو يه ته سمجها كه يه خود حنفيه كي مؤيد هي كه جب رفع يدين بهي روايت كرت هين أور بهر فرمات هين: «لم يرفع إلا في أول»، تو معلوم هواكه حديث رفع كي منسوخ هوكئي إلخ» والظاهر أن إسماعيل المذكور توهم من أن البخاري في جزء رفع اليدين، استدل على جواز مطلق الرفع في الصلاة بحديث ابن مسعود في الرفع في القنوت ولا يكشف الغطاء إلا بعد رؤية كلام إسماعيل المذكور ولم أره بعد فالمحل محتاج إلى التفحص ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.","vol":"1","page":269},{"text":"رسول الله ﷺ بينة صدق على أنه قد بلغه النسخ وإلا فكيف يتصور منه ترك سنة كذا وهو مصرح بأنه يصلي صلاة رسول الله ﷺ.\nوأما ما قال بعضهم من أن ابن مسعود لعله لم يبلغه حديث الرفع كما لم يبلغه نسخ التطبيق فيرده رواية البخاري عنه أبين رد وينادي أعلى نداء بأن ابن مسعود مسعود رضي الله تعالى عنه بلغه الرفع ورفع الرفع فلذلك تركه كيف، وعبد الله بن مسعود هو عبد الله بن مسعود مع ما ثبت من كثرة وروده وأمه في بيت رسول الله ﷺ حتى إن الظان منهم كان يظن أنهما من أهل بيت النبي ﷺ أليس بن مسعود هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ لو كنت مؤمرًا أحدًا منهم من غير مشورة لأمرت ابن أم عبد أليس هو الذي قال فيه حذيفة بن اليمان حين سأله الناس فقالوا حدثنا بأقرب الناس من رسول الله ﷺ هديًا ودلًا فنأخذ عنه ونسمع منه فقال كان أقرب الناس هديًا ودلًا وسمتًا برسول الله ﷺ ابن مسعود حتى يتوارى منا في بيته ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفا، الحديث، بلفظ الترمذي (١) فهذا عبد الله بن مسعود يقول فيه أغمار زماننا هذا وإنزاله وسفلة هذا الدهر وأرذاله أن ابن مسعود كان لا يحسن يصلي ولا يعلم طريق الصلاة فكيف بغيرها جزاهم الله على مقالتهم هذه شر الجزاء وباعدهم عن هؤلاء الكرام الأتقياء يوم تأتي كل نفس بأعمالها وتبتلي في أحوالها وأهوالها وأية حجة لهم على أن ابن مسعود لم يبلغه حديث نسخ التطبيق فلعله فعل ذلك لئلا يظن\n_________\n(١) أخرجه في مناقب ابن مسعود وقال حسن صحيح.","vol":"1","page":270},{"text":"الجهلة كهؤلاء حرمته مع أن قياس رواية رفع اليدين على التطبيق في النسخ قياس مع فارق فإن دليل النسخ واضح في الرفع دون التطبيق وهو روايته الحديثين كليهما في الرفع ثم عمله (١) بعدم الرفع ولا كذلك التطبيق وكل ما استدل به الخصم على مرامه لا يضرنا شيئًا وكل ما استدل به علماؤنا لا يسعهم جواب عنه إذ غاية ما يلزم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ رفع يديه قبل الركوع وبعده وقد عرفت أنا لا تنكره وهو لا يضرنا وما ذكره البخاري من روايات الرفع فصحتها مسلمة فكان لا يلزم من ذلك كونها معمولًا بها فقد روى البخاري في صحيحه من روايات مدة حياة النبي ﷺ ثلاث روايات: رواية ستين وخمس وستين وثلاث وستين والثلاثة صحيحة لكن لا يلزم منها صدقها فإن الصادقة منها واحدة قط وبذلك عرفت أن الحنفية يثبتون الإرسال عند الركوع وغيره، والشافعية ينكرونه والمثبت مقدم على النافي كما عرفت واندفع بذلك ما قيل أن الرفع وجودي وعدم الرفع عدمي محض فكيف يرفع الوجود وذلك لأن الرفع وإن كان وجودًا لكن عدم الرفع ليس عدمًا محضًا وإنما هو عدم ثابت فكان في حكم الوجود وما عدوا من الصحابة فيمن لم يرفع دال على أنهم قد بلغهم نسخه وإلا فلما لم يك في رفع النبي ﷺ إنكار نكير فأي معنى لعدم رفع من لم يرفع فكان الذي يرى عدم الرفع أو يرويه مثبت أمر زائد إذًا لكل متفق على الرفع ثم الكلام إنما هو في بقاء ذلك الرفع ورفعه فمن أثبت رفع الرفع أثبت أمرًا زائدًا على الأصل فوجب القول بقبوله كما هو المقرر عندهم كيف وقد ثبت النسخ باتفاق بيننا وبينهم في جنس ذلك الحكم وهو الرفع بين السجدتين، وما قالوا من أن حديث الرفع بين السجدتين ضعيف فضعيف لما قد ثبت أن ابن طاؤس كان يرفع بين السجدتين ويستند بأن أباه طاؤسًا كان يفعله فأي بعد في أن نسخ الرفع بين السجدتين كما لم يبلغ طاؤسًا (٢) وابنه مع ثبوته، كذلك لم يبلغ نسخ الرفعين الباقيين هؤلاء الذين\n_________\n(١) هكذا في الأصل والصواب في الرفع وعدمه ثم عمله إلخ.\n(٢) وغيرهما أيضًا قال النيموي: إليه ذهب بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم خلافًا للجمهور أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين وأخرج أيضًا عن نافع طاؤس يرفعان أيديهما بين السجدتين، وفي جزء رفع اليدين للبخاري عن الربيع رأيت الحسن ومجاهدًا وعطاءًا وطاؤسًا وقيس بن سعد والحسن بن مسلم يرفعون أيديهم إذا ركعوا وإذا سجدوا، قال عبد الرحمن بن مهدي: هذا من السنة، انتهى.","vol":"1","page":271},{"text":"استدللتم برواياتهم وعملهم فكم من أمر شاع بين أصحاب النبي ﷺ ولم يبلغهم نسخه ثم لما تفحصوا حين أخبرهم أصغرهم بنسخه وتفتشوا عنه تركوه.\nوأما قول ابن المبارك (١) لم يثبت حديث ابن مسعود فقول من غير حجة وبرهان من قبيل التخمين لا الإذعان وأنت تعلم أن الجرح المبهم ليس مما يقبل يشير إلى ذلك تحسين الترمذي حديث ابن مسعود فيما بعد ورجال حديث ابن مسعود رجال الصحيح كلهم إلا عاصم بن كليب فقد تكلم فيه بعضهم مع أن أكثرهم لم يقبلوه عليه كف وقد روى عنه البخاري في جزء القراءة (٢) ومسلم في صحيحه والأربعة في سننهم فلو تنزلنا لقلنا بحسن حديثه وإلا فحديثه صيحح من غير ريب ولا رجم غيب، وقد صححه ابن عدي (٣) في كامله، ومن أقوى ما استدلوا به على الرفع ما رواه ابن عمر عن\n_________\n(١) وحقق النيموي أن لابن مسعود حديثين أحدهما هذا مروي من فعله، والثاني مرفوعًا وإنكار ابن المبارك متعلق بالثاني لا الأول، وقال ابن دقيق العيد أن عدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فيه وهو يدور على عاصم بن كليب وقد وثقه ابن معين، انتهى.\n(٢) قلت: وفي الصحيح أيضًا تعليقًا قال النسائي وابن معين ثقة، فال أبو داؤد وكان أفضل أهل الكوفة، وقال ابن سعد: كان ثقة يحتج به، وكذا وثقه غير واحد من أهل الفن.\n(٣) وابن حزم في المحلي، وكذا صححه غير واحد كما بسط في الأوجز وآثار السنن.","vol":"1","page":272},{"text":"النبي ﷺ في شأن الرفع ثم قال ما زالت (١) تلك صلاته حتى مات أو ليس يكفي في إثبات أن قول ابن عمر هذا مبني على الاستصحاب ما رواه مجاهد (٢) كما رواه (٣) العيني في شرح الصحيح كنت في خدمته زمانًا فلم أره يرفع يديه فلو كان الرفع عن ابن عمر ثابتًا غير منسوخ لما تركه ابن عمر، أو لم يروا أن دليلهم هذا (٤) مفيد لنا مع ما فيما ذهب إليه الإمام من الاحتياط لأن رفع اليدين على تقدير نسخه يكون عملًا بالمنسوخ وعدم الرفع على تقدير استحبابه يكون ترك أدب وإحداث بدعة أشنع من ترك أدب، وفي ذلك كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد وأسأل الله المزيد من فضله المديد وكرمه البعيد إنه على كل شيء قدير وبإجابة الداعين جدير.\nقوله [ﷺ فقد تم ركوعه وقد تم سجوده] أي ما فرض عليه وما سن له فهذا التمام تمام كفاية لا تمام نهاية حتى لا يجوز الزيادة عليه ولا تمام بداية حتى لا يكفي دونه.\nقوله [لكي يدرك من خلفه ثلاث تسييحات] ليس المراد بذلك أن من خلفه لما كانوا يركعون ويسجدون بعده كان هذا المقدار من الزمان ضائعًا منهم فإن سبح\n_________\n(١) أثبت التيموي أن الحديث بهذه الزيادة ضعيف بل موضوع على أنا لم نجد في البيهقي لا المكتوبة ولا المطبوعة هذه الزيادة فالظاهر أنه وهم من الناقل، توجد هذه الزيادة في حديث أبي هريرة في التكبير فحكاه بعضهم وهمًا في حديث ابن عمر في الرفع.\n(٢) وبسط النيموي على تصحيح أثر مجاهد فأرجع إليه.\n(٣) ونص ما حكاه العيني برواية ابن أبي شيبة عن مجاهد قال ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح، انتهى، فما حكاه الشيخ رواية بالمعنى مع بيان حاله من طول قيامه عنده.\n(٤) أي رواية ابن عمر المرفوعة مع تركه العمل بها.","vol":"1","page":273},{"text":"الإمام خمسًا سبح من خلفه ثلاثًا إذ يرد على ذلك أنهم كما كانوا يركعون بعد الإمام يرفعون عنه أيضًا بعده فهذا بذاك فأين الضياع حتى يضطر إلى زيادة تسييحات الإمام بل المراد بذلك أن أحوال المقتدين لما كانت مختلفة في كيفية القراءة فمنهم سريع حركة اللسان يسبح تسبيحة والإمام لم يتم تسبيحته، ومنهم على خلاف ذلك لا يسبح تسبيحة إلا والإمام سبح تسبيحتين فلذلك لو سبح الإمام خمس تسبيحات كان المقتدون أتموا تسبيحاتهم الثلاثة كلهم أجمعون ولم يبق منهم أحد كان تسبيحة أقل من الثلاث العدد المسنون وهذا الوجه لا يخفى لطافته وحسنه إلا أنه يمكن توجيه:\nالوجه الأول أيضًا بما هو غير جدير بالعرض وهو أن الإمام حين انحنى إلى الركوع أو السجود وجب متابعته في رفض القيام بفور سماع تكبيره إلا أن الوصول إلى هيئة الركوع والسجود يكون بعد ذلك بزمان لا سيما على الضعفاء والمرضى والذين يمنعهم الازدحام وغير ذلك من المعية الزمانية بالإمام فلما كان وصولهم ثمة بعد زمان كان الإمام قد فرغ من تسبيحة أو أكثر منها في ذلك الزمان وهكذا التفاوت في وصولهم إلى هيئة القيام إذا رفعوا رؤوسهم من الركوع والسجود فأما رفع الرأس فيكون متصلًا بسماع تكبيرة الإمام غير متراخ عنه فأما بعد الرفع فليسوا في سعة من أن يسبحوا وإن كان وصولهم إلى القيام لم يحصل بعد والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.\nقوله [ما أتى على آية رحمة] وكونه ﵊ أخف الناس صلاة في الجماعة يخصصه بالنوافل (١) وبصلاته لنفسه.\nقوله [إلا وقف وسأل] هذا عندنا على النوافل جمعًا للأدلة التي وردت في التخفيف في الفرائض من ذلك ما سبق أنه ﷺ كان أخف الناس صلاة في تمام ومن ذلك ما ورد أن النبي ﷺ قال إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير\n_________\n(١) قلت: وظاهر ما في قيام الليل أنها كانت في رمضان فصلى بعد العشاء إلى الصبح أربع ركعات.","vol":"1","page":274},{"text":"والكبير والضعيف والمريض فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء إلى غير ذلك، ومع هذا كله لو اجتمع معه مثله ليس منهم إلا من يحب التطويل فلا بأس بصلاته لو دعا في الفريضة أو سأل أو تعوذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>[باب ما جاء في النهي عن القراءة]</span>\nفي الركوع والسجود لما كان حالة السجود وكذا الركوع حالة انحطاط وانخفاض وإظهار مذلة وعبودية نهى النبي ﷺ عن قراءة القرآن فإنها وإن كان ذكرًا إلا أنها مصاحبة ومكالمة مع الرب سبحانه فلا يناسبه الحالة التي هي أدنى مراتب أحوال الرجل في صلاته فلذلك ترى الفقهاء يقولون طول القيام أحب وأولى من كثرة السجود.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-109>[باب ما جاء فيمن لا يقيم صله في الركوع والسجود]</span>\nذهب بعض الأئمة إلى فرضية الطمأنينة المعبرة بتعديل (١) الأركان وجواب الإمام في ذلك مستغن عن البيان وهو أنه يلزم الزيادة على نص الكتاب وهو مطلق إذ الركوع لغة هو الانحناء كما أن السجود إنما هو وضع الجبهة فحسب.\nقوله [لما تجزئ صلاة من لا يقيم إلخ] استدل بهذه الرواية من ذهب إلى فرضية التعديل حتى لا تصح الصلاة دونه لكنا نقول خبر الوحد لا يوجب القطع والآية مطلقة والركوع الانحناء والسجود وضع الجبهة غير أن بعض وجوه وضع الجبهة لما لم يوجد فيه\n_________\n(١) وتعديل الأركان فرض عند الشافعي وأحمد وأبي يوسف من الحنفية وواجب عند الإمام أبي حنيفة ومحمد وقيل سنة عندهما، قال ابن رشد: اختلف أصحاب مالك هل ظاهر مذهبه يقتضي أن يكون سنة أو واجبًا إذ لم ينقل عنه نص في ذلك، انتهى، والروايات التي استدلوا بها على الفرضية هي مستدلات الحنفية للوجوب لكونها أخبار آحاد فحجج الحنفية حجة على من خالفهم وحجج غيرهم ليست بحجة على الحنفية إذ هي أخبار آحاد وآيات الركوع والسجود ليست بمجملة، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":275},{"text":"معنى التعظيم عد خارجًا من مفهوم الآية فلا يتناوله النص وما فيه معنى التعظيم داخل فيه وهما أي الركوع والسجود بدون التعديل أيضًا فلا تتوقف صحة الصلاة عليه إلا أن الخبر مظنون الصدق فثبت الوجوب والإعادة بترك الواجب واجبة لا أن الصلاة غير صحيحة أصلًا ومع ذلك فالرواية ليست نصًا فيما قالوا بل الأجزاء المنفي فيها ذو مراتب فمن أنواع الأجزاء سقوط الفريضة وفراغ الذمة ومنها الأجزاء في حط السيئات وتحصيل الدرجات والمتبادر من النفي وإن كان هو نفي المراتب كلها ذهابًا إلى ظاهر النفي لكن الذي ذكرنا من الآية خصص النفي بأحد أنواعه.\nقوله [إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا] وفي هذا دليل على ما ذهب إليه الإمام (١) من أن الإمام يأتي بالسمع والمؤتم يأتي بالتحميد والمنفرد يجمع ينهما وذلك أن المؤتم لو أتى بهما لفات مقتضى الفاء وكذلك ظاهر التقسيم ينافي أن يأتي الإمام أو المؤتم بهما معًا فإن التقسيم ينافي الشركة مع أن فاء التعقيب لا تمهل المقتدي عن تعقيب التحميد حتى يأتي بالتسميع فإنه لو أتى بالتسميع لا يأتي به إلا قبل التحميد وعند ذلك يبطل مقتضى الفاء وهو التراخي من غير مهملة\n_________\n(١) وتوضيح الاختلاف في ذلك كما بسط في الأوجز أن المنفرد يجمع بينهما عند الجمهور ولا يصح حكاية الإجماع كما حكاه الطحاوي وابن عبد البر وغيرهما فإن الخلاف فيه مشهور بين الحنفية، فقال ابن عابدين فيه ثلاث روايات الجمع بينهما وهو المعتمد وقيل هو كالمؤتم وقيل كالإمام وكذا ذكر الروايتين في مذهبه صاحب المغني من الحنابلة وإليه أشار الزرقاني من المالكية بلفظ الأصح، وأما الإمام فيأتي بها عند الشافعية وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة يأتي بالتحميد فقط عند الأئمة الخمسة الباقية، قال ابن المنذر انفرد الشافعي بذلك، انتهى.","vol":"1","page":276},{"text":"كتراخي الأجزية عن الشروط وهذا محتاج إلى تلطيف القريحة، وأما الفرق بين ربنا لك الحمد وربنا ولك الحمد، أن الثاني أزيد من الأول وأوكد فإن واو العطف تقتضي أن معه غير فهما جملتان إلى غير ذلك من الوجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>[باب وضع الركبتين]</span>\n.\nقوله [يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل] هذا ما استدلت به المالكية (١) على ما ذهبوا إليه من تقديم وضع اليدين على وضع الركبتين وأجاب الآخرون بأن هذا استفهام إنكار ولكن يرد على ذلك أن ركبنا الجمل في رجليه المقدمتين لا المؤخرتين فلزم الإنكار عن وضع اليدين (٢) قبل الركبتين، والجواب أنه لا ذكر في لفظ الحديث: للركبتين، وإنما المعنى أيقصد أحدكم فيفعل فعل الجمل في تقديم وضع حصته الأولى على وضع حصته الأخرى وليس هذا مما ينبغي فيكون إنكارًا على ما ذهب إليه لا على ما ذهبنا إليه والذي (٣) يعتمد عليه أن هذا الحديث منسوخ بحديث مصعب بن سعد عن أبيه قال كنا نضع اليدين قبل الركبتين\n_________\n(١) قال ابن قدامة يكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم جبهته وأنفه هذا المستحب في مشهور المذهب وروى ذلك عن عمر، وبه قال أبو حنيفة والثوري والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى يضع يديه قبل ركبتيه وإليه ذهب مالك لرواية أبي هريرة هذا ولنا ما روى وائل قال رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، أخرجه أبو داؤد والنسائي والترمذي، قال الخطابي: هذا أصح من حديث أبي هريرة، انتهى.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر أنه وقع فيه القلب وكان في أصل التحرير فلزم الإنكار عن وضع الركبتين قبل اليدين ثم ضبب عليه ومحاه وكتب في محله اليدين قبل الركبتين وكان الصواب هو المكتوب أولًا.\n(٣) ومال ابن القيم إلى أن حديث أبي هريرة هذا مقلوب والبسط في البذل.","vol":"1","page":277},{"text":"فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين رواه ابن خزيمة (١) وإنما احتاجوا إلى الجواب والتكلف في تأويل حديث الباب جمعًا بين الروايات منها ما تقدم أنه ﷺ كان إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه ومنها ما ذكرنا من حديث مصعب بن سعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>[باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف]</span>\nلا خلاف (٢) بين أئمتنا الثلاثة في أن وضع الجبهة وحدها يجزئ في الصلاة لأن السجود لغة هو وضع الجبهة على الأرض وهو حاصل بوضع الجبهة دون الأنف والستة (٣) بيان السنة وإنما الخلاف في إجزاء الأنف وحدها فجوزه الإمام ومنعه صاحباه وله أن الوارد في بعض الروايات لفظ الوجه والغرض من السجدة التي هي إظهار الذل حاصل فيه فكان الصلاة مؤداة مع الكراهة التحريمية إن كان ذلك الاختصار من دون عذر ومع كراهة تنزيهية إن كان يمكنه الاحتراز وبلا كراهة إن لم يكن وعلى هذا لا يرد على الإمام ما يلزم في ظاهر النظر من وضع الخد والذقن لإطلاق الوجه عليه إذ ليس فيه إظهار التذلل الذي هو غاية للسجود وإنما ذلك لسخرية (٤) واستهزاء.\n_________\n(١) وابن حبان أيضًا كما قاله ابن رسلان.\n(٢) السجدة واجبة على الأعضاء السبعة الواردة في الحديث عند الشافعي في أظهر قوليه وزفر ورواية لأحمد، وفي الأخرى له، وبه قال مالك والحنفية لا يجب غير الوجه والبسط فيما ألفته في اختلاف الأئمة في الصلاة ثم في الوجه يجمع الجبهة والأنف وجوبًا عند أحمد في رواية وبعض المالكية وهو قول للشافعي كما في النيل والمغنى ويجوز الاقتصار على الجبهة في روايات أخرى لهم، وأما عند الحنفية ففي البذل عن المنية يجوز الاقتصار على الأنف عند الإمام ويكره بدون العذر وقالا لا يجوز إلا لعذر.\n(٣) أي الأعضاء الستة الباقية في الحديث بيان للسنة.\n(٤) ولذا لو سجد ولم يضع قدميه أو أحديهما لا يجوز السجود لا لأنه فرض بل لأنه شابه السخرية كما بسط في حاشية البحر.","vol":"1","page":278},{"text":"قوله [ووضع كفيه حذو منكبيه] هذا لا ينافي ما ورد (١) في رواية أخرى من وضع الرجل وجهه بين كفيه إذ قد يطلق الكف على مجموع اليد إلى الرسغ وقد يطلق على باطن ذلك من حيث تبتدئ الأصابع فحيث أريد محاذاة اليدين للمنكبين أريد محاذاة الكف لهما وحيث أريد محاذاة اليدين للوجه كما يفهم من قوله في جواب من سأل أين كان النبي ﷺ يضع وجهه فقال بين كفيه أريد معناه العام الذي يمكن به إرادة كل جزء منها وهو ههنا الأصابع، والحاصل أن يضع وجهه بحيث يحاذي رؤوس أصابعه شحمتي أذنيه وأصل كفه لمنكبيه حتى يحصل الجمع بين الروايات كلها.\n\nقوله [باب ما جاء في السجود على سبعة أعضاء] لما كان فرضية السجود أمرًا مقطوعًا به افترضت معه الأمور التي لا يتقوم أمر السجود إلا بها من وضع الجبهة أو الأنف والركبتين أو الرجلين من غير كلام، وأما ما ليست بتلك المثابة كوضع اليدين والرجلين لم يلزم فرضيتهما فرأينا أن رفع الرجلين (٢) وإن كان لا يمكن ووجهه على الأرض إلا أن رفع القدمين ممكن إلا أن رفعهما لما كان مخالفًا لوضع السجود لأنه سخرية واستهزاء، قال العلماء لو رفعهما كليهما بطلت (٣) صلاته\n_________\n(١) والاختلاف الوارد اختلفت الأئمة في ذلك قال ابن قدامة: يستحب أن يضعهما حذو منكبيه وهو مذهب الشافعي لحديث أبي حميد وروى الأثرم قال رأيت أبا عبد الله سجد ويداه حذو أذنيه وروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير لما روى وائل بن حجر أن رسول الله ﷺ سجد فجعل كفيه حذاء أذنيه رواه الأثرم وأبو داؤد والجميع حسن. انتهى.\n(٢) المراد بالرجل ههنا المجموع من القدم إلى الفخذ كما يظهر من المقابلة بالقدم ويطلق الرجل على كليهما، قال المجد الرجل بالكسر القدم أو من أصل الفخذ إلى القدم، انتهى.\n(٣) والمسألة خلافية عند الحنفية وذكر ابن عابدين فيها ثلاث روايات فرضية وضعهما وفرضية إحداهما وعدم الفرضية أي سنية الوضع ثم ذكر بعد بسط الروايات في المذهب الحاصل أن المشهور في كتب المذهب اعتماد الفرضية والأرجح من حيث الدليل والقواعد وعدم الفرضية.","vol":"1","page":279},{"text":"وأما لو رفع ركبتيه وهو واضع قدميه فليس ذلك مخالفًا للخشوع والذل فلذلك جازت الصلاة فتفكر فيه.\nقوله [ولا يكف (١) شعره ولا ثيابه] لدلالته على استنكاف (٢) في أمر العبادة ولئلا ينقص نصيبه من الأجر الذي يترتب على سجود الثياب والشعر فعلم أن في طاعات الاتباع وصالح أعمال الفروع أجرًا ومحمدة وزيادة مثوبة الأصل المتبوع سيما وكان باعثًا لها عليها إذ الأجر المفهوم من لفظ الحديث إنما هو على عدم المنع.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-112>[باب ما جاء في التجافي في السجود]</span>\n.\nقوله [من ثمرة] بنون (٣) ثم ميم مكسورة ثم راء مفتوحة عرصة بقرب عرفة متصلة بها بحيث لو سقطت جدار مسجد عرفة لوقعت في التمرة ومسجد عرفة تسمى تمرة لذلك الاتصال فلو وقف في المسجد أجزأه ذلك ولو وقف خارجه\n_________\n(١) قال ابن رسلان: الظاهر أن النهي إنما هو في حال الصلاة وإليه جنح الدراوردي لأنه شغل في الصلاة، وقال عياض الآثار وفعل الصحابة تخالفه فإن الجمهور كرهوا ذلك سواء فعله في الصلاة أو قبل ذلك، وفي البذل قال الحافظ: اتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة قيل والحكمة في ذلك أنه إذا رفع شعره وثوبه عن مباشرة أشبه المتكبرين، انتهى، وقال ابن العربي: المقصود في الثياب الامتهان في العبادة، انتهى.\n(٢) بالتنكير والتنوين للتقليل على الظاهر.\n(٣) أي مفتوحة كما ضبطه صاحب المعجم وغيره.","vol":"1","page":280},{"text":"إلى التمرة ولو متصل المسجد لم يجزه عن الوقوف بعرفة.\nقوله [فمرت ركبة] كانت هذه الركبة ركبة رسول الله ﷺ.\n[فإذا رسول الله ﷺ قائم] يصلي صلاته هذه كانت نافلة في المسجد الذي ذكرنا، وفي بعض الروايات (١) قصة زائدة على هذه يعني مرت ركبة فأقامني أبي على الدواب التي كانت لنا وكنا نازلين بها من قبل وذهب لينظر الركبة من هم فذهبت وأنا خلفه فنظرت إلى إلخ، وظهور عفرة الإبط لما يظهر من المتردي حال السجدة وكانت سجدة رسول الله ﷺ بحيث تتجافى الأعضاء ما بينها.\nقوله [فإذا رسول الله ﷺ إلخ] ليس ذلك إلا بيان ما وقع من القصة بعد مرور الركبة بزمان لا على فوره كما يوهمه كلمة إذا المفاجاتية والمعنى أني بعد علمي بمرور الركبة أتيت فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي قال فكنت أنظر إلى إبطيه وكانت (٢) تنكشف لكونه مترديًا (٣) للإحرام إذا سجد فأرى بياضه وهو محل الترجمة فإن بدو بياض الإبط لا يتيسر إلا بتجاف في السجود بالغ غايته وكان سجدته ﷺ بحيث تتجافى الأعضاء ما بينها، وأما العفرة فكان من خصائص النبي ﷺ أن يكون هناك بياض مع أن ذلك محل السواد لكونه (٤) موضع الشعر، وكان الشعر في إبطيه ﷺ أيضًا، والعفرة هو البياض الغير الخالص.\nقوله [وعبد الله بن أرقم أه] هذا فصل بين الراويين اسماهما عبد الله ودفع لما عسى أن يتوهم من اتحادهما لوحدة اسمهما وقربة وشيبه بين اسمي أبيهما بأن عبد الله بن أقرم بتقديم القاف على الراء المهملة إنما هو صحابي ممن روى عن\n_________\n(١) ذكرها ابن ماجة مفصلًا.\n(٢) أي كل واحدة من الإبطين والإبط يذكر ويؤنث كما في كتب اللغة.\n(٣) أي مرتد قال المجد تردت الجارية توشحت ولبست الرداء كارتدت.\n(٤) ففي المجمع العفرة هو بياض غير خالص بل كلون عفر الأرض وهو وجهها أراد منبت الشعر من الإبطين بمخالطة بياض الجلد سواد الشعر، انتهى.","vol":"1","page":281},{"text":"النبي ﷺ حديثًا واحدًا وهو خزاعي وعبد الله بن أرقم بتقديم الراء المهملة على القاف ليس (١) له صحبة وإنما هو كاتب أبي بكر الصديق وهو زهري.\nقوله [وأحمر بن جزء إلخ] هذه ممن ذكر بقوله وفي الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين]</span>\nأما نصب القدمين فأمر لا بد منه وأما ما ذكر بعض الفقهاء من وجوب (٢) توجيه الأصابع نحو القبلة حتى قال ولو واحدًا فغير مسلم والمرأة مستثناة من أمر النصب لما أن الأحب في حقها ما هو أسترلها كما يفهم من الروايات الأخر كما رواه أبو داؤد مرسلًا هذا وإن لم يشتغل أحد من الفقهاء بتصريح عدم النصب (٣) في حقها غير أن قولهم تختار ما هو أسترلها يشمل هذا الجزء أيضًا.\nقوله [أصح من حديث وهيب] لما أن وهيبًا رفعه بزيادة لفظ أبيه والصحيح\n_________\n(١) هذا وهم نشأ من كلام الترمذي وإلا فعبد الله الأرقم هذا كاتب الصديق الأكبر أيضًا صحابي كتب للنبي ﷺ وأبي بكر وعمر أسلم عام الفتح، كذا في تهذيب الحافظ، ثم قول الترمذي ليس لعبد الله بن أقرم إلا هذا الحديث الواحد تعقبه الحافظ فقال أورد له أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث الوليد بن سعيد عنه حديثًا آخر.\n(٢) كما في الدرالمختار بلفظ يفترض وضع أصابع القدم ولو واحدة نحو القبلة وإلا لم تجز والناس عنه غافلون، انتهى، قلت لكن ابن عابدين حقق أن التوجيه سنة.\n(٣) وذكر في تقرير مولانا رضي الله الحسن المرحوم أن الشيخ المقرئ عبد الرحمن البائي بتي يقول ينبغي للمرأة أيضًا أن ينصب القدمين وحكى عن مفتاح الجنة عدم النصب ورجحه الشيخ لأنه أسترلها، قلت: وبه صرح صاحب البحر وتبعه ابن عابدين فقالا لا تنصب أصابع القدمين كما ذكره في المجتبي.","vol":"1","page":282},{"text":"كونها مرسلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>[باب إقامة الصلب إذا رفع رأسه]</span>\n.\nقوله [قريبًا من السواء] وبهذا يفهم مضمون الترجمة لما أن ركوعه ﷺ وسجوده لما كان معلومًا فمساواته للقومة والجلسة يستلزم إقامة الصلب فيهما وهو المقصود بالبيان.\nقوله [حدثنا البراء وهو غير كذوب] هذا كما جرت العادة من بيان الوثوق بصدق الراوي حين استبعد ما رواه فمراده يكون أن هذا الخبر وإن كان مما يستبعد لكنكم أيها الحاضرون تعلون أن فلانًا لم يكن يكذب أو أنا أعلم يا هؤلاء أنه لم يك يكذب حتى يحتمل (١) ذلك الخبر المستبعد عليه فوجب الإذعان به والخبر المذكور ههنا من هذا القبيل إذ قوله لم يحن رجل منا يستلزم سبق تسبيحة الإمام على وصول المقتدين إلى السجود وهذا غير قريب بالأذهان ووجهه أن النبي ﷺ لما يدن كان شبان الصحابة ﵃ إذا انحنوا بعده وصلوا قبله فكيف لو شرعوا فيه معه فلذلك نهاهم النبي ﷺ أن يحنوا ظهورهم حتى يسجد النبي ﷺ وأراك فهمت بهذا أن التخلف في الانتقالات والتحريمة عن تحريمة الإمام وانتقالاته غير مسنون وإنما المسنون المعية كما هو مذهب الإمام وأما نهيه ﷺ المذكور آنفًا فكانت لعلة يبناها ولا تنكر التخلف إذا كان الأمر على مثل هذا، وأما في غير ذلك فغير مسلم ولا تظنن بذلك أن المعية المذكورة إنما هي المعية التي تبطل (٢) الاقتداء بل المراد بها معية عرفية كما هي أليق بحال الإمام\n_________\n(١) ببناء المجهول قال المجد: حمل يحمله فهو محمول واحتمله، انتهى، يعني أن الراوي لم يك كاذبًا حتى يحمل ذلك الخبر المستبعد عليه بل كان صدوقًا فيجب الإذعان بخبره.\n(٢) أي في التحريمة فإن المعية في غيرها لا تبطل الصلاة أما في التحريمة فالمسألة خلافية ففي البرهان شرح مواهب الرحمن إحرام المأموم مقارنًا للإمام جائز منعقد عند أبي حنيفة ونفياه، وقيل القران أفضل عند أبي حنيفة والتعقيب عندهما ولا خلاف بينهم في الجواز، انتهى، وذكر الحلبي الاختلاف في الأفضلية ثم قال ولا خلاف في صحة كل من الأمرين إلا في رواية عن أبي يوسف أنه لا يصح شروعه إذا كبر مقارنًا، انتهى، وأنت خبير بأن كلام الشيخ مبني على رأي الإمام كما هو مقتضى السياق فهو مشكل ولم أر من فرق بين المعية العرفية وغيرها فتأمل.","vol":"1","page":283},{"text":"والمأموم أي مع تخلف لا يحس به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[باب كراهية الإقعاء بين السجدتين]</span>\nليس الإقعاء لفظًا مشتركًا له معينان إنما هو الاتكاء على إليته بحيث تصلهما عقبي رجليه سواء كان بأن ينصب ركبتيه ويضع إليتيه على الأرض أو بأن يعضهما كهيئة المتشهد أي يضع إليتيه على قدميه وهما منصوبتان كما يفعله المتشهد قبل أن يطمئن جالسًا وهما مكروهان إلا أن القسم الأول لما لم يرد الرخصة فيه كما وردت في القسم الثاني كانت كراهية تحريمية وكراهة (١) الثاني تنزيهية، وأما الآخرون فلم يفرقوا بينهما وإنما احتيج إلى نفي الاشتراك عنه ليكون النهي في قوله لا تقع عامًا يصدق على النوعين كليهما ولولاه لبقى أحد القسمين مباحًا غير مكروه لعدم النهي فيه إذًا.\nقوله [قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال هي السنة] هذا القول من ابن عباس من قبيل المثل السائر خذه بالموت حتى يرضى بالحمى فإنه لما رآهم يظنون الإقعاء حرامًا ورد عليهم أحسن رد وليس المراد بالسنة ما جعله النبي ﷺ مسنونًا على سبيل التشريع إنما المراد بها (٢) ههنا ما فعله مرة وكان السبب في ذلك التخفف بالخف الذي لا يسهل فيه افتراش اليسرى ونصب اليمنى على الهيئة\n_________\n(١) أي عندنا وإلا فالمحكي عن الشافعية استحبابه كما بسط الشيخ في البذل لحديث ابن عباس الآتي.\n(٢) وإنما احتيج إلى ذلك لئلا يخالف هذا الحديث روايات النهي عن الإقعاء فقد ورد النهي عنه من رواية علي وأنس وسمرة وأبي هريرة كما في البذل.","vol":"1","page":284},{"text":"المسنونة لغلظ الخف ولكونه بالغًا إلى منتهى الساق.\nوقوله [إنا لنراه جفاء بالرجل] بفتح الراء (١) وبكسرها يعني القسم الثاني من الإقعاء فإن الجفاء والمشقة على الرجل إنما هو في هذا القسم، وأما في القسم الآخر ففيه سهولة فبقى القسم الأول على حاله.\n[كان يقول بين السجدتين] جوابه ما سبق بتفصيل ومع هذا فلو قال ذلك أو مثله مما ورد لم يجب عليه سجدة السهو كما قال بعضهم ولم تفسد صلاته كما قال البعض الآخر.\nقوله [مشقة السجود] إذا تفرجوا لما أمروا بالتفرج المعبر عنه بالتجافي في في السجود عسر على الضعفاء منهم لما في ذلك من مشقة فأجازهم النبي ﷺ باستعانة الركب أي وضع المرافق عليها حين (٢) الرفع والخفض من السجود وللسجود ليسهل شيء منه.\nقوله [وكان رواية هؤلاء أصح] أي ذكر النعمان مقام أبي صالح (٣)\n_________\n(١) قال ابن العربي جفاء بالرجل يعني القدم وروى جفاء بالرجل يعني الإنسان وقد جاء في الحديث مفسرًا بالوجهين ففي مسند ابن حنبل إنا لنراه جفاء بالقدم وهذا يشهد لمن رواه بكسر الراء وجزم الجيم وفي كتاب ابن خيثمة إنا لنراه جفاء بالمرأ وهذا يشهد لمن رواه بفتح الراء وضم الجيم والذي عندي أنهم لم يفهموا الحرف فصحفوه ثم فسره كل أحد على مقدار ما صحف واختاره أبو حنيفة، انتهى.\n(٢) هكذا فسره الحافظ مراد الترمذي بذكر هذا الحديث وقال ترجم له الترمذي ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود فجعل محل الاستعانة بالركب لمن يرفع من السجود طالبًا للقيام، انتهى، قلت لكن النسخ التي بأيدينا من الترمذي ليس فيها ما حكاه الحافظ من تبويبه والمشهور في معنى الحديث الاستعانة بوضع المرفقين على الركب في السجدة كما في البذل وغيره.\n(٣) رجح الترمذي إرساله على الاتصال وأشار إلى الاتصال بالشذوذ وذكر الشيخ في البذل متابعة حيوة بن شريح لليث برواية الطحاوي وتعقب كلام الترمذي هذا فأرجع إليه.","vol":"1","page":285},{"text":"ولعل وجه الصحة ما في رواته بهذا الوجه من الكثرة.\nقوله [لم ينهض حتى يستوي جالسًا] هذا آخر الأمرين من النبي ﷺ باتفاق بيننا وبين الشافعي إلا أن علة ترك الأول لو كان النسخ لتركنا الأول نحن أيضًا ولما ثبت أن جلسة هذه كانت للرخصة له ﷺ لما يدن كانت العزيمة في عدمها ولذلك لم تعمل بها (١) الصحابة ﵃ بعده فلو كانت تشريعًا ونسخًا لما قبله لما تركوها وما عملوا بالمنسوخ.\nقوله [خالد بن أياس ضعيف] خالد هذا وثقه آخرون وروى عنه أبو داؤد (٢) ومع ذلك فقد تأيدت الرواية بقبولها الفقهاء وعملهم بها كما أقربه الترمذي فقال عليه العمل عند أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>[باب ما جاء في التشهد التحيات </span>(٣)] هي الطاعات اللسانية والصلوات\n_________\n(١) فقد روى أن الصحابة أجمعوا على تركها وعن الإمام أحمد أن أكثر الأحاديث على تركها واختلفت الأئمة في هذه الجلسة فقال بندبها الإمام الشافعي، وقال مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه بتركها وهما روايتان لأحمد كذا في البذل.\n(٢) وذكر في تقرير مولانا الشيخ رضي الحسن المرحوم له رواية في أبي داؤد ولكن أهل الرجال لم يرقموا عليه لأبي داؤد بل للترمذي وابن ماجة فقط نعم ذكر الحافظ في تهذيبه، قال أبو داؤد كان يوم في مسجد النبي ﷺ نحوًا من ثلاثين سنة، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غرائب وإفراد ومع ضعفه يكتب حديثه، انتهى، وقال العيني قال الترمذي مع ضعفه يكتب حديثه ويقويه ما روى عن الصحابة في ذلك، انتهى.\n(٣) قال ابن نجيم في تفسير ألفاظها أقوال كثيرة أحسنها أن التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات البدنية والطيبات العبادات المالية فجميع العبادات لله تعالى لا يستحقه غيره.","vol":"1","page":286},{"text":"من بقية الأعضاء والطيبات الطاعات المتعلقة بالمال ولما كانت للسان مزية مداخلة في أفعال المكلف كما ورد من أن سائر الأعضاء حين يصبح ابن آدم تخضع للسان وتلتمس منه أن لا تتكلم بما يرديها وكذلك ما قيل:\nإن اللسان صغير جرمه وله\nجرم كبير كما قد قيل في المثل\nاختصت من بين سائرها بالطاعة ومن عجيب ما اختص الله به اللسان أنها لا تكل بكثرة العمل ولا تضعف بخلاف سائر الأعضاء فإنها تكل وتعيى، وباقي متعلقات تشهد ابن مسعود لما كانت مكتوبة في الحاشية رأينا تركها في هذه الوريقة أولى ومن عجيب ما نقل أن رجلًا حضر عند الإمام فقال سائلًا بواو أم بواوين (١) فقال الإمام مجيبًا بواوين فقال السائل بارك الله فيك كما بارك في لا ولا (٢) فلم يفهم الحاضرون عم سئل ويم أجيب فسألوا الإمام فقال كان سألني أي التشهدين تختار\n_________\n(١) كذا في الأصل والصواب بلا واو أم بواوين كما حكاه صاحب السعاية وذلك لأن المراد منه تشهد ابن عباس وليس فيه واو على ما تتبعت من طرقه فالظاهر أن في الأصل سهوًا من الناسخ ثم أفادني بعض أحبتي أن القصة كما ذكره الشيخ هو الصواب حكاها صاحب البدائع، فقال: ومن الناس من اختار تشهد أبي موسى الأشعري وهو أن يقول التحيات لله الطيبات والصلوات لله والباقي كتشهد ابن مسعود، وفي هذا حكاية فإنه روى أن أعرابيًا دخل على أبي حنيفة فقال أبواو أم بواوين إلى آخر ما أفاده الشيخ فلله الحمد.\n(٢) إشارة إلى شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية الآية.","vol":"1","page":287},{"text":"فأجبت تشهد ابن مسعود فدعا لي بالبركة كما بورك الزيتون فأفهم والله أعلم.\nقوله [من السنة أن يخفي التشهد] فلو جهر به لا شيء عليه غير الكراهة لما أنه خالف الطريقة المسنونة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>[باب منه أيضًا] </span>هذا الباب معقود لبيان سنية التورك في التشهد الأخير ولما كان الحديث مشهورًا اكتفى بالإشارة إليه ولم يأت بكله وفيه ذكر التورك في التشهد الأخير فتم الاستدلال، وفي مسألة التورك أربعة مذاهب: التورك فيهما وهو مذهب مالك وعدم التورك فيهما وهو مذهب الإمام، والتورك في الثاني دون الإمام وهو مذهب الشافعي وعكسه وهو مذهب (١) والجواب منه ما سبق (٢) من أنه كان لعذر ووجهه ما مر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>[باب ما جاء في الإشارة]</span>\nلا يتوهم (٣) ما قيل فيه من أقوال (٤) لا يعتد بها\n_________\n(١) بياض في الأصل ولم أر هذا مذهبًا لأحد وذكر في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم أنه رواية لأحمد ولم أرها في فروعه أيضًا فلو صحت وإلا فما في فروعه رواية في جلسة الاستراحة على القول بها أن يجلس على إليتيه مفضيًا بهما إلى الأرض صرح بذلك ابن قدامة لئلا يشتبه بالقعدة بين السجدتين فيمكن أن يكون مراد الشيخ هذه الرواية، ثم ما يجب التنبيه عليه أن الإمام الترمذي جمع الإمامين الشافعي وأحمد في مذهب واحد والحق أن في مسلكيهما فرقًا كما بسط في الأوجز، وحاصله أن التورك عند الشافعي في كل تشهد يعقبه التسليم وعند أحمد في تشهد ثان من التشهد ففي الصبح والجمعة يتورك عند الشافعي دون أحمد.\n(٢) لم أر أينما سبق الجواب عن حديث التورك ولعله إشارة إلى الجواب عن حديث جلسة الاستراحة فإن المبني واحد والعذر مشترك.\n(٣) قال المجد: توهم أي ظن، انتهى، يعني لا يظن أن هذه الأقوال التي وردت في نفيها صحيحة بل الإشارة ثابتة.\n(٤) فإن كثيرًا من الحنفية وغيرهم أنكروها لكن الصواب أنها سنة متفقة عند الأئمة الستة كما حققه الشيخ في البذل، وقال محمد في موطأه بعد ذكر حديث الإشارة وبصنيع رسول الله ﷺ نأخذ وهو قول أبي حنيفة ونص محشيه على تصريحها عن أبي يوسف أيضًا فهي مصرحة عن أئمتنا الثلاثة وتوهم من أنكرها.","vol":"1","page":288},{"text":"فإن الإشارة مسنونة ثبتت بالروايات الصحيحة وما قيل من أن الروايات فيها متخالفة فتوهم ساقط إذ الوارد فيها لفظ وضع وعقد وهما غير متنافيين فإن الذي هو في حديث الباب السابق من أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته ورفع أصبعه إلخ لا يقتضي أن اليد اليمنى مبسوطة (١) حتى ينافيه ما ورد في الحديث الذي فيه ذكر عقدها بل الحق أن وضع اليد المعقودة أيضًا وضع كما أن وضع المبسوطة وضع.\n[كان يسلم تسليمة واحدة (٢)] أي يأخذ فيها من تلقاء وجهه ويختمها\n_________\n(١) على أنه يمكن الجمع بينهما بأن اليد كانت مبسوطة أولًا ثم عقدت عند الإشارة وزاد في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم أن ما قال صاحب الدرالمختار يشير باسطًا يده خلاف الرواية فإن القبض منصوص عليه، وما قال بعض الفقهاء من أنه يرفع عند النفي ويضع عند الإثبات فالثابت في الرواية بقاء الرفع إلى آخر الصلاة، انتهى، قلت: ما أشار إليه الشيخ من الرواية هي ما في دعوات الترمذي من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن جده بلفظ وقبض أصابعه وبسط السبابة وهو يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ويشكل عليه أن الثابت بالحديث لا يخالف مختار الفقهاء من أنه يضع عند الإثبات فإن الوضع لا ينافي البسط على أن ما قاله الفقهاء مروي عن صاحب المذهب ففي الشامي عن المحيط يرفعها عند النفي ويضعها عند الإثبات وهو قول أبي حنيفة ومحمد، انتهى.\n(٢) أعلم أولًا أن الفقهاء مختلفة في التسليم في الموضعين في الأوجز الأول في الواجب منه فعن الإمام أحمد روايتان إحداهما ركنية السلامين معًا والثانية ركنية إحداهما وكذا اختلف عند الحنفية فقيل الثاني واجب وقيل سنة وعند باقي الأئمة الواجب واحد حتى حكى النووي وابن المنذر إجماع العلماء على ذلك، وأما الاختلاف الثاني ففي المسنون منه فقالت الأئمة الثلاثة السنة اثنان خلافًا لمالك ﵁ وبعض السلف فقالوا يسلم المأموم ثلاثًا وهو مشهور قول مالك والثالث للرد على الإمام، وأما غير المأموم فيسلم واحدًا تلقاء وجهه، ملخص من الأوجز وإذا عرفت ذلك فحديث الباب حجة لمن قال بوحدة السلام وحاول الشيخ توجيهه إلى قول الجمهور، وحاصل ما أفاده أن الحديث ليس بمسوق لبيان العدد بل لبيان ابتداء السلام بأن كان دأبه ﷺ أن يبتدئ من تلقاء وجهه ويختمه إلى اليمين واليسار، والأوجه عندي أن الحديث حجة للجمهور في المسألة الأولى وهي فرض التسليمة الواحدة فإن النبي ﷺ قد يكتفي على التسليمة الواحدة بيانًا للجواز.","vol":"1","page":289},{"text":"إذا مال وجهه إلى اليمين وكذا الحكم في تسليم اليسار لكنهما اكتفت بذكر تسليمة لما أن مقصودها بالذكر إنما هو بيان التسليمة من أين تبتدئ وبيان كيفيتها كيف هي وما قيل من أنها لم تبلغها التسليمة الثانية لما أن التسليمة الأولى من النبي ﷺ كانت فوق صوت التسليمة الثانية فلم تسمع عائشة غيرها فبعيد جدًا فإن التسليمة الثانية كانت إلى جهة حجرتها فهي تتمكن من سماعها فوق تمكنها من سماع التسليمة الأولى ولم يك لإخفاء النبي ﷺ إياها معنى حتى يقال ما قيل وإنما الثابت أنه لم يكن يرفعها كرفع الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>[باب ما جاء أن حذف السلام سنة]</span>\nتخصيص الحذف بإسقاط الحرف اصطلاح حديث (١) ولفظ الحديث منه قديم، فالمراد بالحذف في الباب إنما هو\n_________\n(١) أي حادث قال المجد: الحديث الجديد والخبر.","vol":"1","page":290},{"text":"حذف (١) حركة هاء الجلالة.\nقوله [وقال ابن المبارك أه] لما كان في لفظ الحديث خفاء وإجمال بينه ابن المبارك بقوله أن لا تمده مدًا أي لا تحرك الهاء، وأما توهم أن المنع من إشباع الجلالة فمندفع بثبوته اتفاقًا لا يقال أن اللازم من قول ابن المبارك إنما هو أن لا تشبع الهاء لا إنها لا تحرك لأنه قال لا تمده مدًا ولا مد في تحريكها لأنا نقول أن ما قلتم من أنها لا مد في تحريكها فهو غير مسلم إذ في الحركة مد نسبة إلى الجزم لكن لما كان بقى بعد تفسير ابن المبارك أيضًا نوع إبهام احتاج إلى تفسير آخر فقال روى عن إبراهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>[باب ما يقول إذا سلم]</span>\nقد تاهت العلماء بحديث عائشة هذا فاضطروا إلى تأويلات فيما ورد من أنه ﷺ كان يقول أزيد من هذا وحكموا أن الزيادة على هذا المقدار في الجلوس بعد الفريضة قبل أداء السنن لا تجوز إلا أن بعضهم لما تنبه على صحة الروايات المثبتة للزيادة في الجلوس قال لا تجوز الزيادة (٢) في الجلوس على مقدار الركعتين وهذا هو القول النجيح الذي لا يتعدى عن الحق الصريح فإن حديث عائشة يمكن أن يقال فيه أن النبي ﷺ كان يقول هذه الكلمات أحيانًا فاتفقت الروايات وكل ما روى عن النبي ﷺ أنه كان يقولها بعد الصلاة لا يتعدى عن مقدار الركعتين\n_________\n(١) قال الحافظ في التلخيص الحبير: حذف السلام الإسراع به وهو المراد بقوله جزم، وأما ابن الأثير في النهاية فقال معناه أن التكبير والسلام لا يمدان ولا يعرب التكبير بل يسكن آخره وتبعه المحب الطبري وهو مقتضى كلام الرافعي، وفيه نظر لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لا بل العربية فكيف يحمل عليه الألفاظ النبوية، انتهى، وتعقب عليه ابن عابدين فقال إن الجزم في الاصطلاح الحادث عند النحويين حذف حركة الإعراب للجازم فقط لا مطلقًا إلى آخر ما بسطه.\n(٢) قلت لم أجد التقييد بمقدار الركعتين فليفتش في كلام القدماء.","vol":"1","page":291},{"text":"ومن الظاهر (١) أن السنن للجبر وإتمام الفرائض فلا منافاة بينها وبين الأذكار إذ الأذكار متممة لها كالسنن غير أن الإجازة مقتصرة على ما ثبت من الأذكار بين الفرائض والسنن دون ما لم يثبت.\nقوله [لا ينفع ذا الجد أه] الجد الغناء والسعي وأب الأب وعلى كل من المعاني الثلاثة يصح المعنى والمراد بالنفع الاعاذة (٢) والإجارة.\nقوله [إذا أراد أن ينصرف من صلاته] أي موضع صلاته ومجلسه الذي صلى فيه مريدًا للذهاب إلى بيته الشريف.\nقوله [استغفر ثلاثًا] واستغفاره ﷺ إما لتعليم الأمة أو لاشتغاله بالمباحات في الظاهر من الأزواج المطهرات وحوائج البيت فإن اشتغاله هذا وإن لم يكن ذنبًا لكنه ﷺ كان يعده ذنبًا فيستغفر منه أو لما كان له من الترقي في كل آن والعروج في كل ساعة فيستغفر حينئذ عما دونه لما يراه ذنبًا بالنسبة إلى ما وصل إليه الآن وإليه الإشارة في قوله ﵇ أنه ليغان على قلبي إلى آخر ما ورد أن يكون استغفاره هذا حسبما اشتهر فيهم من كون حسنات الأبرار سيئات المقربين فالطاعات التي فيها لكل فرد من أفراد الأمة مثوبة عظمى ومنزلة كبرى كانت له ﷺ سيئته هذا غير خفي بتأمل، والفرق فيما بين هذه الوجوه غير بين محتاج إلى نظر دقيق وفكر بالمقام حقيق وفيه وجه وجيه وهو أن استغفاره ﷺ هذا كان لما يرتكب في بعض الأحيان الأفعال التي ليست بأولى بيانًا للجواز ونفيًا للحرمة كما\n_________\n(١) يعني ما قيل أن السنن مكملات للفرائض فينبغي اتصالها بالفرائض لا ينافي اتصال الأذكار فإنها أيضًا مكملات لأذكار الصلاة.\n(٢) يعني لا يعيذ ولا يجير من عذابك هذه الأشياء الثلاثة وههنا معنى رابع ذكروه وهو أن قوله لا ينفع عطف على ما سبق أي لا معطى لما منعت ولا ينفع عطاءه وذا الجد منادي أي ذا الغني والعظمة منك الجد لا من غيرك كذا في هامش الحصن وغيره.","vol":"1","page":292},{"text":"لا يخفى في كثير من أفعاله ﷺ لكن يرد على هذا أن أعماله هذه لم تك إلا بأمره تعالى فإن ذلك كان من أفعال النبوة التي لا بد منها فكيف الاستغفار لكن الأمر في ذلك السؤال والجواب سهل (١) فتدبر.\n\n[باب ما جاء في وصف (٢) الصلاة] هذا نظم في سلك البيان للدور التي تناثرت في أبحر الصفحات السابقة.\n[إذ جاءه رجل كالبدوي] هذا دفع لما عسى أن يتوهم من أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع فوزهم بصحبة النبي ﷺ وصلاتهم معه في أكثر أوقاتهم كيف بقوا غافلين عن طريق الصلاة التي هي عماد الدين، وحاصل الدفع أنا كنا لا نعرفه وكان من غير من فاز بالمذكور فكأنه كان يدويًا ولم يكن يعرف الصلاة إلا كما صلى ولذلك ظن بقوله ﷺ صل فإنك لم تصل أنه ترك من هذه الأركان المعلومة له شيئًا ولم يعلم به فلذلك عاد وأعاد صلاته لكنه اجتهد شيئًا في أن لا يترك شيئًا مما يعلمه أنه منها فعاد وعاد قوله ﵊ فيه فعاد إعادته الصلاة حتى إذا ثلث صلاته سأل النبي ﷺ أن يعلمه الصلاة لأنه علم أن الصلاة المعلومة له ليست بصلاة حقيقة وإلا لم يحكم النبي ﷺ عليه بقوله: صل فإنك لم تصل فحمل النفي على نفي الذات وأصل الصلاة كما حملته الصحابة على ذلك فعافوا (٣) وكرهوا أن يكون الذي\n_________\n(١) وذلك لأن كون أمر من الأمور غير مندوب مغائر لفعله ﷺ إياه لبيان الجواز لاختلاف الجهتين ولولا الاعتبارات لبطلت الحكمة وله نظائر كثيرة في الشرع كالشؤم في بعد الدار عن المسجد مع كونه سببًا لكتابة الآثار ومثل تعوذه ﷺ من الغرق والحرق وغيرها مع كونها من أسباب الشهادة وغير ذلك مما فيه كثرة.\n(٢) واختلفت الروايات في سند هذا الحديث كما يظهر من النظر في كتب الحديث لا سيما أبي داؤد والطحاوي، وذكر شيئًا منه شيخنا في البذل.\n(٣) يعني أن الصحابة ﵃ أجمعين لما حملوا قوله ﷺ على نفي الصلاة ونفي الذات كرهوا التخفيف وظنوا أن الذي أخف في صلاته كأنه لم يصل.","vol":"1","page":293},{"text":"أخف في صلاته فكأنه لم يصل، لكن لا يذهب عليك أن التخفيف الذي نهى النبي ﷺ إنما هو التخفيف قبل إكمال السنن والواجبات والذي أمر به بقوله إذا أمكم الناس (١) فليخفف، وما عرف من تخفيفه ﷺ فيما ورد كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة في تمام فإنما هو التخفيف بعده فالأول مكروه منهي عنه، والثاني مندوب مأمور به عند الضرورة ثم الوارد في كل الحديث صيغ الأمر فما علم بقرينة خارجية أنه ليس للوجوب خرج عن اقتضاء الوجوب وما لم يكن كذلك بقى على أصله، فمن القسم الأول قوله ﵇ تشهد فأقم أيضًا إذ المراد بالتشهد ههنا الأذان لا غير فنزلًا إلى السنية (٢) لما ثبت في غير هذا المقام ومن ذلك (٣) قوله ﵇ فتوضأ كما أمرك الله وقوله ﵇ فإن كان معك قرآن فاقرأ فإن هذين الأمرين على هذه الرواية خرجًا عن الظنية ودخلًا في القطعية عملًا بقوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية، وبقوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾، وكذلك الأمر في أمر السجود والركوع.\nوأما أمر الطمأنينة (٤) فلم يتأيد بقرينة تخرجه من الوجوب بل تأيد بقرينة\n_________\n(١) كذا في الأصل ولفظ الحديث كما في جمع الفوائد عن الستة إذا صلى أحدكم الناس فليخفف، الحديث.\n(٢) ومن ذلك أمر تكبيرات الانتقال والتسميع والأمر بوضع اليدين على الركبتين والأمر بالافتراش في الجلوس وغير ذلك من الأوامر الواردة في هذا الحديث عند أبي داؤد وغيره.\n(٣) أي من الأمور التي خرج فيها الأمر عن الوجوب لقرينة خارجية فإن هذين الأمرين خرجًا عن الوجوب المصطلح ودخلًا في الفرضية لقرينة خارجية.\n(٤) والمسألة خلافية بين الأئمة كما بسطت في الأوجز فقال الشافعي وأبو يوسف وأحمد أنه فرض وقال أبو حنيفة ومحمد: إنه واجب واختلف أصحاب مالك هل ظاهر مذهبه يقتضي أن يكون سنة أو واجبًا إذ لم ينقل عنه نص في ذلك قاله ابن رشد، قلت: ووجوب الطمأنينة هو المرجح عندنا كما حققه ابن عابدين خلافًا لما قيل من سنية الاعتدال في القومة والجلسة فإنه مرجوح.","vol":"1","page":294},{"text":"تايد بها وجوبه وهو قوله ﵇ وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك فعلم أن الطمأنينة ليست من الفرائض وإنما هي واجبة يورث نقصها نقصانًا في الصلاة ولا تبطل الصلاة بعدمها لما يلزم بذلك تقييد مطلق الكتاب بالحديث والحديث بتسليم شهرته غير مثبت أيضًا لمدعي الخصم وهذا الذي فهمه الإمام من قول النبي ﷺ فهمه (١) الصحابة الكرام كما قال وكان هذا أهون عليهم انتهى، فعلموا ساعة قوله هذا أن نفي صلاته في قوله صل فإنك لم تصل إنما كان نفي تمام وكمال لا نفي الذات والحقيقة.\nقوله [بلى] أي سلم عدم كونه أكثرهم إتيانًا أو أقدمهم صحبة لكنه لم يترك دعوته (٢) في أن علمه بصلاته ﵇ ليس بقليل نسبة إلى علمهم بها لما أن المرء مع أنه لا يكثر الإتيان والصحبة قد يعلم شيئًا أكثر ممن هو قديم الصحبة كثير الدور إذا تفكر وبالغ في حفظه وإتقانه وتلحج في إجادته وإحسانه، وهذا كثير.\nقوله [فتخ] بالفاء ثم التاء بعدها خاء معجمة أرخاها لتثني وتتعطف فيستقبل إلى القبلة.\n[ثم صنع في الركعة الثانية] هذا تقديم موضعه بعد قوله حتى إذا قام من\n_________\n(١) يعني الذي فهمه الإمام من قوله ﷺ هو الذي فهمه الصحابة الكرام بعينه كما يدل عليه قوله هذا أهون عليهم من الأولى فإن قوله ﷺ الأول أرجح فصل فإنك لم تصل يوهم أن ينفي الصلاة برأسها وقوله ﷺ هذا يدل على النقص وأن الصلاة لم تذهب كلها.\n(٢) قال المجد: ادعى كذا زعم له حقًا والاسم الدعوة والدعاوة ويكسران.","vol":"1","page":295},{"text":"السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه وبعده ثم صنع في الركعة الثانية إلخ ومثل هذا كثير في الكلام فلا حاجة إلى ما أجاب به الترمذي من أن المراد بالسجدتين الركعتان وإنما اضطر (١) إلى الجواب لأن ظاهر العبارة يقتضي أن يكون بعد تمام ركعتين سجدتان مع أن السجدات إذًا أربعة فلما حمل (٢) السجدة على الركعة وهذا كثير فإن الركعة إنما سميت ركعة لكون الركوع فيها فلا غرو في تسمية الركعة بالسجدة تسمية للكل باسم جزئه.\nثم اعلم أن الشافعي تمسك بهذا الحديث في إثبات رفع اليدين في الموضعين اللذين سلمهما أي قبل الركوع وبعده، وأنت تعلم أن الثابت بهذا الحديث هو الرفع في الموضع الثالث (٣) أيضًا والشافعي لا يسلمه وهو الرفع بعد القيام إلى الثالثة فالذي يستدل به على نسخ هذا الثالث فهو المستدل لنا مع ملاحظة ما سبق في باب الرفع وأيضًا تمسك بهذا في إثبات جلسة الاستراحة والتورك في القعدة الأخيرة وجوابهما ما مر من أنهما لم تكونا عزيمتين بل رخصة لما بدن رسول الله ﷺ فكيف السبيل إلى تشريعهما وما قال الشافعي من أن الواقعة متأخرة فغير منكر إذ\n_________\n(١) هذا محتمل والظاهر أن المصنف إنما احتاج إلى بيان هذا المعنى لما ورد في الروايات من الركعتين محل السجدتين ففي أبي داؤد ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه، الحديث، وهكذا في ابن ماجة والطحاوي وغيرهما وهذه الروايات تدل على أن لا احتياج إلى توجيه التقديم والتأخير.\n(٢) لم يذكر في الكلام جزاءه، أي فلا إشكال إذًا ويقال إن قوله فلا غرو إلخ دال على الجزاء قام مقامه.\n(٣) يعني على توجيه الإمام الترمذي أما على توجيه الشيخ إذ حمله على التقديم والتأخير فلا يدل على الرفع بعد الركعتين بل على الرفع في مبدأ الركعة الثانية.","vol":"1","page":296},{"text":"سلمنا لكن حملناه في العذر.\nوأما في رفع اليدين فغير مسلم إذ لا بد للشافعي أيضًا من ناسخ له في رفع اليدين إذا شرع في الركعة الثانية أو الثالثة فهو نفسه غير متقرر على تأخر الحديث وإلا أضره ذلك وقولهم صدقت هكذا صلى النبي ﷺ لا يستلزم ولا يقتضي استقرار الأمر على ذلك وأيضًا فلم يلق محمد بن عمرو أبا حميد فتكون الرواية منقطعة وأنتم لا تعتبرون بها.\nقوله [والنخل باسقات] أي السورة (١) التي فيها هذه الآية لا الآية فقط كما توهمه بعضهم.\nقوله [كان يقرأ في الظهر والعصر إلخ] هذا لف ونشر مرتب فلا خلاف أو لا فبيان للجواز.\nقوله [وفي الثانية قدر خمس عشرة] هذا عند الإمام لبيان الجواز وتفصيله أن الإمام قائل بتسوية قراءة الركعتين فيما سوى صلاة الفجر فإنه يجوز فيها تطويل الأولى على الثانية، وأما في غيرها فلا، بخلاف أحد صاحبيه (٢) وأول الأحاديث الواردة في تطويل الأولى على الثانية من حكاية الصحابة صلاته ﷺ بأن هذه الزيادة جاءت من قبل الأدعية (٣)، وأما القراءة فهما فيها سواء لكن لا يتمشى هذا التأويل ههنا فإن تفاوت خمس عشرة آية لا يمكن حمله (٤) على قراءة الأدعية\n_________\n(١) أي سورة «ق» يؤيد كلام الشيخ ما في بعض روايات مسلم فقرأ ﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١)﴾.\n(٢) وهو محمد، ففي الهداية يطيل الركعة الأولى من الفجر على الثانية إعانة للناس على إدراك الجماعة وركعتا الظهر سواء عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد أحب إلى أن يطيل الركعة الأولى من الصلوات كلها.\n(٣) أي الثناء والتعوذ والتسمية كما جزم بها صاحب الهداية.\n(٤) فلا بد من التوجيه الذي اختاره الشيخ وهو بيان الجواز كما تقدم قريبًا.","vol":"1","page":297},{"text":"لا سيما والإمام غير مسلم قراءة ما سوى الثناء والتعوذ والبسملة في الفرائض، ثم إن جملة الأمر في تعيين السور للصلوات الخمس إنما هو ثبوت مداومة النبي ﷺ فما ثبت عند كل (١) إمام جعله مسنونًا وحمل ما روى عنه بخلافه على أنه لبيان الجواز ولعارض آخر والأصل هو ذلك وعلى هذا قلنا بطوال المفصل (٢) في الفجر والظهر وبقصارة في المغرب وبالأوساط في العصر والعشاء.\nقوله [قرأ بالأعراف في كلتيهما] هذا رد صريح على من قال إن الوقت المستحب للمغرب ليس إلا واحدًا (٣) وبيان لجواز قراءة كل سورة قصيرة أو طويلة في كل صلاة حتى لا يظن بما يذكر من بيان قراءة السور في الصلوات كما عين (٤) وجوبها وعدم إجزاء السور الأخرى في تلك الصلوات.\n[وذكر عن مالك أنه كان يكره] هذا بيان لما يكره عند الدوام عليه لكن الشافعي فهم خلافه فخالفه (٥).\n_________\n(١) وهم متفقون على طوال المفصل في الصبح وقصاره في المغرب واختلفوا فيما بين ذلك كما في الأوجز.\n(٢) وأجاد القسطلاني حكمة هذا التقسيم فقال ما حاصله إن الصبح والظهر وقتا نوم فناسب التطويل ليدركهما المتأخر والعصر وقت اشتغال والعشاء وقت راحة فناسب الوسط ليدركوا وطرهم والمغرب وقت تعب وأكل صائم فناسب القصر.\n(٣) واستدل به الحافظ أيضًا في الفتح على امتداد وقت المغرب.\n(٤) هكذا في الأصل والظاهر كما عينت لأن الضمير إلى السور ويمكن أن يوجه أن الضمير إلى القراءة فيصبح التذكير، وعلى كل حال فقوله وجوبها نائب فاعل لقوله يظن والمعنى لا يظن بتعيين هذه السور وتقسيمها في الصلوات كالطوال في الصبح والقصار في المغرب وجوب قراءة هذه السور في هذه الصلوات.\n(٥) قال الحافظ في الفتح بعد حكاية كلام الترمذي هذا وكذا نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك ولا استحباب، وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة بل وبغيرها، قال ابن دقيق العيد استمر العمل على تطويل القراءة في الصبح وتقصيرها في المغرب والحق عندنا أن ما صح عن النبي ﷺ في ذلك وثبتت مواظبته عليه فهو مستحب وما لا تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه، انتهى، قلت: أما المعروف في فروع الشافعية هو استحباب القصار في المغرب وما وجه الشيخ كلام مالك فهو توجيه حسن فإني لم أر الكراهة في فروعه والمذكور فيها ندب القصار في المغرب لا غير.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>[باب ما جاء في القراءة خلف الإمام]</span>\nاعلم أن مسألة القراءة خلف الإمام من أدق مسائل فروع الدين وأهم ما تنازعت فيه فقهاء المجتهدين وليس مقصودنا في إيراد هذه المسألة ههنا إلا إثبات ما هو حق لا يرتاب فيه وإن لم يقبله مكابرة وعنادًا مجادل أو سفيه فنقول إن في عدم قراءة المؤتم خلف الإمام وقت ما هو يقرأ اتفاقًا (١) بينهم إنما الخلاف في القراءة وقت سكتات الإمام وكذلك هم\n_________\n(١) المراد اتفاق الجمهور وإلا ففيه خلاف يسير، قال ابن قدامة: المأموم إذا سمع قراءة الإمام فلا يقرأ بالحمد ولا بغيرها لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، الآية ولقوله ﷺ «مالي أنازع القرآن فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر»، والجملة أن المأموم إذا كان يسمع قراءة الإمام لم تجب عليه القراءة ولا تستحب عند إمامنا والزهري والثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك وإسحاق وأحد قولي الشافعي والقول الآخر له بقرأ فيما جهر فيه الإمام وأورد ابن العربي على عموم القراءة خلف الإمام فقال يقال للشافعي عجبًا لك كيف يقدر المأموم في الجهر على القراءة أينازع الإمام أم يعرض عن استماعه أم يقرأ إذا سكت فإن قال يقرأ إذا سكت قيل له فإن لم يسكت الإمام وقد أجمعت الأمة على أن سكوت الإمام غير واجب متى يقرأ ويقال له أليس في استماعه لقراءة الإمام قراءة منه وهذا كاف لمن أنصفه وفهمه وقد كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام وكان أعظم الناس اقتداء برسول الله ﷺ، انتهى.","vol":"1","page":299},{"text":"متفقون على أنه لا يقرأ غير الفاتحة وهو السورة حين هو مؤتم إلا ما ذهب شرذمة قليلة لا يعبأ بها إذ لم ينتظموا في سلك الفقهاء فإنهم تقولوا بقراءة السورة أيضًا خلف الإمام، وفي المسألة أربعة مذاهب:\nالأول ما اختاره الإمام الهمام قدوة العلماء الأعلام من عدم جواز قراءة الفاتحة للمقتدي حين الاقتداء في الصلاة الجهرية والسرية كلتيهما.\nوالثاني مذهب شافع العصاة رحمه الله تعالى من وجوب قراءتها في كلتيهما.\nوالثالث مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى من عدم الوجوب في الجهرية والوجوب (١) في السرية.\nوالرابع ما ذهب إليه أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من عدم الوجوب من كلتيهما والجواز غير منفي عنده.\nوأما إذا نظر إلى ما قدمنا من مذهب الشرذمة الغير المعتد بها فالمذاهب خمسة ولو نظر إلى ما روى عن محمد (٢) من أنه استحسن القراءة خلف الإمام تصير المذاهب ستة، وأما عند الشيخين فالقراءة محرمة (٣) لما فيها من الوعيد (٤)\n_________\n(١) ما حكى الشيخ من الوجوب في السرية عند مالك لعله مأخوذ من كلام بعض المالكية فإنهم قالوا بذلك ومرجح مذهب الإمام مالك كما في الأوجز عدم الوجوب في كلتيهما، نعم أحبها في السرية وكرهها في الجهرية وكذلك ما حكى عن الحنابلة من عموم الجواز خلاف فروعهم بل فيها المنع عن القراءة عند الجهر إلا لعذر.\n(٢) كما حكاه عنه صاحب الهداية وغيره، وفي الدرالمختار ما نسب لمحمد ضعيف.\n(٣) أي مكروه تحريمًا، ففي الدارالمختار: المؤتم لا يقرأ مطلقًا فإن قرأ كره تحريمًا وتصح في الأصح قال ابن عابدين منع المؤتم القراءة مأثور عن ثمانين نفرًا من كبار الصحابة منهم المرتضي والعبادلة الأربعة وقد دون أهل الحديث أساميهم.\n(٤) ففي التنسيق عن كشف الأسرار عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، انتهى، وفي الأوجز روى عن ابن مسعود بألفاظ مختلفة ففي رواية قال أنصت فإن في الصلاة شغلًا سيكفيك الإمام، وفي أخرى عنه ليت الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابًا وروى عن علقمة بن قيس أن أعض على جمرة أحب إلي من أن أقرأ خلف الإمام وعن سعد بن أبي وقاص وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة وعن عمر ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرًا، قال صاحب التنسيق هذا سند جيد لا كلام فيه ثم رد ما نقل عنه بخلافه وغير ذلك من الآثار في الباب.","vol":"1","page":300},{"text":"ولقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ والذي أجاب العلماء المتقدمون من لزوم تخصيص الآية بالخبر مشهور مستفيض لسنا محتاجين إلى ذكره والمقصود ههنا الجواب عما استدل به الخصم على مرامه بتقرير لم يسبق إليه بعون الله وحسن توفيقه فيحمده من له فهم مستقيم وقلب غير عنيد إذا ألقى إلينا سمعه وهو شهيد، قال الترمذي الحافظ رحمه الله تعالى: حدثنا هناد قال حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق إلخ قالت الأحناف: محمد بن إسحاق قال فيه مالك كذاب وكذلك بعض من سواه طعن فيه فكيف يستند بحديثه والذي توبع عليه به وهو نافع بن محمود رجل مجهول (١) ولا يخفى عليك أن طعنهم في محمد بن\n_________\n(١) على ما جزم به ابن عبد البر وأن ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب مستور.","vol":"1","page":301},{"text":"إسحاق غير مقبول كيف وقد أخذ البخاري منه في بعض ما أدرجه في صحيحه ووثقه آخرون، فالحق أن الحديث وإن لم يبلغ منزلة الصحة لكلام من كلم منهم فيمن كلم منهم إلا أن حسنه لا ينكر وكذلك طعنهم في الإمام وتضعيف روايته التي رواها في الإنصات كما فعله الدارقطني لغو.\nقوله [فثقلت عليه القراءة] قالت الشافعية هذا الثقل كان لما أن الرجل كان يصلي جهرًا فثقل قراءته على النبي ﷺ وأنت تعلم أن مثل هذا القول بعيد ممن له أدنى مسكة في علم الحديث فكيف بهذه الجهابذة النقاد أو لم يروا أن مثل ذلك كيف يتصور في شأن أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ حين هو يقرأ القرآن جهرًا إذ الواقعة كانت في صلاة الصبح أنهم يقرأون بأنفسهم ولا يستمعون قراءة النبي ﷺ وعليه أنزل، كيف وكانوا لا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ فيما دون الصلاة ووقت سكوته أو لم ير هؤلاء الذين حملوا الثقل على هذا السبب إلى قوله ﷺ حين فرغ من صلاته إني أراكم تقرأون وراء إمامكم، وفي رواية هل قرأ منكم أحد فهذا هو الكلام وقت هذا التيقن الذي يلزم من قراءة المؤتم جهرًا بل الوجه في ذلك أن لإكمالهم السنن والفرائض كان تأثير في قلب النبي ﷺ كما قال في مقام آخر لعلكم لا تحسنون الطهارة فإني (١) فكان لارتكابهم القراءة وقد نهوا عنها دخل في التأثير باطني أو لما أنهم كانوا حين يقرأون يهذون (٢) هذا طلبًا لإتمام الآية قبل أخذه (٣) ﷺ في القراءة كما ورد في هذه الرواية بإسناد آخر\n_________\n(١) بياض في الأصل ههنا والحديث الذي أشار إليه الشيخ ما في المشكاة أنه ﷺ صلى صلاة الصبح فقرأ «الروم» فالتبس عليه فلما صلى قال ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور وإنما يلبس علينا القرآن أولئك، ففيه أن قلبه الأطهر ﷺ ينكشف فيه أحوال الرجال وهذا مما لا ينكر عن مشايخ السلوك فكيف عن مركز دوائرهم.\n(٢) أي يسرعون في القراءة وهو يورث الرجة الخفية.\n(٣) يعني يقرأون في سكتاته ﷺ ويهذون لإتمام الآية قبل أخذه ﷺ في آية أخرى.","vol":"1","page":302},{"text":"فأحس النبي ﷺ حسيسهم فاشتبه عليه قرآنه أو لأنه لما علم بحسيس صوتهم في القراءة اغتاظ لمخالفتهم أمره في الانتهاء عن القراءة خلف الإمام فلشدة موجدته عليهم في ذلك اشتبهت عليه قراءته أو لما أثر رغبتهم عن قراءته لشغلهم بقراءتهم في توجهه إلى قراءته فإن لرغبة السامعين دخلًا في انبعاث الإمام القارئ على القراءة.\nقوله [قول فانتهى الناس] أي الذين كانوا يقرأون حين يصلون خلف الإمام ومما ينبغي أن يعلم أن أول ما فرضت على النبي ﷺ وأصحابه من الصلاة إنما هي صلاة الليل كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ إلخ وكان الأمر على ذاك ما شاء الله تعالى ثم نسخت في حق المقدار حين نزلت آي أواخر السورة المذكورة وهي قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ وبقى مطلق أمر صلاة التهجد عل فرضيته ولو آية (٢) أو سورة قصيرة أو طويلة وشاع فيما بينهم في ذلك طريقة أداء الصلوات الخمس ثم لما فرضت الصلوات الخمس وكانوا من قبل ذلك يصلي كل منهم لنفسه ووجبت الجماعة نزل قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ فانتهوا بذلك عما كانوا عليه من قراءة كل ما اعتادوا ذلك في صلاة التهجد وبذلك أمرهم النبي ﷺ واستقر الأمر على ذلك وكان الذي قاله النبي ﷺ من أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، وكذلك لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\n_________\n(١) وكان نزولها في مبدأ الوحي لما جاءه الوحي في غار حراء ورجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال زملوني زملوني ثم نسخر بآخر السورة وكان بينهما سنة كما في حديث عائشة وابن عباس عند أبي داؤد فبقى مطلق التهجد فرضًا ثم نسخ بالصلوات الخمس في الإسراء كما في الجلالين والقسطلاني وغيرهما.\n(٢) أي ولو يقرأ فيها آية أو سورة قصيرة قال الرازي قيل يقرأ مائة آية، وقيل خمسين آية ومنهم من قال بل السورة القصيرة كافية لأن إسقاط التهجد إنما كان دفعًا للحرج وفي القراءة الكثيرة حرج فلا يمكن اعتبارها، انتهى.","vol":"1","page":303},{"text":"مصداقه المنفرد والإمام لا المقتدي لما ورد في الرواية الصحيحة من زيادة لفظ سورة وفي رواية وزيادة إلى غير ذلك، وزاد هذه اللفظة معمر وشعبة (١) أو لا يرد جلالة قدرهما في ذلك الفن عنهما وصمة السهو وتهمة النسيان كما أوزراهما به المخالفون، وليت شعري ما الذي اضطرهم إلى مخالفة قاعدهم المسلمة من أن زيادة الثقة معتبرة إذا لم تكن مخالفة لما هو أوثق منه وههنا كذلك إذ لا مخالفة بشيء في قولهم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب بقولهما لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها وفي رواية لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا. وفي رواية لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن فعلم أن المقصود بذلك ليس هو نفي أصل الصلاة وأن الفاتحة والسورة مساويتان في الوجوب وأن المراد بذلك هو المنفرد دون المؤتم وعليه يحمل ما ورد في ذلك من الروايات الخالية عن هذه الزيادة فإن الراوي كثيرًا ما يختصر رواية والآخر يأتي بها أتم أو ليس لمن يخالفنا من سبيل إلى موافقتنا حتى يستخلص من ورطة مخالفة هذه الروايات الصريحة الصحيحة مع أنهم خصصوا (٢) من عموم حديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب من أدرك الإمام وهو راكع فلنا\n_________\n(١) هكذا في الأصل وكتب الشيخ على هامش كتابه مضببًا عليه لفظه بدله لكنه لم يذكر البدل بل ترك البياض، والظاهر عندي أنه أراد محله كتابة سفيان ابن عيينة فإن المشهور في الشروح هو متابعة لمعمر وهو أيضًا من حفاظ الحديث فكلام الشيخ الآتي مستقيم يترتب على معمر وسفيان أيضًا تابعهما على هذه الزيادة صالح والأوزاعي وعبد الرحمن بن إسحاق وغيرهم كما حكاه الشيخ في البذل.\n(٢) فإنهم متفقون على أن مدرك الإمام في الركوع مدرك للركعة وإن لم يقرأ الفاتحة، قال ابن عبد البر هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق، انتهى ما في الأوجز ولا يلتفت إلى من خالفهم فإنهم فوارس هذا الميدان.","vol":"1","page":304},{"text":"فلنا أن تخص منها غيره بالقياس أو بالرواية أو بالآية ولو سلم عموم قوله ﷺ «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» عممنا القراءة عن الحقيقية والحكمية والمتقدي قارئ بقراءة إمامه فقد روى عن أبي هريرة (١) نفسه وهو راوي رواية قراءة الفاتحة ما يدل على ذلك حيث قال من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له، وعلى هذا يحمل ما ورد من الألفاظ المختلفة ففي بعضها فهي خداج غير تمام إلى ما سوى ذلك ومصداقه إذًا ما لا قراءة فيه لا حقيقة ولا حكمًا، ثم لما نهى الله تعالى أصحاب نبيه ﷺ أن يقرءوا خلف إمامهم تفرقوا فيه، فمنهم من انتهى عن ذلك مطلقًا كما دلت عليه رواية عبد الله (٢) بن مسعود ﵁، ومنهم من اجتهد فقال إن المنع إنما هو طلبًا للاستماع فلا علينا في أن نقرأ فاتحة الكتاب وقت سكتات الإمام وليس المراد بالقراءة ههنا قراءة السورة كما يظهر بالتتبع والتفحص والتعمق والتأمل في روايات هذه القصة فاستمر بذلك على قراءة للفاتحة خلف الإمام في سكتاته وبذلك يصح ما في الرواية الأخرى تهذ هذًا وإلا فأية حاجة كانت إلى الهذ لما كانوا يقرءون مع قراءة الإمام وكيف يمكن أن النبي ﷺ أحس بقراءة من خلفه مع جهره بالقراءة وإخفائهم، إذ الواقعة كانت في الصبح فلا بد من التسليم لما قلنا من أنهم كانوا يقرءون ويهذبون باجتهاد منهم في سكتات الإمام، وذلك لما\n_________\n(١) أخرج حديثه الدارقطني وقال تفرد به محمد بن عباد الرازي وهو ضعيف، قال صاحب التنسيق بعد تسليم جرح محمد بن عباد أن الضعاف يقوي بعضها بعضًا وههنا صحاح وضعاف فكيف لا يقوى بها الضعاف، انتهى، قلت: وهو مؤيد بالرواية الصحيحة عنه المرفوعة بلفظ وإذا قرأ فأنصتوا.\n(٢) فقد أخرج الطحاوي والطبراني عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرءون خلف النبي ﷺ فقال خلطتم على القراءة، قال السيوطي في الدر: أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قال في القراءة خلف الإمام أنصت للقرآن كما أمرت فإن في الصلاة شغلًا وسيكفيك الإمام، انتهى.","vol":"1","page":305},{"text":"ألفوا من القراءة في الصلاة كما قد قدمنا وأما من تعمق في مضمون الخطاب فرأى أن النهي عام لسكتة الإمام وقراءته فكان حاله ما قلنا من رواية عبد الله بن مسعود ولولا الأمر ما قلنا من بناء قراءتهم على اجتهادهم فأي حرج كان عليهم في قراءتهم خلفه حتى سكنوا حين سأل أيكم قرأ أو قال هل قرأ خلفي منكم أحد أو لم يكن يعلم أني أمرتهم بذلك فلا يصح سؤاله ﷺ، وأيضًا كان عليهم أن يجيبوا بأنك يا رسول الله ﷺ أمرتنا بأن نقرأ، فعلم أن قراءتهم هذه إنما كانت في السكتات وأن مدارها كان على اجتهادهم إن إحراز فضيلتي قراءة الفاتحة واستماع قراءة الإمام والإنصات وقت قراءته هو الأولى، فلما انصرف عن صلاته وأنكر عليهم قراءته لما اجتهدوا أي قاسوا والنبي ﷺ فيهم قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن وليس في الحديث الذي نحن فيه ما يستدل به على وجوب الفاتحة، فإن أحدًا من أئمة اللغة والنحو والبيان لم يقل بأن الاستثناء من الأمر يكون نهيًا ومن النهي أمرًا بل الأمر كذلك لكان معنى قوله ﷺ لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة إلخ وجوب شد الرحال إليها ولم يقل به أحد فالذي يفهم منه أن القراءة خلف الإمام لا تصح ولا تجوز إلا أن له رخصة في قراءة الفاتحة وكان ههنا منشأ سؤال وهو أن يسأل وجه الرخصة في الفاتحة مع حرمة القراءة وراء الإمام فقال: إن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب لا تصح صلاته إذا لم يكن وراء الإمام، فإذا كان وراء الإمام فله رخصة في قراءتها لعظمة شأنها وقلة مقدارها وكثرة سكتة الإمام قبلها وبعدها، فقوله ﷺ في هذه الرواية فإنه لا صلاة إلخ ليس إلا جوابًا لذلك السؤال المقدر وبيانًا للفرق بين الفاتحة والسورة الأخرى، قال الأستاذ -أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفد- قوله ﷺ فإنه لا صلاة إلخ تنبيه على علة الرخصة وتبيين لعلة الاستثناء وذلك أن الفاتحة تفارق سائر القرآن في كثرة تكرار الألسنة له ودوام قراءتها في الصلاة بأسرها فريضة كانت أو تطوعًا،","vol":"1","page":306},{"text":"فلا يتطرق اللبس والاختلاط في قراءتها ولا كذلك سائر السور والآيات فإنها ليست بتلك المنزلة فأفهم واغتنم، وأما ما قالوا من أن آية وإذا قرأ إلخ نزلت في الخطبة فغير مسلم لما أن سورة الأعراف مكية إلا آية ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ والخطبة افترضت في المدينة، ولو سلم أنها فرضت في مكة فمسلم أن النبي ﷺ لم يخطب بها إذ قد صرحوا بأن أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ (١) فلم يك خطبة حتى يتكلم (٢) فيها فيأمر الله تعالى بالسكوت والإنصات وما قال بعضهم من أن نزولها في الصلاة والخطبة جميعًا فحق لا يرتاب فيه وليس المعنى أن ورودها كان في هاتين الوقعتين بل المعنى أن حكمها عام للخطبة والصلاة كلتيهما وإن كان نزولها في الصلاة، لا غير (٣).\nوالحاصل أن المفهوم من هذا الحديث ليس (٤) إلا رخصة في قراءتها، ومن المعلوم أن الرخصة ترتفع بارتفاع ما هي مبنية عليها (٥) فكان سبب رخصتهم أنهم كانوا لا يخلطون قراءتهم بقراءة الإمام حتى يلزم المخالفة آية الإنصات فرخصوا فلما رأى الأصحاب ﵃ خلط العوام فيها نهوا (٦) عن ذلك لئلا يلزم\n_________\n(١) بياض في الأصل بعد ذلك، والظاهر أن مراد الشيخ ﵀ أن أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ في بني سالم بعد رحيله من قباء كما صرح به جمع من أهل السير، وفي الخميس كانت أول جمعة جمعها في الإسلام حين قدم المدينة وخطب يومئذ خطبة بليغة وهي أول خطبة في الإسلام ثم ذكر الخطبة.\n(٢) فقد حكى السيوطي في الدر عن جمع من الصحابة وغيرهم أنها نزلت في القراءة في الصلاة.\n(٣) يعني لم يكن قبل الهجرة وجود الخطبة حتى يتكلم فيها أحد فيؤمر بالسكوت.\n(٤) وإلا فيجب شد الرحال إلى المساجد الثلاثة كما تقدم في كلام الشيخ.\n(٥) أي كان مبني رخصتهم أولًا أنهم كانوا لا يخلطون.\n(٦) هذا على سبيل التسليم أن المنع ليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ كما يدل عليه السياق أو المراد شدة النهي حتى تمنوا أن يدخل في فيه التراب.","vol":"1","page":307},{"text":"ترك الفرض بالاشتغال بالمباح أو المستحب لو سلم ولو لم يرفعه الصحابة كان للمجتهد أن يرفع هذه الرخصة إذا شاهد فيه مثل ذلك ولا يبعد أن يقال أن النبي ﷺ نفسه رفع تلك الرخصة قبل وفاته لما روى عن صلاته ﷺ حين سقط من دابته فجحش شقه فصلى قاعدًا والناس خلفه قيام فقال حين سلم من صلاته إنما جعل الإمام ليؤتم به إلخ، وقال وإذا قرأ فانصتوا، وقد تكلم البخاري (١) في زيادة تلك الكلمة وقال تفرد بها سلمان التيمي ولم يروها عن أبي هريرة غيره مع كثرة من روى عنه هذه الرواية قلنا لا يضر (٢) تفرده فيها بعد كونه ثقة وقد وثقه مسلم (٣) فكان ذلك نهيًا عما رخصه من قبل وفي ذلك رسالة (٤) للأستاذ العلام قدوة العلماء الأعلام- أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده- فلذلك تركنا الطويل في بيان هذا التقرير معتمدًا على اشتهار ذلك التحرير.\nقوله [فقال له حامل الحديث] أي الذي يحتمل الحديث منه وهو التلميذ [إني أكون أحيانًا وراء الإمام] وهذا دليل على أن عملهم اليوم كان على\n_________\n(١) وبسط الشيخ في البذل على تصحيح هذه الروايات وذكر لسليمان التيمي عدة متابعات ولا يلتفت إلى كلام الإمام البخاري بعد ما صححه شيخه الإمام أحمد بن حنبل وغيره.\n(٢) أي على تسليمه وإلا فقد ثبت أنه ليس بمتفرد كما بسط في البذل مع أن سليمان التيمي وثقه جماعة من أئمة الحديث وهو من رواة الستة ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي وابن سعد وابن حبان وقال الثوري حفاظ البصرة ثلاثة وذكره منهم وكذا ذكره فيهم ابن علية.\n(٣) فقال في جواب من تكلم في الحديث أتريد أحفظ من سليمان التيمي قاله النيموي.\n(٤) في اللسان الهندية سميت بهداية المعتدي في قراءة المقتدي. فأجاد الشيخ ﵀ البحث فيه بالإيجاز لا بد لطالب الحديث من النظر إليه.","vol":"1","page":308},{"text":"ترك القراءة وإلا لم يكن لهذا الاستبعاد والسؤال وجه.\nقوله [اقرأ بها في نفسك] أنت تعلم أن القراءة في النفس لا تسمى قراءة فكيف يتم الاستدلال بها على الوجوب وظاهر معنى القراءة في النفس إنما هو التدبر (١) في معنى الآية، وأما إرادة القراءة الخفية فمع أنها ليست مما يدل عليه اللفظ يردها أن المسائل لم يكن استبعد إلا إسراره بها دون الجهر بها إذا لم يكن أمره أبو هريرة إلا بالقراءة السرية وإذا كان كذلك لم يكن جوابه على ما زعمتم شافيًا لباله ولا كاشفًا غمة بلباله بل ولا مطابقًا لسؤاله مع أن مراد أبي هريرة لو سلم أنه هو الذي زعمتم لا ما أردنا فليس اجتهاد الصحابي سيما ولم يعد (٢) من فقهاء الصحابة واجبًا تسليمه إذا خالف اجتهاد غيره من الفقهاء بل ومخالفًا للروايات الصحيحة أيضًا فقد ورد في بعض الروايات (٣) أن أبا هريرة حين سأله السائل عن حالة الاقتداء هل يأتي فيها بالقراءة أم لا استدل بما ورد في الصحيح من قوله تعالى على لسان نبيه ﷺ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، الحديث، فلما كان أطلق عليها لفظ الصلاة فكانت هي عين الصلاة لا تتم صلاة دونها وهذا الاستدلال مع إمكان التفصي عنه بوجوه غير قليلة مناد على أن أبا هريرة لم يكن عنده رواية هي نص في أداء المعنى المقصود (٤) حتى التجأ إلى هذا الاستدلال الذي\n_________\n(١) وبه فسر عيسى وابن نافع معنى القراءة في النفس كما في الأوجز، وسيأتي ما يتعلق بتفسير هذا الحديث من كلام الشيخ قدس سره في أبواب التفسير.\n(٢) كما قاله بعضهم وإن كان من أحفظ الصحابة كان يلزم رسول الله ﷺ قائمًا بالشبع وكان متقنًا متينًا مثبتًا ذكيًا ذا صيام وقيام وذكر وتسبيح وتهليل ﵁ وأرضاه.\n(٣) فقد أخرج أبو داؤد وغيره هذه الرواية مفصلًا.\n(٤) يعني أن أبا هريرة استدل على أمره بالقراءة في النفس بالحديث القدسي قسمت الصلاة بين وبين عبدي، الحديث، ولا يتم التقريب كما لا يخفى ولما ذكره مستنده ومأخذه علم أن قوله هذا من اجتهاده فلم يبق في الرفع المحكمي أيضًا فلم يبق إلا اجتهاد صحابي مخالف لأقوال الصحابة والروايات المرفوعة.","vol":"1","page":309},{"text":"غير لازم ولا ملزم وهذا يغنينا عن قبول قوله ﵁ مخالفًا لأقوال المجتهدين من الصحابة الكرام والفقهاء من الأئمة الأعلام.\nقوله [أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب] ولم يذكر (١) لفظ الحديث كاملًا وقد كان إلا بفاتحة الكتاب وما زاد كما رواه أبو داؤد فلما كان كذلك لم يضرنا بل كان لنا بعد ما كان لهم وصار عليهم بعد صيرورته علينا إذ مقصودنا وهو تسوية الفاتحة بالسورة حاصل ومرادهم وهو إثبات التأكد في الفاتحة فوقه في السورة لم يحصل.\nقوله [احتج بحديث جابر بن عبد الله إلخ] وأنت تعلم أنه مما لا يدرك إلا بالنص فكان له حكم المرفوع من كل وجه سيما وقد تايد ذلك بموافقة النص ومتابعة الروايات وعمل الصحابة وقد روى مرفوعًا أيضًا كما ذكره الطحاوي (٢).\n_________\n(١) وهذا بعيد من مثل الإمام الترمذي وللعذر وسعة ثم الرواية أخرجها أبو داؤد بطريقين: إحداهما بلفظ قال قال رسول الله ﷺ أخرج فناد في المدينة أنه لا صلاة إلا بالقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد، وثانيتهما بلفظ أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد.\n(٢) أي بهذا اللفظ الذي ذكره الترمذي، وأما حديث جابر المشهور مرفوعًا من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة رواه الحافظ أحمد بن منيع في مسنده ومحمد بن الحسن في الموطأ والطحاوي والدارقطني، قال النيموي إسناده صحيح ثم بين تصحيحه وهذا الحديث مشهور روى عن جمع من الصحابة غير جابر منهم أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عباس وأنس بن مالك، بسطت طرقها في المطولات.","vol":"1","page":310},{"text":"قوله [كان إذا دخل المسجد صلى على محمد] وفي وضع العلم موضع ضمير المتكلم تفاؤل وإشارة إلى محموديته وهو مستحب للأمة لما أن النبي ﷺ هو الذي فتح أبواب الفضل والرحمة وأجرى هذه الرسوم للأمة، والصلاة رحمة خاصة كما يدل عليه العطف في قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فلا يجوز على غيره ﷺ إلا تبعًا، وأما ما روى أنه ﷺ صلى على غيره كقوله اللهم صل على آل أبي أو في فمن خصوصياته وهذا عند الفقهاء وترخص المحدثون فرخصوا لغيره أيضًا.\nقوله [رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك] هذا إما أن يكون تخصيصًا بعده تعميم إذ المغفرة أخص من مطلق الرحمة أو يقال الأول إشارة إلى التخلية عن الرذائل، والثاني إلى التحلية بالفضائل، وقوله وقت الخروج أبواب فضلك إشارة إلى التوفيق بامتثال ما أمر الله تعالى به في قوله ﴿وَابْتَغُوا (١) مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ من فضل الله حيث عقبه بذكر الصلاة، والصلاة على النبي ﷺ لما كانت من الدعاء منزلة الجناحين من الطائر فإن الطيران لا يتم إلا بهما ذكر الصلاة مع الدعاء في الوقتين ليكون أقرب إلى الإجابة ولأن الصلاة من أهم العبادات والخروج من المسجد إنما الغالب أن يشتغل بعده بالمعاملات وإن كان يثاب فيها ثواب العبادات والقربات إذا نوى بها خيرًا والنوعان بأسرهما إنما علم صلاحهما وفسادهما وطريق الفوز فيهما والتمكن من إتيانهما على الوجه الذي يرضى به الخالق والمخلوق جميعًا بتعليمه ﷺ وحسن تربيته وتقنينه القوانين وترتيبه الشرائع فكان الدعاء في الأمرين معًا شكرًا له على ما اجتهد في ذلك وثناءًا عليه على بليغ سعيه ليكون أقر لقلبه ﷺ.\nقوله [فلقيت عبد الله بن الحسن] أي بعد ما كنت أخذت منه ذلك الحديث\n_________\n(١) وتمام الآية ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية","vol":"1","page":311},{"text":"بواسطة الليث أردت أن أشافهه به.\nقوله [وإنما عاشت بعد النبي ﷺ] وكان عمر حسين وقت وفاة النبي ﷺ سبع سنين فأنى لابنته وفاطمة رواية عن أمه فاطمة ولا يخفى عليك أن الحديث مع انقطاعه حسنه الترمذي لما علم من اتصاله بطريق آخر فعلم أن المنقطع إذا علم (١) اتصاله يبلغ درجة الحسن وهذا أصل كبير يتفرع منه الجواب عن كثير من مطاعن المخالفين بأن أكثر أحاديث الإمام تكون منقطعات والجواب أن لا ضير في ذلك لما علم اتصالها.\nقوله [فليركع ركعتين] هذا مسلم بين الفريقين (٢) في عدم الجواز في أوقات النهي لكن الشافعي استثنى زوال يوم الجمعة، وسيجيئ الكلام في ذلك ثمة.\nقوله [وهذا حديث غير محفوظ] أي وضع جابر مكان أبي قتادة لأن\n_________\n(١) أو وجد له شاهد أو متابع يرتقي إلى درجة الحسن بل قد يرتقي لكثرة الطرق إلى الصحيح أيضًا كما بسط في الأصول.\n(٢) أي الحنفية والشافعية كما يدل عليه السياق ثم ما حكى من الاتفاق هو على قول للإمام الشافعي لكن المرجح عندهم الجواز قال النووي هي سنة بالإجماع فإن دخل وقت الكراهة يكره له أن يصلي في قول أبي حنيفة وأصحابه وحكى ذلك عن الشافعي ومذهبه الصحيح أن لا كراهة، انتهى، قال الحافظ: هما عمومان تعارضا الأمر بالصلاة لكل داخل والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة فلا بد من تخصيص أحد العمومين فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر وهو الأصح عند الشافعية وذهب جمع إلى عكسه وهو مذهب المالكية والحنفية، انتهى، قلت: وهو مذهب الحنابلة كما في الأوجز عن نيل المآرب ولا بد من التخصيص عند الشافعية أيضًا لأن الداخل والإمام يصلي المكتوبة لا يصلي عند أحد، وكذا الداخل في آخر الخطبة وغير ذلك والخطيب عند الشافعية إذا دخل للخطبة كما في الأوجز.","vol":"1","page":312},{"text":"عمرو بن سلم (١) لم يثبت لقاؤه عن جابر ولأن أكثر من رواه (٢) إنما روى عن أبي قتادة دون جابر.\n[إلا المقبرة والحمام] وفي الحمام كشف الستر والتشبه لوجود التصاوير والتلوث وتشتت البال وعدم الحضور ومع ذلك كله فلو صلى مستجمعًا شرائطها جازت صلاته ويقاس عليهما ما وجد فيه ما وجد فيهما من التشبه أو شبهة التلوث أو حقيقة التلوث إلى غير ذلك من وجوه الحرمة وقد وقع التصريح ببعضها في بعض الروايات.\nقوله [ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه] أي لم يذكر فيه عن أبي سعيد.\nقوله [وكان عامة روايته] أي رواية عمرو بن يحيى عن أبي سعيد وهذا بيان لمنشأ غلط من رفعه وأدخل فيه أبا سعيد.\nقوله [من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا (٣) في الجنة مثله] المتماثلة في الإخلاص وعلى هذا فزيادة الأجر بزيادة الإخلاص وإن لم يزد مقدار ما أنفق فيه أو يكون المراد (٤) أن نسبة المسجد إلى أبنية هذه الدار الدنيا توجب\n_________\n(١) ولم يذكر الحافظ جابرًا في مشايخه ولا عمروًا في تلامذة جابر.\n(٢) أي بهذا السند وإن روى عن جابر أيضًا بغير هذا السند.\n(٣) وبنحو ذلك استدل من قال أن الجنة لم يكمل بناؤها كما بسطه صاحب اليواقيت والجواهر ويؤيد ذلك ما في المشكاة عن ابن مسعود قال قال: رسول الله ﷺ لقيت إبراهيم ليلة أسرى بي فقال يا محمد اقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، انتهى.\n(٤) يعني أن الثواب الذي يعطى على بناء المسجد يكون فضله على دور الآخرة والجنة كفضل المسجد على دور الدنيا أو المعنى أن الثواب الذي يعطى على بناء المسجد أن يكون تزايده على دور الآخرة مثل تزايد حسن جودة بناء المسجد على جودة بنائه دور الدنيا.","vol":"1","page":313},{"text":"إيتاء ما يناسب المسجد نسبته إلى دور تلك الدار الآخرة وكان السبب في رواية عثمان هذا الحديث أن أبا بكر وعمر لم يكونا تصرفا في المسجد النبوي إلا قليلًا من إصلاح ما وهن منه وكان عمر زاد فيه ولم يغيره عن هيئته التي كانت له في زمنه ﷺ وأن عثمان جمع الحجارة وسائر ما يحتاج إليه في تشييده فأنكر عليه الصحابة صنيعه ذلك لما لم يسبق عليه فيه فاعتذر من ترك الشيخين إياه على حاله بأنهما لم يجدا ما يستعينان به على ذلك، وأما أنا فقد آتاني الله من المال ما أقدر به على ذلك وبين الحديث، وكان بناؤه المسجد من خالص ماله الذي آتاه الله لا من بيت مال الله الذي للمسلمين وذلك جائز لمن أراد، وموجب أجر إذا أصلح النية ما لم يجعل فيه ما يلهي عن الصلاة.\nقوله [قد أدرك إلخ] قد أدرك النبي ﷺ وقد رأه واحد إلا في الأعمى فإنه ليس فيه إلا الإدراك دون الرؤية.\nقوله [لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج] أما مسألة زيارة النساء القبور (١) فمذهب حنفاء الله فيه أن النهي الوارد في الزيارة كما\n_________\n(١) وفي الدارالمختار و(لا بأس) بزيارة القبور ولو للنساء لحديث كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها، قال ابن عابدين قوله بزيارة القبور أي لا بأس بل تندب كما في البحر عن المجتبي فكان ينبغي التصريح به للأمر بها، وقوله ولو للنساء وقيل تحرم عليهن والأصح أن الرخصة ثابتة لهن وجزم في شرح المنية بالكراهة، وقال الخير الرملي إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والندب على ما جرت به عادتهن فلا تجوز وعليه حمل حديث لعن الله زائرات القبور وإن كان للاعتبار والترحم من غير بكاء والتبرك بزيارة قبور الصالحين فلا بأس إذا كن عجائزه ويكره إذا كن شواب كحضور الجماعة في المساجد وهو توفيق حسن، انتهى.","vol":"1","page":314},{"text":"نسخت (١) في حق الرجال نسخت في حق النساء أيضًا لأنهن تبع الرجال في الخطابات وأما قوله ﵇ «لعن الله زائرات القبور» فكان في وقت النهي ولما رخصهم في الزيارة بقوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها رخص النساء أيضًا وسيجيئ بعض بيانه في بيان الأحاديث التي وردت في ذلك وهذا وإن كان هو الحق لكن لا ينبغي أن يشاع ويرخص لهن في الزيارة لما أحدثن في زماننا وقد كن يمنعن من الخروج في زمان النبي ﷺ لا لأجل النهي عن زيارة القبور بل لمفاسد أخرى، وكذا في زمان الخلفاء الراشدين ومما يدل على حقية ما ذهبت إليه الأحناف زيارة عائشة (٢) أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر.\nوأما الذين منعوها عن الزيارة فمبناهم أن قوله ﵇ لعن الله زائرات القبور، خبر لا يتطرق إليه النسخ وزيارة عائشة فأما لكونها محرمة أو لكونها مرة والنهي إنما هو عن زيارة غير المحرم والزيارة (٣) فيها حتى يبلغ حد التكرار وأجاب بعضهم بأن ذلك كان اجتهادًا منها لا يتمشى الاستدلال بفعلها لكونه غير مستند إلى حجة ودليل، وأنت تعلم ما في تلك الوجوه من الخلل.\nأما قولهم إنها كانت محترمة له فمن المعلوم أنها لم تكن محترمة لكل من دفن هناك ولم يكن قبر عبد الرحمن في موضع خال، وأما النهي عن التكرار دون أصل الزيارة ترجيح (٤) من غير مرجح أو رجوع إلى ما كنا ذهبنا إليه من أن نفس الزيارة ليس فيها شيء من الكراهة وإنما الكراهة عارضة لها من خارج فحيث وجدت الكراهة من خارج كرهت الزيارة وحيث لم توجد لم تكره فكانت\n_________\n(١) هكذا في الأصل وحق العبارة التذكير فتأمل.\n(٢) بل روى عنها قلت كيف أقول يا رسول الله قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين، الحديث في جمع الفوائد عن مسلم والنسائي.\n(٣) كما يدل عليه صيغة المبالغة فيما ورد من قوله زوارات القبور.\n(٤) لما ورد في بعضها من غير المبالغة.","vol":"1","page":315},{"text":"فكانت الزيارة جائزة الأصل.\nوأما قول من قال إن ذلك كان اجتهادًا منها من غير أن يستند إلى حجة ودليل فحطيطه لشأن الأصحاب ﵃ من مراتبهم لا سيما عائشة أفقه النساء بل وأفضل في التفقه من أكثر الرجال فكيف يظن بها أنها ارتكبت ذلك دون استناد إلى حجة وبرهان إذ لو سلم هذا لارتفع الأمان من سائر الأصحاب مع أن القدوة بهم في تلك المسالك ودون التقفي بهم مفاوز وعر ومهالك مع أن مسألة زيارة القبور ليست مما يندر وقوعها حتى يظن أنها لم تعلم جوازها عن حرمتها ومن تشبث بكون هذا خيرًا لم يأت بمقنع لأنه وإن كان خبرًا لفظًا لكنه إنشاء معنى وكثير من الأوامر والنواهي أنزلت بصورة الأخبار لفوائد مختلفة ونكت بليغة مؤتلفة مع جواز الشيخ عليها وليس بفرق بين الأوامر التي في صورة الأخبار والتي في صورة الإنشاء بجواز النسخ على الثاني دون الأول مع أن الأخبار لو سلم لفظًا ومعنى لم يضر لأن الأخبار عن شيء هو موقوف وجودًا وعدمًا على وجود غيره وعدمه ليس بمستدع أن يبقى المخير عنه موجودًا وإن تبدل الذي توقف الخبر عنه عليه بل الأخبار إنما ثمة موقوف على وجود المتوقف عليه وإذا كان كذلك فأعلم أن الأخبار عن وجود اللعن عليهن فإنما ذلك لارتكابهن شرعيًا فلما ارتفع النهي ورخص الشرع في فعله لم يبق منهيًا عنه حتى يلزم اللعن بفعله والتخلف عن ذلك لا يسمى كذبًا حتى يلزم المحال الذي بنى المستدل عليه استدل النسخ.\nوأما اتخاذ المساجد عليها فلما فيه من الشبه باليهود في اتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام لو كان القبر في جانب القبلة وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يمينًا أو يسارًا وإن كان خلف المصلي فهو أخف كراهة من كل ذلك لكن لا يخلو عن كراهة (١)\n_________\n(١) فإن أهل المتون صرحوا بكراهة الصلاة في المقبرة، قال ابن عابدين واختلف في علته فقيل لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر، وقيل لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد وقيل لأنه تشبه باليهود عليه مشى في الخانية ولا بأس في الصلاة فيها إذا كان فيها موضع أعد الصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة ولا قبلته إلى قبر، انتهى، والمسألة خلافية بين الأئمة جدًا فاختلفوا في فساد الصلاة والإباحة والكراهة واختلفوا في المقبرة المنبوشة وغير المنبوشة واختلفوا في مقابر المسلمين والكفرة، والبسط في الأوجز.","vol":"1","page":316},{"text":"وأما بعد ما طمس القبر فلم يبق له علامة ولا أثر وكان تحت قدميه أو كان بينه وبينه حائل فلا كراهة حينئذ.\nوأما اتخاذ السرج عليها فمع ما فيه من إسراف ما له المنهي عنه بقوله تعالى ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ تشبه باليهود فإنهم كانوا يسرجون المصابيح على قبور كبرائهم وتعظيم للقبور واشتغال بما لا يعنيه أن أعتقد أن أصحاب القبور ليس لهم حاجة في ذلك ولا هم به منتفعون وعمل باعتقاده الباطل وزعمه الكاذب إن كان ظنه بعض الجهلة أنهم وقت غلق الباب من خارج وكذلك في غير البناء إذا تخلوا يخرجون من مقابرهم ويتحاورون ويكالمون فيما بينهم ولذلك ترى هؤلاء الأغمار إذا أرادوا الدخول في مكان فيه قبر لكبير صفقوا بأيديهم من خارج ليسمعوا ويعلموا فيدخلوا في بيوتهم أي الأجداث افرؤهم نسوة أو ظنوهم عراة فصدق عز من قائل ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[باب النوم في المسجد]</span>\n.\nقوله [كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ونحن شاب] هذا ما استدل به من جواز النوم في المسجد، والأولى (١) التحرز عن مثل ذلك إلا إذا اضطر إليه كما فعله بعض أصحاب النبي ﷺ بعده من نباء الصفة في المسجد لمثل هذه الحوائج، وأما قول عبد الله بن عمر هذا فإنما كان لضرورة له إذ لم يكن\n_________\n(١) فقد عد صاحب الدر المختار فيما يكره في المسجد النوم لغير المعتكف.","vol":"1","page":317},{"text":"له مبيت مع فيهم من قلة كل ما يوجب التلوث لقلة أطعمتهم وكثرة جهدهم كيف وفي زماننا لا يمكن لأحد أن يجلس في مسجد زمانًا ولا يحدث وقد ثبت تأذي الملائكة بالحدث وكذلك الكلام بما ليس فيه مصلحة دينية وإن لم يكن في المسجد حرامًا لكنه يوجب شيئًا من النزول ولتبدل الزمان وتغير الوقت وارتفاع ما كان مجوزًا للمبيت في المسجد، قال ابن عباس وغيره لا يتخذه مبيتًا ومقيلًا لكن هذا اللفظ كما ترى إنما يمنع الدوام والاستقرار على ذلك فإن الاتخاذ لا يصدق دونه وعلى هذا فلا فرق بين القولين (١).\nوالحاصل من هذين القولين اللذين ذكرهما الترمذي إنما هو الرخصة في ذلك إذا كان أحيانًا أو في ضرورة، وأما اتخاذه مبيتًا أو مقيلًا فلا كما يشير إليه قوله ﵇ إنما هذه المساجد لا تصلح لشيء من أمور الناس أو نحوه، وقوله ونحن شباب هذا تنصيص منه على أولوية الإجازة للشيوخ لما أن الشباب بمثل ذلك الاحتراز أولى من الشيوخ.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-124>[باب ما جاء في كراهة البيع والشراب وإنشاد الضالة والشعر في المسجد]</span>\nأما النهي عن البيع (٢) والشراء فقد رخصوا فيها للمعتكف إذا لم يحضر المتاع لما فيه من الضرورة له، وأما لغيره فلا ضرورة وكذلك لا حاجة إلى\n_________\n(١) إلا أن عامة شراح الحديث ونقلة المذاهب كالحافظين ابن حجر والعيني وغيرهم ذكروا في المسألة قولين: الإباحة والكراهة والثالث الإباحة لمن لم يكن له مبيت فالظاهر أن الفرق بين القولين حقيقي وإن يمكن تأويل قول ابن عباس إلى ما أوله الشيخ.\n(٢) الجمهور على صحة البيع مع كراهة كما بسطه في الأوجز وحكى عن مالك الجواز لو لم تكثر المراجعة كمساومة ثوب وسلعة تقدمت رؤيتها وكذلك حكى الطحاوي عن الحنفية الجواز إذا لم يعم المسجد ويغلب عليه كالسوق وفي عامة فروع الحنفية الكراهة وهو المذهب.","vol":"1","page":318},{"text":"إحضار السلعة أيضًا مع أن في إحضارها إضرارًا للمصلين واشتغالًا لهم إن كان شيئًا من هذا القبيل مع أن المسجد غير موضع لمثل هذا واستعماله الشيء فيما لم يوضع له لا يكون إلا عند ضرورة.\nوأما إنشاد الضالة فالمنهي عنه رفع الصوت بذلك إذ فيه الإضرار دون غيره وفيه سوء تأديب نسبة إلى المسجد وقد يعد فيه رفع الصوت بالذكر قبيحًا فكيف بنداء من ينشد ضالته.\nوإنشاد الشعر المذموم مذموم دون الغير المذموم لما روى من وضع المنبر لحسان بن ثابت ﵁ ويعلم من هذا بالمقايسة حال الكلام في المسجد فحكم ذميمه حكم ذميمه وحكم غير المذموم منه حكم غير المذموم منه.\nقوله [عن أن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة] قبل الصلاة هذا إشارة إلى جوازه بعد الصلاة وقد بسطه في الحاشية.\nوقوله [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده] هذا مخالف لسائر ما يرد من هذا القبيل (١) فإن الأخذ في غير ذلك الإسناد يكون لكل من أبيه، وأما ههنا فإنما يأخذ عمرو من أبيه شعيب وشعيب عن جده عبد الله لا عن جد عمرو الذي هو أب شعيب حتى يكون جد العمرو وهذا مما ينبغي أن يحفظ فقد زلت فيه الأقدام، وأما إذا أرادوا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جد عمرو الذي هو أبو شعيب غيروا العنوان فقالوا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن أبيه أو قالوا\n_________\n(١) يعني الروايات التي تروى بأسانيد عن أبيه عن جده يكون فيها الضميران للراوي الأول فتكون رواية كل منهما عن أبيه ويكون المراد من الجد جد الابن لا جد الأب بخلاف سند عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ففيه يكون ضمير أبيه لعمرو ويراد به شعيب لكن ضمير جده لا يكون لعمرو بل يكون لشعيب ويكون المراد منه عبد الله بن عمرو بن العاص لا جد عمرو الذي هو محمد.","vol":"1","page":319},{"text":"عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن أبيه محمد ونحو ذلك كما تعرف وشعيب هذا هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-125>[باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى</span>، انتهى] لا يخفى اتفاقهم (١) على أن آية ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ إنما نزلت في مسجد قباء وأهله كما يعلم من تفسير ذلك في التفاسير، وقد ورد مثل ذلك في الرواية الثانية أيضًا، ولا يبعد أن يقال أن خفاء مثل تلك الواقعة على مثل هؤلاء بعيد فلا معنى لامترائهم في ذلك والجواب (٢) أنهما كانا متفقين على كون مسجد قباء مسجدًا أسس على التقوى كيف وقد أسسه النبي ﷺ بيده الشريفة فالامتراء إنما كان في شركة المسجد النبوي لمسجد قباء في وصف التأسيس على التقوى فأثبته أحدهما لما رأى في المسجد النبوي مثل ما كان في مسجد قباء بل فوقه ونفاه الآخر فهم شأن نزول الآية لمسجد قباء خاصة وبذلك يرتفع الاختلاف بين الروايات فمعنى قوله ﵇ هو مسجدي (٣) هذا ليس هو الحصر كما هو متبادر اللفظ بل تشريكه فيه معه فمعناه هذا أيضًا.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-126>[باب ما جاء لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى]</span>\n_________\n(١) قال ابن العربي: لا خلاف أنهم أهل قباء والأمر مشهور جدًا صحيح منقول عن جماعة لا يحصون عدًا فهو أولى من العمل بحديث يرويه أنيس بن أبي يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ورواه ما قلنا أولى منه وقد روى البخاري في باب هجرة النبي ﷺ أسس النبي ﷺ المسجد الذي أسس على التقوى وفضل مسجد رسول الله ﷺ أعظم من هذا، انتهى.\n(٢) أي على أصول الموجهين وأما على أصول المحدثين فتقدم في كلام ابن العربي أن رواه من قال أنه مسجد قباء أولى وأكثر.\n(٣) كما رواه الترمذي في التفسير، وأما لفظه في حديث الباب هو هذا قوله يعني مسجده تفسير من الراوي.","vol":"1","page":320},{"text":"اعلم أن في المسألة شد الرحال إلا الأمكنة الشاسعة والديار النازحة خلافًا بين الأئمة فمنهم ومنهم النووي والقارئ من حمل الحديث على أن النهي منه ﵇ إنما صدر لشفقته على أمته فإنه لو سافر أحد من مسجد محلته إلى مسجد مصر بعيد يلاقي في سفره مشاق وتكاليف وليس له في ذلك المسجد الذي ذهب إليه كثير أجر حتى ينجبر نبيله ما ناله ولذلك لم يذكر فيها مسجد قباء لأن الصلاة فيها ليست إلا كعمرة وثواب العمر (١) حاص بجلوسه في مسجده يذكر الله إلى الطلوع وكذلك مزيد الأجر في مسجد الجامع ليس إلا بكثرة الجماعة لا بوصف في نفس المسجد.\nوأما إذا سافر إلى مسجد من هذه الثلاثة التي ذكرت ففي أجرها انجبار لما ناله في سفره من مكروهات ربما تبعثه على فوات ما يجب عليه وارتكاب ما هو منهي عنه والمستثنى على هذا التقدير إنما هو المسجد ومع هذا فلو سافر إلى مسجد أو مزار (٢) أو مكان لا يأثم ولو نذر الصلاة في مسجد ثم لم يسافر إليه وصلى في مسجد آخر أجزأته عن نذره.\nوأما إذا نذر الصلاة في شيء من تلك المساجد فالأولى له أن يصلي فيما يعينه وإن كان تجزئ (٣) عنه الصلاة في غيره أيضًا وقال الآخرون ومنهم المولى ولي الله\n_________\n(١) قلت: بل ثواب الحج أيضًا ففي جمع الفوائد برواية الكبير بلين عن أبي أمامة رفعه من صلى صلاة الصبح في جماعة ثم ثبت حتى يسبح سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر تامًا له حجته وعمرته وعن أبي أمامة أيضًا عند أبي داؤد رفعه من خدج من بيته مطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المرحوم ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، الحديث.\n(٢) موضع الزيارة كما في لسان العرب وغيره والمراد المقبرة.\n(٣) ففي المراقي والغنيا تعيين الزمان والمكان فيجزيه صلاة ركعتين بمصر مثلًا وقد كان نذر أدائها بمكة أو المسجد النبوي لأن الصحة باعتبار القربة لا المكان لأن الصلاة تعظيم لله تعالى بجميع البدن وفي هذا المعنى الأمكنة كلها سواء، انتهى مختصرًا.","vol":"1","page":321},{"text":"إنما معنى الحديث هو النهي على التحريم فعلى هذا يستثنى منه ما استثناه الشارع بقوله مثل الحج والجهاد وطلب العلم ولقى أخيه المسلم ونحو ذلك والباقي يبقى على عموم النهي وعلى هذا القول فلا يجوز زيارة (١) مقابر ولا نظارة (٢) أماكن بقصد مستقل إليها من بعد السفر إذ هو المراد بشد الرحال إذ هو كناية عن السفر لكونه سببًا له في غالب أحوال الناس في أسفارهم والمعنى الأخير هو الأولى (٣) بالبيان في زماننا الذي شاع فيه الشرك وذاعت البدعات وقوله ﵇ ألا فزورها ليس وجوبًا وإنما هو رخصة أو استحباب وهذا بحسب هذا المعنى الأخير تحريم وإذا تردد فعل بين كونه مباحًا وحرامًا أو بين كونه مستحبًا ومحرمًا فالغلبة للتحريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>[باب المشي إلى المسجد]</span>\n.\nقوله [ولكن ائتوها وأنتم تمشون هذا كان شاملًا] لتوسيع الخطأ فأخرجه\n_________\n(١) وجزم الشيخ بذلك في حجة الله.\n(٢) قال المجد: النظارة بالتخفيف بمعنى التنزه لحن يستعمله بعض الفقهاء، انتهى.\n(٣) قلت: لكن لا يدخل فيه النهي عن زيارة القبر الأطهر لا عند المولى ولي الله ولا عند غيره من جمهور الأمة، ففي شرحي الموطأ المصطفى والمسوي يسن زيارة قبره ﷺ بعد فراغ الحج باتفاق أهل العلم، انتهى، قلت: وكذا حكى الإجماع عليه النووي وابن الهمام وغيرهما وذهب بعضهم إلى الوجوب كيف وقد ورد في ذلك الروايات القولية الكثيرة التي بسطت في الأوجز فيكون داخلًا فيما استثناه الشارع بقوله ولو شئت التفصيل فأرجع إلى البذل والأوجز.","vol":"1","page":322},{"text":"أيضًا بقوله وعليكم السكينة فعلم أن كل ما هو يخالف السكينة فهو الذي نهى عنه وهذا لما يجب عليه من أدب المسجد وهذا مخالف له ولأنه لما خرج من البيت يريد الصلاة كتب في الصلاة فهو مأجور ولا يأتي بشيء مما ينافي هيئة الصلاة إلا ويقل به نصيبه من الأجر مع ما في ذلك من خوف السقوط المستلزم فوات الجماعة رأسًا وربو النفس التي لا يكاد يقدر به على تصحيح التكبير والثناء إلى غير ذلك من المفاسد ولفظ الحديث يدل على النهي مطلقًا وما ذكره الترمذي من أقوال العلماء الذين خصصوا من ذلك الإطلاق أحوالًا فإنما يبنى قولهم على ما ورد في فضل التكبيرة من الأخبار فجوز والإحراز ذلك الفضل شيئًا من ذلك احرازًا لكلتا الفضيلتين وكأنهم رأوا أن ما يعروه من النقصان في ذلك ينجبر بإدراك فضيلة التكبيرة الأولى بل يفضل له بعد ذلك شيء كثير من الأجر والإمام (١) من الذين منعوا السعي والهرولة وذلك لدوران الفعل بين النهي والفضل فلو دار الفعل بين الأمر والنهي لكان الأخذ بالنهي هو الأولى فكيف به وليس بجنبه أمر صريح وإنما هو مطلق بيان الفضل فالواجب عليه إدراك هذا الفضل على وجه خال عن المحظور الشرعي لا بارتكاب المنهي عنه ومع ذلك فلو فعل يثاب ثوابًا كاملًا وإن اجتمعت معه كراهة أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[باب القعود في المسجد]</span>\n.\nقوله [لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها] وبهذا استنبطوا أن لا يفعل ما ينافي أمر الصلاة في فرقعة الأصابع والضحك والقهقهة، ولما كان بذلك لا يعلم حكم من دام في المسجد وليس ينتظر الصلاة، وإنما تلبثه فيه لغير ذلك من ذكر أو تلاوة قرآن أو نحوه بينه بقوله لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث، ولما تردد السامع في قوله ما لم يحدث أنه هل هو من الحدث بمعنى أحداث أمر في الدين؟ أو هو من\n_________\n(١) والمراد سراج الأمة أبو حنيفة النعمان، كما جزم به في الإرشاد الرضى.","vol":"1","page":323},{"text":"الحدث بمعنى ترك حالة وشروع حالة أخرى؟ كما أنه كان قاعدًا فقام أو اضطجع أو ذهب لينخم (١) أو مثل ذلك، فإن كان الأول فهو حق لا ريب فيه، وإن كان الثاني فما باله حرم بذلك الحدث الذي لا بد له منه من هذا الفضل العظيم والحظ الجسيم دفعه أبو هريرة بقوله فساء أو ضراط يغي أن المراد بالحدث ههنا هذا لتأذي الملائكة بذلك فعلم أنه لو أخذته الرعاف أو مثل ذلك مما لا يتأذى به الملائكة لا يكون هذا حكمه وعلم بذلك أنه لو تكلم بكلام منتن تتأذى منه الملائكة أو فعل شيئًا من هذا القبيل من (٢) الغيبة والنميمة، ومثلهما تركت الملائكة الصلاة عليه، واعلم أن مذهب المحدثين جواز (٣) الصلاة على غير النبي والأنبياء -﵈- لما ورد في الأحاديث مثله ومنعه الفقهاء لما أن الصلاة حصة من الرحمة الكاملة اختصت بها الأنبياء، وليس لغيرهم أن يدعي بها (٤) يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾\n_________\n(١) قال المجد تخم كفرح تخمًا ويحرك وتنخم دفع بشيء من صدره.\n(٢) هكذا في الأصل والأوجه تقديم قوله من الغيبة والنميمة على قوله أو فعل شيئًا من هذا القبيل كما لا يخفى.\n(٣) والمسألة كثيرة الاختلاف بين العلماء من جواز الصلاة لغير الأنبياء ولغير النبي ﷺ من سائر الأنبياء، وجواز السلام لغير الأنبياء، ومن جواز الترضي لغير الصحابة وغير ذلك مبسوطة في الأوجز.\n(٤) تقاصر عنه فهمي الناقص كيف تم التقريب بل مقتضى الآية التعميم نعم، لو كان محلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية لكان أوجه لما فيها من إطلاق الصلاة عليه ﷺ، وأصرح منه في الاستدلال قوله عز اسمه ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ الآية، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في الأوجز ومسلك الإمام أنها تجوز تبعًا ولا تجوز استقلالًا وبه قال مالك والشافعي خلافًا لأحمد كما بسط في الأوجز.","vol":"1","page":324},{"text":"وما ورد من مثل قوله ﵇: «اللهم صلى على آل أبي أوفى» فمن خصوصياته ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[باب ما جاء في الصلاة على الخمرة]</span>\nهذا (١) لدفع ما يتوهم من عدم أولوية ذلك بناء على أن النبي ﷺ كان في زمانه لم تفرش المساجد، وكان أكثر صلاتهم على الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[باب ما جاء في الصلاة على الحصير]</span>\nهذا أكبر من الخمرة أو هو مطلق والغرض (٢) في ذلك كله أن الأمر واسع، وإن كانت الصلاة على الأرض أولى للتذلل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>[باب ما جاء في الصلاة على البسط]</span>\nاعلم أن كل الأئمة سوى مالك جوز الصلاة على كل شيء طاهر يمكن السجود عليه، وأما مالك فلم يجوز (٣) إلا على ما هو من جنس الأرض كالحصير فلا تجوز (٤) الصلاة على الجلود والصوف\n_________\n(١) ما أفاده الشيخ لا غبار عليه، لكن الأوجه عندي أن عامة المحدثين يبوبون بذلك لما فيه من خلال السلف، قال ابن رسلان: لا خلاف بين العلماء، كما قال ابن بطال: في جواز الصلاة عليها، إلا ما روى عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتي بالتراب فيضع على الخمرة فيسجد عليه، وروى عن عروة أنه كان يكره السجود على غير الأرض.\n(٢) وما أفاده الشيخ ظاهر وبمثله بوب البخاري في صحيحه، قال الحافظ: النكتة في ترجمة الباب الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق شريح بن هاني أنه أسأل عائشة أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير، والله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ فقالت: لم يكن يصلي على الحصير، فكأنه لم يثبت عند المصنف أو رآه شاذًا مردودًا.\n(٣) المشهور عند الكراهة، كما قال ابن رشد: وسيأتي في كلام ابن العربي مفصلًا.\n(٤) أي تكره قال ابن العربي في الحديث جواز الصلاة على حائل دون الأرض إذا كان منها فإن لم يكن منها، كالصوف، أو كان منها، فدخلته صناعة كالكتان، أما ثياب الصوف والشعر، فكرهه بعضهم، وأجازها بعضهم، وقد كره مالك الصلاة على ثياب الكتاب والقطن، وأجازه ابن مسلمة، وإنما كرهه من جهة الترفه، انتهى، ثم بسط دلائل الجواز من صلاته ﷺ على الثياب.","vol":"1","page":325},{"text":"ومثل ذلك، ثم اعلم أن من قاعدة المحدثين أنهم لا يحملون المقيد على المطلق فيما ورد بلفظين كالحصير، فإنه ورد ههنا بلفظ البساط، وفي الرواية الثانية بلفظ الحصير وههنا وإن كان التعدد في الواقعة أيضًا محتملًا لكنهم لا يبالون بذلك في الواقعة الواحدة أيضًا فهم يستنبطون بذلك حكم المطلق، كما استنبطوا من مقيده حكم المقيد حاصله أن واقعة صلاة النبي ﷺ في بيت أم سليم ظاهرها الوحدة، وإن كان يمكن التعدد أيضًا، لكنه لما بينه الراوي مرة بلفظ البساط، وهو عام، ومرة بلفظ الحصير، وهو خاص علم بذلك مسألتان.\nقوله [فيه يا عمير ما فعل النغير] فيه دلالة على أن حرمة صيد المدينة ليست كحرمة صيد مكة وإلا لما ساغ أخذ طيره واحتمال (١) أنه كان أخذ من خارج غير مفيد، لأنه لما دخل به في الحرم، صار حكمه حكم صيد الحرم في حرمة التعرض به وإرساله (٢) لو مأخوذًا قبل ذلك.\n_________\n(١) هذا توجيه للحديث من جانب الشافعية إذ أولوه بأن الصيد كان من خارج الحرم وأنت خبير بأنه يحتاج إلى الإثبات، ولو سلم فإذا دخل في الحرم صار من صيده وعموم صيد الحرم يتناوله، كما قالوا في مكة.\n(٢) عطف على قوله حرمة التعرض أي حكمه حكم صيد الحرم في إرساله، وهو وجوب الإرسال لو كان مأخوذًا من الحل، فإن قيل إن وجوب الإرسال مقيد عند الحنفية أيضًا بكونه في يده الجارحة ولم يثبت لاحتمال كونه في القفس فيجب بأن كونه في القفس أمر زائد يحتاج إلى الإثبات بل الظاهر من قولهم يلعب به أن يكون ممسكًا بيده، كما هو مقتضي اللعب مشاهد في الصبيان.","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>[باب ما جاء في الصلاة في الحيطان]</span>\n\nالحائط بستان عليه حائط والمراد بالحائط ههنا أعم ولما كان ههنا مظنة توهم عدم جواز الصلاة على أرض البستان لما تلقى فيها من المزابل دفعه النبي ﷺ بالصلاة عليها وهذا تصريح (١) منه ﷺ بأن لتبدل الماهية تأثيرًا في تنجس الأشياء وتطهرها، واعلم أن مسألة تبدل الماهية كلت فيه الأفهام وزلت فيه الأقدام وأصله أن تبدل المادة والصورة كلتيهما مؤثر في ذلك لا تبدل الصورة فقط كما توهمه بعضهم إذ لو كان كذلك لكان خبز العجين المخلوط بالبول طاهرًا ولم يقل به أحد وأفتى المتوهم بأن اختلاط النجس بالطاهر يوجب طهارته لتبدل الماهية، واستدل على هذا بما أفتى محمد من طهارة طين بخاري مع أن مذهبه (٢) نجاسة روث الفرس وأخثاء البقر إلى غير ذلك وظن أن ذلك الحكم بطهارته إنما هو لأجل اختلاطه بالطاهر وهو الطين ولم يعلم أن حكم طهارة هذا الطين إنما هو لعموم البلوى فاشتبه عليه الفرق بين الخلط حتى لم يحس بأحدهما حتى يتميز\n_________\n(١) ويؤيده ما في جمع الفوائد عن ابن عمر سئل عن الحيطان تلقى فيها العذرات فقال إذا سقيت مرارًا فصلوا فيها يرفعه إلى النبي ﷺ للقزويني بعنعنة ابن إسحاق انتهى، وقال ابن عابدين: ونظيره في الشرع النطفة نجسة وتصير علقة وهي نجسة وتصير مضغة فتطهر والعصير طاهر فيصير خمرًا فينجس ويصير خلا فيطهر فعرفنا أن استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتب عليها، انتهى.\n(٢) قال ابن الهمام بحثًا حتى رجع محمد آخرًا إلى أنه لا يمنع الروث وإن فحش لما دخل الري مع الخليفة ورأى بلوى الناس من امتلاء الطرق والخانات بها وقاس المشايخ على قوله هذا طين بخاري، انتهى.","vol":"1","page":327},{"text":"عن الآخر وبين انقلاب الماهية وتبدلها مع أن بينهما (٣) بينًا لا يدركه قياس والمجوز للاستعمال المزيل لنجاسة هو هذا لا ذاك ولا يذهب عليك أن اعتبار عموم البلوى إنما يكون في فصل مجتهد فيه كما أن محمدًا حين شاهد تعسر أهل بلده وزمانه عن احتراز ذلك الطين أفتى بما ذهب إليه مالك وإن كان مخالفًا لما ذهب إليه وليس المراد بذلك أن الناس حين تعاوروا أمرًا وتعاملوا به حكم بجوازه وإن كان حرامًا بالنص أو غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>[باب في كراهية المرور بين يدي المصلي]</span>\n.\n[قوله لكان أن يقف أربعين خيرًا له] وأنت تعلم ماذا في وقوف أربعين من الجوع والعطش ونزول الأمطار والرياح الهوج (١) وبرد الليل وشمس النهار وهلاك الأهل والعيال إلى غير ذلك، فهذا كله يكون سهلًا له نظرًا إلى ما في المرور بين يدي المصلي من الإثم والعذاب وقد علم من الرواية الأخرى أنها أربعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[باب ما جاء لا يقطع الصلاة شيء]</span>\nلما كان اشتهر بينهم قطع الصلاة من الحمار والكلب والمرأة لما ورد في ذلك من الرواية فكان من قال بالقطع حكم بالقطع من الثلاثة ومن لم ير ذلك (٢) لم ير القطع بشيء من هذه الثلاثة فكان\n_________\n(٣) قال المجد: البين يكون فرقة ووصلًا واسمًا وظرفًا متمكنًا والبعد وبالمكسر الناحية والفصل بين الأرضين.\n(١) قال المجد: الهوجاء الريح تقلع البيوت جمعه هوج.\n(٢) أي من الجمهور وإلا فالتفريق ثابت عن الإمام أحمد كما سيأتي في كلام الترمذي أيضًا وحكاه عن إسحاق أيضًا وأما غيرهما من جمهور الفقهاء فلا قائل بالفصل منهم فالأئمة الثلاثة والجمهور قالوا بأن الصلاة لا تبطل بمرور شيء من هذه الثلاثة ولا غيرها والظاهرية قالوا يقطعها مرور واحد من الثلاثة المذكورة والبسط في الأوجز.","vol":"1","page":328},{"text":"إثبات القطع بأحد هذه الثلاثة إثبات القطع بكل منها وإثبات عدم القطع بكل منها إنما يثبت بإثبات القطع (١) بأحد منها كان إثبات عدم القطع بمرور الحمار الذي هو أحد الثلاثة كافيًا في إثبات ما عقد الباب عليه وبذلك يظهر انطباق الدليل على ما استدل به عليه.\nقوله [فمرت بين أيديهم] أي داخل سترة الإمام (٢) إذ لو كان خارجها لم يثبت استدلال ابن عباس على مرامه ومع ذلك فإن اللفظ آب إلا عن مروره بين السترة وبينهم لأنهم لما كانوا خلف النبي ﷺ والسترة كانت أمامه فالمرور أمام السترة يستدعي بعدها عنهم جدًا مع أن لفظ بين أيديهم مشعرة بقربها عنهم وكذلك يدل عليه أن راكبها كان يريد الشمول في جماعة الصلاة وهذا يقتضي إرسالها قريبًا من الصف للاستعجال لئلا يفوت الركعة.\nقوله [إلا الكلب الأسود والحمار والمرأة] أما القطع فقطع خشوع الصلاة وخضوعها والكلب الأسود لما فيه من قلة الحزم وعدم التيقظ الذي لا يبعثه على الفرار إذا تحرك المصلي أو ركع وسجد، أما في سائر الكلاب فليس كذلك فإنها تتوحش وتتنفر بقليل تحرك مع ما ورد فيه من قوله ﵇ الكلب الأسود شيطان (٣) ولذلك حرم بعضهم صيد الأسود من الكلاب وأما الحمار فلما فيه\n_________\n(١) هكذا في الأصل والظاهر فيه سقوط من الناسخ والثواب عدم القطع.\n(٢) اختلفت مهرة الحديث في صلاته ﷺ هذه هل كانت فيها السترة أم لا، وإلى الأول ظاهر ميل البخاري إذ بوب عليه سترة الإمام سترة لمن خلفه وحققه العيني في شرحه لهذا المحل وهو محل كلام الشيخ وذهب البيهقي إلى الثاني إذ بوب عليه من صلى إلى غيره سترة وبه جزم الشافعي كما حكاه الحافظ والبسط في الفتح والعيني.\n(٣) وفي البذل حمله بعضهم على ظاهره وقال إن الشيطان يتصور بصورة الكلاب وقيل بل هو أشد ضررًا من غيره فسمى شيطانًا، انتهى.","vol":"1","page":329},{"text":"من الحق الباعث له على مصادمة المصلي وغيره من المزاحمة، وحال المرأة ظاهرة.\nقوله [وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء] هذا التردد (١) عرض له لما ورد من حديث مرور حمار ابن عباس المذكور أمام الصف ولم يأمرهم النبي ﷺ بإعادة الصلاة ولما ورد من حديث عائشة كان النبي ﷺ يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة، فهاتان الصورتان لما ورد فيها ما يخالف الحديث المذكور ههنا (٢) علم أن المراد بالقطع قطع صفة الصلاة لا ذاتها وأما الكلب فلما لم يرد في عدم قطعه رواية بقى على حاله المفهوم من حديث القطع إذ لا مخالف له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>[باب الصلاة في الثوب الواحد]</span>\n.\nقوله [قالوا لا بأس بالصلاة في ثوب واحد، وقد قال بعضهم يصلي الرجل في ثوبين] هذان لا خلاف بينهما ولا حاجة إلى إثبات الخلاف بينهما وإنما نقل الترمذي ما نقل من (٣) كل منهما والحاصل من النظر إلى مجموع القولين إثبات الفضل في الثوبين والجواز في ثوب واحد إلا إذا لم يكن له ثوبان وما نقل عن\n_________\n(١) ولذا اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في قطع الصلاة بهما بخلاف الكلب الأسود ففي الشرح الكبير: إن لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم وهو الذي ليس في لونه شيء سوى السواد بطلت صلاته بغير خلاف في المذهب وفي المرأة والحمار روايتان انتهى. كذا في الأوجز.\n(٢) لما أن الجمع بين الروايتين أولى من طرح إحداهما وللجمهور أنه لما ثبت قطع الخشوع في الاثنين ثبت في الثالث لعدم الفارق لا سيما وقد ورد لا يقطع الصلاة شيء.\n(٣) فقد حكى الخلاف في ذلك في السلف كما روى عن ابن مسعود وابن عمر وغيرها وقال بعضهم كما أفاده الشيخ أيضًا أن الخلاف فيهم لم يكن في الجواز فقد روى عن ابن مسعود المنع ولو كان الثوب أوسع من السماء مع أنه روى عنه بنفسه أن الصلاة في الثوبين أزكى كما بسط في الأوجز فعلم أن المنع عنه لم يكن إلا لكونه خلاف الأولى.","vol":"1","page":330},{"text":"المتقدمين من أنه صلى في ثوب واحد فعلي (١) أنه لم يكن له، أو لبيان الجواز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>[باب ما جاء في ابتداء القبلة </span>(٢) أي في المدينة أو يقال هذا مبني على ما قال\n_________\n(١) أي فمحمول على أنه لم يكن له غيره أو محمول على بيان الجواز قلت أو للمسامحة في النوافل كما في المرقاة.\n(٢) قال ابن العربي اختلفوا في أمر القبلة اختلافًا كثيرًا فقيل أذن الله لنبيه ﷺ أن يصلي أي قبلة شاء بقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فاستقبل الناس بيت المقدس حرصًا على اتباع اليهود له ثم تمادى اليهود في غيهم فأحب النبي ﷺ أن يصرف إلى الكعبة فصرف بقوله ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وقيل صلى جبرئيل النبي ﷺ أول صلاة صلوها الظهر إلى الكعبة مع بيت المقدس فلما هاجر صلى إلى بيت المقدس ثم حول إلى الكعبة كما أحب انتهى، قلت أول صلاة صلاها الظهر كانت عند باب الكعبة كما تظافرت عليه الروايات والمصلى عند باب الكعبة لا يمكن أن يتوجه إليهما معًا كما لا يخفى فتصوير توجه القبلتين معًا لا يمكن إلا على المحل الذي أفاده الشيخ بل على الصلاة عند الركن اليماني، وفي الأوجز اختلف في صلاته ﷺ بمكة فقال قوم لم يزل يستقبل الكعبة بمكة فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ وقال قوم يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضًا، وعن ابن عباس كانت قبلته بمكة بيت المقدس لكنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه قال القسطلاني ورجحه الحافظان ابن حجر والعيني لئلا يتكرر النسخ وقال الجصاص لم يختلف المسلمون أنه ﷺ كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس وبعد الحجرة بمدة من الزمان واختلفوا هل كان توجهه ﵇ إلى بيت المقدس فرضًا لا يجوز غيره أو كان مخيرًا في ذلك وبأول قال ابن عباس وبالثاني قال الربيع بن أنس وقال ابن العربي نسخ ﷺ القبلة ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية مرتين، انتهى ما في الأوجز، قال ابن العربي ولا أحفظ رابعًا، وقال أبو العباس الغرفي رابعها الوضوء مما مست النار كذا في القوت.","vol":"1","page":331},{"text":"بعضهم من أنه ﵇ كان يصلي من بدء الأمر بحيث يستقبل نحو بيت المقدس والبيت كليهما والمقام الذي كان يصلي فيه بين الحجر والركن اليماني فلما أتى المدينة بقى على توجه نحو بيت المقدس وترك استقبال القبلة ثم أمر باستقبال القبلة تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وعلى هذا فالنسخ لا يكون إلا مرة والقائل بذلك هو ابن عباس وإنما قال ذلك لئلا يلزم تكرار النسخ والأصح أن استقباله في مكة إنما كان إلى البيت لا غير ثم نسخت لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة والتوقي عن تكرار النسخ إنما هو إذا لم تثبت وههنا ليس كذلك فالمعنى هذا باب ابتداء قبلة البيت الحرام بعد نسخه وبهذا مناسبه الحديث للباب الوارد هو فيه ظاهرة أو يقال هذا باب في بيان ابتداء التوجه إلى القبلة التي هي قبلتنا بعده ﷺ سواء كان قبل النسخ أو بعده. [فصلى رجل معه العصر ثم مر على قوم من الأنصار] في يوم النسخ أو في ثاني يوم ولم يك التحويل في صلاة العصر قال [فانحرفوا وهم ركوع] لا يثبت بذلك النسخ بخبر واحد إذ الملاك إنما هو وقوع العلم القطعي اليقيني وههنا كذلك لما كانوا تيقنوا بالتحويل وكانوا منتظرين لأدنى مخبر بذلك فكيف وأخبرهم صحابي (١) ولعله بلغ أعلى درجات العدالة مع أنه لا يضرنا لو لم يكن أيضًا كذلك ثم لا يتوهم بذلك جواز التعليم والتعلم في الصلوة مع أن الفقهاء عدوه من مفسدات الصلاات وفرعوا عليه مسائل ووجه ذلك أنهم إنما عدوا من المفسدات التعليم الذي يطاوعه المصلي ويأخذ به بفور تعليم آخر وأما إذا نظر فيه بعد تعليمه واستمد برأيه وعلمه أو بفهمه ثم\n_________\n(١) المشهور أنه عباد بن بشر وقيل غير ذلك كما في شروح البخاري.","vol":"1","page":332},{"text":"عمل به بعد ذلك لا يكون مفسدًا وههنا كذلك لا يخفى عليك أن فيه قيدًا آخر لم يذكر، وهو أن لا يكون المعلم خارجًا عن صلاة المصلي بأن يكونا خلف آخر أو يكون أحدهما الآخر فإن لم يكن بينهما شركة فيها فسدت الصلاة وإلا لا وعلى هذا يحمل ما ورد في الروايات من التعليم والتعلم وكثير في الروايات كما يظهر لمن تتبع، وعلم بهذه الاستدارة التي وقعت منهم ولم يأمرهم النبي ﷺ بإعادة الصلاة أن المتحري إذا صلى بعض صلاته لغير القبلة ثم أخبره بغير ذلك استدار كهيئته وليس عليه إعادة الصلاة إذ كانوا في أول صلاتهم إلى غير القبلة لما قدمنا أن التحويل لم يكن في هذه الصلاة قال [كانوا ركوعًا في صلاة الصبح] هذه وقعة أخرى وقعت لمن سواهم أحدهما أصحاب مسجد قباء وثانيهما أصحاب مسجد آخر أي أصحاب مسجد بني الأشهل كانوا ركوعًا في صلاة العصر وأهل مسجد قباء استداروا في صلاة الصبح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>[باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة]</span>\nهذا أما لأهل المدينة فالأمر فيه ظاهر وبين ذلك لئلا يظن فرضية إصابة عينها بل الذي يجب عليهم إصابة جهتها كما قالته الفقهاء فقال ﵇ ذلك لبيان أن هذه الجهة كلها قبلة لكم يجب لكم إصابة شيء منها وأما إصابة عينها فليست إلا لمن هي بمرأي من عينه أو المراد بذلك أن القبلة إنما هو بين المشرق والمغرب أي في عالمكم هذا ليس خارجًا عنه فالواجب لكل أهل جهة أن يحاذي قبلته، فقبلة أهل الشرق الغرب، وقبلة أهل الغرب الشرق وقبلة أهل الجنوب الشمال وقبلة أهل الشمال الجنوب، وأنت تعلم أن التوجيه الثاني (١) ليس فيه كثير فائدة [قال ابن عمر إذا جعلت المغرب عن يمينك] هذا دفع لما يتوهم من أن من استدير القبلة فهو مستقل لما بين المشرق والمغرب على مقتضى الحديث قال عبد الله بن المبارك هذا لأهل المشرق واختار\n_________\n(١) وفي الحديث عدة توجيهات أخر بسطت في الأوجز.","vol":"1","page":333},{"text":"التياسر لأهل مرو (١).\n[فصلى كل رجل منا على حياله] هذا كان في النوافل وصلاة الليل إذ الفريضة كانوا أدوها مع النبي ﷺ قبل أو كانوا صلوا الفريضة أيضًا في رحالهم لعذر\n_________\n(١) بياض في الأصل، ولعل الشيخ أراد توجيه كلام ابن المبارك لأن ظاهره مشكل فإن قبلة أهل المشرق المغرب لا ما بينها ويمكن أن يوجه كلامه بأن المراد من أهل المشرق ليس كلهم بل أهل بخاري وسمرقند وبلخ وغيرهم فإن قبلتهم تكون بين مغرب الصيف ومشرق الشتاء لأن بلادهم في مشرق الصيف وعلى هذا يكشف الغطاء عن قوله واختار التياسر لأهل مرو بلا تأمل فإن مرو في غرب بلخ كما ترى قال المظهر من جعل من أهل المشرق أول المغارب وهو مغرب الصيف عن يمينه وآخر المشارق وهو مشرق الشتاء عن يساره كان مستقبلًا للقبلة فالمراد بأهل المشرق أهل الكوفة وخورستان وفارس والعراق وما يتعلق بها.\n-: وصورتها هكذا: -\nمشرق الصيف ... شمال ... مغرب الصيف\nبخاري مرو\nبلخ\nخورستان هرات\nكرمان\nالمدينة المنورة\nمكة المكرمة\nمشرق الشتاء ... جنوب ... مغرب الشتاء","vol":"1","page":334},{"text":"وفيه بعد إذ لم تكن الفريضة أسهل شيء حتى يكونوا اكتفوا فيها على الرأي ولم يسألوه ﷺ مع أن نزولهم في منازل السفر لم تكن إلا بتقارب بعضهم عن بعض فكيف يتوهم أنهم لم يسألوا النبي ﷺ لبعد مدى بينه وبينهم مع أن في وقت العشاء الآخرة سعة فلا يتوهم أنهم خافوا فوت الوقت لو وقفوه على السؤال ويثبت مسألة التحري به وإن جهة الخائف والمعذور أين ثبتت قدرته وأدى فهمه وأنهم المرادون في قوله تعالى (١) ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ إن خصص بالصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[باب كراهية ما يصلي إليه]</span>\nوفيه قوله [في المزبلة والمجزرة] لعلة النجاسة والدم [والمقبرة] للتشبه واحتمال النجاسة إن أخرجت الدابة نعش الميت [وقارعة الطريق] السبيل المسلوك لأنه لا يخلو أن يؤذي أو يؤذى فإن كان الأول فلعلة الإيذاء وإن كان الثاني فأما أن تفسد صلاته إن صادمه شيء فسقط أو يلزم نقصان بحضوره وخشوعه إن لم يصل النوبة إلى ذلك [وفي الحمام] لعلة النجاسة والتصاوير وانكشاف عورات الناس فإن أعدوا موضعًا في الحمام أو المقبرة (٢) جازت الصلاة فيه من غير كراهة [ومعاطن الإبل] لما فيه (٣)\n_________\n(١) واختلفوا في تفسير الآية على أقوال: قال ابن العربي قيل نزلت في استقبال بيت المقدس حين عابت اليهود ذلك وقيل نزلت في شأن النجاشي وقيل نزلت في نافلة السفر وهي كلمها أقوال ضعيفة وأصحها أنها نزلت في شأن قبلة المسجد الأقصى انتهى. قلت: وفيه أقوال أخر ذكرت في محله.\n(٢) أي بشرط أن ليس فيه قبر ولا نجاسة ولا قبلته إلى قبر كما يظهر من كلام الشيخ وذكر هذه القيود الفقهاء منهم ابن عابدين.\n(٣) الوجه ضمير التأنيث وللتأويل مساغ ولعل الشيخ اختاره لما فيه من إيهام رجعه إلى المعاطن كما لا يخفى.","vol":"1","page":335},{"text":"من الخبث والشرارة (١) مع طول الجثة التي لا يتحلها ابن آدم لو تعرض بشيء وهو في صلاته فأما أن تفسد ذاتًا أو صفة [وفوق ظهر بيت الله] لما فيه من ترك التعظيم [وكذلك المسجد] أي سائر المساجد فإن التعلي على سقوفها (٢) لا يخلو عن سوء أدب ثم في الصلاة فوق بيت الله ﵎ وكذا في جوفه ثلاثة أقوال للعلماء (٣) قال الإمام بجواز الفريضة والنافلة فوق ظهر بيت الله وفي جوفه وإن لم يخل الصلاة فوقها عن نوع إساءة ومنع الشافعي كليهما في كليهما هذا ما نسبه إليه فقهاؤنا (٤) والصحيح من مذهبه الجواز فيهما وجوز مالك النفل لثبوته عن النبي ﷺ دون الفرض قوله [وحديث ابن عمر أصح وأشبه] من حديث الليث بن سعد أي عدم توسط عمر ﵁ كما في رواية الليث (٥) [صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل] هذا ظاهر\n_________\n(١) قال المجد: الشر نقيض الخير جمعه شرور وقد شر يشر ويشر شرًا وشرارة وشررت يا رجل مثلثة الراء وهو شرير،\n(٢) قال ابن عابدين: أما الوطء فوقه بالقدم فغير مكروه إلا في الكعبة لغير عذر لقولهم بكراهة الصلاة فوقها ثم رأيت القهستاني نقل عن المفيد كراهة الصعود على سطح المسجد ويلزمه كراهة الصلاة أيضًا فوقه، انتهى.\n(٣) قال العيني تحت حديث صلاته ﷺ في الكعبة: فيه حجة على ابن جرير الطبري حيث قال بعدم جواز الصلاة في الكعبة فرضًا كان أو نفلًا وقال مالك لا تصلى فيه الفريضة ولا ركعتا الطواف الواجب فإن صلى أعاد في الوقت وعند أبي حنيفة يجوز الفرض والنفل فيه وبه قال الشافعي، انتهى.\n(٤) منهم صاحب الهداية وصرح شراحه عن أصحاب الشافعي أنه يرى جواز الفرض والنفل معًا.\n(٥) وقد عرفت أنه ضعف أولًا حديث ابن عمر أيضًا فمراده أن الحديثين ضعيفان وكونه من مسند ابن عمر أقل ضعفًا قال الحافظ في الدراية الحديث رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر قال الترمذي ليس إسناده بذلك القوى وقد روى عن ابن عمر عن عمر والأول أشبه قال أبو حاتم الأسنادان، وأهيان انتهى، فعلم بذلك أن غرض الترمذي ترجيح كونه من مسند ابن عمر فما أول كلامه الشوكاني خلاف ظاهر سياقه.","vol":"1","page":336},{"text":"على ما قدمنا من شرارة الإبل وكبر جثته فإنه لو بال لتنجس وجه المصلي بحذافيره ولذلك لو حصل اطمئنان قلبه بأي جهة جازت صلاته كان يشد ركبته أو يكون على موضع عال بخلاف الغنم فإن مصادمتها للمصلي لا يزله عن موضعه ولو بالت مالت (١) إلى الأرض ولو لم تمل لكان بصغر قامتها اكتفاء (٢) وليس النهي عن الصلاة مبنيًا على النجاسة إذ لو كان كذلك لكانا أي الإبل والغنم مستويين في حكم النهي والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[باب ما جاء في الصلاة على الدابة]</span>\n.\nإنما شرعت النوافل عليه لما أن النهي عن ذلك كان سببًا للحرج بخلاف الفرائض فإنه لا حرج في عدم شرعيتها على الدابة لما أنها لا تكثر في اليوم والليلة كثرة النوافل مع أن الاهتمام بشأن الفريضة أكثر منه في النوافل والحاجة (٣) إلى السجود إنما هو الخفض ولا يجب وضعه جهته على الأرض وفي حكم الدابة ما حملته الدابة لا ما جرته (٤) دابة فجازت النوافل في ذوات الاثنين\n_________\n(١) بخلاف البعير فإنه يشخب من خلفه إلى بعيد.\n(٢) فإنه لا يرش كثيرًا لقربه من الأرض.\n(٣) يعني أن القيام المنوب عنه بالقعود والركوع يحصلان في الصلاة على الدابة بلا تكلف ولم يبق الفاقة إلا إلى السجود ويكفي فيه الخفض.\n(٤) واختلفوا في هذه المسألة وما أفاده الشيخ من الفرق بين الحمولة والمنجزة جزم به صاحب الدر المختار وأورد عليه ابن عابدين فارجع إليهما لكنهما أباحا التطوع على العجلة مطلقًا فتأمل.","vol":"1","page":337},{"text":"من رواحلنا المعتادة أعني الحاتية (١) المستديرة المتحركة إصالة دون (٢) ذوات الأربع لأن الأول محمول على الدابة والثاني ينجر بحرها ويدخل فيما قلنا ما تقوده الأفراس وما تقوده الجواميس والأبقار (٣) وما هو مستفاد من غير دابة وهذه الثلاثة هي الرائجة في بلادنا [والسجود أخفض من الركوع] ولا حاجة إلى وضع جبهته على شيء ومع ذلك لو فعل لا بأس في صلاته بذلك [صلى إلى بعيرة أو راحلته] شك من الراوي أي اللفظين قال من حدثه وفي ذلك إشارة إلى جواز الصلاة حيث الإبل (٤) عند وقوع الأمن من قيامه والتأذي به والمراد بالبعير ههنا هي الراحلة لإضافته إلى النبي ﷺ إذ من المعلوم أنه كان لا يحمل فتكون له حاملة ولا يعمل حتى تكون عاملة ولا يسقى بها حتى تكون سانية إلى غير ذلك والسبب في الصلاة إليها مع قربها الأمن من شرارتها لأن الرواحل تعتاد من الخصال ما لا يعتاده غيرها وكذلك يقاس عليها ما وقع الأمن من الشرارة لعدم علة النهي (٥) ووجود علة الفعل وأيضًا السبب في الصلاة إليه مع كونه ذا روح عدم تشبه عبدة الأصنام فإنه لا يعبد الإبل أحد من أصحاب\n_________\n(١) يحتاج إلى التنقير ولم يتحقق لي معناه.\n(٢) لعل المعنى لا تجوز فيها الصلاة فيها بالإيماء كما كانت جائزة على الدابة والعجلة المحمولة لأن هذه صارت بمنزلة السرير المنجر والسفينة فلا تصح فيها بإيماء بل بالركوع والسجود قائمًا أو قائدًا هذا مقتضى القواعد ولم أر من صرح به.\n(٣) جمع بقرة وإن لم يذكره المجد في القاموس.\n(٤) أي بترك وتوجد.\n(٥) وهي نفور الإبل وعلة الفعل فعله ﷺ وقد قال الله عز اسمه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية.","vol":"1","page":338},{"text":"الأديان الباطلة [والذي ذهب إليه بعض أهل العلم أشبه بالاتباع] هذا البعض هم الذين عبرهم بقوله في أول المقولة وعليه العمل عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ أراد الترمذي بذلك ترجيح أن الأمر بتقديم الطعام ليس منوطًا على خوف الفساد (١) كما زعمه الآخرون بل المراد بذلك دفع الشغل عن حالة الصلاة وأما من قال إن الأمر بتقديم العشاء حين خاف فساده فإنما نظر إلى أن التقديم على الصلاة لا يجوز إلا بعذر فبين بعض العذر لينقاس به غيره وعلى هذا لا تخالف بين الرائين ولما كانوا يقلون في الأكل كان الشغل لهم بعد حضور الطعام أكثر فلا يقاس عليهم من ليس مثلهم في الاحتياج إليه إذ المانع إنما هو قطع الخشوع لغلبة الاشتهاء [وتعشى ابن عمر وهو يسمع قراءة الإمام] وكان يصوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[باب الصلاة عند النعاس]</span>\nقوله [وإذا نعس أحدكم وهو يصلي] المراد به النافلة (٢) إذ الفريضة قليلة المقدار مع أنه لم يشرع تفويت الجماعة والوقت لغلبة النوم والمراد بالسب في قوله فيسب نفسه التلفظ بما لا يقصده لغلبة النوم وعدم الاختيار على نفسه مثل أن يقول اللهم لا تغفر لي ولا ترحمني قوله [فلا\n_________\n(١) وتوضيح الخلاف في المسألة أن الجمهور بعد اتفاقهم على صحة الصلاة إذ ذاك اختلفوا في علة المنع والكراهة، فعلله الغزالي بخشية فساد الطعام والشافعية بالاحتياج ومالك بأن يكون الطعام قليلًا وحكى الشوكاني عن ابن حزم وأحمد وإسحاق الوجوب فابطلوا الصلاة إذا قدمت على الطعام لكن فروع الحنابلة من المغني والروض وغيرهما صرحوا بصحة الصلاة وفي الدر المختار (تكره) وقت حضور طعام تاقت نفسه إليه وكذا كل ما يشغل باله عن أفعالها ويخل بخشوعها، انتهى.\n(٢) اختلفت عامة الشراح في هذه المسألة فبعضهم قيدوا الصلاة بالنافلة وبعضهم أطلقوها ورجح الحافظان ابن حجر والعيني الإطلاق.","vol":"1","page":339},{"text":"يؤمهم وليؤمهم رجل منهم] وقد تقدم أن ذلك على الإذن وههنا أيضًا المراد مثل المراد ثمة [فيخص نفسه بالدعاء] ذهب بعضهم إلى تغليظ هذا الحديث لما ورد في الصحاح من الصيغ المفردة في أدعية النبي ﷺ مثل اغفر لي وارحمني وتب علي والصحيح أن المراد بالتخصيص الحصر والقصر كما ورد في حديث الأعرابي «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا» لا ما فهم من ظاهر العبارة إذا الوكيل والساعي عن قوم وإن أسند الأسئلة إلى نفسه فالمشارك له فيه كل من خلفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>[باب من أم قومًا وهم له كارهون] </span>جملة الأمر أنه لو كان فيه ما يوجب كراهته شرعًا اعتبرت كراهته وإن لم يكرهه أحد وإن لم يكن فيه ذلك شرعًا لم يعتبر فيه كراهة من كرهه وإن كرهه الكل وأما إذا لم يكن أمره ظاهرًا شرعًا فالمعتبر غالب رأي من خلفه [لا تجاوز صلاتهم إذ أنهم] المراد بذلك عدم القبول كما ورد في قوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يرفعه فأما ما لم يرفع فغير صالح كما هو الظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>[باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا] </span>هذا الحديث لما كان من جملة ما وقع في أواخر السنين (١) ذهب إلى ذلك أحمد (٢) وإسحاق ولنا أن\n_________\n(١) وقع سقوط ﷺ عن الفرس في ذي الحجة من السنة الخامسة وقيل في الربيع الأول منها كما بسط في الأوجز.\n(٢) حكى العيني وغيره من شراح الحديث عن أحمد وإسحاق وابن حزم والأوزاعي ونفر من أهل الحديث أن الإمام إذا صلى قاعدًا يصلي من خلفه قعودًا وقال مالك لا يجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قاعدًا ولا قائمًا وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأبو ثور وجمهور السلف لا يجوز للقادر على القيام الصلاة خلف القاعد إلا قائمًا، انتهى.\nقلت هكذا حكاه عن أحمد غير واحد لكن في فروعه من الروض وغيره لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه إلا إمام الحي الراتب المرجو زوال علته لئلا يفضي إلى ترك القيام على الدوام ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا ولو كانوا قادرين على القيام وتصح الصلاة خلفه قيامًا والأفضل لإمام الحي أن يستخلف، انتهى. وتفصيل اختلاف نقلة المذاهب في ذلك في الأوجز.","vol":"1","page":340},{"text":"النبي ﷺ أمرهم بالجلوس في الصلاة يريد بذلك أن يستقر في أذهانهم كراهته ما يفعله أهل فارس والروم بخدمة ملوكهم من القيام إذ كانت فيه شائبة وشبه بالشرك فلما استقر ذلك تركه كما فعل في آخر صلاة صلاها بالجماعة فإنه كان إمام القوم لحصر أبي بكر عن القراءة كما كان وقع مثل ذلك قبل ذلك أيضًا في صحته ﷺ وأما ما رواه البعض من أن النبي ﷺ كان مؤتمًا بأبي بكر لا إمامًا لهم فيرده قعوده ﷺ عن شمال (١) أبي بكر فإن النبي ﷺ لو لم يكن إمامًا لما جلس إلا إلي يمينه والعذر أنه إنما فعل ذلك لما كان حسر عن المشي غير مسلم لأنه لم يكن ليترك سنة القيام توقيًا عن أدنى المشقة ولم يكن يثقل عليه أن يشير بأبي بكر فيصير عن يساره وقال أحمد وإسحاق روايات عائشة في صلاته تلك متخالفة فوجب المصير إلى غيرها فقلنا بما رواه أنس بن مالك قال صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا في ثوب متوشحًا به مع أن فعله هذا لا يخالف ما فعله قبل ذلك وأمر به وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين وأما إذا حمل على ما حمل عليه أبو حنيفة والشافعي وغيرهم يلزمهم النسخ بغير دليل إذ الروايات متعارضة فامتنع الترجيح قلنا لا تعارض في روايتي عائشة فإنها روت حسب ما علمت من إمامة أبي بكر ثم لما علمت أن النبي ﷺ كان هو الإمام روت ذلك أو يقال أن قول عائشة وغيرها في ائتمامه ﷺ بأبي بكر موجه بأنه ليس في قولهم ما فيه\n_________\n(١) فقد ورد نصًا عند الشيخين وغيرهما أنه ﷺ جلس عن يسار أبي بكر كذا في الأوجز.","vol":"1","page":341},{"text":"تصريح بأن ذلك كان في هذه الصلاة (١) بعينها فلعل النبي ﷺ كان يأتم في حجرته في غير هذه الصلاة بأبي بكر أو قال من قال بإتمامه بأبي بكر حال (٢) ابتداء شروعه ﷺ في الصلاة فإنه كان باقتداء أبي بكر فروى ذلك من روى ذلك ثم استخلف النبي ﷺ أبو بكر حين (٣) حصر عن القراءة كما ذكرنا لك سابقًا في هذا الباب أو لأن المكبر كان هو أبا بكر لضعف النبي ﷺ فلا يسمع إلا تكبير أبي بكر فظن بذلك من ظن أن الإمام أبو بكر مع ما يؤيدنا قعوده ﷺ عن يسار أبي بكر قوله [من ذكر فيه عن ثابت فهو أصح] اعلم أن حميدًا وثابتًا آخذان عن أنس ابن مالك إلا أن ثابتًا أجل من حميد فلذلك قد يروي حميد عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيًا]</span>.\nقد ثبت بذلك الحديث ما ينبغي له أن يفعل وأما مع ذلك فلو عاد إلى القعود مع قربه إلى القيام أو أنه كان قائمًا ثم عاد فالمحققون (٤) ومنهم صاحب\n_________\n(١) هذا هو الأوجه على سبيل التسليم فإنه ﷺ صلى في هذه الأيام إمامة واقتداء عدة صلوات قال البيهقي لا تعارض في أحاديثها فإن الصلاة التي كان فيها النبي ﷺ إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، انتهى. كذا في الأوجز.\n(٢) وبهذا أوله الإمام الشافعي فقال كان أبو بكر فيه إمامًا ثم صار مأمومًا.\n(٣) ففي الدر المختار: وكذا يجوز له أن يستخلف إذا حصر عن قراءة قدر المفروض لحديث أبي بكر الصديق فإنه لما أحس بالنبي ﷺ حصر عن القراءة فتأخر وتقدم النبي ﷺ وأتم الصلاة فلو لم يكن جائزًا لما فعله بدائع وقالا تفسد، انتهى.\n(٤) ففي الدرالمختار: سها عن القعود الأولى من الفرض عاد إليه ما لم يستقم قائمًا وإن استقام لا يعود لاشتغاله بفرض القيام وسجد للسهو فلو عاد إلى القعود بعد ذلك تفسد صلاته وصححه الزيلعي وقيل لا تفسد وهو الأشبه كما حققه الكمال وهو الحق «بحر» انتهى.","vol":"1","page":342},{"text":"الفتح والبحر على خلاف ما اشتهر من فساد الصلاة لرفض الفرض الواجب ونظير ذلك ما اتفقوا عليه من أنه لو سها عن القنوت وركع ثم تذكر وعاد فقنت لا تفسد صلاته (١) وحد القرب إلى السجود وما لم يستو نصفه الأسفل فإذا استوى وصار كهيئة الراكع صار قريبًا إلى القيام من السجود وهذا الحديث الثابت من الطرق المتعددة بؤيدنا في أن السجود بعد التسليم فليحفظ وسيأتي بعض بيانه في بابه، واعلم أن الشافعي لا يقول بالتشهد بعد سجود السهو بل المذهب عنده أن يقعد ويتشهد ويصلي ويدعو ثم يسجد للسهو ثم بعده يسلم. قوله [وسبح بهم كان] هذا للتنبيه على قد تنبه على ما ينبهون عليه فتابعوه ولا يتوقف التذكير على لفظ التسبيح بل يصح بأي اسم من أسماء الله تعالى قوله [ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس] دفع لما يتوهم من سنية القيام لهما كما يسن لسجدة التلاوة (٢) قوله [ابن أبي ليلى] وهم أربعة (٣) عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو صدوق ثقة ليس فيه ما يتكلم فيه ومحمد ابن أبي ليلى وهو المراد ههنا بالتكلم فيه واثنان\n_________\n(١) أي على الأصح وإلا ففيه بعض الخلاف في الفروع، انتهى.\n(٢) ففي الدرالمختار: هي سجدة بين تكبيرتين مسنونتين جهرًا وبين قيامين مستحبين أي قيام قبل السجود ليكون خرورًا من القيام وقيام بعد رفع رأسه قاله ابن عابدين، ثم ذكر الاختلاف في القيام الثاني.\n(٣) قال الحافظ في التقريب: ابن أبي ليلى عبد الرحمن وابناه محمد وعيسى وابن ابنه عبد الله بن عيسى، انتهى.","vol":"1","page":343},{"text":"آخران عيسى ابن أبي ليلى وهو ثقة وابن أبي ليلى (١) ويسمى ابن أبي ليلى أيضًا لا حاجة إلى بيانهما ههنا قوله [من رأى قبل التسليم فحديثه أصح لما روى إلخ] وهو ما رواه النسائي والترمذي (٢) عن عبد الله ابن بجينة قال صلى بنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته فنظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلم وأنت تعلم إن هذا كان في أول الأمر ولم يبلغهم أمر السهو ولا السجود فخيف لو بدئ بالسلام أن يتبادر أحدهم إلى التكلم لا سيما وقد وقع أمر إمر في صلاتهم فخيف أن يتبادروا إلى الكلام فتفسد صلاتهم فلما شاع الأمر وذاع لم يفتقر إلى ذلك فتفكر قوله [قال شعبة ثم حرك شفتيه] يعني حرك شفتيه بإرادة أن يتكلم فوقع في نفسي أنه يتكلم بهذا فتكلم به كما ظننت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[باب ما جاء في الإشارة]</span>\n.\nالإشارة لا تبطل الفرض ولا النفل إلا أنه في الفرض مكروه بخلاف النفل وفعله النبي ﷺ تعليمًا للجواز واستمر عليه إلى آخر عمره لئلا يظن نسخه قوله [في مسجد بني عمر بن عوف] هو مسجد قباء لأن النبي ﷺ كان يدخل فيه ويصلي وكان الناس يأتون إليه حين يسمعون بقدومه الشريف فيسلمون عليه وهو في الصلاة فيرد عليهم بعد الصلاة باللسان لكن كان يشير بيده في الصلاة قوله [لأن قصة حديث صهيب غير قصة بلال] وإن كانت الواقعة واحدة فلا ضير أيضًا في ذلك لأنه يحتمل أين يكون رويت هذه الواقعة عنهما كليهما لكن الظاهر\n_________\n(١) وهو عبدالله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى من رواة الستة ثقة.\n(٢) سيأتي قريبًا في باب سجدتي السهو قبل السلام والرواية التي حكاها الشيخ من رواية النسائي ولعله اختارها لكونها أوضح من سياق الترمذي.","vol":"1","page":344},{"text":"من فرق الإصبع واليد واقعتان (١) رويًا (٢) لابن عمر فرواهما كما رويا، وغرض الترمذي من ذكر ما ذكر ههنا دفع ما يتوهم من الاضطراب في رواة ابن عمر أو من ذرية بأنه روى بعضهم عن ابن عمر عن صهيب وبعضهم عن ابن عمر عن بلال بأنه يحتمل أن يكون ابن عمر روى عنهما جميعًا فلا اضطراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[باب التسبيح للرجال والتصفيق للنساء]</span>\n.\nقوله [التصفيق للنساء] لكن لا تفسد (٣) صلاتها بتسبيحها، كما اشتهر وليس (٤) عليها أيضًا أن تضرب باطن كفها على ظاهر كف الثانية كما اشتهر فيهم قال [على كنت إذا استأذنت، إلخ] وغرضه ﷺ أن يتوقف حتى يفرغ من صلاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة]</span>\nخص الصلاة، وإن كان\n_________\n(١) ومال شيخنا في بذل المجهود على سنن أبي داؤد إلى أنها ثلاث روايات، روايتان لصهيب ورواية لبلال وأورد على الإمام الترمذي أيضًا فأرجع إليه لو شئت.\n(٢) ببناء الفاعل أي صهيب وبلال.\n(٣) ففي الدر المختار: ولو صفق أو سبحت لم تفسد وقد تركا السنة، انتهى، وقال ابن عابدين: وصوتها ليس بعورة على الراجح وفي البحر عن الحلية أنه الأشبه وفي النهر هو الذي ينبغي اعتماده ومقابله ما في النوازل نغمة المرأة عورة: وفي الكافي لا تلبي جهرًا لأن صوتها عورة ومشى عليه في المحيط قال في الفتح على هذا لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجهًا ولذا منعها -﵊- من التسبيح بالصوت لإعلام الإمام بسهوه إلى التصفيق، انتهى.\n(٤) أي لا يجب عليها فلا ينافي قول الفقهاء إذ قالوا تفعل هكذا.","vol":"1","page":345},{"text":"كراهة التثاؤب عامة لمزيد اهتمام أمر الصلاة ولأنها المقصودة ههنا بالذكر ومعنى كونه من الشيطان فرحه به لكونه للكسل والغفلة وقلة المبالاة بالصلاة، ويقال إن ذكر الأنبياء (١) في تلك الحالة أنهم كانوا لا يتثاءبون يرتد التثاؤب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>[باب ما جاء إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم]</span>\nوصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد هذا بظاهره مشكل لأنه إن كان للمريض، كما هو المنصوص في الرواية الثانية فليس الأجر للمريض على النصف، وإن كان لغيره (٢)\n_________\n(١) قال الزاهدي: الطريق في دفع التثاؤب أن يخطر بباله أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ما تثاءبوا قط، قال القدوري: جربناه مرارًا فوجدناه كذلك قال ابن عابدين: وقد جربته فوجدته، كذلك قلت: وقد جربته مرارًا داخل الصلاة وخارجها فوجدته، كذلك وهذا من عجائب قدرته تعالى وعلو شأن أنبيائه ﷺ.\n(٢) وتوضيح الأشكال أن حديث الباب لا يصح حمله على الفرض ولا النفل أما الأول فلأن الفرض لا يصح قاعدًا بدون العذر فضلًا عن نصف الأجر، وأما المعذور فلا ينتصف أجره بل يعطى كاملًا، وأما النفل فلا يصح نائمًا بدون العذر عند الجمهور، حتى قال الخطابي وابن عبد البر وغيرهما: أجمعت الأمة على المنع من ذلك، قال الخطابي: كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوع، يعني للقادر لكن قوله من صلى نائمًا يفسده لأن المضطجع لا يصلي التطوع، كما يفعل القاعد لأني لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في ذلك فإن صحت هذه اللفظة، ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد، كما يتطوع المسافر على راحلته فالتطوع للقادر على القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث قال: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمر أن المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده، قال الحافظ: وهو حمل متجه ويؤيده صنيع البخاري حيث أدخل في الباب حديثي عائشة وأنس وهما في صلاة المفترض قطعًا، انتهى، قلت: ووجه الحديث بوجوه عديدة منها ما حمله الشيخ وفيه وجوه آخر بسطت في محلها.","vol":"1","page":346},{"text":"فلا تصح صلاته نائمًا أي مضطجعًا حتى يصح ترتب الأجر عليه والجواب أن هذا للمريض الذي فيه استطاعة قيام، لكنه يتعسر عليه فصلاة النافلة أجرها قاعدًا على النصف من أجرها قائمًا، وهكذا المريض الذي يتعسر عليه القعود، ولكنه يمكن له فهذا لو صلى الفريضة نائمًا لم تجز لكنه لو تنفل مضطجعًا (١) مع قدرته على القعود على تعسر فله نصف أجر القاعد وهذا على المذاهب المشهورة، وأما على مذهب الحسن (٢) فيجوز نافلته قائمًا وقاعدًا ونائمًا مضطجعًا فلا إشكال حينئذ في الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[باب فيمن يتطوع جالسًا] </span>الروايات الثلاث محمولات على أحوال أو المراد في قوله فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم القراءة المتصلة بالركوع، يعني لم يكن ليقرأ حتى إذا أراد أن يركع قام (٣) فركع، بل إن كان قرأ قاعدًا فأراد\n_________\n(١) لم أر التصريح بذلك لكن مقتضى القواعد هو ذاك فإن أحكام النوافل على التوسع ولذا قالوا إن أعيى في التطوع يتوكأ وله نظائر كثيرة ولله در الشيخ ما أجاد.\n(٢) وحكاه الحافظ وجهًا عن الشافعية، وحكى عن بعض المالكية وغيرهم كما في الفتح.\n(٣) فلو فعل أحد ذلك فقال ابن عابدين: الأفضل أن يقوم فيقرأ شيئًا ثم يركع ليكون موافقًا للسنة، ولو لم يقرأ لكنه استوى قائمًا ثم ركع جاز، وإن لم يستو قائمًا وركع لا يجزئه لأنه لا يكون ركوعًا قائمًا ولا ركوعًا قاعدًا، انتهى، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":347},{"text":"أن يركع قائمًا قام فقرأ ثم ركع وعلى هذا تتفق الروايات كلها، وأما الشروع قائمًا ثم القعود فلم يثبت ولذلك كرهه (١) الإمام وإن كان جائزًا عنده أيضًا.\nقوله [ويرتلها حتى تكون أطول منها] أي زمانًا يعني يمتد زمان تلاوته إياها بترتيله فيها.\nقوله [حدثنا الأنصاري] إلخ، وقوله حدثنا أحمد بن منيع، انتهى، هذا بيان لإسنادي الروايتين المذكورتين قبل بقوله وروى وروى قوله [فأخف الصلاة] أي من القدر الذي كنت قدرت في نفسي أن أقرأ فعلم (٢) أن رعاية المقتدين واجبة وتخفيف الصلاة (٣) لمثل ذلك جائز.\n_________\n(١) ففي الدر المختار يتنقل مع قدرته على القيام قاعدًا ابتداء، وكذا بناء بعد الشروع بلا كراهة في الأصح كعكسه، قال ابن عابدين: قوله وكذا بناء فصله بكذا لما فيه من خلاف الصاحبين قال في الخزائن ومعنى البناء أن يشرع قائمًا ثم يقعد في الأولى أو الثانية بلا عذر استحسانًا خلافًا لهما، وهل يكره عنده، الأصح ما قاله الحلبي وكتب عند قوله الأصح لا في هامشه فيه رد على الدر والوقاية والنقاية وغيرها حيث جزموا بالكراهة، انتهى، قلت: والجمهور على جواز الصورتين معًا وإن كانتا خلافيتين، كما بسطت في الأوجز.\n(٢) لأن الصلاة خير موضوع فما يؤدي إلى تخفيفها لا بد أن يكون واجبًا، ولذا قال صاحب در المختار: يكره تحريمًا تطويل الصلاة على القول زائدًا على قدر السنة في قراءة وأذكار رضى القوم أولًا لإطلاق الأمر بالتخفيف وفي الشر نبلالية ظاهر حديث معاذ أنه لا يزيد على صلاة أضعفهم مطلقًا وصح أنه ﷺ قرأ بالمعوذتين في الفجر حين سمع بكاء صبي، انتهى.\n(٣) واستدل بحديث الباب على مسألة معروفة خلافية وهي الإطالة لإدراك الجاني.","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>[باب ما جاء لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار]</span>\nالمراد بالحائض البالغة لا الحائضة حين هي حائض إذ لا صلاة لها، ولما كان في العرف واللغة إطلاق ذات الخمار على من بعض رأسها مكشوف شائعًا ذائعًا قدر الإمام الهمام القدر المعفو بربع الرأس قياسًا على بعض الشروط التي هي سوى ستر العورة، وقال لو انكشف أقل من ربع رأسها جازت صلاتها، وإن كذا لا وهذا هو الحكم في الأعضاء المستورة من الرجل والمرأة، وأما الشعر إذا انفرد من الخصلة ولم يبن أصله فحكمه حكم العضو المستقل يمنع كشف ربعه جواز الصلاة، كما في المجموعة من الشعور.\n[وقال الشافعي: وقد قيل إن كان ظهر قدميها مكشوفًا (٤)] لا خلاف في كون باطن قدميها من العورة فالواجب عليها أن تسجد بحيث لا ينكشف باطن قدمها، وأما ظهر القدم ففيه خلاف وفصل\n\nالطحاوي بكونه عورة في الصلاة دون غير الصلاة، ولكن الحرج مقتض جواز الصلاة وإن انكشف (١) ظهر القدم.\n\n[باب ما جاء (٢) في كراهة السدل في الصلاة] للسدل معنيان اشتمال الصماء\n_________\n(٤) أي بيننا وبين الشافعي على الظاهر، كما يدل عليه السياق وبه جزم في الإرشاد الرضى، وهذا مبني على أحد الأقوال الثلاثة لمشايخنا في القدم ففي الدر المختار للحرة جميع بدنها حتى شعرها النازل في الأصح خلا الوجه والكفين فظهر الكف عورة على المذهب والقدمين على المعتمد وصوتها على الراجح وذراعيها على المرجوح قال ابن عابدين قوله على المعتمد أي من أقوال ثلاثة مصححة، ثانيها: عورة مطلقًا، ثالثها: عورة خارج الصلاة، ثم بسط الأقوال في ذلك فارجع إليه لو شئت.\n(١) بل ولو باطن القدم ففي الهداية ويروى أن القدم ليست بعورة، وهو الأصح وفي الدر المختار على المعتمد.\n(٢) ومما يجب التنبيه أن ما ذكره المصنف من تفرد عسل في حديث الباب مشكل فله متابعة عند أبي داؤد من حديث سليمان الأحول ومن حديث غيره عند البيهقي وغيره فليحرر.","vol":"1","page":349},{"text":"للسدل معنيان اشتمال الصماء كما مر وأن يرسل جانبي الثوب على كتفيه لا يعقدهما إن كان صغيرًا ولا يلقي الجانب الأيمن منه على الكتف اليسرى والجانب الأيسر منه على الكتف اليمنى وأما لو ألقى أحد الجانبين دون الآخر كره (١) أيضًا، وأما إذا ألقاهما على الكتفين ثم بقى متدليًا فلا كراهة إذن وكذلك لا كراهة فيما إذا ألقى على كتفه اليسرى جانب الثوب الأيمن ثم ألقى ما كان يتدلى منه على الكتف اليسرى أيضًا ووجه كراهة السدل بمعنييه أن اليهود تفعله وما يلزم في القسم الأول من قصور في أداء الأركان وفي القسم الثاني من التعثر بأذياله وبذلك علم كراهة ما يلقيه الناس في أعناقهم من قلادة (٢) منسوجة من الغزل إذا لم يعقدها إذا كان وضع لبسها معقودة، وأما إذا لم يكن وضع اللبس فيها إلا غير معقودة فلا كراهة إذا لم يضر بأداء الأركان وأما في غير الصلاة فليلبسها كيف شاء وأما ما قال بعضهم من كراهة السدل إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد فالظاهر أن هذا في القسم الذي بينا من قبل إلقاء جانب على كتف دون الآخر إذ لو أبقى على المعنى المشهور من السدل وهو إرسال جانبيه على جانبيه من دون أن يلقى على الكتف مرة أخرى لا يكون للكراهة معنى إذ لا تصح الصلاة حينئذ أصلًا، وأما إذا حمل على اشتمال الصماء فلا وجه لتخصيص كونه صاحب ثوب واحد بل وجه الكراهة مطرد بل اللائق إذن (٣) عدم الكراهة لمن ليس\n_________\n(١) وفيه خلاف لبعض مشايخي إذ مالوا إلى أنه ليس بسدل.\n(٢) التي يسمونها «كاو بند» والمعنى إذا ألقى طرفيها على الصدر ولا يلففها على العنق.\n(٣) لما يحصل فيه غاية التستر ولقائل أن يقول يمكن التفصي عنه بأن يعقده على عنقه ويخرج يديه.","vol":"1","page":350},{"text":"له إلا ثوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>[باب ما جاء في كراهة مسح الحصى في الصلاة]</span>\n.\nالحصى جمع، والواحد حصاة ومسح الحصى وغيرها إذا لم يمكن السجود عليها جائزًا من غير كراهة وأما إذا كان له بد منه فلا يخلو عن كراهة وذكر في بعض الروايات لفظ مرتين أيضًا وايًا ما كان فالعدد غير مقصود ولا الرخصة متوفقة عليه بل المناط في ذلك هو الضرورة ما كانت وأما قوله ﵇ فإن الرحمة تواجهه فتنبيه على علة المنع واستنبط الفقهاء منها المسائل الكثيرة فما فيه اشتغال بما هو غير الصلاة فإن كان لإصلاحها ذاتًا أو لإبقاء خشوعها وخضوعها لا يكون له فيه كراهة وإن كان غير ذلك فلا يخلو عن كراهة وأما ما اشتهر بينهم من كون الحركات الثلاثة أو الفعل بكلتا يديه مفسدًا للصلاة فليس بشيء إذ يرده ما لا يمكن إنكاره ورده من الروايات [وميعقيب هذا] من سبقه القلم أو ذكر طردًا للباب ولا يبعد أن يقال حديث معيقيب المذكور من قبل إنما هو في إجازة المسح والغرض من قوله وفي الباب عن ميعقيب أنه يروي حديث كراهة مسح الحصى أيضًا [وقول المؤلف كأنه روى عنه رخصة إلخ] كأنه رأى بذلك إجازة في أن يفعل ذلك مرة من غير ضرورة (١) ولا يتم فإن مواضع الضرورات مستثناة مع أن أصل المسألة مسلم لنا أيضًا قوله [إلا من حديث عسل إلخ] يشكل عليه أن أبا داؤد أخرجه من حديث سليمان الأحول عن عطاء وأخرجه البيهقي بطرق ثم قال وقد روى من وجه آخر عن النبي ﷺ.\n_________\n(١) واحتاج الشيخ إلى هذا التوجيه لأن الضرورة لا تتقيد بالمرة الواحدة بل قد يحتاج إلى الأخرى كما تقدم قريبًا في كلام الشيخ لكن يشكل عليه ما في الهداية ولا يقلب الحصى لأنه نوع عبث إلا أن لا يمكنه من السجود فيسويه مرة لقوله ﷺ مرة يا أبا ذر وإلا فذر، انتهى. نعم أشار ابن عابدين إلى ما أفاده الشيخ.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>[باب ما جاء في كراهة النفخ في الصلاة]</span>\n.\nقوله [ترب وجهك] هذا أمر منه تبرك النفخ دلالة وضمنًا لا مطابقة وصريحًا فلذلك تراهم اختلفوا في قطع النفخ وعدم قطعه للصلاة فقال بعضهم إنما نهاه عن النفخ لكونه مفوت سنة الترتيب ولا فساد فيه ولذلك لم يأمره بإعادة الصلاة وقال الآخرون القائلون بفساد الصلاة أن عدم بيان الراوي أمره بالإعادة لا يدل على عدم الأمر وقال الإمام الهمام إن لم تخرج الحروف بنفخه لا تفسد صلاته وإن ظهرت به الحروف دخل نفخه في حد الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[باب ما جاء في النهي عن الاختصار </span>(١)] ويعلم بذلك أن هيئة الجابرة والأكاسرة (٢) مكروهة وكلما بعد من السنة فكراهته على قدر بعد السنة وقرب هيئة المتكبرين ويعلم بحديث الباب أن النهي عن التشبه لا يتحصص (٣)\n_________\n(١) قال الشيخ في البذل: اختلفوا في تفسير الاختصار والمشهور في تفسيره أن يضع يده على حاصرته وقيل أن يمسك بيديه مخصرة أي عصًا يتوكؤ عليها وأنكره ابن العربي وقيل أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين وقيل أن يحذف في الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها وقيل يختصر الآيات التي فيها السجدة في الصلاة حتى لا يسجد لتلاوتها وأما الحكمة في النهي فقيل لأن إبليس اهبط، مختصرًا، وقيل لأن اليهود تكثر من فعله فنهى عنه كراهة للتشبه بهم وقيل لأنه راحة أهل النار وقيل إنه فعل المختالين والمتكبرين وقيل شكل من أشكال أهل المصائب والجمهور على كراهة الخصر في الصلاة وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وذهب أهل الظاهر إلى تحريمه انتهى مختصرًا، وبالأول قال أحمد أيضًا كما في المعنى.\n(٢) جمع كسرى وهو اسم كل ملك الفرس.\n(٣) هكذا في الأصل والظاهر من سياق العبارة لفظ لا يفصل فتأمل.","vol":"1","page":352},{"text":"بين حضور المشبه به وغيبوبة فإن التشبه بالشيطان لما كره وهو غائب عن أعيننا وغير مرئي فكذلك يكون في غيره أيضًا فما فيه تشبه باليهود ويكره وأن لم يكن اليهود في بلدهم هذا [ذلك كفل الشيطان] فإنه ليس له الأهم أن يحرم ابن آدم من النصيب (١) الأخروي فكلما كان حرمان ابن آدم أكثر كان حظ الشيطان أوفر فأول همه أن يكفر بالله أو يشرك به فيكون جليسه في جهنم أعاذنا الله منها ثم أن يرتكب كبيرة أولًا فصغيرة أو ترك سنة وإلا فمستحب أو ما هو مندوب وههنا لما كان في كف الشعر ترك سجوده كان المقدار الحاصل من سجود الشعر قد نقص من حظ ابن آدم فكان ذلك كفلًا للشيطان من غير ريب أو رجم غيب وقد أسلفنا شيئًا من ذلك فيما سبق أيضًا ولا يبعد أن يقترح من هذا المقام أي من رواية أبي رافع للحسن حديثًا وهو في الصلاة وإقباله على الصلاة وتركه ما كان عليه من الغضب أن ما اشتهر بينهم من فساد الصلاة بأخذ الإمام عمن خلفه ما لا ضرورة له إليه من القراءة وكذا عمن ليس خلفه شيئًا ليس بشيء يعتد به بل الصحيح أن الرجل إذا ألقى على غير إمامه أو على إمامه وقد كان قرأ مقدار ما يجوز به الصلاة فإن أخذ القارئ بمجرد فتحه من غير أن يذكر فصلاته فاسدة (٢) لا محالة وأما إذا علم بعد فتحه وتذكر من نفسه أن القرآن نعم كذلك فصلاته جائزة وهكذا\n_________\n(١) قال المجد: الكفل بالكسر الضعف والنصيب والحظ وخرقة على عنق الثور تحت الغير، انتهى.\n(٢) هو كذلك في غير مؤتمه وأما في الأخذ عن مؤتمه فمبني على أحد القولين ورجحوا القول الآخر ففي الدر المختار وفتحه على غير إمامه (يفسد) وكذا الأخذ إلا إذا تذكر فتلًا قبل تمام الفتح بخلاف فتحه على إمامه فإنه لا يفسد مطلقًا قال ابن عابدين: قوله بكل حال أي سواء قرأ الإمام قدر ما تجوز به الصلاة أم لا انتقل إلى آية أخرى أولًا تكرر الفتح أم لا وهو الأصح، انتهى.","vol":"1","page":353},{"text":"في غيره من التعليم والتعلم إذا وقعا في الصلاة فإن عمل به من غير أن تكون ذلك مستندًا إلى قصده القلبي واعتقاده لم تصح صلاته وإلا فقد صحت وأنت تعلم أنه قلما يسمع الحافظ الساهي ثم لا يتذكر إذا ألقى إليه غيره قوله [الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين] هذا يفيد ركنية التشهد في النافلة والفريضة كلتيهما لكن فعل النبي ﷺ وهو ترك الإعادة من ترك التشهد الأول وجبره بسجدتي السهو أخرج الفريضة عن هذا العموم [وتقنع يديك] إن كان عطفًا على الصلاة فظاهر وإن عطف على تشهد فإن مقدرة [ترفعهما] هذا تفسير لقوله تقنع وقوله مستقبلًا إلخ من لفظ الحديث وهذا يثبت الدعاء بعد الصلاة برفع يديه كما هو المعمول وإنكار الجهلة عليه مردود قوله [فهو كذا وكذا] هذا اللفظ قد يكون من كلام الراوي إذا نسى قوله ﷺ واحتاط في بيانه وقد يكون من كلامه ﵇ إذا لم يصرح بالحديث واكتفى بالكناية والتخشع بالقلب والتضرع باللسان لمقابلة التمسكن فهو لسائر الأعضاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[باب التشبيك]</span>\nقوله [فلا يشبكن بين أصابعه] فإنه في صلاة ولا التشبيك في شيء من أركان الصلاة ولا تخصيص بالتشبيك بل يحترز عن سائر ما ينافي الصلاة من الكلام وغيره إلا ما لا بد منه من الأقوال والأفعال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[باب طول القيام في الصلاة]</span>\nقوله [أي الصلاة أفضل] اعلم أن لفظة «أي» إذا دخل على المعرف بلام التعريف فالمراد تعيين جزء من أجزاء ما دخلت عليه وإذا دخلت على منكر فالمقصود حينئذ تعيين فرد بين أفراده فالمراد في قوله «أي الصلاة أفضل» أن أي أجزاء الصلاة أفضل من غيره فهذا نص على أن طول (١) القيام أحب فلا يعارضه ما ورد في الرواية الآتية من بعد عليك\n_________\n(١) وبه قالت الحنيفة مع الاختلاف فيما بينهم وروى عن محمد. أفضلية كثيرة السجود كما حكاه ابن عابدين وقال النووي في المسألة ثلاثة مذاهب أحدها أن تطويل السجود وتكثيره أفضل حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة وممن قال بذلك ابن عمر، والثاني أن تطريل القيام أفضل وإلى ذلك ذهب الشافعي وجماعة، والثالث أنهما سواء وتوقف بن حنبل ولم يقض فيها كذا في البذل، قلت ومال ابن العربي إلى قول إسحاق فقال القيام بالنافلة في الليل أفضل والسجود والركوع بالنهار أفضل.","vol":"1","page":354},{"text":"بالسجود إذ غاية ما لزم بذلك فضيلة الصلاة نفسها على غيرها من العبادات وليس فيه تفضيل بعض أجزائها على بعض إذ ليس المراد بكثرة السجود السجود نفسها من غير أن تكون في الصلاة مع أن ما ترتب على السجود من دخول الجنة مرتب على القيام أيضًا وما ترتب على القيام من الأفضلية لم يترتب على السجود وقال ابن مسعود لا أفضل من السجود إذ فيه غاية المذلة وأنت تعلم أن اختيار الذل لتحصيل العز لا غير وفي طول القيام تلاوة القرآن الكثير وهي مكالمة به ﷾ ومصاحبته (١) قوله [في باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود فسكت عني مليًا وهذا السكوت كان ليكون الجواب أوقع في نفس السائل لحصوله بعد انتظار كثير أو يكون السبب في ذلك تعيين عمل مما يدخل الجنة يناسب السائل أو لأن الجواب لم يستحضر بعد قوله [جزء بالليل] أي مقدار من القرآن عينه للقراءة في الليل وأنت تعلم أنهم لم يحكموا في فضل أحدهما على الآخر بما فيه شقاء فالقول للإمام الهمام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>[باب ما جاء في قتل الأسودين في الصلاة]</span>\n.\nويقاس عليهما ما فيه معناهما من غيرهما من الشغل عن الصلاة قوله [والقول الأول أصح] الظاهر هو التغاير بين هذين القولين كما فهمه الحافظ الترمذي ويمكن أن يجمع بينهما بأن المانعين عنه إنما منعوا إذا كان بعيدًا عنه بحيث\n_________\n(١) عطف على قوله مكالمة أي مصاحبة معه عن اسمه بواسطة كلامه.","vol":"1","page":355},{"text":"لا يشغله عن صلاته، وأما إذا قطع خشوعه وشغله عن صلاته فظاهر حالهم (١) أنهم لا يمنعون، والدليل على ذلك ما أوردوا في الدليل من قولهم أن في الصلاة لشغلا فالظاهر من هذا هو الذي قلنا إذ الشغل في قتل الحية إنما يضر بالصلاة إذا لم تكن تشغله وأما إذا شغلته عن صلاته فالشغل في صلاته بالغير إنما يكون إذا لم يقتله وأما إذا قتله فلا يبقى له شغل إلا صلاته والحاصل أن اشتغاله بقتل الحية إذا لم يشغله عن صلاته اشتغال بما ليس من أمر الصلاة وأما إذا شغلته عن صلاته فاشتغال بقتله هو عين الفراغ للصلاة ومعنى أن في الصلاة لشغلا أن في الصلاة\n_________\n(١) ولذا أباحت الجمهور منهم الأئمة الأربعة جواز القتل واختلفوا هل يفسد الصلاة أم لا؟ قال في البدائع وقتل الحية والعقرب في الصلاة لا يفسدها لقول النبي ﷺ اقتلوا الأسودين «الحديث» وروى أن عقربًا لدغ رسول الله ﷺ فوضع عليه لعله الحديث، وقد تبين أنه لا يكره لأنه ﷺ ما كان ليفعل المكروه خصوصًا في الصلاة ولأنه يحتاج إليه لدفع الأذى فكان موضع الضرورة هذا إذا أمكنه القتل بضربة واحدة كما فعل رسول الله ﷺ وأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات فسدت صلاته كما إذا قاتل في صلاته لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة وذكر شيخ الإسلام السرخسي أن الأظهر أن لا تفسد صلاته لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي فأشبه المشي بعد الحدث والاستقاء من البير والوضوء انتهى، كذا في البذل، قلت: لكن جواز البناء في الحدث منصوص بخلاف حديث الباب ولذا قيده الجمهور بالعمل القليل منهم الحنفية كما في عامة الفروع ومنهم الشافعية كما في ابن أرسلان وقال ابن العربي: يقتلهما إذا خاف منهما على نفسه أو على غيره أو كانت دانية منه وتمكن منها بعمل يسير فإن خاف منها وكانت بعيدة وكان عملًا كثيرًا قتلها واستأنف الصلاة، انتهى.","vol":"1","page":356},{"text":"مشغولية بالرب سبحانه عن غيره، ثم لا يذهب عليك أن أصل إطلاق الأسود على كل ما فيه السواد من أي جنس كان ثم صار من الصفات الغالبة للحية فالمفهوم من إطلاق الأسود إذا أطلق ولم يقيد الحية السوداء ثم كثر استعماله في كل قسم منها كان فيه سواد أو لا، وفي قوله الأسودين الحية والعقرب تغليب إذ العقرب ليس السواد من صفاتها ولا الأسود من أسمائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>[باب ما جاء في سجدتي السهو قبل السلام]</span>\n.\nفيه خمسة مذاهب (١) كما بسطه الترمذي مذهب الإمام أنه بعد السلام وإن جاز أن يسجد قبل السلام مذهب الشافعي أنه بعد السلام (٢) ولم يجوز (٣) قبل السلام لأنه رأى ما سوى ذلك منسوخًا فكيف يجوز العمل بما قد نسخ ومذهب مالك أن السجدة في الزيادة (٤) بعد السلام وفي النقصان قبله ومذهب أحمد\n_________\n(١) وههنا مذهب سادس لداؤد فجرى على ظاهريته وقال لا يشرع سجود السهو إلا في المواضع المأثورة وثلاثة مذاهب أخرى فجملتها تسعة مذاهب بسطت في الأوجز واكتفى الشيخ تبعًا للترمذي على الخمسة المشهورة.\n(٢) هكذا في الأصل وهو سبقة قلم والصواب بدله أنه قبل السلام ولم يجوز بعد السلام ويدل على ذلك كلام الشيخ الآتي في مذهب أحمد.\n(٣) أخذه الشيخ من قوله الآتي أن سجود السهو قبل التسليم ناسخ لغيره من الأحاديث، ومعلوم أن العمل بالمنسوخ لا يجوز لكن عامة نقلة المذاهب حكوا الإجماع على جواز الأمرين قال الحافظ في الفتح نقل الماوردي وغيره الإجماع على الجواز وإنما الخلاف في الأفضل وكذا أطلق النووي انتهى، كذا في الأوجز فتأمل.\n(٤) وإذا اجتمع النقص والزيادة فقالوا بالسجود قبل السلام تغليبًا للنقص كما في الأوجز.","vol":"1","page":357},{"text":"أن السجود في السهو المأثور عنه ﷺ إنما يكون على وجهه، وفي غيره كمذهب الشافعي من أنه قبل السلام ومذهب إسحاق أن المأثور على وجهه وغير المأثور عنه ﷺ يعمل فيه على قول مالك فأما ما رجح به الإمام ما اختاره من المرام فهو أن فعل النبي ﷺ في سجود السهو مختلف سجد مرة قبل السلام ومرة بعده فرجحنا أحدهما بقوله وحوزنا كلا الأمرين ولو ثبت أيضًا أن آخر فعله كان هو السجود قبل السلام فليس ذلك نصًا على نسخ ما فعل قبل ذلك ولعله فعل ذلك الآخر لبيان الجواز وظني أن حديث القول أيضًا عارضه حديث القول الثاني (١) فالترجيح حينئذ بالقياس والقياس يقتضي الفصل بالسلام لأن الجابر لشيء إنما يكون غيره كما جبرت السنن بالسنن والأذكار فوجب إتيانه بالسجود بعد فصل الجابر من المجبور بالسلام ليستدل بذلك على أنه غيره أتى به للجبر ولكن لما كان القول والفعل واردًا في كلا الأمرين لم نقدر على المنع من شيء منهما حتمًا، واستدل الشافعي على مرامه بكون رواة حديث قبلية السلام متأخري الإسلام وأنت تعلم أن دعوى النسخ من غير برهان نداء من بعيد واستدل مالك بما ورد عن النبي ﷺ من الروايات على الوجه الذي ذهب إليه وأنت تعلم أن رواية (٢) شعبة التي تقدمت في باب ما جاء في\n_________\n(١) فقد ورد في حديث الخدري وغيره في الشك في الصلاة بلفظ وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قل أن يسلم إلا أن الروايات التي وردت فيها السجدة بعد السلام قولًا وفعلًا أكثر وأفسر.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر أن فيه سقوطًا من الناسخ والصواب مغيرة بن شعبة ثم هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داؤد والترمذي، وقال حسن صحيح، وقال النووي: في الخلاصة روى الحاكم في المستدرك نحوه من حديث سعد بن أبي وقاص ومن حديث عقبة وقال في كل منها صحيح على شرط الشيخين كذا في الأوجز.","vol":"1","page":358},{"text":"الإمام ينهض في الركعتين ناسيًا من رواية الشعبي قال صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين فسبح به القوم وسبح بهم فلما قضى صلاته سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ فعل بهم مثل الذي فعل ترد على مذهب (١) مالك أحسن ردد يحيره في مذهبه حيرة لا يرجى منها تخلص فإنه ﷺ سجد بعد السلام مع نقص في الصلاة لا زيادة وهذا الأخير يرد على المذهبين الباقيين أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام]</span>\n.\nهذا لأمر وله إلا ما رواه العيني بإسناد حسن (٢) أنه وقع مثل هذه القصة بعينها في أيام عمر فاستأنف الصلاة بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد مع تأكيده لهم أن ينبهوه على ما أنكروه منه فكان ذلك لعلمه بنسخ الكلام سهوًا في الصلاة أيضًا لأنه كان في تلك القصة مع النبي ﷺ حين وقعت كما صرح به الرواة في رواياتهم ثم الكلام (٣) إن كان من الأذكار (٤) لم تفسد وإن كان من قبيل كلام الناس فسدت، قوله [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا إذا صلى الرجل الظهر خمسًا فصلاته جائزة وسجد سجدتي وإن لم يجلس في الرابعة]\n_________\n(١) وأيضًا يخالف قول المالكية ما ورد من أحاديث الشك في الصلاة من أنه يبنى على ما استيقن ويسجد سجدتين قبل التسليم فإن هذا الشاك دائر بين التمام والزيادة وكان حقه السجدة بعد السلام ولذا احتاج المالكية كالباجي وغيره إلى توجيه هذه الروايات كما في الأوجز.\n(٢) قال النيموي أخرجه الطحاوي وهو مرسل جيد، انتهى.\n(٣) وسيأتي الكلام على الكلام في كلام الشيخ قريبًا.\n(٤) أي بشرط أن لا يقع في الجواب وإلا فيدخل في كلام الناس كما صرح به أهل الفروع.","vol":"1","page":359},{"text":"هذا تعريض بالأحناف في تفصيلهم بين ما جلس في الرابعة وبين ما لم يجلس فيها بأن فرقهم هذا مخالف للحديث فإن الرواية لم تفصل بينهما، والجواب أن واقعة الفعل لا عموم لها فإن قيامه ﷺ من الرابعة إلى الخامسة لا يخلو من أن يكون قبل القعود أو بعده فإن كان بعده لم يثبت الحكم فيما إذا قام قبله وإن كان القيام إلى الخامسة قبله لم يثبت الحكم فيما إذا قام إلى الخامسة بعده فعليكم أن تثبتوا أحد هذين (١) الشقين أو وقوع الفعل الواحد منه ﷺ بحيث يشملهما، ولنا أن نقول إن وضع السجدة لسهو إنما هو لانجبار ما يقع من النقصان في الواجبات كما هو مسلم للفريقين فلو تطرق نقص في الأركان لا ينجبر بسجدتي السهو ولذلك أمر النبي ﷺ في الرواية الآتية للساهي أن يبن على أقل المرتبتين اللتين شك فيهما لئلا يلزم نقص في الأركان إذ لو كان كذلك لم ينجبر بسجدة السهو فلما كان كذلك كان الفرق بينما إذا جلس في الرابعة وبينما إذا لم يجلس بينها لا يخفي وجهه ومعنى كون التخليط حظ (٢) الشيطان سروره بالإساءة بالمصلي وإنه يضيع فيه وقته وقد ينجر ذلك إلى مفاسد عديدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو]</span>\n.\nقوله [فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم] هذا ظاهر في إثبات ما ذهب إليه الإمام من إثبات (٣) التشهد بعد سجدتي السهو ولا يخفى أن تركهم أحاديث\n_________\n(١) ولا يشكل على الحنفية إلا بعد إثبات أنه ﷺ لم يجلس على الرابعة وهو لم يثبت بعد بل هو محتمل ولا يحتاج الحنفية إلى إثبات القعدة كما هو ظاهر لأنهم قالوا إن القعدة فرض كما هو ثابت فلا يترك إلا بنص يخالفه صريحًا لا بمحتمل على أن حمل فعله ﷺ على المتفق عليه أولى من الحمل على المختلف فيه كذا في الأوجز\n(٢) وهذه اللفظة لم ترو في حديث الباب لكن تروى في روايات السهو ففسرها الشيخ تكميلًا للفائدة.\n(٣) ومذاهب الأئمة في ذلك كما في الأوجز، قال ابن قدامة: يكبر للسجود والرفع منه سواء كان قبل السلام أو بعده فإن كان قبل السلام سلم عقبه وإن كان بعده تشهد وسلم سواء كان محله بعد السلام أو كان قبل السلام فنسيه إلى ما بعده وهذا مذهب الحنابلة وبه قال الشافعي وفي الاستذكار أن البويطي نقل عن الشافعي أنه رأى التشهد بعدهما واجبًا وأما إذا سجد بعد السلام فهل يتشهد بسط فيه الاختلاف، وقال في آخره نقل المزني في المختصر قال سمعت عن الشافعي يقول إذا كانتا بعد السلام تشهد وإن كانت قبل السلام أجزاه التشهد الأول وقال عياض ومذهب مالك إذا كانتا بعد السلام يتشهد، واختلف عنه هل يتشهد قبل السلام وقال العيني عندنا يتشهد وعند الشافعي في الصحيح لا يتشهد، انتهى ما في الأوجز مختصرًا، وفي الدر المختار: سجدتان وتشهد وسلام لأن سجود السهو يرفع التشهد قال ابن عابدين: أي يرفع قراءته حتى لو سلم بمجرد رفعه من سجدتي السهو صحت صلاته ويكون تاركًا للواجب، انتهى.","vol":"1","page":360},{"text":"التشهد بعد اتفاقهم على أن زيادة الثقة معتبرة رفض للقاعدة المقررة ولذلك ترى الإمام قال بالتشهد بعد سجدتي السهو وحمل الروايات التي لم يذكر فيها ذلك على أن الراوي لم يذكره كما لم يذكر في حديث أبي هريرة السلام بل قال ثم سجد مثل سجوده أو أطول فليحفظ قوله [وقال أصح من الحديث إلخ] هذا تعريض بالحنفية في أخذهم حديث الأكل في الصائم دون المصلي (١) مع أن الثاني أصح من الأول والجواب (٢) مشهور، وأيضًا ففيه تعريض بالفرق بين العمد والنسيان في أكل الصائم دون (٣) أكل المصلي فهما سواء في الصلاة ثم إن هؤلاء استدلوا برواية\n_________\n(١) أي دون حديث الكلام للمصلي وهو حديث أبي هريرة المذكور.\n(٢) لعل الشيخ أراد ما هو المشهور بين العلماء أن حالة الصلاة مذكرة فاعتبر السهو فيها مفسدة بخلاف الصوم.\n(٣) هكذا في الأصل والظاهر عندي دون الكلام للمصلي إذ لا تعرض في الرواية لأكل المصلي وإنما تعرضوا بكلام المصلي وحاصل قولهم تمثيل كلام المصلي بأكل الصائم في التفريق بين السهو والعمد فتأمل.","vol":"1","page":361},{"text":"ذي اليدين الواردة في الباب على أنه لو تكلم أحد في صلاته (١) خطأ أو نسيانًا لم تفسد صلاته وأيضًا فإنهم احتجوا على مرامهم هذا (٢) بما ورد من أن ابن مسعود حين قدم من الحبشة سلم على النبي ﷺ وهو يصلي فلم يرد عليه وقد ثبت أن قدومه كان بمكة فعلم أن الكلام إنما كان نسخه بمكة، وأثبت الأحناف في جوابه أن قدومه كان بالمدينة والحق أنه قدم مرتين أتى أولًا بمكة ثم لما رأى المشركين لا يألون عن الإيذاء ولا يقصرون عن الذي كانوا عليه قبل رجع إلى الحبشة ثانيًا ثم لما قدم النبي ﷺ بالمدينة مهاجرًا وشاع الخبر قدم ابن مسعود (٣) هناك فلا\n_________\n(١) هذا مذهب الشافعية وفي الأوجز أن الأئمة الأربعة بعدما أجمعوا على أن من تكلم في صلاته عالمًا عامدًا وهو لا يريد إصلاحها إن صلاته فاسدة، كما نقل عليه الإجماع ابن المنذر وغيره اختلفوا في بعض أنواع الكلام واختلفت الروايات عن الإمام أحمد كثيرًا والتي استقرت عليها الروايات عنه أن الكلام يفسد الصلاة مطلقًا وهو قول الحنفية قولًا واحدًا، وقالت الشافعية يبطلها الكلام العمد ولو لمصلحة الصلاة مع العلم بتحريمه وإنه في صلاة فلا تبطل بقليل الكلام ناسيًا للصلاة أو سبق إليه لسانه وجهل تحريمه فيها. وقالت المالكية في الراجح من مذهبهم أن قليل الكلام لإصلاح الصلاة لا يفسد وإن كان عمدًا وقال سحنون: ما في قصة ذي اليدين وقع على غير القياس فيقتصر به على مورد النص، انتهى ما في الأوجز مختصرًا.\n(٢) رواه الشيخان وغيرهما ولفظ البخاري كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال إن في الصلاة شغلًا وحقق الحافظ في الفتح أن رجوعه كان مرتين.\n(٣) قال النيموي: أما ما زعمه ابن حبان من أن تحريم الكلام كان بمكة فهو باطل قد رده غير واحد من أهل العلم، وأما ما قال ابن مسعود أن ذلك وقع لما رجعنا من عند النجاشي فإنما أراد به الرجوع الثاني من أرض الحبشة إلى المدينة والنبي ﷺ يتجهز إلى برد وإليه ذهب الحافظ ابن حجر في الفتح، وأما ما زعمه البيهقي من خلافه فقد رده العلامة ابن التركماني في الجوهر النفي، انتهى.","vol":"1","page":362},{"text":"يتم الجواب إلا بما نقلنا من العيني من أن مثل هذه القصة قد وقعت في أيام عمر فاستأنف الصلاة ولم ينكر عليه في ذلك أحد مع أن عمر نفسه كان في قصة ذي اليدين هذه صلى مع رسول الله ﷺ فلا يتوهم خفاء القضية عليه أيضًا، إذ قد ورد في الروايات أنه كان فيهم أبو بكر وعمر (١) فهاباه أن يكلماه، وأما ما قالت الشافعية من أن أبا هريرة كان أسلم زمن خيبر وهو يروي حديث الكلام في الصلاة مع أن قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ كان نزوله بمكة فعلم أن المنهي عنه من الكلام هو الذي يكون من عمد وكلام الخاطئ والناس غير مفسد، فالجواب عنه أما أولًا فبأن الراوي كثيرًا ما يروي عن صحابي آخر ولا ينافيه لو وقع في إحدى الروايات نسبة الفعل إلى أبي هريرة نفسه بقوله صلينا (٢) فإن ما فعله بعض\n_________\n(١) كما ورد في رواية الشيخين وغيرهما.\n(٢) مال إليه الطحاوي فحمله على المجاز واستشهد عليه بقول النزال: قال لنا رسول الله ﷺ وهو لم يدركه وبقول طاؤس: قدم علينا معاذ ابن جبل وهو لم يحضره وبقول الحسن: خطبنا عتبة بن غزوان وهو لم يشهده إنما يريدون بذلك قومهم قلت: وروى عن أبي هريرة بنفسه أمرنا رسول الله ﷺ بالفطر إذا أصبح الرجل جنبًا ثم لما كرر السؤال قال: حدثني الفضل، ورواية مسلم بلفظ بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ، قال النيموي: ليس بمحفوظ، ثم ذكر الكلام عليه قلت: ويدل عليه أن ابن عمر نص بأن إسلام أبي هريرة كان بعد ما قتل ذو اليدين أخرجه الطحاوي قال النيموي: رجالهم كلهم ثقات إلا العمري فاختلف فيه، قواه غير واحد وضعفه النسائي وغيرهم ثم أثبت أن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن سيما في نافع وهذا من روايته عن نافع.","vol":"1","page":363},{"text":"قوم ينسب إليهم كلهم وهو غير قليل في المحاورات كما قال الله تعالى مخاطبًا ليهود زمانه ﷺ ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية مع أن الاتجاه والأفعال التي ذكرت بعده لم تكن وقعت إلا من آبائهم (١) ولهم وكذلك قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ الآية، وأما ثانيًا فبأن البقرة مدنية ولذلك ترى الشافعية يذهبون في تفسير هذه الآية إلى معان أخر غير ما هو الظاهر المطابق للروايات فإن زيد بن أرقمن روى (٢) إنا كنا نتكلم خلف النبي ﷺ في الصلاة إلى أن نزلت هذه الآية ثم فرع على نزولها سكوتهم حيث قال فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام فكيف يمكن أن تكون الآية مدنية (٣) وأما ثالثًا فلأن زيد بن أرقم راوى هذه الرواية التي ذكرناها لما كان من الأنصار وهو نفسه قائل بأنا كنا نتكلم خلفه فكيف يمكن تأويله وحمله على أن ذلك كان في مكة وكان النسخ هناك، فإن قيل إسناد الكلام إليهم كإسناد الصلاة إلى أبي هريرة فإن زيد بن أرقم لعله روى هذا الكلام عن غيره وإنما نسبه إلى كنيسة أبي هريرة الصلاة إلى نفسه قلنا هذا مع منافاته لكون الآية مدنية يرد أن الناس ما كانوا (٤) بمكة كانوا يصلون لأنفسهم فرادى لا خلفه ﷺ، ويقوى ذلك ما ورد في أبي داؤد من أنهم حين جاء بهم معاذ وهم في الصلاة أخذوا في الإشارة إليه وقال فيه أيضًا إن المسبوق كان يخبر في أثناء\n_________\n(١) أي وقعت لآبائهم.\n(٢) قال النيموي: رواه الجماعة إلا ابن ماجة قلت: وسيأتي عند المصنف في التفسير وسيأتي شيء من الكلام عليه في التقرير والحاشية.\n(٣) كذا في الأصل والصواب على الظاهر بدله مكية.\n(٤) أي ما داموا بمكة.","vol":"1","page":364},{"text":"الصلاة بما سبقه من الركعات مع أن معاذًا لم يكن بمكة حرسها الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[باب ما جاء في الصلاة في النعال]</span>\n.\nقوله [قلت لأنس بن مالك أكان رسول الله ﷺ يصلي في نعليه قال نعم] كان السائل رأى أنس بن مالك يصلي في نعليه فاستبعد ذلك لعدم العرف مع قوله تعالى ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ الآية فإن ظاهرة الآية يقتضي أن لا يدخل المسجد بنعليه فأجاب عن ذلك أنس بن مالك بقوله نعم أي ﷺ، والقصة مشهورة أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه يومًا فألقى نعليه فألقوا نعالهم فلما قضى سألهم في إلقائهم نعالهم فقالوا رأيناك فعلت هذا إلى آخر ما قال وهذا يفيد فائديتن: الأولى أن الصلاة في النعال لم تكن من خصائص النبي ﷺ بل الجماعة خلفه كانت متنعلة والثانية أن إلقاء النعل إنما كان لأجل النجاسة عند الشافعي (١) والقذرة التي تتنفر عنها الطبيعة عندنا فلا ضير (٢) في الصلاة في النعال إذا كانت طاهرة لأنها كالملبوسات الأخر\n_________\n(١) أي في قوله القديم وجديده كالجمهور أن النجس يفسد وإن لم يعلم به حتى الفراغ فيجب الإعادة أو علم به في وسط الصلاة فلا يصح البناء كما في ابن رسلان وشرح الإقناع وغيرهما.\n(٢) ففي الدرالمختار: وينبغي لداخله تعاهد نعله وخفه وصلاته فيهما أفضل قال ابن عابدين: قوله وصلاته فيهما أي في الخف والنعل الطاهرين أفضل مخالفة لليهود وتاتارخانية لكن إذا خشى تلويث فرش المسجد بها ينبغي عدمه وإن كانت طاهرة، وأما المسجد النبوي فقد كان مفروشًا بالحصى في زمنه ﷺ بخلافه في زماننا ولعل ذلك محمل ما في عمدة المفتي من أن دخول المسجد منتعلًا من سوء الأدب قال الشيخ في البذل: بعد قوله ﷺ خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم، دل الحديث على أن الصلاة في النعال كانت مأمورة لمخالفة اليهود وأما في زماننا فينبغي أن تكون الصلاة مأمورة بها حافيًا لمخالفة النصارى فإنهم يصلون متنعلًا لا يخلعونها عن أرجلهم، انتهى.","vol":"1","page":365},{"text":"إلا أن العرف في زماننا لما كان عدم الدخول في المساجد وهو لابس نعليه ليس له ذلك ومع هذا فلو دخل ونعلاه طاهرتان لا يستحق بذلك عنفًا وشدة وأما (١) أمره تعالى بإلقاء النعال لموسى فلأن نعليه كانتا من جلد الحمار الغير المدبوغ ولعلهما كانتا لم تطهرا بحسب شريعة موسى ويعلم بإلقاء النبي ﷺ نعليه في المسجد دون أن يرمي بهما خارج المسجد جواز (٢) وضع الثوب النجس وغيره إذا لم يخف تلوث المسجد وكذلك لا بأس بدخوله في المسجد وهو لم يستنج بالماء إذا لم يخف تنجس المسجد بعرقه وكذلك إذا دخل وفي يده الحجر الذي يستنجي به بعد البول وقد انجذبت فيه قطرة أو قطرتان وهذا أيضًا إذا لم يكن ينتشر التراب منه وهذا كله وإن كان جائزًا لكنه خلاف الأولى.\n_________\n(١) فقد ذكر أهل التفسير في وجه الأمر بذلك أقوالًا منها إنهما كانتا من جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس ولذلك قال عقبه «إنك بالواد المقدس طوى» وهذا قول على ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي، قاله الرازي.\n(٢) وفي مكروهات الدر المختار: إدخال بحماسة فيه وعليه فلا يجوز الاستصباح بدهن نجس فيه، قال ابن عابدين: عبارة الأشباح وإدخال نجاسة فيه يخاف منها التلويث ومفاده الجواز لو جافة لكن في الفتاوى الهندية لا يدخل المسجد من على بدنه نجاسة وزاد لفظ «عليه إشارة» إلى أن ما ذكره من قوله فلا يجوز ليس بمصرح به في كتب المتقدمين، وإنما بناه العلامة قاسم على ما صرحوا من عدم جواز إدخال النجاسة المسجد وجعله مقيدًا لقولهم إن الدهن النجس يجوز الاستصباح به، انتهى، أي فيجوز لاستصباح في غير المسجد.","vol":"1","page":366},{"text":"[باب القنوت (١) في صلاة الفجر].\nذهب إليه الشافعي وقال بنسخه في صلاة المغرب وهم يقنتون في الفجر بعد الركوع في جميع السنة رافعي أيديهم لكن الإمام يقرأ والمقتدون يؤمنون عليه حتى إذا وصل إلى قوله فإنك تقضي ولا يقضى عليك، خافت الإمام وأخذ المقتدون بأنفسهم في القراءة وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن قنوت الوتر يؤتى به في جميع السنة، وأما قنوت الفجر وكذلك المغرب فإنما كان النبي ﷺ يقنت إذا نزلت نازلة وهذا باق لم ينسخ وهذا هو المذهب، مع أن أحدًا من الحنفية لو اقتدى بشافعي في الفجر لم يطابع بالقنوت بل يسكت قائمًا لا جالسًا كما قال البعض للزوم المخالفة فيما لا يحتاج، فلهم عندنا إذا نزلت على المسلمين نازلة أن يقتنوا في جميع الصلوات (٢) بعد (٣) الركوع حتى تكشف مما أنكر فيه (٤) من الروايات\n_________\n(١) لفظ القنوت يطلق على أكثر من عشرة معان نظمها بعضهم كما في الأوجز، والمراد ههنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، انتهى.\n(٢) ففي الدر المختار ولا يقنت لغيره أي الوتر إلا النازلة فيقنت الإمام في الجهرية وقيل في الكل، انتهى، وقال ابن عابدين: إن قول الكل مذهب الشافعي وعزاه في البحر إلى الجمهور أهل الحديث ولا يوهم أنه قول في المذهب، انتهى، نعم حكى القنوت في الجهرية عن جمع من الحنفية لكن رجح في المذهب قنوت الفجر لا غير، وقريب منه ما في مراقي الفلاح وهاشية الطحطاوي.\n(٣) غير موجودة.\n(٤) قال ابن عابدين: وظاهر تقييدهم بالإمام أنه لا يقنت المنفرد وهل المقتدي مثله أم لا؟ وهل القنوت ههنا قبل الركوع أم بعده، لم أره والذي يظهر لي أن المقتدي يتابع إمامه إلا إذا جهر فيؤمن وإنه يقنت بعد الركوع لا قبله بدليل أن ما استدل به الشافعي على قنوت الفجر وفيه التصريح بالقنوت بعد الركوع حمله علماءنا على القنوت للنازلة ثم رأيت الشرنبلالي في مراقي الفلاع صرح بأنه بعده واستظهر الحموى أنه قبله والأظهر ما قلنا والله أعلم، انتهى.","vol":"1","page":367},{"text":"القنوت في الفجر، إنما كان المنكر هو دوام القنوت في الفجر وبذلك تتفق الروايات كلها ولا يحتاج إلى القول بالنسخ في قنوت شيء من الصلوات وما أجابه بعض علماءنا من أن قنوت الفجر منسوخ (١) فغير معتد به لأن النبي ﷺ إنما أمر بترك الدعاء عليهم لأنه كان على خلاف قانون رحمته ولما كان المقدر في أكثرهم هو الإسلام في وقتهم فنهاه الله تعالى عن ذلك لا لترك القنوت في الفجر كيف ولو كان الأمر كذلك لم يجز القنوت عندنا في النازلة أيضًا، مع أن مذهبه على خلاف ذلك، وقولهم إنه ﵇ كان يقنت في الفجر لا يخالف ما قلنا لأنا نقر أنه كان يقنت، وأما قولهم في الرواية الثانية في قنوت الفجر أنه محدث يخالف مذهب الشافعي بحيث لا مرد له والمراد بذلك الدوام عليه لأنه لم يكن حينئذ نازلة حتى يخرجه عن الحدث بسببها ورأى بعضهم يقنت في الفجر فقال أي بني محدث وقوله فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين والذي خلفه يؤمن عليه، وتخصيص الجيوش لأن نصرهم نصرهم، وهزمهم هزمهم، أو اتفاقي ولا يبعد أن يؤخذ الجيش بمعنى الجماعة لا المصطلح (٢).\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-162>[باب ما جاء في الرجل يعطس في الصلاة]</span>\n.\nمذهب الإمام ترك ذلك في الفريضة للإمام لأنه مأمور بالتخفيف ومع ذلك لو فعل ليس في صلاته فساد (٣) [حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن\n_________\n(١) أي الروايات التي أنكر فيها قنوت الفجر إنما المنكر فيها الدوام والاستمرار.\n(٢) ولأنه لم يعمل به أحد من السلف فلم يذهب ذاهب إلى استحبابه فيحمل الحديث على بيان الجواز.\n(٣) لأنه حمد الله سبحانه وتقدس ولو قال يرحمك الله مخاطبًا للغير تفسد بلا مرية لأنه خطاب صرح به في در المختار وفصله ابن عابدين.","vol":"1","page":368},{"text":"رافع عن عم أبيه معاذ بن رفاعة] لأن أبا رفاعة هو يحيى بن عبد الله وعم يحيى بن عبد الله هو معاذ فمعاذ وعبد الله هما ابنا رفاعة بن رافع الصحابي فرفاعة الصحابي يحدث ابنه معاذًا ومعاذ يحدث ابن أبي أخيه عبد الله وهو رفاعة بن يحيى بن عبد الله قوله [قال كيف قلت] كان هذا (١) من عادته ﷺ لئلا يظن رجل لم يحضر أول القضية أو نسى ما كان قبل أو غيره جواب شيء جواب شيء آخر، ومثل ذلك كثير، وفيه تقرير وتثبيت ما ليس في تركه ففي الحديث المذكور ههنا إنما كرر قوله مع أنه ﵊ كان سمعها منه لئلا يظن ذلك الفضل الذي ذكره ههنا لغير ما هو له ثم ذكر هذه الفضيلة مع ملاحظة قول النبي ﷺ «مالي أنازع القرآن يجوز قراءة ذلك الكلام وإخفاءها ومع ذلك لو جهر به لا تفسد صلاته فتدبر» وقوله [وكان هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع] ليس حملًا للحديث على ذلك إذ كيف (٢) يتصور منه ﷺ جماعة النافلة بل ذلك بيان للعمل جمعًا لما في غير هذه الروايات.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-163>[باب في نسخ الكلام في الصلاة]</span>\n.\nقوله [عن زيد بن أرقم] هذا ظاهر في أن نسخ الكلام كان بالمدينة فإن زيد بن أرقم من الأنصار وقد بينا ذلك من قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[باب ما جاء في الصلاة عند التوبة]</span>\n.\nهذا دفع (٣) لما يتوهم من بدعية ذلك، وقوله [استحلفته] تحصيلًا\n_________\n(١) أي يثبت الأمر ويثبته ويظهر السؤال والمبدأ.\n(٢) أي بهذا السياق والصلاة مع الجماعة الكثيرة كما يدل عليه السؤال والجواب مع أنه قد ورد في بعض طرق الحديث تصريح المغرب كما حكاه السيوطي عن رواية الطبراني.\n(٣) والأوجه عندي أن الغرض منه بيان استحبابه فإن الفقهاء عدوها من المندوبات.","vol":"1","page":369},{"text":"للاطمئنان لا شكًا وارتيابًا في رواية الصحابي، وأما أبو بكر فقد صدق أبو بكر فلم يكن إلى استحلافه من سبيل لأنه صديق فاطمأن قلبي من غير أن يحلف [ثم قرأ هذه الآية] ليجعل المذكور من قبل من أفراد هذه الآية فإن الذكر على أي هيئة كان ذكر وفائدة الصلاة والطهور والذكر رفع الدرجات إن انمحت السيئة ببعضها وإلا فذاك ويبقى الاستغفار ربحًا فيها فإن الندامة كافية في المحور الباقي بعدها فاضل في الترقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>[باب متى يؤمر الصبي بالصلاة]</span>\nقوله [واضربوا عليها ابن عشرة] للاعتياد (١) والتعزيز لا لكونه تكليفًا فكونه مكلفًا على الاحتلام أو كونه ابن (٢) ستة عشر.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-166>[باب ما جاء في الرجل يحدث بعد التشهد]</span>\nذهب الإمام في ذلك على مقتضى الحديث المذكور فيه، ولا يذهب عليك أن الفرض إنما هو نفس الخروج (٣) لا الخروج بصنعه كما هو منسوب إلى الإمام وهذه الرواية عند ضعيفة والصحيح خلافه وهو الثابت بأكثر الروايات، وقوله [هذا حديث ليس إسناده بالقوى]\n_________\n(١) وعلى هذا فتخصيص عشر سنين لأنه سن يقوى فيه على الضرب وقيل وجه ذلك احتمال البلوغ بالاحتلام في هذا السن كما قاله ابن رسلان.\n(٢) أي يدخل في السادس عشر ففي الدر المختار بلوغ الغلام بالاحتلام والأحبال والإنزال والجارية بالاحتلام والحيض والحبل، فإن لم يوجد فيهما شيء فحتى يتم لكل منهما خمس عشرة سنة به يفتي، انتهى.\n(٣) وأوضح منه ما في الإرشاد والرضى إذ قال إن الخروج بصنعه فرض عند الإمام بخلاف صاحبيه وهذه الرواية عند ضعيفة والصواب إن الصلاة تصح بنفس الخروج، كما هو مذهب صاحبيه، انتهى، قلت: وبسط ابن عابدين وغيره الاختلاف في أن الخروج بصنعه فرض عند الإمام أم لا.","vol":"1","page":370},{"text":"بينه فيما بعد قوله وعبد الرحمن بن زياد هو الأفريقي ضعفه بعض أهل الحديث منهم يحيى بن سعيد القطان قد وثقه البعض الآخرون منهم يحيى بن معين (١) وقوله وقد اضطربوا في إسناده لم يبينه وليس الذي ظنوه (٢) اضطرابًا اضطرابًا إذ الرواية محتملة عن كليهما وإذا كان كذلك فالرواية تتقوى بكونها مروية من سندين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في الرحال]</span>\nكان قد أمر أن ينادى بالصلاة في الرحال فقيل (٣) مقام قوله حي على الصلاة (٤) حي على الفلاح، وقيل بل بعده فإن كان الأول فالأمر أمر إباحة، وإن كان الثاني فالجمع بينهما لئلا يمتنع من أراد الإتيان عملًا بالعزيمة دون الرخصة وفيه (٥) خير كثير فإن التخلف رخصة وهذا هو الحكم (٦) بعده ﵊.\n_________\n(١) لم يذكره الحافظ في تهذيبه إلا أنه ذكر عنه عدة أقوال: منها أنه ضعيف يكتب حديثه، ومنها ليس به بأس ضعيف وغير ذلك فيحتمل أنه روى عنه توثيقًا أيضًا، كما روى توثيقه عن يحيى القطان أيضًا هذا وقد وثقه غير واحد منهم أحمد بن صالح فقال يحتج بحديثه وكان ينكر على من يتكلم فيه ويقول هو ثقة وتقدم عن الترمذي أيضًا يقول رأيت محمد بن إسماعيل يقوى أمره ويقول هو مقارب الحديث.\n(٢) ولذا تعقب الشيخ في البذل على الإمام الترمذي وقال دعوى الاضطراب ليس بصحيح.\n(٣) أي اختلف في محل النداء فقيل كان الأمر بنداء هذا اللفظ مقام الحيعلتين وقيل كان بعد ختم الأذان.\n(٤) وعلى هذا يتفرع عليه مسئلة جواز الكلام في الأذان والبسط في الأوجز.\n(٥) أي في الإتيان إلى الجماعة خير كثير.\n(٦) يعني أن الرخصة الصلاة في الرحال والعزيمة الصلاة مع الجماعة وفيه خير كثير.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>[باب التسبيح في إدبار الصلاة]</span>\n.\nقوله [فإنكم تدركون من سبقكم] إذ أفضل أعمال الرجل قراءة القرآن في الصلاة، ثم قراءته خارجها بطهارة، ثم قراءة القرآن على غير طهارة، ثم باقي الأذكار، ثم الصدقة، ثم الصوم فكانوا يتصدقون والذي علمه المهاجرين من قسم الأذكار، فكان إدراكهم من سبقهم ظاهرًا لا يخفى، وذلك لما أنه ليس أحد أحب إليه المدح من الله سبحانه، فلما كان المدح أحب إليه كان أفضل من سائر ما سواه، ثم إن للمال تعلقًا لا يخفى فكان إيتاؤه جهدًا على النفس غير يسير وأما الصوم ففيه فضيلة جزئية كونه خالصًا له تعالى لا شائبة فيه للرياء فناسب في جزائه أن يكون كذلك من غير وسط وما ورد من وعده تعالى الصوم لي وأنا أجزي به معروفًا ومجهولًا جزاء للشيء بما يناسبه في الإخفاء، ولما كان جل عملهم هو الصدقة وهي أقل من الذكر كان سبق من تعلق به على من لم يتعلق به ظاهرًا لا يخفي والمخاطبون في قوله تدركون هم الذاكرون بجملتهم لا الصحابة خاصة وكان الإمام أبو حنيفة يفضل الحج على الصدقة بعد حجه وهذا لا ينافي الترتيب الذي أسلفنا إذ في الحج صرف كثير مع تأيده بشق النفس وجهده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>[باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر]</span>\nاتفقوا على أن الرجل إذا لم يجد (١) موضعًا للصلاة لخوف عدو أو انقطاع عن الرفقة أو نجاسة المكان أو الطين أو غير ذلك من الأسباب يصلي على راحلته أو دابته يؤمي إيماء فمن هذا القبيل ما قال صاحب (٢) البحر حججت بأمي وكانت لا تستمسك على الراحلة\n_________\n(١) قال ابن عابدين: اعلم أن ما عدا النوافل من الفرض والواجب بأنواعه لا يصح على الدابة إلا لضرورة كخوف لص على نفسه أو ثيابه أو دابته لو نزل، وفي الدر المختار ومن العذر المطر والطين يغيب فيه الوجه وذهاب الرفقاء ودابة لا تركب إلا بعناء، انتهى.\n(٢) لم أجد الحكاية نعم ذكر في شرح الكنز ما يؤمي إلى ذلك ولفظه ولم أر حكم ما إذا كان راكبًا مع امرأته أو أمه، كما وقع للفقير مع أمه في سفر الحج ولم تقدر المرأة على النزول والركوب ما يجوز للرجل المعادل لها أن يصلي الفرض على الدابة، كما يجوز للمرأة إذا كان لا يتمكن من النزول وحده الميل المحمل بنزوله وحده وينبغي أن يكون له ذلك كما لا يخفى، انتهى.","vol":"1","page":372},{"text":"فلو تركتها ونزلت للصلاة لكانت سقطت فكنت أصلي أيضًا على الراحلة أومي إيماء وفي الحديث دلالة (١) على أن النبي ﷺ أذن بنفسه النفيسة لكن يشكل على الأحناف أمر جماعته ﷺ مع أنهم يعدون الرواحل أمكنة (٢) متعددة إلا أن يقال فتقدم على راحلته أي وخلفه ثلاثة على راحلته لا على راحلتهم وينتظم بالاثنين\n_________\n(١) والمسألة خلافية شهيرة وبحديث الباب استدل النووي على مباشرته ﷺ الأذان بنفسه قال الحافظ جزم به النووي وقواه، لكن وجد في مسند أحمد من هذا الوجه فأمر بلالًا فأذن فعلم أن في رواية الترمذي اختصارًا وأن معنى أذن أمر بلالًا كما يقال أعطي الخليفة كذا، وإنما باشر العطاء غيره قاله ابن عابدين، وفي الدر المختار عن الضياء أنه ﵇ أذن في سفر بنفسه وأقام وصلى الظهر.\n(٢) وفي الدر المختار بعد ذكر التفصيل في جواز الفرض على الدابة، أما في النفل فتجوز على المحمل والعجلة مطلقًا فرادى لا بجماعة إلا على دابة واحدة قال ابن عابدين قوله لا بجماعة أي في ظاهر الرواية واستحسن محمد الجواز لو دوابهم بالقرب من دابة الإمام بحيث لا يكون بينهم وبينه فرجة إلا بقدر الصف قياسًا على الصلاة على الأرض والصحيح الأول لأن اتحاد المكان شرط حتى لو كانا على دابة واحدة في محمل واحد أو في شقي محمل جاز، انتهى، فعلم أن لا إشكال في الحديث على قول محمد ويحتاج إلى الجواب على قول الشيخين على أن الحديث ضعيف وعثمان بن يعلى مجهول.","vol":"1","page":373},{"text":"أيضًا أمر الجماعة أو يقال ليس المراد أنه صلى بهم جماعة بل المعنى صلى لنفسه وصلوا لأنفسهم فرادى والباء للمصاحبة ولا تقتضي الشركة، وإن كان غالب استعمال صلى بهم في صلاة الإمام بالقوم.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-170>[باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة]</span>\nفقد علم من حديث الباب أن العبد ليس يبلغ بطاعته وقربه درجة يستغني معها عن الاجتهاد في الطاعات ولا يفتقر إلى زيادة المثوبات، وأما جواب النبي ﷺ عما قالوا له شفقة عليه ورحمة به، فإنما حاصله أنهم كانوا فهموا أن الجهد في الطاعة يكون رغبة في الثواب أو رهبة عن العقاب، ولما غفر الله ذنبه وأولاه رسالة كافة كان لا له رغبة في نيل الثواب لأنه حاصل، ولا له رهبة عن نيل العقاب لأنه مغفور له، فكان الواجب عليه أن يؤدي فرائضه والواجبات عليه مقتصرًا عليها فلو أجاب عنه بأن اجتهادي ذلك إنما هو لتحصيل درجات عالية لربما توهم بذلك بعض من بعدهم أن الاقتصار على الواجب والفرض كاف في النجاة عن النار والدخول في الجنة، أما الإتيان بالسنن والنوافل، فإنما هو لرفع الدرجات (١) أجاب بأن اجتهادي في طاعته سبحانه ليس إلا رغبة في مزيد كرمه ورهبة عن مكروه كفر نعمه، كما أشار إلى سبحانه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ إذ الأمر للوجوب، وإنما اختار النبي ﷺ في الجواب هذا لما في طبائع الناس من الاقتصار على الضروريات (٢)\n_________\n(١) متفرع على ما سبق يعني لو أجاب بأن اجتهادي لتحصيل الدرجات لتوهم أن الإتيان بالسنن لرفع الدرجات فقط فأجاب بأن الاجتهاد للرغبة والرهبة.\n(٢) وهي التي يسلب فيها الاختيار ويجب الإتيان بها من الواجبات وغيرها وليس المراد ههنا المعنى المعروف بضروريات الدين وهو على ما قاله ابن عابدين ما يعرف الخواص والعوام أنه من الدين كاعتقاد التوحيد والرسالة والصلوات الخمس بخلاف فساد الحج بالوطي قبل الوقوف واعطاء السدس الجدة ونحوه مما لا يعرف كونه في الدين إلا الخواص، انتهى.","vol":"1","page":374},{"text":"في الأشغال الدينية والانهماك والمبالغة في الأمور الدنيوية فخشى منهم أن يقتصروا بتوهمهم الناشئ من الجواب الذي ذكرنا على إتيان الفرائض والواجبات ويتركوا النوافل والسنن الراتبات قانعين بدخول الجنة والنجاة من النار عن الجهد في تحصيل درجات مالها من قرار، [قوله ﷺ] أي النافلة بل في آخر الليل لأنه كان يحب التخفيف في الفرائض رعاية لمن خلفه، وقوله [حتى انتفخت] وفي بعض الروايات تشققت ولا منافاة فإن التشقق نوع (١) من الانتفاخ، غايته أنه الفرد الكامل منه [عبدًا شكورًا] مبالغة الشاكر، وفيه من اللطافة ما لا يخفى إذ الشكر على مقدار النعم ولما كانت النعم عليه كثيرة كان المناسب لشكره الكثرة.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-171>[باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة]</span>\n.\nأي أول حساب العبادات يكون في الصلاة وهذا الباب مثل الدليل للباب الأول فإنه لما كانت الصلاة أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة كان اجتهاده ﷺ في الصلاة لا يخفي وجهه وقوله إن الصلاة أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة يعني في حقوقه تعالى والدماء أول ما يحاسب به في حقوق العباد (٢) قوله [فإن صلحت فقد أفلح وأنجح] أي في حسابه ذلك وكذلك ما بعده من الخيبة والخسران قوله [شيئًا] نصب على التمييز (٣) والرواية ههنا من فريضة بالتنكير، قوله\n_________\n(١) باعتبار أنه يترتب عليه غالبًا بل لا يكون كمال الانتفاخ إلا التشقق ويمكن التفصي عن أصل الإيراد بأن الانتفاخ والتشقق كليهما وقع.\n(٢) وعلى هذا فلا ينافي الحديث الصحيح أول ما يقضي بين الدماء، وقيل في وجه الجمع بينهما إن المحاسبة غير القضاء كما في البذل.\n(٣) ويحتمل النصب على المصدرية كما قاله صاحب المدارك وغيره في تفسير قوله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ وهذا كله على تقدير أن انتقص لازم وأما على كونه متعديًا فهو مفعول، قال المجد: أنقصه ونقصه وانتقصه ونقصه فانتقص.","vol":"1","page":375},{"text":"[فيكمل] والإكمال قد يكون (١) كيفًا وقد يكون كمًا، وقد ورد في بعض الروايات أن ركعة من الفريضة تحاسب بسبعين من النافلة ولا يظن بذلك فضل لكثرة السجود على طول القيام لأن ركعة طويلة لا تعد ركعة، فإن من الركعات ركعة تساوي وحدها أربعين أو خمسين أو أزيد من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>[باب من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة]</span>\nثم الصلوات التي هي أربع ركعات من النافلة والسنة عندنا بتسليمة وعند الشافعي بتسليمتين لما ورد في أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وسيجيئ التنبيه على وجه مذهب الإمام في موضعه إن شاء الله تعالى، قوله [صلاة الغداة] نصب على الظرفية أو بنزع الخافض أي الركعتان اللتان قبل الفجر هما في صلاة الغداة ولا يبعد أن يكون بدلًا من الفجر لكنه يلزم أن يكون مجرورًا ولعل الرواية بخلافه، وإنما قال ذلك لئلا يظن بظاهر قبل الفجر أن المراد صلاة التهجد، قوله [ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها] لا يلزم بذلك فضلهما على غيرهما من الصلوات إذ كل تسبيحة وتكبيرة وتحليلة خير من الدنيا وما فيها، فكيف بركعة أو ركعتين، وإنما المراد بذلك إثبات الفضل لها اعتبارًا لأنفسها لا إضافة إلى غيرها من السنن، وأما كونها مؤكدة بالنسبة إلى السنن الأخر فإنما هو بالروايات الأخر مثل قوله ﵇ لو طردتكم الخيل إلى غير ذلك، قوله [وقد روى أحمد بن حنبل عن صالح بن عبد الله حديثًا] أراد بذلك توثيق صالح إذ روى عنه أحمد بن حنبل.\n_________\n(١) يعني تكميل الفرائض بالنوافل أعم من نقص الكمية والكيفية معًا، والمسألة خلافية والجمهور على وفق مراد الشيخ وقيل إن النوافل لا تكمل إلا ما ترك في الفرض من الكيفية والخشوع.","vol":"1","page":376},{"text":"[باب في تخفيف ركعتي الفجر (١)] لئلا يؤدي إلى فتور في أداء الفرائض إذ المسنون فيها تطويلها، قوله [ولا نعرفه من حديث الثوري] يعني إن الرواة كافة يرونها عن إسرائيل عن أبي إسحاق، وإنما رواه أبو أحمد الزبيري عن الثوري في رواية، وفي رواية أخرى لأبي أحمد الزبيري رواها مثل روايتهم ولا ضير فيه إذ أبو أحمد الزبيري ثقة حافظ، قال الترمذي: وسمعت بندارًا إلخ، فكان (٢) أبا أحمد رواها عنهما ولم ينسبه إلى غلط أو سهو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[باب ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر]</span>\n.\nلما كان شرعية سنن الفجر لدفع ما يتوارد على القلب من غفلات النوم وكان الكلام في هذا الوقت يكثر الغفلات لم يكن له أن يتكلم إلا بما لا بد منه، وأما ما توهمه من ليس له دخل في العلوم أنه يجب إعادة السنن إذا تكلم بعدها (٣) فغلط فاحش، قوله [لا صلاة بعد الفجر] لما كان المنع عن الكلام في ذلك الوقت يوهم جواز الاشتغال بالنوافل لكونها أولى أنواع الذكر، والذكر مأمور به صرح بمنعه، وقوله [إلا سجدتين] كانت فيه أربع احتمالات: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين بحمل السجدة على معناها الحقيقي وهو وضع الجبهة، وليس (٤) هو المراد، ولا صلاة بعد صلاة الفجر إلا سجدتين بالمعنى المذكور\n_________\n(١) في حديث الباب إشكال قوي يأتي في باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب.\n(٢) متفرع على قول بندار يعني أن أبا أحمد إذا كان حافظًا فلا يعد هذا غلطًا منه.\n(٣) ففي الدر المختار: لو تكلم بين السنة والفرض لا يسقطها ولكن ينقص ثوابها وقيل يسقط، قال ابن عابدين: أي فيعيدها لو قبلية ولو كانت بعدية فالظاهر أنها تكون تطوعًا وأنه لا يؤمر بها على هذا القول.\n(٤) إذ يلزم على هذا المعنى أن لا يشرع بعد طلوع الفجر غير السجدتين وقد شرع أربع سجدات السنة وأربع سجدات الفريضة وكذلك لا يمكن أن يراد المعنى الثاني لأنه لا صلاة بعد صلاة الفجر فكيف استثناء السجدتين ولم يلتفت الشيخ إلى بيان وجه عدم إرادة هذين المعنيين لظهورهما.","vol":"1","page":377},{"text":"وهو أيضًا غير مراد، ولا صلاة بعد صلاة الفجر إلا ركعتين وهو أيضًا غير مراد إذ لا صلاة بعد صلاة الفجر فأنى يصح استثناء الركعتين، ولا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين فلذلك ترى الترمذي فسر الحديث بقوله ومعنى هذا الحديث إنما يقول لا صلاة بعد إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>[باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر]</span>\nوقد ثبت قبلها أيضًا، وهذا الاضطجاع (١) ليس بمؤكد كما ظنه بعضهم منهم الشافعية، ولا بدعة كما ظنه الآخرون منهم ابن عمر وإنما هو أمر مندوب لا سيما للتهجد ولم يثابر عليه النبي ﷺ والحكمة في اختيار الشق الأيمن أنه يبقي القلب (٢) حينئذ معلقًا فلا يغلب عليه الغفلة كما في ضده، وقد ثبت أنه ﷺ لم يكن يضع رأسه على الأرض بل على مرفقه واضعها على الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>[باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكنوبة]</span>\n.\nهذا صريح في إثبات ما ذهب (٣) إليه غيرنا إلا أنه قد روى البيهقي\n_________\n(١) وفيه ستة مذاهب للعلماء بسطت في البذل والأوجز وسيأتي في كلام الشيخ أن المقصود منه الاستراحة بعد التهجد وهو المرجح وكان عادته ﷺ في ذلك مختلفة قد يضطجع بعد ركعتي الفجر وأخرى قبلهما.\n(٢) فإنه لكونه على جهة اليسار يكون مثقولًا عليه إذا اضطجع أحمد على شقه الأيسر.\n(٣) أي من الفقهاء لا أصحاب الظواهر، وتوضيح ذلك أن ههنا مسألتين خلافيتين أولاهما صحة الصلاة التي عقدها المصلي والخلاف فيها لأصحاب الظاهر إذ قالوا من دخل في النوافل فأقيمت الفريضة بطلت النافلة ولا فائدة له في أن يسلم منها وإن لم يبق عليه غير السلام ولا خلاف فيها بين الأئمة، والصلاة عندهم صحيحة والثانية في الاشتغال إذ ذاك بالنوافل لا سيما في ركعتي الفجر فقالت الحنابلة والشافعية لا يشتغل بهما مطلقًا وقالت المالكية: إن خاف فوت الركعة الأولى لا يصلي وإلا يصلي خارج المسجد وكذلك قالت الحنفية إلا أنهم قالوا: يصلي ما لم يخف فوت الركعتين كما في المغنى، وأصل الاختلاف في علة المنع في حديث الباب فمن جعل العلة الاشتغال بالنفل عن المكتوبة منعها مطلقًا، ومن جعل العلة اختلاط الصلاتين منعها في المسجد خاصة، ويؤيد هذا الثاني ما روى من قوله ﷺ أصلاتان معًا لمن صلى ركعتي الفجر عند المكتوبة، ثم سبب الاختلاف بين الحنفية والمالكية اختلافهم في حد إدراك فضل الجماعة هل يحصل بإدراك ركعة أو ركعتين، وقوله ﷺ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، يؤيد الأول والبسط في الأوجز، وغرض الشيخ بيان المسألة الثانية الخلافية بين الأئمة.","vol":"1","page":378},{"text":"استثناء (١) من هذا الاستثناء كما نقله العيني في شرح البخاري فعملنا به، وأيضًا قد ثبت أن (٢) ابن عمر وابن عباس وابن مسعود كانوا يصلونها بعد الإقامة وراء حاجز من الجماعة كالسارية، ومع ذلك فلا يرتاب في أن المراد بقوله لا صلاة إلا المكتوبة ليس النفي عن المحلة أو المصر أو العالم فلا بد لكم من التقييد فلا يضرنا لو قيدنا بذلك المكان، وأما من عليه الفريضة وهو صاحب ترتيب وجب عليه تقديم فريضة السابقة ولا يخالف الرواية لأنها مكتوبة أيضًا، غير أن ظاهر اللام هو العهد إلا أن يقال أداؤه تلك التي أقيم لها، تبطلها أصلًا لوجوب الترتيب فوجب حمل اللام على الجنس، والشافعي (٣) لما لم يقل بوجوب الترتيب أوجب الدخول فيها\n_________\n(١) لكنهم تكلموا على هذه الزيادة والبسط في المطولات، وحكى في الإرشاد الرضى أن سنده صحيح قوي فتأمل.\n(٢) أخرج الطحاوي هذه الآثار وهي أكثرها صحيحة كما قاله النيموي.\n(٣) قال العيني وجوب الترتيب بين الفائتة والوقتية قول النخعي والزهري وربيعة ويحيى الأنصاري والليث وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد وإسحاق، وقال طاؤس الترتيب غير واجب، وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن القاسم وسحنون، انتهى.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>[باب فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر </span>إلخ].\nقوله [يصليهما بعد صلاة الصبح] هذا معارض بحديث النهي (١)، وأما قوله فلا إذن فمحتمل لمعينين إذ لتبديل اللهجة أثر، كما تعلم مع أنها شخصيته ولا يبعد أن يقال أن النبي ﷺ حين رآه يصلي لم يحمل صلاته إلا على الفريضة، لأنه قد كان نهاهم عن النافلة في هذا الوقت ثم لما تبين أنه يصلي النافلة، فأما رخصه كما هو بحسب معنى (٢)، وأما نهاه كما هو على معنى، لكن النهي موافق للروايات الواردة في النهي والرخصة لو ثبتت كانت مقتصرة على المورد، وأما ما ورد من أنه سكت عند ذلك، فممكن حمله على الحديث (٣) الوارد ههنا ومداره على تقدير اسم لا ما هو ولا يبعد أن يكون معناه لا صلاة إذن أو لا تصل إذن، وإن كان يمكن أن يقال فيه فلا بأس إذن، ولما لم تكن الرواية نصًا في أحد المرامين وجب الرجوع في كشف معناها إلى غيرها فرأينا روايات تمنع النافلة في تلك الأوقات فرأينا العمل بموجبها وهي صريحة في معانيها أولى.\nقوله [سمع عطاء بن أبي رباح من سعد] أراد بذلك توثيق سعد، وأما\n_________\n(١) أي بالأحاديث التي نهى فيها عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس.\n(٢) لما تقدم أن قوله فلا إذن يحتمل معنيين بتبديل اللهجة الإباحة والمنع.\n(٣) وهو قوله فلا إذن فإن من فهم من هذا القول الإباحة بمعنى ال بأس إذن عبر الرواية بقوله فسكت بمعنى أقر ولم ينكر فإنهم يقولون الحديث سكت عليه فلان أي لم ينكره، ولم يضعفه ولا يذهب عليك أن ضمير جده في السند لسعد لا لمحمد.","vol":"1","page":380},{"text":"ما جاء من إعادتها بعد طلوع الشمس قبل الزوال، فهو رواية عن محمد، ولم ينه الشيخان عنه، بل الرواية (١) عنهما في ذلك أنه لا قضاء عليه ولا يجب عليه أن يقضي، وأما أنه لو صلى بعد طلوع الشمس، فليس في ذلك رواية عنهما، قوله [والمعروف من حديث قتادة إلخ] أراد بذلك أن عاصمًا (٢) وهم فيه فغير الحديث، وأنت تعلم ما فيهما من البون، فلا يجوز أن عاصمًا روى بحسب المعنى فتغير مع أن اشتهار رواية عن همام عن قتادة ليس ينفي لسائر ما يروى عنه ثقة فوجب القول بقبولهما.\nقوله [كنا نرى فضل حديث عاصم بن ضمرة] اعلم أن الحارث الأعور وعاصم بمن ضمرة آخذان (٣) عن علي، وقد تكلموا في الحارث والحارث هذا\n_________\n(١) ففي الهداية إذا فاتته ركعتا الفجر لا يقضيهما قبل طلوع الشمس لأنه يبقى نفلًا مطلقًا، وهو مكروه بعد الصبح، ولا بعد ارتفاعهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: أحب إلي أن يقضيهما إلى وقت الزوال لأنه ﷺ قضاهما بعد ارتفاع الشمس غداة ليلة التعريس، ولهما أن الأصل في السنة أن لا تقضي لاختصاص القضاء بالواجب والحديث ورد في قضائهما تبعًا للفرض فبقى ما وراءه على الأصل، وإنما تقضي تبعًا إلى وقت الزوال، وفيما بعده اختلاف المشايخ، انتهى، وأما غير الحنفية، فقال الشافعي في أظهر أقواله يقضي مؤبدًا وقال أحمد يقضيها بعد طلوع الشمس، وقال مالك: يقضيها بعد الطلوع إن أحب والبسط في الأوجز.\n(٢) كذا في الأصل والصحيح عمرو بن عاصم في المحلين، فذكر عاصم بدل عمرو بن عاصم سبقة قلم، ثم ما أفاده الشيخ ظاهر لا سيما، وقد صحح الحاكم حديث عمرو هذا على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبي.\n(٣) يعني أكثر الرواية عنه، وما حكى المصنف عن الثوري، هكذا حكاه الحافظ عن أحمد ويحيى وغيرهما: إن عاصمًا أعلى من الحارث، وقال ابن حبان عاصم ردئ الحفظ فاحش الخطأ على أنه أحسن حالًا من الحارث، وقال أبو إسحاق الجوزجاني: هو عندي قريب من الحارث.","vol":"1","page":381},{"text":"هو الحارث الأعور وعاصم أقوى منه ونسبوا الحارث إلى الرفض، وقد مر الكلام في الحارث فيما تقدم وحديث عاصم، وإن لم يبلغ الصحة، لكنه بالغ درجة الحسن لا محالة. قوله [ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها] والأوليان تحية المسجد، فإن سنن الظهر الأربع كان يصلي النبي ﷺ تلك في بيته، كما روته عائشة وحفصة وأم حبيبة، وأما ابن عمر (١) فإنما روى أنه صلاهما، وإنها هل من السنة المؤكدة فلا مع أن ابن عمر فلعله لم يعلم بحالهما (٢).\nقوله [إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر صلاهن بعدها] فمن حملها (٣) على\n_________\n(١) وتوضيح ذلك أن الروايات في صلاته ﷺ قبل الظهر مختلفة، فرواها ابن عمر ركعتين، وأزواجه ﷺ أربعًا، كما ذكر الترمذي رواياتها تفصيلًا وإجمالًا ولذا اختلفت الأئمة في المؤكدة قبل الظهر، فقالت الحنابلة: ركعتان، وهو المرجح عند الشافعية، وقالت الحنفية: أربع ركعات: وهي رواية عن الإمام الشافعي، ولذا اختلفت نقلة المذاهب في بيان مسلك الشافعي واختلفوا في توجيه ما روى عن ابن عمر فقيل: كانت تحية المسجد، كما أفاده الشيخ، وقيل نسى ابن عمر الركعتين اللتين لم يذكرهما وهو بعيد، وقيل محمول على اختلاف الأحوال، وقيل كان النبي ﷺ إذا صلى في البيت صلى أربعًا، وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين، وقيل غير ذلك، ولا توقيت للسنن عند الإمام مالك بل يصلي حسب ما يشتهي والبسط في الأوجز.\n(٢) أي بحال هاتين الركعتين هل هما سنة أو تحية، كما في تقرير مولانا رضى الحسن.\n(٣) قولان للحنفية في قضاء الرواتب القبلية للظهر هل يأتي بها بعد الشفعة البعدية أو قبلها والمراد بالفتح شرح الهداية لابن الهمام.","vol":"1","page":382},{"text":"البعدية المتصلة لم يجوز الفصل بينهما بالشفعة ومن حمل على المطلقة رأى أن لا تؤخر الأخريان عن وقتهما ورجح في الفتح أن يصلي بعد الشفعة. قوله [يفصل بينهن بالتسليم إلخ] يعني التشهد وهذا أولى من (١) حمله على تسليم التحليل إذ المخاطب في تسليم التحليل إنما هم المشهود من الملائكة دون سائرهم مع أنه مصرح بكون التسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين، وهذا ظاهر في قوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فحمله على التشهد هو الأولى بل الصحيح. قوله [حديث ابن مسعود حديث غريب من حديث ابن مسعود] قالوا (٢) هذا تكرار والصحيح تركه، ويمكن توجيهه بأن حديث ابن مسعود هذا المذكور من قبل غريب من حديث ابن مسعود، وأما من الأصحاب الأخر ﵃ فغير غريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>[باب ما جاء أنه يصليهما في البيت]</span>\nلا يخفى أن الحديث الوارد في الباب لا يثبت ما في الترجمة إذ الثابت بالحديث جواز صلاتهما في البيت والمقصود إثبات استحباب (٣) ذلك، وقد وردت في ذلك روايات هي مثبتة ما في الترجمة كقوله: صلوا على صيغة الأمر وأدناه الاستحباب، وأما ما حمله بعضهم على الوجوب، فلم يجوز التنفل في المسجد فغير ظاهر، وإن كانت الإخفاء أولى، ويمكن إثبات ما في الترجمة بالحديث المذكور بحمل فعل النبي ﵇ على ما هو\n_________\n(١) يعني من اختار الفصل بين هذه الأربع حمل حديث الباب على سلام التحليل، وهو خلاف الظاهر، بل الظاهر أن التسليم في الحديث هو تسليم التشهد لا تسليم التحليل.\n(٢) يعني قوله من حديث ابن مسعود فإنه مكرر في النسخة الأحمدية، وأما في غيرها فلا تكرار إذ سياقها حديث ابن مسعود حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك.\n(٣) كما هو ظاهر سياق الترجمة.","vol":"1","page":383},{"text":"المسنون. قوله [وحدثتني حفصة] وإنما زاد ذلك (١) لأنه لم يكن يحضر وقتئذ حتى يرى النبي ﷺ في حالة صلاته لهذين، وزاد قوله قال لئلا يظن أن حفصة حدثت نافعًا، كما حدثه أول الحديث ابن عمر، لكن يبقى ههنا شيء، وهو أنه ماذا أراد الترمذي بإيراد هذا الحديث في هذا الباب، وكذا الذي بعد وهو حديث الحسن بن علي قال أنا عبد الرزاق، إلخ، إذ الباب معقود لبيان أن يصليها (٢) في البيت وأين هذان من ذاك غير أنه أثبت بهما أنه ﷺ كان يصلي بعض صلاته النافلة في البيت.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-178>[باب ما جاء في فضل التطوع </span>إلخ] الأحاديث الواردة في فضل التطوع بعد صلاة المغرب ضعاف إلا أن الرواية الضعيفة معتبرة في فضائل الأعمال، ولا يذهب عليك أن المراد بقولهم هذا ليس اعتبار الرواية الضعيفة في كل ما ورد من الفضائل مطابقًا للأصول أو مخالفًا مثبتًا فضل العمل الجائز أو الغير الجائز حتى يرد عليه أن ذلك يخالف ما مهدوا من قاعدتهم أن الحديث الضعيف لا يثبت به حكم بل (٣)\n_________\n(١) وهو نص رواية البخاري بلفظ وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها ويشكل عليه ما تقدم في باب ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر عن ابن عمر قال: رمقت النبي ﷺ شهر الحديث والعجب أن الحافظ ابن حجر لم يتعرض لذلك في الفتح، وفي حاشيتي على الشمائل عن القارئ يمكن أن يجاب بأنه لم يره قبل أن تحدثه وعن اليجوري عن الشبراملسي أن النفي محمول على الحضر والرؤية محمولة على السفر.\n(٢) قلت: والأوجه عندي أن المصنف ذكره لما في بعض طرقه زيادة لفظ في البيت بعد المغرب أيضًا.\n(٣) والندب أيضًا حكم ولذا قال صاحب الدر المختار شرط العمل بالحديث الضعيف عدم شدة ضعفه وأن يدخل تحت أصل عام وأن لا يعتقد سنية ذلك الحديث، انتهى.","vol":"1","page":384},{"text":"المراد أنه إذا كان الأمر جائزًا في نفسه من حيث الشرع كالنفل بعد المغرب في مسألتنا ثم وردت في إثبات فضله رواية قبلت على ضعفها فأنا لم نثبت الحكم بهذه الرواية بل فضل الصلاة مطقًا ثابت بالروايات الصحيحة، ولما رجا من الله نيل مرتبة واجتهد في تحصيله بظنه نرجو أن يناله بفضله، وفي الباب أحاديث لا يبعد بلوغها درجة الحسن لتعدد طرقها والله أعلم قوله [كان يصلي قبل الظهر ركعتين] وجوابه ما مر من إن أكثر الروايات على أنها أربع وزيادة الثقة معتبرة قوله [صلاة الليل مثنى مثنى] وفي بعض الروايات [صلاة الليل (١) والنهار مثنى مثنى] لعل معناه مثل ما مر من أن بعد كل اثنتين تشهدًا (٢)، وليس هذا نصًا في إثبات التسليم بعد كل ركعتين وإذ قد ثبت أنه صلى في النهار أربعًا يحمل أن صلاة النهار مثنى أيضًا كما أنها رباع، وأما قوله [فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة] صريح فيما ذهب إليه الشافعي، قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: أوتر كل ما صليت قبل من الركعات بواحدة وهذا لأنه لما كان صلى قبل ستًا ثم جعلها وترًا بزيادة الثلاثة صارت الكل وترًا وأنت تعلم أن ذلك لا يخلو عن تكلف (٣) إذ الظاهر من قوله ﷺ وأوتر بواحدة هو انفرادها لا اجتماعها باثنين معها إذ على هذا (٤) يلزم\n_________\n(١) تكلم المحدثون على زيادة النهار في هذه الروايات كما بسط في محله.\n(٢) بل هو المتعين لئلا يخالف ما ثبت من صلاته ﷺ رباعًا، وتوضيح ذلك أن الأئمة مختلفة في مراده ﷺ بقوله مثنى مثنى فحمله الشافعي وأحمد على بيان الأفضل وحمله الإمام مالك على الجواز فقال لا يجوز الزيادة على الركعتين للحصر في الحديث وقال الحنفية أن الحصر باعتبار التشهد كما أفاده الشيخ أو باعتبار القلة أي لا يجوز الاقتصار على الأقل من الركعتين ويؤيد قولهم مقابلة الوتر بقوله مثنى كما ترى والبسط في الأوجز.\n(٣) قلت لكن مثل هذا التكلف القليل يتحمل عند تعارض الروايات.\n(٤) قلت لكنه يلزم إذا ينضم ركعة الوتر بشفعة التطوع، والحنفية قالوا بانضمامها بشفعة الوتر فلا محظور إذ ذاك على أصول الحنفية لأنه يكون معنى الحديث على أصلهم فأوتر بواحدة منضمة إلى الشفعة وذكر الواحدة لأنها هي الأصل الممتاز في الوتر على أنه يمكن حمل الحديث على زمان كان الوتر تطوعًا.","vol":"1","page":385},{"text":"أن يتأذى الوتر من غير نية الوتر فإنه إذا صلى ركعتين نافلتين فلا أقل أن يكون بنية مطلق الصلاة أو بنية النفل وأيًا ما كان فلا يجزى بتلك النية الوتر الواجب إذ النية فيه واجبة من أول التحريمة، فالركعة التي صلاها بعد خشية الفجر وإن كانت بنية منه للواجب إلا أن الأجزاء بهذه الثلاث من الوتر لا يصح على أصول الحنفية، فالحق في الجواب أن الإيتار بواحدة كان في الأول ثم نسخ بقوله ﷺ لا بتيراء أو نحوه ما قال إذ لو حمل على ما حملوا لزم توجيه القول بما لا يرضى به قائله (١) إذ الراوي لذلك الحديث وهو ابن عمر كان يوتر بواحدة فكيف يحمل روايته على ما هو خلاف ما اختاره، وأما الروايات الأخر كرواية عائشة وغيرها مع كونها نصًا في الإيتار بثلاث من غير ارتكاب تكلف تأيدت بعمل روايتها بالإيتار بثلاث.\nقوله [واجعل آخر صلاتك وترًا] ذهب (٢) بهذا الحديث بعض من تقيد بالعمل على ظاهر الحديث إلى النهي عن الصلاة بعد الوتر ويرده الروايات\n_________\n(١) لكن القائل ليس بابن عمر بل القائل هو غيره وهو النبي ﷺ، ولم يثبت عنه ﷺ الوتر بركعة قال القارئ: لا يوجد مع الخصم حديث يدل على ثبوت ركعة مفردة في حديث صحيح ولا ضعيف، وقد ورد النهي عن البتيراء ولو كان مرسلًا والمرسل حجة عند الجمهور، انتهى، قلت وبسط الشيخ في البذل طرق حديث البتيراء فأرجع إليه لو شئت.\n(٢) فقد ذهب إسحاق وغيره إلى أن من أوتر ثم بدا له أن يتطوع فليصل ركعة يشفع بها وتره السابق ثم يصلي ما بدا له ثم يوتر ثالثًا عملًا بهذا الحديث خلافًا للجمهور كما بسطه الشيخ في البذل في باب نقض الوتر.","vol":"1","page":386},{"text":"الصريحة الواردة في ذلك وعمل الصحابة، ومعنى الأمر إما على الاستحباب أو المراد به وهو الحق أنه قال: اجعل آخر صلاتك المفروضة عليك وترك فيثبت بذلك الترتيب بين الفرائض والوتر ووجوب الوتر، وإن امرؤ صلى الوتر قبل العشاء فإنه يعيده لتركه وجوب التأخير الثابت بقوله اجعل آخر صلاتك، وأيضًا فقد علم بهذا الحديث على هذا المعنى كون الوتر فرضًا عمليًا لإدخاله في إعداد الفرائض. قوله [أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم] هذا مخالف لما قد ثبت أن صوم عرفة أجره أجر صوم سنتين، وصوم المحرم أجره أجر سنة، فأجاب بعضهم بأن البعدية ليست بمتصلة فلا ينافي كون شيء آخر في الترتيب بين رمضان ومحرم، وهذا ليس بشيء بل الجواب (١) أن النبي ﷺ أمر بصوم عرفة بعدما قال الحديث المذكور فلا حرج فيه حينئذ.\nقوله [إنه سأل عائشة كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان] هذا السائل كان يظن أنه ﷺ لعله يجتهد بكثرة الركعات فيه، وكان له حال صلاته في غير رمضان معلومًا، ولذلك خصص رمضان في سؤاله، فكأنه حمل ما سمع من اجتهاده ﷺ وتشميره عن ساق الجد في ليالي رمضان، كما ورد في أكثر الروايات على أنه يكثر من الركعات في رمضان ما لا يكثر في غيره، ولذلك ترى عائشة أجابت بنفي زيادة الركعات دون ما هو مصرح في سؤاله عن لفظ كيف، وسكت السائل عليه واقتنع به ولم يرد عليه أنه سائل عن كيفيتها ولا يبعد أن يقال إنها أجابت صريح سؤاله بقولها فلا تسأل عن حسنها وطولها، وإنما زادت أول كلامها دفعًا لما رأت من رغبتهم في كثرة الركوع والسجود وما ينبغي أن يعلم أن نفيها\n_________\n(١) قلت: ويمكن أيضًا أن يجاب بأن المراد في حديث الباب صوم الشهر بتمامه فباعتبار الشهور يفضل المحرم على ذي الحجة، كما قال به جمع من الشافعية ففي الأنوار الساطعة من مسالك الشافعية إن رمضان أفضل الشهور، ثم المحرم ثم رجب ثم ذو الحجة ثم ذو القعدة ثم شعبان ثم باقي الشهور.","vol":"1","page":387},{"text":"هذا إنما هو نفي لما هو أكثر أحواله ﷺ وإلا فقد ثبت عنه الزيادة على هذا (١) العدد وما رام به البعض من التطبيق بين هذه الروايات يجمع الركعتين بعد العشاء معها وعدمه فيرده أن المتبادر من صلاة الليل لا سيما صلاته ﷺ التي كانت بعد نومه وبعد صلاة العشاء بكثير هي صلاة التهجد فكيف يجمع معها.\nقوله [ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن] هذا ما استدلت به الأحناف على كون صلاة الليل أربعًا بنية، فإنها قالت كان يصلي أربعًا، فلما ذكرت أربعًا بلفظ واحد، وذكرت أربعًا أخرى بعدها بلفظ، ثم علم أن هذه الأربعة منفصلة عن الأربع الأول ولا فصل إلا بسلام بخلاف الأربع نفسها، فإنها لا فصل فيما بينها بتسليم حتى يكون الصلاة مثنى مثنى، وكذلك قولها ثم يصلي ثلاثًا فإنه يقتضي أن لا فصل فيما بينها حتى يلزم الوتر بواحدة مع أن عائشة ﵂ كانت توتر بثلاث وأنت تعلم أن استدلالهم هذا غير تام، فإن الفصل بعد الأربع هو الفصل بعد الثمان قبل الوتر وهو فصل نوم وتحديث مع أهله واضطجاع لا فصل تسليمة وإلا فكيف يصح قولها أتنام قبل أن توتر فلا ينافي الفصل بين كل ركعتين بتسليمة فأفهم.\nوأما قولها [أتنام قبل أن توتر] فإنها لما رأت النبي ﷺ يصلي أربعًا ثم\n_________\n(١) حتى من رواية عائشة بنفسها أيضًا، فقد روى عنها كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، كما أخرجه مالك في موطأه برواية عروة الروايات عنه، وكذلك روى ثلاث عشرة ركعة من حديث أم سلمة وجابر وزيد بن خالد الجهني، وروى عن علي أنه ﷺ يصلي من الليل ست عشرة ركعة، كما بسط في الأوجز قال القارئ قوله في رمضان أي في لياليه وقت التهجد فلا ينافيه زيادة ما صلاها بعد صلاة العشاء من صلاة التراويح، انتهى.","vol":"1","page":388},{"text":"ينام ثم يصلي أربعًا استبعدت صلاته بعد النوم، لكنها سكتت لما في النوافل من السهولة، ثم لما رأته أوتر ولم يحدث وضوءًا كبر ذلك عليها، فسألت، فقال النبي ﷺ: ما حاصله أنه كان في أمن وأمان من الحديث (١) في حالة النوم فلا يضره النوم، وأما في غيره ﷺ فحكم بانتقاض الوضوء بالنوم إقامة للسبب مقام المسبب تيسيرًا (٢) واحتياطًا في أمر العبادات، قوله [فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن يعلم بذلك أن الاضطجاع قبل سنة الفجر أيضًا (٣) وعلم بذلك أن النبي ﷺ لم يداوم أحد هذين بل كان يفعل مرة كذا ومرة كذا إذ المقصود الاستراحة لئلا يقع فتور في أداء الفريضة وهو حاصل بالاضطجاع قبل السنة وبعدها.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-179>[باب منه </span>حدثنا أبو كريب] فصل لهذا الحديث بابًا لما فيه من إثبات الزيادة (٤) التي ليست فيما تقدم. قوله [حديث عائشة حديث غريب من هذا الوجه] لعل الغرابة أتت في إبراهيم أو للأسود أو الأعمش، وأما ما بعد الأعمش فمتبوع (٥) عليه فإنى الغرابة، والوجه في فصل هذا الباب أن المثبت في هذا الحديث\n_________\n(١) أي من أن يحدث ولا يشعر فلا يشكل بأن علة الحدث الاسترخاء ويستوي فيه الأنبياء وغيرهم.\n(٢) فقد قال صاحب الفصول في شرح أصول الشاشي: ثم السبب قد يقام مقام العلة عند تعذر الاطلاع على حقيقة العلة تيسيرًا للأمر على المكلف ويسقط به اعتبار العلة ويدار الحكم على السبب لما في التكليف على العمل بحقيقة العلة من الحرج كالنوم الكامل لما أقيم مقام الحدث سقط اعتبار حقيقة الحدث لأن الاطلاع على وجود الحدث في حالة النوم متعذر، انتهى مختصرًا.\n(٣) أي كما أنه بعد ركعتي الفجر وتقدم في محله أن للعلماء في ذلك ست مذاهب.\n(٤) وهي كون صلاته ﷺ ثلاث عشرة ركعة.\n(٥) فقد ذكر المصنف المتابعة بنفسه برواية محمود بن غيلان، وذكر المصنف الرواية بالطريقين معًا في شمائله ولم يحكم عليها بالغرابة ولعله اكتفى بذكرها ههنا.","vol":"1","page":389},{"text":"من صلاته بالليل ست ركعات عندنا أو ثمان، كما عند الشافعي وفي الرواية المتقدمة غير ذلك.\nقوله [وأقل ما وصف من صلاته من الليل تسع ركعات] هذا ينافي ما سيأتي بعد قليل في أبواب الوتر من أنه لما كبر وضعف أوتر بسبع، فأما أن يقال هذا نسيان منه أو يحمل قوله ههنا على أنه كان أقل صلاته في صحته وعدم كبره ذلك لا فيما عرضه من الضعف وكبر السن. قوله [صلي من النهار ثنتي عشرة ركعة] هذا يوهم أن أكثر صلاته في الليل كانت ثنتي عشرة ركعة إذ القضاء على حسب الأداء مع أنها لم تثبت (١) والجواب أن الأربع منها صلاة الضحى. قوله [كان زرارة بن أوفى، إلخ] بيان لجلالة منزلته وعظم خشيته، قوله [وكنت] قائله بهز بن حكيم، قوله [وسعد بن هشام هو ابن عامر] والضمير الغائب عائد إلى هشام لا إلى سعد (٢) حين يمضي [ثلث الليل الأول] وفي الروايات الأخر حين يبقى ثلث الليل الآخر يرفع الأول والآخر على كونهما صفتي الثلث لا الليل وفي الآخر ما ليس في الأول من الفضل والقبول وكثرة الرحمة [ولا تتخذوها قبورًا] أي لا تدفنوا فيها موتاكم، وذلك لئلا يذهب التذكر بها لطول الملابسة أو لا تعاملوا بها معاملة المقابر في ترك الصلاة فيها.\n_________\n(١) أي عند المحدثين ولذا أولوا ما ورد في الروايات أكثر من إحدى عشرة ركعة مع الوتر.\n(٢) فإنه سعد بن هشام بن عامر الأنصاري ابن عم أنس من رواة الستة.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>أبواب الوتر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>[باب ما جاء في فضل الوتر]</span>\n\nأراد النبي ﷺ تصوير فضيلته لهم وتقريره في قلوبهم فبين فضله على ما هو أنفس الأموال عندهم ليرغبوا عنه فيه وإلا فقد قلنا أن تسبيحة وتحليلة خير من كل ما في الدنيا من الأمتعة والأموال، وقوله [إن الله أمدكم] هذا مشير إلى وجوبه فإن النوافل ليست من الله (١) وإنما لم نقل بفرضيته لأن الرواية ليست بقطعية الثبوت ولا بقطعية الدلالة على هذا المدعي إذ يحتمل أن يراد بالإمداد زيادة الثواب والأجر فلا يكون إذن زيادة في الفرائض لا علمًا ولا عملًا، وصلاته على الراحلة لا ينبو عن الوجوب إذ يجزى بها عن الفرض أيضًا عند العذر، وقوله أمدكم معناه جعله مددًا لكم أي علاوة على صلاتكم الخمس. هذا يقتضي وجوبه أيضًا، فإن الزيادة على الشيء إنما هو بعد تعيين المزيد عليه،\n_________\n(١) يعني ليس لها طلب منه عز اسمه ولذا أفسروه بما قاله ابن نجيم: إن النفل في اللغة الزيادة وفي الشرعية زيادة عبادة شرعت لنا لا علينا انتهى، وقال صاحب العناية: وجه الاستدلال من أوجه أحدها أنه أضاف الزيادة إلى الله، تعالى والسنن إنما تضاف إلى رسول الله ﷺ انتهى، قلت: ويؤيد ذلك ما ورد من قوله ﷺ إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه الحديث.","vol":"1","page":391},{"text":"والفرائض بتلك المثابة والنوافل غير متعينة ولكن للمخالف أن يتعذر (١) بأن الزيادة على الرواتب من السنن وهي متعينة، وقوله [حمر النعم] هي الإبل الحمر ولم يك شيء أنفس منها عندهم جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر، هذا إشارة إلى وقته وإن الترتيب بينه وبين الفرائض فرض ويسقط كسقوطه في الفرائض بسهو ونسيان وخوف فوت وزيادتها على ست، قوله [لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب] يعني لم يكن راو (٢) عن عبد الله بن راشد إلا يزيد، ولم يأخذ عن عبد الله غير أبي حبيب هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>[باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم]</span>\nلما كان يستنبط من ألفاظ الحديث السابق وجود الوتر من قوله ﴿إن الله أمدكم﴾ ومن قوله ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أراد أن يرد ذلك بما ورد في الحديث الثاني من صريح قوله الوتر ليس بحتم، قلنا لا يضرنا قول علي، هذا بعد ما ثبت وجوبه بقوله ﷺ المذكور على أن هذا لا يضرنا أيضًا، إذ معناه أن الوتر ليس وجوبه كوجوب صلاتكم المفروضة (٣) بل وجوبه دون وجوبها وإن كان في حق العمل سواء، لكنه يرد عليه أن الوتر\n_________\n(١) هكذا أورد ابن همام على الاستدلال بحديث الباب على وجوب الوتر وأنت خبير بأن الإيراد لو سلم يأبى عنه الإضافة إلى الله كما أشار إليه صاحب العناية قريبًا وذكر في هامش الزيلعي أن الاستدلال من الحديث بثلاثة أوجه ثم بسطها فأرجع إليه.\n(٢) أي لهذا الحديث وإلا فقد ذكر الحافظ في تهذيبه عبد الله بن راشد روى عنه يزيد بن أبي حبيب وخالد بن يزيد انتهى، وفي مرقاة السعود ليس له ولا لشيخه عبد الله بن مرة وشيخه خارجة في أبي داؤد والترمذي وابن ماجة إلا هذا الحديث الواحد ولا رواية لهم في بقية الستة.\n(٣) فإن وجوبها في ليلة المعراج بمؤكدات وخصيصات، ووجوب الوتر ليس بهذه المثابة.","vol":"1","page":392},{"text":"عندكم وإن كان واجبًا عليكم لكنه يجب أن يكون فرضًا على الأصحاب إذ هم سمعوا بآذانهم، قوله ﷺ الذي أوجبه قلنا قوله ﷺ وإن كان قطعي الثبوت لكنه لم يكن قطعي الدلالة فلذلك لم يثبت إلا الوجوب عليهم أيضًا وذلك لما في قوله إن الله أمدكم من احتمال الامداد الثوابي وإن كان الظاهر من الامداد هو الزيادة في نفس صلاتهم المفروضة عليهم، وقوله ولكن سن رسول الله ﷺ انتهى، إطلاق السنة على ما ثبت بها غير قليل ولكن (١) في قوله فأوتروا يا أهل القرآن إذا أريد به المؤمنون (٢) إشارة إلى وجوبه إذ أصل الأمر للوجوب فأراد أن يتكلم في هذا اللفظ ليسلم مذهبه ولا يثبت الوجوب فأورد بعده طريق ما ليس فيه هذا الفظ ولم يتذكر أن زيادة الثقة مقبولة مع أنه لا يضرنا عدم ثبوت ذلك اللفظ مع أن رواية هذه الزيادة متبوعة عليها كما أقر به بنفسه [وفي قول أبي هريرة أمرني رسول الله ﷺ أن أوتر قبل أن أنام] كراهة النوم قبل الوتر خشية الفوات وهذا إمارة الوجوب مع عدم قرينة تدل على غيره وكان أبو هريرة ممن يذاكر العلوم بعد العشاء [وفي قول الترمذي: وروى أن النبي ﷺ أنه قال من خشى إلخ] جواب عما يفهم من كراهة الوتر بعد النوم والنوم قبله، إن هذا الاحتياط\n_________\n(١) استدراك من مفهوم الكلام السابق أول الباب وحاصله أن الباب السابق لما كان يستنبط منه الوجوب أراد أن يرد ذاك بهذا الباب ولكن في هذا الباب أيضًا كان هذا اللفظ مشيرًا إلى الوجوب فتكلم عليه.\n(٢) قلت ويحتمل أيضًا أن يراد بأهل القرآن المهرة به وهم الحفاظ وعلى هذا يكون المراد بالوتر صلاة الليل فإن إطلاق الوتر على صلاة الليل شائع في الروايات، وعلى هذا فتخصيص الأمر بالحفاظ لما أنهم تتجافى جنوبهم عن المزاجع برهة من الليل فإن الحافظ يقوم الليل إلا قليلًا نصفه أو ينقص منه قليلًا أو يزيد عليه ويرتل القرآن ترتيلًا بخلاف غير الحافظ فإنه لا يقرأ إلا شيئًا قليلًا.","vol":"1","page":393},{"text":"فلراجي التهجد وقيام الليل أن يوتر في آخر الليل ليدرك فضل الوقت ولمن لم يتيقن بذلك أن يوتر قبل النوم ليدرك فضل عمله على الاحتياط، قوله [فأنهى وتره حين مات في وجه السحر] وجه السحر آخره إذ السحر السدس الأخير من الليل، وله وجهان: وجه إلى الفجر ووجه إلى الليل، والمراد بالوجه ههنا هو الأول وليس كل ما فعله النبي ﷺ آخرًا ناسخًا لما عمله أولًا كما هو صريح من إتياه ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>[باب ما جاء في الوتر بخمس]</span>\n.\nقوله [يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منهن] ليس المنفى ههنا جلسة التشهد (١) وقعوده بل المنفى جلسة استراحة ومنام كما ورد في الروايات الأخر من أنه كان ينام ويجلس ويستريح بعد أربع أربع، فالمراد أنه كان يصلي خمسًا لا يجلس للاستراحة في شيء منهن إلا بعد ما فرغ منها وكان الركعتان نافلتي الوضوء أو غيرها والثلاثة وترًا وقيل المعنى لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا إذ قد ورد أنه كان يصلي قائمًا وقاعدًا، وإنه يصلي قاعدًا فإذا أراد أن يركع قام وأتم القراءة فركع وعلى هذا فالمنفى من الجلوس هو الجلوس مقام القيام والاستثناء في قوله إلا في آخرهن حينئذ يكون منقطعًا (٢) وعلى الوجهين كليهما\n_________\n(١) ولو أريد به جلسة التشهد فيخالف الجمهور وقيل الحديث منسوخ بقوله ﷺ صلاة الليل مثنى مثنى على أن القول راجح على الفعل ويحتمل أيضًا أن يراد بآخرهن الركعة الأخيرة فالمنفى بالجلوس الجلوس الخاص وهو الذي فيه تشهد بلا تسليم، فالمعنى لا يجلس بهذه المثابة إلا في ابتداء الركعة الأخيرة وأما الجلوس بعد الركعتين فهو على المعروف المتبادر يعني مع التسليم.\n(٢) ويحتمل الاتصال أيضًا فيكون المراد بآخرهن الركعتين الأخريين، فالثلاثة الأول من الخمس وتر والركعتان بعده هما اللتان يصليهما النبي ﷺ جالسًا بعد الوتر.","vol":"1","page":394},{"text":"فالمراد بالآخر الحقيقي وهو بعد أن يفرغ منها وإن كان المتبادر من لفظة في وهي للظرفية كونه في شيء من أجزائها الآخرة، قوله [قال سفيان] التخيير ينافي الوجوب (١) والسنة المؤكدة قوله [قال كانوا يوترون] انتهى، ليس المراد أن كلًا منهم كان يفعل ذلك بل المراد أنهم كانوا يفعلون ذلك ويرون كل ما فعله أحد منهم أنه فعل حسنًا (٢)، وذلك لما أن الحق دائر بين المذاهب كلها وليس التخيير كل كل كلا كلا، قوله [سألت ابن عمر فقلت: أطيل في ركعتي الفجر] المراد بهما السنن كما يظهر عن الجواب وإنما لم يجبه بقوله لا تطل لئلا يفهم منه حرمة الإطالة أو كونه، قال ذلك برأيه بل ذكر عنده فعل النبي ﷺ ليعلم أن السنة هو الاختصار، ومع ذلك فلو أطالهما لم يرتكب محرمًا، وقوله [كان يصلي الركعتين والأذان في أذنه] هذا كناية عن سرعة في أدائهما وارتكاب التخفيف في أدائها إذ سامع الإقامة إذا شرع في ركعتي الفجر فإنه يطلب الفراغ عنهما والدخول في صلاة الإمام ما أمكنه ويستفرغ (٣) في ذلك مجهوده.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-184>[باب ما جاء ما يقرأ في الوتر]</span>\n.\nهذا الباب معقود لتصريح ما قد علم تبعًا في الأبواب السابقة في الوتر في\n_________\n(١) ولا بعد في أن مذهب سفيان ومن تبعه يكون سنية الوتر فإنهم مجتهدون.\n(٢) فقد أخرجه البخاري في صحيحه: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ، وفي أخرى له قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة قال أصاب أنه فقيه، ففي هذين الأثرين كالتصريح بأن فعل معاوية هذا كان خلاف فعل ابن عباس وخلاف المعروف وعندهم وإلا لم يكن للشكوى معنى ومع ذلك فصوب ابن عباس فعل معاوية.\n(٣) قال المجد: استفرغ مجهوده بذل طاقته.","vol":"1","page":395},{"text":"الركعة الثالثة بالمعوذتين وقل هو الله أحد ولا يتوهم بذلك لزوم طول الركعة الثالثة على الأولى فإن كل شفع صلاة على حدة، وهذا إنما يلزم إذا ثبت أن قرأته بين تلك السور الثلاث كان في الوتر الذي قرأ في ثاني ركعاته بقل يا أيها الكافرون وهو غير ثابت بهذه الرواية وأما إن ثبت فالجواب ما ذكرنا، قوله [وعبد العزيز هذا والد ابن جريج] أي والد الرجل الذي اشتهر باسم ابن جريج واسمه عبد الملك وهو ابن عبد العزيز لابن جريج ولكنه نسب إلى جده إذ والد عبد العزيز جريج، فكان معنى قوله عبد العزيز هذا والد ابن جريج أن عبد العزيز والد من اشتهر بكونه ابن جريج وهو ليس بابن جريج ولكنه ابن عبد العزيز ابن جريج، وأما إثبات القنوت في الوتر في السنة كلها وإن محلها قبل الركوع فلا أتذكر من مقالته -مد الله ظله- في ذلك شيئًا حتى أذكره فليسأل (١) ولا يهمل غير أن ابن مسعود (٢) اختار ذلك الذي اخترنا في أمرين جميعًا فذهبنا إلى سنته، قوله [من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر وإذا استيقظ] هذا شأن الفريضة دون النافلة، قوله [إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر] لا دليل في ذلك لمن قال بسنية الوتر إذ الذهاب يعم صلاة العشاء أيضًا\n_________\n(١) بسط الكلام عليها في المطولات كالبذل والأوجز وغيرهما فأرجع إليها لو شئت.\n(٢) فقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن علقمة: أن ابن مسعود وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع وأخرج محمد في كتاب الآثار عن إبراهيم: أن ابن مسعود كان يقنت السنة كلها في الوتر قبل الركوع كذا في الأوجز، ثم لا يذهب عليك ما حكى الترمذي من موافقة الإمام أحمد الشافعي في قنوت الوتر يأباه كتب فروعه فإنها مصرحة بدوام الوتر السنة كلها بخلاف قنوت الفجر كما حكى في الأوجز من فروعه فلو صح ما حكى يكون رواية عنه.","vol":"1","page":396},{"text":"فكما يجب قضاؤها يجب قضاؤه، قوله [لا وتران في ليلة] هذا يؤيد الوجوب فإن تكرار النافلة غير منفي والعذر لهم نفى تأكدها، فإن الوتر لما كان سنة مؤكدة فتكرارها يوجب زيادة في السنن وذلك شأنه ﷺ دون غيره من أفراد أهل الأمة فكما لا يجوز تكرار سنة الظهر بنية السنة كذلك هذا بقى ههنا شيء وهو أن هذا الحديث ظاهره ينافي ما ورد اجعلوا آخر صلاتكم وترًا فذهب بعضم إلى أن ينقض الوتر بأن ينضم إليه ركعة إذا أراد الصلاة في آخر الليل وهذا عجيب جدًا فإن الركعة التي صلاها بعد ثلاث الوتر بكثير كيف تنضم معها وتعد المجموع صلاة واحدة مع ما يلزم من مخالفة قولهم نهى عن البتيراء، فالصواب أن الأمر بجعل الوتر آخر الصلاة، إما محمول على الاستحباب أو المراد بذلك بيان وقت الوتر أنه آخر أوقات الصلوات الخمس فيكون وقته بعدما صلى العشاء أو المراد بيان وجوب الترتيب بين الفرائض والوتر كوجوبه في الفرائض فيما بينها فلا يصح تقديم الوتر على شيء منها أجاء وقضاء، قوله [عن الحسن عن أمه عن أم سلمة] يستنبط من ههنا لقاء الحسن بأم سلمة وبقاؤه في المدينة فلا يبعد بقاؤه مع علي، وذلك لأنها لما كانت تخدم أم سلمة والحسن معها إذ كان خروجها معه من المدينة حين هو ابن خمس عشرة سنة، وظاهر أن التحمل والرواية يمكن في أقل من ذلك فكيف ننكر تحمله من علي فإن اللقاء ممكن واكتفى كثير من العلماء في هذا بإمكانه، قوله [وهذا أصح لأنه قد روى من غير وجه أن النبي ﷺ قد صلى بعد الوتر] لما كان نقض الوتر مبنيًا على نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الوتر بقوله اجعلوا آخر صلاتكم الوتر، أراد أن ينقض دليلهم حتى ينتقض دعواهم المبني عليه فلذلك قال وهذا أصح لأنه قد روى إلخ ثم بين إسناده فقال حدثنا، قوله [أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة،] اعلم أن اقتداء رسول الله ﷺ كله حسن فليس لفظ حسنة ههنا إلا لبيان ما هو عليه في الواقع ويعلم أن إتياره على الأرض لم يكن","vol":"1","page":397},{"text":"اقتداء برسول الله ﷺ مع أنه ﷺ صلى الوتر أيضًا على الأرض فكيف لا يكون من صلى الوتر عليها أيتسى به، والجواب أنه ابن عمر رضي الله تعالى عنه لعله علم من حاله أنه لا يرى الإيتار على الأرض (١) جائزًا، فأنكر على ظنه ذلك لا على إيتاره على الأرض فإنها عزيمة لا تنكر ولا يذهب عليك الفرق بين المستحب إذ قد عرفوه بما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين وبينما فعله النبي ﷺ بيانًا للجواز إذ لم يفعله إلا مرة أو مرتين، وهو أن الترك في الأول لخوف وجوبه مع بيان فضله والثاني تركه هو الأصل مع المنع عنه، وإنما فعله مرتين بعد ذلك.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-185>[باب ما جاء في الوتر على الراحلة]</span>\n.\nهذا دليل لمن قال بسنية الوتر والجواب أن جوازه على الراحلة من غير مانع عن النزول، فرع كونه سنة، ولما ثبت وجوبه لزم القول بأن أداءه ﷺ الوتر على الراحلة كان لعدم القدرة على النزول لخوف عدو أو غير ذلك من العوارض، لكن ابن عمر لما لم يتنبه له، قال بجوازه على الراحلة ولعل (٢) ذلك لخصوصيته في تلك الصلاة عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[باب ما جاء في صلاة الضحى]</span>\n\nوقت الضحى من وقت ارتفاع الشمس إلى الزوال وهو نصفان الضحوة الكبرى، والضحوة الصغرى فالأولى الآخر منه (٣) والثانية الأول منه وأكثر إطلاق الضحى على الأول والغرض من وضع الباب على من لم يرد ثابتًا بالسنة،\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والظاهر أنه سبقه قلم والثواب بدله الإيتار على الراحلة فتأمل.\n(٢) هذا بعد ثبوت الوجوب عنده لو ثبت الوجوب عنه فلعل للوتر خصيصة عنده يجوز بها على الدابة من بين سائر الواجبات.\n(٣) أي النصف الآخر هو الأولى والنصف الأول في المرتبة الثانية منه.","vol":"1","page":398},{"text":"وقال إن صلاة الضحى (١) بدعة لكن لا اختلاف في صلاة الضحوة الصغرى التي نسميها صلاة الإشراق (٢) بل الاختلاف في الأخرى وقول الترمذي وفي الباب عن أم هاني وأبي هريرة ونعيم بن همار وأبي ذر وعائشة وأبي أمامة إلخ إشارة إلى أن حديث صلاة الضحى قد اشتهر فيما بينهم حتى لا ينكر مطلق ثبوته وإن كان في كل رواية رواية خاصة كلام لهم، وقبول عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما أخبرني أحد أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي الضحى لا يستلزم أنه لم يكن يصلي أو أن هذه الصلاة ليست بثابتة بل النابت بذلك أنه لم يكن يصلي ظاهرًا أمامهم حتى يرده وأما المانعون فقالوا صلاته يوم فتح مكة لم تكن إلا شكرًا عليه قوله [نعيم بن همار] نعيم هذا مصغرًا اختلفوا (٣) في اسم أبيه فقيل خمار بشدة الميم بعد الخاء المنقوطة وقيل همار بميم كذلك بعد هاء هوز وقيل همام وأبو نعيم مصغرًا أحد أساتذة البخاري، وهم (٤) في نعيم المذكور من قبل الذي هو\n_________\n(١) كما روى عن ابن عمر وسئل أنس عن صلاة الضحى فقال: الصلوات خمس وعن أبي بكر أنه رأى أناسًا يصلون الضحى فقال: ما صلاه رسول الله ﷺ ولا عامة أصحابه، ورجح ابن القيم أحاديث الترك وبسط الكلام على الروايات المتضمنة بصلاة الضحى قلت: وفي المسألة ستة مذاهب للعلماء بسطت في الأوجز.\n(٢) قلت: لكن عامة المحدثين لم يفرقوا بينها وبين صلاة الضحى وإن كانتا ثابتتين كما بسطت في الأوجز.\n(٣) وفي المغنى: نعيم بن همار بمفتوحة وشدة ميم وبراء ويقال هبار بموحدة مشددة وهدار بدال مشددة وخمار بخاء معجمة انتهى، وفي التقريب نعيم بن همار أو هدار أو هبار أو خمار بالمعجمة والمهملة، الغطفاني صحابي رجح الأكثر أن اسم أبيه همار، انتهى.\n(٤) يعني أن أبا نعيم فضل بن وكين وهم في نسب نعيم الصحابي المذكور قبل ذلك فقال في نسبه نعيم بن خمار وهو خطأ منه ثم ترك أبو نعيم أن ينسبه إلى أحد فقال عن نعيم عن النبي ﷺ.","vol":"1","page":399},{"text":"صحابي ثم ترك أن ينسبه فقال نعيم غير منتسب. قوله [ابن آدم اركع لي أربع ركعات إلخ] يعني من صلى أربع ركعات كفاه الله أموره وهذا يصدق على من صلى أربع الصبح فقال (١) ﵇ من صلى الصبح أي صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا تخفروا الله في ذمته وإذا صلى الإشراق أربعًا صدق الوعد عليه مرتين. فإذا صلى الضحى أربعًا صدق وعده تعالى عليه ثالث مرة والأصل أن ثبوت صلاة الضحى مما لا يرتاب فيه وإن اختلفوا في عدد ركعاتها.\nقوله (٢) [اركع لي أربع ركعات إلخ] هذا صادق على شفعتي الفجر سنة وفرضًا، ولذلك ورد من صلى الصبح فهو في ذمة الله، الحديث، [ثم] إذا صلى الأربعة للإشراق دخل في الوعد ثانيًا ثم في الضحى ثالثًا ويدخل في مصداق قوله من صلى الضحى ثنتي عشرة، الحديث، لو صلى ثنتي عشرة في وقتي الإشراق والضحى إذ الضحى صادق عليهما، فلما صارت صلاته في الوقتين جميعًا ثنتي عشرة ركعة سواء صلى ستًا في الأول وستًا في الثاني أو غير ذلك دخل في الوعد إن شاء الله تعالى.\nقوله [قال أبو عيسى هذا حديث غريب] أي الذي تقدم، وقوله [وروى وكيع والنظر بن شميل] وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نهاس بن قهم\n_________\n(١) يعني من صلى الصبح يدخل في عموم حديث الكفاية هذا ويؤيد دخوله في مصداق هذا الحديث ما تقدم في باب فضل العشاء والفجر في جماعة من قوله ﷺ من صلى الصبح فهو في ذمة الله، الحديث. ومن كان في ذمة أحد فهو يكفيه لا محالة.\n(٢) هذا القول مع ما يجئ من تقريره مكرر. لكنه كان هكذا في هامش الأصل فأبقيناه على حاله لما فيه من زيادة بعض الفوائد.","vol":"1","page":400},{"text":"هذا بيان للحديث الذي (١) بعده وإشارة إلى غرابته أيضًا لتفرد نهاس بن قهم بنه وقوله هذا الحديث إما أن يكون إشارة إلى ما سيأتي أو يكون إشارة إلى حديث صلاة الضحى أي مطلقه الذي هو المبحوث عنه فالإشارة حينئذ على ظاهره [قال كان النبي ﷺ يصليها حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول لا يصليها] هذا لا ينافي ما قالت عائشة كان عمله ﷺ ديمة إذ الدوام على قصده وإرادته ورغبته، وإن كان يتركه لأسباب موجبات وكثيرًا ما كان النبي ﷺ يعمل عملًا ثم يتركه وينيب منابه آخر حتى لا يجب الأول فالدوام إنما كان بإنابة هاتيك الأمثال وإن لم يدم ذلك العمل بعينه.\nقوله [أربع بعد الزوال] قال بعضهم هذه سنن الظهر والحق أنها غيرها، أما عند الشافعية فظاهر إذ هم قائلون بأن سنة الظهر ركعتان وهذه أربع بتسليمة، وأما عندنا فلما ورد من اتصال (٢) السنن بالفرائض إذ هو الأصل وأمرنا بتأخير الظهر في الصيف فكيف يكونان واحدًا وبينهما بون بعيد ووقت مديد.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-187>[باب صلاة الحاجة]</span>\n\nقوله [حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي قال: أخبرنا عبد الله بن بكر السهمي ونا عبد الله بن منير عن عبد الله بن بكر] لم يجمع بين أستاذيه لما أن\n_________\n(١) ولذا ذكر هذا الكلام في بعض النسخ المصرية بعد الحديث الآتي.\n(٢) حتى قال صاحب الدر المختار لو تكلم بين السنة والفرض لا يسقطها لكن ينقص ثوابها وقيل تسقط وكذا كل عمل ينافي التحريمة على الأصح وفي الخلاصة لو اشتغل ببيع أو شراء أو أكل أعادها قال ابن عابدين: قوله وقيل تسقط أي فيعيدها لو قبلية ولو كانت بعدية فالظاهر أنها تكون تطوعًا وأنه لا يؤمر بها على هذا القول، انتهى وحكى صاحب البحر عن المحيط لو صلى ركعتي الفجر مرتين بعد الطلوح فالسنة آخرهما لأنه أقرب إلى المكتوبة ولم يتخلل بينهما صلاة والسنة ما تؤدى متصلًا بالمكتوبة، انتهى.","vol":"1","page":401},{"text":"عبد الله في الأول منتسب دون الثاني وفي الأول تصريح بالتحديث والثاني منعنعن.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-188>[باب صلاة الاستخارة]</span>\n\nقوله [في ديني ومعيشتي] هما ما أنت عليه بالفعل منهما وعاقبة أمري ما يأتيك منهما ويسمي حاجته مكان قوله هذا الأمر أو يشير إليها عند قوله هذا الأمر ثم إن الاستخارة كما تكون في أصل الفعل فيما تردد بين الخير والشر، فكذلك قد تكون في تعيين وقته وغير ذلك من العوارض فيما نعين خيريته كالحج وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>[باب صلاة التسبيح]</span>\n\nقوله [عالج] هو كل رمل متراكم، قوله [ومن يستطيع أن يقولها في يوم] أي كل يوم وقال ذلك لما هم فيه من المشاغل من الجهاد وغيره، قوله [فلم يزل يقوله] أي قال في كل شهرين ثم قال في كل أربعة ثم قال غير ذلك، قوله [أن أم سليم غدت إلخ] اعترضوا على الترمذي في إيراده هذا الحديث ههنا مع أنه ورد فيما يصلي (١) بعد الصلاة، كما ورد في هذه الرواية بسند (٢)\n_________\n(١) هكذا في الأصل والصواب على الظاهر بدله لفظ يقرأ.\n(٢) قال العراقي إيراد هذا الحديث في باب صلاة التسبيح فيه نظر فإن المعروف أنه ورد في التسبيح عقب الصلاة لا في صلاة وذلك مبين في عدة طرق منها في مسند أبي يعلى والدعاء للطبراني. فقال: يا أم سليم إذا صليت المكتوبة تقولين سبحان الله عشرًا، إلخ، قاله في قوت المغتذي وأجاب عنه بعض الفضلاء يمكن أن يقال علمها النبي ﷺ أن تقول في الصلاة وأن تقول بعدها وهو الذي فهمه المصنف فلا إشكال وبه يحصل التوفيق مع بقاء كل رواية على ظاهرها قال أبو الطيب: يؤيد أنه علمها ﷺ أن تقولها في الصلوات قولها أقولهن في صلاتي، لكن لم يذهب أحد من العلماء إلى هذه الطريقة في صلاة التسبيح فالظاهر أنه بحذف المضاف أي أقولهن في دبر صلاتي وإيراد المصنف ههنا باعتبار مناسبة ما.","vol":"1","page":402},{"text":"آخر والجواب أن الاستدلال والإيراد على طريق المحدثين تام إذ هم يستنبطون من كل لفظ ورد عليه الحديث مسألة، وإن كان الحادثة متحدة فعلى هذا إذا ورد لفظ في هذا الحديث وأصل معناها الظرفية صح إيراده ههنا، وإن لم تكن الظرفية بمرادة ههنا بل أراد بعد الصلاة.\nقوله [هذا السلام عليك قد علمنا فكيف الصلاة عليك] كان الباعث لهم على ذلك السؤال ما قد علموا من رفعة حال النبي ﷺ ونباهة شأنه فظنوا أن السلام والصلاة عليه ليسا كالسلام والصلاة المتعارفين فيما بينهم فلما علمهم النبي ﷺ داب السلام عليه فقال: التحيات لله والصلوات والطيبات والسلام عليك أيها أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بقى الأمر في باب الصلاة مشتبهًا فسألوه عن ذلك فأجابهم بقوله قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ويعلم من ههنا أن الصلاة على غير الأنبياء تجوز إذا لم تكن أصالة، ولذلك زاد عبد الرحمن بن أبي ليلى لفظ علينا معهم لحمله لفظ آل على غير المعنى الذي يعم الكل فلا يرد أن عبد الرحمن كيف ارتكب البدعة لأن البدعة ما ليس له أصل شرعي وعلم أيضًا أن الزيادة إنما تجوز بعد الألفاظ المأثورة أو قبلها لا في خلالها، ولذلك كان عبد الله بن مسعود يزيد ما يزيد في تلبيته بعد التلبية المأثورة عن رسول الله ﷺ وعلم أيضًا أن التوكيل في قدر الصلاة كمًا وكيفًا إليه ﵎ هو الأولى لا كما أحدثه من بعد من صيغ الصلاة التي فيها تحديد وتوقيت إذ من الظاهر أن الأنعام على قدر المنعم عليه فإذا سعى من له وجاهة في جناب الملك أن يخلع على الوزير فإنما المراد به الخلعة على قدر منزلته وإن لم يصرح بذلك ولما كان كذلك فإذا صلى على النبي ﷺ فإنما المراد بها الصلاة التي توازي جهده وعناءه وتساوي قدره وعلاءه فلعل بعض تحديدها تنقيص بشأنه مع خلاف للصيغ التي صدرت عن مشكاة النبوة وارتضاها النبي ﷺ لنفسه، ثم اختلفوا في موسى وعيسى وإبراهيم أيهم أفضل ووجه بيان هذا الاختلاف ههنا اختيار إبراهيم ﵇ في التشبيه دون غيره من الرسل","vol":"1","page":403},{"text":"وإعلام النكتة فيه والأكثرون على تفضيل إبراهيم (١) ﵊ عليهما ﵉ إذ فضائلهما تغري إليه لبنوتهما له ولا كذلك في نبينا ﵊ إذ له فضائل ومناقب لم تنسب إلى آبائه لكونها ثبتت له قبل أن يكون ابنًا لأب والتشبيه (٢) في قوله كما صليت وكما باركت إنما هو في مجرد صلاته عليه قبله ولا يلزم من ذلك كثرته بالنسبة إليه فيها فالمعنى صل على محمد فإنك صليت على إبراهيم قبل ذلك وأعلى منه وأولى منه بذلك فلا إشكال، وقوله [إنك حميد] في أفعاله باعث على أن الصلاة منك ينبغي أن تكون على ما أنت أهله وكذلك مجيد أيضًا.\nقوله [أولى الناس] انتهى، لأن من أحب شيئًا أكثر ذكره فإكثاره الصلاة على النبي ﷺ أمارة حبه له والمرء من أحبه، وإن لم يكن فعله هذا من صمم قلبه فلا ارتياب في أنه تشبه بالمحبين للنبي ﷺ فكان ممن تشبه بقوم فهو منهم مع أن ذلك الإكثار يزرع في قلبه حبه وأيضًا فإنه صرف لسانه بذكره فلا أقل من معية لسانه باسمه.\nقوله [من صلى على صلاة إلخ] لا يتوهم (٣) تسوية الصلاة بغيرها من الحسنات فإن صلاة الله عشر مرات تزيد بكثير على عشر حسنات مع أن الرواية\n_________\n(١) وقيل في وجه التشبيه بإبراهيم عليه الصلاة خاصة دون غيره وجوه أخر بسطت في الأوجز فأرجع إليه لو شئت تفصيل ذلك.\n(٢) المقصود رفع إيراد يرد ههنا وهو أن الأصل أن المشبه دون المشبه به والواقع ههنا عكسه لأن محمدًا ﷺ وحده أفضل من إبراهيم وآله وأجيب عن ذلك بوجوه بسطت في الأوجز منها ما أفاده الشيخ.\n(٣) المقصود دفع إشكال وهو أن من جاء بحسنة فله عشر أمثالها معروف وعلى هذا فلا مزية للصلاة على غيرها من الحسنات وتقرير الجواب ظاهر.","vol":"1","page":404},{"text":"مصرحة بمزيد المثوبة إذ الصلاة لما كانت حسنة جوزى عليها بعشر حسنات ثم صلاة الله عليه عشرًا مزيدة عليها.\nقوله [صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار] هذا دفع لما يتوهم من فضيلة الملائكة على الأنبياء نظرًا إلى قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ بأن الصلاة لما كانت رحمة والرحمة لا تكون إلا من الكبير ووجه الدفع أن لفظ الصلاة مشترك بين الرحمة والاستغفار فأريد به في الآية كلا معنييه وهذا مبني على ما عليه الشافعية من عموم المشترك، والجواب عندنا أن للرحمة طرفين فعلي وانفعالي. فكما أن إطلاق الرحمة على الأول لا يعد مجازًا، فكذا على الثاني يعني أن من ترقق قلبه على رجل ولم يفعل معه معروفًا فإنه يطلق أنه ترحم عليه. فكذلك من لم يترقق عليه قلبه لكنه فعل معروفًا فلا مشاحة في إطلاق الرحم عليه. لكنه يشمل لفظ التوجه كليهما وهو المراد ههنا ولا يخفى أن هذا المقام محتاج إلى تفتيش وبحث فليسأل (١).\nقوله [سليمان بن مسلم] هذا غلط في جميع النسخ الموجودة ههنا والصحيح سليمان بن سلم (٢) إذ ليس اسم راو سليمان بن مسلم البلخي المصاحفي. [لا يصعد منه شيء] هذا لا يستدعي إفراد الصلاة للدعاء علاحدة بل يكفي في إصعاده صلاة التشهد أيضًا ووجه وقوف الدعاء بين السماء والأرض أن جميع شرائع الإسلام وطرائق الدعاء لما وصلت إلينا بتوسل النبي ﷺ فكان من أدب الدعاء أيضًا أن يكون وصوله إليه ﵎ بتوسله ﵇.\n_________\n(١) وأجاب عنه صاحب «نور الأنوار» بأن الآية سيقت لإيجاب الاقتداء بالله والملائكة ولا يصلح ذلك إلا بأخذ معنى شامل للكل وهو الاعتناء بشأنه.\n(٢) أي كفلس قاله المناوي وفي الخلاصة بسكون اللام ولم يذكر أهل الرجال رجلًا اسمه سليمان بن مسلم البلخي.","vol":"1","page":405},{"text":"[قال قال عمر بن الخطاب] هذا لا يستلزم اللقاء إلا أنهم لما لم يرموه بالانقطاع وقبلوه مطلقًا حمل عليه ومقولته هذه دالة على أن المرء إذا شرع في شيء من الأمور وجب عليه علم مسائله. كما أن مريد التزوج وجب عليه العلم بمسائل النكاح، وكذلك من صام أو صلى أو أخذ في شيء من المعاملات.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>أبواب الجمعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[باب فضل الجمعة]</span>\n.\n[خير يوم] الخيرية إما على أيام الأسبوع لا مطلقًا، أو الفضيلة جزئية، وإنما افتقر على ذلك لما ورد من الروايات في فضل (١) يوم عرفة وعد الخلق نعمة ظاهر ثم إدخال الجنة فوقه ثم إهباطه على الأرض فوق ذلك وقيام الساعة هي النفخة الأولى وهو سبب لدخول الجنة، فأما كون الخلق نعمة فلشرف الوجود على العدم بما لا ينكر، وأما كون إدخال الجنة نعمة فلما فيها من النعم والخدم وقرب الرب ﵎ وكون الاهباط منها نعمة فلما في ذلك من إظهار الصفات له تعالى من الأرزاق والتكوين والسمع والبصر إلى غير ذلك، ولما في ذلك للإنسان من شرف نعمة العرفان والإسلام وامتثال أوامره واجتناب نواهيه إلى غير ذلك، ولما في ذلك من اكتسابه النعم الجليلة الأخروية باختياره المحمود إلى غير ذلك، ولا يخفى أن فضل يوم الجمعة لم يكن متوقفًا على هذه الأمور كيف وقد كان أفضل قبل وقوعها فيه، فأما أن وجود هذه فيه دل على فضله أو يكون له شرف أصلي وبانضمام هذه الأمور ازداد فضله لوجه عرضي أيضًا، كما كان له فضل ذاتي فاحتوى الفضل بطرفيه.\n_________\n(١) واختلفا هل الجمعة أفضل أم يوم عرفة؟ كما بسطت في الأوجز وثمرة الخلاف يظهر فيمن تذر صوم أفضل الأيام.","vol":"1","page":407},{"text":"[باب الساعة (١) التي ترجى في يوم الجمعة].\nاختلفت الروايات في تعيينها وسبب ذلك عند من قال بانتقالها ظاهر، وأما من لم يقل بذلك فالوجه أن المقصود لما كان إخفاؤها بالمصالح منها أنهم لو علموا علموها غيرهم عملًا بقوله ﷺ بلغوا عني ولو آية، وإذا علموها غيرهم تبلغ النوبة إلى الفجرة المردة فيسألوا ما لا يحل لهم مسألته، ومنها أنه لو علموها بعينها لم يشتغلوا بغيرها من الساعات فلهذه الوجوه أجاب النبي ﷺ عن سؤالهم بما هم أولى به من الجواب فبين لهم ساعات يقبل فيها الدعاء وإن لم يبين تلك الساعة بعينها، قوله [وقال أحمد أكثر الأحاديث في الساعات التي ترجى فيها إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر] ومنها الحديث المتقدم، قوله [وترجى بعد (٢) الزوال] هذا لأحاديث أخر وردت في ذلك كما في الحديث الآتي بعد ذلك، [فقال أنا أعلم\n_________\n(١) اختلفت مشايخ الحديث في هذه الساعة هل هي باقية أو رفعت على قولين والذين قالوا هي باقية اختلفوا أيضًا هل هي في وقت من اليوم بعينه أو غير معينة وبلغت أقوال المحققين في ذلك إلى خمسين ذكرها أصحاب المطولات كالحافظ في الفتح والشيخ في البذل وغيرهما، والمشهور منها أحد عشر قولًا ذكرها ابن القيم ولخصها في الأوجز وأشهر هذه الأقوال كلها قولان يأتي بيانهما.\n(٢) وهذان القولان هما أشهر الأقوال في ذلك، قال ابن القيم: أرجح هذه الأقوال قولان تضمنتها الأحاديث الثابتة أحدهما أرجح من الآخر، الأول أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة لما روى مسلم من حديث أبي موسى، والقول الثاني أنها بعد العصر وهو أرجح القولين وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد وخلق وقال الحافظ: لا شك أن أرجح الأقوال حديث أبي موسى وحديث عبد الله بن سلام انتهى، والبسط في الأوجز.","vol":"1","page":408},{"text":"بتلك الساعة] إما بسماع منه ﷺ أو استنباط منه بآيات الكتب المتقدمة وإن لم يصرح بها فيها أيضًا، قوله [أخبرني (١) بها ولا تضنن بها على] علم بذلك جواز الضنن بشيء من العلم عمن ليس له أهلًا، وكذا جواز الإحالة به من وقت إلى وقت فإنه أيضًا نوع من الضنن وذلك لأنه لو لم يجز الضن لما خاف أبو هريرة عنه الضن وهما صحابيان لا يظن بهما سوء أي العمل بما لا يجوز وهو الضن، والظن من أبي هريرة نسبة صحابي آخر: إنه يفعل ما لا يحل، قوله [والضنين البخيل] لما بين هذا، وقد ورد في الكتاب لفظ الضنين وفي قراءة الضنين بينهما معًا لمناسبة كونهما قرآنًا، قوله [من أتى الجمعة فليغتسل] هذا الأمر الآن كما كان ولم يكن وجوبًا عامًا حتى يقال بنسخه بل الأمر إنما كان لمن يتأذى برائحة أهل المسجد وهو الآن أيضًا كذلك، ولغيره على الاستحباب كما في زماننا هذا، قوله [كلا الحديثين صحيح] أي ليس هذا اضطرابًا كما يتوهم، بل له رواية عنهما أي عن سالم وعبد الله جمعيًا (٢) [من اغتسل وغسل] أي بدنه عن الوسخ أو رأسه بشيء منق له امرأته بجماعها معها لئلا يتوشوش قلبه إذا حضر الجمعة وحضرت النساء، قوله غفر له ما بينه وبين الجمعة (٣) وزيادة ثلاثة أيام] لأن الحسنة\n_________\n(١) ولا يذهب عليك أن ما ذكره المصنف «في الحديث قصة طويلة» ذكرها النسائي في مجتباه ومالك في موطأه وغيرهما في غيرهما.\n(٢) واختلفت أهل الفن في الترجيح بينهما ومال المصنف إلى تصحيح كليهما كل صرح به، وقال النسائي ما أعلم أحدًا تابع الليث على هذا الإسناد غير ابن جريج وأصحاب الزهري يقولون عن سالم بن عبد الله عن أبيه بدل عبد الله بن عبد الله بن عمر، انتهى.\n(٣) وفي شرح أبي الطيب يحتمل أن يكون المراد من الجمعة الأخرى الماضية أو المستقبلة، قال الكرماني: في كلاهما محتمل، وقال العسقلاني: المراد التي مضت لما في صحيح ابن خزيمة بلفظ ما بينه وبين الجمعة التي قبلها، وقال ميرك ولما في أبي داؤد من حديث أبي سعيد وأبي هريرة بلفظ كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها لكن ما في أبي داؤد من حديث ابن عمر بلفظ كفارة إلى الجمعة التي تليها الحديث، يؤيد ما قاله الكرماني والمراد غفران الصغائر، انتهى.","vol":"1","page":409},{"text":"بعشر (١) أمثالها، قوله من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة] أي كغسل الجنابة في مبالغته في الانقاء وهو على (٢) حقيقة كما تقدم، [ثم راح] قال بعضهم الراح ههنا على حقيقته وحينئذ فابتداء الساعات بعد الزوال والساعة مطلق الزمان لا ساعة أهل النجوم، وأنت تعلم أنه ليس في ذلك حث على السعي والتكبير وقال (٣) الآخرون بل المراد بالرواح هو مطلق الذهاب والساعة هي من ساعات أهل النجوم فيكون هذا من الفجر والطلوع، قوله [قرب بدنة] هي بفتحات والجمع بدن بضم الأول وسكون الثاني واستدل الشافعي بهذا الحديث على ما قال من أن البدنة لا تشمل البقر (٤)، قلنا: عدم اشتمالها ههنا بقرينة ذكره في مقابلتها، قوله [أقرن] لما أنه يكون أسمن ر أشرف، [فكأنما قرب بيضة] من ههنا يستنبط طهارتها وحلتها، [حضرت الملائكة يستمعون الذكر] نبه\n_________\n(١) وعلى هذا فيعد من الجمعتين: إحداهما والأوجه كما أفاده والدي المرحوم نور الله مرقده عند الدرس أن الاعتداد من صلاة جمعة إلى صلاة جمعة أخرى فتصير سبعًا ومع الثلاثة الزائدة عشرة أيام.\n(٢) وهل يكفي غسل الجنابة عن غسل الجمعة؟ قالت الجمهور نعم خلافًا لبعض كما في الأوجز.\n(٣) وإلى الأول مال والدي المرحوم عند الدرس وهو قول مالك وغيره وقالت الجمهور بالثاني والأوجه عندي أن بداية الساعات من ربع النهار كما بسطت الأقوال في ذلك في الأوجز.\n(٤) والمسألة خلافية شهيرة وتظهر ثمرة الخلاف فيمن قال لله على بدنة ولا شك أن المراد بالبدنة في حديث الباب جزور، فقالوا حقيقة وقلنا مجاز بقرينة صارفة عن العموم ففيه اقتصار العام على بعض أفراده والبسط في الأوجز.","vol":"1","page":410},{"text":"بذلك على أنه لما استعموا الذكر مع طهارتهم عن الذنوب والآثام وعدم احتياجهم إليه فنحن أولى بذلك منهم، وإن من حضر بعد شروع الإمام في الخطبة ليس له ذكر في صحيفة المقربين ولا له فضل غير تفريغ ذمته عن الصلاة التي هي مأمور بأدائها فليس شأن المؤمن أن يغفل عن مثل هذه الفضائل يشتغل عنها بالرذائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>[باب ما جاء أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة]</span>\n.\n«هذا ليس ههنا ولكني كنت لم أسمع هذا الباب من حضرة الأستاذ حين قرا قراءة ذلك الموضع فأعدته ههنا (١)، هذا الوعد غير ما وعد من إجابة الدعوة بعد الأذان إذ هذه الإجابة لا يتحقق إلا فيمن حضر للصلاة بعدما سمع النداء وإلا فكيف له العلم إذا لم يحضر الصلاة، إن ذلك الوقت هو ما بين الأذان والإقامة بخلاف الدعوة التي بعد الأذان فإنها عامة لكل من سمع النداء سواء كان ممن هو أهل هذه المحلة أو من غيرهم وذلك الوعد سبب لهم وترغيب على حضور المسجد للجماعة من أول الوقت إذ المصلي إذا سمع النداء وتهيأ بفور سماعها للذهاب إلى المسجد فتوضأ وأحسن الوضوء ثم مشى إلى المسجد فكتبت آثار أقدامه وقرأ أدعية دخول المسجد ثم صلى على النبي ﷺ كما تقدم وحي المسجد بالشفعة ثم جلس ينتظر الصلاة فكان في صلاة لقوله ﵇ «لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها» فهل أنت في مريه من أن إيجاب دعائه وقد كان السبب في قوله ﵊ ذلك أن يكونوا في أمر صلاتهم كذلك ولا يتأخروا في الحضور حتى إذا قرب وقت الإقامة حضروا، ليس له تمكن من تحية الوضوء ولا تحية المسجد فكيف بانتظار الصلاة حتى يدعوا فيجاب لهم وعلى هذا\n_________\n(١) قلت: ولما كان لهذا المحل قصة هائلة رأيت إبقاءها في هذا المحل أولى.","vol":"1","page":411},{"text":"فلو علم أحد وقت الإقامة مع أنه لا يحضر الجماعة أو يحضر حضور من أسلفناه لك آنفًا ولكنه دعا من بيته بعد الأذان قبل وقت الإقامة لا يشمله هذا الوعد نظرًا إلى فقه الحديث الذي بنى عليه وإن كان ظاهر لفظ الحديث يشمله هذا والله أعلم بالصواب وعنده علم الكتاب.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-194>[باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر]</span>\nقوله [من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا بها طبع الله على قلبه] اعلم أن ترك الجمعة إما أن يكون لتسهيل أمرها وعدم اهتمام بشأنها فالطبع طبع نفاق أعاذنا الله منها (١)، وإما أن يكون لا لتسهيل أمرها بل لإهانة نفسه في تركه ما يجب عليه أداؤه، فالطبع طبع رين وغين والحديث يشمل كليهما، قوله [يعني الضمري (٢) يشير] إلى أن المسمين بأبي الجعد كثيرون (٣)، قوله [وكانت له صحبة] أي لم أثبت صحبته بل قال بذلك أستاذ (٤) أستاذي.\nقوله [سألت محمدًا عن اسم أبي الجعد الضمري فلم يعرف اسمه وقال لا أعرف له عن النبي ﷺ] إلا هذا الحديث لكن له حديثًا آخر عن النبي ﷺ\n_________\n(١) أي من سائر الأشياء التي ذكرت من ترك الجمعة والطبع والتهاون والنفاق وغيرها.\n(٢) قال أبو الطيب بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم منسوب إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناف كما في جامع الأصول والمغنى.\n(٣) ذكر منهم الحافظ في تهذيبه اثنين والثالث في التعجيل والضمري هذا اختلفوا في اسمه على أقوال قتل مع عائشة يوم الجمل.\n(٤) بل أستاذ أستاذ الأستاذ، وأشار الشيخ بذلك الكلام إلى فائدة ذكر لفظة فيما زعم محمد بن عمر ويحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام لمجرد الاستشهاد بقوله الاجتهاد إلى بيان صحبته لما أنه من غير المعروفين حتى إنه ليس له إلا هذا الحديث الواحد.","vol":"1","page":412},{"text":"كما نقله السيوطي (١) وإن لم يعرفه البخاري ثم اعلم أن مسألة الجمعة قد اختلفت فيه أقوال علمائنا في أنها تتأدى في بلادنا هذه أم لا؟ وهل يجوز أداؤها في القرى (٢) أم لا؟ فقد اشتهر في أكثر البلاد أنه لا تجب الجمعة على من هو في بلادنا لأنها ليست بدار الإسلام وليت شعري من أين اخترعوا هذا الشرط وليس لذلك في كتبهم (٣) أثر وأما تركه ﷺ الجمعة بمكة فإنما كان لعدم الأمن وعدم القدرة على أدائها عيانًا لكونهم يتعرضون في ذلك لا لكونها دار حرب، وأما ما قال بعضهم من أن شرطه المصر فمسلم لكنهم اختلفوا في ما يتحقق به المصرية فقيل ما فيهم أمير يقيم الحدود وليس فيه تصريح بإقامة الحدود بل المراد بذلك قدرة\n_________\n(١) إذ قال في قوت المغتذي بعد حكاية كلام البخاري، قلت: بل له حديثان أحدهما هذا والثاني ما أخرجه الطبراني بسنده إليه مرفوعًا لا تشد الرحال إلا إلى المسجد الحرام الحديث، وقال الحافظ في التلخيص الحبير بعد حكاية كلام البخاري: وذكر له البزاز حديثًا آخر، وقال لا نعلم له إلا هذين الحديثين انتهى، قلت فإن كان حديث البزاز غير حديث الطبراني فله ثلاثة أحاديث وإلا فله حديثان فلينقح.\n(٢) ولقطب العصر مصدر هذا التقرير الشيخ الكنكوهي رسالة وجيزة في هذا الباب تسمى بأوثق العري في تحقيق الجمعة في القرى ولأجل نوا به شيخ الهند لها شرح بسيط يسمى بأحسن القرى فالرجع إليهما لو شئت.\n(٣) بل حكى ابن عابدين عن معراج الدراية عن المبسوط البلاد التي في أيدي الكفار بلاد الإسلام لا بلاد الحرب، لأنهم لم يظهروا فيها حكم الكفر بل القضاة والولاة مسلمون يطيعونهم عن ضرورة وبدونها، وكل مصر فيه وال من جهتهم يحوز للمسلمين إقامة الجمعة ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين ويجب عليهم أن يلتمسوا واليًا مسلمًا، انتهى.","vol":"1","page":413},{"text":"الأمير (١) على ذلك إذ لو لم يرد ذلك لما صحت الجمعة في شيء من الأمصار في وقتنا هذا إذ لا يجري الحدود أحد، وقيل ما فيه أربعة (٢) آلاف رجال إلى غير ذلك، وليس هذا كله تحديدًا له بل إشارة إلى تعيينه وتقريب له إلى الأذهان وحاصله إدارة الأمر على رأي أهل كل زمان في عدهم المعمورة مصرًا فما هو مصر في عرفهم جازت الجمعة فيه وما ليس بمصر لم يجز فيه إلا أن يكون فناء المصر، وأما اشتراط الإمام فمن اتفق جماعة المسلمين على إمامته فهو إمام ولا يحتاج إلى الخليفة أو نائبه عينًا إذ الوجه في اشتراطهما الاتفاق ورفع النزاع وهو حاصل، وأما ما قال أكثر من سلف (٣): المصر ما لا يسمع أكبر مساجدهم مسلميهم فالمراد إذا كان المسجد المذكور في المصر إذ مذهب قائل هذا القول إطلاق جمع منتهى الجموع على العشر أو أكثر منه مع أن هذا خلاف منه بالجمهور، وقائل هذا هو صدر الشريعة صاحب التوضيح فكان مراده بهذا التعريف هو المصر، فإن المساجد بتلك الكثرة إنما هي فيه وما شاع من تأدية الفرائض بنية احتياط الظهر في بلادنا فأمر\n_________\n(١) ففي الدر المختار في تعريف المصر: كل موضع له أمير وقاض يقدر على إقامة الحدود، وقال ابن عابدين حاكيًا عن غيره: ليس المراد تنفيذ جميع الأحكام بالفعل إذ الجمعة أقيمت في عهد أظلم الناس وهو الحجاج وإنه ما كان ينفذ جميع الأحكام بل المراد والله أعلم اقتداره على ذلك، انتهى.\n(٢) لم أجده في الكتب المعروفة عندي ولكنهم لما اختلفوا في تعريف المصر على أقوال كثيرة لا بعد في أن يكون هذا أيضًا قولًا لا سيما إذ حكى في جامع الرموز عن المضمرات قول ألف رجل أيضًا.\n(٣) وفي الدر: المختار عليه فتوى أكثر الفقهاء، وقال ابن عابدين، وأيده صدر الشريعة بقوله لظهور التواني في أحكام الشرع سيما في إقامة الحدود في الأمصار، انتهى.","vol":"1","page":414},{"text":"منكر لا ينبغي العمل عليه وأصل ذلك كان في زمان محمد فإن أبا يوسف (١) لما رأى حرجًا في حضور الناس للجمعة في مسجد واحد وكان لا يمكنهم ذلك إلا بعبور الفرات أو الدجلة التي كانت في وسط (٢) البغداد أفتى بتعدد الجمعة في مصر إذ حال بينهما نهر، وليس في ذلك رواية عن الإمام إذ كانت الجمعة في أيامهم واحدة ثم لما رأى محمد حضور رجال القرى العظيمة والأمصار في مسجد واحد متعذرًا أفتى بجواز التعدد في مصر مطلقًا وكان الفتوى على قول محمد ولكن الناس احتاطوا في ذلك فاستحدثوا احتياط الظهر وهذا الذي رده صاحب البحر وغيره فقالوا أفتينا مرارًا بمنع الناس عنه لكنهم لم يمتنعوا أو ليس لهؤلاء اكتفاء بما قال محمد وقد قلدوا قوله في كثير من المسائل، وليس معه أستاذه ولا صاحبه فهل ليس لهم في غير الجمعة احتاج احتياط وليت شعري إذا كانوا في شك من إفتائه بذلك فما بالهم لا يكتفون بالظهر فإن قالوا نحتاط بأداء الظهر قلنا كان عليهم أداء كل صلاة مرتين: مرة بالفاتحة خلف الإمام ومرة بدونها كيف وقد استحسنها بعض مشايخنا أيضًا ليخرجوا بذلك عن شبهة الخلاف، وكذلك يلزم عليهم ما ليس لهم بتأديته طاقة ولا لهم إليه احتياج ولا فاقة، أو ليس لهم للخروج عن شبهة الخلاف مخلص غير ذلك الذي أحدثوه فهل لا أحضرهم احتياطهم ذلك في المسجد الذي يصلي فيه أولًا، قوله [عن رجل من أهل قباء] لم يبق الحديث بذلك الانقطاع\n_________\n(١) قال القارئ في شرح النقاية: ورابعها عن أبي يوسف أنه يجوز في موضعين إذا كان المصر كبيرًا أو حال بين الخطبتين نهر كبغداد، انتهى.\n(٢) التي في وسط بغداد هي دجلة، قال الحموي في المعجم سميت مدينة السلام لأن دجلة يقال لها وادي السلام انتهى، وفي مقدمة الهداية دجلة بكسر الدال اسم لنهر بغداد، وفرات بضم الفاء نهر معروف بين الشام والعراق يخرج من جبل ببلاد الروم وهو من أنهار الجنة، انتهى.","vol":"1","page":415},{"text":"قابلًا للاحتجاج (١)، قوله [عن أبيه وكان من أصحاب النبي ﷺ] أي ذلك الأب ولا يضر عدم العلم باسم الصحابي أو حاله فإن الصحابة كلهم عدول ثقات ومهرة إثبات، قوله [أن تشهد الجمعة من قباء] لم يكن أمره إياهم بذلك للوجوب أو لوجوب الجمعة عليهم لما ورد في الروايات عن هؤلاء أنهم قالوا كنا نتناؤب إلى غير ذلك من الألفاظ، وأنى التناؤب في أداء ما يجب على أنفسهم بل كان أمرهم (٢) بذلك ليشهدوا جماعات المسلمين ويعلموا نوائبهم وما يذكر في الخطبة من المواعظ والأحكام ولذلك ترى الترمذي ترجم الباب بقوله «باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجمعة» ولم يقل «باب ما جاء من كم يجب أن يؤتى (٣) إلى الجمعة»، ولذلك اختلفوا في أقوالهم في تحديد ذلك فقال بعضهم الجمعة على من آواه الليل (٤) وقال بعضهم تجب الجمعة على من سمع النداء فقال (٥) بعضهم وهم\n_________\n(١) وأيضًا ففي سنده ثوير بن أبي فاختة ضعيف جدًا حتى قال الثوري: كان ثوير من أركان الكذب، وقال الدارقطني وعلي بن الجنيد: متروك، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد حتى يجئ في روايته أشياء كأنها موضوعة، انتهى.\n(٢) ويمكن أن يقال إن الحديث لو صح حجة لمن قال إن الفناء يمتد إلى ذلك المقدار وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا في فناء المصر على تسعة أقوال لخصها ابن عابدين وهي غلوة، ميل، ميلان، ثلاثة، فرسخ، فرسخان، ثلاثة، سماع الصوت، سماع الأذان، ويأتي بيان بعضها في كلام الشيخ أيضًا فعلى القول بثلاثة فراسخ يكون حد الفناء إلى تسعة أميال، فإن الفرسخ ثلاثة أميال والقباء على ميلين من المدينة على ما ذكره الحموي في المعجم.\n(٣) وهو الذي عبروه بفناء الشهر.\n(٤) ففي الدرالمختار شرط لافتراضها إقامة بمصر. وأما المنفصل عنه فإن كان يسمع النداء تجب عليه عند محمد وبه يفتي كذا في الملتقى ورجح في البحر اعتبار عوده لبيتة بلا كلفة انتهى، قال ابن عابدين: هو ما استحسنه في البدائع وصحح في مواهب الرحمن قول أبي يوسف بوجوبها على من كان داخل حد الإقامة الذي من فارقه يصير مسافرًا وإذا وصل إليه يصير مقيمًا وعلله في شرحه المسمى بالبرهان بأن وجوبها مختص بأهل المصر والخارج عن هذا الحد ليس أهله.\n(٥) قال ابن العربي: تعليق الشافعي السعي بسماع النداء يسقطه عمن كان بالمصر الكبير إذا لم يسمعه والمسألة محتملة انتهى، وحكى العراق في شرح الترمذي عن الشافعي ومالك وأحمد: أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر وإن لم يسمعوا النداء، وقد ادعى في البحر الإجماع على عدم اعتبار سماع النداء في موضعها، كذا في البذل.","vol":"1","page":416},{"text":"الظاهرية لو كان رجل في المصر ولم يسمع النداء لا تجب الجمعة عليه، والحق أن ذلك لمن هو خارج المصر ولا شبهة في وجوب الجمعة على المصري سمع النداء أو لم يسمع والمراد بما قالوا من الجمعة على من سمع النداء أنه إذا أذن على سور البلد وباب المصر فالجمعة على من سمع النداء وهذا أيضًا ليس تجديد بل هو تقريب، وأما أهل المصر فمسلم وجوبها عليهم.\nقوله [استغفر ربك] وجه أمره باستغفار ما ارتكبه من الاستدلال بما لا يستدل به من الحديث الضعيف، قوله [حين تميل الشمس] علم بذلك أنه لم يكن يصلي قبل الزوال كما ذهب إليه بعض من استدل بما لم يفهمه فمن ذلك قولهم كنا يوم الجمعة لا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة فإن القيلولة لا يكون إلا في نصف النهار والغداة لا تطلق إلا على ما قبل الزوال، وأنت تعلم أن معناه ليس إلا أن طعام الغداة وقائلة نصف النهار لم نكن نستحصله إلا بعد الفراغ من الجمعة إذ في وقتها لم يكن لشغل الجمعة فراغ حتى نستحصلهما ولم يذهب إلى ذلك المذهب","vol":"1","page":417},{"text":"إلا شرذمة قليلة من أهل الظاهر (١) ومن ذلك الذي استدلوا به على مرامهم، قوله: كنا إذا رجعنا من الجمعة لم نكن تجد للجدران ظلًا نتقي به رؤوسنا فإذا كان الرجل خطب ثم صلى ثم دعا ثم تنفل بما قدر الله له ثم رجع وليس للجدران فتى علم أن ذلك كله كان قبل الزوال، وإلا فلم لا يكون للجدران فتى بهذا القدر ولكنه يرد عليه أن الرجل إذا شرع في ذلك كله مع زوال الشمس عن نصف النهار فليس يستبعد أن يفرغ من الخطبة والصلاة وليس للجدران ظل يتقي به الرؤوس كيف وصلاته ﷺ كانت قصدًا كخطبته، وأي دليل لهم على ما قالوا من تأدية السنن في المسجد ولم يكن في دعائه ﷺ كثير اشتغال في الجماعة، وأنت تعلم ما في الجدران إذ ذاك من قصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[باب ما جاء في الخطبة على المنبر]</span>\n.\nأراد بذلك دفع ما عسى أن يتوهم من كونه بدعة أو من عادة الجبابرة والمتكبرين، وكان لمنبر النبي ﷺ. درجات ثلاث وكان يخطب على أقصاها (٢)\n_________\n(١) قلت: بل ذهب إليه بعض الفقهاء من الأئمة المجتهدين أيضًا، قال النووي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق فجوازها قبل الزوال، كذا في الأوجز، والشيخ لم يستثن إلا الظاهرية وذلك لأنه كثيرًا ما يعد الإمام أحمد من أهل الظاهر لأنه يعمل على ظواهر الأحاديث أكثر من غيره.\n(٢) قال العيني بعدما ذكر رواية طفيل بن أبي بن كعب عن أبيه بلفظ ثلاث درجات فإن قلت: روى أبو داؤد عن ابن عمر بلفظ: فاتخذ له منبر مرقاتين فبينه وبين ما ثبت في الصحيح منافاة، قلت: الذي قال مرقاتين لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها ﷺ انتهى، وفي الخميس نقل ابن النجار عن الواقدي أنه درجتان ومجلس، وللدارمي في صحيحه عن أنس فصنع له منبر له درجتان ويقعد على الثالثة، وليحيى عن الزناد أن النبي ﷺ كان يجلس على المجلس يضع رجليه على الدرجة الثانية فلما ولى أبو بكر قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة السفلي فلما ولى عمر قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض فلما ولى عثمان فعل ذلك ست سنين من خلافته ثم علا إلى موضع النبي ﷺ، انتهى.","vol":"1","page":418},{"text":"ثم خطب أبو بكر على الثانية تأدبًا منه بالنبي ﷺ أن يقوم مقامه ثم عمر على الثالثة لذلك ثم رقى عثمان أعلاها لما لم يبق درجة، مع أن في رقيته إياها لا شبهة في ادعاء المساواة به ﷺ [بخلاف الباقيين] قوله [ثم يجلس] لكنه لا يدعو ولا يتكلم فيها إلا أن يدعو بقلبه ما شاء، قوله [أخو أبي عمرو بن العلاء] أبو عمرو (١) وكله لفظ واحد والمراد أن أبا عمرو ومعاذًا كلاهما إخوان ابنا العلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>[باب القراءة على المنبر]</span>\n، قوله [يقرأ على المنبر ونادورا (٢) يا مالك إلخ] علم بذلك سنية القراءة على المنبر في الخطبة، قاله الشافعي على وجه الركنية وقلنا بها على وجه السنية، فإن قوله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ليس بمختص القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[باب في استقبال الإمام إذا خطب]</span>\n.\nقوله [استقبلنا بوجوهنا] ليس المراد بذلك استقبال عين الإمام بل استقبال جهته لما يلزم على الأول من التحلق قبل الجمعة المنهي عنه بحديث آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>[باب في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب]</span>\n.\nليس (٣) لهؤلاء دليل على مرامهم بهذا الحديث لما ورد في الروايات الأخر\n_________\n(١) ولما كان أبو عمرو مشهورًا عرفه به فإنه أحد القراء السبعة اختلف في اسمه على أقوال.\n(٢) قال القرطبي: يحتمل الآية وحدها أو السورة كلها، قال أبو الطيب: القراءة في الخطبة مشروعة بلا خلاف واختلفوا في وجوبها فعندنا مستحبة وعند الشافعي واجبة وأقلها آية، انتهى.\n(٣) اختلفوا في تحية المسجد للداخل عند الخطبة فقال بها الشافعي وأحمد إسحاق وفقهاء المحدثين ويستحب أن يتجوز فيهما قاله النووي، وفي فروع الشافعية يجب أن يقتصر فهيما على أقل مجزى، ولا يستحب للخطيب ولا لمن دخل في آخر الخطبة حتى يفوت عنه أول الجمعة، وقال القاضي: قال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وغيرهم قال ابن العربي: الجمهور على أنها لا تفعل وهو الصحيح بدليل من ثلاثة أوجه، وحديث سليك لا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجه ثم فصل هذه السبعة وحكاها عنه في الأوجز فأرجع إلى أيهما شئت.","vol":"1","page":419},{"text":"من هذه القصة أنه ﵇ سكت (١) وقت صلاة الرجل ونحن أيضًا لا نمنعه، وأما ما قال أبو سعيد من أنه صلى والنبي ﷺ يخطب فإنما مجرد قياس، أو حمل سكوته\n_________\n(١) هكذا رواه الدارقطني بطريقين مسند ومرسل ثم قال: المرسل أولى بالصواب كذا في الأوجز، وهذا الجواب هو مختار ابن الهمام في الفتح وبسطه ولم يرتضه ابن نجيم إذ قال: هو محمول على ما قبل تحريم الكلام فيها دفعًا للمعارضة وجوابهم بحمله على ما إذا استمسك عن الخطبة حتى يفرغ من صلاته فغير مناسب لمذهب الإمام لما علمت أنه يمنع الصلاة بمجرد خروجه قبل الخطبة إلى أن يفرغ من الصلاة انتهى، وقوله لمذهب الإمام ليس باحتراز عن صاحبيه لأنهم الثلاثة أجمعوا على أن الخروج قاطع الصلاة وإنما الخلاف بينهم في كون الخروج قاطعًا للكلام، فالمراد بمذهب الإمام مذهب الحنفية كلهم لكن الإيراد ساقط لما في الهداية، قالا لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب، لأن الكراهة للإخلال بفرض الاستماع والاستماع ههنا بخلاف الصلاة لأنها قد تمتد انتهى، فعلم أن كراهة الصلاة لما أنها لامتدادها تخل بالاستماع، وأنت خبير بأن الإمام إذا يسكت لأحد فامتداد صلاتها لا يخل بالمقصود.","vol":"1","page":420},{"text":"﵇ مع كونه على منبر على أنه اتفاقي على أنا نقول من جوز النافلة وقت الخطبة لم يقل بوجوبهما بل قال بأنها نافلة ثم جوزها فهل أنت على يقين من جوازهما مع نفليتهما والحال أن النبي ﷺ نهى عن ذلك الوقت عن الأمر بالمعروف وهو واجب على المرء حيث قال من قال أنصت فقد لغا، ولم يجوز تفسير آية القرآن حين سأله سائل عمن كان معه والسكوت هو الواجب عندنا، ولا يحمد على العطسة ولا يشمت عاطسًا ولا يرد جوابًا، قوله [وفي الباب عن جابر إلخ] هذا لا يصح على عادته فإن رواية جابر قد ذكرت فأما يحمل على النسيان أو يكون جابر روى فيه غير ما ذكر ههنا، قوله [من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم] وأما تقييد يوم الجمعة فاتفاقي لما أنه سبب كثرة وازدحام، والذين لم يقولوا بمفهوم المخالفة لا حاجة لهم إلى جواب، وأما لفظ اتخذ فالرواية والدراية على بنائه للمفعول وقيل ببنائه للفاعل والمعنى اتخذ نفسه وأيًا ما كان فهذا جزاء له على ما ارتكبه من تحقير الناس في مشيه على أعناقهم وفي ذلك لعله يضرب بضعهم برجله.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-199>[باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب]</span>\n.\nالاحتباء قد يكون بيديه وقد يكون بالثوب وكلاهما قد يكون للكبر وقد يكون للاستراحة على هيئة المتواضعين فالذي للكبر ممنوع بقسميه، والذي على هيئة المتواضعين ممنوع منع تنزيه لا تحريم لئلا ينام فيكون ذلك سببًا لنقصان في استماع الخطبة، وأما إذا أمن من أن ينام فلا كراهة أصلًا، وعلى هذا يحتمل حبوتهم (١) إذا ثبت، وبذلك تجتمع الروايات في شأن الاحتباء فمنها ما فيه نهى\n_________\n(١) أي حبوة الصحابة فقد قال أبو داؤد: وكان ابن عمر وأنس وشريح وغيرهم يحتبون وروى عن يعلى بن شداد شهدت مع معاوية بيت المقدس فجمع بنا فنظرت فإذا جل من في المسجد أصحاب النبي ﷺ فرأيتهم محتبين والإمام يخطب، قال أبو داؤد: لم يبلغني أحد كرهها إلا عبادة بن نسى\nقال العراقي: ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الكراهة، قال الزرقاني: هو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم فعلم بذلك أن الجمهور على الجواز واختلفوا في اعتذار عما ورد من النهي وأجاد الشيخ في الجمع بين ما ورد وأجاب بعضهم بحمل حديث النهي على الضعف وقيل بالنسخ وحمل الطحاوي حديث النهي على أحداث الحبوة لأنه عمل في الخطبة، وحمل فعل جل الصحابة في المسجد أنهم كانوا محتبين قبل ذلك، هكذا في الأوجز.","vol":"1","page":421},{"text":"عنه ومنها ما فيه استحباب ذلك وجوازه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>[باب رفع الأيدي في الدعاء على المنبر]</span>\n.\nهذا داخل في إطلاق قوله ما يزيد على أن يقول هكذا فصح الاستدلال وحاصله أنه كان لا يرفع يديه لا في الدعاء ولا في غيره إلا أنه كان يشير بسبابته عند كلمة التوحيد فهذا الرفع في الدعاء الذي ارتكبه بشر بن مروان كان بدعة منكرًا عليها لا محالة.\nقوله [كان الأذان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إذا خرج الإمام أقيمت الصلاة] هذا الذي زاد من لفظ «أقيمت الصلاة» دفع لما عسى أن يتوهم من قوله إذا خرج الإمام أن الأذان كان إذا خرج الإمام ولو لم يأخذ بعد في الصلاة، وقوله «أقيمت الصلاة» المراد بذلك الصلاة حكمًا لما أن الخطبة صلاة حكمًا، قوله [زاد عثمان] هذا كان بإجماع من الصحابة ومحضر منهم، وقيل كان في زمان عمر ينادي «بالصلاة جامعة، الصلاة جامعة» موضع الآذان فلما كثر الناس فكان يسمع بعضهم لفظ «الصلاة، الصلاة» ولا يسمع بعضهم، شاور عثمان سائر الصحابة وزاد أذانًا ثالثًا بالزوراء (١) وكان على يسار المسجد فقيل اسم جدار، وقيل أكمة مرتفعة، وقيل مكان مرتفع، ويمكن أنه جدار مرتفع من\n_________\n(١) وفي معجم البلدان: الزوراء موضع عند سوق المدينة قرب المسجد، قال الداؤدي: هو مرتفع كالمنارة، وقيل بل الزوراء سوق المدينة نفسه انتهى.","vol":"1","page":422},{"text":"مكان على أكمة مرتفعة فتجتمع الأقوال، وهذا النداء (١) الذي يحرم بعده البيع والشراء ويجب السعي لما أن الأمر في الآية إنما هو بلفظ «إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله» وهذا نداء للصلاة من يوم الجمعة.\nقوله [إذا نزل عن المنبر] هذه اللفظة التي تفرد بها (٢) جرير بن حازم ولما لم يكن مقابل (٣) تلاميذ أستاذه في الحفظ والإجادة وقد ثبت في موضع آخر وهمه وهو ما بينه المؤلف بعد حمل قوله ذلك على الوهم أيضًا، وإن كان نفس المسألة ثابتة لما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها من الصلوات، فلما ثبت أنه ﷺ كان يكلم بالحاجة بعد الإقامة فهذا بإطلاقه مجوز للكلام بعد الخطبة أيضًا.\n_________\n(١) ففي الدر المختار: وجب سعى إليها وترك البيع بالأذان الأول في الأصح وإن لم يكن في زمن الرسول بل في زمن عثمان، قال ابن عابدين عن شرح المنية: اختلفوا في المراد بالأذان الأول، فقيل الأول باعتبار المشروعية وهو الذي بين يدي المنبر لأنه الذي كان أولًا في زمنه ﵊ وزمن أبي بكر وعمر حتى أحدث عثمان الأذان الثاني على الزوراء حين كثر الناس، والأصح أنه الأول باعتبار الوقت وهو الذي يكون على المنارة بعد الزوال، انتهى.\n(٢) قال أبو الطيب: يعني وهم جرير في قوله يكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر وإنما الحديث عن ثابت عن أنس أقيمت الصلاة فأخذ رجل، الحديث، وليس فيه إذا نزل عن المنبر، بل ظاهر الحديث أنه في صلاة العشاء لقوله حتى نعس بعض القوم كما أن جريرًا وهم في تحديثه عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ إذا أقيمت الصلاة فلا الحديث لأن ثابتًا لم يحدث عن أنس وإنما كان جالسًا عند تحديث هذا الحديث عن أبي قتادة. انتهى.\n(٣) أي لم يكن موازي درجتهم ورتبتهم، يقال قابل الشيء بالشيء عارضه به ليرى وجه التماثل بينهما أو التخالف.","vol":"1","page":423},{"text":"قوله [فقلت تقرأ بسورتين كان علي يقرأ بهما إلخ] أراد بذلك أبو هريرة أن ينبه السائل على أن فعلي وفعل على ذلك إنما هو اقتداء برسول الله ﷺ ووجه المناسبة في قراءة سورة الجمعة والمنافقون، وكذلك تنزيل السجدة وسورة الدهر ما فيها من ذكر الجمعة وذكر المبدأ والمعاد وتذكير نعم الآخرة وغيرها وكان قراءة ذلك أكثرية لا دائمة.\n\n[باب في الصلاة قبل (١) الجمعة وبعدها].\nاختلفت الروايات في ذلك، فالثابت من بعضها سنية الركعتين وبالأخرى سنية الأربع فأخذ الإمام بما فيه أخذ بالاحتياط (٢). وأما ما قال أبو يوسف من كونها ستًا فثابت أيضًا إلا أن قوله أن يقدم الأربع على الركعتين فلم تجد رواية (٣) تساعده إلى وقتنا هذا بل الذي يثبت بالروايات هو تقديم الركعتين على الأربع وما ورد في بعضها من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا ليس مخالفًا بإيجابه التخيير لما عينه الإمام من الأربع لما أن ذلك قد يستعمل فيما ليس بواجب فالمعنى من شاء منكم أداء ما يسن عليه فليصل أربعًا.\n_________\n(١) لم يذكر المصنف في الرواتب القبلية شيئًا من الروايات المرفوعة ولم يتعرض لها الشيخ أيضًا والمسألة خلافية شهيرة بسطت في الأوجز، وأنكر ابن القيم ومن تبعه الرواتب القبلية للجمعة والجمهور على إثباتها بسطت أقوالهم مع ذكر مستدلاتهم في الأوجز فأرجع إليه.\n(٢) وهو العمل بالأربع فيدخل فيه الركعتان أيضًا.\n(٣) وقيل: وجه ذلك ما روى من الكراهة أن يصلي بعد صلاة مثلها، وفي البدائع: قال أبو يوسف: يصلي أربعًا ثم ركعتين كذا روى عن علي كي لا يصير متطوعًا بعد صلاة الفرض بمثلها وفي هامش البحر عن الذخيرة عن علي يصلي ستًا ركعتين ثم أربعًا، وعنه رواية أخرى، أربعًا ثم ركعتين وبه أخذ أبو يوسف والطحاوي وكثير من المشايخ، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":424},{"text":"قوله [قال أبو عيسى وابن عمر: هو الذي روى عن النبي ﷺ أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين] أورد ذلك لبيان أن ابن عمر لما روى ذلك وعمل بهذا علم أنه كان يرى السنة ستًا، لأن سنية الأربع دون سنية الركعتين، قوله [ما رأيت أحدًا أنص للحديث] أي أبين له وأظهر يعني كان بينه ظاهرًا مفصلًا واضحًا والزهري هو راوي أول أحاديث الباب، قوله [كان عمرو بن دينار أسن من الزهري] هذا من فضل الزهري أيضًا فإنه روى عنه أكابره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>[باب فيمن يدرك من الجمعة ركعة]</span>\n.\nلما كان الحديث من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة، بإطلاقه متناولًا للجمعة وغيرها صح استدلاله على ترجمة الباب ولكن مذهب الإمام أن من أدرك التشهد مع الإمام يبنى عليه الجمعة ومذهب (٢) غيره غيره، وهذا بناء على أن المراد بالإدراك ههنا هو اللحوق وتحصيل الأجر إذ لم يذهب أحد إلى أنه بإدراك ركعة يدرك الصلاة بمعنى الإحاطة فلما أريد الأجر أو اللحوق كانت\n_________\n(١) فقد عد الحافظ في تلامذة الزهري: عمرو بن دينار.\n(٢) وفي المسألة ثلاثة أقوال: فذهب جمع من السلف والتابعين إلى أن من فاتته الخطبة يصلي أربعًا للظهر، وجمهور الفقهاء على خلاف ذلك فمذهب الأئمة الثلاثة ومحمد من الحنفية: أن من لم يدرك ركعة صلى أربعًا، وقال أبو يوسف والإمام الأعظم أبو حنيفة وجماعة: إن أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين وروى ذلك عن النخعي وقاله الحكم وحماد وداؤد وروى عن ابن مسعود من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة وروى عن معاذ بن جبل: إذا دخل في صلاة الجمعة قبل التسليم فقد أدرك الجمعة، واستدلوا بعموم قوله ﷺ ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، وفي روايات فاقضوا والفائت إذ ذاك الجمعة لا الظهر، والبسط في الاوجز.","vol":"1","page":425},{"text":"الجمعة كغيرها من غير فرق لكنهم يعسر عليهم (١) التفصي عما يرد عليهم بهذا الحديث على طريق مفهوم المخالفة فإن مفهوم الحديث أنه من لم يدرك ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة مع أنهم مجمعون على خلافه، فإن تركوا العمل بمفهوم المخالفة في سائر الصلوات لزمهم الترك في حق الجمعة أيضًا.\nقوله [أنه يتحول عن مجلسه] ليس السبب في هذا المقام ما كان في معرس النبي ﷺ ليلة فاتته صلاة الصبح إذ الكل فيما نحن فيه مسجد ليس فيه مقام تسلط الشيطان فيه أكثر من الثاني بل الوجه في ذلك أنه يتنبه بالتحرك والمشي والتحول إلى موضع آخر فتذهب غفلته ولا يتعين الامتثال بالتحول والجلوس في الموضع الآخر بل هو حاصل بقيامه أو تنقله (٢) قليلًا إلى غير ذلك ثم عوده ولو في مجلسه الذي كان فيه أولًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[باب ما جاء في السفر يوم الجمعة]</span>\n.\nالأصح في ذلك جواز السفر قبل الزوال، وأما إذا (٣) زالت الشمس فلا\n_________\n(١) أي عن الذين قالوا بالتفريق بين الجمعة وغيرها، وحاصله أن قوله ﷺ من أدرك ركعة من الجمعة في قوة قوله ﷺ من أدرك ركعة من الصلاة، فكما لم يفرقوا في غير الجمعة بين مدرك الركعة والأقل منها فكذا ينبغي لهم أن لا يفرقوا في الجمعة أيضًا.\n(٢) التنقل بمعنى «بركشتن» كما في الصراح.\n(٣) وفي الدر المختار: لا بأس بالسفر يومها إذا خرج من عمران المصر قبل خروج وقت الظهر كذا في الخانية لكن عبارة الظهيرية وغيرها بلفظ دخول بدل خروج، وقال في شرح المنية، الصحيح أنه يكره السفر بعد الزوال قبل أن يصليها ولا يكره قبل الزوال قال ابن عابدين بعد قول الخانية: واستشكله شمس الأئمة الحلواني بأن اعتبار آخر الوقت إنما يكون فيما ينفرد بأدائه والجمعة إنما يؤديها مع الإمام والناس فينبغي أن يعتبر وقت أدائهم حتى إذا كان لا يخرج من المصر قبل أداء الناس ينبغي أن يلزمه شهود الجمعة، وذكر في التتارخانية عن التهذيب اعتبار النداء وما في شرح المنية تأييد لما في الظهيرية وأفاد به أن ما في الخانية ضعيف وعلله في شرح المنية بقوله لعدم وجوبها قبله وتوجه الخطاب بالسعي إليها بعده وينبغي أن يستثني ما إذا كانت تفوته رفقة لو صلاها ولا يمكنه الذهاب وحده، انتهى.","vol":"1","page":426},{"text":"إذ سبب الوجوب هو الوقت وقد آن، ومن منع السفر بعد طلوع فجر يوم الجمعة أجاب عن الحديث بأن غدوتهم كان يأمر النبي ﷺ أو يكونوا خرجوا قبل إنبلاج الصبح وتسميته غدوة تقريب وتخمين أو مجاز، قوله [فضل غدوتهم] هذا اللفظ إشارة إلى بون ما بينهما أي الجمعة وامتثال أمره ﵇ في الخروج إلى الجهاد مع رفقته مع تسليم فضل الجمعة، ومع ذلك فلم يبلغ فضل الغدو والامتثال. قوله [وكان هذا الحديث] في لفظ كان إشارة إلى أن هذا مبني على تحقيق شعبة وليس مما يتيقن به لا محالة.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-204>[باب السواك والطيب يوم الجمعة]</span>\nليس السواك مذكورًا في لفظ الحديث (١) الذي أورده في الباب إلا أنه يمكن أن يستنبط بالعمومات الواردة في تحصيل الطيب وإزالة النتن والأوساخ، قوله [حقًا على المسلمين] وجوبًا إذا كانوا متلبسين بالنتن والأوساخ واستحبابًا إذا كان الأمر على غير ذلك، قوله [وليمس أحدهم من طيب أهله] هذا يمكن أن يكون إشارة إلى مبالغة في ذلك، فإن الطيب للرجال ما كثر ريحه وقل لونه وللنساء ما ظهر لونه وخفى ريحه فعلى هذا\n_________\n(١) ولا يذهب عليك ما في مبدأ السند من هذا الحديث من قوله علي بن الحسن الكوفي، قال العرافي: لم يتعين فإن في هذه الطبقة ثلاثة سميت بذلك حكاه السيوطي في قوة المغتذي.","vol":"1","page":427},{"text":"لعل طيب النساء منهي عنه الرجال لصفرته ولونه ومع هذا فأمر النبي ﷺ بالتطيب مبالغة في أمر الطيب، فإن قيل كان المناسب على هذا أن يقال ولو من طيب أهله قلنا لو قيل ذلك كان معناه أن الأقدم والأولى له طيب الرجال، وأما إذا لم يوجد فله أن يتطيب بطيب النساء، وأما إذا قيل ما قيل، فالأمر بتطيب طيب النساء مستلزم للأمر بتطيب طيب الرجال بدلالة النص، ويمكن أن يكون قوله وليمس من طيب أهله إشارة إلى أنه ليس عليه التكلف في تحصيل الطيب بمسألة عن أحد أو بشراء ونحوه، وإنما ذلك لو كان له طيب في أهله وإن كان له طيب، إلخ.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>أبواب العيدين</span>\nمحا بعض طلبة العلوم لفظ الياء والنون الذي هو علامة التثنية لما رأى الأحاديث الواردة بعد هذا ليست في الأضحى، والصحيح خلافه إذ أكثر أحكام الأحاديث الآتية مشتركة بينهما، ومع ذلك فقد قال في الباب الأخير ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع، قوله [من السنة أن إلخ] هذا إما اعتياد وهو الظاهره فتركه خلاف (١) لما هو أولى، وإما عبادة فتركه مكروه تنزيهًا يعني به أنه من سنن الهدى أو من سنن الزوائد، فإن قوله من السنة شامل لهما والوجه في الأمر بالأكل قبل الخروج إلى المصلى قطع العرق عما يلزم من صورة الزيادة على ما فرضه الله تعالى من الصيام فإن إمساك هذا القدر من الوقت صوم ظاهرًا وإن لم يعتبره الشارع ما لم يتم مع النية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>[باب في صلاة العيدين قبل الخطبة]</span>\n.\nهذا دفع لما لعلهم يتوهمون من تقديم مروان الخطبة سنيتها ولما لعلهم يقيسون العيدين على الجمعة وليس كذلك لأن خطبة الجمعة شرط لها والشرط مقدم على ما هو شرط له ولا كذلك في العيد (٢)، قوله [ويقال إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم] أي بنية فاسدة وإلا فقد فعل ذلك قبله عثمان بن\n_________\n(١) وفي الدر المختار ندب يوم الفطر أكله حلوًا وترًا قبل الصلاة، واستياكه واغتساله، قال ابن عابدين: الندب قول البعض وعد المصنف الغسل سابقًا من السنن والصحيح أن الكل سنة، انتهى.\n(٢) بل هي سنة قال الشامي عن البحر حتى لو لم يخطب أصلًا صح وأساء لترك السنة ولو قدمها على الصلاة صحت وأساء ولا تعاد الصلاة، انتهى.","vol":"1","page":429},{"text":"عفان (١) فأما عثمان رضي الله تعالى عنه فإنما قدم الخطبة لما كثر الناس وازدحم المسلمون فكان يرى في خطبته أفواج الناس يأتون إلى المصلى فقدم الخطبة لئلا تفوت المسلمين صلاتهم فكان فعله ذلك حسنًا لم ينكره عليه أحد من الصحابة والتابعين، وأما مروان فكان يعرض في خطبته بأهل بيت النبي ﷺ ويسيئ الأدب بهم فلما رأى الناس ذلك وأن ليس لهم صبر على استماع إذا هم ﵃ جعلوا يذهبون إذا فرغوا من الصلاة وتركوا خطبة مروان أن يسمعوها فقدم مروان الخطبة على الصلاة ليلجئهم إلى سماعها فكان فعله ذلك خبثًا ظاهرًا فأنكروا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>[باب أن صلاة العيدين بغير أذان ولا إقامة]</span>\n.\nهذا ليس نفيًا للأعلام (٢) مطلقًا بل هذا نفي للأعلام بطريق مخصوص\n_________\n(١) فقد أخرج السيوطي في أوليات عثمان من تاريخ الخلفاء: أنه أول من قدم الخطبة في العيد على الصلاة وأخرج أيضًا، قال الزهري: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية أخرجه عبد الرزاق انتهى، قلت: والجمع بينها غير معتذر إذا ثبت ذلك وإلا فأنكر أبو الطيب شارح الترمذي لرواية البخاري عن أبي سعيد الخدري فلم يزل الناس على ذلك أي على ابتداء الصلاة قبل الخطبة حتى خرجت مع مروان، الحديث.\n(٢) ما أفاده الشيخ من جواز الأعلام بغير الأذان صرح بذلك الشيخ سراج شارح الترمذي فقال: يندب عند الأئمة الاربعة أن ينادي لها: «الصلاة جامعة» وكذا حكى غيره عنهم كما في الأوجز، وحكى الزرقاني عن المالكية والجمهور أن لا ينادي لها بشيء، وعلى هذا فلا يصح قياسه على الكسوف وغيره لأن صلاته غير معلومة للناس ووقتها لم يتعين بخلاف صلاة العيد فإن وقتها معلوم متعين والتكبير إليها سنة فتأمل، ويشكل أن الشيخ قدس سره تعقب في لامع الدراري في أبواب الكسوف على النداء في العيدين.","vol":"1","page":430},{"text":"لكنه يعلم من بعض الروايات أنه لم يكن فيها شيء، فقد ورد فيها ولا شيء، لكن المعول على ما في بعض الروايات أنه كان ينادي بـ «الصلاة الصلاة»، وهذا موافق للقياس فإن الإعلام في الجماعة المشروعة من النوافل كالتراويح والكسوف والاستسقاء وغير ذلك مشروع فلا يبعد ذلك ههنا أيضًا، فالحق عدم الاعتراض على من ارتكب شيئًا من ذلك ولعل في أول الأمر لم يكن شيء كما رواه البعض ثم زيد بعد ذلك النداء بالصلاة فروى بعض من حضر أول القصة ما رآه ولم يبلغه آخرها أو بلغه الخبر لكنه بين الأول فقط، أو يكون ذكر الأمرين كليهما، لكن الراوي اختصر فبين أحد الأمرين وانقلب المعنى باختصاره على بعض ما سمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>[باب القراءة في العيدين]</span>\n.\nقوله [وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأ بهما] قد سلف منا وجه اختيار قراءتهما وفي ذلك رد على ما زعم جهال زماننا أن اجتماع الخطبتين يكون نحسًا، [وأما ابن عيينة فيختلف عليه] يعني أن سفيان بن عيينة معاصر لسفيان الثوري فأما تلاميذ سفيان الثوري فردوا الحديث على سنن واحد كما ذكر من غير زيادة لفظ أبيه (١) وأما الآخذون عن سفيان بن عيينة فقد اختلفوا في روايتهم فمنهم من زاد لفظ أبيه ومنهم من لم يزد، ورواية من لم يزد لفظ أبيه هو الصحيح، ثم بين قرينة على صحته وهو أنه لا يعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه، وعلى هذا فالمناسب أن يجزم بصحته إلا أنه لما لم يكن عدم العرفان دليلًا على عدمه لم يجزم بجواز أن يكون له رواية عن أبيه وإن لم يعرف، ويكون هذا من هذا القبيل قوله [وحبيب بن سالم] وهو مولى نعمان بن بشير [وروى عن النعمان بن بشير أحاديث] هذه اللفظة يمكن أن يكون على بناء الفاعل فهذه من أحوال الحبيب أيضًا، وأن يكون على البناء للمفعول فتكون علحدة مما قبلها\n_________\n(١) أي بين حبيب بن سالم والنعمان بن بشير.","vol":"1","page":431},{"text":"وتكون من حال (١) النعمان لا حال حبيب، قوله [وروى عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة العيدين بقاف واقتربت الساعة] ثم بين إسناد (٢) الحديث الذي أشار إليه بلفظ، وروى مع ألفاظ الحديث، والغرض من هذا الحديث ههنا إثبات أن قراءة سبح اسم وهل أتاك في صلاة العيدين لم تك على الدوام بل ثبت قراءته ﷺ بغير هذه السور أيضًا، وأما سؤال عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي كما ورد في هذا الحديث، فقد نبه به ذلك على أن لا بعد في سؤال الأعلم عمن هو دونه، وفي ذلك أيضًا فضل لأبي واقد الليثي ظاهر، وعلم بذلك أيضًا أن كثيرًا من المسائل قد يخفى على كبار الصحابة، ويمكن أن يكون عمر يعلمه لكن قد يكون في بيان المسألة من غير الإمام، وتقرير الإمام ما لا يكون في بيان الإمام كما لا يخفى، أو كان علمه لكنه أراد زيادة توثيق لعلمه، ولعله اعتراه الشك في ذلك والتردد، قوله [بهذا الإسناد ونحوه] يعني أن الإسناد والمتن كليهما واحد أي روى بهذا الإسناد وروى نحو هذا المتن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>[باب التكبير في العيدين </span>(٣)].\n_________\n(١) وهذا محتمل لكنه لا يبقى إذ ذاك لهذا الكلام مزيد فائدة فالأوجه الاحتمال الأول، والغرض على ذلك بيان قرينة أخرى على تخطئة لفظ أبيه وهي أن لحبيب روايات كثيرة عن النعمان بلا واسطة أحد فإنه كان مولاه وكاتبه.\n(٢) يشكل علي الترمذي تصحيح حديث عبد الله عن عمر مع أنه لا شك في أن لقاء عبيد الله عن عمر ليس بثابت وروايته عنه مرسلة كما صرح به في الخلاصة.\n(٣) اختلفوا في تكبيرات العيدين على أقوال حتى ذكر ابن المنذر فيه اثني عشر قولًا، والمشهور عند أئمة الأمصار ثلاثة أقوال: الأولى ما قال مالك وأحمد في المشهور عنه أنها سبع في الأولى مع تكبير الإحرام، وخمس في الثانية، والثاني كذلك إلا أن السبع في الأولى بدون تكبيرة الإحرام وهو قول الشافعي، والثالث ما قال به الحنفية أن الزوائد ثلاث تكبيرات في كل ركعة والبسط في الأوجز، ولعلك قد عرفت من ذلك أن ما حكى الترمذي من تسوية قول الشافعي ومالك ليس بذاك.","vol":"1","page":432},{"text":"قوله [في الركعة الأولى خمس تكبيرات] هذا تغليب، وإلا فليس كل الخمس قبل القراءة بل أربع منها، وهذا لما ثبت في غير هذه الرواية مصرحًا عن ابن مسعود فكان مذهب الإمام في ذلك متفقًا عليه ابن مسعود وحذيفة وأبو موسى ووجه أخذ الإمام في تكبيرات العيدين بقول ابن مسعود ما في غيره من التعارض والتنافي واتفقت في ذلك روايات أبي موسى وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وثبت عملهم (١) بعد النبي ﷺ على ذلك فأخذنا بقولهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>[باب لا صلاة قبل العيدين ولا بعدها </span>(٢)].\nالمذهب (٣) في ذلك أنها ليست قبله لا في البيت ولا في المصلى، وأما بعده فلا يصلي في المصلى، وأما في البيت فلا بأس [وقد رأى طائفة من إلخ] ووجه قولهم أن النبي ﷺ وإن لم يصل لكنه لم يمنع أيضًا فكيف يمنع؟ والجواب منه أن النبي ﷺ لم يكن يصلي العيدين إلا بعد ارتفاع الشمس قدر ما يخرج الوقت عن حد الكراهة، فلو جازت الصلاة فيه قبل العيد لم يترك الصلاة فيه في جميع عمره مع ما علم من حرصه ﷺ على الصلاة.\n_________\n(١) وقد بسط في تخريج الآثار عنهم في أوجز المسالك فأرجع إليه لو شئت تفصيل الدلائل.\n(٢) هكذا في النسخ بإفراد الضمير والأوجه بعدهما بالتثنية وللتأويل مساغ.\n(٣) أي مذهب الحنفية على الراجح وإلا ففي المسألة خلاف بسيط ذكرت في الأوجز، وقال ابن المنذر عن أحمد أن الكوفيين يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، انتهى.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>[باب في خروج النساء في العيدين]</span>\nقوله [وذوات الخدور] هذا يعم القسمين الأولين، والغرض أن خروج النساء للصلوات، ليس للنساء اللاتي يخرجن لحوائجهن وتصير بارزة للناس بل إنما كان الخروج عاملًا لذوات الخدور وغيرها، وقوله [فيعتزلن المصلى] استدل بذلك على مرامه من (١) قال: بأن المصلى له حكم المسجد، والجواب عنه لمن لم يقل بذلك أن اعتزالهم المصلى لئلا تختلط المصلية منهن بغير المصلية فإنها مع ثيابها لا تخلو عن نجاسة، كيف وقد أمرن أن لا يخرجن متزينات، ولما يلزم في دخولهن المصلى من انقطاع الصفوف، [ويشهدن دعوة المسلمين] هذا تنبيه على شيء من فوائد الخروج، وفي ذلك إظهار شوكة المسلمين وتكثير سوادهم، وما ينعكس من أنوار صلحائهم على غيرهم وغير ذلك، وعلم بذلك أن الذي حضر قومًا وهم يصلون العصر فليس له شركة في صلاتهم لكراهة النقل وقتئذ، لكنه يشترك في دعائهم، قوله [وكرهه بعضهم] استدلت على ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂ بما منعت نساء بني إسرائيل عن الخروج حين أحدثن ما أحدثن فقالت: لو رأى النبي ﷺ ما أحدثن لمنعهن عن الخروج، فهذا من قوله دليل على سعة علمها ووفور حكمتها، فمعنى قولها ذلك أن الشرائع من قبلنا علينا العمل (٢)\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح. حمل الجمهور الأمر على الندب لأن المصلي ليس بمسجد، وأغرب الكرماني إذ قال: الاعتزال واجب، وقال النووي: الجمهور على أن للتنزيه لا التحريم فتمنع لاختلاط النساء بالرجال بدون الضرورة وحكى عن بعض أصحابنا التحريم، قال القارئ لئلا يوذين بدمهن أو ريحهن غيرهن، وفي فروع الحنفية: أن مصلي العيد ليس في حكم المسجد في هذا وإن كان في حكمه في صحة الاقتداء صرح بذلك ابن عابدين وغيره.\n(٢) أي بشرط أن يتلى علينا في الكتاب أو السنة كما فصله أهل الأصول لأن أهل الكتاب حرفوا كتبهم فلا يتحقق كون حكم من الأحكام من مذهبهم بدون ذلك.","vol":"1","page":434},{"text":"بما لم يتل علينا على وجه الإنكار والرد، فلما كان كذلك كانت إجازتهن إجازة لنسائنا ومنعهن حين منعن من الخروج منعًا لنسائنا حين أحدثن ما أحدثن، [وروى عن ابن المبارك أنه قال أكره الخروج] وهذا لأن خروج النساء زمن النبي ﷺ لم يكن في زمان فساد بخلاف نساء زماننا، وقوله [فإن أبت إلا أن تخرج] هذا حيلة لردهن عن الخروج وإن لم يكن ظاهره الإجازة، فإن من عادة المرأة أنها لا تخرج إلى العيد والنساء إلا متزينة.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-212>[باب ما جاء في خروج النبي ﷺ إلى العيد في طريق ورجوعه من طريق]</span>\nهذا إما لإقامة الشاهدين على خروجه كما هو المشهور، أو لاراءة شوكة المسلمين لكفارى الجانبين، أو ليتشرف الطريقان، والذين لم يخرجوا من الرجال المستضعفين والنساء والولدان بقدوم المصلين والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، لا سيما برؤية ﷺ في زمانه وبرؤية خلفائه الراشدين في أزمنتهم قوله [قد استحب بعض أهل العلم للإمام إلخ] تخصيص ذلك بالإمام ليس إلا لأنهم يخرجون ويعودون معه، [وحديث جابر كأنه أصح] ليس هذا إلا (١) لعدم الجزم بذلك فإن حديث أبي هريرة لعله مروى بطرق هي قليلة بالنسبة إلى طرق حديث جابر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>[باب في الأكل يوم الفطر قبل الخروج]</span>\n.\nمن المعلوم أن في أول صوم من صيام شهر رمضان ما ليس في الثاني، وفي\n_________\n(١) ويؤيد ذلك اختلاف أهل الفن في الترجيح، فقد أخرج البخاري في صحيحه حديث جابر ثم قال تابعه يونس بن محمد عن فليح عن أبي هريرة وحديث جابر أصح، قال الحافظ: رجح البخاري أنه عن جابر وخالفه أبو مسعود والبيهقي، فرجحا أنه عن أبي هريرة ولم يظهر لي في ذلك وجه ترجيح، انتهى قلت ولا يذهب عليك أن قول البخاري وتابعه فلأن عن أبي هريرة مشكل جدًا، محله شروح البخاري.","vol":"1","page":435},{"text":"الثاني ما ليس في الثالث، وكذلك فلما كان ذلك أيامًا لا تبقى في الصوم مشقة، وكان معتادًا وكان المقصود أن لا يتعدى من الحدود التي عينها الشارع لأحكامه فوجب النهي عن النقص والزيادة في صيام رمضان أيضًا بذلك، فلما كان المسلمون قبل رمضان غير عادي (١) الصيام كفاهم أدنى منع في ذلك، فمنعه بقوله: لا تواصلوا شعبان برمضان، وأما بعد قضائهم صيام رمضان وفراغهم عنه فقد اعتادوا الصيام ولم يبق إعراض الطبيعة عن الصوم كما كان قبل رمضان فاحتاجوا إلى منع هو أشد من المنع الأول فحرم (٢) صيام أيام خمس منها يوم العيد، ثم أمر بالأكل قبل الصلاة سدًا لباب المحرم إلا أن هذا ترك في عيد الأضاحي بعارض الضيافة، ثم في ذلك المقدار من الصوم تشبه باليهود لما أن صومهم يكون هذا القدر، وليس ذلك في الأضحى لما فيه من تعجيل أمر الصلاة، مع أنه لا صوم في الأضحى حتى يلزم الزيادة على ما عين منه صورة مع أن الأولى أن يكون أول طعامه ما هو من ضيافة الرب الكريم، قوله [على تمر] إما لرخصه في العرب أو لما فيه من مناسبة بالمعدة لحلاوته.\n_________\n(١) هكذا في الأصل والظاهر غير معتادي الصيام، والعادي في اللغة الذي جرت به العادة.\n(٢) أي كره تحريمًا، وقد يطلق على المكروه التحريمي لفظ الحرام في عرف الفقهاء، وقد قال ابن عابدين: يسمى الإمام محمد المكروه التحريمي حرامًا ظنيًا.\n(٣) اختلفت الروايات عن ابن عمر في التطوع في السفر، وجمع بين ذلك بوجوه منها ما أفاده الشيخ، وذكر الحافظ: الجمع بالفرق بين الرواتب وغيرها فالإنكار على الأول والإثبات للثاني، ويظهر من صنيع البخاري أنه مال إلى الفرق بين الرواتب البعدية وغيرها، ومال العيني إلى أن النفي غالب أحواله والإثبات في بعض الأوقات، واختار شيخ مشايخنا الشاه عبد الغنى: بأن النفي في حالة السير والإثبات في حالة القرار، والأوجه عندي أن النفي محمول على الصلاة في الأرض والإثبات على الصلاة على الدابة راكبًا، والبسط في الأوجز.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>أبواب السفر</span>\nقوله [لا يصلون قبلها ولا بعدها] أي تأكدًا وإلا فقد ثبت الرواية عن ابن عمر (٣) أيضًا أنه كان يصلي السنن ويروى عن النبي ﷺ ذلك، قوله [وقال لو كنت مصليًا قبلها أو بعدها لأتمتها] يعني أن التخفيف لما أثرت في الفرائض أثرت في السنن أيضًا إلا أن التخفيف في السنن ليس في تقليل أعداد الركعات إنما التخفيف فيها بنقض تأكدها الذي كان في غير السفر، فمراده أن السنن لو كانت باقية على ما كانت قبل من التأكد لم يخفف في الفرائض أيضًا، فلما ثبت بنص قطعي تخفيف في المفروض ثبت نوع منه آخر في النافلة وكان رضي الله تعالى عنه رأى من رجال معه تكلفًا في أداء السنن\nفعلم أنهم يؤكدونها تأكد الإقامة فقال ذلك، قوله [وعثمان صدرًا من خلافته] ثم أتم عثمان بعد ذلك، واختلفوا (١) في الجواب عنه فقيل\n_________\n(١) اعلم إنهم اختلفوا في حكم القصر على عدة أقوال: أما الحنفية فإنهم قالوا بوجوبه قولًا واحدًا واختلفت الروايات عن الإمام الشافعي وأشهرها المنصور عند أصحابه أنه رخصة وكذلك اختلفت الروايات عن الإمام مالك فروى عنه أشهب أنه فرض، وروى أبو مصعب عنه أنه سنة وهو أشهر الروايات عنه، وأما الإمام أحمد فروى عنه أنه فرض، وعنه أنه سنة، وعنه أنه أفضل، وعنه أحب العافية عن هذه المسألة، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":437},{"text":"إنما أتم لئلا يظن الحاضرون افتراض الركعتين وفيه أنه يلزم بذلك فساد صلاة كل من خلفه من أهل هذه الناحية لم أنهم صلوا خلفه فرائضهم وهو متنقل في شفعته تلك، فكيف لم ينبههم على ذلك وسكت عن ذكره، وقيل لأنه كان تأهل بمكة، وفي ذلك أن النبي ﷺ كان قد منعهم عن العود في الدار التي هاجر عنها، فكيف ارتكب عثمان رضي الله تعالى عنه مع جلالة قدره، والحق (١) في الجواب أنه كان يرى ما ترى عائشة من جواز التقصير، والاتمام كليهما عملًا بقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ وقد كان اختيار السياق المذكور في هذه الآية مع أن الحنفية لم يقولوا بمفهوم المخالفة، ما كانوا يظنون في هذا التقصير من الإثم الكبير، وقد ثبت برواية عائشة أن فرض الصلاة إنما كان في الأول اثنان، ثم زيد في الحضر ولم يزد في السفر، وعلى هذا فلا يلزم كونه رخصة بل الأربع لم تكن فريضة أصلًا حتى تكون الرخصة وتسميته قصرًا في الآية بإضافته (٢) إلى الحضر لا إلى أصل ما فرض منها، وإن كان نسخًا فالعمل لا يجوز بالمنسوخ أصلًا فكيف يجوز الاتمام.\nقوله [إلا أن الشافعي يقول التقصير رخصة له في السفر، فإن أتم الصلاة أجزأ عنه] هذا الاستثناء يدل على أن مذهب الأئمة المذكورين ههنا هو التقصير ولا يجوزون (٣) الاتمام، قوله [بذي الحليفة العصر الركعتين] هذا يدل على\n_________\n(١) ويحتمل أنهما يريان القصر عند الخوف لقوله تعالى ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ فتأمل.\n(٢) وبسطه الشيخ في البذل.\n(٣) وعلى هذا فما حكى عن الإمام أحمد يكون مبنيًا على إحدى الروايات عنه كما تقدم قريبًا.","vol":"1","page":438},{"text":"أن التقصير في الصلاة ليس منوطًا على اتمام مدة السفر بل يكفي في ذلك مطلق أخذه في السفر، ولا يدل على أكثر من ذلك، فإن ذا الحليفة على ستة أميال من المدينة، قوله [لا يخاف إلا رب العالمين] هذا إشارة إلى أن قيد إن خفتم في الكريمة ليست مدار القصر، وهذا السفر كان عام حجة الوداع.\n\nقوله [باب ما جاء في كم تقصر الصلاة] هذا يعم مدة الإقامة ومدة السفر فإن لفظة كم وضعها لبيان الكمية، وهي ههنا (١) تعم القسمين كما ذكرنا، وإن لم يذكر الترمذي بعد إيراد الحديث إلا بيان الاختلاف في مقدار الإقامة، وأما أن مقدار الذي يعد به مسافرًا شرعًا ما اخترناه، فالدليل عليه ما رواه مالك مرفوعًا لا نقصر من أقل من أربعة برد أو نحو ذلك، والبريد أربع فراسخ، والفرسخ قريب من ثلاثة أميال إلى الزيادة، قوله [إنه أقام في بعض أسفاره تسع من روى ثماني عشرة أو سبع عشرة أو ست عشرة، وقد ورد خمس عشرة أيضًا، وطريق الجمع أما في الثلاثة الأول فظاهر، فإن من عد (٢) يومي النزول والخروج عد تسعًا، ومن لم يعدهما قال في روايته سبعًا، ومن ذكر أحدهما ذكر ثمان عشرة، وأما الجمع بين الخمس والست ففيه إشكال.\nقوله [روى عن علي أنه قال من أقام عشرة أيام إلخ] هذا مع ما ينافيه\n_________\n(١) أي باعتبار الحديث وإلا فظاهر غرض الترمذي أنه أراد الأول إذ ذكر أقوال العلماء في ذلك دون الثاني.\n(٢) وبهذا جمع البيهقي بين هذه الروايات، وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي وليس بجيد لأن رواتها ثقات ولها متابعة، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة فحذف منها يومي الدخول والخروج، انتهى ما في البذل مختصرًا.","vol":"1","page":439},{"text":"عمل الأصحاب الأخر يرده عمل النبي ﷺ بخلافه، فإنه أقام بمكة عشرة أيام أو أكثر، ومع هذا لم يتمم (١) ولا يتوهم أنه أقام هذا القدر من غير قصد، وكان يريد الارتحال في أقل من ذلك، لأنه ﷺ لما نزل بمكة رابع ذي الحجة لم يكن له قصد إلا الرواح بعد الفراغ من الحج، وليس الفراغ (٢) إلا في الرابع عشر، فالقصد للإقامة كان لعشرة أيام أو أكثر من ذلك، قوله [وروى عن ابن عمر] الروايات عن ابن عمر مختلفات فكيف يعمل بإحداها دون الآخر، [وروى عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام أربعًا] هذا ما يرده أيضًا عمل الصحابة والنبي ﷺ في حجة الوداع فإنهم كانوا على يقين وإزماع من الإقامة أربع أيام قوله [إلى توقيت خمسة عشرة] لما روى في رواية (٣) من روايات إقامته يوم فتح مكة، ولما روى في رواية عن ابن عمر أيضًا، قوله [ثم ناوله (٤) هكذا] في رواية الترمذي في نسختنا، وأما ما أقرءناه الأستاذ أدام الله علوه فتناوله بلفظ التاء الفوقانية المثناة دون النون، قوله [فصلى تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين] إقامته وهي هذه (٥) لم تكن بإزعامه لإقامة هذا القدر، لأنه قد اجتمعت عليه حينئذ\n_________\n(١) يحتمل أن يكون من التفعيل فإن التتميم والاتمام في اللغة واحد، والأوجه أنه من الاتمام فيجوز في الجزم الفك والادغام.\n(٢) هذا معلوم إلا أن قيام هذه الأيام العشرة لم يكن في محل واحد بل بمنى وعرفات ومكة وغيرها، فلا يتم الاستدلال على أصول الحنفية، وأجيب عن هذا الإشكال في تقرير عمي الشيخ مولانا رضي الحسن المرحوم أن هذه المواضع كلها داخلة في مكة انتهى، أي باعتبار كونها فناء له فتأمل.\n(٣) وهو أقل ما ورد في ذلك، فالأخذ بالمتيقن أولى.\n(٤) أي بالنون ذكر في هامش «شرح السراج» من المناولة بمعنى الأخذ وفي بعض النسخ بالتاء أي عمل به.\n(٥) هكذا في الأصل، والظاهر أنها جملة معترضة بين المبتدأ والخبر فتأمل.","vol":"1","page":440},{"text":"هوزان وأهل الطائف وغيرهم فإنى له إجماع إقامة هذا القدر، وإنما أقام بهذا القدر بنية أن يخرج غدًا فلم يتفق وهكذا قوله [فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس] وهذه صلاة الزوال، وهذا دليل على أن ابن عمر رأى التأكد (١) منفيًا دون التنفل مطلقًا [وروى عن ابن عمر إلخ] هذه الروايات عن ابن عمر تشير إلى تعارض في قوله ورواياته، لكنها تجتمع بما قدمنا من أن الإنكار والنفي للتأكد والإثبات للنوافل والسنن مطلقًا.\nقوله [ولم ير طائفة من أهل العلم أن إلخ] المراد بذلك أنها لا تبقى سنة، لا أنها لا تبقى جائزة، والفرق بين القول الأول وبين هذا القول أن (٢) الأولون لم يخرجوها عن السنية بل التأكد، وهؤلاء أخرجوها عن التأكد والسنية كليهما، وإنما الباقي فضل الصلوات كما قاله الترمذي بقوله ومن تطوع فله إلخ، قوله [وهي وتر النهار] إنما عدها وتر النهار لما أن أثر النهار من الضياء والاشتغال بالأعمال وغير ذلك باق إليه، وقد قال بعض أهل الظاهر لا يجوز الإفطار إلا بعد زمان من الغروب مساو لزمان الصبح الصادق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>[باب الجمع بين الصلاتين </span>(٣)].\n_________\n(١) كما تقدم قريبًا.\n(٢) هكذا في الأصل، وله عدة توجيهات لا تخفى على من مارس كتب النحو.\n(٣) اعلم أنهم اختلفوا في الجمع بين الصلاتين في غير عرفة والمزدلفة على ستة أقوال: الأول لا يجوز مطلقًا، وهو قول الحنفية والحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي والأسود، ورواية ابن القاسم عن مالك وبه قال ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وجابر بن زيد وأسود وعمر بن عبد العزيز والليث وغيرهم، الثاني يجوز كما يجوز القصر، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق ومن المالكية أشهب، الثالث يجوز إذا جد به السير، قاله مالك، الرابع يجوز إذا أراد به قطع الطريق، الخامس مكروه، قاله مالك في رواية المصريين عنه، السادس يجوز جمع تأخير لا جمع تقديم، وهو اختيار ابن حزم، وروى عن مالك وأحمد، وما قال النووي أن صاحبي أبي حنيفة خالفاه، رد عليه صاحب الغاية، والبسط في الأوجز.","vol":"1","page":441},{"text":"والجواب عنه أن الجمع بينهما لا يخلو من أن يكون في وقت العصر أو الظهر أو وقتيهما، فتعيين أحد هذه المحتملات تعيين من غير دليل، مع أن الذي عينوه (١) يخالف صريح قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وحاصل الجواب أنه لما لم يكن في الحديث تنصيص بجمعهما في وقت إحداهما، وإنما الاحتمال (٢) باق فقط، فلا يجوز العمل بمجرد الاحتمال على خلاف كتاب الله المجيد، ولفظة عجل إنما معناها التعجيل عن وقتها المعهود لا عن أصل الوقت، والصلاة في الحالتين أي في قوله عجل العصر وقوله أخر الظهر واقعة في وقت واحد (٣) والفرق في التعبير فقط، مع أن رواية ابن عمر الآتية من بعد ذلك فيها تصريح بما عينا من أحد الاحتمالات وهو ما سيأتي من قوله حدثنا هناد إلى أن قال حتى غاب الشفق فالقصة التي رووها عن ابن عمر أنه استغيث على بعض أهله، ففي هذه القصة تصريح في رواية أبي داؤد (٤) والنسائي من أنه قرب الشفق للغروب، وليس المراد الغروب حقيقة، فوجب حمله عليه\n_________\n(١) أي من الجمع في وقت إحداهما.\n(٢) أي لم يبق بعد ذلك إلا الاحتمال فقط.\n(٣) أي في وقت هذه الصلاة.\n(٤) ولفظ رواية أبي داؤد عن نافع وعبد الله بن واقد أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة، قال: سر حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا عمل به أمر صنع مثل الذي صنعت الحديث، وقد وردت في هذا المعنى عدة روايات ذكرت في الأوجز.","vol":"1","page":442},{"text":"أيضًا، وإلا فكيف يصح المعنيان والقصة واحدة، أو يراد بالشفق الحمرة، فكان وقت المغرب باقيًا على مذهب الإمام، ثم قال ابن عمر إن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، فوجب حمل ما ورد من الروايات جمع النبي ﷺ بين الصلاتين على هذا، وإلا فكيف يصح قوله: كان النبي ﷺ إلخ.\n\nقوله [باب ما جاء في صلاة (١) الاستسقاء] قد اشتهر في المتون من مذهب الإمام أنه لا صلاة في الاستسقاء، والمراد بذلك نفى سنيتها ودخولها في أركان الاستسقاء لما ثبت أنه ﷺ دعا للمطر وهو يخطب (٢) ليوم الجمعة، وكذلك ثبت منه ﷺ استسقى ولم يصل (٣)، وأما استحباب الصلاة في الاستسقاء وجوازها فيه، فلا ينكر إذ هو أدعى للإجابة، وأما تحويل الرداء فعلى هذا القياس (٤) وهو أن يجعل يمين ردائه يسارًا ويساره يمينًا، وتحته فوقًا وفوقه تحتًا. وأما جعل ظهره بطنًا وبطنه ظهرًا فليس يجتمع بهذين، قوله [وصلى ركعتين كما كان\n_________\n(١) ههنا عدة أبحاث نفيسة بسطت في الأوجز في اللغة وفي السبب وفي بدء الشرعية وفي حكم الصلاة ووقتها وكيفيتها وتكرارها إذا لم يمطروا.\n(٢) وهو حديث الداخل في الخطبة، فقال: يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاء، الحديث المشهور في الأمهات.\n(٣) أي لم يذكر الصلاة فيها بل ذكر الاستسقاء بمجرد الدعاء كما بسطت الروايات في الأوجز على أنه عز اسمه رتب إرسال السماء على مجرد الاستغفار، فقال تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ قال السرخسي: والأثر الذي روى أنه ﷺ صلى شاذ فيما تعم به البلوى وما يحتاج العام والخاص إلى معرفة لا يقبل فيه شاذ، وهذا مما تعم به البلوى في ديارهم، انتهى.\n(٤) أي ليس بسنة عند الإمام وبه قال بعض المالكية ومسنون عند صاحبي أبي حنيفة والأئمة الثلاثة ثم اختلفوا في كيفية التحويل كما بسطت في الأوجز في مسالكهم.","vol":"1","page":443},{"text":"يصلي بالعيد] استدل بذلك من ذهب (١) إلى مشروعية التكبيرات في صلاة الاستسقاء، والجواب أن التشبيه ليس إلا في كون الركعتين وقت ارتفاع النهار بهيئة الجماعة.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-217>[باب في صلاة الكسوف]</span>\n.\nاختلفت الروايات في ركوعات هذه الصلاة، فمنهم من روى ركعتي النبي ﷺ في الكسوف بركوعين، ومنهم من روى بأربعة ومنهم من روى ستة، فمن ذلك رواية عائشة وفيها مع تناقض في الروايات أن عائشة كانت في حجرتها وقد كثرت الظلمة فأنى لنا الاعتماد على روايتها، وكذلك من روى زيادة على الركعتين بركوعين، فإن بعضهم كان بعيدًا عنه ﷺ ولا معتمد على قوله إذا خالف الأصول وروايات الأصحاب الأخر، فأخذنا بقول من قال فيهما ركوعان لموافقة الأصول وأيضًا في روايتهم ما يدل على كونهم معتمدين في ذلك، فإنه روى أبو داؤد في سننه في باب صلاة الكسوف، قال سمرة: بينما أنا وغلام من الأنصار ترمي غرضين لنا حتى إذ كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق أسودت حتى آضت كأنها تنومة فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فو الله ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حدثًا قال: فدفعنا فإذا هو بارز فاستقدم فصلى فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتًا، قال: ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتًا، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، قال: فوافق تجلى الشمس جلوسه في الركعة الثانية، قال: ثم سلم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أنه عبده ورسوله ثم ساق أحمد بن يونس خطبة النبي ﷺ، فهذا سمرة بن جندب أليس في روايته\n_________\n(١) وروى ذلك عن الإمام محمد من الحنفية لكن المشهور عنه خلافه، نعم قال بذلك الشافعية والحنابلة خلافًا للحنفية والمالكية، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":444},{"text":"ما يدل على أنه لم يحضر إلا ليرى النبي ﷺ ماذا يفعل فهلا قام في الصف المقدم وأعاره سمعه وقلبه، فكيف يرجح على روايته رواية من لم يشهده شهوده، ولم يبذل فيه مجهوده، ولم يسق القضية كسياقه ولم يخض فيها بأعماقه مثل عائشة ﵂ وعنهم، والوجه في اختلاف الروايات في ذلك أن النبي ﷺ كان أطال بهم القراءة جدًا كما ثبت بما رواه سمرة أيضًا، فالذين لم يكونوا في الصف المقدم وكان النبي ﷺ يكبر تارة ويسبح تارة، ويسمع آية تارة كانوا يظنون تكبيرته ركوعًا فيركعون، وكذلك عائشة كانت تسمع القراءة أحيانًا وتكبيراته تارة، فروت مثل ما سمعت وهذا هو السبب (١) في اختلاف الروايات عنه ﷺ في ذلك، والقضية\n_________\n(١) وإلا فلا وجه لمثل هذا الاختلاف الكثير الطويل في قضية واحدة، وما قالوا إن روايات تثنية الركوع صحيحة، وما عداها ضعيفة فعلى أنها مجرد دعوى لأن روايات ما عداها مضاعفة بإضعاف الروايات التي فيها تثنية الركوع وقد صحح بعضها جمع من المحدثين منهم الترمذي كما سترى، هذا وقد ورد من حديث أبي بكر وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وقبيصة الهلالي والنعمان بن بشير أنه ﷺ صلى في الكسوف ركعتين كصلاة العيد، قال ابن عبد البر: وهي كلها آثار مشهورة صحاح، ومن أحسنها حديث أبي قلابة عن النعمان، قلت: وقد بسط الكلام على هذه الروايات، وذكر تخريجها في الأوجز على أنه قد ورد الأمر بقوله ﷺ إذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة، رواه النسائي وأحمد، قال النيموي: إسناده صحيح، قلت: وقال الحاكم صحيح على شرطهما، وأنت خبير بأن القول والفعل إذا تعارضا ترجح القول كما هو معروف عند أهل الفن مع أن روايات الفعل متعارضة وروايات القول سالمة عن المعارضة فضلًا عن كونها موافقة للأصول ومرجحة بالقياس ووجوه الترجيح بسطت في الأوجز.","vol":"1","page":445},{"text":"متحدة إذ لم يكسف الشمس في المدينة بعهده إلا مرة، وأما في مكة فلم يكن اقتداء ولا اجتماع بهذا القدر حتى يصلي بجماعة.\nقوله [وقد اختلفت أهل العلم في القراءة (١) في صلاة الكسوف] وقد عرفت وجه الاختلاف، وقد أغنانا الرواية التي قدمناها عن سمرة عن الجواب منها [وهذا عند أهل العلم جائز على قدر الكسوف] ليت شعري من أين أثبتوا ذلك حتى يقال بجوازه، إذ الكسوف لما لم يقع إلا مرة، ولا يمكن حمل روايات الست والأربع والركعتين على فعله إذ ليس فعله فيه إلا واحدًا لم يجز العمل إلا بإحدى هذه الروايات لا أن يكون مخيرًا بين كل من ذلك.\nقوله [يصلي صلاة الكسوف في جماعة في كسوف الشمس والقمر] ووجه ذلك أن كسوف الشمس لما ثبتت جماعته ﷺ فيه ثبتت جماعة فيه أيضًا، قلنا جماعة النفل مكروهة إلا ما ثبت عنه ﷺ ولم يثبت عنه في خسوف القمر جماعة، فبقى غير مستخرج عن عموم النهي، قوله [عن سمرة بن جندب] هذه هي الرواية التي أخذنا بها في عدد الركوع وهي ههنا مذكورة بطريقها التي ذكرنا، وقد قبلها (٢) الشافعي ولم يأخذ بقول عائشة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>[باب ما جاء في صلاة الخوف]</span>\n.\nاعلم أولًا أن صلاة الخوف وردت عن النبي ﷺ بعدة طرق رويت في أحاديث\n_________\n(١) قال الإمام أبو حنيفة بالسر وأبو يوسف وأحمد بالجهر وعن محمد روايتان، قال النووي: مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر فما حكاه النووي عن مالك هو المشهور عنه، قال المازري: ما حكاه الترمذي عن مالك من الأسرار رواية شاذة، كذا في الأوجز مختصرًا عنه.\n(٢) أي قبلها في حكم القراءة ولم يقبلها في عدد الركعات.","vol":"1","page":446},{"text":"حسان أو صحاح، ويبلغ عدد صورها المذكور في الأحاديث إلى خمس (١) عشرين وثانيًا أن كل صورها (٢) جائز عند جميع الأئمة، وإنما خلاف في الاختيار وإن أيها أولى أن الإمام أبا حنيفة (٣) أنكر جواز صورتين وعدهما من خصوصيات النبي ﷺ، إحداهما ما ورد من أن النبي ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين فكانت له أربع ولكل منها اثنتان ففي هذه الصورة تلزم صورة المفترض خلف المتنقل فلم يجوزها الإمام لغير النبي ﷺ وثانيتهما ما ورد أنه صلى بكل\n_________\n(١) قال ابن العربي: في القبس جاء أنه ﷺ صلاها أربعًا وعشرين مرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة ولم يبينها، وبينها العراقي في شرح الترمذي، والبسط في الأوجز.\n(٢) قال الشوكاني: قد أخذ بكل نوع من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي ﷺ طائفة من أهل العلم، وقال البيهقي: ذهب أحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث إلى أن كل حديث ورد في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، وحكى الحافظ عن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، والبسط في الأوجز.\n(٣) لم ينفرد الإمام في إنكارها، أما الأولى فلم يقل بها إلا من قال بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل ولذا عدها ابن العربي من الغرائب، وأما الثانية فلم يقل بها أحد من الأئمة الأربعة، قال البيهقي: قال الشافعي روى حديث لا يثبت أن النبي ﷺ صلى بطائفة ركعة ثم سلموا، الحديث، وإنما تركناه لأن جميع الأحاديث في صلاة الخوف مجتمعة على أن على المأمومين من عدد ركعات الصلاة ما على الإمام وكذلك أصل فرض الصلاة على الناس واحد، انتهى، قلت: وبسطه في البحث الخامس من الأبحاث التي ذكرت في خوف الأوجز وصرح فيه بأن الأئمة الأربعة والجمهور متفقة على أن الحديث لو صح مؤول.","vol":"1","page":447},{"text":"طائفة (١) ركعة فهذه الصورة أيضًا مؤولة عند الإمام بأن صلاتهم مع النبي ﷺ كانت هذه فحسب، لا أن كل صلاتهم كانت ركعة فحسب، وأما إذا لم يتأول هذا التأويل وكانت على ظاهرها من كونها ركعة فحسب، كانت هذه الصورة أيضًا من خصوصيات النبي ﷺ وليست بجائزة لغير النبي ﷺ، وثالثًا أنهم اتفقوا قاطبة على جواز صلاة الخوف عند الخوف وشرعيتها لغير النبي ﷺ إلى يوم تقوم الساعة إلا أبا يوسف (٢) فإنه أنكر شرعيتها لغير النبي ﷺ وعدها من خصوصياته، ولم يأخذ بقول أبي يوسف في ذلك أحد من الفقهاء (٣) كيف وقد عملت الصحابة بذلك بعد النبي ﷺ، وصلوا صلاة الخوف فهل خفى خصوصه على هؤلاء العصابة كافة حتى لم ينكر عليهم أحد منهم واجتمعوا على أمر غير مشروع ولم يبالغوا في تحقيق لجواز صلاتهم المفروضة، ورابعًا أن الترمذي أشار في كتابه هذا إلى شرعيتها ولم يقصد إحصاء صورها، والثابت في الأحاديث الواردة ههنا صور ثلاث إحداها ما أشار إليها بحديث ابن عمر وثانيتها بحديث سهل وثالثتها بقوله في آخر الباب وروى إلخ، وقوله [والطائفة الأخرى مواجهة العدو] في مواجهتهم العدو وأربعة شقوق ممكنة كون العدو أمامهم (٤)\n_________\n(١) فكانت للقوم ركعة وللنبي ﷺ ركعتان، كذلك رواه زيد بن ثابت عن النبي ﷺ كما في أبو داؤد.\n(٢) أي في إحدى الروايتين عنه المشهورة، وبذلك قال صاحبه الحسن بن زياد اللؤلؤي وإبراهيم بن علية والمزني من الشافعية كما بسط في الأوجز.\n(٣) أي المشهورين وإلا فقد عرفت بعض من قال بقوله.\n(٤) أي إمام الطائفة الأولى التي مع الإمام، وأما الطائفة الأخرى فلا يكون العدو إلا أمامهم وإلا فلا فائدة في التفريق، وحاصل كلام الشيخ أن العدو في حديث الباب محتمل كونه في كل جهة إلا أن الظاهر من لفظ الحديث كونه في غير جهة القبلة.","vol":"1","page":448},{"text":"بينهم وبين القبلة وخلفهم يمينهم ويسارهم، لكن بعض الألفاظ وهو لفظ الطائفة الأخرى، وجاء وانصرف خصص المواجهة بكونهم في غير جهة القبلة، فإنه لو كان العدو أمامهم لم يكن لتخصيص الطائفة بكونهم في مواجهة العدو وجه إذ الكل مواجه للعدو على هذا التقرير، إلا أن يقال: وجه تخصيصهم بذلك كونهم مقابلين للعدو وقت سجود الطائفة الأولى، وجاء وانصرف، إطلاقه محتمل لتقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، فعلى هذا لا يكون تخصيص لجهة من الجهات الأربع في كون العدو فيها أو عدم كونه، وأيًا ما كان فمراد ذلك الحديث إلى قوله: فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم موافق لما اختاره الأحناف وبسطوه في كتبهم، وأما هذا اللفظ فموافق لمرامهم على احتمال وغير موافق له على احتمال، فإن المفهوم من لفظ الحديث ليس إلا أن هؤلاء قضوا ركعتهم وهؤلاء ركعتهم، وهذا بعد ما سلم الإمام، وأما أن قضاء الطائفتين هل وقع في وقت واحد؟ أو الطائفة الأولى قضت صلاتها أولًا ثم الأخرى؟ فغير مبين ولا معين، فإن الواو لمطلق الجمع، ولا يفهم منه تقديم شيء ولا تأخيره، فإن كان معنى الحديث أنهم قضوا صلاتهم معًا لم يكن على وفق ما اختاروه، وإن كان المراد أن الطائفة الأولى قضت صلاتها أولًا، كان موافق (١) مرادهم، وإن كان المراد أن الطائفة الأخرى قضت صلاتها أولًا كان خلافًا أيضًا، مع أن الصورة الثانية مرجحة على الأولى والثالثة، إذ شرعية صلاة الخوف لطلب الطمأنينة حال\n_________\n(١) وهو الأوجه، وإن كان ظاهر اللفظ يؤيد الأول، قال الحافظ لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا في حالة واحدة، ويحتمل أنهم اتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى وإلا لزم ضياع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داؤد عن ابن مسعود ففيه أداء كل من الطائفتين على التعاقب. انتهى، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":449},{"text":"الصلاة، فإنهم لو اشتغلوا في الصلاة معًا كانت الطمأنينة معدومة، ولا كذلك إذا صلى طائفة مبهم والأخرى مواجهة العدو، فإنه على اطمئنان في صلاتهم ولا يحصل الاطمئنان إذ قضى كل من الطائفتين ركعتهم إذا قضاها الثانية. وأما الثالثة (١) ففيها فراغ اللاحق قبل فراغ السابق، ولا عهد (٢) لنا به في الشرع، ولا يلزم شيء من هذين فيما اخترناه من الصورة فإن القاضية ركعتها أولًا أولى الطائفتين التي كبرت التحريمة مع الإمام، والقاضية الثانية التي هي مسبوقة بركعة وفيها غير ذلك أيضًا من مراعاة (٣) الأمور التي هي ملائمة للصلاة، والتي هي غير ملائمة لها وجودًا وعدمًا.\nقوله [وفي الباب عن جابر وحذيفة وزيد بن ثابت إلخ] ليس المراد تعين الصورة المذكورة أولًا، إنما المراد أن روايتهم في صلاة الخوف على أي صورة كانت ثابتة، قوله [ما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا (٤) صحيحًا] يعني أن ما ورد فيه من الروايات فهو صحيح لا ضعف فيها، فأي وجه لترجيح صورة ما على باقي الصور لحال الإسناد، وأما نحن، فقد اخترنا الصورة السابقة لئلا يلزم شيء\n_________\n(١) أي أما الصورة الثالثة، وهي أن الطائفة الأخرى قضت صلاتها أولًا.\n(٢) ولا يوافقه اللفظ أيضًا بخلاف الصورة الأولى فإنه ممكن لظاهر اللفظ.\n(٣) أي في الصورة الأولى توجد وجوه الترجيح غير ذلك أيضًا، وهي مراعاة أمور الصلاة.\n(٤) قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله [أي الإمام أحمد] تقول بالأحاديث كلها أو تختار واحدًا منها، قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأختاره، انتهى، ثم لا يذهب عليك أن ما حكى الإمام الترمذي من موافقة مالك الشافعي قول مرجوع للإمام مالك، والذي رجع إليه أن الإمام يسلم منفردًا ولا ينتظر فراغ الطائفة الثانية، نعم قال به الشافعية أن الإمام يثبت جالسًا حتى يفرغوا فيسلم بهم، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":450},{"text":"من منافيات الصلاة كتقدم فراغ المأموم على الإمام في أركان الصلاة، وانتظار الإمام المأمومين إلى غير ذلك، قوله [لسنا نختار حديث سهل إلخ] حاصل اعتراض إسحاق على صاحبه أحمد والشافعي أنه لا ترجيح من غير مرجح، ولا مرجح لحديث سهل على غيره، والجواب منا أنا لم نرجح من غير مرجح بل المرجح موجود، فإن قيل: في الصورة المختارة لكم كثرة المنافي للصلاة، قلنا: قد ثبتت المنافاة بأمر الشارع، فلما رفع المنافاة ارتفعت فلم يبق المشي والذهاب والمجيء منافيًا للصلاة حتى تضر كثرة ذلك الأمور، والجواب عن الشوافع: بأنا رجحنا حديث سهل بكثرة الطرق غير تام إذ لا ترجيح بكثرة الطرق ولا بتعدد العلل فلما لم يثبتوا ضعف باقي الروايات وسلموا حسنها وصحتها لم يبق لإحداها رجحان على سائرها، والجواب عما يرد على إسقاط فرض الاستقبال الثابت بالكتاب بخبر الواحد أن الآية مخصوصة بقوله تعالى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ في حق المتنفل على الدابة، والذي لا يعلم حال القبلة في الصحراء أو في الظلمة، والمريض الذي ليس عنده من يوجهه إلى القبلة فيجوز أن يخصص في صلاة الخوف أيضًا بخبر الواحد أو يقال: إن أخبار شرعية صلاة الخوف بلغت إلى التواتر، ولا أقل من الشهرة فجاز بها تخصيص مطلق الكتاب.\nقوله [حدثنا محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد القطان نايحى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد] وفي الثانية محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد، وحاصل هذا القول أن محمد بن بشار يروي الحديث عن القطان، وله أستاذان: يحيى بن سعيد الأنصاري وشعبة، فروى يحيى القطان لتلميذه محمد بن بشار تارة عن أستاذه يحيى بن سعيد الأنصاري، وليست في ذلك واسطة لعبد الرحمن بن القاسم لكنه غير مرفوع وتارة عن أستاذه شعبة وفيه توسط عبد الرحمن لكنه مرفوع، ويتبين بذلك أن","vol":"1","page":451},{"text":"لفظة قال في ما سيأتي (١) فاعله شعبة ويجب أن يقدر، قال آخر: فيكون المعنى أن يحيى بن سعيد القطان لما رواها عن شعبة قال: قال لي شعبة لا أذكر لفظ الحديث إلا أني أذكر أن لفظ حديثي بعين لفظ أستاذك يحيى بن سعيد الأنصاري فاكتبه بجنب حديثه، لأنهما واحد لا فرق بينهما، أو المعنى أن يحيى بن سعيد القطان لما كان نسى عين لفظ شعبة، وكان يذكر لفظ يحيى بن سعيد الأنصاري ذكر أن لفظ رواية أستاذي شعبة مثل رواية أستاذي يحيى، وإن لم أتذكر عينه، وأما ما في روايتي يحيى وشعبة من التفاوت في رفع الحديث إليه ﷺ ووقفه\n_________\n(١) أي في قوله: قال لي أكتبه وما أفاده الشيخ في تفسير هذا القول مأخوذ من المشايخ لأنه فسره بهذا المحشي أيضًا حاكيًا من التقرير، ولعلهم احتاجوا إلى هذا التفسير لأن ظاهر سياق العبارة يدل على أن قوله: وقال لي عطف على قوله فحدثني، وعلى هذا فلا بد من التأويل الذي أفاده الشيخ، لكن ما يخطر في بالي القاصر أن قوله: قال لي أكتبه مقولة ابن بشار، وفاعل قال، يحيى القطان. وحاصل الكلام أن القطان قال لي: أكتبه هذا المرفوع بجنب الموقوف ليعلم أن الحديث مروي بطريقين، المرفوع والموقوف معًا، وقوله: لست أحفظ الحديث يحتمل أن يكون مقولة القطان، فيكون هذا الكلام سببًا ثانيًا لأمره بالكتابة يجنبه لأنه لما نسى ألفاظ شعبة لكنه تذكر أنها كانت مثل يحيى الأنصاري، فالأولى أن أن يكتب بجنبه، ويكتب ألفاظ يحيى ويحال عليها ألفاظ شعبة، وإليه أشار الشيخ من قوله أو المعنى، وهذا أوجه عندي، ويحتمل أن يكون مقولة ابن بشار، وعلى هذا فلا تعلق له بقوله! قال لي أكتب، بل كلام مستأنف، أي قال ابن بشار: لست أحفظ الحديث الذي حدثني القطان عن شعبة، لكنه كان مثل الذي حديثه عن الأنصاري، فتأمل.","vol":"1","page":452},{"text":"على سهل فغير مضر، إذ الموقوف منه في حكم المرفوع لكونه مما لا يمكن علمه إلا بإعلامه.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-219>[باب خروج النساء]</span>\nذكر هذين البابين ههنا، هذا والذي بعده غلط من الكتاب أو سهو من المؤلف ولا وجه لا يراده ههنا، وأما لو أريد إبداء المناسبة بينهما حسب ما يكون في أبواب البخاري ورواياته فالمناسبات أكثر من أن تحصى لكنها غير مناسب.\nقوله [فقال ابنه والله لا نأذنه يتخذنه دغلا] أي حيلة للفساد، واختلفت في اسم ابنه هذا فقيل: واقد، وقيل: بلال، وإنكاره هذا لم يكن إنكارًا على قوله ﷺ ومقابلة لأمره، وإنما قال ذلك تأويلًا بما ورد من نهيهن عن الخروج وبما قالت عائشة وغيرها من الأصحاب، لكنه لما أخرج كلامه في مخرج الإنكار والاعتراض غضب عليه ابن ع مر لإساءته الأدب في حضرة الرسالة عليه صلوات الله وسلامه، ما غرد (١) طائر الأيك وحمامه، ومعنى قوله: فعل الله بك أي كذا وكذا، أو فعل بك ما تستحقه إلى غير ذلك.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-220>[باب في كراهة البزاق في المسجد]</span>\n.\nقيل هذا لتعظيم المسجد وقيل بل لكراهته في طبائع الناس فيتأذون به ولا يبعد أن يكون النهي لهما جميعًا، وأما كراهية البصاق يمينه وقبله فلتعظيم الملك والقبلة أو لشرف اليمين وظاهر مواجهة الرب، وفي جانب اليسار أيضًا، وإن كان الملك لكنه يجوز له أن يبصق بنية الشيطان الذي ثمة لا الملك، وهذا الحديث بعمومه شامل للمسجد وغيره فيظهر مناسبته (٢)\nللباب، قوله [ولكن\n_________\n(١) قال المجد: غرد الطائر كفرح، وغرد وتغريدًا، وأغرد وتغرد رفع صوته وطرب به فهو غرد، والأيك الشجرة الملتف الكثير أو الغيضة تنبت السدر والأراك والجماعة من كل شجر.\n(٢) أو المناسبة بأن ظاهر حال المصلي كامل الصلاة أن لا يصلي إلا في المسجد أي الفرائض وهي الصلاة الكاملة.","vol":"1","page":453},{"text":"خلفك] هذا لا يبعد في الركوع والسجود وفي القيام أيضًا، إذا لم يتحول صدره عن جانب القبلة أو يأخذه بيده ثم يرميه خلفه.\nقوله [وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس] علم ابن عباس بسجود الجن لما أخبره النبي ﷺ بذلك، وأما سجود المشركين فقال بعضهم كان الشيطان أجرى على لسان النبي ﷺ كلمات فرح المشركون بسماعها فسجدوا معه حين سمعوه قرأ آية وسجد وطمعوا فيه أن يعود وهي «تلك (١) الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» وهذا الجواب والوجه غلط محض لا ينبغي التعويل عليه، وإن صدر عن القوم الذين يشار إليهم بالبنان لكنه خلاف صريح، وقال بعضهم وهو أخف من الأول إن الشيطان تمثل بصورة النبي ﷺ ونادى بهذه الكلمات فسمعها المشركون والمسلمون ففرحوا به وشجنوا (٢) وهذا أيضًا خلاف، وقال بعضهم: ولا بعد فيه لو ثبت أن الشيطان نفخ هذه الكلمات في آدان أوليائه فكان ما كان، والحق (٣) في التوجيه لسجدة المشركين أن جلاله تعالى\n_________\n(١) بسط الحافظ الكلام على القصة في الفتح ولخصه الشيخ في البذل، وبعد ذكر الوجوه المختلفة، رجح قول من قال أنه ﷺ كان يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيًا نغمته بحيث سمعه من دنى إليه فظنها من قوله وأشاعها، ورد البيضاوي هذا الاحتمال أيضًا.\n(٢) الشجن محركة الهم والحزن لف ونشر غير مرتب، ففرح المسلمون وشجن المشركون.\n(٣) وهكذا أفاده شيخ مشايخنا الدهلوي في حجة الله البالغة إذ قال: وتوجيه الحديث عندي أن في ذلك الوقت ظهر الحق ظهورًا بينًا فلم يكن لأحد إلا الخضوع والاستسلام فلما رجعوا إلى طبيعتهم كفر من كفر، وأسلم من أسلم، ولم يقبل شيخ من قريش تلك الغاشية الإلهية لقوة الختم على قلبه إلا بأن رفع التراب إلى الجهة فعجل تعذيبه بأن قتل ببدر.","vol":"1","page":454},{"text":"وكبرياءه حين قراءة النبي ﷺ سورة النجم عم أطراف العالم وأحاط أكنافه حتى لم يبق في العالم مؤمن ولا مشرك إلا سجد بسجود النبي ﷺ وكان هذا من معجزاته، ومعنى آية الكتاب ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ليست على ما فسره في الجلالين (١) مستعينًا بالرواية التي أظهرنا لك حالها، بل المعنى (٢) ما من نبي إلا إذا قرأ خلط الشيطان بقراءته كلمات من عنده فنبه إلى النبي والرسول وألقاها في قراءته، وهذا المراد بالإلقاء لا ما قالوا، وقد فسر البيضاوي (٣) هذه الآية بما يغاير تفسيرنا وتفسير\n_________\n(١) إذ قال إلا إذا تمنى أي قرأ ألقى الشيطان في أمنيته أي قراءته ما ليس القرآن مما يرضاه المرسل إليهم، وقد قرأ النبي ﷺ في سورة النجم بمجلس من قريش بعد ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ بإلقاء الشيطان على لسانه ﷺ من غير علمه ﷺ «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» ففرحوا بذلك ثم أخبره جبرائيل بما ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك فحزن فسلى بهذه الآية ليطمئن، انتهى، وبسط الكلام عليه صاحب الجمل فأرجع إليه.\n(٢) وتقدم قريبًا أن الحافظ وغيره من المحققين رجحوا هذا المعنى، لكن البيضاوي رده أيضًا.\n(٣) إذ قال: إلا إذا تمنى أي إذا زور في نفسه ما يهواه، ألقى الشيطان في أمنيته أي في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما قال ﷺ: وإنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة، فينسخ الله ما يلقي الشيطان فيبطله ويذهب به بعصمة من الركون إليه والإرشاد إلى ما يزيحه ثم يحكم الله آياته، أي ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة. قيل: حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقربهم، ثم ذكر قصة الغرانيق ثم ردها.","vol":"1","page":455},{"text":"الجلالين، وفي تفسيره نوع من البعد أيضًا.\nقوله [قرأت على رسول الله ﷺ النجم فلم يسجد فيها] تشعبت بذلك الحديث مذاهب قال بعضهم (١) كل سجدة في القرآن ليست على العزيمة بل على الاختيار، ولذلك لم يسجد النبي ﷺ، وقيل: ليس الحكم في كل سجدة إنما هو في سجدة النجم (٢) لما ذكرنا من الحديث، وقال بعضهم (٣) كل سجدة في القرآن فحكمها أنها تجب على المأموم والسامع إذا وجبت على الإمام والتالي، وأما إذ لا فلا، فلما لم تجب على زيد بن ثابت لعدم بلوغه (٤) لم تجب على النبي ﵇ فلم يسجد، وقيل بل الوجه (٥) أنه لا تجب السجدة على الفور\n_________\n(١) به قالت الأئمة الثلاثة غير الحنفية.\n(٢) لم أجد بعد من قال سجدة النجم على الاختيار، نعم المذهب الخامس من اثني عشر مذهبًا التي ذكرت في الأوجز، مذهب من قال إن في القرآن أربع عشرة سجدة ليست منها سجدة النجم، وهو قول أبي ثور، وحكى العيني عن جماعة أنهم لم يروا سجدة في النجم.\n(٣) ذكره الترمذي بطريق التأويل عن بعض أهل العلم وأشار إليه أبو داؤد وفي سننه، وقال النخعي إذا لم يسجد التالي لم يسجد السامع كما في الأوجز، وبه قالت الحنابلة كما في نيل المآرب.\n(٤) أي لصغره فإنه كان عند قدومه النبي ﷺ المدينة ابن إحدى عشرة سنة كما في تهذيب الحافظ.\n(٥) وبه قالت الحنفية إن السجود واجب لكنه ليس على الفور.","vol":"1","page":456},{"text":"فلم يسجد ﷺ لذلك ولعله لا يكون على طهارة. وهذا هو الجواب عما قال غيرنا (١) [واحتجوا بحديث عمر] لما كان في الاحتجاج الأول شبهة اختصاص ذلك الحكم بسجدة النجم خاصة، ومقصود المستدل إثبات الاختيار في سائر السجدات أورد الدليل على مرامه بحيث يثبت مدعاه الذي أراد إثباته فقال: إنه قرأ سجدة على المنبر بتنكير السجدة، والجواب أما أولًا فبأن ثبوت ذلك العام لا يكون إلا في ضمن خاص فلم يثبت ما أراد إثباته من الاختيار في أمر السجود وإلا في تلك السجدة التي اقترأها عمر ﵁ خاصة، لا في كل سجدة من سجود القرآن، نعم لو قال بلسانه لفظًا يفهم منه الاختيار في الكل لكان له وجه، وظاهر قوله: ثم قرأها في الجمعة الثانية أنها هي المقروءة في الجمعة الأولى، ولو ثبت أنها غيرها لم يثبت بذلك أيضًا مرامهم لما أن العائد حينئذ يرجع على المتلوة في الجمعة الثانية فلم يثبت الاختيار إلا فيها، ولقائل أن يقول: لا فرق بين سجدات القرآن في أنها واجبة عند بعضهم وغير واجبة عند بعضهم، فمن قال بوجوبها قال بوجوبها في الكل، ومن لم يقل بوجوبها، لم يقل بوجوبها في شيء منها، وعلى\n_________\n(١) أي قال غير الحنفية يعني هذا هو الجواب عن الروايات التي أوردها غير الحنفية في مستدلهم من الروايات التي ذكرت فيها عدم السجود ثم لا يذهب عليك أن الشيخ ذكر في تشعب مذاهب الحديث أكثر مما ذكره الترمذي وكلام الترمذي ههنا فيه شيء من الخفاء، وحاصله أنه ذكر ثلاثة مذاهب: الأول ما ذكر من قوله: تأويل بعض أهل العلم، والثاني ما ذكر من قوله: وقالوا السجدة واجبة فهذا كلام مستأنف، والضمير إلى أهل العلم وهو مذهب الحنفية، إنهم قالوا السجدة واجبة وإن لم يكن السامع على ضوء فيسجد بعد الوضوء، والثالث ما ذكره من قوله: وقال بعض أهل العلم وذكر مستدل هذا القول إلى آخر الباب.","vol":"1","page":457},{"text":"هذا إذا ثبت الاختيار في شيء من السجود لزم الاختيار في سائرها، إلا أن يقال لم ينعقد الإجماع على ذلك النفي والإثبات بل من المذاهب ما هو بخلاف المذهبين كما أشرنا إليه في الباب الذي (١) قبل هذا، والحق أن الجواب عما فعله عمر لا يتمشى على هذا الوجه الذي ساقه القائل، وأما ثانيًا فبأن معنى لم تكتب علينا إلا أن نشاء أداءه على الفور لا مطلق الأداء، وكذلك قوله: فلم يسجد ولم يسجدوا أي في مجلسه هذا وفي مجلسهم هذا.\nوقوله [وليست من عزائم السجود] أي من مؤكدات السجود، وهذا لا ينفي (٢) وجوبه ولا ينافيه إذ المعنى أنه ليس مما ورد الأمر بسجوده آية أو رواية وإن كان واجبًا أن يسجد بسجود النبي ﷺ أو بسجود داؤد ﵇\n_________\n(١) أي كما أشار إليه في القول السابق من أن بعضهم لم يقولوا بسجدة النجم، وهذا معروف أن الأئمة وغيرهم اختلفوا فيما بينهم في سجدات التلاوة حتى ذكر في الأوجز اثنا عشر مذهبًا لهم، والأئمة الأربعة أيضًا مختلفة فيما بينهم، فمذهب مالك في ظاهر الرواية عنه المشهور عندهم إحدى عشرة ليست في المفصل منها شيء وبه قال الشافعي في القديم، ومشهور قولي الشافعي أنها أربع عشرة ليست منها سجدة ص وهي رواية لأحمد، والمشهور عنه في الشروح أنها خمس عشرة منها ص وثنتا الحج، والبسط في الأوجز، وسيأتي شيء من اختلاف السلف في عزائم السجود.\n(٢) على أنهم اختلفوا في عزائم السجود جدًا فقيل: إن العزائم خمس الأعراف وبنو إسرائيل والنجم والانشقاق واقرأ وهو قول ابن مسعود وقيل: أربع، ألم تنزيل وحم تنزيل والنجم واقرأ وهو مروي عن علي، وقيل ثلاث وقيل غير ذلك كما في الأوجز، وعلى هذا فلا يشكل قول من قال أن ص ليست من عزائم السجود على القائلين بوجوبها كما لا يخفى.","vol":"1","page":458},{"text":"ولو سلم فليس هذا من قول النبي ﷺ لكنه يرد عليه أن مثل هذا مما لم يوقف عليه إلا بإخباره ﷺ فكان غير المرفوع منه في حكم المرفوع لكنه يمكن الجواب عن ذلك بأن ابن عباس لعله استنبط عدم وجوبه بما يمكن حمله على معنى آخر غير ما فهمه، ولعله (١) استدل بأنه رأى النبي ﷺ تلاها فلم يسجد على فوره فظن أنها ليست بسجدة ثم رآه ثانيًا قرأها فسجد على الفور فظن أنها سجدة، إلا أنها ليست من عزائم السجود، بل الأمر على اختيار منه إن شاء سجدها وإن شاء لم يسجدها، ومثل هذا الجواب يمكن سوقه في حديث عمر الذي أجبنا عنه فيما سبق بوجهين.\nقوله [وقال بعضهم إنها توبة نبي] هذا أيضًا لا ينافي كونها سجدة فإن السجدة إنما تثبت بسجود النبي ﷺ في موضع من القرآن ما كان من شيء، فإن داؤد ﵇ لما قبل توبة سجد شكرًا ونحن نسجدها لقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأما قول الأحناف (٢) في سجدة الحج الثانية فلا يقبله الطبع إذ لا جواب عما قاله رسول الله ﷺ في جواب من قال: فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما، وما قالوا بأن الحديث ضعيف كما أقر به المؤلف أيضًا فضعفه منجبر لأنها رويت بأوجه ثلاثة، وأجمعوا على أن الضعيف يبلغ بذلك درجة الحسن (٣) ولعلهم احتاطوا لئلا\n_________\n(١) ويحتمل أنه استنبط بما روى عنه النسائي: أن النبي ﷺ سجد في ص فقال سجدها داؤد توبة ونسجدها شكرًا، فلعله زعم أن كونه سجود شكر ينافي العزيمة لأنه لم يعزم من سجدات الشكر شيء فتأمل، وبسط في الأوجز دلائل السجود فيها.\n(٢) يعني قولهم أن في سورة الحج سجدة واحدة فقط وهي الأولى منهما.\n(٣) قلت: إلا أن أمر الوجوب أهم، وقد قال ابن حزم: ثانية الحج لا نقول بها أصلًا ولا تبطل بها الصلاة، يعني إذا سجدت، لأنها لم تصح بها سنة عن رسول الله ﷺ ولا أجمع عليها، وإنما جاء فيه أثر مرسل، وقال ابن عباس والنخعي: ليس في الحج إلا سجدة واحدة، وفي البرهان مذهبنا مروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: سجدة التلاوة في الحج هي الأولى والثانية سجدة الصلاة، انتهى.","vol":"1","page":459},{"text":"تقع السجدة في وسط الصلاة إذا لم تكن ههنا سجدة في نفس الأمر.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-221>[باب ما يقول في سجود القرآن]</span>\n.\nلما قرأ النبي ﷺ في سجدته للتلاوة هذه الكلمات، كان قراءتها فيه سنة، إلا أن الأولى عند الإمام قراءة تسبيح السجود فيها أيضًا لما أنه ثابت بالكتاب ووارد فيه، وكان دوام تلاوته ﵇ لذلك دونها، قوله [يقول في سجود القرآن بالليل] تخصيص الليل ليس إلا لأنها لم تسمعها إلا بالليل وليس ههنا حكم النهار على خلافه.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-222>[باب ما ذكر فيمن فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار]</span>\n.\nالمراد بذلك تفسر ما ورد في الكريمة ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ يعني أن كلًا منهما خلف للآخر، فكان العمل في أحدهما ينوب عنه في الآخر، ولا يكون ذلك قضاء لعدمه في النوافل، وإنما المعنى بذلك حصول هذا الثواب، وتسميته قضاء باعتبار تعيينه، وهذا فضل منه ﷾ ومنة على عباده وإلا فالفضل الذي كان للعمل في وقته ليس له في غير ذلك الوقت لكنه لما كان يريد أن يؤديه في وقته الذي عينه يثاب على القدر الذي كان يثاب في سائر الأيام والتقييد في الحديث بأحد الشقين في قوله: من فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار دون أن يذكر الثاني أيضًا، وهو من فاته حزبه من النهار فقضاه بالليل، ليس لمغايرة بين حكميهما بل لما أن اكثر أوارد أكثر","vol":"1","page":460},{"text":"الأصحاب كانت معينة في الليل والحكم في أوراد النهار يعلم بالمقايسة، وصرح بذكر ما هم إليه يحتاجون في الأكثر.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-223>[باب ما جاء من التشديد في الذي يرفع رأسه قبل الإمام </span>(١)].\nجوزى هذا الرجل بتبديل رأسه (٢) رأس حمار لماله من المناسبة بالحمار في فعله هذا، فإنه فعل فعل المتبوع مع كونه ليس بالمتبوع بل من الأتباع، لما له من الحق في سوء صنيعته تلك أو ليس يدري أن تعجيله ذلك ليس يفيده شيئًا ولا يمكنه الفراغ عن الوقت إلا وقت فراغ الإمام فكان جهده ذلك لغوًا وعبثًا، وما يتوهم من أنه ينافي (٣) إخباره ﷺ ودعاءه في هذه الأمة بعدم المسخ، فساقط إذ\n_________\n(١) أي الركوع والسجود، وقال الحافظ: ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر تبطل وبه قال أحمد في رواية وكذا أهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد، انتهى، قلت: هذا في الأركان التي في أثناء الصلاة، وأما التقدم على الإمام في التحريمة والسلام فمختلف عند الأنام جدًا، بسطت في الأوجز.\n(٢) وقال الشيخ في البذل: وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقت الجناية، انتهى.\n(٣) هذا إذا حمل المسخ على ظاهره وإلا فإنهم اختلفوا في معنى الوعيد المذكور فقيل: يرجع ذلك إلى أمر معنوي فإن الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه، وقال ابن بزيزة يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معًا، وحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك، والدليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة ما ورد في حديث أبي مالك الأشعري فإن فيه: ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى آخر ما أفاده الشيخ في البذل، قلت: الأوجه أن هذا جزاء الفعل أعم من أن يعاقبه الله في الدنيا والآخرة، أو عفا عنه بفضله.","vol":"1","page":461},{"text":"العدم إنما هو تعلق المسخ بجماعة كما كان يوجد في بني إسرائيل لا مسخ واحد أو اثنين أيضًا، فلما كان المسخ ممكنًا في حق كل فرد فرد من المصلين وجب الخشية حقًا.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-224>[باب ما جاء في الذي يصلي الفريضة ثم يؤم الناس]</span>\n.\nإطلاق المغرب (١) على العشاء في هذا الباب مجاز، واستدل القائلون (٢) بجواز صلاة المفترض خلف المتنقل بحديث معاذ هذا فأجاب عنه (٣) بعض علمائنا بأن ذلك كان في زمان يصلي الفريضة مرتين ثم لما نسخ هذا نسخ ذلك، وأجابوا أيضًا بأن آخر الحديث يدل على أن النبي ﷺ يقرره على ذلك، ولا يكون فعل الصحابة ﵃ حجة إلا إذا ثبت أنه ﷺ قررهم عليه ولم ينههم عنه، وههنا قد ثبت أنه ﵇ أمر معاذًا بترك ذلك قوله: أفتان\n_________\n(١) يعني أن الحديث المذكور في هذا الباب بلفظ المغرب، فإن القصة في الروايات الشهيرة وقعت لصلاة العشاء، وأشار الشيخ في البذل إلى أن لفظ المغرب وهم، وقال ابن رسلان: لعل منشأ الوهم إطلاق الأعراب العشاء للمغرب كما ورد: لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب فإنهم يقولون العشاء، انتهى، قلت: ومال الحافظ في التلخيص إلى التعدد وحكاه عن ابن حبان.\n(٢) وهم الشافعية خلافًا للحنفية قولًا واحدًا، والمالكية في المشهور والحنابلة في الرواية المختارة لأكثر أصحابهم، كذا في الأوجز.\n(٣) منهم الطحاوي كما ذكره في شرح معاني الآثار وما أورد عليه، وجوابه مبسوط في البذل.","vol":"1","page":462},{"text":"أنت يا معاذ، ثم قال: إما أن تصلي معي أي فلا تصل بالقوم، وإما أن تخفف عن قومك، أي إن لم تصل معي وصليت بهم فعليك بالتخفيف، لكنه يرد على ذلك أن النبي ﷺ لما لم يأمرهم أن يعيدوا صلواتهم علم أن أمره إياه بذلك إنما كان للتخفيف عليهم أو التردد على سبيل منع الخلو أي لا تترك هذين الأمرين: الصلاة معي والتخفيف على قومك، ولا يضرك جمعهما بأن تصلي معي ثم تؤم قومك وتخفف عليهم، والجواب أن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوجود، ومنشأ الخلاف بيننا وبين الشافعي أنه يقول: صلاة الجماعة صلاة على سبيل الاجتماع، وليس بيني المأموم على صلاة الإمام صلاته ومعنى قوله: الإمام ضامن ليس إلا أنه ضمن لهم قراءة ما دون الفاتحة، وعندنا ليس الأداء على سبيل الجماع فقط، بل المؤتم يبني صلاته على صلاة الإمام، ومعنى قوله ﷺ: الإمام ضامن أن الإمام تضمنت صلاته صلاة المأموم فلا تكون أقل حالًا من صلاته ولا غيرها (١) فلا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ولا بمفترض آخر، وإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاته، لما أنها كانت مبنية على صلاته والشافعي يخالفنا في جميع ذلك، ويبتني على ذلك الأصل المختلف فيه بيننا وبينه ما قال من جواز اقتداء الرجال بالصبي، واستدل (٢) على ذلك بحديث عمرو بن\n_________\n(١) عطف على قوله: أقل أي لا تكون صلاة الإمام أقل حالًا من صلاة المأموم، ولا تكون صلاته غير صلاته كمفترض الظهر خلف المتنفل أو خلف مفترض العصر مثلًا.\n(٢) أي استدل الإمام الشافعي على أصله بحديث عمرو بن سلمة، قلت: واستدل الحنفية على أصلهم غير ما تقدم بقوله ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به، الحديث، قال ابن عبد البر في الاستذكار: زاد معن في الموطأ عن مالك: فلا تختلفوا عليه، ففيه حجة لقول مالك والثوري وأبي حنيفة وأكثر التابعين أن من خالفت نيته نية إمامه بطلت صلاة المأموم، إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال، وفي التمهيد روى الزيادة ابن وهب ويحيى بن مالك وأبو علي وجماعة قال الأبي في شرح مسلم: ففيه حجة لمالك والجمهور في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام سيما مع زيادة قوله: فلا تختلفوا عليه، كذا في الأوجز.","vol":"1","page":463},{"text":"سلة قال: أممت على عهد رسول الله ﷺ وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين، وهذا لأن صلاة الصبي لا تكون إلا نافلة، والحديث مع ما ضعفه الكبار (١) مثل الحسن وأحمد ففيه ما قال عمرو الراوي: وكنت إذا سجدت خرجت أستى وهذا غير جائز اتفاقًا بيننا وبينه، ولكنه يرد عليه أن هذا جائز على أصله الذي مهده بأن فساد صلاة الإمام لا يؤثر (٢) في صلاة المقتدين، فيجوز أن تكون صلاتهم جائزة وصلاته فاسدة، ولصباه لم يؤمر بالإعادة.\nقوله [واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ وهو حديث صحيح] أما\n_________\n(١) قال الخطابي: كان الحسن يضعف حديث عمرو بن سلمة، وقال: مرة دعه ليس بشيء بين، قال أبو داود: وقيل لأحمد: حديث عمرو قال: لا أدري ما هذا، كذا في البذل.\n(٢) قلت: هذا ليس بمطرد في مذهب الشافعية فكم من مسائل صرحوا فيها فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام. قال الشافعي: لو أن إمامًا صلى ركعة ثم ذكر أنه جنب فخرج واغتسل وانتظره القوم وبنى على الركعة الأولى فسدت عليه وعليهم صلاتهم، لأنهم يأتمون به عالمين أن صلاته فاسدة، كذا في الأوجز، وصرح أصحاب الفروع الشافعية أنه لا يصح الاقتداء بمن يعتقد بطلان صلاته. ففي هذه القصة لما رأوا فساد صلاة إمامهم الصبي لكشف العورة كيف صح اقتداؤهم.","vol":"1","page":464},{"text":"صحة الحديث فغير مفيدة مع أنها لا تنكرها، وأما الاحتجاج به فدونه خرط القتاد (١) فأي دليل لهؤلاء على أن الصلاة التي كانت بالنبي ﷺ، كانت بنية الفريضة، والتي كانت في مسجده كانت نافلة بل الأمر كان بالعكس، وأما التي ورد فيها من زيادة وهي له نافلة، فلم يثبت (٢) عن الثقات إنما زاده بعض الرواة ظنًا منه ذلك، ولا يتوقف على مراد معاذ رضي الله تعالى عنه من غير أن يبين بلسانه ولم يثبت.\nقوله [وروى عن أبي الدرداء] إن كان المراد بذلك أن مطلق صلاته جائزة لا الفريضة وفي الفاسدة يراد فساد الفريضة لا مطلق الفساد، لا يحتاج إلى جواب إذ هو عين مذهبنا، وإن كان مراده أن صلاته تلك كافية عن فرضه، فقول الصحابي في مقابلة الحديث (٣) غير واجب العمل، ولقائل أن يقول في الجواب عما ذكر وجب حمل الحديث على معنى (٤) لا ينافي قول الصحابي إذا كان\n_________\n(١) قال المجد: خرط الشجر، انتزع الورق منه اجتذابًا، والعود قشره، والقتاد شجر صلب له شوك كالأبر، انتهى، ويراد بهذا الكلام الأمر الذي يحول إلى الوصول إليه موانع كثيرة صعبة.\n(٢) بل تكلموا فيها فزعم أبو البركات ابن تيمية أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة لأن ابن جريج يزيد فيها كلامًا لا يقوله أحد، وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحت لكانت ظنًا من جابر وبنحوه، ذكر ابن العربي في العارضة، هكذا في البذل.\n(٣) وهو الذي ذكره الشيخ سابقًا من قوله ﷺ: الإمام ضامن كما ذكر في تقرير مولانا الحاج رضي الحسن المرحوم، قلت: ويخالف الحديث الآخر أيضًا، وهو قوله: إنما جعل الإمام ليؤتم به.\n(٤) قلت: لكن لم ترتفع المنافاة لا سيما من حديث لا تختلفوا عليه.","vol":"1","page":465},{"text":"يمكن ذلك كما فعله الشافعي ههنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>[باب الرخصة في السجود على الثوب]</span>\n.\nقوله [سجدنا على ثيابنا] أي التي كنا لابسيها، إذ جواز السجدة على غيرها كان (١) معلومًا [اتقاء الحر] يمكن أن يكون في غير موضع مسقف ولا يبعد بلوغ الحر إلى ذلك الحد في مسجده ﷺ إذ لم يك سقفه إذ ذاك حاجزًا وحصينًا يمنع وصول أثر الشمس إلى الأرض وكان قريبًا، وأما السجود على كور العمامة فإن كان مانعًا وصول الجبهة التي على الأرض فغير جائز وإلا فحكمه حكم غيره من الثياب الملبوسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>[باب ما ذكر مما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح إلخ]</span>\n\nفي وضع الباب إشارة إلى دفع ما يتوهم من عدم جواز الجلوس فيه نظرًا إلى أمر النبي ﷺ للتطوع في البيت، وما يتوهم من عدم الأجر في القعود في المسجد بعد صلاة الصبح لأن الأجر موقوف على كون الجلوس بانتظار الصلاة ولا صلاة بعد الصبح ينتظرها، بأن الأجر في الجلوس بعد الصبح مأمول وانتظار الصلاة عام للفريضة والنافلة، وأداء النافلة في المسجد مشروع.\nقوله [كانت له كأجر حجة وعمرة] الواو إما لأصل معناه وهو الجمع فيكون وعدًا بإيتاء ثواب هذين لكل جالس أو بمعنى أو، فيكون تفاوت الأجر بتفاوت حال الأجير في إخلاص نيته وصفاء طويته، والمناسبة بين هذين والجلوس في المسجد غير خفية فإن الحاج المعتمر حابس نفسه في ضيافة الله وبيته الشريف كما أن الحابس في مسجده حابس نفسه في بيته فيضاف ضيافته، وههنا نكتة لطيفة ينحل بها كثير من المشكلات الواردة في الأحاديث وهو أن لكل عمل من\n_________\n(١) وأما جواز السجدة على الثوب المتصل فمختلف فيه، أباحه الحنفية والجمهور خلافًا للشافعي، كما حكاه الحافظ عن النووي.","vol":"1","page":466},{"text":"أعمال الخير ثوابًا عند الله وأجرًا عينه لذلك العمل، ولنفرض لذلك مثالًا في عرفنا وهو أن ثواب الحج نفسه مثلًا الذي عينه للحج ألف قنطار من الثواب ثم إن لكل عمل فضلًا وإنعامًا عند الله عينه منة منه على العباد وإحسانًا وهو للحج مثلًا ألف ألف قنطار مثلًا، إذ ليس تضعيف الحسنات عند الله واقفًا عند حد، فقد ورد في ذلك أن الحسنة بعشرة أمثالها وقد ورد مثل ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهكذا في غير الصدقة من الأعمال، فعلى هذا كان مقدار الأنعام على كل حسنة كثيرًا من كثير، ولقد تبين بذلك أن ثواب العمل (١) نفسه، وهو الأجر الحاصل بذلك العمل أكثر بكثير من ثواب نفس العمل، وهو ما عين له علاوة من الأنعام، فبناء على هذا ثواب نفس الحج من غير أن ينعم عليه يساويها ثواب الركعتين عند الطلوع، وأما إذا حج فثوابه (٢) أزيد بكثير من ذلك، وبذلك يستنبط المراد من قوله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يساوي ثلث القرآن، وقراءة يس يساوي قراءة القرآن عشر مرات إلى غير ذلك، فإن هذا كله يساوي ثواب القرآن الذي كان أجر نفس القرآن، وأما إذا قرأ القرآن نفسه فثوابه يشمل كل ذلك ويفضل عليه كثيرًا، والله الهادي إلى سواء السبيل.\nقوله [تامة تامة تامة] لما كان هذا الثواب الكثير يستبعد على هذا العمل القليل، كان لمتوهم أن يتوهم أن هذه الحجة والعمرة لعلهما ناقصتان وليستا باللتين ورد في فضلهما ما ورد، دفع هذا بقوله تامة تامة تامة، قوله [وسألت محمدًا إلخ] هذا أيضًا بناء على الاستبعاد، فلعل الرواة نسوا في ذلك شيئًا فدفعه، فلذلك أقر\n_________\n(١) وهو الذي يسميه المشايخ في تقاريرهم بالأجر الأنعامي.\n(٢) أي ثواب نفس الحج، وأما ملحقاته من النفقة والمشي والنظر إلى بيت الله والصلوات في المسجد الحرام وغير ذلك مما لا تعد، فلا تحصى أجورها.","vol":"1","page":467},{"text":"المؤلف أولًا بحسنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[باب ما ذكر في الالتفات في الصلاة]</span>\n.\nالالتفات (١) على ثلاثة أقسام أن يكون بمؤخر العين أو بلفت (٢) الوجه أو الصدر، ولما (٣) قال النبي ﷺ يا بني إياك والالتفات في الصلاة، وقال أيضًا حين سئل عنه: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل، وكان الاختلاس على أقسام، اختلاس الشيء نفسه فلا يبقى عندك منه شيء والاختلاس بحيث لا يذهب منه شيء والاختلاس بحيث يبقى أكثره، وكان المراد في أكثر الأمر عن الشيء إذا أطلق الفرد الكامل منه، فكان يظن بمفهوم هذين الحديثين فساد الصلاة بالالتفات إذا الكامل من الاختلاس هو القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها ويظن أيضًا حرمة الالتفات في الصلاة نظرًا إلى قوله: يا بني إياك والالتفات في الصلاة، دفع هذا كله بالالتفات في الصلاة فثبت بفعله ذلك أن المراد بالاختلاس ليس هو القسم الأول منه، وأن الالتفات في الصلاة ليس إلا منافيًا لخشوعه وخضوعه، وهذا إذا لم يكن معه تحويل للصدر من القبلة. ولا يبعد أن يقال: حكم الاختلاس على الالتفات مشعر بزيادته ونقصه، فإن كان الالتفات بالغًا نهايته كان الاختلاس كذلك فعلم بذلك فساد الصلاة بتحويل الصدر عن القبلة، وإن لم يبلغ الالتفات نهايته بأن اكتفى بلفت الوجه لم تبلغ الخلسة غايتها وينتفي الحضور، ثم للحضور وعدمه مراتب كما للالتفات وعدمه، ومع ذلك فقد ثبت منه ﷺ بعض أقسامه، فكان تصريحًا (٤) بما علم من تلك الجزئيات بهذه الكلية، والذي لم يثبت منه ﷺ من\n_________\n(١) ففي الدر المختار، يكره الالتفات بوجهه كله أو بعضه للنهي، ويبصره يكره تنزيهًا وبصدره تفسد، انتهى.\n(٢) قال المجد: لفته يلفته لواه، انتهى.\n(٣) حرف شرط جزاؤه قوله: فكان يظن.\n(٤) هكذا في الأصل، والظاهر أن اسمه ضمير يرجع إلى ما ثبت عنه ﷺ، فكان ما ثبت تصريحًا بهذه الكلية لما علم من هذه الجزئيات.","vol":"1","page":468},{"text":"أنواع الالتفات يرجع فيه إلى قواعد أخر أيضًا حتى يعلم أن المرتب على هذا النوع من الالتفات أي نوع من الاختلاس، فرأينا أن من لوى عنقه بحيث لم يتحول صدره عن القبلة، فإن التفاته وإن كان غير قليل لكنه لما لم يفوت فرض الاستقبال لا تفسد صلاته.\nوقوله [لا يلوي عنقه خلف ظهره] هذا اللي لا يمكن إلا إذا تحول الصدر عن القبلة، وأما مطلق اللي فممكن بدون التحويلة كمن ينظر إلى يمينه ويساره وأما كماله وهو المعبر عنه باللي خلف الظهر فلا، ولما لم يثبت هذا القسم منه ﷺ بل نفاه الراوي، كان مفسدًا للصلاة، وكان القسمان الأولان من الالتفات غير مفسدين لها، ويمكن أن يقال إن الراوي لما نفى عنه اللي كان تحويل الصدر أنفى منه، غير أن الفساد لعدم الاستقبال إذًا.\nقوله [وقد خالف وكيع الفضل] الرواية المتقدمة كانت للفضل والآتية لوكيع، والمخالفة بينهما بوجهين (١) قال الفضل عن ثور بن زيد، وقال وكيع عن بعض أصحاب عكرمة، وذكر الفضل بن عباس ولم يذكره وكيع، قوله [فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة] وسع في النوافل ما لم يوسع في الفرائض، إذ التضييق في النوافل محرجة إذ لا وقت لها بخلاف الفرائض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>[باب الرجل يدرك الإمام ساجدًا]</span>.\nقوله [حدثنا هشام بن يونس الكوفي نا المحاربي عن الحجاج بن أرطاط عن أبي إسحاق عن هبيرة]، وههنا (٢) تحويل لم يذكره، حدثنا هشام بن يونس\n_________\n(١) حاصلهما أن الحديث اختلف في وصله وإرساله، وحكى الحافظ في الدراية عن الترمذي ترجيح الإرسال، فتأمل.\n(٢) حاصل ما أشار إليه الشيخ: أن السند من المصنف إلى المحاربي مشترك وبعده إلى الصحابيين مختلف، فالمحاربي يأخذ عن الحجاج وعمرو بن مرة، هكذا مؤدي ما أفاده الشيخ لكن الحافظ ذكر في الآخذين عن عمرو ابن مرة أبا إسحاق السبيعي دون المحاربي، فليفتش.","vol":"1","page":469},{"text":"الكوفي نا المحاربي عن عمرو بن مرة عن ابن ليلى إلى آخر ما قال.\nقوله [فليصنع كما يصنع الإمام] هذا يعم قبل (١) الافتتاح وبعده، يعني ليس له أن ينتظر قيام الإمام قبل الافتتاح ولا بعده. بل يكبر كما جاء ويشترع مع الإمام في الذي يصنعه، لأن في قيامه هناك منتظرًا له لمخالفة المسلمين وتأخير العبادة، ولذلك قال بعضهم لعله لا يرفع رأسه حتى يغفر له، ووجه ما ورد من عدم الاعتداد بما دون الركوع، أن أركان الصلاة هي القيام والقراءة وهما كالواحد في أن إدراكهما معًا وفوتهما معًا، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، والركوع والسجود، وإذا فاته اثنان من هذه الثلاثة لم يدرك الأكثر فلم يعتد وأما إذا عد السجدتان ركنين، فلأن الأكثر حينئذ أيضًا غير مدرك، لأنه لم يدرك من الأربعة إلا الاثنين ويمكن جعله جوابًا عمن قال: إن السجدتين لما لم يعتد بهما إلا وأن تكونا مع الركوع، فماذا يجدي الاشتراك مع الإمام فيهما فدفعه بقوله: فليصنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[باب كراهية أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام]</span>\n.\nلما أن ذلك يثقل على الإمام لما فيه من تقاضي (٢) خروجه حسب ما يفهم من ظاهر صورة القيام. ويكون عند قيامهم منتظرين له تأخير الإمام في الخروج ثقيلًا عليهم، ولأن قيامهم هذا يخل بقيامهم في الصلاة لكونهم قد حسروا قبله،\n_________\n(١) أي افتتاح المؤتم الصلاة يعني لا ينتظر قيام الإمام لافتتاحه الصلاة ولا بعد الافتتاح.\n(٢) أي المطالبة، فقد بوب البخاري في صحيحه حسن التقاضي وفسره العيني بحسن المطالبة.","vol":"1","page":470},{"text":"قوله [قال بعضهم إذا كان الإمام في المسجد إلخ] لما كان علم بالحديث ما إذا لم يكن الإمام في المسجد من قبل، وأما إذا كان موجودًا فيه من قبل فماذا حكمهم في القيام؟ فقال: إنما يقومون إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وقيل: بل يقومون عند الحيعلتين وكلاهما متقارب، وهذا إذا كانوا معتادي تسوية الصفوف سريعًا، وأما إذا كان الأمر كما في زماننا أنهم لا يفرغون عن تسوية الصفوف إلا في زمان كثير، فلهم أن يقوموا قبل الأخذ في التكبير، قوله [عن زر] وفي أكثر النسخ عن زر بن حبيش، قوله، [قال كنت أصلي والنبي ﷺ] مبتدأ محذوف الخبر أي جالس أو حاضر وقوله [ومعه] خبر لأبو بكر وعمر، وصلاته كانت نافلة أو بقية من فريضته وقوله [سل تعطه] هذا يجوز أن يكون في الصلاة أو بعدها، ومعنى قوله: جلست على الأول للتشهد وعلى الثاني عن الصلاة أي فرغت عنها، وهاء تعطه يجوز أن تكون للوقف أو تكون ضمير المفعول وهذا تخصيص منه على أن يفعلوا مثل ما فعله الرجل لكونه أدعى للإجابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>[باب في تطييب المساجد]</span>\n.\nقوله [في الدور] المراد بها المحلة، فالمراد المسجد المعروف أو الدور أنفسها، فالمراد موضع للصلاة في البيوت، قوله [وهذا أصح من الحديث الأول] يعني أن وقفه (١) أصح من الرفع [وقال سفيان ببناء المساجد في الدور] إنما عين سفيان هذا المعنى ذاهبًا إلى أن أصل الأمر هو الوجوب، ولا يجب اتخاذ البيوت مساجد وإنما هذا على (٢) الاستحباب، قوله [صلاة الليل والنهار\n_________\n(١) في كلام الشيخ تجوز والمراد أن الإرسال أصح من الاتصال، وقال ابن العربي: الصحيح سقوط عائشة، انتهى.\n(٢) وتوضيح كلام الشيخ أن سفيان لما رأى أن الأصل في الأمر الوجوب، واتخاذ المساجد في البيوت ليس بواجب بل هو مستحب فقط عين الاحتمال الثاني، وهو أن المراد بالدور المحلات.","vol":"1","page":471},{"text":"مثنى مثنى] قد سبق أن معناه التشهد بعد كل ركعتين، ولا ينافيه كون الرواية الصحيحة بغير ذكر النهار لأنا لم نقل بمفهوم المخالفة، وقوله: الصحيح يعني عن ابن عمر وإن كانت عن غيره يصح فيها ذكره الليل والنهار.\nقوله [فقال إنكم لا تطيقون ذلك] هذا إشارة منه إلى أن الغرض من العلم العمل، ولما لم ير منهم أن يداوموا على ذلك، أراد أن لا يعلمهم لئلا يكون عبثًا ولكنهم قالوا: من أطاق منا فعل، ومن لم يطق علمه المطيق فبينه لهم، وحاصله أنه ﵎ من على عباده وترك لهم لأمر معيشتهم وقتًا مديدًا يمكن لهم فيه تحصيل أقواتهم وقضاء حاجاتهم، ولكنه ﷺ بين لهم سننًا ونوافل ليجمعوا بذلك بين فضلي الدنيا والدين، ولا يكونوا في دولة الآخرة من الخاسرين فأحاط الأوقات بأسرها في طاعة رب العالمين حتى لا يعدوا بذلك من الغافلين ويصدق قوله تعالى عليهم ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فقابل الإشراق بالعصر، والضحوة الكبرى بالظهر، قلت: ولعل العشاء مقابل بالتهجد وإن لم يذكره علي رضي الله تعالى عنه شفقة عليهم (١) وخوفًا أن لا يعلموا بما يعلمونه فيخسروا بذلك، إذ كما أن العشاء في الثلث الأول من الليل كذلك التهجد في الثلث الأخير منه.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-231>[باب كراهية الصلاة في لحف النساء]</span>\n.\nالمراد بذلك أرديتهن، ويقاس على ذلك غيرها من الثياب، ووجه ذلك ما مر في فضل طهور المرأة من أنها لا تحتاط في أمر الطهارة والنجاسة وغير ذلك، وأيضًا فيه انتشار خواطره إليها لتصوره إياها برائحتها التي في ثوبها، ومع ذلك فالصلاة فيها جائزة ما لم تتحقق النجاسة، وهذا إذا لم يخف فتنة، وأما إذن فلا، أي لا يجوز له أن يفعل ذلك، وجازت الصلاة إن صلى.\n_________\n(١) أو لظهور تقابلهما ظهورًا بينًا.","vol":"1","page":472},{"text":"قوله [وصفت الباب في القبلة] أي كان أمامه لا في جانب منه ولا خلفه، وهذا إشارة منها إلى أن وجهه وصدره ﷺ لم ينحرف عن القبلة حتى يفسد الصلاة، وهذا لا ينافي ما سبق من أن حجرته ﷺ كان في يسار المسجد، وكان بابها في المسجد، فإني ما وصفت من كون بابها في جهة القبلة، لأن المراد بذلك (١) أنه كان واقعًا أمامه ﷺ حتى لم يفتقر في وصوله إلى محاذاة الباب إلى تحول عن القبلة بل مشى قدامه حتى إذا كان الباب بجنبه مد يده، وفتح الباب ثم رجع إلى مكانه ولم يك متصلًا بجدار الباب حتى يلزم قيام عائشة منتظرة تسليمته بل كانت بينه ﷺ وبين الجدار فرجة أمكنها المرور فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>[باب ما ذكر في قراءة السورتين في ركعة]</span>\n.\nهذا ظاهر نظرًا إلى قوله كان رسول الله ﷺ يقرن بين كل سورتين في كل ركعة، [سأل رجل عبد الله بن مسعود عن هذا الحرف] غير آسن أو ياسن فقال: كل القرآن قرأت غير هذا، أشار بذلك إلى أن المرأ يجب عليه رعاية الترتيب فيما يتعلمه من العلوم، وإلى أن السائل إذا لم يكن الجواب عن سؤاله على قدر فهمه، أو ليس له إلى علمه كثير فاقة يجوز للمسئول عنه التمطل في الجواب بحمل سؤاله على\n_________\n(١) حاصل ما أفاده الشيخ: أن الباب كان في الجدار الأيمن لكن في الجانب المقدم فمشى النبي ﷺ إلى قدامه حتى إذا حاذى الباب فتحه، وهو توجيه حسن، وأفاد شيخنا في البذل بتوجيه آخر، وهو أن المراد بالباب ليس الباب المعروف الذي كان في المسجد، بل هذا باب آخر كان في بيت عائشة وحفصة، ولا يذهب عليك أن في الحديث إشكالًا آخر في حديث النسائي بلفظ: والباب على القبلة فمشى عن يمينه أو يساره، أن الباب إذ كان في القبلة فلم احتاج النبي ﷺ إلى المشي عن يمينه أو يساره، وأجاب عنه أيضًا الشيخ في البذل، فأرجع إليه.","vol":"1","page":473},{"text":"غير مراده أو إشغاله بذكر شيء آخر، أو بيان أن ذلك ليس على قدرك أو غير ذلك من الأعذار، وكان ابن مسعود ظن السائل لم يقرأ القرآن وأن سؤاله هذا ليس لرغبة له في تحقيق كلامه سبحانه بل جاريًا على ما يعتاد العوام من إكثار السؤال فيما لا يعنيهم، والإلحاح في تحقيق ما لا يعنيهم، إلا أنه اتفق ههنا أن الرجل كان قد قرأ القرآن ثم أشار إلى أن مقتضى ترتيب العلوم في التحصيل أن يكون مطمح نظرك ومنتهي فكرك التدبر في آياته والتفكر في نصوصه وإشاراته، وأما تحقيق القراآت، فأمر زائد لا يحتاج إليه كثيرًا، وإن كان فبعد (١) ذلك، وقوله [إن قومًا ينثرونه نثر الدقل] هذا جواب عما قاله الرجل، ولكنه غير مذكور ههنا، وهو أنه قال: قرأت المفصل في ركعة، فرد عليه ابن مسعود وقال: إن ناسًا يقرأونه ولا يستلذون به ويهذونه هذا الشعر، فلعل قراءتك من هذا القبيل، والدقل الردي من التمر، وهذا تصوير لقراءتهم بحيث يتقرر في ذهن السامع تصويرًا لما لا يحس بنقصه بما يحسن نقصانه، ونقلًا لما يقل وقوعه بما يكثر، فكما أن الرجل إذا أكل الدقل -وهو ردي التمر- لا يمكنه في فمه كثيرًا، وكذلك القراء المذكورون لا يمكنون الألفاظ تمكينًا ولا يجودون الحروف تجويدًا بل يسرعون في نثر ألفاظ القرآن ولفظ حروفه إسراع أكل الدقل في لفظه عن فمه إذ ليس فيه شيء من الحلاوة يمصه ويستلذ به بخلاف أكل الجيد منه والرطب فإنه لا يكاد يلفظه وفيه بقية من الحلاوة، وعلى هذا أمر التلاوة، ومعنى قوله [فيه لا يجاوز تراقيهم] إما إلى العلو فهو كناية عن عدم القبول أو إلى داخل القلب، فالمراد به خلو قراءتهم عن التأثير ثم اختلف في أن الإكثار من القرآن أفضل من غير أن يبالغ في الترتيل أم المبالغة في التجويد\n_________\n(١) ثم في آسن قراءتان سبعيتان بالمد والقصر، وأما بالياء فليست في القراءة المعروفة.","vol":"1","page":474},{"text":"أفضل وإن قل من قدر المتلو، ولا شك أن القليل منه أفضل من الكثير الذي ليس فيه تصحيح الحروف وأداؤها عن مخارجها، وأما قوله [النظائر التي إلخ] فالمماثلة في مضامينها أو مقاديرها أو مقادير آياتها، ولا يجب تحقق كل من ذلك في كل منهما، بل الواجب في كل قرينتين شيء من هذه الأمور، والله أعلم بالصواب.\n\n[باب الذكر في فضل المشي إلى المسجد].\nوما يكتب له من الأجر في خطاه. هذا تخصيص على الإتيان إلى المساجد والحضور فيها من الأماكن البعيدة والظلمات والليالي وغير ذلك، وقوله [إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة] هذان مستلزمان أحدهما الآخر، فإن من عليه الذنوب كلما انحط عنه ذنب ترقت درجة عما كانت عليه قبل الحط، ولا يبعد أن يقال: إن الحط لمن عليه ذنوب، ومن ليس عليه ذنب بتوبة أو غيرها من المكفرات، كان إتيانه المسجد كفارة له في بعض ما عليه (١) ثم صار نقيًا من دنس الآثام، فما بقى من الطريق يكون ترقيًا له في مدارجه، والله أعلم، وأو، إما للشك أو للترديد.\nقوله [عليكم بهذه الصلاة في البيوت] الإشارة إلى نافلة المغرب، لا يستدعي مغايرة الحكم في سائر النوافل يعني أن الإشارة إليها بلفظ هذا لا تخصص الحكم بها كما فهمه من منع أن (٢) يصليها خاصة في المسجد دون غيرها والتخصيص بالإشارة إليها إنما هو ولوقوع نافلتهم إذًا حيث منعهم، ويمكن أن تكون الإشارة إلى جنس النوافل إلا أن الظاهر حينئذ أن يقال: عليكم بهذه الصلوات، بلفظ الجمع وليس الأمر ههنا للوجوب إلا عند شرذمة (٣) من أهل الظاهر،\n_________\n(١) لا يقال: إن المفروض من لا ذنب عليه لأن ما على الرجل يعم الذنب وغيره، فالمراد بالأول الكبائر، وههنا غيرها.\n(٢) فقال ابن أبي ليلى: لا تجزئ سنة المغدب في المسجد، هكذا في الأوجز.\n(٣) فقد حكى ابن عبد البر عن قوم كراهة النوافل مطلقًا في المسجد، كما في الأوجز.","vol":"1","page":475},{"text":"فقد ذهبوا إلى أن هذه الصلاة خاصة يجب أن تكون في البيوت، ولذلك أشار الترمذي إلى أنه غير معمول به، بل المعمول به هو الجواز أخذًا برواية حذيفة أن النبي ﷺ صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة، إذ لا يحتمل لفظة فما زال أن يكون صلى الركعتين بعد المغرب في بيته ثم عاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>[باب في الاغتسال عندما يسلم الرجل]</span>\n.\nهذا الغسل مسنون (١) ليوافق تطهير باطنه من نجاسات الكفر والشرك بتطهير ظاهره بما تلبسه في الكفر من الشعائر والأوساخ، فمن ذلك حلق ذؤابته وإزالة زناره وغير ذلك، ولكن لا يؤخر الإسلام لأجل الغسل، بل المسارعة فيه واجبة ما كانت، قوله [بماء وسدر (٢)] إلقاء ورق السدر لما لها من دخل في إزالة الأوساخ بسهولة، ولذلك تستعمل في غسل الميت لانعدام الدلك هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>[باب ما ذكر من التسمية في دخول الخلاء]</span>\n.\nالثابت ههنا من التسمية لفظة بسم الله فقط، ومحله في الكنف المبنية قبل\n_________\n(١) أي عند الشافعية والحنفية بخلاف الحنابلة والمالكية، فهو واجب عندهما والعجب من الإمام الترمذي: كيف أجمل المسألة؟ وحكى الاستحباب عن أهل العلم مطلقًا، ثم ما حكينا من اتفاق الشافعية والحنفية على الاستحباب مقيد بما إذا لم يوجد عنه حال كفره شيء من موجبات الغسل، أما لو وجد فيجب الغسل عند الشافعية بعد الإسلام، وإن وجد عنه الاغتسال قبل الإسلام، وأما عندنا فلا يجب إذا اغتسل قبله، والحاصل أن اغتسال الكافر حال كفره معتبر عندنا دون الشافعية، والتفصيل فيما علقته على بذل المجهود.\n(٢) والحديث في مسألة الماء المقيد حجة للحنفية، وفيها خلاف للأئمة الثلاثة شهير، بسطت في جنائز الأوجز.","vol":"1","page":476},{"text":"الدخول فيها، وفي الفضاء قبل كشف العورة.\nقوله [أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء] هذه علامة أمة محمد ﷺ، فقيل: لم يكن في الأمم السابقة وضوء، بل كان الوضوء لأنبيائهم فقط، وقيل المختص بهذه الأمة هو التحجيل من آثار الوضوء فحسب لا الوضوء أيضًا، وأيًا ما كان فهذا سيماء هذه الأمة يوم القيامة يعرفون بها، وهذا ترغيب على الوضوء وحث على لزوم الصلوات، إذ لا يفيد الطهارة دونها، وتخصيص الغرة بالسجود ليس لأن أثر الطهارة لا يكون في الجبهة بل لأن الغالب في الجبهة هو أثر السجود، لما أن الجبهة أصل في السجود، وأما في غير الجبهة من الأعضاء فعل (١) أثر الطهارة أعلى من أثر السجود وأغلب، أو هو مساو له، فلذلك لم يذكر ههنا لفظ السجود، بل قال: غر من السجود محجلون من الوضوء، والتحجيل، بياض في قوائم الفرس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>[باب ما يستحب من التيمن في الطهور]</span>\n.\nالتيامن ثابت منه ﷺ في كل ما فيه شرف من الأفعال كالترجل والتنعل وغيرهما، وما ليس كذلك فالمستحب فيه التياسر كنزع الخف والثوب ودخول الكنف وغير ذلك، وأما مسح الأذنين فسقط فيه التيامن لما أنه تابع مسح الرأس ولا تيامن فيه لعدم اليمين (٢) واليسار، فلا يكون حكم التبع على خلاف الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>[باب ما يجزئ من الماء]</span>\n.\n_________\n(١) لغة في لعل كما صرح به أهل النحو إذ عدوا في لعل إحدى عشرة لغة.\n(٢) أي في مسح الرأس فإنه يمسح مرة واحدة ولا يغسل الجهة اليمنى قبل اليسرى.","vol":"1","page":477},{"text":"قد بينه أولًا لكنه معنون بعنوان (١) آخر، مع أن علماء هذا الشأن عمومًا والحافظ الترمذي خصوصًا لا يبالون بالتكرار، قوله [يجزئ في الوضوء رطلان] المراد بإيراده ههنا بيان أن ما قدمنا في بيان مقدار الماء في الوضوء ليس (٢) تحديدًا لا يجوز الزيادة عليه أو النقص منه، إذ قد ثبتت الزيادة على ذلك بقوله ﷺ، ولكنه يعلم من ههنا صحة ما ذهب إليه الإمام من أن الصاع ثمانية أرطال لأنه أربعة أمداد، والمد مختلف فيه، فبيانه ﷺ ماء الوضوء بقوله رطلان، بيان مراده بالمد، فقد قال الراوي ابن جبر عن أنس راوي حديث: يجزئ في الوضوء رطلان من ماء، عن أنس أيضًا أن النبي ﷺ كان يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي، والمكوك مشترك بين المد والصاع، وقرينته مقابلته بخمسة مكاكي، يعين المد ههنا، فهل لا يلزم من ذلك كون المد رطلين وإلا خولف بين روايتيه عن أنس، وحاصله أن ابن جبر روى عن أنس أن ماء الوضوء رطلان، وهو يروي عن أنس وضوءه بالمكوك ولا يمكن حمل المكوك ههنا على الصاع، لأن وضوءه بالصاع لم يثبت في شيء من الروايات فوجب حمله على المد فكان المد رطلين، ولا تخالف رواياته، ولكن للمخالف أن يقول: إن أنسًا إنما روى عنه فعلين مختلفين فلا يجب حملهما على محمل واحد، فإنه ﷺ توضأ بالمد مرة وبرطلين أخرى، والصحيح في الاستدلال ما روى عنه أنه توضأ بالمد (٣)\n_________\n(١) فإنه بوب في كتاب الطهارة باب الوضوء بالمد.\n(٢) حكى القارئ الإجماع على ذلك، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم وذكر فيه خلاف أبي حنيفة ولا يصح، وحكى ابن رسلان فيه خلاف ابن شعبان من المالكية.\n(٣) أخرجه الطحاوي وغيره، وبسط الشيخ في البدل الكلام على هذه الروايات.","vol":"1","page":478},{"text":"رطلين أو نحوه، وأيضًا علم بذلك أن صاع العراق رائج من زمان النبي ﷺ، وليس نسبته إلى هشام لأنه (١) وضعه بل لما أنه شاع بين البلاد في زمانه، قوله [ويغسل بول الجارية (٢)] لما فيه من اللزوجة دون بول الغلام فيكفي فيه الغسل الخفيف المعبر عنه بالرش دون بول الجارية.\nقوله [أن يتوضأ وضوءه للصلاة] وهذا لخروجه عما هو خلاف الأولى وإلا فكيفيه المضمضة وغسل يديه إلى رسغيه، قوله [ولا يرد على الحوض] الرواية بدون ياء المتكلم بحر الحوض وبياء المتكلم بنصب الحوض، والمراد به الورود في أول وهلة، ومعنى قوله: ليس مني أنه لم يفعل فعلي ولا فعل أمتي فكأنه ليس مني أو أنه ليس في ظاهره مني لأنه ارتكب ما لم يرتكبه من كان مني، [والصلاة برهان] أي على الإسلام والإيقان، قوله [والصوم جنة حصينة] لأن اختياره حرارة العطش والسغب في دنياه يمنعه عن لبس حرارات النار.\n[فقال اتقوا الله ربكم] هذا أصل كبير يدخل فيه الامتثال بالأوامر كلها والاجتناب عن المعاصي جلها، ولكنه خص من ذلك بعض الأحكام تنبيهًا على\n_________\n(١) وهو كان صاع عمر كما أخرجه الطحاوي بعدة طرق، وبسطه الشيخ في البذل.\n(٢) اختلفت العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه للشافعية الصحيح المختار عندهم يكفي النضح لبول الصبي دون الجارية، بل لا بد من غسلها كسائر النجاسات، وبه قال أحمد وإسحاق وداؤد، والثاني: يكفي النضح فيها وهو مذهب الأوزاعي، والثالث: أنهما سواء في وجوب الغسل، وهو المشهور عن إمام دار الهجرة والإمام الأعظم وأتباعها وسائر الكوفيين، هكذا في الأوجز.","vol":"1","page":479},{"text":"عظمة شأنها والاهتمام ببيانها فكأنها لم تدخل فيما سبق حتى احتيج إلى التصريح بها، ولم يذكر الحج، لا لأنها لم تفرض بعد، فإن الخطبة واقعة في حجة الوداع بل لأن المخاطبين بذلك الأمر كانوا قد فرغوا من حجهم فلو قيل لهم: وحجوا بيت ربكم لربما أوهم تكرار الحج عليهم في العام المقبل فتركه اتكالًا على ما بينه في غير هذا المقام أو لأن الحج لا يجب على كل أحد بخلاف هذه الأحكام، قوله [قلت: منذ كم سمعت؟ قال: سمعت وأنا ابن ثلاثين] أي لم أك طفلًا لا يعتد بكلامي أو يظن بي عدم الفهم أو قلة الحفظ إلى غير ذلك.\nوهذا آخر أبواب الصلاة ويليه الجزء الثاني وأوله أبواب الزكاة.","vol":"1","page":480},{"text":"- (الجزء الثاني) -","vol":"2","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ</span>\n[قوله قرآني مقبلًا فقال هم الأخسرون ورب الكعبة] لم يكن قوله ﷺ هذا قصدًا منه برؤية أبي ذر ليسمعه بل كان النبي ﷺ لعله كشف عليه شيء من أحوالهم فاتفق إتيان أبي ذر في زمان قول النبي ﷺ ذلك، فلما سمع أبو ذر هذا ولم يكن هناك أحد يتكلم بالنبي ﷺ خاف أبو ذر وجلس مفكرًا في نفسه لعلي أذنبت ذنبًا أو نزل في شيء، ثم إنه لم يطق أن يصبر حتى سأل النبي ﷺ من هم فداك أبي وأمي فقال [هم الأكثرون] والمراد بذلك أصحاب النصب أي نصاب المال من النقدين وغيرهما، وقد صرح بالمال الناطق بعد ذلك فالظاهر أن يراد بالأول الصامت، وفي ذلك تأييد لما ذهب إليه (١) الإمام من أن الدراهم الكثيرة\n_________\n(١) إشارة إلى مسألة الإيمان يعني من حلف على المال الكثير أو الدراهم الكثيرة يراد بها النصاب كذا في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم، قلت: إلا أن المسألة خلافية ففي الهداية: لو قال مال عظيم لم يصدق في أقل من مأتى درهم لأنه أقر بمال موصوف فلا يجوز إلغاء الوصف، والنصاب مال عظيم حتى اعتبر صاحبه غنيًا به والغني عظيم عند الناس، وعن أبي حنيفة أنه لا يصدق في أقل من عشرة دراهم وهي نصاب السرقة وعنه مثل جواب الكتاب وهذا إذا قال من الدراهم أما إذا قال من الدنانير فالتقدير فيها بالعشرين وفي الإبل بخمس وعشرين لأنه أدنى نصاب يجب من جنسه وفي غير مال الزكاة بقيمة النصاب، ولو قال دراهم كثيرة لم يصدق في أقل من عشرة هذا عند أبي حنيفة، وعندهما لم يصدق في أقل من مأتين، انتهى، وهكذا قال صاحب البدائع في الدراهم الكثيرة زاد ولو قال لفلان على مال عظيم أو كثير لا يصدق في أقل من مأتى درهم في المشهور، وروى عن أبي حنيفة ﵀ أن عليه عشرة، انتهى، فعلم أنهم فرقوا بين المال الكثير والدراهم الكثيرة فتأمل.","vol":"2","page":1},{"text":"والمال الكثير هو النصاب لا دونه لكنه يخدشه أن الواقع في الحديث صيغة التفضيل فلا يتم الاستدلال على الكثير (١) نعم يستدل بذلك على لفظ الأكثر فليسأل، ولعل الجواب أن التفضيل غير مقصود لما أنه قد ورد في تلك الرواية بعينها في طريق آخرهم المكثرون فلما كان كذلك كان المراد بهما واحدًا مع أن الاستدلال بالرواية الثانية التي ذكرناها تام لا محالة وأيضًا فالكثرة عند الشرع علم اعبتراها بالنصاب بهذه الروايات.\n[قوله إلا من قال هكذا وهكذا فجيء بين يديه وعن يمينه وعن شماله] في ذلك تأييد لما ذهب إليه الإمام من أن الفضل على قوت يوم في أداء الزكاة خلاف الأولى وجه التأييد أن النصاب لما كان أقله مأتى درهم فزكاته لا تكون إلا خمسة دراهم فكيف يمكن نشره في يمينه وخلفه وشماله وبين يديه إذا أعطى كل فقير زائدًا على قوت يوم لا أن يكون (٢) فقيرًا ذا عيال فإعطاؤه القدر الكثير\n_________\n(١) وحاصل الإيراد أن الوارد في الحديث لفظ الأكثر فلا يتم الاستدلال على المسألة المذكورة وهي الحلف بالمال الكثير نعم يصح الاستدلال على الحلف بالمال الأكثر، وحاصل الجواب أن الصيغة وإن وردت بلفظ التفضيل لكنه ليس بمقصود في الحديث.\n(٢) لم أرها صريحًا في كلامهم وذكر صاحب الدر المختار يندب دفع ما يغنيه يومه عن السؤال واعتبار حاله من حاجة وعيال، قال ابن عابدين: أشار إلى أنه ليس المراد دفع ما يغنيه في ذلك اليوم عن سؤال القوت فقط بل عن سؤال جميع ما يحتاجه فيه لنفسه وعياله، انتهى، وقال صاحب البدائع ذكر في الجامع الصغير أن يغني به إنسانًا أحب إلي ولم يرد به الإغناء المطلق لأن ذلك مكروه وإنما أراد به المقيد وهو أن يغنيه يومًا أو أيامًا عن المسألة لأن الصدقة وضعت لمثل هذا الإغناء، انتهى.","vol":"2","page":2},{"text":"إعطاء لكل مسكين بقدر القوت.\n[قوله أعظم ما كانت وأسمنه] أي على أحسن هيئاتها التي كانت عليها في الدنيا لأنه كان يضن بها ويفرح في هذه الحال أكثر من ضنه وفرحه في غير ذلك فيجازى به في تلك الهيئة و[قوله كلما نفذت إلخ] في بعض (١) الروايات كلما نفدت أولاها عادت عليه أخراها توجيهه أن يعتبر الأول من الجانب الأخير إذ الأول والأخير اعتبار فإن اعتبر وضع القدم (٢) كان أولاها من الجانب المتقدم وإن اعتبر العد فالأكثر كون السائق خلفها فيعتبر الأول من جانبه وفي جانبه أولاها هي أخراها في وضع القدم.\nقوله [حتى يقضي بين الناس] يعني أن وطيها إياه ينتهي بانتهاء القضاء فبعد ذلك إن كان إنكاره بقلبه أيضًا جوزى بإحراق قلبه في نار جهنم وإن كان مقتصرًا على ظاهره فحسب بأن كان معتقدًا فرضيته فلعل الله يعفو عنه ويقتصر على تخريب ظاهره جزءًا على إنكاره في الظاهر.\n_________\n(١) كما ورد عند مسلم وقالوا قد ورد فيه قلب من الراوي قاله عياض ووجهه القاري بأنها تمر على التتابع فإذا انتهى إلى الأخرى إلى الغاية ردت من هذه الغاية كذا في البذل، وهذا التوجيه غير ما أفاده الشيخ.\n(٢) يعني إن اعتبر مشي الصرمة، فالظاهر العداد من القدام وإن اعتبر ما هو المعتاد في العد فيكون غالبًا من جانب السائق لأنه يعد الأقرب فالأقرب عنه فيكون العداد من الخلف لأنه قريب من السائق.","vol":"2","page":3},{"text":"[قال الأكثرون أصحاب عشرة آلاف] إنما اضطر (١) إلى هذا لأن الوعيد المذكور يحقق أن هذا ليس في الإعطاء التطوع فكان فرضًا ومقدار الفرض لا تبلغ إلى حد ينشرها في جميع جهاته إلا أن يكون قد ملك عشرة آلاف دراهم وأنت تعلم ما بينا في توجيهه (٢) فالظاهر (٣) أن هذا تفسير للمكثرين في بعض الأحوال يعني أن المكثر قد يطلق على هذا المعنى أيضًا.\n[قوله إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك] واستدل بهذا الحديث من أنكر وجوب الأضحية قلنا فيلزم أن لا يجب صدقة الفطر مع أنكم قلتم بفرضيتها فما هو جوابكم فهو جوابنا، ويمكن أن يقال إن معناه قد قضيت ما عليك من الزكاة (٤) أو من نققات التطوع أو أديت ما ورد الوعيد بتركه أو قضيت ما عليك\n_________\n(١) والظاهر أنه إنما اضطر إلى هذا التفسير لأن عشرة آلاف جامعة لجملة الأعداد التي هي أساس التعداد عند العرب فإنها جامعة للآحاد والعشرات والمئين والألوف.\n(٢) الظاهر أنه إشارة إلى ما تقدم من أن المراد بالكثرة النصاب.\n(٣) وعلى ما في الحاشية من أن التفسير عن الضحاك ورد في موضع آخر لا حاجة إلى التوجيه ولفظها هذا التفسير من الضحاك لحديث آخر وهو قوله ﷺ من قرأ ألف آية كتب من المكثرين المقنطرين، وفسر المكثرين بأصحاب عشرة آلاف درهم، وأورد الترمذي هذا التفسير ههنا لمناسبة ضعيفة، انتهى.\n(٤) وعلى هذا ففائدة الكلام أنه لا يبقى بعد أداء مال الزكاة شيء آخر منتظر لسقوط الزكاة كأكل النار وغيره بل يكفي لفراغ الذمة أداء مالها نعم يشكل سقوط نفقات التطوع بأداء مال الزكاة، اللهم إلا أن يقال أن المعنى لم يبق بعد أداء الزكاة كاملًا مكملًا مزيد فاقة إلى التطوعات، فإن أداء الفرائض كاف للنجاة أو المعنى إذا أديت مال الزكاة في نفقات التطوع لم يبق للنفقات مزيد احتياج إلى مال آخر فتأمل. والأوجه عندي في معنى الحديث أنك إذا أديت الزكاة بعد برهة من الزمان ولو بعد سنين مثلًا فقد قضيت ما عليك ولا يجب شيء آخر لأجل التأخير كما قالوا بوجوب الفدية أيضًا بتأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر، هذا هو الأوجه عندي في معنى الحديث لكني لم أره في كلام أحد من المشايخ فتأمل، ولا يبعد أيضًا أنه ﷺ دفع بذلك ما يتوهم من قوله الآتي قريبًا إن في المال لحقًا سوى الزكاة من وجوب شيء آخر سوى الزكاة فنبه ﵇ بهذا أن الحديث الآتي من مكارم الأخلاق.","vol":"2","page":4},{"text":"ما ذكره الله تعالى في كتابه بقوله ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ﴾ الآية، أو يقال إن قوله ذلك كان قبل وجوب الفطرة (١) والأضحية أو المراد قضيت ما وجب بالكتاب، وإن كان بعض ما وجب بالسنة باقيًا بعد، والحق في الجواب أن هذا بيان للحقوق التي تجب بنفس المال ولا تحتاج في وجوبها إلى سبب آخر بل سبب وجوبها المال فقط، وإن شرط في ذلك شيء آخر وليس هذا إلا الزكاة، وأما صدقة الفطر والأضحية فإنما وجوبهما مضاف إلى سبب آخر وإن كان المال مشروطًا فيهما فإن الأضحية لو تعلق وجوبها بنفس المال كالزكاة لما ساغ للمالك أن يأكل منها كالزكاة بل الواجب فيها هو الإراقة بعارض الضيافة وهو حاصل بالذبح فيجوز الأكل بعد ذلك منها لعدم تعلق القرية بعين اللحم فهلا أنكر الشافعية بذلك الحديث وجوب نفقة الزوجات والولد الصغار والأبوين المحتاجين والأقرباء الآخر إذا كانوا محتاجين غير قادرين على الكسب وهو غني وهلا أعفاهم عن الحج والصوم والصلاة فإن كلمة ما عامة وتخصيصه بالمال خلاف الظاهر.\n_________\n(١) قيل إنه لحن أو غلط حتى أوردوا على صاحب القاموس أيضًا لكن اللفظ كثير الاستعمال في كلام الفقهاء كما قاله ابن عابدين.","vol":"2","page":5},{"text":"[وقوله إلا أن تطوع] مثل ما (١) ذكرنا فيما تقدم.\n[قال كنا نتمنى أن يبتدئ الأعرابي العاقل] كان ذلك حين منعوا (٢) عن السؤال من غير حادثة نجمت أو واقعة وقعت، وكان السبب في ذلك مبالغتهم في السؤال عما لا يغنيهم وكان ذلك لما عليه النبي ﷺ من حسن الخلق الذي لا يتصور عليه مزيد وكانوا بعد المنع يحبون أن يسأل أحد فيسمعوا عن النبي ﷺ حكمه ولم يمنع الأعراب ومن أتى من بعد فإنهم كانوا مرخصين في المسألة ما شاؤوا مما وقع ولم يقع وذلك لما في الإتيان لمسألة مسألة من الحرج عليهم وقيده بالعاقل لأن من لا يعقل فلعله يفعل شيئًا يسوء به النبي ﷺ أو أصحابه ولأن غير العاقل ليس في سؤاله كثير فائدة لأنه لا يسأل إلا على قدر فهمه، وكان من جملة دلائل عقل هذا السائل أنه لم يعتمد في اعتقاديات مذهبه وأصول أعماله على خبر الواحد وأنه جيء بين يديه ﷺ، وأنه ذكر في تحليفه الأول ما ذكر به المحلوف عظمة شأنه وجلال كبريائه حتى لا يقدم على الحلف الكاذب باسم الرب ﵎ الذي هو شأنه ثم لما أقر برسالته اقتصر على الحلف بالمرسل، ولم يحتج إلى ذكر خلق تلك المخلوقات العظام ثانيًا وإنه لما علم أن الرسالة لا يثبت أمرها إلا بشهادة ملك ولا يمكن رؤيته في صورته وإذا تصور بصورة بشر فمن أين الاعتماد على أنه ملك فاقتصر على التحليف لأنه لم يجد إلى الإشهاد سبيلًا ولقد علمت بذلك أن الاعتماد والحكم على الحلف واجب عند انتهاء البيئة وأنه وثب بعد سماع ذلك وتقريره ولم يلبث لئلا يقع لبث في تبليغ ما أرسله قومه لتصديقها ووكلوه من\n_________\n(١) ينظر في أي محل تقدم فلم أره.\n(٢) قال الحافظ في الفتح: وقع في رواية موسى بن إسماعيل بسنده عن أنس في أوله قال نهينا في القرآن أن نسأل النبي ﷺ فكن يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل الحديث، وكان أنسًا أشار إلى آية المائدة، انتهى.","vol":"2","page":6},{"text":"جانبهم كافة لتحقيقها ولئلا يكون طول جلوسه ثقلًا عليه ﷺ وظنه ذلك بنفسه لحقارتها عنده لا يستلزم أن يكون كذلك في نفس الأمر أيضًا.\n[فقال والذي بعثك بالحق لا أدع منهن شيئًا ولا أجاوزهن] المراد بذلك أن لا أتصرف بزيادة ولا نقصان في تبلغيها أو المراد لا أنقص ولا أزيد في أركانها وواجباتها وأفعالها التي علمتنيها، ولا يبعد أيضًا أن يقال لا أزيد ولا أنقص عن هذه الأركان الأربعة أو لا أزيد ولا أنقص على هذه في اعتقاد وجوب العم بها أو لا أزيد على هذا معتقدًا بوجوب الزيادة وكذا في شق النقصان غاية الأمر أنه يلزم القول بعدم إقراره التطوعات في جميع (١) ذلك ولا ضير فيه، لأن هذه الأفعال كافية في دخول الجنة وهو الذي قاله النبي ﷺ والتطوع لرفع الدرجات ولم يذكره.\n[وقوله إن صدق الأعرابي] أي بلغه كما قال أو فعله كما قال دخل الجنة لأنه بلغه غيره، فالظاهر أنه لا يتركه أيضًا.\n[قوله قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق] هذا دليل لما قال الصاحبان من عدم وجوب الزكاة في الخيل (٢) ومن أقوى أدلة الصاحبين أن النبي ﷺ لما\n_________\n(١) أي في جميع الأحكام المذكورة في الحديث، وليس المراد جميع التوجيهات فإن في بعضها لا يلزم الإقرار بترك التطوعات كما في توجيه اعتقاد وجوب العمل.\n(٢) في البدائع: الخيل إن كانت تعلف للركوب أو الحمل أو الجهاد فلا زكاة فيها إجماعًا، وإن كانت للتجارة تجب إجماعًا، انتهى، وحكى الحافظ في الفتح عدم وجوب الزكاة فيها مطلقًا عن أهل الظاهر، ولو كانت للتجارة، لكن عامة شراح الحديث ونقلة المذاهب ذكروا الإجماع على وجوب الزكاة إذا كانت للتجارة فكأنهم لم يلتفتوا إلى خلاف أهل الظاهر وأما إذا كانت الخيل سائمة فالأئمة الثلاثة وصاحبا أبي حنيفة قالوا بعدم وجوب الزكاة فيها لحديث الباب وهو مختار الطحاوي، وقال الإمام أبو حنيفة بوجوب الزكاة وبه قال زفر وحماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وزيد بن ثابت من الصحابة، ورجحه ابن الهمام وبسط الكلام على الدلائل كذا في الأوجز.","vol":"2","page":7},{"text":"لم يبين مقدار نصاب الخيل ولا مقدار الواجب فيه علم أنه لا زكاة فيها وإلا فكيف يتصور عنه ﷺ أن لا يذكر هذا النوع مع كثرة (١) احتياجهم إليه ولم يخل عن استعماله زمان عسر ولا يسر والجهاد ماض إلى يوم القيامة وعلى هذا المذهب قرائن من كلام النبي ﷺ لا يتمشى في أكثرها تأويل ولا جواب (٢) فالظاهر أن الذي ذهبا إليه هو الصواب، مع أنه لا شك أن الذي اختاره الإمام أحوط المذاهب وعليه قرائن (٣) أيضًا من الروايات، وما ورد من الروايات المشعرة بعدم وجوب الزكاة فهي عند الإمام محمولة على خيول الركوب أو الغير السائمة وما يشعر منها بالوجوب فيها فهي عند المنكرين محمولة على ما إذا كانت للتجارة، فالزكاة فيها إذًا على حساب أموال التجارة والعروض.\n[قوله حتى قبض فقرته بسيفه] وفي العبارة تقديم وتأخير والأصل أنه ﷺ كتب كتاب الصدقة فقرنه بسيفه فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض وفرضيته الزكاة قيل في السنة الثانية من الهجرة، وقيل الثالثة وقيل فرض الصوم في الثانية من الهجرة والزكاة في الثالثة، وقيل على العكس، وقيل غير ذلك وأيًا ما كان فالعمل قبل الكتابة يجوز أن يكون على هذا إلا أنه كان غير منصوص عليه عند عمال\n_________\n(١) هذا مسلم لكن الخيل مع كثرة الاحتياج إليها وعدم خلو زمان عن استعمالها لم تكن كثيرة إذ ذاك كما لا يخفى على من طالع كتب المغازي، فإن في الغزوات والسرايا لم تكن الخيل إلا قليلة.\n(٢) غير أن عمر ﵁ وضع الزكاة بعد الاستشارة عن الصحابة كما بسط في الأوجز فنص الآثار مقدم على القرائن المرفوعة.\n(٣) ونصوص أيضًا توجب الحق في ظهورها ورقابها كما بسطت في الأوجز.","vol":"2","page":8},{"text":"الصدقة بالكتابة بل كانوا يعلمون ويعملون بقوله ﷺ.\n[قوله ففيها حقتان إلى عشرين ومائة] وعلى هذا اتفق العلماء من لدن عهد رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا، وأما قوله ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون هذا عند الشافعي ﵀ (١) وأما عند الإمام فالواجب استئناف الفريضة بعد العشرين ومائة، ووجه ذلك زيادة (٢) هذه العبارة التي أخذ بها الإمام في بعض الروايات، ولعل الشافعي ﵀ لم تبغله أو لم يعتبرها.\n[ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمعي هذا أن الحكمين يجب الامتثال بهما على المالك وعلى المصدق ومعناهما إذا كان خطابًا للمالك أنه لا يجمع بين متفرق مثل أن يكون لرجلين ثمانون شاة لكل أربعون، فأرادوا أن يجمعوهما لكيلا تجب فيا شاتان بل يجزيهما واحدة فنهاهما عن ذلك وأما معنى قوله ولا يفرق بين مجتمع مثل أن يكون لرجل سبعون شاة فخاف أن يأخذ المصدق منها شاة ففرقها اثنين في كل قطيع خمس وثلاثون، وأظهر المالك لكل قطيع مالكًا على حدة فلا يأخذ منها لقلتها عن مقدار النصاب ومعنى قوله مخافة الصدقة مخافة كثيرة الصدقة أو مخافة وجوب الصدقة، وهذا علة للنهيين جميعًا وأما إذا كانا نهيين للمصدق فمعنى قوله لا يجمع جمع مالين كل منهما لا يبلغ النصاب على حدة، ومعنى قوله لا يفرق بين مجتمع كأن يكون لرجل مائة وعشرون شاة ففرقها المصدق ثلاثًا ليأخذ في كل أربعين شاة وقوله مخافة الصدقة معناه مخافة قلة الصدقة أو مخافة أن لا تجب الصدقة لو لم يفعل ذلك.\n[وقوله فإنهما يتراجعان بالسوية] أي على قدر حصصهما [وقوله ولا ذات عيب] أي الذي يضر بنقصان القيمة.\n_________\n(١) وكذا مالك وأحمد مع الاختلاف فيما بينهم فيما بين مائة وعشرين إلى مائة وثلاثين كما بسطت في الأوجز.\n(٢) بسطت في المطولات من العيني والبذل وغيرهما والتلخيص في الأوجز.","vol":"2","page":9},{"text":"[وفي كل أربعين مسنة] أشار بأول الجملة من الحديث إلى أخذ المسن ههنا أيضًا والتفاوت بين الذكر والأنثى من الغنم في أداء الزكاة هدر لأن الشرع أمر بإيتاء الشاة حيث قال النبي ﷺ في كل أربعين شاة شاة واسم الشاه يتناولهما وكذلك البقر والجاموس لإهدار تفاوت ما بينهما، ولعل ذلك في عرفهم لعدم استعمالهم بذكور البقر (١) وأيًا ما كان فيجزى فيهما الذكر والأنثى سواء وأما الإبل فلم تؤمر فيها إلا بأداء الإناث فإن أدى الذكر منها لم يجز عن (٢) الزكاة إلا أن تبلغ (٣) قيمته الواجب فيجزى به لذلك فكأنه أدى القيمة لا نفس الإبل.\n[قوله عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله] أشاروا إلى تغليط هذا والترمذي أيضًا يؤمى (٤) إلى ذلك والظاهر أنه يدل بإعادة الجار قوله [ومن كل حالم دينار] هذا ليس مبنيًا على أن الجزية على هذا القدر وإنما كان الصلح على ذلك ولذلك ورد في بعض طرق هذه الرواية من كل حالم وحالمة مع اتفاق العلماء قاطبة أنه ليس على المرأة (٥) جزية ومذهبنا منقول عن عمر وعلي وعثمان وغيرهم والتفصيل في الهداية في باب الجزية ومذهب الإمام (٦) في ذلك أن يؤخذ من\n_________\n(١) بل مع الاستعمال أيضًا فإن في الذكور لو كانت فائدة الزراعة ففي الإناث نفع اللبن فتساويا.\n(٢) لفحش التفاوت بين قيمتهما غالبًا.\n(٣) هذا عندنا الحنفية خاصة، والمسألة خلافية بسطت في الأوجز.\n(٤) لم يحفظ.\n(٥) فقد قال ابن رشد: اتفقوا على أنها إنما تجب بثلاثة أوصاف الذكورية والبلوغ والحرية، انتهى، كذا في الأوجز.\n(٦) ولو شئت تفصيل مسالك الأئمة في ذلك واختلاف مذاهبهم فارجع إلى الجزء الثالث من أوجز المسالك، وما ذكره الشيخ من مسلك الإمام هو المسمى بجزية العنوة والجزية عندنا على نوعين: إحداهما هذا، والثانية جزية الصلح وهي ما اصطلح عليه الإمام وهي التي أشار إليها الشيخ في توجيه الحديث.","vol":"2","page":10},{"text":"الفقراء درهم في كل شهر ومن الغنى أربعة في كل شهر ومن المتوسط درهمان في كل شهر والدينار عشرة دراهم عند الإمام، وهذا الذي نأخذ من فقراءهم يفضل على قدر الدينار فكيف بالذي نأخذ من أغنيائهم فلا مصير إلا إلى الجواب الذي ذكرنا وهذا ثابت بتاريخ الثقات وبالحديث الآخر [أو عدله معافر] نوع من الثياب يجلب من اليمن.\nقوله [فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله] هذا أول ما يجب على العاقل وبهذا يثبت وضع كل شيء في مرتبته من التقديم والتأخير [قوله فإن هم أطاعوا لذلك] وإن لم يطيعوا ففيهم السيف أو الجزية [وقوله ترد على فقراءهم] دفع لما عسى أن يتوهموا أن هؤلاء إنما يفعلون ما يفعلون ليجمعوا بذلك أموالًا، فلما أمر بردها إلى فقرائهم لم يبق لهم توهم وعلم بذلك أيضًا أن المفتي والقاضي والواعظ وغير ذلك إذا ذكر شيئًا يتبادر إليه شبهته ينبغي أن يدفعها لئلا يفسد بذلك عقائد الناس وعلم بذلك أيضًا أن زكاة كل بلدة يفرق على فقراءها أو إلى أحوج منهم [وقوله ليس بينها وبين الله حجاب] لا يقتضي الحجاب في غيرها إذ المقصود منه لما كان هو السرعة في الإجابة لم يبق معناه الحقيقي مقصودًا وفيه إشارة إلى النهي عن أن يأخذ خيار أموالهم فإن ذلك ظلم يكون سببًا لدعوة المظلوم.\n[قوله وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة] قال (١) الإمام ليس هذه\n_________\n(١) وتوضيح الخلاف في ذلك أنهم اختلفوا في العشر ونصفه هل له نصاب أم لا، فذهب إلى الأول لحديث الباب مالك والشافعي وأحمد وداود وصاحبا أبي حنيفة وغيرهم مع الاختلاف فيما بينهم فيما لا يكال ولا يوسق كالزعفران وغيره كما بسطت في الأوجز، وذهب الإمام الأعظم ومن معه كعمر بن عبد العزيز ومجاهد وإبراهيم النخعي وزفر وغيرهم إلى الثاني لعموم الأحاديث الصحيحة من العشر فيما سقت السماء ونصف العشر فيما سقى بالنضح وقالوا: حديث الباب محمول على مال التجارة أو منسوخ كما قرره العيني أو أخبار الآحاد لا تقبل بمقابلة عموم الكتاب وغير ذلك من الأجوبة العشرة المبسوطة في الأوجز، قال ابن العربي: أقوى المذاهب مذهب أبي حنيفة دليلًا وأحوطها للمساكين وأولاها قيامًا شكر النعمة وعليه يدل عموم الآية والحديث.","vol":"2","page":11},{"text":"المسألة عن قبيل العشر حتى يستدل بها عليه وإنما ذلك في الزكاة كما أن سائر ما ذكر ههنا في بيان الزكاة، ووجه ذلك أن النبي ﷺ لما رأى تفتيشهم قيم الطعام ليدفعوا عن قدره الزكاة عن أموالهم للتجارة عين النبي ﷺ لهم مقدارًا يبلغ قيمته النصاب في العادة، وكان غالب معاملتهم بالوسق، ولكن الإنصاف خلاف ذلك فإن تفاوت أسعار الثمار والشعير والحنطة غير قليل، فكيف يعلم ماذا أراد النبي ﷺ بذلك حتى يعلم حكمه ولا يبعد أن يقال وسع عليهم في ذلك أن لا يحرجوا فكان هذا حكمًا عامًا لجميع أنواع الأطعمة التي كانت توجد عندهم.\n[قوله ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة] هذا مما يدل على مذهب الصاحبين، وهذا محمول على عبيد الخدمة ودواب الركوب عند الإمام، وأنت تعلم أنه قول من غير بينة إلا أنه يدل عليه إضافته إلى نفسه فإن المراد لو كان على الإطلاق لما أضيف إليه إذ الملك مستفاد بقرينة إيجاب الزكاة عليه إذ لا يجب الزكاة إلا على المالك.\nقوله [في العسل في كل عشرة أزق زق] هذا ظاهر على مذهب الإمام (١)\n_________\n(١) اختلفت الأئمة في وجوب العشر في العسل فقال بوجوبه أبو حنيفة وصاحباه والشافعي في القديم وأحمد وابن وهب من المالكية والأوزاعي وغيرهم ونفاء مالك والشافعي في الجديد والثوري وغيرهم كذا في الأوجز مع البسط في الدلائل.","vol":"2","page":12},{"text":"وليس ذكر عشرة أزق تحديدًا للنصاب حتى لا يجب العشر في أقل منها، وإنما هي بيان لمقدار الواجب في العسل بأنه زق في عشرة أزق، ومنع الشافعي ﵀ وحمله على دود القز (١) والجواب أن القز إنما يتولد بأكل الدودة أوراق الأشجار، وليس فيها عشر حتى يجب فيما يتولد منها ولا كذلك النحل فإن العسل إنما يتولد بأكلها من ثمار الأشجار وأزهارها، وفيها العشر ثم إن أبا يوسف ومحمد رحمهما الله اشترطا نصابًا لا يجب العشر في العسل ما لم يبلغه، وقد ذكره في الهداية (٢) مع اختلاف الروايات عنهما في ذلك ولم يقدر عند الإمام بنصاب ينتفي الوجوب بقلته عنه.\n[قوله لا زكاة على المال المستفادة حتى يحول عليه إلخ] فيه شقوق فإن مستفيد المال إما أن يكون قبل استفادته فقيرًا لا شيء له فلا اختلاف في وجوب الزكاة بعد\n_________\n(١) ليس المعنى أنه حمل الحديث على دود القز بل المراد أنه قاس العسل على الإيريسم والكلام مأخوذ من صاحب الهداية ولفظه في العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر، وقال الشافعي: لا يجب لأنه متولد من الحيوان فأشبه الإبريسم ولنا قوله ﷺ في العسل العشر، ولأن النحل يتناول من الأنوار والثمار وفيهما العشر، فكذا فيما يتولد منهما بخلاف دود القز، لأنه يتناول الأوراق ولا عشر فيها، انتهى.\n(٢) ولفظها عن أبي يوسف أنه يعتبر فيه خمسة أوساق، وعنه أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب وعنه خمسة أمناء وعن محمد خمسة أفراق، انتهى، وفي هامشه عن البناية: الأول ظاهر الرواية عن أبي يوسف، وقال أيضًا عن محمد ثلاث روايات، الثانية خمس قرب، والثالثة خمسة أمناء: انتهى مختصرًا.","vol":"2","page":13},{"text":"حولان الحصر، وإن كان غنيًا قبل ذلك، فإما أن يكون غناؤه بجنس ما استفاده أو بغيره وعلى الثاني لا يضم المستفاد إلى الحاصل له أولًا اتفاقًا، وعلى الأول فإما أن يكون المستفاد حاصلًا بالذي كان له أولًا فيكون من نمائه وزيادته، أو لا يكون كذلك وعلى الأول يضم اتفاقًا، وفي الثاني اختلاف والتفصيل في الهداية (١) وحواشيها [قوله لا يصلح قلتان في أرض إلخ] هذا الحكم مختص بالعرب فلا يمكن أحد ممن ليس من أهل القبلة من التمكن فيها، ولذلك أخرج عمر عنها اليهود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>[باب في زكاة الحلي قوله تصدقن ولو من حليكن]</span>\nهذا يمكن أن يكون ترقيًا لأن حلي النساء أنفس أموالهن عندهن فكأنه قال: لا تمتنعن عن التصدق من كل شيء حتى من الحلي، ويمكن أن يكون تنزلًا لأن قلائدهن وأسورتهن كانت في الأكثر عن أمثال الشبه وغير ذلك فكان المراد على هذا تصدقن من كل شيء قليل أو كثير ولو من الحلي فإن لها قيمة أيضًا وهذا عند الإمام محمول على النافلة\n_________\n(١) ففي الهداية: من كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إليه، وزكاه به، وقال الشافعي: لا يضم لأنه أصل في حق الملك فكذا في وظيفته بخلاف الأولاد والأرباح، لأنها تابعة في الملك حتى ملكت بملك الأصل، ولنا أن المجانسة هي العلة في الأولاد والأرباح لأن عندها يتعسر التمييز فيعسر اعتبار الحول لكل مستفاد وما شرط الحول إلا للتيسير، انتهى، وفي هامشه عن العيني المستفاد على نوعين: الأول أن يكون من جنسه، والثاني أن يكون من غير جنسه كما إذا كان له إبل فاستفاد بقرًا فلا يضم إلى الذي عنده بالاتفاق، والأول على نوعين: أحدهما أن يكون المستفاد من الأصل كالأولاد والأرباح فيضم بالإجماع، والثاني أن يكون مستفادًا بسبب مقصود كالشراء فإنه يضم عندنا، انتهى، قلت: ولو شئت التفصيل واختلاف الأئمة أزيد من ذلك فعليك بالأوجز.","vol":"2","page":14},{"text":"لما في أخر الحديث من إيتاء هذه الصدقة لزوجها حين سألت امرأة عبد الله بن مسعود عن ذلك فكان دليلًا على كونه هذه الصدقة نافلة ووجه (١) ما قلنا من وجوب الزكاة في الحلي ما سيجيء من حديث الأسورة وما فيه من الضعف منجبر بتعدد (٢) الطرق.\n[قوله وليس في الخضروات صدقة] وهذا عند الإمام مؤول بأن الخطاب فيه ليس للمالك وإنما ذلك حكم لعمال الصدقة إذ الواجب في الخضروات لا يأخذه السلطان وإنما يدفعه إلى الفقير بنفسه [قوله أو كان عثريًا] هذا بالثاء المثلثة من فوق، واختلفوا في معناها والصواب أن العثري ما على طرف النهر أو العين أو البحر إلى غير ذلك فيجذب الماء بعروقها ولا يحتاج في إيصال الماء إليه إلى سقي وجهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>[باب في زكاة مال اليتيم]</span>\n.\n[قوله حتى تأكله الصدقة] تأويله (٣) عندنا الإنفاق على نفس اليتيم، فإنه\n_________\n(١) لا زكاة في الحلي عند الشافعي في أظهر قوليه ومالك وأحمد، وأوجبها الحنفية وعمر بن الخطاب ﵁ وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين والثوري وابن حزم من الظاهرية كذا في الأوجز.\n(٢) قال ابن القطان: إسناده صحيح، وقال ابن الهمام: تضعيف الترمذي مأول وإلا فخطأ، وقال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ذكرهما وإلا فطريق أبي داود لا مقال فيه كذا في الأوجز وبسطت فيها طرق روايات الباب.\n(٣) مذهب الأئمة الثلاثة وجوب الزكاة في مال اليتيم كما حكاه الترمذي، ولم يذهب إليه الحنفية والثوري وابن المبارك وأبو وائل وسعيد بن جبير والحسن البصري، وحكى عنه إجماع الصحابة على ذلك، قال ابن رشد: وسبب الاختلاف اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية هل هي عبادة كالصلاة والصيام أو حق واجب للفقراء على الأغنياء فمن قال بالأول اشترط فيها البلوغ، ومن قال بالثاني لم يعتبره، انتهى، وحكى السرخسي في المسألة قولًا ثالثًا أن يحصي الولي أعوام اليتيم فإذا بلغ أخبره كذا في الأوجز، فحديث الباب حجة للأولين وأوله الآخرون بما أفاده الشيخ ودلائلهم في المطولات كالأوجز.","vol":"2","page":15},{"text":"قد يسمى صدقة كما قال النبي ﷺ في غير هذا الحديث تصدق على نفسك، ومن روى ههنا لفظ الزكاة بدل لفظ الصدقة بالزكاة علمًا منه أنهما واحد فكان ذلك رواية بالمعنى عنده مع أن ظاهر «تأكله الصدقة» إحاطة الصدقة كل ماله وذلك لا يكون في الزكاة، فإنها لا تجب بعود المال إلى أقل من النصاب وإن لم يكن نصابًا من أول الأمر لم تأكله الصدقة رأسًا، وأما إذا أريد بها النفقة سواء كانت نفقة نفسه أو أحد ممن يجب عليه نفقته كان ظاهرًا في معناه.\n[قوله والمعدن جبار] ومعنى كونه جبارًا أن رجلًا إذا استأجر رجلًا ليحفر له المعدن فسقط عليه المعدن في حفره لا شيء على المستأجر وكذلك إذا حفر رجل معدنًا فأخذ ما أخذ وعاد ولم يسو الحفرة بالتراب وغيره فسقط فيه شيء لا شيء في ذلك على الحافر، وهذا معنى قوله والبير جبار، وهذا كله إذا لم يكونا في ملك أحد أو كانا بإجازة المالك وإلا فلابد من الدية وإهدار جرح العجماء مقيد بما إذا لم يكن معه أحد وإن كان أضيف إليه ووجب الدية.\n[وفي الركاز الخمس] الفرق بين الكنز والركاز أن الأول من المخلوق، والثاني من الخالق والمعدن ما يخرج منه الركاز، ثم اعلم أن الركاز للواجد أينما وجد لكنه يخمس، وأما الكنز ففيه تفصيل إن كان في أرض غير مملوكة لأحد فالحكم فيه مثل ما مر، وإن كان في المملوكة لنفسه فلا شيء فيه عند الإمام في رواية وعند صاحبيه يخمس، أو المملوكة للغير فقال أبو يوسف إلخ، والتفصيل (١) في\n_________\n(١) ونصه إن وجد ركازًا أي كنزًا وجب فيه الخمس عندهم واسم الركاز يطلق على الكنز لمعنى الركز وهو الإثبات، ثم إن كان على ضرب أهل الإسلام كالمكتوب عليه كلمة الشهادة فهو بمنزلة اللقطة، وقد عرف حكمها في موضعها وإن كان على ضرب أهل الجاهلية كالمنقوش عليه الصنم ففيه الخمس على كل حال، ثم إن وجده في أرض مباحة فأربعة أخماسه للواجد، لأنه تم الإحراز منه إذ لا علم به للغائمين فيختص هو به وإن وجده في أرض مملوكة فكذا الحكم عند أبي يوسف وعند أبي حنيفة ومحمد هو للمختلط له وهو الذي ملكه الإمام هذه البقعة أول الفتح، انتهى، وعلم منه أن الاختلاف فيه للطرفين مع أبي يوسف ﵀ لا للإمام مع صاحبيه فتأمل.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>[باب ما جاء في الخرص]</span>\nاعلم أن الخرص بالمعنى الذي بينه الترمذي جوزه الإمام في العشر (١) والخراج كما في الحديث، وأما في الزرع المشترك بين الزارع\n_________\n(١) هكذا حكاه والدي المرحوم عن شيخه الكنكوهي نور الله مرقدهما في تقاريره كلها من الترمذي وأبي داود وغيرهما، وهكذا في تقرير الترمذي لمولانا رضي الحسن المرحوم، ولمولانا محمد حسن الولايتي المرحوم ولمولانا داود أحمد الكنكوهي المرحوم فيما حكوا من تقرير الشيخ الكنكوهي نور الله مرقده على الترمذي من جواز الخرص في العشر والزكاة عند الإمام وعامة الشروح على بطلانه فليفتش اللهم إلا أن يقال أن مراد الشيخ إشارة إلى ما حكاه الطحاوي عن الحنفية إذ ذكر حديث الخرص ثم قال ذهب قوم إلى أن الثمرة التي يجب فيها العشر هكذا حكمها تخرص وهي رطب تمرًا فيعلم مقدارها فتسلم إلى ربها ويملك بذلك حق الله تعالى فيها، ويكون عليه مثلها مكيلة ذلك تمرًا وكذلك يفعل في العنب، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا ذلك وقالوا ليس في شيء من هذه الآثار أن التمرة كانت رطبًا في وقت ما خرصت، وكيف يجوز أن يكون كانت رطبًا حينئذ فتجعل لصاحبها حق الله فيها بمكيلة ذلك تمرًا يكون عليه نسيئة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلا ونهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة وجاءت بذلك عنه الآثار المروية الصحيحة ولم يستثن رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا فليس وجه ما روينا في الخرص عندنا على ما ذكرتم، ولكن وجه ذلك عندنا والله أعلم أنه إنما أريد بخرص ابن رواحة ليعلم به مقدار ما في أيدي كل قوم من الثمار فيؤخذ مثله بقدره في وقت الصرام لا أنهم يملكون منه شيئًا مما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل عنهم، وكيف يجوز ذلك وقد يجوز أن يصيب بعد ذلك آفة تتلفها أو نار فتحرقها فتكون ما يؤخذ بدلًا من حق الله فيها مأخوذًا منه بدلًا مما لم يسلم له، ولكنه إنما أريد بذلك الخرص ما ذكرنا ثم ذكر الطحاوي الشواهد على ذلك وقال في آخره وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى، انتهى، فالظاهر عندي أن مراد من قال من الحنفية بأن الخرص باطل أراد إلزام مقدار خاص من العشر بذلك الخرص فإنه باطل قطعًا لأن الخرص تخمين وليس بحجة ملزمة ومن حكى الكراهة أراد أخذ التمر بدل الرطب بهذا الخرص فإنه من البيوع المنهية في الروايات، ومن حكى الجواز كالشيخ ﵀ والطحاوي وغيرهما أراد جواز الخرص لمجرد التخمين والطمأنينة بغلبة الظن لئلا يتجاسر رب البستان على الغبن الفاحش بالتصرف وإضاعة العشر فتأمل، هذا ما عندي والله أعلم.","vol":"2","page":17},{"text":"ورب الأرض فلا يجوز إلا أن يأخذ نصيبه من عين الذي يخرج من هذا الزرع كما هو رائج في زماننا، ووجه حرمته أنه محاقلة وقد نهى عنها وهي بيع السنبلة بالحنطة مع أنه فيما راج وتعاملوا به إنما يكون نسيئة ففيه من شبهة الربا إلا","vol":"2","page":18},{"text":"أن يأخذ (١) بعد ما أنفقه الزارع في حوائج نفسه، فحينئذ لا بأس في التبديل إذ قد صار دينًا في ذمته وكان أهل خيبر يؤدون الواجب عن عين ما خرج لا يبدلونه من عندهم، وأما الاختلاف في جواز المزارعة بالثلث والربع بين الإمام وصاحبيه فمذكور في موضعه فلا علينا أن لا نشتغل بذكره ومبنى الخلاف هو معاملته ﷺ بأهل خيبر فحمله الإمام على أنه كان مصالحة، وقال صاحباه كان معاملة بالثلث والربع، والحق أن البعض كان كذلك والبعض كذلك.\n[قوله فدعوا الثلث] منة عليهم واحتياط في بقاء حق الرجل علينا ولا ضير في عكسه وإسقاط الثلث أو الربع بعد تعيين (٢) العشر وقبله سواء كأن يكون تسعين منًا فأسقطوا منه الثلث فبقى ستين وعشره ست وإن أسقطوا الثلث من عشر الكل وهو تسع كان الباقي ستًا أيضًا وهكذا في الربع ومعنى قوله فيثبت عليهم أن يكتب ذلك المبلغ الذي هو عشر الخارج ويقرره عليهم ثم يأخذه عنهم بعد ما فرغوا عن أمر زرعهم وتخيلهم.\n[قوله عتاب ابن أسيد] كله (٣) مكبر إلا أسيد بن زهير وأسيد بن حضير واختلفوا في أسيد بن أسيد.\n[قوله العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله] هذا إذا لم يعين لنفسه في\n_________\n(١) وكان ذلك حيلة للجواز وحاصله أن الزارع لو أعطى لرب الأرض من عند نفسه حال بقاء الزرع لا يجوز، لأنه محاقلة نعم لو صرف الزراعة في حوائجه ثم أعطى ما في ذمته من عند نفسه يجوز.\n(٢) يعني بترك الثلث من العشر بعد ما تعين أو يترك الثلث من الكل بعد الخرص قبل تعيين العشر كلاهما سواء باعتبار المال.\n(٣) لعله باعتبار الأكثر وإلا فأهل الرجال من صاحب المغني وغيره عدوا في المصغر والمكبر كليهما جماعة وكذا عدوا جماعة اختلف فيها تكبيرًا وتصغيرًا.","vol":"2","page":19},{"text":"ذلك أجرًا، ووجه شبهه بالغازي غير خفي وهو ما تجرحه الألسنة بأسهم الملامات وما يلزم في ذلك من إعلاء كلماته العليا.\n[المعتدي في الصدقة كمانعها] لأنه (١) منع الناس أن يبرزوا عليه أموالهم حتى يأخذ منه ما يجب فكان منعًا في الحقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>[باب في رضا المصدق]</span>\nاعلم أن النبي ﷺ أمر أرباب الأموال أن يصدروا المصدقين راضين كما أمر المصدقين أن لا يعتدوا في الأخذ بتخييرها أراد بذلك انتظام الأمر من جهتين جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>[باب من تحل له الزكاة]</span>\nقوله [حدثنا قتيبة وعلي بن حجر] جمعهما أولًا، ثم بين ما بينهما من الفرق، فقال على أنا، وقال قتيبة حدثنا ثم جمعهما بعد ذلك.\n[قوله خمسون درهمًا] أراد بالترجمة أن الذين ذهبوا إلى كون الغني بخمسين درهمًا إنما استدلوا على مرامهم بهذا الحديث فكان عقد الباب على حسب فهم هؤلاء ومطابقة الباب للحديث يعلم من لفظ الغناء والزكاة مصرفها الفقير فلم يعلم بهذا حكم الذي عنده أقل من ذلك، فالاستدلال بهذا الحديث أن الذي له خمسون درهمًا غني والوارد في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ فلم يكن الرجل والذي فوقه مصرف الزكاة فطابقت الرواية بالترجمة، وأما عندنا فالغناء غناء أن المانع عن السؤال والمانع عن أخذ الزكاة (المذكور وهو مالك خمسين) والمذكور ههنا فرد من أفراد الأول إذ لا عبرة للمفهوم، فليس يفهم من ذلك حلة السؤال للذي عنده أقل من ذلك وبينه النبي ﷺ في حديث آخر، وأما الغني المانع من أخذ الزكاة فملك النصاب أي نصاب كان ولأصحاب المفهوم أن يعتذروا بأن قيد خمسين ههنا\n_________\n(١) وعلى هذا فالمراد به الساعي المتجاوز عن المقدار الواجب والآخذ خيار الأموال، وقيل المراد به المالك المان أو المتجاوز عن الحد أو من يعطى غير مستحق أو غير ذلك كما بسط في البذل.","vol":"2","page":20},{"text":"ليس للاحتراز بل لو فاق حال السائل أو غير ذلك.\n[قوله أو قيمتها] أشار بذكر النقدين إلى أن المعتبر في ذلك إنما هو تسني الحاجة فإن كان عنده ما يسنى (١) به حاجته كالنقدين والطعام والأرز والشعير والثياب الفارغة عن حاجته حيث وجد المشتري لهذه الأشياء لم يجز له السؤال وإلا فهو له جائز.\n[قوله من أجل هذا الحديث] لما أنه خالف الأصول والروايات المعتبرة في تفسير الغناء لكنه غير سديد لما ذكره الترمذي من القصة بعد هذا، وقد ذكر متابعًا لحكيم فيه وقول عبد الله بن عثمان صاحب شعبة لو غير حكيم حدث بهذا معناه لكان أحسن وأعمد لأنا لا نقبل رواية حكيم فقال له سفيان وما لحكيم أي ما شأنه وكيف أمره ألا يحدث عنه شعبة (٢) استفهامًا لكنه حذف همزة الاستفهام فقال له عبد الله نعم لا يحدث فذكر سفيان قال سمعت زيدًا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد فقد توبع حكيم بهذا.\n[قوله لم تحل له الصدقة] لم يفرقوا بين الغني المانع عن السؤال والغني المانع عن قبول الزكاة، وأما لفظ الحديث فليس فيه ما يدل على مرام هؤلاء إلا بتكلف.\n[قوله لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى] المراد بذي المرة السوي الصحيح القوي على الكسب ووجه جمع الحديث بالأول حمل الصدقة على المسألة لما أنها سببها أو المراد بعدم الحلة ما لا ينبغي له ارتكابه.\n_________\n(١) قال المجد سناه تسنية سهله وفتحه انتهى، ويقال تسنى الأمر تهيأ وتسنى الرجل تيسر وتسهل في أموره.\n(٢) أي لفظ لا يحدث بتقرير الاستفهام ولذا أظهر في التقرير قبل لفظه فقال إلا يحدث فهذا بيان لهمزة ألا يحدث وسيأتي شيء من ذلك في كلام الشيخ في كتاب العلل.","vol":"2","page":21},{"text":"[قوله فعند ذلك حرمت المسألة] وأما إيتاء النبي ﷺ الأعرابي، فأما قبل تحريمه المسألة أو لظنه احتياجه لدخوله فيما استثناه بقوله إلا لذي فقر مدقع أو غرم مفظع والفزع الجزع والفظاعة الشدة ويعلم من استثناء الدين المفظع أن دين المهر إذا كان غير معجل لا يجوز أخذ الزكاة لمن هو عليه.\nقوله [وليس لكم إلا ذلك] أي في هذا الوقت وأما دينهم فغير ساقط (١) يقتضون منه إذا وجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>[باب كراهية الصدقة للنبي ﷺ إلخ]</span>\nليس المراد بأهل بيت النبي ﷺ أزواجه (٢) المطهرات ﵅ بل بنو أعمامهم وهم أولاد علي وعباس وجعفر وعقيل والحارث بن عبد المطلب والصدقة تعم الفرض والنفل فإن صدقة التطوع، وإن لم يساو الفرض في الوسخ فلا تخلو عن الوسخ فما في الهداية (٣)\n_________\n(١) قال القاري: والمعنى ليس لكم إلا آخذ ما وجدتم والإمهال بمطالبة الباقي إلى الميسرة، وقال المظهر: أي ليس لكم زجره وحبسه لأنه ظهر إفلاسه وإذا ثبت إفلاس الرجل لا يجوز حبسه بالدين بل يخلي ويمهل إلى أن يحصل له مال فيأخذه الغرماء وليس معناه أنه ليس لكم إلا ما وجدتم وبطل ما بقى من ديونكم لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ انتهى، قلت ويحتمل أن يكون ذلك من باب الصلح على وضع اليدين كما فعل النبي فأشار النبي ﷺ بيده إلى كعب، أن ضع الشطر من دينك قال كعب: فعلت يا رسول الله قال قم فاقضه.\n(٢) ففي هامش الزيلعي: ذكر أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري أن الفقهاء كافة اتفقوا على أن أزواجه ﵊ لا يدخلن في آله الذين حرمت عليهم الصدقة، انتهى.\n(٣) ولفظها لا تدفع إلى بني هاشم لقوله ﷺ يا بني هاشم إن الله تعالى حرم عليكم غسالة الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس بخلاف التطوع لأن المال ههنا كالماء يتدنس بإسقاط الفرض، أما التطوع بمنزلة التبرد بالماء، انتهى.","vol":"2","page":22},{"text":"من تخصيص الكراهة بالفرض غير سديد (١).\n[قوله وأبي عميرة جد معرف بن واصل واسمه رشيد (٢) بن مالك وميمون أو مهران] هذه العبارة يجب تحقيقها في كتاب مكتوب بيد كاتب فقد بالغت في تفتيش مرامه فلم يثبت لي ماذا أراد بها هل الميمون والمهران عطف على سلمان أو على رشيد بن مالك وكل من الاحتمالات التي ذكرت لا يساعده ما عندي\n_________\n(١) قلت: لم يتفرد صاحب الهداية بذلك بل نقل ابن عابدين عن البحر عن عدة كتب أن النفل جائز لهم إجماعًا إلا أن المسألة خلافية فقال الزيلعي على الكنز: لا فرق بين الصدقة الواجبة والتطوع وكذا الوقف لا يحل لهم، انتهى، وهذا كله في غيره ﷺ وأما هو بنفسه الشريفة فنقل جماعة منهم الخطابي الإجماع على تحريمها عليه ﷺ مطلقًا وإن كان فيه بعض الخلاف كما في البذل.\n(٢) قال العيني: بضم الراء وفتح الشين المعجمة التميمي الصحابي يكنى بأبي عمير بفتح العين وكسر الميم أخرج حديثه الطحاوي، انتهى، وقال الحافظ في الإصابة رشيد بن مالك أبو عميرة السعدي من بني تميم، ويقال الأسدي قال الدولابي: له صحبة، وروى البخاري في التاريخ وابن السكن والبارودي والطبراني وأبو أحمد الحاكم كلهم من طريق معرف بن واصل حدثتني امرأة من الحي يقال لها حفصة بنت طلق حدثني أبو عميرة وهو رشيد بن مالك قال كنت عند رسول الله ﷺ ذات يوم فجاء رجل بطبق عليه تمر فقال: هذا صدقة فقدمها إلى القوم والحسن متعفر بين يديه فأخذ تمرة فأدخل إصبعه في فيه فقذفها ثم قال أنا آل محمد لا نأكل الصدقة.","vol":"2","page":23},{"text":"من الكتب فليفتش (١).\n[قوله فإنه بركة] فقيل يختص هذا بالتمر، وقيل يشمل كل حلو لقبول المعدة إياه وأما الماء فلطهارته ونظافته كان بعد التمر ولبرده يرغب إليه الطبع.\n[قوله ولا يقبل الله إلا الطيب] هذا دفع لما عسى أن يتوهم من قوله ما تصدق أحد بصدقة من طيب أن قيد الطيب ههنا ليس إلا لمزيد وقعة عند الرحمن وأما الصدقة عن غير الطيب فمقبولة فدفعه بجملة أوردها في اعتراض الكلام أن قيد الطيب ههنا ليس إلا ليتحرز به عن الذي ليس كذلك.\n[قوله شعبان لتعظيم رمضان] هذه فضيلة جزئية فلا يعارض ما في غير شعبان من الفضائل.\n[قوله عيسى الخزاز] هو بالزائين المنقوطنين.\n_________\n(١) ولعل منشأ الإشكال أن الحافظ لم يذكر في التقريب وغيره فيمن يكنى أبا عميرة لا رشيدًا ولا غيره على أن نسخ الترمذي في ذلك مختلفة جدًا، ففي النسخ التي بأيدينا بلفظ أو، وفي النسخ المصرية كما حكاه والدي المرحوم على هامش كتابه ميمون بن مهران وهو كذلك في النسخة التي بأيدينا من النسخ المصرية وذكر شارح الترمذي سراج أحمد أن الرواية إما عن ميمون بن مهران التابعي الذي كان يرسل أو عن مهران مولى النبي ﷺ أخرجه أحمد، انتهى معربًا، قلت: وما تحقق لي أنه عطف على قوله سلمان ولا تعلق له بأبي عميرة، والصواب على الظاهر هي النسخة الأحمدية بلفظ أو، ومنشأ الترديد اختلاف أهل الرجال في اسم هذا الصحابي ففي أسد الغابة: مهران مولى رسول الله ﷺ وقيل: كيسان، وقيل: طهمان، وقيل: ذكوان، وقيل ميمون، وقيل: هرمز، ثم ذكر الحديث في معنى الباب وفي الإصابة بعد ذكر الحديث: قال البخاري عن أبي نعيم عن سفيان يقال له مهران أو ميمون، انتهى.","vol":"2","page":24},{"text":"[وتدفع ميتة السوء] المراد بها ما يبدو عند السكرات من الأحوال التي تخشى منها سوء الخاتمة نعوذ بالله منها.\n[قوله قد تثبت الروايات في هذا ونؤمن بها] هما صيغتا متكلم بالنون ويمكن أن يكونا بالتاء أو الأول منهما، ثم اعلم أن هذا مذهب المتقدمين من أهل السنة والجماعة، وأما المتأخرون فقد اختاروا مذهب الجهمية، وعلى هذا لا تبقى هذه الآيات من المتشابهات وإيراده (١) ههنا قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لنفي المماثلة والتشبيه صريحًا والإطلاق عليه تعالى من غير توسيط حرف التشبيه، فكان غرضه منه أنه ليس تشبيهًا لأنه تعالى نفي المشابهة والجهيمية والجهمية واحد كقريشي وقرشي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>[باب ما جاء في حق السائل]</span>\nهذا الحق دون الواجب.\nوقوله [إلا طلقًا محرقًا] إذا أحرق الظلف شيئًا يسقط منه ما عليه من العظم ويخرج منه ما يؤكل، والمراد ههنا محتمل لكليهما، والحاصل أن يعطيه ولو قليل شيء ويستنبط من ههنا جواز أكل العظم وأيضًا يستنبط أكلها من قوله ﵇ فإنه زاد إخوانكم من الجن، والمراد بالسائل ههنا أيضًا من جيجوز له السؤال وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>[باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم]</span>\nونحن في الذين قالوا بنسخه (٢)\n_________\n(١) يعني أن غرض المصنف بإيراد هذه الآية نفي التشبيه صريحًا وإشارة إلى أن ما ورد من السميع والبصير ليس فيه حرف التشبيه حتى يحمل عليه، والجواب بأنها قد تحذف لا يصح لنفي المماثلة نصًا.\n(٢) ففي الهداية: سقط منها المؤلفة قلوبهم، لأن الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم وعلى ذلك انعقد الإجماع، وفي هامشه: اختلفوا في وجه سقوطه بعد النبي ﷺ بعد ثبوته بالكتاب، فمنهم من ارتكب جواز النسخ بناء على أن الإجماع حجة قطعية وليس بصحيح ومنهم من قال هو من قبيل انقطاع الحكم بانقطاع العلة وقال كان سقوطه في زمن أبي بكر ﵁ ثم ذكر القصة ومالك في ذلك مع الحنفية في المشهور عنه وأحمد مع الشافعي.","vol":"2","page":25},{"text":"ويعلم من هذا جواز إيتاء الرشوة إذ لم يجد بدًا من ذلك ويعلم أنه لا يتفصى عن الظلم إلا به إذ كان إيتاؤه ﷺ للكفار لئلا يتعرضوا الفقراء المسلمين بسوء، فكأنه آتاهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>[باب المتصدق يرث صدقته قوله كان عليها صوم شهر]</span>\nأما إنه كان الوجوب (١) في ظن السائلة لأنها لم تبرأ من مرضها إلا وقد ماتت أو كانت قد برئت من مرضها ثم ماتت بعد زمان ولا حاجة إلى (٢) الجواب في أول الاحتمالين لأنها لم تؤد عن أمها فريضة بل صامت تطوعًا وأوصلت إليها الثواب، وأما على الثاني فإما أن يكون هذا من خصائصها فلا يعارض الحديث الوارد باللفظ العام (٣) لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد أو كان المراد بصومي عنها تصدق عن صومها أطلق الصوم عليه مجازًا لأنه ينوب مناية ههنا، وأما الحج فنحن قائلون بإجزائه عن الغير.\n[قوله لا تعد في صدقك] هذا وإن كان جائزًا لكنه منع ذلك أيضًا سدًا لباب الطمع فإن المقصود من الصدقة قطع حب المال من القلب، فلما جاز له العود\n_________\n(١) هكذا في الأصل والصواب عندي سقوط لفظ العدم قبل ذلك من سبق قلم والصواب أما أنه كان عدم الوجوب كما يدل عليه الدليل وقوله الآتي لا حاجة إلى الجواب في أول الاحتمالين، لكن بعض مشايخ العصر لم يقبلوا تصحيح العدم وقالوا ما في النسخة هو الصواب كما يدل عليه لفظ ظن السائلة فإن ظنها كان الوجوب ولم يكن في الحقيقة لأنها لم تبرأ فتأمل.\n(٢) وسيأتي الكلام على مسالك الأئمة في ذلك في كتاب الصوم.\n(٣) اختلفوا في رفعه ووقفه ورجحوا وقفه كما بسطه في الزيلعي والدراية وقد روى بعدة طرق.","vol":"2","page":26},{"text":"فيه بشيء من الأسباب الموجبة للملك كان ذلك مانعًا عن انقطاع عرق تعلقه به رأسًا أو منع لأنه لعله ليسامح به في الثمن فيكون عودًا ولو في بعضها.\n[قوله مخرفًا] بفتح الميم وكسرها، وعلى الثاني يجوز زيادة الألف أيضًا قبل الفاء وفرق مما بين الهدية والصدقة إن ذات الموهوب له مقصودة بعينها دون ذات المتصدق عليه، ورضاؤه تعالى في الأولى مقصودة بالقصد الثاني، وفي الثاني بالقصد الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>[باب ما جاء في نفقة المرأة من بيت زوجها </span>(١)] لما كان قد تمكن في النفوس جواز تصرف أحدهما في مال الآخر لما بينهما من غاية الاختلاط الذي لا يتصور فوقه من مزيد نهي النبي ﷺ جماعات النسوة خاصة لأن الرجال يمنعهم عن التصرف في مال الزوجة ما فيهم من الغيرة في هذا الباب مع ما يكون وقوعه\n_________\n(١) قال العيني: فإن قلت أحاديث هذا الباب قد جاءت مختلفة فمنها ما يدل على منع المرأة عن أن تنفق من بيت زوجها إلا بإذنه وهو حديث أبي أمامة عند الترمذي، وقال حسن: ومنها ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها وهو حديث عائشة ومنها ما قيد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه وبكونها غير مفسدة وهو حديث عائشة أيضًا، ومنها ما هو مقيد بكونها غير مفسدة وإن كان من غير أمره وهو حديث أبي هريرة عند مسلم، ومنها ما قيد الحكم فيه بكونه رطبًا وهو حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود، قلت: كيفية الجمع بينها أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاء بذلك أو كراهة لذلك وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئًا يسيرًا يتسامح به وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطبًا يخشى فساده إن تأخر وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد، انتهى ملخصًا كذا في البذل.","vol":"2","page":27},{"text":"أقل من تصرف النساء في أموال الأزواج فبين ما إليه احتياج الناس أكثر والابتلاء به غير قليل ولا أندر ولكن الإذن قد يكون بصريح القول منه وقد يكون دلالة كما قد علم بإنفاقها ولم يمنعها أو يكون طبعه يميل إلى الإنفاق في سبيل الله ويأمر به زوجه ويبين ما قدر الله له من الثواب في ذلك ثم لما كان مركوزًا في النفوس إنهم لا يثبتون للطعام خصوصًا المطبوخ منه ما للنقدين والفلوس من المنزلة سأل سائل عن غن إنفاق الطعام ظنًا منه، إن ذلك لعله لا يمنع فقال له النبي ﷺ وذلك أفضل أموالنا، لأن كل ما سواه من الدراهم والدنانير فإنما هو تبع وغير مقصود بالذات إنما الاحتياج إليه في تحصيل الأطعمة والأشربة والألبسة، وهذا الإنفاق غير مختص بالإعطاء بل إنفاقها على نفسها فوق ما يصلح له من النفقة أو يرضاها لما زوجها ويجيزها داخل في ذلك.\n[قوله إذا تصدقت المرأة] هذا إذا كان بإجازته وقوله مثل ذلك الأجر المماثلة في كونهما أجرًا وأما في المقدار فلا.\n[قوله بطيب نفس] أي غير منقبضة بها نفسها ولا كارهة إياها، وقوله غير مفسدة بأن تعطى أكثر مما أمر به زوجها أو غير من يرضى الإنفاق عليه إلى غير ذلك من مفاسد النساء وهي غير قليلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>[باب ما جاء في صدقة الفطر قوله صاعًا من طعام] </span>المتبادر منه (١) البر\n_________\n(١) اختلفت الأئمة والفقهاء في الواجب من صدقة الفطر في الحنطة، فقالت الأئمة الثلاثة: صاع منها كغيرها لحديث الباب، وقالت الحنفية: الواجب نصف صاع منها وهو مذهب الخلفاء الراشدين الأربعة وابن مسعود وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وابن الزبير وابن عباس ومعاوية وأسماء وجماعة من التابعين ذكرت أسمائهم في الأوجز ورواية عن مالك قال ابن المنذر لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ يعتمد عليه ولم يكن البر في المدينة إذ ذاك إلا الشيء اليسير فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف الصاع منه يقوم مقام صاع شعير وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم ثم أسند عن عثمان وعلي وجماعة من الصحابة أنهم رأوا نصف صاع من قمح، وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، وقال ابن القيم: فيه عن النبي ﷺ آثار مرسلة ومسندة يقوي بعضها بعضًا، ثم ذكر الآثار المذكورة وقال في آخرها وكان شيخنا (أي ابن تيمية) يقوي هذا المذهب كذا في الأوجز.","vol":"2","page":28},{"text":"لأنه غلب استعماله فيه ويمكن أن يكون المراد منه المطبوخ من غير البر أو غير المطبوخ منه لما أن البر لم يكن عندهم حينئذٍ حتى يحمل عليه والحاجة إلى الجواب إنما هو إذا حمل لفظ الطعام على البر والجواب أنه لم يرد إنا كنا تخرج في الواقع وبالفعل وإنما قال ذلك ظنًا منه وتخمينًا فإن كل ما عندهم من أنواع الأطعمة كانوا يخرجون منه صاعًا فلو كان البر عندهم لما خالف سائر الأطعمة في ذلك الحكم ولم يبلغه ما قال النبي ﷺ في شأن الحنطة حيث قال مدان من قمح أو المعنى على تقدير وجود الحنطة عندهم حينئذ أنهم كانوا يخرجون منه صاعًا وكان النبي ﷺ لما بين لهم مقدار الواجب يحمل ما زاد منه على التطوع فهل ترى النبي ﷺ يمنعهم عن تطوعهم، وقد أمرهم الله تعالى بالإنفاق في سبيله في عدة مواضع من كتابه، وأما قول معاوية ﵁ إني لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر فإنما كان احتياطًا منه في نسبة الحديث إلى النبي ﷺ لما ورد في ذلك من الوعيد لكن أبا سعيد الخدري ﵁ لما لم يقف على كونه حديثًا بل فهمه فهم معاوية ﵄ لم ير أن يترك ما فعله واختاره وثابر عليه في زمانه ﷺ وأبي بكر وعمر يرأى صحابي هو مثله في كونهما قد استفادا ما استفادا من العلوم من النبي ﷺ، ولكن الناس أخذوا بقول معاوية ذلك الذي قال لهم لكونهم صادفوه من مجتهد يكفيهم كونه من رأيه أيضًا فكيف وقد علموا أنه","vol":"2","page":29},{"text":"من (١) النبي ﷺ.\n[قوله اقط (٢)] هذه الزيادة مع ملاحظة ما هو المقصود من الإعطاء يجوز أن الإيتاء من كل صنف من أصناف الأطعمة، مثل الأرز والأرزن وغير ذلك فإن صاعًا من ذلك كله يغني الفقير عن قوت يومه وإن كان فقهاؤنا حصروا ذلك في الأربعة المذكورة قبل احتياطًا.\n[قوله من المسلمين (٣)] هذا عند الشافعي ﵀ مقيد للحديث المطلق\n_________\n(١) وقد ورد في ذلك عدة روايات بسطت في البذل والأوجز وتقدم ما قال ابن القيم أن بعضها يقوي بعضًا، وقال الشوكاني: هذه الأحاديث بمجموعها تنهض للتخصيص.\n(٢) بفتح الهمزة وكسر القاف لبن فيه زبدة، وفي البذل: وضبط بتثليث الهمزة وسكون القاف يقال له في الهندية بنير، قلت: واختلفت نقلة المذاهب في بيان مسالك الأئمة في ذلك جدًا كما بسطت في الأوجز، وأما عندنا الحنفية ففي البدائع: تعتبر فيه القيمة ولا يجزئ إلا باعتبار القيمة لأنه غير منصوص عليه بوجه يوثق به، انتهى.\n(٣) اعلم أولًا أن الأئمة بعد اتفاقهم على أن الرجل يجب عليه صدقة الفطر من عبده المسلم اختلفوا هل يجب من عبده الكافر أم لا؟ فقالت الأئمة الثلاثة لا تجب للقيد في حديث الباب، وقال الحنفية: تجب وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وعطاء ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وجماعة من أهل العلم، وأجابوا عن حديث الباب بأن الروايات التي وردت في هذا الباب مطلقًا تجري على إطلاقها لعدم التزاحم في الأسباب وبأن الزيادة في حديث الباب مختلفة حتى قال ابن بزيزة إنها زيادة مضطربة بلا شك من جهة الإسناد والمعنى وبأن ابن عمر ﵁ الراوي لحديث الباب مذهبه الإخراج عن عبده الكافر وبأنا مؤولة عندكم أيضًا فإنكم توجبون على الكافر من عبده المسلم وبغير ذلك كما بسطت في الأوجز، وسيأتي عن الترمذي في كتاب العلل أن الإمام مالكًا تفرد بزيادة من المسلمين.","vol":"2","page":30},{"text":"فيه لفظ العبيد عن قيد الإسلام ونحن نجزيهما على حاليهما لما أنه لا مزاحمة في الأسباب فصدقة الفطر على الكافر أي (١) منه يخرج حكمه بالنص المطلق ووجوب صدقة الفطر على العبد المسلم يثبت بالنص المقيد بقيد الإسلام، وهذا في الحقيقة فرع الاختلاف في مفهوم المخالفة فأنا لما لم نعتبر المفهوم لم نجد مزاحمته للأسباب، ولما اعتبره الشافعي ﵀ لزمه أن يحمل أحدهما على الآخر وإلا لزم الازدحام أي التدافع بين الروايات.\n[قوله كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو إلى الصلاة] وهذا الأمر للاستحباب ووجه الفضل في ذلك أن الإعطاء قبل الصلاة يورث فراغ بال الفقير عن بلبال الفقر للصلاة فيثاب المعطى على فعله هذا وإنه كما طهر ظاهره بالماء فإن باطنه يتطهر بهذه الصدقة، فأولى أن يكون هذا قبل الصلاة ليؤثر هذا في شغله إلى الرب تعالى لطهارته عن الأنجاس الظاهرة والأدناس الباطنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>[باب في تعجيل الزكاة]</span>\nويفهم بمقايسة تعجيل (٢) الفطر على الزكاة حكمه فلذلك لم يذكر باب تعجيل الفطر بل اقتصر على تعجيل الزكاة والمراد بالتعجيل ههنا أداؤها قبل حولان (٣) الحول الذي هو أجلها.\n_________\n(١) يعني المرد من قوله على الكافر من الكافر أي من العبد الكافر على مولاه المسلم.\n(٢) يعني أن المصنف ﵀ بوب لتعجيل الزكاة ولم يبوب لتعجيل الفطر لأنه يعرف حكمه من حكمها.\n(٣) ولا يجوز عند المالكية إلا يسيرًا من الزمان، ويجوز عند الحنابلة لعامين فأقل ويجوز عند الحنفية والشافعية بعد وجود سبب الوجوب كما بسطت في الأوجز.","vol":"2","page":31},{"text":"[قوله لأن يغدو أحدكم] هذا تعبير منه وتعليم أدب لمن جاز له السؤال ولمن لم يجز له.\n[قوله كد] أي مشقة يتحملها الرجل وأما السؤال عن السلطان فلما للسائل من حق في بيت المال وهو متول عليه والأمر الذي لابد منه (١) لابد منه.\n_________\n(١) أي الأمر لابد منه الذي لابد من السؤال فيه فيجوز حينئذ عن غير السلطان أيضًا.","vol":"2","page":32},{"text":"أبواب الصوم عن رسول الله ﷺ\n[قوله إيمانًا واحتسابًا] لما كان كل منهما يجوز انفكاكه عن الآخر جمعهما فإن الاحتساب يمكن من غير المؤمن أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>[باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك]</span>\nبنية دائرة بين الفريضة والنافلة كره ذلك تحريمًا لكنه إن اتفق فيه وقوع رمضان يعد من رمضان عندنا، وقال الآخرون لا يحتسب منه وأما إن صام بنية دائرة بين وجود الصوم إن كان اليوم من رمضان وعدمه، إن لم يكن منه كان ذلك لغوًا بحسب الصوم مكروهًا بحسب الحكم والمنع لتقديم رمضان بصوم أو صومين مزجرة للعوام ذبًا عن حدود الشرع أن يتصرف فيها بزيادة كما يذب عن التصرف فيها بنقصان وفضيلة صيام شعبان لمن لا يضعفه صومه في شعبان عن صيامه في رمضان والمنع لغيره وما ذكره عن وجه المنع في تقديم صوم يوم أو يومين لا يوجد ههنا، لأن النفس قلما يعتاد مثل هذه المشقة الكثيرة حتى يختل به تحديد الشرع فاجتمعت الروايات بأسرها.\n[قوله أحصوا هلال شعبان] لغرض [رمضان] وأجله طلبًا لتحصيل صيامه وفضله فإن هذا الإحصاء يدل على الاستعداد لرمضان والانتظار له والاهتمام بشأنه فيثاب على ذلك كله لأنه دخل في العبادة لكون هذه الأمور تقدمه لها وبسببها اجتهد فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>[باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال]</span>\nهذا عند الإمام مخصوص عن غيره من المسائل، فإن اختلاف المطالع معتبر في جميع المسائل عند جميع الأئمة كالزكاة","vol":"2","page":33},{"text":"والأضحية وأوقات الصلاة، فالمعتبر عند كل أهل بلد رؤيتهم إلا أن الإمام (١) خصص من ذلك الحكم الصيام خاصة فقال بأن رؤية أهل مطلع يجب الصيام بحسبها لكل أهل الأرض ولعله استند في ذلك بقوله ﷺ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن لفظة صوموا عامة خوطب بها كل من يصلح للخطاب حيث ما كان وترك فاعل الرؤية فهي مطلقة تتحقق بتحقق الفرد الواحد أيضًا فكان المعنى يا أيها المؤمنون كلهم (٢) صوموا إذا وجد الرؤية وأنت تعلم أن رؤية أصحاب بلد رؤية فأمروا بالصيام عند ذلك، ولعل الوجه في قوله ﷺ ذلك البناء على الاتفاق ما أمكن فإن اتفاق الأمة في العادات والعبادات مقصود ما أمكن زمانًا أو مكانًا أو بحسبهما معًا وهذا التقرير موقوف على مزيد تدبر في مباني الأحكام، وأما رواية من روى صوموا لرؤيتكم وأفطروا لرؤيتكم فإنما المراد بذلك تختص بالأداء فإن الرجل إذا لم يطلع على رؤية من رأى من غير أهل بلده أنى يصوم برؤيتهم، فأمروا أن يصوموا على حسب رؤيتهم وأما إكمال عدة رمضان والإفطار بعده فإنما يكون على حسب ما رآه غيرهم إذا لم يروا في ذلك اليوم ورآه غيرهم مثلًا رأى الهلال أهل كلكتة في يوم الجمعة، وأصحاب مكة يوم الخميس فعند رؤية أهل مكة لم يعلموا أهل كلكنة حال رؤيتهم حتى يصوموا على حسب صيامهم ورؤيتهم ولكنهم إذا أطلعوا على رؤيتهم يجب لهم أن يقضوا صوم يوم الخميس، وأيضًا أن يعيدوا (٣) على حسب يوم الخميس لا على حساب يوم الجمعة، والله الهادي إلى سواء الطريق.\n_________\n(١) لم يتفرد الإمام أبو حنيفة بذلك بل المنفرد به الإمام الشافعي وبقية الأئمة الثلاثة متفقة في ذلك في المعتمد عندهم المختار في فروعهم، كما بسطت الأقوال عن فروعهم في الأوجز والعجب من الإمام الترمذي كيف أجمل اختلاف الأئمة في ذلك.\n(٢) هكذا في الأصل بضمير الغائب وللتأويل مساغ.\n(٣) من التعييد قال المجد عيدوا شهدوه.","vol":"2","page":34},{"text":"[قوله فأكملوا ثلاثين يومًا] لأن اليقين لا يزول بالشك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>[باب الشهر يكون تسعًا وعشرين] </span>الشهر (١) ههنا أي في ترجمة الباب مهملة واللام فيه للعهد الذهني الذي هو في حكم النكرة، وفي لفظ الحديث معهود خارجي أو ذهني لسبق ذكره ثمة بخلاف ترجمة الباب.\nقوله [ما صمت] مبتدأ (٢) وأكثر مما صمنا خبر له ولا يمكن أن يكون ما نافية مشبهة بليس وأكثرها خبرها.\n[قوله آلى رسول الله ﷺ] الإيلاء في الرواية عرفي ولغوي بمعنى الحلف مطلقًا إذ الاصطلاحي لا يكون أقل من أربعة أشهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[باب ما جاء في الصوم بالشهادة]</span>\nعلم بحديث الباب وهو حديث قبول شهادة الأعرابي الذي سأله النبي ﷺ عن الشهادتين فأقر بهما أن شهادة المستور في إثبات شهر رمضان مقبولة لا يقال أن الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين كلهم عدول كما هو المقرر عندكم في باب الرواية فكيف يعلم بهذا الحديث قبول شهادة المستور قلنا هذا بالنسبة إلينا لحسن الظن بهم مع كثرة العدول في زمانه ﷺ وقلة من ليس كذلك فاعتبر الغالب في الحكم على الرواية بالقبول، وليس المراد أنهم كانوا لا يصدر منهم كبيرة كيف وقد ثبت هذا بأحاديث حسان بلغت حد التواتر في ثبوت معناهما، وكان ثبوت جملة من الحدود والكفارات بصدور موجباتها عنهم بل السبب في الحكم عليهم بالعدالة أنهم كانوا قل ما يصدر عنهم مثل ذلك، ومن صدر منه ذلك كان لا يفيق عنه ولا يفرغ منه إلا وهو خائف على نفسه يعض يديه على تفاوت يومه من أمسه، وكان جل مقصده بعد ما جنى أن يتوب\n_________\n(١) الظاهر أن المراد الشهر يكون تسعًا وعشرين تمام الجملة لا لفظ الشهر فقط فإن الإهمال ونحوه من صفات الفضية.\n(٢) ويؤيده لفظ أبي داود عنه لما صمنا مع النبي ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين.","vol":"2","page":35},{"text":"الله عليه نافرًا عما اجترم عاهدًا أن لا يتوب إليه فكيف لنا الظن بهؤلاء الكرام أن يبقوا متدنسين بالذنوب والآثام، وأما نسبة إلى قبول النبي ﷺ شهادته بعد إقراره بالشهادتين واقتصاره عليه دون أن يفتش أحواله الآخر فيمكن لنا أن نستدل به على قبول شهادة المستور أو ليس يمكن أنه أتى بعد ما اقترف كبيرة ولم يثبت بعد، وعلم بذلك أيضًا أنه لا يشترط (١) العدد في شهادة هلال رمضان وهو المذهب (٢) عندنا والاقتصار على الفرد لعله لعلة بالسماء أو لغيره من الأسباب.\n[قوله عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا] أي من غير ذكر ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>[باب ما جاء شهرًا عيد لا ينقصان] </span>يعني أن الفضل فيهما تمام وإن كان عدد أيام الشهر ناقصًا وهذا ظاهر في رمضان، فإن الصوم فيه زائد بزيادة يوم وينقص بنقصه فكان للنوهم فيه وجه، وأما ذو الحجة فليس الأمر فيه منوطًا على الشهر كله حتى يتم بتمام ثلاثين وينقص بنقصان يوم منها بل المدار على التاسع والعاشر وهو واحد على التقديرين، والجواب أنه من أشهر الحرم التي بورك فيها فلعل\n_________\n(١) حتى يكفي الواحد أيضًا في بعض الأحيان كما في الحديث، وفي الدر المختار قبل بلا دعوى وبلا لفظ أشهد للصوم مع علة كغيم وغبار خبر عدل أو مستور على ما صححه البزازي لا فاسق وشرط للمفطر نصاب الشهادة ولفظ أشهد لا الدعوى وقبل لا علة جمع عظيم يقع العلم بخبرهم وهو مفوض إلى رأي الإمام من غير تقدير بعدد على المذهب، وعن الإمام أنه يكتفي بشاهدين واختاره في الحبر وصحح في الأقضية الاكتفاء بواحد إن جاء من خارج البلد أو كان على مكان مرتفع واختاره ظهير الدين، قال ابن عابدين قوله وصحح في الأقضية هو اسم كتاب واعتمده في الفتاوى الصغرى أيضًا وهو قول الطحاوي، وأشار إليه الإمام محمد في كتاب الاستحسان إلى آخر ما بسطه وقال هذا أيضا ظاهر الرواية.\n(٢) وبه قالت الشافعية والحنابلة خلافًا للمالكية كما في الأوجز.","vol":"2","page":36},{"text":"رجلًا يتوهم النقصان في البركة بنقصان الشهر بيوم أو يكون له رغبة في صيامه فإذا نقص يومًا نقص في زعمه ثواب صيامه بيوم أو يكون هذا بيان حكم النذر أن الرجل إذا نذر أن يصوم شهر ذي الحجة فنقص الشهر يومًا فليس عليه أن يقضي مكانه صومًا، وهذا في الحقيقة تسلية لسابقي أمته إلى الخيرات ولاهفي أتباعه على نقصان الحسنات أن لا يحزنوا على كون شهر رمضان تسعًا وعشرين يومًا وكذا ذي الحجة بأن الكريم ﵎ يؤتيكم أجوركم على حسب نياتكم ولا يلتكم شيئًا من رغباتكم وأما توجيه أحمد ﵁ فمع أنه لا يصح كلية بل أكثرية يرد عليه أنه ﷺ لم يكن بعث لبيان أمثال هذه الأمور.\n[قوله شهرًا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة] لما كان الظاهر من شهر العيد شوال لا رمضان لأن العيد أول تاريخ من شوال ولا علاقة له بشهر رمضان بين النبي ﷺ المراد (١) به وجه انتسابه إلى رمضان أنه السبب للتعييد للفراغ عن فريضته سبحانه التي كتبها على عباده في رمضان ولما أنهم يؤتون في يوم العيد أجور ما اكتسبوه في رمضان وتحملوا من الكلف والمشاق، فكان نسبة العيد إلى رمضان أولى من نسبته إلى شوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>[باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم]</span>\nأي في غير الصوم لتخصيصه بالرواية الثابتة المذكورة قبل وهذا قد سبق إشارة ما إليه والذي استدل به (٢) الترمذي عليه من الحديث غير مثبت لدعاه الذي عنون به الباب، فبقى الأمر على ما كان غير ثابت.\n_________\n(١) أي بين النبي ﷺ أن المراد بلفظ العيد ورمضان، ومعنى قوله وجه انتسابه أي وجه علاقة هذا المجاز أن العيد وسروره كله لأجل رمضان.\n(٢) يعني إن أريد أن لكل أهل بلد رؤيتهم في غير رمضان فمسلم وإن أريد به رمضان خاصة كما يظهر من صنيع المؤلف فليس بثابت.","vol":"2","page":37},{"text":"[قوله كريب مصغرًا] هو مولى ابن عباس والفضل (١) أخوه.\n[قوله بعثته] أي كريبًا.\n[فقلت له ألا تكتفي برؤية معاوية إلخ] وإنما لم يكتف برؤية معاوية لما أن خبر رؤيته لم يثبت عنده إلا بإخبار كريب وحده والعدد لابد منه ههنا (٢) وأما رؤيته أهل بلد الشام فقد بينه كريب عند ابن عباس حكاية للواقعة لا شهادة على الشهادة لأنهم لم يشهدوا كريبًا على رؤيتهم فلم يعمل عليه ابن عباس لأنه لابد إلزام الصوم قضاء من عدد ولم يوجد وأما ابتداء فيثبت رمضان بخبر الواحد وكذلك شهادته كانت إذن للإفطار لأنهم كانوا أخذوا في الصوم ولا يكتفي في الإفطار بخبر الواحد، ولم يكن مدار قوله (لا) إن لكل بلد رؤيتهم كما فهمه صاحب الكتاب وكذلك قوله هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ليس نصًا فيما استدل الخصم عليه فكيف يتم الاستدلال بل الإشارة إلى أنه أمرنا أن لا نكتفي في الفطر بإخبار فرد وأن نكتفي بشهادة الفرد في الصوم، فهذا الذي قاله ابن عباس وأسنده إلى النبي ﷺ لما لم يكن (٣) نصًا فيما ذهب إليه المؤلف من المرام لم نأخذ به\n_________\n(١) ذكره لمناسبة أم الفضل يعني أن الفضل وابن عباس أخوان.\n(٢) لأنه جاء إذ ذاك وقت العيد وهلال العيد لا يثبت بقول الواحد ابتداء بل بناء وتبعًا فكم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا وفي البذل عن الشوكاني يمكن أن يقال أن ابن عباس لم يقبل هذه الشهادة لأنه فات محلها فإذا قيل هذه الشهادة كأنه يقبل على الإفطار ولا يقبل شهادة الواحد على الفطر، انتهى.\n(٣) قال الشوكاني: اعلم أن الحجة في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهمه الناس والمشار إليه بقوله هكذا أمرنا رسول الله ﷺ هو قوله لا نزال نصومه حتى نكمل ثلاثين والأمر الكائن من رسول الله ﷺ هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ لا تصوموا حتى تروا الهلال فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين وهذا لا يختص بأهل ناحية على جبهة الانفراد بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر فكان مقيدًا بدليل العقل باختلاف المطالع وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يكون معه الاختلاف عمل بالاجتهاد وليس بحجة ولو سلم صلاحية حديث كريب للتخصيص فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص إن كان النص معلومًا أو على المفهوم منه إن لم يكن معلومًا لوروده على خلاف القياس ولم يأت ابن عباس ﵁ بلفظ النبي ﷺ ولا بمعنى لفظه حتى ننظر في عمومه وخصوصه إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصته هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد ولم نفهم منه زيادة على ذلك، حتى نجعله مخصصًا لذلك العموم فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس، انتهى ما في البذل.","vol":"2","page":38},{"text":"بمقابلة صريح قوله ﵇ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأنت تعلم أن شرعية مثل هذه الأمور من الجمعة والجماعة والعيدين والحج على الاجتماع والاتفاق لا على الاختلاف والشقاق وفيما ذهبنا إليه اتفاق بحسب الإمكان وهو الاجتماع للصيام والصلاة في الزمان وفيما ذهب إليه غيرنا غيره.\n[قوله والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم] وقد عرفت أن هذا القول من هؤلاء ليس عملًا على هذا الحديث إنما هو عمل على مقتضى آرائهم ومجرد فهمهم عن كلام ابن عباس ما فهموه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>[باب ما يستحب عليه الإفطار]</span>\n.","vol":"2","page":39},{"text":"[قوله من وجد تمرًا فليفطر عليه] أمر استحباب لما فيه من موافقة المعدة والكبد والتذاذ الطبيعة بالحلاوة وفي معناه غيره إذا كان مثله خلافًا للعبض (١).\nقوله [ابن عون يقول] جملة على حدة والغرض منها أن ابن عون ذكر الرباب بكنيتها منسبة.\n[قوله كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي] فيه إشارة إلى تعجيل الفطر وتقديمه على الصلاة، وإلى أن الإفطار ليس بمجرد فسخه نية الصوم ما لم يأكل شيئًا.\n[قوله رطبات وتميرات وحسواتي كل ذلك بتنكير اللفظ وتصغيره إشارة إلى تقليل ما يؤكل كل حينئذ مسارعة إلى أداء الصلاة وإنما ندب الأكل قبلها لئلا يبقى قلبه مشغولًا بالطعام فلا يبقى له في الصلاة طمأنينة وفراغ لها.\n[قوله الفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون] مؤداه قريب مما مر في بيان قوله صوموا لرؤيتكم وأفطروا لرؤيتكم من أن الفطر والأضحى على حسب ما تحققتم وصرتم منه على يقين سواء كان برؤية الهلال أو بإخبار العدول الأخيار، وليس لكم عند الله مؤاخذة إذا استيقن أن إفطاركم أو أضحيتكم وقعت على ما ليس بصواب وهذا إذا أنفذ بكم وسعكم في تحقيقه وتفتيشه فعملتم على مقتضى ما تبين لكم ثم ظهر أن الحق خلافه فليس عليكم جناح ولا مأثم ولا كفارة فيه ولا مغرم أو يكون ذلك أمرًا لموافقة الجماعة في الصوم والإفطار وعدم المخالفة معهم وعلى هذا فيستثنى منه ما إذا رأى أحد هلال رمضان ولم يأخذ الإمام بقوله فإنه يصوم ولا يوافق الجماعة وكلام المؤلف في بيان معنى الحديث آئل إلى ذلك وتقريرنا لا يخالفه، وأما إذا اقتصر عليه فقط ففيه تلويح ما إلى الذي ذهب إليه من أن لكل أهل بلد رؤيتهم وهذا ما قصده المؤلف وأنت تعلم أن المتبادر من قوله\n_________\n(١) كابن حزم إذا وجب الفطر على التمر وإن لم يجده فعلى الماء كذا حكاه عنه الحافظ في الفتح.","vol":"2","page":40},{"text":"المؤلف هذا ومن الرواية هو الذي اخترناه من أن الفطر والصوم لكل المسلمين واحد وعلم بهذا الحديث أن الرجل إذا رأى الهلال وحده ولم يعتمد الإمام بقوله ولم يأخذ به ليس له أن يفطر أو يضحى وحده لأن الفطر يوم تفطرون إلخ وكذلك إذا أخبر برؤية هلال رمضان ثم صام ولم يصم سائر أهل البلد هذا اليوم لعدم اعتدادهم بخبره ليس عليه بنقص هذا الصوم كفارة.\n[قوله إذا أقبل الليل وأدبر النهار فقد أفطرت] أي دخلت في وقت الإفطار وليس المعنى أن في مجرد هذه الأمور كفاية للإفطار ولا احتياج إلى أكل شيء لأن مناف لما سلف آنفًا وفي هذا إشارة إلى أن الغاية في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ليس شيء منها داخلًا في حد الصوم وإنما الصوم هو النهار فحسب.\n[قوله أحب عبادي إلى أعجلهم فطرًا] لما أنه لم يتعد حدود أمره تعالى ولأن في مسارعته إلى الإفطار إظهار عجزه واحتقاره واحتياجه إلى نعمه ورزقه وافتقاره.\n[قوله قالت هكذا صنع رسول الله ﷺ] إنما وصلت قولها بذكر أحدهما ولم تنتظر إلى بيان الآخر لئلا يلتبس المراد بإشارتها بلفظ هكذا إلى أي الفعلين هي فلما قدمت الإشارة على ذكر الآخر اندفع هذا الوهم ولأن تحسينها فعل أحدهما من دون ذكرهما كان أبعد من أن يظن بها إن قولها هذا لعل بموازنة الرجلين في نفسهما لا مطابقة لفعله بفعل النبي ﷺ.\n[قال مقدار خمسين آية] وأنت تعلم أن قيامهم إلى الصلاة ليس بفور انشقاق الفجر فوقت الآذان وأداء السنن مستثنى بالضرورة، فلا يبقى فصل ما بين السحور والفجر إلا قليلًا.\n[قوله حتى يكون الفجر الأحمر المعترض] المراد بالأحمر ما في آخره حمرة وهو الفجر الثاني دون الأول إذ ليس في آخره إلا السواد وليس المراد الأكل حتى الحمرة فإنها لا تكون إلا بقرب الطلوع إذ لو كان المراد ذلك لقيل حتى تكون","vol":"2","page":41},{"text":"الحمرة وأما معنى الأحمر فليس هو الحمرة نفسها وإنما هو ذو الحمرة وليس الأحمر ما كله أحمر بل قد يوصف بالحمرة ما بعضه أحمر كما قد يوصف به ما كله أحمر.\n[قوله وبه يقول عامة أهل العلم] هذا صحيح على ما بينا من معنى الحمرة.\n[قوله لا يمنعكم عن سحوركم أذان بلال] قد مر بعض بيانه في باب الآذان وحاصله تعدد الأذان في رمضان وأن أذان بلال ﵁ لم يكن لصلاة الغداة وإلا لما احتيج إلى تكراره. (١)\n[قوله باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم] هذا ظاهر على ما اشتهر فيهم من أن القبيح قبيح دائمًا وفي الأزمان والأماكن المتبركة أقبح، وفصل بعض بيانه في الحاشية وتمامه يعرف في كتب التصوف فليطلب ثمة بقى ههنا شيء وهو أن الباب معقود لبيان الغيبة والرواية الواردة فيه تنعت قول الزور، والجواب أن حكمها عرف بدلالة النص فإن المناط هو إيذاء المسلم وهو في الغيبة أشد منه في قول الزور وذلك لأن قول الزور يكون توصيفًا للمرء بما ليس فيه فلا يتأذى بذلك تأذيه بتوصيفه بما هو فيه لكونه بريئًا عنه في الأول بالكلية وتدنسه به في الثاني فإن رميك البصير بالعمى ليس تنقيصًا له ولا كذلك لو قلت هذا للأعمى ويمكن أن يراد بالزور ما لا يوافق الشرع من الأقوال، فيعم كل منكر قولي ومنه الغيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>[باب ما جاء في فضل السحور]</span>\nبينه النبي ﷺ لئلا يظن ترك السحور عزيمة وزهدًا.\n[قوله أكلة السحر] لأنهم كانوا ممنوعين عنه بعد النوم وقد نسخ عنا ذلك.\n_________\n(١) ولم يثبت عدم التكرار في حديث فلو كان الأذان الأول للصلاة لما احتيج إلى التكرار هذا وقد ورد نصًا لمصالح أخر ففي مسلم «فإنه ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم» وهكذا ورد في روايات أخر وأنت خبير بأنه نص في الباب والبسط في الأوجز.","vol":"2","page":42},{"text":"[قوله وهو موسى بن علي] هذا تنصيص (١) من المؤلف على أنه مصغر إلا أن القوم تركوا تصغيره لأن ابنه كان لا يرضى به ويقول لا تصغروا أبي.\n[قوله أولئك العصاة] لأنهم لم يمثلوا أمره بعد تصريحه وتأكيده وكانوا حملوا قوله على الرخصة وإلا فكيف يتصور منهم مخالفة أمره فتأولوا قوله على مقتضى ما لو فهم وهو الصوم ووجه نسبة هؤلاء إلى العصيان ما رأى فيهم من الضعف مع احتمال مقابلة العدو وإلا فليس الصوم في السفر معصية ويكره الصوم للمسافر إذا شق عليه وإلا فلا لما سيجيء بعد هذا في الروايات ولو كان الصوم في السفر مطلقة عصيانًا لما ارتكبوه.\n[قوله سأل عن الصوم في السفر] أي (٢) الفرض أو عن النفل والفرض كليهما.\nقوله [وكان يسرد الصوم] أي يواليه ولا يشق عليه لكونه قد اعتاد الصيام.\n_________\n(١) لم أتحصل التنصيص والظاهر عندي أن غرض المصنف بهذا الكلام بيان نسبه لرفع الاشتباه والتنبيه على أن والده هذا ليس بعلي ﵁ ابن أبي طالب المعروف بل هو غيره.\n(٢) قال الشيخ في البذل لفظ أبي داود في رجل أسرد الصوم ظاهره يدل على أن السؤال كان من صيام التطوع في السفر فإن السرد في الصوم يدل على أنه في التطوع ثم ذكر عن الحافظ لكن حديث مسلم بلفظ أنه ﷺ أجابه بقوله هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه وهذا يشعر بأنه سأل عن الفريضة لأن الرخصة إنما تطلق في مقابل الواجب، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود والحاكم بلفظ قلت يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان الحديث ثم رجح الشيخ عن نفسه الظاهر أنه سأل مرتين مرة عن التطوع ومرة عن الفريضة.","vol":"2","page":43},{"text":"[قوله يوم بدر] وبهذا يناسب الحديث الترجمة فإنهم لم يكونوا يوم بدر مسافرين فعلم أن المحارب يجوز له الإفطار وإن لم يكن على سفر لا يقال إنهم لما رخصوا يوم بدر في الإفطار صارت مسألة الإفطار في السفر معلومة لهم فكيف احتيج إلى الاستفسار ثانيًا في سفر مكة حيث قيل له إن الناس ينظرون فيما فعلت والجواب أنه إنما رخصهم يوم بدر حين أشرف القتال وتحينت الحرب فلم يعلم بذلك جواز الفطر إذا لم يقاتلوا ولذلك حمله الصائمون على الرخصة فإنهم علموا أن الإفطار إنما يصير عزيمة إذا جد الأمر وليس الأمر ذا جد بعد.\n[قوله فأفطرنا فيهما] يعني يجوز (١) له الإفطار وأما جواز الصوم فكان معلومًا له ولذا لم يذكره.\n[قوله أنس بن مالك رجل إلخ] بالجر أو الرفع بدل أو خبر لمحذوف زاده لئلا يعلم أنه أنس بن مالك الصحابي المشهور.\n[قوله فقال أدن فكل] إنما قال له ذلك لأنه كان أيضًا على سفر فظن النبي ﷺ أنه غير صائم أيضًا أو كان أنس صائمًا صوم النفل فبين له حكم المسألة بمناسبة أنه كان على سفر.\n[فيا لهف نفسي] أسف منه على ما فات من تركه سور النبي ﷺ وبيانه إن كان صومه فرضًا إني لو كنت قدرت حينئذ لأكلت من سور النبي ﷺ ولكني لم أقدر فيا لهف نفسي على أني لم أقدر حتى أطعم وإن كان صومه نفلًا فالأسف منه أسف على ما بدر إليه فهمه واطمأن إليه عزمه من المضي على صومه وعدم إبطاله، فكأنه قال ليتني قضيت مكان صومي صومًا ولم أترك ما تركت من سور النبي ﷺ فمن لي به وكان الوصوم بديل (٢) عنه قضاءه.\n_________\n(١) يعني علم بذلك الحديث أنه يجوز له الإفطار أيضًا.\n(٢) أي يكون قضاؤه بدلًا عنه قال المجد الدولة انقلاب الزمان والعقبة في المال وقد أداله وتداولوه أخذوه بالدول.","vol":"2","page":44},{"text":"[قوله والعمل على هذا عند بعض أهل العلم] أي لا يقولون بقضائهما (١).\n\n[باب ما جاء في الصوم (٢) عن الميت] والجواب عن جانب الذين لم يذهبوا\n_________\n(١) ما أفاده الشيخ رحمه اله في غرض كلام المصنف هو ظاهر من صنيعه إذ ذكر حديث الوضع ثم قال والعمل على هذا ولم يذكر القضاء، وحكاه ابن رشد عن ابن عمر وابن عباس ولا يبعد أن يكون غرض المصنف من هذا القول الإشارة إلى مذهب الحنفية وغيرهم من أنهما تفطران وتقضيان ولما كان القضاء ظاهرًا ما احتاج إلى ذكره وذلك لأن هذا القول مشهور محكي عن جماعة من السلف والخلف، وعلى هذا فذكر المصنف في كلامه ثلاثة مذاهب للناس وهي المشهورة أحدها إيجاب القضاء فقط، والثاني إيجابه مع الفدية والثالث التخيير بينهما كما هو مذهب إسحاق فتأمل، ثم لا يذهب عليك أن الترمذي حكى سفيان مع الشافعي وحكاه الجصاص مع الحنفية فليحرر كذا في الأوجز.\n(٢) اعلم أولًا أن الطاعات على ثلاثة أقسام بدينه وهي مقصودة ههنا ومالية كالزكاة ويصح النيابة فيها ومركبة من المالية والبدنية وهي مختلفة أيضًا بين الفقهاء ليس هذا محله أما الأولى فقال الزرقاني: لا يصلي أحد عن أحد وهذا إجماع وأما الصيام فكذلك عند الجمهور منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد وأحمد في رواية وعلق الشافعي في القديم القول بالنيابة على صحة الحديث، وقال أحمد في رواية أخرى والليث وإسحاق وداود وأبو عبيد لا تصح النيابة إلا في النذر خاصة حملًا للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس وذكر العيني ستة مذاهب للفقهاء في ذلك والمشهور ما ذكرنا وحكى عن جماعة من السلف صحة النيابة مطلقًا سواء كان عن رمضان أو كفارة أو نذر ورجحه النووي في شرح الصحيح ثم اختلف المجوزون الصوم عن الميت ههنا في مسألتين أولاهما في حكمه فالجمهور على الاستحباب، وحكى عن أبي ثور وداود وغيرهما الوجوب على الأولياء والثانية في المراد بالولي ههنا وبسطتا في الأوجز.","vol":"2","page":45},{"text":"إلى اجتراء صوم الوارث عن المورث أن النبي ﷺ لم يصرح ألا بقضاء الدين عنهما وهو ظاهر في أداء الفدية عنها لا كما زعموا ولو قال ههنا أيضًا صومي عنها كان مجازًا عن أداء ما ينوب عن الصوم لا على حقيقة كما مر فيما تقدم (١) بعض بيانه.\n[قوله وعليها صوم شهرين متتابعين] هذا إشارة إلى أنها نذرت بهذا إذ لو كان وجوبهما من قضاء رمضان لم يجب التتابع وحملها على الكفارة بعيد لندرتها ولأنه لو كان وجوبها بالكفارة لما عينت الصيام بل سألته تعيين ما يجب عليها حينئذ من الصيام والإطعام ولعل (٢) العلماء الأولين مثل أحمد وإسحاق علموا غناء الأختين بدليل حتى لم يحملوا الصيام على الكفارة إذ ليس التكفير بالصوم إلا للفقير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>[باب ما جاء في الكفارة]</span>\nلعله أخذ لها معنى عامًا من المصطلح وهو ما يعم الفدية وإلا فلا يطابق الحديث (٣) الوارد فيه الترجمة فليسأل.\n[قوله إذا كان على الميت نذر صيام] سلموا الصيام عن الميت ههنا عملًا بظاهر الحديث واقتصروا على مورده لعموم قوله ﵇ لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد.\n_________\n(١) أي في باب المتصدق يرث صدقته.\n(٢) توجيه من الشيخ ﵀ لقول أحمد وإسحاق أنهما حملا الحديث على النذر لأنهما لعلهما علمًا أن الأختين كانتا غنيتين وإذ ذاك فلا يحمل الحديث على كفارة رمضان لأنها تكون إذًا بالإطعام فلابد أن يحمل على النذر والمراد بالأختين المتوفاة والسائلة.\n(٣) لأن الحديث المذكور فيه بصوم شهر والكفارة المصطلحة للصوم لا تكون أقل من صيام شهرين متتابعين.","vol":"2","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>[باب فيمن استقاء عمدًا]</span>.\n[قوله قاء فافطر] قاء ههنا (١) بمعنى استقاء أو يكون تأويله ما بينه المؤلف بعد ووجه (٢) الفرق بينهما حيث لا يبطل صومه إذا ذرعه القيء ويبطل إذا استقاء أن الغالب في الثاني رجوعه لضن الطبيعة به بخلاف الأول فإن الطبيعة لما كانت دافعة لم تجذب حتى يعود ووجه الفرق بين القليل والكثير أن القليل له حكم الريق وفي اعتباره ناقضًا حرج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>[باب ما جاء في الصائم يأكل ويشرب ناسيًا] </span>وألحق الإمام (٣) بهما\n_________\n(١) القيء إذا ذرع بنفسه لا يفطر عند الأئمة الثلاثة كما ذكره المصنف وكذلك عند الحنفية كما سيأتي من كلام صاحب الهداية إذ ظاهر الحديث ما كان يدل على كونه مفطرًا احتاجوا إلى توجيهه، فوجهه المصنف بتوجيه والشيخ بآخر أيضًا.\n(٢) قال صاحب الهداية: إن ذرعه القيء لا يفطر ويستوي فيه ملأ الفم فما دونه فلو عاد وكان ملأ الفم فسد عند أبي يوسف لا عند محمد وإن أعاد فسد بالإجماع فإن استقاء عمدًا ملأ فيه فعليه القضاء وإن كان أقل من ملأ الفم، فكذلك عند محمد لا عند أبي يوسف انتهى مختصرًا، فعلم بذلك أنهم فرقوا بين ذرع القيء والاستقاء وكذلك بين القليل والكثير فأشار الشيخ ﵀ إلى وجه الفرق بينهما.\n(٣) لله در الشيخ ما أوجز الكلام وأجاد به فنبه في عدة ألفاظ على المسألتين خلافيتين مبسوطتين أحدهما أنهم اختلفوا في أن الجماع في ذلك هل هو في حكم الأكل والشرب أم لا؟ قال ابن رشد إذا جامع ناسيًا لصومه فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة وسبب اختلافهم معارضة الأثر القياس أما القياس فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة، وأما الأثر فحديث الباب ومن أوجب القضاء والكفارة فضعيف، انتهى مختصرًا، كذا في الأوجز والثانية أن الشافعية لم يفسدوا الصلاة أيضًا بالكلام سهوًا قياسًا على الصوم كما بسط في محله فأجاب الشيخ ﵀ في كلامه الوجيز عن المسألتين معًا.","vol":"2","page":47},{"text":"قرينهما الثالث إذ الصوم هو الإمساك عن الثلاثة بأسرها فالفرق تحكم والقياس على الصلاة مذكرة ولا مذكر ههنا.\n[قوله لم يقض عنه صوم الدهر] يعني أنه لا يدرك ذلك الفضل (١) والأجر.\nقوله [وإن صامه] بلفظ أن إشارة إلى أنه لا يطيقه ويشق عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>[باب في كفارة الفطر قوله فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا]</span>\nلأنه لم يكن يصبر عن امرأته كما قد صرح به في رواية أخرى فإنه لما عجز عن الصبر إلى الليل كان عن الصبر إلى مضي شهرين أعجز وهذا لا يفتى به في زماننا فإن قوى هؤلاء ليست بهذه المثاية.\n[قوله هو المكتل الضخم] اختلفت الروايات في تعيين مقدار العرق ولذلك تراهم اختلفوا في مقدار طعام ستين مسكينًا ومذهب الإمام فيه كمذهبه في الفطر، وسيجيء في موضعه.\n[قال خذه فاطعمه أهلك] تفرقت (٢) الأقوال في تأويله فقال بعضهم في\n_________\n(١) هكذا قال الطحاوي في مشكلة كما في الأوجز.\n(٢) قال ابن دقيق العيد بتأنيث في هذه القصة المذاهب فقيل إنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال وهو أحد قولي الشافعية وبه جزم بعض المالكية وقال الجمهور لا تسقط الكفارة بالإعسار والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة، ثم اختلفوا فقال الزهري خاص بهذا الرجل وإلى هذا نحا إمام الحرمين وقال ابن قدامة هو رواية ثابتة عن أحمد وهو قياس قول أبي حنيفة والثوري وقال الزهري: هذا خاص بهذا الرجل أباح له الأكل من صدقه نفسه لسقوط الكفارة عنه لفقره وقيل هي منسوخ وقيل يحتمل أنه أعطاه ليكفر به ويجزيه إذا أعطاه من لا يلزمه نفقته من أهله وهو قول بعض الشافعية وقيل لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم قال الحافظ وهو ظاهر الحديث وقيل غير ذلك كما بسطت في الأوجز.","vol":"2","page":48},{"text":"النبي ﷺ فكان من خصوصياته وقال بعض أئمتنا إنما أمره أن يؤتيه أهله وتسقط النفقة عنه فكان ارجل يؤتي أهله كل يوم صاعًا منه، واستدل هؤلاء بجواز إيتاء الكفارة أهله كما قالوا في الزكاة، وقال الإمام الهمام إنما معنى قول النبي ﷺ أطعمه أهلك أنك لما لم تجد ما يفضل عن نفقة أهلك وليس عليك أداء كفارتك على الفور فكان كفارتك على ذمتك تؤديها متى قدرت عليها واصرف هذه في نفقة أهلك، ولعل (١) الرجل له فكيف يكون له أن يطعمهم ولفظ الأهل قد يشملهم.\nقوله [وشبهوا الأكل (٢) والشرب بالجماع] أي في كون (٣) الإمساك\n_________\n(١) لعله إشارة إلى رد من قال أن إطعامه أهله هو التكفير ويمكن أن يجاب عن إيراد الشيخ ﵀ أن اللفظ طالما يكون عامًا والمراد منه خاصًا فيمكن أن يحمل لفظ الأهل على من يجوز له إطعامه، فتأمل.\n(٢) اختلفت الأئمة في موجب الكفارة هل هو الجماع خاصة كمام قال به الإمامان الشافعي وأحمد أو يعم الأكل والشرب أيضًا كما قال به مالك والحنفية والثوري وإسحاق وابن المبارك لا لمجرد التشبيه بالجماع بل لوجوه بسطت في الأوجز.\n(٣) أي مع الجناية العمدية على ركن الصوم فإن كون الإمساك عنهما ركنًا إجماعي لا يختص بهؤلاء المشبهين.","vol":"2","page":49},{"text":"عنهما ركنًا للصوم كما أن الإمساك عنه ركن له، وأنت تعلم أنهم في تشبيههم له بهما (١) لم يرتكبوا بأسًا حتى يرد عليهم ما أوردوا بقولهم لا يشبه الأكل والشرب والجماع وهؤلاء المفرقون بين هذه الثلاثة زعموا أنا شبهناهما به في اللذة فاعترضوا أنه لا يشبههما وحاشانا أن نقول به فهذا اعتراض منهم على فهمهم.\nقوله [يحتمل هذا معاني يحتمل أن يكون الكفارة على من قدر عليها] إنما قال يحتمل معاني إشارة إلى ما ذكرنا من الاحتمالات التي ذهب إلى كل منها ذاهب وبين منها ههنا الذي اختاره لعدم الفائدة له في ذكر سائرها وهو آثل إلى ما قلنا لك من أنه مهما ملك كفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>[باب السواك للصائم]</span>\n. قوله [بالعود الرطب] ووجه (٢) الفرق بين\n_________\n(١) كان حق العبارة في تشبيهم لهما به اللهم إلا أن يقال إن التشبيه لما تحقق من أحد الجانبين تحقق من الجانب الآخر أيضًا، وهكذا فيما سيأتي من قوله إنه لا يشبههما.\n(٢) اختلف أهل العلم في سواك الصائم على أقوال عديدة بسطت في الأوجز ملخصها، الأول لا بأس به مطلقًا قبل الزوال وبعده سواء لرطب والجاف، به قالت الحنفية والثوري والأوزاعي، والثاني كراهته بعد الزوال واستحبابه قبله برطب أو يابس وهو أصح قولي الشافعي، الثالث كراهته بعد العصر فقط، وحكى عن أبي هريرة، الرابع التفرقة بين صوم الفرض والنفل فيكره في الأول بعد الزوال دون الثاني، وحكى عن الإمام أحمد والقاضي حسين، الخامس يكره بالرطب دون غيره وهو قول مالك وأصحابه والشعبي وغيره، السادس كراهته بعد الزوال مطلقًا وكراهة الرطب مطلقًا وهو قول أحمد وإسحاق، هذه الستة مشهورة وفيه أقوال أخر ذكرت في الأوجز علم مما سبق أن ما حكى الترمذي من مسلك الإمام الشافعي يخالفه أصح قوليه.","vol":"2","page":50},{"text":"الرطب وغيره على مذهب هؤلاء أن رطوبة الماء معفوة للصائم دون غيرها فكان في السواك الرطب للصائم يحتمل أن يختلط اللعاب برطوبة السواك فيدخل الجوف فينتقض بذلك صومه ولأن الرطب منه تتفرق أجزاؤه دون الجاف، والجواب أن الشرع لما بين الفضل فيه ولم ينه عنه في وقت وثبت عنه ﷺ أنه كان يستاك في صومه ولم يرد ما يخصصه بكونه بالسواك الجاف أو بكونه في أول النهار بقى على عمومه وكان هذا القدر من الرطب وغيره معفوًا ضرورة، واستدل المانعون للسواك في آخر النهار بقوله ﷺ، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وهذا لا يثبت مرامهم فإن مقتضى ذلك بيان الفضل للصائم حتى إن ما ينكر عن غيره ويكره يجب عنه ويعرف، وليس المراد به أن لا يزيله عنه حتى يؤذي به المسلمين والملائكة مع أن إزالته بالسواك عن فهمه لا يزيله عن علمه تعالى وخزائنه فيثاب على ما يدخر له من خلوف فمه ما ادخر له من آلائه تعالى ونعمه ولا يبعد أن يقال لما كان هذا الذي يكرهه كل أحد محبوبًا من الصائم فكيف بالذي لا يكرهه أحد لا سيما وهو سنة النبي الكريم ومرضاة له تعالى في الحديث والقديم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>[باب الكحل للصائم]</span>\n.\nقوله [اشتكت عيني أفأكحل وأنا صائم] وكان السبب في السؤال عنه أن الريق يتغير بلون ما يكتحل به العين وتحس مرارة الصبر إذا ألقى في العين في الحلق فعلم بذلك وصوله إلى الجوف وهو السبب فكان مظنة نوم انتقاض الصوم لكن لما كان ورودهما لا بطريق المنفد بل بطريق الجذب والترشح كان معفوًا لأن في الحكم بانتقاض الصوم بذلك حرجًا ظاهرًا فإن المتوضئ إذا أصابت اعضاءه بلة فإنها تجذب بمساماته إلى الداخل، إلى غير ذلك مما لم يكن منه بد، فأشار النبي ﷺ بذلك إلى أن النقض في الصوم لا يكون بذلك النفوذ وهذا معفو.\n\n[باب القبلة للصائم] قوله [والمباشرة أشد] لأن في القبلة تماس جزء من بدنه بجزء من بدنها فكيف إذا كثر فإن المباشرة إنما تتحقق بتجردهما.","vol":"2","page":51},{"text":"قوله [لإربه] الإرب العضو وجمعه آراب والمراد به ههنا العضو المخصوص أو الإرب النفس أو الحاجة وجوازه موقوف على الأمن من الإنزال ومن الإفضاء إلى أشد من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>[باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل]</span>\nاستدل (١) الشافعية بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه من وجوب النية من الليل وخصوا عنه النفل بالأحاديث الواردة في صومه ﷺ بنية من النهار إذا كان صوم نفل، قلنا فلنا أن نخص صوم رمضان إذا كان أداء بحديث (٢) شهادة الأعرابي وفيه إلا من أكل فلا يأكلن بقية يومه ومن لم يأكل فليصم، مع أن معنى الحديث أنه لم يحرز كمال فضله وتمام أجره لأنه إذا صام بنية من الليل كان له أجره من وقت نيته وإذا صام بنية من النهار كان أجره من وقت نيته، وكم من بون بينهما، أو المعنى لا صيام لمن لم ينو أن صومه من الليل بل نوى في النهار أنه يصوم من هذا الوقت ولا ريب في أنه ليس له صوم وعلى هذا فنفي الصوم يكون نفي ذات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>[باب في إفطار الصائم المتطوع]</span>\n.\nقوله [فقال أمن قضاء كنت تقضينه] علم بذلك السؤال أن إفطاركم صوم القضاء\n_________\n(١) قال ابن رشد: أما اختلافهم في وقت النية فإن مالكًا رأى أنه لا يجزئ الصيام إلا بنية قبل الفجر وذلك في جميع أنواع الصيام، وقال الشافعي: تجزئ النية بعد الفجر في النافلة ولا تجزئ في الفروض، وقال أبو حنيفة تجزئ بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين مثل رمضان والنذر المعين وكذلك في النافلة ولا يجزئ في الواجب في الذمة، انتهى، قلت: ووافق أحمد الشافعي كما حكى في الأوجز عن فروعه.\n(٢) قلت: هكذا ذكر الحديث صاحب الهداية لكن الزيلعي والحافظ في الدراية ذكرا أن شهادة الأعرابي قصة أخرى وقوله إلا من أكل إلخ حديث آخر وقع في صوم عاشوراء فتأمل.","vol":"2","page":52},{"text":"لا يجوز.\nقوله [فلا يضرك] استدل بهذه الكلمة من (١) قال ليس في إفطار صوم النفل قضاء لكنه غير تام فإن الضرر المنفي ههنا هو الذي كانت تخاف منه وسألت عنه وهو الذنب فبينه وقال لا ذنب فيه.\nقوله [حدثني] أي سماكًا. (٢)\n[فلقيت أنا] أي وأنا شعبة.\nقوله [الصائم المتطوع أمين نفسه] أو أمير نفسه ولا أذكر من تأويله شيئًا فليسأل (٣) ثم اعلم أنه لا ذكر في الأحاديث المتقدمة لوجوب القضاء ولا لعدم\n_________\n(١) قال العيني مذهب مجاهد وطاؤس وعطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق أن المتطوع بالصوم إذا أفطر بعذر أو بغير عذر لا قضاء عليه إلا أن يحب هو أن يقضيه وروى وجوب القضاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس وجابر وعائشة وأم سلمة وهو قول الحسن وسعيد بن جبير في قول وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف ومحمد، انتهى، قلت: الصواب في مذهب مالك التفريق بعدم القضاء بعذر والمنع عن الإفطار وإثبات القضاء بغير عذر كما حكاه الحافظ ويؤيد فروه وفي فروع الحنابلة سنية القضاء مطلقًا خروجًا عن الخلاف ونص الإمام أحمد في كتاب الصلاة له على وجوب القضاء كما في الأوجز.\n(٢) أي المراد بالضمير المنصوب في قوله حدثني سماك بالضمير المرفوع في قوله لقيت هو شعبة قال الخزرجي في الخلاصة جعدة المخزومي عن أبي صالح مولى أم هانئ وعنه شعبة.\n(٣) لم يذكر الكلام على هذا القول في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم أيضًا وقال القاري أمير نفسه أي حاكمها ابتداء، قال الطيبي: يفهم منه أن الصائم غير المتطوع لا تخيير له لأنه مأمور مجبور عليه، وقال القاري: وقوله إن شاء أفطر أي اختار الفطر أو المعنى أمير لنفسه بعد دخوله في الصوم إن شاء صام أي أتم الصوم وإن شاء أفطر إما بعذر أو بغيره، ويعلم حكم القضاء من الحديث الآتي، قلت: وفي قوله أمين نفسه إشارة إلى أنه ينبغي له أن يراعي شروط الأمانة.","vol":"2","page":53},{"text":"وجوبه بل هي ساكتة عن ذكرهما فالحديث الآتي وهو الذي قال فيه النبي ﷺ اقضيا يومًا مكانه يكون بيانًا لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>[باب في وصال شعبان برمضان]</span>\nقوله [كان يصومه كله] سيجيء تأويله (١) والجمع بين الحديثين اللذين ورد في أحدهما يصومه كله، وفي الآخر ذكر صومه في أكثره.\nقوله [نحو رواية محمد بن عمرو] أي من غير ذكر أم سلمة، وقد سبق منا بعض البيان المتعلق بهذه الأبواب فليعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>[باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الباقي من شعبان لحال رمضان]</span>\nيعني أن الذي تقدم من النهي عن تقديم رمضان بصوم يوم أو يومين من شعبان ليس مختصًا بصوم أو بصومين أو ثلاثة بل النهي عام بعد النصف من شعبان ثلاثة كانت أو أكثر منها، ووجهه مع ما مر (٢) في الأبواب السابقة أن (٣) لا يختلط الصوم المسنون المبين فضله وكرامته بغيره وهو (٤) صوم النصف من شعبان ولئلا يلزمه نقص في أداء فرائضه وهي صيام رمضان وعلى هذا فالخطاب\n_________\n(١) أي في كلام المصنف من قول ابن المبارك وحاصله أن قولها كله مبالغة.\n(٢) في أول كتاب الصوم من أن المنع مزجرة للعوام ذبًا عن حدود الشرع إلى آخر ما أفاده.\n(٣) خبر لقوله: ووجهه، وهذا وجه آخر غير ما تقدم في أول الصوم من أن المنع لاختلاط الصوم المسنون المخصوص وهو صوم النصف من شعبان بغيره.\n(٤) بيان للصوم المسنون.","vol":"2","page":54},{"text":"للضعفاء وهذا كله لمن لم يصم من أول الشهر وإلا فلا ضير.\nقوله [لا تقدموا شهر رمضان بصيام إلخ] يشير بذلك أن هذا التقدم إن كان ليكمل به ما في رمضان من نقص فهو مكروه وهذا هو المراد بقوله في الترجمة لحال شهر رمضان فكأنه أورد دليلًا على ما أخذه في الترجمة وفي لفظ الحديث إشارة (١) إلى ذلك، حيث قيل لا تقدموا وهذا وجه آخر للكراهة، فإن قيل لا يريد به تكميل ما في رمضان من النقصان الذاتي حتى يلزم عليه كراهته بل أراد الصائم بصيام هذه الأيام جبر ما سينقص من عدم أدائه حقه وعدم إتيانه صيام رمضان حسب ما ينبغي له فلم يك إلا كأداء النوافل لتكميل الفرائض، قلنا هذا التكميل يكون بالذي (٢) بعده لا بالذي قبله وقد عين النبي ﷺ لهذا التكميل صيام ست من شوال ثم المناسبة بين الباب والحديث خفية ومبناها على حمل النهي عن الصوم على كونه لأجل رمضان.\nقوله [فقدت] وقوله [فخرجت فإذا هو بالبقيع فقال أكنت تخافين إلخ] فيه حذف كثير وبينه مسلم بطوله ولذا تركنا تفصيله ههنا.\nقوله [يا رسول الله كنت ظننت أنك أتيت بعض نسائك] هذا التطويل في الجواب كان له لعائشة ﵂ من قدم في البلاغة راسخة فإن النبي ﷺ لم يكن العدل في النساء واجبًا (٣) عليه ولكنه كان يعدل بينهن لمقتضى خلقه ولذلك\n_________\n(١) وذلك لأنه ﷺ أضاف المنع إلى رمضان إذ قال لا تقدموا رمضان ولم يقل لا تصوموا آخر شعبان أو غير ذلك.\n(٢) ولذا قال صاحب الدر المختار في السنن الرواتب: شرعت البعدية لجبر النقصان والقبلية لقطع طمع الشيطان، انتهى.\n(٣) كما صرح به أكثر المفسرين في قوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية وفي هامش المشكاة عن اللمعات: المذهب عندنا أن القسم لم يكن واجبًا عليه ﷺ لهذه الآية ورعاية ذلك كان تفضلًا منه ﷺ لا وجوبًا.","vol":"2","page":55},{"text":"سمى خلافه حيفًا مع أن الخلاف في عدله بينهن لم يكن حيفا فلو أجابت عائشة قوله بقولها نعم لكان موهمًا للكفر فأرادت أن تجتنب إيهام الكفر أيضًا فإنها لو قالت نعم كان ظاهره في جواب قوله ﷺ نعم خفت أن يحيف الله علي ورسوله وإن لم يكن الحيف ههنا حقيقة في معناه إذ المراد به ههنا ما ليس يحيف لكنها لم ترضه أيضًا، فعلم أن التكلم بما يوهم الكفر وإن لم يرد حقيقة معناه الذي هو كفر لا يصح (١).\nقوله [غم كلب] وهو اسم لكبيرهم (٢) فكانوا بني كلب ثم سمى كل منهم كلبًا أيضًا.\nقوله [يقول يضعف (٣) هذا الحديث] على زنة مضارع المجهول من التفعيل.\nقوله [وقال] فاعله محمد.\n[ويحيى بن أبي كثير] مبتدأ خبره [لم يسمع] وهذا مع ما بعده علة التضعيف.\nقوله [أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان شهر الله المحرم] هذه الفضيلة شاملة لغير يوم عاشوراء أيضًا وهذا إما أن النبي ﷺ قاله قبل أن يقف على فضل صوم عرفة أو تكون الفضيلة فيه جزئية، فلا ينافي فضيلة صوم غير هذا الشهر على صيامه.\nقوله [ويتوب على قوم آخرين] هذا إخبار منه ﷺ بما سيقع من شهادة الحسين أو غيرها، ولا يبعد أن يراد بقوم آخرين الصوام فيه من أمة محمد ﷺ.\n_________\n(١) فإن عائشة ﵂ لم تتكلم بقولها نعم مع أن حقيقة الحيف لم تكن مراده ههنا كما تقدم في كلام الشيخ.\n(٢) وخصهم بالذكر لأنهم أكثر غنمًا من غيرهم.\n(٣) بسط العيني الكلام عليه في شرح البخاري وذكر في الباب عدة روايات.","vol":"2","page":56},{"text":"[باب ما جاء في صوم (١) يوم الجمعة] جمع العلماء بين النهي الوارد عن الصوم فيه وما ثبت أنه ﷺ كان يصوم فيه يحمل النهي على ما إذا لم يصم قبله ولا بعده وحمل صومه على أنه صام قبله أو بعده والوجه (٢) في النهي عن تخصيصه بالصوم ردع العوام عن أن يعظموه ويظنوا في صومه ما ليس في غير هذا اليوم من الأجر وهذا مع إثباته ما لم يثبت يؤدي في آخر الأمر إلى نقصان في أداء الجمعة موجب لحرمانه عن الخير الكثير ولما فيه من المشابهة باليهود فإنهم يصومون يوم عبادتهم ومع ذلك فلو صامه أحد ولمي صم قبله ولا بعده لم يفعل بأسًا وإن ارتكب ما ليس هو به أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>[باب ما جاء في صوم يوم السبت]</span>\nوجه المنع منه إذا كان وحده ما يلزم من مشابهة اليهود وعلم بذلك أن المشابهة بارتكاب ما يختص بقوم لازمة وإن لم يقصدها، ولا يتوقف حرمة التشبه على كون الذي فيه الشبهة قبيحًا أو لا ترى أنا نهينا عن عبادة الصوم لعلة المشابهة مع أنه لا ريب في حسن الصوم ولا ريب أنا لم نرد بهم تشبهًا، وجملة الأمر في ذلك أنه لا ريب في حسن الصوم ولا ريب أنا لم نرد بهم تشبهًا، وجملة الأمر في ذلك أن ارتكاب ما قبح مكروه وإن لم يختص بالمخالفين وما حسن فليس فيه كراهة إذا لم يختص وأما إذا اختص فإن أراد التشبه فلا يتصور جوازه وإن لم يرد فلا يخلو عن بأس وإن كان هذا حال الحسن في نفسه فكيف ظنك بالمباح.\nقوله [الثلاثاء] وفيه لغة أخرى وهي الثلثاء على زنة علماء.\nقوله [تعرض الأعمال] ومعنى العرض إنما هو على انتظام في أمورهم وإلا فهو سبحانه يعلم كل شيء قبل وجوده كما يعلمه بعد وجوده فلا يحتاج في علمه به إلى\n_________\n(١) في المسألة ثمانية أقوال للعلماء بسطت في الأوجز ويكره إفراده بالصوم عند أحمد والشافعي ويندب عند مالك وفروع الحنفية مختلفة، أكثرها على الندب وأشار المصنف بالبابين إلى الجمع بين الأحاديث الواردة في الباب.\n(٢) قلت: اختلفوا في علة النهي على ثمانية أقوال بسطت في الأوجز.","vol":"2","page":57},{"text":"عرض وإنما أحب أن يرى الملائكة أعمال الصلحاء فيعلموا الداعي في روحهم وريحانهم وأن يبصروا أعمال الأشقياء فيعلموا موجب حسرتهم وخسرانهم إلى غير ذلك من الفوائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>[باب ما جاء في الحث على صيام عاشوراء </span>(١)] اعلم أن صيام عاشوراء كانت تصومه اليهود لما أنعم الله عليهم بإنجاء موسى وقومه وإغراق فرعون وقومه فكانوا يصومون فيه شكرًا وكانت قريش تصومه ولعل الله أنعم عليهم مثل ما أنعم على بني إسرائيل من اتجاه كبيرهم من شدة أو الإنعام عليه بنعمة وكان النبي ﷺ يصومه بمكة حسب ما اعتاده من أول عمره للنبي ﷺ المدينة أمر بصيامه (٢)\n_________\n(١) فيه عدة أبحاث لطيفة مفيدة بسطت في الأوجز، الأول في لغته، والثاني في مصداقه، والثالث في وجه التسمية بذلك اليوم، والرابع في حكم صومه، والخامس هل فرض صومه في أول الإسلام، والسادس وجه تعظيم قريش لذلك اليوم، والسابع تفصيل ما أكرم الأنبياء في ذلك اليوم، والثامن أعمال هذا اليوم غير الصوم، وغير ذلك.\n(٢) اختلفوا في أن صوم عاشوراء هل كان واجبًا في أول الإسلام كما قال به الحنفية أولًا وهما وجهان للشافعية أشهرهما أنه لم يزل سنة من حين شرع، واخترا الحافظ الأول وكذا ابن القيم في الهدى وبه جزم الباجي، قال الحافظ: يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال ويقول ابن مسعد للثابت في مسلم لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأنه ما ترك استحبابه هل هو باق فدل على أن المتروك وجوبه، وأما قول بعضهم المتروك تأكيد استحبابه والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه بل تأكد استحبابه باق ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول لئن عشت لأصومن التاسع، انتهى هكذا في الأوجز.","vol":"2","page":58},{"text":"ورأى يهود يصومونه فسألهم عن سببه فبينوا فأمر بصيامه لا ليوافق به اليهود بل ما أمر به من قبل وعلى هذا ينبغي أن تحمل الروايات وليس الأمر بالصيام يوم عاشوراء منوطًا ومبنيًا على صوم اليهود وسؤاله إياهم عنه، ثم نسخ بعد عام أو عامين وجوبه وبقى الأمر (١) على السنة وإحراز الفضيلة، وهذا هو المراد حيثما وقع التخيير، فقال من شاء صامه ومن شاء أفطر يعني ليس بواجب كما كان.\n\n[باب ما جاء في عاشوراء أي يوم (٢) هو] أورد فيه حديثين عن ابن عباس والغرض من إيرادهما دفع لما يتوهم في كلام ابن عباس ﵁ من تعارض وما يظن أن قوله في الحديث الأول لا يوافق اللغة ولا الشرع.\n_________\n(١) اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال، الأول: فرضيته باقية قال عياض كان بعض السلف يقول كان فرضًا وهو باق على فرضيته لم ينسخ، والثاني مقابله وهو ما في الفتح كان ابن عمر ﵁ يكره قصده بالصوم ثم انقرض القائلون بهذين القولين وانعقد الإجماع بعد ذلك على القول الثالث وهو أنه سند حكى عليه الإجماع جمع من المحدثين كما في الأوجز.\n(٢) اختلفت الأقاويل السلف والخلف في ذلك الأول قول الجمهور أنه اليوم العاشر من المحرم قال العيني: هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وعد أسماءهم، والثاني أنه اليوم التاسع فاليوم مضاف إلى الليلة الآتية، وقيل إنما سمي به اليوم التاسع أخذًا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا وردنا عشرًا بكسر العين، والثالث أنه اليوم الحادي عشر، قال العيني: اختلفت الصحابة فيه هل هو اليوم التاسع أو العاشر أو الحادي عشر وفي تفسير أبي الليث عاشوراء يوم الحادي عشر وكذا ذكره المحب الطبري، ملخص ما في الأوجز.","vol":"2","page":59},{"text":"فقوله أخبرني [عن يوم عاشوراء أي يوم أصومه] ليس المراد بذلك تعيين يوم عاشوراء فإن هذه المسألة ليست مما يتوقف على ابن عباس لأن كل من له أدنى شعور يعلمه، فالمراد بذلك السؤال في الأصل سؤال الصوم أي يوم هو حتى يحرز به فضل السنة كما صرح به في آخر سؤاله فقال: أي يوم أصومه فعين له ابن عباس يوم الصوم وكان يعمل السائل صوم اليوم العاشر أو بين له العاشر أيضًا وتركه الراوي لشهرته، وأما ما قال: أهكذا كان يصومه محمد رسول الله ﷺ؟ قال: نعم فبناء على ما أراد النبي ﷺ وعزم عليه من أن يصوم التاسع أيضًا لكنه لم يدرك العام القابل حتى يفعل فما قالوا من أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع عند ابن عباس فتوجيه لا يعول عليه وتأويل لا يحتاج إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>[باب ما جاء في صيام العشر]</span>\nلما بين النبي ﷺ ما في صوم هذه الأيام من الفضل لم يبق شبهة في سنيته ولا الفضل فيه وأما رؤية عائشة ﵁ المنفية في الحديث فلا تستلزم أن النبي ﷺ لم يصم فيها مع أن عدم صومه فيها لعله لغرض آخر أو لخشية أن تكون سنة مؤكدة فتحرج بها العباد، والله أعلم.\nقوله [وقد اختلفوا على منصور] يعني أن تلامذة منصور يردونه مختلفين كما مر وأما الآخذون عن الأعمش فقد اتفقوا على إسناد واحد وهو عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، واختلاف رواة المنصور بينه بقوله روى الثوري وغيره، هذا الحديث عن منصور عن إبراهيم أن النبي ﷺ إلخ، فترك الأسود وعائشة وروى أبو الأحوص إلخ ثم بين أن الاختلاف هذين ليس سببًا للاضطراب فيه بل الاختلاف ناشئ عن المنصور فأنى (١) سمعت محمد بن أبان إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>[باب ما جاء في العمل في أيام العشر]</span>\nهذا يعم الصيام وغيره، وأراد بذلك أن يثبت فضلها بقولها ﷺ لما لم يثبت بفعله.\n[قوله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء] أي أنفق فيه\n_________\n(١) بيان لعدم الاضطراب يعني لما ثبت ترجيحه لذلك فلم يبق فيه الاضطراب.","vol":"2","page":60},{"text":"ماله وكسر بالضرب سلاحه وأهلك نفسه وفرسه لمباشرته أشد القتال، ولكن الفضيلة جزئية.\nقوله [مرسل] أي من غير توسط أبي هريرة ﵁.\nقوله [شيء من هذا] أي لا الحديث بتمامه أي بحمله الثلاث.\n\n[باب في صيام (١) ستة] من شوال قوله [ثم أتبعه بست من شوال] ثم قيل يفصل بين هذه الست وبين رمضان ليبعد عن شبهة الخلط كما في صيام شعبان وقيل بل يكفي العيد للفصل فإنه ليس في شعبان هذا الفصل فيكره الصوم قبيل رمضان ولا كذلك في الصيام بعيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>[باب في صوم ثلاثة من كل شهر]</span>\n.\nقوله [سمعت يحيى بن بسام] بالمهملة بعد الموحدة التحتية وهذا غلط (٢) والصحيح سام من غير ذكر المؤحدة قبل السين.\nقوله [من صام ثلاثة من كل شهر كان كمن صام الدهر] لأن الحسنة بعشر أمثالها وإنما عين لأبي ذر صيام الثلاثة من وسط الشهر إما لمصلحة فيه له أو ليحرز\n_________\n(١) صيام الستة من شوال مختلفة عند الأئمة، قال النووي: مذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم استحبابها، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره قلت: هكذا حكى عن مالك الكراهة عامة شراح الحديث لكن قال الدردير تكره لمقتدى به متصلة برمضان متتابعة وأظهرها معتقدًا سنة اتصالها، قال الدسوقي فالكراهة مقيدة بهذه الأمور الخمسة فإن انتفى قيد منها فلا كراهة، انتهى، وأما عندنا الحنفية فاختلفت النقلة وأهل الفروع والمرجح الندب وما حكى عنهم خلاف ذلك إما مرجوح غير رواية الأصول أو محمول على صوم يوم العيد، كذا في الأوجز.\n(٢) فلم يذكر صاحب التقريب والتهذيب والخلاصة أحدًا اسمه يحيى بن بسام وغلط فيه صاحب تحفة الأحوذي أيضًا.","vol":"2","page":61},{"text":"فضيلة أيام البيض أيضًا.\nقوله [عن أبي شمر وأبي التياح] يرويان.\n[عن أبي عثمان وقال] شعبة في هذا الإسناد.\n[عن أبي هريرة] (١).\nقوله [كان لا يبالي من أيه صام] قد سبق منا أن لفظة أي إذا أضيف إلى النكرة فالغرض التعيين من بين أفراده وإذا أضيف إلى المعرفة فالتعيين مقصود من بين أجزائه وههنا كذلك، فإن الشهر لما أعيد إليه الكناية لم يبق نكرة فافهم.\nقوله [والرشك هو القسام في لغة أهل البصرة] أي الرشك (٢) لغة أهل البصرة ومعناه القسام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>[باب في فضل الصوم]</span>\n.\nقوله [والصوم لي] إذ ليس مدحة للصائم ولا لذة ولا شبهة الرياء.\n[وأنا أجزئ بنفسيي ثواب صومهم كما أخلص لي في هذه الطاعة بحيث لم يطلع عليه الناس أثيبه جزاء عمله بنفسي بحيث لا يطلع عليه الملائكة وأما ما قالوا من أنه يجوز أن يكون مبنيًا للمفعول فصحيح معنى ودراية لا إسنادًا ورواية.\n[والصوم جنة من النار] فإنه لما تحمل حرارات الدنيا في صومه جوزى بالنجاة من حرارات جهنم.\nقوله [ولخلوف فم إلخ] سبق بيانه غير بعيد.\nقوله [فليقل إني صائم] هذا القول إما يخاطب به نفسه إني صائم ما لي وللتنازع والتشائم، بل الذي ينبغي لي هو الصبر على إيذائه أو المخاطب به هو الجاهل عليك أي فليقل إني صائم فلا تتعد علي إكرامًا للصوم أو لأني لا أتجاهل بك، وفي الحديث\n_________\n(١) يعني جعله من مسند أبي هريرة لا أبي ذر.\n(٢) أو المعنى أن الرشك معناه عند أهل البصرة القاسم وأما عند غيرهم فقال المجد هو بالكسر كثير اللحية والذي يعد على الرماة في السبق، انتهى.","vol":"2","page":62},{"text":"على الاحتيال الأول والثالث إشارة إلى أن من شأن الصائم احتمال مثل هذه المكاره أيضًا فإنه نوع من الصبر وعلى الثاني إشارة إلى أن الناس لا ينبغي لهم المعاداة والتمادي على مثل هؤلاء والتفحش في اللام بهم.\n[قال في الجنة باب يدعى الريان] في الحديث إشكال يأتي بيانه مفصلًا إن شاء الله تعالى.\nقوله [وفرحة حين يلقى ربه] فيجازيه على صومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>[باب في صوم الدهر]</span>\nقوله [لا صام ولا أفطر] سأل السائل عمن صام الدهر ولم يستثن الأيام المحرمة أو سأل عمن صام غير هذه الخمسة الأيام، وسبب النفي على الأول ظاهر لأنه لم يدرك بصيامه فضيلة معتدة بها وإن لم يخل صومه عن أجر لأنه ارتكب فيه محرمًا (١) وعلى الثاني النفي نفي الانتفاع أي لم ينتفع بصيامه لاعتياده ولا بإفطاره لعدمه.\nوقوله [أو لم يصم ولم يفطر] شك من الراوي وفي الثاني من التأكيد ما ليس في الأول.\nقوله [فكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته مصليًا ولا نائمًا إلا رأيته نائمًا] ههنا سؤال عن قيامه في الليل لم يذكره الراوي والمراد من قولها ذلك أنه كان في الليل يصلي بعضه وينام بعضه، فأي الحالين شئته إن ترى رأيته وليس المعنى رؤيته مصليًا ونائمًا في زمان واحد والمقصود نفي النوم عنه كل الليل والقيام كل الليل والمقصود من الروايات المختلفة في باب الصوم التي أوردها ههنا إثبات أنه لا شيء من ذلك مكروهًا أو بدعة.\nقوله [أفضل الصوم صوم أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا] هذا مما يشق على النفس الدوام عليه لأنه لا يعتاد الصيام ولا يعطى له الطعام، فكان\n_________\n(١) أي كراهة تحريم وقد تقدم من أن المحرم قد يطلق على المكروه التحريمي لقربه منه.","vol":"2","page":63},{"text":"الدوام على هذا لا يتيسر إلا من يسهل له مقابلة النفس التي هي أعدى عدوك فناسبه.\nقوله [وكان لا يفر إذا لاقى] يعني أنه لم يكن شديدًا في مقابلة نفسه فقط بل كان جريئًا شجاعًا في مقابلة الأعداء الأخر أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>[باب الحجامة للصائم]</span>\n.\nقوله [أفطر الحاجم والمحجوم] أي تعرضًا (١) للإفطار، أما الأول فلجذبه الدم بفيه وعسى أن يبدر إلى جوفه، وأما الثاني فلما يطرأ عليه من الضعف بسبب خروج الدم.\nقوله [لأن (٢) يحيى بن أبي كثير روى الحديثين] لما كان الوجه في كون الحديث الأول أصح رواية (٣) يحيى بن أبي كثير قال روى هذين الحديثين أيضًا هو الذي روى حديث رافع بن خديج وهو يحيى بن أبي كثير فكان أيضًا مثله في الصحة، ولا وجه للترجيح مع أن هذين الحديثين يتصلان إلى النبي ﷺ بوسائط\n_________\n(١) توجيه للحديث على رأي الجمهور فإنهم قالوا إن الحجامة ليست بمفطر.\n(٢) أجمل الإمام الترمذي في هذا الكلام ولذا فسره الشيخ بأنه دليل لصحة الحديثين بمقابلة الحديث الثالث أي حديث رافع ونص كلام الحافظ ابن حجر أنه دليل لصحة الحديثين بأنفسهما إذ قال ونقل الترمذي أيضَا عن البخاري أنه قال ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد وثوبان، قلت: فكيف بما فيهما من الاختلاف يعني عن أبي قلابة قال كلاهما عندي صحيح لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد روى الحديثين جميعًا فانتفى الاضطراب وتعين الجمع بذلك انتهى.\n(٣) بمعنى المصدر لا بمعنى المروي.","vol":"2","page":64},{"text":"هي (١) أقل من وسائط حديث راف بن خديج فليسأل.\nقوله [ولا أعلم أحدًا من هذين الحديثين ثابتًا] أي باقيًا (٢) حكمه غير منسوخ يعني لا يمكن الحكم على شيء منهما بالنسخ ولا بعدمه لعدم العلم بالنسخ لجهالة التاريخ ولما كان احتجامه ﵇ في حجة الوداع لزم القول بنسخ رواية أفطر الحاجم لو حملت على الحقيقة ولا احتياج لنا إلى القول بالنسخ في حق الصائم أيضًا لما بينا من تأويله فإن الإفطار لما لم يك إلا بدخول شيء في الجوف أو بشيء من قضاء الشهوة ولم يتحقق ههنا شيء منهما لزم حمل قوله ﵇ أفطر على المجاز لعدم صحة نفي الذات الذي هو حقيقة والآخرون لما لم يذهبوا إلى مطابقة الأصول احتاجوا إلى أنه منسوخ أو الحجامة مفطرة على خلاف القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>[باب ما جاء في كراهة الوصال في الصيام]</span>\nالوصال حرام وهو ما إذا لم يفطر صومه أصلًا ومكروه وهو إذا قنع على ما أفطر عليه من نحو الماء\n_________\n(١) لكن الأسانيد التي تقدمت من كلام الحافظ لا فرق فيهما في الوسائط فإن بين يحيى وشداد وكذا بين يحيى وثوبان واسطتين إحداهما أبو قلابة والثانية أبو أسماء أو أبو الأشعث وكذلك واسطتان بين يحيى ورافع ولذا نبه الشيخ في آخر كلامه بقوله فليسأل.\n(٢) اضطر الشيخ إلى هذا التوجيه في كلام الشافعي لأنه صحح حديث أفطر الحاجم والمحجوم جماعة ويحتمل أن الإمام الشافعي ﵀ لم يذهب إلى تصحيحه كما لم يذهب إليه غيره أيضًا فيكون الغرض من كلامه هذا الإشارة إلى تضعيفه وقال أبو الطيب كأنه أراد ذلك من جهة الإسناد الخاص كما ذكره المحقق ابن الهمام أن الحديث أخرجه الترمذي وصححه وبلغ أحمد أن ابن معين ضعفه وقال إنه حديث مضطرب وليس فيه حديث يثبت، ثم قال وأما رواية احتجم وهو محرم صائم وهي التي أخرجها ابن حبان وغيره عن ابن عباس أضعف سندًا، انتهى.","vol":"2","page":65},{"text":"والتمرة ثم لم يأكل بعد ذلك شيئًا ولعله نهاهم عنه بكلا معنييه فقال بعضهم إنك يا رسول الله تفعل أحد قسميه (١) فقال إني لست كأحدكم يطعمني ربي ويسقيني أما حقيقة عن طعام الجنة وهو لا يضر لا بالصوم ولا بالوصال أو مجازًا والمراد التقوية كما تحصل بالطعام فمن كان (٢) منكم مثل ذلك فعل فلا اعتراض على من واصل من بعدهم وقد ثبت أنهم واصلوا معه بأمره وإن كان تبكيتًا لهم وتوبيخًا على ما أصروا وكان (٣) منعه لهم عنه لئلا يضعفوا فيفوت ما قصد منهم من الجهاد وانتظام أمور المملكة وأخذ الصدقات وغير ذلك لا لمعنى في ذات الوصال ولذلك نهاهم عن الرهبانية وغيرها من المشاق التي هي مخلة بالانتظام ونشر شرائع الإسلام مع أنه رغب الآخرين في الخلوة والوحدة فقال في رجل في غنيمة له ما قال (٤) وغير ذلك ويمكن أن يكون السؤال عن القسم الثاني فحسب فنهاهم عنه\n_________\n(١) وهو القسم الثاني وصرح في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم أن الوصال بالقسم الأول لم يثبت عنه ﷺ، انتهى، قلت: ويؤيد ذلك ما ورد من التأكيد في تعجيل الإفطار والوعيد في تأخيره لكنه يشكل عليه أن عامة نقلة المذاهب وشراح الحديث وأهل الفروع فسروا الوصال بترك الإفطار مطلقًا، فتأمل.\n(٢) الكلام مختصر جدًا وتوضيحه من كان منكم مثل ذلك أي يحصل له التقوى بالصوم والعبادة كما يشاهد في بعض المشايخ فيجوز له أن يفعل ذلك وعلى هذا فلا اعتراض على من واصل بعد الصحابة من بعض المشايخ الصوفية.\n(٣) وهذا علة لمنعه ﷺ عن الوصال والرهبانية ونحوها.\n(٤) فقد روى هذا المعنى في عدة روايات من أبواب الفتن والجهاد وغيرها منها ما روى عنه ﷺ يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال الحديث لمالك والبخاري وأبي داود والنسائي وروى عنه ﷺ ألا أخبركم بخير الناس منزلًا قلنا بلى يا رسول الله قال رجل أخذ برأس فرسه في سبيل الله أخبركم بالذي يليه، قلنا نعم قال رجل معتزل في شعب من الشعب يقيم الصلاة الحديث وغير ذلك كما في جمع الفوائد.","vol":"2","page":66},{"text":"أيضًا شفقة عليهم ورأفة بهم وما يتوهم من أن متصوفة المتأخرين كيف ازدادوا عن الصحابة حتى أن هؤلاء يواصلون فلا يأكلون شيئًا غير جرعة من ماء أو لوزة أو تمرة ويديمون على ذلك أيامًا حتى إن بعضهم كان يواصل فلا يأكل شيئًا غير جرعة الماء إلا لوزة بعد شهر فالجواب أنه لا يلزم بذلك تفضيلهم على الصحابة ﵃ فإن هذا فضيلة غير مقصودة وزيادة فيما هو واسطة للوصول إلى المطلوب وهؤلاء قد وصلوا ببركة صحبة النبي ﷺ من غير احتياج إلى هذه الرياضات والمجاهدات وشاهدوا شاهد الحقيقة من غير اختيار لهذه الأربعينات والمراقبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>[باب الجنب يدركه الفجر وهو يريد الصوم]</span>\n.\nقوله [وقد قال قوم من التابعين] إذا أصبح جنبًا يقضي ذلك اليوم ومستندهم في ذلك ما نسب إلى أبي هريرة ﵁ مرفوعًا لا صيام (١) لمن أصبح جنبًا ومعناه لو ثبت أنه حديث والله أعلم أن الرجل ليس له صيام إذا أصبح وهو مشتغل بأهله ولا شك أنه جنب حينئذ أيضًا والنفي نفي الكمال كما قال لا إيمان لمن لا أمانة له فإن المندوب له أن يحصل الطهارة ويهتم بأمر صومه قبل الأخذ في الصوم وقبل إدراك الصبح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>[باب في إجابة الصائم الدعوة]</span>\n.\nقوله [إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب] إذا لم يكن هناك محظور شرعي ولم يكن الداعي فاسقًا ولا الطعام حرامًا وأما إذا ذهب ثم علم أن هناك محظورًا\n_________\n(١) وأخرج البخاري تعليقًا عن همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة كان النبي ﷺ يأمر بالفطر قال الحافظ: أما رواية همام فوصلها أحمد وابن حبان وأما رواية ابن عبد الله بن عمر فوصلها عبد الرزاق، انتهى، قلت وقد ورد هذا المعنى من حديث الفضل وأسامة أيضًا كما في الأوجز.","vol":"2","page":67},{"text":"فإن كان على السفرة يقوم وإن كان في مكان آخر يصبر، وليس الأكل داخلًا في الإجابة إنما هي الذهاب إلى منزله ثم إن أصر على أن يأكل فليأكل وإن كان صائمًا وإن اكتفى بالنزول إلى منزله وله عذر في الأكل له ذلك وما اشتهر من أنه يأثم بالقيام عن السفرة غير شعبان فغلط محض لا أصل له بل الذي هو ضروري لتطييب قلبه إنما هو الأكل وإن كان لقمة ولا منافاة بين روايتي فليقل إني صائم وفليصل إذ المقصود جمع الأمرين الدعاء له وبيان عذره في الامتناع عن الأكل ومع ذلك لو علم بذلك حزنه يفطر ثم يقضي أي في يوم آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>[باب في كراهة صوم المرأة إلا بإذن زوجها]</span>\n.\nقوله [لا تصوم المرأة] فلعله يتوق إليها.\nقوله [ما كنت أقضي ما كان علي] فلعل النبي ﷺ يرغب فيها وهي صائمة من قضاء رمضان لا تقدر على أن تفطر وأما في شعبان فكان النبي ﷺ يكثر من الصوم فتأمن بذلك عما كانت تخاف منه مع أن رمضان الثاني قد حضر فلو لم تقض الآن أيضًا لكثر القضاء على ذمتها وعلم بذلك جواز التأخير وأن وجوب القضاء ليس على الفور، واختلف (١) فيما إذا كان القضاء بعد رمضان الثاني فعندنا لا\n_________\n(١) إذا لم يصم أحد رمضان لعذر ولم يفرط في القضاء بأن اتصل عذره إلى رمضان آخر فقيل يصوم الثاني إن أدركه صحيحًا ويطعم عن الأول ولا قضاء عليه ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور يصوم الثاني ثم يقضي الأول ولا فدية عليه لأنه لم يفرط ولأن تأخر الأداء للعذر جائز فالقضاء أولى وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة الأربعة، أما لو أفرط في القضاء بأن زال عذره ولم يقضه حتى جاء رمضان آخر، فهذا مختلف بينهم فالأئمة الثلاثة على أن عليه القضاء بعد رمضان الثاني ومع القضاء يجب عليه الفدية أيضًا مع الاختلاف في تكرر الفدية مع تكرر السنين وقالت الحنفية عليه القضاء فقط ولا فدية وإليه مال البخاري إذ قال في صحيحه، ولم يذكر الله إلا طعام وإنما قال فعدة من أيام أخر، وقال داود الظاهري: من أوجب الفدية على من أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر ليس معه حجة من كتاب ولا سنة ولا إجماع، انتهى، هكذا في الأوجز مختصرًا.","vol":"2","page":68},{"text":"يجب عليه شيء سوى القضاء، وقال الشافعي ﵀ عليه القضاء والفدية ولعله وجد في ذلك رواية.\nقوله [عن أبي ليلى عن مولاتها] هذا غلط والصحيح عن ليلى عن مولاتها.\nقوله [المفاطير] جمع (١) مفطار صيغة مبالغة جردت عنها.\n[فقال كلي فقالت إني صائمة] لم تفطر صومها النفل رغبة إلى سور النبي ﷺ لكونها قادرة على إحراز الفضيلتين بأن تأكل بقية طعامه ﷺ عند الإفطار.\nقوله [وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن يزيد عن جدته أم عمارة] ليس ههنا ذكر للمولاة المقدمة ذكرها وإنما المقصود بيان اسم جدة حبيب.\nقوله [وهو أصح من حديث شريك] لأن شريكًا كثير الغلط.\nقوله [هذا حديث منكر] يعني أن أيوب بن واقد ليس بذاك وكذلك الذي تابع عليه وهو أبو بكر الذي وأما أبو بكر الذي روى عن جابر بن عبد الله فهو رجل آخر ثقة معتبر.\n_________\n(١) وفي لسان العرب مفطر من قوم مفاطير عن سيبوبه مثل موسر ومياسير وقال المجد مفطر من مفاطير.","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>باب الاعتكاف</span>\nقوله [كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله] هذا إما أن يكون تغليبًا واعتبارًا للأكثر، أو لأنه لما لم يعتكف في رمضان قضاه فكان الأمر كأنه لم يفت فصح استغراقها الحكم والاعتكاف سنة مؤكدة إلا أنه على الكفاية دون أن يسن لكل أحد وتأكده بدوامه ﷺ عليه وثبوت قضائه إذ لم يعتكف ومداومة الصحابة عليه.\nقوله [كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه] استدل بهذا من (١) قال بابتداء الاعتكاف من الفجر كما قال المولى المؤلف والجواب أنه لم يرد بالمعتكف المسجد، حتى يصح ما ذهبتم إليه إذ لا خفاء في أنه ﷺ كان يصلي الفرائض الخمس في المسجد لا غير فكيف يرتب الدخول في المعتكف على الفراغ\n_________\n(١) اعلم أن الاعتكاف على ثلاثة أنواع: النفل والمنذور والسنة المؤكدة واختلفوا فيها باعتبار تجديد الوقت اختلافًا كثيرًا بسطت في الأوجز، والمقصود ههنا في الرواية القسم الثالث وهي السنة المؤكدة والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على أن يدخل قبيل الغروب من آخر العشر الثاني قال أبو الطيب تحت قوله صلى الفجر ثم دخل معتكفه احتج به من يقول يبدأ الاعتكاف من أول النهار وبه قال الأوزاعي والنووي والليث في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد يدخل فيه قبيل الغروب إذا أراد اعتكاف شهر أو عشر وتأولوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، انتهى، قلت: وهكذا حكى النووي عن المنادي فما حكى الترمذي من مذهب الإمام أحمد لو صح يكون رواية له كما مال إليه أبو الطيب.","vol":"2","page":70},{"text":"عن الصلاة كما قال صلى الفجر ثم دخل في معتكفه فليس المراد بالمعتكف ههنا إلا ما كان يضرب له من نحو قبة وغيرها فلا يثبت بذلك إلا أنه ﷺ لم يكن يدخل في موضع خلوته الذي عينه للفراغ والعبادة إلا بعد صلاة الفجر وأما إن ابتداء اعتكافه ودخوله في المسجد كان من أي وقت فلم يفهم من هذا الحديث مع أن العشرة لا تتم ما لم تنضم إليها الليلة، والمسنون اعتكاف العشرة لا التسعة وبعض العاشر ولا يتوهم انتقاضه بكون الشهر تسعًا وعشرين لأن انتقاض يوم وليلة ليس بصنعه وإنما المعتكف كان على عزم من إتمام العشرة لو لم يستهل عليه فالعبرة للنية والقصد ولا كذلك بنقص الليلة التي فيها الكلام.\n\n[باب في ليلة القدر (١) قوله يجاور] أي المسجد ويكون في جوار ربه.\nقوله [والفلتا بن عاصم] هذا غلط والصحيح والفلتان (٢) بن عاصم.\n[قال الشافعي ﵀ هذا عندي والله أعلم أن النبي ﷺ كان يجيب على نحو ما\n_________\n(١) اعلم أولًا أنهم اختلفوا في وجه التسمية بذلك فقيل بمعنى التعظيم لكونها ذات قدر عظيم أو لأن كل عمل يعمل فيها يكون ذا قدر أو لأنه ينزل فيها ثلاثة ملائكة أولى قدر وعظمة، وقيل بمعنى التضييق لإخفائها أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة، وقيل بمعنى القدر بفتح الدال أي القضاء وثانيًا أنها مختصة بهذه الأمة وثالثًا أنهم اختلفوا في سبب هذه العطية ورابعًا اختلفوا في تعيين هذه الليلة على أقاويل تبلغ إلى قريب من خمسين قولًا بسطت هذه المباحث كلها في الأوجز.\n(٢) ضبطه أبو الطيب بفتح الفاء واللام المفتوحة وبالتاء المثناة من فوق ثم ألف ثم نون، انتهى، وفي الإصعابة بفتحتين قلت: وأهل الرجال كلهم ذكروه بالنون في آخره فما في النسخ الأحمدية من حذف النون من الكتابة تحريف من الناسخ كما أفاده الشيخ ﵀ وهو كذلك بزيادة النون على الصواب في النسخة المجتبائية والمصرية وغيرهما.","vol":"2","page":71},{"text":"يسأل عنه] هذا الجواب جار فيما ورد فيه لفظ التمسوا وتحروا ونحو ذلك وأما ما ورد من أنها ليلة إحدى وعشرين وغيرها فلا يجري فيه ذلك الجواب إذ هذا إخبار ابتداءًا منه ﷺ، وحاصل جوابه أنه ﷺ لما سأل أنلتمس الليلة في إحدى وعشرين لم يرد أن يردهم عما أرادوا من إحياءها فلو أجابهم بقوله إنها ليست فيها لما قاموا فيها فقال نعم وكذلك في أخواتها الأخر فهذا الجواب لا يجري في الروايات الأخر التي ورد فيها لفظ أنها ليلة كذا وإن كان لما حكم على ليلة بكونها ليلة القدر ولو بعد السؤال علم بذلك كون تلك الليلة ليلة القدر بقوله إنها ليلة سبع وعشرين، فهذا الكلام ظاهر في كونها ليلة القدر، ولا يمكن إرادة أنه إنما قال ذلك ليرغب في قيامها مع عدم الجزم بكونها ليلة القدر، فالجواب (١) إنها دائرة فأجاب كلا منهم حسب ما كانت في ذلك العام أو يقال أراد أن المرء حين أحيى الليل كله ظنًا منه أنها ليلة القدر ورجاءًا لتحصيل ثواب طاعة ألف شهر فاحتسب (٢) أن يعطيه الله هذه المثوبة وإن لم تكن الليلة التي أحياها ليلة القدر فالمراد أنها ليلة كذا أي أنها لكم في الثواب إذا أنتم أحييتموها واشتغلتم بالطاعة فيها ليلة القدر لا ليلة القدر الحقيقية، وعلى هذا ينبغي أن يحمل جواب الإمام الشافعي ﵀ حتى يتم على سائر الروايات المختلفة الواردة في بيان ليلة القدر ووجه مناسبة إيراد هذه الأبواب وأبواب الاعتكاف في أبواب الصوم مستغنية عن البيان.\nقوله [إني علمت أبا المنذر] لما كان في هذا الاستفهام نوع من الاستبعاد المشعر بكون السائل مستبطنًا إنكار علم أبي تبعيتها صح إيراد بلى في قول أبي.\nقوله [إنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس إلخ] لما بين النبي ﷺ لهم تلك\n_________\n(١) أشار إلى الجواب المرجح عند الشيخ في الجمع بين الروايات المختلفة في ذلك الباب بعد الكلام على الجواب المذكور قبل ذلك.\n(٢) الظاهر أن الفاء زائدة والفعل ببناء المجهول خبر لقوله أن المرأ.","vol":"2","page":72},{"text":"العلامة وجربها أبي عامًا أو عامين ولم يكن من مذهبه أنها تدور، استقر رأيه على أنها ليلة سبع وعشرين وكان حلفه على مقتضى ظنه وظن أن ابن مسعود كيف ينكر العلم بتعيينها مع أنه علم تلك العلامة ولعل مذهب ابن مسعود أنها تدور فلذلك لم يفصل فيه بشيء ومما ينبغي التنبيه عليه أن ليلة القدر ليست ساعة معينة كما اشتهر بين العوام كونها ساعة ترجى فيها الإجابة وتأيد ذلك بما نقله عن بعض الصلحاء من ظهور بركاتها وأنوارها لهم ساعة منها ولم يبق ذلك كل الليلة والجواب أن ظهورها لهم في ساعة لا يقتضي انحصارها في تلك الساعة وإنما هي عامة الليل غاية الأمر أنها تتفاوت مراتب فضلها بحسب أول الليل وأوسطه وآخره كما في سائر ليالي السنة، وقد اشتهر بين العوام أن كل شيء من الأحجار والأشجار وما سواهما تسجد فيها، فهذا إن أريد به السجدة الحقيقية فظاهره خلاف وإن أريد سجدة أرواحها فهو غير منكر الصحة والله أعلم.\nقوله [ذكرت ليلة القدر] قرئ هذا اللفظ على زنة المجهول فلم ينكر عليه.\nقوله [في تسع يبقين] هذا بناء على ما هو المتيقن من كون الأيام تسعًا وعشرين وأما اليوم الثلاثون فمشكوك فيه وتسع يبقين هي الليلة الحادية والعشرون وسبع يبقين هي الليلة الثالثة والعشرون وخمس يبقين هي الليلة الخامسة والعشرون وثلاث يبقين هي الليلة السابعة والعشرون.\n[أو آخر ليلة] لما كان البناء على كون أيام الشهر تسعًا وعشرين فالمراد بأخر ليلة هي الليلة التاسعة والعشرون لا غير، وقال (١) بعضهم المراد بتسع يبقين هي الليلة الثانية والعشرون وهكذا فالمراد بآخر ليلة يكون هي الليلة الثلاثون وسيجيء الكلام عليه في صحيح مسلم إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) جملة ما وقفت من كلام المشايخ في تفسير هذه الرواية وما بمعناها خمسة أقوال بسطت في الأوجز الاثنان منها ما أفاده الشيخ وثلاثة أخرى فارجع إليه لو شئت التفصيل.","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>[باب الصوم في الشتاء]</span>\n\nقوله [الغنيمة الباردة] هي التي يحتج في تحصيلها إلى الحروب الكروب التي الغالب فيها حرارة المغتنمين واصطلاؤهم بنيران الحروب فهي موصوفة بوصف المغتنمين مجازًا والمراد بذلك بيان أن أجر نفس الصوم مساو في الوقتين جميعًا وأما ما كان يزداد لهم في صوم شدة الحر من أجر الصبر على هذه الشدة فلا ينال في صوم الشتاء إلا أن يتمناه طلبًا لمزيد الثواب فإنه يثاب ذلك الثواب بنسبة هذه فزيادة أجره بزيادة مشاقه كزيادة الإمام لمن رأى منه جرأة وشدة في الحرب زيادة له على سهمه الذي له من الغنيمة، ووجه التشبيه بالغنيمة ما يحل له من الأجر الجزيل على صومه مع مشقة كثيرة أو على مشقة يسيرة كما أن الغنيمة كذلك فمنها ما هي حاصلة بسهولة ومنها ما ليست كذلك.\nقوله [لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾] اختلفت الروايات في تفسيرهذه الآية فيفهم من بعضها أنها نزلت في القادرين على الصوم ومن بعضها أنها فيمن لا يقدر والمذهب أنه لا عموم للمشترك والذين قالوا بعمومه أنكروه أيضًا إذا كان بين المعنيين تضاد كما وقع في هذه الآية فلا سبيل إلا إلى تعيين أحد محتمليه مع أن روايات الجانبين صحيحة والجواب أن الآية حين نزلت على النبي ﷺ لم يعين فعملوا على كل ما تحتمله الآية من المعنى، ولم ينه النبي ﷺ لعدم التعيين بالوحي من معانيها أصحابه ﵃ عن إعطاء الفدية والإفطار لكون ذل ممكن المراد أيضًا كما أن المعنى الآخر كان ممكنًا إرادته أيضًا وليس هذا عمومًا للمشترك مفعول لم ينه وإنما هو عمل من المجمل بمحتمليه ولا ضير فيه قبل أن يبين المجمل معنى كلامه وما قيل أن المجمل لا يعمل به ما لم يتبين مراد القائل فإنما ذلك حيث لم يمكن العمل به كآية الربا فإنه لو عمل بها لانسدت أبواب التجارات واختل أمر العقود والبياعات فلما أوقف الله نبيه على معنى تعين ذلك المعنى وصار ما دونه في حكم المنسوخ فمن كان منهم حملها على ذلك المعنى الذي تعين بعد","vol":"2","page":74},{"text":"لم يقل بنسخها ومن ذهب إلى آخر ثم ظهر له خلافه ذهب إلى أنه منسوخ بحسب ما فهمه منه أولًا والمراد بسلب الطاقة السلب بحيث لا يرجى عودها فكان مقتصرًا حكمه على الشيخ الفائي دون غيره من المريض وغيره فإنهم ليسوا كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>[باب ما جاء فيمن أكل ثم خرج يريد سفرًا] </span>اتفقوا (١) على أن حكم السفر لا يؤتى لمن أراد السفر ما لم يشرع فيه إلا شرذمة قليلة من الظاهرية جوزوا له الإفطار إذا أراد السفر وإن لم يشرع فيه بعد واستثنوه من عموم قوله سبحانه فمن كان منكم مريضًا أو على سفر بهذا الحديث والجواب للجمهور أن المراد في الحديث بقوله وهو يريد سفرًا ليس الأخذ في السفر ابتداء بل المراد أنه كان مسافرًا من قبل وكان قد نزل ههنا وبات ليلة أو ليلتين ثم أراد أن يسافر من هذا المنزل الذي نزل فيه وبذلك يصح قوله فقلت له سنة قال سنة ثم ركب ووجه ذلك أن النبي ﷺ لم يسافر في رمضان إلا في سفر فتح مكة وغزوة بدر وكان الإفطار في بدر في عين الحرب كما نقل وفي سفر الفتح في أثناء الطريق فكيف يصح الحكم بالسنية على ما إذا أراد سفرًا فأكل قبل أن يأخذ فيه، فليس المراد إلا ما ذكرناه ووجه السؤال أنهم كانوا يستبعدون أن يأكل الرجل إلا في الطريق أي حين هو راكب على الطريق وإن كان مسافرًا لئلًا يلزم له مخالفة الصائمين وهم بمحضر منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>[باب في تحفة الصائم قوله الدهن والمجمر]</span>\nيستنبط من ههنا استحباب الهدية للزائر وأن وصول الأجزاء اللطيفة إلى الجوف بواسطة الاستنشاق لا يفطره وكذلك الدخان إذا لم يجذبه (٢) وكان قليلًا (٣) وكذلك الأدهان والتعطر\n_________\n(١) اختلفوا في الحاضر المريد سفرًا هل يجوز له الإفطار أم لا وعلى الأول هل يجوز قبل الخروج من البيت أو بعده وعلى الثاني لو أفطر هل يجب عليه الكفارة أم لا بسطت كل من هذه الفروع الأربعة ونحوها مع اختلاف الأئمة في ذلك في الأوجز.\n(٢) أي وصله بنفسه بدون جذب من الصائم وفي الدر المختار في بيان ما لا يفطر أو دخل حلقه غبار أو ذباب أو دخان، ولو ذاكرًا استحسانًا لعدم إمكان التحرز عنه ومفاده أنه لو أدخل حلقه الدخان أفطر أي دخان كان ولو عودًا أو عنبرًا لو ذاكرًا لإمكان التحرز عنه فليتنبه له كما بسطه الشرنبلالي، قال ابن عابدين قوله لو أدخل حلقه الدخان أي بأي صورة كان الإدخال حتى لو تبخر بخور فأداه إلى نفسه واشتمه ذاكرًا لصومه أفطر لإمكان التحرز عنه وهذا مما يغفل عنه كثير من الناس ولا يتوهم أنه كشم الورد ومائه لوضوح الفرق بين هواء تطيب بريح المسك وشبهه وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله وبه علم حكم شرب الدخان، ونظمه الشرنبلالي.\nويمنع من بيع الدخان وشربه ... وشاربه في الصوم لا شك يفطره\nويلزمه التكفير لو ظن نافعًا ... كذا دافعًا شهوات بطن فقرروا\n(٣) لم أجد من قيده بالقليل بل عامتهم أطلقوه فليفتش.","vol":"2","page":75},{"text":"فإن الدهن عام.\nقوله [سألت محمدًا إلخ] يريد بذلك دفع شبهة الانقطاع عن عنعنة محمد بن المنكدر فإنه يحمل حينئذ على السماع وعدم الواسطة بينه وبين عائشة ﵂.\n\n[باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج (١) منه] يريد إثبات أنه ليس عليه شيء بقوله فلم يعتكف عامًا فإنه لما كان قادرًا على أن لا يعتكف لكونه لا يلزم عليه كان على نقضه بعد الشروع وتركه بعد النية أقدر وأما قضاؤه في العام المقبل أو في شوال فلم يكن للزومه عليه بل لحبه الدوام على عمله كقضاء سنة الفجر لنا بعد\n_________\n(١) يعني إذا نقض اعتكافه بالخروج فهل يجب عليه القضاء أم لا واستدل بالحديث على إيجاب القضاء كما حكى عن مالك وقال واحتجوا بالحديث، وأول الحديث عن الشافعية بأنهم حملوه على اختياره ﷺ ذلك استحبابًا وندبًا.","vol":"2","page":76},{"text":"الطلوع وسنة الظهر بعد المكتوبة ويمكن أن يقال في توجيه المطابقة بين الترجمة والحديث أن المذكور ههنا اختصار من الحديث (١) المفصل أنه ﷺ اعتكف فاعتكف بعض نسائه فنقض الاعتكاف وعلى هذا فمعنى قول المؤلف فلم يعتكف عامًا أي لم يعتكف اعتكافًا تامًا حسب ما نواه وقدر ما كان يعتكفه دائمًا.\nقوله [قال الشافعي ﵀ كل عمل] موصوف وجملة لك أن لا تدخل فيه صفته وهو كناية عن النفل فإن الواجب ليس له أن لا يدخل فيه.\nقوله [إلا الحج والعمرة] لورود النص فيهما صريحًا وهو قوله (٢) (بياض) وهذه الكلية بناء على قاعدته في أن النفل لا يلزم بالشروع إتمامها فلا يجب عليه قضاؤها إذ هو متفرع على الوجوب.\nقوله [فأرجله] وفي ترجيل عائشة في الاعتكاف دلالة على جواز مس المرأة إذا لم يكن بشهوة فإن لمس المرأة إياه ولمسه إياها في حك واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>[باب في قيام شهر رمضان]</span>\nهذا القيام كان عامًا ثم اختص بالتراويح فمطلقه يراد به التراويح، قوله [فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل] وهي الليلة الثالثة والعشرون [وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل] وهي الليلة الخامسة والعشرون، ولعل هذا كان تمرينًا لهم منه وتدريبًا وتحقيقًا لحال رغبتهم في القيام وصبرهم عليه ومقدار قدرتهم في ذلك فلما رأى أنهم احتملوا الكلف وسمع منهم ما يدل على رغبتهم في الزيادة على هذا القدر حتى قالوا لو نفلتنا بقية ليلتنا بشرهم بنيلهم ما تمنوه حيث قال من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له كقيام ليلة، والمراد بذلك صلاة العشاء المكتوبة فلا يحرم منه إلا شقي لا يصلي بجماعة ويمكن أن يراد بذلك قيامه هذا فإنهم لما قاموا مع الإمام مادام قائمًا ثم انصرفوا لانصرافه\n_________\n(١) أخرجه البخاري في باب اعتكاف النساء وباب الأخبية في المسجد.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك ولعل الشيخ ﵀ أشار إلى قوله ﵎ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾","vol":"2","page":77},{"text":"وهم يتمنون زيادة على قيامهم لكنهم لم يتيسر لهم ذلك الانصراف الإمام أثيبوا ما عزموا وأجمعوا عليه وأوتوا الأجر مقدار ما ركنوا إليه ثم قام بهم في السابعة والعشرين وكانت ليلة القدر ثم اعلم أن ثواب ليلة القدر الموعود في الروايات والآيات ليس (١) منوطًا على إدراك شيء من علاماتها التي بينوها بل حيث ما اتفق له العبادة في تلك الليلة يعطى هذه المثوبة وإن قام نصف الليل يؤتي على نصفه وهكذا فليس يحرم من إدراك فضلها مؤمن فإنه صلى المغرب والعشاء والسنن والنوافل، ولعله ذكر الله في ساعات أخرى فيؤتى له ذلك المقدار من أجر الليلة بتمامها ثم إن بعض روايات عدد ركعات صلاة النبي ﷺ في تلك الليلة تخبر بكونها عشرين وإن كانت ضعيفة، كما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن جابر (٢) وقد أجمعوا على أن الحديث الضعيف يتقوى بعمل الصحابة وكثرة الطرق.\nهذا آخر أبواب الصوم وأول أبواب الحج.\n_________\n(١) قلت: بل هو مختلف عندهم كما بسط في الأوجز فقيل يحصل الثواب المرتب عليها وإن لم يظهر له شيء كما ذهب إليه الطبري والمهلب وابن العربي وجماعة وقيل: يتوقف على كشفيها له وإليه ذهب الأكثر لما في الروايات من الأمر بالالتماس.\n(٢) هكذا في الأصل والمشهور أن رواية عشرين ركعة من حديث ابن عباس وهو الذي تكلموا فيه لكنه مؤيد بآثار الصحابة كما بسطت في الأوجز، وعمل الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا بعض النواجذ على العمل به.","vol":"2","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>أبواب الحج عن رسول الله ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>[باب ما جاء في حرمة مكة]</span>\nلما كانت شرافة هذه البقعة الشريفة وكرامة تلك الأماكن اللطيفة تستدعي زيارتها من غير افتقار إلى وجوب الحج وفرضيته أشار إلى ذلك أولًا ثم ذكر بعده ما هو بصدده من ذكر الحج وأركانه وشرائط وجوبه وأدائه لتستقر في القلوب بسبب وفور الرغبات إليه.\nقوله [عن أبي شريح العدوى] نسبة إلى عدي قبيلة من (بياض) (١) صحابي (٢) [لعمرو بن سعيد] وكان مقعدًا زمنًا عاملًا ليزيد بن معاوية أرسله على مدينة النبي ﷺ فلما فرغ من تخريبها وقتل أهلها وفعل ما فعل وحصل قتل حسين ﵁ أرسله إلى مكة لقتل عبد الله بن الزبير وكان عبد الله بن الزبير هذا قد أخذ البيعة من أهل مكة ومن حواليها بعد موت معاوية ﵁، فذهب إليه عمرو بن سعيد وهذا الذي أشار إليه (٣) في هذا الحديث بقوله وهو\n_________\n(١) بياض في الأصل قال المجد عدى كغنى قبيلة وهو عدوى وعدى، وقال الحافظ في الفتح قوله [أي البخاري] عن أبي شريح العدوى كذا وقع ههنا وفيه نظر لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بطن من خزاعة ولهذا يقال له الكعبي أيضًا وليس هو من بني عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل في خزاعة بطن يقال لهم بنو عدي، انتهى.\n(٢) صفة لأبي شريح فهو صحابي مشهور، قال العيني: اختلف في اسمه والمشهور خويلد بن عمرو أسلم قبل الفتح وسكن المدينة ومات بها سنة ٦٨ هـ، انتهى.\n(٣) أشار الشيخ بغاية الإجمال إلى شرح قوله وهو يبعث البعوث أي يرسل الجيوش إلى مكة لقتال ابن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم وكان عمرو وإلى يزيد على المدينة، قال الحافظ: والقصة مشهورة وملخصها أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد ابنه فبايعه الناس إلا الحسين ﵁ وابن الزبير فأما ابن أبي بكر ﵁ فمات قبل موت معاوية وأما ابن عمر ﵁ فبايع ليزيد عقب موته أبيه، وأما الحسين ﵁ فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه فكان ذلك سبب قتله وأما ابن الزبير فاعتصم بالمحرم وغلب على أمر مكة فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش.","vol":"2","page":79},{"text":"يبعث البعوث إلى مكة، ثم اعلم أن عمرو بن سعيد هذا أقام على مكة مدة يجادل ويقاتل ويرمي على أهل مكة بالمجانق والنيران حتى احترقت وانهدمت أستار الكعبة حرسها الله وجدرانها ولكنه لم يقدر على قتل ابن الزبير إلى أن وصلت إليه بشارة نعي يزيد فانصرف عنها خائبًا خاسرًا، ثم ولى الخلافة بعده معاوية بن يزيد فجمع الناس وقال لهم اعلموا أن هذه الخلافة قد ارتكب فيها جدي ما لم يكن له أن يرتكب مع ما ناله من شرف الصحبة مع النبي ﷺ وقد رأيتم من يزيد ما فعلها من سوء صنيعته بأهل بيت النبي ﷺ وأصحابه وإني لا آمن على نفسي أن أنال بها مكروهًا في ديني فخلع الخلافة عن نفسه، وقال لو من شئتم فتولى مروان فلم يتيسر له قتل ابن الزبير ﵁ ثم لما وصلت النوبة إلى عبد الملك بن مروان وطلب الحجاج وجعله عاملًا قتل ابن الزبير ﵁ في زمنه.\nقوله [ايذن لي أيها الأمير] يعلم من ههنا أن الأمر بالمعروف مقيد بما لو رجئي الآمر لقبول ولم يخف على نفسه وإنه يجب أن يكون على حسب منزلة المقول له فإن أبا شريح مع كونه صحابيًا لم يقله لعمرو بن سعيد إلا بعد استئذانه منه.\nقوله [سمعته أذناي] دفع بذلك ما يتوهم من أنه لعله سمعه بواسطة أحد من أصحاب النبي ﷺ [ووعاه قلبي] دفع بذلك شبهة النسيان والغلط وعدم فهم","vol":"2","page":80},{"text":"معنى كلامه ﷺ عن نفسه [وأبصرته عيناي] حين تكلم به أي كان بمرأى مني ومسمع فلا يتوهم أني ظننت غير النبي ﷺ إياه ولا أنى لبعدي منه اشتبهت (١) في شيء من كلامه.\nقوله [إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس] الجملة الثانية مؤكدة للأولى والغرض من قوله هذا أن تحريمها (٢) لما كان منه ﷾ كان قطعي العمل يخاف من هتك حرمتها ما يخاف من ارتكاب المنهيات الأخر وأما لو كان التحريم من الناس لم يكن في هتكها بأس فإنهم ناس ونحن أناس.\nقوله [لا يحل لإمرئ يؤمن بالله] أشار بذلك إلى أن هتك حرمة البيت ليس من شأن المؤمن فإنه إذا كان مؤمنًا بالله وبشهوده بين يديه يوم القيامة كيف يتيسر له أن يهتك حرمة بيته وهذا الإقدام منه مشعر بقلة استيقانه وضعف إيمانه.\n_________\n(١) يقال اشتبه في الأمر إذا شك فيه، واشتبه عليه الأمر إذا خفى عليه والتبس.\n(٢) ويشكل عليه ما ورد عند التسخين وغيرهما من قوله ﷺ أن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة، الحديث، ويجاب عنه بأن نسبة الحكم إلى إبراهيم ﵇ على معنى التبليغ وأن إبراهيم حرم بأمر الله تعالى لا باجتهاده أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض إن إبراهيم سيحرمها أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها أو أول من أظهر بعد الطوفان، وقال القرطبي: معناه أن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل قال ولأجل هذا أكد المعنى بقوله ولم يحرمها الناس، والمراد أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك وليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه، وقيل معناه أن حرمتها مستمرة من أول الخلق وليس مما اختصت به شريعة النبي ﷺ كذا في الفتح.","vol":"2","page":81},{"text":"قوله [أن يسفك بها] الأولى أن يكون الدم ههنا عامًا يشمل جميع ما له (١) روح وقيل بل المراد به دم الإنسان وسائر الحيوانات تبع له أو مقيس عليه قوله [ساعة من نهار] والمراد بها (٢) مطلق الوقت لا الساعة العرفية وهي في يوم فتح مكة قوله [بالأمس] المراد بالأمس الزمان المتقدم مطلقًا ولا يبعد أن يراد به الأمس بالنسبة إلى ساعة التحليل.\nقوله [أنا أعلم منك بذلك] إنما قال له أعلم نسبة إلى أبي شريح لأنه لم يستثن منه ما كان يجب استثناؤه، ولعله لم يستثن إما لعدم صدق الاستثناء ههنا لأن ابن الزبير لم يكن عاصيًا ولا فارًا بدم ولا خربة لأنه لم يخالف أمام حق وسيجيء بعض بيانه عند سرد (٣) هذه الرواية أو لأن مذهبه كان مثل مذهبنا في أن من فر إليها بدم أو خربة (٤) أو كان عاصيًا لا يجوز قتله هناك بل يضيق عليه حتى\n_________\n(١) لا يقال يجوز فيها ذبح الحيوانات كالأنعام وقتل الفواسق من الغراب والحديا وغيرهما وإقامة الحدود والقصاص من القتل ونحوه فإن امتثال هذه الأمور مستنثاة بالبداهة والنصوص والمراد غير ما استثنى.\n(٢) وقال الحافظ في الفتح: مقدارها ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر.\n(٣) يحتاج إلى تفتيش ولم أجده ولا يبعد أنه ﵀ أراد الكلام عليه في موضع آخر فلم يتفق له.\n(٤) قال أبو الطيب بفتح الخاء المعجمة وإسكان الراء بعدها موحدة وقد حكى فيها ضم الخاء قال عياض أراه وهما قال ابن العربي وفي بعض الروايات بكسر الخاء وزاي ساكنة بعدها مثناة تحتية أي ولا فارًا بشيء يخزي أن يستحيي منه وعلى الأول هي السرقة وقيل الخيانة وقيل الفساد في الدين، وقال الطيبي: أصلها سرقة الإبل ويطلق على كل خيانة وفي صحيح البخاري أنها البلية، وقال الخليل: هي الفساد في الدين من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض وقيل هي العيب، انتهى.","vol":"2","page":82},{"text":"يخرج فينتقم لعموم قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾، ومذهب عمرو بن سعيد إما أن يكون مثل مذهب (١) الشافعي رحمه الله تعالى وظن ابن الزبير عاصيًا في نفس الأمر أو يكون هذا أيضًا من مفاسد طويته وخبث نيته، ومن ثم قيل لكلام عمرو بن سعيد الذي أجاب بها أبا شريح أنها كلمة حق أريد بها الباطل لأنه لا يصدق على ابن الزبير، ثم اتفقوا على إقامة الحدود والقصاص فيمن ارتكب الجناية ثمة إنما الخلاف بيننا وبين الشافعي ﵀ فيمن جنى ثم دخل مكة وكذلك ما دخل في الحرم من صيد غير الحرم، فإن الشافعي ﵀ يخرج جميع ذلك من الأمن ونحن على خلافه والاستثناء المتفق عليه بما ورد من العمومات في إقامة الحدود والقصاص، وبما ثبت من عمل الصحابة ﵃، وسيجيء بعض بيانه حيث تيسر.\nقوله [تابعوا إلخ] والمراد بقوله تابعوا بين الحج والعمرة الحث على موالاتهما والترغيب في الدوام على إتيانهما لا أن يقتصر على الفريضة فحسب ولا يرغب في النافلة قوله [وليس للحجة المبرورة] وهو (٢) ما ليس فيه رفث ولا فسوق ولا\n_________\n(١) قال العيني حكى القرطبي أن ابن الجوزي حكى الإجماع فيمن جنى في الحرم أنه يقاد منه وفيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه، قال العيني: ومذهب مالك والشافعي يقام عليه ونقل ابن جزم عن جماعة من الصحابة المنع ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، انتهى.\n(٢) إشارة إلى أن قوله فلم يرفث إلخ في الحديث الثاني تفسير لقوله الحجة المبرورة والفسوق مطلق المعاصي والرفث ذكر الجماع بمحضر من النساء كذا أفاده في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم، قلت: هذا هو المشهور في تفسير الرفث وذكر أصحاب الفروع له تفسيران آخران ففي الهداية الرفث الجماع أو الكلام الفاحش أو ذكر الجماع بحضرة النساء، انتهى.","vol":"2","page":83},{"text":"غيرهما من ترك الواجب أو ارتكاب المنهي عنه [ثواب إلا الجنة] ليس المراد بذكرها نفي ما سواها إنما ذكر أعظم أجزيتها ليدخل فيه ما دونها كنفي الفقر والذنوب إلى غير ذلك والصغائر مغتفرة لا محالة، ولا ضير (١) في العموم فإن الاستغفار والندامة لازمة.\nقوله [من ملك زادًا وراحلة تبلغه (٢) إلى بيت الله] زاد هذه الصفة (٣) لئلا يتوهم وجوب الحجة على من ملك زادًا وراحلة دون ذلك وحيث أطلق ولم يوصف فالمراد به هو هذا والمراد بالزاد هو الذي يعتاده في الحضر فلا يجب عليه لو ملك أدون من ذلك، وكذلك المراد بالراحلة هي الراحلة في جميع السفر ذهابًا وإيابًا وترك ذكر المصير اتكالًا على الفهم.\nقوله [فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا] لأنه لما فعل فعلهم فإن لم يعتقد وجوب الحج فهو ظاهر وإن اعتقد ولم يحج فقد تشبه بهم وكان مثلهم في كفران نعمة الإسلام أو صار كواحد منهم لأنهم لا يعتقدون الحج لأنهم إنما يعظمون بيت المقدس لا الكعبة [وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه إلخ] استدل بالكتاب على كلا الأمرين (٤) اللذين بينهما بقول من ملك زادًا إلخ.\n_________\n(١) كما سيأتي البسط في ذلك في كتاب الأمثال في باب مثل الصلوات الخمس.\n(٢) بالتشديد والتخفيف من التفعيل والأفعال.\n(٣) يعني أن قوله تبلغه زيد لإخراج من ملك زادًا وراحلة قليلًا بحيث لا تبلغه إلى المقصود ثم اتفقت الأئمة الثلاثة على أن الاستطاعة في الآية مفسرة بالزاد والراحلة وملكهما شرط لوجوب الحج والحديث حجة لهم وخالف في ذلك المالكية إذ فسروا الاستطاعة بإمكان الوصول إمكانًا عاديًا كما جزم به الدردير وغيره حتى قالوا من كان عادته السفر ماشيًا يلزمه الحج وإن لم يجد راحلة.\n(٤) المذكور في الحديث أمران وجوب الحج باستطاعة وهي ملك الزاد والراحلة والثاني كفر من لم يحج فنبه عليهما بجزأى الآية.","vol":"2","page":84},{"text":"وقوله [فلا عليه أن إلخ] وتمام الآية دال على الثاني وهو قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ إلخ كما أن أول الآية دال على الأمر الأول وهو تعليق الوجوب باستطاعة السبيل زادًا وراحلة قوله [الزاد والراحلة] تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فحسب يفي أن أمن (١) الطريق ووجود المحرم للمرأة شرط لوجوب الأداء لا نفس الوجوب، لأن السكوت (٢) في موضع البيان بيان فتجب الوصية بالحج لو لم يتيسر بهذين وكذلك من وجد الزاد والراحلة ولم يقدر على الركوب أو كان أعمى أو زمنًا وجب عليه الإيصاء بالحج عنه عند أبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ ورجحه في الفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>[باب ما جاء كم فرض الحج]</span>\nفرض ماض مجهول، والمراد كم مرة فرض الحج واحدة أو أكثر قوله [لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾] [قالوا يا رسول الله إلخ] ليس المراد ترتب القول على نزول الآية ترتيب الأجزية على شروطها لأن نزول الآية كان قبل السؤال (٣) بأعوام، بل المراد بعدية السؤال عن نزول الآية\n_________\n(١) ففي الهداية: ولابد من أمن الطريق لأن الاستطاعة لا يثبت دونه ثم قيل: هو شرط الوجوب حتى لا يجب عليه الإيصاء وهو مروي عن أبي حنيفة وقيل هو شرط الأداء دون الوجوب لأن النبي ﷺ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة لا غير، انتهى.\n(٢) يعني أنه ﷺ لما لم يذكر في تفسير الاستطاعة إلا الزاد والراحلة كما يظهر من جوابه ﷺ لمن سأل ما يوجب الحج علم أنهما تفسير الاستطاعة لا غيرهما لأن السكوت في موضع البيان بيان فعلم منه أن وجود المحرم وأمن الطريق وغيرهما ليست من شرائط الوجوب فتجنب الوصية إن لم تتيسر لأحد هذه الأمور التي هي شروط للأداء، وسيأتي شيء من الكلام على الحديث في التفسير.\n(٣) فإن سورة آل عمران التي فيها الآية عدت في أوائل السور التي نزلت في المدينة المنورة.","vol":"2","page":85},{"text":"أينما كانت فالمراد أنهم لما سمعوا في خطبته ﷺ التي خطب بها الناس في حجة الوداع بيان وجوب الحج وكانوا قد قرأوا من قبل قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فترددوا في أن الوجوب هل هو في العمر مرة أو في كل عام فسألوا عن النبي ﷺ عنه فأجابهم بقوله لا ولو أجابهم بقوله نعم لوجب في كل عام ووجه الوجوب بقول ﷺ أنه سبحانه تعالى كان جعل (١) أمر الحج في تعيين مرات وجوبه في يده ووقفه على اختياره فما أوجبه وجب وقد يكون (٢) للعبد مع مولاه وللخادم مع مخدومه وللولد مع والده وللمحكوم مع حاكمه شأن وتقرب ينسب فيه كل ما يصدر من هذا القبيل إليه وللواجب سبحانه شئون فتارة يحكم بقهره فلا يمكن لأحد من الأنبياء المرسلين ولا الملائكة المقربين إلا الخوف والخشية وتارة هو في أردية لطفه ورحمته فلا أحد من الطاغي والعاصي إلا وهو يرجو من نواله فيمكن أن يكون للنبي ﷺ مثل ذلك فقال كنت حينئذ بحيث ما أوجبته وجب وما حرمته حرم فلو قلت نعم لوجب في كل عام والفرق بين الوجهين أن في الوجه الأول وكل إليه ﷺ تعيين مرات وجوب الحج فحسب بخلاف الثاني فإنه عام لكل\n_________\n(١) هذا عند من لم يقل باجتهاده ﷺ، ولأهل الأصول في المسألة أربعة. أقوال نعم ولا والثالث كان له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام والرابع الوقف كذا في ابن رسلان ووجهه شيخ مشايخنا الدهلوي نور الله مرقده في حجة الله بتوجيه لطيف فقال: سره أن الأمر الذي يعد لنزول وحي الله بتوقيت خاص هو إقبال القوم على ذلك وتلقى علومهم وهممهم له بالقبول وكون ذلك القدر هو الذي اشتهر بينهم وتداولوها ثم عزيمة النبي ﷺ وطلبه من الله فإذا اجتمعا لابد أن ينزل الوحي على حسبه، انتهى.\n(٢) هذا هو الوجه الثاني الذي سيأتي الإشارة إليه في بيان الفرق بين الوجهين.","vol":"2","page":86},{"text":"حكم ثم قد نشأ من جميع ذلك أن النبي ﷺ أنكر على السائل سؤاله ولم يرض به ولم يكن لذلك الإنكار وجه في الظاهر فوجه الإنكار بقوله (١) إذ كان الله تعالى انزل عليهم من قبل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ والفاء في قوله ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ليست لتعقيب النزول بالمسألة، لأن آية النهي عن المسألة كان نزولها قبل (٢) السؤال الوارد في الحج بل الفاء للعلية أي إنما أنكر ذلك لأن الله ﵎ كان قد أنزل النهي عن المسألة أو يقال فيه حذف والمعنى فقد كان أنزل الله قبل هذا نهيًا عن السؤال فكان إنكاره ﷺ على سؤاله مطابقًا لأمره ﷾ لا يقال يمكن أن يستنبط من سؤالهم هذا اقتضاء الأمر (٣) التكرار ولو\n_________\n(١) ليس في الحديث لفظ إذ كان الله بل فيه فكان اله وعبره الشيخ بلفظة إذ إشارة إلى أن الفاء تعليلية كما سيصرح بها.\n(٢) فإن صاحب الجمل ذكر نزول هذه السورة في منصرفه ﷺ من الحديبية إلا قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقد نزل في حجة الوداع وإلا قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ فقد نزل في غزوة الفتح ثم لا يذهب عليك أن الأقوال في سب نزول آية النهي عن السؤال مختلفة ذكر الحافظ في الفتح خمسة أقوال والجمع سهل ليس هذا محل تفاصيله سيأتي إجمالها في كتاب التفسير.\n(٣) هذا من مسائل الأصول بسطها أصحاب الفن ففي نور الأنوار وحواشيه أن الأمر لا يقتضي باعتبار الوجوب التكرار، كما ذهب إليه قوم منهم أبو إسحاق الأسفرائي من أصحاب الشافعي ولا يحتمله كما ذهب إليه الشافعي واستدل الأولون بهذا الحديث لأن أقرع بن حابس من أهل اللسان، ففهم التكرار ثم لما علم فيه حرجًا عظيمًا أشكل عليه، والجواب عن الحنفية أن الأقرع عرف سائر العبادات تتعلق بالأسباب كالصلاة بالمواقيت والصوم بالشهر ورأى أن الحج يتعلق بالوقت أي اليوم حتى لا يصح قبله ويفوت بفوته وهو متكرر ويتعلق بالبيت وهو غير متكرر فاشتبه عليه الأمر فسأله وليس سؤاله بفهمه التكرار من الأمر كما قلتم، انتهى بزيادة","vol":"2","page":87},{"text":"لم يقتض لما سألوا عنه ذلك وإنما جاء عدم التكرار من قوله ﵇ لأمن أن الأمر لا يقتضي التكرار قلنا لم يكن لهم ارتياب في أن الأمر لا يقتضي التكرار وكانوا على يقين من أنه يتكرر بتكرر السبب كما هو المسلم، فخالج قلبهم أن السبب هل هو يوم عرفة حتى يتكرر وجوب الحج بتكرره أم هو البقعة لئلا يتكرر لأنها واحدة لا يتكرر فبين النبي ﷺ أن السبب هو الثاني دون الأول والقرينة عليه إضافة الحجة إلى السبب دون الوقت كما يضاف في الصلاة فيقال صلاة الفجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>[باب كم حج النبي ﷺ]</span>\nقوله [حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر] هذا لا يصح لأنه ﷺ حج قبل الهجرة كثير مرة فقيل قال ذلك لعدم علمه ﵁ إلا بذلك، وهذا (١) بعيد لأنه رضي (٢) الله عنه لو لم يسمع بالأول\n_________\n(١) لكنه أجاب بهذا الجواب جمع من السلف والخلف وتبعهم شيخنا في البذل.\n(٢) فقد أخرج البخاري في باب المبعث من صحيحه عن جابر ﵁ يقول شهد بي خالاي العقبة وعن عطاء قال قال جابر أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة، انتهى، قلت: والمراد بيعة العقبة الكبرى فإن ابن هشام وغيره عدوًا عمروا بن حرام في جملة النقباء التي عينهم رسول الله ﷺ في بيعة العقبة الكبرى وهي التي سموها العقبة الثانية وقالوا هي الثالثة حقيقة فإن حضورهم لدى النبي ﷺ كان ثلاث مرات الأول في السنة الحادية عشرة من النبوة، وكان ابتداء إسلام الأنصار فأسلم ستة نفر كلهم من الخزرج وجعلوا موعدهم العام القابل والثاني في السنة الثانية عشرة وتسمى بيعة العقبة الأولى حضر فيها اثنا عشر رجلًا خمسة من الستة المذكورين وسبعة من غيرهم والثالث في السنة الثالثة عشرة حضر الموسم قريب من خمس مائة نفر ولاقى رسول الله ﷺ منهم سبعون، وقيل بأكثر منها إلى ثلاث وسبعين رجلًا وامرأتان وهذه هي العقبة الكبرى والعقبة الثانية وهي في الحقيقة الثالثة، كذا في الخميس.","vol":"2","page":88},{"text":"لما حضر في الثاني وحضوره في الثالث متواتر عليه الأخبار، كيف وقد حضر الحجة الأولى أخوه (١) فهل ترى جابر بن عبد الله لم يعلم بحال أخيه وأصحابه الآخرين حضروا بيعة العقبة الأولى بل الجواب (٢) أن ذكر العدد الخاص لا ينفي ما فوقه.\nقوله [فيها جمل لأبي جهل] هذا لا يصح (٣) فإن جمل أبي جهل نحر في العمرة الحديبية (٤)، ولو سلم ففي عمرة القضاء ولم تصل توبة بقائه إلى حجة\n_________\n(١) يحتاج إلى تحقيق ولم أعرف من أخوه الذي حضر الأولى.\n(٢) وقال الشيخ محب الدين الطبري لعل جابرًا أشار إلى حجتين بعد النبوة وقال ابن حزم حج واعتمر قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة وبعدها حججًا وعمرًا لا يعلمها إلا الله، كذا في الخميس، قلت: لكنهم لا خلاف بينهم في أنه ﷺ لم يحج بعد الهجرة إلا مرة واحدة.\n(٣) كما بسط الكلام على ذلك في الأوجز.\n(٤) فقد أخرج أبو داود عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية في هداه جملًا كان لأبي جهل، الحديث، وكذا ذكر أصحاب السير من الخميس وغيره، ومعنى قوله لو سلم يعني لو سلم أنه لم ينحر في الحديبية، ولعل وجهه ما في كتب السير من الخميس وغيره أن جعل أبي جهل هذان د من بين الهدايا وذهب مكة ودخل داره فتعاقبه جمال رسول الله ﷺ فأراد سفهاء قريش أن لا يردوه فمنعهم سهيل بن عمرو وهو المؤسس لبنيان الصلح فنحره أيضًا، انتهى، فلعل منشأ قوله لو سلم نده وذهابه إلى مكة لكنه نحر أيضًا، فتأمل.","vol":"2","page":89},{"text":"الوداع التي نحر فيها النبي ﷺ مأة من الإبل وهذه المأة (١) التي أتى بها علي، قيل كانت مشتركة بينهما وقيل بل خاصة بالنبي ﷺ كانت يدنات على ﵁ علاوة (٢) عليها وكان اشترى بدنات النبي ﷺ من بيت المال (٣) لأنه كان عاملًا على اليمن فلا جواب (٤) إلا بإرجاع الضمير إلى مطلق الهدايا التي نحرها النبي ﷺ في زمان من الأزمنة وعمرة من العمر لا إلى الهدايا التي نحرها في حجة الوداع فهذه جملة اعتراضية أوردها الراوي في قصة النبي ﷺ استطرادًا وإشارة إلى أن هدايا النبي ﷺ كانت تكون سمينة لا هزالًا وثمينة ولا رخيصة، وأحب الأموال إلى أهلها لا المرغوب عنها، كيف وجمل أبي جهل وهو سيد قريش جمل أبي جهل أو يكون غلطًا من حد الرواة ونسيانًا، وفي شرب النبي ﷺ مرقة اللحم إشارة إلى أن المرقة في حكم اللحم ولذلك قال النبي ﷺ المرقة أحد اللحمين فيحنث (٥) بشرب المرقة من حلف أنه لا يأكل اللحم.\n_________\n(١) نسبة الإتيان بمأة إلى علي ﵁ مجاز فإنه ﵁ أتى ببعضها كما في حديث الباب وغيره.\n(٢) قال المجد العلاوة بالكسر أعلى الرأس، وما وضع بين العدلين ومن كل شيء ما زاد عليه، انتهى.\n(٣) يعني اشتراها بماله ﷺ من بيت المال كما صرح به في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم، قال النووي: ما أهدى به على اشتراه لا إنه من السعاية على الصدقة.\n(٤) وأجاب عنه أبو الطيب بأنه أهدى لأنه يذبح بمكة ولم يدخلوا مكة فلم يذبحوه فأهدى في حجة الوداع، انتهى.\n(٥) هكذا في الأصل وكذا في الإرشاد الرضى، لكن كلام الفقهاء يشير إلى تقييده بالنية ففي الدر المختار لا حنث في حلفه لا يأكل لحمًا بأكل مرقه أو سمك إلا إذا تواهمًا للعرف، قال ابن عابدين قوله بأكل مرقه قيده في الفتح بحثًا بما إذا لم يجد طعم اللحم أخذًا مما في الخانية لا يأكل مما يجثى به فلان فجاء بحمص فأكل من مرقه وفيه طعم الحمص يحنث، انتهى، وفي العالمكيرية عن الخلاصة لو حلف لا يأكل من هذا اللحم شيئًا فأكل من مرقه لا يخنث إن لم يكن له نية المرقة، انتهى، قلت: وهكذا قيده بالنية غيرهما إلا أن كلام ابن الهمام المذكور يشير إلى إطلاقه ونص كلامه حلف لا يأكل مما يجيئ به فلان فجاء بحمص فطبخ فأكل من مرقه وفيه طعم الحمص حنث، ذكرها في فتاوى قاضي خان، وعلى هذا يجب في مسألة الحلف لا يأكل لحمًا فأكل من مرقه أنه لا يخنث أن يقيد بما إذا لم يجد طعم اللحم، انتهى.","vol":"2","page":90},{"text":"قوله [عمرة في ذي القعدة] هذه عمرة القضاء قدمها مع تأخرها لكونها العمرة في الحقيقة دون عمرة الحديبية لأنها لم تتم أو لأن (١) الواو لمطلق الجمع فالمقصود تعديدها لا ترتيبها، ومعنى قوله اعتمر أربع عمر أخذ في العمر وشرع فيها وأحرم لأجلها وإلا فالظاهر من لفظ اعتمر هو إتمامها مع أنه لم يتم أربعًا بل ثلاثًا منها وهي كلها في ذي القعدة إلا عمرتها التي مع حجته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>[باب ما جاء في أي موضع أحرم النبي ﷺ]</span>\nلا خلاف في أن ميقات المدنيين ذو الحليفة ففي أي موضع أحرم منه صح، إنما الخلاف (٢) في موضع إحرام النبي ﷺ حتى يثبت أولوية الإحرام فيه وسنيته فاختلفت الروايات فيه عن النبي ﷺ وسبب الاختلاف مع وجه ترجيح ما ذهبنا إليه مذكور في الحاشية (٣)\n_________\n(١) هو الوجه وإلا فلا وجه لتقديم ذكر العمرة مع الحجة وهي في سنة عشر على عمرة الجعرانة التي هي في سنة ثمان.\n(٢) قال الحافظ في الفتح: قد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل، انتهى.\n(٣) إذ قال والصحابة اختلفوا في موضع إحرامه ﷺ، وسبب الاختلاف ما رواه أبو داود عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب فقال: إني لأعلم الناس بذلك أنها إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجًا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظته ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون إرسالًا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله ﷺ فلما علا على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل حين علا على شرف البيداء وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته وأهل حين علا على شرف البيداء قال سعيد: فمن أخذ بقول ابن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه.","vol":"2","page":91},{"text":"فليطالع ثمة، ورواية ابن عباس هو الذي (١) رواه أنس بن مالك خادم النبي ﷺ وملازم مجلسه فذهبنا إليه.\nقوله [أذن في الناس] إنما فعل ذلك ليجتمع الناس فيروا أفعاله ﷺ ويحضروا مشاهده ويتعلموا مناسكه ويقتدوا به ويسألوه عن مسائل الحج وليؤدوا فريضة الله التي عليهم، واجتمع الناس يومئذ إرسالًا وأفواجًا فقيل كانوا مأئة ألف (٢) إنسان ما بين رجال ونساء فكيف بمواشيهم وركابهم وهداياهم من أنواع البقر والغنم والإبل.\nقوله [إلا من عند المسجد] من عند الشجرة وهذا من الذين سمعوا تلبيته ﷺ حين استقلت به راحلته فخلف على ظنه وقد علمت من الحاشية وجهه [أهل\n_________\n(١) الضمير إلى الرواية بتأويل المروي.\n(٢) وفي حاشية أبي داود عن اللمعات يروى مائة وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية مائة وأربعة وعشرون ألفًا.","vol":"2","page":92},{"text":"هجر الصلاة] هذه الصلاة نافلة (١) ولا بأس لو اكتفى على الفريضة لكنه ليس بالأولى وكانت صلاته ﷺ نافلة قبيل الضحوة الكبرى وكان قد صلى الفجر ثم جلس منتظرًا فلما طلعت الشمس اغتسل وأحرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>[باب ما جاء في إفراد الحج]</span>\nاختلفوا في أن أي الأقسام الثلاثة من الحج (٢) أولى، قال مالك ﵀: الأفضل التمتع لأن له ذكرًا في القرآن وقال\n_________\n(١) اختلفوا في ذلك، قال ابن القيم لم ينقل أنه ﷺ صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقال ابن حجر في شرح المنهاج: يصلي ركعتين ينوي بهما سنة الإحرام للأتباع متفق عليه يقرأ سرًا ليلًا ونهارًا، انتهى، وقال القاري في شرح النقاية: صلى شفعًا أي الركعتين عند إحرامه لرواية أبي داود عن ابن عباس فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب.\n(٢) أي مع الاتفاق على جواز الكل، وهذا التفصيل الذي أشار إليه الشيخ مأخوذ من الهداية، واختلفت نقلة المذاهب في بيان الأفضل من الإنساك الثلاثة عند الأئمة الأربعة ولعل سبب الاختلاف اختلاف الروايات عنهم فقد قال النووي اختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل فقال الشافعي ومالك وكثيرون أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القرآن، وقال أحمد وآخرون أفضلها التمتع، وقال أبو حنيفة وآخرون أفضلها القرآن، وهذان المذهبان قولان آخران للشافعي، انتهى، فعلم أن الشافعي ﵀ فيه ثلاثة أقوال، وما حكى النووي من الترتيب بين الثلاثة هو كذلك، في فروع الشافعية: لكنهم اشترطوا الأفضلية، الإفراد أن يعتمر في هذه السنة كما صرح بذلك شارح الإقناع وشارح المنهاج وإن لم يعتمر في هذه السنة فهما أفضل من الإفراد، أما مختار فروع المالكية ففي الأنوار الساطعة: أفضلها الإفراد ثم القرآن وهكذا في الشرح الكبير للدردير ولفظه ندب إفراد على قران وتمتع بأن يحرم بالحج مفردًا ثم إذا فرغ منه أحرم بالعمرة ثم يلي الإفراد في الفضل قران، انتهى، قال الدسوقي ظاهره أن الإفراد لا يكون أفضل إلا أذا أحرم بالعمرة بعد فراغه من الحج وهو قول ضعيف والمعتمد أن الإفراد أفضل ولو لم يعتمر بعد، انتهى، وأما في فروع الحنابلة فالأفضل التمتع ثم الإفراد ثم القرآن، كذا في نيل المآرب والروض المربع وغيرهما، وأما عند الحنفية فالأفضل القران ثم التمتع ثم الإفراد.","vol":"2","page":93},{"text":"الشافعي ﵀: الأفضل الإفراد لأن فيه زيادة السفر والحلق والإكثار من التلبية، وقلنا الأفضل هو القرآن لأن حجته (١) ﵊ كان قرآنا وله ذكر في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإن معناه على رواية ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وتفسيرهما أن يحرم بهما (٢) من دويرة أهله ولقائل أن يقول لا يفهم من هذه الآية إشارة إلى القرآن إنما المذكور ههنا لفظ الواو وهو لمطلق الجمع فلا يفهم منه المقارنة حتى يصح قولهم إن للقرآن ذكرًا في القرآن فالذي يثبت من الآية أن أتموا الحج إذا حججتم والعمرة إذا اعتمرتم\n_________\n(١) قال ابن القيم: وإنما قلنا أنه ﷺ أحرم قارنًا لبضعة وعشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك ثم بسط طرقها وألفاظها، وأجاب عن الروايات التي ورد فيها خلاف ذلك.\n(٢) قال صاحب الهداية مجيبًا لمن قال التمتع أفضل لأن له ذكرًا في القرآن فقال وللقرآن ذكر في القرآن لأن المراد من قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أن يحرم بهما من دويرة أهله على ما روينا من قبل وقال قبل ذلك وإتمامها أن يحرم بهما من دويرة أهله كذا قاله علي وابن مسعود، قال الحافظ في الدراية أما حديث على فأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن سلمة قال سأل على فذكره موقوفًا، وأخرجه البيهقي وقال روى عن أبي هريرة مرفوعًا وأما حديث ابن مسعود فلم أجده، انتهى.","vol":"2","page":94},{"text":"بأن تحرموا من دويرة أهلكم لكل واحد منهما، وأما أن هذين يكونان معًا فلا، فلا يفهم من القرآن أفضلية القرآن، والجواب أن مذهب على معلوم أنه كان يرجح القرآن كما ثبت من روايات الصحاح (١) فوجب حمل كلامه في تفسير الآية عليه فكان للقرآن ذكر في القرآن حسب تفسيره وفهمه كما أن للتمتع ذكرًا على ما فهمه مالك لا حقيقة لأن المراد في الآية ليس هو التمتع الاصطلاحي الذي اختاره مالك ﵀ بل أعم منه ومن القرآن وهو الترفق بأداء النسكين في سفر سواء كان بدون تخلل التحلل بينهما أو به، ثم إنه وقع بين الرواة من الاختلاف في كون حجته ﵇ إفرادًا أو قرآنًا أو كونه نوى العمرة ثم أدخل فيها الحجج إنما سبب ذلك ما خالف النبي ﷺ في ألفاظ تلبيته فقال تارة لبيك بحجة فسمعها قوم وقال تارة لبيك بحجة وعمرة فسمعها قوم وقال مرة لبيك بعمرة وسمعها قوم، فقال كل منهم بكون حجته على حسب ما سمعها في تلبيته ﷺ وإنما اخترنا رواية (٢) أنس على رواية من هو أوثق رواية لكونه أقدم وأكثر للنبي ﷺ صحبته مع أن رواية النبي ﷺ قال لبيك بحجة، ومن قال أنه قال لبيك بعمرة لا يضرنا فإنا لانقر أن للقانون أن يذكرهما معًا وإنما له أن ينوي الحجة قبل الفراغ عن أكثر\n_________\n(١) فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن سعيد بن المسيب قال اختلف علي وعثمان وهما يعسفان في المتعة فقال له على ما تريد أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ فقال له عثمان دعنا عنك فلما رأى ذلك على أهل بهما جميعًا، قال صاحب التنقيح: ليس هذا الحديث لمن قال بالتمتع وإنما هو لمن قال بالقرآن فإن عليًا ﵁ أهل بالحج والعمرة جميعًا قاله الزيلعي.\n(٢) أخرجها الشيخان وغيرهما قال سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة يقول لبيك عمرة وحجة، قال ابن الجوزي في التحقيق مجيبًا عنه أن أنسًا ﵁ كان حينئذٍ صبيًا فلعله لم يفهم الحال وغلطه صابح التنقيع فقال بل كان بالغًا بالإجماع بل كان له نحو من عشرين سنة قاله الزيلعي.","vol":"2","page":95},{"text":"أفعال العمرة فيحتمل أنه نوى العمرة أولًا (١) فقال لبيك بعمرة ثم وقع في قلبه أن يحج أيضًا فقال لبيك لأنه كان ناويًا للعمرة من قبل لم يحتج لا إلى ذكر الحج فحسب.\nقوله [وهما يذكران التمتع] بالعمرة (٢) بانضمامه إلى الحج بإفساد الحج وتصييرها عمرة، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله لأنه تعالى يقول في كتابه ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا الفسخ ينافي الإتمام فقال سعد بئس ما قلت يا ابن أخي ليس غرض سعد بهذا الإنكار عليه في الذي (٣) انكره من المسألة وإنما هما متفقان على أن فسخ الحج وجعله عمرة لا يجوز لأنه قد نسخ وإنما أنكر سعد على الضحاك مبادرته إلى سوء الأدب في الذين صنعوا ذلك فكأنه قال بئس ما قلت من نسبة الجهل إلى الذين فعلوا ذلك، كيف وقد فعله الأجلة من الصحابة ﵁ وقد فعل بمحضر من النبي ﷺ وبعد تأكيد منه في ذلك وعلى هذا فقول سعد صنعها رسول الله ﷺ يكون مجازًا لكونه سبب فعلهم وآمرًا لهم وراضيًا لهم فعله وكارهًا توقفهم فيه ومنكرًا عليهم بتطأهم في ذلك، وقصة هذه الحجة بينها مسلم والبخاري رحمهما الله بحيث يتضح منه جميع ذلك فليطالع (٤)\n_________\n(١) وإليه مال الطحاوي إذ قال فقد يجوز أن يكون ذلك الحج المفرد بعد عمرة قد كانت تقدمت منه مفردة فيكون قد أحرم بعمرة مفردة على ما في حديث القاسم ومحمد بن عبد الرحمن عن عروة (الذي أخرجه الطحاوي) ثم أحرم بعد ذلك بحجة حتى تتفق هذه الآثار، انتهى، كذا في البذل.\n(٢) أي هما يذكران متعة الفسخ التي نسخت.\n(٣) يعني ليس غرض سعد بهذا النكير إنكار المسألة فإنهما متفقان في أصل المسألة يعني في منع فسخ الحج إلى العمرة وإنما النكير على إطلاق لفظ جهل في حق من فعل.\n(٤) فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وفيه قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهللين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا يا رسول الله أي الحل قال حل كله وفي رواية أخرى فكبر ذلك عندهم وفي أخرى فقالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج فقالوا افعلوا ما أمرتكم فلولا أتى سقت الهدى لفعلت مثل الذي أمرتكم، الحديث.","vol":"2","page":96},{"text":"ثمة، وفيه أنه ﷺ قال: لو أني استقبلت من أمري ما استديرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة، فعلم بذلك أن إسناد صنعها مجاز وإسناد صنعناها حقيقة وقول الضحاك فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك اعتذار منه في نسبة الجهل إلى من فعل ذلك وبيان للمنشأ الذي قاده إلى ذلك القول فإن نهى عمر ﵁ لا يمكن أن يكون على خلاف مراد الشارع كيف وقد تأيد نهيه بكلامه تعالى فرد عليه سعد بأنا إذا صنعنا والنبي ﷺ بين أظهرنا، وقد أمرنا به فكيف يتمشى علينا نهي عمر ﵁ حتى يجوز لك نسبة الجهل إلى هؤلاء، وحاصل المناظرة على هذا التقرير الذي قدمنا أنهما اتفقا على أن متعة الفسخ منسوخة إلا أن الضحاك نسب مرتكبها إلى الجهل فأنكر عليه سعد هذه النسبة لا غير، وأنه وإن لم يكن مرادًا له غير أن التلفظ باللفظ الموهم ليس بمستحسن أيضًا، إذ يلزم على هذا نسبة الجهل إلى جناب الصحابة ﵃ بل يلزم سوء الأدب في حضرة الرسالة، فعلم أن في المسائل الخلافية لا يجوز رد أقوال المخالفين إذا كانوا مستدلين بالآيات أو الروايات بحيث يلزم تنقيص في شأنهم أو تحقير ولا يجوز أن يتلفظ بما ليسوا من أهله بل يرد قولهم بألفاظ غير بذيئة، ويمكن توجيه المناظرة بأن سعدًا (١) كان يرى نسخ متعة الفسخ كما أن الضحاك كان\n_________\n(١) ليس لهذا الكلام غرض في المناظرة بل ذكره توطية وتمهيدًا، وحاصل المناظرة على هذا التقرير أنهما كانا متفقين في نسخ متعة الفسخ ولم يكونا يذكران ذلك بل كانت مذاكرتهما في المتعة المشروعة التي هي عام للتمتع والقرآن الاصطلاحين التي هي مقابلة الإفراد.","vol":"2","page":97},{"text":"يرى ذلك وقول محمد بن عبد الله وهما يذكران التمتع يريد بالتمتع معنى عامًا يشمل القرآن والتمتع الاصطلاحيين وهو الإتيان بهما في سفر سواء كان بتخلل التحلل بينهما أو بغير تخلله، فقال الضحا بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله لأنه ليس أولى نسبة إلى الإفراد، وقد قال تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وإتمامهما أن يأتي بهما في سفرين على ما فسره بعضهم وكان عمر ﵁ ينهى عن ذلك نهى تنزيه لا تحريم لكون الإفراد أفضل عنده من القرآن والتمتع، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي وقول سعد هذا إما لأنه كان يرى فضلًا للتمتع على الإفراد مستدلًا بفعله ﷺ أو لأن ترك ما هو أولى ليس مما يجوز نسبة الجهل إلى مرتكبه كما فعله الضحاك بن قيس، كيف وقد فعله النبي ﷺ وعلى هذا إسناد صنع وصنعنا كلاهما حقيقتان، لأن أكثر أصحابه ﷺ (إنما المراد ههنا الكثرة في نفسه لا نظرًا إلى الجانب الآخر) كان معهم هدى فلم يكونوا حلوا، منهم أبو بكر ﵁ وعمر ﵁ وعثمان ﵁ وعلي ﵁.\nقوله [وهو يسأل ابن عمر ﵁ عن التمتع بالعمرة إلى الحج] هذه ليست بمتعة فسخ إنما هي التمتع العام للقرآن والمتعة الاصطلاحيين ولعله أراد أن ينظر ماذا يجيب ابن عمر في مقابلة أبيه وقد كان ابن عمر رأى وعلم ما علهي بناء نهى عمر وأنه نهى تنزيه إلا أنه أراد أن لا يناظر بجاهل من أهل الشام، فاستخلص منه نفسه بأسهل تقرير فلله دره.\nقوله [وأول من نهى عنه معاوية] لعل معاوية (١) شدد في أمر النهي عنه وإلا فالنهي عنه كان من زمن عمر، قوله [وقال بعضهم لا يصوم أيام\n_________\n(١) وقال أبو الطيب ويمكن الجمع بينهما بأن نهي معاوية كان نهي تحريم ونهي عمر وعثمان نهي تنزيه.","vol":"2","page":98},{"text":"التشريق] لعموم النهي الوارد عن صوم هذه الأيام ولأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بما فيه نقصان ويتعين الهدى عليه حينئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>[باب ما جاء في التلبية]</span>\nلا يختص الأخذ في الحج بالتلبية بل يكفي فيه أي ذكر كان ومن أي لغة كان بل لا يحتاج إلى (١) ذكر وإن كان لابد من إتيانه في أداء السنة وإذا ساق البدن فقلده فقد أحرم إذا كان ناويًا وإن لم يذكر بلسانه التلبية وغيرها.\nقوله [وهو حفظ التلبية] دفع بذلك ما يتوهم أن ابن عمر لعله لم يبلغه تلبية النبي ﷺ فلذلك زاد فيه من عند نفسه بأنه لم تبلغه (٢) تلبية أو لم يتذكرها فعلم أن الزيادة فيها جائزة بعد إتمامها لا في خلالها ففيه سوء أدب لما يتوهم أنه إصلاح لتلبية النبي ﷺ ولا كذلك إذا كان الزيادة في آخرها.\nقوله [حتى ينقطع الأرض من ههنا وههنا] ليس المراد بذلك أن التلبية تنقطع بانقطاع الأرض بل المراد أن بعد الأرض تنجر إلى الماء ثم إلى ما يليه، وهكذا وإنما ذكرت الأرض تمثيلًا وكذلك ذكر الحجر والمدر والشجر مجرد تمثيل وإلا فالمقصود كل ما على وجه الأرض من النباتات والجمادات، وعلى ما ذكرنا لا ينافي انقطاع الأرض كونها على الاستدارة لأن إحاطة الماء إياها مسلمة، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد بانقطاع الأرض إحاطة الذكر جملة الأرض من طرفيها فإن الذكر يبتدئ من طرف حتى يصل إلى الذكر الذي كان يسري من الجهة الأخرى فلما التقيا انقطعا وهو المعنى بانقطاع الأرض والله أعلم.\n_________\n(١) ليس المراد أن الإحرام يصح بمجرد النية بل المعنى أنه يصح بدون ذكر كسوق الهدى والتقليد مع النية، وبسط في الأوجز اختلاف الأئمة في أن التلبية شرط أو ركن أو واجب أو سنة.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر أن فيه سقوطًا من الناسخ كما لا يخفى والمراد ظاهر.","vol":"2","page":99},{"text":"قوله [حديث أبي بكر] الحديث الأول من هذا الباب، قوله [ابن أبي فديك وأبو نعيم] مصغران وكذلك حميد في عبيدة بن حميد وعبيدة مكبر.\nقوله [أخطأ فيه ضرام] وخطاؤه فيه أنه ذكر هذا الحديث عن سعيد وليست هذه الرواية نصًا في أنه من سعيد، نعم لمحمد بن المنكدر رواية أخرى عن سعيد بن عبد الرحمن فقاس ضرار هذه عليها [قال أي الترمذي وسمعت محمدًا يقول] أي محمد والحال [إني] كنت [ذكرت له] أي لمحمد [حديث ضرار] الذي فيه روايته عن سعيد بن عبد الرحمن فقاس ضرار هذه عليها [قال أي الترمذي وسمعت محمدًا يقول] أي محمد والحال [إني] كنت [ذكرت له] أي لمحمد [حديث ضرار] الذي فيه روايته عن سعيد وهو حديث أبي بكر [فقال هو خطأ] والخطأ هو الذي بينا من ذكر سعيد [فقلت] لمحمد [قد روى غير] ضرار أيضًا هذا الحديث فذكر فيه سعيدًا فقال محمد خطأ ثم قال الترمذي [ورأيته] أي محمدًا يضعف ضرار (١) بن صرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>[باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام]</span>\nالمذهب فيه أن غسل الإحرام (٢) مسنون ولا ضير في التطيب (٣) عند ذاك بطيب ذي جرم وغير ذي جرم جسمه وأعضائه ورأسه وبطيب غير ذي جرم ثيابه ثم يتقي الطيب بكلا قسميه بعد ذلك. [باب ما لا يجوز للمحرم لبسه] قوله [في الحرم] أي حين هو محرم قوله [ولا تلبسوا شيئًا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس] هذا يعم الرجل والمرأة ههنا لكونهما طيبًا، وفي حكمهما المعصفر عند الإمام (٤) إلا أن يكون المزعفر\n_________\n(١) بكسر أوله مخففًا ابن صرد بضم المهملة وفتح الراء التيمي أبو نعيم الطحان قاله أبو الطيب.\n(٢) عند الأئمة الأربعة وهو آكد الاغتسالات الثلاثة التي في الحج عند مالك وهل يكفي التيمم محله مختلف عند الأئمة كما في الأوجز.\n(٣) وفيه خلاف بين الأئمة بسط في الأوجز.\n(٤) خلافًا للشافعي وأحمد فإنه يجوز لبسه للمحرم عندهما، وقال مالك: يحرم المعصفر المقدم أي قوى الصبغ وأما غير المقدم منه فيكره لمقتدى لئلا يشتبه على العوام والبسط في الأوجز.","vol":"2","page":100},{"text":"والمورس والمصفر غسيلًا (١) لا ينفض بحيث لم يبق فيه شيء من جرم الطيب ثم إن السائل وإن كان سؤاله عن ما يلبسه المحرم إلا أنه أجيب بما يحرم عليه دلالة على أن الأصل في الأشياء لما كان هو الإباحة ليس لك أن تسأل عن المباح بل تفحص عن الحرام ليبقى ما سواه على إباحة ولأن تفصيل الثياب الجائزة كان متعذرًا فأجيب بما سهل تناوله وحفظه ولأن ارتكاب المنهيات لما كان أضر من فعل الخيرات أجيب بتفصيل المحرمات إشارة إلى أن سلب المضار أولى من جلب المنافع ومن ههنا يمكن استنباط تلك القاعدة وعليها يتفرع قولهم أن المتردد بين الاستحباب والكراهة ترجع كراهة وقوله ﷺ.\n[لا تلبس السراويلات] يشمل جميع أنواعها من الصغار والكبار الرائجة في البلاد وكذلك [البرانس] تدخل فيها الجبات وسائر أنواعها المختلقة ويخرج عليها حكم الألبسة الجديدة التي وضعت على غرض اللبس بعد أن كانت مخيطة ولا يذهب عليك أن الغرض من المخيط ليس هو مطلقة بل ما كان تخييطه لغرض المسكة على الجسم فلو كان الرداء غير عريضة فجعلها نصفين وخاط الشقين ليزيد عرضه لا يكون هذا داخلًا في المخيط، وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانت أرديتهم وازرهم مرقعات ليس للأكثر منهم في أول الأمر ثياب تكفي من غير أن ترقع، وكذلك ثياب زهاد الصحابة منهم كانت إلى آخر الأمر كذلك وكذلك لا بأس بالارتداء بالمخيط إذا كان على غير الهيئة التي هي موضوعة في لبسه كمن اضطبع بقميص أوجبه.\nقوله [وليقطعهما أسفل من الكعبين] الكعب ههنا هو العظم (٢) الناتي\n_________\n(١) وبه قالت الجمهور منهم الشافعية والحنابلة خلافًا للمالكية كما بسط في الأوجز.\n(٢) أي عندنا معشر الحنفية بخلاف الجمهور فإن المراد بالكعبين عندهم ههنا أيضًا ما هو المراد في الوضوء قال ابن عابدين عند معقد الشراك وهو المفصل الذي في وسط القدم كذا روى هشام عن محمد بخلافه في الوضوء ولم يعين في الحديث أحدهما لكن لما كان الكعب يطلق عليهما حمل على الأول احتياطًا لأن الأحوط فيما كان أكثر كشفًا، انتهى، وقال المجد الكعب كل مفصل للعظام والعظم الناشز فوق القدم والناشز أن من جانبيها، انتهى.","vol":"2","page":101},{"text":"عند معقد الشراك أخذًا بالأحوط والرواية الثانية التي أطلق فيها الإجازة ولم يقيد بالقطع محمولة (١) على هذه تقديمًا للنهي والتحريم على الإجزة والإباحة ولما فيه من احتمال أن الراوي لم يذكر ههنا القطع اتكالًا على ما بين في غير هذا الموضع والمذهب أنه لو فعل شيئًا من هذه المحظورات (٢) لضرورة يجوز له ذلك وعليه الكفارة [فأمره أن ينزعها] لكونه مخيطًا ولما فيه من الطيب وفيه الكفارة وإن لم يذكرها الراوي.\nقوله [وهذا أصح] أي الرواية التي ذكر فيها صفوان أصح من التي لم يذكر فيها قوله [وهكذا] إشارة إلى الرواية السابقة وهي التي لم يذكر فيها صفوان وهي رواية قتيبة بن سعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>[باب ما جاء ما يقتل المحرم من الدواب]</span>\nوليس بمحصور في المذكور إذ لا يعتبر (٣) مفهوم العدد عندنا فيقاس عليها ما في معناها، وقد ذكر في بعض\n_________\n(١) عند الأئمة الثلاثة مع الخلاف بينهم في موضع القطع كما تقدم وعن الإمام أحمد في المشهور عنه لا يلزمه قطعهما بل يجوز لبسهما بلا قطع محتجًا بالروايات المطلقة التي لا ذكر للقطع فيها والبسط في الأوجز.\n(٢) يعني لبس الخفين مثلًا بلا قطع أما لو لبسهما بعد القطع فلا فدية فيه عندنا وعند المالكية يجب الفدية أن لبسهما مع وجود النعلين سواء قطعهما أولًا وكذلك أن لبسهما بدون القطع ولو عند قد النعلين وفي المسألة قولان للشافعية كما بسط في الأوجز.\n(٣) هذا هو المذهب عند الحنفية وما قال صاحب الهداية في قتل ما يؤكل لحمه من الصيد كالسباع ونحوها أن القياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد أورد عليه ابن الهمام وقال فيه نظر من وجوه ثم بسطها فارجع إليه.","vol":"2","page":102},{"text":"الروايات بعضها قوله [السبع العادي] هذا من الذي أشرنا إليه في الرواية الأولى والسبع أيما كان إذا عدى عليك أو على دابتك جاز لك قتله ولا (١) كفارة وأما الخمس المذكورة فلا شيء في قتلهن مطلقًا تضرر منهن أولًا، قوله [ولا بأس أن يحتجم المحرم ولا ينزع شعرًا] فإن حلق (٢) الشعر كفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>[باب في كراهة تزويج المحرم]</span>\nقوله [أن ينكح ابنه] مضارع من الأفعال وقوله أبان بن عثمان وهو ابن عفان الخليفة الثالث، قوله [فأحب أن يشهدك] ماض ومضارع من الأفعال قوله [أن المحرم لا ينكح] على زنة ضرب أي نفسه [ولا ينكح] من الأفعال أي غيره بنوع ولاية قوله [والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ﷺ] إلخ\n_________\n(١) قال صاحب الهداية إذا صال السبع العادي على المحرم فقتله لا شيء عليه، وقال زفر: يجب اعتبارًا بالجمل الصائل ولنا ما روى عن عمر ﵁ أنه قتل سبعًا وأهدى كبشًا وقال أنا ابتدأناه ولأن المحرم ممنوع عن التعرض لا عن دفع الأذى ولهذا كان مأذونًا في دفع المتوهم من الأذى كما في الفواسق الخمس فلان يكون مأذونًا في دفع المتحقق أولى ومع وجود الإذن من الشارع لا يجب الجزاء حقًا له بخلاف الجمل الصائل لأنه لا إذن له من صاحب الحق وهو العبد، انتهى.\n(٢) قال العيني: دل الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقًا وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق أخذًا بظاهر الحديث، وقال قوم لا يحتجم المحرم إلا لضرورة وبه قال مالك، لأن بعض الرواة قال احتجم النبي ﷺ لضرر كان به ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعر رأسه حتى يرمي جمرة العقبة إلا من ضرورة وإنه إن حلق من ضرورة فعليه الفدية كذا في البذل.","vol":"2","page":103},{"text":"يعني كانوا لا ينكحون ولا ينكحون وأما إن النكاح على تقدير وقوعه باطل (١) فلا يثبت منهم فليس النهي إلا تنزيهًا وهو الذي ذهبنا إليه والذي ذهب إليه الأئمة المذكورون ههنا من الشافعي ﵀ ومالك وأحمد وإسحاق أن النكاح باطل فيرده صريح فعله ﷺ وما روى من أنه ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال فهذا غلط أو مجاز بإرادة الوطى بالتزوج لأن المؤرخين والمحدثين كلهم (٢) متفقون على أنه نكحها بسرف ذاهبًا إلى مكة أفتراه ورد مكة ولم يحرم بعد فكيف يتصور ما قالوا من أنه تزوج وهو حلال بعد اتفاقهم على أنه نكحها بسرف وهو قاصد مكة وهو من لطائف هذا المقام أن ميمونة زوج النبي ﷺ تزوجها النبي ﷺ بسرف ثم بنى بها بسرف راجعًا عن مكة ثم ماتت بسرف في سفر آخر ﵂.\nقوله [ويزيد بن الأصم هو ابن أخت ميمونة] فيه إشارة خفية إلى تأييد مذهبه يعني رواية هؤلاء ينبغي أن يعول عليها لكونها رواية من هو أقرب إليها، وكان ابن عباس أيضًا ابن أخت (٣) ميمونة فوجب ترجيح روايته لأنه شارك يزيد في كونه ابن أخت ميمونة وزاد عليه في النفقة (٤) وأيضًا أفنقبل روايتهم\n_________\n(١) إلا أن مالكًا ﵁ أخرج في موطأه أن طريقًا تزوج امرأة وهو محرم فرد عمر ﵁ نكاحه.\n(٢) أي أكثرهم وإلا ففيه خلاف لبعضهم كما بسط في تلخيص البذل وكتب التواريخ متظافرة على أن النبي ﷺ أراد بمكة البناء بها ودعا أهل مكة إلى الوليمة فلم يقبلوها.\n(٣) فقد قال الحافظ في الإصابة ميمونة بنعت الحارث بن حزن أخت أم الفضل لباية ثم ذكر حديث يزيد بن الأصم قال تزوجها رسول الله ﷺ وهو حلال ثم قال وقد خالفه أين خالتها الأخرى عبد الله بن عباس فجزم بأنه تزوجها وهو محرم، انتهى.\n(٤) ومع ذلك فحديثه مخرج عند الستة بخلاف حديث أبي رافع فإنه لم يخرجه البخاري ولا النسائي بل وما أخرجا حديثًا يؤيد التزوج حلالًا وحديث ابن عباس مؤيدة بروايات عديدة منها حديثًا أبي هريرة وعائشة ﵃ ومؤيد بالقياس لأنه عقد من العقود وغير ذلك من وجوه الترجيح له بسطت في تلخيص البذل.","vol":"2","page":104},{"text":"وإن كانت لا تكاد أن تمكن.\nقوله [تزوجها في طريق مكة] وأنت تعلم ما في المدينة وميقات المدنيين من القرب فهلا نكح على زعم هؤلاء في المدينة وهو وطنه بل نكح بعد الخروج منها بقليل بل الحق أنه نكحها بسرف وأراد أن يطعم قريشًا وليمتها لكنهم لم يمكنوا النبي ﷺ وأصحابه من الإقامة فوق ثلاث قوله [بسرف] هذا متعلق بكل من الثلاثة فلما كان نكاحها بسرف حلالا إلا حين عوده من مكة فلم يبق على قول هؤلاء إلا أن ينكحها بسرف في عوده من مكة ثم يقوم بالمدينة ما شاء الله أن يقيم من غير أن يمسها ثم لما سافر ثانيًا إلى مكة وعاد منها فحل بسرف بنى بها حلالًا وهل هذا إلا تقول بما لم يقل به أحد وذهاب إلى ما ليس له من العقل والنقل مدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>[باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم]</span>\nاعلم أن في هذه المسألة اختلافًا (١) بيننا وبين الشافعي ﵀ فإن اصطاد المحرم أو ذبح صيدًا حرم بالاتفاق وإن اصطاده الحلال بأمر المحرم حرم بالاتفاق وإن اصطاده الحلال لأجل المحرم وبنيته لا بأمره حرم عنده لا عندنا وهذا الذي أورده المؤلف ههنا، فأورد في الباب ما يثبت به مذهبه أولًا والذي اخترناه ثانيًا فقال صيد البر لكم الحلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم، فإن اللام يكون للغرض والسبب والمعنى أنه حلال ما لم يكن صيد لغرضكم ونيتكم وأما إذا كان كذلك فلا قلنا استعمال اللام كما أنه لأجل معنى الغرض والنية كذلك قد تستعمل\n_________\n(١) في المسألة ثلاثة مذاهب: الأول المنع مطلقًا حكاه العيني عن بعض السلف والثاني المنع أن صاده أو صيد لأجله وبه قالت الأئمة الثلاثة، والثالث إن كان باصطياده أو بإذنه أو دلالته جرم وبه قالت الحنفية.","vol":"2","page":105},{"text":"ويراد بها معنى الأمر وهو لام التوكيل كما في قوله بعت له ثوبًا واشتريت له لحمًا إذا وكلت لهما فالمعنى ههنا محتمل للحمل على كليهما فلما تفحصنا الروايات الأخر علم أن المراد باللام ههنا هو المعنى الثاني دون الأول لئلا تتعارض الآثار ويحصل العمل بكل من الأخبار.\nقوله [وأقيس] هذا غير مسلم إلا إذا حمل اللام على التوكيل لأن الروايات لا تتخالف حينئذ قوله [تخلف مع بعض أصحاب له محرمين وهو غير محرم] ووجه عدم إحرامه أنه لم يكن أتى (١) بقصد مكة بل وجهه رسول الله ﷺ لحاجة داخل الميقات فلم يكن عليه أن يحرم لأنه ضار حكمه حينئذ حكم من هو داخل الميقات ويمكن أن يكون وجه عدم إحرامه أن ميقات المدنيين ميقاتان (٢) وبينهما تفاوت ويجوز لمن مر على الأولى منهما أن يحرم من الأخرى فهذا أبو قتادة افتراه اصطاد الحمار لنفسه خاصة مع كبر جثته ما هو وكون أبي قتادة على سفر فليس اصطياده إياه إلا بنية أصحابه المحرمين إذا لم يكن معه أحد وهو غير محرم ثم لما أخذه فأكله بعض وامتنع عنه بعض لعدم علم المسألة فكان فعل كل منهما ظنًا وتخمينًا حتى أتوا رسول الله ﷺ فهلا سأل أبا قتادة هل صدته لهم أو لنفسك كما سأل عنهم هل أشرتم أو دللتم أو أعنتم فعلم أن الإشارة والدلالة والإعانة محرمة ومحرمة\n_________\n(١) قال أبو بكر الأثرم: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث فيقولون كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم ولا يدرون ما وجهه حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها، وكان النبي ﷺ بعثه في وجه الحديث، قال فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة هكذا في البذل.\n(٢) ذو الحليفة والجحفة فإن الأول ميقات أهل المدينة حقيقة وبينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة والثاني ميقات أهل الشام لكنه في طريق المدينة إلى مكة بينها وبين المدينة ست مراحل كما في البذل.","vol":"2","page":106},{"text":"دون نية المحرم وإلا لم يتركه النبي ﷺ أن يسأل عنها.\nقوله [فأهدى له حمارًا وحشيًا فرده عليه] لا بما فهم الشافعية من كونه صيد لأجل النبي ﷺ بل ما أنه كان حيًا كما صرح به في هذه الروايات ووجه ذلك أنه لم يكن له علم لورود النبي ﷺ ههنا من قبل وإنما صاد لنفسه ثم لما علم بقدومه الشريف أحضره وقد ورد في بعضها أنه كان يقطر منه الدم ولا يكون سيلان الدم في اللحم والعضو وإنما يسيل الدم من الحي، وأما ما ورد في بعضها أنه أهدى إليه لحمًا أو رجلًا فمجاز متعارف بينهم يقولون عندي شاة لحم أو شاة لبن كما يقولون عنده رأس بقر أو رأس فيل والمراد نفسه مع ما في رواية اللحم من ضعف.\n[فلما رأى ما في وجهه من الكراهية قال ليس بنا رد عليك وأنا حرم] يعني لم يكن لنا افتقار إلى رده لشيء آخر وإنما رددناه لأنا حرم أو معناه ليس يليق بنا أن نرده إليك وإنما اضطررنا إلى الرد لأنا محرومون أو لم يكن للنبي ﷺ على تأويل هؤلاء أن يسأله هل صدت لي حتى يرده أن قال نعم ويقبله لو قال لا فلما لم يسأل ورده مع ما رأى في وجهه من الكراهية وكان لا يحب أن يكسر قلب أحد علم أنه لا دخل للنية في ذلك بل الرد إنما كان لحياته ولو قال له أذبح ثم أرسله إلينا كان ذبحًا بأمره وصار حرامًا عليهم أجمعين.\nقوله [لما ظن أنه صيد لأجله] ظن هذا الظن سوء بشأن خلقه وقد وصفه تعالى فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أفلم يكن لهذا الظن مدفع وهو بمحضر من العصب بن جثامة فأي شيء منعه من التحقيق واكتفى بالظن مع ماله ﷺ من تأكيدات على أمته في ما يوجب سرور المسلم حتى أمره بإفطار الصوم لأجله والصعب بن جثامة بفتح الجيم والثاء المثلثة المشددة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>[باب ما جاء في صيد البحر للمحرم]</span>\nليس المراد إثبات جوازه بالحديث كيف وهو ثابت بقوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ","vol":"2","page":107},{"text":"عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بل المقصود ههنا إدخال الجراد في صيد البحر بحيث يتضح به ثبوت حل صيد البحر أيضًا تبعًا واستطرادًا لا مقصودًا بالذات لعدم الاحتياج إليه.\nقوله [في حج أو عمرة] هذا يصدق على سفرهم راجعًا عن مكة وعلى سفرهم إليها قبل الإحرام وبعده فإن الخارج عن بيته في حج أو عمرة يعد في حج أو عمرة ما لم يدخل في بيته فتخصيصه بحالة (١) الإحرام كما فعله المستدلون (٢) على كون الجراد لا كفارة عليه لا يظهر وجهه.\nقوله [فجعلنا نضر به بأسياطنا (٣) وعصينا] مستدلين بالحل الأصلي أو لما كنا قد اعتدنا أكله فقال النبي ﷺ: كلوه فأحله بصريح لفظه فإنه من صيد البحر، وليس على حقيقته إذ لا ريب في أنه ليس منه فلابد من المجاز وهو أنه تشبيه قلنا وجهه الحلة من غير ذبح أو لا يكفينا قول عمر فيه تمرة خير من جرادة\n_________\n(١) لكن في رواية أبي داود عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال أصبنا صرمًا من جراد فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم الحديث، إلا أن أبا داود حكم على الحديث بالوهم.\n(٢) وهم بعض السلف وإلا فلا خلاف بين الأئمة الأربعة في إيجاب الجزاء في ذلك قال العبدري: هو قول أهل العلم كافة إلا أبا سعيد الخدري فإنه قال لا جزاء فيه، وحكى عن غيره أيضًا وقال العيني في شرح الهداية الصحيح أنه من صيد البر فيجب الجزاء بقتله وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في قوله الصحيح المشهور كذا في البذل، قلت: وصرح ذود فروع الحنابلة أيضًا بالجزاء.\n(٣) قال العراق: كذا وقع في سماعنا وهو غير معروف في اللغة وإنما يجمع السوط على أسواط وسياط بغير ألف كما ذكره الجوهري كذا في قوت المغتذى.","vol":"2","page":108},{"text":"وهو نص في وجوب الكفارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>[باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم]</span>\nلما كان أكثر الحيوانات التي هي جوارح كالأسد والفهد والذئب لا بأس بقتلها للمحرم إذا صال ولا كفارة وأما إذا قتلها ابتداء فعليه جزاء سأل سائل عن الضبع أصيد هي قال رسول الله ﷺ نعم وفيه كبش ففهم جابر بصيدته حلته (١) وهو غير صحيح، وقوله أقال رسول الله ﷺ قال نعم أراد به كونه صيدًا لا كونه مأكولًا لما روى جابر حديث الضبع صيد وفيه كبش ولم يرو في حديث أنه مأكول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>[باب ما جاء في الاغتسال لدخول مكة]</span>\nهذا لا خلاف في استحبابه (٢)\n_________\n(١) وحاصله أن في الحديث مسألتين إحداهما كونه صيدًا وإيجاب الكبش فيه فهي مجمع عليها عند الأئمة الأربعة لا خلاف بينهم في إيجاب الجزاء إلا أن الحنفية قالوا إن الكبش مقدر بالقيمة كما في الهداية، والمسألة الثانية أكل الضبع قال أبو الطيب في الحديث دليل لمن يقول بإباحتها وإليه ذهب الشافعي وأحمد وكرهه جماعة منهم مالك وأصحاب أبي حنيفة قاله الطيبي وقال علمائنا لا يحل الضبع لما في مسلم نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب وفي رواية له والنسائي عن أبي هريرة بلفظ كل ذي ناب من السبع فأكله حرام ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته وبه قال سعيد بن المسيب والثوري وجماعة ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن خزيمة بن جزي قال سألت رسول الله ﷺ عن أكل الضبع فقال ويأكل الضبع أحد قال الترمذي إسناده ليس بالقوى، انتهى، إلا أنه يؤيده ما تقدم من رواية مسلم، انتهى، قال الشيخ في البذل: الضبع سبع ذو ناب.\n(٢) قال الحافظ: الغسل للدخول مستحب عند الجميع ولا فدية لتركه عند أحد، انتهى، قلت: لكنهم اختلفوا في أن هذا الغسل لدخول مكة كما قال به الجمهور منهم الحنفية وهو الظاهر من تبويب المصنف أو للطواف كما قال به المالكية ففي الشرح الكبير للدردير ندب الغسل لدخول غير حائض ونفساء مكة بطوى لأن الغسل في الحقيقة للطواف انتهى، كذا في الأوجز وظهر من كلام الدردير ثمرة الخلاف أيضًا لأنه لا يندب عندهم للحائض والنفساء.","vol":"2","page":109},{"text":"قوله [دخل من أعلاها] لكونه أقرب إلى منى وعرفات ومزدلفة وكان (١) دخوله مكة بعد ما خيم في أعلى مكة وهو المعنى (٢) بالمحصب والبطحاء والأبطح وغير ذلك من الألفاظ الواردة في منزله ﷺ يومئذ.\nقوله [دخل مكة نهارًا (٣)] ليروه ويتعلموا أحكام الحج مشاهدة، قوله [أفكنا نفعله] وقد أخذ (٤) بذلك أصحاب المتون، ولكن روى ابن الهمام رواية في الرفع وصححه (٥) ورجحه قوله [من الحجر إلى الحجر] أي الأطراف\n_________\n(١) قال ابن القيم: فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى فأحرموا ومكة خلف ظهورهم، انتهى مختصرًا.\n(٢) قلت: النزول بالمحصب كما هو المعروف كان في الرجوع من منى وما أفاده الشيخ ﵀ مبني على ما قيل أن إذا طوى ومحصبًا واحد كما سيصرح بذلك في باب نزول الأبطح.\n(٣) قال النووي: فيه ثلاثة مذاهب للعلماء والجمهور على استحباب الدخول نهارًا قلت: وبه قالت الحنفية كما في اللباب.\n(٤) قال الطيبي وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي خلافًا لأحمد والثوري وهو غير صحيح عن أبي حنيفة والشافعي فإنهم صرحوا أنه ليس إذا رأى البيت كذا في البذل، وبسط في الكلام على اختلاف الأقاويل في ذلك والجمع بينهما فارجع إليه.\n(٥) لم أرد في فتح القدير التصحيح والترجيح نعم ذكر رواية في الرفع فقد قال صاحب الهداية وإذا عاين البيت كبر وهلل قال ابن الهمام أي ثلاثًا ويدعو بما بداله وعن عطاء أنه ﷺ كان يقول إذا لقى البيت أعوذ برب البيت من الكفر والفقر، ومن ضيق الصدر وعذاب القبر ويرفع يديه، انتهى.","vol":"2","page":110},{"text":"الأربعة منها، وقال بعضهم بل يكتفي بأرمل في ثلاث جوانب وهي التي بمرأى من جبل قعيقعان، وقال بعضهم ليس على أهل مكة رمل وعندنا كل طواف بعده سعى يرمل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304><span data-type=\"title\" id=toc-305>[باب في استلام الركن اليمائي والحجر دون ما سواهما]</span></span>\nلأنه لم يثبت استلام سواهما عنه ﷺ ولعله سببه (١) أن الجانبين الباقيين ليسا جانبين حقيقة لحطم الحطيم ثم الأولى في استلام الحجر أن يضع عليه يديه وليستلمه بفيه وإن لم يمكن (٢) وضع يديه واستلمهما وإن لم يمكن وضع يدًا واحدًا واستلمها وإن لم يمكن مس الحجر بشيء كالعصا وغيرها واستلمه، وإن لم يكن استقبله (٣) وكبر ولا يؤذ مسلمًا ولما كان المقصود هو البيت استحب البداية به.\nقوله [طاف بالبيت مضطعبًا] وعليه يرد ولعله فعل ذلك ليرى أعضادهم (٤) المشركين فيرد بذلك قولهم سيرد عليكم أقوام أضناهم حمى يثرب والاضطباع أن\n_________\n(١) فإن الركنين اليمانيين على قواعد إبراهيم ﵇ دون الشاميين كما أجمع عليه أهل السير وكانت مسألة الاستلام خلافية في الصحابة والتابعين ثم استقر الإجماع على ما حكاه الترمذي من أكثر أهل العلم كما بسط في الأوجز.\n(٢) يعني إن لم يكن استلامه فيكتفي على استلام اليدين بعد وضعهما وإن لم يمكن اليدين معًا يكتفي على استلام اليد الواحدة بعد وضعهما وكذلك.\n(٣) لكون السعي واجبًا عندنا وسيأتي اختلاف الأئمة في ذلك التفسير.\n(٤) جمع عضد وضمير الجمع باعتبار من معه ﷺ من المسلمين ﵃ أجمعين.","vol":"2","page":111},{"text":"تلقى رداءك على جانبك الأيسر من تحت إبطك اليمنى فبقى العضد الأيمن مكشوفًا.\nقوله [لم أقبلك] فعلم أن تقبيله أمر تعبدي، وأراد عمر بذلك القول دفع ما يتوهم في بادئ الرأي من التشبه بعبدة الأصنام، وحاصله أنا إنما نفعل هذا التعظيم لك لأداء السنة وإلا فأنا على يقين من أن حجر لا تقدر على شيء.\nقوله [نبدأ بما بدأ الله] يعني أن الواو لما لم تكن إلا لمطلق الجمع لم يدل قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ إلا على الجمع بينهما غير أن التقديم الذكري لا يخلو عن شرف فندب تقديمه فعلًا أيضًا. [أجزأه وعليه دم] وهو الذي (١) اخترناه، قوله [فقال لئن سعيت فلقد رأيت رسول الله ﷺ ليسعى] أي في المسعى وكذلك.\nقوله [ولئن مشيت فلقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي] أي في الممشى، وليس المراد أنه رآه ساعيًا أو ماشيًا في كل المسافة بل المراد (٢) أن ما أمشى فهو مطابق للسنة بقدر ما أمشى في الممشى ولئن سعيت لكان مطابقًا للسنة ولكني شيخ كبير فترك السعي مني إنما هو للعذر وهو جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>[باب في الطواف راكبًا] </span>قوله [طاف النبي ﷺ راكبًا] وهو عندنا جائز للعذر كما أمر به النبي ﷺ بعض أزواجه والعذر له ما يتأثم به الناس للازدحام وأن يرى أفعاله لهم وأن يجيب أسألتهم ولا يمكن كل ذلك بغير الركوب وقد فهمه الصحابة ﵃ حتى لم يطوفوا بعده راكبًا إلا بعذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>[باب في فضل الطواف قوله خمسين مرة]</span>\n(٣) وهي يحصل بسبعة أطوفة\n_________\n(١) أي مشيرًا إليه بباطن كفيه كأنه واضعهما عليه ثم يقبل كفيه وفي استلام الحجر الأسود خمس مسائل خلافية مبسوطة في الأوجز.\n(٢) يعني لو أمشى في الممشى وأسعى في المسعى لكان أداءً للسنة لكني تركت السعي للعذر.\n(٣) قال أبو الطيب ظاهره أن المراد بالمرة الشوط ويستبعده كون خمسين شوطًا سبعة أسبوع وشوط ولم يرد في الأحاديث إلا سبعة أشواط لكل أسبوع فزيادة شوط لا يظهر له وجه، فالمراد بخمسين مرة خمسون أسبوعًا ففيه إطلاق المرة على سبعة أشواط مجازًا وهو جائز في كلامهم، وقال السيوطي حكى المحب الطبري عن بعضهم أن المراد بالمرة الشوط ورده، وقال المراد خمسون أسبوعًا، وقد ورد كذلك في رواية الطبراني في الأوسط، قال وليس المراد أن يأتي بها متوالية في آن واحد إنما المراد أن توجد في صحيفة حسناته ولو في عمره كله، انتهى، ومما يجب التنبيه عليه ما قال السرخسي يكره أن يجمع بين أسبوعين من الطواف قبل أن يصلي في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس بذلك إذا انصرف على وتر ثلاثة أسابيع أو خمسة أسابيع ثم ذكر الدلائل فارجع إليه.","vol":"2","page":112},{"text":"أو ثمانية لأن بالسبعة يتم تسع وأربعون شوطًا، وليس بينها وبين خمسين كثير تفاوت فيرجى نيل الوعد، وإن أتمها ثانية كانت خمسين مع زيادة وحينئذ فله الوعد وزيادة، قوله [وقد روى عنه أيضًا] على زنة المجهول.\n\n[باب (١) الصلاة بعد العصر إلخ] قوله [يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاه من ليل أو نهار] استدال بظاهره\n_________\n(١) قال أبو الطيب وجد في كثير من النسخ بعد المغرب ولم يوجد في بعض، قال بعضهم والثواب بعد الصبح لأنه محل الكلام للاختلاف فيه وهو الموافق لآخر الكلام لكن قد يوجه نسخة بعد المغرب بأن قوله بعد العصر كناية عن الأوقات المكروهات وقوله بعد المغرب كناية عن غيرها فصار المعنى في الأوقات المكروهات وغيرها، والتنبيه بذكر فرد على جنس في بيان الأحكام شائع لا يخفى على من ينظر في كتب الأحكام فصارت الترجمة مناسبة لعموم أية ساعة في الحديث، انتهى.","vol":"2","page":113},{"text":"الشافعية على جواز النفل (١) بمكة في الأوقات المكروهة وليس بتام فإن هذا خطاب لبني عبد مناف فإن دورهم كانت محيطة بالبيت وكانوا يغلقون الباب فلا يصل الرجل إلى البيت فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وفي قوله وصلى آية ساعة شاء ليس إلا أن لا يمنعوه حين شاء وظاهر أنه لا يشاء الصلاة في الأوقات المكروهة وإن طاف فيها وقد ثبت مثل مذهبنا عن عمر ﵁.\nقوله [قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص] إلخ فيه تغليب ومناسبة السورتين بالطواف ظاهر لما فيهما من ذكر التوحيد كما في الطواف اختصاص به تعالى قوله [وهذا أصح] أي من المرفوع، وقوله [وعبد العزيز] إلخ دفع بذلك ما يتوهم من أن زيادة الثقة معتبرة بأنه ليس بثقة قوله [سألت عليًا بأي شيء\n_________\n(١) اعلم أن في الحديث ثلاثة مسائل إحداهما جواز الطواف بعد العصرين وهو مجمع عليه قال الباجي: لا نعلم فيه خلافًا، انتهى، والثانية جواز ركعتي الطواف إذ ذاك وذكره الترمذي في بيان المذاهب، وفي التعليق الممجد وغيره مذهب الحنفية ومالك والثوري ومجاهد والحسن البصري وغيرهم الكراهة وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم إلى الإباحة والثالثة جواز النفل بمكة خاصة في الأوقات المكروهة ذهب إلى ذلك الشافعي ﵀ والجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى الكراهة ذكرها الشيخ في البذل وإذا عرفت ذلك فالاستدلال بالحديث على المسألة الثانية أو الثالثة ممنوع فقد قال أبو الطيب: المراد بأي ساعة ساعة تجوز الصلاة فيها بلا كراهة وهي مختلف فيها فلا يرد أن في دلالة الحديث على المطلوب يحث كيف والظاهر أن الطواف والصلاة حين يصلي الإمام الجمعة بل حين يخطب الخطيب يوم الجمعة بل حين يصلي الإمام إحدى الصلوات الخمس غير مأذون فيهما للرجال انتهى، قلت: وما أفاده الشيخ من المنع بالاستدلال وجه آخر ويرد على الاستدلال وجوه أخر غير هذين الوجهين فالتقريب ليس بتام.","vol":"2","page":114},{"text":"بعثت] كان النبي ﷺ بعث أبا بكر ﵁ إلى مكة وقد جعله أمير الحاج ثم وقع في قلبه أن العرب لا تعتد بالرسالة في مثل هذا إلا إذا كان الرسول من بني أعمام المرسل أو بني أبيه فبعث لذلك عليًا لكونه ابن عمه وأمره بهذه الأربع فقط فلم يكن أبو بكر (١) عزل عن الإمارة، قوله [لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة] وكان في زعمهم أن طواف البيت مانع دخول النار وإن لم نؤمن.\nقوله [ولا يطول بالبيت عريان] وكانوا قد زعموا أن الطواف في الثياب التي يرتكب فيها المآثم قبيح وإن ما وقع من الآراب حذاء البيت وتشرف بالبيت لا يأكله النار في القيامة فأراءة الأعضاء المخصوصة أول، قوله [ولا يجتمع المسلمون والمشركون] هذا وإن كان في اللفظ نهيًا عن الاجتماع إلا أنه في المعنى نهي عن أن يدخلوا مكة إذ لا يمكن بعد ذلك أن لا يأتي المؤمنون في عام الحج فكيف يمكن إتيان المشركين وعدم الاجتماع مع المؤمنين، والمنع عندنا عن الدخول على جهة الشوكة والغلبة أو في مواسم الحج لا مطلقًا.\n[ومن كان بينه وبين النبي ﷺ] إلخ قد كان النبي عاهد أكثر القبائل على عشر سنين أن لا يحاربوه ولا يعينوا عليه أحدًا، فغدر الأكثرون من هؤلاء ومنهم (٢) أهل مكة، وكان بعض (٣) من عاهد باقيًا على عهده فهذه ثلاثة أصناف من لم يأخذ (٤) منهم عهدًا أصلًا ومن (٥) عاهد فغدر، ومن عاهد فوفى\n_________\n(١) وسيأتي في تفسير البراءة.\n(٢) في صلح الحديبية كما هو مشهور في الحديث والسير.\n(٣) كما ذكرهم الله ﷿ في الاستثناء فقال: ﴿ِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال صاحب الجمل وهم بنو ضميرة حي من كنانة أمر الله تعالى رسوله ﷺ بإتمام عهدهم إلى مدتهم، انتهى.\n(٤) كما أشار إليهم أهل التفسير قال أبو السعود في قوله تعالى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ أي كافة لآن الآذا غير مختص بقوم دون آخرين كالبراءة الخاصة بالناكثين بل هو شامل لعامة الكفرة وللمؤمنين أيضًا.\n(٥) جعل صاحب الجلالين هذا النوع أيضًا ثلاثة أصناف إذ قال ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين عهدًا مطلقًا أو دون أربعة أشهر أو فوقها ونقض العهد ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.","vol":"2","page":115},{"text":"فقوله من كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته هؤلاء هم الصنف الثالث ومن لا مدة له بأن لم يؤخذ بهم عهد أو كان لهم عهد إلا أنهم غدروا فهؤلاء هم الصنف الأول والثاني فعهده إلى أربعة أشهر هذه هي (١) الأشهر الحرم عند الأكثرين، وقال بعضهم بل هي أربعة من وقت العهد فعلى هذا يلزم تخصيص في قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ والمدة المعهودة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وأما من قال إنها هي الأشهر الحرم فحسب فلا تخصيص عنده والباقي عنده من انسلاخها وقت النداء هو المحرم فقط، قوله [وهذا أصح] أي من أثيل وأثيع وقد يبدل الياء ألفًا فمن قال أثيع لم يرد إلا يثيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>[باب في دخول الكعبة]</span>\nقوله [أن أكون أتعبت أمتي من بعدي] تعب الدنيا والآخرة وقد وقع مثل ذلك فأنا نرى أهل زماننا لا يتركون هذا المستحب وإن كان فيه ارتكاب حرام أو ترك واجب وذلك (أي تعب الدنيا والآخرة) لأن الدخول في البيت قد يكون لعامة الحجاج وتأذي بعضهم ببعض للازدحام ظاهر\n_________\n(١) قال الرازي في تفسيره اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة فعن الأزهري أن براءة نزلت في شوال نهى من شوال إلى المحرم، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر واختلف في تسميتها الأشهر الحرم على أقوال ذكرها الرازي، وقيل ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في هذا الوقت للنسيء، انتهى ملخصًا.","vol":"2","page":116},{"text":"فكثيرًا ما تنكسر الأرجل والأيدي ولا أقل من خدوش، فيختل بذلك حضور الجماعة أو لخاص منهم وذلك لا يتيسر إلا بعد أن يبذلوا شيئًا أو يعطوا رشوة للبواب وصاحب الإقليد وهو حرام أخذه وإعطاؤه وإنما قال أخاف لأن هذه الأمور لم تكن في وقته وإنما كانت على شرف الوجود ومن ههنا يعلم أن الأولى ترك المستحب إذا خاف بفعله فتنة للعوام ولو بعد حين.\nقوله [أن النبي ﷺ في جوف الكعبة] قد دخل معه ﷺ في البيت أسامة وبلال ثم غلق عليه الباب ولم يكن فيه ضياء فرآه أسامة قائمًا يكبر ويدعو ثم اشتغل أسامة يدعو لنفسه وجعل النبي ﷺ يدور في أطراف البيت ومعه بلال فصلى النبي ﷺ فيه وقد رآه بلال ولم يره أسامة لاشتغاله بالدعاء وعدم الوضوء وبعده عنه ثم لما سمع بذلك عبد الله بن عمر أتى إليه فرآهم يخرجون عنه فسأل بلالًا عن صلاته في البيت فقال إنه صلى فيه وعين المقام الذي صلى الله فيه النبي ﷺ وكان ابن عباس سأل عن أسامة فقا ل إنه لم يصل، وقد علمت الأمر كيف كان فلم يكن في دوره فيه معه أسامة وكان بلال وأنت تعلم أن المثبت أولى من النافي.\nقوله [وكره أن يصلي المكتوبة في الكعبة] لعدم (١) ثبوته عنه ﷺ، قوله [حدثني بما كانت تفضي إليك] كان ابن الزبير سمع ذلك عن عائشة نفسها لكنه سأله لفوائد لا يخفى منها توثيق عمله ودفع الشبهة عن نفسه حتى لا يظن به أحد أنه وهم وليعلم أن أحدًا منهم متفق معه في الرواية أو هو منفرد فيها، ويعلم من الحديث أن بعض الضروريات تترك خوفًا على العوام وكان الخوف أن يقول بعضهم في رسول الله ﷺ فيهلك، ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة بإزاء الفرجة التي بين البيت وجدار الحطيم لا تجوز عندنا لثبوت فرض الاستقبال بالنص القطعي وكونه قبلة بالظني ولكن يخدشه أن الخبر الواحد إذا كان تفسيرًا للقطعي يؤتى له\n_________\n(١) أو لأنه يلزم فيه استدبار جزء منها وتسومح ذلك القدر في النوافل والحنفية موافقة للشافعية وأحمد مع مالك.","vol":"2","page":117},{"text":"حكم القطعي (١) أيضًا فليفحص.\nقوله [فسودته خطايا بني آدم] بالملابسة (٢) وانعكاس آثار البعض على بعض ولما كان هذا التأثر بهذه المنزلة في الحجر فكيف به إذا كان المتأثر قابلًا فعليك بالجليس الصالح وإياك والجليس السوء. قوله [الركن والمقام ياقوتتان إلخ] المراد بالركن ههنا الحجر الأسود لا غير فعلم أن ذكر الركن في ترجمة الباب مجرد إثبات فضيلة ذلك الجانب لكون الحجر فيه ويمكن أن يقال إن ذكر الركن في الترجمة إشارة إلى أن ما ورد في بعض الروايات من فضيلة الركن إنما المراد بذلك الحجر لا غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>[باب الخروج إلى منى]</span>\nقوله [صلى بمنى الظهر والفجر] اكتفى بذكر الطرفين عن ذكر الأوساط والفجر فجر اليوم الثاني ولذلك أخره عن الظهر، قوله [ألا نبني لك بناء يظلك بمنى] المراد بناء الجدران لا بناء الخيمة ونهى عن ذلك لئلا يبنوا بمتابعته فيتضيق بذلك الحجاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>[باب تقصير الصلاة بمنى]</span>\nقوله [آمن ما كان الناس وأكثره] فعلم أن قيد إن خفتم في قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليس موقوفًا عليه القصر بل الإجازة\n_________\n(١) وما يخطر في البال أن كون محل البناء كعبة ثبت بالتواتر فهو تفسير الآية القطعية فالزيادة عليه بخبر الواحد زيادة على المتواتر المفسر لا تفسير له فتأمل.\n(٢) أورد عليه بعض الملاحدة بأنه كيف سودته خطايا بني آدم ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد، وأجيب بأنه لو شاء الله لكان ذلك وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ على العكس من البياض، وقال المحب الطبري في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلب فتأثيرها في القلب أشد إلى آخر ما قال الحافظ في الفتح.","vol":"2","page":118},{"text":"عامة [وقال بعضهم لا بأس لأهل مكة أن يقصروا] لثبوته عنه (١) ﷺ.\n\n[باب الوقوف (٢) بعرفات] قوله [مكانًا يباعده عمرو] هذه مقولة سفيان بن عيينة يقول لما حدثنا بذلك عمرو بن دينار نسب هذا المكان الذي كانوا وقوفًا فيه إلى بعد من موقف الإمام وأشار إلى ذلك البعد والمراد كنا وقوفًا بعيدًا منه ﷺ فأردنا النزول بقرب منه فسمع بذلك النبي ﷺ فخاف بذلك ضيقًا على الناس وعلى هؤلاء فنهاهم وقال كل الموقف إرث إبراهيم وسنته فأنتم لستم على مقام مفضول نسبة إلى مقامي في نفس اعتبار المقام، وإلا ففضل قرب الإمام ثابت لا ينكر وليس يعني بالإرث حقيقة معناه لأن إبراهيم لم يملكه حتى يورثه بل المراد موافقة طريقته فإن إبراهيم سن الوقوف حيث تيسر ثم قوله مكانًا يمكن أن يكون من كلام يزيد (٣) بن شيبان والمعنى كنا وقوفًا من الموقف في مكان ويباعده\n_________\n(١) ومبنى الخلاف أن القصر بمنى من أحكام السفر عند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة ومن أحكام النسك عند مالك ومن معه فثبوت القصر عنه ﷺ عند الجمهور كان لأجل السفر كما لا يخفى ولو كان من النسك ما أتم عثمان ﵁ وحديث حارثة حجة للمالكية لا سيما لزيادة عند أبي داود في سننه قال أبو داود حارثة من خزاعة ودارهم بمكة، انتهى، وأجاب عنه الشيخ في البذل بثلاثة أوجه فارجع إليه.\n(٢) هو ركن إجماعًا إلا أنهم اختلفوا في وقته فعند أحمد من الفجر إلى الفجر، وعند مالك ليلة النحر فلو لم يقف فيها ولو ساعة بطل حجه وأما الوقوف نهارًا فواجب ينجبر بالدم وعند الجمهور منهم أبو حنيفة والشافعي وغيرهما من زوال عرفة إلى فجر النهر كما بسط في الأوجز.\n(٣) ويؤيد هذا الاحتمال رواية النسائي والبيهقي وغيرهما، كما ذكره الشيخ في البذل وكذلك بسط اختلاف الروايات في قوله يباعد فقد روى بالياء والتاء والنون ولكل وجه بسط في البذل فارجع إليه.","vol":"2","page":119},{"text":"من كلام سفيان أو ابن دينار ويمكن أن يكون قوله مكانًا من زيادة ابن دينار أو سفيان والمعنى أنهم كانوا وقوفًا بالموقف، ثم قال سفيان أو ابن دينار أن يزيد بن شيبان أراد بقوله بالموقف مكانًا أشار أستاذنا إلى كونه بعيدًا من الإمام فافهم.\nقوله [كانت قريش] ومن كانت على دينها وهم قبائل تتصل بقريش (١) بوسائط قليلة كأولاد نضر وكنانة، قوله ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وهذا يستلزم أن يكونوا قد نزلوا حيث نزلوه فلذا لم يذكر النزول واكتفى بالإفاضة.\nقوله [على هيئته] يمكن أن يكون حالًا عنه ﷺ أو يكون قوله على هيئته بيانًا للإشارة ولا يخفى ما فيه من البعد إذ المناسب على هيئتكم، وإنما يصح على تقدير وليمش أو ليكون أحدكم على هيئته وبيان الأول إنه لم يكن يحوله (٢) كله لذلك ولا أنه كان يصوت بحيث ينافي السكينة والوقار.\nقوله [والناس يضربون يمينًا وشمالًا] أي ركابهم ودوابهم، قوله [يلتفت إليهم] هذا لا ينافي (٣) ما سبق فإن الالتفات يتحصل بمجرد لي العنق، قوله [فقرع ناقته فخبت] وهذا ليمر عن وادي المحسر سريعًا لكونه وادي الغضب والانتقام عن الأعداء قد أهلكت فيها أصحاب الفيل فعلم أن التلبث في أمكنة الكفرة والفجرة والظلمة أكثر من الحاجة والضرورة ينبغي الاحتراز عنه وكذلك أمر\n_________\n(١) وفي البذل هم قرش ومن ولدته قريش وكنانة وجديلة قيس ومن تابعهم ويسمون الحمس لشدتهم.\n(٢) أي لا يحول للإشارة بدنه وجسمه كله.\n(٣) ورواية أبي داود بلفظ لا يلتفت إليهم بزيادة لفظ لا ورجح الشيخ في البذل حديث الترمذي بعدة روايات، وجمع بينهما على تسليم صحة الروايتين بأنهما محمولتان على اختلاف الأوقات.","vol":"2","page":120},{"text":"قوله [قد أدركته فريضة الله في الحج] هذا الشيخ إما أن يكون نزل أمر الحج وهو يقدر عليه ويستطيعه ثم ضعف ولم يحج في العام الأول لعوارض وعوائق أو رجاءًا لشرف معية النبي ﷺ فيصح إدراكه الحج وهو شيخ كبير أو المراد أن فريضة الله التي هي الحج قد أدرك أبي وهو شيخ كبير يعني أن فريضة الحج نزل والحال أنه قد كبر أبي وضعف حتى لا يستطيع الركوب حتى يفرض عليه إلا أنه يحب ذلك أفيجزئ أن أحج عنه، والتقرير الأول أولى ليثبت (١) بذلك النيابة في فرض الحج ولا يثبت النيابة في الثاني إلا في النافلة.\nقوله [ذبحت قبل أن أرمي قال إرم ولا حرج] استنبط بذلك من قال بعدم الترتيب بين هذه الثلاثة فإن لاء نفي الجنس ينفي كل أقسام الحرج، وقال الإمام (٢) أن أمثال هذه في أمثال هذه لا تعد حرجًا فإنهم لما سمعوا الخطبة وعلموا الأحكام ووجدوهم خالفوا ما قاله النبي ﷺ كبر عليهم أن لا يكونوا اكتسبوا من حجهم إلا مأثمًا وتحرجوا عن وجوب القضاء فدفعه النبي ﷺ وقال لا حرج (٣)\n_________\n(١) وإثبات مسائل الفرض وإحكامها أولى لشدة الاحتياج إليها.\n(٢) ما أفاده الشيخ ﵀ هذا جواب كلي عما ورد في أمثال هذه الروايات مما يخالف الحنفية وإلا فالمسألتان وردتا في حديث الباب لا تخالفان الحنفية في بعض الصور فلا حاجة إلى الجواب وتوضيح ذلك أن في منى أربعة أمور الرمي والذبح والحلق والطواف، والترتيب بين الطواف والثلاثة الباقية سنة لا شيء بتركه صرح بذلك ابن نجيم في البحر، وكذلك الترتيب بين الذبح والثلاثة البواقي سنة للمفرد واجب للقارن والمتمتع ولا ذكر في الحديث أن السائل كان مفردًا أو غير مفرد وليس فيه إلا سؤال تقديم الإفاضة وتقديم الذبح فلا شيء فيهما عندنا أيضًا اللهم إلا أن يقال إن عامتهم كانوا معتمرين أو قارنين فتأمل.\n(٣) ويؤيد ذلك ما في رواية أبي داود من زيادة قوله عليه الصلاة لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك انتهى، وأنت خبير بأن هذه الكلام بمنزلة النص على أن الحرج المنفي في الحديث هو الإثم فقط، ولا تعلق له بالدم، فإنه لا يجب في اقترض عرض مسلم.","vol":"2","page":121},{"text":"مما تخافون منه، وأما وجوب الدم فثابت عن عبد الله بن عباس فيؤخذ به رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.\nقوله [فقال يا بني عبد المطلب لولا أن إلخ] كانت سقاية الحاج في بني عبد المطلب فأراد النبي ﷺ بيان فضيلة السقاية لئلا يحزنوا على ما يفوتهم في سقاية الحاج باشتغالهم بها من الفضائل التي يدركها سائر الناس من الأطوفة والعمرات، فقال إن في نزع الزمزم فضلًا كبيرًا حتى إني أريد أن أنزع منه بنفسي لأنال ذلك الفضل إلا أني أخاف إن فعلت ذلك أن يكون النزع بيده نفسه سنة فيغلبكم الحاج ولا تصل النوية إليكم بعد ذلك.\nقوله [وقال بعض أهل العلم إذا صلى الرجل في رحله ولم يشهد الصلاة مع الإمام إن شاء جمع بين الصلاتين] وأما عندنا فلما كان هذا الجمع معدولًا به عن القياس لكونه على خلاف توقيت الصلاة الثابت بالكتاب والسنة المتواترة لم يعدي الحكم الثابت به إلى غير الصورة الثابت من الشارع الجمع فيها وهو ما إذا كان الجمع في الإحرام ووقت الظهر ومع الإمام فلو لم يحرم أحد كما يفعله بعض الناس فيحرمون قبيل الغروب فليس لهم جمع الظهر والعصر في وقت الظهر ولا كذلك لو صلى أحد منفردًا أو صلى في وقت العصر لم يجمع بينهما ولا كذلك في المغرب فإن القضاء معقول فلا يشترط فيه ما يشترط في الظهر لأن تقديم الصلاة عن وقتها غير معقول أصلًا.\nقوله [زيد بن علي] على هذا هو زين العابدين وزيد ابنه أخو جعفر الصادق ﵃، قوله [لعلي لا أراكم بعد عامي هذا] هذا ترغيب منه ﷺ في تعلم","vol":"2","page":122},{"text":"الأحكام منه ولقد كان ودع في حجته هذه أمته المرحومة فسميت حجة الوداع ولم يدر الصحابة كلهم سبب ذلك وأما بعضهم وهم الفقهاء منهم فقد كانوا علموا من أول الأمر أن النبي ﷺ مرتحل عنهم في قليل وحسبنا الله ونعم الوكيل، ثم لما رحل النبي ﷺ بعد حجه في قريب من شهرين عن الدار الدنيا إلى الدار الآخرة، علموا أن السبب في تسمية حجته حجة الوداع ماذا هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>[باب الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلقة]</span>\nقوله [إن ابن عمر صلى بجمع] فجمع بين الصلاتين بإقامة قال الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين برد ورفده: ههنا مذاهب أربعة إفرادهما وتكرارهما إفراد الأذان وتكرير الإقامة تكرير الأذان (١) وإفراد الإقامة وإلى الأول مال صاحب المذهب (٢) ووجه الترجيح أن رواية ابن عمر هذه مع كونها مرجحة بفقه الراوي، وقربه من النبي ﷺ بحيث لا يتصور ذلك لرواة الأحاديث الأخر مؤيدة بموافقة القياس فإن الأذان لإعلام الغائبين والإقامة لإعلام الحاضرين وكلاهما حاصل ههنا أي بإفرادهما هذا ما أفاده ولكن في الهداية في شرح قوله [ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة] وقال زفر ﵀ بأذان وإقامتين اعتبارًا بالجمع بعرفة\n_________\n(١) هكذا في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم ولم أجد من قال بالقول الرابع أي تكرير الأذان مع إفراد الإقامة وذكر شراح البخاري كالعيني وغيره ستة مذاهب للعلماء في ذلك الإقامة لكل منهما بغير أذان الإقامة لهما مرة واحدة الأذان مرة مع إقامتين الأذان مرة مع الإقامة مرة تكرار الأذان بتكرار الإقامة، لا أذان ولا إقامة لواحدة منهما، واختلفت أقوال الأئمة الأربعة أيضًا في مختارهم كما بسطه العيني، ولخص كلامه الشيخ في البذل.\n(٢) يعني إمام الأئمة سراج الأمة الإمام الأعظم أبا حنيفة ﵁ وأرضاه وبلغه عنا وعن سائر مقلديه ما يحبه ويبغاه وكذا كل إمام من أئمة الفقه والحديث عمن تبعه ومن يهواه.","vol":"2","page":123},{"text":"ولنا رواية جابر أن النبي ﷺ جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وقال صاحب فتح القدير على قوله هذا ما نصه (١) والذي في حديث جابر الطويل (٢) الثابت في\n_________\n(١) لخص الشيخ كلام ابن الهمام وتمامه هكذا: قوله [ولنا رواية جابر] روى ابن أبي شيبة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن محمد أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء يجمع بأذان واحد وإقامة ولم يسبح بينهما وهو متن غريب والذي في حديث جابر الطويل إلى آخر ما ذكره الشيخ من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة وأخرج أبو داود عن أشعث بن سليم عن أبيه قال أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة فلم يكن يفتر عن التكبير والتهليل حتى أتينا مزدلفة فأذن وأقام أو أمر إنسانًا فأذن وأقام فصلى المغرب ثلاث ركعات ثم التفت إلينا فقال الصلاة فصلى العشاء ركعتين ثم دعا بعشائه قال وأخبرني علاج بن عمر ويمثل حديث أبي عن ابن عمر فقيل لابن عمر في ذلك فقال صليت مع رسول الله ﷺ هكذا فقد علمت ما في هذا من التعارض فإن لم يرجح ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به صحيح مسلم وأبو داود حتى تساقطا كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة بتعدد الصلاة كما في قضاء الفوائت، انتهى، وأنت خبير بأن الروايات عن ابن عمر في توحيد الإقامة كثيرة بالطرق العديدة فهي مرجحة على رواية البخاري مع أن رواية البخاري لا تصريح فيها بتكرار الإقامة.\n(٢) قلت لكن في بعض طرق حديث جابر الطويل أيضًا بأذان وإقامة كما ذكره أبو داود في آخر صفة حجة ﷺ برواية محمد بن علي الجعفي وهذا يؤيد رواية ابن أبي شيبة المذكورة في كلام ابن الهمام.","vol":"2","page":124},{"text":"صحيح مسلم وغيره أنه صلاهما بأذان وإقامتين وعند البخاري عن ابن عمر أيضًا قال جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة منهما وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جير أفضنا مع ابن عمر فلما بلغنا جمعًا صلى بنا المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة، فلما انصرف قال ابن عمر هكذا صلى رسول الله ﷺ بنا في هذا المكان، فإن لم يرجح ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به مسلم وأبو داود حتى تساقطا كان الرجوع إلى الأصل يوجب التعدد كما في قضاء الفوائت انتهى عبارته، فعلم بذلك أن ما رجح به حديث ابن عمر من وجهي الترجيح اللذين قدمناهما غير تام إذ قد ثبت عن ابن عمر نفسه ما يخالف ذلك فليسأل (١) عنه.\nقوله [قال وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث حسن صحيح] يعني أن حديث سعيد ليس في نفسه خطأ إنما الخطأ في روايته عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير ولا يرويه أبو إسحاق (٢) عن سعيد بن جبير وإنما يرويه عن سعيد رجال آخرون منهم سلمة بن كهيل كما صححه المؤلف فيكون رواية إسماعيل عن أبي إسحاق عن سعيد غلطًا، والحاصل أن الآخذين من ابن عمر بواسطة سعيد بن\n_________\n(١) لكن فيه أن المرجح من روايتي ابن عمر هي رواية التوحيد كما تقدم قريبًا مع أن المصير عند اختلاف الروايات إلى القياس وهو يرجح قول الحنفية كما لا يخفى على أنه يمكن الجمع بين مختلف ما روى في ذلك بأنه ﷺ صلى بأذان وإقامة واحدة لكن بعض الصحابة اشتغلوا بعد المغرب في عوارض كحل الركاب وغيرها، فأفردوا الإقامة فقرره النبي ﷺ فالنسبة إليه ﷺ باعتبار التقرير كما بسطه الشيخ في البذل.\n(٢) قلت: لكن أبا داود أخرج في سننه حديث أبي إسحاق من طريق شريك عنه عن سعيد بن جبير وعبد الله بن مالك قالا صلينا مع ابن عمر الحديث، وسكت عليه فالظاهر أن الحديث صحيح عنده فتأمل.","vol":"2","page":125},{"text":"جبير غير الآخذين من ابن عمر بواسطة عبد الله بن مالك، فخلط بين الإسنادين إسماعيل (١) بن خالد حتى قال عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وإنما هو عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك عن ابن عمر أو عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عمر فتأمل وافهم.\nقوله [ثم أقام فصلى العشاء] يعني أن الذي سبق من إفراد الإقامة إنما هو إذا لم يشتغل بينهما بشيء آخر وأما إذا اشتغل ببعض أمره حتى تفرق الناس ولم يبق للإقامة الأولى فائدة في الصلاة الثانية فهو يقيم ثانيًا.\n\n[باب (٢) من أدرك الإمام بجمع] قوله [ابن عمر] بفتح الميم وضمه غير منصرف وقوله [فسألوه] لم يذكر السؤال اتكالًا على ما سيفهم من النداء الآتي وكانوا سألوه (٣) أنا لم نأت منى لما سمعناك قد وصلت بعرفة إفتام حجنا\n_________\n(١) لكنه ليس بمفرد فقد تابعه شريك كما عرفت من رواية أبي داود.\n(٢) عند الظاهرية الحضور في صلاة الفجر مع الإمام فريضة يبطل الحج بتركه وعند جماعة من التابعين الحضور بجمع فرض يفوت الحج بفوته، وأما عند الأئمة الأربعة فليسا بفرض بل ههنا أمران أحدهما المبيت وهو واجب عند الأئمة الثلاثة سنة عندنا والثاني الوقوف واجب عندنا سنة عندهم وهما أمران طالما يشتبه أحدهما بالآخر على نقلة المذاهب كما بسط في الأوجز.\n(٣) [ينبغي أن يسأل السؤال ثانيًٍا] هكذا نبه الشيخ ﵀ في هامش كتابه إشارة إلى التردد في ألفاظ السؤال والمذكور في كتب الأحاديث ألفاظ السؤال غير ما أفاده الشيخ فلفظ أبي داود من رواية عبد الرحمن ابن يعمر فجاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلًا فنادى رسول الله ﷺ كيف الحج فأمر رجلًا فنادى الحج الحج يوم عرفة، الحديث، ونحو ذلك في روايات أخر والظاهر ما حكى من السؤال في الأصل وهم نعم أخرج أبو داود من حديث عروة بن مضرس وعزاه صاحب جمع الفوائد إلى أصحاب السنن قال: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف يعني بجمع قلت جئت يا رسول الله من جيلى طي أكللت مطيتي أو تعبث نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، الحديث، لكنه حديث آخر غير ما في الباب فتأمل.","vol":"2","page":126},{"text":"إذًا قال الحج عرفة يعني أن الذي يفوت الحج بفوته إنما هو وقوف عرفة لا غير لأن الركن الآخر وهو طواف الزيارة ليس له وقت يفوت بفوته وإنما ينجبر بتأخيره عن أيام النحر بالدم ولا انجبار إذا تأخر الوقوف بعرفة عن وقته وهو من زوال (١) يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وأما ما يفوت من المناسك الأخر فيمكن تداركه بالدم وغيره.\nقوله [وأردف رجلًا فنادى] هذا نداء ثان كرره لمزيد الاهتمام بذلك الأمر ولم يذكره عبد الرحمن بن مهدي في روايته، قوله [هذا أجود حديث رواه سفيان] أي في باب المناسك لا مطلقًا أو يراد أنه من جملة الأجود، قوله [ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل] هذا إفادة من الترمذي والغرض منه بيان أنه كيف يخرج من إحرامه، قوله [ما تركت من جبل] أي من جبال عرفة وآكامها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>[باب في تقديم الضعفة جمع من بليل]</span>\nقوله [قال بعثني رسول الله ﷺ في ثقل (٢) من جمع بليل] ثم لما لم يأمرهم بالدم علم بذلك أن هذا مستثنى عن الشارع، قوله [أخطأ فيه مشاش] فإنه لما كان ابن عباس نفسه في الضعفة حينئذ لكونه صغيرًا وسبق معهم ولم يكن سبق فيهم الفضل بن عباس لأنه كان كبيرًا فأي احتياج لابن عباس أن يروي قصة نفسه عن أخيه، قوله [لا ترموا الجمرة\n_________\n(١) عند الجمهور منهم الحنفية والشافعية خلافًا لمالك وأحمد كما تقدم قريبًا في بابه.\n(٢) بفتح الثاء المثلثة والقاف متاع المسافر وحشمه ومعناه أي في جملة عياله ﷺ قاله أبو الطيب، وفي الدر المختار الثقل بفتحتين المتاع والخدم.","vol":"2","page":127},{"text":"حتى تطلع الشمس] حقيقة (١) أو حكمًا. وهو ما بعد طلوع الفجر وإنما عممنا لما ثبت أن أم سلمة ﵂ أو زوج آخر رمت (٢) بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس، وهذا محتاج إلى السؤال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>[باب ما جاء أن الجمار التي ترمي مثل حصى الخذف]</span>\nالجمار كما تطلق على\n_________\n(١) اختلفت الأئمة في طرفي وقت الرمي يوم النحر واختلفت الشافعية في آخر وقته كما بسط في البذل قال الحافظ في الفتح: قالت الحنفية لا يرى جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز وإن رماها قبل طلوع الفجر أعادها وبهذا قال أحمد وإسحاق، والجمهور وزاد إسحاق لا يرميها قبل طلوع الشمس، وبهذا قال الثوري وغيره وأجاز قبل طلوع الفجر عطاء والشافعي وغيرهما، انتهى، قلت: وقد علم من ذلك أن ما حكى الترمذي من مذهب الشافعي ﵀ موافقًا للثوري ليس بصحيح وتوضيح مذهب الحنفية في ذلك ما قال القاري في شرح اللباب أول وقت الرمي في اليوم الأول يدخل بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر فلا يجوز قبله وهذا وقت الجواز مع الإساءة لتركه السنة وآخر وقت أدائه طلوع الفجر الثاني من غده والوقت المسنون من طلوع الشمس إلى الزوال، انتهى.\n(٢) المعروف في قصة أم سلمة كما أخرجها أبو داود وغيره عن عائشة قالت: أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، الحديث، والمراد بها عند الجمهور بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر نعم أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهلة الحديث، وفيه فمنهم من تقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من تقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة وكان ابن عمر ﵁ يقول أرخص في أولئك رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":128},{"text":"الجمرات الثلاث تطلق على نفس الحصيات أيضًا وهو المراد ههنا، قوله [كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس (١)] أي في غير يوم النحر [وقال بعضهم يركب يوم النحر] هذا وإن كان جائزًا عندنا إلا أنه خلاف الأولى (٢) وأما ركوبه ﷺ فإنما كان كركوبه في الطواف ليرى الناس مسافة بعد الرامي من الجمرات ومقدار الحصيات وأنه إلى أي جانب ينبغي له أن يقوم فلما بين ذلك في أول رمى رماه لم يركب فيما بعد ذلك.\nقوله [واستقبل (٣) القبلة] هذا ينافي ما في بعض الروايات أن النبي ﷺ\n_________\n(١) وبذلك قال الجمهور وخالف فيه عطاء وطاؤس فقالا يجوز قبل الزوال مطلقًا قاله الحافظ في الفتح، وقال أبو الطيب فلا يجوز تقديم رمي على زواله إجماعًا على ما زعمه الماوردي لكن يرد عليه حكاية إمام الحرمين وغيره الجواز عن الأئمة، انتهى، قلت: ومن حكى الإجماع في ذلك لم يلتفت إلى خلاف فيه لشذوذه.\n(٢) وهذا على إحدى الأقوال الثلاثة المذكورة في فروع الحنفية بناءً على أن في المشي كمال التضرع والأمن عن إيذاء الناس والقول الثاني أفضلية الركوب مطلقًا والثالث كل رمي بعده رمي فالأفضل فيه المشي وإلا فالركوب والقول الأول هو مختار الشيخ ورجحه أيضًا في رسالة ألفها في مناسك الحج المسماة بزبدة المناسك إذ قال والرمي ماشيًا أولى كما هو مختار ابن الهمام، انتهى.\n(٣) قال أبو الطيب يعارضه ما في البخاري عنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وما في رواية مسلم واستقبل الجمرة ويرجحها أن ذلك أسهل ورواية الصحيحين مقدمة على غيرهما ويمكن أن يرجح رواية الكتاب أن استقبال القبلة حال أداء العبادة أولى واختار علماؤنا العمل بما في رواية الصحيحين لأن روايتهما أقوى، وقال النووي: يستحب أن يقف تحتها في بطن الوادي فيجعل مكة عن يساره ومنا عن يمينه ويستقبل العقبة والجمرة وهذا هو الصحيح من مذهبنا وبه قال جمهور العلماء، وقال بعض أصحابنا يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرًا مكة، وقال بعض أصحابنا يستحب أن يستقبل الكعبة فيكون الجمرة عن يمينه وأجمعوا أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو رماها من فوقها أو أسفلها أو وقف في وسطها ورماها، انتهى، وأعل الحافظ رواية الترمذي.","vol":"2","page":129},{"text":"جعل القبلة على يساره، ووجه التوفيق أن البيت حين يستقبل الرجل الجمرة يقع أمامه مائلًا إلى جانب اليسار قليلًا فصح أن يقال إنه قام بحيث يكون البيت في يساره، وأما إذا جعل الجمرة على حاجبه الأيمن فلا مراء في كونه مستقبل البيت.\n\n[باب الاشتراك (١) في البدئة والبقرة واحتج بهذا الحديث] إشارة إلى ما أورد بعد ذلك، قوله [وحديث ابن عباس إنما نعرفه من وجه واحد] هذا أيضًا هو الحديث الآتي، وأشار بقوله ذلك إلى وجه ترجيح حديث السبعة على حديث اشتراك العشرة، وهذا الجواب كاف من جهة الشافعية فإن من أصولهم العمل على حديث أصح بمقابلة الصحيح، والجواب عن الأحناف أن ذلك منسوخ بما وقع في الحديبية وحجة الوداع ولم يكن بعدها تغير كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>[باب في إشعار البدن]</span>\nقوله [قلد نعلين] وإن كان يجوز غيرها أيضًا، قوله [في الشق الأيمن (٢)] أي من الهدى وسنة الإشعار أن يطعن فيه بحيث\n_________\n(١) الجمهور على أن الجزور والبقرة يقومان مقام سبعة شياه حتى حكى الطحاوي وابن رشد الإجماع على ذلك لكن أشكل الإجماع بخلاف إسحاق وغيره كما حكاه الترمذي كذا في البذل إلا أن يقال إن من حكى الإجماع لم يلتفت إلى ذلك الخلاف لشذوذه.\n(٢) اختلفوا في محل الإشعار فذهب الشافعي إلى الأيمن ومالك إلى اليسار وعن أحمد روايتان كذا في الزرقاني وغيره وفي الهداية صفته أن يشق سنامها بأن يطعن في أسفل السنام من الجانب الأيمن قالوا والأشبه هو الأيسر لأن النبي ﷺ طعن في جانب اليسار مقصودًا وفي الجانب الأيمن اتفاقًا ثم اختلفوا في النعم التي تشعر، فقال الشافعي وأحمد تشعر الإبل والبقر مطلقًا وعند مالك في الإبل قولان المرجح منهما الإشعار مطلقًا والثاني التقييد بذات السنام وفي البقر ثلاثة أقوال: الإثبات والنفي مطلقًا والثالث الراجح عندهم التقييد بذات السنام وعندنا الحنفية تشعر الإبل لا البقر، وأما الغنم فلا إشعار فيها إجماعًا والبسط في الأوجز.","vol":"2","page":130},{"text":"لا يسري من الجلد إلى اللحم ثم يخضب بما سال من الدم صفحة سنامها وأصل الإشعار الإعلام وكان ذلك إعلامًا للهدايا فلا يتعرضها بعد ذلك أحد ثم لم يبق إليه ضرورة لما أيد الله الإسلام ولم يبق ما كان من الخطر (١) ومع هذا فلو أشعر عالم طريقته أتى ندبًا والذي اشتهر من منع الإمام عنه فهو منع لما ارتكبه أهل زمانه من المبالغة فيه بحيث يخاف منه السراية والفساد أو هو ردع للعوام مطلقًا إبقاءً على الهداية وخوفًا عما يؤول الأمر إليه من المبالغة فيه والوقوع في المنهي عنه طلبًا لما هو ندب فحسب.\nقوله [وأماط عنه الدم] ليس المراد بذلك سلت الدم عن ذلك الموضع وإزالته إنما المراد هو الذي ذكرنا قبل من أنه خضب بالدم السائل من الشق صفحة السنام ولو حمل الإماطة على ما يتبادر من معناها لبطل فائدة الإشعار فإن الشق المذكور على القدر المسنون لا يكاد يبدو للناظر سيما إذا لم يكن هناك أثر الدم.\nقوله [يرون الإشعار] أي حسنًا وهو قول الإمام كما صرح به الطحاوي وهو أعلم الناس بمذهب أبي حنيفة ﵀ ويكون الإشعار في البقر أيضًا قوله [قال الترمذي سمعت يوسف بن عيسى يقول سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا\n_________\n(١) قال المجد الخطر بالتحريك الإشراف على الهلاك.","vol":"2","page":131},{"text":"الحديث فقال] أي وكيع وقال هذا زائد كرره لبعد القول الأول من مقولته [قال] الترمذي وسمعت [أبا السائب] إلخ قوله [ممن ينظر في الرأي] أي يستدل بالقياس ويتفقه قال الرجل مؤيدًا أبا حنيفة بمن هو مسلم الفريقين فإن تحديث إبراهيم مسلم وقد بينا لك ما أراد هؤلاء (١) بهذا القول.\nقوله [اشترى هديه من قديد] موضع بقرب مكة فوق مسيرة يوم، وقد علم بذلك أنه لا يجب عليه أن يأخذ الهدى معه من بيته أو من ميقاته وقد كان علم من الحديث السابق جواز أخذه من الميقات وجملة الأمر أنه يجوز له كل ذلك قوله [قال أبو عيسى وهذا أصح] لكثرة من وقفه على ابن عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>[باب في تقليد الهدى للمقيم]</span>\nقوله [ثم لم يحرم ولم يترك شيئًا من الثياب] وبهذه الجملة يثبت ما زاد في الترجمة من لفظ للمقيم فإنه لما لم يحرم ولم يترك شيئًا\n_________\n(١) قال المجد في القاموس: أصحاب الرأي أصحاب القياس لأنهم يقولون برأيهم فيما لم يجدوا فيه حديثًا وأثرًا، انتهى، وقال ابن حجر المكي الشافعي يتعين عليك أن لا تفهم من أقوال العلماء عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم أصحاب الرأي أن مرادهم بذلك تنقيصهم ولا نسبتهم إلى أنهم يقدمون رأيهم على سنة رسول الله ﷺ ولا على أقوال لأنهم براء من ذلك فقد جاء عن أبي حنيفة ﵁ من طرق كثيرة ما ملخصه أنه يأخذ أولًا بما في القرآن فإن لم يجد فبالسنة فإن لم يجد فيقول الصحابة، فإن اختلفوا أخذ بما كان أقرب إلى القرآن والسنة من أقوالهم ولم يخرج عنهم فإن لم يجد لأحد منهم قولًا لم يأخذ بقول التابعين بل يجتهد كما اجتهدوا، وقال ابن المبارك: رواية عن الإمام إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن الصحابة اخترنا ولم تخرج عن أقوالهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم، كذا في مقدمة الأوجز، ولو شئت التفصيل فارجع إليه.","vol":"2","page":132},{"text":"من الثياب وأقام هناك حتى علمت بذلك عائشة، علم أن الإهداء إلى البيت لا يستلزم خروج المهدي معه، قوله [وهو يريد الحج إلخ] زاد الجملة الحالية ليعلم حكم من لم يرد الحج بالطريق الأولى فإنه لما كان في نية الإحرام ومع ذلك لم يحرم بمجرد التقليد فمن ليس له نية أن يحرم بالطريق الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>[باب ما جاء في تقليد الغنم]</span>\nكره (١) الإمام تقليدها بالمزادة والنعال لما يلحقها من المشقة في ذلك مع صغر جثتها وضعف بنيتها، وأما التقليد بما رواها عن عائشة ﵂ فغير ممنوع (٢) عندنا أيضًا، قوله [يرون تقليد الغنم] أي حسنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>[باب إذا عطب الهدى]</span>\nقوله [ثم أغمس نعلها] أي التي هي ملقاة في عنقها لا نعلها التي تمشي عليها، قوله [ثم خل بين الناس وبينها يأكلوها]\n_________\n(١) قال العيني: احتج الشافعي بهذا الحديث على أن الغنم تقلد وبه قال أحمد وإسحاق وقال مالك وأبو حنيفة لا تقلد لأنها تضعف عن التقليد وقال أبو عمر احتج من لم يره بأن الشارع إنما حج حجة واحدة لم يهد بها غنمًا، وأنكروا حديث الأسود الذي في البخاري في تقليد الغنم قالوا وهو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة قال الشيخ في البذل تقليد الغنم ليس بمتعارف ولو كان سنة ما تركوها، وفي المبسوط: أثر الأسود شاذ كذا في البذل.\n(٢) هكذا في الإرشاد الرضى ويؤيد ذلك ما قالوا في علة المنع من أنها تضعف عن التقليد لكن يشكل عليه تصريح أهل الفروع بالمنع مطلقًا بدون الاستثناء ففي شرح اللباب الإبل: تقلد وتجلل وتشعر والبقر لا تشعر بل تقلد وتجلل والغنم لا يفعل بها شيء من ذلك أي مما ذكر من الأشياء الثلاثة، انتهى، وهكذا في الهداية والبحر والشامي وغيرها وقال العيني في شرح البخاري أنهم ما منعوا الجواز وإنما قالوا ليس بسنة، انتهى، فالمحل محتاج التنقير والتفتيش فتأمل.","vol":"2","page":133},{"text":"لا خلاف أن المالك لا يأكلها وكذا وكيله إذا بعث معه ولم يخرج بنفسه وإنما الخلاف في من سواهما من السيارة، والصحيح أنهم ممنوعون (١) عن كلهم ولعل الوجه في ذلك أنهم لو كانوا مجازين في أكلها لربما تسارعوا إلى ذبحها بأدنى سبب وهذا كله في هدى التطوع وهو المذكور ههنا وجاز له التصرف في الهدى الواجب بالهبة والبيع ويجب تعويضه وكذلك إذا عطب (٢)، قوله [قالوا إن أكل منه شيئًا غرم] مقدار ما أكل وهو المذهب (٣) عندنا أيضًا أنه يضمن هذا المقدار للفقراء، قوله [قال بعض أهل العلم إذا أكل من هدي التطوع شيئًا فقد ضمن] لعله يضمن على مذهب هؤلاء بأكل القليل (٤) من لحم الهدي كلها وإلا فلا يضح\n_________\n(١) كما جزم بذلك القاري في شرح النقاية لكن الفقهاء قيدوا المنع بالأغنياء واختلاف الأئمة في ذلك وسيع بسطت في الأوجز.\n(٢) قال ابن رشد: أما الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فإن لصاحبه أن يأكل منه لأن عليه يدله ومنهم من أجاز له بيع لحمه وأن يستعين به في البدل وكره ذلك مالك، انتهى.\n(٣) وبذلك قال الجمهور قال العيني: اختلفوا في هدي التطوع إذا عطب فقال الجمهور لا يأكل وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم، ورخصت طائفة في الأكل منه روى ذلك عن عائشة وابن عمر، وقال ابن رشد في البداية أجمعوا أن هدي التطوع إذا بلغ محله أن يأكل منه صاحبه كسائر الناس، وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خلى بينه وبين الناس ولم يأكل منه، وزاد داود ولا يطعم منه شيئًا أهل رفقته واختلفوا فيما يجب على من أكل منه فقال مالك إن أكل منه وجب عليه بدله، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد عليه قيمة ما أكل، انتهى.\n(٤) والظاهر أن غرض المصنف بهذا إشارة إلى مذهب مالك، والأول كان مذهب الجمهور وتقدم بيان مذهبهما قريبًا في كلام ابن رشد والفرق بينهما أن على مذهب الجمهور يضمن مقدار ما أكل وعلى مذهب مالك إقامة البدل فتأمل.","vol":"2","page":134},{"text":"الفرق فليسأل.\n[فقال له اركبها فقال يا رسول الله إنها بدنة] إنما أجاب الرجل بهذا لما فهم أن النبي ﷺ لم يعلم أنها بدئة ولذلك أمرني بالركوب ثم أجاب الثانية ظنًا منه أن النبي ﷺ لم يسمع قولي أنها بدنة فقال النبي ﷺ اركبها ويحك أو ويلك يعني أني سمعت ما قلت من أنها بدنة ومع ذلك فإني جوزتها لك، وكان ذلك لما رأى من اضطراره إليها ثم اعلم أما أولًا فإن كلمة ويلك أو ويحك كثيرًا ما تطلق ولا يراد حقيقتها كما أطلقه النبي ﷺ ههنا، وأما ثانيًا فإن منافع (١) الهدايا والأضاحي يجوز للمالك أن ينتفع بها إذا اضطر إليها ولا ضمان عليه حينئذ وأما إذا لم يضطر إليها فلا يجوز، والزوائد لا يجوز الانتفاع بها من غير اضطرار إليها وأما إذا اضطر إليها فهي جائزة له الانتفاع بها واستعمالها مضمونة عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>[باب ما جاء بأي جانبي الرأس يبدو في الحلق]</span>\nهذا الحكم يعم الحل والحرم والحج وغيره، قوله [فأعطاه أبا طلحة] زوج أم سليم أم أنس بن مالك ﵀ وبذلك يعلم ما لهم من الفضل وأيضًا فقد علم بذلك جواز التبرك بشعر الكبراء وكذا في غير الشعر من اللباس وغيره ومما ينبغي أن يستنبط من ههنا أن تقديم إلا فاضل في التقسيم غير ضروري فلقد كان فيهم أبو بكر وعمر وغيرهما.\n_________\n(١) ففي شرح اللباب: من ساق بدنة واجب أو تطوع لا يحل له الانتفاع بظهرها وصوفها ودبرها ولبنها أي حلبًا وشربًا إلا حال الاضطرار فإن اضطر إلى الركوب أو حمل متاعه عليها ضمن ما نقص بركوبه أو حمل متاعه وتصدق به على الفقراء ويتضح ضرعه بالماء البارد لينقطع لبنها إن قرب ذبحها وإلا حلبها وتصدق به وإن صرفه لحاجة نفسه أو استهلكه أو دفعه لغنى ضمن قيمته، انتهى.","vol":"2","page":135},{"text":"﵃ ومع ذلك فقد ناول أبا طلحة ما لم يناول أحدًا مثله إلا أنه لا ينبغي أن يرتكبه إذا خاف أن يسوءهم ذلك.\nقوله [وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق] إلا أنهم اختلفوا حسب اختلافهم في مسح الرأس فقال مالك لا يجزيه إلا حلق الكل وكذا تقصير مقدار إلا نملة من جميع دائرة الشعور وقال الإمام لا يجزيه أقل من الربع في الصورتين وقال الشافعي ﵀ بإجزاء أقل من ذلك أيضًا، قوله [قال أبو عيسى حديث على فيه اضطراب] وهو الذي ذكره من ذكر على وعدم ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>[باب الطيب عند الإحلال]</span>\nقوله [طيبت رسول الله ﷺ] وبذلك يعلم أن الطيب يجوز استعماله قبل طواف الزيارة، فإن قال قائل يحتمل أن يكون من خصوصياته قلنا مع خلافه الظاهر لنا أن نستدل على جوازه بتلبس عائشة بالطيب ولم يكن طافت بعد، قوله [بطيب فيه مسك] أشارت بذلك إلى دفع ما لعله يتوهم من أن تطييبها إياه كان بما لا يقال له الطيب إلا مجازًا، قوله [أخر طواف الزيارة إلى الليل] إن كان الراد منه أنه طاف لنفسه في الليل فهو ممنوع فإنهم متفقون على أنه طاف قبل الظهر، وإن كان المراد أنه أخر وقته إلى الليل لغيره أي جوزه إليه فلا شك أنه جائز بعد ذلك من غير كراهة ووجوب (١) دم إلى الثاني عشر عندنا، وإلى الرابع عشر (٢) عند الشافعي، فلا\n_________\n(١) عطف على قوله كراهته أي من غير وجوب دم ففي الدر المختار [ثم طاف للزيارة يومًا من أيام النحر] الثلاثة بيان لوقته الواجب [فإن آخره] عن أيام النحر ولياليها منها [كره] تحريمًا [ووجب دم] لترك الواجب، انتهى.\n(٢) يحتاج إلى تفتيش وما في شرح المنهاج وغيرهم من فروع الشافعية أن الحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها نعم يكره تأخيرها عن يوم النحر وأشد منه تأخيرها عن أيام التشريق ثم عن خروجه من مكة، انتهى.","vol":"2","page":136},{"text":"معنى (١) لتأخيره إلى الليل فالمعنى أنه آخر وقته المستحب (٢) إلى الليل فلا يبقى بعده الوقت المستحب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>[باب ما جاء في نزول الأبطح]</span>\nهذا المنزل هو المرسوم بالبطحاء والمحصب وخيف بني كنانة وهو الموسوم (٣) بذي طوى، وقد أشرنا إليه من قبل والنزول (٤) فيه ليس مما يتعلق بالحج وإنما هو سنة علاحدة فما قيل التحصيب ليس بشيء أريد به في الحج، وحيثما قيل التحصيب سنة فالمراد (٥) على أفراد من الحج وعلاحدة.\nقوله [قال الشافعي نزول الأبطح ليس من النسك في شيء] هذا يعين مرادنا الذي ذكرنا آنفًا إنما هو منزل نزل رسول الله ﷺ فكان النزول فيه سنة لنزوله\n_________\n(١) ولذا قال ابن القيم في الهدي: هذا الحديث غلط بين خلاف المعلوم من فعله ﷺ الذي لا يشك فيه أهل العلم بحجته ﷺ، ثم بسط الكلام على تضعيف الحديث وأنت خبير بأنه لا حاجة إلى التضعيف على توجيه الشيخ فلله دره، ووجهه ابن حجر في شرح المنهاج بأنه أخر طواف نسائه وذهب معهن، انتهى.\n(٢) ففي الدر المختار الطواف في يوم النحر الأول أفضل، انتهى.\n(٣) وهذا مختلف بينهم كما ذكره الحموي في المعجم، والمعروف أن ذا طوى غير المحصب.\n(٤) قال الحافظ: نقل ابن المنذر الاختلاف في استحبابه مع الاتفاق على أنه ليس من المناسك.\n(٥) قال الحافظ في الفتح بعد ذكر الاختلاف في ذلك فالحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ، انتهى.","vol":"2","page":137},{"text":"وسيجيء السبب في اختياره ذلك المنزل للنزول في الصحيحين (١) قوله [إنما نزل رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه] هذا لا ينافي ما قدمنا فإن سبب نزوله ذلك المنزل واختياره يجوز أن يكون عدة أشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>[باب في حج الصبي]</span>\nقوله [ألهذا حج] اللام للانتفاع يعني أن لما نفعا في ذلك أم لا فقال نعم فعلم أن حج النفل جائز من الصبي (٢) أيضًا وأما عدم إجزائه عن حجة الإسلام فلما لم يتوجه إليه الخطاب بعد وتلبسه أمه إزارًا ورداءًا وتلبى عنه ولا جناية عليه حتى يلزم دم لا عليه ولا على من يقوم به، قوله [فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان] هذا الحديث إن أريد ظاهره فهو مخالف للمذاهب كلها فإن التلبية لا تجزئ عن أخر مع أن فيه إشكالًا آخر وهو أنه ليس في الحديثين اللذين قال لهما المؤلف أنهما ليسا معمولين بهما والباقي كله معمول\n_________\n(١) فقد أخرج الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال من الغد يوم النحر وهو يمنى نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر يعني بذلك المحصب وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ كذا في جمع الفوائد.\n(٢) قال النووي وقال القاضي لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع، ولا يلتفت إلى قولهم بل هو مردود بالحديث وبفعل الصحابة وإجماع الأمة وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه ويجري عليه أحكام الحج، وتجب فيه الفدية ودم الجير فأبو حنيفة يمنع ذلك ويقول إنما يجنب ذلك تمرينًا على التعليم وأجمعوا على أنه لا يقع عن الفرض، انتهى، هكذا في شرح أبي الطيب، قلت: وما حكى من خلاف الحنفية في الانعقاد ليس بصحيح إنما خلافهم في إيجاب الجناية كما عرفت في كلام الشيخ ﵀.","vol":"2","page":138},{"text":"به، والجواب عنه أن جابرًا مصرح بقوله كنا نلبي ولفظ كان ظاهر الاستمرار وإن لم يكن نصًا فيه فعلم أنه ذهب إليه واختاره، والحق أن معنى الحديث أن النسوة اللاتي لم يقدرن على التلبية لمرض (١) أو إغماء كنا نلبي عنهن ولا خلاف فيه لأحد (٢) والتقييد بالنساء لما أن ذلك غالب فيهن وأن الرجال كذلك في هذا الحكم فأتقن هذا واغتنم ولا تغفل، ومعنى قوله [كنا إذا حججنا معه ﷺ] مع أنه لم يحج بعد الهجرة لا حجة أما أن يكون قوله هذا مبنيًا على أنه حين فعل ذلك في الحجة الواحدة، فالظاهر أنه لو حج ثانيًا لكان كذلك أو قاله باعتبار\n_________\n(١) ففي شرح اللباب: من أغمى عليه أو نام وهو مريض فنوى ولبى عنه رفيقه أو غيره بأمره السابق على إغمائه ونومه صح، ثم اعلم أنه إذا أمر أصحابه ورفقاءه بذلك فلا خلاف فيه وأما إن لم يأمرهم بذلك نصًا فأهلوا عنه جاز ذلك أيضًا عند أبي حنيفة خلافًا لهما، انتهى، وما أوله الشيخ ﵀ مبني على تسليم صحة الحديث وإلا فقد أخرج ابن ماجة في سننه برواية ابن أبي شيبة عن ابن نمير بهذا السند عن جابر قال حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، انتهى، وهكذا ذكر الحديث صاحب المنتقى، قال الشوكاني: حديث جابر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ورواه الترمذي بلفظ آخر وقال ابن القطان لفظ ابن أبي شيبة أشبه بالصواب فإن المرأة لا يلبي عنها غيرها أجمع على ذلك أهل العلم، انتهى، وذكر السيوطي في التدريب هذا الحديث مثالًا للمنسوخ بدلالة الإجماع واستدل عليه بقول الترمذي أجمع أهل العلم إلخ.\n(٢) أي من الحنفية: ففي الهداية لو أمر إنسانًا بأن يحرم عنه إذا أغمى عليه أو نام فأحرم المأمور عنه صح بالإجماع قال محشيه أراد إجماع أصحابنا فإن مالكًا والشافعي وأحمد لا يجوزونه وقال النووي لا يجوز عند أبي يوسف، ومحمد سواء أذن أو لم يأذن وهذا النقل غلط، انتهى.","vol":"2","page":139},{"text":"حجته قبل الهجرة وإن لم يكن أكثرهم معه وحينئذ فإضافة الفعل إليهم مجاز أسند الفعل إليهم باعتبار من كان معه منهم وقيل (١) بل المعنى كنا نلبي جهرًا رافعًا أصواتنا، ولا شك في أن في رفع الصوت بالتلبية أجرًا ليس في الأسرار والنساء حين منعن من رفع الصوت رفعنا الأصوات بالتلبية وجعلنا أجر ذلك لهن ونوينا فيه إياهن وهذا صحيح أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>[باب الحج عن الشيخ الكبير والميت]</span>\nقوله [حجي عنه] فلما جاز عن الحي بضعفه وعجزه عن أداء الأركان جاز عن الميت لأنه أضعف وأعجز، وبذلك يظهر المناسبة بين الترجمة والحديث إذ الترجمة مشتملة على أمرين ثم اعلم أن المؤلف لم يذكر الحديث الذي فيه تصريح بالحديث عن الميت ههنا بل عقد له بابًا علاحدة تعليمًا لك استنباط المسائل عن الحديث فيكون الحديث الآتي في الباب الثاني بمنزلة التأكيد للحكم المعلوم سابقًا.\nقوله [فسألت محمدًا عن هذا] إلخ بني محمد ترجيحه على ما مر من حديث سؤال الخثمعية والفضل رديف النبي ﷺ ولا يبعد أن يكون عبد الله بن عباس سمع ذلك عنه ﷺ حين سأله سائل آخر عن ذلك، قوله [يا رسول الله إن أبي شيخ كبير] الظاهر أن الحج لم يكن وجب عليه وإنما كان ذلك متمناه وإن كان جائزًا أن يكون الحج فرض عليه ثم ضعف.\n\n[باب في العمرة (٢) أو واجبة هي أم لا] قوله [قال وقد روى عن\n_________\n(١) حكاه السيوطي فقال: حمله المحب الطبري على أن المراد رفع الصوت بالتلبية لا مطلق التلبية، انتهى.\n(٢) قال الشيخ في البذل: هي واجبة عند الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوع واختلف قول الحنفية في ذلك، قال في البدائع قال أصحابنا إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر ومنهم من أطلق اسم السنة وهذا لا ينافي الواجب وفي شرح اللباب للقاري هي سنة مؤكدة على المختار وقيل واجبة صححه قاضي خان، وبه جزم صاحب البدائع وعن بعض أصحابنا أنها فرض كفاية، انتهى، قلت: فكلام الشيخ ﵀ مبني على القول بأنها سنة مؤكدة على المختار وقال ابن رشد قال أبو ثور وداود هي تطوع.","vol":"2","page":140},{"text":"النبي ﷺ وهو ضعيف إلخ] هذه كلها مقولة الشافعي إلى آخر الباب لا مقولة الترمذي وإلا لزم التناقض في قوليه، والجواب أن المؤلف نفسه مصرح بأن الحديث السابق حسن صحيح وهو صريح في أن العمرة ليست بواجبة فلما كان هذا الحديث صحيحًا لا يضرنا ما ضعف الشافعي ﵀ على أنه يقتضي أن فيه رواية ضعيفة، فكان مؤيدًا لما قلنا كيف ومتابعه هذا الحديث صحيح حسن، ولعل الشافعي لم تبلغه رواية جابر فلذلك قال ليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع.\nوأما قوله [حج عن أبيك واعتمر] فليس نصًا في وجوب العمرة لأن الأمر أمر إباحة فإن السؤال لعله كان من الحجة النافلة فكيف يمكن حمل الأمر على الإيجاب، وتأويل قول ابن عباس أنه كان يقول بتأكدها مع أن قول ابن عباس ﵁ لا يجدي نفعًا إذا كان الحديث المرفوع صريحًا على خلافه، قوله [وكان يقال هما حجان] كأنه أشار بذلك إلى وجوبه وتأكده كالحج حتى يصح اشتراكها بالحج في التثنية وأنت تعلم أنه ليس بشيء إذ التثنية على معنى المقصد وهما مقصودان بزيارة البيت أعم من أن يكون بطريق الوجوب أو التطوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>[باب منه]</span>\nلما كان بيان ميقات (١) العمرة مما يناسب ذكره عقيب ذكر\n_________\n(١) المراد منه الميقات الزماني لأن المذكور في الباب زمان الحج، قال ابن رشد: اتفق العلماء على جوازها في كل أوقات السنة لأنها كانت في الجاهلية لا تصح في أيام الحج وهو معنى قوله ﷺ دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة وقال أبو حنيفة: تجوز في كل السنة إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق فإنها تكره، انتهى، وقال الحافظ: اتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبسًا بأعمال الحج إلا ما نقل عن الحنفية أنه يكره من عرفة إلى آخر أيام التشريق، انتهى مختصرًا.","vol":"2","page":141},{"text":"العمرة قال باب منه ولا يخفى كونه بابًا منه، قوله [إلى يوم القيامة] يعني أن هذا الدخول ليس مما يختص بي أو بزماني بل الحكم مؤبد لكل مؤمن، قوله [ومعنى هذا الحديث] إنما احتاج إلى هذا التفسير دفعًا لما يتوهم من دخول أحدهما في الآخر أن لا احتياج إلى إتيان أفعاله على حدة بأن المراد تداخل زمانيهما حتى يعتمر في أشهر الحج لا تداخل أركانهما وأفعالهما.\nقوله [وأشهر الحج] بلفظ الجمع مع (١) أنهما اثنان وبعض من الثالث تسمية للكل وتوصيف له باسم الجزء ووصفه، قوله [وأشهر الحرم رجب وذو القعدة وذو الحجة كلها ومحرم] وإنما بين هذه ههنا تبعًا واستطرادًا ولئلا يقع منك خلط بينهما، قوله [لا ينبغي للرجل أن يهل إلخ] مع أن\n_________\n(١) قال الحافظ: أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة أولهما شوال لكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكمالها وهو قول مالك ونقل عن الإملاء للشافعي أو شهران وبعض الثالث وهو قول الباقين ثم اختلفوا، فقال ابن عمر وآخرون عشر ليال من ذي الحجة وهل يدخر يوم النحر أو لا قال أبو حنيفة وأحمد نعم، وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه لا، ثم اختلف العلماء أيضًا في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب فقال ابن عمر وغيره من الصحابة والتابعين هو شرط فلا يصح الإحرام بالحج إلا فيها وهو قول الشافعي، وقال العيني: الإحرام بالحج فيما أكمل من الإحرام فيما عداها وإن كان صحيحًا والقول بصحة الإحرام في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وهو مذهب إبراهيم النخعي والثوري والليث، انتهى، وفي الروض المربع كره إحرام يحج قبل أشهره وينعقد، انتهى.","vol":"2","page":142},{"text":"ذلك (١) جائز له ووجه ذلك ما يلزمه من الجنايات وارتكاب المناهي لامتداد زمان الإحرام.\nقوله [أن يعمر عائشة من التنعيم] فعلم أن ميقات المكي في العمرة إنما (٢) هو الحل أي هل كان وإن كان الأفضل له أن يعتمر من التنعيم، قوله [فأصبح بالجعرانة (٣) كبائت] وهذا هو السبب في إنكار من أنكر عمرته من التنعيم والجعرانة بكسر الجيم وسكون العين بعدها وبكسر الجيم وكسر العين بعدها وبالراء المهملة مشددة، قوله [فما زالت الشمس من الغد] أي غد يوم النزول بجعرانة وصبيحة ليل طاف فيها.\nقوله [خرج في بطن سرف] وسرف هي بقعة (٤) فسيحة تجتمع فيها طريقًا مكة وجعرانة إلى المدينة فلذلك قال [حتى جاء (٥) مع الطريق] وهو\n_________\n(١) أي عند الجمهور ومنهم الحنفية خلافًا للشافعية كما عرفت قبل ذلك.\n(٢) فقد حكى الحافظ عن المحب الطبري لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة، انتهى، قلت: لكن مال ابن القيم إلى ذلك.\n(٣) هذا هو الصواب ولفظ أبي داود فأصبح بمكة كبائت وهم كما حققه الشيخ في البذل.\n(٤) ولعل صورته هكذا.\nصـ ١٤٣\n(٥) اختلفت الروايات في هذا اللفظ ففي الترمذي كما ترى ولفظ النسائي ومسند أحمد وغيرهما حتى جامع الطريق طريق المدينة.","vol":"2","page":143},{"text":"طريق جعرانة الذي أتى فيها رسول الله ﷺ [طريق] فاعل جاء وموصوف بصفة [جمع ببطن سرف] ولعل مفعول جمع محذوف أي طريقي (١) الحرمين فليسأل وكان ﷺ بعد فتح مكة والطائف وحنين ذهب إلى أوطاس فلما فرغ منهم أتى الجعرانة.\nقوله [سئل ابن عمر في أي شهر اعتمر رسول الله ﷺ] لم يستوعب الرواية بل أخذ منها ما تعلق به غرضه وهو بيان عمرته ﷺ في رجب ولقد علم بهذه الرواية بتمامها (٢) أينما تذكر أن الرد على العالم وإن كان أدون من الراد رتبة ينبغي أن يكون بأحسن وجه كما فعلته عائشة ﵂ فإنها بينت فضله أو لا بأنه لم يتخلف عنه ﷺ في عمرة حتى يظن به الجهل عن حاله ﷺ، ثم بينت أنه اعتراه (٣) في ذلك سهو، وكيف ترى الراد (٤) على ابن عمر حين رأى نفسه\n_________\n(١) والأوجه طريقي مكة والجعرانة.\n(٢) فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما عن مجاهد قال دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة الضحى قال فسألناه عن صلاتهم فقال بدعة ثم قال له عروة كم اعتمر النبي ﷺ قال أربع إحداهن في رجب فكرهنا أن نرد عليه قال وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة فقال عروة يا أماه ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن قالت عائشة ما يقول قال يقول أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات: إحداهن في رجب قالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط.\n(٣) كما يدل عليه قولها يرحم الله أبا عبد الرحمن وفي رواية لمسلم يغفر الله لأبي عبد الرحمن وغير ذلك من الروايات، قال الحافظ دعت له إشارة إلى أنه نسي.\n(٤) مثل مجاهد وعروة كما عرفت من رواية البخاري المذكورة.","vol":"2","page":144},{"text":"أدون من ابن عمر ورأى ابن عمر علي (١) خطأ في قوله ذلك رد أمر الرد على عائشة أم المؤمنين ﵂ حتى قالت ما قالت، ولم يسبق إلى أن يرد على ابن عمر قوله مع كونه على خبرة في ذلك.\nقوله [حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير] غرضه بهذا النقل إثبات الانقطاع في الرواية أو المراد في الرواية بعروة هو العروة المزني لا عروة بن الزبير يعني أنه لما لم يسمع من عروة بن الزبير وجب حمل الرواية على أن المراد فيها هو المزني، وقد بينا لك فيما سلف أن أبا داود أثبت في صحيحه سماع عروة لحبيب فافهم.\nقوله [اعتمر في ذي القعدة] هذا هو الحق فإن عمرة ﷺ كلها في ذي القعدة باعتبار الابتداء والأخذ فيها وأما إتمامها فإن إتمام العمرة التي كانت مع حجته كان في ذي الحجة، ثم قد ورد في بعض الروايات عدد العمر أربعًا وفي بعضها ثلاثًا وفي البعض اثنين والكل صحيح فمن قال أربعًا اعتبر الشروع فعد عمرة الحديبية، ومن قال ثلاثًا لم يعدها منها واعتبر التمام ومن روى اثنين اعتبر الاستقلال فلم يعد فيها عمرته (٢) مع حجته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>[باب في عمرة رمضان]</span>\nقوله [قال إسحاق معنى هذا الحديث] يعني أنها لا تكاد تجزئ عن حجة الإسلام، فإن الثواب شيء وإسقاط الفرض عن الذمة\n_________\n(١) كما يدل عليه لفظ البخاري فكرهنا أن نرد عليه زاد إسحاق ونكذبه كذا في الفتح فإنهما مع كونهما على خبرة من ذلك لم يردا بأنفسهما بل أحالا الرد على عائشة ﵂.\n(٢) أو لم يعلم بعمرة الجعرانة فإنها كانت بليل وخفيت على الناس كما تقدم في رواية الترمذي وعلى هذا فالمراد بالعمرتين عمرة القضاء وعمرة الحجة وعلى ما أفاده الشيخ ﵀ عمرة الجعرانة وعمرة القضاء ورواية أبي داود عن عائشة بلفظ عمرتين عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال تؤيد مختار الشيخ.","vol":"2","page":145},{"text":"وفراغها شيء آخر فلا يلتبس عليك بون بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>[باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر]</span>\nمتعديًا مجهولًا [أو يعرج] لازمًا معروفًا الحديث الوارد في الباب صريح في أن الإحصار لا يختص بالعدو كما ذهب إليه (١) الشافعي ﵀، قوله [فقد حل] ليس المراد أنه حل بنفس العرج والكسر وإنما (٢) المراد أنه استحق التحلل وجاز له أن يتحلل بطريقه المذكور في مقامه.\nقوله [وسمعت رسول الله ﷺ] هذا بيان الفرق بين رواية إسحاق بن منصور عن روح بن عبادة وروايته عن محمد بن عبد الله بأن الحجاج قال في هذه سمعت رسول الله ﷺ كما قال في الأولى لفظة قال رسول الله ﷺ، قوله [حجاج\n_________\n(١) قال العيني: اختلفوا في الحصر بأي شيء يكون وبأي معنى يكون فقال قوم وهم عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والثوري يكون الحصر بكل حابس من مرض أو غيره من عدو أو كسر وذهاب نفقة مما يمنعه عن المضي إلى البيت وهو قول الحنفية وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وقال آخرون وهم الليث ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق لا يكون الإحصار إلا بالعدو فقط ولا يكون بالمرض وهو قول ابن عمر انتهى، وهو أحد الأبحاث العشرة المفيدة التي بسطت في الأوجز في باب الإحصار.\n(٢) كما في قوله ﷺ إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم، قال الشوكاني تمسك بظاهر الحديث أبو ثور وداود فقالا يحل في مكانه بنفس الكسر والعرج وأجمع بقية العلماء على أنه يحل من كسر أو عرج لكن اختلفوا فيما به يحل وعلى ما يحمل هذا الحديث، فقال أصحاب الشافعي يحمل على ما إذا شرط التحلل به فإذا وجد الشرط صار حلالًا ولا يلزم الدم، وقال مالك وغيره يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره ومن خالفه من الكوفيين يحل بالنية والذبح والحلق كذا في البذل.","vol":"2","page":146},{"text":"ثقة حافظ] فلا يضر تركه راويًا ولا ينسب بذلك إلى الوهم غاية الأمر أنه أرسله ولعل الترمذي أراد بذلك مخالفة محمد في تصحيحه فليسأل.\n\n[باب الاشتراط في الحج] قوله [أن ضباعة بنت الزبير] هذا الزبير غير زبير بن العوام فإن ضباعة هذه بنت عم رسول الله ﷺ بنت زبير بن عبد المطلب (١) قوله [أفأشترط قال نعم] استدل بذلك الشافعية في قولهم بسقوط دم الإحضار إذا اشترط وأنت تعلم أن الرواية ساكتة عن ذكر الدم وإنما رخص لها في الاشتراط تطييبًا لقلبها لئلا تيأس من أول الأمر فلا تروح معه فتحرم عن الخير الكثير فلا قوة في الحديث بمرتبة تخص بها عموم قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وقوله ﵇ من كسر أو عرج والحكم لا يختص بالكسر والعرج لعموم العلة وهي عدم التمكن من الأداء.\nقوله [ولم ير بعضهم الاشتراط في الإحرام] أي مفيدًا ومانعًا دم الإحصار وإلا فنحن لا تنكر أنه لو قال ذلك لم يكن له ضرر بقوله وإن لم يستفد به فائدة، قوله [أليس حسبكم سنة نبيكم] فإنه ﷺ حين اعتمر الحديبية لم يكن في أمن من أن يحصره الأعداء ويمنعوه وصول مكة كيف وفيهم كثرة ولغيظهم على أهل الإسلام شدة، ومع ذلك لم يشترط لما لم ير الاشتراط ينفع شيئًا بل الذي اشترط كمن لم يشترط في أنه لا يتحلل إلا بعد بعث الهدى إلا أن للمخالف أن يقول إنما لم يشترط لما أنه كان أتى بالهدى فلا فائدة له في التحلل من غير بعث الهدى كما هو الحكم للمشترط عندهم، وأما أمر القضاء فكانوا على يقين من دخول مكة أنى تيسر لرؤيته ﷺ ذلك في المنام وليس هذا لغيره ﷺ فلعله لا يتيسر له أن يقضي عمرته وليس عنده ما يبعث به الهدى (٢) فليسأل.\n_________\n(١) صرح بذلك في رواية أبي داود.\n(٢) فينبغي للعلماء إذا تحقق ذلك وأن الاضطرار عندهم أن يفتوا بقول أبي يوسف ﵀، كما بسطه القاري في شرح اللباب في آخر فصل في الهدي فارجع إليه.","vol":"2","page":147},{"text":"قوله [فلا أذن] أسقط النبي ﷺ هذا أي طواف الصدر عن هذه الطائفة في هذه الحالة فلا دم فيه ولا قضاء، قوله [عن عبد الرحمن بن البيلماني (١) وما وقع في بعض النسخ ابن السلماني فغلط من النساخ.\nقوله [خررت (٢) من يديك دعاء عليه] لتبادره إلى السؤال مع علمه\n_________\n(١) قال صاحب الخلاصة: بفتح الموحدة ثم تحتانية ساكنة وفتح اللام.\n(٢) قال السيوطي: بكسر الراء سقطت كناية عن الخجل قال أبو الطيب: لكن الظاهر أنه دعاء عليه وليس المقصود حقيقته وإنما نسبة الخطأ إليه في تأخير التبليغ كأنه بذلك استحق أن يدعي عليه بهذا الدعاء، انتهى، قلت: ويوضح المراد رواية أبي داود فإنها مفصلة، فقد أخرج عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض قال لكن آخر عهدها بالبيت قال فقال الحارث كذلك أفتاني رسول الله ﷺ قال فقال عمر أربت عن يديك سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ لكيما أخالف فعلى هذا وضح ما أفاده الشيخ ﵀، قال الحافظ عن ابن المنذر قال عامة الفقهاء بالأمصار ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع وروينا عن عمر بن الخطاب ﵁ وابن عمر ﵁ وزيد بن ثابت أنهم أمروا بالمقام إذا كانت حائضًا لطوائف الوداع، وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك وبقى عمر ﵁ فخالفناه لثبوت حديث عائشة ﵁ وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد كان الصحابة يقولون إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت إلا عمر ﵁ فإنه كان يقول يكون آخر عهدها بالبيت، وقد وافق عمر على رواية ذلك عن النبي ﷺ غيره ثم ذكر حديث الحارث المذكور ثم قال واستدل الطحاوي بحديث عائشة ﵁ وبحديث أم سليم على نسخ حديث الحارث في حق الحائض، انتهى، قلت: المراد بحديث عائشة ما تقدم في الترمذي في قصة صفية أخرجه البخاري وغيره وبحديث أم سليم ما أخرجه البخاري عن عكرمة أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت قال لهم تنفر قالوا لا نأخذ بقولك وندع قول زيد، قال إذا قدمتم المدينة فاسألوا فقدموا المدينة فسألوا فكان فيمن سألوا أم سليم فذكرت حديث صفية.","vol":"2","page":148},{"text":"بالمسألة عمن هو أفضل من عمر وأعلم، ولما أنه سأل عن عمر ولم يعرض عليه ما سمعه من النبي ﷺ، وقد كان سأل عمر عمن حج ولم يطف طواف الصدر فكان يحتمل أن يجيب عمر على خلاف مقتضى الحديث فيأثم بذلك الحارث والمعنى سقطت باختيارك وبأيدي نفسك لأنك سألت عمن يحتمل قوله الخطأ بعد العلم بمقولة من لم يحتمل قوله الخطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>[باب ما جاء أن القارن يطوف طوافًا واحدًا] </span>أما (١) ما ورد في ذلك من أحاديث فعله ﷺ كذلك فالجواب عنه أن أكثر أصحاب النبي ﷺ كانوا بعيدين منه، وإنما كانوا يتناوبون عليه وقتًا فوقتًا طائفة بعد طائفة لكثرة الناس يومئذ فعل الرواة الذين رووا طوافًا (٢) واحدًا وسعيًا واحدًا لم يصلوا إليه ﷺ إلا\n_________\n(١) اختلفت الأئمة في طواف القارن فقالت الأئمة الثلاثة أنه يطوف طوافًا واحدًا أي للفرض ويسعى سعيًا واحدًا وقال الأوزاعي والشعبي والنخعي ومجاهد وابن أبي ليلى وغيرهم وأبو حنيفة وأصحابه لابد للقارن من طوافين وسعيين كذا في البذل عن العيني.\n(٢) اعلم أن ما ورد في الروايات من قولهم طاف لها طوافًا واحدًا مؤول إجماعًا فإنه ﷺ طاف أولًا عند قدومه مكة كما في حديث جابر الطويل وغيره ثم طاف بعد رجوعه من منى يوم النحر مع الاختلاف في الروايات في صلاته ﷺ الظهر كانت بمكة أو منى كما في حديث جابر المذكور وغيره من عدة روايات، فلا يشك أحد فضلًا عن الأئمة في هذين الطوافين فلابد من التأويل لكل واحد فيما ورد من لفظ طوافًا واحدًا، فهم يقولون طاف للفرض طوافًا واحدًا والطواف الأول كان للقدوم، ونحن نقول طاف للحل من؟؟؟ طوافًا واحدًا والطواف الأول كان للعمرة.","vol":"2","page":149},{"text":"وقد فرغ من طوافه الأول وسعيه الأول أو انفصلوا عنه ولم يأخذ النبي - ﷺ - بعد في الطواف الثاني وأما ما رواه الطوافين وكذا السعيين فلا يتوهم بهم أنهم رووا كذلك بمحض القياس أو التوهم إذ لو حمل على ذلك لكان كذبا فلم ينقلوا عنه ذلك إلا وقد رأوه أنه طاف طوافين وسعى سعيين وأما الحديث القولي فأما ضعيف أو مأول جمعا بين الأحاديث فمن ذلك قولهم الآتي عنه - ﷺ - من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد فالصحيح أنه مرفوعا غير صحيح وإنما هو موقوف وإن سلم رفعه فالواو فيه بمعنى أو وهو كثير شائع ولفظه جميعا وإن كان الغالب استعمالها فيما وجودها مجتمع ولكنها كثيرا ما يستعمل فيما لم تجتمع وجود لها وذلك لاعتبار الاجتماع في نفس الوجود وإلا لزم التعارض بين قوله وفعله - ﷺ - ولا يجوز أن يحمل فعله على العزيمة وقوله هذا على الرخصة لأن هذا لا يقوله أحد فمن قال بالطوافين لم يقل باجزاء واحد ومن قال بطواف لم يقل بشرعية التكرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>[باب مكث المهاجر بعد الصدر]</span>\nقوله [يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكه] وإنما رخص لهم دون الزيادة لأن في الإقامة هناك تعريضا لثواب الهجرة على التقليل فيكره وذلك لأنها وإن لم تبق دار الكفر غير أن إقامتها نقض بحسب الصورة لما عاهدوا الله به من مفارقة الأهل والمال ومتاركة الوطن وإن لم يكن نقضا حقيقة ولذلك يقل ثواب الهجرة إن مات أحد من الذين","vol":"2","page":150},{"text":"هاجروا في الدار التي هجرها أولًا وإن لم يكن من عزمه القيام هناك بل كان على قصد الرجوع ولذلك قال النبي ﷺ لكن البائس سعد بن خولة، وأما لو حان في أيام أداء نسكه فله في ذلك فضل كثير ولا يتناقض بذلك أجره شيئًا لأنه ليس بمقيم إلا لأداء نسكه بعد، ولا يبعد أن يقال وإن لم يرد بذلك تصريح فيما بلغني من الروايات أن الميت بمكة من المهاجرين وإن كان ينتقص من أجر هجرته شيء إلا أنه يثاب ثواب موته بمكة كما يؤتاه غير المهاجر وإن كان الظاهر من قوله ﷺ لكن البائس سعد أن ما أوتي من الثواب لا يوازي ما نقص من ثواب هجرته ولا يكافيه إذ لو كان موافيًا له أو زائدًا عليه بشيء لم يكن ثمة بؤس ثم إن الرخصة في إقامة الثلاث لما يحتاج إليه من دفع التعب والكلال وإصلاح شأنه وشراء بعض ما يضطر إليه في سفره إلى غير ذلك والله أعلم.\nقوله [وهزم الأحزاب وحده] هذا ليس حالًا من فاعل هزم وإنما (١) هو مفعول مطلق لفعل محذوف لأن الحال تكون نكرة وهذا معرفة ولما يوهمه ظاهر اللفظ على هذا التقدير من اقتصار التوحد على حين الهزم مع أن توحده\n_________\n(١) اختلفت النحاة في تركيب قولهم وحده على أقوال: قال صاحب الكافية وشارحها شرط الحال أن تكون نكرة ومررت به وحده ونحوه متأول بالنكرة فلا يرد نقضًا على القاعدة، وتأويلها على الوجهين: إحداهما أنها مصادر لأفعال محذوفة أي ينفرد وحده أي انفراده فالجملة حال والمصدر منصوب على المصدرية، وثانيهما أنها معارف موضوعة موضع النكرات أي منفردًا أو نحوه فالصورة وإن كانت معرفة فهي في التقدير نكرة، انتهى، وقال صاحب المتن المتين: هي نكرة دائمًا وغير الكوفية نحو مررت به وحده، انتهى، وفي هامشه يعني لم يدخل الكوفية هذا النحو في الحال أصلًا إذ المنصوب في هذا عندهم على الظرفية كما في قولهم جاؤوا معًا بخلاف البصرية إذ هو منصوب على الحال عندهم، انتهى.","vol":"2","page":151},{"text":"لهزم هؤلاء ليس بصفة كمال له (١) فلا يفيد إفادة قوله أوحده توحيدًا ولأن وحده على تقدير الحالية لا يكون إلا متعلقًا بالكلام السابق وعلى تقدير كونه مفعولًا مطلقًا يكون كلامًا مستقلًا في إفادة التوحيد وإن كان يجوز أن يكون حالًا أيضًا باعتبار صحة المعنى في نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>[باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه]</span>\nاختلف (٢) العلماء فمنهم ومنهم الشافعي ﵀ من قال ببقاء إحرامه ومنهم ومنهم الإمام من قال بتمامه بالموت، واستدل الشافعي ﵀ ومن دان دينه بهذا الحديث فإن النبي ﷺ نهى أن يخمر رأسه وعلله بأن يبعث يوم القيامة يهل ويلبي. وقال الإمام ومن قال كقوله إن إحرامه ينقطع في حق أحكام الدنيا لعموم قوله ﵇ (٣) إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: صدقة جارية أو عمل ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، وأما هذه الوقعة فمحتمل كونه لخصوصيته (٤) في الرجل، لا لأن إحرامه لم ينقطع وقد تأيد ذلك بقوله ﵇ في الحديث الذي استدلوا به على\n_________\n(١) أي باعتبار التوحيد المطلق فإن التوحيد على الإطلاق أفيد وأعلى من التوحيد في وقت خاص.\n(٢) فقال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق: إن المحرم على إحرامه بعد الموت ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي: إنه يصنع به ما يصنع بالحلال وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاوس كذا في البذل.\n(٣) قال الزيلعي: رواه مسلم وأبو داود والنسائي في الوصايا والترمذي في الأحكام.\n(٤) قال ابن بزيزة: أجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل لأن إخباره ﷺ بأنه يبعث ملبيًا شهادة بأن حجه قبل وذلك غير محقق لغيره، كذا في الفتح وما تعقب عليه ابن دقيق العيد ليس بوجيه كما أشار إليه الشيخ ﵀.","vol":"2","page":152},{"text":"مرامهم اغسلوه بماء وسدر فإن السدر مما لا يستعمله (١) المحرم لإزالته الشعث وقتله هوام الرأس وتليينه الشعر ففيه من الارتفاق ما لا يخفى، وأما ما فهموا (٢) من قوله فإنه يبعث يوم القيامة يلبي أنه علة للنهي عن تخمير رأسه لكونه محرمًا فغير ظاهر ليس لهم على ذلك من دليل بل الفاء (٣) تعقيبية ذكرها لإثبات فضيلته حسب والجملة بيان لفضيلته وفضل من مات في عمل صالح أنه يبعث في حاله التي مات عليها فكإنه حرضهم على ارتكاب الخيرات والاجتناب عن المعاصي، والسيئات فإن المرء لا يدري أنى تلتقمه الأجداث ومتى تغوله الدواهي والأحداث ومن المسلم بين الفريقين الناس يحشرون يوم القيامة فيما ماتوا فيه من الأحوال والأعمال وإذا كان كذلك لم يكن بعثه يوم القيامة ملبيًا متوقفًا على عدم التخمير فإنه يبعث ملبيًا في كل حاله، افترى رجلا مات في سجدته لا يبعث ساجدًا فهلا لنا أن لا نضجعه في قبره ضرورة أنه يبعث ساجدًا أفيترك على هيئته تلك ولم يقل به أحد فكذلك ههنا، وحاصله أن أحكام الدنيا لا تكاد تنقاس بالأحكام الأخروية فهذه القضية الشخصية لا تكاد ترفع عموم تلك القضية الكلية مع ما فيها من الاحتمالات التي لا تكاد تنكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>[باب ما جاء في المحرم يحلق رأسه في الإحرام ما عليه]</span>\nظاهر ألفاظ الباب يشتمل ما إذا حلق رأسه بعذر أو حلق رأسه بغير عذر إلا أن المراد ههنا الأول بقرينة الحديث (٤) الذي أورده فيه وليس حكم القسمين واحدًا حتى يترك على\n_________\n(١) هكذا قاله العيني لكنه لا يرد على الشافعية فإنهم أباحوا للمحرم الغسل بالسدر كما في شرح الإقناع.\n(٢) كما مال إليه ابن دقيق العيد متعقبًا على قول ابن بزيزة.\n(٣) يعني لمجرد الترتيب الذكري وإلا فالمقصود منه إظهار المدح لموته بهذا الحال فإنه يبعث ملبيًا لأن كل ابن آدم يبعث على ما يموت عليه لكن لا يلزم بهذا البعث تغير في أحكام الدنيا.\n(٤) وبسط العيني في ذكر ما يستنبط من الحديث مع اختلاف العلماء في ذلك ولخصه الشيخ في البذل.","vol":"2","page":153},{"text":"عموه، قوله [فقال أتؤذيك هوامك] هذا لا ينافي ما ورد في بعض الروايات من سؤال كعب بن عجرة عن هوام رأسه قبل أن يبتدئ النبي ﷺ يذكرها ويفتشه عن أخوالها فإن الروايات لما كانت بالمعاني وحاصل كل ذلك يؤول إلى معنى واحد اجتمعت الروايات كلها من غير ارتكاب تكلف مستغنى عنه وكانت إجازته للحلق (١) لكثرة ما كان يكابد منها فكان مضطرًا إليها، ولذلك (٢) خيره النبي ﷺ بين الثلاثة المذكورة من الصيام وغيره ولو حلق من غير عذر لتعين عليه الدم وبذلك يعلم أن إجازة الشرع بشيء ورفع الإثم عنه لا يستدعي ارتفاع الكفارة ودم الجناية عليه وعلى (٣) هذا فمعنى قوله لا حرج في تقديم بعض المناسك على بعض وجوب الكفارة، ثم اعلم أن النبي ﷺ إنما رخص له في الحلق لما لا يعلم امتداد أيام الإحرام إلى متى؟؟؟ وإلا فقد وقعت المصالحة بالكفار بعد ذلك بقليل.\n_________\n(١) وهل شعور غير الرأس أيضًا في حكمه؟ قال العيني: قد أوجب العلماء الفدية بحلق سائر شعور البدن لأنها في معنى حلق الرأس إلا داود الظاهري فقال لا تجب الفدية إلا بحلق الرأس فقط، وحكى عن المحاملي أن في رواية لمالك لا تتعلق الفدية بشعر البدن كذا في البذل.\n(٢) قال العيني: إذا حلق رأسه أو لبس أو تطيب عامدًا من غير ضرورة فقد حكى ابن عبد البر في الاستذكار عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبي ثور أن عليه دمًا لا غير وإنه لا يخير إلا في الضرورة وقال مالك: بئس ما فعل وعليه الفدية وهو مخير فيها، وحكى زين الدين عن الشافعي وأصحابه المعروف عنهم وجوب الفدية كما جزم به الرافعي كذا في البذل.\n(٣) تأييد من الحديث المذكور لمسلك الحنفية في الأحاديث المشهورة التي ورد فيها السؤال عن تقديم بعض الأفعال وتأخيرها وأجاب فيها النبي ﷺ بـ «افعل ولا حرج».","vol":"2","page":154},{"text":"[باب في الرخصة للرعاة أن يرموا يومًا إلخ] قوله [ورواية مالك ﵀ أصح] لما أنه (١) يلزم على ظاهر عبارة ابن عيينة أن يكون أبو الداح روى هذا الحديث عن عدي مع أنه لم يروه إلا عن عاصم وإنما نسبه إلى جده من قال له ابن عدي وإنما هو ابن عاصم بن عدي.\nقوله [ثم يجمعوا في يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما] وهذا\n_________\n(١) ما أفاده الشيخ ﵀ (*) أوجه مما فسر الزرقاني وجه الأصحية بوجه آخر فقال اختلف فيه على سفيان فعند أبي داود والترمذي عن سفيان عن عبد الله ومحمد بن أبي بكر عن أبيهما عن أبي البداح ورواه النسائي عن سفيان عن عبد الله وحده ورواه ابن ماجة عن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبي البداح ولذا قال الترمذي رواية مالك أصح وأما زعم أن تصحيحه لقول مالك بن عاصم وقول سفيان بن عدي، والرد على الترمذي بأن النسبة إلى الجد سائغ فليس بشيء إذ هذا لا يخفى على الترمذي وكونه لم يذكر الاختلاف لا يدل على أنه لم يره، انتهى، قلت: هذا محتمل لكن ما نسب إلى الترمذي ليس في النسخ التي بأيدينا بل فيها عبد الله بن أبي بكر ابن محمد نعم ما عزا إلى أبي داود وابن ماجة يوجد فيها، وهذا يكفي للاختلاف لكن صنيع المحدثين عامتهم في ذكرهم الاختلاف بين روايتي سفيان ومالك يؤيد كلام الشيخ وكلام الحافظ كما لا يخفى.\n(*) ويؤيده صنيع الحافظ في التلخيص إذ قال رواه الترمذي عن أبي البداح بن عدي عن أبيه ورواه مالك فقال عن أبي البداح ابن عاصم بن عدي وحديث مالك أصح وقال الحاكم: من قال عن أبي البداح بن عدي فقد نسبه إلى جده، انتهى، فهذا يدل على أن الاختلاف بينهما عند الحافظ أيضًا في نسبة أبي البداح إلى عاصم أو عدي.","vol":"2","page":155},{"text":"يتصور على وجهين (١) يقيموا بعد يوم النخر حتى يرموا الحادي عشر فيذهبوا ثم يأتوا الثالث عشر فيرموا رمي الثاني عشر، والثالث عشر في الثالث عشر والثاني أن يذهبوا بعد رمي النحر حتى يأتوا في الثاني عشر فيرموا رمي الحادي عشر والثاني عشر ثم يقيموا ثمة حتى يرموا الثالث عشر رمى هذا اليوم.\nقوله [قال هالك ظننت أنه قلل في (٢) أول منهما ثم يرمون يوم النفر]\n_________\n(١) هكذا فسر الحديث بهذين الاحتمالين أكثر شراح الحديث كالشوكاني وغيره وههنا احتمال ثالث وهو أن يرموا الحادي عشر له وللثاني عشر يجمع تقديم لكنهم لم يختاروه لأن الجمهور أنكروا جمع التقديم قال الطيبي: رخص لهم أن يرموا يوم العيد جمرة العقبة فقط ثم لا يرموا في الغد بل يرموا بعد الغد رمي اليومين الفضاء والأداء، ولم يجوز الشافعي ومالك أن يقدموا الرمي في الغد قال القاري وهو كذلك عند أئمتنا، انتهى.\n(٢) اختلفت الروايات في هذا اللفظ كما في مسند أحمد، وفي رواية له قال مالك: ظننت أنه في الآخر منهما وعلى هذا فلا مخالفة بينه وبين تفسير الموطأ ولا يحتاج إلى توجيه الشيخ وأما على لفظ الترمذي فيحتاج إلى التوجيه ويمكن أيضًا أن يوجه أن ما في الترمذي رأى شيخه وما في مسند أحمد والموطأ رأى الإمام مالك بنفسه فتأمل، وكتب مولانا محمد حسن المكي عن القطب الكنكوهي في تقريره على الترمذي أن قوله في أول منهما بيان لليوم المتروك لا ليوم الرمي. ولفظه أما قول مالك في بيان معنى الحديث ظننت إلخ، فلا يجوز أن يكون [في أول منهما] تفسيرًا لقوله [في أحدهما] ويكون قوله [ثم يرمون يوم النفر] خارجًا عن تفسيره وإلا يلزم تقديم الرمي على يومه، وهذا لا يجوز عند أحد من الأئمة الأربعة بل قوله في أول منهما مع قوله ثم يرمون يوم النفر بمجموعهما تفسير لقوله فيرمون في أحدهما فقوله في أول منهما متعلق بالترك المستفاد من قوله في أحدهما لأن المستفاد منه أمر أن الرمي في يوم والترك في يوم فلما تعين الرمي في تفسير مالك ليوم النفر أي الثاني عشر تعين ترك الرمي لليوم الأول أي الحادي عشر فكان قوله في أول منهما متعلق بالترك وحاصل المعنى [ظننت أنه قال] يتركونه [في أول منهما ثم يرمون يوم النفر الأول]، انتهى مختصرًا.","vol":"2","page":156},{"text":"هذا ما نقله المؤلف من مقولة مالك ﵀، وقد بين مالك ﵀ ظنه هذا في موطأه (١) بأوضح من هذا وأبين، فينبغي أن يحمل ما عزاه المؤلف إليه على ما هو مصرح به، فيقال في توجيهه أن أول أفعل تفضيل ومن صلة له وليس بتبعيضية فلا يكون مصداق الأول داخلًا فيما دخل عليه من الجارة وهو ضمير التثنية فيكون المراد بالأول حينئذ يوم النحر وبالنفر النفر الأول وهو الثاني عشر من ذي الحجة فيكون المعنى أنهم يرمون في يوم النحر، ثم يرمون في النفر الأول رمي يومين رمي الحادي عشر الذي تقدم والثاني عشر الذي هو موجود، أو يقال في توجيهه أن لفظة من تبعيضية وعلى هذا فلا يعتبر في الأول معنى التفضيل وأول داخل في مدخول من ولا ذكر ههنا لرمي يوم النحر لكونه في وقته لا محالة فإنما هو ذكر لرمي ما بعد يوم النحر، فمصداق أول منهما هو اليوم الحادي عشر فيرموا فيه ثم يروحوا إلى مراعيهم حتى إذا أتى يوم النفر الثاني وهو اليوم الثالث عشر من\n_________\n(١) ولفظه قال مالك وتفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في رمي الجمار فيما نرى والله أعلم أنهم يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك فإن بدالهم النفر فقد فرغوا وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا، انتهى لفظه.","vol":"2","page":157},{"text":"ذي الحجة رجعوا فجمعوا رمي يومين هذا والنفر الأول الذي كان غدًا.\nقوله [وهو أصح] ولقد بينا لك وجه الصحة فيما تقدم من كونه لا يوهم ما يوهمه حديث سفيان بن عيينة من رواية أبي البداح عن عدي مع أنه رواه عن أبيه عاصم لا عن جده عدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>[باب قوله أولًا أن معي هديًا لأحللت]</span>.\nإنما قاله لئلا يظن بنفسه أنه سيحل كما حل سائر أصحابه ﷺ ولئلا ينكر على فاطمة ﵂ تحللها، وليعلم عليًا أن من ساق هديًا لا يحل ومن لم يسق فلقد حل إلى غير ذلك من الفوائد، وعلم بحديث على هذا أن من أحرم بحجة وعزم عليه وأحال صفة من صفاته على (١) غيره مثل كونه متعة أو قرانًا فهو جائز، ولا يجوز مثل ذلك في الصلاة (٢) والصوم وغيرها.\nقوله [يوم الحج الأكبر يوم النهر] اختلفوا في ذلك، فقيل: يوم الحج\n_________\n(١) قال الحافظ: الإحرام على الإبهام جائز ثم يصرفه المحرم لما شاء لكونه ﷺ لم ينه عن ذلك، وهذا قول الجمهور وعن المالكية لا يصح الإحرام على الإيهام وهو قول الكوفيين، قال ابن المنير وكأنه مذهب البخاري، انتهى، قلت: ومذهب الحنفية كما في شرح اللباب ومن نوى الإحرام من غير تعين حجة أو عمرة صح ولزمه المضي في أحد النسكين وله أن يجعله لأيهما شاء قبل أن يشرع في أعمال أحدهما فإن لم يعين حتى طاف ولو شوطًا صار إحرامه للعمرة أو وقف بعرفة قبل الطواف فصار إحرامه متعينًا للحجة وإن لم ينو. انتهى.\n(٢) أي أن يعلق صلاته على صلاة غيره لكنه إن علق على صلاة الإمام يصح، ففي شرح المنية: إن نوى الشروع في صلاة الإمام فقد اختلف المشايخ، والأصح أنه يجزيه قال قاضي خان: لأنه لما نوى الشروع في صلاة الإمام صار كأنه شرع فرض الإمام مقتديًا به، انتهى.","vol":"2","page":158},{"text":"الأكبر يوم عرفة، لما أن الوقوف بعرفة فيه، والحج العرفة، وقيل: بل النهر لما أن معظم أفعال الحج فيه مثل الوقوف بالمزدلفة بعد ما صلوا الصبح بغلس ورمي جمرة العقبة والذبح والحلق وطواف الزيارة.\nقوله [أن ابن عمر كان يزاحم على الركنين إلخ] لم يرد بالزحام ما يتبادر منه من الزحام الذي يتأذى به الناس لأنه منهي عنه، كيف وقد ارتكبه من سلم فقاهته بين الأصحاب وتوافقت على كونه ثقة أرباب الألباب، مع أنه لا يظن به إلا ارتكاب ما ليس محظورًا شرعًا، إنما المراد بالازدحام ما يلزمه من احتمال أذى الناس في تزاحمهم وطول تلبثه منتظرًا وقت تفاقمهم.\nقوله [إن مسحهما كفارة للخطايا] ولا ريب في أن من لم يستلمه لعذر ازدحام الناس واكتفى باستقباله فإنه يكفر خطاياه، إلا أنه لا يخفى التفاوت بين إتيان الطاعة نفسها، وبين أن يؤتى للرجل ثوابها منة منه سبحانه وفضلًا، فكان ابن عمر أشار بذلك القول إلى فضل الحجر، فيتضح بذلك وجه مقاساته الشدائد في الوصول إليه.\nقوله [الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه إلخ].\nاستدل بذلك من (١) قال إن الطهارة شرط للطواف، فإن التشبيه عنده\n_________\n(١) قال القاري في شرح النقاية: الطهارة له من الحدثين وستر العورة واجبات عندنا لا شرائط كما قال مالك والشافعي لحديث الباب ولنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وهو في اللغة عبارة عن الدوران حول البيت فمن شرط الطهارة زاد على النص وهولا يجوز بخبر الواحد، فإن قيل فعله ﷺ الطواف بطهارة كان بيانًا للأمر في حق الطهارة، قلنا إنما يقال بيان إذا كان النص يحتمله بوجه والأمر بالطواف لا يحتمل الطهارة فيصير زيادة لا محالة، والزيادة قد يكون لتعلق أصل الجواز وقد يكون لتعلق الكمال فلا يتعلق به الجواز للاحتمال فعلى هذا أمر الطواف بقدر ما يدل عليه فرض وما زيد عليه بالسنة واجب، انتهى ملخصًا.","vol":"2","page":159},{"text":"مبني على ذلك وليس بسديد، فإن التشبيه إن كان مناطه الشركة ي جميع ما يشترط للصلاة لزم اشتراط الاستقبال وسترة العورة والكف عن الحركة الكثيرة والمشي إلى غير ذلك وقد أجمعوا على أنه غير مشترط وإن اختص الاشتراط في الطواف بالطهارة لهذا الحديث لزم الترجيح ولا مرجح فالحق أن المراد بذلك هو الاشتراط والمشابهة في الأجر والمثوبة ولذلك اختلف العلماء في تفضيل أحدهما على الآخر وآل الأمر إلى أن الصلاة للمكي في أيام الحج أفضل من الطواف ولغيره الأمر بالعكس أو يقال إن (١) التشبيه في ثبوت الأمرين بكتاب الله.\nقوله [والله ليبعثنه الله يوم القيامة] إنما حلف النبي ﷺ في إخباره بذلك لما كان المخبر به مستبعدًا في الجملة فكأنه نزلهم منزلة المنكرين، فأكد الكلام باللام والقسم لدفعه، ووجه الاستبعاد كثرة المشهودين عليهم مع كون الشاهد لا يسمع فيما يبدو للناظرين ولا يبصر وليس له لسان ينطق به.\nوقوله [يشهد على من استلمه بحق] لفظة على ليس للضرر وإنما هو مثل قوله تعالى (٢) وقوله [بحق] متعلق بالاستلام والمراد به ما ليس فيه شائبة رياء ولا سمعة ويعلم بذلك حال المستلم بغير حق وشهادته عليه مقايسة ودلالة ولو جعل متعلقًا بالشهادة لكان صحيحًا أيضًا لكنه ليس يفيد كثيرًا ولا يبعد أن يقال في توجيهه غير ذلك، ولكن الأستاذ- أدام الله علوه ومجده وأفاض على\n_________\n(١) أو يقال التشبيه في نوعية الأجر أو باعتبار بعض الأحكام على أن الحديث متكلم فيه.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك ولعله ﵀ أراد كتابة آيات وقعت في القرآن المجيد بالشهادة على شيء ولا يراد فيها الضرر كما في قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ وفي قوله ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ونحو ذلك.","vol":"2","page":160},{"text":"العالمين بره ورفده- لم يزده على الذي ذكرنا.\nقوله [كان يدهن بالزيت وهو محرم غير المقتت] هذا ينافي مذهب (١) الإمام في نهيه عن استعمال الدهن أيه كان لإزالة الشعث وفيه من الارتفاق ما لا يخفى، وجوز الصاحبان استعماله في غير الرأس فلا ينافي في مذهبهما إذا أريد بقوله كان يدهن استعماله في غير الرأس وأما إذا كان فيه طيب فلا يجوز أصلًا عند أحد\n_________\n(١) الظاهر أنه وقع فيه شيء من سهو الناسخ فإن التفريق بين الرأس وغيره لم يذكره أهل الفروع من مذهب الصاحبين بل ذكروه من مذهب الشافعي ﵀، ففي الهداية إن أدهن بزيت فعلهي دم عند أبي حنيفة، وقالا عليه الصدقة، وقال الشافعي: إذا استعمله في الشعر فعليه دم لإزالة الشعث، وإن استعمله في غيره فلا شيء عليه لانعدامه، ولهما أنه من الأطعمة إلا أن فيه ارتفاقًا بمعنى قتل الهوام وإزالة الشعث فكانت جناية قاصرة ولأبي حنيفة أنه أصل الطيب ولا يخلو عن نوع طيب ويقتل الهوام ويلين الشعر ويزيل التفث والشعث فيتكامل الجناية بهذه الجملة فيوجب الدم وكونه مطعومًا لا ينافيه كالزعفران، وهذا الخلاف في الزيت البحت أما المطيب منه كالبنفسج يجب باستعماله الدم بالاتفاق لأنه طيب، انتهى، فقد علم منه أن الحديث مخالف لمسلك الإمام وصاحبيه معًا، والفرق في موجب الجزاء هل هو دم أو صدقة فما أجاب به الشيخ ﵀ من جهة الإمام هو جواب عن الإمام وصاحبيه كلهم، وتوجيه استعماله في غير الرأس توجيه من جهة الشافعي ولذا بوب البيهقي على الحديث المحرم يدهن جسده غير رأسه ولحيته بما ليس بطيب، وأجاب العيني عن الحنفية في البناية وصاحب الجوهر النقي أن فرقدًا ضعيف وحكيًا تضعيفه عن جماعة، وخمله صاحب البدائع على الضرورة وقال أيضًا ليس في الحديث أنه لم يكفر فيحتمل أنه فعل وكفر، انتهى.","vol":"2","page":161},{"text":"من الفقهاء وظاهر أنه ليس ههنا كذلك لتصريحها بكونه غير مقتت وهو المطيب من القت وهو الكسر لما أنه يكسر فيه أشياء ذات طيب كالورد والياسمين وغيرها فمحمل الحديث على مذهب الإمام أن هذا بيان لتطييبه ﷺ بعد غسل الإحرام وهو آخذ في أن يحرم، فكان قوله هذا في أن المراد بهما واحد كقول عائشة ﵂ طيبت رسول الله ﷺ لحله ولحرمه فكان هذا بيان منه للوقت الذي لم يوجد فيه مطيب الدهن فكان إذا أدهن بدهن غير مطيب استعمل الطيب على حدة وإذا وجد الدهن المطيب اكتفى به، وفيه خدشة وهو أن النبي ﷺ لم يحج معها إلا مرة فأنى يستقيم الترديد وكذلك الظاهر من حال ابن عمر أنه لم يكن معه ﷺ إلا في حجة الوداع ويدفع بأنه أدهن في الشعر وتطيب في الفرق وغيره من المواقع فإن قلت قد بينت حال تطييبه فيها عائشة ﵂ بما ينافي هذا الذي ذكر ههنا فكيف التوفيق، قلت: التوفيق ممكن بأن العضو الذي استعمل فيه الزيت غير الذي استعمل فيه الطيب ولا يبعد أن يكون استعمال الدهن في غير الرأس مما ليس فيه إزالة الشعث وعلى هذا لا يحتاج إلى كونه قبل الإحرام.\nقوله [كانت تحمل إلخ] فيه دليل على جواز ذلك ولا يقاس عليه غيره الذي ينتقص بالأخذ وفيه ضرر لمكة أو لأهلها كالتراب فإن في أخذ التراب نقصًا بالأماكن فتصير حدودرًا (١)، قوله [افعل كما يفعل أمراؤك] يعني يترك المستحب مخالفة الشقاق. هذا آخر أبواب الحج.\n_________\n(١) هذا بيان للنقص بالأماكن أي إن أخد الحجاج التراب كلهم تصير الأماكن كلها حفرات قال المجد: الحدر الحط وبالتحريك مكان ينحدر منه كالحدور وإلا حدور إلخ.","vol":"2","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>أبواب الجنائز </span>(١)\nلا يبعد أن يقال في توجيه ذكر هذه الأبواب ههنا وإن لم يكن للمؤلف نظر إلى أمثال هذه أن مبنى الإسلام لما كانت هي الأركان الأربعة فرغ من بيانها أولًا مسارعة إلى ما يجب على كل واحد أداؤه لكنه أراد ههنا أن لا يتأخر ذكر الجنائز عن سائر ما ليس بمثابة ما ذكر من الأركان كيف وفي أبواب الجنائز ذكر الصلاة وهي فريضة وإن كانت على الكفاية، وأيضًا فإن معظم ما في هذه الأبواب يأتي به غيره ولا يفعله بنفسه كالصلاة والدفن وإجراء الوصايا والدعاء للأموات فأولى أن يؤخر عما يفعله بنفسه وهو لابد له منه بخلاف ما سيأتي من المباحث فإن للمكلف من أكثرها غنية.\nقوله [شوكة فما فوقها] والمراد بما فوق الشوكة يمكن أن يكون ما زاد عليها في الإيذاء ولكن الأولى إرادة ما قل منها كما (٢) في قوله تعالى ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إذ المراد (٣) في الآية والرواية كلتيهما المبالغة في التقليل والتحقير. وهو\n_________\n(١) قال أبو الطيب جميع الجنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح ويقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت، ويقال عكسه والجنائز بالفتح لا غير، انتهى.\n(٢) فسرت الآية أيضًا بالاحتمالين قال صاحب جامع البيان: قوله ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ في الصغر والحقارة كجناحها أو في الكبر كالذباب، انتهى، فالتشبه بالآية في كلا الاحتمالين وإليه أشار بالتعليل.\n(٣) أي على الظاهر والأولوية وإلا فقد عرفت أن الآية والحديث كلاهما مفسران بالاحتمالين.","vol":"2","page":163},{"text":"حاصل فيما قلنا لا الأول.\nقوله [من نصب ولا حزن ولا وصب] والنصب ههنا ما يعرضه من الكلال والإعياء في الأمر المباح والطاعة وأمثالها، والحزن هو ما يعتري القلب على شيء قد سبق ومضى والوصب ما يعرض جسمه من المرض والجرح وغيره، قوله [حتى الهم يهمه] المستكن فيه راجع إلى الهم والمنصوب للمؤمن المقدم ذكره والهم ما اعتراك من فكر فيما يأتي من الأمور.\nقوله [لم يزل في خرفة الجنة] أي يقيض له بستان يجتني منه في أخراه، وليس المراد الجنى من دون الأشجار فيطابق الحديثان، وإن حمل لفظ الجنى على ظاهره يكون تفاوت الجزاء بتفاوت العمل، قوله [واسم أبي فاختة] هذه كنية لأبي ثوير الذي روى عنه ثوير (١).\nقوله [على خباب (٢)] مشددًا [وقد اكتوى (٣)] كان النبي ﷺ نهى عن الكي لما رآهم يعتقدون فيه ما لا ينبغي أن يعتقدوا فنهاهم ثم لما استقرت آراؤهم على ما ينبغي أن يستقر رخصهم في الكي إذا لم يكن يعرف الشفاء إلا فيه\n_________\n(١) ثوير بضمة المثلثة مصغرًا ابن أبي فاختة بالفاء وكسر الخاء المعجمة فمثناة سعيد بن علاقة بكسر المهملة الكوفي قاله أبو الطيب والسيوطي.\n(٢) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة آخره موحدة أيضًا ابن الأرت بتشديد التاء المثناة من فوق قاله السيوطي.\n(٣) قال الطيبي: الكي بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض، وقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن الكي فقيل النهي لتعظيم أمره ويرون أنه لا يحصل الشفاء إلا به، وأما إذا اعتقد أنه سبب للشفاء وأن الله تعالى هو الشافي فلا بأس به، ويجوز أن يكون النهي من قبيل الإرشاد إلى التوكل، وقيل النهي محمول إذا لم يكن ضرورة قاله أبو الطيب.","vol":"2","page":164},{"text":"فلذلك اكتوى خباب، وأما قوله في بيان ما قاس (١) من الشدائد فلم يك إلا بيانًا لحاله أو تحديثًا لنعمته تعالى عليه فإن المصائب على المؤمن نعم منه تعالى إذا صبر عليها.\nوقوله [لقد كنت وما أجد درهمًا] بيان لنعمة الإنعام عليه بعد ما كان مقلًا ليس له درهم أو يكون هذا باين ما قاسى من قبل من الإفلاس كما يقاسي آلام الأسقام اليوم، قوله [وفي ناحيتي أربعون ألفًا] هذا لا ينافي ما ورد في بعض الروايات من الزيادة على ذلك المقدار فإن هذا بيان لما كان وقع في ناحية من البيت لا أن هذا لحصر جميع ما في بيته، قوله [أنهانا أو نهى] شك من الراوي.\nقوله [دخلت أنا وثابت البناني] وكنا نتلمذ عليه [فقال] صاحبي [ثابت يا أبا حمزة] هذه كنية لأنس بن مالك [اشتكيت] متكلمًا لا بصيغة المخاطب [قال كلاهما صحيح] لأن عبد العزيز كما أخذه عن أنس بلا واسطة أخذه عن أبي سعيد بتوسط أبي نضرة فنسبه إلى كليهما ثم بين المؤلف دليلًا على صحة الروايتين معًا فقال حدثنا عبد الصمد وهذه مقولة أبي زرعة.\nقوله [باب ما جاء في الحث على الوصية] الوصية نوعان: وصية ما يجب عليه أدائه كالديون والودائع وبيان ما عليه من الصلاة والصيام، وهذه الوصية واجبة على المرء وهذه هي التي أرادها النبي ﷺ بقوله ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين إلخ إلا أن حكم النوع الثاني من الوصية يعلم مقايسة عليها فإن الوصية بما يجب عليه لما كانت واجبة عليه كانت الوصية بما يستحب له فعله مستحبة، فلذلك عم المؤلف ترجمة الباب ليعلم الحث على الوصية بكلا نوعيها وقوله ﵇ [إلا ووصيته مكتوبة] ليس المراد به الكتابة نفسها إنما المراد بها الإعلام كيف حصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>[باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع]</span>\nالأول على الجواز، والثاني\n_________\n(١) فقد ورد في رواية اكتوى في بطنه سبعًا، قال أبو الطيب.","vol":"2","page":165},{"text":"على الاستحباب قوله [أوصيت] سأله ليعلم أنه هل أتى بما يستحب له أم لم يأت، وعدم إتيانه بذلك يتنوع نوعين أن لا يكون أتى بالإيصاء مطلقًا أو يكون أتى به لكن لا على الوجه المستحب بأن يكون فيه إتلاف حق.\nقوله [هم أغنياء بخير] وكانت له ابنة غنية (١) ذات زوج غني ومع ذلك فلم يرخص له النبي ﷺ أن يربي على الثلث، وفيه دلالة على ما للورثة من عظيم الحق في مال المورث وأنه لا ينظر في ذلك إلى غناء الوارث أو فقره ومعنى قول سفيان من أوصى بالثلث فلم يترك شيئًا أن المورث لما لم يكن له وقت الموت تصرف على ما زاد على الثلث لتعلق حق الورثة بالباقي كانت المنة منه على الورثة أن لو ترك شيئًا من حقه لهم فأما إن استوفى الثلث في الوصية علم أن إحجامه عن الباقي ليس لامتناعه عنه قصدًا إبقاء على الورثة بل لعدم الاختيار، وقوله لا يجوز له إلخ، علة لقوله فلم يترك شيئًا.\nقوله [فما زلت أناقصه] أي أبين له أن فيما عينته يا رسول الله نقصًا لي أي لم أزل أذكر له أن الذي أمرت به قليل أو المعنى فما رلت أناقصه عما قلت أولًا من مالي كله أي لم أزل أذكر له أقل من الذي كنت ذكرته أولًا يعني تركت أولًا من كل المال قليلًا وقليلًا حتى آل الأمر إلى الثلث فافهم حتى يتضح لك الفرق بين الوجهين.\nقوله [ويستحبون أن ينقص من الثلث] لقوله ﷺ والثلث كبير وليكون له منة على أولاده كما أن له فضلًا على الفقراء في الإيصاء لهم، قوله [بخمس دون الربع] بيان ليتضح حال الثلث ولا يشتبه فقال الخمس الذي هو دون الربع والربع الذي هو دون الثلث أو أراد بذلك أن مراتب الاستحباب متفاوتة فالربع استحبابه دون استحباب الخمس، وعلى هذا فالربع والخمس كلاهما مستحب غير أن الخمس\n_________\n(١) لما ثبت أنه لم يكن له من الأولاد إذ ذاك إلا بنت واحدة وورثته الأخر عصبة، فقوله هم أغنياء باعتبار الورثة، قاله أبو الطيب.","vol":"2","page":166},{"text":"أولى استحبابًا وعلى الأول وهو أن يكون ذلك بيان الربع (١) وتعيينه لم يكن المذكور في كلام سفيان استحباب (٢) الخمس فحسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>[باب في تلقين المريض عند الموت والدعاء له]</span>\nقوله [فقولوا خيرًا] أي لا تدعوا على أنفسكم فتقولوا أهلكنا الله بهلاكه وأمثال ذلك بل قولوا خيرًا مثل غفر الله لنا وله وأحسن الله جزائنا وجمل صبرنا عليه كما قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها اللهم اغفر لي وله واعقبني منه عقبى حسنة وإذا أريد بقول الخير دعاؤه للمريض كانت مناسبة الحديث بكلا لفظي الترجمة ظاهرة وهو التلقين والدعاء، وأما إذا أريد بالخير أعم من الدعاء كان بعض ما ورد في الباب من الروايات تثبت الجزء الأول منهما والبعض الآخر جزءًا ثانيًا.\nقوله [شقيق هو ابن سلمة] ليس بلسمة التي كنيت بها أم سلمة صاحبة القصة زوج النبي ﷺ، قوله [وقد كان يستحب أن يلقن المريض] وتلقينه أن يقرأ عنده بحيث يسمعه فيتنبه له لا أن يقال له هل هكذا والاكتفاء في ذكر التلقين على لفظ الشهادتين مجرد اقتصار على ذكر ما هو أهم ليعلم حال الغير مقايسة وإلا فليس المراد أن التلقين لا يكون إلا بالشهادتين فقط بل المستحب إتيان غيرهما أيضًا من الاستغفار وغيره.\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والظاهر عندي أنه سبق قلم، والصواب بدله لفظ الخمس كما لا يخفى على من طالع كلام سفيان.\n(٢) هكذا في الأصل، والظاهر أنه سقط منه حرف الاستثناء والعبارة هكذا: لم يكن المذكور في كلام سفيان إلا استحباب الخمس فحسب، ويكون توضيح كلام سفيان كما أشار إليه الشارح سراج أنهم يستحبون الوصية بالخمس دون الربع وأنت خبير بأن الربع أقل من الثلث فكأنهم يستحبون الأقل من الثلث بمرتبتين فتأمل، وعلى هذا فقوله والربع دون الثلث مبتدأ وخبر جملة مستأنفة ليس بمنصوب على المفعولية فتأمل.","vol":"2","page":167},{"text":"قوله [فما لم يتكلم] أي ما لم يتكلم بكلام غيره فلا حاجة إلى الإعادة عليه وأما إذ تكلم بشيء بعد ما قال الكلمة فلا حرج حينئذ في إعادة التلقين عليه لأنه لم يبق آخر كلامه لا إله إلا الله، وهذا كله تحصيل لظاهر ما قال النبي ﷺ: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، وإلا فالأمر غير موقوف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>[باب في التشديد عند الموت]</span>\nقوله [يهون (١) موت] الرواية بفتح الهاء فسهولة النزع ليس مما يستدل به على الخير ولا شدته على غير ذلك نعم قد يكون اسوداد الوجه وأمثاله قرينة ظاهرة على سوء الخاتمة وليس ذلك مما يوجب اليقين أيضًا.\nقوله [المؤمن يموت بعرق الجبين] يعني أن المؤمن يموت بشدائد وكروب يقاسيها في سكرات الموت فإن عرق الجبين يلزم الشدة وكثرة الجد فكنى به عنها أو المعنى أن المؤمن لا يزال في آلام ومحن وشدائد حتى الموت، والباء حينئذ للملابسة يعني أنه يلابس (٢) الشدائد ويباشرها من حين ولد أو من حين أدرك وخوطب بأحكامه تعالى وكلف بتكاليف الشرع إلى أن يموت فيتخلص من جميع ذلك والفرق بينهما ظاهر فإن مؤدى التوجيه الأول بيان الشدة على المؤمن وقت الموت فحسب، وفي الثاني مقاساته الشدائد في كل عمره، وقيل: معنى الحديث أن المؤمن يموت حين يعرق جبهته وينبغي أن ينضم إلى ذلك علامات أخرى ومعنى تعرق الجبين حينئذ باق على حقيقته (٣) الظاهرة وليس كناية عن الشدة ثم هي\n_________\n(١) قال أبو الطيب: الهون بفتح الهاء الرفق واللين، وأما الهون بالضم فهو الذل، انتهى.\n(٢) فهو كناية عن كد المؤمن في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة، حكاه أبو الطيب عن التوربشتي.\n(٣) فقيل يكون من الحياء وذلك لأن المؤمن إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خجل واستحيى من الله فعرق لذلك جبينه، قال السيوطي.","vol":"2","page":168},{"text":"ليست على أحد معانيها كلية وإنما هي مهملة على جملة التقارير في قوة الجزئية أو يكون جزئية بإرادة العهد الذهني.\nقوله [لا يجتمعان في قلب عبد مسلم في مثل هذا الموطن] إلخ يعني أن ذلك الذي قاله إنما هو عين الإيمان فكان خاتمته على الإيمان فيغفر له مع أنه حين تذكر ذنوبه كما قال الشاب يندم على ما فرط في جنب الله لا محالة، وهذا هو الاستغفار والإنابة التي يغفر بها الصغار والكبار ويدخل بها في نظم الأخيار والأبرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>[باب ما جاء في كراهية النعي]</span>\nالنعي (١) كله غير مكروه وإنما المكروه ما كانوا عليه من التشهير والنداء كما فسره المؤلف فيما بعد حيث قال قال عبد الله النعي أذان بالميت ولم يقل إخبار وإعلام أو إيذان بالميت فلا يكره إخبار أحد من أهل قرابة الميت إذا لم يلزم بذلك تأخير في دفن الميت لأن التعجيل فيه مأمور به، وأما نهي حذيفة عن مطلق الإعلام فقد بنى الأمر على الاحتياط من قبيل سد الباب لا أنهم فهم من الحديث كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>[باب الصبر في الصدمة الأولى]</span>\nأي المعتد به والممدوح الموجب لجزيل المثوبة هو الصبر عند أول الصدمة، وأما إذا عيى النفس من الكلال واعتاد فوات الحبيب فلا محمدة حينئذ في الصبر إلا يسيرة وإنما أريد به هذا المعنى عبرة للمقام الذي قال فيه النبي ﷺ ذلك وإلا فظاهر معنى قوله ﷺ عند الصدمة الأولى أن من توالت عليه الصدمات فإنما المحمود الموجب للأجر الوافي صبره على أولاها، وإنما أريد بذلك أول (٢) الصدمة لا الصدمة الأولى ليوافق القصة وسيجيء في\n_________\n(١) بفتح النون وسكون العين المهملة وتخفيف الياء، وفيه أيضًا كسر العين وتشديد الياء قاله أبو الطيب.\n(٢) وقد ورد بهذا اللفظ في روايات قال الحافظ في رواية الأحكام عند أول صدمة ونحوه لمسلم، انتهى.","vol":"2","page":169},{"text":"موضعه، ووجه تصحيح هذا المعنى أن كل فكرة في الفائت المصائب به وكل خطرة من المصاب إليه صدمة على حدة فالصدمة متجدة في كل آن فالصدمة الأولى ما كان في أول آن منها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>[باب غسل الميت]</span>\nقوله [إن رأيتن] يعني أن المقصود هو الإنقاء وإيثار العدد استحباب كما أن الاكتفاء على الثلاث أو الخمس ندب لا غير، فلو لم يحصل الإنقاء بذلك القدر لانجماد دون أو غير ذلك زدن (١) على ذلك العدد، قوله [بماء وسدر] قال (٢) الفقهاء والسدر يستعمل في الأولى لإزالة الثفل (٣) ثم ينبغي استعمال القراح ليحصل التنظيف.\nقوله [كافورًا أو شيئًا من كافور] شك من الراوي ولا يجدي رشح الكافور (٤) على الأكفان كما يجدي جعله في آخر ما يغسل به الماء وذلك لأنه يدفع الهوام وحشرات الأرض، قوله [فقال] ﷺ [أشعرنها] هذا محتاج إلى تنقير فإنه على ظاهره لا يفهم إذ الأكفان لها ﵂ كانت غير إزاره ﷺ فكيف يمكن إشعارها بإزاره إذ الشعار ما لابس الجلد من الثياب، فالحق أن إزاره كان يعقد صدرها وفخذيها الذي نسميه «سينه بند» يزاد للمرأة لتحصيل سترها\n_________\n(١) إلى السبع أو إلى ما بعده مختلف عند الأئمة كما بسط في الأوجز.\n(٢) هذا مختلف عند الفقهاء كما بسط ابن عابدين والحلبي وغيرهما إلا أنهم قالوا الأولى بالقراح والثانية بالسدر وهو مختار شيخ الإسلام وصاحب البدائع وغيرهما.\n(٣) الثفل بضم المثلثة ما استقر تحت الشيء من كدرة قاله المجد في القاموس.\n(٤) يعني ما يفعله العوام من رشح ماء الكافور على الكفن ليس بأنفع من رشحه على الميت فإن رشحه على الميت يدفع الهوام عنه، ولذا يغسل به في آخر المرات.","vol":"2","page":170},{"text":"وهو لا يجب أن يكون تحت الأكفان الباقية أو فوقها بل يجعل (١) حيثما شاءوا وإنما أمر النبي ﷺ لها خاصة بجعل إزاره تحت الثياب الباقية إدخالًا للبرك عليها فإن إزاره لما كان تبرك بملابسة جسم النبي ﷺ فأولى أن تتبرك زينب (٢) بها بأن يجعل ملتصقًا بجسمها وهذه الخرقة تكون من فوق ثدييها إلى ركبتيها.\nقوله [وضفرنا شعرها ثلاثة قرون] وكن فعلن ذلك من أنفسهن لا بتعليم منه ﷺ واستئذان مع أن فيه تكلفًا وتكليفًا، فالأولى أن تجعل شعرها ضفيرتين وتلقيًا على الصدر، قوله [ابدأن بميامنها] في غسل ما فيه يمين (٣) ويسار [ومواضع الوضوء] أي يغسل الوجه أولًا ثم اليدان إلى المرفقين ثم المسح ثم سائر الجسد بتقديم الشق الأيمن على الأيسر.\nقوله [غسل الميت كالغسل من الجنابة] في تحصيل الطهارة والاكتفاء بالواحد من الكرات، وفي الميامن بالميامن وتقديم الوضوء وسنية التثليث، قوله [وليس (٤) لذلك صفة معلومة] أي بحيث لا يجوز إذا ارتكب خلافها. قوله\n_________\n(١) هذا مفاد اختلافهم في محله كما بسطه ابن عابدين وغيره وإن لم أر من قال بجعله تحت الأكفان كلها في كتب الفروع نعم ذكره الحافظ في الفتح عن زفر.\n(٢) أشار الشيخ بهذا إلى أن البنت هذه في الحديث هي زينب كما مال إليه الجمهور، وقيل أم كلثوم كما بسط في الأوجز عن الفتح.\n(٣) أي معتبر شرعًا كاليدين والرجلين، أما الأعضاء التي لم يعتبر الشرع فيها اليمين واليسار كالأذنين والخدين لا يندب البداية باليمين فيها.\n(٤) أجمل الإمام الترمذي كلام الإمامين مالك والشافعي ولذا اشتبه على كثير من المشايخ وشراح الترمذي غرضه بذلك وتمامه في الأم ونصه: أخبرنا الشافعي قال قال مالك بن أنس ليس لغسل الميت حد ينتهي لا يجزئ دونه ولا يجاوز ولكن يغسل فينقى قال الشافعي وعاب بعض الناس هذا القول على مالك وقال سبحان الله كيف لم يعرف أهل المدينة غسل المدينة والأحاديث فيه كثيرة، ثم ذكر أحاديث عن إبراهيم وابن سيرين فرأى مالك معانيها على إنقاء الميت لأن روايتهم جاءت عن رجال غير واحد في عدد الغسل وما يغسل به فقال غسل فلان فلانًا بكذا وكذا وقال غسل فلان بكذا وكذا ثم ورأينا كذا في الأصل، والله أعلم ذلك على قدر ما يحضرهم مما يغسل به الميت وعلى قدر إنقائه لاختلاف الموتى في ذلك واختلاف الحالات وما يمكن الغاسلين ويتعذر عليهم فقال مالك قولًا مجملًا يغسل فينقى، وكذلك روى الوضوء مرة واثنتين وثلاثًا وروى الغسل مجملًا وذلك كله يرجع إلى الإنقاء وإذا أنقى الميت بماء قراح أو ماء عد أجزأه ذلك من غسله كما تنزل ونقول معهم في الحي، قال الشافعي ولكن أحب إلى أن يغسل ثلاثًا بماء عد لا يقصر عن ثلاث لما قال النبي ﷺ اغسلنها ثلاثًا وإن لم ينقه ثلاثًا أو خمسًا قلنا يزيدوا حتى ينقوها وإن أنقوا في أقل من ثلاث أجزأه ولا نرى أن قول النبي ﷺ إنما هو على معنى الإنقاء إذ قال وترًا ثلاثًا أو خمسًا ولم يوقت.","vol":"2","page":171},{"text":"[قال الشافعي] إلخ لما كان مالك روى أحاديث الباب ثم قال ليس لذلك صفة معلومة فكأنه أنكر ما ثبت من السنة في غسل الميت، فبين الشافعي رحمه الله تعالى ما قصده أستاذه بمقولته تلك فقال في تفصيله أن غرض مالك ﵀ أن المقصود الأصلي والذي عليه يدور الأمر إنما هو الإنقاء كيف ما حصل وإن كان أحب إلى أن يغسل ثلاثًا أو خمسًا لقول النبي ﷺ.\nقوله [ولا يرى أن قول النبي ﷺ] إلخ هذه مقولة الترمذي وفاعل الرؤية هو الشافعي ﵀ أو يكون هذه مقولة الشافعي وفاعل (١) الرؤية\n_________\n(١) هذا التشقيق على نسخ الترمذي إذ فيها بلفظ الياء وتقدم في الأم من كلام الشافعي بلفظ النون على صيغة جمع المتكلم فهو مقولة الشافعي لا غير.","vol":"2","page":172},{"text":"مالك، ومعنى هذه المقولة يحتاج إلى إعادة، وحاصل ذلك أن مالكًا لم يرد بقوله هذا إنكار استحباب الكرات بل أراد بذلك عدم الإيجاب لشيء من المراتب ومعناه أن مالك بن أنس لم يرد أن غرض النبي ﷺ هو الإنقاء فحسب وليس التوقيت مقصودًا له أصلًا لا وجوبًا ولا استحبابًا بل أراد مالك أن غرضه ﷺ تحصيل الإنقاء وجوبًا وتحصيل المرات استحبابًا ويمكن أن يكون معنى قول الشافعي هذا أن مالكًا لا يظن ولا يعتقد أن معنى قول النبي ﷺ اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا هو إيجاب الخمس أو الثلاث بل يعتقد أن النبي ﷺ أوجب نفس الإنقاء ولم يوقت ذلك بشيء، وعلى هذا فقوله لم يوقت لا يكون داخلًا تحت لا يرى بل يكون بيانًا للذي اعتقده بعد نفي ما لم يعتقده وكذلك يمكن أن يكون هذا بيانًا لمذهب الشافعي ورده المؤلف بعد إيراد قول مالك وبعد إيراد تفسير الشافعي بمقايسته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>[باب المسك للميت]</span>\nقوله [سئل عن المسك فقال هو أطيب طيبكم] ووجه المسألة كونه دمًا في الحقيقة، وحاصل الجواب أنه لم يبق دمًا لانقلاب الماهية وصار طيبًا ولما أدخله في الطيب جاز استعماله حيثما يستعمل الطيب فساغ أن يطيب بالمسك الأموات والأحياء وبذلك تحصل المناسبة بين الترجمة والحديث، قوله [وقد رواه المستمر بن الريان أيضًا] أي كما رواه خليد بن جعفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>[باب الغسل من غسل الميت]</span>\nقوله [وأما الوضوء فأقل ما قيل فيه] هذا ليس جزمًا بالوجوب فافترق مذهبه ومذهب إسحاق وأمر الغسل لحمل الجنازة استحباب (١) وإنما أمروا بالوضوء ليكونوا مستعدين للصلاة أينما قصدوا وإلا\n_________\n(١) أي عند الجمهور منهم الأئمة الثلاثة في المرجح عنهم وكذلك الحنفية خروجًا عن الخلاف، وفيه قولان آخران بسطهما في الأوجز الوجوب كما حكى عن مالك، وقول قديم للشافعي، وقول الخطابي، لا أعلم من قال بوجوبه ذهول، وعدمهما أي الوجوب والاستحباب معًا كما عزاه صاحب التعليق الممجد إلى الجمهور وحكاه الترمذي عن ابن المبارك.","vol":"2","page":173},{"text":"فكثيرًا ما يظفرون بفضاء هو أخلق بالصلاة لطيبه وسعته ولكن لا يتيسر لهم الصلاة فيه لعدم الطهارة، وكذلك إذا وصلوا إلى القبر ثم ذهبوا للوضوء كان ذلك سببًا للتأخير في الدفن، فالحاصل أن أمر الوضوء ههنا ليس إلا لأجل الصلاة لا لأمر في حمل الجنازة نفسها، والغسل لاحتمال (١) التلوث برشاش غسالته لا لأجل موجب له في نفس الغسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>[باب ما يستحب من الأكفان]</span>\nقوله [فإنها من خير ثيابكم] لأن النجاسة تظهر فيه ولسهولة طهارته ولحسن منظره ولغير ذلك من الوجوه، قوله [في ثيابه الذي (٢) كان يصلي فيها] ليس بثياب مهنة ولا ثياب جمعة أو عيد.\nقوله [ويستحب حسن الكفن] أي تمامه كمية ومن جملة ذلك أن لا يكون قصيرًا جدًا، وحسنه كيفية أي طهارة وكونها من غير مال مشتبه ولا يبعد أن يراد كونه حسنًا على ما كان يلبسه عادة. قوله [إن شئت في قميص ولفافتين] لأن النبي ﷺ فعل كذلك [وإن شئت في ثلاث لفائف] لأن الصحابة ﵃ كفنوه ﷺ فيها ولا ينافيه ما صرح به المؤلف أنهم ردوا الحبرة إذ قد أخذوا موضع الحبرة ثالثًا ولكن لا ينبغي أن يكون في القميص شيء من الكمام والدخاريص وغير ذلك مما يحتاج إليه الحي في حين حياته وذلك أنه يفتقر إلى تعاطي الأعمال بيديه فلو لم يكن لجبته كمام لآل أمره إلى الحرج وكذلك أكثر مزيدات القميص إنما الحاجة لتوسيع القميص لئلا يتعسر على المتقمص مشيه\n_________\n(١) اختلفوا في الحكمة فيه هل تتعلق بالميت أو بالغاسل فقيل بالأول لأن الغاسل إذا علم أنه سيستغل لم يتحفظ من شيء يصيبه من الرشاش فيبالغ في تنظيف الميت وهو مطمئن، وقيل بالثاني لاحتمال أن يكون أصابه من رشاش ونحوه فيكون عند فراغه على يقين من طهارة جسده كذا في الأوجز.\n(٢) هكذا في الأصل تبعًا للنسخ الهندية، وفي النسخة المصرية بدله «التي» وهو الأوجة.","vol":"2","page":174},{"text":"وسعيه وعدوه وسائر حركاته من الصعود والهبوط، وأما الميت فليس له فاقة إلى شيء من ذلك ولا هو مرجو منه إحدى هذه الفعلات فيكون الزيادة في القميص إسرافًا لعدم الاحتياج إليه ولا يمكن الاستدلال على نقض ما ذكرنا بإلباسه ﷺ قميصه لعبد الله بن أبي بن سلول وقد كان فيه كل شيء مما يفتقر إليه الحي في حياته ومما يكون في قمص الأحياء وذلك لأن كلا منا في إعداد القميص له قصد فأما إذا وجد هناك قميص واحتيج إلى إلباسه إياه كما احتيج ههنا لإدخال (١) البركة عليه لم يحتج إلى نقض تركيبه مع أن المقصود هناك لما كان التبرك بلباسه كانت الزيادة مفيدة ما كانت، لا النقص، ولا ننكر أن يرتكب مثل هذا في غير هذا أيضًا وأيضًا ففي إدخال يد الميت في كم القميص مشقة به فلا يتكلف إلا لضرورة داعية له كما كانت ثمة لا مطلقًا والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>[باب النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب]</span>\n\nقوله [فجاء المغيرة بن شعبة] وكان أميرًا عليهم فلما سمع بذلك أراد أن ينصحهم فقال ما بال النوح في الإسلام كأنه عاب عليهم فعل ذلك وهم مسلمون وغيرهم بارتكاب أمر الجاهلية بعد ما نهى النبي ﷺ عنه، قوله [من نيح عليه عذب مانيح عليه] يحتمل أن يكون معناه (٢) مادام نيح عليه أو يكون المعنى بما نيح\n_________\n(١) لا يقال إن إعطاءه ﷺ القميص لم يكن للبركة بل لتطييب القلب لأن ذلك لا ينافي التبرك وأيضًا فسؤال ابنه القميص كان للتبرك وقبله النبي ﷺ وأيضًا النبي ﷺ لما منعه عمر ﵁ عن الصلاة عليه لم يقبله بل قال لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها كما ذكر هذه الروايات وما في معناها الحافظ في تفسير البراءة.\n(٢) قال أبو الطيب من شرطية وعذب جواب الشرط وما في قوله ما نيح عليه ظرفية قاله في فتح الباري وقال العيني ما للمدة أي عذب مدة النوح ولا يقال ما ظرفية، قلت والحق إنها مصدرية والمصدر مضاف إليه للفظ مدة وتسمى باعتبار المجموعة مصدرية حينية، انتهى.","vol":"2","page":175},{"text":"عليه وعلى الوجهين فهو غير جار على عمومه إنما المراد (١) بمن هذه من كان كافرًا أو يكون قد وصى بالنوح أو كان الميت يرضى بالنوح في حين حياته وأما إذا لم يكن شيء من هذه الأمور وكان الميت مؤمنًا ينهاهم عنه في حياته ولم يوص به وقت مماته أو خاف عنهم ذلك فنهاهم وصاياه فليس عليه من نوحهم شيء ويصدق حينئذ قوله تعالى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ظاهرًا لا شبهة فيه إذ الميت حينئذ إما أن يكون كافرًا فتعذيبهم بنوحهم إنما ذلك تعذيب بالكفر الذي اكتسبه وصار نوحهم عليه سببًا لزيادة في العذاب وأنت تعلم أن عموم قوله تعالى ﴿وَلا تَزِرُ﴾ الآية شامل للكافر والمسلم فزيادة العذاب على الكافر بنوحيهم فرار على ما منه الفرار إلا أن يصار في دفعه إلى أحد الوجوه الباقية من الوصية وغيرها وفيه أنه غير مخاطب بالشرائع فكيف يعذب على عدم امتثالها وإنما تعذيبه على أعظم الجنايات والجواب أن عدم كونهم مخاطبين إنما هو في حق الأحكام الأخروية (٢) بالامتثال. وأما في حق المؤاخذة عليها في الآخرة فهم مخاطبون بها باتفاق بيننا وبين الشافعي أو يقال ليس المراد بذلك ما فيهم بل المراد أنه مع كونه معذبًا على كفره يقال له ما ينوحه به إلا حياء تبكيتًا له وتهكماته وهذا لزيادة في العذاب ولا تنكر أو أوصاهم بذلك فتعذيبه على وصيته لا على نوحهم أو يقال لما كان سببًا لوقوعهم في الإثم فعذب على حد قوله ﵇ من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها إلى آخره، وكذلك إذا كان راضيًا به في حياته فإنه أمرهم بلسان حاله أن ينوحوا عليه لكن المغيرة بن شعبة ﵁ عمم الصنيعة ههنا ردعًا للعوام عن النوح مطلقًا وإن كان المعذب بنوحهم هو بعض أفراد من نيح عليه لا جميعهم. قوله [لن يدعهن الناس] ليس المراد أنه لن يدعها أحد منهم إنما المراد أنها لا تترك كلية حتى لا يرتكبها أحد بل\n_________\n(١) اختلفوا في معاني أحاديث عذاب الميت ببكاء أهله عليه على أربعة عشر قولًا بسطت في الأوجز فارجع إليه لو شئت تفصيل مسالك العلماء في ذلك.\n(٢) هكذا في الأصل والصواب على الظاهر «الدنيوية».","vol":"2","page":176},{"text":"يبقى منها بقية في الناس، قوله [والعدوي] الظاهر من النظر في الأحاديث التي وردت في أمثال هذه المواضع أن العرب كانت تزعم للعدوي تأثيرًا في نفسه من غير افتقار إلى مؤثر سواه فنفي النبي ﷺ عن العدوي كل نوع من التأثير، وإن كان لأمثال هذه مدخل في مسبباتها وإن كان بإذن منه سبحانه فقولهم إنه سبحانه وضع للنجوم وغيرها. تأثيرًا بحيث تعطل بعد ذلك أي لم يبق له قدرة على الإيجاد والإعدام ﷾ هذا شرك وكفر كما أن القول بأن لها تأثيرًا في نفسها من غير أن يضعه الله سبحانه فيها، وكذا القول بأنه تعالى يضع فيها تأثيرًا ثم لا يؤثر سبحانه بل التأثير إنما يكون لها، وفي هذا الوجه له خيار على الخلاف إن شاء ولا كذلك في الوجه الأول وكذا الاعتقاد بأن التأثير منه سبحانه إلا أن التخلف لا يمكن عما هو ظاهر حالها وأما أنها ليس لها دخل لا بكونها سببًا ولا أمارة فلم يذهب إلى ذلك إلا شرذمة من أهل الظاهر والذي ينبغي أن يعتقد عليه القلب أنه تعالى هو المؤثر الحقيقي يفعل ما يشاء حيث شاء وإنما أمثال هذه أمارات جرت عادته ﷾ أنه يفعل بعد إظهارها ولو شاء لم يفعل مع ظهور الأمارات أيضًا كما أنه وضع في الأدوية أفعالًا وخواص وقد تتخلف (١) عن موجبها كذلك نعتقد في العدوي وتأثيرات النجوم وأمطار الأنواء أنه تعالى وضع فيها أثرًا من غير أن يكون لها تأثير في إبدائه فأمرها ليس إلا كأمر الأمطار إذا تنشأت سحابة فالظاهر منها أنها تمطر ومع ذلك فلسنا بالأمطار مستيقنين إلا أن يشاء الله رب العالمين، قوله [الميت يعذب ببكاء أهله عليه] هذا القول كالأول في أن المراد بالميت بعض أفراده كما سبق وبالبكاء البكاء (٢) المخصوص وهو البكاء المنهي عنه الذي بينه في جواب عبد الرحمن كما سيأتي عن قريب إلا أنه ﷺ تركه على العموم اتكالًا على ما بينه في موضع آخر واعتمادًا على الفهم أو ليردع\n_________\n(١) قال الشاه ولي الله في حجة الله: والحق أن سببية هذه الأسباب إنما تتم إذا لم ينعقد قضاء الله على خلافه لأنه إذا انعقد أتمه الله من غير أن ينخرم النظام، انتهى.\n(٢) وقد تقدم في الباب السابق أن للعلماء في هذا البكاء أربعة عشر قولًا بسطت في الأوجز.","vol":"2","page":177},{"text":"بذلك عن جميع أنواع البكاء وقد فهم منه بعض الصحابة ﵃ العموم فخصصوا بذلك قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وكان الحديث لسامعه من في النبي ﷺ قطعيًا فلا ضير في نسخ الآية مع أن أكثر العلماء على جواز نسخ الآية بخبر الواحد ولذلك العموم عقد له بابًا على حدة أو للفرق بين النوحة والبكاء فكان من إرادته الإشارة إلى أن النوحة حرام مطلقًا وفي البكاء تفصيل واختلاف. قوله [وقد كره قوم من أهل العلم] مقتضى نهي هؤلاء (١) هو العموم، قوله [ولكنه نسى أو أخطأ] علم بذلك أن فهم الراوي غير معتبر وبتأويل عائشة ﵂ وتمسكها بالآية أن خبر الواحد يجب أن يجمع بالآية وإلا ترك بمقابلتها قوله [إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها] تعني أنه ﷺ أراد بذلك إنها مبتلاة فيما هي مبتلاة فيها وهؤلاء يبكون عليها أي على فواتها ولا يعلمون بحالها فيشغلون بها عن بكائهم إلا أن ابن عمر فهم منه أنها تعذب ببكائهم عليها وفيه أن تأويل عائشة ﵂ بظاهره مناف لما مر من تأويل أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه أنه لو كان كافرًا عذب وهذه مع كونها كافرة فقد أنكرت عائشة ﵂ أن تعذب ببكاء أهلا عليها فكيف التفصي عنه، والجواب أن عائشة ﵂ لم تبلغها الرواية المثبتة لعذاب الميت ببكاء أهله، وأما الرواية التي كانت بلغتها فلم يكن فيها تعرض بما نحن فيه فوجب لنا الجمع بين الرواية والآية كما جمعت عائشة بين الآية والتي بلغتها من الرواية:\nقوله [قال ولكن نهيت] يعني أن الذي أردت بقولي لم تفهموه أنتم، وبذلك يعلم أن العام كثيرًا ما يراد به الخاص اتكالًا على الفهم أو على ما بين في\n_________\n(١) وهو الأول من الأقوال المذكورة فيه قال الحافظ: ومنهم من حمله على ظاهره وهو بين من قصة عمر مع صهيب كما أخرجه البخاري وممن أخذ بظاهره أيضًا عبد الله بن عمر فروى عبد الرزاق أنه مشهد جنازة رافع بن خديج فقال لأهله إن رافعًا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب وأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه كذا في الأوجز.","vol":"2","page":178},{"text":"موضع آخر، وإسناد الحمق إلى الصوت مجاز لكونه دالًا على الحق فكأنه هو الأحمق. قوله [صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب] هذا إخراج على ما هو الغالب وإلا فالصوت المنهي عنه منهي عنه وإن لم يكن معه شق جيب وخمش خد.\nقوله [ورنة (١) شيطان] هذه هي النياحة والفرق بينهما ظاهر فإن الأول من أهل الميت والثاني من النائحة [باب المشي أمام الجنازة] بينه صاحب الحاشية بما لا يحتاج إلى زيادة (٢) عليه قوله [قال ابن المبارك وأرى ابن جريج\n_________\n(١) قال أبو الطيب بفتح الراء وتشديد النون صوت مع بكاء فيه فيه ترجع كالقلقلة واللقلقلة قال النووي في الخلاصة: المراد به الغناء والمزامير: قال وكذا جاء مبينًا في رواية البيهقي قال العراق ويحتمل أن المراد به رنة النوح لا رنة الغناء ونسب إلى الشيطان لأنه ورد في الحديث أول من ناح إبليس وتكون رواية الترمذي قد ورد فيها أحد الصوتين فقط واختصر الآخر، ويؤيده أن في رواية البيهقي: إني لم أنه عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجه وشق جيوب كذا في قوت المغتدي، قال أبو الطيب: فالحاصل أن الرنة على ما بينه النووي من أنه صوت الغناء هو الصوت الثاني وعلى ما ذهب إليه العراقي هو الصوت الأول والعطف لمغايرة اللفظ والثاني غير مذكور ههنا اختصارًا، انتهى، قلت وقد عرفت بذلك أن تفسير الشيخ موافق لتفسير العراقي فتأمل.\n(٢) ذكر في الأوجز في الباب خمسة مذاهب الأول التخير بدون الترجيح وبه قال الثوري وإليه ميل البخاري الثاني أن المشي أمامها أفضل للماشي وخلفها للراكب، وبه قال أحمد وهو المرجح من ثلاث روايات لمالك، والثالث ترجيح قدامها مطلقًا وبه قال الشافعي: والرابع ترجيح خلفها مطلقًا وبه قالت الحنفية والأوزاعي، والخامس إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا خلفها، وهو قول النخعي.","vol":"2","page":179},{"text":"أرى ههنا مجهول بمعنى أظن وأراد بذلك تقليل عدد من وصله بتقليل ابن جريج فإنه لما أخذه عن ابن عيينة لم يكن راويًا مستقلًا يروي الحديث متصلًا بل صار في حكم أحد من تلامذة سفيان بن عيينة قوله [إنما هو سفيان بن عيينة] أراد بذلك الرد لمن توهم أنه سفيان الثوري فكان المتوهم توهم بذلك رجحان الوصل على الانقطاع والإرسال لرواية سفيان الثوري هذا الحديث متصلًا فقال: إنما هو إلخ.\nقوله [قيل ليحيى] يحيى هذا يحيى (١) إمام بني تيم الله وهو هو، حيث وثقه المؤلف مع أن قلة الرواية عنه لا يقدح فيه. [باب كراهية الركوب خلف الجنازة] قوله [إن ملائكة الله على أقدامهم] إلخ، فإن قيل إن الملائكة لما لم يخل عنهم بقعة في شيء من الأزمنة كان التأدب معهم مما يتعذر عادة، قلنا فرق بين كونهم ووجودهم عندنا وبين كونهم مشتغلين بما نحن مشتغلون به، فلما شاركونا في أمر ديننا وحملوا جنازة أخينا كانوا أخلق بالتأدب منهم في شغلهم غير ذلك مع أن التعذر إنما هو في تأدبهم مطلقًا لا في هذا الوقت لقلة وقوع حضور الجنازة.\n_________\n(١) فسره الشيخ بابن سعيد لأنه هو إمام الجرح والتعديل وكثيرًا ما يستشهد الترمذي بقوله لكن الظاهر أن المراد به ههنا هو يحيى ابن عبد الله الجابر الراوي عنه فقد قال الحافظ في تهذيبه، قال ابن عيينة قلت: ليحى الجابر امتحنه من أبو ماجد قال شيخ\nطرأ علينا من البصرة، وقد روى غير حديث منكر وقال البخاري قال الحميدي عن ابن عيينة قلت ليحيى الجابر من أبو ماجد قال طير طرأ علينا وهو منكر الحديث، انتهى، وحكى أبو الطيب عن بعض العلماء جهالة عند المتأخرين لا تستلزم جهالته عند المجتهدين المتقدمين وقد تأيد بعمل بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم كما قال المصنف قلت: ولو سلم فهي مؤيدة بروايات كثيرة في الباب بسطت في الأوجز يؤيد بعضها بعضًا فارجع إليه.","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>[باب ما جاء في الرخصة في ذلك]</span>\nاستدل بحديث (١) الباب على ما في الترجمة وهو صحيح على مذهب أهل الحديث (٢) فإنهم يحملون الرواية المطلقة على الإطلاق والمقيدة على التقييد، وإن كانت الواقعة واحدة، ولكن الفقهاء (٣) لا يقولون بذلك، وقالوا: لا عموم في الفعل، فلما بين في الحديث الآتي ما هو المراد علم أن المطلق المذكور قبل محمول على هذا، فلم يثبت الرخصة مع الجنازة في الركوب فهو باق على كراهته وهو المذهب عندنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>[باب في قتلي أحد]</span>\nقوله [لتركته حتى تأكله العافية] ليزيد (٤) بذلك فضله لاحتماله كل ذلك في سبيل الله تعالى، قوله [ثم يدفنون في قبر واحد] كما علم تكفين المتعددين في كفن (٥) واحد عند الضرورة ودفنهم في قبر كذلك علم أن الحافر إذا حفر قبرًا وفيه ميت آخر أو عظامه وليس لحفر قبر آخر\n_________\n(١) ولا يذهب عليك أن الحديث من مسانيد جابر بن سمرة، كما في النسخ التي بأيدينا فما في بعض النسخ من جابر بن عبد الله غلط صرح به شراح الترمذي من السيوطي وغيره.\n(٢) يعني كما هو عادتهم المستمرة في إثبات التراجم، كما لا يخفى على من طالع كتب الحديث أنهم طالما يثبتون تراجمهم بإطلاق الروايات وعموم الألفاظ، وإن كانت الواقعة مقيدًا عندهم أيضًا، كما ههنا فإن الثابت أن ركوبه ﷺ كان في الرجوع، لكن المصنف أثبت الجواز بالإطلاق.\n(٣) وما هو المشهور عن الحنفية أنهم لا يقيدون المقيد فهو في الأسباب، كما بسط في الأصول فهو مسألة أخرى.\n(٤) قال أبو الطيب: إنما أراد ذلك ليتم له به الأجر، ويكون كل البدن مصروفًا في سبيله تعالى إلى البعث والبيان أنه ليس عليه فيما فعلوا به من المثلة تعذيب حتى أن دفنه وتركه سواء، انتهى.\n(٥) بشرطان لا تتلاقى بشرتهما، كما صرح به القاري والطيبي.","vol":"2","page":181},{"text":"وسعة يجوز الدفن فيه لهذا الميت أيضًا، إذا حيل (١) بينهما بشيء قوله [ولم يصل إلخ] هذا مخالف (٢) لما ثبت بالرواية الصحيحة. قوله [الملائي] بضم الميم (٣) نسبة إلى الملاءة بفتحها، وهي ما تستلحف بها المرأة فلا يبدو منها شيء.\nقوله [الذي يحب أن يدفن فيه] هذا لا يستلزم أن يدفن فيه فلا يعترض بمن لم يدفع حيث مات لأن حبه إياه لا يستلزم وقوعه. قوله [موتاكم] إشارة إلى كونهم صلحاء لإضافتهم إلى الصحابة -﵃- وهذا إجازة لذكر مساوي من ليس كذلك إذا خاف فتنة في السكوت عن ذكرها كمن اعتقدها الناس عالمًا وجعلوا يأخذون بما نقل من أقواله مع أنه ليس كذلك، وكذلك رجل اعتقدها الناس طيبًا وليس كذلك.\n\n[باب الجلوس (٤) قبل أن توضع] قوله [فجلس رسول الله ﷺ،\n_________\n(١) فقد حكى ابن عابدين عن الفتح: لا يحفر قبر لدفن آخر إلا أن بلى الأول فلم يبق له عظم إلا أن لا يوجد فتضم عظام الأول ويجعل بينهما حاجز من تراب، انتهى.\n(٢) وسيأتي الكلام عليه في بابه.\n(٣) وفي المغني بمضمومة وخفة لام وبمد وياء في آخره، نسبة إلى بيع الملاء نوع من الثياب.\n(٤) اختلفوا ههنا في مسألتين: القيام لمن مرت عليه الجنازة، وقيام مشيعها حتى توضع، وسيأتي ذكر الأول قريبًا في بابه، وهذا بيان الثاني، فيكره الجلوس قبل وضعها عن أعناق الرجال، عند الحنفية والحنابلة، ويجوز عند المالكية، واختلفت الروايات عن الشافعية، كما بسطت في الأوجز، وأشار الشيخ إلى الجمع بين مختلف ما روى في هذا الباب، بأن النهي محمول على الجلوس قبل الوضع عن أعناق الرجال، والإباحة بعد ذلك إلى الوضع في اللحد، وبوب البخاري في صحيحه من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال، قال الحافظ: كأنه أشار بهذا إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب: فلا يقعد حتى توضع بالأرض على رواية من روى: حتى توضع في اللحد، كذا في الأوجز.","vol":"2","page":182},{"text":"وقال: خالفوهم] ثم الأمر باق على هذا، فيجوز القعود قبل أن توضع في القبر بعد وضعها عن أعناق الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>[باب فضل المصيبة إذا احتسب]</span>\nقوله [قبضتم ثمرة فؤاده] هذا إشارة منه تعالى إلى ما أنعم عليه بسببه وتنبيه للملائكة على عظم مصيبته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>[باب التكبير على الجنازة]</span>\nقوله [صلى على النجاشي] سيجيء بيانه في موضعه (١) قوله [وهو قول سفيان] الفرق بين هؤلاء وبين أحمد وإسحاق، أنهم جوزوا أن يكبر خمسًا، وإذا كبر الإمام خمسًا اتبعه المأموم، ونحن لم تجوز (٢) ذلك لعدم جواز العلم بالمنسوخ، فإنه لما ارتفعت صفة الشرعية\n_________\n(١) إذ بوب المصنف قريبًا باب ما جاء في صلاة النبي ﷺ على النجاشي.\n(٢) ففي الأوجز قال القاضي عياض: اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع، قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه، وقال: لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بخمس إلا ابن أبي ليلى، وقال ابن قدامة: لا يختلف المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، ولا النقص من أربع، واختلفت الرواية فيما بين ذلك، فظاهر كلام الخرقى أن الإمام إذا كبر خمسًا تابعه المأموم ولا يتابع في زيادة عليها، رواه الأثرم عن أحمد وروى حرب عنه: إذا كبر خمسًا لا يكبر معه، وممن لا يرى متابعة الإمام في زيادة على أربع، الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي، انتهى، فعلم من ذلك أن ما حكاه الترمذي عن الإمام أحمد مبني على اختلاف الرواية.","vol":"2","page":183},{"text":"ارتفعت عنه صفة الجواز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>[باب ما يقول في الصلاة على الميت]</span>\nقوله [كان رسول الله ﷺ] إلخ، هذا ظاهره الاستمرار ودوام العمل عليه فلا يعارضه ما ورد في الرواية الآتية من أنه ﵇ قرأ في صلاة جنازة فاتحة الكتاب فإنه لم يك إلا أحيانًا مع ما ورد في الروايات أن صلاة الجنازة إنما هي ثناء ودعاء فوجب حمل قرأته الفاتحة على أنه قرأها ناويًا بها الدعاء لا القراءة بيانًا لجواز ذلك ولو كان هو المستحب لدوام على قراءتها دوامه على هذه الأدعية وهو الذي ذهب إليه (١) الإمام من أنه لو قرأها ناويًا بها الدعاء لا القراءة صحت صلاته وإن كان الأولى هو الاختيار للدعاء.\nقوله [حديث عكرمة بن عمار غير محفوظ] لوضع عائشة مقام أبي هريرة. قوله [وأغسله بالبرد] لما كان الماء آلة الغسل ومزيل النجاسة وكان أفضل الغسل ما آلة غسله أنقى وأكثر ما يوجد من المياه قد خالطه شيء مما لا يناسب أمر الطهارة أو النظافة اختار النبي ﷺ لتشبيه ما يغسل به دنس الذنوب ما قد خلص من جميع هاتيك الشوائب وهو الماء المنجمد الذي نزل من السماء، كذلك فلم تصل إليه أيدي الكدورات ولم يشب به شيء من القاذورات مع ما فيه من برد يوجب قرار القلب تسكينه ولقد يشبه الطمأنينة بالبرد فكأنه استغسل أدناس المآثم بما يوجب المبالغة في إزالتها ويورث يقينًا لا يمازجه ريب.\nقوله [من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب] هذا أعسر نسبة إلى الأول فإن قوله أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب لا يفيد ما يفيده قوله من السنة\n_________\n(١) اختلفت الأئمة في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، فأحبها الشافعي وأحمد، وأنكرها الحنفية ومالك، وممن كان لا يقرأ وينكر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبو هريرة وغيرهم، وقال مالك: قراءة الفاتحة ليست معمولًا بها في بلدنا في صلاة الجنازة، هكذا في الأوجز وبسطت فيها الآثار التي استدل بها الحنفية، فارجع إليه.","vol":"2","page":184},{"text":"إلخ من التأكيد. ولذلك تكلف الحافظ الترمذي -﵀- بتضعيفه وأثبت هذه الكلمة وجوابه مثل ما مر من التقرير منا آنفًا بزيادة أن قوله: من السنة، ليس المراد به إلا ما ثبت بالسنة أعم من أن يكون الأمر قد استقر عليه أولًا، وهذا كقول ابن مسعود (١) في الإقعاء: إنه سنة نبيكم، فإن معناه أن النبي ﷺ قد فعل مثل ذلك لا أنه من السنن المداومة عليها التي يثاب على العمل بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>[باب كيف الصلاة على الميت]</span>\nقوله [من صلى عليه ثلاثة صفوف] هذا وإن كان المراد به كثرة من صلى عليه إلا أنا نرجو من فضله تعالى أن يدخل في ذلك الوعد من صلت عليه ثلاثة صفوف، وإن كانوا ستة رجال مثلًا متمسكين بعموم اللفظ، وظاهره في قوله ثلاثة صفوف، فإنه غير مقيد بعدد، فإما أن كانوا أربعين أو مائة استحق الوعد مرتين ولوجهين.\nقوله [رضيع كان لعائشة] أي أخًا لها رضاعيًا كان ارتضع معها، إذ لم يكن لعائشة لبن حتى يرضعه (٢) منها أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>[باب في كراهية الصلاة على الجنازة، عند طلوع الشمس وعند غروبها]</span>\nقوله [وإن نقبر فيه موتانا أراد به الصلاة، فإنها سببه إذ ليس في القبر شبه بعبدة الأصنام ولا سبب للكراهية والحرمة غيره وقرينه (٣) الإرادة ما ورد (٤)\n_________\n(١) الصواب على الظاهر بدله ابن عباس، فإن هذا معروف من قوله، كما تقدم في باب كراهية الإقعاء بين السجدتين.\n(٢) فإن الرضيع يطلق عليهما معًا، قال المجد رضع ككرم ومنع رضاعة فهو راضع ورضيع ورضاع ورضيعك أخوك من الرضاعة. انتهى، وعبد الله بن يزيد هذا ليس من الصحابة، ذكره الحافظ في التقريب: من الطبقة الثالثة.\n(٣) وقع في بيان القرينة نوع من الاختصار، كما لا يخفى.\n(٤) وأوضح من ذلك قرينة ما قاله الزيلعي ونصه قد جاء بتصريح الصلاة فيه رواه الإمام أبو حفص عمر بن شاهين من حديث خارجة بن مصعب عن ليث بن سعد عن موسى بن علي به قال نهانا رسول الله ﷺ: أن نصلي على موتانا عند ثلاث عند طلوع الشمس إلى آخره.","vol":"2","page":185},{"text":"في هذه الرواية بعينها من قوله أن نصلي فيهن فوجب حمل هذه الرواية عليها ووجه التكرار على هذه أن صلاة الجنازة لم تكن دخلت في قوله أن تصلي فيهن، فإن إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة، إنما هو بطريق المجاز والمتبادر من إطلاق الصلاة هي الصلاة المطلقة [وقال الشافعي: لا بأس أن يصلي على الجنازة] لحمله (١) النهي عن الدفن لا عن الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>[باب في الصلاة على الأطفال]</span>\nقوله [والطفل يصلي عليه] جمل بعضهم اللام الداخلة عليه على الاستغراق، وعندنا المراد بالطفل، الطفل الذي بينه في الرواية الآتية فاللام في قوله والطفل يصلي عليه ليس إلا للعهد الخارجي، وبذلك تتفق الروايات، والمراد بالاستهلال العلم (٢) بحياته بأي طريق كان من طرق العلم.\n_________\n(١) فقد قال النووي: قال بعضهم إن المراد بالقبر صلاة الجنازة وهذا ضعيف بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات، كما يكره تعمد تأخير العصر إلى الاصفرار،\n(٢) وبذلك قالت الشافعية: كما صرح به في شرح الإقناع، وقال مالك لا يصلي عليه حتى يستهل صارخًا وإن علم حياته بنوع آخر كالحركة صرح به في الشرح الكبير والدسوقي، وقال أحمد: إذا تم له أربعة أشهر يصلي عليه وإن لم يستهل، كما في الروض المربع.","vol":"2","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>[باب الصلاة على الميت في المسجد]</span>\nقوله [قالت: صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد] استدلوا (١) بذلك لكنه غير تام فإنه ﷺ إنما صلى في المسجد لعذر المطر، ولذلك لم يصل على النجاشي في المسجد الذي تصلي فيه الصلوات الخمس مع أنه لم تكن الجنازة حاضرة، فعلم أن الصلاة في المسجد من غير عذر مكروهة، سواء كانت الجنازة والإمام كلاهما في المسجد أو أحدهما، ويدل على الخصوصية به ﵇ في هذه أن الصحابة أنكروا على عائشة قولها، وقالوا: إن صلاة النبي ﷺ في المسجد على سهيل بن بيضاء لم تكن إلا لعذر وكان ثمة مطر (٢) ولكونه ﵇ معتكفًا وأنه ﷺ كان (٣) وضع موضعًا لصلاة الجنازة.\n_________\n(١) قال الشافعي وأحمد: لا بأس بها في المسجد، وكرهها الحنفية، ومالك في المشهور عنه، كما بسط في الأوجز.\n(٢) ذكر هذه الأعذار بالواو لاحتمال اجتماع كل منها مع أن كل عذر منها مستقل في كونه عذرًا لصلاته ﷺ في المسجد.\n(٣) يعني أن اتخاذه ﷺ مصلى مخصوصًا للجنائز بجنب المسجد يؤيد الكراهة، قال ابن القيم بعد الكلام الطويل، فالصواب ما ذكرنا أن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر وكلا الأمرين جائز والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، وقال الحافظ: دل حديث ابن عمر أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة عليها في المسجد كان لعارض أولييان الجواز، كذا في الأوجز، وقد أنكر الصحابة على عائشة ﵂، كما ورد عند مسلم، وأخرج أبو داود مرفوعًا من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له.","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>[باب أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة]</span>\nقوله [فقام حيال رأسه] وقوله [فقام حيال وسط السرير] هذا ما قال به الشافعي: إن الإمام يقوم من المرأة في وسط السرير، ومن الرجل حيال رأسه، أي بحيث يحاذي صدره ورأسه، ولنا أن قيام النبي ﷺ من المرأة بحيال نصف السرير، لم يكن إلا لأن في ذلك الزمان لم تكن لجنائزهن (١) نعوش فأحب النبي ﷺ أن يسترها عن أعين الرجال، فلما ارتفعت العلة برواج النعش وكن شقائق الرجال وتوابعهم في سائر الأحكام، كان قيام الإمام في جنائزهن كقيامه في جنائزهم، وأول نعش، نعش للمرأة في العرب نعش فاطمة ﵂، وكانت لم تضحك بعد وفاة النبي ﷺ مدة حياتها، لما بها من الكآبة والحزن بذلك وكانت تتفكر في أمر جنازتها كيف تراها الرجال، وكيف يمكنني أن ينظروا إلى جثماني ويقتدروا قدر شخصي، فذكرت همها ذلك لنسائها فقالت امرأة منهن، وقد كانت ذهبت إلى حبشة أني رأيت ثمة نعشًا يضعون على جنائز نسائهم فوصفته لها، ففرحت بذلك حتى ضحكت، فصنع بجنازتها مثل ما وصفت، وما ورد من القيام بحذاء الرأس والصدر، فالمراد أنه يقوم بحيث يحاذيهما جميعًا حتى تجتمع الآثار، وقوله في الحديث الآتي صلى على امرأة فقام وسطها، إن كان بسكون السين، فظاهر أنه يطلق من الرأس إلى القدم، وإن كان بفتح السين حتى يراد به الوسط الحقيقي فبعد أنه لا دليل عليه يجاب عنه بأن الوسط من الإنسان هو الصدر لا غير لأن أطراف الإنسان غير محسوبة\n_________\n(١) وهو مصرح في رواية أبي داود قال أبو غالب فسألت عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم، قال شيخنا في البذل: وهذا يدل على أن قيام الإمام حيال عجيزة المرأة على خلاف الأصل للتستر فقط، انتهى، قلت: وعلم منه أيضًا أنه كان خلاف المعروف، ولذا سأل أبو غالب عن صنيع أنس.","vol":"2","page":188},{"text":"والوسط من الباقي هو الصدر من غير امتراه، وإن أخذتم قدميه في الحساب أخذنا يديه حين مدهما فوق رأسه إلى السماء فآل الأمر إلى الذي قلنا فلم يفدكم شيئًا.\n\n[باب في ترك الصلاة (١) على الشهيد] قوله [ولم يصل عليهم] قد سبق الجواب عنه، فإن الروايات الصحيحة تثبت صلاته على قتلى أحد مع أن جابرًا قد وهمه ما وهمه، فإن الكفار كانوا قطعوا أباه قطعًا، فكان قد غلبه الهم ولعله اشتغل بشيء من أمره فلم يبلغه الخبر بذلك ولم يحضر الوقعة، ويعلم أيضًا جواز تعدد الصلاة تبعًا، فإنه ﷺ صلى على عمه حمزة مرات إلا أن ذلك فيما سوى الأولى كان تبعًا وعبد الله بن ثعلبة لا يروى ذلك إلا عن غيره، وقد ثبت أنه ﷺ صلى على الشهداء الأخر، فلزم القول بالصلاة على الشهيد إذ لا ترجيح.\n\n[باب في الصلاة (٢) على القب ر] قوله [ورأى قبرًا منتبذًا فصف أصحابه\n_________\n(١) قال العيني: ذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق في رواية إلى أن الشهيد لا يصلى عليه، كما لا يغسل، وإليه ذهب أهل الظاهر، وذهب ابن أبي ليلى والحسن بن حي وعبيد الله بن حسن وسليمان بن موسى وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية وإسحاق في رواية إلى أنه يصلي عليه، وهو قول أهل الحجاز أيضًا، ثم بسط الدلائل ورجح إثبات الصلاة بعشرة وجوه فارجع إليه لو شئت.\n(٢) اختلف في ذلك جدًا، كما بسط في الأوجز، وعن الشافعي ستة أوجه والجملة أن الشافعي وأحمد ذهبا إلى الجواز مع الاختلاف بينهم في أمد ذلك، وذهب مالك والحنفية إلى المنع إذا صلى عليه قبل الدفن وحملا الحديث على الخصوصية، ومستدل مالك ما قال ليس العمل على حديث السوداء قال أبو عمر: يريد عمل المدينة، وما حكى عن بعض الصحابة والتابعين من الصلاة على القبر إنما هي آثار بصرية وكوفية ولم تجد عن مدني من الصحابة ومن بعدهم أنه صلى على القبر، انتهى، ومستدل الحنفية: أنها أخبار آحاد في عموم البلوى.","vol":"2","page":189},{"text":"وصلى عليه] صلاته ﷺ كان من خصوصياته لكونه أمر (١) بها منه سبحانه تعالى وكان علم بوحي أو تجربة أنها لم تتفسخ وعندنا الصلاة جائزة ما لم يتفسخ الميت إذا لم يصل عليه قبل الدفن، وكذلك لا يجوز الصلاة على قطع الميت إلا إذا جمعها فلو شق (٢) نصفين لم يجز إلا أن يجمعهما وليس للتفسخ تحديد لاختلاف أحوال البقاع في ذلك، وما نقل عن أبي يوسف في تحديده بثلاثة ليال، فلأن بلادهم كانت كذلك لا يتفسخ الميت فيها في أقل من ثلاث، وليس مراد أبي يوسف تحديد الثلاث على العموم، وكذلك الجواب فيما يأتي أنه صلى على قبر بعد شهر، وكان النبي ﷺ أمرهم: أن يعلموه بدفنه ليصلي، وكان أيضًا من أمره أن لا يوقظوه إذا نام فحملوا أمر الأخبار على أنه ليس للإيجاب وأصابوا فصلوا عليه ولم يكلفوه ليهب (٣) ﷺ من منامه فصلى ﷺ على جنازته المقبورة ثانيًا.\n_________\n(١) لعله إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية.\n(٢) أي طولا ففي الدر المختار وجد رأس آدمي أو أحد شقيه لا يغسل ولا يصلى عليه، بل يدفن، إلا أن يوجد أكثر من نصفه ولو بلا رأس، قال وكذا يغسل لو وجد النصف مع الرأس، انتهى، وفي العالمكيرية: لو وجد أكثر البدن أو نصفه مع الرأس يغسل ويكفن ويصلى عليه، وإذا صلى على الأكثر لم يصل على الباقي إذا وجد، وإن وجد نصفه من غير الرأس أو وجد نصفه مشقوقًا طولًا، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ويلف في خرقة ويدفن فيها، انتهى.\n(٣) قال المجد الهب والهبوب الانتباه من النوم، إلخ.","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>[باب الصلاة على النجاشي]</span>\nقوله [إن أخاكم النجاشي مات فقوموا فصلوا عليه] قد ثبت أن النبي ﷺ لم يصل على الغائبين إلا مرات يسيرة ولم يصل على بعض من هو أحب إليه ممن صلى عليه فعلم أنها غير مشروعة لكل غائب لهم وإلا لم يتركها فإن صلاتك سكن لهم فكان صلاته لمن كشف له عن سريره فحسب فكانت هذه صلاة على الحاضر لا الغائب فكيف يجوز لنا أن نصلي وهو غائب عن أعيننا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>[باب فضل الصلاة على الجنازة]</span>\nقوله [أحدهما أو أصغرهما مثل أحد] بين (١) أولًا أن المراد بالقيراط ليس هو الوزن المتعارف عندهم لعل قدره ثلاث شعيرات، ثم بين أن أحدهما أصغر والثاني أكبر، ولم يبين أي القيراطين أعظم قيراط الصلاة أو قيراط الدفن ترغيبًا لهم وتحريضًا في إحرازهما جميعًا فلو فصل عساهم أن يكتفوا بتحصيل القيراط الأعظم.\nقوله [فسأل عائشة عن ذلك] لا ظنًا بأبي هريرة كذبًا فشأنهما أرفع منه بل لتحصيل الطمأنينة، ولما كان أبو هريرة غير فقيه (٢) فلعله فهم ما لم يرده النبي ﷺ، وإنما استبعد ذلك حتى احتاج إلى تصديق عائشة في طمأنينة القلب، لما أنه حضر معه ﷺ جنائز كثيرة، ومع ذلك فلم يسمعه منه ﷺ ولا من غيره، وبذلك يعلم أن كثيرًا من الروايات لم تبلغ إلى الأكابر، قوله [وحملها ثلاث مرات] وهذا يحصل بأقل من دور تام بأخذ قوائمه الثلاث في ثلاث مرات، فقد مضى ما عليه من حق الجنازة وشهودها ولا يجب أن يحملها عشر أقدام أو فوق ذلك.\n_________\n(١) يعني علم من هذا الحديث أمران: الأول بالقيراط، والثاني كون أحدهما أكبر، وليس المراد إن هذين الأمرين بينا في موضع آخر.\n(٢) أي على ما قاله بعضهم: وإن رد عليه غيره.","vol":"2","page":191},{"text":"[باب القيام (١) للجنازة] قوله [حتى تخلفكم] بين في الحاشية له وجهين (٢) وأيضًا وجه القيام كون الملائكة معها، ثم نسخ جميع ذلك وفيه (٣) أن السبب لو كان ذلك فما معنى النسخ.\n_________\n(١) هذا هو القيام الثاني الذي تقدمت الإشارة إليه باب الجلوس قبل أن توضع وهذا أيضًا اختلف فيه الفقهاء والسلف والجمهور على أنه نسخ وذهب جماعة من السلف إلى أنه لم ينسخ، وقالوا الآثار الثابتة الصحاح توجب القيام، وحكى الشوكاني عن أحمد وإسحاق وابن حبيب: التوسعة، وقال ابن حزم: قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام، يدل على أن الأمر للندب ولا يجوز أن يكون نسخًا، والأئمة الأربعة على الأول إلا أن الشافعي، حكى عنه عامة الشراح\n(٢) إذ قال الباعث على الأمر بالقيام أحد الأمرين، إما ترحيب الميت وتعظيمه أو تهويل الميت لما ورد أن الموت فزع، انتهى، وبين الشيخ وجهًا ثالثًا ثم قال ونسخ جميع ذلك يعني القيام لأي سبب كان من الأسباب المذكورة منسوخ.\n(٣) يعني أن أسباب القيام: وهي الأمور الثلاثة المذكورة موجودة، وأيضًا هي أخبار فكيف النسخ ويمكن أن يجاب عنه بأن ههنا أمرين الأسباب، والأمر بالقيام لتلك الأسباب، فالمنسوخ الثاني مع وجود الأول لعلة تفوق على الأسباب المذكورة وهي التشبه مثلًا، كما يظهر من جمع الروايات في هذا الباب، ذكر بعض منهما في الأوجز.","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>[باب قوله ﷺ: اللحد لنا والشق لغيرن </span>ا] المراد بضمير الجمع معشر الأنبياء، فالمراد أن الأنبياء ليس لهم إلا اللحد ولغيرهم يجوز الأمران، وإن كان الأولى لهم هو اللحد لا الشق وفيه بعد لأنه يتوقف على أن أحدًا من الأنبياء لم يدفن إلا في اللحد ولأنه لو كان مراده ذلك لما اختلفوا في أن النبي ﷺ أي الأمرين له ينبغي أن يفعل حتى اتفقوا على أن من أتى من اللاحد والشاق (١) أولًا فعل فعله، أو المعنى بضمير الجمع نبينا محمد ﷺ مع أمته يعني أن اللحد هو المختار لنا والأليق بنا معشر المسلمين، والشق يختاره غيرنا من أصحاب الملل الأخر لاختيارهم السهولة في هذه الأمور، وليس لهم حرص في اكتساب الفضائل، وإن كان الجائز لنا معشر المسلمين الشق أيضًا مع كونه خلاف الأولى، وعلى هذا فاختيار الصحابة اللحد كان موافقًا وما ثبت للبعض من الشق فلضرورات لكنه على التوجيهين جميعًا لا يصح اختلاف الصحابة في دفن النبي ﷺ هل يلحد له أو يشق فلا وجه لتخصيص البعد بالتوجيه الأول والجواب أنهم وإن كانوا على ثقة واستيقان من كون اللحد أفضل إلا أن ما لزمه من العوارض جعل الشق مختارًا عندهم وراجحًا على اللحد لا لفضل في نفسه على اللحد بل لتلك العوارض منها ما وقع في تكفينه ﷺ ودفنه من تأخيرات فلو أنهم اشتغلوا باللحد لزاد التراخي على التراخي،\n_________\n(١) فقد ورد هذا المعنى في عدة روايات منها ما في جمع الفوائد عن ابن عباس لما أراد أن يحفروا للنبي ﷺ بعثوا إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان يضرح كضريح أهل مكة، وبعثوا إلى أبي طلحة وكان يلحد فبعثوا إليهما رسولين، فقالوا: اللهم خر لنبيك فجيء بأبي طلحة ولم يوجد أبو عبيدة فلحد النبي ﷺ، الحديث، وأخرج ابن سعد في طبقاته عن أبي طلحة قال اختلفوا في الشق واللحد للنبي ﷺ، فقال المهاجرون: شقوا كما يحفر لأهل مكة، وقالت الأنصار: ألحدوا كما نحفر بأرضنا، فلما اختلفوا في ذلك قالوا اللهم خر لنبيك، الحديث.","vol":"2","page":193},{"text":"فإنه عليه صلاة الله وسلامه، دفن بعد ثلاث من يوم موته فلا يفتقر إذًا إلى جواب أن الصحابة كيف خفيت عليهم الرواية حتى اختلفوا فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>[باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت]</span>\nتخصيصه بالواحد لمكان الاختلاف فيه دون الزيادة فإنهم بأسرهم متفقون على أنه لا يجوز الزيادة على الواحد في إلقاء الثوب تحت الميت، ثم اعلم أن (١) علماءنا كرهوا الثوب الواحد أيضًا لكونه لم يثبت من فعل النبي ﷺ، ومن جوزه فقد استند فيه بحديث شقران (٢) المذكور في الباب، وقد ثبت أن شقران لم يفعل ذلك بمشورة من للصحابة بل فعله ذلك من غير أن يوقفهم على فعله ولم يطلعوا عليه لكونهم في الحجرة، وكان القبر عميقًا فلم يكد يبصر فيه شيء إلا بعد تأمل، والباعث لشقران على فعله ما رآه من خلاف علي وعباس في أخذ هذه القطيفة بإثبات استحقاقه، فأحب شقران قطع نزاع البين بفرشها تحته ﷺ، ليكون في استعماله بعد مماته، كما كانت في حياته، ولقد نظر شقران في ذلك إلى كون الأنبياء أحياء، فلا يجوز\n_________\n(١) قال النووي: قد نص الشافعي وجميع أصحابنا وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة، ونحو ذلك تحت الميت في القبر وشذ عنهم البغوي، فقال: لا بأس بذلك لهذا الحديث والصواب كراهته، كما قال الجمهور: وأجابوا عن هذا الحديث بأن شقران انفرد بفعل ذلك ولم يوافقه غيره من الصحابة ولا علموا بذلك، وإنما فعله شقران لكراهة أن يلبسها أحد بعد النبي ﷺ وخالفه غيره، فروى البيهقي عن ابن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثوب في قبره، انتهى.\n(٢) وقال الحافظ في التلخيص: روى الواقدي عن علي بن حسين أنهم أخرجوها وبذلك جزم ابن عبد البر، انتهى، وقال أبو الطيب: قال العراقي في ألفيته في السيرة:\nوفرشت في قبره قطيفة ... وقيل أخرجت وهذا أثبت","vol":"2","page":194},{"text":"لنا أن نفعله، لما قد ثبت أن الصحابة لم يرضوا بفعل شقران، قوله [وكلاهما من أصحاب ابن عباس] يعني (١) ليس فيه بتغيير هذا الاسم اضطراب إنما هما آخذان من ابن عباس، أحدهما: أبو جمرة بالجيم وراء مهملة، وثانيهما: أبو حمزة بالحاء وزاي معجمة، قوله [وقد روى ابن عباس] إلخ، يعني لا يتوهم برواية ابن عباس حديث إلقاء القطيفة أنه يرى ذلك مسنونًا، وإنما هو ذاهب (٢) إلى كراهته، ووجهه ما قدمنا من أنه إضاعة فلا يسن إلا بقدر ما ثبت عنه ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>[باب في تسوية القب </span>ر] قوله [ألا سويته] ليس المراد تسويته بالأرض رأسًا، إنما المراد تسويته بحيث لا يبقى إلا قدر ما يعلم أنه قبر، وما اشتهر في العوام من جمع التراب كلية على القبر بحيث لا يشذ منه شيء خارجًا جهل وحمق، قوله [ولا تمثالًا إلخ] اختلفوا في التمثال والمراد به ههنا ذو الروح، وإن كان أصل إطلاقه عليه وعلى غير ذي الروح أيضًا، فقال بعضهم: بكراهة تمثال ذي الروح مطلقًا، وإن لم يمكن حياة هذا القدر، وقيل لا يكره ما لا يمكن حياته وعلى هذا لا كيره مقدار الرأس وغيره من الأجزاء والأصح في ديارنا في الكراهة لأن وجه الكراهة لما كان التشبه بالكفار، ولذلك لا يكره وجودها إذا كانت تحت الأقدام للإهانة وهو موجود ههنا، فإن كفار (٣) ديارنا هذه يكتفون من تصاوير طواغيتهم\n_________\n(١) والظاهر عندي في غرض المصنف أنه نبه بذلك على أن الراوي لهذه الرواية: هو أبو جمرة بالجيم وبالمهملة والراء رجل آخر ليس هو ههنا، وذلك لأن الحافظ في التهذيب رقم على عمران بن أبي عطاء (ى م] وقال له في مسلم: حديث ابن عباس لا أشبع الله بطنك، فالظاهر أنه ليس له هذا الحديث، وإن روى عنه أبو عوانة أحاديث كثيرة.\n(٢) كما تقدم قريبًا في كلام النووي من رواية البيهقي.\n(٣) يعني لما أن أصنام الهنود قد تكون بمجرد الرؤوس أيضًا، وأما تماثيل الفسقة فلا تكون إلا بمجرد الرؤوس غالبًا إلا أن التشبه بالأولين أقبح وأشد، فتأمل.","vol":"2","page":195},{"text":"بالرؤوس فكان مكروهًا لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>[باب في كراهية الوطي على القبور والجلوس عليها]</span>\nقال بعضهم هو أي الجلوس (١) على ظاهره، وقال الطحاوي: وهو أعلم بمذهب الإمام أيضًا، فذهب إلى أن الإمام لم يكره الجلوس مطلقًا، بل هو كناية عن قضاء الحاجة (٢) وقال: هو المكروه عندنا لا الجلوس بمعناه المشهور وهو الذي يعلم كراهته نظرًا إلى آثار الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا يجلسون عليها ويستندون إليها سيما وفي الاحتراز حرج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>[باب في كراهية تجصيص القبور </span>إلخ]، وقال الشافعي: لا بأس أن يطين القبر ليبقى (٣) زمانًا فلا يسويه السيول والرياح، وإنما المنهي عنه هو التجصيص والتزيين.\n_________\n(١) وفيه أقوال أخر منها أن المراد الجلوس للاحداد والحزن قال أبو الطيب.\n(٢) ووافقه مالك فقال في الموطأ: المراد بالقعود الحدث، وقال النووي: هذا تأويل ضعيف أو باطل والصواب أن المراد بالقعود الجلوس، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء، وتعقب بأن ما قاله مالك ثبت مرفوعًا عن زيد بن ثابت قال: إنما نهى رسول الله ﷺ عن الجلوس على القبر لحدث غائط أو بول، أخرجه الطحاوي برجال ثقات وفي الأزهار الأولى أن يحمل من هذه الأحاديث ما فيه التغليظ على الجلوس للحدث، فإنه يحرم وما لا تغليظ فيه على الجلوس المطلق، فإنه مكروه، وهذا تفصيل حسن قاله أبو الطيب.\n(٣) أشار الشيخ بهذا توافق الحنفية بالشافعي ففي شرح السراج للترمذي عن البرجندي، ينبغي أن لا يجصص القبر، وأما تطيينه ففي الفتاوى المنصورية لا بأس به خلافًا لما يقوله الكرخي، وفي المضمرات: المختار أنه لا يكره، انتهى.","vol":"2","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>[باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر]</span>\nقوله [أقبل عليهم] فيه إشارة إلى أن الأدب (١) أن يكون عند التسليم متوجهًا إلى القبور لا مدبرًا، قوله [السلام عليكم يا أهل القبور] استدل بظاهره من قال بسماعهم ومنهم عمر وابنه وأيضًا فلهم من الروايات مما ورد أن الميت ليسمع خفق نعالهم إذ يحضران (٢) عنده ملكان نكير ومنكر والجواب أن ذلك كناية عن سرعة إتيانهما بعد الدفن لا حقيقة ومن أنكر سماعهم تشبث بتوسط الملائكة لتصحيح الخطاب، واستدل المكرون ومنهم عائشة وابن عباس ومنهم الإمام، بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فإنه لما شبه الكفار بالأموات في عدم السماع علم أن الأموات لا يسمعون وإلا لم يصح التشبيه، وما قيل إنه من قيل ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ غير تام لأنه لا يصح على هذا قوله بعده ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا﴾ إلخ، فإن الاقتدار منه سبحانه كما هو في الأول، فكذا في الثاني، فكيف يصح إثباته له ﷺ في نوع ونفيه في نوع، وما قال المثبتون: إن خطاب النبي ﷺ لأهل بدر على رأس القليب ينادي على ثبوت السماع أعلى نداء فأجاب عنه المنكرون بعضهم من أنه من خصوصياته ﷺ بكفار بدر رد الله سبحانه أرواحهم في أجسامهم ليسمعوا خطابه تنكيتًا لهم وتبكيتًا وتزييدًا في عذابهم، وقال بعضهم: إنما خاطبهم النبي ﷺ: ليغيظ بذلك المشركون من قريش، ومعنى قوله لعمر: ما أنت بأسمع منهم أي بأعلم منهم، فسرته بذلك عائشة، فلا يكون دليلًا على السماع\n_________\n(١) قال المظهر اعلم أن زيارة الميت كزيارته في حال حياته يستقبله بوجهه ويحترمه، كما كان يحترمه في الحياة يجلس بعيدًا منه إن كان في الحياة يجلس بعيدًا وقريبًا منه إن كان قريبًا منه، كذا قاله أبو الطيب.\n(٢) ولفظ الحديث كما في جمع الفوائد برواية الشيخين وأبي داود والنسائي عن أنس رفعه أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع خفق قرع نعالهم، إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه، الحديث.","vol":"2","page":197},{"text":"فالظاهر إنكار السماع وهو الأصح عندنا والكلام في ذلك طويل ليس هذا موضعه فليطلب، قوله [ونحن بالأثر (١)] يريد به تذكر موته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>[باب في زيارة القبور]</span>\n[لعن زوارات القبور] ولكنه عندنا كان قبل الرخصة في الزيارة، فلما رخص (٢) الرجال ترخصت النساء، وأورد عليه أن هذا خبر منه ﷺ بأنه تعالى يلعن فكيف يتطرق إليه النسخ والجواب أنه يلعن لارتكابهن المحرم عليهن، فلما ارتفعت الحرمة ارتفع اللعن لارتفاع موجبه فلا ضير حينئذ في النسخ إذ لا يلزم الكذب في الأخبار، ولما كان ارتفاع الحكم بارتفاع علته قلنا يمنع النساء إذا خيف عليهن الفتنة، كما هو مشاهد في ديارنا وزماننا، [وقال بعضهم: إنما كره إلخ] ومقتضى قولهم دوام الكراهة وبقائها، قوله [ثم قالت والله لو حضرتك. إلخ] إشارة منها بالرد على من حمل جنازته من مماته إلى مكة فإن في بعد المولد من المدفن أجرًا، كما ورد في الخبر [وقولها لو شهدتك] اخترع بذلك بعضهم مذهبًا ثالثًا وهو أنه يجوز لها الزيارة إذا لم تكن شهدت وفاته وكانت محرمة للميت وأجازوا لها مرة لا غير، وهذا القول الثالث لا يساعده نقل فإن قولها هذا لم يكن إلا لأن فرط الاشتياق لم يتركني أن لا أزورك ولو كنت زرت في حياتك لم يغلبني الاشتياق غلبته الآن، وإن كان الزيارة جائزة حينئذ أيضًا، ثم اشتراطهم بكونها محرمة للميت باطل فإن عائشة لو كانت محرمة لعبد الرحمن لم تكن محرمة لأهل القبور التي عند قبره مع أن ذهابها في البقيع ثابت لا ينكر وما يقال من أن القصد والتبع يتغايران أيضًا، فزيارة عائشة لمن هناك\n_________\n(١) بفتحتين وقيل بكسر فسكون، يعني التابعون لكم من ورائكم اللاحقون.\n(٢) أجمعوا على أن زيارتها سنة للرجال، وأما النساء ففيه خلاف قاله أبو الطيب، قلت وفي الرجال أيضًا بعض الخلاف حكى في الأوجز كرهها بعض السلف ومقابله قول ابن حزم إنها واجبة ولو مرة واحدة في العمر.","vol":"2","page":198},{"text":"ممن ليس بمحرم لها كانت تبعًا والكلام إنما هو في زيارة النساء قصدًا فلا يخفى بعده لأن الأحكام معللة والعلة لا تفرق بينهما، وكذلك الإجازة للزيارة فإنه لما جازت مرة جازت مرات، لأن المدار هو الفتنة فإن وجدت الفتنة في مرة كانت الزيارة حرامًا، وإلا فلا ضير في الزيارة واستعمال صيغة المبالغة في زوارات القبور ليس تنصيصًا على كونه مبالغة كم، بل الذي هو مبالغة حقيقة هو المبالغة في الكيف، فاللعن ليس إلا لمن تزور بفرط الاشتياق والمحبة للزيارة ومن لا فلا.\n\n[باب الدفن (١) بالليل] قوله [فأسرج (٢) له سراج] هذا تنبيه على أن النهي عن أخذ النار مع الميت هو النهي عن تشبه الجاهلية والكفار ولا منع عما فيه ضرورة وكان النبي ﷺ نهى أيضًا عن الدفن بالليل لمصالح لا تعم فهذا بيان أن النهي معلل، قوله [إن كنت لأواها، إلخ] هذا رد منه للناس أن يظنوا بالمسلمين إلا خيرًا بل الذي ينبغي لهم أن يحملوا أفعال المسلمين على الخير، فعلهم كانوا يظنون الميت مرائيًا في تأوهه وتلاوته.\n_________\n(١) قال القاري: لا خلاف في ذلك إلا ما شذ به الحسن البصري وتبعه بعض الشافعية، وقال العيني: ذهب الحسن وأحمد في رواية إلى كراهة الدفن بالليل، وقال ابن حزم: لا يجوز الدفن ليلًا، إلا عن ضرورة، وذهب الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في الأصح، إلى الجواز، كذا في الأوجز.\n(٢) قال أبو الطيب: ببناء المجهول والهاء للميت أو للنبي ﷺ وبسراج نائب الفاعل والباء زائدة، انتهى، قلت: هذا على نسخته، وأما في نسختنا فبدون زيادة الباء في أوله.","vol":"2","page":199},{"text":"القبلة، قال الأستاذ [أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده] لا يبعد أن يكون سلوه من سريره إلى جانب القبلة للقبر، ثم أخذوه من جانب القبر، فلا يحتاج إلى تضعيف إحدى الروايتين، قوله [وكبر عليه أربعًا] أراد بها صلاة الجنازة إذ لم يثبت تكبير على الميت سواها والواو لمطلق الجمع، وإنما آخر ذكرها ليتم أول الكلام فلا يختل النظام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>[باب الثناء على الميت]</span>\nقوله [فأثنوا عليه خيرًا] هذا فضل من الله على عباده، فإنه لا يحب أن يكذب عباده الصالحين (١) والأصل فيه ما ورد من أن الأرواح جنود مجندة، فالصالحون لا يحبون إلا الصالح، وإن كان ظاهره غير ذلك فيما يبدو للناس فلا يمكنهم الثناء إلا لمن أحبوه بقلوبهم ولا غرو إذًا في مغفرته، وأما إذا تكلفوا فأثنوا على من لا يحبونه فيغفر الله له، وإن كان عاصيًا لئلا يكذبوا (٢) في قولهم، وأما إذا كان في الثناء عليه خشية أن يضل الناس فلا يجوز كما سبق.\n_________\n(١) وفي إرشاد الساري المراد المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان فالمعتبر شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة، لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم ولا من بينه وبين الميت عداوة لأن شهادة العدو لا تقبل قاله الداودي، هكذا في شرح أبي الطيب.\n(٢) قلت: ويؤيد ذلك ما في ترغيب المنذري برواية البزار عن عامر بن ربيعة مرفوعًا، إذا مات العبد والله يعلم منه شرًا ويقول الناس خيرًا، قال الله ﷿ لملائكته قد قبلت شهادة عبادي على عبدي وغفرت له على فيه، انتهى، فهذا الذي أفاده الشيخ في معنى الحديث أوجه مما قالوا في معنى الحديث من أنه يعتبر، إذا كان مطابقًا للواقع، وإلا فلا، ومن أنه يعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل لأنهم لا يثنون إلا على من يكون مثلهم وغير ذلك.","vol":"2","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>[باب في ثواب من قدم ولدًا] </span>قوله [ثلاثة من الولد] التنصيص بالعدد سكوت عن حكم ما دونه ماذا هو وحكم ما فوقه قد يعلم بدلالة النص ولا يكون التنصيص على عدد معين نفيًا للحكم عما دونه وهو المراد بما قال أهل الأصول من الأحناف أن مفهوم العدد غير معتبر عندنا ولذلك سأل في الرواية الآتية عن الاثنين ما بالهما فلو ثبت الحكم في الاثنين نفيًا بذلك النص المذكور فيه لفظ الثلاثة لم يسأل عنه الراوي لكونه من أهل اللسان، وقول عمر (١) فيه ولم نسأله عن (٢) الواحد حكاية عن حاله وبيان على حسب علمه وإلا فقد رواه ابن مسعود في الواحد أيضًا كما سيأتي فهذه الرواية لم تبلغ عمر وقوله [إلا تحلة (٣) القسم] كأنه استثناء منقطع فإن هذا\n_________\n(١) هكذا في الأصل والظاهر اختلط فيه تقرير الحديثين المختلفين فإن قول عمر لم نسأله عن الواحد في باب ثناء الناس على الميت وحديث ابن مسعود فيمن قدم فرطًا ولم أجد في باب ثناء الناس على الميت أقل من اثنين وظاهر كلام العيني أنه لا يكتفي فيه أقل من اثنين لأنه من باب الشهادة وأقل ما يكفي في الشهادة الاثنان.\n(٢) قال الزين بن المنير إنما لم يسأل عمر ﵁ عن الواحد استبعادًا منه أن يكتفي في هذا المقام العظيم بأقل من النصاب. وقال أخوه في الحاشية: فيه إيماء إلى الاكتفاء بالتزكية بواحد، كذا قال، وفيه غموض قاله الحافظ.\n(٣) قال أبو الطيب بفتح المثناة الفوقية وكسر المهملة وتشديد اللام أي قدر ما ينحل به القسم قال في النهاية أراد بالتحلة قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ وهو مثل في القليل المفرط في القلة واختلف في معنى الورود تحلة القسم فقيل المراد به الدخول وتصير بردًا وسلامًا على المؤمنين وقيل المرور على الصراط فعلى الأول الاستثناء متصل وعلى الثاني منقطع، وقيل إلا قدر ما يحل به الرجل يمينه وقيل بل المراد القلة من غير أن يكون هناك قسم والظاهر أن القلة كناية عن العدم، انتهى.","vol":"2","page":201},{"text":"الورود ليس من مس النار في شيء، قوله [من قدم ثلاثة لم يبلغوا الحنث (١)] اشتراط العدد ليس احترازًا لما قدمنا نعم كونهم لم يبلغوا الحنث شرط ينتفي الحكم بانتفائه ووجه ذلك مع ما نشاهد من كثرة الحزن بفوات الكبير نسبة إلى فوت الولد الصغير أن حزن فوت الصغير إنما يكون لمجرد تعلق الأبوة والأمية الذي وضعه الله سبحانه في الآباء والأمهات، وحزنه على الكبير وإن كان كثيرًا فإنه مشوب بغرضه الدنياوي وحسرة على ما كان قد أمل منه وطمع أن يكون يفيده فوائد وليس ذلك لأن انتفاء الوصف يدل على انتفاء الحكم إذ ليس ذلك من أصولنا فكيف نسلم أن انتفاء الحكم صار لأجل انتفاء الوصف وإنما ألحق الشافعي الوصف بالشرط في ذلك وإنا لم نسلمه في الشرط أيضًا، فكيف بالوصف بل الحكم إنما انتفى ههنا لأن الوعد مشروط بتقدير الصغر فكان النص ساكتًا عن الكبير فلا يثبت الحكم فيه بالقياس سيما وليس الكبير بأولى من الصغير حتى يثبت الوعد فيه بدلالة النص نعم يشمله النصوص الأخر التي وعد فيها بالمثوبة على الهم والحزن ما كانا (٢) وفيها\n_________\n(١) بكسر المهملة وسكون النون آخره مثلثة الإثم والمراد سن التكليف وإنما خص الإثم بالذكر لأنه هو الذي يحصل بالبلوغ وأما الثواب فقد يحصل للصبي أيضًا، فهو من خواص البلوغ قال القرطبي إنما خصهم بذلك لأن الصغير حبه أشد والشفقة عليه أعظم ومقتضاه أن من بلغ الحنث لا يحصل لفاقده ما ذكر من الثواب وإن كان في فقده ثواب في الجملة وبذلك صرح كثير من العلماء وفرقوا بين البالغ وغيره، وقال الزين بن المنير يدخل الكبير في ذلك بطريق الفحوى لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كل على أبويه فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي ولا ريب أن التفجع على فقده أشد قاله أبو الطيب، قلت الظاهر التخصيص بالصغير لما صرح به جمع من المشايخ ووجه تخصيصه ما أفاده الشيخ فإنه وجه وجيه لا غبار عليه.\n(٢) الضمير إلى الهم والحزن أي المثوبة على مقدارهما وضمير فيها كثرة إلى الروايات الواردة في المثوبة والأجر على الهم والحزن.","vol":"2","page":202},{"text":"كثرة، وأيضًا لذلك التقييد وجه آخر أدق وألطف وهو أن ترتب الجزاء على ذلك الشرط لا يتصور ما لم يقيده بذلك القيد فإن الأولاد إذا بلغوا حنثًا وكلفوا تكاليف الإسلام وماتوا بعد ما تحملوها فإنهم مبتلون بأحوالهم وأهوالهم فليسوا بمطلقين عن إسار الهموم (١) فأنى يتيسر لهم أن يكونوا حصنًا حصينًا لغيرهم وأما ثواب ما أصاب الوالدين بفوات الأولاد الكبار فغير منفي بالاتفاق على قدر صبر الأبوين وحزنهما فالنفي ههنا ليس إلا راجعًا إلى تلك الجهة الخاصة والوعد الموعود.\nقوله [سمعت جدي أبا أمي] أي لم يكن جدًا صحيحًا لي، قوله [لن يصابوا (٢) بمثلي] دفع بذلك ما كان يتبادر إلى الذهن أن المؤمنين الذين لم يروا النبي ﷺ ولم يتشرفوا بزيارته لم يصابوا به ولم يشجنوا فكيف يكون فرطً لهم فقال إن المؤمن وإن لم يظهر منه فيما يبدو للناس وله محبته بي إلا أن كل مؤمن ففي قلبه حصة من حب الله وحب رسوله قد غلبت عليه شهواته وعلاقاته الدنيوية فلا يكاد يظهر بمقابلتها ولا ينتفي بذلك الانغمار أصل وجوده وسيجيء لذلك زيادة تفصيل في قوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه مع أن الحزن للذين لم يأتوا بعد أكثر فإنهم يتشرفوا منه بزورة أيضًا، وقوله أنا فرط لأنه معصوم أيضًا وفارغ عن تخليص نفسه فلا هم له غير أمته المرحومة كما لم يكن للولد الذي لم يبلغ الحنث إلا هم تخليص والديه.\n_________\n(١) قال المجد الإسار ككتاب ما يشديه جمعه أسر وفي المجمع الإسار بالكسر مصدر أسرته أسرًا وإسارًا وهو أيضًا الحبل.\n(٢) أي لن يصل مصيبة إلى أمتي بمثل مصيبة موتى فإنها أشد عليهم من سائر المصائب أما بالنسبة إلى من رآه فالمصيبة ظاهرة وأما بالإضافة إلى من بعده فالمصيبة العظمى والمحنة الكبرى حيث ما كان لهم إلا مرارة الفقد من غير حلاوة الوجد ولذا يموته ﷺ يتسلى عن موت كل محبوب وفقد كل مطلوب فإن كل مصاب به عنه عوض ولا عوض عنه ﷺ.","vol":"2","page":203},{"text":"[باب ما جاء في الشهداء (١) من هم] قوله [المطعون] قيل الطاعون كل مرض عام وقيل بل هي الخراجات التي تخرج في المغابن كالفخذ والإبط [المبطون] يشمل كل مرض من أمراض البطن والكبد والقلب والرأس كأنه مأخوذ من الباطن خلاف الظاهر وليس بمختص بأمراض البطن فقط.\nقوله [فلا تخرجوا منها (٢)] لئلا يتخرج الناس الذين أنتم واردون عليهم بظن منهم أنكم أتيتم من مكان مرض فلستم خالين منه ولئلا يتفرد المرض الذين مرضوا ههنا فيتوحشوا إذ ليس يبقى لهم إذًا من يخدمهم ويقوم بأمرهم أو لأن في الفرار منه أيام الفرار من المقدر مع أن المقدور واقع لا محالة فلا ينبغي أن يكل في أموره وما ينوبه من الأمراض والعلل إلا إلى الله سبحانه.\nقوله [فلا تهبطوا (٣) عليها] لقوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ويعلم من ذلك أن فيه أثرًا وإن كان بإذن الله تعالى وخلقه وتحت إرادته ولأن الوسوسة\n_________\n(١) اعلم أن الشهيد في كتب القوم على ثلاثة أنواع شهيد في الدنيا والآخرة وشهيد في الدنيا لا الآخرة وعكسه وهو المراد ههنا ولخصت في الأوجز جملة من أطلق عليها اسم الشهادة فيما ظفرت من الكتب والروايات فبلغت إلى قريب من ستين فارجع إليه لو شئت التفصيل.\n(٢) وفي الدر المختار إذا خرج من بلدة فيها الطاعون فإن علم أن كل شيء بقدر الله تعالى فلا بأس بأن يخرج ويدخل وإن كان عنده أنه لو خرج نجا ولو دخل ابتلى به كره له ذلك فلا يدخل ولا يخرج صيانة لاعتقاده وعليه حمل النهي في الحديث الشريف انتهى، قلت: وينبغي أيضًا أن يقيد بأن لا يفسد عقيدة غيره بخروجه.\n(٣) قال أبو الطيب بفتح المثناة الفوقية وكسر الموحدة أي لا تنزلوا عليها لأنهم معذبون أو لأنه أسكن للنفس وأطيب للعيش، وقال القاضي: أنه تهورًا، انتهى.","vol":"2","page":204},{"text":"بتعدية المرض (١) باقية بعد فنهاهم عن النزول ثمة سدًا لباب الوسوسة فإن الله هو الفاعل الحقيقي وتلك أسباب، قوله [من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه] هذا ظاهر إلا أن عائشة تلك الفقيهة المحسنة إلى أبناء المؤمنين الموفقة للتنقير في مسائل الدين لما علمت أن سبب الوصول إلى المحبوب محبوب لا محالة والموصل إلى المكروه مكروه لا محالة ولا ريب أن أكثر المؤمنين بل جلهم لا يحبون الموت فخافت أن يكونوا كرهوا لقاء الله فسألت عن ذلك وقالت يا رسول الله كلنا يكره الموت ولا سبب لكراهية الموت إلا كراهة ما هو موصل إليه فأجاب النبي ﷺ عن ذلك بما حاصله أن كل مؤمن ففيه حصة من حب الله وحب رسوله بقدر قوة إيمانه وشدة إبقائه إلا أنه مغمور بما اكتنف الأناسي من الضرورات الإنسانية والشهوات الطبيعية الحيوانية ولا يضر ذلك في إيمانه فإن مقتضى البشرية لا يتخلف عن البشر وليس له غنى عن جميع ذلك مادام لابسًا حلة الجسمية والبشرية مأسورًا في أيدي الحوائج البهيمية الكدرية وأما إذا انقطعت حبائل وسائلها ونزع ما لبسه من قمصها وغلائلها فحينئذ يظهر من حظ الحب ما كان مكنونًا وينفك ما كان في أيدي الشهوات مرهونًا فلذلك ترى النبي ﷺ جعل ملاك الأمر ما يظهر في الخاتمة وإن كان سبب ظهوره هو الذي كان له من قبل حاصلًا ولم يبين علامة يجدونها في أنفسهم الآن قبل التغرغر لئلا ييئسوا من رحمته سبحانه بل أحال الأمر على آخر وقت إذ لا التباس فيه أصلًا لأنه حينئذ يكون على ثقة من أنه لم يبق له إلى أحد ممن على الأرض حاجة فلا يبقى له اشتغال بأحد منهم ولا بشيء من أمورهم لأن تفكره فيهم إنما كان لأن ضروراته في تمدنه متعلقة بهم ولا ينافيه أيضًا ما يكون لأحد منهم تعلق بأحد من أولاده وأهله فإن حظًا من البشرية باق بعد.\n\n[باب فيمن يقتل نفسه (٢) لم يصل عليه] قوله [فقال بعضهم يصلي على\n_________\n(١) وتقدم الكلام على العدوي قريبًا في باب ما جاء في كراهية النوح.\n(٢) وفي الدر المختار هي (أي صلاة الجنازة) فرض على كل مسلم مات خلا بغاة وقطاع طريق إذا قتلوا في الحرب وكذا أهل عصبة ومكابر في مصر ليلًا بسلاح وخناق ومن قتل نفسه ولو عمدًا يغسل ويصلي عليه به يفتي وإن كان أعظم وزرًا من قاتل غيره ورجح الكمال قول الثاني (أي أبي يوسف) انتهى.","vol":"2","page":205},{"text":"كل إلخ] مؤدى قولهم عدم الفرق بين الإمام وغيره في الصلاة عليه، ثم اعلم أن هذا مذهب القدماء في الفرق الضالة فإنهم لم يكفروهم وقالوا فيهم إنهم من أهل القبلة فيعامل بهم معاملة المسلمين أجمع، وأما المتأخرون فإنهم لما رأوا بعض عقائدهم واصلة إلى الكفر كفروا، منهم من اعتقدها ففرقوا بين من وصل منهم إلى حد الكفر وبين من لم يصل إليه فقالوا لا يصلي على من كفر وإن صلى إلى القبلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>[باب في المديون]</span>\nقوله [قال أبو قتادة هو على] اعلم أن الكفالة هو ضم ذمة إلى ذمة فقال الإمام لا يكفل عن الميت إذ لا ذمة حتى يضم إليها ذمة أخرى لأن الدين (١) هو الفعل حقيقة ولذا يوصف بالوجوب وإطلاق الدين على المال مجاز ولم يبق المكلف حتى يجب عليه شيء، والمال لما كان وسيلة إلى التسليم والأداء لا موصوفًا بالوجوب عليه لم يبق الوجوب ببقاء المال وقال (٢) صاحباه\n_________\n(١) يعني أن الدين هو صفة الفعل لا صفة المال لأن حقيقة الدين هو لزوم المال على أحد ولذا يجب عليه أداؤه فالوجوب حقيقة هو فعل الأداء وأما المال فهو متعلق الإيتاء ومفعوله وهو ظاهر.\n(٢) وفي الهداية إذا مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئًا فتكفل عنه رجل للغرماء لم تصح عند أبي حنيفة وقالا تصح لأنه كفل بدين ثابت لأنه وجب لحق الطالب ولم يوجد المسقط ولهذا يبقى في حق أحكام الآخرة ولو تبرع به إنسان يصح وكذا يبقى إذا كان به كفيل أو مال وله أنه كفل بدين ساقط لأن الدين هو الفعل حقيقة ولهذا يوصف بالوجوب لكنه في الحكم مال لأنه يؤول إليه في المآل وقد عجز بنفسه وبخلفه ففات عاقبة الاستيفاء فيسقط ضرورة والتبرع لا يعتمد قيام الدين، وإذا كان به كفيل أو له مال فخلفه أو الإفصاء إلى الأداء باق انتهى.","vol":"2","page":206},{"text":"إن لم يبق ذمته في أمور الدنيا فذمته في أحكام الآخرة باقية فيضم إليها وذلك لأن فراغ الذمة إما بالأداء من المديون أو بالإبراء من الداين ولم يوجد شيء منهما وهذا الحديث سند (١) لهما، وقال الإمام إنما كان ذلك عدة من أبي قتادة حتى سأله النبي ﷺ بالوفاء ولو لم يكن عدة بل كان كفالة لما احتيج إلى هذا السؤال فإن الكفالة لا يكون إلا للأداء والوفاء ومعنى قوله بالوفاء إن لفظ «على» كان يحتمل معنيين أن يؤدي أبو قتادة دينه من عند نفسه أو أن يستحث (٢) الناس عليه حتى يلتزموا فكان المعنى على دينه إن أسعى له والسعي منى والإتمام من الله، وعلى هذا لو لم يؤته الناس شيئًا لم يكن أبو قتادة إلا أنجز ما وعده فسأله النبي ﷺ ليعين ماذا أراد فلما بين أنه أراد الأداء من عند نفسه صلى عليه.\nقوله [أنا أولى (٣) بالمؤمنين من أنفسهم] والمعنى التفضيل ظاهر فإن الميت لم يخلص نفسه من دينه حتى أسر فيه وأخلصه النبي ﷺ وكذلك في غيره من الأمور الدينية والدنيوية فإنه أولى بنا منا في إصلاحنا وتسديدنا وهذا إذا كان الأنفس على حقيقته\n_________\n(١) قال أبو الطيب: وبقولهما قال مالك والشافعي وأحمد فالحديث حجة للجمهور انتهى قلت وأنت خبير أن احتمال العدة كما تأوله الإمام باق نعم لو أنكره المتكفل وأخذ منه النبي ﷺ جبرًا لتكفله بذاك كان حجة لهم وإذ لا فلا قال القاري والحديث يحتمل أو يكون إقرارًا بكفالة سابقه فإن لفظ الإقرار والإنشاء في الكفالة سواء.\n(٢) قال المجد حثه عليه واستحثه واحثه واحتثه وحثثه وحثحثه حضه فاحتث لازم ومتعد.\n(٣) قال أبو الطيب: أشار إلى قوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية انتهى، وهذا مخالف لما سيأتي في كلام الشيخ فتأمل.","vol":"2","page":207},{"text":"وإلا فكثيرًا ما يستعمل تلك اللفظة في ما سوى هذا الشخص لكونه منهم كما في قوله تعالى ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وارد على الحقيقة ولا يلزم أن يكون المراد في الرواية هو المراد في الآية فافهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>[باب ما جاء في عذاب القبر]</span>\nقوله [إذا قبر الميت] الرواية ههنا وإن كانت من المجرد (١) إلا أنه مستعمل عن المجرد والمزيد كليهما بمعنى وقوله [المنكر والنكير (٢)] هما بمعنى المفعول أو الأول بمعنى المفعول والثاني بمعنى الفاعل كان النكارة عن الجانبين معًا فلا الميت يعرفهما ولا هما يعرفانه فيعاملان معاملة الأجانب [في هذا الرجل] فقيل يثيران إلى تصويره ﷺ وقيل بل يكتفيان بهذا القول لأنه لا يخطر بالبال حينئذ إلا الله ورسوله ولا يصح إطلاق الرجل (٣) عليه سبحانه فلم يبق مصداقه إلا النبي ﷺ.\nقوله [ما كان يقول (٤)] أي في دنياه [فيقولان قد كنا نعلم] لأنا كنا رأينا على وجهك آثار البشر وسيما الخير إلا أنا سألناك امتثالًا لأمره سبحانه وأداء لما علينا من الواجب وينبغي أن يقال إن المنكر والنكير ليسا بملكين معينين\n_________\n(١) ببناء المجهول أي دفن والمراد بالميت أعم من المؤمن والكافر.\n(٢) قال أبو الطيب: المنكر مفعول من أنكر والنكير فعيل بمعنى مفعول من نكر بكسر الكاف كلاهما ضد المعروف سميًا به لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما وإنما صورا كذلك ليخاف الكافر، وأما المؤمن فيريه الله تعالى كذلك امتحانًا ويثبته بالقول الثابت امتنانًا فلا يخاف، انتهى.\n(٣) كلمة ما موصولة في محل نصب على أنها مفعول يقول أي الذي كان يقوله في الدنيا، قاله أبو الطيب.\n(٤) ()","vol":"2","page":208},{"text":"وإنما هي محكمة (١) هذان اسمان كل اثنين من ملائكتها، وليس في شيء من الروايات تصريح بقصة العصاة ماذا يصيرون إليه وإنما المذكور حال المؤمن والكافر ولعلهم ترك ذكرهم للمقايسة فإن الإسلام يعلو والمعاصي تكفر شيء من السكرات وأهوال القبر وغير ذلك، ولعل النكارة في لقائهما العصاة تكون أقل منها في لقائهما الكفرة وأكثر منها قلة حين يأتيان المؤمنين المتقين:\nقوله [سبعون ذراعًا] فقيل المراد به التكثير حتى تجتمع الروايات، وقيل بل التفاوت في الفسح لتفاوت مراتب المفسوحين لهم [فأخبرهم] بما جرى لي فإن قلوبهم مشغولة بي [فيقولان ثم] إذ ليس لك ذلك، والنوم هو الحقيقي أو هو كناية عن فراغ البال، قوله [نقموا عليه لرفعه (٢)] ما كان موقوفًا [باب في من يموت يوم الجمعة] قوله [إلا وقاه الله فتنة القبر] فقيل هذا اليوم (٣) والليلة فقط ثم يعذب\n_________\n(١) أصل المحكمة مجلس الحكومة والمراد ههنا أعوان هذا المجلس وعماله.\n(٢) قال السيوطي في قوت المغتذى، قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هذا الحديث أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ثم بسط الكلام على طرقه فارجع إليه وكذا بسط الكلام عليه الحافظ في ترجمة على هذا من التهذيب وحكى عن يعقوب أن هذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على علي بن عاصم.\n(٣) فقد عد صاحب الدر المختار في خصائص يوم الجمعة يأمن البيت من عذاب القبر ومن مات فيه أوفى ليلتها أمن من عذاب القبر ولا تسجر فيه جهنم. قال ابن عابدين: قال أهل السنة والجماعة: عذاب القبر حق وسؤال منكر ونكير وضغطة القبر حق لكن إن كان كافرًا فعذابه يدوم إلى يوم القيامة ويرفع عنه يوم الجمعة وشهر رمضان فيعذب اللحم متصلًا بالروح والروح متصلًا بالجسم فيتألم الروح مع الجسد وإن كان خارجًا عنه، والمؤمن المطيع لا يعذب بل له ضغطة يجد هول ذلك وخوفه والعاصي يعذب ويضغط لكن ينقطع عنه العذاب يوم الجمعة وليلتها ثم لا يعود وإن مات يومها أو ليلتها يكون العذاب ساعة واحدة وضغطة القبر ثم يقطع، كذا في المعتقدات للشيخ أبي المعين النسفي الحنفي من حاشية الحموي انتهى، وعد في الجنائز في ثمانية لا تسأل في القبر الميت يوم الجمعة أو ليلتها:","vol":"2","page":209},{"text":"ليلة السبت وقيل لابد خلص فخلص، نعم يحاسب فيجازي بعد الحشر:\nقوله [والجنازة إذا حضرت] والأوقات المستثناة مستثناه، قوله [يقبض أحب إلى] للحديث ومن نهى عنه فإنما نظر إلى ما فيه من التشبه بعبدة الأصنام ولكنه قياس في مقابلة النص فلا يسمع.\nقوله [نفس المؤمن معلقة بدينه] أي لا يفوز بكماله والفضل الذي هو له معين أي لا يؤتى له كله وإلا فهو في روح وريحان، وعلى هذا يحمل ما ورد من أن نفس المؤمن مأسورة بدينه [هذه (١) أبواب النكاح (٢) عن رسول الله ﷺ] قوله [أربع من سنن المرسلين] ليس ذكر العدد للحصر [الحياء (٣)] فأفضله ما استحييت به عنه سبحانه، وحياؤه أن لا تأتى بما يستقبحه ﷾ ويستقذره ثم حياؤك من الناس\n_________\n(١) لفظه هذه ليست من كلام المصنف زادها الشيخ تتميمًا للتركيب.\n(٢) اختلفوا في حقيقته لغة وشرعًا كما بسط في البذل وفي البدائع لا خلاف أنه فرض حالة التوقان واختلفوا في غيره فقال داود وغيره من أصحاب الظواهر فرض أيضًا. وقال الشافعي مباح واختلف أصحابنا فقيل مستحب وقيل فرض كفاية كصلاة الجنازة، وقيل واجب كفاية كرد السلام وقيل عينًا كالأضحية ثم بسط الدلائل وحكاه عنه الشيخ في البذل.\n(٣) قال العراقي: وقع في روايتنا بفتح الحاء بعدها مثناة من تحت وصحفه بعضهم بكسر الحاء وتشديد النون، وقال ابن القيم مروي في الجامع بالنون والياء وسمعت أبا الحجاج يقول الصواب الختان وسقطت النون من الحاشية، كذلك رواه المحاملي عن شيخ الترمذي هكذا في القوت.","vol":"2","page":210},{"text":"فيما لا يرتكب فيه أمر محرم، ولما كان هذا ملاك الأمر في تطهيره الباطن عن المقاذر والمعايب عقبه بما يطهر به الظاهر منها فقال التعطر وهو إزالة النتن وتحصيل الطيب مع أن طيبه متعد إلى غيره أيضًا، وكان من جملة ما يطهر به الظاهر السواك فذكره وأخره عنهما لكونه داخلًا من وجه خارجًا من وجه ثم لما يستغن في تحصيل الطهارات الظاهرية والباطنية عن امرأة صالحة لا سيما وهي مسدعية إلى التطيب والتطهر يمتنع بها عن تدنيس باطنها بنجاسات الآثام ويحصل بها أسباب تنظيف الإجرام والأجسام ذكره.\nقوله [خرجنا مع رسول الله ﷺ] أي مهاجرين (١) إلى المدين والمعية ليست حقيقية لأنهم لم يكونوا معه يوم خرج بل المراد هو المعية في نفس الخروج، قوله [يا معشر الشباب (٢)] بين قوله ﵇ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج إن سبب الخطاب لهم إنما هو ذاك أي الاحتياج إليهن فالشيوخ الذين توجد فيهم (٣) العلة داخلون في الأمر والشباب الذين لا توجد فيهم خارجون عنه وإنما خص الشباب وإن كان المراد من كان تائقًا لغلبة التوقان منهم دون الشيوخ فإن الغالب في غير الشباب عدم الحاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>[باب في النهي عن التبتل]</span>\nقوله [ولو أذن له لاختصينا] يعني أن العضو المخصوص إنما فائدته التناسل فلو إذن في التبتل علمنا أن لا احتياج إليه أو يكون هذا\n_________\n(١) ما أفاده الشيخ هو الأوجه ويؤيده النظر الدقيق على السياق ويحتمل أن يكون الخروج على حقيقته ويكون المراد الخروج من المدينة إلى سفر غير الهجرة.\n(٢) قال أبو الطيب: بفتح الشين وتخفيف الموحدة جمع شاب وهو من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة قاله النووي. وقال القرطبي إلى اثنتين وثلاثين سنة ثم كهل، والمعشر الطائفة الذين يشملهم وصف كالشباب والشيخوخة فالمعشر كالجنس والشباب كالنوع، انتهى.\n(٣) أي التوقان عند النكاح والقوة على الباه.","vol":"2","page":211},{"text":"الظن منهم للقياس على الحيوانات فإن الاختصاء جائز فيهما فجاز للإنسان أيضًا لما لم يرد منه النسل كما لم يرد في ما اختصى من الدواب ولا يلزم مخالفة النهي عن المثلة لكونه ليس بزينة ولا فائدة فيه حينئذ ولو كانت المثلة ههنا منهية لكان الاختتان غير جائز أيضًا لأن القطع حيث ينهى ينهى كله أو المعنى لبالغنا في التبتل حتى كنا لترك استعمال الذكر كأنا اختصينا ولا يبعد أن يقال في معناه ولو أذن له لاختصينا يعني لو أذن في التبتل ولا يمكن التبتل بدون الاختصاء لاختصينا إذ إجازة شيء إجازة لما يحصله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>[باب فيمن ترضون دينه فزوجوه]</span>\nقوله [إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه] لم يذكر النسب (١) والمال كأنهما شيئان لا ينبغي أن تعتدوا بهما ولأن الناس يطلبونهما من غير ذكر فلم يحتج إلى ذكرهما قوله [ألا تفعلوا] لأنكم (٢) إذا لم تزوجوا المتدين السهل الخلق بل اخترتم عليه المتمول الفاسق\n_________\n(١) أي من أفراد الكفاءة والخلاف في أفرادها مشهور مبسوط في المطولات قال الخطابي: الكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء الدين والحرية والنسب والصناعة إلى آخر ما بسط في البذل، ومذهب الحنفية في ذلك أنها تعتبر نسبًا فقريش أكفاء بعضهم بعضًا وباقي العرب أكفاء بعضهم بعضًا وحرية وإسلامًا وأبوان فيهما كالآباء وديانة ومالًا قلت: ويستدل على اعتبار الكفاءة بما تقدم قريبًا في باب تعجيل الجنازة عن على مرفوعًا ثلاث لا تؤخرها الحديث وفيه الأيم إذا وجدت لها كفوًا.\n(٢) قال أبو الطيب: أو المعنى إن لم تزوجوا من ترضون دينه بل نظرتم إلى صاحب مال وجاه كما هو شيمة أبناء الدنيا تبقى أكثر النساء بلا زوج والرجال بلا زوجة فيكثر الزناء ويلحق العار الأولياء فيقع القتل فيمن نسب إليه هذا العاري فيهيج الفتن، وفي الحديث دليل لمالك فإنه يقول لا يراعي في الكفاءة إلا الدين انتهى.","vol":"2","page":212},{"text":"الشرس (١) الخلق وإن كان شريف النسب فإنه يعامل بزوجته على مقتضى فسقه وخلقه السوء، ولا ريب حينئذ في الشقاق بينهما والخلاف، وأي فساد أكثر منه. قوله [يا رسول الله وإن كان فيه] أي شيء من الإفلاس أو كان في نسبه شيء وإنما لم يجب عنه بجواب جديد بل اكتفى على تكرار ما قاله من قبل إشارة إلى أن هذا السؤال مما لا ينبغي أن يعول عليه وليس له رتبة أن يخيل إليه، قوله [تربت يداك] كأنه إشارة إلى فقره عما أراد نيله من ذات المال والجمال إذا لم يكن ذات الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>[باب النظر إلى المخطوبة]</span>\nقوله [انظر إليها فإنه أحرى، إلخ] والأصل أن المرأ إذا ترقب شيئًا وتوقعه من أحد ثم ظهر خلافه فإنه يسوءه وأما إذا لم يتوقع فبلغه خير شكر عليه وفرح وإن لم يصل إليه خير وكان فارغًا عن توقعه ورجائه فإنه لا يسوؤه ذلك ولا يحزن عليه فلذلك قال النبي ﷺ انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا وكان المغيرة بن شعبة من أهل مكة والتي خاطبها من الأنصار فأمرها (٢) بالنظر إليها لئلا يقع الخلاف والنفار حين يظهر دون ما كان تصورها وتوقعها، وأما النظر فإن كان من غير شهوة فلا ريب في جوازه وإن كان لا يأمن على نفسه أو كان مغلوبًا فهذا القدر محتمل دفعًا لما يخشى في عدم النظر من المفاسد، ومعنى قوله [ما لم يرمنها محرمًا] يجوز أن يكون على\n_________\n(١) قال المجد الشرس محركة سوء الخلق وشدة الخلاف.\n(٢) وإلى جواز النظر ذهب الجمهور وحكى القاضي عياض كراهته وهو خطأ واختلف في الموضع الذي يجوز النظر إليه فذهب الأكثر إلى أنه يجوز إلى الوجه والكفين فقط وقال داود يجوز النظر إلى جميع البدن وظاهر الحديث يجوز النظر سواء كان ذلك بإذنها أم لا وروى عن مالك اعتبار الإذن، كذا في البذل، قلت: وصرح ابن عابدين بجواز النظر مع الشهوة أيضًا، هذا عند الحنفية، وعند المالكية يحرم النظر بالشهوة كما صرح به الدردير فجواز النظر بالشهوة مختلف فيها.","vol":"2","page":213},{"text":"جعل المحرم مفعولًا أي لم ير شيئًا حرم النظر إليه وهي العورة وأن يكون بمعنى المفعول المطلق أي ما لم ير رؤية حرامًا، وهو على هذا بيان للأولى أو يقال (١) أن النظر مع الشهوة لم يبق حرامًا في حقه قوله [أحرى أن تدوم المودة بينكما] هذا بيان لحاصل المعنى وترجمة بلازمه فإن الموادمة (٢) تؤدي إلى مداومة المحبة والموافقة وإلا فأين الدوام من الأدام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>[باب في إعلان النكاح]</span>\nقوله [واجعلوه في المساجد] لكونها مأذونًا فيها كل خاص وعام أن يدخل فكان أقوى في الإعلان، قوله [غداة بني (٣) بي] علم أن الورود على أصحاب المحافل كالمناكح وغيرها سنة لا بأس به [فجلس على فراشيك كمجلسك مني] علم أن الجلوس عند من ليست بمحرمة جائزة إذا حال الستر فإن النبي ﷺ وإن لم يكن غير محرم لامرأة إلا أنه كان يعامل بالأجانب في هذه الأمور كالأجانب تعليمًا ثم أن نهى الفقهاء مبني على خشية الفتنة وهو الذي يجب عليه العمل في زماننا هذا:\nقوله [ويندبن (٤) من قتل إلخ] فعلم أن الغناء المجرد جائز إذا لم يعارضه محرم\n_________\n(١) توجيه لإباحة النظر إليها وعلى هذا فقوله ما لم ير منها محرمًا إطلاق المحرم مجاز باعتبار ما كان والنهي للأفضلية ابن عابدين تحت قول المصنف لا يجوز النظر إليه بشهوة أي إلا لحاجة كقاض وشاهد يحكم عليها أو يشهد عليها وكخاطب ويريد نكاحها فينظر ولو عن شهوة بنية السنة لا قضاء الشهوة انتهى.\n(٢) قال أبو الطيب: يقال أدم الله بينكما يادم أدمًا بالسكون أي أصلح وكذا آدم في الفائق الأدم والإيدام الإصلاح والتوفيق من أدم الطعام وهو إصلاحه بالأدام.\n(٣) بصيغة المجهول أي غداة دخول زوجي على.\n(٤) بضم الدال المهملة من الندب وهو عد خصال الميت ومحاسنه أي يذكرن أحوال من قتل من آبائي من شجاعتهم وجودهم فإن معوذًا وأخاه قتلا يوم بدر قاله أبو الطيب: وفي جامع الأصول معاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن غنم بن مالك في نسبه خلاف وعفراء أمه وهي تبت عبيد ابن تغلب كان هو ورافع أنصاريين من الخزرج شهدا بدرًا هو وأخواه عوف ومعوذ وقتل أخواه ببدر وشهد بعدها من المشاهد وقيل خرج يوم بدر فمات بالمدينة من جراحته.","vol":"2","page":214},{"text":"كخشية الفتنة أو خوف غلوه فيه أو ينشد فيه بأشعار لا يجوز أن يقولها كما نهى النبي ﷺ الجارية التي قالت وفينا نبي يعلم ما في غد لعروض الحرمة بذلك القول والمنهي ما وضع للهو أو كان فيه صرف عن الطاعات والمغنية الصغيرة والكبيرة والمرهقة والبالغة والرجل والأنثى في ذلك سواه فكانت حرمة السماع لغيره لا لذاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>[باب ما يقال للمتزوج]</span>\nقوله [إذا رفأ (١) المتزوج] أي هناه فترك ما كانوا عليه في التهنية بلفظ بالرفاء والينين كأنه لم يرض به [باب ما يقول إذا دخل على أهله] قوله [إذا أتى أهله قال] أي قبل كشف (٢) العوة ثم يحرم الكلام.\nقوله [لم يضره الشيطان] فقيل لا يبتلي بالصرع وأم الصبيان وقيل أنه لا يكون له تسلط عليه حتى يسلب إيمانه [باب الوليمة] قوله [فقال ما هذا\n_________\n(١) بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز هذا هو المشهور في الرواية أي إذا أحب أن يدعو له بالرفاء وهي بكسر الراء بعدها فاء ممدودة دعاء للزوج بالالتيام والاجتماع ومنه رفؤ الثوب وروى بالقصر بغير همزة قاله أبو الطيب.\n(٢) ويؤيد ذلك ما في الحصن من قوله وإذا أراد الجماع قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، الحديث ويشكل عليه ما في الحصن فإذا أنزل قال اللهم لا تجعل الشيطان فيما رزقتني نصيبًا وفي هامشه عن المرقاة لعله يقول في قلبه أو عند انقضائه لكراهة ذكر الله باللسان في حال الجماع بالإجماع، انتهى. قلت: وإطلاق الحرمة في كلام الشيخ على المكروه شائع وحكى ابن عابدين الكلام مكروهًا أي عند الكشف.","vol":"2","page":215},{"text":"علم أن استعمال طيب فيه لون لا يجوز للرجال وإلا لم يستبعده ولم يسأل لأنه كان يعلم أنه ليس بذي أهل وكانوا لا يستعملون هذا الطيب إلا ما تلبسوا به بمخالطة نسائهم وبذلك يعلم أن القليل عفو وعلى ما قررنا يصح جوابه عن قول النبي ﷺ ما هذا بقوله تزوجت امرأة. قوله [وزن نواة من ذهب] النواة نواة تمر أو هو وزن معروف كما فسره أحمد وإسحاق، وأيهما كان فلا ريب أنه يفضل على عشرة دراهم بكثير ولا يصح استدلال الشافعية في تقليل المهر عن عشرة دراهم إذ لم يقل مفسر في تفسيره أن قيمته كذا إنما بينوا وزنه ثم إنه من ذهب، قوله [ولو بشاة] لو ههنا للتكثير وكان عبد الرحمن قد تمول فصح أن يأمره بذلك وكان ذلك للإشارة إلى أنه لا إسراف فيه، قوله [ويوم الثالثة سمعة] نبي الأمر على العادة في زمانه من أن مطعم اليوم الثالث كان مرائيًا فالحكم يرتفع بعلته إذ قد صح أن النبي ﷺ أو لم سبعة (١) أيام:\nقوله [ومن سمع سمع الله به] بين المحشي معنيين (٢) من معانيه والثالث أن من سمع وأراد شهرة نفسه أوصله الله بتمناه في دنياه ثم أخذه على صنيعه في أخراه، قوله [يكذب] من المجرد (٣) وهذا لغلبة نسيانه لا لتعمده الكذب وإلا لم يبق له شرف [باب ما جاء في إجابة الدعى] بينه لمناسبة الوليمة فإنها دعوة.\n_________\n(١) لم أجده مرفوعًا لكن مال إليه البخاري وبوب في صحيحه باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أو لم سبعة أيام وذكر الحافظان الآثار في ذلك:\n(٢) إذ قال سمع الله به أي شهر الله يوم القيامة بين أهل العرصات أنه مراء كذاب أو في الدنيا بذلك ويفضحه بين الناس.\n(٣) قال أبو الطيب: ظاهره أنه من الكذب وضبطه بعضهم من التكذيب ويؤيده ما في التقريب صدوق ثبت ولم يثبت أن وكيعًا كذبه وقال أبو القاسم في الروض: ذكر البخاري في التاريخ عن وكيع قال زياد: أشرف من أن يكذب في الحديث ووهم الترمذي فيما حكى في كتابه عن البخاري انتهى ملخصًا، وقال الحافظ في تهذيبه: بعد ما ذكره البخاري في التاريخ: وكذا ساقه الحاكم أبو أحمد في الكنى بإسناده إلى وكيع وهو الصواب، ولعله سقط من رواية الترمذي لا، انتهى.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>[باب من يجبي إلى الوليمة بغير دعوة]</span>\nأورد فيه حديثًا، وليس فيه ذكر الوليمة واستدل بما وقع فيه من دخوله بغير دعوة على أن دخول الوليمة بغير دعوة لا يباين حكمه حكمه، قوله [إلى غلام له لحام] الغلام ههنا العبد واللحام بائع اللحم، [فصنع طعامًا ما ثم أرسل] فعلم أن تقديم القول ليس بواجب، قوله [حين دعوا] أي حين قاموا من مجلسه ﷺ للرواح إلى بيته، قوله [تزوجت امرأة إلخ] ليس المراد إني أتيت بفور التزوج بل المراد أني تزوجت فاتفق بعد قليل أو كثير أني أتيت وسجيء تفصيله في مقامه، قوله [إن أبي ترك سبع بنات أو تسعًا] كان (١) زوج اثنتين منهن فذكر تارة كلهن وتارة من يقوم عليهن، قوله [فدعا لي] لأنه اختار إصلاح أخواته على حظ نفسه فعلم أن اختيار البكر في دنياه مفيد، وإن كان التزوج بالثيب راجحًا بوجوه أخر كإحياء سنته ﷺ في بلادنا وكإصلاح البنات في الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>[باب ما جاء لا نكاح إلا بولي]</span>\nقال الشافعي (٢) بظاهر الحديث أن «لا نكاح إلا بولي» وعندنا إما أن يكون المراد بالنكاح هو الذي لا يستغني فيه عن الولي كنكاح الصغيرة والأمة أو المراد به نفي نفاذه وتمامه بحيث لا يتيسر للولي إبطاله، إذا كان فيه إبطال حق له كما إذا تزوجت في غير كفو أو بأقل من\n_________\n(١) هكذا جمع الحافظ في الفتح لكنه جمع بين روايتي تسع وست، فقال قوله تسع بنات وفي رواية الشعبي ست بنات فكان ثلاثًا منهن متزوجات أو بالعكس، انتهى.\n(٢) وبقوله قال أحمد، وقال مالك إن كانت المرأة دنية يجوز لها إن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها، وإن كانت شريفة لابد من وليها، وقال الإمام الأعظم لا يعتبر الولي في البالغة، وقال ابن الهمام، حاصل ما في الولي عن علمائنا سبع روايات روايتان عن أبي حنيفة، هكذا في البذل.","vol":"2","page":217},{"text":"مهر مثلها جمعًا بين الروايات (١) وبينها وبين الآيات، أو يراد نفي حسنه فإن النكاح الذي لم يرض به الأولياء غير مستحسن شرعًا وعرفًا.\nقوله [إيما امرأة إلخ] لما كان المراد من قوله «لا نكاح إلا بولي» لا يظهر حسب ما رامه المؤلف عقبه حديث عائشة الذي صرح فيه ببطلان النكاح بغير ولي كأنه فسر رواية أبي موسى برواية عائشة، ولذلك لم يتكلم على حديث أبي موسى بعد هـ بل تكلم على الحديثين بعد إيرادهما جميعًا لجعلهما كواحد، قوله [فلها المهر بما استحل] هذا يرد على المخالف مذهبه واستدلاله فإن النكاح لم يكن باطلًا من أصله وإلا لم يجب المهر كما في الزنا والنكاح بلا شهود فعلم أن باطل معناه أنه على شرف البطلان وبقرب السقوط إذ للولي أن يعترض فيفسخ إذا كان بغير كفو أو بمهر قليل ولهم العذر (٢) بأن وجوب المهر لاعتبار صورة النكاح وكذلك\n_________\n(١) قال أبو الطيب: قال ابن الهمام هذا الحديث ونحوه معارض بقوله ﷺ الأيم أحق بنفسها من وليها رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ، فأما أن يجري بين هذا وما رواه حكم المعارضة، والترجيح أو طريقة الجمع، فعلى الأول يترجح هذا بقوة السند وعدم الاختلاف في صحته بخلاف الحديثين فإنهما ضعيفان فحديث لا نكاح إلا بولي مضطرب في إسناده كما حققه الترمذي وحديث عائشة أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث أنكره الزهري، وعلى الثاني وهو إعمال طريق الجمع فبأن يحمل عمومه على الخصوص، ويجب ارتكابه لدفع المعارضة بينهما على أنه يخالف مذهبهم، فإن مفهومه إذا نكحت بإذن وليها كان صحيحًا وهو خلاف مذهبهم انتهى، مختصرًا.\n(٢) فإن الصداق يجب عند الشافعية بالنكاح والوطي بالشبهة، كما في شرح الإقناع، وهل هذا داخل في الشبهة محل تأمل فإن الطيبي صرح بأن النكاح بغير شهود زنا عند الشافعي وأيضًا الحد يسقط بشبهة الطريق، والفاعل والمحل وفسر في شرح الإقناع شبهة الطريق بجوازه في مذهب من مذاهب العلماء كالنكاح بلا ولي وشهود.","vol":"2","page":218},{"text":"لا يجب الحد لأجل الشبهة فلا حجة بهذا على أن البطلان ليس على (١) حقيقته قوله [فإن إلخ] كأنه جواب عما يرد على الشافعي ومن معه وعلى ظاهر قوله ﷺ إيما امرأة إلخ من أن النكاح بغير ولي، لما كان باطلًا وكثير من النساء ليس لها ولي فكيف يتصور نكاحها فأجاب بأن السلطان ولي من لا ولي لها وكذلك الحكم أن تشاجر الأولياء لأنهم سقطوا بالتعارض فكان وجودهم في حكم العدم، وكذلك فالسلطان ولي إذا تشاجر الأولياء والمرأة بأن قصدت وهم يمنعون أو قصدوا وهي تمتنع، قوله [وغير واحد من الحفاظ عن ابن جريج نحو هذا] يعني أن سفيان هذا كثيرًا ما يروى عن الزهري من غير واسطة، ولكن هذه الرواية (٢) أخذه سفيان عن ابن جريج عن سليمان عن الزهري فلا يتوهم أن ذكر هذين الواسطين (٣) غلط بل ذكرهما هو الصحيح، وقوله [حديث أبي موسى حديث فيه اختلاف] وحاصله (٤) أن أكثر الرواة يروونه فيذكرون عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى فلا يعول على ما ذكره شعبة وسفيان من غير ذكر أبي موسى فلا يغتر\n_________\n(١) لكن مع ذلك فمخالفة الروايات والآية باق على حاله وهي كافية لا يجاب التخصيص.\n(٢) والأوجه عندي أن غرض المصنف تقوية هذا الطريق المذكور لما سيأتي من الاختلاف في هذا الحديث.\n(٣) هكذا في الأصل بدون التاء ويمكن تصحيحه كما لا يخفى.\n(٤) ذكر الترمذي ههنا اختلافين أحدهما ما أفاده الشيخ، والثاني الاختلاف على يونس ولم يذكره الشيخ بل اكتفى على الأول لأن هذا الثاني اختلاف في طريق خاص بخلاف الأول فإنه عام في جميع طرقه، وحاصل هذا الاختلاف الثاني أنه اختلف على يونس فروى عنه عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى، ومنهم لم يذكر أبا إسحاق فيه ومنهم من لم يذكر أبا موسى فيه فاختلف فيه أيضًا انقطاعًا وإرسالًا.","vol":"2","page":219},{"text":"بغزارة فضلهما، وإتقان حفظهما لأن الغلط ليس منهما بل غلط أبو إسحاق (١) حين روايته لهما فلم يذكر أبا موسى.\nقوله [وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي موسى] هكذا في النسخة الأحمدية، وهذا غلط من النساخ والصحيح (٢) ذكر أبي بردة مقام أبي موسى كما ذكره بعد برواية محمود بن غيلان، قوله [ولا يصح] يعني (٣) أن ذكر أبي موسى في رواية سفيان لا يصح، وإن كانت الرواية الصحيحة هو هذه فقط. قوله [ومما يدل على ذلك أي السماع في مجلس واحد] ووجه الاستدلال بذلك أن السماع لما كان في مجلس واحد علم أن غلطهما غلط واحد من أبي إسحاق ولو سمعا مختلفين في مجلسين لكان يستبعد أن يغلط أبو إسحاق مرتين، قوله [ما فاتني الذي فاتني إلخ] هذا يحتمل معنيين أي لم يترك حديث سفيان إلا وقت اتكالي على إسرائيل أو بسبب (٤) اتكالي عليه، أو المعنى ما فاتني شيء كما فاتني حديث سفيان،\n_________\n(١) كما يظهر من رواية محمود بن غيلان الآتية.\n(٢) ما أفاده الشيخ هو الحق لرواية محمود بن غيلان الآتية ولأن الزيلعي حكى كلام الترمذي هذا فقال وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ يعني مرسلًا، وهكذا قال الحافظ في الدراية، ولفظه: قال وراه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة مرسلًا انتهى، وحكى مولانا محمد حسن الولايتي المكي في تقريره عن الشيخ الكنكوهي، هكذا ذكره ابن الهمام وابن الصلاح في مقدمته، فقالا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ، انتهى.\n(٣) وعلى هذا فما في بين سطور الكتاب من الحاشية غلط.\n(٤) قد تقدم أن هذا هو الأوجه في معناه في نظري القاصر وغرض المصنف ظاهر يعني ترجيح رواية إسرائيل فإنه ترك بعض أحاديث سفيان ولم يتصد للأخذ عنه بتلك الروايات إلا لأجل اتكاله على إسرائيل، وكان الشيخ لم يرض عن هذا المعنى.","vol":"2","page":220},{"text":"فلم أدر هل هو متصل أم منقطع، وإذا اتصل فكيف وصله إلا حين اتكلت على إسرائيل إذ حينئذ ذهب الفوات وعلمت بما اتصل، وأنه متصل ولكنه لا يصح صحة المعنى، الثاني (١) لأنه يستلزم أن لا يكون عبد الرحمن روى هذا الحديث عن سفيان مع أنه رواها عنه، قوله [وحديث عائشة] أراد بها الحديث الوارد بلفظ أيما امرأة نكحت إلخ، عبر بها للاختصار فإن معنى حديث عائشة هو أن النكاح لا يصح إلا بولي، قوله [قال يحى بن معين وسماع إسماعيل بن إبراهيم] هذه الجملة يعني بها قوله ثم لقيت الزهري فأنكره هي الجملة التي أنكر بها دون سماع الروايات في أنفسها، [ليس بذاك] أي صحيحًا معتدًا بها معتمدًا عليها، وإن أريد في معناه ليس بثابت معناه فإنهما في طبقة واحدة فلا بعد في روايته عنه وسماعه إلا هذه الجملة أي إن كان مراده إنكارًا لسماعه عنه في الروايات فغير مسلم، وإن أريد إنكار هذه الجملة فقط فمسلم، يعني لا يبعد أن يكون لم يسمع هذه الجملة، أما أنه لم يسمع عنه شيئًا من الروايات فبعيد مع أنه يلزم على إرادة سماع الرواية تكذيب ثقة، وهو إسماعيل فإنه مصرح بقوله: قال ابن جريج وعلى هذا فما في قوله [ما سمع من ابن جريج] موصولة (٢) مفعول لقوله قبل صحح كتبه ويدل عن كتبه.\n_________\n(١) وهو المذكور أولًا وإطلاق لفظ الثاني عليه مجاز.\n(٢) هذا غاية توجيه كلامه احتاج الشيخ إلى تأويله تصحيحًا له، لكنه توجيه الكلام بما لا يرضى به القائل فإنه أورد دليلًا على عدم صحة السماع فالظاهر أن ما في كلامه نافية أراد بذلك تأكيدًا ما قاله أولًا أن سماعه منه ليس بذاك لكن كلامهم هذا بعيد جدًا فإن الحافظ في تهذيبه والذهبي في تذكرته وغيرهما صرحوا بأن ابن علية حدث عنه شعبة وابن جريج وهما من شيوخه، وقال النووي في تهذيبه في ابن علية سمع جماعات من التابعين، وجماعات من غيرهم منهم ابن جريج فهل إنكارهم ههنا إلا لغرض، فتأمل.","vol":"2","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>[باب لا نكاح إلا ببنية]</span>\nقوله [البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة] هذا الإسناد مصرح بجواز نكاحها بغير ولي، فإن وجه كونهن بغايا هو النكاح بغير بينة لا النكاح بغير ولي وإلا لزم إلغاء قوله بغير بينة، قوله [إلا أن قومًا من المتأخرين] وهو (١) مالك وأصحابه فإنه لم يشترط إلا الإعلان (٢) فلا\n_________\n(١) وما يظهر في نظري القاصر أنه إشارة إلى قول أهل الظاهر، قال ابن الهمام نفي اشتراط الشهادة، قول ابن أبي ليلى وأبي ثور وأصحاب الظواهر انتهى، وهكذا قال غيره.\n(٢) هذا هو المشهور في الشروح وألسنة المشايخ ويؤيده ما في الهداية ونصه: اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح لقوله ﵇ «لا نكاح إلا بشهود» وهو حجة على مالك في اشتراط الإعلان دون الشهادة وفي الزيلعي على كنز الدقائق، قال الزهري ومالك ﵁ يجوز أن النكاح بغير شهود إذا أعلنوا وهو قول أهل المدينة انتهى، لكن قال ابن رشد المالكي في البداية، اتفق أبو حنيفة والشافعي ومالك على أن الشهادة من شرط النكاح واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط صحة يؤمر به عند العقد انتهى، قال الدردير: ندب إشهاد عدلين عند عقده وهذا هو مصب الندب، وأما الإشهاد عند البناء فواجب شرط، قال الدسوقي حاصله أن الإشهاد على النكاح واجب وكونه عند العقد مندوب زائد فإن حصل الإشهاد عند العقد حصل الواجب والمندوب وإن لم يحصل عند العقد كان واجبًا عند البناء انتهى لكنهم أجازوا لإثبات النكاح عند المخاصمة الشهادة على السماع بدون المعائنة كما بسط في موضع آخر من الشرح الكبير للدردير فارجع إليه لو شئت.","vol":"2","page":222},{"text":"ضرورة عنده إلى الإشهاد على الإيجاب والقبول إذا أعلنوا أنا نكحنا ولم يجز عندنا إذا أعلن بعده، ولم يشهد عليه والمراد عليه والمراد بقوله أشهد واحد بعد واحد هو الإعلان كما نسبه إليه أولًا وليس المراد إشهاد شاهدين متعاقبا لأن مذهبه هو الأول. قوله [وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم فيما حكى] بلفظ المعلوم [عن أهل المدينة] يعني حكى مذهبهم على ما قررنا من قبل وفيهم مالك، قوله [قال عبثر ففسرها سفيان] هذا مجرد إعلام لها لا تعيين فاكتفى على ما يحصل به الإشارة إلى الآيات ولم يستوف الآيات والسنة تلاوتها بتمامها. قوله [لأن إسرائيل] وهو في أبي إسحاق ما أنت تعلمه فجمعه يدل أنهما صحيحان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>[باب استيمار البكر والثيب]</span>\nقوله [لا تنكح الثيب إلخ وقوله الأيم أحق بنفسها إلخ] هذان يؤيدان ما قالت به الحنفية ولذلك تكلم عليهما فقال ليس في هذا الحديث ما احتجوا به لأن ابن عباس راوي الحديث أفتى على خلافه فعلم أن ليس معناه إلا أن نكاحها يقبل الفسخ إن كان بغير رضاها لا أنه لا يجوز من أصله قلنا كما أن الزواج من غير رضاها لا ينفذ عليها كذلك من غير رضى الولي يصح ولا ينفذ إذا كان فيه إبطال لحقه، والحاصل أن لكل منهما حقًا في ذلك فلا ينفذ تصرف أحدهما في حق الآخر بل يتوقف على إجازته غاية الأمر أن حق المرأة في نفسها أقوى من حق الولي فيها فتكون قادرة على منع النكاح رأسًا إذ لم يفد النكاح شيئًا إذا لم يحصل به التصرف على نفسها ولا كذلك في الولي فإنه يطالب بما فات من حقه من نقص المهر أو عدم الكفاءة ولا يتوقف على رضاه صحة النكاح وتصرف الزوج على نفس المرأة لأن ذلك تصرف في خالص حقها فيتوقف على إجازتها لا إجازته، نعم إذا لم يمكن إيفاء حق الولي بأن لم يوف الرجل مهر مثلها، أو لم يكن كفوًا حكم بالفسخ لذلك لا لأن المرأة كانت مفتقرة في إثبات تصرف الزوج على","vol":"2","page":223},{"text":"نفسها إلى إجازته وإذنه، قوله [وقد قالت عائشة إلخ] ليس معنى قولها ما فهمه هؤلاء إنما معنى كونها امرأة أنه تستعمل استعمال النساء وتغني غناءهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>[باب في الوليين يزوجان]</span>\nقوله [فهي للأول منهما] وهذا إذا كان الوليان قريبين أو يكون الأقرب غائبًا غيبة منقطعة وإلا فهو للأقرب منهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>[باب في نكاح العبد]</span>\nبغير إذن سيده، قوله [أيما عبد تزوج بغير إذن سيده إلخ] والنكاح عندنا (١) متوقف وتسميته عاهرًا باعتبار وقوع وطياته في محل مشتبه أمره بين الفسخ والبقاء، وإلا فهو في حكم الفضولي، وقد ثبت أن تزويج الفضولي (٢) فكان كذلك ههنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>[باب في مهور النساء]</span>\nقوله [تزوجت على نعلين] لعلهما (٣) كانتا ثمينتين أو كان المعجل من المهر ذلك لا أنه كل المهر لئلا يعارض كلية قوله ﵇ لا مهر أقل من عشرة دراهم رواه البيهقي (٤) وتكلم في داود وجوابه أن داود أخذ منه سفيان وشعبة فلا وجه للتكلم فيه، وقوله أرضيت من نفسك ومالك\n_________\n(١) وبه قال مالك، وقال الشافعي وأحمد لا يصير العقد صحيحًا بالإجازة بعده، قاله أبو الطيب.\n(٢) هكذا في الأصل، والظاهر أن فيه سقوطًا من الناسخ أي جائز.\n(٣) على أن الحديث ضعيف، قال أبو حاتم الرازي عاصم منكر الحديث يقال ليس له حديث يعتمد عليه، فقال له ابنه ما أنكروا عليه فذكر أبو حاتم هذا الحديث، قاله ابن التركماني، وقال ابن الهمام الحديث وإن صححه الترمذي فليس بصحيح فإن فيه عاصم بن عبيد الله قال ابن الجوزي قال ابن معين ضعيف لا يحتج به، وقال بن حبان فاحش الخطأ فترك قاله أبو الطيب\n(٤) قلت: ورواه أيضًا الدارقطني وروى بمعناه عدة روايات مرفوعة وموقوفة بسطت في البذل.","vol":"2","page":224},{"text":"بنعلين المراد بمالها ما كانت تملكه بدلًا عن بضعتها، والمراد بالنفس هي بذاتها فالمعنى أقنعت أن تمليكه نفسك ومهرك المقدر لك ورضيت عنهما بنعلين، أو يكون ذلك إشارة إلى ما أمرهن النبي ﷺ أمر استحباب لا إيجاب أن لا يتصرفن في خالص أموالهن أيضًا، إلا بعد شورى من الأزواج واستيمار منهم فإنه لما جاز التصرف له في مالها وإن لم يكن إلا بعد إجازتها والعادة إذنهن للأزواج في التصرف فكأنه عبر بذلك اللفظ عن هذا، قوله [قالت نعم فأجازه] وإنما لم يذكر ههنا المؤجل (١) لأن الرغبة وفرط الاعتداد بالناجز دون النسية، قوله [فقالت إني وهبت نفسي لك] اختلفوا في قوله تعالى ﴿مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن الخلوص للنبي ﵊ في أي شيء هو فقال الشافعي ﵀ الخصوصية في انعقاد النكاح بلفظ الهبة، وقال الإمام إنما هو انعقاد النكاح بغير المهر.\nقوله [فقال هل عندك من شيء تصدقها] لفظة عند الدالة على وجود في ملكه الآن مع قوله تصدقها أي تعطيه في صداقها يدل على أن الكلام في المهر المعجل لا مطلقة وإلا (٢) فكيف يصح النفي بقوله ما عندي إلا إزاري، إذ كان له حينئذ أن يجيب بأني أحصل يا رسول الله مالًا وأيضًا لا يصح السؤال من كون الشيء عنده بالفعل رأسًا وكذلك قوله ﵊ إزارك إن أعطيتها جلست ولا\n_________\n(١) قال أبو الطيب: الظاهر من الحديث أنها لما تزوجت على النعلين صح نكاحها وكان لها المطالبة بمهر مثلها فلما رضيت بالنعلين أسقطت حقها الزائد عليهما بعد العقد، وهذا مما لا خلاف في جوازه مع أنه يحتمل أن تينك النعلين تساوي عشرة ومع احتمال أنه المعجل، انتهى.\n(٢) أي إن لم يكن السؤال عن المعجل بل عن المؤجل لا يصح النفي للقدرة على التحصيل، وما احتيج إلى السؤال عنده بالفعل وأيضًا لا يلزم إعطاء المؤجل بالفعل فكيف ينطبق جلست ولا إزار لك وغير ذلك.","vol":"2","page":225},{"text":"إزار لك مصرح على أن الكلام في المعجل، لأنه لو لم يكن كذلك فظاهر أنه لا يلزم إعطاء الإزار بالفعل وفيه أنه إذا تعلق بها حق المرأة ليس لها استعماله فلذلك قال النبي ﷺ جلست ولا إزار لك لا لأن الأداء إلى المرأة المهر يجب على الرجل بالفعل فليسأل، والجواب أنه لا يتعلق حق المرأة بها ما لم يؤتها الإزار أو يعينها لها فإن المهر واجب شرعًا على ذمته، وليس له مزيد اختصاص بإزاره حتى يكون حقها متعلقًا به فيمنع عن استعماله والتصرف فيه، قوله [فالتمس شيئًا] هذا أيضًا قرينة على كون الكلام في المهر المعجل.\nقوله [التمس ولو خاتمًا من حديد] استدل الشافعي بذلك على جواز التختم بالحديد وعلى جواز المهر أقل من عشرة دراهم إذ لا يبلغ خاتم الحديد عشرة دراهم والجواب عن التختم فإن خاتم الحديد مكروه عندنا أن حرمته لشبه بعبدة الأصنام فلو ذهبه أو فضضه (١) جاز فجاز أن يكون موجودًا في البيوت ويجوز أن يستصنع إلا أن لبسه لا يجوز إلا بعد ذلك فلا يتمشى الاستدلال، قوله [هل معك من القرآن شيء] كأنه رغب المرأة أن تعفو عنه ما لها من المهر المعجل. وتقنع بما سيؤتيها إذا يسره الله له ثم ما قال، [زوجنكما بما معك من القرآن] فالباء فيه للسببية وليست للعوض والمقابلة إذ كيف يصح المقابلة بما معك والحال أن كونه معه ليس شيئًا يعوض به وتقدير المضاف خلاف الظاهر حتى يقال إنه قال زوجنكها لتعليم (٢) ما معك من القرآن ثم إنهم اختلفوا فيما بينهم على جواز\n_________\n(١) صرح بذلك ابن عابدين فقال: لا بأس بأن يتخذ خاتم حديد قد لوى عليه فضه وألبس بفضة حتى لا يرى، تأثر خانية انتهى.\n(٢) ولو سلم فهذا خاص بهذا الرجل كما جزم به الطحاوي والأبهري لما أخرجه سعيد بن منصور وابن السكن عن أبي النعمان الأزدي الصحابي قال زوج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن، وقال لا يكون لأحد بعدك مهرًا، قاله أبو الطيب.","vol":"2","page":226},{"text":"أخذ الأجر على تعليم القرآن وعدم جوازه فجوزه الشافعية ومنعه الحنفية واحتج المانعون بقوله ﷺ (١) اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الآذان أجرًا وبأنه طاعة فلا يصح أخذ الأجرة عليه أو واجب (٢) وهذا إذا كان محتاجًا إليه في صحة الصلاة ولا يصح الأجرة على ما وجب عليه عينًا وحجة المجوزين ما ورد من رواية في أن نفرًا من الصحابة نزلوا على قوم واستضافوهم فلم يضيفوهم فكان من أمرهم أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة حين لدغ سيدهم، وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال من بون بعيد بين الأصل والفرع فإن الرقية بالفاتحة ليس داخلًا في شيء مما ذكر والقوم كانوا أهل فاقة، وأولئك لم يضيفوهم فكان لهم أن يأخذوا منهم كيف شاؤوا.\n_________\n(١) وبقوله ﷺ اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به رواه أحمد وإسحاق وابن أبي شيبة من رواية عبد الرحمن بن شبل وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وغيرهما، ورواه الضحاك بسنده عن أبي هريرة أخرجه ابن عدي وضعفه وعن سليمان بن يريدة عن أبيه رفعه من قرأ القرآن يتأكل به جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم أخرج البيهقي هذا الحديث في شعب الإيمان، وعن عبادة بن الصامت ﵁، قال علمت ناسًا من أهل الصفة القرآن فأهدى إلى رجل منهم قومنا فقال النبي ﷺ إن أردت أن يطوقك الله طوقًا من نار فاقبلها، أخرجه أبو داود وابن ماجة وإسناده ضعيف، وأخرجه أبو داود والحاكم من وجه آخر أقوى وبمعناه أخرج ابن ماجة من حديث أبي بن كعب، وعن أبي الدرداء رفعه من أخذ قوسًا على تعليم القرآن قلد الله له قوسًا من نار أخرجه عثمان الدارمي كذا في الدراية، وبسط هذه الروايات وغيرها الزيلعي.\n(٢) أي التعليم يكون واجبًا عليه بأن يكون المتعلم محتاجًا إليه في تصحيح الصلاة ولا يكون هناك معلم غيره، وهذا وإن كان داخلًا في الطاعة لكنه أفرده بالذكر لأن أخذ الأجرة مع وجوبه عليه أقبح.","vol":"2","page":227},{"text":"قوله [وقد ذهب الشافعي إلى هذا الحديث] وأنت تعلم أنه لم يذهب إلى هذا الحديث بل إلى ما فهمه من ظاهر ألفاظه كيف ومقتضى الحديث أن لا يقدر التعليم، قوله [من ثنتى عشرة أوقية] من عادتهم ترك الكسر فلا ينافي رواية ثنتي عشرة ونصف، ودراهمه خمس مأة، قوله [أعتق صفية] وكانت (١) من بني هارون وكان أبوها وعمها عالمين، [وجعل عتقها (٢) صداقها] هذا مجرد تطييب لقلبها أو هو حكم على الظاهر إذ كان للنبي ﷺ أن ينكح أي امرأة شاء من غير مهر فإنه لما لم يؤتها شيئًا وظن الراوي أن النكاح لا ينفك عن المهر فظن أنه أمهرها عتقها.\n[والقول الأول أصح] لموافقته ظاهر الحديث، قلنا هذا يوافق باطنه، قوله [ثلاثة يعطون أجرهم مرتين] الظاهر أنهم يعطون أجرهم مرتين على مجموع الصنيع المذكور ههنا، وعلى هذا فقال بعضهم في تأديبه وعتقه ونكاحه أن الأجر على الإعتاق والتزويج والتأديب حق مستحق عليه وقال الآخرون كلامًا غير هذا أيضًا، والحق أنه يعطى على كل فعله أجرين، وذلك لأنه لا منة في الأجرين على الفعلين مع أن المقام يقتضي بيان الفضل ليرغب فيه، ولأن تكرار الأجر على تكرار\n_________\n(١) وكانت من سبايا خيبر اصطفاها رسول الله ﷺ.\n(٢) قال النوي: الصحيح في معناه أنه أعتقها تبرعًا بلا عوض، ولا شرط ثم تزوجها برضاها بلا صداق، وقيل شرط عليها عند عتقها أن يتزوجها فلزمها الوفاء وقيل أعتقها وتزوجها على قيمتها وهي مجهولة والكل من خصائصه ﷺ وقال أحمد بظاهر الحديث وقال الجمهور لا يلزمها أن تتزوج به ولا يصح هذا الشرط وممن قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة، قاله أبو الطيب: وعلم منه أن ما حكى الترمذي من مذهب الشافعي لا يصح، قال الحافظ: ومن المستغربات قول الترمذي وهو قول الشافعي وأحمد، وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح، انتهى.","vol":"2","page":228},{"text":"الفعل ليس له اختصاص بهؤلاء الثلاثة فللعبد الذي أدى حق الله وحق مولاه أربعة أجور اثنان على تأدية حقوق المولى واثنان على تأدية حقوقه تعالى وعلى هذا فالحق في الإعتاق وأخويه ستة أجور على كل صنيعه أجران، والوجه في تكرير الأجر في هذه الأفعال ما فيها من التزاحم فإن حقوق المولى يمنع أداءها إتيان حقوقه تعالى على وجهها وبالعكس فإتمامه حقوقهما معًا بحيث لم يخل بشيء منهما يوجب زيادة الأجر وكذلك تأديبها مخل بخدمته وكذلك الإعتاق بل في الإخلال بالخدمة فوق التأديب والتزويج عار عليه والإيمان بالكتاب الأول ترك لأهوائه وحفظ (١) الكتاب من التحريف غير سهل أيضًا يعني كما أن الإيمان بالكتاب (٢) الثاني بترك ما ألفه الكتاب الأول وأحكامه والعمل بما فيه ليس بسهل أيضًا بل ذلك أشد من الأول مع ما يلحقه في ذلك من المطاعن وغيرها والمشقة في تعلمه وفهمه وحفظه وتقييد الجارية بالوضيئة لما يعسر عليه إعتاقها لوضائتها، وقد تعلمت أيضا فغلا ثمنها ولما ذكر في الثالث ثلاثة أفعال، والمقام مقتض ذكر اثنين (٣) فقط،\n_________\n(١) وذلك لازم للعمل عليه فإنه إذا كان عمل على الكتاب الأول كان عليه إذ ذاك صيانته عن التحريف أيضًا فإن الإيمان على المحرف مشكل.\n(٢) ولا يذهب عليك أن الحديث وقع في الترمذي بلفظ الكتاب الآخر، قال أبو الطيب: ظاهره يشمل الكتابين أي كتابين كانا لكن رواية البخاري رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ﷺ كما في كتاب العلم وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي كما في كتاب النكاح تدل على أن المراد من أهل الكتاب الآخر الفرقان، وقال السيوطي: الآخر بكسر الخاء وهو القرآن انتهى، ثم قال أبو الطيب: أما الكتاب الأول فإما أن يراد به الإنجيل فقط على القول بأن النصرانية ناسخة لليهودية أو يراد به أعم من التوراة والإنجيل على تقدير عدم النسخ، انتهى.\n(٣) أي على رأي من قال إن تكرار الأجر بتكرار الفعل، وأما على رأي الشيخ فالأجر مكرر على كل واحد من هذه الثلاثة كما سيصرح بذلك.","vol":"2","page":229},{"text":"ليصح ترتب التكرار بتكرر الفعل احتيج إلى تعيين الفعلين من هذه الثلاثة، فقالوا النكاح حظه لنفسه، وموجب الأجرين العتق والتأديب، وقيل التأديب واجب عليه فلم يبق الموجب للأجرين إلا الباقيان، وفي كلا التوجيهين نظر، وهو إن إخلاء (١) النكاح، وكذا التأديب وإن كان واجبًا لا يعقل فإن الأجر في أكثر الواجبات أكثر منه في النوافل والفضل في النكاح مشهور، والبعض منهم جعل الإعتاق والتزوج واحدًا كما أن التأديب وإحسان التأديب واحد، وهذا أبعد من الأولين وذلك لأن العتق والنكاح ليس أحدهما من لوازم الآخر، فكيف يعدان واحدًا مع أن الوعد بتكرار الأجر ينبئ عن كثرة الامتنان وليس في التكرار كثير منه على مثل هذين الفعلين اللذين ليس كل منهما خاليًا عن مشقة وعليها يدور كثرة الأجر في مواضع فالصواب أن يعد كل من الأفعال (٢) المذكورة ههنا من الإيمان بالكتاب الأول، ثم بالكتاب الثاني، والتأديب والعتق والتزويج وأداء حق الله وحق مواليه كل منها يعد فعلًا برأسه، وأما ما قيل في توجيه جعل الأفعال الثلاثة المذكورة ثاني اثنين بأن التأديب والإعتاق واحد والتزوج واحد فليس بسديد أيضًا لما ذكرنا من عدم العلاقة بينها وكذلك ما قيل من أن الأجر إنما هو على العتق والنكاح، وأما التأديب فإنه لأجل نفسه فإن أدبها يفيده في معيشته قلنا فكذلك النكاح مفيد له في معيشته فإن قلتم إن المراد به أن يؤتي الأجر على النكاح\n_________\n(١) أي عن الأجر كما فعله القائلون بهذا إذ قالوا إنه حظ لنفسه.\n(٢) هكذا أفاد الشيخ ههنا وهكذا في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم عن الشيخ الكنكوهي -برد الله مضجعه وقدس الله سره- وما أفاد والدي المرحوم نور الله مرقده عند تدريس مشكاة المصابيح أن مناط تكرار الأجر هو التزاحم فكل فعل يوجد فيه التزاحم يثني عليه الأجر فرجل أدى حق الله وحق مولاه يتحقق التزاحم في كل من فعليه فيثني الأجر على كل من فعليه ورجل تعلم الكتاب الأول والثاني فلا تزاحم فيه إلا عند الثاني إذ صار جاهلًا بعد ما كان عالمًا وصار مبتديًا بعد ما كان منتهيًا فيكرر أجره على هذا ورجل أدب أمته لا تزاحم فيه لكن الإعتاق بعد ما تأدبت وكذا التزوج بعده فهذان الفعلان على كل واحد منهما الأجران فتأمل.","vol":"2","page":230},{"text":"إذا كان لوجه الله قلنا فكذلك التأديب لا شيء عليه إذا كان لأجل حظ نفسه ويثني الأجر عليه إذا كان لوجهه ﵎ هذا ما يخطر بالبال الكثير البلبال، والله المتعال أعلم بحقيقة الحال.\n\n[باب في المحل والمحلل (١) له] قوله [وعن الحارث إلخ] يعني أن عامر الشعبي يأخذ بسندين عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ وعن الحارث عن علي عن النبي ﷺ، قوله [لعن المحل والمحلل له] هذا ظاهر أن الزوجة تحل للزوج الأول وإلا لم يصح إطلاق المحل والمحلل له عليهما ولا حل من غير أن يصح الازدواج ثم استثنى الإمام منه ما تزوج الرجل ليحلها لوجه الله تعالى خالصًا لا لغرض قضاء الشهوة أيامًا معدودة إذ قد يضطر الرجل إلى امرأة معينة لحوائج\n_________\n(١) قال ابن بطال: اختلفوا في عقد نكاح المحلل، فقال مالك لا يحلها إلا بنكاح رغبة فإن قصد التحليل لم يحلها سواء علم الزوجان بذلك أم لا ويفسخ قبل الدخول وبعده، وهو قول الأوزاعي وأحمد، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، النكاح جائز وله أن يقيم على نكاحه أولًا، وقال عروة والشعبي وغيرهما: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم بذلك الزوجان وهو مأجور بذلك وذهب الشافعي وأبو ثور إلى أن النكاح الذي يفسد هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه إنما يتزوجها ليحلها ثم يطلقها ومن لم يشترط ذلك فهو عقد صحيح، وروى عن أبي حنيفة مثله وروى عنه أنه إذا نوى الثاني تحليلها للأول لم يحل له ذلك، وهو قول أبي يوسف ومحمد وروى عن أبي حنيفة أنه إن شرط في نفس العقد فالنكاح صحيح والشرط باطل فله أن يمسكها، وإن طلقها حلت للأول، كذا في العيني مختصرًا، قلت: وعلم من ذلك أن ما حكى الترمذي من موافقة الشافعي أحمد ليس بصحيح.","vol":"2","page":231},{"text":"ومصالح لا تكاد توجد في غيرها ووجه اللعن (١) ما فيه من الوقاحة، ولما انتفت وآل الأمر إلى إعانة مسلم أرجو أن يخلص من اللعن، قوله [حديث على وجابر حديث معلول] ليس المراد بذلك هو الحديث المتقدم بإسناده المتقدم وذلك لأن المؤلف حكم عليه بالصحة حيث قال: وهو أصح، بل المراد بذلك أن الحديث المشهور بينهم بلفظ حديث علي وجابر معلول (٢) بالسند الذي سيأتي ذكره بقوله، وروى عبد الله بن نمير هذا الحديث عن مجالد عن عامر عن جابر بن عبد الله عن علي وأنت تعلم ما فيه من الوهم فإنه جعل جابرًا آخذًا عن علي مع أنه ليس كذلك فإن رواية الصحابي عن مثله وإن كانت كثيرة إلا أن جابرًا ههنا رواها من غير واسطة أحد من الصحابة، قوله [ينبغي أن يرمي بهذا الباب من قول أصحاب الرأي] لفظة من زائدة، وهو مفعول لقوله يرمي وهذا إشارة إلى الذي (٣) أسلفنا، قوله [حتى يتزوجها بنكاح جديد] لأن النكاح الذي نوى به\n_________\n(١) وفي حاشية الترمذي عن اللمعات قوله لعن المحل إلخ، الأول باسم فاعل، والثاني بلفظ المفعول وإنما لعن الأول لأنه نكح على قصد الفراق والنكاح شرع للدوام وصار كالتيس المستعار على ما وقع في الحديث، ولعن الثاني لأنه صار سببًا لمثل هذا النكاح، والمراد إظهار خساستهما لأن الطبع السليم يتنفر عن فعلهما، وقيل المكروه اشتراط الزواج بالتحليل في القول لا في النية بل قد قيل إنه مأجور بالنية لقصد الإصلاح، انتهى.\n(٢) احتاج الشيخ إلى هذا التوجيه لئلا يخالف كلامه الآتي لا سيما إذ صحح ابن السكن حديث علي اللهم إلا أن يقال إن الأصحية باعتبار مقابله وتصحيح ابن السكن ليس بحجه على المصنف.\n(٣) ومبني على فهمه أن قول الحنفية مخالف للحديث، والحق بمعزل عنه قال الشوكاني في النيل: قال الشافعي وأبو ثور المحلل الذي يفسد نكاحه هو من تزوجها ليحلها ثم يطلقها فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح فعقده صحيح لا داخلة فيه سواء شرط عليه ذلك قبل العقد أو لم يشترط نوى ذلك أو لم ينوه، قال أبو ثور هو مأجور وعن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات قالوا وأما لعنه ﷺ للمحال فلا ريب لأنه لم يرد كل محلل ومحلل له فإن الولي محلل لما كان حرامًا قبل العقد والحاكم المزوج محلل بهذا الاعتبار والبائع أمته محلل للمشتري وطأها فإن قلنا العام إذا خص صار مجملًا فلا احتجاج بالحديث، وإن قلت: هو حجة فيما عدا محلل التخصيص فذلك مشروط ببيان المراد منه ولسنا ندري المحلل المراد من هذا النص أهو الذي نوى التحليل أو شرطه قبل العقد أو شرطه في صلب العقد أو الذي أحل ما حرمه الله تعالى ورسوله ووجدنا كل من تزوج مطلقة ثلاثًا فإنه محلل ولو لم يشترط التحليل أو لم ينوه، فإن الحل حصل بوطئه وعقده ومعلوم قطعًا أنه لم يدخل في النص فعلم أن النص إنما أراد به من أحل الحرام بفعله أو عقده وكل مسلم لا يشك في أنه أهل للعنة، وأما من قصد الإحسان إلى أخيه المسلم ورغب في جمع شمله بزوجته ولم شعثه وشعث أولاده وعياله فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل فضلًا عن أن يلحقهم لعنة رسول الله ﷺ، انتهى.","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>[باب في نكاح المتعة </span>(١)] قوله [نهى عن متعة النساء إلخ] اختلفت فيه الروايات جدًا فيعلم من بعضها حرمة المتعة زمن خيبر ومن بعضها يوم فتح مكة ومن بعضها في غزوة أوطاس إلى غير ذلك، وأيضًا ففي بعضها تصريح\n_________\n(١) قال أبو الطيب: هي النكاح إلى أجل معلوم كسنة أو مجهول كقدوم زيد سميت بذلك لأن الغرض منها مجرد التمتع دون التولد وغيره، وقد كان جائزًا في صدر الإسلام للمضطر كأكل الميتة ثم حرم وانعقد الإجماع على تحريمه ولم يخالف إلا طائفة من المبتدعة وتعلقوا بأحاديث ثبت نسخها، انتهى.","vol":"2","page":233},{"text":"بأنا تمتعنا في فتح مكة، وجملة الأمر في جمعها أنها حرمت زمن خيبر حرمة (١) الخمر والخنزير أي جوزت إذا اضطر إليها وبذلك أباح لهم العمل بها لما رأى اضطرارهم إلى النساء زمن مكة فمتعوا فيها وذكر أوطاس وغيره مجاز لكون السفر واحدًا ثم حرمها بعد ثلاث إلى يوم القيامة إلا أن الحرمة لم تبلغ بعضهم فتمتعوا بعد فتح مكة أيضًا، ثم لما أخبر به النبي ﷺ أعلن بحرمتها ففهم الراوي أنها تحريم مبتدأ، ثم أعلن يوم حجة الوداع لهذا الإبلاغ والإشاعة لا غير فاجتمعت الروايات وبالله التوفيق.\nقوله [عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي إلخ] ومحمد هو ابن الحنفية وكان أعطاها أبو بكر حين غزى زمن خلافته، وفي وطى على إياها دلالة على قبوله خلافة أبي بكر وإلا لزم (٢) أن يبقى زانيًا مدة عمر والعياذ بالله إذ لم يصح على عدمه جهاده ولا الغنيمة حتى يصح تقسيمها بينهم.\nقوله [حتى إذا نزلت الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فيه إشكال لأن هذه اللفظة وردت في سورة المعارج (٣) وهي مكية، فأما أن\n_________\n(١) أي مثل حرمتهما والتشبيه في أنه يجوز عند الاضطرار، كما فسره الشيخ بنفسه.\n(٢) يعني على مذهبهم الباطل فإنهم شرطوا لصحة الجهاد كونه بالإمام العادل، كما صرح به في فروعهم، وقد قالوا بارتداد هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة أو بنفاقهم والعياذ بالله ولعنًا على قاتليه ولذا قالوا بصحة الجهاد في زمانه ﷺ وبعد ذلك في زمان علي وفي زمان حسن قبل الصلح مع معاوية وفي زمان حسين وبعد ذلك لا يكون إلا في زمان المهدي وفي غير هذه الأوقات الخمسة لا يجوز عندهم، كما حكاه عنهم في التحفة.\n(٣) وكذا وردت في سورة المؤمنين وهي أيضًا مكية.","vol":"2","page":234},{"text":"يثبت استثناء الآية عن كونها مكية ولم يثبت بعد أو يتكلف في الجواب بأنها لم تعمل عليها في حق هذا الجزئي خاصة وحاصل الجواب أن النبي ﷺ حين نزلت الآية لم يظن المتعة داخلة في الحرمة بل ظن دخولها في إفراد قوله تعالى ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ ثم لما علم ذلك بالوحي أو من نفسه أعلن بحرمتها ولا يبعد أن لا يستوفي أول النظر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ جملة إفراده بل يبقى بعضها خارجًا ثم لما علم الدخول حكم بكونه منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>[باب النهي عن نكاح الشغار </span>(١)] قوله [من انتهب نهبة فليس منا] لا يخفى مناسبته بالجمل الثلاث السابقة فإن أخذ المال بغير الوجوب، كما في الجلب والجنب في الخيل طرف من النهب، وكذلك شق النفوس كما في جلب الزكاة وجنبها مع ما فيه من احتمال أن لا يذهب المصدق هناك فيسلم له ماله قسم منه وفي الشغار يبقى حق المرأة على الزوجين أو على أولياء المرأتين إذا رضوا بتركه ونفره فكان نهبًا. قوله: [ويجعل لهما صداق المثل وهو أهل الكوفة] ولعل الحق ما قالوا فإن\n_________\n(١) قال أبو الطيب: بكسر الشين المعجمة وبالغين المعجمة مأخوذ من شغر البلد إذا خلى من السلطان سمى به لخلوه عن الصداق أو من شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كأنه قال لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك وفي التشبيه بهذه الهيئة تقبيح للشغار وتغليظ على فاعله، قال النووي: أجمعوا على أنه منهي عنه لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النكاح أم لا، فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وحكاه الخطابي عن أحمد وإسحاق: وقال مالك: يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية قبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وحكى عن الزهري والليث: وهو رواية عن أحمد وإسحاق وبه قال أبو ثور وابن جرير، كذا في البذل.","vol":"2","page":235},{"text":"نكاح الشغار على ما فسره (١) لا يتحقق حينئذ فكيف يجترئ على إبطاله وكأن الذاهبين إلى فسخه رأوا بقاء بعض ذاتيات الشغار مرئي بقاء جميعها فقالوا ما قالوا وهذا يبطل كثيرًا من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>[باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها]</span>\nقوله [نهى أن يتزوج المراة على عمتها] والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فإن معللية الأحكام توجب النظر في التحريم ما علته فعلم أنها ما يوجه الرقابة من القطعية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>[باب في الشرط عند عقدة النكاح]</span>\nقوله [إن أحق الشروط أن يوفى بها] ظاهر أن الشروط يوفى بها ما لم يقع منافية لعقد الزوجية، فأما إذا شرط ما ينافيه، كما إذا شرط لها أن لا يخرجها من بيتها فهذا ينافي عقدة الزواج، كما قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ فلا يجب عليه وفاؤه فإنه قلب الموضوع، والحاصل (٣)\n_________\n(١) يعني إذا تعين لهما صداق المثل فلم يبق الشغار حينئذٍ لأن عدم الصداق داخل في مفهومه.\n(٢) ويؤيد ذلك ما حكى أبو الطيب والسيوطي من رواية الطبراني بلفظ إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم.\n(٣) وقال جماعة إن المراد بالشرط ههنا المهر خاصة لا غير لأنه هو المشروط في مقابلة البضع قلت وما حكى الترمذي من اتفاق الشافعي وأحمد في تلك المسألة تعقب عليه الحافظ في الفتح إذ قال النقل في هذا عن الشافعي غريب بل الحديث عندهم محمول على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسكنى وأن لا يقصر في شيء من حقها من قسمة ونحوها، وأما شرط ينافي مقتضى النكاح كان لا يقسم لها أو لا يتسرى عيها أو نحو ذلك لا يجب الوفاء به بل إن وقع في صلب العقد صح النكاح بمهر المثل وفي وجه يجب المسمى ولا أثر للشرط وفي قول الشافعي يبطل النكاح، وقال أحمد وجماعة يجب الوفاء بالشرط مطلقًا إلى آخر ما بسطه الحافظ في الفتح.","vol":"2","page":236},{"text":"أن الشروط ثلاثة أصناف ما يوجبه الزواج من غير اشتراط كالنفقة لها والسكنى فهذا يجب الإيفاء به، وإن لم يشترط وما ينافي كتاب الله ونص رسوله فهذه لا يجوز العمل بها وإن اشترط وما ليس من القسمين فهي مباحة إتيانها وتركها فهذه يجب الإيفاء بها إذا اشترط وإن لم يشترط لا، بقى ههنا شيء وهو أن النبي ﷺ كيف حكم على شروط النكاح بالأحقية إذ لا يظهر بينه وبين سائر العقود وجه فرق والجواب أن المقصود الأصلي من خلقه الأكوان إنما هو الإنسان كيف وهو خليفة الله في الأرضين وهو الذي تحمل أعباء أمانات رب العالمين وسائر ما سواه فإنما هو مخلوق لأجله ليستعين به في تكميل علمه وعمله فكان ورود الملك عليه نفسه منافيًا لخلافته بمنعه النظر إلى كماله وشرافته، وإنما جوز إما جزاء له على قبيع ما ارتكب أو ضرورة إبقاء النسل والعقب، وأما سائر العقود فليست ترد إلا على الأموال وهي مبذولة مرذولة فكان المرعى له الاحتياط هو النكاح لا غير وإيراد تملك العبيد ساقط، فإنهم لا يباعون إلا إذا نظر إلى ماليتهم وقطع النظر من أنهم أناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>[باب في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة]</span>\nقوله [أن يتخير منهن أربعًا] ومعنى التخيير (١) عندنا والله أعلم تخيير القديمات منهن لا التي يعجبنه، فإن\n_________\n(١) وأجاد الطحاوي وصاحب البدائع في معنى التخيير وحاصله أنه كان قبل نزول التحريم، فالنكاح بما فوق الأربع كان جائزًا إذ ذاك فالعاشرة حينئذ كالواحدة فصح التخيير، وأما إذا نزل الأحكام ونزل تحريم الزيادة على الأربع، فحينئذ نكاح الخامسة لم يصح فلأوجه للتخيير.","vol":"2","page":237},{"text":"النكاح عندنا لم يصح إذا نكح خامستهن لكن لما لم يكن لنا عليه يد وولاية إلزام لقوله -﵇- دعهم وما يدينون أمسكنا عنه فإذا ثبت الالتزام وجب إجراء الأحكام أو كان المقصود تخيير من أسلمت منهن ولم تاب لأن إباءها منه فرقة أو يكون نكاحهن (١) معًا فيتخير أربعًا [فقال له عمر، إلخ] إنما أمر بالرجوع لما ثبت عنده طلاقه إياهن من غير موجب ولا خفاء أن الطلاق من أبغض المباحات لا يصار إليه إلا عند اضطرار إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>[باب في الرجل يسلم وعنده أختان]</span>\nقوله [اختر أيتهما شئت] كأنه نكحهما (٢) معًا أو أيتهما تزوجته قبل أو أيتهما أسلمت قبل الإباء، فأما من أبت أن تسلم فقد وقعت الفرقة بينها وبينه، فلا يمكنه تخييرهن، قوله [حبان بن هلال] وكله (٣) بفتح الحاء إلا ابن هلال وابن يسار.\n_________\n(١) هذا هو المشهور من توجيهاته واشتهر عند مشايخ الدرس جدًا، لكنه يخالف الفروع، كما في البذل عن البدائع وفي الدر المختار أسلم وتحته خمس نسوة فصاعدا بطل نكاحهن أن تزوجهن بعقد واحد، فإن رتب فالآخر باطل.\n(٢) قد تقدم أنه يخالف الفروع ولا يبعد أن يكون في لفظ كان إشارة إلى ما أجاب به الطحاوي وصاحب البدائع من أن التحريم وقع على نكاحهما معًا ويوضح ذلك ما في الأجور وأوجه الأجوبة عندي عن حديث الباب وما في معناه أن العقد كان قبل نزول التحريم فكان صحيحًا إلى أن طرأ التحريم فلزمه اختيار الأربع منها ومفارقة سائرهن كرجل له امرأتان فطلق إحداهما ثلاثًا، فيقال له اختر أيتهما شئت لأن العقد كان صحيحًا إلى أن طرأ التحريم.\n(٣) الضابطة ليست بمجمع عليها فإن أهل الرجال اختلفوا في ضبط هذه الأسماء كما يظهر بملاحظة مقدمة النووي وكتاب الموتلف والمختلف للحافظ عبد الغني الأزدي، والمغني للشيخ محمد طاهر صاحب مجمع البحار، لكنهم اتفقوا في حبان بن هلال أنه بفتح الحاء وشدة الموحدة، وأما حبان بن يسار، فذكره الحافظ في التقريب: في كسر الحاء.","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>[باب في كراهة مهر البغي]</span>\nقوله [نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب (١)] وهذا التحريم كان إذا أمر بقتل الكلاب وحرم الانتفاع بها فإذا استثنى كلب الماشية والصيد وغيره جاز بيعه، قوله [ومهر البغي (٢)] وفي ذلك إشكال على الحنفية، فقد قال في المستصفى وحاشية الجلبي وغيرهما بجوازه واعترض عليه قوم بأنه يخالف الرواية بما لا خفاء فيه فلا يقبل وأنت تعلم أن الذي يرده الرواية ما إذا وقع العقد على الزنا فإن الإمر إذا نيط على مشتق كان المبدأ علة له، ولا يمكن أن يجترئ أحد على القول بأن المرأة إذا كانت تزني فكل ما حصلته من الأجرة\n_________\n(١) قال أبو الطيب ظاهره التحريم وقالوا تحريم الثمن يقتضي عدم جواز البيع، وقد قال به الشافعي وروى عن مالك وبه قال أبو حنيفة وصاحباه: يجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها لأنه حيوان منتفع به حراسة واصطيادًا حتى قال سحنون: أبيعه وأحج به وحملوا الحديث على غير المأذون في اتخاذه لحديث النسائي عن جابر نهى ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد لكنه حديث ضعيف باتفاق المحدثين، قال ابن الملك: هو محمول عندنا على ما كان في زمنه ﵌ حين أمر بقتله وكان الانتفاع به يومئذ محرمًا ثم رخص في الانتفاع به حتى روى أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهمًا وقضى في كلب ماشية بكبش، انتهى، قلت: حديث النسائي قال الحافظ: رجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته، انتهى.\n(٢) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وشدة التحتية فعيل أو فعول بمعنى الفاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث من بغت المرأة بغاء بالكسر إذا زنت قاله أبو الطيب.","vol":"2","page":239},{"text":"على أي عمل كان فهو حرام فليس معنى الحديث إلا الحكم بالحرمة على ما تأخذه (١) الزانية على نفس ارتكاب الزنا ولا شك في حرمته ولا قائل بكونه طيبًا والذي حكم صاحب المستصفى وغيره بحلته إنما هو المأخوذ على غير الزنا من سائر الأمور وصورته أن يستأجرها على الخبز مثلًا ويشترط مع ذلك أن يزني معها فالأجرة المأخوذة عليه مختلف فيها حلله الإمام نظرًا إلى صحة العقد أصالة والفساد بعارض الشرط فلا يؤثر في تحريم ما أخذه أجرة على أصل العمل المعقود عليه وهو الخبز فيما نحن فيه، والصاحبان ذهبا إلى حرمته نظرًا إلى الفساد، وإن كان غير داخل في صلب العقد، ثم الواجب في مثل ذلك عند الفريقين أجر المثل لفساد الإجارة فلا يجب المسمى والفرق أن أجر المثل الحاصل على الخبز حلال عند الإمام حرام عندهما فمعنى (٢) قول المستصفى إن كان بأجرة صح وإلا لا، أن الزناء إذا كان هو\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما في أبي داود من حديث رافع بن رفاعة نهانا عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها، وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل ومن حديث رافع بن خديج قال نهى رسول الله ﷺ عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو.\n(٢) والحاصل أنهم قرعوا هذه المسألة على الإجارة الفاسدة فلا يمكن أن يراد بكلامهم الإجارة على الزنا لأنها باطلة قطعًا بل المراد الإجارة على غير الزنا كطبخ الخبز مثلًا بشرط أن يزني بها أيضًا، فهذا إجارة فاسدة لفساد الشرط ويوضح ذلك أنهم كلهم بنوا كلامهم على الإجارة الفاسدة، ففي شرح الوقاية: الشرط يفسدها (أي الإجارة) والمراد شرط يفسد البيع (وفيها أجر المثل لا يزاد على المسمى) وفي حاشية الجلبي قوله فيها أجر المثل أي يجب أجره حتى إن ما أخذت الزانية إن كان بعقد الإجارة فحلال عند الإمام الأعظم لأن أجر المثل طيب وإن كان السبب حرامًا، وحرام عندهما، وإن كان بغير عقد فحرام اتفاقًا لأنها أخذته بغير حق، انتهى، فقوله حتى إن ما أخذته صريح في أن المسألة متفرعة على الإجارة الفاسدة وفي الدر المختار الفاسد من العقود ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه والباطل ما ليس مشروعًا أصلًا لا بأصله ولا بوصفه وحكم الفاسد وجوب أجر المثل بالاستعمال لو كان المسمى معلومًا بخلاف الباطل فإنه لا أجر فيه بالاستعمال قال ابن عابدين قوله وجوب أجر المثل أي أجر شخص مماثل له في ذلك العمل وفي غرر الأفكار عن المحيط ما أخذته الزانية، إن كان بعقد الإجارة فحلال عند أبي حنيفة لأن أجر المثل في الإجارة الفاسدة طيب، وإن كان الكسب حرامًا، وحرام عندهما، وإن كان بغير عقد فحرام اتفاقًا، انتهى، فقوله لأن أجر المثل في الإجارة الفاسدة أصرح دليل على أن المسألة في الإجارة الفاسدة لا الباطلة وأصرح من ذلك كله أنهم عدوا مهر البغي من السحت كما في كتاب الحظر من الشامي.","vol":"2","page":240},{"text":"المعقود عليه بنفسه لم تصح الإجارة وكانت باطلة ولا يتناول لفظ الإجارة الباطل منها فلا يمكن أن يراد بقوله إن كان بأجرة هو الاستيجار على أصل فعل الزنا فلم يبق في متناول اللفظ إلا الإجارة الصحيحة والفاسدة وكلاهما يمكن إرادته ههنا فإن أريد بقوله: إن كان بأجرة هي الصحيحة منها كان المعنى أنه إذا استأجرها على شيء من العمل إجارة صحيحة ثم زنى بها لا تكون الأجرة حرامًا لأنها لم تأخذ على الحرام الذي ارتكبته غير أن هذه الصورة لا تصلح للخلاف الواقع بينه وبينهما فلم يبق إلا إرادة الإجارة الفاسدة التي لا يجب فيها المسمى بل الواجب فيه أجر المثل كما ذكرنا قريبًا والله أعلم، قوله [وحلوان (١) الكاهن] هو ما يأخذ الكاهن على كهانته وأصله الشيء الحالي ثم استعمل في كل ما يأخذه حلوًا أولًا\n_________\n(١) بضم الهاء المهملة وسكون اللام ما يعطاه على كهانته قال أبو عبيد أصله من الحلاوة شبه ما يعطي الكاهن بشيء حلو لأخذه إياه سهلًا دون كلفة.","vol":"2","page":241},{"text":"والوجه في حرمته كونه مأخوذًا على تعزيز أو معصية وفي حكمه كل ما أخذ على معصية نعم يطيب المأخوذ على النقوش والتعاويذ والرق الصحيحة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>[باب لا يخطب على خطبة أخيه]</span>\nقوله [لم يشر عليها] هذا ظن منه رضي الله تعالى عنه والذ يقتضيه صحيح النظر أن الإشارة في مثل ذلك لو وقعت بعد الركون لم تك ممنوعة أيضًا إذ المحظور إيثار ذاته على غيره لا الإشارة عليها بمن هو أنفع لها عمن ركنت إليه فإن هذه الإشارة عين النصيحة، وقد أمرنا بها في غير موضع نعم إذا ركنت إلى أحد الخطاب لم يجز لآخر أن يخطبها لنفسه فتدبر، قوله [عشرة أقفزة] والقفيز مكيال يسع صاعًا ونصفًا وله معان أخر أيضًا، وقوله [أن بيت أم شريك، إلخ] فقد كانت مضيافة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>[باب في العزل]</span>\nقوله [فقال كذبت اليهود] فعلم أن العزل ليس بحرام كما كانت تزعمه اليهود، وإنما هو مكروه كما بين في الحديث الآتي [إن الله إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه] فاعله العزل المذكور من قبل أو الشيء المنكر وليس فاعله الضمير المستتر فيه العائد إلى الله، ثم قد يتوهم أن فيه قطعًا للذرائع والأسباب لإناطة الأمر على المشية مع أن الأمر لو كان كذلك لكان الوأد الحقيقي غير موجب للملام أيضًا والجواب أن فيه اختصارًا وإيجازًا اتكالًا على فطانة المخاطبين وهم ما هم (١) والحاصل أن الأمر إن كان موكولًا إلى الأسباب فالسبب الظاهر بالتوالد موجود وهو الإيلاج ومظنة الإنزال غير منفية فإن الذي ينشأ ثمة من التلذذ وفرط الشغف لا يكاد يتركه ينفصل عنها إلا وقد تقاطر شيء منه في رحمها وإن أريد النظر إلى السبب الحقيقي لا يتخلف عنه شيء بعد إرادته فهو أبعد من\n_________\n(١) هكذا في الأصل وهو وجيه عندي، وقال بعض المشايخ صوابه على قواعد النحو من هم لأن الأصل ما لغير ذوي العقول وأنت خبير بأن في الأول من اللطافة ما ليس في الثاني.","vol":"2","page":242},{"text":"أن يتوقف فعله على شيء من العلل والأسباب، قوله [ولم يقل لا يفعل، إلخ] يعني إنه لو قال ذلك لكان نفيًا ونسخًا، وإنما قال لم يفعل بالاستفهام فكأنه لم يرض به ورآه غير مفيد وترك الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>[باب القسمة للبكر والثيب]</span>\nقوله [ثم قسم بينهما بالعدل] الرواية غير صريحة في إخراج هذه الأيام من القسم فلابد له من دليل يعني أن هذا الذي ذهبوا إليه ليس لهم حجة عليه فالصحيح أن تعتبر هذه المدة في القسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>[باب في الزوجين المشركين يسلم أحدهما]</span>\nهذا يشمل ما إذا بقى بعد الإسلام في دار الكفر ولم ينتقل إلى دار الإسلام وما إذا هاجر أحد الزوجين بعد الإسلام فعندنا لا يفرق بينهما من غير تبائن الدارين وهو الثابت بالحديث، وأما إذا سلم وبقى هناك فلا يقع التفريق بنفس الإسلام ما لم يصدر أمر ينسب (١) إليه التفريق كالآباء فإن الإسلام جامع لا مفرق ثم اعلم أن أبا العاص سبى يوم بدر فلما تقرر الأمر على أخذ الفدية من الإسراء وتركهم بعد ذلك بعث كل قريب فدية لصاحبه من مكة وبعثت زينب بنت رسول الله ﷺ فدية زوجها وفيها قلادة لها كانت في جهازها، فلما رآها النبي ﷺ تذكر خديجة وما صنعت بالنبي ﷺ فأراد أن يترك أبا العاص ويرد فديته إن ترضي الناس بذلك فترضوا فترك أبا العاص وعاهد عليه أن يرسل إليه ابنته فعهد فأرسل ﷺ إليه زيد بن حارثة ورجلًا،\n_________\n(١) قال ابن عباس: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه، وبذلك قال عطاء والثوري وفقهاء الكوفة: ووافقهم أبو ثور، واختاره ابن المنذر وإليه جنح البخاري وشرط أهل الكوفة ومن وافقهم أن يعرض على زوجها الإسلام، فيمتنع إن كانا معًا في دار الإسلام وقال مجاهد إذا أسلم العدة يتزوجها وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد قاله الحافظ، قلت أي بدون تجديد العقد في العدة كما صرحوا به.","vol":"2","page":243},{"text":"وكان زيد بن حارثة عما لها رضاعيًا وقيل أخًا للرضاع فأرسلها أبو العاص معهما فقيض أبو العاص أخاه كنانة ليوصلها إليهما فلم علم بذلك عكرمة (١) إلى فطعن في بطنها بسنان فسقطت عن الهودج فأسقطت وله الصدمة الضرب، ولذلك أهدر النبي ﷺ دمه يوم فتح مكة والطعن إنما كان بعودها لا بحنيدتها فلم يكن هناك جرح ويقال إنه أفزعها وراعها بإشارة السنان فسقطت، فلما سمع بذلك عكرمة فركب سفينة، فلما أدركها الغرق قال السفان (٢) أدعوا الله ولا تدعوا غيره من الآلهة فوقع في قلب عكرمة أن الآلهة التي لا تغني عنا في البحر لا تغني أيضًا في البر فالله الذي هو كاشف ضر البحر هو الإله الحق في الملك كله فآمن فعفا عنه ﷺ وما ذكرنا من القصة (٣) هي المشار إليها بقوله ﷺ في بعض الروايات حيث ذكر أبا العاص فقال وعد فوفى.\nقوله [وهي (٤) في العدة] هذا متفق عليه أن الزوج أحق بها ما دامت\n_________\n(١) ولكن صاحب روضة الصفا ذكر ههنا هبارًا، قلت هكذا في هامش الأصل وهو الصواب فههنا قصتان اختلطتا في الأصل فقصة طعن زينب على ما ذكر أهل التاريخ لهبار وقصة السفينة وغيرها مما سبق لعكرمة كما بسطهما صاحب الخميس وغيره، وكان كلاهما ممن أهدر دمهم في فتح مكة.\n(٢) قال المجد: سفنه بسفنه قشره ومنه السفينة لقشرها وجه الماء وصانعها سفان، انتهى.\n(٣) يعني وعد أبي العاص بإرسال زينب وإيفائه إياه.\n(٤) ثم قول الترمذي هذا بلفظ والعمل على هذا الحديث، إلخ، وذكر فيهم الشافعي وأحمد مشكل فإنهم لم يقولوا بهذا الحديث بل بالآتي وأول كلامه أبو الطيب، فقال: والعمل على هذا أي من حيث إن هذا الحديث يقتضي أن الرد بعد العدة يحتاج إلى نكاح جديد فالرد بلا نكاح لا يكون إلا قبل العدة، انتهى.","vol":"2","page":244},{"text":"في العدة، وإنما الاختلاف في ابتداء العدة من أي حين هو فقلنا من وقت الانتقال إلى دار الإسلام أو الإنكار بعد العرض، وقالت الشافعية بل بعد الإسلام فحسب ولا يفتقر إلى شيء غير ذلك.\nقوله [بالنكاح (١) الأول] أي بسببه وبحرمته لما رأى من حسن معاملة أبي العاص معها ولم يحدث نكاحًا مع غيره في انتظاره ولعله علم إسلامه قبل إسلامه بالوحي أو بقراين فانتظر ست سنين ولم يحدث نكاحًا لها بغيره فاجتمعت الرواية بالرواية السابقة وهذا وإن كان لا يتبادر إلى الذهن إلا أنه يحتمله العبارة من غير شك فوجب حملها عليه فرارًا عن إلغاء الحديث، واتهام الرواة ليس بأسهل من توجيه العبارة، قوله [وجه الحديث] وقد عرفته (٢).\n_________\n(١) هذا مختار الشافعية ومن وافقهم وأجابوا عن الإشكال الوارد عليه من أن بقاء العدة بهذه المدة مشكل بما قاله الخطابي بأن الحيض قد يبطؤ عن ذوات الإقراء لعارض، أصل هذا أجاب البيهقي، قال الحافظ وهذا أولى ما يعتمد في ذلك ومختار الحنفية الحديث السابق بنكاح جديد وأولوا هذه الرواية بما أفاده الشيخ، قال الحافظ وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب وأن حديث ابن عباس لا يخالفه قال والجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما فحمل قوله بالنكاح الأول أي بشروطه قال وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد ومهر جديد والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل ويؤيده مذهب ابن عباس المحكي عنه أول الباب وضعف حديث ابن عباس هذا وقال في حديث عمرو بن شعيب زيادة ليست في حديث ابن عباس والمثبت مقدم، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: أشار الترمذي بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه حتى انقضت عدتها ومن نقل في ذلك الإجماع ابن عبد البر وإن تعقب ببعض الخلاف.","vol":"2","page":245},{"text":"قوله [وحديث الحجاج عن، إلخ] عطف على قوله هذا الحديث (١) فهو مفعول لقوله يذكر فكأن يزيد بن هارون لما ذكر الحديثين بين أن أحدهما أجود إسنادًا، والثاني معمول به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>[باب الرجل يتزوج فيموت قبل أن يفرض]</span>\nقوله [ففرح بها ابن مسعود] لما ظهر له من موافقة اجتهاده بمقال النبي ﷺ، ثم إن قول ابن مسعود (٢) هذا مبني على مقدمتين تلقتهما الفقهاء بالقبول، أحدهما أن الموت منه للشيء ويتفرع على كون الموت منهيًا أن المشتري بشرط الخيار إذا مات العبد لم يبق له خيار، والثاني أن ابتغاء البضع لا يخلو عن لصوق المال سواء كان من جهة العاقدين أو من جهة الشرع فأجمعوا على أن الواجب فيما لم يذكروا شيئًا من المهر أو نفياه إنما هو مهر المثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>[أبواب الرضاع </span>(٣)] قوله [إن الله حرم من الرضاع ما حرم من\n_________\n(١) وليس المراد بهذا الحديث الحديث المذكور قريبًا في قصة رجل بل الحديث السابق منه في قصة زينب ثاني أحاديث الباب، قال الحافظ بعد ذكر الحديثين المذكورين في قصة زينب: ثم أخرج أي الترمذي عن يزيد بن هارون أنه حدث بالحديثين عن ابن إسحاق وعن حجاج، ثم قال: يزيد حديث ابن عباس أقوى إسنادًا والعمل على حديث عمرو بن شعيب، انتهى.\n(٢) قال أبو الطيب: ومذهب أبي حنيفة وأحمد كقول ابن مسعود وللشافعي قولان كما ذكره المصنف.\n(٣) قال النووي: الرضاع بفتح الراء وكسرها والرضاعة بفتح الراء وكسرها، وقد رضع الصبي أمه بكسر الضاد يرضعها بفتحها، وقال الجوهري: تقول أهل أنجد: رضع يرضع كضرب يضرب.","vol":"2","page":246},{"text":"النسب، إلخ] يعني أن الرضاع مؤثر حيث يؤثر النسب فحيثما وجد الرضاع ينظر لو كان هناك نسب هل حرم أو لا، فإن كان محرمًا كان الرضاع محرمًا وإلا فلا والمؤثر من اختلاط الرضاع ما كان مؤثرًا من اختلاط النسب وحيث لا يؤثر اختلاط النسب بأن لا يكون هناك اختلاط فيه لا يكون اختلاط بالرضاع أيضًا، وبعد ذلك لا يحتاج إلى استثناء صور (١) أخرجتها الفقهاء فإنها خارجة من أول الأمر ثم الاستثناء في قولهم حيث قالوا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٢) إلا فلان وفلان، وإما أن يكون منقطعًا، أو هو مبني على ظاهر ما يفهم من هذه العبارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>[باب في لين الفحل]</span>\nقوله [إنما أرضعتني المرأة، إلخ] ظنت أن اللبن لما كان في المرأة فالتعلق والجزئية بها وبمن كان منها كأبنائها وآبائها وأخوتها وعمومتها، فأما زوجها فليس له دخل فيه حتى تتعدى الحرمة إلى آبائه وأبنائه، فلما كان كذلك كان أخو زوج المرضعة أجنبيًا كزوجها، والعم ههنا على حقيقته لا كما في المحشى (٣) ولعله حمل المرأة على أنها امرأة هذا الرجل بعينه فنؤهم ماتؤهم\n_________\n(١) استثنى منه بعض المسائل، وقد جمعت في قوله:\nيفارق النسب الرضاع في صور ... كأم نافلة وجدة الولد\nوأم عم وأخت ابن وأم ... أخ وأم خال عمة ابن اعتمد\n(٢) قال صاحب الهداية يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا أم أخته من الرضاع فإنه يجوز أن يتزوجها ولا يجوز أن يتزوج أم أخته من النسب لأنها تكون أمه أو موطوءة أبيه بخلاف الرضاع ويجوز تزوج أخت ابنه من الرضاع، ولا يجوز ذلك من النسب لأنه لما وطى أمها حرمت عليه ولم يوجد هذا المعنى في الرضاع، انتهى.\n(٣) إذ قال هذا لا يخلو عن إشكال ثم أوله بأنه أبوه من الرضاعة وحكى عن الطيبي سماه لأنه بمنزلة أبيها، انتهى، والصواب ما أفاده الشيخ أنه عم لها حقيقة لا مجازًا كما هو مصرح في رواية أبي داود بلفظ قالت دخل على أفلح فاسترت منه قال تسترين مني وأناعمك قلت من أين قال أرضعتك امرأة أخي، الحديث.","vol":"2","page":247},{"text":"لأجل ذلك، قوله [كرهوا لبن الفحل] أي جعلوه (١) سبب الحرمة، قوله [وهذا تفسير لبن الفحل] وإضافته إلى الفحل من إضافة الشيء إلى سببه، وإنما احتيج إلى تفسيره دفعًا لما يتبادر إلى الذهن من لبن الفحل أنه اللبن الذي يتنزل في تندوة الرجل مع أنه ليس بمراد لأنه ليس لبنًا حقيقة.\nقوله [لا تحرم المصة ولا المصتان (٢)] قد كان نزل في أول الأمر وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم عشر رضعات معلومات ثم نسخ بقوله تعالى خمس رضعات وحينئذٍ قال النبي لا تحرم المصة ولا المصتان ثم نسخ ذلك بإطلاق\n_________\n(١) قال أبو الطيب: أي حكموا بالحرمة من جهة لبن الفحل واعتبروا حكم النسب منه، انتهى، وقال الحافظ في الفتح: وفيه خلاف قديم ثم بسط الاختلاف فيه، ثم قال: وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأتباعهم إلى أن لين الفحل يحرم، انتهى.\n(٢) واختلفوا في هذه المسألة، فقال الجمهور: يحرم قليل الرضاع وكثيره، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري، وهو المشهور عن أحمد، وقال آخرون: الذي يحرم ما زاد على الرضعة الواحدة ثم اختلفوا، فعن عائشة عشر رضعات، أخرجه مالك في الموطأ وعنها أيضًا سبع رضعات وعنها لا يحرم دون سبع أو خمس وعنها خمس رضعات، وإليه ذهب الشافعي وهي رواية عن أحمد وبه قال ابن حزم وذهب أحمد في رواية وداود وأتباعه وغيرهم إلى أن الذي يحرم ثلاث رضعات لرواية لا تحرم المصة ولا المصتان، كذا في البذل.","vol":"2","page":248},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلا أن هذا النسخ الثاني لم يبلغ عائشة -﵂- وكانت تعلم أن الأمر باق على ذلك، ولذلك قالت: توفي النبي ﷺ والأمر (١) على ذلك والدليل على مقالتنا القراءات المشهورة المتواترة المنسوبة إلى القراء السبعة إذ لو كان الأمر عند وفاته ﷺ على ذلك لكانت القراءة كذلك والقول بأن المنسوخ لعله اللفظ دون الحكم مجرد احتمال لابد له من دليل. قوله [وهو غير محفوظ] أي وضع الزبير موضع عائشة وتعبيره بالزيادة مجاز والمراد التبديل.\n\n[باب في شهادة المرأة الواحدة (٢) في الرضاع] فقال [أي عبد الله] ابن أبي مليكة [وسمعته من عقبة] أيضًا من غير توسط عبيد بن أبي مريم، قوله [دعها عنك] فقيل كان احتياطًا، وقيل بل علم ذلك وحيًا وهذه شخصية\n_________\n(١) قال أبو الطيب: وفي شرح الموطأ ليس العمل على هذا بل على التحريم ولو بمصة وصلت إلى الجوف عملًا بظاهر القرآن وأحاديث الرضاع، وبهذا قال الجمهور: من الصحابة والتابعين والأئمة وعلماء الأمصار، حتى قال الليث أجمع المسلمون أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم حكاه في التمهيد ومن المقرر أنه إذا كان علماء الصحابة وأئمة الأمصار وجهابذة المحدثين قد تركوا العمل بحديث مع روايتهم له ومعرفتهم به كهذا الحديث فإنما تركوه بعلة كنسخ أو معارض يوجب تركه فيرجع إلى ظاهر القرآن والأخبار المطلقة وأنه متى تعارض مانع ومبيح قدم المانع لأنه أحوط، انتهى.\n(٢) واختلف الناس في عدد من يقبل شهادتها في الرضاع، فروى عن ابن عباس أنه قال شهادة المرأة الواحدة جائزة في الرضاع إذا كانت مرضعة ويستحلف مع شهادتها، وبه قال أحمد بن حنبل: واشترط اليمين، وقال عطاء: لا يجوز في ذلك أقل من أربع نسوة، وإليه ذهب الشافعي، وقال مالك يجوز شهادة امرأتين، كذا في البذل مختصرًا، وأما عند الحنفية ففي الدر المختار الرضاع حجته حجة المال وهي شهادة عدلين أو عدل وعدلتين ولا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي، قال ابن عابدين: أفاد أنه لا يثبت بخبر الواحد امرأة كان أو رجلًا قبل العقد أو بعده وبه صرح في الكافي، ثم حكى ابن عابدين اختلاف المشايخ في ذلك.","vol":"2","page":249},{"text":"لا تعارض الكلية، قوله [قال الترمذي سمعت الجارود، إلخ] وأما ما قال (١) بعض الحنفية: إن شهادة المرأة الواحدة لا تقبل بعد النكاح وتقبل قبله لأن المنع أسهل من النقض فتفرقة غير مسندة إلى نقل مع أن الرواية مصرحة بقبول خبر الواحد بعد النكاح، والمعتبر عندنا هو العدد لغلبة حق العبد فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>[باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر]</span>\nقوله [في الثدي] أي في أيام الشرب منها وعلى هذا فقوله قبل الفطام تأكيدًا والمعنى شرب من الثدي دون (٢) أن يحلب في إناء فيشرب ويمكن أن يكون قبل الفطام احترازًا، فإن الفطام إذا تحقق بعد حول مثلًا واعتاد الصبي التغذي بغذاء آخر، فحينئذٍ لو شرب لبن امرأة لا يثبت (٣) الرضاع فالحاصل على هذا من ألفاظ الحديث أن الرضاع\n_________\n(١) قال ابن عابدين: لكن في محرمات الخانية إن كان قبله والمخير عدل ثقة لا يجوز النكاح وإن كان بعده وهما كبيران فالأحوط التنزه وبه جزم البزازي معللًا بأن الشك في الأول وقع في الجواز، وفي الثاني في البطلان، والدفع أسهل من الرفع، انتهى.\n(٢) وعلى هذا فالقيد اتفاقي لا احترازي فإن الوجور والسعوط ملحق بالمص صرح به في الدر المختار، وقال أبو الطيب: لم يشترط في الرضاع المحرم أن يكون من الثدي فإن إيجار الصبي يقوم في التحريم مقام الارتضاع من الثدي، انتهى.\n(٣) هذا مختلف عند أهل الفقه، كما أشار إليه الشيخ أيضًا، وهذا القول هو مختار الزيلعي وحكاه عن الخصاف، كما قال ابن عابدين: وفي الدر المختار يثبت للتحريم في المدة فقط ولو بعد الفطام والاستغناء بالطعام على ظاهر المذهب وعليه الفتوى، انتهى.","vol":"2","page":250},{"text":"ما فتق (١) الأمعاء أي صار غذاء وكان في أيام الثدي وقبل الفطام فلو كان الشرب في غير أيام الثدي، كما إذا شرب بعد الحولين لا يثبت حرمة الرضاع، وكذلك إذا شرب في أيام الشرب من الثدي أي في الحولين إلا أنه فطم قيل ذلك لا يثبت حرمة الرضاع والحاصل أن العبرة للتغذي قبل الفطام سواء كان الفطام في الحولين قبل تقضيهما أو بعدهما وهذه رواية الحسن عن الإمام والأصح المختار للفتوى تعلق التحريم بالرضاع ولو بعد الفطام إذا لم يكن بعد مدة الرضاع.\n\n[باب ما يذهب مذمة (٢) الرضاع] قوله [غير محفوظ لزيادة (٣) لفظ\n_________\n(١) قال أبو الطيب: كلمة يحرم بتشديد الراء من التحريم والفتق الشق والأمعاء بالمد جمع معي بكسر الميم مقصورًا كعنب وأعناب وهو موضع الطعام من البطن أي الذي شق أمعاء الصبي ووقع منه موقع الغذاء وفي الثدي حال من ضمير الفاعل في فتق حالًا مقدرة أي حال كونه كائنًا في الثدي ولو قيل من الثدي لم يفد هذه الفائدة قاله الطيبي، وفي المجمع حال من فاعل فتق أي فائضًا منها ولا يشترط كونه من الثدي فإن الإيجار محرم، انتهى، وظاهر هذا أن في بمعنى من، انتهى.\n(٢) حكى السيوطي عن العراقي: المشهور في الرواية بفتح الميم وكسر الذال المعجمة وبعدها ميم مفتوحة مشددة، وقال الخطابي فيه لغتان فتح الذال وكسرها يريد ذمام الرضاع وحقه، قال القاضي: ومعنى الحديث أي شيء يسقط عني حق الأوضاع حتى أكون بأدائه مؤديًا حق المرضعة بكماله وكانت العرب يستحبون أن يرضخوا للظئر بشيء سوى الأجرة عند الفصال، انتهى.\n(٣) قلت: بذلك جزم الشارح سراج أحمد، لكن قال ابن الأثير في أسد الغابة حجاج بن مالك مدني له حديث واحد مختلف فيه رواه سفيان بن عيينة عن هشام عن أبيه عن الحجاج قال: سألت رسول الله ﷺ ما يذهب عني الحديث، وقد خالف سفيان غيره أخبرنا عبيد الله وغير واحد بإسنادهم إلى الترمذي، حدثنا قتيبة نا حاتم عن هشام عن أبيه عن حجاج بن حجاج عن أبيه، ثم ذكر حديث أبي داود بذكر الواسطة، ثم قال ووافق حاتمًا جماعة وعد أسمائهم، فذكروا في الإسناد حجاج بن حجاج وحديث ابن عيينة خطأ، انتهى، فعلم من ذلك أن الخطأ في تركه واسطة أبي الحجاج فتأمل.","vol":"2","page":251},{"text":"أبى في اسم حجاج، فالصحيح حجاج بن حجاج دون حجاج بن أبي حجاج، قوله [قيل هذه كانت أرضعت، إلخ] أي حين سأل بعضهم عن بعض عن سبب هذا الإكرام البالغ نهايته، وكان أهل مكة يؤتون أولادهم مراضيع من قبائل أخر لفرط الحرارة في مكة وليتخففوا عن مؤن التربية، قال أستاذ الأستاذ: لم يثبت (١) إسلامها بشيء من الروايات وإكرامه ﷺ لا يمكن الاحتجاج به عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>[باب الأمة تعتق ولها زوج]</span>\nقوله [قالت كان زوج بريرة عبدًا فخيرها النبي ﷺ] اختلفت الروايات (٢) في ذلك فأخذ الإمام برواية الأسود لئلا يخالف\n_________\n(١) والمسألة خلافية والمراد بأستاذ الأستاذ شيخ العرب والعجم الشاه عبد الغني المهاجر صرح باسمه الشريف في تقرير مولانا رضى الحسن المرحوم، وفي الخميس عن مزيل الخفاء صحح ابن حبان وغيره حديثًا دل على إسلامها، وقيل: لم يثبت إسلامها، وقال الدمياطي: لم تعرف لها صحبته، قلت: لكن الحافظ في الإصابة، وذكرها في القسم الأول، ولم يحك في إسلامها خلافًا، وكذا لم يحك ابن الأثير في أسد الغابة فليفتش.\n(٢) وبناء عليها اختلفوا فبما إذا أعتقت المرأة وزوجها حر، فقال الجمهور: لا خيار لها لأن علة الخيار عندهم الكفاءة، وقال الثوري والحنفية وغيرهم لها الخيار لأن العلة ملك البضعة وهي أولى لأنها مستفادة من قوله ﷺ ملكت بضعتك فاختاري هذا، وإذا كان الزوج عبدًا فلها الخيار اتفاقًا.","vol":"2","page":252},{"text":"قوله ﵇ طلاق الأمة ثنتان من غير تفريق في أن يكون زوجها حرًا أو عبدًا مع أن قولها كان عبدًا يحتمل المجاز، فإنه كان عبدًا لا شك فيه ولو عمل بقولها وكان عبدًا لزم ترك العمل بقوله ﵇ طلاق الأمة ثنتان، وذلك لأنا لو لم تخيرها بالعتق لزم القول باعتبار الطلاقات بالرجال والرواية ناطقة بخلافه وأصل الخلاف بيننا وبين الشافعي اعتبار الطلاق بالنساء، فأنا لما اعتبرناه بها لزم القول بزيادة الملك عليها بإعتاقها، وهو لما لم يعتبره بها بل اعتبره بالرجال (١) لم يقل بثبوت الخيار لها إذ هي على ما كانت لم يتغير شيء من صفاتها، وإنما خيرها إذا كانت تحت عبد لئلا يلزمها عار بالاستفراش تحته، ثم قوله: ولو كان حرًا لم يخيرها اجتهاد محض من الصحابية أو من الرواة (٢) وليس علينا تسليمه، سيما\n_________\n(١) فقال: لا يملك العبد من الطلاق إلا اثنتين حرة كانت زوجته أو أمة كما في البذل.\n(٢) بل هو المتعين لأن المرجح في رواية عائشة كونه حرًا، وذلك لأن رواة هذا الحديث عن عائشة ثلاثة: الأسود وعروة وابن القاسم، فأما الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنه كان حرًا، وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان كان حرًا وكان عبدًا، وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه روايتان صحيحتان كان حرًا والأخرى بالشك والجزم قاض ولا ترجيح لإحدى روايتي عروة للتعارض فبقيت رواية الأسود سالمة ومعها رواية الجزم لابن القاسم فعلم أن قوله لو كان حرًا من دون عائشة، هذا وقد صرح الشيخ في البذل أنه مدرج من عروة لرواية النسائي.","vol":"2","page":253},{"text":"وقد يعارضه الحديث المرفوع وهو الذي ذكرنا من قوله ﵇ (١) طلاق الأمة تطليقتان مع أن العمل على حديث العبدية يفوت العمل بالحديث الآخر ولا عكس، قوله [يوم أعتقت بريرة هي] ككريمة والتأويل الذي أسلفنا لا يتمشى ههنا إذ هو مصرح بأنه كان عبدًا أسود يوم أعتقت فالجواب (٢) عنه أنه لم يبلغه خبر إعتاقه بعد، وأنت تعلم أن دعوى المجاز غير مردودة ههنا أيضًا، فإنه كان يوم أعتقت بريرة عبدًا باعتبار ما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>[باب الولد للفراش]</span>\nأي لصاحبه [وللعاهر الحجر] فقيل الحجر الحرمان وقيل: بل المراد الرجم، وما أورد أن بعض العاهرين ليس له رجم، فلا يصح هذا التأويل، فالجواب أن ذلك لعارض من فوات شرط أو قيام مانع والمراد بالفرش صاحبه سواء كان صاحب فراش قوي أو ضعيف إلا أن ينكره صاحب الفراش ويدعيه آخر فحينئذٍ لا يثبت نسبه عن صاحب الفراش أيضًا، وتفصيل الفراش القوي والمتوسط والضعيف وما يفتقر في انتفاء النسب من كل قسم من الثلاثة موكول إلى كتب الفقه فلا علينا أن نتركه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>[باب في الرجل يرى المرأة فتعجبه]</span>\nقوله [فدخل على زينب فقضى حاجته] وربما يختلج في القلوب أن النبي ﷺ مع عصمته وبلوغه أقصى درجات الكمال كيف وقع في قلبه ما يقع في نفس الرجال برؤية أجنبية، والجواب أنه لا ضير فيه إذا لم يشته ذلك المحل الحرام وقت كونه حرامًا والحرام إنما هو شهوة المحل بعينه وإن (٣)\n_________\n(١) وسيأتي قريبًا في بابه عند المصنف أيضًا.\n(٢) على أن الرواية عائشة كان حرًا مرجح بوجوه، منها أنها مثبتة وهي نافية، وأيضًا هي نص في الباب بخلاف رواية ابن عباس فهي محتملة.\n(٣) هكذا في الأصل بواو الوصلية ولعل فائدتها التعميم وتوضيح ذلك أن اشتهاء شيء يتصور بثلاث صور اشتهاء ومقيدًا بالحلية مقيدًا بالحرمة بدون التقييد بالحلة والحرمة ففائدتهما تعميم هذه الصورة الثالثة والجواز للصورة الأولى فقط.","vol":"2","page":254},{"text":"كان في حين حرمته، وأما إذا اشتهى حصوله بعد الحل فلا، مع أن الشيء كثيرًا ما يحرك على شيء لا على نفسه فكان رؤيته ﷺ إياها حركته على قضاء حاجته واستفراغ فضالته لا معها حتى يلزم شيء من الإثم بل حيثما حل وطاب والروية لم تكن قصدًا أيضًا مع أن صنيعه ذلك إنما كان لتعليم الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>[باب في حق الزوج]</span>\nقوله [لوكنت آمر أجدًا أن يسجد] واللفظ عام لسجود التحية والتعظيم فعلم نسخهما جميعًا [لأمرت المرأة] فيه إشارة إلى أن المرأة يجب عليها أن تطيع زوجها في كل ما يأمرها به إلا أن يكون حرامًا، قوله [وإن كانت على التتور (١)] خصها بعضهم بما إذا كانت تخبز خبز الزوج ولا حاجة إلى ذلك بل الغرض (٢) المسوق له الكلام وهو الائتمار وعدم التوقف في امتثال أمره في الشق الثاني أوفر وأتم فالمعنى أن الواجب عليها المسارعة إليه، وإن خافت نقصان مالها ومشقة جسمها، فإنها إذا ذهبت إليه واحترق خبزها فلعلها تبقى يومها جائعة أو تتكلف بإعداد الطعام مرة أخرى وفيه دلالة على\n_________\n(١) بفتح ثم تشديد، معناه: وإن كانت تخبز على التنور مع أنه شغل شاغل لا يتفرع منه إلى غير إلا بعد انقضائه، وذكره تتميمًا ومبالغة ثم يحتمل أن يكون المراد به، وإن كانت مشتغلة بما يخاف عليه الضياع بالترك فإن الخبز إذا ترك على التنور يخاف عليه الضياع أو وإن كانت في ذلك الوقت آتية على التنور أي وإن كانت تلك الحاجة التي يدعو الزوج إليها ثقيلة على المرأة جدًا في ذلك الوقت كأنها تأتي لسببها على التنور من حيث الثقل قاله أبو الطيب.\n(٢) قوله الغرض مبتدأ وأوفر خبره وهو الائتمار إلى قوله امتثال أمره جملة معترضة ولم يذكر الشق الثاني بنص العبارة لظهوره من سياق الكلام وهو أن لا يقيد الخبز بخبز الزوج بل يعم خبزه وخبزها والأوجه أن يقيد بخبزها خاصة.","vol":"2","page":255},{"text":"اختيار أيسر الإثمين إذا ابتلى بهما فإن إضاعة المال وعصيان الزوج ذنبان لا محالة ثم على تلك القاعدة يتفرع جمة من مسائل الفقه، قوله [أيما امرأة باتت] وفي بعض النسخ ماتت (١)، والثاني ظاهر وتأويل الأول أنها استحقت في ليلتها هذه دخول الجنة فكأنها دخلتها أو المعنى لو ماتت في ليلتها دخلتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>[باب في حق المرأة]</span>\nقوله [أحسنهم خلقًا] الخلق معناه المعاملة بالخالق والمخلوق حسبما يرضى به الخالق وهو بهذا المعنى متضمن الشريعة بأسرها أو معناه معاملة المخلوق حسب رضاء الخالق، وهو دال على وجود الأول أيضا فإن المرأ يبعد أن يكون كذلك في أمور الخلق ويعكس الأمر في امتثال أوامره تعالى المتعلقة بخالص حقه والمراد ههنا الثاني لأنه أوفق بالقصة، وقوله [خياركم خياركم لنسائهم] لكونها في أسركم وذلك لأنه يدل على ما في طبيعته من الخير والصلاح حيث عامل الضعفاء بالعدل أما حسن المعاملة بالغالب على نفسه فليس فيه كثير فضل، وكذلك الحكم في كل ضعيف منك ذليل بين يديك والأصل أن نساء أهل الكتاب كانت حاديات على الرجال ونساء قريش لا تكاد تعامل بها القريش إلا معاملة الجمادات أو الحيوانات والإماء لا يعدون لهن (٢) مرتبة وكانت نساء الأنصار بين بين لاكتساب من نساء أهل الكتاب فجعل المهاجرون ينكرون عليها ما رأوا من تبدل\n_________\n(١) وعلى هذه النسخة بني الشارح سراج أحمد ترجمته.\n(٢) فقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس عن عمر قال: كنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصخبت على امرأتي فراجعني فأنكرت أن تراجعني الحديث، قال الحافظ ابن حجر: قوله كنا معشر قريش أي تحكم علمهن ولا يحكمن علينا، وفي رواية يزيد بن رومان كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته، وفي روايته عبيد ما نعد للنساء أمرًا، وفي رواية الطيالسي كنا لا نعتد بالنساء، انتهى.","vol":"2","page":256},{"text":"عاداتها في الإطاعة فرخص (١) النبي ﷺ في ضربهن فتعدوا في الضرب فشكت النساء ذلك منهم إليه فأمر النبي ﷺ بحسن المعاملة بها تعليمًا لهؤلاء الذين كانوا يعتدون عليها اعتداء لا يتصور فوقها من مزيد.\nقوله [ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون (٢) دفع] لما عسى أن يتوهم من قوله لا يوطئن فرشكم أن إذنهن من دخول الرجال عليهن غير منهي عنه إذا لم يجلسوا على فرش أزواجهن نعم لها رخصة في تكلم محارمها وهم خارجون من بيتها إلا إذا تضمن مجرد الكلام مفسدة أو يكون الكلام من هذا القبيل، ثم قوله [وحقهن عليكم إلخ] بيان لما تختص من الحقوق لمزيد الاهتمام بها لأكل حق هو لها عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>[باب في كراهية إتيان النساء في أدبارهن]</span>\nقوله [وتكون في الماء قلة] إما أن يكون السائل أراد أن لا ينتقض الطهارة لما له من الضرورة، كما فسر (٣) المحشي أو الغرض أنه لما علم أن القسوة تخرج من محل النجاسة ثم إنها تنتشر بين إليتيه، فكأنه اشتهى وأحب أو ظن أن غسل ذلك الموضع الذي أصابته الرويحة\n_________\n(١) فقد أخرج أبو داود من حديث إياس بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولائكم بخياركم، انتهى.\n(٢) وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب لا يرون ذلك عيبًا ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب وصارت النساء مقصورات نهى عن محادثتهن والقعود إليهن، قال أبو الطيب.\n(٣) ولفظه غرض السائل أنه ينبغي أن لا ينقض الوضوء بهذا القدر، انتهى، وقال أبو الطيب: مراد السائل كان معرفة الفرق بين قليل الريح وكثيرها فأرشدها ﷺ إلى أنه لا فرق بينهما، انتهى.","vol":"2","page":257},{"text":"ضروري فدفعه النبي ﷺ مع تنبيه له على أن خروج الريح من ذلك المقام لما كان ملطخًا عندك بحيث ظننت أن ذلك توجب غسله فكيف بإتيان (١) النساء من هذا المقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>[باب في كراهية خروج النساء في الزينة]</span>\nقوله [كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها] بإضافة الظلمة إلى يوم، ولا يبعد قطعها عن الإضافة بحمل التنكير على التعظيم والتهويل، فكأنها لما أبرزت ما كان حقها أن يخفى من زينتها ونفسها تجازي عليه يوم القيامة بأن تخفى غاية الإخفاء، ومعنى قوله ظلمة يوم القيامة الظلمات الشديدة المتراكمة، كما قال تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ وقوله: لا نور لها، هو على معناه أو يعني لا حجة ولا عذر ولا برهان لها في ذلك الخروج يسمع ويعتبر فتعذر بها. قوله [وغيرة الله، إلخ] وإنما احتيج إلى تفسيرها لأن الله تعالى متعال عن أن يتأثر بشيء والغيرة هي التأثر فأريد بها ههنا معناها اللازمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>[باب في كراهية أن تسافر المرأة وحدها]</span>\nقوله [أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام] وفي بعض الروايات أقل من ذلك، فقال الإمام: (٢) إذا كان السفر ثلاثة أيام لا يجوز لها السفر بدون محرم خيف الفتنة أولًا لهذا الحديث ففيه إقامة للداعي مقام المدعو اعتبارًا للأعم الأغلب إذ لا خفاء أنها إذا سافرت ثلاثًا، فإنها لابد من أن تحتاج إلى إركاب وإنزال وقضاء حاجة إلى غير ذلك فتضطر إلى ملامسة الرجال الأجانب، وأما إذا كان السفر أقل من ذلك فالنهي منوط\n_________\n(١) وفي الحاشية عن اللمعات وجه المناسبة بين الجملتين أنه لما ذكر الفساد الذي يخرج من الدبر ويزيل الطهارة والتقرب إلى الله ﷿ ذكر ما هو أغلظ منه في ذلك.\n(٢) وحكى أبو الطيب: عن ابن الهمام قد روى عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهة الخروج لها مسيرة يوم لا محرم، انتهى.","vol":"2","page":258},{"text":"بالفتنة فإن خيف عليها الفتنة فإن خيف عليها الفتنة لا يجوز لها الخروج إلى مسجد فما ظنك بمسيرة يوم أو يومين وإن لم يخف لم تنه وعلى هذا فالروايات كلها صحيحة مفيدة معمول بها، قوله [لأن المحرم من السبيل] فلم يجب عليها الحج أصلًا حتى يجب الإيصاء وأهل الكوفة المذكورون في ذاهبي هذا المذهب غير أصحابنا، وأما عندنا فليس المحرم من السبيل لتفسيره ﵇ السبيل بالزاد والراحلة فهو شرط (١) للأداء فيجب عليها الإيصاء إذا لم تحج لفقد محرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>[باب في كراهية الدخول على المغيب </span>(٢)] قوله [قال سفيان فالشيطان لا يسلم] لأنه لا يصح إطلاق الشيطان بمعنييه على المسلم أي لا يصح إطلاقه بمعناه اللغوي وهو المتمرد البعيد عن الرحمة، وكذلك إطلاقه على المسلم بمعناه العلمي، وإذا كان كذلك فلا يصح إطلاقه ﷺ لفظ الشيطان عليه إذا أسلم فعلم أنه لم يسلم (٣) والجواب أنه باعتبار ما كان عليه أو صفة له باعتبار نوعه وحاصل الجواب (٤) أن إطلاقه عليه في الحديث مجاز باعتبار إطلاق اسم جنسه عليه أو باعتبار ما كان قبل أو الإسلام ههنا بمعنى الانقياد لا الاصطلاحي، قوله [إلا قالت زوجته] فإن الله عز وعلا يخبرها بإيذائها زوجها، فتقول ذلك وليس المعنى أنها ترى إلى زوجه كل حين فتعلم كل ما أذته امرأته وأخبر به النبي ﷺ لتعبير النساء فإن طعنة الضرائر أشد.\n_________\n(١) كما تقدم في أبواب الحج والمسألة خلافية تقدم شيء من ذلك في محله.\n(٢) بضم الميم جمع مغيبة من أغابت إذا غاب عنها زوجها يقال امرأة مغيبة ومغيب بحذف التاء وإثباتها ولعل ذلك لأنه من صفات النساء قاله أبو الطيب.\n(٣) ولذا فسره بقوله أسلم منه بصيغة المضارع المتكلم.\n(٤) وأجاب عنه أبو الطيب فقال قوله لا يسلم هذا هو العبادة وخرق العادة بالنظر إليه ﷺ والله قادر على كل شيء، انتهى.","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>أبواب الطلاق واللعان عن رسول الله ﷺ</span>\n[فقال هل تعرف عبد الله بن عمر] إنما قال ذلك ليعلم أني أعلم هذا الأمر حق العلم لكونه قد جرى على [قال فمه (١)] أي ما هو وماذا يفعل سوى الاعتداد أو المعنى أكفف عما سألت [أرأيت إن عجز] عن إتيان (٢) الخير وهو عدم المراجعة أو عدم التطليق في الحيض [واستحمق] فارتكب ما لم يسن له فهل يجعل مقولته تلك أي تطليقه بعجزه وحمقه لغوًا وهدرًا لا بل يعتد بتلك التطليقة، قوله [ثم ليطلقها] أي إن (٣) أحب التطليقة، قوله [يطلقها طاهرًا من غير جماع] لئلا يلتبس وجه العدة فإن قيل لما جاز الطلاق في وقت التيقن بالحمل فأي حرج في الطلاق وقت الاشتباه والتباس الحمل غاية الأمر أنها تكون حاملًا، فالجواب أن الطلاق بعد ظهور الحمل لا يضر لكون الزوجين عالمين حينئذ، وأما إذا لم يتبين وظنًا أنها ستفرغ عن عدتها في قليل وظهر خلاف\n_________\n(١) هي ما الاستفهامية أدخل عليها هاء السكت في الوقف مع أنها غير مجرورة وهو قليل، وقيل: الهاء منقلبة من الألف أو هي كلمة كف وزجر أي الزجر عنه واسكت، فإنه لا شك في وقوع الطلاق وكونه محسوبًا في عدد الطلاق إذ كونها تحسب منها أمر ظاهر لا يحتاج إلى سؤال سيما بعد الأمر بالمراجعة إذ لا رجعة إلا عن طلاق قاله أبو الطيب.\n(٢) قال أبو الطيب: إن عجز أي عن الرجعة أفلم تحسب حينئذٍ فإذا حسبت بدون الرجعة فتحسب مع الرجعة أيضًا إذ لا دخل للرجعة في إبطال الطلاق، انتهى.\n(٣) في الطهر المتصل أو في الطهر الذي بعد حيضة أخرى مختلف عند الأئمة بسطت في البذل.","vol":"2","page":260},{"text":"ذلك حتى طالت عليه العدة ففيه من المفاسد ما لا يخفى، قوله [يطلقها متى شاء] إلا أن السنة عندنا أن يطلقها عند كل شهر، قوله [لا يكون ثلاثًا للسنة إلا أن يطلقها واحدة] أي في زمان واحد ثم إن أراد إيقاع الثانية طلقها الثانية في طهر ثان، إن كانت من ذوات الحيض، وفي شهر ثان إن كان خلاف ذلك إلى آخر ما قالته الفقهاء في أسفارهم.\n\n[باب في الرجل طلق امرأته البتة (١)، قال والله قلت والله (٢)] أراد بها استيفان الخبر دفعًا لمظنة التهمة عن الرجل وبذلك يعلم أن المرجع في توكيد ما يظن من الأمور واستيقانها هو الحلف لا غير، قوله [أنه جعل البتة واحدة] أي بائنة كأنه نظر إلى أن الطلاق واقع بقوله أنت طالق أو طلقتك فلابد لقوله البتة من معنى لئلا يلزم الإلغاء فكان مفادها القطع والبينونة وهو في البائن لا الرجعى، قوله [وروى عن علي أنه جعلها ثلاثًا] ولعل منشؤه حمل البينونة على ما هو كمال فيها، قوله [قال بعض، إلخ] هؤلاء ومنهم الإمام رأوا أن ذلك اللفظ لا يحتمل العدد كما هو مبسوط في الأصول فكان محتملًا لفرد حقيقي أو حكمي والمثنى بمعزل عنهما إلا أن تكون المطلقة أمة فهي جنس طلاقها ثنتان، ولكن الواحدة في قول هؤلاء بائنة لا رجعية لئلا يلغو لفظ البتة، وإنما أدرجوا ما إذا نوى الاثنتين في نسق الواحدة لا الثلاث مع أن نسبة الثنتين إليهما على\n_________\n(١) بفتح المؤحدة والفوقية الشديدة أي يقول لامرأته أنت طالق البتة أو أنت البتة وهو مصدر بت بمعنى قطع منصوب بفعل محذوف أي قطعت الوصلة قطعًا أو بمعنى القاطع صفة الطلاق المقدر أو مصدر لفعل الطلاق بناء على اعتبار الطلاق قاطعًا قاله أبو الطيب.\n(٢) ولا يذهب عليك أن ما في سند هذا الحديث من قوله الزبير بن سعد تصحيف من الناسخ والصواب الزبير بن سعيد بالياء، كما في رواية أبي داود وابن ماجة والطيالسي وليس في الرواة أحد اسمه الزبير بن سعد.","vol":"2","page":261},{"text":"السواء لكون الواحدة فردًا كالثلاثة غاية الأمر أن الأول: حقيقي، والثاني: حكمي، لأن الفرد الحقيقي وهو الواحد حقيقة، والحكمي وهو الثلاث مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى وقرينة المجاز فيما يصار إليه نيته فلا مانع من الحمل عليه، وأما حملهما على معناهما فحمل اللفظ على ما لم يحتمله يعني أن تأثير النية إنما هو فيما هو محتمل اللفظ وههنا ليس كذلك فإن اللفظ الواحد لا يحتمل الاثنين فلم تصح منه الإرادة، قوله [وقال الشافعي إن نوى واحدة، إلخ] إنما كان الطلاق عنده رجعيًا لما أن البوائن عنده رواجع وهذا بحث أثبت في موضعه فكان الخلاف معه في موضعين في صحة الرجوع وصحة نية الثنتين فمعناهما وأثبتهما الشافعي -رحمه الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>[باب في أمرك بيدك]</span>\nقوله [ثم قال اللهم غفرًا (١) إلا ما حدثني، إلخ] استغفر الله عما بادر إليه لسانه من نفي الذاهب إلى الثلاث إلا الحسن، ولما كان قتادة حافظًا متقنًا لم يضر إنكار كثير في صحته، قوله [قال ثلاث] الظاهر أن هذا مرفوع قاله النبي ﷺ في جواب السائل عمن قال لامرأته أمرك بيدك ويمكن أن يكون اجتهادًا من أبي هريرة لما أنكروا من رفعه كما سيجيء فإنه لما رأى أن أمرك بيدك تفويض إليها أمر نفسها، فكما أن لها أن تطلق نفسها بواحدة فلها أن تطلقها بثلاث حكم بذلك، قوله [القضاء ما قضت] أي لها ما شاءت من الرجعى وغيره واحد وغيره، وذهب سفيان وأهل الكوفة، إلخ، يعني أنهم ذهبوا إلى أن الأمر منوط على رأيها بشرط الموافقة لرأي الزوج، وإن لم يكن له نية أو نوى واحدة فهي واحدة، ولا يخفى أن كل ما ذكر من مذاهب الصحابة في أمرك بيدك يمكن إرجاعها إلى مذهب الإمام من غير ارتكاب تكلف، وكذلك لا ينافي الرواية مذهبه بل هي إحدى شقوقه.\n_________\n(١) بفتح الغين المعجمة منصوب على المصدرية بمعنى المغفرة أي اغفر لي مغفرة أو أسألك مغفرة.","vol":"2","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>[باب في الخيار]</span>\nقوله [فاخترناه أفكان طلاقًا] ردت بقولها على بعض من يجيء مذهبه من أن الطلاق واقع على تقدير اختيار الزوج أيضًا، قوله [فروى عن عمر وعبد الله، إلخ] القول الأول من قولهما يوافق الذي ذهبنا إليه ووجه ذلك أنها لما اختارت نفسها فكأنها استبدت بها، وليس ذلك إلا في البائن دون الرجعى.\n\n[باب في المطلقة (١) ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة] قوله [قال عمر: لا ندع كتاب الله وسنة نبينا، إلخ] هذا يدل على أن عمر سمع من النبي ﷺ في ذلك شيئًا، وإن لم يذكره ههنا فكان كتاب الله (٢) مستدلًا في باب السكنى وسنة نبيه في إثبات (٣) النفقة أو يكون الحكمان معًا ثابتين بالنصين عنده، فكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة لما أن رواية عمر التي سمعها من النبي ﷺ وآية الكتاب قطعيتان فلا يترك العمل بهما بخبر الواحد، وبهذا يعلم أن مذهب عمر هو\n_________\n(١) اختلف فيه الأئمة، فقال بعضهم: لا نفقة لها ولا سكنى، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وأتباعهم، وقال بعضهم: لا نفقة لها ولها السكنى، وهو قول الشافعي والجمهور، وذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والثوري وأهل الكوفة من الحنفية وغيرهم إلى وجوب النفقة والسكنى، هكذا في البذل، وقريب منه ما حكاه المصنف.\n(٢) وهو قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية.\n(٣) قال أبو الطيب: لا ريب في أن قول الصحابي من السنة كذا رفع فكيف إذا كان قائله عمر، وفيما رواه الطحاوي والدارقطني زيادة قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول: للمطلقة ثلاثًا النفقة والسكى، فإن تعارض روايتهما روايته فأي الروايتين يجب تقديمها، انتهى.","vol":"2","page":263},{"text":"الذي ذهبنا إليه من ترك العمل بخبر الواحد إذا لم يمكن جمعه بكتاب الله تعالى بأحد الوجوه التي يجتمع بها، وقد ارتكب مثل ذلك الشافعي أيضًا في باب السكنى لما رأى من مخالفته بالكتاب، وأما فاطمة فلم يترك العمل بما سمعته من في النبي ﷺ لكونه قطعيًا في حقها وكان الحديث ناسخًا لحكم الآية في حقها ثم الاعتذار من الأحناف في حديث فاطمة أن النبي ﷺ إنما نفي الزيادة على أقفزة شعير وأقفزة بر أعطاها زوجها لكنها فهمت نفي النفقة رأسًا فعلمت وعملت وأفتت بحسبه وتأيد فهمها ذلك بقياس، كما هو مصرح في سنن أبي داود حيث عللت (١) وجوب النفقة بإمكان المراجعة فهي لما كانت مطلقة ثالثة الثلاث، كما هو مصرح في الروايات فظنت أنه لما لم يبق له حق في الرجوع لم يبق لها حق عليه إذ الغرم بالغنم، قوله [ولا طلاق له فيما لا يملك] أوردوه على مذهبنا وليس بوارد، فإن الجزئي الذي تكلموا فيه قوله إن نكحتك فأنت طالق وليس (٢) فيه إيقاع الطلاق فيما لا يملك إنما هو يوقع الطلاق حين يملك لا قبل ملكه فلا يخالف الحديث مذهبنا شروي (٣) نقير حتى يفتقر إلى تفتيش وتنقير.\n_________\n(١) ولفظ أبي داود مختصر وهو في إنكار مروان عليها، فقالت فاطمة: حين بلغها ذلك بيني وبينكم تاب الله قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى، ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قالت فأي أمر يحدث بعد الثلاث وأصرح منه ما في جمع الفوائد حيث ذكر اختلاف روايتها وفيه فقالت فاطمة: حين بلغها قول مروان فبيني وبينكم، القرآن لا تخرجوهن من بيوتهن الآية، هذا لمن كان له مراجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون لا نفقه لها إذا لم تكن عاملًا فعلى ما تحبسونها، انتهى.\n(٢) وبذلك أجاب ابن الهمام وغيره من مشايخ الفقه بالبسط ولا خفاء في أن التعليق غير التطليق.\n(٣) قال المجد شروى كجدوى المثل والنقير النكتة في ظهر النواة.","vol":"2","page":264},{"text":"قوله [في المنسوبة] يصح بالسين وبالصاد (١) لأن مآل المعنيين واحد، قوله [إنها تطلق] لعل ابن مسعود لو سئل عن غير المنسوبة لأجاب أيضًا على وفق مذهبنا، وكذلك ما ذكر بعد ذلك من المذاهب لا يخالف شيء منها مذهبنا والفرق تحكم.\nقوله [إذا وقت (٢) نزل] أي إذا لم يبين وقتًالا يقع الطلاق، وأما إذا قال لو نكحت في وقت كذا فهي طالق ينزل الطلاق بل نقول لا تعرض فيه عن غير الوقت فلا يخالف هذا المذهب مذهبنا شيئًا، وكذلك قوله: إذا سمى امرأة أو بلدًا إلى غير ذلك، وقد عرفت أن الفرق تحكم غير مبني على دليل [والعمل على هذا إسحاق في غير المنسوبة] أي لم يقل بوقوع الطلاق عليها، قوله [والعمل على هذا عند أهل العلم، إلخ] أي في العدة (٣) لا في الطلاق لأنهم اختلفوا فيه، قوله\n_________\n(١) قال أبو الطيب: المنصوبة المعينة من نصب إذا رفع لأن المعينة رفعت بالتعيين من حضيض الإبهام، وبالسين أي التي نسبت إلى قبيلة أو موضع وهو أظهر.\n(٢) بالتشديد أي إذا عين المرأة يقع الطلاق، وهو المشهور عن مالك، وقال أحمد والشافعي ومالك في رواية ابن وهب: لا يقع، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقع مطلقًا لأن التعليق بالشرط يمين فلا يتوقف صحته على وجود ملك المحل كاليمين بالله تعالى، قاله أبو الطيب.\n(٣) هذا غاية التوجيه من الشيخ لكلام المصنف وإلا فظاهره وهم لأنه بوب أن طلاق الأمة تطليقتان، ثم ذكر حديث الطلاق والعدة معًا فكان الوجه لمناسبة الباب بيان مذاهب الطلاق، قال المظهر بهذا الحديث: قال أبو حنيفة: إن الطلاق يتعلق بالمرأة، فإن كانت أمة يكون طلاقها اثنين سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وكذلك إن كانت المرأة حرة يكون طلاقها ثلاثًا، وقال مالك والشافعي وأحمد: الطلاق يتعلق بالرجل فطلاق العبد اثنان وطلاق الحر ثلاث، قاله أبو الطيب.","vol":"2","page":265},{"text":"[تجاوز الله عن أمتي ما حدثت (١) به أنفسها] هذا في الأقوال والأفعال أي فيما يتعلق وجوده بالفعل أو بالقول، وأما في الاعتقادات فلا تجاوز، وحديث النفس ما يلتذ بها النفس وتقر فيها، وأما الوسوسة والخطرة وهما ما لا قرار لهما ولا تمكن فتجاوز عنهما، قوله [ثلاث جدهن جد وهزلهن جد] العدد غير مانع عن الزيادة وتخصصها للاعتناء بشأنها، قوله [عبد الرحمن بن أدرك] غلط في جميع النسخ، وإنما هو بتقديم الراء (٢) على الدال [وماهك] غير منصرف لأنه عجمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>[باب ما جاء في الخلع]</span>\nقوله [أن تعتد بحيضة] ذهب (٣) بعضهم إلى\n_________\n(١) قال أبو الطيب هذا يدل على عدم المؤاخذة بحديث النفس قبل التكلم به وهذا لا ينافي ثبوت الثواب على حديث النفس أصلًا فمن قال إنه معارض بحديث من هم بحسنة فلم يعملها كتب له حسنة فقدوهم، بقي الكلام في اعتقاد الكفر ونحوه والجواب أنه ليس من حديث النفس بل هو مندرج في العمل وعمل كل شيء على حسبه أو نقول الكلام فيما يتعلق به تكلم أو عمل بقرينة ما لم تتكلم، وهذا ليس منهما وإنما هو أفعال القلب وعقائده ولا كلام فيه إلى آخر ما بسطه، ولفظ أنفسها منصوب على المفعولية ففي حدثت ضمير الفاعل راجع إلى أمتي أو مرفوع على الفاعلية فلا ضمير في حدثت.\n(٢) هكذا ضبطه أبو الطيب وضبط الشيخ سراج بتقديم الدال والأوجه الأول كما يدل عليه الترتيب في كتابي الحافظ التقريب والتهذيب من ترجمة عبد الرحمن بن اردك.\n(٣) اختلف في الخلع أنه فسخ أو طلاق، فقال أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى ومالك: أنه الطلاق البائن، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور إنه فسخ لا طلاق، وللشافعي قولان مثلهما، وقال الظاهرية: طلاق رجعي، كذا في البذل والتعليق الممجد.","vol":"2","page":266},{"text":"ظاهر هذا الحديث ولم يقل بأن الخلع طلاق والجواب أن التاء فيه ليست بتاء واحدة إنما هي لبيان الجنس فالمعنى أن طلاق الخلع عدته بالحيض والباحث على ذلك التأويل ما ورد أن النبي ﷺ قال الخلع طلاق وما استنبطوا حكم الخلع بالنص القرآني أيضًا يوجب ذلك، ولكن يشكل فيما ورد أن لفظ الحديث (١) حيضة واحدة أمرها النبي ﷺ أو أمرت وفي الثاني من السعة في التأويل ما ليس في الأول، وقد صححه المؤلف حيث قال: الصحيح أنها أمرت، وعلى هذا فيجوز أن يكون فعل غيره ﷺ فلا يتمشى حجة والجواب أن ذكر الوحدة مزيد من بعض الرواة ظنًا منه أن التنكير لذلك، قوله [وروى إلخ] أراد بإيراده تقييد (٢) ما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>[باب ما جاء في مداراة النساء]</span>\nالمداراة بذل الدنيا لإصلاح الدنيا أو بذل الدنيا لإصلاح الدين والمداهنة بذل الدين لإصلاح الدنيا، ثم مقصوده من إيراد الحديث ههنا تبيين أن مراده ﷺ بقوله استمتعت بها على عوج هو هذا المعنى لا المداهنة التي فيها إفساد لدينه، ثم في قوله كالضلع (٣) نكتة وهي أن حواء ﵍ خلقت من أعلى الأضلاع اليسرى من ضلع آدم ﵇ وأعوج الأضلاع أعلاها، فلما كان كذلك كان العوج ذاتيًا لهن، فلا يمكن إخراج أودها\n_________\n(١) أي في بعض طرقها، كما حكاها في البذل عن النسائي.\n(٢) يعني أن الحكم بالنفاق في الحديث السابق مقيد بما إذا سألت من غير بأس ولا يذهب عليك أن ذواد بن علية في سند بإسكان اللام بعدها موحدة، كما ضبطه السيوطي وغيره فما في النسخ من كتابة الياء غلط من الناسخ.\n(٣) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام واحدة الأضلاع والعوج بكسر العين ويفتح، وقيل الفتح في الأجسام والكسر في المعاني فالأنسب ههنا الكسرة قاله أبو الطيب.","vol":"2","page":267},{"text":"رأسًا فالمراد بقوله إن ذهبت تقيمها، الإقامة السوية التي لا تبقى بعدها تأود فكأنه قال إن إقامتها سواء غير ممكن، وإنما يؤدي إلى فراق وشقاق، وأما الاستمتاع بها على عوجها بإصلاح يسير حتى لا يزداد عوجها فممكن، ويشير إلى تأويلنا تنوين عوج فالمراد بالترك الترك عن إقامتها سواء لإقامته مطلقًا.\nقوله [فأبيت] إنما أبى على طلاقها مع ماله من صلاح ونبالة (١) ولأبيه من جلالة وإبالة لما علم أن الطلاق من أبغض المباحات فلا يقدم عليه من غير ضرورة شرعية واحتياج صريح، فكأنه لم يقدر (٢) أن يرجح أهون البليتين ليختارها هل هو ارتكاب هذا الأبغض أو المعاصاة على أبيه مع أن حبه إياها كان يحمله على الثاني ولو قليلًا مع أن تركه إياها وهو يهواها ويرضاها لا يخلو عن مفاسد ومضار فيلزم القرار على ما اختار منه الفرار فلذلك سأل النبي ﷺ ليعلم أيهما أهون فأمر النبي ﷺ بطلاقه إشارة إلى أن إطاعة الوالدين فيما لا يخالف الشرع واجبة، وقد علم النبي ﷺ أن عمر لا يأمره بطلاقها إلا وفيها ما يوجب ذلك إلا أن ابن عمر لا يتنبه له لفرط حبه إياها.\nقوله [لا تسأل المرأة طلاق أختها (٣)] هذا يشمل صورتين إذا سألت المخطوبة طلاق المنكوحة أو سألت المنكوحة طلاق ضرتها، وقوله ﷺ [لتكفئ ما في إنائها فيه] تعبير ما ليس فوقه من مزيد فكأنه عير بها الضرائر والنسوة\n_________\n(١) قال المجد النبل بالضم الذكاء والنجابة، نبل ككرم نبالة، وقال أيضًا أبل كنصر وفرح إبالة وإبلا حذق مصلحة الإبل والشاء وإبالة ككتابة السياسة، انتهى.\n(٢) أي لعدم علمه بالأرجح من هذين الأمرين.\n(٣) قال في الإرشاد الساري أختها في النسب أو الرضاع أو الدين أو البشرية والمراد الضرة، انتهى، قلت: والأولان يختصان بالاحتمال الأول من كلام الشيخ.","vol":"2","page":268},{"text":"لترجعن عن ذلك، فإن قول السائل لمعط كريم إذا أراد أن يعطى أحدًا لا تعطه بل اعطني وقاحة لا تخفى لا سيما عند العرب الذين هم فوارس ميدان السماحة والكرم وسابقو مضامير الأنعام بأصناف النعم، ثم قوله لتكفي ما في إنائها محتمل لمعنيين على حسب ما مر إذ السؤال إن كان بطلاق المنكوحة التي هي ضرة السائلة فالإكفاء للنصف الذي كان لها، وأما النصف فللسائلة من غير طلاق، وإن كانت السائلة مخطوبة بعد فالإكفاء لجميع ما كان في إناء المنكوحة فافهم وتشكر، ثم المراد به هو إكمال كما هو الظاهر ولا يبعد أن يكون كناية عن الوطى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>[باب ما جاء في طلاق المعتوه </span>(١)] المراد بالمعتوه ههنا المجنون (٢) لا المعنى المشهور، وهو الذي ليس برشيد وليس له كثير تجربة وخيرة وبصيرة في الأمور، ثم إن الحكم يتناول النائم والمغمى عليه والمصروع حيث لا يقع طلاقهم وربما يتوهم أن لا فرق بين هؤلاء وبين السكران (٣) والجواب أن عوارض هؤلاء سماوية وسببه مكتسب منه ومع ذلك فهو معصية، والنوم وإن كان ظاهر الأمر أنه مكتسب واختياري إلا أن الأمر عند التأمل يظهر بخلافه،\n_________\n(١) قال في النهاية: هو المجنون المصاب عقله، وقيل: المراد بالمغلوب السكران قاله أبو الطيب.\n(٢) ولا يقع طلاق المجنون إجماعًا، حكى الإجماع عليه العيني وغيره.\n(٣) قال الحافظ: ذهب إلى عدم وقوع طلاق السكران، عطاء وطاؤس وعمر بن عبد العزيز، وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزني، واختاره الطحاوي، واحتج بأنهم أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع، قال: والسكران معتوه بسكره، وقال: بوقوع الطلاق طائفة من التابعين كالزهري والحسن، وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة، وعن الشافعي قولان المصحح منهما وقوعه، والخلاف عند الحنابلة، لكن الترجيح بالعكس، انتهى.","vol":"2","page":269},{"text":"ثم قد يشكل أن المسافر إذا قصد بسفره معصية كالسرقة وقطع الطريق تناولته رخصة القصر فما بال السكران لم يصفح عنه فيما بدًا منه بعد خروجه عن اختياره والعلم بحاله، وإن كان الأمر قد نيط ههنا بمعصية مع أنه لا يظهر بينه وبين المسافر فرق في أنه لم يخرج مسافرًا إلا لمعصية كالسكران لم يذهب عقله إلا لمعصية (١).\n\n[باب] قوله [قالت كان الناس] خبره محذوف دل عليه الحال الآتية والواو في جملة والرجل (٢) إلخ حالية، قوله [فاستأنف الناس الطلاق] مستقبلًا من كان طلق ومن لم يكن طلق يعني لما نزل أن المرأة إذا طلقت ثلاثً تكون حرمته غليظة ثم لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره فاستأنف الناس حساب الطلقات من هذا الآن، ولم يعتبر بما طلقوا قبل نزول الآية من واحد إلى مائة وفيه دلالة على إهدار تصرفات الجاهلية، ولذلك لم يسأل النبي ﷺ من أين اكتسب أمواله مع أن المقامرة والربا كانا شائعين بينهم، وعلى هذا قلنا: إذا أسلم الرجل، وكان قد اكتسب أموالًا بوجوه هي محرمة كالربا والمقامرة كان حلالًا عندهم، وهو حرام عندنا، طاب له كل ما عنده ولم يؤمر برد شيء منه ولا بتصدقه، قوله [ولا نعرف للأسود] فالظاهر منه الانقطاع، قوله [وسمعت محمدًا، إلخ] فلما لم يدرك الأسود زمانه ﷺ ولم يعش أبو السنابل بعده ﷺ فتحقق بذلك الانقطاع في الإسناد ثم إنه مع هذا كله معمول به.\n_________\n(١) هكذا في هامش الأصل اكتفى فيه بالإشكال ولعله أراد كتابة الجواب بعد ذلك ولم يتفق له، وأجاب عنه في تقرير مولانا رضى الحسن المرحوم بأن مناط الرخصة في السفر هو وجود السفر وهو متحقق في حالة المعصية وغيرها والمؤاخذة على المعصية أمر آخر باق عليه ومناط التطليق ههنا هو وجود هذه الألفاظ وهو متحقق ههنا فنيط الحكم به فتأمل.\n(٢) وقال أبو الطيب: والرجل بالواو في أكثر النسخ والأقرب أن الواو زائدة في خبر كان ثم بسط الكلام على الواو الزائدة.","vol":"2","page":270},{"text":"قوله [فقال ابن عباس تعتد، إلخ] لكنه لما سمع الحديث رجع عن مذهبه ومن ذهب (١) إلى كون عدتها أبعد الأجلين، فإنما ذهب لعدم علمه بالتاريخ حيث لم يدر أن أولات الأحمال، الآية متأخرة في النزول عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية، وعن قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية، ولعدم بلوغ الرواية المذكورة (٢) ههنا.\nقوله [صفرة خلوق] بإضافة أو بغيرها، والثاني أولى فيكون بيان الطيب، قوله [قال] أي حميد بن نافع [قالت زينب دخلت، إلخ] أول الأحاديث الثلاثة وقالت زينب فدخلت على إلخ، ثانيها: وقال زينب وسمعت، إلخ، ثالثها: وقوله [لا مرتين أو ثلاثًا] بيان لما مر من سؤال السائلة فالمعنى أنها سألت ثلاثًا، ولم يجب كما أجاب من المداواة بالصبر وغيره في الأسولة الآخر لما علم من عدم احتياجها إلى حد الضرورة وتيقن من قلة مرضها لا لحيث يباح لها التكحل، وأما أمثال هذه فيجوز للمعتدة أن تستعمله ليلًا وتغسلها نهارًا إذا لم يجزها شيء غير المنهي عنه أي إذا تعين للمداواة من غير حرج، قوله [ترمي بالبعرة] بينه في الحاشية (٣) وكانت الدابة الممسوحة بالفرج قلما تحيى ولعل السبب في موتها\n_________\n(١) وكان فيه خلاف الصحابة والتابعين ولم يبق فيه الخلاف بين أئمة الأمصار وحكى عن سحنون من المالكية أنه يقول بقول علي ﵁ يعني أنها تعتد أبعد الأجلين، قال الحافظ: وهو مردود لأنه أحدث خلاف بعد استقرار الإجماع كذا في البذل.\n(٢) أي الرواية التي ذكرت ههنا وهي رواية قصة سبيعة لم تبلغ إليه.\n(٣) وما في الحاشية لعله مأخوذ من رواية أبي داود، فقد أخرج أبو داود هذا الحديث برواية القعنبي عن مالك وزاد في آخره قال حميد فقلت لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول، فقالت: كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشًا وليست شر ثيابها ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة ثم تؤتي بدابة حمار أو شاة أو طائر فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره.","vol":"2","page":271},{"text":"ما يحدث في المرأة من السمية لعدم الاغتسال وعدم خروجها في الفضاء والمكان الواسع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>[باب في المظاهر بواقع قبل أن يكفر]</span>\nقوله [كفارة واحدة] هذا موافق لمذهبنا (١)، وهو القياس فإن الجناية ليست إلا عود المظاهر لما قال، كما قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وأما جنايته (٢) التي جنى بالوقاع قبل حلول أجله فلا ريب في الجناية، وأما وجوب الكفارة فلا يثبت من غير دليل، قوله [ما حملك، إلخ] إنما اضطره إلى التصريح بسببه الذي أوقعه في ذلك ليعلم بذلك أن الحكم لا يتفاوت فيما إذا كان قصدًا أو سهوًا، فإنه لما لم يجب عليه الكفارة أي كفارة أخرى سوى الأولى مع ارتكابه ذلك عالمًا قاصدًا فعدم الوجوب على الناسي والساهي والخاطي أولى، قوله [أحد بني بياضة] بطن (٣)\n_________\n(١) وهو مذهب الأئمة الأربعة، وحكى الشوكاني عن الحسن وإبراهيم أنه يجب على من وطى قبل التكفير ثلاث كفارات وما حكى عن أبي يوسف من سقوط الكفارة إذ ذاك لم نجده في كتبنا وعن عبد الرحمن بن مهدي كفارتان كذا في البذل.\n(٢) يعني كون العود قبل التكفير جناية مستقلة بلا شك لكن وجوب الكفارة لا يكون في كل جناية بل في موضع ثبت لا غير والثابت ههنا وجوب الكفارة على العود لا على التقديم.\n(٣) قال الحافظ في الإصابة: كان يقال له البياضي لأنه كان حالفهم أخرجوا له حديث الظهار، قال البغوي: لا أعلم له حديثًا مسندًا غيره كذا في البذل.","vol":"2","page":272},{"text":"من الأنصار، قوله [يأخذ خمسة عشر] استدلت (١) الشافعية بهذا في مقدار الطعام ولنا ما في الروايات الأخر (٢) وزيادة الثقة مقبولة عند الكل مع أن المد من التمر بعد فصل النوى منها لا يكاد يشبع جائعًا والصاع أربعة أمداد ولعل الطعام كان في أوان شتى فذكر بعضهم بعضًا والبعض الآخر بعضًا آخر ومن جمعها سمى كل المعطى وعلى هذا فلا يبقى تفاوت في معنى الروايات أو يكون أعطاه بظرف مرارًا فمن روى خمسة عشر اقتصر على ذكر الظرف ولم يعتن بمقدار المظروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>[باب في الإيلاء]</span>\nقوله [آلى رسول الله ﷺ] فيه إطلاق الإيلاء على غير اصطلاح (٣) أهل الفقه لأنه إنما كان شهرًا فقط، وكان سبب الإيلاء سوالهن زيادة في النفقة ولم يكن عنده شيء، قوله [وحرم] أي المارية والعسل وقصة المارية والعسل مشهورة وفي كتب الحديث والتفسير مذكورة، قوله [فجعل الحرام] حلالًا ظاهره أن الفاء للتعقيب، كما هو أصله فالمعنى أنه آلى وحرم ثم استحل ما حرم (٤) وكفر يمينه، والمراد باليمين التوكيد في تحريم ما حرمه\n_________\n(١) قال القاري في شرح النقاية: إن عجز المظاهر عن الصوم أطعم ستين مسكينًا قدر الفطرة، نصف صاع من بر أو صاعًا من تمر، وقال الشافعي: يطعم مدًا من غالب قوت البلد من الحبوب وقال مالك: يطعم مدًا بمد هشام، وهو مدان بمد النبي ﷺ، وقال أحمد: يجب من البر مد ومن التمر مدان، انتهى.\n(٢) منها ما سيأتي في التفسير من قوله وسقا.\n(٣) ففي التعليق الممجد اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه لو حلف أن لا يقرب أقل من أربعة أشهر لا يكون موليًا، انتهى ثم حكى فيه خلاف بعض السلف.\n(٤) أي من العسل والمارية، وأما مدة الإيلاء فأتمها رسول الله ﷺ شهرًا كاملًا، كما ورد في كتب الحديث.","vol":"2","page":273},{"text":"لا اليمين (١) العرفي لأنه لم يكن حلف، قوله [فهي تطليقة (٢) بائنة] وفسروا قوله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فإن فاءوا في أيام التربص فكذا ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فلم يفيئوا فكذا وهو أوفق بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما فيه من نقض ما حلفوا عليه من عدم القربان أربعة أشهر بخلاف ما فسروه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>[باب في اللعان]</span>\nقوله [سئلت عن المتلاعنين] هل يحتاج إلى تفريق القاضي أم اللعان نفسه تفريق، قوله [إمارة هي] بكسر الهمزة، قوله [مكان] أي من مكاني يعني لم أشتغل بشيء آخر، وإنما ذهبت إلى منزل، إلخ، قوله [ما جاء بك إلا حاجة] أي غير الملاقاة والزيارة، واستدل على ذلك بالإتيان في غير وقته فلم يرض بالقيلولة عن قضاء حاجته [قال فسكت النبي ﷺ] لما لم يعلم حكمه أو علم أن صورة المسألة فرضية وعلى هذا فالسكوت لغلبة الغضب، واختلفت الروايات ههنا والظاهر أنه سأل حين ابتلى لكنه ﷺ لما لم يعلم بابتلائه سخط عليه فلما وقف السائل على أنه ﷺ ظن ذلك قال يا رسول الله ﷺ إني قد ابتليت بما سألت فكأنه اعتذر بأن صورة المسألة واقعة، ولكن هذا المقام يحتاج إلى تفتيش، فإن بعض ألفاظ أحاديث مسلم أو البخاري آب عن ذلك، والجواب أن هذا التأويل وإن لم يجر ثمة فهو جار ههنا، قوله [أخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة] عنى به ما يلزم الرجل من حد القذف لو نكص بتذكيره ذلك عن اللعان، قوله [وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة] عنى به ما يلزم من حد الزنا لو رجعت عن العان وأقرت بالزنا على نفسها، قوله [ثم فرق\n_________\n(١) وهو مختلف عند شراح الحديث هل كان اليمين هو التحريم فقط أو كان فيه الحلف الاصطلاحي أيضًا.\n(٢) تكون بنفس حتى المدة وعند الأئمة الثلاثة لا بل يوقف حتى يطلق أو يفيء.","vol":"2","page":274},{"text":"بينهما] هذا ظاهر فيما قلنا (١)، قوله [والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم] أي في صفة اللعان وحكمه، وأما في الاحتياج إلى التفريق وعدم الاحتياج فاختلاف بينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>[باب أين تعتد المتوفى عنها]</span>\nقوله [بطرف القدوم (٢)] أي ناحيته وجانبه، قوله [نعم] أما أنه ﷺ قال ذلك اجتهادًا ثم أدى رأيه على خلاف ذلك ووجه الاجتهاد الأول أنه فهم من سؤاله أن البيت الذي كان يسكنها زوجها لم يكن مملوكه وليست لها نفقة حتى تستأجرها فأمرها بالخروج، ثم لما علم أن المالكين لعلهم لا يخرجونها ولا يطالبونها بأجرة البيت، فلذلك منعها من الخروج أو كان الحكم الأول اجتهادًا، والثاني وحيًا، أو لأنه كان مشتغلًا في أمر فلم يتفهم القضية، والأول أولى، قوله [في الحجرة] أي صحن الدار، قوله [فقال كيف قلت] أعاد السؤال دفعًا لتوهم الغلط، قوله [لم يروا للمعتدة] أي من غير عذر ودلالة الرواية على ذلك ظاهرة، قوله [أصح] لموافقة الحديث المذكور من قبل هذا، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وهو المسؤول لحسن الثواب.\n_________\n(١) من أنه يحتاج إلى تفريق القاضي فعندنا لا تقع الفرقة ما لم يفرق القاضي وهو رواية عن أحمد، وقال زفر تقع بنفس تلاعنهما، وهو المشهور من مذهب مالك ويروى عن أحمد، وقال الشافعي: تقع الفرقة بلعان الزوج، كذا في شرح النقاية، وسيأتي شيء من ذلك في تفسير سورة النور.\n(٢) حكى أبو الطيب عن شرح الموطأ بالتخفيف والتشديد موضع على ستة أميال من المدينة، انتهى.","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>أبواب البيوع عن رسول الله ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>[باب في ترك الشبهات]</span>\nقوله [الحلال بين] إما بنفسه أي بأحد النصين أو بعد اجتهاد المجتهدين، وكذلك الحرام [وبينهما مشتبهات] وهي الأمور التي لم يفصل فيها الأئمة الأعلام لخفائها أو لعدم وقوعها في زمانهم فاختلفت فيه أقوال من بعدهم والظاهر أن الأمر بتركها إذا كان له بد منها وإلا فلا خلاص من الارتكاب [فمن (١) تركها اسبراء لدينه وعرضه] أما استبراء الدين في تركها فظاهر فإنه لما ارتكبها مع الاختلاف في حرمتها ودقة حكمها فلعله ارتكب الحرام فيما بينه وبين الله وفي نفس الأمر وإن لم يكن فيه هلاكه لعدم الحرمة الصريحة، وأما استبراء عرضه فلما كان فيه اختلاف فمن حاكم بجوازه ومن مستيقن بحرمته فمن كان من الفصل الثاني يعنفه ويطعن فيه ولعل منهم قاض أو مفت يجري عليه ما لا يرضى به.\nقوله [ومن واقع شيئًا منها يوشك، إلخ] لما وجد في ارتكابه الشبهات من جرأة حاملة له على ما هو فوقها ثم شبه النبي ﷺ ذلك بما يناسب حالهم وهم أكثر علمًا به من غيرهم، فقال: كما أنه، إلخ، يعني أن من أبعد سوائمه من\n_________\n(١) ويشكل على الحديث ما ورد مرفوعًا: الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عفو، وجمع بينهما بوجوه منها أن هذا من باب الفقه وحديث الترمذي من باب الورع والأوجه في الجواب أن المسكوت عنه غير المشتبه فالمراتب أربعة الحلال والحرام وهما بينان، والمسكوت عن الذي لا يوجد فيه دليل الحلة ولا الحرمة فهو معفو أصالة الإباحة والمشتبه الذي يوجد فيه دلائلهما معًا فيترك ترجيحًا للحرمة.","vol":"2","page":276},{"text":"الحي تباعد من الذم ومن رعاها حول الحمى قريبًا منه بحيث إذا نفر أبله قليلًا دخل في الحمى استحق العقاب والندم فكان النبي ﷺ أثبت للمشتبهات شبهًا بالحلال وشبهًا بالحرام لمكان الاختلاف والاشتباه فيها، فكذلك الجدار الذي حول الحمى فيه شبه بالخارج وشبه بالداخل، وأما الطرف الداخل منه فلا ريب في أنه حمى وإنما الكلام في الطرف الخارجي منه فإن للمرء رعى أبله عليه إلا أن فيه له خطرًا من الدخول في الحمى لقربه منها حينئذ أقرب ما يكون، قوله [وإن حمى الله، إلخ] بين بذلك جل المراد من التشبيه المتقدم أن الذي يجب على المرء التحفظ منه والتباعد هي محارمه ومنهياته ومن ههنا يستنبط قول الفقهاء إذا اجتمع المحرم والمبيح رجح المحرم ثم إن لذرك الحديث ههنا مع مناسبته لجميع الأبواب السابقة وجريه فيها سببًا، وهو الاهتمام بشأن المعاملات لما يعسر على الناس بمقتضى طبائعهم الحريصة الاحتياط فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>[باب في آكل الربا]</span>\nقوله [آكل الربا وموكله] والمساواة، إنما هو في نفس اللعن وإلا فمراتب اللعن تتفاوت حسب تفاوت مراتب الجناية وظاهر أن جناية الشاهدين أقل من جناية الآكل والموكل، ويدخل في حكم الربا سائر العقود الربوية والبيع الفاسد بأقسامه، ولا يدخل على الحنفية إثباتهم الملك بها فإنهم لم ينكروا الحرمة، قوله [وقول الزور] أراد به خلط الأمر، وذلك ليعم الكذب واليمين الكاذبة وغيرهما، ثم أن ذكر المؤلف قول الزور في الترجمة بعد الكذب لا يستلزم تكرارًا على هذا التفسير وإن أريد به المعنى المشهور وهو الكذب نفسه كان ذكر الكذب والزور على سبيل العطف التفسيري، وإنما أورد الباب ههنا لمسارعة التجار إلى الكذب والتزوير، ثم إن الكذب ليس فيه قبح لذاته (١)، فالكذب الذي فيه إيذاء لمسلم أو أخذ لحقه وأمثال ذلك فهو\n_________\n(١) هذا مشكل لا سيما لما سيأتي من كلام الشيخ أيضًا أن ما ليس فيه نفع لمسلم فهو أيضًا مكروه فإنه دليل على القبح مطلقًا اللهم إلا إن يقال إن المراد بالقبح الذاتي هو الحرمة الذاتية فهو مكروه مطلقًا لذاته وحرام لعارض، كما هو واجب لعارض.","vol":"2","page":277},{"text":"حرام من جملة الكبائر، وإن كان غير ذلك وليس فيه نفع لمسلم فهو مكروه تنزيهًا، وإن كان فهو حسن ينبغي له أن يرتكبه، ثم الأحسن في تفسير الكبيرة ما توعد عليه بالنار، وهو مأثور عن ابن عباس.\nقوله [نحن نسمي السماسرة وكانوا كذلك] أو كانوا تاجرين، ولكن لفظ السماسرة قد كان شاع بينهم إطلاقه فبدل النبي ﷺ اسمهم بالتجار، وإطلاق التجار يصح عليهم ولو كانوا دلالين، لأن الدلال إما وكيل البائع أو وكيل المشتري وكل منهما بائع، وإن أريد بالتجارة أخذ النفع كان إطلاقه عليهم أظهر ولم يرتض لهم النبي ﷺ باسم السماسرة لما فيه من إبهام فخش لأن كل وسط بين الاثنين فهو سمسار، قوله [فشوبوا بيعكم، إلخ] ليس المراد ارتكاب الإثم والصدقة إنما المراد أن يجتنبوا من الإثم ما استطاعوا ثم يتصدقوا لما يقع فيه من فضول الكلام وغيره وليس المعنى أن ما أخذوا من مال الغير أو ارتكبوا من العقود الربوية تكفره الصدقة وتحل له المال، كيف وذلك لا يمحي عنه ما لم يؤده إلى المالك أو لم يستحله منه بل المراد تكفير بعض ما يبدو منه غير ذلك ولعل الوجه اعتياد النفس بالمسامحة في العقود إذا اعتاد الصدقة مع أنه لو وضع على نفسه على كل صفقة مقدارًا من الصدقة كان أدعى للبركة في ماله وفي بيعه وأيضًا ففيه تكفير لبعض ما بدرت إليه يداه والله أعلم، قوله [الصدوق] ظاهر [والأمين] الناصح لأخيه المسلم ومتتبع لنفعه كما يتتبع حظ نفسه وكونه مع النبيين، إلخ، لا يستلزم كونه في مرتبتهم، وإنما المراد مجرد المعية، وكذلك حيث ورد أنه في درجتهم (١) وكفى بها فضلًا والسبب في الوعد بهذه المرتبة العليا تعسر الصدق والأمانة على الناس.\n_________\n(١) يعني كما يكون الخادم مع مخدومه في مكان واحد ودرجة واحدة.","vol":"2","page":278},{"text":"قوله [إل المصلى] وكان هناك سوق في زمان النبي ﷺ ثم تغير الأمر، [قال المنان] لأن الصدقة لما كانت تقع في يد الرحمن فكان منته على الفقير آئلًا إلى الامتنان عليه تعالى [المسبل إزاره] إن كان تكبيرًا فظاهر وإن كان للزينة فللتشبه بهم [اللهم بارك لأمتي، إلخ] هذا يعم كل أمر من مشاغل دينه ودنياه.\n\n[باب ما جاء في الرخصة (١) في الشراء إلى أجل] إما أن يشتري مطلقًا عن ذكر النسيئة والنقد ثم بعد انعقاد البيع بين أنه يؤدي الثمن بعد أجل وهذا لا فساد فيه سواء كان الأجل معينًا أو غير معين، وأما من يشتري ببيان أنه يؤدي الثمن بعد أجل فإن سمى أجلًا معينًا جاز وإلا كان العقد فاسدًا لما أن التأجيل في قسمي الشق الأول عدة ومنة من البائع بعد تمام العقد فيصح، وفي الثاني مدرج في الثمن، فالأجل منضمًا إلى دراهم ثمنه ثمن فإن كان الأجل معينًا لا فساد فيه وإلا فالعقد فاسد لجهالة بعض الثمن، قوله [فكان إذا قعد فعرق ثقلًا عليه] الظاهر من الثقل ثقل الوزن ولا يبعد أن يراد به أن ذلك كان يثقل على طبيعته الشريفة للطاقة مزاجه ولا ينافيه ما ثبت أنه ﷺ لم يكن لعرقه رائحة تكره بل كان من أطيب الطيب، وذلك لأن تطيبه لغيره لا يقتضي أن لا يكون الثوب بعد ابتلائه به ثقيلًا على طبعه، وإن كان لغيره أطيب وأنظف، قوله [بمالي أو بدراهمي] شك من الراوي، قوله [آداهم] بهمزة ممدودة من الأداء وهو شدة المراعاة كقوله الذيب ياد وللغزال يأكله، وإن كان يمكن أن يكون من المزيد فإن كثيرًا من أفعل التفضيل وغيره ورد على خلاف القياس، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ إلا أن أحدًا من أئمة اللغة لما لم يصرح بضبطه، كذلك حمل على ما نقل عنهم.\n_________\n(١) أكثر المحدثين يبوبون بمثل هذه الترجمة لما أن الروايات في الوعيد في الدين كثيرة فكانت موهمة لأن لا يجوز الشراء نسبة لا سيما إذا لم يضطر إليه لما فيه من اختيار الدين.","vol":"2","page":279},{"text":"قوله [وقد رواه شعبة أيضًا] أي كما رواه في الإسناد المتقدم يزيد بن زريع فكانا آخذين من عمارة، قوله [سمعت محمدًا، إلخ] هذه مقولة الترمذي، وقوله حرمى بن عمارة بتشديد الياء أراد شعبة بذلك تعظيم أستاذه (١) الذي أخذ منه هذا الحديث بتقبيل ابنه وتعظيمه، ولعله كان يتلمذ (٢) على شعبة كما يشير إليه لفظ: وفي القوم، وليس الحرمى نفسه راويًا للحديث كما زعمه المحشى [قال] أي أبو داود [وحرمى في القوم قوله توفى النبي ﷺ، إلخ] يعني أن الاشتراء إلى أجل جائز سواء وثقه برهن وغيره أو لم يوثقه، وقوله توفى مشيرًا إلى أنه آخر الأمور عن النبي ﷺ فلا يتوهم النسخ.\nقوله [وإهالة (٣) سنخة] متغيرة أشار بذلك إلى افتقاره إليه فإنه مع وفور لطافة مزاجه لما قبله وأتى (٤) به الصحابي كان دليلًا على افتياقه (٥) إليه وأيضًا ففيه دلالة على ما كانت عليه الصحابة من الزهد في الدنيا إذ لو كان عنده شيء سواه لأتى به ولم يستأثر به نفسه عليه ﷺ، قوله [ولقد سمعته، إلخ]\n_________\n(١) تعظيم ابن الشيخ من توقير الشيخ.\n(٢) فإنه عد الحافظ شعبة في شيوخ حرمى هذا.\n(٣) قال المجد الإهالة الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت وكل ما ائتدم به وفي المجمع هي بكسر همزة الشحم المذاب، وقال العيني: بكسر الهمرة وتخفيف الهاء ما أذيب من الشحم والألية، وقيل كل وسم جامد، وقيل ما يؤتدم به من الأدهان وسنخة بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة أي متغيرة الريح، ويقال زنخة أيضًا بالزاي موضع السين، انتهى.\n(٤) الظاهر أنه عطف على قبله وداخل في الشرط والسبب لذكره أن إتيان الصحابي بذلك مع علمه بلطافة مزاجه ونفرته عن الروائح الكريهة أوضح دليل على شدة الاحتياج.\n(٥) قال المجد افتاق افتقر.","vol":"2","page":280},{"text":"قائله أنس (١) وقول النبي ﷺ ذلك لم يكن إلا ليعلمهم الصبر، كما صبر سيد الكونين وتشكر، فإنهم لما لم يجدوا شيئًا وكانوا خفاف الحاد كان سهلًا فإن النبي ﷺ مع كثرة عياله وأهله ما أمسى عنده قوت، وقوله: ما أمسى إلى قوله نسوة، من ألفاظ النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>[باب في كتابة الشروط]</span>\nقوله اشترى لعل البيع كان بيع مقايضة فيصح على كل من المتعاقدين إطلاق البائع والمشتري وسبب ذلك التكلف أن العلماء متفقون (٢) على أن النبي ﷺ لم يبع بعد الهجرة شيئًا والمراد به البيع بأحد النقدين، وأما مبادلة العروض فكان جاريًا ولا يلزم فيه شيء، وما قال بعضهم أن اشترى ههنا بمعنى باع فلا يناسبه كتابة الشروط وكون الصك مع العداء فإنه لو كان كذلك لكان الكاتب هو العداء لأنه البائع حينئذٍ ولكان النبي ﷺ صاحب صك وكان عنده (٣) لأعداء فتأمل، قوله [لا داء] أي من الأدواء الظاهرة الجسمية [ولا غائلة]\n_________\n(١) هو مختلف عند شراح البخاري وما أفاده الشيخ هو مختار الحافظ في الفتح إذ قال هو كلام أنس والضمير في سمعته للنبي ﷺ قال ذلك لما رهن الدرع مظهرًا للسبب في شرائه إلى أجل وذهل من زعم أنه كلام قتادة وجعل الضمير في سمعته لأنس لأنه إخراج للسياق عن ظاهره بغير دليل، انتهى، قلت: والمراد بمن ذهل الكرماني واختار العيني قوله.\n(٢) والروايات مختلفة فأخرجه البخاري تعليفًا هذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه سولم من العداء بن خالد الحديث، قال الحافظ: هكذا وقع هذا التعليق، وقد وصل الحديث الترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم كلهم اتفقوا على أن البائع النبي ﷺ والمشترى عداء عكس ما ههنا، فقيل: ما ههنا مقلوب، وقيل: هو صواب وهو من الرواية بالمعنى لأنه اشترى وباع بمعنى واحد، انتهى، قلت: وإطلاق أحدهما على الآخر شائع.\n(٣) عطف على النبي أي وكان حق الصك إذ ذاك أن يكون عند النبي ﷺ لا عند عداء.","vol":"2","page":281},{"text":"أي الاعترار ونقصان الثمن [ولا خبثته] أي خباثة باطنية كالزنا والسرقة وغير ذلك [بيع المسلم المسلم] خبر محذوف المبتدأ أو مع حرف تشبيه أيضًا، وهذا إشارة إلى أن مبايعة المسلمين يكون كذلك ومن خالفه فقد خالف اقتضاء الإسلام مقدار ما خالف والله أعلم بحقيقة الحال وعليه التوكل في المبدأ والمآل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>[باب في المكيال والميزان]</span>\nقوله [قد وليتم أمرين] أي جعلتم مرتكبيهما لا أن أمرهما في أيديكم، قوله [الأمم السابقة] ووجه صحة الجمع كون أمة شعيب شعوبًا وقبائل ولعل العذاب نزل بذلك على غير قوم شعيب ممن ارتكب مثل ما ارتكبوا وإن لم يقص علينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>[باب في بيع من يزيد]</span>\nقوله [باع حلسًا، إلخ] كان لغيره ﷺ كما يرد تصريحه بتفصيل ما في بعض (١) الروايات فلا ينافي ما أمر من أنه ﷺ لم يبع بعد الهجرة شيئًا، قوله [هو أبو بكر الحنفي] أي مشهور به، قوله [في الغنائم والمواريث] هذا القيد (٢) اتفاقي.\n_________\n(١) فقد أخرجه أبو داود مفصلًا برواية عيسى بن يونس عن الأخضر بن عجلان عن الخثفى عن أنس أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله فقال: أما في بيتك شيء، قال: بل حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء، فقال: اثنتي بهما فأتاه بهما فأخذه رسول الله ﷺ بيده، وقال: من يشتري هذين، الحديث.\n(٢) وبذلك جزم ابن العربي إذ قال لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث، فإن الباب واحد والمعنى مشترك، وقال الحافظ: كان الترمذي يقيد بما ورد في حديث ابن عمر عند الدارقطني وغيره نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى يذر إلا الغنائم والمواريث وكأنه خرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع مزايدة وهي الغنائم والمواريث ويلتحق بهما غيرهما للاشتراك في الحكم، وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق فخصا الجواز ببيع المغانم والمواريث، وعن إبراهيم النخعي أنه كره بيع من يزيد.","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>[باب بيع المدبر]</span>\nقوله [فباعه النبي ﷺ] والجواب أنه كان مدبرًا مقيدًا أو استسعاه النبي ﷺ وكفل عنه نعيم بن النحام فسمى ذلك راوي الحديث بيعًا وشراء مجازًا، فإن الولي إذا دبر عبدًا وليس له سواه فمات (١) استسعى العبد في ثلثي قيمته لأن التدبير في حكم الوصية، والوصية لا تجري إلا في الثلث، وقد وجد العتق نفاذًا ولا يقبل الفسخ فلم يبق إلا الاستسعاء، وكذلك يستسعى العبد المدبر إذا مات المولى مديونًا، فإن قضاء الدين مقدم على الوصية أو كان أمر (٢) بيع المطلق في أول الإسلام ثم نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>[باب في كراهة تلقى البيوع]</span>\nيمكن أن يكون (٣) جمع بائع ووجه النهي عن تلقي الجلب تلبيس السعر عليهم أو إضرار أهل البلد إذا كانوا يضطرون إليه\n_________\n(١) وهذا التوجيه مبني على رواية الترمذي بلفظ مات والحفاظ سيما شراح البخاري صرحوا بأن قصة البيع وقعت في حياة المولى ولفظ مات في هذه الرواية وهم من ابن عيينة والأوجه عندي في الجواب عن الحنفية أنهم صرحوا بأن أحدًا من القضاة لو قضى ببطلان التدبير كان يكون شافعيًا فنفذ قضاءه فكيف بقضاء سلطان القضاة فتأمل فخاطري أبو عذره، وأورد عليه بأن سبب نفاذ قضاء القاضي كونه مجتهدًا فيه ولا يتمشى ذلك في حقه ﷺ والجواب سهل لكن أورد صاحب البحر على قولهم ببطلان التدبير بقضاء القاضي فارجع إليه.\n(٢) أي بيع المدبر المطلق والحاصل أن المدبر المقيد وهو من قال له المولى إن مت في مرضى هذا أو سفري هذا فأنت حر يجوز بيعه إجماعًا والمدبر المطلق كذلك عند الشافعي وأحمد، ولا يجوز عندنا ومالك إلا أنه يجوز عنده إذا كان المولى مديونًا قبل التدبير، كذا في البذل وبسط فيه دلائل الحنفية في ذلك.\n(٣) وقال العيني: أي أصحاب البيوع أو المراد بالبيوع المبيعات.","vol":"2","page":283},{"text":"وأما إذا لم يوجد الوجهان فلا كراهة، قوله [بالخيار إذ أورد السوق] أي إذا تحقق خداعًا فله أن يرافع إلى القاضي حتى يحكم بالفسخ أو يرضى المشتري من غير مرافعة بالنسخ، قوله [لا يبع حاضر لباد] له معنيان ما كتبه في الحاشية (١)، والثاني: أن يبيع الحضري بيدي البدوي ولا يبيع مع أهل الحضر وهم يحتاجون إليه وكراهته بمعنييه أيضًا منوطة بالإضرار [دعوا الناس] تتبيه على علة الكراهة ودفع لما عسى أن يتوهم من أن في بيع الحاضر للبادي نفعًا للبادي، وأما إذا باع البادي فإنه يبيع بأقل من الثمن الذي يبيع به الحاضر فكان ذلك ضررًا بالبادي بأن له نفعًا في ذلك لجهة أخرى وهو فراغه بأقل مما يفرغ فيه الحاضر وحصول القيمة مفيد له زيادة على ما يفيده المنفعة الكثيرة في المدة الكثيرة وفي ذلك نفع للمشترين، ومثل ذلك يقال على تقدير المعنى الثاني أيضًا، فإن الحضري إذا باع سلعته في المصر كان فراغه منها بأقل من زمان فراغه في القرى، وإن كان الربح الحاصل في الأول أقل أيضًا من الربح الحاصل في الثاني غير أن ذلك القليل أنفع من هذا الكثير، وأما إذا كان البدوي يغبن في البياعات وخيف تلبس السعر عليه إذا باع هو بنفسه فلا يبعد أن يكون بيع الحاضر له بأن يصير وكيل بيعه واجبًا عليه لأن في تركه ضررًا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>[باب في النهي عن المحاقلة والمزابنة </span>(٢)] قوله [سأل سعدًا عن البيضاء بالثلث] السلت قسم من الشعير له طرفان لا كطرفى الشعير ويكون أعلى أصناف الشعير لقلة القشور ونسبته إلى النبي ﷺ حيث يقولون له (جوييمبري) من جهل المسلمين فحسب، والسؤال (٣) عن سعد ينبغي أن يحمل على البيع نسيئة وإلا\n_________\n(١) أي أحدهما ما في الحاشية، وهو أن يأخذ البلدي من البدوي ما حمله إلى البلد ليبيعه بسعر اليوم حتى يبيع له على التدريج بثمن أرفع.\n(٢) وتفسيرهما مذكور في الكتاب.\n(٣) يعني أن السؤال عن سعد وجوابه واستنباطه من الحديث كلها محمول على النسيئة لأنها لو حملت على النقد لا يصح الاستدلال، فإن البيضاء والسلت جنسان والتمر والرطب جنس واحد، فكيف يصح قياس أحدهما على الآخر، وأما في صورة النسيئة فمدارها على القدر، وهو مشترك بينهما، أي بين المقيس والمقيس عليه فيصح الاستدلال ويؤيد ما أوله الشيخ زيادة النسيئة في رواية أبي داود في حديث سعد يقول نهى رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر نسيئة هذا ما أفاده الشيخ ويحتمل أن يكون السلت والبيضاء جنسًا واحدًا عند سعد، كما هو قول لأهل اللغة في ذلك ولا يجوز بيع الرطب مع التمر مثلًا بمثل عنده أيضًا، كما هو قول الجمهور، وعلى هذا فالاستدلال على عدم الجواز بمجرد كون أحدهما أفضل من الآخر مع اتحاد الجنس، كما قالوا في بيع الرطب مع التمر، ثم رأيت كلام شيخ مشايخنا الدهلوي في المسوي فحكى ذلك قولًا فقال: وقال بعضهم: البيضاء الرطب من السلت وهذا أليق بمعنى الحديث بدليل أنه شبهه بالرطب مع التمر ولو اختلف الجنس لم يصح التشبيه، انتهى.","vol":"2","page":284},{"text":"فلا يصح الجواب بالمنع ولا استدلاله بالحديث فإن بيع السلت بالبيضاء، وكذلك كل صنف من أصناف الشعير بكل صنف من أصناف الحنطة صحيح إذا كان يدًا بيد، لقوله ﵇ إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم، فإن قيل: هما واحد فجواز مبائعتهما نقدين (١) أظهر من أن يخفى، وكذلك إذا باع الرطب بالتمر فإنه جائز إذا كان يدًا بيد، وحاصله أن سعدًا إنما استدل بالرواية على المسألة التي سأل عنها بجامع أنهما كيليان وعلة النهي إنما هي الجنسية وكون البدلين مكيلًا أو موزونًا فإذا اجتمعا كان التفاضل والنسيئة حرامين وههنا لما لم يتحد الجنس حرم النسيئة كما حرم النسيئة في بيع الرطب بالتمر وتفاوت ما بين البيضاء والسلت ليس بأكثر من تفاوت الرطب بالتمر، فلما لم تجز النسيئة ههنا لم تجز ثمة، فأما إن حمل\n_________\n(١) المراد بالنقدين على الظاهر يدًا بيد.","vol":"2","page":285},{"text":"على اتحاد الجنس حتى عد التمر والرطب جنسًا والبيضاء بالسلت جنسًا كان النسأ فيهما أبعد عن الجواز لوجود علتي الحرمة كلتيهما، فأما قول النبي ﷺ أو ينقص إذا جف، فإما أن يكون بيانًا لما يقع في نصيب من أخذ الرطب بإيتاء التمر من النقيصة لأنه لما جفت الرطب فصارت صاعين بعد ما كانت ثلاثة آصع، وقد أدى إلى صاحبه ثلاثة آصع من التمر فضل لصاحبه فضل صاع، أو كان ذلك بيانًا لاتحاد جنسهما، فإن الرطب بعد جفافه يبقى تمرًا ويلزم فيه التفاضل أيضًا، وإذا صاروا جنسًا واحدًا كانت حرمة النسيئة أظهر وأيا ما كان [فقوله ﵇ هل ينقص (١) إلخ] تنصيص على علة النهي لا مجرد الاستفسار للجفاف لوقوع الشك له فيه كيف ومثل هذا الأمر لا يخفى على كثير من الناس فضلًا عمن هو أفقه من كل فقيه عاقل بل هو تنصيص على وجه الحرمة وإلقاء على السامعين سبب المنع\n_________\n(١) قال محمد في موطأه بعد هذا الحديث وبهذا نأخذ لا خير في أن يشتري الرجل قفيز رطب بقفيز تمر يدًا بيد وفي هامشه، وبه قال أحمد والشافعي ومالك قالوا لا يجوز بيع التمر بالرطب لا متفاضلًا ولا متماثلًا يدًا بيد كان أو نسيئة، وفيه خلاف أبي حنيفة حيث جوز بيع التمر بالرطب متماثلًا يدًا بيد كان أو نسيئة، وفيه خلاف أبي حنيفة حيث جوز بيع التمر بالرطب متماثلًا إذا كان يدًا بيد، لأن الرطب تمر وبيع التمر بالتمر جائز متماثلًا من غير اعتبار الجودة والرداءة، وقد حكى عنه أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذا وكانوا أشداء عليه لمخالفته الخبر، فقال: الرطب إما أن يكون تمرًا أو لم يكن تمرًا، فإن كان تمرًا جاز، لقوله ﷺ التمر بالتمر مثلًا بمثل، وإن لم يكن تمرًا جاز لحديث إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم فأوردوا عليه الحديث. فقال: مداره على زيد بن عياش وهو مجهول، أو قال ممن لا يقبل حديثه واستحسن أهل الحديث هذا الطعن منه حتى قال ابن المبارك كيف يقال إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث وهو يقول زيد ممن لا يقبل حديثه، انتهى.","vol":"2","page":286},{"text":"فإنه لما أخذ رطبًا قدر صاع ووعد أن يعطيه صاعًا من التمر بعد زمان فلا ريب في أنه يصل إليه أكثر من المقدار الذي أعطاه، وكذلك من أخذ تمرًا ليعطيه صاعًا من الرطب، فإن لآخذ التمر فضل مقدار ليس لصاحبه ذلك ولا كذلك في النقد، وإذا كان يدًا بيد، فان للحاضر العاجل من المزية ما ليس لغيره فاحتمل في النقد ما لا يحتمل في النسيئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>[باب في كراهية بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها]</span>\nهذا إذا كان مقصوده الثمرة الصالحة، وأما إذا قصد غير الصالحة كما هو الآن أي وقت البيع فلا كراهة إلا أنه ليس (١) له أن يتركه على الشجر، وذلك لأن المشتري لعله قصد به منفعة غير الأكل، قوله [كرهوا بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها] أي إذا كان المبيع هي الثمار لا كما هو الآن، وإن كان المبيع هو الذي ليس بصالح لأكل الأناسي وقصده المشتري كذلك فلا كراهة حينئذ إلا أنه يؤمر بجذاذه الآن ولا ياباه لفظ الحديث بل فيه إشارة إلى ذلك إذ المنهي بيع العنب والحب وإنه لم يبع الحب ولا العنب وإنما باع غيرهما.\n_________\n(١) صرح بهذا التفصيل محمد في موطأه وفي هامشه لا خلاف للعلماء في جواز بيع الثمار بعد بدو الصلاح واختلفوا في تفسيره، فعندنا هو أن يأمن العاهة والفساد، وعند الشافعي ظهور الصلاح بظهور النضج ومبادئ الحلاوة والبيع بشرط القطع قبل بدو الصلاح يجوز فيما ينتفع به اتفاقً وبشرط الترك لا يجوز بالاتفاق وإذا اشتراها قبل بدو الصلاح مطلقًا من غير اشتراط الترك ولا القطع، فقال الشافعي وأحمد: مبطل وهو قول لمالك ووافق في قوله الثاني أبا حنيفة في جواز البيع، والبيع بعد بدو الصلاح على ثلاثة أوجه ثم بسطهما وزاد في الإرشاد الرضى عمن اشترى بالبيع الفاسد فهو جائز على قول الكرخي إذا لحق البيع الصحيح الفاسد فصحيح.","vol":"2","page":287},{"text":"[باب في النهي عن بيع حبل (١) الحبلة] يحتمل وجهين أن يكون حبل الحبلة مبيعًا والبيع على هذا باطل أو مضروبًا به الأجل لأداء الثمن وعلى هذا التقدير فاسد والفرق بين الفاسد والباطل غير خفي، فإن الباطل غير المشروع بأصله ووصفه كبيع المعدوم والفاسد المشروع بأصله دون وصفه كالبيع على أن يؤتى الثمن حين تنتج نتاج ناقته، والإضافة (٢) على الأول إضافة المصدر إلى مفعوله وعلى الثاني بأدنى ملابسة، فإن البيع الذي ضرب فيه أجل لأداء الثمن فله نسبة إلى ذلك الأجل أيضًا، ثم لا يخفى عليك أن الكراهة على المعنى الثاني إنما هي إذًا أدخل هذا الأجل المجهول في الثمن كما بينا من قبل.\nقوله [وبيع الحصاة] هذا البيع وأمثاله، وإن كانت داخلة في بيع الغرر لما أنه لا يبقى فيه للمشتري خيار عيب ولا رؤية ولا له اختيار في رده،\n_________\n(١) بفتح الباء والحاء فيهما، ورواه بعضهم بسكون الباء، قال عياض: وهو غلط والصواب الفتح، والأول مصدر حبلت المرأة والحبل مختص بالآدميات ويقال في غيرهن من الحيوانات الحمل، قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوانات حبل إلا ما جاء في هذا الحديث والحبلة جمع حابل، كظلمة وظالم، وقيل: الهاء لمبالغة واختلفوا في المراد بحبل الحبلة والمنهي عنه، فقيل: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها، وهذا تفسير ابن عمر ومالك والشافعي وغيرهم، وقيل: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال، وبه قال أبو عبيد وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه، وقال ابن التين، ومحصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين: وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين فصارت أربعة أقوال، كذا في التعليق الممجد، قلت: وحبل الحبلة صريح في جنين الجنين فلا وجه للجنين الأول ولا لولادة الأم.\n(٢) أي في بيع حبل الحبلة على كونه مبيعًا.","vol":"2","page":288},{"text":"ولا يمكن له أيضًا أن ينقص من الثمن إلا أن النبي ﷺ أفردها بالذكر لأغراض ومنافع لا تلغى، منها الرد صريحًا على شيوعها بينهم، قوله [بيع السمك في الماء] وأنت تعلم أن الغرر في بيعه في الماء (١) إنما يتحقق إذا كان في تحصيله كلفة، وأما إذا أحرزه في بركته الصغيرة بحيث يمكنه أخذها ولا تعب فيه فلا يكره لعدم الغرر حينئذ، وكذلك الحكم في بيع الطير في الهواء، فإن الرجل إذا باع طيرًا، ولكنه يعود إلى المرسل كما دعاه لا يفسد البيع ههنا لعدم الغرر لكون المبيع مقدور التسليم إلا أنه يجب عليه تسليم الطير إلى المشتري، قوله [ومعنى بيع الحصاة أن، إلخ] كان أحدهم إذا نبذ الحصاة تحقق البيع حتمًا وإن لم يرض الآخر، وعلة النهي أنه لم يعلم تراضي أحد الطرفين فيه وهو المناط مع أن فيه ردًا لخيار الرؤية والعيب وأنت تعلم أن المشتري لا يرضى بالمعيب، وكذلك إذا اشتراه ولم يره كان له الخيار في رده إلا أن نبذ الحصاة منعه عنه، فكان فيه غررًا وإفراده بالذكر بعد دخوله في بيع الغرر لمزيد الاهتمام بشأنه لشيوعه فيما بينهم، قوله [أن يقول البائع، إلخ] وإنما قدر الشرط تعميمًا للحكم فيما لا عرف، وأما إذا كان كما كان لهم فلا يحتاج إلى تلك المقالة بل الأمر كذلك وإن لم يقولوا.\n_________\n(١) قال العيني: قال شيخنا: ما حكى الترمذي عن الشافعي من أن بيع السمك في الماء من بيوع الغرر هو فيما إذا كان السمك في ماء كثير بحيث لا يمكن تحصيله منه، وكذا إذا كان يمكن تحصيله ولكن بمشقة شديدة، وأما إذا كان في ماء يسير بحيث يمكن تحصيله منه، وكذا إذا كان يمكن تحصيله منه بلا مشقة، فإنه يصح لأنه مقدور على تحصيله وتسليمه وهذا كله إذا كان مرئيًا في الماء القليل بأن يكون الماء صافيًا، فأما إذا لم يكن مرئيًا فإنه لا يصح بلا خلاف، كما قاله النووي والرافعي.","vol":"2","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>[باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة]</span>\nأما أن يراد بالبيع مطلق الصفقة (١) فكان كقوله ﷺ: حيث نهى عن صفقتين في صفقة وعلاقة المجاز ما في العقود من الهبة والإجارة والقسمة وغير ذلك من معنى البيع وهو مبادلة المال بالمال أو ما يقوم مقامه، وإن أريد حقيقة البيع فتخصيص البيع بالذكر مع أن النهي عام لكل عقد لما أن البيع أكثر العقود وقوعًا وأهم شأنًا من غيره، فهذا وجه اختيار هذا العنوان مع أنه لم يختص النهي بالبيع فقط، قوله [وقد فسر بعض أهل العلم، إلخ] أي بين بعض أنواعه وأقسامه وليس المراد الحصر فيه، قوله [فلا بأس إذا كان العقد على، إلخ] لما أن البيع إذًا لم يبق كما كان من قيل دائرًا بين البيعين، فكان الشافعي (٢) بين بيان المثالين أن كونهما بيعين أعم من أن يكون على سبيل البدلية كما في الأول أو على سبيل الاجتماع كما في الثاني، قوله [وهذا تفارق عن بيع، إلخ] نبه الشافعي إن كان من مقالته والمصنف إن كان من مقالته بقوله ذلك على فساد آخر في هذا البيع مع كونهما بيعتين في بيعة وهو أنهما لما كانا معًا فلا يدري ثمن البيعين بانفراده عن الآخر، مثلًا إذا قال أبيعك داري هذه بألف على أن تبيعني غلامك بألف، وذلك لأنه يعطي داره بأقل من\n_________\n(١) أكثر استعماله أيضًا في البيع، لكن الشيخ أراد به معناه اللغوي، وهو أن يضع أحدهما يده على يد الآخر كالمتبايعين والمراد مطلق العقد، وحاصل ما أفاده الشيخ أن النهي يعم كل عقد بيعًا كان أو غيره، فحديث الباب بلفظ البيع إما مجاز من إرادة العام بلفظ الخاص أو هذا الحديث يختص بالبيع اهتمامًا لشأنه، قلت: إن أهل اللغة وعامة الشراح فسروا حديث الصفقة أيضًا بالبيع فتأمل.\n(٢) فيه أن المثال الأول ليس من الشافعي بل من بعض أهل العلم اللهم إلا أن يقال إن الأول أيضًا من أمثلته وإن لم ينسبه المصنف إليه، كما يدل عليه قوله ومن أمثلته بواو العطف.","vol":"2","page":290},{"text":"ثمنها عنده لما يرى في العبد من ربح بثمنه الذي بين له صاحبه فيه فعلم بهذا أنه إنما يرضى بإعطاء داره بألف إذا وصل إليه الغلام بألف، وأما إذا لم يصل إليه الغلام بألف فإنه لا يرضى بإعطاء داره بألف فلا يدري ماذا قيمة الدار عنده وفي نفس الأمر مع أنهما قد جعلا فيهما قبول ما ليس بمبيع شرطًا في نفس العقد، فيفسد ولا يبعد مع أنهما قد جعلا فيهما قبول ما ليس بمبيع شرطًا في نفس العقد، فيفسد ولا يبعد أن يكون قوله هذا تفارق إشارة إلى الصورة الأولى وهي بيع الثوب نسيئة أو نقدًا وإن كان المشار إليه بعيدًا، قوله [لا تبع ما ليس عندك] يعني بيعًا فلا نقض ببيع الفضولي لأنه موقوف ووجه النهي كونه بيع غرر لأن المبيع غير مقدور التسليم وقت تمام العقد فلا يصح.\nقوله [لا يحل سلف وبيع] فسره مجوزو (١) الشرط الواحد بحيث لا يكون هذا شرطًا في البيع، كما سيصرح به المؤلف والظاهر أنه نهى عن بيع وشرط والمراد لا يحل سلف وبيع بأن اشترى شيئًا بشرط أن يقرضه البائع كذا وعلى العكس فكان ذلك نهيًا عن بيع وشرط، كما أن في الجملة الثانية نهيًا عن بيع وشرطين، فإن قيل: لو كان كذلك لما احتيج إلى قوله ولا شرطان، إلخ، لما أنه علم بدلالة النص، قلنا إنما كرره لئلا يتوهم جوازه بالشرطين لأن بالشرطين تعادلا في الطرفين، وحاصله أنه كان لمتوهم أن يتوهم بذكر شرط واحد أن علة النهي ما لزم من الفضل لأحد المتعاقدين وهو صاحب الشرط، فأما إذا اشترطا شرطين فلعله يجوز لأنهما صارا سواء في الاستحقاق حيث عارض الشرط شرط الآخر فكرره النبي ﷺ لدفع هذا التوهم، وإن كان الحكم ما يمكن استنباطه بدلالة\n_________\n(١) وهو الإمام أحمد ومن معه، فإنهم أجازوا البيع بشرط واحد ومنعوا بشرطين للرواية الآتية ولا شرطان في بيع خلافًا للأئمة الثلاثة والجمهور فإنهم لم يجوزوا في البيع ولا شرطًا واحدًا، هذا هو المشهور بين أهل العلم إلا أن العلامة العيني بسط الكلام في الشروط، وحكى عن الإمام مالك وغيره إباحة بعض الشروط فأرجع إليه لو شئت التفصيل.","vol":"2","page":291},{"text":"النص، ولأن لجملة الأولى إنما دلت على نهي البيع بشرط دلالة تضمنية (١) والتزامية فكرره ليدل عليه مطابقة.\nقوله [قال إسحاق] وهو إسحاق بن إبراهيم (٢) أستاذ إسحاق بن منصور وهذه مقولة إسحاق بن منصور يقول سألته عن أحمد فأجاب عنه بما مر ثم سألته عن إسحاق فأجاب عنه على ما أجاب أحمد، قوله [لا يكون عندي إلا في الطعام] اختلف المشايخ في تصرف المشتري في المبيع قبل القبض فعمم محمد حديث النهي في كل مبيع منقولًا كان أو غيره مطعومًا كان أو غيره، وقال الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز تصرفه في المنقول (٣) دون غيره، وقال إسحاق: في غير\n_________\n(١) كذا في الأصل وكون الدلالة تضمنية مشكلة، اللهم إلا أن يقال إن المراد ضمنية باعتبار اللغة لا الاصطلاح.\n(٢) المعروف بإسحاق بن راهويه المروزي وفي هامش التهذيب، قال أبو الفضل سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول قال لي عبد الله بن طاهر لم قيل لك ابن راهويه وما معنى هذا وهل تكره هذا قال: اعلم أيها الأمير إن أبي ولد في طريق مكة، فقالت المراهذة راهويه بأنه ولد في الطريق وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكرهه.\n(٣) هكذا في الأصل وفيه سهو من الناسخ والصواب يجوز تصرفه في غير المنقول دون المنقول، ففي الهداية من اشترى شيئًا مما ينقل ويحول لم يجز بيعه حتى يقبضه لأنه ﷺ نهى عن بيع ما لم يقبض، ولأن فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك، ويجوز بيع العقار قبل القبض، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز رجوعًا إلى إطلاق الحديث واعتبارًا بالمنقول ولهما ان ركن البيع صدر من أهله في محله ولا غرر فيه لأن الهلاك في العقار نادر بخلاف المنقول والغرر المنهي عنه غرر انفساخ العقد والحديث معلول به عملًا بدلائل الجواز، انتهى، أي الحديث معلول بغرر انفساخ العقد والحديث معلول به عملًا بدلائل الجواز، انتهى، أي الحديث معلول بغرر انفساخ العقد فيكون مخصوصًا بالمنقول.","vol":"2","page":292},{"text":"المكيل والموزون، وقال أحمد: في غير المطعوم، قوله [حديث مرسل] أي معضل، وقوله [هكذا] إشارة إلى الحديث الآتي، قوله [ورواية عبد الصمد أصح] هي التي ذكر فيها أيوب يوسف بن مالك بين ابن سيرين وحكيم بن حزام، قوله [نهى عن بيع الولاء وهبته] لأنه ليس بمال فكان كبيع الرجل أبوته وإخوته وما يحصل بسببه معدوم أيضًا يعني إن (١) كان المبيع ما استفاده المولى من المال فهو معدوم لا يصح بيعه أيضًا.\nقوله [وهو وهم] حيث ذكر نافعًا (٢) موضع عبد الله بن دينار، ومنشأ وهمه أن نافعًا كثيرًا ما يروى عنه عبيد الله بن عمر، قوله [نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة] إذا اتحد الجنس، وإن اختلفت الأجناس فلا كراهة (٣)، وهكذا في الحديث الآتي بعد ذلك، وأما الجواب عن رواية بيع العبد بعبدين، فإنه لم يكن البيع ثمة نسيئة بل البيع إنما تحقق بعد مجيء مولاه، قوله [وبيعوا البر بالشعير كيف شئتم] هذه زيادة ليست في الحديث ولا يبعد كونه من الحديث بل الظاهر من قول الشافعي كونه منه وترك التصريح في بعض طرقه بكونه مرفوعًا لا يقتضي من قول الشافعي كونه منه وترك التصريح في بعض طرقه بكونه مرفوعًا لا يقتضي كونه أثرًا مع أنه لما كان غير مدرك بالقياس لزم القول برفعه، قوله [قال أبو قلابة بيعوا البر، إلخ] يحتمل أن يكون بإسناد متقدم أي من الأشعث عن عبادة أو غير ذلك.\n_________\n(١) تفسير لقوله ما يحصل بسببه.\n(٢) وسيأتي البسط في ذلك في العلل.\n(٣) هذا هو مقتضى القواعد إذ علة الربا القدر والجنس منتفية إذ ذاك ويؤيده ما حكى ابن رشد من مذهب الإمام، لكن عامة نقلة المذاهب عموا الكراهة وفرقوا بين مذهب المالكية والحنفية، بأن الأولين منعوا باتحاد الجنس والآخرين مطلقًا كما في العيني وغيره، اللهم إلا أن يقال أن كلام الشيخ مبني على تعيين الحيوانين، ومبني كلامهم على عدم التعيين لكثرة التفاوت بين أفراد الحيوان، كما بسطوه في السلم.","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>[باب في الصرف]</span>\nقوله [وقد روى عن ابن عباس، إلخ] فإنه كان يقول أولًا لا ربا إلا في النسيئة لما كان سمع من صحابي كذلك وهو حديث أسامة لا ربا إلا في النسيئة، ثم لما بينه أبو سعيد بتفصيل أتم رجع ابن عباس عن قوله وجمع بين حديثي لا ربا إلا في النسيئة، وحديث أبي سعيد بحمل أحدهما على ما إذا اختلف الجنسان فكأنه مخصوص به فلا ربا حينئذ إلا في النسيئة ويصح التفاضل فلا ربا عند اختلاف جنسي العوضين مع كونهما كيلا (١) ووزنًا إلا في النسيئة وهذا معنى حديث أسامة، وأما إذا اتحد العوضان جنسًا فالربا حينئذ متحقق في التفاضل إذا كان يدًا بيد وفي النسيئة ولو مثلًا بمثل، وبذلك يعلم أن المفر عند اختلاف الأحاديث هو الجمع بحمل أحدها على عموم نوعي أو خصوص وقعة أو مثل ذلك، وقال الشافعي: لما كان حديث أسامة مجملًا وحديث أبي سعيد مفصلًا وجب العمل على حديث أبي سعيد (٢) وحمل رواية أسامة عليه، قوله [لا بأس بالقيمة] أي لا يضر (٣) المعاوضة إذا كان المبدل مساويًا للمبدل منه\n_________\n(١) هكذا في الأصل والظاهر بلفظ مع كونهما كيليين وزنيين.\n(٢) قال الحافظ اتفق العلماء على صحة حديث أسامة واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى لا ربا الأغلظ الشديد التحريم فالقصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضًا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، انتهى، وما حكى الشيخ من توجيه الشافعية حكاه النووي عنه.\n(٣) ظاهر كلام الشيخ أن التساوي بين المبدل والمبدل منه باعتبار القيمة شرط لصحة التبادل وهو ظاهر ألفاظ الحديث إذ لفظ الترمذي لا بأس بالقيمة ولفظ أبي داؤد لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ونحو ذلك لفظ النسائي، لكن كلام عامة الشراح مخالف لكلام الشيخ، ففي البذل قال الخطابي: اشترط أن لا يفترقا وبينهما شيء لأن اقتضاء الدراهم من الدنانير صرف وعقد الصرف لا يصح إلا بالتقابض، وقد اختلف الناس في اقتضاء الدراهم من الدنانير، فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، ومنع من ذلك أبو سلمة وأبو شبرمة وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه ولا يعتبر غيره السعر ولم يبالوا كان ذلك بأغلى أو أرخص من سعر اليوم، انتهى، قلت: ما قال الخطابي لا يعتبر غيره السعر يخالفه ما قاله الشوكاني إذ حكى عن أحمد التقييد بسعر اليوم، وعن أبي حنيفة والشافعي عدمه، وفي هامش أبي داؤد عن فتح الودود عن التقييد بسعر اليوم على طريق الاستحباب والظاهر عندي كما يخطر في البال إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، إن محمل الحديث عند الشراح غير ما حمله عليه الشيخ، فإن محمله عندهم هو عقد الصرف، كما صرحوا به في كلامهم وفي عقد الصرف لا بد من التقابض في المجلس، لكن لا يشترط التساوي لاختلاف الجنس وحينئذ فلا بد من القول بأن التقييد استحباب، وعلى هذا ففي حديث ابن عمر بيعتان الأولى بيع الإبل بعشرة دراهم، والثانية بيعة الدراهم بالدنانير، ومحمل الحديث عند الشيخ الاستبدال من ثمن المبيع، فإنهم صرحوا بأن النقود لو استوت مالية ورواجًا يخير المشتري بين أن يؤدي أيهما شاء، قال ابن عابدين بعد البحث في ذلك: ومنه يعلم حكم ما تعورف في زماننا من الشراء بالقروش، فإن القروش في الأصل قطعة مضروبة من الفضة تقوم بأربعين قطعة من القطع المصرية، ثم إن أنواع العملة المضروبة تقوم بالقروش فمنها ما يساوي عشرة قروش ومنها أقل ومنها أكثر، فإذا اشترى بمائة قرش فالعادة أنه يدفع ما أراد إما من القرش أو مما يساويها من بقية أنواع العملة من ريال أو ذهب ولا يفهم أحد أن الشراء وقع بنفس القطعة المسماة قرشًا بل هي أو ما يساويها من أنواع العملة المتساوية في الرواج المختلفة في المالية، انتهى، فمؤدي الحديث على هذا استبدال نقد الثمن آخر إذا كان متساويين في المالية والرواج، وإلى هذا المحمل أشار القارئ إذ حكى عن ابن الهمام أنه قال الدراهم والدنانير لا يتعين حتى لو أراه درهمًا ثم حبسه وأعطى درهمًا آخر جاز إذا كانا متحدي المالية، = انتهى، فهذا وإن كان في متحدي الجنس لكن ذكره هذا الكلام تحت حديث الباب إشارة إلى ما اختاره الشيخ من الاستبدال في مختلفي الجنس بشرط تسوية المالية والرواج، فتأمل.","vol":"2","page":294},{"text":"قيمة والعبرة في القيمة لوقت الأخذ لا وقت العقد، قوله [أونا ذهبك] والمراد به الإيتاء.","vol":"2","page":295},{"text":"قوله [بعد أن تؤبر] وهذا قيد عند الشافعي ومالك، فإن اشترى قبل التأبير كانت ثمرتها للمشتري عند هؤلاء، وقلنا نحن: إن التقييد به إنما خرج بناء على العادة أن البيع لا يكون قبل التأبير، فلو باعها قبله كانت الثمرة للبائع أيضًا (١)، وذلك لأن اتصالها ليس باتصال قرار، قوله [فماله للبائع] وهو ظاهر إذ العبد لم يملكه والإضافة إليه لكونه عنده واشتراط كونه للمشتري إذا كان المال\n_________\n(١) ففي الهداية ومن باع نخلًا أو شجرًا فيه ثمر فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع، قال ابن الهمام: ولا فرق بين المؤبرة وغير المؤبرة في كونها للبائع إلا بالشرط، وعند الشافعي ومالك وأحمد يشترط في ثمر النخل التأبير، فإن لم تكن أيرت فهي للمشتري لحديث البخاري من باع نخلًا بعد أن يوبر، فثمرتها للبائع، الحديث، وحاصله الاستدلال بمفهوم الصفة وأهل المذهب ينفون حجيته، وقد روى محمد في شفعة الأصل مرفوعًا من اشترى أرضًا فيها نخل، فالثمرة للبائع، الحديث من غير فرق بين المؤبر وغيره.","vol":"2","page":296},{"text":"معلومًا، وأما إذا كان مجهولًا وأدخله في العقد (١) فيفسد البيع لجهالة المبيع ما هو، قوله [البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختار] التفرق (٢) ههنا هو التفرق بالأقوال ونظيره في الاستعمال (٣)، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ والقرينة عليه قوله أو يختارا لأن تمام الصفقة لما توقف على الافتراق الحسي بينهما لم يكن لتمامه عند التخيير والاختيار معنى، كما ذكروه في معنى الاختيار فأفهم، واختلفوا في معنى قوله أو يختارا فبين كل منهم حسب ما فهمه منه أو طابق مذهبه والمراد بالخيار فيه إن كان خيار الشرط فهو عطف على لم يتفرقا وكلمة\n_________\n(١) ففي التعليق الممجد عن شرح مسند الإمام لا بد أن يكون المال معلومًا عند الشافعي وأبي حنيفة للاحتراز عن الغرر وظاهر مذهب المالكية والحنابلة والظاهرية الإطلاق، انتهى.\n(٢) اختلف الأئمة في خيار المجلس أثبته الشافعية والحنابلة ونفاه الحنفية والمالكية قال ابن رشد لا خلاف فيما أحسب أن الإيجاب والقبول المؤثرين في اللزوم لا يتراخى أحدهما عن الثاني حتى يفترق المجلس أعني متى قال البائع قد بعت سلعتي بكذا وكذا فسكت المشتري ولم يقبل البيع حتى افترقا، ثم أتى بعد ذلك، فقال: قد قبلت أنه لا يلزم ذلك البائع، واختلفوا متى يكون اللزوم، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابها وطائفة من أهل المدينة: إن البيع يلزم في المجلس بالقول وإن لم يفترقا، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداؤد: البيع لازم بالافتراق من المجلس وإنهما مهما لم يفترقا فليس يلزم البيع ولا ينعقد، انتهى.\n(٣) قال ابن الهمام وإسناد التفريق إلى الناس مرادًا به تفرق أقوالهم كثير في الشرع والعرف، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ وقال ﷺ: افترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة، الحديث، انتهى.","vol":"2","page":297},{"text":"أو بمعنى إلى أن أو إلا أن وإن كان بمعنى الاختيار والرضاء، كما فسره المؤلف بعد ذلك، فهو عطف على يتفرقا وداخل تحت النفي ووجه إرادة التفرق بالأقوال لا بالأبدان، إن سائر العقود تمامها بالإيجاب والقبول فكيف يفرق بينها وبين البيوع، فأما أن يقال بزيادة أركان عقد البيع ويثبت له سوى الإيجاب والقبول ركن ولا قائل به، أو يسلم أن لا انتظار بعدهما في إتمام العقد فلا معنى للحديث إلا ما قلنا: ولو سلم ما أرادوا من أن المراد التفرق (١) بالأبدان فهذا الأمر استحباب، قوله [وهو أعلم بمعنى الرواية] هذا غير مسلم، فإن فهم الراوي (٢) ليس بحجة لقوله ﷺ فرب مبلغ أوعى له من سامع والجواب (٣) عما يقال أن\n_________\n(١) والأوجه عندي أنه إذا أريد به التفرق بالأبدان، فالمعنى أنه لا يجوز القبول بالإيجاب بعد تفرق الأبدان، بل يبطل الإيجاب بتفرق المجلس، ثم رأيت الطحاوي حكى هذا المعنى عن عيسى بن إبان والإمام أبي يوسف، فلله الحمد.\n(٢) وله نظائر كثيرة، فقد ردت عائشة فهم ابن عمر في عذاب الميت ببكاء الحي، ورد عمر فهم فاطمة بنت قيس في نفقة المبتوتة، ورد ابن عباس فهم أبي هريرة في الوضوء مما مست النار، هكذا أفاده في تقريره مولانا رضي الحسن المرحوم مع زيادة الأمثلة.\n(٣) وأجاب عنه الطحاوي بأن فعل ابن عمر يجوز أن يكون لما أشكلت الفرقة في الحديث ما هي هل الفرقة بالأبدان على ما ذكروه أو الفرقة بالأبدان على ما قال عيسى بن أبان أو الفرقة بالأقوال على ما قال محمد ولم يحضره دليل يدله أنه بأحدها أولى منه بما سواه ففارقه احتياطًا، ويحتمل أيضًا أن يكون فعل ذلك لأن بعض الناس يرى أن البيع لا يتم بذلك وهو يرى أن البيع يتم بغيره فأراد أن يتم البيع في قوله وقول مخالفه، وقد روى عنه ما يدل أن رأيه في الفرقة كان بخلاف ما ذهب إليه من ذهب إلى أن البيع يتم بها، ثم ذكر بسنده عنه أنه قال ما أدركت الصفقة حيًا فهو من مال المبتاع قال: فهذا ابن عمر كان يذهب فيما أدركت الصفقة حيًا فهلك بعدها أنه من مال المشتري، فدل ذلك أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك، انتهى.","vol":"2","page":298},{"text":"ابن عمر مع صلاحه كما كان كيف كان يسارع في إبطال حق صاحبه ولا يمتثل أمرًا أمر به النبي ﷺ، وإن كان الاستحباب هو أنه كان يسارع في ذلك حيث رأى ضرر صاحبه في فسخ العقد لا لضرر نفسه، قوله [كيف أرد هذا] أي مذهب أصحاب التفرق (١) بالأبدان.\nقوله [ولا يحل له أن، إلخ] استدلوا بذلك على أن المراد بالفرقة الفرقة بالأبدان لا الفرقة بالأقوال إذ لو كان الفرقة بالأقوال لما افتقر في إبطال خيار صاحبه في رد البيع إلى المفارقة مع أنه ﷺ مصرح بأن المفارقة تبطل حقه في الفسخ فكان له حق الفسخ قبل المفارقة، والجواب أما أولًا فبأن الاستدلال بهذه الرواية مصادرة على المطلوب وهو عين المتنازع فيه فلا يتم الاحتجاج به فأنا نقول معناه لا يحل له أن يفصل الأمر بالقبول ويوجب البيع بالمسارعة في القول ليبطل به حق صاحبه في الرد بل الذي له أن يتأنى في قبول إيجاب صاحبه ليكون على رؤية من أمره ويمكن له أن يرجع عن إيجابه، فأما إذا تم القولان فليس لأحدهما حق الرجوع، وأما ثانيًا بعد تسليم أن الفرقة المذكورة فيها هي فرقة الأبدان فنقول أمره ﷺ هذا مبني على أن المجلس لما كان جامعًا للمتفرقات كان كل واحد من العاقدين أقرب إلى قبول الفسخ والإقالة إن أراد صاحبه ذلك وإن كان العقد قد تم فإنه إذا استقاله وهو في مجلسه ذلك الذي عاقدا فيه البيع، فإنه يحمله الحياء على قبوله منه لما أنه لا يلحقه ضرر في ذلك حيث (٢) لم يفت له مشتري هذا الشيء\n_________\n(١) أي مع صحة الحديث فيه لكن لمن ينكره أن يقول إن الحديث مع صحته لا يثبت ما فهمتموه.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر أنه من الأفعال ومقتضى سياق العبارة أنه سقط منه حرف أو حذف.","vol":"2","page":299},{"text":"ولا هو قد صار فارغًا عن طلب مشتر له ولا كذلك إذا تفارقا عن المجلس يلحقه ضرر بالإقالة إذًا مع أن في لفظ الحديث إشارة إلى هذا المعنى حيث عبر عنه بالإقالة وهي تقتضي سبق (١) تمام البيع فقوله هذا قريب مما قاله: من أقال (٢) نادمًا بيعته أقال الله عثراته يوم القيامة، إلا أنه لم يقيده في الرواية المفصلة بالمجلس، وصرح بالمراد، ووعد عليها وقيدها بالمجلس هناك، ولم يصرح بالمراد ولا بالوعد، وإنما أشار إلى أن الإقالة في مجلسه هذا لا ينبغي أن يعدل عنها، وإنه أولى بها لئلا يلحق بصاحبه ضرر، فمعنى خشية أن يستقبله ليس إلا أنه يخاف أن يطلب صاحبه منه الإقالة وليس فيه أن صاحبه يقدر على الفسخ إذ لو كان كذلك لما أورد بلفظ الاستعمال الدال على مجرد طلبه ذاك لا على الفسخ، فأفهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>[باب ما جاء في من يخدع في البيع]</span>\nأي كان الرجل (٣) ينسى مقدار ما اشترى به الشيء فيبيعه بأقل من الثمن الذي اشترى به زاعمًا أن الثمن الذي اشتريته به أقل من ذلك فأمره النبي ﷺ بأن يقول لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام، كما ورد (٤) في الروايات ومعنى لا خلابة أنهم كانوا لخيريتهم (٥) ينهبونه على\n_________\n(١) وقد تقدم في كلام ابن رشد أن البيع لا ينعقد عندهم لكن المسألة تحتاج إلى التنقيح من فروعهم.\n(٢) بهذا اللفظ ذكره صاحب الهداية والحديث أخرجه أبو داؤد وابن ماجة وغيرهما بألفاظ مختلفة ذكرها أصحاب التخريج والقارئ في المرقاة.\n(٣) اختلف في اسمه، فقيل: هو حبان بن منقذ أصابته آمة في رأسه فكان يخدع في البيع، وقيل: القصة لأبيه.\n(٤) ذكر الحديث بهذا اللفظ صاحب الهداية، وذكر الحافظان الزيلعي وابن حجر تخريجه ثم هل يكون الخيار بالغين أم لا مختلف عند الأئمة، كما بسط في البذل.\n(٥) وبه جزم التوربشتي كما في التعليق الممجد.","vol":"2","page":300},{"text":"غلطه فيتنبه وليس في ذلك حجة (١) للخصم في جواز الحجر على الأحناف، فإن قولهم أحجر عليه لا يستدعي ذلك الجواز أن يكون المراد أن ينهاه عن البياعات، كما فعله النبي ﷺ أن الحجر لو كان مقصودًا لما امتنع النبي ﷺ عنه بقوله لا أصبر، مع أن مسألة الحجر لم تكن مما يكثر ورودها حق يلزم أنهم كانوا عالمين فلعلهم سألوا الحجر عليه لما لم يعلموا أنه يجوز الحجر عليه أم لا، ولا يمكن الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وذلك لأن سبب الرشد وهو بلوغه خمسًا وعشرين سنة قائم مقام المسبب، فإن في تعيين الرشد لاختلاف في مراتبه تعسرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>[باب ما جاء في المصراة]</span>\nقد ورد (٢) في ذلك ما لا يوافقه (٣) القياس ووجه ذلك أن الدواب تختلف في أنواعها وأجناسها، فكم من تفاوت بين مقدار لبن المعز والضأن ولبن الجاموس، فإثبات الصاع عوضًا من لبنهما معًا لا يعقل وجهه أصلًا ولا يوافقه النصوص الآخر أيضًا، كقوله ﷺ الغرم بالغنم، وفي بعضها الغنم لمن الغرم، فكان إعطاء صاع التمر وغيره في قضية مخصوصة\n_________\n(١) استدل بذلك ابن تيمية في المنتقى على صحة الحجر على السفيه والمسألة خلافية كما في البذل، فقال به الشافعي ومالك وأحمد كما في الأوجز وصاحبا أبي حنيفة: وقال الإمام الهمام: لا حجر بالسفاهة لأنه ﷺ لم يحجر عليه.\n(٢) أخذ بظاهره الشافعي وأحمد، وهو رواية عن أبي يوسف ورواية عن مالك والأخرى لهما وبها قالت الحنفية إن الحديث لمخالفته الأصول لو صح يكون مخصوصًا بذلك المحل فلا يرد بذلك العيب صرح به أهل الفروع.\n(٣) فقد حكى الشيخ في البذل عن العيني أن الحديث يخالف الأصول لثمانية أوجه تم بسطها مع الزيادة على كلام العيني، قلت: والعجب أنهم أقروا بترك العمل على حديث لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونًا، كما سيأتي في كلام ابن عبد البر ولا يقبلون عن مخالفهم هذا الأصل ههنا.","vol":"2","page":301},{"text":"لا تجوز تعدينه في غيرها، وقد تايد ذلك باختلاف الروايات في هذا ففي بعضها إعطاء صاع من التمر وفي الآخر أشياء آخر مختلفة، فتخصيص التمر من بينها ترجيح من غير دليل يقتضيه، وأيضًا فلا يمكن أن يجعل إعطاء شيء معين منها بدلًا من اللبن قليلًا كان أو كثيرًا قاعدة كلية وقانونًا يعمل به فكان الأمر مخصوصًا بمورده ولا يعلم نوعه ولالمه حتى يتعدى مثل تعدية الأحكام الغير القياسية، كنقض الوضوء بالقهقهة، فإن وإن كان غير مدرك بالقياس إلا أنه لما علم لمه عديناه إلى أفراد المورد، وإن لم يمكن تعديته إلى أنواع مورد الحكم حتى لم نقل بنقض طهارة من قهقه نائمًا أو في غير صلاة مطلقة أو كان صبيًا أو كانت الطهارة ضمنية، فوجب المصير إلى ما قلنا إنها كانت قضايا عين علم النبي ﷺ بحالها، فلم يأمر إلا بما يناسبه، وأما نحن فلم يأمرنا إلا بذلك الكلية العامة، ولما لم يجتمعا بوجه من وجوه الجمع تركنا ما لم يك عندنا عامًا، فلما أخذه المشتري ظانًا لبنه أكثر مما يدره عادة ملكه عادة وشرعًا إلا أن له أن يرده إذا تحقق (١) الخداع لفوات الوصف المرغوب فيه ومع ذلك فلو هلكت الدابة وهي عند المشتري هلكت من ماله لما أن ملك المشتري قد تم فيها ودخلت في ضمانه، فكما أن المشتري انفق عليها من عنده، فكذلك له المنافع فكان لبنه وسائر منافعه له لا للبائع.\n_________\n(١) هذا هو مقتضى القواعد فإنهم صرحوا قاطبة من وجد بالمبيع عيبًا أخذه بكل ثمن أو رده وما أوجب نقصان الثمن عند التجار فهو عيب وصرحوا لو اشترى عبدًا على أنه خباز أو كاتب فكان بخلافه أخذه بكل الثمن أو تركه لأن هذا وصف مرغوب فيه فيستحق بالعقد بالشرط، ثم فواته يوجب التخيير لأنه ما رضى به دونه، انتهى، لكنهم صرحوا أيضًا في مسألة المصراة أن التصرية ليست بعيب عندنا فليس له الرد بذلك ولا يرجع بالنقصان في رواية الكرخي ويرجع في رواية الطحاوي، وفي الدر المختار هو المختار للفتوى، نعم حكى النووي عن أبي حنيفة وبعض المالكية وغيرهم أن يردها ولا يرد صاعًا من تمر.","vol":"2","page":302},{"text":"قوله [فهو بالخيار ثلاثة أيام (١)] لأن تحقيق الواقعة في هذه المدة أتم وأبعد من شبهته الاتفاق أي من أن يكون القلة في اللبن اتفاقًا فإذا حلبها ثلاثة أيام صار على اليقين من حالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>[باب ما جاء في اشتراط ظهر الدابة عند البيع]</span>\nاستدل بذلك من جوز (٢) في البيع شرطًا واحدًا، ولما كان النهي عن بيع وشرط مصرحًا به في الروايات وجب الجمع بين قوله ﷺ وفعله، فالجواب أنه لم يكن بيعًا حقيقة بل كان تلطفًا من النبي ﷺ في إعطاء مال له وكان في ذلك ما ليس في الاعطاء بصورة الاعطاء المحض الخالي عن الحيلة، ولو سلم أن المبيع كان على حقيقة فالركوب منه رضي الله تعالى عنه والاركاب منه ﷺ لم يكن شرطًا دخل في صلب العقد، وإنما كان عدة ومنة، كما دل عليه قوله (٣) وافقرني ظهره وهو الإعارة، فذكره الرواة بلفظ الشرط لشبه له صورة بالاشتراط ولكون ذلك العدة أغنت غناء الشرط.\nقوله [باب الانتفاع بالرهن] استدل بحديث الباب مجوز الانتفاع (٤)\n_________\n(١) قال الحافظ: وابتداء هذه المدة من وقت بيان التصرية، وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية أنها من حين العقد، وقيل: من التفرق ويلزم عليه أن يكون الغرر من الثلاث.\n(٢) وتقدم قريبًا في حاشية قوله لا يحل سلف وبيع وههنا لطيفة مشهورة في سؤال رجل عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة عن بيع وشرط، فكل أجاب بجواب مختلف واستند بحديث يؤيده مذكورة في البذل وغيره.\n(٣) وبهذا أجاب الخطابي وغيره.\n(٤) وهو أحمد وإسحاق كما ذكره المصنف، وقالت الأئمة الثلاثة: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء بل الفوائد للراهن والمؤن عليه قال ابن عبد البر هذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها ويدل على نسخه حديث البخاري لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه هكذا في البذل.","vol":"2","page":303},{"text":"للمرتهن بالرهن وليس بشيء فإن قول النبي ﷺ الظهر يركب ولبن الدر يشرب بلفظ المجهول يحتمل أن يكون إشارة إلى الراهن أو إلى المرتهن والمعنى إذا أريد الأول أنه خطاب للراهن بأنك تحتمل الكلف في العلف له والمرتهن ممنوع عن التصرف فيه بحكم الرهن فليس له أن ينتفع فهلا تعيره حتى ينفق عليه وينتفع به فتسلم، وإطلاق المرهون عليه حينئذ مجاز باعتبار ما كان لأنه لم يبق حينئذ رهنًا بل صار عارية إلا أن العارية تغني غناء الرهن لأن المديون ليسعى لأجل دابته في افتكاك رهنه والدائن على ثقة من وصول دينه حيث لا يمكن للمديون أن ينكر دينه فيتوى حقه والاستيثاق هو المقصود بالرهن، وإن كان الأمر إشارة إلى المرتهن فهذا تعبير منه ﷺ له وتعليم له لمكارم الأخلاق بأنك تحبسه عن الراهن، وحق لك أن تحبس فهلا أذنته إذا احتاج إلى ركوبه فإنه ينفق عليه فكان حقه أن ينتفع به فلم يك رهنًا حين ركوبه ولا ضير فيه لحصول المدعي وهو الاستيثاق لأنه يعيدها إليه وإنما يعود إلى الرهن حين يعيدها المالك إليه، ويمكن في توجيهه أن يقال أيضًا: إن النبي ﷺ حث الراهن والمرتهن كليهما على أمر هو أنفع لهما وليس الخطاب خاصًا بأحدهما، والمعنى أنه لا يحرم الانتفاع بالرهن للمرتهن مطلقًا بل الحرمة مقيدة بما إذا لم (١) يأذنه الراهن، فإذا أذنه فلا يحرم إذًا ثم لما علم الراهن\n_________\n(١) كما عليه عامة الفروع، ففي الهداية: وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن لا باستخدام ولا سكنى ولا لبس إلا أن يأذن له المالك وفي الدر المختار (لا يجوز) الانتفاع به مطلقًا لا باستخدام ولا سكنى سواء كان من مرتهن أو راهن إلا بإذن كل للآخر، وقيل لا يحل للمرتهن لأنه ربا، وقيل إن شرطه كان ربا وإلا لا، قال ابن عابدين بعد حكايته عن عبد الله بن محمد من كبار علماء سمر قند أنه لا يحل له الانتفاع، وإن أذن له الراهن لأنه إذن في الرباء، قال ابن عابدين هذا مخالف لعامة المعتبرات من أنه يحل بالأذن إلا أن يحمل على الديانة وما في المعتبرات على الحكم، ثم رأيت في جواهر الفتاوى إذا كان مشروطًا صار ربا وإلا فلا بأس به، انتهى.","vol":"2","page":304},{"text":"جواز الأذن والمرتهن جواز الاستئذان حث المرتهن على أمر هو أنفع لصاحبه، فقال له إن الأولى إذا انتفع المرتهن به أن يكون المرتهن هو المنفق عليها ليتعادل الطرفان في حسن السلوك، وهذا إذا لم يكن الانتفاع مشروطًا في الرهن ولا يكون العرف جاريًا (١) بانتفاع المرتهن به فإن المعروف كالمشروط ويلزم فيه الصفقتان في صفقة وهو منهي عنه مع أن كل قرض جر نفعًا حرام أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>[باب في شراء القلادة فيها ذهب]</span>\nقوله [اشتريت يوم خيبر] يعني به زمن خيبر وأيامه لا يوم الحرب عينًا وذلك لأن الغنيمة لا يجوز قسمتها عندنا إلا بعد إحرازها في دار الإسلام فلا يصح بيع شيء منها فلا يصح قوله اشتريت يوم خيبر قوله [لإتباع] أي ما فيه شبهة الربا من أمثال هذه حتى تفصل وليس الفصل بمعنى تفريق الأجزاء وتجزئتها وإنما معناه التمييز التام بحيث لا يبقى فيه احتمال الربا [حتى يميز ويفصل] هؤلاء (٢) حملوا التفصيل على المعنى المنفي منا فوقعوا في ضيق عظيم مع أن علة النهي وهي حرمة الربا أو شبهته لم تكن محوجة إلى فصل في أجزائها، والذين رخصوا فيه هم الأحناف.\n_________\n(١) قلت: ولا يذهب عليك أن المعروف في زماننا هذا هو الانتفاع بالرهن حتى لا يوجد أحد أن يرتهن بدونه فيكون حرامًا كما أفاده الشيخ، انتهى.\n(٢) قال النووي: هذه المسألة هي المشهورة في كتب الشافعي وغيره بمسألة مد عجوة وصورتها باع مد عجوة ودرهمًا بمدى عجوة أو بدرهمين لا يجوز لهذا الحديث، وهو منقول عن عمر بن الخطاب وابنه وجماعة من السلف وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة والثوري والحسن يجوز بيعه بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله ولا بدونه قال مالك وأصحابه وآخرون يجوز بيع السيف المحلي بالذهب وغيره مما هو في معناه بالذهب إذا كان الذهب في المبيع تابعًا لغيره وقدروه بأن يكون الثلث فما دونه انتهى.","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>[باب ما جاء في اشتراط الولاء]</span>\nلما ثبتت حرمة الشرط الواحد فيما تقدم أمكن أن يستنبط من ههنا إفادة البيع (١) الفاسد ملك المشتري ونفاذ العتق عليه وذلك لأن البيع حينئذ يكون فاسدًا لاشتراط ما ليس من مقتضيات العقد ويعلم منه الفرق بين الفاسد والباطل أيضًا، والجواب عن (٢) ارتكابه ﷺ له مع حرمته ووجوب فسخه ما مر في ارتكابه الأمور المنهية لبيان الجواز من أن من التصرفات ما يحرم على غيره ويجب (٣) عليه ﷺ لبيان الشرائع والأحكام.\nقوله [أو لمن ولي النعمة] شك من الراوي، قوله [بعث حكيم إلخ] يعلم\n_________\n(١) خلافًا لمن أنكر ذلك ولم يفرق بين الفاسد والباطل، فالحديث حجة للحنفية في أن البيع الفاسد مفيد للملك ولو عتق إذا نفذ عتقه، وفي الهداية إذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد بأمر البائع وفي العقد عوضان كل واحد منهما مال ملك المبيع ولزمته قيمة، وقال الشافعي لا يملكه وإن قبضه لأنه محظور فلا ينال به نعمة الملك، وصار كما إذا باع بالميتة وإنما المحظور ما يجاوره والميتة ليست بمال فانعدم الركن انتهى، مختصرًا.\n(٢) وحاصل الإشكال صدور الأذن منه ﷺ بالشرط الفاسد كما في أحاديث الباب ويزيد الإشكال ما ورد في بعض طرقها من نص قوله ﷺ لعائشة واشترطي لهم الولاء، وبسط الشيخ في البذل في الأجوبة عن هذا الإشكال فأرجع إليه لو شئت التفصيل.\n(٣) فإن بيان الشرائع واجب عليه ﷺ صرح بذلك أهل الفروع قال ابن نجيم بحثًا في التسمية إنه يجوز ترك الأفضل له تعليمًا للجواز كوضوئه مرة مرة تعليمًا لجوازه، وهو واجب عليه، وهو أعلى من المستحب انتهى، قلت: أما فعل الحرام لبيان الجواز فلم أجده اللهم إلا أن يقال أن المراد بالحرام في كلام الشيخ هو المكروه، قال البيجوري في شرح الشمائل أنه ﷺ قد يفعل المكروه لبيان الجواز، ولا يكون مكروهًا في حقه بل يثاب عليه ثواب الواجب.","vol":"2","page":306},{"text":"منه جواز التوكيل في البيع والشراء، قوله [فاشتري أخرى] يعلم بذلك جواز بيع الفضولي (١) فإن النبي ﷺ لم يمنعه عن ارتكاب مثل ذلك فكان تقريرًا وأما شراؤه فيتبادر منه شراء الفضولي، وليس يقع المشتراة لمن اشترى له الفضولي إلا إذا صرح بأني اشترى له، وأما إذا (٢) لم يصرح فلا يقع إلا عن المشتري لا للمشتري له، قلنا ههنا كذلك فإنها وقعت عن حكيم إلا أنه باع من النبي ﷺ ويمكن أن يكون شراء حكيم من ماله ﷺ حيث ذهب بديناره وعلى هذا فهو للمشتري له لا للمشتري وحينئذ فتصرف حكيم فيه لم يكن إلا تصرف الفضولي بيعًا وشراء وجاز الفعلان بتقريره ﷺ، وأما توكيله فقد انتهى، بشراء الشاة الأولى فكانت تصرفاته من بعد تصرفات الفضولي، ثم قد يتوهم أن حكيمًا حين اشترى\n_________\n(١) وفيه خلاف الشافعي كما في الهداية إذ قال من باع ملك غيره بغير أمره فالمالك بالخيار إن شاء أجاز البيع وإن شاء فسخ، وقال الشافعي لم ينعقد إلى آخر ما ذكره من الدلائل العقلية للفريقين. وذكر ابن الهمام مالكًا وأحمد مع الحنفية واستدل لهم بحديث الباب.\n(٢) ففي الدر المختار لو اشترى لغيره نفذ عليه إلا إذا كان المشتري صبيًا أو محجورًا عليه فيوقف هذا إذا لم يضفه الفضولي إلى غيره فلو أضافه توقف انتهى، أي توقف البيع على رضاء من اشترى له ولا ينفذ على المشتري كما نفذ عليه في الصورة الأولى.","vol":"2","page":307},{"text":"الأضحية وسلم أنه لم يكن من ماله (١) ولا ذكر أنه إنما يشتريها له ﷺ فكيف تجزئ هذه عن أضحيته ﷺ، فالجواب أما أولًا فأنا لا نسلم ما ذكره السائل من أنه لم يكن من ماله ولا من غير ذكره (٢) كيف وظاهر حاله ﷺ أنه أعطاه الدنيار حين بعثه لشرائها، وأما ثانيًا بعد تسليم ما ذكر فإن حكيمًا حين سلم له الشاة واقتضى الدينار منه كان بينهما بيع تعاطيًا فصارت الشاة بهذا البيع له ﷺ.\nقوله [ضح بالشاة] فعلم أن أمر التضحية للغير جائز [وتصدق بالدينار] اعلم أن أضحية الفقير تتعين بالشراء له فليس له أن يستبدلها بغيرها ولا ينتفع بدرها وصوفها بعد ذلك ولو فعل لزمته قيمته، وأما أضحية الغني فلا تتعين بنفس الشراء له وله أن يستبد لها بغيرها وينتفع بها وبدرها ويربح فيها إن شاء إلا أنه إذا عينها بعد ذلك ليس لا الانتفاع بها والنبي ﷺ وإن لم يكن غنيًا إلا أن الأضحية كانت واجبة (٣) عليه، وهو المعنى بالغناء فكان له حكم الأغنياء في وجوبها فيتفرع عليه التفاريع المذكورة فإن تفاوت ما بين الفقير والغني في الأحكام إنما هو منوط على وجوبها في الذمة وعدم الوجوب ولذلك قلنا إن الغني إذا عين شيئًا من ذلك للتضحية حرم له الانتفاع بظهره وبدره بعد ذلك لأن الوجوب قد وجد وهو المدار، فلما باع حكيم أول المشتراتين لم يكن له في ذلك بأس لعدم تعينها للتضحية وطاب الفضل للنبي ﷺ إلا أنه أمر بتصدقه استحسانًا لكونه قصد أن ينفق فيها دينارين (٤).\n_________\n(١) أي مال النبي ﷺ.\n(٢) أي من غير ذكر أنه إنما يشتريها له ﷺ.\n(٣) فقد عد الأضحية من جملة الواجبات على النبي ﷺ الحافظ في التلخيص الجبير والنووي في مبدأ تهذيب اللغات وغيرهما.\n(٤) أو لأن ذلك الدينار حصل بربح دينار نوي ﷺ صرفه في سبيل الله بسبيل الأضحية فأراد أن لا يمسك منافعه أيضًا.","vol":"2","page":308},{"text":"قوله [فاشتريت له شاتين] هذه وقعة (١) أخرى، وهذا الحديث بظاهره مؤيد لمذهب أبي يوسف ومحمد في ما إذا (٢) وكل رجلًا ليشتري له رطلًا من اللحم بدرهم فاشترى رطلين بدرهم، قال الإمام عليه أن يعطي مؤكله رطل لحم بنصف درهم ونصفه للوكيل فإن قصد المؤكل إنما هو تحصيل رطل من اللحم لا إنفاق درهم، وقال صاحباه بل كله له لما أن خلافه إلى خير فلا ينتفي الوكالة فيما خالف وظاهر الحديث وإن كان يشهد لهما لكنه في الحقيقة غير مؤيد لقولهما فإن المدعي كان يثبت لو شهد عروة ومعه الشاتان، وأما إذًا فلا، بل فيه تأييد لرأي\n_________\n(١) كما هو ظاهر من اختلاف مخرج الحديث واختلاف سياق القصتين ثم اختلفوا في اسم هذا الصحابي كما بسط في محله من كتب الرجال، وبسط اختلاف الروايات في اسمه الحافظ في الفتح في باب الخيل معقود في نواصيها الخير وفي التقريب عروة بن الجعد، ويقال ابن أبي الجعد، ويقال ابن عياض انتهى، أي ابن عياض بن أبي الجعد نسب في الرواية إلى جده، ويقال إن اسم أبي الجعد سعد كذا في الفتح.\n(٢) ففي الهداية إذا وكله بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم فاشترى عشرين رطلًا بدرهم من لحم يباع منه عشرة أرطال بدرهم لزم المؤكل منه عشرة بنصف درهم عند أبي حنيفة وقالا يلزمه العشرون بدرهم، وذكر في بعض النسخ قول محمد مع قول أبي حنيفة لأبي يوسف أنه أمره بصرف الدرهم في اللحم وظن أن سعره عشرة أرطال فإذا اشترى به عشرين فقد زاده خيرًا ولأبي حنيفة إنه أمره بشراء عشرة ولم يأمره بشراء الزيادة فنفذ شرؤها عليه وشراء العشرة على المؤكل، وإذا اشترى ما يساوي عشرين رطلًا بدرهم يصير مشتريًا لنفسه الإجماع لأن الأمر يتناول السمين وهذا مهزول، انتهى.","vol":"2","page":309},{"text":"الإمام حيث لم يأت عروة إلا بشاة بنصف ما آتاه من القيمة وقد ربح هذا النصف.\nقوله [بهذا الحديث] في بيع الفضولي واستدلوا بعموم قوله ﷺ لا تبع ما ليس عندك قلبًا المراد بالعندية هي القبضة سواء كان ملكًا له أو لغيره فالنهي إنما هو عن بيع ما ليس مقبوضًا لك بوجه من وجوه القبضة، فلما إن كانت لك يد عليه فلا نهي غير أنه لما لم يكن جواز البيع وتمامه إلا منوطًا بإجازة المالك كان النهي عن بت البيع مع أنه لو أتمه من نفسه كان لغوًا فالنهي في الحقيقة إنما هو عن تعزير المشتري لئلا يطمئن على تمام بيعه أو نقول إن المراد بالبيع في قوله لا تبع هو البيع (١) البات النافذ، قوله [إذا أصاب المكاتب جدًا أو ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه] اكتفى بذكر المعطوف عن ذكر المعطوف عليه لقيام القرينة عليه وتقدير العبارة حد وورث (٢) بحساب إلخ، وتصويره أن العبد إذا زنى مثلًا فإنه يجلد خمسين (٣) وإذا عتق نصفه كان عليه جلد خمسين باعتبار حرية نصفه\n_________\n(١) وقريب منه ما أجاب ابن الهمام فقال قلنا المراد للبيع الذي تجري فيه المطالبة من الطرفين وهو النافذ أو المراد أن يبيعه ثم يشتريه فيسلمه بحكم ذلك العقد وذلك غير ممكن لأن الحادث يثبت مقصورًا على الحال وحكم ذلك السبب ليس هذا بل أن يثبت بالإجازة من حين ذلك العقد وسبب ذلك النهي يفيد هذا وهو قول حكيم بن حزام يا رسول الله إن الرجل يأتيني فيطلب مني سلعة ليست عندي فأبيعها منه ثم أدخل السوق فاشتريها فأسلمها فقال ﷺ لا تبع ما ليس عندك.\n(٢) ولله در الشيخ ما أجاد وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما تكلف القارئ وتبعه غيره إذ فسر الحد بالدية، ولما أشكل على تفسيرهم قوله ورث فقال محشي المشكاة: لعل المراد بقوله ورث ملك ليشمل جواب الشرطين انتهى، وأنت خبير بأنه على ما أفاده الشيخ لا يحتاج إلى توجيه قوله ولا قوله ورث.\n(٣) ففي الهداية وإن كان عبدًا جلده خمسين جلدة لقوله تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ نزلت في الإماء، والرجل والمرأة في ذلك سواء لأن النصوص تشملهما.","vol":"2","page":310},{"text":"وجلد خمسة وعشرين اعتبارًا لرقية نصفه فكان مجموعة خمسة وسبعين وهكذا في الميراث مثلًا كان له أخ حر فحسب ومات أبوهما فلو كان الكاتب لم يود شيئًا ولو كان حرًا كاملًا ورث النصف السالم فأما إذا عتق نصفه فإنه يرث نصف النصف لاستحقاقه نصف حظه حرًا ولكنهم لم يأخذوا (١) بهذه الرواية إلا أن فيه إشارة إلى خبر لا يحتمل النسخ وهو تجزئ العتق فإن قوله ما عتق به وقع صلة والصلات أخبار فلا احتمال فيها للنسخ وإن كان ما حكم به في الرواية من الحد والوراثة على حساب العتق منسوخًا لقوله المكاتب عبد، الحديث كما سيأتي.\nقوله [يؤدي] بتخفيف الدال مفتوحة، قوله [ثم عجز فهو رقيق] ولا يمكن ورود الرق وهو في دار الإسلام فعلم أنه لم يخرج من الرق بعد، قوله [فلتحجب منه] أي حجاب احتياط، والمراد به المبالغة في الاحتجاب وأنه لا ينبغي الاكتفاء بالحجاب المفروض بل كما يحتجب من الأجانب الغير المحتاج إلى كثرة ملابستهم والأمر استحباب أمرهن للاعتياد، وأما الحجاب الشرعي فكان لهم منهن حين الرق والكتابة أيضًا، وذلك لوجود الفتنة في عدمه وهذا مما اختاره الإمام وذهب الآخرون (٢) إلى أنه لا حجاب له منها وحجتهم\n_________\n(١) أي الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء إذ قالوا هو عبد ما بقى عليه درهم وكان فيه الاختلاف في السلف بسطه في التعليق الممجد عن البناية ولا يذهب عليك أن ما في بين سطور الكتاب بعد حديث ابن عباس إذ عد في القائلين بهذا الحديث أبا حنيفة غلط من الناسخ فإنه لم يقل بهذا الحديث أحد من الأئمة الأربعة بل قال القارئ وبه قال النخعي وحده انتهى، وإن ذكر غيره بعض من سلف أيضًا.\n(٢) منهم الإمام الشافعي وبالأول قال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب واحتج لهم الرازي في التفسير الكبير بوجوده منها لا يحل لامرأة تومن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث إلا مع ذي محرم والعبد ليس بذي محرم منها.","vol":"2","page":311},{"text":"قوله تعالى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى أن ذكر، ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، والمراد به عندنا الإناث كما روى عن سعيد بن المسيب (٣) مع أن المحرم على التأييد لم يوجد وهو المجوز له مع أن الأصل في كلمة ما أن يكون لغير العقلاء وإذا استعملت في العقلاء وجب رعاية معناها الحقيقي ما أمكن، وهو حاصل في حملها على الإناث دون الذكور مع أن الاقتران بقوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يؤيد هذا المعنى فإن إضافة (٤) النساء إليهن لما أخرجت الإماء، وقد يفتقر إلى ملابسة النساء الآخر، فأدى ذلك إلى حرج اتبعه بذكر الإماء ليعم الحكم الحرائر والإماء والرواية المذكورة في الباب ليس فيه ما يعين مراد الخصم لأن العادة لما كانت جارية بالتهاون في الاحتجاب عنهم لأن الشدة في الاحتجاب عنهم يؤدي إلى محرجة أمر النبي ﷺ بالمبالغة فيه لكون الرق منهم على (٥) شرف السقوط فأحب أن يعتدن ذلك قبل أن يلجأن إليه والله أعلم بالصواب.\n_________\n(٣) ففي المدارك قال سعيد بن المسيب لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإماء دون الذكور كذا في البذل.\n(٤) عامة المفسرين على أن الإضافة لإخراج الكافرات لكن الرازي في التفسير الكبير أشار إلى مختار الشيخ إذ قال فإن قيل الإماء دخلن في قوله نسائهن، فأي فائدة في الإعادة قلنا الظاهر أنه عني بنسائهن وما ملكت أيمانهن من في صحبتهن من الحرائر والإماء إذا كان ظاهر قوله أو نسائهن يقتضي الحرائر دون الإماء كقوله شهيدين من رجالكم على الأحرار لأضافتهم إلينا، انتهى.\n(٥) وحمله الطحاوي في مشكلة على ما إذا اجتمع عنده بدل الكتابة ولا يؤده عمدًا كما في قصة بنهان لمولاته أم سلمة ﵂، انتهى.","vol":"2","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>[باب إذا أفلس للرجل غريم]</span>\nالغريم ههنا بمعنى المديون والذي يأتي من لفظ الغرماء فمفرده بمعنى الدائن ومعنى الحديث (١) أن الرجل إذا وجد متاعه عند مفلس بأن كان وديعة عنده أو عارية أو غصبًا أو مقبوضًا على سوم الشراء فهو أولى بها من غيره، وأما إذا ملكه ملكًا باتًا بأن قبض الشيء المبيع فهو أسوة للغرماء فالمعنى بقوله بعينها أن لا تتبدل إضافته فإن الشرع حكم بتبدل العين إذا تبدلت الصفة كما يعلم من قوله ﷺ لك صدقة ولنا هدية ونظرًا إلى المطلقة الثلاث فإنه لما تبدلت صفتها وهي ملك الزوج ثلاث تطليقات عليها فكأنها تبدلت بامرأة أخرى حيث يثبت الحل الجديد للزوج الأول بعد ما كانت محرمة عليه فكان صفة بقاء السلعة على حاله الأول المراد بقوله بعينها منوطة ببقاء الإضافة على حالها الأول فإن كانت إضافته باقية كما كانت فهي باقية بعينها وإلا فلا، فنقول (٢) إذا اشترى\n_________\n(١) اختلفوا في محمله لاختلافهم في حكم المسألة، وتوضيح ذلك أن من باع شيئًا فأفلس المشتري ولم يقبض البائع ثمنه عنه فالبائع أسوة للغرماء عند الحنفية سواء وجد عنده ماله بدون تغير أم لا وقالت الأئمة الثلاثة البائع أحق بماله إذا وجده على حاله بدون تغير، هذا في صورة الإفلاس، أما إذا مات المشتري ففيه اختلاف غير هذا محله أبو داؤد تركناه لسكوت المؤلف عنه وعلى هذا فلما كان ظاهر الحديث مخالفًا للحنفية أوله الشيخ بوجوه وحمله محمد في موطأه على ما إذا لم يقبض المشتري المبيع.\n(٢) وحاصله أن الروايات وردت بألفاظ مختلفة فالتي ليس فيها لفظ البيع كأيما رجل أدرك ماله أو وجد ماله وغير ذلك فلا غبار في حملها على الودائع ونحوها والتي ورد فيها لفظ البيع كأيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه فمحملها ما إذا لم يقبض المشتري المتاع ومعنى قوله ووجد عنده أي في ملكه لكونه اشتراه وكون البائع أحق في هذه الصورة لأن المبيع لم يخرج من ضمانه ويؤيد هذا الحمل ما ورد في روايات أبي داؤد من المدار على أخذ البائع الثمن، وأنت خبير بأن أخذه الثمن أو شيئًا من الثمن لا يؤثر في تغير صورته التي أرادوها بقوله بعينها فتأمل.","vol":"2","page":313},{"text":"المديون شيئًا ولم يقبض فإنه لم يدخل بعد في ضمان المشتري فكان ملكه غير تام حتى لو هلك (١) بتعدي البائع أو من غير صنعه هلك من مال البائع فلا يمكن أن يقال إنه تبدلت صفته هل هي باقية بعينها فالمراد حينئذ بقوله وجد عنده، وجد أنه في ملكه لا في يده وقبضته، وهذا للتكلف إنما يحتاج إليه في تصحيح المذهب حيث ورد قوله ﷺ بلفظ من باع فإنه نص في إرادة المبيع ولا يمكن تأويله بالعارية وغيرها، والقرينة على الذي بينا من المراد ما ورد من أنه ﷺ أدار الأمر في بعض الروايات على أخذ البائع شيئًا من الثمن فإنه من البين أن بقاءه على الصفة الظاهرة لا يضره إعطاء شيء من الثمن ولا إعطاء كله فكيف أراد هؤلاء بقاء المبيع على الصورة الظاهرة بلفظ بعينها فليس القصد به إلا إلى أن البيع يتم به تمامًا ليس في عدم قبض شيء منه فعلم أن المدار تمام البيع لا غير سواء كان بالقبض أو بقبض الثمن أو غيره مع أن أداء الثمن قليله وكثيره غير مؤثر في بقاء المبيع على حاله فأفهم وتشكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>[باب في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له </span>(٢)] قوله وأنه\n_________\n(١) قال ابن الهمام: وما لم يسلم المبيع فهو في ضمان البائع في جميع زمان حبسه فلو هلك في يد البائع بفعله أو بفعل المبيع بنفسه بأن كان حيوانًا فقتل نفسه أو بأمر سماوي بطل البيع إلى آخر ما بسطه من الهلاك بفعل الأجنبي أو المشتري فأرجع إليه لو شئت للتفصيل.\n(٢) ومسلك الحنفية في ذلك ما في الدر المختار، أمر المسلم ببيع خمر أو خنزير أو شرائهما ذميًا، صح ذلك عند الإمام مع أشد كراهته وقالا لا يصح وهو الأظهر، قال ابن عابدين أي يبطل.","vol":"2","page":314},{"text":"ليتم كأنه التمس بهذا عذره في إراقة الخمر فإن النبي ﷺ أكد في مال اليتيم بما لا مزيد عليه [فقال أهريقوه] استدلوا على مرامهم بهذا الأمر فإنه لو كان مخلص لملله سوى الإضاعة لما أمر بإضاعته، ونحن نقول الأمر كذلك إلا أنكم اشتبه عليكم الفرق بين الفعل الحرام والكسب الحرام فإن فعله هذا حرام من غير شك إلا أن حرمة المال المكتسب ببيع الذمي خمر المسلم غير ميرهنة ولا لازمة، ألا ترى أن من سلخ الميتة ودبغ جلدها فإنه يطير بالدباغ إجماعًا بيننا وبينهم مع أن أصله حرام فإن قالوا إن السلخ غير حرام قلنا للقاء الملح والتشميش كذلك مع أن النبي ﷺ لم يأمرهم بتخليلها سدًا لذرائع الفتنة واستقراءًا للرغية عنها في قلوبهم وللنفرة فإنه لو رخصهم وقلوبهم معتادة بها وألسنتهم ملتذة لاحتال أكثرهم لا سيما المنافقين منهم في ادخارها، وإذا ظهر الأمر قالوا أخذناه للتخليل، قوله [كرهو أن يكون المسلم (١) إلخ] هذا غير لازم فإن من أسلم اليوم وفي بيته خمر فأي حرج عليه لو خلله أو أمر ذميًا ببيعه.\nقوله [أد الأمانة إلى من ائتمنك] أي عامل بك بالأمانة حين وضعت عنده أمانتك أو المعنى من اعتقدك أمينًا حين وضع لديك أمانة [ولا تخن من خانك] ظاهره (٢) مفيد لمن قال لا يأخذ حقه ممن تليه متى ظفر به لكن النظر الغائر\n_________\n(١) وبظاهر الحديث قال أحمد، وقال الشافعي لا يجوز التخليل بعلاج من ملح وخل وغيرهما، ولا يخل الخل، وإن خللها بالنقل من موضع إلى موضع أي إلى موضع الشمس فللشافعي قولان أصحهما تطهيره وعند أبي حنيفة الخمر إذا تخللت بنفسها أو خللها صاحبها بعلاج فالتخليل جائز والخل حلال وعن مالك ثلاث روايات أصحها أن التخليل حرام فلو خللها عصى وطهرت، كذا في البذل.\n(٢) قال الخطابي هذا الحديث يعد مخالفًا في الظاهر حديث هند (أي امرأة أبي سفيان) وليس بينهما في الحقيقة خلاف وذلك لأن الخائن هو الذي يأخذ ما ليس له أخذه ظلمًا فأما من كان مأذونًا في أخذ حقه من مال خصمه فليس بخائن، والمعنى لا تخن من خانك بأن تقابله بخيانة مثل خيانته وكان مالك يقول إذا أودع رجل رجلًا ألف درهم فجحده ثم أودعه الجاحد ألفًا لم يجز له أن يجحده قال ابن القاسم أظنه ذهب إلى هذا الحديث، وقال أصحاب الرأي يسعه أن يأخذ ألفًا قصاصًا عن حقه ولو كان بدله حنطة أو شعير لم يجز له ذلك فإن هذا بيع، وقال الشافعي يسعه أن يأخذ عن حقه في الوجهين لحديث هند، وقال الحافظ استدل بحديث هند على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله بقدر حقه بغير الإذن، وهو قول الشافعي وجماعة وتسمى مسألة الظفر، والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذر جنس حقه وعن أبي حنيفة المنع وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير الجنس إلا أحد النقدين بدل الآخر وعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء وعن أحمد المنع مطلقًا، هكذا في البذل.","vol":"2","page":315},{"text":"يثبت مذهب الإمام بما لا شبهة فيه وبيانه أن من أخذ منك مائة فأنت بأخذ المائة غير جان عليه، كيف وقد قال الله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ وأجمعوا على أن تسمية الجزاء سيئة اعتبار للمشاكلة، فكان المراد بقوله ﷺ هذا أن لا تأخذ فوق حقك فإنه يكون خائنة، وأما إذا أخذت مثل حقك فهو ليس في شيء من الخيانة ويؤيد قوله لامرأة أبي سفيان حين شكت إليه بخل زوجها خذي ما يكفيك وبينك بالمعروف بقى الاختلاف في أنه هل يأخذ حقه من عين جنسه أم له أن يأخذ من غيره، قال الإمام ليس له إلا الأخذ من عين جنس حقه لأن الأخذ من غيره لا يتصور إلا بعد اقتضاء البيع أي تقدير البيع اقتصاءًا، وليس إليه ذلك لعدم ولايته، وقال صاحباه له الأخذ من الثمنين لأنهما في الحكم كواحد،","vol":"2","page":316},{"text":"وقال الشافعي له الأخذ من غير جنسه حتى العقار واستحسن متأخر فقهائنا هذه الرواية لفساد القضاة وأخذهم الرشى في الحكم [قال الدين مقضي] اختار في العارية لفظ الأداء لأن الدين إنما يؤخذ لأداء مثله ولا يؤتي عين ما أخذ ولا كذلك العارية فإنها مؤداة بعينها [قال قتادة ثم نسى الحسن] والأصل أن الحسن لم ينس الرواية بل فهم قتادة رواية الحسن على غير فهم الحسن فإن مراد النبي ﷺ بقوله العارية مؤداة وقوله على اليد ما أخذت هو أن الشيء المستعار يرد بعينه ولا يجوز أن يبدله من عنده أو يحبسه عنه فلا يعطيه وأنت تعلم إن أداه بعينه يستدعي بقاءه وأما إذا هلك فلا يجب عليه أن يضمنه لأن يده على العارية يد أمانة لا يد ضمان فلم يك رواية الحسن خلافًا لفتواه نعم فهم قتادة بينهما خلافًا فنسب الحسن إلى النسيان وأما إذا خالف المستعير أمر المعير فلم يبق عارية بل صار مغصوبًا يجب عليه ضمانه والقرينة على ذلك أنه إذا ضمنها فإنه لم يرد إلا مثلها ولما لم يبق العارية عارية وانقلبت غصبًا فإن وجوب المثل حينئذ لا ينافي الرواية لأنها لم تتعرض بذكر الغصب فإن المذكور فيها مسألة العارية فقط، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>[باب ما جاء في الاحتكار]</span>\nاعلم أن الاحتكار منهي عنه إذا حبس أقوات الأناس أو الدواب عند افتقارهم إليها أو اشتراها وهم كذلك ثم لم يبعها أو اشتراها لا لضرورة له إليها بل لربح فيها لغلاء ثمنها أو اشتراها وانتظر غلاءها ليبيعها غاليًا وأما إذا عدم الأمران فلا يكره إلا أن الآخذين من سعيد حملوا اللفظ على عمومه فسألوا عن احتكاره فقال إن أستاذي كان يحتكر وهو صحابي عامل بحديث النبي ﷺ فعلم بذلك أن كل أنواع الاحتكار غير منهي عنه وهذا الجواب كاف لكل من حضر ثمة من العوام والخواص ثم بين حقيقة الأمر في وقته وهو تخصيصه بما يفتقر إليه فالمدار في النهي تعينه لتسني (١) حوائج الناس أو الدواب، وما لم يتعين له جاز\n_________\n(١) قال المجد تسنى زيد تسهل في أموره.","vol":"2","page":317},{"text":"الاحتكار فيه واحتكار الخبط لم يدخل فيه لأنه غير محتاج إليه احتياج الناس إلى الطعام مع أن في ورق الخبط كثرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>[باب في اليمين الفاجرة]</span>\nقوله [فقال ليهودي احلف] فعلم أن المدار في الدعاوي للكافر والمسلم هو البينة أو اليمين فحسب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>[باب ما جاء إذا اختلف البيعان]</span>\nوالمراد به الاختلاف في الثمن كما وقع لابن مسعود (١) حين ذكر الرواية وظاهر الحديث الوارد في الباب مخالف لما ذهب إليه الإمام من أنهما يتحالفان عند اختلافهما ويترادان، وقال الشافعي القول قول البائع في قدر الثمن إذا اختلفا فيه ويحلف فإذا (٢) حلف خير المشتري في أخذه بذلك الثمن الذي ادعاه أو فسخه والجواب أن ابن مسعود لم يذكر ههنا\n_________\n(١) فقد أخرج أبو داؤد قال اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفًا فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم فقال إنما أخذتهم بعشرة آلاف فقال عبد الله فاختر رجلًا يكون بيني وبينك قال الأشعث أنت بيني وبين نفسك قال عبد الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان.\n(٢) قال الخطابي اختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال مالك والشافعي يقال للبائع احلف بالله ما بعت سلعتك إلا بما قلت فإن حلف البائع قيل للمشتري إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع وإما أن تحلف بما اشتريتها إلا بما قلت فإن حلف برئ منها وردت السلعة إلى البائع وسواء عند الشافعي كانت قائمة أو تالفة فإنهما يتحالفان ويترادان وكذلك قاله محمد بن الحسن ومعنى يترادان أي قيمة السلعة عند الاستهلاك وقال النخعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف القول قول المشتري مع بمينه بعد الاستهلاك وقول مالك قريب من قولهم بعد الاستهلاك في أشهر الروايتين عنه، إلخ، هكذا في البذل وقال محمد في موطأه بعد ما أخرج عن ابن مسعود بلاغًا أن رسول الله ﷺ قال أيما بيعان تبايعًا فالقول قول البائع أو يترادان قال محمد وبهذا نأخذ إذا اختلفا في الثمن تحالفا وترادا البيع وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا إذا كان المبيع قائمًا فإن كان المشتري قد استهلكه فالقول ما قال المشتري في الثمن في قول أبي حنيفة، وأما في قولنا فيتحالفان ويترادان القيمة.","vol":"2","page":318},{"text":"الحديث بتمامه وفي لفظ الحديث إنهما يتحالفان ويترادان (١) إلا أن ابن مسعود لم يذكره لعدم الافتقار إليه ووجه ذلك أنه كان باع عبدًا من أحد فاختلفا في الثمن فخلف عبد الله بن مسعود وبين الرواية فقال المشتري إني لا اشتريه فسكت عن ذكر سائره ولو أصر المشتري على الشراء بذلك الثمن الذي ادعاه عبد الله لوصلت النوبة إلى الحاكم، وبينه ابن مسعود، وهذا هو المذهب عندنا أن المشتري لو رضى بقول البائع لأدى ذلك الثمن ولو رد البيع رده، وأما إذا أصر على أخذه بغير الثمن الذي يدعيه البائع تحالفًا وترادًا وذلك لأن كلا منهما منكر فالمشتري ينكر زيادة الثمن والمدعي للزيادة ينكر استحقاق المشتري بذلك الثمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>[باب ما جاء في بيع فضل الماء]</span>\nاعلم أن الماء إن كان من غير البيئر وأمثاله فكل الناس يشتركون فيه قبل الإحراز، وأما بعد الإحراز فهو أخص به من غيره، وأما ماء (٢) البيئر وما في حكمه فصاحبه أحق به من غيره ما\n_________\n(١) خرج هذه الروايات في حاشية موطأ محمد.\n(٢) قال صاحب الكنز، وفي الأنهار المملوكة والآبار والحياض لكل شربه وسقى دوابه لا ارضه وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور يمنع، قال الزيلعي: سقى الأرض بمنع صاحب الماء عنه وإن لم يكن عليه بذلك ضرر وهو المراد بقوله لا أرضه لأن في إباحة ذلك إبطال حق صاحبه إذ لا نهاية لذلك فيذهب به منفعته فيلحقه به ضرر، ولا كذلك شربه وسقى دابته لأنه لا يلحقه بمثله ضرر عادة حتى لو تحقق فيه الضرر بكسر ضفته أو غيره كان له المنع وهو المراد بقوله وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور يمنع لأن الحق لصاحبه على الخصوص، وإنما أثبتنا حق الشرب لغيره للضرورة فلا معنى لإثباته على وجه يتضرر به صاحبه إذ به تبطل منفعته والشفة إذا كانت تأتي على الماء كله بأن كان جدولًا صغيرًا وفيما يرد عليه من المواشي كثرة ينقطع الماء عنه، اختلفوا فيه، قال بعضهم لا يمنع منه لإطلاق الحديث، وقال أكثرهم له أن يمنع لأنه يلحقه ضرر بذلك كسقي الأرض، انتهى ملخصًا بقدر الحاجة.","vol":"2","page":319},{"text":"احتاج إليه وليس له بعد ذلك فيه استحقاق ولذلك منع ﷺ عن بيع فضل الماء دون أصله فقوله نهى عن بيع الماء إن كان المراد به الغير المحرز منه فالنهي على ظاهره وهو التحريم، وإن كان المراد به الماء بعد الإحراز فالنهي تنزيه وتعليم لأمته مكارم الأخلاق، قوله [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أنهم كرهوا] إلخ، ظنًا منهم أن النهي عام والآخرون جوزوا البيع مطلقًا والحق ما قلنا.\nقوله [لا يمنع فضل الماء إلخ] صورته رجل له مرعى وفيه بئر فأراد رجل أن يرعى فيه إبله فلم يمنعه مالك الأرض عن الرعي صراحة، وإنما تلطف في المنع بأن قال أما الكلاء فلا أمنعكم عن رعيه، وأما الماء فلا يفضل عن حاجتي حتى آذنكم فيه، والحال أنه قد كذب في هذا القول، وكان ذلك حيلة منه في منعه الكلاء فإنهم لما لم يجدوا الماء لم يرعوا الكلاء فإن الأكثر أن رعى الكلاء لا يمكن إلا ومعه سقى الماء فنهى النبي ﷺ عن ارتكاب مثل ذلك لما فيه من منع الكلاء وفضل الماء المحرمين وإخبارهم عن حال الماء أنه لا يفضل عن حاجته، وهو كذب وإنما يرتكب مثل ذلك لما أن رب الأرض الكالية (١) أسوة لسائر الناس\n_________\n(١) يشكل عليه أن أصحاب الفروع صرحوا بأن حكم الكلاء والماء واحد ففي الدر المختار وحكم الكلاء كحكم الماء فيقال للمالك إما أن تقطع وتدفع إليه وإلا تتركه ليأخذ قدر ما يريد قال ابن عابدين الكلاء ما ينبسط وينتشر ولا ساق له كالأذخر ونحوه والشجر ماله ساق، والكلام في الكلاء على أوجه أعمها ما نبت في موضع غير مملوك لأحد فالناس فيه شركاء في الرعي والاحتشاش منه كالشركة في ماء البحار وأخص منه ما نبت في أرض مملوكة بلا إنبات صاحبها، وهو كذلك إلا أن لرب الأرض المنع من الدخول في أرضه وأخص من ذلك كله وهو أن يحتش الكلاء أو أنبته في أرضه فهو ملك له وليس لأحد أخذه بوجه لحصوله بكسبه، انتهى، قلت: اللهم إلا أن يقال إن في البئر لما وجد منه الصنع صار مقدمًا بخلاف الحشيش فلا صنع له فيه فلا ترجيح له وترجم البخاري في صحيحه باب من قال صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي لقول رسول الله ﷺ لا يمنع فضل الماء، وفي هامشه عن العيني، قال ابن بطال لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي، انتهى.","vol":"2","page":320},{"text":"ويشاركونه في الكلاء على السواء فلا حق لرب الأرض إلا فيما له ساق من الشجر أو ما ينبت بعلاجه وبذره، وأما شركتهم في الماء فمنوطة بزيادة الماء على حاجته وإذا لم يزد عليها فهو أحق به من غيره فرأى أنه لو منعهم من الكلاء لم يمتنعوا لما أنه ليس له حق المنع عنه شرعًا فاحتال بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>[باب ما جاء في كراهة عسب الفحل]</span>\nأي التيس ووجه الكراهة عدم تمول (١) ما يلفي في رحمها، قوله [فرخص له في الكرامة] وهذا جائز ما لم يكن\n_________\n(١) ففي الهداية لا يجوز أخذ أجرة عسب التيس، وهو أن يواجر فحلا لينزو على إناث لقوله ﵇ إن من السحت عسب التيس والمراد أخذ الأجرة، وفي هامشه عن الكفاية فاته أخذ المال لمقابلة ماء مهين لا قيمة له والعقد عليه باطل لأنه يلتزم ما لا يقدر على الوفاء به، وهو الأحبال فإن ذلك ليس في وسعه، وهو يبتني على نشاط الفحل أيضًا، قال الشوكاني أحاديث الباب تدل على أن بيع ماء الفحل وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه وإليه ذهب الجمهور، وفي وجه للشافعية والحنابلة، وبه قال الحسن وابن سيرين، وهو مروي عن مالك أنها تجوز إجارة الفحل للضراب مدة معلومة، وأحاديث الباب ترد عليهم لأنها صادقة على الإجارة، انتهى.","vol":"2","page":321},{"text":"معروفًا وإذا صار معروفًا عند قوم فالمعروف كالمشروط، قوله [حلوان الكاهن] الحلوان هو الشيء الحالي وحرمته على معنى معصيته الإخبار عن الغيب وهو كذب فيكون معصية ويدخل فيه ما كان مثله في الأخذ على ما لا يجوز ارتكابه، قوله [فرخص بعضهم في ثمن كلب الصيد] فمذهب الشافعي حرمته مطلقًا، ومذهب ذلك البعض حرمة ثمن الكلب غير الصيد ومذهب الإمام جوازه مطلقًا لما مر (١) من أن حرمة ثمنها كانت لما أمر بقتل الكلاب ونهى عن اقتنائها فلما رخص في اقتنائها انتسخت حرمة ثمنها، أو النهي تنزيهي كثمن الهرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>[باب ما جاء في كسب الحجام]</span>\nقال بعضهم كسبه خبيث وحرام بعد، وقال الآخرون بل انتسخت حرمته لما احتجم النبي ﷺ وآتاه على ذلك صاعين ولو كان حرامًا لما فعل، وقد كلم مواليه فوضعوا عنه وكان كسبه من ذلك ولو كان حرامًا لما رخصهم في أكل خراجه مطلقًا، وقد يثبت بلفظ وضعوا من خراجه أنهم كانوا يأكلون خراجه الحاصل بالحجامة قبلًا وبعدًا وهذا جواب عما يقال آتاه النبي ﷺ ما أتى من غير اشتراط ويمكن توجيه الحديث بحيث لا يفتقر إلى\n_________\n(١) في أبواب النكاح مفصلًا.\n(٢) قال الشوكاني، في الحديث دليل على تحريم بيع الهر، وبه قال أبو هريرة ومجاهد وجابر بن زيد، وذهب الجمهور إلى جواز بيعه، وأجابوا عن الحديث بالضعف وقد عرفت دفع ذلك، وقيل يحمل على كراهة التنزيه ولا يخفى أن هذا إخراج للنهي عن معناه الحقيقي، انتهى.","vol":"2","page":322},{"text":"القول بالنسخ، وهو أن الكسب في قوله ﵇ كسب الحجام خبيث ليس بمعنى المال المكتسب، وإنما هو المعنى المصدري المعبر عنه بالحرفة فكان المعنى أن هذه الحرفة دنيئة لتلطخ فيه الدماء لا باعتبار ما يحصل فيه من المال ولذلك لم ينه أبا طيبة عن الاشتغال بها لكونه عبدًا فكانت هذه الخباثة خباثة مقابلة بالنظافة واللطافة والشرافة لا خباثة تقابل الحلة والطهارة، والقرينة على ما قلنا قول ابن محيصة في حديث الباب فلم يزل يسأله ويستأذنه أفترى صحابيًا أو غيره من المسلمين يصر على الشارع ﵇ في تحليل ما حرمه على أمته فلم يكن بد من أن يقال إن محيصة لما نهاه النبي ﷺ عن الكسب المسئول عنه علم بقرائن خارجة موجودة ثمة أو بما سمعه منه قبل هذا أن نهيه ﵇ عنه ليس إلا لأنه لا يناسب حالي وإن كان حلالًا حاصله فلما أصر عليه رخصه في شيء يسير منه بقدر ما يطعم رقيقه أو يعلفه ناضحه منعًا له عن الاشتغال بذلك لسائر اليوم إذ العادة أن المرء لا يأخذه سآمة عن تحصيل المال لنفسه ولأهله فلا يقنع بيسير ولا بكثير، وأما العبيد (١) والاماء وكذلك الدواب فلا يسعى لهم إلا بما يفتقرون إليه فحسب فعلم النبي ﷺ أن آخر أمره لو قلت ذلك يكون الترك فأمره بارتكابه بذلك الشرط لتلك الفائدة مع أنه لا يمكن أن يكون المال الحاصل بكسب الحجامة حلالًا للعبد حرامًا للمولى.\nقوله [نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور] إن كان المراد التنزه عن ثمنيهما فالأمر ظاهر وإن كان التحريم في الكلب والتنزيه في السنور فإرادة المعنيين معًا بلفظ واحد مشكل، والجواب أنه ﷺ نهى عنهما منفردًا كلًا منهما عن الآخر فكان أحدهما تنزيهًا والآخر تحريمًا، ثم لما رواهما الراوي أوردهما معًا للاشتراك في اللفظ لا غير مع أنه يصح على عموم المجاز بإرادة معنى أعم من\n_________\n(١) حكى الشوكاني في النيل تحريم كسب الحجام عن بعض أصحاب الحديث وحكى القارئ في شرح الشمائل عن أحمد التفريق بين الحر والعبد.","vol":"2","page":323},{"text":"التنزيه والتحريم، والجواب عن ثمن الكلب ما مر أن حرمته منسوخة، قوله [نهى عن أكل الهر وثمنه] والجواب عن استعمال اللفظ في معنييه ما سبق آنفًا.\n[ولا يصح إسناده أيضًا] كأنه يشير إلى تضعيف استثناء كلب الصيد لمخالفته مذهبه، والجواب أن تعدد الطرق جابر لضعفه، قوله [وثمنهن حرام] أي ما كان منه على غنائها فإن المأخذ منظور إليه في الحكم على المشتق ولا يحرم الثمن إذا باعها من غير نظر إلى وصف غنائها، قوله [من فرق بين والدة وولدها] ثم استنبط المجتهدون (١) -شكر الله سعيهم- أن المحرم قرابة مطلقة لا خصوص الولاء وإلا أنه يشترط كونها موجبة لحرمة الازدواج وإن موجب الترحم هو الصغر فلا بأس بتفريق الكبيرين لأنه لم يدخل تحت قوله من لم يرحم صغيرنا، ولما ثبت من تفريق النبي ﷺ بين مارية أم ولد النبي ﷺ وأختها (٢) أم عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقوله [وهب لي غلامين] قد ثبت بالرواية أنهما كانا صغيرين (٣).\n_________\n(١) قال الشوكاني: في أحاديث الباب دليل على تحريم التفريق بين الوالدة والولد وبين الأخوين أما بين الوالدة والولد فحكى أنه إجماع، واختلف في انعقاد البيع فذهب الشافعي إلى أنه لا ينعقد، وقال أبو حنيفة وهو قول للشافعي ينعقد، وأما بقية القرابة فذهبت الحنفية إلى أنه يحرم، وقال الشافعي لا يحرم، انتهى.\n(٢) بياض في الأصل، ولعله وقع تردد في اسمها وفي الهداية قد صح أنه ﷺ فرق بين مارية وسيرين وكانتا أمتين أختين، انتهى، قلت: وفي شروح الهداية مارية هي أم إبراهيم أم ولده ﷺ وسيرين وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت وهي أم عبد الرحمن بن حسان، انتهى.\n(٣) كما ذكره صاحب الهداية إلا أن الحافظين الزيلعي وابن حجر لم يذكرا فيما خرجاه من الروايات لفظ الصغيرين، ولم يتعقبا صاحب الهداية أيضًا فتأمل.","vol":"2","page":324},{"text":"قوله [وقد كره بعض أهل العلم التفريق بين السبي مطلقًا] سواء كان بينهم قرابة أم لا وصغارًا كانوا أو كبارًا، وأنت تعلم ما فيه من الحرج ومخالفة فعله ﷺ وما تعاملته الصحابة والتابعون أفلا تراهم كانوا يقتسمون على حسب انصبائهم السبي كالأموال وإنما غرهم عموم قوله ﷺ المذكور من قبل قوله [رخص بعض أهل العلم بالتفريق بين المولدات إلخ] لما أنهم يستأنسون بصبيان المسلمين ورجالهم ونسائهم فلا يتضررون بمفارقة آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم الأخر، قوله [إني قد استاذنتها] لعل الولد كان كبيرًا فلم يحتج إلى عدم التفريق لأجله لكونه قد استغنى عنها فكان له بيعه من غير رضاء الأم والولد شرعًا إلا أنه امتن على الأم وأراد أن لا يفرقهما لو كانت تستضر بذلك، فلما أذنت فرق بينهما بأذنها استحسانًا واحتياطًا، وإذنها دليل أيضًا على أنه كان كبيرًا إذ لولا ذلك لما أذنت، قوله [أن الخراج بالضمان] تفسيره مستغن عن البيان فإن العبد إذا دخل في ضمانه فلو هلك بعد ذلك هلك من ماله فهذا الغرم بذلك الغنم، قوله [من حديث هشام بن عروة] يعني أن الغرابة جاءت فيه من قبله واستغرب (١) محمد هذا الحديث بحجة أنه ظن أن عمر بن علي تفرد فيه وظنه هذا غير صحيح، لما أن مسلمًا وجريرًا يرويانه عن هشام ولو نقض في جرير لبقى الآخر سالمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>[باب ما جاء في الرخصة في أكل الثمار للمار بها]</span>\nهذا مبني على عرف الأنصار أنهم كانوا لا يمنعون عن ذلك فكل موطن يحكم فيه على عرف أهله والأنصار كانوا لا يمنعون أحدًا أكل الساقط والجائع عن أكل المعلق أيضًا، وكل ما قال المؤلف من الأقوال ههنا فهي مبنية على أن عرف بلدان قائليها كان كذلك وكل بلدة رخص أهلها في الساقط، والمعلق للجائع والشبعان كان الحكم الجواز هناك،\n_________\n(١) قال الحافظ: في بلوغ المرام الحديث ضعفه البخاري وأبو داؤد وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان، انتهى.","vol":"2","page":325},{"text":"قوله [لا ترم وكل إلخ] علم من حاله بقرائن موجودة هناك أنه ليس فيمن يجوز له أكل المعلق بالجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>[باب ما جاء في الثنيا]</span>\nقوله [نهى عن المحاقلة والمزانبة والمخابرة والثنيا إلا أن تعلم] أما المحاقلة والمزابنة فقد مر (١) تفسيرهما والمخابرة هي المزارعة (٢) وهي عقد على الزرع ببعض الخارج، ومما استدل به الإمام على نهيه هذا الحديث فلا سبيل عند الإمام إلا إجارة الأرض أو استيجار الإنسان والدواب، وقال صاحباه هي جائزة لما أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع والذي نهى عنه النبي ﷺ كان يكون مشروطًا بشروط فاسدة لا يقتضيها العقد كاستثناء ما يخرج على الجداول والسواقي إلى غير ذلك، لا مطلق المزارعة، وقوله أحوط (٣) لكن الفتوى على قولهما لكثرة الاحتياج إلى المزارعة، وأما الثنيا فهي أقسام استثناء جزء شائع كالنصف والثلث واستثناء تخل معين أو تخلات كذلك واستثناء أرطال (٤) معلومة، وهذا القسم الثالث\n_________\n(١) في باب النهي عن المحاقلة والمزابنة.\n(٢) قال صاحب الهداية، المزارعة مفاعلة من الزرع وفي الشريعة عقد على الزرع ببعض الخارج وهي فاسدة عند أبي حنيفة، وقالا جائزة لما روى أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع وله ما روى أنه ﵇ نهى عن المخابرة وهي المزارعة ومعاملة النبي ﷺ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز، انتهى مختصرًا.\n(٣) يعني قول الإمام أحوط لكونه موافقًا لحديث قولي صريح نص في الباب ولو سلم التعارض فالترجيح للمحرم أيضًا يؤيده.\n(٤) ففي الدر المختار ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صح استثناؤه منه إلا لوصيته بالخدمة فصح استثناء قفيز من صبرة وشاة معينة من قطيع وأرطال معلومة من بيع ثمر نخلة لصحة إيراد العقد عليها، انتهى، وبحث فيه ابن عابدين فارجع إليه لو شئت.","vol":"2","page":326},{"text":"لا يجوز إلا إذا علم بيقين أنه يفضل من ذلك المبيع للمشتري بقية بعد إخراج ذلك المقدار، وأما إذا لم يعلم فلا يجوز والقسمان الأولان جائزان من غير تفصيل، وما وراء ذلك المذكور من الصور الثلاث فهو غير جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>[باب كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه]</span>\nفقد سبق ذكره مفصلًا إلا أن الذي ينبغي التنبيه له أن قول ابن عباس، وأحسب كل شيء مثله، يشير إلى أن المفهوم غير معتبر عنده إذ لو كان المفهوم معتبرًا لم يقل وأحسب كل شيء مثله بل نفى الحرمة عن غير الطعام وفيه شبهة وهي أن الأمر لو كان كذلك لما ذهب أحد من أصحاب المفهوم إلى حرمته في غير الطعام مع أنه ليس كذلك فلعلهم رأوا في ذكر القيد فائدة أخرى فلا يفتقر إلى القول بالاحتراز إذ أصحاب المفهوم أيضًا لا يذهبون إلى مفهوم المخالفة إلا إذا لم يظهر لذكر القيد فائدة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>[باب ما جاء في النهي عن البيع على بيع أخيه]</span>\nالمراد بحديث السوم وحديث البيع واحد وهو الاستيام على استيامه، وهو مقيد بما إذا ركن أحدهما على الآخر كما سبق، وأما البيع على بيع أخيه كما هو مدلول ظاهر ألفاظ الحديث فغير مقدور له إذ قد نفذ فيه ملك المشتري الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>[باب ما جاء في بيع الخمر </span>إلخ] سبق بعض تفصيله (١)، وأما كسر الدنان فكان لتشديد أمرها وتوكيد نفرتها وحرمتها أو لأن الخمر يتشرب في الدنان فخاف أن ينقعوا فيه التمر ثم يشتد لأثر الخمر فيضنوا به (٢) جريًا على اعتياد نفوسهم بشربها وكثرة رغباتها في الطباع.\n_________\n(١) أي ما يتعلق بأمر إهراق الخمر مع كونه ليتيم فقد تقدم قريبًا في باب النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر ببيعها.\n(٢) هكذا في الأصل، قال المجد: ضي كرضي ضننًا وضن كحرى وحر ومرض مرضًا مخامرًا كلما ظن برؤه نكس، انتهى (وفي لغات الصراح ضنى (روكي هونا) أي لم يبرحوا معتادين بشرب الخمر.","vol":"2","page":327},{"text":"قوله [وهذا أصح] يعني أن رواية أنس قصة أبي طلحة هو الأصح لا كما رواه الليث من رواية أبي طلحة قصة نفسه لأنس (١) ولعل الوجه في كونها أصح كثرة من روى هذا الحديث موافقًا لرواية سفيان دون الليث، ولكن الجمع بينهما ممكن بحيث لا يكون مدلول أحد السندين مخالفًا لما دل عليه السند الآخر، وهو أن معنى قوله عن أبي طلحة عن قصته وحاله لا أنه روى عنه، قوله [عاصرها] المرتكب لفعل العصر والمعتصر من يرتكب له والظاهر أن العاصر من يرتكب العصر لغيره والمعتصر لنفسه، وفي حكم العاصر كل من اهتم لأمرها وسعى في إعدادها، فأما الأجير لحملها فلم يوجدها ولا هو ساع في إيجادها فلا يقاس أحدهما على الآخر، والحامل هو الحامل ليشرب فلا يدخل فيه من استأجره (٢) ذي ليحمل خمره إلى بلدة كذا لما أنه لم يحمل لذلك، وإن لم يخل فعله هذا عن كراهة إلا أنه لا يحرم عليه أجرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>[باب ما جاء في احتلاب المواشي بغير إذن الأرباب]</span>\nهذا كما تقدم في أكل الثمار مبني على عرف الأنصار فإنهم كانوا لا يمنعون المسافر، ولا الجائع عنه إلا إن لفظ الحديث يشير إلى أن استعمال ملك الغير لا يجوز من غير إذنه غير أن\n_________\n(١) قلت: وفي متن الروايتين أيضًا فرق وهو أن في الحديث الأول كان شراء أبي طلحة، وفي الثاني كان موجودًا عنده، قال الزيلعي وأخرج مسلم عن أنس أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا قال أهرقها، الحديث.\n(٢) ففي الدر المختار جاز حمل خمر ذي بنفسه أو دابته بأجر لا عصرها لقيام المعصية بنفسه، انتهى، وذكر صاحب الهداية الخلاف في ذلك بين الإمام وصاحبيه فقال يطيب له الأجر عند الإمام، وقالا يكره له ذلك للحديث وله أن المعصية في شربها وهو فعل فاعل مختار، وليس الشرب من ضرورات الحمل، والحديث محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية.","vol":"2","page":328},{"text":"الأمر والإذن قد يكون صراحة وقد يكون دلالة والأول هو الأول والأولى فعليه أن يجهد لتحصيل صريح الإذن لأصالته، وإذا علم أن ليس هناك أحد يستأذنه يكتفي بدلالة إذن العرف ولا يجوز الإقدام عليه فيمن ليس لهم عرف في الإذن إلا أن المضطر يشرب منه ويضمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>[باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام]</span>\nعطف على الجلود وبيعها حرام إذا باعها لكونها أصنامًا، وأما إذا باعها لغير ذلك كمن باع حطبًا وفيه أصنام خشب فالبيع جائز إذا باع بثمن الخشب والحطب لأنه لم يبع أصنامًا إلا أن يبيعه ممن يعلم أنه يعظمه أو يعبد، قوله [قيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة إلخ] إنما سألوا عن ذلك بعد العلم بأن حرمة الانتفاع بالميتة توجب حرمة الانتفاع بسائر أجزائها لما علموا أن بعض أجزاء الميتة جائز استعمالها كاهليها (١) وعظامها فلعل الحكم في الشحم يكون هو الجواز كيف وهم يفتقرون إليه في كثير من الأمور مع ما رخص الشارع في إحراق بعض النجاسات كإحراق الخثي والروث والبعر والاستصباح بالدهن (٢) الذي تنجس بوقوع نجس فيه، وحاصل الجواب أن جواز الانتفاع موكول على زوال الرطوبات النجسة ولا يمكن زوال الرطوبة من الشحم ثم أكد النبي ﷺ أمر حرمة الانتفاع بالميتة وأجزائها، بقوله [قاتل الله إلخ] لما أن الغالب عليهم أن يرتكبوا مثل ما ارتكبت اليهود\n_________\n(١) أي بعد الدبغ فإنه لا يجوز استعماله قبل الدبغ عند الجمهور.\n(٢) ففي الدر المختار عن المجمع ونجيز بيع الدهن المتنجس والانتفاع به في غير الأكل بخلاف الودك، قال ابن عابدين: قوله نجيز أشار بالفعل المضارع بضمير الجماعة إلى خلاف الشافعي كما هو اصطلاحه، وقوله في غير الأكل كالاستصباح وقيدوه بغير المسجد، وقوله بخلاف الودك، أي دهن الميتة لأنه جزؤها فلا يجوز بيعه اتفاقًا، وكذا الانتفاع به لحديث البخاري «إن الله حرم بيع الخمر» فذكر حديث الباب.","vol":"2","page":329},{"text":"والنصارى سيما (١) وقد أخبر بذلك النبي ﷺ في أحاديثه فكان لعن اليهود في هذا الحديث ردعًا لأمته المرحومة عن اختراع الحيل في إحلال ما حرمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>[باب كراهية الرجوع من الهبة]</span>\nالهبة مصدر وهبة يهب، وقد يطلق على ما يوهب فكان مصدرًا بمعنى المفعول ولذلك تراهم يستعملونه تارة بلفظ من كما في ترجمة الباب، وهي ههنا مصدر وتارة بلفظ في كما في لفظ الحديث فهي بمعنى المفعول ثم لا يخفي إنه لو عاد الواهب في هبته فإنه يملكها مع ارتكاب المحرم وأما العود في هبة ذي رحم محرم منه فغير جائز لحديث النبي ﷺ إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها رواه البيهقي (٢) والدارقطني والحاكم، بقى المعارضة في هذا الحديث وفي قوله ﷺ لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا لوالد فيما يعطي ولده فإن الولد من أقرب قريب ذي رحم محرم والجواب أن الاستثناء ههنا منقطع، وليس أخذ الأب هبته ذلك من الرجوع في شيء إنما هو تملك من الأب لهذا الشيء كسائر أملاك الابن لا لكونه هبة بل لكونه ملك ولده وقد رخصه الشارع أن يتملك أملاك عند فاقته إليها بقوله أنت ومالك\n_________\n(١) ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد مرفوعًا لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن، وفي الباب عن أبي واقد الليثي عند الترمذي، وقال في آخره: في الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة، انتهى.\n(٢) قال الحافظ في الدراية: حديث إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها رواه الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريق الحسن عن سمرة بهذا، قال الحاكم صحيح، وقال الدارقطني تفرد به عبد الله بن جعفر عن ابن المبارك عن حماد بن سلمة عن قتادة عنه وظن ابن الجوزي أنه ابن المديني فضعفه وليس كما ظن بل هو الرقي وهو ثقة، انتهى.","vol":"2","page":330},{"text":"لأبيك، فكان قوله هذا دفعًا لضرر الامتناع عن تملك ما وهبوا لأبنائهم فإنهم لما نظروا إلى ظاهر قوله، العائد في هبته كالكلب، فلعلهم أن يستنكفوا ويأنفوا عما وهبوه الأبناء فأزال النبي ﷺ ذلك الأنفة بأن أورده بلفظ الاستثناء كأنه جوز لهم تملك ما ملكته الأبناء ولو كان ذلك رجوعًا في الهبة، قوله [مثل السوء] يصح بفتح وضم للسين، قوله [كالكلب يعود في قيئه] ومن عادته أنه إذا أكثر من أكل شيء ذهب فأدخل في حلقه شيئًا من النباتات فقاء وجعله محفوظًا ثم إذا اشتهى أكل منه والتشبيه في كونه مكروهًا طبيعيًا وفيه دلالة على جواز العود إذ لا شك أن الكلب ينتفع بفعله هذا ويحصل له شبع بما قاء أولًا فكذلك العائد في الهبة لا يحرم من التملك وإن لم تخل فعلته تلك من كراهة.\nقوله [وهو قول الثوري إلخ] وذلك لأن الرواية المذكورة من قبل لم تخل عن إشارة ما إلى جواز العود في الهبة مطلقًا ثم خصص الرواية الثانية، وهو قوله ﵊ الواهب أحق بهبته ما لم يثبت منها وقوله ﵊ إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها خصص منها هبة عوض منها وهبة لذي رحم فبقى الباقي (١) على عمومه وهو جواز العود (٢) في الهبة ومعنى قوله [والعمل على هذا عند أهل العلم إلخ] أنهم عملوا على هذا الحديث المار من قبل مع ملاحظة للروايات الآخر لا أنهم قصروا نظرهم على هذه الرواية فقط حتى يتوهم أن ما ذكره منهم ليس بمستنبط عن هذه الرواية صراحة ولا إشارة فكيف قال: والعمل على هذا إلخ.\n_________\n(١) أي غير الهبتين المذكورتين وما في معناهما فإن الرجوع عند الإمام لا يجوز في سبعة مواضع جمعها قولهم دمع خزقه.\n(٢) وبه قالت الحنفية بشرط التراضي أو قضاء القاضي كما في الكفاية وتكملة فتح القدير وغيرهما.","vol":"2","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>[باب ما جاء في العرايا والرخصة في ذلك]</span>\nاعلم أن العرية (١) هي العطية وكانوا يعطون المفاليس أشجارًا ونخلات من حيطانهم ليأكلوا ثمارها ثم إن الأنصار ملاك البساتين كان من عادتهم توطن الحيطان في أيام إدراك الثمار يقيمون بها مع أهلهم فكانوا يتضررون بدخول هؤلاء المفاليس عليهم في أي وقت شاؤا وكان هؤلاء يتضررون بالذهاب إلى البساتين والإياب منها لثمرات ثمرات فلما علم النبي ﷺ بتضرر الفريقين كليهما رخص المفاليس أن يبيعوا أرطابهم والأغنياء الملاك للبساتين أن يشتروا هذه الأرطاب بتمرات مثل كيلها خرصًا فقد تبين أن تسمية هذه المبادلة بيعًا مجاز لما أنها كانت هبة لم تتم لعدم القبض فعوضوا عن هبتهم هبة أخرى والخرص كان تطييبًا لقلوب المعرى لهم لما كانوا يترقبون وصول ذلك المقدار إليهم بعد الجذ وإيفاء لعدة من أعرى من الأغنياء فإنه إذا وعد بإعطاء حق ونوى أن يعطي ذلك المقدار فأولى له أن لا ينقص منه ويفي بوعده بتمامه، ثم تقييده بخمسة أوسق كما وقع في بعض الروايات مبني على أنهم كانوا يعرون كذلك ولو أعطوا أكثر منه رخص فيه وكذلك استبداله بالتمر لما أنهم لا يجدون إلا ذلك فلو استبدلوه بالأرطاب أو بالثمن لجاز لهم إلا أن ذلك لم يكن فلم يذكر هذا ما قال الإمام الهمام، وقال الآخرون أن العرية مزابنة إلا أن العرية يطلق على ما قل المبيع فيه من خمسة أوسق وهي جائزة مع حرمة المزابنة التي هي داخلة فيها لاستثناء النبي ﷺ إياها عن الحرمة حين حرم المزابنة وأنت تعلم أن هذا خرق لعرف اللغة إذ ليس فيه معنى العارية والتزام لمفاسد كثيرة لا تحصى منها إبقاؤها على النخيل بعد الشراء فإن الرجل إذا اشترى ما على الشجر فليس له أن يترك على النخيل بعد ذلك ومنها ما في ذلك من شبهة الربا فإن الخرص فيه ثلاثة احتمالات، إما أن\n_________\n(١) قال صاحب المجمع: هو فعيلة بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا قصد أو بمعنى فاعلة من عرى يعرى إذا خلع ثوبه كأنها عريت من التحريم فعريت، انتهى.","vol":"2","page":332},{"text":"يزيد ما على النخيل أو يزيد ما على الأرض أو تساويًا وهذا الثالث نادر جدًا، وفي الأولين يتحقق الربا لا محالة إلا أن يقال هذا محتمل عند الكل فأنا أيضًا (١) مقرون بجواز ذلك إذا لم يكن نسيئة، والثالث (٢) أن معطي التمر، إما أن يعطيها قبل أن يجذ الرطاب أو بعده فإن كان الأول لزم ما قلنا (٣) آنفًا من بيع الثمر بالتمر نسيئة وإن كان الثاني لزم بيع الكالي بالكالي، قوله [وهذا أصح من حديث] أي الذكر (٤) بعنوان الاستثناء غير الأصح والأصح هو أن يذكر كما ذكره مالك، قوله [معنى هذا] أي وجه الجواز وهذا التفسير يغاير تفسيرنا المتقدم والفاعل على هذا في قوله قالوا لا نجد ما نشتري هم الذين ليس لهم بساتين واشتهوا أن يأكلوا الأرطاب وليس لهم الثمن ولا شيء آخر غير التمر ويمكن إرجاعه إلى\n_________\n(١) يعني إذا تحقق المساواة كلية فنحن أيضًا مقرون بالجواز لكن الشرط منتف فإنه لا سبيل إلى العلم بالمساواة بالقطعية فآض الاحتمالات الثلاثة وهي شبهة الريا.\n(٢) أي من المفاسد وتقدم المفسدان من قوله منها إبقاؤها إلخ ومن شبهة الربا.\n(٣) لعله إشارة إلى قوله إبقاؤها على النخيل فإن في الإبقاء على النخيل ما يزيد بعد البيع يكون البيع فيه نسيئة على الظاهر، فتأمل.\n(٤) قلت: وفسر الحافظ في الفتح كلام الترمذي بغير ما أفاده الشيخ فقال أخرج الترمذي من طريق محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت ولم يفصل حديث ابن عمر من حديث زيد بن ثابت وأشار الترمذي إلى أنه وهم فيه والصواب التفصيل يعني أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يرد في حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه ابن عمر بغير واسطة وروى ابن عمر استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظة احتمل أن يكون ابن عمر حمل الحديث كله عن زيد بن ثابت وكان عنده بعضه بغير واسطة، انتهى.","vol":"2","page":333},{"text":"ما قلنا بأن أصحاب البساتين شكوا إليه أنا لا نجد ما نشتري به الثمار اللاتي أعطيناها الفقراء إلا أن نشتري بالتمر، وقد علموا أن اشتراء الثمر بالتمر نسيئة لا يجوز وفي شرائها بها ناجزًا حرج إذ يلزم أن يعطوا كل ما (١) أخذوا ثمرًا تمرًا ولا يحصل لهم ما قصدوا من أن يأكلوها متى شاؤا إذ يلزم أن يجذوها مرة فيستبدلوا بها فرخصهم في استبدالها بالتمر وفيه أنه يلزم هذا لو لم تكن لهم سوى تلك النخلات التي أعطوها الفقراء وهو ممنوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>[باب ما جاء في كراهة النجش]</span>\nوهو المعنى (٢) بالتنقيق المنفي من قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>[باب ما جاء في الرجحان في الوزن]</span>\nإنما بينه لئلا يتوهم أنها زيادة خالية عن العوض فيتوهم كونه ريا فدفعه النبي ﷺ بأنها جائزة لخلوها عن الاشتراط وفيه مرضاة الطرفين ولا عرف حتى يعد مشروطًا، قوله [فساومنا بسراويل] وكان النبي ﷺ اشتراها بشيء وزني لا بالثمن كما هو مدلول قوله ﷺ زن وأرجح، وأما أنه شراه بثمن وأمر بوزنه فبعيد يتوقف على إثبات أنه شرى جملة (٣) منها، وقد ثبت بهذا شراؤه سراويل ولم يصرح (٤) في شيء من الروايات أنه لبسها.\n_________\n(١) يعني لو أعطوا بكل ما جذوا من الثمر مقدارها من التمر ففيه حرج.\n(٢) أي المقصود منها واحد وهو الخداع وتغرير المشتري وإلا فمصداق حديث التنفيق هو البائع على المشهور والنجش بفتحتين أن يزيد أحد في الثمن ولا يريد الشراء ليرغب غيره كذا في الهداية، وهذا هو المشهور وفي المجمع نهى عن النجش في البيع هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها أو يزيد الثمن ولا يريد شراؤها انتهى، فعلى المعنى الأول محمل النجش والتنفيق واحد، وحمل كلام الشيخ على هذا أظهر.\n(٣) هكذا في الأصل، والظاهر أن المراد جماعة منها لأن وزن الثمن من النقود يكون على الظاهر بمقابل المعدودة.\n(٤) وما في جمع الفوائد من رواية الموصلي والأوسط عن أبي هريرة بلفظ قلت: يا رسول الله إنك لتلبس السراويل قال أجل في السفر والحضر وبالليل والنهار فإني أمرت بالستر فلم أجد شيئًا أستر منه، حكم السيوطي على سنده بالضعف ولذا اختلف أهل العلم في ثبوت لبسه ﷺ السراويل نفاه جماعة ومال ابن القيم إلى الإثبات.","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>[باب ما جاء في الأنظار للمعسر]</span>\nإظلال العرش منبئ عن كون العرصة خارجًا عن ظل العرش ولا ضير فيه فإن سعة القدرة والعلم أكثر من ذلك بكثير فلا يردان السموات والأرض محاطة بالعرش فلا أحد يكون خارجًا من ظل العرش ولا يبعد أن يقال المراد بالظل نوع منه مختص لا يوجد لغيره وإن العرش وإن شمل كل مكان وجد ثمة فلا يستلزم أن يكون القائم تحت العرش مظللًا، كيف والشمس التي منها الحر والحرور تحت العرش لا يجدي كون أهل الحشر تحت العرش ما لم يظلهم الله تعالى بظل من رحمته ولو بشيء من جوانب العرش وجهاته وهو المراد في أمثال هذه الروايات، والله أعلم بالصواب، قوله [أو وضع له] سواء كان ضعة بعضه أو كله، قوله [فلم يوجد له من الخير شيء] أي من الخير الذي يوجب له انفتاح الغرفة إلى الجنة، ورفع الدرجات، وأما أصل الإيمان فغير منفي عنه، ومن ههنا يعلم أن الرجل إذا فعل خيرًا ولم ينوبه الثواب بل إنما كان لاعتياده كريم الأخلاق أو لمقتضى طبعه أن يرحم بني نوعه فإنه يثاب عليه إذ لو كان الرجل المذكور في الحديث ينوي بإنظاره ذلك أجر الآخرة لما قيل فلم يوجد له من الخير شيء وينبغي أن يعلم أن هذه المحاسبة له قد وقع في القبر على خلاف ما جرت به العادة من أنهم يحاسبون يوم القيامة لا قبله، وكثيرًا ما يعبر عن أحوال الحشر بلفظ المضي لتيقن وقوعها، يبعد أن يكون المذكور في الرواية جاريًا على تلك الطريقة أو يكون قد كشف عليه ﷺ فذكره بلفظ الماضي لما أنه قد شاهده وعاينه وهذا كثير في الكتاب والسنة","vol":"2","page":335},{"text":"أو يقال إن المراد بالمحاسبة هو النظر إليها والمقابلة بين سيئاته وحسناته والموازنة فيها من غير ميزان لا المحاسبة الحقيقية، ثم اعلم أن المذكور في أخبار أحوال القبر وأهوال الحشر إنما هو حال الكفرة الخلص أو المؤمنين الكمل، وأما ما يجده في القبر فساق الأمة وفجارها فقد طوى ذكرها في الأحاديث والذي يعلم بعد تتبعها أنهم يعذبون في قبورهم ومع ذلك فيراحون ويوعدهم لهم الخيرات ولا يقنطون فكان تعذيبهم كتعذيب الآباء والأمهات أولادهم أو كتعذيب الأطباء أو الجراحين المرضى والجرحى بإشرابهم أدوية كريهة الطعم وشق الجروح إلى غير ذلك فإن هؤلاء ما يقاسون كل ذلك لا ييئسون عن برئهم وصحتهم ولا يبغضون من عذبهم ويعلمون أنهم يغسلون بذلك التعذيب عن دنس الأوساخ التي ارتكبوها في الدنيا من منهياته تعالى، قوله [نحن أحق بذلك منه] لأنه أتى به مع كونه مفتقرًا متطمعًا إلى غير ذلك.\n\n[باب ما جاء في مطل الغني (١) ظلم] بينه النبي ﷺ لئلا يتلفوا حقوق الناس محتجين بما ورد في الأنظار من الأحاديث والأخبار، قوله [وقال إسحاق] ظاهر سوق المؤلف هذه العبارة مشير إلى فرق بينه أي بين توجيه الحديث على ما ذكره إسحاق وبين مذهب الأحناف (٢) فإنه جوز الرجوع على المحيل إذا ظن\n_________\n(١) من إضافة المصدر إلى فاعله كما هو المشهور وعليه الجمهور، وقيل إلى المفعول يعني يمطله لأنه غني وإذا كان في حق الغنى ففي حق الفقير أولى.\n(٢) ومذهب الأحناف في ذلك ما في الهداية ونصه تصح الحوالة برضاء المحيل والمحتال والمحتال عليه، وإذا تمت الحوالة بريئى المحيل من الدين بالقبول، وقال زفر لا يبرأ اعتبارًا بالكفالة ولنا أن الحوالة النقل لغة، ثم لا يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوي حقه، وقال الشافعي لا يرجع وإن توى والتوى عند أبي حنيفة أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة له عليه أو يموت مفلسًا وقالا الثالث أن يحكم الحاكم بإفلاسه، وهذا بناء على أن الإفلاس لا يتحقق بحكم القاضي عنده خلافًا لهما.","vol":"2","page":336},{"text":"المحتال عليه وقت الحوالة غنيًا وكان بخلافه وإذا كان غنيًا وقت الحوالة ثم أفلس فلا، ولكن يمكن إرجاعها إلى ما ذهبنا إليه بأن له الرجوع إذا ظن المحتال عليه غنيًا فظهر خلافه أي سواء كان فقره طارئًا أو دائمًا، يعني سواء كان غنيًا وقت الحوالة ثم أفلس أو كان فقيرًا حين قبل الحوالة، قوله [ومعنى هذا الحديث أن يقول إلخ] قد بينا لك من قبل أن اشتراط القول يحتاج إليه في موضع لم يتعارفوا ذلك، وأما إذا كان معروفًا لهم كالعرب فلا يفتقر إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>[باب ما جاء في السلف في الطعام والثمر]</span>\nويعلم مما سبق من نهى بيع الحيوان بالحيوان نسيئة عدم جواز السلم في الحيوان لتفاوت فاحش بين أفراد نوع واحد منه لأنه لا ينضبط مع بيان صفته أيضًا فكم بين مهزول ومهزول ثم إن قوله ﷺ في كيل معلوم ووزن معلوم يقتضي تقدم العلم بجنس المسلم فيه وصفته وقدره فأن أريد بالوزن والكيل الموزون والمكيل فهو ظاهر وإن أريد بهما الكيل والوزن كما هو الحقيقة فبدلالة النص لأن العلم بقدره لما كان واجبًا كان العلم بجنسه وصفته أوجب، وقوله إلى أجل معلوم يدل بإشارته إلى أن الواجب فيه أن يكون مؤجلًا لا كما ذهب إليه الشافعي من جواز السلف ولو حالًا وله أن يعتذر بأن ذكر الأجل لكونهم كانوا يسلفون كذلك وللبناء على الغالب لا لأن السلف لا يكون إلى أجل ثم إن تقدير الأجل بالشهر أقرب إلى القياس لما فيه من تمكن المسلم إليه في رأس مال (١) السلم ولأنهم كانوا يسلفون بعد بدو الثمار ومن\n_________\n(١) ويطلق رأس المال على الثمن والمعنى أنه يقدر في هذه المدة بالتصرف في الثمن على تحصيل المسلم فيه قال صاحب الهداية: لا يجوز السلم إلا مؤجلًا، قال ابن الهمام، وبه قال مالك وأحمد ثم قال صاحب الهداية، وقال وقال الشافعي يجوز حالًا لإطلاق الحديث، ولنا قوله ﷺ إلى أجل معلوم ولأنه شرع رخصة دفعًا لحاجة المفاليس فلا بد من الأجل ليقدر على التحصيل فيه.","vol":"2","page":337},{"text":"الظاهر أن الإدراك في الثمار لا يتوقف على أكثر من ذلك إلا بقليل فكان الشهر هو المعيار، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>[باب ما جاء في الأرض المشترك يريد بعضم بيع نصيبه]</span>\nقوله [فلا يبيع نصيبه من ذلك حتى يعرضه على شريكه] استدل بذلك من قال لا يأخذه الشفيع بعد ما عرضه البائع عليه فأنكر ثم بدأ له (١) أن يشتري لأن الثابت له خيار الأخذ حين العرض والذي عليه أكثر الفقهاء أن له ولاية الأخذ بعد ما أنكره وقت عرضه عليه، والجواب عن ذلك الحديث أن الثابت بذلك الحديث رفع الإثم عن البائع لو باع نصيبه بعد العرض، وأما لو باع نصيبه قبل عرضه على شريكه فإنه يأثم فلا تعرض في الحديث لأخذ الشفيع ولا لعدم أخذه فأنى يتم الاستدلال، قوله [ولعله سمع منه] هذا رد على (٢) ما أثبت محمد من الانقطاع بإبداء احتمال لا على سبيل اليقين، وحاصله أن الاستدلال بوفاة سليمان قبل جابر على أنه لم يحدث قتادة إنما يتم لو ثبت أن سليمان لم يحدث قتادة في حياة جابر وهذا غير\n_________\n(١) قال النووي: اختلف العلماء فيما لو أعلم بالشريك بالبيع فإذن فيه فباع ثم أراد الشريك أن يأخذ بالشفعة فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابهم وغيرهم له أن يأخذ بالشفعة، وقال الحكم والثوري وطائفة من أهل الحديث ليس له الأخذ وعن أحمد روايتان كالمذهبين، انتهى.\n(٢) يؤيد ما أفاده الشيخ ظاهر سياق المصنف لا سميا قوله الآتي قال وإنما يحدث إلخ لأنه يدل على أن ما قبله ليس من كلام البخاري وإلا فلا احتياج إلى إعادة قوله مال لكن ظاهر كلام الحافظ في التهذيب يدل على أن قوله، لعله سمع إلخ من كلام البخاري ولفظه: قال البخاري يقال إنه مات في حياة جابر ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر ولا تعرف لأحد منهم سماعًا إلا أن يكون عمرو بن دينار سمع منه في حياة جابر، انتهى.","vol":"2","page":338},{"text":"ثابت فأي مانع من أن يكون قتادة سمع سليمان اليشكري ثم حضر جناب جابر فسمع عنه وكان قتادة وأبو بشر حضرا جابرًا في آخر أيامه، وأما عمرو بن دينار فلقى جابرًا أولًا وآخرًا.\n[قال وإنما يحدث قتادة عن صحيفة إلخ] هذه مقولة البخاري واستدل عليها بما رواه أستاذه علي بن المديني من يحيى (١) بن سعيد من أستاذه سليمان، قوله [وإني لأرجو أن ألقي ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة] يعني لو سعرت فلعلي أحكم حكمًا يضر البيعة أو غيرهم في نفس الأمر ولو لم أكن ظالمًا في حكمي لما أني كنت قد حكمت بعد تفصح وافر واستشارة كافية إلا أن المطالبة بعد باقية لما أن المطالبة تنقسم إلى ما يمكن الخروج عن عهدة جوابه وإلى ما لا يمكن الخروج عنه والمطالبة بكلا نوعيها لا أرضاها لنفسي فهذه المطالبة وإن كانت من القسم الأول إلا أني لا أرتضيه أيضًا لنفسي عند ربي وقت اجتماع الأولين والآخرين وبذلك يعلم جواز التسعير للحاكم إذا أضر (٢) أصحاب الأموال أي البيعة بأهل البلد أي بإغلاء السعر.\nقوله [استقرض رسول الله ﷺ] لا يعارض قوله المتقدم المتضمن للنهي عنه كيف وهو معصوم أن يأخذ حق غيره حتى يفضي إلى النزاع وهو الموجب للفساد، وهذا هو الجواب عن الحنيفة في نهيهم عن استقراض الحيوان أو هو\n_________\n(١) أي يحيى القطان كما ذكره الحافظ، في ترجمة سليمان التيمي.\n(٢) وبذلك قالت الحنفية ففي الهداية لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس لقوله ﷺ لا تسعروا فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق فلا ينبغي للإمام أن يتعرض إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون عن القيمة تعديًا فاحشًا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير فحينئذ لا بأس به، انتهى مختصرًا.","vol":"2","page":339},{"text":"محمول على ابتداء (١) الأمر فنسخ.\n[فإن لصاحب الحق مقالًا] أشار إلى ذلك بقوله مطل الغني ظلم فإن المطل لما كان ظلمًا والظالم يجزئ على ما ارتكبه فله (٢) أن يقوله وصاحب الحق لا يأخذ في المقال إلا بما يعلم أنه يظلمه بالمطل فكان معذورًا حسب ظنه، قوله [أعطه إياه] قد يشتبه أنه ﷺ كيف آتاه من إبل الصدقة وفيه زيادة وليست مملوكة له ﷺ وإنما كانت لعامة المسلمين، والجواب أنه أيضًا من المسلمين المفتقرين فكان له حق في بيت المال أيضًا.\n_________\n(١) كما ذكره الطحاوي احتمالًا وذكر له القرائن.\n(٢) أي فلصاحب الحق أن يقول ما شاء من المقال فضمير المفعول إلى المقال.","vol":"2","page":340},{"text":"أبواب الأحكام (١) عن رسول الله ﷺ\n[من كان قاضيًا فقضى بالعدل إلخ] ليس المراد بقوله فقضى بالعدل أنه لم يقض في سائر أيام قضائه إلا بالعدل ولم يجر عن الحق في قضية إذ لو كان كذلك فلمن الأجر الموعود، بل المراد أنه قضى بالعدل وبالجور فإن الموجبة تصدق بوجود الفعل ولو مرة وحذف المعطوف إراءة للوعد مرأى الوعيد ردعًا لهم أن يقبلوا الإمارة ويقبلوا عليها إذ لو كانت فيه المواعيد المحضة لقبلته العوام والخواص، وأقبلوا عليه محتجين بأنهم إنما يفعلون ذلك طلبًا للأجر والثواب مع ما في الأنفس من أشياء آخر لحب الطبائع الأمارة والرئاسة، قوله [وفي الحديث قصة] أي تفصيل (٢) الأسئلة والأجوبة التي وقعت بينهما وحاصله ما ذكر ههنا.\n_________\n(١) جمع حكم والمراد بيان آدابه وشروطه وكذا الحاكم ويتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي فذكر ما يتعلق بكل منهما والحكم الشرعي عند الأصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ومادة الحكم من الأحكام وهو الإتقان للشيء ومنعه من العيب كذا في الفتح، وقال العيني هذا كتاب في بيان الأحكام وهو جمع حكم وهو إسناد أمر إلى آخر إثباتًا أو نفيًا، ثم قال بعد ذكر اصطلاح الأصوليين، وأما خطاب السلطان للرعية وخطاب السيد لعبده فوجوب طاعته هو بحكم الله تعالى، انتهى.\n(٢) ففي ترغيب المنذري عن عبد الله بن موهب أن عثمان بن عفان قال لأبن عمر اذهب فكن قاضيًا قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين قال اذهب فاقض بين الناس قال تعفيني يا أمير المؤمنين قال عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت قال لا تعجل سمعت رسول الله ﷺ يقول: من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ قال نعم قال فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيًا، قال وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي قال لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول من كان قاضيًا فقضى بالجهل كان من أهل النار ومن كان قاضيًا فقضى بالجور كان من أهل النار ومن كان قاضيًا فقضى بحق أو عدل سأل التفلت كفافًا فما أرجو منه بعد ذلك، رواه أبو يعلي وابن حبان في صحيحه والترمذي باختصار، وقال ليس إسناده بمتصل وهو كما قال فإن عبد الله بن موهب لم يسمع عن عثمان.","vol":"2","page":341},{"text":"قوله [وليس إسناده عندي بمتصل] ولعل الوجه فيه أن ابن موهب (١) لم يشهد عثمان حين أمر ابن عمر بذاك، قوله [فقد ذبح بغير سكين] أي وقع في تعب ماله نهاية لأنه لو ذبح بسكين لكان له تعب ساعة وإذا ذبح دونه فله تعب سنين وأعوام فأما أن ينجو بدينه وماله (٢) من جزيل الثواب فذلك، وإما\n_________\n(١) قلت: وأيضًا لم يصرح بأنه سمعه عن ابن عمر أو غيره.\n(٢) الظاهر أن ما موصولة والمعنى أما أن يخلص من العذاب بسبب دينه أي غلبة عدله وبسبب ما للقاضي من الأجر الجزيل ولعل الشيخ عبره بقوله ينجو لأن وصول القاضي إلى هذا الثواب الجزيل مشكل فأقصى ما يحصل له من ذلك أن تكون كفارة لتبعاته كما أشير إليه في الحديث السابق من كان قاضيًا فقضى بالعدل فبالحرى أن ينقلب كفافًا، الحديث، وقال ابن الهمام: أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا من ولى عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه فإن حكم بما أنزل الله ولم يرتش في حكمه ولم يحف فك الله عنه غله وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى في حكمه وحاف فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمى به في جهنم، انتهى.","vol":"2","page":342},{"text":"يذهب يجوزه في الحكم بدينه كما ذهب بدنياه.\nقوله [فله أجر] هو أجر الاجتهاد والسعي في طلب الإصابة وأنت تعلم أن الروايات مختلفة في باب القضاء فمنها ما هي باعثة عليها ومنها ما هي مشيرة إلى ترك الوقوع فيه فأما أن (١) يقال الأمر لأهله والنهي لغير أهله وهذا أولى أو يقال الأمر لما فيه من المثوبات العظيمة والنهي لما فيه من المخاوف الخطيرة فمن\n_________\n(١) قال صاحب الهداية، يكره الدخول فيه لمن خاف العجز عنه ولا يأمن على نفسه الحيف فيه كي لا يصير شرطًا لمباشرته القبيح وكره بعضهم الدخول فيه مختارًا لقوله ﷺ من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين والصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعًا في إقامة العدل، والترك عزيمة، فلعله يخطئ ظنه ولا يوفق له أولًا يعينه عليه غيره إلا إذا كان هو أهلًا للقضاء دون غيره فحينئذ يفترض عليه التقلد صيانة لحقوق العباد، قال صاحب العناية: كره بعض العلماء أو بعض السلف الدخول فيه مختارًا سواء وثقوا بأنفسهم أو خافوا عليها وفسر الكراهة بعدم الجواز، قال الصدر الشهيد: ومنهم من قال لا يجوز الدخول فيه إلا مكرهًا ألا ترى أن أبا حنيفة دعى إليه ثلاث مرات فأبى حتى ضرب في كل مرة، ووجه تشبيه القضاء بالذبح بغير سكين أن السكين تؤثر في الظاهر والباطن جميعًا، والذبح بغيره يؤثر في الباطن بإزهاق الروح ولا يؤثر في الظاهر ووبال القضاء لا يؤثر في الظاهر فإن ظاهره وجاه وعظمة لكن في باطنه هلاك، وكان شمس الأئمة الحلواني يقول: لا ينبغي لأحد أن يزدري هذا اللفظ كي لا يصيبه ما أصاب قاضيًا روى له هذا الحديث فازدراه، وقال كيف يكون هذا ثم دعا في مجلسه بمن يسوي شعره فجعل الحلاق يحلق بعض الشعر من تحت ذقنه إذ عطس القاضي فأصابه الموسى وألقى رأسه بين يديه انتهى، مختصرًا.","vol":"2","page":343},{"text":"أخذ الاحتياط لعدم الأمن على نفسه من الوقوع في زلل كان الصواب في حقه الترك ومن أمن أن ينال بمحظور كان الأولى في حقه القبول، ومن ههنا يعلم وجه رد الإمام الأول حين عرضت عليه وقبول الإمام الثاني فإن الإمام بصر بعيوب نفسه وعلم أن المستحقين لها اللائقين بها كثير، والثاني نظر إلى حوائج الناس وأن في أهالي القضاء قلة فلكل منهما وجه يشعر بفضله.\nقوله [فقال له كيف تقضي] سأله عن ذلك وهو عالم بأنه عالم إذ لو لم يكن له علم بأنه عارف بأصول القضاء لما ولاه القضاء فسأله ليعلموا مزيته فيما بينهم وأن المقدم في الحكم هو الكتاب، ثم السنة ثم القياس، وهذا هو الترتيب الذي اخترناه، فإن قيل السنة في حقه كانت كالكتاب لما سمعه من في النبي ﷺ ولا معنى لتأخيره عن الكتاب، كيف وقد قلتم إن السنة المشهورة والمتواترة مساوية للكتاب في القطعية، قلنا لم يكن كل السنة مسموعة له من في النبي ﷺ فلم يكن جملة من الأخبار إلا وصلت معاذًا بوسائط، قلت: أو كثرت ولم يقدم على قياسه سيرة الشيخين كما فعله سيدنا عثمان ولا آثار الصحابة كما ذهبت إليه أئمة الفقهاء لما أنها لم تكن اشتهرت بعد بل ولم تقع بحيث يعتد بها يعني أنها كانت قليلة بعد، قوله [اجتهد برائي أو اجتهد رائي] كلاهما ثابتان أي أوقع رأي في الجهد أواقع في الجهد بمعاونة رائي واستعانتي به.\nقوله [ابن أخ للمغيرة] هذه صفة الحارث، قوله [وليس إسناده عندي بمتصل] لما فيه من لفظ رجال من أصحاب معاذ، وفي رواية أخرى أناس من أهل حمص وإنما قال عندي لأن مثل هذا الانقطاع يكون في حكم المتصل إذا علم اسم رواية برواية وإسناد آخر إلا أن الترمذي لما لم يعلمهم حكم بانقطاعه عنده ويمكن أن يجبر ذلك الضعف الناشئ بالانقطاع بكثرتهم وإن لم يذكر ههنا إلا سندًا واحدًا إلا أن إيراد الرجال بلفظ الجمع يخرجه من الرد إلى القبول، قوله [إمام عادل] أي من غلب صوابه ولم يحكم إلا بعد تحري الصواب والناس هم","vol":"2","page":344},{"text":"الناس الذين كان إمامهم ولا يبعد تأويل الحاشية أيضًا، قوله [فإذا جاز تخلى عنه ولزمه الشيطان] وإذا تاب عاد إلى حاله الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>[باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان]</span>\nالنهي مبني على علة اختفاء الحق حينئذ اعتبارًا للأعم الأغلب (١) وإذا ظهر الحق فلا ضير في الحكم حالة الغضب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>[باب في هدايا الأمراء]</span>\nوقوله [لعن رسول الله الراشي والمرتشي في الحكم] أي إذا رشى ليحكم له خلاف الحق فهو ملعون سواء أخذ للحكم على وفاق الحق أو على خلافه وذلك لأن البذل لدفع الجور جائز للباذل لا للمبذول له كيف وأن النبي ﷺ أعطى بعض من خاف عليه أن يهجوه من الشعراء، وإنما ذكر المؤلف لا تصيبن شيئًا إلخ، في باب هدايا الأمراء إيذانًا منه بأن الهدايا المختصة بالأمراء، وكذا الضيافات الخاصة بهم هي داخلة في الإصابة المنهية عنه بقوله ﵇: لا تصيبن، ثم لما كان يعلم من ذلك كله أن الدعوة لا يجوز لهم بين بعد ذلك باب الراشي ليعلم أن الموجب للنهي هو الرشوة، وأما إذا تحقق بوجه من\n_________\n(١) قال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغيير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه، قال وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر فلو خالف فحكم في حال الغضب صح إن صادف الحق مع الكراهة، هذا وقول الجمهور وقد تقدم أنه ﷺ قضى للزبير بشراج الحرة بعد أن أغضبه خصم الزبير لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره لعصمته ﷺ فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضا، وقال بعض الحنابلة لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه والنهي يقتضي الفساد، قاله الحافظ في الفتح.","vol":"2","page":345},{"text":"وجوه التحقيق أنه (١) ليس للرشوة فلا ضير في قبوله واستدل عليه بقوله ﷺ لو أهدى إلى كراع وهو مستدق الزراع من ساق الشاة وغيرها، وهو أيضًا اسم موضع والمراد في الأول هو الأول والثاني يحتمل كليهما، وجه الاستدلال أن النبي ﷺ كان يقبلهما لتحقق أنه لا يرتشي وأنهم لا يعطونه رشوة فكذلك الحكم لكل من علم ذلك بيقين وتحقق، وأما ضرب عمر أبا هريرة (٢) وسلبه منه ما كان أتى به مما أهدى إليه فإنما كان لدفع المظنة أو لنوع شبهة نشأت لعمر أو لينسد باب الحيلة فإنه لو ترك أبا هريرة يأخذه لجعل كل واحد من القضاة يقدم عليه محتجًا بفعله، ومفسدته لا تخفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>[باب ما جاء في التشديد على من يقضي له بشيء ليس له أن يأخذه]</span>\nاعلم أنهم أوردوا على الأحناف مسألة تنفيذ القضاء بشهادة الزور ظاهرًا أو باطنًا فقد قال الإمام أبو حنيفة إذا حكم القاضي بشيء لرجل وقد ادعى ملكًا مقيدًا ونور دعواه بشهادة ولو كان زورًا وسعه استعماله ولو كانت زوجة أو أمه فله وطيها فإن القاضي يجعل كأنه أنشأ العقد وله ولاية الانكاح والبيع وغيرها، وقد ثبت\n_________\n(١) حق الضمائر التأنيث وللتذكير توجيهات لا تخفى.\n(٢) فقد حكى ابن الهمام استعمل عمر أبا هريرة فقدم بمال فقال له من أين لك هذا قال تلاحقت الهدايا فقال له عمر هلا قعدت في بيتك فتنظر هل يهدي لك أم لا فأخذ ذلك منه وجعله في بيت المال، وذكر الحافظ في الإصابة برواية عبد الرزاق أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر استأثرت بهذه الأموال فمن أين لك قال خيل نتجت وأعطية تتابعت وخراج رقيق لي فنظر فوجدها كما قال ثم دعاه فأبى فقال لقد طلب العمل من كان خيرًا منك، قال إنه يوسف نبي الله ابن نبي الله وأنا أبو هريرة بن أميمة وأخشى ثلثًا أن أقول بغير علم أو أقضي بغير حكم ويضرب ظهري ويشتم عرضي وينزع مالي.","vol":"2","page":346},{"text":"أنه ﷺ باع بعضًا من العبد وأعتق من غير أن يأذن بذلك مالكه، وأما إذا لم يقيم عليه شهادة أو كان الدعوى بملك مطلق فلا، إذ لا يمكن جعل الحاكم منشأ لأن في الأسباب تزاحمًا وتعيين أحد منها دون الآخر يقتضي مرجحًا، واستدل الموردون (١) بهذا الحديث لكنه غير وارد إذ غاية ما يثبت بالحديث بطلان نفاذه إذا كان مداره على التقرير وبيان المدعي، وأما إذا شهدا عليه فلا تعرض له في الحديث لأنه ﷺ إنما قال الحن بحجته وهذا لا يصح إلا على بيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>[باب ما جاء في اليمين مع الشاهد]</span>\nأي لا يعتد (٢) بشاهد المدعي إذا كان واحدًا وإنما يحكم بيمين المنكر وهذا هو المراد في لفظ الحديث قضى رسول الله ﷺ (٣) باليمين مع الشاهد أي لم يحكم إلا باليمين مع وجود الشاهد\n_________\n(١) ويمكن أن يستدل للإمام بما ذكره ابن الهمام بحثًا أن رجلًا أقام بينة على امرأة أنها زوجته بين يدي علي فقضى علي بذلك فقالت المرأة إن لم يكن لي منه بد يا أمير المؤمنين فزوجتي منه فقال شاهداك زوجاك فإن القضاء لو لم ينفذ باطنًا لأجابها فيما طلبت للحقيقة التي عندها واستدل على المسألة بدلالة الإجماع على أن من اشترى جارية ثم ادعى فسخ بيعها كذبًا وبرهن فقضى به حل للبائع وطؤها واستخدامها مع علمه بكذب دعوى المشتري مع أنه يمكنه التخلص بالعتق وإن كان فيه إتلاف ماله لأنه ابتلى بأمرين فعليه أن يختار أهونهما وذلك ما يسلم له فيه دينه، انتهى.\n(٢) قالت الأئمة الثلاثة لحديث الباب أن اليمين تقوم مقام شاهد إذا كان للمدعي شاهد واحد وقالت الحنفية ومن معهم أنه يخالف الحديث المشهور البينة على المدعي واليمين على من أنكر وأولوا الحديث بوجوه، منها ما أفاده الشيخ.\n(٣) على أنه فعل لا يقاوم القول لا سيما إذا تايد القول بالقرآن المجيد في قوله تعالى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وبسط البخاري في تأييد الحنفية في ذلك فارجع إليه.","vol":"2","page":347},{"text":"الواحد لعدم تمام نصاب الشهادة.\n\n[باب ما جاء في العبد (١) يكون بين رجلين إلخ] ظاهره مؤيد للصاحبين أنه لا يستسعى العبد في نصيبه الباقي إذا كان المعتق موسرًا والمعنى بالموسر ههنا القادر على إيفاء ثمن نصيب الآخر كما يدل عليه لفظ الحديث فكان له من المال ما يبلغ ثمنه لكن تأييده لهما موقوف على اعتبار مفهوم المخالفة فإن قوله ﷺ وإن لم يكن له مال قوم قيمة عدل ثم يستسعى يثبت باعتبار مفهوم المخالفة أن لا سعاية عليه إذا كان له مال وأنت تعلم أن أصحابنا الثلاثة لم يسلموا المفهوم فكيف لهم إثبات مرامهم به وغاية ما يثبت منه عتقه كملًا وهو مناف لما ذهب إليه الإمام أيضًا،\n_________\n(١) إذا كان العبد مشتركًا فاعتق أحد نصيبه اختلفت الفقهاء في ذلك على أقوال كثيرة، ذكر النووي فيه عشرة مذاهب للعلماء والعلامة العيني أربعة عشر مذهبًا وما ذكر الإمام الترمذي من اتفاق الأئمة الثلاثة ليس بوجيه ولما اكتفى الشيخ بذكر اختلاف الإمام وصاحبيه فقد اقتفينا أثره في ذكر مسالك ائمتنا الثلاثة، ففي الهداية إذا كان العبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه عتق فإن كان (المعتق) موسرًا فشريكه بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء ضمنم شريكه قيمة نصيبه وإن شاء استسعى العبد فإن ضمن رجع المعتق على العبد والولاء للمعتق وإن أعتق (الشريك نصيبه) أو استسعى فالولاء بينهما وإن كان المعتق معسرًا فالشريك بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء استسعى العبد والولاية بينهما في الوجهين هذا عند أبي حنيفة وقالا ليس له إلا الضمان مع اليسار والسعاية مع الإعسار ولا يرجع المعتق على العبد والولاء للمعتق (على الوجهين) وهذه المسألة تبتني على حرفين (أحدهما أن العتق يتجزى عنده لا عندهما) والثاني أن يسار المعتق لا يمنع والسعاية عنده لا عندهما، انتهى بزيادة.","vol":"2","page":348},{"text":"ويمكن الجواب عنه بأن (١) (بياض في الأصل).\nقوله [وإلا فقد عتق منه ما عتق] تكلموا (٢) في ذلك اللفظ أنه هل هو من الحديث أم من قتادة (٣) وغرضهم بذلك أن يثبتوا بإعتاق أحد الشريكين نصيبه عتق نصيب الآخر وإن لم يعتقه الآخر وأن لا سعاية على العبد فيما إذا لم يكن المعتق موسرًا قلنا هذا وإن كان من قول قتادة إلا أنه في حكم المرفوع\n_________\n(١) بياض في الأصل ههنا وأجاب عنه ابن الهمام بأن الحديث إنما يقتضي عتق كله إذا كان له مال يبلغ قيمته وليس مدعاهما ذلك بل إنه يعتق كله بمجرد اعتاق بعضه كان له مال أولًا فقد أفادت الأحاديث أن العتق مما يقتصر ولا يستلزم وجوده السراية وإن وردت في العبد المشترك واستدل أيضًا بدلالة الإجماع وهو أن المعتق إذا كان معسرًا لا يضمن بالإجماع ولو كان اعتاق البعض اعتاقًا واتلافًا له لضمن مطلقًا كما إذا أتلفه بالسيف، انتهى.\n(٢) الظاهر عندي أنه وقع في كلام الشيخ إجمال مخل حتى بلغ إلى حد التخليط وتوضيحه أن ههنا لائمة الحديث كلامين أحدهما على لفظ عتق منه ما عتق، والثاني على السعاية، وجمع الشيخ في كلامه كليهما ولعل وجهه أن الجواب عنهما واحد، أما الأول فقد حكى العيني عن ابن حزم أنه قال على ثبوت الاستسعاء صحابيًا وقوله «عتق منه ما عتق» لم تصح هذه الزيادة عن الثقة أنه من قول النبي ﷺ حتى قال أيوب ويحيى بن سعيد أهو شيء في الحديث أو قاله نافع من قبله انتهى، وأما الثاني فبسط الشيخ في البذل كلام من أثبتها ومن نفاها وتقدم قريبًا من كلام ابن حزم إثباته ومال جماعة من المحدثين إلى أنه من كلام قتادة كما في البذل.\n(٣) فيه تسامح لأن المختلف فيه في كونه من قول قتادة هو أمر السعاية المتقدم ذكره، وأما اللفظ المذكور فاختلفوا في كونه من كلام نافع.","vol":"2","page":349},{"text":"لكونه ما لا يدرك بالقياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>[باب ما جاء في العمري]</span>\nوالكلام فيه على مذهبنا أنه يتصور (١) على ثلاث صور أن يقول هي لك ولعقبك بعدك فهذا لا ريب أنه يرث ورثته وأن يقول هذه لك عمري (٢) وأملكه بعدك أو قال هذه لك حياتك ويرد على بعدك فهذه هبة تامة والشرط باطل وأن يقول أعمرته إياك ولا يزيد عليه شيئًا آخر فهذه أيضًا مثل أخويه يورث منه ووجه ذلك أن العمري في عرفهم كانت هبة والشرط في الهبة باطل، وتصح الهبة فكذا ههنا، وقد شاع في عرفنا أهل الهند أنا نتكلم في الهبة بتمام العمر والمعنى به الاعطاء مطلقًا لا تقييده بأيام حياة الواهب أو الموهوب له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>[باب ما جاء في الرقبي]</span>\nاعلم أن الرقبي مفسرة بتفسيرين أن يهب له ثم يشترط أن يكون لي مت قبلي وهذه جائزة، غاية الأمر أنه اشترط في الهبة شرطًا فاسدًا والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة وأن لا يهب له بل يقول إن مت قبلك فهذا الشيء لك وإن مت قبلي فهو لي، أو يقول أسكن هذه الدار واستعمل هذا الشيء على أنها لك إن مت قبلي (٣) وإن مت قبلك فهو لي وهذه الرقبى باطلة بمعنى أنه لا يكون ملكًا له ولا لورثته بعده وذلك لأنه عارية حالًا أو وصية مشروطة\n_________\n(١) ذكر هذه الصور الثلاثة النووي وحكى مذهبهم بنحو مذهب الحنفية وقال قال أحمد تصح العمري المطلقة دون المقيدة، وقال مالك في أشهر الروايات عنه العمري في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلًا ولا يملك فيها رقبة (مساحة) الدار بحال، انتهى.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر أنه تحريف من الناسخ والصواب ضمير الخطاب ويؤيده أن هذا الكلام على الظاهر مأخوذ من النووي وفيه بلفظ الخطاب ويمكن التوجيه بأنه عمري بالقصر والمراد عمرك.\n(٣) هكذا في الأصل والظاهر قبلك وإن مت قبلي فهو لي.","vol":"2","page":350},{"text":"مآلًا ووجه البطلان ما فيه من القمار من تعليق الملك بشرط على خطر الوجود فارتفع الخلاف بين حديثي الرقبى باطلة والرقبى جائزة فإن الجائز بمعنى آخر والفاسد بمعنى آخر، وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>[باب في الرجل يضع على حائط جارة خشبًا] </span>قوله [فلا يمنعه] أراد به النبي ﷺ تعليم حسن المعاملة ونفع المسلم أخاه استحبابًا ولكن أبا هريرة فهم منه الوجوب وأكد الحكم فيه ولذلك طأطأ المستمعون لروايته حيث علموا أنه لبس واجبًا كما يقول أبو هريرة مع ما فيه من المفاسد فإن الناس يجعلون ذلك وسيلة إلى ادعاء الملك ولذلك قلنا له أن يمنع إذا خاف فيه مفسدة على نفسه أو ملكه والأولى له أن لا يمنع إذا لم يخف، وأما ما نقله المؤلف من المذهبين فيمكن جميعها (١) بالحمل على ما قلنا وإن كان ظاهر سوقه أنهما مختلفان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>[باب أن اليمين على ما يصدقه صاحبه]</span>\nقوله [وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال إلخ] وهو المختار عند الإمام ومما يدل عليه قصة إبراهيم على نبينا وعليه السلام في توريته ولم يعد كذبًا لكونه مظلومًا، وأما ما ورد عليها من لفظ الكذبات في الروايات فلأجل المشاكلة بالكذب صورة أو لكون التورية كذبًا نظرًا إلى جليل منزلته.\n\nقوله [إذا تشاجرتم في الطريق إلخ] لأن في السبعة كفاية، ومورد الحديث ما إذا كانت في السكة دور بجانبي الشارع ثم تهدمت الدور ولا يعلم مقدار الطريق بوجه من وجوه العلم كم كان، وأما إذا علم مقداره بوجه فكما علم، وأما إذا كانت الطريق شارعًا عامًا فلا يتصرف فيه بزيادة ولا نقصان وكذلك إذا كان أحد له أرض مملوكة فإنه مخير بين ما يجعله طريقًا منها.\n_________\n(١) لما في البذل عن الخطابي، قال عامة الفقهاء يذهبون في تأويله إلى أنه ليس بإيجاب يحمل عليه الناس من جهة الحكم، وإنما هو من باب المعروف وحسن الجوار إلا أحمد بن حنبل فإنه يرده على الوجوب، انتهى.","vol":"2","page":351},{"text":"قوله [خير غلامًا بين أبيه وأمه] اعلم أن مذهب الإمام في الولد أنه يتبع خير الأبوين دينا لو اختلفا (١) دينا وإن كانا مسلمين فللأم حق الحضانة حتى يستغني عنها ثم للأب حق التربية حتى يستغني عنه بالبلوغ ثم يخير بعد ذلك وأما حديث أبي هريرة فهو بيان وقعة فلا بد أن يخص فلا يثبت به العموم في الاستحقاق حتى يكون المرجع هو التخيير فأما أن يقال كان الغلام قد ناهز الاحتلام أو يقال أن أباه كان كافرًا فخيره بينهما ودعا له اللهم أهده فخير الولد لئلا يطعنوا بالظلم فإن النبي ﷺ لو قال إنه لا يستحق الأب لقال أبوه في معشر الكفار، إن محمدًا أظلمني وأخذ ولدي ظلمًا وكان فيه من المفاسد ما لا يخفى فأظهر التخيير فلما ظهر من الولد ميل إلى الأب وعار به فقال اللهم أهده وقد ثبت مثلما قلنا في الرواية الصحيحة فلا ضير في حمل هذا الحديث على تلك القضية، والجواب الثاني الذي قد سبق أنه كان مراهقًا غير بعيد أيضًا لأنه ورد في هذه الرواية أنه كان يأتي بالماء\n_________\n(١) هذا محل تنقير لأن ما في الفروع يدل على أنه لا فرق في حق الحضانة بين المسلمة والكافرة ففي الهداية الذمية أحق بولدها المسلم ما لم يعقل الأديان أو يخاف أن يألف الكفر للنظر قبل ذلك واحتمال الضرر بعده ولا خيار للغلام والجارية، وقال الشافعي لهما الخيار لأن النبي ﷺ خير ولنا أنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب فلا يتحقق النظر وقد صح أن الصحابة لم يخيروا، وأما الحديث فقلنا قال ﷺ اللهم أهده فوفق لاختياره الأنظر بدعائه ﵇ أو يحمل على ما إذا كان بالغًا، انتهى، وحديث جد عبد الحميد أخرجه أبو داؤد وغيره وقال صاحب النيل: استدل به على ثبوت الحضانة للأم الكافرة لأن التخيير دليل ثبوت الحق وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن القاسم وأبو ثور وذهب الجمهور إلى أنه لا حضانة للكافرة على ولدها المسلم، انتهى.","vol":"2","page":352},{"text":"من بئر أبي عنبة وهو على (١) (بياض في الأصل) من المدينة، افترى الطفل الصغير يطيقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>[باب أن الوالد يأخذ من مال ولده]</span>\nقوله [وإن أولادكم من كسبكم] ثم ملاحظة النصوص واستقراؤها مصرح بأن للأولاد اختصاصًا بأموالهم فوق ما لآبائهم فيها وإن الشرع فرق بين تسلط الرجل على عبده وبين تسلطه على ولده حتى لا يجوز له بيعه كما جاز بيعه فمن الدوال على ذلك حديث النخلة الآتي قريبًا من ذلك فإن فيه تصريحًا بأن أملاك الولد متباينة عن أملاك الآباء إذ لو لم يكن كذلك لما كان في إيثار الرجل ولدًا بالعطاء حرج لأنه لم يخرج بذلك عن ملكه فعلم أن الوالد له اختيار في ملك ولده فوق ماله في ملك الأجنبي فكان الاضطرار مجوزًا تصرفه فيهما إلا أنه في مال الولد لا يوجب الضمان وفي مال الأجنبي يوجبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>[باب فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر]</span>\nقوله [طعام بطعام وإناء بإناء] وبذلك يعلم أن ضمان (٢) العدوانات يقدم فيه المثل على القيمة\n_________\n(١) بياض في الأصل، ولعله سقوط من الناسخ وفي معجم البلدان بئر أبي عنبة بلفظ واحدة العنب بئر بينها وبين مدينة رسول الله ﷺ مقدار ميل وهناك اعترض رسول الله ﷺ وأصحابه عند مسيرة إلى بدر وقد جاء ذكرها في غير حديث، انتهى.\n(٢) مسلك الحنفية في ذلك ما في الفروع من الهداية وغيره من غصب شيئًا له مثل كالمكيل والموزون فهلك في يده فعليه مثله وما لا مثل له فعليه قيمته يوم غصبه، معناه العدويات المتفاوتة أما العدوي المتقارب كالجوز والبيض فهو كالمكيل حتى يجب مثله، ثم بعد ذلك اختلفوا في الحديث فعامتهم على أنه يخالف الحنفية لأنه الإناء عندهم ليس بمثلي ولذا أولوا الحديث بأن الضمان كان صوريًا والإناءان كانا في ملكه صلى الله عليه وقال بعضم إن الحديث حجة للحنفية كما قاله ابن التين وغيره وإليه ميل الشيخ وهو الأوجه والمدار على كون الإناء مثليًا أو قيميًا وكلاهما يحتملان فإن الأواني قد يتماثل بعضهم بحيث لا تمايز فيما بينها، وقد تتفاوت وعليه مدار الاختلاف.","vol":"2","page":353},{"text":"لو كان المستهلك مثليًا وإلا فالقيمة، وهذا حجة للأحناف فيما ذهبوا إليه من أن المغصوب إذا تعيب بحيث فات معظم مقصوده منه كان على الغاصب مثله للمغصوب منه لو كان مثليًا وقيمته لو كان قيميًا وملك الغاصب ذلك المعيب بأداء الضمان إلى المغصوب منه كيف لا، وقد ورد في الرواية الصحيحة أن النبي ﷺ أعطاها آنية سالمة من بيت عائشة وأخذ كسرات المكسورة فلم يردها إلى التي كسرت قصعتها ولو كان الغاصب لا يملك المغصوب المعيب بأداء الضمان إلى المغصوب منه لما تركها في بيت عائشة وكثيرًا ما ينتفع بأجزاء الإناء في منافع ويصلح المكسور وإن لم يشعب (١) فنفس بقاء ملك الغير في بيتها رضي الله تعالى عنها مستبعد جدًا ومما يدل عليه أن الباء للمقابلة فكان جميع ما قوبل بالإناء المكسور هو الإناء السالم فقط لا شيء من أجزاء المكسور وقوله ﷺ طعام بطعام بيان لمسألة أخرى مناسبة للقضية ولم يكن ضاع الطعام ههنا ولو ضاع لكان من ضمانه للنبي ﷺ لما كان قد وصل إليه.\nقوله [استعار قصعة] هذا غلط من الرواة كما صرح به المؤلف بعد، إلا أن له وجها لو حمل على المجاز فإن القصعة في القصة المذكورة لم تك إلا كالعارية لعدم دخولها في الهدية لأن المهدي لم يكن إلا الطعام إلا أنه يشكل على هذا أداء الضمان فإن العارية لا تضمن ويجاب بأن العارية تضمن بالاستهلاك كما وقع ههنا ولو من غير المستعير.\n_________\n(١) قال المجد الشعب كالمنع الجمع والتفريق والإصلاح والإفساد انتهى، قلت: والمراد ههنا الجمع والإصلاح.","vol":"2","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>[باب في حد بلوغ الرجل والمرأة]</span>\nقوله [وإن لم يعرف سنه ولا احتلامه فالإنبات] ومستدلهم أن النبي ﷺ أمر في قتل قريظة أن ينظروا فمن أنبت عانته قتل ومن لا فلا والجواب أنه لم يأمر بذلك ثمة إلا لأنه لم يكث ثمة سوى ذلك من سبيل للعلم بحالهم لأنهم لو سألوا عن أعمارهم ما كانوا ليجيبوا وفاقًا للحق، كيف والحق بحور (١) قتلهم لأن البالغ يقتل وغيرهم يترك ولا سبيل إلى العلم باحتلامهم إلا إخبارهم فلم يبق إلا رؤية العانات وهو أيضًا حكم أكثري فأدير العلم عليه وإن لم يكن من دلائل العلم القطعية وأبيح النظر إليها لجواز النظر عند الضرورات الشرعية ومن ههنا يستنبط جواز الاختتان للكبير وإن لزم فيه كشف الستر لأن الاختتان وإن كان سنة إلا أنه من شعائر الشريعة، وأما قضية ابن عمر فإنما لم يحكم ثمة بالبلوغ إلا بالسن لأن البلوغ بالاحتلام لم يكن علمه إلا إذا كانت له زوجة فيطأها وإذا لم تكن له زوجة أو أمة لا يمكن التوصل إلى العلم بالأحبال، واحتلام النائم ليس ضروريًا وجوده بعد البلوغ فكثير من الناس لا يحتلم أعوامًا فلم يبق العبرة إلا للسن وهو المذهب عندنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>[باب فمن تزوج امرأة أبيه]</span>\nقوله [أن آتيه برأسه] فيه دليل على أنه لا يحد ويعزر أغلظ تعزير وهو المذهب (٢).\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والظاهر أنه يجوز قال المجد جوز لهم إبلهم تجويزًا قادها بعيرًا بعيرًا حتى تجوز وأجاز له سوغ له ومرأيه أنفذه كجوزه، انتهى.\n(٢) قال الخطابي: قد اختلف العلماء فيمن نكح ذات محرم فقال الحسن عليه الحد وهو قول مالك والشافعي، وقال أحمد يقتل ويؤخذ ماله وكذا قال إسحاق على ظاهر الحديث، وقال أبو حنيفة يعزر ولا يحد كذا في البذل، وذكر ما في سند الحديث من الاختلاف فأرجع إليه لو شئت وحديث الباب حجة للحنفية لا مخالف لهم لأنه ﵇ قتله ولم يحد عليه.","vol":"2","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>[باب في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء]</span>\nقوله [سرح الماء يمر] يعني أنها كانت قليلة الماء لا بحيث تسقي الأشجار والبساتين سائلة بل كانت بحيث لو سدت كفت وإلا لا، والمسألة فيه أن يسد فمه حتى إذا استقت بساتين الجانب الأعلى وبلغ الماء إلى الجدر أرسل الماء إلى ما أسفل منه إلا أن النبي ﷺ راعي جانب الأنصاري فأمر الزبير بأمر لا يستضر به أحد منهما فقال إسق أشجارك قدر ما تأمن به عليها ولا تأخذ كل حقك ثم أرسل الماء إلى الأنصاري حتى إذا أخذ كل حقه خذ ما بقى لك من الحق إلا أن الأنصاري لما لم يرض به أمر النبي ﷺ زبيرًا بما هو القول الحق الذي لا رعاية فيه لأحد وبهذا يعلم جواز (١) الحكم بتفويت حق من يعتمد عليه القاضي أنه يرضى بحكمه ذلك وكان فيه رعاية للآخر وهذا في الحقيقة دفع لمظنة التهمة عن نفسه.\nقوله [فعضب الأنصاري] قالوا كان منافقًا وعندي (٢) لا يقدم على هذا\n_________\n(١) وقريب منه ما قال الحافظ بعد بسط الكلام في ذلك مجموع الطرق دال على أنه أمر الزبير أولًا أن يترك بعض حقه وثانيًا أن يستوفي جميع حقه وقال أيضًا أن للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين ويأمر به ويرشد إليه ولا يلزمه به إلا إذا رضى وأنه يستوفي لصاحب الحق حقه إذا لم يتراضيا، وقال العيني في فوائد الحديث وفيه إرشاد الحاكم إلى الإصلاح قال ابن التين مذهب الجمهور أن القاضي يشير بالصلح إذ رآه مصلحة ومنع ذلك مالك وعن الشافعي في ذلك خلاف والصحيح جوازه وفيه أن للحاكم أن يستوفي لكل واحد من المتخاصمين حقه إذا لم ير قبولًا منهما للصلح، انتهى.\n(٢) هذا هو الحق لا سيما وقد ورد في بعض روايات البخاري أنه كان بدريًا، قالل التوريشي وقد أجترأ جمع من المفسرين بنسبة الرجل تارة إلى النفاق وأخرى إلى اليهودية وكلا القولين زائغ عن الحق إذ قد صح أنه كان أنصاريًا ولم يكن الأنصار من جملة اليهود، والأولى بالشحيح بدينه أن يقول إن هذا قول أزله الشيطان فيه بتمكنه عند الغضب وغير مستبعد من الصفات البشرية الابتلاء بأمثال ذلك، انتهى مختصرًا، وسيأتي البسط في ذلك من كلام الشيخ في كتاب التفسير.","vol":"2","page":356},{"text":"القول من غير دليل، كيف ولم يكونوا معصومين فلا غرو أن يكون مسلمًا إلا أنه أخذته الحمية الجاهلية، قوله [فتلون وجه رسول الله ﷺ] لما لزم من هتك شرعة الله وهتك أمر رسوله لا لأنه عصى في جناب نفسه لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قوله [وإني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك] قد يكون المراد بذلك أمثال ذلك (١) فينحل كثير من الاشكالات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>[باب فيمن يعتق مماليكه عند موته </span>إلخ] [ولم يكن له مال غيرهم إلخ] هذا عندنا محمول على ابتداء الإسلام فإن القرعة قد صارت منسوخة إلا أنه يعلم بهذا الحديث جواز العتق ونفاذه مع اقتران الفساد به والحرمة (٢) فإن العتق لما صادف حق الورثة وجب رده فيما زاد على الثلث والثلث الذي نفذ فيه العتق غير متعين وجمعه في الاثنين بالقرعة وكان شائعًا في كل من الستة منسوخة (٣)\n_________\n(١) كما سيأتي بيانها في مبدأ التفسير في سبب نزول قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية، وأشار الشيخ قدس سره بقوله قد يكون المراد إلى الاختلاف في سبب نزول هذه الآية سيأتي بيانها في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير.\n(٢) يعني أن عتقه الستة كلهم ولم يكن له مال غيرهم كان ممنوعًا له ولم يكن له حق إلا في الثلث لكن مع ذلك أنفذ النبي ﷺ عتقه فعلم أن نفاذ العتق قد يجمع مع حرمة العتق.\n(٣) كذا في الأصل، والصواب على الظاهر منسوخ بصيغة المذكر، وحاصل ما أفاده الشيخ أن نفاذ العتق في مثل هذه الصورة لا يكون إلا في الثلث والتقسيم بالقرعة منسوخ عندنا فلا بد أن يعتق ثلث كل واحد منها ويسعى كل واحد في ثلثيه.","vol":"2","page":357},{"text":"قوله [فقال قولًا شديدًا] وهو أنه لو علم ذلك منه لما صليت (١) عليه ولما تركته يدفن في مقابر المسلمين، قوله [ثم أقرع بينهم] بأن جزأهم اثنين اثنين فصارت ثلاثة أجزاء ثم أقرع بين الثلاثة فأي أجزائها الثلاثة خرجت قرعته أعتقهما.\nقوله [ولا نعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث عاصم إلخ] يعني أن الآخذين من حماد بن سلمة متفقون على ذكر قتادة فقط دون عاصم، وأما محمد بن بكر فقد قال عن حماد بن سلمة عن قتادة وعاصم إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>[باب ما جاء في من زرع في أرض قوم بغير إذنهم]</span>\nاستدل (٢) به من قال إن الخارج لصاحب الأرض وللباذر الزارع نفقته فحسب، وهذا خلاف الكلية التي بينا آنفًا من أن الغاصب يملك المغصوب بأداء ضمانه وهذا مثله فإن الغاصب لأرض رجل إذا زرع فيها كان غاصبًا حقه وهو كراء الأرض فلما أداه إليه ساغ له أكل النماء والحديث ليس نصًا في مدعاهم إذ يمكن أن يكون معنى ليس له من الزرع شيء عدم الحل لا عدم الملك فكثيرًا ما يستعمل هذا اللفظ في هذا المعنى والمقصود أن الزارع لا يحل له من ذلك النماء قبل أداء أجرة الأرض إلا قدر نفقته وإذا أداه إليه حل كله.\n_________\n(١) ففي رواية لأبي داؤد شهدته قبل أن يدفن، لم يدفن في مقابر المسلمين وفي البذل عن النسائي لقد هممت أن لا أصلي عليه.\n(٢) قال الخطابي: بعدما بسط في تضعيف الحديث كما حكاه عنه الشيخ في البذل ويشبه أن يكون معناه لو صح وثبت على العقوبة والحرمان للغاصب والزرع في قول عامة الفقهاء لصاحب البذر لأنه تولد من ماله وعلى الزارع كراء الأرض غير أن أحمد بن حنبل كان يقول إذا كان قائمًا فهو لصاحب الأرض فأما إذا كان حصيدًا فإنما يكون له الأجرة، انتهى.","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>[باب ما جاء في النحل </span>إلخ] إلا أنه (١) إذا فعل ذلك ولم يسو يملكه الولد فإن قوله ﷺ لا أشهد على جور وكذلك قوله رده مبني عن خروجه عن ملكه ودخوله في ملكه إذ الجور لا يتحقق دون ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>[باب ما جاء في الشفعة]</span>\nلا خلاف (٢) في ثبوتها للشريك في نفس المبيع\n_________\n(١) قال النووي: فيه استحباب التسوية بين الأولاد في الهبة فلو ذهب بضمهم دون بعض فذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى أنه مكروه وليس بحرام والهبة صحيحة، وقال أحمد والثوري وإسحاق هو حرام واحتجوا بقوله ﵇ لا أشهد على جور واحتج الأولون بما جاء في رواية فأشهد على هذا غيري ولو كان حرامًا أو باطلًا لما قال هذا وبقوله فأرجعه ولو لم يكن نافذًا لما احتاج إلى الرجوع، وأما معنى الجور فليس فيه أنه حرام لأنه ميل عن الاستواء والاعتدال وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور سواء كان مكروهًا أو حرامًا انتهى، كذا في البذل.\n(٢) قال النووي أجمع المسلمون على ثبوت الشفعة للشريك في العقار ما لم يقسم والحكمة في ثبوتها إزالة الضرر عن الشريك وخصت بالعقار لأنه أكثر الأنواع ضررًا واتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقول قال القاضي وشذ بعض الناس فأثبت الشفعة في العروض وهي رواية عن عطاء في كل شيء حتى في الثوب وعن أحمد رواية أنها تثبت في الحيوان أما المقسوم فهل يثبت فيه الشفعة بالجوار فيه خلاف مذهب الشافعي ومالك وأحمد، وجماهير العلماء لا تثبت بالجوار وحكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري تثبت بالجوار انتهى مختصرًا، قلت: وحديث الباب حجة للحنفية ومال البخاري في هذه المسألة إلى قول الحنفية وخرج في صحيحه حديث شفعة الجار فأرجع إليه.","vol":"2","page":359},{"text":"وكذلك للشريك في حق المبيع كالشرب ذا الطريق إنما الخلاف في ثبوتها لجار ليس له شركة في شيء منهما ولم يثبتها الشافعي فالروايات الواردة في ذلك محمولة عنده على ما كان له نوع من الشركة ونحن نجريها على إطلاقها وقد ورد في بعض الروايات نفي الشركة أي ولو لم يكن له شركة في المبيع بشيء والخلاف راجع على اختلاف أصليهما فشرعية الشفعة عنده لما كان دفعًا لضرر القسمة اقتصرت على ما فيه شركة ونحن نقول إنها لدفع ضرر الجوار فيعم.\nقوله [وإذا كان طريقهما واحدًا] هذا عند أصحاب المفهوم ينفي الشفعة عند اختلاف طريقيهما وعندنا لما لم يصح بل النص ساكت عنه لم ينتف شفعته فثبت بالرواية الثانية فكان المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، قوله [من أجل هذا الحديث] أي لتفرده به، قوله [ميزان يميز به] الصحيح عن السقيم ولراجح عن المرجوح.\nقوله [إذا حدث الحدود إلخ] يمكن أن يقال المنفي في قوله ﵇ لا شفعة، ليس الشفعة بجميع أنواعها كما هو المتبادر بل المنفي هو الشفعة التي كانت ثابتة له من قبل للشركة في نفس المبيع وفي حقه، وأما شفعة الجوار فغير منفية ولفظة لا على هذا، لنفي النوع لا لنفي الجنس وكثيرًا ما يستعمل في هذا المعنى ويمكن أن يقال معنى قوله إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، نفيها عن المبادلة التي تكون في القسمة مثل أن يكون دار بين شريكين فأراد إفراز حصصهما ولا ريب في أن الإفراز يتضمن مبادلة ففي كل جزء من أجزاء هذا النصف شركة لكل من الشريكين كما أن في ذلك النصف كذلك فكان التقسيم يتضمن مبادلة مال أحد الشريكين في هذا النصف بمال لشريكه الآخر في ذلك النصف فكان يتوهم أن يثبت بذلك حق الشفعة لكونه مبادلة وبيعًا في المعنى فنفاها النبي ﷺ وحاصله أنه لا يثبت للشفيع حق عند المقاسمة وإن كانت مبادلة معنى.\nقوله [والجار أحق بسقبه] السقب محركة القرب والباء سببية ويمكن أن","vol":"2","page":360},{"text":"تكون صلة الأحق (١) فالسقب بمعنى الصفة، قوله [الشفعة في كل شيء] ليس الشيء ههنا إلا منونة بتنوين (٢) التنويع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>[باب في اللقطة </span>إلخ] قوله قالا دعه لما سمعا من وجوب الاحتراز عن استعمال مال الغير إلا بإذنه، قوله [تأكله السباع] هذا تنصيص منه على مآخذه في اجتهاده فإن اجتهاده بين له أن استمتاع المسلم أولى من أن تأكله السباع، قوله [عرفها حولا] هذا عندنا موكول على (٣) رأي الملتقط لتفاوت الملتقطات فإن من الأشياء ما يتفقده صاحبه سنين ومنها ما لا يطلبه إلا سويعات فكل ما ورد في الحديث من مدة كانت لسبب أن اللقطة المسئولة عنها كانت كذلك، قوله [وعائها وعفاصها] أي أخص ما كان منهما على البدلية لا الإجماع والمراد بالوعاء ههنا غير العفاص لذكره بجنبه والأول يعم كل وعاء والثاني يختص بوعاء (٤) الجلد يكون للدراهم والدنانير.\n_________\n(١) وبذلك جزم الطيبي كما حكاه عنه القارئ وصاحب المجمع إذ قال الباء صلة أحق لا للسبب أي الجار أحق بساقبه أي قريبه.\n(٢) هذا توجيه للرواية عن الجمهور ولا يحتاج إلى ذلك من قال بعموم الشفعة في كل شيء كما تقدم ذكر قائله.\n(٣) ففي البذل عن شمس الأئمة السرخسي أن التقدير بالحول ليس لازم في كل شيء وإنما يعرفها مدة يتوهم أن صاحبها يطلبها وذلك يختلف بقلة المال وكثرته حتى قالوا في عشرة دراهم فصاعدًا يعرفها حولا لأن هذا مال خطير يتعلق القطع بسرقته والحول الكامل لذلك حسن وفي ما دون العشرة إلى ثلاثة يعرفها شهرًا وفي ما دون ذلك إلى الدرهم يعرفها جمعة، وفي فلس أو نحوه ينظر يمنة ويسرة ثم يضعه في يد فقير، انتهى.\n(٤) كونه من الجلد ليس باحتراز فقد يكون من الخرفة ونحوه نعم كونه للنفقة احتراز والوعاء أعم كما يظهر من كتب اللغة.","vol":"2","page":361},{"text":"قوله [لك أو لأخيك] فلعله (١) يخون فيه، قوله [فعضب النبي ﷺ] وكان وجه الغضب ما عرف من حال السائل أن يتطلب الخيانة فيه وليس الغرض له من سؤاله العلم بالمسألة بل التلطف في أخذ أموال الناس وهذا العرفان لعله كان من قرينة هناك ومما يدل عليه التعبير بالضالة في الإبل وباللقطة (٢) في غيره فإنه لم يكن لقظه، وإنما وقع في المفازة أو أينما وقع لضلاله الطريق أو كان (٣) بسؤاله عن الإبل إذ الغالب في الإبل هناك كان السلامة لما ليست مفسدات أهل الزمان النبوي كما وقعت بعد ولم تكن السباع أيضًا بحيث تأكل الإبل\n_________\n(١) اختلفوا في المراد بالأخ فقبل غير اللاقط كائنًا من كان وهو مختار الشيخ وبه جزم الحافظ في الفتح، وقيل المالك قال القارئ أو لأخيك يريد به صاحبها والمعنى إن أخذتها فظهر مالكها فهو له أو تركتها فاتفق أن صادفها فهو أيضًا له، وقيل معناه إن لم تلتقطها غيرك وقوله أو للذئب أي إن ترك أخذها الذئب وفيه تحريض على التقاطها قال الطيبي أي إن تركتها ولم يتفق أن يأخذها غيرك يأكله الذئب غالبًا نبه بذلك على جواز التقاطها وعلى ما هو العلة وهي كونها معرضة للضياع انتهى، قلت والأوجه عندي في المراد بالصاحب التعميم فإن المالك لا خصيصة له بالغنم فأمره في جميع أنواع اللقطة سواء فلا وجه لذكره في ضالة الغنم خاصة دون غيرها فتأمل، انتهى.\n(٢) لم أتحصله لما أن التعبير في الغنم أيضًا بالضالة فتأمل.\n(٣) الضمير راجع إلى العرفان المذكور قبل ذلك ولفظ كان ليس في كلام الشيخ زدته لبعد المعطوف عليه وأصل كلام الشيخ هكذا وهذا العرفان لعله كان من قرينة هناك أو بسؤاله عن الإبل إلخ، وكان قوله ومما يدل عليه التعبير بالضالة إلخ على الهامش فلما أدخلته في المتن بعد المعطوف عن المعطوف عليه.","vol":"2","page":362},{"text":"لكنه ﷺ نبه بقوله مالك ولها، معها حذاءها وسقاؤها على العلة التي أوجبت ترك التعرض له وهو أن الغالب عليه السلامة، فأما لو كان ظن الهلاك غالبًا فالواجب هو الأخذ صيانة لأموال المسلمين عن الهلاك، وهذا هو السبب في قول الفقهاء الأفضل في لقطة البقر والإبل أخذها لما شاهدوا في زمانهم من الخيانات والمفاسد مع أن الأسد وغيرها من السباع لم تكثر فيهم كثرتهم بعد في بلاد آخر، قوله [وإلا تصدق بها] أي حيث يتصدق الصدقة الواجبة فلم تجز لغني [وكان أبي كثير المال] لكن الاعطاء المذكور كان قبل يساره (١) ولو سلم فكان بإذن الإمام.\nقوله [فعرفه فلم يجد من يعرفه] هذا أيضًا غير صحيح، فإن قصة على رواها أبو داؤد بتفصيل تام كما ننقلها مالك عن سهل بن سعد أن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة وحسن وحسين يبكيان، فقال ما يبكيهما قالت الجوع فخرج علي فوجد دينارًا بالسوق، فجاء إلى فاطمة وأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلان اليهودي فخذ لنا دقيقًا فجاء اليهودي فاشترى به دقيقًا، فقال اليهودي: أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول الله ﷺ، قال: نعم! قال: خذ دينارك ولك الدقيق فخرج على حتى جاء به فاطمة فأخبرها، فقال: اذهب إلى فلان الجزار فخذ لنا بدرهم لحمًا فذهب فرهن الدينار بدرهم لحم فجاء به فعجنت ونصبت وخبزت وأرسلت إلى أبيها فجاءهم ﷺ، فقالت: يا رسول الله أذكر لك فإن رأيته لنا حلالًا أكلناه وأكلت معنا من شأنه كذا وكذا، قال: كلوا بسم الله فأكلوا فبيناهم مكانهم إذ غلام ينشد إليه والإسلام الدينار فأمر رسول الله ﷺ فدعى له فسأله فقال سقط مني في السوق، فقال النبي: يا علي اذهب إلى الجزار، فقل له إن رسول الله ﷺ يقول لك أرسل إلي بالدينار ودرهمك علي فأرسل به فدفعه رسول الله ﷺ إليه\n_________\n(١) فإنه كان في زمن من الفقراء، كما يدل عليه تصدق أبي طلحة بستان بيرحاء علي حسان وأبي مع قوله ﷺ له اجعلها في فقراء أهلك فلو لم يكن فقيرًا كيف استحق صدقة بيرحاء، كذا أفاده الشيخ في تقريره أبي داؤد وحكاه شيخنا في البذل.","vol":"2","page":363},{"text":"انتهى بعبارته، افترى في هذا الحديث دليلًا على ما ادعاه هؤلاء أفيثبت بذلك أن عليًا عرف الدينار فلم يجد من يعرفه فكيف يصح قول المؤلف فعرفه فلم يجده ولو سلم فهل يثبت أنهم أكلوا الدينار حتى يثبت ما تصدوا لإثباته ولو ثبت أكله على فرض المحال لما أغناهم في إثبات المدعي إذا لدينار المذكور لم يكن (١) لقطة ولا كان علي يعلم حكم اللقطة، وإنما كان ذلك من قبيل أكل مال الغير حالة المخمصة وغايته وجوب الضمان ولا ينكره أحد فلا يثبت بذلك شيء مما أردوا إثباته [سئل عن اللقطة] اللام فيه لام العهد وليست لام الجنس حتى يثبت مقدار الحول للتعريف في كل لقطة.\nقوله [أصاب عمر أرضًا بخيبر] اشتراها ممن باع نصيبه بخيبر وكانت أرض سهمه على حدة [قوله إن شئت حبست أصلها] فقال الإمام (٢) على ملكك، وقال صاحباه على ملك الله ﷿ [وتصدقت بها] أي بمنافعها، قوله [والضيف ضيف] المتولي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>[باب في إحياء أرض الموات]</span>\nقوله [وليس لعرق ظالم] بالتوصيف والمراد به الشجر والإسناد في ظالم مجازي أو بالإضافة والمراد بعرق الظالم شجرته التي غرسها أو المراد به الغارس نفسه والعرق زائد أو المضاف محذوف أي لذي عرق ظالم.\n_________\n(١) بسط الشيخ هذا المعنى في تقرير أبي داؤد، ونقله شيخنا في بذل المجهود، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\n(٢) إشارة إلى ما اختلف بين الإمام وصاحبيه في حقيقة الوقت ففي الهداية هو في الشرع عند أبي حنيفة حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة بمنزلة العارية وعندهما حبس العين على حكم ملك الله ﷿ فيزول ملك الواقف عنه إلى الله تعالى على وجه تعود منفعته إلى العباد فيلزم، انتهى.","vol":"2","page":364},{"text":"قوله [والقول الأول أصح] لإطلاق الحديث، والجواب أن لفظ الحديث لا يثبت به شيء من ذلك فإن القائل باشتراط إذن (١) الإمام لما لم يجوز الإحياء إلا بالإذن لا يتحقق الإحياء عنده إلا بعد أن يستأذن فكان ذكر الإحياء ذكر الاستئذان ضرورة، قوله [فقال العرق الظالم الغاصب إلخ] ولما كان تفسيره تفسيرًا بالأعم سأل عن تفسيره بذكر الألفاظ التي تنطبق ههنا بالاستواء فلا يعم ولا يحض، قوله [فانتزعه منه] لتعلق حق العامة بالملح كما بالماء والنار وقد كان أقطعه اياه ظانا أن يصير ملحًا (٢) بصنعه وسعيه فلما علم أنه يصير ملحًا بمجرد الانجماد علم أنه مما تعلق به حق العامة فلا يجوز إعطاؤه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>[باب ما جاء في المزارعة]</span>\nاعلم أن أكثر أراضي خيبر فتحت عليه ﷺ عنوة فقسمت بعد إخراج الخمس بين الغانمين إلا أن اليهود أقرت على العمل فكان ذلك مزارعة، وأما ما فتحت من أراضيها صلحًا فإن النبي ﷺ وهبها لأهلها فوظف عليهم خراج مقاسمة إلا أن الإمام استقر رأيه على أن كل ذلك كان خراج مقاسمة وخالفه صاحباه لما حققوا التفصيل وهو الصحيح والذي نهى عنه النبي ﷺ\n_________\n(١) وتوضيح ذلك كما في البذل أن إذن الإمام شرط للإحياء عند الإمام وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد محتجين بإطلاق الحديث وعن مالك يحتاج إلى إذن الإمام فيما قرب مما لأهل القرية إليه حاجة من مرعى ونحوه، قال القارئ إن قوله ﷺ ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه يدل على شرط الإذن فيحمل المطلق عليه لأنهما في حادثة واحدة، انتهى.\n(٢) قال القارئ: ومن ذلك علم أن إقطاع المعادن إنما يجوز إذا كانت باطنة لا ينال منها شيء إلا بتعب ومؤنة كالملح والنفط ونحوهما وما كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير كد وصنعة لا يجوز إقطاعها بل الناس فيه شركاء كالكلاء والمياه، انتهى.","vol":"2","page":365},{"text":"كان لاقتران الشروط الفاسدة أو نهى تنزيه لإفلاس المهاجرين إذ ذاك.\nقوله [وهو قول مالك بن أنس والشافعي] والمشهور في كتب أصحابنا من مذهب الشافعي خلاف ما ذكره المؤلف ولعل (١) له فيه روايتين في الجواز والعدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>[أبواب الديات عن رسول الله ﷺ]</span>\n\nقوله [فإن شاءوا قتلوا وإن شاؤا أخذوا الدية] وبظاهره أخذ الشافعي حيث قال الواجب (٢) أحدهما لا على التعيين وإنما يتعين أحدهما بتعيين الولي.\nقوله [وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة] اختلفت الروايات (٣) فيها ففي بعضها ذكر الخلفة ثلاثة وأربعين وفي الأخرى ذكرها أربعة وثلاثين وفي بعضها الخلفات أربعون فقط، وذكر في بعضها أن تكون الكل خلفات فلما لم يتعين بهذه الروايات شيء أخذنا برواية ابن مسعود وفيه من كل قسم خمس وعشرون لأنها رواية فقيه مع أن فيه تغليظًا بالنسبة إلى دية الخطأ.\nقوله [جعل الدية اثنا عشر ألفًا] وكان الدرهم (٤) أقل من الدرهم الذي\n_________\n(١) وحكى الحافظ في الفتح، اختلاف بعض الشافعية في المزارعة والمخابرة، وحكى النووي مذهب الشافعي جواز المزارعة تبعًا للمساقاة ومذهب مالك عدم الجواز مطلقًا لا أصالة ولا تبعًا.\n(٢) ففي الهداية القود واجب عينًا وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل وهو أحد قولي الشافعي إلا أن له حق العدول إلى المال من غير مرضاة القاتل وفي قول الواجب أحدهما لا بعينه ويتعين باختياره، انتهى.\n(٣) أي في شبه العمد وبحديث الباب، قال الشافعي، وقال مالك: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ أما شبه العمد فلا، وقال الحنيفة وأحمد هي أرباع أي من بنت مخاض وبنت لبون وحقه وجذعة من كل قسم منها خمس وعشرون، كذا في البذل.\n(٤) ففي البذل قوله اثنا عشر ألفًا على وزن ستة فلا يخالفه ما وقع فيه روايات أنه فرض عشرة آلاف درهم فإنه على وزن سبعة، انتهى.","vol":"2","page":366},{"text":"عينه عمر، كان اثنا عشر منه كعشر من هذا فلا اختلاف في الروايتين معنى، أي في التي أخذنا بها وفي هذه [وقال الشافعي لا أعرف الدية إلا من الإبل] والفرق بين مذهبه ومذهبنا أنا نجوز أن يعطي الدراهم عند قدرة الإبل وهو لا يجوزه إلا إذا لم يقدر على الإبل، قوله [في المواضح خمس] بفتح الخاء أي في الخطأ وفي العمد القصاص، قوله [دق رجل إلخ] ولا يذهبن عليك الفرق بين المنكسر وهو الدق القلع فما اشتهر بين الجهال من انقلاع سن النبي ﷺ ناشئ من جهلهم وإنما فلت رباعيته فلا قليلًا.\nقوله [وألح الآخر] هذا الآخر هو الأول وليس بالمدعا عليه وإنما عبر عنه بذلك باعتبار معاوية، قوله [شأنك بصاحبك] أي إذا كنت غير راض إلا بالاقتصاص فخذ من صاحبك.\n[فقال له معاوية إلح] فيه دلالة على ما قال الإمام إن الأصل هو القصاص والدية بدل عنه وقال الشافعي بل حقه في أحدهما لا على التعيين فلو قال عفوت عنك ليس عندنا له الدية وعنده له أن يأخذ الدية.\nقوله [وقال بعض أهل العلم لا قود إلا بالسيف] رواه ابن ماجة والرضخ المذكور في حديث الباب إنما كان تغليظًا لا قصاصًا وقد ثبت القتل بإقراره، قوله [لزوال الدنيا] أي وليس فيه مسلم، قوله [لا كبهم الله] المشهور أن أكب لازم وكب متعد لكن قد يستعمل أحدهما موضع الآخر.\nقوله [لا يحل دم أمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث] وهو مشكل بما ثبت من قتل البغاة وشارب الخمر بعد ثلاث إذا رأى الإمام أن يقتله إلى غير ذلك، والجواب تعميم بعض هذه الأقسام الثلاثة المذكورة كالتارك لدينه المفارق للجماعة فإنه كما يصدق على المرتد يصدق على الباغي وقاطع الطريق وغيرهما وليس هذا التعميم وتعدية الحكم في غير المرتد مبنيًا على مجرد القياس حتى يجب كون المعدي إليه مساويًا للأصل حتى يصح التعدية ولا فوقه حتى يثبت الحكم فيه بدلالة النص","vol":"2","page":367},{"text":"بل الحكم في الغير ثابت بنصوص آخر مؤيدة بالأصول ومفاد التعميم ههنا ليس إلا التوفيق بين الروايات.\nقوله [وودي العامرين] بلفظ التثنية [يدية المسلمين] بلفظ الجمع وكان أتيًا النبي ﷺ وعاهداه فصار لهم ذمة فلما رجعا قتلهما بعض الصحابة لعدم العلم بكونهما ذميين ولولا ذلك لقتلهما بهما قصاصًا وإنما اقتصر على الدية لكون القتل خطأ، قوله [وإني عاقله] عذرهم حيث لم يوجب العقل عليهم لما كان الحكم لم يبلغهم وهو أن دماء الجاهلية موضوعة.\nقوله [أما أنه إن كان صادقًا إلخ] يشكل دخوله النار مع أنه لو قتله لقتله بأذنه ﷺ، والجواب أنه كان معتذرًا بأني كنت أردت الضرب من جهة الخشب أو من الجهة الغير المحددة من الحديد إلا أنه أصابه حده فمات ولم يكن بين ذلك العذر من قبل أو المراد بدخول النار انحطاطه عن الدرجة التي له على تقدير العفو عنه أو المعنى ما أردت قتله وإنما مات حتف أنفه إلا أنه صار إلي لما ضربته ولم أضربه بآلة القتل حتى يقتص مني إلا أنه بين ذلك بعد ما حكم بالقصاص فلما علم ﷺ أنه لم يقتله بعمد ولا شبه عمد قال له ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>[باب في النهي عن المثلة]</span>\nقوله [أوصاه في خاصة نفسه إلخ] وجه تخصيصه بذلك مع أن الناس كلهم في الافتقار إلى التقوى سواسية الإقدام أن الناس أكثرهم يمتنعون عن ارتكاب المعاصي حياء وخوفًا من أن يقول الناس فيه كذا وكذا وخوفًا من الأمير أيضًا ولا خوف للأمير وإذا تأمر الرجل يقل حياؤه وخوفه فأوصاه في معاملة نفسه خاصة بالتقوى وفي معاملة من معه من المسلمين خيرًا والأول وإن كان يتضمن الثاني فكرره لزيادة الاعتناء به وإشارة إلى الحرى له بهم أن يعفو عن زلاتهم ولا يتفحص ولا يتجسس عثراتهم وإن كان ذلك لا ينافي التقوى وعلى هذا فهو غير داخل في التقوى فكان تأسيسًا لا تأكيدًا، قوله [فقال] أي ثم بعد ذلك كان يقول ولا تقتلوا وليدًا لأنكم تملكونهم فكان","vol":"2","page":368},{"text":"قتلهم نقصانكم في المال والوقت مع أنهم لا جناية منهم، قوله [وليرح ذبيحته] بتأخير السلخ حتى يبرد وغيره، قول المحشي [صوابه شراحيل] لأن ابن (١) آدة ليس اسمه شرحبيل قوله [بحجر أو عمود فسطاط] ولعلها ضربت بالحجر أولًا ثم لم تكتف به حتى أخذت العمود وثنت به.\nقوله [فقال الذي قضى عليه] أي بشيء منها وكان من عاقلتها، على قوله [ليقول بقول الشاعر] أي يقابل حكم الشريعة بأقوال كأقوال الشعراء مبنية مقدمات متخيلة.\nقوله [هل عندكم سوداء في بيضاء إلخ] وإنما سأله ذلك لما كان اشتهر بينهم لخبث ابن سبا المشهور فساده أن عليًا اختص بكتب ليست عند غيره الجفر الأصغر والأكبر وفيهما علوم الأولين والآخرين، وما كان وما يكون إلى يوم القيامة، أما في الأصغر فإجمالًا وفي الأكبر تفصيلًا وكانوا يثبتون له غير ذلك من (٢) المزايا والخواص فأبطل كل ذلك وأقر بالصحيفة وهي التي لها ذكر في أبواب الزكاة قرنها رسول الله ﷺ بسيفه في آخر أيامه وكان كتبها ليخرجها إلى العمال وأخرجها من بعده من الخلفاء ولم يتفق له ﷺ ذلك لحلول الأجل ثم إن تلك الصحيفة وقعت في يدي علي بن أبي طالب ولعل ذلك في أيام خلافته.\nقوله [ولا يقتل مؤمن بكافر] المراد (٣) بالكافر الحربي بقرينة ما بعده\n_________\n(١) ففي التقريب أبو الأشعث الصنعائي هو شراحيل بن آدة بالمد والتخفيف انتهى، قلت: لكن من أهل الرجال من سماه شرحبيل كما في تهذيب الحافظ.\n(٢) ذكر في الإرشاد الرضي أنهم كانوا يقولون إن عليًا اختص بخمسة أشياء وهي الجفر الأصغر والجفر الأكبر وبعض الأسلحة والمصحف وبعض الآيات القرآنية.\n(٣) أي عندنا والمسألة خلافية فقد قالت الأئمة الثلاثة لا يقتل مسلم بكافر وإليه ذهب أهل الظاهر وقالت الحنفية ومن معهم من الصحابة والتابعين يقتل مسلم بذمي والمراد في الحديث كافر غير ذي عهد، كذا في العيني.","vol":"2","page":369},{"text":"ولا ذو عهد في عهده وفيه أنه غير مسلم ووجه عدم التسليم ظاهر فإنه يمكن أن يكون النهي عن قتل المعاهد مطلقًا ولا يقيد بلفظة بكافر فيكون حاصل المعنى لا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل ذو عهد، وأما أن الواجب بقتل المعاهد ماذا فلا ذكر له في النص فلا يثبت مدعا أحد من هؤلاء وهؤلاء إلا أن يثبت أحد أن الرواية مسوقة لبيان القصاص وهو غير ثابت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>[باب في المرأة ترث من دية زوجها]</span>\nقوله [إن عمر كان يقول إلخ] ووجه قول إن الميت المقتول لم يترك وقت موته وهو وقت انقطاع النكاح إلا القصاص وهو حق غير مالي وإنما يتبدل بالمال بعد ذلك فلا ترث زوجته شيئًا منه، قوله [ولا دية لك] لأنه لم يقلع أسنانك بفعل منه عليك وإنما عصم يده فلزم منه خروج الأسنان، وقوله تعالى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ يعتمد المساواة ولا يمكن المساواة ههنا فكان غير داخل في مقتضى الآية، ففيه تسليم للجرح إلا أن القصاص ساقط لعدم إمكان التساوي أو المعنى أن الجرح هو الموجب للقصاص وليس ههنا جرح منه حتى يلزم القصاص. [باب ما جاء في القسامة (١)] فيه\n_________\n(١) اسم بمعنى القسم وقيل مصدر يقال اقسم يقسم قسامة إذا حلف وقد يطلق على الجماعة الذين يقسمون كذا في البذل، وفي الشرع أيمان قسم بها أهل محلة أو دار وجد فيها قتيل به جراحة أو أثر خنق ولا يعلم من قتله يقسم خمسون رجلًا من أهل المحلة يقول كل واحد منهم بالله ما قتلته ولا علمت له قائلًا كذا في هامش الهداية، وقال ابن رشد وجوب الحكم بالقسامة على الجملة قال به جمهور الفقهاء مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وسفيان وداؤد وأصحابهم وغير ذلك من فقهاء الأمصار لأحاديث هذا الباب وهي صحيحة وقالت طائفة من السلف لا يجوز الحكم بها لأنها مخالفة لأصول الشرع المجمع عليها منها أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعًا وغير ذلك مما بسط في الهداية.","vol":"2","page":370},{"text":"اختلاف بين الشافعية والأحناف (١) فقالت الشافعية يبدأ بالإيمان أولياء (٢) المقتول إذا كان هناك لوث وهو (٣) مفسر في الفقه ثم لا يحلف أحد بعد ذلك من القسامة (٤) أي أهل المحلة بل يقضي بالدية (٥) وإن لم يكن ثمة لوث فمذهبهم مثل مذهبنا (٦) وإن نكل أولياء المقتول حلف المدعى عليهم وإن\n_________\n(١) لم يفصل الشيخ مذهب الحنفية في ذلك لشهرته وحاصله كما في الهداية إذا وجد القتيل في محلة ولا يعلم من قتله استحلف خمسون رجلًا منهم يتخيرهم الولي فإذا حلفوا قضى على أهل المحلة بالدية ولا يستحلف الولي، ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف وإن لم تكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم حتى تتم خمسين، انتهى.\n(٢) هكذا ذكر صاحب الهداية مذهب الشافعي فأرجع إليه لو شئت وفي فروع الشافعية تفاصيل أكثر من ذلك إلا أن كلام الشيخ أكثره مأخوذ من كلام صاحب الهداية، وحاصل ما أفاده الشيخ من مذهب الشافعية أنه إن كان هناك لوث يبدأ بأيمان الأولياء فإن حلفوا يوجب الدية على أهل المحلة وإن نكلوا أي الأولياء يستحلف أهل المحلة فإن حلفوا برؤا عن الدية وإلا يجب عليهم الدية وهذا كله في اللوث وإن لم يكن هناك لوث فمذهبهم قريب من مذهبنا.\n(٣) ففي الهداية واللوث عندهما أي مالك والشافعي أن يكون هناك علامة القتل على واحد بعينه أو ظاهر يشهد للمدعي من عداوة ظاهرة أو شهادة عدل أو جماعة غير عدول أن أهل المحلة قتلوه، انتهى.\n(٤) بفتح القاف الجماعة يقسمون على الشيء ويأخذونه ويشهدون كذا في القاموس.\n(٥) سواء كانت الدعوى عمدًا أو خطأ هذا هو الصحيح من قولي الشافعي وفي قوله الآخر وبه قال مالك يجب القصاص في العمد في هذه الصورة كما في الهداية، والنووي.\n(٦) قال في الهداية إن لم يكن الظاهر شاهدًا له فمذهبه مثل مذهبنا غير أنه لا يكرر اليمين بل يردها على الولي، انتهى.","vol":"2","page":371},{"text":"حلفوا تبرؤا وإلا وجبت الدية عليهم، ودليلهم ما ورد في هذا الحديث من لفظ أتحلفون خمسين يمينًا فتستحقون صاحبكم، والجواب أن الروايات في ذلك مختلفة فقد ورد في بعض روايات البخاري ما يوافق مذهبنا فأخذنا به لموافقة قوله ﷺ البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولموافقته على ما كانت القسامة في الجاهلية ومعنى ما ورد ههنا أتحلفون خمسين يمينًا إلخ أن هذا قول على سبيل الإنكار فإنهم لما ألحوا على أخذ القصاص من اليهود كأنهم مستيقنون بقتلهم إياه أنكر عليهم النبي ﷺ فقال أنتم من الاستيقان بحيث تستحلفون أن فلانًا قتله فلو كنتم كذلك أي موقنين لكنتم مستحقين صاحبكم فقالوا يا رسول الله كيف نحلف فعلموا أن القصاص ليس مستحقًا لهم لما أنهم لم يتيقنوا ويمكن أن يكون مراده الإنكار على زعمهم وكانوا زعموا أنهم لو حلفوا استحقوا قاتلهم فرد النبي ﷺ عليهم زعمهم ذلك فقال أزعمتم أن تستحلفوا فتستحقوا بذلك صاحبكم لا يكون ذلك فقالوا كيف نحلف كأنهم تبرؤا عن ظنهم الباطل.\nقوله [قال يحيى وحسبت إلخ] يعني أن ظني أن بشيرًا يرويه عن رافع كما يرويه عن سهل فكان آخذًا منهما، قوله [أعطى عقله] لئلا يذهب دم امرئ مسلم هدرًا فكان ذلك منة منه لا وجوبًا وأما اليهود فلم يمكن إيجاب الدية عليهم بعد ما حلفوا (١) فإن أولياء المقتول أنكروا استحلافهم وإلا فهم لم ينكلوا.\n_________\n(١) أشكل على كلام الشيخ إثبات حلفهم وعدم نكولهم ويوضح كلامه ما كتب بنفسه في تقرير أبي داؤد إذ قال: وكذلك اختلف فيها بين حلف اليهود خمسين يمينًا فمن مثبت لها ومن ناف إياها والجمع أن اليهود كتبوا إليه بحلف خمسين ولم يشهدوا ولم يطلبهم ولا معتبر بما كتبوا به إليه ﷺ فإن الأيمان لا بد وإن تكون في مجلس القضاء بحضور الحاكم ولم يوجد فمن ذكرها عني بها كتابتهم ومن نفاها نفى اليمين المطابق للقاعدة انتهى، فالمراد بقوله بعد ما خلفوا أي كتبوا بالحلف وبقوله لم ينكلوا أي في مجلس القضاء.","vol":"2","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>أبواب الحدود عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله [رفع القلم، إلخ] ليس المراد بذلك نفي اعتبار الفعل عن هؤلاء، كيف وقد أقر بضمان الأموال وقت إتلاف هؤلاء شيئًا غيرنا أيضًا، فلم يكن المرفوع إلا الإثم، وأما ما أقر به فقهاؤنا من أنه لا يقع طلاق النائم (١)، فمخصوص بالرواية مع أن (٢)، قوله [من ستر على مسلم] يعم ستر عورته وسوءته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>[باب ما جاء في التلقين في الحد]</span>\nليس في الحديث تلقين فأجاب بعضهم بأن المؤلف اكتفى بالإشارة إليه بذكر ماعز، فإن في الحديث الطويل المختصر منه هذا الحديث ذكرًا للتلقين والحق في الجواب أن قوله ﷺ أحق ما بلغني عنك إشارة (٣)\n_________\n(١) ليس مراد الشيخ تخصيص النائم باعتبار أخويه، الصبي والمجنون، بل المراد تخصيص الطلاق باعتبار الأحكام الآخر، وذكر النائم بطريق المثال.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك وفي تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم ما حاصله أن النائم ليس فيه صلاحية لإيقاع الطلاق إذ ذاك، وقال القارئ في شرح النقاية، والطلاق من نائم أي لا يقع لأنه لا اختيار له أصلًا، فصار كالمجنون، وفي الخلاصة، النائم إذا طلق امرأته في المنام، فلما استيقظ قال لامرأته طلقتك في النوم لا يقع لأنه إخبار لم يقصد به الإنشاء، وكذا لو قال أجزت ذلك الصلاة لعدم ثبوته في حقيقة الحال، وإنما هو في عالم الخيال، انتهى.\n(٣) وإليه أشار الطبي كما حكاه عنه في البذل بعد لفظ الحديث أحق ما بلغني عنك، هذا بظاهره مخالف للرواية المشتهرة الدالة على أن ماعزًا بنفسه أتى رسول الله ﷺ وأخبره بما فعل وأعرض عنه رسول الله ﷺ، ثم لما أقر أربع مرات فسأله عن حاله لكن أجاب الطيبي عنه بأنه لا يبعد أن يقال إنه بلغه حديث ماعز، فلما حضر بين يديه فاستنطقه لينكر ما نسب إليه لدرء الحد، فلما أقر أعرض عنه، إلى آخر ما رواه الرواة، انتهى.","vol":"2","page":373},{"text":"إليه فكان النبي ﷺ حين أجمل الأمر فذكر بما الموصولة كان الجواب له أن يقول لا شيء يا رسول الله ﷺ يتقولون بأقاويل لا أصل لها وذلك لأن كلمة ما لا يهامها يمكن صدقها على كل شيء، فكان له مساغ الإنكار بحملها على غير تلك الوقعة فلا يلزم الكذب ولم يجب الحد، قوله [فهلا تركتموه] ليس المراد بذلك أنه إذا فر يترك بل الفرار منه لما كان دلالة على الرجوع يؤتي به عند الإمام فإذا رجع عنده عن إقراره ترك (١) [ولم يصل عليه] تفظيعًا لأمر الزناء ثم صلى بعد ذلك على المحدودين لما حصل المرام.\nقوله [ولم يقل فإن اعترفت أربع مرات] لما كان اعتراف الزناء هو الاعتراف الرباعي لم يحتج إلى التصريح بالعدد لعلم الصحابة بذلك لما عرفوه في وقعة ماعز، فقد صرحت الروايات بإقرار ماعز أربع مرات في أربعة مجالس من مجلس المقر (٢)، وكان ماعز يذهب كل مرة ثم يعود من حيث شاء الله، ولا يشترط\n_________\n(١) استدل بالحديث على أنه يقبل من المقر الرجوع عن الإقرار ويسقط منه الحد، وإلى ذلك ذهب أحمد والشافعية والحنفية، وهو قول لمالك ورواية عنه وقول الشافعي أنه لا يقبل منه الرجوع عن الإقرار بعد كماله كغيره من الإقرارات قال الأولون: ويترك إذا هرب لعله يرجع، هكذا في البذل وما حكى فيه صاحب الهداية من خلاف الشافعي تعقبه ابن الهمام إذ قال والمسطور في كتبهم أنه لو رجع قبل الحد أو بعد ما أقيم عليه بعضه سقط.\n(٢) إشارة إلى رد ما يرد على الحنفية من أنهم قالوا أن يكون الإقرار في أربعة مجالس وههنا لم يتبدل مجلس النبي ﷺ، وحاصل الدفع أن التعدد يحتاج إليه لمجالس المقر لا لمجالس القاضي، وهو ههنا حاصل فإنه ﷺ يعرض عنه في كل مرة ويدفعه عن محضر منه ﷺ، قال صاحب الهداية: والإقرار أن يقر البالغ العاقل أربع مرات، في أربعة مجالس من مجالس المقر، كلما أقر رده القاضي، وبسطه ابن الهمام، واستدل لذلك بما في رواية مسلم عن أبي بريدة أن ماعزًا أتى النبي ﷺ فرده، ثم أتاه الثانية من الغد فرده، الحديث، وبما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وغيرهما عن أبي بكر قال أتى ماعز النبي ﷺ فاعترف وأنا عنده مرة فرده، ثم جاء فاعترف عنده الثانية فرده، ثم جاء فاعترف عنده الثالثة فرده فقلت له إن اعترفت الرابعة رجمك قال فأعترف الرابعة فحبسه، الحديث، وبغير ذلك من الروايات.","vol":"2","page":374},{"text":"تبدل مجالس القاضي حتى يعترض باتحاد مجلسه ﷺ.\nقوله [أهمتهم شأن المرأة، إلخ] وكان ابتداء أمرها الخيانة، فكانت تستعير أموالًا ثم تنكرها وكثيرًا ما استعارتها فقالت أرسلني فلان يستعير منكم هذا الشيء فذهبت به، إلى غير ذلك من الخيانات والغرر ثم سرقت، ولا يذهب عليك التفرقة بين الدرء وأنه قبل الثبوت وبين الشفاعة وهي بعد ثبوت موجب الحد كالزنا، والأول لا يخل بالزجر المقصود من شرعية الحدود بخلاف الثاني، قوله [لو أن فاطمة بنت محمد، إلخ] استحبوا أن يعوذها (١) إذا ذكر هذه اللفظة.\nقوله [فيقول قائل لا نجد الرجم، إلخ] فإن الحكم المخالف للطبيعة كثيرًا ما يتكلف في دفعه واقتفاء التأويلات على عكسه، كيف، وههنا كان لهم أن يقولوا إن الرجم يخالف قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ وهذا خبر واحد، فلا يعارض الكتاب فبين أن الخبر ليس كخبر الواحد وإنما هو قطعي الحكم، كيف لا وهو آية من آيات الكتاب اتفقت أمة جمة على تلقيها، غاية ما في الباب أن تلاوتها منسوخة، فلما كانت كذلك يخص بها عموم آية الجلد.\n_________\n(١) أي فليقل بعد ذلك أعاذها الله منه.","vol":"2","page":375},{"text":"قوله [أو كان حمل] ليس المراد بذلك أنه بانفراده (١) موجب للحد بل إذا وجد مع أحد قرينيه من البينة والاعتراف، والجواب بأنه منسوخ لا يصح أفترى النسخ يجري بعد عمر حتى يصح ومن أجاب بأنه منسوخ إنما عنى به أن ذلك كان أولًا ثم نسخ إلا أن عمر لما لم يبلغه النسخ قال ذلك فلا يعمل بقوله ذلك لكونه منسوخًا قبله لا أنه منسوخ بعده، قوله [أن أزيد في كتاب الله] ليس يريد أن أكتبه حيث تكتب آيات الكتاب لأنه حرام فكيف يكتفي بالكراهة فيه، وإنما يعني أن اكتبه في حواشي المصاحف حتى ينظر إليه من يقرأ المصحف إلا أن الأمر بتجريد القرآن يمنعني عن ذلك لئلا ينجر الأمر بالآخرة إلى إدخاله فيه، قوله [لما قضيت بيننا بكتاب الله] وهي بمعنى إلا كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ وكان السبب في ذكره ذلك أن الرجم ليس في كتاب الله فلا ترجم زوجته إذًا.\nقوله [وكان أفقه منه] وذلك أنه لم يحصر الحكم بإيراد حرف الاستثناء كما فعله صاحبه مع أن سرده القضية شاهد على أنه رأي حكم الرسول أيضًا حكم الله وهو الرجم على المرأة وتغريب ابنه، فإنه غير مذكور في الكتاب أيضًا، قوله (٢) [وكان أفقه منه] حيث علم أن كل ما قضى به رسول الله ﷺ فهو عين حكمه تعالى سواء ذكر في كتاب أو لم يذكر ولعل فقاهته معلومة لهم من قرائن خارجية،\n_________\n(١) والمسألة خلافية فقال مالك ومن معه أن المرأة تحد إذا وجدت حاملًا ولا زوج لها ولا سيد ولم تذكر شبهة ولا عرفنا إكراهها وذهب الجمهور إلى أن مجرد الحمل لا يثبت به بل لا بد من الاعتراف أو البينة، كذا في البذل.\n(٢) ذكر في الأصل على هذا القول تقريران، أحدهما: في الحاشية، والثاني: في المتن، وكان في مزجهما بنسق واحد تغيير الكلام الشيخ فاستحسنت ذكرهما مستقلًا وأبقيتهما على حالهما.","vol":"2","page":376},{"text":"قوله [فزعموا أن علي ابني جلد مائة وتغريب عام] وكانوا فهموا (١) أن ذلك تشريع ولم يكن إلا تعزيرًا، قوله [أغد يا أنيس. إلخ] لا يقال كيف أمر بالتفتيش عنه، وقد أمر بالستر والدرء ما أمكن قلنا قد كانت القصة قد اشتهرت حتى لا يمكن أن تستر وتعرفت بحيث لم تبق لها صلاحية أن تنكر فلم يبق بعد اشتهارها إلا اعتراف المرأة فلو لم تعترف مع ما جرى من الشهرة وغيرها لكانت تترك من غير شيء.\nقوله [هكذا روى مالك بن أنس، إلخ] حاصل (٢) كلامه في الإسناد أن حديث الباب المذكور من قبل إنما يروى من أبي هريرة وزيد بن خالد وليس فيه شبل ورواية بيع الأمة بضفير مروية بإسنادين عن أبي هريرة وزيد بن خالد كالحديث الأول وعن شبل عن عبد الله بن مالك الأويسي فرواية سفيان كلا الحديثين بلفظ عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل غلط بل لا ينبغي أن يذكر الشبل في أول الحديثين مطلقًا، وأما في الثاني وهو حديث بيع الأمة، فالصحيح أن رواية أبي هريرة وزيد بن خالد على حدة وليس فيها ذكر شبل كما ذكر، وأما الإسناد\n_________\n(١) وسيأتي قريبًا أن التغريب تعزير عند الحنفية خلافًا للأئمة الثلاثة.\n(٢) قال العيني بعد ذكر الحديث هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث جعل شبلا مع أبي هريرة وزيد فاخطأ وأدخل إسناد حديث في آخر ولم يتم حديث شبل، انتهى، وقال الحافظ في ترجمة شبل من تهذيبه روى عن عبد الله بن مالك الأوسي حديث الوليدة وعنه عبيد الله بن عبد الله كذا رواه أصحاب الزهري عنه وخالفهم ابن عيينة فروى عن الزهري عن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل جميعًا عن النبي ﷺ حديث العسيف ولم يتابع عليه رواه النسائي والترمذي وابن ماجة، قال النسائي: الصواب الأول وحديث ابن عيينة خطأ، وروى البخاري حديث ابن عيينة فأسقط منه شبلًا، انتهى.","vol":"2","page":377},{"text":"المذكور فيه شبل فليس فيه ذكر لأبي هريرة وزيد بن خالد، وإنما هو عن شبل عن عبد الله بن مالك الأويسي فغلطه من وجهين ذكر شبل في الأول وليس بصحيح ذكره فيه مطلقًا، وذكره في الثاني حيث لا يصح أن يذكر ثمة لأنه تابعي وقد ذكره في جنب الصحابة وأثبت له حضور مجلسه ﷺ.\nقوله [فبيعوها ولو بضفير] والبيع ليس من ضرورة إخفاء العيب عن المشتري حتى يلزم المكروه بل في لفظ الضفير إشارة إليه فإن تقليل ثمنها إنما هو لأجل ما ظهر من عيبها عند المشتري نعم يمكن أن يتوهم أن البيع ماذا يفيد فيها فإن الزناء لما كان إعادة لها كانت عند المشتري مثلها عند البائع مع ما لزم للبائع من المخالفة الظاهرة بقوله ﷺ وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك والجواب أن لتبدل الأيدي أثرًا في تنقل الأحوال لا سيما في أمثال تلك الخصال فكم من امرأة هي منقادة لفحول الرجال، ومخالفة الرواية مقيدة بما إذا لم يرتضه الآخر، وأما فيما نحن فيه فقد رضى المشتري لنفسه بما لم يرض به البائع لنفسه، قوله [الثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم] هذا الحكم (١) قد نسخ قبل أن يعمل به كما أن حديث النفي المذكور بعد ذلك منسوخ (٢) أيضًا.\nقوله [يا رسول الله رجمتها ثم تصلي عليها] كأنه رأى أن النبي ﷺ لما لم يصل (٣) على ماعز، فليس على مرجوم صلاته فلذلك سأل الفرق، فقال\n_________\n(١) أي عند الجمهور قال الحازمي: ذهب أحمد وإسحاق وداؤد وابن المنذر إلى أن الزاني المحصن بجلد ثم يرجم، وقال الجمهور وهي رواية عن أحمد أيضًا لا يجمع بينهما وذكروا أن حديث عبادة منسوخ والناسخ ما ثبت في قصة ماعز أن النبي ﷺ رجمه ولم يذكر ثم بسط في وجه كونها متراخية، حكاه عنه الشيخ في البذل.\n(٢) أي عند الحنفية وخالف الجمهور فقالوا إن النفي داخل في الحد كما سيأتي.\n(٣) وفي البذل اختلف في الصلاة عليه ففي بعض الروايات أنه لم يصل عليه وفي بعضها صلى عليه فأما أن يقال أن المثبت مقدم على النافي، وأما أن يقال في وجه الجمع أن رسول الله ﷺ أنكر الصلاة عليه. وقال صلوا على صاحبكم ثم بعد ذلك إما بالوحي وإما بالاجتهاد صلى عليه، واختلفت الأئمة في الصلاة على المحدود فكرهه مالك، وقال أحمد لا يصلي الإمام وأهل الفضل، وقال أبو حنيفة والشافعي يصلي عليه وعلى كل من أهل لا إله إلا الله من أهل القبلة وإن كان فاسقًا أو محدودًا وهو رواية عن أحمد، انتهى.","vol":"2","page":378},{"text":"النبي ﷺ إن الصلاة لما كانت حقًا على كل بر وفاجر فأي سبب للصلاة أن تنتفي عنهما سيما وقد ثبتت توبتهما فلم يبقيا فاسقين، وأما وجه الفرق فقد بيناه أنه لما كان أول قصة وقعت ترك الصلاة عليه ثم تنشأ ههنا السؤال عن دليل التوبة ما هو فقال وهل وجدت شيئًا أفضل من أن جادت بنفسها ويمكن تقرير الكلام بحيث يثبت به مرام الإمام أن عمر لما كان قد علم منه ﷺ أن الحدود لا تكون كفارات، ولا شك أن الزنا وأمثاله من الكبائر استغرب صلاته ﷺ عليها مع أنهما جهرا الفسق فدفعه النبي ﷺ بأن الإثم قد ارتفع بالتوبة وهل توبة أعظم من التوبة التي بعثت على بذل المهجة، وأيضًا فإن النبي ﷺ لم يعلق انتفاء الإثم إلا بالتوبة ولم يذكر الكفارة وتعميم التوبة (١) بحيث يشمل الكفارة وجعل الكفارات والحدود من أفراد التوبة حتى يلزم مغفرة السيئات بالحدود والكفارات كما يلزم بالمتاب إلى رب البرمات خرق لإطلاق اللغة فمن البين أن من قامت عليه البينة بالزنا وغيره وأقيمت عليه الحد لثبوت فعله ذاك فإنه لم يوجد منه فعل حتى يسلم غفرانه وإنما\n_________\n(١) إشارة إلى مسألة أخرى خلافية من أن الحدود كفارات لأهلها أم لا ويؤيد الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية ففيها عذاب الآخرة. مع الخزي في الدنيا ولذا احتاج صاحب الجمل إلى تأويل الآية.","vol":"2","page":379},{"text":"هو مجبور في جميع ما أتى به وجرى عليه، نعم يكفر عنه بقدر ما تأذى واحتمل الكلفة في الحد.\nقوله [رجم يهوديًا ويهودية] وكان تعزيرًا لشيوع الفحشاء فيما بينهم وإلا فالإحصان (١) منتف ههنا فلم يبق إلا الجلد وقد ورد في الرواية من (٢) أشرك بالله فليس بمحصن، قوله [إذا ترافعوا إلى حكام المسلمين] هذا غير منكر لكن الرجم ههنا لم يكن إلا للتعزير لاشتراط الإسلام في الإحصان.\nقوله [إن النبي ﷺ ضرب وغرب إلخ] هذا (٣) غير منكر والإنكار إنما هو من دخوله في التشريع لئلا يلزم الزيادة على قوله تعالى ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ويجوز كل ذلك تعزيرًا مع أنه ثبت أن عمر تركه للمصلحة في الترك ولو كان ذلك تشريعًا لما وسعه أن يترك.\n_________\n(١) قال ابن رشد في البداية اتفقوا على أن الإحصان من شرط الرجم واختلفوا في شروطه فقال مالك البلوغ والإسلام والحرية والوطؤ في عقد صحيح وحالة جائز فيها الوطؤ والوطؤ المحظور عنده الوطؤ في الحيض أو الصيام، ووافق أبو حنيفة مالكًا في هذه الشروط إلا في الوطئ المحظور واشترط في الحرية أن تكون من الطرفين ولم يشترط الشافعي الإسلام لحديث الباب، انتهى.\n(٢) ذكر الحديث بهذا اللفظ صاحب الهداية، وذكر تخريجه الزيلعي بعدة طرق.\n(٣) اختلفوا في النفي وهو التغريب فقالت الأئمة الثلاثة بأنه داخل في الحد وقالت الحنفية أنه تعزير على رأي الإمام، وبسط الكلام على ذلك في البذل فأرجع إليه لو شئت واستدل ابن الهمام بما في البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد بأن العطف يقتضي المغايرة بين النفي والحد فتأمل.","vol":"2","page":380},{"text":"قوله [فهو كفارة له] استدل بذلك من قال بكون الحدود كفارات للمحدود عليه وأنت تعلم أن هذا غير ثابت بل الثابت أن ذلك الحد يكون كفارة لخطاياه وهذا مسلم، وأما تكفير ذلك الإثم الخاص فلا يثبت، وأما إذا لم تكن له ذنوب آخر فيكفر من هذا الإثم على قدر ذلك التعب الذي تحمله مع أن في إقامة الحدود على الكفار وأهل الشرك حجة على أنها ليست بمكفرات، قوله [أقيموا الحدود] مجاز (١) كما في الروايات الآتية في قولهم: ضرب رسول الله ﷺ، فإسناد الإقامة إليهم مجاز كما أن نسبة الضرب إليه ﷺ كذلك ووجه ذلك أن إقامة الحدود موكولة إلى الإمام بالرواية الصحيحة (٢).\nقوله [من أحصن منهم] ليس المراد بالإحصان هو معناه المصطلح عليه بل المراد النكاح أراد بإطلاق الكل جزءًا من مفهومه، قوله [ضرب الحد بنعلين] أربعين فكانت ثمانين، قوله [فإن عاد في الرابعة فاقتلوه] قالوا هذا الأمر قد نسخ قبل ان يعمل به ولا حاجة إليه بل الإباحة (٣) كانت على سبيل التعزير وهي\n_________\n(١) عندنا باعتبار التسبيب، وقال الشافعي ومالك وأحمد يقيمه المولى بنفسه وعن مالك إلا في الأمة المزوجة واستثنى الشافعي من المولى أن يكون ذميًا أو مكاتبًا أو امرأة وهل يجري ذلك على العموم حتى لو كان قتلًا بسبب الردة أو قطع الطريق أو قطعًا للسرقة ففيه خلاف عندهم قاله ابن الهمام.\n(٢) لعله أشار إلى ما في الهداية أربع إلى الولاة وعد منها الحدود وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير موقوفًا ومرفوعًا والكلام في طرقها منجبر بعدتها.\n(٣) وعلى هذا فلا يحتاج إلى نكارة الرواية كما فعله النسائي ولا إلى تخصيص الحكم بذلك الرجل كما قاله غيره ولا إلى ما قاله المنذري أن إجماع الأمة على أنه لا يقتل كما حكى هذه الأقوال وغيرها الشيخ في البذل.","vol":"2","page":381},{"text":"باقية بعد؛ قوله [لا يحل دم امرئ] المراد بذلك الحل وجوبه أو جوازه تشريعًا لا مطلق الجواز فلا ينافي القتل تعزيرًا حيث يثبت أو يعمم بحيث يشمل الغير والتعميم ممكن في مفارقة الجماعة.\n\n[باب في كم يقطع السارق] أخذنا (١) بالأمر المتيقن درءًا للحدود واحتياطًا في أمره مع أن رواية العشر رواية فقيه (٢) قوله [فعلقت في عنقه] التعليق جائز حيث استحسن الإمام، قوله [لا قطع في ثمر] ولا كثر، وكذلك كل ما يسرع إليه الفساد.\nقوله [لا تقطع الأيدي في الغزو] يحتمل معنيين أن لا تقطع في سرقة مال الغزو وهي الغنيمة فالنهي مؤبد ووجه النهي شبهة الشركة للسارق في ذلك المال ويحتمل أن يكون معناه لا يقام الحد حين ثبت لخوف الفتنة بلحوقه بالأعداء فهو مقيد إلى وقت العود إلى دار الإسلام وعلى هذا فالنفي على الاستحباب لا أنه لا يجوز إقامة الحدود (٣) هناك.\nقوله [لا جلدته مئة] تعزيرًا (٤) لا حدًا لأن شبهة حل الفعل درأت\n_________\n(١) اختلفوا فيما تقطع فيه اليد فقالوا بثلاثة دراهم أو ربع دينار وقلنا بعشرة دراهم والمسألة خلافية شهيرة حتى ذكروا فيها عشرين مذهبًا كذا في البذل.\n(٢) فقد روى عن ابن مسعود مرفوعًا وهو مذهب عمر وعثمان وعلي وغيرهم كما في البذل.\n(٣) فإن أهل الفروع صرحوا بجواز إقامتها في المعسكر.\n(٤) وبذلك جزم ابن القيم، فقال بعد ذكر شيء من توثيق الحديث والقياس وقواعد الشرع تقتضي القول بموجب هذه الحكومة فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد ولا تسقط التعزير فكانت المأته تعزيرًا فإذا لم تكن أحلتها كان زنًا لا شبهة فيه ففيه الرجم، انتهى.","vol":"2","page":382},{"text":"عنه الحد إلا أنه واجب التعزير لجهله بمسائل الشرع مع تمكنه عليها وإن لم تكن أحلتها له حتى يثبت له الشبهة فلا شبهة أنه يرجم حدًا لإحصانه ولا يلزم بذلك أنها لو لم تحل له لا يجب عليه الرجم بل الأمر منوط على ظنه فإن ظن الحرمة رجم وإلا لا يحد ويعزر وما يلزم من زيادة التعزير على الحد فمدفوع بأن ذلك لعله جائز عند النعمان ولا حاجة بعد تقريرنا هذا إلى ما أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة غير مرضية منها ما قال المؤلف إن الاضطراب أخرجه عن حد العمل ومنها ما قال بعضهم إنها نسخت قبل العمل، كيف والنعمان قضى به بعد النبي ﷺ إلى غير ذلك مما لا يفيد ذكرها والأمر بقتل من وقع على ذات حرمة أو كان ساحرًا وغيرهما عند الاستحلال ظاهر وإن لم يكن مستحلًا فمبني على التعزير وكذلك في اللوطي لأحد عليه عندنا وعمل القتل تعزير.\n\n[باب (١) في المرأة إذا استكرهت على الزنا] قوله [فلما أمر به ليرجم]\n_________\n(١) لم يذكر الشيخ شيئًا من الكلام على الحديث الأول، وذكر في الإرشاد الرضى أن التسمية بالمهر فيه مجاز والمراد به العقر فلو حد المكره لا يجب عليه العقر وإن لم يحد يجب العقر، قلت: صرح بذلك محمد في موطاه إذ قال إذا استكرهت المرأة فلا حد عليها وعلى من استكرهها الحد فإذا وجب عليه الحد بطل الصداق ولا يجب الحد والصداق في جماع واحد فإن درئ عنه الحد بشبهة وجب عليه الصداق، وهو قول أبي حنيفة وإبراهيم النخعي والعامة من فقهائنا انتهى، ثم ذكر في الإرشاد الرضى فعلم بذلك أن ما أخذته الزانية يبدل الزنا لا يجوز وما أخذته بسبب الزناء جائز لأن ما تعطي به هذه المرأة ليس بعوض الزناء بل بسببه، ثم ذكر ههنا مسألة وقع التنازع فيها في زمانه وهي أن في موضع من مضافات «بلند شهر» نبي نصراني مسجدًا لأهل الإسلام وبنت امرأة كانت في بيت رجل بغير نكاح مسجدًا آخر فأفتوا بعدم جواز الصلاة فيهما معًا وأفتى الشيخ بجوازها فيهما معًا، أما في الأول فلان النصراني بناها محتسبًا والضابط أن صدقة الكافر إن كانت عبادة عندنا وعندهم فجائز وإن لم تكن عبادة عندنا ولا عندهم فلا يجوز وإن كانت مختلفة بأن لم تكن عبادة عندنا وكانت عندهم أو بالعكس فمختلفة عند الحنفية، وأما المسجد الثاني فوجه الجواز أن المرأة ما تأخذ من هذا الرجل هو ليس في عوض الزنا بل بسببه فافترقا فتأمل، ودليل الأول صلاته ﷺ في المسجد الحرام بعدما بناه الكفار، ودليل الثاني فعل حاطب بن أبي بلتعة بكفار أهل مكة أن يربوا أهله لما أنه يخبرهم بأخباره ﷺ فتأمل، انتهى.","vol":"2","page":383},{"text":"هذا بظاهره مشكل (١) فإن أمر الرجم بمجرد قول المرأة من غير اعتراف منه أو شهود منها لا يكاد يسلم ولعل الراوي عبر عن مقاربة الحكم على حسب ظنه بالحكم ووجه المقاربة ما أفاده الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين\n_________\n(١) والحديث أخرجه الذهبي في تذكرة الحفاظ بنحو ما أخرجه أبو داؤد ثم قال هذا حديث منكر جدًا على نظافة إسناده صححه الترمذي انتهى، ثم لا يذهب عليك أن ما في سياق الترمذي من قوله وقال للرجل الذي وقع عليها أرجموه، وقال لقد ناب توبة إلخ، هكذا في جميع نسخ الترمذي الهندية والمصرية وفيه تصحيف ظاهر عندي من الناسخ أو الراوي فإنه لا تعلق لقوله لقد تاب بأمر الرجم والأوجه ما في سياق أبي داؤد من قوله فقالوا للرجل الذي وقع عليها أرجمه، فقال لقد تاب توبة إلخ، ويوافقه سياق الذهبي في التذكرة بلفظ فقالوا أنرجمه فقال لقد تاب توبة إلخ ويؤيده أيضًا ما في مسند أحمد فقيل يا نبي الله ألا ترجمه فقال لقد تاب توبة إلخ.","vol":"2","page":384},{"text":"بره ورفده أن الرجل البرئ حين غلبت الدهشة عليه أقر بحيث (١) لا يكاد يعرف ماذا يقول وكيف يخلص نفسه فلم يكن يقول إلا أني أذنبت فتب علي علمًا كاد النبي ﷺ أن يحكم بالرجم وهذا على حسب ظنهم لما رأوا ما جرى هنالك وإلا فشأن النبي ﷺ أرفع من أن يقر على خطأ تكلم الرجل المرتكب له وعلى هذا فلا يبعد حمل الأمر على حقيقته وكان النبي ﷺ لا يقر على الخطأ وإن كان يخطئ في الحكم.\nقوله [فاقتلوه واقتلوا] البهيمة لئلا يتحدث (٢) الناس بذلك فتشيع الفاحشة\n_________\n(١) غير واضح.\n(٢) قال صاحب الهداية، من وطئ بهيمة فلا حد عليه لأنه ليس في معنى الزنا في كونه جناية وفي وجود الداعي لأن الطبع السليم ينفر عنه، والحامل عليها نهاية السفه أو فرط الشبق إلا أنه يعزر والذي يروي أنه تذبح البهيمة وتحرق فذلك لقطع التحدث به وليس بواجب قال صاحب العناية وما روى أن من أتى بهيمة فاقتلوه شاذ ولو ثبت فتأويله مستحل ذلك الفعل، وقال ابن الهمام بعد الكلام على تضعيف الحديث، وضعفه أبو داؤد بطريق آخر وهو أنه روى عن ابن عباس موقوفًا عليه ليس على الذي أتى البهيمة حد وهو الذي روى عنه الرفع عن رسول الله ﷺ بقتلهما ومحال أن يروي عن رسول الله ﷺ القتل ثم يخالفه وكذا أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي هذا أصح من الأول، انتهى.\nهكذا في هامش الأصل، بقلم الوالد المرحوم نور الله مرقده فأبقيته كما هي تتميمًا وتكميلًا، هكذا في الأصل ويحتمل أن يكون تسليم كمردونكا.","vol":"2","page":385},{"text":"فيهم وينبعثوا بذلك على ارتكاب ما ارتكبه وقتل الفاعل تعزير حيث رأى الإمام ذلك، قوله [حد الساحر ضربة بالسيف] هذا (١) إذا ثبت أنه يقتل الناس بسحره وإلا فلا، قوله [لا يجلد فوق عشر جلدات إلخ] هذا يخالف ما ثبت في الحديث السابق من أن القائل للآخر يا مخنث يضرب عشرين وكذا من قال لمسلم يا يهودي فلا وجه (٢) للجمع إلا حمل الحديث العشريني على عمومه والعشري يخص بزمان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كيف وقد ثبت أنهم عزروا فوق عشر جلدات ووجه الخصوصية ما هم عليه من التنبه عن الغفلة بأدنى تنبيه وتعزير بل وكانوا لا يحتاجون إلى أدناه أيضًا بل يقلعون عن الجريمة ويتندمون عليها من أنفسهم خوفًا من عقابه تعالى ببركة صحبته ﷺ بخلاف سائر الناس فإنهم ليسوا بذلك المثابة فاحتاجوا إلى تنبيه أكثر من تنبيههم.\n_________\n(١) وحكى ابن عابدين عن الفتح السحر الحرام بلا خلاف بين أهل العلم واعتقاد إباحته كفر وعن أصحابنا ومالك وأحمد يكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد الحرمة أولًا ويقتل وفيه حديث مرفوع: حد الساحر ضربة بالسيف وعند الشافعي لا يقتل ولا يكفر إلا إذا اعتقد إباحته ويجب أن لا يعدل عن مذهب الشافعي في كفر الساحر والعراف وعدمه، أما قتله فيجب ولا يستتاب إذا عرفت مزاولته لعمل السحر لسعيه بالفساد انتهى، وحاصله أنه اختار إنه لا يكفر إلا إذا اعتقد بكفر أو به جزم في النهر وتبعه الشارح وأنه يقتل مطلقًا أن عرف تعاطيه له إلى آخر ما بسطه الشامي.\n(٢) ولا مانع من ذلك الجمع إذ التعزير مبني على رأي الإمام يحد بقدر ما يرى وحكى ابن الهمام عن قاضيخان المخنث من الألفاظ التي يحد قائلها.","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>أبواب الصيد عن رسول الله ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>[باب ما يؤكل من صيد الكلب وما لا يؤكل]</span>\nقوله [كل ما أمسكن عليك] والعلم بذلك يحصل بتركه بعد القتل من غير أن يأكل منه بخلاف البازي فإن إمساكه عليك لا يفتقر إلى تركه الأكل ولذلك قال النبي ﷺ فيه (١) وإن أكل فلا تأكل، قوله [قلت وإن قتل إلخ] أراد تصريح ما علم من قوله أمسك (٢) عليك لما استبعد ذلك، قوله [فاغسلوها بالماء] هذا مخصوص بما إذا علم نجاسته أو ظن ولم تجدوا ليس قيدًا احترازيًا بل الحكم عند الوجدان كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>[باب ما جاء في صيد كلب المجوسي]</span>\nليس المعنى على ما يتبادر من اللفظ من اختصاص الكلب بالمجوسي بل المراد صيده بالكلب سواء كان كلب مسلم أو مجوس ويجوز صيد المسلم سواء كان بكلب المسلم أو المجوسي.\nقوله [قال مجاهد البزاة (٣) والطير الذي يصاد به] مبتدأ خبره من\n_________\n(١) فقد أخرج أبو داؤد من حديث عدي بن حاتم قال سألت رسول الله ﷺ قلت: إنا نصيد بهذه الكلاب فقال لي إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها فكل مما أمسكن عليك وإن قتل إلا أن يأكل الكلب فإن أكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه، انتهى.\n(٢) فإن عموم قوله ﷺ فأمسك عليك كان متناولًا للقتل وعدمه وقوله وإن قتل نص في ذلك.\n(٣) جمع البازي قال المجد في البز والبازي ضرب من الصقور جمعه بواز وبزاة وأبؤز وبؤز كأنه من بزا يبزو إذا تطاول وتأنس انتهى، وقال أيضًا في باب الزاء الباز البازي جمعه أبؤز وبؤز وبئزان انتهى، قلت: فعلم أن اللفظ على اللغة الأولى ناقص دون الثانية وبكليهما تستعمل في الكلام.","vol":"2","page":387},{"text":"الجوارح، قوله [فسر الكلاب والطير الذي يصاد به] هذا مقولة (١) مجاهد ومعناه أن قوله تعالى المذكور مفسر بهذين ولا يختص بأحدهما فمعنى فسر الكلاب بين الكلاب والطير في تفسير الجوارح والصيغ كلها على زنة المجهول.\nقوله [فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك] هذا التعليل مشير إلى أن حرمة الأكل بوقوعه في الماء غير جارية على الإطلاق وعلى هذا قال علماؤنا إذا رماه بحيث غلب عليه ولا يسلم (٢) صاحب ذلك الجرح حل أكله وإن وقع على الماء فإنه معلوم أن السهم قتله.\nقوله [إنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكر على غيره] فعلم بذلك (٣)\n_________\n(١) وعلى هذا فلفظ فسر ببناء المجهول كما سيصرح به الشيخ ويحتمل أن يكون بلفظ المعلوم والضمير إلى مجاهد فيكون مقولة للمصنف، قال الحافظ في الفتح فسر مجاهد الجوارح في الآية بالكلاب والطيور وهو قول الجمهور إلا ما روى عن ابن عمر وابن عباس من التفرقة بين صيد الكلب والطير، انتهى.\n(٢) أي بلغ الجرح منه بمبلغ لا يستطيع صاحبه السلامة بعد ذلك الجرح.\n(٣) يعني علم أن مدار الحرمة عدم التسمية لا المشاركة فلو شاركه كلب آخر وسمى عليه أيضًا فيجوز صيدهما وقوله فلا ينافي إلخ، جواب إشكال يرد على الكلام السابق، وحاصل الاشكال أن مجرد المشاركة إذا لم يكن محرمًا فكيف قالت الفقهاء إن الكلب الثاني إذا حمل بعد ما أثخنه الأول لا يجوز أكله وإن سمى على الثاني أيضًا فعلم بقولهم هذا أن المشاركة بنفسها أيضًا محرمة مع قطع النظر عن التسمية، وحاصل الجواب أن الحرمة ههنا لعارض وهو وقوع الذبح الاضطراري على ما آض إلى الذبح الاختياري قال صاحب الهداية، إذا أرسل كلبين فوقذه أحدهما ثم قتله الآخر أكل ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبًا فوقذه أحدهما وقتله الآخر أكل والملك للأول لأن الأول أخرجه عن حد الصيدية إلا أن الإرسال من الثاني حصل على الصيد والمعتبر في الإباحة والحرمة حال الإرسال فلم يحرم بخلاف ما إذا كان الإرسال من الثاني بعد الخروج عن الصيدية بجرح الكلب الأول انتهى، زا محشيه حيث لا يؤكل لأن الصيد بعد أن خرج عن الصيدية كانت زكاته بعد ذلك بالذبح فجرح الكلب في مثله موجب للحرمة، انتهى.","vol":"2","page":388},{"text":"أن المشاركة نفسها غير محرمة فلا ينافي لفظ الحديث ما قالته الفقهاء من أن الكلب الثاني إذا حمل بعد ما اثخنه الأول وأخرجه من الصيدية فإنه يحرم لوقوع الاضطراري من الذكاة حيث تمكن من الاختياري، قوله [عن المجثمة وعن الخلية] المجثمة هي المصبورة والكراهة فيه بمعنى التنزه إن ذبحت بعد ذلك وإلا فللتحريم والكراهة في الأول لئلا يرتكبوا ذلك أو لاحتمال أن لا تبقى فيه حياة وقت الذكاة.\nقوله [ذكاة الجنين ذكاة أمه] بسطه صاحب الهداية (١)، قوله [ذي\n_________\n(١) ولفظ من نحر ناقة أو ذبح بقرة فوجد في بطنها جنينًا ميتًا لم يؤكل أشعر أو لم يشعر وهذا عند أبي حنيفة وهو قول زفر والحسن بن زياد وقال أبو يوسف ومحمد إذا تم خلقته أكل وهو قول الشافعي لقوله ﷺ زكاة الجنين زكاة أمه ولأنه إجراء من أم حقيقة لأنه يتصل بها حتى يفصل عنها بالمقراض ويتغذى بغذائها ويتنفس بنفسها وكذا حكمًا حتى يدخل في البيع الوارد على الأم ويعتق بإعتاقها وإذا كان جزء منها فالجرح في الأم زكاة له عند العجز عن زكاته كما في الصيد وله أنه أصل في الحياة حتى يتصور حياته بعد موتها وعند ذلك يفرد بالذكاة ولهذا يفرد بإيجاب الغرة ويعتق بإعتاق مضاف إليه وتصح الوصية له وبه وهو حيوان دموي وما هو المقصود من الزكاة وهو التميز بين الدم واللحم لا يتحصل بجرح الأم إذ هو ليس بسبب لخروج الدم عنه فلا يجعل تبعًا في حقه بخلاف الجرح في الصيد لأنه سبب لخروجه ناقصًا فيقام مقام الكل فيه عند التعذر وإنما يدخل في البيع تحريًا لجوازه كيلا يفسد باستثنائه ويعتق بإعتاقهما كيلا ينفصل من الحرة ولد رقيق انتهى، وفي هامشه الجواب عن الحديث إنه لا يصح الاستدلال به فإنه روى زكاة أمه بالنصب والرفع فإن كان منصوبًا فلا إشكال فإنه للتشبيه وإن كان مرفوعًا فكذلك لأنه أقوى في التشبيه من الأول عرف ذلك في علم البيان، قيل ومما يدل على ذلك تقديم زكاة الجنين كما في قوله:\nوعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أن عظم الساق منك دقيق، انتهى.","vol":"2","page":389},{"text":"مخلف] المراد به ما يصيد به لا ما له مخلب فحسب، قوله [ما قطع من الحي إلخ] لكن ما قطع من الحي الذي هو ميت حكمًا وهو (١) بقطع ما لا يمكن حياته [من قتل] وزغة لا يقال (٢) جناية فرد من ذلك الجنس لا يوجب قتلها جميعًا لأن قتلها ليس بتلك الجناية بخصوصها بل بما علم بسبب تلك الجناية من مقتضى طبيعة ذلك الجنس.\n_________\n(١) الضمير إلى الميت حكمًا فإن المبان من الحي الذي هو حي صورة لا حكمًا يحل وذلك بأن يبقى في المبان منه حياة بقدر ما يكون في المذبوح فإنه حياة صورة لا حكمًا وأجاد الشيخ في هذا الاستثناء وتفصيله في الهداية.\n(٢) هذا إشارة إلى إشكال يرد على ما هو المشهور في سبب الأمر بقتل الأوزاغ من أن ذلك جزاء لما فعلته بسيدنا إبراهيم ﵇ ويستنبط ذلك من بعض الروايات أيضًا، فقد حكى العيني برواية أحمد عن عائشة أنه في كان في بيتها رمح موضوع فسألت فقالت نقتل به الأوزاغ فإن النبي ﷺ أخبر أن إبراهيم ﵇ لما ألقى في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فأمر النبي ﷺ وأخرج البخاري برواية أم شريك أن رسول الله ﷺ أمر بقتلها، وقال كان ينفخ على إبراهيم، وحاصل الإشكال أنه جناية فرد أو جماعة كانت في هذا الوقت خاصة فكيف الأمر بقتل ما سيأتي إلى القيامة وهي لم تصدر الجناية عنها، وقد قال الله تعالى هلا نملة واحدة لنبي أمر بإحراق قرية النمل لما لدغته، وحاصل الجواب أن الأمر بقتل الوزغ ليس جزءًا للفعل بل لما علم بذلك خبث طبعه قال النووي: اتفقوا على أنها من الموذيات، وقال العيني يمج في الإناء فينال الإنسان من ذلك مكروه عظيم وإذا تمكن من الملح تمرغ فيه ويصير ذلك مادة لتوليد البرص، وحكى القارئ عن ابن الملك ومن شغفها إفساد الطعام خصوصًا الملح فإنها إذا لم تجد طريقًا إلى إفساده ارتقت السقف وألقت خرنها في موضع يحاذيه، انتهى.","vol":"2","page":390},{"text":"قوله [وفي الحديث قصة (١)] قوله [أبا هريرة له زرع] أي كان قبل الهجرة صاحب زرع فسأل عنه (٢) النبي ﷺ أو المعنى أنه من قوم هم أصحاب الزرع فإنه دوسي فلعله سأله عن الكلب لصاحب الزرع لأجل قومه، قوله [ما لم يكن سن أو ظفر، أي قائمتين كما يعلم من الدليل مع أن الذبح بها قائمتين يكون وقذًا وخنقًا أي لا جرحًا وذبحًا لأنهما يخرجان الدم إذ ذاك بثقلما فصارا في حكم ما قتله المعراض بعرضه، قوله [أما الظفر فمدى الحبشة] هذا دليل ثان يختص بالثاني والأول مشترك فيهما.\n_________\n(١) لم يذكر الشيخ هذا القول لظهوره وأنا زدته تكميلًا للفائدة والقصة أخرجها أبو داؤد مفصلًا من حديث أبي سعيد أن ابن عم له استأذن يوم الأحزاب إلى أهله وكان حديث عهد بعرس فأذن له النبي ﷺ وأمره أن يذهب بسلاحه فأتى داره فوجد امرأته قائمة على الباب فأشار إليه لا لرمح فقالت لا تعجل حتى تنظر ما أخرجني فدخل البيت فإذا حية منكرة فطعنها بالرمح قال لا أدري أيهما كان أسرع موتًا الرجل أو الحية الحديث.\n(٢) يعني لما كان أبو هريرة صاحب زرع فلأجل ذلك سأله ﷺ عن كلب الزرع وغرض الشيخ أن هذا الكلام ليس بطعن في أبي هريرة بل بيان لخصيصته بذلك الاستثناء.","vol":"2","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>أبواب الأضاحي عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله [أحب إلى الله] أي من الأعمال المختصة بيوم النحر أو من العبادات المالية أو الفضل فيه جزئي فلا يلزم الفضيلة على الذكر والصلاة قوله [ليقع من الله، إلخ] أي يقبل في جنابه تعالى قبل أن يتم أمره فطيبوا بها نفسًا أي لا تحرجوا بل أدوها فرحين اسمن ما عندكم وأطيبه، قوله [ولم ير بعضهم أن يضحي عنه] وهؤلاء حملوا هذا الحديث على الخصوصية وعندنا له أن يضحي عن الميت غير أنه إن كان بوصية (١) منه ليس له أن يأكل منه وإن لم يكن وصية منه حل له أكلها كما في أضحية نفسه من غير فصل.\nقوله [بكبش أقرن] وهذا يشير إلى التوحد وما مر من الرواية يؤمي إلى تعدد ما ضحى به فأما أن يحمل على تعدد القضية أو يكون الكبش في هذه الرواية للجنس غير مقصود به معنى التوحد أو يقال أن ذكر العدد لا ينفي ما فوقه فإنه وإن كان ذبح اثنين إلا أن الراوي لم يذكر إلا واحدًا، قوله [يأكل في سواد، إلخ] أي كانت هذه المواضع سوداء دون غيرها والمراد بسواد العين سواد حلقة العين وحدقتها أي جميع ما يضمه الجفن وإلا فالدائرة المشتملة على سواد العين تكون أسود من كل كبش وكان اختياره ﷺ هذا القسم من الكبش لما فيه من القوة ولأنه على لون الموت حين يذبح بعد دخول أهل الجنة والنار مقامهما فكان فيه تذكيرًا بالموت أيضًا، قوله [المقابلة ما قطع طرف إذنها] أي من الجانب\n_________\n(١) يعني أن الأضحية بوصية من الميت حكمها التصدق على الفقراء ولا يجوز أكله منها وما يكون بغير وصية منه حكمه حكم أضحية نفسه من جواز أكل الكل والتصدق بما شاء.","vol":"2","page":392},{"text":"المقابل وتركه اتكالًا على ما يفهم من لفظ المقابلة وكذا المدابرة ثم اعلم أن الذي عقد المؤلف هذا الباب لبيانه يعلم نظرًا إلى مجموع ما في هذا الباب، والباب الذي قبله فإن الأمر باستشراف العين والأذن يعم ما إذا دخل في حد علم (١) الجواز وما هو دون ذلك والأول من هذين لما كان مذكورًا في الباب الأول بقى في الباب الثاني بيان الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>[باب في الجذع من الضان]</span>\nلا أتذكر شيئًا ذكره الأستاذ ههنا وحاصله (٢) أن الضأن هي ذات الصوف من أقسام الغنم والمعز ذات الشعر فلا يجزئ من المعز إلا المسنة، وأما من الضأن فتجزئ الجزع سواء كانت ذات آلية أولًا، وجذع الضان عن الإمام هي التي أتت عليه ستة أشهر، وقال أهل (٣) اللغة وغيرهم\n_________\n(١) قال صاحب الهداية: معرفة المقدار في غير العين متيسر وفي العين قالوا تشد العين المعيبة بعد أن لا تعتلف الشاة يومًا أو يومين ثم يقرب العلف إليها قليلًا فإذا رأته من موضع اعلم على ذلك المكان ثم تشد عينها الصحيحة وقرب إليها العلف قليلًا حتى إذا رأته من مكان اعلم عليه حتى ينظر إلى تفاوت ما بينهما فإن كان ثلثًا فالذاهب الثلث وإن كان نصفًا فالنصف، انتهى.\n(٢) هكذا في هامش الأصل، بقلم الشيخ والظاهر أنه لم يتذكره أولًا ثم بعد ذلك تذكر شيئًا منه فالحقه بقوله هذا، والمراد بقوله حاصله أي حاصل ما أفاد الأستاذ وذلك لأن ما ذكره الشيخ مؤيد من التقارير الآخر للقطب الكنكوهي نور الله مرقده.\n(٣) ففي الهداية الجذع من الضان ما تمت له ستة أشهر في مذهب الفقهاء انتهى، وفي شروحه قيد بقوله في مذهب الفقهاء لأن عند أهل اللغة الجذع من الشياه ما تمت له سنة، انتهى.","vol":"2","page":393},{"text":"هي التي أتت عليه سنة ومذهب الإمام فيه مؤيد بالروايات (١) ولا علينا أن نتبع اللغة فيما خالف الرواية في أمثال ذلك ثم أن التخصيص بذات الآلية كما وقعت من بعض المعاصرين في تفسير الضان ناش عن قلة التدبر في بعض روايات الشامي حيث فسر الضان بذات الآلية ولم يكن مراده التخصيص كما هو مصرح بذلك (٢) في باب الزكاة.\nقوله [فبقى عتود أوجدي] لكنه ﷺ لعله علم أنه عتود وهو ما أتى عليه حول فرخصه فيه وعلى هذا فلا خصوصية ويمكن أن يكون رخصه في التضحية بها وإن كانت جديًا وهي ما أتى عليه ستة أشهر وهو مختص به ليس لغيره أن يضحي بهذا السن من المعز، قوله [فاشتركنا في البقرة سبعة وفي البعير عشرة (٣)] هذا منسوخ (٤) بما فعله النبي ﷺ بعد ذلك.\n_________\n(١) فقد ورد لا تذبحوا إلا سنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضان أخرجه مسلم وغيره.\n(٢) أي بعدم التخصيص إذ فسره بالتعميم.\n(٣) وبذلك قال إسحاق كما حكاه عنه المصنف وإليه مال بعض التابعين وغيرهم والجمهور على أن البقرة عن سبعة والبعير عن سبعة وادعى الطحاوي وابن رشد أنه إجماع كذا في البذل وكأنهما لم يلتفتا إلى الخلاف المذكور واختلفوا في الجواب عن الحديث فقال المظهر أنه منسوخ، ومال القارئ إلى أنه معارض بالرواية الصحيحة، وقال صاحب البدائع: إن الأخبار إذا اختلفت في الظاهر يجب الأخذ بالاحتياط وذلك فيما قلنا كذا في البذل.\n(٤) وأجاب عنه الشيخ بغير النسخ أيضًا كما سيأتي بيانه في أبواب السير، وقال ابن القيم: في الهدى عدل في قسمة الإبل والغنم كل عشرة منها ببعير فهذا في التقويم، وقسمة المال المشترك، وأما في الهدى فقال جابر نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة فهذا في الحديبية، وأما في حجة الوداع فقال جابر أيضًا، أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة وكلاهما في الصحيح، انتهى.","vol":"2","page":394},{"text":"قوله [فإن ولدت] أي بعد التعيين للأضحية قبل أن تذبح، قوله [فمكسورة القرن قال لا بأس به] المراد به القرن الظاهر، وأما إذا انكسر داخل القرن فإنها لا تجزئ والنهي في قوله الآتي عن التضحية بأعضب القرن نهى تنزيه وكذلك في الأذن فإنه لو قطعت أقل من النصف كان النهي تنزيهًا وإن أكثر منه كان تحريمًا وفي النصف روايتان، قوله [كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته] يعني (١) لم يكونوا موسرين فيجب على كلهم على حدة بل كانوا يضحي أحد من أهل البيت فيكفي لهم وهذا معنى كونه عنهم وعنه ثم إن تضحية هذا الواحد أعم من أن تكون واجبة أو تطوعًا إذ الغالب فيهم لما كان هو الإعسار فلا ضير في أن يقال إن أحدًا من أهل البيت كان يتطوع ويكفي ذلك عن الكل لكونهم كالشركاء في الأجر والمثوبة أو شركاء في أكل اللحم.\nقوله [واحتجا بحديث النبي ﷺ أنه ضحى بكبشين إلخ] هذا الاستدلال لا يتم فإن موجبه جواز التضحية عن أهل بلد ولم يقولا به بل الحديث على ما ذهبا إليه ينبغي أن ينفي وجوب التضحية رأسًا فإن في أضحيته ﷺ عمن لم يضح كفاية ولا سيما في زمنه ﷺ إذ كان للصحابة أن يكتفوا بأضحية ﷺ بل المعنى هو وصول الثواب إليهم وبهذا المعنى يجزئ عن أهل بيت كما يجزئ عن أهل بلد وأجزاء تضحية ﷺ عن أمته بهذا المعنى لا كما فهما وهو المذهب عندنا.\n[ضحى رسول الله ﷺ والمؤمنون إلخ] استدل بهذا من قال بسنية الأضحية ولا يصح بل الذي أفاده ابن عمر إنما هو وجوبها فإن الدوام على فعل بحيث لا يثبت تركه أصلًا إمارة الوجوب وإنما لم يصرح ليمرنهم (٢) باستنباط المسائل\n_________\n(١) وبهذا أوله محمد في موطاه.\n(٢) والتمرين التدريب أي ليعودهم ذلك.","vol":"2","page":395},{"text":"عن أفعاله ﷺ وأقواله وأيضًا ففي مداومة المسلمين عليه حجة على أنهم حملوا فعله على الوجوب لما ورد فيه من الوعيد، قوله [اللحم فيه مكروه] اختلفت الروايات ههنا، والحاصل أن اللحم في أوله مرغوب فيه وفي أخره مكروه قلم أجب أن يرغبوا عن نسيكتي وأحببت أن توكل كله برغبة وطمع.\nقوله [عناق لبن] قيل معنى كونه عناق لبن بيان ما يرجى فيها من كثرة اللبن وغزارته لنجابة نوعه وقيل في توجيه الإضافة إنها مرباة باللبن الكثير فإنها تشرب اللبن للتسمين ولم تفطم بعد وهذا أول على كونها سمينة ثم إن العلماء وإن اتفقوا على أجزاء الجذع من الضان دون المعز إلا أن لهم في تفسير الجذع وتعيين سنها خلافًا وهي عندنا ما أتت عليه ستة أشهر أو أكثر والله أعلم، قوله [أكان رسول الله ﷺ ينهي عن لحوم إلخ] حملت عائشة ﵂ عن الادخار على التنزيه فقالت لا ولكن أحب أي أمره كان استحبابًا لا وجوبًا، وأما إنها لم تعلم بالنهي فبعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>[باب في العقيقة]</span>\nقوله [مكافئتان] أي مساويتان بالتساوي الشرعي وهو كونهما بحيث يجزيان شرعًا وليس المراد التساوي في السمن والسن وغيرهما قال العبد الضعيف (١) رحم الله تعالى عليه لا يبعد أن يقال أن مكافئتان ههنا ليس صفة حتى يتكلف في تعيين المراد بل التكافؤ ههنا هو الأجزاء والتثنية ههنا خبر عن الشاتين وخبر الشاة محذوف والمعنى تجزئ عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، قوله [في كل عام أضحية وعتيرة] «على» في هذا ليس لمعنى الوجوب بل المراد جوازهما وإن ثبت وجوب أحدهما بنص آخر وذلك لأن من قال بوجوب الأضحية لم يقل بوجوبها على أهل بيت وإنما قال على كل من ملك نصابًا فليس الأمر ههنا إلا للاستحباب والتعظيم في الرجبية له تعالى لا للأصنام.\n_________\n(١) الظاهر أنه من كلام سيدي الوالد المرحوم كما يدل عليه السياق وأيضًا فليس في التقارير الآخر من حضرة القطب الكنكوهي.","vol":"2","page":396},{"text":"قوله [عق عن الحسن بشاة] لعله عق بشاة وعلى بشاة أو الشاة كانت ذبيحة سرور ولا عقيقة وإنما عق على بشاتين، قوله [الغلام مرتهن] مبين في الحاشية (١)، قوله [يذبح عنه ويحلق رأسه] الواو لا يقتضي الاتصال والجمع في آن واحد فما اشتهر من اتحاد وقتي إمرار السكين على الذبيحة والموسى على رأس المولود لغو، قوله [فلا يأخذن] ولا خلاف في جواز الطيب والجماع وغيرهما\n_________\n(١) ولفظها مرتهن بضم ميم وفتح هاء بمعنى مرهون أي لا يتم الانتفاع به دون فكه بالعقيقة أو سلامته ونشوه على النعت المحمود رهينة بها أي العقيقة لازمة لا بد منها فشبهه في اللزوم بالرهن في يد المرتهن وأجود مما قيل فيه قول أحمد يريد إذا لم يعق عنه فمات طفلًا لم يشفع في والديه، وقيل معناه مرهون باذي شعره لقوله فأميطوا عنه الأذى وهو ما علق به من دم الرحم كذا في المجمع بتقديم وتأخير قال البطيني: ولا ريب أن أحمد ابن حنبل ما ذهب إليه هذا القول إلا بعد ما تلقى من الصحابة والتابعين على أنه إمام من الأئمة الكبار يجب أن يتلقى كلامه بالقبول والشيخ عبد الحق در ترجمه كفته وبعضي مرتهن بفتح ي خوانند واين خلاف استعمال لغت أست وزمخشري در أساس البلاغة در باب مجاز كفته كه كفته ي شود فلان رهن بكذا ورهين ومرتهن به يعني مأخوذ أست در بدل واينجا باين معنى واقع أست انتهى ما في الحاشية، وبسط الكلام على هذا اللفظ القارئ في المرقاة، وحكى عن التوربشتي في قوله مرتهن نظر لأن المرتهن هو الذي يأخذ الرهن والشيء مرهون ورهين ولم نجد فيما يعتمدون كلامهم بناء المفعول من الارتهان فلعل الراوي أتى به مكان الرهينة بطريق القياس ثم حكى تعقب كلام التوربشتي عن الطيبي وغيره.","vol":"2","page":397},{"text":"وإنما الخلاف (١) في تقليم الأظفار وأخذ الشعور فحسب.\n_________\n(١) ففي البذل عن الشوكاني ذهب أحمد وإسحاق وداؤد وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم عليه أخذ الشيء من شعره وأظفاره حتى يضحي، وقال الشافعي وأصحابه تنزيهًا، وقال أبو حنيفة لا يكره، وقال مالك في رواية لا يكره وفي رواية يكره وفي رواية يحرم في التطوع دون الواجب، انتهى.","vol":"2","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>أبواب النذور والإيمان</span>\nقوله [لا نذر في معصية] الظاهر أن المنفي هو الكفارة فلذلك قال الشافعي ومن حذا حذوه إن نذر المعصية لغو، ولذلك ورد عليهم ما ورد في الروايات أن كفارته كفارة يمين وكلام المؤلف فيه حيث أثبت فيه الانقطاع لا يضر فقد أورده غيره بأسانيد صحاح فأجابوا بأنه لم يثبت لمخالفته القول، الأول وهو قوله ﵇ لا تذر في معصية والحق أن المنفي ليس هو الكفارة حتى يلزم ما لزم كما فهموا بل المنفي هو القرار عليه والوفاء به فلا يضره زيادة الثقة فتكون مقبولة قوله [فرأيت غيرها خيرًا منها إلخ] أنت تعلم أن الخيرية غير محصورة في المباحات بل تعم الجائز وغيره (١) والواجب وغيره إلى غير ذلك وبذلك يثبت أيضًا، ما قلنا من وجوب الكفارة فيما إذا نذر بمعصية.\nقوله [فليكفر عن يمينه وليفعل] أي بالذي هو خير استدل بذلك القائلون\n_________\n(١) يعني الخيرية قد تكون في غير الجائز أيضًا مثلًا إذا دار الأمر في المكروه والحرام فإن الخيرية حينئذ في المكروه قطعًا، ولفظ الجائز في كلام الشيخ يحتمل أن يكون في معناه المعروف وهو ما يتساوى فعله وعدمه فيكون قوله الواجب وغيره بيانًا لقسمة ويحتمل أن يراد بالجائز إطلاقه العام فقد قال ابن عابدين قد يراد به ما لا يمتنع شرعًا وهو يشمل المباح والمكروه والمندوب والواجب انتهى، وعلى هذا فيكون قوله الجائز وغيره بمنزلة المقسم وقوله الواجب وغيره بيانًا لبعض أنواعه، وأيامًا كان فالمراد بقوله إلى غير ذلك السنة والمندوب وغيرهما.","vol":"2","page":399},{"text":"بإجزاء الكفارة قبل الحنث ولا يتم فإن الروايات في ذلك مختلفة فقد ورد في بعضها ثم ليات بالذي هو خير وفي بعضها ثم ليكفر فلا يثبت بذلك شيء وذلك لأن كلمة ثم فيها ليست على معناها وإلا لزم التعارض بين الروايات فلا بد من المصير إلى الأصل وهو الأداء بعد وجوب السبب والقول بأنه مخير في الإتيان بها قبله أو بعده يبطل موجب الأمر والعمل بثم، قوله [فلا حنث عليه] لعدم انعقاد اليمين، قوله [فقال هذا حديث خطأ] ووجه الخطأ ليس هو مجرد الاختصار كما يتوهم بل الوجه أن الحنث في قوله ﵇ لو قال إن شاء الله تعالى لم يحنث (١) ليس بالمعنى الذي أراده القائل في قوله من حلف إلى آخره فإن الحنث في الأول بمعنى الفوز (٢) بالمرام لا الاصطلاحي فهذا الاختصار لما كان مغيرًا للمعنى المقصود كان خطأ إذ مراده ﷺ أن سليمان لو قال في قوله إن شاء الله لم يخب وفاز بمراده، وأما يمينه فكانت على مجرد الطواف وقد بر فيه، وأما الولادة فغير داخلة فيه كما يدل عليه إدخال لام القسم على الطواف دون الولادة، فقوله تلد جملة على حدة مسوقة لبيان غرضه مما حلف عليه والراوي بينه بحيث أثبت أن الحالف لو زاد فيه إن شاء الله لم يحنث في يمينه وهذا لا يثبت بلفظ الحديث والاختصار المجرد غير مخل كيف والعلماء متوارثون بالروايات اختصارًا فلم يعترض البخاري عليه بل اعترض على النقل بحيث غير المعنى، وقوله [على مائة امرأة أو سبعين] أحد العددين لا ينفي الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>[باب في كراهية الحلف بغير الله]</span>\nإن كان المقصود بذلك تعظيم من حلف باسمه فلا شك في أنه كبيرة من الكبائر وإن حلف باسم صنم مما كان العرب يحلفون به ففيه وجهان إن أراد ما كانوا يريدونه من تساويها به سبحانه في العظمة\n_________\n(١) كما في بعض الروايات محل قوله لكان كما قال.\n(٢) كما يدل عليه لفظ المصنف لكان كما قال.","vol":"2","page":400},{"text":"فلا شك أنه كفر وإن لم يكن فمجرد جريانه على اللسان عادة وكذلك جريان ما سواها من الأسماء ليس إلا صغيرة ينبغي الاحتراز عنه أو خلاف الأولى فكان حلف النبي ﷺ من هذا القبيل، وأما إطلاق الشرك عليه في الرواية الآتية فلا ينافي ما ذكرنا فإنا قد أسلفنا أن الشرك دون شرك كالكفر بعض أفراده دون بعض آخر إذ لا شك في أن ذكر اسم حيث يذكر اسم الله تعالى اشتراك وإن كان في الذكر، قوله [ولا آثرًا كان] قبح تلك اللفظة استقر في قلبه حيث منعه ذاكرًا إنه لم يذكره من عند نفسه، قوله [فليقل لا إله إلا الله] ليطهر بذلك لسانه ويزيل به ما أثر هذه الكلمة في قلبه وليخرج به عن التهمة عند من سمعه يحلف باللات والعزى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>[باب في كراهية النذور]</span>\nجملة الأمر إن الاعتقاد بتأثير النذر بحيث يغني عن قدر الله تعالى شيئًا منهي عنه مطلقًا وللبخيل الذي لا ينفق إلا في النذر سبب مذمة وإن لم يعتقد التأثير كأنه لأمه على صنيعه ذلك وهو إنه لا يعطي لله إلا لغرض دنياوي وأما ما سوى هذين فلا بأس به، قوله [واحتجوا بحديث عمر أنه نذر إلخ] وجه الاحتجاج إنه ليس للصوم ذكر فيه مع أن الليلة ليست بمحل الصوم، والجواب (١) أن العرب يطلقون الليلة ويريدونها بما يتابعها من اليوم وقد\n_________\n(١) قلت: في الحديث مسالتان خلافيتان أجاد الشيخ في الإرشاد إليهما بالاختصار أحدهما هل يجب الصوم للاعتكاف أولًا والخلاف فيه شهير وبالأولى قالت المالكية واختلفت الروايات عن الشافعي وأحمد ومختار فروعها عدم الوجوب وعند الحنفية فيه تفصيل وهو أنه شرط في المنذور لا المندوب واختلف في المسنون كما بسط هذا كله في الأوجز واستدل بحديث الباب من قال بعدم إيجاب الصوم لما ورد في بعض رواياته من لفظ الليل والليل ليس بمحل للصوم وأجاب عنه الحنفية وغيرهم بما أفاده الشيخ.","vol":"2","page":401},{"text":"ورد في بعض هذه الروايات لفظ اليوم أيضًا مع أن الرواية (١) وردت أيضًا وهي لا اعتكاف إلا بصوم فوجب الجمع بين الروايات وإيفاء (٢) عمر كان استحبابًا لا وجوبًا لأن الكافر ليس أهلًا للطاعة حتى يصح نذره، قوله [حتى فرجه بفرجه] تخصيصهما بالذكر تحقيق لمبالغة المقابلة وكثيرًا ما يكونان سببًا لدخول النار أيضًا.\nقوله [لقد رأينا سبع أخوة] تحقيق لتوكيد أمر الاعتاق مع ما لهم من الاحتياج إليها لكونها واحدة لسبع هذا وليعلم أن الاعتاق كان سدًا لباب الظلم والتعدي على المماليك وتعليمًا لمكارم الأخلاق لهم بهذا الأمر الشديد وإلا فلا يجب اعتاق الأمة أو العبد بهذا، قوله [من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال] قال بعضهم أنه كما أظهر من النفرة عن ذلك الملة لأنه إذا أراد الامتناع عن ارتكابه إذا حلف على الآتي أو بيان استبعاده عن أن يكون ارتكبه إذا حلف على الماضي حلف بملة غير الإسلام لكون هذه الملة بالغة نهاية التنفر عنده وهذا يخالف مقصوده ﷺ من النهي عن أن يحلفوا كذلك فإن في ذلك التوجيه إغراء لهم أن يحلفوا أمثال ذلك فالمعنى أنه إذا حلف وكان يعلم أن ذاك كفر وكفر وإلا فقد أتى كبيرة واجترأ على عظيمة ولا كفارة عليه سواء كان غموسًا أو منعقدة (٣).\n_________\n(١) ذكر تخريجه في البذل والأوجز، وقال ابن القيم لم ينقل عن النبي ﷺ أنه اعتكف مفطرًا قط.\n(٢) هذا هو المسألة الثانية وهي صحة تذر الكافر والجمهور منهم الحنفية والشافعية على أنه لا يصح وأولوا الرواية على الندب، وهذا هو محكي عن محققي الشافعية.\n(٣) هذا لم أتحصل بعد لما في البذل عن الهداية لو قال إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو كافر يكون يمينًا فإذا فعله لزمه كفارة يمين قياسًا على تحريم المباح فإنه يمين بالنص، انتهى.","vol":"2","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>أبواب السير عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله [دعوني أدعهم] الدعوة واجبة إن لم تبلغهم وإن بلغتهم فهي مسنونة وهذه الدعوة تحتمل أن تكون واجبة والآخريان تكونان مسنونتين والظاهر أنهم كانوا قد بلغتهم الدعوة قبل ذلك والدعوات الثلاث في أيام الثلاثة من سلمان كانت على سبيل السنة، قوله [إنما أنا رجل منكم فارسي إلخ] كانت العرب لا يعدون العجم شيئًا وكانت الأقوام يعلمون ذلك (١) من العرب بل وكانوا يسلمون ذلك منهم لما يرون لهم من الفضل والقوة فالذي أراده سلمان أن الإسلام قد ساوى بين العرب والعجم كما تروني أمرت عليهم وإني فارسي كأنه رغب بذلك نفوسهم إلى أموال الدنيا وأمرتها.\nقوله [عن يد وأنتم صاغرون] أي لا يجئ (٢) رسولنا لأخذها بل تؤدونها بأيديكم أذلاء وهذا أي الذل في حضورهم بأنفسهم، قوله [وإن أبيتم نابذناكم على سواء] أي نحن نرمي إليكم كل عهد وحلف يكون بيننا وبينكم ونعلمكم\n_________\n(١) إشارة إلى ما تقدم من أنهم لا يعدون العجم شيئًا يعني زعمهم ذلك كان معروفًا بين الناس بل مقبولًا عند الأنام كافة لما أنهم يعدون العرب أفضل منهم.\n(٢) ففي الدر المختار ولا تقبل من الذمي لو بعثها على يد نائبه في الأصح بل يكلف أن يأتي بنفسه فيعطيها قائمًا والقابض منه قاعد هداية، قال ابن عابدين قوله في الأصح أي من الروايات لأن قبولها من النائب يفوت المأمور به من إذلاله عند الاعطاء، قال تعالى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قوله والقابض منه قاعد وتكون يد المؤدي أسفل ويد القابض أعلى، انتهى.","vol":"2","page":403},{"text":"أنا تجاربكم حتى لا تكونوا على غرة، وهذا معنى كونهما على سواء فإن هذا الفريق يعلم من عزم صاحبه ما يعلمه ذلك فكانا مساويين في العلم والحزم، [وقال الشافعي إلخ] عبارته ناظرة إلى سنية الدعوة واستحبابها بناء على ما شاع من أمر الإسلام وذاع فكأنه بنى على الظاهر وهو بلوغ الدعوة اياهم فلم يبق إلا الاستحباب ومع ذلك فلو تحقق أن قومًا لم تبلغهم الدعوة لا يجوز الشافعي أيضًا قتالهم قبل الدعوة، ومعنى قوله إلا أن يعجلوا أن الأعداء إذا سارعوا إلينا ولم يمهلونا حتى نبلغهم سقطت الدعوة، قوله [فإن لم يفعل] يعني أن الذي كان ينبغي له كان الأول وهو التبليغ، وأما لو لم يبلغ فما بلغهم من قبل يغني عن دعوته.\nقوله [محمد] خبر متبدأ محذوف [وافق] فعل [محمد] فاعله [والله] قسم [الخميس] مفعوله والموافقة في الإتيان والمعنى أتى محمد معه قوله [أقام بعرصتهم ثلاثًا] ليحرز الغنائم وليكون الملك آمنًا ولكون القيام أهيب في عين العدو ودليلًا على استقرار أمره ﷺ وتقرر مملكته، قوله [أعطيت جوامع الكلم] القرآن أو الحديث ونصرت بالرعب هذا الرعب مغاير (١) رعب السلاطين على رعاياهم كما يظهر بالرجوع إلى التواريخ.\n[وجعلت لي الأرض مسجدًا (٢)] وكان الأمم الأولون لا يمكنهم الصلاة\n_________\n(١) يؤيده ما في البخاري برواية جابر أن النبي ﷺ قال أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، الحديث، قال الحافظ زاد أبو أمامة بقذف في قلوب أعدائي أخرجه أحمد وقوله مسيرة شهر مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر فالظاهر اختصاصه به مطلقًا وإنما جعل الغاية شهرًا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة وهو من مجاز التشبيه لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك، قال ابن التيمي قيل المراد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وجعلت لغيري مسجدًا ولم تجعل له طهورًا لأن عيسى يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة كذا قال، وسبقه إلى ذلك الدودي، وقيل إنما أبيح لهم فيما يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما تيقنوا نجاسته والأظهر ما قاله الخطابي وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم وهذا نص في موضع النزاع فثبت الخصوصية ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب وفيه ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه، انتهى.","vol":"2","page":404},{"text":"إلا في مساجد معدة للصلاة ثم هذه المذكورات سبعة فأما أن يعد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا مجموعهما شيئًا واحدًا فإن نعمة الأرض وهي الطهارة واحدة ظهرت بوجهين جواز الصلاة وحصول الطهارة أو يقال من النبي ﷺ علينا بإفادة ما لم يكن وعده في قوله بست فضلًا منه ومنة ومفهوم (١) العدد لا ينفي الزيادة\n_________\n(١) ولذا لا يشكل بما ورد في الروايات غير ذلك من الخصائص، قال العيني بعد ذكر الروايات المختلفة في العدد فإن قلت: بين هذه الروايات تعارض قلت: قال القرطبي لا يظن هذا تعارض وإنما هذا من توهم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر وليس كذلك فإن من قال عندي خمسة دنانير مثلًا لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها ويجوز أن يكون الرب ﷾ أعلمه بثلاث ثم بخمس ثم بسبع انتهى، وقال أيضًا قد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى أن الذي أختص به نبينا ﷺ من بين سائر الأنبياء ﵈ ستون خصلة، انتهى.","vol":"2","page":405},{"text":"حتى يستشكل بما زاد على الست مع أن قوله ختم بي النبيون ليس مستقلًا بالإفادة وإنما وقع بمنزلة التعليل لقوله ﵇ أرسلت إلى الخلق كافة أو لنتيجة له وذلك لأنه لما لم يكن بعده بني أرسل إلى كافتهم وكذلك العكس فأفهم.\n[وأرسلت إلى الخلق كافة] وكان الأولون من الأنبياء لم يرسلوا (١) قصدًا إلا إلى أقوام مخصوصين ولو بلغوا إلى غيرهم كانوا مثابًا وكذلك النائبون من هذه الأنبياء ليس عليهم إلا إرشاد أمتهم فلا يسئل عنهم هل بلغوا إلى أقوام آخر أم لا، وهذا على خلاف أمر رسالته ﷺ فإنها كانت إلى كافة الخلق أجمعين يبلغهم بنفسه النفيسة أو بنوابه ويسئل عن تبلغيهم يوم القيامة، قوله [قسم في النفل للفرس بسهمين وللرجل بسهم] النفل يطلق في معان الغنيمة والصفي وما يعطيه الإمام زائدًا على السهم والمراد ههنا هو الأول، وما أجاب به (٢) بعضهم من أن الفرس بمعنى الفارس فتوجيه القول بما لا يرضى به قائله فإن ابن عمر قد\n_________\n(١) وبهذا اندفع ما يرد على الحديث من أن نوحًا ﵇ كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلًا إليهم وكذلك ما استدل بعضهم لعموم بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما هلكوا لقوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقد بسط شراح البخاري في الأجوبة عن ذلك، ولا يرد على تقرير الشيخ فلا علينا أن لا نذكرها.\n(٢) كما بسطه في البذل، وتوضيح الخلاف في المسألة أنهم اختلفوا في سهمان الغنيمة، فقالت الأئمة الثلاثة وصاحبها أبي حنيفة للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم، وقال الإمام ومن معه من السلف للفارس سهمان واحتج بقسمة سهام خيبر وحمل ما ورد في نحو حديث الباب على التنفيل الزائد من الإمام.","vol":"2","page":406},{"text":"ثبت من مذهبه أنه كان يرى للفارس ثلاثة أسهم فكيف يوجه قوله (١) على خلاف مذهبه بل الجواب أن سهام خيبر قد كانت ألفًا وثمان مائة والرجال أصحاب السهام كانوا ألفًا ومائتي راجل والفرسان فيهم كانت ثلاث مائة فقط، وهذا التقسيم لا يصح إلا إذا يعطي الفرس سهمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>[باب من يعطي الفئ]</span>\nقوله [قال الأوزاعي وأسهم النبي ﷺ إلخ] هذان الاستدلالان من الأوزاعي يشيران إلى أن النزاع معه لفظي فإن سهم النساء والصبيان بخيبر لم يكن سهمًا عرفيًا كما يستحقه الغازي فكيف يثبت مدعاه بهذا فإن أراد بالسهام مطلق النصيب قدر ما كان لا قدر سهمان الغزاة فلا ينكره أحد، قوله [فكلموا في رسول الله ﷺ] أي ذكروا له من جرأتي مع صغر الجثة ومن (٢) همتي وإقدامي على الحروب، قوله [المجانين] هو من الجن (٣) لا من الجنون كما يظهر بمراجعة كتب الأحاديث.\nقوله [فلن استعين بمشرك] قاس (٤) المؤلف بذلك أنه لما لم يجز اشتراكه\n_________\n(١) ولكن للحنفية أن يقولوا أنهم لم يوجهوا قول القائل على خلاف مذهبه لأنهم وجهوا ذلك الحديث المرفوع لا أثر ابن عمر وهو ليس بقائله بل ناقله ولا يرد عليهم أيضًا أن قول الراوي بخلاف مرويه دليل النسخ عندهم لما أن مذهب ابن عمر هذا مما يتعلق بالاستنباط فإنه استنبط من ألفاظ الحديث غير ما استنبط عنها غيره فتأمل.\n(٢) الهمة العزم القوي يقال: ذو همة عالية، جمعها همم.\n(٣) والمجنون يستعمل في كلا المعنيين قال الراغب جن فلان قيل أصابه الجن وبنى فعله على فعل كبناء الأدواء نحوذكم وحم وقيل أصيب جنانه وقيل حيل بين نفسه وعقله فجن عقله بذلك وقوله تعالى ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي ضامه من يعلمه من الجن، انتهى.\n(٤) وما قال المصنف: إن في الحديث كلام أكثر من هذا إشارة إلى أن حديث الباب مختصر وأخرج مسلم في صحيحه بتمامه.","vol":"2","page":407},{"text":"في الغزو لم يجز إعطاؤه من الغنيمة بالطريق الأولى نعم يجوز للإمام إيتاء من استعان به من أهل الذمة شيئًا، وأما السهم فلا، قوله [من الحق بالمسلمين] هذا إذا الحقهم للإمداد قبل إحراز الغنيمة، وأما إذا جاء بعده فلا وإن أتى للإمداد وكذلك لا يسهم لو لم يلحقهم للإمداد، وأما إعطاؤه أبا موسى وأصحابه فلم يكن إلا من الخمس ولم يسهم لهم لأنهم لم يعطوه مددًا.\nقوله [كان ينفل في البدأة الربع] صورته أن العسكر إذا أخرج من موضع أرسل طائفة أمامه على قلعة وكان يعطيهم الربع لكونهم راجين لحوق العسكر بهم وأما البدأة (١) فكما أرسل الأمير سرية إلى ما بقى خلفه من قلعة ليفتحوه وهم أحقاء بزيادة التنفيل لما لحقهم من الضعف والكلال بالقتال ومع ذلك فإنهم على خوف من العدو ولتباعد العسكر عنهم كل يوم ثم إن هذه السرية تشارك العسكر في سهمان الغنيمة وما أتوا به يدخل الغنيمة بعد إخراج ما يؤتونه من الربع والثلث على ما مر.\nقوله [وهذا الحديث على ما قال ابن المسيب النفل من الخمس] يعني أنهما مشتركان في كونهما ليسًا بتشريع فكما ان التنفيل من الخمس (٢) موكول إلى رأي الإمام ينفل أولًا كذلك فيما لا يكون تنفيله من الخمس بل مع الخمس من الجملة أو المعنى أن هذا الحديث يؤيد ما قال ابن المسيب إن النفل يكون من الخمس وذلك لأنه\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وهو سبقه فلم صوابه الرجعة.\n(٢) قال ابن رشد أما تنفيل الإمام من الغنيمة لمن شاء أعني أن يزيده على نصيبه فإن العلماء اتفقوا على جواز ذلك واختلفوا من أي شيء يكون النفل وفي مقداره وهل يجوز الوعد به قبل الحرب وهل يجب السلب للقاتل أم ليس يجب إلا أن ينفله له الإمام فهذه أربع مسائل هي قواعد هذا الفصل ثم بسطها وحكاها عنه الشيخ في البذل فأرجع إلى أيهما شئت.","vol":"2","page":408},{"text":"ﷺ أخذ السيف قبل إخراج الخمس، وهو المراد بقول ابن المسيب النفل من الخمس يعني لا يكون التنفيل إلا قبل إخراج لا بعده وأنت تعلم أن الكلام إنما هو في النفل بمعنى إعطاء الأخر لا بمعنى أخذ الإمام الصفي لنفسه، قوله [من قتل قتيلًا فله سلبه] قالوا (١) كان ذلك تشريعًا قلنا لا ويدل عليه ما رواه مسلم من قصة (٢) خالد فإن النبي ﷺ لم يعطه قاتلًا ولم يعطه خالد في أول الأمر أفلا يكون ذلك المسألة معلومة لخالد مع ماله من قدم في الجهاد راسخة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>[باب في طعام المشركين]</span>\nقوله [لا يتخلجن في صدرك طعام ضارعت فيه النصرانية] ترجمه بعضهم بحيث جعله صفة النصرانية والمعنى أن الطعام الذي يلزم فيه مشابهة النصرانية فإن حرام بين فليس فيه أن يختلج في صدرك لوجوب تركه وحاصل هذا المعنى أنه وجب ترك طعام لزم فيه تشبه بالنصرانية، وفيه أنه يلزم إيراد الحديث في غير محله إذ ليس فيه ذكر طعام المشركين والذي أفاده الأساتذة في معناه أن الواجب أن لا يختلج في قلبك طعام ما لم تعلم حرمته أو تظن فإن فعلت ذلك ضارعت فيه النصرانية فإن الرهبانية ليست في دين محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>[باب ما جاء في قتل الأساري والفداء]</span>\nفي أسير الجهاد أربعة شقوق إما أن يمن عليه فيتركه أو يفدي أو يقتل أو يسترق والأولان قد نسخًا بآية السيف، ثم في هذا الحديث إشكال وهو أن جبرئيل خيرهم بإذنه تعالى ثم كيف\n_________\n(١) هذه هي المسألة الرابعة مما ذكرها ابن رشد، فقال قال مالك لا يستحق القاتل سلب المقتول إلا أن ينفله له الإمام على جهة الاجتهاد، وذلك بعد الحرب وبه قال أبو حنيفة والثوري، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق هو واجب للقاتل قال ذلك الإمام أو لم يقل.\n(٢) من حديث عوف بن مالك قال قتل رجل من حمير رجلًا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليًا عليهم، الحديث، وأخرجه أبو داؤد وأبسط مما في مسلم.","vol":"2","page":409},{"text":"سخط عليهم حيث أنزل ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ والجواب أنه لم يخير تخيير الإباحة بل خيرهم ابتلاء (١) ليعلم ماذا يختارون من أنفسهم فلما لم ير منهم شدة في أمر الله ولم يجد منهم موجدة على أعداء الله أنزل آية السخط، وقوله [في هذا الحديث مرسلًا] معناه أنه لم يذكر جبرئيل، وقيل (٢) في معناه أن ابن عون وابن سعيد وأبا أسامة كلهم من تلامذة هشام ولكنه لما ذكر ابن عون عن ابن سيرين ولم يذكر هشامًا كان منقطعًا فأراد بالمرسل أعم من معناه المعروف، وليحقق هذا المقام ليظهر وجه المرام، قوله [إلا أن يكون معروفًا] أي أمرًا محتارًا أو المعنى إلا أن يكون المال الذي يفادون به معروفًا أي معهودًا فأطمع أن يكون هذا القدر كثيرًا ولكنه لا يجوز على مذهب الإمام، أو المعنى إلا أن يكون الأسر امرءًا معروفًا بينهم فيطمع في الفداء مال كثير، قوله [هم من آبائهم] المراد به ههنا إهدار دمائهم لكونهم تبعًا لآبائهم ولا يقتلون قصدًا، قوله [ثم قال رسول الله ﷺ] لعله علمه وحيًا أو اجتهادًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>[باب في الغلول </span>قال سعيد الكنز، وقال أبو عوانة الكبر] فإن كان كبرًا فهو مشتمل لأصل كبير فإن جملة من المعاصي تبتني على الكبر كالسرقة والكفر والشتم والسب إلى غير ذلك، لفظ الحديث هو الكنزل فهو قسم من حقوق الله المالية ففي تفصيل للحقوق المالية وهي ثلاثة أقسام: حق الله وأشار إليه بالكنز وحق العباد الخاصة وهو المشار إليه بلفظ الدين وحقوق\n_________\n(١) كما بسطه في الحاشية عن الطيبي وذكر له نظائر.\n(٢) هذا غاية توجيه الكلام وتصحيح عبارة المصنف على صحة النسخ التي بأيدينا وليس في النسخة المصرية لفظ علي وسياقه روى ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة عن النبي ﷺ مرسلًا، وهذا واضح لا يحتاج إلى توجيه لكن على هذا، لفظ علي في النسخ الهندية من تحريف الناسخ.","vol":"2","page":410},{"text":"العباد العامة وهو مشار إليه بالغلول فكأنه قال إنه برئ من جميع أقسام الحقوق المالية فأما أن يقال إن ظاهره أداء الغير المالية أو يرجى له بالعفو فيها ولا ضير في تعميم الدين بحيث يشمل الحقوق المالية وغيرها فإن الدين لما كان هو الثابت في الذمة عم القسمين كليهما.\nقوله [إن فلانًا قد استشهد] كان الرجل ظنه شهيدًا كاملًا لا يعوقه شيء من دخول النعيم المقيم ولكن الأمر كان على خلافه فلذلك قال النبي ﷺ كلا إلا أنه أبرزه في صورة مطلق النفي حيث نفى عنه مطلق الشهادة، لأكمل أفرادها ردعًا لهم عن الغلول والقاءًا في قلوبهم الردع عن أمثال هذه، قوله [لا يدخل الجنة إلا المؤمنون] هذا يحتمل معنبين بل له معنيان وهو (١) أن الكامل من المؤمنين يدخلها بحيث لا يعوقه عائق فلما كان المدار هو الإيمان يدخل ضعيف الإيمان بعد احتمال ضروب من المشاق، وحاصله (٢) التشكيك في أفراد الإيمان كتفاوت ما بين أفراد الدخول لكنه معروض في صورة الوعيد بحيث يتوهم أن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن كامل سيما إذا علموا وجه القصة فإنه حينئذ يتأيد ذلك الوهم وكان ذلك ليجتهدوا في تحصيل كامله ولا يقنعوا بفرد من الإيمان كيفما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>[باب ما جاء في خروج النساء في الحروب]</span>\nوجملة المذهب فيه أنه يجوز إخراجها إذا كان يأمن من غلبة الأعداء بأن يكون العسكر كبيرًا لا يخاف عليه\n_________\n(١) بيان للمعنيين ووقع فيه اختصار مخل والمعنى الأول أن يراد بالدخول الدخول الأولى والإيمان أكمل الإيمان، والثاني أن يراد بالدخول مطلقه فيراد بالإيمان أيضًا مطلقه وكلاهما بالتشكيك في أفرادهما يتفاوت أحدهما بتفاوت الآخر حتى ينتفي الدخول كلية بانتفاء الإيمان كلية.\n(٢) وهذا هو المعنى الثاني وهو أن ضعيف الإيمان أيضًا يدخل بعد تحمل المشاق ووجه التعبير بهذا السياق التنبيه على أن درجات الدخول تتفاوت مثل تفاوت درجات الإيمان.","vol":"2","page":411},{"text":"الهزم وفي حكم النساء المصحف فيخرج حيث يخرجن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>[باب ما جاء في قبول هدايا المشركين]</span>\nلا يجوز قبول الهدية من المشركين إذا كان مورثًا لوداتهم (١) أو كان مبنيًا على الائتلاف بهم ويجوز الأخذ في غير ذلك مثل ما يأخذ الملوك من الرعايا، وعلى هذا يخرج الحكم فيما يبذله الهنود من ديارنا في أعيادهم ويتحفون أهل الإسلام فما كان مذلة لهم جاز وما كان فيه ذل للآخذ أو يكون للمودة المحضة لم يجز ولذلك قبل النبي ﷺ هدايا بعض المشركين ورد هدايا بعضهم لكون الأول من أول القسمين والثاني من ثانيهما وهذا هو المراد بقوله ﷺ نهيت عن زبد المشركين وأجاب بعضهم بأن النهي عن القبول كان بعد القبول وعلى هذا يكون نسخًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>[باب ما جاء في سجدة الشكر]</span>\nلم يقل بجوازها الإمام الهمام ولعله لم يجد الرواية والمذهب (٢) جوازها وهو قول صاحبيه ولا يجوز سجدة المناجاة (٣)\n_________\n(١) قال المجد: الود والوداد الحب ويثلثان كالودادة والمودة والمودودة.\n(٢) أي المرجح عند المتأخرين ففي الدر المختار سجدة الشكر مستحبة، به يفتي، قال ابن عابدين هذا قولهما، وأما عند الإمام فنقل عنه في المحيط لا أراها واجبة لأنها لو وجبت لوجبت في كل لحظة لأن نعم الله تعالى على عبده متواترة وفيه تكليف ما لا يطاق، ونقل في الذخيرة عن محمد عن الإمام أنه لا يراها شيئًا وتكلم المتكلمون في معناه فقيل لا يراها سنة، وقيل شكرًا تامًا لأن شكره بتمام ركعتين كما فعل ﵊ يوم الفتح، وقيل أراد نفي الوجوب، وقيل نفي المشروعية كذا في البذل.\n(٣) ففي الكبيري بعد البحث في سجدة الشكر فقد علم من الاختلاف في سجدة الشكر ومما صرح به الزاهدي كراهة السجود بعد الصلاة بغير سبب، وأما ما ذكره في التتارخانية عن المضمرات أن النبي ﷺ قال لفاطمة ما من مؤمن ولا مؤمنة يسجد سجدتين يقول في سجوده خمس مرات سبوح قدوس رب الملائكة والروح إلى آخره فحديث موضوع باطل لا أصل له ولا يجوز العمل به، انتهى.","vol":"2","page":412},{"text":"لعدم الثبوت وما ورد من الأدعية عن النبي ﷺ في السجدات فإنما هي في الصلاتية لا المنفردة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>[باب ما جاء في أمان المرأة والعبد]</span>\nومعنى إجازة عمر أمان العبد أنه قبله منه (١) فصار أمنا لإجازة عمر وبعدها ولم يكن أمان العبد في نفسه (٢)، قوله [فلا يحلن عهدًا ولا يشدنه] ذكر الشد ههنا استطراد كما يقال في أكثر محاوراتنا أيضًا أو يقال المجموع كناية عن عدم التغيير ولا ينظر إلى مفرداتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>[باب في الغدر]</span>\nقوله [حتى يمضي أمده] كأنه قال بدخول مدة الذهاب والإياب في لفظ الأمد المذكور في الحديث فلما كان كذلك وجب الصبر إلى انقضائها قوله [ينصب له لواء يوم القيامة] فيقعد عليه حتى ينفذ اللواء في دبره، وهذا لاشتهاره بين الناس ويمشي اللواء بإذنه تعالى أو يطال له رجلاه حتى يمشي بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>[باب في النزول على الحكم]</span>\nقوله أكحله أو أبجله لفظان بمعنى واحد، قوله فحسمه رسول الله ﷺ وكان الحسم لقطع الدم عن السيلان، وبذلك يعلم أن النهي عن الكي إنما هو إذا وجد بدًا منه أو كان وجه النهي ودعهم عما هم عليه من العلم بتأثيره في إزالة كل مرض ولم يكونوا يعدونه سببًا من الأسباب كغيره من المعالجات ثم بعد الحسم انجذبت الدم إليه فورم حتى تفجر الدم منه فحسمه أخرى ثم اجتمع\n_________\n(١) قال صاحب الهداية، إذا آمن رجل حرًا وامرأة حرة كافرًا أو جماعة أو أهل حصن أو مدينة صح أمانهم، ولا يجوز أمان العبد المجحور عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وقال محمد يصح، وهو قول الشافعي وأبو يوسف معه في رواية ومع أبي حنيفة في رواية انتهى، وعلى هذا فيمكن للحديث توجيه آخر وهو أنه كان مأذونًا.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر شيئًا.","vol":"2","page":413},{"text":"كذلك، وهذا هو المعنى بقوله فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال، اللهم إلى آخره يعني أن يده لما انتفخت فأخذت يسيل الدم منه أو لم تسل دمًا لكنها كادت تسيل ومعنى قوله فتركه أي لم يحسم ينتظر أن يرقأ دمه من غير الحسم فلما لم يرقأ حسم أخرى، وكانت بنو قريظة عاهدوا النبي ﷺ أن لا يغزوا به ولا يجاهدوا معه ولا يعينوا عليه أحدًا ثم جاؤوا بأهل مكة وواعدوهم بالنصرة على النبي ﷺ وأعاتوهم غادرين خافين، وكان سعد بن معاذ حليفًا لهم إلا أنه لما رأى ذلك منهم أبغضهم في الله بحيث دعا الله سبحانه أن ينظر هلاكهم بأعينه.\nقوله [أصبت حكم الله فيهم] يعني أن الذي حكمت به كان الله يحب ذلك الحكم ويرتضيه، قوله [أقتلوا شيوخ المشركين] الشيخ أعم من معناه المشهور فيشمل الشيخ والشاب إلا الصبيان وهم المعنيون بلفظ الشيوخ أو يقال الأمر بالقتل وإنما هو للشيوخ الذين اشتركوا في القتال أو كانوا ذوي رأي في ذلك لا مطلقًا، قوله [إنهم يرون الإنبات بلوغًا إلخ] والفرق بين مذهبهم وما ذهبنا إليه أنا لا نقول بكونه علامة وإنما أدير الحكم عليه في الحديث لما لم يبق إلى العلم بحالهم من سبيل فاحتاط النبي ﷺ مبالغة في حقن الدم وهؤلاء يقولون إن الإنبات علامة غاية الأمر إن هذه العلامة مؤخرة في إثبات الحكم عن أختيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>[باب ما جاء في الحلف]</span>\nقوله [أوفوا بحلف الجاهلية] المراد به ما يلائم الإسلام ولا يخالفه وعليه ينطبق الدليل، وهو قوله فإنه لا يزيده والذي نفاه هو الذي يخالف أصول الإسلام أو النهي في قوله لا تحدثوا بمعنى عدم الاحتياج إذ الإسلام من غير حلف موجب للتناصر فيما بين المسلمين.\n\n[باب في أخذ الجزية من المجوس] قوله [إن عمر كان لا يأخذ الجزية] ولعل اجتهاده إلى حرمة الأخذ منهم وحرمة ما أخذ لأن (١) أخذ الجزية تقرير\n_________\n(١) هذا توجيه وتوضيح لمنشأ تردد عمر أولًا وإن لم يصح على مسلك الحنفية ومن دان دينهم في أخذ الجزية من المشركين العجم خاصة كما قالت به الحنفية أو العرب أيضًا كما قالت به المالكية والبسط في الأوجز.","vol":"2","page":414},{"text":"للمأخوذ منه على ما يدينه من صحيح وفاسد ولا يخفي ما في تقريره (١) أهل الشرك على الشرك من القبح والفساد، وأما أهل الأديان الآخر من اليهودية والنصرانية فإنهم وإن كانوا يشتركونهم في الإشراك بالله إلا أنهم يقرون بالأديان السماوية ويدعون كونهم على الأحكام الإلهية حسب ما أنزل إليهم، وإن كان دعواهم تلك كاذبة فلا يقاس أحد الفريقين على الآخر لبون بينهما بعيد حتى يؤخذ منهم كما أخذ النبي ﷺ من أهل الكتاب، وأما إذا ثبت لعمر أخذ النبي ﷺ من مجوس هجر أخذ عمر (٢) لثبوت الحكم بالنص.\nقوله [إنا نمر بقوم فلا هم يضيفونا] قال بعضهم معنى هذا، الإجازة أنهم كانوا مأمورين بالضيافة إذا ورد المسلمون عليهم، وهذا لا يصح لأن هذا التقرء كان في زمن عمر لا زمن رسول الله ﷺ بل الإجازة لهم أن يأخذوا بالقيمة كرهًا، وتوجيه الحديث أن الكفار كانوا إذا نزل المسلمون أغلقوا دكاكينهم وتركوا المبايعة إضرارًا بالمسلمين فلما رأى المسلمون ذلك شكوا إلى رسول الله ﷺ أن هؤلاء لا يضيفوننا ولا شكاية في ذلك أن الضيافة تبرع وإكرام، وليس حقًا ثابتًا، إنما الشكوى أنهم لا يؤدون إلينا بحق وهو الشراء والإيتاء بالقيمة فكأنهم ذكروا في كلامهم الطرق الثلاث المحتملة للأخذ، وهو الأخذ قيمة أو الأخذ بغير قيمة جبرًا منا أو إكرامًا منهم، أما الأول فلأنهم لا يبايعوننا، وأما الثاني فلأنك يا رسول الله\n_________\n(١) ولا يرد على الحنفية وغيرهم لما في الدر المختار أن الجزية ليست رضا منا بكفرهم كما طعن الملحدة بل إنما هي عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر فإذا جاز إمهالهم للاستدعاء إلى الإيمان بدونها فيها أولى، وقال تعالى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ انتهى، هكذا في الأوجز.\n(٢) ولذا أباح أهل العلم منهم الأئمة الأربعة مع اختلافهم في كونهم أهل الكتاب أخذ الجزية عنهم حتى حكى جماعة من أهل العلم الاتفاق على ذلك كما بسط في الأوجز.","vol":"2","page":415},{"text":"منعتنا أن نأخذ مال الغير بغير حق، وهو المعنى بقولهم ولا نحن نأخذ منهم وأما الثالث فلأنهم لا يضيفونا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>[باب في الهجرة]</span>\nقوله [لا هجرة بعد الفتح] يعني بذلك أن الهجرة من مكة لم تبق على ما كانت عليه من قبل حيث لم يكن الإيمان يقبل دونها باعتبار الأحكام الظاهرة، وأما الهجرة من غير مكة من مواضع الكفرة فلم تنسخ. بل هي باقية على اختلاف في وجوبها واستحبابها حسب اختلاف ما في تلك الدار من الأمور الموجبة لها، [ولكن جهاد ونية] أي ولكن بقى الخروج من مكة لأجل الجهاد وكذلك بقيت فيه نية الخير من طلب العلم وغيره ليثاب عليهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>[باب في بيعة النبي ﷺ]</span>\nقوله [على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت] وكان ذلك في الحديبية حين أخبر (١) أنهم قتلوا عثمان، وحاصل اللفظين الواردين في ذلك واحد وهو أنهم بايعوه أن لا يفروا ولو ماتوا وقتلوا فمن نفى عنهم البيعة على الموت كان غرضه الرد على من زعم أنهم بايعوا على الموت مقصودًا وليس كذلك إذ لو كان كذلك لكانوا ناكثين بيعتهم لأنهم لم يموتوا وهو خلاف مجمع\n_________\n(١) وذلك لما بعث رسول الله ﷺ عثمان إلى أشراف قريش في غزوة الحديبية يخبرهم أنه ﷺ لم يأت لحرب وإنما جاء زائرًا للبيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان حتى دخل مكة وأتى أشراف قريش وبلغهم رسالة رسول الله ﷺ فعاقدوه، ولما فرغ وأراد أن يرجع قالوا إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، قال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ فغضبت قريش وحبسته عندها، ولما أبطأ عثمان قال المسلمون طوبى لعثمان دخل مكة وسيطوف وحده، فقال النبي ﷺ ما كان ليطوف وحده، ولما احتبس عثمان طارت الأراجيف بأن عثمان قتل، قيل إن الشيطان دخل جيش المسلمين ونادى بأعلى صوته، ألا إن أهل مكة قتلوا عثمان، فحزن النبي ﷺ والمسلمون من سماع هذا الخبر حزنًا شديدًا فبايعهم، كذا في الخميس.","vol":"2","page":416},{"text":"على خلافه، ومن أثبت منهم بيعته على الموت كان غرضه أنهم بايعوه على القتال وعدم الفرار، ولو ماتوا أو قتلوا فالفرق إنما هو في أداء العبارة وتعبير المقصود وإلا فمدعاهما واحد، وأما ما قال المؤلف في توجيه الجمع، من أنهم كانوا فريقين فجمع منهم بايعوا على الموت، وجمع آخر على عدم الفرار، إن كان غرضه التفريق بين معنى العبارتين وجعلهما فريقين حقيقة، فظاهر أن الأمر ليس كذلك لأن البيعة التي أخذها النبي ﷺ إنما هي واحدة لا غير، وإن كان غرضه نقل الكلامين الذين تلفظ بكل (١) منهما بعض منهم والبعض الآخر بالآخر وإنما عنى كل واحد منهم معنى واحدًا وهو عدم الفرار إلى أن يموتوا فهو معنى صحيح كما بينا من قبل.\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والصواب عندي بدلها بواحد منهما، وحاصل ما أفاده الشيخ أن المصنف إن أراد بالتوجيه تفريق معنى الكلامين وجعل أهل بيعة الرضوان فرقتين حقيقة بأن صنفًا منهما بايع على هذا وصنفًا على هذا فليس بصحيح لأن أحدًا من أهل السير والحديث لم يجعلهم طائفتين بل الصحابة أنكروا البيعة على الموت، ولو وقعت بيعة جماعة منهم على الموت حقيقة لأخبروه، وإن أراد التفريق في مجرد التعبير والمؤدي واحد بأنه عبر بعضهم بهذا اللفظ والآخرون باللفظ الآخر وكلاهما أرادا أن لا يفرا فهو صحيح، وبوب البخاري في صحيحه باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا وقال بعضهم على الموت، قال الحافظ كأنه أشار إلى أن لا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين أو أحدهما يستلزم الآخر انتهى، وتعقب العيني الأول. وقال بل المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقطع الموت ولا بد انتهى، وبذلك جزم جمع من الشراح وعلم هذا فإنكار من أنكر من الصحابة البيعة على الموت إنكار على ظاهر معناه.","vol":"2","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>[باب في بيعة النساء]</span>\nقوله [قال سفيان تعني صافحنا] لأنهن كن قد بايعن (١) قال الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده، في تقرير قول النبي ﷺ إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، حتى تطابق السؤال (٢) والجواب ما لا أفصله حق التفصيل، ولعل الوجه في ذلك على ما يخطر بالبال والله أعلم بحقيقة الحال، أنها أرادت المصافحة وطلبتها لتتشرف كل امرأة منهن منفردة عن أخواتها بشرف المبايعة وتتبرك بالمصافحة ليكون أفيد لهن وأوقع في قبول المبايعة، فرد عليها ما زعمته فقال لا فرق بين الانفراد والاشتراك بل قولي إلخ، وهذا يوافق تفسير المبايعة (٣) بالمصافحة فإن بيعتهن جمعًا فأرادت المبايعة\n_________\n(١) كان في الدر للسيوطي برواية أحمد والترمذي والنسائي وغيرها عن أميمة قالت أتيت النبي ﷺ في نساء لنبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئًا حتى بلغ ولا يعصينك في معروف، فقال فيما استطعتن قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا قال إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.\n(٢) وتوضيح ذلك أن الجواب بظاهره لا يطابق السؤال فإنها سألت المصافحة وأجاب النبي ﷺ بأن قولي لمائة كقولي لامرأة، وأجاب الشيخ عنه بجوابين يأتي بيانهما ويمكن أن يجاب بما يظهر عن كلام القارئ تبعًا للطيبي أن قولها صافحنا معناه ضع يدك في يد كل واحدة منا فكان متضمنًا للسؤالين وضع اليد في اليد كالرجال وتخصيص كل امرأة بهذه الفضيلة بانفرادها فأجاب عنهما ﷺ بما حاصله أن القول كاف ولا حاجة إلى المصافحة ولا إلى تخصيص كل امرأة بالمبايعة القولية فتأمل، ويوجه أيضًا أن في الحديث اختصارًا كما يدل عليه رواية الدر المنثور المتقدمة، وكان الجواب لا أصافح النساء.\n(٣) وحاصل هذا الجواب على الظاهر أن البيعة كان بالمصافحة من الأول، لكنها سألت تخصيص كل امرأة بانفرادها فأنكر النبي ﷺ على ذلك، بأن مبايعتي أي مصافحتي لمائة كالمصافحة لامرأة، ويشكل عليه بأنه يخالف الروايات الشهيرة في الباب، فلم يثبت مصافحته ﷺ النساء، وأخرج البخاري وغيره عن عائشة، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك، ويجاب عنه بأن المراد المصافحة بواسطة الثوب، فقد ذكر السيوطي برواية سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبي: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء ووضع على يده ثوبًا، الحديث، وبرواية البخاري ومسلم وغيرهما عن أم عطية قالت بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا أن لا تشركن بالله شيئًا ونهانا عن النياحة فقبضت منا امرأة يدها، الحديث، يدل على معالجة البيعة باليد.","vol":"2","page":418},{"text":"المختصة بفرد فرد لتحصيل الانفراد ويمكن أيضًا أن يقال (١) في توجيه المطابقة بين السؤال والجواب أن مس الأجنبية ممتنع شرعًا، والممتنع شرعًا كالممتنع عرفًا وعادة وحسًا، ويكون حاصل الجواب أن مصافحة الواحدة حرام متعذر كمصافحة المائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>[باب في كراهية النهبة]</span>\nقوله [فتقدم سرعان الناس فتعجلوا من الغنائم] لما علموا أن النبي ﷺ معطيهم منها لا محالة، وبذلك يستدل بعضهم أن الغاصب لا يملك المغصوب إذا فاتت معظم منافعه وإلا لتركهم النبي ﷺ ولم يتعرض لذبائحهم إذ كانوا قد ملكوها على ما قلتم أيها الأحناف، والجواب أن فعله ذلك إنما كان تغليظًا لأمر الغنيمة وتشديدًا لهم على صنيعهم أن لا يرتكبوا مرة أخرى مثل ذلك، وإلا لكان الواجب حسب قاعدتكم المقررة من أن الواجب على الغاصب\n_________\n(١) وهذا جواب ثان، وحاصله أن المبايعة القولية مع المصافحة بمائة امرأة في وقت واحد متعذر عادة وحسًا فكذلك المبايعة مع المصافحة بامرأة واحدة ممتنع إلا أن الامتناع ههنا شرعي فشبه الامتناع الشرعي بالامتناع الحسي لوضوحه.","vol":"2","page":419},{"text":"رده المغصوب ولو فات بصنعه من منافعه معظمه أن يرد (١) ذلك اللحم في مال الغنيمة وقسمه حيث قسم الغنائم وضمنهم أيضًا، كما تمذهب الشافعي من أن الغاصب إذا غصب شاة مثلًا وذبحها فعليه أن يردها على المالك مذبوحة كذلك، وللمالك عليه قيمة الشاة سالمة أفترى ذكرًا في الروايات أنه ﷺ أمرهم بأداء ضمان تلك الشاة أو أمر برد اللحم المقدور أي المجعول في القدر فهذا ليس من الذي نحن فيه فلا يثبت بذلك شيء مما أراد الخصم إثباته.\nقوله [فعدل بعيرًا بعشر شياه] هذا مستنبط من سوى بعيرًا بعشر شياه (٢) في الأضحية، والجواب أن قيمة هاتيك البعران (٣) كانت كذلك فلا يعارض به ما ثبت من فعله الأخير أنه أمر أن يشترك سبعة في بعير ويحتمل أن يكون تقسيم الغنيمة التي نحن فيها زمان تجزئ (٤) بعير عن عشر رجال ثم نسخ ويمكن أيضًا أن يكون تقسيمه ذلك لأكلهم فاعتبر اللحم وهو المناط إذًا ولم يكن هذه قسمة الغنيمة على سهمانها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>[باب التسليم على أهل الكتاب]</span>\nقوله [لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام] لما فيه من التعظيم، وهذا إذا وجد بدًا منه، وأما إذا اضطر إليه\n_________\n(١) خبر لقوله لكان الواجب.\n(٢) تقدم ذكر القائل بذلك في الأضاحي، وتقدم أيضًا بعض الأجوبة عن الرواية من البذل وغيره.\n(٣) قال المجد: البعير وقد تكسر الباء الجمل البازل أو الجذع وقد يكون للأنثى والحمار وكل ما يحمل جمعه البعرة وأباعر وأباعير وبعوان (بضم الباء) وبعران، انتهى.\n(٤) أي يحتمل أن يكون تقسيم الغنيمة في زمان يكون بعير واحد إذ ذاك تجزئ عن عشر رجال أي تقوم مقام عشر شياه وعلى هذا فالحديث منسوخ أي محمول على أول الزمان.","vol":"2","page":420},{"text":"فلا بأس حفظًا لعرضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>[باب في كراهة المقام بين أظهر المشركين]</span>\nقوله [فأمر لهم بنصف العقل] ووجه التنصيف إضافة موتهم إلى سببين أحدهما هدر دون الآخر وهو مقامهم بين المشركين، وقتل المسلمين إياهم ويتفرع عليه مسألة مصادمة (١) الفارسين حتى مات أحدهما.\nقوله [أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين] لفظ الأظهر مقحم ووجه البراءة ما وجد فيه من عدم التنفر عن المشركين حتى لم يفارقهم ثم الهجرة من دار الكفر ليست على سنن واحد، أما هجرة أهل مكة قبل فتحها فكانت جزو الإسلام حتى لم يكن يعد من لم يهاجر مؤمنًا ولو أيقن بالرسالة وصدقه إلا من لم يقدر على الخروج فإنهم يعذرون، وأما الهجرة من غيرها من ديار الكفرة فإنما تأكدها على حسب ما يعن له من موانع عن أداء شعائر دينه فإن كان لا يستطيع أداء فرائضه افترضت الهجرة وإن منع عن الواجب وجبت أو عن السنن سنت، وأما ترك الملوك الحدود والقصاص فليست علينا حتى تؤاخذ بتركه أو يجب علينا الهجرة بتركهم إياه، غاية الأمر أنهم يأثمون بتركه إن كانوا مسلمين.\nقوله [ولم قال لا ترا آي ناراهما] فيه شيء من الاختصار ومعنى هذا أن الذي أمروا به مهاجرتهم عن المشركين وترك مقاربتهم، وكان ترك ذلك الواجب سببًا لبرائته ﷺ لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>[باب ما جاء في تركة النبي ﷺ]</span>\nاعلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وعلى أصحابه وسلم كان يحب أن يرحل إلى ربه ﵎ وليس له من أمتعة الدنيا شيء كثير ولا قليل لما علم من سخطه تعالى إياها، ولما فيه من التلوث الذي\n_________\n(١) وتمامه في الفروع كالدر المختار وغيره فإن لمصادمة الفارسين عدة صور تجب في بعضها نصف الدية فارجع إلى الفروع لو شئت التفصيل في ذلك.","vol":"2","page":421},{"text":"لم تدرك حقيقته ولذلك ترى أحاديثه ﷺ مشحونة بما يعلم به غاية تباعده منه ونهاية تسارعه إلى تصدق ما بقى من أقوات أهله، ولذلك قال النبي ﷺ لا نورث (١) ما تركنا صدقة، إزالة لما يبقى في ملكه عن ملكه حين الموت طلبًا\n_________\n(١) قال ابن عبد البر عن جمع من أهل البصرة منهم ابن علية أن هذا من خصائص النبي ﷺ، ونقل القاضي عياض عن الحسن البصري إنه عام في جميع الأنبياء، وقد ورد في الأحاديث ما يشهد لذلك، فأخرج الطبراني والنسائي في السنن الكبرى بإسناد على شرط مسلم مرفوعًا أنا معاشر الأنبياء لا نورث، وفي الباب أخبار آخر مبسوطة في كتب التخريج، هكذا في التعليق الممجد، واختلفت نقلة المذاهب في بيان مذهب ابن علية والحسن البصري، وأيًا ما كان فللعلماء فيها قولان. والجمهور على العموم ثم قال القارئ في شرح الشمائل، وقيل الحكمة في عدم الإرث بالنسبة إلى الأنبياء أن لا يتمنى بعض الورثة موته فيهلك أو لا يظن بهم أنهم راغبون في الدنيا ويجمعون المال الورثة أو لئلا يرغب الناس في الدنيا وجمعها بناء على ظنهم أن الأنبياء كانوا كذلك أو لئلا يتوهموا أن فقر الأنبياء لم يكن اختياريًا، وأما ما قيل من إنه لا ملك لهم فضعيف، وهو بإشارات القوم أشبه ولذا قيل الصوفي لا يملك ولا يملك انتهى، ثم قال العيني ما تركنا في محل الرفع على الابتداء وصدقة بالرفع خبره، وقد صحف بعض الشيعة هذا وقال ما تركنا صدقة بالنصب على الحال، ويكون المعنى ما نترك صدقة لا يورث، وهذا مخالف لما وقع في سائر الروايات وإنما اقتحموه لما يلزم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم لأنهم يقولون أن النبي ﷺ يورث كما يورث غيره انتهى مختصرًا، قلت: ولم يعلم الجهلة أنه لا يبقى على تصحيفهم للحديث فائدة فإن كل من يترك صدقة لا يورث فأي تخصيص وقيل لأنهم كالآباء فما لهم لكل أولادهم. لمعاشر الأنبياء على أنه يأبى تصحيفهم ما ورد من قوله ﷺ ما تركنا فهو صدقة فهذا يبطل الحالية.","vol":"2","page":422},{"text":"لما قدمنا من رغبته وإظهارًا لما في قلبه من أن الباقي في يده لا يعلمونه من ملكه إنما هو من مال المسلمين، وكان في تصرفه نيابة عنهم حتى يعمل فيه لهم ولأن النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، لما كانوا أحياء فلا معنى لتوريث الأحياء منهم، وأما خطابه تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فلغير النبي ﷺ رجوعًا إلى الجمع بين الآية والرواية، وأما الحديث المذكور وهو قوله ﷺ لا نورث ما تركناه صدقة فقد سمعه من النبي ﷺ وعلمه منه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأكثر أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أفلا ترى هذه الرواية تواترت أو بلغت حد الاشتهار مع اتفاق هؤلاء الفحول الجلة الكبار ثم اختلاف هؤلاء فيما بينهم بعد اتفاقهم على الرواية إنما كان مبنيًا على الاختلاف في معنى الحديث فأخذه علي وفاطمة وغيرهما من طالبي الميراث على كون ما فيه خاصًا بالمنقولات لا على عمومه، وفهم غيرهم ممن منعه على أصلها (١) على العموم ثم إن مطالبة علي وعمر بعد مطالبته أبا بكر ويأسه منه مشكل لأنه لما فهم من لفظ ما خصوصية المنقولات ورده أبو بكر كان عليه التسليم وترك المطالبة ثانيًا من عمر والجواب أنه رفع الأمر إلى عمر رجاءًا منه أن يكون عمر يوافق مذهبه مذهب علي في كون لفظة ما ليس على عمومه وبهذا يخرج الجواب عما يرد على علي ﵁ أنه كيف طلب الميراث مع كونه سمع الرواية عن النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>[باب في الطيرة </span>(٢)] قوله [ولكن الله يذهبه بالتوكل] بينه صاحب\n_________\n(١) الضمير إلى لفظة ما وقوله العموم بدل من قوله على أصلها والمعنى حمل المانعون لفظة ما على العموم كما في الأصل فيها.\n(٢) قال صاحب المجمع: هي بكسر طاء وفتح ياء، وقد تسكن، التشاؤم بشيء وهو مصدر تطير طيرة كتخير خيرة ولم يجئ من المصدر هكذا غيرهما وأصله التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأخبر أن لا تأثير له انتهى، وبسط القارئ اختلاف أهل اللغة في الفرق بين الفال والطيرة فقيل باختصاص الأول بالخير وعموم الثاني، وقيل باختصاص الثاني بالشر وعموم الأول، وقيل هما ضدان لكن يستعمل أحدهما موضع الآخر والبارح الصيد الذي يمر على ميامنك إلى مياسرك والسانح عكس ذلك، انتهى.","vol":"2","page":423},{"text":"الحاشية ويمكن أن يكون معناه ولكن الله يذهب ما حاك في القلب من الوسوسة في ارتكابه، قوله [هذا عندي من قول عبد الله إلخ] وإنما احتاج إلى جعله قول ابن مسعود لما فيه من اعتراف المتكلم بوجدان شيء منه في قلبه مع أن الأنبياء براء من ذلك أصلًا، وأما إن كان من قوله ﷺ فهو بيان منه لحال أمته وليس بداخل فيه بنفسه.\nقوله [لا عدوى ولا طيرة] نفى العدوي في الأول نفي التأثير والاستقلال والذي يليه من نفي الطيرة منفي من الأصل بحيث لا دخل له مطلقًا في وجود ما سيوجد أو عدم ما ينعدم إلا أنه أبرزهما في معرض واحد لما كانوا يزعمون من استقلال الأعداء، وأما كون الطيرة مؤثرًا فلم يكونوا قائلين به ولم يعرفوه إلا علامة عليه ولا يبعد أن يكون (١) نفى العدوى أيضًا نفيًا بالكلية ورأسًا لا نفي\n_________\n(١) فالفرق بين هذا التوجيه والأول أن مقصود الكلام في التوجيه الأول كان نفي التأثير لكن الكلام صدر مورد الكلية، وفي هذا التوجيه مقصود الكلام فيه مطلقًا ردعًا لهم، وعلى كلا التوجهين فمختار الشيخ نفي التأثير لا نفي الأصل، وقال القارئ العدوي مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره وهو على ما يذهب إليه المتطببة في علل سبع الجذام والجرب والجدري والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية وقد اختلف العلماء في التأويل فمنهم من يقول المراد نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث وهم الأكثرون ومنهم من يقول إنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، انتهى.","vol":"2","page":424},{"text":"وذلك للمبالغة في رد ما زعموا، ثم إن زعم زاعم تأثيرًا في ذلك حرم عليه الفأل كما تحرم الطيرة، وإن لم يقل بالتأثير جاز له التفاؤل ولا يغني من قدر الله تعالى شيئًا وحرمت الطيرة لكونه موجبًا لوسوسته ومورثًا لحزنه فلا يكون إلا حزينًا مشوشًا ويكون ذلك سببًا لاختلال أموره الدنيوية والدينية ولا كذلك الفأل فإن سرور باله يجبر من حاله ولا يزيد في بلباله فلا يعتري نقص في أفعاله ولا أقواله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>[باب في وصية النبي ﷺ في القتال]</span>\nقوله [أيتها أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم] هذا بظاهره مشكل فإن الكف ليس إلا في الشقين من هذه الثلاثة لا في كل واحد منها فإن شق القتال ليس فيه الكف عنهم، والجواب أن الكف ههنا متعد، ومعنى كف عنهم، كف عنهم غير الخصلة التي أجابوها إليك ولا تعمل بهم غيرها والقتال من هذا القبيل فلما أجابوك إلى القتال كف عنهم غير القتال من الخلتين الباقيتين.\nقوله [والتحول من دراهم إلى دار المهاجرين] هذا التحول ليس بتحول الهجرة المفروضة أو الداخلة في الإسلام لأنهم حين أسلموا لم يبق دارهم دار كفر حتى يفترض الهجرة عنها بل ذلك التحول كان لشهود المغانم وغيرها من المنافع الدنيوية والشركة في الجهاد وتعلم المسائل والعلوم من المنافع الدينية، قوله [فإن أبوا فاستعن بالله] لم يذكر الراوي الخلة الثانية لوجه أوجب تركه وقد ورد في الروايات بعد (١) الثلاثة كلها كملًا.\n_________\n(١) مبني على الضم أي في الروايات التي ذكرها الترمذي بعد ذلك من رواية أبي أحمد ووكيع وغير واحد عن سفيان ومن رواية غير ابن بشار عن ابن مهدي فكلهم رووا الخلة الثانية وهي الجزية.","vol":"2","page":425},{"text":"قوله [فقال على الفطرة] لما أن الطبائع مجبولة على كبريائه تعالى وأنه لا كبير يساويه في كبره.\nوقوله [خرجت من النار] مبني على أنه لما نفى ألوهية غيره تعالى وكان الكافرون من العرب لا يسلمون انفراده تعالى بالألوهية فمن أقر بذلك منهم سلم الرسالة لا محالة ويمكن أن يكون الرجل لم تبلغه بعثته ﷺ ودعوته فلا يكون مؤاخذًا على تركه الإيمان بالرسالة، وفيه بعد لا يخفى فإن أمره ﷺ لم يكن بحيث يظن عدم علمه به سيما وقد خرجوا (١) إليهم بالجهاد ولا بد له من تقديم الدعوة وأيضًا فإن شيئًا من البلاد القريبة لم يكن شأنه خفاء أمره فيها بل وكثير من البعيدة أيضًا.\n_________\n(١) أي الصحابة ﵃ [ولا بد له] أي للجهاد من [تقديم الدعوة] فإذا خرجوا للجهاد فلا بد أنهم قد أرسلوا الدعوة قبل ذلك فعدم علمه بالبعثة بعد هذه القرائن بعيد.","vol":"2","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>أبواب فضائل الجهاد عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله [مثل المجاهد في سبيل الله] هذه الفضيلة جزئية فإن الرجل بعد ما خرج من داره في إعلاء كلمة الله ما لم يعد إليها وهو بهذه الحيثية يفضل على سائر من صام أو صلى، وهذا لا ينافي كون الصلاة أو غيرها من الطاعات أفضل من الجهاد لأنها (١) مع ما فيها من الفضل ليس فيها أن يشتغل الأوقات بتمامها فيها.\nقوله [إن قبضته أورثته الجنة] وإن رجعته رجعته بأجر أو غنيمة هذا التقسيم لا ينفي الجنة في الشق الثاني وإنما لم يذكره لعله اكتفاء (٢) بذكر ما هو بالفعل، وكذلك كلمة أو ههنا ليست للتقسيم البحت حتى يلزم الاكتفاء بأحدهما بل المذكور معظم ما لديه أو المعنى رجعته بأجر صرف إن لم يغنم وبه وبالغنيمة إن غنم شيئًا، فالترديد على سبيل منع الخلو.\nقوله [فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة] لا يذهب (٣) عليك االفرق بين\n_________\n(١) أي العبادات مع ما لها من الفضائل الكثيرة لكن ليس فيها أن يكون الأوقات كلها مشغولة فيها بخلاف الجهاد فإنه مجاهد إلى أن يرجع في بيته، قلت: لكن الحج يشترك معه في هذا الفضل فتأمل.\n(٢) هكذا في الأصل، والظاهر أن فيه حذف الواو أو سقوطه والمعنى أنه لم يذكر الجنة في الثاني لكونه معلومًا بالبداهة وبالمقايسة على ذكرها في الأول واكتفاء بذكر العاجل.\n(٣) يعني إنه ورد في الروايات عدم انقطاع الأجر في الأعمال الآخر أيضًا كالصدقة الجارية وغيرها فأراد الشيخ التنبيه على الفرق بين مفهومي الروايات من أن الورد في الرباط عدم انقطاع العمل وفي غيره عدم انقطاع الأجر.","vol":"2","page":427},{"text":"هذا وبين ما ورد من أن بعض الأعمال الآخر أيضًا لا ينقطع أجرها وثوابها وهو أن المعدود ههنا في الجهاد نفس العمل لا ثوابه فقط، وهناك هو الثواب فقط ولا يزاد العمل، وكم من فرق بين زيادة نفس العمل وبين أن يزاد أجره أو أثره وفي الأول من الزيادة ما ليس في الثاني، قوله [المجاهد من جاهد نفسه] ولا يخفى ما بين الجهادين من الالتئام والاتصال فإن مجاهدة الكفار لا تخلو عن مجاهدة النفس ولا تتصور دونها ومجاهدة النفس إذا كملت لا تكاد تترك الرجل لا يجاهد الكفار بلسانه أو بسنانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>[باب الصوم في سبيل الله]</span>\nقوله [من صام في سبيل الله] وهذه الكلمة أعم من الجهاد وغيره إلا أن إيراد المؤلف إياه في أبواب الجهاد يشعر أنه حملها عليه ويمكن توجيه إيراده بحيث لا يناقض العموم فيقال إنما أورده ههنا لكون الجهاد سبيلًا من سبل الله فيكون فردًا من أفراده، ويوفر له حظه في صومه في الجهاد كما يوفر حظه إذا صام في غير الجهاد من سبل الله وليس يعني بإيراده ههنا تخصيصه بالجهاد حتى لا يكون غيره من السبل موعودًا عليه بالوعد الكذائي ثم لا يخفى أن فضل الصوم في الجهاد مقيد بما إذا لم يخش به ضعفًا في نفسه ولا إخلالًا في أمور الجهاد وإلا فقد ورد في مثلهم أولئك العصاة.\nقوله [سبعين خريفًا أي عامًا] ويجمع بين العددين بأن بعد سبعين (١) من النار نفسها وبعد أربعين من حيث يبلغ إليه أثرها أو بأن اختلاف الأجزية باختلاف الأشخاص ونياتهم أو كان الوعد بالأقل قبل الوعد بالأكثر أو باختلاف المشاق إلى غير ذلك من وجوه الجمع.\n\n[باب فضل النفقة في سبيل الله] قوله [كتبت له سبع مائة ضعف] وهذا\n_________\n(١) يعني يكون بعده من عين النار سبعين خريفًا وبعده من المحل الذي يبلغ إليه أثر أربعين خريفًا.","vol":"2","page":428},{"text":"المقدار ههنا أقل المراتب بخلاف غيره والأقل (١) في غير الجهاد عشرة بواحد والأقل ههنا سبع مائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>[باب من أغبرت قدماه </span>إلخ] سوق الحديث دال على أن المراد بالسبيل ليس هو الجهاد فإن كان كذلك فالحكم في الجهاد ثابت بطريق الأولوية وإن كان إثبات الحكم في الجمعة لا لأنه مورد الرواية، ومراد بها بل لأنه من أفراد سبيل الله والمراد بالسبيل في الرواية عام فإثبات الحكم في الجهاد لكونه أحد أفراده كما أن الجمعة وغيرها منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>[باب من شاب شيبة في سبيل الله]</span>\nالمراد بذلك بلوغه الشيب وهو في سبيل الله ولعل من وضع ههنا لفظ الإسلام نظر إلى أن المؤمن في كل أحواله في سبيل الله فكأنه روى الحديث بالمعنى ويمكن أن يكون الأصل في الرواية هو الإسلام إلا أن من ذكر السبيل في موضعه نظر إلى أنه فرد من الإسلام كامل وتنكير الشيبة للتقليل فلا يشترط استيعاب الشيب لحيته ورأسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>[باب من ارتبط فرسًا في سبيل الله] </span>قوله [الخيل معقود في نواصيها الخير] إن كان مهملة لا ينافي حديث الشوم في الفرس وإن كان كلية (٢) فعلى\n_________\n(١) لعله مستنبط من قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ومن قوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية، وأخرج السيوطي في الدر عن شعب البيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ، الأعمال عند الله سبعة: عملان موجبان وعملان أمثالهما، وعمل بعشرة أمثاله وعمل بسبع مأته، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى، الحديث، فسر فيه الأولين بالإيمان والشرك، والثالث والرابع بعمل السيئة وهم الحسنة، والخامس بعمل الحسنة، والسادس بالإنفاق في سبيل الله، والسابع بالصوم.\n(٢) وجمع بينهما بوجوه آخر بسطها في الفتح، منها ما قال عياض أن الخيرية مخصوصة بخيل ربطت للجهاد ولا يتعلق بها حديث الشوم.","vol":"2","page":429},{"text":"اختلاف الجهات وخيريته لما يفيد في الجهاد، [وهي لرجل ستر] أي يستر عرضه في الدنيا فلا يذل بالمسألة عن غيره [وهي على رجل وزر] ولا ينافيه خيريتها في نفسها كالصلاة تبوء نكالًا على المرأ مع خيريتها، قوله [عدل] بكسر العين بإضافته إلى محور على زنة المفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>[باب في ثواب الشهيد]</span>\nقوله [عفيف متعفف] لعل الأول من الحرام، والثاني من المباح أي الذي خاف به وقوعه في الحرام وهو أوفق بالتكلف الظاهر من التعفف، قوله [وقال] أي الترمذي [أرى أنه] أي محمدًا [أراد إلخ] يعني أنه أنكر هذه الرواية ولكنه أقر بالرواية (١) الآتية.\nقوله [فلا أدري] هذه مقولة أبي يزيد (٢) أو من بعده، قوله [فصدق الله] أي في قوله إذا جاء (٣) أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ولم يذكر فيها قسمًا وهو ما إذا كان الرجل جيد الإيمان ولم يصدق الله لكنه ترك ليعلم بمقايسة على غيره من الأقسام فإن المراد بالتصديق ههنا إنما هي الشجاعة الدالة على تصديقه بالآية حق التصديق وهو أنه لا يموت أحد قبل وقته إلا أن (٤) الترجيح\n_________\n(١) وهي ليس أحد من أهل الجنة الحديث وفي المشكاة من حديث أنس قال قال رسول الله ﷺ ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما في الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة، متفق عليه.\n(٢) وهو الظاهر وضمير أراد إلى فضالة بن عبيد.\n(٣) وأنت خبير بأنه من صدق هذا القول حق التصديق لا يابو في الشجاعة شروى نقير ولا يحتاج في شن الإغارة إلى تنقير.\n(٤) استثناء من مفهوم الكلام السابق بمنزلة الاستدراك على أن الترجيح بالشجاعة محقق لكن الترجيح بالتقوى فوق ذلك.","vol":"2","page":430},{"text":"بالشجاعة دون الترجيح بالتقي فحيث اجتمعا فهو أفضل وإذا وجد أحدهما قدم صاحب التقوى على صاحب الشجاعة لأن التقوى أشد من الشجاعة وفي كل منهما مراتب كثيرة لا تحصى [ورجل مؤمن أسرف إلخ] المسرف من غلبت سيئاته على حسناته والخالط من تساوت حسناته بسيئاته، قوله [تفلى رأسه] ولم تكن القمل في رأسه لتكونها من التفل ولم يكن هناك فأما أن يراد مجرد الفحص لما فيه من الراحة أو أن يكون من غيره فوصل إليه وكانت أمر حرام (١) محرمة له لرضاعة أو نحوها، قوله [ثبج هذا البحر] إشارة إلى كون فلكهم كبارًا فإن الصغار منها لا تجري في الوسط، والمراد بكونهم ملوكًا على الأسرة أو مثل الملوك [وهو شك الراوي] بيان سرورهم ورضاهم بتلك الحالة أو بيان ما هم عليه من أخلاق الملوك دون سيرة الخلفاء وعلى هذا يكون إشارة إلى تبدل وتغير في أخلاقهم وعاداتهم دون ما هم عليه في زمنه ﷺ ويقال إن الغزوة الثانية المشار إليها في الرواية غزاها يزيد (٢).\n_________\n(١) قال أبو عمر: لا أقف لها على اسم صحيح وأظنها أرضعت النبي ﷺ وأم سليم أرضعته أيضًا إذ لا يشك مسلم أنها كانت منه بمحرم قاله العيني، ثم حكى عن بعضهم أنها كانت خالة النبي ﷺ رضاعًا، وقال ابن بطال قال غيره إنما كانت خالة لأبيه أو لجده، وفي البذل عن الحافظ: أحسن الأجوبة دعوى الخصوصية ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل لأن الدليل على ذلك واضح، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: وكان يزيد أمير ذلك الجيش بالاتفاق، وقال أيضًا وكانت غزوة يزيد المذكورة في سنة اثنين وخمسين من الهجرة انتهى، وبسطت الشراح في أن يزيد هل يدخل في هذه الفضيلة أم لا ويزيد الإشكال ما في رواية للبخاري من زيادة مغفور لهم، ومال شيخ مشائخنا الشاه ولى الله الدهلوي إلى أنه لا يثبت بهذا اللفظ إلا كونه مغفورًا له فيما سبق من الذنوب لأنها كفارة وهي لا تكون قبل الذنب.","vol":"2","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>[باب من يقاتل رياء]</span>\nقوله [يقاتل شجاعة] الشجاعة اقتضاء طبيعي ليس مداره على رضا الله تعالى ولا على تقاول الناس وبذلك فارق الشجاعة الرياء فليس له قصد فيه إلا أنه مجبور عن طبيعته التي هو مجبول عليها والحمية هي العصبية والغيرة الباعثة له على الانتقام ممن قاتله أو تعرض له بسوء ولا كذلك المرائي فإنه إنما قصد أن يراه الناس فيعلموا ما له في الله من المشاق والمتاعب أو ليعلموا ماذا له من القوة والجلادة وعليك بالفرق بين الأقسام ويمكن أن يكون معنى قوله للشجاعة أي لإظهار شجاعته ليعلم الناس ما ذاله من المكنة (١) في الحروب والصبر في معاناة الكروب وعلى هذا فمعنى قوله رياء هو القصد إلى إظهار منزلته عند الله حيث أتلف مهجته في سبيله ثم عمم النبي ﷺ في الجواب ليشتمل الجواب عن المذكورين وغيرهم.\nقوله [لغدوة في سبيل الله أو روحة إلخ] والعادة في الغزو أن يقاتلوا من الصبح إلى الزوال ثم من الظهر إلى العصر أو بعده بقليل، فالأول هي الأولى والثاني هي الثانية، [خير من الدنيا وما فيها] هذه الفضائل تحريض للغزاة على أن يخلصوا لله تعالى أعمالهم لأنهم لما أخلصوا كان لهم من الأجور ما ذكر وإن لم يخلصوا ذهب أجر الآخرة رأسًا، وأما أجر الدنيا الدنية فمع كونه غير اختياري ليس بشيء يعتد به في جنبه.\n[ولقاب قوس أحدكم إلخ] والعادة جارية بأن الراكب يلقى سوطه حيث أحب النزول، وذلك لئلا يسبقه آخر إلى هذا الموضع وعلى هذا فموضع السوط وموضع القوس كناية عن موضع إقامة رجل واحد، قوله [ألا تحبون أن يغفر\n_________\n(١) بالضم أي القوة والشدة وغاية التمكن والاقتدار.","vol":"2","page":432},{"text":"الله لكم] يعني أن المقصود لما كان هو المغفرة والفوز بالنعيم المقيم وهو حاصل بالمعية برسول الله ﷺ فلم تتركون مصاحبته وبقاسوا (١) مفارقته، قوله [فواق ناقة] وللفواق معان ثلاثة الأول الفصل بين الحلبتين ويكون زمانًا يعتد به في النوق، الغزار التي تدر وتحلب مرارًا كثيرة ثلاثة أو أربعة في كل يوم وليلة كما هو العادة في البيع وغيره حيث يباع اللبن مرة مرة، والثاني ما يقع في الفصل في حلبة واحدة في الحلوبة التي تسرق لولدها وتدر بعد ترك الولد، والثالث الفصل الذي يقع بين كل حلبة واحدة عادة مرارًا كثيرة وهذا الوقت قليل جدًا.\nقوله [رجل يسأل بالله ولا يعطى به] الأول مجهول والثاني معروف فيكون مسئولًا أو بالعكس فيكون سائلًا وحاصله على الثاني بيان خيبته فإنه مع سؤاله بالله لم يعط به فكان خسر الدنيا والآخرة وهذا إشارة إلى أنه لا ينبغي له أن يسأل بالله بل يسأل ببيان فقره واحتياجه، ثم إن أفضلية الجهاد وكذلك من تلاه من الذي هو متفرد في جبل إنما هو باعتبار اختلاف الأوقات فكثيرًا ما يفضل الجهاد على سائر الطاعات، وأما فيما فسد من الزمان كما في وقتنا هذا حيث لا جهاد ولا يقبل أحد عن أحد فالأفضل هو التوحد في الأكام والجبال لا أن يبقى فيهم.\n[اللون لون الدم] ولا يخالفه ما ورد من أن لونه لون الزعفران لأن الغرض أنه يكون مرغوبًا فيه لا مكروهًا وكم من دم لونه أحمر ناصع يعجب النواظر، وهو المراد بالزعفران فالمؤدي واحد، قوله [وكسر جفن سيفه] وذلك لأن قراب السيف إنما يكون وعاءًا للسيف عند الفراغ من الحرب ولم يقصد الرجل بقاء نفسه بعد ذلك حتى يغمض فيه سيفه بعد الحرب، وأما لو أبقاه لوقع في أيدي الكفار فأحب أن ينقصهم وفي ذلك غاية استعداد ونهاية عزيمة لما قصد، قوله [للشهيد عند الله ست خصال] والمذكور ههنا سبعة ولا ضير فيه إذ المفهوم لا يعتبر به أو يجعل اثنان منها واحدة لما بينهما من الملازمة كالأمن من عذاب القبر والفزع الأكبر، أو يقال أن التشفيع في سبعين من الأقارب معطوف على قوله ست\n_________\n(١) هكذا في الأصل والظاهر تقاسون.","vol":"2","page":433},{"text":"خصال لا على قوله يغفر حتى يلزم إدخاله في الست ومما يؤيد ذلك أن الشفيع ليس مما هو متعلق بذاته كسائر الخصال المذكورة فإن منفعتها عائدة إلى نفس ذاته، والحاصل بالشفاعة وقبول الشفاعة عائد إلى أقاربه، نعم يظهر له بذلك كرامة عند الله وبالجملة فبينها وبين الأخير فرق فلا يبعد إخراجه من الست، والله أعلم.\nقوله [من لقى الله بغير أثر من الجهاد] وهذا الأثر أعم من أن يكون على الجسم أو في القلب بأن يتمنى الجهاد ويشتهيه ووجه الانثلام ما علم من أنه لا غيرة له في سبيل الله في مرتبة، قوله [كراهية تفرقكم عني] وكانوا معاونين له ومشاورين في أمور السلطنة، وفيه إشارة إلى أن المسائل قد تخفى لمصالح وهذا إذا لم يخش فوات واجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>[أبواب الجهاد عن رسول الله ﷺ]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>[باب في أهل العذر في القعود]</span>\nقوله [بالكتف أو اللوح] لعله من شك الراوي ويمكن أن يكون الترديد من كلام النبي ﷺ وكان المأتي بعد ذلك هو الكتف، قوله [لا يستوي القاعدون إلخ] والاستثناء لا يوجب شركة القسمين إلا في نفس أخذ الأجر، وأما في مقدار الثوب فلا.\n[وعمرو بن أم مكتوم] هذا هو المشهور بعبد الله ومعنى هل لي رخصة أي مع حصول الأجر، [فنزلت غير أولى الضرر] ولا يتوهم أنه نسخ قبل التمكن من العمل وهو غير جائز عندنا (١) أما أولًا فلأنه لا نسلم أن التمكن لم يحصل بعد، وأما ثانيًا فلأنه ليس فيه نسخ حقيقة، وإنما أطلق عليه لفظ النسخ\n_________\n(١) وما يظهر من كتب الأصول كالتوضيح وغيره أن شرطه التمكن من عقد القلب عندنا لا التمكن من الفعل ففي نور الأنوار وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا يعني لا بد بعد وصول الأمر إلى المكلف من زمان قليل يتمكن فيه من اعتقاد ذلك الأمر خلافًا للمعتزلة فإن عندهم لا بد من زمان التمكن من الفعل، انتهى.","vol":"2","page":434},{"text":"باعتبار تقييده ظاهر الإطلاق وإلا فالآية مفيدة لهذا المعنى قبل نزول الاستثناء أيضًا، وذلك لأن أولى الضرر ليسوا قاعدين وإنما هو مقعدون والقعود وإن كان أعم من الاختياري والاضطراري إلا أن بناء الحكم على الصفة يجعل المأخذ علة لترتب الحكم ولا يترتب الجزاء إلا على أفعال العبد الصادرة منه اختيارًا، والثواب من هذا القبيل ولا ثواب إلا بالنية مع أن نية المؤمن خير من عمله، فهؤلاء مع قعودهم يجزون حسب نيتهم وهي (١) شركتهم في الجهاد لا القعود، والأمر مبني على إخلاص النية ولذلك ورد (٢) أنكم في زمان لو تركتم عشر ما أمرتم به هلكتم وسيأتي زمان لو أتوا بعشر ما أمروا به لنجوا مع أن الفرائض والواجبات والسنن الرواتب وكذلك الاعتقاديات بأسرها لا تفاوت فيها بين المتقدمين والمتأخرين. فمن الظاهر أن مصلي صلاة واحدة من الخمس والصائم ثلاثة من شهر الصوم والمؤدي عشر زكاته غير ناج حق النجاة، وهو المراد فلا معنى إلا التفاوت في كيفيات النية ومراتب الإخلاص فإخلاصهم فوق إخلاصنا بمراتب كثيرة ولو أتينا منه بعشر ما أمرنا لكانت فيه منجاة ولا كذلك فيهم، فأفهم فإنه غريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>[باب فمن خرج إلى الغزو وترك أبويه]</span>\nقوله [ففيهما فجاهد] هذه الكلمة مؤذنة باحتياجها إلى الخدمة إذ المجاهدة لا تتحقق دونه، وأيضًا فإن الجهاد لم يكن حينئذ فرض عين فلا يشتغل به من غير رضى الأبوين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>[باب في الرجل يبعث سرية وحده]</span>\nقوله [بعثه رسول الله ﷺ سرية]\n_________\n(١) الضمير إلى النية يعني نيتهم التي يجزون عليها هي نية شركة الجهاد.\n(٢) وسيأتي عند المصنف بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم عن سفيان، وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد، انتهى.","vol":"2","page":435},{"text":"وفي رواية (١) على سرية والكل صحيح فإنه بعث سرية ثم أتبعها عبد الله فيصدق أنه بعثة سرية وبعثه على سرية، والسرية صفة من السرى فإن وصفت به الجماعة والطائفة فذاك وإن وصفت به المفرد فبتأويل النفس، ولما بعثه النبي ﷺ وحده صح عليه إطلاق السرية، وقوله [عبد الله] مبتدأ خبره [بعثه] ولا تعلق له بالعبارة السابقة ولفظ قال مكرر وفاعله هو ابن جريج المذكور من قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>[باب ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده]</span>\nقوله [بليل] التقييد بالليل لما كانت أسفارهم في الليل أو زيادة الخطر ونحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>[باب ما جاء في الرخصة في الكذب والخديعة </span>إلخ] ليس في الحديث إلا ذكر الخدعة وإنما قاس المؤلف عليه الكذب فإنه خدعة في القول، ثم لا يذهب عليك التفرقة بين الخدعة والغدر فإن الأول جائز (٢) دون الثاني وهو الاعتراض بالسوء بد ما أطمأنوا بقولك ولا يجوز لما فيه من إخلاف الوعد، قوله [الحرب خدعة] وهي محمولة على الحرب مبالغة وإلا فالحرب ذات خدعة ومن صورها أن يريهم من أنفسهم ما ليس فيهم من الجلادة والشوكة وإن يريهم من أنفسهم قلة\n_________\n(١) والحديث أخرجه أبو داؤد بنحو هذا السياق بلفظ عبد الله بن قيس بن عدي بعثه النبي ﷺ في سرية الحديث، ثم لا يذهب عليك أن ما يظهر من كلام المحققين كالحافظ وغيره أن المراد بنزول هذه الآية في قصة عبد الله ليس الأمر بالطاعة بل قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾ الآية كما يدل عليه سياق القصة مفصلًا أخرجها أبو داؤد وغيره إذا أحج نارًا وأمرهم أن يقتحموا فيها.\n(٢) لما وردت النصوص بجواز الأول دون الثاني فقد ورد الحرب خدعة بعدة روايات، وفي جمع الفوائد برواية الصحيحين وأبي داؤد والترمذي عن ابن عمر مرفوعًا أن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان ولمسلم وغيره عن أبي سعيد رفعه لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة.","vol":"2","page":436},{"text":"وأن يخفي سائرهم فيغتروا وأن يريهم الفرار من أنفسهم فإذا ظنوا الفرار وعلموا ضعفهم واطمأنوا عن أن يغلبوا عليهم كر عليهم مرة واحدة إلى غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>[باب في غزوات النبي ﷺ]</span>\nقوله [تسع عشرة] لعله اعتبرت الغزوات التي وقعت الرحلة لها قصدًا أو اعتبر الكبار أو ما وقعت فيه الحرب ولم يذكر ما ليس فيها حرب مع أن مفهوم العدد لا يعتبر به وإلا فهي بلغت (١) أكثر من ذلك، قوله [العشيراء (٢) أو العسيراء] إما من شك الراوي في اللفظ\n_________\n(١) واختلفوا فيها جدًا ففي سيرة اليعمري وابن هشام والاكتفاء والمواهب سبع وعشرون كما قاله ابن إسحاق غزوة ودان وهي الأبواء ثم غزوة بواط ثم العشيراء ثم بدر الصغرى ثم بدر الكبرى ثم غزوة بني سليم ثم السويق ثم غطفان وهي غزوة ذي أمر ثم بحران ثم غزوة أحد ثم حمراء الأسعد ثم بني النضير ثم ذات الرقاع ثم بدر الأخرى ثم دومة الجندل ثم الخندق ثم بني قريظة ثم بني لحيان من هذيل، ثم ذي قرد ثم بني المصطلق وهي المريسيع، ثم الحديبية ثم خيبر ثم عمرة القضاء، ثم الفتح ثم حنين ثم الطائف ثم تبوك، وقاتل ﷺ في تسع غزوات منها وهي غزوة بدر وأحد والخندق وبني قريظة وبني المصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف وهذا الترتيب عن ابن إسحاق، وخالفه ابن عقبة في بعضه، وقيل جميع غزواته أربع وعشرون، وقيل إحدى وعشرون، وقيل تسع عشرة وقيل غير ذلك كما بسطها صاحب الخميس.\n(٢) والحديث هكذا ذكره البخاري إلا أن في سياقه العشير أو العسيرة، قال الحافظ: كذا بالتصغير والأول بالمعجمة بلاهاء والثانية بالمهملة وبالهاء ووقع في الترمذي بلا هاء فيهما انتهى، زاد في رواية فذكرت لقتادة فقال العشيرة قال الحافظ: القائل هو شعبة وقول قتادة هو بالمعجمة وبإثبات الهاء وقول قتادة هو الذي اتفق عليه أهل السير، وهو الصواب، وأما غزوة العسيرة بالمهملة فهي غزوة تبوك قال تعالى ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ سميت بذلك لما كان فيها من المشقة وهي بغير تصغير، وأما هذه فنسبت إلى المكان الذي وصلوا إليه واسمه العشير أو العشيرة بذكر ويؤنث وهو موضع، انتهى.","vol":"2","page":437},{"text":"ولا يبعد أن تكون لفظة واحدة يعبرها البعض بالسين المهملة وبعضهم بالشين وهو كثير في اللغات فإنهم يختلفون فيما بينهم في أداء الألفاظ وتلفظ الكلمات.\nقوله [فلم يعرفه وقال محمد بن إسحاق سمع إلخ] يعني أن سبب إنكاره للحديث ليس هو الانقطاع المتبادر من هذه العنعنة بل له سبب آخر لم يذكر ههنا وحاصل كلامه ههنا أنه كان محمدًا حين لقيته حسن الرأي في أستاذي محمد بن حميد ثم إن محمدًا ضعفه بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>[باب في الرايات]</span>\nقوله [مربعة من نمرة] ولعلها انتصفت حتى صارت مربعة فإن النمرة لا تكون مربعة بل طولها أزيد من عرضها كما في الرداء ثم إن اللواء (١) إنما يكون علامة لأمير الجيش ويكون معه، والراية علم لموضع العسكر ويركز في المعسكر، ثم إن ما ذكر من سواده فإنما هو تغليب أو بناء على ما كان يبصر من بعد وإلا فقد كان فيه خطوط سود وبيض والغلبة كانت للسواد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>[باب الفطر عند القتال]</span>\nقوله [فأمرنا بالفطر] وكان أمره عند العصر وكان في الإفطار إذًا من التأكيد ما ليس في الاكتفاء على القول فقط، وهذا الأمر كان للوجوب وقد كان أمرهم بالفطر قبل ذلك المنزل أيضًا استحبابًا.\n_________\n(١) على أحد الأقاويل وفيه أقاويل أخر بسطت في المطولات واللغات، قال الحافظ في الفتح، اللواء هي الراية ويسمى أيضًا العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه، وقال ابن العربي اللواء غير الرأية، ومال الترمذي إلى التفرقة إلى آخر ما بسطه.","vol":"2","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>[باب الخروج في الفزع]</span>\nقوله [يقال له المندوب] لكونه يندبه من ركبه لبطوئه في السير من الندبة، وهو البكاء على الميت فكان من يركبه يبكي عليه أو من الندب وهو أثر الجرح فكان من يركبه يجرحه لبطوئه في السير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>[باب في الثبات عند القتال]</span>\nقوله [لا والله ما ولى إلخ] إنما غير الجواب عن أسلوبه رعاية للأدب في جنابه ﷺ لأنه لو أقر بالفرار فقال نعم، لكان ذلك موهمًا فراره (١) ﷺ مع أن النصرة والهزيمة لا ينسبان إلى العسكر ما لم ينصر الأمير أو ينهزم [لكن ولى إلخ] وكان القوم إثنا عشر ألفًا (٢) أربعة آلاف منهم مؤلفة القلوب، وكانت هوازن أرمي الناس فرموا وأخذ المؤلفة في الفرار فتابعهم بعض الأنصار أيضًا [على بغلته] وهذا من غاية شجاعته فإن البغلة أبطأ المراكب سيرًا وإن كانت فيه قوة فوق بعض المراكب التي سواها، [وإن الفئتين] وهما المهاجرون والأنصار.\n[ومع ما رسول الله ﷺ] أي في الجماعة التي كانت معه في القلب أو حيث كان وأكثر استقراره كان في الأنصار وكان انهزم أكثرهم فلم يبق معه منها إلا قليل، وأما من سائر الناس فقد كانوا فوق (٣) مائة بكثير، قوله [لم تراعوا] نفى للروع من الأصل كما قال ما كان من فزع، قوله [وقد روى بعضهم عن\n_________\n(١) هذا التوجيه يشكل على لفظ الحديث، إذ فيه أفرزتم عن رسول الله ﷺ نعم، الروايات التي ليست فيها زيادة عن رسول الله ﷺ لا إشكال فيه ويمكن أن يجاب عنه أن السؤال وإن كان عن الفرار عن رسول الله ﷺ لكن الفرار والثبات لما يتعلقان بالأمير فإقراره، كان موهمًا لفرار الأمير أيضًا.\n(٢) على ما عليه جمهور أهل السير يقال كان عشرة آلاف من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار وغيرهم وألفان ممن أسلم من أهل مكة وهم الطلقاء كذا في الخميس.\n(٣) اختلف في عددهم أهل السير جدًا بسط في محله.","vol":"2","page":439},{"text":"قتادة عن سعيد بن أبي الحسن] بواسطة (١) سعيد ولا ضير فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>[باب في المغفر]</span>\nقوله [وعلى رأسه المغفر] استدل بذلك مجوز الدخول في الحرم بغير إحرام لمن لم ينو حجًا ولا عمرة ولا يصح فإن الكعبة يومئذ لم تبق حرمًا حتى يقاس على فعله ﷺ كما يدل عليه أمره بقتل ابن خطل حين سمع أنه متعلق بأستار الكعبة، قوله [إن الجهاد مع كل إمام] لأن المغنم (٢) لما كان إلى يوم القيامة ولا يكون الأمراء إلى يوم القيامة عدولًا كما كانوا في زمنه ﷺ وجب امتثال أمرهم والجهاد معهم لا محالة.\n\n[باب في (٣) الرهان] قوله [لا سبق إلا إلخ] أي لا ينبغي للمؤمن\n_________\n(١) أي مرسلًا واختلفوا في ترجيح الإرسال والاتصال كما بسط في البذل، وظاهر ميل المصنف إلى ترجيح الاتصال إذ حسنه، وذكر له متابعة وإليه مال أبو داؤد كما يظهر من صنيعه في كتابه، وفي نصب الراية عن النسائي حديث همام وجرير أي متصلًا منكر، والصواب قتادة عن سعيد مرسلًا، والبسط في البذل.\n(٢) وهكذا استنبط البخاري في صحيحه إذ قال باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي ﷺ الخيل معقود في نواصيها الخير.\n(٣) قال الحافظ في الفتح، لم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة لكن ترجم الترمذي له «باب المراهنة على الخيل» لعله أشار إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر المكبر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وراهن، وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير غوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف، والحافر والنصل وخصه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالإمام حيث لا يكون معهم فرس إلى آخر ما بسط من فروع ذلك. (وهم فيه الثوري) لا شك في الوهم في اسمه خاصة ليس في الرواة أحد اسمه عبيد الله بن عبد الله بن عباس وأيضًا الرواية معروفة عن عبد الله بن عبيد الله لكن في نسبة الوهم إلى الثوري نظر، فإن الحديث أخرجه الدارمي عن حماد بن زيد متابعًا للثوري فتأمل، (زكريا).","vol":"2","page":440},{"text":"الاشتغال إلا بها أو ليس السبق المعتد به إلا فيها لكونها آلة الجهاد، قوله [أبغوني في ضعفائكم] أي نفسي في أنفسهم أو رضواني في إرضائهم والمعروف بهم.\nقوله [إذا كان القتال فعلي] لئلا يشوش أمر القتال بتفرق الآراء ثم أخذ على جارية كان بإجازة منه ﷺ لما سأله أنه يحتاج إليها فقال خذها وتحتسب (١) من الخمس إلا أنه لم يعلم بها العسكر خشية أن يفتتنوا بتكذيبه فيه مع أنه لا حاجة إلى اطلاعهم بعد ما رخصه النبي ﷺ، وأما عدم إنكار خالد علي على بمحضره فلا مكان تداركه بجهة النبي ﷺ. وأما سخطه ﷺ مع أن خالدًا لم يفعل منكرًا بل أتى ما كان حقًا عليه من الاطلاع فلأنه ترك الأصلح لهما والأنسب بالاتفاق بين المسلمين من الغرض بعلي ﵁ حتى يجيبه بالعذر أو يقر فيتوب ولا يلزم بذلك ما في الوشاية من الضرر، وأيضًا فالوجه في سخطه ﷺ عليه أنه لم يطلب لفعله محملًا صحيحًا، وكان أهل ذلك منه لكونه يحب الله ورسوله ويحبانه.\nوقوله [ما ترى في رجل إلخ] ولم يكن ذلك غضبًا منه على الرسول لأن الرسل براء بل كان غضبًا على خالد غير أن الرسول لما كان هو الحاضر خاف على\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما في رواية البخاري من حديث بريدة، قال النبي ﷺ لا تبغضه فإن له في الخميس أكثر من ذلك، قال الحافظ: وفي رواية عبد الجليل «فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخميس أفضل من وصيفة» وذكر من رواية لأحمد عن بريدة القصة مفصلة وفيها فقلت «يا أبا حسن ما هذا» فقال ألم تر إلى الوصيفة فإنها صارت في الخمس، ثم صارت في آل محمد ثم صارت في آل علي فوقعت بها انتهى، وسيأتي البسط في ذلك في مناقب علي.","vol":"2","page":441},{"text":"أخراه ودنياه فاستعاذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>[باب ما جاء في الإمام]</span>\nأي ما لهم عليه وما له عليهم وإن كلهم إمام وقوله [فالأمير إلخ] بيان لبعض ما اشتمل عليه الكلام السابق من الجزئيات ثم إعادة قوله «ألا فكلكم راع ومسئول عن رعيته» دفع لما عسى أن يتوهم من اختصاصه بتلك الجزئيات المذكورة ههنا فأورد الكلية بعد الجزئيات إشارة إلى أن تخصيص ما ذكر من الجزئيات بالذكر إنما كان لمزيد الاهتمام بها، قوله [مرسلًا] أي معضلًا إذ لم يذكر فيه أبو بردة ولا أبو موسى.\nقوله [قد النفع (١) به من تحت إبطه] لعلها (٢) اللبة المعبرة بقوله «عاقدي أزرهم على أعناقهم» فإن طرفي البردة إذا أخذًا من تحت الأبطين كانا على الكتفين المقابلين لكل من الأبطين وحينئذ لا يمكن استمساكهما من دون العقد على ما بين الكتدين، قوله [ترتج (٣)] أي لارتفاع الصوت، [يا أيها الناس اتقوا الله] تقديمه مشعر بأن طاعة الأمير إذا لم يلتزم به عدم التقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>[باب التحريش بين البهائم والوسم في الوجه]</span>\nقوله [نهى عن التحريش] ومطلق النهي الخالي عن القرينة الصارفة يحمل على التحريم فكره تحريمًا تحريش ما بين الكباش (٤) وغيرهما، قوله [نهى عن الوسم في الوجه] يعني به ما لم يحتج\n_________\n(١) قال المجد: اللفاع ككتاب، الملحفة أو الكساء أو النطع أو الرداء وكل ما تتلفع به المرأة والتفع التحف، انتهى.\n(٢) هذا إذا التحف به من تحت إبطيه كلتيهما وإن التحف به من تحت إبط واحد كالاضطباع فلا يكون هذا ذاك.\n(٣) الارتجاج الاضطراب افتعال من الرج وهو الحركة الشديدة كما في المجتمع، وقال المجد، الرج التحرك والتحريك والاهتزاز والجس والرجرجة الاضطراب كالارتجاج، انتهى، قلت: والعضلة من لحم العضد ما لا عروق فيه يقال له في الهندية أيضًا عضله.\n(٤) قال المجد: الكبش الحمل إذا أثنى أو إذا خرجت رباعيته جمعه أكبش وكباش وأكباش انتهى، قلت: والحمل هو الجذع من أولاد الضان.","vol":"2","page":442},{"text":"إليه فإذا احتيج إليه كالبثرة خرجت على وجهه أو غير ذلك من الضرورات فلا كراهية فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>[باب فيمن يستشهد وعليه دين]</span>\nقوله [كيف قلت] أعاد عليه السؤال دفعًا لتوهم الغلط ولعلهم لو لم يعد عليهم السؤال فهموا أن هذا الاستثناء لغير الشهيد لأنه أجابه مطلقًا فدفعه.\nقوله [نعم وأنت صابر] فالبعض من تلك القيود المذكورة ههنا مما توقف عليه أمر الشهادة كالاحتساب (١) وبعضها لا تتوقف عليه الشهادة، نعم يدور عليه تقليل الأجر وتكثيره كالصبر والإقبال، فقوله نعم وأنت، بيان لأعلى مراتب الشهادة وهي المكفرة لجميع الذنوب الصغيرة والكبيرة ثم إن استثناء الدين، لعله منقطع إذ السائل إنما سأل خطاياه وليس الدين منها وإنما أورده دفعًا لما عسى أن يتوهم أن الشهادة كما هي مكفرة حقوق الله تعالى وآثامه فكذلك هي كافية في حقوق العباد وليس المقصود إنه يغتفر كل ما سوى الدين لما ذكرنا فهو تنبيه على بعض حقوق العباد ليعلم الحال في بقيتها ولا يبعد إرجاع جملة تلك الحقوق المالية والبدنية وغيرها إلى الدين (٢) فإنه الواجب في الذمة ولا شك في وجوب هذه الأمور عليه، غاية ما في الباب أن الديون تقضي بأمثالها وههنا بأجزيتها ولا ضير فيه فإن للجزاء مماثلة بالمجزي عليه في علم الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>[باب في دفن الشهداء]</span>\nقوله [شكى إلى رسول الله ﷺ] الجراحات أي جراحات الأحياء فكأنهم اعتذروا أن يحفروا لكل ميت على حدة وكان الشهداء سبعين\n_________\n(١) يعني لا يكون له نية غير الاحتساب كالرياء والشجاعة ونحوهما.\n(٢) ويؤيد ذلك ما في جمع الفوائد برواية كبير عن ابن مسعود رفعه «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع» انتهى.","vol":"2","page":443},{"text":"فتعذر الحفر لكلهم، قوله [لا بل أن أنتم العكارون] هذا يحتمل (١) أن يكون تسلية لهم بأن ما وقع منكم لم يكن كبيرة وهذا إنما يصح إذا ثبت أن الأعداء كانوا زائدًا على ضعفيهم (٢) لكنه لم يصرح بأن فعلتكم هذه لم تكن شيئًا ولا داخلًا في حد الإثم لئلا يقبلوا على مثل ذلك ثانيًا ويحتمل أنه ﷺ لما رآهم ندموا على ما اجترموه ولا فائدة بعد ذلك في اللوم وطنهم (٣) بذلك القول لئلا يحزنوا وأغراهم على الكر.\n_________\n(١) كتب الشيخ في تقرير أبي داؤد لا يخلو الفرار يومئذ أن يكون جائزًا لهم أو لا وعلى الأول فظاهر أنه لم يكونوا من فر فرارًا استحق الوعيد عليه وعلى الثاني فتوجيه إخراجهم عنهم أنهم لما ندموا سقط عنهم ذنبهم فلم يبق عليهم شيء وعلى الوجهين فصح تسلية النبي ﷺ إياهم وإدخالهم في الاستثناء المذكورين في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ولا يترتب عليهم الجزاء المترتب على من يولهم يومئذ دبره انتهى، وقال شيخنا في البذل، اختلف أهل العلم في حكم هذه الآية فقال قوم هو لأهل بدر خاصة، لأنهم لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله ﷺ مع عدوه وينهزموا عنه، وأما القوم فلهم الانهزام، وقال آخرون حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزمًا انتهى، مختصرًا.\n(٢) أي على مثليهم وليس المراد أربعة أمثالهم، قال الراغب: الضعف متى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد ومثله نحو أن يقال ضعف العشرة فذلك عشرون وإذا لم يكن مضافًا فإن ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كل واحد منهما بزواج الآخر فيقتضي ذلك اثنين.\n(٣) قال المجد توطين النفس، تمهيدها وتوطنها تمهدها، انتهى.","vol":"2","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>أبواب اللباس عن رسول الله ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>[باب لبس الحرير في الحرب]</span>\nقوله [فرخص لهما في قمص الحرير] عند الإمام (١) هذا إما يحمل على المخلوط لأن اللفظ يطلق عليه أيضًا، فإن الخالص غير جائز، ولو في الحرب نعم يجوز ما لحمته من حرير في الحرب دون غيره وهو محمل الحديث، أو رخصهم لما أن الضرورة لم تكن تندفع بدونه، قوله [وأطول\n_________\n(١) وتوضيح الاختلاف في ذلك ما في الهداية لا بأس بلبس الحرير والديباج في الحرب عندهما لما روى الشعبي أنه ﵇، رخص في لبس الحرير في الحرب ولأن فيه ضرورة فإن الخالص منه أرفع لمعرة السلاح وأهيب في عين العدو لبريقه، ويكره عند أبي حنيفة لأنه لا فصل فيما روينا (أي من روايات النهي المطلقة) والضرورة اندفعت بالمخلوط والمحظور لا يستباح إلا لضرورة، وما رواه محمول على المخلوط، ولا بأس بلبس ما سداه حرير ولحمته غير حرير في الحرب وغيره، وما كان لحمته حرير لا باس به في الحرب للضرورة ويكره في غيره لانعدامها انتهى مختصرًا، وقيد في الدر المختار الإباحة بالصفيق يحصل به اتقاء العدو، قال فلو رقيقًا حرم بالإجماع لعدم الفائدة قال ابن عابدين الحاصل أنه عند الإمام لا يباح الحرير الخالص في الحرب مطلقًا بل يباح ما لحمته فقط حرير لو صفينا، وأما عندهما فيباح كل منهما في الحرب لو ضعيفًا ولو رقيقًا فلا خلاف في الكراهة.","vol":"2","page":445},{"text":"هذا] العظم والطول باعتبار المنزلة (١)، قوله [بعيد] بلفظ التصغير وغيره ومعناهما متقارب، والغرض منه بيان سعة الصدر الدالة على الشجاعة، وهو على كونه مكبرًا ظاهر الدلالة على المراد فإن كان مصغرًا فالمعنى نفي الزيادة على الحد الممدوح من السعة.\nقوله [وكان الحديث الموقوف أصح] أي ذكر السؤال عنه ﷺ فيكون (٢) ابتداء الرواية، قوله [الحلال إلخ] وفيه دلالة على أن الأصل في الأشياء الإباحة، والمراد بكتاب الله شريعته وإن أريد به القرآن فقط فهو محتمل أيضًا، ويكون الحديث داخلًا فيه لقوله ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية فكان العمل بمقتضاه عملًا بمقتضى الكتاب، أو يراد بالكتاب الوحي فيعم المتلو وغيره ولا يعترض بقياس المجتهد لأنه مظهر لا مثبت، والأول أولى والثاني من الثالث والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>[باب في جلود الميتة إذا دبغت]</span>\nقوله [أيما إهاب إلخ] واستثنى منه الإنسان والخنزير لكرامة (٣) الأول ونجاسة الثاني مع أن الدباغة غير ممكنة\n_________\n(١) كما في ظاهر مقتضى المحل، فإنه موضع المدح ولا يبعد أن يراد به القامة فإنه ﵁ كان جسيمًا.\n(٢) أو المعنى أن الكل من قول سلمان فيكون الرواية مرفوعًا حكمًا لأن الحلة والحرمة والعفو ليست مما يدرك بالقياس، ولا يذهب عليك أن الفراء في الحديث يحتمل معنيين ففي المجمع، الفراء بالمد جمع فرأ حمار الوحش أو جمع فروة، وهو ما يلبس انتهى، وتبويب المصنف وذكره في اللباس يؤمي إلى أنه أراد المعنى الثاني.\n(٣) كما صرح به أهل الفروع من الهداية وغيره، وفي هامشه، جلد الخنزير هل يقبل الدباغ أو لا، وكذلك جلد الآدمي، اختلف فيه فقال بعضهم جلد الخنزير لا يقبل الدباغ لأن فيه جلودًا مترادفة بعضها فوق بعض، ذكر في المحيط والبدائع، وقيل يقبل الدباغ لكن لا يجوز استعماله لأنه نجس العين، وأما جلد الآدمي فقد ذكر في المحيط والبدائع «أن جلد الإنسان يطهر بالدباغ ولكن يحرم سلخه ودبغه والانتفاع به احترامًا له» وقيل جلد الآدمي أيضًا لا يقبل الدباغ كجلد الخنزير، انتهى مختصرًا.","vol":"2","page":446},{"text":"فيهما للاتصال الذي بين الجلد واللحم فلا يمكن سلخه بحيث ينفصل اللحم بأسره من الجلد ولا يمكن الدبغ ما لم يفرز الجلد عن أجزاء اللحم، وأما من شدد في جلود السباع فلما فيه من التشبه بالجبابرة وإيراث خصال السباع للملابسة لا للنجاسة وإن ذهب ذاهب إلى النجاسة كان غير مقبول القول لمخالفته عموم الحديث مع أن الميتة ليس أعلى شانًا من السبع فلما جاز في الأول جاز في الثاني ولا تنافى بين روايتي «أيما إهاب دبغ» وقوله «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب» فإن الجلد بعد الدبغ ليس بإهاب فلم يلزم الانتفاع بالإهاب حتى يلزم المنافاة والله أعلم.\nقوله [إنما يقال إهاب، لجلد ما يؤكل] وهذا لا يصح لغة (١)، قوله [لما اضطربوا في إسناده] ولا اضطراب (٢) وإنا نعمل به لأن الإهاب اسم لغير المدبوغ فالحديث معمول به، قوله [يرخين شبرًا] أي من حيث إزار الرجال أي نصف الساق، قوله [ملبدًا] يحتمل التلبد للغلظة فحسب ولكثرةالترقيع إلا أن الصحيح هو الأول (٣)، قوله [وعليه عمامة سوداء] أي\n_________\n(١) هذا كما أفاده الشيخ قدس سره، وما حكى الترمذي عن النضر بن شميل يخالفه ما حكاه عنه أبو داؤد في سننه إذ قال: قال النضر بن شميل يسمى إهابًا ما لم يدبغ فإذا دبغ لا يقال له إهاب إنما يسمى شنًا وقربة.\n(٢) يعني إذا ثبت عمل مجتهد عليه فهو علامة لرفع الاضطراب عنده كيف وقد عمل به الجمهور أيضًا إذ قالوا المراد به غير المدبوغ فالإهاب بالدباغ يطهر عند الحنفية والشافعية وكذا عند مالك وأحمد وفي إحدى الروايتين عنهما لا يطهر كذا في التعليق الممجد.\n(٣) قال المناوي في شرح الشمائل المراد ههنا ما ثخن وسطه حتى صار كاللبد أو المراد مرقعًا، قال الجزري: والأرجح الأول، وكذا قال القارئ في شرح الشمائل.","vol":"2","page":447},{"text":"تحت (١) البيضة قوله [نهائي رسول الله ﷺ] اللفظ وإن كان خاصًا إلا أن الحكم عام.\nقوله [وكان فصه حبشيًا] ولما ثبت تعدد خواتيمه ﷺ لا يحتاج إلى الجواب عنه بكون الفص قد صنع على طريقة أهل الحبشة، قوله [نبذه] إنما أعلن بالنبذ لما اشتهر بينهم اتخاذه منه، قوله [يتختمان في يسارهما] هذا وإن كان جائزًا إلا أنه لما اتخذ الروافض (٢) اتخاذ الخاتم في اليسار ديدنًا لهم كان ذلك شعارًا عليهم فكره لنا لذلك وإلا فكان الأمران كأنهما متساويان، قوله [لا تنقشوا عليه] أي على هذه الهيئة ولما كان ذلك النهي للالتباس لا بأس لو نقشه اليوم أحد، قوله [إذا دخل الخلاء] نزع خاتمه لكون الخلاء معدًا لتلك النجاسات وموضوعًا لها فلا يلزم نزعه إذا مر في موضع نجس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>[باب في الصورة]</span>\nقوله [ونهى أن يصنع ذلك] أي يصور الصور والأول معناه أن يتخذ في بيته صورة صورها غيره، قوله [إلا ما كان رقمًا]\n_________\n(١) هذا أحد وجوه الجمع بين الروايتين، وقيل بعكسه وقيل كان المغفر حين الدخول والعمامة حين الخطبة، وقيل غير ذلك كما في شرح الشمائل.\n(٢) هذا مبني على تفحص حالهم وتحقيق شعارهم، ففي الدر المختار، ويجعله لبطن كفه في يده اليسرى، وقيل اليمنى إلا أنه من شعار الروافض فيجب التحرز عنه، قهستاني وغيره، قلت: ولعله كان وبان فتبصر انتهى، قال ابن عابدين: عبارة القهستاني عن المحيط جاز أن يجعله في اليمني إلا أنه شعار الروافض، ونحو في الذخيرة وقوله لعله كان وبان أي كان ذلك من شعارهم في الزمن السابق ثم انفصل وانقطع في هذه الأزمان فلا ينهي عنه كيفما كان انتهى، ويشكل على المصنف تصحيح الحديث مع أن محمدًا الباقر لم ير الحسنين ﵄، والحديث منقطع.","vol":"2","page":448},{"text":"أما أن يراد به صورة غير ذي الروح أو يراد به صورة صغيرة لا تبرز من بعيد كما هو العادة في تصاوير الثياب إنها تكون صغيرة لا تبدو (١) فإن التصاوير المصورة حالة النسج لا تكاد تبدو لصغرها ولاندماجها في الثوب إلا أن الثاني هو الأولى إذ لا تقوى في ترك ما لم يحرم نوعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>[باب في الخضان]</span>\nقوله [إن (٢) أحسن ما غير به الشيب الحناء والكتم] الواو بمعنى أو لكن النهي عن كتم الشيب يخصص من ذلك ما لزم فيه الكتم فلم يجز من الحناء والكتم (٣) إلا قدر ما ليس فيه الكتم، قوله [أسمر اللون] وفي بعضها أبيض وفي غير ذلك من الروايات نفي لهما أيضًا والجمع أن السمر يجمع وصفين فمن أثبت سمرته أثبت بمعنى أنه لم يكن أمهق في البياض ومن نفى سمرته نفى صفة السواد وكذلك البياض المثبت والمنفي، قوله [حسن الجسم] المراد به تناسب الأراب، قوله [ثلاثة في هذه] ولا يذهب عليك أن الميل حينئذ لم يكن لها طرفان، قوله [نهى عن لبستين] ثم النهي عن اشتمال الصماء لما كان لحاجة المكلف كان تنزيهًا، وأما الاحتباء فإن كان لابس ثوب آخر فهو ممنوع إذا كان تكبرًا وإلا فلا، وإن لم يكن لابسه فلا يرتاب في الكراهية التحريمية.\nقوله [لعن الله الواصلة والمستوصلة] ثم الوصل (٤) عند الفقهاء مكروه\n_________\n(١) أي كونها صغيرة لا تبدو من بعيد.\n(٢) ومن ههنا لم أجد الأصل مكتوبًا من يد الشيخ بل من المكتوب الذي ذكرته في المقدمة مع ما وقع فيه شيء من التصحيف.\n(٣) المراد بلفظ الكتم ههنا الخضاب وبالآتي المصدر وكذا فيما تقدم بمعنى الستر.\n(٤) ففي الدر المختار وصل الشعر بشعر الآدمي حرام سواء كان شعرها أو شعر غيرها لحديث الباب قال ابن عابدين لما فيه من التزوير وفي شعر غيرها انتفاع بجزء الآدمي أيضًا وإنما الرخصة في غير شعر بني آدم تتخذه المرأة لتزيد في قرونها، انتهى.","vol":"2","page":449},{"text":"إذا كان بشعر الإنسان لحرمة الانتفاع بأجزائه وكذلك يكره إذا تضمن تغريرًا خداعًا والمحدثون على كراهته مطلقًا ولعل الحق هو الأول فإن النسوة من حقهن التزين كيف كان ما لم يلزم فيه الكراهة من وجه آخر، قوله [ركوب المياثر (١)] وهذا (٢) لما كانت تكون من جلود السباع الغير المدبوغة أو الحرير أو كانت من السباع مدبوغة إلا أن النهي عنه لئلا يؤثر تلبسه في تغيير الأخلاق أو لما كان من زي الجبابرة والنهي على الأولين تحريم وعلى الأخيرين أدب وتنزيه.\nقوله [خيره وخير ما صنع له إلخ] فالمسئول في الأول خيره بحسب نفسه وفي الثاني خير ما هو موضوع له وهو اللبس وخيره أن يشكر عليه ولا يكفر ويطيع الله ﷿ فيه ولا يعصي ويتواضع ولا يتكبر وخيره بحسب نفسه ما يلزم فيه مع قطر النظر عن التلبس والاكتساء كان الشح يحمله حبه على الشح (٣) به فلا يعطيه فقيرًا ولا يؤدي الحقوق الثابتة على نفسه بصرف المال في الثياب الجدد لنفسه إلى غير ذلك مما لا يخفي على المتفكر بعد أدنى فكر.\n_________\n(١) الميثرة كما قاله صاحب المجمع بكسر ميم وسكون همزة (وأنكر الحافظ الهمزة) وطأ محشو يترك على رحل البعير تحت الراكب أصله الواو وميمه زائدة وطأ من حرير أو صوف أو غيره، وقيل أغشية للسرج وقيل أنه جلود السباع وهو باطل جمعها المياثر والحرمة متعلقة بالحرير، وقيل من الجلود والنهي للإسراف أو لأنه يكون فيه الحرير، انتهى.\n(٢) هكذا في الأصل، فلو كان سالمًا من التصحيف فهو بكسر اللام أي النهي لما أن عامة المياثر في ذلك الزمان كانت تتخذ وتصنع من الجلود الغير المدبوغة ونحوها وسيأتي البسط في ذلك في الجزء الثاني في «باب ما جاء في طيب الرجال والنساء».\n(٣) أي على البخل به قال الراغب الشح بخل مع الحرص، قال تعالى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ انتهى.","vol":"2","page":450},{"text":"قوله [كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص] هذا في الثياب المخيطة والسبب (١) في ترجيحه ما فيه من الستر ما ليس في غيره ولم تكن سراويل إذ ذاك رائجة رواج القمص مع أنه ليس السراويل يجزئ عن القميص والقميص يجزئ عنه وأيضًا فليس شمول الجسم في السراويل مثله في القميص، وأما حيث رجح الحلة فهو في غير المخيطة وترجحه من حيث أن فيها زيادة فائدة نسبة القميص من نزعه أنى شاء مع بقاء الستر بالرداء الأخرى ولا يمكن ذلك في نحو القميص وله الاستعانة بأطراف الأردية في بعض حوائجه كما إذا أحب تناول شيء في بقة (٢) ثوبة إلى غير ذلك، وأما حب الأبيض فهو باعتبار اللون.\nقوله [أن اتخذ أنفًا من ذهب] لأن ذلك ليس (٣) باستعمال حتى يحرم، قوله [كان لها قبالان] بين الإيهام وصاحبته وصاحبتها، قوله [أن يتنعل الرجل وهو قائم] لما فيه من احتمال السقوط ومخالفة التؤدة ونكارة الهيئة الظاهرة،\n_________\n(١) قال المناوي: لأنه أستر للبدن من الازار والرداء أو لأنه أخف مؤنة وأخف على البدن ولابسه أقل تكبرًا من لابس غيره فهو أحيها إليه لبسًا والحبرة أحبها إليه رداء فلا تعارض في حديثيهما أو ذاك أحب المخيط وذا أحب غيره، انتهى.\n(٢) هكذا في الأصل، يحتمل فريقة ثوبه أو في بقية ثوبه وصورة الخط محتمل لكليهما.\n(٣) نفي الاستعمال تجوز أي ليس باستعمال اختياري بل ضروري واضطراري وفي الهداية ولا تشد الأسنان بالذهب وتشد بالفضة، وهذا عند أبي حنيفة، وقال محمد لا بأس بالذهب أيضًا وعن أبي يوسف مثل قول كل منهما، لهما حديث الباب، ولأبي حنيفة إن الأصل فيه التحريم والإباحة للضرورة وقد اندفعت بالفضة وهي الأدنى فبقى الذهب على التحريم والضرورة فيما روى لم تندفع في الأنف دونه حيث انتن انتهى، وبحث الشامي ههنا بحثًا طويلًا فأرجع إليه.","vol":"2","page":451},{"text":"[في نعل واحدة] لئلا يحمل النهي على التحريم، قوله [كزاد الراكب] زاد الراكب أخف من زاد الراجل لماله من زيادة السير عليه فلا يأخذ إلا قليلًا فإنه يصل المنزل في أقل من مدة وصول الراجل.\nقوله [وله أربع غداء] ولا ضير في أخذ الغدائر إذا لم يشتبه بالنساء وفيه دلالة على جواز إطالة الشعر للرجال ما لم يلزم فيه التباس بالنساء ولا يلزم ما لم يضفرها بواحدة مثل أن يصنها (١) قطعًا فيضفر، قوله [بطحًا] يعني واسعة تحيط الرأس ولا تقصر عن الإحاطة أي لم تكن تبقى قائمة على الرؤوس بل كانت تنبسط عليها، [صارع النبي ﷺ] وكان من أقوى الرجال وطلب المعجزة أن يصرعه النبي ﷺ فكان ذلك وأسلم (٢)، [فرق ما بيننا وبين المشركين] بينه المحشي والراجح (٣) هو الأول إذ لم يكونوا يتركون العمائم.\nقوله [من أي شيء اتخذه] إلا أن جميع ذلك يجوز للنسوة (٤) ويجوز\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر يقينها أي يزينها ويمشطها قطعة قطعة ثم يضفرها مجموعة كخصلة النساء.\n(٢) بعد المصارعة، وقيل من مسلمة الفتح كذا في الإصابة وكانت المصارعة في بعض جبال مكة قبل الهجرة.\n(٣) ونص الحاشية أنا نعمم على القلانس وهم يكتفون بالعمائم، طيبي، ويحتمل عكس ذلك بل رجحه القارئ في المرقاة والأول الشيخ عبد الحق، انتهى.\n(٤) زاد في الإرشاد الرضى لأن المذكور فيها الذهب أيضًا، فلو حمل على عمومه ينبغي أن لا يجوز الذهب أيضًا للنساء ثم مراده الحلي غير التختم كما فرق بينهما في فتاواه فجعل الحلي في ذلك مباحًا لهن دون التختم، فسوى فيه بين الرجال والنساء، وصرح أهل الفروع بتعميم كراهة التختم قال صاحب البدائع أما التختم بما سوى الذهب والفضة من الحديد والنحاس والصفر فمكروه للرجال والنساء جميعًا لأنه زي أهل النار، انتهى.","vol":"2","page":452},{"text":"للرجل لبس تلك الخواتم (١) إذا فضضها، قوله [في هذه وهذه] هذا ليس إجازة للبسه في الباقية بل التختم إنما (٢) هو في الخنصر لا غير.\n[تم (٣) الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله أبواب الأطعمة]\n_________\n(١) ففي الشامي عن التاتر خانية لا بأس بأن يتخذ خاتم حديد قد لوى عليه فضة وألبس بفضة حتى لا يرى، انتهى.\n(٢) ففي الشامي عن الذخيرة ينبغي أن يكون في خنصرها دون سائر أصابه ودون اليمني انتهى، وفي شرح الشمائل للمناوي، قال النووي: أجمعوا على أن السنة للرجل جعله في خنصره وحكمته أنه أبعد عن الامتهان فيما يتعاطى باليد وأنه لا يشغل اليد عما تزاوله بخلاف غير الخنصر انتهى، قلت: هكذا في المناوي بلفظ تزاوله من المزاولة وهي المعالجة وفي شرح مسلم للنووي بلفظ تتناوله.\n(٣) أي من التقارير التي أفادها بحر العلوم القطب الكنكوهي قدس الله سره العزيز على المجلد الأول من الجامع لإمام المحدثين أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي وقد وقع الفراغ من النظر عليها وكتابة هذه الحواشي في وسط أولى الربيعين سنة ١٣٥٢ هـ بحسن توفيق الله سبحانه فله الحمد أولًا وآخرًا وعلى نبيه الصلاة سرمدًا ودائمًا.","vol":"2","page":453},{"text":"الكوكب الدربي على جامع الترمذي\n- (الجزء الثالث) -\nمجموع إفادات وتحقيقات للإمام المحدث الفقيه، المربي الجليل،\nالمصلح الكبير، / الداعي إلى عقيدة التوحيد الخالص، والسنة\nالسنية البيضاء، الإمام رشيد أحمد الكنكوهي (م ١٣٢٣ هـ)\n\nجمعتها وألفها\nالعلامة الكبير الشيخ المحدث محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكاندهلوي\n(م ١٣٣٤ هـ)\n\nحققها وعلق عليها\nالعلامة المحدث الشيخ محمد زكريا بن الشيخ الكبير المحدث الفقيه محمد يحيى الكاندهلوي\n\nطبع الكتاب في\nمطبعة ندوة العلماء لكنهؤ (الهند)","vol":"3","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"3","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>أبواب الأطعمة عن رسول الله ﷺ</span>\nليس المراد ما روى عن النبي ﷺ فقط بل المراد بذلك أعم من أن يكون قوله أو فعله أو تقريره، قوله [على خوان (١)] هو ما له قوائم غير صغار، ثم\n_________\n(١) قال العيني: بكسر الخاء المعجمة وهو المشهور وجاء ضمها، قال الجواليقي تكلمت به العرب قديمًا، وقال ابن الفارس أنه اسم أعجمي، قال عياض إنه المائدة ما لم يكن عليه طعام والأكل عليه من دأب المترفين وصنع الجبابرة قال العيني ليس فيما ذكر بيان هيئة الخوان، وهو طبق كبير من نحاس تحته كرسي من نحاس ملزوق به طوله قد ذراع يوضع بين يدي كبير من المترفين ولا يحمله إلا اثنان فما فوقهما، انتهى مختصرًا، قلت: وما أفاده للشيخ من قوله قوائم غير صغار لم يقيده أهل اللغة بذلك لكنه مفهوم من من كلام عامة للشراح كما يشير إليه كلام العيني، وقال القارئ في شرح الشمائل بعد ذكر الاختلاف في ضبط الصحيح أنه اسم أعجمي معرب ويطلق في المتعارف على ما له أرجل ويكون مرتفعًا عن الأرض واستعماله لم يزل من دأب المترفين لئلا يفتقروا إلى خفض الرأس، وقال المناوي: يعتاد المتكبرون من العجم الأكل عليه لئلا تنخفض رؤوسهم فالأكل عليه بدعة لكنه جائز إن خلا عن قصد التكبر، انتهى.","vol":"3","page":3},{"text":"إن عدم الأكل عليه، إما أن يكون قصدًا أو اتفاقًا فإن كان الأول لزم كراهته، وإن كان الثاني فلا ضير في الأكل على الخوان إلا أنه لما كان من ديدن (١) الجبابرة ههنا كان منهيًا إذا كان على دأبهم، والحاصل أن الأكل عليه بحسب نفس ذاته لا يربو على ترك الأولوية، فأما إذا لزم فيه التشبه باليهود أو النصارى كما هو في ديارنا كان مكروهًا تحريميًا، وأما إذا لم يكن على دأبهم فلا يخلو أيضًا عن تفويت منافع، فإن الطعام إذا لم يكن على مكان أرفع يضطر في أكله إلى الانحناء فيقل بذلك اتساع البطن فيكتفي بالقليل من الغذاء، وإن القعود على هذه الهيئة ينتزع منه الذل والمسكنة بخلاف تلك، وكذلك الأكل في السكرجة (٢) وهو معرب سكوري فإن لم يكن معربًا منها فهي في معناه، وكان ذلك لاكتفائه ﷺ\n_________\n(١) كما تقدم قريبًا في كلام العيني وغيره، وبذلك جزم جمع من الشراح، وقال صاحب المجمع: الأكل عليه من دأب المترفين لئلا يفتقر إلى التطاطؤ والانحناء.\n(٢) قال الحافظ: بضم السين والكاف والراء الثقيلة بعدها جيم مفتوحة، قال عياض كذا قيدناه ونقل عن ابن مكي أنه صوب فتح الراء وبهذا جزم التوربشتي وهي فارسية معربة ترجمتها مقرب الخل، وقال ابن مكي هي صحاف صغار يؤكل فيها قال ومعنى ذلك أن العجم كانت تستعمله في الكواميخ والجوارش للتشهي والهضم وأغرب الداودي فقال هي قصعة مدهونة، ونقل ابن قرقول عن غيره أنها قصعة ذات قوائم من عود والأول أولى وتركه الأكل فيها إما لكونها لم تكن تصنع عندهم إذ ذاك أو استصغارًا لها لأن عادتهم الاجتماع على الأكل ولأنها كانت تعد لوضع الأشياء التي تعين على الهضم ولم يكونوا غالبًا يشبعون فلم يكن لهم حاجة بالهضم، انتهى، مختصرًا.","vol":"3","page":4},{"text":"بطعام واحد فإن ذلك داع إلى قلة الأكل، والتفنن يورث كثرته والخبز المرقق (١) على هذا القياس فإنه مع كونه من دأب المترفين المرفهين (٢) يكون سبب الإكثار في الأكل للآكل مع أنهم لم يكن لهم غرابيل يغربل فيها الدقيق مع قلة الحنطة، وكان عامة طعامهم إذ ذاك هو الشعير، قوله [فقلت لقتادة] لأنه لما علم من تعظيم الطعام ما لا ينكر، أنكر أن يضعه النبي ﷺ على الأرض، وقد نفى راوي الحديث أكثر ما كانوا يضعون عليه أطعمتهم بل كل ما كان يضع عليه الأجلة والشرفاء، فأجابه قتادة بأن طعامه كان يوضع على هذه السفر التي يأكل عليها عوامكم لاما شاع في ملوككم وأمرائكم وتكون من الأديم (٣) ويقوم مقامها السفرة من الغربل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>[باب في أكل الأرنب </span>(٥)] قوله [فأدركتها] لما أنه كان من\n_________\n(١) قال الحافظ: قال عياض مرققًا أي ملينا محسنًا كخبز المواري والترقيق التليين ولم يكن عندهم مناخل، وقد يكون المرقق الرقيق الموسع، وهذا هو المتعارف وبه جزم ابن الأثير وأغرب ابن التين، فقال هو السميد وما يصنع منه، انتهى.\n(٢) قال المجد: أرفه الرجل، أدهن كل يوم ودام على أكل النعيم، انتهى.\n(٣) قال صاحب المجمع: السفرة طعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد فالسفرة في طعام السفر كاللهنة لطعام يؤكل بكرة، انتهى.\n(٤) هكذا في الأصل، والظاهر القرمل وهو شجر ضعيف بلا شوك كما في القاموس، ويحتمل البرايل وهو عشب الأرض.\n(٥) دويبة معروفة تشبه العناق لكن في رجليها طول بخلاف يديها والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى، وقيل لا يقال الأرنب إلا للأنثى، ويقال إنها شديدة الجبن كثيرة الشبق تكون سنة ذكرًا وسنة أنثى وإنها تحيض كذا في الفتح.","vol":"3","page":5},{"text":"صغارهم (١)، قوله [فبعث معي بفخذها أو بوركها] ولعله بعث (٢) بهما لكنه ذكر في بعضها وركا وفي بعضها فخذا وإنما زاد لفظ معي، لئلا يظن قضية قبول النبي ﷺ إياه أو أكله إنما هي مسموعة له من غيره ولم يحضرها ثم قول (٣) أنس ﵁ «فأكله» يشير إلى جواز التغير الكثير في رواية الحديث بالمعنى فإن الأكل لما كان لازم القبول وضعه موضعه إذ لا يكون القبول في أمثال هذه إلا للأكل ولذلك لم يقبل النبي ﷺ حمار وجش أهدى إليه وهو محرم لما لم يجز له أكله ثم لما صرح بأكل النبي ﷺ، وكان الظاهر منه معناه الحقيقي سألت عنه هل هو في معنى الأكل نفسه، قال لا، إنما أردت منه لازم معناه وإنما هو القبول ومن ههنا يعلم أن أمثال هذه التصرفات تكثر في الروايات ولا يلزم في ذلك ضرر إذا لم يتغير المعنى المراد.\nقوله [وقد كره بعض (٤) أهل العلم أكل الأرنب] ووجه قولهم بما ورد في بعض الروايات (٥) أن النبي ﷺ لم يأكله ولم يمنع عن أكله، قلنا هذا\n_________\n(١) ففي مسلم فسعيت حتى أدركتها ولأبي داؤد وكنت غلامًا حزورًا، وهو المراهق، هكذا في الفتح.\n(٢) ويدل عليه رواية مسلم بلفظ فبعث بوركها وفخذيها، وهكذا في المنتقي ولفظ النسائي فبعثني بفخذيها ووركيها.\n(٣) كما يدل عليه قوله قبله بعد قوله أكله ثم الظاهر من ملاحظة الروايات أن التغير والتصرف في هذا اللفظ من شعبة، فتأمل.\n(٤) قال العيني: إباحة أكل الأرنب هو قول الأئمة الأربعة وكافة العلماء إلا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعكرمة مولى ابن عباس أنهم كرهوا أكلها وهو رواية عن أصحابنا والأصح قول العامة، انتهى.\n(٥) فقد ورد من حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داؤد بلفظ فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها ومن حديث خزيمة بن جزء عند ابن ماجة بلفظ لا آكلة ولا أحرمه ومن حديث عبد الله بن معقل عند الطبراني لا آكلها ولا أحرمها، كذا في العيني.","vol":"3","page":6},{"text":"عين علامة الحلة إذ لو كان حرامًا لما تركهم (١) يأكلون مع أن ما ورد في الرواية المسوقة ههنا أنه قبله نص على المراد، ثم إن قوله قالوا إنها تدمي الظاهر أنه إخبار عن حالته العجيبة وإنباء بالنادرة الغريبة وليس علة (٢) لقولهم بالحرمة لأن الإدماء لا يصلح (٣) علة للحرمة لأن الشرع لم يجعله من أسباب الجريمة وأيضًا فإن الإدماء بمعنى سيلان دم الحيض في أيامه مما يرجح جواز أكله لأنه إذا كان لا يزال يخرج منه الدم الفاسد كان أولى وأنظف وأنقى من وصمة (٤) النجاسة وألطف، نعم يمكن توجيه كلام هؤلاء بحيث لا يخالف كلام الجمهور، ولا يخالف الحديث المنصوص المذكور وهو أن يقال أرادوا بالكراهة الكراهة الطبيعية عن أكله لا الكراهة الشرعية تحريمية كانت أو تنزيهية وأن الادماء ليس إخبارًا\n_________\n(١) هذا وقد ورد نصًا في عدة روايات ذكرها العيني الأمر بأكملها.\n(٢) كما يدل عليه حديث عمار بن ياسر رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير، قال كنا مع رسول الله ﷺ ونزلنا في موضع كذا وكذا فأهدى له رجل من الأعراب أرنبًا فأكلناها، فقال الأعرابي إني رأيت دمًا فقال لا بأس وروى البيهقي في سننه عن موسى بن أبي طلحة، قال عمر لأبي ذر وعمار وأبي الدرداء أتذكرون يوم كنا مع رسول الله ﷺ بمكان كذا وكذا فأتاه أعرابي بأرنب فقال يا رسول الله إني رأيت بها دمًا فأمرنا بأكلها ولم يأكل قالوا نعم، الحديث كذا في العيني.\n(٣) فقد حكى القسطلاني في شرح البخاري عن بعضهم في جملة من تحيض من الحيوانات الناقة أيضًا.\n(٤) قال المجد هو العقدة في العود والعار، وفي الصراح هو العار والعيب.","vol":"3","page":7},{"text":"عن حالها بلى هو تنبيه على علة الكراهة وإن الادماء ليس بمعنى إسالة دم الحيض بل المعنى إنها لا تزال يسيل الدم ما غسلها وذلك مشاهد في لحم الأرنب فإنه لا يزيده الغسل إلا السيلان إلى أن يفني رأسًا ولا يرقأ منه الدم فهذا يدل على ماله من تناسب بالدم المفسوح وإن لم يجعله الشارع حرامًا لذلك وهذا غير مستبعد من المقام والله تعالى أعلم بموارد الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>[باب في أكل الضب </span>(١)] قوله [لا آكله ولا أحرمه] للكراهة\n_________\n(١) هو دويبة تشبه الجردون لكنه أكبر من الجردون، ويقال للأنثى ضبة وبه سميت القبيلة ويقال أن لأصل ذكره فرعين ولذا يقال له ذكران وذكر ابن خالويه انه يعيش سبع مأة سنة وأنه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يومًا قطرة ولا يسقط له سن، ويقال بل أسنانه قطعة واحدة كذا في الفتح، وبسط في أحواله صاحب حياة الحيوان منها أن بينه وبين العقارب مودة فلذلك يوديها في جحره لتلسع المتحرش به إذا دخل يده لأخذه، وحكى الإجماع على حلته وكذا حكاه غيره ولا يصح وحكى عياض عن قوم تحريمه وعن الحنفية كراهته وأنكر ذلك النووي وقال لا أظنه يصح عن أحد فإن صح فهو محجوج بالنصوص وبإجماع من قبله. قال الحافظ، وقد نقله ابن المنذر عن علي فأي إجماع يكون مع مخالفته ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم، وقال الطحاوي في معاني الآثار: كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، قال العيني قد وضع الطحاوي بابًا للضباب فروي أولًا حديث عبد الرحمن بن حسنة قال نزلنا أرضًا كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها وإن القدور لتغلي بها إذ جاء رسول الله ﷺ الحديث، قال ابن حزم حديث صحيح إلا أنه منسوخ بلا شك، ثم قال الطحاوي ذهب قوم إلى تحريم لحوم الضباب وواحتجوا بهذا الحديث، وأراد بالقوم الأعمش وزيد بن وهب وآخرين ثم قال وخالفهم آخرون فلم يروا به بأسًا، وأراد بهم مالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق والظاهرية وغيرهم، ثم قال وقد كره قوم أكل الضب، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، انتهى، قلت: وحديث عبد الرحمن بن حسنة وفيه الأمر بإكفاء القدور أخرجه أحمد وأبو داؤد وصححه ابن حبان والطحاوي وسنده على شرط الشيخين قال الشوكاني.","vol":"3","page":8},{"text":"الطبيعية ولعدم نزول الحكم بعد ثم حرمه النبي ﷺ بعد ذلك كما رواه (١) أبو داؤد في سننه وأحمد في مسنده، وفيه دلالة على أن الأصل في لأشياء الإباحة حيث لم يحرمه لعدم نزول تحريمه وكان ترك أكله لعدم اعتياده لفقده بمكة، وإن يمكن أن تكون أحاديث التحريم قبل هذه ثم نسخت وعلى هذا فمعنى قوله ولا أحرمه لأن الله تعالى أحله لكن الاحتياط لعدم العلم بالتاريخ فيما ذهبنا (٢) إليه، لأن الترجيح عند اجتماع المحرم والمبيح للمحرم.\n_________\n(١) من حديث عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل الضب، قال الحافظ في الفتح: إسناده حسن وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي، وهؤلاء شاميون ثقات ولا يغتر بقول الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقول ابن حزم فيه ضعفاء، مجهولون. وقول البيهقي: تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة: وقول ابن الجوزي: لا يصح ففي كل ذلك تساهل لا يخفى فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري وقد صحح الترمذي بعضها، انتهى كلام الحافظ.\n(٢) وزاد في الإرشاد الرضى يؤيده أيضًا كونه من حشرات الأرض أي وهي من الخبائث ويؤيده أيضًا ما أخرجه الطحاوي وغيره عن عائشة أنه أهدى للنبي ﷺ ضب فلم يأكله فقام عليه سائل فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها أتعطينه ما لا تأكلين، قال محمد بن الحسن دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره ويؤيده أيضًا ما في أبي داؤد والنسائي من حديث أبي سعيد أتيت به رسول الله ﷺ فأخذ عودًا فعد به أصابعه، ثم قال: إن أمة من بني إسرائيل مسخث دواب في الأرض الحديث إسناده صحيح كما قاله الحافظ في الفتح، ومن الأصل المقرر عند الفقهاء أن الدابة التي وقع على صورتها المسخ لقوم تحرم لا محالة لما أن وقوع المسخ على صورته ينبئ عن خباثته ولذا أفاد الشاه ولي الله أن مما يعلم تحريم نوع من الدواب أن ينظر هل وقع على صورته المسخ أم لا وليس المعنى أن الممسوخة هي الباقية إلى الآن حتى يرد عليه ما أورده الشافعية أن الممسوخة لا تبقى بل المعنى أن ما وقع على صورته المسخ يحرم كالقردة والخنازير انتهى، ما في الإرشاد الرضى بزيادة واختصار.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>[باب في أكل الضبع </span>(١)] باب في أكل لحوم الخيل] قوله [أطعمنا\n_________\n(١) ليس هذا الباب في الأصل، ولا ما يتعلق به شيء والظاهر أنه سقوط من الناقل لما أنه موجود في الإرشاد الرضى، وحاصل ما فيه أن قوله آكلها قال نعم اجتهاد من الصحابي استنبطه من كونه صيدًا، وإلا فأصل الحديث هو صيد وفيه كبش وكونه صيدًا لا يدل على إباحة الأكل كالأسد والفهد، وقال المصنف ليس إسناده بالقوي لو سلم فهو مؤيد وداخل في عموم النهي عن كل ذي ناب وهو معروف على أن الترجيح للمحرم عند التعارض انتهى، وفي البذل: الضبع الذكر والأنثى ضبعان ولا يقال ضبعة ومن عجيب خلقه أنه ذكر سنة وأنثى أخرى وإلى جواز أكله ذهب الشافعي وأحمد، قال الشافعي ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة بغير نكير، وذهب الجمهور إلى التحريم كل ذي ناب من السباع ولحديث الترمذي من رواية خزيمة بن جزء انتهى، قلت: ويؤيده ما أخرجه أحمد وغيره من حديث سعيد بن المسيب ذكره الزيلعي، وفي التعليق الممجد: قد ورد النهي عن أكله في روايات عديدة أخرجها الترمذي وابن أبي شيبة وأحمد وإسحاق وأبو يعلى وغيرهم كما بسطه العيني في البناية مع الجواب عما استدل به المخالفون، انتهى.","vol":"3","page":10},{"text":"رسول الله ﷺ] أي أجازنا طعمه (١) ومما يدل على الكراهة أن خالدًا روى رواية التحريم وكان إسلامه بعد خيبر، وروايات الجواز مقيدة بيوم خيبر ففي رواية خالد حرمتها دلالة على أن حرمتها متأخرة مع أن اجتماع روايتي التحريم والحلة يرجح الحرمة ولذلك ذهب إلى الحرمة أبو حنيفة ومالك الأوزاعي وغيرهم والله تعالى أعلم، قوله [ح وحدثنا ابن أبي عمر] هذا تحويل (٢) من أول الإسناد، قوله [والمجثمة (٣)] ووجه الكراهة فيها ما في جوازها من الإقدام على هذه الفعلة والاجتراء عليها ولأنها تصير بذلك أقرب إلى الموت فلا تفعل فيها الذكاة كامل فعلها، وهذا إذا كان ذكاها بعد التجثم والرمي فإذا ماتت ولم تذك فهي حرام مطلقًا والنهي عن الأكل حينئذ تحريمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>[باب الفارة تموت في السمن]</span>\nقوله [القوها وما حولها] هذا تنصيص على أن السمن كان جامدًا وعلى أنه (٤) إذا كان جامدًا فإن الحواية إنما تتحقق\n_________\n(١) قال المجد: طعمه كسمعه طعمًا وطعامًا وأطعم غيره انتهى، وفي حديث الميراث: إنها أول جدة أطعمها النبي ﷺ.\n(٢) نبه الشيخ بذلك لما أن الرجال قبل التحويل أربعة ومن بعده اثنان فكان محل التوهم بأن التحويل من أثناء السند فدفعه فإن ابن أبي عمر من مشايخ المصنف.\n(٣) المجثمة بضم الميم وفتح الجيم وتشديد المثلثة بصيغة المفعول كل حيوان ينصب ويقتل إلا أنها قد كثرت في الطير والأرنب، والجثم لزوم المكان أو الوقوع على الصدر أو التلبد بالأرض كما في القاموس قال الشوكاني.\n(٤) أي نص على أن هذا الحكم مخصوص بما إذا كان جامدًا، ثم لا يذهب عليك ما زاده في الإرشاد الرضى أن في الحديث إشارة إلى تأييد من يقول إن الشيء القليل يتنجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير أحد أوصافه.","vol":"3","page":11},{"text":"فيه دون الذائب، قوله [فإن الشيطان يأكل بشماله] فيه دلالة على أن من لم يكن موجودًا بين يديه من الكفرة وغيرهم لم يجز التشبه بهم فإن حضور من يلزم به الشبه غير مشروط في حرمة التشبه، فإن الشيطان ليس بمعلوم ومحسوس أين هو؟ ولا يدرك صنعه هذا بحالة ومع ذلك فقد نهينا عن اختيار فعله فلو فلم يكن في قرية من اليهود أحد لم يجز لأهل تلك القرية اختيار عاداتهم وحركاتهم في قيامهم وقعودهم وكذلك في كثير من الأمور، فأفهم واغتنم فإنه يفيد فوائد والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>[باب ما جاء في لعق الأصابع]</span>\nاعلم أن في بعض أجزاء الطعام بركة وفضلًا على بعض آخر منها كما أن في بعض أفعال الطاعم وحركاته بركة على بعض آخر منها وكل غير معلوم التعين ومعنى الحديث يحتمل الأمرين كليهما فلك أن تحمله على بركة أجزاء (١) الطعام ولك الصورة الثانية إلا أن بعض ألفاظ الحديث آب عن بعضها ولا يتوهم أن هذا تحضيض على كثرة الأكل (٢) لأنها مع كونها\n_________\n(١) وهو الأوجه لما ورد في روايات عديدة بسطها الحافظ في الفتح، من نص قوله ﷺ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة، قال ابن دقيق العيد جاءت هذه العلة مبينة في بعض الروايات، وقد يعلل بأن مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لما يمسح به مع الاستغناء عنه بالريق لكن إذا صح الحديث بالتعليل لم يعدل عنه، قال الحافظ: قد يكون للحكم علتان فأكثر والتنصيص على الواحدة لا ينفي غيرها وقد أبدى عياض علة أخرى فقال: إنما أمر بها لئلا يتهاون بقليل الطعام، انتهى.\n(٢) لأنه لا يدري أن البركة فيما أكل أو فيما بقى في الصحفة بل في القدر فلا يحصل اليقين إلا بتنفيذ ما في الصحفة والقدر وغيرها كلها.","vol":"3","page":12},{"text":"منهية بالروايات (١) الآخر لا تستدعيها هذه الرواية: أيضًا فإن هذا الجزء البركتي إن فاته في هذا الوقت فإنه لا يفوته في الطعام الثاني أو الثالث، أما لو كان في الجزء الذي على أصابعه أو على الصفحة فإنه يفوته إذا غسل يديه أو صحفته.\nقوله [لعق أصابعه الثلاث] فيه دلالة على أنه ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع (٢) والحكمة فيه أن فيها كفاية والزيادة عليها كما في الأكل بخمس دالة على\n_________\n(١) كما بسطها الغزالي في ربع المهلكات من الأحياء منها الحديث المشهور «المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق في سبعة أمعاء» ومنها ما ملأ ابن آدم وعاءًا شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه الحديث، ومنها أطول الناس جوعًا يوم القيامة أكثرهم شبعًا في الدنيا وغير ذلك من الروايات.\n(٢) وفي حديث ابن عباس عند البخاري مرفوعًا إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها الحديث، قال الحافظ: يحتمل أن يكون أطلق على الأصابع اليد ويحتمل -وهو الأولى- أن يكون المراد باليد الكف فيشمل الحكم من أكل بكفه كلها أو بأصابعه فقط أو ببعضها، وقال ابن العربي: يدل على الأكل بالكف كلها أنه ﵇ كان يتعرق العظم وينهش اللحم ولا يمكن ذلك عادة إلا بالكف كلها، قال شيخنا فيه نظر لأنه يمكن بالثلاث سلمنا لكنه ممسك بكفه كلها لا آكل بها سلمنا لكن محل الضرورة لا يدل على العموم، ويؤخذ من حديث الباب أن السنة الأكل بثلاث أصابع وإن كان الأكل بأكثر منها جائزًا، قلت: وقد ورد نصًا في جامع الصغير أنه ﷺ كان يأكل بالثلاث وقال عياض الأكل بأكثر من الثلاث من الشره وسوء الأدب وتكبير اللقمة فإن اضطر إلى ذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاث فيدعمه بالرابعة أو الخامسة، وقد أخرج سعيد بن منصور من مرسل ابن شهاب أن النبي ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس فيجمع بينهما باختلاف الأحوال، انتهى مختصرًا.","vol":"3","page":13},{"text":"شدة الحرص وباعثه على زيادة الأكل مع أنه إذا كانت لقمة صغيرة يكون للشبع حاصلًا في أقل مما يشبع لو أخذ اللقمة كبيرة وذلك لأنه في صغرها أقدر على المضغ منه إذا كانت اللقمة كبيرة وكلما كانت المضغة أجود كان الشبع أسرع لانتشار أجزاء الطعام في المعدة، وملئها إياها وذلك مشاهد في أجزاء الفوفل إذا قطعت فإن أجزاءها كلما كانت أصغر كانت أوفر وله نظائر كثيرة والله أعلم وعلمه أتم وأحكم، قوله [استغفرت له القصعة] لا حاجة (١) إلى حمله على المجاز بل استغفار القصعة على حقيقته كما أن تسبيحها في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ (٢) بِحَمْدِهِ﴾ على الحقيقة فأي بعد بعد ذلك في استغفار القصعة، ثم ما دعا القصعة (٣) إلى الاستغفار توقيها بسبب لحس الرجل اللاحس عن سور الشيطان ولعابه لو لعقه بعدم لعقه.\nقوله [قال أول مرة الثوم ثم قال الثوم إلخ] فاعل هذين القولين (٤)\n_________\n(١) قال العيني: المراد باستغفار القصعة يحتمل أن الله تعالى يخلق فيها تمييزًا أو نطقًا تطلب به المغفرة، وقد ورد في بعض الآثار إنها تقول أجرك الله كما أجرتني من الشيطان ولا مانع من الحقيقة ويحتمل أن يكون ذلك مجازًا كنى به، انتهى.\n(٢) قال صاحب الجمل: لا يسمعها إلا الكمل كالنبي وبعض الصحابة، وجمهور السلف أنه على ظاهره من أن كل شيء حيوانًا كان أو جمادًا يسبح بلسان المقال، وهو الذي يشير له قول الجلال.\n(٣) يعني أن الباعث للقصعة على الدعاء هو توقيها عن سؤر الشيطان ولعابه فإن هذا اللاجس لو لم يلحمه للعقه الشيطان فلفظة ما في كلام الشيخ موصولة ويؤيد الباعث المذكور ما تقدم في كلام العيني، من قولها أجرك الله كما أجرتني من الشيطان.\n(٤) قال الحافظ: فقد رواه مسلم عن ابن جريج بلفظ من أكل من هذه البقلة الثوم، وقال مرة من أكل البصل والثوم والكراث ورواه أبو نعيم نحوه وعين الذي قال وقال مرة، ولفظه قال ابن جريج، وقال عطاء في وقت آخر الثوم والبصل والكراث، انتهى.","vol":"3","page":14},{"text":"هو الراوي لا النبي ﷺ، قوله [إني أخاف أن أوذى] فإن وقت نزول جبرئيل لم يكن معينًا ومعلومًا ثم اعلم أن الملائكة ليست كلها تتأذى بأمثال هذه الأشياء وإلا لكان الكل (١) حرامًا أو مكروهًا مطلقًا، وليس كذلك بل المتأذي هو بعضهم أو كان الرب ﵎ جعل للحفظة (٢) أو الكتاب سبيلًا حتى لا يتأذون، قوله [ولا يحل وكاء] يمكن أن يكون من الحلول أو الحل خلاف العقد والأولى هو الأول، قوله [فإن الفويسقة] أعاد لفظ التعليل (٣) وغير طرز الكلام توكيدًا\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وهو محتمل أي صار أكل هذه الأشياء كلها حرامًا وصوبه بعض ناظري هذا التقرير على الحاشية بقوله صوابه الأكل، ثم زاد في الإرشاد المرضي أن استثناء قوله ﷺ إلا مطبوخًا مشير إلى أن علة الإذن في المطبوخ هو إزالة النتن وهو يحصل عادة بالطبخ فلو طبخه أحد بحيث بقى نتنه بقيت الكراهة على حالها ولو أزال النتن بدون الطبخ كما أن ألقاه في الخل ارتفعت الكراهة، انتهى.\n(٢) فقد حكى العيني عن القاضي عياض ليس المراد بالملائكة الحفظة.\n(٣) وأوضح لفظ القليل في حديث جابر عند البخاري بلفظ فإن الفويسقة ربما حرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت ووقع في سبب الأمر حديثان أحدهما فحدث بشأنهم النبي ﷺ قال إن هذه النار إنما هي عدو لكم فإذا نمتم فأطفؤها عنكم قال الحافظ: أخرج أبو داؤد وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال جاءت فارة فجرت الفتيلة فألقتها بين يدي النبي ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها فأحرقت منها مثل موضع الدرهم فقال النبي ﷺ: إذا نمتم فأطفوا سراجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم، انتهى.","vol":"3","page":15},{"text":"والفسق (١) لما كان هو الخروج عن الحد وهي خارجة عن حده صح إطلاق الفويسقة عليها والتصغير للتحقير لا لصغر الجثة، قوله [أن يقرن بين التمرتين حتى يستأذن] ثم الاستيذان (٢) إنما هو إذا كانا فيه شريكي ملك أو كان أبيح لهما إلا أنه قليل بحيث لا يكفي لشبعهما جميعًا فلو سارع أحدهما إلى أكله بقى الآخر جائعًا، وأما إذا أبيح لهما وكان كثيرًا فلا يحتاج إلى الاستئذان منه إلا أنه يبين عذره يعني إذا فرغ قبل صاحبه أي إنما شبعت لأني كنت أكثر منك أكلًا بالقرآن حتى لا يترك صاحبه حياء منه ومن الحضار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>[باب ما جاء في استحباب التمر]</span>\nقد فهم الترمذي معنى بيت لا تمر فيه على عمومه لكل أهل بيت ولذلك عقد الباب بهذه الترجمة، والحق أن معنى الحديث أن من في بيته تمر ليس له أن يعد (٣) نفسه جائعًا وإنما الجائع من ليس له شيء حتى التمر، وإنما قال ذلك لأن أكثر شيء عندهم كان هو التمر فكان فيه تعليمًا للزهد والقناعة والشكر على اليسير، قوله [أن يأكل الأكلة إلخ] بفتح\n_________\n(١) قال الدميري في حياة الحيوان: قيل سميت فويسقة لخروجها على الناس واغتيالها إياهم في أموالهم بالفساد، وأصل الفسق الخروج ومن هذا سمى الخارج عن الطاعة فاسقًا يقال فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت عنه، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: قد اختلف في حكم المسألة، قال النووي: اختلفوا في هذا النهي هل هو للتحريم أو الكراهة والصواب التفصيل فإن كان الطعام مشتركًا بينهم فالقرآن حزام إلا برضاهم ويحصل بتصريحهم أو بما يقوم مقامه من قرينة، وإن كان الطعام لغيرهم حرم وإن كان لأحدهم وأذن لهم في الأكل اشترط رضاه إلى آخر ما بسطه الحافظ.\n(٣) فإنهم لا يبالون به بالة ولا يعتدونه شيئًا يعتد به لكثرته أو لرغبتهم إلى الحبات لقلتها.","vol":"3","page":16},{"text":"الفاء (١) أو ضمها والأول يستدعي الحمد على كل شبع ورى، والثاني على كل لقمة، وجرعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>[باب الأكل مع المجذوم]</span>\nقوله [ثم قال كل بسم الله ثقة بالله] ظاهره مشكل فإن الجذوم لا يخاف شيئًا حتى يثق بالله ويتوكل عليه، وإنما الخائف عن أعدائه هو الذي يأكل المجذوم معه، والجواب أن المجذوم ربما يخاف على نفسه أن يلحقه عار بأعداء مرضه إلى غيره وأيضًا ربما يهم في أكله مع من يحبه كولده وزوجته فلا يشتهي أن يأكل معه فيتعدى إليه مرضه وههنا من هذا القبيل فإن المجذوم لما أشفق على النبي ﷺ لم يشته أن يأكل معه فقال النبي ﷺ كل: ثقة بالله ولا تخف على.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>[باب ما جاء أن المؤمن يأكل في معي واحد </span>إلخ] فيه إشكال فإن الأمعاء ستة لا سبعة ومع ذلك فإن الطعام لا يصل أول ما يرد إلى الأمعاء فكيف يصح قوله إنه يأكل في سبعة أمعاء، والجواب أن هذا تمثيل وتصوير لكثرة أكله والمعدة عدت سابعة (٢) الأمعاء تغليبًا فكان ذلك نظير قول السعدي رحمة الله عليه ع كه يرى إذ طعام تابيني (٣)، أفترى المرء يبقى حيًا بعد امتلاء جوفه إلى الأنف\n_________\n(١) قال المجد: الأكلة المرة وبالضم اللقمة.\n(٢) فقد حكى القاضي عياض، عن أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة، المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها البواب ثم الصائم ثم الرقيق والثلاثة رقاق ثم الأعور والقولون والمستقيم وكلها غلاظ فيكون المعنى أن الكافر لكونه يأكل بشرهه لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه مل معي واحد ونقل الكرماني عن الأطباء في تسمية الأمعاء السبعة أنها المعدة ثم ثلاثة متصلة بها رقاق وهي الأثنا عشري والصائم والقولون ثم ثلاثة غلاظ وهي الفانفي بنون وفائين أو قافين والمستقيم والأعور، كذا في الفتح.\n(٣) أوله: نهى أز حكمتي بعلت آن.","vol":"3","page":17},{"text":"فكان ذلك كناية عن كثرة الأكل وكذلك قوله ﵇ هذا كناية عن كثرة أكله حتى إنه لم يترك موضعًا في جوفه الأعلى والأسفل إلا وقد ملأه ومعنى (١)\n_________\n(١) قال الحافظ: اختلفوا في ذلك على أقوال أحدها أنه ورد في شخص بعينه واللام عهدية لا جنسية جزم بذلك ابن عبد البر فقال لا سبيل إلى حمله على العموم لأن المشاهدة تدفعه فكم من كافر يكون أقل أكلًا من مؤمن وعكسه وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله وإليه يشير حديث أبي هريرة ولذا عقب به مالك الحديث المطلق وكذا فعل البخاري وسبق إلى ذلك الحمل الطحاوي في مشكله فقال: كان في كافر مخصوص، وهو الذي شرب حلاب سبع شياه وتعقب بأن ابن عمر راوي الحديث فهم منه العموم ثم كيف يتأتى حمله على شخص معين مع تعدد الواقعة وورود الحديث المذكور عقب كل واحد منها، القول الثاني أن الحديث خرج مخرج الغالب وليست حقيقة العدد مرادة والسبعة للتكثير كما في قوله تعالى ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾، الثالث أن المراد بالمؤمن التام الإيمان فمن حسن إسلامه من استيفاء شهوته كما ورد في حديث لأبي أمامة رفعه من كثر تفكره قل طعمه الرابع أن الشيطان لا يشرك المؤمن لما أنه يسمى الله تعالى، فيكفيه القليل والكافر لا يسمى فيشركه الشيطان، الخامس أن المؤمن يقل حرصه، السادس قال النووي: المختار في المراد أن بعض المؤمنين يأكل في معي واحد وأكثر الكفار يأكلون في سبعة ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معي المؤمن، السابع قال النووي: يحتمل أن يراد بالسبعة في الكافر صفات هي الحرص والشره وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد وحب السمن وبالواحد في المؤمن سد خلته، الثامن ما قال القرطبي شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع وشهوة النفس وشهوة العين وشهوة الفم وشهوة الأذن وشهوة الأنف وشهوة الجوع، وهي الضرورية يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع انتهى مختصرًا، والبسط في الفتح.","vol":"3","page":18},{"text":"الحديث أن المؤمن لما كان همه الاشتغال بالطاعة والاكتفاء عن الأطعمة بالمقدار الذي يكفي كان أكله قليلًا بخلاف الكافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>[باب في طعام الواحد يكفي الاثنين]</span>\nليس المعنى بالطعام هنا هو الذي سبق (١) بل المراد به شبعه يعني أنه كفاية الاثنين لا تكون كفاية الثلاثة نعم شبعة الاثنين كفاية الثلاثة، ويمكن أن يقال إن كفاية الاثنين يكفي الثلاثة إذا أخلصا النية وأكلوا ببسم الله فإن البركة تنزل عليه مع أن الكفاية متفاوتة فيكون (٢) أقل وأكثر، قوله [نأكل الجراد] إلا أن (٣) النبي ﷺ لم يأكله.\n_________\n(١) أي في الحديث السابق من أن المؤمن يأكل في معي واحد والمراد الطعام القليل.\n(٢) فإنه كلي مشكك يصدق على أقل مراتب الكفاية وأكثرها، قال المهلب: المراد بهذه الأحاديث الحض على المكارم والتقنع بالكفاية، وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية وإنما المراد المواساة وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر، إلى آخر ما بسطه الحافظ.\n(٣) وبذلك جزم الضميري ويؤيده ما في رواية أبي داؤد من حديث سلمان أكثر جند الله لا آكله ولا أحرمه ولابن عدي عن ابن عمر أنه ﷺ سئل عن الضب فقال لا آكله ولا أحرمه، وسئل عن الجراد فقال نحو ذلك ويشكل عليه ما في رواية للبخاري عن ابن أبي أو في غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات أو ستًا كنا نأكل معه الجراد، قال الحافظ: يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل على الثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم في الطب ويأكل معنا وهذا إن صح يرد على الضمير ي من الشافعية، ونقل النووي الإجماع على حل أكل الجراد لكن فصل ابن العربي في شرح الترمذي بين جراد الحجاز والأندلس فقال في جراد الأندلس لا يوكل لأنه محض انتهى، وقال العيني: أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط التذكية واختلفوا في ضفتها، فقيل يقطع رأسه، وقال ابن وهب أخذه ذكاته، وقيل غير ذلك.","vol":"3","page":19},{"text":"قوله ونهى رسول الله ﷺ أكل الحلالة] هي من الحيوان ما يكثر من أكل العذرة وحد حرمته ظهور أثر النجاسة في عرقه ولبنه ولحمه والمؤثر في إزالتها تركه أكلها فإذا تركت النجاسة (١) أياها طهر لحمه ولا تقدير (٢) في ذلك، وإنما المؤثر فيه زوال أثر النجاسة فأما ما تأكل العذرة أحيانًا فلا كراهة فيه إذ قد ثبت أن النبي ﷺ أكل لحم الدجاجة والضعان وهما تأكلان العذرة أحيانًا، قوله [ويقول\n_________\n(١) فقد كان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثًا، قال الحافظ: قال مالك والليث لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره وإنما جاء النهي عنها تقذرًا ورجح أكثر العلماء أنها كراهة تنزيه، وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم، انتهى.\n(٢) قال ابن عابدين وهي من المسائل التي توقف فيها الإمام فقال: لا أدري متى يطيب أكلها، وفي التجنيس إذا كان علفها نجاسة تجس الدجاجة ثلاثة أيام والشاه أربعة والإبل والبقر عشرة، وهو المختار على الظاهر، وقال السرخسي، الأصح عدم التقرير وتجس حتى تزول الرائحة المنتنة انتهى، وحكى الاختلاف في مدة الحبس صاحب جامع الرموز، ونقل عن الاكتفاء الكراهة التنزيهية، قلت: وما يظهر بملاحظة الفروع أنها في حالة النتن لا يحل فيكون تحريمية. وعليك بالفرق بين الجلالة والسمك المتولد في الماء النجس ومحله كتب الفروع.","vol":"3","page":20},{"text":"بريه] أي يقول ابن أبي فديك موضع إبراهيم (١) بريه إلخ، والحباري طير لذيذ اللحم يسمى (٢) في الهندية تكدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>[باب ما جاء في أكل الشواء]</span>\nأي لا يظن كراهته بناء على الترفه والتنعم، قوله [الحلواء والعسل] إما أن يراد به مطلق الحلو فتذكر العسل (٣) تخصيص بعد التعميم، أو المراد به الاصطلاحي فهو من عطف المغايرة، قوله [وفضل عائشة إلخ] واختلفوا في عائشة وفاطمة أيتهما أفضل، ولعل الحق إن لكل منهما فضلًا بجهة ليست في الثانية فعائشة لفقهها، وفاطمة لبنوتها وجزأيتها، قوله [أهنأ وأمرأ] لاختلاط لعاب الفم بأجزائه فيكون ألذ فيجذبه المعدة ولذلك يكون أمرأ\n_________\n(١) قال الحافظ: في تهذيبه اسمه إبراهيم وبريه لقب غلب عليه، وفي التقريب هو تصغير إبراهيم.\n(٢) قال صاحب المحيط الأعظم: أو ورا بتركي توغدري وبهندي جرزنامند طائريست صحرائي بزرك كردن خاكي رنك در منقار آن اندك طول وباي آن دراز ودرطيران شديد ترز طيور ديكر وبراي تحصيل رزق خود حيله يشتر كند وشكم سير نشود أبدًا بلكه كرسنه بميرد، قلت: وسيأتي في أبواب الرؤيا أنها يضرب بها المثل في الحق.\n(٣) قال صاحب المجمع: هو بالمد والمراد كل شيء حلو فالعسل تخصيص لشرفه ثم قال بعيد ذلك: بمد وبقصر ولا يقع إلا على ما دخلته الصنعة جامعًا بين الدسومة والحلاوة انتهى، قال الحافظ: ووقع في كتاب اللغة للثعالبي أن حلوى النبي ﷺ التي كان يحبها هي المجيع بالجيم وزن عظيم وهو تمر يعجن بلبن، وقد روى أنه كان يحب الزبد والتمر وفيه رد على من زعم أن المراد بالحلوى أنه ﷺ كان يشرب كل يوم قدح عسل يمزج بالماء، وأما الحلوى المصنوعة فما كان يعرفها، وقيل المراد بالحلوى الفالوذج لا المعقودة على النار، انتهى","vol":"3","page":21},{"text":"وأهنأ، قوله [ما كان الذراع أحب اللحم إلخ] كأنها أرادت بذلك دفع ما يرد من أن النبي ﷺ كيف رغب إلى لذائذ الدنيا وهو أرفع شانًا من أمثال هذه فبينت أن رغبته إليه لم يكن لما فيه من اللذة فحسب وإنما كان يعجبه الذراع لما فيه من عجلة النضج وفيه إسراع إلى الاشتغال بالطاعات بتعجيل الفراغ عن مثل هذه الحاجات، ثم بذلك يلزم أنه لطيف أيضًا وإلا لم يتعجل نضجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>[باب ما جاء، نعم الادام الخل]</span>\nاعلم أولًا أن الادام (١) بكسر الهمزة بضم الهمزة وسكون الدال مفردان والأدم بضمتين جمع، وثانيًا أن قوله ﷺ هذا ليس للغة حتى يلزم بذلك كونه إدامًا لغة وعرفًا وإنما هذا تعليم منه ﷺ أمته (٢) الزهد فكأنه قال لا تغد (٣) يا من عنده الخل إلا ادام ألك ليس معك إدام فإن الخل نعم الادام هو وإن لم يكن إدامًا فكان ذلك كما قال النبي ﷺ من أن خبز الحنطة إدامه معه أفترى ذلك إلا تعليمًا للزهد\n_________\n(١) قال النووي: الادام بكسر الهمزة ما يوتدم به جمعه أدم بضم الهمزة والدال ككتاب وكتب والادم بسكون الدال مفرد كادام انتهى، وقال الحافظ: الادم بضم الهمزة والدال المهملة ويجوز إسكانها جمع ادام وقيل: هو بالإسكان المفرد وبالضم الجمع، انتهى.\n(٢) قال النووي: أما معنى الحديث فقال الخطابي والقاضي عياض: معناه مدح الاقتصار في المأكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة، تقديره ائتدموا بالخل وما في معناه تخفف مؤنته ولا تتالفوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن: هذا كلام الخطابي، وقال النووي: الصواب أنه مدح للخل نفسه والاقتصار في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر، انتهى.\n(٣) هكذا في الأصل، والظاهر أنه وقع في النقل شيء من التحريم، والظاهر لا تعديا من عنده الخل أن لا ادام لك وليس معك إدام فإن الخل إلخ","vol":"3","page":22},{"text":"فلا إيراد (١) بذلك على الأحناف في أنهم لم يدخلوا الخل في الأدم في الإيمان وأمثالها إذ مبناها على العرف واللغة، قوله [وأم هانئ ﵂ ماتت بعد علي ﵁ إلخ] فيه دفع لما عسى (٢) أن يتوهم أن الشعبي ليس له لقاء بعلي فلا يكون بأم هاني فيكون الرواية مرسلة منقطعة فدفعه بأنها بقيت بعده، فالشعبي لقيها وإن لم يلق عليًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>[باب ما جاء في أكل البطيخ بالرطب]</span>\nالبطيخ (٣) هو المشهور فينا بخريزه\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وأوضح منه ما في الإرشاد الرضى أن ما قال الإمام البخاري من حلف لا يأتدم فأكل خلا يحنث بعيد لأن مبنى الإيمان على العرف ولا يقال في العرف للخل الادام انتهى، وما يخطر في البال أنه وقع فيه شيء من التخطيط فإن كون الخل إدامًا ليس بمختلف عند العلماء ولم أجد في البخاري، حيث قال ذلك والظاهر أن هذا الكلام كله يتعلق بالتمر فإن ما ورد من قوله ﷺ في التمر مع الكسرة من خبز الشعير هذه إدام هذه وقالوا أشار إليه البخاري في تبويبه في الإيمان باب إذا حلف أن لا يأتدم فأكل تمرًا بخبز، فتقرير الشيخ علي الظاهر يتعلق بهذا المعنى فتأمل، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.\n(٢) على أنه نص عليه البخاري ففي تهذيب الحافظ، قال الترمذي في العلل الكبير قال محمد: لا أعرف للشعبي سماعًا من أم هانئ، انتهى.\n(٣) اختلفوا في المراد بالبطيخ فقيل هو الأصغر المعبر عنه عندنا بخربزة، وقيل الأخضر المشهور عندنا بتربوز ومال القارئ في شرح الشمائل إلى الثاني، وقال: هو الأظهر لأنه رطب بارد انتهى، وإليه مال غير واحد من الشراح، ومال الحافظ في الفتح إلى الأول، وتعقب الثاني وهو مختار الشيخ وهو الأوجه لموافقة أهل اللغة فإنهم فسروه بالخربز قال صاحب المحيط الأعظم: البطيخ بر وزن مريخ اسم خربزة أست انتهى، وهكذا في غير واحد من كتب اللغات كنفائس اللغات وغيره ولا يذهب عليك أن ما اختير في ترجمة شمائل الترمذي مبني على رأي شراح الشمائل، انتهى.","vol":"3","page":23},{"text":"وأما ما قال بعضهم في معناه أنه البربز فهو ليس بسديد ومنشأ توهمه ما ورد في بعض الروايات (١) أنه كان يميت بحر الرطب برده، والجواب (٢) عنه أن المراد بالحر والبرد ثمة حرارة الحس واللمس وبرودته فإن الحالي من الأشياء يحس كأنه حار ولا كذلك البطيخ فإنه يتبرد بتركه مقطوعًا، وأما ما أجاب بعضهم بأنه كان نيًا غير نضيج فيأبى عنه أنه لا يؤكل عادة.\nقوله [اشربوا من أبوالها] قد سبق بيانه (٣) ولا ضير في الإعادة فلعلها لا يخلو عن الإفادة، وهو أن محمدًا قد ذهب بهذا الحديث إلى حلة بول مأكول اللحم وطهارته، وقال الإمام الهمام إنما كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ فلا يحل إلا إذا اضطر إليه، وأما الطهارة فلا، وقال أبو يوسف: إنما يحل للتداوي لا مطلقًا، وأدلة المذاهب الثلاثة في كتب الفقه مذكورة بأوفى تفصيل وأتم بيان فلا فافة لنا إلى بيان دليل عليها أو برهان.\n_________\n(١) فقد ورد هذا التعليل في رواية أبي داؤد وغيره.\n(٢) لا حاجة إلى الجواب، على ما حكموا عن أبي علي بن سينا أن طبع الخربز بارد كما حكاه صاحب المحيط الأعظم وغيره، أما على المشهور عن الأطباء أنه حار فاختلفوا في الجواب، فمال الشيخ إلى ظاهر الحرارة كما ترى، ومال صاحب المجمع أن المراد منه التي، وإليه مال القارئ وغيره من شراح الشمائل ولا شك أنه بعيد كما أفاده الشيخ لأنه لا يؤكل عادة وأجاب الحافظ في الفتح: بأن في البطيخ الأصفر بالنسبة إلى الرطب برودة وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة، انتهى.\n(٣) في أول الكتاب في باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه.","vol":"3","page":24},{"text":"قوله [فقالوا ألا نأتيك بوضوء] أي الماء والظاهر أن المراد بالوضوء في السؤال، والجواب كليهما هو الوضوء الاصطلاحي ووجه الظهور قوله: إذا قمت إلى الصلاة فإن المأمور به عند ذلك هو الوضوء المصطلح دون الوضوء بمعنى النظافة وعلى هذا فمنشأ السؤال أن السائل لما علم من حال النبي ﷺ أنه لا يزال على طهر ظن أن ذلك واجب عليه فسأل أن يأتيه بالوضوء فنفى النبي ﷺ وجوبه بمقالته تلك، وهذا التوجيه وإن كان لا بأس به في بيان معنى الحديث غير أنه لا يوافق رأى المؤلف حيث أورده في هذه الأبواب واستنبط منه مسألة غسل اليد كما هو مصرح به فالذي يوافق رأيه في توجيه الرواية أن يقال أن السائل ظن أن غسل اليد قبل الأكل مما لا بد منه فسأل إتيان الماء لغسل اليد فرد النبي ﷺ زعمه هذا بنفي الوجوب عن جملة أنواعه سواء كان بالمعنى المصطلح أو الغير الاصطلاحي في في غير وقت القيام إلى الصلاة ففيه بيان لما كان السائل مخطئًا فيه مع الفائدة الزائدة وهي أنه ليس شيء من الوضوء واجبًا في غير وقت القيام إلى الصلاة ويمكن توجيه الكلام بحيث يراد بالوضوء في السؤال والجواب كليهما الوضوء العرفي ولا ينافي مقصود المؤلف أيضًا، وهو أن يقال إن السائل ظن وجوب الوضوء العرفي قبل الطعام فقصره النبي ﷺ على قيام الصلاة فلا يجب الوضوء العرفي في وقت إلا وقت القيام إلى الصلاة ولا ينافيه وجوب شيء آخر مع الوضوء العرفي وهو غسل بقية أعضاء الطهارة فأفهم وبالله التوفيق، ثم لما نفى النبي ﷺ الماء في الجواب علم أنه لم يمس ماء وبذلك يعلم أن غسل الأيدي قبل الطعام لا يجب وذهب الثوري إلى الكراهة بظاهر الحديث حيث أنكر الغسل ونفى الوجوب وأنت تعلم أن نفي الوجوب لا يقتضي الكراهة، وأما أنه هل يستحب أم لا فالنص عنه ساكت ويتفحص من نصوص أخر وردت في ذلك وإن كانت ضعافًا فإنها باجتماعها حصلت نوعًا من القوة، وأما ما يتوهم من أن الضعاف من الروايات تقبل في فضائل الأعمال -وههنا كذلك- فإن الثابت بالحديث ليس إلا بركة الغسل وهي؟؟؟","vol":"3","page":25},{"text":"فضيلة فالجواب عنه ما قدمنا من قبل من أن ثبوت الفضيلة إنما يكون (١) إذا ثبت نفس ذلك العمل بنص آخر قوي بحسنه الذاتي أو باجتماع غيره معه دون هذه الفضيلة فإنها ثبتت بالضعيف وههنا من تكلم في نفس الغسل لعدم الثبوت فله أن يتكلم في تلك الفضيلة أيضًا فأفهم، وحاصل ذلك أن ثبوت حكم ما لا يمكن بالضعيف من الروايات، وأما رجاء المثوبة والفضيلة فممكن الثبوت بالضعاف، لما له تعالى من كرم على عباده عميم وفضل على هذه الخليفة عظيم فلا يرجى منه أن يخيب راجيًا فضله لا سيما وقد ناط عليه شغله.\nقوله [يعني الدباء إلخ] ثم إنه شامل لجميع (٢) أنواعه ولا يجوز تخصيصه بنوع دون آخر لعدم ورود النص بذلك واللفظ يتناول الكل ولعل رغبته ﷺ إليه لما فيه من البرد بحسب المزاج وأمزجة العرب حارة أو لكونه سهل التناول سريع النضج ولما فيه من الذائقة المرغوبة واللذة وتقوية بعض الأعضاء (٣) الرئيسة، قوله [فإن ترك العشاء مهرمة] لتوجه الحرارة إلى الباطن فتأخذ في أفناء الرطوب الغريزية إذا لم تجد غيرها، قوله [أدن يا بني] فيه تسمية الرجل لغير ابنه ابنه، قوله [فسم الله إلخ] وفيه تأديب الكبير الصغير.\nقوله [فليقل بسم الله أوله وآخره] فإنه إذا قالها قاء الشيطان ما أكل معه وعادت\n_________\n(١) قال صاحب الدر المختار: شرط العمل بالحديث الضعيف عدم شدة ضعفه وأن يدخل تحت أصل عام وإن لا يعتقد سنية ذلك الحديث، وأما الموضوع فلا يجوز العمل به بحال ولا روايته إلا إذا قرره ببيانه، انتهى.\n(٢) يعني أنه بعمومه ولغته ووجوده في العرب يتناول جميع أنواعه الأربعة والخمسة من الطويل والمستدير والحالي والمر، انتهى.\n(٣) لا سيما للأمزجة الحارة فإن صاحب المحيط الأعظم بسط في خواصه من منافعه ومضاره أشد البسط إلا أنه سريع الاستحالة إلى مجانسه فيكون تبعًا له، انتهى.","vol":"3","page":26},{"text":"البركة التي كانت خرجت باشتراكه، قوله [كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا] قضية عين لا قضية استمرار ودوام فمعنى جاء أعرابي أنه كان (١) لا يستم بأكلهم حتى جاء أعرابي فأتمه بلقمتين وبذلك يعلم أن تسمية أحد من الحاضرين إنما يجزئ عمن حضرت وقت التسمية لا عمن لم يحضر بعد وبذلك اجتمعت الروايات التي يتوهم تعارض بينها.\n_________\n(١) ليس بتفسير لقوله جاء أعرابي بل لتمام الكلام، والمعنى أن الطعام لم يكن بحيث ينفد بأكلهم حتى جاء أعرابي فأنفده بلقمتين.","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>كتاب الأشربة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>[باب في شارب الخمر]</span>\nقوله [كل مسكر خمر] أما الأئمة الثلاثة (١) ومحمد رحمهم الله تعالى فقد حملوه على أنه بيان اللغة فكان كل ذلك خمرًا لا كالخمر\n_________\n(١) اعلم أن صاحب الهداية أجاد الكلام ههنا مع الاختصار والإحصاء فنورده ملخصًا بلا خوف تطويل فقال الأشربة المحرمة أربعة الخمر وهي عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، والعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو الطلاء، ونقيع التمر وهو السكر، ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلى، أما الخمر فالكلام فيها في عشرة مواضع، الأول في بيان ماهيتها وهي النئي من ماء العنب إذا صار مسكرًا، وهذا عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم، وقال بعض الناس هو اسم لكل مسكر لقوله ﷺ «كل مسكر خمر» وقوله ﷺ «الخمر من هاتين الشجرتين» وأشار إلى الكرمة والنخلة ولنا أنه اسم خاص بأطباق أهل اللغة فيما ذكرنا، ولذا اشتهر استعماله فيه وفي غيره غيره، ولأن حرمة الخمر قطعية وهي في غيرها ظنية والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين، والثاني أريد به بيان الحكم إذ هو اللائق بمنصب الرسالة، والثاني في حد ثبوت هذا الحكم وهذا الذي ذكر في الكتاب قول أبي حنيفة، وعندهما إذا اشتد صار خمرًا ولا يشترط القذف بالزبد، وقيل يؤخذ به في حرمة الخمر احتياطًا، والثالث أن عينها حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه، ومن الناس من أنكر حرمة عينها، وقال السكر منه حرام وهذا كفر لأنه جحود الكتاب فإنه سماه رجسًا، والرجس ما هو محرم العين","vol":"3","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nوقد جاءت السنة متواترة أن النبي ﷺ حرم الخمر وعليه انعقد الإجماع، ثم هو غير معلول عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر المسكرات، والشافعي يعديه إليها. والرابع أنها نجاسة غليظة كالبول لثبوتها بالدلائل القطعية. والخامس أنه يكفر مستحلها. والسادس سقوط تقومها في حق المسلم حتى لا يضمن متلفها وغاصبها ولا يجوز بيعها، واختلفوا في سقوط ماليتها والأصح أنه مال. والسابع حرمة الانتفاع بها لأن الانتفاع بالنجس حرام. والثامن أن يحد شاريها وإن لم يسكر منها لقوله ﷺ: «من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه» إلا أن حكم القتل قد انتسخ فبقى الجلد مشروعًا وعليه انعقد إجماع الصحابة. والتاسع أن الطبخ لا يؤثر فيها لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر على ما قالوا لأن الحد بالقليل في النئى خاصة وهذا قد طبخ. والعاشر جواز تخليلها وفيه خلاف الشافعي، هذا هو الكلام في الخمر، وأما العصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثية وهو المطبوخ أدنى طبخة ويسمى الباذق والمنصف هو ما ذهب نصفه بالطبخ فكل ذلك حرام عندنا إذا اشتد وقذف بالزبد، أو إذا اشتد على الاختلاف، وقال الأوزاعي إنه مباح. وأما نقيع التمر وهو السكر وهو النئى من ماء التمر أي الرطب فهو حرام مكروه، وقال شريك بن عبد الله: إنه مباح، ولنا إجماع الصحابة عليه. وأما نقيع الزبيب وهو النئى من ماء الزبيب فهو حرام إذا اشتد وغلى وفيه خلاف الأوزاعي إلا أن حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها ويكفر مستحل الخمر، لأن حرمتها اجتهادية وحرمة الخمر قطعية، ولا يجب الحد بشر بها حتى يسكر ويجب بشرب قطرة من الخمر، ونجاستها خفيفة في رواية وغليظة في أخرى ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة، إلى آخر ما بسطه صاحب الهداية وشراحها.","vol":"3","page":29},{"text":"فوجب لهم القول بنجاسته وحرمة شرب ما لم بسكر ولو قطرة والحد على شاربه، والإمام أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف فقالا: هذا ينافي منصب الرسالة أفترى النبي ﷺ بعث ليعلم العرب لسانهم التي هم أبناء بجدتها (١) والمصير إليهم في حل عقدتها فلم يكن مقصوده ﷺ إلا بيان اشتراك كل مسكر بالخمر في الحد على شاربها لا غير وهذا لا يتحقق ما لم يسكر فإن الحكم على المشتق ينبئ عن كون المأخذ علة للحكم إلا أن الإمام مع ذلك حرم أربعًا من أنواع الخمر في بعض (٢)\n_________\n(١) قال المجد: هو ابن بجدتها للعالم بالشيء وللدليل الهادي ولمن لا يبرح عن قوله وعنده بجدة ذلك أي علمه، انتهى.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر أنه وقع فيه شيء من السقوط ولعل الصواب لاشتراكها، ثم المراد بالأربعة إن كان مع الخمر فهي الأربعة المذكورة في كلام صاحب الهداية قبل ذلك، وعلى هذا فقوله بعد ذلك ثم حرمتها ظنية أي حرمة الثلاثة منها غير الخمر، وإن كان المراد الأربعة غير الخمر فلما مر في كلام صاحب الهداية أن العصير نوعان الباذق والمنصف، ثم لا يذهب عليك حاصل مذهبنا في الأشربة أنها ثلاثة أنواع أحدها الخمر تحرم قطرة منه ويحد بها ويكفر مستحلها. والثاني الأشربة الثلاثة المذكورة يحرم قليلها وكثيرها لكن لا يحد بها ما لم يسكر ولا يكفر مستحلها. والثالث ما سوى ذلك من الأشربة المسكرة يجوز شربها للتقوى لا للتلهي ما لم يبلغ حد السكر فإن بلغ مقدار الشرب إلى حد أسكر يحرم هذه الجرعة الأخيرة ومع ذلك لا يحد شاربها وإن سكر منه على قول، قالوا والأصح أنه يحد، كذا في الفروع. وهذا القسم الثالث مختلف عند أئمتنا ففي الدر المختار الحلال منها أربعة: الأول نبيذ التمر والزبيب إن طبخ أدنى طبخة إذا شرب بلا لهو وما لم يسكر فإن السكر حرام في كل شراب، والثاني الخليطان من الزبيب والتمر إذا طبخ أدنى طبخة، والثالث نبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة سواء طبخ أولًا، والرابع المثلث العنبي، وحرم محمد هذه الأربعة التي هي حلال عند الشيخين وبه يفتي، انتهى بزيادة.","vol":"3","page":30},{"text":"أوصافها ثم حرمتها بعد ذلك ظنية لا غير، فلا يكفر جاحد حرمتها كما يكفر لو جحد حرمة الخمر.\nقوله [لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا] اعلم أولًا أن عدم القبول لا يستلزم (١) عدم فراغ الذمة. وثانيًا أن المراد بالصباح هو اليوم تسمية للكل باسم الجزء لما أن بداية الصلوات كلها منه. وثالثًا أن الأربعين له صلوح المداخلة (٢) في تغير الآثار وأن الغذاء يبقى أثر ما منه إلى انقضاء أربعين يومًا. ومعنى قوله لم يتب الله عليه أنه بناء على ما هو الأكثر من عادته ﷾ الجارية في عباده من أنه لا يوفقه بعد ذلك للتوبة وإن تاب فالتوبة مقبولة، ومعنى قوله في الرابعة فإن تاب إنما هو إرادته التوبة لا حقيقتها، وكذلك معنى قول ﷺ في الرواية المتقدمة فمات وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة إنما هو إذا استحلها لأنه إذا أدمنها فكثيرًا ما لا يبقى في قلبه حرمتها، أو النفي غير مؤبد أي لم يشربها إلى حين انقضاء أيام الجزاء الذي قدر له، أو المعنى لم يشربها في الآخرة لعدم اشتهاءه إياها بأمر الله تعالى سبحانه وقدرته وتصرفه تعالى على قلبه وشهوته، ولا يمكن أن يقال إنه تشديد وتغليظ وليس المراد مدلول لفظه لأنه يلزم عليه أن يكون كذبًا،\nو\n_________\n(١) كما تقدم مبسوطًا في أول الكتاب وتقدم أيضًا الإجماع على فراغ الذمة في حديث الباب.\n(٢) لما ورد في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك (أي أربعين يومًا) ثم يكون مضغة مثل ذلك، الحديث. وهذا الحديث، وأيضًا ميقات موسى أربعين ليلة وغير ذلك مما ورد في الباب مأخذ الصوفية في أربعيناتهم المشهورة المعلومة.","vol":"3","page":31},{"text":"يمكن أن يقال إن من حمله على التشديد والتغليظ ليس غرضه أنه كلام لم يرد معناه أصلًا حتى يلزم الكذب بل، غرضه أنه لم يرد ظاهر معناه وحقيقته المتبادرة منه، وهو نفي القبول أصلًا، بل المنفي نوع من القبول خاص والأخبار متعلقة بنفي توبة مخصوصة وهو الرجوع بالرحمة الكاملة الذي كان لو لم يرجع إلى الشرب رابعة، إلا أنه أبرزه في صورة العام المطلق تشديدًا وتهديدًا كالمعلم يهدد تلميذه أو المولى يشدد على عبده فيقول: إن لم تفعل هذا قتلتك ليس المراد ظاهر معناه حتى يلزم الكذب، بل هو مجاز عن الضرب الشديد إلا أنه أبرزه في صورة القتل تغليظًا واتمامًا للزجر وتشديدًا، ولا يتوهم أن مدمن الخمر ليس بأدون شأنًا ولا أكثر عقابًا من الكافر ومع ذلك فكثير من الكفار يوفق للتوبة فكيف لا يوفق مدمن الخمر، وعدم التوهم لأن الكافر كان جاهلًا عن نعمة الإسلام ولم يعرف حقيقة أمره فلا يسخط عليه كما يسخط على من عرف بشأنه ثم سقط في هوة (١) المنكرات الشرعية، ونظيره المرتد فإنه ليس أسوء حالًا من أهل الذمة في نفس الكفر ومع ذلك فقد وجب قتل المرتد دون أهل الذمة لهذا الذي ذكرنا فإن الامتناع أسهل من الارتداد.\nقوله [سئل عن البتع] وهو شراب العسل لكن النبي ﷺ أجابهم بقول فصل يمهد لهم أصلًا يتفرع عليه جزئيات كثيرة، وهو أن كل مسكر حرام، أو كل شراب أسكر فهو حرام، وما لم يبلغ مقداره إلى حد الاسكار لم يدخل في أفراد الموضوع حتى يصح عليه حمل الحرام، فبقى على حله، إلا إذا كان بغير نية التقوى للعبادة فإنه يحرم حينئذ المقدار الغير المسكر أيضًا لكن لا بالنص الذي (٢)، بل بقوله ﵊ الآتي بعد ذلك وهو ما أسكر كثيره فقليله حرام، وما أسكر الفرق منه فملأ منه حرام، وهذا الذي ذكرنا محمل لهذين الحديثين فإن قليله\n_________\n(١) قال المجد: الهوة كقوة ما انهبط من الأرض أو الوهدة الغامضة منها كالهواءة كرمانة.\n(٢) بياض في المنقول عنه ولعله سقط منه لفظ سبق أو تقدم أو ما في معناهما.","vol":"3","page":32},{"text":"حينئذ يكون باعثًا على شرب كثيره فيكون سبب الحرام وسبب الحرام حرام، ولا يكون منجزًا إلى الكثير إذا كان شربه بنية التقوى على الطاعة وإنما يحتاج إلى أمثال هذه التأويلات لما ثبت من بعض (١) الصحابة شرب أمثالها، فعلم بفعله أن النهي ليس مطلقًا، عامًا ويمكن أن يقال في الرواية الأولى وهو ما أسكر كثيره أن الكثير والقليل كلاهما مسكرن إلا أن الكثير أكثر إسكارًا من القليل، فالقليل حينئذ قسمان قليل مسكر وقليل غير مسكر، والموضوع في الحديث هو القليل الأول دون الثاني، فكان المعنى أن القليل المسكر حرام وإن قل إسكاره، فبقى القليل الغير المسكر على حله، وهذا التأويل جار في قوله ﵊ كل مسكر حرام\n_________\n(١) ففي البذل عن البدائع: احتج أبو حنيفة وأبو يوسف بحديث رسول الله ﷺ وآثار الصحابة، أما الحديث فما في الطحاوي عن عبد الله بن عمر رضي الله أن النبي ﷺ أتى بنبيذ فشمه فقطب وجهه لشدته ثم دعا بماء فصبه عليه وشرب منه، وأما الآثار فمنها ما روى عن عمر ﵁ أنه كان يشرب النبيذ الشديد ويقول: إنا لننحر الجزور، الحديث. ومنها ما روى عنه أنه كتب إلى عمار بن ياسر أني أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه، يبقى حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه، فمر من قبلك فليتوسعوا من أشربتهم، نص على الحل ونبه على المعنى وهو زوال الشدة المسكرة بقوله: ويذهب ريح جنونه، وندب إلى الشرب بقوله: فليتوسعوا من أشربتهم. ومنها ما روى عن علي -﵁- أنه أضاف قومًا فسقاهم فسكر بعضهم فحده، فقال الرجل: تسقيني ثم تجدني؟ فقال علي: إنما أحدك للسكر، وروى هذا المذهب عن ابن عباس وابن عمر أنه قال حين سئل عن النبيذ: اشرب الواحد والاثنين والثلاثة فإذا خفت السكر فدع، فإذا ثبت الإحلال من هؤلاء الصحابة الكرام فالقول بالتحريم يرجع إلى تفسيقهم، إلى آخر ما قاله.","vol":"3","page":33},{"text":"قوله [نهى رسول الله ﷺ] جملة استفهامية حذفت (١) منه همزة الاستفهام، والنهي عن منسوخ (٢) كما يتبين بالحديث الآتي بعد ذلك، ولعل ابن عمر ﵁ لم يبلغه النسخ، أو بلغه لكن لما كان ارتفاع النهي بارتفاع علته وهو وفور الرغبات إليها والتباس بلوغه إلى حد الاسكار عاد النهي بعود علته، ويكون السائل كذلك.\nقوله [أو ينسج نسجًا] المراد بالنسج هو الخرط والصنع، والجامع توارد الحركات المختلفة كما في النسخ، وقيل: الصحيح (٣) النسخ -بالحاء المهملة- وهو النقر\n_________\n(١) وهي مذكورة في رواية مسلم.\n(٢) قال ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعًا للذريعة فلما قالوا لا نجد بدًا من الانتباذ في الأوعية، قال: انتبذوا وكل مسكر حرام، وهكذا الحكم في كل شيء نهى عنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا: لا بد لنا منها، قال: فأعطوا الطريق حقها، قال الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أولًا ثم نسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باق، منهم ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، قال: والأول أصح، والمعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان قريبًا فلما اشتهر التحريم أبيح لهم الانتباذ في كل وعاء بشرط ترك شرب المسكر، وكأن من ذهب إلى استمرار النهي لم يبلغه الناسخ، هكذا في الفتح.\n(٣) فقد أخرجه مسلم بلفظ «وعن النقير وهي النخلة تنسخ نسخًا وتنقر نقرًا» قال النووي: هكذا في معظم الروايات والنسخ بسين وحاء مهملتين أي تقشر ثم تنقر فتصير نقيرًا، ووقع لبعض الرواة في بعض النسخ تنسج بالجيم قال القاضي وغيره: هو تصحيف، وادعى بعض المتأخرين أنه وقع في نسخ صحيح مسلم وفي الترمذي بالجيم وليس كما قال، بل معظم نسخ مسلم بالحاء، انتهى، وفي المجمع: قيل الصواب بحاء مهملة بمعنى أن ينحي عنها قشرها، وقيل: النسج ما بحات عن التمر من قشره وأقماعه مما يبقى في أسفل الوعاء، انتهى، قلت: وتفسير الشيخ محمول على حمل النسج على معناه المشهور من نسج الثوب يعني أراد بالنسج الصنع مجازًا فإن في صنع الشيء أيضًا يتوالى الحركات من الفوق والتحت كما تكون في نسج الثوب. قال المجد: نسج الريح الربع أن يتعاوره ريحان طولًا وعرضًا، انتهى.","vol":"3","page":34},{"text":"ثم النهي عن الانتباذ في هذه الظروف دون الأسقية لما فيها من خفاء حال المظروف لعدم إمكان انتفاخها عند الاشتداد، ولما فيها من تسارع الاشتداد إليه لعدم نفوذ الهواء، وأما الأسقية فيعلم حال ما فيها إذا اشتد وغلا، وهذا إذا أوكيت أفواهها فإنها بانتفاخها يعلم اشتداد ما فيها، وأما إذا لم يوك فالكل سواء.\nقوله [الخمر من هاتين] ولا يعني به الحصر (١).\nقوله [نهى أن ينتبذ البسر والرطب] هذا النهي كالنهي عن الانبتاذ في الظروف المتقدم ذكرها، كان (٢) في أول الأمر لما فيه بعد الخلط من قوة فيسرع\n_________\n(١) قال النووي: ليس فيه نفي الخمرية عن نبيذ الذرة والعسل وغير ذلك، فقد ثبت في تلك الألفاظ أحاديث صحيحة بأنها كلها خمر وحرام، انتهى، وقال أيضًا واتفق أصحابنا على تسمية جميع هذه الأنبذة خمرًا لكن قال أكثرهم: هو مجاز وإنما حقيقة الخمر عصير العنب، وقال جماعة منهم هو حقيقة، انتهى. قلت: فقول الحنفية موافق لقول أكثرهم، وما أفاده الشيخ من عدم الحصر هو المشهور بين أهل العلم من شراح الحديث وأصحاب الفروع، ومال صاحب نتائج الأفكار إلى الحصر فقال بعد البحث: والحق أن المراد بالحكم الذي أريد بيانه بالحديث هو حرمة قليله وكثيره، وهذا المعنى لا يتحقق في المتخذ من غير تينك الشجرتين، فيصح الحصر المستفاد من ذلك الحديث بلا غبار.\n(٢) ففي الهداية: لا بأس بالخليطين لما روى عن ابن زياد أنه قال سقاني ابن عمر ﵁ شربة ما كدت اهتدي إلى أهلي فغدوت إليه من الغد فأخبرته بذلك، فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب، وهذا من الخليطين وكان مطبوخًا، لأن المروي عنه حرمة نقيع الزبيب وهو النيء منه، وما روى أنه ﵇ نهى عن الجمع بين التمر والزبيب الحديث محمول على حالة الشدة، وكان ذلك في الابتداء يعني حمله على حالة الشدة والعسرة في ابتداء الإسلام لئلا يشبع هو بنوعين وجاره جائع.","vol":"3","page":35},{"text":"الاشتداد (١). ثم صار الأمر واسعًا غير أن المسكر حرام أيًا ما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>[باب في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة</span>. قوله [فأتاه إنسان بإناء من فضة] هذا (٢) الإنسان كان ذميًا ولذلك لم يكسر (٣) حذيفة إناءه، أو يكون\n_________\n(١) قال النووي: ذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخليط أن الاسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الاسكار ويكون قد بلغه، قال ومذهب الجمهور أن النهي في ذلك للتنزيه وإنما يمتنع إذا صار مسكرًا، ولا تخفي علامته وقال بعض المالكية هو للتحريم إلى آخر ما بسطه.\n(٢) وفي رواية للبخاري فأتاه دهقان بقدح فضته قال الحافظ: هو كبير القرية بالفارسية، ووقع في رواية لأحمد: استسقى حذيفة من دهقان أو علج، وفي الأطعمة للبخاري: فاستسقى فسقاه مجوسي، قال الحافظ: ولم أقف على اسمه بعد البحث، وقال أيضًا: في هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء لأنه ليس من التزين، قال القرطبي: يلتحق بالأكل والشرب ما في معناهما من التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب فقط.\n(٣) وهذا بعد ثبوت أنه لم يكسره وهو الظاهر من كونه علجًا كما نقدم، لكن رواية الإسماعيلي التي ذكرها الحافظ مشعرة بأنه كسره فلفظها: فرماه به فكسره، وفيها أيضًا: لم أكسره إلا أني نهيته الحديث فتأمل.","vol":"3","page":36},{"text":"الإناء للذمي وإن كان الآتي به مسلمًا، وكان قوله إني كنت نهبته إلخ، دفعًا لما يتوهم من أنه كيف يتبادر إلى ضربه ولم ينهه بلسانه، وفيه دلالة على جواز التأديب باليد إذا لم يتأدب بتأديب اللسان.\nقوله [نهى أن يشرب الرجل قائمًا] وذلك (١) لما فيه من سرعة النفاذ للورود من أعلاه دفعة فيضر المعدة، وأما قوله في الجواب عن الأكل: (٢) وذاك أشد، فقياس صحيح فإن ما ذكر من الوجه وإن لم يوجد في الأكل لكنهما يشتركان في وجوه آخر من كثرة مقدار المأكول والمشروب لاتساع البطن وإهانة الطعام إلى غير ذلك، ولكن النهي في هذين لما لم يكن شرعيًا وإنما هو لحفظ صحته الحاصلة لا يكون آثمًا بارتكاب ما ذكر، وبينه النبي ﷺ بفعله وتقريره سيجيئ بعد هذا.\nقوله [ضالة المسلم حرق النار] ويدخل في المسلم الذمي لقوله ﷺ: بذلوا الجزية ليكون أموالهم كأموالنا، ثم الظاهر أن المؤلف أورد هذه الرواية ههنا ليثبت بذلك أن قتادة كثيرًا ما يروى عن أبي مسلم بواسطة الآخرين، فلا يتوهم بذلك أنه روى هذه الرواية، رواية النهي عن الشرب قائمًا بواسطة، ووجه عدم التوهم قوله: هكذا روى غير واحد إلخ، فإذا اتفقت الرواة على ترك الواسطة في هذا السند كان\n_________\n(١) اختلفوا في وجوه النهي عن الشرب قائمًا على أقوال بسطت في الفتح وغيره، واختلف أيضًا في الجمع بينه وبين ما ورد من شربه ﷺ قائمًا، وقيل: النهي منسوخ، وقيل: محمول على النهي طبًا أو تنزهًا، وغير ذلك.\n(٢) قال الحافظ في الفتح قيل: إنما جعل الأكل أشد لطول زمنه بالنسبة لزمن الشرب فهذا ما ورد في المنع من ذلك، وحكى عن المارزي أنه قال: لا خلاف في جواز الأكل قائمًا، وقال ابن عابدين: إن النهي طي.","vol":"3","page":37},{"text":"الظاهر منه عدم الواسطة، ولا يبعد أن يكون إيراد رواية ضالة المسلم إشارة إلى أن قتادة لما كان مدلسًا وقد ثبت بينه وبين أبي مسلم واسطة ولو في غير هذا الحديث كان الاتصال في رواية النهي غير متبقين به أيضًا. فلعله دلس وترك ذكره، والله أعلم.\nقوله [كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الل عليه وسلم ونحن نمشي] ثم كونه مسقطًا (١) للعدالة إذا كان في الأسواق وأمثالها لا ينافي كونه مما ارتكبه أصحاب النبي ﷺ فإن ذلك لما كان أمارة على قلة المروءة كان الظاهر من حاله أن لا يبالي بالكذب في أخباره، ولم يكن هذا في أصحاب النبي ﷺ لما لهم من قدم في امتثال الأوامر واجتناب النواهي ثابتة فلا يقاس عليهم غيرهم، مع أنه ليس فيه تصريح بأنهم كانوا يرتكبون ذلك في الأسواق وهو المضر لا مطلق الأكل ماشيًا ولو في بيته، على أن الحاكم لو قبل شهادة مثل هذا الرجل لعلمه بحاله أنه لا يكذب وإن كان يأكل وهو يمشي في الأسواق لم يرتكب بأسًا، فليس ذلك مما يخالفه لاندفاع هذا الظاهر بعلمه.\nقوله [شرب من زمزم وهو قائم] لأن النهي عنه كان لما فيه من مظنة الضرر والتحرز عن الإكثار، وكلاهما منتفيان فإنه نفع خالص وبركة محضة والإكثار منه مقصود فلا يكون منها، ثم الظاهر من ملاحظة الروايات أنه ﷺ شرب ماء زمزم وهو واقف على بعيره فلم يكن فيه الشرب قائمًا، ولعل بعض الرواة فهم من لفظة الوقوف الدابة (٢) فاشتبه المعنى فعبره بذلك لكونه رواية بحسب المعنى في زعمه،\n_________\n(١) فقد قال ابن نجيم وتبعه ابن عابدين وغيره في بيان مسقطات الشهادة: المراد بالأكل على الطريق أن يكون بمرأى من الناس، زاد ابن عابدين: أما إذا شرب الماء أو أكل الفواكه على الطريق لا يقدح في عدالته لأن الناس لا تسقبح ذلك.\n(٢) فيه سقوط حرف من الناقل والمراد ظاهر.","vol":"3","page":38},{"text":"ولا يبعد أن (١) يكون هذا ثابتًا أيضًا فإن القضايا كثيرًا ما يتعدد والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>[باب في التنفس في الإناء]</span>\nله معنيان (٢) تنفس الشارب في نفس الإناء سواء اتصل المظروف بأطرافه بفيه أو لم يتصل بأن نفخ فيه وأطرافه مناتة عنه، وتنفسه وهو يأخذ من الإناء، أي لم يتم سقيه وإن باعد الإناء من فيه، وهذا لا يكون في الإناء وإنما يكون خلال الشرب، والأول مكروه (٣) لكراهة الطبيعة، والثاني\n_________\n(١) وهو الأوجه لما في الروايات من اختلاف السياق الظاهر مع تعدد وروده ﷺ في مكة المكرمة.\n(٢) بوب البخاري في صحيحه باب النهي عن التنفس في الإناء وذكر فيه حديث أبي قتادة مرفوعًا إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء الحديث، ثم بوب باب الشرب بنفسين أو ثلاثة، وذكر فيه حديث أنه كان يتنفس في الإناء مرتين أو ثلاثًا، وزعم أن النبي ﷺ كان يتنفس ثلاثًا، قال الحافظ: كأنه أراد (بالترجمة) أن يجمع بين حديث الباب والذي قبله لأن ظاهرهما التعارض إذ الأول صريح في النهي عن التنفس في الإناء، والثاني يثبت التنفس فحملهما على حالتين، فحالة النهي على التنفس داخل الإناء، وحالة الفعل على من تنفس خارجه، فالأول على ظاهره من النهي، والثاني تقديره كان يتنفس في حالة الشرب من الإناء، قال ابن المنير: أورد ابن بطال سؤال التعارض بين الحديثين وأجاب بالجمع بينهما فأطنب، ولقد أغنى البخاري عن ذلك بمجرد لفظ الترجمة، إلى آخر ما بسطه.\n(٣) قال العيني: نهى أدب وذلك أنه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يبرز من فيه الريق فيخالط الماء فيعافه الشارب. وربما يروح بنكهة المتنفس إذا كانت فاسدة، والماء للطفه ورقة طبعه تسرع إليه الروائح، ثم إنه يعد من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعت ثم تنفست فيها ثم عادت فشربت، وإنما السنة أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس كلما شرب نفسًا من الإناء نحاه عن فمه، ثم عاد مصًا له غير عب إلى أن يأخذ ريه منه، والتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب وأبعد عن الشره وأخف للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وأذى كبده وهو فعل البهائم، وقيل: في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر فيبقى ما على القلب من هم أوقذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الأدمي، ويخشى من كثرة التنفس في الإناء إن يصحبه شيء مما في القلب فيقع في الماء ثم يشربه فيتأذى به.","vol":"3","page":39},{"text":"مندوب إليه وهو مبني على ما إذا كان المشروب على حسب ذلك. وأما إذا كثر فلا يشربه في الثلاث كما إذا قل لا حاجة إلى تثليثه بل يشربه في نفسين أو نفس واحد كما سيظهر (١) بالتأمل.\nقوله [لا تشربوا واحدًا كشرب البعير] هذا مشير إلى كثرة المشروب فإن المماثلة بشرب البعير لا يتحقق (٢) بدونه.\nقوله [كان إذا شرب يتنفس مرتين] يمكن إرجاعه (٣) إلى الثلاث بأن الراوي لم يعد الثالث وإنما ذكر ما يقع منهما في الإناء.\n_________\n(١) قال الحافظ في حديث أنس المذكور قريبًا: يحتمل أن تكون أو للتنويع أو للشك ويؤيد الأول حديث ابن عباس الآتي بلفظ مثنى وثلاث، وحكى العيني عن الأثرم هذه الأحاديث في ظاهرها مختلفة والوجه فيها عندنا أنه يجوز الشرب بنفس وباثنين وبثلاثة وبأكثر منها لأن اختلاف الرواية في ذلك يدل على التسهيل، وإن اختار الثلاث فحسن انتهى.\n(٢) ويمكن أيضًا في التنفس في الإناء كما تقدم في كلام العيني.\n(٣) وإليه مال الحافظ إذ قال بعد ذكر حديث ابن عباس هذا: وهو ليس نصًا في الاقتصار على المرتين بل يحتمل أن يراد به التنفس في أثناء الشرب فيكون قد شرب ثلاث مرات وسكت عن التنفس الأخير لكونه من ضرورة الواقع.","vol":"3","page":40},{"text":"قوله [القذاة أراها في الإناء] كأن الرجل حصر طرق إزالة القذى في النفخ فكأن النبي ﷺ أجابه بطريق التنزل بعد تسليم الحصر المفهوم من كلامه، فإنه لما أورد وقوع القذي حين نهى النبي ﷺ عن النفخ في الماء، علم من كلامه أنه يسأل عما إذا لم يجد مزيلًا غير النفخ كما إذا كانت على يديه نجاسة أو شيء مما يكره الطبع ولا شيء يخرجه به فأجابه النبي ﷺ بذكر ما هو غاية الأمر في إخراجه وإن كان له طرق آخر أيضًا.\nقوله [نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه] والفرق بين التنفس والنفخ أن صوت النفخ أشد وأرفع، وأجزاء الريق وريش (١) في الأول منها في الثاني.\nقوله [نهى عن اختناث الأسقية] وسبب (٢) النهي ما فيه من كراهة الطبيعة ومخالفة النظافة بأثر (٣) نتن الفم فيه، فيؤدي إلى اجتماع الذبان (٤) عليه، ولما فيه من احتمال أن يكون في داخله (٥) شيء فيؤذيه، ومع ذلك فالشرب هكذا\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه ووقع في النقل شيء من التخليط، ولا يبعد أن يكون الكلام: وأجزاء الريق لا ترش في الأول منهما كما في الثاني، وإن لم يكن هذا فالمراد هو ذاك.\n(٢) اختلف في أسباب النهي على أقوال بسطت في الفتح وغيره اكتفى الشيخ منها على سببين.\n(٣) وهو نص رواية عائشة ﵂ عند الحاكم بلفظ نهى أن يشرب من السقاء لأن ذلك ينتنه، كذا في الفتح.\n(٤) جمع ذباب قال المجد: الذباب بالضم معروف والواحدة بهاء جمعه أذبة وذبان بالكسر.\n(٥) فقد وقع في مسند أبي بكر بن أبي شيبة: شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه جنان فنهى رسول الله ﷺ الحديث، وروى نحو ذلك في عدة روايات عند أحمد وابن ماجة وغيرهما ذكرها الحافظ في الفتح.","vol":"3","page":41},{"text":"جائز ولذلك فعله النبي ﷺ أن لا يحملوا النهي على التحريم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>[باب ما جاء في أن ساقي القوم آخرهم شربًا] </span>هذا إذ تولى القسمة ولم يملك المقسوم فأما إذا كان من ملكه فهو بالخيار أنى يأخذ، وإنما جعل لقاسم آخرًا لأن في تقديمه نفسه دلالة على الحرص وإيثار نفسه على أصحابه.\nقوله [الحلو البارد] وجه (٢) الحلاوة ظاهر وسبب استحباب البرد حرارة المزاج فلا ينافيه لو ثبت استحباب شيء آخر لوجه آخر.\n_________\n(١) فقد قال النووي: اتفقوا على أن النهي ههنا للتنزيه لا للتحريم قال الحافظ: وفي نقل الاتفاق نظر فقد نقل عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب وقال: لم يبلغني فيه نهي، وجزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي، وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة لأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء فنسخ الجواز.\n(٢) قال المناوي في شرح الشمائل: الماء الممزوج بعسل أو المنقوع بتمر أو زبيب قال ابن القيم: الأظهر أن المراد الكل ولا يشكل اللبن كان أحب إليه لأن الكلام في شراب هو ماء أو فيه ماء.","vol":"3","page":42},{"text":"أبواب البر (١) والصلة عن رسول الله ﷺ\n_________\n(١) قال القارئ تحت قوله ﷺ البر حسن الخلق أي مع الخلق: بأمر الحق أو مداراة الخلق ومراعاة الحق، قيل: فسر البر في الحديث بمعان شيء ففسره في موضع بما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، وفسره في موضع بالإيمان، وفي موضع بما يقربك إلى الله تعالى، وههنا بحسن الخلق، وفسر حسن الخلق باحتمال الأذى وقلة الغضب وبسط الوجه وطيب الكلام، وكلها متقاربة في المعنى ذكره الطيبي، وقال الترمذي: البر ههنا الصلة والتصدق والطاعة ويجمعها حسن الخلق، وقال بعض المحققين: تلخيص الكلام أن البر اسم جامع لأنواع الطاعات والأعمال المقربات، ومنه بر الوالدين وهو استرضاؤهما بكل ما أمكن، وقد قيل: إن البر من خواص الأنبياء ﵈ أي كمال البر، وقد أشار إليهما من أوتى جوامع الكلم ﷺ بقوله: حسن الخلق لأنه عبارة عن حسن العشرة والصحبة مع الخلق بأن يعرف أنهم أسراء الأقدار وأن كل ما لهم من الخلق والرزق والأجل بمقدار فيحسن إليهم فيأمنون منه ويحبونه، هذا مع الخلق وأما مع الخالق بأن يشتغل بجميع الفرائض والنوافل ويأتي بأنواع الفضائل عالمًا بأن كل ما أتى منه ناقص يحتاج إلى العذر وكل ما صدر من الحق كامل يوجب الشكر انتهى، وأصل الصلة وصل الشيء بالشيء: وصلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا وأساؤوا، كذا في المجمع.","vol":"3","page":43},{"text":"قوله [من أبر] فعل متكلم، ووجه ذكر الأم ترجيحها على الأب في أحكام (١) البر والصلة، وأما الاطاعة ففيها تقديم للأب كالتعظيم، ثم تكرار (٢) الجواب مشعر بكثرة البون بين الأبوين في الانفاق. قوله [أي الأعمال أفضل] اختلفت الأجوبة عن ذلك باختلاف السائل والزمان والمكان، ثم إن النبي ﷺ لم يذكر الإيمان ههنا مع ماله من فضل على سائر الأعمال مسلم اتكالًا على فهم الذي سأله واعتمادًا على علمه بإعلامه ﷺ، أو باجتهاد منه أن الإيمان ملاك الأمر ورأس الطاعات، أو لأن السائل سائل عن أفعال الجوارح كما هو الغالب في استعمال لفظ العمل، وليس الإيمان داخلًا فيها.\nقوله [الوالد أوسط إلخ] ثم إن حال الأم معلوم بذلك مقايسة فصح الاستدلال. قوله [وكان متكئًا فجلس] وهذا للاهتمام بشأنه كالتكرار، وإنما أكده دفعًا لما يتوهم من تعقيب ذكره أن أمره خفيف، ولما كثر في النفوس من قلة المبالاة به بخلاف أخويه المتقدمين ولأن ضرره متعد دون ضرر الشرك، وكذلك\n_________\n(١) ففي العالمكيرية: إذا تعذر عليه جمع مراعاة حق الوالدين بأن يتأذى أحدهما بمراعاة الآخر يرجح حق الأب فيما يرجع إلى التعظيم والاحترام وحق الأم فيما يرجع إلى الخدمة والأنعام، وعن علاء الأئمة الحمامي قال مشائخنا: الأب يقدم على الأم في الاحترام والأم في الخدمة حتى لو دخلا عليه في البيت يقوم للأب، ولو سألا عنه ماء ولم يأخذ من يده أحدهما فيبدأ بالأم كذا في القنية انتهى، قلت: وفيه أن البداية من باب التكريم فتأمل.\n(٢) قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، فسوى بينهما في الوصية وخص الأم بالأمور الثلاثة، كذا في الفتح.","vol":"3","page":44},{"text":"هو أعم بحسب المورد من الشرك والعقوق، فكان فيه مضرة جزئية تزيد بها عليهما والشهادة المذكورة أخص من قول الزور، ثم تمنيهم سكوته ﷺ إنما كان لغاية مودتهم إياه، فكانوا يحبون التخفيف (١) عنه ما أمكن، فإنما قصدوا بذلك أنا فهمنا مراده حق الفهم فلا حاجة له إلى تحمل المشقة بعد ذلك.\nقوله [وهل يشتم الرجل والديه] إنما سألوا عن ذلك علمًا منهم أن مثل ذلك لا يمكن أن يقع (٢) عادة، والمنع إنما يفيد عما يقع عادة، وأما النبي ﷺ فلم يحببهم بأن يدفع عنهم استبعاده فيقول: إنه سيقع بعد زمان بل غير الجواب توسيعًا للدائرة فقال: إن سبب الشيء له حكمه، فلما كان التسبب في ذلك من الكبائر علم حال الارتكاب بالأولى، وكان التسبب شائعًا فيهم فكانوا يلعنون ويشتمون آباء الرجال فيجازون عليه، قوله [أن أبر البر إلخ] فإن (٣) هذا دليل على كثرة\n_________\n(١) قال الحافظ: أي تمنينا أنه يسكت إشفاقًا عليه لما رأوا من انزعاجه في ذلك، وقال ابن دقيق العيد: اهتمامه ﷺ بشهادة الزور يحتمل أن يكون لأنها أسهل وقوعًا على الناس والتهاون بها أكثر ومفسدتها أيسر وقوعًا، لأن الشرك ينبو عنه المسلم، والعقوق ينبو عنه الطبع، والقول الزور فالحوامل عليه كثيرة، إلى آخر ما في الفتح.\n(٢) قال الحافظ: هو استبعاد من السائل لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك، فبين في الجواب أنه وإن لم يتعاط السب بنفسه في الأغلب الأكثر لكن قد يقع منه التسبب فيه وهو مما يمكن وقوعه كثيرًا، قال ابن بطال: هذا الحديث أصل في سد الذرائع ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد إلى ما يحرم.\n(٣) قال النووي: فيه فضل صلة أصدقاء الأب والإحسان إليهم بإكرامهم وهو متضمن لبر الأب وإكرامه لكونه بسببه، وتلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشايخ والزوج والزوجة، وقد وردت الأحاديث في إكرامه ﷺ خلائل خديجة ﵂، انتهى.","vol":"3","page":45},{"text":"حبه إياه، وهذا غير خفي على من ابتلى بحب أحد فإن زيادة تعلق قلب الرجل بمتعلقي محبوبه مترتبة على حسب حبه له، فكل ما كان حبه له أوفر كان التعلق بأهل وده أكثر.\nفمن مذهبي حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>[باب في بر الخالة]</span>\nقوله [فهل لي من توبة] لقد تقرر في أكثر النفوس ورسخ أن الجناية العظيمة لا تكفرها التوبة باللسان فإنه أمر خفيف عندهم، ويشهد له قصة ماعز والامرأة الأسلمية فإنهما لم يريا التوبة مكفرًا عنهما حتى قالا طهرنا مع أن الطهارة قد كانت حصلت بالندامة على ما فرطا في جنب الله، فلما عرفت ذلك فاعلم أن الرجل قد كانت معصيته غفرت له كائنًا ما كان بتندمه إلا أنه لم يكن يرى هذه الندامة -وهو أمر لا مشقة فيه- مكفرة عنه فلذلك أمر النبي ﷺ ببر الخالة لا لرفع الجناية فإنها كانت ارتفعت، بل ليحصل في قلبه نوع طمأنينة، وأيضًا فقد ورد في بعض الروايات أن بدر منه ذنب ثم ندم عليه والأولى (١) أن يأتي\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والظاهر فالأولى، ثم ما أفاده الشيخ هو بيان للمراد ومعنى الروايات على الظاهر فإن هذا المعنى ورد بألفاظ مختلفة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وأخرج السيوطي في تفسيره عن أحمد عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن السيء بالحسن، وعنه عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال له يا معاذ اتبع السيئة الحسنة تمحها وعنه عن أبي ذر قلت: يا رسول الله أوصني قال: اتق الله إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة الحديث، وغير ذلك. وقد ورد عند البخاري وغيره في حديث قصة كعب بن مالك أن من توبتي أن أنخلع من مالي، وقد ثبت من قوله ﷺ من قال لصاحبه: تعالى أقامرك فليتصدق، وغير ذلك من الروايات الكثيرة في الباب كأحاديث التصدق في جماع الحائض، وتفويت الجمعة وغيرها، هذا وقد يأتي شيء من ذلك في باب معاشرة الناس في حديث أبي ذر أتبع السيئة الحسنة تمحها.","vol":"3","page":46},{"text":"بعده حسنة لينجبر بذلك ما تطرق إلى باطنه من خبث بارتكاب هذا الإثم، والتوبة وإن كانت ماحية للذنب ولكنها لا تفيد هذا النور والسرور الزائل عنه بشؤم الذنب، ولعل ذنبه يكون من قطعية رحم فناسب أن يبدل موضعه ما يكون صلة، ولا يذهب عليك أن الذنب كان من حقوقه تعالى وسبحانه لا من حقوق العباد فلا يحتاج في اغتفاره إلى شيء سوى التوبة وقد حصلت مع أنه لو كان من حقوق العباد لم يكن السبيل إلى اغتفاره غير عفو صاحب الحق غير أن حقيقة الرحم وغيرهما مما هو متعلق بالعباد لا تخلو عن معصيته تعالى فاحتيج لرفع هذا الإثم إلى التوبة وبقى بر الخالة مجرد فضل.\nقوله [دعوة المظلوم إلخ] فأما إجابة دعوة المظلوم فظاهرة حيث يدعو من حاق قلبه، وأما المسافر فلما له من انكسار لاحق بالبعد عن الأهل والوطن فلا يكون رجاءه إلا إلى الله تعالى خالصًا، وأما الوالد فلأنه لا يقدم على الدعاء بضرر الولد إلا إذا بلغ (١) منه الجهد غايته فيكون مجابًا لا محالة، وبذلك تبين أن المراد في الرواية دعوة الوالد على ضرر الولد وإن كانت دعوته له أيضًا مجابة إلا أنها ليست بتلك المثابة، ثم المراد بالمسافر النازح عن الأوطان وإن لم يكن قدر السفر الشرعي، قوله [لا يجزئ ولد والدًا إلخ] هذا الجزاء إنما هو جزاء إخراجه عن الليس إلا الأيس (٢) فحسب، وبعد ذلك حقوق آخر من تربيته وإلباسه وإطعامه مدة صغره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>[باب في قطعية الرحم]</span>\nقوله [وأوصلهم إلخ] وكان ابن عوف من نبي زهرة وأبو الدرداء جرهم أنصاري ولعلهما يجتمعان في جد من الأجداد البعيدة\n_________\n(١) ليس في المنقول عنه حرف الاستثناء والظاهر سقوطه من الناسخ فزدته.\n(٢) من الألفاظ الاصطلاحية للمناطقة بمعنى الوجود.","vol":"3","page":47},{"text":"ومع ذلك فلم يترك عبد الرحمن أن يعوده ويصل إليه فكان أوصل أصحابه ﷺ، ولا يبعد أن يكون فيه أمور لم تذكر ههنا وهي باعثة لهذا الكلام.\nقوله [أنا الرحمن] يعني بذلك (١) أني شققتها من مادة الرحمة ووضعت فيها قسطًا من الرحمة وإن لكل من اسمه نصيبًا، ولا يبعد أن يراد بالاسم نفس المسمى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>[باب في حب الولد]</span>\nقوله [وتجهلون] من الجهل مقابل العلم لا ما يقابل الحلم فإن بعضهم كان بالاشتغال بالأولاد والأهل لم يحضر المدينة فبقى جاهلًا فعزم على أن يقتل أولاده ولا يبعد حمله على مقابل الحلم لأنه يكون سببه أيضًا، قوله [وإنكم لمن ريحان الله] دفع لما أوهمه الكلام السابق من أنهم لما كان شأنهم ذلك فلا ينبغي أن يتوجه إليهم أحد بل ولا ينظر إليهم بمؤخرة عينية أيضًا، فقال إنكم من ريحانة الله، والريحانة (٢) محبوبة مشمومة تورث فرحًا في القلب وحبورًا وتوجب تسلية للكئيب وسرورًا فكذلك ينبغي أن يكون الرجل بأولاده الأدنين منهم والأقصين.\n_________\n(١) وفي رواية للبخاري: الرحم جنة من الرحمن، قال الحافظ: الشجنة عروق الشجر المشتبكة أي يدخل بعضها في بعض أخذ اسمها من هذا الاسم كما في حديث السنن شققت لها اسمًا من اسمي، والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة، وقال الإسماعيلي: معنى الحديث أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن فلها به علقة وليس معناه أنها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك انتهى، والخلاف في واضع اللغات من هو شهير.\n(٢) قال الحافظ قال صاحب الفائق: أي من رزق الله يقال سبحان الله وريحانه أي أسبح الله واسترزقه ويجوز أن يراد به الشموم لأن الأولاد يشمون ويقبلون فكأنهم من جملة الرياحين.","vol":"3","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>[باب في رحمة الولد]</span>\nقوله [إنه من لا يرحم إلخ] فإن التقبيل (١) وأمثاله لما كانت أمارات على رقة القلب علم بانتفائه انتفاؤها، وفيه مراتب بعضها اضطرارية وهي أعلى مراتبها، والحكم عليه (٢) بذلك اللفظ مشعر بقلة المرحومية على قلة الراحمية، وبكثرتها على كثرتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>[باب في النفقة على البنات]</span>\nقوله [وقد زادوا في هذا الإسناد إلخ] وذلك لأن سعيد بن عبد الرحمن من الطبقة السادسة ولم يثبت لقاؤه أحدًا من الصحابة فلا بد أن يكون بينه وبين أبي سعيد واسطة غير أنه لم يسم (٣) أحد حتى يعلم والله أعلم، قوله [فأخبرته] إنما أخبرت عائشة بذلك النبي ﷺ ولم يكن بأمر عجيب يعجب منه لأنها لم تكن ذاقت حلاوة الولادة فلم تكن تدري ما تعلق الوالدة بولدها فعجبت أن توثر ولدها وهي أحوج منه إلى الأكل.\nقوله [دخلت أنا وهو الجنة كهاتين إلخ] المراد بذلك استحقاقه المعية لو\n_________\n(١) قال الحافظ: وفي جواب النبي ﷺ للأقرع إشارة إلى أن تقبيل الولد وغيره من الأهل المحارم وغيرهم من الأجانب إنما يكون للشفقة والرحمة لا للذة والشهوة، وكذا الضم والشم والمعانقة، انتهى.\n(٢) يعني قوله ﷺ: من لا يرحم كما يتناول نفي الرحمة رأسًا كذلك يشمل قلة الرحمة، ويترتب عليه جزاؤه الرحمة عليه.\n(٣) وقد أخرجه أبو داؤد عن سهيل بن أبي صالح عن سعيد الأعشى عن أيوب بن بشير عن أبي سعيد الخدري، وبمثله أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وروايتهما تدل على أنه وقع القلب في سند الترمذي المذكور قبل ذلك، ولا يبعد أن يكون غرض الترمذي الإشارة إلى هذا الرجل أنهم زادوه مع الاختلاف فيما بينهم في محله، ثم لا يذهب عليك أن الترجمة على هذا الحديث في النسخ التي بأيدينا النفقة، وذكر في الإرشاد الرضي أنه يوجد في بعض النسخ الفقد بمعنى التفقد وتفحص الحال، فتأمل.","vol":"3","page":49},{"text":"لم تكن في النبي ﷺ ما يوجب سبقه في الدخول، أو المراد المعية في الدخول وليس فيه ما يوجب أنه ﷺ لم يدخل قبلها، أو المعية معية الخادم لمخدومه، ويمكن أن يقال: إن المراد بذلك غاية القرب بين دخولهما لا المعية الحقيقية، أو يقال: إن الإشارة بالأصبعين الوسطى والسبابة كافية في بيان الفرق في دخولهما فإن السبابة متأخرة عن الوسطى، وإنما احتيج إلى هذه الأجوبة (١) لما ورد أنه ﷺ أول من يستفتح باب الجنة وأول من يدخلها، وأيضًا فإن الأنبياء ﵈ سابقون من أفراد الأمم يقينًا فاحتيج إلى توجيهه والله أعلم. قوله [ينكر هذا التفسير] الذي أنكره سفيان (٢) وغرضه ما أسلفنا لك أن أمثال هذه لا يبين للعوام لئلا يجترؤا على ارتكاب ما أخاف عنه النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>[باب في رحمة الناس]</span>\nقوله [من لم يرحم إلخ] ثم عدم الرحم (٣) من\n_________\n(١) وهذا كله على اتصال الأصبعين، ورواية البخاري بلفظ: وفرج بين أصبعيه لا تحتاج إلى توجيه كما ذكره الحافظ في الفتح.\n(٢) قال العيني: قوله ليس منا أي ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد الخروج به من الدين جملة إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة اللهم إلا أن يعتقد حل ذلك، وسفيان الثوري أجراه على ظاهره من غير تأويل لأن إجراءه كذلك أبلغ في الانزجار مما يذكر في الأحاديث التي صيغها ليس منا انتهى، ولا يذهب عليك أن المنكر في الترمذي والعيني وغيرهما الثوري، وفي النووي وغيره ابن عيينة ولا مانع من الجمع.\n(٣) قال الحافظ: وقد ورد من لم يرحم المسلمين لم يرحمه الله، وفي رواية من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء، قال ابن بطال: فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق فيدخل المؤمن والكافر والبهائم والمملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب، ثم ذكر الحافظ اختلاف الألفاظ الرواية والأقاويل في معنى قوله من لا يرحم بأن أي أنواع الرحمة يراد، قال الحافظ: وهو في حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داؤد والترمذي والحاكم بلفظ: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وهذا الحديث قد اشتهر بالمسلسل بالأولية انتهى، قلت: وهو كذلك تسلسل إلينا بوساطة شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي وهو أول حديث من رسالته المسلسلات.","vol":"3","page":50},{"text":"الجانبين له مراتب كثيرة. قوله [كتب به إلى منصور] أي وبعد ذلك لقيته فقرأته عليه إجادة للإجازة وإن كان (١) يكفي الاكتفاء بالأول. قوله [لا تنزع الرحمة] مراتب الشقاوة مرتبة على مراتب النزع. قوله [الدين النصيحة] النصيحة هو الخلوص، ثم لله (٢) يشمل جميع ما وراءه إلا أنه بين بعض أنواعه لمزيد الاهتمام والتنبيه لمن لا ينتبه لدخولها تحته.\n_________\n(١) فإن الرواية بالكتاب جائزة عند جمهور المحدثين كما بسطه أهل الأصول، والحديث بالطريقين معًا الكتابة والقراءة أخرجه أبو داؤد.\n(٢) يعني قوله: النصيحة لله يشمل جميع النصائح كائنة لمن كاتب لأنها كلها لله تعالى لكن أفرد بعض أنواعها اهتمامًا بها، قال الحافظ قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له وهي من وجيز الكلام بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها إنها أحد أرباع الدين، وقال النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها، فالنصيحة لله وصفه بما هو له أهل والخضوع له ظاهرًا وباطنًا والرغبة في محابه بفعل طاعته والرهبة من مساخطه بترك معصيته والجهاد في رد العاصين إليه، إلى آخر ما قاله.","vol":"3","page":51},{"text":"قوله [المسلم أخو المسلم] ثم أشار إلى بعض ما تقتضيه الأخوة من آداب حسن المعاشرة، وقوله يكذب يصح مخففًا ومشددًا. قوله [كل المسلم إلخ] ثم أشار إلى تفصيل الكلية، وقدم العرض لعدم اعتداد أكثر الناس بأعراض إخوانهم فيقعون في أعراضهم بالسب والشتم، ولأن العرض أعز من النفس عند الأكثر فكيف بالمال. قوله [إن أحدكم مرآة أخيه] في إظهار عيبه عليه بحيث لا يظهر على غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>[باب الستر على المسلمين]</span>\nقوله [ومن ستر على مسلم إلخ] يعم ستر عورته وعيبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>[باب في مواساة </span>الأخ] قوله [هلم أقاسمك إلخ] وبذلك يظهر المطابقة بالترجمة والمواساة من جانب الآخر رده عليه أهله وماله ودعاؤه له بالبركة فيهما.\nقوله [أولم ولو بشاة] الظاهر كونها ترقيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>[باب في الغيبة]</span>\nقوله [فقد بهته] مع ارتكاب الغيبة لصدق ما عرف به النبي ﷺ الغيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>[باب في الحسد]</span>\nقوله [لا تقاطعوا إلخ] هو الأعراض من بعد قبل أن يلتقيا، والتدابر إعراضهما بعد القرب واللقاء كما سبق من قوله يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، أو التقاطع بالقلب والتدابر بالظاهر. قوله [لا حسد إلخ] إن أخذ (١) بمعنى الغبطة فالمعنى أن النبي ﷺ نفى صلاحية الغبطة عن كل الخصال\n_________\n(١) قال العيني: فإن قلت الحسد موجود في الحاسد لا في اثنين فما معنى هذا الكلام؟ قلت: المعنى لا حسد للرجل إلا في شأن اثنين، لا يقال قد يكون الحسد في غيرهما فكيف يصح الحصر لأنا نقول: المراد لا حسد جائز في شيء من الأشياء إلا في اثنين، أو المعنى لا رخصة في الحسد في شيء إلا في اثنين، فإن قلت: في هذه الاثنين غبطة وهو غير الحسد فكيف يقال لا حسد؟ قلت: أطلق الحسد وأراد الغبطة من قبيل إطلاق اسم المسبب على السبب، وقال الخطابي: معنى الحسد ههنا شدة الحرص والرغبة، كنى بالحسد عنهما لأنهما سببه والداعي إليه فلذا سماه البخاري (في الترجمة) اغتباطًا، وفيه قول بأنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد وإخراج له عن جملة ما حظر منه كما رخص في نوع من الكذب وإن كانت جملته محظورة فالمعنى لا إباحة في شيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله، وقيل: هذا استثناء منقطع بمعنى لكن، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، أي لا حسد إلا في هذين الاثنين وفيهما أيضًا لا حسد فلا حسد أصلًا، انتهى.","vol":"3","page":52},{"text":"إلا هاتين، وإن ترك الحسد على معناه فالمراد أن الحسد لو جاز ووقع لكان هاتان الخصلتان لهما صلاحية أن يحسد عليهما مع أن الحسد لا يجوز أصلًا فلا يجوز أيضًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>[باب في إصلاح ذات البين]</span>\nقوله [أو نما خيرًا] (٢) أي نسبه، والمراد بالكذب ههنا هو معناه الحقيقي، إلا أن العلماء احتاطوا فقالوا: المراد به (٣) التورية ودعًا للعوام عن الاجتراء عليه، وتسميته كذبًا بحسب ما فهمه المخاطب\n_________\n(١) أي فيهما أيضًا.\n(٢) قال العيني: من نمى الحديث إذا رفعه وبلغه على وجه الإصلاح، وأنماه إذا بلغه على وجه الإفساد، وكذلك نماه بالتشديد وقال ابن فارس: نميت الحديث إذا أشعته ونميت بالتخفيف أسندته. وقال الزجاج في فعلت وأفعلت نميت وأنميت بمعنى ثم بسط في تحقيق لغته.\n(٣) قال الطبري: اختلف العلماء في هذا الباب فقالت طائفة: الكذب المرخص فيه في هذه هو جميع معاني الكذب، فحمله قوم على الإطلاق، وأجازوا قول ما لم يكن في ذلك لما فيه من المصلحة، فإن الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة، وقال الآخرون: لا يجوز الكذب في شيء من الأشياء، وما جاء في هذا إنما على التورية وطريق المعاريض، تقول للظالم: فلان يدعو لك وتنوي قوله: اللهم اغفر لجميع المسلمين، ثم بسط العيني أمثلة التورية.","vol":"3","page":53},{"text":"من كلامك. قوله [من ضار] بتشديد الراء في المواضع الثلاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>[باب في حق الجوار]</span>\nقوله [أهديتم] من المجرد (١) والمزيد، والهمزة على الأول للاستفهام، والهمزة على الثاني محذوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>[باب النهي عن ضرب الخدام </span>إلخ] قوله [أقام الله عليه الحد يوم القيامة] وبذلك يعلم أن الحد (٢) لا يقام على من قذف مملوكه. قوله [كل يوم سبعين مرة] كأنه أمر بالعفو مطلقًا فإن زيادة الجنايات على سبعين عسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>[باب في أدب الولد]</span>\nقوله [لأن يؤدب الرجل ولده خير إلخ] لبقائه دون (٣) ذاك، فإن الولد يؤدب الآخرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>[باب الشكر لمن أحسن إليك]</span>\nقوله [من لا يشكر الناس إلخ] فإن إنعام (٤)\n_________\n(١) قلت: لكن الأكثر في هذا المعنى الإهداء، قال الراغب: الهداية دلالة بلطف ومنه الهدية، وخص ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت نحو أهديت الهدية وهديت إلى البيت انتهى. قلت: اللهم إلا أن يقال إن كلام الشيخ مأخوذ من قولهم: هديت العروس إلى زوجها.\n(٢) قال الحافظ قال الملهب: أجمعوا على أن الحر إذا قذف عبدًا لم يجب عليه الحد، ودل هذا الحديث على ذلك لأنه لو وجب على السيد أن يجلد في قذف عبده في الدنيا لذكره كما ذكره في الآخرة، وإنما خص ذلك بالآخرة تمييزًا للأحرار من المملوكين، فأما في الآخرة فإن ملكهم يزول عنهم ويتكافئون في الحدود ويقتص لكل منهم، ولا مفاضلة حينئذ إلا بالتقوى، قال الحافظ: في نقله الإجماع نظر ثم حكى الاختلاف في قذف أم الولد.\n(٣) يعني نفع تأديب الولد متعد بخلاف الصدقة فإن نفعها لازم عادة ونفع الأول من الباقيات الصالحات بخلاف الثاني.\n(٤) وقال الخطابي: هذا الكلام يتأول على وجهين أحدهما أن من كان طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله ﷿ وترك الشكر له، والوجه الآخر أن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر، انتهى كذا في البذل.","vol":"3","page":54},{"text":"العبد ظاهر، وإنعامه تعالى خفي، فمن لم يشكر ما ظهر سببه كيف يشكر خفي السبب مع احتياجه إليه وحبه له، والله سبحانه غني عنه.\nقوله [كان له مثل عتق رقبة] أي في فكاك آرابه من النار، وهذا بيان لما أجمله في الرواية من مقدار الصدقة. قوله [فأخره] يمكن أن يكون بقطعه أو من غير قطعه بالإمالة (١) وهذا إذا كانت على الشجر، وأما إذا لم يكن على الشجر بل ساقطًا يابسًا يتعين الإماطة (٢)، وحينئذ فإطلاق الغصن عليه مجاز والأول أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>[باب المجالس بالأمانة]</span>\nقوله [ثم التفت] إما أن يراد الالتفات في أثناء الحديث فيستدل بذلك على أن السامع (٣) يريد إخفاء مرامه على غيره، فالمعنى على هذا أن المخاطب إذا انتزع من التفات المخاطب يمنة ويسرة إخفاء حديثه على غيره ليس له أن يذكره عند غيره، وإن لم يأمره بذلك صراحة، ويمكن (٤)\n_________\n(١) ويؤيد الأول ما ورد في بعض طرق الرواية رأيت رجلًا ينقلب في الجنة في شجرة قطعها من طريق المسلمين، هكذا في جمع الفوائد.\n(٢) كتب عليه بعض نظاره أن الصواب الإمالة كما في الأول، وأنت خبير بأنه وهم والصواب ههنا هو الإماطة كما لا يخفى.\n(٣) هكذا في الأصل والصواب على الظاهر بدله المتكلم كما يدل عليه السياق.\n(٤) ففي المجمع يعني إذا حدث أحد عندك حديثًا ثم غاب صار حديثه أمانة عندك ولا يجوز إضاعتها والخيانة فيها بإفشائها، والظاهر أن التفت بمعنى التفات خاطره إلى ما تكلم، فالتفت يمينًا وشمالًا احتياطًا كأنه يريد الإخفاء فثم ههنا للتراخي رتبة.","vol":"3","page":55},{"text":"أن يكون المراد هو الالتفات بعد انقضاء الكلام وتمامه، فالمعنى أعم من الأول، إذ المقصود على الأول إخفاءه إذ علم من حالة المتكلم إرادته، وعلى الثاني مطلقًا، وظاهر صنيع الترمذي هو الإطلاق، إذ لم يقيد الترجمة بإرادته، والغرض منه على أحد المعنيين إظهار أن الأمر بالإخفاء لا ينحصر في الصراحة، بل بها وبالدلالة، ثم إن الأمر بالإخفاء مقيد (١) بما إذا لم يكن فيه إضرار لأحد، فأما إن كان ذلك وجب إظهاره على من خاف ضرره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>[باب السخاء]</span>\nقوله [لا توكي] إنما أمرها (٢) بذلك لعلمه ﷺ مجال زوجها أنه لا يمنعها قوله [والجاهل السخي] المراد به غير العابد (٣) سوى فرائضه، والمراد بالعابد في مقابلته العابد العالم لملازمة بينهما، فإن الجاهل المطلق لا تعتبر عبادته، وفيه إشارة إلى أن العلم الخالي عن العمل بمقتضاه كأنه ليس علمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>[باب في البخل]</span>\nقوله [خصلتان لا تجتمعان إلخ] فإن الذي اقتضاه الإيمان أن ينتفع به العباد والبلاد، ومن ليس فيه شيء من هاتين ليس ينتفع به عباد الله لا بماله لبخله ولا بنفسه لسوء خلقه، فلا ينبغي للمسلم أن يكون كذلك، والبخيل في الأحاديث الواردة ههنا من لا يؤدي حقوقه تعالى المالية.\n_________\n(١) لما في الروايات من الإشارة إلى ذلك، منها ما في أبي داؤد وغيره من حديث جابر مرفوعًا: المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق.\n(٢) وتقدم شيء من البسط في ذلك في باب نفقة المرأة من بيت زوجها في كتاب الزكاة.\n(٣) يعني المراد بالجاهل السخي الذي لا يعبد غير الفرائض، أما الذي ترك الفرائض أيضًا لا يمكن أن يكون أحب إلى الله، وكذا علم من المقابلة أن المراد بالعابد العالم وعبره بالعابد للملازمة بينهما اعتبارًا فإن العلم بدون العمل على مقتضاه وبال، كما أن العبادة بدون العلم مجرد اتعاب للنفس.","vol":"3","page":56},{"text":"قوله [لا يدخل الجنة خب] قد يلزم (١) في تلك الخصال ما يفضي إلى الكفر كما هو ظاهر، وعلى هذا فالنفي عن دخول الجنة على حقيقته. قوله [المؤمن غر كريم] كونه غرًا لا يقتضي كونه يعامل بحيث يغبن حتى ينافي قوله (٢) ﷺ: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، بل المراد بذلك حسن ظنه (٣) بكل أحد وإن عامل بالحزم، ثم المراد بالمؤمن إن كان هو الكامل فالفاجر الفاسق العاصي، وإن كان عامًا فالمراد بالفاجر في مقابلته هو الكافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>[باب النفقة على الأهل]</span>\nقوله [ثم قال] أي أبو قلابة كأنه استنبط عن الحديث بتقديمه في الذكر مسألة فبينها وقال: وأي رجل إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>[باب في الضيافة]</span>\nقوله [من كان يؤمن بالله إلخ] وهذا كان (٤)\n_________\n(١) ويحتمل أن يكون المراد بالخب الكافر فلا يحتاج إلى التأويل فقد ورد في أبي داؤد من حديث أبي هريرة مرفوعًا المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم.\n(٢) وقيل في الجمع بينهما: إنه غر في أمور دنياه ولا يلدغ في أمور أخراه. وقيل قوله ﷺ: لا يلدغ نهي وإنشاء وليس بنفي، وقوله غر إخبار عن حاله.\n(٣) وعلى هذا فلا ينافي قوله ﷺ اتقوا فراسة المؤمن فإنه مع فراسته يغتر بحسن الظن أحيانًا.\n(٤) وهذا أشهر الأجوبة عن حديث الباب، وتوضيح ذلك أنه وردت في باب الضيافة روايات كثيرة توجب الضيافة وتؤكدها، منها ما في أبي داؤد وغيره عن أبي كريمة مرفوعًا ليلة الضيف حق على كل مسلم فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين إن شاء اقتضى وإن شاء ترك، وفي أخرى له مرفوعًا أيما رجل أضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقري ليلة من زرعه وماله، ومنها ما في البخاري وغيره عن عقبة بن عامر قال قلنا النبي ﷺ: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى فيه فقال لنا: إن نزلتم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فأقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف. قال الحافظ: ظاهر هذا الحديث أن قرى الضيف واجب وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة أخذت منه قهرًا، وقال به الليث مطلقًا، وخصه أحمد بأهل البوادي دون القري، وقال الجمهور: الضيافة سنة مؤكدة وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أحدها حمله على المضطرين، ثم اختلفوا هل يلزم المضطر العوض أم لا، وأشار الترمذي إلى أنه محمول على من طلب الشراء محتاجًا فامتنع صاحب الطعام فله أن يأخذ منه كرهًا، وثانيها أنه كان في أول الإسلام فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك، الثالث أنه مخصوص بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات من جهة الإمام، الرابع أنه مخصوص بأهل الذمة، الخامس تأويل المأخوذ بأن المرد تأخذوا من أعراضكم بألسنتكم وتذكروا ذلك للناس، وبسط الحافظ الكلام على هذه الأجوبة مع التعقبات عليها.","vol":"3","page":57},{"text":"واجبًا في أول الأمر حين كانت بالمسلمين قلة في عددهم (١) وعددهم ثم نسخ الوجوب والاستحباب باق، ثم الظاهر أن سؤالهم بقولهم ما جائزته (٢) ليس\n_________\n(١) الأول بفتحتين اسم من عد يعد بمعنى المعدود، والثاني بضم العين جمع عدة ما يهيؤ للحوادث.\n(٢) أصل الجائزة العطية وللتحفة كما في القاموس، واختلفوا في المراد بها فقيل: الاتحاف والتكلف في الضيافة، والمعنى يتكلف في الضيافة يومًا وليلة ويطعمه ما يحضره بعد ذلك، وعلى هذا يوم الجائزة أول الأيام وقيل: المعنى يتحفه ما يجوز به مسافة يوم وليلة، وعلى هذا الجائزة بمعنى الجيزة وهي قدر ما يجوز به المسافر من مهل إلى منهل، وعلى كلًا المعنيين اختلفوا في أن هذا اليوم داخل في الثلاث أو خارج عنها، وقيل: المعنى أن المسافر تارة يقيم عند من ينزل عليه، فهذا لا يزاد على الثلاث بتفاصيلها، وتارة لا يقيم فهذا يعطي ما يجوز به قدر كفايته يومًا وليلة، قال الحافظ: ولعل هذا أعدل الأوجه، وقيل: المعنى جائزته يوم وليلة إذا اجتاز به وثلاثة أيام إذا قصده، فهذه أربعة أوجه في معناه مبسوطة في شروح البخاري وغيرها.","vol":"3","page":58},{"text":"عنها نفسها لعلمهم بها، بلى المقصود تعيين مدتها وبذلك يطابق بين السؤال والجواب، ولا يبعد حمل الأمر على الاستحباب من أول الأمر حتى لا يحتاج إلى القول بالنسخ.\nقوله [الساعي على الأرملة والمسكين] لأنه يعمل لهم ويجهد فيهم، وحاصل المجاهد (١) كذلك يجتمع في بيت المال لهؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>[باب الصدق والكذب]</span>\nقوله [عليكم بالصدق إلخ] هذا إذا لم يكن فيه تفويت حق أو سفك دم أو غيره من المصالح التي ضررها فوق ذلك، فإن الصدق إذ ذاك ممنوع (٢) قوله [فإن الصدق يهدي إلخ] يعني أن الاعتياد بكل\n_________\n(١) أي ما يحصل للمجاهد من الغنيمة يجتمع لهم في بيت المال ثم لا يذهب عليك أن حديث صفوان مرسل لأنه تابعي واختلفت الروايات في قوله: أو كالذي يصوم، فروى بلفظ أو بالشك، وبالواو كما بسطته الحافظان ابن حجر والعيني في شرحي البخاري، في لا يخفى لطف ما بوب المصنف بلفظ اليتيم على الحديث بلفظ المسكين.\n(٢) كما صرح به الفقهاء، وبسطه ابن عابدين مع الاختلاف فيما بينهم في جواز الكذب أو الاكتفاء بالمعاريض فقد قالوا: لو رأى معصومًا اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه لا يجوز له إعلامه، وكذا لو سأله عن وديعة يريد أخذها يجب إنكارها، وقال العيني في شرح البخاري: قد اتفق الفقهاء على أن الكذب جائز بل واجب في بعض المقامات كما أنه لو طلب ظالم وديعة ليأخذها غصبًا وجب على المودع عنده أن يكذب بمثل لا يعلم موضعها بل يحلف عليه، قلت: وسيأتي شيء من ذلك في تفسير سورة الأنبياء.","vol":"3","page":59},{"text":"خصلة حسنة يجر إلى غيرها، كما أن الاعتياد بالقليل من شيء يجر إلى كثيره.\nقوله [فإنها مأسورة] أي ظاهرًا وباطنًا وإن كان في الحقيقة كل شيء مأمورًا.\nقوله [ما دعوة أسرع إجابة إلخ] لتمحضها لله الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>[باب في الشتم]</span>\nقوله [ما لم يعتد المظلوم] لأنه أتى بما أمر به في قوله: جزاء سيئة سيئة، الآية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وأما إذا اعتدى فهو (١) على المظلوم لكونه زائدًا على حقه قوله [سباب المسلم إلخ] لا يخفي على ذوي الألباب أن ست المسلم إن كان مستحلًا فهو كفر، والقتال (٢) إن لم يكن استحلالًا لا يكون كفرًا فما توجيه تخصيص أحدهما بالفسوق وثانيهما بالكفر؟ والجواب منه أن أمثال هذه فيما بين المسلمين لا تقع استحلالًا، فالجزاء في السباب والقتال إنما هو الإثم إلا أنه أبرز الثاني بلفظ الكفر أراءة (٣) لهم شدة مقاربته بالكفر كأنه بارتكابه القتل قد تداخله الكفر وإن لم يكن بالمعنى الذي يؤيد دخول النار\n_________\n(١) يعني إذا اعتدى فيكون وبال الاعتداء على المظلوم لأنه ظالم في هذا الحق الزائد.\n(٢) قال العيني: لم يرد بقوله وقتاله كفر حقيقة الكفر التي هي خروج عن الملة بل إنما أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، والإجماع من أهل السنة منعقد على أن المؤمن لا يكفر بالقتال ولا بمعصية أخرى، وقال ابن بطال: ليس المراد بالكفر الخروج عن الملة بل كفران حقوق المسلمين. ويقال: أطلق عليه الكفر لشبهة به لأن قتال المسلم من شأن الكافر، ويقال: المراد به الكفر اللغوي، وقال الكرماني: المراد أنه يؤول إلى الكفر لشومه.\n(٣) قال العيني بعد ما بسط في وجوه إطلاق الكفر عليه: إن قلت السباب والقتال كلاهما على السواء في أن فاعلهما يفسق ولا يكفر، فلم قال في الأول فسوق وفي الثاني كفر؟ قلنا: لأن الثاني أغلظ أو لأنه بأخلاق الكفار أشبه.","vol":"3","page":60},{"text":"أو يحرم دخول الجنة مطلقًا، فكان كقوله (١) ﷺ: من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>[باب في فضل المملوك الصال </span>ح] قوله [قال كعب صدق الله ورسوله] تصديقه إما لو جدا ذلك في الكتب السماوية الأخر، أو لما علم من إشكال هذا الأمر لابتلائه بأمثالها (٢).\nقوله [واتبع السيئة الحسنة تمحها] وهذا أبلغ درجات المحو والكنها (٣) وإلا ففي التوبة كفاية فإنها عزوت (٤) ماحية إلا أن الذنب لما كان يورث ظلمة (٥) في القلب وأثر سوء أمر باتباع إياه ليمحي أثره بالكلية. مع أن التوبة\n_________\n(١) قال السخاوي: رواه الدارقطني في العلل من حديث الربيع بن أنس عن أنس، وليس هو بأبيه، وروى عن الربيع مرسلًا وهو أشبه بالصواب، ورواه البزار من حديث أبي الدرداء، والحديث عند الترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم من حديث بريدة بدون قوله: متعمدًا، ولمسلم عن جابر رفعه بين الرجل والكفر ترك الصلاة، انتهى مختصرًا.\n(٢) هكذا في الأصل، وحق العبارة بأمثاله.\n(٣) هكذا في الأصل ويحتمل أن يكون أمكنها من مكن بمعنى قدر، أو من المكانة بمعنى المنزلة، ويحتمل أن يكون ألكها من لكي به إذا أولع به أو لزمه، والأوجه الأول.\n(٤) هكذا في الأصل. والظاهر أنها عرفت، ويحتمل أن يكون غردت، قال المجد: العرد الصلب الشديد المنتصب إلخ أي أقيمت بالشدة ماحية.\n(٥) فقد ورد عند المصنف من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإذا نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيه حتى يعلو قلبه وهو الران الذي ذكره الله تعالى ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ هكذا في جمع الفوائد عن الترمذي، هذا وتقدم شيء من ذلك في بر الخالة.","vol":"3","page":61},{"text":"الصادقة الخالصة قلما تيسر فينجبر بالعمل الصالح ما فيها من النقص، وأما قوله تعالى شأنه: إن الحسنات يذهبن السيئات فلعل المراد بالسيئات ما لم يتب منها من الصغائر، ولا يبعد حملها على ما ذكر ههنا في معنى الرواية.\nقوله [وخالق الناس بخلق (١) حسن] والخلق الحسن معاملتك بالخلق على ما يرضى به الخالق وهذا أصح معانيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>[باب في سوء الظن]</span>\nقوله [إياكم والظن إلخ] إطلاق الحديث (٢) عليه\n_________\n(١) قال الراغب: الخلق والخلق يعني بالضم والفتح في الأصل بمعنى واحد كالشرب والشرب، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة، كذا في العيني وقال صاحب نور الأنوار تحت قول الماتن والصلاة على من اختص بالخلق العظيم: الخلق ملكة يصدر عنها الأفعال بسهولة، والكيفية النفسانية إن كانت راسخة في النفس تسمى ملكة، وإلا حالًا والخلق العظيم على ما قالت عائشة كما رواه مسلم وأبو داؤد وغيرهما برواية سعيد بن هشام عنها هو القرآن، يعني إن العمل بالقرآن كان جبلة له ﷺ من غير تكلف، وقيل: هو الجود بالكونين والتوجه إلى خالقهما، وقيل: هو ما أشار إليه ﷺ بقوله: صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأحسن إلى من أساء إليك، والأصح أن الخلق العظيم هو السلوك إلى ما يرضى عنه الله تعالى والخلق جميعًا، وهذا غريب جدًا، انتهى بزيادة. وتقدم شيء من تفصيل هذا المعنى في أول كتاب البر والصلة في كلام القارئ في الحاشية.\n(٢) قال الحافظ: قد استشكلت تسمية الظن حديثًا وأجيب بأن المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولًا أو فعلًا، ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن، فوصف الظن به مجازًا، انتهى.","vol":"3","page":62},{"text":"لكونه حديث النفس، وكونه أكذب (١) أي أغلظ لما له من رسوخ نسبة إلى كذب اللسان، ولما أن الكذب اللساني كثيرًا ما يكذبه غيره، بخلاف ما إذا عقد عليه القلب، ولم يبينه إذ لا مكذب له إذ لم يسمعه غيره حتى يصدقه أو يكذبه، فلا وجه إلى اندفاعه من قلبه بخلاف اللساني فإنه مظنة السقوط.\nقوله [فالذي يظن ظنًا ويتكلم به] وليس المراد به التكلم بالفعل إذ لو كان كذلك لبقى قسم خارج منه وهو ما لم يتكلم به لكنه أثبته في القلب، فلذلك قلنا التكلم أعم من أن يكون بالفعل أو بمعنى أن يصلح هذا الظن للكلام بأن يستقر في القلب ولا يكذبه المرء من نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>[باب في المزاح]</span>\nقوله [ما فعل التغيير] فيه دلالة على جواز صيد (٢)\n_________\n(١) قال الحافظ: وإنما صار أشد من الكذب لأن الكذب في أصله مستقبح مستغني عن ذمه بخلاف هذا فإن صاحبه بزعمه مستند إلى شيء، فوصف بكونه أشد الكذب مبالغة في ذمة والتنفير منه، وإشارة إلى أن الاغترار به أكثر من الكذب المحض لخفائه عليه ووضوح الكذب المحض.\n(٢) الأول مصدر والثاني بمعنى المصيد وهو ما يصاد، والمسألة خلافية فقال الأئمة الثلاثة: المدنية لها حرم فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، لكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم خلافًا لابن أبي ذئب فإنه قال يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من فعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي في القديم، فقال: من اصطاد في المدينة صيدًا أخذ سلبه، وقال في الجديد بخلافه وقال ابن حزم: من احتطب في حرم المدينة فحلال سلبه وكل ما معه في حاله تلك وتجريده إلا ما يستر عورته، وقال الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدنية حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها، هكذا في البذل عن العيني وذكر دلائل الحنفية فأرجع إليه لو شئت.","vol":"3","page":63},{"text":"صيد المدينة، فعلم أنها ليست حرمًا كحرم مكة. قوله [إنك تداعبنا] قصدوا (١) بذلك استعظامه عن أمثال هذه لما له من فضيلة ومكرمة عند الله وعند الناس، فأجاب بأنه لا ضير فيه ما لم يتضمن كذبًا وخديعة أو إيذاء لمسلم (٢)، فإذا تضمن شيئًا من مناهي الشرع فلا يجوز تعاطيه. قوله [إن رجلًا استحمل] (٣) هبة أو عارية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>[باب في المراء]</span>\nقوله [ولا تعده موعدًا فتخلفه والنهي تبزه (٤) فإن\n_________\n(١) إلى ذلك مال الطيبي وغيره جمع من الشراح، ومال عصام في شرح الشمائل إلى أنه يبعد أن يخطر ببا لهم أنه يصدر عنه ﷺ مالًا ينبغي فضلًا عن اعتراضهم عليه، كأنهم قصدوا السؤال عن المداعبة هل هي من خصائصه فلا يقتدي به فيها فأجاب بأني لا أقول إلا حقًا، فمن حافظ على قول الحق وتجنب الكذب وإبقاء المهابة والوقار فله أن يمزح.\n(٢) ولذا صرحوا بأنه سنة، قال المناوي في شرح الشمائل: دخل الشعبي وليمة فرأى أهلها سكوتًا فقال مالي أراكم كأنكم في جنازة أين القناء أين الدف؟ وقيل لسفيان بن عيينة المزاج محنة، فقال: بل سنة لكن الشأن فيمن يحسنه ويضعه مواضعه.\n(٣) أي سأله أن يعطيه حمولة يركبها.\n(٤) قال العيني: نبه بقوله إذا وعد أخلف على فساد النية لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا عزم عليه مقارنًا لوعده، أما إذا كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم توجد فيه صفة النفاق، ويشهد لذلك ما رواه الطبراني بإسناد لا بأس به في حديث طويل من حديث سلمان: إذا وعد وهو يحدث نفسه بأنه يخلف، وكذا قال في باقي الخصال، وقال العلماء: يستجب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم ويستحب أن يعقب الوعد بالمشية ليخرج عن صورة الكذب، ويستحب إخلاف الوعيد إذا كان التوعد به جائزًا ولا يترتب على تركه مفسدة انتهى، ثم قال: إن جماعة من العلماء عدوًا هذا الحديث من المشكلات من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بلسانه وقلبه مع أن الإجماع حاصل على أنه لا يحكم بكفره ولا ينفاق يجعله في الدرك الأسفل، ثم أجاب عن هذا الإشكال بثمانية وجوه فارجع إليه لو شئت.","vol":"3","page":64},{"text":"الخلف في الوعد أمر لا يستحب وإن كان جائزًا، ولا كراهة فيه إذا كان (١) عند الوعد عازمًا ثم بدا له أن لا يفعل، فأما إذا كان يضمر وقت الوعد أن لا يفعل كان نفاقًا وتغريرًا وهو ممنوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>[باب في المداراة]</span>\nقوله [من تركه الناس اتقاء فحشه] من (٢) هذه تصلح للإطلاق على النبي ﷺ، فالمعنى إني لم أفحش لئلا ينفض الناس من حولي، وتصلح للإطلاق على الذي جاءه ﷺ بأني لم أترك ما كان له إلا لاتقائي بالمداراة عن فحشه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>[باب في الكبر]</span>\nقوله [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من\n_________\n(١) لما تقدم في كلام العيني الإشارة إليه من حديث سلمان، وفي جمع الفوائد من حديث زيد بن أرقم رفعه: إذا وعد الرجل ونوى أن يفي به فلم يف به فلا جناح عليه، لأني داؤد والترمذي بلفظه، ولرزين: من وعد رجلًا فلم يأت أحدهما إلى وقت الصلاة، وذهب الذي جاء ليصلي فلا إثم عليه.\n(٢) يعني مصداق لفظة «من» يحتمل أن يكون النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون الرجل الداخل، ويؤيد الأول لفظ البخاري: يا عائشة متى عهدتني فحاشا، إن شر الناس منزلة من تركه الناس اتقاء شره، ويؤيد الثاني ما قال العيني: في الحديث مدارة من يتقي فحشه.","vol":"3","page":65},{"text":"خردل من كبر] المراد بذلك (١) أنه لا يدخلها إلا إذا طهر عن الكبر سواء كان بالتعذيب عليه أو بالعفو، وهذا وإن كان يعم جميع الذنوب فإن أحدًا لا يدخل الجنة وهو متلبس بشيء من الذنوب إلا أن التخصيص بالذكر لا ينفي الحكم، أو المراد به الكفر لأن كلًا منهما يلازم الآخر بوجه ما، ولا يبعد أن يقال: المنفي في الجملتين هو الدخول المستوعب لجملة الأزمنة التي لا يشذ شيء منها إلا والدخول موجود فيهما، وهذا الدخول ظاهر الانتفاء، أما من كان في قلبه كبر فلأن زمان تعذيبه مستثنى من دخول الجنة، فكان الاستيعاب غير موجود للنقص من الابتداء، وأما من كان في قلبه الإيمان فلأن دخوله في النار ليس للأبد حتى يستوعب الأزمنة كلها، ولا يبعد أن يقال: المنفي الدخول بحسب الاستحقاق فعدم الدخول جزاء نفس هذين الفعلين، ولا ينافيه لو كان دخول المتكبر الجنة واقعًا لعارض المغفرة أو لغيرها لكثرة الحسنات وغيرها، وكذلك المؤمن بحسب أصل اقتضاء إيمانه لا يستحق النار، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن المتكبر لا يدخلها ما لم يعذب، وعلى هذا ففيه نفي للعفو فإن الكبر له مزية على غيره من الذنوب، كيف وهو أول ذنب وقع، والذي اختاره أشد المردة وهو الشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>[باب في حسن الخلق]</span>\nقوله [عن أكثر ما يدخل الناس الجنة والنار] هما معروفان من مضارع الأفعال.\n_________\n(١) حكى الحافظ في الفتح أكثر هذه الأجوبة إذ قال: اختلف في تأويل ذلك في حق المسلم فقيل: لا يدخل الجنة مع أول الداخلين، وقيل: لا يدخلها بدون مجازاة، وقيل: جزاؤه أن لا يدخلها ولكن قد يعفي عنه، وقيل: ورد مورد الزجر وظاهره ليس بمراد، وقيل: لا يدخلها حال دخولها وفي قلبه كبر، حكاه الخطابي واستضعفه النووي فأجاد لأن الحديث سبق لذم الكبر لا للإخبار عن صفة دخول أهل الجنة الجنة.","vol":"3","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>[باب في الإحسان والعفو]</span>\nقوله [لا يقريني ولا يضيفني] المراد بالقري الاطعام، وبالضيافة الضم إلى نفسه وبيته وإن لم يطعم، ومعنى تفسير المؤلف فيما بعد أن النبي ﷺ أمره بالأمرين كليهما حيث فسر أحد اللفظين بالآخر إشارة إلى الجمع بينهما لا الاكتفاء بأحدهما كما يوهمه الظاهر. قوله [وإن أساموا فلا تظلموا] إن أريدا بذلك الظلم الزيادة على حقه من الظلم وافق الحديث الآية ﴿إِنْ عَاقَبْتُمْ (١) فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وإن أريد بذلك هو الذي كان له من الظلم على الذي ظلم عليه فالحديث تعليم للأدب والإحسان، وهو في ترك حقه كما قاله ﵇: (٢) وأعفه عمن ظلمك، والآية بيان الجائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>[باب في الحياء]</span>\nقوله [الحياء من الإيمان] أي من (٣) مقتضياته وكاللوازم له بحيث يستدل بوجود كل منهما على وجود الآخر إذا قطع النظر عن العوارض والموانع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>[باب التأني والعجلة]</span>\nقوله [جزء من أربعة (٤) وعشرين إلخ] أي\n_________\n(١) وقوله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وأخرج ابن جرير في تفسيره عن السدي إذ اشتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي.\n(٢) وإليه إيماء في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وأخرج السيوطي بطرق كثيرة أول مناد من عند الله يقول: أين الذين أجرهم على الله فيقوم من عفا في الدنيا.\n(٣) قال العيني: إن قيل لم أفرد الحياء بالذكر من بين سائر الشعب، أجيب بأنه كالداعي إلى سائر الشعب فإن الحي يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة الآخرة فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات كلها، وقال الطيبي: معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول هذه شعبة واحدة من شعبه فهل تحصي شعبها كلها هيهات إن البحر لا تغرف، انتهى.\n(٤) ووقع في حديث ابن عباس عند أبي داؤد: الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة، قال الحافظ في الفتح: ذكر القرطبي في المفهم بلفظ من ستة وعشرين، قال ابن العربي في حديث الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو بني، وإنما القدر الذي أراده النبي ﷺ أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة، قال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلًا، فقد جعل الله للعالم حدًا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد منه جملة وتفصيلًا، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلًا، وقال الخطابي: ليس كل ما خفى علينا علمه لا يلزمنا حجته كأعداد المركعات، وأيام الصيام، ورمى الجمار، فأنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها كما في قوله الهدى الصالح، الحديث، فإن تفصيل هذا العدد وحصر النبوة متعذر وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من جملة هدى الأنبياء وسمتهم، انتهى.","vol":"3","page":67},{"text":"خصلة من خصال من صلح لها وصار بحيث ينزل عليه الوحي، يعني أن المرء إذا أكمل في تلك الخصال بأسرها صار كاملًا مكملًا ومحلًا لنزول الوحي، وأما النبوة فغير متجزية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>[باب خلق النبي ﷺ]</span>\nقوله [فما قال لشيء صنعته] أي لم يكن (١) له ﷺ اهتمام في أمور الدنيا حتى يأمر بإصلاحها أو يؤدبني على إفسادها مع أن أنسًا (٢) كان حينئذ صغير السن ولا يخفى ما يأتي في صغر السن من\n_________\n(١) وقال بعضهم: سبب ذلك أنه كان يشهد تصريف محبوبه فيه وتصريف المحبوب في المحب لا يعلل بل يسلم لمن استلذ، فكل ما يفعله الحبيب محبوب، ولا فعل لأنس في الحقيقة قالت، رابعة: لو قطعتي أربا أربا لم أزدد فيك إلا حبًا.\n(٢) قال القارئ في شرح الشمائل: أما تجويز ابن حجر تبعًا للحنفي وغيره أنه من كمال أدب أنس ﵁ فبعيد جدًا من سياق الحديث، ولعدم تصور ولد عمره عشر سنين يخدم عشر سنين لا يقع منه ما يوجب تأفيقه ولا تقريفه مع أن المقام يقتضي مدحته ﷺ لا مدح نفسه، ثم اعلم أن ترك اعتراضه ﷺ بالنسبة إلى أنس إنما هو لغرض فيما يتعلق بآداب خدمته له ﷺ وحقوق ملازمته بناء على حلمه لا فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية الموجبة للحقوق الربانية ولا فيما يختص بحقوق غيره من الأفراد الإنسانية، انتهى. زاد المناوي، وفيه فضيلة تامة لأنس حيث لم ينتهك من محارم الله شيئًا ولم يرتكب في تلك السنين في خدمته ما يوجب المؤاخذة شرعًا لأن سكوته ﷺ عن الاعتراض عليه يستلزم ذلك، انتهى. قلت: فقد أخرج المصنف في الشمائل عن عائشة ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرًا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء كان من أشدهم في ذلك غضبًا، الحديث.","vol":"3","page":68},{"text":"الحركات (١) على خلاف المقصود.\nقوله [ولا شممت مسكا قط إلخ] ثم هذا (٢) لا يغني عن التطيب حتى يرد عليه أن الأمر لو كان كذلك لما تطيب النبي ﷺ إذ هذا الطيب لم يكن يحس له كما هو العادة أن الأبخر لا يتأذى برائحته لأنه لا يحسها فكذلك ﵊ لما كان طيب عرقه وجسمه دائمًا له غير منفك عنه لم يكن يحس له وأيضًا فإن العرق ليس دائمًا مع أنه لو ترك التطيب لكان التطيب أمرًا غير مسنون\n_________\n(١) ضد السكنات والمراد الأفعال نسأله تعالى العصمة في الحركات والسكنات والارادات والكلمات.\n(٢) وهذا أجود مما حكاه القارئ عن العلماء أنه ﷺ مع كون هذه الريح الطيبة صفته وإن لم يمس طيبًا كان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات مبالغة في طيب ريحه لملاقاة الملائكة، وأخذ الوحي الكريم، ومجالسة المسلمين، ولفوائد أخرى من الاقتداء وغيره، انتهى.","vol":"3","page":69},{"text":"فكان تطيبه لإجراء السنة لمن خلفه، وأيضًا فإن التعطر من سنة المرسلين فكان تطيبه تحصيلًا للموافقة بهم مع أن المفضول كثيرًا ما يتضمن بعض ما لا يكون في الأفضل من الفوائد والمنافع فكان التطيب بالمفضول مع التلبس بالأفضل تحصيلًا لتلك المنافع.\nقوله [ولا صخابًا (١)] أي مع كونه يبيع ويشتري فكثيرًا ما يحتاج إلى الصخب ورفع الأصوات واختلاطها من ارتكب ذلك، وليس النفي واردًا على المبالغة حتى يلزم بقاء الصخب فيه فإن زنة فعال قد يكون لمجرد النسبة كخياط وقفال فالصخاب بمعنى من له صخب. قوله [ولكن يعفو ويصفح] فالعفو (٢)\n_________\n(١) قال القاري: بالصاد المهملة المفتوحة والخاء المعجمة المشددة أي صياحًا، وقد جاء بالسين أيضًا، وفي النهاية: المقصود نفي الصخب لا نفي المبالغة، وقيل: المقصود من هذا الكلام مبالغة النفي لا نفي المبالغة، كما في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وذكر الأسواق إنما هو لكونها محل ارتفاع الأصوات لا لإثبات الصخب في غيرها، أو لأنه إذا انتفى فيها انتفى في غيرها.\n(٢) قال صاحب الجمل في قوله تعالى ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾: العفو والصفح متقاربان، ففي المصباح عفا الله عنك أي محا ذنوبك، وعفوت عن الحق أسقطته، وصفحت عن الأمر أعرضت عنه وتركته، فعلى هذا يكون العطف في الآية للتأكيد وحسنه تغائر اللفظين، وقال بعضهم: العفو ترك العقوبة على الذنب والصفح ترك اللوم والعتاب عليه انتهى، وقال الراغب: الصفح ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو، ولذلك قالوا فاعفوا واصفحوا، وقد يعفوا الإنسان ولا يصفح انتهى، قلت: وهذا الإطلاق يوافق ما اختاره الشيخ، وقال القارئ في شرح الشمائل: لكن يعفو أي بباطنه ويصفح أي يعرض بظاهره والصفح في الأصل الإعراض بصفحة الوجه، والمراد ههنا عدم المقابلة بذكره وظهور أثره ووجه الاستدراك أن ما قبل لكن ربما يوهم أنه ترك الجزاء عجزًا أو مع بقاء الغضب فاستدركه بذلك، انتهى.","vol":"3","page":70},{"text":"ما لا يبقى بعده أثر ظاهر على الجناية كالجزاء والتثريب، والصفح ما ليس بعده بقية أثر في قلب المجني عليه أيضًا، فالمراد بالعفو ما هو ظاهر التجاوز من عدم المكافاة وترك التعرض باللوم والشكوى، والصفح العفو بحيث لا يبقى منه أثر في داخله، فيكون القلب بعده خاليًا عنه بالكلية كأن المذنب لم يذنب ما كان أذنب فيه.\n\n[باب ما جاء في الحسن (١) العهد] قوله [وما بي أن أكون أدركتها] أي ليس بي إدراك فضائلها (٢) إلا أن البشرية كانت تحملني على الغيرة لكثرة مراعاة النبي ﷺ عهدها، أو المعنى (٣) أني غرت عليها، وليس ذلك لأني أدركتها\n_________\n(١) وبوب البخاري في صحيحه «باب حسن العهد من الإيمان»، قال أبو عبيد: العهد ههنا رعاية الحرمة، وقال عياض: هو الاحتفاظ بالشيء والملازمة له، وقال الراغب: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، وعهد الله تارة يكون بما ركزه في العقل، وتارة بما جاءت به الرسل، وتارة بما يلتزمه المكلف ابتداء كالنذر ومنه قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ وأما لفظ العهد فيطلق بالاشتراك بإزاء معان آخر منها الزمان والمكان، واليمين والذمة، والميثاق والإيمان، والوصية وغير ذلك، كما في الفتح.\n(٢) واختلفوا في تفضيل عائشة وخديجة وفاطمة، وأفاد في الإرشاد الرضى أن التحقيق أن فاطمة ﵂ أفضل باعتبار الجزية والزهد، وخديجة باعتبار النصرة والسبقة في الإسلام، وعائشة باعتبار التفقه في الدين حتى يستفيد منها الصحابة ﵃.\n(٣) يؤيد هذا المعنى ما في رواية الصحيحين وغيرهما: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، قال الحافظ: أشارت بذلك إلى أنها لو كانت موجودة في زمانها لكانت غيرتها منه أشد، انتهى.","vol":"3","page":71},{"text":"فإني لم أدركها بل لكثرة ذكر إلخ. قوله [فيتتبع بها صدائق خديجة ﵂] ولا يخفي ما فيه من الدلالة على كثرة محبته لها فإن كثرة المحبة بأحد يبعث على محبة أصدقائه ومتعلقيه، ثم إن وفاء هذا الحب وتعاهد مقتضاه بعد وفاة خديجة ﵂ هو المراد بحسن العهد في الترجمة، وهذا كما سلف أن أبر البر أن تصل أهل ود أبيك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>[باب ما جاء في اللعن والطعن]</span>\nقوله [لا ينبغي للمؤمن] فيه دلالة على أن المراد بالمؤمن في قوله: لا يكون المؤمن لعانًا (١) هو الكامل لا أن الإيمان سلب باللعنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>[باب ما جاء في كثرة الغضب]</span>\nقوله [لا تغضب] ولعله علم كثرة (٢) غضب السائل، ثم رده عليه ذلك مع تكراره في السؤال لما رأى من احتياج السائل إلى ترك الغضب فأعاده في الجواب، وأما تكرار السائل السؤال فيتحمل أن يكون لما عظم عليه ترك الغضب وشق، فأراد أن ينتقل أمره ﷺ إلى غيره\n_________\n(١) وقال النووي في حديث لا يكون اللعانون شهداء بصيغة التكثير ولم يقل لاعنًا واللاعنين لأن هذا الذم في الحديث إنما هو لمن كثر منه اللعن لا لمرة ونحوها، ولأنه يخرج منه أيضًا اللعن المباح، وهو الذي ورد الشرع به وهو لعنة الله على الظالمين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الواصلة والواشمة وشارب الخمر، إلى آخر ما قاله.\n(٢) قال النووي: إن الغضب من نزغات الشيطان، ولذا يخرج به الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل، ويفعل المذموم، وينوي الحقد والبغض، وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب، ولذا لم يزده في الوصية على «لا تغضب» مع تكراره والطلب، وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب، وما ينشأ منه، انتهى مختصرًا.","vol":"3","page":72},{"text":"ويحتمل أن يكون السؤال (١) لتقليله ترك الغضب فأراد أن يزيد ﵊ على ذلك لكنه ﵇ لما يزده لما رأى له في ذلك كفاية، ثم إنه ﷺ كان حكيم أمته قائد الخلق بزمته (٢) فكان يأمر كلا منهم ما رآه يناسبه لأنه كان يعلم أنه إذا أتى بهذا فقد أتى بكل ما يجب الإتيان به، وإذا ترك هذا فقد ترك كل ما يجب الانتهاء عنه، ويوضحه أن (٣) رجلًا أتى النبي ﷺ فشكى إليه عدة ذنوب مما كان قد ابتلى به من الزنا والسرقة، وشرب الخمر والقمار والكذب وأظهر أنه لا يتيسر له أن يترك كلًا منها بأسرها، نعم له قدرة على ترك واحد منها أيها أمرت فأمره النبي ﷺ أن يترك الكذب مع أن سائر المعاصي كانت كبائر إلا أنه أمره بترك الكذب لما رآه يؤدي إلى الانتهاء عن سائرها فعاهد أن لا يكذب بعد ذلك، ومعنى بسبيله فلم يتيسر له شرب الخمر ولا الزناء والسرقة والمقامرة خوفًا من أن يسأله النبي ﷺ ولا يمكنه التفصي الكذب فيصدق ويحد\n_________\n(١) يعني كان كثرة السؤال، لظن السائل ترك الغضب قليلًا في حقه، فأراد أن يزيد النبي ﷺ في تعليمه لكنه ﷺ رآه كافيًا في حقه، أو ظن السائل أنه عليه الصلاة اكتفى على هذا الشيء اليسير لسؤاله، ولا تكثر علي فأراد أن يظهر أنه لم يرد بالقلة هذا المقدار اليسير ونبه النبي ﷺ أنه ليس بيسير باعتبار المآل.\n(٢) كذا في المنقول عنه، والظاهر أن النقطة من تصحيف الناسخ، والصواب الراء المهملة، قال المجد: الرمة بالضم قطعة من حبل، وقبل: لكل من دفع شيئًا بجملته أعطه برمته، والمعنى أنه ﷺ قائد الخلق كافة.\n(٣) هكذا ذكر القصة مفصلًا، شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في تفسيره في سورة ن والقلم، وفي المقاصد الحسنة عن البزار وأبي يعلى عن سعد بن أبي وقاص رفعه، يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب.","vol":"3","page":73},{"text":"بالاعتراف فآل أمره إلى ترك سائرها بترك أسهلها وأصغرها فكذلك فيما نحن فيه ظاهر ترك الغضب لا يفيد فائدة معتدًا بها إلا أنه بحسب الحقيقة يتضمن مصالح لا تحصى كما هو ظاهر بأدنى تأمل في مقامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>[باب ما جاء في الصب </span>ر (١)] قوله [ما يكون عندي من خير] يشمل خير الدين والدنيا من العلم والدين والمال ونحوه، قوله [أوسع من الصبر] لأن المرء إذا أوتى صبرًا سهل عليه كما فعل، وترك، ولا شد (٢) منهما شيء، قوله [والمعنى فيه واحد] أي بحسب القصد والمآل فإن المراد بقوله لم أدخر نفي الادخار في المستقبل بإثباته في الماضي أي لم أدخره قبل هذا حتى أدخره بعد\n_________\n(١) قال القاضي في الشفا: والقارئ في شرحه، أما الحلم والاحتمال والعفو والصبر على ما يكره، بين هذه الألقاب فرق دقيق، به يتميز كل عن الآخر، فإن الحلم حالة توقر وثبات، أي صفة تورث طلب وقار وثبوت في الأمر واستقرار عند الأسباب المحركات للغضب الباعث على العجلة في العقوبة، والاحتمال حبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثلها الصبر فإنه حبس النفس على ما تكره إلا أنه أعم منها فهو كالجنس وكل مما ذكر كالنوع، فإن الصبر يكون على العبادة وعن المعصية في المصيبة، وهو في الله وبالله ومع الله وعن الله.\nوالصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم\nأي عنك أو على بعدك، انتهى.\n(٢) هكذا في المنقول عنه، والصواب على الظاهر لا يشتد أي لا يصعب عليه شيء من الأفعال أو التروك، فيشمل كل التكاليف الشرعية، ويحتمل أن يكون بالذال المعجمة، أي لا يشذ ولا يبقى شيء من الترك والفعل، فإن كل التكاليف الشرعية، إما من قبيل الأفعال أو التروك.","vol":"3","page":74},{"text":"هذا، وهو المراد بقوله لن أدخره فكان المراد واحدًا فيهما، وإن اختلف ظاهر معناهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>[باب ما جاء في العي]</span>\nقوله الحياء والعي] هذا العي (١) أنى قلة الكلام داخل في الحياء فذكره بعده للتنبيه على أعلى مرتبتي الحياء فمنه ما لم يظهر (٢) أثره على ظاهر المستحي ومنه ما ظهر، وهذا الذي جمع من الحياء والغي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>[باب ما جاء في التواضع]</span>\nقوله [ما نقصت صدقة من مال] وأما ما يترآى في ظاهر أموال الدنيا فليس ذلك نقصًا حقيقة إذ يخلفه خير منه ولو (٣) عند الله تعالى وكذلك في الجملتين الباقيتين إما أن يراد العزة والرفعة الدنيويتان أو الأخرويتان.\n_________\n(١) قال صاحب المجمع: الغي التحير في الكلام، وأراد به ما كان بسبب التأمل في المقال والتحرؤ عن الوبال لا تخلل في اللسان، وبالبيان ما يكون سببه الاجتراء، وعدم المبالاة بالطغيان والتحرؤ عن الزور والبهتان ولعله إنما قوبل العي في الكلام مطلقًا، بالبيان الذي هو التعمق في المنطق وإظهار التقدم على الناس مبالغة لذم البيان.\n(٢) هو المعبر بالحياء، والثاني المعبر بالعي، وحاصل ما أفاده الشيخ أنه ﷺ أراد التنبيه على مرتبتي الحياء، ولذا جمع بين اللفظين الدالين عليهما. ويحتمل أن تكون الإشارة بقوله، وهذا إلى القسم الثاني، فيكون الغرض أن الذي يسري أثره إلى الظاهر يكون أبلغ ويتناول النوع الأول أيضًا، فيكون جامعًا بين النوعين فيكون ذكره للتنبيه على المرتبة العلياء.\n(٣) إشارة إلى أن الخلفية تكون باعتبار الدنيا أيضًا، كما هو مشاهد والإنكار عنه مستبعد لا سيما البركة الدنيوية، فالإنكار عنها مكابرة، وأما الخلفية الأخروية فلا يمكن الإنكار عنها.","vol":"3","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>[باب ما جاء في الظلم]</span>\nقوله [الظلم ظلمات (١) هذا إما على حذف المضاف أي سبب ظلمات أو المعنى أن الظلم نفسه يصور ويعرض في صور ظلمات فالحمل على ظاهره؟؟؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>[باب ما جاء في تعظيم المؤمن]</span>\nقوله [يا معشر من أسلم بلسانه] كأنه أشار بذلك إلى أن من آذى المسلمين وغيرهم فإسلامه ادعائي وليس ذلك دأب المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>[باب ما جاء في التجارب]</span>\nقوله [لا حليم إلا ذو عثرة] معناه (٢) أن العفو عن الزلات لا يكون الأعمن ابتلى بالزلات، وهذا أعم من أن يعزر عليها أم لا أو المعنى لا يكون العفو إلا عمن عزر على الخطايا والزلات، أو المعنى لا يكون الحلم إلا عمن كان يغضب فيضرب ويعزر على تنفيذ غضبه إلى أن عاد حليمًا، واستفادة الحلم في هذا الشق لكونه معزرًا على ترك الحلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>[باب ما جاء في المتشيع بما لم يعطه]</span>\nقوله [كان كلابس ثوبي زور] الظاهر أن معناه كمن لبس ثوبًا تحت ثوب، وليس ذلك وجده (٣)، وإنما أراد\n_________\n(١) قال ابن الجوزي: الظلم يشتمل على معصيتين أخذ مال الغير بغير حق ومبارزة الأمر بالعدل بالمخالفة، وهذه أدهى لأنه لا يكاد يقع الظلم إلا للضعيف الذي لا ناصر له غير الله، وإنما ينشأ من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لنظر في العواقب، كذا في العيني.\n(٢) قال صاحب المجمع: أي لا يحصل له الحلم حتى يركب الأمور، ويعثر فيها فيعير بها ويستبين مواضع الخطأ، فيجنبها أو لا حليم كاملًا إلا من وقع في زلة وخطاء فيخجل فيجب لذلك أن يستر من رآه على عيونه.\n(٣) بالضم والكسر الغني والقدرة، أي ليس لبس الثوبين متظاهرًا من وسعته لكنه يفعل ليظهر غناه، قال صاحب المجمع: قيل تفسيره كانوا إذا اجتمعوا في المحافل كانت لهم جماعة يلبس أحدهم ثوبين حسنين فإن احتاجوا إلى شهادة شهد لهم بزور فيمضون شهادته بثوبيه يقولون: ما أحسن ثيابه وهيئاته فيجيزون شهادته لذلك.","vol":"3","page":76},{"text":"أن يستغر الناس بذلك في المعاملة معه، وقيل: معناه لابس حلة الزور إذ هي ثوبان فكان المراد كونه زورًا من الفرع إلى القدم، أو المعنى لابس ثوبين في الظاهر وليس إلا لابس ثوب، كمن (١) أظهر تحت كمه ثوبًا آخر أو تحت جيبه، ولا يبعد أن يقال ثوبًا زوره إخفاؤه ما كان فيه وإظهاره ما لم يكن فيه، فإن الجاهل مثلًا إذا برز في زي العالم كان مرتكبًا لزورين إخفاء جهله، وإظهار علمه، وكذلك من أظهر ما ليس فيه يكون كذلك.\n[آخر أبواب البر والصلة]\n_________\n(١) كذا فسره به جمع من الشراح، وأورد عليه صاحب المجمع بأن الزور فيه أحد الثوبين لا الثوبان معًا، فتأمل.","vol":"3","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>أبواب الطب عن رسول الله ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>[باب ما جاء في الحمية </span>(١)] قوله [إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا] هذا ليس كليًا كما يفهم من التنظير بل المراد الذي علم أنه يستضر بالدنيا، وأما إذا لم تضره فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>[باب ما جاء في الدواء والحث]</span>\nقوله [يا عباد الله تداووا] الأمر أمر إباحة وتخيير، ثم اعلم أن التوكل (٢) أقسام بمقابلة النص كمن شرب سما متوكلًا\n_________\n(١) قال الشيخ في البذل: الحمية أي عن المضرات، وقد ذكره الله تعالى في آية الوضوء بقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب ما يؤذيه، انتهى.\n(٢) اختلفوا في الجمع بين ما ورد في التوكل وبين ما ورد في الأدوية والرقى، وجمع الحافظ في الفتح بينهما بأربعة أوجه فأرجع إليه لو شئت، وفي العالمكيرية: اعلم أن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع، وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب؟؟؟ سائر أبواب الطب، وإلى موهوم كالكي والرقية، أما المقطوع به فليس تركه من التوكل بل تركه حرام عند خوف الموت، وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ به وصف رسول الله ﷺ المتوكلين، وأما المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعله ليس مناقضًا للتوكل بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظورًا بخلاف المقطوع به بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي حق بعض الأشخاص فهو على درجة بين الدرجتين انتهى، وقال الغزالي في الأربعين: قد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب وترك التداوي والاستسلام للمهلكات وذلك خطأ لأن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على التوكل وندب إليه، فكيف ينال ذلك بمحظوره، وتحقيقه أن سعى العبد لا يعدو أربعة أوجه. وهو جلب ما ليس بموجود من المنفعة، أو حفظ الموجود، أو دفع الضرر كي لا يحصل، أو قطعه كي يزول، الأول جلب النافع وأسبابه ثلاثة، إما مقطوع به، وإما مظنون ظنًا غالبًا ظاهرًا، أو موهوم، أما المقطوع به فمثاله أن لا يمتد اليد إلى الطعام وهو جائع، ويقول هذا سعي وأنا متوكل، أو يريد الولد ولا يواقع أهله، وهذا جهل لأن سنة الله تعالى لا تتغير وارتباط هذه المسببات بهذه الأسباب من السنة التي لا تجد لها تبديلًا، وإنما التوكل فيه بأمرين أحدهما أن تعلم أن اليد والطعام وقدرة التناول من قدرة الله، والثاني أن لا يتكل عليها بقلبه بل على خالقها، وكيف يتكل على اليد وربما يفلج في الحال أو يهلك الطعام وذلك تحقيق قولك لا حول ولا قوة إلا بالله، فالحول الحركة والقوة القدرة، فإذا كان هذا حالك فأنت متوكل وإن سعيت، وأما المظنون فكاستصحاب الزاد في البوادي والأسفار فليس تركه شرطًا في التوكل بل هي سنة الأولين، وأما الموهومات كالاستقصاء في حيل المعيشة واستنباط دقائق الأمور فيها وذلك ثمرة الحرص، وقد يحمل على أخذ الشبهة فكل ذلك ينافي التوكل، إلى آخر ما بسطه.","vol":"3","page":78},{"text":"أو تردى من جبل أو ترك الأكل، وهو لا يستطيع هذه الأشياء فكان عدولًا عن امتثال قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وهو حرام، وتوكل بترك ما غلب الظن بسببيته كشرب الدواء للمرضى، وهو أعلى مراتب التوكل، وعلى هذا فالأولى ترك المعالجة بتوكيله الله سبحانه، وتوكل بترك ما لم يغلب الظن على","vol":"3","page":79},{"text":"سببيته كترك الرقى، وهذا أدنى مراتب التوكل بل ليس فوقه شيء من التوكل، وبما قررنا ظهر لك أن تداويه ﷺ لنفسه أوامره لغيره بذلك إنما كان لبيان الجواز.\nقوله [فإن الله لم يضع داء إلخ] إلا أن العلم بعين هذا الدواء النافع لهذا المرض لما لم يكن يقينًا (١) آل الأمر إلى غلبة الظن الحاصلة بكثرة التجارب فكانت المعالجة بشيء من الأدوية منافيًا لأعلى مراتب التوكل وإن لم يناف أصل التوكل. قوله [الهرم] المراد به (٢) الموت لأنه علامة له وسبب، له فلا ينافي ما ورد في الروايات في تفسيره أنه الموت، وأيضًا فلا يرد على ذلك أن ضعف من الشيخوخة ممكن الانجبار بما هو معروف في إزالة الضعف وتقوية القوى والأعضاء الرئيسية.\n\n[باب ما جاء لا تكرهوا (٣) مرضاكم على الطعام والشراب] قوله [يطعمهم\n_________\n(١) ولذا ورد في آخر حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود: علمه من علمه وجهله من جهله، قال الحافظ: أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم، ومما يدخل في قوله من جهله ما وقع لبعض المرضى أنه يتداوى من داء بدواء فيبرأ ثم يعتريه ذلك الداء بعينه، فيتداوى بذلك الدواء بعينه فلا ينجع، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الداء، فرب مرضين تشابها ويكون أحدهما مركبًا أن لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبًا فيقع الخطاء من ههنا، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: واستثناء الهرم إما لأنه جعله شبيهًا بالموت، والجامع بينهما نقص الصحة، أو لقربه من الموت وإفضائه إليه، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا والتقدير لكن الهرم لا دواء له، انتهى.\n(٣) قال الشيخ في إنجاح الحاجة، أي إن لم يأكلوا برغبتهم ولا تقولوا إنه يضعف بعدم الأكل فإنه تعالى يطعمهم أي يرزقهم صبرًا وقوة فإن الصبر والقوة من الله حقيقة لا من الطعام والشراب ولا من جهة الصحة، وقال القاضي: أي يمدهم ويحفظ قواهم بما يفيد فائدة الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن، كذا في المرقاة، وقال الموفق: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية وما أجدرها للأطباء، وذلك لأن المريض إذا عاف الطعام والشراب فذلك لاشتغال طبيعته بمقاومة المرض فإعطاء الغذاء في هذه الحال يضر جدًا، انتهى. قلت: ولذا يمنعون عن الغذاء يوم البحران ويوم النوبة أشد المنع، لأن الطبيعة مشتغلة في هذه الأيام في مقابلة المرض خاصة، انتهى.","vol":"3","page":80},{"text":"ويسقيهم] المراد إقامة شيء مقام طعامهم وشرابهم لا نفس الإطعام والسقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>[باب ما جاء في الحبة السوداء </span>(١)] قوله [فإن فيها شفاءًا من كل داء] ولا يستلزم (٢) ذلك أن يكون كل تركيبه مفردًا أو مركبًا لكل داء بل المراد\n_________\n(١) قال العيني: ومن منافعه أنه يجلو ويقطع ويحلل ويشفي من الزكام إذا فلى واشتم ويقتل الدود إذا أكل على الريق، وإذا وضع على البطن من خارج لطوخًا، ودهنه ينفع من داء الحية، ومن الثاليل والخيلان، وإذا شرب منه مثقال نفع من البهر وضيق النفس، ويحدر الطمث المحتبس، والضماد به ينفع الصداع البارد، وإذا نقع منه سبع حبات بالعدد في لبن امرأة ساعة وسعط به صاحب اليرقان نفع نفعًا بليغًا، إلى آخر ما بسطه.\n(٢) قال العيني: بعمومه يتناول الانتفاع في كل داء غير الموت، وأوله الموفق البغدادي بأكبر الأدواء وعدد جملة من منافعها، وكذا قال الخطابي: هو من العموم الذي أريد به الخصوص، وليس يجتمع في شيء من النبات جميع الفتوى التي تقابل الطبائع كلها في معالجة الأدوية، وإنما أراد شفاء كل داء يحدث من الرطوبة والبلغم لأنه حار يابس، وقال الكرماني: يحتمل إرادة العموم منه بأن يكون شفاء للكل لكن بشرط تركيبه مع الغير ولا محذور فيه بل تجب إرادة العموم لأن جواز الاستثناء معيار وقوع العموم فهو أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عنه، واللفظ عام بدليل الاستثناء فيجب القول به، وقال ابن العربي العسل عند الأطباء أقرب أن يكون دواء لكل داء من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى به، وإذا كان المراد بقوله تعالى في العسل فيه شفاء للناس الأكثر الأغلب فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى، وقال غيره كان ﷺ يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض فلعل قوله في الحبة السوداء وافق مرض من مزاجه بارد فيكون معنى قوله شفاء من كل داء أي من هذا الجنس الذي وقع فيه القول، والتخصيص بالحيثية كثير شائع، وقال ابن أبي حمزة: تكلم الناس في هذا الحديث، وخصصوًا عمومه وردوه إلى قول أهل الطيب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك لأنا إذا صدقنا أهل الطب، ومدار علمهم غالبًا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب فتصديق من لا ينطق بالهوى أولى بالقبول من كلامهم، وقال صاحب المحيط الأعظم: المراد الأمراض الباردة فالعموم نوعي وأكثر أمراض العرب باردة لأن أكثر غذائها اللبنيات الحامضة ونحوها، انتهى.","vol":"3","page":81},{"text":"أنه مفيد لكل داء إذا استعمله الواقف بقاعدة تناسب مزاج المريض بزيادة بعض الأدوية وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>[باب من قتل نفسه بسم أو غيره]</span>\nقوله [خالدًا ومخلدًا أبدًا فيها] اعلم أن الخلود (١) يفترق باعتبار تفريق محله فخلود الدنيا ينتهي بالموت، وخلود\n_________\n(١) قال الراغب: الخلود تبرى الشيء من اعتراض الفساد وبقائه على الحالة التي هو عليها وكل ما يتبانى عنه التغير والفساد تصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها، والخلد اسم للجزء الذي يبقى من الإنسان على حالته فلا يستحيل ما دام الإنسان حيًا استحالة سائر أجزائه، وأصل المخلد الذي يبقى مدة طويلة، ومنه قيل رجل مخلد لمن أبطأ عنه الشيب ودابة مخلدة هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها ثم استعير للمبقي دائمًا، والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد، انتهى، وقال المجد: الخلد بالضم البقاء والدوام، انتهى.","vol":"3","page":82},{"text":"عالم البرزخ بالحشر والنشر، وخلود بمعنى انتهاء المدة المعينة للعذاب، وبهذا المعنى يمكن الخلود لأهل المعاصي في النار أيضًا، وأجاب (١) النووي شارح (٢) مسلم عنه بأن محمله إذا استحل ذلك ويرد عليه أنه ليس كل مستحل معصية كافرًا بل الكفر إنما هو استحلال ما هو ثابت الحرمة بالنص (٣) القطعي بحيث لا مساغ\n_________\n(١) قال الحافظ: تمسك المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار وأجاب أهل السنة بأجوبة منها توهيم هذه الزيادة، قال الترمذي: بعد أن أخرجه رواه ابن عجلان عن المقبري فلم يذكر هذه الزيادة، قال وهو أصح، وأجاب غيره بحمل لك على من استحله فإنه يصير باستحلاله كافرًا والكافر مخلد بلا ريب، وقيل ورد مورد الزجر، وقيل هذا جزاؤه لكن قد تكرم الله ﷿ على الموحدين فأخرجهم من النار، وقيل: التقدير مخلدًا فيها إلى أن يشاء الله، وقيل المراد طول المدة لا حقيقة الدوام، وهذا أبعدها، انتهى، وزاد العيني على بعض ما ذكر أو المعنى حرمت قبل دخول النار، أو المراد من الجنة جنة خاصة لأن الجنان كثيرة، انتهى.\n(٢) لم يتفرد بذلك النووي، بل ذكره الحافظان ابن حجر والعيني وبه جزم صاحب الجلالين وغيره من المفسرين، وجمع من شراح الحديث.\n(٣) فقد حكى ابن عابدين عن البحر، الأصل أن من اعتقد الحرام حلالًا فإن كان حرامًا لغيره كمال الغير لا يكفر، وإن كان لعينه فإن كان دليله قطعيًا كفر، وإلا فلا، وقيل التفصيل للعالم، أما الجاهل فلا يفرق بين الحرام لعينه ولغيره، وإنما الفرق في حقه أن ما كان قطعيًا كفر به وإلا فلا، وتمامه فيه، انتهى.","vol":"3","page":83},{"text":"فيه للتأويل، فأما ما كان ظني الدلالة أو ظني الثبوت فلا يكون استحلاله كفرًا فلا يفيد (١) هذا التأويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>[باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر </span>(٢)] قوله [ولكنها داء] كأن ما يحصل من نفعه بمنزلة العدم نسبة عما يلزم عليه من الضرر والإثم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>[باب ما جاء في السعوط </span>(٣)] قوله [لده أصحابه] لما علموا فيه منفعته\n_________\n(١) هذا يحتاج إلى تنقير ولم إذ التصريح بأن قتل الرجل نفسه قطعي الحرمة أو ظنيها ولا يشكل بقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فإنه ليس بقطعي الدلالة، قال الرازي: اتفقوا على أن هذا نهى عن أن يقتل بعضهم بعضًا، وإنما قال أنفسكم لقوله ﷺ: المؤمنون كنفس واحدة، واختلفوا في أن هذا الخطاب هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم فأنكره بعضهم، ثم ذكر وجه الإنكار، وقال في آخره: وأيضًا فيه احتمال آخر كأنه قيل لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردة والزناء انتهى، قلت: وهكذا اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، كما بسط في محله.\n(٢) وفي الدر المختار، اختلفوا في التداوي بالمحرم وظاهر المذهب المنع كما في رضاع البحر لكن نقل المصنف ثمة وههنا عن الحاوي قيل: يرخص إذا علم فيه الشفاء ولم يعلم دواء آخر، كما رخص الخمر للعطشان وعليه الفتوى.\n(٣) بمهملات ما يجعل في الأنف مما يتداوى به بأن يستلقي الرجل على ظهره، ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه، ويقطر في أنفه ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس، هكذا في الفتح، وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ استعط.","vol":"3","page":84},{"text":"ﷺ لكنه ﷺ أشار عليهم أن ينتهوا عنه فلم ينتهوا حملًا لنهيه على كراهة المريض الدواء ولم يحضر ذلك النهي عمه عباس (١) ﵁ ولا وقت (٢) لدودهم إياه ﷺ فلذلك لم يلده نعم كان العباس رضي الله تعالى عنه أمرهم بذلك إلا أن المتسبب لا مؤاخذة عليه عند وجود المباشر، وما أجاب عنه البعض أنه تركه لتعظيمه ففيه أنه إذا كان تعزيرًا من الله تعالى استوى فيه الجليل والحقير، ويقال أيضًا، إنه كان صائمًا ففيه أنه كان لدوده بعد إفطاره ممكنًا فإنه إذا كان تعزيرًا من الله تعالى ولم يكن انتقامًا منه لنفسه لم يكن لسقوطه عنه معنى، نعم كان التراخي ممكنًا لعارض الصوم وغيره فلو كان المانع هو الصوم لكان اللدود بعد يوم أو يومين، وأيضًا فقد ورد أن بعض نسائه (٣) لدت مع إنها كانت صائمة وغالب ظني أنها حفصة فلو كان المانع هو الصوم يمنع هناك أيضًا، وأما أمره بلد أصحابه فلم يكن انتقامًا منه لنفسه بل تعزيرًا على مخالفة أمر الشارع ولم يعفوا بخطأ الاجتهاد لحضور الشارع فلم لم يصبروا حتى يحققوا النهي كيف هو، ولما أن أصل النهي هو التحريم إلا بدليل، قوله [وهو حديث عباد بن منصور] إنما\n_________\n(١) لما في الروايات من التصريح بقوله إلا العباس فإنه لم يشهدكم، أخرجه الشيخان وغيرهما بعدة طرق، وقال العيني: قيل قال ابن إسحاق في المغازي إن العباس هو الآمر بالد، وقال والله لا لدنه، ولما أفاق قال من صنع هذا بي قالوا يا رسول الله عمك، وأجيب بأنه يمكن التلفيق بينهما بأن يقال لا منافاة بين الأمر وعدم الحضور وقت اللد، انتهى.\n(٢) عطف على ذلك النهي أي لم يحضر وقت اللدود.\n(٣) وهي ميمونة كما أخرج الحافظان ابن حجر والعيني، إنها لدت وهي صائمة.","vol":"3","page":85},{"text":"فسره لئلا يتوهم عود الإشارة إلى الثاني فقط لكونه قريبًا فلما ذكر ذلك تبين أن المراد بيان الحديثين كليهما لا الآخر فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>[باب ما جاء في كراهية الكي]</span>\nقوله [نهي عن الكي] أي من غير ضرورة (١) داعية إليه، وبذلك تجمع الروايات، ويصح اكتواء الأصحاب ﵃ وإلا فكيف يتصور عنهم مخالفة أمره ﵇، فمعنى قوله [فابتلينا فاكتوينا] أنه كان رخص لنا في الكي ضرورة لملابسة النار فيه فينبغي الاحتراز\n_________\n(١) بوب البخاري في صحيحه من اكتوى، أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، قال الحافظ: كأنه أراد أن الكي جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره، وذكر البخاري فيه حديث جابر مرفوعًا، إن كان في شيء من أدويتكم شفاء ففي شرطة محجم أو لدغة بنار، وما أحب أن اكتوى، وبسط الحافظ في روايات الباب إباحة ونهيًا ثم قال: والنهي محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيه فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح، وقال ابن قتيبة: الكي نوعان، كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه لم يتوكل من اكتوى لأنه يريد أن يدفع القدر والقدر لا يدافع، والثاني كي الجراح إذا نغل أي فسد، والعضو إذا قطع فهو الذي يشرع التداوي به، فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق، وحاصل الجمع أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وأما النهي عنه، فأما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء، انتهى.","vol":"3","page":86},{"text":"ما أمكن إلا أنا إذا ابتلينا نصبر حتى تحقق الأمر، فعلمنا (١) أن الإجازة في الضرورة إلا أنا ظننا غير الضرورة ضرورة فما أفلحنا (٢) لما شاهدنا من ضرر ظاهر، إذ تبين أن الأمر لم يقع. وقعه وتبين خطأ الظن، ولا أنجحنا فكان عدم نفع الكي عدم مصادفته أمر الرسول ﷺ لأنه كان مقيدًا بالضرورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>[باب ما جاء في الرخصة في ذلك]</span>\nقوله [كوى سعد بن زرارة من الشوكة] الشوكة (٣) سرخ باده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>[باب ما جاء في الحجامة]</span>\nقوله [إن مرامتك بالحجامة] وبذلك يعلم مقدار شفقتهم على أمة محمد ﷺ. قوله [فكان اثنان يغلان (٤)] وبذلك يعلم طيب كسبه أي الحجام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>[باب ما جاء في كراهية الرقية]</span>\nقوله [من اكتوى] ولم يضطر إليه. قوله [أو استرقى فهو بريئى من التوكل] أي من أعلى درجاته وأوساطها بل\n_________\n(١) يعني كان معلومًا لنا أن الإذن مقصور على الضرورة والاحتياج لكنا إذا ابتلينا لم نختبر الأمر حتى تتحقق الضرورة، بل ظننا غير الضرورة ضرورة لاحتياجنا وقلة صبرنا.\n(٢) بضمير المتكلم وفي أبي داؤد فما أفلحن بصيغة الغيبة، قال ابن رسلان: هكذا الرواية الصحيحة بنون الإناث فيها يعني تلك الكيات التي اكتوينا بهن وفي رواية الترمذي فما أفلحنا ولا أنجحنا فيكون لفظة نافي الفعلين ضمير المتكلم ومن معه انتهى، كذا في البذل.\n(٣) هي حمرة تعلو الوجه والجسد كما في المجمع وبحر الجواهر وغيرها وفي حدود الأمراض هي حمرة تعلو الوجه والجسد وشدتها مرض، انتهى.\n(٤) الغلة الدخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتاج، ونحوها كذا في المجمع، ويقال أغل على فلان أي أتاه بالغلة والمعنى أن الغلامين يعطيانه غلة الحجامة، والثالث يشتغل بحجامته وحجامة أهل بيته.","vol":"3","page":87},{"text":"من أوانيها أيضًا، فإن من اكتوى من غير ضرورة أو استرقى فإنه ليس في شيء من درجات التوكل، نعم لو أبقى (١) الاكتواء على حال الضرورة يفتقر إلى إرادة أعلى درجات التوكل بلفظ التوكل إلا أنه لا يستقيم على هذا عطف الاسترقاء فإن الرقية تنافي التوكل مطلقًا، والحاصل أن الكي ينافي التوكل إذا لم يستعمل في ضرورة والرقية تنافيها مطلقًا، وهذا في أوسط مراتبه، وأما أعلى مراتب التوكل فينافيه الكي والرقية مطلقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>[باب ما جاء في الرخصة في ذلك]</span>\nقوله [رقية إلا من عين إلخ] يعني أنه لا ينبغي الالتجاء والاضطرار إلى الرقية، ولو كان لكان في هذين وليس هذا نفيًا لها مطلقًا بل نفي الاضطرار (٢) وعلى هذا يحمل الرخصة فيما سبق فإنه ليس المراد بها الحصر فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>[باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين]</span>\nقوله [أخذ بهما وترك ما سواهما]\n_________\n(١) يعني لو اكتوى بدون الضرورة، فهو بريئي من مراتب التوكل كلها وهو ظاهر، وهذا مؤدي الكلام السابق ومفاد الثاني أنه لو أريد بقوله من اكتوى الاكتواء عند الاحتياج والضرورة فحينئذ يراد بالتوكل في قوله بريئي من التوكل أعلى درجات التوكل لأن الاكتواء عند الضرورة لا ينافي إلا أقصى درجات التوكل لكن على هذا الاحتمال لا يستقيم عطف قوله أو استرقى على قوله من اكتوى.\n(٢) أي لا ينبغي أن يضطر الرجل إلى الرقية إلا في هذين فلا بأس فيهما في الالتجاء إلى الرقية باعتبار أن الرقية تناسب هذين المرضين لوجوه لا تخفى، وذكرهما ليس على سبيل الحصر لما تقدم في الحديث من الرخصة في الرقية للنملة، ولما في أبي داؤد من حديث أنس مرفوعًا لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم، ولما ورد في الرقي لغير هذه الأربعة في الروايات العديدة.","vol":"3","page":88},{"text":"أي ترك الإكثار (١) من غيرهما في التعوذ لغيره ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>[باب ما جاء في الرقية من العين]</span>\nقوله [أن أسماء بنت عميس (٢)] وكانت زوجة جعفر رضي الله تعالى عنهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>[باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ]</span>\nقوله [واضربوا لي معكم بسهم] فعل ذلك تطبيبًا لقلوبهم وإزاحة لما لعله يختلج في نفوسهم، قوله [ورخص (٣)\n_________\n(١) فلا ينافي ما ورد من تعويذه ﷺ أحدًا بغير هاتين السورتين كما ورد في الروايات، ومعنى قوله لغيره أنه إذا يرقي أحدًا فيرقي بهاتين السورتين.\n(٢) قال القاري: قوله تسرع بضم التاء وكسر الراء ويفتح، أي تعجل إليهم العين وتوتر فيهم سريعًا لكمال حسنهم الصوري والمعنوي، والعين نظر بالاستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور فيه ضرر، وقيل إنما يحصل ذلك من سم يصل من عين العائن إلى بدن المعيون، ونظير ذلك أن الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، قلت: وضدها نظر العارفين الواصلين فإنه من حيث التأثير الأكسير يجعل الكافر مؤمنًا، والفاسق صالحًا، انتهى.\n(٣) اختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة، على القرآن فأباحه الأئمة الثلاثة، ومنه الحنفية الثلاثة وإسحاق بن راهويه وغيرهم، واستدل الأولون بحديث الباب، وأنت خبير بالفرق بين الرقية والتعليم، واستدل الآخرون بما رواه أحمد في مسنده بسنده إلى عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به، الحديث، أخرجه عبد بن حميد وأبو يعلى والطبراني أيضًا وبما رواه البزار في مسنده بسنده عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا نحوه وبما رواه ابن عدي في الكامل بسنده إلى أبي هريرة مرفوعًا نحوه وبما رواه أبو داؤد بسنده إلى عبادة بن الصامت، قال علمت ناسًا من أهل الصفة القرآن فأهدى إلى رجل منهم قوسًا، فقلت: ليس بمال وأرمي به في سبيل الله فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال إن أردت أن يطوقك الله طوقًا من نار فأقبلها، ورواه ابن ماجة والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وغير ذلك من الروايات التي ذكرها العيني وغيره.","vol":"3","page":89},{"text":"الشافعي للمعلم ولا يتم استدلاله (١) بالحديث فإن التعليم فرض وما كانت الصحابة أخذوا عليه وهو الرقية لم يكن إلا مباحًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>[باب ما جاء في الكمأة والعجوة]</span>\n. قوله [والكمأة من المن] أي من جنسها (٢) في أن كلًا منهما حصل من غير ممارسة علاج مع ما فيه من المنافع\n_________\n(١) وبسط هذا المعنى شيخ مشايخنا قاسم العلوم والخيرات، مولانا محمد قاسم النانوتوي في بعض مكاتيبه المطبوعة المسماة بقاسم العلوم، وحاصله أن العبادات كلها حق الله عز اسمه، وهو سبحانه وتقدس طالب بعض حقوقه فجعله فرضًا وسامح عن بعضها فتركها على نشاط العبد، وإن شاء أدى وإلا فلا، فلما صارت العبادات كلها حقه تعالى فلا يجوز بيع حق الغير.\n(٢) اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال أحدها أن المراد أنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل: وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوًا، ومنه الترنجبين، فكأنه شبه به الكمأة يجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوًا بغير علاج، والثاني: أن المعنى أنها من المن الذي امتن الله به على عباده عفوًا بغير علاج، قاله: أبو عبيد وجماعة، والثالث وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه فقالوا: إن المن الذي نزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط، بل كان أنواعًا من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوًا، ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد ومن الطل الذي يسقط على الشجر، إلى آخر ما حكاه عنه الحافظ، وقال ابن القيم: ماؤها شفاء للعين. فيه ثلاثة أقوال أحدها أن ماءها يخلط في الأدوية التي يعالج بها العين، لا أنه يستعمل وحده، ذكره أبو عبيد: الثاني أنه يستعمل بحتًا بعد شيهًا واستقطار مائها لأن النار تلطفه وتنضجه وتذيب فضلاته ورطوبته المؤذية وتبقي المنافع، الثالث: أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر وهو أول قطر ينزل إلى الأرض فتكون الإضافة إضافة اقتران لا إضافة جزء، انتهى. قال القارئ: وفي شرح مسلم للنووي قيل: هو نفس الماء مجردًا وقيل مركبًا وقيل إن كان لتبريد ما في العين من حرارة فمجرد مائها شفاء، وإن كان غير ذلك فمركبة، انتهى، قال الحافظ: حكى إبراهيم بن الحربي عن صالح وعبد الله بن أحمد بن حنبل أنهما اشتكت أعينهما، فأخذا كمأة وعصراها واكتحلا بمائها فهاجت أعينهما رمدتا، وحكى ابن عبد الباقي: أن بعض الناس عصر ماء كمأة فاكتحل به فذهبت عينه، انتهى، وسيأتي عند المصنف عن أبي هريرة أنه كحل به جارية له عمشاء فبرأت كذا في المشكاة، قال القارئ: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من ذهب بصره فكحل عينه بماء الكمأة مجردًا وفشفى وعاد إليه بصره، انتهى، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو النافع الضار، ولا يبعد أن يكون ذلك لاختلاف الكمأة فإنها أنواع وفي بعضها سم كل بسط في كتب الطب.","vol":"3","page":90},{"text":"واللذة، قوله [العجوة من الجنة (١)] قيل لما أهبط (٢) الله تعالى آدم كانت معه ألف بزر هي أصول ثمار الدنيا، فالمراد بكون العجوة منها إن كان أن أصلها من الجنة فالأمر مستغن عن التشريح لما قدمنا، فيشترك في هذا الوصف سائر\n_________\n(١) قال القارئ: أي من ثمارها الموجودة فيها أو المأخوذة عنها باعتبار أصل مادتها بغرز نواها على أيدي من أراده الله تعالى، انتهى.\n(٢) ففي جمع الفوائد برواية البزار والكبير عن أبي موسى رفعه لما أخرج الله آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة وعلمه صنعة كل شيء فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تغير وتلك لا تغير.","vol":"3","page":91},{"text":"حبوب الدنيا وثمارها وبقولها وإن أريد أن التغير فيها أقل من غيرها من الثمار فهو محتمل ايضًا.\nقوله [قال قتادة: يأخذ إلخ] كأنه يصف نسخة (١) لعله جربها، وليس المراد الحصر (٢) في ذلك، قوله [وفي الأيسر قطرة] ويتم بذلك دورة واحدة فإن برأ فيها وإن لم يبرأ ثنى الدورة أو ثلثها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>[باب في كراهة التعليق]</span>\nالمراد بذلك ما قدمنا من منافاته لا على درجات التوكل أو التوكل المطلق، لا أن فيه إثمًا، والتعليق ههنا هو تعليق التعويذات وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>[باب ما جاء في تبريد الحي بالماء]</span>\nقوله [فأبردوها بالماء] ولا حاجة إلى تخصيصه (٣) بقسم من أقسام الحي، بل الأمر باق على عمومه، غاية الأمر أن\n_________\n(١) قال صاحب النفائس: بضم الأول وسكون الثاني، وفتح الخاء المعجمة لغة عربية بمعنى المكتوب وفي الفارسية والهندية يطلق على القرطاس الذي يكتب عليه الأدوية وكذا يطلق عليه في العربية أيضًا ثم ذكر استشهاده من كلام الخليل النحوي.\n(٢) ويؤيده أنه وقع له في البخاري نسخة أخرى فقد أخرج في صحيحه بسنده عن خالد بن سعد قال خرجنا ومعنا غالب بن أبحر فمرض في الطريق فقدمنا المدينة وهو مريض فعاد ابن أبي عتيق فقال لنا: عليكم بهذه الحبيبة السوداء فخذوا منها خمسًا أو سبعًا فاستحقوها ثم اقطروا في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب الحديث، ولا يذهب عليك أن الحديث لا مناسبة له بالباب وللتأويل مساغ.\n(٣) قال ابن القيم في الهدي ونصه، قد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء ورآه منافيًا لدواء الحمى وعلاجها ونحن نبين بحول الله وقوته وجهه وفقهه فنقول: خطاب النبي ﷺ نوعان، عام لأهل","vol":"3","page":92},{"text":"_________\nالأرض وخاص ببعضهم، فالأول كعامة خطابه، والثاني كقوله لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق والمغرب ولا العراق، ولكن لأهل المدينة وما على سمتها كالشام وغيرها، وكذلك قوله ما بين المشرق والمغرب قبلة، وإذا عرفت هذا فخطابه في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا فإن الحمى حرارة غريبة تشتغل في القلب وتنبت منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق إلى جميع البدن وهي تنقسم على قسمين عرضية وهي الحادثة إما عن الورم أو الحركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو الغيظ الشديد، ونحو ذلك ومرضية وهي لا تكون إلا في مادة أولى ثم منها تسخن جميع البدن فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سمى حمى يوم لأنها في الغالب تزول في يوم، ونهايتها ثلاثة أيام، وإن كان مبدأ تعلقها بالأخلاط سميت عفنية وهي أربعة أصناف صفراوية وسوداوية وبلغمية ودموية، وإن كان مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية سمى حمى دق وتحت هذه الأنواع كثيرة، وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعًا عظيمًا لا يبلغه الدواء، وكثيرًا ما يكون حمى اليوم وحمى العفن سببًا لانضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها أو سببًا لتفتح سدد لم تكن تصل إليها الأدوية المفتحة فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد، وسقي الماء البارد والمثلوج ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر فإنها مجرد كيفية حادة متعلقة بالروح فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها وتخمد لهبها من غير حاجة إلى استفراغ مادة أو انتظار نضج، ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحميات وقد","vol":"3","page":93},{"text":"التبريد قد يضر المريض المحموم بوجه آخر لا لجهة الحي نفسها قوله [يعار وأصله (١) لصوت الغنم.\n_________\nاعترف فاضل الأطباء جالينوس بأن الماء البارد ينفع فيها فقال: في المقالة العاشرة من كتاب حيلة البرء: ولو أن رجلًا شابًا حسن اللحم، وخصب البدن في وقت القيظ، وفي وقت منتهي الحمى، وليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه لا تنفع بذلك، قال: ونحن نأمر بذلك بلا توقف، وقريب منه ما قال الرازي في كتابه الكبير: وفي قوله: من فيح جهنم، وجهان أحدهما أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتقت من جهنم ليستدل بها العباد عليها ويعتبروا بها، ثم إن الله ﷿ قدر ظهورها بأسباب تقتضيها كما أن الروح والفرح والسرور واللذة من نعيم الجنة، أظهر الله ﷿ في هذه الدار عبرة ودلالة، وقدر ظهورها بأسباب توجبها، والثاني أن يكون المراد به التشبيه، فشبه شدة الحمى ولهبها بفوح جهنم تنبيهًا للنفوس على شدة عذاب النار، وقوله فأبردوها، روى بوجهيين بقطع الهمزة من إيراد الشيء إذا صيره باردًا، والثاني بهمزة الوصل مضمومة من برد الشيء يبرده وهو أفصح لغة، وقوله بالماء فيه قولان أحدهما أنه كل ماء، وهو الصحيح، والثاني أنه ماء زمزم لما ورد في بعض الروايات من التخصيص بذلك، انتهى ما في الهدى مختصرًا بتغير، وفي الإشاد الرضي أن الحق التعميم لكن كون الغسل عند وجود الحمى ليس بضروري بل ينبغي الغسل عند انقلاع الحمى لئلا يورث شبهة في الحديث، وقال أيضًا إنه وقع في سالف الزمان في بلدة ميرتي شدة الحمى وقد ضاع فيها رجال كثيرون فعمل مولانا محمد قاسم النانوتوي بهذا العلاج الغسل فاشتفى سبعمائة نفر، ولله در مشايخنا.\n(١) والمراد ههنا صوت فور الدم، وأريد هذا المعنى في نعار بالنون أيضًا ففي المجمع نعر العرق والدم ارتفع وعلا، وجرح نعار ونعور إذا صوت دمه عند خروجه، انتهى، قال القارئ: نعار أي فوار الدم، وقيل سائر الدم، وقيل مضطرب استعاذ منه لأنه إذا غلب لم يمهل.","vol":"3","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>[باب ما جاء في الغيلة]</span>\n(١) اعلم أنه ﵊، بلغه أن الغيلة يقتل الولد ويهلكه فأراد أن يحرسها، ثم تحقق عنده أنها إنما يؤثر في الطفل المولود، ولا تهلكه فلو يحرمها فحيث ورد النهي فهو على التنزيه، وحيث ورد أنه كان قصد النهي ولم ينه فهو التحريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>[باب في دواء ذات الجنب]</span>\nقوله [قال قتادة ويلد من الجانب إلخ]، وهذا أيضًا، ليس يريد به أن يحصي (٢) عمومه في تلك الطريقة، وإنما هو نسخة أدت إليها تجربته، قوله [وذات الجنب يعني السل] السل (٣) هو مرض من قرحة في الجوف يؤدي إليه ذات الجنب وليس هو (٤) ذات الجنب نفسه كما\n_________\n(١) وهو على ما فسره المصنف أن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع وهو المشهور في معناه وقيل أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل فإذا حملت فسد اللبن على الصبي، كذا في البذل.\n(٢) فإنه ينفعه الطلاء به أيضًا كما يظهر من كتب الفن.\n(٣) ففي حدود الأمراض السل بالكسر في اللغة الهزال، وفي الطب قرحة في الرئة، وإنما سمى المرض به لأن من لوازمه هزال البدن، ولما كانت الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة ذكر القرشي أن السل هو قرحة الرئة مع الدق وعدة من الأمراض المركبة كذا قال النفيس، وقال القرشي في شرح الفصول: يقال السل لحمى الدق ولدق الشيخوخة ولقرحة الرئة، انتهى، وفي بحر الجواهر الرئة شش جمعه رئات، وفي الهندية بهييهزا.\n(٤) فإن ذات الجنب عند الأطباء نوعان حقيقي وغير حقيقي فالحقيقي ورم صار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع، وغير الحقيقي ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات فتحدث وجعًا قريبًا من وجع ذات الجنب الحقيقي إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس، قاله ابن القيم: ثم قال بعد بيان بعض تفاصيلها: ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض وهي الحمى والسعال والوجع الناخس وضيق النفس والنبض المنشاري، ثم قال: والدواء المذكور في الحديث ليس للحقيقي بل للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإن القسط البحري وهو العود الهندي إذا دق ناعمًا وخلط بالزيت المسخن ودلك به مكان الزيع المذكور أو لعق كان دواء موافقًا لذلك نافعًا له محللًا لمادته ويجوز أن ينفع من ذات الجنب الحقيقية أيضًا إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة.","vol":"3","page":95},{"text":"يوهمه تفسير من فسر ههنا وإنما أراد (١) بذكره ههنا في تفسيرها أن التداوي بهذين لما أثر في إبراء السل وهو مرض عسير البرء حتى قالت الأطباء فيه ما قالوا كان نفعهما فيما دون السل من أمراض ذات الجنب أظهر.\nقوله [حار جار] هذه اللفظة (٢) ليست تبعًا كما وهمه بعضهم بل المعنى أنه لحدته يجر من المواد ما لم يقصد إخراجه فيستضر بذلك المستمشي به فهو اسم فاعل من الجر.\n_________\n(١) ويمكن أن يقال أنه فسره بذلك لما أن السعال من لوازم ذات الجنب وفسروا السعال بأنه حركة رئة تدفع بها الطبيعة أذى عن الرئة كما في حدود الأمراض وتقدم أن السل قرحة الرئة، فتأمل.\n(٢) ضبط القارئ: بالمهملتين فيهما كرره للتأكيد لأنه لا يليق بالإسهال، وحكى عن الكاشف والطبي بالجيم في الثاني اتباعًا للحار، انتهى. وما أفاده الشيخ وجيه، انتهى.","vol":"3","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>[باب في العسل]</span>\nقوله [صدق الله] في قوله (١) فيه شفاء للناس. قوله [وكذب بطن أخيك] فيما أراك من أن يستضر به مع أنه لا يستضر بل ينتفع في الحقيقة، وكان يفيده الاستطلاق إلا أن الظاهر للرائي كان هو الضرر، فكأن الذي قاله البطن بلسان حاله من الاستضرار كان (٢) كذبًا.\nقوله [فليستنقع في نهر جار] هذا علاج آخر وفيه زيادة التقييد بالوقت والنهر نسبة إلى الأول، وفيه زيادة نفع نسبة إلى ما سلف، ووجه الاستقبال ما فيه من مواجهة الماء فينتفع أزيد من الأول. قوله [ما بقى أحد أعلم به مني] لانقضاء أهل هذه الوقعة. قوله [وفاطمة تغسل] وكانت فاطمة. أتته حين سمعت القصة.\n_________\n(١) وقيل: أي كون شفاء ذلك البطن في شربه العسل قد أوحى إلي، حكاه القارئ عن ابن الملك.\n(٢) أو الكذب بمعنى الخطاء كما حكاه القارئ، أي أخطأ بطن أخيك إذ لم يقبل الشفاء.","vol":"3","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>أبواب الفرائض عن رسول الله ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>[باب ما جاء في ميراث بنت الابن مع بنت الصلب]</span>\nقوله [فقالا للأبنة النصف] لما ورد في (١) آية الميراث صراحة [وللأخت من الأب والأم ما بقى] لما ورد (٢) في آية الكلالة، والابنة خرجت بعد أخذ حقها من البين فكأنها لم تكن ولا بقية بعد النصفين حتى تأخذها ابنة الابن مع أنها ليس لها في القرآن ذكر، ولما كانا استخرجا هذا الحكم بنص القرآن علمًا أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يوافقهما يقينًا ولا يخالفهما لكن أمراه بالحضور عنده لكونه أعلمهم وأفقههم قوله [قد ضللت إذًا] لكوني خالفت القرآن، وقد فهمت منه ما فهمت وعلمت من (٣) قضائه ﷺ ما علمت، وأما هما فلما كانا أخطأ في الاجتهاد لم يكونا خاطئين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>[باب في ميراث الإخوة من الأب والأم]</span>\nقوله [من بعد وصية] وإنما قدمه في الآية لأن الدين قد يعلمه الورثة كلهم أو أكثرهم بخلاف الوصية، والدين\n_________\n(١) في قوله عز اسمه «وإن كانت واحدة فلها النصف».\n(٢) في قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ وخروج البنت محتمل لما أفاده الشيخ أو حملا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ على الذكر فإن العرب أكثر ما يستعمله في الذكر.\n(٣) قال الحافظ: في رواية الدارقطني عن عبد الرحمن بن مروان فقال ابن مسعود: كيف أقول يعني مثل قول أبي موسى وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره، انتهى.","vol":"3","page":98},{"text":"حق مستحق يأخذه الدائن كيف أمكن بخلاف الموصي له، ولأن الدين كثيرًا ما يكون الشيء الذي أخذه الميت دليلًا عليه بخلاف الوصية، فبهذه الوجوه قدمت الوصية اعتناءًا بأمرها لا لتقدمها على الدين، ولفظة أو في الآية بمعنى الواو فإنهما أي الوصية والدين قد يجتمعان وقد لا يجتمعان.\nقوله [وإن أعيان بني الأم] هذا دفع لشبهة أخرى وهو أنهم كانوا لا يعدون بالنساء قرابة وقد ورد لفظ الإخوة في آية الميراث مطلقًا فلا يتوهم بذلك إلغاء الأم (١) حتى يسوي بين العين والعلاتي، بل أعيان بني الأم مقدمون على بني العلات لقوة قرابة الأولين نسبة إلى الآخرين، وهذا إذا اجتمعت الفرقتان وأما إذا انفرد بنو العلات فلا ريب أنهم يأخذون. قوله [كيف أقسم مالي بين ولدي] المراد بذلك الأخوات (٢) فإن لفظ الولد قد يطلق على غير الولد من الصغار.\n_________\n(١) ففي السراجي: ثم يرجحون بقوة القرابة أعني به أن ذا القرابتين أولى من ذي قرابة واحدة ذكرًا كان أو أنثى لقوله ﷺ: إن أعيان بني الأم الحديث. قال القارئ: أي الإخوة والأخوات لأب واحد وأم واحدة من عين الشيء وهو النفيس منه. وقال بعض المحققين: أعيان القوم أشرافهم، وذكر الأم ههنا لبيان ما يترجح به بنو الأعيان على بني العلات وهم أولاد الرجل من نسبة شتى، سميت علات لأن الزوج قد عل من المتأخرة بعد ما نهل من الأولى، والمعنى أن بني الأعيان إذا اجتمعوا مع بني العلات فالميراث لبني الأعيان لقوة القرابة وازدواج الوصلة.\n(٢) وذلك لأن جابرًا لم يكن له ولد إذ ذاك وكان له أخوات، جزم به الحافظ وغيره من شراح الحديث، ولذا قالوا إن قوله: نزلت يوصيكم الله وهم. قال الحافظ: قيل إنه وهم في ذلك، وإن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء وهي ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ لأن جابرًا يومئذ لم يكن له ولد ولا والد، انتهى. وفي رواية لأبي داؤد اشتكيت وعندي سبع أخوات فدخل علي رسول الله ﷺ يعودني، الحديث.","vol":"3","page":99},{"text":"قوله [فنزلت يوصيكم الله] ليس (١) المراد نزولها بفور تلك القضية نفسها، بل المراد نزولها في أمثال هذه، وعلى هذا فلا يضر نزول الآية قبل تلك الوقعة أو بعدها بتراخ، ثم ذكر الآية استطراد إذ ليس فيها من ذكر الكلالة ما يفيد ههنا.\nقوله [فصب علي من وضوئه] الظاهر (٢) أنه غسالته ويمكن أن يكون فضالته.\n_________\n(١) اضطر الشيخ إلى هذا التوجيه لما قالوا إن الحديث وهم بوجهين: الأول ما تقدم قريبًا أن جابرًا لم يكن له ولد إذ ذاك فكيف يناسبه قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية، والثاني لما قاله الحافظ: أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من طريق ابن عقيل عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، الحديث: وفي آخره فنزلت آية الميراث فأرسل إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين الحديث. قال: وبه احتج من قال إنها لم تنزل في قصة جابر إنما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم إذ لا مانع أن ننزل في الأمرين معًا، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين وآخرها وهي قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ في قصة جابر، ويكون مراد جابر فنزلت يوصيكم الله في أولادكم أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: أما قول البخاري في الترجمة قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾، أشار به إلى أن مراد جابر من آية الميراث قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ انتهى.\n(٢) وبه جزم الحافظ في الفتح إذ قال: بينت في الطهارة الرد على من زعم أنه رش عليه من الذي فضل، وفي الاعتصام التصريح بأنه صب عليه نفس الماء الذي توضأ به، انتهى. ثم يشكل على هذا الحديث بأنه يخالف الحديث المتقدم في تعيين الآية ففي الأول آية الميراث وههنا قوله تعالى ﴿يَسْتَفْتُونَك﴾، الآية. وأجاب عنه الشيخ في البذل فأرجع إليه.","vol":"3","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>[باب في ميراث العصبة]</span>\nقوله [الحقو الفرائض] أي السهام المقدرة في كتاب الله تعالى. قوله [فهو لأولى رجل ذكر] ذكر الرجل (١) وإن كان يغني عن هذا التقييد إلا أن متابعة (٢) النساء الرجال في الأحكام لما كانت شائعة وأيضًا فكثيرًا ما يطلق الرجل ويراد به الشخص مطلقًا عن قيد. الأنوثة والذكورة قيده به، والمراد به الاحتراز عن الأنثى إشارة إلى أن التعصيب إنما هو بالذكورة، وأما الإناث فحيث كن عصبات فثمة تغيير لنصيبهن من مقدار إلى مقدار، وإطلاق العصوبة (٣) مجاز ومشابهة.\n_________\n(١) قال القارئ: قوله ذكر تأكيد أو احتراز من الخنثى، وقيل أي صغير أو كبير، وفي الإرشاد الرضى: لا يصح الاحتراز عن الخنثى لأنه داخل في نوع منهما لا محالة، وفي شرح الطيبي قال العلماء: وصف الرجل بالذكر تنبيهًا على سبب استحقاقه وهي الذكورة التي سبب العصوبة، وسبب الترجيح في الإرث، ولذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين وحكمته أن الرجل يلحقهم مؤن كثير في القيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات، انتهى. وأطال الحافظ الكلام على ذلك في الفتح فأرجع إليه.\n(٢) حكاهما الحافظ بلفظ: قيل لنفي توهم اشتراك الأنثى معه لئلا يحمل على التغليب، وقيل: خشية أن يظن بلفظ الرجل الشخص وهو أعم من الذكر والأنثى.\n(٣) وبه جزم الحافظ فقال: وأما تسمية الفقهاء الأخت مع البنت عصبة فعلى سبيل التجوز لأنها لما كانت تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب.","vol":"3","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>[باب في ميراث الجد]</span>\nقوله [إن السدس الآخر لك طعمة] إنما بين ذلك لئلا يتوهم نسخ الحكم الأول، فيظن أن نصيب الجد كان هو السدس، ثم نسخ فصار نصيبه ثلثًا ويعني أن هذا أعطاكه الشرع عطاء ولطعمك (١) وليس سهمًا مقدرًا لك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>[باب ميراث الجدة]</span>\nقوله [وأيتكما انفردت] بالعلو (٢) في الدرجة والقرابة. قوله [مالك في كتاب الله شيء] أي فيما أعلم، وكذا ما بعده.\nقوله [هل معك غيرك] ليس لتحصيل العلم والاستيثاق فإن خبر الواحد إذا التحق بيانًا بالكتاب كان حكمه حكم النص القطعي، بل لحصول الطمأنينة ولئلا يتسابق الناس إلى التكذب (٣) على رسول الله ﷺ. قوله [في الجدة\n_________\n(١) هكذا في الأصل، فلو صح فاللام جارة والطعم مصدر والظاهر أن الصواب أطعمك بالماضي من الأفعال، قال الطيبي: صورة المسألة أن الميت ترك بنتين وهذا السائل فلهما الثلثان وبقى الثلث فدفع ﵊ إليه سدسًا بالفرض لأنه جد الميت وتركه حتى ذهب، فدعاه ودفع إليه السدس الأخير كيلا يظن أن فرضه الثلث، ومعنى الطعمة ههنا التعصيب أي رزق لك ليس بفرض، وإنما قال في السدس الأخير دون الأول لأنه فرض والفرض لا يتغير بخلاف التعصيب، فلما لم يكن التعصيب شيئًا مستقرًا ثابتًا سماه طعمة، انتهى. وفي الإرشاد الرضى: لم يعطه النبي ﷺ السهمين بهذا التفصيل ابتداءًا لأن ما يحصل بالتعب يكون أوقع في القلب.\n(٢) فيه إجمال مخل والمراد أيتكما انفردت باعتبار الوجود بأن لم تكن إلا واحدة أو باعتبار دنو القرابة بأن تكونا اثنتين إحداهما أقرب إلى الميت تأخذ وتحرم الأبعد.\n(٣) قال المجد: تكذب تكلف الكذب.","vol":"3","page":102},{"text":"مع ابنها] كانت (١) أم الأم فلا إشكال، والمراد بيان أنه لا استحقاق للخال (٢) إذا وجدت ذوو السهام، ويمكن أن يكون أم الأب لكن ابنها كان قاتل ابنه الميت، أو صار عبدًا لكنه بعيد في الجملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>[باب في ميراث الخال]</span>\nقوله [الله ورسوله مولى إلخ] المراد (٣) نفي الاشتراك وإلا فالله ورسوله مولي كل مسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>[باب في الذي يموت وليس له وارث]</span>\nقوله [إن مولى للنبي ﷺ] اختلف (٤) العلماء في توريث الأنبياء من غيرهم فقال بعضهم: لا يرثون كما لا يورثون\n_________\n(١) الجدة أي أم الأب تسقط بوجود الأب عند الجمهور منهم الحنفية، والمسألة خلافية بين الصحابة ويشكل الحديث على الجمهور لإعطائه ﷺ الجدة مع وجود الابن فأولوه بوجوه: منها أنه كان إعطاء من النبي ﷺ طعمة، ويشكل عليه أنه ﵊ كيف أعطاها حق غيرها، وحكى القارئ عن شرح السنة يحتمل أن يكون أبو ذلك الميت كافرًا أو رقيقًا، وأنت خبير بأنه بعيد كما أفاده الشيخ، فالأوجه ما اختاره الشيخ بأنها لم تكن أم الأب بل أم الأم ومعنى قوله ابن مسعود إنها أول جدة أي وقعت مسألة الجدة فيها أولًا، وفي الإرشاد الرضى قبل: معناه أعطاها أولًا ثم لم يعط مثل هذه الجدة بعدها وهو أيضًا بعيد.\n(٢) يعني إن الجدة لما كانت أم الأم فأبنها خال وهو خال عن الميراث لا دخل له فيه حينئذ.\n(٣) ثم توريث ذوي الأرحام مختلف بين الصحابة والتابعين، وجمهور الصحابة على توريثهم وبه قالت الحنفية والثوري وإسحاق، ولم يقل به مالك والشافعي، وحديث الباب حجة للحنفية، والبسط في الأوجز.\n(٤) فقالت الشافعية: إنهم يرثون صرح به في شرح الإقناع وغيره ورجحه الدسوقي من المالكية، وقال ابن عابدين في رسائله في موانع الإرث منها بنوة وهل هي مانعة عن الوراثية والموروثية جميعًا، أو عن الوارثية فقط؟ ذهب الشافعية إلى الثاني، واضطرب كلام أئمتنا ففي الأشباه عن التتمة: كل إنسان يرث ويورث إلا الأنبياء لا يرثون ولا يورثون، وما قيل من أنه ﷺ ورث خديجة لم يصح وإنما وهبت مالها، انتهى. ونقله عنه في معين المفتي، والدر المنتقي، وكلام ابن الكمال وسكب الأنهر يشعر بأنهم يرثون فليحرر، انتهى. قلت: ومختار الشيخ أنه ﷺ يكون وارثًا لا مورثًا كما يظهر من كلامه ههنا، وسيأتي التصريح بذلك في تفسير سورة الشعراء.","vol":"3","page":103},{"text":"ورووا نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث، والصحيح أن هذه اللفظة غير ثابتة (١) والنبي ﷺ أعطى هذا المال إلى بعض أهل القرية من جانبه أو لكون هذا البعض ممن له استحقاق في بيت المال. قوله [إلا عبدًا هو أعتقه] أي (٢) الميت أعتق هذا العبد ودفعه هذا كان لاستحقاقه من مال بيت مال المسلمين لا توريثًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>[باب في إبطال الميراث بين المسلم والكافر]</span>\nقوله [وقال بعضهم لا يرثه (٣)] هؤلاء لم يفرقوا بين الكافر والمرتد، والذين فرقوا بينهما وقالوا:\n_________\n(١) وعامة الروايات عن هذه الزيادة خالية، وأما بيان أنهم لا يورثون فقد تقدم في الجزء الأول في باب تركة النبي ﷺ.\n(٢) قال القارئ: الاستثناء منقطع أي لكن ترك عبدًا وإعطاؤه ﷺ ميراثه رجلًا من أهل قريته بطريق التبرع لأنه صار ماله لبيت المال، وقال المظهر قال شريح وطاؤس: يرث العتيق من المعتق كما يرث المعتق من العتيق، والحديث ذكره حماد بن زيد مرسلًا إلا أنهم رجحوا رواية ابن عيينة موصولًا، كما في فتح المغيث.\n(٣) قال الحافظ: اختلف في المرتد فقال الشافعي وأحمد: يصير ماله إذا مات فيئًا للمسلمين، وقال مالك: يكون فيئًا إلا إن قصد بردته أن يحرم ورثته المسلمين فيكون لهم، وعن أبي يوسف ومحمد لورثته المسلمين، وعن أبي حنيفة ما كسبه قبل الردة لورثته المسلمين وبعد الردة لبيت المال، وعن بعض التابعين كعلقمة يستحقه أهل الدين الذي انتقل إليه، وعن داؤد يختص بورثته من أهل الدين الذي انتقل إليه، فالحاصل من ذلك ستة مذاهب حررها الماوردي، انتهى، قال صاحب الشريفية: لأبي يوسف ومحمد أن المرتد يجبر على الإسلام فيحكم عليه في حق ورثته بأحكامه فكلا الكسبين ملكًا له فكلاهما لورثته، ولأبي حنيفة أن حكم موته يستند إلى وقت ردته لأنه صار مالكًا بالردة فيمكن استناد التوريث فيما اكتسبه في زمان إسلامه فيكون توريثًا للمسلم من المسلم، ولا يمكن فيما اكتسبه حال ردته فلو قضى به لورثته لكان توريثًا للمسلم من الكافر، انتهى مختصرًا. ثم هذا كله في المرتد أما المرتدة فكسبها جميعًا لورثتها المسلمين بلا خلاف بين أصحابنا.","vol":"3","page":104},{"text":"المرتد لما (١) وجب قتله كان وقت الارتداد ميتًا حكمًا فيرث المسلم ماله الذي في يده وقت الارتداد وإنما تأخير قتله إلى الثلاث لإزاحة شبهته التي دعت إلى الارتداد، وهذا هو الذي ذهب إليه إمامنا الهمام قدوة علماء الأنام رحمة الله عليه.\nقوله [لا يتوارث أهل ملتين] هذا مشكل على مذهب من (٢) قال بتوريث أهل المكتب السماوية فيما بينهم، والجواب أن الإسلام ملة كما أن الكفر ملة، فليس فيه توريث ذي ملتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>[باب الميراث للورثة والعقل على العصبة]</span>\nقوله [ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرة توفيت إلخ] قضى معروفًا ومجهولًا، والفاعل على الأول النبي ﷺ\n_________\n(١) ولذا قالوا في المرتدة: كسبها جميعًا سواء اكتسبته في إسلامها أو ردتها لورثتها المسلمين لأنها لا تقتل عندنا، بل تحبس حتى تسلم أو تموت.\n(٢) وتوضيح الخلاف أن أهل الملل المتفرقة يتوارثون فيما بينهم عندنا الحنفية، والمراد بالملتين عندنا الكفر والإسلام، أما اليهودية والنصرانية وغيرهما فكلها ملة واحدة، وهو الأصح عند الشافعية كما صرح به الحافظ في الفتح، والأديان السماوية كاليهودية والنصرانية ملل شتى وما سواها ملة واحدة عند المالكية، صرح به الدسوقي، وكلها ملل شتى عند أحمد صرح به في نبل المأرب، فالحديث بظاهره يطابق كلية للإمام أحمد، ويخالف كلية للحنفية والشافعية، وأجابوا عنه بما أفاده الشيخ أن الكفر ملة واحدة، قال صاحب الشريفية: الكفر ملة واحدة، كما ذكره المزني عن الشافعي وذكره أبو القاسم عن مالك، انتهى. قلت: وكذا قال محمد في مؤطئه.","vol":"3","page":105},{"text":"واستشكلوا (١) لفظة على ههنا وليس بمشكل، وإنما وقعوا فيما وقعوا لما يتبادر من موت التي أسقطت الجنين وضربتها ضرتها ولم يسبق ذهنهم إلى موت التي ضربت ضرتها، والمعنى أن النبي ﷺ قضى بالغرة على عاقلة الضاربة، ولما توفيت الضاربة لم يحكم بإرثها للذين غرموا عنها وهم العاقلة ليكون الغنم لمن الغرم له بل ورثها زوجها وبنوها، هذا هو المعنى بالبيان ههنا فلا إشكال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>[باب في الرجل يسلم على يدي الرجل]</span>\nقوله [هو أولى الناس بمحياه ومماته] المراد بهما التناصر والتوارث لكنهما مشروطان بما إذا تحالفا أيضًا وليس له وارث أقرب أو أبعد، وإنما بني الأمر على العادة إذ كان الرجل من أهل الشرك يخرج من أهله وماله وولده وقريبه فيسلم على يد رجل ويعاقده (٢) الموالاة على أن يدي ما جنى ويرث ما اجتنى فأجابه النبي ﷺ على وفاق ذلك، ثم لفظ الناس ليس على عمومه فإن أولويته إنما هو على من ليس له مزية عليه.\n_________\n(١) كما بسط هذا الإشكال وتوجيه وضع على موضع اللام المحشي وغيره.\n(٢) وهو المسمى بمولى الموالاة، وهذا الولاء منسوخ عند الجمهور منهم الأئمة الثلاثة، وباق عندنا الحنفية ويدخل فيه رجل أسلم على يد رجل واقترن معه المعاقدة والمحالفة، فعند ذلك يكون المولى أولى بالميراث عند عدم الأقارب عندنا كما في البذل، وكذلك إذا قال شخص مجهول النسب لآخر: أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيت وقال الآخر: قبلت فعندنا يصح هذا العقد، ويصير القابل وارثًا، وإذا كان الآخر أيضًا مجهول النسب وقال للأول مثل ذلك وقبله فورث كل منهما صاحبه وعقل عنه، وللمجهول أن يرجع عن عقد الموالاة ما لم يعقل عنه مولاه، هكذا في الشريفية.","vol":"3","page":106},{"text":"قوله [واحتج بحديث النبي ﷺ الولاء (١) لمن أعتق] حملًا للأم على الاستغراق وهو مسلم لكن الاستغراق ليس لذلك الجنس (٢) بل لنوع منه، وهو الولاء الحاصل بالملك، كما يدل عليه سباق حديث بريرة رضي الله تعالى عنها، فإنه ﷺ لما قال لعائشة رضي الله تعالى عنها: اشترطي الولاء لهم مع أمرها بالشراء علم بذلك أن الولاء المقصود بيانه ههنا هو الذي وقعت قضيته ههنا لا مطلقًا.\n_________\n(١) وبهذا استدل البخاري على مسلك الجمهور قال العيني: حاصل كلامه أن من أسلم على يده رجل ليس له ولاء لأنه مختص بمن أعتقه، واختصاصه به باللام ولكن كون اللام فيه للاختصاص فيه نظر لا يخفي لأنه يجوز أن يكون للاستحقاق، وهي الواقعة بين معنى وذات كاللام في نحو ويل للمطففين، واستحقاق المعتق الولاء لا ينافي استحقاق غيره، ويجوز أن يكون للصيرورة لأن صيرورة الولاء للمعتق لا تنافي صيرورته لغيره، انتهى. وفي الشريفية: كان الشعبي يقول: لا ولاء إلا ولاء العتاقة، وبه أخذ الشافعي وهو مذهب زيد بن ثابت، وما ذهبنا إليه مذهب عمر وعلي وابن مسعود، انتهى. قلت: وذكر في حاشية تخريج هذه الآثار: ومستدل الحنفية حديث تميم الداري المذكور في الباب، وبسط العيني في كونه صالحًا للاستدلال.\n(٢) وقال القارئ: اللام للعهد لا للجنس، فاندفع ما قال الشافعي من بطلان ولاء الموالاة بإرادة اللام للجنس، انتهى.","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>[باب من يرث الولاء]</span>\nقوله [يرث الولاء من يرث المال] يعني أن الذي لا يرث المال لا يرث الولاء، وليس المراد تعميم توريث الولاء لكل من يرث المال حتى يلزم توريث (١) النساء الولاء فيخالف قوله (٢) ﷺ: ليس للنساء\n_________\n(١) ويوضح ذلك ما قال الحافظ في الفتح تحت قوله ﷺ الولاء لمن أعتق: قال ابن بطال: هذا الحديث يقضي أن الولاء لكل معتق ذكر كان أو أنثى، وهو مجمع عليه، وأما جر الولاء فقال الأبهري: ليس بين الفقهاء اختلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما اعتقن أو أولاد من أعتقن إلا ما جاء عن مسروق أنه قال لا يختص الذكور بولاء من أعتق آباؤهم، بل الذكور والإناث فيه سواء كالميراث، ونقل ابن المنذر عن طاؤوس مثله، والحجة للجمهور اتفاق الصحابة، وعن حيث النظر أن المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذي هو آكد من التعصيب فاختص بالولاء من يستوعب المال وهو الذكر، وإنما ورثن من أعتقن لأنه عن مباشرة لا عن جر الإرث، انتهى مختصرًا.\n(٢) قال صاحب الشريفية: هذا الحديث وإن كان فيه شذوذ لكنه قد تأكد بما روى من أن كبار الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود قالوا بمثل ذلك فصار بمنزلة المشهور، وقال مولانا عبد الحي في حاشيته: هذا الحديث قد اشتهر رفعه وقد ذكره صاحب الهداية أيضًا مرفوعًا لكن لم يجدوا إسناده نقاد حديثه كالزيلعي وابن حجر وغيرهم، نعم روى البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة، ولا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن، وأخرج أيضًا عن إبراهيم قال: كان عمر وعلي وزيد بن ثابت لا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن الحسن وابن سيرين وابن المسيب وعطاء والنخعي، انتهى.","vol":"3","page":108},{"text":"من الولاء إلا ما أعتقن إلخ. قوله [تحوز ثلاثة مواريث] أما حيازتها الطرفين فظاهرة، وأما حيازة تركة اللقيط (١) فليست بحكم التوريث والاستحقاق لذلك بل لكون مال اللقيط يرد إلى بيت المال فيؤتي للاقطة من جهة بيت المال حثًا على الذي فعلته وجزاء لها على ما صنعته.\n_________\n(١) قال القارئ: الملتقط يرث من اللقيط على مذهب إسحاق بن راهوية، وعامة العلماء على أنه لا ولاء للملتقط لأنه ﷺ خصه بالمعتق بقوله: لا ولاء إلا ولاء العتاقة فلعل هذا الحديث منسوخ عندهم، وفي شرح السنة هذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل، واتفق أهل العلم على أنها تأخذ ميراث عتيقها، وأما الولد الذي نفاه الرجل باللعان فلا خلاف أن أحدهما لا يرث الآخر لأن التوارث بسبب النسب انتفى باللعان، وأما نسبه من جهة الأم فثابت ويتوارثان، وقال القاضي: وحيازة الملتقطة ميراث لقيطها محمولة على أنها أولى بأن يصرف إليها ما خلفه من غيرها صرف مال بيت المال إلى آحاد المسلمين فإن تركته لهم لا أنها ترثه وراثة المعتقة من معتقها، انتهى. ويظهر من الإرشاد الرضى نكتة في تخصيص ذكر المرأة ههنا وهو أنها تأخذ من هذه الثلاثة كل المال بخلاف عامة المواريث.","vol":"3","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>أبواب الوصايا عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله [فأوصي (١) بمالي كله] فإن البنت (٢) تأكل من بيت زوجها ولا حاجة لها بمالي. قوله [قال قلت يا رسول الله أخلف من هجرتي] إنما قال ذلك بناء عن ما هو العادة من أن المريض يذكر موته ولا يبالي بذلك ولا ييأس من حياته، وأما إذا ذكر عند المريض غيره ما يعلم به أنه سيموت فإنه حينئذ يخاف على نفسه ويتأس (٣) من حياته وصحته، سيما إذا كان القائل ممن يعتقد فيه كالنبي ﷺ فإن سعدًا مع أنه كان يستفتي عن الوصية والميراث، وهذا أوضح دليل على استعداده بالموت وقربه عنه بحسب ظنه، لكنه لما سمع النبي ﷺ يذكر (٤) ما يظهر به دنو موته خاف وتحسر على كونه فارق دار هجرته حين موته، وإن كان للموت في سفر الحج وبيت الله فضائل لكنه متضمن لنقيصة (٥) هي موت\n_________\n(١) ولا يذهب عليك أن ما في رواية الترمذي من قوله عام الفتح يقال: إنه وهم، والصواب حجة الوداع وجمع بينهما باحتمال التعدد، وسيأتي عن الشيخ أيضًا إشارة كون هذه القصة في سفر الحج.\n(٢) ولم يكن له إذ ذاك إلا بنت واحدة كما هو مصرح في الروايات، ثم ولد له أربعة بنين كما في البذل.\n(٣) يقال: أتأس منه أي قطع الأمل.\n(٤) من الأمر بوصية الثلث وترك الورثة أغنياء.\n(٥) وإليها أشار النبي ﷺ بقوله: لكن البائس سعد بن خولة يرثى له إن مات بمكة.","vol":"3","page":110},{"text":"المهاجر في داره، فدفعه ﷺ بأنه لا يخلف عن الهجرة، وإنما يخلف بعد النبي ﷺ فيجازى ويثاب عليه بفعله من الحسنات، والطاعات، وهذا رد لما كانوا يتوهمونه من أن طاعاتهم بعد النبي ﷺ لا تكاد تكافئ سيئاتهم كما صرح به عمر ﵁ (١).\nقوله [ولعلك أن تخلف إلخ] تصريح بما علم ضمنًا من بشرى حياته ﵁ في قوله ﷺ: إنك لن تخلف بعدي. قوله [لكن البائس] أي الواقع في الضرر والشدة، وهو نقصان أجره بموته في مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>[باب في الحث على الوصية]</span>\nقوله [يبيت ليلتين] فمن قال (٢) بالمفهوم\n_________\n(١) إذ قال لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى هل يسرك أن إسلامنا مع النبي ﷺ وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه يرد لنا وإن كل عمل عملنا بعده نجونا منه كفافًا رأسًا برأس فقال أبو موسى: والله لقد جاهدنا بعده ﷺ وصلينا وصمنا وعملنا خيرًا كثيرًا، وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك، قال عمر: لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك يرد لنا وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافًا رسًا برأس، الحديث أخرجه البخاري وغيره.\n(٢) لم أجد من رخص في ليلة من القائلين بالمفهوم وظاهر الإرشاد الرضي أن ذلك ليس مذهبًا لأحد، بل المعنى من ذهب إلى عبرة المفهوم ينبغي له أن يرخص الليلة، ثم قال الحافظ: قوله ليلتين كذا لأكثر الرواة ولأبي عوانة والبيهقي من طريق حماد يبيت ليلة أو ليلتين، ولمسلم والنسائي من طريق الزهري يبيت ثلاث ليال وكان ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرأ التي يحتاج إلى ذكرها ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا التحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة عنده، وفيه إشاة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكان الثلاث غاية للتأخير، انتهى.","vol":"3","page":111},{"text":"رخص في الليلة، والظاهر أن التقييد بهما اتفاقي.\nقوله [وله ما يوصي فيه] بالبناء (١) للمجهول أي وله شيء ينبغي فيه الوصية، وهو (٢) قابل مثل أن يكون عليه ديون أو في يديه عوار أو ودائع إلى غير ذلك، وأما إذا لا فلا، وبذلك يصح عدم إيصاء النبي ﷺ بالمعنى العرفي لما لم يكن عليه حق لأحد، وأما إذا أخذ الوصية بمعنى مطلق أمر الميت بما يجب تنفيذه بعد الموت فبهذا المعنى كان واجبًا عليه ﷺ وقد فعله، وبهذا يظهر أن الآية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ إن أريد بها المعنى الأعم لا يحتاج إلى القول بالنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>[باب أن النبي ﷺ لم يوص]</span>\nقوله [قال لا] والجواب ظاهر بما أسلفنا، وحاصل سؤاله أن الوصية مع كونها مكتوبة كيف تركها النبي ﷺ، وحاصل الجواب أن الوصية العرفية لم تكن واجبة عليه لكونه لم يترك خيرًا حتى يوصي فيه، وأما إذا كان بمعنى العام فقد كانت واجبة عليه، ولم يتركها بل أوصى إلخ. قوله [فلا وصية\n_________\n(١) وقال القارئ: بفتح الصاد وكسرها، قال الطيبي: ما بمعنى ليس، ويبيت صفة ثالثة لأمرئ ويوصي فيه صفة والمستثنى خبر ليس، انتهى. وقال الحافظ: قوله يبيت كان فيه حذفًا تقريره أن يبيت، ويجوز أن يكون صفة لمسلم كما جزم به اليطبي، انتهى. وأنكر العيني تقدير الحذف.\n(٢) قال ابن الملك: ذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوبها لظاهر الحديث، والجمهور على ندبها لأنه ﷺ جعلها حقًا للمسلم لا عليه، ولو وجبت لكانت عليه وهو خلاف ما يدل عليه اللفظ قيل: هذا في الوصية المتبرع بها، وأما الوصية بأداء الدين ورد الأمانات الواجبة عليه فواجبة عليه، ثم ظاهر الحديث مشعر بأن مجرد الكتابة بلا إشهاد عليه كاف وليس كذلك بل لا بد من الشاهدين عند عامة العلماء لأن حق الغير تعلق به فلا بد لإزالته من حجة شرعية، كذا في المرقاة والبسط في الفتح والعيني.","vol":"3","page":112},{"text":"لوارث إلخ] هذا إلى آخر الحديث بيان لبعض ما اشتمله الكلية المتقدمة، وهو قوله: أعطي كل ذي حقه فإن السهام لما تقررت للورثة لم يبق لهم حق في الوصية، والولد لما كان لصاحب الفراش قويًا كان أو ضعيفًا لم يبق فيه حق للعاهر سوى الحرمان، أو يراد بالحجر الرجم كما سبق تقريره.\nقوله [وحسابهم على الله] دفع لما عسى أن يتوهم من أن المرأة لعلها ولدت من زنا فكيف يلحق الولد بصاحب الفراش بأن ذلك أمر مخفي يحاسبهم عليه الله، وإنما أمرتم أن تأخذوا بالظاهر، وكذلك لما أتى الله سبحانه ولدًا لوالد فليس له الانتماء إلى غيره، وإنما قابل ذلك الصنيع باللعنة لما فيه من خلط الأنساب، ففيه من الضرر ما ليس في الجزئيات الأخر. قوله [والزعيم غارم] إلى ههنا تفصيل للجملة (١) المتقدمة، فتأمل. قوله [أصلح بدنًا من بقية] أي لسانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>[باب في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت]</span>\nقوله [أوصي إلى أخي] أي جعلني وصيًا فيه، قوله [سمعت رسول الله ﷺ] بيان لأن ما اختاره (٢) أخوه الميت أمر مفضول. قوله [ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا] لعل (٣)\n_________\n(١) وهي قوله: أعطي كل ذي حق حقه، فإن هذه الأمور المذكورة أيضًا من الحقوق.\n(٢) أي التصدق عند الموت، فإن ثوابه أقل من التصدق في الصحة والقوة.\n(٣) اختلف فيها الروايات كما ذكرها الشيخ في البذل، نفى رواية أنها كاتبت على تسع أواق في كل عام أوقية، وفي رواية وعليها خمس أواق نجمت في خمس سنين، وفي رواية عمرة عن عائشة فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما بقى، فجزم الإسماعيلي بان رواية الخمس المعلقة غلط، ويمكن الجمع أن التسع أصلي والخمس كانت بقيت عليها بعد ما أدى منها أربعة، وبهذا جزم القرطبي والمحب الطبري، ولكن يخالفها رواية الباب ويجاب بأنها كانت حصلت الأربع أواق قبل أن تستعين عائشة فأدتها، ثم جاءتها وقد بقى عليها خمس، فمعنى قوله ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا أي لم تكن أدت مما بقى من كتابتها شيئًا، انتهى.","vol":"3","page":113},{"text":"زيادة هذه الجملة مع أنها لا دخل لها في أداء المقصود ليتبين فضل افتقار بريرة إلى المال لأنها لو كانت أدت شيئًا لما اضطرت كاضطرارها إذا لم تؤد.\nقوله [إن شاءت أن تحتسب عليك] المراد بالاحتساب هو الشراء والاعتاق بعده لا أن تعطي (١) بريرة فتؤدي في كتابتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>[باب الولاء لمن اعتق]</span>\nقوله [الولاء لمن أعطى الثمن أو لمن ولى النعمة] هذا شك من الراوي وهذا تنصيص منه على أن المراد بالولاء ولاء المشتري. قوله [واحتج بعض أهل العلم (٢) بهذا الحديث في إقامة أمر القافة] ولا يتم\n_________\n(١) لأن الولاء إذ ذاك كان لهم لا محالة فأي معنى لاشتراطهم ورد النبي ﷺ عليهم، ثم في الحديث جواز بيع المكاتبة، قال القاضي: ظاهره يدل على جواز بيع رقبة المكاتب، وإليه ذهب مالك وأحمد، وقالا: يصح بيعه ولا تنفسخ كتابته حتى لو أدى النجوم إلى المشتري عتق، وولائه للبائع الذي كاتبه، ومنعه أبو حنيفة والشافعي وأول الشافعي الحديث بأنه جرى برضاها، وكان ذلك فسخًا للكتابة منها، ويحتمل أن يقال: إنها كانت عاجزة عن الأداء فلعل السادة عجزوها وباعوها، إلى آخر ما ذكره القارئ.\n(٢) قال القاضي: فيه دليل على اعتبار قول القائف في الأنساب وأن له مدخلًا في إثباتها وإلا لما استبشر به النبي ﷺ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث وقالوا: إذا ادعى رجلان أو أكثر نسب مولود مجهول النسب ولم يكن له بينة أو اشتركوا في وطي امرأة بالشبهة فأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهم وتنازعوا فيه حكم القائف فبأيهم ألحقه لحقه، ولم يعتبره أصحاب أبي حنيفة، بل قالوا: يلحق الولد بهم جميعًا، قال ابن الهمام: إذا كانت الجارية بين شريكين فجاءت بولد فادعاه أحدهما ثبت نسبه منه، وإن ادعياه معًا يثبت نسبه منهما، انتهى. ومحصل الجواب عن استدلالهم بأن مبناه ليس إلا على استبشاره ﷺ وسروره بقول القائف، وهو يحتمل أمرين إما أن يكون رضى بقول القائف ومثبتًا لنسبه منه أو يكون ردعًا لزعم أهل الجاهلية بإبطال نسبه منه، وقد ثبت أن أهل الجاهلية تقدح في نسب أسامة، وأثبت الشرع نسبه منه ولم يكن الرسول ﷺ منه في شك، بل كان على يقين فلا يشك أن استبشاره ﷺ بقول القائف لم يكن على الاحتمال الأول بل على الثاني، فلو كان الاحتمالان متساويين لم يكن فيه محل الاستدلال فكيف إذا كان الاحتمال الثاني هو الأرجح بل هو المتعين، فلا يجوز الاستدلال باستبشاره ﷺ على إثبات أمر القائف في إثبات النسب، هكذا في البذل مختصرًا.","vol":"3","page":114},{"text":"احتجاجهم فإن مسرة النبي ﷺ إنما كانت لاندفاع طعن الجهلاء في نسبه لا لتحصيله العلم به، وكانوا يزعمون صحة قول مجزز ويعتقدون صدقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>[باب في حث النبي ﷺ على الهدية]</span>\nقوله [ولا تحفرن جارة لجارتها] أي الآخذة ولا المعطية، والفرسن ما يخرج من بين ظلف محرق.","vol":"3","page":115},{"text":"أبواب القدر (١) عن رسول الله ﷺ\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>[باب ما جاء في التشديد </span>(٢) إلخ] إنما كان دأبهم التصدير بهذا الباب ردعًا عن\n_________\n(١) بفتح الدال وتسكن، ما يقدره الله عز اسمه من القضايا، قال في شرح السنة: الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله خالق أعمال العباد خيرها وشرها، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن خلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضي الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب، والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليها ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق وجعلهم فرقتين: فرقة خلقهم للنعيم فضلًا، وفرقة للجحيم عدلًا، وسأل رجل عليًا فقال: أخبرني عن القدر قال: طريق مظلم لا تسلكه، وأعاد السؤال فقال: بحر عميق لا تلجه، وأعاد السؤال فقال: سر الله خفي عليك فلا تفتشه، كذا في المرقاة.\n(٢) وههنا تقرير أنيق في الإرشاد الرضى أحببت أن أكتبه بلفظه، فإن في سياقه فائدة لا تحصل بالتعريف والذوق مشير إلى أن أكثر ألفاظه هي بعينها من كلام حضرة الشيخ نور الله مرقده وبرد مضجعه، وهو هذا: حضرت في تقدير مين خوض كرني سي منع فرمايا يعني اسمين خوض كرنا أور منقول كو معقول بنانا أور أس كو دلائل عقليه سي ثابت كرنا أور رجوع إلى العقل كرنا نه جاهئ، أور كوئي مرتبه محقق واضح بين القدر والجبر ثابت كردينا كه هو شخص سمجي لي أور فرق بين معلوم هو جاويد شوار هي، أور كشف أوسكي كنه كا أور إطلاع اسكي حقيقة كي بعيد بلكه قريب محال هي اسمين خوض وتعمق كا تتيجه يه هوتا هي كه آدمي جبريه يا قدريه هو جاتا هي بس هو شخص كو جاهيئي كه تقدير ير إيمان لاوي أور الله سبحانه أور اس كي رسول كريم جو حكم كيا اس كو تسليم كرس كو اسكي حقيقة كا علم نه هو باقي ثواب وعذاب كا اسكو اختيار هي، أور وه مالك هي، «والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء أكر عذاب دي تو ظلم نهوكا كيونكه ظلم جب هوتاكه تصرف ملك غر مين هوتا أوريه بات ظاهر هي كه حركت مرتعش أور حركات وأفعال عباد مين فرق هي إنسان إيسا صاحب اختيار بهي نهين كه دوسرا كوئي أصلًا متصرف نهو كيونكه ظاهر هي كه إنسان بهت سي إرادي كرتا هي أور وه خلاف هوتا هي أور بورا نهين هوتا بس نه محض مجبور هي أور نه بالكل قادر هي، بلكه بظاهر في الجملة اختيار هي أس اختيار ظاهري بركه جب مثلًا اختيار زنا وترك زنا أور صلاة وترك صلاة دونون كاتها، أور اسكو علم نهين كه تقدير مين كيا لكنها هي بس عتاب وإلزام كي واسطي يه كافي هي، انتهى بلفظه.","vol":"3","page":116},{"text":"الخوض فيه وتسليمًا لما أمر الله بالإيمان به وإن لم يصل العقل إلى دركه. قوله [كتبه الله علي] ومثل هذا الجواب لا يصلح في عالمنا هذا وصح (١) ثمة لما\n_________\n(١) يعني في عالم البرزخ وعالم الأرواح، كما يدل عليه لفظ المشكاة عن مسلم احتج آدم موسى عند ربهما، قال القارئ: ويجوز أن تكون جسمانية وقال أيضًا: اعلم أن هذه القصة تشتمل على معان محررة لدعوى آدم ﵇ مقررة لحجته منها أن المحاجة لم تكن في عالم الأسباب بل في العالم العلوي عند ملتقى الأرواح، ومنها أن آدم ﵇ احتج بذلك بعد اندفاع مواجب الكسب منه وارتفاع أحكام التكليف عنه، ومنها أن اللائمة كانت بعد سقوط الذنب وموجب المغفرة، انتهى، قلت: ولذلك لم يعتذر آدم بهذا الجواب في جنابه تعالى بل تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، وأيضًا، في قصته إشارة بينة إلى البون البين في المحاورة مع الخالق والمخلوق.","vol":"3","page":117},{"text":"أنه ليس بدار التكليف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>[باب في الشقاء والسعادة]</span>\nقوله [أو مبتدأ] شك من (١) الراوي والصيغة مع قرينها السابق معروف أو مجهول. قوله [وهو ينكت في الأرض وبذلك يستدل (٢) أمثال هذه الحركات التي هي لغو فينا وإن لم تكن ثمة لغوًا بل فيها فوائد لم نعرفها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>[باب أن الأعمال بالخواتيم]</span>\nقوله [في أربعين يومًا] وقد ورد (٣) في بعض الروايات أن جميع هذه التحولات تكون في أربعين يومًا، وقد يشاهد غير هذين، والجواب أن الأول في أكثر مدة الحمل، والثاني في أقلها وما بينهما لما بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>[باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة]</span>\nالفطرة هي أول التكوين والمراد به التكوين الأزلي أو التكوين في بطن الأم، أو التكوين وقت الولادة، وحاصل الكل (٤) ومآله الإسلام فلا تتنافى الروايات.\n_________\n(١) يعني أن الترديد بين المبتدع والمبتدأ من شك الراوي، وأما الترديد بين إحداهما وبين قوله فيما فرغ فمن عمر.\n(٢) هكذا في الأصل، والظاهر أن فيه سقوطًا من الناسخ، والصواب على إباحة أمثال إلخ.\n(٣) وبسط الحافظ أشد البسط في اختلاف ألفاظ هذا الحديث مع الترجيح لبعضها والجمع في بعضها فأرجع إليه لو شئت التفصيل.\n(٤) الظاهر أن المراد بالكل ما ورد في الباب من الألفاظ المختلفة من الملة والفطرة والإسلام وغيرها.","vol":"3","page":118},{"text":"قوله [الله أعلم بما كانوا عاملين به] قالوا معناه (١) أنهم يجاوزن على حسب أعمالهم لو قدروا أحياء، ظاهر العبارة يأبى عنه لأنه لو كان المراد ذلك لقال الله أعلم بحالهم بل المعنى أنهم إذا ولدوا على الفطرة كان حالهم هو الإسلام ما لم يعترض عليه عارض، والله أعلم بما كانوا به عاملين (٢) لو حيوا لكنهم لم يستبقوا حتى يعتري عليهم عارض ينافي الفطرة، فهذا الحديث على هذا التقرير يوافق ما ورد من أن أطفال المشركين يكونون في الجنة قوله [وفي يده كتابان] الظاهر أنهما لم يكونا بحسيين (٣) لهم، وإن كانا في يديه ﷺ حقيقة، ويمكن أن يقال بمحسوسيتهما لهم لكنه بعيد في الجملة.\nقوله [أجرب الحشفة] تخصيصها بالذكر لما أن بداية الجرب تكون منه.\n_________\n(١) يعني الله أعلم بما كانوا سيعملون لو أحياهم الله ﷿، هذا هو المشهور في معناه وعلى هذا قالوا إن هذا قاله ﷺ قبل أن نزل عليه فيها شيء، والخلاف في ذراري المشركين شهير، وللعلماء فيها عشرة أقوال بسطت في الأوجز.\n(٢) ومفاد تقرير الشيخ ههنا بظاهره يخالف مؤدي الإرشاد الرضى، ولفظه هكذا، بلكه مطلب حديث كايه هي كه الله جاننا هي كه كس كي ساته عامل هي، أور يه كنايه أن كي جنتي هو ني سي هي كيونكه ظاهر هي كه وه اس حالت مين ملت إسلام بر تهي، أور مولود على الإيمان هوني انتهى، ويمكن تأويله إلى كلام الإرشاد الرضى كما لا يخفى.\n(٣) وقال القارئ: الظاهر من الإشارة أنهما حسيان، وقيل: تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه انتهى، قلت: ولا تنافي في كونهما حسيين وكونهما غير محسوسين لهم، والظاهر من السباق كما أفاده الوالد المرحوم عند الدرس أنهما كانا على سبيل التمثال أي فوتو.","vol":"3","page":119},{"text":"قوله [ندبنه] بالنون ثم الدال المهملة، ثم الباء الموحدة من تحت ثم نون ندخله في الدبن وهي الحظيرة (١). قوله [ولم يكذب في الإسلام كذبة] وكان إسلامه قديمًا فصار المعنى أنه لم يكذب (٢) كذبة. قوله [فسألته ما كانت وصية أبيك] وكان سمع أن أباه أوصاه في ذلك. قوله [إن أول ما خلق الله] القلم (٣) الأولية (٤) إضافية.\n_________\n(١) قال صاحب المجمع: الدبن (بالكسر) حظيرة الغنم من القصب وهي من الخشب زريبة ومن الحجارة صبرة، انتهى.\n(٢) يعني قوله في الإسلام ليس بقيد احترازي، ويؤيده ما قال الحافظ في تهذيبه، قال العجلي تابعي ثقة من خيار الناس لم يكذب كذبة قط، انتهى.\n(٣) قال القارئ: القلم بالرفع وهو ظاهر وروى بالنصب، قال بعض المغاربة رفع القلم هو الرواية، فإن صح النصب كان على لغة من ينصب خبران، وقال المالكي: يجوز نصبه بتقدير كان على مذهب الكسائي، وقال المغربي لا يجوز أن يكون القلم مفعول خلق لأن المراد أن القلم أول مخلوق، وإذا جعل مفعولًا لخلق أوجب أن يقال اسم إن ضمير الشأن وأول ظرف فينبغي أن تسقط الفاء من قوله، فقال أو يرجع المعنى إلى أنه قال له اكتب حين خلقه فلا إخبار بكونه أول مخلوق، انتهى.\n(٤) حكى القارئ، عن الأزهار أول ما خلق الله القلم يعني بعد العرش، والماء والريح لقوله ﷺ كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء، رواه مسلم، وعن ابن عباس سئل عن قوله تعالى ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أي شيء كان الماء، قال على متن الريح، رواه البيهقي، قال القارئ: فالأولية إضافية، والأول الحقيقي هو النور المحمدي على ما بينته في المورد للمولد انتهى، قلت: وسيأتي شيء من ذلك في تفسير سورة هود.","vol":"3","page":120},{"text":"قوله [اكتب القدر ما كان وما هو كائن] لا شبهته (١) في صحة صيغة الاستقبال ههنا، وأما المضي فإنها بالنسبة (٢) إلى خلق القلم أو إلى الكتابة أو إلى زمان رواية الراوي أو قول النبي ﷺ.\n_________\n(١) لكن أورد القارئ على قوله إلى الأبد إشكالًا قويًا وهو أن ما لا يتناهى في المال كيف ينحصر وينضبط تحت القلم، ثم أجاب عنه بأجوبة عديدة وأحسنها عندي أن المراد بالأبد ما هو كائن إلى القيامة كما هو مصرح في عدة روايات ذكرها الترمذي، وأصرحها أن أبا داؤد ذكر في حديث عبادة هذا قال لكتب مقادير أو كل شيء حتى تقوم الساعة.\n(٢) قال القارئ: المضي بالنسبة إليه ﷺ، وقال الأبهر: ما كان يعني العرش والماء والريح وذات الله وصفاته، انتهى، قلت: وهو الأوجه.","vol":"3","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>أبواب الفتن عن رسول الله ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>[باب لا يحل دم امرئ مسلم]</span>\nقوله [يوم الدار] أي يوم (١) حاصره أهل مصر. قوله [ألا لا يجني جان ألا على (٢) نفسه] وكانوا يقتلون أبا القاتل أو ابنه أو غيرهما قصاصًا لمقتولهم فنهاهم النبي ﷺ عن صنيعهم ذلك، وقال جناية الرجل لا تكون إلا على نفسه ثم خصص بعض جزئيات هذا الكلي تصريحًا بتحريم ما كان شائعًا بينهم. قوله [إلا هو أن الشيطان قد أئس إلخ] ولا يخفى أن (٣) يأسه من ذلك لا يستلزم أن؟؟؟ تقع عبادته، وإنما كان أيس لما رأى من شوكة الإسلام وشيوعه وقوته فأيس أن يرتدوا على أعقابهم كفارًا وذلك لا يستلزم أن لا يعبدوه أصلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>[باب لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا] </span>قوله [لا عبًا جادًا] عطف (٤)\n_________\n(١) يعني حاصروا عثمان في داره بالمدينة المنورة زادها الله شرفًا وكرامة.\n(٢) هكذا بالاستثناء في النسخ التي بأيدينا من الترمذي، وكذلك في ابن ماجة، لكن صاحب المشكاة حكى عنهما لا يجني جان على نفسه بدون الاستثناء وفسر سياقه القارئ بعدة معان لا تمشي في رواية الترمذي فلا حاجة إلى ذكرها.\n(٣) وحمل القارئ النفي على عبادة الشيطان أي الكفر علانية، وقال لم يعرف أنه عبده أحد من الكفار علانية إذ قد يأتي الكفار مكة خفية.\n(٤) ويؤيد ذلك ما في رواية لأبي داؤد لعبًا ولا جدًا وعلى هذا فالنهي عن أخذ مال المسلم بدون رضاه في الجد، وهو ظاهر وفي اللعب لما أنه يروعه ويؤذيه، وهذا مختار الشيخ في معناه، وقيل في معناه أنه باعتبار الوقتين يعني يأخذ في اللعب والمزاح ابتداء، ثم يحبسه عند نفسه انتهاء، وهذا مراد ما في الحاشية عن المجمع، وقيل هذا باعتبار الحالتين يعني يظهر اللعب باعتبار الظاهر، ويضمر في نفسه الأخذ بالجد، وقيل: بعكسه يعني يأخذ متاعه ولا يريد سرقته وحبسه بل يريد إدخال الغيظ على صاحبه، وأشار إلى هذين المعنيين القارئ.","vol":"3","page":122},{"text":"بحذف حرفه. قوله [نهى أن يتعاطى السيف] أي أن اضطر إلى إعطائه وأخذه يعطيه مغمدًا وبأخذه كذلك لا مسلولًا لما فيه من التعرض للهلاك والإهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>[باب من صلى الصبح فهو في ذمة الله]</span>\nقوله [فلا يتبعنكم الله سبحانه] من المجرد (١). قوله [ومن شذ شذ إلى النار] بفتح (٢) الشين في الأول\n_________\n(١) قال المجد: تبعه كفرح تبعًا وتباعة مشى خلفه وكفرحة وكتابة الشيء الذي لك فيه بغية شبه ظلامة ونحوها، وكأمير الناصر والذي لك عليه مال والتابع، ومنه قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾، انتهى، قلت: فالمعنى لا يطلبنكم الله تعالى بذمته، وفي المشكاة برواية المسلم عن جندب القسري مرفوعًا من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم، قال القارئ قوله في ذمة الله أي في عهده وأمانه من الدنيا والآخرة، وهذا غير الأمان الذي ثبت بكلمة التوحيد فلا يطلبنكم الله أي لا يؤاخذكم، والمراد نهيهم عن التعرض لما يوجب مطالبة الله إياهم بنقض عهده وإخفار ذمته بالتعرض لمن له ذمة أو المراد بالذمة الصلاة الموجبة للأمان أي لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبكم به، انتهى.\n(٢) وقال القارئ: من شذ أي انفرد عن الجماعة باعتقاد أو قول أو فعل لم يكونوا عليه، شذ في النار أي انفرد فيها ومعناه انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة وألقى في النار، انتهى.","vol":"3","page":123},{"text":"والضم في الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>[باب في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر]</span>\nقوله [يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية] وكان غرضه ﵁ دفع ما يتوهم من التعارض (١) في الرواية والآية، وحاصل دفعه أن الآية، وإن كان يتبادر منها أنكم لا يضركم ضلال أحد إذا اهتديتم إلا أن الاهتداء لا يتحقق ما لم يقض حقه في الأمر بالمعروف فهما موافقتان حقيقة. قوله [حتى تقتلوا إمامكم] كما قتلوا (٢) عثمان رضي الله تعالى عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>[باب في تغيير المنكر باليد </span>إلخ] قوله [ترك ما هناك] أي الأمر (٣) الذي كانوا يقدمون له الصلاة على الخطبة قد ترك فإن الناس لا يستمعون الخطبة لو أخرت والتذكير واجب فلذلك قدمناها، وهذه حيلة اخترعها وإلا لقد كان لسبب أهل بيته ﷺ في خطبته. قوله [وذلك أضعف الإيمان] يحتمل أن يشار إلى الرجل القائم به ويكون بيانًا للرجل نفسه، والمعنى على هذا أن هذا الذي\n_________\n(١) ويؤيد ذلك سياق أبي داؤد بلفظ يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها الحديث، وأخرج أيضًا عن أبي أمية، قال سألت أبا ثعلة، كيف تقول في هذه الآية، قال أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، الحديث.\n(٢) قلت: ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ذكروا من قتل الأمير قبيل خروج المهدي ﵇.\n(٣) يعني قد ارتفعت علة التقديم، وقال القارئ الأظهر أن يقال مراده ترك ما تعلم من تقديم الصلاة وصارت السنة والخير الآن تقديم الخطبة لأجل المصلحة التي طرت وهي انفضاض الناس قبل سماع الخطبة لو أخرت، انتهى.","vol":"3","page":124},{"text":"اكتفى بإنكار القلب أضعف الإيمان، ويحتمل أن يشار إلى هذا الإنكار القلبي والمعنى أن هذا الذي فعله من إنكار القلب أضعف مراتب الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>[باب أفضل الجهاد </span>إلخ] أن المجاهد بين أمرين مترددين، إما أن يقتل ويغلب فيغنم (١) أو يقتل ويغلب فيغنم، والذي تكلم بالحق بين يدي جائر مستيقين بهلاكه فكان أفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>[باب سؤال النبي ﷺ ثلاثًا في أمته] </span>قوله [إنها صلاة رغبة ورهبة] وكل صلاته ﷺ كانت رغبة ورهبة فالمراد (٢) أني سألت فيها ربي فرغبت أن يجيبه، ورهبت أن يرده، وأما الصلوات الآخر فكانت خالصة له تعالى بإظهار عبوديته وإقرار معبوديته فحسب. قوله [وأعطيت الكنزين] تخصيص بعد تعميم لما فيه من استبعاد ظاهره لقوة شوكة هذين الملكين (٣).\n_________\n(١) الظاهر أن الأول ببناء المعلوم بالغين المعجمة أي يفوز بالغنيمة، والثاني ببناء المجهول بالعين المهملة أي يخضب بالدم أو يشق شفته، قال المجد: العنم شجرة حجازية لها ثمرة حمراء شبه بها البنان المخضوب، والعنمة الشقة في شفة الإنسان فتأمل، ولا مانع أن يكون كلا اللفظين من الغنيمة، معروفًا ومجهولًا.\n(٢) وما أفاد الشيخ أوجه مما قال القارئ من أن الأظهر أن يقال المراد به أن هذه صلاة جامعة بين قصد رجاء الثواب وخوف العقاب بخلاف سائر الصلوات إذ قد يغلب فيها أحد الباعثين على أدائها، انتهى.\n(٣) أي قيصر وكسرى، قال التوربشتي: يريد بالأحمر والأبيض خزائن كسرى وقيصر، وذلك أن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم، كذا في المرقاة، وفي المجمع: هي مما أفاء الله على أمته من كنوز الملوك فالأحمر الذهب كنوز الروم لأنه الغالب على نقودهم، والأبيض الفضة كنوز الأكاسرة لأنها الغالب على نقودهم، انتهى. لا يذهب عليك ما بين الكلامين من المخالفة، وقال النووي: المراد بالكنزين الذهب والفضة كنزي كسرى وفيسر ملكي العراق والشام، انتهى.","vol":"3","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>[باب الرجل يكون في الفتنة]</span>\nقوله [فقربها] وبين لنا (١) بحيث قربها إلى الأذهان وأشرب حقيقتها في القلوب، أي بينها حق البيان. قوله [قال رجل في ناشيته] بين في القسمين البعد من المسلمين سواء كان (٢) بالخروج إلى الجهاد أو بالخروج بماشيته إلى الجبال والآكام، فلا يشترك بالمسلمين في قتالهم وجدالهم.\nقوله [تكون الفتنة تستنظف العرب] أي تستوعبهم (٣)، والظاهر الأسلم من التكلفات أنها لم تعلم أيها هي، وإن قال بعض المحشين (٤) إنها فتنة على ومعاوية ﵄، ولئن كان كما قال فمعنى (٥) قوله قتلاها في النار أن من\n_________\n(١) قال الأشرف: أي وصفها للصحابة وصفًا بليغًا، فإن من وصف عند أحد وصفًا بليغًا فكأنه قرب ذلك الشيء إليه، وقال القارئ: أي عدها قريبة الوقوع، انتهى. وبهذين المعنيين فسر الحديث صاحب المجمع.\n(٢) يعني أن المراد برجل آخذ برأس فرسه من يخرج إلى جهاد الكفار، قال المظهر: يعني رجل هرب من الفتن وقتال المسلمين، وقصد الكفار يحاربهم ويحاربونه فيبقى سالمًا من الفتنة، كذا في المرقاة.\n(٣) قال القارئ: أي تستوعبهم هلاكًا من استنظفت الشيء أخذته كله، كذا في النهاية. وقيل: أي تطهرهم من الأرذال وأهل الفتن.\n(٤) كما في حاشية الترمذي، وأبي داؤد وغيرهما، وكذا حكاه القارئ عن غيره وبسط الكلام فيه، انتهى.\n(٥) هذا أوجه مما في الحواشي المذكورة، إذ قالوا: إن قيل كيف قتلاهم في النار والمخطئ من المجتهد معذور وكلا الفريقين مجتهد، قلت: هو توبيخ وتغليظ، انتهى.","vol":"3","page":126},{"text":"قتل في تلك الفتنة لا من وقعت بسببه الفتنة فيخرج ممن حكم عليه بالنار عثمان وطلحة والزبير ﵃ ممن استشهد فيها لأن الفتنة إنما هاجت بسبب قتلهم لا أنهم قتلوا فيها.\nقوله [اللسان فيها أشد من السيف] المراد باللسان الكلمة فإن كان (١) المراد بها الحق فالمعنى أن التكلم بالحق أشد فيها من احتمال ضرب السيوف لتمالؤ (٢) أهلها\n_________\n(١) ومن حملها على الصفين ذكر لهذه الكلمة معنى ثالثًا، وهو أن ذكر أهل تلك الحرب بسوء يكون كمن حاربهم لأنهم مسلمون وغيبة المسلم إثم، بل أكثرهم كانوا أصحاب رسول الله ﷺ لا سيما الصدرين الأعظمين الأميرين علي ومعاوية ﵄، وقد قال ﷺ: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا أي عن الطعن فإن رضا الله تعالى في مواضع من القرآن تعلق بهم ولهم حقوق ثابتة في الذمة، وقال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله أيدينا منها فلا نلوث ألسنتنا بها، قال النووي: كان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ لأنه كان بالاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولو تيقنوا الصواب لم يتأخروا عن المساعدة، قال القارئ: والتحير لم يكن في أن عليًا أحق بالخلافة أم معاوية؟ لأنهم أجمعوا على ولاية علي، وإنما وقع النزاع بين معاوية وعلي في قتلة عثمان حيث تعلل معاوية بأني لم أسلم لك الأمر حتى تقتل أهل الفساد والشر ممن حاصر الخليفة وأعان على قتله، فإن هذا ثلمة في الدين وخلل في أئمة المسلمين، واقتضى رأي على أن قتل فئة الفتنة يجر إلى إثارة الفتنة التي تكون أقوى من الأولى مع عدم تعيين أحد منهم بمباشرة قتل الإمام، انتهى مختصرًا.\n(٢) أي لاجتماعهم، قال المجد: تمالؤا عليه أي اجتمعوا.","vol":"3","page":127},{"text":"على الباطل، وإن كان المراد بها الباطل فالمعنى أن تأثيرات الألسنة أشد فيها من تأثيرات السيوف، ويكون هذا بيان المفسدين. قوله [وأنا انتظر الآخر] فإنه أخذ في الظهور ولم يستتم ظهوره بعد.\nقوله [إن الأمانة نزلت في جذر إلخ] يعني إن الأمانة التي هي صفة (١) مقتضية أداء كل حق إلى صاحبه نزلت في أصل قلب الرجال فعلموا (٢) بمقتضاها القرآن والسنة والإيمان والأحكام، وأدوا كل ما عليهم من حقوق هذه الأشياء لاقتضاء الأمانة ذلك، وقد عرفت ظهور معنى الحديث ورأيته، ثم حدثني عن رفع الأمانة كيف ترفع فقال: يظهر تغير في الأمانات دفعة حتى أن الرجل أخذ في النوم (٣) وهو سالم الإيمان كامله حتى إذا استيقظ من نومه- وإن كان خفيفًا كما\n_________\n(١) وفسر عامة شراح الحديث الأمانة في الحديث بالإيمان كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ وقال الطيبي: إنما حملهم على هذا التفسير لقوله آخرًا: وما في قلبه من خردل من إيمان، فهلا حملوها على حقيقتها (وهي ضد الخيانة) لقوله: ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيكون وضع الإيمان آخرًا موضعها. تفخيمًا لشأنها وحثًا على أدائها، قال ﷺ: لا دين لمن لا أمانة له، وقال النووي: الظاهر أن المراد بالأمانة التكليف الذي كلف الله به عباده، والعهد (الأزلي) الذي أخذه عليهم، وميل الحافظ في الفتح إلى حقيقة الأمانة إذ فسر تبويب البخاري باب رفع الأمانة بضد الخيانة، وقال في آخر الحديث: قوله من إيمان قد يفهم منه أن المراد بالأمانة في الحديث الإيمان، وليس كذلك بل ذكر ذلك لكونها لازمة الإيمان، انتهى.\n(٢) وإن أريد بالأمانة المعنى المعروف ضد الخيانة فيكون المعنى علموا تأكدها بالقرآن والحديث.\n(٣) قال القارئ: النومة إما على حقيقتها فما بعده أمر اضطراري، وإما كناية عن الغفلة الموجبة لارتكاب السيئة الباعثة على نقص الأمانة ونقص الإيمان، انتهى.","vol":"3","page":128},{"text":"يدل عليه التعبير بالنومة- وجد قلبه قد تغير وأنكره، فلا يجد منه ما كان يجد قبل النوم من استعظام الذنوب وإيفاء الحقوق، لكن التغير بعد يسير لم يظهر أثره على ظاهره حتى يعرفه كل أحد، بل الفساد مكنون في القلب، وتأثيراته خفية لا تدركها كل أحد، فشبه ذلك بالوكت (١)، وهو تصلب الجلد بكثرة العمل بشيء صلب كالحديدة والخشبة، ففي الوكت لا تغير في ظاهر الجلد فإنما الفساد فيه مخفي يحس به إذا لمس الجلد وغمز، فإذا زاد أثر الرفع على ذلك أخذ ظهور أثره بحيث لا يكاد يخفي على أحد ممن رأى ذلك فشبهه بعد ذلك بالمجل (٢)، وهو أثر الحرقة على اليد وغيره إذا نفطت، ولذلك قال في بيانه: كالجمر إذا دحرجته على الرجل، وإنما لم يذكر اليد ههنا لما أن المتبادر منه الكف، والراحة لا تتأثر كتأثر غيرها من الأعضاء، وشبه ظهوره حينئذ بظهور النفطة فإنه يطلع عليها كل من رآه، ولذلك قال: فتراه منتبرأ- بتقديم النون على التاء المثناة الفوقانية، ثم يعدها الباء الموحدة- من النبر وهو الارتفاع، وهو مفتعل. قوله [ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله] هذا تصوير لدحرجة الجمر. قوله [حتى يقال إن في بني فلان] إشارة إلى قلة الأمناء.\n_________\n(١) قال القارئ: بفتح الواو وإسكان الكاف وبالفوقية: الأثر اليسير كالنقطة في الشيء، وقال المجد: الوكتة النقطة والوكت التأثير والشيء اليسير. قلت: وكذلك عامة الشراح فسروا الوكت بالنقطة، والمجل بأثر العمل فتأمل.\n(٢) قال القارئ: بفتح الميم وسكون الجيم وتفتح، هو أثر العمل في اليد، وقال المجد: مجلت يده نفطت من العمل فمرنت، والحافر نكبته الحجارة فبرئ وصلب، والمجلة فشرة رقيقة يجتمع فيها ماء من أثر العمل جمعه مجل ومجال، وقال المجد: نبر الحرف همزه والشيء رفعه، ومنه المنبر، والنبرة الورم في الجسد، وقد انتبر وكل مرتفع من شيء، انتهى.","vol":"3","page":129},{"text":"قوله [ولقد (١) أتى على زمان وما أبالي إلخ] هذا زمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم فكانت قلوبهم متنورة بأنوار الإيمان، وقلوب كفارهم كانت متأثرة بآثارها فلم يكد يخون منهم إلا أقل قليل، والمراد بالرد أني إذا توسوس في قلبي خيانة ونكصت عنه ردني عليه أنه مؤمن، أو أنه ذمي وذو عهد فلا يخون فرجعت إليه بعد ما كنت أعرضت، والمراد بالساعي الذمة نفسها فإن حقن الدماء\n_________\n(١) قال الحافظ: يشير إلى أن حال الأمانة أخذ في النقص من ذلك الزمان وكان وفاة حذيفة في أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير فأشار إليه، وقال ابن العربي قال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة وكنى عن الإيمان بالأمانة، وعما يخالف أحكامه بالخيانة، وقال الحافظ: والمراد المبايعة في السلع ونحوها، لا المبايعة بالخلافة والإمارة، وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على من حمل المبايعة ههنا على الخلافة وهو واضح، والمراد أنه لوثوقه بوجود الأمانة في الناس أولًا كان يقدم على مبايعة من اتفق من غير بحث عن حاله، فلما بدأ التغير في الناس، وظهرت الخيانة صار لا يبايع إلا من يعرف حاله، ثم أجاب عن إيراد مقدر كان قائلًا قال: لم تزل الخيانة موجودة لأن الوقت الذي أشرت إليه كان أهل الكفر فيه موجودين وهم أهل الخيانة، فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك لكنه يثق بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كل عمل قل أو جل إلا المسلم فكان واثقًا بإنصافه، وتخليص حقه من الكافر إن خانه بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه فإنه لا يبايع إلا أفرادًا من الناس يثق بهم، انتهى مختصرًا.","vol":"3","page":130},{"text":"وحفظ الأموال لما كان بها، فكأنها تسعى بهم، أو المراد بالساعي (١) هو الزعيم والكفيل فإن لكل قوم زعيمًا يسعى لهم. قوله [فأما اليوم فما كنت أبايع (٢) منكم إلخ] ليس تنصيصًا على أن كل أهل زمانكم صاروا خائنين، بل المراد أن الخيانة قد تلوث بها الناس، وإن لم يفش فشوها في القرن الرابع فلا يعتمد إلا على من عومل به فظهر بعد ذلك أنه أمين، وأما المعاملة لكل أحد فلم تبق كما كانت في زمان أول من هذا، وبذلك يصح قوله (٣): وأنا أنتظر الآخر فإن رفع الأمانة لم يكن ظهر بعد كما أخبر به النبي ﷺ.\n_________\n(١) وبذلك جزم جمع من شراح الحديث، قال العيني: وإن كان كافرًا فساعيه وهو الوالي، وهو الذي يسعى له أي الوالي عليه يقوم بالأمانة في ولايته فينصفني ويستخرج حقي منه، وكل من ولى شيئًا على قوم فهو ساعيهم مثل سعاة الزكاة، انتهى.\n(٢) قال ابن التين: تأوله بعضهم على بيعة الخلافة وهو خطأ، فكيف يكون ذلك وهو يقول لئن كان نصرانيًا إلخ، والذي عليه الجمهور وهو الصحيح أنه أراد به البيع والشراء المعروفين (*)، يعني كنت أعلم أن الأمانة في الناس فكنت أقدم على معاملة من أثق غير باحث عن حاله وثوقًا بأمانته، وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فلست أثق اليوم بأحد أو تمنه على بيع أو شراء إلا فلانًا وفلانًا، يعني أفرادًا من الناس قلائل أعرفهم وأثق بهم، كذا في العيني. وتقدم قريبًا منه في كلام الحافظ، وقال الحافظ: يحتمل أن يكون ذكر فلانًا وفلانًا بهذا اللفظ، ويحتمل أن يكون سمى اثنين من المشهورين بالأمانة إذ ذاك فأبهم الراوي.\n(٣) جواب عما يرد من أنه إذا لم ير الحديث الآخر وهو ينتظره فكيف ترك المعاملة معهم؟ وحاصل الجواب أنه ينتظر استكماله وظهرت آثاره.\n(*) وبه جزم النووي في شرح مسلم.","vol":"3","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>[باب لتركبن سنن من كان قبلكم]</span>\nقوله [يعلقون عليها أسلحتهم] وكان يوم فرحهم وسرورهم يأكلون ويشربون ثمة ويلعبون ثم يرجعون، فعلم السائلون رحمهم الله تعالى أنه ليس فيه شيء يرتكب محرمًا، ولا شركًا أو كفرًا، إذ لم يكونوا يعبدون (١) ثمة شيئًا فسألوه أن يجعل لهم ذات (٢) أنواط يعلقون عليها أسلحتهم ويفعلون مثل ما يفعلون. قوله [فقال النبي ﷺ سبحان الله هذا إلخ] يعني إن هذا مثل سؤال قوم موسى في كونه سؤالًا عما لا يجدي شيئًا، ولا يكون إلا سببًا لما فوقه من اللهو واللعب حتى تصل النوبة إلى الكفر والشرك كما يشاهد في زماننا هذا، فهذا الذي أخافهم النبي ﷺ عنه فقال: لتركبن سنن من كان قبلكم، يعني إن سؤالكم هذا قد أعلم بما في القلوب من البدع والأهواء، وأنتم لما سألتم ذلك ورغبتم فيه وأنتم خير القرون التي سلفت، وخير القرون الآتية فكيف بالذين لم يأتوا بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>[باب في انشقاق القمر]</span>\nقوله [انفلق القمر] أي بسؤالهم (٣) ذلك معجزة للنبي ﷺ لما علموا أن السحر لا يؤثر على السماء فإن كان ساحرًا لم يقدر عليه\n_________\n(١) قلت: لكن ذكر السيوطي في الدر برواية ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وغيرهم عن أبي واقد هذه القصة، وفيها: وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها وفي رواية أخرى من رواية الطبراني وغيره كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط وكانت تعبد من دون الله فلما رآها رسول الله ﷺ حرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها، الحديث.\n(٢) قال المجد: ناطه نوطًا علقه، وانتاط تعلق والأنواط المعاليق وككتاب معلق كل شيء جمعه أنواط، والنوط ما علق من شيء سمى المصدر جمعه أنواط ونياط، انتهى مختصرًا.\n(٣) فقد بوب البخاري في صحيحه «باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر» وحكى الحافظ عن أبي نعيم في الدلائل من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والنضر بن الحارث ونظراؤهم فقالوا للنبي ﷺ: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين فسأل ربه فأنشق، وقال صاحب الخميس: وفي السنة التاسعة من المبعث كان انشقاق القمر، وحكى عن السبكي الصحيح عندي أن انشاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن مروي في الصحيحين وغيرهما من طرق شتى بحيث لا يمتري في تواتره، انتهى. وزاد في الإرشاد الرضى أن هذه المعجزة كانت بينة شائعة حتى صارت سببًا لإسلام بنت راجه إندور في الهند.","vol":"3","page":132},{"text":"ففعل (١) النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>[باب في الخسف]</span>\nقوله [طلوع الشمس من مغربها] هذه الآيات العشر لم يذكرها ههنا ترتيبًا (٢) على حسب ما تقع، إنما جمع ههنا ولم يذكر كلها، فإن\n_________\n(١) فقالت الجهلة المردة: هذا سحر، قال الحافظ: فقال كفار قريش هذا سحر سحركم ابن أبي كشة فانظروا إلى السفار فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق، قال: فما قدم عليهم أحد إلا أخبرهم بذلك، هذا لفظ حديث هشيم.\n(٢) كما يدل عليه اختلاف الطرق في هذه الرواية تقديمًا وتأخيرًا، واختلفوا في ترتيبها على أقوال عديدة لا يسعها المقام لكن الشيخ ذكر في البذل عن فتح الودود أول الآيات الخسوفات، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى، ثم يأجوج ومأجوج، ثم الريح القابضة لأرواح المؤمنين، ثم طلوع الشمس، ثم الدابة، والأقرب في مثله التوقف، والتفويض إلى عالمه، انتهى. قال الشيخ: وفيه أيضًا كلام فإن المناسب أن يذكر الطلوع والدابة قبل الريح، انتهى. قلت: ولا شك في ذلك لأن الريح إذا قبضت عندها أرواح المؤمنين فكيف يسم المؤمنين، ويكتب بين عينيه مؤمن كما ورد في الروايات.","vol":"3","page":133},{"text":"الخسوف (١) الثلاثة آية واحدة. والدابة المذكورة فيها (٢) هي دابة تخرج من جبل الصفا في إحدى يديه عصا موسى، وفي الأخرى خاتم سليمان على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فيختم على ناصية كل كافر ويخط على ناصية كل مؤمن يعلمان به لكل راء لا يمكن أن ينقلب منها أحد، والنار التي ذكرت ههنا هي نار تسوق الناس إلى أرض الشام، ومنها يقومون يوم ينفخ في الصور.\nقوله [والعاشرة إلخ] كونها عاشرة على معنى أنها كانت في تعداد النبي ﷺ عاشرة (٣)، وأما أن العشرة قد تمت في هذه الرواية فليس بمراد أصلًا.\nقوله [إما ريح تطرحهم في البحر] هذه الريح (٤) تطرح طائفة من الناس مخصوصة\n_________\n(١) اختلفوا في أنها وقعت أو لم تقع بعد، ومال صاحب الإشاعة إلى الأول إذ قال: وقد وقعت الخسوفات الثلاثة فذكر الخسوفات العديدة الهائلة منها خسف ثلاثة عشر قرية بالمغرب سنة ٢٠٨ هـ وخسف عدة أماكن بغرناطه في شعبان سنة ٨٣٤ هـ وخسف مائة وخمسين قرية من قرى الري سنة ٣٤٦ هـ وغير ذلك، ومال مولانا الشاه رفيع الدين في رسالته في أشراط الساعة إلى أنها تكون بعد وفات عيسى على نبينا وعليه الصلاة.\n(٢) عظيمة لها عنق طويل يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب، ولها وجه كالإنسان ومنقار كالطير، ولها أربع قوائم، وفي حاشية ابن ماجة عن ابن عمرو بن العاص أنها الجساسة والمشهور الأول، وعن علي ﵁ وقد سئل أن ناسًا يزعمون أنك دابة الأرض، فقال: والله إن لدابة الأرض ريشًا وزغبًا ومالي ريش ولا زغب، وإن لها حافرًا ومالي حافر، كذا في الإشاعة ودور السيوطي.\n(٣) ويدل على ذلك رواية أبي داؤد: آخر ذلك تخرج نار من اليمن من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر.\n(٤) قال صاحب الإشاعة: الظاهر أن هذه غير الريح التي تلقي يأجوج مأجوج في البحر، وأن هذه تكون عند خروج النار التي تخرج من قعر عدن، ويحتمل أن تكون إياها، انتهى. وقال القارئ بعد ذكر رواية النار تسوق الناس إلى المحشر، وفي رواية ريح تلقي الناس في البحر: لعل الجمع بينهما أن المراد بالناس الكفار، وأن نارهم تكون منضمة إلى ريح شديدة الجري سريعة التأثير في إلقائها إياهم في البحر، وهو موضع حشر الكفار أو مستقر الفجار، انتهى.","vol":"3","page":134},{"text":"في البحر. قوله [خسف بأولهم وآخرهم] وينجو واحد (١) منهم ليخبر بذلك من ورائهم.\nقوله [نعم إذا ظهر الخبث] أي غلب (٢) [باب في طلوع الشمس من\n_________\n(١) كما في رواية مسلم عن حفصة: فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم، وذكر صاحب الإشاعة برواية نعيم بن حماد: لا يفلت منهم أحد إلا بشير ونذير، بشير إلى المهدي ونذير إلى السفياني، انتهى. والظاهر من هذا أن القصة تكون في زمان المهدي، وبوب البخاري في صحيحه «باب هدم الكعبة» ثم ذكر حديث عائشة هذا تعليقًا، وحديث أبي هريرة يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع (مرارًا) فمرة يهلكهم الله قبل الوصول إليها، وأخرى يمكنهم، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر قال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة فينتقم منهم فيخسف بهم، وتعقب بأن في بعض طرق مسلم أن ناسًا من أمتي والذي يهدمونها من كفار الحبشة وأيضًا فمقتضى كلامه أنه يخسف بهم بعد أن يهدموها ويرجعوا، وظاهر الخبر أنه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها، انتهى.\n(٢) نعم ثم يبعثون على نياتهم كما تقدم في حديث صفية، وقد ورد في معناه عدة روايات.","vol":"3","page":135},{"text":"مغربها (١) قوله [فيؤذن لها] في الكلام حذف واختصار والمراد أنها تؤذن لها في السجود، ثم يؤذن لها في الطلوع من حيث تطلع. قوله [وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت] عبر بلفظة كأن إشارة إلى غاية (٢) قرب ذلك الوقت نسبة إلى ما غبر من الزمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>[باب في خروج يأجوج ومأجوج]</span>\nقوله [ويل للعرب] تخصيصهم (٣)\n_________\n(١) قال ابن عابدين: ورد في حديث مرفوع أن الشمس إذا طلعت من مغربها تسير إلى وسط السماء ثم ترجع، ثم بعد ذلك تطلع من المشرق كعادتها، قال الرملي الشافعي في شرح المناهج: وبه يعلم أنه دخل وقت الظهر برجوعها لأنه بمنزلة زوالها، ووقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، والمغرب بغروبها، وفي هذا الحديث أن ليلة طلوعها من مغربها تطول بقدر ثلاث ليال لكن ذلك لا يعرف إلا بعد مضيها لانبهامها على الناس، فحينئذ قياس ما مر أنه يلزم قضاء الخمس لأن الزائد ليلتان فيقدران عن يوم وليلة، وواجبهما الخمس، انتهى.\n(٢) ويؤيد ذلك لفظ البخاري في بدأ الخلق في هذا الحديث، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت، الحديث. وقد أخرجه البخاري في التوحيد بلفظ: وكأنها قد قيل لها ارجعي، ثم في الحديث عدة أبحاث مفيدة بسطها العيني لا يسعها هذا المختصر، منها المراد بالسجود إذ لا جبهة لها والانقياد حاصل له دائمًا، ومنها ما في التنزيل أنها تغرب في عين حمئة فأين هي من العرش، ومنها ما يخالفه قول أهل الهيئة أن الشمس مرصعة في الفلك، وظاهر أنها تسير، وغير ذلك، وذكر أهل التفسير المباحث في ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾.\n(٣) أي تخصيص العرب بالذكر مع أن فتنة يأجوج ومأجوج يعم الناس كلهم لكمال شفقته ورأفته ﷺ عليهم، وهذا إذا كان المراد بالويل هو الإشارة إلى فتنة يأجوج ومأجوج كما هو ظاهر السياق، وإن كان المراد بالويل إشارة إلى فتنة أخرى من فتن العرب كالحرة وغيرها، وذكر ردم يأجوج ومأجوج إشارة إلى فتنة غيرها كما يشير إليه ما ورد من قوله ﷺ: ويل للعرب من شر قد اقترب على رأس الستين، فتخصيص العرب بالذكر ظاهر.","vol":"3","page":136},{"text":"لشفقته عليهم أو لما أنهم رأس القوم والآخرون ذنباته، فلما أثبت لهم الويل علم حكم من وراءهم بالطريق الأولى. قوله [فتح اليوم من ردم إلخ] يعني أنهم كانوا ينقبون الردم يومهم (١) بآلاتهم حتى إذا صار سطح منه طويل كالورقة وأمسوا استوى إلى الصبح، وعاد على ما كان عليه من الغلظ، وأما اليوم أي يوم رؤيته ﷺ فقد انفتح منه كوة كالعشر، وفي بعض الروايات أنه عقد تسعين، ولعله تقريب، ولا يعود هذه الكوة إلى الحالة الأولى في الغلظ بل يبقى منفتحة وسائر الجدار تعود كما كانت تعود، وأما ما اشتهر من أن يأجوج ومأجوج يلحسون الجدار بلسنهم فغلط صريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>[باب في صفة المارقة]</span>\nقوله [لا يجاوز تراقيهم] إلى القلوب حتى يؤثر فيها.\nقوله [فقال رسول الله ﷺ إنكم سترون بعدي أثرة] هذا ليس جوابًا لما كان الرجل\n_________\n(١) كما يدل عليه لفظ الحفر في حديث ذكره السيوطي عن أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: قال إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غدًا ولا يستثنى فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد الله بخروجهم على الناس قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه إن شاء الله ويستثنى، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه، الحديث.","vol":"3","page":137},{"text":"سأله، بل الجواب عنه لم يذكره الراوي وهو أنا لا نستعمل من سأل إلى غير ذلك، وإنما كانت مقولته تلك تحضيضًا على الصبر حين تأخذ أمراؤهم حقوقهم ولا يؤدونهم فإنه أشد من ذلك بكثير. قوله [بنهار] أي فوق (١) ما كان يصليها دائمًا.\nقوله [ألا لا تمنعن رجلًا إلخ] هذه عزيمة، وما سبق من إنكار بالقلب حيث لا يجد قوة رخصة، ولذلك بكى أبو سعد أنا لم نعمل على العزائم وإن لم نأثم بترك ما تركناه قوله [من غدرة أمام عامة] بإضافة الإمام إلى عامة، وإضافة الغدرة إلى الإمام إما من إضافة المصدر إلى الفاعل، فيكون الإمام هو الغادر، وإما من إضافته إلى المفعول فالغادر الناس الرعايا والمغدور الإمام.\nقوله [قال علي بن المديني هم أصحاب الحديث] وقال أهل التفسير والفقه والكلام بكونهم (٢) إياهم، والصحيح أن كلهم منهم. قوله [أين تأمرني] أي حين وقوع الفتن. قوله [كفارًا يضرب بعضكم إلخ] أي كالكفار في صنيعهم ذلك، أو المعنى إن ضرب رقاب المسلمين يؤدي إلى الكفر بالآخرة أو مستحلًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>[باب فتنة القاعد فيها خير من القائم]</span>\nقوله [إن دخل على بيتي] إن كان مجهولًا (٤) أو معروفًا فالمؤدي فيهما واحد والنهي عن القتال ههنا حيث\n_________\n(١) قلت: وفيه إشارة إلى أنه ﷺ كان يصليها دائمًا بقريب من الليل كما هو مقتضى قوله تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.\n(٢) يعني قال أهل التفسير: إن مصداق الحديث المفسرون، وقال أهل الفقه الفقهاء، وهكذا قال كل جماعة لشيعتهم، والحق أنه شامل لكل طائفة قائمة على الدين سواء كانت من أهل الحديث أو الفقه أو غيرهما.\n(٣) يعني أو يكون الضرب مستحلًا فالكفر ظاهر.\n(٤) قال المجد: الدخل محركة ما داخلك من فساد في عقل أو جسم، وقد دخل كفرح وعنى دخلًا ودخلًا، انتهى.","vol":"3","page":138},{"text":"قال: كن كابن آدم لدفع الفتنة، وحيث (١) رخص في القتل فقال: من قتل دون إلخ، وقال الفقهاء: إذا لم يكد يخلص نفسه إلا بالقتل فهو يقتل، فهو حيث لم يكن إلا قتله ولا تخشى فتنة، والحاصل أن الرجل إذا خاف فتنة في قتل من أراد قتله لا يقتله لدفع الفتنة، وإذا لم يكن فتنة بل كان قتله فحسب فله أن يقتله.\nقوله [كقطع الليل المظلم] كأنه أراد بتشبيه المفرد (٢) بالقطع وهي جمع أن كل واحدة منها الشديدة السواد لتراكم الظلمات، لكنه لا يتمشى في لفظ الحديث إذا المشبه ثمة جمع كالمشبه به.\nقوله [ماذا أنزل الليلة إلخ] أريها النبي ﷺ أنها تنزل عن قريب فكأنها أنزلت، وإيقاظ أزواجه المطهرات لما أن المفر في الفتن والتوقي عن ملوث (٣) الدنيا إنما هو العبادة.\nقوله [يا رب كاسية في الدنيا] إن من النساء من هي مكتسية في ما يبدو لنا بلباس (٤) التقوى، وليس لها لباس حقيقة من التقى فتكون عارية يوم القيامة\n_________\n(١) يعني الموضع الذي رخص فيه النبي ﷺ القتل، والذي رخص فيه الفقهاء هو موضع لا يكون فيه إلا مجرد القتل دون الفتنة التابعة للقتل.\n(٢) يعني المصنف حيث بوب بلفظ الفتنة المفرد أما في الحديث فالمشبه أيضًا جمع.\n(٣) يحتمل أن يكون من اللوث أو الملث، وكلاهما بمعنى الاختلاط، ولوث الماء كدره.\n(٤) فقد قال عن اسمه ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية، لا يقال: إنهم يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا كما في الصحيحين وغيرهما، فكيف تخصيص النساء أو الكاسية في الدنيا، والجواب أن محل حديث الباب بعد إعطاء الكسوة فإن أول من يكسي إبراهيم ثم يعطون الكسوة، فهذه الكاسيات عاريات إذ ذاك أيضًا، وهذه كله على الظاهر، وأوله القارئ بالنفوس فلا تخصيص بالنساء لكن الأوجه الأول.","vol":"3","page":139},{"text":"فإن أكسية الحشر على مقدار التلبس بالتقوى في الدنيا، أو المعنى يا رب كاسية في الدنيا بالثياب لا تجديها ثيابها نفعًا يوم القيامة، فتكون عارية ثمه، والتخصيص بالنسوة لكثرة الرياء فيهن كما في التوجيه الأول، أو لكثرة الفسوق والفجور فيهن وتزيين الأكسية والألبسة على ما هو مدار التوجيه الثاني.\nقوله [يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي إلخ] يعني به سرعة الانتقال من رأي إلى رأي وتغيرًا فاحشًا بين إصباح الرجل وإمسائه.\nقوله [يصبح محرمًا لدم أخيه إلخ] تعيين لأحد محتملات الحديث، ومعناه على ما مر من أن صنعته تلك شبيهة بصنيع الكفرة، أو المعنى يستحله (١) فلا بعد حينئذ في الكفر نفسه.\nقوله [فقال رسول الله ﷺ اسمعوا وأطيعوا إلخ] إنما قال ﷺ ذلك والحق أن المولى إذا فسق انعزل كما هو عند الشافعي ﵀، أو استحق العزل كما ذهب إليه (٢) الإمام، فلم يكن الخروج عليه وعن طاعته بغاوة، بل حقًا يثابون عليه\n_________\n(١) أي يكون يستحله على مفهومه الحقيقي، وأما على التوجيه الأول فيكون الاستحلال مجازًا عن معاملة الاستحلال، يعني يعامل بدم أخيه معاملة المستحل.\n(٢) ففي الدر المختار: يكره تقليد الفاسق، ويعزل به إلا لفتنة، قال ابن عابدين: أشار إلى أنه لا تشترط عدالته، وعدها في المسايرة من الشروط، وعبر عنها تبعًا للغزالي بالورع قال: وعند الحنفية ليست العدالة شرطًا للصحة، فيصح تقليد الفاسق الإمامة مع الكراهة، وإذا قلد عدلًا ثم جار وفسق لا ينعزل، ولكن يستحب العزل إن لم يستلزم فتنة، ويجب أن يدعي له ولا يجب الخروج عليه، كذا عن أبي حنيفة، انتهى. وفي الدر المختار أيضًا: لو كان (القاضي) عدلًا ففسق بأخذها (أي الرشوة) أو بغير استحق العزل وجوبًا، وقيل: ينعزل وعليه الفتوى، وفي الفتح: اتفقوا في الإمارة والسلطنة على عدم الانعزال بالفسق لأنها مبنية على القهر والغلبة لكن في أول دعوى الخانية الوالي كالقاضي، انتهى. وفي شرح العقائد: لا ينعزل الإمام بالفسق، وعن الشافعي ﵁ ينعزل، انتهى.","vol":"3","page":140},{"text":"لما رأى أنهم لا يطيقون ذلك فتقع بينهم بذلك فتنة تؤدي إلى هلاك جماعة (١) غير قليلة كما هو مشاهد في فتنة ابن الزبير ومقتل الحسين بن علي، فإن الرعية لا تكاد تقاوم العسكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>[باب في الهرج </span>(٢)] قوله [رده إلى معاوية إلخ] أي نسبه (٣). قوله [أن اتخذ السيف من خشب] اتخاذ السيف من خشب يكني به عن ترك القتال إلا أنه كان فعل ما هو حقيقة (٤) معناه، وهؤلاء كانوا فرقة من الصحابة ﵃\n_________\n(١) أي جماعة كبيرة وإن كانوا قليلة بمقابلة العسكر كما يظهر من السياق.\n(٢) قال في المجمع: هو بفتح الفتنة والاختلاط، وفسر بالقتل لأنه سببه، وأصل الهرج الكثرة في الشيء والاتساع، ومنه حديث العبادة في الهرج أي الفتنة واختلاط الأمور، وإنما فضلت فيه لأن الناس يغفلون عنها ولا يتفرغون لها إلا الأفراد.\n(٣) أي عزى الحديث إلى معاوية وهو إلى معقل، والحديث أخرجه مسلم بسندين فقال: حدثنا يحيى بن يحيى أنا حماد بن زيد عن معلى بن زياد عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ، ح وحدثنا قتيبة بن سعيد نا حماد عن المعلى بن زياد رده إلى معاوية بن قرة رده إلى معقل ابن يسار رده إلى النبي ﷺ قال: العبادة في الهرج، الحديث.\n(٤) كما يدل عليه زيادة من رواية أحمد بن حنبل بسنده عنه كما في أسد الغابة بلفظ أن اتخذ سيفًا من خشب، وقد اتخذته، وهو ذاك معلق، قلت: ومن عجيب أحواله أنه أوصى أن يكفن في ثوبين، فكفنوه في ثلاثة أثواب فأصبحوا والثوب الثالث على المشجب.","vol":"3","page":141},{"text":"ولم يتحقق لهم الأمر في أن عليًا ﵁ على الحق، ولذلك لم يشتركوا شيئًا من الفريقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>[باب في أشراط الساعة]</span>\nقوله [لا يحدثكم أحد بعدي] لأن الصحابة كانوا قد انقضوا ههنا في البصرة وإن كان بعض من الصحابة حيًا بعد في ديار بعيدة. قوله [قيم وأحد] الظاهر أن معناه القائم بأمورهن وقد تقع أمثال ذلك كثيرًا، وقيل: معناه الزوج وهذا واقع (١) أيضًا وإن كان يقل نسبة إلى الأول.\nقوله [إلا والذي بعده شر منه] هذه الشرية كلية فلا ينافيها كون بعض من خلف الحجاج خيرًا منه.\nقوله [أمثال الأستوانة] أي في المقدار لا في الشكل. قوله [ثم يدعونه (٢) فلا يأخذون منه شيئًا] ووجه ذلك إما كثرة الفتن فلا يشتغل أحد بالأموال وجمعها أو كثرة مالهم (٣) من الذهب والفضة فلا يكون لأحد احتياج إليها ولكن الناس كثير منهم يكونون زاهدين أيضًا، ولا يكون لهم أموال ولا افتقار إليها بل استغناء، وبذلك عرفت أن أداء الزكاة في هذا الوقت ليس بعسير بالأداء إلى\n_________\n(١) زاد في الإرشاد الرضى: كما وقع لمحمد شاه الدهلوي وواجد على شاه اللكهنوي قلت: وكذلك وقع لبعض الأمراء الآخر.\n(٢) بفتح الدال المهملة أي يتركونه.\n(٣) وفي أشراط الساعة: ومنها كثرة المال وفيضه، روى الشيخان عن أبي هريرة لا تقوم الساعة حتى يكثر المال فيكم الحديث. وهذا وقع في زمن عثمان، كثرت الفتوح حتى اقتسموا أموال الفرس والروم، ووقع في زمان عمر بن عبد العزيز أن الرجل يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبله، وسيقع في آخر الزمان في زمن عيسى ﵇، انتهى.","vol":"3","page":142},{"text":"الزاهدين وإن لم يدخروها، ثم اتخاذ أهل الصنائع والحرف فيها مع عدم افتقارهم إليها لكثرة الأموال فموكول إلى الحكام لما أن ذلك داخل في انتظام المملكة.\nقوله [إذا كان المغنم دولا (١)] أي إذا اختصت الغنيمة للأمراء خاصة وكانت من حق العامة شرعًا.\nقوله [واتخذت (٢) القيان والمعازف (٣)] القينة المغنية، والمعزف ما يضرب باليد والمزامير بالفم، والمراد شيرع هذه الخصال وكثرتها وإلا فمطلق وجودها قد كان من قبل.\nقوله [ريحًا حمراء] أي الذي يرغب منه ونسميها بالآندهي (٤) وهي كثيرًا ما يكون لونها أحمر.\nقوله [بعثت أنا في نفس الساعة] بتحريك الفاء، والمراد بذلك القرب، فإن من قرب بالشيء حتى يكون بحيث يصل إلى المتقدم ريح نفس المتأخر يكون قريبًا منه لا محالة، ولذلك أشار بتشبيه الساعة ونفسها بأصبعيه فإن للوسطى فضلًا ما\n_________\n(١) قال القارئ: بكسر الدال وفتح الواو وبضم أوله، جمع دولة بالضم والفتح.\n(٢) ببناء المجهول، والقيان جمع قينة.\n(٣) قال الدمنتي: بعين فزاي ففاء كمساجد آلات لهو تضرب كدفوف، انتهى.\n(٤) وذكر صاحب الإشاعة عدة رياح ذوات أهوال عمت وخصت، منها ما قال: وفي سنة ست وعشرين وثمانمائة في ولاية الأشرف برسبائي هبت بمصر ريح برقة تحمل ترابًا أصفر إلى الحمرة، وذلك قبيل غروب الشفق، فأحمر الأفق جدًا بحيث صار من لا يدري يظن أن بجواره حريقًا، وصارت البيوت كلها ملأي ترابًا يدخل في الأنوف والأمتعة إلى آخر ما قاله.","vol":"3","page":143},{"text":"وتقدمًا على السبابة. قوله [فما فضل إحداهما] بإضافة لفظ الفضل إلى ما بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>[باب في قتال الترك]</span>\nقوله [نعالهم الشعر] الظاهر أن (١) المراد أن نعالهم من جلد لم يبعد عنه الشعر، وذلك لقلة ملابسهم بعادات أهل القرى وتكلفاتهم. قوله [المجان المطرقة إلخ] أي في تدوير (٢) الوجوه، وخنس الأنوف.\nقوله [فلا كسرى بعده (٣)] أي يرتفع هذان اللقبان لغلبة أهل الإسلام ثمة\n_________\n(١) هذا هو الظاهر في معنى الحديث كما عليه عامة شراح الحديث، وقيل: هو على ظاهره يعني تكون نعالهم بالشعر المضفور، قال البيهقي: وقد وقع ذلك فإن قومًا من الخوارج قد خرجوا بناحية الري، وكانت نعالهم الشعر وقوتلوا، وقيل: يحتمل أن المراد وفور شعرهم حتى يطؤها بأقدامهم هكذا في الإشاعة، وقال الحافظ: الظاهر من الحديث أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك، وقد وقع للإسماعيلي من طريق محمد بن عباد بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر، وكان بابك من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم، كطبرستان والري إلى أن قتل بابك في أيام المعتصم، وكان خروجه سنة ٢٠١ هـ أو قبلها، وقتله في سنة ٢٢٢ هـ، انتهى.\n(٢) وقال القارئ: شبه وجوههم بالترس لتبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها.\n(٣) قال الحافظ: قد استشكل هذا مع بقاء مملكة الفرس لأن آخرهم قتل في زمان عثمان، وأيضًا مع بقاء مملكة الروم، وأجيب بأن المراد لا يبقى كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، وهذا منقول عن الشافعي قال: وسبب الحديث أن قريشًا كانوا يأتون الشام والعراق تجارًا، فلما أسلموا خافوا انقطاع السفر إليهما لدخولهم في الإسلام فقال لهم النبي ﷺ ذلك تطيبيًا لقلوبهم وتبشيرًا لهم بأن ملكهما سيزول عن الإقليمين المذكورين.","vol":"3","page":144},{"text":"فلا يرضون لأنفسهم ما هو من شعار الكفرة، فصار كذلك.\nقوله [نار من حضر موت] هذه هي النار المذكورة قبل ذلك أنها تخرج من عدن، وكأنها تمر من بين حضر موت، وهو قريب من عدن، وإن كانت الرواية من بحر حضر موت فالأمر مستغن عن البيان فبحر حضر موت هذا هو البحر بقرب عدن.\n\n(باب (١) في القرن الثالث)\n_________\n(١) لم يذكر الشيخ هذا الباب، وأنا زدته للتنبيه على أن الشيخ قرر على أحاديث هذا الباب في أبواب الشهادة فأرجع إليه، ولا يذهب عليك ما قال الحافظ في الفتح: أن القرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويطلق على مدة من زمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين لكن لم أرمن صرح بالسبعين، ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل، وقد وقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة، وهو المشهور، ولم يذكر صاحب المحكم الخمسين، وذكر من عشر إلى سبعين، ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال، وبه صرح ابن الأعرابي وقال: إنه مأخوذ من الأقران، والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة، وقد سبق (عند البخاري) في صفة النبي ﷺ: وبعثت في خير قرون بني آدم، وفي رواية بريدة عند أحمد خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعًا وتسعين، وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين. وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان والله أعلم، واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن وظهر قوله ﷺ: ثم يفشوا الكذب ظهورًا بينًا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان، انتهى.","vol":"3","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>[باب في الخلفاء]</span>\n\nقوله [اثنا عشر أميرًا] فيه أقوال (١) قال بعضهم: ليس المراد بذلك مدحهم بل بقاء أمته المرحومة زمانًا كثيرًا، ولا يستلزم ذلك انقطاع الخلافة بعدهم إذ لا يعتبر العدد، وقيل: بل المراد أن الخلافة على حسب السنة تكون في اثنا عشر أميرًا ولا يلزم تتابعهم حتى يناقض عليه بتخلل يزيد، وقيل: بل (٢) المراد أن الأمارة على حسب سنة الخلفاء تكون في اثناء عشر أميرًا، وإن كان من هذه الأمراء من هو ظالم على نفسه كما كان يزيد إلا أنه كان يقتدي بالذين قبله في\n_________\n(١) كما يظهر من ملاحظة الشروح، والثلاثة منها ذكرها الشيخ، وقيل: المراد اجتماع الناس على خليفة واحدة تكون إلى اثني عشر خليفة كما ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء، وقال ابن حجر: هذا أحسن الوجوه، وقيل: إشارة إلى حديث خير القرون فإن غالب أخيار هذه القرون كانوا إلى اثني عشر أميرًا، وجعل السيوطي في فتح الودود هذا أحسن الوجوه، وقيل: المراد المهدي ومن بعده من الأمراء، وقيل: المراد اثنا عشر أميرًا يكونون في زمان واحد كلهم يدعي الخلافة، وقيل غير ذلك.\n(٢) وعلى هذا المعنى فتكون بداية الإمارة من زمن معاوية كما في الإرشاد الرضى، وأما الذين قبله فليسوا بأمراء، بل كانوا خلفاء ﵃ وأرضاهم.","vol":"3","page":146},{"text":"أمور مملكته من فتح البلاد والعدل بين العباد والغزو مع الكفار إلى غير ذلك من الأطوار.\nقوله [ثم ملك بعد ذلك] أي لا يبقى الأمراء بعد ذلك على سير الخلفاء وإن كان التغير يسيرًا، كما في معاوية ﵁ وابن ابنه معاوية (١) بن يزيد، أو المعنى انقطاع الاتصال بعد انقضاء ثلاثين، وإن كان فيمن بعد ذلك أمير هو على سيرة الخلفاء.\n_________\n(١) فإنه ﵀ بويع بالخلافة يوم موت أبيه منتصف شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين، وهو ابن عشرين سنة على خلاف، قال صاحب الخميس: وكان خيرًا من أبيه فيه دين وعقل فأقام في الخلافة أربعين يومًا وقيل: خمسة أشهر وخلع نفسه، ثم صعد على المنبر فجلس طويلًا ثم خطب خطبة بليغة مشتملة على الثناء والصلاة، ثم ذكر نزاع جده معاوية هذا الأمر من كان أولى به منه ومن غيره، ثم ذكر أباه يزيد وخلافته، وسوء فعله وإسرافه على نفسه، وكونه غير خليق للخلافة على أمة محمد ﷺ، وإقدامه على ما أقدم من جرأته على الله، وبغيه واستحلاله حرمة أولاد رسول الله ﷺ، ثم اختنقته العبرة فبكى طويلًا، ثم قال: وأنا ثالث القوم والساخط على أكثر من الراضي وما كنت لأتحمل آثامكم، ولا يراني الله جلت قدرته متقلدًا أوزاركم وألقاه بتبعاتكم فشأنكم أمركم فخذوه، ومن رضيتم به فولوه فخلعت بيعتي من أعناقكم والسلام، فقيل له: استخلف فقال: ما ذقت حلاوة بيعتكم فأتجرع مزارتها، ثم نزل فدخل عليه أقاربه وأمه فوجدوه يبكي فقالت أمه: ليتك كنت جيفة ولم أسمع بخبرك فقل: وددت والله ذلك، ثم قال: ويلي إن لم يرحمني ربي، فقال بنو أمية لمعلمه عمر المقصوص: أنت علمته هذا ولقنته إياه وصددته عن الخلافة وزينت له حب علي، فقال: والله ما فعلته لكنه مجبول على حب علي، فلم يقبلوا منه ذلك ودفنوه حيًا حتى مات، وتوفى معاوية في جمادى الأخرى بعد خلع نفسه بأربعين ليلة، انتهى مختصرًا.","vol":"3","page":147},{"text":"قوله [أمسك خلافة أبي بكر ﵁] وقد كانت سنتين (١) وأشهرًا [وخلافة عمر ﵁] عشر سنين [وخلافة عثمان ﵁] اثنا عشر سنة [وخلافة علي ﵁] خمس سنين وأشهرًا وخلافة حسن بن علي أشهرًا. قوله [إن استخلف فقد إلخ] إشارة إلى جواز التقليد لأعلم منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>[باب ما جاء أن الخلفاء من قريش </span>إلخ] أي المستحقون لها هم لا غير، لا أن ذلك إخبار بكون (٢) الخلافة فيهم إلى الساعة. قوله [رجل من بني بكر\n_________\n(١) فإنه ﵁ وأرضاه بويع له بعد وفاته ﷺ في أولى الربيعين سنة ١١ هـ وتوفى في جمادى الأولى كما جزم به صاحب التقريب، أو جمادى الأخرى كما جزم به السيوطي في تاريخ الخلفاء، فبويع لعمر باستخلاف من الصديق الأكبر، ثم استشهد عمر في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ فولى الخلافة عشر سنين ونصفًا، فبويع لعثمان، ثم استشهد عثمان في ذي الحجة سنة ٣٥ هـ فبويع لعلي ثم استشهد هو في رمضان سنة ٤٠ هـ فولى الحسن الخلافة بمبايعته أهل الكوفة فأقام ستة أشهر وأيامًا، ثم نزل عنها في سنة ٤١ هـ في شهر ربيع الأول، وقيل الآخر، وقيل جمادى الأولى، كما قاله السيوطي في تاريخ الخلفاء.\n(٢) وعلى هذا فلا إشكال بمن يتولى المملكة من غير قريش، قال النووي: الخلافة مختص بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، وكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع وأعرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة، قال القاضي: اشتراط كونه قرشيًا هو مذهب العلماء كافة ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن عمرو في قوله: غير القرشي من النبط وغيره يقدم على القرشي لهوان خلعه إن عرض منه أمر، انتهى. قلت: وهكذا قاله عامة شراح الحديث، الحافظ وغيره، وصرحوا أيضًا بأن طاعة المتغلب بسيفه واجب وإن لم يكن قرشيًا، كما سيأتي.","vol":"3","page":148},{"text":"ابن وائل] بطن من ربيعة (١) وربيعة أعمام قريش فكأنهم يخالفونهم ويدعون مساواتهم وليس كذلك في الواقع.\nقوله [أو ليجعلن الله إلخ] ظاهر هذه اللفظة أن تعديهم وفسقهم يخرجهم عن استحقاق الخلافة فإن الكريم ﷾ لا ينسب إليه الشر والباطل.\n_________\n(١) كما يظهر من ملاحظة كتب التواريخ، وتوضيح ذلك يحتاج إلى تفاصيل كبيرة، ومما لا بد من ذكره في توضيح كلام الشيخ أن أصول قبائل العرب ثلاثة: العماليق والقحطانية والعدنانية، ومبدأ هذه الثالثة أن إسماعيل ﵇ لما أتى مكة وتزوج بها ولد له اثنا عشر ولدًا، وما زال نسله يتكاثر، وكانوا يسمونهم بإسماعيلية حتى أنتج بعد نحو عشرين بطنًا حفيده عدنان، فولد له معد وولد لمعد نزار فأنجب مضر وقضاعة وربيعة وغيرها كما بسطه صاحب الرحلة وهذا إجماله: عدنان- معد- نزار- قضاعة- ربيعة- جديلة- أقصى- هنب- قاسط- وائل- بكر.\nمضر- إلياس- مدركة: خزيمة- كنانة- نضر- مالك- فهر- غالب- لؤي- كعب- مرة- كلاب- قصي- عبد مناف- هاشم- عبد المطلب- عبد الله- سيد الكونين محمد رسول الله ﷺ.\nواختلف في من سمى بقريش، فقيل: هم ولد النضر بن كنانة، وقيل: ولد فهر بن مالك بن النضر، وهو قول الأكثر، وقيل: أول من نسب إلى قريش قصي بن كلاب، وقيل غير ذلك، واختلف في وجه التسمية بقريش على أقوال ذكرها الحافظ في الفتح.","vol":"3","page":149},{"text":"فكان الظاهر من قوله ليجعلن الله أن الخلافة لما جعلها الله في غير قريش لفسقهم لم يبقوا مستحقين لها فصارت الخلافة الحقة حق غير قريش، وليس الأمر كذلك فإن استحقاقهم الخلافة لا يرد عليه مزيل إلى يوم القيامة، وعلى هذا اعترض عمرو ابن العاص حيث قال: كذبت والله إلخ، يعني أن الذي قاله البكري كان حقًا لا يرتاب فيه، فإن الأئمة القرشيين لما لم يعدلوا ينزع الله الملك عنهم ويعطيه غيرهم إلا أن الاستحقاق باق لهم بعد، وأما ما يتبادر بلفظ جعل الله أنهم لا يبقون مستحقين لها فكذبه عمرو ورده بحديث سمعه من النبي ﷺ.\nقوله [قريش ولاة الناس] أي مستحقون لها، وأما إذا تغلب رجل من غيرهم فإنه يصير أميرًا لا محالة فيجب متابعته (١) إذا لم يقدروا على عزله. قوله [رجل من الموالي يقال له جهجهاه (٢)] الموالي الأعاجم ولعل ذلك بعد عيسى (٣) ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>[باب في المهدي]</span>\nقوله [لطول الله ذلك اليوم] لكون ولايته أمرًا يقينًا واقعًا لا محالة. قوله [خشينا أن يكون بعد نبينا حدث إلخ] ظاهر هذا\n_________\n(١) قال النبي ﷺ: اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي، قال الحافظ: نقل ابن بطال عن المهلب لا يوجب أن يكون المستعمل للعبد إلا إمام قرشي لما تقدم أن الإمامة لا تكون في قريش، وأجمعت الأئمة أنها لا تكون في العبيد، قال الحافظ: ويحتمل أن يسمى عبدًا باعتبار ما كان قبل العتق، وهذا كله إنما هو فيما يكون بطريق الاختيار، أما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة فإن طاعته تجب إخمادًا للفتنة ما لم يأمر بمعصية، انتهى. وكذا قال العيني وغيره.\n(٢) اختلف في أن هذا ورجلًا من قحطان يسوق الناس بعصاه واحد أو اثنان كما بسطه الحافظ في الفتح.\n(٣) وبذلك جزم عامة من صنف في علامات القيامة.","vol":"3","page":150},{"text":"السؤال والجواب ليس على المطابقة بينهما فإن ظهور المهدي لا يشفيهم عما سألوه إذ ذلك لا ينفي الحدث، والجواب أن النبي ﷺ لما كان أخبرهم بخيرية القرن الذي هو فيه ثم بخيرية من بعدهم، وهكذا إلى ثان وثالث، علموا بوقوع الأحداث بعد ذلك فخافوا أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون، فكان ذلك شفقة منهم على أمة نبيهم محمد ﷺ وحسرة على حالهم أن يفاجئهم الموت في حال غفلتهم واشتغالهم بما لا ينفعهم في غدهم، فدفعه النبي ﷺ بإظهار ظهور المهدي (١) إذ ذاك، فيزكيهم ويعلمهم ويطهرهم عن دنس البدعات ويكلمهم، فلا يهلك الأمة بأسرها غافلة عن ربها لاهية في زهرة الدنيا وحبها، ويمكن أن يقال في الجواب أنهم لما علموا أن كل يوم شر من الأمس فكان مقتضى ذلك أن يضل الآخرون شر ضلالة لما رووا عن النبي ﷺ قوله: ثم يفثو الكذب إلخ، وكذلك ما رووا في الروايات الأخر من أحوال هذه الأمة الذين لم يأتوا بعد فخافوا على إخوانهم المسلمين بابًا لهم (٢) في هاتيك الضلالات، ومن ذا الذي ينبههم عن سنة الغفلات مع وفور الشرارات وتزايد الجهالات على مر الشهور والسنوات، فسلاهم النبي ﷺ بأن بين حال المهدي الذي هو آخر مجددي هذه الأمة، وبذلك علم حال ما يقدمه من الزمان دلالة، فإن ظهور الهداة في ذلك الزمان الذي هو غاية في الضلال والغواية وظهور الفتن\n_________\n(١) قال الدمنتي: قال الرافعي في تاريخ قزوين أورده الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة أمير المؤمنين المهدي العباسي فكأنه أشار لحمل الحديث عليه، انتهى. قلت: ولا يخفي ما فيه، وهذا أحد الأقوال الأربعة التي ذكرها صاحب الإشاعة في المهدي، والصحيح أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ يخرج في آخر الزمان، وقد ملئت جورًا فيملئوها قسطًا وعدلًا كما عليه أكثر الأحاديث.\n(٢) هكذا في الأصل، ويحتمل أن يكون ما بالهم أي ما يكون حالهم إذ ذاك، أو يكون ما نابهم أي ما يصل إليهم من الحوادث، أو با بانتهم وإبانة الرجل كل أصحابه، أو بابالتهم والإبالة الجماعة.","vol":"3","page":151},{"text":"وفشو الجهالة دال على أن مادة الخير كانت باقية بعد لم تنقطع، وعروق تعليم الدين وإفشاء السنن متصلة لم ترتفع. قوله [فيعيش خمسًا إلخ] والتوفيق بين هذه الروايات (١) أن تجهيزه الجيش في خمس سنين، ثم محاربته مع الكفار سنتان، ثم يعيش بعد ذلك سنتين فتلك تسع بأسرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>[باب في نزول عيسى]</span>\nقوله [فيكسر الصليب ويقتل الخنزير] إنما ذكر هذين مع أن كافرًا لا يبقى إذًا ولا يقبل الجزية من أحد بل يصير الأمر دائرًا بين السيف والإسلام فحسب بغلبة النصارى إذ ذاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>[باب ما جاء في الدجال </span>(٢)] قوله [لم يكن نبي بعد نوح إلا قدر أنذر قومه] ليس المراد أنه أنذره أن يخرج إليهم كما فهمه الشراح (٣)، كيف وقد\n_________\n(١) وعلى هذا فالترديد في هذه الرواية ليس بشك من الراوي بل هو تنويع في الرواية.\n(٢) اختلف في حقيقته فقيل: هو صافي بن الصياد أو الصائد ومولده المدينة، هذا بناء على أن ابن الصياد والدجال واحد، والأصح أنه غيره كما سيأتي. وعلى هذا فأما هو شيطان موثق ببعض الجزائر، أو هو من أولاد شق الكاهن المشهور، أو هو شق نفسه وكانت أمه جنية عشقت أباه فأولدها شقًا، وكانت الشياطين تعمل له العجائب، فحبسه سليمان النبي ﵇ ولقبه المسيح وصفته الدجال، هكذا في الإشاعة والبسط في الفتح.\n(٣) فقد قال الحافظ: قد استشكل إنذار نوح قومه بالدجال مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت، وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية، والجواب أنه كان وقت خروجه أخفى على نوح ومن بعده فكأنهم أنذروا به ولم يذكر لهم وقت خروجه فحذروا قومهم من فتنة ويؤيده قوله ﷺ في بعض طرقه: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه وعلاماته فكان يجوز أن يخرج في حياته ﷺ، ثم بين له بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبر به فبذلك تجتمع الأخبار، وقال ابن العربي: إنذار الأنبياء تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد، وكذلك تقريب النبي ﷺ له زيادة في التحذير، انتهى. قلت: فكأن رأي الشيخ موافق لابن العربن، وقال القارئ: ويحتمل أن الإبهام إنما وقع بسبب أن العلاقات قد يكون وجودها معلقًا بشرط فإذا قد يتصور خروجه بعدم ظهورها، ونظيره خوف الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالى عليهم أجمعين مع تحقق عصمتهم، أو لأنه لا يجب على الله تعالى شيء وأفعاله لا تعلل، والأسباب لا يتعين وجودها ولا تأثير لها بعد حصولها، انتهى.","vol":"3","page":152},{"text":"كان الأنبياء يعلمون أنه لا يمكن أن يخرج قبل بعثة نبينا محمد ﷺ، بل المراد بالإنذار بيان فتنة التي هي هي ليتسارعوا إلى امتثال أوامر الله سبحانه الذي قيض لعباده أمثال هذه الفتن، كيف وهو على ما يشاء قدير، ولعل الحكمة في إنذار الأنبياء أقوامهم من فتنته أن الإنذار منها لما لم يكن عرفًا مجددًا بل قدر توارثه الآباء كابرًا عن كابر كان أوقع في نفوس أمة محمد ﷺ وأدهش لهم فيكون أفيد، ولعل إنذار الأنبياء أقوامهم من قبيل ما كانوا يخبرونهم من أعاجيب مقدوراته ﷾ كما أسلفناه لك آنفًا. قوله [لعله سيدركه بعض من رآني (١)] قيل: هو خضر، وقيل:\n_________\n(١) قال في فتح الودود: يمكن أن يحمل على سماعه أعم من أن يكون بلا واسطة أو بواسطة، فيكو المراد بقاء كلامه ﷺ إلى حين ظهور الدجال، وحمله بعضهم على خضر ﵇، قال الشيخ في البذل: حمل السماع على الأعم الشامل بالواسطة ممكن لكن لا يمكن حمل الرؤية على الواسطة، فيلزم على هذه الرواية أن الرؤية إما يحمل على الخضر أو على بعض الجنيين، وأما ما وقع في رواية الترمذي «أو سمع كلامي» بلفظ أو فكما يحتمل أن يكون الواو بمعنى أو فكذلك يحتمل أن يكون أو بمعنى الواو، انتهى.","vol":"3","page":153},{"text":"بعض معمري الجن. قوله [لم يقله نبي لقومه] ووجه ذلك ما قدمنا أنهم كانوا (١) يعلمون أنه لا يفاجئهم فلم يحتاجوا إلى بيان علامته، وأما النبي ﷺ فبين علامته لكوننا أحوج إليها منهم.\nقوله [إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت] خطاب للأمة فلا نقض برؤيته ﷺ ربه ليلة (٢) الإسراء، وأما ما نقل عن بعضهم من رؤيته (٣)\n_________\n(١) وقال الحافظ: إن السر في اختصاص النبي ﷺ بالتنبيه المذكور مع أنه أوضح الأدلة في تكذيبه أنه إنما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن علم كونه يختص خروجه بهذه الأمة كان طوى عن غير هذه الأمة كما طوى عن الجميع علم وقت قيام الساعة، انتهى. قلت: فكلام الحافظ مبني على مختاره من عدم العلم للأنبياء ﵈ بوقت خروجه، وكلام الشيخ يبنى على مختاره من علمهم بذاك، وأما بيان هذه العلامة وهي كونه أعرو فسيأتي قريبًا.\n(٢) والمسألة خلافية شهيرة، أنكرت عائشة وابن مسعود الرؤية، وأثبتها أنس والحسن وعكرمة، وروى عن ابن عباس جعل بصره في فؤاده فرأى وبه بفؤاده، هكذا في الجمل.\n(٣) قال الحافظ في الفتح: جوز أهل التعبير رؤية الباري عز اسمه في المنام مطلقًا، ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي ﷺ، وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها، فتارة يعبر بالسلطان، وتارة بالوالد، وتارة بالسيد، وتارة بالرئيس في أي فن كان، فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعًا وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائمًا بخلاف النبي ﷺ، فإذا رئى على صفته المتفق عليها، وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقًا محضًا لا يحتاج إلى تعبير، وقال الغزالي: من يرى الله ﷾ في المنام، فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال حقًا في كونه واسطة التعريف فيقول الرائي: رأيت الله في المنام لا يعني أن رأيت ذات الله تعالى كما يقول في حق غيره، وقال أبو القاسم القشيري ما حاصله أن رؤياه على غير صفته لا يستلزم أن لا يكون هو، فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه، وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما قال الواسطي: من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرأي، انتهى. قال القاضي: اتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام وصحتها، وإن رآه الإنسان على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام لأن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى إذ لا يجوز عليه ﷾ التجسم، ولا اختلاف الأحوال بخلاف رؤية النبي ﷺ، قال ابن الباقلاني: رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلب، وهي دلالات للرائي على أمور مما كان أو يكون كسائر المرئيات، قاله النووي.","vol":"3","page":154},{"text":"﷾ في المنام، فإنما هي رؤية مثال وشبه لا رؤية ذات. قوله [مكتوب (١)\n_________\n(١) قال النووي: الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال، فيظهر الله المؤمن عليها ويخفيها على من أراد شقاوته، وحكى عياض خلافًا وأن بعضهم قال: هي مجاز عن سمة الحدوث عليه، وهو مذهب ضعيف، ولا يلزم من قوله يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب أن لا تكون الكتابة حقيقة بل يقدر الله عز اسمه على غير الكاتب علم الإدراك فيقرأ ذلك وإن لم يكن سبق له معرفة الكتابة، يعني أن الإدراك في البصر يخلقه لله للعبد كيف يشاء ومتى شاء فهذا يراه المؤمن وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة، كذا في الفتح.","vol":"3","page":155},{"text":"بين عينيه كافر (١)] هذا حاصل ما يحصل منه، وإلا فالمكتوب مقطعات الحروف ك ف ر. قوله [يقرؤه من كره (٢) عمله] ولعل الله (٣) يغطي أبصار معتقديه عن رؤيته، أو لا يكادون يبصرون إلى وجهة هيبة وإجلالًا له حتى يروا ما كتب ثمة. قوله [حتى يقول الحجر] وكل شيء سوى شجرة الغرقد لمناسبته (٤) باليهود.\n_________\n(١) اختلفت الروايات في بيان المكتوب هل هو كافر على صيغة اسم الفاعل أو بالهجاء، وما أفاده الشيخ هو الموجه بالروايات الكثيرة، ويؤيده رواية هشام عن قتادة عن أنس بلفظ: مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر، ومن طريق شعيب عن أنس مكتوب بين عينيه، كافر ثم تهجاها ك ف ر يقرؤه كل مسلم، ولأحمد عن جابر مكتوب بين عينيه كافر مهجاة، ومثله عند الطبراني من حديث أسماء بنت عميس، قال ابن العربي: في قوله ك ف ر إشارة إلى أن فعل وفاعل من الكفر إنما يكتب بغير ألف، وكذا هو في رسم المصحف وإن كان أهل الخط اثبتوا في فاعل ألفًا لزيادة البيان، كذا في الفتح.\n(٢) قال الحافظ: هذا أخص مما ورد من قوله يقرؤه كل مسلم، وفي أخرى كل مؤمن، فيحتمل قوله من كره عمله أن يراد به المؤمنون عمومًا، ويحتمل أن يختص ببعضهم ممن قوى إيمانه.\n(٣) قال النووي: هذه الكتابة على ظاهرها وإنها كتابة حقيقة جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهر الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب ويخفيها عمن أراد فتنته وشقاوته، ولا امتناع في ذلك، انتهى.\n(٤) فقد ورد نصًا من رواية أبي هريرة عند مسلم بلفظ فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود، قال القارئ: استثناء من الشجر، وهو نوع شجر ذو شوك يقال له العوسج وأضيف إلى اليهود بأدنى ملابسة، قيل: هذا يكون بعد خروج الدجال حين يقاتل المسلمون من تبعه من اليهود، انتهى.","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>[باب من أين يخرج الدجال]</span>\nقد وردت هذه الكلمة في معنيين، خروجه علينا وخروجه مطلقًا، فالأول حيث ورد أنه يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان كما وقع ههنا، والثاني يراد حيث قيل إنه يخرج من بين الشام والعراق، أو وقع أنه يخرج من جزيرة تسمى (١)، كما سيأتي في الأحاديث الآتية بعد ذلك. قوله [في سبعة أشهر] وقد ورد في بعض الروايات سبعة سنين، ولذلك (٢)\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه، فإن لم يكن هناك بعد قوله تسمى بياض في الأصل فالمعنى جزيرة مسماة ومعينة، وقد وقع أنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، واختلفوا في ضبط خلة ومعناه. ووقع في خبر الجسامة عند أبي داؤد وغيره في جزيرة عند المغرب، وفيه أيضًا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، انتهى.\n(٢) أي ولأجل اختلاف الروايات في ذلك والتعارض فيها حاول جماعة إلى ترجيح رواية السنين، فقد أخرج أبو داؤد حديث الأشهر من رواية عيسى بن يونس، ثم أخرج حديث عبد الله بن بسر أن رسول الله ﷺ قال: بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة، قال أبو داؤد: هذا أصح من حديث عيسى، قال في فتح الودود: قوله هذا أصح إشارة إلى جواب ما يقال بين الحديثين تناف فأشار إلى أن الثاني أرجح إسنادًا فلا يعارضه الأول. انتهى ما في البذل. والمشهور في الجمع بينهما هو ما أفاده الشيخ، وجمع بينهما القارئ بوجه آخر وهو أن تغاير بين الملحمتين، فقال في حديث السنين: اللام في الملحمة غير القسطنطينية من سائر الملاحم فاللام للعهد بالنظر إلى ملحمة سابقة، ويدل عليه أنها ما وصفت بالعظمى، انتهى.","vol":"3","page":157},{"text":"نسب بعضهم رواية الأشهر إلى الغلط من قائله، والصحيح أن تأويل الشهور أيضًا ممكن فلا ضرورة إلى أن يصار إلى التغليظ، وهو أن يقال: مدة القتال وهو الفتح غير داخلة في ذلك فكأنه قال ما بين الملحمة العظمى وخروج الدجال سبعة أشهر، لأنه لما لم يجمع مدة القتال فيه بل أخذ آخره تبقى سبعة أشهر.\nقوله [والقسطنطينية] والقسطنطينية واحد وغرضه أنها فتحت مرة (١) وستفتح أخرى لغلبة النصارى ثمة. قوله [فخفض فيه إلخ] بينه في الحاشية (٢)\n_________\n(١) هذا هو المشهور في معنى الحديث وتوجيهه، وظاهر سياق كلام المصنف يدل على أنهما مدينتان فتحت إحداهما في زمن بعض الصحابة، وتفتح الأخرى عند خروج الدجال، وليس كذلك، بل القسطنطينة والقسطنطينية واحدة صرح بها غير واحد من أهل اللغة كالقاموس وغيره، وما في النسخ الهندية من تغير اللفظين لعله من النساخ، فإن في النسخ المصرية كلا اللفظين بسياق واحد، غاية ما فيه وضع المظهر موضع المضمر، وفي المجمع: هي مدينة مشهورة من أعظم مدائن الروم فتحت زمن الصحابة وتفتح عند خروج الدجال قاله الترمذي، انتهى. فهذا كالصريح بأن مراد الترمذي تكرار الفتح، والمراد بزمن بعض الصحابة زمان خلافة الأمير معاوية فإنها فتحت أولًا سنة خمسين أو بعيدها على اختلاف الأقوال، وتوفى في هذه الغزوة أبو أيوب الأنصاري، قال الحافظ في الإصابة: سنة اثنتين وخمسين هو الأكثر، انتهى. قلت: ثم استرجعها الروم ففتحت ثانيًا نهار الأربعاء لعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمان مائته، وكانت أيام محاصرتها إحدى وخمسين يومًا، فغنم المسلمون من الأموال والدواب ما لم يسمع بمثله، هكذا في الفتوحات الإسلامية للسيد أحمد بن السيد زيني دخلان مفتي الشافعية بمكة المكرمة.\n(٢) ولفظها: هما بتشديد فاء أي حقر أمره بأنه أعور وأهون على الله وأنه يضمحل أمره، وعظم أمره بجعل الخوارق بيده انتهى، وهكذا في المجمع، وزاد: أي عظم فتنته ورفع قدره، ثم وهن أمره وقدره وهونه، وقيل: أي رفع صوته وخفضه في اقتصاص أمره، أو خفض صوته بعد تعبه لكثرة التكلم فيه، ثم رفعه بعد الاستراحة ليبلغ كاملًا، انتهى. قال النووي: في معناه قولان، أحدهما أنه حقره وعظمه فمن تحقيره وهوانه على الله عوره، ومنه قوله ﷺ: هو أهون على الله من ذلك وأنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل، ثم يعجز عنه وأنه يضمحل أمره وأنه يقتل بعد ذلك هو وأتباعه، ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة، وأنه ما من نبي إلا وقد أنذر قومه. والوجه الثاني أنه خفض من صوته في حال كثرة ما تكلم فيه فخفض بعد طول الكلام والتعب ليستريح، ثم رفع ليبلغ صوته كل أحد بلاغًا كاملًا، انتهى.","vol":"3","page":158},{"text":"ويمكن أن يكون معناه بين كل حاله كما يقال في لساننا: أونج نيج سب سمجهادي. قوله [حتى ظنناه في طائفة (١) النخل] ليس المراد قربه في ظنهم بل ذلك كناية عن كثرة هولهم وشدة خوفهم، كما يخاف عن الشيء القريب غاية القرب إذا كان هائلًا ففي العادة أن المرأ لا يخاف عن الهائل أيًا ما كان إذا أبعد عنه. قوله [قائمة] يعني أن يبصر منها لا أنها قائمة على حالها ولا عيب (٢) فيها.\nقوله [قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ (٣)] سألوا شوقًا إلى التخلص\n_________\n(١) قال في المجمع: أي في ناحيته وجانبه.\n(٢) فسيأتي قريبًا أن كلتا عينيه معيبتان وسيأتي البسط فيها.\n(٣) ذكر هذا الحديث مدة لبثه أربعون يومًا، وهكذا هو في رواية مسلم وغيره، وفي المشكاة عن شرح السنة برواية أسماء مرفوعًا: يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة الحديث، قال القارئ: لا يصلح أن يكون معارضًا لرواية مسلم، وعلى تقدير صحته لعل المراد بأحد المكثين مكث خاص على وصف معين مبين، ويمكن اختلافه باختلاف الأحوال والرجال، قلت: وههنا حديث ثالث أخرجه ابن ماجة وغيره من رواية أبي أمامة مرفوعًا بلفظ: إن أيامه أربعون سنة السنة كنصف السنة والسنة كالشهر والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، قيل: يا رسول الله كيف نصلي في هذه الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال الحديث، قال الشيخ في الانجاح: إن صح هذه الرواية فالمراد منه أنه باعتبار هذا الزمان بالسرعة أيامًا وباعتبار غروب الشمس وطلوعها ولو في زمن قليل سماه سنين، ولذا لم يعتبر في أداء الصلاة قصر الوقت وطوله انتهى، قلت: وبسط في الجمع بينها صاحب الإشاعة أيضًا فأرجع إليه لو شئت، وذكر أيضًا في فتنته أنه يقول: أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري بأذني، أفتريدون أن أحبسها؟ فيقولون نعم فيحبس الشمس حتى يجعل اليوم كالشهر والجمعة كالسنة، ويقول: أتريدون أن أسيرها؟ فيقولون نعم، فيجعل اليوم كالساعة، رواه نعيم بن حماد والحاكم عن ابن مسعود انتهى، فهذا الحديث يجمع بين الروايات المتقدمة بأحسن جمع ويزيل أكثر الإشكالات.","vol":"3","page":159},{"text":"منه ورجاء للنجاة إن كانت مدة لبثه قليلة. قوله [ولكن اقدروا له] وذلك لأنه من قبيل السحر، فطول اليوم (١) الأول وكذا الأخيرين فيما يبدو لنا، وإلا فالشمس تخرج وتغرب على عادتها المعروفة في الطلوع والغروب، ولكن لا يظهر لنا لإقامته شمسًا بأعيننا لا تغرب، وبذلك ظهر أنه لا خدشة في إضافة وجوب الصلوات إلى أوقاتها بذلك الحديث (٢).\n_________\n(١) ومقتضى طول هذه الأيام الثلاثة أن يكون لبثه أربعة عشر شهرًا وأربعة عشر يومًا كما لا يخفى.\n(٢) لأن طول ذلك اليوم يكون لشعبدة من الدجال لا حقيقة فحينئذ وجوب الصلوات بأوقاتها الواقعية لا غبار فيه، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بذلك الحديث على إيجاب العشاء على أهل بلغار الذين لا يجدون وقت العشاء فإن فيها يطلع الفجر قبل غروب الشفق في أربعينية الشتاء، والمسألة خلافية شهيرة بسطها ابن عابدين، وحكى تصحيح كلا القولين الإيجاب وعدمه عن جمع من الفقهاء.","vol":"3","page":160},{"text":"قوله [ثم يدعو رجلًا شابًا ممتلئًا (١) شبابًا إلخ] فيه اختصار (٢) يعني أنه يذهب إلى المدينة فيخرج منها رجل على هذه الصفة، فيقول: أنت كذاب دجال لست باله ولا بنبي، وإنك مضل للناس فحسب. قوله [فيضربه الدجال بالسيف فيقطعه جزلتين (٣)] وفي بعض الروايات (٤) أنه ينصفه بالمنشار، ثم يحييه\n_________\n(١) قال القارئ: أي تامًا كاملًا قويًا، وشبابًا تمييز عن النسبة، وقال الطبي: الممتلي شبابًا هو الذي يكون في غاية الشباب، انتهى.\n(٢) كما يدل عليه رواية البخاري عن أبي سعيد قال: حدثنا النبي ﷺ يومًا حديثًا طويلًا عن الدجال فكان فيما يحدثنا به إنه قال يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيار الناس فيقول: أشهد أنك الدجال، الحديث يأتي بقيته.\n(٣) قال القارئ: بفتح الجيم وتكسر أي قطعتين تتباعدان ويضربه غضبًا عليه لآبائه قبول دعوته الألوهية أو إظهارًا للقدرة وتوطئة لخرق العادة، انتهى.\n(٤) ذكر الحافظ اختلاف الروايات في ذلك، ثم قال قال ابن العربي: هذا اختلاف عظيم يعني في قتله بالسيف وبالمنشار، قال: فيجمع بأنهما رجلان يقتل كل منهما قتلة غير قتلة الأخر كذا قال، والأصل عدم التعدد، ورواية المنشار تفسر رواية الضرب بالسيف فلعل السيف كان فيه فلول فصار كالمنشار، أو أراد المبالغة في تعذيبه بالقتلة المذكورة، ويكون قوله فضربه بالسيف مفسرًا لقوله إنه نشره، وقوله فيقطعه جزلتين إشارة إلى آخر أمره لما ينتهي نشره، انتهى.","vol":"3","page":161},{"text":"بعد ذلك، فيأخذ الرجل (١) فيما كان يقوله من سب الدجال، فيريد الدجال أن يذبحه فلا يقدر (٢) لانتهاء خوارقه إذ ذاك، فإن الشيء ينتهي بتمامه وتمام الخوارق بإحياء الموتى، ثم لا شيء بعد ذلك فيرجع الدجال من المدينة خائبًا وخاسرًا، وذلك الرجل (٣) خضر ﵇.\n_________\n(١) كما في حديث أبي سعيد عند البخاري، وفيه فيخرج إليه رجل هو خير الناس أو من خيار الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه، قال الحافظ: وفي رواية ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، وفي رواية فيقول الدجال: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنا الآن أشد بصيرة فيك مني، ثم نادى في الناس يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب، من أطاعه فهو في النار ومن عصاه فهو في الجنة، انتهى.\n(٢) فقد تقدم في رواية أبي سعيد عند البخاري فلا يسلط عليه، قال الحافظ: وفي رواية فيأخذ الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلًا، وفي أخرى فقال له الدجال: لتطيعني أو لأذبحنك فقال: والله لا أطيعك أبدًا، فأمر به فأضجع فلا يقدر عليه ولا يتسلط عليه مرة واحدة، ووقع عند أبي يعلى وعبد بن حميد من رواية حجاج بن أرطاة عن عطية أنه يذبحه ثلاث مرات، ثم يعود ليذبحه الرابعة فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس فلا يستطيع ذبحه، والأول هو الصواب، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو رفعه في ذكر الدجال يدعو برجل لا يسلطه الله إلا عليه، انتهى.\n(٣) قال الحافظ: وقع في صحيح مسلم عقب رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال أبو إسحاق يقال: إن هذا الرجل هو الخضر، وأبو إسحاق ليس بسبيعي كما ظنه القرطبي بل هو إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي صحيح مسلم عنه كما جزم به عياض والنووي وغيرهما، ولعل مستنده في ذلك ما قاله معمر في جامعه بعد ذكر الحديث قال معمر: بلغني أن الذي يقتل الدجال الخضر، وكذا أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرازق عن معمر قال: كانوا يرون أنه الخضر، وقال ابن العربي: سمعت من يقول إن الذي يقتله الدجال هو الخضر، وهذا دعوى لا برهان لها، قال الحافظ: وتمسك من قاله بما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال لعله أن يدركه بعض من راني أو سمع كلامي الحديث، ويعكر عليه ما تقدم من لفظ شاب ممتلئ شبابًا، ويمكن أن يجاب بأن من جملة خصائص الخضر أن لا يزال شابًا ويحتاج إلى دليل، انتهى. وقال صاحب الإشاعة: هذا الرجل المؤمن هو الخضر ﵇ على الأصح كما صرح به في الأحاديث الصحيحة، ودل عليه الكشف الصحيح، ثم ذكر الروايات المؤيدة لذلك، قال: روى الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال: نسئ للخضر في أجله حتى يكذب الدجال، ثم قال: وقيل: هو أحد أصحاب الكهف، وهو ضعيف، انتهى.","vol":"3","page":162},{"text":"قوله [بشرقي دمشق] الظاهر (١) أن نزوله يكون بدمشق ولذلك استشكل\n_________\n(١) يعني أن الظاهر من حديث الباب أن نزول عيسى ﵇ يكون في شرقي دمشق، وهو مشكل بما ورد من رواية النزول ببيت المقدس واختلفوا في الجمع بينهما، ومختار الشيخ ترجيح رواية بيت المقدس وإليه مال السيوطي، كما حكاه عنه القارئ إذ قال: ذكر السيوطي في تعليقه على ابن ماجة أنه قال الحافظ ابن كثير في رواية أن عيسى ﵇ ينزل ببيت المقدس، وفي رواية بالأردن، وفي رواية بمعسكر المسلمين، قلت: حديث نزوله ببيت المقدس في ابن ماجة هو عندي أرجح، ولا ينافي سائر الروايات لأن بيت المقدس شرقي دمشق وهو معسكر المسلمين إذ ذاك، والأردن اسم الكورة كما في الصحاح، وبيت المقدس داخل فيه وإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة فلا بد أن تحدث قبل نزوله انتهى، ومال الأكثرون إلى ترجيح رواية شرقي دمشق وبها منارة بيضاء موجودة الآن، وإليه مال صاحب الإشاعة والدمنتي في نور مصباح الزجاجة، وحكى عن ابن كثير أنه الأشهر.","vol":"3","page":163},{"text":"بعضهم هذه الروايات مع ملاحظة ما ورد أن نزوله يكون في بيت المقدس، والإشكال ممكن رفعه بأن يقال: المراد في هذا الحديث أن نزوله في بيت المقدس إنما يكون في الجانب الشرقي، ولما كان هذا يحتمل مواضع كثيرة لما في الجانب الشرقي من الاتساع عين أحد المحتملات بإبدال (١) دمشق من الشرقي أو ببيانه عنه، فكان المعنى أن نزوله يكون في الجانب الشرقي من بيت المقدس (٢).\n_________\n(١) حاصله أن شرقي بيت المقدس لما كان صادقًا على جهة وسيعة عينه بقوله دمشق، أي الجانب الشرقي الذي بجانب دمشق، وتأويل الشيخ يشير إلى أن دمشق في جانب الشرق من بيت المقدس، وهذا ينافي ما تقدم من كلام القارئ عن السيوطي من أن البيت بشرقي دمشق، ولعل الحق مع الشيخ فإن دمشق في زاوية بين الشرق والشمال من بيت المقدس، وهكذا صورتها.\nغرب\nشمال دمشق- الدرعا- بيت المقدس- معان- تبوك جنوب\nشرق\n(٢) بياض في المنقول عنه بعد ذلك ولعله ﵀ ذكر شيئًا ترك في النقل أو لم يتفق له ذكر ما أراد إيراده وزاد في الإرشاد الرضى بعد ذلك أن نزوله ﵇ يكون عند صلاة العصر بعد ما أقيمت ويتقدمهم أمامهم المهدي، فيقال لعيسى ﵇ تقدم، فيقول لا، ويكون مجتهدًا. فما قيل أنه يتبع الإمام أبا حنيفة غلط، نعم لا يبعد أن يكون اجتهاده موافقًا لاجتهاده، فإن قيل: لم يحتج ﵇ في نزوله من السماء إلى شيء حتى وصل إلى المنارة فاستدعى المرقاة، يقال: سبب ذلك أن الدنيا دار الأسباب فناسب أن يراعى في ذلك الأحكام الدنيوية، انتهى.","vol":"3","page":164},{"text":"قوله [قطر] وفيما بعد [تحدر] الفرق بينهما أن التقطر بالانفصال من الجسم، والتحدر هو السيلان (١) على الجسم نفسه إلى السفل. قوله [فيقتله] هذا القتل لتحصيل (٢) اليقين للمؤمنين أن لا يوهم لهم بقاؤه وإلا فإن موته يحصل\n_________\n(١) قال المجد: الحدر الحط من علو إلى سفل كالحدور وسيلان العين بالدمع، وتحدر تنزل، انتهى.\n(٢) احتاج الشيخ إلى هذا التوجيه لما أن هذه الجملة من الحديث بظاهرها تخالف الجملة الأولى، وهي قوله لا يجد ريح نفسه أحد إلا مات، وقد ورد في الجمع بينهما أقوال آخر، قال القارئ: قوله لا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات، يجوز كون الدجال مستثنى من هذا الحكم لحكمة إراءة دمه في الحربة ليزداد كونه ساحرًا في قلوب المؤمنين، ويجوز كون هذه الكرامة لعيسى أولًا حين نزوله، ثم تكون زائلة حين يرى الدجال إذ دوام الكرامة ليس بلازم، وقيل: النفس الذي يموت الكافر هو النفس المقصود به إهلاك كافر لا النفس المعتاد فعدم موت الدجال لعدم النفس المراد، وقيل: المفهوم منه أن من وجد من نفس عيسى من الكفار يموت، ولا يفهم منه أن يكون ذلك أول وصول نفسه فيجوز أن يحصل ذلك بهم بعد أن يريهم عيسى ﵇ دم الدجال في حربته للحكمة المذكورة، ثم من الغريب أن نفس عيسى تعلق به الإحياء لبعض والإماتة لبعض، انتهى.","vol":"3","page":165},{"text":"بخروج نفس عيسى ﵇ ووصوله إليه، وكذلك ما ورد في الحديث الآتي بعد ذلك أنه يطعنه فإنه مجرد استيقان لموته ودفع لما عيسى أن يتوهم أنه حي بعد. قوله [ويمر أولهم] أي أول (١) صفوفهم. قوله [لقد كان بهذه مرة ماء] بيان لاستشفافهم الماء في الشرب حتى لم يبق منه إلا مجرد أثر.\nقوله [ويحاصر عيسى بن مريم إلخ] أي يبقون في الحصن والحصار الذي على الطور، لا أن (٢) يأجوج ومأجوج يحاصرونهم فإن الله يغطي (٣) أعينهم عنهم، فلا يفوزون ولا يصلون إلى حيث مستقرهم حتى يعلموا بحالهم. قوله [حتى يكون رأس (٤) الثور إلخ] خصه بالذكر لما فيه من العظام الكثيرة، وما فيه من اللحم يتحصل بشق من الأنفس، ومع ذلك فلا يدفع من الاشتهاء إلا يسيرًا لقلة اللحمية فيه وللاكتناز (٥)، وبذلك يعلم مقدار احتياجهم إلى ما يوكل، فإن رأس الثور لما كان خيرًا لهم من مائة دينار وقد علمت ما في رأس الثور من الصفات فما بال اللحم والأطعمة الأخرى، والله أعلم.\n_________\n(١) ولفظ المشكاة عن مسلم ويمر أوائلهم على بحيرة طبرية، قال القارئ: بالإضافة وبحيرة تصغير بحرة وهي ماء مجتمع بالشام طوله عشرة أميال وطبرية بفتحتين اسم موضع وهي قصبة الأردن بالشام، انتهى.\n(٢) ويؤيد ذلك لفظ المشكاة عن مسلم ويحصر نبي الله وأصحابه، قال القارئ: بصيغة المفعول أي يحبس في جبل الطور، انتهى.\n(٣) كما يدل عليه لفظهم في هذا الحديث: لقد قتلنا من في الأرض فهلم فلنقتل من في السماء، انتهى.\n(٤) قال القارئ: أي يصير من شدة المحاصرة والمضايقة رأس البقر مع كمال رخصه في تلك الديار خيرًا من مائة الدينار، قال التور بشتى: أي تبلغ بهم الفاقة إلى هذا الحد، وإنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة.\n(٥) أي لاجتماع لحمه وصلابته، قال المجد: اكتنز اجتمع وامتلأ.","vol":"3","page":166},{"text":"قوله [كأعناق البخت (١)] قوله [بالمهبل (٢)] كأن المهابل هي مغارات الجبال. قوله [كالزلفة (٣)] هي المرآة المزينة. قوله [ويستظلون\n_________\n(١) بياض في الأصل، وقال القارئ: بضم موحدة وسكون معجمة نوع من الإبل، أي طير أعناقها في الطول والكبر كأعناق البخت، والطير جميع طائر، انتهى.\n(٢) قال الدمنتي: بميم وموحدة كمقدس موضع، وفي المجمع: وفي حديث الدجال فيطرحهم بالمهبل هو الهوة الذاهبة في الأرض انتهى، وقال المجد: كمنزل الهوى من رأس الجبل إلى الشعب، وقال أيضًا في نهبل: وفي الترمذي في حديث الدجال فيطرحهم بالنهبل وهو تصحيف والصواب بالميم، انتهى، قلت: ليس في النسخ التي بأيدينا من الترمذي بالنون بل فيها بالميم كما في الأحمدية والمصرية وغيرهما، نعم في المشكاة برواية مسلم تطرحهم حيث شاء الله وفي رواية تطرحهم بالنهبل، قال القارئ: بفتح النون وسكون الهاء وفتح المؤحدة موضع، وقيل: مكان ببيت المقدس، وفيه أنه كيف يسعهم، ولعل المراد به موضع بعضهم، أو على طريق خرق العادة يسعهم، وقيل: هو حيث تطلع الشمس، ثم حكى عن القاموس أن النهبل تصحيف والصواب بالميم، انتهى.\n(٣) قال القارئ: بفتح الزاي واللام ويسكن وبالفاء، وقيل: بالقاف هي المرآة بكسر الميم، وقيل: ما يتخذ لجمع الماء من المصنع، والمراد أن الماء يعم جميع الأرض بحيث يرى الرائي وجهه، قال القاضي: روى بالفاء والقاف وبفتح اللام وبإسكانها وكلها صحيحة، قال القارئ: الأصح هو الذي عليه الأكثر بفتحتين والفاء واقتصر عليه القاموس في المعاني الآتية كلها، قال: واختلفوا في معناها فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون كالمرآة، وحكى صاحب المشارق هذا عن ابن عباس، وقيل: كمصانع الماء وقيل الإجانة الخضراء، وقيل كالصحفة، وقيل كالروضة، انتهى.","vol":"3","page":167},{"text":"بقحفها (١)] دفع لما عسى أن يتوهم من قلة الشهوة في الأكل فيشبعون لذلك لا لبركة فيه. قوله [باللقحة] واللقحة هي القريبة بالولاد والحامل، واللبن يقل في الحامل، فلما كان كذلك حال الحوامل فما بال غير الحوامل.\nقوله [كأنها عنبة طافية] ضبطوه ههنا بالياء وقد ورد في (٢) في بعض\n_________\n(١) قال القارئ: بكسر القاف أي بقشرها، قال النووي: هو معقر قشرها، شبهها بقحف الآدمي، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفاق من جمجمته وانفصل، وقال شارح: أراد نصف قشرها الأعلى، وهو في الأصل العظم المستدير فوق الدماغ، وهو أيضًا إناء من خشب على مثاله كأنه نصف المستدير فوق الدماغ، وهو أيضًا إناء من خشب على مثاله كأنه نصف صاع، واستعير ههنا لما يلي رأسها من القشر، انتهى.\n(٢) اختلفت الروايات في عيني الدجال، قال صاحب الإشاعة: أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية، وفي رواية: أعور العين اليسرى، وفي حديث سمرة عند الطبراني وصححه ابن حبان والحاكم: ممسوح العين اليسرى، وفي رواية: أعور العين مطموسها وليست حجراء، وهذا معنى طافئة مهموزة، قال الحافظ في الفتح نقلًا عن القاضي عياض: الذي رويناه عن الأكثر وصححه الجمهور وجزم به الأخفش طافية بغير همزة، وضبطه بعض الشيوخ بالهمزة، ومعناه أنها ناتئة نتوء العنبة، وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره، ثم جمع القاضي عياض بين الروايات بأن عينه اليمنى طافية -بغير همز- ومسموحة أي ذهب ضوئها، وهو معنى حديث أبي داؤد مطموس العين ليست بناتئة ولا حجراء، أي ليست عالية ولا عميقة كما في حديث ابن عمر في الصحيحين، واليسرى طافئة -بالهمز- كما في الرواية الأخرى عنه وهي الجاحظة التي كأنها كوكب دري، وكأنها نخاعة في حائط، أي وهي الخضراء كما جاء كل ذلك في الأحاديث، قال: وعلى هذا فهو أعور العينين معًا فكل واحدة منهما عوراء، وذلك أن العور العيب والأعور من كل شيء المعيب وكلا عيني الدجال معيبة، إحداهما بذهاب نورها والأخرى بنتوئها وخضرتها، قال النووي: وكلام القاضي عياض في نهاية من الحسن، انتهى.","vol":"3","page":168},{"text":"الروايات طافئة مهموزًا وبينها تناف، فالمهوز من طفئت النار، فكأن العين لما كانت طافئة فهي ممسوحة لا تبصر شيئًا، والناقص من طفى السمك على الماء فهو طاف، وهذا يستلزم خروج حدقتها من موضعها لكنها مبصرة بعد، فالجمع أن إحدى عينيه طافئة والأخرى طافية، وحيث ورد طافية بالياء فيمكن أن يكون مهموزًا قلبت همزتها ياء لكسرة ما قبلها.\nقوله [الإيمان يمان] بينه (١) في الحاشية واستحسن الأستاذ أدام الله علوه\n_________\n(١) ولفظها: قوله الإيمان يمان أصله يمنى حذف إحدى اليائين، وعوض عنها الألف، وقيل قدم إحداهما وقلبت فصار كقاض، كذا في المجمع، وصرفوا الحديث عن ظاهره من حيث أن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة، فقيل: المراد أن الإيمان بدأ من مكة، وهي من تهامة، وهي من أرض اليمن، ولذا يقال الكعبة اليمانية، أو لأن مكة يمانية باعتبار المدينة، وقيل قاله النبي ﷺ بتبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد الحرمين، أو لأنهما يمانيتان باعتبار الشام، وقيل: أراد الأنصار لأنهم اليمانون في الأصل، وهم نصروا الإيمان والمؤمنين وآووهم فنسب الإيمان إليهم، ذهب إليه كثير من الناس، وهو أحسنها عند أبي عبيد أمام الغريب، قال النووي: ولا مانع من حمله على الحقيقة لأن من قوى في شيء نسب إليه، وهكذا كان حال الوفدين منهم لحديث: جاؤكم أهل اليمن أرق أفئدة، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منه في حياته ﷺ وفي أعقاب موته كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبهها ممن سلم قلبه وقوى إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفى له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله ﷺ: الإيمان في أهل الحجاز، ثم المراد بذلك الموجودين منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان فإن اللفظ لا يقتضيه، هذا هو الحق في ذلك ونشكر الله تعالى على هدايتنا له، انتهى بزيادة عن النووي والفتح.","vol":"3","page":169},{"text":"ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده توجيه النووي، وما أورده (١) صاحب المجمع غير وارد (٢) فإن التفصيل على مؤمني الحرمين الشريفين غير لازم منه.\nقوله [والكفر من قبل المشرق] ولقد كانت القبائل اليمنيون سارعوا إلى الإسلام كأسلم وغفار وغيرها، وأبطأ (٣) أهل المشرق كمضر وغيرها مع ما يظهر\n_________\n(١) إذ قال بعد ذكر كلام النووي المذكور، ولعل المانع أنه يلزم قوة إيمانهم وفضلهم به على المهاجرين الأول والأنصار وفيهم العشرة وغيرهم، انتهى.\n(٢) لما تقدمت الإشارة إليه في كلام النووي أيضًا إذ قال: ليس فيه نفي له عن غيرهم، وذلك لأنه ليس فيه لفظ حصر أو ما في معناه.\n(٣) فقد قال الحافظ: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر وأول الفتن كان قبل المشرق فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة، وقال أيضًا تحت قوله ﵇ لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم: إنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان كان بها ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهر وإن كان بسبب التحكيم، ثم قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على امرأته وأول ما نشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق، فلا منافاة بينه وبين قوله ﷺ: ألا إن الفتنة من قبل المشرق، انتهى.","vol":"3","page":170},{"text":"فيما بعد من تفاوت بينهما فإن خروج الدجال على أهل المدينة يكون من (١) قبل الشرق واليمنيون يقابلونه ما لا يقابله من سواه، فلذلك قال النبي ﷺ في كلا الفريقين أهل الشرق واليمن ما يبين حالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>[باب في ذكر ابن صياد </span>(٢)] قوله [حيث تلك الشجرة] وأريته (٣) شجرة قريبة أو بعيدة مني، كأن أبا سعيد أراد بذلك أن ينجو منه بنفسه فقال له ذلك. قوله [وإني أكره\n_________\n(١) فقد قال الحافظ في بيان الدجال: أما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها، وأما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزمًا، إلى آخره.\n(٢) قال القارئ: وفي القاموس ابن صائد أو صياد الذي كان يظن أنه الدجال، وقال الأكمل: ابن صائد اسمه عبد الله، وقيل: صياف ويقال ابن صائد، وهو يهودي من يهود المدينة وقيل هو دخيل فيهم، وكان حاله في صغره حال الكهان يصدق مرة ويكذب مرارًا، ثم أسلم لما كبر وظهرت منه علامات من الحج والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال وسمعت منه أقوال تشعر بأنه الدجال، ثم قيل: إنه تاب ومات بالمدينة، وقيل: بل فقد يوم الحرة، وقال ابن الملك: ما يقال أنه مات بالمدينة لم يثبت إذ قد روى أنه فقد يوم الحرة، وقال أيضًا: روى أبو داؤد بسند صحيح عن جابر قال فقدنا ابن صياد يوم الحرة، وهذا يبطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلى عليه، انتهى.\n(٣) يعني أشرت إلى شجرة وأبصرته إياها لينزل تحتها، ولا ينزل عند أبي سعيد، ولفظ حديث مسلم عن أبي سعيد قال: خرجنا حجاجًا وعمارًا ومعنا ابن صائد قال: فنزلنا منزلًا فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي فقلت: إن الحر شديد فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: ففعل، قال فرفعت لنا غنم الحديث، انتهى.","vol":"3","page":171},{"text":"فيه اللبن] أي من يديك أو يراد به اللبن المعهود، وهو الذي في يديه حتى لا يكون (١) قوله ذلك كذبًا ويبقى تورية. قوله [فقلت له تبًا ذلك (٢) سائر اليوم] إنما قال له ذلك لأنه لبس عليه أمره بهذه الكلمة بعد ما كان أبو سعيد قد ظن أن الناس كذبوا عليه، ووجه التلبيس بذلك أنهما لما كانا معًا (أي في موضع واحد) فعلمه بحال الدجال بحيث يعلم أنه أين هو الساعة (٣) من الأرض مشير إلى أنه هو الدجال وإن لم يكن هذا أمرًا يقينًا، وتأويل (٤) ما قال من قبل من عدم الولادة له وكفره وأنه لا يدخل المدينة أن هذه الأمور من علاماته إذا ظهر وادعى النبوة أو الألوهية أيًا ما كان، وليس المراد أنه لا يولد له أبدًا ولا يدخل المدينة أبدًا وأن كفره موبد، والحق (٥) في ذلك أنه غيره، وإليه ذهب أكثر العلماء،\n_________\n(١) وذلك لما في حديث مسلم المذكور قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس فقال: اشرب أبا سعيد فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده أو قال آخذ عن يده الحديث، انتهى.\n(٢) قال النووي: أي خسرانًا وهلاكًا لك في باقي اليوم، وهو منصوب بفعل مضمر متروك الإظهار، انتهى.\n(٣) ولفظ المشكاة برواية مسلم عن أبي سعيد: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو، وأعرف أباه وأمه الحديث، وفيه أنه يحتمل أنه كان يعرف هذه الأمور لكهانته بواسطة شيطانه.\n(٤) وبذلك جزم النووي إذ قال: أما احتجاجه بذلك فلا دلالة فيه لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.\n(٥) قال القارئ: قال بعض المحققين الوجه في الأحاديث الواردة في ابن صياد مع ما فيها من الاختلاف والتضاد، أن يقال أنه ﷺ حسبه الدجال قبل التحقيق بخبر المسيح الدجال، فلما أخبر ﷺ بما أخبر به من شأن قصته في حديث تميم الداري، ووافق ذلك ما عنده تبين له ﷺ أن ابن الصياد ليس بالذي ظنه، وأما توافق النعوت في أبوي الدجال وأبوي ابن صياد فليس مما يقطع به قولًا، فإن اتفاق الوصفين لا يلزم منه اتحاد الموصوفين، وكذا حكى الحافظ عن البيهقي أنه قال: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ على حلف عمر فيحتمل أن يكون النبي ﷺ كان متوقفًا في أمره، ثم جاءه الثبت من الله تعالى أنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن الصياد وطريقه أصح، انتهى وإليه مال الحافظ إذ قال: وأقرب ما يجمع به ما تضمنه حديث تميم، وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدي في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها، انتهى. وبه جزم صاحب الإشاعة إذ قال: ومما يرجح أنه غيره أن قصة تميم الداري متأخرة عن قصة ابن صياد فهو كالناسخ له، ولأنه حين إخباره ﷺ بأنه في بحر الشام أو اليمن لا بل من قبل المشرق كان ابن صياد بالمدينة فلو كان هو لقال بل هو في المدينة، انتهى.","vol":"3","page":172},{"text":"وأما (١) النبي ﷺ فلم ينكر على من قال إن ابن صياد هو الدجال قوله لعدم علمه ﷺ بحاله هل هو الدجال أو غيره، ولعله كان يعلم بذلك لكنه لم يؤذن\n_________\n(١) قال القارئ: قالوا وظاهر الأحاديث أنه ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحى إليه بصفات الدجال، وكان لابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، وهكذا حكى الحافظ عن النووي أنه قال قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة وأمره مشتبه لكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبي ﷺ لم يوح إليه في أمره بشيء، وإنما أوحى إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع في أمره بشيء، انتهى.","vol":"3","page":173},{"text":"له في الأخبار، وأما (١) من قال بأنه هو استدل بعدم إنكاره ﷺ على المدعي توحدهما قوله، كيف وقد حلف (٢) بعضهم بين يدي النبي ﷺ بأنه هو، وهذا البعض جمع بين مذهبه وحديث تميم الداري الآتي بعيد ذلك أن وجود شخص في مكانين حسب ما يرى لنا (٣) غير مستبعد.\n_________\n(١) يعني من قال إن ابن صياد هو الدجال استدل بأنه ﷺ سكت على من ادعى بوحدتهما في مجلسه وسكوته ﵇ تقرير وحجة، ويظهر من كلام الحافظ أن ميل البخاري إلى ذلك إذ قال: ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة في قصة تميم، وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة أبو هريرة وعائشة وجابر، انتهى.\n(٢) منهم عمر وابن عمر وجابر وغيرهم بسط رواياتهم الحافظ في الفتح في باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة وقال: وقد أخرج أحمد من حديث أبي ذر لأن أحلف عشر مرار أن ابن صياد هو الدجال أحب إلى من أن أحلف واحدة أنه ليس هو، وسنده صحيح، ومن حديث ابن مسعود نحوه لكن قال سبعًا بدل عشر مرات، أخرجه الطبراني، انتهى.\n(٣) قال القارئ: ولا ينافيه قصة تميم الداري إذ يمكن أن يكون له أبدان مختلفة فظاهره في علم الحس والخيال دائر مع اختلاف الأحوال وباطنه في عالم المثال بقيد السلاسل والأغلال، ولعل المانع من ظهور كماله في الفتنة وجود سلاسل النبوة وأغلال الرسالة، انتهى. وقال الحافظ: كأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا قصة تميم وإلا فالجمع بينهما بعيد، إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي ﷺ ويسأل أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أولًا؟ فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع، انتهى. قلت: وحكى الحافظ في موضع آخر أن في بعض طرق البيهقي أنه شيخ وسنده صحيح، انتهى.","vol":"3","page":174},{"text":"قوله [فقال النبي ﷺ آمنت بالله ورسله] إنما (١) لم يرد النبي ﷺ عليه قوله لأنه كان متصديًا سؤال حاله، فلو أنكر قوله صريحًا لفات ذلك، لكنه ﷺ رد عليه قوله ضمنًا حيث قال: آمنت بالله ورسله، ومعلوم أنه لم يكن من رسله حتى يؤمن عليه.\nقوله [خلط عليك الأمر] لعدم التمييز بين الصادق والكاذب. قوله [فلن تعدو (٢) قدرك] أي إنك لا تكاد تخبر إلا بيسير من كثير، ولست تقدر\n_________\n(١) قال الزين بن المنير: إنما عرض النبي ﷺ الإسلام على ابن صياد بناء على أنه ليس الدجال المحذر منه، قال الحافظ: ولا يتعين ذلك، بل الذي يظهر أن أمره كان محتملًا فأراد اختباره بذلك، فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو، وإن لم يجب تمادي الاحتمال، أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة، ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف فقال: آمنت بالله ورسله، انتهى.\n(٢) قال القارئ: بضم الدال أي فلن تجاوز القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء ذكره النووي، وقال الطيبي: أي لا تتجاوز عن إظهار الخبيئات على هذا الوجه كما هو دأب الكهنة إلى دعوى النبوة، فتقول أتشهد أني رسول الله؟ وقال القارئ: حاصل الجملة أنك وإن أخبرت عن الخبئ فلن تستطيع أن تتجاوز عن الحد الذي حد لك، يريد أن الكهانة لا ترفع بصاحبها عن القدر الذي عليه هو، وإن أصاب في كهانته، انتهى.","vol":"3","page":175},{"text":"علم العلم بالقضية بأسرها لأنك لم تفز من الآية الطويلة إلا بلفظ ولم تفز بها كلها.\nقوله [صادقين وكاذبًا أو كاذبين وصادقًا] يعني أن (١) الأخبار الواصلة إلى قد يصدق كثيرها ويكذب قليلها، وقد يكون الأمر على عكسه.\nقوله [فدعاه] بتخفيف العين (٢) وتشديده، والأول أمر لأبي بكر وعمر بتركه، والثاني إخبار من الراوي أنهما دفعاه بعنف عن أمام النبي ﷺ.\nقوله [فسمعت (٣) بمولود في المدينة] أي أنه على هذه الصفة.\n_________\n(١) وعلى هذا التوجيه فلفظة أو ليست للشك بل هو تنويع وهو محتمل بل وجيه، وحمله عامة الشراح على الشك، قال القارئ: أي يأتيني شخصان يخبراني بما هو صدق، وشخص يخبرني بما هو كذب، والشك من ابن صياد في عدد الصادق والكاذب يدل على افترائه، إذ المؤيد من عند الله لا يكون كذلك، انتهى.\n(٢) فعلى الأول صيغة أمر من ودع بمعنى ترك، وعلى الثاني صيغة ماض من دع المضاعف بمعنى الطرد والدفع.\n(٣) قال الحافظ: يوهي هذا الحديث أن أبا بكرة إنما أسلم لما نزل من الطائف حين حوصرت سنة ثمان من الهجرة، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين أنه ﷺ لما توجه إلى النخل التي فيها ابن صياد كان ابن صياد يومئذ كالمحتلم، فمتى يدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدنية، وهو لم يسكن المدينة إلا قبل الوفاة النبوية بسنتين، فكيف يتأتى أن يكون في الزمن النبوي كالمحتلم، فالذي في الصحيحين هو المعتمد، ولعل الوهم وقع فيما يقتضي تراخي مولد ابن صياد، أولًا وهم فيه بل يحتمل قوله: بلغنا أنه ولد لليهود مولود على تأخر البلاغ، وإن كان مولده سابقًا على ذلك بمدة بحيث يأتلف مع حديث ابن عمر الصحيح، انتهى.","vol":"3","page":176},{"text":"قوله [فيما يتحدثونه إلخ] أي إن الناس (١) فهموا منه أن الساعة آتية لا محالة في هذه المائة.\nقوله [يريد أن ينخرم ذلك القرن] هذا ما أراد بهذا الحديث عنده، وعليه أكثر العلماء، ويمكن أن يكون على عمومه، والذين لم يكونوا على ظهر الأرض حين ما قاله النبي ﷺ مستثنون عن ذلك كالخضر والجن والدجال (٢).\n_________\n(١) قال الشيخ في البذل: (فوهل) أي غلط الناس (في مقالة رسول الله ﷺ) أي في فهم مقالته تلك (فيما يتحدثون عن هذه الأحاديث) أي فيما بينهم (عن مائة سنة) كأنهم فهموا أن تقوم القيامة على رأس سنة، انتهى. وقريب منه ما في المجمع إذ قال: فوهل بفتح هاء ويجوز كسرها أي غلطوا أو ذهب وهمهم إلى خلاف الواقع في تأويله، فقيل تقوم الساعة عنده، وإنما مراده أنه لا يبقي أحد من الوجودين تلك الليلة، انتهى. وبنحوه فسر الحديث النووي، والظاهر عندي أن وهل بمعنى فزع، والمراد فيما يتحدثون أي في أحاديث الفتن، والمعنى فزعوا لما فهموا أن أحاديث الفتن كلها من خروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج ونحوها كلها تتم في مائة سنة فتأمل.\n(٢) لفظة ما موصولة وضمير أراد إلى النبي ﷺ، أي مراده ﷺ كان انخرام القرن وإن بقى بعض منهم، قال النوي: قد احتج بهذه الأحاديث من شذ من المحدثين فقال: الخضر ﵇ ميت، والجمهور على حياته ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر لا على الأرض، أو أنها عام مخصوص، انتهى. قال الأشرف: معناه ما تبقى نفس مولودة اليوم مائة سنة، أراد به موت الصحابة، وقال ﷺ هذا على الغالب، وإلا فقد عاش بعض الصحابة أكثر من مائة سنة، انتهى. منهم أنس بن مالك وسلمان وغيرهما، والأظهر أن المعنى لا تعيش نفس مائة سنة بعد هذا القول كما يدل عليه الحديث الآتي، يعني حديث أبي سعيد رفعه لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم، فلا حاجة إلى اعتبار الغالب، فلعل المولودين في ذلك الزمان انقرضوا قبل تمام المائة من زمان ورود الحديث، ومما يؤيد هذا المعنى استدلال المحققين وغيرهم على بطلان دعوى من ادعى الصحبة وزعم أنه من المعمرين إلى المائتين والزيادة، بقى أن الحديث يدل بظاهره على عدم حياة الخضر وإلياس، وقد قال البغوي: أربعة من الأنبياء في الحياة اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء: عيسى وإدريس، فالحديث مخصوص بغيرهم، أو المراد ما من نفس منفوسة من أمتي والنبي ﷺ لا يكون من أمته نبي آخر، وقيل: قيد الأرض يخرج الخضر وإلياس فإنهما كانا على البحر حينئذ كذا في المرقاة، ومال ابن قتيبة في تأويل الحديث إلى أن الحكم مختص بمن حضر في هذا المجلس، وسقط من الروايات لفظ «منكم».","vol":"3","page":177},{"text":"قوله [لباسة] كثيرة (١) الملابس، ولعله عبر عن كثرة الشعر بكثرة اللباس.\nقوله [قالت: أنا الجسامة] كانت (٢) امرأة تجسس الأخبار للدجال. قوله\n_________\n(١) ذكر في الحاشية عن القاموس رجل لباس كثير اللباس، لكن معناه ههنا على الظاهر أنه ملق في اللبس والاختلاط بأن تكون صبغة مبالغة من اللبس، انتهى. قلت: ويؤيد ما أفاده الشيخ أن كثرة الشعر من صفاتها، ففي المشكاة عن مسلم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، وعن أبي داؤد فإذا أنا بامرأة تجر شعرها.\n(٢) لفظ حديث الباب هي دابة، وما تقدم قريبًا عن أبي داؤد فإذا أنا بامرأة، قال الشيخ في البذل والقارئ في المرقاة وغيرهما في الجمع بينهما بأنه يحتمل أن للدجال جساستين: إحداهما دابة والثانية امرأة، ويحتمل أن تكون شيطانة تمثلت تارة في صورة دابة، وأخرى في صورة امرأة، وللشيطان التشكل في أي شكل شاء، ويحتمل أن تسمى المرأة دابة باعتبار اللغة وقد قال عز اسمه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، ثم هي جساسة للدجال، ورجح في الإرشاد الرضى كونها امرأة وإطلاق الدابة عليها لكثرة شعرها، وفي الحاشية عن اللمعات. قيل: هي دابة الأرض التي تخرج في آخر الزمان ولا دليل عليه، انتهى. قلت: بل ذكر صاحب الإشاعة عن علي يخرج الدجال ومعه سبعون ألفًا من الحاكة، وهي موضع على مقدمته أشعر أي رجل كثير الشعر رواه الديلمي، فالظاهر أنه هي الدابة.","vol":"3","page":178},{"text":"[موثق بسلسلة] وقد ورد (١) في الروايات أنه كان معلقًا بين السماء والأرض.\nقوله [فنزى نزوة] ونزوته هذه إما أن يكون لفرحه بقرب زمان خروجه\n_________\n(١) لم أجد النص بذلك بعد ويظهر من كلام القارئ أن بعضهم أخذوا ذلك من حديث أبي داؤد ولفظه: فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، قال القارئ: وأبعد (*) من قال: إنه متعلق بمسلسل، انتهى. ويظهر في الإرشاد الرضى أن الشيخ لم يرد الرواية بذلك، بل أراد الجواب عن حديث لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد على رأس مائة سنة بأنه لا يصح الاستدلال به على موت الخضر فإنه مستثنى كالدجال، فإن قيل: إن الدجال كان إذ ذاك معلقًا، يقال: يمكن أن لا يكون الخضر أيضًا على الأرض، انتهى. قلت: وقد أجابوا عن الخضر بأنه كان في البحر، وعن إبليس بأنه كان في الجو، وغير ذلك من الأجوبة، انتهى.\n(*) ففي بين سطور أبي داؤد عن فتح الودود فيما بين السماء متعلق بقوله ينزو أو بمسلسل، انتهى.","vol":"3","page":179},{"text":"لبعث النبي ﷺ، أو لترحه (١) لما علم مسارعة الناس إلى قبول الإسلام، وهذا معاكس لمرامه.\nقوله [حتى كاد] أي كاد أن يقطع السلاسل ويتخلص منها. قوله [فكيف أنصره ظالمًا] إنما احتاج إلى السؤال عن ذلك لما أن الظاهر من نصرته ظالمًا أن يعينه على ظلمه والإعانة على الظلم حرام قبيح لا يأمر به الشارع ﵇.\nقوله [من سكن البادية جفا] هذا لا ينافي ما في سكون البادية من الخير أيام الفتنة، فالخيرية والشرية بجهتين، والمراد بالجفاء غلظ القلب وقساوته، وما يغلب عليه من الجهل بالشرائع والأحكام.\nقوله [ومن أتى أبواب (٢) السلطان افتتن] لأنه لا يخلو من الابتلاء بفتنة دينه أو ديناه. قوله [فتنة الرجل (٣) في أهله وماله وولده وجاره إلخ] هذا مما ينبغي أن يفتش عنه إذ المراد بذلك أن امرأته مثلًا إذا قصرت في أداء شيء من خدماته فسبها على ذلك، فإن تعديها في أمثال هذه الأمور تكفر بالصلاة وغيرها،\n_________\n(١) قال المجد: الترح محركة الهم.\n(٢) قال السيوطي في مرقاة الصعود: قال فضيل بن عياض: كنا نتعلم اجتناب السلطان كما نتعلم السورة من القرآن، رواه البيهقي في شعب الإيمان، والأحاديث والآثار في النهي عن مجيئ العلماء إلى السلطان كثيرة جمعتها في مؤلف يسمى «ما رواه الأساطين في عدم المجيئ إلى السلاطين، انتهى. كذا في البذل، وقال الدمنتي في نفع القوت: افتتن ببناء فاعل ومفعول، قال ابن الخازن: سبب فتنته أنه يرى سعة الدنيا والخير هنالك فيحتقر نعمة الله عليه، وربما استخدمه، فلا يكاد يسلم في تصرفه من إثم بآجل أو عقوبة بعاجل، أو لأنه لا يمكنه إنكاره عليه بما يجب إنكاره، انتهى.\n(٣) قال العيني: بعد ما بسط الكلام على معنى الفتنة قال ابن بطال: فتنة الرجل في أهله أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول أو العمل مما لم يبلغ كبيرة، وقال المهلب: يريد ما يعرض له معهن من شر أو حزن أو شبهة وقوله: فتنة الرجل في ماله أن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه، أو التفريط بما يلزمه من حقوق المال، فتكثر عليه المحاسبة، وفتنة الرجل في ولده فرط محبتهم وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التوغل في الاكتساب من أجلهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام، وفتنة الرجل في جاره أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعًا، قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ انتهى. قلت: وعلى هذه المعاني لا يرد الإشكال الذي أفاده الشيخ، وأما على مختار الشيخ في معنى الفتنة فما يخطر في ذهني القاصر من الجمع بينهما أن يقال: إن مؤدي التفكير ومؤدي المحاسبة واحد فالمقدار الذي يسقط عند المحاسبة لأجل الصلاة والصوم يسمى مكفرة، وكذلك من الجانب الآخر من أن صلاته وصومه وغيرهما مقدار ما يكفر من العدوانات تحاسب والباقي من العدوانات يجازي به، والله غفور رحيم ورحمته سبقت عذابه، قال صاحب المجمع: أو فتنته فيهم لتفريط حقوقهم وتأديبهم فإنه راع لهم، فمنها ذنوب يحاسب عليهما ومنها يرجى تكفيرها بالحسنات، انتهى.","vol":"3","page":180},{"text":"وهذا مشكل بما ورد (١) في بعض الروايات أن رجلًا سأل النبي ﷺ أنه يضرب عبيده وإماءه على ما يفسدون من أموره فماذا يفعل به وبهم؟ قال النبي ﷺ: يوزن يوم القيامة خطاياهم وجناياتهم، وما أفسدوا من أمورك وما فعلت بهم على ذلك، فيجازي الظالم من كان منكم أنت أم عبيدك فأعتقهم.\n_________\n(١) فسيأتي عند المصنف عن عائشة أن رجلًا قعد بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل، قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله ﷺ: أما تقرأ كتاب الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم، قلت: وقد ورد في معنى هذا الحديث روايات كثيرة في يوم الحساب.","vol":"3","page":181},{"text":"قوله [فقال عمر] والظاهر أن (١) جثة عمر باب حاجز على حصنه، والمراد به في قوله بينك روحه فإن التأذي بالصدمات (٢) إنما هو لها لا للجسم.\nقوله [ونحن تسعة: خمسة وأربعة] إنما فسر لتعيين المراد وللتقسيم بين الطائفتين. قوله [فسكتوا] إنما كان سكوتهم (٣) لما أنهم فهموا أن النبي ﷺ يسميهم\n_________\n(١) قال العيني: فإن قلت: قال أولًا إن بينك وبينها بابًا فالباب يكون بين عمر وبين الفتنة، وههنا يقول: الباب عمر، وبين الكلامين مغائرة، قلت: لا مغائرة بينهما لأن المراد بقوله بينك وبينها أي بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك، وقال الكرماني: أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنك إذ الروح غير البدن، أو بين الإسلام والفتنة، انتهى.\n(٢) قال المجد: الصدم ضرب صلب بمثله والفعل كضرب وإصابة الأمر، انتهى. وفي المجمع في قوله ﷺ الصبر عند الصدمة الأولى: أي عند فورة المصيبة وشدتها، والصدم ضرب الشيء بمثله، ثم استعمل في كل مكروه حصلت بغتة، انتهى.\n(٣) قال القارئ: سكتوا متوقفين في أن السؤال أولى أو السكوت أحرى خوفًا من أن يكون من باب ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وعملًا بقوله ﷺ: وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها، فلما أفاد التكرار أنه لا بد من الاختيار (قال رجل) أي كان الرجل شديد القلب فتنوينه للتعظيم (وقوله خيركم من يرجى خيره) فخير الأول بمعنى الأخير والثاني مفرد الخيور، أي من يرجو الناس منه إحسانه إليهم، وترك ذكر من يأتي منه الخير والشر ونقيضه فإنهما ساقطًا الاعتبار حيث تعارضا تساقطًا، انتهى. قلت: أو لأنهما لوجود الصفتين لم يكونا ممن يعد خيرًا أو شرًا، انتهى.","vol":"3","page":182},{"text":"فيعين الخير والشر، فلم يقولوا نعم لأنهم لم يكونوا يعلمون أيهم يسمى خيرًا وأيهم شرًا، وقد كانوا يرون لتسمية النبي ﷺ وقوله في أحد خيرًا أو شرًا تأثيرًا ظاهرًا وباطنًا (١)، فخافوا على أنفسهم أن يوسموا بسمة الشر فيخسروا في الدنيا والآخرة، إلا أنهم لما رأوا إصرار النبي ﷺ على السؤال عن ذلك بدر أحد منهم إلى التسليم رائيًا أن المقدور واقع لا محالة، وأن النبي ﷺ أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم فلا يفعل ما يسنضرون به.\nقوله [إذا مشت أمتى المطيطاء (٢) إلخ] هذا لا يستلزم الفور في تسليط\n_________\n(١) وكان كذلك كما يدل عليه الروايات الكثيرة منها ما في الشفاء قال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، فلم يرفعها إلى فيه، وقال لحم بن أبي العاص وكان يختلج بوجهه ويغمز: كذلك كن، فلم يزل يختلج حتى مات.\n(٢) قال القارئ: بضم الميم وفتح المهملة الأولى وكسر الثانية ممدودة وتقصر بمعنى التمطي، وهو المشي فيه التبختر ومد اليدين، ويروى بغير الياء الأخيرة، ونصبه على أنه مفعول مطلق أي مشى تبختر، وقيل: إنه حال أي إذا صاروا في نفوسهم متكبرين، وعلى غيرهم متجبرين، وقوله أبناء فارس والروم بدل مما قبله وبيان له، قال الشراح: هذا الحديث من دلائل نبوته ﷺ لأنه أخبر عن المغيب ووافق الواقع خبره فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم، وأخذوا أموالهم وتجملاتهم وسبوا أولادهم فاستخدموهم سلط الله قتلة عثمان حتى قتلوه، ثم سلط بني أمية علي بن هاشم ففعلوا ما فعلوا وهكذا، انتهى كلام القارئ.","vol":"3","page":183},{"text":"الشرار، ولا أن الفتنة تعم الكل، فلا نقص به (١) في شأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. قوله [ولا يعرف لحديث أبي معاوية عن يحيى بن سعيد إلخ] يعني أن رواية موسى بن عبيد متصلة، ورواية يحيى بن سعيد غير متصلة، فوصل أبي معاوية حديث يحيى بن سعيد يكون خطأ. قوله [عصمني الله بشيء سمعته إلخ] الباء للسببية. قوله [فلما قدمت (٢) عائشة] وكأنها كانت هي الأميرة عليهم.\n_________\n(١) أما على التوجيه الأول وهو عدم الفوز فظاهر، وأما على الثاني يعني أن الفتنة لا تعم الكل فالصحابة داخلون في الاستثناء، وكذلك في ما تقدم من كلام القارئ لا يدخل الصحابة في الشرار كما لا يخفى.\n(٢) ولفظ رواية البخاري عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي ﷺ أن فارسًا ملكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، قال الحافظ: نقل ابن بطال عن المهلب أن ظاهر حديث أبي بكرة يوهم توهين رأي عائشة فيما فعلت وليس كذلك لأن المعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة في طلب الإصلاح بين الناس ولم يكن قصدهم القتال، لكن لما انتشبت القتال لم يكن لمن معها بعد من المقاتلة، ولم يرجع أبو بكرة عن رأي عائشة وإنما تفرس بأنهم يغلبون لما رأى الذين مع عائشة تحت أمرها لما سمع في أمر فارس، قال: ويدل لذلك أن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم، وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك، فلما انتصر علي عليهم حمد أبو بكرة رأيه في ترك القتال معهم وإن كان رأيه موافقًا لرأي عائشة في الطلب يدم عثمان، انتهى كلامه، قال الحافظ: وفي بعضه نظر فقد أخرج البخاري في باب «إذا التقى المسلمان بسيفهما» من حديث الأحنف أنه كان خرج لينصر عليًا فلقيه أبو بكرة فنهاه عن القتال، وأخرج قبله بباب من قول أبي بكرة لما حرق ابن الحضرمي ما يدل على أنه كان لا يرى القتال في مثل ذلك أصلًا، فليس هو على رأي عائشة، ولا على رأي علي في جواز القتال بين المسلمين أصلًا، وإنما كان رأيه الكف وفاقًا لسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر وغيرهم، ولهذا لم يشهد صفين مع معاوية ولا علي، انتهى.","vol":"3","page":184},{"text":"قوله [فقد برئ] أي برأت ذمته فلا يسأل عنه، ومن سلم (١) فإنما هو سالم عن العذاب، ولعله يسأل عنه. قوله [أفلا نقاتلهم؟ قال: لا] هذا مثل ما تقدم (٢) من أن الرعية لا تكاد تقابل الجند فمنعهم من المقابلة والمقاتلة وإن استحق الأمير العزل أو انعزل على اختلاف فيه. قوله [من ترك منكم عشر\n_________\n(١) وفسر القارئ من أنكر أي من قدر أن ينكر بلسانه عليهم قبائح أفعالهم وأنكر فقد برئ من المداهنة والنفاق، ومن كره أي من لم يقدر على ذلك -ولكن أنكر بقلبه وكره ذلك- فقد سلم من مشاركتهم في الوزر والوبال، ثم لفظ مسلم في ذلك موافق للفظ الترمذي، وخالفهما لفظ حديث أبي داؤد، والظاهر هو لفظ الترمذي وغيره.\n(٢) أي قبيل باب الهرج تحت قوله ﷺ: اسمعوا وأطيعوا، قال القارئ: إنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عنوان الإسلام والفاروق بين الفكر والإيمان حذرًا من هيج الفتن واختلاف الكلمة، وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نكرهم والمصابرة على ما ينكرون منهم، انتهى.","vol":"3","page":185},{"text":"ما أمر به] المراد به الإخلاص فإنه مأمور به، قال الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وليس المراد به العبادات، وقد سبق تقريره فيم سبق (١). قوله [رايات سود] هؤلاء مقاتلة المهدي يقاتلون الدجال والمهدي يكون أميرًا (٢) عليهم.\n_________\n(١) في أبواب الجهاد قبيل «باب من خرج إلى الغزو وترك أبويه» ..\n(٢) كما يدل عليه ما في المشكاة برواية أحمد والبيهقي عن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ: إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فاتوها فإن فيها خليفة الله المهدي، قال القارئ: أي نصرته وإجابته فلا ينافي أن ابتداء ظهور المهدي إنما يكون في الحرمين الشريفين.","vol":"3","page":186},{"text":"أبواب الرؤيا (١) عن رسول الله ﷺ\n_________\n(١) قال الحافظ: هي ما يراه الشخص في منامه، وهي على وزن «فعلي» وقد تسهل الهمزة، وقال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء، وقال الراغب: الرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر، وتطلق على ما يدرك بالتخيل نحو أرى أن زيدًا مسافرًا، وعلى التفكر النظري نحو إني أرى ما لا ترون، وعلى الرأي، وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن، وقال القرطبي في المفهم قال بعض العلماء: وقد تجئ الرؤيا بمعنى الرؤية كقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ فزعم أن المراد بها ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإسراء جميعه في اليقظة، وعكسه بعضهم فزعم أنه حجة لمن قال: إن الإسراء كان منامًا، والمعتمد الأول، وقد تقدم في تفسير الإسراء قول ابن عباس إنها رؤيا عين، قال ابن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي حقيقتها، وإما بكناها أي عبارتها، وإما تخليط ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق في قصد، وقد تأتي مترسلة غير محصلة، وقال أبو بكر بن الطيب: إنها اعتقادات لما أن الرائي قد يرى نفسه بهيمة مثلًا، وليس هذا إدراكًا فوجب أن يكون اعتقادًا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد، قال ابن العربي: والأول أولى وما ذكره ابن الطيب من قبيل المثل فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات، وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ولا يقوم عليه برهان، وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت أقوالهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جوزه العقل لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط، ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجرى في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشد فسادًا من الأول لكونه تحكمًا لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجرى في العالم العلوي الأعراض والأعراض لا ينتقش فيها، قال: والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك، فيقع بعدها ما يسر أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضر، والعلم عند الله، ونقل القرطبي عن بعض أهل العلم أن لله ملكًا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورة محسوسة فتارة تكون أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة، وتكون في الحالين مبشرة ومنذرة، وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله أعلامًا على ما كان وما يكون إلى آخر ما بسطه الحافظ.","vol":"3","page":187},{"text":"قوله [إذا اقترب الزمان] قيل (١) زمان الساعة، وقيل زمان الصبح،\n_________\n(١) اختلفوا في معنى الحديث على أقوال بسطها شراح البخاري، اكتفى الشيخ على بعضها اختصار فقيل: وقت استواء الليل والنهار أيام الربيع، فذلك وقت اعتدال الطبائع غالبًا، وقيل: المراد من اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة، ذكر هذين المعنيين الخطابي، قال ابن بطال: الصواب الثاني، وقال الداؤدي: المراد بتقارب الزمان نقص الأيام والليالي بسرعة مرورها وذلك قرب قيام الساعة، وقيل: المعنى الرؤيا في آخر الزمان لا تحتاج إلى التعبير فلا يدخلها الكذب، والحكمة فيه أن المؤمن إذ ذاك يكون غريبًا كما في الحديث بدء الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فيقل أنيس المؤمن إذ ذاك، فيكرم الله تعالى بالرؤيا الصادقة، وقيل: المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل، وكثرة الأمن، وقيل: المراد زمان الطائفة الباقية مع عيسى بعد قتله الدجال، مأخوذ من العيني زاد القارئ على بعضها، ويمكن أن يراد به زمن الدجال وأيام يأجوج ومأجوج فإنه من كثرة التعب والآلام وعدم الشعور بأزمنة الليالي والأيام تتقارب أطرافه في الأعوام، وأيضًا يحتاج المؤمن حينئذ إلى ما يستدل به على مطلوبه، ويستأنس به في طريق محبوبه فيعان له بجزء من أجزاء النبوة، انتهى. وسيأتي قريبًا قوله ﷺ في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب.","vol":"3","page":188},{"text":"أي رؤيا آخر الليل، وقيل: إذا استوى الليل والنهار فإن الملوين حينئذ لا يطول أحدهما على الآخر.\nقوله [وأصدقهم رؤيا إلخ] [لتأثير (١) صدق ظاهره في باطنه\n_________\n(١) قال النووي: ظاهره أنه على إطلاقه، وحكى القاضي عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم، وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعله الله جابرًا وعوضًا ومنبهًا لهم، والأول أظهر لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه، وحكايته إياها. انتهى. قال الحافظ: وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وقوى إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا، وقد يندر المنام أحيانًا فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم، انتهى.","vol":"3","page":189},{"text":"وصدقه في كلامه في تصديقه في منامه.\nقوله [جزء من ستة وأربعين جزءًا] ووجه (١) ذلك انحصار زمان نبوته ﷺ\n_________\n(١) اختلفوا في توجيه الحديث على أقاويل كثيرة بسطها شراح الحديث لا سيما الحافظ في الفتح، وما أفاده الشيخ من التوجيه حكاه الخطابي عن بعض العلماء كما قاله النووي، وما أورد عليه الخطابي أجاب عنه الحافظ، وحكى الشيخ في البذل قال التاج بن مكتوم في تذكرته: هذا من أحسن التنزيل على هذا اللفظ وأقرب مأخذًا مما قيل في ذلك، انتهى. وسيأتي بعض الأقوال الآخر قريبًا على هامش قوله جزء من أجزاء النبوة، ثم التقييد بقوله رؤيا المسلم لإخراج الكافر، وجاء مقيدًا بالصالح تارة وبالصالحة وبالحسنة وبالصادقة، فيحمل المطلق على المقيد، وهو الذي يناسب حاله حال النبي فيكرم بما أكرم به النبي، وهو الاطلاع على شيء من الغيب، فأما الكافر والمنافق والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات فإنها لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في شيء ما يكون خبره ذلك نبوة، فقد يقول الكاهن كلمة حق، وقد يحدث المنجم فيصيب، لكن كل ذلك على الندر والقلة، قاله الحافظ في الفتح، وقال أيضًا في موضع آخر: قال ابن العربي رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة، وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزائها. وقيل: تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلًا، وقال القرطبي: المسلم الصالح الصادق هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤيا هم أحيانًا فذلك كما يصدق الكذوب، وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة، كالكاهن والمنجم، ولفظ الرجل ذكر للغالب فلا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، قاله ابن عبد البر، انتهى.","vol":"3","page":190},{"text":"في ثلاث وعشرين سنة، وكانت رؤياه ستة أشهر هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من ثلاث وعشرين سنة، وقد اختلفت الروايات (١) في ذلك فقد ورد في بعض منها جزء من أربعين جزءًا إلى غير ذلك، ووجه الجمع اختلاف أحوال الرجال إخلاصهم، وتفاوتهم في صدق نياتهم.\nقوله [ولا يحدث (٢) به الناس] فإن لتقاولهم فيما بينهم وتذاكرهم لها أثرًا في وسوسة القلب، فيستقر بذلك، وأما إذا لم يذكرها لهم ونفل وأعرض ثم\n_________\n(١) وقد جمعها الحافظ وقال: جملة ما ورد من العدد في ذلك عشرة وهي: ٢٦ - ٤٠ - ٤٤ - ٤٥ - ٤٦ - ٤٧ - ٤٩ - ٥٠ - ٧٠ - ٧٦ - ثم قال: وأصحها مطلقًا الأول، وقد ورد أيضًا ٢٤ - ٧٢ - ٤٢ - ٢٧ - ٢٥ - فبلغت على هذه الروايات خمسة عشر لفظًا، ثم بسط الكلام على توجيه الحديث.\n(٢) قال الحافظ: فحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره، وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة ستة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها وشر الشيطان، وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثًا، ولا يذكرها لأحد أصلًا، وأن يصلي ويتحول عن جنبه الذي كان عليه، ورأيت في بعض الشروح ذكر سابعة وهي قرأة آية الكرسي ولم يذكر لذلك مستندًا، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة: ولا يقربنك شيطان فيتجه، وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة، انتهى مختصرًا. ثم قال: وقد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور، ثم بسطها فأرجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته، ويحتمل أن يكون لمخالفة اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها لأنها قد تبطئ، فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعبها وتخويفها، ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرًا حسنًا أو الرجاء في أنها من الأضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه، انتهى. وقال النووي: ولا يحدث بها أحدًا فسببه أنه ربما فسرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملًا فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى، فإن الرؤيا على رجل طائر، ومعناه أنها إذا كانت محتملة وجهين، ففسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة، انتهى.","vol":"3","page":191},{"text":"حوقل بعد ذلك واستغفر فإنه ليس مما يستقر في القلب بعد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>[باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات]</span>\n. قوله [فشق ذلك على الناس] لكونهم استيقنوا بقائهم في عمه (١) من الأمر وغمة من الجهل، لا ينذر أحد على سيئاته ولا يبشر على حسناته، فصاروا كالحبارى (٢) في الصحارى، فدفعه النبي ﷺ فقال: لكن المبشرات (٣) على زنة الفاعل من باب التفعيل أو مصدر ميمي من المجرد\n_________\n(١) قال المجد: العمه محركة التردد في الضلال والتبحير في منازعة أو طريق أو أن لا يعرف الحجة. انتهى.\n(٢) طائر معروف تقدم ذكره في الأطعمة يضرب به المثل في الحمق يقال: فلان أبله من الحبارى، فقد قيل: إن أنثاه إذا فارقت بيضها تذهل عنه، فتحضن بيض غيرها.\n(٣) وبالأول ضبطه عامة الشراح، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب فإن من الرؤيا ما تكون منذرة، وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعها، كذا في المرقاة.","vol":"3","page":192},{"text":"بفتح الميم وكسر الشين. قوله [جزء من أجزاء النبوة] أي (١) خصلة من\n_________\n(١) قال الحافظ: وقد استشكل كون الرؤيا جزءًا من النبوة مع أن النبوة انقطعت بموت النبي ﷺ فقيل في الجواب: إن وقعت الرؤيا من النبي ﷺ فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز، وقال الخطابي قيل: معناه أن الرؤيا تجئ على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة، وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق، وتعقب بقول مالك أنه سئل أيعبر بالرؤيا كل واحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب، ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يلعب بالنبوة، والجواب أنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم، وقال ابن بطال: كون الرؤيا جزءًا من النبوة مما يستعظم ولو كانت جزءًا من ألف جزء فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الأنباء، وهو الإعلام لغة، فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا للنبوة في صدق الخبر، وقال المازري: يحتمل أن يراد بالنبوة في هذا الحديث الخبر بالغيب لا غير، وإن كان يتبع ذلك إنذار أو تبشير، فالخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة، وهو غير مقصودة لذاته، وقال ابن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي ﷺ أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيه اطلاعًا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفة درجة النبوة، وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلًا فقد جعل الله للعالم حدًا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلًا، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلًا، وهذا من هذا القبيل، انتهى.","vol":"3","page":193},{"text":"خصال النبي وكمال من كماله.\nقوله [يراها المسلم أو ترى له] أما الأول فكأن يرى نفسه في خير أو غيره ففي ذلك فضل لمن رآه ظاهر، وأما للرائي ففضل أيضًا لكونه قد رأى خيرًا، وإن رأى لآخر، وأما الثاني أي ترى له ففيه فضل ظاهر لمن رآه الرائي في خير، وأما الرائي فله في ذلك بشارة أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>[باب قول النبي ﷺ: من رآني في المنام </span>(١) إلخ] ذهب المتقدمون إلى أن ذلك حيث\n_________\n(١) اختلفت الروايات في هذا الحديث، ولفظ حديث الباب: من رآني في المنام فقد رآني، وفي روايات: فقد رأى الحق، وفي أخرى فسيراني، وبسط الحافظ الكلام على هذا الحديث، وذكر للسياق الثالث ستة معان، وقال النووي: اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ: فقد رآني فقال ابن الباقلاني: معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث، ولا من تشبيهات الشيطان، ويؤيده قوله: فقد رأى الحق أي الرؤية الصحيحة، قال: وقد يراه الرائي خلاف صفته المعروفة كمن رأه أبيض اللحمة، وقد يراه شخصان في زمن واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، ويراه كل منهما في مكانه، وحكى المازري هذا عن ابن الباقلاني، ثم قال: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره والمراد من رآه فقد أدركه، ولا مانع يمنع من ذلك، والعقل لا يحيله حتى يضطر إلى صرفه عن ظاهره، فأما قوله: بأنه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين معًا، فإن ذلك غلط في صفاته، وتخيل لها على خلاف ما هي عليه، وقد يظن الظان بعض الخيالات مرئيًا لكون ما يتخيل مرتبطًا بما يرى في العادة فتكون ذاته مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي مدفونًا في الأرض، ولا ظاهرًا عليها، وإنما يشترط كونه موجودًا، ولم يقم دليل على فناء جسمه ﷺ، بل جاء في الحديث ما يقتضي بقاءه قال: ولو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصفات المتخيلة لا المرئية، هذا كلام المازري، وقال القاضي: ويحتمل أن يكون قوله ﷺ: فقد رآني إذا رآه على صفته المعروفة له في حياته، فإن رأى على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، كما ذكره المازري، انتهى كلام النووي، وقال القارئ: فكأنه قد رآني في عالم الشهود، ولكن لا يبتني عليه الأحكام لبصير به من الصحابة، وليعمل بما سمع به في تلك الحالة، كما هو مقرر في محله، وقيل: أراد به أهل زمانه، أي من رآني في المنام يوفقه الله تعالى لرؤيتي في اليقظة إما في الدنيا أو في الآخرة، ويدل عليه رواية: فسيراني، ولعل التعبير بصيغة الماضي تنزيلًا للمستقبل منزلة المحقق الواقع في الحال، وإن كان يقع في المآل، وقيل: يراه في الآخرة على وفق منامه بحسب مقامه، وقيل: هو بمعنى الإخبار أي من رآني في المنام فأخبروه بأن رؤيته حقيقة ليست بأضغاث أحلام، انتهى. وقد أخرج البخاري عن ابن سيرين قال: إذا رآه في صورته، قال الحافظ: روينا هذا التعليق موصولًا عن أيوب قال: كان محمد يعني ابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح، ويؤيده ما أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب حدثني أبي قلت لابن عباس: رأيت النبي ﷺ في المنام قال: صفه لي قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته قال: قد رأيته، وسنده جيد، ويعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعًا: من رآني في المنام فقد رآني فإني أرى في كل صورة، وفي سنده صالح مولى التوأمه وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط، ويمكن الجمع بينهما بما قال ابن العربي: رؤية النبي ﷺ على صفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، إلى آخر ما بسطه الحافظ في الفتح بما لا مزيد عليه، انتهى.","vol":"3","page":194},{"text":"وآه في الحلية التي هي حلية آخر عمره ﷺ، وقال الآخرون: بل كل حلية النبي ﷺ سواء كان حلية آخر عمره أو غير ذلك، وذهب المتأخرون وهو الحق (١) إلى أن الرائي لما رآه ﷺ في أي حلية كانت وعلم بالقرائن أنه النبي ﷺ فهو هو لا غيره، سواء رآه على حليته المنقولة عنه أولًا (٢) والاختلاف فيه حينئذ يرجع إلى اختلاف حال الرائي بحسب إيمانه ونياته وأموره الباطنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>[باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع]</span>\nقوله [فإنها لا تضره] أي يذهب بذلك وسواسه (٣) وإلا فالمقدور كائن لا محالة إن كان الذي رآه حقًا مطابقًا\n_________\n(١) ففي البذل عن فتح الودود: قيل هذا مختص بصورته المعهودة فيعرض على الشمائل الشريفة المعلومة فإن طابقت الصورة المرئية تلك الشمائل فهي رؤيا حق، وإلا فالله تعالى أعلم بذلك، وقيل: بل في أي صورة كانت، وقد رجحه كثير بأن الاختلاف إنما يجئ من أحوال الرائي، انتهى.\n(٢) نسبة الحلية إليه ﷺ باعتبار ما هو المعروف عند أهل الفن أن روايات الحلية مرفوعة، قال الحافظ ابن حجر: الأحاديث الواردة في صفته ﷺ من قسم المرفوع اتفاقًا مع كونها ليست قولًا له، ولا فعلًا ولا تقريرًا، قاله المناوي.\n(٣) قال الحافظ: استدل به على أن للوهم تأثيرًا في النفوس، لأن التفل وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه، انتهى. وقال أيضًا في حديث أبي سعيد رفعه إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان الحديث، ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشتمل على شيء مما يكرهه الرائي، ويؤيده مقابلة رؤيا البشرى بالحلم، وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التعبير ومن تبعهم أن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى، وقد تكون إنذارًا نظر لأن الإنذار غالبًا يكون فيما يكره الرائي، ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه، وبأن المراد بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا، ومما نعبر به، قال القرطبي: ظاهر الخير أن هذا النوع من الرؤيا يعني ما كان فيه تهويل أو تخويف أو تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه، لأنه من تخيلات الشيطان، فإن استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة أذهب الله عنه ما به، وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء، وقيل: بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي يتناول ما تسبب به الشيطان، وما لا تسبب له فيه، وفعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه كما جاء أن الدعاء يدفع البلاء، والصدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، لكن الاسباب عادات لا موجودات، انتهى.","vol":"3","page":196},{"text":"للواقع، وغير المقدور غير واقع لا محالة. قوله [إلا لبيبًا أو حبيبًا] لأن (١)\n_________\n(١) قال أبو إسحق في قوله لا تقصها إلا على واد أو ذي رأي: الواد الذي لا يحب أن يستقبلك في تعبيرها إلا بما تحب، وإن لم يكن عالمًا بالعبارة فلا يعجل لك بما يغمك، لا أن تعبيرها يزيلها عما جعلها الله عليه، وأما ذو الرأي فمعناه ذو العلم بعبارتها وأنه يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها، فلعله أن يكون في تفسيره موعظة يردعك عن قبيح أنت عليه، أو يكون فيه بشرى فتشكر الله ﷿ على النعمة فيها، كذا في البذل.","vol":"3","page":197},{"text":"الحبيب لمحبته إياك واللبيب للبه لا يقول إلا خيرًا فيسرك، وإن كان غير ذلك عبر بما يضرك فيسوءك\nقوله [وهي على رجل طائر] قال الأستاذ أدام الله علينا ظلال جلاله وأفاض علينا بركات أفضاله: لا يناسب ههنا تقرير الشراح وأصحاب الحواشي (١) لكثرة ما يرد عليه من الشبهات والغواشي، ولعل مراده ﷺ بكونه على رجل طائر أن صاحبه لا يكون منه استقرار على أمر ما محصل، وإنما يتخلج في نفسه تعبير لرؤياه، ثم يبدو له ثان وثالث، فيأخذ في تغليظ ما فهم أولًا وهكذا، فكأن رؤياه على رجل طائر فلا يستقر على مقر، حتى إذا عبره أول المعبرين رسخ قوله في قلبه لعدم المزاحم كما يظهر بالتأمل في قاعدة أصحاب المعاني من أن خالي الذهن عن الحكم والتردد لا يحتاج في الإخبار له إلى توكيد، وهذا هو المعبر عنه بقوله ﷺ: سقطت أي استقرت على مستقر، وقرت في مقر، حتى أن إزالته عن القلب لا يمكن إلا بعد معالجة زائدة. قوله [وكان يقول] هذا يحتمل (٢) كونه من\n_________\n(١) ففي الحاشية عن المجمع: على رجل طائر أي على رجل قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر، وإنه هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو شيء تجري لك هو طائر، يعني أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت حين عبرت، كما يسقط ما يكون على رجل طائر بأدنى حركة، انتهى. وفي البذل: قال الخطابي: هذا مثل ومعناه أنه لا يستقر قرارها ما لم يعبر، انتهى.\n(٢) رويت الرواية بألفاظ مختلفة في كتب الروايات، ولفظ البخاري في «باب القيد في المنام» بسنده إلى عوف عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب، قال محمد: وأنا أقول هذه، قال: وكان يقال الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل، قال: وكان يكره الغل في النوم وكان يعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين، ورواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأدرجه بعضهم كله في الحديث، وحديث عوف أبين، وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ، انتهى. وبسط شراح البخاري سيما الحافظان ابن حجر والعيني في شرح كلام البخاري، وبسطًا في ذكر من وقف ووصل أجزاء الرواية، والاحتمالات الثلاثة التي ذكرها الشيخ حكاها الحافظ ابن حجر عن الطيبي وغيره، ثم بسط طرق الرواية وذكر في جملتها حديث الترمذي هذا، وقال: هذا ظاهر في أن الأحاديث كلها مرفوعة، وقال قال القرطبي: هذا الحديث وإن اختلف في رفعه ووقفه فإن معناه صحيح لأن القيد في الرجلين تثبيت للمقيد في مكانه، فإذا رآه من هو على حالة كان ذلك دليلًا على ثبوته على تلك الحالة، وأما كراهة الغل فلأن محله الأعناق نكالًا وعقوبة وقهرًا وإذلالًا، وقد يسحب على وجهه ويخر على قفاه فهو مذموم شرعًا وعادة، انتهى. فقد ورد في الآيات الكثيرة الأغلال في أعناق الكفار، قال القارئ: وفيه إيماء أيضًا على اختيار الخلوة وترك الجلوة كما هو شأن أرباب العزلة من ترك الخروج بالأقدام، وكره الغل لأنه صفة أهل النار، وأيضًا الرقبة مستثقلة بالذمة من حقوق الله وغيره، فهو تقييد للعنق بتحمل الدين أو المظالم، انتهى.","vol":"3","page":198},{"text":"كلامه ﷺ، ومن كلام أبي هريرة، ومن كلام ابن سيرين، إلا أنه ثبت بإسناد آخر كونه مرفوعًا فالحمل عليه هو الأولى.","vol":"3","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>[باب الذي في يكذب في حلمه </span>(١)] قوله [كلف يوم القيامة عقد شعيرة] وجه ذلك (٢) أنه أخبر بالمحال فيكلف المحال، ففي الكذب في الرؤيا زيادة نسبة إلى\n_________\n(١) وافق المصنف في ذلك تبويب البخاري إذ بوب في صحيحه «باب من كذب في حلمه» أي باب في إثم الذي يكذب، والحلم بضم المهملة وسكون اللام ما يراه النائم، قال الحافظ: وحديث على هذا سنده حسن، وقد صححه الحاكم، ولكنه من رواية عبد الأعلى بن عامر ضعفه أبو زرعة، انتهى.\n(٢) ولفظ البخاري بسنده إلى ابن عباس مرفوعًا: من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعرتين ولن يفعل، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ، قال الحافظ: ومعنى العقد بين الشعرتين أن يفتل إحداهما بالأخرى، وهو مما لا يمكن عادة، ومناسبة الوعيد المذكور للكاذب في منامه وللمصور أن الرؤيا خلق من خلق الله، وهي صورة معنوية فأدخل بكذبه صورة لم تقع، كما أدخل المصور في الوجود صورة ليست بحقيقية، لأن الصورة الحقيقية هي التي فيها الروح، فكلف صاحب الصورة اللطيفة أمرًا لطيفًا، وهو الاتصال المعبر بالعقد بين الشعرتين، وكلف صاحب الصورة الكثيفة أمرًا شديدًا، وهو أن يتم ما خلقه بزعمه بنفخ الروح، ووقع وعيد كل منهما بأنه يعذب حتى يفعل ما كلف به، وهو ليس بفاعل، فهو كناية عن تعذيب كل منهما على الدوام، وقال أيضًا قال المهلب: في قوله كلف أن يعقد بين شعرتين حجة الأشعرية في تجويزهم تكليف ما لا يطاق، ومثله في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ وأجاب من منع ذلك بقوله تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وحملوه على أمور الدنيا وحملوا الآية والحديث المذكورين على أمور الآخرة، انتهى. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها، والحق أن التكليف المذكور في قوله: كلف أن يعقد ليس هو التكليف المصطلح، وإنما هو كناية عن التعذيب كما تقدم، انتهى.","vol":"3","page":200},{"text":"غيره من الكذبات، وهو أنه لما كان جزء من النبوة كان الكذب فيه خيانة في التبليغ وهي أشد، وفيه دعوى (١) أنه تعالى ألقى إلي وألهمني مع أنه لم يلق ولم يلهم. قوله [ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب] هذا (٢) لا يشير إلى أبي بكر بشيء حتى يجاب عنه، فإن علوم الصحابة وكذا غيرهم من أمته ﷺ إنما هي من علومه، وليس في ذلك الحديث مقدار علمه أو مرتبته في العلم بين الصحابة ومزيته عليهم فيه، حتى يحتاج إلى الجمع بينه وبين روايات أعلمية أبي بكر.\n_________\n(١) قال الحافظ: أما الكذب في المنام، فقال الطبري: إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه، إذ قد تكون شهادة في قتل، أوحد أو أخذ مال، لأن الكذب في المنام كذب على الله تعالى أنه أراده ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، لقوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية، وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله لحديث الرؤيا جزء من النبوة، وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى، انتهى ملخصًا.\n(٢) لله در الشيخ ما أجاد ولم تبق إذًا فاقة إلى توجيهات ذكرها الشراح، ووجه الحافظ بتوجيه آخر، فقال: ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي، وفي الحديث فضيلة عمر وأن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها، وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي لكن منها ما يحتاج إلى تعبير، ومنها ما يحمل على ظاهره، والمراد بالعلم ههنا العلم بسياسة الناس، بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمان، فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له، فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافًا، والفتن إلا انتشارًا، انتهى. وقال القارئ: قال العلماء بين عالم الأجسام وعالم الأرواح عالم آخر يقال له عالم المثال، والنوم سبب لسير الروح في عالم المثال ورؤية ما فيه من الصور غير الجسد، والعلم مصور بصور اللبن في ذلك العالم بمناسبة أن اللبن أول غذاء البدن وسبب صلاحه، والعلم أول غذاء الروح وسبب صلاحه، وقيل: التجلي العلمي لا يقع إلا في أربع صور، الماء، واللبن، والخمر، والعسل، تناولتها آية فيها ذكرت أنهار الجنة فمن شرب الماء يعطي العلم اللدني، ومن شرب اللبن يعطي العلم بأسرار الشريعة، ومن شرب الخمر يعطي العلم بالكمال، ومن شرب العسل يعطي العلم بطريق الوحي، وقد قال بعض العارفين: إن الأنهار الأربعة عبارة عن الخلفاء، ويطابقه تخصيص اللبن بعمر في هذا الحديث، انتهى.","vol":"3","page":201},{"text":"قوله [رأيت الناس إلخ] لا يذهب عليك أن اللام فيه ليس للاستغراق بل المراد بذلك بعض من أمته ليس (١) فيه أبو بكر.\n_________\n(١) على أنه ليس في الحديث كلمة حصر، وتخصيص يخرج غيره، وقد قال الحافظ: والجواب تخصيص أبي بكر من عموم قوله عرض على الناس، فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وإن كون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، فلعله كان كذلك إلا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر فاقتصر عليها، قال القارئ: قوله ومنها ما دون ذلك، أي قمص أقصر منه أو أطول منه أو أعم، بناء على أن دون ذلك بمعنى غير ذلك، لقوله تعالى ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ وفي فتح الباري: يحتمل أن يريد دونه من جهة السفل وهو ظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي من طريق آخر عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث: فمنهم من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان إلى إنصاف ساقيه، وقوله الدين بالنصب أي أولته الدين، وفي نسخة بالرفع أي المؤول به الدين، والمعنى يقام الدين في أيام خلافته مع طول زمان إمارته وبقاء أثر فتوحاته، أو لأن الدين يشيد الإنسان ويحفظه ويقيه المخالفات كوقاية الثوب وشموله، قال النووي: القميص الدين، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة وسنته الحسنة في المسلمين، انتهى. قلت: ومما يشير إلى أن أبا بكر لا يذكر في هذه المواضع لما أنه يفوق منها بمراحل ما أخرجه صاحب المشكاة برواية رزين عن عائشة قالت: بينا رأس رسول الله ﷺ في حجري في ليلة ضاحية إذ قلت: يا رسول الله هل يكون لأحد من الحسنات عدد نجوم السماء؟ قال: نعم عمر، قلت: فأين حسنات أبي بكر؟ قال: إنما جميع حسنات عمر كحسنة واحدة من حسنات أبي بكر.","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>[باب ما جاء في رؤيا النبي ﷺ في الميزان والدلو]</span>\nإنما قال ذلك مع أن النبي ﷺ لم ير شيئًا في الميزان هو مذكور ههنا كما يتضح بالنظر في الأحاديث الآتية (١) (بياض في الأصل). قوله [فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ] قال الأستاذ أدام الله بره على الوافدين وغمر بالمنة الصادرين منهم والواردين:\n_________\n(١) بياض في الأصل، ولا أدري هل سقط ههنا شيء في النقل أو لم يتفق للشيخ نور الله مرقده كتابته، ولعله أراد إشارة إلى ما ورد عن رؤيا ﷺ في الميزان: فقد قال القارئ: أخرج أحمد في مسنده عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: رأيت قبل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهي المفاتيح، وأما الموازين فهي التي يوزن بها، ووضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجحت، ثم جيء بأبي بكر فوزن بهم فرجح، ثم جيء بعمر فوزن بهم فرجح الحديث.","vol":"3","page":203},{"text":"لا أدري ماذا قالوا (١) ههنا في وجه الكراهية وليست أحصله، فإن قولهم لم يكن بينهما معادلة فيه نقض ظاهر، وعدول عن الحق باهر، أفلست ترى أن ما بين عثمان وعلي كما بين أبي بكر وعمر وهكذا، فلا معنى لنفي ما يوازن رأسًا كما ارتكبوا (٢)\n_________\n(١) قال القارئ: أحزن النبي ﷺ ما ذكر الرجل من رؤياه، وذلك لما علم ﷺ من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر، ومعنى رجحان كل من الآخر في الميزان أن الراجح أفضل من المرجوح، وإنما لم يوزن عثمان وعلي لأن خلافة علي على اختلاف الصحابة، فرقة معه وفرقة مع معاوية، فلا تكون خلافة مستقرة متفقًا عليها، ذكره ابن الملك، وقال التوربشتي: إنما ساءه -والله أعلم- ما عرفه من تأويل رفع الميزان، فإن فيه احتمالًا لانحطاط رتبة الأمر في زمان. القائم به بعد عمر عما كان عليه من النفاذ والاستعلاء والتمكن بالتأييد، ويحتمل أن يكون المراد من الوزن موازنة أيامهم لما كان نظر فيها من رونق الإسلام وبهجته، ثم إن الموازنة تراعي في الأشياء المتقاربة مع مناسبة فيظهر الرجحان، فإذا تباعدت كل التباعد لم يوجد للموازنة معنى فلهذا رفع الميزان، انتهى.\n(٢) كما تقدم في آخر كلام القارئ، وهكذا حكاه المحشي عن اللمعات إذ قال: إن الموازنة إنما يراعي في أشياء متقاربة مع مناسبة ما، فإذا تباعدت كل تباعد لم يوجد للموازنة معنى فلذا رفع الميزان، انتهى.","vol":"3","page":204},{"text":"بل الحق عندي في وجه الكراهية أن النبي ﷺ حين تذكر بذكرة منامه ما يرد على أمته من الفتن والمصائب حزن لذلك (بياض) (١). قوله [عن رؤيا النبي\n_________\n(١) بياض ههنا في المنقول عنه، ولا أدري هل سقوط من الناقل أو من الشيخ بنفسه، ولا يبعد أن يكون ههنا شيء يتعلق بحديث ورقة، واختلف في إسلامه وصحبته، وظاهر حديث الباب، وكذا ظاهر حديث الوحي عند البخاري وغيره أنه مؤمن، قال القسطلاني تحت حديث الوحي: ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام فيكون مثل بحيرًا، وفي إثبات الصحبة له نظر لكن في زيادات المغازي من رواية يونس عن ابن إسحاق فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك نبي مرسل الحديث، وفي آخره: فلما توفى قال رسول الله ﷺ: لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه في الدلائل، وقال: إنه منقطع، ومال البلقيني إلى أنه يكون بذلك أول من أسلم من الرجال، وبه قال العراقي في نكته علي ابن الصلاح، وذكره ابن مندة في الصحابة، انتهى. قلت: وذكره الحافظ في القسم الأول من الإصابة، وذكر الاختلاف فيه، وقال العيني: قال الكرماني: إن قلت ما قولك في ورقة أيحكم بإيمانه؟ قلت: لا شك أنه كان مؤمنًا بعيسى ﵇، وأما الإيمان بنبينا فلم يعلم أن دين عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا، فلئن ثبت أنه كان منسوخًا في ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق، وهو صدقه من غير أن يذكر ما ينافيه، وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا ورقة فإنه كان له جنة أو جنتان، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرطهما، ثم ذكر العيني حديث الترمذي هذا وأجاب عن كلام المصنف في عثمان بالتقوية بما ورد في الباب.","vol":"3","page":205},{"text":"ﷺ وأبي بكر وعمر] معناه رؤيا النبي ﷺ نفسه وأبا بكر وعمر، فالإضافة فيه إلى المفعول، والفاعل متروك (١) الذكر.\nقوله [فيه ضعف والله يغفر له] وأما وجه (٢) الضعف فليس يرجع\n_________\n(١) هذا هو الظاهر في رواية الترمذي بلفظ: وأبي بكر بحرف العطف، بخلاف رواية البخاري بسنده إلى سالم عن أبيه عن رؤيا النبي ﷺ في أبي بكر وعمر، الحديث. ففي هذا السياق الإضافة إلى الفاعل، ونسخ الترمذي من الهندي والمصرية متظافرة على هذا السياق، أي على حرف العطف، قال الحافظ: قوله عن رؤيا النبي ﷺ كأنه تقدم للتابعي سؤال عن ذلك، فأخبره الصحابي، وفي الحديث (أي في سياق البخاري) اختصار يوضحه غيره، وإن النبي ﷺ بدأ أولًا فنزع في البئر، ثم جاء أبو بكر، انتهى بتغير.\n(٢) قال القارئ: قوله والله يغفر له جملة حالية دعائية وقعت اعتراضية مبينة أن الضعف الذي وجد في نزعه لما يقتضيه تغير الزمان وقلة الأعوان، غير راجعة إليه بنقيصة، وقال القاضي: لعل القليب إشارة إلى الدين الذي هو منبع ما به تحيا النفوس، ويتم أمر المعاش، ونزع الماء في ذلك إشارة إلى أن هذا الأمر ينتهي من الرسول إلى أبي بكر، ومنه إلى عمر، ونزع أبي بكر ذنوبًا أو ذنوبين إشارة إلى قصر مدة خلافته، وأن الأمر يكون بيده سنة أو سنتين، ثم ينتقل إلى عمر، وكان مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وضعفه فيه إشارة إلى ما كان في أيامه من الاضطراب والارتداد، أو إلى ما كان له من لين الجانب والمداراة مع الناس، ويدل عليه قوله غفر الله له، وهو اعتراض ذكره ﷺ ليعلم أن ذلك موضوع ومغفور عنه غير قادح في منصبه، وقال النووي: قوله في نزعه ضعف ليس فيه حط لمنزلته، ولا إثبات فضيلة عمر عليه، إنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها واتساعها، وقوله والله يغفر له ليس فيه نقص، ولا إشارة إلى ذنب، إنما هي كلمة كان المسلمون يزينون بها كلامهم، وقد جاء في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها، افعل كذا والله يغفر لك، انتهى. وقال الحافظ في الفتح: اتفق من شرح هذا الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى مدة خلافته، وفيه نظر، لأنه ولى سنتين وبعض سنة، فلو كان ذلك المراد لقال: ذنوبين أو ثلاثة، والذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار وهي ثلاثة، ولذلك لم يتعرض في ذكر عمر إلى ذكر ما نزعه من الدلاء، وإنما وصف نزعه بالعظمة إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات، وقوله في نزعه ضعف أي على أنه على مهل ورفق، وقوله والله يغفر له قال النووي: هذا دعاء من المتكلم، أي لا مفهوم له، وقال غيره: إشارة إلى قرب وفاة أبي بكر، وهو نظير قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ فإنها إشارة إلى قرب وفاة النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه لأن سببه قصر مدته، فمعنى المغفرة له رفع الملامة عنه، انتهى. والحديث ذكره البخاري في مناقب أبي بكر، ومال العيني إلى أن وجهه ذكره قبل عمر، وتقدمه عليه في النزع، قلت: أو لما أنه وقع له نظير ما وقع للنبي ﷺ من الإشارة بقرب الأجل كما تقدم، ففيه مناسبة تامة معه ﷺ.","vol":"3","page":206},{"text":"إلى نقص في فضل الصديق، بل السبب في ذلك ما كان في زمنه من تزلزل في الملك، وارتداد في الإسلام، حتى أن أمثال عمر -وكان علمًا في بأسه (١) ونجدته- قد كان تخوف كما يظهر بالمراجعة إلى كتب السير.\n_________\n(١) قال المجد: البأس العذاب، والشدة في الحرب بؤس ككرم، باسًا فهو بئيس شجاع، وقال: أيضًا النجد الشجاع الماضي فيما يعجز غيره، وقد نجد ككرم نجادة ونجدة، والذي أشار إليه الشيخ مشهور في كتب السير، فقد قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: أخرج الإسماعيلي عن عمر قال: لما قبض رسول الله ﷺ ارتد من ارتد من العرب، وقالوا: نصلي ولا نزكي، فأتيت أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم، فإنهم بمنزلة الوحش، فقال: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك، جبارًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام، بماذا عسيت أتألفهم، بشعر مفتعل أو بسحر مفتري، هيهات هيهات مضى النبي ﷺ وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالًا، قال عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأصرم، وأدب الناس على أمور هانت على كثيرة من مؤنتهم حين وليتهم، انتهى.","vol":"3","page":207},{"text":"قوله [في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب] ووجه (١) ذلك أن الغرائب والخوارق تظهر حينئذ إتمامًا للحجة، وإيقاظًا عن سنة الغفلة كتكلم\n_________\n(١) قال الحافظ: وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله ﷺ إذا اقترب الزمان إذا كان المراد به آخر الزمان ثلاثة أقوال: أحدها أن العلم بأمور الديانة لما يذهب غالبه بذهاب غالب أهله، وتعذرت النبوة في هذه الأمة عرضوا بالمرأى الصادقة ليجدد لهم ما قد درس من العلم، والثاني أن المؤمنين لما يقل عددهم، ويغلب الكفر والجهل والفسق على الموجودين يؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكرامًا له، وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين، بل كلما قرب فراغ الدنيا، وأخذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق، والثالث أن ذلك خاص بزمان عيسى بن مريم، وأولها أولاها، انتهى. قلت: والأوجه من الكل ما أفاده الشيخ.","vol":"3","page":208},{"text":"الفخذ والسوط إلى غير (١) ذلك من الفتن.\nقوله [كاذبين يخرجان من بعدي] أي بعد رؤيتي (٢) هذه، ووجه (٣)\n_________\n(١) فقد تقدم قريبًا عن أبي سعيد مرفوعًا: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الأنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده، انتهى.\n(٢) وهذا أوجه مما أول هذا الحديث النووي وغيره من شراح الحديث، وتوضيح ذلك أنه اختلفت الروايات في هذا اللفظ، فلفظ البخاري من حديث أبي هريرة: فأولتهما الكذابين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة، قال الحافظ: هذا ظاهر في أنهما كانا حين قص الرؤيا موجودين، وهو كذلك، لكن وقع في رواية ابن عباس يخرجان بعدي، والجمع بينهما أن المراد بخروجهما بعده ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة، نقله النووي عن العلماء، وفيه نظر لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته ﷺ، فأدعى النبوة، وعظمت شوكته، وحارب المسلمين، وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل في حياة النبي ﷺ، وأما مسيلمة فأدعى النبوة في حياة النبي ﷺ لكن لم تعظم شوكته، ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، فأما أن يحمل ذلك على التغليب، وإما أن يكون المراد بقوله بعدي أي بعد نبوتي، انتهى.\n(٣) اختلف في وجه هذا التعبير كما بسطه الحافظ، وما أفاده الشيخ أيضًا موجه، وقريب منه ما حكاه القارئ عن القاضي إذ قال: قال القاضي وجه تأويل السوارين بالكذابين المذكورين -والعلم عند الله- أن السوار يشبه قيد اليد والقيد فيها يمنعها عن البطش، ويكفها عن الاعتمال والتصرف على ما ينبغي، فيشابه من يقوم بمعارضته، ويأخذ بيده فيصده عن أمره، انتهى.","vol":"3","page":209},{"text":"التأويل المذكور أنهما قبضًا على يدي النبي ﷺ، وهما الجارحة والكاسبة، فكأنهما منعاه عن إشاعة دينه، ونشر نبوته، وطيرانهما بالنفخ هلاكهما من دون افتقار إلى فضل علاج.\nقوله [أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا] قد تفرقوا (١) في تبيين الخطأ على\n_________\n(١) اختلفوا في موضع الخطأ على أقوال ذكر الشيخ منها ثلاثة لشهرتها وكثرة قائليها، فقد قال الحافظ: قال الملهب موضع الخطأ قوله: ثم وصل له، لأن في الحديث: ثم وصل، ولم يذكر «له» وتعقبه الحافظ: بأن «له» ثابت في الروايات، ثم قال: والعجب من القاضي عياض فإنه قال في الإكمال: قيل خطؤه في قوله: فيوصل له، وليس في الرؤيا إلا أنه يوصل، وليس فيها «له»، ولذلك لم يوصل لعثمان، وإنما وصلت الخلافة لعلي، وموضع التعجب سكوته عن تعقب هذا الكلام مع كون هذه اللفظة ثابتة في صحيح مسلم الذي يتكلم عليه. ثم قال: وقيل الخطأ ههنا بمعنى الترك. أي تركت بعضًا لم تفسره، وقال الإسماعيلي: قيل السبب في قوله أخطأت بعضًا أن الرجل لما قص على النبي ﷺ رؤياه كان النبي ﷺ أحق بتعبيرها من غيره، فلما طلب تعبيرها كان ذلك خطأ، والمراد بقوله قيل ابن قتيبة فإنه القائل بذلك، ووافقه على ذلك جماعة، وتعقبه النووي تبعًا لغيره فقال: هذا فاسد لأنه ﷺ قد أذن له ذلك، قال الحافظ: مراد ابن قتيبة أنه لم يأذن له ابتداء، بل بادر هو بالسؤال، لكن في إطلاق الخطأ على ذلك نظر لأنه خلاف ما يتبادر من جواب قوله: هل أصبت؟ فإن الظاهر أنه أراد الإصابة والخطأ في التعبير، ومن ثم قال ابن التين ومن بعده: الأشبه بظاهر الحديث أن الخطأ في تأويل الرؤيا، قال الحافظ: ويؤيده تبويب البخاري حيث قال: من لم يرد الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، وقال ابن هبيرة: إنما كان الخطأ لكونه أقسم ليعبرنها بحضرة النبي ﷺ، ولو كان الخطأ في التعبير لم يقره عليه، وقال ابن التين: قيل أخطأ لكون المذكور في للرؤيا شيئين العسل، والسمن، ففسرهما بشيء واحد، وكان ينبغي أن يفسرهما بالقرآن والسنة، ذكر لك عن الطحاوي وحكاه الخطيب عن أهل العلم بالتعبير، وجزم به ابن العربي فقال: قالوا ههنا وهم أبو بكر فإنه جعل السمن والعسل معنى واحدًا، وهما معنيان القرآن والسنة، قال: ويحتمل أن يكون السمن والعسل العلم والعمل، ويحتمل أن يكونا الفهم والحفظ، وقيل: المراد بقوله اخطأت وأصبت أن تعبير الرؤيا مرجعه الظن، والظن يخطئ ويصيب، وقيل: الخطأ في خلع عثمان لأنه في المنام رأى أنه آخذ بالسبب فانقطع به، وذلك يدل على انخلاعه بنفسه، وتفسير أبي بكر بأنه يأخذ به رجل فينقطع به ثم يوصل له، وعثمان قد قتل قهرًا، ولم يخلع نفسه، فالصواب أن يحمل وصله على ولاية غيره، وقد اختلف في تفسير القطع، فقيل: معناه القتل. وأنكره ابن العربي إذ لو كان كذلك لشاكه عمر، لكن قتل عمر لم يكن بسبب العلو، بل بجهة عداوة مخصوصة، وقتل عثمان كان من الجهة التي علا بها، وهي الولاية فلذلك جعل قتله قطعًا، وقال ابن العربي: أخبرني أبي أنه قيل: وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول هو الظلة، والسمن والعسل القرآن والسنة، وقيل: وجه الخطأ أنه جعل السبب الحق وعثمان لم ينقطع به الحق، وإنما الحق أن الولاية كانت بالنبوة، ثم صارت بالخلافة فاتصلت لأبي بكر وعمر، ثم انقطعت بعثمان لما كان ظن به، ثم صحت براءته فأعلاه الله ولحق بأصحابه، قال: وسألت بعض الشيوخ العارفين عن تعيين الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر فقال: من الذي يعرفه؟ ولئن كان تقدم أبي بكر بين يدي النبي ﷺ للتعبير خطأ، فالتقدم بين يدي أبي بكر لتعيين خطأه أعظم وأعظم، فالذي يقتضيه الدين والحزم الكف عن ذلك، قلت: وهذا الأخير هو الوجه عندي، قال الحافظ: وجميع ما تقدم من لفظ الخطأ والتوهم وغيرهما إنما أحكيه عن قائليه، ولست راضيًا بإطلاقه في حق الصديق، وقال الكرماني: إنما أقدموا على تبيين ذلك مع كون النبي ﷺ لم يبينه لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة إذ ذاك فزالت بعده، مع أن جميع ما ذكروه إنما هو بطريق الاحتمال، ولا جزم في شيء من ذلك، انتهى ما في الفتح.","vol":"3","page":210},{"text":"ثلاثة أقوال، والظاهر أن الثلاثة بأسرها لا تصح، أما الذي قالوا من أن الخطأ","vol":"3","page":211},{"text":"تعبير السمن والعسل بالقرآن، وحقهما أن يعبرا بالكتاب والسنة، ففيه أن الكتاب والسنة كأنهما شيء واحد فإن الكتاب تبيان لكل شيء، وإنما السنة تظهره، أو يقال: إن الكتاب والسنة كلاهما وحي، وإنما التفاوت في التلاوة، فهذا لا يستلزم التخطية، وأما قولهم: إن الخطاء إقدامه للتعبير فليس بشيء، لأنه بعد الإجازة لا يسمى خطأ، وأما قولهم: إن الخطأ تركه تعيين الرجال فهذا لا يسمى خطأ، وإنما هو تقصير في بيان المرام، وإجمال في سوق الكلام، بل الأوجه في توجيه الخطأ أن يقال: إن قول الرائي: ثم أخذ به رجل فقطع به، ثم وصل له فعلًا به، كان محتاجًا إلى تعبير، ولم يكن على ظاهره من أن الرجل المقطوع له هو الذي يوصل له الحبل، بل الموصول له إنما هو نائبه وخليفته، وعبر عنه في منامه عنه لأن فعله فعله، وأما أبو بكر فعبره على ظاهره.\nقوله [لا تقسم] لأن الاستحسان (١) في بره، وهذا ينافي المصالح\n_________\n(١) يعني مقتضى الاستحسان بر قسمه وفيه مفسدة، قال النووي: هذا الحديث دليل لما قاله العلماء أن إبرار المقسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة إنما هو إذا لم تكن في الأبرار مفسدة ولا مشقة ظاهرة، فإن كان لم يؤمر بالأبرار لأن النبي ﷺ لم يبرر قسم أبي بكر لما رأى في إبراره من المفسدة، ولعل المفسدة ما علمه من سبب انقطاع السبب في عثمان، وهو قتله وتلك الحروب والفتن المترتبة عليه، فكره ذكرها مخافة من شيوعها، أو أن المفسدة لو أنكر عليه مبادرته ووبخه بين الناس، أو أنه أخطأ في ترك تعيين الرجال الذين يأخذون بالسبب بعد النبي ﷺ، وكان في بيانه ﷺ أعيانهم مفسدة، انتهى. قال الخطابي: فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يمينًا بمجرده حتى يقول: أقسمت بالله، وذلك أن النبي ﷺ قد أمر بإبرار المقسم، فلو كان يمينًا لأشبه أن يبره، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وقد يستدل به من يرى القسم يمينًا بوجه آخر، فيقول: لولا أنه يمين ما كان النبي ﷺ يقول لا تقسم، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وأصحابه، انتهى، هكذا في البذل. قلت: لفظ القسم يمين عندنا الحنفية كما صرح به في الفروع، وما حكى الخطابي من موافقة مالك الشافعي يأبى عنه كلام ابن رشد إذ قال في البداية: اختلفوا في قول القائل أقسم أو أشهد إن كان كذا وكذا هل هو يمين أم لا، على ثلاثة أقوال، فقيل: ليس بيمين وهو أحد قولي الشافعي، وقيل: يمين ضد القول الأول، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: إن أراد الله بها فهو يمين وإلا لا، وهو مذهب مالك، انتهى مختصرًا. فعلم أن في مذهب مالك تفصيلًا، وما ذكر الخطابي من الاستدلال بالحديث فلا يصح، فقد قال القاضي: في الحديث أن من قال: أقسم لا كفارة عليه، لأن أبا بكر لم يزد على قوله أقسم، قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي عجب، فإن الذي في جميع نسخ صحيح مسلم أنه قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني، وهذا صريح يمين، انتهى.","vol":"3","page":212},{"text":"العديدة. وبذلك يعلم أن الرجل إذا حلف آخر لا يجب عليه إبراره ولا على الحالف، ولو أبره المحلوف فهو مستحسن، ولا شيء في الخنث على أحد منهما.","vol":"3","page":213},{"text":"أبواب الشهادات (١) عن رسول الله ﷺ\nقوله [الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها] قد وقع في ظاهر هذا والذي يأتي (٢) من بعد من ذم قوم يشهدون ولا يستشهدون تعارض دفعه العلماء بأن الأول: حين خاف فوت الحق. والثاني: في غير ذلك، والظاهر أن منطوق أحدهما غير متناول للآخر حتى يلزم التعارض، فإن الخيرية في الحديث الأول تنبئ عن كونه أدى شهادته لله تعالى، لا لنفسه أو غير ذلك، وفشو الكذب (٣) في\n_________\n(١) جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود أي الحضور، لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، مأخوذة من الإعلام، هكذا في الفتح، وقال الراغب: الشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، انتهى. وفي حواشي الهداية: الشهادة في اللغة عبارة عن الإخبار بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان، ولذا قالوا: إنها مشتقة عن المشاهدة التي تنبئ عن المعاينة، وفي اصطلاح أهل الفقه عبارة عن إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة، انتهى.\n(٢) ما سيأتي من لفظ الحديث: يعطون الشهادة قبل أن يسألوها، وفي حديث عمر: حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، وما أفاده الشيخ من لفظ الحديث تقدم قريبًا من حديث عمران عند المصنف في الفتن.\n(٣) فلفظ الحديث: ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، فلفظ","vol":"3","page":214},{"text":"_________\n«حتى» أصرح قرينة على ما أفاده الشيخ، وإلى هذا التوجيه أشار المصنف أيضًا فيما سيأتي من كلامه، قال النووي: قوله ألا أخبركم بخير الشهداء إلخ في المراد بهذا الحديث تأويلان: أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له، والثاني أنه محمول على شهادة لحسبة، وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم، فمما تقبل فيه شهادة الحسبة الطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك، فمن علم شيئًا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به، وحكى تأويل ثالث أنه محمول على المجاز والمبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها لا قبله، كما يقال: الجواد يعطي قبل السؤال، أي يعطي سريعًا عقب السؤال من غير توقف، وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر في ذم من يأتي بالشهادة قبل أن يستشهد في قوله ﷺ: يشهدون ولا يستشهدون، وقد تأول العلماء هذا تأويلات: منها أنه محمول على شاهد الزور، فيشهد بما لا أصل له ولم يستشهد، ومنها أنه محمول على من ينتصب شاهدًا وليس هو من أهل الشهادة، ومنها أنه يشهد لقوم بالجنة أو بالنار من غير توقف، وهذا ضعيف، انتهى. وزاد العيني على بعضها قال ابن بطال: والشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق، إنما أريد بها الشهادة في الإيمان يدل عليه قول النخعي رواية في آخر الحديث: وكانوا يضربوننا على الشهادة، فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة المذمومة هي قول الرجل: أشهد بالله ما كان كذا على كذا على معنى الحلف فكره ذلك، وهذه الأقوال أقوال الذين جمعوا بين الحديثين، انتهى. يعني ومال آخرون إلى ترجيح أحد الحديثين على الآخر، قال الحافظ: اختلف العلماء إلى ترجيحهما فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فزعم أن حديث عمران لا أصل له، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد، انتهى.","vol":"3","page":215},{"text":"الحديث الثاني قرينة على أن إقدامه على الشهادة من غير استشهاد مبني على كذبه، أو هو مبني على الشر، وإن كان صدقًا في الواقع.\nقوله [لا تجوز شهادة خائن (١) ولا خائنة] النظر إلى مجموع (٢)\n_________\n(١) قال القارئ: أي المشهور بالخيانة في أمانات الناس دون ما ائتمن الله عليه عباده من أحكام الدين، كذا قاله بعض علمائنا من الشراح، قال القاضي: ويحتمل أن يكون المراد به الأعم منه، وهو الذي يخون فيما اتئمن عليه، سواء ما ائتمنه الله عليه من أحكام الدين أو الناس من الأموال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فالمراد بالخائن هو الفاسق، وهو من فعل كبيرة أو أصر على الصغائر، انتهى.\n(٢) كما يدل عليه رد شهادة الخائن للفسق، وكذا المحدود، وكما يدل رد شهادة ذي الغمر والمجرب والقانع، لا سيما الظنين في الولاء للتهمة، فتهمة الوالد للولد أكثر من تهمة هؤلاء الأربع، قال ابن رشد في البداية: والنظر في الشهود في ثلاثة أشياء: في الصفة، والجنس، والعدد، أما عدد الصفات المعتبرة في قبول الشاهد بالجملة فهي خمسة: العدالة، والبلوغ، والإسلام، والحرية، ونفى التهمة، وهذه منها متفق عليها، ومنها مختلف فيها، فأما العدالة فإن المسلمين اتفقوا على اشتراطها في قبول شهادة الشاهد لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ واختلفوا فيما هي العدالة، ثم بسط الاختلاف، وقال: اتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ الآية، ثم قال: وأما التهمة التي سببها المحبة، فإن العلماء أجمعوا على أنها مؤثرة في إسقاط الشهادة، واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة لموضع المحبة أو البغضة التي سببها العداوة الدنيوية، فقال بردها فقهاء الأمصار، إلا أنهم اتفقوا في مواضع على إعمال التهمة، وفي مواضع على إسقاطها، وفي مواضع اختلفوا فأعملها بعضهم وأسقطها بعضهم، فما اتفقوا عليه رد شهادة الأب لابنه والابن لأبيه، وكذلك الأم لأبنها وابنها لها، ثم ذكر بعض فروع هذا الباب سيأتي بيان بعضها قريبًا، وقال: أما أبو ثور، وشريح، وداؤد، فإنهم قالوا: تقبل شهادة الأب لابنه فضلًا عمن سواه، انتهى مختصرًا.","vol":"3","page":216},{"text":"ألفاظ هذا الحديث حاكم بأن شهادة الفاسق والمتهم غير مقبولة، وكذا شهادة الولد للوالد وعكسه، لكونه متهمًا في ذلك، ثم قوله: مجلود حدًا إن أريد بالحد غير حد القذف، فهو ما لم يتب، وإن أريد حد القذف فشهادته (١) مردودة وإن تاب، ووجه ذلك أما نقلًا فاتفاق القراء على جواز الوقف على قوله تعالى أبدًا، فكان قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة على حدة فيتصل الاستثناء به، وأما عقلًا فلكون القاذف قد اجترم ما كان حقه أن يقطع لسانه لكنه لما كان مثله،\n_________\n(١) اختلف ههنا في مسألتين إحداهما ما ذكرها الجصاص في أحكام القرآن إذ قال: حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه بثلاثة أحكام: الجلد، وبطلان الشهادة، والحكم بتفسيقه إلى أن يتوب، واختلف أهل العلم في لزوم هذه الأحكام له بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البنية على الزنا، فقال قائلون: قد بطلت شهادته، ولزمته سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه، وهو قول الليث والشافعي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك: شهادته مقبولة ما لم يحد، انتهى. وهذه المسألة بسطها الرازي لكن الشيخ لما لم يذكرها طوينا عن ذكرها، والثانية التي نظم جواهرها الشيخ في","vol":"3","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nسلكه هي التي قال الجصاص أيضًا: اختلف الفقهاء في شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والثوري والحسن بن صالح: لا تقبل شهادته إذا تاب، وتقبل شهادة المحدود في غير القذف، وقال مالك والليث والشافعي: تقبل شهادة المحدودة في القذف إذا تاب، وقال الأوزاعي: لا تقبل شهادة محدود في الإسلام، انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قال الجمهور إن شهادة القاذف بعد التوبة انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قال الجمهور إن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل، سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله، وتأولوا قوله تعالى ﴿أَبَدًا﴾ ما دام مصرًا على قذفه، وبالغ الشعبي فقال: إن تاب القاذف قبل إقامة الحد سقط عنه، وذهب الحنفية إلى أن شهادته لا تقبل أبدًا، وقال بذلك بعض التابعين، وفيه مذهب آخر يقبل بعد الحد لا قبله، انتهى. قال ابن رشد: سبب الخلاف هل يعود الاستثناء في قوله تعالى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية، إلى أقرب مذكور إليه، أو على الجملة إلا ما خصصه الإجماع، وهو أن التوبة لا تسقط عنه الحد، انتهى. قال العيني: شهادته لا تقبل أبدًا عند الحنفية لأن رد الشهادة من تتمة الحد لأنه يصلح جزاء، فيكون مشاركًا للأول في كونه حدًا، وقوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا يصلح جزاء، لأنه ليس بخطاب للأئمة، بل هو إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحد، لأنه كلام مبتدأ على سبيل الاستيناف منقطع عما قبله، لعدم صحة عطفه على ما سبق، لأن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة إخبارية ليس بخطاب للأئمة، وما قبله جملة إنشائية خطاب للأئمة، وكذا قوله: ولا تقبلوا جملة إنشائية خطاب للأئمة، فيصلح أن يكون عطفًا على قوله فاجلدوا، والشافعي قطع قوله ولا تقبلوا عن قوله فأجلدوا مع دليل الاتصال وهو كونه جملة إنشائية صالحة للجزاء مفوضة إلى الأئمة مثل الأولى، وواصل قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ مع قيام دليل الانفصال وهو كونه جملة اسمية غير صالحة للجزاء، انتهى.","vol":"3","page":218},{"text":"وأيضًا ففيه تعطيله عن مصالح دنياه وآخرته جوزي بأن قوله لا يعتبر أبدًا، وأيضًا فمبنى الجنايات على الخفاء ما أمكن الجاني كالزنا والسرقة وشرب الخمر، إلا القذف فمبناه على التشهير، وإلا فالقذف في موضع خال عن غير القاذف لا يفيد فجوزي على ذلك باشتهاره في سوءته.\nقوله [ولا ذي غمر لاحنة ولأخيه (١)] وعلى الوجهين فاللام متعلق\n_________\n(١) كلام الشيخ مبني على النسختين، واختلفت نسخ الترمذي في هذا اللفظ، ففي النسخة المصرية «ولا ذي عمر لأخيه» وفي النسخ الهندية «لاحنة»، وجمع الشيخ كلتا النسختين تعميمًا وتوضيحًا للمعنى، وفي الحواشي الهندية عن اللمعات: قوله لاحنة، هكذا وقع، والصواب ولا ذي غمر لأخيه بالياء، وقد ذكره الدارقطني وصاحب الغريبين بلفظ يدل على صحة هذا، وهو إلا ذي غمر لأخيه، قلت: أكثر ما روى ولا ذي غمر على أخيه، وهو الموافق للقياس، إلا أن يقال: اللام بمعنى على، انتهى. قلت: ولا يحتاج إلى تصريف اللام إلى معنى على في توجيه الشيخ، وهو أن يقال: إنه متعلق بالغمر، نعم يحتاج إذا قيل: إنه يتعلق بالشهادة كما لا يخفى، والحديث ذكره صاحب المشكاة عن الترمذي بلفظ: على أخيه بالياء، قال القارئ: أي قوله على أخيه أي المسلم، يعني لا تقبل شهادة عدو على عدو، سواء كان أخاه من النسب أو أجنبيًا، وعلى هذا إنما قال: على أخيه تليينًا لقلبه وتقبيحًا لصنيعه، انتهى. وما في النسخ الهندية من قوله لاحنة لم يذكر صاحب المجمع وغيره في هذا اللفظ هذا الحديث، نعم قال في شرح حديث آخر: وفي صدره إحنة أي حقد، وجمعها إحن وإحنات، والحنة والحنات لغة فيه، وقال المجد: الاحنة بالكسر الحقد والغضب، وقد أحن كسمع فيهما والمواحنة المعاداة، انتهى.","vol":"3","page":219},{"text":"بالغمر لا الشهادة يعني أن غمره لوجه (١) دنياوي، كذلك الإشارة في قوله ولا ذي غمر لأخيه ثابتة إلى أن الغمر لوجه دنياوي، وإلا فالإخوة لا تبقى دون ذلك.\n_________\n(١) قال ابن رشد: أما اختلافهم في قبول شهادة العدو على عدوه فقال مالك والشافعي: لا تقبل، وقال أبو حنيفة: تقبل، انتهى. قلت: ما في عامة فروع الحنفية أنها لا تقبل شهادته، قال الزيلعي على الكنز: لأن المعاداة لأجل الدني حرام، فمن ارتكبها لا يؤمن من التقول عليه، أما إذا كانت العداوة دينية فتقبل، لأنها من التدين فتدل على قوة دنيه وعدالته، وهذا لأن المعاداة قد تكون واجبة بأن رأى فيه منكرًا شرعًا، ولم ينته بنهيه، والذي يوضح هذا المعنى أن المسلمين مجمعون على قبول شهادة المسلم على الكافر، والعداوة الدينية قائمة بينهما، انتهى. وهكذا في البحر، ثم قال ابن نجيم: إن المصرح به في غالب كتب أصحابنا، والمشهور على ألسنة فقهائنا ما ذكره المصنف من التفصيل، ونقل في القنية أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع ما لم يفسق بسببها، أو يجلب منفعة، أو يدفع بها عن نفسه مضرة، وهو الصحيح وعليه الاعتماد، ثم بسط الكلام على ذلك، وأجاب عن الحديث بأنه يمكن حمله على ما إذا كان غير عدل بدليل أن الحقد فسق للنهي عنه، ثم قال: وقد ذكر ابن وهبان تنبيهات حسنة لم أرها لغيره، الأول الذي يقتضه كلام صاحب القنية والمبسوط أنا إذا قلنا: إن العداوة قادحة في الشهادة تكون قادحة في حق جميع الناس لا في حق العدو فقط، وهو الذي يقتضيه الفقه، فإن الفسق لا يتجزأ حتى يكون فاسقًا في حق شخص عدلًا في حق آخر، انتهى. وفي الفتاوى الخير سئل في جماعة بينهم وبين شخص عداوة دنيوية هل تقبل شهادتهم عليه؟ أجاب لا تقبل شهادتهم عليه للتهمة مطلقًا ولا على غيره حيث كانت فسقًا لأن الفسق لا يتجزأ، ثم ذكر التنبيه الأول المذكور في كلام ابن وهبان وتعقبه، فقال: بل الظاهر من كلامهم أن عدم القبول للتهمة لا للفسق، ويؤيده ما في كلامهم أن شهادة العدو على عدوه لا تقبل، فالتقييد بكونها على عدوه ينفي ما عداه، انتهى مختصرًا.","vol":"3","page":220},{"text":"قوله [ولا القانع (١) أهل البيت لهم] أي الذين منافعهم مشتركة، ورد\n_________\n(١) وفي المرقاة: قال المظهر القانع السائل المقتنع الصابر بأدنى قوت، والمراد به ههنا أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع، لا تقبل شهادته له لأنه يجر نفعًا بشهادته إلى نفسه، لأن ما حصل من المال للمشهود له بعود نفعه إلى الشاهد لأنه يأكل من نفقته، ولذلك لا تقبل شهادة من جر نفعًا بشهادته إلى نفسه، كالوالد يشهد لولده أو الوالد لوالده، أو الغريم يشهد بمال للمفلس على أحد، وتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، وتقبل شهادة الأخ لأخيه خلافًا لمالك، انتهى. قلت: وما حكى من الاختلاف في شهادة الزوجين والأخ يأباه كلام ابن رشد إذ قال في شهادة الزوجين أحدهما للآخر: إن مالكًا ردها وأبا حنيفة، وأجازها الشافعي وأبو ثور، وقال ابن أبي ليلى: تقبل شهادة الزوج لزوجه لا شهادتها له، وبه قال النخعي، ومما اتفقوا على إسقاط التهمة فيه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارًا على ما قال مالك، وما لم يكن منقطعًا إلى أخيه يناله بره وصلته ما عدا الأوزاعي فإنه قال لا تجوز، انتهى. وفي الهداية: لا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر، قال ابن الهمام: قال الشافعي تقبل، وبقولنا قال مالك وأحمد، وقال ابن أبي ليلى والثوري والنخعي: لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها، لأن لها حقًا في ما له لوجوب نفقتها، وتقبل شهادته لها لعدم التهمة، انتهى. وفي الهداية تحت قوله ﷺ: ولا الأجير لمن استأجره: والمراد بالأجير على ما قالوا التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه، وهو معنى قوله ﷺ: لا شهادة للقانع بأهل البيت لهم، قال ابن الهمام: قال أبو عبيد: القانع التابع لأهل البيت كالخادم لهم يعني ويطلب معاشه منهم، انتهى. وفي الدر المختار: أو التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه، وهو معنى قوله ﷺ: لا شهادة للقانع بأهل البيت، أي الطالب معاشه منهم، من القنوع لا من القناعة، انتهى.","vol":"3","page":221},{"text":"شهادته للتهمة، والقانع المنحصر قوته على أهل بيت، وكذلك الحكم لغيره (١) ممن منافعهم متحدة مشتركة. قوله [ولا ظنين إلخ] الظنين (٢) في الولاء له معنيان، أي المتهم في ادعائه ولاء أو قرابة، كأن يدعي أنه مولي لفلان أو قريب لفلان، وقد كان المدعي لذلك متهمًا في ذلك القول فشهادته غير مقبولة مطلقًا، لما أن الظاهر من\n_________\n(١) كما سيأتي التصريح بذلك في كلام الجصاص في أحكام القرآن، وفي البدائع: ومنها (أي من الشرائط) أن لا يجر الشاهد إلى نفسه مغنمًا، ولا يدفع عن نفسه مغرمًا بشهادته، لقوله ﷺ لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم، ولأن شهادته إذا تضمنت معنى النفع أو الدفع، فقد صار متهمًا، ولا شهادة للمتهم على لسان رسول الله ﷺ، انتهى.\n(٢) قال القارئ: وإنما رد شهادته لأنه ينفي الوثوق عن نفسه، وقال المظهر: يعني من قال أنا عتيق فلان وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله ويكذبونه لا تقبل شهادته، لأنه فاسق لأن قطع الولاء عن المعتق وإثباته لمن ليس بمعتقه كبيرة وراكبها فاسق، وكذلك الظنين في القرابة، وهو الداعي القائل أنا ابن فلان أو أخو فلان من النسب والناس يكذبونه انتهى.","vol":"3","page":222},{"text":"حاله لما كان هو الكذب ارتفع الأمان من شهادته، ويحتمل (١) أن يكون المراد بقوله الظنين في الولاء أن المتهم في ولاء قوم أو قرابتهم لا تقبل شهادته لهم خاصة، لما له في ذلك من التهمة.\nقوله [ولا نعرف معنى هذا الحديث] ووجه ذلك مخالفته لمذهبهم فإن هؤلاء يقبلون (٢) شهادة كل قريب لقريبه، وأما أصحاب الإمام وتابعوهم فقد حملوا الحديث على ما هو كامل (٣) في القرابة الولاد، وسلموا عن وصمة مخالفة الحديث، ولا يلزم (٤) تخصيص قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ لأن الحديث بين أن\n_________\n(١) وباعتبار هذا المعنى الثاني قال المنصف: لا نعرف معنى هذا الحديث، وأما باعتبار المعنى الأول فقال صاحب الحاشية: إنه يجري على المذاهب، انتهى. قلت: فالحديث لا يخالف الحنفية على كلا معنييه بل ولا الجمهور، إذ يراد بالقرابة القرابة الكاملة، كما وجهه الشيخ علي ما سيأتي في كلامه.\n(٢) قلت: عدم قبول شهادة الوالد لابنه وكذا العكس إجماعي لم يختلف فيه إلا بعض أصحاب الظواهر، كما تقدم في كلام ابن رشد، والحديث باعتبار ما وجهه الشيخ لا يخالف أحدًا من الأئمة، ولعل المصنف حمل القرابة على مطلق القرابة، فقال: ولا نعرف معنى الحديث، وهذا كله على الاحتمال الثاني من احتمالي معنى الظنين، وأما على الأول فهو فسق كما عرفت.\n(٣) فقد قال صاحب البدائع بعد ما ذكر عدم قبول شهادة الوالد وإن علا لولده وإن سفل وكذا العكس: أما سائر القربات كالأخ والعم والخال ونحوهم فتقبل شهادة بعضهم لبعض، لأن هؤلاء ليست لبعضهم تسلط في مال البعض عرفًا وعادة فالتحقوا بالأجانب، وكذا تقبل شهادة الوالد من الرضاع لولده من الرضاع، وكذا العكس.\n(٤) جواب عما يرد على الجمهور أن نفي قبول شهادة الولد لوالده، وكذا العكس ينافي عموم الآية، وأجاب عنه الجصاص في أحكام القرآن بوجه آخر فقال: إن قيل إذا كان الشاهد عدلًا فواجب قبول شهادته لهؤلاء، كما تقبل لأجنبي، لأن من كان متهمًا في الشهادة لابنه بما ليس بحق له فجائز عليه مثل هذه التهمة للأجنبي، قيل له: ليست التهمة المانعة من قبول شهادته لابنه ولأبيه تهمة فسق ولا كذب، وإنما التهمة فيه من قبيل أنه يصير فيها بمعنى المدعي لنفسه، ألا ترى أن أحدًا من الناس وإن ظهرت أمانته وصحت عدالته، لا يجوز أن يكون مصدقًا فيما يدعيه لنفسه، لا على جهة تكذيبه ولكن من جهة أن كل مدع لنفسه فدعواه غير ثابتة إلا ببينة تشهد له بها، فالشاهد لابنه بمنزلة المدعي لنفسه لما بينا، وكذلك قال أصحابنا إن كل شاهد يجر بشهادته إلى نفسه مغنمًا أو يدفع بها عن نفسه مغرمًا فغير مقبول الشهادة، لأنه حينئذ يقوم مقام المدعي، والمدعي لا يجوز أن يكون شاهدًا فيما يدعيه، ثم اشتهد على ذلك بشهادة خزيمة في قصة بيع الأعرابي مع أنه لا أحد من الناس أصدق من نبي الله ﷺ إذ دلت الأعلام المعجزة على أنه لا يقول إلا حقًا، وأن الكذب غير جائز عليه، انتهى.","vol":"3","page":223},{"text":"شهادة الولد للوالد والعكس ينافي العدالة، فكأن الحديث بين في معنى النص أن العدل من لا يتهم في خبره، وهذا متهم فلم يك عدلًا، فليس مما تناوله النص حتى يلزم تخصيص الكتاب بالسنة.\nقوله [عدلت شهادة الزور إشراكًا بالله] لإخفاء أن المتعاطفين لا بد لهما من الشركة في وصف وإن اختلفا في آخر، كما هو مبين في البلاغة بأوضح بيان، وعلى هذا فلا بد من الوصف المشترك في هذين حتى يصح عطف أحدهما (١)\n_________\n(١) أي في الآية الكريمة، وكأنه أشار بذلك إلى أن قوله ﷺ: عدلت شهادة الزور، مستنبط من الآية الشريفة لهذا الوجه، قال الرازي في التفسير الكبير: وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله، انتهى. وقال القارئ: أي جعلت الشهادة الكاذبة مماثلة للإشراك بالله في الإثم، لأن الشرك كذب على الله تعالى بما لا يجوز، وشهادة الزور كذب على العبد بما لا يجوز، وكلاهما غير واقع في الواقع، انتهى.","vol":"3","page":224},{"text":"على الآخر، وهو الاشتراك في كونهما كذبًا، وإن كان موجب أحدهما أشد من الآخر، فقوله عدلت لا يستلزم التكافؤ من كل وجه.\nقوله [واجتنبوا قول الزور] في إعادة لفظ الأمر مزيد توكيد حيث كرر أمر الاجتناب، ولم يذكره تبعًا لما قبله. قوله [ثلاثًا] أي كرر الفقرة المذكورة ثلاثًا. قوله [ثم الذين يلونهم] في بعض النسخ مرتين، وفي البعض الآخر ذكره ثلاثًا، ومآلهما (١) بعد ذكر الراوي قوله ثلاثًا واحد (٢).\n_________\n(١) يعني لما ذكر الراوي لفظ ثلاثًا بالتصريح فلا بد أن تحمل النسخ التي وقعت فيها هذه الجملة مرتين على الاختصار ولا يكون بين النسختين تضاد، وقد أخرج البخاري من حديث عمران قال رسول الله ﷺ: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، قال الحافظ: وقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم، وفي حديث بريدة عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شك، منها عن النعمان بن بشير عند أحمد، وعن مالك عند مسلم عن عائشة، قال رجل: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث، ووقع في رواية الطبراني وسمويه ما يفسر به هذا السؤال، وهو ما أخرجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم عن أبيه، قلت: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: أنا وقرني، فذكر مثله، وللطيالسي من حديث عمر رفعه خير أمتي القرن الذي أنا منهم، ثم الثاني ثم الثالث، ووقع في حديث جعدة بن هبيرة عند ابن أبي شيبة والطبراني إثبات القرن الرابع ولفظه: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أردأ، ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته، انتهى. واقتضى الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، قاله الحافظ، وسيأتي تمام كلامه في أبواب الأمثال تحت قوله ﷺ: مثل أمتي مثل المطر، الحديث، وفي أبواب المناقب تحت حديث القرون\n(٢) وهي خيرية القرن الثالث بعد قرنه ﷺ، وعلى هذا فالحديث يخالف الأحاديث التي ورد فيها بعد القرنين: ثم يفثو الكذب، ومقتضاها فشو الكذب ونحوه في القرن الثالث، وجمع بينهما في الإرشاد الرضى بأن الخيرية والشرية إضافيتان، فالقرن الثالث بعد قرنه ﷺ شر باعتبار القرون الثلاثة التي سبقت، وخير باعتبار القرون الآتية، قلت: ويؤيده ما في المشكاة بوراية البخاري عن أنس مرفوعًا: لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده أشر منه، قال القارئ: وفي الجامع عن أنس مرفوعًا بلفظ: لا يأتي عليكم عام ولا يوم إلا والذي بعده شر منه، رواه أحمد والبخاري والنسائي، وفي الكبير للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا: ما من عام إلا ينقص الخير فيه، ويزيد الشر، انتهى.","vol":"3","page":225},{"text":"قوله [وبيان هذا في حديث عمر] حيث ذكر الشهادة بعد (١) ذكر فشو الكذب فكانت كذبًا.\n_________\n(١) وجعل الإشهاد غاية لفشو الكذب، إذ قال: ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل، فكأن الكذب يترتب على الإشهاد.\nهكذا بالألف في المشكاة، وفي المرقاة: قال القاضي: أخير وأشر أصلان متروكان لا يكاد يستعملان إلا نادرًا، وإنما المتعارف في التفضيل خير وشر، انتهى.","vol":"3","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>أبواب الزهد عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله [مغبون (١) فيهما كثير من الناس] حيث لم يجهدوا في الفراغ والصحة\n_________\n(١) قال العيني: مشتق إما من الغبن بسكون الباء وهو النقص في البيع، وإما من الغبن بفتح الباء وهو النقص في الرأي، فكأنه قال: هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما فيهما، أي باعهما ببخس أو ليس له رأي في ذلك البتة، وقال الحافظ قال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المبغون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن إلا الهرم، وقال الطيبي: ضرب النبي ﷺ للمكلف مثلًا بالتاجر الذي له رأس مال فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله لئلا يغبن، فالصحة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان ومجاهدة النفس ليربح خيري الدنيا والآخرة، وقريب منه قوله تعالى ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ الآيات، انتهى وقال القارئ: قوله الصحة والفراغ، أي صحة البدن وفراغ الخاطر بحصول الأمن ووصول كفاية الأمنية، والمعنى لا يعرف قدر هاتين النعمتين كثير من الناس حيث لا يكسبون فيما من الأعمال كفاية ما يحتاجون إليه في معادهم، فيندمون على تضييع أعمارهم عند زوالها ولا ينفعهم الندم، قال تعالى ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ انتهى. ثم ما ذكر المصنف من الاختلاف في رفعه ووقفه ذكره الحافظ بنوع من التفصيل، فارجع إليه لو شئت.","vol":"3","page":227},{"text":"لدينهم، فكان ذلك خسرانًا لدنياهم وآخرتهم. قوله [فيعمل بهن أو يعلم إلخ] قد كانت (١) الأوائل من الصحابة والتابعين يظن أكثرهم أن العلم لما كانت غايته هو العمل لا ينبغي العلم إلا لمن أراد العمل وقدر عليه، وإلا فكان علمه عليه لا له، والحق خلافه كما هو مصرح في هذا الحديث، فعلم أن العلم كما أن غايته عمل العالم كذلك غايته (٢) تعليم للعالم لمن يعمل، ولذلك قال أبو هريرة: أنا يا رسول الله، لأنه قد علم (٣) أني لو لم أعمل بها لعلمته الناس العاملين.\n_________\n(١) ولعل ذلك لما ورد من شدة عذاب العالم الذي لا يعمل، فقد ورد أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وعنه ﷺ قال: لا يكون المرأ عالمًا حتى يكون بعلمه عاملًا، وقد روى عن عمر موقوفًا: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم، فقالوا: وكيف يكون منافقًا عليمًا؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل، وقال الحسن: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الفقهاء ويجري في العمل مجرى السفهاء، وغير ذلك من الروايات والآثار التي ذكرها صاحب الإحياء.\n(٢) قال الطيبي: «أو» بمعنى الواو كما في قوله تعالى ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ قال القارئ: والظاهر أن «أو» في الآية للتنويع، كما أشار إليه البيضاوي، ويمكن أن يكون «أو» في الحديث بمعنى «بل» إشارة إلى الترقي من مرتبة الكمال إلى منصة التكميل، على أن كونها للتنويع له وجه وجيه وتنبيه على أن العاجز عن فعله قد يكون باعثًا لغيره على مثله كقوله: فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، انتهى\n(٣) أي على سبيل التنزل والتسليم وإلا فشدة اجتهاده يقتضي أنه أراد العمل والتعليم كليهما.","vol":"3","page":228},{"text":"قوله [اتق المحارم تكن أعبد الناس] فإن (١) دفع الضرر أهم من جلب النفع، ولا يشق على النفس فعل الحسنات كما يشق عليه ترك السيئات، وأيضًا فالمنهيات إذا تهيأت أسبابها فالامتناع عنها لا يبقى تركًا حتى لا يثاب عليه، بل الامتناع عنها حينئذ كف النفس وهو طاعة يثاب المرء عليها، كما هو (٢) مبسوط في كتب أصحابنا الحنفية. قوله [وارض بما قسم الله إلخ] ووجه (٣) الغني في ذلك ظاهر،\n_________\n(١) ومال القارئ إلى أن لفظ المحارم عام للمأمورات والمنهيات، إذ قال (اتق المحارم) شاملة لجميع المحرمات من فعل المنهيات، وترك المأمورات (تكن أعبد الناس) إذ لا عبادة أفضل من الخروج عن عهدة الفرائض، وعوام الناس يتركونها ويعتنون بكثرة النوافل فيضيعون الأصول، ويقومون بالفضائل، فربما يكون على شخص قضاء صلاة ويغفل عن أدائها، ويطلب علمًا أو يجتهد عملًا في طواف وعبادات نفل، انتهى. قلت: وأما على توجيه الشيخ فمبنى كونه أعبد الناس أنه إذا اعتاد الأشق وهو ترك المحارم فبالأولى أن يعتاد اهتمام الواجبات لأنها أيسر.\n(٢) قال صاحب التلويج: إن ترك الحرام مما لا يثاب عليه ولا يعاقب، واعترض عليه بأنه واجب، والواجب يثاب عليه، وفي التنزيل ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ الآية، والجواب أن المثاب عليه فعل الواجب لا عدم مباشرة الحرام وإلا لكان لكل أحد في كل لحظة مثوبات كثيرة بحسب كل حرام لا يصدر عنه، ونهى النفس كفها عن الحرام، وهو من قبيل فعل الواجب، ولا نزاع في أن ترك الحرام بمعنى كف النفس عند تهيئ الأسباب وميلان النفس إليه مما يثاب عليه، انتهى.\n(٣) وقد ورد في الصحيحين وغيرهما برواية أبي هريرة مرفوعًا: ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغني غني النفس. قال القارئ: أي الغنى الحقيقي غنى النفس عن المخلوق، والمعنى أن الغنى الحقيقي هو قناعة النفس بما أعطاه المولى والتجنب عن الحرص في الدنيا، فمن كان قلبه حريصًا على جمع المال فهو فقير في الحقيقة لأنه محتاج إلى طلب الزيادة، ومن كان له قلب قانع بالقوت راض بعطية مالك الملك فهو غني بقلبه مستغن عن الغير بربه، سواء كان في يده مال أو لا، إذ لا يطلب الزيادة، وسأل شخص السيد أبا الحسن الشاذلي عن الكيميا، فقال: كلمتان، أطرح الخلق عن نظرك واقطع طمعك عن الله أن يعطيك غير ما قسم لك، وقال السيد عبد القادر الجيلي: اعلم أن القسم لا يفوتك بترك الطلب، وما ليس بقسم لا تناله بحرصك في الطلب، فأصبر والزم الحال.","vol":"3","page":229},{"text":"لأنه إذا قنع من نفسه بما قدر الله له لا يتعب نفسه في تحصيل المزيد عليه، ولا يطمع أحدًا حتى يترقب إليه.\nقوله [وأحسن إلى جارك إلخ] وجه المناسبة (١) بين الإحسان إلى الجار وبين الإيمان أن الإحسان إليه يكون مخفيًا في العادة حتى لا يعلم بذلك غيره إلا أقل قليل كما أن الإيمان عقد قلبي لا يطلع عليه إلا أقل قليل، بخلاف الإحسان (٢) إلى عامة المؤمنين فإنه آمر ظاهر فكان ذلك إصلاح ظاهره فرتب (٣) عليه السلامة، وفرق آخر وهو أن الإحسان إلى الجيران أشد نسبة إلى الإحسان إلى سائر الإخوان، وذلك لما يقع في العادة من مشاجرات بين المتجاورين ومنازعات، فلا تكاد النفس تسمح بالإحسان إليهم إلا بعد مكابدات من مخالفة هوى النفس فكان أشد عليه، فلذلك جعل أمارة على الإيمان، فإن له\n_________\n(١) وقد ورد من قوله ﷺ: لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه أي شروره وغوائله، كذا في المرقاة.\n(٢) لعل الشيخ عبر المحبة بلفظ الإحسان، إشارة إلى أن المعتبر هو المحبة التي يترتب عليها شيء من الثمرة الظاهرة أو الباطنة.\n(٣) وقد ورد: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.","vol":"3","page":230},{"text":"تفوقًا على الإسلام، بخلاف الإحسان إلى غيرهم فإنه لا يكون بهذه المثابة، فكان دليلًا على إسلام المحسن. قوله [تميت القلب] فإن (١) الضحك لا يمكن إلا بعد مسرة وأني للمؤمن إلى مسرة الدنيا سبيل، وبين يديه من المفزعات غير قليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>[باب في ذكر الموت]</span>\nقوله [وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه] هذا مشكل فإن كل ما أصاب (٢) المؤمن من المكاره في الدنيا والآخرة (٣) يكون\n_________\n(١) قال القارئ: (كثرة الضحك) المورثة للغفلة عن الاستعداد للموت (تميت القلب) إن كان حيًا، ويزداد اسودادًا إن كان ميتًا.\n(٢) ففي المشكاة برواية الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم. حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه، وبرواية الصحيحين أيضًا، عن ابن مسعود مرفوعًا: ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله تعالى بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها، وغير ذلك من النصوص الكثيرة في الباب.\n(٣) أورد عليه بعض مشايخ الدرس أن ما يصيب في الآخرة لا يكون كفارة، ويؤيده ما حكى الحافظ عن عمر بن عبد العزيز قال: ما أحب أن يهون علي سكرات الموت، إنه لآخر ما يكفر به عن المؤمن، انتهى. لكن سيأتي عن كلام القارئ تحت قوله: فما بعده أيسر منه، لأنه لو كان عليه ذنب لكفر بعذاب القبر، وحكى الحافظ قال الحميدي يفي كتاب الموازنة: الناس ثلاثة، من رجحت حسناته على سيئاته، أو بالعكس، أو من تساوت، حسناته وسيئاته، فالأول فائز بنص القرآن، والثاني يقتضي منه بما فضل من معاصيه على حسناته من النفخة إلى آخر من يخرج من النار، إلى آخره. وفي «لوائح الأنوار الإلهية» قال بعضهم: من فعل سيئة فإن عقوبتها تدفع عنه بأحد عشرة أسباب: أن يتوب فيتاب عليه، أو يستغفر فيغفر له، أو يعمل حسنات فتمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات، أو يبتلي في الدنيا بمصائب فيكفر عنه، أو في البرزخ بالضغطة والفتنة فيكفر عنها، أو يبتلي في عرصات القيامة بأهوال تكفر عنه، أو تدركه شفاعة نبيه ﷺ، إلى آخر ما بسط.","vol":"3","page":231},{"text":"كفارة لخطاياه، وعلى هذا فما بعد القبر يكون أيسر منه له لتقليل ما في خطاياه بعذاب القبر، والجواب (١) أنه حكم الكافر، أي إن لم ينج بأن كان كافرًا فما\n_________\n(١) حاصل ما أفاده الشيخ جوابان: الأول جواب شيخه، والثاني الذي لم يرض عنه شيخه، وتقريرهما ظاهر، واختلف السلف أيضًا في الجوابين، فمال ابن حجر إلى الجواب الأول ولم يرض عنه القارئ ومال إليه الجواب الثاني، ونص عبارته (إن القبر أول منزل من [منازل] الآخرة) ومنها عرصة القيامة عند العرض، ومنها الوقوف عند الميزان، ومنها المرور على الصراط، ومنها الجنة أو النار، وفي بعض الروايات وآخر «منزل من منازل الدنيا» ولذا يسمى البرزخ (فإن نجا منه) أي خلص المقبور من عذاب القبر (فما بعده) من المنازل (أيسر منه) وأسهل، لأنه لو كان عليه ذنب لكفر بعذاب القبر (وإن لم ينج منه) أي لم يتخلص من عذاب القبر، ولم يكفر ذنوبه به، وبقى عليه شيء مما يستحق العذاب به (فما بعده أشد منه) لأن النار أشد العذاب، والقبر حفرة من حفر النيران، وقال ابن حجر (فما بعده أيسر) لتحقق إيمانه المنقذ له من أليم العذاب، (وما بعده أشد) لتحقق كفره الموجب لتوالي الشدائد وفيه بحث ظاهر، انتهى، وأنت خبير بأن مقتضى القواعد هو الجواب الثاني، لأن القبر حفرة من حفرات النار، وبعد القبر لا يكون إلا النار، فمن لم ينج من الأول لا بد أن يقع في الثاني، وهو الأشد، قال تعالى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ لكن مقتضى الروايات التي وردت في عذاب القبر هو الجواب الأول لأن الروايات بأسرها متناولة للفريقين المؤمن كامل الإيمان والكافر، وأما الفساق فالروايات بأسرها ساكتة عنهم فمقتضاها أن يكون في حديث عثمان أيضًا ذكر الفريقين، إذا لم ينج فهو كافر وإن نجا فهو مؤمن كامل الإيمان، ويؤيد هذا الجواب أيضًا ما في جمع الفوائد من زيادة رزين بلفظ: قال هاني: وسمعت عثمان ينشد على قبر.\nفإن تنج من ذي عظيمة .... وإلا فإني لا أخالك ناجيًا","vol":"3","page":232},{"text":"بعده أشد منه، وأما المؤمن فلا يعذب وإنما يكون ما يرد عليه إصلاحًا له (١)، قلت: يمكن أن يكون معناه أن العذاب المقدر للمؤمن العاصي كان على قدر من الله تعالى، ثم إذا عذب في القبر يقل من ذلك المقدار المعين شيء ما لا محالة، ولا يلزم بذلك أن يكون ما بعد القبر أيسر منه، لأن حقيقة العذاب لما كانت هي في جهنم لا غير، وما في القبر ظل منه ومستفاد لا يبعد أن يكون العذاب الذي بعد القبر أشد من عذاب القبر للمؤمن والكافر كليهما، ولا ينافي هذا تخفيف العذاب عن جنايات المؤمن وخطيئاته، لكن الأستاذ أدام الله إفاضته لم يرض بهذا الجواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>[باب ما جاء في إنذار النبي ﷺ قومه]</span>\nقوله [يا فاطمة بنت محمد إلخ] لعله (٢) ﷺ ذكر بناته الأخر لكن الراوي لم يذكر، ويمكن أن\n_________\n(١) أي تطهيرًا لهم كما هو معروف عند أهل الفتن، صرح بذلك جمع من أهل التفسير في مواضع من كتبهم، قال الصاوي: تحت قوله تعالى ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي ذو هوان وذل ولا يوصف بذلك إلا عذاب الكافر، وأما ما يقع للعصاة في الدنيا من المصائب، وفي الآخرة من دخول النار فهو تطهير لهم، انتهى.\n(٢) ويؤيد هذا الجواب، ما في در السيوطي برواية الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة، قال لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ جمع رسول الله ﷺ بني هاشم فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله فأجلسهم بالبيت فذكر حديثًا طويلًا فيه نداء عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وفاطمة، وأم الزبير، لكن أورد عليه الحافظ في الفتح بأن القصة وقعت بمكة للتصريح في الأحاديث بأنه صعد الصفا، ولم تكن عائشة وحفصة وأم سلمة عنده إلا بالمدينة، ثم أجاب باحتمال تعدد النزول كما قال بعضهم، وبجواز أن جمعهم هذا لم يكن على الفور، وبأنه يحتمل أنه نزل أولًا ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ فجمع قريشًا، فعم وخص، ثم نزل ﴿ورهطك منهم المخلصين﴾ فخص بذلك بني هاشم ونساءه، انتهى.","vol":"3","page":233},{"text":"يكون (١) تركها في أصل نداء النبي ﷺ لأنه لما أنذر ابنته فاطمة وكانت صغرى بناته ﷺ، وكانت لم تبلغ بعد، علم حالهن وأنهن منذرات أيضًا، وإن لم يصرح بهن في النداء، ومناسبة هذا الباب بأبواب الزهد أن أموال الدنيا وكذلك أقرباء الرجل وأولياؤه لما كانوا لا يغنون من عذاب الله شيئًا حتى النبي ﷺ فليس للمرء أن يشتغل إلا بأمر مولاه ولا ينبغي له أن يهتم إلا بهموم عقباه. قوله [أطت (٢)\n_________\n(١) وهذا أوجه في الجواب، لأن روايات ندائه ﷺ بمكة بأسرها خالية عن ذكر غير فاطمة وصفية.\n(٢) قال القارئ: بتشديد الطاء من الأطيط، وهو صوت الأقتاب، أي صوتت [وحق] بصيغة المجهول أي يستحق وينبغي [لها أن تئط] أي تصوت، ثم بين سببه وهو ما رآه من الكثرة بقوله: والذي نفسي إلخ وقوله: موضع أربعة أصابع بالرفع على أنه فاعل للظرف المعتمد على حرف النفي، والمذكور بعد إلا في قوله: إلا وملك حال، وقوله: ساجدًا، أي منقادًا ليشمل ما قيل أن بعضهم قيام وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، أو خص السجود باعتبار الغالب منهم، أو هذا مختص بإحدى السماوات، ثم أربع بغير هاء في نسخ الترمذي وابن ماجة، ومع الهاء في شرح السنة وبعض نسخ المصابيح، وسببه أن الأصبع يذكر ويؤنث، انتهى.","vol":"3","page":234},{"text":"للسماء وحق إلخ] أي من خشيته (١) ﷾ ثم بين أنه كيف لا يخشى وقد كثرت الملائكة وازدحمت، وخشيتهم منه سبحانه معلومة، فكأنه قال: حق لها الخشية لما أن ليس هناك إلا الخيفة والخائفون.\nقوله [فقال يعني رجلًا] المراد أنه قال للميت رجل [بشر بالجنة] ووجه (٢) رده ﷺ أن البشارة إنما تتحقق إذا لم يخالط الفرج شائبة ترح، ولعله يحاسب ويناقش على المباحات، فلم يبق صفوته خالية عن الكدر، وقد\n_________\n(١) وقال الطيبي: إن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثمة أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى، قال القارئ: ما المحوج عن عدول كلامه ﷺ من الحقيقة إلى المجاز مع إمكانه عقلًا ونقلًا، حيث صرح بقوله «واسمع ما لا تسمعون» مع أنه يحتمل أن يكون أطيط السماء صوتها بالتسبيح والتحميد والتقديس، ثم قوله «ياليتني» من قول أبي ذر كما رجحه الترمذي، وهكذا في نسخ المشكاة برواية أحمد والترمذي وابن ماجة: قال أبو ذر ياليتني إلخ، وهكذا حكى القارئ عن ابن ماجة، لكن النسخ التي بأيدي من ابن ماجة ليس فيها «قال أبوذر» بل أدرج في الحديث، قال القارئ: وقد علموا أنه بكلام أبي ذر أشبه، والنبي ﷺ أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالًا هي أوضع مما هو فيه، ثم إنها مما لا تكون، انتهى.\n(٢) قال القارئ قال الغزالي: وفي حديث آخر أن النبي ﷺ فقد كعبًا فسأل عنه فقالوا: مريض فخرج يمشي حتى أتاه. فلما دخل عليه قال: أبشر يا كعب! فقالت أمه: هنيئًا لك الجنة يا كعب! فقال: من هذه المتألية على الله؟ قال: هي أمي يا رسول الله! قال: وما يدريك يا أم كعب! لعل كعبًا قال ما لا يعنيه، أو منع ما لا يغنيه، ومعناه إنما تتهنأ الجنة لمن لا يحاسب ولا يعاقب، ومن تكلم فيما لا يعنيه حوسب عليه وإن كان مباحًا، فلا تتهنأ له الجنة مع المناقشة في الحساب، فإنه نوع من العذاب، وروى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى عن أنس أيضًا قال: استشهد منا رجل يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئًا لك يا بني الجنة، فقال النبي ﷺ: ما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره، وقال القارئ أيضًا في أول الحديث: قوله (أو لا تدري) بفتح الواو على أنها عاطفة على محذوف، أي تبشر ولا تدري، أو أتقول هذا ولا تدري ما تقول، أو على أنها للحال، أي الحال أنك لا تدري، وفي نسخة بسكونها وهي رواية، فأو عاطفة على مقدر أيضًا، أي أتدري أنه من أهلها أو لا تدري، والمعنى بأي شيء علمت ذلك، أو كيف دريت، انتهى.","vol":"3","page":235},{"text":"ورد في بعض الروايات أنه قال: هناك (١) الجنة، وتأويل مثل تأويله، فإن الهني إنما يكون ما لم يمازجه شيء من الغصص (٢)، إذا حوسب المرأ لم يبق كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>[باب في قلة الكلام]</span>\n. قوله [ما يظن (٣) أن تبلغ ما بلغت] يعني أن\n_________\n(١) كذا في المنقول عنه، والظاهر أنه تحريف من الناسخ، والصواب هنيئًا لك الجنة، كما في الدر برواية الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته أو امرأة: هنيئًا لك الجنة، الحديث.\n(٢) هو إشراق الحلق باعتراض شيء فيه حتى يمنعه التنفس.\n(٣) ولفظ المشكاة عن شرح السنة: ليتكلم بالكلمة من الخير ما يعلم مبلغها، قال القارئ: أي ما يعلم الرجل قدر تلك الكلمة ومرتبتها عند الله، والجملة حال، أي والحال أنه يظن أنها يسيرة قليلة، وهي عند الله عظيمة جليلة، قال ابن عيينة: هي العلمة عند السلطان. فالأولى ليرده بها عن ظلم، والثانية ليجره بها إلى ظلم، وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في تفسيرها بذلك، قال الطيبي: فإن قلت ما معنى قوله يكتب الله بها رضوانه، وما فائدة التوقيت إلى يوم يلقاه؟ قلت: معنى كتب رضوان الله توفيقه لما يرضي الله تعالى من الطاعات والمسارعة إلى الخيرات، فيعيش في الدنيا حميدًا، وفي البرزخ يصان من عذاب القبر، ويفسح له قبره، ويقال له: ثم كنومة العروس، ويحشر يوم القيامة سعيدًا، ويظله الله في ظله، ثم يلقي بعد ذلك من الكرامة في الجنة، ثم يفوز بلقاء الله ما كل ذلك دونه، وفي عكسه قوله يكتب الله بها عليه سخطه، انتهى.","vol":"3","page":236},{"text":"التكلم بالكلمات الموجبة للرحمة والرضوان لا يتوقف ثوابه على علمه (١)، غاية الأمر أن مثوبته تزيد بعمله ناويًا للثواب، وكذلك الفعلة القبيحة لا يتوقف وزرها على علمه بها وقصده ذلك، وإنما الموقوف عليه المزيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>[باب ما جاء في هوان الدنيا]</span>\nقوله [لو كانت الدنيا إلخ] الدنيا هي الغفلة من ذكره سبحانه، ومعنى الحديث أن أمتعة الدنيا لما كانت أسباب الغفلة زيدت للكفرة، ولو كانت الغفلة عند الله تزن (٢) جناح بعوضة وهي الصغيرة من هذا النوع لما أعطى الكفار منها شيئًا.\nقوله [السخلة] ووجه ذلك أنها لصغرها لا تفيد من حيث شعرها ولا\n_________\n(١) لما ورد من قوله ﷺ: إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئء ما نوى، وما في معناه من الروايات الكثيرة كقوله ﷺ: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا.\n(٢) قال القارئ: هو مثل للقلة والحقارة، والمعنى لو كان لها أدنى قدر ما سقى كافرًا من مياه الدنيا شربة ماء، أي يمنع الكافر منها أدنى تمتع، فمن حقارتها عنده لا يعطيها لأوليائه، كما أشار إليه في حديث: إن الله يحمي عبده المؤمن عن الدنيا كما يحمي أحدكم المريض عن الماء، وحديث «ما زويت الدنيا عن أحد إلا كانت له خيرة» ومن كلام الصوفية: من العصمة أن لا يقدر، ومن دنائتها لديه أن يكثرها على الكفار والفجار، قال تعالى ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ الآية، وقال ﷺ لعمر: أما ترضي أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة، انتهى. ولا يذهب عليك أن الشيخ فسر الدنيا بالغفلة، وعامتهم يفسرونها بالأموال والأمتعة، ولا منافاة بينهما، فإن أصل الدنيا الغفلة، لكن هذه الأشياء سبب لها وموجدها، وقلما يلم الرجل بعد هذه عن الغفلة، حفظنا الله تعالى عنها، ثم قال الراغب: البعوض بني لفظه من بعض، وذلك لصغر جسمها بالإضافة إلى سائر الحيوانات.","vol":"3","page":237},{"text":"جلدها ولا غير ذلك، فظاهر هوانها.\nقوله [إن الدنيا ملعونة] المراد بذلك ههنا هي الدار الدنيا، فالاستثناء بعد ذلك متصل، وإن أريد (١) بذلك الغفلة فالاستثناء منقطع.\nوقوله [ملعون ما فيها] هذا محتمل للمعنيين كما قبله. وقوله [إلا ذكر الله وما والاه] أي والذي والاه الله تعالى أي أحبه (٢)، أو المعنى والذي يكون سبب ذكر الله واتبعه، فيدخل في ذلك أسباب الذكر كالمناكح والمعايش والعلوم الأدبية وغيرها مما يحتاج إليه في ذكره سبحانه.\n_________\n(١) كما قال الشيخ: جيست دنيا أن خدا غافل بودن ني قماش ونقره وفرزند وزن، وعلى هذا فمعنى قوله: ملعون ما فيها هي الأفعال الصادرة في هذه الحالة، وعلى هذا فاستثناء الذكر بمقتضى ما جزم به شيخ مشائخنا، قطب وقته، مصدر هذا التقرير، أن ذكر الله تعالى بقلب غافل أيضًا لا يخلو عن تأثير في القلب.\n(٢) قال القارئ: أي أحبه الله تعالى من أعمال البر وأفعال القرب، أو المعنى ما والى ذكر الله، أي قاربه من ذكر خير، أو تابعه من أتباع أمره ونهيه، وقال المظهر: أي ما يحبه الله في الدنيا، والموالاة المحبة بين اثنين، وقد تكون من واحد وهو المراد ههنا، وقال الأشرف: هو من الموالاة وهي المتابعة، وقال الطبي: كان من حق الظاهر أن يكتفي بقوله: وما والاه، لاحتوائه على جميع الخيرات والفاضلات ومستحسنات الشرع، ثم بينه في المرتبة الثانية بقوله: والعلم، تخصيصًا بعد تعميم دلالة على فضله، فعدل إلى قوله: عالم ومتعلم، تفخيمًا لشأنهما صريحًا ولينبه على أن المعنى بالعالم والمتعلم العلماء بالله الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن تعلم علم الفضول وما لا يتعلق بالدين، انتهى.","vol":"3","page":238},{"text":"قوله [ما الدنيا في الآخرة] أي عمر الدنيا (١) من حين وجدت إلى وقت إفنائها إذا قوبلت بعمر الآخرة، أو ما نعيم الدنيا من حين أخرجت إلى حين تفئ في جنب نعيم الآخرة ونعمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>[باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر]</span>\nأي حال الدنيا منحصر في حال أربعة نفر، والمراد بذلك حال أصحاب أمتعة الدنيا، لا بمعنى الغفلة، ومن\n_________\n(١) قال القارئ: أي ما مثل الدنيا من نعيمها وزمانها في جنب الآخرة بمقابلة نعيمها وأيامها (إلا مثل) بكسر الميم وسكون المثلثة (ما يجعل) ما مصدرية أي مثل جعل أحدكم (في اليم) أي مغموسًا في البحر المفسر بالماء الكثير (فلينظر) أي فليتأمل، يعني أن منح الدنيا ومحنها في كسب الجاه والمال من الأمور الفانية السريعة الزوال، فلا ينبغي لأحد أن يفرح ويغتر بسعتها، بل يقول في الحالتين: لا عيش إلا عيش الآخرة، كما قاله ﷺ مرة في يوم الأحزاب، وأخرى في حجة الوداع، وقال الطيبي: كأنه ﷺ يستحضر تلك الحالة في مشاهدة السامع، ثم يأمره بالتأمل والتفكر، وهذا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فأين المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي، انتهى.","vol":"3","page":239},{"text":"ليس له الأمتعة من الأربعة الآتين ذكرهم داخل فيهم لحبه (١) الأمتعة عنده.\nقوله [ثلاث أقسم عليهن] إنما أقسم عليها لاستبعاد الطبائع إياها.\nقوله [ما نقص مال عبد] أي ثوابه وبركته (٢)، فإن المقصود من المال اكتساب منافع آخرته أو تنفيذ حوائجه الدنيوية، وهما لا ينقصان بإنفاقه في سبيل الله، ولا مانع عن الحمل على الحقيقة فإن المال إذا أنفق في سبيل الله فإن الله يخلفه ولو بعد زمان.\n\nقوله <span data-type=\"title\" id=toc-701>[باب فقر]</span>\nأي ذل واحتياج بحسب قلبه، أو بحسب (٣) الظاهر أيضًا.\n_________\n(١) أي لحبه وجود الأمتعة عنده.\n(٢) قال القارئ: لأنها مخلوقة معوضة كمية أو كيفية في الدار الدنيوية أو الأخروية، قال تعالى عز امسه ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ وفي المشكاة برواية الشيخين عن أبي هريرة مرفوعًا: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا، وبروايتهما عنه أيضًا مرفوعًا: قال الله تعالى أنفق يا ابن آدم أنفق عليك، وغير ذلك من الروايات في الباب المؤيدة حملها على الحقيقة.\n(٣) قال القارئ: أي باب احتياج آخر بأن سلب عنه ما عنده من النعمة فيقع في نهاية من النقمة، وفي المشكاة برواية أبي داؤد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله بالغنى، إما بموت عاجل، أو غنى آجل، قال القارئ: قوله بموت عاجل أي بموت قريب له فيرثه، فقد قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ انتهى، قلت: أو بموت أجنبي يوصي له في ماله، ولفظ الترمذي الآتي قريبًا: يرزق عاجل أو آجل، ليس فيه ذكر الموت.","vol":"3","page":240},{"text":"قوله [صادق النية] أي ليست نيته بحسب لسانه فقط، بل النية له في الانفاق راسخة صادقة.\nقوله [فأجرهما سواء] أي نية، وأما ثواب العمل فله مزية، والأسوة (١) بحسب ثواب النية فحسب، وكذلك في الآتي من الوزر فإن وزر النية لهما سواء، وإن كان كيفية وزر العامل زائدة على وزن الناوي.\n\n[باب (٢) في هم الدنيا] قوله [وأجدني اليوم قد جمعت] وكانت عنده دراهم ستة عشر (٣) مثلها.\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه، والظاهر أنه تصحيف من الناسخ، والصواب السوية، وإنما احتاج الشيخ إلى هذا التوجيه لما هو مقتضى القواعد أن المباشر فوق الناوي في الأمرين، مع أن المباشر له شيئان النية والمباشرة، والنادي له شيء واحد فقط وهو النية، فقد حكى السيوطي في الدر عن أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه عز اسمه: من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر إلى سبعمائة أضعاف، الحديث، قال القارئ قال ابن الملك: هذا الحديث لا ينافي حديث إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به، لأنه عمل ههنا بالقول اللساني، والمتجاوز عنه هو القول النفساني، انتهى. والمعتمد ما قاله العلماء المحققون أن هذا إذا لم يوطن نفسه ولم يستقر قلبه بفعلها، فإن عزم واستقر يكتب معصية، انتهى. قلت: فإن عمل بهذه النية السيئة يكتب أيضًا سيئة واحدة، كما صرح بها النصوص، لكن تفارق معصية النية معصية العمل في الكيفية، وإن كانتا واحدة باعتبار الكمية كما هو مقتضى القواعد.\n(٢) تقدم الكلام على أول الحديث قريبًا في الحاشية.\n(٣) هكذا في المنقول عنه، والظاهر سقوط، قال ابن الأثير في أسد الغابة: وكان من زهاد الصحابة، وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: اشتكى سلمان فعاده سعد فرأه يبكي فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي! أليس قد صحبت لرسول الله ﷺ، أليس؟ قال سلمان: ما أبكى واحدة من اثنتين، ما أبكى ضننا للدنيا، ولا كراهية للآخرة، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا فما أراني إلا قد تعديت، قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إلي أنه يكفي أحدكم مثل زاد المراكب، ولا أراني إلا قد تعديت، قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهمًا من نفقته كانت عنده، انتهى.","vol":"3","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>[باب في أعمال هذه الأمة]</span>\nقوله [عمر أمتي إلخ] المراد بالأمة (١) ههنا أمة الدعوة، والقاعدة أكثرية، وأعمارهم تزيد وتنقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>[باب في تقارب الزمن]</span>\nقوله [حتى يتقارب الزمان] بينه صاحب (٢) الحواشي،\n_________\n(١) قال القارئ: قيل معناه آخر عمر أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين وانتهاؤه سبعون، وقل من يجوز سبعين، وهذا محمول على الغالب، ذكره الطيبي، وفيه أن اعتبار الغلبة في جانب الزيادة على السبعين واضح جدًا، وأما كون الغالب في آخر عمر الأمة بلوغ ستين في غاية من الغرابة، فالظاهر أن المراد به أن عمر الأمة من سن المحمود الوسط المعتدل الذي مات فيه غالب الأمة ما بين العددين، منهم سيد الأنبياء وأكابر الخلفاء، وغيرهم من العلماء والأولياء، انتهى.\n(٢) ولفظه: أي يطيب الزمان حتى لا يستطال، وأيام السرور قصيرة، وقيل: كناية عن قصر الأعمار وقلة البركة، وقيل: لكثرة اهتمام الناس بالنوازل والشدائد، وشغل قلبهم بالفتن لا يدرون كيف ينقضي أيامهم، والحمل على أيام المهدي وطيب العيش لا يناسب أخواته من ظهور الفتن والهرج، والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان، انتهى. زاد صاحب المجمع وقيل: تقارب أهل الزمان بعضهم بعضًا في الشر، أو أراد مقاربة الزمان نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره، أو مسارعة الدول إلى الانقضاء إلى الانقراض، فيتقارب زمانهم ويتدانى أيامهم، وقيل بمعنى عدم ازدياد ساعات الليل والنهار وانتقاصها بأن يتساويًا طولًا وقصرًا، قال أهل الهيئة: تنطبق دائرة البروج على معدل النهار، انتهى.","vol":"3","page":242},{"text":"واللا مانع من حمله على الحقيقة، والمراد (١) في الحديث بيان القلة لا الحساب حتى يعترض بأنه لا يستوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>[باب في قصر الأمل]</span>\nقوله [ببعض جسدي (٢)] ليكون أوقع في النفس لتنبيهه.\nقوله [عابر سبيل] هذا ترق على الأول، فإن الغريب أي النازل لتقضي (٣) ليلة أو ليلتين يحتاج إلى اهتمام في حوائجه ويتردد لها ما لا يحتاج العابر، والعابر (٤) الراكب على السبيل قام تحت شجرة ليستريح.\n_________\n(١) هذا جواب عما يشكل على الحديث بأن نسبة الشهر إلى السنة نسبة الواحد إلى اثني عشر، ونسبة الجمعة إلى اليوم نسبة الواحد إلى السبعة، فلا يتساوى حساب القصر في السنة والجمعة، وكذا في غيرهما، وما أجاب به الشيخ أوجه وأوضح مما أول الحديث القارئ.\n(٢) أي بمنكبي كما في رواية البخاري، وفيه إيماء إلى أن هذه الحالة الرضبة لا توجد إلا بالجذبة الإلهية، قاله القارئ:\n(٣) قال المجد: تقضي انصرم وفني، انتهى.\n(٤) قال الراغب: أصل العبر تجاوز من حال إلى حال، والعبور يختص بتجاوز الماء، إما بسباحة أو بسفينة، انتهى. وقال المجد: عبره عبرًا وعبورًا قطعه، والسبيل شقها، انتهى. فما أفاده الشيخ هو مراد، يعني والمراد بالعابر الراكب على السبيل الذي قام تحت شجرة ليستريح، فهو لا يحتاج إلى شيء ولا يتردد له، وهو مستفاد من حديث ابن مسعود ذكره صاحب المشكاة برواية الترمذي وغيره: أن رسول الله ﷺ نام على حصير فقام وقد أثر في جسده، فقال ابن مسعود: يا رسول الله لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل، فقال: مالي وللدنيا؟ وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، انتهى.","vol":"3","page":243},{"text":"قوله [وعد نفسك من أهل القبور] ترق عليه، كأنك ميت لا تحتاج إلى شيء، ولا تريد شيئًا، بل كل صنيعه في أيدي الآخرين، فكذلك اجعل أنت جملة أمورك في يدي ربك ﷾، ترضى بما قضاه، وتشكر على ما أعطاه، وتصبر على ما تراه.\nقوله [وخذ من صحتك قبل سقمك] أي اعمل في صحنك أعمالًا يكتب لك أجرها بعد سقمك، أو اعمل ما يكون مهيئًا لك في سقمك، وحاصل المعنى الثاني أنك إذا أردت أن تصلي فصل أربعًا أربعًا، لعلك تسقم غدًا فيكون هذا بذاك، وتكون لكل من اليومين بافلتان، والمعنى الأول أولى لمطابقته ما ورد في الحديث أن المرأ إذا داوم على عمل ثم مرض يكتب له أجر ما كان يعمل في صحته.\nقوله [ووضع يده عند قفاه] الظاهر (١) أن المراد تمثيل الأجل باليد\n_________\n(١) كانت عبارة الإرشاد الرضى أيسر وأوضح للمقصود لكونها في اللسان الهندي فأردت أن أذكرها بلفظها تكميلًا للفائدة فقال: يا تو دونون هذا كما أشاره طرف قفا كي هو، اور يه أشاره مركب هو، بس يه رقبه كويا ابن آدم هي أور يه هاتهه قابض كردن أجل هي، يعني أجل كردن بكثري هوني هي أور منتظر حكم كي هي، أور وجه تخصيص رقبه كي يه هوكي كه رقبه تعبير تمام بدون سي هوتا هي، كما قال تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيس هي اكر كوئي ابني بيوي كوك هي كه رقبتك طالق تو طلاق واقع هو جائيكي كه رقبه تعبير ذات أور تمام جسد سي هي، يا وجه تخصيص يه هو كه جب قبضه كردن بر هوتا هي تو وه قبضه تام هوتا هي مقبوض كو رهائي دشوار هوتي هي بس قبضة موت بهي أيسر هي هي، يا هذا ابن آدم كا أشاره ظاهر هي كه جسكو هر شخص جانتا هي اسكي تعيين كي ضرورت نهين، اور قفا بكثر كر اجل كي طرف أشاره فرمايا كه وه قابض ومنتظر هي، حاصل يه هي كه اميد إنسان كي كسقدر دراز وطويل هوتي هي أور أجل كا يه حال هي كه كردن بر قابض أور منتظر حكم كي هوتي هي كه كب حكم هو كه اس كي كردن مروزون، انتهى.","vol":"3","page":244},{"text":"وقد وضعت على القفا، فكأن الأجل قابض على المرء كقبض الكف عليه، والإنسان غير محتاج إلى الإشارة والبيان، ويمكن أن يكون قبضه ﷺ على رقبته إشارة (١) مركبة، فيكون الرقبة كأنها إنسان، واليد القابضة عليها أجله، وعلى هذا فتخصيص الرقبة بالقبض دون سائر جسده مع أن الإنسانية غير مختصة بشيء من أجزائه لما لها من مزيد ومزية إليه بالنسبة إلى سائر الأجزاء، فإن القابض على الرقبة لا يكاد ينفلت منه المقبوض، بخلاف القابض بغيرها من الآراب، ولأن الرقبة يعبر بها عن الجميع، إلى غير ذلك من الوجوه.\nقوله [بسطها] أي مد يده، والمد إما في جانب أمامه، ويمكن أن يكون النبي ﷺ مد يده فوق رأسه إلى جهة السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>[باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان </span>(٢) إلخ] إنما وضع الترجمة بهذا\n_________\n(١) قال القارئ: قال الطيبي ممتازًا عن سائر الشراح: قوله ووضع يده، الواو للحال، وفي قوله وهذا أجله للجمع مطلقًا، فالمشار إليه أيضًا مركب، فوضع اليد على القفا معناه أن هذا الإنسان الذي يتبعه أجله هو المشار إليه، وبسط اليد عبارة عن مدها إلى قدام، انتهى.\n(٢) هكذا في النسخة المصرية، وما أفاده الشيخ من توجيه الترجمة لا يحتاج فيه إلى ما قاله المحشي، ولفظة: هكذا في أصل الكروخي والصواب واد وثان، انتهى. ويحتمل أن يكون المصنف أشار بالترجمة إلى اختلاف الروايات في ذلك، ففي المشكاة برواية الشيخين عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، الحديث. قال القارئ: وفي الجامع لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثًا، الحديث رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس، وأحمد والشيخان عن ابن عباس، والبخاري عن ابن الزبير، والنسائي عن أبي هريرة، وأحمد عن أبي واقد، إلى آخر ما قاله، وهذا التوجيه مؤيد لتوجيه الشيخ أن الحصر ليس بمراد.","vol":"3","page":245},{"text":"اللفظ مع أن الحديث المذكور فيه ليس فيه ذكر الواديين إشارة إلى أن المذكور في الحديث ليس المراد به الحصر على ما ذكر، بل المراد به أنه لو كان له واد لابتغى ثانيًا، ولو كان اثنان لابتغى ثالثًا، وهلم جرًا إلى ما تشاء.\nقوله [يهرم ابن آدم] ويضعف منه كل قوة وشهوة سوى هذين، وهذا أكثري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>[باب في الزهادة في الدنيا]</span>\nقوله [وأن تكون في ثواب المصيبة إذا إلخ] المراد بالمصيبة ههنا ما يصيب الجسم من الآلام والأسقام.\nقوله [لو أنها أبقيت لك] داخل في المفضل والمفضل (١) محذوف، وتقدير العبارة كونك راغبًا في ثواب المصيبة لو أبقيت لك أزيد من رفعها، أي إن المصيبة لا تبقى بل ترتفع، لكنها لو أبقيت فإنك لا ترغب فيه أزيد من رغبتك فيها، هذا ما قاله الأستاذ أدام الله ظله وأفاض علينا كثره (٢) وقله، وهو حق لا غبار عليه،\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه، والظاهر فيه سقوط من الناسخ، والصواب المفضل عليه.\n(٢) الكثر بالكسر والضم الكثير، وضده القل بالكسر والضم.","vol":"3","page":246},{"text":"ولعله المحصور فيه الحق والصواب، ولا يبعد أن (١) في توجيه العبارة: أن المراد بالمصيبة ههنا ما يصيب من نقص في الأموال، والمفضل عليه محذوف، لكن جملة (لو أنها أبقيت لك) داخلة في المفضل عليه، والمعنى كونك أرغب في ذهاب الشيء الذي أصبت بفقدها من كونها لو أنها أبقيت لك ولم تذهب، وإطلاق المصيبة على الشيء المفقود المصاب به غير قليل، فقد ورد في الحديث: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، فقد سأل خيرًا من المصيبة، وههنا لا يصح من المصيبة إلا المعنى الأخير، وعلى هذا فالحديث بيان لنعمتي الصبر والشكر، وموافق لما ورد من أن لا يفرح بموجود كما في الجملة الأولى، ولا يساء بمفقود كما في الجملة الثانية، والله أعلم بالصواب.\nقوله [وهو يقول ألهكم إلخ] أي حين (٢) وصلت إلى مجلسه ﷺ ألفيته ﷺ يفسر قوله تعالى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ أي طلب (٣) الكثرة على الآخر، سواء كان في القول بأن يقول كل: مالي أكثر من مالك، ورجالي أكثر من رجالك،\n_________\n(١) وكلا التوجيهين أحسن مما قال القارئ: (وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها) بصيغة المجهول (أرغب فيها) أي في حصول المصيبة (لو أنها) أي لو فرض أن تلك المصيبة (أبقيت لك) أي منعت لأجلك وأخرت عنك، فوضع أبقيت موضع لم تصب، وجواب لو ما دل عليه ما قبلها، وخلاصته أن تكون رغبتك في وجود المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها، انتهى. ففي هذا التوجيه غير معنى أبقيت بخلاف توجيهي الشيخين، انتهى.\n(٢) ولفظ مسلم بسنده عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ إلهاكم التكاثر، الحديث.\n(٣) قال القارئ: قوله إلهاكم التكاثر، أي أشغلكم طلب كثرة المال، وقوله: مالي مالي، أي يغتر بنسبة المال تارة ويفتخر به أخرى، انتهى.","vol":"3","page":247},{"text":"إلى غير ذلك، أو في الفعل بأن يطلب كل كثرة على الآخر في ماله وخيله وجماله.\nقوله [فأمضيت] فيه إشارة (١) إلى أنه ينبغي أن يكثر الانفاق، لأنه إبقاء إلى غير ذلك الموضع، فيوجد باقيًا، وقوله أفنيت وأبليت إشارتان إلى أن الواجب أو الذي ينبغي أن يداوم عليه ويثابر الاكتفاء من الأكل واللباس على ما لا بد منه، فإنه لما كان إفناءًا وإبلاءًا ينبغي أن لا يستكثر منهما فإنه إضاعة مختصة.\nقوله [فكأنما حيزت (٢) له الدنيا] أي كأنه سلطان، فإن المستفاد يجمع الدنيا ليس إلا هذه الثلاث.\nقوله [ثم نقر بيديه (٣)] أي صفق بهما وضرب بإحداهما على الأخرى\n_________\n(١) قال القارئ: قوله فأمضيت، أي أمضية من الإفناء والإبلاء وأبقيته لنفسك يوم الجزاء، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاق﴾ وقال عز اسمه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ الآية، انتهى.\n(٢) قال القارئ: من الحيازة وهي الجمع والضم، قول في أوله: قوله سربه، المشهور كسر السين أي في نفسه، وقيل: السرب الجماعة فالمعنى في أهله وعياله، وقيل: بفتح السين أي في مسلكه وطريقه، وقيل: بفتحتين أي في بيته، انتهى.\n(٣) هكذا في النسخ الهندية، وما فسر به الشيخ محتمل اللفظ، وفي النسخة المصرية، ثم نفض بيده، وفي المشكاة برواية أحمد والترمذي وابن ماجة: ثم نقد بيده، قال صاحب المجمع: بالدال من نقدته بأصبعي واحدًا بعد واحد، وهو كالنقر بالراء، ويروى به أيضًا، والمراد ضرب الأنملة على الأنملة أو على الأرض كالمتقلل للشيء، أي يقلل عمره وعدد بواكيه، ومبلغ تراثه، وقيل: هو فعل المتعجب من الشيء، انتهى. وقال القارئ: نقد بالنون والقاف والدال المهملة المفتوحات أي نقد النبي ﷺ بيده، بأن ضرب إحدى أنملتيه على الأخرى حتى سمع منه صوت، وفي النهاية: هو من نقد الدراهم، ونقد الطائر الحب إذا لقطه واحدًا بعد واحد، وهو مثل النقر، ويروى بالراء وهو كذا في نسخة، أي صوت بأصبعه، وفي رواية -وهي الظاهر من جهة المعنى جدًا- ثم نفض يده، انتهى. ثم ذكر شيخ مشائخنا الشاه عبد الغني في الانجاح أن هذه الفرقة تسمى الملامتية ورئيسهم الصديق الأكبر فإنه لم ينقل عنه ما نقل عن غيره من الصحابة والتابعين وغيرهم من العبادات الكثيرة الشاقة، ومع ذلك ورد في حقه: لو وزن إيمان أمتي مع إيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر، وحقق ذلك الشيخ محي الدين العربي، وتبعه الشيخ عبد الوهاب الشعراني في اليواقيت، وإنما يسمون بالملامتية لأنهم لا يخافون في الله لومة لائم، لعدم التفاتهم إلى المخلوق لا لما اشتهر بين الناس أنهم يتهاونون في بعض أمور الشرع، حاشاهم عن ذلك، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ولا يخفى أن مثل هذا الرجل يلام في العوام، ما لهذا الرسول يأكل الطعام، الآية، ثم لا يخفى أن هذه الصفات التي ذكرت في الحديث من كونه خفيف الحاذ، وقلة الرزق، والغموض في الناس، والحظ في الصلاة، وتعجيل المنية، وقلة التراث، كانت في الصديق الأكبر على وجه الكمال، فإنه لم يفتح في زمنه فتوحات، ولم يعش بعد النبي ﷺ إلا سنتين وأشهرًا، وحظه في الصلاة بحيث لا يلتفت إلى غيرها مشهور في الأحاديث الصحاح، والغموض في الناس على حرفة البزازين، وقلة بواكيه لقلة العيال مما لا يخفى على المتأمل، انتهى.","vol":"3","page":248},{"text":"كما يفعل في التعجيل للشيء وبيان عجيب في ديارنا أيضًا، والمراد بذلك أنه لما مرض وقارب الموت لم يسأله أحد لقلة المبالاة به وإنما (١) اشتهر موته، وذلك\n_________\n(١) غرض الشيخ بهذا الكلام الإشارة إلى أن قوله ﷺ عجلت منهته ليس باعتبار موته وخروج روحه، بل باعتبار سماع الناس خبر موته، فإنهم لم يخبروا بمرضه بل بموته دفعة واحدة، وإنما احتاج إلى ذلك لأن الظاهر من اعتبار حاله من خفة الحاذ، وقلة المال، وقلة الأعوان، والبر على ما ابتلى به من الشدة، وكفاف الرزق، أن لا يداوى بالأدوية، ولا يعان بالأطباء، فالظاهر من هذه الأحوال ابتلاؤه بشدة المرض أيضًا، واختلفت الشراح في معنى عجلة المنية، فقيل: لم يلبث إلا قليلًا فإشارة إلى قصر عمره كما حكاه القارئ عن التوربشتي، وقيل: يسلم روحه سريعًا لقلة تعلقه بالدنيا، وغلبة شوقه إلى المولى، كما مال إليه القارئ، وحكى عن الأشرف أنه قليل مؤن الممات كما أنه قليل مؤن الحياة، انتهى.","vol":"3","page":249},{"text":"سبب لعجلة منيته في أسماع الناس وآرائهم، وإلا فقد مات بعد معاناة الأمراض والأسقام، ومقاساة الشهور والأعوام، والغرض بهذا التصفيق أنه لم يخبر به الناس في مرضه حتى يعاد، وذلك لما أنه لم يك عندهم بحيث يعودوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>[باب في فضل الفقر </span>(١)] قوله [أنظر ما تقول] يعني أن المحبة قد تكون اضطرارية (٢) ولا مدفع بموجبه ومقتضاه، وقد يكون تكلفًا وتصنعًا فتعود إلى التخلق والتطبع، فإن كان القول الذي قلته من قبيل الثاني فلا تفعل،\n_________\n(١) ولا يذهب عليك أن ههنا بحثين طويلين لا يسعهما المقام، وقد تكلم عليهما في المطولات، الأول الجمع لروايات ما في الباب بالروايات التي وردت في تعوذه ﷺ من الفقر، وقد أشار إلى الجمع بينها الشيخ في البذل، والثاني اختلافهم قديمًا وحديثًا في أن الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر.\n(٢) يعني أن المحبة إذا كانت بلا اختيار من الرجل فما يتفرع عليها من لوازم المحبة وثمراتها لا بد من تحملها ضرورة وجبرًا، ولا إمكان لدفعها، لأنها من لوازم المحبة، وهو بلا اختيار منه، وإذا ثبت الشيء ثبت بلوازمه، فكذلك دعواك المحبة مني إن كان اضطرارًا فما يتفرع عليه من سرعة الفقر لا دافع له، وإن كانت هذه الدعوى منك بالتكلف فسيصير مآله إلى الاعتياد فإن الرجل إذا اختار شيئًا بالتكلف والتصنع فبعد مقاساة شدائد التكلف يكون طبعًا له، ولذا يعودون الصبيان بالضرب والتأديب الصلاة والأخلاق الحسنة لتصير طبعًا له، فإن كانت الدعوى منك من هذا القبيل فلا تتكلف لهذا لأن الأمر إلى الآن في قبضتك، لكن إذا وصل الأمر إلى حقيقة المحبة فخرج من اختيارك ورتب عليها ما يرتب على المحبة مني من سرعة الفقر.","vol":"3","page":250},{"text":"لأن الأمر بعد في يديك، وإذا خرج من اختيارك وضرب (١) تحبسي حقيقية ولم يبق تكلفًا وتصنعًا، فإني أخشى عليك الفقر، فإن المحتابين المتحدين في عاقبة الأمر، كما هو مآل المحبة تتحد (٢) خصالهم- والواردات عليهم، ونحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء الأمثل فالأمثل، ومن ههنا يعلم فضل الفقر (٣) على الغنى، قوله [بخمس مائة عام] الظاهر (٤) أن ذلك ليس تحديدًا، وإنما\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه، والظاهر عندي أنه تحريف من الناقل، والصواب وصرت تحبي.\n(٢) كما هو معروف في باب المحبة فمن الأمثال: النفس مائلة إلى شكلها، وقد قيل: عن المرء\nلا تسأل وسل عن جليسه ... فإن الجليس بالمجالس مقتد\nإذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردي فتردي مع الردي\n(٣) وفي المسألة خلاف مشهور، وحكى الحافظ عن القرطبي أن العلماء فيها خمسة أقوال: بالثها الأفضل الكفاف، ورابعها يختلف باختلاف الأشخاص، وخامسها التوقف، وحكى عن جمهور الصوفية ترجيح الفقير الصابر، وبسط الكلام.\n(٤) وإليه مال القاري كما بسطه في المرقاة، وحكى عن الأشرف يمكن أن يكون المراد من الأغنياء في حديث الخريف أغنياء المهاجرين، أي يسبق فقراء المهاجرين إلى الجنة بأربعين خريفًا، ومن الأغنياء في حديث الباب الأغنياء الذين ليسوا من المهاجرين، فلا تناقض بين الحديثين، وتعقبه القاري بأنه إنما يتم إذا أريد بالفقراء الخاص، وبالأغنياء العام، فلا يفهم حكم الفقراء من غير المهاجرين، فالأولى حمل الحديث على العموم، وهو أن يراد به التكثير لا التحديد، أو أخبر أولًا بأربعين، ثم أخبر ثانيًا بخمس مائة زيادة من فضله على الفقراء ببركته ﷺ، أو التقدير بأربعين خريفًا إشارة إلى أقل المراتب، وبخمس مائة عام إلى أكثرها، ويدل عليه ما رواه الطبراني عن مسلمة بن مخلد بلفظ: سبق المهاجرون الناس بأربعين خريفًا إلى الجنة، ثم يكون الزمرة الثانية مائة خريف، فالمعنى أن يكون الزمرة الثالثة مائتين، وهلم جرا، أو الاختلاف باختلاف مراتب أشخاص الفقراء في حال صبرهم ورضاهم وشكرهم، وهو الأظهر المطابق لما في جامع الأصول حيث قال: وجه الجمع بينهما أن الأربعين أراد بها تقدم الفقير الحريص وأراد بالخمس مائة تقدم الفقير الزاهد، ولا تظنن أن هذا التقدير وأمثاله يجري على لسان النبي ﷺ جزافًا ولا بإنفاق، بل لسر أدركه ونسبة أحاط بها علمه، فإنه ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ انتهى.","vol":"3","page":251},{"text":"المقصود بذلك بيان كثرة زمان قبليتهم في الدخول، ولا يبعد أن يكون تحديدًا أيضًا، والذي يرد من القليل من هذا كأربعين خريفًا مثلًا ليس ينفي الأكثر منه، حتى يخالف هذه الرواية، أولًا مفهوم للعدد، أو يقال: إن تفاوت المدد (١) بتفاوت أحوال الأغنياء في غنائهم.\nقوله [قال إنهم يدخلون الجنة إلخ] هذه الفضيلة جزئية، والأغنياء\n_________\n(١) بضم الميم جمع مدة، وهي برهة من الزمان كما في المجمع.","vol":"3","page":252},{"text":"يفضلون على الفقراء بجهات (١) أخرى، فلم يترك (٢) النبي ﷺ هذه أيضًا وهو محرز فضل الغنى أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>[باب ما جاء في معيشة النبي ﷺ]</span>\nأراد بيان إجابة دعائه الذي دعا بها من\n_________\n(١) من كثرة ثواب الصدقات والصلات والأوقاف وبناء المساجد والمدارس وغيرها.\n(٢) يعني أن سيد الكونين وسيد البشر وسيد الأنبياء كما كان محرزًا لفضيلة الفقر كذلك لم يترك فضائل الغنى من الشكر والسماحة، والصلة والبر، وغيرها، كما لا يخفى على من طالع السير، قال صاحب الشفاء: لا يوازي في هذه الأوصاف ولا يباري بهذا وصفه كل من عرفه، وروى عن جابر يقول: ما سأل النبي ﷺ عن شيء فقال لا، وعن ابن عباس كان النبي ﷺ أجود بالناس بالخير، وأجود ما كان في شهر رمضان، الحديث مشهور، وقد قال له ورقة بن نوفل قبل البعثة: إنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم، وجاءه رجل فسأله فقال: ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي ﷺ ذلك، فقال له رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم النبي ﷺ وعرف البشر في وجهه، وعن أنس قال: كان النبي ﷺ لا يدخر شيئًا لغد، وغير ذلك من الروايات الكثيرة الشهيرة التي لا يمكن إحصاؤها، قال المناوي: وقد جمع الله لحبيبه بين مقام الفقير الصابر والغني الشاكر على أتم الوجوه، فكان سيد الفقراء الصابرين والأغنياء الشاكرين، فحصل له من الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، ومن الشكر على الغنى ما لم يقدر عليه غيره، فكان أصبر الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه تقدس كمل له مراتب الكمال، انتهى.","vol":"3","page":253},{"text":"عيسه (١) سكينًا. قوله [ما أشبع من طعام] إلا يحضرني البكاء إلا أني أضبطه، ولو شئت أن أبكي لبكيت، وإنما قلنا إنه يحضرها البكاء لأن البكاء ليس اختياريًا إلا بعد الحضور (٢).\nقوله [مرتين في يوم] هذا لا يقتضي شبعه مرة حتى يخالف ما سيأتي من الحديث. قوله [ثلاثًا تباعًا (٣) من خبز البر] هذا كالذي قبله في أنه لا يقتضي شبعه يومين متتابعين. قوله [على خوان (٤)] هو ماله قوائم، وقوله [مرققًا] هم ما يسمونه جباتي.\nقوله [ما رأى رسول الله ﷺ] النفي لعله مبالغة في نفي الأكل، ولا مانع من الحمل على حقيقته.\nقوله [أهراق دمًا إلخ] وقد كانت (٥) وقعت قضية بين المؤمنين والكافرين\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه، والظاهر «من عيشه مسكينًا» وهو إشارة إلى ما تقدم قريبًا من دعائه ﷺ: اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين، الحديث.\n(٢) وما أفاده الشيخ وجيه لأن قولها: فأشاء أن أبكي، لا يتفرع إلا على هذا، وإليه أشار القاري في شرح الشمائل إذ قال: فأشاء أن أبكي بأن لا أدفع البكاء عن نفسي، انتهى.\n(٣) بكسر المثناة الفوقية وخفة موحدة، أي ولاء، كذا في المجمع.\n(٤) قال القاري في شرح الشمائل: المشهور فيه كسر المعجمة، ويجوز ضمها، وهو المائدة ما لم يكن عليه طعام، والصحيح أنه اسم أعجمي معرب، ويطلق في المتعارف على ما له أرجل ويكون مرتفعًا عن الأرض، واستعماله لم يزل من دأب المترفين وصنيع الجبارين، لئلا يفتقروا إلى خفض الرأس عند الأكل، فالأكل عليها بدعة لكنها جائزة، انتهى.\n(٥) قال القاري في شرح الشمائل: (قوله وما في سبيل الله) أي من شجة شجها لمشرك، كما رواه ابن إسحق أن الصحابة كانوا في ابتداء الإسلام على غاية من الاستخفاء وكانوا يستخفون بصلاتهم في الشعاب، فبينما هو في نفر منهم في بعض شعاب مكة ظهر عليهم مشركون وهم يصلون، فعابوهم واشتد النفاق بينهم، فضرب سعد رجلًا منهم بلحي بعير فشجه، فكان أول دم أريق في الإسلام، وهكذا قال المناوي وزاد: ولم ينقل أن سعدًا أول من قتل نفسًا في سبيل الله، ولو وقع لأنه مما تتوفر الدواعي لنقله، انتهى. قوله (لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله) قال ميرك: ذكر أكثر أهل السير أن أول غزوة غزاها النبي ﷺ الأبواء على رأس اثنى عشر شهرًا من مقدمة المدينة يريد عير القريش، وروى ابن عائد في مغازيه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ لما بلغ الأبواء بعث عبيدة بن الحارث وعقد له النبي ﷺ لواء، وهو أول لواء، فلقوا جمعًا كثيرًا من قريش، قيل أميرهم أبو سفيان، فتراموا بالنبل، فرمى سعد ابن أبي وقاص بسهم، فكان أول من رمى بسهم في سبيل الله، ذكره ميرك، وخالفه ابن حجر حيث قال: لم يقع بينهم قتال، قال القاري: ومن المعلوم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ولا يبعد أن يكون المراد نفي القتال المعروف، فلا ينافي رمي واحد من جانب، انتهى. وقال الحافظ في الفتح: كان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث، وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وهي أول سرية بعثها رسول الله ﷺ في السنة الأولى من الهجرة، فتراموا بالسهام، ولم يكن بينهما مسابقة، فكان سعد أول من رمى، انتهى.","vol":"3","page":254},{"text":"من أهل مكة، فشدخ سعد بن مالك رأس رجل منهم.\nقوله [بنو أسد إلخ] والحق أنها قبيلة من قبائل أهل الكوفة، وصرح المحشون (١) بخلافه، وقولهم وإن كان بعيدًا لكنه ممكن.\n_________\n(١) فلفظ الحاشية: قوله بنو أسد، أي بنو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد انتهى. وهو مأخوذ عن المجمع إذ قال: وكانوا أي بنو أسد وشوا إلى عمر أي عابوه في صلاته، وقيل: أراد به عمر إذ هو من بني أسد ٠ ن (علامة للنووي في شرح مسلم) أي تعزرني بنو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، انتهى. لكن قال الحافظ في الفتح: قوله أصبحت بنو أسد بن خزيمة بن مدركة، وكانوا ممن شكاه لعمر، ووقع عند ابن بطال أنه عرض في ذلك بعمر بن الخطاب، وليس بصواب فإن عمر من بني عدي بن كعب، ليس من بني أسد، ووقع عند النووي أسد بن عبد العزي يعني رهط الزبير بن العوام، وهو وهم أيضًا انتهى.","vol":"3","page":255},{"text":"قوله [لقد خبت إذن] إذ كنت كما يزعمون من أني لا أحسن أصلي، فإن مجاهداتي إذا كان كذلك كلها ضائعة.\nقوله [ممشقان] الممشق (١) هو الكيرو، وقوله [من كتان] هو ما ينسج من (بياض) (٢).\n_________\n(١) وفسر المشق صاحب لغات الصراح بكل سرخ، وقال صاحب نفائس اللغات: كيرو نوع أزكل سرخ است بعربي آزرًا مكر بفتح ميم وسكون كاف ومغرة كويند، وقال القاري في شرح الشمائل: ممشقان بفتح الشين المعجمة المثقلة، أي مصبوغان بكسر فسكون، وهو الطين الأحمر، قال العسقلاني، وقيل: هو المغرة بكسر الميم، وقال المناوي: هو المغرة أو الطين الأحمر، انتهى.\n(٢) بياض في المنقول عنه، وقال المناوي: كتان بمثناة فوقية مشددة وفتح الكاف معروف، قال ابن دريد، هو عربي سمي بذلك لأنه يكتن أي يسود إذا ألقى بعضه على بعض، انتهى. قلت: هو نبات تنسج منه الثياب، قال المجد: الكتان معروف ثيابه معتدلة في الحر والبرد واليبوسة، ولا يلزق بالبدن، ويقل قمله.","vol":"3","page":256},{"text":"قوله [يرى أن بي الجنون] فيضع (١) وكانوا يعالجون بذلك مجانينهم.\nقوله [فخرجت ألقى (٢) رسول الله ﷺ] لم يذكر الجوع مع أنه كان جائعًا أيضًا، ولعل جوعه قد صار (٣) منسيًا برؤية جماله ﷺ، أو لم يذكره لما علم أنه ﷺ يتأذى لما وقف على تكليفه (٤) وليس معه ﷺ شيء يشبعه ويطعمه، وبذلك (٥) يعلم تفرقة ما بين الشيخين.\n_________\n(١) قال القاري: يضع رجله على عنقي أي ليسن اضطرابي وقلقي، وقال المناوي: كانت تلك عادتهم بالمجنون حتى يفيق، انتهى.\n(٢) قال القاري في شرح الشمائل: أي أريد اللقاء والنظر والتسليم عليه، وفيه إثبات نيات متعددة في فعل واحد، وقال المناوي: فأدى جوعه بألطف وجه، وكأن المصطفى ﷺ أدرك بنور النبوة أن الصديق يريد لقاءه في تلك الساعة، وخرج أبو بكر لما ظهر عليه بنور الولاية أنه ﷺ لا يحتجب منه في تلك الساعة، انتهى. وعلى هذا فما وقع في بعض الروايات من ذكر الجوع في كلامه يحمل على قضية أخرى، انتهى.\n(٣) ولا استبعاد في ذلك فقد قال الشاعر الهندي: (صـ ٢٥٧ كلام هندي)\n(٤) قال الراغب: صارت الكلفة في التعارف اسمًا للمشقة، والتكلف اسم لما يفعل بمشقة، إلى آخر ما بسطه، فالظاهر أن المصدر في كلام الشيخ بمعنى المجهول.\n(٥) أما في الصورة الأولى يعني إذا صار جوعه منسيًا فظاهر، لأنه يدل على كمال عشقه بمالك أزمة الحسن والجمال الظاهري والباطني، وأما في الصورة الثانية فكذلك أيضًا إذ رجح احتمال تأذيه ﷺ على إظهار تكليفه، بخلاف الفاروق الأعظم إذ أظهر جوعه.","vol":"3","page":257},{"text":"قوله [إلى منزل أبي الهيثم (١)] وفيه جوازه إذا علم أن المضيف يرضى به ويفرح ولا يسوءه ذلك. قوله [ولم يلبثوا] إلخ أي أوقفتهم وقالت لهم أن لا يذهبوا فإنه آت عن قريب، وفيه جواز (٢) ذلك للنساء إذا علمن أن الزوج لا يغيره ذلك.\nقوله [فإني رأيته يصلي (٣) ولعله أسلم بعد الرق عند عامل النبي ﷺ\n_________\n(١) قال القاري: اسمه مالك بن النيهان بتشديد التحتية المكسورة، وفي رواية عند الطبراني وابن حبان في صحيحه أبي أيوب الأنصاري، فالقضية متعددة، وعلى كل ففيه منقبة عظيمة لكل منهما، إذ أهله ﷺ لذلك وجعله ممن قال الله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ انتهى. قال المناوي: قوله (الأنصاري) نسب لهم لأنه حليفهم وإلا فهو قضاعي، ترهب قبل هجرة المصطفى ﷺ إلى المدينة، أسلم وحسن إسلامه، وانطلاقهم إلى منزل هذا الأنصاري لا ينافي كمال شرفهم، فقد كان له ﷺ مندوحة عن ذلك، ولو شاء لكانت جبال تهامة تمشي معه ذهبًا، لكن الله ﷾ أراد أن يعزي الخلائق بهم، وأن يستن بهم السنن، ففعلوا ذلك تشريعًا للأمة، وهل خرج ﷺ قاصدًا من أول خروجه إلى إنسان معين، أو إنما جاء التعيين بالاتفاق؟ فيه احتمال، ثم رأيته في المطامح قال: الصحيح أن أول خاطر حركه للخروج لم يكن إلى جهة معينة إذ الكل لا يعتمدون إلا على الله ﷿، انتهى.\n(٢) قال المناوي: فيه حل سماع كلام الأجنبية مع أمن الفتنة وإن وقعت فيه مراجعة ودخول منزل من علم رضاه بإذن زوجته حيث لا خلوة محرمة، وإذنها في منزل زوجها إذا علمت رضاه، انتهى.\n(٣) والصلاة نور وبرهان، قال المناوي: فيه أنه ينبغي للمستشار أن يبين سبب إشارته ليكون أعون للمستشير على الامتثال، وأنه يستدل به على خيرية الإنسان وأمانته بصلاته، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، انتهى.\nواحتاج الشيخ إلى هذه الاحتمالات لأن إسلامهم قبل المسك يمنع الرق، كما صرح به أهل الفروع.","vol":"3","page":258},{"text":"أو عند مجاهد الإسلام. قوله [بطانتان (١)] الظاهر أن المراد بالبطانة نفسه، ولا يبعد أن يراد امرأته، لكن لا يصح لكل بطانتان (٢).\nقوله [عن حجر] بدل عن بطوننا بتضمين (٣) معنى الكشف.\nقوله [لعن عبد الدينار] والعبد إنما يتحقق إذا خالف فيه الشرع\n_________\n(١) قال القاري: بكسر أوله تثنية بطانة وهي المحب الخالص للرجل، مستعار من بطانة الثوب وهي خلاف الظهارة، وبطانة الرجل صاحب سره الذي يشاوره في أحواله، شبه ببطانة الثوب، انتهى. قال صاحب المجمع: قوله بطانتان أي جلساء صالحة وطالحة، والمعصوم من عصمه الله ﷿ من الطالحة، وقيل: أي نفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة، والمعصوم من أعطى نفسًا مطمئنة، أو لكل قوة ملكية وقوة حيوانية، والمعصوم من عصمه الله لا من عصمته نفسه، انتهى.\n(٢) إلا أن يقال: إن التثنية باعتبار التنويع كما هو أحد الأقوال في توجيه قوله ﷺ: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، الحديث.\n(٣) حكى القاري في شرح الشمائل عن الطيبي أن «عن» الأولى متعلق برفعنا بتضمين معنى الكشف، والثانية صفة مصدر محذوف، أي كشفنا ثيابنا عن بطوننا كشفًا صادرًا عن حجر حجر، فالتكرير باعتبار تعدد المخبر عنهم، قال: ويجوز أن يكمل التنكير في حجر على النوع، أي حجر مشدود على بطوننا فيكون بدلًا، وقال زين العرب: عن حجر، بذل اشتمال عما قبله بإعادة الجار كما تقول: زيد كشف عن وجهه عن حسن خارق، ثم عادة من اشتد جوعه وخمص بطنه أن يشد حجرًا على بطنه ليتقوم به صلبه، قيل: ولئلا ينتفخ، وحكى صاحب الأزهار أن ذلك يخص أحجارًا بالمدينة تسمى المشبعة، كأن الله تعالى خلق فيه برودة تسكن الجوع وحرارته، وتعقبه القاري، وفيه أقوال أخر ذكرها المناوي، ثم قال: فرفع رسول الله ﷺ حجرين ليعلم صحبه أن ليس عنده ما يستأثر به عليهم، لا أنه فعل ذلك من شدة الجوع، فإنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، ويدل لذلك ما جاء عن جمع أنه كان مع ذلك لا يتبين عليه أثر الجوع أصلًا، وبهذا التقرير يعلم أنه لا حاجة إلى ما سلكه ابن حبان من إنكار أحاديث وضع الحجر رأسًا في قوله: إنها باطلة لخبر الوصال، وأن الرواية إنما هي بالحجز بالزاي وهو طرف الإزار فتصحف، قال الحافظ ابن حجر: وقد أكثر الناس من الرد عليه، انتهى. وجمع بينهما القاري بأن عدم الجوع خاص بالمواصلة، انتهى.","vol":"3","page":259},{"text":"وإن وافق أمره تعالى فهو عبد له سبحانه لا للدرهم.\nقوله [ما ذئبان جائعان] والذئب إذا كان جائعًا لا يأكل واحدة بل يجرح في غلبة جوعه كثيرًا من الشياه ولا يطمئن حتى يأكل.\nقوله [وطاء] بكسر الأول (١) فعل أو فعال. قوله [يتبعه أهله وماله] بينه صاحب الحواشي (٢).\n_________\n(١) وما يظهر من القاموس وغيره أن الوطأ بالفتح موضع القدم ومصدر وطئي الشيء داسه، والوطاء كسحاب وكتاب خلاف الغطاء.\n(٢) ولفظه: تبعه مشى خلفه، هذا حقيقة والمراد معنى مجازي عام وهو تعلقها به بعده، وكونها معه إلى حين كأنها تمشي خلفه، وقيل: أراد بعض مماليكه، وقيل: اتباع الأهل على الحقيقة، واتباع العمل والمال على الاتساع، فإن المال حينئذ له نوع تعلق بالميت من التجهيز والتكفين، ومؤنة الغسل والحمل والدفن، فإذا دفن انقطع تعلقه بالكلية، انتهى مختصرًا وقال العيني: يتبعه أهله إلخ هذا باعتبار الأغلب، ورب ميت لا يتبعه إلا عمله فقط، وقوله: ماله مثل رقيقه ودوابه على ما جرت به عادة العرب، ومعنى بقاء عمله أنه إن كان صالحًا يأتيه في صورة رجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الرائحة فيقول: أبشر بالذي يسرك، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، وفي الحديث في حق الكافر: يأتيه رجل قبيح الوجه فيقول: أنا عملك الخبيث، كما في حديث البراء عند أحمد وغيره، انتهى.","vol":"3","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>[باب في الرياء والسمعة]</span>\nقوله [يرائى الله به] أي يحصل الله مقصوده ذلك، أي يراه الناس ويمدحونه، وكذلك فيما بعده (١). قوله [من لا يرحم] مناسبته بما قبله أن المتكبر وهو المرائي لا يرحمهم. قوله [أسألك بحق وبحق]\n_________\n(١) أي في الجملة الآتية من قوله ﷺ: من يسمع يسمع الله به، قال القاري من سمع بتشديد الميم أي عمل عملًا للسمعة بأن نوه بعمله وشهره ليسمع الناس به ويتمدحوه، سمع الله به بتشديد الميم أيضًا أي شهره الله بين أهل العرصات وفضحه على رؤوس الأشهاد، وفي شرح مسلم: معنى من يرائى من أظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم وليس هو كذلك يرائي الله به، أي يظهر سريرته على رؤوس الخلائق، وفيه أن قيده بقوله وليس هو كذلك ظاهره أنه ليس كذلك، بل هو على الإطلاق سواء يكون كذلك أو لا، وقيل: معناه من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه، وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه، وقيل: معناه من أراد أن يعلمه الناس أسمعه الله الناس، وكان ذلك حظه منه، انتهى. وذكر الحافظ هذه المعاني بشيء من التفصيل، ومختار الشيخ هو المعنى الأخير، ذكره الحافظ بلفظ: وقيل: المراد من قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه، ليعظموه وتعلو منزلته عندهم حصل له ما قصد، وكان ذلك جزاء عمله ولا يثاب عليه في الآخرة، انتهى. قلت: ولعل الشيخ اختاره من بين المعاني لما أنه مؤيد بقوله عز اسمه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ الآية، ولما أنه كالمدلول الصريح للحديث الآتي من قوله تعالى: «فقد قيل» ورجح الحافظ أول المعاني فقال: ورد في عدة أحاديث التصريح بوقوع ذلك في الآخرة فهو المعتمد، ثم ذكر الروايات المصرحة بذلك.","vol":"3","page":261},{"text":"قالوا (١): هذا تأكيد، والظاهر من توسيط العاطف غير ذلك، وهو أنه أشار أولًا إلى حق وثانيًا إلى حق هو مغائر للأول، فإما أن يراد بهما أخوة الإسلام وأخوة العربية، أو غيرهما من الأخوات، وإنما أكد بذلك تعطفًا لأبي هريرة عليه. فإن الأستاذ المعلم كثيرًا ما يغضب على التلميذ بمثل هذه التقييدات الغير المفيدة والغير المفتقرة إليها، فكل ما حدثه أبو هريرة عنه ﷺ إنما كان يحدث إذا عقله وعلمه بحسب فهمه.\nقوله [ثم نشغ (٢) أبو هريرة إلخ] وكان ذلك لتذكره ما كانوا عليه من صحبة النبي ﷺ، وما كانوا يحوزون بقربه من خيري الدنيا والدين، كما أشار إليه أبو هريرة بقوله: في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ولا يبعد أن يكون توارد ذلك عليه لإحضار ذهنه هول ما اشتمل عليه الحديث الذي أراد بيانه، قوله [فأول من يدعو به إلخ] هذا لا ينافي ما ورد أن أول ما يسأل\n_________\n(١) يعني المشهور على الألسنة أنه تأكيد، كما اختاره المحشى أيضًا لكن ذكر الثاني بحرف العطف يدل على أنه تأسيس، والمراد بالحق الثاني غير الأول، والمراد بالتقييدات ما ذكرها من قوله: سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته.\n(٢) قال صاحب المجمع: أصل النشغ الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشى، وإنما يفعل تشوقًا إلى ما فات وأسفًا عليه، ومنه حديث أنه ذكر النبي ﷺ فنشغ نشغة أي شهق شهقة وغشى عليه.","vol":"3","page":262},{"text":"عنه الصلاة، فإن أول السؤال من هؤلاء لعل عن (١) صلواتهم. قوله [وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه] أي العلاء [كان (٢) سباقًا لمعاوية فدخل عليه رجل] وهو الشفي (٣) المذكور إلا أن العلاء ما كان يعرفه فعبر عنه بلفظ رجل. قوله [فيسره] من الأسرار (٤) وهو الإخفاء. قوله [له أجران] هذا إذا لم يطلب بفشره مديح\n_________\n(١) يعني الوارد في حديث الباب لفظ الدعاء، فلا يبعد أن تكون هذه الثلاثة أول من يدعي بهم، إلا أن السؤال عن هؤلاء أيضًا يكون أولًا عن صلواتهم وبعدها عن هذه الأمور، فلا ينافي لفظ الحديث، وهو جمع حسن، ولا يبعد أن يجمع بينها بأن الأولية مختلفة باعتبار العرضات، ففي المشكاة برواية الترمذي وأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف، الحديث.\n(٢) قال المجدر: رجل سائف ذو سيف، وسياف صاحبه جمعه سيافة، أو هم الذين حصونهم سيوفهم، انتهى.\n(٣) هو بالفاء مصغر كما في التقريب، وحاصل ما أفاده الشيخ أن المهم في قوله: فدخل عليه رجل فأخبره بهذا هو الشفي الراوي للحديث، وصرح المصنف أيضًا بذلك قريبًا، إذ قال: إن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا.\n(٤) يعني لم يكن من قصده الإظهار والرياء بل كانت نيته الإخفاء والستر، لكن ظهر الأمر بغير قصد منه، والحديث أخرجه صاحب المشكاة برواية الترمذي عن أبي هريرة بسياق آخر، ولفظه: قلت: يا رسول الله؟؟؟ بينا أنا في بيتي في مصلاي إذ دخل على رجل فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال رسوله الله ﷺ: رحمك الله يا أبا هريرة! لك أجران، أجر السر وأجر العلانية، انتهى.","vol":"3","page":263},{"text":"الناس، بل كان قلبه (١) على ما كان عليه قبل اطلاعه. قوله [إنما معناه] هذا تعيين لأحد محتملات (٢) الحديث.\n_________\n(١) يشكل عليه لفظ الحديث فأعجبه، والجواب أن المراد ليس إعجاب المرائي وهو المنفي في كلام الشيخ، بل المراد من الإعجاب كون علانيته صالحة، فقد دعا النبي ﷺ رب اجعل سريرتي خيرًا من علانيتي، وعلانيتي صالحة، أو كما قال ﷺ.\n(٢) يعني أن الحديث كان محتملًا لعدة معان ففسره بأحدها اختيارًا منه لهذا المعنى، قال القاري: قوله لك أجران أجر السر لإخلاصك، وأجر العلانية للاقتداء بك، أو لفرحك بالطاعة وظهورها منك، قيل: معناه فأعجبه رجاء أن يعمل من رآه بمثل عمله فيكون له مثل أجره، كما قال ﷺ: من سن سنة حسنة الحديث، كذا في شرح السنة، والأظهر أن إعجابه بحسب أصل الطبع المطابق للشرع من أنه يعجبه أنه رآه أحد على حالة حسنة، ويكره أن يراه على حالة قبيحة مع قطع النظر عن أن يكون ذلك العمل مطمحًا للرياء والسمعة، فيكون من قبيل قوله ﷺ: من سرته حسنته وسائته سيئته فهو مؤمن، وقد قال عز اسمه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ﴾ قال الحافظ تحت حديث من سمع سمع الله الحديث: فيه استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهر ليقتدي به أو لينتفع به ككتابه العلم، ومنه حديث سهل: لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي، قال الطبري: كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدي بهم، قال: فمن كان إمامًا يستن بعمله عالمًا بما لله عليه، قاهرًا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفى لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف، انتهى.","vol":"3","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>[باب المرأ مع من أحب </span>(١)] قوله [وله ما اكتسب] دفع لما عسى أن يتوهم من (٢) تساويهما في الدرجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>[باب في البر والإثم]</span>\nقوله [البر حسن الخلق] وقد بينا لك (٣) أنه معاملة العبد بالخالق والخلق حسب ما يرضى به الخالق، واستقراء البر بهذا المعنى\n_________\n(١) قال الحافظ: قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه كتاب المحبين مع المحبوبين، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ، انتهى. قال القاري: فيه ترغيب وترهيب، وعد ووعيد، والمعنى يحشر مع محبوبه ويكون رفيقًا لمطلوبه، وظاهر الحديث العموم الشامل للصالح والطالح، ويؤيده حديث أبي هريرة مرفوعًا: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما. قال الغزالي: مجالسة الحريص تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا، لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع بحيث لا يدري، انتهى.\n(٢) وبذلك جزم الحافظ في الفتح إذ قال: أي ملحق بهم حتى تكون من زمرتهم، وبهذا يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتة فكيف تصح المعينة، فيقال: إن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شيء ما، ولا يلزم في جميع الأشياء انتهى.\n(٣) أي في كتاب البر وصلة، وتقدم في الأول كتاب البر في حاشيتنا هذه كلام القاري مفصلًا في معنى البر وحسن الخلق فارجع إليه.","vol":"3","page":265},{"text":"وشموله لمواقع البر وأفراده ظاهر، وقوله [والإثم ما حاك إلخ] فظاهر (١) أن المؤمن بحسب إيمانه يستحي عن إتيان الذنب ويحيك ذلك في قلبه، وأما إذا لم يبال بالآثام والذنوب فإما لعدم علمه بكونه ذنبًا، وحينئذ فليس ذلك بمؤاخذ عليه، أو لنقصان إيمانه فكان المراد بقوله: ما حاك في قلبك أن يحيك في قلب المؤمن، فإن المخاطب بهذا الخطاب إنما كان صحابيًا جليل القدر كامل الإيمان، ولا معتبر بقلب من لم يكمل إيمانه.\n_________\n(١) وتوضيح ذلك أن للحديث محملين جمعهما الشيخ في كلامه، الأول أن المراد منه المؤمن الكامل المتنور بنور الفراسة كما هو يقتضي المحل الوارد فيه الحديث، فإنه صحابي جليل القدر، فالمعنى الإثم ما تردد في الصدر بأن لم تشرح له النفس، وحل في القلب منه الشك ولم يطمئن إليه، قال التوربشتي: يريد أن الإثم ما كان في القلب منه شيء فلا ينشرح له الصدر، والأقرب أن ذلك أمر يتهيأ لمن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه، دون عموم المؤمنين، كذا في المرقاة، قلت: وهو الذي ورد في حقه برواية أبي هريرة مرفوعًا عند البخاري: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، الحديث. فالرجل الذي يكون الله عز اسمه عونه وسمعه وبصره فلابد أن يحيك في صدره ما لا يرضى منه الرب، ويكون الحديث في معنى قوله ﷺ: استفت قلبك، وفي معنى قوله ﷺ: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، كما في المقاصد الحسنة برواية الترمذي وغيره، والثاني أن المراد منه المؤمن مطلقًا وإن لم يبلغ إلى الدرجة العليا، فالمعنى أن مقتضى الإيمان أن يحيك في صدره الذنب، وإن لم يحك في صدره فهو نقص في إيمانه إلا يكون سببه الجهل، فيكون الحديث في معنى قوله ﷺ، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وفي معنى قوله ﷺ: فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه.","vol":"3","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>[باب الحب في الله]</span>\nقوله [يغبطهم النبيون والشهداء] ليس المراد بذلك ما فهمه المحشى وبينه (١)، بل المراد أنهم كانوا اغتبطوا بها لو لم تكن عندهم ولكن لما كانوا قد حصلوا تلك المرتبة لم يغبطوا، وحاصل ذلك أن هذه الفضيلة بحيث لو فرض عدمها للأنبياء لطمعوا فيها لعظمها ولكنهم كانوا قد حصلوها، والمحوج إلى هذا التوجيه أن الحب في الله الموجب للمزبة المذكورة في الأنبياء بأعلى المراتب، فكيف يجترأ على القول بأنهم لم يحصلوها.\nقوله [إمام عادل﴾ ووجه ذلك أن العدل إذا لم يخف عمن هو فوقه مشكل.\n_________\n(١) ولفظه: اعلم أن كل ما يتحلى به الإنسان من علم أو عمل، فإن له عند الله منزلة لا يشارك فيها أحد ممن لم يتصف بذلك، وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدارًا وأعلى شأنًا، فربما يغبط ويتمنى ويحب أن يكون مثل ذلك مضمومًا إلى ما له من المراتب الرفيعة والمنازل الشريفة، فلا يلزم حينئذ تفضيلهم على الأنبياء والشهداء، بل يظهر بذلك حسن حالهم في هذه الخصلة، انتهى قلت: هذا الكلام مأخوذ من القاري إلا قوله: فلا يلزم حينئذٍ إلى آخره، زاد القاري بعد قوله: المنازل الشريفة، فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك من دعوة الخلق وإظهار الحق، وإعلاء الدين وإرشاد العامة، إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم عن العكوف على مثل هذه الجزئيات، والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة فلعلهم لم يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء، فإذا رأوهم يوم القيامة ودوا لو كانوا ضامنين خصالهم هذا، والظاهر أنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء، بل بيان فضلهم وعلو شأنهم، والمعنى أن حالهم عند الله بمثابة لو غبط النبيون والشهداء مع جلالة قدرهم لغبطوه، وقال الطيبي: يمكن أن تحمل الغبطة ههنا على استحسان الأمر، كأن الأنبياء والشهداء يحمدون إليهم فعلهم، إلى آخر ما بسطه القاري.","vol":"3","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>[باب في إعلام الحب]</span>\nقوله [إذا أحب أحدكم أخاه إلخ] فإن مودة القلب كالبذر إذا لم يسق بماء المودات (١) الظاهرة عسى أن لا تنبت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>[باب في كراهية المدحة والمداحين]</span>\nقوله [أن نحثو في وجوه (٢) إلخ] أي الكذابين منهم، أو الذين يمدحون ليجروا بذلك منافع دنيوية وإذا لم يعطوا ولوا عنه مدبرين، وأما إذا مدح بما فيه من الحق ولم يرد بذلك منفعة دنيوية فلا، وأما حثو المقداد فلعل ذلك بعد علمه بمعنى الحديث أن المراد به الخيبة والحرمان عمل بظاهر الحديث أيضًا، أو لأن الحثو الواقع ههنا منه أحد أفراد الخيبة\n_________\n(١) ولذا ورد في الحديث الآتي فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو، فإن أوصل للمودة، وحكى القاري عن رواية للبيهقي فاسأله عن اسمه واسم أبيه، فإن كان غائبًا حفظته، وإن كان مريضًا عدته، وإن مات شهدته، قال: وهذا الحديث كالتفسير السابق.\n(٢) قال القاري: قيل يؤخذ التراب ويرمى به في وجه المداح عملًا بظاهر الحديث، وقيل: معناه الأمر بدفع المال إليهم إذ المال حقير كالتراب، أي أعطوه إياهم، واقطعوا ألسنتهم لئلا يهجوكم، وقيل: معناه أعطوهم عطاء قليلًا، فشبهه لقلته بالتراب، وقيل: المراد أن يخيب المادح ولا يعطيه شيئًا لمدحه، والمراد زجر المادح والحث على منعه من المدح لأنه يجعل الشخص مغرورًا متكبرًا، قال الخطابي: المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به، فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيبًا له في أمثاله وتحريضًا للناس على الاقتداء في أشباهه فليس بمداح، وفي شرح السنة: قد استعمل المقداد الحديث على ظاهره، ويتأول على أن معناه الخيبة والحرمان وفي الجملة المدح والثناء مكروه لأنه قلما يسلم المادح عن كذب، والممدوح من عجب يدخله، انتهى.","vol":"3","page":268},{"text":"المرادة في الحديث وإحدى طرقها. قوله [ولا يأكل طعامك إلا تقي] أي طعام المودة والمحبة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>[باب في الصبر على البلاء]</span>\nقوله [يبتلى الرجل على حسب دينه [أي أكثر ما يكون يكون كذلك (٢)، وكثيرًا ما يقع خلافه.\n_________\n(١) وبذلك جزم جمع من الشراح، قال الخطابي: هذا إنما جاء في طعام الدعوة دون طعام الحاجة، لقوله تعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ومعلوم أن إسراءهم كانوا كفارًا غير مؤمنين، وإنما حذر من مخالطته ومواكلته لأن المطاعم توقع الألفة والمودة في القلوب، كذا في المرقاة، قلت: وقد ثبت دعوته ﷺ للكفار مرارًا، وروى عنه ﷺ: الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله، كذا في المشكاة برواية البيهقي، وقد قبل من تصدق على سارق وزانية، وغفرت لامرأة مومسة بسقي كلب، وقيل: يا رسول الله! إن لما في البهائم أجرًا؟ قال: في كل ذات كبد رطبة أجر، وغير ذلك من الروايات الكثيرة في الباب، فالوجه ما أفاده الشيخ.\n(٢) ففي المشكاة برواية البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا: من يرد الله به خيرًا يصب منه، وقد ورد عند المصنف أيضًا عدة روايات صريحة في ذلك، وما أفاده الشيخ من قوله: وكثيرًا ما يقع خلافه يرشد إليه قوله عز اسمه ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ الآية، وما ورد في الروايات من انتقام الرب عز اسمه بالقحط وغيره إذا انتهكت محارمه، وما ورد في الزلازل وغيرها، ثم ذكر في الإرشاد الرضى أنه يشكل أن بعض الأنبياء السابقين كنوح ﵇ أو ذي أكثر منه ﷺ كما لا يخفى، والجواب أن عظم البلاء قد يكون باعتبار الكمية، وقد يكون باعتبار الكيفية، فالنبي ﷺ للطافة شأنه يشتد عليه ما لا يشتد على غيره، انتهى قلت: والحلم والعفو مع القدرة أشد ولا يوازيه شيء، والنبي ﷺ لما سأله ملك الجبال في الطائف أن يطبق عليهم الأخشبين قال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده.","vol":"3","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>[باب في ذهاب البصر]</span>\nقوله [إذا أخذت كريمتي عبدي إلخ] أي وصبر عليه كما بينه في الحديث الآتي. قوله [يلبسون للناس جلود الضأن] هذا على ظاهره فإن جلود الضأن كانت البتة لأمثال هؤلاء، وما قاله المحشى (١) صحيح أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>[باب في حفظ اللسان]</span>\nقوله [ما النجاة؟ (٢)] لما علم من حال السائل إيمانه وإتيانه بالأركان لم يتعرض لذلك وبين أن الكف عن المعاصي ملاك الأمر وجل القضية، ولما كانت المعاصي أكثرها باللسان خصصها بالذكر أولًا، ثم بين أن مخالطة الناس تدعو إلى ارتكاب ما ينافي النجاة فمنعه، ثم عقب كل ذلك بالاستغفار ليمحي ما بدر من الخطايا والسيئات. قوله [فرأى أم الدرداء متبذلة] وكان ذلك قبل (٣) نزول الحجاب.\n_________\n(١) ولفظه: لبس جلود الضأن كناية عن إظهار اللين مع الناس، انتهى. وقال القاري: المراد به عينه أو ما غلبه من الصوف وهو الأظهر، فالمعنى أنهم يلبسون الأصواب ليظنهم الناس زهادًا وعبادًا تاركين الدنيا راغبين في العقبى (من اللين) أي من أجل التلين والتلطف والتمسكن والتقشف مع الناس، وأرادوا به في حقيقة الأمر التملق والتواضع ليصيروا مريدين لهم ومعتقدين لأحوالهم، انتهى.\n(٢) أي ما الخلاص عن الآفات؟ قال الطيبي: والجواب على أسلوب الحكيم، سئل عن حقيقة النجاة. فأجاب ع سببه، لأنه أهم بحاله وأولى، وكان الظاهر أن يقول: حفظ اللسان، فأخرجه على سبيل الأمر الذي يقتضي الوجوب مزيدًا للتقرير والاهتمام، قال القاري: فيه تكلف بل تعسف في حق الصحابي، بل الأولى في التقدير: ما سبب النجاة؟ بقرينة الجواب، انتهى مختصرًا.\n(٣) ولا مانع من ذلك، وأيضًا فابتذال الحال يعرف بعد الحجاب الشرعي أيضًا كما لا يخفى.","vol":"3","page":270},{"text":"[باب (١) في شأن الحساب والقصاص] قوله [ليس بينه وبينه ترجمان] تنبيه على شدة الأمر وهوله. قوله [فتستقبله النار] أي لشدة (٢) الأمر وبأسه لما لم ير من أعماله الحسنة ما يعتد به لا يرى له إلا النار، فإن النظر لا يقع إلا على ما يخاف منه، وإن كان الجنة والنار والعرش كل هذه الثلاثة بجهة هي أمامه لا النار فقط، ولا يبعد أن يقال: معنى فتستقبله النار أن النار تتوجه إليه وتأخذه، لا أنها ترى في جهة مقابلة له حتى يحتاج إلى التكلف في الجواب. قوله [من كان ههنا من (٣) أهل خراسان إلخ] فإن الجهمية مع إنكارهم ما أنكروه كانوا يسلمون الروايات والآيات إلا أنهم كانوا يأولونها.\n_________\n(١) هكذا الترجمة في النسخ الهندية التي بأيدينا، وذكر في النسخة المصرية محلها «باب في القيامة» وذكر قبلها «أبواب صفة القيامة والرقائق والورع» وذكر «باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص» بعد أربعة أحاديث على حديث قتيبة عن عبد العزيز بسنده عن أبي هريرة رفعه: أتدرون من المفلس، فتأمل.\n(٢) قال ابن هريرة: نظر اليمين والشمال هاهنا كالمثل، لأن الإنسان من شأنه إذا دهمه أمر أن يلتفت يمينًا وشمالًا يطلب الغوث، قال الحافظ يحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجى أن يجد طريقًا يذهب فيها ليحصل له النجاة من النار، فلا يرى إلا ما يفضي به إلى النار، كما وقع في رواية محل بن خليفة، وقوله تستقبله النار، قال ابن هبيرة: والسبب في ذلك أن تكون في ممره فلا يمكنه أن يحيد عنها، إذ لابد من المرور على الصراط، انتهى.\n(٣) خصهم بالذكر لأن خراسان كان محل نزول جهم بن صفوان الضال المبتدع رأس الجهمية، قال الحافظ في اللسان: إنه كان يقضي في عسكر الحارث ابن سريج الخارج على أمراء خراسان، وقال في الفتح: إن الحارث بن سريج خرج على نصر بن سيار عامل خراسان لبني أمية وحاربه، والحارث حينئذ يدعوا إلى العمل بالكتاب والسنة، وكان جهم حينئذ كاتبه. ثم تراسلا في الصلح، وتراضيا بحكم مقاتل بن حيان والجهم، فاتفقا على أن الأمر يكون شورى حتى يتراضى أهل خراسان على أمير يحكم بينهم بالعدل، فلم يقبل نصر ذلك واستمر على محاربة الحارث إلى أن قتل الحارث في خلافة مروان الحمار، فيقال: إن الجهم قتل في المعركة، ويقال: بل أسر فأمر نصر بن سيار سلم بن أحوز بقتله، فأدعى جهم الأمان، فقال له سلم: لو كنت في بطني لشققته حتى أقتلك فقتله.","vol":"3","page":271},{"text":"قوله [أتدرون من المفلس إلخ] المفلس الدنياوي إما من لم يكن له شيء من أول الأمر، أو كان غنيًا ثم افتقر، فالثاني يستضر بإفلاسه ما لا يستضر بالأول، وكذلك مفاليس الآخرة، فالذي كان اكتسب من كل أنواع العبادات، ثم افتقر ولم يبق له شيء أشد حسرة من الذي لم يكتسب وأتى خالي اليد، ولذلك ذكر النبي ﷺ أعلى قسمي المفاليس في الإفلاس.\nقوله [يقومون (١) في الرشح إلى أنصاف آذانهم] بيان لإحدى مراتب العرق تنبيهًا (٢) على أن القيام المذكور في الآية هو هذا القيام المشار إليه في\n_________\n(١) قال القاري: أي الناس جميعًا والجن أولى، فتركه من باب الاكتفاء، والظاهر استثناء الأنبياء والأولياء، قال ابن الملك: فإن قلت إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض فكيف يصل إلى كعب الآخر؟ قلنا: يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعًا في الأرض تحت أقدام البعض، أو يقال: يمسك الله تعالى عرق كل إنسان بحسب عمله، فلا يصل إلى غيره منه شيء، كما أمسك جرية البحر لموسى ﵇، قال القاري: المعتمد هو القول الأخير، فإن أمر الآخرة كله على خرق العادة، أما ترى أن شخصين في قبر وحد يعذب أحدهما، وينعم الآخر، ونظيره في الدنيا نائمان مختلفان في رؤياهما يحزن أحدهما ويفرح الآخر، انتهى.\n(٢) يعني ليس المراد من ذكر هذا الحديث أن القيام في الآية منحصر في هذا النوع الذي عرفه إلى الآذان، بل المراد من ذكر الحديث أن تفسير الآية هو قيام المحشر، وذكر أحد أنواع القائمين، وأحوال البقية معلومة بالروايات الأخر، والحديث أخرجه الشيخان وغيرهما، وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في تفسير سورة ويل للمطففين فإن المصنف أعاد الحديث فيه.","vol":"3","page":272},{"text":"الحديث لا أن المراد به حصر القائمين فيما ذكر ههنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>[باب ما جاء في شأن الحشر]</span>\nقوله [أبو أحمد الزبيري] كلهم (١) مصغر منسوبًا كان أو غير منسوب إلا ما وقع في حديث العسيلة من عبد الرحمن بن الزبير، قوله [يحشر الناس إلخ] يعني أن (٢) التشبيه في الآية ليس إلا في هذه\n_________\n(١) أي لفظ الزبير أعم من أن يكون في الاسم أو النسبة كلها مصغر لا والد عبد الرحمن المذكور، وبذلك جزم صاحب قرة العين إذ قال: الزبير بضم الزاي، وجزم الياء مصغرًا حيث جاء إلا عبد الرحمن بن الزبير الذي تزوج امرأة رفاعة فالفتح وكسر الموحدة مكبرًا، انتهى. واستثنى بعضهم غيره أيضًا، لكنه ليس من المشاهير.\n(٢) وما أفاده الشيخ أولى مما حكاه القاري عن بعض الشراح أن التشبيه في مجرد الحشر، ثم قال القاري: قال العلماء في قوله غرلًا إشارة إلى أن البعث يكون بعد رد تمام الأجزاء، والأعضاء الزائلة في الدنيا إلى البدن، وفيه تأكيد لذلك فإن الفلقة كانت واجبة الإزالة في الدنيا، فغيرها من الأشعار والأظفار والأسنان ونحوها أولى، وذلك لغاية تعلق علم الله تعالى بالكليات والجزئيات ونهاية قدرته. انتهى. ويشكل على الحديث ما رواه أبو داود عن الخدري لما حضره الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها، وجمع بينهما بأنهم يبعثون عن القبور في الثياب. ثم تتناثر عنهم فيحشرون عراة، وقيل: حديث أبي سعيد كان في الشهداء فتأوله على العموم، وقيل: المراد بالثياب الأعمال، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ كذا في العيني، قلت: والأخير هو الأوجه.","vol":"3","page":273},{"text":"الصفات المذكورة ههنا. قوله [وأول من يكسى إلخ] ولعله (١) ﷺ لم يستثن نفسه النفيسة مع أنه أول خلق الله كسوة لأن المتكلم كثيرًا ما لا يعتبر نفسه فيتكلم مرادًا بكلامه (٢) غيرة.\nقوله [ذات اليمين وذات الشمال] وقعا (٣) ظرفين.\n_________\n(١) هذا أوجه مما قال عامة الشراح أن الفضيلة جزئية ويؤيده ما حكى القاري عن الجامع الصغير برواية الترمذي: أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد يقوم ذلك المقام غيري، انتهى. لكن يشكل عليه ما حكى العيني من عدة روايات مصرحة بأنه ﵊ يكسى بحلة بعد إبراهيم ﵇، ويمكن الجمع بأنها تكون حلة أخرى فاخرة، ثم اختلف في وجه أولية إبراهيم ﵇، قال القاري: قيل لأنه أول من كسا الفقراء. وقيل: لأنه أول من عرى في ذات الله حين ألقى في النار، لا لأنه أفضل من نبينا ﵊، أو لكونه أباه فقدمه لعزة الأبوة، انتهى.\n(٢) قال العيني: إن قومًا من أهل الأصول ذكروا أن المتكلم لا يدخل تحت عموم خطابه، انتهى.\n(٣) والحديث أخرجه البخاري بطرق عديدة وغيره من أكثر المحدثين بطرق كثيرة، وعامة الروايات ليس فيها لفظ اليمين، بل لفظها فيؤخذ بهم ذات الشمال، قال الحافظ: أي إلى جهة النار، ووقع ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة في آخر باب صفة النار بلفظ: فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار! إلى آخر ما قاله، قلت: لكن في رواية للبخاري في كتاب الأنبياء مثل سياق المصنف بلفظ: ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، وسكت عنه الحافظان ابن حجر والعيني، وقال صاحب المجمع: يؤخذ ذات الشمال هو بالكسر ضد اليمين، والمراد جهة النار، وروى يؤخذ ذات اليمين وذات الشمال، فيكون أصحابي إشارة إلى من يؤخذ ذات الشمال، أو معناه أنهم يؤخذون من الطرفين، ويشدون من جهة اليمين والشمال بحيث لا يتحرك يمينًا وشمالًا، انتهى. وأجاب عنه في الإرشاد الرضى بأن المؤمنين تكون في الميمنة، والمرتدين في المشئمة، والأصحاب ههنا بالمعنى اللغوي لا الاصطلاحي يعم المؤمنين والمرتدين، وأورد أيضًا على الحديث بأن أعمال الأمة إذا تعرض عليه ﷺ في القبر فكيف لم يعرف المرتدين؟ ثم أجاب عنه بأنه لا يلزم من عرض الأعمال أن يحفظها النبي ﷺ في كل وقت لا سيما في وقت أهوال القيامة، وأيضًا يحتمل أن تكون مقولته ﷺ هذه من كمال رأفته على الأمة، ولذا لم يلتفت إلى أعمالهم، انتهى.\nقلت: ويؤيد هذا الجواب ما قال صاحب المجمع في معنى المرتدين: أي متخلفين عن بعض الواجبات لا عن الإسلام، ولذا قيده بأعقابهم لأنه لم يرتد أحد من الصحابة بعده وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب، انهى.\nقلت: إطلاق النفي مشكل، نعم يصح هذا باعتبار الأكثر، فلا مانع من أن يكون دعاؤه ﷺ لهذا النوع من المرتدين.","vol":"3","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>[باب ما جاء في شأن الصراط]</span>\nقوله [قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ إلخ] هذا يخالف ما وقع في حديث (١) عائشة: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر\n_________\n(١) أخرجه أبو داود بلفظ: فهل تذكرون نبيكم يوم القيامة؟ فقال رسول ﷺ: أما في ثلاثة مواطن، فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وعند الكتاب حتى يعلم أين يقع كتابه، وعند الصراط، انتهى مختصرًا، وحكى الشيخ في بذل المجهود عن فتح الودود: ظاهره عموم هذه الحالة للأنبياء أيضًا، بل ظاهر الكلام مسوق فيه ﷺ وكونهم على بينة من الله لا ينافيه، فإن غلبة الخوف تنسى حقيقة الأمر، انتهى.\nقلت: وشدة خوفه ﷺ من ربه تعالى مما لا يخفى على من طالع كتب الأحاديث فإنه ﷺ إذا رأى سحابًا أقبل وأدبر مخافة العذاب، والأوجه عندي في الجواب أن عدم ذكر أحد في هذه المواضع لا ينافي حديث الباب، فإنه ﷺ وإن كان على ثقة من نفسه فإنه صاحب المقام المحمود لكن اشتغاله ﷺ بأمر الأمة وأحوالها وأهوالها أكثر من أن يذكر، والشفاعة لمن يحضر ﷺ ويطالبه مما لا يشكل ولا ينكر، وحاصل الجواب الثاني من كلام الشيخ أن يحمل حديث عائشة على ما قبل الإذن بالشفاعة، وحديث الباب على ما بعد الإذن بالشفاعة.","vol":"3","page":275},{"text":"أحد أحدًا، ووجه الجمع أن المراد ههنا غيره ﷺ، ويمكن الجمع بينهما بأن هذا قبل الإذن وذاك بعده. قوله [أول ما تطلبني] أوليته ليست بأولية الزمان وإلا لزم تقدم الصراط على الميزان والميزان على الحوض، والمصرح في الروايات خلافه (١)، بل المراد، التقدم بحسب الضرورة إليه ﷺ وشدة الهول فكأن المراد أن أولى مراتب فحصك إياي وأشدها احتياجًا إلى هو\n_________\n(١) فإن وقوفه ﷺ على الحوض يكون قبل الميزان كما تدل عليه الروايات. منها ما تقدم قريبًا من حديث المرتدين على أعقابهم، وكذا الصراط يكون بعد الحساب والكتاب كلها، وحاصل الجواب أن الأولية والترتيب باعتبار شدة افتقاره إلى الشفاعة، فالمعنى أفقر أوقاتك للشفاعة والطلب الصراط، ثم الميزان، ثم الحوض، وقريب من كلام الشيخ ما حكى القاري عن الطيبي إذ قال تحت قوله فأين أطلبك: قال الطيبي: أي في أي موطن من المواطن التي أحتاج إلى شفاعتك أطلبك لتخلصني من تلك الورطة، فأجاب: على الصراط وعند الميزان والحوض، أي أفقر الأوقات إلى شفاعتي هذه المواطن، انتهى. والأوجه عندي في الجواب أن وقوفه ﷺ في هذه المواضع يكون مرات لا سيما على الصراط، فيكون أولًا قبل الحساب والميزان وغيرهما كلها، كما يدل عليه أحاديث الشفاعة، فقد ذكر الحافظ تحت حديث أنس الطويل في الشفاعة قوله: فيأتوني فأستأذن ربي، وفي رواية النضر بن أنس عن أبيه حدثني نبي الله ﷺ أني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط إذا جاء عيسى فقال: يا محمد! هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون لتدعو الله أن يفرق جمع الأمم الحديث: فأفادت هذه الرواية أنه ﵊ يكون أول ما يكون عند الصراط ينتظر الأمة.","vol":"3","page":276},{"text":"الصراط، ثم بعد ذلك في الهول والشدة هو الميزان، ثم الحوض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>[باب ما جاء في الشفاعة]</span>\nقوله [أنا سيد الناس يوم القيامة] وارتباطه (١) بما قبله أن أكله ﷺ بذلك كما مما ينكره (٢) أهل الدنيا والمتكبرون بأنه يدل على الحرص وقلة الأدب فرده ﷺ بأن كل سنتي فهو مشتمل لخيري الدنيا والدين، وإن كان ظاهره (٣) خلافًا، فهذا البيان منه ﷺ تنبيه على فضيلة سنته ﷺ بأنها سنة مثل\n_________\n(١) لله در الشيخ ما أجاد في الربط بينهما، ويحتمل أن يكون ذكره ﷺ ذلك لمجرد الإعلام. والتبليغ وقوعه بوقت النهش اتفاقيًا، فإن القصة كانت في الدعوة كما في رواية للبخاري: كنا مع النبي ﷺ في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها، وقال: أنا سيد الناس، الحديث. وكان من دأبه ﷺ التبليغ والإعلام في المجامع.\n(٢) كما هو مشاهد في زمننا هذا أيضًا فإنهم يعدون الأكل بالسكين ونحوه من الآداب في اتباع النصارى.\n(٣) أي على سبيل التسليم والفرض، وإلا فالنهش لا مخالفة فيه بالآداب الظاهرة أو الأخلاق الحسنة في الظاهر أيضًا، ولا عبرة بمن غلبت عليه الصفراء فيحسب الحلاوة مرًا.","vol":"3","page":277},{"text":"هذا الرجل الذي هو سيد (١) الأولين والأخرين، وشافع أهل المحشر من بين المرسلين فلا تكون إلا خيرًا محضًا.\nقوله [فيبلغ الناس] مفعول (٢) وفاعله الموصول بعده. قوله [فيقول اناس بعضهم لبعض: عليكم بآدم إلخ] وإنما لم يلهمهم الله أن يأتوا محمدًا ﷺ ليعلمهم فضله (٣) ﷺ بأنه تحمل ما لم يتحمله أحد من الأنبياء، وأطاق ما لم يطقه أحد من المرسلين، ولذلك لم يعلمهم آدم صفي الله أن يأتوا محمدًا ﷺ.\nقوله [وإنه قد كانت لي دعوة إلخ] يعني (٤) أني لا أستيقن بقبولها لو\n_________\n(١) وقد قال ﷺ بقدر علو شأنه وارتفاع مقامه: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواء إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، كذا في المرقاة برواية الترمذي وغيره عن أبي سعيد.\n(٢) أي لفظ الناس مفعول ليبلغ. وفاعله لفظ ما لا يطيقون الآتي بعد.\n(٣) وأيضًا فما يحصل بتحمل المشاق الكثيرة يكون ألذ وأعلى منزلة وأرفع شأنًا، مع ما في هذا التدرج من المشاق التي تناسب يوم الحشر وعظمة شأنه، فقد حكى العيني عن الغزالي أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف سنة، وكذا إلى كل نبي، حتى يأتوا نبينا ﷺ، انتهى. وقال الحافظ: لم أقف لذلك على أصل، وقد أكثر من إيراد أحاديث لا أصول لها، انتهى.\n(٤) اختلفت الروايات في جوابه ﵇ كما بسطها الحافظ في الفتح، ففي حديث الباب ما ترى، وفي حديث أنس عند البخاري: فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته، وفي رواية هشام: ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم، وفي حديث أبي هريرة: إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض، وجمع الحافظ بأنه اعتذر بأمرين: أحدهما نهي الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم، فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك، ثانيهما أن له دعوة واحدة محققة الإجابة وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فخشي أن يطلب فلا يجاب.","vol":"3","page":278},{"text":"شفعت، وذلك لأنه قد كانت لي دعوة مستيقن إجابتها، لكني دعوت بها على قومي فلم يبق، فلا أشفع، أو المعنى أني لما دعوت على قومي فأهلكهم الله أخاف أن يسأل ربي لم دعوت عليهم فماذا جوابي إذًا. قوله [وإني قد كذبت ثلاث كذبات إلخ] وهذه وإن لم تكن كذبات (١) حقيقة بل إيهامًا وتورية وهي جائزة، لكنه ﵇ خاف بها أيضًا على نفسه، فإنما حسنات الأبرار سيئات المقربين.\nقوله [فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي إلخ] هكذا (٢) ذكره أصحاب\n_________\n(١) قال البيضاوي: إحدى الكذبات المنسوبات إلى إبراهيم ﵇ قوله: إني سقيم، وثانيتها قوله: بل فعله كبيرهم هذا، وثالثتها قوله لسارة: هي أختي، والحق أنها معاريض ولكن لما كانت صورتها صورة الكذب سماها أكاذيب واستنقص من نفسه لها، فإن من كان أعرف بالله وأقرب منه منزلة كان أعظم خطرًا، وأشد خشية، وعلى هذا سائر ما أضيف إلى الأنبياء من الخطايا، قال ابن الملك: الكامل قد يؤاخذ بما هو عبادة في حق غيره كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، كذا في المرقاة.\n(٢) وهكذا وقع في أكثر الروايات فقد أخرج البخاري حديث أنس في الشفاعة ووقع في آخره: ثم أشفع فيحد لي حدًا، ثم أخرجهم من النار، قال الحافظ: كأن راوي هذا الحديث ركب شيئًا على غير أصله وذلك أن في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، يعني وذلك يكون بعد التحول من الموقف والمرور على الصراط، وسقوط من يسقط في تلك الحالة، وهو إشكال قوي، وقد أجاب عنه عياض، وتبعه النووي بأنه وقع في حديث حذيفة بعد قوله: فيأتون محمدًا فيقوم فيؤذن له أي في الشفاعة، وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبي الصراط الحديث. قال عياض: فبهذا يتصل الكلام لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي الإراحة من كرب الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج، ثم بسط الحافظ الروايات الدالة على ذلك، وقال بعد ذكر الجمع في الموقف، الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المنافقين من المؤمنين، ثم حلول الشفاعة بعد وضع الصراط والمرور عليه قال: وبهذا تجتمع متون الأحاديث وتترتب معانيها، فكأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر. قلت، ويمكن الجواب أيضًا أنه ﷺ لما طلب تعجيل الحساب ليوم المحشر طلب أيضًا لأمته خاصة أدعية مخصوصة كما هو ظاهر دأبه ﷺ من أدعيته العامة والخاصة الشاملة الكاملة، فعلى هذا يكون قوله ﷺ: يا رب أمتي أمتي أحد الأدعية التي دعا بها في هذا الوقت ذكرها تطييبًا لقلوب أمته.","vol":"3","page":279},{"text":"السنن والصحاح المتداولة بين أيدي علمائنا، والظاهر أن فيها هاهنا حذفًا وتركًا لم يذكره الروايات بأسرها، وهو أنه ﷺ يشفع لهم في شفاعته بالحساب والخلاص من عرصة المحشر، ثم يقول بعد ذلك في أمته ويلتمس منه ﷾ أن يغفر لهم، فهذا قوله: يا رب أمتي أمتي إلخ. قوله [كما بين مكة وبصري (١)]\n_________\n(١) بضم الموحدة وسكون الصاد المهملة مقصورة بلد معروف بطرف الشام من جهة الحجاز، هكذا في الفتح، واختلفت الروايات في تقدير مسافة الحوض اختلافًا كثيرًا بسطها الحافظ، وحكى عن القرطبي أنه قال: ظن بعض القاصرين أن الاختلاف في قدر الحوض اضطراب وليس كذلك، ثم حكى الوجوه المختلفة في الجمع بينها، منها ما أفاده الشيخ، ومنها ما حكى عن القاضي عياض أنه من اختلاف التقدير، لأن ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد اضطرابًا، وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة، وكان ﷺ يضرب في كل منها مثلًا بعد أقطار الحوض وسعته بما يسنح له من العبارة، ويقرب ذلك للعلم ببعد ما بين البلاد النائية بعضها من بعض لا على إرادة المسافة المحققة، ومنها ما قال النووي إنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة، وحاصله أنه أخبر أولًا بالمسافة اليسيرة، ثم أعلم بالمسافة الطويلة فأخبر بها، كأن الله تفضل عليه باتساعه شيئًا بعد شيء قلت: وهذا الكلام في الحقيقة يتضمن ثلاث توجيهات كما لا يخفى، ومنها ما حكى الحافظ عن بعضهم أنه جمع الاختلاف بتفاوت الطول والعرض، ورد بما ورد زواياه سواء، ومنها ما جمع بعضهم باختلاف السر البطئي والسريع، قال الحافظ: وهو أولى ما يجمع به، انتهى.","vol":"3","page":280},{"text":"ليس المقصود تحديده بل المراد تكثير طوله وعرضه حيثما ورد (١). قوله [شفاعي لأهل الكبائر] إن كان المراد بالشفاعة شفاعة (٢) مغفرة المعاصي والسيئات فلا غرو\n_________\n(١) يعني حيثما ورد بيان مسافة الحوض فالمراد فيه التكثير لا التحديد، وهو إشارة إلى الاختلاف المذكور الوارد في بيان مسافة الحوض.\n(٢) قال القاري: الشفاعة خمسة أقسام: أولها مختصة بنبينا ﷺ وهي الإراحة من هول الموقف، وتعجيل الحساب، الثانية في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضًا ورد في نبينا ﷺ، الثالثة الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم النبي ﷺ ومن شاء الله، الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا والملائكة، وإخوانهم من المؤمنين، الخامسة الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه لا ننكرها، انتهى أي هذه الأخيرة لا تنكرها المعتزلة وغيرهم أيضًا، فإنهم أولوا أحاديث الشفاعة إلى هذا النوع، وحديث الباب يرد عليهم. عجيبة حكاها النووي في كتاب الأذكار عن بعضهم أنه قال: لا يقل: اللهم ازرقنا شفاعة النبي ﷺ فإنها لمن استوجب النار، وهذا جهل وباطل رده النووي والقاضي عياض مع أن شفاعته ﷺ لأقوام في دخولهم الجنة بغير حساب، ولأقوام لزيادة الدرجات، هذا وكل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو مشفق من كونه من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة أيضًا فإنها لأصحاب الذنوب، رزقنا الله تعالى شفاعة نبيه ووسيع رحمته.","vol":"3","page":281},{"text":"في حمل اللام للاختصاص، فإن أهل اللمم تغفر لممهم بحسناتهم ومصائبهم الدنيوية، وبما كابدوا في عرصات الحشر فلا يحتاجون إلى شفاعة، وإن أريد بها المعنى الأعم من رفع المعاصي ورفع الدرجات فالمعنى أن الشفاعة لأهل الكبائر أيضًا كما أنها لأهل الصغائر، قوله [بشفاعة رجل من أمتي إلخ] أي خارج (١) من الطائفة التي يقال لها إنها أمة محمد ﷺ، فيمكن أن يكون هذا الرجل محمد ﷺ فإنه داخل في من قام بهذه الجهة، وكثيرًا ما يقال: خرج منا رجل ويريد به المتكلم نفسه، فكذلك فهم الصحابة رضوان الله عليهم هاهنا أيضًا أن النبي ﷺ لعله عني بالرجل نفسه فصح سؤالهم بقولهم: سواك؟ ويمكن أن يقال كما أن الشهادة برسالته ﷺ واجبة على أمته فكذلك الاعتقاد برسالته ﷺ واجبة على نفسه النفيسة أيضًا، وبهذا المعنى لا يبعد عده نفسه ﷺ من أمته لكونه من المؤمنين برسالته، ثم هذا الرجل\n_________\n(١) هذا جواب عن إشكال يأتي في كلام الشيخ بنفسه، وتوضيح ذلك أنه ﷺ لما قال بشفاعة رجل من أمتي فكان الظاهر من هذا السياق كون الرجل غيره ﷺ، فكيف سأل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يا رسول الله سواك؟ مع أن الصحابة أهل اللسان وأهل العرفان، فسؤالهم هذا بظاهره عبث، وأجاب؟ الشيخ عن هذا الإشكال بجوابين مآلهما أن لفظ رجل كان محتملًا لشموله ﷺ بوجهين: الأول أن لفظ الأمة قد يطلق على مجرد الطائفة فيدخل فيها رئيس الطائفة أيضًا، والثاني أنه ﷺ من حيث أن الإقرار برسالته واجب عليه أيضًا داخل في أمة محمد، وبهذين الاعتبارين كان دخوله ﷺ في مصداق هذا الرجل محتملًا، فلذا سأل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ما سألوا، ولما كان الظاهر منه أن يكون هذا الرجل غيره عبروا بهذا العنوان وقالوا: سواك يا رسول الله؟ ولعل الباعث لهم على اعتبار هذا الاحتمال استبعادهم شفاعة غيره ﷺ لمثل هذه الجماعة الكثيرة الكبيرة.","vol":"3","page":282},{"text":"لم يتعين (١) من هو، والحديث الآتي المكتوب في الحاشية نصًا في (٢) كون المراد بهما واحدًا.\nقوله [فلما أقام] أي الرجل الذي كان يحدث قلت: من هذا؟ أي من هذا المحدث، وقائل هذا القول هو عبد الله (٣) بن شفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>[باب ما جاء في صفة أواني الحوض </span>(٤)] قوله [ما أردت أن أشق عليك]\n_________\n(١) ولذا اختلفت الأقاويل في ذلك، قال القاري: قيل هو عثمان بن عفان، وقيل: أويس القرني، وقيل: غيره، قال زين العرب: وهذا أقرب، انتهى. قلت: لعل مستند من قال هو عثمان الحديث الآتي، ومن قال بأويس ما في المرقاة برواية ابن عدي عن ابن عباس: سيكون في أمتي رجل يقال له أويس بن عبد الله القرني، وإن شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر، انتهى.\n(٢) عبارة المنقول عنه محرفة مشكوكة، والظاهر ليس نصًا في كون المراد إلخ.\n(٣) كما يدل عليه رواية ابن ماجة بسنده إلى عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن أبي الجدعاء أنه سمع النبي ﷺ يقول: ليدخلن الجنة الحديث، ولا يذهب عليك أنهم اختلفوا في ضبط «الجدعاء» هل هو بالدال المهملة كما في رجال جامع الأصول أو المعجمة كما في التقريب.\n(٤) قال العيني تحت قول البخاري: باب في الحوض وقول الله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾: قد اشتهر اختصاص نبينا ﷺ بالحوض، لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه أن لكل نبي حوضًا، واختلف في وصله وإرساله والمرسل أصح، فالمختص بنبينا ﷺ الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، وقد أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة، وهؤلاء ضلوا في ذلك وخرقوا إجماع السلف، ورويت أحاديث الحوض عن أكثر من خمسين صحابيًا، ثم عد أسماءهم.","vol":"3","page":283},{"text":"في الجواب اختصار، ولذلك ترى أنه لا يطابق السؤال، والمقصود أن اشتياقي إلى سماع الحديث لم يتركني أنتظر مركبًا غيره فعجلت في إرساله فاعف (١) عني عفا الله عنك.\nقوله [عمان البلقاء] بفتح العين (٢) وتشديد الميم، وإضافتها إلى البقاء،\n_________\n(١) ويؤيد اعتذار عمر بن عبد العزيز سياق ابن ماجة بسنده إلى أبي سلام قال: بعث إلى عمر بن عبد العزيز فأتيته على بريد، فلما قدمت عليه قال: لقد شققنا عليك يا أبا سلام في مركبك، قال: أجل والله يا أمير المؤمنين، قال: والله ما أردت المشقة عليك، ولكن حديث إلخ.\n(٢) قال الحافظ الفتح: وقع في حديث ثوبان ما بين عدن وعمان البلقاء، ونحوه لابن حبان عن أبي أمامة، وعمان هذه بفتح المهملة وتشديد الميم للأكثر، وحكى تخفيفها، وتنسب إلى البلقاء لقربها منها، والبلقاء بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها قاف وبالمد بلدة معروفة من فلسطين، انتهى. وذكر الحافظ هذا في ذيل الروايات التي وقع فيها تحديد مسافة الحوض بنحو مسيرة شهر، وقال أيضًا قبل ذلك في ذيل الروايات التي وقع فيها التحديد بنحو شهر: وحديث أبي ذر ما بين عمان إلى أيله، وعمان بضم المهملة وتخفيف النون (كذا في الأصل والظاهر الميم) بلد على ساحل البحر من جهة البحرين، انتهى. فعلم بذلك أن الواقع في أحاديث الحوض ذكر العمانين معًا لكن المراد في حديث الباب الأول، واشتبه على بعض الشراح، ففسر إحداهما بالأخرى كما يظهر من كلام القاري وغيره.","vol":"3","page":284},{"text":"وهي مدينة هناك للاحتراز عن عمان بضم العين وتخفيف الميم، وهي بالبحرين.\nقوله [الشعث رؤسا الدنس ثيابًا] ظاهره ينافي ما ورد من النهي (١) عن بقاء الرجل كذلك، بل أمرهم النبي ﷺ بإزالة الشعث والدنس ما أمكن، والجواب (٢) أن هذا بيان لإفلاسهم، وإعوازهم الحطام الدنيوية حتى أنهم بعد تكلفهم في إزالتها، وتجشمهم لإتيان ما أمروا به لا يبقون إلا شعثًا دنسًا.\nقوله [حتى يشعث] شعثًا لا يدخل تحت النهي، وكذلك قوله حتى يتسخ كأنه أتى بما كان في اختياره، وأما هما (٣) فلم يكونا في اختياره فإن تعظيم الرجال لامرئ، وقبولهم له لو خطب بناتهم أمر ليس وسعه.\n_________\n(١) فقد أخرج أبو داود برواية جابر عن عبد الله قال: أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلًا شعثًا قد تفرق شعره، فقال: أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره، ورأى رجلًا آخر وعليه ثياب وسخة فقال: أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه، وأخرج برواية أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ في ثياب دون فقال: ألك مال؟ قال: نعم الحديث، وفيه قال: فإذا آتاك الله مالًا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته، وفي الباب عدة روايات أخر.\n(٢) ويمكن الجواب أن المراد في حديث الباب من ترك التزين تواضعًا لله، فقد ورد في أبي داود وغيره مرفوعًا: من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعًا كساه الله حلة الكرامة الحديث.\n(٣) أي النكاح وفتح السدد لما كانا يتعلقان بغيره، فليس له فيهما مدخل ولا اختيار، نعم الأمران اللذان كانا في اختياره اختارهما عملًا بالحديث والبشارة، ولم يدخل تحت النهي لما أنه اختارهما تواضعًا وهضمًا لنفسه وتشبهًا بالسابقين ورودًا إلى الحوض، وإنما الأعمال بالنيات.","vol":"3","page":285},{"text":"قوله [ما آنية] لما لم يكن (١) لهم ﵃ تفتيش عن حقائق الأشياء سألوا صفاتها، وكثيرًا ما يورد لفظ ما في السؤال والمسؤول صفته، لكن النبي ﷺ زاد على الجوب بيان مقدارها في الكثرة، والجواب إنما هو في قوله من آنية الجنة، فإنه كان في بيان صفاتها.\nقوله [ولكن ارفع رأسك] فيه إشارة إلى علو رتبتهم فإن رفع الرأس يحتاج إليه إذ ذاك.\nقوله [أبناء الذين ولدوا] من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، وإلا لم يدخل أبناء (٢) الصحابة فيهم، والمراد الأبناء الذين ولدوا إلخ.\nقوله [سبقك بها عكاشة] ليس المراد ما فهمه (٣) الشراح هاهنا، بل المراد\n_________\n(١) دفع إيراد يرد على ظاهر الحديث، وحاصله أن السؤال بلفظ ما يكون عن حقائق الأشياء كما عرف في محله، وعلى هذا فالجواب لا يطابق السؤال، وحاصل الدفع أن الصحابة ﵃ أجمعين لا يتصدون حقائق الأشياء كما هو معروف من دأبهم، بل جل أسئلتهم تكون من أوصاف الشيء وعلاماتها، ولفظ ما قد يسأل به عن صفة الشيء أيضًا، فجوابه ﷺ بأنها تكون عن آنية الجنة كاف في بيان الصفة، وهو جواب سؤالهم، ثم زاد النبي ﷺ بيان عددها أيضًا تكميلًا للإفادة، فلله در الشيخ ما أجاد.\n(٢) وإياهم أرادوا بكلامهم هذا كما يدل عليه رواية البخاري بلفظ: فأفاض القوم وقالوا: نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله، فنحن هم أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام؟ فإنا ولدنا في الجاهلية، الحديث. وفي رواية أخرى له: فتذاكر أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، الحديث.\n(٣) اختلفت الشراح في منشأ قوله ﷺ، والمراد في كلام الشيخ بقوله ما فهمه الشراح كما جزم به في الإرشاد الرضى هو قولهم: كأنه لم يؤذن له ﷺ في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد، انتهى. ومعنى الحديث على مختار الشيخ سبقك عكاشة أي بهذه الصفات التي أدير الأمر عليها، قال الحافظ: اختلفت أجوبة العلماء في الحكمة في قوله: سبقك بها عكاشة، ثم بسطها فارجع إليه، وجملة ما قالوا في ذلك غير ما تقدم ما قيل: إنه كان منافقًا، وقيل: سأل عكاشة بصدق القلب فأجيب بخلاف الثاني، يعني سأل حرصًا على عكاشة، وقيل: أنكر ﷺ حسمًا للتسلسل، وقيل: علم بالوحي الإجابة في عكاشة دون غيره، وقيل: كان في وقت سؤال الأول ساعة الإجابة وانقرضت في وقت الثاني.","vol":"3","page":286},{"text":"أنك لست بهذه المثابة في الصفات المذكورة حتى أخبرك بأنك منهم، وأما عكاشة فقد كان.\nقوله [ما أعرف شيئًا إلخ] يريد به تفاوت ما بين أعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء في الإخلاص وغيره.\nقوله [تخيل (١) واختال] وفي الأول إشعار بالتكلف ما ليس في الثاني، وهذا متعلقان بالقلب والباطن، والإتيان وهو\nقوله [تجبر (٢) واعتدى] المراد بهما ما ظهر أثره فإن كان في الظاهر فقط فهو دون الأول، وإن شمال الظاهر والباطن فهو أسوء من الأول.\n_________\n(١) قال القاري: تخيل أي تكبر وتجبر، واختال أي تمايل وتبختر من الخيلاء وهو الكبر والعجب، وقال التوربشي: أي تخيل له أنه خير من غيره، واختال أي تكبر، انتهى. وما أفاده الشيخ مبناه على أن في التفعل من التكلف ما ليس في الافتعال.\n(٢) وقال القاري: تجبر أي قهر على المظلومين، واعتدى أي تجاوز على المساكين، أو تجاوز قدره وما راعى حكم ربه، انتهى.","vol":"3","page":287},{"text":"قوله [كأنهم يكتشرون (١) ولم يكونوا كاشرين إذ ذاك، إلا أنه كان ينتزع من سرورهم وكلامهم أنهم كانوا متقاربين بالضحك، وإنما صمتوا حين برز النبي ﷺ، والمصلى (٢) هاهنا موضع الصلاة لا المعروف بيننا. قوله [أنا بيت الغربة] فأطلب لك جليسًا، وهكذا فيما بعده. قوله [وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر] شك من الراوي، والمذكور في الروايات إنما هما القسمان لا غير، ويعلم حال عصاة (٣) المؤمنين بدلالات النصوص.\n_________\n(١) قال صاحب المجمع: الكشر ظهور الأسنان ويكتشرون أي يضحكون، والمشهور لغة الكشر، انتهى. وقال القاري: يكشترون أي يضحكون، ولعل التاء للمبالغة فيؤخذ منه أنهم جمعوا بين الضحك البالغ والكلام الكثير، انتهى مختصرًا. قلت: والصواب عندي ما أفاده الشيخ فإن لفظ كأنهم في الحديث ينفي حقيقة الكشر ولذا فسر الشيخ بما فسر، ولا يذهب عليك أن لفظ يكتشرون بتقديم الكاف على التاء في الترمذي، وكذا في المشكاة برواية الترمذي، وفي نفع القوت للمدمنتي يتكشرون بتقديم التاء على الكاف.\n(٢) ولا يبعد بل الظاهر أن المراد مصلى الجنائز، ولفظ المشكاة: عن أبي سعيد قال: خرج رسول الله ﷺ لصلاة فرأى الناس كأنهم يكتشرون، قال القاري: الظاهر المتبادر من مقتضى المقام أنها صلاة جنازة لما ثبت أنه ﷺ إذا رأى جنازة رئيت عليه كآبة أي حزن شديد وأقل الكلام، انتهى. قلت: ويؤيد ما حكى عن السيوطي برواية الطبراني عن أبي هريرة بنحو حديث الباب مختصرًا، ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس إلى قبر الحديث.\n(٣) ففي شرح العقائد: عذاب القبر للكافرين، ولبعض عصاة المؤمنين، ومنهم من لا يريد الله تعذيبه فلا يعذب، وتنعيم أهل الطاعة في القبر بما يعلمه الله تعالى ويريد. وسؤال منكر ونكير ثابت بالدلائل السمعية لأنها أمور ممكنة أخبر بها الصادق على ما نطقت به النصوص، قال تعالى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية، وقال النبي ﷺ: استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه، وقال ﷺ: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، انتهى.","vol":"3","page":288},{"text":"قوله [على رمل حصير] أي حصير مرمول، وربما يطلق الحصير وإن (١) قل على ما يجتمع من السعف وأمثاله فيشد ولا يرمل، فأخرجه بزيادة لفظ الرمل. قوله [فوافوا (٢) صلاة الفجر] أي لم يصلوا في مساجدهم بل مع النبي\n_________\n(١) أي وإن قل هذا الاستعمال، وقال الحافظ: قوله رمال بكسر الراء، وقد تضم، وفي رواية معمر على رمل بسكون الميم، والمراد به النسج، تقول: رملت الحصير وأرملته إذا نسجته، وحصير مرمول أي منسوج، والمراد به هاهنا أن سريره كان مرمولًا بما يرمل به الحصير، ووقع في رواية للبخاري على رمال سرير، وفي رواية على حصير، كأنه أطلق عليه حصيرًا تغليبًا، وقال الخطابي: رمال الحصير ضلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب فكأنه عنده اسم جمع، انتهى. قلت: فهي ثلاثة أقوال في تفسير لفظ الحديث: أحدها مختار الشيخ أنه احتراز عن الحصير المشدود بالحبل وغيره بلا نسج، والثاني مختار الحافظ أن المراد منه السرير المنسوج على صورة الحصير، وما وقع في بعض الطرق من إطلاق الحصير مجاز، والثالث مؤدى كلام الخطابي أن المراد ضلوعه المتداخلة، قلت: والأوجه عندي أن المراد يرمل الحصير حاشيته المنسوجة فيه متظاهرة، فتأمل فإني لم أر هذا المعنى في اللغة لكن اللغة لا تأباه، ثم ما أشار إليه المصنف من قوله قصة طويلة هي ما سيأتي في تفسير سورة التحريم مفصلًا بهذا السند.\n(٢) قال المجد: وافيت القوم أتيتهم، ولفظ البخاري: فوافقت صلاة الصبح، قال الحافظ: يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات، وكانوا يصلون في مساجدهم إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه، فلأجل ذلك عرف النبي ﷺ أنهم اجتمعوا لأمر، ودلت القرينة على تعيين ذلك الأمر وهو احتياجهم إلى المال، انتهى.","vol":"3","page":289},{"text":"ﷺ لئلا يعجل القسمة فيبقوا من غير شيء في أيديهم. قوله [ولعلوا] من المجرد (١) فالمفعول ما يسركم، أو من المزيد فهو مفعوله الثاني، والمفعول الأول محذوف أي أملوا نفوسكم ما يسركم، والمراد بما يسركم ما سيفتح عليهم من الفتوح، ولا يبعد أن يراد هذا المال الذي أتى به من البحرين. قوله [أن حكيم بن حزام قال إلخ] وكان (٢) من المؤلفة قلوبهم، فلما رسخ إسلامه واستحكم قال له النبي ﷺ: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة إلخ، وإنما قال حكيم: لست أرزأ (٣) أحدًا بعدك لا أن يقول بعد ذلك لأنه إذا آتاه النبي ﷺ لم يكن له أن يرده وإن ترك السؤال منه ﷺ أيضًا.\nقوله [جعل الله فقره بين عينيه] أي لا يزال الفقر (٤) نصب عينيه.\n_________\n(١) قال صاحب المجمع: من الأمل أو من التأميل، انتهى قلت: وبالثاني فسره عامة الشراح، انتهى.\n(٢) قال الحافظ في الإصابة: كان صديق النبي ﷺ قبل المبعث، وكان يوده ويحبه بعد البعث لكنه تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح وكان من المؤلفة، وشهد حنينًا وأعطى من غنائمها مائة بعير ثم حسن إسلامه، انتهى.\n(٣) بسكون الراء قبل الزاي أي لا أنقص مال أحد بالسؤال عنه، والأخذ منه بعد سؤالك هذا، أو بعد قولك هذا، كذا في المرقاة، وحمله الشيخ على ظاهر اللفظ، انتهى.\n(٤) بأن يطول آماله، فيتعب نفسه بكثرة التردد في طلب المال ولا ينال إلا ما قدر له فيبقى حزينًا ملولًا بعدم حصول أوطاره، قال القاري: روى البيهقي عن عمران بن حصين مرفوعًا: من انقطع إلى الله ﷿ كفاه كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليه.","vol":"3","page":290},{"text":"قوله [فإنه يذكرني الدنيا] وكان لنزعه سيان فذكر أحدهما وهو تذكير الدنيا، ولم يذكر الآخر وهو كونه ذا تماثيل ولا ضير (١) فيه، ويحتمل أن يكون تماثيل من غير ذي الروح. قوله [ثم قلت للجارية: كيليه إلخ] وبهذا يعلم أن البركة في ترك الكيل، والمستنبط بالروايات الأخر أن البركة (٢) في الكيل،\n_________\n(١) يعني لا ضير في أن يذكر وجه واحد من الوجوه المتعددة، وأما على الاحتمال الثاني وهو أن يكون فيه تمثال من غير ذي الروح، فلا يكون له إلا وجه واحد، لكن ذكر صاحب المشكاة برواية أحمد عن عائشة كان لنا ستر فيه تماثيل طير فقال ﷺ: يا عائشة حويله فإني إذا رأيته ذكر الدنيا، انتهى. فهذا يؤيد الاحتمال الأول، وورد في الصحيحين وغيرهما وجه آخر غير ما ذكر وهو أنه ﷺ قال: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين.\n(٢) فقد أخرج البخاري في صحيحه عن المقدام بن معد يكرب مرفوعًا: كيلوا طعامكم يبارك لكم، وجمع بينهما الحافظ بأن الكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلق حق المتبايعين فلذا يندب، والكيل عند الإنفاق فقد يبعث عليه الشح فلذا كره، ولم يرض عنه العيني وقال: هذا غير صحيح لأن البخاري ترجم على حديث المقدام باستحباب الكيل والطعام الذي يشتري الكيل فيه واجب، وحكى عن ابن بطال كيلوا أي أخرجوا بكيل معلوم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله من البركة في مد المدينة بدعوته ﷺ، وقيل غير ذلك، والأوجه ما أفاده الشيخ فإنه مجرب.","vol":"3","page":291},{"text":"والجمع (١) أن النافق (٢) المخرج للخير كيله أولى، وما يترك في البيت ذخرة فالأولى فيه ترك الكيل.\nقوله [أخفت في الله وما يخاف أحد] الواو حالية في الموضعين، أي خافوني وآذوني في موضع وزمان لا يخاف فيه ولا يؤذى فيه أحد (٣)، وهو بيت\n_________\n(١) وقريب منه ما حكى العيني عن المحب الطبري إذ قال: يحتمل أن يكون معنى قوله: كيلوا طعامكم أي إذا ادخرتموه طالبين من الله البركة واثقين بالإجابة، فكان من كاله بعد ذلك إنما يكيله ليتعرف مقداره، فيكون ذلك شكًا بالإجابة فيعاقب بسرعة نفاذه، ويحتل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم، لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه وهو لا يشعر فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه، انتهى.\n(٢) أي النافد، قال المجد: نفق البيع راج، وكفرح ونصر نفد وفى، انتهى. والمخرج ببناء المفعول، وقوله للخير هكذا في المنقول عنه، والظاهر أنه للخبز يعني ما يخرج لطبخ الخبز ونحوه الأولى أن يكال كي لا يصرف أكثر من مقدار الكفاف حتى يصل إلى حد الإسراف.\n(٣) والبلية إذا عمت خفت، قال القاري: هي حكاية حال لا شكاية بال، بل تحدث بالنعمة، وتوفيق بالصبر، وتسلية للأمة لإزالة ما قد يصيبهم من الغمة، أي كنت وحيدًا في ابتداء إظهاري للدين فخوفني في ذلك وأذاني الكفار، ومع ذلك كله كان في قلة من الزاد وعدم الاستعداد، انتهى. ولا يذهب عليك أن الشراح مختلفة في بيان المراد من قوله ثلاثون هل هو شهر كامل أو نصف شهر؟ ومال الشيخ إلى الثاني، كما حكاه في الإرشاد الرضى، وقال: عد كل منها مستقلًا لما أن طعام كل منهما مستقل على حدة.","vol":"3","page":292},{"text":"الله الحرام وأشهر الله الحرم. قوله [ومعنى هذا الحديث إلخ] هذا غير (١) صحيح فإن بلالًا لم يك معه إذ ذاك، والحق أنه لا يعين متى هو.\nقوله [قد قذفه البحر] استدل بذلك مجوز السمك الطافي (٢) وهذا غير\n_________\n(١) المعروف أن خروجه ﷺ من مكة هاربًا مرتين: الأولى حين خرج إلى الطائف، والثانية حين خرج مهاجرًا إلى المدينة، وبكليهما لا يصح تفسير حديث الباب، وعليهما توجه إنكار الشيخ، أما خروج الهجرة فظاهر ومعلوم أن بلالًا لم يكن معه ﷺ، وأما خروج الطائف فالمعروف أنه كان معه ﷺ زيد بن حارثة، لكن قال القاري: ومعه بلال لا ينافي كون زيد بن حارثة معه أيضًا، مع احتمال تعدد خروجه ﷺ، لكن أفاد بقوله معه بلال أنه لم يكن هذا الخروج في الهجرة إلى المدينة لأنه لم يكن معه بلال حينئذ، انتهى.\n(٢) وتوضيح ذلك أنهم بعد ما اتفقوا على إباحة السمك اختلفوا في إباحة الطافي، قال الشيخ في البذل: هو الذي يموت في البحر، ويعلو فوق الماء ولا يرسب فيه، فعند الحنفية يكره أكله، وقال مالك والشافعي وأحمد والظاهرية لا بأس به، انتهى. ومن مستدلات الآخرين حديث الباب، واستدل الأول بما أخرجه أبو داود بسنده عن جابر مرفوعًا: ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه، انتهى. فهذا نص في التفريق بين المقذوف والطافي، وإليه أشار الشيخ في قوله. مع ما ورد من استثنائه، وما أوردوا على حديث جابر أجاب عنه الشيخ في البذل، وفي المشكاة رواه أبو داود وابن ماجة، وقال محي السنة: الأكثرون على أنه موقوف، قال القاري: لا يضر، فإن مثل هذا الموقوف في حكم المرفوع كما هو معروف، انتهى. وفي الهداية عن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا، وذكر الآثار ابن أبي شيبة.","vol":"3","page":293},{"text":"صحيح، فإن بين الطافي والمقذوف تفاوتًا فإن الطافي مع ما ورد من استثنائه في الحديث يموت لسمية فيه ومرض، بخلاف المقذوف فإن موته لعدم وجدانه الماء لا غير، وقد أحل لنا ميتته، وأيضًا ففي الحديث جواز السمك الكبير كما ذهب إليه الشيخان، وقال (١) محمد رحمه الله تعالى بكراهة ما يمكن أن يأكل إنسانًا لكبره، ولا يمكن أن يعتذر من جانبه أن أكله كان للضرورة فإن الأمر لو كان منوطًا بالضرورة لما وسعهم الشبع، وقد ثبت أيضًا أن النبي ﷺ طلب بقيته منهم، ولو كان أكله للضرورة لما فعل.\nقوله [بكى للذي كان فيه من النعمة (٢)] وإنما كان ذلك رأفة به (٣) وشفقة عليه، لا رغبة في الغنى عن الفقر، ويدل على ذلك الفقرة الآتية فإنه فضل بها فقرهم هذا على الغنى. قوله [وضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى] وكانوا لا يأكلون\n_________\n(١) لم أجد هذا الاختلاف في الفروع المتداولة المشتهرة فليفتش، وإنما ذكروا خلاف محمد في الجريث والمارماهي، ففي الدرر: ومن السمك المأكول الجريث والمارماهي، خصهما بالذكر إشارة إلى ضعف ما نقل في المغرب عن محمد أن جميع السمك حلال غيرهما، وقريب منه ما في الدر المختار إذ قال: أفردهما بالذكر للخفاء وخلاف محمد.\n(٢) فقد قال الحافظ في الإصابة: كان أنعم غلام بمكة وأجوده حلة مع أبويه، وفي الحاشية: كان أبوه ذا ثروة يعطي ابنه من كل شيء عنده من الثياب الفاخرة، وكان كافرًا، فلما أسلم مصعب أمسك عطاءه عنه، وقال القاري: كان في الجاهلية من أنعم الناس عيشًا وألينهم لباسًا، فلما أسلم زهد في الدنيا، وفيه نزل ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية. انتهى.\n(٣) هذا هو الأوجه بل هو المتعين لظاهر السياق، ومال القاري إلى أن بكاءه ﷺ كان للفرح في أنه وجد في أمته من اختار الزهد في الدنيا والإقبال على العقبي.","vol":"3","page":294},{"text":"مثلما يجمع ألوان الأطعمة بأسرها على السفرة مرة واحدة، بل قامت لغلمة (١) بكل صحفة وضع الغلام أخرى فيها طعام آخر وهكذا.\nقوله [إن كنت لأعتمد بكبدي إلخ] هذا إذا (٢) اضطجع [وأشد الحجر إلخ] هذا إذا أراد القيام. قوله [ما سألته إلا ليستبعني] لأنه لا يقوم (٣) فيكلم بل يقول لي: الحق حتى أكلمك. فلما وصلت إلى بيته وقد حان الطعام لا يتركني إلا وأن آكل. ولا يبعد أن يكون معنى الآية يشير إلى فضل الإنفاق وغيره، فكان المراد أني إذا سألته عنها لا يكاد يخطئ ذهنه الثاقب مفهومها، فيعمل بمقتضاها، ويأخذني معه. لكن هذا التوجيه موقوف (٤) على علم الآية بخلاف الأول.\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه، والظاهر أنه وقع فيه تحريف وحذف، والحاصل أن الغلمة يأتون بالصحف نوبًا، كلما رفعت صحفة وضعت الأخرى بطعام غير الأول، كما هو معتاد المتنعمين في زماننا، ثم ما أفاده الشيخ من أنهم لا يأكلون مثلنا بجمع الألوان محتمل، لكن الظاهر أن تناوب الصحف أيضًا إخبار بما سيقع في المكثرين أموالًا من الأروام والأعجام فتأمل.\n(٢) فيكون الاعتماد بالكبد، والشد بالحجر بيان الحالتين، وإليه أشار الحافظ بقوله: أي ألصق بطني بالأرض، وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شد الحجر على بطنه، ثم قال: أو هو كناية عن سقوطه إلى الأرض مغشيًا عليه، كما وقع في رواية أبي حازم بلفظ: فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية فذكرته، قال: فمشيت غير بعيد فخررت على وجهي من الجهد والجوع، انتهى.\n(٣) هذا توضيح لما ظنه أبو هريرة لكيفية الاستتباع، يعني ظننت أنه لا يجيبني قائمًا بل يقول لي: تعال حتى أجيبك، كما هو المعتاد في أمثال هذه المواضع.\n(٤) وسكت عنها شراح البخاري غير أن الحافظ حكى عن الحلية أن الآية كانت من سورة آل عمران.","vol":"3","page":295},{"text":"قوله [أبو هريرة إلخ] لعل الصواب هاهنا أبا هريرة (١) وإنما وقع هاهنا مرفوعًا بتصرف الراوة والنساخ، وإلا لم يصح جواب أبي هريرة ﵁ بقوله: لبيك. قوله [من أين هذا اللبن لكم] وإنما كان (٢) يسأل ليعلم هل هو هدية أم صدقة، فقد كان يؤتي في بيته ﷺ بالصدقات لما أنها كانت تحل للأزواج (٣) المطهرات\n_________\n(١) ولفظ البخاري: يا أبا هر قلت: لبيك، قال الحافظ: وفي رواية أبو هر، وفي أخر أبا هر، فأما النصب فواضح، وأما الرفع فهو على لغة من لا يعرب لفظ الكنية، أو هو للاستفهام، أي أنت أبو هر، انتهى. قلت: وعلى الأخير لا يصح جواب لبيك، بل كان حق الجواب نعم، كما لا يخفى، وإليه أشار الشيخ في كلامه.\n(٢) ويؤيد ذلك ما في هبة البخاري من حديث أبي هريرة: كان النبي ﷺ إذا أتى بطعام سأل عنه، فإن قيل صدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإن قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم، ويحتمل أن يكون السؤال لمعرفة المهدي ليثيبه ﷺ، فكان من دأبه ﷺ إثابة الهدية، ولغير ذلك من المنافع المترتبة على معرفة المهدي كما لا يخفى.\n(٣) كما تقدم في هامش أبواب الزكاة عن حاشية الزيلعي، وترجم البخاري في صحيحه باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ، قال الحافظ: لم يترجم لأزواج النبي ﷺ ولا لموالي النبي ﷺ، لأنه لم يثبت عنده فيه شيء، وقد نقل ابن بطال أنهن أي الأزواج لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء، وفيه نظر، فقد ذكر ابن قدامة أن الخلال أخرج عن عائشة قالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، قال: وهذا يدل على تحريمها، قال الحافظ: إسناده إلى عائشة حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال، وقال ابن المنير: إنما أورد البخاري هذه الترجمة ليحقق أن الأزواج لا يدخل مواليهن في الخلاف، ولا يحرم عليهن الصدقة قولًا واحدًا، لئلا يظن الظان أنه لما قال بعض الناس بدخول الأزواج في الآل أنه يطرد في مواليهن فبين أنه لا يطرد، انتهى.","vol":"3","page":296},{"text":"ولمواليها. قوله [ثم رفع رأسه فتبسم] ولعله ﷺ اطلع (١) على ما خطر بباله. قوله [من أي حلل الإيمان شاء] أي من حلل نوع هذا الرجل، فيخير بين حلل الذين هم في منزلته عند الله بحسب أعمالهم، قوله [إلا التراب] وكان خباب (٢) ذا مال (٣)، فلما رأى أن عامة المسلمين قد تمولوا بكثرة الفتوح وليس لأحد منهم كثير احتياج إلى الأموال صرفه في البناء (٤)، ودفع ما كان يتوهم من كونه فعل\n_________\n(١) قال الحافظ: كأنه ﷺ كان تفرس في أبي هريرة ما كان وقع توهمه أن لا يفضل له من اللبن شيء، فلذلك تبسم إليه إشارة إلى أنه لم يفته شيء، انتهى.\n(٢) بتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت بتشديد المثناة الفوقية تميمي سي في الجاهلية وبيع بمكة، وأسلم في سنة ٦ نبوية، وهو أول من أظهر إسلامه فعذب عذابًا شديدًا لذلك، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ومات سنة ٣٧ هـ منصرف على من صفين، كذا في المرقاة، وصلى عليه على، كذا في الإصابة.\n(٣) كما يدل عليه ما في رواية المشكاة من الزيادة في هذا الحديث بلفظ: ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ما أملك درهمًا، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم، الحديث.\n(٤) وهو مختار المحشى إذ قال: لعله بنى مكانًا لأنه كان غنيًا، انتهى. قلت: ولفظ أحمد في مسنده: قال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به فقد طال بي مرضي، ثم قال: إن أصحابنا اللذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئًا وإنا أصبنا بعدهم ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، وقال: كان يبني حائطًا له، الحديث.","vol":"3","page":297},{"text":"الصحابي أنه أمر مرغوب فيه. قوله [أرأيت ما لابد منه؟ قال: لا أجر ولا وزر] إذا لم ينوبه خيرًا (١). قوله [وتصوم رمضان؟ قال: نعم] وإنما لم يسأل عن الصلاة لأن عامتهم إذا شهد بالرسالة كان يصلي. قوله [وللسائل حق] أي إن كان محتاجًا، ثم تفتيشه هذا كان ليعلم إسلامه وتقواه، فيكون إنفاقه عليه موجبًا لمزيد الأجر، وإن كان الإنفاق على كل محتاج مندوبًا.\nقوله [عبد الله بن سلام] هو بالتخفيف وفي (٢) اختلاف، والأكثر على أنه بالتشديد، والباقي متفق على تشديده، قوله [لما قدم النبي ﷺ أتاه المهاجرون] أي الذين (٣) كانوا قد أتوا المدينة قبله ﷺ، فوجدوا أنصارًا أحسنوا إليهم ما لم يكونوا يتوقعونه، وكان المهاجرون أسخياء كرماء بيد أنهم وجدوا الأنصار فوقهم، فلذلك قالوا: إنهم يواسون إذا أقلوا، ويشركوننا إذا أكثروا.\nقوله [لا ما دعوتم الله لهم إلخ] أي لا يذهبون بالأجر كله إذا جازيتموهم بالدعاء والثناء، بل تكونون شركاء في الأجر بالنية وإن كان أجرهم أكثر وأثمر.\n_________\n(١) احتاج إلى هذا التوجيه لما ورد في بعض الأبنية من الأجر.\n(٢) بياض في المنقول عنه، وفي الإرشاد الرضى ذكر هنا محمد بن سلام شيخ البخاري، وقال صاحب المغني: سلام كله بالتشديد إلا عبد الله بن سلام، وأبو عبد الله محمد بن سلام شيخ البخاري، وشدده جماعة، ونقله صاحب المطالع عن الأكثر، والمختار التخفيف، انتهى. ثم ذكر بعضًا آخر بالتخفيف، فارجع إليه لو شئت.\n(٣) وهذا أجود مما حمل الحديث عليه القاري إذ قال: أتاه المهاجرون، أي بعد ما قام الأنصار بخدمتهم وإعطائهم أنصاف دورهم وبساتينهم إلى أن بعضهم طلق أحسن نسائه ليتزوجها بعض المهاجرين إلى أخر ما قاله، فكأنه حمل الإتيان على بعد الزمان من قدومه ﷺ، وسياق الحديث يؤيد كلام الشيخ.","vol":"3","page":298},{"text":"قوله [بمنزلة الصائم الصابر] في أنهما قد أتيا طاعة معروفة، وإن كان (١) أجر الصبر أوفر من أجر الشكر. قوله [بمن يحرم على النار ويحرم عليه النار] أي المضادة ثابتة من الطرفين، فلو دخل مثل هذا الرجل في النار لما أكلته، ومعنى القريب أنه لسهولة أخلاقه لا يتباعد منه الناس ولا يتوحشون منه، والهين المنقاد لكل أحد المتحمل أقوالهم وأفعالهم الذين أمروه بإتيانها، والسهل المنقاد الساعي في أمورهم وإن لم يأمروا بإتيانها إياه.\nقوله [فإذا حضرت الصلاة] أي مع ذكر (٢) من اشتغال ﷺ بهذه الأمور لم تكن تعله لعلقة غفلة عن ذكره سبحانه. قوله [يسقون من عصارة أهل النار] ظاهره (٣) مشكل فإنه أهل النار لم يصلوا بعد في جهنم فمن أين حصلت عصارتهم؟\n_________\n(١) لما أن الجمهور على أن فضيلة الفقر أكثر من فضيلة الشكر والغنى، ولذا اختار الله سبحانه لنبيه ﷺ معيشة الفقر، على أنه ﷺ كان محرزًا للفضيلتين معًا كما تقدم.\n(٢) هكذا في المنقول عنه، وحق العبارة أي مع ما ذكر من اشتغاله ﷺ إلخ. والمعنى أن من عادة الناس أنهم إذا اشتغلوا في شيء غفلوا عن غيره كثيرًا، لكن النبي ﷺ مع اشتغاله بما ذكر من مهنة أهله لا تعلوه غفلة عن ذكره عز اسمه، وتعلقه بهذه الأمور لا يعوقه عن الاشتغال بالصلاة في وقتها.\n(٣) وأشكل أيضًا أن الحديث بظاهره يخالف قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ وأيضًا ورد في الروايات من أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء، حتى أنهم يحشرون غرلًا، وأجاب عنه التوربشتي إلى أن أمثال الذر في حديث الباب مجاز عن غاية الحقارة، ولا يراد بها الحقيقة، وقال الطيبي: إن الله تعالى قادر على أن يعيد هذه الأجزاء في أمثال الذر، فلا مانع عن إرادة الحقيقة، انتهى. وكتب الشيخ على هامش كتابه بعد ذلك: لأن الأجزاء الأصلية هي التي تكون من النطفة وهي قليلة جدًا، ولأن التكاثف فيها ممكن، وحقق القاري أن الإعادة يكون عند إخراجهم من القبور، وبعد ذلك يمسخون في المحشر في هذه الصور تذليلًا لهم، وعلى هذا المعنى الأخير اكتفى صاحب الإرشاد الرضى، فلعله هو مختار الشيخ الأقدس.","vol":"3","page":299},{"text":"إلا أن يقال: إن روحانية الأشياء بأسرها موجودة عنده سبحانه، فهي صالية بالنيران وإن لم يصل الكافرون بعد فيها، وهذا كلام قلته ولم أفهمه (١).\nقوله [في صعيد واحد] هذا التقييد (٢) إفادة لما هو العادة فينا من أن الطلبات إذا اجتمعت دفعة واحدة وتوفرت لانكاد الخزائن تقوم بإيفائها وإنجاحها، فرد بهذا اللفظ أن النقص لا يوجد ثمة وإن وقعت الأسئلة مرة واحدة، وفي مقام واحد، فسبحانه من إله توفرت خزائنه وتكثرت كنوزه ودفائنه. قوله [إلا كما لو أن أحدكم مر إلخ] ليس (٣) المراد نسبة هذا النقصان بذاك ليعلم\n_________\n(١) لعل عدم الفهم لما أن ظاهر سياق الحديث أنهم يسقون بحقيقة العصارة لأمثالها، ويمكن الجواب عن أصل الأشكال بأنهم يسقون بعد دخولهم النار، أو يقال يسقون بعصارة من سبقهم من الكفرة المردة.\n(٢) وبذلك جزم الطيبي إذ قال: قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسؤول بهم، ويعسر عليه إنجاح مآربهم وإسعاف مطالبهم، انتهى.\n(٣) قال الطيبي: لما لم يكن ما ينقصه المخيط محسوسًا ولا معتدًا به عند العقل بل كان في حكم العدم، كان أقرب المحسوسات وأشبهها بإعطاء حوائج الخلق كافة، فإنه لا ينقص مما عنده شيئًا، وقال ابن الملك: أو يقال إنه من باب الفرض والتقدير، يعني لو فرض النقص في ملك الله لكان بهذا المقدار، انتهى.","vol":"3","page":300},{"text":"وقوع النقص ثمة وإن قل، بل المراد عدم النقص أصلًا بناء على ما هو العادة أن أرباب العرف لا يعدون ذلك النقص في البحر في شيء من مراتب النقصان، وإلا فليس ثمة نقصان وإن قل. قوله [لو لم أسمعه إلا مرة إلخ] جزاؤه «لما حدثتكموه» محذوف. قوله [إن الله قد غفر الكفل (١) إلخ] ومن ها هنا يعلم أن القتل في بني إسرائيل لم يكن توبة كل جناية، بل لجنايات معينة كالإشراك بالله.\nقوله [أحدهما عن نفسه] وإن كان استنبطه من كلامه ﷺ، والغرض من ذلك بيان إسراع المؤمن في التوبة لأجل أنه يستعظم الذنب فيخاف منه ما لا يخاف المنافق. قوله [أرجع إل مكاني الذي أضللتها فيه] وذلك لأن الإبل عادته أن يجلس في الموضع الذي جلس فيه مرة، فظن الرجل أن راحلتي لعلها أن تعود فتجلس حيث كنت أجلستها أولًا. قوله [كل ابن آدم خطاء (٢)] أي خطاء تنافي\n_________\n(١) والكفل اسم الرجل كما في جمع الفوائد برواية رزين عن ابن عمر ﵁ رفعه: كان فيمن كان قبلكم رجل اسمه الكفل، وكان لا ينزع عن شيء، الحديث، وما أفاده الشيخ من القتل في بني إسرائيل توبة لهم ذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قال السيوطي في الجلالين: كقتل النفس في التوبة وقطع أثر النجاسة، انتهى.\n(٢) قال القاري: أي كثير الخطاء، أفرد نظرًا إلى لفظ الكل، وفي رواية خطاؤن نظرًا إلى المعنى، قيل: أراد الكل من حيث هو كل، أو كل واحد، وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فأما مخصوصون عن ذلك، وإما أنهم أصحاب صغائر، والأول أولى، أو يقال: الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطاء والنسيان، انتهى. قلت: والأوجه ما أفاده الشيخ، وما بعد خطأ في حقهم لا يجب أن يكون خطأ في حقنا، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولذا قالوا في شرح قوله ﷺ: إنه ليغان على قلبي: إنه وإن لم يكن ذنبًا لكنه بالنسبة إلى سائر أحواله العالية هبوط ونزول فناسبه الاستغفار.","vol":"3","page":301},{"text":"منزلته عند الله تعالى، فدخل فيه كل الناس حتى الأنبياء، قوله [ويبتليك] أي بتلك المصيبة أو غيرها. قوله [ومكحول قد سمع] وكذلك (١) من ذكر منه أنه كان يقول هذا، ثم هو المكحول الشامي، والمكحول الأزدي قد ذكر ها هنا تبعًا واستطرادًا، والبحث إنما هو عن الشامي.\nقوله [عن تميم عن عطية] هكذا يوجد في النسخ (٢)، والذي يظهر\n_________\n(١) حاصله أن مكحولًا الوارد في السند هو المكحول الشامي، وهو المراد في قوله: ومكحول قد سمع وائلة بن الأسقع إلخ. وهو الذي حكى عنه في السند الآتي أنه إذا يسأل عن شيء فكثيرًا ما يقول ندانم يعني يجيب في الفارسية لأنه كان من آل فارس، يقال كان من أهل كابل، وسام أبيه سهراب، كثير الإرسال عن الصحابة، والجمهور على أنه لم يسمع إلا من هذه الثلثخ، بسطه الحافظ في تهذيبه، وأما مكحول الأزدي فرجل آخر في هذه الطبقة، ذكره المصنف للتمييز، ولا يذهب عليك أن في أن النسخ الهندية التي بأيدينا من جامع الترمذي ذكر فيها شيخ الأزدي عبد الله بن عمرو بالواو، وفي النسخة المصرية وكتب الرجال ابن عمر ﵁ بلا واو، فتدبر.\n(٢) أي من النسخ الهندية، وأما في المصرية ففيها تميم بن عطية، ومعنى قول الشيخ من [تلاميذه] أي من تلاميذ مكحول، فقد قال الحافظ: تميم بن عطية العنسي الشامي روى عن مكحول وغيره، وعنه إسماعيل بن عياش وغيره، وروى له الترمذي أثرًا موقوفًا عليه. انتهى. ولا يذهب عليك أن ما في هامش النسخة الأحمدية من قوله نجيم بن عطية تحريف من الناسخ، ليس في رواة الستة أحد اسمه نجيم بن عطية.","vol":"3","page":302},{"text":"بمطالعة كتب أسماء الرجال أنه تميم بن عطية من تلاميذه، قوله [لقد مزجت] أي كلامك [بكلمة لو مزج (١) بها ماء البحر لمزج] أي غلب (٢) في المزج فإن المغالبة من خواص نصر. قوله [كانا رأي عين] مفعول (٣) مطلق وفعله محذوف.\nقوله [احفظ الله بحفظك] كأنها كلية تشمل جميع ما يرد (٤) بعدها على ما يظهر بالتأمل.\nقوله [رفعت الأقلام وجفت الصحف (٥)] هذا بناء على العادة فإن الكاتب\n_________\n(١) قال التوربشتي: قد حرفت ألفاظ هذا الحديث، والصواب لو مزجت بالبحر، قال الطيبي: لعل التخطية من أجل الدراية لا الرواية، إذ لا يقال مزج بها البحر بل مزجت بالبحر، وأنت خبير بأن الإيراد ساقط، أما أولًا فلأن الخلط يكون من الجانبين، فكل من الممتزجين يمتزج بالآخر، وثانيًا غرض الكلام بسياق الحديث أوضح من سياق التوربشي إذ فيه حينئذٍ إشارة إلى أن هذه الكلمة باعتبار الوزر كبيرة وعظيمة بحيث لو مزج بها البحر مع عظمه ووسعه لغلبته.\n(٢) إن كانت الرواية ببناء المجهول فلا إشكال في التفسير، وإن كانت ببناء الفاعل فهو مشكل وللتأويل مساغ، وهذا كله بالسياق الذي عندنا من النسخ الهندية والمصرية بصيغة التذكير، وأما على ما حكاه صاحب المشكاة من رواية الترمذي وأحمد وأبي داود بلفظ لمزجته، وهو كذلك في رواية أبي داود بلفظ التأنيث، فالتفسير بقوله لغلبته واضح.\n(٣) قال القاري: بالنصب أي يذكرنا بالنار أو الجنة حتى صرنا كأنا نرى الله، أو الجنة والنار رأي عين، فهو مفعول مطلق بإضمار نرى، وفي نسخة بالرفع على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل، أو خبر مبالغة كرجل عدل، انتهى.\n(٤) والحديث جميع أجزائه أبواب التصوف.\n(٥) لا يقال: إنه يخالف قوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ لأن المحو والإثبات أيضًا مما جفت الصحف، كذا في المرقاة.","vol":"3","page":303},{"text":"ما دام قلمه رطبًا فإنه يغير ويثبت. قوله [اعقلها وتوكل] فأعلى (١) مراتب التوكل أن يباشر الأسباب ولا يعتمد عليها، ثم أن لا يباشر الأسباب، ثم لا شيء بعد ذلك، وهو أن يباشر الأسباب ويتوكل عليها. قوله [قال: حفظت من رسول الله ﷺ إلخ] ليس (٢) المراد أني لم أحفظ سوى ذلك، بل المراد أن ذلك مما حفظته منه ﷺ.\nقوله [لا يعدل] مفعوله (٣) محذوف إفادة للإحاطة والتعميم، أي لا يعد له\n_________\n(١) ولمشايخ السلوك في ذلك تفاصيل طويلة مبسوطة في كتب الفن، لا سيما في الإحياء وشروحه، وجعلوا الأسباب عدة أنواع، متيقنة ومظنونة ومتوهمة، وكذا القلوب مختلفة، تتشوش بالأشغال، ولا تتشوش بها، وجعلوا لكل باب منها جزءًا مقسومًا لا يسع تفاصيلها بل ولا إجمالها هذا المختصر، وتقدم شيء من ذلك في أول أبواب الطب.\n(٢) وذلك لأن المرويات عن الحسن مرفوعًا مع التصريح بالسماع أو الرؤية عديدة ذكرت في مسند أحمد وغيره، والقصة التي أشار إليها الترمذي هي ما أخرجه أحمد في مسنده عنه قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فمي، فانتزعها رسول الله ﷺ بلعابها فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة؟ قال: إنا لا نأكل الصدقة، قال: وكان يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدقة طمأنينة، وإن الكذب ريبة، قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، الحديث.\n(٣) هكذا في الأصل، والظاهر من المفعول ما ناب عن الفاعل، وعلى هذا يكون لا يعدل ببناء المجهول، كما أعرب عليه بذلك في الكتاب. وعلى ما أفاده من قوله: وممكن إرجاع الضمير يكون بصيغة المعلوم، وفي المصرية لا تعدل بالنون، وعلى هذا فحذف المفعول ظاهر، وكذلك ما في المجمع إذ قال: لا تعدل بالرعة يجوز كونه بالجزم للمخاطب، أي لا تقابل شيئًا بالورع، وكونه خبرًا منفيًا بضم تاء وفتح دال، أي لا تقابل خصلة، انتهى. ولفظ جمع الفوائد برواية رزين عن جابر: لا يعدل الورع بشيء، وفي المشكاة برواية الترمذي: لا تعدل بالتاء، وحكى القاري عن المظهر الاحتمالين المذكورين عن المجمع، ثم قال: ضبط لا يعدل بصيغة المذكر المجهول على أن الجار والمجرور نائب الفاعل، وهو ظاهر جدًا، انتهى.","vol":"3","page":304},{"text":"شيء، ويمكن إرجاع الضمير إلى ما ذكر في السؤال من الاجتهاد في العبادة، لكنه على هذا يخلو عن هذا التعميم، وفضل الرعة (١) على الخصال كلها مسلم. قوله و[أنكح لله] أي لا يبالي في إنكاح ابنته، أو أخته، أو من وليها بمال أو نسب، وإنما بغيته فيه مرضاته سبحانه.\n_________\n(١) بكسر الراء وتخفيف العين، أي الورع، قال المظهر: الورع أفضل من كل خصلة، وقال الراغب: الورع في عرف الشرع عبارة عن ترك التسرع إلى تناول أعراض الدنيا، وذلك ثلاثة أضرب: واجب وهو الإحجام عن المحارم، وذلك للناس كافة، وندب وهو الوقوف عن الشبهات وذلك للأوساط، وفضيلة وهو الكف عن كثير من المباحات، والاقتصار على أقل الضرورات، وذلك للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كذا في المرقاة.","vol":"3","page":305},{"text":"أبواب صفة الجنة (١) عن رسول الله ﷺ\nقوله [في الجنة شجر يسير الراكب في إلخ] يمكن أن يكون هذا صفة شجرة منها معينة (٢)، ويمكن أن تكون جميع أشجار الجنات كذلك، ولا يبعد\n_________\n(١) قال القاري: الجنة البستان من الشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه، انتهى. وقال الراغب: أصل الجن ستر الشيء عن الحاسة، والجنان القلب لكونه مستورًا عن الحاسة، والجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، قال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ وقد تسمى الأشجار الساترة جنة، وسميت الجنة إما تشبيهًا بالجنة في الأرض وإن كان بينهما بون، وإما لستره نعمها عنا المشار إليها بقوله عز اسمه ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ الآية: وقال ابن عباس: إنما قال تعالى ﴿جَنَّات﴾ بلفظ الجمع لكون الجنان سبعًا: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليين، انتهى. وبوب البخاري في صحيحه «ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة» قال الحافظ: أي موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة، وقد ذكر البخاري أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به، وأصرح مما ذكره في ذلك مما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لما خلق الله الجنة قال لجبرئيل: اذهب فانظر إليها، الحديث، انتهى.\n(٢) قال ابن الجوزي: يقال إنها طوبى، قال الحافظ في الفتح: وشاهد ذلك في حديث عتبة عند أحمد الطبراني وابن حبان، فهذا هو المعتمد، خلافًا لمن قال: إنما نكرت للتنبيه على اختلاف جنسها بحسب شهوات أهل الجنة، انتهى.","vol":"3","page":306},{"text":"أن يقال: إن هذه الصفة صفة نوع من أنواع أشجارها، ثم قد ورد في هذه الرواية «لا يقطعها» والرواية الثانية بعد ذلك ساكتة عن ذلك (١)، ولا بعد في حملها على هذه. وقوله فيها [وذلك الظل الممدود] يعني أن الذي وقع في الآية من قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ المراد به ظل هذه الشجرة، وكونه ممدودًا ظاهر، وإطلاق الظل عليه تشبيه (٢) ومجاز، إذ لا شمس هناك ولا قمر، ولا نور يحجبه الشجر من غير هذين. قوله [وشممنا الأولاد] والمراد بالشم لازمه من التقبيل والعناق، ولا استحالة في حمله على حقيقته وإن كان فيه بعدما. قوله [لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك إلخ]\n_________\n(١) أي عن عدم القطع، فيمكن حملها على ذلك، بأن يقال: إن عدم ذكر «لا يقطعها» في الحديث الآتي اختصار، ولا مانع عن تعدد الأشجار، ويمكن أن يقال: إن المقصود في الحديث الآتي بيان بسط الظلية لا تحديدها.\n(٢) يعني أن الظل في العرف ما بقى من حر الشمس، وقد قال تعالى ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرً﴾ قال القاري: قد يراد بالظل ما يقابل شعاع الشمس، ومنه ما بين ظهور الصبح إلى طلوع الشمس، ويمكن أن يكون للشجرة من النور ما يكون لما تحته كالحجاب الساتر، انتهى. قال الحافظ: قوله في ظلها أي في نعيمها وراحتها، ومنه قولهم عيش ظليل، وقيل: في ناحيتها، يقال: أنا في ظن أي في ناحيتك، وروى عن ابن عباس أن الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام من كل نواحيها، فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم اللهو، فيرسل الله ريحًا فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا، انتهى.","vol":"3","page":307},{"text":"تكرار الكون فيه كتكراره (١) في قول المتنبي:\nلو كن يوم جرين كن كصبرنا ... يوم الرحيل لكن غير سجام\nقوله [ولو لم تذنبوا إلخ] أفاد هذه الجملة أن طريان أمثال هذه الغفلات مما يعد (٢) ذنبًا ويجب الاستغفار منه، وليس لبني آدم بد منه، ولو فرض ارتفاعها عنهم لخلق الله قومًا آخرين مذنبين ليظهر صفة غفرانه. قوله [يا رسول الله مم خلق الخلق] لما رأوا تلونهم وتبدلهم وقتًا فوقتًا كما بينوه بين يدي النبي ﷺ، سألوه عن مادتهم التي خلقوا منها، ليعلموا بذلك أن هذا التلون في الإنسان هل هو مادي لهم وطبيعي أم طارئ، إلا أنهم عموا السؤال فسألوا مادة الخلق أجمع، وأنت تعلم ما في الماء (٣) من سرعة قبوله الأشكال وتركه لها، ويمكن أيضًا أن يكون سؤالهم هذا وقع في محل آخر. قوله [ثم قال: ثلاث لا يرد دعوتهم] فعلم قبولهم واستحقاقهم الجنة، فوجب على من أحب دخولها إحراز هذه الفضائل. قوله [يرفعها فوق الغمام] كناية (٤) عن سرعة القبول فإن الغمام\n_________\n(١) ويحتمل عندي أن يكون «كنتم» بمعنى بقيتم ودمتم، والحديث بمعنى ما تقدم من حديث حنظلة بلفظ: لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة، ولفظ مسلم من حديث حنظلة: لو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة.\n(٢) أي في حق السائلين وهم الصحابة الكرام والنجباء العظام، وإن لم تكن ذنبًا في حق غيرهم، ويمكن أن يكون غرض الكلام ترقيًا مما سألوه، يعني هذه الغفلات ليست بذنوب، وصفة الغفارية تقتضي سبق الذنوب أيضًا فضلًا عن الغفلات.\n(٣) قال القاري: قيل أي من النطفة، والظاهر أنه اقتباس من قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وذلك لأن الماء أعظم مواده، أو فرط احتياجه إليه، وانتفاعه بعينه، انتهى.\n(٤) وعلى هذا فرفعه فوق الغمام يراد به رفع الدعاء بوضعه على الغمام والمشهور عند الشراح في معناه أنه يتجاوز به عن الغمام، والأوجه ما أفاده الشيخ، لأن التجاوز بالغمام لا تخصيص لها لدعوة المظلوم، بل يعم الكل، فتأمل.","vol":"3","page":308},{"text":"لخفتها يسرع ارتفاعها إلى فوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>[باب في صفة غرف الجنة]</span>\nقوله [قال: إن في الجنة جنتين] الجنة الأولى (١) هي الجنة الاصطلاحية، والمراد بالجنتين درجتان منها. [على وجهه] إن أريد به وجه القوم فهو مستغن (٢) عن البيان، وإن أرجعت الضمير إليه سبحانه ففيه إشكال، لأنه يلزم إحاطة الرداء أيًا ما كان له ﵎، والجواب (٣) أن قوله في جنة عدن لما كان ظرف الرداء لا يلزم ذلك، فالمعنى أن رداء الكبرياء على وجهه سبحانه على ما هو منه في جنة عدن. قوله [لا يرون الآخرين] لئلا بقربهم\n_________\n(١) يعني المراد بقوله «إن في الجنة» الجنة الاصطلاحية، والمراد بقوله «جنتين» درجتان، يعني في الجنة درجتان من فضة ودرجتان من ذهب.\n(٢) وإفراد الضمير باعتبار المخلوق أيا ما كان، وهذا التوجيه معروف بينهم كما ذكروه في روايات الحجاب من أحاديث الإسراء، قال القاضي في الشفاء: ما في هذا الحديث أي حديث الإسراء من ذكر الحجاب فهو في حق المخلوق لا في حق الخالق، فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه، إذا الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس، ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، ففي هذا الحديث، وخرج ملك من الحجاب يجب أن يقال إنه حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه، وعظمته، وعجائب ملكوته، وجبروته، انتهى.\n(٣) وقال المازري: كان النبي ﷺ يخاطب العرب بما تفهم، ويخرج لهم الأشياء المعنوية إلى الحس ليقرب تناولهم، فعبر عن زوال المانع ورفعه عن الأبصار بذلك. وقال عياض: كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرًا فخاطبة النبي ﷺ برداء الكبرياء على وجهه من هذا المعنى. وقال الكرماني: هو من المتشابهات، فإما مفوض أو متأول بأن المراد بالوجه الذات، والرداء صفة من الصفات اللازمة المنزهة عما يشبه المخلوقات، ثم استشكل ظاهر الحديث بأن يقتضي أن رؤية الله تعالى غير واقعة، وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر، إذ رداء الكبرياء لا يبكون مانعًا من الرؤية، إلى أخر ما بسطه الحافظ.","vol":"3","page":309},{"text":"[باب صفة درجات (١) الجنة] قوله [من صام رمضان إلخ] لما كان فيه معنى النفي صح الاستثناء بعد ذلك، فإن معنى قولك: من يأتيني فله درهم لا يأتيني أحد إلا كان له درهم.\nقوله [وهذا عندي أصح إلخ] لأن راوي الحديث هو معاذ لا عبادة، فالراوية عن معاذ هو الصحيح، وقوله بعد ذلك: عطاء لم يدرك معاذًا لا يقدح في صحته، غاية الأمر أن يكون منقطعًا، ويرتفع انقطاعه بثبوت الاتصال في إسناد آخر، ثم أراد المؤلف بيان حديث عبادة الذي قد كان أشار إليه فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>[باب في صفة نساء أهل الجنة]</span>\nقوله [فروة بن أبي المغراء] بتقديم (٢)\n_________\n(١) ويشكل على أحاديث الباب ما سيأتي في «أبواب فضائل القرآن» من أن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، وحمل أكثر المحشين أحاديث الباب على مجرد التكثير دون التحديد، ولو حملت على الثاني فيمكن الجمع عندي بأن منزلًا واحدًا طالما يتضمن عدة منازل قصار فالمائة باعتبار المنازل الكبار، وجملتها تبلغ إلى عدد آي القرآن.\n(٢) يعني بالعين المعجمة بعدها راء مهملة، قلت: وبفتح الميم والمد اسمه معد يكرب، وابنه فروة من مشايخ البخاري.","vol":"3","page":310},{"text":"المعجمة على المهملة.\nقوله [عبيدة بن حميد] كل عبيدة قارن حميدًا فهو مكبر وتاليه مكبر الرتبة (١) مصغر.\nقوله [لكل رجل منهم زوجتان] اختلفت الروايات (٢) في ذلك، والظاهر\n_________\n(١) يعني في كل موضع جاء عبيدة بن حميد فالأول مكبر، والثاني الذي هو كبير رتبة لكونه أبا مصغر تلفظًا، قال صاحب المغني: عبيدة كله بالضم إلا ابن عمرو السلماني، وأبي سفيان، وابن حميد، انتهى.\n(٢) كما بسطها الحافظ في الفتح، وفي أكثرها ثنتان وسبعون زوجة، قال: وأكثر ما وقفت عليه من ذلك ما أخرج أبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في البعث، من حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه أن الرجل من أهل الجنة ليزوج خمسمائة حوراء، وأنه ليفضي إلى أربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف ثيب، وفيه راو لم يسم. قال ابن القيم: ليس في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى (عند البخاري وغيره) إن في الجنة للمؤمن لخيمة من لؤلؤة فيها أهلون يطوف عليهم، ثم جمع الحافظ ببعض الوجوه الذي ذكرها الشيخ وغيرها، ثم قال: واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال كما أخرجه مسلم من طريق ابن سيرين عنه، وهو واضح، لكن يعارضه قوله ﷺ في حديث الكسوف: رأيتكن أكثر أهل النار، ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يشكل عليه قوله ﷺ في الحديث الآخر: اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنيها النساء، ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار يلزم منه أن يكن أقل ساكني الجنة، وليس ذلك بلازم لما قدمته، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة، انتهى.","vol":"3","page":311},{"text":"أن ذكر عدد لا ينفي ما فوقه، أو يقال زوجتان من أزواج نساء الدنيا، والباقيات من الحور العين، أو يقال لكل أهل الجنة زوجتان، وما ورد من العدد الزائد على ذلك فهو لأهل درجة خاصة معينة عند الله، والعموم هناك حيث قال النبي ﷺ: لكل منهم كما قال في هذا الحديث، ليس إلا عموم نوع منهم خاص وصنف، لا عمومًا جنسيًا يشمل كل الأفراد بحيث لا يشذ منه شيء.\nقوله [يعطي المؤمن قوة كذا وكذا (١) إلخ] الظاهر أنه ﷺ ذكر هناك عددًا أقل من المائة كخمسين أو ستين، فلما تعجبوا منه وسألوا أنه هل يطيق ذلك؟ فإنهم استبعدوا ذلك لما رأوا من حالهم، قال النبي ﷺ دافعًا تعجبهم واستبعادهم: كيف لا يطيق خمسين وإنه يعطى قوة مائة، فصح سؤالهم بعد إخباره ﷺ، أو يقال (٢).\nقوله [ومجامرهم الألوة إلخ] (٣).\n_________\n(١) أي قوة جماع كذا وكذا من النساء، فكذا وكذا كناية عن عدد النساء كخمسين وستين، أو كناية عن مرات الجماع، كعشرين مرة أو أربعين مرة، وعلى هذا فالمعنى إذا كان يعطي قوة مائة امرأة فهو يطيق الجماع أربعين مرة أو خمسين مرة بالبداهة، مأخوذ من شروح المشكاة.\n(٢) بياض في المنقول عنه بعد ذلك، وليس في الإرشاد الرضى أيضًا بأكثر مما تقدم عن الشيخ، فالله أعلم بما أراد الشيخ إيراده بعد ذلك.\n(٣) بياض في المنقول عنه هاهنا أيضًا، ولم يتعرض عن هذا القول في الإرشاد الرضى، وقال القاري: الألوة بفتح الهمزة ويضم وبضم اللام وتشديد الواو، وحكى ابن التين كسر الهمزة وتخفيف الواو، والهمزة أصلية، وقيل زائد، قال الأصمعي: أراها فارسية عربت، قال النووي: هو العود الهندي، قال الحافظ: المجامر جمع مجمرة وهي المبخرة، سميت مجمرة لأنها يوضع فيها الجمر ليفوح به ما يوضع فيها من البخور، وفي المجمع: جمع مجمر بالكسر والضم، فبالكسر موضع وضع النار للبخور، وبالضم ما يتبخر به وأعد له الجمر، وهو المراد هاهنا، أي بخورهم بالألوة. وقال الطيبي: جمع مجمر بفتح الميم ما يوضع فيه الجمر، وبكسرها الآلة. قال الحافظ: قيل جعلت مجامرهم نفس العود، لكن في الرواية الثانية وقود مجامرهم الألوة، فعلى هذا في رواية الباب تجوز، قلت: لا حاجة إلى التجوز على ما قاله الطيبي من جمع آلة، أو على ما في المجمع من جمع مجمرة بالضم، وأشكل على الحديث أن رائحة العود تفوح بوضعه في النار والجنة لا نار فيها، وأجيب باحتمال أن يشتعل بغير نار، بل بقوله كن، وإنما سميت مجمرة باعتبار الأصل، ويحتمل أن يشتعل بنار لا احتراق فيها ولا ضرر، أو يفوح بغير اشتعال، أو يشوي خارج الجنة، أو بأسباب قدرت لإنضاجه ولا تتعين النار. قال القاري: وقد يكون بالنور وهو في غاية من الظهور. قال القرطبي: يقال أي حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك؟ ويجاب بأن نعيم أهل الجنة من أكل شرب وطيب ليس عن ألم الجوع والظمأ والنتن، إنما هي لذات مترادفة ونعم متوالية، هكذا في شروح البخاري.","vol":"3","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>[باب في صفة ثياب أهل الجنة]</span>\nقوله [ارتفاعها لكما بين السماء إلخ] أي مع الدرجة (١) التي هي مفروشة عليها كما سيجيء من المؤلف.\n_________\n(١) وعلى هذا فمقدار ما بين السماء والأرض بيان لبعد ما بين الدرجتين، وبه فسر المصنف، زاد في لإرشاد الرضى: ذلك لما أنه لأحسن في اعتلاء الفرش بنفسها بهذا المقدار، وبكلا الاحتمالين فسره القاري إذ قال: أي اعتلاء فرش الجنة أو ارتفاع الدرجة التي فرشت الفرش المرفوعة فوقها، انتهى. وحكى السيوطي في تفسر قوله تعالى ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ من الآثار ما يدل على اعتلاء الفرش بنفسها بهذا المقدار، ورجح التوربشتي مختار الشيخ كما حكى عنه القاري بلفظ: قول من قال المراد منه ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات وما بين كل درجتين كما بين السماء أوثق وأعرف الوجوه.","vol":"3","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>[باب صفة طير الجنة]</span>\nقوله [أكلتها أنعم منها] على وزن (١) بررة، أو على زنة فاعلة، أي الجماعة الأكلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>[باب في صفة خيل الجنة]</span>\nقوله [فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس] جوابه محذوف، أي إلا حملت.\nقوله [قال: فلم يقل ما قال لصاحبه] لأنهم لو سألوا كذلك، وأجاب كل سائل حسب ما تضمنه سؤاله آل الأمر إلى التطويل، فبين كلية تندرج فيها جميع ما هم يسألون عنه، وفرق ما بين أسألتهم (٢) هذه وبين السؤالات التي نهوا عنها في\n_________\n(١) يعني بفتحات جمع آكل كطلبة جمع طالب، أو بمد الهمزة بصيغة الواحد المؤنث بتأويل الجماعة، ويظهر من كلام القارئ ترجيح الأول، وقال أيضًا: يعني في ذلك النهر أو في أطرافه جنس من الطيور طويل العنق كأعناق الجزر -بضم الجيم والزاي- جمع جزور، والمعنى أنه اعد للنحر ليأكل منه أصحاب شرب ذلك النهر، فإنه بها يتم عيش الدهر، انتهى.\n(٢) يعني أن أسألتهم عن كيفية الجنة ونحوها لا تدخل في الأسئلة المنهية في الآية، فإن هذه الأسئلة تبعثهم على تحمل المشاق في تكثير العبادات، والمنهية عنها ما أن تبدء تسوء السائلين، واختلف أهل التفسير في تفصيل الأسئلة المنهية، فمال الرازي في تفسيره إلى أن السؤال على نوعين: أحدهما السؤال على شيء لم يجر ذكر في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه فهو منهي عنه، والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فها هنا السؤال واجب، انتهى. وقيل غير ذلك من الوجوه التي ليس هاهنا محل تفصيلها.","vol":"3","page":314},{"text":"قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ فإن هذه متضمنة ترغيبًا في نعيم الآخرة تبعثهم على تحمل الكلف في طاعته سبحانه بخلاف تلك.\nقوله [يروى مناكير] أي غرائب (١) كما بينه بقوله: لا يتابع عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>[باب في كم صف أهل الجنة]</span>\nقوله [ثمانون من هذه الأمة] هذا لا ينافي كونه رجي أقل منها.\nقوله [نحوًا من أربعين] أي كنا أربعين رجلًا أو أقل منها أو أكثر في هذه القبة [ليضغطون (٢) إلخ] ولا يكون في ذلك التضاغط والتزاحم أذى ولا تكليف. قوله [أبي العشرين] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>[باب في سوق الجنة]</span>\nقوله [في مقدار يوم الجمعة] إنما قال ذلك لأن ثمة لا ليل ولا نهار حتى يتحقق الأسبوع الحقيقي، وإنما هو (٤) تقدير وتخمين.\n_________\n(١) فإن المنكر يطلق على معنيين بسطًا في البذل، أحدهما ما خالف فيه الضعيف القوى، والثاني ما تفرد به الضعيف بدون اشتراط المخالفة.\n(٢) قال القاري: ببناء المجهول أي ليعصرون ويضيقون على الباب. وقال المجد: ضغطه عصره وزحمه وغمزه إلى شيء، ومنه ضغطة القبر، وتضاغطوا ازدحموا، انتهى.\n(٣) بياض في الأصل بعد ذلك، ولعله أراد أن يكتب سبب هذه الكنية فلم يتفق له، ولم أجد فيما عندي من الكتب سبب ذلك، ولا بعد في أن يكون له عشرون ولدًا فاشتهر بذلك لأجلهم.\n(٤) وبهذا جرم القاري إذ قال: في مقدار يوم الجمعة، أي قدر إتيانه، والمراد مقدار الأسبوع، انتهى. وفي الحاشية عن اللمعات: والظاهر أن المراد يوم الجمعة، فإنه ورد الأحاديث في فضائل يوم الجمعة أنه يكون في الجنة يوم جمعة كما كان في الدنيا ويحضرون ربهم، إلى آخر الحديث. وقال القاري أيضًا تحت حديث مسلم عن أنس مرفوعًا: إن في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة، الحديث. قال النووي: السوق مجمع لأهل الجنة يجتمعون فيها في كل مقدار جمعة أي أسبوع، ليس هناك أسبوع حقيقة لفقد الشمس والليل والنهار. قلت: وإنما يعرف وقت الليل والنهار بإرخاء أستار الأنوار ورفعها على ما ورد، فبهذا يعرف يوم الجمعة وأيام الأعياد، وما يترتب عليهما من الزيارة والرؤية، انتهى.","vol":"3","page":315},{"text":"قوله [ويجلس أدناهم وما فيهم من دنيء] أي الدنو (١) بحسب نفس الأمر وعند الله، وأما فيما بينهم فلا يعد أحد أحدًا دنيا ولا أقل من نفسه، بل كلهم أعزة شرفاء.\nقوله [هل تتمارون] من المراء بمعنى الجدال، أو المرية (٢) بمعنى الشك، أي لا تزاحم في رؤيته حتى يمنع أحد أحدًا، أو لا شك في تحققه ويقينه.\nقوله [فيذكره ببعض غدراته (٣)] ليزداد في شكر نعمه، فإن هذا الأنعام مع تلك الجنايات أوجب للشكر.\n\nباب [في رؤية الرب (٤) ﵎] قوله [لا تضامون بتشديد\n_________\n(١) وفي الحاشية عن الطيبي: المراد أدناهم مرتبة، وأقلهم درجة بالنسبة إلى من عداه، وليس المراد أخسهم من الدناءة بمعنى الخسة، ولدفع هذا التوهم قال: وما فيهم من دنيء.\n(٢) وبكلا الاحتمالين فسر الحديث أصحاب الفن، وجزم القاري بالثاني، ويؤيد الأول ما في الصحيحين وغيرهما من حديث: كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، الحديث، وسيأتي عند المصنف.\n(٣) قال القاري: بفتح الغين المعجمة والدال المهملة جمع غدرة بالسكون بمعنى ترك الوفاء، والمراد معاصيه لأنه لم يف بتركها الذي عهد الله إليه.\n(٤) أي في القيامة، وفيها خلاف لأهل البدع، فأثبتها أهل السنة والجماعة، وأنكرها المعتزلة والجهمية والخوارج، ومبنى الاختلاف اختلافهم في حقيقة الرؤية ما هي كما بسط في المطولات.","vol":"3","page":316},{"text":"الميم وتخفيفه (١)، أي لا تزدحمون، أي لا ازدحام هناك في رؤيته، أو لا تظلمون، أي لا يظلم أحد أحدًا فيمنعه عن رؤيته ﵎.\nقوله [غدوة وعشية إلخ] هذه الطائفة أعلى الناس منزلة، والرؤية في أسبوع لكل مؤمن، ولعل فيما بين ذلك منازل.\nقوله [إن أهل الجنة ليتراؤن في الغرفة] أي لا يمنعهم سقوف الغرف وسطوحها عن ترائيهم فيما بينهم، وذكر الكوكب الشرقي والغربي البناء على ما هو العادة من ترائي الكواكب إذا كان في المشرق أو المغرب، وأما إذا صار في وسط السماء فإنهم لا يرونه قصدًا إذ ذاك، وإن كان التشبيه في العلو يقتضي أن يذكر ما هو في وسط السماء، ولكن التشبيه ها هنا ليس في العلو والارتفاع، بل في البعد والترائي.\nقوله [فيطلعون خائفين] لأنهم لما كانوا دخلوها ما كانوا أعلموا بأنه لا موت، فلم يكن لهم أمن بعد. قوله [فيذبح (٢) ذبحًا على السور إلخ] ويكون هذا بعد خروج كل مقدر الخروج من النيران وإدخاله في الجنة.\n_________\n(١) قال القاري: بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم وهو الظلم. قال الحافظ ابن حجر: وهو الأكثر، وفي نسخة بفتح التاء من النظام بمعنى التزاحم.\n(٢) أشكل على الحديث بأن الموت العرض والعرض لا ينقلب جسمًا فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأوله آخرون بوجوه بسطها الحافظ في الفتح، وأنت خبير بأن لا حاجة إلى التوجيه بعد ثبوتها في روايتها عديدة، وإن لم نعرف كيفيتها، على أنه عز اسمه قادر على تحويل الأعراض إلى الأجسام، وقد ثبت بروايات كثيرة أن الأعمال تمثل في صور تناسبها، ويشكل على أحاديث وضع القدم وامتلاء جهنم منه ما في الآيات من امتلائها بإبليس ومن تبعه، ويمكن الجواب عنه بوجوه تعرف من المراد بالقدم كما بسطها أصحاب المطولات من أن المراد بها الأمكنة، أو مخلوق خاص، أو أحجار تلقى فيها، وغير ذلك، وهذا كله على رأي الجمهور من أن قول جهنم: هل من مزيد سؤال، وقيل: هو استفهام إنكار، أي لا محل للمزيد. فلا إشكال. وقال الرازي: قوله هل من مزيد فيه وجهان: أحدهما أنه لاستكثارها الداخلين كما أن من يضرب عبده ضربًا مبرحًا أو يشتمه شتمًا قبيحًا فاحشًا يقول المضروب: هل بقى شيء آخر، ويدل عليه قوله تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾؟ نقول: الجواب عنه من وجوه: أحدها أن هذا الكلام ربما يقع قبل إدخال الكل، وفيه لطيفة وهي أن جهنم تتغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المؤمنين فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من الكفار خارجًا، فيدخل العاصي من المؤمنين، فيرد إيمانه حرارتها ويسكن إيقانه غيظها فتسكن، وعلى هذا يحمل ما ورد في بعض الأخبار أن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار قدمه، والمؤمن جبار متكبر على ما سوى الله تعالى دليل مواضع لله، الثاني أن تكون جهنم تطلب أولًا سعة في نفسها، ثم مزيدًا في الداخلين لظنها بقاء أحد من الكفار، الثالث أن الملء له درجات فإن الكيل إذا ملئ من غير كبس صح أن يقال ملئ وامتلأ، فإذا كبس يسع، ولا ينافي كونه ملآن أو لا، فكذلك في جهنم ملأها الله ثم تطلب زيادة تضييقًا للمكان عليهم وزيادة في التعذيب، انتهى.","vol":"3","page":317},{"text":"قوله [فلو أن أحدًا مات فرحًا إلخ] بيان لغايتي الفرح والحزن، إلا أنه لا موت ثمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>[باب في احتجاج الجنة والنار]</span>\nقوله [احتجت الجنة والنار إلخ] أي بين كل منهما أن لي فضلًا عليك وعظمة منك، فقالت الجنة: إن الضعفاء","vol":"3","page":318},{"text":"يكبرون (١) بالدخول في، فكنت مسلمة الكبر، وقالت النار: إني كبري، إني آخذ الكبراء وأذلهم، فكنت كبيرة، فقضى الله بينهما أن لكل منكما فضيلة (٢) جزئية.\nقوله [يغبطم الأولون إلخ] قد مر بيانه (٣) في قوله المتحابون في جلالي لهم منابر من نور إلخ.\nقوله [يوشك الفرات يحسر عن كنز من ذهب] لعله (٤) بعد نزول عيسى ﵇، وأورده هاهنا لبيان ما هو سبب لدخول الجنة أو النار.\nقوله [مما يعدل به] أي من كل (٥) ما يساوي به ويوازن.\nقوله [الشيخ الزاني إلخ] فإن هذه القبائح (٦) مع قبح من هؤلاء صدورها فإن الزنا من الشيخ والكبر من الفقير، وأخذ أموال الغير من الغنى مستقبح جدًا.\n_________\n(١) يعني يصيرون كبراء عظماء بسبب الدخول في، فكأني أسلم إليهم الكبر والعظمة والشرافة بعد أن كانوا سقطهم وأرذالهم في أعينهم، انتهى.\n(٢) باعتبار كونهما مظهرين للجمال والجلال والرحمة والقهر، وهما من صفاته عز اسمه، ففي كل منهما يظهر صفة خاصة من صفاته لا يظهر في الأخرى، انتهى.\n(٣) أي في باب الحب في الله، وتقدم مني على هامشه شيء من التفصيل.\n(٤) وعده صاحب الإشاعة في الأمارات الدالة على قرب خروج المهدي ﵇ والغيب عند الله، ووجه في الإرشاد الرضى لا يراد الحديث ها هنا بتوجيه آخر، وهو أن المذكور من الأول بيان الجنة، ولواحقها والفرات من أنهارها فذكرها تبعًا.\n(٥) وفي المخرج: مما يعدل به أي يقابل النوم، أي غلب النوم حتى صار أحب من كل شيء.\n(٦) هكذا في المنقول عنه، والمعنى أنها مع قبحها في نفسها أشد قبحًا من هؤلاء صدورها.","vol":"3","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-735>أبواب صفة جهنم عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله [يؤتى بجهنم] أي من موضعها إلى الموقف. قوله [عنق (١) من النار] أي كصورة رقبة ورأس. قوله [لا نعرف للحسن سماعًا] أي في (٢) الحديث انقطاع. قوله [ضرس الكافر إلخ] اختلاف الروايات في أمثال هذه\n_________\n(١) قال القاري: بضمتين أي شخص قوي. وقيل: هو طائفة ذكره بعض الشراح. وفي القاموس: العنق بالضم وبضمتين وكصرد الجيد مونث، والجماعة من الناس. وقال الطيبي: أي طائفة من النار، ومن بيانية، والأظهر أنها تتعلق بقوله يخرج، والظاهر أن المراد بالعنق الجيد على ما هو المعروف في اللغة إذ لا صارف عن ظاهره، والمعنى أنه تخرج قطعة من النار على هيئة الرقبة الطويلة لها عينان تبصران إلخ.\n(٢) وكتب الشيخ في بين سطور كتابه تحت قوله قدم عتبة بن غزوان البصرة: أي من المدينة، انتهى. وفي أسد الغابة: هو سابع سبعة في الإسلام، هاجر إلى أرض الحبشة وهو ابن أربعين سنة، ثم عاد إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة فأقام معه حتى هاجر إلى المدينة مع المقداد، كانا من السابقين، وسيره عمر إلى أرض البصرة واختط البصرة، وهو أول من مصرها، ثم خرج حاجًا فلما وصل إل عمر استعفاه عن ولاية البصرة فأبى أن يعفيه، فقال: اللهم لا تزد إليها فسقط عن راحلته فمات سنة ١٧ هـ وقيل سنة ١٥ هـ انتهى مختصرًا.","vol":"3","page":320},{"text":"إما لأن شيئًا منها ليس بتحديد، أو لاختلاف أحوال الكافرين في ذلك. قوله [كعكر (١) الزيت] ويكون أسود. قوله [فروة وجهه] هي ما (٢) على الناصية من الجلد وتكون صعبة الانفصال مما اتصلت به. قوله [وهو الصهر] أي وهو الذي قال الله تعالى في كتابه ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ قوله [فروة رأسه] هي التي عبر عنها بفروة الوجه في الحديث المتقدم.\nقوله [لسرادق (٣) النار أربعة جدر] لتجتمع حرارتها فتشتد. قوله [غساق] أي الصديد. قوله [الزقوم] سينده. قوله [من ضريع] هو (٤)\n_________\n(١) قال القاري: بفتح العين والكاف أي درديه. وقال الطيبي: أي الدرن منه، وأغرب الشارح إذ فسر المهل بالصديد، انتهى. وفي الجلالين: قوله كالمهل أي كدردي الزيت الأسود، انتهى. قال صاحب الجمل: وله معان غير هذا، منها الصديد، والقيح، والنحاس المذاب، وغير ذلك.\n(٢) وقال القاري: الأصل فيه فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر، فاستعارها من الرأس للوجه، انتهى.\n(٣) قال القاري: بكسر اللام وضم السين وجر القاف، وفي نسخة بالفتح والرفع. قال الطيبي: روى بفتح اللام على أنه مبتدأ وكسرها على أنه خبر وهذا أظهر وفي النهاية: السرادق كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء، قال: وهو إشارة إلى قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ إلى آخر ما بسطه القاري.\n(٤) قال القاري: هو نبت بالحجاز له شوك لا تقربه دابة لخبثه ولو أكلت ماتت، انتهى. وقال صاحب الجلالين: نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه. قال مجاهد: هو نبت ذو شوك لاطئي بالأرض تسمية قريش الشبرق، فإذا هاج سموه الضريع وهو أخبث طعام، وقال بعض المشركين: إنا إبلنا لتمسن على الضريع وكذبوا في ذلك فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبًا ويسمى شبرقًا، فإذا يبس لا يأكله شيء، وعلى تقدير أن يصدقوا، فيكون المعنى أن طعامكم من ضريع ليس من جنس ضريعكم، إنما هو ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع، فإن قيل: كيف قال ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وفي «الحاقة» ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ أجيب بأن العذاب ألوان والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع، ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾، هكذا في الجمل.","vol":"3","page":321},{"text":"ما نسميه جواسه، وكانت الكفار قالت: نحن نسمن بالضريع كما تسمن به جمالنا في دار الدنيا، فدفعه الله ﷿ بقوله ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾.\nقوله [بكلاليب] هي الحدائد ذوات الأطراف الخارجة كالخسك (١) تلقى في الماء ليسقوها في الماء أيضًا.\nقوله [وهم فيها كالحون، قال تشويه النار إلخ] هذا تصوير (٢) للكلح، وبعض بيان لما يوجبه.\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه والظاهر كالحسك. قال المجد: الحسك محركة نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم ويعمل على مثال شوكه أداة للحرب من حديد أو من قصب فيلقى حول العسكر، انتهى. وفي المجمع: الكلاليب جمع كلوب بفتح كاف وتشديد لام مضمومة حديدة معوجة الرأس، قلت: ويسمى في الهندية بانكره، والمعنى أن الكلاليب تلقى في الماء لتدخل في الحلقوم مع الماء فتشرق هناك، وهذا أوجه مما قالته الشراح من أن الماء الحميم يرفع إليهم بالكلاليب، وذلك لما أن في تفسيرهم لم يبق لتوصيف الكلاليب بالحديد مزيد فائدة.\n(٢) قال في المختار: الكلوح تكشر في عبوس وبابه خضع. وفي السمين: الكلوح تشمير الشفة العلياء واسترخاء السفلى، ومنه كلوح الأسد أي تكشيره عن أنيابه، كذا في الجمل.","vol":"3","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>[باب ما جاء أن للنار نفسين </span>إلخ] إما أن يراد (١) بالنفسين إدخالها وإخراجها، فإخراجها حرها منها نفس، ثم إدخالها وتنفسها داخلًا نفس، أو يقال: كما أن من العذاب ما هو نار وحرارة، فكذلك منه ما هو زمهرير وبرد، فنفس منها للحرارة ونفس للبرودة، فكما يعذب الكافرون بالنار فكذلك يعذبون بالزمهرير، وكما أن النار اشتكت حرها فكذلك الزمهرير اشتكى بردها، فأذن لهما في نفس نفس، ثم يشكل بعد ذلك شدة الحرارة والبرودة في بعض البلاد دون بعض مع أن نسبة جهنم إلى البلاد بأسهرا متساوية، والجواب أنه ﵎ جعل الشمس وسيلة في إخراج حرارتها كما يتراءى في حماماتنا أيضًا، فإن مخرج النار لا يكون إلا واحدًا مع أن النار متصرفة بالتسخين في المكان بالتمام، فكذلك ثمة لما جعل الشمس مخرج حرارتها كان المدار في كثرة الحرارة والقر وقلتهما هو القرب من الشمس والبعد منها، فتأمل.\nقوله [ذرة] بفتح الذال وتشديد ما بعدها صغار النمل، وما نذر يبدو (٢)\n_________\n(١) اختلف في أن المراد بالنفس حقيقة أو مجاز عن غليانها كما جزم به البيضاوي، ورجح الأول ابن عبد البر وعياض والقرطبي والنووي وابن المنير والتوربشتي، هكذا في الأوجز، وبه جزم الحافظان ابن حجر والعيني وغيرهما من المحققين، والحديث أخرجه الشيخان والترمذي ومالك وغيرهم، وبسط شراحهم في شرح الحديث ومع ذلك سكتوا عن الفوائد التي أفادها الشيخ ﵀ رحمة واسعة فلله دره، وحاصل ما أفاده أن التثنية إما باعتبار إدخال النفس وإخراجها عدهما نفسين، فالأول يوجب البرودة، والثاني يورث الحرارة، أو التثنية باعتبار الطبقتين فتنفس طبقة الحرارة وكذا الزمهرير يوجب مقتضاهما.\n(٢) هكذا في المنقول عنه، ويحتمل أن يكون ما نزر أي قل والنزر القليل من كل شيء، أو ما يذر والذر تفريق الحب والملح ونحوه، ويحتمل غيرهما وأيًا ما كان فالمراد الشيء القليل الذي يبدو في شعاع الشمس يعني الهباة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكرة، وجينه نوع من الحبوب.","vol":"3","page":323},{"text":"في الشمس من الرمال وغيرها. قوله [ذرة] بضم الذال وتخفيف ما بعده: جينه، قوله [فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل] فيه اختصار، والحديث بطوله مذكور (١) في بعض كتب الصحاح.\nقوله [أتذكر الزمان الذي كنت فيه إلخ] هذا التذكير ليشكر على ما يؤتى من جلائل النعم بعد ما أنقذه الله من ذلك العذاب الأليم.\nقوله [حتى بدت نواجذه] النواجذ هي أقصى الأسنان، ثم استعمل اللفظ في الضحك بحيث ينفتح الفم حتى لو أراد أحد أن ينظر إلى النواجذ لأمكنه وإن لم تبد نواجذه، وكان ضحكه ﷺ التبسم إلا في مراتب عديدة منها هذا الوقت وكان سبب ذلك ما اعتراه من سرور بجرأة العبد على مولاه إذا رآه تلطف به وتحنن بعد ما كان ممنوا بالكرب مبلوًا بالمحن، فسبحان ربي ذي المعالي والمكارم والمنن.\nقوله [إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار إلخ] إن أريد بالآخرية الآخرية الحقيقية فهذا الرجل هو الذي قد سبق بعض ذكر حاله في الرواية المتقدمة، ولعل هذا السؤال منه يكون بعد إدخاله الجنة أو في غير ذلك الوقت حيث يناسب، وإن أريد بالآخرية الإضافية فلا يبعد تغايرهما، وسؤال هذا الرجل من ذنوبه كسؤال الرجل الأول ليكون أوقع في تذكير نعمه سبحانه والشكر عليها.\nقوله [كما ينبت الغثاء في حمالة السيل] تشبيه في سرعة (٢) النبات فإنهم يبرؤن من حرقتهم سريعًا.\n_________\n(١) أخرجه الشيخان وغيرهما بطرق عديدة وألفاظ مختلفة مختصرًا ومطولًا وذكر بعضها صاحب المشكاة، والقصة مبسوطة جدًا.\n(٢) وبذلك جزم النووي كما حكاه القاري إذ قال: إنما شبههم بها لسرعة نباتها وحسنها وطراوتها، انتهى. قال صاحب المجمع: قوله كما تنبت الحبة في غثاء السيل، هو بالضم والمد ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره، وفي مسلم: كما ينبت الغثاء، يريد ما احتمله السيل من البزورات.","vol":"3","page":324},{"text":"قوله [يسمون الجهنميين] ولا يغضبون بتلك التسمية بل (١) يفرحون لتذكرهم بها ما من الله به عليهم من الجنة، وأجارهم الله عنه من الجحيم.\nقوله [فرأيت أكثر أهلها النساء] فإن (٢) النساء في أنفسها كثيرة نسبة إلى الرجال، فما كان منها في الجنة أكثر من الرجال، وما كان منها في النار\n_________\n(١) قال الطيبي: ليست التسمية بها تنقيصًا لهم بل استذكارًا ليزدادوا فرحًا إلى فرح وابتهاجًا إلى ابتهاج، وليكون ذلك علمًا لكونهم عتقاء الله تعالى، كذا في المرقاة. قلت: وقد ورد في المشكاة برواية الخدري مرفوعًا: يقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمان، الحديث، فلا يبعد أن يكون التسمية بالجهنميين أولًا ثم بالعتقاء، أو يكون أحدهما اسمًا والثاني لقبًا.\n(٢) أشار الشيخ بذلك إلى جواب عن إيراد وارد على الحديث، وتوضيح ذلك ما قال القاري: قد يشكل عليه ما جاء في حديث الطبراني أن أدنى أهل الجنة يمسي على زوجتين من نساء الدنيا، فكيف يكن مع ذلك أكثر أهل النار وهن أكثر أهل الجنة؟ وجوابه أنهن أكثر أهلها ابتداء ثم يخرجن ويدخلن الجنة فيصرن أكثر أهلها إنتهاءًا، والمراد أنهن أكثر أهلها بالقوة، ثم يعفو الله عنهن، هذا ولا بدع لهن يكن أكثر أهلهما لكثرتهن، انتهى. قال الحافظ: وظاهره أنه رأى ذلك ليلة الإسراء أو منامًا وهو غير رؤيته النار وهو في صلاة الكسوف، وهم من وحدهما. وقال الداؤدي: رأى ذلك ليلة الإسراء، أو حين خسفت الشمس، كذا قال، انتهى.","vol":"3","page":325},{"text":"أكثر من نساء الجنة ومن رجال النار أيضًا.\nقوله [إن أهون أهل النار عذابًا إلخ] قيل (١): إنما هو أبو طالب خفف عنه العذاب لنصرته النبي ﷺ، واختلفت الروايات (٢) فيه فقد ورد في\n_________\n(١) قال ابن التين: يحتمل أن يراد به أبو طالب، قال الحافظ: وقد بينت في قصة أبي طالب من المبعث النبوي أنه وقع في حديث ابن عباس عند مسلم التصريح بذلك ولفظه: أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، انتهى.\n(٢) فقد أخرج البخاري برواية أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وذكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه، قال الحافظ: ظهر من حديث العباس وقوع هذا الترجي، واستشكل قوله ﷺ: تنفعه شفاعتي بقوله تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وأجيب بأنه خص ولذلك عدوه في خصائص النبي ﷺ، وقيل: معنى المنفعة في الآية تخالف معنى المنفعة في الحديث، والمراد بها في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث المنفعة بالتخفيف، وبهذا الجواب جزم القرطبي. وقال البيهقي: صحت الرواية في شأن أبي طالب فلا معنى للإنكار، فيجوز أن يخص منه من ثبت الخبر بتخصيصه، قال: وحمله بعض أهل النظر على أن جزاء الكافر من العذاب يقع على كفره وعلى معاصيه، فيجوز أن الله يضع عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيه تطييبًا لقلب الشافع لأثوابًا للكافر، لأن حسناته صارت بموته على الكفر هباء، ويجاب أيضًا أن المخفف عنه لما لم يجد أثر التخفيف فكأنه لم ينتفع بذلك، ويؤيد ذلك ما ورد أنه يعتقد أن ليس في النار أشد عذابًا منه، وذلك أن القليل من عذاب جهنم لا تطيقه الجبال، فالمعذب لاشتغاله بما هو فيه يصدق عليه أنه لم يحصل له انتفاع بالتخفيف. وقال القرطبي: اختلف في هذه الشفاعة هل هي بلسان قولي أو بلسان حالي والأول يشكل بالآية، وجوابه جواز التخصيص، والثاني يكون معناه أنا أبا طالب لما بالغ في إكرام النبي ﷺ والذب عنه جوزى على ذلك بالتخفيف، فأطلق على ذلك شفاعة لكونها بسببه، انتهى. زاد في الإرشاد الرضى في تقرير هذا الحديث أن ما ألف السيوطي من الرسائل في إسلام والدي النبي ﷺ وجزم في بعضها بأنهما ماتا على الملة الإبراهيمية، ومال في بعضها إلى إسلامهما بعد إحيائهما، وغير ذلك، تأباه النصوص، والحق عند مشايخنا أنهما ماتا على الكفر كما جزم به في الفقه الأكبر.","vol":"3","page":326},{"text":"بعضها في ضحضاح (١) من النار، والمراد بها واحد. قوله [كل ضعيف متضعف (٢)] يعني أنه مع ضعفه الحقيقي لا يظهر من نفسه إلا الضعف دون الكبر.\nقوله [عتل] (٣). قوله [جواظ] المناسب (٤) من معانيه هاهنا هو الجموع والمنوع.\n_________\n(١) قال العيني: بإعجام الضادين وإهمال الحائين: ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير للنار، انتهى.\n(٢) قال القاري: بفتح العين ويكسر من باب التأكيد كجنود مجندة، والقناطير المقنطرة، وفائدة التاء الموضوع للطلب أن الضعف الحاصل فيه كأنه مطلوب منه التذلل والتواضع مع إخوانه، وإن كان قويًا مترجلًا مع أعدائه، قال النووي: ضبطوه بفتح العين وكسرها والمشهور الفتح، ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجرؤون عليه لضعف حاله في الدنيا، يقال: تضعفه واستضعفه، وأما على الكسر فمعناه متواضع متذلل خامل واضع من نفسه، انتهى.\n(٣) بياض في المنقول عنه، وقال القاري: بضمتين فتشديد أي جاف شديد الخصومة بالباطل، وقيل: الجافي الفظ الغليظ.\n(٤) قال القاري: بتشديد الواو أي جموع منوع أو مختال، وقيل: السمين من التنعم، وقيل: الفاجر بالجيم، وقيل: بالخاء، انتهى.","vol":"3","page":327},{"text":"أبواب الإيمان (١) عن رسول الله ﷺ\n_________\n(١) اعلم أن الكلام على أبحاث الإيمان طويل لا يسعه هذا المختصر، بسطه شراح البخاري لا سيما العلامة العيني فارجع إليه لو شئت التفصيل، ومما لابد من ذكرها ما أجمله القاري إذ قال: إن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن وطمأنينة لغة، وفي الشرع تصديق القلب بما جاء من عند الرب، واختلف العلماء فيه على أقوال: أولها عليه الأكثرون والأشعري والمحققون أنه مجرد تصديق النبي ﷺ فيما علم مجيئه بالضرورة، تفصيلًا في الأمور التفصيلية وإجمالًا في الإجمالية تصديقًا جازمًا ولو بغير دليل حتى يدخل إيمان المقلد فهو صحيح على الأصح، وهو مذهب الأئمة الأربعة والأكثرين، لأنه ﷺ قبل الإيمان من غير تفحص عن الأدلة العقلية، وثانيها أنه عمل القلب واللسان معًا، فقيل: الأقراط شرط لإجراء الأحكام لا لصحة الإيمان فيما بين العبد وربه، قال النسفي: وهذا هو المروي عن أبي حنيفة وإليه ذهب أبو منصور الماتريدي والأشعري في أصح الروايتين عنه، وقيل: هو ركن لكنه غير أصلي بل زائد، ومن ثم يسقط عند الإكراه والعجز، ولذا من صدق ومات فجاءة على الفور فإنه مؤمن إجماعًا، وقال بعضهم: الأول مذهب المتكلمين، والثاني مذهب الفقهاء، والحق أنه ركن عند المطالبة وشرط لإجراء الأحكام عند عدم المطالبة، وبهذا يلتئم القولان، والخلافان لفظان. وثالثها أنه فعل القلب واللسان مع سائر الأركان،","vol":"3","page":328},{"text":"_________\nونقل عن أصحاب الحديث، ومالك والشافعي، وأحمد والأوزاعي، والمعتزلة والخوارج، لكن المعتزلة على أن صاحب الكبيرة بين الإيمان والكفر بمعنى أنه لا يقال مؤمن ولا كافر، بل يقال له فاسق مخلد في النار، والخوارج على أنه كافر، وأهل السنة على أنه مؤمن فاسق داخل تحت المشيئة، ولا تظهر المغائرة بين قول أصحاب الحديث وبين سائر أهل السنة، لأن امتثال الأوامر واجتناب الزواجر من كمال الإيمان اتفاقًا لا من ماهيته، فالنزاع لفظي لا على حقيقته، انتهى. قال العيني: أما أصحاب الحديث فلهم أقوال ثلاثة: الأول أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان علاحدة، وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر. ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئًا من الطاعات إيمانًا ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئًا من المعاصي كفرًا ما لم يوجد الجحود والإنكار، لأن أصل الطاعات الإيمان وأصل المعاصي الكفر. القول الثاني أن الإيمان اسم للطاعات كلها فرائضها ونوافلها وهي بجملتها إيمان واحد، ومن ترك شيئًا من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينقص إيمانه. الثالث أن الإيمان اسم للفرائض دون النوافل، انتهى. وفي شرح العقائد (الإيمان في اللغة التصديق) لجى إدعان حكم المخبر وقبوله وجعله صادقًا (وفي الشرع التصديق بما جاء به من عند الله) أي تصديق النبي ﷺ بالقلب في جميع ما علم بالضرورة مجيئه به من عند الله إجمالًا فإنه كاف في الخروج عن عهدة الإيمان ولا تنحط درجته عن الإيمان التفصيلي (والإقرار به باللسان) إلا أن التصديق ركن لا يحتمل السقوط والإقرار قد يحتمله، وهو مذهب بعض العلماء وهو اختيار شمس الأئمة وفخر الإسلام، وذهب جمهور المحققين إلى أنه هو التصديق بالقلب والإقرار شرط لإجراء الأحكام، انتهى.","vol":"3","page":329},{"text":"قوله [فإذا قالوها] أي هذه الكلمة (١)، والمراد بها هي بما يلزمها من الإقرار بفرضية الفرائض الفعلية وإن لم يصح بذلك في الرواية، فمن الظاهر أن الإقرار بالرسالة داخل فيه قطعًا مع أنه غير مذكور ها هنا فترك ما سوى\n_________\n(١) قال القاري: أكثر الشراح على أن المراد بالناس عبدة الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله ولا يرفع عنهم السيف إلا بالإقرار بنبوة محمد ﷺ أو إعطاء الجزية، ويؤيده رواية النسائي: أمرت أن أقاتل المشركين، وقال العيني: هذا الحديث في حال قتاله لأهل الأوثان الذين قال الله تعالى فيهم ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فدعاهم إلى الوحدانية وخلع الأوثان، وأما الآخرون المنكرون النبوة فقال فيهم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويشهدوا أن محمدًا رسول الله، فإسلام هؤلاء الإقرار بما كانوا به جاحدين، وعلى هذا تحمل الأحاديث، انتهى. وقال الطيبي: المراد العم لكن خص أهل الكتاب بالآية، قيل: وهو الأولى لأن الأمر بالقتال نزل بالمدينة مع كل من يخالف الإسلام، والتحقيق أن يقال: الشهادة إشارة إلى تخلية لوح القلب عن الرك الجلي والخفي وسائر النقوش الفاسدة الردية ثم تحليته بالمعارف اليقينية، والحكم الإلهية، والاعتقادات الحقية، وأحوال المعاد وما يتعلق بالأمور الغيبية، والأحوال الأخروية، لأن من أثبت ذات الله تعالى بجميع أسمائه وصفاته التي دل عليها اسم الله ونفى غيره، وصدق رسالة النبي ﷺ بنعت الصدق والأمانة. فقد وفى بعهدة عهده وبذل نهاية جهده في بداية جهده، وآمن بجميع ما وجب من الكتب والرسل والمعاد، ولذا لم يتعرض لإعداد سائر الأعداد، ملخص من القاري. ويشكل على الحديث ترك الجزية، وحاصل ما أجاب عنه العيني أن المراد بمجموع ما ورد إعلاء كلمة الله وهو يحصل بذلك في بعضهم وفي بعضهم بالجزية، وفي بعضهم بالمهادنة، مع احتمال أن حكم الجزية ورد بعد ذلك بل هو الظاهر، وأيضًا المراد من وضع الجزية أن يضطروا إلى الإسلام وسبب السبب سبب فيكون التقدير حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ولكنه اكتفى بما هو المقصود الأصلي، أو نقول: إن المقصود القتال أو ما يقوم مقامه، أو المقصود الإسلام منهم أو ما يقوم مقامه في دفع القتال، وهو إعطاء الجزية، وكل هذه التأويلات لأجل ما ثبت بالإجماع سقوط القتال بالجزية، انتهى.","vol":"3","page":330},{"text":"الشهادتين أو ما سوى الشهادة الأولى في الروايات إما أن يكون اختصارًا (١) من الرواة، أو يقال: إنه مبنى على ما كانوا عليه من أن المقر بوحدانيته تعالى لم ينكر الرسالة، ومن أقربهما فأتى كان كل مساغ في ترك الفرائض القطعية فضلًا عن إنكارها ويجوز أن يقال فيه ما قال (٢) الزهري كما يذكره المؤلف عن قريب، لكنه بعيد جدًا فإن الأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة وقد نزلت فرضية صلاة (٣) التهجد في مكة، فكيف يقال: إنه لم يكن بعد فريضة، نعم تأويل الزهري يتمشى من غير تكلف في الأحاديث التي لم يذكر فيها القتال وغيره، كقوله ﷺ: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة.\n_________\n(١) كما يدل عليه رواية للبخاري بلفظ: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، وحذفتا في رواية استغناء عنهما بالشهادتين لأنهما الأصل، كذا في المرقاة.\n(٢) بلفظ وقد روى عن الزهري أنه سأل عن قول النبي ﷺ: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، انتهى.\n(٣) لعل ذكر التهجد ليس باحتراز فإن فرضة الصلوات كلها كانت قبل ذلك بل ذكرها لكونها أول ما فرض.","vol":"3","page":331},{"text":"قوله [إلا بحقها] أي إلا بحق الكلمة كقتل القاتل ورجم الزاني فإن الكلمة تجوز قتلهما. قوله [كفر من كفر من العرب إلخ] قد صار هؤلاء ثلاث فرق: منهم من ارتد عن الإسلام، ومنهم من أنكر فرضية الزكاة، ومنهم من أنكر أداءها إليه وإن أقر بأنها فريضة الله على عباده، والأولان منهم كافرون دون الثالث، فإطلاق كفر من كفر في الرواية تغليب، أو المقصود بيان الكافرين لا الثالث، وكان هؤلاء (١)\n_________\n(١) أشار الشيخ إلى دفع إيراد يرد على ظاهر الحديث فإن ظاهر قوله «كفر من كفر» يشير إلى أن مناظرة الشيخين كانت في قتال المرتدين، وهذا مشكل جدًا وبعيد عن مثل عمر، وأيضًا يشكل على قوله «كفر من كفر» ما قال عمر: كيف تقاتل الناس إلخ فدفعهما الشيخ بهذا الكلام، وحاصله أن قوله «كفر من كفر» لا دخل له في المناظرة بل إشارة إلى معظم ما وقع في هذا الزمان وبيان للطائفتين الكافرتين لا الطائفة التي وقعت فيها المناظرة، أو يقال: إن إطلاق الكفر على الطوائف كله مجاز لدخول كلهم في منع أهل الردة، وتوضيح ذلك ما في البذل عن العيني أن هؤلاء كلهم كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله «وكفر من كفر» وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما أصحاب مسيلمة وأصحاب الأسود العنسي، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة سيدنا محمد ﷺ مدعية للنبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر حتى قتل الله مسيلمة باليمامة والعنسي بالصنعاء. والطائفة الثانية ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الأمام وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك للزمان خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأرخ قتال أهل البغي في زمان على إذ كانوا منفردين ولم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين من لا يمنعها إلا أن رؤسائهم صدوهم عن ذلك كبني يربوع، فإنهم جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة وفرقتها فيهم، انتهى. وقال الحافظ تحت قول الصديق لأقاتلن من فرق: يجوز تشديد فرق وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحدًا أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حق من جحد من جحد حقيقة وفي حق الآخرين مجاز تغليبًا، وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع فلما أصروا قاتلهم، انتهى. وعلم من ذلك أن الصنف الثاني في كلام العيني الذي سماهم أهل البغي كانوا أيضًا على صنفين، ولذا عدهم الشيخ فرقتين وجعل المرتدين كلهم فرقة واحدة لعدم الاحتياج ها هنا إلى تفصيل أحوالهم بخلاف مانعي الزكاة.","vol":"3","page":332},{"text":"الذين أبوا أن يؤدوها إلى الإمام بغاة، وكان اختلاف عمر في هذين، وقد كان مسلمًا (١) فيما بينهم رضي الله تعالى عنهم أن من أنكر فرضية الصلاة كفر فلذلك قال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإنكم لما علمتم أن إنكار الصلاة كفر فكذلك إنكار الزكاة يكون كفرًا، فمن فرق بينهما بأن أقر بالصلاة وأنكر الزكاة فإنه كافر.\n_________\n(١) هكذا في الفتح إذ قال: قال المازري: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لورودهما في الكتاب والسنة موردًا واحدًا، انتهى.","vol":"3","page":333},{"text":"قوله [فوالله ما هو إلا من رأيت إلخ] يعني أن أبا بكر لما شرح الله صدره للقتال وبين لي أبو بكر وجوهًا عرفت بها أنه الحق علمت أن أبا بكر ما كان يقوله لحق، ويمكن (١) أن يقال في بيان معناه: إن الأمر لم يكن إلا إني رأيت أن الله سبحانه دون غيره شرح صدره أبي بكر للقتال وألهمه، ولم يجعله في ريبة منه، ولا كان ذلك وسوسة من الشيطان، فعرفت بعد ذلك أنه الحق كما كان عرف أبو بكر وتصلب على ذلك كتصلبه عليه.\n\n[باب ما جاء في وصف جبرئيل (٢) للنبي ﷺ الإيمان والإسلام] إضافة الوصف إلى جبرئيل مجاز فإنه لما كان سبب وصفه ﷺ لسؤاله إياه جعل كأنه\n_________\n(١) والفرق بين المعنيين أن عرفان كون القتال حقًا في الأول كان باستدلال أبي بكر، وفي الثاني مستأنف لا يترتب عليه، بل شرح صدره له كما كان شرح له صدر أبي بكر من قبل، وفي البذل عن شروح البخاري: فعرفت أنه أي القتال الحق، أي المحق الثابت بالدليل الشرعي بما ظهر لي من الدليل الذي أقامه الصديق، لا أنه قلده في ذلك لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر، فإن قلت: ما النص الذي اعتمد عليه أبو بكر؟ قلت: روى الحاكم في الإكليل عن عبد الرحمن الظفري وكانت له صحبة، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى رجل من أشجع لتؤخذ صدقته فأبى أن يعطيها فرده إليه الثانية فأبى، ثم رده إليها الثالثة وقال: إن أبي فاضرب عنقه، قال عبد الرحمن- أحد رواة الحديث قلت لحكيم: ما أرى أبو بكر قاتل أهل الردة إلا على هذا الحديث، قال: أجل، انتهى.\n(٢) هكذا في النسخ الهندية والمصرية، وبوب عليه البخاري في صحيحه «باب سؤال جبرئيل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام إلخ» وهو أوضح، ولعل المصنف اختار ذلك إشارة إلى ما في الحديث ذاك جبرئيل أتاكم يعلمكم دينكم، فجعله النبي ﷺ معلمًا، وإليه أشار الشيخ في الجواب الثاني.","vol":"3","page":334},{"text":"هو الواصف، أو يقال: إنه لما صدق النبي ﷺ فيما بينه من المعاني وأقر بها جعل واصفًا حقيقة ولا ضير فيه إذًا.\nقوله [أول من تكلم في القدر] أي أنكره (١).\nقوله [فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلى (٢)] لكوني أقدر على الكلام منه وألسن، قوله [يقرأون القرآن ويتقفرون (٣) العلم] ذكر ذلك لأنهم\n_________\n(١) قال النووي: معناه أول من قال بنفي القدر فابتدع وخالف الصواب. وفي شرح المواقف: يلقبون بالقدرية لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وإنكارهم القدر، قال النووي: الجهني بضم الجيم نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة، نسب إليهم معبد بن خالد الجهني، كان يجالس الحسن البصري، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل البصرة بعده مسلكه، وقيل: إنه معبد بن عبد الله بن عويمر، انتهى. وفي البذل: يقال إنه ابن عبد الله بن عكيم، ويقال: ابن عبد الله بن عويم، ويقال: ابن خالد، كان رأسًا في القدر، قدم المدنية فأفسد بها ناسًا، كان الحسن البصري يقول: إياكم ومعبدًا فإنه ضال مضل. قال العجلي: تابعني ثقة كان لا يتهم بالكذب، قتله الحجاج سنة ٨٠ هـ أو بعدها، انتهى. قلت: وهو من رواة ابن ماجة، ويقال: إن معبدًا أخذ ذلك من المجوس.\n(٢) قال النووي: معناه يسكت ويفوضه إلى لأقدامي وجرأتي وبسطة لساني فقد جاء عنه في رواياته لأني كنت أبسط لسانًا، انتهى.\n(٣) قال النووي: بتقديم القاف على الفاء، معناه يطلبونه ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغاربة بتقديم الفاء وهو صحيح أيضًا، معناه يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه، وروى في غير مسلم يتقفون بتقديم القاف وحذف الراء وهو صحيح أيضًا، ومعناه أيضًا يتبعون، وقال عياض: رأيت بعضهم قال فيه: يتقعرون وفسره بأنهم يطلبون قعره أي غامضه، وفي رواية يتقفون ومعناه ظاهر، انتهى. وقال الدمنتي في نفع القوت: يتفقرون، بالنهاية بفاء فقاف والمشهور عكسه، وقال بعض المتأخرين: هي عندي أصح رواياته أي يستخرجون غامضه من فقر البئر حفرها لاستخراج مائها، ومعنى المشهور أي يطلبون العلم، انتهى.","vol":"3","page":335},{"text":"لما كانوا من أهل العلم والفطنة وجب البحث عما يقولونه فإن ظاهرهم يدعو إلى تسليم مقالهم.\nقوله [فأخبرهم أني منهم بريء إلخ] قدم هذا القول مسارعة إلى التبري عن هؤلاء وتعجيلًا لإلقاء النفر (١) عنهم في قلوب السائلين، ثم بين بعد ذلك دليل الرد عليهم وإظهار التبري عنهم، وهو أنهم ليسوا بأهل (٢) إيمان، ثم أنشأ إثبات أن ذلك أي الإيمان بالقدر داخل في الإيمان فقال: قال عمر بن الخطاب.\n_________\n(١) قال الراغب: النفر الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء كالفزع إل الشيء وعن الشيء، قال تعالى ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ انتهى. وفي الحديث: بشروا الناس ولا تنفروهم، ورود أن منكم منفرين.\n(٢) قال النووي: هذا الذي قاله ابن عمر ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض: هذا في القدرية الأولى الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة، قال غيره: ويجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة فيكون من قبيل كفران النعم إلا أن قوله: ما قبل الله منهم ظاهر في التكفير فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم لا يقبل عمله معصية وإن كان صحيحًا، كما أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند جماهير العلماء بل بإجماع السلف وهي غير مقبولة فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا، انتهى.","vol":"3","page":336},{"text":"قوله [كنا عند رسول الله ﷺ] فيه اختصار والحديث (١) بطوله مذكور في مسلم. قوله [شديد بياض الثياب] بإضافة البياض الصفة إلى الثياب والسواد (٢) وبغير الإضافة، وفيه أدب حضور مجالس العلم باللباس الطيب الصافي الغير المتدنس ولا المتسخ، وبإزالة الشعث والغبرة عن رأسه ولحيته.\nقوله [لا يرى (٣) عليه أثر السفر] حتى يكون من أهل بادية قدم من هناك\n_________\n(١) لم أجد في مسلم هذا الحديث بأطول مما ذكره المصنف، نعم مجموع رواياته يدل على الاختصار وعلى أن بعضهم ذكر ما لم يذكره غيره، وذكر أبو داود في أول القصة من حديث أبي هريرة وأبي ذر قالا: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعل له مجلسًا، الحديث.\n(٢) هكذا في المنقول عنه فإن كان محفوظًا عن التحريف فهو عطف على البياض حذف ما بعده اختصارًا واتكالًا على ما يفهم من السياق، والمعنى أن البياض مضاف إلى الثياب من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها وكذا السواد الصفة مضاف إلى موصوفها وهو الشعر، وقوله: وبغير الإضافة يتعلق بهما معًا، وفي الإرشاد الرضى: إما بإضافة الشديد إلى البياض أو بدون الإضافة، وهكذا في شديد سواد الشعر، قال القاري: بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية مفيدة للتخفيف فقط صفة رجل، واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل، أي شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره، وفي نسخة بالتنوين في الصفتين المشبهتين ورفع ما بعدها على الفاعلية، وفيه استحباب البياض والنظافة في الثياب، وأن زمان طلب العلم أوان الشباب لقوته على تحمل أعبائه، انتهى.\n(٣) قال القاري: روى بصيغة المجهول الغائب ورفع الأثر، وهو رواية الأكثر والأشهر، وروى بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأكثر والجملة حال من رجل أو صفة له، والمراد بالأثر ظهور التعب والتغير والغبار، والمعنى تعجبنا من كيفية إتيانه، إذ لو كان من المدينة لعرفناه، أو كان غريبًا لكان عليه أثر السفر، قال زين العرب في شرح المصابيح: لا يعرفه منا أي من الصحابة وإلا فالرسول ﷺ قد عرفه، وقال السيد جمال الدين: قد جاء صريحًا في بعض الروايات أن النبي ﷺ لم يعرفه حتى غاب، كما أفاده الشيخ ابن حجر، انتهى.","vol":"3","page":337},{"text":"قوله [ولا يعرفه منا أحد] حتى يكون من أهل المدينة. قوله [فألزق ركبته بركبته (١) أي قربها بها وليس المراد الإلزاق الحقيقي، بل المراد شدة المقاربة حتى كأنه ألزقها بها، وفيه الجلوس بقرب الأستاذ مؤدبًا حتى لا يحتاج إلى رفع الصوت في البيان، ثم الضمير الأول لجبريل والثاني للنبي ﷺ. قوله [ثم قال: يا محمد ما الإيمان؟] فيه نداء المخاطب بالاسم الذي (٢) يرضيه ليتعين من بين الموجودين،\n_________\n(١) بإفراد الركبة في النسخ التي بأيدينا، قال القاري: والجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب، وإيصال الركبة بالركبة أبلغ في الإصغاء وأتم في حضور القلب وأكمل في الاستئناس، والجلوس على هذه الهيئة يدل على شدة حاجة السائل، وإذا عرف المسئول حاجته وحرصه اعتنى وبادر إليه، انتهى.\n(٢) وقيل: ناداه باسمه إذ الحرمة تختص بالأمة في زمانه أو مطلقًا وهو مالك معلم، ويؤيده قوله تعالى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ إذ الخطاب للآدميين فلا يشمل الملائكة إلا بدليل، أو قصد به المعنى الوصفي دون العلمي، وما ورد في الصحاح من نداء بعض الصحابة باسمه فذاك قبل التحريم، وقيل: آثره زيادة في التعمية إذ كانوا يعتقدون أنه لا يناديه به إلا العربي الجاف، قيل: ولم يسلم مبالغة في التعميم، أو بيانًا أنه غير واجب، أو سلم ولم ينقل وهو الصحيح لما ورد في الرواية، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، هكذا في المرقاة.","vol":"3","page":338},{"text":"وفيه تقديم الموقوف عليه الذي هو ملاك الأمر في السؤال، وأيضًا ففيه تقديم السؤال عما هو كاف للنجاة من الخلود في النار والدخول في الجنة وهو الإيمان، فعلم بذلك تقديم الأهم فالأهم. ثم الإيمان باعتبار كونه (١) معقودًا عليه\n_________\n(١) هذا من المسائل التي اختلف فيها السلف والخلف، ومحل بسطه المطولات، قال العيني في أبحاث الإيمان: النوع الرابع في أن الإسلام مغائر للإيمان أو هما متحدان؟ فنقول: الإسلام في اللغة الانقياد والإذعان، وفي الشريعة الانقياد لله بقبول رسوله ﷺ بكلمتي الشهادة والإتيان بالواجبات، والانتهاء عن المنكرات، كما دل عليه جواب النبي ﷺ حين سأله جبريل ﵇ عن الإسلام، ويطلق الإسلام على دين محمد، كما يقال دين اليهودية والنصرانية، قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ واختلف العلماء فيهما، فذهب المحققون إلى أنهما متغائران وهو الصحيح، وذهب بعض المحدثين والمتكلمين وجمهور المعتزلة إلى أن الإيمان هو الإسلام، والاسمان مترادفان شرعًا، قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال دون بعض، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا. قال: وهذه إشارة إلى أن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا كما صرح به بعض الفضلاء، والحق أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، لأن الإيمان أيضًا قد يوجد بدون الإسلام، إلى آخر ما بسطه العيني. وفي شرح العقائد للنسفي: الإيمان والإسلام واحد، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد بمعنى قبول الأحكام والإذعان بها، وذلك حقيقة التصديق، ويؤيده قوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وبالجملة لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا تعني بوحدتهما سوى ذلك، وظاهر كلام المشايخ أنهم أرادوا عدم تغائرهما بمعنى أنه لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الاتحاد بحسب المفهوم، فإن قيل: قوله تعالى ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ صريح في تحقق الإسلام بدون الإيمان، قلنا: المراد أن الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى انقياد الظاهر من غير انقياد الباطن، بمنزلة التلفظ بكلمة الشهادة من غير تصديق، والمراد بحديث الباب أن ثمرات الإسلام وعلاماته ذلك، إلى آخر ما بسطه.","vol":"3","page":339},{"text":"القلب إيمان، وباعتبار ظهور آثار إسلام، فهما متلازمان أو هما واحد، فإن المرأ إذا أقر بما يجب إقراره وأيقنه بقلبه فهو مؤمن ومسلم وإن لم يصل ولم يصم، وقوله ﵇ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله إلخ مشعر بإقراره بأركان الإسلام بأسرها، فإنه لما صدق الرسل وآمن بالكتب فإنه يقر بما فيها لا جرم، وكذلك بما أمر به النبي ﷺ، ثم قوله ﵇ في بيان الإسلام: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليس المناط فيه على إتيانها، بل المذكور في الإسلام إنما هو الإقرار بها، فالمقر المقصر آت بها حكمًا وملحق بالذي يأتي بها، فلم يكن بين الإسلام والإيمان فرق، وإن أخذ الكامل منهما كان التلازم بينهما أظهر، فإن الإيمان الكامل لا يجوز ترك الأعمال، والإسلام الكامل لا يتصور بدون الاعتقاد بالمعتقدات، هذا والله الهادي إلى سواء السبيل. وهو حسبي ونعم الوكيل.\nقوله [فما الإحسان] لما فرغ عن السؤال عما لابد منه لكل مؤمن مسلم أخذ في السؤال عما هو درجة الكمل، فإن إحسان كل شيء هو الإتقان فيه، ومراتبه متفاوتة، فإن إحسان الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء وغيرهم أنواع متفاوتة.\nقوله [أن تعبد الله كأنك (١) تراه] وهذا جامع لمراتب الإحسان فكلما زاد\n_________\n(١) قال القاري: مفعول مطلق أي عبادة شبيهة بعبادتك حين تراه، أو حال من الفاعل أي حال كونك مشبهًا بمن ينظر إلى الله خوفًا منه وحياء، وهذا من جوامع الكلم فإن العبد إذا قام بين يدي مولاه لم يترك شيئًا مما قدر عليه من إحسان العمل، ولا يلتفت إلى ما سواه، انتهى.","vol":"3","page":340},{"text":"المراقبة حسن الإحسان، وقوله الآتي: فإن لم تكن تراه فإنه يراك، بينه (١) الشارحون بحيث تكون مرتبته أدون من التي قبلها، فقالوا: وإن لم تقدر على ذلك فاعبده كأنه يراك. وهذا بعيد، أما أولًا فلأن المراقبة في ذلك أشد، لأنه ﵎ لما كان ناظرًا إليه ورائيًا حاله، وراقب العبد ذلك اشتد أمر الإحسان وزاد فيه، لا أنه يكون مرتبة دونى نسبة إلى الأولى، وأما ثانيًا فلأن المناسب حينئذ هو أن يقال كأنه يراك وهذا غير صحيح، بل الرؤية منه سبحانه محققة قطعية، إلا أن يقال: المقصود أنه تعالى وإن كان رائيًا حاله إلا أن الواجب على العابد مراعاة رؤيته، والمراعاة غير متحققة قطعًا، ومع ذلك ففيه بعد كما لا يخفى، فقوله هذا ليس إلا دليلًا على القول الأول، يعني أن المرأ إذا استبعد رؤيته الرب تبارك\nو\n_________\n(١) كما يظهر مما بسطه القاري، وحكاه في الإرشاد الرضى عن الشيخ عبد الحق المحدث، وكذا قال غيرهما، وبسط العيني في أنواع الإحسان فارجع إليه لو شئت، وحاصل ما أفاده الشيخ أن قوله ﷺ: فإن لم تكن تراه لو كان مرتبة ثانية أدون من الأولى كان حق العبارة أن يقول: فإن لم تكن كأنك تراه فاعبده كأنه يراك، لأن المنفي إذ ذاك لابد أن يكون هو المثبت أولًا، ولم يذكره الشيخ لظهوره، وأيضَا لا يصح هذا الكلام لأن رؤيته تعالى متحققة لا محالة فكيف كأنه يراك. فالصواب أن يقال إنه ليس بمرتبة أدون من الأولى، بل هو دليل وتصوير للكلام السابق إذ كان يشكل عليه أن رؤية العبد إياه ﵎ محال في الدنيا فكيف يمكن لأحد أن يصوره، فبين صورته بأن تصور أن الله عز اسمه يراه في كل وقت يؤدي إلى الصورة الأولى، فتأمل.","vol":"3","page":341},{"text":"تعالى قال النبي ﷺ: اعبد الله كأنك تراه لأنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فكيف تغفل عنه وكيف تصلي وقلبك في مكان وجسمك في مكان، وكيف تسبح الله بلسانك وقلبك مشغول بفلان وفلان.\nقوله [قد صدقت] والتصديق نوعان: تصديق التسليم وعدم الإنكار كما يصدر من المسلم الجاهل، وتصديق الاتفاق والإقرار كما يصدر من العالم، وهذا التصديق كان من القبيل الثاني (١) فلذلك تعجبوا منه. قوله [قمتي الساعة] إنما سأل عن ذلك ليعلم يوم يجازون على الحسنات السابقة ذكرها.\nقوله [أن تلد الأمة ربتها] اختلفت أقوال (٢) العلماء في بيان معانيه، والظاهر المناسب ها هنا منها أن تكثر السبى، والمولود حينئذٍ ولي نعمتها فإن حقوقه الولاء ترجع إليه بعد موت أبيه، وإن لم يكن للولد أن يتملكها، وفيه إشارة أيضًا إلى كثرة النساء لأنه قال ربتها ولم يقل ربها.\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما حكى القاري من الروايات، وفي بعضها: انظروا هو يسأله ويصدقه كأنه أعلم منه، وفي أخرى: ما رأينا رجلًا مثل هذا كأنه يعلم رسول الله ﷺ يقول له: صدقت صدقت.\n(٢) قال القاري: ثانيتها في هذه الرواية وإن ذكر في روايات أخر باعتبار التسمية ليشمل الذكور والإناث، أو فرارًا من شركة لفظ رب العباد، وإن جوز إطلاقه على غيره تعالى بالإضافة دون التعريف، أو أراد البنت فيعرف الابن بالأولى، والإضافة إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه ولد ربها أو مولاها بعد الأب، وفسر هذا القول كثير من الناس بأن السبى يكثر بعد اتساع رفعة الإسلام فيستولد الناس إماءهم فيكون الولد كالسيد لأمه لأن ملكها راجع إليه، وذلك إشارة إلى قوة الدين، واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات لأن بلوغ الغاية منذر بالتراجع، والانحطاط المؤذن بقيام الساعة، أو إلى أن الأعزة تصير أذلة لأن الأم مربية للولد، فإذا صار الولد ربها سيما إذا كان بنتًا ينقلب الأمر، كما أن القرينة الثانية على عكس ذلك، وهي أن الأذلة ينقلبون ملوك الأرض، فيتلاءم المعطوفان، وهذا إخبار بتغير الزمان، وانقلاب أحوال الناس، وقيل: معناه أن الإماء تلدن الملوك، فتكون أمة من جملة رعيته، ويقرب منه القول بأن السبي إذا كثر قد يسبى الولد صغيرًا ثم يعتق ويصير رئيسًا بل ملكًا، ثم تسبى أمه فيشريها عالمًا أو جاهلًا، ثم يستخدمها وقد يطؤها، وقيل: معناه فساد الأحوال بكثرة بيع أمهات الأولاد فتردد في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ويطأها وهو لا يعلم، ويؤيده رواية بعلها وإن فسر بسيدها، وقيل: معناه الإشارة إلى كثرة عقوق الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الخدمة وغيرها، وخص بولد الأمة لأن العقوق فيهن أغلب.","vol":"3","page":342},{"text":"قوله [يا عمر هل تدري من السائل؟] وكان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين متشوقين إلى أنه من هو فإنه جمع في سؤاله بين الشريعة والحقيقة، وبين ما لا يمكن استقصاؤه من المسائل، ولم يكن ممن يعرفونه حتى يعلموا أنه من علماء اليهود أو النصارى، فيقضوا بذلك عجبهم فإنهم كانوا عارفين بأحبارهم المشهورين ولم يذكره النبي ﷺ من نفسه لهم ليزيد بذلك اشتياقهم إليه وهابوا أن يسألوه.\n\n[باب ما جاء في إضافة (١) الفرائض إلى الإيمان] قد طال (٢) أقوال العلماء في أن بين العلماء المتكلمين والمحدثين اختلافًا في دخول الفرائض في الإيمان وعدمه، وزيادة الإيمان بها وعدمها، فذهب المتكلمين منعه، وذهب علماء الحديث إلى ثبوته، وهذا مما يتعجب منه، أفترى المحدثين يقولون بأن من لم يعمل فريضة قط فهو كافر أو خالد في النار، أو ترى المتكلمين ينكرون الفرق بين من آمن الآن\n_________\n(١) غرض المصنف ومن نحا نحوه الرد على المرجئة وهي طائفة من أهل البدع، قال الحافظ: المرجئة بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة، ويجوز تشديدها بلا همزن نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلًا، انتهى. وفي شرح المواقف: المرجئة لقبوا به لأنهم يرجئون العمل عن النية، أي يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، من أرجاه أي أخره وأخره، أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية فهم يعطون الرجاء، وعلى هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجئة، وفرقهم خمس: اليونسية، والعبيدية، والغسانية، والثوبانية، والثومنية، ثم بسط مقالاتهم، وذكر في الغسانية: هم أصحاب الغسان الكوفي قالوا: الإيمان المعرفة بالله ورسوله، وبما جاء من عندهما إجمالًا لا تفصيلًا مثل أن يقول: قد فرض الله الحج ولا أدري أين الكعبة؟ ولعلها بغير مكة، وبعث محمدًا ولا أدري أهو الذي بالمدينة أو غيره؟ وحرم الخنزير ولا أدري أهو هذه أم غيرها؟ وغسان كان يحكي هذا القول عن أبي حنيفة ويعده من المرجئة، وهو افتراء عليه قصد به غسان ترويج مذهبه بموافقة رجل كبير مشهور. قال الأمدي: ومع ذلك فأصحاب المقالات عدوًا أبا حنيفة وأصحابه من مرجئة أهل السنة، ولعل ذلك لأن المعتزلة في الصدر الأول كانوا يلقبون من خالفهم في القدر مرجئًا، أو لأنه لما قال: الإيمان هو التصديق ولا يزيد ولا ينقص، ظن به الإرجاء بتأخير العمل عن الإيمان، وليس كذلك إذا عرف منه المبالغة في العمل والاجتهاد فيه، انتهى.\n(٢) يعني المشهور بينهم أن المحدثين والمتكلمين مختلفون في ذلك حقيقة وليس كذلك، بل الاختلاف بينهم لفظي مبني على تفسير الإيمان، كما صرح به الرازي وغيره، ومن رد من الفريقين ليس غرضه الرد على الفريق الثاني كما يتوهم، بل من أثبت للإيمان أجزاء وأفرادًا غرضه الرد على المرجئة القائلة بأنه لا يضر مع الإيمان شيء، ومن نفاها عن الإيمان غرضه الرد على المعتزلة القائلة بأن الكبيرة تخرج المرتكب عن الإيمان، وعلى الخوارج القائلة بأن ارتكاب الكبيرة يدخله في الكفر.","vol":"3","page":343},{"text":"ولم يعمل حسنة، وبين من أنفد عمره لله صائمًا ومجاهدًا، حاجًا ومعتمرًا وعابدًا، فليس الأمر كما اشتهر بينهم من أن المحدثين يخالفون المتكلمين في هذه المسألة، بل","vol":"3","page":344},{"text":"الأمر الحق الذي ينبغي أن يعول إليه إنما هو الرد على من قال: لا يضر شيء من المعاصي بعد الإيمان بأن هذه الأفعال داخلة في الإيمان، ومن قال بعدم الدخول فيه فمنشأه الرد على من ذهب منهم إلى أن الإيمان لا يفيد بدون الفرائض، وهذا هو الحق الذي ينطبق عليه كل الروايات، وأما ما زعم من مذهب المحدثين فهو افتراء عليهم يرده الروايات الصريحة كما ستقف عليه.\nقوله [إنا هذا الحي من ربيعة] إذا نصبت الحي فهو على الاختصاص، ومن ربيعة خبر إن، وإذا (١) رفعته فهو خبر إن وقوله من ربيعة حال.\nقوله [فقال: آمركم بأربع إلخ] في الحديث اختصار، ولم يذكر في هذه الرواية ما نهاهم عنه (٢) وهو مذكور في الروايات الأخر، وقد ترك (٣) في كل روايات الصحاح ذكر الثلاثة من هذه الأربع المأمورة، وإنما المذكور منها واحد، وهو الإيمان المفسر بالأربعة المذكورة بعدها، وهذا الذي ذكرنا أسلم\n_________\n(١) وبالأول جزم الحافظان ابن حجر والعيني وغيرهما، وعلى كلا الاحتمالين معناه أننا من حي ربيعة، ولا يمكن مجيئها إليك إلا في الشهر الحرام لحيلولة مضر بيننا وبينك، ولفظ المشكاة عن المتفق عليه بلفظ البخاري: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، الحديث.\n(٢) وهي الأوعية الأربعة الواردة في جل الروايات: الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت.\n(٣) وبذلك جزم البيضاوي كما حكاه عنه الحافظ في الفتح إذ قال: قال البيضاوي: الظاهر أن الخمسة المذكورة هاهنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخر حذفها الراوي اختصارًا أو نسيانًا، انتهى. وسيأتي إليه الإشارة في كلام السيد جمال كما حكاه القاري، لكن الحافظ لم يرتض بهذا التوجيه.","vol":"3","page":345},{"text":"ما قيل في توجيه الحديث، وبذلك يصح إيراد الحديث هاهنا، وبه يظهر مطابقة الترجمة، وأما ما قال الشراح في توجيهه بأن الإيمان بالله مفسر بالشهادتين فحسب، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأداء الخمس الثلاثة الباقية منها، وقيل (١): الإيمان\n_________\n(١) هذا هو المشهور عند الشراح في تفسيره، كما حكاه القاري وغيره من عامة مفسري الحديث، ففي المرقاة: قال ابن الصلاح: قوله أن تعطوا عطف على قوله بأربع فلا يكون واحدًا منها، وإن كان واحدًا من مطلق شعب الإيمان، انتهى. فيكون هذا من باب زيادة الإفادة، قال الطيبي: في الحديث إشكالان: أولهما أن المأمورية واحد والأركان تفسير للإيمان بدليل قوله أتدرون ما الإيمان، وثانيهما أن الأركان المذكورة خمسة وقد ذكر أولًا أربعة، وأجيب عن الأول بأنه جعل الإيمان أربعة نظرً إلى أجزائه المفصلة، وعن الثاني بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام منصبًا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وكأن ما سواه مطروح، فها هنا ذكر الشهادتين ليس مقصودًا لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، انتهى. ويدل عليه ما في رواية للبخاري: أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا خمس ما غنمتم، ولا تشربوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت، قال القاري: وبهذه الرواية تندفع الإشكالات، ويرجع إليها التأويلات، لكني ما أقول ما قاله الطيبي من أن ذكر الشهادتين ليس مقصودًا، بل أقول: هو المقصود بالذات وإنما المذكورات بيان شعبها المعظمة وأركانها المفخمة، ومحمل كلام الطيبي أنه ليس مقصودًا من الأربع، بل هو جملة معترضة، وقال السيد جمال الدين: قيل: هذا الحديث لا يخلو عن إشكال لأنه إن قرئ وإقام الصلاة إلخ بالرفع على أنها معطوفة على شهادة ليكون المجموع من الإيمان فأين الثلاثة الباقية؟ وإن قرئت بالجر على أنها معطوفة على قوله بالإيمان يكون المذكور خمسة لا أربعة، وأجيب على التقدير الأول بأن الثلاثة الباقية حذفها الراوي اختصارًا أو نسيانًا، وعلى التقدير الثاني بأنه عد الأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة، وهي أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم، انتهى. وفي ذلك أقوال أخر ذكرها الحافظ وغيره كقول ابن العربي يحتمل أن يقال: إنه عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها في كتاب الله وتكون الرابعة أداء الخمس.","vol":"3","page":346},{"text":"مفسر بالشهادتين فقط والثلاثة المذكورة بعدهما، وهي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، كما هو مذكور في رواية الصحيحين تتمة الأربع، ثم زاد بعدها من عنده خامسًا، وهو أداء الخمس، ففيه أن الأمر لو كان كذلك لما أورده المؤلف في هذه الترجمة إذ لا يعلم منه بهذا التوجيه دخول الفرائض في الإيمان حتى يتم استدلاله، فصنيعه هذا وكذا صنيع أستاذه البخاري (١) يدل على ما ذكرنا من توجيه الحديث.\nقوله [من عند عباد بن عباد بحديثين] وذلك لما له من الفضل على غيره.\nقوله [رضيع لعائشة] ليس الرضيع هاهنا بمعناه المشهور وهو المرضع، بل المراد بذلك أخوها رضاعًا.\nقوله [يعني وكفركن العشير] (٢). قوله [وما نقصان عقابها] إنما\n_________\n(١) إذ بوب على الحديث «باب أداء الخمس من الإيمان» وهذا كالصريح في مختار الشيخ بأنه عد أداء الخمس أيضًا من أجزاء الإيمان فما قبله بالطريق الأولى.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك، ولعل الشيخ أراد توضيح ألفاظ الحديث يظهر من الإرشاد الرضى إذ بين ها هنا كثرة تلون أمزجتهن، وكثرة شكواهن، وقلة صبرهن، حتى ورد في أحاديث الكسوف لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط. قلت: ويحتمل أن الشيخ أراد بيان وجه زيادة لفظ يعني فإن ظاهرها يوهم أنه تفسير لقوله: لعنكن، وليس المقصود ذلك، بل الغرض أن الراوي نسي تعبير الشيخ، فنبه بلفظ يعني على أنه مراد الشيخ لا لفظه.","vol":"3","page":347},{"text":"عنت (١) بذلك أمارة على ما ادعاه النبي ﷺ من نقصان العقل والدين، لا أنها أرادت بذلك لميته فإن المتبادر من قوله ما نقصان عقلها أي ما رأيت من نقصان عقلها ودينها يا نبي الله حتى قلت ذلك، وبذلك يظهر المطابقة بين السؤال والجواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>[باب الحياء من الإيمان]</span>\nقوله [وهو يعظ أخاه في الحياء] أي كان (٢) يأمره بتركها، ويمنعه من الاستحياء.\n_________\n(١) حاصله رفع إيراد يرد على ظاهر الحديث، وسكت عنه عامة الشراح وهو أن السؤال بما يكون عن حقيقة الشيء ولمه، وعلى هذا فلا يطابق الجواب السؤال، وحاصل الدفع أن السؤال ها هنا ليس عن اللمم، بل عن الأثر المرتب عليه كما هو المتبادر من قوله ما نقصان عقلها، وهو في معنى قوله ما رأيت من نقصان عقلها، وعلى هذا فلا خفاء في تطابق السؤال والجواب.\n(٢) قال الحافظ: لم أعرف اسم هذين الواعظ وأخيه، وقوله: يعظ أي ينصح أو يخوف أو يذكر، كذا شرحوه، والأولى أن يشرح بما في البخاري في الأدب بلفظ يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضربك، ويحتمل أنه جمع الوعظ والعتاب فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، زاد في الإرشاد الرضى أن رجل المذكور كان يستحيي في المعاملات من البيع والشراء وغيرهما، فمن يشتريه نسية أو يعطيه أقل من ثمن الشيء لا يرد عليه حياء، فعاتبه على ذلك أخوه ورد عليه النبي ﷺ.","vol":"3","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-741>[باب في حرمة الصلاة]</span>\nقوله [ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير] إنما ذكر ذلك (١) دفعًا لما عسى أن يتوهم من أن المذكور من الصوم والصلاة وغيرها شيء يسير يفعله كل أحد، فلا يكون له وقع (٢) في القلب، وكذلك كان النبي ﷺ قال له: إنما سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله إلخ ليعلم أن ما ذكره ها هنا إنما هو شيء عظيم يكفي في كونه سبب الدخول في الجنة والخروج من النار، ثم اعلم أن المذكور في الوهلة (٣) الثانية إنما هو بيان النوافل إلا أنه يعلم به حال الفرائض بالطريق الأولى، فإن صدقة النفل لما كانت تطفئ غضب الرب، وصوم النفل كانت جنة من النيران والمعاصي والسيئات، فكيف بالفرائض منها.\nقوله [ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ إلخ] هذه الآية ظاهرها أنها في التهجد (٤) وقيل: بل عنى (٥) صلاة الأوابين، فإن العرب سيما أصحاب العمل منهم كانوا\n_________\n(١) حاصل كلام الشيخ أن النبي ﷺ نبه على الأمور المذكورة من الصلاة والصوم وغيرهما أولًا بقوله: سألتني عن عظيم، ثم بقوله: ألا أدلك على أبواب الخير، والمراد بالأمور المعدودة بعد هذا هي النوافل كما يدل عليه السياق وعلم منها حال الفرائض بالطريق الأولى.\n(٢) أصل الوقع المكان المرتفع في الجبل، والمراد ها هنا توهم أن الأمور المذكورة لعمومها لم تقع في قلبها بموقع عظيم.\n(٣) قال المجد: لقية أول وهلة ويحرك واهلة أول شيء، انتهى. والمراد في كلام الشيخ من الوهلة الثانية ما ذكر في الرواية من قوله: ألا أدلك على أبواب الخير، والوهلة الأولى هي ما ذكره من قوله: لقد سألتني عن عظيم إلخ.\n(٤) كما هو مقتضى حديث الباب، وأخرج السيوطي في الدر عدة آثار مؤيدة لذلك.\n(٥) كما أخرجه السيوطي بطرق كثيرة عن أنس وغيره، ففي رواية عن أنس نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي ﷺ، وفي أخرى له قال: كانوا ينتظرون ما بين المغرب والعشاء يصلون، وفي أخرى له قال: كان قوم من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين الأولين يصلون المغرب، ويصلون بعدها إلى عشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم، وغير ذلك من الروايات الكثيرة عنه وعن غيره، منها عن ابن المنكدر وأبي حازم قالا: هي ما بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين.","vol":"3","page":349},{"text":"معتادين للاضطجاع بعد العشاء الأول، ولذلك نهوا عن النوم قبل العشاء الآخرة، فالتجافي كما أنه صادق على ترك المضجع بعد أخذه، فكذلك صادق على ترك المضجع من أول الأمر.\nقوله [وذروة سنامه الجهاد] فإن إعلاء كلمة الله التي هي الإسلام إنما هو به.\nقوله [وإنما لمؤاخذون بما تتكلم به] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>[باب في ترك الصلاة]</span>\nقوله [بين الكفر والإيمان ترك الصلاة] قد\n_________\n(١) بياض في المنقول عنه، وما يظهر بملاحظة الإرشاد الرضى وغيره أن معاذًا ﵁ توهم من الأمر بكف اللسان المؤاخذة بكل ما يتكلم الرجل واستبعده، فسأل بذلك ونبه النبي ﷺ بقوله: حصائد ألسنتهم أنه قد يكون سببًا لدخول النار، قال القاري: شبه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل وهو من بلاغة النبوة، فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والردى، فكذلك لسان بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام حسنًا وقبيحًا، والمعنى لا يكب في النار إلا حصائد ألسنتهم من الكفر والقذف والشتم والغيبة والنميمة والبهتان، والاستثنا مفرغ والحكم وارد على الأغلب، انتهى.","vol":"3","page":350},{"text":"تكلفوا (١) في توجيهه مع أنه مستغني عنه، فالمراد أن فرق ما بين الكفر والإيمان ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة دخل في الكفر، ومن لم يتركها كان مؤمنًا.\nقوله [تركه كفر غير الصلاة] أي مستحلًا أو كالكفر (٢).\nقوله [من رضى بالله ربًا إلخ] أي وجد بهذه الثلاثة غنية ورغبة عن جميع ما سواها، ففي الرضى المذكور هاهنا شدة (٣) نسبة إلى الرضى المستعمل في لغتنا.\nقوله [في هذا خروج عن الإيمان إلى الإسلام] يعني أن مقتضى الإيمان الذي هو العقد القلبي إنما كان أن لا يرتكب ذلك، فإن من علم أن النار محرقة لا يمسها، فعلم بارتكابه الكبيرة نقص في اعتقاده، وقصور في كمال إيمانه، لكنه مع ذلك مقر بما يجب الإقرار به من التوحيد والإيمان بالكتب والرسل إلى غير ذلك فكان مسلمًا. قوله [فستره الله عليه وعفا عنه] فيه ترك شق (٤) بناء على ظاهر\n_________\n(١) إذ جعلوا متعلق بين محذوفًا كما في الحاشية عن ابن الملك إذ قال: تقديره تركها وصلة بينه وبينه، وقال الطيبي: ترك الصلاة مبتدأ والظرف المقدم خبره، ومتعلقه محذوف قدم ليفيد الاختصاص، والظاهر أن فعل الصلاة هو الحاجز بين العبد والكفر، وحاصل ما أفاد الشيخ أن ترك الصلاة من علامات الكفر، كما أن فعلها من علامات الإيمان، فهو الفارق بين آثارهما.\n(٢) أي في شدة القبح، أو علامة الكفر كما تقدم، أو نوع من أنواع الكفر، فإن الكفر والإيمان كليان مشككان كما تقدم في محله.\n(٣) يعني أن مراتب الرضا تكون متفاوتة جدًا، وأكثر ما يستعمل عندنا بمقابل السخط بمعنى لا يسخط عنه ولا يكرهه، وليس هو مراد الحديث، بل المراد فيه أعلى درجاته المثمر لحب الشيء وإعجابه ليترتب عليه ذوق طعم الإيمان، فلله در الشيخ ما أدق وألطف ما قاله.\n(٤) حاصله أن الشقوق هاهنا أربعة: الشقان في إقامة الحد التوبة وعدمها، والمذكور هاهنا هو الأول، لأن الظاهر من حاله أنه يتوب بعد الحد لا محالة لأن مقتضى الإيمان أن يتوب بدون التنبيه، فكيف يمثل هذا التنبيه والزجر الذي هو الحد، فعدم إيرائه التوبة مستبعد جدًا فلذا اكتفى بذكره ولم يذكر الشق الثاني وهو عدم التوبة لاستبعاده، وكذلك في حالة الستر شقان: التوبة وعدمها، والمذكور ها هنا هو الأول كما يدل عليه لفظ عنى عنه، ولم يذكر الشق الثاني لظهوره بالتأمل.","vol":"3","page":351},{"text":"العلم، والأصل أن العبد إذا أذنب فأقيم عليه الحد، فالظاهر من حاله أنه يتوب بعد ذلك، ولذلك لم يذكر فيه إلا شقًا واحدًا، وهو أنه إذا عجل عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثنى على عبده العقوبة، وكذلك في الشق الثاني شقان إما أن يتوب العبد بعد ستره تعالى أولا يتوب، والمذكور منهما واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>[باب في علامة المنافق]</span>\nقوله [آية (١) المنافق ثلاث] ولا يلزم من كون\n_________\n(١) قال القاري: الآية العلامة، وإفرادها إما على إرادة الجنس، أي كل واحد منها آية، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، ويؤيد الأول ما في صحيح أبي عوانة بلفظ: علامات المنافق ثلاث، فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث، فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ أربع؟ أجاب القرطبي باحتمال أنه ﷺ استجد له العلم بخصالهم ما لم يكن عنده، وقال الشيخ ابن حجر: ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق لاحتمال أن تكون العلامات دالات أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق على أن في رواية لمسلم عن أبي هريرة ما يدل على عدم الحصر، فإن لفظه: من علامة المنافق ثلاث، فقد أخبر ببعض العلامات في وقت، وبعضها في وقت آخر، ووجه الاقتصار على هذه الثلاث أنها منبهة على ما عداها إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث. القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف، لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدًا له رأى فهذا لم توجد منه صورة النفاق، وفي الطبراني من حديث سلمان ما يشهد له، ولفظه: إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف، وفي أبي داود والترمذي من حديث زيد بن أرقم إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف فلا إثم عليه، قال النووي: هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلًا من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره قال: وليس فيه إشكال بل معناه صحيح والذي قاله المحققون أن معناه أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم. قال الحافظ: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية على المجاز، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر، وقيل في الجواب عنه: إن المراد نفاق العمل، وهذا ارتضاء القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم في شيئًا من النفاق، فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الآخر بقوله: كان منافقًا خالصًا، وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنًا، قال: ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرار الفعل، والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من حديث يدل على العموم، أي إذا حدث في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصرًا أي إذا وجد ماهية التحديث كذب، وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها واستخف بأمرها، وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي ﷺ، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي.","vol":"3","page":352},{"text":"هذه الآيات في رجل كونه منافقًا، بل اللازم بذلك اتصافه بصفات المنافقين.\nقوله [أربع من كن فيه كان منافقًا] أي بحسب العلامات وظاهرًا، أو مشابهًا بهم في الخصال، أو منافقًا نفاق العمل كما سيجيء.\nقوله [نفاق العمل] مقابل لنفاق الاعتقاد فالأول ترك العمل باقتضاء الإسلام، والثاني ترك الاعتقاد بما يجب أن يعتقد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>[باب سباب المسلم فسوق]</span>\nقوله [قتال المسلم أخاه كفر إلخ] إن كان مستحلًا فكلاهما (١) كفر، وإن لم يكن مستحلًا فليس شيء منهما كفرًا، وإنما هما يدخلان في الفسوق، والجواب أنه ﷺ (٢) عبر عن القتال بالكفر لكونه أعظم الكبائر، فكأنه إذا قتل\n_________\n(١) أي القتال والسباب كل منهما كفر على الاستحلال، وبذلك جزم الحافظان ابن حجر والعيني، وسيأتي في كلام الحافظ ابن حجر.\n(٢) قال الحافظ: ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي، فالجواب أن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك ولا متمسك للخوارج فيه لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب لأنه مفض إلى إزهاق الروح عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير معتمدًا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة، أو أطلق عليه الكفر لشبهه به لأن قتال المؤمن من شأن الكافر، وقيل: المراد هاهنا الكفر اللغوي وهو التغطية، لأن حق المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه، فلما قاتله كأنه غطى على هذا الحق، وقيل: أراد بقوله كفر، أي قد يؤل هذا الفعل بشومه إلى الكفر وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المستحل لذلك لأنه لو كان مرادًا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال، فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا، ثم ذلك محمول على من فعله بغير تأويل، وقال العيني: فإن قلت: السباب والقتال كلاهما على السواء في أن فاعلهما يفسق ولا يكفر، فلم قال في الأول فسوق وفي الثاني كفر؟ قلنا: لأن الثاني أغلظ، أو لأنه بأخلاق الكفر أشبه، انتهى.","vol":"3","page":354},{"text":"المسلم فقد كفر، بخلاف السباب فإنه ليس بتلك المثابة، فليس البيان إلا لقتال الغير المستحل وسبابه، قوله [فقد باء به أحدهما] أي بذنب (١) ذلك الكلام ووباله.\n_________\n(١) يعني إن صدق القائل فيرجع إلى المقول له، وإن كذب يرجع إلى القائل، قال النووي: هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد، وذلك مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا، وقوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وإذا تقرر ما ذكرنا فقيل: في تأويل الحديث أوجه: أحدها أنه محمول على المستحل، فعلى هذا معنى باء بها أي رجع عليه الكفر، وثانيها أن معناه رجعت عليه نقصيته ومعصية تكفيره، وثالثها أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا ضعيف لأن المذهب الصحيح أنهم كسائر أهل البدع لا تكفر. قال القاري: هذا في حق غير الرافضة الخارجة في زماننا فإنهم يعتقدون كفر أكثر الصحابة فضلًا عن سائر أهل السنة والجماعة، فهم كفرة بالإجماع، قال: وخامسها فقد رجع إليه تكفيره وليس الراجع حقيقة الكفر، انتهى.","vol":"3","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>[باب في من يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله]</span>\nقوله [مهلًا لم تبكي] ترد عليهم حين الموت وغيره أحوال، فمنهم من مضى وهو في حال الخشية كعمر، ومنهم من انقضى وهو في حال الرجاء كهذا الصحابي فإنه لما علم ألمه على فراق أستاذه سلاه بأن وعد له بما يفيده في عقباه لينجبر بذلك باله، ولعله يستقل بذلك السرور الأخروي بلباله. قوله [فيخرج بطاقة] الظاهر (١) أن هذا الرجل كان مسلمًا ولم يعمل في عمره حسنة قط، ومات على غير توبة، وما قالوا أنه كان كافرًا فأسلم فيرده عرض السجلات مع أن الإيمان يمحو ما كان في الكفر، وكذلك ما قالوا أنه كلمة قالها عند الموت يرده (٢) أنه لا حسنة عنده مع أنه لو كان كذلك لكان له كلمة أخرى التي آمن بقولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>[باب افتراق هذه الأمة]</span>\nقوله [وتفترق أمتي (٣) على ثلاث وسبعين\n_________\n(١) قال القاري: يحتمل أن الكلمة هي أول ما نطق بها، ويحتمل أن تكون غير تلك المرة مما وقعت مقبولة عند الحضرة وهو الأظهر، ثم يحتمل أن تكون البطاقة وحدها غلبت السجلات، وهو الظاهر المتبادر، ويحتمل أن تكون مع سائر أعماله الصالحة لكن الغلبة ما حصلت إلا ببركة هذه البطاقة.\n(٢) قلت: لكنه موقوف على نفي الحسنة والحديث ساكت عنه، ويحتمل على ما تقدم عن القاري أن تكون الأعمال الباقية غير مقبولة غير الكلمة فإنها كانت في غاية من الإخلاص والقبول.\n(٣) قيل: يحتمل أمة الدعوة، فيندرج سائر المال الذين ليسوا على قبلتنا في عدد الثلاث والسبعين، ويحتمل أمة الإجابة، فيكون الملل الثلاثة والسجون منحصرة في أهل قبلتنا، والثاني هو الأظهر. ونقل الأبهري أن المراد أمة الإجابة عند الأكثر، هكذا في المرقاة، وقال الشيخ في البذل: المراد من هذا التفرق التفرق المذموم الواقع في أصول الدني، وأما اختلاف الأئمة في الفروع فليس بمذموم، بل هو من رحمة الله سبحانه، فإنك ترى أن الفرق المختلفة في الفروع كلها متحدة في الأصول، ولا يضلل بعضهم بعضًا، وأما المفترقون في الأصول فيكفر بعضهم بعضًا، وأما المفترقون في الأصول فيكفر بعضهم بعضًا، وأما العدد فيحمل على التكثير، ولو نظر إلى جميعها من الأصول والفروع فإنها تزيد على المآت، وأما لو نظر إلى أصول الفرق فيمكن أن يكون للتحديد، فإن الفرق المختلفة وإن تشعبت شعبهم ما يزيد على هذا القدر بكثير، ولكن أصولهم يبلغون هذا العدد، والأولى أن يقال: إن هذا العدد لابد أن يوفي ويبلغ بهذا المقدار، ولا ينقص منه، لكن لو زاد على هذا العدد فلا مضائقة فيه، انتهى.","vol":"3","page":356},{"text":"فرقة] الاثنان منهم بسبعين توافق اليهود حذو النعل بالنعل فوجب ضلالهم تتميمًا للمطابقة، وبقيت فرقة غير مطابقة لها وهي الناجية، ولذلك زادت على تلك بواحد.\nقوله [إن الله ﵎ خلق خلقه في ظلمة إلخ] (١)\n_________\n(١) بياض في الأصل بعد ذلك، وحاصل ما في الإرشاد الرضى أن تركيب الثقلين من القوتين: البهيمية والملكية، فتؤدي الأولى إلى الكفر والضلال والأخلاق الرذيلة، وترشد الثانية إلى الإيمان والهداية والأخلاق الفاضلة، فمعنى إلقاء النور تغليب القوة الملكية، فمن غلبت عليه هذه القوة اهتدى، ومن لا فلا، ولا ينافيه حديث «كل مولود يولد على الفطرة» لأن المولود في عالم الملكوت متلبسًا بالقوة الملكية، وبعد الولادة يغلب عليه التلبس بالقوة البهيمية، فلما كان عند الولادة قريب العهد بالملكوتية كان الغالب عليه القوة، فإن كان فائزًا قبل ذلك بإلقاء النور أي بغلبة القوة الملكية اهتدى، وإلا فأبواه يهودانه أو ينصرانه، انتهى مختصرًا. وقال القاري: إن الله خلق الثقلين لا الملائكة في ظلمة النفس الأمارة المجهولة بالشهوات فمن أصاب من نور الإيمان والمعرفة اهتدى ومن لا فلا، وقيل: المراد بالنور الملقى إليهم ما نصب من الشواهد والحجج، وما أنزل إليهم من الآيات والنذر، وقيل: المراد بالظلمة كالحسد والحرص وغيرهما من الأخلاق الذميمة، وبالنور التوفيق والهداية، وقيل: المراد بالظلمة الجهالة، وبالنور المعرفة، إلى آخر ما بسطه.","vol":"3","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>أبواب العلم عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله [من طلب العلم كان كفارة لما مضى] وأن تعلم ما يرد على طلبة العلوم من أحوال توجب ندمًا على ما فرط (١) في جنب الله أيام جهله، وخشية على ما فرط في ذلك الزمان من سوء صنيعه وفعله، أفلا ترى ذلك يبعثه على توبة صحيحة، ورجوعًا عن تلك الأفعال القبيحة، وليست التوبة إلا ذاك الانزجار والإقلاع عما عرف كبره من الأحوال والأوضاع، فلا تخصيص فيه على ذلك التقرير بالصغائر (٢) ولعل رحمة ربي تصفح عنها وعن الكبائر.\n_________\n(١) ضمائر الوحدة باعتبار كل واحدة إحاطة للأفراد، وما أفاده الشيخ موجه، ولا يبعد أن يكون سبب ذلك أن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء كما ورد.\n(٢) كما فعله المحشى والشراح ففي الحاشية: قال الشيخ في اللمعات: التكفير فيما عداه من الأعمال كالوضوء والصلاة إنما هو من الصغائر، وقد يكون من الكبائر كما في الحج، ويمكن أن يكون الحال في العلم كذلك، انتهى. لكن هذا خلاف ما قاله أهل التحقيق من أن الكبيرة لا يكفرها الصلاة والصوم، وكذا الحج، وإنما يكفرها التوبة الصحيحة لا غيرها، نقل ابن عبد البر الاجتماع عليه، وكذا قال القاضي عياض: إن ما في الأحاديث فهو في تكفير الصغائر فقط وهو مذهب أهل السنة، فإن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، ورحمة الله عز اسمه، انتهى. وقال القاري: قيل هذا الحديث مع ما فيه من الضعف يخالف الكتاب والسنن المشهورة في إيجاب الكفارات والحدود إلا إذا قلنا بالتخصيص يعني بالصغائر، وهو موضع بحث، والظاهر أن الكفارة مختصة بالصغائر، أو بحقوق الله التي ليس لها تدارك، أو يشمل حقوق العباد التي لا تدارك لها، ويمكن أن يكون المعنى أن طلب العلم وسيلة إلى ما يكفر به ذنوبه كلها من التوبة ورد المظالم.","vol":"3","page":359},{"text":"قوله [ثم كتمه] أي بعد (١) ما احتاج الناس إليه، ولم يكن في إظهاره مفسدة.\nقوله [فاستوصوا بهم خيرًا] أي أوصيكم الخير (٢) بهم فاقبلوا وصيتي فيهم.\n_________\n(١) وبذلك جزم عامة الشراح، قال القاري: هو علم يحتاج إليه السائل في أمر دينه. قال ابن حجر: ثم هاهنا استبعادية لأن تعلم العلم إنما يقصد لنشره ونفعه الناس، وبكتمه يزول ذلك الفرض الأكمل، فكان بعيدًا ممن هو في صورة العلماء والحكماء. قال السيد: هذا في العلم اللازم التعليم، كاستعلام كافر عن الإسلام ما هو، أو حديث عهد به عن تعليم صلاة حضر وقتها، أو كالمستفتي في الحلال والحرام، فإنه يلزم في هذه الأمور الجواب لا نوافل العلوم الغير الضرورية، وقيل: العلم هاهنا علم الشهادة، وتكلم بعض العلماء في هذا الحديث بأنه ضعيف، بل هو موضوع، وفي المقاصد الحسنة للسخاوي: حسنه الترمذي وصححه الحاكم، انتهى.\n(٢) هذا هو المشهور في معناه، وقيل: اطلبوا الوصية والنصيحة بهم من أنفسكم، فالسين للطلب والكلام من باب التجريد، أي ليجرد كل منكم شخصًا من نفسه ويطلب منه التوصية في حق الطالبين، ومراعاة أحوالهم، وقيل: الاستيصاء طلب الوصية من نفسه أو غيره بأحد أو بشيء، يقال: استوصيت زيدًا بعمرو خيرًا، أي طلبت من زيد أن يفعل بعمرو خيرًا، والباء في بهم للتعدية، وقيل: معناه مروهم بالخير، هكذا في المرقاة.","vol":"3","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>[باب في ذهاب العلم]</span>\nقوله [هذا أوان يختلس فيه العلم إلخ] أرى (١) النبي ﷺ وقت وفاته أو وقت انتزاع العلم رأسًا، كما يكون في آخر الزمان، والمراد على الأول إنما هو انتزاع ترقيه وفيضانه من الله سبحانه، كما كان في وقت النبي ﷺ، واختلاس الفيضان وقت وفاته ﷺ ظاهر، ثم لما علم انقطاع فيضانه علم انقطاعه رأسًا في وقت ما، لأن علم الصحابة أقل بكثير من علمه ﷺ، كما أن علم التابعين من علم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهلم جرًا إلى أن يأتي الزمان الذي بينه في هذا الحديث، وأيا ما كان فالمقصود أن العلم يأخذ في التقليل إلى أن ينتفي رأسًا.\nقوله [ثكلتك أمك إلخ] إنما كان لسؤال زياد وشبهته جوابان: الأول أن العلم بالكتاب كما هو مفاد الإقرار المبين في السؤال لا يلزمه فهم معانيه على وجه الصواب، والثاني أن العلم بالكتاب وإن سلم فهم معانيه أيضًا لا يلزمه العمل بمقتضاه فكان غير مفيد، إلا أن الجواب الأول كان فيه مساغ للسؤال والشبهة بأنه كيف يمكن علم الكتاب من غير فهمه، واستبعاد خلو الألفاظ عن الدلالة على المعاني غير مستبعد، فلذلك أجاب بتسليم أن يفهموا المعاني أيضًا بأن العلم إذا لم يقارن به العمل لا عداد به كأهل الكتاب فإنهم لما لم ينتفعوا بعلومهم ما كانوا إلا كالحمار يحمل أسفارًا، وبئس العلم علم لم ينتفع به العالم ولا غيره.\nقوله [من تعلم علمًا لغير الله] المراد به (٢) العلم الديني إذ هو العلم حقيقة.\n_________\n(١) وبالأول جزم الطيبي كما حكاه عنه القاري إذ قال: كأنه ﷺ لما نظر إلى السماء كوشف باقتراب أجله فأخبر بذلك، والمعنى الثاني أظهر بألفاظ الحديث إذ نفي العلم بالكلية حتى لا يقدروا منه على شيء.\n(٢) ويؤيد ذلك ما في المشكاة برواية أبي داود وغيره عن ابن عمر وأبي هريرة مرفوعًا: من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، الحديث.\nوإلى هذ المقام انتهت مسودة الإرشاد الرضى وهو أنفع تقرير لطالبي الحديث لكونه في اللسان الهندية، فيا للأسف على اختتامه، وإلى الله المشتكى، نضر الله جامعه ومسوده رحمه الله تعالى رحمة واسعة، فقد توفي في يوم السرور يوم العيد من السنة الماضية ١٣٥١ هـ، وكان شريك الدرس لوالدي المرحوم، وكان ذكيًا أديبًا لبيبًا طبيبًا حافظًا للقرآن ماهرًا في العلوم العقلية والنقلية، وذكرته في هذه الحواشي بالإرشاد الرضى مشيرًا إلى اسم الجامع والشيخ كليهما نفع الله به طلبة الحديث.","vol":"3","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-749>[باب في الحث على تبليغ السماع]</span>\nقوله [قلنا: ما بعث إليه هذه الساعة إلخ] وبذلك يعلم أنهم كانوا لا يعتادون الدخول على الأمراء إلا بعد طلبهم، وتقدير العبارة هكذا: ما بعث مروان إلى زيد بن ثابت رسوله إلا ليسأل عنه مروان عن شيء. قوله [نعم سألنا عن أشياء] وكان يرد عليه أنه كيف سارع إلى باب الأمير هذه الساعة ولم يؤخره إلى غير ذلك الوقت اعتذر عنه بأنا مأمورون بالتبليغ فلا نؤخره، فقال: سمعت رسول الله ﷺ نضر الله إلخ، وأما ما سأله عنه مروان فغير مبين في هذا الحديث.\nقوله [فرب حامل فقه إلى من هو أفقه] لفظ الحديث مشعر بأن الرواة في رواياتهم ثلاثة أقسام: فقيه، وأفقه، وغير فقيه، أما الأول فثابت بقوله إلى من هو أفقه منه، فإن استعمال أفعل التفضيل في المحمول إليه ينبئ عن كون الحامل متصفًا بالفقاهة، وإن كان أدون من المحمول إليه فيها، وأما الأفقه فباستعمال (١) «رب» في قوله رب حامل فقه، فإن مفهومه أن كثيرًا من حاملي الفقه أفقهون من المحمولين إليهم، ثم صرح بالقسم الثالث فيما بعد بأن من الحامل من ليس بفقيه.\n_________\n(١) فإن كون الحامل وهو الشيخ أفقه من المحمول إليه وهو التلميذ ظاهر، ولذا لم يذكره نصًا، وأما عكسه وكذا كون الحامل غير فقيه كانا خفيين، ولذا ذكرهما بلفظ رب الذي أصله التقليل.","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>[باب فيمن روى حديثًا وهو يرى أنه كذب]</span>\nقوله [وهو يرى أنه كذب] بصيغة المجهول (١) بمعنى يظن. قوله [فهو أحد الكاذبين] إن كان بلفظ الجمع فظاهر أنه منهم، وإن كان مثنى فقيل: المراد بهما مدعيا الرسالة: مسيلمة، والعنسي، وقيل: أحدهما الواضع، وثانيهما الناقل، أي هما متساويان في الوزر، وهذا إذا لم يبين وضعه، وأما إذا بين وضعه فلا وزر في النقل.\nقوله [إذا روى الناس حديثًا مرسلًا إلخ] هذا كالبدل من الذي قبله وبيان له، فكأن المؤلف مثل لأستاذه الخطاء الذي كان ذكره في سؤاله حيث قال: وهو يعلم أن إسناده خطاء. قوله [بين حديث محمد بن المنكدر] أي فصله عنه فرفعه (٢) ووقف في الإسناد الثاني.\n_________\n(١) قال القاري: روى بضم الياء من الإراءة أي يظن، وبفتحها من الرأي أي يعلم، والكاذبين جمع باعتبار كثرة النقلة. قال الأشرف: سماه كاذبًا لأنه بعين المفتري ويشاركه بسبب إشاعته، فهو كمن أعان ظالمًا على ظلهم. قال النووي: يرى ضبطناه بضم الياء والكاذبين بالجمع، هذا هو المشهور في اللفظين، وقال عياض: الرواية عندنا على الجمع، ورواه أبو نعيم الأصفهاني في المستخرج من حديث سمرة على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يشارك البادي بهذا الكذب،. وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من يرى بمعنى يعلم وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء فمعناه يظن، ويجوز أن يكون الفتح بمعنى يظن أيضًا، فقد حكى رأي بمعنى ظن، وقيل: إنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه أو يظنه كذبًا، وأما ما لا يعلمه ولا يظنه فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذبًا أو علمه، انتهى.\n(٢) هكذا في المنقول عنه، والظاهر في محله فأرسله وأوصل الإسناد الثاني، فتأمل. ولو صح ذاك من كلام الشيخ فلعله تجوز فإنهم يتجوزون في هذه الإطلاقات، قال السيوطي في التدريب: قال ابن الصلاح: من جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابل المرسل حيث يقولون: رفعه فلان وأرسله فلان فقد عني بالمرفوع المتصل، انتهى والأريكة السرير المزين بالحلل والأثواب في قبة أو بيت كما لعروس يعني الذي لزم البيت وقعد عن طلب العلم، وقيل: المراد بهذه الصفة الترفه والدعة، كما هو عادة المتكبر المتجبر القليل الاهتمام بأمر الدين، هكذا في المرقاة.","vol":"3","page":363},{"text":"[كتاب في كراهية كتابة العلم] قوله [فلم يأذن لنا] بوجهين لئلا يختلط كتاب الله بكتاب رسوله وأحاديثه بآياته، ولئلا يتكلوا على الكتابة فيقل الحفظ والضبط، ثم لما حصل الأمن من الشيئين معًا رخص (١) لهم في الكتابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>[باب الرخصة في ذلك]</span>\nقوله [أكتبوا لي يا رسول الله!] من نصر (٢) والإسناد مجازي.\nقوله [أكثر (٣) حديثًا عن رسول الله ﷺ مني] كونه اكثر حديثًا منه لا يستلزم كثرة (٤) روايته نسبة إلى روايات أبي هريرة فلا يرد أن روايات\n_________\n(١) ولذا استقر الإجماع على جواز الكتابة بعد ما كانت المسألة خلافية، كما بسطت في مقدمة الأوجز مع ذكر دلائل الفريقين وأقوال المحققين.\n(٢) والمراد بالقصة التي أشار إليها المصنف هي خطبة النبي ﷺ التي خطب بها في فتح مكة، ذكره أبو داود في تحريم مكة مختصرًا.\n(٣) وسيأتي في المثاقب ما أفاده الشيخ أن ذلك قبل القصة التي وقعت لأبي هريرة من سؤاله رسول الله ﷺ أن لا ينسى حديثه، فلا يرد على الحديث أنه إذا لم ينس حديثًا فالكتابة وعدمها سواء في حقه.\n(٤) فإن مرويات أبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وأربعة وسبعون حديثًا، ولعبد الله بن عمرو بن العاص سبع مائة حديث، وقال أبو نعيم الأصبهاني: روى من المتون سوى الطرق نيفًا وخمس مائة حديث، كذا قال ابن الجوزي في التلقيح، وقريب منه ما في الحاشية عن المجمع، وحاصل جواب الشيخ أن كونه صاحب روايات كثيرة لا يلزم منه وجود كثرة مروياته، وبين وجهه في الحاشية عن المجمع أن أبا هريرة استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة، وعبد الله بن عمرو سكن مصر، والواردون إليه قليلة.","vol":"3","page":364},{"text":"أبي هريرة ﵁ كثيرة نسبة عن رواياته.\nقوله [بلغوا (١) عني ولو آية] بمعنى قطعة من الكلام فيعم الكتاب والحديث، أو كما قال في الحاشية (٢) والتحديث عن بني إسرائيل وسماع\n_________\n(١) ولفظها بلغوا عني يحتمل وجهين: أحدهما أن يراد إيصال السند بنقل العدل الثقة عن مثله إلى منتهاه، لأن التبليغ من البلوغ وهو انتهاء الشيء إلى غايته، وثانيهما أداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير، والمطلوب في الحديث كلا الوجهين لوقوع قوله: بلغوا عني مقابلًا لقوله: حدثوا عن بني إسرائيل.\n(٢) ولفظها: قوله: ولو آية الظاهر أن المراد آية القرآن، أي ولو كانت آية قصيرة من القرآن، والقرآن مبلغ عن رسول ﷺ لأنه الجائي به من عند الله، ويفهم منه تبليغ الحديث بالأولى، فإن القرآن مع انتشاره وتكفل الله بحفظه لما أمرنا بتبليغه فالحديث أولى به، انتهى. وقال القاري: قوله ولو آية، أي ولو كان المبلغ آية، وهي في اللغة العلامة الظاهرة. قال زين العرب: وإنما قال آية لأنها أقل ما يفيد في التبليغ، ولم يقل حديثًا لأن ذلك يفهم بالطريق الأولى، لأن الآيات إذا كانت واجبة التبليغ مع انتشارها، وكثرة حملتها لتواترها، وتكفل الله تعالى بحفظها، فالحديث أولى بالتبليغ، وإما لشدة اهتمامه ﷺ بنقل الآيات لبقائها من سائر المعجزات، ولمساس الحاجة إلى ضبطها ونقلها إذ لابد من تواترها، قال القاري: والثاني أظهر، وقال المظهر: المراد بالآية الكلام المفيد نحو من صمت نجا، أي بلغوا عن أحاديثي ولو كانت قليلة، فإن قيل: لم قال آية ولم يقل ولو حديثًا مع أنه المراد؟ قلنا: لوجهين أحدهما أنه أيضًا داخل في هذا الأمر لأنه ﷺ مبلغهما، والثاني أن طباع المسلمين مائلة إلى قراءة القرآن، وتعلمه وتعليمه ونشره، انتهى.","vol":"3","page":365},{"text":"كلامهم كان منهيًا عنه في أول الإسلام، ثم لما حصل الأمن من أن يلتبس كلامهم بكلامه ﷺ لشيوع أحاديثه، ولم يخف عليهم أن يحصل لهم ريبة في دينهم بسماع الكتب السماوية الأخر التي خرف أحبارهم أكثرها رخصوا في ذلك (١).\nقوله [ومن كذب علي إلخ] مناسبته بما تقدم ظاهرة، فإن التحديث عن مواضع متعددة يوجب الالتباس في البيان والنسبة فوجب الاحتياط بذلك الترهيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>[باب ما جاء الدال على الخير كفاعله]</span>\nأي مشارك له في نفس الثواب لأن العمل فرع العلم (٢)، فقام العامل بأحدهما كما قام العالم بالآخر، وأما في قدر الثواب فلا.\n_________\n(١) قال القاري: الحرج الضيق والإثم، وهذا ليس على معنى إباحة الكذب عليهم، بل دفع لتوهم الحرج في التحديث عنهم، وإن لم يعلم صحته وإسناده لبعد الزمان، هكذا في شرح السنة، وتبعه زين العرب، وأشار إليه المظهر، وهو مقيد بما إذا لم تر كذب ما قالوه علمًا أو ظنًا، قال السيد جمال الدين: ووجه التوفيق بين النهي عن الاشتغال بما جاء عنهم، وبين الترخيص المفهوم من هذا الحديث أن المراد بالتحدث هاهنا التحدث بالقصص من الآيات العجيبة كحكاية قتل نبي إسرائيل أنفسهم في توبتهم، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، لأن في ذلك عبرة وموعظة، وأن المراد بالنهي هناك النهي عن نقل أحكام كتبهم لأن جميع الشرائع منسوخة بشريعة نبينا ﷺ، انتهى.\n(٢) أشار الشيخ بذلك إلى وجه مناسبة ذكر المصنف هذا الباب في كتاب العلم، فإن بيان العالم المسألة لأحد يعمل بها داخل في ذلك.","vol":"3","page":366},{"text":"قوله [اشفعوا ولتوجروا وليقضي الله إلخ] بلام الأمر وفيه تأكيد نسبة بقوله اشفعوا توجروا.\nقوله [سن القتل إلخ] سن وأسن لغتان صحيحتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>[باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة]</span>\nقوله [إن هذه موعظة مودع] كانوا قد (١) علموا بقرائن تقتضي ذلك، كنزول ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وبعض بيانات النبي ﷺ أنها قد حانت ساعة الفراق، فسأل السائل ولم يفعل بأسًا، أو المراد أنها كموعظة مودع فحذف حرف التشبيه كما تحذف كثيرًا، كما في قوله أسد، وفي قوله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ الآية على أحد التوجيهات المذكورة فيها.\nقوله [فماذا تعهد إلينا إلخ] هذا يحقق أن المراد حقيقة الوداع لا التشبيه.\nقوله [وسنة الخلفاء الراشدين] والجمع المحلى باللام تبطل جمعيتها، فليس بلازم (٢) إلا أن يوافق سنة أحد منهم أيا ما كان.\n_________\n(١) وبكلا الاحتمالين فسر الحديث القاري إذ قال: قوله موعظة مودع بالإضافة، فإن المودع بكسر الدال عند الوداع لا يترك شيئًا مما يهم المودع بفتح الدال، أي كأنك تودعنا بها لما رأى من مبالغته ﷺ في الموعظة، ويمكن أن يقال: لما رأى تأثيرًا عجيبًا من موعظته في الظاهر والباطن بحيث أدى إلى البكاء، فشبه موعظته بموعظة المودع من حيث التأثير والبكاء، أو لكمال التأثير توهموا أنه يعقبه الزوال، انتهى.\n(٢) يعني لم يقصد فيه معنى الجمعية، فلا يراد منه السنن التي اتفقت وأجمعت عليه الخلفاء كلهم، بل المراد سنتهم ولو سنة أحد منهم أيًا من كان، ثم قال القاري: هم الخلفاء الأربعة ﵃ أجمعين لأنهم أفضل الصحابة، وواظبوا على استمطار الرحمة من السحابة النبوية، وخصهم الله ﷿ بالمراتب العلية، أنعم الله عليهم بمنصب الخلافة العظمى والتصدي إلى الرياسة الكبرى، لإشاعة الدين وإعلاء أعلام الشرع المتين، فخلف الصديق بإجماع الصحابة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، لحلمه ووقاره، وسلامة نفسه ولين جانبه، والناس متحيرون والأمر غير ثابت، فحمى بيضة الدين ورفع غوائل المرتدين، وجمع القرآن وفتح بعض البلدان، ثم استخلف الفاروق لأن الأمر مستقر، والقوم مطيع والفتن ساكنة، فرفع رايات الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وفتح أكثر أقاليم الأرض لأنه كان في غاية الصلابة، ومتانة الرأي وحسن التدبير، وخلافته عشر سنين وستة أشهر وعشر ليال، ثم بويع لعثمان لشوكة أقاربه وبسط أيدي بني أمية في حكومة الأطراف، فلو نصب غيره لوقع الخلاف، فأظهر في مدة اثنتي عشرة سنة مساعي جميلة، وجمع الناس على مصحف واحد، ثم بويع بعده لعلي لأنه أفضل الصحابة بعدهم، وقال التوربشتي: أما ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأنه علم أنهم لا يخطئون فيما يستخرجون من سنته، أو أن بعضها ما اشتهر إلا في زمانهم، وليس المراد انتفاء الخلافة عن غيرهم حتى ينافي قوله ﷺ: يكون في أمتي اثنا عشر خليفة، بل المراد تصويب رأيهم وتفخيم أمرهم، وقيل: هم ومن على سيرتهم من أئمة الإسلام المجتهدين في الأحكام، فإنهم خلفاء الرسول في إرشاد الخلق، وإعلاء الدين، انتهى.","vol":"3","page":367},{"text":"قوله [اعلم قال: أعلم] معناه على الاستقبال (١) فإن صيغة المضارع تحتمل الحال والاستقبال بقرينة قوله ﵇: اعلم، وهو أمر معناه الفعل في الاستقبال فجوابه إني أفعل فعل العلم على حسب أمرك يا رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) توجيه لطيف للسياق الموجود في النسخ التي بأيدينا، ومعناه سأحصل العلم بما تقوله، يعني إرشاد فرماتي مين جان لونكا، قلت: ويحتمل أن يكون أمرًا من الإعلام، أي أخبرني، وهذا كله على سياق النسخة الأحمدية، وأما على سياق النسخة المصرية فلا حاجة إلى التوجيه، ولفظها: إن أن النبي ﷺ قال لبلال بن الحارث: اعلم، قال: ما أعلم يا رسول الله! قال: أعلم يا بلال، قال: ما أعلم يا رسول الله! الحديث، وعلى هذا فما بين أيدينا إما من تحريف الناسخ أو اختصار من أحد رواة الترمذي، وبنحو النسخة المصرية ذكره المنذري في الترغيب، وهكذا في المجتبائية بدون التكرار بلفظ: إن النبي ﷺ قال لبلال بن الحارث: اعلم، قال ما أعلم يا رسول الله! قال من أحي سنة، الحديث.","vol":"3","page":368},{"text":"قوله [هو مصيصي] نسبة إلى مصيصة بفتح الميم وكسر الصاد مخففة (١).\nقوله [ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين] يعني بذلك إمكان اللقاء بينهما لاتحاد عصرهما.\nقوله [أن يضرب الناس أكباد الإبل] وضرب الأكباد كناية عن طول السفر لما في أسفارهم من قلة في الماء فييبس (٢) بذلك كبده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>[باب في فضل الفقه على العبادة]</span>\nقوله [فإني سمعت رسول الله ﷺ] يحتمل أن يكون هذا هو الحديث المسئول عنه، والظاهر أنه غيره وإنما ذكر هذا الحديث بشارة له، وإظهارًا لفضيلة طلب العلم.\nقوله [كفضل القمر على سائر الكواكب] فيه إشارة إلى أن المعتبر من العلم ما وافق الكتاب والسنة، فإن القمر نوره مستفاد من نور الشمس، وليس\n_________\n(١) بياض في المنقول عنه بعد ذلك، ولعل الشيخ أراد أن يذكر الاختلاف في ضبط هذه النسبة فلم يتفق له، وقال المجد: المصيصة كسفينة القصعة وبلدة بالشام، ولا تشدد، وقال السمعاني في الأنساب: المصيصي بكسر الميم والتحتانية بين الصادين المهملتين الأولى مشددة نسبة إلى بلدة كبيرة على ساحل بحر الشام يقال لها المصيصة، وقد استولى الفرنج عليها، واختلف في اسمها، والصواب الصحيح المشدد بكسر الميم.\n(٢) والضرب يستعمل استعمال الأفعال العامة، وقال صاحب المجمع: ضرب الأكباد كناية عن السير السريع لأن مريده يضرب كبده برجله.","vol":"3","page":369},{"text":"من عنده، فكذلك يجب أن يكون نور العلم في العالم مستفادًا من نور شمس الرسالة، وأيضًا ففيه إشارة إلى أن أحدًا من أفراد الأمة وإن كان غاية في العلو فلا يساوي نبيه فإن ما فيه من الأنوار مستفاد من الغير وعرض له وبالواسطة، وهو إصالة وبالذات لنبيه، فكان أدون منه.\nقوله [حسن سمت (١) ولا فقه في الدين] والسبب في ذلك منة الله\n_________\n(١) قال القاري: أي خلق وسيرة وطريقة، وقال الطيبي: هو التزيي بزي الصالحين، وقال ميرك: السمت بمعنى الطريق أعني المقصد، وقيل: المراد هيئة أهل الخير، والأحسن ما قاله ابن حجر أنه تحرى طرق الخير، والتزيي بزي الصالحين مع التنزه عن المعائب الظاهرة والباطنة، وقوله: ولافقه عطف بلا لأن حسن سمت في سياق النفي، فلا لتأكيد المنفى المساق. قال التوربشتي: حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان، فأفاد العمل، وأورث الخشية والتقوى، وأما الذي يتدارس أبوابًا منه ليتعزز به ويتأكل به فإنه بمعزل عن الرتبة العظمى، لأن الفقه تعلق بلسان دون قلبه، قيل: ليس المراد أن إحداهما قد تحصل دون الأخرى، بل هو تحريض للمؤمنين على الاتصاف بهما، والاجتناب عن أضدادهما، وهو من باب التغليظ، انتهى. قلت: لا شك أن كمال الفقه ما يورث الخشية والتقوى، فقد قال النبي ﷺ: من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين، قال القاري: أي أحكام الشريعة والطريقة والحقيقة، ولا يختص بالفقه المصطلح المختص بالأحكام الشرعية العملية، فقد روى الدارمي عن عمران قال قلت للحسن يومًا في شيء قاله: يا أبا سعيد هكذا يقول الفقهاء، قال: ويحك هل رأيت فقيهًا قط، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه المداوم على عبادة ربه، انتهى. لكن المراد في حديث الباب هو المعنى المصطلح المختص بالأحكام الشرعية كما يظهر من كلام الشيخ، ويدل عليه العطف وأصله المغائرة، ولفظ يجتمعان بالتثنية.","vol":"3","page":370},{"text":"على عباده ودفع أنواع المفاسد عن بلاده، وهو أن عادة الله جارية بأن الخلق تتبع حسن الفعال وإن لم يكن فقيهًا، وكذلك كثيرًا ما يرجعهم إليه المقرر واللسن وإن لم يكن متورعًا متصفًا بحسن السمت، وأما إذا جمع المرأ هذين الوصفين فهو غاية في كونه مرجعًا للأنام ومعتقدًا للخواص والعوام، فأما إذا فقه ولم يتورع ولم يجتهد في الطاعة فأكثر الناس يعرضون عنه، ويقولون فلان ليس بشيء، أما ترى أنه يرتكب كذا وكذا من المعاصي، وكذلك إذا تورع واجتهد في إتيان العبادات والحسنات واجتناب المعاصي والسيئات، فإنهم إذا لم يكن مع ذلك فقيهًا يقولون فيه: إنما هو جاهل مطلق لاحظ له من العلم، أفترى أنه يصل إلى مقام، وإنه لا يحسن مسألة عن الزكاة، ما هو إلا مدحرة الشيطان، لا يعتمد بصلاته ولا بصيامه، ولا بركوعه وسجوده وقيامه، إلى غير ذلك، فلذلك لم يوفق الله لهذين منافقًا.\nقوله [والآخر عالم (١)] أي ليس يشتغل بنوافل الصيام والصلاة وإنما\n_________\n(١) حكى صاحب المجمع عن الشيخ على المتقي: اتفق المحققون على أن أفضل الأعمال ما ينفع بعد موته، كالباقيات الصالحات الوارد في الكتاب العزيز، والسبعة الواردة في الحديث من تعليم، وإجراء نهر، وحفر بئر، وغرس نخل، وبناء مسجد، وترك مصحف أو ولد، قال: ونشر العلم أفضلها فإنه أبقى، إذ مثل النخل والبئر ينمحي بعد مدة، والعلم يبقى أثره إلى يوم الدين، قال: وله أسباب كتدريس، ووقف كتاب وإعارته، وإعطاء كاغذ، أو مداد، أو قلم، والعمدة فيه تعليم","vol":"3","page":371},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nعامي أو صبي الهجاء حتى يتفرع علوم جمة، كغرس شجرة يتفرع عليه أغصان وأثمار، ومما يدل على فضل التعليم والتعلم حديث فضل عالم يصلي المكتوبة ثم يجلس. الحديث، وغير ذلك من الروايات، قال: ثم رأيت كثيرًا من الجهاد المتصوفة يدعون سلوك الطريق إلى الله، وهم ليسوا عليها، وينكرون التعلم والتعليم ويمنعون أصحابهم عنهما، كأنهم أعداء العلم والعلماء، ولا يعلمون أنه يضر بإيمانهم، ويحتجون بكون النبي ﷺ أميًا ولا يعرفون أنه صاحب وحي ومعدن علم، وربما يحصل الجاهل بشغل ذكر أو اسم بعض صفاء، فيغتر ولا يدري أن له آفات بغير علم كالحلول والاتحاد، وربما يحتج بعض الجهال بقول المشايخ: العلم حجاب الله الأكبر، ولا يدري أنه حجة عليه فإن مثله بترك العلم بهذا كمثل من عشق شخصًا فأخبر بأنه وراء جدار فيقول: الجدار حجاب فيتركه، فانظر هل أحد أحمق منه، وكان يجب عليه أن يقطع الجدار، ويصل إلى المحبوب، وإنما وصفوه بالحجاب الأكبر لأنه يحتاج في قطعه إلى مشقة شديدة، كما قال أبو يزيد: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت أشد من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبت، وأيضًا إنما يكون حجابًا لمن طلبه للتفاخر وحطام الدنيا، وأيضًا مثل من ترك العلم كشخص يدعي محبة أحد فأرسل المحبوب إليه كتابًا يتضمن طريق وصوله إليه، وهو يطرح الكتاب ويظن أنه حجاب، فلا شك أنه ينسب إلى الحق، فالقرآن والحديث وعلوم الدين تعرف طريق الوصول إلى الله. ثم اعلم أن العلم ظاهر وباطن، وللظاهر مقدمات كالفنون العربية، ومقاصد كالتفسير والفقه والحديث، والباطن علم الأخلاق كالإخلاص والتوكل والتواضع وغيرها، وضدها كالكبر ونحوها، وكل منها إما فرض عين أو فرض كفاية، ويطلب كل ذلك من مظانه، وبالله التوفيق، انتهى.","vol":"3","page":372},{"text":"وقته بعد أداء الفرائض والسنن الرواتب مشغول في تعلم العلوم وتعليمها، إذ لو لم يأت بهذا القدر من العبادة لكان فاسقًا، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.\nقوله [حتى يكون منتهاه الجنة] أي حتى الموت، فإن منتهى تحصيله العلوم إنما هو الموت لكنه عبر عنه بالجنة لما أن قبر المؤمن روضة من رياضها.\nقوله [ضالة المؤمن] فإن (١) النفوس قد جبلت على الفطرة، وهي مبدأ لكل خير ومنشأ لكل حسنة، لكن كثافات البهيمية والدار الدنيوية منعتها عن ملاحظة تلك الفضائل فنسجت عليها عناكب الذهول والنسيان، ولكن كلما وقف عليها باطلاع من غيره أيًا ما كان فهو أحق بها لأنها كانت له، وإنما ذهبت من عنده لسوء اختياره وقلة تحفظه وتذكاره.\n_________\n(١) لله در الشيخ ما أجاد في توجيه إطلاق الضالة على الحكمة، وهذا أوجه مما ذكرت الشراح من التوجيهات، قال القاري: قوله ضالة الحكيم، أي مطلوبه، قال السيد جمال الدين: يعني أن الحكيم يطلب الحكمة، فإذا وجدها فهو أحق بها، أي بالعمل بها واتباعها، أو المعن أن كلمة الحكمة ربما تفوه بها من ليس لهاها بأهل، ثم وقعت إلى أهلها فهو أحق بها من قائلها من غير التفات إلى خساسة من وجدها عنده، أو المعنى أن الناس يتفاوتون في فهم المعاني فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك الحقائق على من رزق فهمًا، كما لا ينازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها، أو كما أن الضالة إذا وجدت مضيعة فلا تترك، بل تؤخذ ويتفحص عن صاحبها حتى ترد عليه، كذلك السامع إذا سمع كلامًا لا يفهم معناه ولا يبلغ كنهه، فعليه أن لا يضيعه وأن يحمله إلى من هو أفقه منه، فلعله يفهم أو يستنبط منه ما لا يفهمه، أو كما أنه لا يحل منع صاحب الضالة عنها فإنه أحق بها، كذلك العالم إذا سئل عن معنى لا يحل له كتمانه إذا رأى في السائل استعدادًا لفهمه، انتهى.","vol":"3","page":373},{"text":"أبواب الاستيذان (١) والآداب عن رسول الله ﷺ\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>[باب في إفشاء السلام]</span>\nقوله [لا تدخلوا الجنة] لعله نفي بصيغة النهي وهكذا قوله (٢) [لا تؤمنوا] والمراد بهما معناهما الإخباري لا الإنشائي، أو يقال: إن العرب تعامل بالنون معاملة حرف العلة فتحذفها تحقيقًا كما في قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وقول الشاعر «ألم يك بيننا بلد بعيد» ثم قوله: لا تدخلوا\n_________\n(١) قال القاري: بسكون الهمزة، ويبدل ياء، معناه طلب الإذن والأصل فيه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآيات، قال الطيبي: وأجمعوا على أن الاستيذان مشروع، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام أو الاستيذان، والصحيح تقديم السلام، فيقول: السلام عليكم أدخل، انتهى.\n(٢) وبذلك جزم القاري إذ قال بعد البسط في اختلاف النسخ: لعل الوجه أن النهي قد يراد به النفي كعكسه المشهور عند أهل العلم، وقال أيضًا: ولعل حذف النون للمجانسة والازدواج، والمعنى لا تؤمنون إيمانًا كاملًا حتى تحابوا بحذف إحدى التائين وتشديد الموحدة المضمومة، أي حتى يجب كل منكم صاحبه، انتهى.","vol":"3","page":374},{"text":"الجنة حتى تؤمنوا، هذه بديهية الثبوت مسلمة الفرق كلها، بقى الكلام في المقدمة التالية لها فنقول: لا ريب في أن الإيمان يوجب الحب بالإيمان، ثم بواسطته مودة المؤمنين والإخلاص معهم، ثم لذلك عوارض وموانع خارجية توجب زيادة تلك المودة أو نقصانها، ولذلك قلنا: لو قتل المؤمن من حيث إيمانه فحسب كفر لكونه ارتكب ما هو مأمور بخلافه، فعلم بقتله أنه ليس له المحبة بالإيمان في درجة من الدرجات لا قليلة ولا كثيرة، وعلى هذا فوجب السعي في ازدياد هذه المودة التي هي مناط الإيمان الموقوف عليه دخول الجنة، فلذلك قال النبي ﷺ: ألا أدلكم على أمر لو إلخ.\nقوله [فقال النبي ﷺ عشر] فإن الحسنة بعشر أمثالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>[باب في أن الاستيذان ثلاث]</span>\nقوله [فقال عمر واحدة] لعله رضي الله تعالى عنه كان (١) مشتغلًا في مهم له فأراد أن يدعوه إذا فرغ منه، فلم يفرغ منه إلا وقد ذهب أبو موسى لما لم يسمع بالأذن، وكان عمر رضي الله تعالى عنه مع اشتغاله بما كان قد كان تنبه بندائه حتى قال لغيره: إنه استأذن مرة واحدة، ويمكن أن يقال: إنه رضي الله تعالى عنه أراد أن يعمل بالسنة كما كان النبي ﷺ\n_________\n(١) كما ذكره الحافظ من رواية للبخاري أن أبا موسى استأذن على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له، وكأنه كان مشغولًا فرجع أبو موسى ففزع عمر، الحديث، وفي رواية لمسلم عنه قال: استأذنت على عمر أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئت اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك، وجمع الحافظ بين مختلف ما روى عنه في هذا بأن عمر لما فرغ عن الشغل الذي كان فيه سأل عنه، فأخبر برجوعه، فأرسل إليه فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني.","vol":"3","page":375},{"text":"فعل معه حيث إذن له بالدخول بعد ما استأذنه ثلاثًا، إلا أن أبا موسى لم يصبر بعد الثلاث فراح، فلما علم عمر ﵁ بذهابه رده، وطلب منه العذر في الذهاب، فلو قال أبو موسى: إنه بدا لي أن أرجع لم يك له عليه سبيل، لكنه قال: عملت السنة أو امتثلت السنة، طلب منه شاهدًا على كون ذلك سنة، لا لأن عمر ﵁ لم يكن يعتبر خبر الواحد كما زعمه (١) بعضهم، بل لما أن أبا موسى قد كان اتهم إذ ذاك، فإنه وإن كان صحابيًا إلا أنه لم يك معصومًا، فلعله قال ذلك خشية من الصولة العمرية، أو اجتهد برأيه فعبر عنه بالسنة لثبوته منها، ولئلا يجترئ كل أحد على بيان الحديث إذا رأى أمثال هؤلاء الكرام الموثوقين بم يطلب منهم البينة، وبذلك يعلم أن شهادة المتهم غير مقبولة، وأن الاستيثاق في الأخبار مستحسن.\nقوله [ألستم أعلم الناس] أي من أعلم الناس، أو المراد بالناس أكثرهم ممن لم يك ملازمًا له ﷺ.\n_________\n(١) قال القاري: إنما أمره بذلك ليزداد فيه وثوقًا، فالعلمان خير من علم واحد لا للشك في صدق خبره عنده، وقال الطيبي: تعلق بهذا الحديث من يقول لا يحتج بخبر الواحد، وهو باطل، فإنهم أجمعوا على الاحتجاج بخبر الواحد، ووجوب العمل به ودلائلهم أكثر مما تحصى، وأما قول عمر فليس معناه رد خبر الواحد لكن خاف مسارعة الناس إلى القول على النبي ﷺ بما لم يقل، كما يفعله المبتدعون والكذابون، وكذا من وقع له قضية وضع فيها حديثًا على النبي ﷺ، فأراد سد الباب لا شكًا في روايته، ومما يدل على أنه لم يرد خبره لكونه خبرًا واحدًا أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خبر واحد، وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر، لأن ما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد، انتهى.","vol":"3","page":376},{"text":"قوله [ما أصابك إلخ] لأني أرويها كما ترويها، وكان مزاح (١) الصحابة ﵃ مثل أن قالوا: الآن فتضرب يا أبا موسى، إلا أن أبا سعيد كان أصغرهم فلم يكن ليسيء الأدب معه ﵁.\nقول [وعليك أرجع (٢) إلخ] فعلم (٣) جواز الرد بتلك الكلمة أيضًا.\n_________\n(١) قال الحافظ: وفي رواية أبي نضرة فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: الاستئذان ثلاث؟ قال: فجعلوا يضحكون، فقلت: أتاكم أخوكم وقد أفزع فتضحكون، انتهى.\n(٢) بصيغة الأمر، وما أشار إليه المصنف من طول الحديث هو حديث مشهور في كتب الأحاديث بقصة صلاة المسيء، أخرجه أصحاب الروايات مختصرًا ومطولًا، واستدل به الفقهاء على واجبات الصلاة من الاعتدال وغيره.\n(٣) لكن يشكل عليه أن الوارد في أكثر طرق هذا الحديث من روايات الصحاح: البخاري وأبي داود وغيرهما بلفظ: عليك السلام بتمام الكلمة، فالظاهر أن الاقتصار على قوله: وعليك من تصرف النساخ، نعم قال الحافظ بعد ما بسط الروايات في الرد على الذي بلفظ عليك أو وعليك: استدل به على أن هذا الرد مخصوص بالكفار فلا يجزئ في الرد على المسلم، وقيل: إن أجاب بالواو أجزأ وإلا فلا، وقال ابن دقيق العيد: إنه كاف في حصول معنى السلام لا في امتثال الأمر في قوله ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وكأنه الذي بغير واو، أما الذي بالواو فقد ورد في عده أحاديث منها في الطبراني عن ابن عباس جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: سلام عليكم فقال: وعليك ورحمة الله، وله في الأوسط عن سلمان: أتى رجل فقال: وعليك، قال الحافظ: لكن ما اشتهرت هذه الصيغة للرد على غير المسلم ينبغي ترك جواب المسلم بها، وإن كانت مجزئة في أصل الرد، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: قال النووي: اتفق أصحابنا أن المجيب لو قال عليك بغير واو لم يجز، وإن قال بالوا فوجهان، انتهى. قلت: وقد أخرج أبو داود: ولا غرار في صلاة ولا تسليم، وفسر بوجوه منها ما في المجمع: غرار التسليم قول المجيب وعليك ولا يقول السلام، انتهى.","vol":"3","page":377},{"text":"قوله [أولاهما بالله] ومع ذلك فقد أذن النبي ﷺ بما هو أدب كما سيجيء من أن الراكب يسلم على الماشي الحديث، فعلم أن محمل الحديث الآتي (١) هو ما إذا التقيا.\n_________\n(١) الظاهر أن فيه سقوطًا من الكاتب لأن ما أفاده الشيخ هو محمل حديث الباب عند الشراح لا محمل الحديث الآتي، ويمكن أن يكون رأي الشيخ خلافًا للشراح، فيكون معنى كلامه أن مقتضى الحديث الاتي هو التفصيل وهو الأدب، لكن مع ذلك لو بدأ من ليس عليه البداية كان أكثر أجرًا لحديث الباب، ويمكن تأويل كلام الشيخ إلى الشراح أيضًا بأن يراد بالحديث الآتي هو هذا الحديث المذكور ها هنا وإن كان بعيدًا، لا حديث الراكب يسلم على الماشي، ويوضح كلام الشيخ كما يخطر في البال أن ظاهر حديث الباب هو فضل من بدأ بالسلام أيا ما كان، راكبًا كان أو ماشيًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ومقتضى الحديث الآتي في باب تسليم الراكب هو الترتيب، فلعل الشيخ أشار بذلك إلى الجمع بينهما بأن محمل حديث الباب هو ماذا التقيا معًا في حالة واحدة كأن يكونا ماشيين أو راكبين، ومحمل حديث الترتيب ما إذا لم يكونا متساويين، قال الحافظ بعد ما بسط روايات الترتيب من تسليم القليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القائد، والصغير على الكبير، والمار على القاعد: أي سواء كان المار ماشيًا أو راكبًا، وتبقى صورة لم تقع منصوصة، وهي ما إذا تلاقى ماران راكبان أو ماشيان، وقد تكلم عليه المازري فقال: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قدرًا في الدين إجلالًا لفضله، لأن فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، كما في حديث المتهاجرين من أبواب الأدب للبخاري، وأخرج أيضًا في الأدب المفرد بسند صحيح من حديث جابر قال: الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن الأغر المزني قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد إلى السلام، والترمذي من حديث أبي أمامة رفعه إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام، وقال: حسن، وأخرج الطبراني من حديث أبي الدرداء قلنا: يا رسول الله إنا نلتقي فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: أطوعكم لله، انتهى. كأنه أشار إلى أن محمل هذه الأحاديث هو التساوي، وإليه أشار العيني إذ قال: وإذ تساوى الملاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، انتهى، قلت: ويمكن الجمع أيضًا بأن الترتيب هو من الآداب لرعاية الحقوق، فلو بدأ بالسلام من ليس عليه البداية كان أحق بالأجر، لأن الإفشاء فيه مرغوب، وفعله يدل على كونه أحرص على الإفشاء المقصود.","vol":"3","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>[باب في كراهية إشارة اليد في السلام]</span>\nأي مكتفيًا بها مقتصرًا عليها، فأما إذا كان التلفظ بلفظ التسليم أيضًا فلا (١) وبذلك يعلم أن التصرف في شيء بالنقص والزيادة يخرجه عن التشبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>[باب ما جاء في التسليم على النساء]</span>\nأي إذا لم يخف فتنة فيه، ومقتضى عقد المؤلف ترجمة الباب بتلك الألفاظ أنه لم يكن النبي ﷺ اكتفى بالإشارة دون التسليم، وإلا لقال: باب الإشارة على النساء بالتسليم، فعلم بذلك أن معنى قول الراوي في بيان حاله ﷺ فألوى بيده بالتسليم أنه ﷺ أشار بيده متلبسًا بلفظ التسليم ومتكلمًا به، لا كما قال الشراح من أن الجار متعلق بالفعل المذكور هاهنا إذ\n_________\n(١) صرح بذلك الطحطاوي على المراقى قبيل باب ما يفسد الصلاة إذ قال: وفي رسالة المصافحة للشرنبلالي عن شيخ مشايخه الحانوتي: التحية بالركوع واسترخاء الرأس مكروهة لكل أحد مطلقًا، ومثله السلام باليد، كما نصت عليه الحنفية، قال الشرنبلالي بعد: ومحل كراهة الإشارة باليد إذا اقتصر عليها، وذكر حديثًا يفيد أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإشارة.","vol":"3","page":379},{"text":"على (١) هذا التقدير يحتاج إلى تقدير، وهو التلفظ بالسلام مع أن الذي بينا أسلم من الاحتياج إلى تقدير، ويرد عليه أيضًا أن التسليم بالإشارة لما لم يك معهود أهل الإسلام، فكيف يقال ألوى يده بالتسليم إذ لا تسليم بالإلواء إذًا.\nقوله [ثم روى عن هلال بن زينب إلخ] لفظة ثم ليست (٢) بواردة على معناها من التأخير الزماني، بل المراد أن ابن عون مع طعنه فيه قد روى عنه، والجواب أنه كان يروى عنه، ثم لما حدث لشهر بعد ذلك سوء الحفظ في آخر عمره تركه ابن عون وتكلم فيه، ونقل الطعن فيه عن رجال آخرين، لكنا (٣)\n_________\n(١) علة لمختار الشراح، يعني اختاروا تعلق الجار بالألواء لئلا يحتاج إلى تقدير وهو المراد بقوله: مع أن الذي بينا أي الذي اختارته الشراح سالم من التقدير، لكنه يرد على مختارهم أنه يخالف تبويب المصنف، ويرد عليه أيضًا أنه ليس بمعهود في السلام عند المسلمين، واختار المحشى أيضًا مختار الشيخ إذ قال: هذا محمول على أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإشارة، لأن أبا داود روى هذا الحديث فقال في روايته: سلم علينا، كذا قاله النووي، انتهى.\n(٢) لعل الباعث للشيخ على هذا التوجيه مع احتماله الظاهر من التأخير الزماني ما يظهر من كتب الرجال أن طعنه متأخر عن الرواية، ففي تهذيب الحافظ قال ابن المديني: حدث ابن عون عن هلال بن أبي زينب عن شهر: فساره شعبة، فلم يذكره ابن عون، وقال معاذ بن معاذ: سألت ابن عون عن حديث هلال عن شهر، فقال: ما تصنع بشهر إن شعبة ترك شهرًا، انتهى.\n(٣) وفيه أنه ضعفه غير ابن عون أيضًا لا سيما شعبة، كما بسطه عنهم الحافظ في تهذيبه لكن موثقوه أيضًا كثيرون كما في شرح مقدمة مسلم للنووي.","vol":"3","page":380},{"text":"لم نجد من العلماء تصريحًا بالطعن فيه غير ابن عون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>[باب في كراهية التسليم على الذي]</span>\nقوله [يا عائشة! إن الله يحب الرفق إلخ] يرد عليه أن الرفق حيث سب النبي ﷺ أحد غير سائغ، والجواب (١)\n_________\n(١) وأجاب عنه القاضي عياض في الشفاء بعد ما بسط الكلام على قتل ساب النبي ﷺ فإن قلت: لم لم يقتل النبي ﷺ اليهودي الذي قال له: السام عليكم وهذا دعاء عليه، ولا قتل الآخر الذي قال له: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، وقد تأذى النبي ﷺ بذلك وقال: قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر، ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر الأحيان، فاعلم وفقنا الله وإياك أن النبي ﷺ كان في أول الإسلام يستألف عليه الناس ويميل قلوبهم إليه، ويجب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم ويداريهم، ويقول لأصحابه: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا منفرين، ويقول: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وكان ﷺ يداري الكفار والمنافقين ويغضى عنهم، ويحتمل من أذاهم، ويصبر على جفائهم ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم عليه، فلما استقر وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه، واشتهر أمره كفعله بابن خطل ومن عهد بقتله يوم الفتح، ومن أمكنه قتله غيلة من يهود وغيرهم، وبواطن المنافقين مستترة وحكمه ﷺ على الظاهر، وأكثر هذه الكلمات إنما كان يقولها القائل منهم خفية ويحلفون عليها إذا نميت، ويحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر، وبهذا أجاب بعض أئمتنا عن هذا السؤال، وقال: لعله لم يثبت عنده ﷺ من أقوالهم ما رفع، وإنما نقله الواحد ومن لم يصل رتبة الشهادة، وعلى هذا يحمل أمر اليهودي في السلام، وأنهم لووا به ألسنتهم، فلم يبينوه، ألا ترى كيف نبهت عليه عائشة، ولو كان صرح بذلك لم تنفرد بعلمه، ولذا نبه ﵊ أصحابه على فعلهم ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ ويقال: السام عليكم ليس فيه صريح سب، ولا دعاء إلا بما لابد منه من الموت الذي لابد من لحاقه جميع البشر، وقيل: بل المراد تسأمون دينكم والسأم والسآمة الملال، وهذا دعاء على سآمة الدين ليس بصريح سب، ولذا ترجم البخاري على هذا الحديث «باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي ﷺ» قال بعض علمائنا: وليس هذا بتعريض بالسب، وإنما هو تعريض بالأذى والأولى في ذلك كله والأظهر من هذه الوجوه مقصد التأليف والمداراة على الدين لعلهم يؤمنون، ولذا ترجم البخاري على حديث القسمة «باب من ترك قتال الخوارج للتألف، ولئلا ينفر الناس عنه» انتهى مختصرًا.","vol":"3","page":381},{"text":"أنه لم يكن سبأ، إنما هي كلمة يشفي بها الحقود صدره، ولا يضر المؤمن (١) سيما النبي ﷺ فأنى يؤثر دعاؤهم عليه ﷺ، ومن هاهنا يعلم أن الرفق في أمثال هذه المواضع أي حيث سمع سب النبي ﷺ أو غير ذلك لا يجوز، ألا ترى ما اعتذرت به عائشة رضي الله تعالى عنها حيث قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ فكانت تعلم أن الرفق لا يجوز هناك، ولو علم النبي ﷺ لما منعني عن سبهم وشتمهم، إلا أن النبي ﷺ أمرها بالرفق لما أنه لم تكن سبًا (٢)، لا لأن السب وسوء الأدب\n_________\n(١) كما يدل عليه ما في المشكاة من رواية البخاري قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعني ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في.\n(٢) أي صريًحا، كما تقدم في كلام القاضي عياض، أو يقال: كان من باب المداراة وتأليف القلب، كما تقدم مبسوطًا، ومسلك الحنفية في مسألة الباب ما في الدر المختار: ويسلم على أهل الذمة لوله حاجة وإلا كره، هو الصحيح، كما كره للمسلم مصافحة الذمي، ولو سلموا على مسلم فلا بأس بالرد لكن لا يزيد على قوله: وعليك، كما في الخانية، ولو سلم على الذمي تبجيلًا يكفر، لأن تبجيل الكفار كفر، قال ابن عابدين: قوله لا يزيد على قوله: وعليك، لأنه قد يقول السام عليكم، أي الموت، كما قال بعض اليهود للنبي ﷺ فقال له: وعليك، فرد دعاءه عليه، وفي التتار خانية: قال محمد: يقول وعليك، ينوي بذلك السلام لحديث مرفوع أنه ﷺ قال: إذا سلموا عليكم فردوا عليهم، انتهى.","vol":"3","page":382},{"text":"في شأنه لا يوجب الشدة والتعزير على القائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>[باب السلام على مجلس فيه مسلمون وغيرهم]</span>\nقوله [فسلم عليهم] أي ناويًا بتسليمه المؤمنين، وهكذا يفعل حيث اضطر إلى ابتداء أهل الذمة بالتسليم، وإن لم يكن ثمة مسلم ينوي الحفظة والكتبة والجان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>[باب التسليم عند القيام والقعودي </span>قوله [ثم إذا قام فليسلم إلخ] والحد في تكرار تسلم الغائب ترك المواجهة، فإذا غاب من النظر ثم عاد كرر التسليم، ثم إذا قام ليذهب سلم تسليم الرواح والرخصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>[باب الاستيذان قبالة البيت]</span>\nقوله [ففقأ عينيه ما غيرت عليه] أي لم أغير فعله ولم أمنعه عن ارتكاب ذلك لأنه لم يفعل بأسًا، ويمكن في معناه (١) غير ذلك، ويروى ما عيرت عليه بالعين المهملة، وهو ظاهر المعنى، ثم هذا تغليظ بحت عند الإمام الهمام، ولو ارتكب أحد ذلك ففقأ عينيه تؤخذ منه الدية ولا يقتص منه لما عرت شبهة بلفظ الحديث. والحدود تندرئ بالشبهات، بخلاف الأموال فإنها تثبت بشبهة أيضًا، ولفظ الحديث وإن كان لا يصرح بكونه تغليظًا وتشديدًا إلا أن امتناعه ﷺ عن فقئ عينيه يؤيد مذهب الإمام، فإن إيتان الحد لو كان على حقيقته لما سقط عن الرجل بتأخره عن الثقب الذي أطلع منه، بل فقأ عينه بالخروج\n_________\n(١) لعله أشار إلى أنه يحتمل أن يكون من الغيرة بمعنى الدية، ثم اختلفت نقلة المذاهب من الشراح وغيرهم في بيان مسالك الأئمة في ذلك، ولعل ذلك مبني على اختلاف الروايات عنهم، وما يظهر من كلام أكثرهم أن دمه هدر عند الإمام الشافعي في أصح قوليه والإمام أحمد، لا عند المالكية والحنفية، قال القاري: قال ابن الملك عمل به الشافعي وأسقط عنه ضمان العين، قيل: هذا بعد أن زجره فلم ينزجر، وأصح قوليه أنه لا ضمان مطلقًا لإطلاق الحديث، انتهى. وحكى الشيخ في البذل عن الحافظ وغيره مذهب المالكية القصاص، لكن ما في الشرح الكبير للدردير القصاص في العمد والدية في الخطأ، إذ قال: نظر من كوة أو غيرها، فقصد عينه أي رميها بحجر ونحوها ففقأها ضمن يعني اقتص منه على المعتمد، وإن لا يقصد بالرمي عينه بل زجره، فلا ضمان بمعنى لاقود، فلا ينافي أن عليه الدية، انتهى. وقال الشلبي في هامش الزيلعي: من نظر في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه، فطعنه صاحب الدار بخشبة أو رماه بحصاة فقلع عينه يضمنها عندنا، وعند الشافعي وأحمد لا يضمنها لروايات الباب، ولنا قوله ﷺ: في العين نصف الدية، وهو عام، ولأن مجرد النظر لا يبيح الجناية عليه كما لو نظر من الباب المفتوح، وكما لو دخل في بيته ونظر فيه ونال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه، انتهى. وكذا قال ابن عابدين، وزاد: ولأن قوله ﷺ لا يحل دم امرئ مسلم الحديث يقتضي عدم سقوط عصمته، والمراد بما روى أبو هريرة المبالغة في الزجر عن ذلك، انتهى. وفي الدر المختار عن القنية: نظر في باب رجل ففقأ الرجل عينه لا يضمن إن لم يمكن تنحيته من غير فقئها، وإن أمكنه ضمن، وقال الشافعي: لا يضمن فيهما، ولو أدخل رأسه فرماه بحجر ففقأها لا يضمن إجماعًا، وإنما الخلاف فيمن نظر من خارجها، انتهى. وجمع ابن عابدين بين ما وقع من الاختلاف في قوليهم، كما لو دخل في بيته ونظر إلخ، ولو أدخل رأسه فرماه إلخ، بأن حمل الثاني على ما إذا لم يمكن تنحيته بغير ذلك، والأول على ما إذا أمكن.","vol":"3","page":383},{"text":"عن البيت، فإن الزاني وكذا غيره من مرتكبي الحدود إذا أقلعوا من فعلتهم،","vol":"3","page":384},{"text":"وفرغوا، أفيسقط الحد بذلك الإقلاع، فكذا كان هذا، فعلم أنه تقريع وتوبيخ، نعم قد حدثت بألفاظ الحديث شبهة توجب درء القصاص.\nقوله [ضع القلم على أذنك] أي إذا (١) فرغت من كتابة وتريد أخرى فضعه موضع الأرض على أذنك لكونه مشتركًا في الاسم (٢) بالقلم الذي كتب كل شيء فإنه يسمعك (٣) مضامين تنتفع بها.\n_________\n(١) يعني لما كان للقلم اشتراك اسمي بالقلم الذي كتب مقادير كل شيء وللأسماء أثر في المسميات غالبًا كما سيأتي، فكان لكل قلم أثرًا في وسعة المعلومات، والأذن محل للاستماع، فوضع القلم على الأذن مفيد في وسعة المعلومات، وهذا ألطف مما سيأتي من كلام الشراح.\n(٢) وطالما يكون للأسماء أثر في المسميات، ولذا كان النبي ﷺ يغير الاسم القبيح، وروى عن سعيد بن المسيب أن جده حزنًا قدم على النبي ﷺ فقال ما اسمك؟ قال: اسمي حزن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسمًا سمانيه أبي، قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد، انتهى.\n(٣) وقال القاري: وقيل السر في ذلك أن القلم أحد اللسانين المترجمين عما في القلب من الكلام وفنون العبارات، فتارة يترجم عنه اللسان اللحمي المعبر عنه بالقول، وتارة يعبر عنه بالقلم وهو المسمى بالكتابة، وكل واحد من اللسانين يسمع ما يريد من القول وفنون الكلام من القلب، ومحل الاستماع الأذن، فاللسان موضوع دائمًا على محل الاستماع والقلم منفصل عنه خارج عن محل الاستماع، فيحتاج في الاستماع إلى القرب من محل الاستماع والدنو إلى طريقه ليسمع من القلب ما يريده من العبارات وفنون الكلام، وحاصله أن القرب الصوري له محل تأثير من المقصود المعنوي، انتهى. ولا يذهب عليك أن لفظ الحديث على النسخ التي بأيدينا: فإنه أذكر للمملى، وفي المشكاة عن الترمذي: فإنه أذكر للمآل، وبسط عليه الكلام القاري فارجع إليه لو شئت.","vol":"3","page":385},{"text":"قوله [فما مر بي نصف شهر إلخ] يستنبط من ها هنا ما أعطى الله أصحاب رسوله ﷺ من سرعة الفهم وقوة الحفظ وإن لم ينقل إلينا علومهم، أفلا ترى أفرادهم كانوا يسمعون منه ﷺ أحاديث عديدة، ثم يستنبطون منها حكم ما يرد عليهم من تفاصيل المسائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>[باب في كراهية التسليم على من يبول]</span>\nقوله [وهو يبول فلم يرد عليه] فعلم بذلك أن التسليم لا يجوز على القاضي حاجته من البول والبراز، ولا على الطاعم، وكذلك (١) على من يقرأ القرآن، وأما لو سلم أحد على هؤلاء لم يجب عليهم\n_________\n(١) وحكى صاحب الدر المختار نظمًا جمع فيه من يكره ﵇ فقال:\nسلامك مكروه على من ستسمع ... من بعد ما أبدى يسن ويشرع\nمصل وتال ذاكر ومحدث ... خطيب ومن يصغى إليهم ويسمع\nمكرر فقه جالس لقضائه ... ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا\nمؤذن أيضًا أو مقيم مدرس ... كذا الأجنبيات الفتيات أمنع\nولعاب شطرنج وشبه بخلقهم ... ومن وهو مع أهل له يتمتع\nودع كافرًا أيضًا ومكشوف عورة ... ومن هو في حال التغوط أشنع\nودع آكلًا إلا إذا كنت جائعًا ... وتعلم منه أنه ليس يمنع\nكذلك أستاذ مغن مطير ... فهذا ختام والزيادة تنفع\nوفي المجمع: وقد يستدل بهذا الحديث على أن مسلم قضاء الحاجة يستحق الجواب بعد الفراغ، وحكى الطحاوي أنه يتمم ويجيب، وحكى النووي الاتفاق على عدم استحقاق الجواب، انتهى.","vol":"3","page":386},{"text":"رده، إلا أن (١) المستحسن للقاري أن يسكت عن قراءته فيرد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>[باب في كراهية أن يقول: عليك السلام]</span>\nقوله [طلبت النبي ﷺ] وكان حضوره لإرادة الإسلام إلا أنه لم يكن يعرف النبي ﷺ فلذلك قال بعد ذلك: ولا أعرفه.\nقوله [تحية الميت] الظاهر (٢) في معناه أن عليك السلام بتقديم عليك\n_________\n(١) وقد حكى ابن عابدين أنه يأثم بالسلام على المشغولين بالخطبة أو الصلاة، أو قراءة القرآن أو مذاكرة العلم وغيرها، وأنه لا يجب الرد في الأولين لأنه يبطل الصلاة، والخطبة كالصلاة، ويردون في الباقي لإمكان الجمع بين فضيلتي الرد وما هم فيه من غير أن يؤدي إلى قطع شيء تجب إعادته، انتهى.\n(٢) وحكى القاري عن بعض العلماء أنه لم يرد به أنه ينبغي أن يحي الميت بهذه الصيغة إذ قد سلم ﷺ على الأموات بقوله: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنما أراد به أن هذا تحية تصلح أن يحيى بها الميت لا الحي، وذلك لمعنيين: أحدهما أن تلك الكلمة شرعت لجواب التحية، ومن حق المسلم أن يحيي صاحبه بما شرع له من التحية، فيجيب صاحبه بما شرع له من الجواب، فليس له أن يجعل الجواب مكان التحية، وأما في حق الميت فإن الغرض من التسليم عليه أن تشمله بركة السلام، والجواب غير منتظر هنالك، فله أن يسلم عليه بكلتا الصيغتين، والآخر أن إحدى فوائد السلام أن يسمع المسلم المسلم عليه ابتداء لفظ السلام ليحصل الأمن من قبل قلبه، فإذا بدأ بعليك لم يأمن حتى يلحق به السلام، بل يستوحش ويتوهم أنه يدعو عليه، فأمر بالمسارعة إلى إيناس الأخ المسلم بتقديم السلام، وهذا المعنى غير مطلوب في الميت فساغ للمسلم أن يفتح من الكلمتين بأيتهما شاء، وقيل: إن عرف العرب إذا سلموا على قبر قالوا: عليك السلام، فقال النبي ﷺ: عليك السلام تحية الميت على وفق عرفهم وعادتهم، لا أنه ينبغي أن يسلم على الأموات بهذه الصيغة، انتهى. فعلى الأخير يحمل على عرف خاص أو على جهل الرجل بالعرف، والجاهل بمنزلة الميت، فما أحسن موقع كلامه ﷺ: عليك السلام تحية الميت، وفي المجمع: هذه إشارة إلى ما جرت به عادتهم في المرائي كانوا يقدمون ضمير الميت على الدعاء، وذلك لأن المسلم على القوم يتوقع الجواب بعليك السلام، فلما كان الميت لا يتوقع منه جواب جعلوا السلام عليه كالجواب.","vol":"3","page":387},{"text":"تحية خصها شعراء العرب وفصحاؤهم بالأموات كما يشهد به أشعارهم، فلا يناسب ذكرها للأحياء، ويمكن أن يقال وإن كان بعيدًا أن عليك السلام تحية الأموات (١) من أهل الجاهلية، فلا يناسب ذكرها في الإسلام لأهله، وإضافة التحية إلى الميت على التوجيه الأول إضافة المصدر إلى مفعوله، وعلى التوجيه الثاني إلى فاعله، أي كان الجاهلية يحيون به فما بينهم وقد ودع الإسلام هذه التحية.\nقوله [ثم رد النبي ﷺ] تأخيره ﷺ في رده عليه مشعر بأن الرد لم يكن واجبًا (٢) عليه، وإلا لسارع إليه قبل كل شيء، نعلم أن الذي يجب رده هو\n_________\n(١) وهذا توجهه قريب من التوجيه الأخير في كلام القاري، والمعنى أن الميت جنس يراد به جهلة العرب، فإن الجهلاء أموات حقيقة، وفي المجمع: أراد بالموتى كفار الجاهلية، انتهى.\n(٢) والمسألة خلافية، قال النووي: يكره أن يقول المبتدي: عليكم السلام، فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور، وقيل: لا يستحق، وحكى ابن عابدين عن الشرنبلالي أنه لا يجب الرد على المبتدي بهذه الصيغة فإنه ما ذكر فيه أنه ﷺ رد السلام عليه، بل نهاه وهو أحد احتمالات ثلاثة ذكرها النووي، فيترجح كونه ليس سلامًا، وإلا لرد عليه، انتهى.\nقلت: لكنه يرد عليه حديث الباب فتأمل، ثم ما أشار إليه المصنف من القصة الطويلة في حديث الباب هي ما في المشكاة برواية أبي داود عن أبي جرى قال: أتيت المدينة، فرأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله، قال قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين، قال: لا تقل: عليك السلام عليك، السلام تحية الميت، قل: السلام عليك، قلت: أنت رسول الله؟ فقال أنا رسول الله الذي إن أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة نضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قلت: أعهد إلى، قال: لا تسبن أحدًا، قال: فما سببت بعده حرًا ولا عبدًا، ولا بعيرًا ولا شاة، قال: ولا تحقرون شيئًا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الأزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه، انتهى.","vol":"3","page":388},{"text":"التسليم الذي يكون على وجه السنة، وأما إذا سلم بتغيير لا يجب رده، وأيضًا فقد علم بذلك أن التغيير كما يكون بتبديل الكلمات يكون بنقض ترتيبها، ثم إن رده ﷺ عليه بعد ذلك كان منة منه عليه وتفضلًا، فكذلك حكم التسليم والرد على من سلم غير موافق للسنة، ولعلك دريت من هذه الأحاديث ما في البدعات وإن قل (١) خلافها من الكراهة والشناعة.\nقوله [كان إذا سلم سلم ثلاثًا إلخ] ليس المراد ما يتبادر منه أنه ﷺ\n_________\n(١) يعني وإن لم تكن البدعة بتمامها خلاف السنة، بل يكون فيها شيء يسير من خلاف السنة، وقوله: من الكراهة بيان لما في قوله: ما في البدعات.","vol":"3","page":389},{"text":"كان كلما سلم سلم ثلاثًا، وكلما تكلم تكلم ثلاثًا، فإن هذا المعنى يرده كثير من الروايات والحكايات، بل المراد أن الثلاث كانت منتهى تكراره إذا أراد ذلك في الأكثر، فكان إذا سلم ولم يسمع أحد أو أراد أن يتكلم فيفهم ولم يسمعه المخاطب أعادها، وكانت الإعادة لا تجاوز الثلاث، وهذا المعنى خال عن التكلفات، نعم قد ثبت في بعض المواضع تكرار الإعادة فوق ثلاث لكنه نادر فلا يحكم عليه، ويمكن في توجيه تكرار التسليم ما قال المحشى أيضًا (١).\n_________\n(١) ولفظه: أي للاستيذان، وفيه نظر لأن تسليم الاستيذان لا يثنى إذا حصل الإذن بالأولى، ولا يثلث إذا حصل بالثاني، ولفظ إذا يقتضي التكرار فالوجه أن الأول للاستيذان، والثاني للتحية، والثالث للوداع، والمراد بالكلمة الجملة المفهومة المفيدة، كذا في المجمع. قلت: وزاد في المجمع عن الكرماني: كان ذلك أي التثليث في أكثر أمره، انتهى. فهذا توجيه ثالث، ويؤيد ما أفاده الشيخ لفظ الترمذي في شمائله برواية أنس: كان رسول الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثًا لتعقل عنه. قال القاري: المراد ها هنا ما لا يتبين مبناها أو معناها إلا بالإعادة، وفي الاقتصار على الثلاث إشعار بأن مراتب الفهم ثلاث: الأدنى والأوسط والأعلى. وقال المناوي: الأولى للأسماع، والثانية للفهم، والثالثة للفكر، أو الأولى إسماع، الثانية تنبيه، والثالثة أمر، والثلاثة غاية، وبعده لا مراجعة، وحمله على ما إذا عرض للسامعين نحو لفظ فاختلط عليهم، فيعيده لهم ليفهموه، أو على ما إذا كثر المخاطبون، فيلتفت مرة يمينًا وأخرى شمالًا ليسمع الكل رده العصام بأنه تخصيص لابد له من مخصص، لكن نازعه الشارح بأنه لا يحتاج إلى توقيف، وقوله: لتعقل للإعادة بقصد حصول المعنى للمخاطب تنبيهًا على أن الإعادة كانت في مقام الحاجة، انتهى.","vol":"3","page":390},{"text":"قوله [فاستحيي فاستحيى الله منهي يحتمل وجهين (١) أحدهما أن الرجل استحيى أن يشق الصوف ويخطي أعناق الجلوس، أو كره أن يدخل بين اثنين فيؤذيهما، فجلس (٢) خلف الحلقة حياء فلم يدخل بينهم، فمعنى استحيى الله منه جازاه على حيائه، وعلى هذا فأجره أوفر من أجر صاحبه الذي دخل في الحلقة، والوجه الثاني أن يقال: إن الرجل قد كان أخذ في الذهاب، فلما مشى قليلًا أو كاد أن يزول عن موضعه استحيى من الله في أن يترك مجلس نبيه وهو يعظ الناس، أو استحيي من الناس أن يكون جلس معهم، وهم جلوس في مجلس وعظه ﷺ، واستحياء الله تعالى على هذا التوجيه معناه إثابته وإشراكه في الأجر بصاحبه وترك عقوبته وعدم السخط عليه،\n_________\n(١) ويؤخذ الاحتمالان معًا من كلام العيني إذ قال: قوله فاستحيا، أي ترك المزاحمة كما فعل رفيقه حياء من النبي ﷺ ومن حضر، قاله القاضي عياض، ويقال: معناه استحيي من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في رواية الحاكم: ومضى الثاني، فلبث، ثم جاء فجلس، انتهى. وقال النووي: قوله فاستحيي أي ترك المزاحمة والتخطي حياء من الله تعالى ومن النبي ﷺ والحاضرين، أو استحياء منهم أن يعرض كما فعل الثالث، فاستحيى الله منه أي رحمه ولم يعذبه، بل غفر ذنوبه، وقيل: جازاه بالثواب، قالوا: ولم يلحقه بدرجة صاحبه الأول، انتهى. قلت: وهذا على المعنى الثاني دون الأول كما أفاده الشيخ، وهو ظاهر.\n(٢) وبوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث «باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها» قال الحافظ: فيه استحباب الأدب في مجالس العلم، وفضل سد خلل الحلقة، وجواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ أحدًا، فإن خشي استجب الجلوس حيث ينتهي كما فعل الثاني، وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير، انتهى.","vol":"3","page":391},{"text":"لكنه موقوف على ثبوت (١) أنه أراد أن لا يجلس فجلس بعد تراخ ومهلة.\nقوله [إن كنتم لابد فاعلين] في الحديث (٢) اختصار كما سيجيء في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>[باب في المصافحة]</span>\nقوله [الأخذ باليد] اللام فيه للجنس، فلا تثبت الوحدة (٣) والحق فيه أن مصافحته ﷺ ثابتة باليد وباليدين إلا أن المصافحة بيد واحدة لما كانت شعار أهل الإفرنج وجب تركه لذلك.\n_________\n(١) وقد ثبت برواية الحاكم، كما تقدم في كلا العيني، قال الحافظ: وقد بين أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني فلفظه عند الحاكم: ومضى الثاني قليلًا ثم جاء فجلس، فالمعنى أنه استحيي من الذهاب عن المجلس، كما فعل رفيقه الثالث، انتهى.\n(٢) ففي المشكاة برواية الشيخين عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: إياكم والجلوس بالطرقات، فقالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا لطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله! قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتهى. والحديث أخرجه أبو داود برواية أبي سيعد ثم أخرج عن أبي هريرة في هذه القصة قال: وإرشاد السبيل، ثم روى عن عمر في هذه القصة قال: وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضال، انتهى. ولمسلم من حديث أبي طلحة: كنا قعودًا بالأفنية نتحدث فجاء رسول الله ﷺ فقام علينا فقال: مالكم ولمجالس الصعدات! اجتنبوا مجالس الصعدات، فقلنا إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتذاكر ونتحدث، قال: فأما لأفادوا حقها، غض البصر، ورد السلام، وحسن الكلام، انتهى.\n(٣) ولذا بوب البخاري في صحيحه باب الأخذ باليد وذكر فيه حديث ابن مسعود بلفظ: وكفى بين كفيه، وأنت خبير بأن الحجة في فعله ﷺ لا في فعل ابن مسعود، وحكى الحافظ عن ابن بطال الأخذ باليد هو مبالغة المصافحة، وذلك مستحب عند عامة العلماء، وإنما اختلفوا في تقبيل اليد فأنكره مالك، وأنكر ما روى فيه، وأجازه آخرون، انتهى. وقال أيضًا: قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء وقد استحبها مالك بعد كراهته. وقال النووي: المصافحة سنة مجمعة عليها عند التلاقي، وقال: بعد ذكر الروايات الواردة في المصافحة: ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن، انتهى. وهكذا ذكر استثناءهما العيني، وحكى القاري عن النووي: وينبغي أن يحترز عن مصافحة الأمرد الحسن الوجه فإن النظر إليه حرام، وقال أصحابنا: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل مسه أشد فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها، وفي حال البيع والشراء ونحو ذلك، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك، انتهى. ثم المشهور على الألسنة أن المصافحة عند الوداع لم يثبت وليس بصحيح، فإن الروايات في ذلك عديدة ذكرت في محلها من كتب الروايات.","vol":"3","page":392},{"text":"قوله [إنما أراد عندي حديث سفيان إلخ] لأن الثابت بهذا الإسناد (١) إنما هو هذا الحديث لا ذاك.\nقوله [يده على جبهته] إذا لم يكن مخالفًا للأدب، أو علم من حال المريض أنه يرضى بذلك.\nقوله [إلا غفر لهما] أي صغائرهما. قوله [ما رأيته عريانًا قبله ولا بعده]\n_________\n(١) يعني أن الصواب بهذا السند حديث السمر لا حديث التحية، والصواب في حديث التحية الوقف، قال الزيلعي في نصب الراية: فيه رجل مجهول، وقال الحافظ في الفتح: في سنده ضعف، وحكى الترمذي عن البخاري أنه رجح أنه موقوف على عبد الرحمن بن يزيد أحد التابعين، انتهى.","vol":"3","page":393},{"text":"أي خارجًا (١) من البيت كما رأيته اليوم، وإلا فكانت كثيرًا ما تراه مجرد فوق السرة.\n\n[باب في قبلة (٢) اليد والرجل] قوله [إن داود دعا ربه إلخ] أوردا\n_________\n(١) وعلى هذا فلا يرد ما أورده الشراح، قال القاري: إن قيل: كيف تحلف أم المؤمنين على أنها لم تره عريانًا قبله ولا بعده من طول الصحبة وكثرة الاجتماع في لحاف واحد؟ قيل: لعلها أرادت عريانًا استقبل رجلًا واعتنقه، فاختصرت الكلام لدلالة الحال، أو عريانًا مثل ذلك العري، واختار القاضي الأول، وقال الطيبي: هذا هو الوجه لما يشم من سياق كلامها رائحة الفرح والاستبشار بقدومه، والمراد بقوله عريانًا يجر ثوبه، أي رداءه من كال فرجه، وكان ساترًا ما بين سرته وركبته، لكن سقط رداءه عن عانقه فكان ما فوق سرته عريانًا، انتهى.\n(٢) قال صاحب الدر المختار: التقبيل على خمسة أوجه: قبلة المودة للولد على الخد، وقبلة الرحمة لوالديه على الرأس، وقبلة الشفقة لأخيه على الجبهة، وقبلة الشهوة لمرأته أو أمته على الفم، وقبلة التحية للمؤمنين على اليد، وزاد بعضهم: قبلة الديانة للحجر الأسود، وقال أيضًا: لا بأس بتقبيل يد العالم والمتورع على سبيل التبرك والسلطان العادل، وقيل: سنة، وتقبل رأس العالم أجود، ولا رخصة في تقبيل اليد لغير العالم والعادل على المختار، طلب من عالم أو زاهد أن يدفع إليه قدمه ويمكنه من قدمه ليقبله أجابه، وقيل: لا يرخص فيه، وكذا ما يفعله الجهال من تقبل يد نفسه إذا لقى غيره فهو مكروه بالإجماع، يعني إذا لم يكن صاحبه عالمًا ولا عادلًا ولا قصد تعظيم إسلامه ولا إكرامه، وكذا ما يفعلونه من تقبيل الأرض بين يدي العلماء والعظماء فحرام، والفاعل والراضي به آثمان لأنه يشبه عبادة الوثن، وهل يكفر؟ إن على وجه العبادة والتعظيم كفر، وإن على وجه التحية لا، وصار آثمًا ومرتكبًا للكبيرة، انتهى بزيادة واختصار. وفي الفتح عن النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب، فإن كان لغنائه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة، وقال أبو سعيد المتولي: لا يجوز، انتهى.","vol":"3","page":394},{"text":"على دعواهما دليلين (١) أو يقال: اعتذرا عن قبول الإيمان عذرين: الأول منها نقلي، والثاني عقلي، وكانوا فيهما كاذبين، وكذب الأول منهما ظاهر، وكذب الثاني أن من آمن من اليهود لم يقتل.\n_________\n(١) أي دعوة داود ﵇ وقتل يهود، وجعل القاري الثاني ثمرة الأول إذ قال: دعا ربه بأن لا ينقطع من ذريته نبي إلى يوم القيامة، فيكون مستجابًا فيكون من ذريته نبي ويتبعه اليهود، وربما تكون لهم الغلبة والشوكة، وإنا نخاف إن تبعناك أي فقتلنا اليهود، أي إذا ظهر لهم نبي وقوة، وهذا افتراء محض على داود ﵇ لأنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد ﷺ، وأنه خاتم النبيين، وأنه ينسخ به الأديان، فكيف يدعو بخلاف ما أخبر الله به من شأن محمد ﷺ، ولئن سلم فعيسى ﵇ من ذريته، وهو نبي باق إلى يوم الدين، انتهى. ثم المراد من تسع آيات إما المعجزات التي ظهرت على يد موسى ﵇، فقوله ﷺ: لا تشركوا إلى آخر ما أفاده من العشرة كلام مستأنف ذكره تكميلًا وتتميمًا للفائدة، أو المراد الأحكام العامة الشاملة للملل كلها، فذكر العاشر خاصة لليهود زائد على الجواب كما بسطه القاري والمحشى، وسيأتي الكلام على ذلك في كلام الشيخ أيضًا في تفسير سورة بني إسرائيل.","vol":"3","page":395},{"text":"قوله [فوجدته يغتسل] لعله لم يكن شرع بعد في الاغتسال، أو كان قد فرغ منه، وعلى كل ذلك يطلق عرفًا فوجدته يغتسل (١)، وهذا لئلا يستشكل كلامه عريانًا. قوله [بالراكب المهاجر] المهاجر ها هنا إنما هو التارك بيته وإلا فالهجرة الاصطلاحية (٢) لم تك إذًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>[باب في تشميت العاطس]</span>\nقوله [ست بالمعروف] أي متلبسة بكونها معروفًا وخيرًا، ثم لا يضر كون بعضها فرض كفاية أو واجبًا أو سنة أو غير ذلك.\nقوله [الحمد لله على كل حال] هذا اللفظ داخل في القول، وليس قيدًا للقول. قوله [عليك وعلى أمك] وجه المناسبة (٣) فيه أن التسليم على الأم\n_________\n(١) يعني على كلا الاحتمالين يصح إطلاق قولها فوجدته يغتسل مجازًا، وهذا شائع، ويحتمل أن يكون الإطلاق على الحقيقة واغتساله ﷺ كان مترزًا، وستر فاطمة كان لما فوق الأزار، وعلى هذا فلا إشكال في التكلم، والقصة التي أشار إليها المصنف هي ما في رواياتها المفصلة من أمانها بعض أحمائها وصلاته ﷺ الضحى.\n(٢) لأنه مكي ومكة صارت دار الإسلام وقد قال النبي ﷺ: لا هجرة بعد الفتح، اللهم إلا أن يقال: إن هجرته كانت من اليمن وهي إذ كانت دار كفر وذلك لأنه كان أولًا شديد العداوة لرسول الله ﷺ تبعًا لأبيه أبي جهل وكان فارسًا مشهورًا، فهرب يوم الفتح باليمن، فلحقت امرأته أم حكيم بنت الحارث فأتت به النبي ﷺ، فلما رآه قال: مرحبًا بالراكب المهاجر، فأسلم بعد الفتح وحسن إسلامهن كذا في المرقاة، وعلى هذا فإطلاق المهاجر عليه يحتمل الحقيقة أيضًا.\n(٣) قال ابن الملك: نبه بذلك على حماقتها حيث سرى فيه من صفاتها فافتقر إلى الدعاء بالسلامة قال القاري: لا وجه لنسبة الحماقة إلى ذاتها الغائبة، بل إنما دعا لها بالسلامة لكن على طبق كلامه حيث وقع في غير موقعه، نعم قد يقال: الأوجه في وجه تخصيص الأم أنه كناية عن تربيتها إياه دون أبيه فإنهن ناقصات العقل والدين لم يعرفن تفصيل الآداب، بخلاف الآباء فإنهم لمعاشرة العلماء يعرفون غالبًا مثل هذه الأشياء، انتهى.","vol":"3","page":396},{"text":"لكونه في غير محله يكره مع أنه لم يقل بأسًا، فكذلك في وضعه السلام في غير موضعه، ويمكن أن يكون إشارة إلى أن أمك هي التي علمتك هذا، ولو كنت ممن علمه الرجال والآباء لما فعلت هذا، فسلام على معلمتك هذه.\nقوله [عن ابن أبي ليلى] هذا (١) هو محمد بن أبي ليلى.\nقوله [إنه حمد اللهي فعلم وجوبه (٢) بحمد العاطس، وإن لم يحمد\n_________\n(١) منسوب إلى جده، فإن المشهور بابن ليلى أربعة نفر كما في التقريب: عبد الرحمن بن أبي ليلى، وابناه محمد وعيسى، وابن ابنه عبد الله بن عيسى، والمراد هاهنا محمد إذ يروى عن أخيه عيسى.\n(٢) قال الحافظ: وقد ثبت الأمر بذلك. قال ابن دقيق العيد: ظاهر الأمر الوجوب ويؤيده حديث أبي هريرة، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وذكر الحافظ عدة روايات مؤيدة لذلك، ثم قال: وقد أخذ بظاهرها ابن مزين من المالكية، وقال به جمهور أهل الظاهر، قال ابن أبي جمرة: وقال جماعة من علمائنا إنه فرض عين، وقواه ابن القيم في حواشي السنن، فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحق الدال عليه، وبلفظ على الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابي: أمرنا رسول الله ﷺ، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء، وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه ابن رشد وابن العربي، وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة، وذهب جماعة من المالكية إلى أنه مستحب، ويجزئ الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعية: والراجح من حيث الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر وإن ورد في عموم المكلفين ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصح، انتهى. وقال العيني: ظاهر الأحاديث الوجوب، وبه قال أهل الظاهر، وقال بعض الناس: إنه فرض عين، وعند جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة أنه فرض كفاية، وقال جماعة من المالكية: إنه مستحب، انتهى. وحكى ابن عابدين عن تبيين المحارم: تشميت العاطس فرض على الكفاية عند الأكثرين، وعند الشافعي سنة، وعند بعض الظاهرية فرض عين، انتهى.","vol":"3","page":397},{"text":"فتشميته منه (١) وتفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>[باب ما جاءكم يشمت العاطس]</span>\nالقول الجملي أنه إذا تحقق كونه مزكومًا لا يجب التشميت سواء تحقق قبل العطاس أو بعده بمرة أو بمرتين، وأما في غير\n_________\n(١) وبوب البخاري في صحيحه «باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله» قال الحافظ: أورد فيه حديث انس كأنه أشار إلى أن الحكم عام، وليس مخصوصًا بالرجل الذي وقع له ذلك، وإن كان واقعة حال لا عموم فيها، وورود الأمر بذلك فيما أخرجه مسلم من حديث أبي موسى بلفظ: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه، قال النووي: مقتضى هذا الحديث أن من لم يحمد الله لم يشمت، قال الحافظ: بل هو منطوقه، لكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه؟ الجمهور على الثاني، انتهى. وقال أيضًا قبيل ذلك: وفي الحديث أن التشميت إنما يشرع لمن حمد الله، قال ابن العربي: هو مجمع عليه، انتهى. وحكى ابن عابدين عن تبيين المحارم: إنما يستحق التشميت إذا حمد الله وإلا لا، لأن العطاس نعمة، فمن لم يحمد بعده لم يشكر الله، وبكفران النعمة لا يستحق الدعاء، انتهى.","vol":"3","page":398},{"text":"المزكوم فالتشميت الأول واجب، والثاني مستحب، والثالث قريب من ذلك، ثم بعد ذلك مباح، وبما ذكرنا ترتفع المعارضة بين الروايات (١).\n_________\n(١) فإن الروايات في ذلك مختلفة جدًا كما بسطها الحافظ، ثم قال: حكى النووي عن ابن العربي أن العلماء اختلفوا هل يقول لمن تتابع عطاسه: أنت مزكوم في الثانية أو الثالثة أو الرابعة على أقوال، والصحيح في الثالثة، قال: ومعناه أنك لست ممن يشمت بدها لأن الذي بك مرض، وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن، فإن قيل: إذا كان مريضًا فينبغي أن يشمت بطريق الأولى لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره، قلنا: نعم لكن يدعي له بدعاء يلائمه لا بالدعاء المشروع للعاطس، بل من جنس دعاء المسلم للمسلم بالعافية، وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه يكرر التشميت إذا تكرر العطاس إلا أن يعرف أنه مزكوم فيدعو له بالشفاء، وتقريره أن العموم يقتضي التكرار إلا في موضع العلة وهو الزكام، وعند هذا يسقط الأمر بالتشميت عند العلم بالزكام لأن التعليل به يقتضي أن لا يشمت من علم أن به زكامًا أصلًا، وتعقب بأن المذكور هو العلة دون التعليل، انتهى. قلت: وما أفاده الشيخ من مراتب التشميت لم أجده في عامة كتب الحنفية بل ظاهرها تسوية الثلاث، ففي فتاوى قاضي خان: ينبغي لمن كان بحضرة العاطس أن يشمت العاطس إذا تكرر عطاسه في مجلس إلى ثلاث مرات، فإن عطس أكثر من ثلاث فالعاطس يحمد الله في كل مرة، ومن كل بحضرته إن شمته في كل مرة فحسن، وإن لم يشمته بعد الثلاث فحسن أيضًا، انتهى. نعم ذكر الطحطاوي على المراقي من شرح الموطأ للقاري أنه يحب تشميت العاطس مرة واحدة، وما زاد فمندوب، ولو لم يشمت أولًا كفاه واحدة كسجدة التلاوة، انتهى.","vol":"3","page":399},{"text":"قوله [فإذا زاد إلخ] أي بغير المزكوم (١). قوله [العطاس من الله] أي يرضى به لما أنه يورث النشاط والتنبه ويعقب الحمد [والتثاؤب من الشيطان] أي مرضى به لا يرائه غفلة ولا ذكر عقيبه.\nقوله [العطاس والنعاس إلخ] العطاس في الصلاة (٢) من الشيطان لما\n_________\n(١) وبذلك جزم الحافظ إذ قال: يعني الذي لا ينشأ عن زكام لأنه المأمور فيه بالتحميد والتشميت، ويحتمل التعميم، انتهى. واختار العيني الثاني، ثم ما قال المصنف أن إسناده مجهول تعقبه الحافظ في الفتح وقال: أما رواية الترمذي ففيها عن عمر بن إسحاق عن أمه عن أبيها، كذا سماه عمر ولم يسم أمه ولا أباها، وكأنه لم يمعن النظر فمن ثم قال: إسناده مجهول، وقد تبين أنه ليس بمجهول، وأن الصواب يحى بن إسحاق لا عمر، انتهى. وقد ذكر قبل ذلك رواية أبي داود من طريق يحيى بن إسحاق عن أمه حميدة أو عبيدة وحسن إسناده، وقال: المعتمد حميدة.\n(٢) قال الحافظ: هذا الحديث سنده ضعيف، وله شاهد عن ابن مسعود في الطبراني لكن لم يذكر النعاس، وهو موقوف وسنده ضعيف، وفي شرح الترمذي: لا يعارض هذا حديث محبة العطاس لكونه مقيدًا بحال الصلاة، وقد يتسبب الشيطان في حصول العطاس للمصلي ليشغله عن صلاته، وقد يقال: إن العطاس إنما لم يوصف بكونه مكروهًا في الصلاة لأنه لا يمكن رده بخلاف التثاؤب، ولذلك جاء في التثاؤب: ليرده ما استطاع ولم يأت ذلك في العطاس، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة: إن الله يكره التثاؤب ويحب العطاس في الصلاة، وهذا يعارض حديث جد عدي، وفي سنده ضعف أيضًا، وهو موقوف، انتهى. قلت: ويمكن الجمع بينهما بالكثرة والقلة ويستأنس ذلك بما ذكر الحافظ من رواية عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: سبع من الشيطان، فذكر منها شدة العطاس.","vol":"3","page":400},{"text":"أنه يوجب شغلًا ما من الصلاة.\nقوله [يقوم لابن عمر فما يجلس فيه] سدًا لباب أو لعل القائم (١) قام من مجلسه حياء ولا يرضى بترك موضعه.\nقوله [أن يفرق بين اثنين] أي إذا لم يتركا بينهما فرجة (٢) وإذا تركاها فلا ضير بالجلوس ثمة.\nقوله [في كل أربعين ليلة] كانت الرخصة في بلادهم، وأما في ديارنا (٣)\n_________\n(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: وبسط الحافظ الكلام على الروايات في الباب والأقاويل في ذلك، وحكى عن النووي أن ما نسب إلى ابن عمر ورع منه، وليس قعوده فيه حرامًا إذا كان برضا الذي قام، لكنه تورع لاحتمال أن يكون الذي قام لأجله استحيى منه، فقام عن غير طيب قلبه، فسد الباب ليسلم منه، أو رأى أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى، انتهى.\n(٢) وبنحو ذلك فسر صاحب المجمع إذ قال: لا يزاحم رجلين فيدخل بينهما، لأنه ربما ضيق عليهما في شدة الحر، انتهى. ومال القاري إلى أنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سر وأمانة، فيشق عليهما التفرق بجلوسه بينهما، انتهى، وعلى كلا التوجيهين لا يشك ما تقدم من إخباره ﷺ عن ثلاثة رجل منها من جلس في الحلقة فآواه الله كما لا يخفى.\n(٣) وذلك لأن المقصود النظافة، فكلما تزداد الشعور يحتاج إليها، وهذا يختلف باختلاف البلاد والطباع والرجال، ولذا قال صاحب المجمع: لا تتجاوز عن أربعين لأن المختار أنه يضبط الحلق والتقليم والقص بالطول، روى أنه كان يأخذ أظفاره وشاربه في كل جمعة، ويحلق العانة في عشرين، وينتف الإبط في أربعين، انتهى. قلت: وقال أصحاب الفروع: الأفضل الأسبوع وجاز في كل خمسة عشر يومًا، وكره تركه وراء الأربعين كما في الدر المختار وغيره.","vol":"3","page":401},{"text":"فلا ينبغي أن يترك فوق عشرين.\nقوله [من لم يأخذ من شاربه فليس منا] لكونه تزيًا بغيرنا.\nقوله [الإيمان قول وعمل] هذا مثل ما مر من أن المراد به الكامل من الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>[باب في إعفاء اللحية]</span>\nقوله [أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى] إحفاء (١) الشوارب فيه أقوال، حلقها أو قصها قليلًا بحيث تظهر أطراف الشفة العليا فحسب، وقيل: بل قصها بالمبالغة، ولعل هذا القول الثالث أصح فإنه يجمع العمل بالروايتين معًا، أي رواية القص ورواية الإحفاء، وأما إعفاء اللحية فالظاهر (٢) من\n_________\n(١) قال مالك: استيصال الشوارب مثلة، وخالف الكوفيون استدلالًا برواية الصحيح أنهكوا الشوارب، ولفظ مسلم: أحفوا الشوارب، وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئًا منصوصًا. وأصحابه الذين رأيناهم المزنى والربيع كانا يحفيان شواربهما، وذلك يدل على أنهما أخذا ذلك عن الشافعي، وقد ذكر ابن خوير منداد موافقة الشافعي للكوفيين، وقال الأشقر: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا، وسمعته يقول وقد سئل عن الإحفاء: إنه السنة، هكذا في البذل، وفي الدر المختار: حلق الشارب بدعة، وقيل: سنة، قال ابن عابدين: قوله سنة، مشى عليه في الملتقى، وعبارة المجتبي بعد ما رمز للطحاوي: حلقة سنة، ونسبه إلى أبي حنيفة وصاحبيه، والقص منه حتى يوازي الحرف الأعلى من الشفة العليا سنة بالإجماع، انتهى.\n(٢) قال الغزالي: اختلف السلف فيما زاد من اللحية، فقيل: لا بأس أن يقبض عليها ويقص ما تحت القبضة، كان ابن عمر يفعله، ثم جماعة من التابعين، والأمر في هذا قريب لأن الطول المفرط قد يشوه الخلقة، قال النووي: والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقًا ويتركها على حالها كيف كانت لحديث أعفوا اللحى، وأما حديث عمرو بن عشيب بسنده أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته، فرواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به، هكذا في البذل، وفي الدر المختار: لا بأس بأخذ أطراف اللحية والسنة فيها القبضة، قال ابن عابدين: كذا ذكره محمد في كتاب الآثار عن الإمام، قال: وبه نأخذ، انتهى.","vol":"3","page":402},{"text":"فعله ﷺ أن الإعفاء مسنون بحيث يخرج من التشبه بالهنود والمجوس فحسب. قوله [مستلقيًا] وعلة المنع فيه كشف العورة فحيث (١) لا توجد العلة لم يحرم وضع الرجل على الرجل. قوله [اشتمال الصماء] والنهي فيه أيضًا معلول بكشف الستر عند قوم، وقيل: لمشابهة اليهود، أو لعدم (٢) الاختيار بعد ذلك.\n_________\n(١) وبذلك جمع بين هذا الحديث وبين النهي الآتي جماعة من الشراح، وجمع المظهر كما في المرقاة، والشيخ في البذل بطريق آخر فقالا: الاستلقاء على نوعين، إما أن تكون رجلاه ممدودتين إحداهما فوق الأخرى ولا بأس بذلك، أو يكون ناصبًا ساق إحدى الرجلين ويضع الرجل الأخرى على الركبة المنصوبة، فعلى هذا إذا كان لابسًا الإزار فيحتمل الكشف وهو محمل النهي، وأما إذا كان عليه سراويل فيجوز في الحالتين لعدم احتمال الكشف.\n(٢) والأصل أن الاختلاف مبني على الاختلاف في تفسير الصماء، قال الشيخ في البذل: اختلف اللغويون والفقهاء في تفسير اشتمال الصماء، فقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب حتى يحلل جميع بدنه، ولا يرفع منها جانبًا، وقيل لها الصماء لأنه إذا اشتمل بها لسدت بها المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق، وأما تفسير الفقهاء فهو أن يشتمل بثوب ليس عليه غيره، ثم يرفعه من إحدى جانبيه فيضعه على أحد منكبيه، وعلى هذا فإنما نهى عنه، لأنه يؤدي إلى كشف العورة، وعلى تفسير أهل اللغة إنما هي مخافة أن يعرض له شيء فيحتاج إلى رده بيده ولا يجد إلى ذلك سبيلًا، انتهى. قلت: ومبنى القول الثاني ما ورد في الروايات من قوله ﷺ، ولا يشتمل اشتمال اليهود.","vol":"3","page":403},{"text":"قوله [والاحتباء] أيضًا (١) منهي لذلك، وعلى هذا فالمنهيات الثلاثة معللة بشيء واحد هو كشف العورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>[باب ما جاء في حفظ العورة]</span>\nأي من غيره. قوله [ما نأتي منها] أي نريها غيرنا منا وما نراها من غيرنا. قوله [فالله أحق أن يستحيي منه] أي يمتثل بأمره (٢) تعالى، وإن لم يكن ثمة أحد، قوله [ولا يجلس على تكرمته\n_________\n(١) كما يدل عليه مجموع ألفاظ الرواية، ففي المشكاة برواية مسلم عن جابر: وأن يشتمل الصماء أو يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه، ولفظ النسائي على ما حكاه القاري: وأن يجتبي في ثوب ليس على فرجه منه شيء، قال القاري: فالنهي إنما هو بقيد الكشف، وإلا فهو جائز، بل مستحب في غير حالة الصلاة، فإن كان يتحقق منه كشف العورة فهو حرام، وإن كان يحتمل فهو مكروه، انتهى.\n(٢) ففي الدر المختار في شروط الصلاة: الرابع ستر عورته، ووجوبه عام ولو في الخلوة على الصحيح إلا لغرض صحيح، قال ابن عابدين: قوله ولو في الخلوة، أي إذا كان خارج الصلاة يجب الستر بحضرة الناس إجماعًا، وفي الخلوة على الصحيح، أما لو صلى في الخلوة عريانًا ولو في بيت مظلم وله ثوب طاهر لا يجوز إجماعًا، ثم الظاهر أن ما يجب ستره في الخلوة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة فقط. حتى أن المرأة لا يجب عليها ستر ما عدا ذلك وإن كان عورة، وقوله على الصحيح، لأنه تعالى وإن كان يرى المستور كما يرى المكشوف، لكنه يرى المكشوف تاركًا للأدب والمستور متأدبًا، وهذا الأدب واجب مراعاته عند القدرة، وقوله إلا لغرض صحيح، كتغوط واستنجاء، وحكى الاختلاف في الاغتسال.","vol":"3","page":404},{"text":"إلخ] اشتراط الجلوس عليها بالإذن مشعر بجوازه، وغرض المؤلف من إيراد الأبواب المذكورة هاهنا إثبات أن شيئًا منها لا يكره، وليس بداخل في دأب الجبابرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>[باب الرجل أحق بصدر دابته]</span>\nقوله [إلا أن (١) تجعله لي] يخدشه أنه كان قد تأخر، فكيف يقال له إلا أن تجعله لي؟ والجواب أن تأخره لم يك بعد علمه بأحقية نفسه فلعله تأخر أدبًا واستحياء، أو لما علم أنه ﷺ أحق به فتأخر لذلك، وكان مقصوده ﵇ إظهار المسألة له فأعلمه بكونه أحق بصدر دابته، ثم سأله بعد ذلك هل هو راض بتقديمه ﵇ بعد العلم بأنه أحق أم لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>[باب الرخصة في اتخاذ الأنماط]</span>\nقوله [فأنا أقول لها أخرى إلخ] وقوله ذلك بعد العلم (٢) بالجواز بناء على الزهد إلا أن يتركها إذا أصرت ورأى سررورها بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>[باب في ركوب ثلاثة على دابة]</span>\nقوله [هذا قدامه وهذا خلفه] لا تعيين\n_________\n(١) قال القاري: أي تجعل لي الصدر صريحًا، وفيه بيان إنصاف رسول الله ﷺ وتواضعه وإظهار الحق المر حيث رضى أن يركب خلفه، ولم يعتمد على غالب رضاه، انتهى.\n(٢) وعلم جوازه من إخباره ﷺ بدون النكير عليه، ولذا استدلت به على الجواز امرأة جابر، وسكت عليه جابر، ولذا بوب عليه المصنف باب الرخصة، وبوب عليه في مسلم «باب جواز اتخاذ الأنماط» قال النووي: جمع نمط بفتح النون والميم، وهو ظهارة الفراش، ويطلق أيضًا على بساط لطيف له خمل على الهودج، وقد يجعل سترًا، والمراد في الحديث النوع الأول، وفيه جواز اتخاذ الأنماط إذا لم تكن من حرير، وفيه معجزة ظاهرة بإخباره بها، وكانت كما أخبر، انتهى.","vol":"3","page":405},{"text":"في الإشارة حتى يعين أيهما كان أمامه وأيهما خلفه، ثم النهي عن (١) إركاب الثلاثة مبني على أنه يشق على الدابة، وقد انتفت العلة هاهنا لكونهما صغيرين، وعلى هذا فحيث لا يطيق الدابة راكبين لم يجز إركابهما، وحيث أطلق ثلاثة جاز (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>[باب في نظرة الفجاءة]</span>\nقوله [لا تتبع النظرة للنظرة] وقد علم (٣)\n_________\n(١) كما أخرج الطبراني في الأوسط عن جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يركب ثلاثة على دابة، وسنده ضعيف، وأخرج الطبري عن أبي سعيد رفعه: لا يركب الدابة فوق اثنين، وفي سنده لين، وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل زاذان أنه رأى ثلاثة على بغل فقال: لينزلن أحدكم، فإن رسول الله ﷺ لعن الثالث، وغير ذلك من الروايات والآثار التي ذكرها الحافظ.\n(٢) قال النووي: في الحديث دليل لجواز ركوب ثلاثة على دابة إذا كانت مطيقة، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، وحكى القاضي عن بعضهم منع ذلك مطلقًا، وهو فاسد، انتهى. وتعقبه الحافظ بأنه لم يصرح أحد بالجواز مع العجز ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيد، انتهى. وقلت: وما أفاده الشيخ من قيد الطاقة مستنبط مما أخرجه الطبراني وابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابة إذا أطاقت حمل ذلك، قال الحافظ: وبهذا يجمع بين مختلف الحديث في ذلك فيحمل ما ورد في الزجر عن ذلك على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة كالحمار مثلًا، وعكسه على عكسه كالناقة والبغلة، انتهى.\n(٣) وأيضًا علم من حديث الباب كما أفاده الطيبي أن الأول نافعة كما أن الثانية ضارة لأن الناظر إذا أمسك عنان نظره ولم يتبع الثانية أجر، انتهى. قلت: وفي المشكاة برواية أحمد عن أبي إمامة مرفوعًا: ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة، ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عباده يجد حلاوتها، انتهى. ولا يذهب عليك ما في وجدان الحلاوة من الدقة.","vol":"3","page":406},{"text":"بالحديث السابق أن إدامة النظرة في حكم النظرة الثانية. قوله [أفعمياوان أنتما] وأنت (١) تعلم أن النهي في هذا الحديث وكذا الذي قبله مبني على خوف الفتنة\n_________\n(١) قال القاري: عمياوان تثنية عمياء تأنيث أعمى، قيل: في الحديث تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي مطلقًا، وخصه بعضهم بحال خوف الفتنة جمعًا بينه وبين قول عائشة: كنت أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد، ومن أطلق التحريم قال ذلك قبل آية الحجاب، والأصح أنه يجوز نظر المرأة إلى الرجل فيما فوق السرة وتحت الركبة بلا شهوة، وهذا الحديث محمول على الورع والتقوى، قال السيوطي: كان النظر إلى الحبشة عام وقدومهم سنة سبع ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة، وذلك بعد الحجاب، فيستدل به على جواز نظر المرأة إلى الرجل، انتهى. قلت: ولكنه مقيد بعدم خوف الفتنة، فلا يصح الاستدلال به على الجواز في زماننا هذا، كيف والدور مملو بالشهوات والملاهي، وقد قالت عائشة ﵂ في زمانها: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل، قلت: وقد قال ﷺ: لكن ليخرجن وهن تفلات، وقال النبي ﷺ: المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها، وعن أم نائلة قالت: جاء أبو برزة فلم يجد أم ولده في البيت، وقالوا: ذهبت إلى المسجد فلما جاءت صاح بها، فقال: إن الله نهى النساء أن يخرجن وأمرهن أن يقرن في بيوتهن، الحديث. وسيأتي عند المصنف عن النبي ﷺ: ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء، وعن ابن مسعود قال: احبسوا النساء في البيوت، وعن عمر قال: استعينوا على النساء بالعرى، إن إحداهن إذا كثرت ثيابها وحسنت زينتها أعجبها الخروج، هكذا في الدر المنثور، قلت: ولله دره ﵁، فإن المرأة إذا قلت ثيابها وزينتها هجرت شركة حفلات أقاربها حتى الخروج إلى أماكن الأموات أيضًا.","vol":"3","page":407},{"text":"وإلا فقد قالت الفقهاء بجواز (١) النظر إلى الأجنبية، وكذا للمرأة أن تنظر من الرجل ما فوق السرة إلا أن تخاف الفتنة، فعلى هذا يمكن أن يقال: علم النبي ﷺ ها هنا فتنة لعلة لم ندركها، ولم يخف حيث أوى عائشة -﵂- فلا حاجة إلى ما تكلفوا في الجمع بينهما. قوله [على أسماء ابنة عميس] وكنت (٢) نحت على وبينها وبين عمرو بن العاص قرابة من غير محرمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>[باب في كراهية اتخاذ القصة]</span>\nقوله [أين علماؤكم إلخ] وكان معاوية ﵁ بعد حجه (٣) أي المدينة فكان يمر بالسوق حتى وجد قصة فأخذها،\n_________\n(١) ففي الهداية: لا يجوز أن ينظر الرجل إلى الأجنبية إلا إلى وجهها وكفيها، فإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة، وقوله لا يأمن يدل على أنه لا يباح إذا شك في الاشتهاء، ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه إذا أمنت الشهوة، وفي كتاب الخنثى من الأصل أن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي بمنزلة نظر الرجل إلى محارمه لأن النظر إلى خلاف الجنس أغلظ، انتهى مختصرًا.\n(٢) كانت من المهاجرات إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فولدت له هناك أولادًا، فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر ﵁ فولدت له محمدًا، ثم تزوجها علي فولدته له، هكذا في الإصابة.\n(٣) وكان أخر حجة حجه في خلافته سنة إحدى وخمسين، قاله الحافظ.\nوقال أيضًا في موضع آخر: وعند الطبراني من طريق عروة عن معاوية من الزيادة قال: وجدت هذه عند أهلي، وزعموا أن النساء يزدنه في شعورهن، وهذا يدل على أنه لم يكن يعرف ذلك في النساء قبل ذلك، وفي رواية سعيد بن المسيب: ما كنت أرى يفعل ذلك إلا اليهود، ولمسلم من وجه آخر عن سعيد بن المسيب: إن معاوية قال: إنكم أخذتم زي سوء، وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة، والحرسى بفتح الحاء والراء والسين المهملات نسبة إلى الحرس، وهم خدم الأمير الذي يحرسونه، ويقال للواحد حرسى لأنه اسم جنس.","vol":"3","page":408},{"text":"وتعجب من علماء المدنية لا يمنعون من اتخاذها وبيعها وشرائها، فلذا يعظهم ويؤبخهم على ترك العظة وارتكاب الغفلة حتى شاع بين عامتهم مثل هذه. قوله [لعن الواشمات والمستوشمات] وتغيير الخلق في ذلك ظاهر، ووجه النهي (١) في المتنمصات والواصلات تغرير الخلق مع تغيير خلق الله، فكانت نساء العرب تغالي مهورها على السن والجمال، كما تغالي على النسب والكمال، وفي الوصل وكذا التنمص تلبيس السنن، وكذلك ففيهما إظهار ما ليس فيها من الجمال، فلا بأسا بأخذ ما نبت (٢) عليها من الشعر إذا لم يك فيه تغرير لأحد، وأما\n_________\n(١) قال الخطابي: إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع وتغيير الخلقة وإلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله: المغيرات خلق الله، هكذا في الفتح، وقال الحافظ: هذه الأحاديث حجة لمن قال يحرم الوصل في الشعر والوشم والنمص على الفاعل والمفعول به، وحجة على من حمل النهي فيه على التنزيه، لأن دلالة اللمس على التحريم من أقوى الدلالات، انتهى.\n(٢) قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقصان التماسًا للحسن لا للزوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه، ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل، وقال النووي: يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب، قال الحافظ: وإطلاقه مقيد بإذن الزوج وقال بعض الحنابلة: إن كان النمص أشهر شعارًا للفواجر امتنع، وإلا فيكون تنزيهًا.","vol":"3","page":409},{"text":"الوصل فقد كانت العرب الأوائل يصلون بشعور الإنسان، وقد عرفت ما فيه من التغرير والتلبيس، وحيث انتفت العلتان كما إذا وصلت المنكوحة بالإبريسم أو بغير شعر الإنسان جاز لانتفاء العلة المحرمة فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ وهذا الذي اختاره (١) الفقهاء من العلماء، وأما أصحاب الحديث فاختاروا حرمة الوصل أصلًا لإطلاق ألفاظ الحديث.\nقوله [الوشم في اللثة] ليس ذلك تقييدًا لإطلاق الحديث بل المراد تعريف (٢) الوشم وتمثيله وأنه يكون بحسب ما اعتادوه فيها.\n_________\n(١) اختلفت الشافعية في ذلك على أقوال بسطها النووي، وجملة مسالك الأئمة والعلماء في ذلك كما يظهر من الفتح والنووي وغيرهما أن صلة الشعر بشيء من الشعر وغيره لا يجوز مطلقًا، وهو مذهب مالك والطبري، ويجوز مطلقًا ونسب إلى عائشة، لكن قال النووي: لا تصح النسبة إليها، ويجوز بشيء طاهر سواء كان شعرًا أو غيره إلا شعر الآدمي بشرط إذن الزوج أو السيد، وهو أصح أقوال الشافعية، ولا يجوز بشعر الإنسان مطلقًا، ويجوز بغيره وهو مذهب أحمد والحنفية والليث، وعزاه أبو عبيد إلى كثير من الفقهاء، ولذا حكم عليه الشيخ بمذهب الفقهاء، وفي الدر المختار، وصل الشعر بشعر الآدمي حرام سوءا كان شعرها أو شعر غيرها، قال ابن عابدين: إنما الرخصة في غير شعر بني آدم، وحكى عن الخانية جواز الوبر.\n(٢) قال أهل اللغة: الوشم بفتح ثم سكون أن يغرز في العضو إبرة أو نحوها حتى يسيل الدم ثم يحشى بنورة أو غيرها فيخضر، وقال أبو داود في السنن: الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، أو ذكر الوجه للغالب، وأكثر ما يكون في الشفة، وعن نافع عند البخاري أنه يكون في اللثة، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد. وقد يفعل ذلك نقشًا، وقد يجعل دوائره، وقد يكتب اسم المحبوب، وتعاطيه حرام بدلالة اللعن، هكذا في الفتح.","vol":"3","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>[باب في كراهية خروج المرأة متعطرة]</span>\nقوله [فهي كذا وكذا] لأن (١) الطيب داع إلى الفتنة والنساء طبعًا. قوله [طيب الرجال إلخ] أي ما ينبغي لهم وما هو لائق بحالهم، وكذلك في النساء فإن النساء لما أمرن بالتحجب والتحلي يجب أن يكون تلبسهن بما لا يفوح حتى يقصر عليها، وعلى محارمها وأزواجها، بخلاف الرجال فإن الأولى لهم من الألوان هو البياض واللون يخالف بخلاف ما يفوح من الطيب فإنه يناسبهم لحضورهم المجامع والمشاهد، وغشيانهم المجالس والمساجد.\nقوله [نهى عن الميثرة (٢) الأرجوان] فمن قال بحرمة الحرة\n_________\n(١) قال الشيخ في البذل: ولفظ النسائي فهي زانية، سماه النبي ﷺ زانية مجازًا لأنها رغبت الرجال في نفسها فأقل ما يكون هذا سببًا لرؤيتها، وهي زنا العين، انتهى. والحديث أخرجه أبو داود برواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين، وزاد في آخره قال سعيد: أراه (أي قتادة) قال: إنما حملوا قوله في طيب النساء على أنها إذا خرجت، فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت، انتهى.\n(٢) الميثرة بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بعدها راء مهملة ثم هاء، هكذا في الفتح، وفي المجمع: بكسر الميم وسكون الهمزة، وقال الحافظ: لا همزة فيها، أصلها من الوثارة، والوثرة بكسر الواو وسكون المثلثلة والوثير الفراش الوطئي، وامرأة وثيرة كثيرة اللحم، وفي المجع هي: وطاء محشو أصله الواو وميمه زائدة من وثر وثارة فهو وثير، أي وطئى لين يتخذ كالفراش الصغير ويحشى بقطن أو صوف، والأرجوان بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو خفيفة، وحكى عياض والقرطبي فتح الهمزة، وأنكره النووي، وصوب أن الضم هو المعروف في كتب الحديث واللغة، واختلفوا في المراد به، فقيل: هو صبغ أحمر شديد الحمرة، وقيل: الصوف الأحمر، وقيل: كل شيء أحمر فهو أرجوان، هكذا في الفتح، وفي المجع: ورد أحمر أو صبغ أحمر، والأكثر في كلامهم إضافة الثوب والقطيفة إليه، وقا القاري: وفي النهاية: هو معرب أرغوان هو شجر له نور أحمر، وكل لون يشبهه فهو أرجوان، وفي القاموس: الأرجوان بالضم الأحمر، والمفهوم من كلام بعضهم أن الميثرة لا تكون إلا حمراء، فالتقييد إما للتأكيد أو بناء على التجريد، انتهى. وفي البخاري برواية عاصم عن أبي بردة عن علي: الميثرة كانت النساء تصنعه لبعولتهن مثل القطائف يصفونها، قال المحشى عن القسطلاني: من الصفرة، وفي العيني: من التصفير، وفي الفتح: يصفونها، أي يجعلونها كالصفة، ثم قال البخاري: وقال جرير عن يزيد في حديثه: الميثرة جلود السباع، قال أبو عبد الله: قول عاصم أكثر وأصح في الميثرة، قال النووي: هذا التفسير باطل، وقال الحافظ: ليس بباطل، بل يمكن توجيهه، وهو ما إذا كانت المثيرة وطاء صنعت من جلد ثم حشيت، والنهي حينئذ إما لأنها من زي الكفار أو لأنها لا تعمل فيها الذكاة، وقال أبو عبيد: المياثر الحمراء التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير، ثم قال الحافظ بعد ذكر الاختلاف في تفسير المياثر: فإن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير، وتقييدها بالأحمر أخص، فيمتنع إن كان حريرًا، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير، فالنهي للزجر عن التشبه بالأعاجم أو للسرف أو التزين، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وقيل: من زي المترفين.","vol":"3","page":411},{"text":"مطلقًا (١) علل الحرمة في المياثرة، ومن قال بجواز الحمرة قال بأن المياثر كانت\n_________\n(١) واختلف في الأحمر اختلافًا كثيرًا، قال الحافظ: للعلماء فيه سبعة أقوال، ثم بسطها، وقال صاحب الدر المختار: للشرنبلالي فيه رسالة ذكر فيها ثمانية أقوال منها أنه مستحب.","vol":"3","page":412},{"text":"تكون معصفرة، والمعصفر والمزعفر حرام مطلقًا وهو التحقيق، لا أن كل حمرة أو كلون العصفر (١) حرام.\nقوله [ثلاث لا ترد] لأن الطباع مائلة إليها فالرد فيها لا يكون إلا محضًا من التكلف الظاهري إذ ليس (٢) فيها مؤنة وشقة على المهدي حتى يتعلل بأن الرد لأجل الإبقاء عليه فلا يكون إلا تكبرًا، قوله [والدهن] أي العطر (٣) فإنه لا يكون إلا دهنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>[باب ما جاء في حفظ العورة]</span>\nأي من نفسه فلا تكرار (٤).\n_________\n(١) عطف على الحمرة بتقدير الحذف، أي ولا أن كل لون يكون كلون العصفر حرام.\n(٢) ولذا ورد: من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل، قال القرطبي: بفتح الميمين معناه الحمل لأنه لا مؤنة لحمله ولا منة يلحق في قبوله لجريان عادتهم بذلك، لكن المسك المنة فيه ظاهرة، وكذا عدم خفة المحمل لغلاء ثمنه، هكذا في البذل، قلت: كأنه أشار إلى أن محمل الحديث ما لا غلاء فيه ولا منة، فما لم يكن بهذه المثابة لا يدخل في الحديث.\n(٣) كما حكاه المحشى عن اللمعات إذ قال: أراد بالدهن الطيب إما أن يكون المراد الدهن المطيب أو على طريقة ذكر الخاص وإرادة العام، انتهى.\nوالحديث أخرجه المصنف في شمائله بهذا السند والمتن، قال القاري في شرحه: (الوسائد والدهن] وفي نسخة صحيحة بدله (الطيب) ولعل المراد بالدهن هو الذي له طيب فعبر تارة عنه بالطيب، وأخرى بالدهن، انتهى. وقال في شرح المشكاة: الأظهر أن المراد به مطلق الدهن لأن العرب تستعمله في شعور رؤوسهم، انتهى.\n(٤) يعني أن الترجمة بظاهرها مكررة فإنها تقدمت قريبًا وذكر فيها حديث الباب برواية يحيى بن سعيد عن بهز، وتظافرت النسخ الهندية والمصرية على الترجمتين معًا.","vol":"3","page":413},{"text":"قوله [فالله أحق أن يستحي منه] ومعنى الاستحياء منه تعالى ليس هو الاستتار منه فإنه لا يخفى عليه خافية بل المراد امتثال أمره سرًا كما تمتثله علانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>[باب في النظافة]</span>\nقوله [إن الله طيب يحب الطيب] ينبغي أن يفرق بين الطيب والنظافة أن الأول من الأنجاس والثاني من الأدناس. قوله [فنظفوا أراه قال: أفنيتكم] ولا تشبهوا باليهود فإن عرصات أفنيتهم كانت تبقى متدنسة ملطخة بالنجاسات لما أنهم كانوا أهل دواب وزروع، فنهى النبي ﷺ أصحابه وكانوا مثلهم أصحاب زرع ودواب أن لا يدنسوا أفنية دورهم كاليهود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>[باب مام جاء في الاستتار عند الجماع]</span>\nأي ما استطاع وتثبت الترجمة بالحديث الوارد فيه بأن الملائكة الحفظة لما لم يفارقوا إلا وقت كشف الستر وجب التقليل في الكشف لئلا يكثر بعدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>[باب في دخول الحمام]</span>\nقوله [فلا يجلس على مائدة يدار عليهم الخمر] وفي حكمه ما سواه من المعاصي، فعلم بذلك أن لا حضور في وليمة كانت عليها معصية وإن لم تكن على المائدة ففيه تفصيل ذكره في الهداية (١).\n_________\n(١) ولفظها: من دعي إلى وليمة أو طعام فوجد ثمة لعبًا أو غناء فلا بأس بأن يقعد ويأكل، قال أبو حنيفة: ابتليت بهذا مرة فصبرت، وهذا لأن إجابة الدعوة سنة، قال ﷺ: من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم، فلا يتركها لما اقترنت به من البدعة من غيره كصلاة الجنازة واجبة الإقامة وإن حضرتها نياحة فإن قدر على المنع منعهم، وإن لم يقدر يصير، وهذا إذا لم يكن مقتدى، فإن كان ولم يقدر على منعهم يخرج ولا يقعد، لأن في ذلك شين الدين، وفتح الباب المعصية على المسلمين، والمحكي عن أبي حنيفة كان قبل أن يصبر مقتدى، ولو كان ذلك على المائدة لا ينبغي أن يقعد وإن لم يكن مقتدى لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا كله بعد الحضور، ولو علم قبل الحضور لا يحضر لأنه لم يلزمه حق الدعوة بخلاف ما إذا هجم عليه لأنه قد لزمه، ودلت المسألة على أن الملاهي كلها حرام حتى التغني بضرب القضيب، وكذا قول أبي حنيفة: ابتليت لأن الابتلاء بالمحرم يكون، انتهى. وقريب منه ما في الدر المختار وغيره من كتب الفروع.","vol":"3","page":414},{"text":"قوله [ثم رخص للرجال في الميازر] وهذا تنبيه على علة المنع أنه كشف العورة فحيث لا كشف لا نهي، وبذلك يعلم (١) أن الحمام التي كانت مختصة بالنساء ولا يأتيها الرجال وجملة عملتها وخدمها إنما هن النساء لا غير جاز أن يدخلها النساء ولا ينكشفن فيما بينهن.\n_________\n(١) استنباط لطيف من الشيخ، وحاصله أن النوعين لما منعا معًا، ثم رخص للرجال بالأزار حصل به التنبيه على علة الجواز وهي التستر، فلما حصل التستر ولو في حق السماء يجوز لهن أيضًا الدخول وهو ظاهر لا غبار عليه ووجيه لا إشكال فيه، لكن ما يخطر في البال أن الظاهر من النصوص أنهن مع كون الدخول جائزًا لهن بهذه الشروط منعن عن ذلك سدًا للباب كما هو ظاهر السياق، وفي المشكاة برواية أبي داؤد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: لا يدخلنها الرجال إلا بالأزر وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء، وبرواية الترمذي وغيره عن جابر مرفوعًا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، وغير ذلك من النصوص المفرقة بين الرجال والنساء، قال المظهر: وإنما لم يرخص النساء في دخول الحمام لأن جميع أعضائهن عورة، وكشفها غير جائز إلا عند الضرورة، ولا يدخل الرجال بغير إزار، قال القارئ: لا يخفى أنه لا يظهر من كلامه حكمة الفرق بين الرجال والنساء في النهي فإن النساء مع النساء كالرجال مع الرجال من غير فرق، ولعل الوجه في منع النساء أنهن في الغالب لا يستحيى بعضهن من بعض، وينكشفن وينظر بعضهن إلى بعض حتى في الأجانب فضلًا عن القرائب، وأما البنت مع الأم أو مع الجارية وأمثالهما فلا كثير من الحمامات للنساء خصوصًا في بلاد العجم، وأنه لا تتزر منها إلا نادرة العصر من نسوان السلاطين أو الأمراء، انتهى.","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-782>[باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر الرجال]</span>\nعقد الترجمة بهذا اللفظ تنبيهًا على أن النهي في الحديث الوارد في هذا الباب إنما هو لكونه معصفرًا لا للحمرة فكأنه شرح الحديث بالترجمة، وهذا هو التحقيق أن الحمرة ليست حرمتها مطلقة، إنما الحرام (١) على الرجال هو المعصفر والمزعفر ما بدأ لونهما أو إذا غسل بحيث لا يكاد لونه أن يبدو إلا قليلًا لا يحرم.\nقوله [وإبرار المقسم] له معنيان: أقسم رجل على ما لم يطق أن يفعله وجب إعانته حتى يفعل، والثاني أنه أقسم بما (٢) هو مختص بك كان لم تأتني غدًا\n_________\n(١) ففي الدر المختار: كره لبس المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال مفاده أنه لا يكره للنساء، انتهى.\n(٢) وقال القارئ: والمعنى أنه لو حلف أحد على أمر مستقبل، وأنت تقدر على تصديق يمينه ولم يكن فيه معصية كما لو أقسم أن لا يفارقك حتى تفعل كذا وأنت تستطيع فعله فأفعل كيلا يحنث، وقيل: إبراره في قوله لتفعلن كذا، انتهى. قلت: مال المعنى الأول من كلام القارئ ومعنى الثاني من كلام الشيخ واحد، والاحتمال الثاني من كلام القارئ هو معنى ثالث للرواية، ولها معنى آخر وهو المشهور أن يقسم أحد بأن يقول: أقسمت عليك، فهذا وإن لم يكن حلفًا شرعًا لكن الأولى أن يفعل ما سأله الملتمس احترامًا لاسمه عز اسمه.","vol":"3","page":416},{"text":"فعبدي حر أو مثل ذلك فينبغي لك الذهاب إلى بيته حتى لا يحنث، وأورد (١) هذا الحديث ها هنا تمامًا للحديث الوارد قبله وإن لم يكن من هذا الباب.\nقوله [أسمال مليتين] إذا أضيفت (٢) التثنية إلى التثنية جاز لك أن تجمع المضاف. قوله [أقبية] وهي كالقميص إلا أنها (٣) مشقوقة من خلف.\n_________\n(١) هذا الكلام لم يكن في التقرير بل كان مكتوبًا بيد الشيخ على هامش كتابه فأوردته تكميلًا للفائدة، ويمكن توجيه المناسبة بأن يقال: إن الأمر السابع لم يذكر في هذا الحديث وهو الميثرة الحمراء كما في رواية الصحيحين وغيرهما ولفظة «أو» شك من الراوي، وتوجيه ذكر الحمرة في هذا الباب تقدم في كلام الشيخ.\n(٢) وفي الحاشية: أسمال جمع سمل بسين مهملة وميم مفتوحة: الثوب الخلق، والمراد بالجمع ما فوق الواحد على أن الثوب الواحد قد يطلق عليه أسمال باعتبار اشتماله على أجزاء، وحينئذ فلا إشكال في إضافته إضافة بيانية إلى مليتين تصغير ملاءة بالضم والمد لكن بعد حذف الألف، ولا يقال: ملية، وهو كما في القاموس كل ثوب لم يضم بعضه ببعض بخيط بل كله نسج واحد، وفي النهاية: هي الازار، وفي الصحاح: هي الملحفة، قاله ابن حجر المكي في شرح للشمائل، انتهى. قلت: ثم ما ذكر المصنف أن في الحديث قصة طويلة، قال القارئ في شرح الشمائل: أخرجها الطبراني في الكبير في قريب زمن ورقتين، وتركته لأن النسخة كانت سقيمة ومصحفة محرفة جدًا بحيث ما كان يفهم المقصود منه، انتهى.\n(٣) وترجم البخاري في صحيحه «باب القباء وفروج حرير وهو القباء، ويقال: هو الذي له شق من خلفه» قال الحافظ: القباء بفتح القاف والموحدة ممدود فارسي معرب، وقيل: عربي واشتقاقه من القبور وهو الضم، ويقال: الفروج هو الذي له شق من خلفه فهو قباء مخصوص، وقال القرطبي: القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلفه يلبس في السفر والحرب لأنه أعون على الحركة، وقال ابن بطال: القباء من لبس الأعاجم، هكذا في الفتح والعيني.","vol":"3","page":417},{"text":"قوله [فقال: رضى مخرمة] من كلام (١) النبي ﷺ أو من كلام مخرمة.\nقوله [الشؤم في ثلاثة] وأصح (٢) التأويلات فيه أن الشؤم يراد به\n_________\n(١) قال الحافظ في اللباس: جزم الداؤدي بالأول، ورجحت في الهبة الثاني، انتهى مختصرًا.\n(٢) وإنما احتيج إلى التوجيهات لمخالفته الحديث الصحيح المرفوع: لا عدوى ولا طيرة. وفي أبي داؤد برواية ابن مسعود مرفوعًا: الطيرة شرك ثلاثًا، والتطير والتشاؤم واحد، وجمع بينهما بوجوه كثيرة بسطها الحافظ وغيره من شراح البخاري لا يسعها هذا المختصر. والوجه الذي أختاره الشيخ في الجمع بينهما موجه بأنه مؤيد بعدة روايات، وذهب إليه أيضًا بعض السلف، قال الحافظ: وقيل يحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع، وهو كحديث سعد بن أبي وقاص رفعه: من سعادة المرأ المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء، أخرجه أحمد، وهذا يختص ببعض أنواع الأجناس المذكورة دون بعض، وبه صرح ابن عبد البر فقال: يكون لقوم دون قوم وذلك كله بقدر الله، وقال أيضًا في موضع آخر: أخرج أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعًا: من سعادة ابن آدم ثلاثة، الحديث، بلفظ المركب الصالح، وفي رواية لابن حبان: المركب الهنئ والمسكن الواسع، وفي رواية للحاكم: وثلاثة من الشقاء، المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفًا فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيقة قليل المرافق وللطبراني من حديث أسماء: من شقاء المرأ في الدنيا سوء الدار والمرأة والدابة، وفيه: سوء الدار ضيق ساحتها وخبث جيرانها، وسوء الدابة منعها ظهرها وسوء طبعها، وسوء المرأة عقم رحمها وسوء خلقها، انتهى.","vol":"3","page":418},{"text":"معنيان: النحوسة المطلقة، والثاني اشتماله على ما تكرهه الطبيعة ويجتذب منه المشاق، وكونه سببًا لما تنتفر منه الطبيعة فحيث نفى الشؤم أصلًا أو قال (١): لو كان الشؤم لكان في هذه الثلاثة فالمراد هو المعنى الأول وحيث أثبته أراد الثاني.\nقوله [ورواية سعيد أصح] يعني (٢) أن ذكر حمزة من تلامذة سفيان لا يثبت فذكر ابن أبي عمر عن سفيان أنه ذكر حمزة يكون غير صحيح، نعم لو نسب إلى غير سفيان من أصحاب الزهري كان له وجه كما ذكروه عن مالك وغيره.\n_________\n(١) وعليه حمل الإمام محمد في موطأه أحاديث الإطلاق إذ ذكر أولًا حديث الشؤم في المرأة والدار والفرس، ثم قال: قال محمد: إنما بلغنا أن النبي ﷺ قال: إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس، انتهى. فكأنه أشار إلى أن أصل الحديث بلفظ إن الشرطية، وقد علم من الأحاديث الأخر النافية للطيرة أن الشرط لم يتحقق.\n(٢) حاصل كلام الترمذي أنه رجح رواية سعيد التي ليس فيها ذكر حمزة على رواية ابن أبي عمر التي فيها ذكر حمزة، واستدل على مرامه بأن علي بن المديني والحميدي رويا عن سفيان أنه كان يقول: لم يرو لنا الزهري هذا الحديث إلا عن سالم عن ابن عمر، وتعقب الحافظ كلام الترمذي هذا وبسط الروايات التي فيها ذكر حمزة أيضًا، وقال في آخره: فالظاهر أن الزهري يجمعهما مرة ويفرد أحدهما أخرى، انتهى. وحاصل ما أفاده الشيخ توجيه لكلام الترمذي بحيث لا يرد عليه تعقب الحافظ، بأن إيراد الترمذي مقتصر على رواية سفيان فقط، وليس مقصوده الإيراد على جميع الروايات التي ورد فيها ذكر حمزة، كيف وقد روى عن مالك وغيره أيضًا.","vol":"3","page":419},{"text":"قوله [عن معاوية بن حكيم إلخ (١)]. [باب لا يتنافى اثنان دون الثالث]\nقوله [فإن ذلك يحزنه] فلعله يظن أنهما يتشاوران في أو لقلة (٢) الالتفات.\n_________\n(١) بياض في المنقول عنه بعد ذلك، ولعل الشيخ أراد كتابة توجيه الحديث فلم يتفق له، والمحدثون تكلموا على هذا الحديث، قال الحافظ: وأما ما أخرجه الترمذي من حديث حكيم بن معاوية، ففي إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة، انتهى. وأنت خبير بأنه لا يخالف حديثًا على المحمل الذي حمل عليه الشيخ أحاديث الشؤم، فإنها بهذا المعنى تكون مختصة ببعض الأنواع كما صرح به ابن عبد البر، فيبقى اليمن في أفراد أخر، فتأمل.\n(٢) يعني يكون سبب الحزن ما يظهر من قطنهما هذا قلة التفاتهما إلى الثالث، وقريب منه ما قالوا إنه يخالف إكرام المؤمن، وما قال الطحاوي في مشكلة من سوء الأدب بالثالث، وقيل: سبب الحزن ما يتوهم من فعلهما سوء رأيهما فيه، وأنه ليس ممن يعتمد عليه، أو خوف الغيلة وغيرها، كما أشار إليه الشيخ، ثم في الحديث عدة أبحاث: الأول علة النهي وقد تقدم، والثاني ما قال عياض: قيل كان هذا في أول الإسلام، فلما فشا الإسلام وأمن الناس، أي بعضهم عن بعض عن الغائلة وغيرها سقط هذا الحكم، قال صاحب الجمل: ذهب بعض الناس إلى أن ذلك في أول الإسلام، لأن ذلك كان حال المنافقين، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، انتهى. وتعقبه القرطبي بأن هذا تحكم وتخصيص لا دليل عليه، والثالث ما قال الجمهور: لا فرق في ذلك بين السفر والحضر، وحكى الخطابي عن أبي عبيد بن جربويه أن الحكم مختص بالسفر في الموضع الذي لا يأمن الرجل على نفسه، وأما في الحضر والعمارة فلا، وحكى عياض نحوه ولفظه: قيل المراد بهذا الحديث السفر والمواضع التي لا يأمن فيها الرجل رفيقه،","vol":"3","page":420},{"text":"_________\nأو لا يعرفه، أو لا يثق به ويخشى منه، قال: وقد روى في ذلك أثر يعني ما أخرج أحمد بسنده إلى عبد الله بن عمرو رفعه: لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن يتناجى اثنان دون صاحبهما، وفي سنده ابن لهيعة، وعلى تقدير ثبوته فتقييده بأرض الفلاة يتعلق بإحدى علتي النهي، وهي توهم أنهما يتفقان على غائلة تحصل له منهما، وأحاديث الإطلاق تتعلق بالعلل الآخر، قال ابن العربي: الخبر عام اللفظ والمعنى والعلة الحزن موجودة في السفر والحضر فوجب أن يعمهما النهي جميعًا، والرابع أن ذكر الاثنين في أحاديث الباب ليس احترازًا، بل المنهي عنه ترك واحد، وقد نقل ابن بطال عن أشهب عن مالك: لا يتناجى ثلاثة دون واحد ولا عشرة لأنه نهى أن يترك واحد، وقال المازري ومن تبعه: لا فرق في المعنى بين الاثنين والجماعة لوجود المعنى في حق الواحد، قال القرطبي: بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأشد، فليكن المنع أولى، وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتصور فيه ذلك المعنى، قال ابن بطال: وكلما كثر الجماعة كان أبعد لحصول الحزن، ووجود التهمة، فيكون أولى، والخامس ما قال الحافظ: ويستثنى من هذا الحكم ما إذا إذن من يبقى، فإن المنع يرتفع لكونه حق من يبقى، وقال النووي: النهي في الحديث للتحريم إذا كان بغير رضاه، وقال في موضع آخر: إلا بإذنه، أي صريحًا كان أو غير صريح، والإذن أخص من الرضا، لأن الرضا قد يعلم بالقرينة، فيكتفي بها عن التصريح، والرضا أخص من الإذن من وجه آخر لأن الإذن قد يقع مع الإكراه ونحوه، والرضا لا يطلع على حقيقته، لكن الحكم لا يناط إلا بالإذن الدال على الرضا، هكذا في الفتح، وفيه أن الرضا كما يعلم بالقرينة فكذلك الإذن، نعم لو قيل: إن الرضاء قد يحصل لكن لا يقدر على الإذن لعارض كمنع رجل كبير له بالإذن لكان له وجه، فتأمل. والسادس ما قال الحافظ أيضًا: إذا انتجى اثنان ابتداء وثم ثالث بحيث لا يسمع كلامهما لو تكلما جهرًا فأتى ليستمع عليهما فلا يجوز، كما لو لم يكن حاضرًا معهما، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد من رواية سعيد المقبري، قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث فقمت إليهما، فلطم صدري وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما، زاد أحمد في روايته من وجه آخر عن سعيد، قال: أما سمعت أن النبي ﷺ قال: إذا تناجى اثنان، قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجين في حال تناجيهما، انتهى. والسابع ما تقدم عن النووي أن النهي للتحريم. وهكذا حكاه عنه القارئ إذ قال: قال النووي: وهذا النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد نهى تحريم، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا بإذنه، وهو مذهب ابن عمر ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء، وهو عام في كل الأزمان سفرًا وحضرًا، انتهى. وفي المسوى لشيخ مشايخنا الدهلوي أن النهي نهى تأديب، انتهى. وقريب منه ما في إنجاح الحاجة من أنه بعيد عن شأن المسلم.","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>[باب في العدة]</span>\nقوله [فلم يعطونا شيئًا] فعلم أن الهبة لا تتم دون القبض ولا يثبت بالوعد ملك الموهوب وإلا لمنعهم (١) العامل عنها.\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه، والظاهر أن فيه تحريفًا من الناسخ، والصواب لما منعهم العامل، ثم المسألة خلافية، قال العيني: شرط فيها القبض عند أكثر الفقهاء والتابعين، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد إلا أن أحمد يقول: إن كانت الهبة عينًا تصح بدون القبض في الأصح، وفي المكيل والموزون لا تصح بدونه، وعند مالك يثبت فيها الملك قبل القبض اعتبارًا بالبيع، وبه قال أبو ثور والشافعي في القديم، انتهى. وقال الحافظ: قول الجمهور أنها لا تتم إلا بالقبض، وعن القديم، وبه قال أبو ثور وداؤد تصح بنفس العقد وإن لم تقبض، وعن أحمد تصح بدون القبض في العين المعينة دون الشائع، وعن مالك كالقديم لكن قال: إن مات الواهب قبل القبض وزادت على الثلث افتقر إلى إجازة الوارث، انتهى. قلت: ومن لم يشترط في الهبة القبض حمل الحديث على العدة، كما يشير إليه تبويب المصنف، ومذهب الجمهور فيها أنها لا تجب بل مندوب، ونقل المهلب الاتفاق عليه، قال الحافظ: نقل الإجماع مردود فالخلاف فيه مشهور، لكن القائل به قليل، وأجل من حكى عنه عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب كأن يقول لآخر: تزوج ولك كذا، فتزوج وجب الوفاء به وإلا لا، انتهى.","vol":"3","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>[باب في فداك أبي وأمي]</span>\nقوله [ما سمعت النبي ﷺ إلخ] أي مطلقًا أو في وقعة أحد، وعدم سماعه ﵁ لا يدل (١) على عدم جمعه ﷺ لغيره.\nقوله [أيها الغلام الحزور (٢)] وإطلاقه عليه مع كونه قد بلغ لصغره نسبة\n_________\n(١) فلا ينافي ما سيأتي عند المصنف أيضًا في مناقب الزبير، وبالاحتمالين المذكورين جمع بينهما عامة الشراح الحافظ وغيره، قال النووي: في الحديث جواز التفدية بالأبوين. وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر ابن الخطاب والحسن البصري، وكرهه بعضهم بالتفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقًا لأنه ليس فيه حقيقة الفداء، وإنما هو كلام وألطاف، وإعلام المحبة له، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقًا، انتهى. قلت: وأجاب الحافظ عن ما استدل به على المنع فارجع إليه.\n(٢) بحاء مهملة فزاي مفتوحتين فواو مشددة في آخره راء، ويجئ بسكون الزاي وتخفيف الواو: هو من قارب البلوغ، والمراد ها هنا الشاب لأن سعدًا جاوز البلوغ يومئذ، فإنه أسلم وهو ابن سبع عشرة سنة فليحمل أنه قارب بلوغ كمال الرجولية في الشجاعة، ففي القاموس: الحزور الغلام القوي والرجل القوي، هكذا في هامش المشكاة عن المرقاة واللمعات.","vol":"3","page":423},{"text":"إليه ﷺ <span data-type=\"title\" id=toc-785>[باب ما جاء في يا بني]</span>\nيعني أنه ليس سبًا إنما هي كلمة ترحم وتلطف تكلم بها النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>[باب ما يكره من الأسماء]</span>\nقوله [لأنهين] أي لأحرمن إلا أنه لم يحرم فعلم كراهته لها. قوله [غير اسم عاصية] فعلم أن (٣) ما شاع من كتابة مثل الآثم والمذنب والعاصي غير جائز.\n_________\n(٣) قلت: وما يخطر في البال إن كان صوابًا فمن الله ثم من بركات هؤلاء المشايخ الكبار، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أن فرقًا ما بين التسمية والتوصيف، فإن للأسامي تأثيرًا في المسميات، فيكون التسمية مكروهًا بخلاف التوصيف، فإنه إن كان على سبيل التلقيب فيدخل في الكراهة، وإلا فلا، لا سيما إذا كان التوصيف هضمًا لنفسه. نعم يكره إذا كان بمجرد الرسم كما هو المتعارف، ولا يدخل فيهما معًا ما هو المتعارف عند المتأخرين في مفتتح كتبهم من ذكر الصفات المتضمنة للعجز والتقصير فإن المقام مقام دعاء وتواضع، وقد ورد في مقام الأدعية الاعتراف بالذنوب كثيرًا، منها ما ورد: أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، وكذلك إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، وكذلك أنا عبدك ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، وغير ذلك من الأدعية الكثيرة الصحيحة الشهيرة، هذا وقد ورد في غير رواية تعبير الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إياهم أنفسهم بمثل هذه الأوصاف، ففي أحاديث المجامع في رمضان: هلكت يا رسول الله، وفي رواية إنه احترق، وفيها أيضًا قوله ﷺ: أين المحترق آنفًا مع أنه ﷺ غير اسم الشهاب، وفيها أيضًا: إن الأخر هلك، قال الحافظ: الأخر الأبعد، وقيل: العائب، وقيل: الأرذل، وكذلك في روايات الحدود أن رجلًا من أسلم قال لأبي بكر: إن الأخر زنى، قال: فتب إلى الله، ثم أتى عمر كذلك، ثم أتي رسول الله ﷺ، وقد ورد التلفظ بقولهم: نافق فلان لأنفسهم كثيرًا، كما روى عن حنظلة قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول! قلت: نكون عند النبي ﷺ يذكرنا بالنار والجنة الحديث، وأنت خبير بأن كلام مشايخ السلوك مملوء بأمثال ذلك.","vol":"3","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>[باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي ﷺ وكنيته]</span>\nوالأصح أن النهي مقيد بزمان حياته ﷺ. قوله (١) [وفي الحديث ما يدل على كراهية أن يكني أنا القاسم] أي مطلقًا وإن لم يسم باسمه، ووجه ذلك أن أكثر ندائهم فيما بينهم إنما كان بالكني لدلالة ما لها على التعظيم والتفاؤل بالولد. فنهوا عنه لئلا يلتبس بندائه ﷺ، وقد عرفت أن علة النهي قد ارتفعت.\n_________\n(١) اختلفت روايات الحديث في ذلك، ولذا اختلفت أقوال أهل العلم، أجملها النووي، وبسطها الحافظ في الفتح، وذكر في المسألة خمسة مذاهب: الأول المنع مطلقًا وهو مذهب الشافعي والظاهرية، وبالغ بعضهم فقال: لا يجوز لأخذ أن يسمي ابنه القاسم، والثاني الجواز مطلقًا، وكان النهي مختصًا بحياته ﷺ، وهو مذهب الجمهور، والثالث لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره، قال الرافعي: يشبه أن يكون هذا أصح ووهاه النووي، والرابع المنع من التسمية بمحمد مطلقًا، وكذا التكني بأبي القاسم مطلقًا، والخامس المنع مطلقًا في حياته والتفصيل بعده بين من اسمه محمد وأحمد فيمتنع وإلا فيجوز، انتهى. ومختار الشيخ هو ما اختاره صاحب الدر المختار إذ قال: ومن كان اسمه محمدًا لا بأس بأن يكني أبا القاسم، لأن قوله ﷺ: سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، قد نسخ لأن عليًا كنى ابنه محمد بن الحنفية أبا القاسم، انتهى. قلت: وفعل علي كان بإذنه ﷺ، فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأبو داؤد وابن ماجة، وصححه الحاكم من حديث علي قلت: يا رسول الله إن ولد لي ولد بعدك أسميه باسمك وأكتبه بكنيتك؟ قال: نعم، وقد روى عن جماعة من الصحابة أنهم سموا أبناءهم محمدًا وكنوهم أبا القاسم، وقال القاضي في الشفاء: حمل محققوا العلماء نهيه ﷺ على مدة حياته وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلة. وللناس فيه مذاهب، وما ذكرنا هو مذهب الجمهور والصواب إن شاء الله تعالى، انتهى. قال النووي: هذا مذهب مالك، وقال القاضي: به قال جمهور السلف وفقهاء الأمصار وجمهور العلماء، انتهى.","vol":"3","page":425},{"text":"قوله <span data-type=\"title\" id=toc-788>[باب ما جاء في إنشاد الشعر]</span>\nأراد أن يبين أن الشعر مثل النثر من الكلام حسنه (١) حسن وقبيحه قبيح، فأثبت أن منه ما هو حكمه يثاب عليه،\n_________\n(١) حكى ابن عابدين عن الضياء المعنوي العشرون، أي من آفات اللسان الشعر، سئل عنه ﷺ فقال: كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، انتهى. قال القارئ في شرح الشمائل: روى هذا عن عائشة مرفوعًا بإسناد حسن، انتهى. وروى في المشكاة برواية الدارقطني، قال القارئ: وكذا رواه أبو يعلى بإسناد حسن، وقال الحافظ: أخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، وإسناده ضعيف، وقال أيضًا: والذي يتحصل من كلام العلماء في حد الشعر الجائز أنه إذا لم يكثر منه في المسجد، وخلا عن هجو وعن الإغراق في المدح والكذب المحض والتغزل بمعين لا يحل، ونقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك، انتهى. وفي العيني: قال جماعة من التابعين والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا نكب عرض أحد من المسلمين ولا فحش، وقال مسروق وإبراهيم النخعي وسالم بن عبد الله والحسن البصري وعمرو بن شعيب: يكره رواية الشعر وإنشاده، انتهى.","vol":"3","page":426},{"text":"ثم أورد له دليلًا في هذا الباب، وهو أمره لحسان ﵁ واهتمامه به حتى وضع له المنبر، ثم الانشاد كما يطلق على رفع الصوت بالشعر كذلك هو موضوع لتأليف الشعر إلا أن جواز الثاني منه يستلزم جواز الأول، فلذلك اكتفى في الاستدلال على جواز الإنشاد بأحدهما.\nقوله [يضع لحسان منبرًا] وذلك لما أن هذه الهيئة كانت أنكأ في العدو.\nقوله [في المسجد] فيه إشارة إلى أن الكراهة في الشعر لما كانت لعارض وأما نفسه فمباح كما أن العارض قد يوجبه (١) استوى فيه المسجد وغيره.\nقوله [يفاخر عن إلخ] يتضمن معنى الدفع في المفاخرة (٢). قوله [إن الله يؤيد حسان بروح القدس] (٣) فإنه نوع من الجهاد فإن:\n_________\n(١) وسيأتي قريبًا أنه ﷺ أطلق عليه الجهاد اللساني، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.\n(٢) القدس بضم الدال ويسكن، أي بجبرئيل، سمى به لأنه كان يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلوب، فهو كالمبدأ لحياة القلب، كما أن الروح مبدأ حياة الجسد، والقدس صفة للروح، وإنما أضيف إليه لأنه مجبول على الطهارة والنزاهة عن العيوب، وقيل: القدس بمعنى المقدس هو الله عز اسمه فإضافة الروح إليه للتشريف، كذا في المرقاة.\n(٣) فقد ترجم البخاري في صحيحه «باب هجاء المشركين» قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى أن بعض الشعر قد يكون مستحبًا، وقد أخرج أحمد وأبو داؤد والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أنس رفعه: جاهدوا المشركين بألسنتكم، وروى عبد الرزاق في مصنفه من طريق محمد بن سيرين قال: هجا رهط من المشركين النبي ﷺ وأصحابه، فقال المهاجرون: يا رسول الله ألا تأمر عليًا فيهجو هؤلاء القوم، فقال: إن القوم الذين نصروا بأيديهم أحق أن ينصروا بألسنتهم، فقالت الأنصار: أرادنا والله، فأرسلوا إلى حسان فأقبل، فقال: يا رسول الله والذي منك بالحق ما أحب أن لي بمقولي ما بين صنعاء وبصرى، فقال: أنت لها، فقال: لا علم لي بقريش، فقال لأبي بكر: أخبره عنهم، ونقب له في مثالبهم، انتهى.","vol":"3","page":427},{"text":"جراحات السنان لها التيام ولا يلتام ما جرح اللسان.\nوكانت الملائكة الكرام قديمًا تجاهد مع النبي ﷺ في الغزوات كبدر وأحد، فكانت تقوية الروح الأمين وإلقاء مضامينه من هذا القبيل، ولفظ «ما» في قوله: ما يفاخر توقيتية.\nقوله [بني الكفار] منادى بحذف حرف النداء، وفيه مبالغة في إهانتهم ما ليس في أيها الكفار، فإنه دل على أن كفرهم راسخ فيهم لما أنهم كانوا كذلك من القديم، وأنه تقليد فيهم لا يهتدون بنور البصيرة حتى يتركوه، وأنهم صبيان وولدان ليس فيهم قوة المقابلة.\nقوله [فقال له عمر ﵁ إلخ] لما كان عمر ﵁ قد علم أن النبي ﷺ نهانا أن ننشد ما فيه هجاء لقوم أو تعييب لهم إلى غير ذلك، وكانت هذه كذلك، أراد أن يستفسر عن وجه الإجازة فيها حيث جوزه النبي ﷺ ولم يمنعه إلا أنه غير العنوان في السؤال، ويمكن أن يكون عمر ﵁ حمل أحاديث النهي عن إنشاد الشعر على الإطلاق فنهى لذلك، ثم إن النبي ﷺ لم يقتصر في الجواب على إباحته أو إجازته له، بل أراد أن ينبه أن الشعر لما كان مثل النثر في الإباحة وكانت حرمته لعارض كما أن استحسانه لعارض، وكما أن المعصية توجب تشديد الجزاء في المواضع المحترمة كذلك الطاعة توجب تكثير المثوبة فيها، وكان قول ابن رواحة","vol":"3","page":428},{"text":"هذا يؤثر (١) فيهم ما لا يؤثر فيهم غيره، كأن هذا القول يوجب له أجرًا ومحمدة افتنهاه يا عمر عن مجاهدة في سبيل الله، ثم يستشكل مبادرة عمر ﵁ بالحكم بين يدي النبي ﷺ مع أن الأمر لو كان محظورًا لنهاه النبي ﷺ بنفسه النفيسة، والجواب أن عمر ﵁ كان يعلم من عادة (٢) النبي ﷺ سكوته على ما لا يرضاه رجاء أن يمنعه غيره لحكم ومصالح، منها أن يشترك الآمر في الأجر، ومنها أن المأمور لو كره أمر النبي ﷺ ونهيه -والعياذ بالله- كان أضر له بدينه من أن يكره أمر غيره ونهيه، ومنها أن لا يواجه النبي ﷺ بما يسوءه مع أن الغرض وهو ترك المأمور المحظور ممكن الحصول بدونه، وإلا فكيف يتصور سكوته ﷺ على معصية وخلاف.\n_________\n(١) ففي المشكاة برواية شرح السنة عن كعب بن مالك أنه قال للنبي ﷺ: إن الله تعالى قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال النبي ﷺ: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل، وفي الاستيعاب لابن عبد البر: أنه قال يا رسول الله! ماذا ترى في الشعر؟ فقال: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، وبرواية مسلم عن عائشة: إن رسول ﷺ قال: اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق النبل.\n(٢) وهذا من صفاته المعروفة ﷺ، فقد روى القاضي بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: كان ﷺ لطيف البشرة رقيق الظاهر، لا يشافه أحدًا بما يكرهه حياء وكرم نفس، وعن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل: ما بال فلان يقول كذا وكذا؟ ولكن يقول: مال بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا، ينهي عنه ولا يسمى فاعله، وروى عن أنس أنه دخل عليه رجل به أثر صفرة فلم يقل له شيئًا، وكان لا يواجه أحدًا بما يكره، فلما خرج قال: لو قلتم له يغسل هذا، وفي الباب روايات كثيرة.","vol":"3","page":429},{"text":"قوله [وكعب بن مالك بين يديه] ولا ضير فيه فإنه يمكن الجمع بين الروايتين، فلعل أحدهما أنشد في غير زمان إنشاد الآخر أو في غير مكانه، ولا يصح (١) قول الترمذي بأن هذا أصح فإن غزوة موتة كانت بعد هذه، وكان عبد الله بن رواحة لم يقتل حين جاموا لعمرة القضاء.\nقوله [ويأتيك بالأخبار من لم تزود] وهي الأيام، فإن التجارب بطول الأيام تفيد عجائب، وليست تزود منك، ونسبة (٢) هذا الشعر إلى ابن رواحة\n_________\n(١) فقد قال الحافظ في الفتح بعد ما حكى قول الترمذي: هذا هو ذهول شديد وغلط مردود، ما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أن في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه علي وزيد ابن حارثة في بنت حمزة، وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد، وكيف يخفي على الترمذي هذا، قال: ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك فاتجه اعتراضه، لكن الموجود بخط الكروخي راوي الترمذي ما تقدم، والله أعلم، انتهى. قلت: وكذلك عامة أهل السير والتاريخ ذكروا سرية موته بعد الرجوع عن عمرة القضاء، ولذا ترجم البخاري بهذه السرية بعد عمرة القضاء، وكانت في ذي القعدة سنة سبع، وأقام النبي ﷺ بعدها عدة أشهر وبعث سرية موتة في جمادى الأولى سنة ثمان، وأيضًا فعامة أهل السير حكوا في عمرة القضاء هذه الأبيات عن ابن رواحة لا كعب بن مالك، وكذلك عامة أهل التراجم ذكروها في ترجمة ابن رواحة، فالظاهر التسامح من المؤلف.\n(٢) فإن ظاهر سياق المصنف يدل على أن هذا الشعر لابن رواحة ويقوي الإشكال ما في نسخه للشمائل، فإن المصنف أخرج هذا الحديث بهذا السند والمتن في شمائله وفيه نسختان: إحداهما يتمثل بشعر ابن رواحة ويتمثل ويقول. ويأتيك إلخ وفي أخراهما يتمثل بشعر ابن رواحة ويتمثل بقوله: ويأتيك إلخ، قال القارئ: الظاهر المتبادر أن هذا البيت من كلام ابن رواحة لا سيما على ما في نسخة (ويتمثل بقوله) وقد اتفقوا على أنه من شعر طرفة بن العبد في قصيدته المعلقة، والجواب أنه كلام برأسه والضمير المجرور لقائل، أو شاعر مشهور به معروف عندهم، انتهى، قلت: ويؤيده ما سيأتي من رواية أبي الليث السمرقندي من أن عائشة عزته إلى طرفة، فتأمل.","vol":"3","page":430},{"text":"مشكل، والجواب بالتوارد محوج إلى النقل، وما أجيب بأن عائشة ﵂ لعلها سمعته من ابن رواحة أولًا، ثم سمعت النبي ﷺ يقوله، فظنت أنه لابن رواحة ينبو عنه (١) أنها كانت أعلم بأخبار العرب وأشعارها، ولكنه غير بعيد مثل بعد الجواب الذي تكلفه بعض الأفاضل ممن حضر مجلس الدرس،\n_________\n(١) ويرد هذا الجواب أيضًا ما قال القارئ: روى الشيخ أبو الليث السمرقندي في بستانه عن عائشة أنه قيل لها: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بالشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر غير أنه تمثل مرة ببيت أخي قيس طرفة فجعل آخره أوله من قوله:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\nفقال: ويأتيك من لم تزود بالأخبار، فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله، فقال: ما أنا بشاعر، لكن يشكل عليه رواية الكتاب فإنه بظاهره يعارض رواية الشيخ إلا أن يتكلف بأن يقال: تمثل بمادته وجوهر حروفه دون ترتيبه الموزون، أو يحمل على تعدد الواقعة، انتهى. قلت: والمراد بالتعارض أن ظاهر حديث الكتاب أنه ﵇ أنشده مرتبًا غير معكوس.","vol":"3","page":431},{"text":"فقال: (١) إن لفظة «يقول» ليس بيانًا لقوله: يتمثل، بل بيان لـ «ـغير» ما بينته أولًا، فكان النبي ﷺ كان يتمثل بشعر ابن رواحة وغيره أحيانًا أيضًا، فإنى سمعة يقول إلخ.\nقوله [يتناشدون الشعر إلخ] أي ما ليس فيه مفسدة مما يوجب النهي عنه.\nقوله [ويتذاكرون أشياء] أي غيره (٢) وأمتنانًا منه على أنفسهم، وإظهارًا لإحسان الرسول ﷺ عليهم حيث أنقذهم من أمثال هذه الفعال التي تنبو عنها السماع وتنفر عنها الطباع، إلى غير ذلك من الفوائد.\n\n[باب لأن يمتلئ جوف (٣) أحدكم قيحًا] قوله [يريه] أي يفسده (٤)\n_________\n(١) وقد عرفت أن جواب بعض الأفاضل مأخوذ من كلام الشراح، فقد تقدم ذلك الجواب في كلام القارئ، وبه جزم المناوي إذ قال: ويتمثل بقوله أي بقول الشاعر وهو طرفة، فالضمير معاد على غير مذكور لشهرة قائلة بينهم، انتهى.\n(٢) بيان لبعض مصالح دعت إلى هذا التذاكر، فمن جملة ما ذكر من ذلك قال بعضهم: رأيت ثعلبًا صعد فوق صنمي وبال على رأسه وعينيه حتى عمى فقلت: أرب يبول الثعلبان برأسه\nفتركت طريقة الجاهلية ودخلت في شريعة الإسلام، كذا في جمع الوسائل.\n(٣) والحديث صريح في ذم الشعر، واختلفوا في محملة فقيل: المراد به النوع الخاص من الشعر، وهو الذي يكون فيه فحش وخثاء، وقال البيهقي عن الشعبي، المراد به الشعر الذي هجى به رسول الله ﷺ، وقال أبو عبيدة: الذي فيه عندي غير ذلك لأن ما هجى به رسول الله ﷺ لو كان شطر بيت لكان كفرًا، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن والذكر، إلى آخر ما بسطه العيني.\n(٤) بفتح المثناة التحتية وكسر راء مضارع، ورى يرى كوعد يعد من الورى كالرمي، داء بداخل الجوف، وقال الجوهري: ورى القيح يريه وريًا أكله: وقال قوم: حتى يصيب رئته، وأنكره غيرهم لأن الرئة مهموزة وإذا بنيت منه فعلًا قلت: رآه يرآه، وقال الأزهري: إن الرئة أصلها من روى وهي محذوفة، والمشهور في الرئة الهمز، قاله العيني وقال القارئ: معناه قيحًا يأكل جوفه ويفسده.","vol":"3","page":432},{"text":"وفيه من المبالغة ما لم يكن في الحديث السابق، يعني أن القيح لو أفسد جوفه حتى لم يبق له إلا الهلاك لم يضره إضرار الشعر إذا غلب عليه، وشغله عن أمور دينه، لأن ضرره يفسد دينه فيفسد عليه حياته الأخروية، بخلاف القيح إذا روى جوفه فإن إضراره مقتصر على الحياة الدنيوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>[باب ما جاء في الفصاحة والبيان]</span>\nفإنهما مع كونهما صفتي مدح إذا قصد الرجل بهما الرياء والسمعة (١) وتكلف فيهما ليشار إليه بالبنان فيقال: لله دره من بليغ! وواها له من فصيح! كان سببًا لبلائه ووبالًا عليه.\nقوله [كما يتخلل البقرة بلسانه إلخ] وخص البقرة (٢) لطول في لسانها\n_________\n(١) ففي المشكاة برواية أبي داؤد عن أبي هريرة مرفوعًا: من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال أو الناس لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا، وفي جمع الفوائد برواية الترمذي عن أبي هريرة رفعه: تعوذوا بالله من جب الحزن، قالوا: وما جب الحزن؟ قال: واد في جهنم تتعوذ منهم جهنم كل يوم مأة مرة، قيل: ومن يدخله؟ قال: القراء المراؤن، والروايات في الباب عديدة.\n(٢) وقال القارئ: ضرب للمعنى مثلًا يشاهده الراؤن من حال البقر ليكون أثبت في الضمائر، وذلك أن سائر الدواب تأخذ من نبات الأرض بأسنانها فضرب بها المثل لمعنيين: أحدهما أنهم لا يهتدون من المآكل إلا إلى ذلك سبيلًا، كما أن البقرة لا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها، والآخر أنهم في مغزاهم ذلك كالبقرة التي لا تستطيع أن تتميز في رعيها بين الشوكة والرطب، والحلو والمر، بل تلف الكل بلسانها لفا، فكذلك هؤلاء الذين يتخذون ألسنتهم ذريعة إلى مآكلهم لا يميزون بين الحق والباطل، وقال القاضي: شبه إدارة لسانه حول الأسنان والفم حال التكلم تفاصحًا بما تفعل البقرة بلسانها، وفي النهاية: هو الذي يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة بلسانها، انتهى.","vol":"3","page":433},{"text":"وحرص لها على الأكل ما ليس لغيره، كما أن هذا الرجل يريد أن يتطاول بلسانه على الأنام، ويجوز ببيانه ما ينحاز له من الحلال والحرام.\nقوله [فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة] المراد بها الفارة فإنها تشرب الزيت وتعتاد جمع الأشياء في بيتها، فتجر الفتيلة (١) لذلك يحرق البيت، ولا ضير في تركه إذا أمن (٢) الاحتراق.\n_________\n(١) فقد أخرج أبو داؤد بسنده عن ابن عباس قال: جاءت فارة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها فأحرقت منها مثل موضع درهم، فقال: إذا نمتم فاطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم.\n(٢) وبذلك جزم جمع من الشراح، فقد حكى القارئ عن النووي: هذا عام يدخل فيه السراج وغيره، وأما القناديل المعلقة فإن خيف بسببها حريق دخلت في ذلك وإلا فلا بأس لانتفاء العلة، وقال القرطبي: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة، ويحتمل أن تكون للندب لا سيما فيمن ينوي امتثال الأمر، والإغلاق مقيد بالليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان فإنه هو الذي يسوق الفارة إلى الإحراق، انتهى. قلت: ويدل عليه ما تقدم في رواية أبي داؤد عن ابن عباس، وفيها: فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا.","vol":"3","page":434},{"text":"قوله [فأعطوا الإبل حظها من الأرض] أي إذا نزلتم (١) لحاجة فاتركوه يرعى لما أن الكلاء حينئذ توجد في كل أرض ولا تتركوه بحيث لا يقدر على الرعي، وكذا غيره من الدواب.\nقوله [فبادروا بها نقيها إلخ] أي عجلوا في قطع المسافة ولا تتمهلوا في الطريق، فإن الراحلة تستضر بذلك فإنها لا تجد (٢) ما تأكله فتأثر بالجوع ويذوب نقيها. قوله [أن ينام الرجل إلخ] أي قريبًا من الطرف حتى يخاف السقوط، وأما إذا بعد أو كان على مثل ما تنام (٣) عليه فلا كراهة إذ لا يخاف السقوط،\n_________\n(١) وللحديث معنى آخر كما أفاده الشيخ في البذل تبعًا للقارئ، يعني دعوها ساعة فساعة ترعى إذ حقها من الأرض رعيها فيه، انتهى. ومعنى قول الشيخ: وكذا غيره من الدواب، أن الحكم لا يختص بالإبل بل ذكره لكثرته في هذه الديار، وكل الدواب في ذلك سواء، ولذا قال النووي: معنى الحديث الحث على الرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها، فإن سافروا في الخصب قللوا السير وتركوها ترعى في بعض النهار وفي أثناء السير فتأخذ حظها من الأرض بما ترعاه منها، وإن سافروا في القحط عجلوا السير ليصلوا المقصد وفيها بقية من قوتها، ولا يقللوا السير فيلحقها الضرر، لأنها لا تجد ما ترعى فتضعف ويذهب نقيها، انتهى.\n(٢) يعني لا تجد الكلاء في كل موضع فينبغي الإسراع إلى المنزل لتجد هناك ما تأكله، وقال القارئ: أي أسرعوا عليها السير ما دامت قوية باقية النقي، وبسط في إعراب هذا اللفظ وتركيبها، والنقي بكسر النون وسكون القاف إلخ.\n(٣) هكذا في المنقول عنه، ولعل المعنى أن هذا حكم السطح، وأما إذا نام على شيء موضوع للنوم كالسرير ونحوه الذي لا يخاف منه السقوط فلا كراهة، وأما إذا خيف على السرير أيضًا فيكره لأن علة الكراهة خوف السقوط سواء كان على السطح أو على السرير.","vol":"3","page":435},{"text":"وأما إذا خيف كان منهيًا عنه حينئذ أيضًا.\nقوله [سئلت] على زنة الغائبة (١) من المجهول. قوله [وإن قل] فإنه يكثر كميته بطوله (٢).\n_________\n(١) كما يدل عليه صوغ الكتابة من النسخ التي بأيدنا الهندية والمصرية، وفي الشمائل: بلفظ سألت بصياغة كتابة المعروف، وضبطه شراح الشمائل من القارئ والمناوي، والبيجوري، بالاحتمالين معًا إذ قالوا: بصيغة المتكلم، وعلى هذا فالكلمتان بعده بالنصب على المفعولية، وفي رواية بصيغة الغائبة مبنيًا للمجهول، وعلى هذا فالاسمان بعده بالرفع على النيابة عن الفاعل، انتهى.\n(٢) أي يزداد المقدار بازدياد الزمان.","vol":"3","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>أبواب الأمثال عن رسول الله ﷺ</span>\nوضعها ليعلم بذلك أن التمثيل جائز وأن التشبيه إنما يعتمد الكمال في وجه الشبه، ولا ينظر فيه إلى سائر ما يلزم، فإن تطبيق كل المشبه على كل المشبه به لا يكون مقصودًا، فإن الله ﷿ شبه بالصراط المستقيم وهو على الأرض بالإسلام (١)، ولا تشبه بينهما في كثير من الأمور بجامع الإيصال إلى المقصود، وكذلك ما قال: وداع (٢) يدعو فوقه فإنه لا ينظر فيه إلى ما لزم من تحيزه إذ\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه بزيادة الباء على الإسلام والصراط معًا، والظاهر أنها على الإسلام من سهو الناسخ.\n(٢) ظاهر ما أفاده الشيخ ﵀ أنه فسر الداعي بالله عز اسمه، وهو ظاهر سياق الترمذي، إذ قال: والله يدعو إلى دار السلام، لكن هذا الحديث مختصر، وأخرجه الحاكم مفصلًا وفسر فيه الداعيين بغير ذلك، ولفظه: عن النواس بن سمعان قال: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى كنقي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى الصراط داع يدعو يقول: يا أيها الناس اسلكوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا: وداع يدعو على الصراط فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب، قال: ويلك لا تفحته فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي الذي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم، صحيح على شرط مسلم ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه، انتهى. قلت: ويؤيد رواية الحاكم ما في المشكاة برواية ابن مسعود مثل هذه القصة بلفظ: وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على الصراط، وفوق ذلك داع يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب: ويحك لا تفتح، ثم فسر الداعي على رأس الصراط بالقرآن، والداعي من فوقه بواعظ الله في قلب كل مؤمن، ومما ينبغي التنبيه عليه أن قوله (صراطًا مستقيمًا) بدل من قوله (مثلًا) لا على إهدام المبدل كما في قولك: زيد رأيت غلامه رجلًا صالحًا، قاله القارئ. قوله (زوران) بالزاي المبدلة عن السين بمعنى سوران كما حققه المحشي، وفي النسخة المصرية (داران) بدل (زوران) والظاهر أنه تحريف، وما ذكر المصنف من رواية الدارمي عن زكريا بن عدي عن الفزاري، وكتب عليه المحشي أنه يوجد في بعض النسخ زكريا بن أبي عدي فهو تحريف من الناسخ، والصواب بدون حرف الكنية فإنه زكريا بن عدي بن زريق من مشايخ الدارمي، وتلامذة الفزاري، وهذا الأثر ذكره مسلم في مقدمته بدون لفظ الكنية، وليست في النسخة المصرية من الترمذي أيضًا.","vol":"3","page":437},{"text":"التشبيه والتصوير إنما هو لمجرد دعائه مستقبلًا، فإن الداعي إذا كان في الجهة المقابلة من المدعو كان الوصول إليه أسهل وسمع قوله أصوب فكان القبول له أهم.\nقوله [حتى يكشف الستر] والله أعلم ماذا أريد (١) بالستر، وما الفرق بينه وبين الحد؟ ولعله أراد بالستور الشبهات وبالحدود المنهيات، أو أراد بالستور ما على المنهيات من الصور المرغوبة فيها كما قال ﷺ: حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره، أو المراد بالحدود المنهيات، والستر نفس النهي، ولا ينحل المقام إلا\n_________\n(١) ولفظ رواية الحاكم المتقدمة يشير إلى أن المراد بالحدود حدود الجواز، فلا يدخل في الحرام إلا بعد تعدي حدود الجواز وهو المعبر بكشف الستر، والله أعلم. ولفظ رواية ابن مسعود: إن الأبواب المفتحة محارم الله، وإن الستور المرخاة حدود الله، قال الطيبي: الحد الفاصل بين العبد ومحارم الله كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ قال القارئ: والظاهر أن المراد بالستور الأمور المستورة الغير المبينة من الدين، المسماة بالشبهة المعبرة عنها بحول الحمى في الحديث المشهور، انتهى. وفي المجمع: أصل الحد الفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع بين الحلال والحرام، وقال الراغب: الحد الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، يقال: حددت كذا جعلت له حدًا يميز، وحد الشيء الوصف المحيط بمعناه المميز له عن غيره.","vol":"3","page":438},{"text":"بالاستفسار عن الأستاذ العلام، والله الهادي إلى الصراط المستقام.\nقوله [والذي يدعو من فوقه] وكذلك ما تقدم من قوله [وداع يدعو فوقه] الكناية راجعة إلى الصراط أو إلى العبد، أي من فوق الصراط أو من فوق العبد المدعو، والمراد به الأنبياء ونوابهم، أو ملهم الخير من الله سبحانه، فقد تحقق بتعدد التجارب أن القلب لا يبادر إلى الجرائم إلا بعد تردد فيه ومنازعة أن يفعله وأن يتركه، إلا إذا جعل السيئات ديدنه ودأبه فكان (١) كما قال: «كلا بل رأن على قلوبهم ما كانوا يكسبون».\n_________\n(١) ففي الدر برواية أحمد والحاكم والترمذي وصححاه والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعًا: إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن، وبرواية البيهقي عن حذيفة: القلب هكذا مثل الكف، فيذنب الذنب فينقبض منه، ثم يذنب الذنب فينقبض منه حتى يختم عليه، فيسمع الخير فلا يجد له مساغًا، الحديث. وفي الباب روايات أخر، فمن جعل السيئات دأبه يستولي الرين على قلبه فلا يتردد في فعلها، ولا يتعظ بواعظ القلب ولا غيره غالبًا إلا من شرح الله صدره، ووفقه، فهو على كل شيء قدير.","vol":"3","page":439},{"text":"قوله [والدار الإسلام] ولم يقل والدار (١) الإيمان إشارة إلى أن\n_________\n(١) لله در الشيخ ما أدق نكاته، وعامة الشراح سكتوا عن مثل هذه اللطائف. ثم لا يذهب عليك أن سياق روايات جابر مختلف في كتب الحديث وإليه أشار الترمذي أيضًا بعد ذكر الحديث، فسياق الترمذي كما ترى، وإليه أشار البخاري في صحيحه تعليقًا، وأخرج في صحيحه بسند آخر بغير هذا السياق ولفظه: حدثنا محمد بن عبادة نايزيد ناسليم بن حبان ناسعيد بن ميناء حدثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم مثلًا فاضربوا له مثلًا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له بفقها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد ﷺ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا ﷺ فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس، قال الحافظ: قوله فقالوا الدار الجنة أي الممثل بها، زاد في رواية سعيد بن أبي هلال (أي رواية الترمذي) فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الإسلام، والطعام الجنة، انتهى. قال القارئ: فإن قلت: كيف شبه في الحديث السابق الجنة بالدار، وفي هذا الحديث الإسلام بالدار، وجعل الجنة مأدبة، أجيب بأنه لما كان الإسلام سببًا لدخولها اكتفى في ذلك بالمسبب عن السبب، ولما كانت الدعوة إلى الجنة لا تتم إلا بالدعوة إلى الإسلام وضع كل منهما مقام الآخر، ولما كان نعيم الجنة وبهجتها هو المطلوب الأصلي جعل الجنة نفس المأدبة مبالغة، كذا حققه الطيبي، انتهى. ثم ذكر المصنف أنه مرسل، قال الحافظ: يريد أنه منقطع بين سعيد وجابر، وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني فإنه بنحو سياقه وسنده جيد، وسعيد بن أبي هلال غير سعيد بن ميناء، وكل منهما مدني، لكن ابن ميناء تابعي بخلاف ابن أبي هلال، والجمع بينهما إما بتعدد المرئي وهو واضح، أو بأنه منام واحد حفظ فيه بعض الرواة ما لم يحفظ غيره، والجمع بين اقتصاره على جبرئيل وميكائيل في حديث، وذكره الملائكة بصيغة الجمع في الجانبين الدالة على الكثرة في حديث آخر، فيحتمل أنه كان مع كل منهما غيره، واقتصر في الرواية على من باشر الكلام منهم ابتداء وجوابًا، ووقع في حديث ابن مسعود عند الترمذي: إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض، الحديث: انتهى. قلت: وحديث ربيعة الجرشي الذي أشار إليه الحافظ أخرجه صاحب المشكاة برواية الدارمي بتغير يسير في السياق.","vol":"3","page":440},{"text":"مجرد التصديق المعبر بالإيمان لا ينفع ما لم ينضم إليه قسط من الإقرار، والتسليم المعبر عنه بالإسلام، وأدناها اعتقاد فرضية الشرائع والأحكام، فصار الإسلام منقسمًا إلى نوعين، فالمسلم حقيقة من أدى الأركان كما وجبت، وفي حكم المسلم الحقيقي من لم يؤدها غير أنه مقر بوجوبها عليه، ومعترف بتقصيره بتركها، وأما من أنكر وجوب الشرائع رأسًا فليس له من الإسلام حظ قليل ولا كثير، فلا يدخل الدار ولا هو ذائق من أطعمة اللطيف الخبير.\nقوله [وأنت يا محمد رسول إلخ] ووجه التخصيص مع أن سائر الأنبياء دعاة إلى الجنة هداة إلى موائد المنة أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا حصر لأحد على نبي منهم معين أن لا يدخل الجنة إلا بأن يؤمن به بل الأمر مرجو بعد كل","vol":"3","page":441},{"text":"منهم، فإن أحدًا من الناس لو لم يؤمن بإبراهيم ﵇ (١) أو موسى ﵇، وكذلك عيسى ﵇، لكان في سعة أن يؤمن بنبينا محمد ﷺ فينجو، وأما إذا لم يؤمن به ﷺ فأنى يرجى له الجنة بعد ذلك.\nقوله [ثم خط عليه خطأ] من ها هنا يستنبط جواز الأعمال للحفظ من الجن ودفعهم بل استحبابه، وإنما منعه عن التكلم بهم لئلا يدهش منهم أو لغير ذلك من المنافع.\nقوله [أشعارهم (٢) إلخ] يعني أنهم كانوا كالزط (٣) في أشعارهم وأجسامهم غير أنهم مع أني لم أر عليهم ثيابًا تسترهم لم أر عوراتهم، فكان كالاستثناء عما قبله حيث ساواهم بالزط.\nقوله [إذا رقد نفخ] أي تنفس شديدًا، ويكون لقوة في البدن (٤). قوله [إن\n_________\n(١) أي في أزمنتهم، فيسعه أن يؤمن بالنبي ﷺ، وأما إذ لم يؤمن بنبينا ﷺ الذي لا نبي بعده فبمن يؤمن بعده؟ ويمكن أن يقال في وجه التخصيص: إن المعروف عادة أنه إذا ذكر الأمير أو السيد أو الرئيس فيراد به جماعته، والنبي ﷺ سيد الرسل وإمام الأنبياء وخطيبهم، وهم تحت لوائه، فذكره ﷺ مستلزم لذكرهم، والمراد كل الأنبياء، أو يقال: إن التمثيل باعتبار هذه الأمة، وكذلك حال الأنبياء عليهم الصلوات في أزمنتهم.\n(٢) ذكر في الحاشية: يجوز النصب في قوله أشعارهم وأجسامهم على نزع الخافض، ويجوز الرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مثلهم، والله أعلم بالرواية، انتهى.\n(٣) بضم الزاي وشدة مهملة، جنس من السودان والهنود، هكذا في المجمع، وقال أيضًا: حديث ابن مسعود لا أرى عورة ولا قشرًا، أي لا أرى منهم عورة منكشفة، ولا أرى عليهم ثيابًا، انتهى. قال المجد: القشر بالكسر غشاء الشيء خلقه أو عرضًا وكل ملبوس، انتهى.\n(٤) وكان النفخ في النوم من دأبه ﷺ كما في الشمائل برواية ابن عباس: وكان إذا نام نفخ، وقد ورد هذا اللفظ في البخاري في حديث ابن عباس حين نام عند خالته ميمونة، وأكثر ما يكون النفخ عنه استثقال النوم.","vol":"3","page":442},{"text":"عينيه تنامان إلخ] بكسر الهمزة ليكون كلامًا مستقلًا على حدة، فإنه ليس بيانًا لما تقدم من قولهم: ما رأينا قط عبدًا أوتى إلخ لأن ذلك ليس مما يختص به ﷺ بل الأنبياء كلهم كذلك، ولذلك لم يكن نوم الأنبياء بناقض طهارتهم، وكذا تصير الأولياء أيضًا، فإنهم يقفون (١) على ما يتكلم به عندهم، فكان مرادهم أنه مختص بخصائص لم يؤتها أحد قبله ولا بعده، وهو يشارك سائر الأنبياء في أن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، ثم ضربوا المثل له ليعلم (٢) لما علموا أنه ﷺ يسمعه ويفهمه.\n_________\n(١) أي يطلعون، وقال القارئ: يقضان غير منصرف، وقيل: منصرف، لمجيئ فعلانة منه، يعني فلا يفوته شيء مما تقولون، فإن المدار على المدارك الباطنية دون الحواس الظاهرية، وقال الطيبي: هذه مناظرة جرت بينهم بيانًا وتحقيقًا لما أن النفوس القدسية لا يضعف إدراكها بضعف الحواس أي الحسية لاستراحة القوى البدنية، بل ربما يقوى إدراكها عند ضعفها، كما مشاهد عند أرباب الصوفية (هكذا في الأصل) انتهى. قلت: ومع ذلك فعدم نقض الوضوء بالنوم خصيصة للأنبياء لا يشترك فيهم الأولياء. ولا يذهب عليك ما في حديث ابن مسعود من اختلاف السياق لما تقدم، قال الحافظ: ظاهر حديث سعيد بن أبي هلال أن الرؤيا كانت في بيت النبي ﷺ لقوله: خرج علينا فقال: إني رأيت في المنام، وفي حديث ابن مسعود أن ذلك كان بعد أن خرج إلى الجن فقرأ عليهم، ثم أغفى عند الصبح، ويجمع بأن الرؤيا كانت على ما وصف ابن مسعود، فلما رجع إلى منزله خرج على أصحابه فقصها، انتهى. قلت: وهذا بعد حمل الروايتين على قصة واحدة ولا مانع عن التعدد.\n(٢) يعني ذكروا أول الكلام تمهيدًا واختبارًا لأن النبي ﷺ هل يسمع أم لا، ثم لما علموا أنه ﷺ يعلمه ويفهمه ضربوا له المثل ليعلم النبي ﷺ ما قصدوه.","vol":"3","page":443},{"text":"قوله [فقال سمعت ما قال هؤلاء إلخ] على زنة المتكلم من المعروف (١) لا بصيغة الحاضر، فإن سماع بن مسعود كان غير مرتاب فيه.\nقوله [وسليمان التيمي إلخ] إنما (٢) ذكر ها هنا سليمان التيمي مع أنه ليس\n_________\n(١) (). ويؤيد ذلك ما في الخصائص برواية الطبراني وأبي نعيم من طريق عمرو البكالي عن ابن مسعود، وفيه: ثم إن رسول الله ﷺ استيقظ، قال: ما رأيت يا ابن أم عبد؟ فقلت: رأيت كذا وكذا، قال: ما خفى على شيء مما قالوا، هم نفر من الملائكة، انتهى.\n(٢) احتاج الشيخ إلى هذا التوجيه لما أنه يوجد في النسخ ذكر سليمان التيمي وليس له ذكر في الرواية، والحق أن في النسخ الهندية سقوطًا من الناسخ، والصواب ما في المصربة ولفظة: وأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن مل، وسليمان التيمي قد روى هذا الحديث عنه معتمر، وهو سليمان بن طرخان ولم يكن تيميًا، وإنما كان ينزل نبي يتم فنسب إليهم، انتهى. وعلم بذلك وجه ذكر سليمان ها هنا، فإن الرواية المذكورة رويت من طريقه أيضًا، فذكره المصنف تبعًا، وإن لم يأخذ سليمان عن أحد من رواة السند المذكور، فقد قال الزيلعي: روى أحمد في مسنده: حدثنا عازم وعفان، قالا ثنا معتمر، قال قال أبي: حدثني أبو تميمة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن مسعود، قال: استتبعني رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خطة وقال لي: كن بين ظهري هذه لا تخرج منها، ثم ذكر حديثًا طويلًا، وأخرج الطحاوي هذا الحديث في كتابه المسمى بـ «الرد على الكرابيسي» ثم قال: والبكالي هذا من أهل الشام، ولم يرو هذا الحديث إلا أبو تميمة هذا، وليس هو بالهجيمي، بل هو السلمي بصري ليس بمعروف، انتهى. قلت: ولا مانع من أن المصنف جعله هجيميًا، فذكر سليمان هذا ها هنا لذكره رواية جعفر ابن ميمون عن أبي تميمة الهجيمي قبل ذلك، وسليمان أيضًا آخذ عنه على هذا التوجيه، فناسب ذكره ها هنا.","vol":"3","page":444},{"text":"بمذكور في الرواية فرقًا بين التميمي (١) والتيمي، فلعل السامع يلتبس بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>[باب مثل النبي والأنبياء ﷺ وعليهم أجمعين]</span>\nقوله [فأكملها إلخ] يعني أن الشرائع التي كلف الله بها الأمم السابقة لم تكن كملت ولا تمت لقصور (٢) في المكلفين بها، فبعث نبينا ﷺ مكملًا ما بقى من الخيرات والبركات، هاديًا إلى أرشد السبل في الطاعات والعادات، بشرائع لا خلاف في أنها أحسن الشرائع ولا شقاق، ويشير إليه قوله: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.\n_________\n(١) هذا أيضًا مبني على النسخ الهندية، إذ فيها: وإنما كان ينزل بني تميم، والصواب ما تقدم عن النسخة المصرية: إنما ينزل بني تيم، والمعنى أن سليمان لم يكن تيميًا، وإنما نسب إليهم لنزوله فيهم.\n(٢) ما أجاد الشيخ! فلا يرد على تقريره ما أشكل على الشراح من إيهام النقص في الأنبياء السابقين، وزعم ابن العربي أن اللبنة المشار إليها كانت في أس الدار المذكورة، وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار، قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور، قال الحافظ: هذا إن كان منقولًا فهو حسن، وإلا فليس بلازم، نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها، وقد وقع في رواية همام عند مسلم: إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فيظهر أن المراد أنها مكملة محسنة، وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصًا، وليس كذلك، فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة، فالمراد ها هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة، انتهى.","vol":"3","page":445},{"text":"قوله [وإنه كاد أن يبطئ بها] فإن الأمر إما مطلق أو مؤقت والتأخير في الأول لا يوجب مذمة ولا يعد المأمور به قاضيًا، وفي الثاني عصيان والمأمور بالتأخير فيه يعد قاضيًا، والأمر ليحيى ﵇ لعله كان من قبيل الثاني، فلذلك صح قوله: كاد أن يبطئ بها، وعيسى ﵇ لم يكن بعد أوحى إليه كتاب، فلا يشكل أنه كيف أمر يحيى مع وجود عيسى، وكيف ساغ لعيسى ﵇ أن يطلب نيابة من الذي هو دونه، لأنهما (١) كانا مساويين إذًا، وفي قوله: «أخشى إن سبقتني بها» إشارة إلى جواز الخلف في الوعد وامتنع لغيره، فإن العذاب في حق الأنبياء لو استحال لذاته لم يكن لخشيته ﵇ معنى.\nقوله [فامتلأ وقعدوا على الشرف (٢)] يمكن أن يستنبط من ها هنا أن الإمام إذا كان من أسفل وصار بعض القوم في موضع عال منه جاز عند الضرورة والزحمة، فإن قوم عيسى لما ارتفعوا على الشرف بعد امتلاء بيت المقدس لم ينكر عليهم ذلك (٣).\nقوله [فقال] أي قال قائل وهو (٤) الصدقة ها هنا، فإن الصدقة تطفئ\n_________\n(١) علة لقوله: لا يشكل، يعني لم يكن يحيى دونه، بل كانا مساويين.\n(٢) قال المجد: الشرف محركة العلو والمكان العالي، وشرفة القصر معروف والجمع شرف، انتهى. وفي لغات الصراح: الشرفة كمنكره جمعه الشرف.\n(٣) مع كونه ﵇ نبيًا، فجواز التفوق على الإمام يثبت بالأولى، والقصة وإن لم تكن في الصلاة لكن العلة وهي الازدراء بالإمام مشتركة فإن قدر الإمام ليس بأجل من قدر النبي.\n(٤) فإن الصدقة هي التي فدت نفسها المتصدق الأسير، وهذا هو الظاهر من سياق الترمذي، والحديث ذكره ابن الأثير في أسد الغابة بتغير يسير في بعض الألفاظ، ولفظه في أمر الصدقة: إنما مثل ذلك مثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، فقال: دعوني أفد نفسي منكم فجعل يعطيهم القليل والكثير حتى يفدي نفسه، الحديث.","vol":"3","page":446},{"text":"غضب الرب، ولا يرد البلاء إلا الصدقة والدعاء، واتقوا النار ولو بشق تمرة.\nقوله [السمع والطاعة] لما كان النبي ﷺ أوتى جوامع الكلم بين في هذين اللفظين ما يربو كثيرًا على الخمس التي بينه يحيى ﵇، فإن السمع شامل لسمع أمر الله سبحانه وأنبيائه ونوابهم إلى يوم القيامة، فكأن المعنى إني آمركم أن تسمعوا أمر كل من أمركم موافقًا لأمر الله ورسوله ولو مباحًا، لو أميرًا (١) عليكم في كل ما لا يحصى تفاصيله، ثم إن السمع البحت لما لم يفد فقد قال قوم ممن سمع: سمعنا وعصينا، أردف السمع بالطاعة، فشمل ما في الشريعة من الأركان والعادات، والسنن والطاعات، وكرائم الأخلاق والحسنات، فلله دره، ثم إنه خص منه بعض ما اهتم به فقال:\n[والجهاد والهجرة] وهما مثل الأولين يشملان معاني لا تحصى، وفي تخصيص الأمر بموافقة الجماعة مزيد اهتمام بها فإن التأسي بأصحاب النبي ﷺ إنما هو ملاك الأمر وسنام العمل.\nقوله [ومن أدعى دعوى الجاهلية] علاوة على الخمس التي وعد بها، وليس شيئًا يباين ما سبق، فإن كلا من السمع والطاعة والجماعة يشمله إلا أنه فصله وبينه لما رأى ابتلاءهم بذلك، والمراد بدعوى الجاهلية يمكن أن يعم بحيث يصدق على كل ما خالف الشرع من الأمور، وإن يخص (٢) بما اعتاده أهل\n_________\n(١) أي لو كان الآمر أميرًا عليكم، والظرف في قوله: في كل ما لا يحصى متعلق للفعل في قوله تسمعوا، أو المصدر في قوله: لسمع أمر الله.\n(٢) قلت: ولا يبعد أن يخص بما ذكر الحافظ برواية مسلم وابن حبان وغيرهما من طريق أبان بن يزيد وغيره، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا بلفظ: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة، انتهى. فإن سند هذا الحديث يوافق سند حديث الباب فأولى أن يفسر به.","vol":"3","page":447},{"text":"الجاهلية من دعاء أصنامهم، أو دعاء أعوانهم على الحطام الدنيوي للحرب والفساد، ودعائهم فيما بينهم بأسماء منعهم النبي ﷺ عنها.\nقوله [عباد الله] منادى بحذف حرف النداء.\nقوله [لا يسقط ورقها] هذا يحتمل أن يكون وجه (١) الشبه، وأن يكون بيانًا لبعض خواصه ليسهل عليهم فهمه، ومع هذا فهو بعض (٢) من الوجوه\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما قال الحافظ: ووجه الشبه بين المسلم والنخلة من جهة عدم سقوط الورق ما روى عن ابن عمر من وجه آخر بلفظ: كنا عند رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أنملة، أتدرون ما هي؟ قالوا: لا! قال: هي النخلة، لا تسقط لها أنملة ولا تسقط لمؤمن دعوة، انتهى.\n(٢) اختلفوا في وجه الشبه في هذا التشبيه، وكلام الشيخ يشير إلى أنه جامع لأمور كثيرة، قال العيني: أما وجه الشبه فقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو كثرة خيرها، ودوام ظلها وطيب ثمرها، ووجودها على الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد أن ييبس يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها، فيستعمل جذوعًا وحطبًا وعصيًا ومحاضر وحصرًا، وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها، ثم آخرها نواها ينتفع به علفًا للإبل وغيرها، ثم جمال نباتها وحسن ثمرتها، وهي كلها منافع وخير وجمال، وكذلك المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه، ومواظبته على صلاته وصيامه، وذكره والصدقة وسائر الطاعات، هذا هو الصحيح في وجه الشبه، وقال بعضهم: وجه التشبيه أن النخلة إذا قطعت رأسها ماتت بخلاف باقي الشجرة، وقال بعضهم: لأنها لا تحمل حتى تلقح، وقال بعضهم: لأنها تموت إذا مزقت أو فسد ما هو كالقلب لها، وقال بعضهم: لأن لطلعها رائحة المنى، وقال بعضهم: لأنها تعشق كالإنسان، وهذه الأقوال كلها ضعيفة من حيث أن التشبيه إنما وقع بالمسلم وهذه المعاني تشمل المسلم والكافر.","vol":"3","page":448},{"text":"التي وقع التشبيه لأجلها، وهي عدم سقوط ورقها، والورق بهاء النخل وزينتها وحياتها فهي لا تنفك عنها كالمؤمن، فإن الإيمان لا ينفك عنه ساعة، وهو بهاؤه وزينته وحياته، وطيب ثمرتها ونفعها، كما أن ثمرة المؤمن -وهي الأعمال الحسنة- طيبة نافعة، وأن النخل لا يطيب ثمارها بغير التأثير كما أن المؤمن لا يستجيد دينه ولا يكمله إل بتلقين وتعليم من الأستاذ والمرشد، وأن منفعة النخل تبقى بعد قطعها في منافع شتى، فكذا المؤمن يخلف من آثاره ما ينتفع به، وقد يقال: إن الماء إذا ارتفع على رأس النخلة فإنها تموت كما أن الإنسان كذلك.\nقوله [فاستحييت إلخ] أشار إلى أن (١) الأدب مع الكبراء أن لا يتكلم بين أيديهم، لكن ذلك حسن في غير مسائل الدين وأحكامه، لقول عمر: لأن تكون قلتها إلخ، وفي الحديث جواز إدارة الأحاجي (٢) فيما بينهم وأن لا منع\n_________\n(١) قال الحافظ: في الحديث استحباب الحياء ما لم يؤد ذلك إلى تفويت مصلحة، ولذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت، وقد بوب عليه المؤلف في العلم والأدب، انتهى. بوب عليه بقوله «باب الحياء في العلم» كتاب العلم، وبقوله «باب ما لا يستحي من الحق للتفقه في الدين» في كتاب الأدب، وما أفاده الشيخ بوب له البخاري أيضًا في كتاب الأدب بقوله «باب إكرام الكبير».\n(٢) جمع أحجية أصله أحجووة، يقال له في الهندية جيستان، كذا في لغات المقامات. ثم ما رواه أبو داؤد من حديث معاوية عن النبي ﷺ أنه نهى عن الغلوطات محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنت المسئول أو تعجيزه، قاله الحافظ: وفي البذل عن الخطابي: المعنى أنه نهى أن يعرض للعلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلظ ليستنزلوا فيها، يستسقط رأيهم فيها، انتهى","vol":"3","page":449},{"text":"من امتحان (١) الرجل صاحبه إذا لم يقصد بذلك إهانته، وقول عمر ﵁: لأن تكون إلخ إشارة إلى أن مسرة الرجل يعلو أحد من أقاربه وأوليائه لا شناعة فيه إذا كان لأمر ديني، وإنما هو من مسرة بمنة من الله تعالى وإحسانه على من يدانيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>[باب ما جاء مثل الصلوات الخمس </span>إلخ] اختلفوا في أن المغفور بالطاعات هل هي الصغائر من الذنوب أم كبائرها أيضًا، فقال أكثرهم (٢): هي الصغائر فقط ولا يغتفر الكبائر إلا بالتوبة والاستغفار، وقال بعضهم (٣): إنها الكبائر\n_________\n(١) ولذا بوب عليه البخاري في صحيحه «باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم» انتهى.\n(٢) قال الطيبي: إن الشارحين اتفقوا عليه، وهكذا ذكر النووي والقرطبي في شرح مسلم، كذا في الشامي، وبه جزم القارئ والعيني وحكيًا عن ابن عبد البر الإجماع على ذلك بعد ما حكى في تمهيده عن بعض معاصريه أن الكبائر والصغائر تكفرها الصلاة والطهارة لرواية البخاري وغيره: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصوم، الحديث. ولرواية الصنابحي: إذا توضأ خرجت الخطايا من فيه، الحديث. ثم رد عليه بأنه جهل وموافقة للمرجئة في قولهم: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب. وهو مذهب باطل بإجماع الأمة، انتهى. وفي الدر المختار: قال عياض: أجمع أهل السنة أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، ولا قائل بسقوط الدين ولو حقًا لله، كدين صلاة وزكاة، نعم إثم المطل وتأخير الصلاة ونحوها يسقط، وهذا معنى التكفير على القول به، انتهى.\n(٣) ففي الدر المختار: هل الحج يكفر الكبائر، قيل: نعم كحربي أسلم، وقيل: غير المتعلقة بالآدمي كذمي أسلم، ثم حكى عن عياض الإجماع المذكور قبل، وتقدم ما حكاه ابن عبد البر عن معاصريه، قال ابن عابدين: وفي شرح اللباب: مشى الطيبي على أن الحج يهدم الكبائر والمظالم، ووقع منازعة بين أمير بادشاه من الحنفية حيث مال إلى قول الطيبي، وبين ابن حجر المكي حيث مال إلى قول الجمهور، قال: وظاهر كلام ابن الهمام الميل إلى تكفير المظالم أيضًا، وعليه مشى الإمام السرخسي، وعزاه المناوي إلى القرطبي، انتهى.","vol":"3","page":450},{"text":"والصغائر حتى حقوق العباد أيضًا كالحج، واستدلوا على ما ذهبوا إليه برواية ابن ماجة (١)\n_________\n(١) ولفظها: حدثنا أيوب بن محمد الهاشمي، ثنا عبد القاهر بن السري السلمي، ثنا عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرادس السلمي، أن أباه أخبره عن أبيه، أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب أني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فأني آخذ للمظلوم منه، قال: أي رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك رسول الله ﷺ، أو قال: تبسم، فقال أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي أضحكك؟ أضحك الله سنك، قال: إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي، أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه، انتهى بلفظه. وفي القول المسدد: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في زيادات المسند له: ثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، ثنا عبد القاهر بن السري، إلى آخر ما تقدم عن ابن ماجة، ثم قال: وحديث العباس هذا قد أخرجه أبو داؤد (أي مختصرًا قصة الضحك فقط) فقال: حدثنا عيسى بن إبراهيم وسمعته من أبي الوليد، وأنا لحديث عيسى أحفظ، قالا: أخبرنا عبد القاهر بن السري -يعني السلمي- ثنا ابن كنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده، قال: ضحك رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر وعمر: أضحك الله سنك، وساق الحديث، انتهى كلام أبي داؤد، ولم يذكر في الباب غيره وسكت عليه فهو صالح عنده، وأخرجه أيضًا الطبراني من طريق أبي الوليد وعيسى ابن إبراهيم جميعًا بتمامه، وأخرجه أيضًا من طريق أيوب بن محمد (أي بسند ابن ماجة).","vol":"3","page":451},{"text":"وإن كانت ليست بذاك (١) لما ورد (٢) لها من المتابعات والشواهد، وهي\n_________\n(١) هو من ألفاظ التضعيف، يعني والرواية المذكورة وإن كانت ضعيفة حتى أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وأعلها بكنانة، فإنه منكر الحديث جدًا، ورد عليه الحافظ في مؤلف سماه «قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج» قال فيه: حكم ابن الجوزي على هذا الحديث بأنه موضوع مردود قال الذي ذكره لا ينتهض دليلًا على كونه موضوعًا، وقد اختلف قول ابن حبان في كنانة فذكره في الثقات، وذكره في الضعفاء، وذكر ابن مندة أنه قيل: إن له رؤية من النبي ﷺ، وولده عبد الله فيه كلام ابن حبان أيضًا، وكل ذلك لا يقتضي الحكم بالوضع، بل غايته أن يكون ضعيفًا، ويعتضد بكثرة طرقه، انتهى. وفي الدر المختار: حديث ابن ماجة ضعيف، وفي الدراية. أشار ابن حبان في ترجمة كنانة من الضعفاء إلى ضعف هذا الحديث، وقال البخاري: لا يصح، انتهى.\n(٢) دليل لقوله: استدلوا، يعني أن الحديث وإن كان ضعيفًا لكنهم استدلوا بذلك لما له من المتابعات والشواهد، ففي «إنجاح الحاجة» بعد ما تقدم من قول الحافظ رادًا على ابن الجوزي: وكل ذلك لا يقتضي الحكم بالوضع، بل غايته أن يكون ضعيفًا ويعتضد بكثرة الطرق، وهو بمفرده يدخل في حد الحسن على رأي الترمذي، ولا سيما بالنظر في مجموع طرقه، وقد أخرج أبو داؤد طرفًا منه وسكت عليه، فهو صامح عنده، وأخرجه الحافظ غياث الدين المقدسي في الأحاديث المختارة ما ليس في الصحيحين، وقال البيهقي بعد أن أخرجه في شعب الإيمان: هذا الحديث له شواهد كثيرة قد ذكرناها في كتاب البعث، فإن صح شواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وظلم بعض بعضًا دون الشرك، وقد جاء لهذا الحديث شواهد في أحاديث صحاح، انتهى. وفي «القول المسدد»: قد وجدت له شاهدًا قويًا أخرجه أبو جعفر بن جرير في التفسير من طريق عبد العزيز بن أبي داؤد عن نافع عن ابن عمر، فساق حديثًا فيه المعنى المقصود من حديث العباس، وهو غفران جميع الذنوب لمن شهد الموقف، وأورد ابن الجوزي الطريق المذكورة أيضًا، وأعلها ببشار بن بكير الحنفي راويها عن عبد العزيز فقال: إنه مجهول، قال الحافظ: ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا، وقد تابعه عبد الرحيم بن هاني الغساني، فرواه عن عبد العزيز نحوه، وهو عند الحسن بن سفيان في مسنده، فالحديث على هذا قوي لأن عبد الله بن كنانة لم يتهم بالكذب، وقد روى حديثه من وجه آخر، وليس ما رواه شاذًا، فهو على شرط الحسن عند الترمذي، ثم وجدت له طريقًا أخرى من وجه آخر بلفظ آخر، وفيه المعنى المقصود، وهو عموم المغفرة لمن شهد الموقف، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ومن طريقه أخرجه الطبراني في معجمه عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عنه عن معمر عمن سمع قتادة يقول: حدثنا خلاس بن عمرو، عن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ يوم عرفة: أيها الناس إن الله ﷿ قد تطول عليكم في هذا اليوم، فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، فلما كان يجمع قال: إن الله غفر لصالحيكم وشفع صالحيكم في طالحيكم، الحديث. رجاله ثقات إثبات معروفون إلا الواسطة بين معمر وقتادة، ومعمر قد سمع عن قتادة غير هذا، لكن بين ها هنا أنه لم يسمعه إلا بواسطة، لكن إذا انضمت هذه الطريق إلى حديث ابن عمر عرف أن لحديث عباس بن مرداس أصلًا، ثم وجدت لأصل الحديث طريقًا أخرى أخرجها ابن مندة في الصحابة من طريق ابن أبي فديك عن صالح بن عبد الله بن صالح عن عبد الرحمن بن عبد الله بن زيد عن أبيه، عن جده زيد، قال: وقف النبي ﷺ عشية عرفة فقال: يا أيها الناس! إن الله قد تطول عليكم في يومكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، وغفر لكم ما كان منكم، وفي رواة هذا الحديث من لا يعرف حاله، إلا أن كثرة الطرق إذا اختلفت المخارج تزيد المتن قوة، انتهى كلام الحافظ. وفي «التعقبات على الموضوعات» للسيوطي: حديث العباس أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد؟؟؟، وابن ماجة والبيهقي في سننه، وصححه الضياء المقدسي في المختارة، وأبو داؤد طرفًا منه، وسكت عليه، فهو عنده صالح، وقال البيهقي: له شواهد كثيرة، وحديث ابن عمر أخرجه ابن جرير في تفسيره، والحسن بن سفيان في مسنده، وأبو نعيم في الحلية، وحديث عبادة أخرجه عبد الرزاق في مسنده، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات إلا أن فيه مبهمًا لم يسم، فإن كان ثقة فهو على شرط الصحيح، وإن كان ضعيفًا فهو عاضد للمسند المذكور، وقد ورد الحديث من حديث أنس أخرجه ابن منيع وأبو يعلى في مسنديها، وزيد جد عبد الرحمن أخرجه ابن مندة في الصحابة، وله شاهد مرسل أخرجه مسدد في مسنده ورجاله ثقات، انتهى. قال ابن عابدين: والحاصل أن حديث ابن ماجة وإن ضعف فله شواهد تصححه، والآية تؤيده، ومما يشهد له أيضًا حديث البخاري مرفوعًا: من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وحديث مسلم مرفوعًا: إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله، لكن قال الأكمل: إن الهجرة والحج لا يكفران المظالم، إلى آخره. قلت: = وسيأتي من الشواهد الدالة على عموم الغفران قريبًا، وقاله القسطلاني في حديث البخاري مرفوعًا: من حج لله فلم يرفث، الحديث: هو يشمل الصغائر والكبائر والتبعات، قال الحافظ ابن حجر وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك، انتهى.","vol":"3","page":452},{"text":"أن النبي ﷺ لما حج استغفر لأمته في عرفات، فاستجيب له فيهم إلا الحقوق التي لهم فيما بينهم، ثم استغفر لهم ثانيًا في المزدلفة فاستجيب له في ذنوب أمته ﷺ","vol":"3","page":453},{"text":"صغائرها وكبائرها من حقوقه تعالى عليهم وحقوقهم فيما بين أنفسهم، والإيراد","vol":"3","page":454},{"text":"بأن العفو عن الظالم ظلم على المظلوم، وإن كان منًا على الظالم ساقط، فإن الله تعالى لا يغفر لهم إلا بعد أن يعد للمظلومين أجورًا ونعمًا حذاء من عند نفسه، ولكن الاستدلال لا يتم بعد، فإن المقصود -وهو أن الحج يغتفر فيه الحقوق بأسرها وتنمحي الذنوب عن آخرها- لم يثبت (١) بعد، إذ غاية ما ثبت بهذه الرواية\n_________\n(١) إلا أن عموم الروايات الكثيرة تدل على ذلك كما سيأتي في كلام الشيخ أيضًا، وقد تقدم ذكر بعضها، وفي الترغيب عن أبي هريرة مرفوعًا: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، رواه الشيخان والنسائي وابن ماجة والترمذي، إلا أنه قال: غفر له ما تقدم من ذنبه، وعنه مرفوعًا: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، رواه مالك والستة إلا أبا داؤد، وعن ابن مسعود مرفوعًا: تابعوا بين الحج، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، ورواه ابن ماجة والبيهقي من حديث عمر، وعن عبد الله بن جراد مرفوعًا: حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن، رواه الطبراني في الأوسط، وعن أبي هريرة مرفوعًا: يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج، رواه البزار والطبراني في الصغير، وعن سهل بن سعد مرفوعًا: ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدًا أو حاجًا مهللًا أو ملبيًا، إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها، رواه الطبراني في الأوسط، وعن عائشة مرفوعًا: من خرج في هذا الوجه لحج أو عمرة فمات لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له: ادخل الجنة! رواه الطبراني وأبو يعلى والبيهقي والدارقطني، وعن جابر مرفوعًا: من مات في طريق مكة ذاهبًا أو راجعًا لم يعرض ولم يحاسب أو غفر له، وغير ذلك من الروايات.","vol":"3","page":455},{"text":"المأخوذة عن ابن ماجة أن ذنوب الأمة قبلت فيها شفاعة النبي ﷺ في حجة فغفرت، وأما أن كل من حج فإنه يغفر له كل ذنب وإثم وما عليه من حقوق الله وحقوق العباد فغير ثابت (١) إلا أن يعتذر عن المستدلين بأنهم لم يريدوا بذلك إقامة على أن الحج يغتفر فيه جميع ذلك بهذه الرواية، بل الذي أراده أصحاب الاستدلال أن العفو عن حقوق العباد سائغ، وليس بظلم، فلما ظهر بالرواية جواز الصفح عنها وقد وردت في أكثر العبادات كالحج وصلاة التسبيح وغيرها صيغ ظاهرها العموم تحمل على\n_________\n(١) لكن العمومات المتقدمة تعم كل من حج، وقد ورد نصًا، قال ابن عابدين: وروى ابن المبارك أنه ﷺ قال: إن الله قد غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات، فقام عمر فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر: كثر خير ربنا وطاب، قلت: هذا الحديث ذكره ابن الهمام مفصلًا، فقال: قال الحافظ المنذري: روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير ابن عدي عن أنس بن مالك قال: وقف النبي ﷺ بعرفات، الحديث، وفي موطأ مالك عن طلحة بن عبيد الله أن رسول الله ﷺ قال: ما رئى الشيطان يومًا هو أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذلك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله ﷿ عن الذنوب العظام إلا ما رئى يوم بدر، انتهى.","vol":"3","page":456},{"text":"العموم ولا يخص منه الكبائر، والمراد عند الأولين بهذه الصيغ خاص، فكل ذنب هو باعتباره في نفسه كبيرة أو صغيرة، فهو بنسبته إلى ما فوقه أو تحته صغيرة أو كبيرة، هذا ولعل الحق (١) الذي لا ينبغي أن يعدل عنه أن الطاعات والعبادات بأسرها تتفاوت بتفاوت القائمين بها إلى مراتب لا تحصى، فكم من (٢) نائم له عند الله أعلى منزلة ومقام، ورب قائم في جوف (٣) الليل ليس له من قيامه\n_________\n(١) فلله دره ما أجاد في الجمع بين الروايات والعمومات والأصول والخصوص، وعلى هذا فلا يخالفه شيء من الآيات والروايات، كيف لا وهو الحامل رايات التحقيق والرافع ألوية التدقيق، لسان الحقائق الإلهية والمعارف الربانية، رحمه الله تعالى ومن تبعه رحمة واسعة متزايدة إلى يوم القيامة.\n(٢) ففي المشكاة برواية مالك وأبي داؤد والنسائي عن معاذ مرفوعًا: الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة وباسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهته أجر كله، الحديث. وروى هذا المعنى في روايات أخر، وكذا ما ورد في أبي داؤد: من يكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته، وكذا ما ورد في روايات: هن يمنعه المرض عما يعتاده يكتب له، وفي الرحمة المهداة برواية الحلية عن سلمان مرفوعًا: نوم على علم خير من صلاة على جهل، وغير ذلك مما في الباب.\n(٣) وقد ورد مرفوعًا، ففي المشكاة برواية الدارمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر، قال المنذري: رواه ابن ماجة والنسائي وابن خريمة في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري، ولفظهما: رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر، انتهى.","vol":"3","page":457},{"text":"غير ترك الهجوع والمنام، وإذا كان كذلك كانت العبادات ليس حكمها بأسرها واحدًا (١) بل البعض منها ترك العبد كيوم ولدته أمه إذا ندم فيها على ما فرط في جنب الله، وتحسر على ما اكتسبته في سالف زمانه يداه، والبعض منها لا توجب إلا مغفرة صغائرها لا كبائرها، ولا عجب في أن البعض تورث له وبالًا ويحق على العبد معتبة ونكالًا، فقد ورد (٢) أن الصلاة إذا لم يحافظ عليها المصلي وإن أدى أركانها وشرائطها، فإنها تدعو على المصلي وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، إلى غير ذلك من الروايات، وفي حديث الباب إشارة إلى ما قلنا،\n_________\n(١) فقد أخرج أبو داؤد بسنده عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها، قال المنذري: رواه أبو داؤد والنسائي وابن حبان في صحيحه بنحوه، وعن أبي اليسر مرفوعًا: منكم من يصلي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلي النصف، والثلث، والربع، والخمس، حتى بلغ العشر، رواه النسائي بإسناد الحسن، واسم أبي اليسر كعب بن عمرو السلمي شهد بدرًا.\n(٢) قال المنذري: روى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: من صلى الصلوات لوقتها، وأسبغ لها وضوءها، وأتم لها قيامها وخشوعها، وركوعها وسجودها، خرجت وهي بيضاء مسفرة تقول: حفظك الله كما حفظتني، ومن صلاها لغير وقتها، ولم يسبغ لها وضوءها، ولم يتم لها خشوعها، ولا ركوعها ولا سجودها، خرجت وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما يلفت الثوب الخلق ثم ضرب بها وجهه، رواه الطبراني في الأوسط، وروى عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: ما من مصل إلا وملك عن يمينه وملك عن يساره، فإن أتمها عرجا بها، وإن لم يتمها ضربا بها على وجهه.","vol":"3","page":458},{"text":"فإن النبي ﷺ شبه (١) الصلاة بالغسل، وأنت تعلم ما في مراتب الغسل من التفاوت، فمن غاسل ليس له غير سقوط الفرض عنه لو جنبًا، وغير البرد لو طاهرًا، ومن غاسل يهتم باغتساله بالماء الحار والصابون والأشنان إلى غير ذلك من الأسباب، وآخر منهم يدخل في الحمام فلا يخرج في أقل من نصف يوم، أفتراهم تساووا في تحصيل النظافة ونقاء البدن؟ لا والله! ولعلك تتوهم أن المرتبة الأخيرة من المشبه لا يتحصل في المشبه به، فإن شيئًا من صنوف الغسل لا يوجب تلوثًا وتلطخًا له، كما في المشبه من إيراث صلاته سخطًا عليه ومقتًا من الله ﷿، قلنا: هذا غير بعيد فإن السؤال قد نشأ من عدم الممارسة بحياض الأعراب، وغدران الفلوات، فإنها لطول مكث المياه وكثرة ورود الحمير والبغال والجواميس والجمال، لا تورث شيئًا من النظافة بل ضده، وإن حكم الفقيه بطهارتها على حسب الشرع الشريف سيما على مذهب الشافعية والمالكية رحمهم الله تعالى، فإنه يعد غاسلًا باغتساله فيها، ولم يحصل له برد الجسم ولا سرور القلب، فكيف بإزالة الوسخ والدرن، والحمد لله ذي الأنعام والمنن، وفقنا الله بأداء طاعاته على حسب مرضاته، وأجارنا عن وساوس الشيطان ونزغاته، وأحلنا دار كراماته بمحض ألطافه وعناياته، إنه كريم جواد، وبيده مقاليد الضلال والسداد، وهو مالك أزمة الرشاد، وأنامله قابضة على أفئدة العباد، يصرفه (٢) كيف شاء على الصلاح والفساد.\n_________\n(١) إن كان لفظ المثل بفتح الميم وفتح المثلثة فتشبيه الصلاة بالغسل الطاهر، وإن ضبط بكسر الميم وسكون المثلثة -وبالاحتمالين ضبطه القسطلاني وغيره من شراح الحديث- فالظاهر تشبيه الغسل بالصلاة، لكنه في الحقيقة تشبيه الصلاة بالغسل إذ ذاك أيضًا، عكس في اللفظ مبالغة، قال القارئ: عكس في التشبيه حيث أن الأصل تشبيه المعقول بالمحسوس مبالغة، انتهى.\n(٢) فقد روى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: إن قلوب بني آدم كلها بين اصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك. كذا في المشكاة عن مسلم، قلت: وقد تقدم معناه برواية أنس عند المصنف.","vol":"3","page":459},{"text":"قوله [مثل أمتي مثل المطر إلخ] ذهب ابن عبد البر (١) إلى ظاهره فقال: لا يمتنع أن يكون في آخر الأمة من يفضل على بعض الصحابة ﵃، والجمهور على خلافه، ولهم روايات كثيرة تثبت مرامهم، منها قوله (٢) ﷺ: خير القرون قرني إلخ، ومنها ما ورد (٣): لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدهم أو نصيفه،\n_________\n(١) فقد قال الحافظ تحت حديث القرون: اقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره أو أنفق شيئًا من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحت، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية. واحتج ابن عبد البر بحديث: مثل أمتي مثل المطر، الحديث، وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة، وأغرب النووي فعزاه في فتاواه إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس بإسناد ضعيف مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس وصححه من حديث عمار، انتهى. ثم ذكر الحافظ مستدلات ابن عبد البر والأجوبة عنها، سيأتي تمامها في أبواب المناقب.\n(٢) قال الحافظ في مبدأ الإصابة: تواتر عنه ﷺ قوله: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» انتهى.\n(٣) ذكر الشيخ الرواية بالمعنى، وقد وردت بطرق عديدة وألفاظ مختلفة ذكرها السيوطي تحت قوله عن اسمه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية. والمشهور منها ما أخرجه ابن أبي شيبة والشيخان وأبو داؤد والترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا تصيفه» انتهى.","vol":"3","page":460},{"text":"أو كما قال، فلما كان كذلك تعارضت الأخبار لا محالة، والجواب أن روايات فصل الصحابة ناطقة على فضلهم الكلي نسبة إلى من بعد، وأما رواية الباب فإنما المراد بها الفضيلة الجزئية، ولا يبعد أن يكون في آخر الأمة من يربو على الأولين بصفة لم تكن فيهم، فإن الصحابة ﵃ لم يكونوا دون في أيامهم من المسائل الشرعية والأصول الفقهية ما دون في أيام الفقهاء المجتهدين ﵃، فلا ضير في أن يحكم بأن هذا الزمان أفضل من ذاك في هذه الفضيلة، ولا يلزم بذلك إساءة أدب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى يوم القيام، ولا تفضيل لهؤلاء عليهم حتى يرد مخالفة الآثار المروية في إثبات فضل هؤلاء العظام، وفي حديث الباب إشارة إلى ما قلنا، فإن التشبيه لما وقع بالمطر كان أول الأمة كأوله وآخرها كآخره، ولا يخفى على من له أدنى ممارسة بعاداته سبحانه بأصحاب الزراعة أن ماء الربع (١) إنما هو أول المطر فلا يمكن أن يبذر في الأرض فتنبت من غير مطر، وأما إذا مطر السماء أولًا فإن الزرع قد تنبت ثم بعد ذلك قد يفيد المطر وقد يضر، وثم وثم، فلا ضير في أن يفضل بعض من الأمطار الآخرية على الأمطار الأولية، ولو حمل مقال ابن عبد البر على تقريرنا لكان موافقًا للجمهور، قلت: ولا يبعد (٢) أن يقال: إن\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب على الظاهر الربيع.\n(٢) وبهذا التوجيه جزم بعض من سلف أيضًا، وعلى هذا فيكون المراد بحديث المطر المشعر بالتردد من بعد القرون الثلاثة المقطوعة بخيريتهم أو من بعد الصحابة.","vol":"3","page":461},{"text":"المراد بالأول ليس هو الأول الحقيقي حتى يراد بأول المطر الصحابة الكرام، ومن وردت فيهم الأخبار بل المراد بالأول من بعد هؤلاء، ولعل في التشبيه إشارة إلى ذلك إذ الأول الحقيقي من المطر إنما هو نفع محض وخير بحت فلا يحسن الترديد فيه، بل المشبه (١) هو المطر الذي دار في كونه نافعًا وضارًا كما أن الناس بعد القرون الثلاثة كذلك.\nقوله [ورمى بحصاتين] إحداهما وراء الأخرى، ولما كان كل منهما مع ذلك قريبًا منه ﷺ صح الإشارة إليهما بلفظ موضوع لمرتبة واحدة من القرب والبعد.\nقوله [إنما الناس كابل مائة] على التوصيف بتنوين اللفظين معًا، والمراد الكمال (٢) في أي صفة أخذت، فالمسلمون في جنب الكفار كذلك، والعلماء في الجهلاء والمقبولون في العوام كذلك إلى غير ذلك من الخلال الحسنة.\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب على الظاهر المشبه به.\n(٢) هذا هو الصحيح المشهور في معناه عند عامة الشراح، قال القارئ: لا تكاد تجد فيها راحلة، أي ناقة شابة قوية مرضاة تصلح للركوب، فكذلك لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة وحمل المودة وركوب المحبة، فيعاون صاحبه ويلين له جانبه، وقال الخطابي: معناه أن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كابل المائة لا يكون فيها راحلة، قال الطبي: على القول الأول (لا تجد فيها راحلة) صفة لا بل، والتشبيه مركب تمثيلي، وعلى الثاني هو وجه الشبه وبيان لمناسبة الناس للإبل، قال القارئ: ولا يخفى ظهور المعنى الأول، وذكر المائة للتكثير لا للتحديد، فإن وجود العالم العامل المخلص من قبيل الكيمياء أو من باب تسمية العنقاء، قلت: ما حكى القارئ عن الخطابي لم يجزم الخطابي بذلك بل ذكره قولًا كما حكى عنه الحافظ إذ قال: قال الخطابي: تأولوا هذا الحديث على وجهين: أحدهما أن الناس في أحكام الدين سواء كما تقدم، والثاني أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدًا، فهم بمنزلة الراحلة، قال الحافظ: وأورد البيهقي هذا الحديث في كتاب القضاء في تسوية القاضي بين الخصمين أخذًا بالتأويل الأول، ونقل عن ابن قتيبة في معنى الحديث أن الناس في النسب كالإبل المائة التي لا راحلة فيها فهي مستوية، وقال الأزهري: الراحلة عند العرب الذكر النجيب والأنثى النجيبة والهاء فيها للمبالغة، قال: وقول ابن قتيبة غلط، والمعنى أن الزاهد في الدنيا الكامل فيه الراغب في الآخرة قليل، قال النووي: هذا أجود، وأجود منهما قول الآخرين أن المرضى الأحوال من الناس الكامل الأوصاف قليل، قال الحافظ: والعموم أولى، وقال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم، ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة، وأشار ابن بطال إلى أن المراد بالناس في الحديث من يأتي بعد القرون الثلاثة، انتهى، قلت: وقد عرفت أن كلام الشيخ يعم هذه الأقاويل أكثرها بل كلها ما خلا القولين الذين مؤداهما التسوية.","vol":"3","page":462},{"text":"قوله في حديث (١) سعيد بن عبد الرحمن المخرومي [عن سالم عن ابن عمر إلخ]\n_________\n(١) ليس هذا بيان القول بل محله، وبيان القول (عن سالم) يعني قول المصنف عن سالم عن ابن عمر الذي وقع في حديث سعيد، ثم حاصل ما أفاده الشيخ في تقرير هذا القول أن قوله: عن سالم إلخ بعد قوله راحلة غير مربوط على الظاهر، فوجهه الشيخ بأن المصنف أحال أولًا هذا الحديث على الحديث السابق بقوله: بهذا الإسناد نحوه، ونبه على لفظ متن الروايتين بقوله (لا تجد) على أن الحديث السابق كان بلفظ الغائب، وهذا بلفظ الخطاب، ثم أراد المصنف أن يتم الإسناد الذي اختصره أولًا، فقال: عن سالم إلخ، فقوله: عن سالم، موصول بقوله: عن الزهري المتقدم على قوله: بهذا الإسناد، وهذا غاية توجيه الكلام عن الشيخ للنسخ الموجودة بأيدينا والظاهر عندي أنه من تصرف النساخ، جمع الكاتب ها هنا النسختين اللتين كانت إحداهما على الحاشية، والأخرى في المتن، كما يدل عليه علامة النسخة، ويدل عليه أيضًا سياق النسخة المصرية، وهو هكذا: حدثنا سعيد ابن عبد الرحمن المخزومي، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري بهذا الإسناد نحوه، وقال: لا تجد فيها راحلة، أو قال: لا تجد فيها إلا راحلة، انتهى. وليس فيها ذكر عن سالم إلخ، فالظاهر أن هذا الكلام من قوله (عن سالم) إلى قوله (لا تجد فيها راحلة) نسخة الحاشية، محل قوله بهذا الإسناد نحوه، فتأمل.","vol":"3","page":463},{"text":"إنما أراد أن يتم الإسناد ويذكر المتن كملًا فوصل قوله [عن سالم] بقوله السابق على قوله بهذا الإسناد عن الزهري، يعني أن رواية سعيد أيضًا إنما هي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر كما كانت رواية الحسن كذلك، إلا أن الترمذي اشتغل ببيان الفرق بين الروايتين قبل أن يذكر الإسناد بتمامه، ثم بعد بيان الفرق أكمل الإسناد وذكر المتن ليظهر بذلك أي بذكر المتن فرق آخر بين الروايتين، وهو أن المذكور في الثانية على الشك بين قوله راحلة وإلا راحلة.\nقوله [إنما مثلي ومثل أمتي إلخ] هذا الحديث واجب المراجعة إلى الأستاذ أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده، فإنه أدام الله ظلال جلاله وأدار علينا كؤوس نواله قرره على الذي لم أفهمه بعد، ثم تبين (١) بعد\n_________\n(١) كان هذا على هامش الأصل فأدرجته في المتن، واختلفت الشراح في معنى التشبيه، والأجود ما أفاده الشيخ إذ المناسبة فيه تامة، وحكى القارئ هذا المعنى بالبسط فقال: شبه إظهاره بمحارم الله ونواهيه ببياناته الشافعية الكافية من الكتاب والسنة باستيفاد الرجل النار، وشبه فشو ذلك الكشف في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف وتعديهم حدود الله عز اسمه وحرصهم على اللذات، ومنع رسول الله ﷺ إياهم بأخذ حجزهم بالفراش التي يتقحمن في النار ويغلبن المستوقد، وكما أن غرض المستوقد هو انتفاع الخلق به من الاهتداء والاستدفاء، وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سببًا لهلاكها، كذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء تلك الأمة واحتماءها عما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها موجبة لترديهم، وفي قوله (آخذ بحجزكم) استعارة، مثلت حاله في منع الأمة عن الهلاك بحال رجل آخذ بحجزة صاحبه الذي يهوى في قعر بئر مردية، انتهى. وقال الحافظ قال النووي: مقصود الحديث أنه ﷺ شبه المخالفين له بالفراش، وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا، مع حرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز، وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه، وقال ابن العربي: هذا مثل كثير المعاني والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة، واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يعجبه من الضياء، وقد قيل: إنها لا تبصر بحال وهو بعيد، وإنما قيل: إنها تكون في ظلمة فإذا رأت الضياء اعتقدت أنه كوة يظهر منها النور، فتقصده لأجل ذلك فتحترق وهي لا تشعر، وقيل: إن ذلك لضعف بصرها، فتظن أنها في بيت مظلم وأن السراج مثلًا كوة فترمي بنفسها إليه، وهي من شدة طيرانها تجاوزه، فتقع في الظلمة فترجع إلى أن تحترق، وقيل: إنها تتضرر بشدة النور، فتقصد إطفاءه فلشدة جهلها تورط نفسها فيما لا قدرة لها عليه، ذكر مغلطاي أنه سمع بعض مشايخ الطب بقوله. وقال الغزالي: التمثيل وقع على صورة الاكباب على الشهوات من الإنسان بإكباب الفراش على التهافت في النار، ولكن جهل الآدمي أشد من جهل الفراش لأنها باغترارها بظواهر الوضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال، والآدمي يبقى في النار مدة طويلة أو أبدًا، والله المستعان، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: وحاصل التمثيل أنه شبه تهافت أصحاب الشهوات في المعاصي التي تكون سببًا في الوقوع في النار بتهافت الفراش بالوقوع في النار اتباعًا لشهواتها، وشبه ذبه العصاة عن المعاصي بما حذرهم به وأنذرهم بذب صاحب النار الفراش عنها، وقال عياض: شبه تساقط أهل المعاصي في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا، انتهى.","vol":"3","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"3","page":465},{"text":"المعاودة أن الأمر فيه سهل، والمعنى أنى كموقد نار أضاءت ما حولها، فمن منتفع بنورها، ومن هالك بالاعتداء وعدم الانتفاع بها، فكذلك إني بينت لكم الشرائع والأحكام فمن عمل فيها بما وجب نجا، ومن اعتدى فيها بالزيادة فيها كإخراج البدع أو النقصان كعدم العمل هلك ولم ينج.\nقوله [إنما أجلكم فيما خلا من الأمم إلخ] فقيل: المراد بالأجل زمان نبوة (١) نبيهم وأيام بقاء شريعتهم، من غير أن يرد عليها النسخ كما بين موسى وعيسى ﵉، أو كما بين عيسى ونبينا محمد عليها الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا ينطبق التمثيل إذ الزمان الذي عملت فيه شريعة عيسى ﵇ أقل بكثير من زمان شريعتنا، فالمراد بالأجل (٢) مدد أعمارهم وقصر أعمالهم، يعني\n_________\n(١) وبذلك جزم عامة شراح البخاري، قال الحافظ: معناه أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مدة من تقدم من الأمم مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس، انتهى. وأجابوا عما أورد عليه الشيخ بوجوه مختلفة، مثل أن قول كثرة العمل مختص باليهود، وغير ذلك.\n(٢) وبذلك جزم القارئ إذ قال: إن الأجل تارة يعبر عن جميع الوقت المضروب للعمر كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ وقد يطلق على انتهاء العمر كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ الآية والمراد ها هنا المعنى الأول، فالمعنى إنما مدة أعماركم القليلة بجنب آجال من مضى من الأمم، انتهى.","vol":"3","page":466},{"text":"أمة محمد ﷺ مع قصر أعمارهم وقلة أعمالهم يؤتون من الأجور ما لم يؤت الأمم السالفة مثله، وعلى هذا يشكل ما ورد (١) من أن الأجير الأول ترك العمل عند\n_________\n(١) والمراد منه ما ورد عند البخاري وغيره من حديث أبي موسى مرفوعًا: مثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقى من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور، انتهى. ولا يخفى ما في حديث الباب وحديث أبي موسى من التغاير جدًا، واختلفت الشراح في محملهما، فحاول منهم الشيخ إلى جمعهما في قضية واحدة، وإليه مال الخطابي كما حكاه عند القارئ إذ قال: قال الخطابي: يروي هذا الحديث على وجوه مختلفة في توقيت العمل من النهار، وتقدير الأجرة، ففي هذه الرواية قطع الأجرة لكل فريق قيراطًا قيراطًا، وتوقيت العمل عليهم زمانًا زمانًا، واستيفاؤه منهم وإيفاؤه الأجرة، وهذا الحديث مختصر، وإنما اكتفى الراوي منه بذكر مآل العاقبة فيما أصاب كل واحد من الفرق، وقد روى البخاري من حديث ابن عمر قال أوتى: أهل التوراة التوراة فعملوا حتى انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتى أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فهذه الرواية تدل على أن مبلغ الأجرة لليهود لعمل النهار كله قيراطان، وأجرة النصارى للنصف الباقي قيراطان، فلما عجزوا عن العمل قبل تمامه أعطوا على قدر عملهم، وهو قيراط، انتهى. وإلى الوحدة مال ابن النين إذ جمع بينهما كما حكاه عنه الحافظ باحتمال أن يكونوا غضبوا أولًا فقالوا ما قالوا طلبًا للزيادة، فلما لم يعطوا قدرًا زائدًا تركوا، فقالوا: لك ما عملنا باطل، انتهى. ومال جماعة من الشراح إلى التعدد، ومنهم الحافظ ابن حجر إذ قال: أما ما وقع من المخالفة بين حديث ابن عمر وأبي موسى فظاهرهما أنها قضيتان، وحاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف، وقال ابن رشد ما حاصله أن حديث ابن عمر ذكر مثالًا لأهل الأعذار، لقوله: فعجزوا، وذكر حديث أبي موسى مثالًا لمن أخر بغير عذر، وإلى ذلك الإشارة بقوله: لا حاجة لنا إلى أجرك، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: إنهما حديثان سيقا في قصتين، نعم وقع في رواية سالم عن ابن عمر ما يوافق رواية أبي موسى، فرجحها الخطابي على رواية نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر، لكن يحتمل أن تكون القصتان جميعًا كانتا عند ابن عمر فحدث بهما في وقتين.","vol":"3","page":467},{"text":"الظهر والأجير الثاني عند العصر إذ لا ينطبق ذلك على المشبه، فإن الذين عملوا ممن قضى نحبة من الفرقتين لم يتركوا والذين تركوا العمل وهم يهود زمان النبي ﷺ والنصارى الموجودون في ذلك الوقت لم يعملوا حتى يصح التشبيه، والجواب إن الفعل من","vol":"3","page":468},{"text":"البعض منسوب إلى كل الأمة فيصح التشبيه، ثم إن القصة مشيرة إلى مسألة فقهية وهي أن الاعتبار للتمام فإن الأجيرين لما لم يتموا العمل لم يستحقوا الأجر، وما أتى لهم كان منة وفضلًا، فإذا أضيف الحكم إلى علتين كانت الأخيرة منهما هي الموجبة.\n\nتم الجزء الثالث ويليه\nالجزء الرابع وأوله «أبواب فضائل القرآن».","vol":"3","page":469},{"text":"الكوكب الدري على جامع الترمذي\n- (الجزء الرابع) -\nمجموع إفادات وتحقيقات للإمام المحدث الفقيه، المربي الجليل،\nالمصلح الكبير، الداعي إلى عقيدة التوحيد الخالص، والسنة\nالسنية البيضاء، الإمام رشيد أحمد الكنكوهي (م ١٣٢٣ هـ)\n\nالعلامة الكبير الشيخ المحدث محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكاندهلوى\n(م ١٢٣٤ هـ)","vol":"4","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"4","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nأبواب فضائل (١) القرآن (٢)\n_________\n(١) أي عمومًا وبعض سوره وآياته خصوصًا، والفضيلة ما يفضل به الشيء على غيره، قال الطيبي: أكثر ما يستعمل في الخصال المحمودة كما أن الفضول أكثر استعماله في المذمومة، قال السيوطي في الإتقان: اختلف الناس هل في القرآن شيء أفضل من شيء، فذهب الإمام أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني وابن حبان إلى المنع لأن الجميع كلام الله ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وروى هذا القول عن مالك. وذهب الآخرون وهم الجمهور إلى التفضيل لظواهر الأحاديث، قال القرطبي: إنه الحق، وقال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل، وقال الغزالي في جواهر القرآن: لعلك أن تقول قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض والكلام كلام الله، فكيف يكون بعضها أشرف من بعض، فأعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المدانية وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع على اعتقاد الفرق نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد فقلد صاحب الرسالة ﷺ فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقال: يس قلب القرآن، وفاتحة الكتاب أفضل سور القرآن، وآية الكرسي سيدة آي القرآن، وقل هو الله أحد عدل سور القرآن، وآية الكرسي سيدة آي القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وغير ذلك مما لا يحصى، انتهى. ثم قيل: الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيها، وقيل: بل يرجع إلى ذات اللفظ وإن ما تضمنته آي الكرسي وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته تعالى وصفاته ليس موجودًا مثلً في «تبت يدا أبي لهب» فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، ملخص من المرقاة. وقال النووي: تأول الأولون ما ورد من إطلاق لفظ أعظم وأفضل في بعض السور والآيات بمعنى عظيم وفاضل، وقال إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين: إنه راجع إلى عظم قاري ذلك وجزيل ثوابه، والمختار جواز قول هذه الآية أو السورة أعظم وأفضل بمعنى أن الثواب المتعلق بها أكثرـ انتهى.\n(٢) قال القارئ: القرآن يطلق على الكلام القديم النفسي القائم بالذات العلي، وعلى الألفاظ الدالة على ذ لك، والمراد ها هنا الثاني، ولا خلاف أنه بهذا المعنى حادث، وإنما الخلاف بيننا وبين المعتزلة في النفسي، فهم نفوه لقصور عقولهم الناقصة أنه لا يسمى الكلام إلا اللفظي وهو محال عليه تعالى وبنوا على هذا التعطيل قولهم: معنى كونه تعالى متكلمًا أنه خالق للكلام في بعض الأجسام ونحن أثبتناه عملًا بمدلول الأسماء الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، وبما هو المعلوم من لغة العرب أن الكلام حقيقة في النفس وحده، أو بالاشتراك، وقد جاء في القرآن إطلاق كل من المعنيين اللفظي والنفسي، ثم المعتمد أن القرآن بمعنى القراءة مصدر بمعنى المفعول، أو فعلان من القراءة بمعنى الجمع لجمعه السور وأنواع العلوم، خلافًا لمن قال: إنه من قرنت الشيء بالشيء لقرن السور والآيات فيه، وأغرب الشافعي إذ قال: اسم علم لكلام الله تعالى ليس بمهموز ولا مأخوذ من قرأت، انتهى. وأطلق صاحب (نور الأنوار) على كونه علمًا أنه المشهور وأورد عليه محشية بأنه لو كان علمًا لكان غير منصرف كعثمان، وأجاب عنه في العمدة بأنه اسم جنس ومع الألف واللام صار علمًا كالنجم، انتهى.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>[باب في فضل فاتحة الكتاب]</span>\nقوله [فالتفت أبي (١)] وهذا الالتفات لم يضر في صلاته لكونه إلى النبي ﷺ ولكن أبيا نظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فاشتغل بإتمام صلاته، ومن ها هنا يعلم أن العالم قطعي العمل ما لم يقم ما يخصه والنبي ﷺ أورد صيغة عموم أخرى فظهر أن الإبطال بحكم الشارع ليس (٢) إبطالًا، فجاز نقض الصلاة لحادثة نجمت من التي (٣) أذن الشارع لها في إبطال الصلاة إذ كل ذلك داخل في قوله الله ﷿: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ولا يتوهم أن الحديث دال على أن الأمر يوجب الائتمار على الفور لإنكار النبي ﷺ على أبي تأخيره ائتماره بقدر إتمام الصلاة؛ لأن الفورية عرضت بقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم﴾ [الأنفال: ٢٤]، وفي الحديث دلالة على تخفيف الصلاة لعارض بتقرير النبي ﷺ وعدم إنكاره على أبي. قوله [من المثاني] هي ما دون (٤) المئين من السور، وعد\n_________\n(١) وروى نحو هذه القصة لأبي سعيد بن المعلي أيضًا وتعددت الروايات عن كليهما، وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لكليهما معًا، قال الحافظ: يتعين المصير إلى ذلك لاختلاف مخرج الحديث واختلاف سياقهما، انتهى.\n(٢) أي ليس بالإبطال المنهي عنه فلا يدخل تحت قوله عز اسمه: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وإن كان إبطالًا للصلاة ونقضًا لها، وكلام الشيخ مبني على بطلان الصلاة بذلك، والمسألة خلافية عند الأئمة في فساد الصلاة بعد إجماعهم على وجوب الإجابة، كما بسطت في البذل والأوجز.\n(٣) أي من الحوادث التي أذن الشرع في إبطال الصلاة لتلك الحوادث.\n(٤) هكذا في الأصل، والظاهر أن المذكور في كلام الشيخ قولان وقع في بيانها إجمال مخل، ويحتمل أن يكون المذكور قولًا واحدًا، وعلى هذا فالمراد بما دون المئين ما قبل المئين، وهي السبع الطول، وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا في تفسير قوله عز اسمه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ الآية في المراد بالسبع المثاني على أقوال عديدة: الأول أن المراد به الفاتحة خاصة، وهو مؤدى حديث الباب، ولفظ الموطأ أوضح في ذلك، وهو: هي هذه السورة، وهي السبع المثاني، الحديث. واختلف في وجه تسميتها بالسبع المثاني على أقوال عديدة بسطت في الأوجز، فارجع إليه، والثاني أن المراد بالسبع المثاني السبع الطول، وهي من البقرة إلى الأعراف ستة سور. واختلف في السابعة، فقيل: الفاتحة عد منها مع قصرها، حكاه القاري احتمالًا، وهو المشهور على ألسنة مشايخ الدرس، وإليه يشير كلام الشيخ، وكذا ترجمة أبي داود بقوله: (من قال هي من الطول) وقيل: السابعة مجموع الأنفال والبراءة فيما كالسورة الواحدة، ولذا لم يفصل بينهما ببسملة، هكذا في الجمل، وحكاه السيوطي في الدر ع ن سفيان، وقال العيني: وهو قول ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك، وقيل: السابعة يونس، وقيل: الكهف، حكاها الحافظ في الفتح والسيوطي في الدر، والثالث أن المراد منه الحواميم السبعة، حكاه صاحب الجمل، والرابع أن القرآن كله مثاني، حكاه العيني عن طاؤس وابن مالك، وفي الجمل: قيل سبع صحائف جمع صحيفة بمعنى الكتاب فإن القرآن سبعة أسباع كل سبع صحيفة وكتاب، فعلى هذا السبع المثاني القرآن كله لقوله عز اسمه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، والخامس ما روى الطبري عن زياد بن أبي مريم أنها مر وأنه وبشر أو نذر واضرب الأمثال، وأعدد النعم والأبناء، حكاه الحافظ وغيره،\nوهذه خمسة أقوال في تفسير الآية، والمشهور عند الحافظ في تفسير المثاني قول آخر وهو أنهم قالوا: أول القرآن السبع الطول، ثم ذوات المئين أي ذات مائة آية ونحوها، وهي إحدى عشرة سورة، ثم المثاني وهي ما لم تبلغ مائة آية، وهي عشرون سورة، ثم المفصل، ذكره الشيخ في البذل تحت حديث ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني، فجعلتموها في السبع الطول، الحديث سيأتي في التفسير، وإذا عرفت ذلك فكلام الشيخ يحتمل أن يكون بيانًا لقولين: هذا الأخير والاحتمال الأول من القول الثاني، ويحتمل أن يكون بيانًا لقول واحد فقط، وهو الاحتمال المذكور، فإن الفاتحة لم يعدها أحد من المثاني بمعنى الأخير فتأمل.","vol":"4","page":5},{"text":"الفاتحة منها؛ لكثرة معانيها وإن قلت آياتها، وفيه معان آخر.","vol":"4","page":6},{"text":"قوله [بسم الله إلخ) علم أنها حصن وحرز وأسر. قوله [فأرسلها إلخ] وبذلك يعلم أن كل أمر رسول الله ﷺ لم يكن للوجوب، ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على أبي أيوب إرساله الغول (١).\nقوله [فقال صدقت] علم أن الكذوب قد يصدق.\n_________\n(١) بضم الغير المعجمة واحد الغيلان، قال المجد: بالضم ساحرة الجن والشياطين، كذا في الحاشية وزاد: هم سحرة الجن لهم تلبيس وتخبيل، انتهى. قال العيني: الغول بضم المعجمة شيطان يأكل الناس، وقيل: هو من يتلون من الجن، انتهى. ثم ذكر البخاري نحو حديث الباب عن أبي هريرة في أمره ﷺ إياه بحفظ زكاة رمضان، قال الحافظ: قد وقع أيضًا ألبي بن كعب عند النسائي، وأبي أيوب الأنصاري عند الترمذي، وأبي أسيد الأنصاري عند الطبراني، وزيد بن ثابت عند ابن الدنا قصص في ذلك إلا أنه ليس فيه ما يشبه قصة أبي هريرة إلا قصة معاذ بن جبل أخرجها الطبراني وأبو بكر الرؤياني، وهو محمول على التعدد، انتهى. قلت: ذكر العيني ألفاظ هذه الروايات كلها مفصلًا، وقال أيضًا: إن قوله تعالى: ﴿ِإنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، الآية المراد بذلك ما هم عليه من خلقتهم الروحانية، فإذا استحضروا في صورة الأجسام المدركة بالعين جازت رؤيتهم، انتهى.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>[باب في آخر سورة البقرة]</span>\nقوله [كفتاه] أي عن حق قراءة القرآن، فلو قرأ قارئ كل يوم آيتين لم يعد تاركًا للقراءة، وفيه وجوه أخر (١).\nقوله [وضرب لهما رسول الله ﷺ] يعني أنه ﷺ شبههما بثلاثة أشياء للتقرير في ذهن السامع، والمراد أن التشبيه صحيح بأي الثلاثة شئت ولكن أحفظ الثلاثة معًا لم أنس شيئًا منها. قوله [كأنهما غيايتان] الغياية (٢) ما أظلك\n_________\n(١) ففي البذل: كفتاه أي أجزأنا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأنا عنه يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل: معناه كفتاه كل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقبل: دفعا عنه شر الإنس والجن، وقيل: كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، ويجوز أن يراد جميع ما تقدم، قاله الحافظ والنووي، انتهى.\n(٢) ذكر في المجمع: هي بتحتيتين كل ما أظلك، وقال القارئ: (فإنهما) أي ثوابهما الذي استحقه التالي العامل بهما، أو هما يتصوران ويتجسدان ويتشكلان (تأتيان) أي تحضران (يوم القيامة كأنهما غمامتان) أي سحابتان تظلاني صاحبهما عن حر الموقف، قيل: هي ما يغم الضوء ويمحوه لشدة كثافته (أو غيابتان) بالبائين ما يكون أدون منهما في الكثافة، وأقرب إلى رأس صاحبهما كما يفعل بالملوك، فيحصل عند الظل والضوء جمعيًا (أو فرقان) بكسر الفاء أي طائفتان (من طير) جمع طائر (صواف) جمع صافة، وهي الجماعة الواقفة على الصف أو الباسطان أجنحتها متصلًا بعضها ببعض، وهذا أبين من الأولين إذ لا نظير له في الدنيا إلا ما وقع لسليمان، وأو يحتمل التخيير في التشبيه، والأولى أن يكون لتقسيم التالين، قال الطبي: أو للتنويع، فالأول لمن يقرأهما ولا يفهم معناهما، والثاني لمن جمع بينهما، والثالث لمن ضم إليهما تعليم الغير، انتهى، وذكرت تمام الكلام لما فيه من الفوائد، انتهى.","vol":"4","page":8},{"text":"وأحاط بك، فإنهما يحيطان القارئ، ويحفظانه عن العذاب والهول.\nقوله [وبينهما شرق] بفتح الشين (١) أي شبه فرجة تفصل بينهما\n_________\n(١) قال في المجمع: الشرق ها هنا الضوء، الشرق ها هنا الضوء، وهو الشمس والشق أيضًا، وسكون الراء أشهر من فتحها، أي ضوء أو شق أي فرجة وفصل ليميزها بالبسملة، انتهى. قال النووي: هو بفتح الراء وإسكانها، أي ضياء ونور، وممن حكى الفتح والإسكان القاضي وآخرون، والأشهر في الرواية واللغة الإسكان، انتهى. وقال القاري: بفتح الشين المعجمة وسكون الراء أشهر من الفتح بعدها قاف، أي ضوء ونور الشرق هو الشمس تنبيهًا على أنهما مع الكثافة لا يستران الضوء، وقيل: أراد بالشرق الشق، وهو الانفراج، أي بينهما فرجة وفصل ليميزها بالبسملة في المصحف والأول أشبه، وهو أنه أراد به الضوء لاستغنائه بقوله ظلتان عن بيان البينونة، فإنهما لا تسميان ظلتين إلا وبينهما فاصلة، اللهم إلا أن يقال: فيه تبيان أنه ليست ظلة فوق ظلة، بل متقابلتان بينهما بينونة مع أنه يحتمل أن يكونا ظلتين متصلتين في الإبصار منفصلتين بالاعتبار، انتهى. ولعلك قد عرفت أن المحصول من المجموع ثلاثة توجيهات للحديث: الأول أن بينهما فرجة كمقدار فرجة البسملة بين السورتين، والثاني بينهما ضوء ونور ولعله ثواب البسملة. والثالث أن لفظه بينهما بمعنى فيهما يعني أن الغيايتين مع كثافتهما فيهما شيء من الضياء أيضًا.","vol":"4","page":9},{"text":"ليعلم (١) أنهما آيتان بمنزلة البسملة. قوله [طير صواف] أي لاصقة (٢) أجنحتها بأجنحة الأخرى كالصف الواحد وباسطها.\nقوله [ومعنى ها الحديث عند أهل العلم أنه يجيء ثواب العمل إلخ] لما كان لمتوهم أن يتوهم أن القرآن كلام الله من أعظم الأشياء فكيف يتصور تحيزه بما هو محاط منحاز كالغيابة وأختيها، أولوا هذا الحديث بأن المراد (٣) ثواب العمل لا نفس ذات القرآن، ثم أراد أن يورد سندًا على دعواه ذلك من كلام أحد من القدماء فقال: وأخبرني محمد بن إسماعيل إلخ فعلم أن آية الكرسي لما كانت كذلك وهي أصغر بكثير من البقرة وآل عمران فأنى يتصور تمثل البقرة وآل عمران بالغياية أو الغمامة المحيطة للقارئ مع عظمهما واستخراج له إشارة من الرواية أيضًا وهي قوله: الذين يعملون بهما، فإن المذكور لما كان هو العامل، فالظاهر أن\n_________\n(١) هكذا في المنقول عنه، ولم أتحصله حق التحصيل، ولعله ليعلم أنهما آيتان بمنزلة البسملة، وعلى هذا فالمعنى أن السورتين آيتان بمرتبة البسملة وثوابهما أيضًا، ويحتمل أن يكون اثنان بمنزلة البسملة، وعلى هذا فقوله بمنزلة البسملة بيان فرجة أي فرجة بمقدار البسملة، وفرج بينهما ليعلم أنهما سورتان، وفيه احتمالات أخر تظهر بالتأمل.\n(٢) كما تقدم قريبًا في كلام القاري.\n(٣) وبذلك جزم النووي إذ قال: قال العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين، انتهى.","vol":"4","page":10},{"text":"الساتر عليه إنما هو ثواب عمله وأنت تعلم أنه لا يفتقر في تأويل الحديث المذكور في الباب، وكذا ما ورد من أمثاله إلى هذا التكلف، فإن تجلي العظيم كيفما كان في صورة صغيرة (١) أو الغير المحاط بشيء في هيئة محاطة غير بعيد، أو ما ترى حديث (٢) الساق. فإنه قد ورد فيه أن الرب ﷾ يتجلى لهم في غير صورته التي علموها فيقولون معاذ الله إلخ، فلما ثبت تجليه سبحانه، وهو أعظم من كل عظيم فأنى يستبعد مجيء القرآن وهو كلامه، وتجليه على القاري في هيئة محوزة مع أن المتاوليس هو كلام الله القديم المعبر بالكلام النفسي، بل الألفاظ\n_________\n(١) وهو أحد الاحتمالين المذكورين في كلام القاري إذ قال: أو هما يتصوران ويتجسدان ويتشكلان، انتهى. وهكذا في (نفع القوت) عن الطيبي إذ قال: أو يصور صورة ترى يوم القيامة كما تصور كل أعمال العباد خيرًا وشرًا فتوزن فليقبل المؤمن أمثال هذا، ويعتقده بإيمانه كما أراده تعالى إذ لا سبيل للعقل في مثله، انتهى.\n(٢) وهو حديث طويل مشهور في الحشر ذكره في (جمع الفوائد) بطوله برواية الشيخين وغيرهما عن أبي سعيد، وفيه بعد ذكر تساقط اليهود والنصارى في النار: حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال فيما تنظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم تصاحبهم فيقول أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا، فيقول: هل بينكم وينه آية فتعرفونه بها، فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، الحديث. وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة ﵁ مختصرًا بلفظ: يأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، الحديث.","vol":"4","page":11},{"text":"الدالة عليها، فلا يجيء إلا هذا الذي قرأه وتلاه وتلبس به، ولا يعد في كونه متصورًا بصورة الغياية أو الغمامة أو طرير صواف. فإن قراءته إنما تكون يوم القيامة معه لا بعيدًا عنه، ثم تخصيصهم بالعامل لا وجه له (١) وإن كان المذكور (٢) هو العامل في الرواية هاهنا بل القراءة كما تكون مع العاملين، وتجادل عنهم كذلك فهي تمنع عن العذاب وتحفظ من قرء ولم يعمل مع اعتقاد حقبة القرآن وإن كان أنجاهم بعد العذاب، ويمكن إدخال القارئ فحسب في العامل بأنه عامل أيضًا وإن كان القراءة بغير إعمال أحكامها أقل درجة من القراءة مع العمل، والظاهر أن الذين تكلفوا في الرواية وأولوها على حذف المضاف، وأرادوا بالقرآن ثواب العمل (٣) إنما ارتكبوا ذلك صونًا لاعتقادات العوام وردعًا لهم عن الوساوس والأوهام، وإلا فالحق ما أثبتنا من المرام، بتوفيق الله العزيز العلام، والله المسئول أن يدخلنا دار السلام، ويجيرنا من أهوال يوم القيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>[باب في سورة الكهف]</span>\nقوله [تلك السكينة إلخ] إنما قال مع القرآن\n_________\n(١) ولعل الباعث لهم ما ورد أن القرآن حجة لك أو عليك، وما ورد القرآن شافع مشفع، وما حل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار، وغير ذلك من الروايات التي خرجتها في الأربعينية التي ألفتها في فضائل القرآن.\n(٢) فإن قيود النصوص ربما لا تكون احترازية، والحاصل أن لفظ يعملون في الحديث إن أريد به العمل بما في القرآن فليس هذا قيدًا احترازيًا، وإن أريد بالعمل أعم حتى يشمل القراءة أيضًأ فإنه عمل أيضًا فلا إشكال.\n(٣) كما هو دأب المتأخرين في سائر المتشابهات أنهم يأولونها بما يناسب المقام، والسلف على أن الفعل معلوم، والكيفية يعلمها الله.","vol":"4","page":12},{"text":"ليعلم أن الأمر لا يختص بالكهف، بل الحكم شامل للقرآن كله ما قرأ (١) منه، والسكينة (٢) هي الطمأنينة وسكون القلب إلى ذكر الله تعالى، وإنما تصورت\n_________\n(١) بدل من القرآن أي شامل لكل ما قرئ من القرآن، ولا يختص بشيء دون شيء، وعلى هذا فلا خصيصة لها بسورة الكهف، نعم ورد في فضلها خاصة روايات كثيرة ذكرها السيوطي في الدر، لا سيما في قراءتها يوم الجمعة، والرجل القاري في حديث الباب هو أسيد بن حضير على الظاهر، وبه جزم العيني في علامات النبوة، وذكره الحافظ في فضل الكهف بلفظ (قيل) احتمالًا، ويؤيده ما في الدر برواية الطبراني عن أسيد بن حضير أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني كنت أقرأ البارحة سورة الكهف فجاء شيء حتى غطى فمي، فقال النبي ﷺ: مه تلك السكينة جاءت حين تلوت القرآن.\n(٢) قال الحافظ: بمهملة وزن عظيمة، وحكى فيها كسر أولها والتشديد، تكرر هذا اللفظ في القرآن والحديث، فروى عن على: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، وقيل: لها رأسان، وعن مجاهد: لها رأس كرأس الهر. وعن الربيع بن أنس: لعينها شعاع، وعن السدى: هي طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء، وعن أبي مالك: هي التي ألقى فيها موسى الألواح والتوراة والعصا، وعن وهب بن منبه: هي روح من الله تعالى، وعن الضحاك: هي الرحمة، وعنه: هي سكون القلب، وهذا اختيار الطبري، وقيل: الطمأنينة، وقيل: الوقار، وقيل: الملائكة، = = والذي يظهر أنها مقولة بالاشتراك على هذه المعاني، فيحمل كل موضع وردت فيه على ما يليق به، والذي يليق بحديث الباب هو الأول، وليس قول وهب ببعيد، وقال النووي: المختار أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة، انتهى.","vol":"4","page":13},{"text":"ترغيبًا لهم إليه، ودلت القصة أن الواردات من الحال لا تكون دائمة ولا تظهر على كل أحد (١) إنما ساعة وساعة.\nقوله [عصم من فتنة الدجال] المراد به الدجال المعلوم الموعود أو كل فاتن، وعلى الثاني فقيل: إن قراءة هذه الآي تعصم عند ظلمة الحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>[باب ما جاء في يس]</span>\nقوله [ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها إلخ] قد سبق تأويله فيما تقدم من أن المراد بذلك الأجر المعين لقراءة يس مع ما يؤتى له بعد ذلك منة منه تعالى وفضلًا، وفي القرآن لم يرد ها هنا إلا ما هو له معين من الآجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>[باب ما جاء في سورة الملك]</span>\nقوله [خباءة على قبر وهو لا يحسب أنه قبر] اختلفوا في وطى القبور بعد استوائها بالأرض وذهاب حدبتها، فمن محجوز له ومن مانع (٢) عنه، ولكل وجهة، فمن أجازها حمل قوله (وهو لا يحسب) على محض بيان واقعة وقال: لو كان الوطى محظورًا لقوض خيامه بعد العلم مع أنه غير مذكور، ولم يسأله النبي ﷺ هل عدلت بعد العلم عنه أم لا؟ ومن منعه حمل قوله (وهو لا يحسب) على المعذرة عما فعله، وذكر العدول من فوقه غير مذكور وذلك لا يستلزم عدم وقوعه، وكيفيما كان فالقراءة بعد الموت ليست للثواب\n_________\n(١) وقد تقدم عند المصنف في قصة بكاء حنظلة قال رسول الله ﷺ: لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وعلى فرشكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة.\n(٢) وفي مراقي الفلاح: قال قاضي خان: لو وجد طريقًا في المقبرة وهو يظن أنه طريق أحدثوه لا يمشي في ذلك، وإن لم يقع في ضميره لا بأس بأن يمشي فيه، انتهى. قال الطحاوي: قوله إنه طريق أحدثوه أي وتحته الأموات كما قيده بعضهم، انتهى.","vol":"4","page":14},{"text":"والأجر، وإنما هو محض التذاذ واستبناس بما يحبه، وقوله ﵇: هي المانعة هي المنجية، أرد بذلك قراءته في حياته.\nقوله [وكأن زهيرًا إلخ] لما لم يكن (١) كلام أبي الزبير نصًا في نفي الرواية عن جابر، بل المذكور في روايته أنه لم يخبره إلا صفوان أو ابن صفوان، ويمكن أن يكون معناه أني لم أسمع بهذا السند إلا عن صفوان أو ابن صفوان وجاز سماعه عن جابر، قال المؤلف: كأن زهيرًا، ولم ينص على النفي.\nقوله [تفضلان على كل سورة إلخ] أي في هذه الخلة (٢) المذكورة أي الاتجاه من عذاب القبر والمنع منه.\n_________\n(١) هذا هو الظاهر في غرض كلام المصنف يعني إنكار زهير لرواية عدم الواسطة بين أبي الزبير وجابر لم يكن منصوصًا، بل هو مستنبط مما ذكره من إثبات الواسطة، والحديث صححه الحاكم بالواسطة ولفظه: حدثنا جعفر بن محمد، نا الحارث بن أبي أسامة، نا أبو النضر، نا أبو خيثمة زهير بن معاوية، قلت لأبي الزبير: أسمعت أن جابرًا يذكر أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى بقرأ ألم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك، فقال أبو الزبير: حدثنيه صفوان أو أبو صفوان، هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه لأن مداره على حديث ليث= =بن أبي سليم عن أبي الزبير، انتهى. وسكت عليه، وقال السيوطي في الدر: أخرجه أبو عبيد في فضائله وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر قال: كان النبي ﷺ، الحديث.\n(٢) هذا أوجه وأجود فلا إشكال إذًا بالروايات المتضمنة لفضائل السور الآخر، وعلى هذا لا يتكلف بشيء مما تكلف به الشراح، وقال القاري: وهو لا ينافي الخبر الصحيح أن البقرة أفضل سور القرآن بعد الفاتحة، إذ قد يكون في المفضول مزية لا توجد في الفاضل، أو له خصوصية بزمان أو حال كما لا يخفى على أرباب الكمال، فلا يحتاج في الجواب إلى ما قاله ابن حجر أن ذلك صحيح، وهذا ليس كذلك، انتهى. ثم مما يجب التنبيه عليه أن أثر طاؤس هذا في النسخ الهندية والمصرية الموجودة عندنا من الترمذي بلفظ السبعين، وقال السيوطي في الدر: أخرج الدارمي والترمذي وابن مردويه عن طاؤس قال: ألم تنزيل وتبارك الذي بيده الملك تفضلان على كل سورة في القرآن بستين حسنة، وهكذا أخرجه الدارمي بلفظ الستين، وبرواية الدارمي ذكره صاحب المشكاة بلفظ الستين، وكذا ابن السني في عمل اليوم والليلة، فالظاهر أن ما في الترمذي تصحيف من الناسخ.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-800>[باب في إذا زلزلت]</span>\nقوله [تزوج تزوج] لما كان السائل اعتذر من التزوج بإفلاسه علم النبي ﷺ منه عجزه عن القيام بحقوق الزوجية، وصغر نفسه في نفسه بين له النبي ﷺ ما له من الشرف عند الله سبحانه، وأن الله لا يضيع (١) عبده الذي آناه من فضله ثواب كتابه المجيد كملًا، وفيه إشارة إلى أن الحافظ لا يسوغ له أن يعد نفسه مفلسًا، وإن قل ما لديه من المال، وأن قصده ينبغي أن لا يكون إلا إليه سبحانه، واعتماده في سائر حوائجه لا ينبغي إلا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>[باب في سورة الإخلاص]</span>\n(٢) قوله [واضطربوا فيه] يعني أن زائدة من\n_________\n(١) أي لا يهلك ولا يميت جوعًا عبده الذي علمه من فضله سورًا بلغ ثوابها ثواب سائر القرآن بكماله، فخوفه من العجز عن القيام بحقوق الزوجية ليس في محله.\n(٢) وردت في فضلها روايات كثيرة بسطت في الدر المنثور، واختلفوا أيضًا في معنى قوله ﷺ إنها ثلث القرآن على أقوال عديدة بسطها الحافظ في الفتح، وأجملها صاحب التعليق الممجد، ولما لم يتعرض عنها الشيخ لشهرتها اقتفينا أثره دومًا للاختصار.","vol":"4","page":16},{"text":"رواة منصور كما رواه كملًا بإيراد جميع الإسناد بحيث لا يشذ (١) عنه شيخ لم يروه غير زائدة من سائر تلامذة منصور.\nقوله [وجبت إلخ] وإنما ألجأهم إلى المسألة عن الواجبة، ولم يذكرها\n_________\n(١) ويؤيد ما أفاده الشيخ أن الإمام أحمد أخرج الحديث في مسنده برواية شعبة عن منصور بهذا السند، ولم يذكر واسطة عبد الرحمن بن أبي ليلى، بل ذكر رواية عمرو بن ميمون عن امرأة عن أبي أيوب، وقال السيوطي في الدر: أخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو أن أبا أيوب كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة، قالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟ قال: فإن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، ثلث القرآن، فجاء النبي ﷺ وهو يسمع أبا أيوب، فقال: صدق أبو أيوب، ففي هذا الحديث جعله من قول أبي أيوب، وصدقه النبي ﷺ، ولا يبعد أن يكون غرض المصنف الإشارة إلى اختلافهم في تعبير المرأة الرواية عن أبي أيوب، وسياق النسخة المصرية من الترمذي يشير إلى أن حديث زائدة مفصل إذ قال: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة، وهي امرأة أبي أيوب، وروى بعضهم عن امرأة أبي أيوب عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ: أيعجز أحدكم؟ الحديث، فكأنه فسر الروايات التي وردت فيها امرأة مطلقة بأن المراد امرأة أبي أيوب لا غير، والروايات مختلفة في ذلك ففي رواية الدارمي بلفظ امرأة من الأنصار، وفي رواية النسائي بلفظ امرأة عن أبي أيوب، وأهل الرجال لم يجزموا بأن المرأة هي امرأة أبي أيوب، ففي مبهمات التقريب: الربيع بن خيثم عن امرأة صحابية كأنها أم أيوب امرأة أبي أيوب، انتهى. ففي لفظ كأن إشارة إلى التردد، ولم يذكر في الإصابة ولا أسد الغابة وغيرها هذا الحديث في ترجمتها فنأمل.","vol":"4","page":17},{"text":"بادي بدء (١) ليكون أوقع في النفس، وكذا ما في الرواية الآتية وهي: إني سأقرأ عليكم إلخ لما أنه لو ذكر ذلك لهم أولًا لم يقع وقوعه بعد إمعانهم وترددهم فيه قوله [ادخل على يمين الجنة] لما كانت الجنة عن يمين العرش والنار عن يساره، وكان الرجل وقت الخطاب والكلام معه سبحانه مستقبل العرش كانت الجنة عن يساره والنار عن يمينه، لكنه حين يترخص عن ذلك الجناب ليدخل الجنة تصير الجنة عن يمينه فصح (٢) قوله: ادخل على يمينك الجنة.\nقوله [إني لأرى هذا خبر جاءه الخ] أي دخوله ﷺ في بيته لعله (٣) لأمر نزل وحيًا.\n_________\n(١) إن لم يكن بأول بدء فهو في معناه، يقال: بادي الرأي أي أوله.\n(٢) وهذا أظهر طباقًا بألفاظ الحديث، وقال القاري: حال من فاعل ادخل، فطابق هذا قوله: فنام على يمينه، أي فأنت اليوم من أصحاب اليمين فادخل من جهة يمينك الجنة، وفي الحديث إشارة إلى أن بساتين الجنة وقصورها التي في جهة اليمين أفضل من التي في جانب اليسار، وإن كانت الجهتان يمينًا، وفيه إيماء إلى أن أصحاب الجنة أصناف ثلاثة: مقربون وهم أصحاب عليين. وأبرارهم أصحاب اليمين، وعصاة مغفورون أصحاب اليسار، ويقتبس من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، انتهى.\n(٣) ولفظ مسلم أوضح منه، وهو: فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبر جاءه من السماء، فذلك الذي أدخله، الحديث. قال النووي: احتشدوا أي اجتمعوا، انتهى. وفي المجمع: أي اجتمعوا واستحضروا الناس، والحشد الجماعة منهم، واحتشد القوم لفلان تجمعوا له وتأهبوا، انتهى. وفي هامشه: بابه كضرب ونصر.","vol":"4","page":18},{"text":"قوله [فقال يا فلان ما يمنعك إلخ] بداءة النبي ﷺ بالخطاب معه وترك التعرض بأصحابه يدل على أن إيرادهم عليه سلمه النبي ﷺ، ولم يكونوا في الرد عليه على خطأ، بل الذي كانوا يقولونه له كان هو الصواب، فعلم أن جمع السورتين في ركعة من الفرض، وكذا ترك الترتيب بين السور، وكذا تعيين سورة الصلاة، ترك لما هو أولى، إذ لو لم يكن كذلك لخاطب النبي ﷺ أصحابه في ذلك وأمرهم من أول القضية أن يتركوه يفعل، وهذا الذي اختاره الإمام (١) ثم إن النبي ﷺ عذره لما غلبت عليه المحبة. فعلم أن المرء قد يصدر منه بغلبة حبه شيئًا (٢) ما يفعله بأس لغير ذلك الشخص، ولكنه يعذر عليه دون غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>[باب في المعوذتين]</span>\nقوله [لم ير مثلهن] أي في باب الاستعاذة فإن في أول السورتين استعاذة عن شر كل ما خلقه الله تعالى، ولا يندر من ذلك شيء مناسبته برب الفلق لا يخفى لطفه، فإنه فالق كل شيء وفارق كل مختلطين، فعساه يفرق بينه وبينه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>[باب في فضل قارئ القرآن]</span>\nقوله [كلهم قد وجبت له النار] هذا\n_________\n(١) ففي الدر المختار: يسن في الحضر طوال المفصل في الفجر والظهر، وأوساطه في العصر والعشاء، وقصاره في المغرب، أي في كل ركعة سورة مما ذكر، وقال أيضًا: ويكره التعيين كالسجدة وهل أتى لفجر كل جمعة، بل يندب قراءتهما أحيانًا، ويكره الفصل بسورة قصيرة، وأن يقرأ منكوسًا إلا إذا ختم، فيقرأ من البقرة، انتهى.\n(٢) هكذا في المنقول عنه، ومقتضى القواعد (شيء) بالرفع.\n(٣) أي بين المستعيذ والمستعاذ منه، والمراد بعموم الاستعاذة قوله عز اسمه: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، فإنه يدخل في جميع المخلوقات، ثم ذكر تعالى اسمه بعض الشرور خاصة لكثرة احتياج الناس إليهم.","vol":"4","page":19},{"text":"الوجوب ليس لكفرهم أو شركهم وإلا لما شفع فيهم، بل لغلبة سيئاتهم على حسناتهم.\nقوله [في الأحاديث] أي أحاديث (١) النبي ﷺ على خلاف مساقها، أو في الآيات بآرائهم، أو في استنباط المسائل بمحض آرائهم من غير أن يوافق بينهما وبين القرآن والحديث، أو في أحاديث أنفسهم من الأضاحيك الملهية والأباطيل المطغية.\nقوله [قال أو قد فعلوها] استبعد (٢) ذلك لخيرية ذلك القرن.\nقوله [ستكون فتنة] للجنس، فيعم كل نوع (٣) منها. قوله [من جبار]\n_________\n(١) وقال القاري: أي أحاديث الناس وأباطيلهم من الأخبار والحكايات والقصص، ويتركون تلاوة القرآن وما يقتضيه من الأذكار والآثار، وقال ابن حجر: الظاهر أن المراد أحاديث الصفات المتشابهة، ولم يظهر وجه ظهورها، أو يبالغون في بحث الأحاديث النبوية ويتركون التعلق بالآيات القرآنية.\n(٢) وقال القاري: أي اتركوا القرآن، وقد خاضوا في الأحاديث، أو التقدير أو قد فعلوا المنكرات، وقال الطيبي: أي ارتكبوا هذه الشنيعة وخاضوا في الأباطيل، فإن الهمزة والواو العاطفة يستدعيان فعلًا منكرًا معطوفًا عليه، أي فعلوا هذه الفعلة الشنيعة، انتهى. وقال القاري أيضًا: إنما خص عليًا إما لكونه الخليفة إذ ذاك، أو لتميزه بقوله ﷺ: أنا مدينة العلم وعلى بابها، انتهى. قلت: والأوجه عندي لما أن الحارث له خصيصة بعلي؛ لكونه من الصحابة.\n(٣) وهذا أنسب بالمقام من أقاويل الشراح، قال القاري: قوله فتنة أي محنة عظيمة وبلية عميمة، قال ابن الملك: يريد بالفتنة ما وقع بين الصحابة، أو خروج التتار، أو الدجال، أو الدابة، قال القاري: وغير الأول لا يناسب المقام كما لا يخفى، انتهى.","vol":"4","page":20},{"text":"بيان للضمير (١) في تركه، أو المعنى لأجل كونه جبارًا، أو من تركه للخلق الذي في التارك، وهو صفة الجبارية فيه.\nقوله [وهو حبل الله المتين] أي الوصلة (٢) القوية بينه وبين عباده قوله [لا تزيغ به الأهواء] أي لا تزيغ (٣) الأهواء إذا تليت بالقرآن يعني من خالط هواه حب القرآن واتبه لا يزيغ.\n_________\n(١) أي الضمير المرفوع الراجع إلى من، قال القاري: بين التارك بمن جبار ليدل على أن الحامل له على الترك إنما هو التجبر والحماقة، وقال الطيبي: من ترك العمل بآية أو بكلمة من القرآن مما يجب العمل به أو ترك قراءتهما من التكبر كفر، ومن تركه عجزًا وضعفًا مع اعتقاد تعظيمه فلا اثم عليه، أي بترك القراءة ولكنه محروم، انتهى.\n(٢) قال القاري: الحبل مستعار للوصل، ولكل ما يتوصل به إلى شيء، أي الوسيلة القوية إلى معرفة ربه وسعادة قربه، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\n(٣) قال القاري: لا تزيغ بالتأنيث والتذكير أي لا تميل عن الحق به، أي باتباعه الأهواء أي الهوى إذا وافق هذا الهدى حفظ من الردى، وقيل: معناه لا يصير به مبتدعًا ضالًا، لا يقال: قبل للشيخ أبي إسحاق الكازروني: إن أهل البدعة أيضًا يستدلون بالقرآن كما أهل السنة يحتجون به، فقال: قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، لأنا نقول: سبب الإضلال عدم الاستدلال به على وجه الكمال، فإن أهل الأهواء تركوا الأحاديث النبوية التي هي مبينة للمقاصد القرآنية، ولذا قال جنيد: من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به، ومن دخل في طريقتنا بغير علم، واستمر قانعًا بجهله، فهو ضحكة للشيطان مسخرة له، وقال الطيبي: أي لا يقدر أهل الأهواء على تبديله وتغييره وإمالته، فهو إشارة إلى وقوع تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فالباء لتعدية، وقيل: الرواية من الإزاغة بمعنى الإمالة، والباء لتأكيد التعدية، انتهى. قلت: هذا هو الظاهر، ولا يرد عليه إشكال، وما أفاده الشيخ دقيق ولطيف، ومعنى قوله: إذا تليت بالقرآن أي إذا اتبعت الأهواء القرآن يعني تكون الأهواء تبعًا للقرآن، فيكون الحديث بمعنى ما في المشكاة برواية شرح السنة عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به، انتهى.","vol":"4","page":21},{"text":"قوله [لم تنته الجن] مع شدتها وتازيتها (١)، فكان غاية في الفصاحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>[باب في تعليم القرآن]</span>\nقوله [خيركم من تعلم القرآن وعلمه] ويدخل فيه الفقيه والمحدث وصدقه على المفسر ظاهر، ثم لذلك التعليم مراتب وبحسبه تتفاوت الخيرية (٢).\n_________\n(١) هكذا في الأصل، ويحتمل وجوهًا: منها أن يكون بالنون والمهملة إي ناريتها، ولا يبعد عن أن يكون بالفوقية والذال بمعنى الإيذاء.\n(٢) قال القاري: أي أفضلكم من تعلم القرآن حق تعلمه وعلمه حق تعليمه، ولا يتمكن من هذا إلا بالإحاطة بالعلوم الشرعية أصولها وفروعها مع زوائد العوارف القرآنية وفوائد المعارف الفرقانية، ومثل هذا الشخص يعد كاملًا لنفسه مكملًا لغيره، والفرد الأكمل من هذا الجنس النبي ﷺ ثم الأشبه فالأشبه، وأدناه فقيه الكتاب، وقال الطيبي: خير الناس باعتبار التعلم والتعليم، وقال ميرك، أي من خيركم، قال القاري: \" ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما؛ لأن العلم إذا لم يكن موروثًا للعمل، فليس علمًا في الشريعة إذ أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل، انتهى.","vol":"4","page":22},{"text":"قوله [وعلم القرآن] هذه مقولة (١) سعد بن عبيده يبين بها حال أستاذه.\nقوله [حتى بلغ الحجاج] أي كانت (٢) هذه تعليمة إلى أن وصلت النوبة إلى\n_________\n(١) ويؤيده رواية البخاري بلفظ قال: وأٌقرأ أبو عبد الرحمن في أمره عثمان حتى كان الحجاج، قال الحافظ: والقائل وأقرأ إلخ هو سعد بن عبيدة، فأنى لم أر هذه الزيادة إلا من رواية شعبة عن علقمة، وقائل (وذلك الذي أقعدني) هو أبو عبد الرحمن، وحكي الكرماني أن في بعض نسخ قال سعد بن عبيدة: وأقرأني أبو عبد الرحمن، فظن الكرماني أن قال (وذاك الذي أقعدني) هو سعد بن عبيدة، وليس كذلك، ثم بسط الحافظ في الرد على الكرماني، وقال: والإشارة بقوله: لك إلى الحديث المرفوع، يعني أن الحديث الذي حدث به عثمان في أفضلية من تعلم القرآن وعلمه حمل أبا عبد الرحمن أن قعد يعلم الناس القرآن لتحصيل تلك الفضيلة، قال: ويحتمل أن تكون الإشارة به إلى عثمان، وقد وقع في بعض الروايات: قال أبو عبد الرحمن: وهو الذي أجلس هذا المجلس، وهو محتمل أيضًا، انتهى مختصرًا. وبنحو ذاك فسر الكلامين العيني، وجزم بأن إشارة ذاك إلى الحديث المرفوع، ولم يذكر الاحتمال الثاني.\n(٢) قال الحافظ: أي حتى ولي الحجاج على العراق، وبين أول خلافه عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر، وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة، ولم أقف على تعيين ابتداء أقرا أبى عبد الرحمن وآخره، فالله أعلم بمقدار ذلك، ويعرف من الذي ذكرته أقصى المدة وأدناها، انتهى. قلت: لكن الحافظ بنفسه حكى في تهذيبه قال أبو إسحاق السبيعي: أقٌرأ القرآن في المسجد أربعين سنة.","vol":"4","page":23},{"text":"الحجاج، وعم الناس فتنته. قوله [وهكذا روى عبد الرحمن بن مهدي إلخ] يعني أن أصحاب (١) سفيان اختلفوا عليه في رواية هذا الحديث، فأوثق أصحابه وهو\n_________\n(١) وقعت في سند هذا الحديث اختلافات كثيرة ذكرتها الشراح سيما الحافظان ابن حجر والعيني، وذكر منها الإمام الترمذي اختلافين: أحدهما اختلاف شعبة والثوري بأن شعبة يذكر واسطة سعد بن عبيدة، ولا يذكرها الثوري، والثاني اختلاف تلامذة سفيان بأن يحي روى عنه بذكر الواسطة، وخالفه جميع أصحابه من تلامذة سفيان، وهذا الاختلاف الثاني ذكره الشيخ أولا بخلاف الحافظ، ونذكر كلامه مختصرًا على ترتيبه ليكون أوضح في المقصود، فقال: أدخل شعبة بين علقمة بن مرثد وأبى عبد الرحمن سعد بن عبيدة، وخالفه سفيان الثوري، فقال: عن علقمة عن أبي عبد الرحمن، ولم يذكر سعدًا، وأطلب الحافظ أبو العلاء العطار في تخريج طرقه، فذكر ممن تابع شعبة فوق الثلاثين، وممن تابع الثوري فوق العشرين، ورجح الحافظ رواية الثوري، وعدوا رواية شعبة من المزيد في متصل الأسانيد، وقال الترمذي: كان رواية سفيان أصح من رواية شعبة، وأما البخاري فأخرج الطريقين، فكأنه ترجح عنده أنهما جميعًا محفوظان، فيحمل على أن علقمة سمعه أولا من سعد، ثم لقي أبا عبد الرحمن فحدثه به أو سمعه مع سعد من أبى عبد الرحمن، فثبته فيه سعد، ويؤيد ذلك ما في رواية سعد بن عبيدة من الزيادة الموقوفة، وهي قول أبى عبد الرحمن: فذلك أقعدني هذه المقعد، وقد شذت رواية عن الثوري بذكر سعد بن عبيدة فيه، قال الترمذي: حدثنا بذلك محمد بن بشار إلخ، وقال النسائي: أنبانا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحي عن شعبة وسفيان أن علقمة حدثهما عن سعد إلخ، قال الترمذي قال ابن بشار: أصحاب سفيان لا يذكرون فيه سعدًا، وهو الصحيح وهكذا على بن المديني على يحي القطان فيه بالوهم، وقال ابن عدى: هذا مما عد في خطأ يحي القطان على الثوري، ويقال إن يحي القطان لم يخطئ قط إلا في هذا الحديث، ثم قال الحافظ بعد ذكر شيء من متابعة يحي: وكل هذه الروايات وهم، والصواب عن الثوري بدون ذكر سعد، وعن شعبة بإثباته، انتهى. مختصرًا وبزيادة يسيرة.","vol":"4","page":24},{"text":"يحي بن سعيد يذكر في سنده سعد بن عبيدة، كما سرد الإسناد في الحديث الأول، والآخرون من أصحاب سفيان لا يذكرون في الإسناد سعدًا، ففيه إشارة إلى نسبة الوهم إلى يحي بن سعيد القطان، ثم إن شعبة وسفيان كليهما آخذان من علقمة فكما أن أصحاب سفيان اختلفوا عليه، فكذلك صاحبا علقمة وهما شعبة وسفيان اختلفا عليه في سرد الإسناد، فذكر شعبة سعدًا ولم يذكره سفيان، وفيه إشارة بالوهم على شعبة كما يظهر من ترجيح المؤلف سفيان على شعبة، ولا يبعد أن يعتذر (١) ويقال: إن يحي بن سعد أدرج الإسناد فانه رواه شعبة عن علقمة\n_________\n(١) هذا اعتذار من شذوذ يحي القطان، ودفع لما يرد عليه من وهمه وخطاه وحاصلة أنه لم يصرح بالواسطة في رواية سفيان، بل روى عن سفيان وشعبة معًا، فيحتمل أنه ذكر الواسطة في طريق شعبة، وقد ذهب إلى هذا الاعتذار بعض السلف أيضًا. قال الحافظ: قال ابن عدى: جمع يحي بين شعبة وسفيان، وهو لا يذكر الواسطة، وهذا مما عد في خطأ يحي على الثوري، وقال في موضع آخر: حمل يحي القطان رواية الثوري على رواية شعبة فساق الحديث عنهما، وحمل إحدى الروايتين على الأخرى فساقه على لفظ شعبة، وإلى ذلك أشار الدارقطني، وتعقب بأنه فصل بين لفظيهما في رواية النسائي وابن ماجة، فقال: قال شعبة: خيركم، وقال سفيان: أفضلكم، قال الحافظ: وهو تعقب واه إذ لا يلزم من تفصيله للفظهما في المتن أن يكون فصل لفظهما في الإسناد.","vol":"4","page":25},{"text":"عن سعد، ورواه سفيان عن علقمة عن أبى عبد الرحمن من غير توسيط سعد، غلا أن يحي بن سعيد حين سرد الاسنادين أدرجهما، فغاية ما في الباب أن يكون الخبر من أقسام مدرج الإسناد، ولا يلزم حينئذ نسبة الوهم إلى يحي بن سعيد ولا إلى شعبة، وهو هاهنا (١) أن يذكر الروابان خبرًا بإسنادين مختلفين فيجمعهما من يأخذ عنهما على إسناد واحد.\n_________\n(١) الضمير إلى المدرج، وقيد بـ\"هاهنا\"، لأن المدرج على ما ذكره السيوطي في التدريب ستة أنواع، بل أكثر منها بإبداء بعض الاحتمالات، وقال الحافظ في شرح النخبة: ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق فمدرج الإسناد، وهو أقسام: الأول أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راو فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف، ثم ذكر الأنواع الأخر، ومراد الشيخ هو هذا النوع، وبسطه السيوطي في التدريب فقال: الثالث أن يسمع حديثًا من جماعة مختلفين في إسناده، فيرويه عنهم باتفاق، مثاله حديث الترمذي عن بندار عن ابن مهدي عن الثوري عن واصل ومنصور والأعمش عن أبى وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم، الحديث، فرواية واصل هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش، لان واصلا لا يذكر فيه عمروًا، بل يجعله عن أبى وائل عن عبد الله إلى آخر ما بسطه السيوطي، وأنت خير بأن هذه الصورة بعينها هي في حديث الباب.","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>[باب من قرأ حرفًا من القرآن] </span>قوله [لا أقول ألم حرف إلخ] لم يرد هاهنا بالحرف (١) مصطلح النحاة، بل أعم منه، ثم ينشأ هاهنا إشكال لم أستوضح الجواب عنه.\nقوله [يجئ صاحب القرآن] وفي بعض (٢) النسخ يجئ القرآن، وأياما كان فالآخر مراد بقرينة المقام يجئ صاحب القرآن ولا القرآن إلا بصاحبه.\nقوله [عن أبى هريرة نحوه ولم يرفعه] وهو غير مرفوع، وإن كان في حكم المرفوع لكونه مما لا يدرك بالقياس، لكنه فرق ما بين المرفوع وما في حكمه، فرفع الموقوف علة.\nقوله [من ركعتين يصليهما] لأن قراءة (٣) القرآن من أفضل القرب إذا كانت في الصلاة.\n_________\n(١) قال القرى: الحرف يطلق على حرف الهجاء، والمعاني، والجملة المفيد، والكلمة المختلف في قراءتها، وعلى مطلق الكلمة، انتهى. ثم بسط القاري الاختلاف في أن المراد مبدأ سورة البقرة، أو مبدأ سورة الفيل، وقال: الرواية بالمد يعني مثل مبدأ البقرة، وبحث فيه، ولعله هو مراد الشيخ بالأشكال وإلا فذهني القاصر لم يبلغ إليه.\n(٢) كما يدل عليه علامة النسخة على لفظ صاحب، وسياق النسخة المصرية بلفظ: يجئ القرآن، وحاصل ما أفاده الشيخ أن لا اختلاف بينهما حقيقة فان القرآن يجئ بصاحبه وكذا عكسه، فإسناد المجيء إلى كل واحد منهما صحيح.\n(٣) وقد ورد نصًا من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة، وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير، والتسبيح أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والصوم جنة من النار، رواه البيهقي في شعب الإيمان هكذا في الأربعينية التي ألفتها في فضائل القرآن.","vol":"4","page":27},{"text":"قوله [قال أبو النضر: يعني القرآن] لما كان كل شيء بداءته (١) منه ﵎ صار كلمة ما خرج منه كالمجمل، فألحقه البيان بقوله: يعني القرآن.\nثم ذكر في الحاشية هاهنا نسخة ونسبة إلى الأطراف، وهو اسم كتاب (٢) التزم فيه جمع الروايات، ونسبتها إلى مخرجيها من أصحاب التصنيف.\n_________\n(١) فالله يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو فالق الحب والنوى، وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، وهل من خالق غير الله، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة\".\n(٢) يعني اسم جنس لنوع خاص من أنواع كتب الحديث. وليس لم لكتاب خاص، وتوضيح ذلك أن كتب الحديث باعتبار صفة التصنيف أنواع كثيرة ذكرت منها في مآخذ مقدمة البذل خمسة عشر نوعًا: وهي الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والمشيخات، والأجزاء، والرسائل، والأربعينة، والأفراد، والمستخرج، والمستدرك، والعلل، والأطراف، والتراجم، والتعاليق، ويطول الكلام بتفسير هذه الأنواع كلها، والمقصود بالذكر الأطراف، قال الحافظ في شرح النخبة: ومن المهم معرفة صفة تصنيفه، وذلك إما على المسانيد أو الأبواب أول العلل، والأحسن أن يرتبها على الأبواب أو يجمعه على الأطراف فيذكر طرف الحديث الدال على بقيته ويجمع أسانيده، إما مستوعبًا أو متقيدًا بكتب مخصوصة، انتهى مختصرًا، وقال السيوطي في التدريب: ومن طرق التصنيف أيضًا جمعه على الأطراف، فيذكر طرف الحديث الدال على","vol":"4","page":28},{"text":"فيذكر طرفًا من الحديث، ثم يعد بعده أسماء من اتفق على تخريجها من أصحاب التصنيف، ثم بعد ذلك يذكر الجزء الآخر من الحديث ويسمى من ذكره، وثم وثم، ولذلك سمى كتابه بالأطراف لكونه ذكر فيه أطراف الأخبار وإقطاعها، فقد ذكر هاهنا في الأطراف حديثاُ ونسبة إلى الترمذي فأثبته الكتاب (١) في حاشية الكتاب، فتدير وتشكر\nقوله [كما كنت ترتل في الدنيا] فعلم (٢) أن الترتيل أعظم منزلة من بقيته، ويجمع أسانيده إما مستوعبًا أو مقيدًا بكتب مخصوصة، انتهى. قلت: والمؤلفات في هذا النوع كثيرة، كأطراف الصحيحين للشيخ أبى مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي المتوفي سنة ٤٠٠ وأطراف الصحيحين للشيخ أبى محمد خلف بن محمد الواسطي المتوفي سنة ٤٠١، وأطراف الصحيحين لأبى نعيم الأصفهاني، وأطراف الصحيحين للحافظ ابن حجر، وأطراف الستة للشيخ محمد بن طاهر المقدسي المتوفي سنة ٥٠٧ وأطراف الستة للحافظ جمال الدين أ [ى الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزى المتوفي سنة ٧٤٢، ومختصر أطراف، المزى للذهبي والإشراف على الأطراف لابن عساكر، وأطراف الأشراف للسيوطي، وغير ذلك، والظاهر أن مراد المحشي أطراف المزى.\n_________\n(١) لما أنهم لم يجدوها في الأصل المنقول عنه ووجدوها في الأطراف، لكنه موجود في بعض النسخ كالنسخة المصرية التي بأيدينا، فأنه داخل فيها في المتن.\n(٢) قال القاري: فيه إشارة إلى أن الجزاء على وفق الأعمال كمية وكيفية، وقال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في تفسيره كما بسطته في الأربعينة القرآنية ما حاصلة: أن الترتيل في الشرع مراعاة سبعة أشياء: تصحيح الحروف، ومراعاة الوقوف، وإظهار الشد والمد، وإشباع الحركات، وتزيين الصوت، والتأوه فيه، والتأثر بآيات الرغبة والرهبة.","vol":"4","page":29},{"text":"تكثيركم التلاوة، فالقليلة بكيفيتها تربو على الكثيرة في الكم. والله المعين على طاعاته والمسئول لسلوك سبل مرضاته.\nوقله [فان منزلتك عند آخر آية تقرأ بها] ولما كانت درجات (١) الجنان\n_________\n(١) قال القاري: وقد ورد في الحديث أن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، وجاء في حديث من أهل (كذا في الأصل) القرآن فليس فوقه درجة، فالقراء يتصاعدون بقدرها، قال الداني: وأجمعوا على أن عدد آي القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا في ما زاد فقبل: ومائتا آية وأربع آيات، وقيل: وست وثلاثون، وقيل: غير ذلك، وقال الطيبي: وقيل: المراد أن الترقي يكون دائمًا، فكما أن قراءته في حال الاختتام استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له كذلك هذه القراءة، والترقي في المنازل التي لا تتناهى، وهذه القراءة لهم كالتسبيح للملائكة لا تشغلهم من مستلذاتهم بل هي أعظم مستلذاتهم، وقال ابن حجر: يؤخذ من الحديث أنه لا ينال هذا الثواب الأعظم إلا من حفظ القرآن، وأتقن أداءه وقراءاته، ثم بسط القاري في القرائن على أن المراد منه الحافظ، منها ما في رواية أحمد بلفظ فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ شيئًا معهن قال: فقوله معه صريح في أنه حافظه، وقال الطيبي: والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير، وذلك لما عرفنا من أصل الدين أن العامل بكتاب الله المتدبر له أفضل من الحافظ، والتالي إذا لم ينل شأنه في العمل، وقد كان في الصحابة من هو أحفظ من الصديق رضي الله تعالى عنه، وأكثر تلاوة منه، وكان هو أفضلهم على الإطلاق لسبقته عليهم في العلم بالله وبكتابة وتدبره، وإن ذهبنا إلى الثاني وهو أحق الوجهين فالمراد من الدرجات سائرها، وحينئذ تقدر تلاوة في القيامة على قدر العمل فلا يستطيع أحد أن يتلو آية إلا وقد أقام ما يجب عليها فيها، انتهى.","vol":"4","page":30},{"text":"كأعداد آيات القرآن كان القارئ لتمام كلام الله السبحان راقيًا على أقاصي الدرجات وفضل (١) الدرجات فيها بينها في كل درجة كتفاوت ما في سائر الدرجات فيما بينها، فلا يتوهم تساوى القارئ بالأنبياء ﵈ وغيرهم.\nقوله [وقد روى جابر الجعفي عن خيثمة إلخ] يعني أن جابرًا يروي عن كلا الخيثمنين (٢) قوله [ما آمن بالقرآن إلخ] يعني أن المعامل بمحارم الله معاملة الحلال ليس إيمانه كاملا، وإن اعتقد حقيه أحكامه. وأما إذا حمل الاستحلال على الاستحلال الاعتقادي فظاهر أنه غير مؤمن (٣) بالقرآن.\n_________\n(١) دفع إيراد ذكره بقوله فلا يتوهم، وحصل الجواب أن تساوى سطوح الدرجات لا يستلزم تساوى أمكنة الدرجات، فكم من أبنية في درجة واحدة من الأرض أو السقف بينها من التفاوت ما لا يحصى، وعلى هذا فلا يحتاج إلى توجيه تقدم في كلام الطبي، ولا يذهب عليك ما تقدم من الجمع بين حديث الباب وبين ما ورد أن في الجنة مائة درجة في (باب صفة درجات الجنة).\n(٢) كما يدل عليه ظاهر السياق لا سيما لفظ أيضًا، لكن الحافظ لم يذكر في تلامذة خيثمة بن عبد الرحمن جابرًا، فتأمل.\n(٣) قال الطيبي: من استحل ما حرمة الله فقد كفر مطلقًا، وخص القرآن لجلالته، قال القاري: أو لكونه قطيعًا أو لأن غيره يعرف به دليلا.","vol":"4","page":31},{"text":"قوله [الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة إلخ] أراد بالصدقة النقل، وصدقة السر أفضل (١) فيه من صدقة العلانية.\nقوله [لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل إلخ] اختلفت الروايات (٢) فيما كان يقرأه النبي -ﷺ- قبل منامه، ولا تدافع فيما بينها فان الرواية المثبتة لقراءة سورة لا تنفي قراءة ما عداها، والظاهر أنه ﷺ كان يقرأ أحيانًا هذه وأحيانًا هذه، ويجمع أحيانًا فيما بينها كلها.\n_________\n(١) هذا هو المعروف عن أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقد روى عن ابن عباس في تفسير قوله عز اسمه \"إن تبدوا الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم\" الآية، قال: فجعل الله صدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفًا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها، ذكره السيوطي في الدر برواية ابن جرير وغيره، وذكر برواية البيهقي في الشعب بسند ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا: عمل السر أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به، وذكر روايات كثيرة في الباب، وقال الشيخ في البذل آخذا عن القاري: قال الطيبي: جاء آثار بفضيلة الجهر بالقرآن، وآثار بفضيلة الإسرار، فالجمع بأن يقال: الإسرار أفضل لمن يخاف الرياء، والجهر أفضل لمن لا يخافه بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيره، وذلك لأن العمل في الجهر يتعدى نفعه إلى غيره من استماع أو ذوق أو تعلم، أو كونه شعارًا للدين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه ويطرد النوم عنه، وينشط غيره للعبادة، فمتى حضر شيء من هذه النيات فالجهر أفضل، انتهى.\n(٢) كما سيأتي بيانها في (باب من يقرأ القرآن عند المنام).","vol":"4","page":32},{"text":"قوله [يقرأ المسبحات] هي من السور ما افتتحت (١) بشيء من صبغ التسبيح كسبح، ويسبح، وسبحا، وسبح. قوله [شالت عائشة ﵂ إلخ] ثم أعلم أنه اشتهر فيما بينهم أن المتأخر من فعل النبي ﷺ يكون ناسجًا لأوله، فحين يقال: هذا آخر الأمرين عن رسول الله ﷺ فالمراد به نسخ ما خالفه، لكن هذه الكلية ليست على عمومها حتى ينسخ كل فعل أخير أوله، بل النسخ إنما يكون إذا لم تقم (٢) قرينة على عدم النسخ، ومن هذه القبيل الوتر، فقد ثبت (٣) أن النبي ﷺ في آخر عمرة كان يوتر من آخر الليل فحسب، ولكنه لما أمر (٤) بعض أصحابه بالايتار قبل النوم علم أنه لم ينسخ بل التأخير في الوتر إلى آخر الليل من قبيل الندب لمن يثق بالانتباه.\n_________\n(١) وهي سبعة سور بني إسرائيل، والحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى، وقد روى النسائي موقوفًا من قول معاوية بن صالح أحد رواة الحديث: وهن الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى، لكن ورد أنه ﷺ لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر. رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، كذا في المرقاة.\n(٢) وإلا فقد ورد عن أم سلمه: كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة، فلما كبر وضعف أوتر بسبع، للنسائي والترمذي، كذا في جمع الفوائد.\n(٣) فقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها: من كل الليل أوتر ﷺ وانتهى وتره إلى السحر، للستة إلا مالكا، وفي رواية: وانتهى وتره حين مات في السحر، كذا في جمع الفوائد.\n(٤) فقد روى عن جابر رفعه من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتن أوله ثم ليرقد/ ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة محضورة، وذلك أفضل، لمسلم والترمذي، وروى عن أبي هريرة ﵁: أوصاني خليل بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد، للستة إلا مالكا، ولمسلم وأبى داود والنسائي مثله عن أبى الدرداء، هكذا في جمع الفوائد.","vol":"4","page":33},{"text":"قوله] كان النبي ﷺ إلخ] أورد الحديث (١) لحبه الجهر والتبليغ على\n_________\n(١) يعني أورد المصنف الحديث في باب كيفية القراءة لما أن الحديث متضمن لجهر القراءة لتبليغ كلام ربه عز أسمه، والمراد بالعرض ما وقع له ﷺ قبل الهجرة، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن النبي ﷺ كان بعد موت أبى طالب قد خرج إلى ثقيف بالطائف يدعوهم إلى نصره، فلما امتنعوا منه رجع إلى مكة، فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج، وذكر بأسانيد متفرقة أنه أتى كندة، وبني كعب، وبني حذيفة، وبني عامر بن صعصعة وغيرهم، فلم يجيه أحد منهم إلى ما سأل، وقال موسى ابن عقبة عن الزهري: فكان في تلك السنين أي التي قبل الهجرة يعرض نفسه على القبائل ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه، يقول: لا أكره أحدًا منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي، فلا يقبله أحد بل يقولون: قوم الرجل أعلم به، وأخرج البيهقي من حديث ريحة بن عباد قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله ﷿، وروى أحمد وأصحاب السنن من حديث جابر كان رسول الله -ﷺ- يعرض نفسه على الناس بالموسم، فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه، فان قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي فأتاه رجل من همدان فأجابه، ثم خشى أن لا يتبعه قومه فجاء إليه فقال: آتى قومي فأخبرهم ثم أتيك من العام المقبل قال: نعم، فانطلق الرجل وجاء وفد الأنصار في رجب، إلى آخر ما بسطه الحافظ في التح.","vol":"4","page":34},{"text":"الناس، والموقف حيث يجتمع الأقوام وتقف الرجال. قوله [عن ذكرى ومسألتي] والمسألة وإن كان ذكرًا إلا أنه (١) مخالط بغرضه فالمعنى أن الذاكر لله بمحض استحقاقه الذاتي لا لغرض ديني أو دنيوي من رغبة الجنان أو رهبة التيران أفضل (٢) ممن ذكره ﷿ لذلك وأمثاله، فالقراءة الخالصة عن شوائب الأغراض، والعبادة الخالية عن سائل الأغراض أفضل من طاعة ليست كذلك، والله الذي يهدي عباده إلى ذلك.\n_________\n(١) الضمير إلى الذكر أو إلى المسألة بتأويل المصدر.\n(٢) فقد روى عن على رضي الله تعالى عنه أن قوما عبدوا رغبة فتلك عبادة التجار، وأن قومًا عبدوا رهبة قتلك عبادة للعبيد، وأن قومًا عبدوا شكرًا فتلك عبادة الأحرار، هذا وقد روى أن النبي ﷺ قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: لم تضع هذا؟ وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، ولا يذهب عليك أن حديث الباب أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وتعقبه أهل النقد، والبسط في التعقبات للسيوطي وغيره.","vol":"4","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>أبواب القراءة عن رسول الله -ﷺ</span>-\nقوله [يقطع قراءته] أي يجعلها قطعًا (١) ولا يرسلها مرة واحدة.\nقوله [ثم يقف] فعلم أن الوقوف على الآية التي فوقها (لا) غير محظور كما اشتهر بين القراء. قوله [وبه يقرأ أبو عبيد إلخ] قراءة أبى عبيد هي القراءة\n_________\n(١) قال القاري: من التقطيع، أي يقرأ بالوقف على رؤوس الآيات، وقوله يقول: الحمد لله رب العالمين، بيان لقوله: يقطع، قاله الطيبي، وهو يحتمل أن يكون بدلا أو استئنافا أو حالا، ثم قيل: هذه الرواية ليست بسديدة بل هذه لهجة لا يرتضيها أهل البلاغة، والوقف التام عند مالك يوم الدين، ولهذا استدرك عليه بقوله: وحديث الليث أصح، ذكره الطيب، وفيه أن الوقف المستحسن على ثلاثة أنواع: الحسن، والكافي، والتام، فيجوز الوقف على كل نوع عند القراء، وقد أشار إليها الجزري بقوله: وهي لما تم فان لم يوجد تعلق أو كان معنى فابتد= =فالتام فالكافي ولفظًا فأمعن إلا رؤس الآي جوز فالحسن وشرحه يطول، ثم اختلف أرباب الوقوف في الوقف على رأس الآية إذا كان هناك تعلق لفظي كما فيما نحن فيه، واستدل بهذا الحديث وعليه الشافعي، وأجاب عنه الجمهور بأن وقفه كان ليبين للسامعين رؤس إلى، فالجمهور على أن الوصل أولى فيها، والحزرى على أنه يستحب الوقف عليها بالانفصال، انتهى.","vol":"4","page":36},{"text":"الثامنة (١) وليست من السبعة المتداولة المتواترة، وليس المراد أنه لم يقرأها كذلك إلا أبو عبيد، بل المراد أن هذه قراءة أبى عبيد وإن كانت من السبعة أيضًا.\nقوله [وحديث الليث أصح] فيحمل على (٢) أن يحي بن سعيد ترك فيه\n_________\n(١) إطلاق الثامنة عليها مجاز، والمعنى أن أبا عبيد ليس من القراء السبعة المشهورين، بل قراءته خارجة من السبعة المتواترة معدودة من الشواذ، ثم في اللفظ قراءات كثيرة عدها صاحب البحر المحيط ثلاث عشرة قراءة، منها ما حكى عن أبي عبيد وهي قراءة مالك برفع الكاف والتنوين، ونصب اليوم، وأما القراء السبعة فاختلفوا على قولين، قرأ عاصم والكسائي بالألف، والباقون بدونها، وأبو عبيد هذا قاسم بن سلام الإمام المشهور، قال الحافظ في تهذيبه: ذكره الترمذي في الجامع في غير موضع منها في القراءات، قال: وقرأ أبو عبيد والعين بالعين بضم النون، انتهى. واختلفت الروايات في كتابة هذا اللفظ من روايات أم سلمه ليس هذا محل تفاصيلها، والظاهر عندي أن الصحيح في حديث أم سلمه مالك بالألف، ومن كتب (ملك) أراد أيضًا الأول، وبالألف ضبطه الشيخ في البذل خلافا للقاري في شرح الشمائل.\n(٢) اختلف في وجه الحكم بالأصحية على حديث الليث، وكلام الشيخ يشير إلى أنه لزيادة راو فيه، هذا هو المشهور عند الجمهور، وتقدم ما أشار إليه الطبي من أن استدراك الترمذي لما أن حديث ابن جريج فيه لهجة غير مرضية، وتعقبه القاري إذا قال: وأغرب الطيبي حيث قال: ولذا قال حديث الليث أصح، إذ لا دخل للمبحث بأن يكون بعض طرق الحديث أصح من بعض انتهى. وتبع ابن الملك الطيبي حيث قال: هذه الرواية ليست بسديدة سندًا ولا مرضية لهجة لأن فيها فصلا بين الصفة والموصوف، انتهى","vol":"4","page":37},{"text":"راويًا وهو يعلى بن مملك، ولا يبعد (١) أن يقال فيه مثل ما مر من أنه يمكن روايته عنهما معًا، فلعل ابن أبي مليكه روى الحديث عن أم سلمه رضي الله تعالى عنها تارة، وعن يعلى بن مملك أخرى، فذكر مرة هذا ومرة هذا.\nقوله [العين بالعين] حملا على محل (٢) اسم إن لا على لفظة.\nقوله [هل تستطيع ربك] بصيغة (٣) الخطاب من المضارع ونصب ربك، والمعنى هل تطيق أن تسأل ربك ونستطيع استطاعة حاصلة من ربك.\nقوله [وليس إسناده بالقوى] ولا يلزم بضعف الإسناد في هذا الحديث خلل في القراءة (٤).\n_________\n(١) هذا أوجه مما قاله الماوى وغيره في شرح الشمائل، أن سماع ابن أبى مليكه من أم سلمه ثابت عند علماء الرجال، فراوية اللبث نحتمل كونها من المزيد في متصل الأسانيد، انتهى. ويؤيد الشيخ اختلاف سياق الروايتين وأيضًا أن المحدثين عامتهم سكتوا عليهما معًا.\n(٢) وهكذا بالرفع قرأ الكسائي العين بالعين وما بعده إلى الجروح، ورفع ابن كثير وأبو عمرو وأبو عامر الجروح فقط، والباقون كل ذلك بالنصب، هكذا في البذل.\n(٣) قرأ الكسائي بالتاء على الخطاب وفتح الموحدة من ربك، والباقون بالياء على الغيبة ورفع الباء، هكذا في المكرر، قال البيضاوي: هل تستطيع ربك أي سؤال ربك، والمعنى هل تسأله ذلك، انتهى.\n(٤) كيف وهي من السبعة المتواترة كما تقدم على أن ضعف الحديث عند الترمذي لا يستلزم الضعف عند غيره، فقد قال السيوطي في الدر: أخرج الحاكم وصححه، والطبراني وابن مردوية عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين، هل يستطيع ربك أو تستطيع ربك فقال: أقرأني رسول الله -ﷺهل تستطيع ربك بالتاء، انتهى. وقد أخرج المعنى بعدة روايات أخر، فلو سلم الضعف في طريق فهو مؤيد بالروايات الأخر، وقد أخرجه الحاكم بسنده إلى محمد بن سعيد عن عبادة بن نسى بهذا الإسناد، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره عليه الذهبي، فقول الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث رشدين محمول على علمه أو مخصوص بطريق عبد الرحمن بن زياد، فتأمل.","vol":"4","page":38},{"text":"قوله [إنه عمل غير صالح] على زنة المفرد (١) الغائب من معروف الماضي وغير صالح مفعوله.\nقوله [وقد روى هذا الحديث أيضًا عن شهر إلخ] يعني أن المتبادر المنساق إلى الذهن أن أصحاب شهر بن حوشب اختلفوا عليه، فأكثرهم رووء عن أم سلمه، وبعضهم رواه عن أسماء بنت يزيد مع أنه لا اختلاف إذا الذين ذكروه\n_________\n(١) وهكذا قراءة الكسائي، والباقون بفتح الميم ورفع اللام منونة ورفع الراء، كذا في المكرر، وقال البيضاوي: إنه عمل إلخ تعليل لنفي كونه من أهله وأصلة أنه ذو عمل فاسد، فجعل ذاته العمل للمبالغة، وقرأ الكسائي ويعقوب إنه عمل، أي عمل غير صالح، انتهى. ووجه الرازي في تفسيره قراءة الجمهور بوجوه، فقال: الضمير إلى السؤال أي هذا السؤال عمل غير صالح. وإن كان الضمير إلى الدين ففي وصفه بكونه غير صالح وجوه: الأول أن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له إنه علم وكرم وجود، فكذا هاهنا لما كثر أقسام (كذا في الأصل) ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل، والثاني أنه يحذف المضاف أي ذو عمل باطل، والثالث قال بعضهم: أي إنه ولد زنا، وهذا القول باطل قطعًا، انتهى.","vol":"4","page":39},{"text":"بلفظ عن أم سلمه لم يريدوا بها أم سلمه زوج النبي ﷺ، بل المراد بها هي (١) أم سلمه الأنصارية التي هي أسماء بنت يزيد فلا اختلاف إلا في التعبير.\nقوله [يروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص إلخ] استدل بهذه القرينة على أن الراوية السابقة غير صحيحة، وإن (٢) أمكن أن يكون المرافعة إلى الكعب لذهول له عن الراوية إذا، أو ليسلمه الخصم أحسن تسليم، وقد يستدل المستدل على مرامه بحجة هي دون الحجة الأخرى القوية القائمة عنده فلعله لم يذكر الرواية ليثبت المرام بدليل هو دون الموجود عنده، ولا يذهب عليك أن (٣) كعب الأحبار كان من التابعين.\n_________\n(١) هذا هو الظاهر من كلام المصنف، بل هو المتعين من كلام عبد بن حميد، لكن الأوجه عندي أن الرواية لأم سلمه أم المؤمنين، ولأم سلمه الأنصارية كلتيهما معًا، ولي على ذلك قرائن عديدة فلا إشكال بأن الشيخ في البذل فسر أم سلمه بأم المؤمنين، وقد أخرجه الإمام أحمد بطريقتين في مسانيد أم سلمه أم المؤمنين، وبطريق واحد في ترجمة أسماء بنت يزيد، وهكذا أخرجه الطالسي في مسنده عن أم المؤمنين أم سلمه وأسماء كلتيهما.\n(٢) إشارة من الشيخ إلى أن ما استدل به الإمام الترمذي على تضعيف الحديث ليس بتام، فان المرافعة تحتمل وجوهًا عديدة، فلا تكون حجة لتضعيف الحديث، كيف والحديث أخرجه أبو داود وسكت عليه فهو حجة عنده، وأخرجه الحاكم برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في عين حمئة، ثم قال: هذا صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره عليه الذهبي، وفي المكرر قرأ شعبة وحمزة والكسائي وابن عامر بالألف بعد الحاء وياء مفتوحة بعد الميم، والباقون بغير ألف بعد الحاء وبعد الميم همزة مفتوحة، انتهى.\n(٣) وكان ماهر التوراة ولذلك سألاه كما ورد في عدة روايات عند السيوطي في الدر منها ما أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وغيرهم ان ابن عباس رضي الله تعالى عنه ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ في عين حامية، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: ما نقرأها إلا حمئة. فسأل معاوية عبد الله بن عمر كيف تقرأها؟ فقال عبد الله: كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة، الحديث.","vol":"4","page":40},{"text":"قوله [ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من غلبهم سيغلبون، الآية] فيه قراءتان (١) غلبت على زنة المعروف، وغلبت على المجهول، وعلى حسبه يختلف قوله سيغلبون (٢) فان كان الأول معروفا كان الثاني مجهولا، وبالعكس،\n_________\n(١) كما ذكرنا هما عامة المفسرين وغيرهم، إلا أن القرأة الأولى وهي غلت ببناء المعلوم ليست بمتواترة، ولذا لم يذكرها من اعتنى من أهل الفن ببيان اختلاف القراء، ولذا حكى بعض المفسرين الإجماع على قراءة غلبت ببناء المجهول، وحكى صاحب البحر المحيط القراءة الأولى عن بعض الصحابة، ثم قال: والجمهور مبينًا للمفعول، وسيغلبون مبينًا للفاعل، انتهى. والقراءة الأولى هي قراءة نصر بن على كما حكاه الشهاب على البيضاوي إذا قال: غلبت بالفتح هي قراءة نصر بن على كما ذكره الترمذي، وهو ثقة ولا يرد عليها اعتراض الزجاج بأنها مخالفة للرواية، ولما أجمع عليه القراء، انتهى. وكذا قال الفتوى على البيضاوي.\n(٢) قال ابن عطية: القراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على سيغلبون بفتح الياء، يراد به الروم، وروى عن ابن عمر أنه قرأ سيغلبون بضم الياء، قال صاحب البحر المحيط: قوله أجمعوا ليس كذلك، إلا ترى أن الذين قرأوا غلبت بفتح الغين هم الذين قرأوا سيغلبون بضم الياء وفتح اللام، وليست هذه مخصوصة بابن عمر، انتهى.","vol":"4","page":41},{"text":"والذي يتوقف عليه فهم معنى هذه الكريمة أنه كانت بين الفارس والروم (١)\n_________\n(١) قال المخازن وغيره: سبب نزول هذه الآية على ما ذكره المفسرون، أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس لكونهم مجوسًا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى وقيصر جيشين التقيا بأذرعات وبصري وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم فبلغ ذلك بمكة فشق على المسلمين، وفرح المشركون، وتفاعلوا بذلك وقالوا للمسلمين: عنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن وفارس أميون وقد ظهر أخواتنا فأنكم إن قاتلتونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله هذه الآيات، وهي مكية بالإجماع، فخرج أبو بكر ﵁ إلى كفار مكة فقال: لا تفرحوا فوالله ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا -ﷺ-، فقام إليه أبى خلف الجمحي فقال: كذبت أجعل بيننا أجلا أناحبك، والمناحبة بالحاء المهملة القمار- فجعلا الأجل ثلاث سنين، والمناحية على عشر قلائص، ثم مادا الأجل والخطر فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات أبى من جرحه -ﷺ- بعد القفول من أحد، وظهرت الروم على فارس في السنة السابعة من الالتقاء الأول، فأخذ أبو بكر رضي الله تعالى عنه الخطر من ورثه أبى، ملخص من الخازن، والبيضاوي، والجلالين، وفي أخذ أبى بكر رضي لله عنه القمار حجة للحنفية في جواز الربوا في دار الحرب، وما أجاب به الشافعية من أنه كان قبل التحريم وبه جزم الطحاوي، يأباه الأمر بتصدقه، وقوله -ﷺ-: إنه سحت، ولا يشكل على الحنفية هذا اللفظ لأنه سحت صورة ثم لا يذهب عليك أن الشيخ تعقب هذه القصة كما سيأتي في تفسير سورة","vol":"4","page":42},{"text":"حرب فغلب الفارس الروم، فتفاءل بذلك مشركوا مكة وعيروا المسلمين بأنا كالفارس وأنتم كالروم، لما أنكم أهل كتاب مثلهم، والفارس مشركون، فكما ظهرت الفارس على الروم نغلب عليكم، فساء ذلك المؤمنين، فنزلت \"ألم غلبت الروم في أدنى الأرض أي صاروا مغلوبين في الأرض القريبة من أرض العرب، وهم من بعد ما صاروا مغلوبين سيغلبون في أقل من عشرة سنين، فكان كذلك أنهم ظهروا على الفارس بعد ذلك (١)، والإضافة في غلبهم من إضافة المصدر إلى المفعول، وأما إذا قرأت على زنة المعروف (٢) فالمعنى أن الروم قد غلبت على فارس، وهم من\n_________\n(١) أي بعد سبع سنين من الالتقاء الأول، وبذلك جزم صاحب الجلالين وغيره، قال صاحب الجمل: كانت هذه الواقعة (أي الالتقاء الأول) قبل الهجرة بخمس سنين على القول بأن الوقعة الثانية كانت في السنة الثانية من الهجرة يوم يدر، وقيل: إن الوقعة الثانية كانت عام الحديبية سنة ست، وعليه تكون الوقعة الأولى قبل الهجرة بسنة، انتهى. قلت: حديث الباب يؤيد الأول لكن أكثر المفسرين اختاروا القول الثاني، وذكروا الأول بلفظ قيل، حتى قال القنوى تحت قول البيضاوي: وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية: وكان ذلك في السنة السادسة أو السابعة من الهجرة في ذي القعدة، وفي رواية أنه يوم بدر وهو ضعيف، انتهى.\n(٢) قال البيضاوي: قريء غلبت، ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام، والمسلمون سيغلوبهم، وفي السنة التاسعة من نزوله غزاهم المسلمون، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل، انتهى. واختلف شراح البيضاوي في المراد بالسنة التاسعة من نزولة، فقيل: المراد التاسعة من نزوله مرة ثانية ببدر، واختار الشهاب بأنه لا حاجة إليه بل المراد هي النزول الأولى، والمراد بالسنة التاسعة غزوة موتة.","vol":"4","page":43},{"text":"بعد ما صاروا غالبين سيغلب عليهم المسلمون، والإضافة إذا على الفاعل، ويكون التعبير عن ظهورهم بلفظ الماضي، وإن لم يكن وقع بعد تفاؤلا وتعبيرًا عن المتوقع بلفظ الواقع ليتيقن وقوعه حتى لا يتصور فيه التخلف كما في قوله تعالى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ومعنى (١) قوله فنزلت فقد كانت نزلت، والفاء هاهنا ليس لتعقيب القصة حتى يتعقب هذا ذاك، مع أن نزول الآية كان قبل ذلك بل المحض تأخير البيان.\nقوله [كيف سمعت إلخ] ولعله وقع في شك من حفظه حين لم ير أحدًا يوافقه على القراءة التي اختارها. وازدحم (٢) المنكرون عليه في ذلك فسأله عنه.\n_________\n(١) هذا دفع إشكال يرد على الحديث على كلنا القراءتين، وهو أن ظاهر الحديث أنها نزلت بعد بدر، وتقدم الإجماع على أن السورة مكية، قال البيضاوي: سورة الروم مكية إلا قوله فسبحان الله الآية، قال الشهاب على البيضاوي: لم يستثن في الإتقان والتيسير شيئًا، قيل: وهو الأصح والاستثناء مبنى على قول الحسن، وهو خلاف مذهب الجمهور، وما أجاب به الشيخ أوجه مما حكاه الشهاب على البيضاوي، ونصه: التوفيق بين القراءتين أنها نزلت مرتين مرة بمكة غلبت بالضم، ومرة يوم بدر بالفتح، انتهى. وهذا التوجيه كان أوجه لكنه لم يوجه لما أن أهل الفن لم يذهبوا إلى تكرار النزول، ولذا تعقبه الشهاب بنفسه، لكن وجهه القنوى بأنه يحتمل أن يكون هذه الآية خاصة مكية ومدنية، ورجح هذا القول مجيبًا عما أشكله الشهاب فارجع إليه لو شئت التفصيل وهذا المختصر لا يتحمل طول المباحث.\n(٢) كما هو صريح مدلول قوله: وهؤلاء يريدوني إلخ، ولفظ البخاري قال: أشهد أني سمعت النبي ﷺ يقرأ هكذا. وهؤلاء يردوني على أن أقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ والله لا أتابعهم، وحكى الحافظ لفظ مسلم: وإن هؤلاء يريدوني أن أزول عما أقرأني رسول الله ﷺ، ويقولون: اقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾.","vol":"4","page":44},{"text":"قوله [وهكذا قراءة عبد الله بن مسعود] وقد ثبت أن بعض (١) ألفاظ القرآن كانت تنزل بعد سائر الآية كما ورد في الحديث من نزول قوله تعالى ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بعد آية الصيام، وكذلك قوله تعالى ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ نزل بعد ما نزلت الآية ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ \" فقال ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه ما قال، فنزل قوله تعالى \" غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ\" فعل (٢) الله تعالى أنزل أولًا ﴿الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ ثم نزل بعد ذلك لفظة ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ إلا أنه لم يبلغ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.\n_________\n(١) قال الحافظ بعد ما حكى حديث الباب: وقراءة أبى الدرداء، وابن مسعود وأصحابه، ثم هذه القراءة لم تنقل إلا عمن ذكر هاهنا، ومن عداهم قرأوا ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ وعليها استقر الأمر مع قوة إسناد ذلك إلى أبى الدرداء ومن ذكر معه، ولعل هذا مما نسخت تلاوته، ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه، والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود، وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لم يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبى الدرداء، ولم يقرأ أحد منهم بهذا، فهذا مما يقوى أن التلاوة= =بها نسخت، انتهى. وقريب منه ما في العيني، وحكى عن المازرى يجب أن يعتقد في هذا وما في معناه أنه كان قرآنا ثم نسخ ولم يعلم من خالف النسخ فبقى على النسخ، انتهى.\n(٢) لغة في (لعل) ففي المغنى وحواشيه: في لعل إحدى عشرة لغة أشهرها لعل وعل، انتهى. وما أفاده الشيخ من التوجيه لا يحتاج فيه إلى النسخ، فهذا أوجه مما اختاره الشراح من احتمال النسخ كما تقدم، انتهى.","vol":"4","page":45},{"text":"قوله] إلا من أنس وأبى الطفيل] فأنهما آخر أصحاب النبي ﷺ وفاتًا، وآخرهما أبو الطفيل (١).\nقوله [وهذا عندي مختصر] أي اختصره ولم يذكر الرواة بأسرها حيث لم يذكر فيه عن حسن، فأراد المؤلف بالمختصر المنقطع (٢).\n_________\n(١) وبذلك جزم عامة أهل الفن، ففي التدريب: آخر الصحابة موتًا مطلقًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي مات سنة مائة من الهجرة، قاله مسلم في صحيحة، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط، وقيل: مات سنة ١٠٢ وجزم ابن حبان وجماعة أنه مات سنة ١٠٧ وصحيح الذهبي سنة ١١٠، وأما كونه آخر الصحابة موتًا مطلقًا فجزم به مسلم معصب الزبيري وابن مندة والمزى في آخرين، وآخرهم موتًا قبله أنس، وقيل: منهما من تأخر وفاته عن أنس، والبسط في التدريب.\n(٢) لعل الشيخ اضطر إلى هذا التوجيه البعيد لما أن المصنف ذكر لفظ عندي مختصر بموضعين، أولهما في ذيل الكلام على السند، والثاني بعد ذكر طول الحديث، فحمل الشيخ أولهما على المعنى اللغوي ليخلو الكلام عن مجرد التكرار، ففي هذا التوجيه وإن كان نوع من البعد لكنه أقرب من التكرار بلا فائدة، والظاهر عندي أن المراد في كلا الموضعين واحد، وأيا ما كان فالمراد بالحديث الطويل ما سيأتي عند المصنف في تفسير سورة الحج، وأما اختلاف القراء في ذلك ففي المكرر قوله تعالى ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾ قرأ السوسي بالامالة في الوصل بخلاف عنه والباقون بالفتح، هذا في حال الوصل، وأما الوقف فوقف بالإمالة المحضة أبو عمرو وحمزة والكسائي وورش بين بين والباقون بالفتح، وقوله تعالى ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قرأ حمزة والكسائى بفتح السين وسكون الكاف فيهما، والباقون بضم السين وفتح الكاف وبعد الكاف ألف، وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة والكسائى محضة، وورش بين بين، والباقون بالفتح، انتهى.","vol":"4","page":46},{"text":"قوله [بئسما لأحدهم إلخ] يعني لابد من (١) تعاهده والمحافظة حتى لا يقول نسيت، ويمكن أن يكون البؤس نسبة إلى نفسه، فإن فيه إساءة أدب بالقرآن، أو الوجه ذكر معاصاته والجهر بذنبه، وإنما كان عليه أن يستره.\nقوله [إن القرآن انزل على سبعة إلخ] ولعل (٢) الحق في ذلك أن المراد\n_________\n(١) قال القاري: قال النووي: يكره أن يقول: نسيت آية كذا، بل يقول: أنسيتها، وقال الطبي قوله: بل نسى إشارة إلى عدم تقصيره في المحافظة لكن الله أنساه لمصلحة، قال عز اسمه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ الآية. وقوله نسيت يدل على أنه لم يتعاهد القرآن، وقال غيره: يحتمل أن هذا خاص بزماته -ﷺ- ويكون معنى قوله نسى أي نسخت تلاوته، نهاهم عن هذا القول لئلا يتوهم الضياع على محكم القرآن، وقال ابن حجر: إن الله سبحانه هو الذي أنساها له بسبب منه تارة بأن ترك تعه القرآن، فان ترك تعده سبب في نسيانه عادة= =لا يسبب منه أخرى، وقال أبو عبيدة: أما الحريص على حفظ القرآن الذي يدأب لكن النسيان يغلبه فلا يدخل في هذا الحكم، وقيل: معنى نسى عوقب بالنسيان على ذنب أو سوء تعهد بالقرآن، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ انتهى.\n(٢) هذا الحديث من أهم الأحاديث بحثا وتحقيقًا وتنقيحًا، وأطال الشراح في تنقيره قديمًا وحديثًا، وأجمل الكلام على ذلك في الأوجز في عشرة أبحاث لطيفة هي زبدة أقوالهم، وعطر أزهارهم: الأول في المراد بالأحرف السبعة، وفيه أقوال كثيرة حتى بلغها القاري إلى أحد وأربعين قولا، والثاني في أن لفظ السبعة للاحتراز أو لمجرد التكثير، والثالث في المرجح من الأقوال المذكورة، والرابع في أن اللغات المذكورة لجميع العرب أو لقبائل خاصة، الخامس أن التغيير بين هذه السبعة كان مقصورا على السماع أو كان الخيار لهم على حسب ما شؤا، السادس متى ورد التخفيف والتيسير بهذه السبعة، السابع هل هي السبعة باقية إلى الآن أو ذهبت، الثامن ذهاب السبعة واستقرار الأمر كان في زمنه -ﷺ- أو بعده، التاسع القراءات السبع المتعارفة المتداولة في هذا الزمان هل يمكن أن يفسر بها الحديث أم لا، العاشر أن الأحرف السبعة المنزل بها القرآن هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدينا أو ليس فيها إلا حرف واحد، فهذه عشرة أبحاث بسطت في الأوجز، فلو كان لك فراغ من التنزه في البساتين والتمشي بين الدكاكين، فارجع إليه.","vol":"4","page":47},{"text":"بسبعة أحرف ليس هو هذه القراءات السمع المتواترة المتداولة بين الأقوام بل الأمر في الأول كان متسعًا يقرأه كل أهل لغة بما تيسر له من السبعة، وإنما هذه السبعة ستة منها وراء لغة قرش، ونسبة الإنزال إليها مجاز، لأنه وإن كان نزل من السماء بلغة واحدة هي لغة قريش إلا أنه التحقته الإجازة بالقراءة في أي السبعة تيسر كانت الستة كالسابعة في جواز الصلاة وأجر التالي إلى غير ذلك، فكان القرآن كالمنزل على سبعة لغات، ولما كانت (١) التوسعة للسهولة عليهم\n_________\n(١) كما ذكره الحافظ بحثًا أن القراءات التي لا يوافق الرسم، فهي مما كانت القراءة به جوزت توسعه على الناس وتسهيلا، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان، وكفر بعضهم بعضًا اختار الاقتصار على اللفظ المأذون في كتباته وتركوا الباقي، قلت: وقد أخرج البخاري في صحيحة أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف نسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصه إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصه، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، قال الحافظ: في رواية الأكثرين أن يخرق بالخاء المعجمة، ورواه الأصيلي بالوجهين والمعجمة أثبت، وفي رواية شعيب عند الطيراني وغيره: وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، قال: فذاك زمان حرقت المصاحف بالعراق بالنار، وفي رواية سويد بن غفلة عن على: لا تقولوا لعثمان في إحراق المصاحف إلا خيرًا، ومن طريق مصعب بن سعد قال: أدركت الناس متوافرين حين حرقت عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد، وفي رواية أبي قلابة: فلما فرغ عثمان من المصحف كتب إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم، والمحو أعم أن يكون بالغسل أو التحريق، أو أكثر الروايات صريح في التحريق، ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من بيده شيء من ذلك، وقد جزم عياش بأنهم غسلوها بالماء ثم احرقوها مبالغة في إذهابها، انتهى.","vol":"4","page":48},{"text":"وصار الأمر في زمن عثمان ﵁ على خلاف ذلك حيث وقع بذلك","vol":"4","page":49},{"text":"خلاف ما بين المسلمين جمعة عثمان ﵁ على لغة قريش، وأخذ سائر الصحف المكتوبة في غير لغاتهم فغسلهم، ولم يبق شيء منها موجودًا، ولما كان ذلك بإجماع من صحابة هذا العصر وتابعيهم، كان واجب الإتباع لكل من نشأ بعدهم، فلو قرأ بعد ذلك (١) قارئ قرآن على حسب شيء من هذه القراءات لم تصح (٢) صلاته، ولا يتوهم أن الإجماع المذكور وقع ناسخا للسنة، فكيف\n_________\n(١) قال البغوي في شرح السنة: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله -ﷺ-، فأمر عثمان بنسخة في المصاحف، وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم، هكذا في الفتح.\n(٢) أي تفسد صلاته، أو لا تصح الصلاة لعدم القراءة المعتبرة قولان، وتوضيح ذلك ما في الدر المختار: قرأ بالفارسية أو التوراة أو الإنجيل إن قصة تفسيد، وإن ذكرًا لا، وألحق به في البحر الشاذ، لكن في النهر: الأوجه أنه لا يفسد ولا يجزئ، قال ابن عابدين: قوله لكن في النهر الخ حيث قال: عندي بينهما فرق، وذلك أن الفارسي ليس قرآ أصلا لانصرافه في عرف الشرع إلى العربي، فإذا قرأ قصة صار متكلمًا بكلام الناس بخلاف الشاذ فأنه قرآن، إلا أن في قرآنيته شكًا فلا تفسد ولو قصة وحكرا الاتفاق فيه على عدمه، فالأوجه ما في المحيط من تأويله قول شمس الأئمة بالفساد بما إذا اقتصر عليه، انتهى. أي فيكون الفساد لتركه القراءة بالمتواترة لا للقراءة بالشاذ، لكن يرد عليه أن القرآن هو ما لا شك فيه، وأن الصلاة يمنع فيها عن غير القراءة والذكر قطعًا، وما كان قصة ولم تثبت قرآنيته لم يكن قراءة ولا ذكرًا فيفسد، بخلاف ما إذا كان ذكرًا فإنه وإن لم تثبت قرآنيته لم يكن كلامًا، لكن إن اقتصر عليه تفسد، ثم القرآن الذي تجوز به الصلاة بالاتفاق هو المضبوط في المصاحف الأئمة التي بعث بها عثمان إلى الأمصار، انتهى.","vol":"4","page":50},{"text":"المحيص لأنه ليس نسخًا لأمر أوجبه النبي ﷺ، بل رفع رخصة من النبي ﷺ إذا وقعت منها مفاسد، فكان من قبيل ارتفاع الحكم بارتفاع علته، ولا ضير فيه.\nقوله [عبد الرحمن بن عبد القاري (١)] القاري صفة لعبد الرحمن، وهو منسوب إلى بني قارة.\nقوله [فيهما (٢) هكذا أنزلت] قد عرفت تأويله آنفًا. قوله [باب حدثنا محمود بن غيلان إلخ] أورد الحديث هاهنا، وكذلك ما سبق عن قليل من\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح: بتشديد الياء التحتية نسبة إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة، والقارة لقب، واسم أثيع بالمثلثلة مصغرًا ابن مليح بالتصغير، وقيل: بل القارة هو الديش بكسر المهملة وسكون التحتية من ذرية أثيع المذكور، وليس هو منسوب إلى القراءة، انتهى.\n(٢) هذا من كلام الشيخ لا الترمذي، يعني قوله ﷺ: هكذا أنزلت في بيان قراءة عمر وقراءة هشام كليهما، ومعنى قوله عرفت تأويله يعني هاتان القراءتان أيضًا من جملة الأحرف السبعة التي أذن في القراءة فيها. وقال الحافظ: لم أقف في شتى من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان، ثم بسط الحافظ جملة ما اختلف فيه القراء في هذه السورة من لدن الصحابة ومن بعدهم.","vol":"4","page":51},{"text":"قوله بئسما لأحدهم لما لهما من مناسبة (١) بقراءة القرآن.\nقوله [ورخص فيه بعض أهل العلم] لأن النهي (٢) إنما هو لمخالفة الأولى لا لكراهة فيه.\nقوله [الحال المرتحل] بينه في الحاشية (٣) ومما ينبغي أن يذكر هاهنا أن\n_________\n(١) يني ذكر المصنف هذه الروايات لما هي من لواحق القراءة وتوابعها لما فيها من ذكر صفات القراءة والحفظ وغيرها.\n(٢) ويشير إليه لفظ الحديث بانه لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث، فعلم أن علة النهي عدم التفقه بأقل من هذه الأيام، فمن لا يفقه في أربعين يومًا أيضًا يتساوى له الأربعينة والليلة، هذا وقد ثبت بآثار كثيرة شهيرة ختم جماعة من الصحابة والتابعين في يوم وليلة، كما في الأوجز.\n(٣) ... بأنه فسر بالخاتم المفتتح، وهو من يختم القرآن بتلاوته ثم يفتتح التلاوة من أوله، شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه ثم يفتتح سيره أي يبتدئه، ولذا قراء مكة إذا ختموا القرآن ابتدأوا وقرأوا الفاتحة وخمس آيات من أول البقرة إلى مفلحون، وقيل: أراد الغازي الذي لا يقفل عن غزو إلا عقبه بآخر، انتهى. قلت: والمراد هاهنا المعنى الأول كما يدل عليه نسخة الحاشية، وهي في متن النسخة المصرية، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل، انتهى. والحديث أخرجه الحاكم بثلاث طرق عن صالح المرى بسنده إلى ابن عباس وفيه: قال يا رسول الله! وما الحال المرتحل؟ قال: يضرب من أول القرآن إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، وفي أخرى: قال صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره، ومن آخره حتى يبلغ أوله كلما حل ارتحل، وذكر في شرح الأحياء والإتقان برواية الدارمي بسند حسن عن ابن عباس عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ افتتح من الحمد، ثم قرأ من البقرة إلى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ثم دعا بدعاء الختمة ثم قام، انتهى. وهذا هو المتعين في مراد الحديث لوروده عن صاحب الكلام نصًا، ولو أريد به الغازي كما قال به بعض الشراح فجدير عندي أن يراد به السالك كما أشار إليه الشيخ العارف.\nأي برادر بي نهاية در كهيا ست *** هرجه بروى مي رسى برر ومى ما است","vol":"4","page":52},{"text":"الرجل يستحب له إذا قرأ سورة أن يترك منها آية أو آيتين أو ثلاثًا لليوم الثاني، أو يبتدئ من السورة الأخرى الآتية كذلك ليبقى في كنف حمايتها ونظر رحمتها، فإن السورة إذا تركها لم تتم تبقى لها علاقة خاصة بالقارئ بخلاف ما إذا أتمها كملًا، وقد ورد مثل ذلك في رواية (١).\n_________\n(١) ... لعل الشيخ أراد ما تقدم عن الأحياء والإتقان وإلا فترك السورة لم أجده نصًا في الرواية، لكن القواعد لا تأباه على أن عدم وجدان مثلي الذي هو قليل النظر على العموم ليس بشيء، ولا يذهب عليك أن حديث الباب رجح الترمذي إرساله على وصله، وذكره الحاكم بثلاث طرق عن ابن عباس موصولًا ثم قال: تفرد به صالح المرى، وهو من زهاد أهل البصرة، وله شاهد من حديث أبي هريرة ثم ذكره، وتعقبه الذهبي، وله شاهد من حديث أنس، ذكره النووي في الأذكار.","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ</span>\nويعنون (١) بذلك ما فيه بيان لغة، أو استنباط حكم، أو توجيه إعراب، أو بيان لشأن النزول، إلى غير ذلك.\nقوله [من قال في القرآن إلخ] يعني (٢) أن المتصدى للكلام في فن\n_________\n(١) ... قال الحافظ: التفسير تفعيل من الفسر وهو البيان، تقول: فسرت الشيء -بالتخفيف- أفسره فسرًا، وفسرته -بالتشديد- أفسره تفسيرًا إذا بينته، وأصل الفسر نظر الطبيب إلى الماء ليعرف العلة، وقيل: هو مقلو من سفر كجذب وجبذ، تقول: سفر إذا كشف وجهه، ومنه أسفر الصبح إذا أضاء، واختلف في أن التفسير والتأويل واحد أو مختلفان، وعلى الثاني ما الفرق بينهما على أقوال كثيرة في الإتقان.\n(٢) ... قال القاري: أي من تكلم في معناه أو قراءته من تلقاء نفسه من غير تتبع أقوال الأئمة من أهل اللغة والعربية المطابقة للقواعد الشرعية، بل بحسب ما يقتضيه عقله، وهو مما يتوقف على النقل كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وما يتعلق بالقصص والأحكام، أو بحسب ما يقتضيه ظاهر النقل وهو مما يتوقف على العقل، كالمتشابهات التي أخذ المجسمة بظواهرها وأعرضوا عن استحالة ذلك في العقول، أو بحسب ما يقتضيه بعض العلوم الإلهية مع عدم معرفته ببقيتها، وقال ابن حجر: أي أخطأ طريق الاستقامة يخوضه في كتاب الله بالتخمين والحدس مع عدم استجماعه بشروطه، فكان آثمًا به مطلقًا، ولم يعتد بموافقته للصواب. بخلاف من كملت فيه آلات التفسير وهي خمسة عشر علمًا: اللغة، والنحو، والصرف، والاشتقاق، لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين اختلف المعنى كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح، والمعاني، والبيان، والبديع، والقراءات، والأصلين، وأسباب النزول، والقصص، والناسخ والمنسوخ، والفقه، والأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم، = =وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله ﷿ لمن عمل بما علم، انتهى. قلت: والمراد بالأصلين أصول الدين وأصول الفقه، كما ذكرهما السيوطي في الإتقان.","vol":"4","page":54},{"text":"من فنون القرآن، كالإعراب أو استنباط الأحكام، يجب أن لا يكون عريًا من هذا الفن، فلو تصدى لذلك وهو جاهل به كان مستحقًا للوعيد وإن كان مصيبًا في مقاله. قوله [برأيه] محمله (١) ما قلناه من قبل، فمن استنبط (٢) من\n_________\n(١) فقد قال البيهقي: المراد رأي غلب من غير دليل قام عليه، أما ما يشده برهان فلا محذور فيه، قال الماوردي: حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، وإن صحبها شواهد سالمة عن المعارض، وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن، واستنباط الأحكام منه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وفي حديث أبي نعيم وغيره: القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه، ومعنى ذلول سهل حفظه وفهمه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين، كذا في المرقاة.\n(٢) قال في المجمع: لا يجوز أن يراد أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة قد فسروه، واختلفوا فيه على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه منه ﷺ، ولأنه لا يفيد حينئذ دعاؤه الله فقهه في الدين، وعلمه= =التأويل، فالنهي لوجهين: أحدهما أن يكون له رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول على وفقه ليحتج على تصحيح غرضه، وهذا قد يكون مع علمه أن ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبس على خصمه، وقد يكون مع جهله بأن يكون الآية محتملة له، لكن رجحه لرأيه، ولولاه لما يترجح ذلك الوجه له، وقد يكون له غرض صحيح كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي، ويستدل بقوله ﴿اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ ويشير إلى قلبه، والثاني أن يتسارع إلى التفسير لظاهر العربية من غير استظهار بالسماع في غرائبه ومبهماته، وفيما فيه من الحذف والتقديم وما عداهما، فلا وجه للمنع فيه، انتهى.","vol":"4","page":55},{"text":"الكتاب حكمًا بعد ملاحظة الأصول مطابقًا للقواعد الشرعية لا يكون ممن قال فيه برأيه، فإنما استناده إلى ما سمعه من النبي ﷺ، وعلى هذا وجب حمل قوله بعد ذلك: وهكذا روى عن بعض أهل العلم إلى آخر ما قال، لأن إثبات النقل في عين ما فسروه به عسير جدًا، فيحمل على أنهم سمعوا تلك الأصول والقواعد التي فسروا الكتاب على طبقها، وقول قتادة: (إلا وقد سمعت فيها شيئًا) لا ينافي ما قلنا، فإنه لم يثبت أنه لم يتكلم في كل آية إلا بقدر ما سمعه منه، بل الثابت أنني سمعت في كل آية شيئًا، وإن كان يجوز أن يذكر في بعض الآيات زيادة على الذي سمعه، وبالجملة فالحمل على ما ذهبنا إليه أسلم من التكلفات، وأجمع بين الروايات، فقد قال النبي ﷺ في حديث علي الذي خاطب به الأعور (١): إنه لا تنقضي عجائبه، فلو كان المدار هو النقل لم يكن لهذا معنى،\n_________\n(١) كما تقدم قريبًا عند المصنف بلفظ: لا تشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، الحديث، وفي الترغيب برواية الحاكم عن ابن مسعود مرفوعًا: إن هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته، الحديث. وفيه: ولا تنقضي عجائبه، وتقدم في كلام القاري وغيره أيضًا ما يستدل به على ذلك.","vol":"4","page":56},{"text":"وكذلك قوله ﵇: لا يشبع منه العلماء.\nقوله [لم أحتج أن أسأل ابن عباس إلخ] يعني أن تأليف ابن مسعود كان (١) على حسب النزول، فما كان ناسخًا كان في الترتيب بعد المنسوخ، فكان يعلم من غير المسألة أيها ناسخ وأيها منسوخ، وكذلك بعض الكلمات كانت في قراءة ابن مسعود بحيث يفسر ما أبهم كما في قوله في الصوم: [فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعات]، وقوله في القطع: [والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيمانهما] ووجه ذكر المؤلف هذا القول من مجاهد هاهنا لإثبات النقل عن ابن عباس كما قال في كثير مما سألت،\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما أخرجه الحاكم بعدة طرق مرفوعًا: من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، وفي لفظ: من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، وأخرج الحاكم بسنده عن ابن عباس قال: أي القراءتين ترون كان آخر القراءة؟ قالوا: قراءة زيد، قال: لا، إن رسول الله ﷺ كان يعرض القرآن كل سنة على جبرئيل ﵇، فلما كانت السنة التي قبض فيها عرضه عليه عرضتين، فكانت قراءة ابن مسعود آخرهن، هذا حديث صحيح الإسناد. ورجح الحافظ في الفتح أن عرضة جبرئيل كانت على ترتيب النزول لكن مع هذا كله فقد جزم الحافظ بنفسه أن ترتيب مصحف ابن مسعود لم يكن على ترتيب النزول، بل كان أوله= =الفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، وهكذا جزم السيوطي في الإتقان، وحكى ترتيب سوره مفصلًا، وقالا: إن مصحف علي كان على ترتيب النزول، فالظاهر أن معنى قول مجاهد ما ذكره الشيخ ثانيًا من أنها كانت مفسرة، انتهى.","vol":"4","page":57},{"text":"فعلم أنه كان يسأله (١) كثيرًا.\n\n[من سورة فاتحة الكتاب] قوله [فاقرأها في نفسك] وأنت تعلم أنه استنباط (٢) من أبي هريرة من الحديث الذي سرده ولا يتم، فإنه ليس نصًا على أن كل مصل يجب له القراءة بنفسه، بل أعم من أن يكون بنفسه أو بوكيله، كيف وقد ورد: من (٣) كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، فأنى يبطل بهذا\n_________\n(١) ففي الإتقان: قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدًا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، وعنه أيضًا: قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه واسأله عنها فيما نزلت، وكيف كانت؟ انتهى.\n(٢) أي على سبيل التسليم، وإلا فقد تقدم في الجزء الأول أن المراد بها التدبر، وكونه استنباطًا من الحديث ظاهر من السياق، فإنه ذكر الحديث المرفوع الآتي بقوله: فإني سمعت رسول الله ﷺ، فهذا كالنص على أن قوله: اقرأها في نفسك، لم يكن مسموعًا من النبي ﷺ وإلا لذكره، وعلم أيضًا أن قوله هذا لم يبق في حكم المرفوع، لكونه غير مدرك بالقياس لما ذكر مستدله واجتهاده.\n(٣) وهو حديث مشهور روى بطرق كثيرة عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين، منهم جابر ابن عبد الله، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، كما في الأوجز، ولأجل ذلك أجمعت الأئمة الأربعة وغيرهم من أكثر فقهاء الأمصار على سقوط وجوب القراءة عن المقتدى إلا في أحد القولين عن الإمام الشافعي، فقد قال فيه بوجوب الفاتحة على المقتدى، ومع ذلك قد أسقطها في عدة مواضع، كمدرك الركوع، ومن تخلف عن الإمام لعذر، كزحمة ونسيان وبطوء حركة، بأن لم يقم من السجود إلا والإمام راكع، كما بسط في الأوجز، فلا يسع الإنكار من أنهم أطبقوا على العمل بهذه الرواية، وحملوا= =عموم الروايات المتضمنة لإيجاب القراءة على تعميم القراءة بالإصالة والوكالة، كما أفاده الشيخ.","vol":"4","page":58},{"text":"الاحتمال عموم قوله تعالى (١): ﴿وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\nقوله [قسمت الصلاة بيني وبين عبدي] المراد بالصلاة هاهنا هي الفاتحة باتفاق من العلماء، فيمكن أن يقال: إن النبي ﷺ لما أطلق عليها الصلاة كانت الفاتحة أكمل فرائضها، وأولى أركان منها، فلا صلاة لمن لا فاتحة له، ولعل أبا هريرة أورد الحديث هاهنا لذلك، فكان مناط استدلاله على وجوب قراءتها هو هذا الإطلاق، والجواب أنا لا نسلم أن المقتدى ليس له قراءة، غاية الأمر أنه قار لا بلسانه، وكثيرًا ما ينسب فعل الوكيل إلى موكله.\nقوله [وبيني وبين عبدي إياك نعبد إلخ] وإنما قال باشتراك هذه الآية مع أن الظاهر هو الاشتراك في الآية الأخيرة، فإنه ﷾ كما أنه هاد والعبد طالب هداية منه تعالى كذلك إنه ﷾ معبود والعبد عابد، والله سبحانه مستعان والعبد مستعين، لأن فعل العبد إنما هو السؤال البحت وأصل الفعل إنما هو له سبحانه بخلاف الآية الوسطى، فإن فيها شركة في الأفعال إذا العابدية إليه والمعبودية له تعالى، وكذلك الاستعانة، بخلاف الأخيرة، فإن الفعل فيه كله لله ﵎ من قضاء حاجات العبد، فكان خالصًا للعبد، وحاصل التقسيم أن القسم الأولى مختص به تعالى بمعنى أن العناية فيه إلى إظهار صفاته والإقرار بجلال\n_________\n(١) وقد ورد في الروايات الكثيرة أن نزولها في القراءة خلف الإمام، وقال الإمام أحمد: أجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة، وقال ابن عبد البر: هذا عند أهل العلم عند سماع القرآن في الصلاة لا يختلفون أن هذا الخطاب نزل في هذا المعنى دون غيره، كذا في الأوجز.","vol":"4","page":59},{"text":"ذاته وادعاء كونه منعمًا على الحقيقة بجلائل النعم، والتي (١) هي دوني إلى غير ذلك، وإن كان المثنى والممجد والحامد هو العبد، وفي الصنف الثاني مطمح النظر هو إطاعته وانقياد له، ولما كان ذلك لا يتم إلا بإعانته وتوفيقه أردف الإقرار بالطاعة اعترافًا بعجزه، ومنه الإعانة منه سبحانه، فكان العبد والمعبود إلى الآية منتسبي سواء بخلاف الصنف الثالث، فإنه لا ذكر فيه لغير حوائجه حتى يقضيها المجيب الكريم، ويظفر العبد بجنات عدن بالنعيم المقيم، ويجيره من نار الجحيم. قوله [كلا الحديثين صحيح] يعني أن نسبة (٢) الرواية إلى أبي العلاء وأبي السائب تصح معًا، فإن ابن أبي أويس أوثق (٣) من روى، فلما أسنده إليهما معًا كانا صحيحين.\n_________\n(١) عطف على الجلائل، أي منعم بأكبر النعم، وبالتي هي أدون بالنسبة إلى الأولى، وهلم جرا.\n(٢) لما كان ظاهر الحديث الاضطراب لمكان الاختلاف فيه على العلاء بن عبد الرحمن، فروى عنه عن أبيه، وعنه عن أبي السائب، دفعه المصنف برواية إسماعيل بن أبي أويس إذ رواه عنهما معًا، وبذلك يدفع الاضطراب عند المحدثين.\n(٣) هذا مبني على كلام الترمذي، فإنه لما استدل بروايته على دفع الاضطراب فكأنه هو من جملة الثقات المعتبرين عنده، لا سيما وقد احتج أبو زرعة بروايته على تصحيح الروايتين معًا، فحكم أبي زرعة بالصحة محتجًا بروايته نداء بتوثيقه، كيف وقد أخرج له الشيخان معًا، لكن مع هذا كله يتحير من له نظرة على كتب الرجال من أن الإمام الترمذي ذكر قول أبي زرعة في تصحيح الحديث، ولم يذكر قول أحد من أئمة الرجال في إسماعيل بن أبي أويس، وفي تهذيب الحافظ عن ابن معين: صدوق ضعيف العقل ليس= =بذاك، يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه أو يقرأه من غير كتابه، وعن ابن معين أيضًا: هو وأبوه ضعيفان ويسرقان الحديث، وعن النصر بن سلمة: ابن أبي أويس كذاب، وعن سيف بن محمد: كان يضع الحديث، وروى عن إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، قال الحافظ: ولعل هذا كان من إسماعيل في شيبته ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح، انتهى. قلت: هذا هو الظن بالإمام الترمذي وأبي زرعة، فإنهما ذكرا حديثه تمثيلًا واعتمادًا على متابعته أو اختيارًا لقول من وثقه، ونعوذ بالله من إساءة الظن بأحد من أئمة الحديث، فإنهم قدوة الفن وسبقة الميادين.","vol":"4","page":60},{"text":"قوله [وإني لأرجو (١) أن يجعل الله يده في يدي] أراد بذلك مبايعته،\n_________\n(١) فإنه ﷺ كان يحب إسلام رؤساء الأقوام، ليكون سببًا لإسلام أتباعهم، وكان عدي هذا ابن حاتم الطائي الجواد المشهور الذي يضرب به المثل في الجود والكرم، كما في أسد الغابة، وحكى من قصة إسلامه قال: بعث رسول الله ﷺ حين بعث فكرهته أشد ما كرهت شيئًا قط، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم، فكرهت مكاني ذلك أشد مما كرهته، فقلت: لو أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبًا لم يخف علي، وإن كان صادقًا اتبعته، فأقبلت، فلما قدمت المدينة استشرفني الناس، وقالوا: عدي بن حاتم عدي بن حاتم، فقال لي: يا عدي أسلم تسلم، قلت: إن لي دينًا، قال: أنا أعلم بدينك منك، قلت: أنت أعلم بديني مني، قال: نعم، مرتين أو ثلاثًا، قال: ألست تأكل المرباع؟ قلت: بلى، قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك، ثم قال: يا عدي أسلم تسلم، قال: قد أظن أو قد أرى أو كما قال رسول الله ﷺ: إنه ما يمنعك أن تسلم إلا غضاضة تراها ممن حولي، وإنك ترى الناس علينا ألبًا واحدًا، قال: = =هل أتيت الحيرة؟ قلت: لم آتها، وقد علمت مكانها، قال: يوشك الضعينة أن ترتحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، مرتين أو ثلاثًا، إلى آخر ما في الإصابة وأسد الغابة، وفد سنة تسع في شعبان، وقيل: سنة عشر، فأسلم وثبت على إسلامه في الردة، قال: ما داخل علي وقت صلاة قط إلا وأنا مشتاق عليها، وعنه قال: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، رزقنا الله من اتباع هؤلاء الأسلاف. والغضاضة: الذلة والنقيصة، وقيل: إنما هي خصاصة بالخاء وهي الفقر، وفي رواية لأحمد: فخرجت حتى وقعت ناحية الزوم يعني ببغداد حتى قدمت على قيصر، قال: فكرهت مكان ذلك أشد من كراهيتي لخروجه، الحديث.","vol":"4","page":61},{"text":"إلا أن اللفظ لما كان صدق هاهنا أيضًا ذكره.\nقوله [وسادة (١)] هي المخذة أو الفرش، ومعنى (عليها) على الأولى متكئًا عليها، وعلى الثاني على ظاهرها.\nقوله [فحمد الله وأثنى عليه إلخ] ووجه إتيانه في البيت وترك التبليغ في مجلسه الذي لقيه فيه مع أنه لا ينبغي التأخير في التبليغ -والله أعلم- أنه لعله\n_________\n(١) قال المجد: الوساد المتكأ، والمخدة كالوسادة، ولفظ الطيالسي: فألقت لنا الجارية وسادة أو قال بساطًا.","vol":"4","page":62},{"text":"يأخذه حمية (١) أو أنفة لكونه من سرواتهم فيهلك فيمن هلك، ويعد ترك مقالته (٢) ثم عارًا عليه، فلذلك لم يلق النبي ﷺ مقالته إلا خاليًا.\nقوله [ثم تكلم ساعة إلخ] والظاهر كون هذا الكلام في إثبات التوحيد، وإبطال التثليث، وكان عدى (٣) من النصارى أو المتنصرة.\nقوله [فإن اليهود مغضوب عليهم الخ] وهذا هو موضوع التفسير الذي أورد له المؤلف هذا الحديث هاهنا. قوله [فأني لا أخاف عليكم الفاقة] إما أنه لا يضركم لما رسخت في قلوبكم أمور الطاعات والصبر وثواب المصيبة، ومعنى فأن الله ناصركم ومعطيكم أي الأجر، والمعنى أني لا أخاف عليكم الفاقة أن تصيبكم لما سيفتح الله عليكم، وتعلق قوله فإن الله معطيكم وناصركم بالثاني أظهر.\nقوله [أكثر] ليس مضافًا (٤) إلى ما بعده بل هو حال أي لا يكون\n_________\n(١) فقد تقدم في الحاشية قريبًا قوله ﷺ: أظن ما يمنعك أن تسلم إلا غضاضة تراها ممن حولي، وفي رواية لأحمد: أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما أتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب. الحديث.\n(٢) الظاهر أن المعنى: لو ترك النبي ﷺ المقالة مع عدي لعارض كمجيء أحد في المجلس أو غير ذلك لعده عارًا عليه.\n(٣) وفي أسد الغابة: كان نصرانيًا، قيل: لما بعث النبي ﷺ سرية إلى طي أخذ عدي أهله وانتقل إلى الجزيرة، وقيل: إلى الشام، وترك أخته سغاتة بنت حاتم، فأخذها المسلمون فأسلمت وعادت إليه فأخبرته، ودعته إلى رسول الله ﷺ فحضر معها عنده، انتهى.\n(٤) وعلى ما أفاده الشيخ يكون لفظ (ما) نافية، ويؤيده ما سيأتي من قوله: فأين لصوص طي، وفي المجمع ولفظه: وفيه ما تخاف على مطيتها السرق هو بالحركة السرقة، انتهى. وفي رواية البخاري في حديث عدي: لتزين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله، قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طي، الحديث. قال الحافظ: زاد أحمد من طريق أخرى عن عدي: في غير جوار أحد، قلت: وقد أخرج البخاري من حديث خباب، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولفظ الطيالسي في حديث عدي: حتى تسير الظعينة فيما بين مكة والمدينة لا يأخذ أحد بخطامها، وما أفاده الشيخ من توجيه قوله أكثر= =ظاهر بل متعين في لفظ الترمذي، إلا أن الظاهر عندي أنه وقع سهو في لفظ الترمذي، ولفظ أحمد: إني لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله تعالى وليعطينكم أو ليفتحن لكم حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب، أو أكثر ما تخاف السرق على ظعينتها، الحديث. ...","vol":"4","page":63},{"text":"ذلك على سبيل الندرة.\n\n[من سورة البقرة] قوله [من قبضة] بالضم (١) لا بالفتح.\nقوله [فجاء بنو آدم] يعني أن أصل كل صفة حسنة ورديئة موجود في كلهم، وإنما ظهرت الخاصة من الصفات لغلبة مادتها فيه، فالمؤمن وإن كان كاملًا ففيه أصل الكفر كامن وإن لم يظهر، وكذلك الكافر وإن كان أشد ما يكون ففيه شائبة من الأصل الداعي إلى الإسلام، وإلا لما صح تكليفهم بالإسلام لما يلزم من التكليف بما لا يطاق.\nقوله [قال: دخلوا متزحفين إلخ] يعني أن اليهود كانوا أمروا بحكمين فعكسوهما، ولم يبين الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ الآية إلا مخالفتهم للأمر القولي، وأما مخالفتهم للأمر الفعلي فغير متعرض به في الآية، فبينه النبي ﷺ\n_________\n(١) لأنه بالضم اسم وبالفتح للمرة، والمناسب للمقام الأول، لكن ضبطه القاري بكليهما، فقال: بالضم ويفتح.","vol":"4","page":64},{"text":"بقوله: دخلوا متزحفين، ثم الذي عكسوه من الأمر القولي وبدلوه به اختلف فيه الروايات (١)، ففي بعضها حبة في شعيرة، وفي بعضها حنطة، وفي بعضها حبة في شعرة، فهذه الألفاظ مهمل (٢) أو قريب منه، وتعدد الألفاظ لكون بعضهم قال هذا وبعضهم ذلك.\nقوله [فصلى كل رجل من اعلى حياله] هذه الواقعة كانت (٣) في تهجدهم\n_________\n(١) ذكر صاحب البحر المحيط فيه أكثر من عشرة أقوال، ثم قال: والذي ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ فسر ذلك بأنهم قالوا: حبة في شعرة، فوجب المصير إلى هذا القول، ولو صح شيء من الأقوال السابقة لحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف القائلين، فيكون بعضهم قال كذا، وبعضهم كذا، فلا يكون فيه تضاد، انتهى. قلت: واكتفى الشيخ على ثلاثة أقوال تمثيلًا وبيانًا لوجه الجمع، أما الأول فهو في حديث الباب، وأما الثاني فهو في الدر المنثور، أخرج الآثار في ذلك بطرق عن ابن مسعود ومجاهد وابن عباس، وفي البحر المحيط: قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد ووهب وابن زيد حنطة، وأما الثالث فتقدم قريبًا.\n(٢) التذكير باعتبار كل واحد منها.\n(٣) ويؤيد ذلك ما في الدر للسيوطي من رواية مفصلة بلفظ: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا فيصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، الحديث. قلت: ولا يبعد عندي -والله أعلم- أن يحمل على الفرائض أيضًا ويؤول قوله فيعمل مسجدًا على العلامة بالحجارة، فأطلق عليه المسجد مجازًا، ولفظ ابن ماجه فتغيمت السماء، وأشكلت علينا القبلة فصلينا وأعلمنا، فلما طلعت الشمس إذا نحن قد صلينا لغير القبلة، الحديث.","vol":"4","page":65},{"text":"لا في جماعة، فإنهم لو كانوا مصلى فرائض العشاء لأقامهم النبي ﷺ حيث شاء، ولم يحتاجوا إلى ذكر القصة لديه ﷺ، ولا يتصور صلاتهم بغيرهم ﷺ فرضهم وهو فيهم، فلا يورد على الأحناف بأنهم كيف خصصوا (١) منه من صلى وظهره إلى وجه إمامه، فإنهم قالوا بفساد صلاته مع أن الرواية لا تفرق بين أحد منهم.\nقوله [وقال ابن عمر ﵁ في هذا أنزلت] اعلم أن الرواية كثيرًا ما تنسب نزول آية إلى وقعة، والأخرى إلى غيرها، ووجه ذلك كثيرًا ما يكون أن الآية نزلت بعد وقوعهما كلتيهما فصح أن يقال في كل منهما أنها نزلت فيها (٢)\n_________\n(١) ففي الهداية: من أم قومًا في ليلة مظلمة فتحرى القبلة، وصلى إلى المشرق، وتحرى من خلفه فصلى كل واحد منهم إلى جهة وكلهم خلفه ولا يعلمون ما صنع الإمام اجزأهم لوجود التوجه إلى جهة التحرى، وهذه المخالفة غير مانعة كما في جوف الكعبة، ومن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته، وكذا لو كان متقدمًا على الإمام، انتهى. قلت: ولو حمل الحديث على الفريضة كما ذكرته احتمالًا فلا يشكل عندي على الحنفية لأن صلاتهم على جهات مختلفة لا تستلزم التقدم على الإمام، بل يجوز أن يكونوا كلهم خلفه، ومع ذلك صلوا إلى جهات مختلفة، وأكثر ما يلزم حينئذ أن يكون ظهر بعضهم إلى ظهر الإمام، ولا خلاف فيه للحنفية، إنما خلافهم فيما إذا صار ظهر المأموم إلى وجه الإمام المستلزم لتقدمه عليه، فتأمل.\n(٢) هذا هو المعروف عند المفسرين، قال السيوطي في الإتقان: الحال الخامس أن يمكن نزولها عقيب السببين أو الأسباب المذكورة بأن لا تكون معلومة التباعد فيحمل على ذلك، مثاله ما أخرجه البخاري عن ابن عباس نزول آية اللعان في هلال بن أمية، وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد نزولها في قصة عويمر، وجمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادق مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا، وإلى هذا جنح النووي وسبقه الخطيب فقال: لعله اتفق لهما ذلك في وقت واحد، وقال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":66},{"text":"أو يكون المعنى استخراج (١) حكم هذه الواقعة من هذه الآية، لا أنها نزلت فيها حقيقة. فمعنى فيها أنزلت على هذا التقدير انطباق الآية عليها، أو المعنى فيها وفي أمثالها.\nقوله [هي منسوخة نسختها قوله إلخ] أي أبطلت عمومها الذي يوهم (٢)\n_________\n(١) وبذلك جزم جماعة من السلف، قال ابن تيمية: قولهم نزلت في كذا يراد به تارة سبب النزول، وتارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية كذا، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: نزلت في كذا، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب= =الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند، وقال الزركشي في البرهان: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها، كذا في الإتقان.\n(٢) لعل الشيخ رحمه الله تعالى احتاج إلى لفظ يوهم لما أن ظاهر كلام قتادة لو حمل على العموم يدل على عدم تعيين القبلة في أول الزمان، بل يصلي من شاء إلى أي جهة شاء ولم يعرف زمان فيما مضى تكون القبلة فيها بهذا العموم فلذا أوله الشيخ بهذا الكلام، واختار هذا التوجيه لبقاء حكمه في بعض= =الصور كالمعذور ومن اشتبهت عليه القبلة، وحمل أهل التفسير قول قتادة على ظاهره فنسبوا إليه هذا، ففي البحر المحيط: قال الحسن وقتادة: أباح لهم في الابتداء أن يصلوا حيث شاءوا فنسخ ذلك، انتهى. والظاهر عندي أن من نسب إلى قتادة ذلك أخذه بقوله: إنها منسوخة، ولم يكن غرضه العموم. بل كان غرضه ما في الدر برواية ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أن النبي ﷺ قال: إن أخا لكم قد مات -يعني النجاشي- فصلوا عليه، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم، فأنزل الله ﴿وإنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية. قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والْمَغْرِبُ﴾ الآية، فالظاهر عندي أن غرض قتادة أنه كان في أول الإسلام من كان يصلي إلى غير القبلة لعدم العلم بالمسألة أو لعارض آخر كانت صلاته معتبرة، فتأمل فإني لم أجده في كلام أحد.","vol":"4","page":67},{"text":"أن يصلي كل رجل قادرًا أو غيره إلى أي جهة شاء، وليس المعنى أنه كان قبل ذلك كذا ثم نسخ، وهذا المقام واجب المراجعة بعد.\nقوله [فثم وجه الله إلخ] ليس المعنى تفسير لفظ الوجه بالقبلة فإن القدماء كانوا متحاشين عن التأويل في أمثال تلك الأقاويل، بل كانوا يقولون: له وجه، ويد، واستواء، إلى غير ذلك، ولا ندري كيف هو، بل المراد بذلك أن القبلة في هذا الوقت إنما هي جهة التوجه بهذه الآية، يعني أن الآية حاكمة بجواز الصلاة ولا يعلم حكمه إلا بهذه. قوله [فيقال من شهودك] علم أن (١) القاضي لا يحكم بعلمه\n_________\n(١) وبذلك قالت الحنفية في الحدود المتعلقة بحقوق الله خاصة بلا خلاف بين أصحابنا، وفي غيرها خلاف بين الإمام وصاحبيه، والمعتمد عند المتأخرين المنع مطلقًا، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو المرجح عند المالكية، وعند الشافعية فيه أقوال، والمرجح أنه لا يجوز في الحدود ويجوز في غيرها، وبسط الخلاف في ذلك في شروح البخاري حتى ذكر الحافظ في المسألة سبعة أقوال للعلماء.","vol":"4","page":68},{"text":"بل يقضي بالشهادة. قوله [ويكون الرسول إلخ] فكان النبي ﷺ مزكيًا، وهذا (١) على أحد التفاسير.\nقوله [كيف بإخواننا إلخ] منشأ السؤال مع أن صلاتهم إلى بيت المقدس كان بأمره سبحانه أن كثيرًا من الأمور يعتد بها إذا كان تمامها على وجه المشروعية، فلعل الصلاة إلى الكعبة يكون مما يتوقف عليه الصلاة إلى البيت المقدس، كما أن من فاتته صلاة الفجر فلم يؤدها إلى أن صلى الظهر والعصر وهكذا تبقى هذه الصلوات فاسدة بفساد موقوف، إن أتم الست جازت كلها وإلا لا.\nقوله [وما كان الله ليضيع إيمانكم الخ] فيه إشارة إلى أن العمدة هو الانقياد والتسليم، فكل طاعة هي ائتمار فإنها غير ضائعة بفضل الله.\nقوله [فقالت: بئس ما قلت إلخ] أثبتت أولًا أن الدوام على مباح لم يكن من شأنه ﷺ، وكذلك ما فعله جميع المسلمين فهو واجب، ثم أجابت عن استدلاله\n_________\n(١) ففي البحر المحيط: لا خلاف أن الرسول هاهنا هو محمد ﷺ، وفي شهادته أقوال: أحدها شهادته عليهم انه بلغهم رسالة ربه، الثاني شهادته عليهم بإيمانهم، الثالث يكون حجة عليهم، الرابع تزكيته لهم وتعديله إياهم، قاله عطاء، قال: هذه الأمة شهداء على من ترك الحق من الناس أجمعين، والرسول شهيد معدل مزك لهم، وروى في ذلك حديث، انتهى. وفي الخازن: قوله عليكم شهيدًا يعني عدلًا= =مزكيًا لكم، وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين، ثم ذكر قصة إنكار الأمم عن تبليغ أنبيائهم، وشهادة هذه الأمة، ثم قال: ثم يؤتي بمحمد ﷺ فيسأله عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم، انتهى.","vol":"4","page":69},{"text":"بأن نفى (١) الحرج هاهنا لما كانت الأنصار والمهاجرون تحرجوا من السعي بينهما لما زعموا ذلك من أمر الجاهلية، وأما إثبات أن السعي في أي مرتبة من مراتب الأحكام المشروعة فهذا النص القرآني ساكت عنه، وبين الناس ﷺ والنص الآخر وجوبه، ومعنى الآية أن السعي ليس من أمر الجاهلية كما زعمتم، وإنما هو شريعة قديمة ملة أبيكم إبراهيم، وقال: ﴿إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وانتفت شبهة كونه من أمر الجاهلية، وكان واجبًا كما كان من قبل، والفرق بين قول عائشة ﵂ (٢) وابن عبد الرحمن ﵁ أنها\n_________\n(١) قال الحافظ: محصله أن عروة احتج للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحب بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك، ومحصل جواب عائشة ﵂ أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه مصرحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين، لأنهم توهموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمر في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم، وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر، إلى آخر ما بسطه.\n(٢) هكذا قال العيني تحت رواية البخاري، ولفظها من طريق شعيب عن الزهري عن عروة: ثم أخبرت أبا بكر، فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجلًا من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا ما ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها ممن كان يهل بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله الطواف ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، الحديث. فقال العيني: إن قلت: ما وجه هذا الاستثناء؟ قلت: وجهه أنه أشار به إلى أن الرجال= =من أهل العلم الذين أخبروا أبا بكر بن عبد الرحمن أطلقوا ولم يخصوا بطائفة، وأن عائشة رضي الله تعالى عنها خصت الأنصار بذلك إلخ، وهذا هو الظاهر من كلام الحافظ في الفتح، وبسط في توجيه الروايات الدالة على أنهم تحرجوا في الإسلام، لما أنهم كانوا تحرجوا في الجاهلية أيضًا، وليت شعري ما اضطرهم على ذلك، وما المانع عن التحرج في الإسلام بشيء كانوا تحرجوا به في الجاهلية، فالظاهر عندي أن الفرق بين قول عائشة ﵂ وبين ما سمعه ابن عبد الرحمن هو التغاير، ذكرت عائشة ﵂ نزولها فيمن تحرجوا في الإسلام لتحرجهم في الجاهلية، وكان تحرجهم في الجاهلية لحبهم صنمهم وبغضهم هذين، وكان تحرجهم في الإسلام للبغض الطبعي المركوز فيهم من زمان الجاهلية، وعدم الذكر في القرآن، وسمع أبو بكر نزولها في من تحرجوا في الإسلام لكونه من شعائر الجاهلية أو عدم الذكر في القرآن، ثم لما سمع أبو بكر قول عائشة فرح بذلك لزيادة العلم، وعموم الآية فريقًا لم يسمع حالهم قبل ذلك، ويظهر هذا المعنى من كلام البيهقي، كما ذكره الحافظ احتمالًا، إذ قال: ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين، منهم من كان يطوف بينهما، ومنهم من كان لا يقربهما، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقف عن الطواف وأشار إلى نحو هذا الجمع البيهقي، انتهى. ثم قال العيني: اختلفوا في السعي بين الصفا والمروة على ثلاثة أقوال: أحدها أنه نكن لا يصح الحج إلا به، وهو قول الشافعي ومالك في المشهور عنه، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وإسحاق وأبي ثور لقوله ﷺ: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي، رواه أحمد والدارقطني والبيهقي من رواية صفية بنت أبي شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة بإسناد حسن، والثاني أنه واجب يجبر بالدم، وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومالك في العتبية كما حكاه ابن العربي، والثالث أنه سنة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء وأحمد في رواية، انتهى.","vol":"4","page":70},{"text":"خصت التحرج بطائفة، وابن عبد الرحمن عم التحرج بالفرقتين كلتيهما من كان يسعى في الجاهلية وغيره.\nقوله [هما تطوع] التطوع (١) هاهنا بمعنى ما زاد على الفرض فيشمل الواجب أيضًا. قوله [نبدأ بما بدأ الله] والترتيب لم يفهم بالواو، وإلا لما احتيج إلى قوله ذلك بل كانت (٢) الأصحاب فهموا الترتيب، ولما لم يفهموا علم منه أن الواو ليست للترتيب، وإنما قدمه النبي ﷺ لعلمه وجوب تقديمه على المروة بفعل هاجر على الأنبياء وعليها السلام، أو بوحي غير متلو، والوجوب نسبة إلينا ثابت بقوله ﷺ: نبدأ بما بدأ الله به، وفي رواية (٣) ابدأوا بما بدأ الله به، وأما الآية فغاية ما يفهم منها في ذلك اهتمام بشأن الصفا نسبة إلى مروة، وشرف له عليه، وأما وجوب تقديمه فلا.\n_________\n(١) لو سلم كونه بمعناه المعروف فأثر صحابي يخالف ما تقدم من المرفوع، والظاهر أنه ﵁ استنبطه من قوله تعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ كما يدل عليه ظاهر السياق، والمراد به عند الجمهور التطوع بالحج أو العمرة، فإن التطوع بالسعي لم يشرع.\n(٢) عطف على (لما) يعني لم يحتاجوا إلى قوله ﷺ، بل فهموا الترتيب من لفظ الواو.\n(٣) ففي الدر للسيوطي: أخرج مسلم، والترمذي، وابن جرير، والبيهقي في سننه، عن جابر ﵁: قال: لما دنا رسول الله ﷺ من الصفا في حجته قال: \"إن الصفا والمروة من شعائر الله\" ابدأوا بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، الحديث.","vol":"4","page":72},{"text":"قوله [ولكن أنطلق فأطلب لك] الظاهر أنها أرادت الاستدانة عليه، ولذلك انتظرت قدومه لما أن الاستدانة عليه لم يكن لها بدون إذنه، ولو أخذت كان الأداء عليها لا عليه، فلعله كان يصوم بدونه، ولو كان عندها شيء من طعام غير مهيأ للأكل لما انتظرت في إعداده إلى أن هجمت الليل، وما يتوهم من أنها لعلها أرادت المهيأ للأكل، وقد كان عندها من الطعام ما ليس كذلك، فيخدشه أنها مع علمها بصوم زوجها كيف تراخت في ذلك حتى كان من الأمر ما كان، وإن كان التفصى عنه يمكن بأنها لم تبدر إلى ذلك لرجائها أن يأتي زوجها من التمرات (١) أو الثمار إلى غير ذلك مما يكفي كليهما.\nقوله ﴿الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾ أطلق (٢) لفظ الرفث من بين المفطرات الثلاثة\n_________\n(١) قال الحافظ تحت رواية البخاري بلفظ: قال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا! ولكن أنطلق إلخ: ظاهره أنه لم يجئ معه بشيء، لكن في مرسل السدى أنه أتاها بتمر، فقال: استبدلي به طحينًا واجعليه سخينًا، فإن التمر أحرق جوفي، وفيه: لعلي آكله سخنًا، وأنها استبدلته وصنعته.\n(٢) هذا على سياق الترمذي، وهكذا سياق رواية البخاري، قال الحافظ: كذا في هذه الرواية، وشرح الكرماني على ظاهرها، فقال: لما صار الرفث، وهو الجماع هاهنا حلالًا بعد أن كان حرامًا كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فزحوا بنزولها، وفهموا منها الرخصة، هذا وجه مطابقة ذلك لقصة أبي قيس، قال: ثم لما كان حلهما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحًا، ثم قال: أو المراد من الآية هي بتمامها، قال الحافظ: وهذا هو المعتمد، وبه جزم السهيلي، وقال: إن الآية بتمامها نزلت في الأمرين معًا، وقدم ما يتعلق بعمر لفضله، قال الحافظ: وقد وقع في رواية أبي داؤد: فنزلت ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ ففرح المسلمون بذلك، انتهى. قلت: ولا يبعد أن الراوي قدم قوله: ففرح المسلمون إشارة إلى أن الفرح بنزول أول الآية كان أكثر لما أن= =الاحتياج إليه أشد، فإن الرجل طالمًا لا يسهل عليه الجماع قبل العشاء أو قبل النوم لعدم القدرة على التخلية، بخلاف الأكل والشرب، كما لا يخفى.","vol":"4","page":73},{"text":"ليعلم حكم الباقين، وهو الأكل والشرب بطريق الأولى، بخلاف ما لو كانوا رخصوا بلفظ الأكل أو الشرب لم يكن تناوله الرفث بهذه المثابة.\nقوله [شيئًا لم يحفظه] وفي الحاشية: إنك لعريض القفا، وإن وسادك لعريض، ليس (١) المراد بذلك التعريض بحمقه، فإن شأن خلقه ﷺ كان أرفع\n_________\n(١) قال الخطابي في المعالم: في قوله: إن وسادك لعريض قولان: أحدهما يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوسادة عن النوم لأن النائم يتوسد، أو أراد أن ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبين لك العقال، والقول الآخر أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه عن الوسادة إذا نام، والعرب تقول: فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روى في هذا الحديث: إنك عريض القفا، وجزم الزمخشري بالتأول الثاني، فقال: إنما عرض النبي ﷺ قفا عدي لأنه غفل عن البيان، وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة، وقد أنكر ذلك كثير منهم القرطبي، فقال: حمله بعضهم على الذم له على ذلك الفهم، وكأنهم فهموا أنه نسبة إلى الجهل والجفا وعدم الفقه، وليس الأمر على ما قالوه، لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إن لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذمًا، ولا ينسب إلى جهل، وإنما عنى -والله أعلم- أن وسادك إن كان يغطى الخيطين اللذين أراد الله فهو إذًا عريض واسع، ولذا قال في أثر ذلك: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار، فكيف يدخلان تحت وسادتك، وقوله: إنك لعريض القفا، أي أن الوساد الذي يغطى الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة، وقال ابن المنير: في حديث عدي جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلًا بشرط صحة القصد ووجود الشرط عند أمن الغلو في ذلك، فإنه مزلة القدم إلا لمن عصمه الله ﷿، كذا في الفتح.","vol":"4","page":74},{"text":"من ذلك، بل المراد بهما أن الوساد الذي وسع أن يجعل تحته بياض النهار وسواد الليل ما أعظمه، وكذلك قفا من يجعله تحت رأسه يكون عريضًا لا محالة، فقال النبي ﷺ مطائبة وليس القصد رمية بالخرق (١).\nقوله [وعلى الجماعة إلخ] أي على إحدى (٢) الجماعات من المسلمين فضالة،\n_________\n(١) الخرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق، وألا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور، والحمق كالخرقة، والأخرق الأحمق.\n(٢) وهي أهل الشام، كما في رواية الحاكم ولفظها: عن أسلم أبي عمران مولى بني نجيب قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد الأنصاري، فخرج صف عظيم من الروم، فصففنا لهم صفًا عظيمًا، الحديث. ولفظ رواية أبي داؤد: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، الحديث. قال الشيخ في البذل: وفي رواية بهذا السند عند الطبري: على أهل مصر عقبة عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وفي أخرى له: وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة= =ابن عبيد، فظهر بهذه الروايات المذكورة وغيرها أن عبد الرحمن بن خالد كان أميرًا على الجميع، وأما عقبة وفضالة فكانا أميرين تحت ولاية عبد الرحمن على الجماعة الخاصة، انتهى. وظاهر الحديث أن المراد بالإلقاء في التهلكة ترك الجهاد والإخلاد إلى الراحة، وإصلاح الأموال، وهو أحد الأقوال التسعة التي ذكرها صاحب البحر المحيط في تفسير الآية.","vol":"4","page":75},{"text":"أو على جماعة غير المصريين فضالة، وليس المراد جماعة الروم كما يوهمه المقابلة.\nقوله [فقال يا أيها الناس إنكم إلخ] لما زعم هؤلاء القائلون قوله تعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ عامًا في كل من جر على نفسه حتفًا سواء كان بعد منفعة دينية أو غيرها، رد عليهم مقالتهم تلك، وقال ما حاصله: إن إقامتنا في أموالنا بحيث نترك الغزو والجهاد كان إلقاء الأنفس في التهلكة، فكلما كان هذا شأنه كان مصداقًا للآية ومنهيًا عنه بها، وأما من أهلك نفسه ليعلى كلمة الله، أو ليهلك عدوه، أو يصيب فيهم نكاية، فليس مما زعمتم، وهذا الرجل كان كذلك، فإنه لما دخل فيهم، ووطن نفسه على الموت، فأي بلاء لا يصيبها عليهم، وإذا كان موته بعد إنكائهم أو قتل أحد منهم أو جرح بعضهم لم يكن من هذا القبيل، لأن ذلك أهيب لهم، فإنهم يستدلون بذلك على شدة رغبة أهل الإسلام على الموت فيلقاهم الخور والجبن، فاندفع بذلك ما كانوا يزعمون أنه يموت ميتة حرمة، وهذا الذي اختاره أهل العلم (١) من أن الرجل إذا ألقى نفسه بحيث يستيقن فيه قتله يساغ له ذلك إذا كان ذلك يجلب منفعة دينية معتدة بها.\n_________\n(١) ففي الشامي عن شرح السير: لا بأس أن يحمل الرجل وحده وغن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئًا بقتل أو بجرح أو بهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله ﷺ يوم أحد ومدحهم على ذلك، فأما إذا علم أنه لا ينكى فيهم فلا يحل له أن يحمل عليهم، لأنه لا يحصل= =بحملته شيء من إعزاز الدين، بخلاف نهى فسقة المسلمين عن منكر إذا علم أنهم لا يمتنعون بل يقتلونه، فإنه لا بأس بالإقدام، وإن رخص له السكوت، لأن المسلمين يعتقدون ما يأمرهم به، فلابد أن يكون فعله مؤثرًا في باطنهم بخلاف الكفار، انتهى.","vol":"4","page":76},{"text":"قوله [فاحلق ونزلت هذه الآية] ولما كانت الواو للجمع المطلق صح قوله: نزلت بعد قوله: فاحلق مع أن نزول الآية قبل قوله ﷺ (١) له: احلق.\nقوله [فاحلق راسك وانسك نسيكة] ولما كان الحكم له ذلك وهو معذور ولم يكن الناسي (٢) والجاهل فوقه عذرًا كان الحكم فيهما أيضًا هو التكفير،\n_________\n(١) كما هو ظاهر قوله: لفي أنزلت ولأياى عني كما في حديث الباب، وفي حديث عبد الله بن معقل عند البخاري: نزلت في خاصة وهي لكم عامة، لكن في رواية للبخاري قال: أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم، فأمره أن يحلق. فأنزل الله الفدية، قال عياض: ظاهره أن النزول بعد الحكم، = =وفي رواية عبد الله ابن معقل أن النزول قبل الحكم، قال: فيحتمل أن يكون حكم عليه بالكفارة بوحي لا يتلى، ثم نزل القرآن بذلك، انتهى. هكذا في الفتح.\n(٢) قال ابن نجيم في البحر تحت جماع الناسي: حاصل ما ذكره الأصوليون أن النسيان لا ينافي الوجوب لكمال العقل، وليس عذرًا في حقوق العباد، وفي حقوق الله عذر في سقوط الإثم، أما الحكم فإن كان مع مذكر ولا داعي إليه، كأكل المصلى وجناية المحرم، لم يسقط بتقصيره، بخلاف سلامه في القعدة، وإن كان ليس مع مذكر مع داع إليه سقط كأكل الصائم، وإن لم يكن معهما فكذلك بالأولى، كترك الذابح التسمية، قال: وقدمنا أن الجاهل والعالم والمختار والمكره والنائم والمستيقظ سواء لحصول الارتفاق. انتهى.","vol":"4","page":77},{"text":"وأما العامد فوجوب الكفارة عليه ظاهر، وغاية الفرق (١) بينهما أن المعذور مختار في أي هذه الثلاثة شاءه بخلاف غيره.\nقوله [وهذا أجود إلخ] أي في رواياته في الحج (٢). قوله [الألد الخصم] يناسب (٣) قوله تعالى: ﴿وهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ﴾.\nقوله [ولم يجامعوها في البيوت] بل كن خارج الدور في بيوت علاحدة.\n_________\n(١) ففي البذل عن العيني أنه ﷺ خيره بين الصوم والإطعام والذبح، قال أبو عمر: عامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن العظيم، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور إلى أن التخيير لا يكون إلا في الضرورة، فإن فعل ذلك من غير ضرورة فعليه دم. قال الشيخ: ووجهه أن التخيير في حال الضرورة للتيسير والتخفيف، والجاني لا يستحق التخفيف، انتهى. وقال الحافظ: استنبط من الحديث بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثم قال الشافعي والجمهور: لا يتخير العامد بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، انتهى.\n(٢) وإلا فأحاديثه تبلغ ثلاثين ألفًا، كما في تهذيب الحافظ، فكيف يمكن أن يكون هذا أجود من الكل، وفيها أصح منه كثيرًا.\n(٣) يعني ذكر المصنف هذا الحديث كأنه كالتفسير لقوله عز اسمه: ﴿وهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ﴾ وفسره في الجلالين بشديد الخصومة.","vol":"4","page":78},{"text":"قوله [أفلا تنكحهن في المحيض] وجه بتوجيهين (١): أحدهما أنهم لم سمعوا طعن اليهود أرادوا أن يرخص لهم النبي ﷺ في متاركتهن كمتاركة اليهود، ليكون أسلم من طعنهم، والثاني أنهم استأذنوا في المجامعة المنهية ليكون أنكى فيهم ولتتم المخالفة، والأول أوفق بترتب مجيئهما عند رسول الله ﷺ على طعن اليهود، ومعنى أفلا تنكحهن على التوجيه الأول أفلا نخالطهن وأنترك مخالطتهن، كالذي يستأذن في ترك المخالطة يعني أنفعل يا رسول الله ترك المخالطة، كما يقول المسافر: أتنزلني عندك، وعلى الثاني فظاهر أن معنى النكاح هو الوطى.\nقوله [فتمعز وجه رسول الله ﷺ] وجه الغضب (٢) في الأول ستيذان في موافقتهم مع ما أمروا بالمخالفة، وعلى الثاني استيذان ترك ما وجب عليهم لإتمام مخالفة اليهود.\n_________\n(١) وبالأول جزم القاري إذ فسر ما في المشكاة برواية مسلم بلفظ: أفلا تجامعهن أي نساكنهن، والتقدير ألا نعتزلهن، فلا نجتمع معهن في الأكل والشرب والبيوت، يريد أن الموافقة للمؤالفة، وقيل: لخوف ترتب الضرر، انتهى. وبالثاني جزم الشيخ في البذل إذ فسر حديث أبي داؤد بلفظ: أفلا ننكحهن أي أفلا نطأهن في المحيض ليكمل المخالفة، ثم قال: ما فسره القاري والشيخ عبد الحق في اللمعات أفلا نجامعهن في البيوت يأبى عنه ما في أبي داؤد أفلا ننكحهن، ولعلهما لم يطلعا على هذا اللفظ فقالا ما قالا، انتهى.\n(٢) ويفهم الغضب من التمعر كما ظنه الصحابة، وفي المجمع: تمعر وجهه أي تغير، وأصله قلة النضاره، وعدم إشراق اللون، أخذ من مكان أمعر، وهو الجدب الذي لا خصب فيه، انتهى. وقال المجد: معر وجهه غيره غيظًا فتمعر، انتهى.","vol":"4","page":79},{"text":"قوله [أنه قد غضب] أي رسخ في قلبه الغضب والموجدة عليهم، وإلا فمطلق الغضب كان غير مشكوك فيه، فكيف يقال فيه إنا ظننا ذلك، ثم إن غضبه ﷺ لما لم يكن إلا لأمر شرعي انتفى بتهديدهم والموجدة عليه، فإنه (١) لا شك في أنهم تابوا وندموا على ما سألوه، فكان كما قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له.\nقوله [فاستقبلتهما هدية] أي (٢) فآتاهما حين انحرفا للانصراف.\nقوله [أنى شئتم] أي من أين (٣) شئتم.\n_________\n(١) كما هو المتعين من جلالة شأنهما، ففي الإصابة عن عائشة: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلًا كلهم من بني عبد الأشهل: أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وعباد بن بشر، وفي الصحيح من حديث أنس أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة فأضاءت عصا أحدهما، فلما افترقا أضاءت عصا كل واحد منهما، انتهى.\n(٢) قال القاري: أي استقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلى رسول الله ﷺ، والإسناد مجازي.\n(٣) قيل: أنى بمعنى كيف بالنسبة إلى العزل وتركه، قاله ابن المسيب، فتكون الكيفية مقصورة على هذين الحالين، أو بمعنى كيف على الإطلاق، أي في أي حال شاءها الواطي قائمة أو مضطجعة، أو بمعنى متى، قاله الضحاك، أي في أي زمان شئتم، وقال جماعة من المفسرين: بمعنى أي، والمعنى على أي صفة شئتم، فيكون تخييرًا في الهيئة، أي أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر، وقد وقع ذلك مفسرًا في بعض الأحاديث، وقيل: بمعنى أين فجعلها مكانًا، واستدل به على جواز النكاح في الدبر، وممن روى إباحته محمد بن المنكدر، وعبد الله بن عمر من الصحابة، ومالك، وروى عن ابن عمر تكفير من فعل ذلك وإنكاره، وروى عن مالك إنكاره، سئل عنه= =يزعمون أنك تبيح إتيان النساء في الدبر، فقال: معاذ الله ألم تسمع قوله عز اسمه ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ وأنى يكون الحرث إلا موضع البذر، وروى تحريم ذلك عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابيًا بألفاظ مختلفة كلها تدل على التحريم، وقال ابن عطية: لا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه= =النازلة على زلة عالم، وقال أيضًا: أنى شئتم معناه عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة من أي وجه شئتم، وأنى يجيء سؤالًا وإخبارًا، فهي أعم في اللغة من كيف وأين ومتى، هذا هو الاستعمال العربي، كذا في البحر المحيط مختصرًا منه.","vol":"4","page":80},{"text":"آخر ما عليك] بدل من الأول وبيان له، ومعنى آخر ما عليك إلى آخر الوقت الذي يأتي عليك، وهو الجزء الآخر من أيام حياته.\nقوله [وفي هذا الحديث دلالة إلخ] وهذا غير تام (١) فإن المنع عن\n_________\n(١) وجعله الحافظ من أقوى الأدلة، وقال: هو أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضه معنى، وبسط الشيخ في البذل في مستدلات الحنفية من الكتاب والسنة وغيرهما، وذكر من جملتها قوله عز اسمه: ﴿فَإن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أضاف النكاح إليها فيقتضي تصور النكاح عنها، وقوله عز اسمه ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ أي يتناكحا، فأضاف النكاح إليهما من غير ذكر الولي، وقوله عز اسمه: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ﴾ الآية والاستدلال به من وجهين: أحدهما أنه أضاف النكاح إليهن من غير ذكر الولي، والثاني أنه نهى الأولياء عن المنع عن نكاحهن أنفسهن من أزواجهن، والنهي يقتضي تصوير المنهى عنه، هذا وروى عنه ﷺ: ليس للولي مع الثيب= =أمر، وهذا قطع ولاية الولي عنها، وروى عنه ﷺ: الأيم أحق بنفسها من وليها، إلى آخر ما بسطه، وقال: أجاب الطحاوي عن استدلالهم بهذه القصة بقوله: وكان ذلك عندنا يحتمل ما قالوا ويحتمل غير ذلك أن يكون عضل معقل كان تزهيده لأخته في المراجعة، فتقف عند ذلك، فأمر بترك ذلك، انتهى مختصرًا. وبسط الجصاص في أحكام القرآن في الاستدلال بآية الباب للحنفية، وذكر عدة وجوه للاستدلال، واستدل أيضًا بقوله عز اسمه: ﴿فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ﴾ وقال: فإن قيل: لولا أن الولي يملك منعها عن النكاح لما نهاه عنه كما لا ينهى الأجنبي، قيل له: هذا غلط لأن النهي يمنع أن يكون له حق فيما نهى عنه، فكيف يستدل به على إثبات الحق، وأيضًا فإن الولي يمكنه أن يمنعها من الخروج والمراسلة في عقد النكاح، فجائز أن يكون النهي عن العضل منصرفًا إلى هذا الضرب من المنع لأنها في الأغلب تكون بيد الولي بحيث يمكنه منعها من ذلك. انتهى.","vol":"4","page":81},{"text":"العضل للأولياء لا يستدعى جواز العضل لهم، فإن العضل كما يكون جائزًا في مواضع يكون حرامًا في مواضع، فالمنع عن العضل الذي ليس لهم فيه حق، أفلا ترى آيات الكتاب تنهي عن أمور محرمة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا﴾ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى﴾ ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم﴾ إلى غير ذلك، وأما قوله: لزوجت نفسها (١) ولم تحتج إلخ، ففيه أن امتناعها عن تزويج نفسها لم يكن لاحتياجها فيه إلى أخيها، بل لإرضاء أخيها، وترك ما يسخطه ويؤذيه، وإن\n_________\n(١) وقد زوجت عائشة حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر من المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب، كما في أحكام القرآن.","vol":"4","page":82},{"text":"كانت مختارة فيه محبة (١) هاوية له، أفلا ترى قوله تعالى: ﴿أَن يَنكِحْنَ﴾ حيث نسبه إلى النسوة أنفسها، ولم يقل: ولا تعضلوهن أن تنكحوهن، ثم قوله مع رضائهن يرد عليه مقاله، فإن الولي لما كان مستبدًا بذلك أولى بها من نفسها، فأي فاقة بعد ذلك في تزويجها إلى رضاها، فعلم أن العضل ليس حقًا تستحقه الأولياء عليهن إلا إذا أردن تزويج أنفسهن حيث يكون عارًا على الأولياء، بأن يكون في غير كفو أو بأقل من مهر مثلها، وأما في غير ذلك فلا.\nقوله [والصلاة الوسطى وصلاة العصر] كان تفسيرا بإعادة (٢) حرف\n_________\n(١) بصيغة اسم الفاعل عطف على مختارة بحذف العاطف، أو خبر ثان، ويحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا بنزع الخافض، أي لأجل محبة له.\n(٢) جواب عما يرد على الجمهور، وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا في المراد بالصلاة الوسطى على اثنين وعشرين قولا ذكرت في الأوجز، والمشهور منها ثلاثة، قول مالك والشافعي أنها الصبح، وقول بعض الصحابة والتابعين أنها الظهر، وهي رواية عن أبي حنيفة، وقول جمهور الصحابة والتابعين أنها الظهر، وهي رواية عن أبي حنيفة، وقول جمهور الصحابة والتابعين أنها العصر، وبه قالت الحنفية وأحمد وداؤد، إلى آخر ما بسط في الأوجز، وأورد على هذا القول الثالث بحديث الباب، قال ابن عبد البر: ثبوت الواو الفاصلة التي لم يختلف في ثبوتها في حديث عائشة يدل على أنها ليست الوسطى، قال الباجي: لأن الشيء لا يعطف على نفسه، انتهى. وأشار الشيخ إلى جواب هذا الإيراد بأن قوله: وصلاة العصر تفسير لقوله: والصلاة الوسطى، فالواو الثانية بمقابلة الأولى، وهذا لطيف جدًا، أجيب عنه أيضًا بأن العطف التفسيري معروف عند النحاة، هذا وقد روى عن عائشة بلفظ: وهي صلاة العصر بعدة طرق مذكورة في الأوجز.","vol":"4","page":83},{"text":"العطف، يعني أنه تفسير لقوله: والصلاة الوسطى لا للصلاة الوسطى فقط، لكن (١) عائشة فهمت ذلك قراءة. قوله [عن زيد بن أرقم إلخ] فيه دلالة على أن الكلام في الصلاة إنما نسخ في المدينة، فإن زيد بن أرقم (٢) لم يكن في مكة.\nقوله [بالقنو والقنوين فيعلقه] فيه دلالة (٣) على تعليق المراوح في المساجد لما أنها ليست بأقل نفعًا من القنو مع ما في القنو من الشغل والتلويث ما ليس\n_________\n(١) استدراك من قوله كانت تفسيرًا وجواب عن إشكال آخر، وهو أن عائشة كيف أمثلته في القرآن، وأجيب أيضًا بأن إملاءها كان أيضًا على سبيل التفسير، وورد في الروايات أنها كانت أولًا في القرآن ثم نسخت، كما أخرجه مسلم وغيره من حديث البراء.\n(٢) قال العيني: الكلام في الصلاة كان مباحًا ثم حرم، واختلفوا متى حرم؟ فقال قوم: بمكة، واستدلوا بحديث ابن مسعود ورجوعه من عند النجاشي بمكة (وتقدم الجواب عنه في الصلاة) وقال آخرون: بالمدينة بدليل حديث زيد بن أرقم، فإنه من الأنصار أسلم بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، وروى الطبراني من حديث أبي أمامة: كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يومًا فدخل في الصلاة، فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعًا، لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما بالمدينة، انتهى مختصرا.\n(٣) لله در الشيخ ما أدق نظره، ويدخل فيما استنبطه تعليق الساعات، فإن الاحتياج إليها لإقامة الصلاة وتكثير الجماعة أشد من الاحتياج إلى المراوح.","vol":"4","page":84},{"text":"في المروحة. قوله [فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها إلخ] هذا نسخ بحسب (١) اصطلاح المحدثين، فإنهم يسمون كل تخصيص وتفسير وبيان إلى غير ذلك نسخًا، فإن الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية ليس بشامل هواجس النفس وخطراتها حتى ينسخ ذلك بالآية الثانية، بل المراد بما تخفوه هو المرتبة المسماة بالعزم (٢) الذي يؤاخذ العبد عليها كما أن يكمن\n_________\n(١) قال صاحب المدارك: المحققون على أن النسخ يكون في الأحكام لا في الأخبار، وقال الحافظ: المراد بقوله نسختها، أي أزالت ما تضمنته من الشدة، وبينت أنه وإن وقعت المحاسبة به، لكنها لا تقع المؤاخذة به، أشار إلى ذلك الطبري فرارًا من إثبات دخول النسخ في الأخبار، وأجيب بأنه وإن كان خبرًا لكنه يتضمن حكمًا، ومهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمن حكمًا، كالأخبار عما مضى من أحاديث الأمم، ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ في الحديث التخصيص، فإن المتقدمين يطلقون لفظ النسخ عليه كثيرًا، والمراد بالمحاسبة بما يخفي الإنسان ما يصمم عليه ويشرع فيه، دون ما يخطر له ولا يستمر عليه، انتهى.\n(٢) قال صاحب المدارك: لا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، لكن ما اعتقده عزم عليه، والحاصل أن عزم الكفر كفر، وخطرة الذنوب من غير عزم معفوة، وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور، فأما إذا= =هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره، فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله، أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا، وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا؟ قيل: لا، لقوله ﵊: إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به، والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم، وأن المؤاخذة في العزم ثابتة، وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ﴾ الآية، وعن عائشة: ما هم العبد بالمعصية من غير عمل يعاقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا، انتهى.","vol":"4","page":85},{"text":"رجل في نفسه يقتل فلانًا، ويفكر لذلك تدبيرًا، فإنه مأخوذ على ما عقد عليه قلبه من ذلك، وأما من يوسوس قلبه أن يزني فلانة الأجنبية وهو مع ذلك يرد هذا الخاطر عن نفسه، ويشتغل بما يشغله عن وسوسة تلك، فهو غير مأخوذ عليها، هذا ويخدشه أن الصحابة بأسرها كيف خفى عليهم ذلك، كيف وفيه (١) أنه دخل قلوبهم منه شيء، ثم إن النبي ﷺ كيف لم يبين لهم المراد، بل بين لهم (٢) في ذلك ما يحقق المؤاخذة على الهواجس، وكون الآية أريد بها الوساوس، ومما يخطر\n_________\n(١) كما هو نص الروايات الكثيرة في الباب، منها ما في حديث علي عند المصنف: لما نزلت هذه الآية أحزنتنا، وما في حديث ابن عباس عنده: دخل قلوبهم منه شيء لم يُدخل من شيء. وفي الدر برواية ابن جرير وغيره عن ابن عباس، قال: لما نزلت ضج المؤمنون ضجة، وقالوا: يا رسول الله، هذا نتوب من عمل اليد، والرجل، واللسان، كيف نتوب من الوسوسة، كيف تمتنع منها؟ فجاء جبرئيل بهذه الآية ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا﴾ الحديث.\n(٢) كما هو ظاهر حديث ابن عباس المذكور، ونص حديث عائشة في المعاتبة، ويدل عليه الروايات الصريحة وسيأتي بعضها قريبًا.","vol":"4","page":86},{"text":"بالبال -والله أعلم بحقيقة الحال- أن فهم المعنى العام من كلمة (تخفوه) ليس ببعيد، فإن كل أمر وقع في قلب رجل فهو يصدق عليه أنه مما أخفاه على التبادر، وإن كان النظر إلى نسبة الفعل إليه ينفي هذا العموم، ثم إيراد الخدشة بأنه ﵇ كيف لم يبين لهم مراد الآية حتى يرجعوا عما هم عليه، فلعله ﷺ مع علمه بمعنى الآية الذي هو مراده تعالى إنما أرشدهم التسليم (١) والسمع والطاعة، تمرينًا لأصحابه على الانقياد، وتدريبًا لهم بامتثال أمر رب العباد حتى يكونوا منقادين لما كلفوا وإن كان من قبيل ما لم يطيقوه،\n_________\n(١) كما هو ظاهر حديث ابن عباس عند المصنف، وأوضح منه ما في الدر برواية أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿وإن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله= =ﷺ ثم جثوا على الركب، فقالوا: يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم ﴿سَمِعْنَا وعَصَيْنَا﴾ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، الحديث، وبرواية الفريابي وعبد بن حميد وغيرهما، عن محمد بن كعب القرظي، قال: ما بعث الله من نبي، ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية ﴿وإن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ الآية فكانت الأمم تأبى على أنبيائها ورسلها ويقولون: نؤاخذ بما يحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟ فيكفرون ويضلون، فلما نزلت على النبي ﷺ اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم، فقالوا: يا رسول الله أنؤاخذ بما تحدث به أنفسنا، ولم تعمله جوارحنا؟ قال: نعم! فاسمعوا وأطيعوا واطلبوا إلى ربكم، الحديث.","vol":"4","page":87},{"text":"وإن كان مثل هذا التكليف جائزًا غير واقع، ثم قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا﴾ على هذا التقدير تفسير وبيان لما أراده في قوله: ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾، وليس تحقيقًا مسقطًا لحكم آخر، وقوله (١): ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ﴾ مدح لهم على الائتمار والامتثال مع ما علموا أن القيام به شديد، هذا ما ظهر لي في ما يتعلق بالمرام، ولا أدري أصحيح هو أم فيه سقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>[من سورة آل عمران]</span>\n\nقوله [فقال رسول الله ﷺ: إذا رأيتم الذين إلخ] يعني أنه فسر الآية أولًا وبين معانيها (٢)، ثم قال ذلك، لا أنه اقتصر في الجواب عنها على هذا القدر\n_________\n(١) ففي البحر المحيط عن ابن عطية: سبب نزول الآية أنه لما نزل ﴿وإن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ الآية أشفقوا منها، ثم تقرر الأمر على أن قالوا: سمعنا وأطعنا، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، فمدحهم الله وأثنى عليهم، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم، وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء، ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى، كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك، وتحميلهم المشقات من الذلة، والمسكنة، والجلاء، إذ قالوا: سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد، أعاذنا الله ﷿ من نقمه، انتهى.\n(٢) لعل المراد ما في الدر عن ابن عباس قال: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه وما يؤمن به، والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به، ولا يعمل به، وغير ذلك من الآثار، وقال الطبري: قيل إن هذه الآية نزلت في الذين جادلوا رسول الله ﷺ في أمر عيسى، وقيل: في أمر مدة هذه الأمة، والثاني أولى لأن أمر عيسى قد بينه الله لنبيه فهو معلوم لأمته، بخلاف أمر هذه الأمة فإن علمه خفى عن العباد، وقال غيره: المحكم من القرآن ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه، وقيل: المحكم ما عرف المراد إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور، وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخر غير هذه نحو العشرة، كذا في الفتح، قال الحافظ: ما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب، وذكر الأستاذ أبو منصور أن الأخير هو الصحيح عندنا، وابن السمعاني أنه أحسن الأقوال، انتهى.","vol":"4","page":88},{"text":"فقط، وكانت هذه طريقة القدماء (١) وهي أسلم الطرق، ثم إن المخالفين لما طعنوا فيه، وقالوا: باشتمال كتابه تعالى على ما ليس له معانَ محصلة بين المتأخرون (٢) لها تأويلات لا على تعيين مراده ﷾ بها هذه، بل بمعنى أنه يمكن أن يراد ذلك وهذا ليس بمنهى عنه، وأما ما يقال من أنها إذا حملت على هذه التأويلات الصحيحة في أنفسها لمطابقة الأصول الشرعية لم تبق من المتشابهات بل صارت محكمات، فهو جار في أمثال وجه الله، ويد الله، ووجهة، وأما في\n_________\n(١) يعني عدم ابتغاء تأويله مع الإيمان بأحقية ما أراد الله به.\n(٢) ففي هامش نور الأنوار: اعلم أن المتأخرين لما عاينوا فساد الزمان لحمل بعض الملاحدة آيات الصفات على ظاهر معانيها التي يلزم منها الجهة والمكان أفتوا بجواز تأويلاتها، فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي قدرة الله فوق قدرته، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ أي ذات الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي استولى، وقس على هذا، هذا ملخص ما في التفسير الأحمدي، انتهى.","vol":"4","page":89},{"text":"المقطعات فلو جرى هذا التأويل أيضًا لم يبق للمتشابه مصداق إلا أن يقال: قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ مثلا هذا إذا أخذ للوجه معناه المعروف فالآية حينئذ من المتشابه، وإذا أخذ بمعنى علم الله وسطوته أو غيرهما من آثار علمه وقدرته فهو ليس بمتشابه، فعلى هذا يبقى مصداق للمتشابهات أيضًا، ولكن يخدشه أن الله ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وهذا التقسيم بظاهره ينفي أن يكون المتشابه هو المحكم بحيثية أخرى، وإن كان التفصى عن الخدشة يمكن بما نقول من أن الآية لا تدل إلا على أن المتشابهات هي مغائرة عن المحكمات، وأما كون تلك المتشابهات محكمات أيضًا باعتبار جهات أخرى فليس في الآية دلالة على نفيه، فكان حاصل التقسيم أن الكتاب بعضه محكم صرف، وبعضه محكم ومتشابه، ولكنه عبر عن هذا الأخير بلفظة المتشابه، لما أن المقصود منعهم عن الوقوع في الفتنة بابتغاء تأويله المعين الذي استأثر الله بعلمه، فنحن نقول في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وفي أمثاله من الآيات: إن الذي أراد الله سبحانه باليد حق، لكن لا تعلم كيفيته ولا مصداقه، ثم بعد هذا التسليم والإيمان بمراده تعالى به كائنًا ما كان نقول: إن اليد يمكن أن يكون معناها في الآية هي القوة، والآية بهذا المعنى لا تبقى من المتشابهات، فافهم فأنه عزيز.\nقوله [فإذا رأيتيهم] بياء مزيدة. قوله [فاعرفوهم] أي فاعرفوهم لتحذروهم وتتقوهم، أو المعنى فاعرفوهم أنهم الذين سماهم الله في الآية.\nقوله [إن لكل نبي ولاة إلخ] الولاية هاهنا هي الموافقة بينهما والمناسبة لمناسبة بين شرائعها، ولما كان النبي ﷺ متمما ملة (١) إبراهيم حنيفًا وقائمًا عليها كانت ولايته به أظهر من أن يخفى.\n_________\n(١) قال البيضاوي: لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم بالأصالة، انتهى.","vol":"4","page":90},{"text":"قوله [إذن يحلف فيذهب بمالي] وقد ورد التصريح في بعض الروايات أنه ﷺ قال للأشعث: ليس لك إلا ذلك (١) فعلم أن السبيل في مثله هي اليمين لا غير، ولا شيء على اليهود أو النصارى إذا لم يكن للمدعى شاهد إلا تحليفهم\n_________\n(١) فقد روى أبو داؤد من حديث علقمة بن وائل عن أبيه، قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله ﷺ، فقال الحضرمي، الحديث، وفيه قال: فلك يمينه، قال: يا رسول الله إنه فاجر لا يبالي ماحلف عليه، ليس يتورع من شيء، فقال رسول الله ﷺ: ليس لك منه إلا ذاك، وفي رواية البخاري قال الأشعث: لفي نزلت، كان بيني وبين رجل خصومة في شيء فاختصمنا إلى النبي ﷺ فقال: شاهداك أو يمينه، الحديث، ففي الحصر حجة لما قاله الشيخ، وقد ورد في أحاديث القسامة: تحلف يهود، وهكذا في غير واحد من الروايات، وفي الهداية: إذا صحت الدعوى سأل القاضي المدعى عليه عنها لينكشف وجه الحكم، فإن اعترف قضى عليه بها، وإن أنكر سأل المدعى البينة، وإن أحضرها قضى بها، وإن عجز عن ذلك وطلب يمين خصمه استحلفه عليها، ثم قال: ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى ﵇، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ﵇. لقوله ﷺ لابن صوريا: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أن حكم الزنا في كتابكم هذا، انتهى. وفي تكملة الفتح: وفي المبسوط أن الحر والمملوك، والرجل والمرأة، والفاسق والصالح، والكافر والمسلم، في اليمين سواء، لأن المقصود هو القضاء بالنكول، وهؤلاء في اعتقاد الحرمة في اليمين الكاذبة سواء، كذا في النهاية ومعراج الدراية.","vol":"4","page":91},{"text":"صدقوا أو كذبوا. قوله [ولو استطعت أن أسره إلخ] هذه معذرة (١) لإعلانه صدقته مع أن صدقة السر أربى وأزهى.\nقوله [الشعث التفل] فكلما كان الشعث والتفل أطول (٢) كان أزيد، وكلما كانا أزيد وأطول كانت المثوبة أعظم، وزيادة الشعث بزيادة مدة الإحرام أو ببعد المسافة بينه وبين مكة، وكان هذا السؤال لا يفيد جوابًا فيما إذا تساويا (٣) مسافة وإحرامًا حتى يعلم فضل الحج نفسه على الحج، فسأله الآخر عن ذلك ليعلم فضل الحج على الحج من حيث ذاته مع قطع النظر عما يوجبه طول المسافة وبعد المدة، فقال: أي الحج أفضل.\n_________\n(١) يعني أن الأسرار بصدقة البستان كان مما لا يمكن فاضطر إلى إعلانه، ولو قدر على الأسرار بها لم يعلن بها.\n(٢) وطول الشعث والتفل يكون بمقدار طول مدة الإحرام، فكلما يطول مدة الإحرام يطول مدتهما أيضًا كما لا يخفى.\n(٣) أي الرجلان، يعني إذا تساوى إحرام الرجلين باعتبار الزمان والمكان فلا يعلم فضل حج أحدهما على حج الآخر بشيء، فسأل فضل نفس الحج من حيث هو هو بدون اعتبار طول الإحرام أو بعد المسافة، وقال القاري: قوله أي الحج أفضل؟ أي أي أعماله أو خصاله بعد أركانه أكثر ثوابًا، قال: العج والثج بتشديدهما، والأول رفع الصوت بالتلبية، والثاني سيلان دماء الهدى، وقيل: دماء الأضاحي، قال الطيبي: ويحتمل أن يكون السؤال عن نفس الحج ويكون المراد ما فيه العج والثج، وقيل: على هذا يراد بهما الاستيعاب لأنه ذكر أوله الذي هو الإحرام، وآخره الذي هو التحلل بإراقة الدم، اقتصارًا بالمبدأ والمنتهى عن سائر الأفعال، أي الذي استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات، انتهى.","vol":"4","page":92},{"text":"قوله [ما السبيل يا رسول الله] أي ما أراد الله بقوله في كتابه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقال النبي ﷺ: [الزاد والراحلة] والنص دال على أداء ما وجب عليه بالطريق الأولى (١) وإلا لم يتركه الغرماء أن يذهب دون أداء حقوقهم، ومن هاهنا قلنا: إن الحاج يجب عليه نفقة عياله (٢) إلى حين معاده، وإن لم يكن عنده قدر إيتائهم وأخذه (٣) معه لم يجب عليه، وكذلك لا يجب عليه الحج (٤) إن وجد مالا في أيام، ثم لما جاء موسم\n_________\n(١) أي بطريق الأولوية ودلالة االنص.\n(٢) ففي الدر المختار في شروط الحج: ملك زاد وراحلة فضلًا عما لابد منه، وعن نفقة عياله مما تلزمه نفقته لتقدم حق العبد، قال ابن عابدين: قوله لتقدم حق العبد أي على حق الشرع، لا تهاونا بحق الشرع، بل لحاجة العبد وعدم حاجة الشرع، ألا ترى أنه إذا اجتمعت الحقوق وفيها حق العبد يبدأ بحق العبد لما قلنا، ولأنه ما من شيء إلا ولله تعالى فيه حق، فلو قدم حق الشرع عند الاجتماع بطل حقوق العباد، وأما قوله ﷺ: فدين الله أحق، فالظاهر أنه أحق من جهة التعظيم لا من جهة التقديم، ولذا قلنا: لا يستقرض ليحج إلا إذا قدر على الوفاء، انتهى.\n(٣) عطف على الإيتاء أي قدر أخذه إياهم معه، فالمفعول محذوف، والضمير المجرور للفاعل، والمعنى ليس عنده مقدار النفقة لهم لغيبته ولا مقدار نفقة سفرهم لو أخذهم معه، وعلى هذا المفعول إياهم، ويحتمل أن يكون المعنى ليس عنده مقدار النفقة بحيث يأخذ النفقة معه ويعطيهم أيضًا، وعلى هذا فمفعول الأخذ النفقة أي ليس عنده مجموع ما يأخذ لنفسه، ويعطيهم لغيبته.\n(٤) ففي شرح اللباب: السابع من شرائط الوجوب الوقت، وهو أشهر الحج أو وقت خروج أهل بلده إن كانوا يخرجون قبلها، فلا يجب إلا على القادر فيها أو في وقت خروجهم، فإن ملك المال قبل الوقت أي قبل الأشهر أو قبل أن يتأهل أهل بلده فهو في سعة من صرف المال حيث شاء ولا حج عليه، أي وجوبًا لأنه لا يلزمه التأهب في الحال، وإن ملكه في الوقت فليس له صرفه إلى غير الحج، فلو صرفه لم يسقط الوجوب عنه.","vol":"4","page":93},{"text":"المسير إلى مكة أفلس، والمعتبر هي أيام يكثر فيها ذهاب أهل بلده، وتفسير النبي ﷺ السبيل بالزاد والراحلة يوجب أن الشرائط الأخر التي ذكرها العلماء كأمن الطريق، ووجود محرم للمرأة، إنما هي شرائط أداء الحج (١)، وليست شرائط وجوبه، أي شرائط وجوب الأداء لا شرائط نفس الوجوب، فيجب عليه وعليها الإيصاء بأن يحج عنه إذا لم يحجا بهذين العذرين.\nقوله [كلاب النار] أي هؤلاء كلاب النار، وكانوا من الخوارج، خير قتلى من قتله الخوارج، ودفع بالجملتين ما عسى أن يتوهم من كونهم مسلمين أن من قتلهم يكون آثمًا، ومن قتلهم الخوارج فإنه لا أقل من (٢) أن لا يكون شهيدًا، لكونهم قتلوا بأيدي المسلمين.\nقوله [أنتم تتمون سبعين أمة] يعني أن لفظة أمة في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ليست للوحدة بل المراد بها جنس الأمم (٣).\nقوله [كيف يفلح] لما كانت هذه الكلمة ظاهرة في إهلاكهم وكذلك ما\n_________\n(١) كما تقدم في أبواب الحج.\n(٢) بيان للتوهم يعني أن الجملة الثانية دفعت توهم كونهم غير الشهداء.\n(٣) وهذا على أحد التفاسير ويؤيده حديث الباب، وقيل: المراد بالخطاب جماعة خاصة من الصحابة، وقيل: المهاجرون، فيكون المراد بالأمة في الآية هذه الأمة خاصة، وقيل غير ذلك، كما بسط في البحر المحيط.","vol":"4","page":94},{"text":"ورد في الحديث الآتي بعد هذا من دعائه ﷺ عليهم، وكان أكثرهم قدر له الإيمان نهى الله ﵎ نبيه وخليله عن ذلك، ومن هاهنا يعلم أن كل دعوات نبي كائنًا من كان لا ينبغي أن يكون ظهورها حسب ما سأل.\nقوله [ما من رجل يذنب ذنبًا إلخ] لما ثبت بالآية أن ذكر الله تعالى بعد ارتكاب الإثم والاستغفار منه موجب للمغفرة، وأدنى الذكر هو الندم إذا تذكر عظمته سبحانه مع شدة افتقاره إليه في كل أموره، وكثرة نعمه إليه في حزنه وسروره، بين النبي ﷺ أعلى أقسام الذكر، فإن العبد أقرب ما يكون إلى الله إذا سجد، فلما كان كذلك يكون استغفاره بعد صلاته مثمرًا ما له من البركات وآثار الخير.\nقوله [غشينا] على زنة المجهول أي غشينا النعاس، والنوم (١) لا شك\n_________\n(١) قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان، وفائدة كون النعاس أمنة في الله، وفي الصلاة من الشيطان، وفائدة كون النعاس أمنة في القتال أن الخائف على نفسه لا يأخذه النوم، فصار حصول النوم وقت الخوف الشديد دليلًا على الأمن وإزالة الخوف، وقيل: إنهم لما خافوا على أنفسهم لكثرة عددهم وعددهم، وقلة المسلمين وقلة عددهم وعددهم، وعطشوا عطشًا شديدًا، ألقى عليهم النوم حتى حصلت لهم الراحة وزال عنهم الكلال والعطش، وتمكنوا من قتال عدوهم، وكان ذلك النوم نعمة في حقهم لأنه كان خفيفًا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم، وقدروا على دفعه عنهم، وقيل في كون هذا النوم كان أمنة من الله: إنه وقع عليهم النعاس دفعة واحدة فناموا كلهم مع كثرتهم، وحصول النعاس لهذا الجمع العظيم مع وجود الخوف الشديد أمر خارج عن العادة، قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجزة لأنه أمر خارق للعادة، هكذا في الخازن.","vol":"4","page":95},{"text":"أنه يذهل الحالة الأولى، ويورث كيفية دون الكيفية السابقة، وإنما لم يرسل إليهم النوم بل النعاس الذي هو أوله وكالمقدمة، لئلا يهجم العدو فيستأصلهم.\nقوله [فقال بعض الناس لعل إلخ] ولم يكن هذا القول (١) من قائله نسبة للغلول إليه ﵇، وإلا لكان كفرًا، بل ظنوا أنه ﵇ أخذها في حقه فانه ﵇ كان له الصفى وخمس الغنيمة، ولكن الله ﵎ عبره بلفظ الغلول لكونه مثله صورة، أو لما أنه بعيد عنه ﵇، وداخل عنده في الغلول، وإن لم يكن منه حقيقة، أو لما أن هذا الأخذ كان سببًا للغلول، فإنه ﷺ لو كان أخذه، وإن كان أخذه ذلك في حقه، وحصته لأخذ كل أمير وحاكم بعده، ولصار باب الغلول واسعًا، فمن كان منهم ذا ديانة حسبه في حصنه، ومن ليس كذلك لم يفعل ذلك، فسمى الله تعالى سبب الغلول غلولًا.\nقوله [لقيني رسول الله ﷺ] هذا بعد (٢) رجوعه إلى المدينة.\nقوله [ألا أبشرك بما لقى الله به أباك] وإنما بشره به مع أن انكساره كان لأجل كثرة دينه وعدده وقلة ماله وعدده، ولا نسبة بين ذلك وبين ما بشره به، لما (٣) أن البشارة كيف كانت تزيل ترح (٤) الهموم، وإنعام الله\n_________\n(١) هذا إذا كان قائله مؤمنًا، واختلفت الأقاويل في ذلك، ففي البحر المحيط: قال ابن عباس وعكرمة وابن جبير: فقدت قطيفة حمراء من المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي ﷺ: لعل رسول الله ﷺ أخذها فنزلت، وقائل ذلك مؤمن لم يظن في ذلك حرجًا، وقيل: منافق، وروى أن المفقود سيف، إلى آخر ما بسط من الأقاويل في ذلك.\n(٢) وذلك لما في الإصابة برواية مسلم عنه: إني لم أشهد أحدًا فلابد أن لقيه النبي ﷺ بعد رجوعه عن أحد، إلا أن ابن الأثير ذكر الاختلاف في شهوده أدًا.\n(٣) علة لقوله إنما بشره به.\n(٤) قال المجد: الترح محركة الهم، ترح كفرح، وترحه تتريحًا والهبوط، انتهى.","vol":"4","page":96},{"text":"﵎ على أبيه بعد موته يهون عليه ما يلقاه لأجله، ويتكلف في أداء دينه.\nقوله [فكلمه كفاحًا] وفعل هذا بجملة (١) شهداء هذه الغزاة.\nقوله [بل أحياء عند ربهم] بحياة ليست كحياة سائر الأموات، وإلا فكل مؤمن حي عند ربه، وأما من عذب فلا يموت فيها ولا يحيى، فلا يطلق (٢) عليهم لفظ الحي إلا كالمجاز. قوله [اقرأوا إن شئتم] يعني أن الله ﵎ أطلق على نفس المباعدة من النار ومطلق الدخول في دار القرار لفظ الفوز، وعد أمتعة الدنيا في جنب ذلك غرورًا وخداعًا، فكان لا محالة موضع سوط منها خيرًا من الدنيا وما فيها.\nقوله [إن مروان بن الحكم قال: لبوابه (٣)] وكان اسمه رافعًا: يا رافع اذهب إلى ابن عباس إلخ، اعلن أن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿وإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ ورَاءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ويُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العَذَابِ ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾\n_________\n(١) كما هو ظاهر حديث الاطلاع الآتي، ويؤمي إليه الروايات. الواردة في هذه الغزاة كما ذكرها السيوطي في تفسير هذه الآية، وما يظهر من حديث الباب الخصيصة أوله القاري بقوله: ما كلم الله أحدًا قط أي قبل أبيك، ففيه إيماء إلى أنه بخصوصه أفضل من سائر الشهداء الماضية حيث ما كلم الله أحدًا منهم، انتهى. وكان عبد الله بن عمرو أول قتيل هذه الغزوة، كما أخرجه الحاكم في فضائله بطرق.\n(٢) وبسط صاحب قوت المغتذي في حياة الشهداء وغيرهم أشد البسط، والمسألة مبسوطة عند الشرح والمفسرين لا يسعها هذا المختصر.\n(٣) قال الحافظ: وكان مروان إذ ذاك أمير المدينة من قبل معاوية، ورافع هذا لم أر له ذكرًا في كتاب إلا بما جاء في هذا الحديث، انتهى.","vol":"4","page":97},{"text":"ونزول الآية على ما قاله (١) ابن عباس ﵁ كان في اليهود حين سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروا بغير ما هو في كتابهم، وأظهروا أنهم لم يقولوا إلا الحق، وفرحوا (٢) بتغريرهم وخداعهم ذلك، وأحبوا أن يحمدهم النبي ﷺ أو غيره بإخبارهم عن الحق مع أنهم لم يخبروا بحق، فهذا الذي عناه الله تعالى قوله: ﴿أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ فلما قرأ مروان هذه الآية، وقد علم أن العبرة لعموم الألفاظ لا لخصوص المورد، فالآية وإن كانت بحسب نزولها تختص باليهود حيث سيقت في ذكرهم إلا أنها لعمومها تعم كل بر وفاجر، ومؤمن وكافر، فرح بما فعله وأحب أن يحمد بما لم يفعله. وتحكم عليهم بالعذاب وتوعدهم\n_________\n(١) أشار بذلك إلى الاختلاف في سبب النزول، فقد أخرج البخاري حديث الباب وحديث الخدري في رجال من المنافقين يتخلفون ثم يعتذرون، قال الحافظ: ويمكن الجمع أنها نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب القرطبي وغيره، انتهى. قلت: وورد في سبب نزول الآية الشريفة أقوال أخر ذكرها السيوطي في الدر، وغيره من المفسرين في مؤلفاتهم.\n(٢) ولا يذهب عليك أن المذكور في النسخة الأحمدية التي بأيدينا قوله: وفرحوا بما أو توامن كتابهم، وما سألهم عنه، وهو صحيح باعتبار المعنى كما لا يخفي، لكن في النسخة المصرية: وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم وما سألهم عنه، ولفظ البخاري: وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، قال الحافظ: كذا للأكثر بالصر بمعنى جاءوا أي بالذي فعلوه، وللحموي: بما أوتو بضم الهمزة أي أعطوا أي من العلم الذي كتموه، والأول أولى، انتهى. ولفظ السيوطي في الدر: وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه، انتهى.","vol":"4","page":98},{"text":"بالنار، استشكل عليه الأمر فإن أكثر الناس ممن لا يشك في ورعه وزهده يصدق عليه أنه يفرح بما يأتيه من الصلاة والصوم، وغير ذلك من أعمال الليل واليوم، ولو مدحه أحد بما ليس فيه من الجميل فلا شك أنه يحب هذه المدحة، وإن كان يلوم نفسه على خلوه عن هذه الخصلة، ولكن جواب الحبر عبد الله بن عباس ظاهره لا يوافق ما قلنا من أن العبرة لعموم الألفاظ، فإنه لم يجب إلا بأن الآية ما لها وما لكم فإنها نزلت في اليهود، أفترى الجواب إلا تخصيص الآية بمورد نزولها ولا يصح، فتفصيل جواب ابن عباس ﵄ أن الآية وإن كانت عامة إلا أنها لا تتناول إلا الأفراد التي تساوي موضع نزولها إلا ما هي دونه، فإن تعقيب جزاء على جناية، وترتيب عقاب على معصية، لا توجب ثبوت تلك الجزاء بعينها لمن ارتكب معصية دون المعصية التي ترتب عليها العقاب، فإن الشرط في تعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه أن لا يكون دونه، ولا شك أن فرح اليهود بما فعله كان فرحًا على معصية وكبيرة وهو تغرير النبي ﷺ، وكذلك إحبابهم الحمد بما لم يفعلوا كان من أعظم جناية، فإنهم كتموا ما أخذ عليهم الميثاق بأن لا يكتموه، ثم أحبوا أ، يحمدوا على ذلك، فالمواضع التي سأل عنها مروان ليست داخلة (١)\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما ذكر السيوطي في تفسير هذه الآية: أخرج مالك وابن سعد والبيهقي في الدلائل عن محمد بن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت، قال: لم؟ قال: نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد، الحديث. وفي آخره: فقال: يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة، فعاش حميدًا وقتل شهيدًا يوم مسيلمة الكذاب، انتهى. قلت: وفي حديث ابن الحنظلية الطويل عند أبي داؤد: قال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا يضرك. قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت فجاء رجل منهم= =فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان فطعن فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري، كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره، فسمع بذلك آخر فقال، ما أرى بذلك بأسًا، فتنازعًا حتى سمع رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله لا بأس أن يؤجر ويحمد. الحديث.","vol":"4","page":99},{"text":"تحت الآية حتى يترتب على من ارتكبها العذاب، كيف وأن الصلاة ومثلها من الطاعات ليست جناية حتى يمنع عن الفرح بها بل الأمر بالعكس، قال النبي ﷺ (١): إذا سرتك حسنتك وساءتك معصيتك فأنت مؤمن حقًا أو كما قال، وهذا غاية توجيه المقال وانحل منه بفضل الله المتعال كل عقدة معضلة وشبهة وإشكال، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وبيده أزمة الإفهام والتفهيم، وهو المنجى عن ليل الشك والجهل البهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>[سورة النساء]</span>\n\nقوله [حتى نزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾] لعل الراوي (٢) أشار إلى بعض\n_________\n(١) كما في المشكاة برواية أحمد عن أبي أمامة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن، الحديث.\n(٢) الحديث هكذا أخرجه البخاري برواية ابن جريج عن ابن المكندر، قال الحافظ: هكذا وقع في رواية ابن جريج، وقيل: إنه وهم في ذلك وإن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هي الأخيرة من النساء ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ لأن جابرًا يومئذ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد، والنسائي عن محمد بن منصور، كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المكندر، فقال في هذا الحديث: حتى نزلت عليه آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ قال ابن العربي: بعد أن ذكر الروايتين: هذا=","vol":"4","page":100},{"text":"القصة وترك سائرها، والمراد نزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ وآية الكلالة التي في آخر السورة، فإن الذي سيق لأجله الكلام أي قضية جابر بن عبد الله ﵄ ليس (١) في ﴿يوصيكم الله﴾ لأنه كان ذا أخوات ليس له ولد، فافهم.\n_________\n(١) = تعارض لم يتفق بيانه إلى الآن، ثم أِشار إلى ترجيح آية المواريث وتوهيم ﴿يستفتونك﴾ قال الحافظ: ويظهر أن يقال إن كلا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في ذلك، لكن الآية الأولى لما كانت الكلالة فيها خاصة بميراث الأخوة من الأم كما كان ابن مسعود يقرأ وله أخ أو أخت من أم استفتوا عن ميراث غيرهم من الأخوة فنزات الخيرة، فيصبح أن كلا من الآيتين نزلت في قصة جابر، لكن المتعلق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة، وقد تفطن البخاري بذلك فترجم في أول الفرائض قوله ﴿يوصيكم الله﴾ إلى قوله ﴿والله عليم﴾ ثم ساق حديث جابر المذكور بلفظ: حي نزلت آية الميراث قوله ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ وأما الآية الأخرى، وهي قوله ﴿يستفتوك﴾ فإنها من آخر ما نزل، فكان الكلالة لما كانت مجملة في آية المواريث استفتوا عنها فنزلت الأخيرة، فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المكندر أنه قال: آية= =الميراث أو آية الفرائض والظاهر أنها ﴿يوصيكم الله ﴿كما صرح به في رواية ابن جريج، وأما من قال إنها يستفتونك فعمدته أن جابرًا لم يكن له حينئذ ولد وإنما يورث كلالة، فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة إلى آخر ما بسطه، وهذا القدر يكفي لهذا المختصر.\n() أي في هذه الآية خاصة وهو ظاهر، وإن كان المراد إلى آخر الركوع فيقال: إن قوله ﴿وإن كان يورث كلالة﴾ المراد به الأخ لأم كما تقدم عن قراءة ابن مسعود، وكذا قرأ سعد بن أبي وقاص كما أخرجه البيهقي بسند صحيح.","vol":"4","page":101},{"text":"قوله [فكرهن رجال إلخ] لما كانوا نهوا عن بذل الذكور والفروج على المحصنات وهن (١) ذوات الأزواج فنزلت، أي رخصوا في وطيهن إذا انقضت عدتهن، ولم يذكر الراوي (٢) اعتدادهن هاهنا لما كان معلوما.\nقوله [الشرك بالله الخ] والمراد (٣) عدها فيها لا حصر فيها، فإن الكبيرة هي ما أوعد عليها الله ورسوله بالنار.\n_________\n(١) فقد أخرج السيوطي في الدر بروايات عديدة أن رسول الله -ﷺ- لما افتتح حنينًا أصاب المسلمون سبايا، فكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة منهن قالت: إن لي زوجًا، فأتوا النبي -ﷺ- فذكروا له ذلك فأنزلت الآية.\n(٢) يعي لم يذكره الراوي هاهنا اختصارا وكان معلوما. وقد زاد في حديث الباب عند أبي داؤد أي فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن، وقد أخرج أيضًا برواية أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رفعة أنه قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تصنع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضنه، وأخرج عن رويفع قال: قام فينا خطيبًا، قال: أما إني لا أفول لكم إلا ما سمعت رسول الله -ﷺ- يقول يوم حنين: لا يحل لأمريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره يعني إتيان الحبالي، ولا يحل لأمريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، الحديث. وفي الباب روايات غير ذلك.\n(٣) فأنهم اختلفوا في عدد الكبائر وتعريفها على أقوال كما بسطها ابن حجر المكي في الزواجر عن افتراف الكبائر، وهو كتاب مبسوط في مجلدين طبع بمصر، ذكر فيه أكثر من عشرة أقوال في حدها، وعد الكبائر سبعة وستين وأربع مائة مفصلا.","vol":"4","page":102},{"text":"قوله [وجلس وكان متكئًا] لما كان الصحابة كافة علموا قبح الشرك، وكذلك كل مسلم يعلم ما في الإشراك بالله من الضرر، وكذلك عقوق الوالدين كانت العرب بأسرها يستقبحه حتى أن النبي -ﷺ- حين قال (١): من الكبائر أن يشم الرجل أباه، تعجب منه الحضار وسألوه يا رسول الله، وهل يشم الرجل أباه؟ فكأنهم لم يروا ذلك واقعًا بين الناس وعدوه متعذرًا، لم يحتج إلى اهتمام في المنع عنهما ولا إلى مزيد تأكيد فيهما، وأما قول الزور أو شهادة الزور فقد شاع وذاع وسهل أمره كل مطبع ومطاع.\nقوله [ليته سكت] ترحما عليه ﷺ (٢) وشفقة منهم بحالة، وقد أخذ النهي بمجامع قلوبهم، وتبينوا ما قصده النبي -ﷺ- من شدة الاعتناء بتركه.\nقوله [يمين صبر] هي (٣) ما توقف الحكم عليها من الصبر والحبس،\n_________\n(١) فقد أخرج أبو داؤد بسنده إلى عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه، قال: يلعن أبا الرجل فيلعن أباه، ويلعن أمه فيلعن أمه، انتهى. وفي المشكاة برواية الشيخين عنه رفعه: من الكبائر شتم الرجل والديه، الحديث.\n(٢) وهكذا جزم الحافظ كما تقدم في هامش مبدء أبواب البر والصلة، ومن الغرائب أن المصنف ذكر الحديث بهذا السند هناك فقال: هذا حديث حسن صحيح، ثم أعاده بهذا السند والمتن في أبواب الشهادة فقال: هذا حديث صحيح، ثم أعاده ما هنا فقال: حسن صحيح غريب، ومثل هذا كثير في كلام المصنف.\n(٣) ذكر في الحاشية عن ألامات: يمين صبر بالإضافة، والصبر في الأصل الحبس واللزوم. وإنما سميت يمين صبر لتوقف الحكم عليها، وكونها لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل: يمين الصبر هي التي يكون الحالف فيها متعمدًا للكذب قاصدًا لإذهاب المال، انتهى. قال النووي: قيل لها مصورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها، أي حبس، فوصفت بالصبر وأضيف إليه مجازًا، قال القاري توضيحه ما قاله ابن الملك أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وعلى بمعنى الباء، والمراد المحلوف عليه تنزيلا للحلف منزلة الحلوف عليه، فعلى هذا قيل لها مصبورة مجازا، انتهى. وفي المجمع: يمين صبر بالإضافة، أي ألزم بها وحبس لها شرعًا ولو حلف بغير أحلاف لم يكن صبرًا، انتهى.","vol":"4","page":103},{"text":"فكان الحكم أو الحق محبوسًا بها. قوله [قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء [يعني أنها اشتكت نقصًا لهن في الأمور الدينية حتى أنهن ممنوعة من الخروج إلى المغازي، وكذلك في الحقوق الدنيوية وأعطيها، فان البنت والأخت والزوجة على نصف من حظ الابن والأخ والزوج، وكذلك غيرهم من الورثة، وأما أولاد الأم فإنما سوى بينهم لما أن جهة الأم لما كانت هي الموجبة للحق لهم وإلا كانوا من ذوي الأرحام فكأنها أخذت بنفسها وأتتهم، ولذلك لا ترى نصيب أولاد الأم إلا كنصيب الإناث، والله أعلم.\nقوله [وأنزل فيها] لما أنها (١) كانت تقول: مالنا ليس لنا في كتاب الله ذكر فنزلت ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الآية.\n_________\n(١) يعني قوله عز اسمه ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الآية تزل في سؤال أم سلمه لما أنها كانت تقول إلخ، قال السيوطي: أخرج أحمد والنسائي وابن جرير والطبراني وغيرهم عن أم سلمه قالت: قلت للنبي -ﷺ-: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعى منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: يا أيها الناس إن الله تعالى يقول ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ إلى آخر الآية، وأخرج الفريابى وابن أبي شيبة وابن سعد وابن جرير والنسائي وغيرهم عن أم سلمه أنها قالت للنبي -ﷺ: ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرون؟ فأنزل الله تعالى ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الآية، وسيأتي في تفسير الأحزاب أن نزولها في سؤال أم عمارة، ولا مانع من الجمع، وذكر البغوي أن أزواج النبي -ﷺ- قلن: يا رسول الله إن الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف ألا يقبل الله منا طاعة، فأنزل الله هذه الآية، وذكر عن مقاتل أن أم سلمه بنت أبي أمية وأنيسة بنت كعب الأنصارية قالتا نحو ذلك.","vol":"4","page":104},{"text":"قوله [غمزني] من هاهنا يرخص في المنع من النوافل وإن لم يكن فيه كثير مضرة، كمن يذكر الله جهرًا أو يقرأ القرآن بصوت غال والنائمون يتضررون به، فأنه لا ضير أن يمنعه فأنه -ﷺ- منعه من القرآن بقوله: حبك مع أنها لم تكن تضره، ثم في قراءة عبد الله على النبي -ﷺ- دلالة على أن السماع من غيره قد يربو في حق التدبر على قراءة نفسه، فمن الناس من ينتفع بقراءته أكثر مما ينتفع بقراءة غيره، ومنهم من أمره على خلاف ذلك، وكلاهما مشروع.\nقوله [وعيناه تدمعان] لما علم من أحوال أمته وإقبالهم على مولاهم بمعصية. قوله [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ إلخ] وكان (١) إشارة إلى\n_________\n(١) قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ ذكر لنا أن النبي -ﷺ- قال حين أنزلت هذه الآية: قد تقرب الله في تحريم الخمر، ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت آية البقرة قال رسول الله -ﷺ-: إن ربكم يقدم في تحريم الخمر، ثم نزلت آية النساء فقال النبي -ﷺ-: إن ربكم يقرب في تحريم الخمر، ثم نزلت آية المائدة فحرمت الخمر عند ذلك، انتهى.","vol":"4","page":105},{"text":"حرمته عن قريب، ثم نزل (١) بعد ذلك قوله تعالى ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾ ثم حرمت قطعًا\n_________\n(١) هذا يخالف الروايات الواردة في الباب، فان السيوطي أخرج في الدار بروايات مختلفة كثيرة مرفوعة وموقوفة ما يدل على أن أول شتى نزل في الخمر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ثم نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ ثم نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية ولعل منشأ كلام الشيخ إن لم يكن سبقه قلم ما حكي السيوطي في الإتقان عن بعضهم أن النساء مكية، وهو خلاف قول الجمهور بل هي مدنية، وأخرج الطيالسي وابن جرير والبهقي في الشعب وابن مردويه وغيرهم عن ابن عمر قال: نزل في الخمر ثلاث آيات، فأول شتى نزل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة فسكت عنهم، ثم نزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، فقال رسول الله -ﷺ-: حرمت الخمر. وأخرج ابن أبي شبيه وأحمد وأبو داؤد والترمذي والحاكم وصححاه والنسائي وأبو يعلى وجماعة عن عمر ﵁ أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فأنها تذهب المال والعقل فنزلت التي في سورة البقرة، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت التي في سورة النساء، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت التي في المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال عمر انتهينا انتهينا، انتهى مختصرًا، وسيأتي هذا الحديث عند المصنف قريبًا.","vol":"4","page":106},{"text":"قوله [إن كان ابن عمتك إلخ] قالوا: لعلة كان منافقًا، وهذا سوء أدب (١) نسبة إلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى يوم القيام، فالجراءة على مثل هذا القول لا ينبغي إلا بعد نقل صحيح من أحد منهم، كيف والخيرية قطعية فيهم والتأويل ممكن، وتفصيل الكلام بحيث يتضح المرام أنه كان الماء لا يستقي منه لضعف جريه ما لم يسد مخرجه إلى أسفل، وكان بستان الزيير في أعلى جانب منه وهو جانب منبع الماء، وأرض الأنصاري كانت أسفل منه، والمسألة (٢).\n_________\n(١) وبذلك جزم التوربشتي كما تقدم في الجزء الثاني في هامش أبواب الأحكام وإليه مال الحافظ في الفتح، وسط الأقاويل في اسم ذاك الرجل الذي خاصم الزيير ﵁.\n(٢) ففى الفتح قال العلماء: الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغنى الأعلى، انتهى. وقال القاري بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث أن مياه الأدوية والسول التي لا يملك منابعها ومجاربها على الإباحة، والناس شرع وسواء. وأن من سبق إلى شتى منها كان أحق به من غيره، وأن أهل الشرب الأعلى مقدمون على من أسفل منهم لسبقهم إليه وليس له حبسه عمن هو أسفل منه بعد ما أخذ منه حاجته، أنتهى. قلت: فما حكى العيني عن بعض الشافعية فيه حجة على ما حكى عن أبي حنيفة من أن= =الأعلى لا يقدم على الأسفل وإنما يسقون بقدر حصصهم إلخ، فالظاهر عندي أنه غلط في النقل، فان مذهب الحنيفة ذاك في الماء المملوك المشرك بين المتخاصمين لا في غير المملوك كما في الفروع.","vol":"4","page":107},{"text":"في مثل ذلك أن يستقي صاحب الجهة العليا، ويستوفى حقه الذي يتعين فيما بينهم من وصول الماء إلى مبلغ معلوم تضرر بذلك صاحب السفلى أو لا، وإذا استوفى حقه أرسل الماء إلى من دونه فيستقى منه إن بقيت في الماء فضله، وكان الأنصاري يزعم في نفسه أن الحقي في الأولية إنما هو لصاحب الأسفل، فأنه لو أعلم أن الحق لصاحب الجهة العليا لما اختصم مع الزيير وأرضاه بترك استسقاء حقه والتوائه إلى ما بعد سقاية الأنصاري أرضه، فلما كان (١) كذلك وأمر النبي -ﷺ- الزيير بأمر أوهم الأنصاري كونه على حق مما يعلم فقد قال للزيير: يا زيير اسق أي قليلا حتى لا يأخذ أشجارك جفاف، ثم أرسل إلى جارك الأنصاري، فإذا استقى الأنصاري فاستوف منه نصيبك الذي كان لك أن تأخذه قبل، فزعم الأنصاري في نفسه أن هذا السقي القليل الذي رخص فيه النبي -ﷺ- للزيير إنما هو مراعاة لابن عمته، وأن الحق للأنصاري كما بينا لك من أنه كان يزعم الحق لصاحب الأسفل، وقوى بذلك زعمه، وحاصلة أن النبي -ﷺ- لو كان يأمر زييرًا أن يستوفي حقه ثم يرسل إلى الأنصاري لم يكن له أن يتوهم ماتوهم، وكذلك لو أمره بالسقاية القليلة ثم ترك الماء إلى الأنصاري بعد أن يبين للأنصاري ما هو حق في ذلك لم يتوهم الأنصاري ما توهم، ولكنه -ﷺ- أمر أخاه زييرًا بالإحسان إلى جاره بحيث لا يستضر أحد منهما ففهمه الأنصاري مراعاة منه له، فقال ما قال، وكانت تلك كبيرة منه لا أنه يكون بذلك موردًا للنفاق حتى يجترأ عليه، والله أعلم بحقيقة الحال.\nقوله تعالى [لا يُؤْمِنُونَ] معناه على ما قررنا (٢) نفى كمال الإيمان لأنفي نفسه، فان\n_________\n(١) يعنى فهم الأنصاري أولوية حقه لا حق الزيير.\n(٢) يعني على ما بسط قبل ذلك من أن خصم الزيير كان مؤمنًا أنصاريًا حمله الغضب أو التوهم على ذلك، وأما عل ما قيل: إنه كان منافقًا فنفى الإيمان على ظاهره، وهذا كله إذا كان سبب نزول الآية هذه القصة، وقال الحافظ في الفتح بعد ما ذكر من قال بنزولها فيها: وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. فزودي إسحاق بن راهويه في تفسيره بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي -ﷺ-، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم، لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمى قبل أن يسلم ويصحب. رجح الطبري في تفسيره وعزاه إلى أهل التأويل في تهذيبه أن سبب نزولها هذه القصة ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد، ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزيير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية، انتهى. قال العيني: وهاهنا سبب آخر غريب جدًا، قال ابن أبى حاتم بسنده إلى أبى الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله -ﷺ- فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله -ﷺ- انطلقا إليه، فقال الرجل: يا عمر بن الخطاب! قضى لي رسول الله -ﷺ- على هذا، فقال ردنا إلى عمر، فردنا إليك. فقال: أكدلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضى بينكما، فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارًا إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي ولوما أني أعجزته لقتلى، فقال يا رسول الله ﷺ: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل رجل مؤمن، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، فهدر دم ذلك الرجل، وبرئ عمر، انتهى.","vol":"4","page":108},{"text":"تسليم أوامر الشرع بحيث لا يجدوا حرجا في النفس أيضًا مرتبة فوق مرتبة نفس الإيمان (١).\nقوله [وفريق يقول: لا] يعني كانوا يقولون (٢) في عدم قتلهم وجوهًا\n_________\n(١) كما يدل عليه ما روى عنهم في صلح الحديبية، وفسخ الحج إلى العمرة، وعنده قوله ﷺ هكذا أنزلت بعد ما سمع القراءات المختلفة عنهم، وغير ذلك من الروايات الواردة في ذلك.\n(٢) أعلم أولا أنهم اختلفوا في سبب نزول هذه الآيات على أقوال بسطها المفسرون، قال الخازن قيل: نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين ذك ذكر حديث الباب برواية الشيخين، ثم قال وقيل: نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله -ﷺ- في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع، فخرجوا وأقاموا بمكة، فاختلف فيهم المسلمون، وقيل: نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة واسلوا، ثم ندموا على ذلك فخرجوا كهيئة المنتزهين، فلما بعدوا عن المدينة كتبوا إلى رسول الله -ﷺ- إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان، ولكنا اجتوينا المدينة، ثم خرجوا إلى الشام، وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين، وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي المنافق لما تكلم في حديث آلافك، انتهى. قال صاحب البحر المحيط: وما كان من هذه الأقوال يتضمن كونهم بالمدينة يرده قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلا إن حملت المهاجرة على هجرة ما نهى الله عنه، انتهى. واختار السيوطي في الجلالين الأول إذا قال: ولما رجع الناس من أحد اختلف الناس فيهم فنزل، قال صاحب الجمل: يعني لما رجع ناس من المنافقين اختلفت الصحابة فيهم، فقال بعضهم: اقتلهم يا رسول الله للأمارة الدالة على كفرهم، وقال فريق: لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين، والعتاب في الحقيقة للفريق الثاني القاتل لا تقتلهم، والمراد بالهجرة هاهنا الخروج مع رسول الله -ﷺ- للقتال في سبيله مخلصين صابرين محسبين، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة للمؤمنين في أول الإسلام، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله -ﷺ- صابرًا محتسبًا، وهي المادة هاهنا وهجرة عن جميع المعاصي، كما قال عليه الصلاة: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":110},{"text":"هي دالة على حبهم معهم، ولم يكن منعهم (١) عن قتلهم لخوف فتنة أو غير ذلك من المصالح، حتى يعذروا بأن المشير إنما يعرض ما تصوبه من التدبير، بل لما هم من القرابات معهم والمودات بهم، وكانو يقولون: أنها طيبة (٢)، وإنها تنفي المنافقين كما قال النبيﷺ- ذلك قبل فأنهم يخرجون أو يموتون على حسب ما\n_________\n(١) وذلك لأن منعهم عن القتل إن كان لمصلحة شرعية دينية، فلا وجه للعتاب على الظاهر.\n(٢) اضطر الشيخ إلى هذه التوجيه لما أن قولهﷺ-: إنها طيبة لا تعلق له على الظاهر بما سبق، وحاصل توجيه الشيخ أنهم استدلوا بما قاله -ﷺ- قبل ذلك على أنهم سيموتون بأنفسهم أو يخرجون من المدينة، وعامة الشراح سكتوا عن بيان المناسبة إلا ما في هامش البخاري عن الخير الجاري إذا قال: إن كان هذا كلامًا مستنانفًا فظاهر وإن كان مربوطًا بما قبله كان فيه إشارة إلى أن هؤلاء سينفيهم الطيبة أي يخرجهم المدينة، انتهى. وقال القسطلاني: الألف واللام العهد أي شرارهم وأخساؤهم، أي تميز وتظهر شرار الرجال من خيارهم، انتهى.","vol":"4","page":111},{"text":"قاله النبي -ﷺ-، فعوتب هذا الفريق المشير بعدم القتل أن (١) داهنوا في أمر أعداء الله تعالى، بل كان عليهم بأسرهم أن يشيروا بالقتل، فعلم أن الإيمان الكامل لا يرضي أن يعامل بأعداء الله معاملة إغماض، فكيف بأحباب واسترضاء.\nقوله [فقال: إنها طيبة] داخل في العتاب يعني إني أعلم أنها تنفيهم، ولكنكم قصرتم وأخطأتم في مداهنتكم في أمرهم.\nقوله [وأوداجه] أي أوداج المقتول. قوله [فجزاؤه جهنم إلخ] وهذا لا يقتضي أن يجازي بذلك، فأنه ارتكب ما لو جوزى بها كملا لم يخرج من نار جهنم أبدًا إلا أن الله تعالى لا يجازيه على جنايته كمال جزائها، أو المعنى خالدًا فيها مسدة معهودة عند الله في هذا الإثم، والتأيد هو تأييد استيفاء هذه المدة المعهودة، والخلود هو المكث المكيث.\nقوله [وأني له التوبة] وهذا مذهبه (٢) وقد علمت معنى الآية.\n_________\n(١) بفتح الهمزة علة للعتاب يعني عوتبوا لمداهنتهم في ذلك.\n(٢) أي مذهب ابن عباس كما هو المشهور، ففي البيضاوي: قال ابن عباس: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدًا، ولعله أراد به التشديد إذ روى عنه خلافه، والجمهور على أنه مخصوص يمن لم يتب لقوله تعالى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ ونحوه، وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له، كما ذكره عكرمة وغيره، ويؤيده أنه نزل في مقيس بن ضباية، وجد أخاه هشامًا قتيلا في بني النجار ولم يظهر قاتله، فأمرتم النبي -ﷺ- أن يدفعوا إليه ديته، فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدًا، أو المراد بالخلود المكث الطويل، فان الدلائل متظاهرة على أن عصاه المسلمين لا يدوم عذابهم، انتهى. وفي الجلالين: هذا مؤول بمن يستحله، أو بأن هذا جزاؤه إن جوزي، ولا بدع في خلف الوعيد لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة، انتهى. وفي الجمل عن الخطيب: ما روى عن ابن عباس أنه قال: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدًا كما رواه الشيخان عنه أراد به التشديد كما قاله البيضاوي، إذ روى عنه خلافه رواه البيهقي في سنته، انتهى.","vol":"4","page":112},{"text":"قوله [فأنزل الله هذه الآية ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ] فهؤلاء (١) استثنوا عن الحكم، فكان النص ساكتًا عنهم لا أنهم ساووا بذلك المجاهدين، بل يجزون ثواب نيتهم فحسب. قوله [لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ] ليس المعنى\n_________\n(١) يعني أن أهل الضرر للاستثناء خرجوا من الاشتراك في الحكم بالقاعدين لا أنهم دخلوا بذلك في حكم المجاهدين وساووا بهم، وعلى نحو ذلك بني التفسير اليسوطي في الجلالين إذا قال: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين) لضرر (درجة) أي فضيلة لاستوائهما في= =النية وزيادة المجاهدين بالمباشرة (وكلا) من الفريقين (وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين) لغير ضرر (أجرًا عظيمًا) ويبدل منه (درجات منه) منازل بعضها فوق بعض (ومغفرة) الآية، وحمل البيضاوي القاعدين في كلا الموضعين على محمل واحد، وهو المقيد بغير العلة، وفرق بينهما بالإجمال، والتفصيل إذا قال بعد قوله تعالى ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ جملة موضحة لما نفى الاستواء فيه، والقاعدون على التقييد السابق، ثم قال بعد قوله تعالى ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ الآية: كرر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالا وتفصيلا للجهاد وترغيبًا فيه، وقيل: الأول ما خولهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة، وقيل: الدرجة ارتفاع منزلهم عند الله والدرجات منازلهم في الجنة، وقيل: القاعدون الأول هم الأضراء والقادون الثاني هم الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم، وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار، والآخرون من جاهد نفسه، وعليه قوله -ﷺ-: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، انتهى. وقال صاحب الجمل بعد قوله تعالى: ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ قال ابن عباس: أراد بالقاعدين هاهنا أولى الضرر أي فضل الله المجاهدين على أولى الضرر دحرجة، لأن لمجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية، وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد، فنزلوا عن المجاهدين درجة، انتهى.","vol":"4","page":113},{"text":"أنها نزلت فيهم بل الكلية (١) شاملة على حكم البدر أيضًا كما هي شاملة لسائر جزئياتها، فإن وقعة بدر كانت دفعة (٢) ولم يخبر بذلك أحد حتى تصل النوبة إلى ابن أم مكتوم ﵁.\n_________\n(١) وبذلك جزم العيني إذا قال بعد حديث الباب: إن سبب النزول هاهنا خلاف سبب النزول في الأحاديث المذكورة قبل، فإن قلت: ما وجه التوفيق بين السببين؟ قلت: القرآن إذا نزل في الشئ يستعمل في معنى ذلك الشئ، انتهى. قلت: ويؤيد ذلك ما في البحر المحيط: الظاهر أن نفى الاستواء ليس مخصوصًا بقاعد عن جهاد مخصوص، ولا مجاهد جهادًا مخصوصًا، بل ذلك عام، وعن ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها، وعن مقاتل: إلى تبوك، انتهى.\n(٢) ففي حديث كعب الطويل في توبته: غير أني تختلفت عن بدر، ولم يعاتب أحد تختلف عنها، وإنما خرج رسول الله -ﷺ- يريد غير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، قال الحافظ: يعني لم يرد القتال حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم بغير إرادة قتال، انتهى.","vol":"4","page":114},{"text":"قوله [ومقسم يقال مولى إلخ] وهما (١) بنو أعمام، فنسب تارة إلى ابن عم وتارة إلى ابن عم.\nقوله [فثقلت حتى همت ترض] فاعل (٢) الأفعال الثلاثة هي؟؟؟ أو العائد إليها، والثقل إما لترك تعلق روحه -ﷺ- بالجسم وتوجيهها بحذافيرها إلى حضرة القدس ولذة الخطاب، فإن النائم أثقل بدنا من اليقظان والميت من الحي، لذلك أو لعظمة كلامه تعالى وتبارك الذي لو أنزل على الجبال لتصدعت وتفرقت هباء منبثًا، أو لما أن الملك يؤثر فيه -ﷺ- ليورث ذلك تناسبًا بينهما، فقد ورد في الروايات الصحيحة من أن الملك كان يضغطه في بدو أمره ووجهوه (٣) بذلك، والله أعلم.\n_________\n(١) فأنهما عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وعبد الله بن الحارث بن نوفل ابن عبد المطلب، وقال الحافظان ابن حجر والعيني: مقسم بكسر الميم مولى ابن عباس هو في الأصل مولى عبد الله بن الحارث الهاشمي، وإنما قيل له مولى ابن عباس لشدة لزومه به، انتهى.\n(٢) وفي الحاشية عن المجمع: ترض بفتح فوقية ويجوز ضمها وتشديد معجمه، وفخذي مفعول أو نائب فاعل، انتهى. وفي المجمع: الرض الدق الجريش.\n(٣) أي بالتناسب مع الملك كما بسطه شيخ مشائخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في تفسيره إذا قال: إن للتوجه في اصطلاح أهل الفن أربعة أنواع، ولها درجات باعتبار التأثير، أضعفها التأثير الانعكاسي كتأثير رائحة الرجل الطيب ثم فوق ذلك التأثير الإلقائي كمن أسرج السراج= =يبقى إلى غيبة المسرج أيضًا، لكن لا يبقى بعد المزاحم كالصرصر، ثم فوق ذلك التأثير الإصلاحي كمن أصلح مجاري الماء وأجرى الماء من المخزن، والرابع التأثير الاتحادي وهو أقواها وهو المراد هاهنا.","vol":"4","page":115},{"text":"قوله [صدقة تصدق الله بها] والتصدق (١) فيما لا يقبل التمليك إسقاط محض والساقط لا يعود، أو كان منسوخًا فحرم العمل به، أو لأن النبي -ﷺ- أمر بقبوله والأمر حقيقته الوجوب، والآية بظاهرها لا توافق شيئًا من المذهبين (٢) فان مقتضاها جواز القصر عند الخوف، وأما عند الأمن فليس إلا الإتمام، ولذلك سأل يعلى بن أمية، وكذلك عمر ﵁ حين رأى النبي -ﷺ- لا يتم الصلاة وقد أمن الناس، وقد رأى أن القصر في الآية منوط بالخوف استشكل عليه فسأل، وحاصل الجواب أنه ليس قيدًا ينفي الحكم عند عدمه، بل هو بيان لما كانوا عليه إذ ذاك من المخافة، وإنما هي صدقة تصدق الله سبحانه على عباده على الدوام فليس بمشروط بالخوف.\nقوله [أو كما قال الرجل] يعني كانوا (٣) يقولون في بشير هذا أو مثله\n_________\n(١) يعني يصح الاستدلال بالحديث على الوجوب بوجوه: منها لفظ التصدق، ومنها أنه يدل على نسخ ما قبله، ومنها أنه ﵇ أمر بقبوله، وغير ذلك. قال صاحب المدار: فيه ذليل على أنه لا يجوز إلا كمال في السفر، لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد، وإن كان المتصدق ممن لا تلزمه طاعته كولي القصاص إذا عفى، فمن تلزمه طاعته أولى، أنتهى.\n(٢) يعني لا توافق مذهب الحنفية القائلين بالوجوب، ولا بمذهب غيرهم القائلين بجواز القصر، وغرض الشيخ بهذا الكلام بان إشكال عرضهم ومنشأ سوالهم.\n(٣) وعلى هذا فالمراد بالرجل أحد من الناس كائنًا من كان، ويكون المعنى كما أفاده الشيخ يقولون: ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، ويقولون كما قال رجل آخر بمعنى هذا اللفظ، ويحتمل أن يكون لفظ أو كما قال إشارة إلى الشك في لفظ الخبيث، ومن عادتهم أنهم ينبهون على الشك بمثل هذا اللفظ، فيكون المراد بالرجل هو قاتل لفظ الخبيث، ولفظ السيوطي في الدر: قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال: أو كلما قال الرجال قصيدة - أضمو فقالوا ابن الأبيرق قالها","vol":"4","page":116},{"text":"من الألفاظ، أو يقول بعض الأصحاب هذا وبعضهم غير ذلك، أو المراد بالرجل هو ابن الأبيرق نفسه، وبمقالته (١) تلك نسبة الشعر إليه، يعني أن الصحابة كانوا يقولون: إن ابن الأبيرق هو الذي قاله مع احتمال أن يكون الأمر على ما يقوله ابن الأبيرق من أن المنسوب إليه الشعر هو الذي قاله (٢) الشعر، فافهم.\nقوله [وقالوا: ابن الأبيرق قالها] أي كانوا يعلمون جميعًا أن قائلة هو ابن الأبيرق. قوله [فخص بها نفسه] فعلم أن تخصيص الرجل نفسه بطعام أفضل جائز. قوله [فعدى عليه إلخ] أي نقبوا السقف من تحت.\nقوله [فتحسسنا] التحسس بالحاء المهملة هو التفتيش على ظهور، وبالجيم هو التنقيش (٣) سرآ، وكان ثمة هو الأول فهو بالحاء.\nقوله [وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار-: والله ما نرى إلخ] هذه مقولة بني أبيرق، واعترض بين القول ومقولته جملة حالية هي: ونحن نسأل في الدار.\n_________\n(١) يعني يكون مقولة قال محذوفًا، والمعنى أو يكون صحيحًا ما قاله ابن الأبيرق: إن فلانًا الشاعر قال هذا الشعر الذي هجيت به المسلمون.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر بدون الضمير المنصوب بلفظ قال الشعر.\n(٣) قال المجد: النقش تلوين الشئ بلونين أو ألوان كالتفتيش واستقصاءك الكشف عن الشئ، انتهى.","vol":"4","page":117},{"text":"قوله [رجل منا له صلاح] مقولة قتادة بن النعمان يزكيه بها (١).\nقوله [قالوا: إليك عنا] أي قال بنو أبيرق: أنت لست فيما هنالك، ومن يسميك ونحن لا نظن بك ذلك، فكيف أن نقوله.\nقوله [فلما نزل القرآن أتى] على رنة المجهول. قوله [وكنت أرى إسلامه مدخولا] الفعل مجهول والمدخول أراد به ما دخل فيه الضعف والنفاق، وكان ظنه ذلك لقلة حضوره عند النبي -ﷺ- وكان عدم حضوره لكبر سنه (٢) ولضعف بصره، إلا أنه لما تصدق بالسلاح في سبيل الله شكرًا لما أولاه الله من البراءة عن العيب والكذب وذهب عن سخط النبي -ﷺ- فعلم قوة إسلامه.\nقوله [على سلافه] وكانت (٣) مشركة، وإنما لم يقطع لأن السارق\n_________\n(١) أي يزكى لبيدآ بذلك يعني رموا بالسرقة لبيدآ، وهو رجل من قومنا من أهل صلاح وإسلام، ولفظ السيوطي في الدر برواية ابن سعد: فأتى قتادة بن النعمان النبي -ﷺ- فأخبره بذلك، فدعا بشيرًا فسأله فأنكر، ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلا من أهل الدار ذا حسب ونسب فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد، الحديث،\n(٢) كما يدل عليه لفظ عشى أو عسى، وهو بالشك في النسخ التي بأيدينا من الترمذي، وكذا في جمع الفوائد، وتيسير الوصول، وفي آخرة عسى بالمهملة كبر وأسن، وبالمعجمة قل بصره وضعف، انتهى.\n(٣) كما يدل عليه سياق الحديث بلفظ: الحق بالمشركين، فنزل على سلافه بنت سعد، وفي الدر برواية ابن سعد: فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتدًا كافرًا، فنزل على سلافه بنت سعد، بن الشهيد فجعل يقع في النبي -ﷺ- فنزل القرآن فيه وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك في شهر ربيع (كذا في الأصل) سنة أربع من الهجرة، انتهى. وفي أسد الغابة: بشير بضم الباء وفتح الشين المعجمة، كان شاعرًا منافقًا يهجو أصحاب رسول الله -ﷺ- فسرق من رفاعة بن زيد درعه، ثم ارتد في شهر ربيع الأول سنة أربع من الهجرة، انتهى.","vol":"4","page":118},{"text":"إنما كان هو بشير وقد ذهب، وأما سائر أهل بيتهم فكانوا لم يشرقوا.\nقوله [فأخذت رحلة] أي لما وصلتها أشعار (١) حسان أخرجته من بيتها.\nقوله [قاربوا وسددوا] أي افعلوا فعل القرية وأصلحوا أعمالكم حسب وسعكم والتسديد: التسوية وإصلاح العمل، ثم إن صدرت جنايات ففي النكبات والكربات كفارات.\nقوله [اقتصامًا] انكسارًا [فتمطأت لها] لهول ما تضمنته الآية والأحوال النفسانية تؤثر في ظاهر الأجسام إذا اشتدت كيفياتها.\nقوله [أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون إلخ] لما بني الأمر على الإيمان\n_________\n(١) وهي في ديوانه أولها:\nوما سارق الدر عين إن كنت ذا كرًا ... بذى كرم من الرجال أوادعة\nفقد أنزلته بنت سعد فأصبحت ... ينازعها جلد إستها وتنازعه\nظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم ... وفينا نبي عنده الوحي واضعه\nإلى آخر ما بسطها، والحديث أخرجه الطبري في تفسيره بزيادة بعض ألألفاظ فيها زيادة توضيح، وأخرجه أيضًا صاحب الدر والتيسير وجمع الفوائد مفصلا باختلاف بعض الألفاظ.","vol":"4","page":119},{"text":"فتكفير الذنوب في الدنيا إنما هو على قوة الإيمان وكثرة المصائب، لا أن المؤمنون (١) كافة يلقون الله من غير ما ذنب وإن لم يكن الإيمان كاملا والشدائد كثيرة.\nقوله [خشيت سوده أن يطلقها إلخ] لما أن (٢) النبي -ﷺ- كان يعدل بين أزواجه مع قلة رغبته -ﷺ- في بعضهن وكثرة رغبتهن إليه -ﷺ-، فعلمت سوده (٣) أنه ﵊ لو طلقها لم يبق لها معه تعلق، فهونت في نفسها أن تهب يومها لعائشة ﵂، وهذا إسقاط والساقط لا يعود مع أن عودها في حقها كان سائغًا لها لو فعلت، وهذا لأن الإسقاط لم يوجد إلا في الحقوق\n_________\n(١) كان الظاهر المؤمنين، وللرفع توجيهات لا تخفى.\n(٢) الروايات متظافرة على أنه -ﷺ- كان يقسم لنسائه، وهل كان القسم واجبًا عليه أو تبرعًا منه -ﷺ- مختلف فيه.\n(٣) قال الحافظ: هي زوج النبي -ﷺ- كان تزوجها وهو بمكة بعد موت خديجة، ودخل عليها بها، وهاجرت معه، ووقع لمسلم قالت عائشة: وكانت أول امرأة تزوجها بعدى، ومعناه عقد عليها بعد أن عقد على عائشة، وأما دخوله عليها فكان قبل دخوله على عائشة بالاتفاق، انتهى. ثم ذكر الروايات المختلفة في أنها لما أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله -ﷺ- قالت: يا رسول الله، يومي لعائشة، ومن جملتها ما أخرجه ابن سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي برزة مرسلا أن النبي -ﷺ- طلقها فقعدت له على طريقة، فقالت: والذي بعثك بالحق مالي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نساتك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتي لموجدة وجدتها على؟ قال: لا، قالت: فأنشدك لما راجعتي، فراجعها، قالت: فأنى جعلت يومي وليلى لعائشة حبة رسول الله -ﷺ-، انتهى.","vol":"4","page":120},{"text":"والنوابات التي وجدت وليس بجائز أن تعود فيها، وأما الأيام (١) التي لم توجد بعد من أيام حقها فأنما فيها عدة بحتة، وليس إسقاطًا فإن السقوط يقتضى ثبوتًا ما ولم يوجد.\nقوله [آخر آية أنزلت] أي في المواريث (٢) وإلا فقد نزل بعد هذه الآية كثير من القرآن.\n_________\n(١) قال العلماء: إذا وهبت يومها لضرتها قسم الزوج لها يوم ضرتها، فإن كان تاليًا ليومها فذاك، وإلا لم يقدمه عن رتبته في القسم إلا برضًا من بقى، وقالوا: إذا وهبت المرأة يومها لضرتها فان قبل الزوج لم يكن للموهوبة أن تمتنع، وإن لم يقبل لم يكره على ذلك، وإذا وهبت يومها لزوجها ولم تتعرض للضرة فهل له أن يخص واحدة إن كان عنده أكثر من اثنتين أو يوزعه بين من بقى، وللواهبة في جميع الأحوال الرجوع عن ذلك متى أحبت، لكن فيها يستقبل لا فيما مضى، وأطلق ابن بطال أنه لم يكن لسوده الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة، ُ كذا في الفتح وقال أيضًا: اختلف السلف فيما إذا تراضينا على أن لا قسمة لها، هل لها أن ترجع في ذلك؟ فقال الثوري والشافعي وأحمد: إن رجعت فعليه أن يقسم لها، وإن شاء فارقها، وعن الحسن ليس لها أن تنفض، وهو قياس قول مالك في الأنظار والعارية، انتهي هو في الهداية: إن رضيت إحدى الزوجات بترك قسمتها لصاحبتها جاز، لأن سوده بنت زمعة سألت رسول الله رسول الله -ﷺ- أن يراجعها ويجعل يوم نوبتها لعائشة، ولها أن ترجع في ذلك، لأنها أسقطت حقًا لم يجب بعد فلا يسقط، انتهى.\n(٢) وبذلك الوجه جزم جمع من شراح الحديث، وعلى هذا فلا يشكل بما في البخاري عن ابن عباس: آخر آية نزلت على النبي -ﷺ- آية الربوا، وكذا لا يشكل بما روى عن ابن عباس: آخر آية نزلت على النبي -ﷺ- ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، أخرجه الطبري من طرق عنه، وزاد عن ابن جريج قال: يقولون إنه مكث بعدها تسع ليال إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":121},{"text":"قوله [تجزئك آية الصيف] فقيل: هي (١) هذه الآية بعينها، وحاصل الجواب أن الذي تسألينه ظاهر بأدنى تأمل منك في الآية، ولعل الرجل سأل عن الكلالة ما هي؟ أو سأل عن تفسير الآية، وأيامًا كان فأحاله النبي -ﷺ- على أن بتدبره\n_________\n(١) غرض الشيخ بهذا الكلام دفع ما يشكل على ظاهر الحديث من اتحاد السؤال والجواب، ودفعة الشيخ بثلاثة وجوه: الأول أن غرض السائل كان السؤال عن تعريف الكلالة، فأحاله النبي -ﷺ- على الآية نفسها بأنه موجود فيها، والثاني أن غرضه كان السؤال عن تفسير الآية، فأجابه النبي -ﷺ- بأن آية الشتاء وهي ما في أول النساء وإن كان فيه نوع إجمال لكن آية الصيف واضحة لا تحتاج إلى التفسير، والثالث أنه -ﷺ- تيههم وحرضهم على الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وعلى هذا فالمراد بآية الصيف ليست آية الكلالة، بل آية إكمال الدين، وهذه الآية وإن لم تشهر بآية الصيف لكنها معدودة في جملة الآيات الصيفية كما في الإتقان، هذا خلاصة ما أفاده لأشيخ، وهذا كله على سياق النسخ التي بأيدينا من المصرية والهندية للترمذي، ولا يبعد عندي أن يكون لفظ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ في السؤال مزيدًا من أحد الرواة رعاية لنظم القرآن، ويكون السؤال ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وعلى هذا لاغبار في انطباق الجواب عليه، ويؤيد ذلك سياق أبي داؤد برواية منصور بن أبي مزاحم عن أبي بكر بهذا السند بلفظ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي الْكَلالَةِ﴾ فما الكلالة؟ قال: يجزئك آية الصيف، وهذا يدل أيضا على أن غرض السائل كان السؤال عن حقيقة الكلالة ما هي؟ ويؤيد هذا الغرض الآثار الكثيرة التي أخرجها السيوطي في الدر دالة على أن الصحابة كانوا مترددين في حقيقتها هل هي من لا ولد له؟ أو من لا والد له ولا ولد؟ أو غير ذلك؟ ولا يذهب عليك أنه نزلت في الكلالة آيتان أحدهما في الشتاء، وهي التي في أول سورة النساء، والثانية في الصيف، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء.","vol":"4","page":122},{"text":"بنفسه ويتفكر في الآية ومنعه الجواب، وقيل: آية الصيف هي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعلى هذا فالمعنى أن الدين لما كان قد تم، وليس مسألة شرعية خارجة عن الكتاب والسنة، فعليكم بالاجتهاد والاستنباط والنظر في موارد الأحكام فأنها المناط، وأما السؤال غي في جزيئات المسائل في حياتي فاني على (١) وشك الرحيل فحسبكم كلام الملك الجليل وسنة نبيكم محمد الحبيب الخليل، فيهما غنية عن كل سؤال وكل ما أبهم من الأمر ففيهما حل كل ما قول (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>[سورة المائدة]</span>\n.\nقوله [لو علينا أنزلت هذه الآية] كأنه عرض بعمر بن الخطاب أنكم معشر المسلمين لم تعرفوا قدر هذه الآية ولو أنها نزلت فينا لجعلنا يوم نزولها يوم فرح وسرور، وحاصل الجواب (٣) أنكم معشر اليهود جعلتم أمر دينكم بيديكم (٤) ففرحتم بما\n_________\n(١) قال المجد: وشك الأمر ككرم سرع، وأوشك أسرع السير، وأوشك الفراق وشكانه ويضمان: سرعته، انتهى.\n(٢) قال المجد: العاقول معظم البحر أو موجه، ومعطف الوادي والنهر، وما التبس من الأمور، انتهى.\n(٣) وهذا أجود ما وجهت الشراح جواب عمر، قال الحافظ: فان قيل كيف طابق الجواب السؤال، لأنه قال اتخذناه عيدًا، وأجاب عمر بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل جعلناه عيدًا، والجواب عن هذا أنها نزلت في أخريات نهار عرفة ويوم العيد إنما يتحقق بآوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة، هكذا قاله بعض من تقدم قال: وعندي أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحق عن قبيصة قد نصت على المراد، ولفظه: نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بمحمد الله لنا عيد، وكذا عند الترمذي من حديث ابن عباس أن يهوديًا سأله عن ذلك فقال: نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة، فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا لأنه ليلة العيد، انتهى.\n(٤) بضم الياء وكسر الدال، فان اليد يجمع على الأيدي واليدي، وجمع الجمع الأيادي.","vol":"4","page":123},{"text":"شئتم وترحتم بما شئتم، وجعلتم ما قصدته أهواؤكم سرورًا، وآخر مما لم ترضوه ويلا على أنفسكم وثبورًا، وأما نحن (١) فليس لنا من الأمر شئ إلا ما قضى الله لنا، فنسر بما عينه لنا للمسرة فيه، وليس ترضى من الأمر إلا ما يرتضيه، فأنه تعالى وتبارك أنزل هذه الآية يوم عيدين فلم يحوجنا إلى أن نعين لها يوم عيد، ولو لم يفعل ذلك لما عيدنا لهما أيضًا، فإنما نحن مطيعوه وعبيده وليس لنا التعييد إلا عبده فرماهم عمر ﵁ بالزندقة والفسق. قوله [الليل والنهار] مرفوعان على الفاعلية لقوله: لا يغيض، أو منصوبان على الظرفية والفاعل إما ما يفهم من\n_________\n(١) يعني ليس سبب ذلك أنا أهملناها، كلا بل م خفى علينا زمان نزولها، ولا مكان نزولها، وضبطنا جميع ما يتعلق بها حتى صفة النبي -ﷺ-، وموضعه في زمان النزول، وهو كونه -ﷺ- قائمًا حينئذ، كما ذكره العيني ومع ذلك لم نبتدع تعييد يوم النزول لعدم الأمر بذلك.","vol":"4","page":124},{"text":"السح (١) أو محذوف. قوله [فضرب الله قلوب بعضهم] أي تأثر (٢) خيارهم من شرارهم. قوله\n[عن أبي عبيدة] هو بفتح العين المهملة ولد لعبد الله (٣) بن مسعود. قوله [فقال لا حى إلخ] أي لا تنجون ولا تؤمنون حق الإيمان حتى الخ.\nقوله [وأملاه على] أي حدثني واكتبني. قوله [فحرمت على اللحم الخ] وفرق ما بين تركه شيئًا وتحريمه على نفسه، ففي الثاني ورد النص وهو حرام دون (٤) الأول. قوله [فهل أنتم منتهون] أي من السؤال عن بيان شفاء في الخمر،\n_________\n(١) وهو الصب، قال الحافظ: سحاء بفتح المهملتين مثقل ممدود أي دائمة الصب، يقال: سح بفتح أوله مثقل يسح بكسر السين في المضارع، ويجوز ضمهما، وضبط في مسلم سحًا بلفظ المصدر، ولا يغيضها بالمعجمتين بفتح أوله أي لا ينقصها، يقال: غاض الماء يغيض إذا نقص، والليل والنهار بالنصب على الظرف أي فيهما، ويجوز الرفع، انتهى. وفي المجمع: ينصبهما على أنهما ظرفان، ورفعهما على أنهما فاعلان، انتهى. واقتصر القاري على الأول، وقال: سحاء صفة لنفقة أو ليد، وهو الأصح، انتهى.\n(٢) قال القاري: يقال ضرب اللين بعضه ببعض أي خلط، ذكره الراغب، وقال ابن الملك: الباء للسببية أي سود الله قلب من لم يعض بشوم من عصى فصارت قلوب جميعهم قاسية بعيدة عن قبول الحق والخير أو الرحمة بسبب المعاصي ومخالطة بعضهم بعضًا، انتهى.\n(٣) قال الحافظ: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود اسمه عامر، وما ضبطه الشيخ من الفتح لم أجده في كتب الرجال، بل الظاهر من أصولهم أنه بالضم، وكذا بالضم ضبطه في جامع الأصول.\n(٤) فلا يشكل بما حكى عن بعض المشايخ ترك التنعم والتلذذ والاجتناب عن الثياب الفاخرة ونحو ذلك، قال صاحب الجمل: أي لا تعتقدوا تحريم الطيبات المباحات، فان من اعتقد تحريم شيء أحله الله فقد كفر، إما ترك لذات الدنيا وشهواتها والانقطاع إلى الله والتفريغ لعبادته من غير إضرار بالنفس ولا تفويت حق الغير، ففضيلة لا منع فيها، انتهى.","vol":"4","page":125},{"text":"فقال عمر ﵁: انتهينا عن السؤال لما ظفرنا بالمأموال، وهذا أوجه مما قاله بعضهم: انتهينا وإن لم نجد شفاء، فأي مرتبة وسعة بقيت بعد قوله تعالى ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ حتى يقال: إنا لم نجد شفاء. قوله [كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر إلخ] وهذه الشبهة ليست كالتي وقعت لهم في الصلاة إلى بيت المقدس فان الصلاة إلى البيت إنما كانت بأمره سبحانه فاحتجنا ثم إلى التأويل، وأما هاهنا فلم يكونوا مأمورين بشربها حتى يعذروا، فلما كانت مقدرة حرمتها في علم الله تعالى وقد قال لهم قبل التحريم ما يشير إليه فلعلهم يعاتبوا على شربها، فهذا هو الذي أحوجهم إلى السؤال. قوله [ولو قلت نعم لو جبت] إما لأنه كان خير (١) إذا في أمر أمته، أو لما أنه إذا أمر بشئ مجتهدًا فيه وقائسًا فأما أن يثبت على ذلك الحكم، أو ينفي هذا الحكم، فالمعنى لو قلت نعم لاحتمل أن يجب (٢) عليكم فتتضرروا. قوله [فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا] هذا من قبيل ما قلنا إن الإنزال قد يطلق ويراد به (٣) دخوله في جزئياته، وإلا فنزول هذه الآية\n_________\n(١) تقدم الكلام في ذلك في أبواب الحج.\n(٢) أي وجوب بقاء ودوام، وإلا فمجرد الوجوب يتحقق بأمره -ﷺ-، ولو كان أمره بالاجتهاد ولم يبق على ذلك الاجتهاد، فيكون مغيره كالناسخ، قال النووي: في الحديث دليل على المذهب الصحيح أنه -ﷺ- كان له أن يجتهد في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، إلى آخر ما قاله.\n(٣) فلا يشكل بمختلف ما روى في سبب نزول الآية، فقد ذكر الحافظ فيه خمسة أقوال: منها حديث الباب، ومنها ما روى عن أ [ي هريرة قال خرج رسول الله -ﷺ- غضبان محمار وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ فقال: في النار، فقام آخر، فقلا: من أبى؟ قال: حذافة، ثم قال: ولا منافاة بينهما لاحتمال أن تكون نزلت في الأمرين، ولعل مراجعتهم في الحج هي سبب غضبه، وجاء في سبب نزولها قول ثالث، وهو ما يدل عليه حديث ابن عباس عند البخاري، قال: كان قوم يسألون رسول الله استهزاءً، فيقول الرجل: من أبى؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله هذه الآية، وجاء فيه قولان آخران: فأخرج الطبري عن ابن عباس أن المراد بالأشياء البحيرة، والوصيلة، والسائبة، قال: فكان عكرمة يقول: إنهم كانوا يسألون عن الآيات، فنهوا عن ذلك، والمراد بالآيات نحو سؤال قريش أن يجعل الصفا لهم ذهبًا، وسؤال اليهود ﴿أن ينزل عليهم كتابًا من السماء﴾ ونحو ذلك، وذكر صاحب البحر المحيط أقوالا أخر أيضًا غير ذلك، قال الحافظ: ورجح أن المنير نزولها في النهي عن كثرة المسائل عما كان وعما لم يكن، واستند إلى كثير بما أورده البخاري في باب ما يكره من كثرة السؤال. قال الحافظ: وهو متجه لكن لا مانع أن تتعدد الأسباب، انتهى.","vol":"4","page":126},{"text":"ليس (١) في السؤال عن الحج. قوله [قال رجل: يا رسول الله من أبى] وكانوا قد اجترأوا لكمال خلقه -ﷺ- عن السؤال عن أمثال هذه الأشياء التي لا تغنيهم ولا تتعلق بالشرع، حتى غضب النبي -ﷺ- يوما وقال: ليسأل كل عما بدا له أو\n_________\n(١) وذلك لما تقدم في كتاب الحج في كلام الشيخ أن نزولها كان قبل السؤال بالحج هل هو في كل عام أم لا؟ والظاهر من مجموع كلام الشيخ أن المرجح عنده في سبب النزول هو كثرة السؤال، ورجحه ابن المنير كما تقدم، وهو مختار صاحب الجلالين.","vol":"4","page":127},{"text":"كما قال (١)، فسأل الرجل عن أبيه لأن العرب كانوا يرمونه بغير أبيه، ثم لما تبينوا غضبه قام عمر رضي الله تعالى عنه فأخذ في الاعتذار، وكان يقول: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا، وبمحمد -ﷺ- نبيًا، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾.\nقوله [إنكم تقرأون هذه الآية] أي وتريدون بها ما نطق به ظاهرها مع أن الاهتداء لا يتحقق ما لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، وهذان يجبان ما لم يقنط من الانتجاع، وأما إذا تيقن أنه ليس بمجد فلا (٢)، ولذلك قال النبي -ﷺ-: وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فجعله غاية للقيام بهما، لأن المرأ ما لم يعجب برأيه ولم يطمئن إليه كان مظنة لقبول أمر الغير ونهيه، وأما إذا (٣) فلا، بخلاف ما عده النبي -ﷺ- من الأمور قبله من كون الشح مطاعًا وغيره، فإنها ليست بهذه\n_________\n(١) فقد أخرج البخاري في العلم برواية أبى موسى، قال: سئل النبي -ﷺ- عن أشياء كرهها، فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: سلوني عما شئتمن قال رجل: من أبى؟ قال: أبوك حذافة، فقام آخر فقال: من أبى يا رسول الله؟ قال: أبوك سالم، فلما رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول الله إنا نتوب إلى الله، وفي رواية أنس: ثم أكثر أن يقول: سلوني، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -ﷺ- نبينًا، فسكت- وفي حديث موسى بن أنس عن أنس في التفسير: فغطى أصحاب رسول الله -ﷺ- وجوههم لهم حنين، فقال رجل: من أبى؟ قال: فلان فنزلت هذه الآية.\n(٢) أي فلا يبقى الوجوب، وإن بقى الجواز بعد ذلك أيضًا.\n(٣) حذف الكلام لقيام القرينة، والمعنى حينما تحقق إعجاب كل ذي رأى برأيه فلا تبقى مظنة للقبول.","vol":"4","page":128},{"text":"المثابة بل المرء بعد الاتصاف بكل منهما منتجع الائتمار والانتهاء ومرمى (١) طلب الارتداع والاهتداء، فان الشحيح لا يأنف عن القيام بأمور الخير التي ليست فيها نفقة، وكذلك إتباع الهوى لا يمنعه عن تعاطي أمور دينه، غير أنه ليس ينتهي عن مأثم تعودها، ومع ذلك فأنه مستغفر الله مقر بخطائه، راجي عفو مولاه وعطائه، وهذا هو القياس في استيثار الدنيا فأنه لا يمنعه عن القيام بجميع ما أمر وانتهاء عن كل ما نهى عنه، غير أنه لحبه الدنيا لا يتركها تذهب عنه، وأما إذا أعجب برأيه وسره فهمه، وما أبلاه الله به من سوء الاختيار فانه لا يعد نفسه خاطئا حتى يفكر، ولا مذنبًا حتى يقلع، ولا مقصرًا حتى يجتهد.\nقوله [فان من ورائكم أيامًا] كأنه جواب لمن تعجب أن يعم المسلمين هذه الكيفية السيئة التي ذكرها بقوله: حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا الخ بأن لا عجب في مثل هذا الزمان الذي هو آت عن ذلك، لأن الصبر على دينه لما كان شديدًا لا محالة يبتلون بما يبتلون. قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (٢) الشهادة\n_________\n(١) هكذا في الأصل، فيحتمل أن يكون من رمى الشئ ألقاه أو يكون مرصى من أرصي بالمكان لزمه ولا يمرح به كما في القاموس.\n(٢) قال صاحب الجمل: هذه الآية واللتان بعدها من أشكل القرآن حكمًا وإعرابًا وتفسيرًا، ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها، حتى قال مكي ابن أبي طالب رحمة الله في كتابه المسمى بالكشف: هذه الآيات في قرامتها وتفسيرها وإعرابها ومعاينها وأحكامها من أصعب آي القرآن وأشكله، قال ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر، قال: وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد. وقال الشخاوي: لم أر أحدًا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها، قلت: وأنا أستعين الله في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومها فنسأل الله العون في تهذيبه، إلى آخر ما في عبارة السمين، انتهى.","vol":"4","page":129},{"text":"هي الوصية هاهنا، وقيل: اليمين (١) والقصة تقتضى بشطًا في الكلام، وسيرد عليك تفصيله في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى، والمقصود في هذا الحديث إنما هو التنبيه (٢) على تخليط الراوي وذكره إياه من غير أن يرتب.\nومعنى قوله [بريء الناس منها] يعني أنها نزلت فينا والناس عن الجريرة المذكورة فيها برءا (٣).\nقوله [يريد به الملك] لأن إهداء مثل تيك الأشياء للملوك رابحة أفضل مما تربحه التجارة. قوله [وفقدوا الجام] لأنهم علموا (٤) كونه معه. كيف وقد قال: إنه\n_________\n(١) ففي البحر المحيط: الشهادة هاهنا هل هي التي تقام بها الحقوق عند الحكام، أو الحضور، أو اليمين؟ ثلثة أقوال: آخرها للطبرى والقفال. وقيل: تأتي الشهادة بمعنى الإقرار وبمعنى العلم وبمعنى الوصية، وخرجت هذه الآية عليه، فيكون فيها أربعة أقوال، انتهى. وفي الجمل: اختلفوا في هذه الشهادة فقيل: هي الشهادة المعروفة التي هي الإخبار بحق الغير على الغير، وقيل: هي حضور وصية المحتضر وقال البيضاوي: المراد بالشهادة الإشهاد في الوصية.\n(٢) ولعل ذلك لما أن المصنف تكلم على هذا الحديث وحسن الحديث الآتي، وبين سياقيهما فرق ظاهر، وأيضًا فلما كان الحديث الآتي أخرجه البخاري في صحيحة وأبو داود في سننه جعله الشيخ أصلا وأول هذا الحديث إلى الثاني.\n(٣) جمع بريء كالفقهاء.\n(٤) وفي بعض الراويات كما ذكرها السيوطي في الدر، والحافظ في الفتح: أن السهمي المذكور مرض فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه فوجدوا الوصية وفقدوا أشياء الحديث.","vol":"4","page":130},{"text":"عظم تجارته، ومع ذلك فلما لم تقع (١) الورثة منه على أثر ولا وجدوا في تفاصيل حسابه ذكر القيمة وغير ذلك مع القرائن كثيرة. قوله [فلما أسلمت بعد قدوم الخ] ليس المعنى ما يتبادر منه من أن الوقعة (٢) كانت قبل قدومه -ﷺ- وإنما أسلم بعد قدومه، بل المعنى أن كل ذلك المذكور كان بعد قدومه، أو المعنى أنه ذكر إسلامه بعد قدومه، ولا يلزم من ذلك أن يكون باقي القصة قبل قدومه -ﷺ-.\nقوله [تأثمت من ذلك] ليس المراد (٣) هو التأثم من أخذ الجام وإيتاء (٤) قيمته لورثه بديل، بل المراد التأثم من غصب (٥) دراهم المشتري الذي كان اشتراه منهما، ثم أخذ منه (٦) الجام ولم يؤت له ثمنه.\nقوله [فأتيت أهله] أي أهل الحق أو أهل المشتري الذي كنا بعنا الجام منه، ثم أخذ منه الجام ولم يصل إليه ثمنه الذي\n_________\n(١) هكذا في الأصل، ولم يذكر في الكلام جزاء (لما) وللتقدير مساغ، ويحتمل أن يكون (لما) زائدة لتأكيد النفي.\n(٢) لم يتحقق لي أن القصة متى وقعت، وذكرها صاحب الخميس في السنة العاشرة، وحكى أهل الرجال إسلام عدى في سنة تسع، وجزم الحافظ في الفتح بأن ذلك كان قبل أن يسلم، قال: ويحتمل أن تكون القصة وقعت قبل الإسلام ثم تأخرت المحاكمة حتى أسلموا كلهم، فان في القصة ما يشعر بأن الجميع تحاكموا إلى النبي -ﷺ-، فلعلها كانت بمكة سنة الفتح، انتهى. قلت: وما سيأتي من مرسل عكرمة نص في أن القصة وقعت قبل إسلامه.\n(٣) ولا مانع من أن يكون التأثم من كلا الفعلين: من سرقة الجام استداء وعدم أعطاء الثمن انتهاء.\n(٤) الظاهر (من عدم إيتاء قيمته) فترك لفظ العدم تصحيف من الناسخ.\n(٥) إطلاق الغصب مجاز والمراد حبس دراهم المشترى.\n(٦) كما هو نص الزيادة الآتية في رواية السيوطي في الدر.","vol":"4","page":131},{"text":"كان أدى إلينا، وأما لو حمل على أفي أتيت أهله أي أهل البديل السهمي يكون كذبًا، لأنه (١) لم يأت أهله بل أهله هم الذين كانوا قد ادعوا عليه، ثم إنه لم يدفع إليهم\n_________\n(١) ويمكن الجمع بأنهم أتوه أولا، ثم بعد التأثم أتاهم تميم وأخبرهم بنفسه كما هو ظاهر السياق، والروايات في هذه القصة مختلفة جدًا، ذكر الترمذي منها الروايتين: أما الأولى فقال السيوطي في الدر: أخرج الترمذي وضعفه، وابن جرير وابن أبى حاتم والنحاس في ناسخة، وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة، من طريق أبى النضر وهو الكلبي عن بأذان مولى أم هانئ عن ابن عباس، ثم ذكر الرواية بلفظ الترمذي، ثم قال: وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردوية والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ثم ذكر الرواية الثانية، وفيها زيادتان على لفظ الترمذي: الأولى فأحلفهما رسول الله -ﷺ- ما كتمتماها ولا أطلعتما، والثانية في آخر الحديث: وإن الجام لصاحبهم وأخذ الجام، قلت: وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحة وأبو داؤد في سننه بلفظ الترمذي، ثم ذكر السيوطي رواية ثالثة فقال: وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمه قال: كان تميم الداري وعدى بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي -ﷺ- حولا متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل بن أبي ماريه مولى عمرو بن العاص تاجرًا حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعًا تجارًا إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق أشتكى بديل فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه فأخذا منه شيئا ثم حجراه كما كان وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابة وعهده وما خرج به وفقدوا شيئًا، فسألوهما عنه فقالوا: هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا، فقالوا لهما: هذا كتابة بيده، قالوا: ما كنمنا له شيئًا، فترافعوا إلى النبي -ﷺ- فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فأمر رسول الله -ﷺ- أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر: بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه يذهب، فقال أهله: هذا من متاعه؟ قالا: نعم ولكنا اشترينا منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي -ﷺ- فنزلت الآية الأخرى ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ﴾ فأمر النبي -ﷺ- رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه، ثم إن تميمًا الداري أسلم وبايع النبي -ﷺ- وكان يقول: صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء، الحديث.","vol":"4","page":132},{"text":"الخمس مائة لأنهم قد دفع إليهم جامهم فأنهم مالهم وما للدراهم. قوله [وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها] فلعلهم إذا سألوا منه دفعة إلا أن الراوي لم يذكر منه غير هذا القدر. وقوله [فأتوا به رسول الله -ﷺ-] تأخير بياني لما تقدم المذكور من القصة، والمراد إما تحليف منكري الشراء أو الهبة وهو (١) قوله [وليس إسناده بصحيح] لكون محمد بن السائب فيه وهو غير معتمد (٢) عليه، فأما أن يقال:\n_________\n(١) بياض بعد ذلك في الأصل، وظاهر رواية الكلبي أنه -ﷺ- أحلف عديًا بعد ذلك، وظاهر الرواية الآتية حلف الرجلين من أولياء السهمي فقط ويؤيده مرسل عكرمة، واختلف أهل التفسير في الحالف ووجه التحليف جدًا لا يسعه المقام.\n(٢) فقد بسط الحافظ في تهذيبه تضعيفه أشد. البسط حتى حكى عن بعضهم تكفيره أيضًا، وكذا بسط الذهبي في الميزان.","vol":"4","page":133},{"text":"إن الراوي لما لم يتذكر لبس القضية بعضها ببعض فلا يعتبر على خلاف ما بينه الثقاف، وهو موافق لمفهوم النص أيضًا، أو يحمل (١) على ما ذكرنا لك من قبل.\nقوله [فأحلفهما رسول الله ﷺ] لأن أهل بديل لما ادعوا عليهما أم مورثهم سلم إليهما الجام وأنكراه، سأل النبي ﷺ أهل بديل بينه على التسليم، فلما (٢) تقم بينه إذا لم يكن ثم من يعرفونه، فوجب تحليفهما لكونهما نكرا التسليم. قوله [ثم وجدوا الجام بمكة (٣)] ولما وجد الجام وقيل: إنهما باعاه سئل عنهما وقد اتهما بذلك فادعيا أن بديلا باعه منهما، أو ادعيا هبته لهما، وكان عليهما إقامة بينه على الهبة أو الشراء، إلا أنهما لما عجزا عن ذلك وكانت ورثة بديل منكرين لأن يكون مورثهم وهبهما أوباعه منهما، وجب إذا تحلفيهم والتحليف هاهنا على العلم. قوله [وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا] والفرق أن الأول خيانة من كل واحد على حدة من غير أن يعلم به الآخر، بخلاف الثاني فأنه (٤) إثم يشترك فيه جمع. قوله [فلقاه الله حجته (٥)] هذا زائد ولا يرتبط فليسأل. قوله [آخر سورة] أي كملا (٦)\n_________\n(١) يعني ما أفاده الشيخ من توجيه الحديث مبني على صحته.\n(٢) بمعنى (لم)\n(٣) وتقدم في مرسل عكرمه: ثم ظهر معهما على إناء، وعامة المفسرين بنوا تفسيرهم على هذا المرسل. وجمع الفتوى بينهما ناقلا عن الكشاف بأنه لما وجد الإناء بمكة وقالوا: إنا اشترينا من تميم وعدى فكأنه في أيديهما.\n(٤) لما في الذخيرة من معنى الكثرة التي يصعب لواحد حفظها.\n(٥) لأن هذا هو مؤدي الجملة السابقة، وهي قوله: يلقى عيسى حجته، لأن معناها أيضًا أن الله عز اسمه لقاه حجته، لكن في النسخة المصرية: تلقى عيسى حجته، وهذا ظاهر لا غبار فيه، وأما على النسخة الهندية لو صحت يكون هذا كالتأكيد لما قبله وإظهار الملقي نصًا، وكان في الجملة السابقة مفهومًا.\n(٦) وقد اختلفت الروايات في آخر سورة نزلت كما بسطها السيوطي في الإتقان، وقال: ليس شئ من ذلك مرفوعًا، بل كل أخبر حسب ما علمه.","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>[ومن سورة الأنعام]</span>\n.\nقوله [ولكن نكذب ما جئت به] فان الذي يخبرك يكذب وأنت صادق. قوله [هاتان أهون] أي من اللتين قبلهما وإن كانتا شديدتين في نفسهما، ثم إنهما لما كانتا ملازمتين باعتبار الظاهر والواقع عدهما واحدة أيضًا في بعض الروايات (١) ولما كانتا ثتين حقيقة يمكن وقوع كل منهما بدون الأخرى عدهما في هذه الرواية خلتين (٢) على حدتين. قوله [ليس ذلك إنما هو الشرك] يعني أن لفظ الظلم وإن كان يطلق على المعنيين وأمكن تنوينه أن يكون للتنكير فيشمل كل ذنب، وأن يكون التعظيم فلا يراه به إلا الشرك، إلا أن لفظ اللبس وهو الخلط خصصهما (٣) بالثانيين فإن الخلط لا يكون إلا بين عظيم وعظيم، وأما الحقير (٤) والعظيم فإنما يتلاشى الحقير ولا يبقى له أثر، قلت: والقرينة\n_________\n(١) فقد ورد في روايات عديدة بألفاظ مختلفة: سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعنى ثالثًا: سألته ألا يهلك أمى بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمى بالسنة فأعطانيها، وسألته أن يجعل باسهم بينهم فمنعنها.\n(٢) كما يدل عليه لفظ التثنية، وأوضح منه رواية ابن مردوية عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال: دعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرقع عنهم الرجم والغرق، وأبى أن يرفع القتل والهرج.\n(٣) يعني خصص الظلم بأعلى أفراده، وكذا التنوين بالتعظيم.\n(٤) وإذا خلط بالعظيم وهو الإيمان شئ حقير من الظلم لا يبقى له أثر، لا يقال: بقى احتمال ثالث، وهو خلط الحقير بالحقير، لأنه منتف يداهة، فان عظم أحد الخلطين وهو الإيمان ظاهر لا يخفى.","vol":"4","page":135},{"text":"أيضًا عليه هو سياق الآية حيث قال: فأي الفريقين (١) ﴿بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. لا يقال: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ قرينه على الأولين منهما، لأنا نقول: درجات الأمن متفاوتة وفي كل منها صاحب كبيرة (٢) وإن لم يكن أقل من أنه ليس بخالد في النار. قوله [فقد أعظم الفرية على الله] لما أنه تعالى قال في كتابه ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ومن ادعى رؤيته -ﷺ- بالأبصار التي هي له في الدنيا فلا شك أنه كذب بآيات ربه، ثم إن (٣) ابن عباس\n_________\n(١) والفريقان معلومان لا واسطة بينهما، وهما المؤمن والكافر.\n(٢) أي يمكن دخول صاحب كبيرة في كل من هذه الدرجات.\n(٣) والمسألة شهيرة والخلاف فيها مبسوط في الدفاتر والكتب، وجملتها كما في الجمل عن الخازن تحت قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: اختلفوا في الذي رآه، فقيل: رأى جبريل، وهو قول ابن مسعود وعائشة وقيل: هو الله ﷿، ثم اختلفوا على هذا في معنى الرؤية، فقيل: جعل بصره في فؤاده، وهو قول ابن عباس، روى مسلم عنه: ولقد رآه نزلة أخرى، قال: رأى ربه بفؤاده مرتين، وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه حقيقة، وهو قول أنس بن مالك والحسن وعكرمة، قالوا: رأى محمد ربه ﷿، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله ﷿ اصطفي إبراهيم بالخلة واصطفي موسى بالكلام، واصطفى محمدًا بالرؤية، وقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وكانت عائشة تقول: لم ير رسول الله -ﷺ- ربه، وتحمل الآية على رؤية جبرئيل، وفي الخطيب: حاصل المسألة أن الصحيح ثبوت الرؤية، وهو ما جرى عليه ابن عباس، انتهى. وفي شرح العقائد: الصحيح أنه -ﷺ- إنما رأى ربه بفؤاده لا بعينه، وصححه القاري في شرح الفقه الأكبر وكذا في التفسير الأحمدي، وقال الرازي في الكبير: إن النصوص وردت أن محمدًا -ﷺ- رأى ربه بفؤاده فجعل بصره في فؤاده، أو رآه ببصره فجعل فؤاده في بصره انتهى. وقال الحافظ المراد: برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرد حصول العلم لأنه -ﷺ- كان عالمًا بالله على الدوام، بل مراد منى أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا، انتهى. وسيأتي شيء من ذلك في تفسير سورة النجم.","vol":"4","page":136},{"text":"﵁ قائل بها، ولا يبعد الجمع بين المذهبين بأن رؤيته وقعت بقوة قلبه الشريف وقد حلت في بصره إذًا، فمن قال برؤيته بقلبه صدق كمن قال برؤيته بباصرته. وأما قوله في الثاني: فقد أعظم الفرية على الله مع أن المناسب في الظاهر أن تقول: فقد أعظم الفرية على رسول الله -ﷺ- فلا أنه تعالى يقول في كتابه: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ثم إنه ﵎ دعاه في كتابه رسولا ونبيًا ولم يحول رسالته منه إلى غيره -ﷺ- فعلم بذلك أنه لم يكتم أمرًا مما أمر بتبليغه. قوله [فأنزل الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾] يعني أن المناط في الحل هو انزهاق روحه على اسم الله الكبير لا إسناد المون فإن المميت والمحي هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، ثم أقيمت تسمية القلب مقام (١) تسمية الظاهر، أما عند الشافعي رحمة الله تعالى\n_________\n(١) يعني عند الجمهور وإلا فالمسألة خلافية. وذهب غير واحد إلى أن تسمية القلب لا تكفي، قال صاحب الجمل: اختلف العلماء في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها، فذهب قوم إلى تحريمها سواء تركها عمدًا أو نسيانًا، وهو قول ابن سيرين، ونقله فخر الدين عن مالك، ونقل عن عطاء: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام، وقال الثوري وأبو حنيفة: إن تركها غامدًا لا تحل، وإن تركيا ناسبًا حلت، وقال الشافعي: تحل الذبيحة سواء تركها عامدًا أو ناسيًا، ونقله البغوي عن ابن عباس ومالك، ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين فيما إذا تركها عامدًا، وإن تركها ناسيًا حلت، انتهى.","vol":"4","page":137},{"text":"مطلقًا، وأما عندنا النسيان (١).قوله [إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد] يعني به (٢) كونه متيقن النزول قطعي الحكم ظاهر الدلالة على ما أريد به وإن\n_________\n(١) ففي الهداية: إن ترك الذابح التسمية عمدًا فالذبيحة ميتة لا تؤكل، وإن تركها ناسيًا أكل، وقال الشافعي: أكثل في الوجهتين، وقال مالك: لا تؤكل في الوجهتين، وهذا القول الشافعي مخالف للإجماع، فانه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمه متروك التسمية عامدًا، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيًا. فمن مذهب ابن عمر أنه يحرم، ومن مذهب على وابن عباس أنه يحل، بخلاف متروك التسمية عامدًا لا يسع فيه الاجتهاد، ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ، إلى آخر ما بسطه في الدلائل.\n(٢) وأوضح من سياق الترمذي ما في الدر برواية جماعة من المخريجين عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمة، فليقرأ هؤلاء الآيات، الحديث. وبرواية عبادة بن الصامت، قال، قال رسول الله -ﷺ-: أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلاها، ثم قال: فمن وفي بهن فأجره على الله الحديث. وبرواية ابن سعد، قال قال رجل للربيع بن خشيم: أوصني، قال: ائتي بصحيفة، فكتب فيها ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴿الآيات قال: إنما أتيتك لتوصى، قال: عليك بهؤلاء فعلم أن المراد صحيفة للوصية والمبايعة، وفي الجمل عن أبي السعود هذه الأحكام العشرة لا تختلف باختلاف المم والإعصار، وعن ابن عباس: هذه آيات محكمات لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة، انتهى.","vol":"4","page":138},{"text":"كان أكبر القرآن يشاركه في ذلك والبناء فيه على العدة، فان الكتاب إذا كان مختومًا كان نسبته إلى صحبه يقينية. قوله [الدجال والدابة وطلوع الشمس] يعني هذا المجموع من حيث أنه مجموع وإن قبل (١) بعد شئ من الثلاثة، وأما إذا\n_________\n(١) ببناء المجهول، أي وإن قبل الإيمان بعد ظهور بعض من هذه الثلاثة، لكن لا يقبل بعد ظهور المجموع أي الثلاثة كلها، وعلى هذا فلا إشكال في الرواية، وما يظهر بمجموع الروايات في هذا الباب أن الدار على طلوع الشمس لا غير، وسط الحافظ في الفتح الكلام على ذلك تحت حديث أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغريها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، الآية، قال ابن عطية: في هذا الحديث دليل على أن المراد بالبعض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ طلوع الشمس من المغرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وأسند الطبري عن ابن مسعود أن المراد بالبعض إحدى ثلاث هذه، أو خروج الدابة، أو الدجال، وفيه نظر، لأن نزول عيسى يعقب خروج الدجال، وعيسى لا يقبل إلا الإيمان، فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يقبل الإيمان، وثبت في صحيح مسلم عن أبى هريرة رفعة: ثلاث إذا خرجن، الحديث، وهو حديث الباب عند الترمذي، قيل: فلعل حصول ذلك يكون متتابعًا بحيث تبقى النسبة إلى الأول منها مجازية، وهذا بعيد لأن مدة لبث الدجال إلى أن يقتله عيسى، ثم لبث عيسى وخروج يأجوج مأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب، فالذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات = =العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة وتنتهي ذلك بموت عيسى، وطلوع الشمس من مغربها أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم، قال أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه، انتهى.","vol":"4","page":139},{"text":"وجد الكل فلا، ويمكن (١) أن يقال فيه: إن الحكم منوط بكون كل منها أيها كان، والظاهر أن الدابة (٢) خارجة بعد الطلوع لأنها تسم الفريقين بسمتهما،\n_________\n(١) بوكلا الاحتمالين وردت الآثار عن الصحابة، قال الخازن: قيل: بل ذلك بعض الآيات الثلاثة: الدابة، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ويروي عن ابن مسعود أنه قال: التوبة معروضة على ابن آدم ما لم تخرج إحدى ثلاث، ويروي عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت التوبة، ويروي عن أبي هريرة قال: هي مجموع الآيات الثلاث: الطلوع، والدجال، والدابة، وأصح الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة أنه طلوع الشمس من مغربها، انتهى.\n(٢) وهو مختار الحافظ كما تقدم، وبه جزم أبو عبد الله، قال الحافظ: وحكمه ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا المقصود من إغلاق باب التوبة، انتهى. وتقدم الكلام على الآيات ي أبواب الفتن.","vol":"4","page":140},{"text":"والظاهر كون ذلك بعد الطلوع واستقرار كل امرئ على ما قدر له، بقى الدجال فان التوبة مقبولة بعد خروجه فلا يصح كون كل من الثلاثة مانعًا قبول التوبة، والتوجيه (١) أن المرأ بعد خروجه لا يوفق لها فنفى القبول صادق بارتفاع التوبة رأسًا أو بوقوعها وعدم قبولها والله أعلم. قوله [فاكتبوها له بعشر أمثالها] ولعل العشر وراء الواحدة التي كتبت عند العزم ولا مانع منه وفضل الله أوسع. سورة الأعراف قوله: [قال حماد: هكذا] أي أشار إلى الأرض كا (٢) للشيء إلى تحت.\n_________\n(١) يأبى عن هذا التوجيه ما تظافرت عليه الروايات من أن نزول عيسى ﵇ بعد خروج الدجال، وهو لا يقبل إلا الإسلام، وكذا يبعد ما حكى الحافظ عن البيهقي من توجيه الحديث بأنه لا ينفع إيمان من آمن بعيسى عند مشادة الدجال، وينفعه بعد انقراضه، وذلك لأنه يأبى عنه ما ورد أن الدين في زمان عيسى يكون كله الله، فلا يصح التوجيه إلا ما تقدم في كلام الشيخ، قال القاري: فيه تغليب والمراد هذه الثلاثة بآسرها، قلت: وكذلك جزم عامة شراح الحديث والمفسرين بأن العبرة في عدم قبول التوبة والإيمان للطلوع.\n(٢) بياض في الأصل بين (كا) وبين للشئ ولم أتحصل غرض الشيخ، وما حمل عليه أهل التفسير أثر هذا على قلة الظهور، ففي الخازن: قال السدى: ما تجلى إلا قدر الخنصر يدل عليه ما روى ثابت عن أنس أن النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية وقال: هكذا ووضع الاتهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل، انتهى. وحكى السيوطي في الدر عن جماعة من طرق عن أنس أن النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: هكذا وأشار بإصبعية، ووضع طرف إيهامه على أنملة الخنصر، وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل وخر موسى صعقًا، وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض، فهو يهوى فيها إلى يوم القيامة، وأخرج أبو الشيخ وغيره عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: أظهر مقدار هذا ووضع الإبهام على خنصر الأصبع الصغرى، انتهى.","vol":"4","page":141},{"text":"قوله [فاستخرج منه ذرية] أي على الترتيب كلا من أبيه (١)، وقوله في الجواب: [إذا خلق العبد للجنة] يعنى أن العمل بتقديره تعالى كما أن السعادة والشقاه بتقديره أيضًا فلا تكاسلوا وسددوا وقاربوا، فإن العمل بعمل أهل الجنة دليل كونه منهم، كما أن العمل بعمل أهل النار دليل كونه منهم، أجارنا الله منه.\nقوله [فأعجبه ويص ما بين عينيه] وهذا لا يستلزم كون ويصه خيرًا من كل من حضر هناك، فان إعجاب المرء بشئ لا يقتضى كونه أفضل من كل ما سواه، قوله [فجعد آدم] ليس بمعنى الإنكار (٢) مع علم، وإنما هو الإنكار فحسب، ثم لما كان منشأة النسيان أفرده، والخطأ هو أكل الشجرة وغلب في ذريته في كل منهم ما ناسبه من الثلاثة.\n_________\n(١) وبذلك جزم عامة المفسرين، ففي الجلالين: أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم نسلا بعد نسل، كنحو ما يتوالدون كالذر، انتهى. وهكذا في الخازن، وحكى صاحب الجمل عن الشعراني عشرة أبحاث في تفسير الآية فارجع إليه.\n(٢) قال القاري: قوله جحد آدم أي ذلك لأنه كان في عالم الذر، فلم يستحضره حالة مجئ ملك الموت له، وقوله: نسى ابن آدم، إشارة إلى أن الجحد كان نسيانًا أيضًا إذ لا يجوز جحده عنادًا، انتهى. ثم الحديث يخالفه ما سيأتي في آخر كتاب التفسير من أنه أعطاه من عمره ستين سنة، وسيأتي الجمع هنالك.","vol":"4","page":142},{"text":"قوله [فسمته عبد الحارث] وهذا تفسير لقوله تعالى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ والشرك (١) هو الشرك في التسمية، وتسميته ها إن كان بعد عليه أن الحارث اسم إبليس فهو ظاهر أنه إثم وإن كانت صغيرة لأن المعنى اللغوي (٢) لا يكون مقصودا في العلم وإنما هو وضع ثان،\n_________\n(١) وبذلك جزم السيوطي في الجلالين إذا قال: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ بتسميته عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله، وليس بإشراك في العبودية لعصمته، ثم ذكر حديث سمرة هذا، وقال: رواه الحاكم وقال: صحيح، انتهى. ولم يرتض عنه البيضاوي وفسر الآية بقوله: ﴿﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاء﴾ أي جعلا أولادهما له شركاء فيما آثى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد المناف على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامة، وقيل: لما حملت حواء، فذكر هذه القصة، ثم قال: أمثال ذلك لا يليق بالأنبياء، انتهى.\n(٢) ولو سلم فقد قال العلماء: لم يكن ذلك شركًا في العبادة ولا أن الحارث رب لهما لأن آدم ﵇ كان بنبيًا معصومًا من الشرك، ولكن قصدا بالتسمية أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامته، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما قال الشاعر: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا أخبر عن نفسه أنه عبد الضيف مع بقاء الحرية، وإنما أراد بالعبودية خدمة الضيف، فكذلك هاهنا، وغنما أخبر عن آدم ﵇ بقوله سبحانه ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فمنصب النبوة أشرف المناصب وأعلاها، فعاتبه الله ﷿ لأنه نظر إلى السبب ولم ينظر إلى المسبب، كذا في الخازن.","vol":"4","page":143},{"text":"وإن كان بغير أن يعلم ذلك فلقلة المبالاة يستخدم التحقيق والتقصير في ذلك فعلم أن الورد بما ليس له معنى معلوم لا يصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>[سورة الأنفال]</span>\n\nقوله [فقال: هذا ليس لي ولا لك] لما أن حكم الغنائم لم يكن نزل بعد فأنها أول غنيمة في الإسلام، وقول من قال (١) لأنها من غنيمة لم تقسم ذهول.\nقوله [فأتاه أبو بكر] وكان النبي -ﷺ- في مقام العجز والعبودية والله صمن، وأبو بكر في مقام التوكل. قوله [فناداه العباس وهو في وثاقة] وكان خروجه لجبرهم (٢) عليه إلا أن من كثر سواد قوم فهو منهم ولذلك السر فدى كفدية الآخرين. قوله [لا يصلح] لما أنه خاف (٣) على نبي الله -ﷺ- أن يدخل عليهم في دارهم وهم مخنقون (٤) عليه فلا يقصرون في إضراره\n_________\n(١) كما ذكر في بين سطور الكتاب، ولم يعزه إلى أحد، ثم ما أفاده الشيخ عن أنه لم يكن نزل حكم الغنيمة بعد بذلك جزم غير واحد من العلماء، ويشكل عليه لاسيما على الحنفية أنه كيف قال -ﷺ- في غزوة بدر: من قتل قتيلا فله سلبه، وأجاب عنه شيخنا في البذل فارجع إليه.\n(٢) ففي الإصابة: شهيد بدرًا مع المشركين مكرهًا، وفي الخميس: قال النبي -ﷺ- يومئذ لأصحابه: إني قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا ولا حاجة لهم بقتنالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البختري فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فأنه إنما خرج مستكرها، انتهى. وسيأتي عنه قريبًا أنه قال: إني كنت مسلمًا لكن القوم استكرهوني.\n(٣) وهذا دليل بين على إكراهه ﵁ على الخروج وعدم رضائه بإيذاء النبي -ﷺ- والقتال معه.\n(٤) قال المجد: الحنق محركة الغيظ أو شدته، وأحنق أغضب وحقد حقدًا لا ينحل، انتهى.","vol":"4","page":144},{"text":"وإيذائه. قوله [فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن] مدح لأستاذه (١) على غزارة عليه وكثرة رواياته، وليس فيه لغيره وقله [وقعوا في الغنائم] وهذا من غير إطلاعه -ﷺ- وكانوا قد أكلوا منها وتصرفوا فيها غير ذلك.\nقوله [إلا سهيل بن للبيضاء] لثبوت (٢) إسلامه ﵁.\n_________\n(١) يعني أن هذه جملة معترضة بين نظم الحديث، ويؤيد ذلك أن الحديث أخرجه صاحب التيسير برواية الترمذي بلفظ: لم تحل الغنائم لأحد سود الرأس من قبلكم، إنما كانت تنزل نار من السماء فتأكلها، فلما كان يوم بدر وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم، فأنزل الله تعالى، الحديث. وأخرج السيوطي برواية جماعة للمخرجين منهم الترمذي عن أبى هريرة قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم، فأصابوها قبل أن تحل لهم، فقال رسول الله -ﷺ-: إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الروس قبلكم، كان وأصحابه إذا غنموا جموعها ونزلت نار من السماء فأهلكتها، فأنزل الله هذه الآية ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ إلى آخر الآيتين، انتهى.\n(٢) كتب الشخ أولا في تقريره (قوله: إلا سهيل بن البيضاء، ولا أدري ما الذي فرق به بين سهيل وعباس، فليسأل، انتهى) ثم ضبب عليه وكتب محله (لثبوت إسلامه) ولعله سأل الشيخ عنه فأقاد ذلك، لكن يشكل عليه ما في الخميس: قال النبي -ﷺ- للعباس: أقد نفسك وابني أخيك عقيل وتوفل فانك ذو طال، قال: إني كنت مسطًا لكن القوم استكرهوني، قال: الله أعلم بإسلامك إن ربك ما ذكرت حقًا فالله يجزيك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، انتهى. وهذا المعنى موجود في سهيل أيضًا اللهم إلا أن يقال: إن إسلام سهيل كان بالشهادة بخلاف العباس مع أنه يدل بعض الروايات على أن عباسًا أسلم إذ ذاك حين أخبره النبي -ﷺ- بمال دفعة إلى زوجته سرًا لا يعلمه غيره حين خرج من مكة، ثم في الحديث إشكال آخر أيضًا، وهو أنه ورد فيه استثناء سهيل بالتصغير، وهو هكذا في الدر المنشور والخازن وغيرهما، وقال الحافظ الإصابة: سهيل ابن بيضاء ذكر ابن إسحاق أنه شهد بدرًا، وذكره في البدريين أيضا موسى ابن عقبه، وزعم ابن الكلبي أنه الذي أسر يوم بدر وشهد له ابن مسعود، ورد ذلك الواقدي وقال: إنما هو أخوه سهل، ويؤيد الكلبي ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ثم ذكر حديث الباب، وقال في سهل: قال أبو حاتم: كان سهل ممن يظهر الإسلام بمكة، وقال أبو عمر: أسلم سهل بمك، فكتم إسلامه، فأخرجه قريش إلى بدر، فأسر يومئذ، فشهد له ابن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، فأطلق، انتهى. وقال ابن الأثير في أسد الغاية في سهل: كافة ممن أظهر إسلامه بمكة، وقال في سهيل بالتصغير: قريشي قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة فجمع الهجرتين، ثم شهد بدرًا وغيرها، انتهى. فتأمل. وما أشار إليه المصنف من القصة مذكورة في الدر والخازن وغيرهما في استشارية -ﷺ-. وقوله لأبى بكر: مثلك كمثل إبراهيم وعيسى، وقوله لعمر: مثلك كمثل نوح وموسى، وقال الخازن أخرجه الترمذي مختصرا وقال: في الحديث قصة، وهي هذه القصة التي ذكرها البغوي، ثم أخرج الخازن عن رواية عمر بعض هذه القصة مع زيادة فيها.","vol":"4","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>[سورة التوبة]</span>\n\nقوله [ووضعتها في السبع الطول] يعني أن ترك البسملة لعدم القطع بكونهما سورتين، وترك الفرجة لعدم القطع بكونهما سورة، ثم الوضع في الطول (١)\n_________\n(١) وقد تقدم في فضل الفاتحة ما هو المشهور عند أهل الفن أن أول القرآن السبع الطول، ثم المئون، ثم المثاني، ثم المفصل.","vol":"4","page":146},{"text":"فلأنهما إن كانتا سورتين فلا حرج في وضعهما هناك فقد تخلل في المئين بعض المثانى كالحجر والرعد، وإن كانتا سورة واحدة فهي في محله، بخلاف ما لو وضعته في المثاني، فان وضعها ثمة لم يكن موافقا، فلذلك أخرته عن الطول وقدمته على المئين لأجل الشبهة في كون كل منهما يقينًا.\nقوله [أي يوم أحرم] على زنة التفضيل الله (١) ورسوله أعلم، وكانوا قد فهموا أنه سيجيب مسألته بنفسه، ثم لما أعاده ثانيًا حملوه على الاتفاق، وتيقنوا في الثالثة أن المقصود هو السؤال وأن يجيبوه بألسنتهم.\nقوله [فإنه موضوع كله] أي مع رأس ماله (٢) ولعل المرجع إلى المال\n_________\n(١) هكذا في الأصل، فيحتمل أن يكون من كلام الشيخ قدمه تمهيدًا لكلامه الآتي، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنهم أحالوا في المرتبتين الأوليين على الله ورسوله، كما هو مذكور في الروايات في أكثر أسئلة هذه الخطبة، ففي المشكاة برواية الشيخين عن أبى بكرة قال: خطبنا النبي -ﷺ- يوم النحر وقال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس البلد الحرام؟ قلن: بلى، قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دمامكم وأمواتكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكن هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، الحديث.\n(٢) هذا هو الظاهر من سياق الحديث، فأنه -ﷺ- وضع أولا ربا الجاهلية وأبقى لهم رؤس أموالهم، ثم استثنى من ذلك ربا العباس، فمقتضاه أن يكون حكمه غير ما سبق إلا أن عامة الشراح كالنووي والقاري والشيخ في البذل وغيرهم ذهبوا إلى أن الموضوع في ربا العباس أيضًا الزيادة على رأس المال، ولم يتعرضوا للاستثناء في حديث الباب","vol":"4","page":147},{"text":"المذكور في ضمن الربا،\nقوله [دم الحارث] وفي بعض الروايات (١) دم ربيعة، وفي بعضها دم إياس، والكل واحد، فان المقتول هو إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فأضافه بعضهم إلى المقتول نفسه، وبعضهم إلى أبيه، وبعضهم إلى جده، وقصة قتله نقله (٢) في الحاشية.\n_________\n(١) وبالألفاظ الثلاثة وردت الروايات المختلفة العديدة، وفي المشكاة في حديث جابر الطويل: وأول دم أصنع من دمائنا دم ابن ربيعة، قال القاري: اسمه إياس بن ربيعة بن الحارث، وصح من بعض الرواة دم ربيعة بن الحارث، وهي رواية البخاري، وقد خطأهم جمع من أهل العلم بأن الصواب دم ابن ربيعة، ويمكن تصحيح ذلك بأن يقال إضافة الدم إلى ربيعة لأنه ولي ذلك، أو هو على حذف المضاف أي دم قتيل ربيعة اعتمادًا على اشتهار القصة، انتهى. وقال النووي: قال المحققون والجمهور: اسم هذا الابن إياس بن ربيعة، وقيل: اسمه حارثة، وقيل: آدم وقال الدارقطني: هو تصحيف، وقيل: أسمه تمام ورواه بعض رواة مسلم دم ربيعة بن الحارث، وكذا رواه أبو داؤد، وقيل: هو وهم والصواب ابن ربيعة، لأن ربيعة عاش بعد النبي -ﷺ- إلى زمن عمر ﵁ انتهى.\n(٢) تبعًا للنووي من أنه كان هذا الابن المقتول صغيرًا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر، انتهى.","vol":"4","page":148},{"text":"قوله [واستوصوا بالنساء خيرًا] وكن في العرب لا منزلة لهن كالإماء، وذلك لملابسه اليهود، والأمر في النصارى كان بعكس ذلك.\nقوله [يوم النحر] وهذا لا ينفي كون عرفة (١) يوم الحج الأكبر فإن معظم أفعال الحج فيه، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ فصادق على اليومين معًا، فإن النداء كانت فيهما وبعدهما أيضًا، ولكل من القولين روايات وآثار، وقيل: الحج الأكبر هو الحج والأصغر هو العمرة، فعلى هذا (٢) الحج عرفة.\nقوله [ثم دعاه] هذا مجاز (٣) عن الإعلام لأنه لم يكن ثمة دعاء.\n_________\n(١) يعني لا منافاة بين مختلف ما ورد في مصداق الحج الأكبر ويوم الحج الأكبر، ففي حديث الباب أنه يوم النحر، سمى بذلك لأنه تتكمل فيه المناسك وتتكثر، وروى الطبري من طريق أبى جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الأفراد، وعن الثوري: أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وقيل غير ذلك كما في الفتح.\n(٢) هكذا في الأصل والظاهر أن في العبارة سقوطًا، والمراد ظاهر، قال البيضاوي تحت قوله تعالى ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، وقيل: يوم عرفة لقوله ﵇: الحج عرفة، وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله، فأنه أكبر من باقي الأعمال، انتهى.\n(٣) فإن الروايات متظافرة على أنه -ﷺ- بعث عليا بعد ما أرسل أبا بكر ولحقه على ﵁ في الطريق.","vol":"4","page":149},{"text":"قوله [بعث النبي -ﷺ-] وجعله أمير الموسم، وأمره أيضا أن ينادي بهذه الكلمات، ثم أتبعه عليًا للنداء فحسب سواء كان أصالة أو نيابة عن أبي بكر، وأيا ما كان فأبو بكر باق على كونه أمير موسم (١) من غير شك.\nقوله [فقام على أيام التشريق] أي أيام التشريق (٢) أيضًا، لا أنه اقتصر على النداء فيها.\nقوله (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر] فقيل: هي الأشهر الحرم (٣)، وقيل: بل من وقت النزول، وكان نزول الآية في شوال، وقيل: بل المراد رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثم اعلم أن العهدة كان مع كل قبائل العرب ثم نكثوا فمن نكث منهم أمهل له الأربعة الأشهر المذكورة، ومن لم ينكث كان باقيًا على عهده، وهو تمام العشرة.\n_________\n(١) فقد حكى الحافظ عن الطحاوى في مشكلة أن أبا بكر كان الأمير في تلك الحجة بلا خلاف، وكان على هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأن عليًا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك، انتهى.\n(٢) وبذلك يجمع بين مختلف ما روى في ذلك كما يظهر من كلام الشراح الحافظ وغيره أن عليًا نادى بها من يوم التروية إلى آخر أيام التشريق في كل موضع اجتماع، ويستعين بأبي هريرة وغيره ممن عينهم أبو بكر أمير الموسم لذلك.\n(٣) واختلف في المراد بالأشهر الحرم في قوله تعالى ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ على أقوال بسطها الرازي، وقال البيضاوي تحت قوله تعالى ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، لأنها نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر، لأن التبليغ كان يوم النحر، انتهى مختصرًا. ثم قال: فإذا انسلخ الأشهر الحرم التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها، وقيل: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهذا مخل بالنظم مخالف للإجماع، فأنه يقتضي بقاء حرمه الأشهر الحرم، إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها، انتهى. وتقدم شيء من ذلك في أبواب الحج.","vol":"4","page":150},{"text":"قوله [ولا يحجبن بعد العام مشرك] وهذا خاص بأيام الحج، فأتبعه: ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان المعنى أنهم لا يأتون البيت في أيام الحج أيام طاعتنا، وأما في سائر الأيام، فلا يأتونه عراة على عادتهم، وفي هذا دليل على ما ذهب إليه (١) الإمام من جواز دخول الذمى في المسجد، وأما قوله تعالى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴿فالمراد به هو الحج للحديث (٢).\n_________\n(١) والمسألة خلافية شهيرة، قال الشيخ في البذل: في دخول المشرك المسجد مذاهب، فعند الحنفية الجواز مطلقًا، وعند المالكية والمزني المنع مطلقًا، وعند الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره للآية، انتهى. واختلف نقله المذاهب في بيانها.\n(٢) أي لحديث الباب، قال الجصاص في أحكام القرآن تحت قوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾: قد تنازع في معناه أهل العلم، فقال مالك والشافعي: لا يدخل المشرك المسجد الحرام، قال مالك: ولا غيره من المساجد إلا لحاجة من نحو الذمى يدخل إلى الحاكم في المسجد للخصومة، وقال الشافعي: يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة، وقال أصحابنا: يجوز للذمي دخول سائر المساجد، وإنما معنى الآية على أحد وجهين، إما أن يكون النهي خاصًا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد، لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهم مشركو العرب، أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج، ولذلك أمر النبي -ﷺ- بالنداء يوم النحر، وفي حديث على حين أمره النبي -ﷺ- بأن يبلغ عنه سورة براءة نادي: ولا يحج بعد العام مشرك، دليل على المراد بقوله: فلا يقربوا المسجد الحرام، ويدل عليه قوله في نسق الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج، فدل ذلك على أن مراد الآية الحج، ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أفعال الحج وإن لم يكن في المسجد، ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع ثبت أن مراد الآية هو الحج دون قرب المسجد بغير الحج، إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":151},{"text":"قوله [فاشهدوا له بالإيمان] فعلم أن (١) لنا أن نشهد بإيمان من مات وهو مؤمن بظاهرة، وإن لم يكن لنا علم بما بينه وبين الله.\nقوله [لو علمنا أي المال خير] لما نزلت هذه الآية فهم بعضهم (٢)\n_________\n(١) ويشكل عليه ما ورد من الإنكار على عائشة في قولها: عصفور من عصافير الجنة، والإنكار على أم العلاء في قولها لعثمان بن مظعون: شهادتي عليك لقد أكرمك الله، وجمع بينهما بأن النهي محمول على الجزم وحديث الباب على الظن.\n(٢) كما هو معروف عن أبى ذر، روى عنه بألفاظ مختلفة وروايات كثيرة منها ما روى عنه: ذو الدرهمين أشد حبسًا من ذي درهم، وروى عنه: أي مال ذهب أو فضة أوكى عليه فهو جمر على صاحبه، ومنها ما روى عنه ثوبان أنه قال: ما من رجل يموت وعنده أحمر وأبيض إلا جعل الله له بكل قيراط صفحة من نار تكوى بها قدمه إلى ذقنه مغفورا بعد أو معذبًا، وروى نحو ذلك عن أبى أمامه وغيره، ذكرها السيوطي في الدر.","vol":"4","page":152},{"text":"حرمة جمع المال مطلقًا، ومنهم من سأله -ﷺ (١) ففسر له أن المراد ما لم يزك، وبعضهم لما علم في كنز النقدين ضررًا دلت عليه الآية سأله -ﷺ (٢) عما يكنزه ولا يستضر به، فأشار النبي -ﷺ- في الجواب بكنز النقدين بعد الزكاة حيث قال (٣)\n_________\n(١) فقد أخرج ابن أبى شيبة وأبو داود والحاكم وصححه وجماعة عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده، فقال عمر: إنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي -ﷺ- فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: إن الله لم يفرض الزكاة لا ليطيب بها ما بقى من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعد كم، الحديث، ذكره السيوطي، وعن أم سلمه قالت: يا رسول الله، إن لي أوضاحًا من ذهب أو فضة أفكن هو؟ قال: كل شيء تؤدي زكاته فليس بكنز.\n(٢) كما في حديث الباب، وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن مردوية عن بريده، قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴿قال أصحاب رسول الله -ﷺ-: نزل اليوم في الكنز ما نزل، فقال أبو بكر: يا رسول الله! ماذا نكنز اليوم؟ قال: لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة صالحة تعين أحدكم على إيمانه، كذا في الدر.\n(٣) يعني جوابه -ﷺ- بصيغة التفضيل دليل لجواز غيره، بل لفضله أيضًا، وورد عند الشيخين من رواية سعد بن أبى وقاص مرفوعًا: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، الحديث.","vol":"4","page":153},{"text":"أفضله، وهذا يقتضي جوازًا في غيره بل فضلا فيه، وصرح بما يكنزه لآخرته فقال: لسان إلخ.\nقوله [أما إنهم لم يكونوا إلخ] لكنهم عاملوا بهم معاملة الأرباب في امتثال أوامرهم حسب ما لم يأمر به (١) شريعتهم كما يفعله مسترشدو زماننا في إطاعة مرشيدهم، وإن خالف الشرع الشريف.\nقوله [والله ورسوله أعلم] أي بما هو أولى (٢) أن يفعل بالمنافقين، أو المعنى الله ورسوله أعلم بما كان بي إذا من شدة الغضب وفورانه حيث لم يقدر على السكوت وعدم التعرض مع رسول الله -ﷺ-، فيكون اعتذارًا وجوابًا عما عسى أن يسأل أن عمر كيف أقدم على النبي -ﷺ- واجترأ على مقالته التي ذكرت وذكر الرسول مع أن الله هو العليم بما في صدور الرجال لما أنه يطلع رسوله على\n_________\n(١) ففي الدر من رواية البيهقي في الشعب عن حذيفة، قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم أطاعوهم في معصية الله، قال الخازن: يعني أنهم أطاعوهم في معصية الله، وذلك أنهم أحلوا لهم أشياء وحرموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم فأطاعوهم فيها، قال البيضاوي: أما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهو في الحقيقة طاعة الله.\n(٢) ولفظ البخاري في التفسير: قال: فعجبت بعد من جراءتي على رسول الله -ﷺ- والله ورسوله أعلم، قال الحافظ: ظاهرة أنه من قول عمر، ويحتمل أن يكون من قول ابن عباس، وقد روى الطبري من طريق الحكم بن أبان في نحو هذه القصة قال ابن عباس: فالله أعلم أي صلاة كانت، وما خادع محمد أحدًا قط، انتهى. قلت: لكن ظاهر سياق الترمذي كالنص على أنه مقولة عمر في حديث، ولا ينافيه أن يكون مثل هذا الكلام من مقولة ابن عباس أيضًا في حديث آخر.","vol":"4","page":154},{"text":"ما يشاء، فإن الرسالة التي عبر بها عنه معتبرة في المعنى، ولذلك لم يؤت (١) بأمثال هذه الموارد باسمه -ﷺ- حتى لا يفوت التنبيه على أن حيثية الرسالة معتبرة فيه.\nقوله [أليس قد نهى الله إلخ] يعني (٢) أن الله تعالى قال في كتابه الكريم:\n_________\n(١) يعني لا يقال في أمثال هذه المواضع: الله ومحمد أعلم، أو نحو ذلك، بل يعبر بالله ورسوله أعلم تنبيهًا على أن العبرة للرسالة.\n(٢) قال الحافظ: كندا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استشكل جدًا حتى أقدم بعضهم فقال: هذا وهم من بعض رواته، وعاكسه غيره فزعم أن عمر أطلع على نهي خاص في ذلك، وقال القرطي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ قال الحافظ: والثاني بما قاله القرطبي أقرب من الأول، لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة على المنافقين بدليل أنه قال في آخر الحديث: فأنزل الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ والذي يظهر أن في الرواية تجوزا= =بينته رواية عبيد الله بن عمر عند البخاري بلفظ: فقال: تصلى عليه وقد نهالك الله أن تستغفر لهم؟ ووقع عن ابن مردويه عن ابن عباس قال قال: استغفرلهم، الآية، فكأن عمر فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من أن (أو) ليست للتخبير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور، أي الاستغفار وعدمه سواء، وفهم أيضًا أن سبعين مرة للمبالغة والعدد المعين لا مفهوم له، والمراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار، وفهم أيضًا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة له، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، انتهى مختصرًا","vol":"4","page":155},{"text":"﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم﴾ ِ وقال أيضًا: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فعلم عمر من الآيتين معًا حرمة الاستغفار لهم، والصلاة شاملة للاستغفار، فلذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: أوليس قد نهى الله إلخ لما أنه رضي الله تعالى عنه حمل قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ على أنه نهى تحريم، ولذلك قال في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إنه أراد بذلك منعه عن الاستغفار لهم، وأما النبي -ﷺ- فلما (١) حمل\n_________\n(١) قال الحافظ: وإنما لم يأخذ النبي -ﷺ- بقوله، وصلى عليه إجراءًا له على ظاهر حكم الإسلام واستصحابا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته ومصلحة الاستئلاف، ودفع المفسدة، وكان -ﷺ- في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير، ولذلك قال: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فلما حصل الفتح ودخل المشركون في الإسلام أمر بمجاهرة المنافقين وحملهم على حكم الحق، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك بما أمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الأشكال عما وقع في هذه القصة. قال الخطابي: إنما فعل ذلك لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، ولتطيب قلب ولده الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصلاة قبل النهي الصريح لكان سبة على ابنه، وعارًا على قومه، قال الحافظ: وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبي لكونه -ﷺ- صلى عليه، وذهل عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرحة في حقه بما ينافى ذلك، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في الصحابة مع شهرته، وقد أخرج الطبري من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصة قال: فأنزل الله ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، قال فذكر لنا أن نبي الله -ﷺ- قال: وما يغنى عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه، انتهى.","vol":"4","page":156},{"text":"قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ على التخيير، وغن لم يكن مفيدًا في حقهم، حمل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ على أن معناه لا ينبغي لهم ذلك، فآثر الصلاة عليهم إما لأنه مختار في ذلك فيختار ما هو أفيد في حقه -ﷺ-، ولا شك أن دعوته إن لم تكن نافعة للمنافقين فكانت مفيدة للمؤمنين، لأنه كان يدعو بألفاظ عامة شاملة كالدعاء المأثور في صلاة الجنازة الممول فينا، ولنفسه الشريفة (١) إذ قد كان يثاب عليها، وإما لأنه أراد أن لا يستغفر فيها، والنهي ليس إلا عن الاستغفار وأما عن الصلاة فلا.\nقوله [هو مسجدي] ولقد بينا من قبل (٢) أنهما كانا قد اتفقا على كون المراد به مسجد قباء، ثم اختلفنا في أنه هل هو خاصة أم المسجد النبوي أيضًا، فأثبته أحدهما ونفاه الآخر، فبين النبي -ﷺ- شموله لهما، وعلى هذا لا يلزم منافاة بين الآية والرواية.\nقوله [فنزلت مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا إلخ] والآية دالة على أن\n_________\n(١) عطف على قوله (للمؤمنين) يعني كانت مفيدة للمؤمنين لما تقدم، وكانت مفيدة لنفسه الشريفة لما أنه يثاب عليها. وقوله: (إما لأنه أراد) عطف على قوله (إما لأنه مختار) يعني آثر الصلاة لحملة (أو) على التخيير، أو لحملة النهي على الاستغفار خاصة لا الصلاة.\n(٢) فقد تقدم في أبواب الصلاة (باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى) وذكر فيه المصنف حديث أنيس بن أبي يحي.","vol":"4","page":157},{"text":"إيفاء ما وعد (١) وهو حرام لا يجوز فضلا عن أن يجب.\nقوله [كما قال الله تعالى] ﴿وَلَوْ (٢) تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾\nقوله [فذكر الحديث بطولة] وهو مذكور في الكشاف، ولعله مفصل في الصحيحين أيضًا (٣). قوله [بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك [ولا يتوهم أنه كيف (٤) فضل يوم قبلت توبته على يوم أسلم لأن الردة أشد من الكفر الأصلي، وليس (٥) سخط الله بأهون منها، أو يقال الفضل جزئي.\n_________\n(١) والمراد منه قوله ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ الآية، ومؤدي الآية كما جزم به أهل التفسير أنه يجوز لهم الاستغفار لأحبائهم فإنه طلب توفيقهم للإيمان فلما تبين أنه أصحاب الجحيم بأن ماتوا على الكفر، فلا يجوز.\n(٢) قال الخازن: ولو تواعدتم أنتم والمشركون لاختلفتهم في الميعاد، وذلك لأن المسلمين خرجو ليأخذوا العير، وخرج الكفار ليمنعوها من المسلمين فالتقوا على غير ميعاد، والمعنى لو تواعدتم أنتم والكفار على القتال لاختلفتم أنتم وهم، لقلتكم وكثرة عدوكم، انتهى.\n(٣) قلت: أخرجه البخاري في مواضع من كتابة، منها في غزوة تبوك بترجمة مستقلة، وهي (حديث كعب بن مالك)، وكذا أخرجه مسلم في كتاب التوبة في (باب حديث توبة كعب بن مالك).\n(٤) قال الحافظ استشكل هذا الإطلاق يوم إسلامه، فأنه مر عليه بعد أن ولدته أمه، وهو خير أيامه، فقيل: هو مستثنى تقديرًا وإن لم ينطق به لعدم خفائه، والأحسن في الجواب أن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته ويوم توبته مكمل لها، فهو خير جميع أيامه وإن كان يوم إسلامه خيرها، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها، انتهى.\n(٥) لا يقال: إن ذلك كبيرة فكيف يساوي الكفر؟ لأن مزية الكفر على الكبيرة باعتبار أن الكفر لا يغفر، والكبيرة تغفر، فإذا كانت كبيرة بحيث لا تغفر فأي فرق بينهما.","vol":"4","page":158},{"text":"قوله [أمن عند الله أو من عندك] أي هل بمحض لطفه تعالى أم بشفاعتك.\nقوله [وأن أنخلح من مالي إلخ] وكانت استشارة لا إيقافًا، وإلا لما صح الاستثناء منه، كما استثنى بعد ذلك بعضه، وفي الحديث دلالة على أن لفظ المال يعم غير الدراهم والدنانير أيضًا والعقار ونحوه، وقال الإمام (١): المال ما فيه زكاة، ولا يصح الاستدلال بما في الرواية، فإن عرفهم متفاوت عرفهم.\nقوله [فوجدت آخر سورة براءة إلخ] وكان قد التزم (٢) في كتابته\n_________\n(١) وتوضيح ذلك ما في الهداية: من قال: مالي في المساكين صدقة، فهو على ما فيه الزكاة، وإن أوصى بثلث ماله، فهو على ثلث كل شيء، والقياس أن يلزمه التصدق في الأولى بالكل، وبه قال زفر، قال ابن الهمام: وبه قال البتي والنخعى والشافعي، وقال مالك وأحمد: يتصدق بثلث ماله، لقوله -ﷺ- لأبى لبابه حين قال: من توبتي أن أنخلع من مالي: يجزيك الثالث، ثم بسط الكلام في الدلائل، وأجاب= =عن حديث أبي لبابه بأنه ليس فيه تصريح بأنه نذر ذلك، فهو على أنه نوى ذلك وقصده، قلت: ولا يرد الحديث على الحنفية كما أفاده الشيخ لأن قول الحنفية هذا في النذر وهذه كانت استشارة، وأيضًا قد يتفاوت العرف مع أن الحنفية أيضًا قالوا بالإطلاق العام كما صرح به أهل الفروع في باب زكاة الأموال، ففي البحر: أن المال كما روى عن محمد كل ما يتملكه الناس من نقد وعرض وحيوان وغير ذلك، إلا أن في عرفنا يتبادر من اسم المال النقد والعروض، انتهى.\n(٢) وبسط هذا المعنى الحافظ في الفتح، وأخرج عن ابن أبى داؤد في المصاحف من طريق يحي بن عبد الرحمن قال: قام عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله -ﷺ- شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون في الصحف والألواح، قال: وكان لا يقبل من أحد شيء، حتى يشهد شاهدان، وهذا يدل على أن زيدًا لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد به من تلقاه سماعًا مع كون زيد كان يحفظه، وكان يفعل مبالغة في الاحتياط وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي -ﷺ- لا من مجرد الحفظ، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":159},{"text":"أن يسمع الآية عن جماعة، ثم يأخذ المكتوب عن اثنين، إلا أنه لم يجد هذه الآية مكتوبة إلا مع خزيمة (١) وإن كان سمع عن الجماعة (٢) وكان يحفظها بنفسه\n_________\n(١) كما في حديث الباب، واختلفت الروايات في أن آخر التوبة وجد مع خزيمة أو أبى خزيمة، وبكلأ الطريقين أخرجها البخاري في تفسير التوبة، وذكر لكل منهما المتابعة، وكذا اختلف في آية سورة الأحزاب، هل وجدت مع خزيمة أو أبى خزيمة، بسطة الحافظ في الجهاد والتفسير وفضائل القرآن، ورجح أن آخر سورة التوبة وجد مع أبى خزيمة بالسكينة، وهو غير الذي وجد معه آية سورة الأحزاب، وهو خزيمة بن ثابت بغير السكينة، وهو الذي جعل رسول الله -ﷺ- شهادته كالشهادتين، وعلم من ذلك أن كلام الشيخ مبنى على رواية الترمذي، وهو مخالف لمختار الحافظ.\n(٢) كما يدل عليه جل الروايات الواردة في ذلك، ففي الدر برواية جماعة من المخرجين عن أبى بن كعب أن آخر ما نزل من القرآن ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ الآية، وعنه أيضًا أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافه أبى بكر، فكان رجال يكتبون ويمل عليهم أبى بن كعب حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ﴿انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبى بن كعب: إن النبي -ﷺ- قد أقر أني بعد هذا آيتين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ الحديث، وفي رواية: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين، فقال عمر: من معك؟ فقال: لا أدرى والله، إلا أنى أشهد لسمعتها من رسول الله -ﷺ- ووعيتها وحفظتها، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله -ﷺ-، الحديث. وفي أخرى: جاء خزيمة بهاتين الآيتين، وقال عثمان: أنا أشهد أنهما من عند الله، فهذه الروايات وغيرها صريحة في أنهم سمعوا من الجماعة، وعدم الوجدان كان في الكتابة أو في الشهادة على الكتابة، هذا وقد بسط الحافظ في أسماء حفاظ القرآن في باب القراء من أصحاب النبي -ﷺ-.","vol":"4","page":160},{"text":"أيضًا، ثم إن خزيمة بن ثابت لما أقيمت شهادته مقام اثنين أقام كتابته مقام اثنين لذلك، ثم وقع مثل هذا الانفراد حين كتبت المصاحب في خلافه (١) عثمان ﵁، وكان في آية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الآية، وكان قد التزم في كتابته الثانية أيضًا مثل التزامه في الأولى مع زائدة، وهي العرض والمقابلة مع المصحف الذي كتب أولا، فاتفق أنه لم يجد كريمة ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية مكتوبة مع اثنين وإن كان في المصحف وعلى ألسنة القوم.\nقوله [وكان] أي عثمان (٢) [بغاري] أي يجهز [أهل الشام] وأهل العراق ليفتحوا آرمينية وآذربيجان.\n_________\n(١) قال ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سورة على ما وقفهم عليه النبي -ﷺ-، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجو القرآن حين قرأوه بلغاتهم على الاتساع، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فنسخ تلك الصحف مرتبًا لسورة في مصحف واحد واقتصر من سائل اللغات على لغة قريش كذا في الفتح.\n(٢) وبذلك جزم العيني إذ فسر الحديث بقوله: أي كان عثمان يجهز أهل الشام وأهل العراق لغزو آرمينية وآذربيجان وفتحهما، وبسط الحافظ في ضبطهما أشد البسط، ثم قال: وكانت هذه القصة في سنة خمس وعشرين في السنة الثانية أو الثالثة من خلافه عثمان، ثم ذكر الروايات المختلفة في ذلك وقال في آخره: فيكون ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين، وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن آرمينية فتحت فيه، وغفل بعض من أردكناه فزعم أن ذلك كان في حدود ثلاثين.","vol":"4","page":161},{"text":"قوله [أعزل عن إلخ] وكان في فهمه (١) ﵁ أنه لو تولى ترتبيته لرتبه أحسن ترتيب، إلا أنهم لم يدخلوه فيهم لأنه كان لا يترك ما أدى إليه فهمه، فخافوا أن يخالف الشورى فيفوت ما هم بصدده، ثم إن عثمان ﵁ أخذ سائر\n_________\n(١) قال الحافظ: وقد شق على ابن مسعود صرفه عن كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري، وأخرج ابن أبى داود عنه أنه قال: لقد أخذت من في رسول الله -ﷺ- سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبى من الصبيان، والعذر لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة، ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر، وأيضًا فان عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر وأن يجعلها مصحفًا واحدًا، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبى بكر هو زيد بن ثابت كما تقدم لكونه كان كاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولية ليست لغيره، انتهى. وقال أيضًا: كأن ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان من الاقتصار على قراءة واحد وإلغاء ماعدا ذلك، أو كان لا ينكر الاقتصار لما في عدمه من الاختلاف، بل كان يريد أن تكون قراءته هي التي يعول عليها لما له من المزية في ذلك مما ليس لغيره، انتهى.","vol":"4","page":162},{"text":"المصاحف وغسلها (١)، ومن هاهنا يعلم أن المباحث كثيرًا ما تحرم (٢) لمخافة الفتن والمفاسد، ثم إن ابن مسعود ﵁ منع مصاحفه أن يؤتيها عثمان ﵁، فأمر غلمانه (٣) أن ينزعوها منه، فوقعوا به ﵁ حتى أصابته جراحات وصدمات، فمات ﵁ في ذلك، وتأسف عثمان ﵁ على ما أمرهم به، وسخط عليهم فيما فعلوا به، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا، ولا مانع لما قد صار\n_________\n(١) واختلفت الروايات في ذلك كما بسطها الحافظ تحت رواية البخاري: وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق فقال: يحرق بالمهملة وبالمعجمة، وفي رواية أن تمحي أو تحرق، والمحو أعم من أن يكون بالغسل أو التحريق، وجزم عياض بأنهم غسلوها بالماء ثم أحرقوها مبالغة في إذهابها، انتهى.\n(٢) فإن القراءة بحروف مختلفة كانت مباحة، ثم أجمعت الصحابة على قراءة ما جمعها زيد، قال الخطابي: الأشبه ما قيل إن القرآن أنزل رخصًا للقاري بأن يقرأ بسبعة أحرف، وهذا قبل إجماع الصحابة، وأما الآن فلا يسعهم أن يقرءوه على خلاف ما أجمعوا عليه، انتهى، كذا في الأوجز.\n(٣) وهذا مما نقم على أمير المؤمنين عثمان كما بسط الإيراد والجواب عنه في تحفة الاثنى عشرية فارجع إليه لو شئت التفصيل، ومال صاحب الخميس إلى أن ما رووه مما جرى على عبد الله بن مسعود عن عثمان وأمره غلامه بضربة كله بهتان لا يصح منه شيء وعلى تقدير الصحة يكون ذلك من الغلام قد فعله من عند نفسه غضبًا لمولاه، إلى آخر ما بسطه، ولا إشكال فيه عندي على صحة ذلك فأن كليهما كانا معذورين، أما عثمان فلدفع شره الاختلاف، وأما ابن مسعود فروى عنه انه قال: من استطاع ذلك يعنى يترك ما سمعه من في رسول الله ﷺ.","vol":"4","page":163},{"text":"مقدورًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>[من سورة يونس]</span>\n.\nقوله [ينجينا من النار] غلط من الكتاب والصحيح حذف الياء (١) بأعمال لم. قوله [مخافة أن تدركه الرحمة إلخ] (٢).\n_________\n(١) وهو كذلك في النسخة المصرية بحذف الياء لكن فيها كلتا الصيغتين بتاء الخطاب، وكذلك في المشكاة برواية مسلم ولفظها: إذا دخل أهل الجنة يقول الله تعال: ترتدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال القاري: بتشديد الجيم ويخفف، أي ألأم تخلصنا من النار، انتهى. قلت: لكن الصواب في رواية الترمذي بصيغة الغائب، لأن الخطاب فيها بواسطة المنادي بخلاف رواية مسلم.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك، ولعل الشيخ أراد تحرير البحثين الطويلين المعروفين في هذا الحديث فلم يتفق له، أجمل الكلام على أحدهما الرازي، وعلى الثاني صاحب الخازن، وها أنا ألخص لك كلامهما تكميلا للفائدة، أما الأول فقد قال الرازي: هاهنا سؤالان: الأول أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا اللفظ، فكيف حكى الله عنه أنه ذكر ذلك؟ والجواب من وجهين: الأول أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام اللسان، فهو إنما ذكر هذا الكلام بالنفس لا باللسان. الثاني أن يكون المراد بالغرق مقدماته. السؤال الثاني أنه آمن ثلاث مرات: أولها قوله: آمنت، والثاني لا إله إلا الله، والثالث أنا من المسلمين، فما السبب بعدم القبول؟ والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد، حتى يقال: غنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل، وأجاب عنه العلماء بوجوه: الأول أنه إنما آمن عند نزول العذاب، ولا يقبل الإيمان في هذا الوقت، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ﴾. الثاني أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع البلاء، فما كان مقصوده بهذه الكلمة الإقرار بالربوبية قلت: وكان دأبهم كذلك، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿الآية. ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ الآية. ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية الثالث أن الإقرار كان بمحض التقليد، ألا ترى أنه قال: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ وهو كان من الدهرية، كما حققنا في سورة طه، وكان من المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجج القطعية، والتقليد المحض لا يفيده. الرابع ما في بعض الكتب أن بعض أقوام بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل، فلما قال: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ انصرف ذلك إلى العجل. الخامس أن اليهود كانت قلوبهم إلى التشبيه والتجسيم، ولذا اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسده، فلما كان كذلك وقال هو: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ فكأنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية. السادس الإيمان إنما يتم بالإقرار بالنبوة، وهاهنا لم يقر بنبوة موسى ﵇. السابع ما في الكشاف أن جبرئيل أتى فرعون يفتيا فيها: ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته، فكفر نعمته وجحد حقه، وأدعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيها: يقول أبو العباس الوالدين بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر بنعمته أن يغرق، ثم إن فرعون لما أغرق رفع جبرئيل ﵇ عليه فتياه، انتهى. قلت: والأوجه عندي في الأجوبة الثلاثة الأولى بالترتيب والسادس. وأما البحث الثاني فهو ما أورد الرازي على حديث الباب، وقال: لا يصح ما نسب إلى جبرئيل، وتكلم الخازم أولا على طرق الحديث وأثبت واحدًا منها على شرط البخاري، والثاني على شرط مسلم، ثم ذكر إشكال الرازي بأنه في تلك الحالة إما أن يقال: التكليف ثابت أولا، فان كان ثابتًا لا يجوز لجبرئيل ﵇ أن يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أن يعينه عليها وعلى كل طاعة، وإن كان التكليف زائلا عن فرعون في ذاك الوقت، فلا يبقى لهذا الذي نسب إلى جبرئيل فائدة، وأيضًا لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر، وأيضًا فكيف يليق بجلال الله أن يأمر جبرئيل بأن يمنعه من الإيمان، ولو قيل: إن جبرئيل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله فهذا ببطله قول جبرئيل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. فهذا وجه الإشكال الذي أورده الرازي بكلام أكثر من هذا، والجواب أن الحديث قد ثبت عن النبي -ﷺ-، فلا اعتراض لأحد، وأما قوله: التكليف هل كان ثابتًا أم لا؟ فإن كان ثابتًا لم يجز لجبرئيل أن يمنعه، فإن هذا القول لا يستقيم على أصل المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، فانهم يقولون: إن الله يحول بين الكافر والإيمان لقوله تعالى: ﴿اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ولقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ولقوله تعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فيكون فعله بفرعون جزاء على تركه الإيمان أول مرة، فدس العلين من جنس الطبع والختم على القلب، هذا قول المثبتين القدر، ومن المنكرين لخلق الأفعال من اعتراف أيضًا أن الله ﷾ يفعل هذا عقوبة للعبد على كفره، وأما قوله: لم يجز لجبرئيل أن يمنعه، بل يجب عليه أن يعينه، هذا إذا كان تكليفه كتكلفينا، وأما إذا كان جبرئيل= =فعل ما أمر، والله سبحانه هو الآمر بذلك، فكيف لا يجوز له، وأما قوله: إن كان التكليف زائلا فلا فائدة، فالجواب أن للناس في تعليل أفعال الله تعالى قولين: أحداهما لا تعلل، فلا يرد هذا السؤال، والثاني أن لها غايات بحسب المصالح، فالجواب أن جبرئيل لما علم أن إيمانه لا ينفع لتحقق معانته الموت دس التراب تحقيقًا لهذا المنع، والفائدة فيه تعجيل ما قد قضى عليه وسد الباب عنه شدًا محكمًا، إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>[من سورة هود]</span>\n\nقوله [في عماء] فقيل (١): معناه السحاب، وقيل: بل هو العالي عن أن يدركه العقول وتصل إليه الإفهام، وأيا ما كان فقيه إشارة إلى عدم السؤال عنه لكونه غير معقول الكيفية، أما على الأول فلأنه كان سأل عن مقامه ﵎ قبل كل شئ من مخلوقه، فإن إضافة الخلق إلى الضمير أفادت الجنسية، فلزم الاستغراق، فكان منشأ سؤاله أن الرحمن استوي على العرش فأين كان قبل أن يخلقه؟ فأجيب بأنه كان في شبه غمامة بيضاء، ثم بقى بعد ذلك أنه هل كان هذه الغمامة حادثة أو قديمة؟ لا سبيل إلى الأول\n_________\n(١) قال في المجمع: العماء بالفتح والمد السحاب، وروى عمى بالقصر بمعنى ليس معه شئ، وقيل: هو كل أمر لا يدركه عقولنا، انتهى. وفي الحاشية عن أبي عبيدة: لا ندرى كيف كان ذلك العماء، وعن الأزهري: نحن نؤمن به، ولا نكيفه بصفة، انتهى. وأجمل شيخ مشائخنا الشاه ولى الله الدهلوي الكلام على معناه في الدر الثمين وبسطه في فيوض الحرمين والحديث يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية.","vol":"4","page":167},{"text":"لما أنه لو كان كذلك لم يصب الجواب غرض السائل لأنه كان يسأل كونه قبل خلقه أجمع، فوجب القول بالقدم، فانتهوا عن السؤال لما قد فهموا أن الأمر ليس بمقدور أن تدركه الإفهام، وأما على الثاني فالأمر ظاهر لأن العمى هو العدم المحض فلا يتعلقه العلم والإحاطة، ولا يتوهم أن ظرفية العدم له ﵎ مما لا يعقل، لأنه ليس ظرفًا له، فأن وجوده حق لا يرتاب فيه ولم يسأل عنه، بل السؤال عما كان إذا من المكان والمقام، فقال: لم يكن ثم شيء، ولفظه ما في قوله ما فوقه هواه وما تحته هواه إن كانت نافية (١) فالهواء هي إحدى البسائط، فالمراد نفي قياسه الغائب على الشاهد، لأنه كان يرى أن كل شئ خال ففيه تمكن واستقرار لشيء، ولا أقل من أن يقر فيه هواء، فلعل ثم هواء إذا لم يكن هناك شئ آخر فنفاه، وإن كانت موصولة فهي الجو أي ما بين الأرض السماء، أي كان فوقه خلاء وتحته خلاء ولم يكن شئ موجودًا غيره سبحانه. قولته [عرشه. على الماء] ولم ينص في رواية على أن التقدم فيهما للماء أو للعرش، فيمكن (٢) أن يخلق الماء ثم العرش فوقه، وأن يخلق العرش ثم\n_________\n(١) وبذلك جزم القارى إذ قال: ما نافية فيهما، وفيه إشارة إلى ما في رواية البخاري من طريق عمران: كان الله ولم يكن معه شيء. قال القاضي: المراد بالعماء مالا تدركه الأوهام، عبر عن عدم المكان بمالا يدرك ولا يتوهم، وعن عدم ما يحويه ويحيط به الهواء، فأنه يطلق ويراد به الخلاء الذي هو عبارة عن عدم الجسم ليكون أقرب إلى فهم السامع، ويذل عليه أن السؤال كان عما كان قبل أن يخلق خلقه، فلو كان العماء أمرًا موجودًا لكان مخلوقًا، إذا ما من شيء سواه إلا وهو مخلوق خلقه وأبدعه، فلم يكن الجواب طبق السؤال، انتهى.\n(٢) فان خلق العرش على الماء يصدق على الصور الثلاثة، لأن خلقه عز اسمه لا يحتاج إلى زمان، بل أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، لكن قال الحافظ في الفتح: قد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبى رزين العقيلي مرفوعًا: إن الماء خلق قبل العرش، وروى السدى في تفسيره بأسانيد متعددة أن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء، وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة مرفوعًا: أول ما= =خلق الله القلم ثم قال: اكتب، الحديث، فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له: اكتب أول ما خلق، وأما حديث أول ما خلق الله العقل، فليس له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله، وحكى أبو العلاء الهمداني أن للعلماء قولين في أيهما خلق أولا العرش أو القلم؟ والأكثر على سبق خلق العرش، واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني، انتهى. قلت: وتقدم شيء من ذلك في أبواب القدر.","vol":"4","page":168},{"text":"الماء تحته، وأن يخلقهما جميعًا معًا.\nقوله [ولكن كل ميسر إلخ] هذا الجواب عما (١) سأله بعض الصحابة عن عدم النفع في العمل، ولم يسأله عمر ﵁ تأديًا. قوله [فانطلق الرجل] إما لبعد الانتظار (٢) وكثرة أمده، أو لأنه لما أمره عمر ﵁ بالستر بمحضر\n_________\n(١) ففي حديث جابر عند مسلم جاء سراقة بن مالك، فقال: يا رسول الله أنعمل اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل؟ قال: بل فيما جفت به الأفلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. ومال الحافظ في الفتح إلى أن السائل عن ذلك جماعة من الصحابة وعند من جملتها عمر أيضًا لحديث الباب، وأنت خبير بأن حديث الباب ليس بنص في سؤاله، وإن كان محتملا.\n(٢) فقد سكت النبي -ﷺ- طويلا، ولعله انتظر الوحي، ففي الدر برواية الترمذي والزار وابن جرير وغيرهم عن أبي اليسر قال: أتتنى امرأة تبتاع تمرأ، الحديث، وفيه: وأطرق رسول الله -ﷺ- طويلا، حتى أوحى الله إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ الآية. وبرواية ابن جرير عن إبراهيم النخمي قال: جاء فلان بن مقيب رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دخلت على امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله إلا أني لم أواقعها، فلم يدر رسول الله -ﷺ- ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية، وبغير ذلك من الروايات في الباب، وبسط الحافظ في بيان الاختلاف فيما روى في هذا الباب، ثم قال: قد جاء في رواية الترمذي أن اسمه كعب بن مالك أبو اليسر، وذكر بعض الشراح في اسمه نبهان التمار، وقيل: عمرو بن غزية، وقيل: أبو عمرو زيد بن عمرو بن غزية، وقيل: عامر بن قيس، وقيل: عباد، انتهى. ومال الحافظ إلى التعدد لاختلاف سياق ما ورد، وقال العيني: في اسمه ستة أقوال، ثم بسط الأقوال المذكورة، لكنه ذكر بدل زيد بن عمر والمذكور ابن معتب رجلا من الأنصار، وقال: أصح الستة أنه أبو اليسر.","vol":"4","page":169},{"text":"النبي -ﷺ- ولم يرد النبي -ﷺ- على عمر قوله كان تقريرًا لذلك، فأراد الرجل أن يذهب لئلا يهتك ستره بإقامة الحد فيه فيحصل الستر حسب ما يمكن. قوله [هذا له خاصة] وإنما سألوا عن ذلك مع العلم بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد نظرًا إلى قوله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ بصيغة الخطاب للمفرد، وكانت النكتة في إفراد ذلك التنبيه إلى أن الوزر لا يتحات منه ما لم يشتغل بإقامة الطاعة بنفسه، فلا يغتفر آثام صاحب جناية بالحسنات التي اكتسبها غيره، وفي الآية إشارة إجمالية إلى الصلوات الخمس (١) قوله [ورواية هؤلاء أصح] لانفراد الثوري.\n_________\n(١) ففي الدر برواية عبد الرازق وابن جرير وغيرهما عن مجاهد في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ قال: صلاة الفجر وصلاتي العشى: الظهر والعصر، وزلفًا من الليل، قال: المغرب والعشاء وقال الحافظ في الفتح: اختلف في المراد بطرفي النهار، فقيل: الصبح والمغرب، وقيل: الصبح والعصر، وعن مالك وابن حبيب: الصح طرف والظهر والعصر طرف، واختلف في المراد بالزلف، فعن مالك: المغرب والعشاء، واستنبط منه بعض الحنفية وجوب الوتر، لأن زلفًا جمع أفله ثلاث، فيضاف إلى المغرب والعشاء الوتر، ولا يخفى ما فيه، انتهى.","vol":"4","page":170},{"text":"قوله [وليس بينهما معرفة] أي بنكاح أو ملك يمين. قوله [فلم أصبر] خوفًا من عقاب الله على نفسه. قوله [حتى تمنى أنه لم يكن إلخ] لما رأى من غضب النبي -ﷺ- وخاف وسمع منه كلمة تبين منها سخطه فلو أسلم تلك الساعة لكان بريئًا من كل ما ارتكب قبل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>[من سورة يوسف]</span>\n\nقوله [ولو لبثت في السجن ما لبث إلخ] هذا مدح منه -ﷺ- على شدة يوسف ومكابدة أهواله، ثم قوله -ﷺ- إما أن يكون هصمًا (١) لنفسه وعدم اعتماد على ذاته أن يصبر في أمثال ذلك مثل صبره، ولا يلزم (٢).\nمن ذلك انه لو وقع عليه مثله لم يصبر، ولو سلم أنه لم يكن ليصبر لكان فيه فضل ليوسف ﵇ ولا ضير فيه\n_________\n(١) الظاهر بالمعجمة، ويحتمل المهملة، قال المجد: هصمه يهصمه كسره أي كسرًا لنفسه.\n(٢) قال الحافظ: وإنما قاله -ﷺ- تواضعًا والتواضع لا يحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وإجلالا، وقيل: هو من جنس قوله: لا تفضلوني على يونس، وقد قيل أن يعلم أنه أفضل من الجميع، انتهى. وقال ابن الملك: إن هذا ليس إخبارًا عن نبينا -ﷺ- بتضجره وقلة صبره، بل فيه دلالة على مدح يوسف ﵇، وتركه الاستعجال بالخروج، انتهى. وقيل: بل فيه إشارة إلى تقصير يوسف ﵇، وذلك من جهة أنه لم يترك الوسائط، ولم يفوض كل ما آناه إليه تعالى، هكذا في المرقاة.","vol":"4","page":171},{"text":"فإن الفضل الجزئي على نبينا -ﷺ- لغيره لا ينكر، أفتراك تنكر فضل يوسف عليه -ﷺ- في كون أربعة من آبائه أنبياء، وفي حسن صورته الظاهرة (١)، فأي استحالة في لزوم فضله\n_________\n(١) لعل الشيخ أشار بالظاهرة إلى ما هو المعروف من أن حسنة -ﷺ- كان مستورًا عن أعين الناس، فقد ذكر شيخ مشائخنا الشاه ولى الله الدهلوى في رسالته الدر الثمين أخبرني سيد الوالد قال: بلغني أن النبي -ﷺ- قال: أنا أملح وأخي يوسف أصبح، فتحيرت في معناه لأن الملاحة توجب قلق العشاق أكثر من الصباحة، وقد روى في قصة سيدنا يوسف ﵇ أن النساء قطعن أيديهن حين رأينه، وأن الناس ماتوا عند رؤيته، ولم ير وعن نبينا -ﷺ- من هذا الباب شيء، فرأيت النبي -ﷺ- في المنام فسألته عن ذلك، فقال: جمالي مستور عن أعين الناس غيرة من الله ﷿، ولو ظهر لفعل الناس أكثر مما فعلوا حين رأوا يوسف ﵇، انتهى. قال المناوي تحت قول عمر: ما رأيت رجلا أحسن من جرير إلا ما بلغنا من صورة يوسف ﵇، فقال: ولما كان قد استقر في الأذهان أن صورة المصطفي أجل من كل مخلوق، حتى من صورة يوسف، لم يبال عمر بإفهام عبارته أن صورة جرير أحسن من صورته، أنتهى. وفي جمع الوسائل قال بعض المحققين: إن جمال نبينا -ﷺ- كان في غاية الكمال، وإن من جملة صفائه وكثرة ضيائه على ما روى أن صورته كان يقع نورها على الجدار بحيث يصير كالمرآة يحكي ما قابله من مرور المار، لكن الله ستر عن أصحابه كثيرًا من ذلك الجمال الزاهر، إذ لو برز إليهم لصعب النظر إليه عليهم، وأما ما ورد من أن يوسف ﵇ أعطى شطر الحسن، فقيل: شطر حسن أهل زمانه، أو شطر حسنه ﵇ على أن حسن السيرة أفضل من حسن الصورة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقد ثبت في الحديث الصحيح: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، انتهى. وفي شرح الشفاء للقاري: حكى الترمذي عن قتادة مرسلا ورواه الدارقطني من حديث قتادة عن أنس موقوفًا: ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا من الكل، فيشمل حسن صورة يوسف وصوت داود باعتبار الصباحة والملاحة، وزيادة البلاغة والفصاحة، وقد قيل: يوسف أعطى شطر حسن آدم، وقيل: شطر حسن جدته سارة، لأنها لم تفارق الحور إلا فيما يعترى الآدمية من الحيض وغيره، وقد أعطى محمد -ﷺ- كمال الجلال والجمال من تمام الصباحة فما رآه أحد إلا هابة، ومن تمام الملاحة فما رآه أحد إلا أحبه، انتهى. وفي جمع الوسائل تحت حديث قتادة المذكور: ولا ينافى ذلك حديث البيهقي وغيره في المعراج أنه -ﷺ- قال في حق يوسف: فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله، لأن المراد أحسن ما خلق الله بعد محمد -ﷺ- جمعًا بين الحديثين، على أن هاهنا قولا لجماعة من الأصوليين أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، وحمل ابن المنير رواية مسلم أنه أعطى شطر الحسن الذي أعطيه نبينا -ﷺ-، انتهى. قلت: ولا يذهب عليك أن حديث قتادة ضعيف عندهم.","vol":"4","page":172},{"text":"هاهنا حتى يذهب إلى ما ذهب إليه بعض الشراح. قوله [ورحمة الله على لوط إن كل ليأوى] كلمة ترحم له وليس (١) إشارة إلى منقصة فيه بل بيان لذبه عن أضيافة مع قلة\n_________\n(١) ففي المرقاة: قيل: تصدير الكلام بهذا الدعاء لئلا يتوهم اعتراء نقص عليه فيما سيأتي من الأنباء على طريقة قوله تعالى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْ﴾ َ الآية حيث كان تمهيدًا ومقدمة للخطاب المزعج، وقال ابن الملك: فيه إشارة إلى وقوع تقصير منه، وكأنه استغرب وعده بادرة إذلا ركن أشد من الركن الذي كان يأوى إليه، وهو عصمة الله وحفظه، وعندي أن أخذ هذا المعنى ليس من طريق الأدب في لأنباء عن الأنبياء، لأنه -ﷺ- إذا كان ينهى عن غيبة أفراد العامة حيًا وميتًا، فكيف يتصور أن يذكر في حق نبي مرسل ما كان موهما لنقص مرتبة أو تنزل عن علو همته، فالمعنى أنه كان بمقتضى الجبلة البشرية يميل إلى الاستعانة بالعشيرة القوية، انتهى. وقال الحافظ: يقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبة لأنهم من سدوم وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى أهل سدوم، فقال: لو إن لي منعه وأقارب وعشيرة لكنت استنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني، وقيل: معنى قوله: لقد كان يأوى إلى ركن شديد أي إلى عشيرته، لكنه لم يأو إليهم وآوى إلى الله تعالى، والأول أظهر. وقال النووي: يجوز أنه لما اندهش بجمال الأضياف قال ذلك، أو أنه التجأ إلى الله في باطنه وأظهر هذا القول للأضياف اعتذارًا، وسمى العشيرة ركنًا لأن الركن يستند إليه ويمتنع به، فشبههم بالركن من الجبل لشدتهم ومنعتهم، انتهى.","vol":"4","page":173},{"text":"عدده وضعف قوته، وقوله ﴿أوآوى﴾ في الآية معناه التمكن من المأوى ووجدانه، وفي الرواية يأوى (١) أي بطلب أن يأوى ويهوى أن يجد مأوى، ومع ذلك فلا يخلو عن بعد، فلينقح. قال الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره\n_________\n(١) وعلى هذا فيكون مؤدى الآية والحديث واحدًا، ولا يكون الحديث إيرادًا عليه كما هو مشهور، ولعل وجه البعد أن معنى يأوى يتمكن من المأوى لا يطلب منه.","vol":"4","page":174},{"text":"ورفده: إن العرب لما كانت قوة أقويائهم ورؤسائهم إما قوة أنفسهم أو قوة أقوامهم وحلفائهم لم يسألوا النبي -ﷺ- عن القوة ما هي لما كانوا على علم من حالها بل سألوا عن الركن الشديد ما هو؟ فقال: إنما الركن هو الله، فحاصل تمنى لوط ﵇ أني ليت لي بكم قوة من نفسي، أو ماعونه من قومي، أو آرى إلى الله فيؤيدني حتى أدب عن أضيافي هؤلاء، أو المراد به التوكل فوق ما هو له إذا، فإن درجات التوكل على الله متفاوتة فسأل المرتبة التي لا يحجم بها عن مقاومتهم فريدًا، ولا يعجز عن مصادمتهم وحيدًا كما قال الله تعالى لنبينا -ﷺ-: ﴿لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين﴾ فقال النبي -ﷺ-: لا تخرجوا لأخرجن وحدي، أو كما قال (١). والحمد لله الكبير المتعال الهادي عباده عن طرق الضلال.\nقوله [فما بعض الله من بعده الخ] هذا أثر من دعوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>[من سورة الرعد]</span>\n\nقوله [عما حرم إسرائيل] وهو اسم يعقوب (٢) وكان اشتكى فنذر (٣) أن يترك\n_________\n(١) وفي الجلالين في تفسير الآية المذكورة: فقال -ﷺ-: والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي، وذكر صاحب الجمل القصة مفصلة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.\n(٢) قيل: اسم أعجمي، وقيل: عربي، سمى بذلك لأنه خرج من بطن أمه ماسكًا بعقب عيص وكانا توأمين، وقيل: لكثرة عقبه، كذا في الخميس، وذكر صاحب الجمل في سبب تسميته بإسرائيل أقوالا منها أنه مركب إضافي كعبد الله، فان أسر بالعبرانية هو العبد وإبل هو الله، وقيل غير ذلك.\n(٣) ففي الجلالين (كل الطعام كان حلال لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل) يعقوب (على نفسه) وهو الإبل لما حصل له عرق النساء فنذر أن شفى لا يأكلها. قال صاحب الجمل: ولعل هذا النذر كان منعقدًا في شريعته فنذران لا يأكل أحب الطعام إليه، ولا يشرب أحب الشراب إليه، وكان أحب الطعام عنده لحم إبل وأحب الشراب عنده لبنها، فحرمهما على نفسه، فحرما على بنيه تبعًا له، وفي رواية: نذر إن شفى أن لا يأكلهما هو ولا بنوه، فنذر هو عدم أكله وعدم أكل ببته، انتهى. وقال البيضاوي: قبل: كان به عرق النساء، فنذران شفى لا يأكل أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحبه إليه، وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الطباء، انتهى.","vol":"4","page":175},{"text":"أحب الأطعمة إليه إن شفى، وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، فترك لحوم الإبل وألبانها، وأما نحن فقد نهينا عنه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قوله [ونفضل بعضها إلخ] مع كون الأصل واحدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>[من سورة إبراهيم]</span>\n\nقوله [كشجرة خبيثة] يعني أنها ليست بنافعة ولا مفيدة وإن كان ضررها (١) باقيًا فليس التشبيه إلا في عدم الجدوى.\n_________\n(١) الظاهر أن الضمير إلى كلمة خبيثة، وحاصل الكلام أن التشبيه ليس في بقاء المضرة، ليشكل أن مضرة الكلمة الخبيثة- وهي كلمة الكفر- باقية ثابتة لازمة لصاحبها بخلاف المشبه به، فدفعه الشيخ بأن التشبيه ليس في لزوم المضرة أو بقائها بل في عدم النفع بها، ففي البحر المحيط: الشجرة الخبيثة شجرة الحنظل، قاله الأكثرون: ابن عباس ومجاهد وأنس بن مالك، ورواه عن النبي -ﷺ-، وقال الزجاج وفرقة: شجرة الثوم وقيل غير ذلك، وقال ابن عطية: الظاهر عندي أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة إذا وجدت منها هذه الأوصاف هو أن يكون كالعضاة أو شجرة السموم ونحوها إذا اجتثت أي اقتلعت جثها بنزع الأصول، وبقيت في غاية الوهي والضعف فتقلبها أقل ربح، فالكافر يرى أن بيده شيئًا وهو لا يستقر ولا يغنى عنه، كهذه الشجرة الخبيثة التي يظن بها على بعد الجاهل أنها شيء نافع، وهي خبيثة الجني غير نافعة، انتهى.","vol":"4","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>[من سورة الحجر]</span>\n\nقوله [عن قول لا إله إلا الله] ليس المراد (١) حصر السؤال عليه بل أراد بذلك أن يبين ما هو الأصل المقدم في السؤال، أو دفع ما يتوهمه متوهم من مظاهر لفظ العمل أن السؤال لا يقع عن الأقوال والاعتقاديات، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>[من سورة النحل]</span>\n\nقوله [أربع قبل الظهر بعد الزوال] فقيل: هي صلاة الزوال، والمراد بالتفيؤ قليلة الذي هو في أول وقته، وقيل: أعم منها حتى يصدق على رواتب سنن الظهر أيضًا، ولكل من المعنيين قرائن، ومما يدل على الأول أن صلاة الزوال وردت فضيلتها في بعض الروايات كما ورد هاهنا، فتحمل الروايتان على واحد لتجمعنا، وهذا ليس بشئ (٢) فان ذكر فضل لشئ من الأعمال لا ينفي كون تلك الفضيلة لآخر منها، وفي إفراد اليمين وجمع الشمائل (٣) إشارة إلى أن الصراط المستقيم وهو\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما في الدر برواية الترمذي وابن جرير وأبو يعلى وجماعة عن أنس رفعه قال: يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا به المرسلين، وبرواية ابن جرير وغيره عن ابن عباس: فوربك لتسألنهم أجمعين، قال: فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، قال: لا يسألهم هل عملهم كذا وكذا، لأنه أعلم منهم بذلك ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟\n(٢) نعم يدل عليها ما في الدر برواية ابن أبي شبيه عن سعد بن إبراهيم قال: صلوا صلاة الآصال حتى يفئ الفئ قبل النداء بالظهر، من صلاها فكأنما تهجد بالليل، انتهى. فهذا بمعنى حديث الباب في التشبيه بالتهجد وتسميتها باسم مستقل، وكونها قبل النداء بالظهر يدل على إنها صلاة الزوال لا راتبه الظهر.\n(٣) واختلف أهل التفسير في وجه إفراد اليمين وجمع الشمائل على أقوال بسطت في محلها، منها أن الابتداء يكون ياليمين، وهو شئ واحد، فلذا وجد اليمين، ثم ينتقض شيئًا فشيئًا، فيصدق على كل حال لفظ الشمائل، فتعدد بتعدد الحالات.","vol":"4","page":177},{"text":"طريق الجنة واحد، وطرق النار وهي الأهواء متشعبة.\nقوله [لنربين عليهم] أي في الكم والكيف فنمثل بأكثر ممن مثلوهم منا، ونمثل أكثر من المثلات التي اختارها الكفار، والنزول قبل (١) ذلك إلا أن المراد كون الآية قد نزلت فعملنا بها يوم فتح مكة، فكأنها نزلت فيه وعلم حكم المثلات بهم يوم ذاك بها. قوله [لا قريش إلخ] لا علاقة له بالكريمة المذكورة قبله وإنما هو من وقائع يوم الفتح، اختصر (٢) الزاوي قصته وهذا منها.\n_________\n(١) أي قبل فتح مكة، ففي الخازن: سورة النحل مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ إلى آخر السورة، فأنها نزلت بالمدينة في قتل حمزة، قاله ابن عباس، ثم ذكر فيه أقوالا أخر، وفي الدر: أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار، قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة يوم أحد حيث قتل حمزة، الحديث. وذكر عدة روايات في الباب، ولعل الراوي عزا نزولها إلى الفتع لأن ذاك كان أوان العمل بما حلفوا من المثلة.\n(٢) والقص مبسوطة في كتب الحديث والسير، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام وأبا عبيدة ابن الجراج وخالد بن الوليد على الخيل، وقال: يا أبا هريرة اهتف بالأنصار، قال: اسلكوا هذا الطريق فلا يشرفن لكم أحد إلا أنمتموه، فنادي مناد: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله -ﷺ-: من دخل دارًا فهو أمن، الحديث.","vol":"4","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>[من سورة بني إسرائيل]</span>\n\nقوله [كأنما خرج من ديماس (١)] يعني لطيف نظيف.\nقوله [أحدهما لبن والآخر فيه خمر] وإنما غير التعبير (٢) فيهما إشارة إلى أن إناء اللبن كان في الصفاء والشفيف بحيث لم يكن يمنع النظر عن النفوذ فيه والوصول إلى محاسن اللبن، بخلاف الخمر فإن إناءها لم يكن كذلك فكأن ألاناه لم يكن في اللبن (٣) وكأن اللبن لم يكن في إناء، ولذلك أطلق عليه نفسه، فقبل: أحدهما لبن بخلافها، وإنما عرضا كذلك ليرغب في اللبن دون الخمر. وفي قوله [غوت أمتك]\n_________\n(١) قال القارى: بكسر الدال وتفتح على ما في القاموس: الكن والسرب والحمام، ثم لما كان له معان قال الراوي:] يعني [أي يريد النبي -ﷺ- به] الحمام [قال العسقلاني: هذا تفسير عبد الرازق، والمراد وصفة بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه كأنه خرج من حمام، انتهى. وقال العيني: قيل: الكن أي كأنه مخدر لم ير شمسًا، وهو في غاية الإشراق والنضارة، انتهى.\n(٢) وهذا ألطف مما قالت الشراح، كما حكاه القارى عن بعضهم من أنه جعله لبنًا كله تغليبًا للبن على الإناء لكثرته وتكثيرًا لما اختاره، ولما كان الخمر منهيًا عنه قلله، فقال: فيه خمر أي خمر قليل، انتهى. ثم في الحديث ذكر الانائين فقط، والروايات في ذلك مختلفة في عدد الآنية وما فيها من الماء والعسل واللبن والخمر، كما ذكرها الحافظ في حديث الإسراء، وجمع بأنها كانت أربعة من الأنهار الأربعة، فذكر بعض الرواة ما= =لم يذكره الآخر، وكذلك اختلفت الروايات في محل عرض الأواني هل كانت بيت المقدس عند فراغه عن الصلاة، أو بعد ما رفع له البيت المعمور، وحديث الباب عنه ساكت.\n(٣) الظاهر بدله ﴿لم يكن فيه اللبن﴾.","vol":"4","page":179},{"text":"إشارة إلى أن في التلامذة والمسترشدين تأثيرًا للأساتذة (١) والمرشدين كما أن في الأمم أثرًا لأفعال المرسلين. قوله [وشد به البراق] وهذا (٢) تعليم للأمة وجرى في عالم الأسباب على ما هو عادة الباري تعالي من ربطة الأمور بأسبابها، ومن هذا القبيل الإسراج والإلجام.\nقوله [قمت في الحجر] واختياره لما له من الشرف لكونه جزء البيت وغير ذلك (٣). قوله [رؤيا عين] يعني (٤) أن الرؤيا لفظ مشترك في رؤية البصر ورؤية النوم، خصه قوله تعالى ﴿أسرى بعبده﴾، بأحد معنييه فترحج على الثاني. قوله [والشجرة\n_________\n(١) ولذلك ترى هداة الأمة يمنعون عن التلمذ بالفساق والفجار فضلا عن الكفرة والملاحدة أشد المنع، فلله درهم ما أدق نظرهم.\n(٢) قال الخازن: البراق اسم للدابة التي ركبها رسول الله -ﷺ- ليلة أسرى به، واشتقاقه من البرق لسرعته أو لشدة صفائه وبياضه ولمعاه وتلألؤه، والمراد بربطة بالحلقة الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى، انتهى.\n(٣) ففي المرقات: (قمت في الحجر) أي في موضع بدئ بي الصعود أولا لينجلى لي الشهود ثانيًا، انتهى.\n(٤) قال الحافظ: زاد سعيد بن منصور عن سفيان في آخر الحديث: وليست رؤيا منام، واستدل به على إطلاق لفظ الرؤيا على ما يرى بالعين في اليقظة، وأنكره الحريري تبعًا لغيره، وقالوا: إنما يقال رؤيا في المنام، وأما التي في اليقظة فيقال رؤية، وممن استعمل الرؤيا في اليقظة المتنبي في قوله: ورؤياك أحلى في العيون من الغمض انتهى.\nوفي العيني: قال ابن الأنباري: الرؤية يقل استعمالها والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز استعمال كل منهما في المعنيين، انتهى. قال الخازن: الأكثرون من المفسرين على أنها المراد بها ما رأى النبي -ﷺ- ليلة المعراج من العجائب، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله -ﷺ- ليلة المعراج وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتاده ومجاهد وغيرهم، والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، وقيل: أراد بهذه الرؤيا ما رأى رسول الله -ﷺ- عام الحديبية أنه دخل مسكة هو وأصحابه فعجل المسير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون، فكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم، ثم دخل مكة في العام المقبل وانزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ﴿وقيل: إن النبي -ﷺ- رأى= =في المنام أن ولد الحكم بن أمية يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة فساءه ذلك، فان قيل: هاتان الواقعتان كانتا بالمدينة والسورة مكية، أجيب بأنه لا إشكال فيه فأنه لا يبعد أن النبي -ﷺ- رأى ذلك بمكة ثم كان ذلك حقيقة في المدينة، انتهى.","vol":"4","page":180},{"text":"الملعونة في القرآن] أي وجعلناها فتنة أيضًا وهي أن الكفار (١) لما سمعوا كونها\n_________\n(١) قال الخازن: الشجرة الملعونة يعني شجرة الزقوم التي وصفها الله تعالى في سورة الصافات، والعرب تقول لكل طعام مكروه طعام ملعون، والفتنة فيها أن أبا جهل قال: إن ابن أبى كبشة يعني النبي -ﷺ- توعدكم بنار تحرق الحجارة ثم بزعم أنه تنبت فيها شجرة، وتعلمون أن النار تحرق الشجر. فان قلت: أين لغنت شجرة الزقوم في القرآن؟ قلت: لعنت حيث لعن الذين يأكلونها لأن الشجرة لا ذنب= =لها حتى تلعن، وإنما وصفت بلعن أصحابها مجازًا، وقيل: وصفها الله تعالى باللعن لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل جهنم في أبعد مكان من الرحمة، انتهى.","vol":"4","page":181},{"text":"في الجحيم أنكروا أن تكون النار تنبت نباتا ولم يعلموا أن الله على كل شيء قدير قوله [على صورة آدم] ولا أدري (١) لم وقع التصريح بكونه على (٢) صورة آدم في أًحاب النيران وترك ذلك لأصحاب الجنان، فليسأل. ثم لا يذهب عليك أن الكفرة المردة وقع في مقدار أجسامهم روايات مختلفة والكل حق لا تدافع، فأما كونهم كأمثال (٣) الذر ففي أول الحشر لتطأهم أرجل الرجال تحقيرًا لهم، ثم يجعل طولهم\n_________\n(١) ولعل الباعث لذلك أن كون أهل الجنان على صورة آدم ﵇ وهو أيضًا من أهل الجنة كان ظاهرًا فترك التصريح للظهور، وقد ورد في الروايات الصحيحة عند الشيخين وغيرهما أن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درى في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء، الحديث. بخلاف الكافر فان كونه على صورة آدم كان خفيًا، لاسيما وقد ورد في الروايات من أن ضرسه أو نابه مثل أحد، وغلط جلده مسيرة ثلاث، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده مثل الربذة، وأن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة، وأن ما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع، وغير ذلك من الروايات، فاحتاج إلى التصريح بتصويره، ولا يذهب عليك أن في رواية الدر عن الترمذي وغيره من جماعة المخرجين زيادة لفظ (نار) ليست في النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية، ولفظها في بيان الكافر: ويلبس تأجًا من نار فيراه أصحابه، الحديث. وهو أوفق بالمقصود.\n(٢) هذا على سياق الترمذي، وبعض الروايات خالية عن ذلك، فلا إشكال ولا جواب.\n(٣) ففي المشكاة برواية الترمذي مرفوعًا: يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة في صور الرجال يغشاهم الذي من كل مكان، الحديث. وبما أفاده الشيخ من الجمع جزم به القارى إذا قال بعد ما حكى عن بعضهم أنه تشبيه ومجاز بالذل والهوان: التحقيق أن الله يعيدهم عند إخراجهم من قبورهم على أكمل صورهم وجمع أجزائهم المعدومة تحقيقًا لوصف الإعادة على وجه الكمال، أي التي في قوله عز اسمه ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده ﴿ثم يجعلهم في موقف الجزاء على الصورة المذكورة إهانة وتذليلًا لهم جزاءًا وفاقًا، أو يتصاغرون من الهيبة الإلهية عند مجيئهم إلى موضع الحساب، وقد ثبت تبديل صور أهل جهنم على أشكال مختلفة وصور مختلفة، كصور الكلاب والخنازير بحسب ما يليق بصفاتهم وأحوالهم، وقد تكبر جثهم حتى يكون الضرس كجيل أحد، وكذا تغيير صور أهل الجنة من السواد إلى البياض ومن القصر إلى الطول، وبه يزول الأشكال، انتهى.","vol":"4","page":182},{"text":"ستون ذراعا بعد الحساب حين يؤتون كتبهم ويبلغون أجزيتهم، ثم تجعل في جهنم فوق ذلك ليذوقوا العذاب، وهذا ما بينه النبي -ﷺ- حيث قال: يكون ضرس الكافر مثل أحد.\nقوله [بمخصرة] هي أعم وكانت جريدة من عسب النخل، وفي طعنة -ﷺ- هذه النصب دلالة على أن التصوير لا تعظيم له لمن كان، سواء كان لنبي أولى، وأما دفنه -ﷺ- شبهي إبراهيم وإسماعيل ﵉ (١) والحذر عن كسرهما فلئلا يفتنوا ويقولون: يدعى دين إبراهيم ويفعل بشبيهه هكذا.\n_________\n(١) لم أجده نصًا بعد، وأفاد بعض مشايخ العصر أنه رأى ذلك في بعض كتب السير، لكن لم أظفر عليها إلى الآن، إلا ما في السيرة الحلبية عن كلام سبط ابن الجوزى، قال الواقدي: أمر رسول الله -ﷺ- عمر بن الخطاب وعثمان أن يقدما إلى البيت، وقال لعمر: لا تدع صورة حتى تمحوها إلا صورة إبراهيم، هذا كلامه فليتأمل، وفيها وفي الزرقاني على المواهب: كان عمر ﵁ ترك صورة إبراهيم، فقال: يا عمر ألم آمرك أن لا تترك فيها صورة، قاتلهم الله حيث جعلوه شيخًا يستقسم، وقال الحافظ: روى أبو داؤد الطبالسي عن أسامة دخلت على رسول الله -ﷺ- في الكعبة فرآى صورًا، فدعاء بماء فأتيته به، فضرب به الصور، فهذا يدل على أن بقية منها بقيت بعد أن مجاها عمر.","vol":"4","page":183},{"text":"قوله [عن أمر ربي] وإنما اقتصر (١) في الجواب على هذا القدر لأنه كان مكتوبًا في التوراة فأجيبوا على حسبه وإلا لأنكروه، واختلف (٢) في أن\n_________\n(١) كما بسطه صاحب الجمل أن قريشًا أرسلت نفرًا إلى اليهود تسألهم عنه، فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أِياء، فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شئ منها فليس بنبى، وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحد فهو بني، فاسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول، وعن رجل بلغ المشرق والمغرب، وعن الروح، ثم ذكر القصة مفصلة، وفيها تزول ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الآية، ونزول ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الآية، ونزول ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ وحكى عن أبي السعود، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة، انتهى. وهكذا في البيضاوي مختصرًا، وبسط الحافظ في تفسير الفتح في المراد بالروح، وذكر قريبًا من عشرة أقوال.\n(٢) كما بسط الحافظ في الفتح إذا قال: قال ابن بطال: معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر، وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله تعالى لم يطلع نبيه على حقيقة الروح، بل يحتمل أن يكون أطلعه، ولم يأمره أنه يطلعهم، وممن رأى الإمساك عن الكلام فيه أستاذ الطائفة أبو القاسم، وحكى عن الجنيد أنه قال: الروح استأثر الله بعمله ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير، وخالف الجنيد ومن تبعه من الأئمة جمع من متأخري الصوفية فأكثروا من القول في الروح، وصرح بعضهم بمعرفة حقيقتها، وعاب من أمسك عنها، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":184},{"text":"حقيقتها هل تتكشف، فقيل: نعم للأولياء، وقيل: لا.\nقوله [حتى صعد الوحي (١)] أي جبرئيل ﵇. قوله [أما إنهم يتقون بوجوههم] توكيد للأقدار، ولا ينافي وجود الحدب والشوكة ثم ما ورد من أن الأرض تنبسط وتسوى حينئذ (٢) لأن المعنى على التقدير أي لو وجد هناك شوك وحدب لا تقوه، فكان تمامًا في الأقدار على المشي بالأوجه، ولا ضير في أن يقال: يخلق في الأرض مع بسطها واستوائها شوك وحدب ليتأذوا بها، والبسط إنما هو للاتساع، وهذا لا ينافي اتساع الأرض.\nقوله [وتجرون على وجوهكم] وهذا لا ينافي المشي على الوجوه السابق\n_________\n(١) هكذا لفظ البخاري في (باب كثرة السؤال) من كتاب الاعتصام، وفي المجمع: صعد الوحي أي حامله.\n(٢) كما بسط السيوطي الآثار في ذلك تحت قوله عز اسمه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ، فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا ﴿الآية في آخر طه، وشيئًا منها تحت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ الآية في آخر سورة إبراهيم، وتحت قوله عز اسمه: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ الآية في آخر سورة الانشقاق، وبسط الحافظ في الفتح في الجمع بين مختلف ما ورد من الروايات في الحشر أشد البسط، ويظهر من كلامه أن الاتقاء بالوجه يكون في حشر غير الحشر الذي يبسط فيها الأرض.","vol":"4","page":185},{"text":"ذكره عن قريب، فلعله في حين (١) وهذا في حين أو يفعل هذا ببعض وهذا ببعض. قوله [فانه إن يسمعها] بأن يبلغه (٢) أحد يسمعه منا.\nقوله [عن تسع آيات] فأما (٣) أن يكون النبي -ﷺ- ذكر هذه الأحكام\n_________\n(١) فقد قال القرمطي: الحشر أربعة: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، فالذي في الدنيا أحدهما المذكور في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، والثاني الحشر المذكور في أشراط الساعة، وقد ورد فيه عدة روايات: منها نار تخرج من قمر عدن ترحل الناس إلى المحشر، وفي رواية: تبيت معهم حيث باتوا وتقبل معهم حيث قالوا، تسوقهم سوق الجمل الكسير، وجمع بين الروايات الواردة في ذلك، والثالث حشر الأموات من قبورهم إلى الموقف، والرابع حشرهم إلى الجنة أو النار، كذا في الفتح ملخصًا.\n(٢) وقال القارى: أي لو سمع قولك: إلى هذا النبي، لكان له أربع أعين، أي يسر بقولك سرورًا يمد الباصرة فيزداد به نورًا على نور كنى عينين أصبح يبصر بأربع، فإن الفرح يمد الباصرة كما أن الهم والحزن يخل بها ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه الدنيا، انتهى.\n(٣) قال القارى: الآية العلامة الظاهرة تستعمل في المحسوسات كعلامة الطريق، والمعقولات كالحكم الواضحة، فيقال لكل ما تتفاوت فيه المعرفة آية وللمعجزة آية، ولكل جملة دالة على حكم من أحكام الله آية، لكل كلام منفصل بفصل لفظي آية، والمراد بالآيات هاهنا إما المعجزات التسع، وهي: العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات، وعلى هذا فقوله: لا تشركوا كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب، لو يذكر الراوي الجواب استغناء بما في القرآن أو بغيره، ويؤيده ما في خبر الترمذي أنهما سألاه عن هذه الآية، يعني ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴿وإما الأحكام العامة الشاملة للملل الثابتة في كل الشرائع، وبيانها ما بعدها، وقوله: عليكم خاصة حكم مستأنف زايد على الجواب، انتهى. قلت: وهكذا هو نص البيضاوي، لكنه ذكر في الاحتمال الأول قولين: أحدهما المذكور، والثاني ذكر فيه انفجار الماء من الحجر، وانقلاب البحر، ونتق الطور على بنى إسرائيل، مكان الطوفان، والسنين، ونقص الثمرات. وذكر الخازن في تفضيل المعجزات أقوالا أخر بتغير يسير مما سبق.","vol":"4","page":186},{"text":"التسعة المذكورة هاهنا بعد ما ذكر المعجزات التسع، أو يقال: إن الآيات التسع في القرآن، وإن كانت أريد بها هي المعجزات التسع من الطوفان والجراد والقمل وغير ذلك، لكنها في التوراة كانت هي الأحكام المذكورة في الجواب، فأجابهم على حسب ما كان في كتابهم، ولعلهم لما سمعوا أن الآيات التسع في القرآن هي المعجزات وكان في كتابهم غير ذلك، سألوه -ﷺ- عنها ليجيب على حسب ما ورد في كتابه فيكذبوه، فأجابهم بما في كتابهم فلذلك سكتوا وسلموا، وفي الحديث دلالة على جواز تقبيل الأيدي والأرجل.\nقوله [إن داود دعا الله] وقد كذبوا فيما قالوا (١) وأما ذكرهم خوف اليهود أن تقتلهم فلعلهم كذبوا فيه أيضًا، فان من أسلم من أهل الكتاب لم يقتل فكيف خافوا على أنفسهم القتل.\n_________\n(١) وتقدم في (باب قبلة اليد والرجل) ما قال القارى أن ذلك افتراه محص على داود ﵇، فأنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد -ﷺ-، وأنه خاتم النبيين، وأنه ينسخ به الأديان، فكيف يدعو بخلاف ذلك، ولئن سلم فعيسى من ذريته وهو نبي باق إلى يوم الدين، انتهى.","vol":"4","page":187},{"text":"قوله [قال سفيان يقول قد احتج] أي غلب (١) في حجته، وإنما افتقر إلى التفسير لأن الظاهر من الفلاح هو الخلاص، ولا يناسب هاهنا.\nقوله [أفتراه صلى فيه] ولعله ذكر الآية لما أن دخول المسجد ليس إلا للصلاة إلا أنه سكت عن ذكرها لما لم تكن الآية نصا فيها، ثم هذا مقال (٢)\n_________\n(١) ظاهر كلام الشيخ أن قوله: قد احتج تفسير من سفيان لقوله: أفلح، وهذا هو الأوجه، بل هو المتعين، والمعنى أن الراوي قد ذكر بلفظ أفلح، والمقصود منه احتج وفاز بالحجة، وقد رواه بلفظ: فلج، قال المجد: الفلج الظفر والفوز كالافلاج، وفي المجمع: الفالج الغالب في قمار فلجة وفلج عليه إذا غلب، انتهى. ولما كان معنى الغلبة في لفظ فلج لم يحتج إلى تفسيره وفسر الأول لخفاء معنى الغلبة فيه، وهذا إذا كان الأول بالحاء المهملة. والثاني بالجيم، وأما إذا كانا كلاهما بالمهملة أو كلاهما بالجيم، فان نسخ الترمذي هاهنا مختلفة مشتبهة، فاكتفى على تفسير الأول استغناء به عن الثاني، وأياما كان فالظاهر من سياق العبارة أنه تفسير عن سفيان، فما يظهر من كلام المحشي أنه رواية أخرى مكان أفلح بأياه السياق، ولا يذهب عليك أيضًا أن النسخة المصرية وقع فيها هاهنا تخليط وسياقها هكذا: فقال حذيفة: من احتج بالقرآن فقد قال سفيان: يقول فقد احتج، وربما قال: أفلح، انتهى. وقال ألدمنتي: من احتج بالقرآن فقد أفلج، بفاء فلام فجيم: غلب، وبحاء يدل جيمه وبفوقية فجيم، انتهى. والحديث أخرجه الحاكم برواية أبي بكر بن أبى عياش عن عاصم مختصرًا ليس فيه هذا اللفظ، وأخرجه أحمد بطرق منها طريق شيبان عن عاصم ولفظه: قال: من تكلم بالقرآن فلج، الحديث.\n(٢) ولذا أنكر عليه عامة أهل التحقيق من شراح الحديث وغيرهم، فقد قال الحافظ في الفتح: فهذا لم يسنده حذيفة عن النبي -ﷺ-، فيحتمل أنه قال عن اجتهاد، وقال في موضع آخر: ولعل حذيفة أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء المجردة التي لم يقع فيها معراج على ما تقدم من تقرير وقوع الإسراء مرتين، وقال في موضع آخر: وقوله في حديث ثابت: فربطته بالحلقة، أنكره حذيفة فيما روى أحمد والترمذي من حديثه، وقال البيهقي: المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبتت ربطة البراق والصلاة في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى ذلك، فهو أولى بالقبول، وأنكر حذيفة الصلاة في بيت المقدس واحتج بأنه لوصلي فيه لكتب عليكم، والجواب عنه منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله: كتب عليكم، الفرض، وإن أراد التشريع فنلتزمه، وقد شرع النبي -ﷺ- الصلاة في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شد الرحال، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث، ثم بسط الحافظ في ذكر الروايات الدالة على ربط البراق والصلاة فيه. وقال القسطلاني في المواهب: قد أنكر حذيفة ربط البراق بالحلقة وصلاته -ﷺ- في بيت المقدس، وتعقبه البيهقي وابن كثير بأن المثبت مقدم على النافي وقد وقع ذلك في رواية بريده عند البراز: لما كان ليلة أسرى به، فأتى جبرئيل الصخرة التي بيت المقدس فوضع إصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق، ونحوه للترمذي، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه، فدخلت أنا وجبرئيل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين، وفي رواية ابن مسعود نحوه، زاد: ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد، ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبرئيل فقدمني فصليت بهم، وفي حديث ابن مسعود أيضًا عند مسلم: وحانت الصلاة فأتمهم، وفي حديث أبي سعيد: ثم سار حتى أتي بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، وذكر غير ما تقدم من الروايات، ثم قال: قال القاضي عياض: يحتمل أنه -ﷺ- صلى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس. ثم صمد إلى السماء، ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء فهبطوا أيضًا، والأظهر أن صلاته بهم كان قبل المروج. وقال ابن كثير: صلى بهم قبل العروج وبعده، فان في الحديث ما يدل على ذلك، ولا مانع منه، وقد اختلفت في هذه الصلاة هل هي فرض أو نقل؟ وإذا قلنا إنه فرض فأي صلاة هي؟ قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل العشاء، وإنما يتأتى على قول من قال: إنه صلى بهم قبل المعروج، وأما على قول من قال: صلى بهم بعد العروج، فتكون الصبح، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":188},{"text":"من حذيفة على حسب علمه، وإلا فصلاته ﷺ فيه ثابته بالصحاح الأخبار","vol":"4","page":189},{"text":"وكذلك ما قال فيما بعد [ويتحدثون أنه ربطة] وقد ثبت أيضًا، وكان حذيفة يسمعها أفواهًا، أما لو أسمعه صحابي أو تابعي عن صحابي لما أنكره.\nقوله [لما] استفهام ثم أجاب عنه بنفسه [ليفر] أي افتراء ربطة خوفًا عليه من الفرار، أفتظنه يفر وقد سخر الله ﵎ إياه له.\nقوله [فيفزع الناس ثلاث فزعات] فيفزعون (١) مرة ويسكتون، ثم\n_________\n(١) قال القرطبي: كان ذلك يقع أذا جيء بجهنم، فإذا زفرت فزع الناس حينئذ وجثوا على ركبهم، كذا في الفتح. قلت: ولا يبعد أن يراد بالفزعات الثلاثة النفخات الثلاثة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ الآية في آخر سورة النمل، لكنه موقوف على كون النفخات ثلاثة كما مال إليه ابن العربي وغيره، ورجح الحافظ أنها ثنتين فقط.","vol":"4","page":190},{"text":"يفزعون مرة أخرى ولا يرجعون إلى أحد، ثم يطلبون الشفاعة في الثالثة.\nقوله [إني دعوت على أهل الأرض] المراد (١) بذلك أني دمرت بدعوتي خلقًا كثيرًا، فأخشى أن يعاتبني الله على ذلك أو المعنى أنى أنفذت دعوتي التي وعد لي أجابتها، فلست على ثقة إن شفعت لكم أن تقبل مني.\nقوله [فأنطلق معهم] أي في حاجتهم لامعهم حقيقة، ثم ورد (٢) بعد\n_________\n(١) تقدم الكلام على جوابه وعلى جواب إبراهيم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام في حديث الشفاعة، فارجع إليه.\n(٢) كما تقدم بيان ذلك في هامش حديث الشفاعة، ثم اختلف في المراد بالمقام المحمود، قال البيضاوي: قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا أي مقامًا يحمده القائم فيه وكل من عرفه، وهو مطلق في كل مقام يتضمن كرامة، والمشهور أنه مقام الشفاعة لما روى أبو هريرة أنه -ﷺ- قال: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي، ولإشعاره بأن الناس يحمدونه لقيامه فيه، انتهى. وفي الجلالين: هو مقام الشفاعة في فصل القضاء، وفي الجمل عن الخطيب: قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة إلخ. وقال الحافظ في التفسير: قبل: المراد بالمقام المحمود أخذه بحلقة باب الجنة، وقيل: إعطاؤه لواء الحمد، وقيل: جلوسه على العرش، انتهى. وقال أيضًا في أبواب الآذان: قال ابن الجوزى: الأكثر على أن المراد بالمقام الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش. وقيل: على الكرسي، وحكى كلا من القولين عن جماعة، وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الاجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور، وأن يكون الاجلاس هي المنزلة المعبر عنها الوسيلة أو الفضيلة، وفي صحيح ابن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعًا: يبعث الله فيكسوني ربي حلة خضراء، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود، ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة، انتهى.","vol":"4","page":191},{"text":"ذلك اختصار في الروايات، ولم يذكروا ما يقع بعد ذلك، بل ذكروا بعدها قصة دخول الجنة وشفاعة أهل النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>[سورة الكهف]</span>\n\nقوله [يزعم أن موسى صاحب نبي إسرائيل] ولعل الباعث في زعمه ذلك استبعاد أن يعلم من اتفق على نبوته ورسالته ممن اختلف (١) في نبوته فضلا عن\n_________\n(١) والمسألة خلافية شهيرة بسطها شراح البخاري لا يسعها هذا المختصر. وفي الجلالين: (آتيناه رحمة من عندنا) نبوة في قول، وولاية في آخر، وعليه أكثر العلماء، وقال صاحب الجمل: قال شيخ الإسلام في شرحه على البخاري: أختلف فيه أهو نبي أو رسول أو ملك أو لى؟ والصحيح أنه نبي، واختلف في حياته والجمهور على أنه حي إلى القيامة لشربه ماء الحياة، انتهى. وقال النووي: جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تستر، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء، وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين، قال الحيرى المفسر: إنه نبي، وقال القشيري وكثيرون: هو ولي، انتهى. قلت: وعلى القول بولايته فقالوا: لعله أخبره نبي في هذا الزمان بقتله، قلت: والأوجه عندي أنه إذا هو معمر من زمان الأنبياء السابقين فلا مانع من أنه على القول بولايته أخبره نبي بحكم الله عز اسمه أن يعمل بالهامة، فحينئذ يكون العمل بالإلهام في حقه أمرًا شرعيًا لا مخالفًا للشرع.","vol":"4","page":192},{"text":"أن يكون صاحب شريعة. قوله [كذب عدو الله] إنما أطلق (١) ذلك لكونه ارتكب معصية حين حدث على خلاف الصحاح من الروايات وما يتبار من الآيات، والعاصي عدو الله في أي مرتبة كانت المعصية.\nقوله [فسئل أي الناس أعلم] لما أنه خطب خطة أعجب بها الناس لما سمعوا منه دقائق وحقائق. قوله [أي رب فكيف لي به] فالزيادة في العلم مطلوبة كائنًا من كان. قوله [فرقد موسى إلخ] أي اضطجعا (٢) على قصد الرقود،\n_________\n(١) قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مراد. قال الحافظ: ويجوز أن يكون ابن عباس اتهم نوفًا في صحة إسلامه، فلذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذه المقالة مع تواردهما عليها، وأما تكذبيه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم بشيء فسمع غيره يذكر فيه شيئًا بغير علم أن يكذبه، انتهى. وقال العيني: هذا تغليظ من ابن عباس، ولاسيما كان في حالة الغضب، وإلا فهو مؤمن مسلم حسن الإيمان والإسلام، انتهى. ولعلك قد ظفرت بأن توجيه الشيخ ألطف من هذه الأقاويل كلها، ثم نوف هذا كان رجلا قاصًا بالكوفة، كما في رواية البخاري، قال الحافظ البكالي بكسر الموحدة مخففًا، ووقع عند بعض رواة مسلم بفتح أوله والتشديد، والصواب الأول، ابن فضالة الفاء وتخفيف المعجمة منسوب إلى بني بكال بن وعمى بطن من حمير، يقال: إنه ابن امرأة كعب الأحبار، ويقال: ابن أخيه، تابعي صدوق، انتهى. وذكر في الحاشية أنه كان إمامًا لأهل دمشق.\n(٢) ظاهر الحديث أن موسي وفتاة كليهما تاما، وهو صريح الروايات الكثيرة في الصحيحين وغيرهما الواردة بلفظ فناما، ويشكل عليها أن ألفى كيف علم باتخاذ الحوت السبيل في البحر إذا كانا راقدين معًا، وكذلك يشكل عليها نسبة نسيان الأحبار إلى الفتى، ويشكل عليها ما ورد في الروايات الأخر من الصحيحين وغيرهما: فيما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاة: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ فنسى أن يخبره، الحديث عند البخاري في التفير، فأراد الشيخ دفع هذه الإيرادات والجمع بين الروايات، بأن نسبة النوم إليهما مجاز لأنهما اضطجعا لقصد النوم، لكن الفتى لم ينم، فلله در الشيخ ما أدق نظرة، وعامة الشراح سكتوا عن الجمع بينها، وأشار صاحب الجمل إلى توجيه آخر، فقال: واضطرب الحوت أي بعد أن استيقظ يوشع، وصار ينظر إليه، انتهى.","vol":"4","page":193},{"text":"فنام موسى ولم ينم فتاة.\nقوله [يا موسى إنك على علم] وقد تركت القصة هاهنا، وذكر جواب سؤال موسى، ولم يذكر هاهنا سؤاله (١). قوله [فقال له موسى: قوم حملونا الخ] إما أن (٢) يكون موسى نسى عهده به أصلا، أو نسى ما كان قال له أن\n_________\n(١) وفي الدر برواية الصحيحين وغيرهما بعد قوله: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، يا موسى إني على علم من علم الله، الحديث. وفي أخرى بروايتها: قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك، يا موسى إن لي علما، الحديث.\n(٢) قال صاحب البحر المحيط: الظاهر حمل النسيان على وضعه. وقد قال ﵇: كانت الأولى من موسى نسيانًا، والمعنى أنه نسى العهد الذي كان بينهما من عدم سؤاله حتى يكون هو المخبر له أولا، وهذا قول الجمهور، وعن أبي بن كعب أنه نسى، ولكن قوله هذا من معاريض الكلام، قال الزمخشري: أراد أنه نسى وصيته، أو أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان، وهو من معاريض الكلام التي ينفي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض، كقول إبراهيم: هذه أختي، أو أراد بالنسيان الترك، أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة، وقد تبين ابن عطية كلام أبي بكلام طويل، ولا يعتمد إلا قول الرسول -ﷺ-: كانت الأولى من موسى نسيانًا، انتهى. وقال الحافظ: ما روى عن أبي إسناده ضعيف والمعتمد الأول، ولو كان هذا ثابتًا لاعتذر موسى عن الثانية وعن الثالثة بنحو ذلك، وفي رواية الربيع بن أنس عند ابن أبي حاتم: أن موسى لما رأى ذلك امتلأ غضبًا وشد ثيابه، وقال: أردت أهلاكهم، ستعلم أنك أول هالك، فقال له يوشع: ألا تذكر العهد، فأقبل عليه الخضر، فقال: ألم أقل لك، فأدرك موسى الحلم، فقال: لا تؤاخذني، وأن الخضر لما خلصوا قال لصاحب السفينة: إنما أردت الخير، فحمدوا رأيه وأصلحها الله على يده، انتهى.","vol":"4","page":194},{"text":"لا يسأله عن شيء على سبيل العموم، فظن أن كسرة لوح السفينة ليس على مقتضى عليه الذي أو تيه خضر، وإنما صدر منه معصية، ومن هاهنا يستنبط فائدة مهمة، وهي أن كثيرًا من الأفعال التي ظاهرها معصية لا تكون معصية نسبة إلى من ارتكبها، فلا يورد بكثير من أفعال الأنبياء عليهم نقص على عصمتهم، فإن ما يبدو لنا معصية ليس لهم كذلك.\nقوله [وهذه أشد من الأولى] لما في الخطاب بفظة لك من مزيد التخصيص والاهتمام. قوله [يرحم الله موسى] توصيف له بتركه الاشتغال بما (١) لا يعينه\n_________\n(١) ويشكل عليه ما يظهر من مظاهر اللفظ وداده -ﷺ- صبر موسى ويؤيد كلام الشيخ أنه لو كان كذلك لأحضر الخضر بين يديه، ورأى منه العجائب، فأنه على قول الجمهور. لأنه إنكار لما علم من الشرائع، فإن الله تعالى أجرى سنته، وانفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله، قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ﴾ وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا، وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك، فمن ادعى أن هناك طريقًا أخرى يعرف بها أمره ونهيه يستغنى بها عن رسول، فهو كافر يقتل ولا يستتاب، وهي دعوى تستلزم إثبات النبوة لنفسه خاصة، وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلب من ربي، وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع، ونسأل الله الهداية والتوفيق، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":195},{"text":"فإن الزيادة من هذا القبيل لم يكن مقيدة له، ولا ينبغي للأنبياء علم المكاشفة فإنهم بإطلاع السرائر يستضرون، فيختل نظام التبليغ، ثم لا يذهب عليك أن موسى ﵇ لما كان (١) مأمورا من الله تعالى بإتباعه، وكان حقية علم الخضر قد ثبتت بالوحي (٢) ساغ لموسى ﵇ أن يسكت، ومع ذلك لم يجد صبرا على ما رأى، فكيف بمتصوفة زماننا الذين هم ليسوا على منزلة من اليقين ثم يعتصمون (٣) في ارتكابهم المناهي بالقصة الواقعة بين الخضر وموسى وأن\n_________\nكلام الشيخ أنه لو كان كذلك لأحضر الخضر بين يديه ورأى منه العجائب فإنه حي على قول الجمهور.\n(١) كما ثبت بعدة روايات منها ما في الدر برواية مسلم وغيره، قال: كيف تصبر على ما لم تحط به خيرا؟ قال: قد أمرت أن أفعله وبرواية الرؤياتي وابن عساكر، قال فما كان لك في قومك شغل عني؟ قال: إني أمرت بذلك.\n(٢) فقد ورد في غير ما رواية أن عبدنا خضر أعلم منك وأيضا تقدم قريبا أن موسى كان مأمورا باتباعه.\n(٣) قال الحافظ: ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة، فقالوا: يستفاد من هذه القصة أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغنياء وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم لصفاء قلوبهم عن الأكدار فتجلى لهم العلوم الالهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون الأحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى ويؤيده الحديث المشهور: استفت قلبك، قال القرطبي: وهذا القول زندقة وكفر","vol":"4","page":196},{"text":"الحق في ذلك إنما كان مع الخضر، ويريدون بذلك أن يردوا إيراد العلماء عليهم وهو غير مندفع، فإن قياسهم أنفسهم عليه قياس مع فارق.\nقوله [وليس لي همه] يعني أني كنت قد حججت (١) قبل ذلك وسمعت الحديث أيضًا قبل ذلك، إلا أنه لم يكن صرح بالتحديث، بل أورد الرواية بالعنعنة، فلما ذهبت إليه وحضرت لديه سمعته يقول: حدثنا عمرو بن دينار إلخ.\nقوله [طبع يوم طبع كافرًا] واعلم أن ما جبل الله عليه خلقه ظاهر عليه\n_________\nلإنه إنكار علم الشرائع فإن الله تعالى أجرى سنته، وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله، قال: «الله أعلم حيث يجعل رسالته» وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك فمن أدعى أن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه يستغني بها عن الرسول فهو كافر يقتل ولا يستتاب وهي دعوى تستلزم إثبات النبوة لنفسه خاصة وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلبي من ربي وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع، ونسأل الله الهداية والتوفيق انتهى مختصرا.\n(١) كما يدل عليه قوله: وليس لي همة إلا ذاك، فأنه لو لم يكن حج قبل ذلك لكانت همته الحج أولا، والهمة كما القاموس بالكسر ويفتح: ما هم به من أمر ليفعل والهوى، انتهى. ولا يذهب عليك أن لفظ حدثنا عمرو بن دينار كتب في بعض النسخ على طريق بداية السند كالحمرة، وهو من غلط النساخ، بل ينبغي كتابته على طريق السرد، فأنه مقولة لقوله: حتى سمعته يقول.","vol":"4","page":197},{"text":"لا محالة، ولذلك قال ﵇ (١): إذا سمعتم الجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم المرأ زال عما جبل هو عليه فلا تصدقوه، أو كما قال وإذا كان كذلك والتكليف إنما دار أمره على كمال العقل، وهو أوان البلوغ فيتوجه الخطاب إذًا، وبعد توجه الخطاب إذا أظهر معاصيه، وبرز ما كان كامنًا فيه يؤخذ عليه لأنه عصيان، وأما (٢) قبل ذلك فلا مؤاخذة عليه لكمون الفسق\n_________\n(١) كما في المشكاة برواية أحمد عن أبي الدرداء، قال: بينما عند رسول الله -ﷺ- تتذاكر ما يكون إذا قال رسول -ﷺ-: إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فأنه يصير إلى ما جبل عليه، قال القارى: قوله: فصدقوه أي لا مكانة، بل حكى وقوعه كما قيل: إن بعض جبال المغرب سار عن محله مسافة طويلة، وقوله: عن خلقه بضم اللام وتسكن، أي خلقه الأصلي بالكلي، فلا تصدقوا بهذا الخبر، فأنه غير ممكن عادة، ولذا قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ ولم يقل: والعادمين، ثم أشكل بأن مدار الصوفية على تبديل الأخلاق فكيف هذا الحديث؟ وبسط في الجواب ليس هذا محله، فارجع إليه لو شئت.\n(٢) وأوضحه الشيخ في تقريره على أبى داود بأوضح من ذلك، كما حكاه شيخنا في البذل إذ قال: كتب مولانا محمد يحي المرحوم: كان الكفر كامنًا فيه حتى لو بقي حيًا لأظهره، ولا مؤاخذة عليه ما دام كامنًا، وذلك كما يربى المرؤ جرو ذئب مع علمه بما كمن فيه من الافتراس ولا يؤاخذه على ما كمن فيه، ويعطف عليه ويشربه لبنًا، حتى إذا كبر وافترس شأنه وابنه جعل يقطع لحمه قطعًا قطعًا، فكذلك في الكفر لا يجازي ما لم يظهره، ولا معتبر بما يظهره في صغره، لعدم اعتداد الشرع بأقواله إذا. وقد ولد على ما أقره حين سئل: ألست بربكم؟ فلو مات على الفطرة ولم يظهر كامنة كان غير مأخوذ به، انتهى. قلت قوله: لو مات على الفطرة إشارة إلى الجمع بين حديث الباب وحديث الفطرة، وفيه أقوال أخر ستأتي قريبًا.","vol":"4","page":198},{"text":"وعدم التكليف، فإذا قتل الخضر الغلام وكان كافرًا (١) فيما طبع عليه لم يؤاخذ\n_________\n(١) قال الشيخ في البذل: إن قيل: هذا الحديث مخالف لظاهر قوله -ﷺ-: كل مولود يولد على الفطرة، الحديث، قال القارى في جوابه: قوله طبع كافرًا أي خلق الغلام على أنه يختار الكفر، فلا ينافى خير كل مولود يولد على الفطرة، إذا المراد بالفطرة استعداد قبول الإسلام، وهو لا ينافي كونه شقيًا في جبلته، انتهى. وقال صاحب الجمل: قوله طبع كافرًا أي خلق كافرًا مجبولا على الكفر حال ولادته، وحال معيشته، وحال موته، ويكون ذلك مستثنى من حديث كل مولود يولد على الفطرة، وفي الشهاب: قال السبكي: ما فعله الخضر من قتل الغلام مخصوص به لأنه أوحى إليه أن يعمل بحكم الباطن، فلا إشكال فيه وإن علم من شرعنا أنه لا يجوز قتل صغير لاسيما بين أبوين مؤمنين، وقد أرسل بعض الخوارج إلى ابن عباس يسأله كيف قتل الخضر الغلام الصغير وقد نهى النبي -ﷺ- عن قتل أولاد الكفار فضلا عن أولاد المؤمنين؟ فكتب إليه ابن عباس: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتلهم، وفي القرطبي: كان للخضر قتله لما علم من سره وأنه طبع كافرًا، كما في صحيح الحديث، وقتل الصغير غير مستحيل إذا أذن الله فيه، فأن الله تعالى هو الفعال لما يريد القادر على ما يشاء، وفي كتاب العرائس: إن موسى لما قال للخضر: أقتلت نفسًا زاكية غضب الخضر واقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم عنه، وإذا فيه مكتوب: كافر لا يؤمن بالله أبدًا، انتهى.","vol":"4","page":199},{"text":"الغلام على الكفر الطبيعي، ويحكم عليه بالإسلام، ويحشر مسلمًا تبعا لإسلام أبوية، فلذلك كان قتل الخضر الغلام حسنًا في حقه وحق أبوية، وأن ساءهما فيما يبدو لهما، فافهم ولا تكن من الغافلين.\nقوله [حتى إذا كادوا يخرقونه] هذا الخرق وراء السكوة (١) التي انفتحت في أيامه -ﷺ- حين قال/ فتح اليوم من ردم يأجوج إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>[من سورة مري </span>م]\nقوله [ما يمنعك أن تزورنا إلخ] فيه دلالة على تمنى لقاء الإخوان وطلب الزيادة عنهم في الزيارة.\nقوله [يرد الناس النار] فأما المؤمنون فيردون على الصراط كافة، والعصاة يزلقون منها في النار، فيعذبون ما قدر لهم، وأما الكافرون فما لهم (٢) وللصراط.\n_________\n(١) ففي الدر برواية الشيخين عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله -ﷺ- من نومه وهو محمر وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج و﴿أجوج مثل هذه، وحلق، الحديث. ويرواية ابن أبى شبيه عن أبى هريرة مرفوعًا: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد بيده تسعين.\n(٢) اختلفت عبارات شراح الحديث ومشايخ التفسير في ذلك، وما أفاده الشيخ يظهر إليه ميل الحافظ في الفتح إذا قال تحت ترجمة البخاري (باب الصراط جسر جهنم): أي الجسر المنصوب على جهنم لعبور المسلمين عليه إلى الجنة، وقال أيضًا تحت حديث أنس في الشفاعة الكبرى: فيه إشعار بأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن، ثم ينادى المنادي: ليتبع كل أمه من كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه فيطفأ نور المنافقين، فيسقطون في النار أيضًا، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن العصاة من يسقط ووقف بعض من نجا عند القنطرة للمقاصة بينهم ثم يدخلون الجنة، انتهى ويؤيد ذلك حديث البخاري عن أبي هريرة في الرؤية، وفيه: يجمع الله الناس فيقول: من كان بعيد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله -ﷺ-: فأكون أول من يجيز، الحديث. قلت: ولا يبعد عندي أن يقال: إن الصراط سلم على الجهنم كسلم المحطات والجو بين كل قصمتين باب إلى جهنم، فأنه أخرج في دقائق الأخبار مرفوعًا: إن الصراط سبع قناطر كل قنطرة منها مسيرة ثلاثة آلاف سنة، ألف منها صعود، وألف= =استواء، وألف هبوط، وكذا روى في طبقات جهنم أن لها سبعة أبواب لكل باب منها جزء مقسوم، وسأل النبي -ﷺ- جبرائيل: أكانت أبوابها كأبوابنا هذه؟ قال: لا، ولكنها مفتوحة بعضها أسفل من بعض، من الباب إلى الباب مسيرة سبع مائة سنة، كل باب منها أشد حرًا من الذي يليه، الباب الأسفل للمنافقين وآل فرعون واسمه هاوية، والثاني للمشركين، وهو الجحيم، والثالث السقر للصابئين، والرابع اللظى لا بليس ومن تبعه، والخامس الحطمة لليهود، والسادس السعير للنصارى، والسابع للعصاة، وإذا عرفت ذلك فما يخطر بالبال- والله أعلم بحقيقة الحال- أن من خص الصراط بالمؤمنين أراد الصعود على الصراط على السطحة الأعلى منه، فان غير المؤمنين مالهم وللطبقة الفوقانية لجهنم، بل يسقطون فيها قبل تمام الصعود على الصراط فتأمل، والله أعلم وعلمه أتم، ونسأله العصمة من هذه المهالك.","vol":"4","page":200},{"text":"قوله [في أهل الأرض] أي (١) في صلحائهم، ولا ينافى ذلك كون بعض الصلحاء ساخطًا عليه لعارض آخر، وأما أصل ما ألقى في جذر قلوب الصحاء، فهو الألفة معهم والمؤانسة بهم.\nقوله [إن لي هناك مالا وولدًا] أي على حسب دعواكم معاشر المسلمين، فأنكم معتقدون أن لا ظلم اليوم، فيؤتي لي كل ما أملكه (٢) وأنا متصرف فيه، ولم يدر أن ذلك في الأعمال والاعتقادات، وأما في الأموال الدنيوية والأمتعة والأفمشة، فأنهم يحشرون يوم القيامة عراة غرلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>[من سورة طه]</span>\n\nقوله [أي بلال] أي ماذا الذي فعلت حيث أفت بمنامك صلاتنا.\nقوله [اقتادوا إلخ] فيه دلالة على أن أداءها فور الانتباه والتذكر غير واجب إذا كان (٣) الوقت لم يخرج عن حد الكراهة بل يصبر.\n_________\n(١) إشارة إلى أن العبرة لحب صالحي المؤمنين، وأما الفسقة والكفرة فهم يبغضون أهل الله غالبًا، قال تعالى ﴿مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.\n(٢) كما يشير إليه ما في الجمل من لفظ رواية: فسوف أعطيك إذا رجعت إلى مال وولد، الحديث.\n(٣) قبده بذلك لوجويها على الفور، ففي الدر المختار: يجوز تأخير الفوائت وإن وجبت على الفور لعذر السعي على العيال وفي الحوائج.","vol":"4","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>[من سورة الأنبياء]</span>\n\nقوله [إلا في ثلاث] والاستثناء باعتبار الصورة وفهم (١) من خاطبه إبراهيم، فكان كذبًا بحسب حمل المخاطب كلامه على غير ما قصده به، ثم إن الكذب لما لم يكن قبيحًا لعينة (٢) بل القبح فيه إما لمخالفته الواقع أو لاشتماله خديعة وتغريرًا لم (٣) من الكبائر إلا إذا وجد هناك ما هو مستلزم له، وإذ لا فلا، ولذلك جوز الكذب لإرضاء الزوجة إذا لم يتضمن إتلاف حق،\n_________\n(١) قال ابن عقيل: دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ﵇ ينبغي أن يكون موثوقًا به ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم، يعني إطلاق الكذب على ذلك، إلا في شدة الخوف لعلو مقامة، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعًا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تذم، فان الكذب وإن كان قبيحًا مخلا لكنه قد يحسن في مواضع، وهذا منها، انتهى. كذا في الفتح.\n(٢) بسط الكلام على ذلك شراح في مسلم الثبوت في مبادئ شروحتهم تحت المقالة الثانية، وأجاد الكلام في ذلك الغزالي في المستصفى في الفن الأول من القطب الأول.\n(٣) ولذا قال ابن حجر المكي في الزواجر: الكبيرة الأربعون بعد الأربعمائة الكذب الذي فيه حد أو ضرر، ثم بسط الروايات في ذلك وأقوال المشايخ، واستثنى من الكذب المحرم المبالغة وغيرها، حتى الكذب في الشعر أيضًا.","vol":"4","page":203},{"text":"ووجب (١) الكذب إذا كان فيه إحياء حق لا يمكن بدونه، أو إحياء نفس لا يتصور دونه، فلو كان القبح فيه لذاته لم يتغير، ولذلك قالوا: وضع الحكايات الكاذبة التي ليس لها أصل داخل في الصغائر، لكونها نوعًا من اللهو واللغو الذي قال النبي -ﷺ- فيه: إن من حسن إسلام المرأ تركه ما لا يعينه، وأما إذا تضمن ذلك منفعة فلا صير فيه، أفترى من صنف كتبًا للموعظة واضعا فيها الأمثال عن الجمادات (٢) وأمثالها أو غير ذلك من الفوائد، اقترفوا كبائر يؤاخذون عليها وترد بها شهاداتهم.\nقوله [إني سقيم] أراد (٣) به ما داخله من الهم والحزن لإشراكهم،\n_________\n(١) كما تقدم في باب الصدق والكذب من أبواب البر والصلة.\n(٢) ولذا قال الحريري في مبدأ مقاماته: من نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النظر في مباني الأصول، نظم هذه المقامات في سلك الإفادات، وسلكها مسلك الموضوعات عن العجماوات والجمادات، ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات، أو أثم رواتها في وقت من الأوقات، ثم إذا كانت الأعمال بالنيات، وبها انعقاد العقود الدينيات، فأي حرج على من أنشا ملحًا للتنبيه لا للتمويه، وتحابها منحى التهذيب لا الأكاذيب، انتهى.\n(٣) هذه أجود مما قالت الشراح كما حكاه عنهم الحافظ في الفتح، إذا قال: أما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولا يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبًا لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فقوله: إني سقيم يحتمل أنه أراد أي سأقسم، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيراتً، ويحتمل أنه أراد إني سقيم بما قدر على من الموت، أو سقيم الحجة على الخروج معكم، وحكى النووي عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمى في ذلك الوقت، وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا ولا تعريضًا، انتهى.","vol":"4","page":204},{"text":"وما هو عليه من المكيدة بآلهتهم، والسقم (١) كما هو صادق على الأمراض الظاهرة فكذلك هو صادق على العلل القلبية، وأما قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ فإنما كان يوهمهم بذلك ليحملوا السقم على ما لم يرده نم المعنى.\nقوله [بل فعله كبيرهم] أي (٢) على زعمكم الباطل، فأنكم لما كنتم تنسبون الأفعال والتصرفات إليها ولا يمكن نسبته إلى سائرها لخلاف البداهة، وجب حكمكم بذلك على كبيرهم لأنه بقي سالمًا، فكان جواب إلزام تهكمًا بهم لإلجائهم إلى الإقرار بعجزها، لا أنه أخبر عن الواقعية حتى يلزم للكذب.\n_________\n(١) كما يظهر مما حكاه صاحب المجمع إذ قال: وقيل: إني سقيم برؤية عبادتكم غير الله، انتهى. لكن قال الراغب: إن السقم مختص بالبدن، والمرض أعم، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فمن التعريض، أو الإشارة إلى ماض، أو إلى مستقبل، أو إلى قليل مما هو موجود في الحال، إذ كان الإنسان لا ينفك من خلل يعتبريه وإن كان لا يحس به، ويقال: مكان سقيم إذا كان فيه خوف، انتهى.\n(٢) وقال القرطبي: قال هذا تمهيدًا للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة، وقطعًا لقومه في قولهم: إنها تضر وتنفع، وهذا الاستدلال يتجوز في الشرط المتصل، ولذا أردف قوله ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴿بقوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ ﴿قال ابن قتيبة: معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا، فالحاصل أنه مشترط بقوله: إن كانوا ينطقون، أو أنه أسند إليه ذلك لكونه السبب، وعن الكسائي أنه كان يقف عند قوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ أي فعله من فعله كائنًا من كان، ثم يبتدأ كبيرهم هذا، وهذا خبر مستقل، ثم يقول: فاسألوهم إلى آخره، ولا يخفى تكلفة، هكذا في الفتح.","vol":"4","page":205},{"text":"قوله [أول من يكسى] هذه كسوة الشرف والأنبياء يحشرون (١) في ثيابهم\n_________\n(١) وإلى ذلك مال القارى في شرح المشكاة إذ قال: وعندي أن الأنبياء بل الأولياء يقومون من قبورهم حفاة عراة لكن يلبسون أكفائهم بحيث لا تكشف عوراتهم على أحد ولا على أنفسهم، فيكون هذا الإلباس محمولا على الخلع الإلهية والحلل الجنتية على الطائفة الاصطفائية، انتهى. ثم ذكر القرائن على ذلك، لكنها ليست صريحة في ذلك، وقال العبني: إن قلت: روى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رفعه: الميت يبعث في ثيابه الذي يموت فيها، ورواه ابن حبان وصححه، أجيب بأنهم يبعثون من قبورهم في ثيابهم التي يموتون فيها، ثم عند الحشر تتناثر عنهم ثيابهم، أو بعضهم يأتون إلى المحشر عراة، وحمل بعضهم الثياب على الأعمال، وحملة بعضهم على الشهداء الدين أمر -ﷺ- بأن يلزموا في ثيابهم، قالوا: يحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهداء فتأوله على العموم، = =وذهب الغزالي إلى الحديث أبى سعيد، واحتج بقوله -ﷺ-: بالغوا في أكفان موتاكم فان أمي يحشرون في أكفانهم، وساتر الأمم عراة، رواه أبو سفيان مسندًا، وأجيب عنه على تقدير صحته أنه محمول على الشهداء، انتهى مختصرًا. قلت: إلا أن عامة للشراح ذهبوا إلى عموم حديث الباب، ولكن أكثرهم خصوا النبي -ﷺ- عن ذلك لمسألة أصولية أن المتكلم لا يدخل تحت عموم الخطاب، فحملوا كسوته -ﷺ- على الكسوة الفاخرة وإن لم يكن عريانًا قبل ذلك، وبعضهم عمموا فقالوا: فضيلة جزئية لإبراهيم ﵇ لأنه أول من كسا الفقراء، أو لأنه أول من عرى في الله حين ألقى في النار، أو لكونه أباه فقدمه لعزة الأبوة، كما في المرقاة.","vol":"4","page":206},{"text":"قوله [فلما توفيتني] أي قبضتني إليك ورفعتني عنهم، فلا دلالة (١) فيه على الموت. قوله [منذ فارقتهم] هذه الكلمة تعين المراد بهم أنهم الذين قاتلهم (٢) أبو بكر رضي الله تعالى عنه حين ارتدوا بوفاته -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>[من سورة الحج]</span>\n\n[فأنشأ المسلمون يبكون] وكان قد نزل بهم بأس كما ورد (٣) في\n_________\n(١) كما هو مبسوط في المختصرات والمطولات المشتهرات المؤلفات في هذا الزمان، احتاجوا إلى تأليفها ردًا على الفرقة المبتدعة الضالة القاديانية المنكرة لختم نبوة خاتم النبين عليه أفضل الصلوات والتسليم المدعية لنبوة رئيسهم الداخل في جملة ثلاثين دجالين كذابين الذين أخبر بهم النبي -ﷺ-\n(٢) وبذلك جزم قبيصة إذ قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر حتى قتلوا وماتوا على الكفر، هكذا الفربري تلميد البخاري. قال الحافظ: وقد وصل الاسماعيلي من وجه آخر عن قبيصه، ثم قال الحافظ بعد ذكر الأقوال العديدة المختلفة في ذلك: ورجح عياض والباجي وغيرهما ما قال قبيصه راوى الخبر، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما لأنها كرامة يظهر بها عمل المسلم، والمرتد قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بسيما هم لا بصفتهم باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضا من كان في زمنه من المنافقين، وورد في حديث الشفاعة: تبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فدل على أنهم يحشرون مع المؤمنين فيعرف أعيانهم ولو لم تكن لهم تلك السيما، فمن عرف صورته ناداه مستصحبا لحالة التي فارقه عليها في الدنيا، انتهى.\n(٣) من قوله؟؟؟ القوم إلخ وفي الدر برواية ابن مردوية عن ابن عباس قال: بينا رسول الله -ﷺ- في مسيرة في غزوة نبي المصطلق إذ أنزل الله، الحديث. وفيه: فبكى المسلمون بكاء شديدًا ودخل عليهم أمر شديد، وفي رواية البخاري من حديث أبى سعيد: اشتد ذلك عليهم، قال الحافظ: وفي رواية شيبان عن قتادة عند ابن مردوية: أبلسوا، انتهى. وما وقع من غزوة بني المصطلق كذا حكاه الحافظ من= =حديث ابن الكلبي عن ابن عباس، ومثله في مرسل مجاهد عن الخطيب في المبهمات، وحكى من حديث ابن مسعود عند الاسماعيلي أن القصة وقعت وهو -ﷺ- في قبته بمنى، وجمع بينهما بالتعدد، قال: ثم ظهر لي أن القصة واحدة، وقول من قال: كان ذلك في غزوة بني المصطلق واه، والصحيح ما في حديث ابن مسعود أن ذلك كان بمنى، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن في الحديث الآتي من قوله ﴿فيش﴾ كتب في النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية بالمثناة التحتية بعد الفاء ثم همزة ثم سين مهملة، من اليأس بمعنى القنوط، وذكر الحديث السيوطي في الدر برواية الترمذي وابن جرير وابن مردوية بلفظ ﴿فتعبس﴾، قال المجد: عبس وجهه كلح، وتعبس تجهم، وقال الحافظ في الفتح: وفي حديث عمران عند الترمذي من رواية قتادة عن الحسن ﴿فنبس القوم﴾ بضم النون وكسر الموحدة بعدها مهملة، معناه تكلم فأسرع، وأكثر ما يستعمل في النفي، انتهى. وفي نفع القوت: ﴿فبئس﴾ بموحدة فهمزة فسين ككرم وسمع: سكتوا حزنًا، انتهى.\nقلت: وأخرجه الحاكم بلفظ: قال فأبلسوا حتى ما أوضحوا بضاحكة، انتهى.","vol":"4","page":207},{"text":"الزواية الآتية، فدفعة النبي -ﷺ- بقوله: فإنها لم تكن نبوة إلا كانت إلخ. وراعي مرتبة الخوف في ذلك أيضًا بقوله: سددوا وقاربوا.","vol":"4","page":208},{"text":"قوله [ولا أدرى قال الثلثين إلخ] وقد ورد (١) في الرواية الأخرى حيث ذكر أنهم مائة وعشرون صفًا: ثمانون من أمة محمد -ﷺ- وأربعون من غيرهم.\nقوله [فتفاوت بين أصحابه في السير] فاعله هو (٢) السير أو كلمة (بين).\n_________\n(١) أخرج البخاري من حديث ابن مسعود قال: كنا مع النبي -ﷺ- في قبة فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكون شطر أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، الحديث قال الحافظ: وفي رواية أبي الأحوص وإسرائيل: فقال: والذي نفس محمد بيده، وقال نصف بدل شطر زاد الكلى عن ابن عباس: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة بل أرجو أن تكونوا ثلثى أهل الجنة، ولا تصح هذه الزيادة لأن الكلبي ضعيف، لكن أخرج أحمد وابن أبى حاتم: لما نزلت ﴿ثلثه من الأولين وقليل من الآخرين﴾ شق ذلك على الصحابة فنزلت ﴿ثلثه من الأولين وثلثه من الآخرين﴾ فقال النبي -ﷺ-: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني، وأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة، وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث بريده رفعه: أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي منها ثمانون صفًا، وله شاهد من حديث ابن مسعود بنحوه واتم منه، وهذا يوافق رواية الكلبي، فكأنه -ﷺ- لما رجا رحمة ربه أن تكون أمته نصف أهل الجنة أعطاه ما ارتجاه وزاده، قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ انتهى.\n(٢) وعلى هذا فتكون لفظة (في) زائدة كما قالوا في جار فعل التعجب، وفي قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.","vol":"4","page":209},{"text":"إلا أنها للزوم الظرفية لها ترك نصبها على حالها كما في قوله تعالى: «لقد تقطع بينكم» (١). قوله [وعرفوا أنه عند قول إلخ] أي مشرف له وقاصد له ومقارب بأن يقوله.\nوقوله [وبني إبليس] المراد بهم مردة الإنس وعصاتهم، نسبوا إليه لسكونهم معاملين به معاملة الأبناء بالآباء، وليس على حقيقته لأن قضية بنى الجان ليس إلى آدم ﵇ (٢).\nقوله [لم يظهر عليه جبار] أي ذو جبر يليه (٣) فيهتك حرمته ويهدمه إهانة\n_________\n(١) ففي جامع البيان: يقرأ بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها هو ظرف لتقطع والفاعل مضمر، أي تقطع الوصل بينكم ودل عليه شركاء، والثاني هو وصف لمحذوف، أي لقد تقطع شتى بينكم أو وصل، الثالث أن هذا المنصوب في رفع وهو معرب، جاز ذلك حملًا على أكثر أحوال الظرف، وهو قول الأخفش، ويقرأ بالرفع على أنه فاعل والبين هاهنا الوصل وهو من الأضداد، انتهى. وعلى هذا فيحتمل الحديث أيضًا عدة أوجه لا تخفي، ولفظ الحاكم: قد فارت بين أصحابه السير الحديث، بدون لفظ (في) على السير.\n(٢) وذلك لما روى الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفًا قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال الله تعالى لمؤمني الجن وسائر الأمم من غير الإنس: كونوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا، فعلم أن أمرهم يكون بعد الفراغ من الإنس، وأيضًا فلا= =تعلق هم آدم ﵇ لا من حيث الأبوة، فإن الإنسان خلق من صلصال وهم من نار، ولا من حيث النبوة، كما بسط الحافظ في بدء الخلق.\n(٣) وبه جزم أهل التفسير تحت قوله عز اسمه: «رب اجعل هذا بلدًا آمنًا» سيما شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز في تفسيره، وكذا صاحب البحر المحيط تحت قوله تعالى: «فيه آيات بينات مقام إبراهيم».","vol":"4","page":210},{"text":"وإفسادًا، وأما ما وقع في زمن الحجاج فإنما كان من غير قصد البيت، وإنما قصد البلد وابن الزبير فوصل المنجنيق إلى البيت والبيت كان محترمًا معظمًا عند كل هؤلاء، وسيكون ذلك عند قرب الساعة فيهدمه حبشي ويسوي بنيانه.\nقوله [ليهلكن] من المجرد على زنة المعروف، وإنما قال أبو بكر ﵁ ذلك لما على ذلك من عادته (١) سبحانه الجارية في الأمم الغابرة حيث أهلكوا حين أخرجوا أنبياءهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>[من سورة المؤمني </span>ن]\nقوله [سمع عند وجه كدوى (٢) النحل] وهذا الصوت كان من جسمه\n_________\n(١) وقد قال تعالى: «وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلًا، سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلًا» فقد وقع كذلك وهلكوا يوم بدر، كما أخرج الآثار في ذلك السيوطي في الدر.\n(٢) وفي الحاشية عن اللمعات: بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، إما صوت الوحي يسمعها الصحابة ولا ينكشف لهم انكشافًا تامًا، أو ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ من شدة تنفسه من ثقل الوحي، والأول أظهر لأنه قد وصف الوحي بأنه كان تارة مثل صلصلة الجرس، انتهى. وفي المرقاة: هو صوت جبرئيل يبلغ إلى رسول الله ﷺ الوحي ولا يفهم الحاضرون من صوته شيئًا، وقال الطيبي: أي سمع من جانب وجه وجهته صوت خفي، كان الوحي يؤثر فيهم وينكشف لهم انكشافًا غير تام، فصاروا كمن يسمع دوي صوت ولا يفهمه، أو أراد لما سمعوه من غطيطه وشدة نفسه عند نزول الوحي.","vol":"4","page":211},{"text":"ﷺ لشدة تأثره بالملك وتعطل حواسه عن عالمنا. هذا.\nقوله [وأوسطها] يفسره ما بعده. قوله [عن هذه الآية] معنى قول عائشة ﵂ يؤتون ما أتوا من السيئات وقلوبهم وجلة لذلك، أو يؤتون (١) ما أتوا من الحسنات وقلوبهم وجلة لمعاصيهم، فقال النبي ﷺ: لا بل المراد بذلك الذين لا يفعلون السيئات ومع ذلك قلوبهم وجلة، وإن كان الحكم في الذين ذكروا في كلام عائشة ﵂ كذلك إلا أنهم ليسوا بمرادين في الآية، لأن الله ﵎ ذكرهم هاهنا على سبيل المدح، والأولون لم يستحقوا محمدة، غايتهم أنهم مؤمنون راجون دخول الجنة وليست تصدق عليهم الآية اللاحقة «أولئك يسارعون في الخيرات» الآية.\nقوله [وهم يخافون أن لا تقبل إلخ] ولا دلالة في ذلك على عدم صحة الطاعة في نفسها فلا نقض بذلك على ما هو المذهب من أن المكلف إذا أتى بشتى من الطاعات جامعًا شرائطه كما أمر ورافعًا موانعه التي عنها زجر، فلنا أن نحكم بصحته، وخالفه (٢) الآخرون ولا دلالة لهم على مذهبهم بالرواية الواردة هاهنا\n_________\n(١) والفرق بين هذا وبين ما سبق أن المراد بما الموصولة في المعنى الأول السيئات وفي المعنى الثاني الحسنات، إلا أن الخوف في كلا المعنيين هو عن المعاصي بخلاف المعن الثالث المستفاد من مشكاة النبوة، فالمراد فيه وأيضًا الحسنات لكن الخوف فيه من عدم القبول.\n(٢) وتوضيح ذلك كما في نور الأنوار: اختلفوا في أنه إذا أدى المأمور به مع رعاية الشرائط والأركان فهل يجوز لنا أن نحكم بمجرد إتيانه بالجواز؟ أو نتوقف فيه حتى يظهر دليل خارجي يدل على طهارة الماء وسائر الشرائط؟ فقال بعض المتكلمين: لا نحكم به حتى نبل من خارج أنه مستجمع الشرائط والأركان، ألا ترى أن من أفسد حجه بالجماع قبل الوقوف فهو مأمور بالأداء شرعًا بالمضي على أفعاله مع أنه لا يجوز المؤدي إذا أداه فيقضى من قابل، والمذهب الصحيح عندنا أنه تثبت بمجرد إيجاد الفعل صفة الجواز للمأمور به، وهو حصول الامتثال على ما كلف به وإلا يلزم تكليف ما لا يطاق، ثم إذا ظهر الفساد بدليل مستقل بعده يعيده، وأما الحج فقد أداه بهذا الإحرام وفرغ عنه، والأمر بحج صحيح في العام القابل بأمر مبتدأ، انتهى.","vol":"4","page":212},{"text":"فأنا لم نحكم بالقبول حتى يورد ما يورد بل بالصحة، والصحة والقبول بينهما بون لا يخفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>[سورة النور]</span>\n\nقوله [يحمل الأسرى] أي) (١) الذين يوثقهم أوليائهم لإسلامهم خوفًا منهم أن يفروا إلى المدينة. قوله [وسلكت الخندمة] جبل (٢) في غير طريق المدينة، وإنما لم يأت إلى طريق المدينة لبعد الجبل ثم.\n_________\n(١) هذا هو الظاهر من بعض ألفاظ الروايات في هذه القصة، ويحتمل أن يكون المراد الذين أسرهم أهل مكة في المغازي.\n(٢) قال ياقوت الحموي في المعجم: بفتح أوله جبل بمكة، كان لما ورد النبي ﷺ عام الفتح جمع صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو جمعًا بالخندمة ليقاتلوه، وكان حماس بن قيس قد أعد سلاحًا فقالت له زوجته: ما تصنع بهذا السلاح؟ فقال: أقاتل به محمد وأصحابه. فقالت: والله ما أرى أن أحدًا يقوم لمحمد وأصحابه، فقال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، خرج فقاتل مع من بالخندمة من المشركين، فمال عليهم خالد بن الوليد فقتل بعضهم وانهزم الباقون، وعاد حماس منهزمًا وقال لامرأته: أغلقي على بابي، فقالت: أين ما كنت تقول؟ فأنشد ما في المعجم، وفي القصة حجة لمن قال: فتحت مكة عنوة.","vol":"4","page":213},{"text":"قوله [فجعلت أحمله ويعييني (١)] لعجزه عن المشي وثقل جسمه.\n[حتى نزلت: الزاني إلخ] فقيل (٢): الآية منسوخة، وقيل: بل المعنى\n_________\n(١) من الإعياء أي يتعبني ثقله، وكان ثقيلًا كما في حديث الباب، ولا يقدر على المشي لكونه مقيدًا.\n(٢) اختلف في الآية على خمسة أقوال بسطت في البذل وغيره، أحدها أنها منسوخة والناسخ عموم قوله تعالى: «وأنكحوا الأيامى منكم، وعلى هذا أكثر العلماء، يقولون: من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها، قال الشافعي: القول في الآية كما قاله سعيد بن المسيب إن شاء الله أنها منسوخة، قال ابن رشد: اختلفوا في زواج الزانية، فأجازها الجمهور، ومنعها قوم، وسبب ذلك اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: «وحرم ذلك على المؤمنين» هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم، وهل الإشارة في قوله تعالى «وحرم ذلك» إلى الزنا أو إلى النكاح، وللجمهور ما جاء في حديث ابن عباس أن رجلًا قال للنبي ﷺ في زوجته: إنها لا ترد يد لامس، الحديث. وقال قوم أيضًا: إن الزنا يفسخ النكاح على هذا الأصل، انتهى. القول الثاني أن النكاح في الآية هو الوطى، ورجحه ابن جرير الطبري إذ قال بعد ما سرد الأقوال والروايات: وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال: عنى بالنكاح الوطى، وأن الآية نزلت في بغايا المشركات ذوات الرايات، وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وان الزاني من المؤمنين حرام عليه كل مشركة، فمعلوم أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا ينكح إلا بزانية أو مشركة. والثالث أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية بجلودة أو مشركة، والرابع أن هذا كان في نسوة كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه ما كسبته من الزنا، الخامس أنه عام في تحريم نكاح الزانية على العفيف، ورجحه ابن القيم وبسطه وقال: لا يعارض ذاك حديث ابن عباس المذكور فإنه في الاستمرار على نكاح الزانية والآية في ابتداء النكاح، فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته، ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية، انتهى. قلت: وعامة المفسرين على أن اللفظ وإن كان عامًا لكن المراد منه الأعم الأغلب، والمعنى الغالب أن الفاسق الخبيث الذي يعتاد الزنا لا يرغب في نكاح الصالحة العفيفة، بل في نكاح مثله الزانية أو الشركة. قلت: وهذا مجرب مشاهد.","vol":"4","page":214},{"text":"على التنزيه (١) بمعنى أنه لا ينبغي ذلك، والصحيح أنها باقية (٢) على تحريمها، فإن النكاح بالزاني للصالحة وكذا بالزانية للصالح حرام لكنه موجبًا تودد الفسقة (٣)\n_________\n(١) وإليه مال البيضاوي إذ قال: الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح، والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة الألفة والتضام، والمخالفة سبب النفرة، وحرم ذلك على المؤمنين، لأنه تشبه بالفساق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء المقالة والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد، ولذاك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة، انتهى.\n(٢) فإن قيل: هذا يخالف المذهب في البذل: مذهب الحنفية في ذلك هو ما قاله الجمهور أن الزانية لا يحرم نكاحها على الزاني ولا على غيره، وكذلك لا يحرم نكاح الزاني بالمؤمنة ولا بالزانية، انتهى. قلت: مبني كلام الشيخ بقاء التحريم لعارض وهو التودد، والحاصل أنها منسوخة في حق النكاح من حيث هو لكن باقية على التحريم الكون النكاح موجبًا للتودد، والتودد مع الفسقة لا يجوز.\n(٣) وقد قال عز اسمه: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، الآية، «ويوم يعض الظالم على يديه» الآية، وفيها «يا ويلتي ليتني لم اتخذ فلانًا خليلًا» وأخرج أبو داود عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكبله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض، ثم قال: «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل» إلى قوله: «فاسقون» ثم قال: والله لتأمرن بالمعروف، الحديث.","vol":"4","page":215},{"text":"والزناة، فإن الرجل إذا نكح زانية وهي على حالها ولم تتب عما كانت تقترفه فإنه يكون ديوثًا ويكون محبًا للفاسقة ومخالطًا لها، والمخالطة حرام، وكذلك من جانب المرأة، فإنها لما قدرت أن لا تنكحه ثم نكحت فإنها صارت مخالطة للفاسق في المؤاكلة والمشاربة والجامعة باختيارها فكانت ارتكبت حرامًا، وأما إذا تابا فليسا بزانيين، فإن اسم الفاعل حقيقته لمن قام به الفعل في الحال، وأما من كان اتصف به أو سيتصف فهو مجاز.\nقوله [أيفرق بينهما] أم التفريق (١) هو اللعان نفسه، أم لا يجب التفريق بل هما على ما كانا عليه من الزوجية. قوله [ابن جبير أدخل] بحذف حرف النداء.\n_________\n(١) عطف على قوله أيفرق، والسؤال يتضمن ثلاث صور: يعنى هل يحتاج اللعان إلى تفريق القاضي أم لا، والثاني يتضمن صورتين أظهرهما الشيخ في كلامه، الأول لا يحتاج إلى التفريق بل اللعان بنفسه هو الفرق بينهما، والثاني لا يحتاج إلى تفريق القاضي ولا يكون اللعان فرقة بينهما، بل هما باقيان على نكاحهما كما كانا قبل اللعان، ومذهب الحنفية في ذلك ما في البذل عن البدائع اختلف العلماء في حكم اللعان، فقال أصحابنا الثلاثة: هو وجوب التفريق ما داما على حال اللعان لا وقوع الفرقة بنفس اللعان من غير تفريق الحاكم حتى يجرى التوارث بينهما قبل التفريق، وقال زفر والشافعي: هو ونوع الفرقة بنفس اللعان، إلا أن عند زفر لا تقع الفرقة ما لم يلتعنا، وعند الشافعي تقع الفقرة بلعان الزوج قبل أن تلتعن المرأة، انتهى.","vol":"4","page":216},{"text":"قوله [فلم يجنبه] وكان الشارع نهاهم أن يضعوا (١) المسائل ويسألوه عنها، فخاف (٢) السائل أن يكون النبي ﷺ سكت عن جوابه لسخطه عليه وظن\n_________\n(١) يعنى كان نهاهم أن يستفتوا من الأسئلة الموضوعة الفرضية، وفي الدر برواية الحاكم وغيره عن أبي ثعلبة الخنسي رفعه أن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، الحديث. وفيه: وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة منه لكم، فاقبلوها ولا تبحثوا عنها، وبرواية أحمد وغيره من أبي أمامة أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع على جمل آدم فقال: يا أيها الناس خذوا العلم قبل رفه، قال: وكنا نهاب مسالته بعد تنزيل الله الآية «لا تسألوا عن أشياء» الحديث. وفي جمع الفوائد عن ابن عمر: وقد سئل عن شيء. فقال: لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن من سال ما لم يكن، ولفظ البخاري من حديث سهل بن سعد: كره رسول ﷺ المسائل وعابها، وبسط الحافظ وجه الكرامة، وذكر من حديث جابر ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال، أخرجه الخطيب.\n(٢) وتقدم في كتاب اللعان ما قال الشيخ: سكت النبي ﷺ لما لم يعلم حكمه، أو علم أن صورة المرأة فرضية، انتهى. قلت: ويؤيد الأول ما في رواية أبي داود عن ابن مسعود فقال -أي رسول الله ﷺ-: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان.","vol":"4","page":217},{"text":"سؤاله فرضًا غير واقع، فلذلك حضر وقال: إن الذي سألتك ليس بوضع أو تقدير، وإنما سؤالي لابتلائي بها.\nقوله [ثم فرق بينهما] وفي ذلك (١) الجواب أنهما لا يتركان بل يفرقان، وليس اللعان تفريقًا. قوله [إنها موجبة] أي توجب مقتضاها ومؤداها أي تكون سبب غضب الله سبحانه.\nقوله [فقالت: لا انفضح قومي سائر اليوم] لا يقال: كان في قولها ذلك دلالة على صدق الرجل، فكيف لم يكتفوا بذلك على تصديقها إياه، لأن الكلام يحتمل معنيين فلا يعين أحدهما، أي أفأكذب لإرضاء زوجي واصدقه على خلاف الواقع وأفضح قومي ولا افعله، أو المعنى أفأصدق وأصدق زوجي وأفضح قومي، ففي الأولى ليس إقرار بالزنا، وإن كانت فضيحة القوم متحققة فيها أيضًا، بخلاف الثانية فإن فيها اعترافًا بالزنا، فلما لم يكن الكلام نصًا في الإقرار لم يحمل عليه.\nقوله [لولا ما مضى إلخ] أي لولا (٢) أن الله في حكم مثل هذه\n_________\n(١) والحديث مكرر بهذا السند والان تقدم في اللعان.\n(٢) وقريب منه ما قاله القاري إن قوله من كتاب الله بيان لما، أي لولا ما سبق من حكمه بدره الحد عن المرأة بلعانها لكان لي ولها شان في إقامة الحد عليها، أو المعنى لولا أن القرآن حكم بعدم الحد على المتلاعنين وعدم التعزير لفعلت بها ما يكون عبرة للناظرين. قال الطيبي: وفي ذكر الشأن وتنكيره تهويل وتفخيم لما كان يريد أن يفعل بها لتضاعف ذنبها، وفي الحديث دليل على أن الحاكم لا يلتفت إلى المظنة والأمارات، وإنما يحكم بظاهر ما تقتضيه الحجج والإيمان، وأن لعان الرجل مقدم على لسان المرأة لأنه مثبت وهذا دارئ، والدرء إنما يحتاج إليه بعد الإثبات، انتهى.","vol":"4","page":218},{"text":"القصة بالملاعنة فحسب لعزرت المرأة. قوله [وما علمت به] نفي والفعل متكلم (١). قوله [وأبنوا بمن (٢)] استفهامية، ولا يمتع حمله على الموصولية.\nقوله [إلا وأنا حاضر] فلو أنه كان يدخل بغير مشهده ﷺ أو يقيم في المدينة حين يغيب النبي ﷺ لكان للظنة إمكان وأما إذا فلا.\n_________\n(١) قال الحافظ: ظاهر هذا الحديث يشعر بأن السؤال والخطبة وقعا قبل أن تعلم عائشة بالأمر فإن أول هذا الحديث: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله ﷺ خطيبًا فذكر قصة الخطبة، ولفظ حديث البخاري في التفسير: لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، فدعا رسول الله ﷺ على بن أبي طالب وأسامة بن زيد، الحديث. ظاهره أن السؤال وقع بعد ما علمت بالقصة لأنها عقبت بكاءها تلك الليلة بهذا، ثم عقبت بالخطبة، ويمكن الجمع بأن الفاء في قوله: فدعا على بن أبي طالب، عاطفة على شيء محذوف تقديره: وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك سمع ما قيل فدعا عليا، انتهى بتغير.\n(٢) قال الحافظ: هو بفتح الموحدة الخفيفة والنون المضمومة، وحكى عياض آن في رواية بتشديد الموحدة وهي لغة، ومعناه: عابوا أهلي واتهموا أهلي، وهو المعتمد، لأن الابن بفتحتين التهمة، وقال ابن الجوزي: المراد رموا أهلي بالقبيح، وحكي عياض أن في رواية بتقديم النون الثقيلة على الموحدة، قال: وهو تصحيف، لأن التأنيب هو اللوم الشديد ولا معنى له هاهنا، وقال النووي: قد يوجه بأن المراد لاموهم أشد اللوم فيما زعموا أنهم صنعوه وهم لم يصنعوا شيئًا من ذلك، لكنه بعيد. من صورة الحال، والأول هو المعتمد، قال النووي: التخفيف أشهر، انتهى ما في الفتح.","vol":"4","page":219},{"text":"قوله [وقام رجل من الخزرج] وهو سعد بن عبادة، وإنما، حمله (١) على ذلك ما ظن أن سعد بن معاذ إنما قال ذلك لكونه من الأوس، وكان ابن أبي من الخزرج، وكذلك حسان بن ثابت كان ابن أخت الخزرج، فظن سعد عبادة أن سعد بن معاذ بقول ذلك لما في الأوس والخزرج من المعاداة القديمة، ولم يلتفت أنه إنما يقول: لأجل النبي ﷺ.\n_________\n(١) وبذلك جزم الحافظ في الفتح إذ قال: وقد بينت الروايات الأخرى السبب الحامل لسعد بن عبادة على ما قال، في رواية ابن إسحاق: فقال سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة إلا أنك علمت أنهم من الخزرج، وفي رواية ابن حاطب: فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ والله ما بك نصرة رسول الله ﷺ، ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية وأحن لم تحلل لنا من صدوركم، قال ابن معاذ: الله اعلم ما أردت، إلى آخر ما ذكره الحافظ. ولا يذهب عليك ما ذكر عياض أن في ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث إشكالًا لم يتكلم الناس عليه، ونبهنا عليه بعض شيوخنا أن الإفك كان في المريسيع سنة ست، وسعد بن معاذ مات من الرمية التي رميها بالخندق، فدعا الله فأبقاه حتى حكم في بني قريظة، ثم انفجر جرحه فمات منها، وكان ذلك سنة أربع، فلا يصح ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والأشبه أنه غيره، ولذا لم يذكره ابن إسحاق في رواته وجمل المراجعة بين أسيد بن حضير وبين سعد بن عبادة، وقال لي بعض شيوخنا: يصح أن يكون سعد موجودًا في المريسيع بناء على الاختلاف في تلونح غزوة المريسيع، ثم بسط الحافظ في الجواب مبناه اختلافهم في التواريخ، وحكى عن البيهقي أنه يجوز أن يكون جرح سعد بن معاذ لم ينفجر عقب الفراغ من بني قريظة بل تأخر زمانًا ثم انفجر بعد ذلك، وتكون المراجعة في قصة الإفك في أثناء ذلك.","vol":"4","page":220},{"text":"قوله [تعس مسطح] وكانت عادتهم الدعاء على العدو إذا أصابت نكبة، وكانت أم مسطع (١) ساخطة عليه لما ارتكب الذي ارتكب، وفي الحديث دلالة على الأمر للكبار إذا خالفوا الشريعة في أمر، فإن عائشة ﵂ كانت صغيرة جدًا منها، ومع ذلك فقد نهتها عن سب الصحاب، وأيضًا ففيه دلالة على أن الأمر في الأول يكون بلطف وفي الثاني فوق ذلك، ويجور في الثالثة النهر (٢) والغضب في الكلام، وإن لم ينته المأمور فللآمر ضربه في الرابعة إن قدر عليه.\nقوله [وكان الذي خرجت له إلخ] إن كان هذا بعد عودها (٣) عن قضاء\n_________\n(١) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء بعدها حاء مهملات، قيل: اسمها سلمى ابنة أبي رهم -بضم الراء وسكون الهاء- ابن المطلب بن عبد مناف، وأمها رائطة بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، كما في رواية البخاري مع زيادة عن الفتح.\n(٢) قال الحافظ: في رواية هشام أنها عثرت ثلاث مرات وإنها انتهرتها في الثالثة، وعند الطبراني: فقلت: أتسبين ابنك وهو من المهاجرين الأولين، قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون قول أم مسطح هذا عمدًا لتتوصل إلى إخبار عائشة بما قيل فيها وهي غافلة، ويحتمل أن يكون اتفاقا أجراه الله على لسانها لتستفظ عائشة من غفلتها عما قيل فيها. وبقرت بموحدة وقاف خفيفة أي أعلمتنيه، ونقرت بنون وقاف ثقيلة أي شرحته، انتهى.\n(٣) وكلا الاحتمالين مؤيد بالروايات، فلفظ البخاري في التفسير: فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح، الحديث.\nقال الحافظ: ظاهره أنها عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها، ثم أخبرتها الخبر بعد ذلك، لكن في رواية هشام أنها عثرت قبل أن تقضى عائشة حاجتها وأنها لما أخبرتها الخبر رجعت كأن الذي خرجت له لا تجد منه لا قليلًا ولا كثيرًا، وكذا وقع في رواية ابن إسحاق، قالت: فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي، وفي رواية أبي أويس: فذهب على ما كنت أجد من الغائط ورجعت عودي على بدني، وفي حديث ابن عمر: فأخذتي الحمى وتقلص ما كان مني، ويجمع بينهما بأن معنى قولها قد فرغنا من شأننا أي من شأن المسير لا قضاء الحاجة","vol":"4","page":221},{"text":"حاجتها المعنى أنى ولهت حتى لم ادر لم خرجت وما أتاني عن بيتي حتى صرت مبهوتًا (١)، وإن كان قبل أن تقضى حاجتها فالمعنى لم يبق لي شيء من الذي كنت خرجت له أي صرت لا أجد لي ثقلًا ولا ضرورة إلى قضاء الحاجة، وهذا في العادة كثير.\nوقوله [ووعكت] وكانت ﵂ مرضت قبل هذا فبرئت من مرضها إلا أنها كانت ناقهة بعد (٢)، فلما سمعت ذلك حمت لشدة الهم\n_________\n(١) وعند الطبراني بإسناد صحيح عن عائشة قالت: لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليبًا فأطرح نفسي فيه، وأخرجه أبو عوانة أيضًا، كذا في الفتح.\n(٢) ولفظ البخاري في التفسير: ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت خرجت مع أم مسطع، الحديث. قال الحافظ: بفتح القاف وقد تكسر، والأول أشهر، والناقه بكسر القاف الذي أفاق من مرضه ولم تتكامل صحته، وقيل: إن الذي بكسر القاف بمعنى فهمت، لكنه هنا= =لا يتوجه لأنها ما فهمت ذلك إلا فيما بعد، وقد أطلق الجوهري وغيره أنه بفتح الكاف وكسرها لغتان في برأ من المرض ودو قريب العهد لم يرجع إليه كمال صحته، انتهى.","vol":"4","page":222},{"text":"قوله [فإذا هي لم يبلغ إلخ] أي لما أخذت أمي تخفف (١) عني وتسليمي علمت أن الحديث لم يدهمها كما دهمني ولم تغتم منه كاغتمامي. قوله [واستعبرت] أي جرت دموعي (٢) حتى ارتفع بكائي فسمعه أبي\nقوله [إلا رجعت إلى بيتك] استثناء من نفي مقدر، أي لا تفعلي شيئًا دون الرجوع، وذلك لئلا تثبت عليها الريبة في غيبتها عن بيت زوجها، فيقول كل قائل\n_________\n(١) قال الحافظ: فيه من فطنة أمها وحسن تأنيها في تربيتها ما لا مزيد عليه، فأنها علمت أن ذلك يعظم عليها فهونت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرد بذلك، لأن المرأ يتأسى بغيره فيما يقع له، وأدمجت في ذلك ما تطيب به خاطرها من أنها فائقة في الجمال والحظوة، وذلك مما يعجب المرأة أن نوصف به مع ما فيه من الإشارة إلى ما وقع من حمنة بنت جحش، وأن الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرة أختها زينب بنت جحش، وعرف من هذا أن الاستثناء في قولها إلا اكثرن عليها متصل، لأنها لم تقصد وقصتها بعينها بل ذكرت شان الضرائر، وأما ضرائها هي فإنهن وإن كن لم يصدر منهن في حقها شتى مما يصدر من الضرائر لكن لم يعدم ذلك ممن هو منهن بسبيل كما وقع من حمنة، لأن ورع أختها منعها من القول في عائشة كما منع بقية أمهات المؤمنين، وإنما اختصت زينب بالذكر لأنها التي كانت لا تضاهي عائشة في المنزلة، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: وفي رواية هشام فاستعبرت فبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فرق البيت يقرأ، فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من شانها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك، وفي رواية معمر عند الطبراني: فقالت أمي: لم تكن علمت ما قيل لها، فأكبت تبكي ساعة، ثم قال: اسكتي يا بنية.","vol":"4","page":223},{"text":"وآش ما شاء، وأما إذا كانت بحضرة من زوجها لا يكون له إلى إساءة الظن بها سيل، وأيضًا فان أبا بكر ﵁ خاف أن يلحق إليه بذلك شيء من جبهة النبي ﷺ (١) من الكرامة والسخط، إذ يعلم بذلك حمايته لها.\nقوله [أسقطوا لها به] أي أغلظوا (٢) لها في الكلام وأسمعوها سقطه\n_________\n(١) ولذا ما قالت له عائشة: أجب رسول الله ﷺ فيما قال، قال: ما أدري ما أقول، قال الحافظ: إنما أجابها أبو بكر بقوله: لا ادري، لأنه كان كثير الاتباع لرسول الله ﷺ فأجاب بما يطابق السؤال، ولأنه وإن كان يتحقق براءتها لكنه كره أن يزكى ولده، وكذا الجواب عن قول أمها: لا أدري، وفي رواية أبي أويس: فقلت لأبي: اجب، فقال: لا أفعل، هو رسول الله والوحى يأتيه، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: يقال: أسقط الرجل في القول إذا أتى بكلام ساقط، والضمير في قوله (به) للحديث أو للرجل الذي اتهموها به، وحكي عياض أن في رواية لمسلم: حتى أسقطوا لهاتها بمثناة مفتوحة وزيادة ألف بعد الهاء، قال: وهو تصحيف لأنهم لو أسقطوا لهاتها لم تستطع الكلام، والواقع أنها تكلمت، وفي رواية عند الطبراني: فقال: لست عن هذا أسالك، قالت: فعمه؟ فلما فطنت قالت: سبحان الله، وهذا يدل على أن المراد بقوله: حتى اسقطوا لها به حتى صرحوا لها بالأمر، فلذا تعجبت، وقال ابن الجوزي: اسقطوا لها به أي صرحوا لها بالأمر، وقيل: جاءوا في خطابها بسقط من القول، وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون من قولهم: سقط إلى الخبر إذا علمته، فمعناه ذكروا لها الحديث وشرحوه، انتهى ولا يذهب عليك أن ما في الروايات من تسمية هذه الجارية المسئولة ببريرة حكموا عليه بالوهم، لأن قصتها كانت بعد فتح مكة وهذه قبلها بمدة، وأجيب بأنه يحتمل أن تكون بربرة تخدم عائشة وهي في رق مواليها، أو أن اسم هذه الجارية وافق باسم بريرة التي وقع لها التخيير، وجزم البدر الزركشي أن تسمية الجارية ببريرة مدرج من بعض الرواة وأنها جارية أخرى، وأخذه من ابن القيم، فإنه قال: تسميتها ببريرة وهم من بعض الرواة، فإن عائشة إنما اشترت بربرة بعد الفتح. قال الحافظ: وأجاب غيره بأنها كانت تخدم عائشة بالأجرة وهي في رق مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة، وهذا أولى من دعوى الأدراج وتغليط الحفاظ، انتهى.","vol":"4","page":224},{"text":"بالذي قالته من تبرئتي. قوله [ما يعلم الصائغ إلخ] أي البراءة والخلوص عن العيب. قوله [ذلك الرجل الذي قيل له] أي صفوان. قوله [ما كشفت كنف أنثى] أي في الحرام (١) لا في الجاهلية ولا في الإسلام.\n_________\n(١) وإليه مال القرطبي إذ جمع بينه وبين حديث أبي سعيد عند أبي داود والحاكم وغيرهما أن امرأة صفوان بن المعطل جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن زوجي يضربني إذا صليت، الحديث، وفيه أما قولها: يفطرني إذا صمت. فأنا رجل شاب لا أصبر، فقال القرطبي: إن مراده بقوله: ما كشف كنف أنثى قط أي بينا، انتهى. وقال البزار لحديث أبي سعيد: هذا الحديث كلامه منكر، وليس للحديث عندي أصل، وتعقب الحافظ كلامه وجزم بأن للحديث أصلًا ورجاله رجال الصحيح، وتعقب أيضًا كلام القرطبي بما في رواية سعيد بن أبي هلال عن هشام فيها: لما بلغه الحديث قال: والله ما أصبت امرأة حلالًا ولا حرامًا، وفي حديث ابن عباس عند الطبراني: وكان لا يقرب النساء، قال الحافظ: فالذي يظهر أن مراده بالنفي المذكور ما قبل هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، فهذا الجمع لا اعتراض عليه إلا بما جاء عن ابن إسحاق أنه كان حصورًا لكنه لم يثبت، فلا يعارض الحديث الصحيح، ولا يذهب عليك ما قال الحافظ في التفسير أن الحجاب كان قبل الإفك، وأمليت في الوضوء أن قصة الإفك وقعت قبل الحجاب وهو سهو والصواب بعد نزول الحجاب، فليصلح هناك، انتهى.","vol":"4","page":225},{"text":"قوله [قارنت سوءًا] هو ما دون الجماع، وأراد بالظلم نفسه نعوذ بالله من نسبتهما إليها.\nقوله [وهي جالسة بالباب] لمكان النبي ﷺ وأبي بكر في البيت، وكانت أتت لتسلى عائشة وتهون شيئًا ما تلاقيها. قوله [إلا أبا يوسف] لأنه كان مثل في الحيرة والتردد فيما يقول، إن يصدقهم فليس له علامة ودليل، وإن يكذبهم فإنهم ليسوا بمسلمين (١) كذبهم، فلم يكن له بد مثلى من أن يقول: فصير جميل إلخ.\nقوله [فكنت أشد ما كنت غضبًا] لأنها كانت من أول الأمر مجتهدة في تبرئتها، وأما إذا برئت عاتبتهم (٢) على فعلهم.\n_________\n(١) من التسليم، أي لا يسلم أولاد يعقوب كذبهم ولا يقبلونه.\n(٢) ففي رواية البخاري: فكان أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما الله ﷿ فقد برأك، فقالت أمي: قومي إليه، قالت: فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ﷿، قال الحافظ: وفي رواية صالح: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، وفي رواية الطبري من هذا الوجه: أحمد الله لا إياكما، وفي رواية ابن جريج: فقلت: بحمد الله وذمكما، وفي رواية ابن حاطب: = =والله لا نحمدك ولا نحمد أصحابك، وفي رواية مقسم والأسود وكذا في حديث ابن عباس: ولا نحمدك ولا نحمد أصحابك، وزاد في رواية الأسود عن عائشة: وأخذ رسول الله ﷺ بيدي فانتزعت يدى منها، فنهرني أبو بكر، وعذرها في إطلاق ذلك ما خامرها من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال مع تحققهم من حسن طريقتها، قال ابن الجوزي: إنما قالت ذلك إدلالًا كما يدل الحبيب على حبيبه، ويحتمل أن تكون مع ذلك تمسكت بظاهر قوله ﷺ لها: أحمدي الله، فهمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد فقالت ذلك، وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب، انتهى.","vol":"4","page":226},{"text":"قوله [أمر برجلين وامرأة] حسان ومسطح وحمنة ﵃، وأما المنافق عبد الله بن أبي فلا يذكر (١) هل حد أم لا، وعلى الثاني فالظاهر أنه نشر الحديث لخبثه بحيث لا يكون نسبته إليه واضحًا فسلم، وقيل: لم يحد لخوف الفتنة.\n_________\n(١) أي في الروايات المشهورة، وإليه مال ابن القيم وابن بطال وغيرهما، قال الحافظ: وعند أصحاب السنن من طريق محمد بن إسحاق بسنده عن عائشة: أن النبي ﷺ أقام حد القذف على الذين تكلموا بالإفك، لكن لم يذكر فيهم عبد الله بن أبي، وكذا في حديث أبي هريرة عند البزار، وبني على ذلك صاحب المدى فأبدى الحكمة في ترك الحمد على عبد الله بن أبي، وفاته أنه ورد أنه ذكر أيضًا فيمن أقيم عليه الحمد، ووقع ذلك في رواية الحاكم في الإكليل، وفيه رد على الماوردي حيث صحيح أنه لم يحدهم مستندًا إلى أن الحد لا يثبت إلا بينة أو إقرار، ثم قال: وقيل: إنه حدهم، وما ضعفه هو الصحيح المعتمد، وقال أيضًا: في الحديث تأخير الحد عمن يخشى من إيقاعه به الفتة، نبه على ذلك ابن بطال مستندًا إلى أن عبد الله بن أبي كان ممن قذف عائشة ولم يقع في الحديث أنه ممن حد، وتعقبه عياض بأنه لم يثبت أنه قذف بل الذي ثبت أنه كان يستخرجه ويستوشيه، قال الحافظ: وقد ورد أنه قذف صريحًا، وقع ذلك في مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم وغيره، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند الحاكم في الإكليل بلفظ: فرماها عبد الله بن أبي، وفي حديث ابن عمر عند الطبراني بلفظ أشنع من ذلك، وورد أيضًا أنه ممن جلد الحد، وقع ذلك في رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلًا، أخرجه الحاكم في الإكليل، فإن ثبتا سقط السؤال، وإن لم يثبتا فالقول ما قال عياض، فإنه لم يثبت خبر بأنه قذف صريحًا ثم لم يحد، انتهى. وقال الشيخ ابن القيم: ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله ﷺ ممن صرح بالإفك فحدوا ثمانين ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة والخبيث ليس أهلًا لذلك، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد. وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه، وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو بينة وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين، وقيل: حد القذف حق الآدمي لا يستوفي إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حق الله فلا بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبي، وقيل: ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارًا، وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعًا فيهم رئيسًا عليهم فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده، ولعله ترك لهذه الوجوه كلها، فجلد مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وهؤلاء ومن المؤمنين الصادقين تطهيرًا لهم وتكفيرًا، وترك عبد الله بن أبي إذًا فليس هو من أهل ذاك، انتهى.","vol":"4","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>[من سورة الفرقان]</span>\n\nقوله [أن تقتل ولدك] عنى (١) به الموؤدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>[سورة الشعراء]</span>\n\nقوله [سلوني من مالي] والإيراد بأنه ﷺ لم يكن له مال سيما بمكة توهم، أفلم يكن له ﷺ ما فيه أكله وشربه والتركة التي أصابه من أبيه، وما اشتهر (٢) من أنا لا نرث ولا نورث فالكلمة الأولى منها لم تثبت.\n_________\n(١) قال عز اسمه: «قل تعالوا أثل ما حرم ربكم عليكم» الآية، قال الخازن: قوله (من أملاق) يعني من خوف الفقر، والأملاق الأقتار، والمراد بالقتل وأد البنات وهن أحياء، يعي لا تئدوا بناتكم خوف العيلة والفقر فإني رازقكم وإياهم، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن الحديث جعلوه - مثالًا لمدرج الإسناد، كما بسطه الحافظ في الفتح، والسيوطي في التدريب، تركنا تفصيله للاختصار.\n(٢) قلت: تقدم في آخر الجزء الثاني في باب تركة النبي ﷺ أنه لم يكن مورثًا، وتقدم في كتاب الفرائض الخلاف أنه ﷺ هل يكون وارثًا أم لا، ومختار الشيخ الأول، وبه جزم في ما قرره على أبي داود، كما حكاه شيخنا في البذل، إذ. قال تحت حديث عائشة: إن مولى للنبي ﷺ مات، الحديث: كنب مولانا محمد يحيي المرحوم من تقرير شيخه إنما كان ذلك منة منه لكونه ﷺ وارثه للعتاقة، وما روى من قوله: لا نرث ولا نورث فريادة لا نرث غلط من بعض الرواة، والصحيح الاكتفاء بقوله لا نورث، لأنه ﷺ ورث من أبيه، انتهى. وفي السيرة الحلبية: وترك عبد الله خمسة رجال وقطعة من غنم، فورث ذلك رسول الله ﷺ من أبيه، انتهى. أي فهو ﷺ يرث ولا يورث، ودعوى بعضهم أنه لم يرث بناته اللاتي متن في حياته فعلى تقدير صحته جاز أن يكون ﷺ ترك أخذ ميراثه تعففًا، انتهى.","vol":"4","page":229},{"text":"قوله [وسابلها إلخ] والعرب كانت تعبر عن الوصل والاتصال بالبلة، وعن القطيعة والشقاق باليبس والجفاف، وأصله في الرحم فإنها جلدة، والجلدة إذا يبست تقطعت بخلانها رطبة مبلولة، فمعنى سأبلها ببلاها هو الصلة، وإنكار (١) الإغناء من الله من غير إذنه أو على خلاف أمره وإرادته.\nقوله [إصبعيه في أذنيه] وذلك لأن العصبة المفروشة (٢) هاهنا إذا دلكت أو كبست لا تأخذ النادي الصائت بحة. قوله [يا صباحاه] وأصله كان في الإنذار إذا صبح العدو قومًا وكانت إغارتهم في الصبح لأنه وقت نوم وغفلة مع ما يعين عليه من ظلمة الليل، ثم استعمل في كل إنذار وتخويف.\n_________\n(١) دفع إيراد يرد على ظاهر الحديث من إنكار الشفاعة للمؤمنين لما ذكر في الحديث من نداء فاطمة وغيرها من المؤمنين، وأجاب عنه الشراح بأن هذا كان قبل أن يعلمه الله تعالى بأنه يشفع فيمن أراد وتقبل شفاعته، حتى يدخل قومًا الجنة بغير حساب، أركان المقام مقام التخويف والتحذير، أو أراد المبالغة في الحض على العمل، ويكون على ما أفاده الشيخ في قوله: لا أغني شيئًا إضمار إلا إن أذن الله لي بالشفاعة.\n(٢) أي في الأذن، والحاصل أن أعصاب الأذن إذا غمزت وشدت بشيء لا تصل إليها خشونة صوت النادي فيكون سببًا لزيادة رفع صوته.","vol":"4","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>[سورة النمل]</span>\n\nقوله [فتجلو وجه المؤمن] بأن يخط خطا بالعصا على ناصيته وجبهته فيستنير وجهه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>[من سورة الروم]</span>\n\nقوله [غلبت وغلبت] (٢). قوله [فجعل أجل خمس سنين] ثم زاد فجعله ستًا (٣)،\n_________\n(١) كما ورد هذا المعنى في روايات كثيرة بسطها السيوطي في الدر، منها ما في رواية عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو بلفظ: أما المؤمن فتكون نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتى بيض لها وجهه، وما في رواية ابن مردويه عن أبي هريرة رفعه بلفظ: فتنقط في وجه المؤمن نقطة بيضاء فبيض وجهه، وغير ذلك من الروايات.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك، وتقدم الكلام على ذلك اللفظ في أبواب القراءة، وتقدم في كلام الشيخ تقرير أنيق على كلا الاحتمالين، وحديث الباب على ما قاله السيوطي في الدر أخرجه أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس في قوله: «ألم غلبت الروم» قال: غلبت وغلبت، الحديث. قلت: وفي سياق الحاكم قال: فقلبت الروم ثم غابت بعد.\n(٣) أشار الشيخ بذلك إلى الجمع بين حديث الباب وبين ما سيأتي من حديث نيار بن مكرم، واختلفت الروايات جدًا في بيان المدة، فهذان حديثا خمس وست، وفي الدر برواية ابن جرير عن ابن مسعود بلفظ: فبايعوه على أربعة قلائص إلى سبع سنين، فمضى السبع سنين ولم يكن شيء، ففرح المشركون وشق على المسلمين، وذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: أذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل، قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، الحديث. وبرواية ابن جرير، عن عكرمة القصة مفصلة، وفيها: أجل ثلاث سنين في أول الأمر ثم بعد ذلك إلى تسع سنين.","vol":"4","page":231},{"text":"وأما ما نقله البيضاوي من قصة طويلة (١) فغلط، والآخذون للرهن إنما هم المشركون.\n_________\n(١) تقدمت القصة مفصلة في هامش أبواب القراءة، والغلط من أخذ أبي بكر قمار المشركين، ولذا قال الشيخ: والآخذون للرهن إنما هم المشركون، ولعل الباعث إلى الغليط أنه يخالفه حديث الترمذي الآتي من رواية نيار ابن مكرم، وقد صححه المصنف وغيره، وقال الحافظ في الإصابة: رواه ابن خزيمة ورجاله ثقات، وفيه تصريح، لأخذ المشركين رهن أبي بكر، وقال السيوطي في الدر: أخرجه الترمذي وصححه الدارقطني في الأفراد، والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، والبيهق في شعب الإيمان، وذكره ابن كثير، ثم قال: وقد روي نحو هذا مرسلًا عن جملة من التابعين مثل عكرمة والشعبي، ومجاهد وقتادة، والسدى والزهري وغيرهم، قلت: لكن البيضاوي لم ينفرد بذلك بل أطبق عليه عامة المفسرين من الخازن والعالم، والمدارك والكشاف، وروح المعاني والسراج المنير لمحمد الشربيني الخطيب، ووافقهم على ذلك شراح البيضاوي من القنوي والشهاب، وشيخزاده وغيرهم، كصاحب الجمل) والصاوي، والإكليل على المدارك، وأهل السير كصاحب الخميس، والقاري في شرح الشفا، والخفاجي في شرحه أيضًا، واستدل بذلك ابن الهمام للحنفية، وقال: فأخذ أبو بكر خطره: فأجازه النبي ﷺ، ولم أر من تعرض لهذا الاختلاف من مشايخ التفسير أو شراح الحديث، وقد عرفت مختار الشيخ أنه رجح رواية الترمذي، ولعله لكونها رواية الصحاح، ويمكن عندي أن يجمع بينهما بتعدد المقامرة، وأئمة التفسير اكتفوا على ذكر الآخر منهما لكونه هو المنتهى والمآل، ولأن ما أخذه المشركون أولا ردوه آخرًا مع الزيادة، ويستأنس هذا الجمع مما قال السيوطي في الدر: أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم، وابن مردويه وابن عساكر، عن البراء بن عازب قال: لما أنزلت «الم غلبت الروم» الآية، قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك، يزعم أن الروم تغلب فارس، قال: صدق صاحبي، قالوا: هل لك أن نخاطرك؟ فجعلوا بينه وبينهم أجلا، فحل الأجل قبل أن يبلغ الروم فارس، فبلغ ذلك النبي ﷺ فساءه وكرهه، وقال لأبي بكر: ما دعاك إلى هذا؟ قال: تصديقًا لله ورسوله، قال: تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين، فأتام أبو بكر فقال: هل لكم في العود فإن العود أحمد، قالوا: نعم، ثم لم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن، فقمر أبو بكر، فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: هذا السحت تصدق به، انتهى. وتقدم الكلام على السحت في أبواب القراءة، وليس هذا اللفظ فيما ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم، ولفظه: فجاء به أبو بكر إلى النبي ﷺ، وقال: هذا التنحيب، قال: تصدق به، انتهى. فهذا الحديث يستأنس منه التكرار بوجوه تظهر من التأمل في السياق، ويؤيده أيضًا ما في الدر وابن كثير برواية ابن جرير عن ابن مسعود بلفظ: فبايعوه على أربعة قلائص إلى سبع سنين، فمضى السبع سنين ولم يكن شتى، ففرح المشركون بذلك، وشق على المسلمين، وذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: ما بضع سنين عندكم؟ قالوا: دون العشر، قال: اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل، قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففي هذا الحديث وإن لم يكن ذكر أخذ القمار لكنه ظاهر، وقد ثبت منه أن زيادة الأجل كانت بعد ما مضى والأجل الأول.","vol":"4","page":232},{"text":"قوله [قال: أراه قال العشر] يعني أنه لا شك أن النبي ﷺ أضاف كلمة دون إلى عدها، وغالب ظني أنه أضافها إلى العشر.\nقوله [في مناحبه] بجاء مهملة ثم موحدة هي المراهنة. قوله [قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير] لان الكتاب أخير عن خير لم يكن ظاهره الوقوع، لأن الروم كانت عجزت عن مقابلة فارس ولم تكن لهم قوة في مقاومتهم، ولم يتخلف مؤدى الكتاب، وإنما كانت التسمية من أبي بكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>[سورة السجدة]</span>\n\nقوله [ما لا عين رأت إلخ] وأما ما يذكر من الذهب والفضة والمسك والعنبر فمجرد تمثيل (١) في عزة الوجود واشتراك في التسمية.\n_________\n(١) أي بمنزلة مثال وكاشتراك في التسمية فقط، ولبون البعد بينهما، فما في الدنيا من هذه الأنواع أي مناسبة لها بما في الآخرة منها، قال الشيخ في والبذل: إن ما كان لهم في الدنيا من المطاعم والمشارب والملاذ تكون في الجنة أيضًا لمكان الفرق بينهما أبعد من السماء والأرض، بل هو توافق: اسمي وفي الحقيقة لا تناسب بينهما. انتهى، وقال عكرمة في قوله تعالى: «وأتوا به متشابهًا»: يشبه ثمر الدنيا، غير أن تمر الجنة أطيب، وقال: الثوري عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء، وفي رواية: ليس في الدنيا ما في الجنة وإلا الأسماء، رواه ابن جرير من رواية الثوري، وابن أبي حاتم من رواية أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش به، كذا في العيني، وفي الفتح: قال النووي: مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل من الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة، انتهى.","vol":"4","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>[سورة الأحزاب]</span>\n\nقوله [ما عنى بذلك] إنما سألوا ابن عباس عن ذلك لأن ظاهره هو التنبيه، على ما يعلمه كل أحد من أن لكل رجل قلبًا، والقرآن كتاب الله كله هدى وبيان، وأحكام وشرائع، فالمراد بذلك لا يمكن أن يكون هو الظاهر منه، لأنه ليس من الشرائع والمواعظ في شتى:\nقوله [سميت به] جملة معترضة بين بها الوجه الذي كان في تسميته به. قوله [فهاب أن يقول غيرها] يعني أنه لو قال: لأفعلن كذا وكذا فاعله لا تساعده المقادير فيكون ناكثًا معاهدته مع الله، فلذلك أجمل فيما قال، وهو ليرين الله ما يفعله\nقوله [فاستقبله سعد بن معاذ] وكان منصرفًا عن جهة الكفار وأنس مقبلًا عليهم فتحقق الاستقبال. قوله [ما فعلت أنا معك] جملة شرطية قالها سعد بن معاذ أي أنا معك فيما تفعله.\nقوله [فلم استطع] هذه مقولة سعد (١) أيضا، يعني إني اشترطت معيته ثم لم أكن لأقوم بما قام به. قوله [ألا أبشرك] أراد بذلك دفع ما عسى أن يختلج في قلب ابنه حين استشهد أبوه في مقابلة عليّ ﵁ أنه مات في\n_________\n(١) كما هو نص رواية البخاري بلفظ: فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد ابن معاذ، الجنة ورب النضرا إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: قلت: فما استطمت يا رسول الله ما صنع، الحديث.","vol":"4","page":235},{"text":"الظاهر خارجًا على الخليفة، وعرض بذاك معاوية إلى كونه لم يستحق بذلك كبيرة لأنه كان قاتل عليًا كرم الله وجه (١).\nقوله [هذا من قضى نحبه] من هاهنا يستنبط أن الإشارة فرق التسمية، فإن النبي ﷺ أخر التسمية (٢) طلبًا للإشارة، ويتفرع على ذلك جملة من المسائل، وفي الحديث دلالة على تأخير البيان إذا لم بخش ضياعًا.\nقوله [اللهم هؤلاء أهل بيتي إلخ] لاشك أن المراد بأهل البيت في الآية إنما هن أزواجه المطهرات، يدل على ذلك سياق الآيات وسباقها، لكن النبي ﷺ (٣) أراد أن يشترك أهل البيت في إطلاق واحد وهم أهل البيت الذين\n_________\n(١) وقد تأيد هذا المعنى بما أجاب على حين سأله الناس، ففي الدر: أخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي ﵁ أنهم قالوا: حدثنا عن طلحة، قال: ذاك إمرؤ نزل فيه آية من كتاب الله «فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر» طلحة ممن قضى نحبه، لا حساب عليه فيما يستقبل، انتهى.\n(٢) يعنى لم يخبر من أول الأمر أن طلحة منهم حتى أقبل طلحة فأشار إليه بأنه منهم، فتأمل.\n(٣) يعني أصل مصداق الآية النساء كما يدل عليه سباق الآية وإلا اختل نظم. الآيات، ولأنهن أحق بهذا اللفظ لملازمهن البيت، لكن النبي ﷺ أدخل أولاده وعليًا أيضًا في الدعاء تعميمًا للإطلاق، قال البيضاوي: تخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلى وابنيهما لهذه الرواية، والاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف، لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم أهل البيت لا أنه ليس غيرهم، انتهى. وفي البحر المحيط: قوله: «أقمن الصلاة» أمرهن أمرًا خاصًا بالصلاة والزكاة إذ هما عمود الطاعة البدنية والمالية، ثم جاء بهما في عموم الأمر بالطاعة، ثم بين أن نهيهن وأمرهن ووعظهن إنما هو لإذهاب المأثم عنهن وتصونهن بالتقوى، واستعار الرجس للذنوب، والطهر للتقوى، لأن عرض المقترف للعاصي يتدنس بها ويتلوث كما تلوث بدنه بالأرجاس، وأما الطاعات فالعرض معها نقى مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة تنفير عما نهى الله عنه وتزغيب فيها أمر به، والرجس يقع على الإثم وعلى العذاب، والنجاسة والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت، وقال الحسن: الرجس هاهنا الشرك، وقال السدي: الإثم، وقال ابن زيد: الشيطان، وقال الزجاج: الفسق، وقيل: المعاصي كلها، ذكره الماوردي، وقيل: الشك، وقيل: البخل والطمع، وقيل: الأهواء والبدع، وانتصب. «أهل» على النداء أو على المدح أو على الاختصاص، ولما كان أهل البيت، يشملهن وآبائهن غلب المذكر على المؤنث في الخطاب في عنكم ويطهركم، وقول عكرمة ومقاتل وابن السائب أن أهل البيت في هذه الآية مختص بزوجاته ﷺ ليس بجيد، وإن كان هذا القول مرويًا عن ابن عباس، فلعله لا يصح عنه، وقال أبو سعيد الخدري: هو خاص برسول الله ﷺ وعلى وفاطمة والحسن والحسين، وروى نحوه عن أنس وعائشة وأم سلمة، وقال الضحاك: هم أهله وأزواجه، وقال زيد بن أرقم والثعلبي: بنو هاشم الذين يحرمون الصدقة آل عباس وآل علي وآل عقيل وآل جعفر، ويظهر أنهم زوجاته وأهله، فلا تخرج الزوجات عن أهل البيت، بل يظهر أنهن أحق بهذا الاسم لملازمتهن بيته ﷺ، وقال ابن عطية: والذي يظهر أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وقال الزمخشري: في هذا دليل على أن نساء النبي ﷺ من أهل بيته، ثم ذكر لهن أن بيوتهن= =مهابط الوحي، وأمرهن أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب، انتهى. وأخرج البغوي في المعالم بسنده إلى عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت: في بيت نزلت «إنما يريد الله» الآية، قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى فاطمة وعلى والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي، قالت: فقلت: أما أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله، وفي الدر برواية ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: نزلت في نساء النبي خاصة، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي ﷺ، إلى آخر ما بسط من الآثار في ذلك، قلت: وأصرح من ذلك كله رواية أحمد في مسند عن أم سلمة وفيها: قلت: يا رسول الله الست من أهلك؟ قال: بلى، فأدخلي في الكساء، الحديث، وإنما بسطت في ذلك لما قد جار عن الحق في ذلك فريقان: أحدهما الشيعة المبتدعة أرادوا إخراج الأزواج عن مفهوم الآية، والثاني بعض مخالفيهم أرادوا تخصيص الآية بالأزواج وأنكروا روايات الباب وما في معناها، وكلاهما عدول عن الحق، والصواب ما أفاده الشيخ وهو مؤيد برواية البغوى في المعالم وأحمد في مسنده.","vol":"4","page":236},{"text":"جالهم بكساء في الفضيلة والتطهير فدعا لهم، ولذلك حين سألته أم سلسة قال لها: أنت على مكانك، أي المرتبة التي لك من غير مسألتي، فانكن مراد الآية ومصداقها، وأما أنه حصر أهل البيت في هؤلاء وليست أزواجه بمرادات فمما يمجه اللغة (١) والعقل، أما اللغة فظاهر أن أهل البيت من هو في بيته، وأما\n_________\n(١) قلت: وكذا يأباه الروايات. أن إطلاق أهل البيت على النساء في الأحاديث شائع، منها ما في البخاري في تفسير الأحزاب من حديث أنس في قصة البناء بزينب بلفظ: فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، الحديث.","vol":"4","page":238},{"text":"العقل فلأن النبي ﷺ هل فعل ذلك ليعلم الرب ﵎ معنى لفظ أهل البيت الذي في الآية.\nقوله [الصلاة يا أهل البيت] يذكرهم (١) بذلك دعاءه لهم ليجتهدوا في الطاعات قوله [ما كان ليعيش له فيكم ولد] دفع بذلك ما يتوهم (٢) من أنه ﷺ قد ولد من الأولاد الذكور بأن المراد عيشهم وبقاؤهم، وفي الآية إشارة\n_________\n(١) من التذكير، يعني كان قصده ﷺ بذلك أن يذكرهم ما تقدم من دعائه ﷺ ليجتهدوا في العبادات حتى يتحقق ويثبت دخولهم في آية التطهير، ويظهر إجابة دعائه ﷺ في ذلك.\n(٢) يعني ظاهر الآية ينفي أن يكون النبي ﷺ أبا الذكر وقد ولد النبي ﷺ من الأولاد الذكور، فوجه الشعبي الآية بأن النفي يصرف إلى أولاد تحيى وتعيش، ومن ولد فمات لم يدخل في الآية، وفي الدر برواية عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: «ما كان محمد أبا أحد» قال: نزلت في زيد أي إنه لم يكن بابنه، ولعمري لقد ولد له ذكور وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والطبيب والمطهر، انتهى. وفي البيضاوي: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم» على الحقيقة، فيثبت بينه وبينه ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها، ولا ينتقض عمومه بكونه أبا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم، لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال، ولو بلغوا كانوا رجاله لا رجالهم، انتهى.","vol":"4","page":239},{"text":"إليه حيث قال: «من رجالكم» ولا يكون رجلًا إلا بعد ما بلغ.\nقوله [فكانت تفتخر] فيه التحديث بنعمة ربه) (١) إذا لم يكن فيه إعجاب بنفسه. قوله [ومن يكفر بالإيمان] هذا كالدليل على الأول وبيان فائدة التقييد بالإيمان فإن الكافرة ليست بضجيعة مؤمن لأنها في الآخرة من الخاسرين (٢).\nقوله [قبل بيت عائشة] إنما قال ذلك لأنه ﷺ لم يكن ذهب في بيتها\n_________\n(١) وقد قال عز اسمه: «أما بنعمة ربك فحدث» قال الرازي في تفسيره: روى عن الحسين بن على أنه قال: إذا عملت خيرًا فحدث إخوانك ليقتدوا بك، إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياءً وظن أن غيره يقتدى به، انتهى. وفي الدر برواية عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والبيهقي في الشعب بسند ضعيف عن أنس مرفوعًا: التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، وبرواية أبي داود عن جابر مرفوعًا: من أبلى بلاء فذكر فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، وذكر في الباب روايات وآثار أخرى.\n(٢) قال إمام الحرمين: قد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه ﷺ، قال ابن العربي: الصحيح عندي تحريمها عليه، وهذا يتميز علينا فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامات فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر، فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو ﷺ على المؤمنات، ولذا كان لا تحل له الكتابية الكافرة لنقصانها بالكفر، كذا في القرطبي، وأما تسريه بالأمة الكتابية فالأصح فيه الحل، لأنه ﷺ استمتع بأمته ريحانة قبل أن تسلم، وفي شرح الروض لشيخ الإسلام: ومما خص به ﷺ أنه حرم عليه نكاح الكتابية لأنها تكره صحبته، ولقوله تعالى: «وأزواجه أمهاتهم، ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين، ولخبر: سألت ربي أن لا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني، رواه الحاكم وصحح إسناده، كذا في الجمل، قلت: لكن الكتابية تجوز أن تكون أم المؤمن، وتوضيح الحديث أنهم اختلفوا في الآية هل هي محكمة أو منسوخة وفي المراد بها، كما بسطها أهل التفسير، ومذهب ابن عباس أن الله عز اسمه حرم على النبي ﷺ غير الأصناف الأربعة فقال: «لا تحل لك النساء من بعد» الآية، ومعنى قوله (من بعد) أي من غير الأصناف المذكورة الأربعة في قوله تعالى: «إنا أحللنا لك» الآية، وهي الأزواج الموجودات إذ ذاك، والأمة المؤمنة، وبنات العم والعمات، والخال والخالات، المؤمنات المهاجرات، وامرأة مؤمنة واهبة نفسها، وفي الدر برواية ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: «يا أيها النبي إنا أحللنا لك» الآية، قال: فحرم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء لم يحرم ذلك عليه، وكان نساؤه يجدن من ذلك وجدًا شديدًا أن ينكح في أي النساء أحب، فلما أنزل الله عليه أني قد حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت أعجب ذلك نساءه، قال الصاوي: اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية «يا أيها النبي أنا أحللنا لك» فقيل: المعنى أن الله أحل له أن يتزوج بكل امرأة دفع مهرها، فعلى هذا تكون الآية ناسخة للتحريم الكائن بعد التخيير المدلول عليه بقوله: «لا تحل لك النساء من بعد» فهذه الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة فهي متأخرة في النزول عن الآية المنسوخة بها، كآية الوفاة في البقرة، وقيل: المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك لأنهن أخترنك على الدنيا، ويؤيده قول ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يتزوج من أي النساء شاء، وكان يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها لنسائه إلا من سمى سر نساؤه بذلك، والأول اصح، انتهى.","vol":"4","page":240},{"text":"خاصة بل أقبل على سائر أزواجه المطهرات (١) وسلم عليهن وتحدث معهن، ومنهن عائشة ﵂.\nقوله [فرأى رجلين جالسين] أي حين انصرف ألفاهما جالسين فكر ثانيًا يهم الانصراف، فلا رأيا ذلك قاما وذهبا.\nقوله [قال ابن عون حدثناه] أي قال أشهل: حدثنا هذا الحديث ابن عون، فابن عون مبتدأ خبره حدثناه. قوله [قال: فأني باب امرأة عرس بها إلخ] فيه تقديم وتأخير، ويجب حمله على ما ذكرناه من قبل من أنه قصد القيام والذهاب فيما يبدو للناظر (٢) ثم احتبس ولم يذهب، ثم قام ثانيًا فمضي إلى\n_________\n(١) كما في البخاري برواية أنس قال: بني على النبي ﷺ بزينب ابنة جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيًا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدًا أدعو، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدًا أدعوه، قال: ارفعوا طعامكم، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، فقالت: وعليكم السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، الحديث. قال الحافظ: وفي رواية حميد: ثم خرج إلى أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه. انتهى.\n(٢) ويؤيد ذلك حديث أبي مجلز عن أنس عند البخاري قال: لما تزوج الرسول ﷺ زينب ابنة جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، الحديث. قال الحافظ: وفي رواية عبد العزير: وبقي ثلاثة رهط، وفي رواية حميد: فلما رجع إلى بيته رأى رجلين، ووافقه بيان بن عمرو عن أنس عند الترمذي، واصله عند المصنف أيضًا، ويجمع بين الروايتين بأنهم أول ما قام وخرج من البيت كانوا ثلاثة، وفي آخر ما رجع توجه واحد منهم في أثناء ذلك فصاروا اثنين، وهذا أولى من جزم ابن التين بأن إحدى الروايتين وهم، وجوز الكرماني أن يكون التحديث وقع من اثنين فقط والثالث كان ساكتًا، فمن ذكر الثالث لحظ الأشخاص ومن ذكر الاثنين لحظ سبب القعود، ولم أقف على تسمية أحد منهم، انتهى.","vol":"4","page":242},{"text":"بيوت أزواجه ثم انصرف راجعًا، وكان قد ذهب قوم حين رأوه قام ليذهب، وآخرون حين قام وذهب، إلا رجلين فإنهما بقيا جالسين، فلما رجع عن بيوت أزواجه ورآهما كما كانا هم بالانصراف ثانيًا يريهما ذلك، فلما رأياه قاما وذهبا، وحمل الرواية على ما ذكرناه سهل، أو يقال: أتى باب امرأة من داخل بيتها بريد الخروج فلم يخرج فإذا هما لم يذهبا، فانطلق إلى بيوتهن ثم رجع وهما كما كانا، فانطلق أي فهم ثانيًا بالانطلاق ولم ينطلق، وإنما أخذ فيه يريهما أنه منطلق فرجع وكانوا قد خرجوا حين رأوا ذلك، وعلى هذا فترتيب الكلمات منتظم.\nقوله [فأكلوا حتى شبعوا] فيه جواز الجمع (١) بين طعامين فإن النبي ﷺ\n_________\n(١) قال الحافظ: قد استشكل عياض ما وقع في هذا الحديث من أن الوليمة بزينب كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم وأن المشهور من الروايات أنه أولم عليها بالخبز واللحم، قال عياض: هذا وهم من راوية وتركيب قصة على أخري، وتعقبه القرطبي بأنه لا مانع من الجمع بين الروايتين، والأولى أن يقال: لا وهم في ذلك، فلعل الذين دعوا إلى الخبز واللحم. فأكلوا وشبعوا وذهبوا لم يرجعوا، ولما بقي النفر الذين كانوا يتحدثون جاء أنس بالحيسة، فأمر بأن يدعو ناسًا آخرين ومن بقي فدخلوا فأكلوا أيضًا، واستمر أولئك النفر يتحدثون، قال الحافظ: هو جمع لا بأس به، وأولى منه أن يقال: إن حضور الحيسة صادف حضور اللحم والخبر، فأكلوا كلهم من كل ذلك، انتهى. قلت: وعلى هذا الأخير يبنى كلام الشيخ.","vol":"4","page":243},{"text":"قد كان ذبح في هذه الولية شاة، ودلت الرواية على أن الضيافة ليس شرطًا فيها الاطلاع من قبل. قوله [مولية وجهها] أي حياء إذ لم يكن نزل الحجاب (١) بعد. قوله [ثم رجع] فيه حذف، أي فوجدهما جالسين فهم بالانصراف أخرى، فلما رأوا إلخ.\nقوله [أنا أحدث الناس] أي ممن سمعها أولًا، لا أنني سمعتها (٢) قبل كل أحد قوله [ظننا أنه لم يسأله إلخ] فيه حذف، أي حتى ظننا السكوت خيرًا وظننا أنه لو لم يسأله لكان خيرًا، وفي رواية: حتى تمنينا (٣) وهر ظاهر.\nقوله [وطفق بالحجر ضربًا بعصاه] فيه جواز ضرب الحيوان إذا تأذي\n_________\n(١) بل نزل بعد ذلك في هذه القصة كما هو نص حديث الباب.\n(٢) كما يدل عليه رواية الجعد بن عثمان عن أنس عند مسلم بلفظ: فرجع فدخل، البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي» إلى قوله «من الحق».\n(٣) وهو كذلك في النسخة المصرية بلفظ. (تمنينا) وهكذا في رواية أبي داود وغيره.","vol":"4","page":244},{"text":"بشيء من حركاته، فإن الحجر قد كان أوتي الحياة (١) إذًا، ولذلك أثر فيه ضربه، وفي الحديث دلالة على عدم جواز التعري وكشف العورة الغليظة لمقال الناس فيه، والصبر على ما يقولون، والدفع عن نفسه ما ينسب إليه من عيوب دينه ودنياه من غير أن يدفعه بارتكاب معصية، فإن الحجر لما فر بثوب موسى لم يبق له التجرد حرامًا لاضطراره إليه ولم يكن ثمة ثوب آخر يلبسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>[سورة سبأ]</span>\n\n[ما فعل الغطيفي] أو المراد بطن من غطيف (٢) وفي رده ثم أمره بالدعاء إلى الإسلام جواز النسخ قبل التمكن (٣) من العمل كما هو\n_________\n(١) قال العيني: وإنما خاطبه لأنه أجراه مجرى من يعقل لكونه فر ثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه فلما لم يطعه ضربه.\n(٢) والظاهر من كتب الرجال عكس ذلك، يعني الغطيف بأن من مراد، والمراد بالغطيني فروة المذكور، سأل عنه النبي ﷺ، ولما أخبر بأنه ذهب أرسل قاصدًا ليجيء به، ولما رجع حظر عليه ما أذن فيه أولًا من قتال المدبرين.\n(٣) والفرق بين هذا وبين ما سيأتي من المسألة الأخرى أن المقصود هاهنا في التمكن من العمل وفي المسألة الآتية اشتراط التمكن من الاعتقاد، ثم لم أجد من منع النسخ قبل العمل، إنما هو مشهور على ألسنة المشايخ، أما الخلاف في تمكن العمل فمشهور في كتب الأصول، ففي نور الأنوار: شرطة التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل، يعني لابد بعد وصول الأمر إلى المكلف من زمان قليل يتمكن فيه من اعتقاد ذلك الأمر حتى يقبل النسخ بعده، ولا يشترط فيه فصل زمان يتمكن فيه من فعل ذلك الأمر، خلافًا للمعتزلة وبعض الحنفية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة، فإن عندهم لابد من زمان التمكن من الفعل حتى يقبل النسخ، ولنا أن النبي ﷺ أمر بخمسين صلاة في ليلة المعراج ثم نسخ ما زاد على الجنس، انتهى بزيادة.","vol":"4","page":245},{"text":"مذهبنا، ويرد عليه أنه بيان (١) لما تركه اعتمادًا على علم المخاطب واتكالًا على شهرة الحكم، والجواب أن النسخ لا يتحقق إلا باعتبار ما فهمه المخاطب لا حسب ما قصده المتكلم، وإلا لم يوجد نسخ، وهاهنا كذلك، فإنه لما فهم منه الإطلاق كان رفعه نسخًا وإن لم يتغير مراد المتكلم، ومن ثم تثبت مسألة أخرى وهي أن المنسوخ يشترط فيه التمكن من الاعتقاد عندنا، وأما التمكن من العمل فلا، وقد ذهب إليه بعضهم، والرواية نافية مذهبهم كما لا يخفي، فكيف بالذين منعوا النسخ قبل العمل به.\nقوله [وأنزل في سبأ ما أنزل] هذه مقولة المرادي، أي أنه ﷺ أمرني بما أمرني وقد كان نزل عليه في أثناء ذلك من قصة سبأ ما نزل، فكان أصحابه جرى فيهم ذكره حتى سأله ﷺ ما سبأ؟ فوقفت لأسمعه ثم أروح بعد ذلك.\nقوله [كأنها سلسلة إلخ] بيان لكيفية الوحي أو لضرب الأجنحة فإنها لكثرتها تكون كشيء، واحد مسلسل، وهم يفعلون هذا بعد التسبيح (٢) الله سبحانه فلا ينافيه ما سيأتي بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>[سورة الملائكة]</span>\n\nقوله [هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة] في اصطفاهم (٣) لتوريث الكتاب\n_________\n(١) هذا إذا كان أمره ﷺ بالقتال بعد الدعوة، والظاهر من الرواية أنه ﵇ أمره بالدعوة إلى الإسلام فقط من غير إذن القتال، فهو نسخ بلا تردد، فلا إيراد ولا جواب.\n(٢) وإن كان ذلك صوت أجنحتهم إذا فزعوا من خوف الوحي وشدة الخضوع كما هو ظاهر سياق الرواية، فالظاهر أن التسبيح يكون بعد ذلك إذا زال الفزع، كما لا يخفي.\n(٣) يعني أن الأنواع الثلاثة من الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، كلهم داخلون في مصداق الذين اصطفينا، وكلهم في الجنة، وقد ورد التصريح بذلك في روايات كثيرة مرفوعة وموقوفة بسطها السيوطي في الدر، منها ما أخرجه برواية ابن جرير وابن المنذر والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس، قال: هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب، وبرواية أحمد وابن جرير والطبراني والحاكم والبيهقي وغيرهم عن أبي الدرداء مرفوعًا: أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم تلقاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، الحديث. وروى نحو ذلك عن كثير من الصحابة، وعلى هذا فهذه - الأنواع الثلاثة غير المذكورة في الواقعة خلافًا للحسن وغيره، ويؤيد الأول أن ذكر الكافرين هاهنا موجود في الآية الآتية «والذين كفروا لهم نار جهنم،» الآية، بخلاف سورة الواقعة، فإن أصحاب المشيمة هم الكفرة.","vol":"4","page":246},{"text":"وهم أمة محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>[سورة يس]</span>\n\nقوله [وكأنها قد قيل لها] إشارة (١) ٩) إلى قربها فكأنها وقعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>[سورة الصافات]</span>\n\nقوله (أو يزيدون] والترديد (٢) لسكونهم داخلين بوجه دون وجه وهم الذراري\n_________\n(١) والحديث بهذا السند والمتن مكرر تقدم في أبواب الفتن في باب طلوع الشمس من مغربها، وتقدم الكلام هنالك.\n(٢) وقد اختلف أهل التفسير في ذلك على أقوال، ففي التفسير الكبير: ظاهر قوله: «أو يزيدون» يوجب الشك وذلك على الله تعالى محال، ونظيره قوله تعالى: «عذرًا أو نذرًا» وقوله تعالى: «لعله يتذكر أو يخشى» وقوله تعالى: «لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرًا» وقوله تعالى: «إلا كلمح البصر أو هو أقرب» وقوله تعالى: «قاب قوسين أو أدنى» وأجابوا عنه من وجوه كثيرة والأصح منها وجه واحد، هو أن يكون المعنى= =أو يزيدون في تقديركم، بمعنى أنهم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون، انتهى. وفي البحر المحيط: قرأ الجمهور. «أو» قال ابن عباس: بمعنى بل، وقيل: بمعنى الواو، وبالواو قرأ جعفر بن محمد، وقيل: للإبهام على المخاطب، وقال المبرد وكثير من البصريين: المعنى على نظر البشر أو يزيدون في مرأى الناظر، إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر، والغرض الوصف بالكثرة والزيادة ثلاثون ألفًا، قاله ابن عباس، أو سبعون ألفًا قاله ابن جبير، أو عشرون ألفًا رواه أبي عن النبي ﷺ، وإذا صح بطل ما سواه، انتهى.","vol":"4","page":247},{"text":"الصغار، فإن عدت فهم مائة ألف وعشرون ألفًا، وإن لم تعد المرسلون إليهم مائة الف.\nقوله [سام أبو العرب] ليس (١) المراد حصر أبوته في العرب بل إنه أبوهم وإن كان أبًا لغيرهم أيضًا، وكذلك في أخويه.\n_________\n(١) وعلى هذا فلا يخالف الروايات الأخر في ذلك، منها ما في الدر برواية البزار وابن أبي حاتم والخطيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ولد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم، وأما ولد حام فالقبط والبربر والسودان، وبرواية عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وغيرهم عن أبي قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وبرواية ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: لم يبق إلا ذرية نوح ﵇، انتهى.","vol":"4","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>[سورة ص]</span>\n\nقوله [وعند أبي طالب مجلس رجل] أي كان (١) موضع يجلس فيه رجل خاليًا،\n_________\n(١») والحديث ذكره السيوطي في الدر بأطول من هذا السياق يوضح معنى رواية الترمذي، فذكر برواية ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والحاكم وصححه، والنسائي وغيرهم عن ابن عباس، قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس، فخشى أبو جهل إن جلس إلى أبي طالب أن يكون أرق عليه، فجلس في ذلك المجلس، فلم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول، قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عشرًا، فما هي؟ قال: لا إله إلا الله، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب، فنزل فيهم «ص» إلى قوله: «بل لما يذوقوا عذاب» وبرواية ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: أن ناسًا من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب ابن عبد يغوث، في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب نكلمه فيه فلينصفنا منه فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبد، فإننا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيرنا العرب، يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه، فبعثوا رجلًا منهم فاستأذن على أبي طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم، فما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا فانصفنا من أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه، فبعث إليه أبو طالب، فما دخل رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم سألوك النصف أن تكف شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك، فقال: أي عم أولًا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها، قال: وإلى بدعوهم؟ قال: أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم، فقال أبو جهل بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينكها وعشر أمثالها، قال: تقولوا: لا إله إلا الله، فنفروا وقالوا: سلنا غير هذه، الحديث.","vol":"4","page":249},{"text":"فقصد النبي ﷺ ذلك المجلس ليجلس فيه، فمنعه أبو جهل، وشكى هؤلاء إلى أبي طالب النبي ﷺ.\nقوله: [فعلمت ما في السماوات إلخ] ولا يلزم (١) بقاء ذلك العلم حتى ينافي (٢) النصوص.\n_________\n(١») يعني بعد تسليم أن لفظة (ما) في حديث الباب للعموم، وإلا فالظاهر من قوله ما في السماوات الأمور المهمة المناسبة لعمله ﷺ، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي زيد، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطابنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، الحديث، أفترى أنهم صاروا كلهم عالمين بالغيب بعد ذلك، وفي معنى هذا الحديث عدة روايات لا بد من حملها عل الأمور المهمة المناسبة.\n(٢») يعني النصوص الصريحة الكثيرة النافية لعلم غيبه ﷺ، وقال القارئ: فعلمت ما في السماوات والأرض يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما، وهو عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله به عليه، وقال ابن حجر: أي جميع الكائنات التي في السماوات بل وما فوقها، كما يستفاد من قصة المعراج، والأرض بمعنى الجنس أي وجميع ما في الأرضيين السبع بل وما تحتها، قال القارئ: ويمكن أن يراد بالسماوات الجهة العليا، وبالأرض الجهة السفلي، فيشمل الجميع، لكن لا بد من التقييد الذي ذكرنا، إذ لا يصح إطلاق الجميع كما هو الظاهر، انتهى. قلت: وإنما احتاجوا إلى توجيه ما ورد من مثل ذلك من الروايات التي هي أخبار أحاد مجملة لما قد ثبت بالقطع أن علم الغيب مخصوص بخالق الأنس والجان، ولجامع هذا التقرير سيدي الوالد المرحوم رسالة وجيزة في الهندية معروفه بـ (مسألة علم الغيب) أجمل فيها هذه المسألة مع ذكر دلائلها، وحكى عن شرح الفقه الأكبر لعلى القارئ أن الأنبياء لم يعلموا المغيبات من الأشياء إلا ما أعلمهم الله أحيانًا، وذكر الحنفية تصريحًا بالتكفير باعتقاد أن النبي ﷺ يعلم الغيب، لمعارضة قوله تعالى: «قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله» إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":250},{"text":"قوله [فيم يختصم الملأ إلخ] واختصامهم (١) للدلالة على ما في هذه الأمور من الشرف ليرغب فيها، وعلى أن العلم المحض لا يخلو عن فضيلة، كيف\n_________\n(١») قال القارئ: اختصامهم إما عبارة عن تبادرهم إلى إثبات تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء، وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها، وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل لاختصاصهم بها، وشبه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم في السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين، إيماء إلى أن في مثل ذلك فليتنافس المتنافسون، انتهى.","vol":"4","page":251},{"text":"والملأ الأعلى ليس شأنهم للعمل بها. قوله: [كيوم ولدته أمه] فيه (١) مغفرة الكبائر بأمثال هذه، ومن لم يجوزها إلا بالتوبة أثبت الملازمة بين هذه الطاعات والندم عما ارتكبه من الخطيئات، وعزمًا قويًا على ترك المنكرات، ثم إن حقوق العباد لا تسقط عنه وإن اغتفر ذنبه فيها، ولا يلزم بذلك تخصيص إطلاق الرواية، فإن المذكور فيها إنما هو ذنبه، وكم بين الحقوق والذنوب.\nقوله: [والدرجات] ها هنا حذف، أي يختصمون في الكفارات، والكفارات هي ما ذكر، وفي الدرجات، والدرجات هي هذه. قوله: [فرأيت ربي] من المتشابهات (٢)، ورؤية غيره ﷺ الرب ﵎ تخيل، والمراد\n_________\n(١») وقد تقدم الكلام على تكفير الكبائر في مواضع من الكتاب، والبسط في باب مثل الصلوات الخمس، فارجع إليه.\n(٢») قال القارئ: الظاهر أن هذا الحديث مستند إلى رؤيا رآها رسول الله ﷺ، فإنه روى الطبراني بإسناده عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ، صلاة الغدوة حتى كادت الشمس تطلع، فلما صلى الغدوة قال: إني صليت الليلة ما قضى رب ووضعت جنبي في المسجد، فأتاني ربي في أحسن صورة، وعلى هذا لم يكن فيه إشكال، إذ الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلًا، والمتشكل بغير شكله وإن كان في اليقظة، وعليه ظاهر ما روى أحمد بن حنبل فإن فيه: فنعست في صلاتي حتى استيقظت، فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة، الحديث. فذهب السلف في أمثال هذا الحديث - إذا صح - أن يؤمن بظاهره ولا يفسر بما يفسر به صفات الخلق، بل ينفي عنه الكيفية ويؤكل علم باطنه إلى الله تعالى، فإنه يرى رسوله ما يشاء من وراء أستار الغيب بما لا سبيل لعقولنا إلى إدراكه، لكن ترك التأويل في هذا مظنة الفساد، إلى آخر ما ذكر من التأويلات، قلت: والحديث الذي ذكره من أحمد هو كذلك في المسند برواية أبي سعيد مولى بني هاشم عن جهضم اليمامي بلفظ: استيقظت، لكن ذكر الترمذي حديث معاذ هذا بلفظ: استثقلت. وهو كذلك في النسخ الهندية والمصرية، وذكر في متن النسخة المصرية الحديث بطوله، كما في هامش الأحمدية، وهكذا في المشكاة برواية الترمذي وأحمد، وبهذا اللفظ ذكره السيوطي في الدر برواية الترمذي ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل، وفيه: نعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي، الحديث، نعم ذكر السيوطي عدة روايات أخر تدل على اليقظة، وأخر صريحة في المنام، وفي بعضها أنها في ليلة الإسراء.","vol":"4","page":252},{"text":"بالبرد هو اليقين (١) والطمأنينة دون ما يحس منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>[سورة الزمر]</span>\n\nقوله [لشديد] لأن الاختصام بين يديه ﵎ لا تنكر شدته مع أن أحد المتخاصمين لا يكون على ثقة من غلبته على خصيمه.\nقوله: [عن أسماء بنت يزيد قال] الصحيح (قالت) وإنما هو غلط (٢) من الكتاب، ويمكن تأويله بتقدير (قالت)، وفاعل الفعل المذكور شهر، قلت: ويمكن على بعده أن يقرأ لفظ (سمعت) على زنة الغائبة فلا يفتقر إذن إلى تقدير.\n_________\n(١») قال القارئ: (فوجدت بردها) أي راحة الكف يعني راحة لطفه (بين ثديي) بالتثنية أي قلبي أو صدري، وهو كناية عن وصول ذلك الفيض إلى قلبه، ونزول الرحمة وانصباب العلوم عليه، وتأثره عنه وإتقانه له، يقال: ثلج صدره وأصابه برد اليقين لمن تيقن الشيء وتحققه، انتهى.\n(٢») كما تدل عليه النسخ المصرية والهندية الأخر ففيها (قالت).","vol":"4","page":253},{"text":"قوله: [والأرضين على ذه إلخ] ولا ينافيه ما ورد من أن الأرض (١) تبسط ما فيها من الآكام الجبال وتسوي شيئًا واحدًا، لأن البسط لعله بعد ما يفعل هذا ليرى قدرته.\nقوله: [وحنى جبهته وأصغى أذنيه] تصوير للانتظار وتأكيد لتقريب الأمر. قوله: [على البشر] فيه دلالة على أن العام على عمومه، وقوله ﷺ: [فإذا موسى إلخ] تسليم لما فهمه الصحابي من العموم، وتعليم للتأويل في كلامه (٢) بحمل الاصطفاء على الاصطفاء في صفة مخصوصة وإن لم يقصده المتكلم، فعلم أن\n_________\n(١») كما أخرج السيوطي من الآثار في قوله تعالى: «وإذا الأرض مدت» واختلفوا متى يقع ذلك، فقيل: ما بين النفختين، وقيل: بعد الحشر، ورجح القرطبي الأول، قلت: ويؤيده ما أخرجه السيوطي من الروايات المفصلة في النفختين في أخر سورة الزمر.\n(٢») قال الحافظ في قوله: أو كان ممن استثنى الله: أي فلم يكن ممن صعق، أي فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة، وإن كان ممن استثنى الله لم يصعق فهي فضيلة أيضًا، ووقع في حديث أبي سعيد: فلا أدري أكان فيمن صعق، أي فأفاق قبلي، أم حوسب بصعقته الأولى، وبين ذلك ابن فضل في روايته بلفظ: أحوسب بصعقته يوم الطور، والجمع بينه وبين قوله: أو كان ممن استثنى الله أن في رواية ابن الفضل وأبي سعيد بيان السبب في الاستثناء والمراد بقوله: من استثنى الله قوله: إلا من شاء الله، وأغرب الداودي فقال: معنى قوله: استثنى الله أي جعله ثانيًا، وهو غلط شنيع، وقد وقع في مرسل الحسن في هذا الحديث: أكان ممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة، أو بعث قبلي، وزعم ابن القيم في كتاب الروح أن هذه الرواية وهو قوله: أكان من استثنى الله وهم من بعض الرواة، والمحفوظ: أو جوزي بصعقة الطور، إلى آخر ما بسطه الحافظ، وقال العيني: إن قلت: نبينا ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، وقال: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، فما وجه التوفيق؟ قلت: منها أن ذلك قبل العلم بأنه أفضل، ومنها أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم فإنه كفر، ومنها أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة، كما في الحديث من لطم المسلم اليهودي، ومنها أنه تواضع، إلى آخر ما ذكره، تنتهي مختصرًا.","vol":"4","page":254},{"text":"العام على عمومه القطعي ما لم تقم قرينة خصوص، وأن تأويل كلام ظاهره الكفر والمعصية واجب وإن قصد به المتكلم خلافه، فما اشتهر (١) بين العلماء أن الكلام يحمل على تأويل صحيح إن أمكن وإن كان له تسعة وتسعون تأويلًا مؤثمة. قوله: [ممن استثنى الله] أي بقوله: «إلا من شاء الله» وهذه الصعقة غير الصعقة التي قبل الحشر، فإن النفخات (٢) متعددة: نفختان وقت قيام القائمة،\n_________\n(١») الظاهر بدله (كما اشتهر) لئلا يحتاج إلى تقدير عباره، وللحذف مساغ.\n(٢») وبذلك جزم ابن حزم إذ قال: إن النفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة فيها من بقى حيًا في الأرض، والثانية نفخة إحياء يقوم بها كل ميت وينشرون من القبور، والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون منها كالمغشى عليه لا يموت منها أحد، والرابعة نفخة إفاقة من هذا الغشي، هكذا حكاه الحافظ ابن حجر في الفتح، ثم تعقب كلامه فقال: وهذا الذى ذكره من كون الثنتين أربعًا لبس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغائر في كل وحدة منهما باعتبار من يسمعها، فالأولى يموت بها كل من كان حيًا ويغشى على من لم يمت استثنى الله، والثانية يعيش بها من مات ويفيق بها من غشى عليه، انتهى. قلت: وحكى صاحب البحر النفخات اثنتان، وحكى صاحب الجمل عن ابن الوردي إنها ثلاثة، وبسط أحوال الثلاثة مفصلة، وقال القاضي كما حكاه النووي: إن حديث الباب من أشكال الأحاديث لأن موسى مات فكيف تدركه الصعقة وإنما تصعق الأحياء، ثم أجاب عنه بأنه يحتمل أن هذه الصعقة صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماوات والأرض، فتنتظم حينئذ الآيات والأحاديث، انتهى.","vol":"4","page":255},{"text":"أولاهما يفنى فيهما كل شيء من العرش والكرسي والجنة والنار والأرواح وغيرها، والثانية يقوم بها كل شيء، ثم بعد ذلك نفخة حين يتجلى الرب سبحانه للحساب يصعق بها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وهذه هي التي استثنى من الصعق بها أشياء، وهذه الصعقة ليخفى عليهم تجليه سبحانه فإنهم لم يطيقوه، ثم الثانية فإذا هم قيام ينظرون، وهذه بعد التجلي، وهاتان هما المذكورتان في سورة الزمر.\nقوله: [فقد كذب] لأن الأنبياء (١) كلهم سواسية في نفس النبوة، أو لأن كل نبي أيًا ما كان خير من أمتي أيًا ما كان.\nقوله: [أورثتموها إلخ] فإن (٢) توريثهم إياها مستلزم دوامهم فيها، وهذه\n_________\n(١») وعلى هذا فضمير المتكلم للنبي ﷺ، ويؤيده حديث عبد الله بن جعفر عند الطبراني بلفظ: لا ينبغي لنبي أن يقول إلخ، وعلى الثاني للعبد، قال في المجمع: لرواية لعبد، وهو على الأول قبل أن يعلم فضله، أو للزجر عن تخيل جاهل حط رتبته بقوله: إذا أبق، أو لا يقوله جاهل مجتهد في العبادة والعلم ونحوهما، فإنه لا يبلغ مبلغ نبوه يونس وإن ذكر بكونه مكظومًا وملومًا، انتهى.\n(٢») لعل المصنف ذكر الحديث في هذه السورة قوله تعالى: «وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين» وإلا فقوله تعالى: «وتلك الجنة التي أورثتموها، الآية في سورة زخرف، والأوجه أنه ذكره ها هنا لما أنه تفسير لقوله تعالى: «وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فأدخلوها خالدين» فالحديث تفسير لنداء الخزنة.","vol":"4","page":256},{"text":"العوارض من أسباب الموت، فإذا انتفى الموت دواعيها، ثم قوله: «بما كنتم تعملون» موهم سببية الأعمال لدخول الجنة مع أن المناط هو الفضل (١) كما هو\n_________\n(١») كما صرحت بذلك الروايات الكثيرة: منها ما أخرجه البخاري برواية أبى هريرة قال: قال ﷺ: لن ينجى أحدًا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتعمدني الله برحمته، الحديث.\nوبرواية عائشة مرفوعًا بلفظ: لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وفي رواية عنها بلفظ: فإنه لا يدخل أحدًا الجنة عمله، قالو: ولا أنت يا رسول الله؟ الحديث.\nقال ابن بطال في الجمع بين الحديث والآية ما محصله: أن تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها، ثم أورد على الجواب قوله تعالى: «أدخلوها بما كنتم تعملون» فصرح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال، وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير: أدخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وقال ابن الجوزي: له أربعة أجوبة: الأول أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله ما حصل الأيمان ولا الطاعة، الثاني أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله، الثالث، دخول الجنة بالرحمة واقتسام الدرجات بالأعمال، الرابع أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد، فالأنعام الذى لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال، وقال الكرماني: الباء في قوله تعالى: «بما كنتم تعملون» ليست للسببية، بل للإلصاق أو المصاحبة أو المقابلة نحو أعطيت الشاة بدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين في المغنى، وسبقه إلى ذلك الشيخ ابن القيم، إلى آخر ما بسطه الحافظ في الفتح.","vol":"4","page":257},{"text":"مسلم عند الجماعات ومصرح في الروايات، والجواب أن إعطاء أمثال هذه النعم الجليلة على تلك التكاليف القليلة ومنة، ثم إن التوفيق بكسبها والأقدار على تحصيلها مكرمة ورحمة، ثم إن قبولها مع ما فيها من النقص وشوائب الرياء وتقصير في الإتيان على حسبها عطوفة وشفقة، ففي كل ذلك وإن كانت الطاعات سببًا ظاهريًا إلا أن الأمر حقيقة إلى المنة والفضل.\nقوله: [فأين الناس يومئذ] ليس بمربوط بما سبق من كون الأرض (١) قبضته والسماوات مطويات بيمينه، بل هو مرتبط بما لم يذكره (٢) الراوي ها هنا، أي جرى بيت يديه ﷺ ذكر حتى أن سألته، ولعلها سألت حسب ما سألت فيما سبق (٣) عند قوله ﷺ قولًا يتعلق بتبديل الأرض\n_________\n(١») ولعل ذلك لما أن السماوات والأرض كلها إذا صارت مقبوضة ومطوية بيمينه عز اسمه فأي مانع من أن يكون الناس أيضًا هناك، فلأوجه لأشكال عائشة، لكن الروايات بأسرها مقتصرة علي هذا المعنى، فتأمل. والقصة التي أشار إليها الترمذي لعلها هي التي ذكرها الحاكم من سعة جهنم.\n(٢») ورأيت في بعض تقارير القطب الكنكوهي أن منشأ سؤالها ما ورد في بعض الروايات أن تكون الأرض خبزة واحدة نزلًا لأهل الجنة، فلعلها ظنت أنها تخبز قبل دخولها الجنة إذ يأكلونها في أول دخولهم، فسألت أينما يكون الناس إذ تخبز.\n(٣») إشارة إلى ما سبق في تفسير سورة إبراهيم عن مسروق، قال: تلت عائشة هذه الآية «يوم تبدل الأرض غير الأرض» قالت: يا رسول الله فأين يكون الناس؟ قال: على الصراط، ثم اختلفوا في التبديل هل هو باعتبار الذات أو الصفات، وعليه بنى الاختلاف في أرض المحشر هل هي أرض الدنيا بتبديل بعض الصفات من بسط الجبال وغيرها، أو هي أرض غيرها بتبديل الذات، بسطه الحافظ في الفتح، وقال الشيخ في إنجاح الحاجة على هامش حديث عائشة: الظاهر من التبديل ها هنا تغير الذات كما يدل عليه السؤال والجواب، انتهى. ثم قال الحافظ: الحديث أخرجه مسلم عن عائشة أنها سألت أين يكون الناس حينئذ؟ قال: على الصراط، وفي رواية الترمذي: على جسر جهنم، ولأحمد من طريق ابن عباس عن عائشة، قال: على متن جهنم، وأخرج مسلم أيضًا عن ثوبان مرفوعًا: يكونون في الظلمة دون الجسر، وجمع البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط، وأن قوله على الصراط مجاز لكونهم يجاوزونه، لأن في حديث ثوبان زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها، وكان ذلك عند الزجرة التي تقع عند نقلهم من أرض الدنيا إلى ارض الموقف، انتهى.","vol":"4","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>[سورة السجدة]</span>\n\nقوله: [وما كنتم تستترون الآية] أي لم يكن استتاركم (١) لخوف\n_________\n(١») هكذا فسر الآية صاحب المدارك إذ قال: أي إنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم، لأنكم كنتم عير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلًا، ولكنكم إنما سترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما كنتم تعملون، انتهى. وبنحوه فسر الرازي في الكبير، وقال البيضاوي: أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفصاحة، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استترتم عنها، وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق ألا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب، انتهى.","vol":"4","page":259},{"text":"شهادة الأعضاء عليكم لأنكم لم تستيقنوا بشهادتها، بل ولا بالبعث، بل الذي أغراكم على استتار المعاصي ظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون، فإنهم كانوا كالمتفقين على أنه لا يعلم أفعالهم المستترة، لأن أحدهم نفاه صريحًا، والثاني وزع (١) فكن كالنافي، والثالث أورده على الشك فكأنه وافق من نفي علمه سبحانه وتعالى عما يصفون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>[سورة الشورى]</span>\n\nقوله [قربى آل محمد] إنما أنكر ذلك ابن عباس لأن فيه إثباتًا لما (٢)\n_________\n(١) من التوزيع، وهو التقسيم والتفريق كما في القاموس، والمعنى: أن الثاني فصل بأنه إن يسمع الجهر يسمع الإخفاء أيضًا وإلا لا، ولفظ البخاري بسنده إلى أبي مسعود: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف، أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لأن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، فأنزلت الآية، وذكر الحافظ الاختلاف في أسمائهم.\n(٢) ويوضح ذلك ما في الجمل إذ قال: في الآية ثلاثة أقوال: منها ما روى الكلبي عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم فأجمعوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم، ونزل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الآية، أي إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، قال سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب، انتهى. والحديث أخرجه البخاري من طريق طاوس عن ابن عباس أنه سأل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، قال الحافظ: وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا وإسناده ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح، والمعنى: إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم، فكأنه قال: احفظوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة، انتهى. ثم قال الحافظ: والحاصل أن سعيد بن جبير ومن وافقه حملوا الآية على أمر المخاطبين بأن يواددوا أقارب النبي ﷺ، وابن عباس حملها على أن يواددوا النبي ﷺ من أجل القرابة التي بينهم وبينه، فعلى الأول الخطاب عام لجميع المكلفين، وعلى الثاني الخطاب خاص بقريش، انتهى، ثم لا يذهب عليك أن ما في النسخ الهندية من قوله: قال ابن عباس: أعلمت، تحريف من الناسخ، والصواب ما في المصرية من قوله: أعجلت، ويؤيده ما تقدم من لفظ البخاري عجلت، وهكذا بلفظ عجلت ذكره السيوطي في الدر برواية الشيخين والترمذي وغيرهم، وهكذا في جمع الفوائد برواية البخاري والترمذي.","vol":"4","page":260},{"text":"المقصود نفيه وهو سؤال الأجر، لأنه إذا سألهم أن يودوا أهل قرابته كان كالمستعيض على رسالته، غايته أنه لم يأخذ بنفسه وأمر أن يعطوا أهل قرابته وآله، وليس الأمر كذلك بل المقصود أن تراعوا مالكم به من القرابة، فلا تؤذونني كما لا تؤذون إخوانكم الآخر. فكان المراد هو ذلك أن تصلوا رحمكم بي بنصرتي وترك المعاداة بي، لا ما في فهمه سعيد بن جبير من أن المطلوب صلة آل محمد.\nقوله [عن بلال ابن أبي بردة] وكان غاية في النرفة والتنعم حبسه الأمير فشدد عليه (١).\n_________\n(١) كان بلال صديق خالد بن عبد الله القسري فولاه قضاء البصرة ١٠٩ لما ولى خالد إمرتها من قبل هشام بن عبد الملك، فلم يزل قاضيًا حتى قتله يوسف ابن عمر الثقفي لما ولى الأمرة بعد خالد، وعذب خالدًا وعماله ومنهم بلال. وذلك سنة عشرين ومائة، ويقال: إنه مات في حبس يوسف وقتله دماؤه، قال للسجان: أعلم يوسف إني قدمت ولك مني ما يغنيك، فأعلمه، فقال يوسف: أرنبه ميتًا، فجاء السجان فألقى عليه شيئًا غمه حتى مات، ثم أراه يوسف، قال المبرد: أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال، هكذا في تهذيب الحافظ والفتح.","vol":"4","page":261},{"text":"قوله [الحمد لله إلخ] إنما قال (١) ذلك نظرًا إلى عاقبة أمره ومثوبته في آخرته، لا شماتة بما دهمه من البلاء، بل شكرًا لما أولاه الله من كفارات الذنوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>[سورة الزخرف]</span>\n\nقوله [ما ضربوه لك الآية] فكان عاقبتهم الهلاك والدمار بأيدي المسلمين يوم بدر وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>[سورة الدخان]</span>\n\nقوله [إنه يخرج من الأرض الدخان إلخ] قد ورد ذلك في الروايات (٢)\n_________\n(١) هذا هو الظن بالمسلم ألا يظهر الشماتة بأخيه المسلم.\n(٢) يعني كون الدخان من أشراط الساعة ورد في روايات كثيرة ذكرها الحافظ في الفتح، والسيوطي في الدر في تفسير هذه السورة، منها ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة رفعه: لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، الحديث. قال الحافظ بعد ما ذكر الروايات وتكلم على بعض طرقه: تظافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا، ولو ثبت طريق حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في الحديث.","vol":"4","page":262},{"text":"وعد من أشراط الساعة. واختلف في تفسير الآية ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وتعيين المراد بالدخان فيها، فالصحيح (١) الذي لا يحول حماه ريب ويكون مطابقًا للسياق والسباق من غير رجم غيب هو الذي أراد ابن مسعود، وإن\n_________\n(١) أي الصحيح في تفسير الآية، وإلا فكون الدخان من أشراط الساعة مروي في عدة روايات كما تقدم، وعلى هذا القول اكتفى المحلى في الجلالين إذ قال بعد قوله تعالى: ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: فأجديت الأرض واشتد بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الدخان، قال صاحب الجمل: هذا هو المراد بالدخان هاهنا، وهو أحد أقوال ثلاثة ذكرها المفسرون: أحدها أن الدخان هو ما أصاب قريشًا من الجوع بدعاء النبي ﷺ حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانًا، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل، واختيار الفراء والزجاج، وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن يكون الدخان غير هذا، والقول الثاني ونقل عن علي وابن عباس أيضًا، وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن علي والحسن أنه دخان يظهر في العالم في آخر الزمان يكون علامة على قرب الساعة يملأ ما بين المشرق والمغرب وما بين السماء والأرض، يمكث أربعين يومًا وليلة، والقول الثالث أنه الغبار الذي ظهر يوم فتح مكة من ازدحام جنود الإسلام حتى حجب الأبصار عن رؤية السماء قاله عبد الرحمن الأعرج، واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنه قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ ثم عللوا ذلك فقالوا: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده الله والرحم، وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم.","vol":"4","page":263},{"text":"كان (١) يصح حمل الآية على ما ذكره القاص أيضًا فإنه يبقى أربعين يومًا ثم يكشف بعد ذلك، والقول الثالث (٢) الذي قيل إنه يكون بعد الحشر، قال أصحابه: إنه على التقدير، أي لو كشفنا عنهم العذاب لعادوا، وإنما رد ابن مسعود على القاص قوله ذلك ظنًا منه أنه إنما ذكر ما ذكر من غير أن يستند ذلك إلى نقل عن النبي ﷺ، فظاهر أن وقائع نزول الآيات لا دخل فيها للعقل، وإنما هي منوطة بالرواية والنقل، ولم يكن قصد ابن مسعود (٣) رد الرواية التي ذكرها\n_________\n(١) بسط الزازي في الكبير في انطباق الآية على هذا القول، وأجاب عما تقدم من الاستدلال في كلام الجمل، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\n(٢) وهذا غير القول الثالث المذكور في كلام الجمل، ولم يذكره عامة المفسرين بل اكتفوا على القولين فقط إلا ما ذكره صاحب البحر المحيط، قال علي ابن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وزيد بن علي والحسن: هو دخان يجيء يوم القيامة، وفي حديث حذيفة: أول الآيات خروج الدجال، والدخان، ونزول عيسى بن مريم، الحديث. فإن كان هو الذي رأته قريش فالناس (أي في قوله تعالى ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾) خاص بالكفار من أهل مكة، وقد مضى كما قال ابن مسعود، وإن كان من أشراط الساعة أو يوم القيامة فالناس عام فيمن أدركه وقت الأشراط وعام بالناس يوم القيامة، انتهى.\n(٣) قلت: لكن الظاهر من الروايات التي رويت عن ابن مسعود بألفاظ مختلفة أن كون الدخان من الأشراط مسلم عنده وهو مراد الآية، لكن مصداقه هو القحط، ويوضح ذلك ما في الدر برواية ابن مردوديه من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: آية الدخان قد مضت، ومن طريق عتبة عنه قال: الدخان قد مضى، كان أناس أصابهم مخمضة وجوع شديد، الحديث. ومن طريق محمد بن سيرين قال: قال ابن مسعود =كل ما وعدنا الله ورسوله فقد رأيناه غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدجال. والدابة، ويأجوج ومأجوج، فأما الدخان فمضى، وكان سنى كسنى يوسف، وأما القمر فقد انشق على عهد رسول الله ﷺ، وأما البطشة الكبرى فيوم بدر، وغير ذلك من الروايات.","vol":"4","page":264},{"text":"القاص فأنها مسلمة، بل المقصود الرد على كون ذلك الدخان الذي هو من أشراط الساعة مراد الآية، فإن مساق الكلام آب عنه.\nوله [من المتكلفين] بإظهار ما ليس عندي (١) من العلم. قوله [اللهم أعني عليهم] ولم يكن قصد بذلك إلا هدايتهم، فإن النعمة والثراء مما يمنع القياد (٢) وقبول الحق، فكان حقيقته (٣) لهم وإن كان ظاهره أنه دعاء عليهم.\nقوله [العظام] أي ذكر العظام (٤) موضع الميتة. قوله [فهذا لقوله إلخ] وقال آخر لقوله إلخ يعني إنما اختلفا بعد ذلك في ذكر ما قاله ابن مسعود\n_________\n(١) قال الحافظ: قوله: إن من العلم إلخ أي إن تميز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن لا أدري نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من التكلف، انتهى.\n(٢) ككتاب: حبل يقاد به، كذا في القاموس، والظاهر الانقياد.\n(٣) وهذا أوجه مما ذهب إليه الشراح من الاستدلال بذلك على جواز دعاء الهلاك على الظالم، فإن الدعاء بالشدة والقحط غير الدعاء بالهلاك، ثم لما كانت قريش بالغت في الانتهاك لحرمة الدين وإيذاء المسلمين بخلاف دوس لم يبلغوا هذا المبلغ قال لهم النبي ﷺ: اللهم اهد دوسًا وأت بهم.\n(٤) كما يدل عليه حديث البخاري في التفسير برواية غندر عن شعبة عن الأعمش ومنصور بلفظ: فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود، فقال أحدهم: حتى أكلوا الجلود والميتة، الحديث. وقد اختلفت رواياتهما في ذكر مفعول أكلوا، ففي بعضها اكتفى على ذكر الميتة فقط، وفي أخرى ذكر غيرها أيضًا، ومقصود الكل واحد وهو بيان شدة القحط.","vol":"4","page":265},{"text":"بعد ذكر القصة، فذكر أحد الراويين جزء من الآية، والآخر جزء آخر منها، وإن كان مرادهما واحدًا، هو الإشارة إلى تمام الآية بقراءة بعض منها.\nقوله [فهل يكشف عذاب الآخرة] هذه (١) قرينة على ما ذكره ابن مسعود في تفسير الآية، والمنظور فيها قول الله ﷿: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ لا مجرد الدعاء التي ذكرها بقوله: (٢)، وقد سمعت (٣) عذرهم.\nقوله [البطشة واللزام] هذا غير متعرض به في الآية أوردها استطرادًا وتبعًا تتميمًا للفائدة، لعل حاملًا يقص لغير ذلك ويحملهما على غير محملهما.\n_________\n(١) يعني أن القرينة على أن المراد بالدخان ما أصابهم في القحط لا ما ينتظر قرب القيامة أن انطباق قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾ على الأول أظهر، ومعنى قوله (المنظور فيها) أن المقصود من ذكر هذه القصة هي الآية المذكورة لا مجرد دعائه ﷺ بالقحط، لأن مجرد الدعاء لا يدل على صحة ما قاله ابن مسعود بخلاف زوال القحط.\n(٢) والمقولة محذوفة لظهورها.\n(٣) يعني من حمل الآية على الدخان قرب القيامة قد عرفت جوابه عن استدلال ابن مسعود وهو أن هذا الدخان أيضًا يبقى أربعين يومًا ثم يكشف عنهم، فينطبق عليه أيضًا ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾.","vol":"4","page":266},{"text":"قوله [قال أحدهما القمر وقال الآخر الروم] يعني إن (١) الأعمش ومنصورًا اتفقا على ذكر ثلاثة أشياء: البطشة، والدخان، واللزم، ثم اختلفا في الرابع، ذكر أحدهما بعد الثلاثة القمر، والآخر الروم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>[سورة الأحقاف]</span>\n\nقوله [فسماني رسول الله ﷺ] أراد بذلك بيان فضله والاعتماد على صدقه ليسمعوا مقاله وينقادوا له فيما يأمرهم به (٢). قوله [قال ما صحبه منا أحد] والواقعة (٣) كانت متعددة، فنفي الحضور في إحداها لا يستلزم نفي الأخرى، وإنما نفي الواقعة (٤) التي جرى ذكرها ثم ولم يكن حضرها أحد، وإنما حضر ابن مسعود الثانية، أو يقال: ما صحبه منا أحد أي في الموضع الذي علمهم فيه، وإن كان ابن مسعود\n_________\n(١) وهكذا ذكر البخاري في رواية غندر المذكورة بلفظ: فقد مضى الدخان والبطشة واللزام، وقال أحدهم: القمر، وقال الآخر: الروم، وفي رواية له: والبطشة الكبرى يوم بدر، وقال العيني: اللزام اختلف فيه، فذكر أن أبي حاتم في تفسيره أنه القتل الذي أصابهم ببدر، روى ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد وغيرهم، قال القرطبي: فعلى هذا تكون البطشة واللزام واحدًا، وعن الحسن اللزام يوم القيامة وعند الموت، وقيل: يكون ذنبكم عذابًا لازمًا، وفي المحكم: اللزام الحساب، انتهى.\n(٢) يعي من المنع عن قتل عثمان، وكان اسمه الحصين فسماه النبي ﷺ عبد الله، هكذا في كتب الصحابة.\n(٣) تقدم البسط في ذلك في هامش الجزء الأول (باب الوضوء بالنبيذ) وتقدم أن الوقعة كانت ست مرات حضر ابن مسعود ثلاثًا منها.\n(٤) يحذف المضاف، أي نفي حضور ابن مسعود في هذه الواقعة.","vol":"4","page":267},{"text":"صحب النبي ﷺ في بعض الطريق، ومعنى قوله [افتقدناه] أي (١) افتقده سائر أصحابه، وإن لم يكن فيهم ابن مسعود، أو كان افتقده حين أجلسه في خطه ومضى لسبيله، ومعنى قوله [إذا نحن به يجيء من قبل حراء] أي رأيته يجيء من جانب حراء ثم صاحبته وأتينا القوم فرأونا مقبلين من جهة حراء.\nوقوله [وسألوه الزاد] أي ما يتزودونه في عودهم من المدينة وما يأكلونه حين باتوا بها ليلتهم، أو يكون أعم (٢) من ذلك، والظاهر هو الأول، لأن المآكل لهم كثيرة، وإنما احتاجوا إلى السؤال حين مقامهم بها، فإنهم في أرض غربة وليس ثم شيء يأكلوه.\nقوله [كل عظم لم يذكر اسم الله عليه] ووقع في رواية مسلم كل عظم ذكر اسم الله عليه، فقيل: الأول للكفار (٣) منهم والثاني لمسلميهم، وليس\n_________\n(١) هذان الجوابان على ثبوت أن ابن مسعود كان في هذه الوقعة أيضًا، وتقدم أنه لم يكن في هذه القصة فلا حاجة إلى الجواب.\n(٢) يعني لا يكون السؤال مقتصرًا على الزاد المخصوص، بل يكون السؤال لمطلق المأكل، أو مطلق الزاد لأسفارهم، والظاهر الأول للفظ الزاد وقرينة المقام وإن كان العطاء غير مقتصر لموضع خاص كما سيأتي.\n(٣) هذا هو المشهور عند الشراح. فقد قال النووي تحت رواية مسلم (في باب الجهر بالقراءة في الصبح) بلفظ: وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، فقال النووي: قال بعض العلماء: هذا لمؤمنيهم وأما غيرهم فجاء في حديث آخر: أن طعامهم ما لم يذكر اسم الله عليه، وفي نفع القوت: قال بعضهم: ما لمسلم في حق المؤمنين وما للترمذي في حق الكافرين، قال السهيلي: هو قول صحيح تعضده الأحاديث، انتهى. وفي المجمع: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أي عند الأكل لا عند الذبح، قيل: هو لمؤمنيهم وما لم يذكر عليه يكون لكفارهم، انتهى.","vol":"4","page":268},{"text":"بسديد، فإن الكفرة منهم لم يحضروا ولم يسألوا حتى يبين لهم، مع أنهم ليسوا بمفتقرين إلى تشريعه ولا منقادين له حتى يلتزموا ما ألزمه إياهم، بل الوجه في الجمع (١) بينهما -والله أعلم- أن المراد بالذكر حيث أثبت هو الذكر عند الذبح، وحيث نفى هو الذكر عند الأكل، يعني أنه ﷺ بين لهم علامة يميزوا بها بين ما ذكر اسم الله عليها عند الذبح وبين ما لم يذكر عليها اسم الله عنده، ثم أمرهم بأكل ما ذكر اسم الله عليها، ونهاهم عما لم يذكر، وبين لهم أيضًا\n_________\n(١) هذا أوجه مما جمع به الشراح، لأن في محملهم لا يكون حديث الباب موافقًا للسؤال، فإنهم سألوا الزاد لأنفسهم، وفي حديث الباب على قولهم زاد لكفرتهم، وأيضًا لا يرتفع التعارض من بين الحديثين بعد هذا الجمع أيضًا، لأنه إذا أريد بالذكر في كلا الحديثين الذكر عند الأكل فيبقى التعارض بأن مؤدى حديث مسلم أن يكون العظم أوفر ما يكون عليه لحمًا إذا ذكر عليه اسم الله، ومؤدى حديث الترمذي أن يكون العظم أوفر ما يكون عليه اللحم عند عدم الذكر، فتعارضا بخلاف ما حمله الشيخ بأن مراد من الذكر في حديث مسلم هو الذكر عند الذبح فيكون العظم أوفر ما يكون عليه إذا كان ذكيًا، ولا يكون إذا كان ميتة، وأما عند الأكل فيكون أوفر إذا لم يذكر عليه اسم الله عند الأكل، بخلاف ما إذا أكل باسم الله، فإن الأكل نفد بركة العظم كلها، ويؤيد كلام الشيخ ما قال ابن عابدين: أستفيد من حديث مسلم أنه لو كان عظم ميتة لا يكره الاستنجاء به، انتهى. فعلم أنه حمل التسمية في حديث مسلم على التسمية عند الذبح خلافًا لما تقدم عن المجمع.","vol":"4","page":269},{"text":"علامة (١) يعرفوا بها الفرق بين العظام التي ذكر اسم الله عليها عند أكل ما عليها من اللحم، وبين ما لبست كذلك، وقال: إن التي لم يذكر اسم الله عليها عند الأكل تكون أوفر لحمًا لأن أكلها لم يحرز بركتها، وإن كانت خالية عن اللحم فيما يبدو للناس، فكلوا منها ومما (٢) لم يذكر اسم الله عليه عند الأكل، فالأول هو محمل رواية مسلم، والثاني محمل رواية الترمذي.\nقوله [فلا تستنجوا بهما] هذا لا ينافي ما قلنا من أن السؤال إنما كان للتزود وعدم (٣) الورود لعموم الحكم وبقائه دائمًا وإن كان السؤال عن وقت معين، فافهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>[سورة محمد ﷺ]</span>\n\nقوله [في اليوم سبعين] واستغفره (٤) في اليوم مائة، إما يومًا كذا\n_________\n(١) وأقصى ما يرد على ذلك أن العلامة وهي كون اللحم أوفر مشتركة في الذكية والمأكول بعدم التسمية، ويمكن التقصي عنه بأنه يحتمل أن يكونا أوفري اللحم كمية، وبكون فرق ما بينهما باعتبار الكيفية والصورة، نعم يبقى الإيراد بأن الذكية المأكول بالتسمية ينبغي أن يكون أوفر اللحم وغير الأوفر، وللتوجيه مساغ، فتأمل. ثم الحديث حجة لمن قال: إن الجن يأكلون ويشربون، والمسألة خلاف شهير، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنهم لا يأكلون ولا يشربون، والثاني عكس ذلك، والثالث التفريق بأن بعضهم يأكلون ويشربون وبعضهم لا، ثم اختلف الذين قالوا بأكلهم فقيل: أكلهم وشربهم وتشمم واسترواح، وقيل بل مضغ وبلع.\n(٢) الأول بحذف الواو من قوله: ومما لم يذكر.\n(٣) يعني عدم ورود الاعتراض لما أن فيما اخترناه سابقًا كان اقتصار السؤال على الزاد المخصوص لا اقتصار العطية على ذلك بل كانت أعم.\n(٤) إشارة إلى قوله: ويروى إلخ وبيان لاختلاف اللفظين ليجمع بينهما وبنحو ما أفاده الشيخ جمعهما عامة الشراح، قال القارئ: قوله: سبعين مرة يحتمل التحديد للرواية الآتية مائة مرة، ويحتمل أن يراد بهما جميعًا التكثير، قال ابن الملك: توبته ﷺ كل يوم سبعين مرة واستغفاره ليس لذنب لأنه معصوم، بل لاعتقاد قصوره في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال، وحث للأمة على التوبة والاستغفار، فإنه ﷺ مع كونه معصومًا وخير المخلوقات إذا استغفر وتاب إلى ربه فكيف بالمذنبين، وقيل: استغفاره ﷺ من ذنوب الأمة، فهو كالشفاعة لهم، انتهى.","vol":"4","page":270},{"text":"ويومًا كذا، أو هو تكثير. قوله [عن عبد الله بن جعفر الكثير] أي الروايات (١) الكثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>[سورة الفتح]</span>\n.\nقوله [فتنحيت إلخ] لما سأله (٢) ولم يكن له علم بنزول الوحي\n_________\n(١) يعني روى علي بن حجر عن عبد الله بن جعفر بدون واسطة أحد روايات كثيرة، لكنه روى هذا الحديث عنه بواسطة إسماعيل، ولا ضير في ذلك فإن عليًا وإسماعيل كليهما من تلامذة عبد الله بن جعفر كما في كتب الرجال.\n(٢) بيان لعلة التنحي، وحاصله أن عمر لما تكرر منه السؤال ولم يكن يعلم أنه ﷺ مشتغل في نزول الوحي خاف عمر أن يكون النبي ﷺ وجد عليه، ويكون شهوده بمحضر منه ﷺ سببًا لزيادة الموجدة فتنحي لذلك، قال الحافظ: يستفاد من الحديث أنه ليس لكل كلام جواب بل السكوت قد يكون جوابًا لبعض الكلام، وتكرير عمر السؤال إما لكونه خشى أن النبي ﷺ لم يسمعه، أو لأن الأمر الذي كان يسأل عنه كان مهمًا عنده، ولعل النبي ﷺ أجابه بعد ذلك، وإنما ترك إجابته أولًا لشغله بما كان فيه من نزول الوحي، انتهى. وحكى العيني عن القرطبي أن هذا السفر كان ليلًا منصرفه ﷺ من الحديبية لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافًا، انتهى.","vol":"4","page":271},{"text":"خاف أن يكون النبي ﷺ، وجد عليه، ولما كان سبب الموجدة هو الكلام لابد من أن يكون حضوره زائدًا فيها فتنحى لذلك.\nقوله [فقال: يا ابن الخطاب إلخ] دعاؤه هذا لم يكن لسؤاله إياه (١) لأن النبي ﷺ لم يكن له علم بنداء عمر وخطابه، وإنما كان دعاء عمر وإعلامه بنزول الآية، لأنه ﵁ كان مغتمًا بصلح حديبية كما هو مبسوط (٢) في الروايات، فأراد النبي ﷺ أن يسمعه الآيات لينجبر بذلك ما انكسر من باله، و(٣) فإن الله ﵎ سماه في الآيات فتحًا مبينًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>[سورة الحجرات]</span>\n\nقوله [استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله إلخ] وكان الأقرع\n_________\n(١) كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام الحافظ من أنه ﷺ لعله أجاب بعد ذلك، وقد يكون السكوت جوابًا.\n(٢) حتى أتى النبي ﷺ فقال: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قال: أولست كنت حدثتنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، ثم أتى أبا بكر فسأله بمثل ذلك وأجابه بما أجاب به النبي ﷺ، قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا، وغير ذلك من الروايات.\n(٣) بياض في الأصل بعد الواو قبل قوله (فإن الله).","vol":"4","page":272},{"text":"هذا من المؤلفة قلوبهم (١) ذا شوكة في قومه، فأراد أبو بكر أن يكون باستعماله تأليف قلبه، وكونه ذا ثروة فيهم بعينه على أداء ما أمر به من العهدة فيصلب بذلك في دينه، وأما عمر فأراد أن يستعمل رجل له في الإسلام قدم راسخة، وأطواده (٢) في النفي والإيمان شامخة.\nقوله [لم يسمع] على وزن (٣) المعروف والفاعل النبي ﷺ [جده] أي ذكر (٤)\n_________\n(١) فقد قال الحافظ: هو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه، وقال الزبير: كان حكمًا في الجاهلية، وقال ابن دريد: اسم الأقرع بن حابس فراس، وإنما قيل له الأقرع لقرع كان برأسه، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن سياق الترمذي مخالف لسياق البخاري، فقد أخرج في صحيحه برواية ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، الحديث. وقال الحافظ: رواية ابن جريج أثبت من مؤمل بن إسماعيل، انتهى. وقال العيني: إنما أشار أبو بكر بتأمير القعقاع لأنه كان أرق من الأقرع، وأشار عمر بالأقرع لأنه كان أحرى من القعقاع، وكل أراد خيرًا، انتهى.\n(٢) قال المجد: الطود الجبل أو عظيمه جمعه أطواد، المشرف من الرمل، انتهى.\n(٣) وضبطه العيني بضم الياء من الأسماع، فعلى هذا الفاعل ضميره إلى عمر والنبي مفعول.\n(٤) ما أفاده الشيخ في معنى هذا الكلام هو الظاهر بل هو المتعين في المراد كما يدل عليه ما ورد من الألفاظ المختلفة في هذا المورد، ففي تفسير البخاري: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر، وفي الاعتصام: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد -ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر- إذا حدث النبي ﷺ بحديث حدثه كأخي السرار، وتوهم بعض مشايخ الدرس وبعض الشراح في مراد الكلام، فكتب بعضهم بين سطور الترمذي ما حصله: يعني أبو الزبير ذكره بلفظ (أبو بكر) ولم يذكره بلفظ (جده) مع أنه كان جده، انتهى. وأنت خبير بأنه بديهي البطلان، وكذلك ما قال مغلطائي من أنه يحتمل أنه أراد بذلك أبا بكر عبد الله بن الزبير أو أبا بكر عبد الله بن أبي مليكة، فإن أبا مليكة له ذكر في الصحابة، انتهى. وحاصله أن ابن الزبير لم يرد بقوله (أبي بكر) في الحديث جده بل أراد غيره، وهذا أيضًا باطل بأباه سياق الروايات، ولذا تعقبه الحافظ إذ قال: هذا بعيد عن الصواب، بل قرينة ذكر عمر ترشد إلى أن مراده أبو بكر الصديق، انتهى.","vol":"4","page":273},{"text":"صنيع عمر بعد نزول الآية ولم يذكر (١) ما صنع جده أبو بكر.\nقوله [إن حمدي إلخ] يذكر سيادته في قومه وقبول قوله فيهم، وكان ذلك الرجل قد خطب (٢) فكان منها هذه الجملة أيضًا. قوله [بالألقاب] أراد\n_________\n(١) وقد ذكر في الروايات الأخر غير رواية ابن الزبير، قال الحافظ: وفي رواية للبخاري في الاعتصام: فكان عمر بعد ذلك إذا حدث النبي ﷺ بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه، وقد أخرج ابن المنذر من طريق محمد بن عمر أن أبا بكر الصديق قال مثل ذلك، وهذا مرسل وقد أخرجه الحاكم موصولًا من حديث أبي هريرة نحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر قال: لما نزلت «لا ترفعوا أصواتكم» الآية قال أبو بكر قلت: يا رسول الله أليت أن لا أكلمك إلا كأخي السرار، انتهى.\n(٢) والقصة مبسطة في كتب التفسير والسير لاسيما في الهدى لابن القيم والبحر المحيط وسيرة ابن هشام، وذكروا خطبة الفريقين وأشعارهما، والجملة أنه قدم وقد بنى تميم وهم سبعون رجلًا، أو ثمانون رجلًا سنة تسع وفيهم الأقرع بن حابس وقد شهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنينًا والطائف، فدخلوا المسجد وقت الظهيرة ورسول الله ﷺ راقد، فجعلوا ينادونه: يا محمد اخرج إلينا، فاستيقظ، وآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، فخرج إليهم، فقال له الأقرع بن حابس: يا محمد، إن مدحي زين وذمي شين، فقال رسول الله ﷺ: ويلك! ذلك الله تعالى، وفي رواية فقالوا: يا محمد، إن مدحنا زين وإن شتمنا شين، ونحن أكرم العرب، فقال رسول الله ﷺ: كذبتم بل مدحة الله الزين وشتمه الشين، وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فاجتمع الناس في المسجد، فقالوا: نحن بني تميم جئنا بخطيبنا وشاعرنا نشاعرك ونفاخرك، فقال النبي ﷺ: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا، فقام خطيبهم- سماه ابن هشام عطارد بن حاجب- فخطب، فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس: قم فأجب الرجل في خطبته، فقام وخطب، ثم قالوا أشاعرهم: قم فقل أبياتًا تذكر فيها فضل قومك، فأنشد، فقال النبي ﷺ لحسان: قم فأجبه، فأنشد أبياتًا، ذكر ابن هشام وصاحب البحر المحيط خطبة الفريقين وأشعارهما بألفاظ مختلفة، فلما فرغ حسان بن ثابت قام الأقرع بن حابس فقال: والله ما أدري ما هذا الأمر. تلك خطيبنا فكان خطيبهم أحسن من خطيبنا قولًا. وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا، فأسلموا وجوزهم رسول الله فأحسن جوائزهم.","vol":"4","page":274},{"text":"بها (١) ما يكرهه صاحبها لا مطلقها. قوله [هذا نبيكم يوحي إليه وخيار أئمتكم]\n_________\n(١) قال صاحب المدارك: التنابز بالألقاب التداعي بها، والنبز للقب السوء، والتلقيب المنهي هو ما يتداخل المدعوبة كراهة لكونه تقصيرًا به وذمًا له، فأما ما يحبه فلا بأس به، انتهى. وفي البحر المحيط: اللقب إن دل على ما يكرهه المدعوبة كان منهيًا عنه، وأما إذا كان حسنًا فلا ينهى عنه، وما زالت الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير، انتهى. وفي الدر اللقيط: الحسنة كالصديق لأبي بكر والفاروق لعمر.","vol":"4","page":275},{"text":"يعني أن المستشير كان يوحي إليه والمشيرون كانوا خيار القوم وعمدتهم، فلما كان أكثر أمورهم موجبًا العنت فكيف بكم وبين المشير والمشير والمستشير والمستشير بون لا يخفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>[سورة ق]</span>\n\nقوله [قدمه] من المتشابهات (١).\n_________\n(١) وتقدم شيء من ذلك في هامش (باب رؤية الرب ﵎) من أبواب الجنة، وقال القاري: مذهب السلف التسليم والتفويض مع التنزيه، وأرباب التأويل من الخلف يقولون: المراد بالقدم قدم بعض مخلوقاته، أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها، وتقدم في سابق حكمه أنهم لاحقوها فتمتلئ منهم جهنم، والعرب تقول: كل شيء قدمته من خير أو شر فهو قدم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي ما قدموه من الأعمال الصالحة الدالة على صدقهم، وروى: حتى يضع الله رجله، والمراد بالرجل الجماعة من الجراد وهو وإن كان موضوعًا لجماعة كثيرة من الجراد لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد، أو أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى، وظن أن الرجل سد مسد القدم، هذا وقد قيل: وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع، فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفيها من طلب المزيد، وقيل: أريد به تسكين فورتها كما يقال للأمر يراد إبطاله: وضعته تحت قدي، انتهى.","vol":"4","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>[سورة الذاريات]</span>\n\nله [فذكرت عنده] بصيغة المتكلم، ثم أورد (١) القرينة التي ذكر لها\n_________\n(١) يعني ذكر الباعث على ذكره وافد عاد، وهو تعوذه من أن يكون كوافدهم، وحديث الترمذي مختصر يوضحه ما أخرجه أحمد من الرواية المفصلة، فأخرج بسنده إلى أبي وائل عن الحارث بن يزيد البكري قال: خرجت أشكو العلاء ابن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ، قررت بالربذة فإذا عجوز (والعجوزة هذه هي قبلة بنت مخرمة كما يظهر مما أخرجه أبو داود في باب إقطاع الأرضين، وحكى الشيخ في البذل أن بعث عمرو بن العاص كان إلى غزوة السلاسل) من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة فهل أنت مبلغي إليه، قال: فحملتها فأنبت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا، قال: فجلست، قال: فدخل منزله أو قال رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، قال: وكانت لنا الديرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها، فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، قالت: يا رسول الله، فأين تضطر مضرك؟ قال قلت: مثلي ما قال الأول: معزاء حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: هيه وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجيء إلى مريض فأداويه، الحديث. فعلم أنه تعوذ عن كونه مثل وافد عاد في أخذه الهلاكة باختياره.","vol":"4","page":277},{"text":"وافد عاد (١)، فقال: فقلت: أعوذ بالله إلخ وهو مثل\n_________\n(١) وقصته مسطورة مبسوطة في كتب السير والتفسير، لاسيما في المعالم والخازن وإجمالها: أن عادًا لما فسقوا في الأرض وقهروا أهل بفضل قوتهم التي جعلها الله فيهم، بعث الله ﷿ فيهم هودًا ﵇، فأمرهم أن يوحدوا الله ﷿، وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم بغير ذلك فيما ذكر، فأبوا عليه وكذبوه وقالوا: من أشد منا قوة، وأتبعه منهم ناس يسير يكتمون إيمانهم، فلما عتوا على الله وكذبوا نبيهم أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، حتى جهدهم ذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم جهد وبلاء يطلبون الفرج عند بيت الله الحرام، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة معترف بحرمتها، وكان سكان مكة يومئذ العماليق وسيدهم رجل يقال له معاوية بن بكر، فلما قحطت عاد وقل عنهم المطر قالوا: جهزوا منكم وفدًا إلى مكة ليستسقوا لكم، فإنكم قد هلكتم، فبعثوا قيل بن عنز، ونعيم ابن بزال وعقيل بن صفدين بن عاد الأكبر، ومرئد بن سعد وكان مسلمًا بكتم إيمانه، وجلهمة بن الخيبري، ولقمان بن عاد، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه جماعة من قومه فبلغ عدد وفد عاد سبعين رجلًا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارج الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان وهما قينتان لمعاوية، فلما رأى معاوية طول مقامهم عنده وقد بعثهم قومهم يتغوثون لهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون على، والله ما أدرى كيف أصنع، فإني أستحبي أن آمرهم بالخروج لما بعثوا إليه فيظنوا أنه ضيق مني بمكانهم عندي، فتغنت الجاريتان تعيرانهم على فعلهم أن نسوا قومهم بأبيات أولها:\nألا يا قيل ويحك قم فهيتم ... لعل الله يسقينًا غمامًا\nفلما غنت الجرادتان بذلك قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم ليتغوثوا بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليه، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال مرئد بن سعد: إنكم الله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم، وأظهر إسلامه وأنشد أبياتًا، فأجابه جلهمة بأبيات، ثم قال جلهمة لمعاوية وأبيه بكر: احبسا عنا مرئدًا لا يقدمن معنا مكة، فإنه قد تبع دين هود وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فقام قيل بن عنز رأس وفد عاد يدعو، فقال: اللهم أعط قيلًا ما سألك. وقال الوفد معه: واجعل سئولنا معه، وقال قيل حين دعا: يا إلهنا إن كان هودًا صادقًا فاسقنا فأنا قد هلكنا، فأنشأ الله تعالى سحائب ثلاثًا: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم نادى مناد من السماء: يا قيل اختر لقومك ولنفسك من هذه الثلاثة، فقال قيل: قد اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماءًا، فناداه مناد اخترت رمادًا رمددًا لا يبقى من آل عاد أحدًا، وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت إليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول الله ﷿: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها مهدد، فلما عرفت ما فيها من العذاب صاحت ثم صعقت، فلما أن أفاقت قالوا: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، إلى أخر ما في المعالم والخازن، وهذا أيضًا ملخص منهما، وعلم من ذلك أن المراد بوافد عاد في الحديث قبل بن عنز رأس وفدهم أعاذنا الله من نقمته.","vol":"4","page":278},{"text":"يضرب (١) لمن اكتسب هلاكًا وشرًا من حيث يرجى الخير والبركة.\nقوله [بكر بن معاوية] وكان له (٢) قرابة معه. قوله [جبال مهرة] وكانت (٣) بقرب مكان البيت وفي جهته [فقال اللهم إلخ] وكانوا يتبركون\n_________\n(١) يعني صارت بعد ذلك مثلًا يضرب به، ففي آخر رواية أحمد المذكورة المفصلة: قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد.\n(٢) فقد تقدم قريبًا في القصة المفصلة أن عادًا كانوا أخواله وأصهاره، وفي المعالم والخازن: وكان سيد العماليق يومئذ رجلًا يقال له معاوية بن بكر، وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخبيري، وهو رجل من عاد، وكانت عاد أخواله معاوية سيد العماليق، انتهى ثم لا يذهب عليك أن اسم الرجل ذكره أهل التفسير معاوية بن بكر كما في الخازن والمعالم وغيرهما، وهكذا في كتب الرجال من أسد الغاية، والروايتين في مسند أحمد، ووقع في الترمذي بكر بن معاوية، وهكذا ذكره صاحب التيسير وجمع الفوائد برواية الترمذي، وكذا في الدر برواية الترمذي وأحمد وغيرهما.\n(٣) ذكر في الحاشية: جبال مهرة منسوب إلى مهرة بن حيدان أبي قبيلة، ولفظ رواية أحمد: فلما مضى الأجل خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم، الحديث.","vol":"4","page":280},{"text":"بالمكان الذي بنى ثم بيت الله، ولم يكن بني بعد (١) بل كانت أكمات يدعون عندها فيجابون، وكانت السحب الثلاثة فيها رحمة لهم إن آمنوا، ونقمة إن بقوا على كفرهم. قوله [وذكر النبي (٢) ﷺ أنه لم يرسل] أي لم يخرج من مسدها وبابها الذي كانت تخرج منه إلا قدر حلقة الخاتم مع ما كانت تخرج منه دائمًا،\n_________\n(١) فقد ورد في الروايات وكتب السير أن أول من بني الكعبة بعد الطوفان سيدنا إبراهيم ﵇، وفي الدر برواية البخاري وغيره من جماعة المخرجين في حديث طويل في بناء الكعبة: قال إبراهيم: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، الحديث. وبرواية ابن جرير والطبراني وغيرهما عن عمرو بن العاص قال: لما كان زمن الطوفان رفعه الله إليه، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله بعد لإبراهيم وأعلمه مكانه فبناه، وغير ذلك من الروايات الكثيرة صريحة في أن أول من بناء بعد الطوفان إبراهيم ﵇، فكان في زمن عاد أكمة، ولذا ورد الدعاء في جبال مهرة أو جبال تهامة.\n(٢) إشارة إلى أن قوله: وذكر أنه لم يرسل مرفوع إلى النبي ﷺ، وبه جزم المحشى، ويؤيده ما في جمع الفوائد برواية الترمذي: فقال رسول الله ﷺ: إنه لم يرسل الريح إلا مقدار هذه الحلقة، وكذا في تيسير الوصول بروايته، فقال ﷺ عند ذلك: إنه لم يرسل الريح إلا من مقدار هذه الحلقة. لكن في مسند أحمد برواية عفان عن سلام قال أبو وائل: فبلغني أن ما أرسل عليهم، الحديث. وهكذا في أسد الغابة برواية أحمد.","vol":"4","page":281},{"text":"أو زيد على منفذها القديم هذا القدر. قوله [ويقال الحارث بن حسان] (١).\n_________\n(١) بياض في الأصل بعد ذلك، وقال الحافظ في تهذيبه: الحارث بن حسان ابن كلدة البكري الذهلي الربعي، ويقال العامري، ويقال حريث، ووقع في رواية الترمذي عن رجل من ربيعة، ثم علقه من وجه آخر فسماه الحارث بن حسان، ثم ساقه من طريق أخرى فقال: الحارث بن يزيد، ثم قال: ويقال له الحارث بن حسان، وصحح ابن عبد البر أن اسمه حريث، انتهى. وفي مبهمات التقريب: أبو وائل عن رجل من ربيعة هو الحارث بن حسان، انتهى. وفي الإصابة: يقال اسمه حريث ولعله تصغير، وقال ابن الأثير: الحارث بن حسان الربعي البكري، وقيل حويرث، وقال: من يرى قوله بكري وربعي وذهلي يظن أنه اختلاف وليس كذلك، فإن ذهل بن شيبان من بكر، وبكر من ربيعة، انتهى. وفي الاستيعاب: الأكثر يقولون: الحارث بن حسان البكري وهو الصحيح إن شاء الله، انتهى. ثم قال ابن عبد البر: اختلف في حديثه، =منهم من يجعله عن عاصم بن بهدلة عن الحارث بن حسان لا يذكر فيه أبا وائل، والصحيح فيه عن عاصم عن أبي وائل عن الحارث بن حسان، انتهى. وفي التهذيب: الحارث بن حسان روى عنه عاصم بن بهدلة، والصحيح عنه عن أبي وائل عن الحارث، انتهى. وقال ابن الأثير بعد ذكر رواية أحمد عن عفان بواسطة أبي وائل: رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عفان عن أبي المنذر عن عاصم عن أبي وائل مثله، ورواه زيد بن الحباب عن أبي المنذر، ورواه أحمد بن حنبل أيضًا، وسعيد الأموي، ويحى الحماني، وعبد الحميد بن صالح، وأبو بكر بن أبي شيبة، كلهم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث، ولم يذكر أبا وائل، انتهى.","vol":"4","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>[سورة النجم]</span>\n\nقوله [المقحمات] أي من غير توبة (١) وهذا باعتبار بعض أفراد الأمة، فإن سائرهم لا يغفر لهم. بل الرجاء إنما هولهم كلهم لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قوله [فأرعدها] أراد بأرعاد اليد تصوير ما هناك من التنور وغلبة الضياء، وما يقال له بالهندية: جك مك كرنًا وجهلمل جهلمل كونًا.\nقوله [فكبر] أراد بذلك استعباد ما سئل، أو السكوت عن ذلك والاشتغال\n_________\n(١) ففي شرح العقائد: الله تعالى لا يغفر أن يشرك به بإجماع المسلمين، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من الصغائر والكبائر مع التوبة أو بدونها خلافًا للمعتزلة، يعني فإنهم يقولون: لا يغفر الكبيرة بدون التوبة، قلت: وحاصل ما أفاده الشيخ ثلاثة أمور: الأول أن الكبائر تغفر بغير توبة لبعض الأفراد جزمًا، والثاني لا تغفر لجميعهم جزمًا، والثالث ينبغي لكل مؤمن أن يرجو الله العفو، وكل من هذه الثلاثة مؤيد بالآيات والروايات، أما الأول فلقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الآية، ولأحاديث النجوى والبطاقة، ومن أوصى أن يحرق بعد موته فبذر في الهواء، ولغير ذلك من الروايات الكثيرة التي لا تحصى، وأما الثاني فلأحاديث الشفاعة الشهيرة، والإخراج من النار بعد ما امتحشوا، وهي روايات كثيرة، وأما الثالث فلآيات المنع عن القنوط، ولما في الدر برواية أحمد وغيره عن أبي ذر مرفوعًا: إن الله تعالى يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، الحديث. وللحديث المشهور: أنا عند ظن عبدي بي، ولحديث استجابة دعائه ﷺ في الجمع في المظالم أيضًا، كما تقدم في (باب مثل الصلوات الخمس) مفصلا.","vol":"4","page":283},{"text":"بما يلهيه عما سأل، فلماذا قال (١): إنا بنو هاشم عني (٢) بذلك أنا لسنا بساكتين عما\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وجزاؤه ساقط من تصرف الناسخ أو محذوف، أي فلما قال ذلك أجابه عن سؤاله.\n(٢) ولفظ السيوطي في الدر برواية عبد بن حميد والترمذي والحاكم وغيرهم: فكبر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم أو نقول: إن محمدًا قد رأى ربه مرتين، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته، الحديث. وقال الحافظ بعد ما ساق حديث الترمذي: هكذا في سياق الترمذي، وعند عبد الرزاق من هذا الوجه فقال ابن عباس: [إنا بنو هاشم نقول: إن محمدًا رأى وبه مرتين، فكبر كعب وقال: إن الله قسم رؤيته وكلامه، الحديث. وفي المجمع: قوله: فكبر حتى جاوبه الجبال، أي جاوبه بالصدا كأنه استعظم ما سئل عنه فكبر، ولعل السؤال كان عن رؤية الرب، وقوله: إنا بنو هاشم بعث له على التسكين وترك الغيظ والتفكر في الجواب، فإن بني هاشم أهل علم لا يسألون عن أمر مستعبد، أو من ثم لما تفكر أجاب بأنه ﷾ قسم رؤيته وكلامه، انتهى. قلت: والظاهر مما سبق من لفظ السيوطي والحافظ أن في حديث الترمذي اختصارًا، ثم اختلفت الروايات عن ابن عباس، قال الحافظ: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيحب حمل مطلقها على مقيدها، فمن ذلك ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح وصححه الحاكم أيضًا من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد، وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، الحديث. وأخرج ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس هل رأى محمد ربه، فأرسل إليه أن نعم، وأخرج مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال: رأى ربه بفؤاده مرتين، وله من طريق عطاء عنه قال: رآه بقلبه، وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردوديه من طريق عطاء عنه قال: لم يره رسول الله صلى الله =عليه وسلم بعينه، إنما رآه بقلبه، وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة، بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، انتهى. قلت: وقد جاءت عن ابن عباس رواية ثالثة ذكرها السيوطي في الدر برواية الطبراني وابن مردوديه عن ابن عباس قال: إن محمدًا رأى ربه مرتين: مرة ببصره ومرة بفؤاده.","vol":"4","page":284},{"text":"سألنا ولا هين عنه بفعلك هذا، أو لسنا سائلين عن أمر مستبعد.\nقوله [نيهان] بتقديم النون على الباء الموحدة. قوله [نوراني أراه] فيه تأويلان: أي هو نور فكيف أراه، أو الذي رأيته نور، وأما الرب ﵎ فكيف أراه، وقيل: (١) هو بتمامه لفظ واحد، أي نوراني أراه،\n_________\n(١) فقد قال القاري: أنى بفتح الهمزة وتشديد النون على ما في أكثر النسخ، أي كيف أراه، أي هو نور عظيم كيف أبصره، فإن كمال النور يمنع الإدراك، وفي بعض السنخ: نوراني: بتشديد الياء للنسبة لزيادة الألف والنون للمبالغة كالرياني، وحينئذ قوله: أراه بمعنى أظنه من الرؤية بمعنى الرأي، فلو قرئ بضم الهمزة لكان أظهر في هذا المعنى، ويمكن أن يكون بمعنى أبصره إيماء إلى أنه ما رآه في الدنيا وسيراه في الآخرة، أو مراده أبصرته والعدول إلى الاستقبال لحكاية الحال الماضية، فكأنه يستحضره ويتلذذ به، قال ابن الملك: اختلف في رؤيته في تلك الليلة، وفي الحديث دليل للفريقين على اختلاف الروايتين لأنه روى بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة، فيكون استفهامًا على سبيل الإنكار، وروى بكسر النون فيكون دليلًا للمثبتين، ويكون حكاية عن الماضي بالحال، وقال الإمام أحمد: بتشديد النون يعني على طريق الإيجاب، قال الطيبي: أراد ليس الاستفهام على معنى الإنكار المستفيد للنفي، بل للتقرير المستلزم للإيجاب أي نور حيث أراه، انتهى.","vol":"4","page":285},{"text":"وهو يحتمل الوجهين أيضًا إنكارًا وإقرارًا، أي ما أراه نوراني، وأما الرب ﵎ فكيف أراه، أو هو نوراني أراه، وجملة الأمر في ذلك أن النزاع لفظي، ومؤدى المذهبين واحد (١)، فمن أثبت أثبت بزيادة في الباصرة من قوة القلب، والنافي إنما نفى بإدراك هذه الأبصار حال كونها على هيئتها، وإرجاع كلمات أصحاب الفرقتين إلى ما قلنا سهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>[سورة القمر]</span>\n\nقوله [بمكة مرتين] أي فلقتين، وليس المراد (٢) تكرار الشق.\n_________\n(١) ويقرب منه ما قال الحافظ في الجمع بين المذهبين كما تقدم قريبًا، وبه جمع العيني، وجمع القاري في شرح الشفا بأن من نفى نفى رؤية الذات، ومن أثبت أثبت رؤية الصفات، وقيل في بينهما غير ذلك، ونقدم شيء من الكلام على مسألة الرؤية واختلافهم في ذلك في تفسير سورة الأنعام.\n(٢) فقد أخرج البخاري في صحيحه برواية سعيد عن قتادة بلفظ (شقتين) قال الحافظ: بكسر المعجمة أي نصفين، وتقدم في علامات النبوة (من البخاري) من طريق سعيد وشيبان عن قتادة بدون هذا اللفظ، وأخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه البخاري من حديث سعيد عن قتادة بلفظ: فأراهم انشقاق القمر مرتين، وأخرجه من طريق معمر عن قتادة بمعنى حديث شيبان، وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ (مرتين) أيضًا، وكذلك أخرجه الإمامان أحمد وإسحاق في مسنديهما عن عبد الرزاق، وقد اتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ (فرقتين)، قال البيهقي: قد حفظه ثلاثة من أصحاب قتادة عنه (مرتين)، قال الحافظ: لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة، ولم يختلف على شعبة وهو أحفظهم، ولم يقع في شتى من طرق حديث ابن مسعود بلفظ (مرتين) وإنما فيه (فرقتين) أو (فلقتين) بفتح الرأي واللام، وكذا في حديث ابن عمر (فلقتين) وفي حديث جبير بن مطعم (فرقتين)، وفي لفظ عنه: (فانشق باثنتين) وفي رواية عن ابن عباس عند أبي نعيم في الدلائل: (فصار قمرين) وفي لفظ (شقتين)، ووقع في نظم السيرة لشيخنا الحافظ أبي الفضل:\nوانشق مرتين بالإجماع.=\n=ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ، ولم يتعرض لذلك أحد من شراح الصحيحين، وتكلم ابن القيم على هذه الرواية فقال: المرات يراد بها الأفعال تارة، والأعيان أخرى. والأول أكثر، ومن الثاني انشق القمر مرتين، وقد خفى على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط، فإنه لم يقع إلا مرة واحدة، وقد قال العماد بن كثير: في الرواية التي فيها (مرتين) نظر، ولعل قائلها أراد فرقتين، وقال الحافظ: وهذا الذي لا يتجه غيره جمعًا بين الروايات، ثم راجعت نظم شيخًا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه:\nفصار فرقتين فرقة علت ... وفرقة للطور منه نزلت\nوذاك مرتين بالإجماع ... والنص والتواتر والسماع\nفجمع بين قوله: فرقتين، وبين قوله: مرتين، فيمكن أن يتعلق قوله (بالإجماع) بأصل الانشقاق لا بالتعدد، مع أن في نقل الإجماع في نفس الاشتقاق نظرًا، انتهى. قلت: وتقدم في باب انشقاق القمر من كتاب الفتن ما قال السبكي أنه متواتر.","vol":"4","page":286},{"text":"قوله [مستمر] أي ذاهب (١) إلى السماء، أو ذاهب عن قريب.\nقوله [لئن كان سحرنا] هذا كان إنصافًا منهم. قوله [كانوا يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر] وقد كانوا يعلمون به (٢) ويقرون، حتى ذكره شعراؤهم، وإنما كان ذلك جدالًا منهم.\n_________\n(١) علق البخاري في صحيحه قال مجاهد: مستمر ذاهب، قال الحافظ: وصله الغريابي من طريقه بلفظ قال: رأوه منشقًا فقالوا: هذا سحر ذاهب، ثم ذكر حديث الباب وقال: معنى ذاهب أي سيذهب ويبطل، وقيل: سائر، انتهى. وذكر صاحب البحر المحيط عدة أقوال في تفسير الآية: منها سحر مستمر أي دائم، ولما رأوا الآيات متوالية لا تنقطع قالوا ذلك، ومنها مستمر مشدود موثق من مرائر الحبل، أي سحر قد أحكم، ومنها مار ذاهب زائل عن قريب عللوا بذلك أنفسهم، ومنها مستمر شديد المرارة أي مستبشع عندنا مر، يقال: مر الشتى وأمر إذا صار مرًا، ومنها مستمر أي يشبه بعضه بعضًا أي استمرأت أفعاله على هذا الوجه من التخيلات، ومنها مستمر أي مار من الأرض إلى السماء، أي بلغ من سحره أنه سحر القمر، انتهى.\n(٢) فقد أخرج أبو داود عن أبي الصلت قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله، فكتب أما بعد أوصيك بتقوى الله، إلى آخر ما ذكر من الكتاب مفصلًا، وفيه: كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير بإذن الله وقعت، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، إلى آخره. قلت: وأشعار المرائي مملوة من ذلك.","vol":"4","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>[سورة الواقعة]</span>\n\nقوله [معنى هذا الحديث وارتفاعها إلخ] نسبة هذا القول إلى بعض العلماء لعدم وجدان (١) التصريح عن غيره، وإن كان الظاهر اتفاقهم أجمعين على هذا المعنى، قوله [شكركم] الرزق (٢) المرزوق، أي الحظ والنصيب، فكان حظهم الذي وجب عليهم لما أنعم الله بصنوف النعم هو الشكر، فوضعوا موضعه التكذيب والكفران. قوله [إن من المنشآت إلخ] خبر مقدم، واسم إن هو قوله اللائي كن. قوله [شيبتني هود إلخ] إسناد التشبيب إلى (الواقعة) و(المرسلات) و(النبأ) و(التكوير) ظاهر لما فيها من ذكر أهوال القيامة وأحوالها، وأما نسبته إلى (هود) فقيل: لما فيها من ذكر الأمم السالفة وما جرى عليهم من العقوبات،\n_________\n(١) لكن فيه قولًا آخر تقدم في هامش (باب في صفة ثياب أهل الجنة) فإن الحديث بسنده ومتنه مكرر تقدم هناك.\n(٢) قال الرازي: في الآية وجوه: الأول أن تجعلون شكر النعم أن تقولون: مطرنا بنوء كذا، وهذا عليه أكثر المفسرين، والثاني تجعلون معاشكم وكسبكم تكذيب محمد، يقال: فلان قطع الطريق معاشه، والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، يقال للمأكول رزق، كما يقال للمخلوق خلق، وعلى هذا فالرزق مصدر قصد به ما كانوا يحصلون به مقاصدهم، وأما قوله: تكذبون، فعلى الأول المراد تكذيبهم بما قالله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وغيرها، وعلى الثاني المراد جميع ما صدر منهم من التكذيب، وهو أقرب إلى اللفظ، انتهى.","vol":"4","page":289},{"text":"وقيل: بل (١) لما فيه من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ فإن الأمر بالاستقامة، وإن كان واردًا في سورة الشورى أيضًا وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ َهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ إلا أن أمر الاستقامة في (هود) لما شمله (٢) ﷺ بأمته كان أشد\n_________\n(١) قال الدمنتي: روى البيهقي وابن عساكر عن أبي القاسم القشيري قال: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، سمعت أبا على الشبوي يقول: رأيت النبي ﷺ نومًا فقلت: روى عنك أنك قلت: شيتبني (هود)، قال: نعم، فقلت: ما الذي شيبك منها؟ هل قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: لا ولكن قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. ثم ذكر هذه السور ليس للحصر، بل المراد أمثالها. فلا ترد ما قال المناوي: زاد الطبراني في رواية: و(الحاقة). وزاد ابن مردويه في أخرى: و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وزاد ابن سعيد في أخرى (القارعة) و(سأل سائل) وفي أخرى و(اقترب الساعة) انتهى.\n(٢) وبذلك جزم المناوي في شرح الشمائل، وقال القاري بعد ما روى عن شرح السنة قصة المنام المذكورة، هو لا ينافي أسبابًا أخر مذكورة في سائر السور مع أن مرجع الكل إليها، ولذا قيل: الاستقامة خير من ألف كرامة، ولا يرد عليه أنه مذكور في (الشورى) أيضًا، مع أنه لا دلالة في الكلام على الحصر حتى يحتاج إلى الجواب بأنه أول ما سمع في (هود)، أو بأن الاستقامة في (الشورى) مختصة به، بخلاف ما في (هود) إلى آخر ما ذكره .. ثم الحديث عده السيوطي في التدريب من أمثلة المضطرب، وحكى عن الدارقطني أنه مضطرب، فإنه لم يرد إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من رواه مرسلًا. ومنهم من رواه موصولًا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند متعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر، انتهى. قلت: وإلى شتى من الاختلاف في ذلك أشار المصنف أيضًا.","vol":"4","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>[سورة الحديد]</span>\n\nقوله [فإنها الرقيع] أي مرقوع بعضها (١) ببعض، ومعنى قوله: موج مكفوف (٢) على التشبيه، أي مثل الموج في الصفاء والشفيفت، قوله [وفسر بعض أهل العلم إلخ] وإنما أراد بذلك التفسير (٣) أن يكف أوهام العوام عن الوقوع فيما يستضرون به، وإلا فقد علموا أن لا فكاك ثم بين الذات والصفات، فإنما الرب ﷾ فوق كل شيء وتحت كل شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>[سورة المجادلة]</span>\n\nقوله [فاصنع ما بدالك] يعني أنهم خافوا نزول القرآن في القوم أجمع\n_________\n(١) إشارة إلى وجه التسمية، وقال المجد: كأمير: السماء، أو السماء الأولى، والرقع: السماء السابعة، وقال القاري: الرقيع اسم لسماء الدنيا، وقيل: لكل سماه، انتهى.\n(٢) هو أوجه مما قال القاري: هي معلقة بلا عمد كالموج المكفوف.\n(٣) قال القاري: وفي قول الترمذي إشعار إلى أنه لابد لقوله: «لهبط على الله» من هذا التأويل المذكور، ولقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ من تفويض عليه إليه تعالى والإمساك عن تأويله، كما سبق أن بعضًا من خلاف الظاهر يحتاج إلى التأويل، ومنها ما لا يجوز الخوض فيه، انتهى. وفي المجمع: قول الترمذي إشارة إلى وجوب تأويل هبط على الله، وتفويض استوى على العرش، انتهى.","vol":"4","page":291},{"text":"فقالوا له: إنك إن رحت وحدك وقيل فيك شيء أو نزل فيك وحي لم يكن مثل أن ينزل فينا كلنا. قوله [أنت بذاك] قصد بذاك تقريره على ما أخبره به تعجبًا واستبعادًا عما ارتكبه، ومعناه أنت المتلبس بالمذكور من القضية وأنت الذي فعلت هذا وتلبست بذاك المذكور.\nقوله [إلا في الصيام] فأنى لي الصبر عنها ستين يومًا بلياليها ولم أجد قوة في الصبر عنها ثلاثين يومًا.\nقوله [وسقا] فيه دليل على ما (١) ذهب إليه الإمام من مقدار ما يجب على المظاهر، ولم يذكر مقدار الصدقات التي كانت في بني زريق، وإنما ذكر ما وجب عليه أداؤه منها وهو ستون صاعًا وهو الوسق.\nقوله [لا ولكنه إلخ] نفى لما فهموه (٢) من كلامه، والمعنى ليس كما أريتم أو لم يسلم كما زعمتم ولكنه إلخ. قوله [ردوه] أي هذا الكتابي المسلم عليهم لاويًا لسانه. قوله [إنك لزهيد] أي مقلل من الدنيا (٣).\nقوله [فبي خفف الله] لما علم من كلامه أنها تشق عليهم وتثقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>[سورة الحشر]</span>\n\nقوله [حرق رسول الله ﷺ إلخ] وإسناد الفعلين إليه ﷺ مجاز باعتبار تقريره، وآخر الأمر كما وردت الآية والرواية. قوله [فحك في صدورهم]\n_________\n(١) وهو ظاهر فإنه ﷺ أمره بإطعام الوسق ستين مسكينًا، والوسق ستون صاعًا، وتقدمت المذاهب في الكفارة في هامش (باب الظهار).\n(٢) فإنهم فهموا من كلامه أنه سلم كما قالوا بذلك، ومسلك الحنفية في باب السلام على أهل الذمة تقدم في بابه.\n(٣) وقال الرازي في التفسير الكبير: إنك قليل المال فقدرت حسب حالك، انتهى. وبسط في مصالح هذه الصدقة وحكمها.","vol":"4","page":292},{"text":"لما أن إجلاء اليهود لما كان تحقق عندهم حيث نزل القرآن به وأخبر النبي ﷺ، فكانت النخلات وغيرها من أثاثهم وما لهم من القليل والكثير للمسلمين، فلما أفسدوها فكأنهم أضاعوا أموال إخوانهم المسلمين، وإن (١) كان قطعنا هذا جائزًا لما أنها في الحال وإن كانت للمسلمين باعتبار المآل، فالوزر في التي تركناها على أصول ولم نقطعها ونحرقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>[سورة المممتحنة]</span>\n\nقوله [وما فعلت ذلك كفرًا وارتدادًا] وإنما كان على ثقة من أن الله ناصر عبده فلا يضر المسلمين إخباري الكفار عن بعض أمرهم مع أن بعض هذه الأمور التي هي واقعة هاهنا (٢) ليست بخلفية عليهم، ويعلم منه أن ارتكاب\n_________\n(١) توضيع كلام الشيخ أنهم لما قطعوا بعضها وتركوا بعضها حك ذلك في صدورهم باعتبار أن القطع إن كان فيه مصلحة الإغاظة فقانت في ترك بعضها، وإن كان البقاء فيه مصلحة منفعة المسلمين فقانت في قطع بعضها، ثم الجمهور على جواز ذلك للحاجة والمصلحة إذا تعينت طريقًا في نكاية العدو، قال الحافظ: وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلًا، وحملوا ما ورد من ذلك إما على غير المثمر، وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة نبي النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور، انتهى.\n(٢) فإن أخبار مسيرة ﷺ لم تكن خافية، غاية ما فيه أن يخفى جهة المسير، وكتاب حاطب على ما حكاه الواقدي لم يكن فيه إلا إخبار المسير، فقد ذكر الحافظ: روى الوقدي بسند مرسل أن حاطبًا كتب إلى سهيل ابن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد، وذكر بعض أهل المغازي أن لفظ الكتاب: أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، كذا حكاه السهيلي، انتهى.","vol":"4","page":293},{"text":"السيئة التي هو على يقين (١) من وقوعها حرام ومحظور شرعًا، ولا يعذر في ذلك بأنها كانت تقع لا محالة. قوله [اضرب عنق إلخ] ولما أراد النبي ﷺ أن يعفو عنه مع ما ثبت عليه من الجرم أراد عمر قتله واستأذن فيه، علم أن قتل التعزيز في أمثال هذه (٢) الجنايات ممكن، والنفاق المذكور في كلام عمر\n_________\n(١) كما تيقن حاطب أن بعض أموره ﷺ معلومة لهم لا محالة فلا يضره إخباره، ومع ذلك فقد عتب على ذلك.\n(٢) فقد حكى ابن عابدين عن (الصارم المسلول) أي من أصول الحنفية أن مال لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويسمونه القتل سياسة، وكان حاصله أن له أن يعزز بالقتل في الجرائم التي تعظمت بالتكرار وشرع القتل في جنسها، انتهى. وعد ابن عابدين في أمثلته قتل اللوطي والساحر والزنديق وغيرها، قلت: وكذا العين المسلم ممن لا قتل فيه عند الحنفية والجمهور، فيحمل إن ثبت القتل في موضع على السياسة، ففي البذل تحت حديث سلمة بن الأكوع في قتل عين من المشركين: قال النووي: فيه قتل الجاسوس الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين، وأما الجاسوس المسلم فقال الشافعي والاوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء: يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله، وقال مالك، يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد، وقال عياض: قال كبار أصحابه: يقتل، انتهى.","vol":"4","page":294},{"text":"نفاق العمل (١)، ولذلك لم يرد عليه النبي ﷺ قوله هذا ولم ينهه عنه.\nوله [لعل الله إلخ] إدخال (٢) لفظه الترجي عليه مع أن (٣) علم الله تعالى بحالهم واطلاعه على أفعالهم باعتبار المجموع، يعني لعل الله غفر لهم ذنوبهم كائنًا ما كانت، ثم إن المغفرة لما (٤) لم تكن نصًا في أنهم يغفر لهم في\n_________\n(١) ولا مانع من أنه حمله على النفاق الحقيقي أيضًا، فإن النفاق كان إذ ذاك شائعًا، واستبعد عمر وقوع مثل هذا الجرم عن المسلم، ولعل الشيخ وجه كلامه بالنفاق العملي لاستعظامه شأن عمر أن يحكم بالنفاق على بدري لفعل ممكن تأويله، وأيضًا فإن النبي ﷺ رد عليه إرادة القتل ولم ينكر عليه أنه كيف حكم عليه بالنفاق.\n(٢) وقال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع، وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم بلفظ: إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، هكذا في الفتح.\n(٣) يحذف خبره، أي متحقق وثابت، وقوله: باعتبار خبر لقوله: إدخال الترجي.\n(٤) وهو كذلك في حديث الباب، اسكن قال الحافظ: عند أحمد بإسناد على شرط مسلم من حديث جابر مرفوعًا: لن يدخل النار أحد شهد بدرًا، ثم قد استشكل قوله: اعملوا ما شئتم، فإن ظاهره أن للإباحة وهو خلاف عقد الشرع، وأجيب بأنه إخبار عن الماضي، أي كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ الماضي ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما =حسن الاستدلال به في قصة حاطب، لأنه ﷺ خاطب به عمر منكرًا عليه، والقصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، إلى آخر ما بسطه الحافظ، فالظاهر المغفرة في أول الأمر.","vol":"4","page":295},{"text":"أول الأمر أو بعد استيفاء أجزية المعاصي قليلها وكثيرها صار كله في حكم الرجاء غير مستيقن به.\nقوله [قال عمرو: وقد رأيت ابن أبي رافع] يعني به (١) أنه كان تابعيًا.\nقوله [أو لنجردنك] وتجريد المرأة جائز إذا كان غالب الظن أو اليقين حاكمًا بأنها حاملة كتاب ولا يكون إلى أخذها منها سبيل غير ذلك، وكذلك فيما يداينها من (٢) الضرورات والوقائع، ثم وقع في بعض الروايات أنها أخرجت الكتاب من عقاصها، وفي بعض أنها أخرجته من معقد إزارها (٣)، والجمع\n_________\n(١) ثم ما في النسخة الأحمدية من قوله: (كاتب العلى) تحريف من الناسخ، والصواب (كاتبًا لعلى) كما في المصرية وغيرها.\n(٢) ولذا بوب عليه البخاري في صحيحه (باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن) قال العيني: جواب إذا محذوف، تقديره يجوز للضرورة، وقوله: تجريدهن أي إذا اضطر أيضًا إلى تجريدهن من الثياب لأن المعصية تبيح حرمتها، ألا ترى أن عليًا والزبير أرادا كشف المرأة في هذه القصة، وقد أجمعوا أن المؤمنات والكافرات في تحريم الزنا بهن سواء، وكذلك في تحريم النظر إليهن، ولكن الضرورات تبيح المحظورات، انتهى.\n(٣) كما في الباب المتقدم للبخاري بلفظ: فأخرجت من حجزتها، قال الحافظ: الحجزة بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي: معقد الإزار والسراويل، ووقع في رواية القابسي من حزتها يحذف الجيم، قيل: هي لغة عامية، ووقع في باب الجاسوس من البخاري أنها أخرجته من عقاصها، وجمع بينهما بأنها أخرجته من حجزتها فأخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى إخراجه، أو بالعكس، أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون معها كتابان إلى طائفتين، أو المراد بالحجزة العقدة مطلقًا، وتكون رواية العقيصة أوضح من رواية الحجزة، أو المراد بالحجزة الحبل، انتهى.","vol":"4","page":296},{"text":"أنها كانت وضعته في إزارها فلما شددوا عليها وأخذوا يتفحصون ثيابها بمسها وجسها حق قالوا لها: لنجردنك، أخرجته وأدخلته في العقاص، ولما علمت واستيقنت أنهم ليسوا بتاركيها دون إيتاء الكتاب أخرجته من العقاص، فمن ذكر الأول اعتبر أول إخراجيها، ومن ذكر الثاني أخبر بالذي وقع الإيتاء متصلًا به.\nقوله [يمتحن] أي يعتبر (١) ويعلم ويتعرف إيمانهن فإنه أمر اعتقادي لا سبيل إلى العلم به إلا الاستعلام عما في قلبه، فإن أقر بهذه المذكورات فهو مؤمن حسب علمنا وحسابه على الله.\nقوله [ما هذا المعروف إلخ] وكان عامًا يشمل كل خير من الأمور، ولكنهن لما رأين ما قبله من الأمور خاصًا ظنن خصوصيتها وأن المراد\n_________\n(١) وعلى هذا فامتحانهن هو الإقرار بهذه المذكورات، ومعنى قوله: يعتبر أن يكون إيمانهن معتبرًا بهذا الإقرار، ولعل عائشة قالت بلفظ الحصر، لأن الروايات مختلفة في ذلك كما في كتب التفسير من الدر والبحر المحيط وغيرهما، منها ما روى عن قتادة قال: كانت محنتهن أن يحلفن بالله ما خرجن لنشوز ولا خرجن إلا حبًا للإسلام وحرصا عليه، وروى عن ابن عباس أيضًا وعنهما أيضًا ومجاهد وغيرهم: كانت تستخلف أنها ما هاجرت لبعض في زوجها ولا لجريرة جرتها ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة.","vol":"4","page":297},{"text":"بذلك لعله شيء واحد خاص، فأمرهن النبي ﷺ وفصله بأمر يناسبن (١)، فإن النساء لاسيما في العرب وفي عهد قريب بالجاهلية كن أشد ابتلاء بالنوحة على الأموات، ثم إن استثناء (٢) النبي ﷺ نوحة مرة لأم سلمة الأنصارية كان لعلمه بالقرائن أو الوحي أنها ليست بنائحة، وإنما هي تسثتنى خوفًا على نفسها من أن تنكث عهد الله الذي عهدت، ولأن ضرر الرد في الحال كان أشد من ضرر النوحة في المآل، فإنه ﵊ لما رآها راجعت مرتين خاف عليها أن تفسد دينها، فإن المواجهة والمقابلة بالنبي ﷺ بما هو حرام كانت أشد، والنوحة كانت مظنونة بعد، والرد حاضر متيقن، ومن هاهنا تستنبط مسألة وهي أن الضرر القليل محتمل توقيًا عن الضرر الكثير، وأن الضرر الموجود لا يحتمل توقيًا عن الضرر المحتمل المترقب الموهوم، فإن النوحة كانت متوقفة على موت أحد منهم، ولعله لا يموت قبلها، أو تقع بينهم خصام وشقاق، أو توفق هي بعد ذلك لعدم النوح، والضرر في مراجعته ﷺ كان موجودًا وقتئذ، ويتبنى على ذلك\n_________\n(١) يعني ذكر هذا الأمر لشدة احتياجهن إليه وليس بحصر في ذلك، فلا يشكل بما ورد في تفسيره غير النياحة كالمنع عن خلوة الرجال وغيرها، كما أخرج الروايات في ذلك السيوطي في الدر.\n(٢) وقد ورد الاستثناء لعدة نسوة، منها ما في الباب، ومنها أم عطية الأنصارية كما ذكرها البخاري في عدة روايات، ومنها خولة بنت حكيم كما ذكرها الحافظ برواية ابن مردوديه عن ابن عباس، وبسط الحافظ في الأجوبة عن هذا الاستثناء، منها ما أفاده الشيخ واختار هو أن النهي إذ ذاك كان بكراهة التنزيه، ثم وقع التحريم فورد حينئذ الوعيد الشديد، وقال: هذا أقرب الأجوبة.","vol":"4","page":298},{"text":"مسائل: منها أن المسلم إذا ادعى (١) على غلام لقيط أنه غلام وادعى ذمي أنه ابنه يثبت نسبه منه ولا يلتفت إلى دعوى المسلم، لأن ضرر انتفاء النسب ضرر موجود مفتقر إليه في الحال، والإسلام يكلف به حين يبلغ، فإذا كان حرًا فظاهره أنه يسلم، فإن المصنوعات دالة عليه، والعقل مرشد إليه.\nقوله [فلم أنح بعد قضائهن ولا غيره] هذان مفعولان للفعل المذكور، وهو متكلم من النحو هو القصد لا من النوحة المسوق لها الحديث، وبعد مبنى على الضم لحذف ما أضيف إليه وليس بمضاف إلى قضائهن، وما عطف عليه لفساد المعنى المراد، فإن المقصود أني لم أنح بعد العهد لا في قضائهن (٢) ولا في\n_________\n(١) ففي الهداية وفتح القدير: إن التقطه رجل لم يكن لغيره أن يأخذه منه لأنه ثبت حق الحفظ له لسبق يده، فإن ادعى مدع أنه ابنه فالقول قوله، (ويثبت نسبه منه بمجرد دعواه ولو كان ذميًا) ومعناه إذا لم يدع الملتقط نسبه، وهذا استحسان، والقياس أن لا يقبل قوله، لأنه يتضمن إبطال حق الملتقط، وجه الاستحسان أنه إقرار للصبي بما ينفعه، لأنه يتشرف بالنسب ويعير بعدمه، انتهى. وقال أيضًا: إذا كان الصبي في يد مسلم ونصراني، فقال النصراني: هو ابني، وقال المسلم: هو عبدي، فهو ابن النصراني وهو حر، لأن المسلم مرجح فيستدعى تعارضًا ولا تعارض، لأن نظر الصبي في هذا أوفر لأنه ينال شرف الحرية حالًا وشرف الإسلام مآلًا، إذ دلائل الوحدانية ظاهرة، وفي عكسه الحكم بالإسلام تبعًا وحرمانه عن الحرية لأنه ليس في وسعه اكتسابها، انتهى.\n(٢) ويؤيد ذلك ما في التيسير برواية الترمذي في هذا الحديث: فلم أنح بعد في قضائهن ولا في غيره حتى الساعة، وهو كذلك في نسخة مصرية للترمذي: وفي الأخرى المصري: ولم أنح بعد على أخائهن ولا غيره، وفي الدر برواية ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وغيرهم بلفظ: فلم أنح بعد، ولم يبق منا امرأة إلا وقد ناحت غيري، ثم استثنائها نفسها خاصة لعله باعتبار علمها وإلا فقد أخرج البخاري برواية أم عطية في مثل هذه القصة: فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة، أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سيرة امرأة معاذ، وامرأتين، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى، وبسط الحافظ في تفصيل هذه الخمسة وتعيينها، ولم يعد منها أم سلمة الأنصارية فهي سادسة.","vol":"4","page":299},{"text":"غيره، وأما إذا قيل: لم أنح بعد قضائهن بإضافة بعد إلى القضاء فمع ما يلزم عليه من إهمال المعنى يرده قولها بعد ذلك: ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري، فهذا يعين المراد أنها لم تنح، فالنسخة الصيحة: فلم أنح، أي أقصد قضاءهن ولا غيره، وبعد ظرف مبنى على الضم مقطوع عن الإضافة، أو يقال: فلم أنح، أي لم أبك في قضائهن ولا غيره، وأما إضافة بعد إلى القضاء فغير صحيحة أبدًا، فافهم وكن من الشاكرين وتدبر ولا تكن من الغافلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>[سورة الصف]</span>\n\nقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ﴾ إنما قدم (١) هذه الآية\n_________\n(١) يعني أصل الجواب عن مسئولهم وبغيتهم هو قوله عز اسمه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ الآية، وقد عليه غيره تمهيدًا لمصالح دعته، واختلف أهل التفسير في سبب نزول الآية كما بسطه أبو سعود وغيره، فقيل: إن المسلمين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فلما نزل الجهاد كرهوه فنزلت، وقيل: نزلت فيمن يتمدح كاذبًا حيث يقول: قتلت ولم يقتل، ويقول: طعنت ولم يطعن، وقيل غير ذلك.","vol":"4","page":300},{"text":"ليقبلوا على الآية المذكورة بعدها، والحكم المنزل بعدها لما كانت فيه مشقة نبهوا بذلك وحثوا على قبوله، لئلا يفتروا عما كانوا يطلبونه ويفتشونه ويسألون عنه، فيشمروا عن ساق الجد لقتال الأعداء، ولا يقعدوا عنه فشلًا وجبنًا وحبًا للأموال والأبناء، قوله [وقد خولف محمد بن كثير إلخ] حيث جعل الإسنادين (١) إسنادًا واحدًا، وأما الآخرون كابن المبارك فقد رووه إما عن عبد الله بن سلا أو عن أبي سلمة (٢).\n_________\n(١) يعني كان إسنادان بالشك والترديد بينهما، واقتصر محمد بن كثير على واحد منهما ولم يذكر سند هلال بن أبي ميمونة كما ذكره ابن المبارك.\n(٢) بياض طويل في الأصل بعد ذلك، ولم أنحصل غرض الشيخ، وحديث ابن المبارك أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ونصه هكذا: حدثنا عبد الله، ثنى أبي، ثنا يعمر، ثنا عبد الله بن المبارك، أنا الأوزاعي، ثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني هلال ابن أبي ميمونة، أن عطاء بن يسار حدثه، أن عبد الله بن سلام حدثه، أو قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سلام، قال: تذاكرنا بيننا فقلنا: أيكم يأتي رسول الله ﷺ فيسأله أي لأعمال أحب الله؟ الحديث. واكتفى الإمام أحمد على هذا السند ولم يخرج حديث محمد بن كثير، فظاهر ميل الترمذي ترجيح حديث ابن كثير إذ ذكر بعد ذلك متابعة الوليد بن مسلم لمحمد بن كثير، والظاهر أنه هو المرجح عند الجمهور إذ اقتصر عليه الدارمي في سنن والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ثم الحديث مشهور بالتسلسل بقراءة سورة الصف كما رويناه في مسلسلات شيخ مشايخنا الشاه ولى الله الدهلوي، وكذا رواه السيوطي في الدر المنثور مسلسلًا، ثم قال: أخرجه ابن المنذر مسلسلًا أيضًا. والبهقي في الشعب والسنن مسلسلًا، قال الحافظ: ابن حجر: هو من أصح مسلسل يروى في الدنيا قل أن وقع في المسلسلات مثله في مزيد علوه، انتهى. وقال السخاوي في فتح المغيث شرح ألفية الحديث: أصح المسلسلات مطلقًا المسلسل بسورة الصف، ثم المسلسل بالأولية، انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قد وقع لنا سماع هذه السورة مسلسلًا في حديث ذكر في أوله سبب نزولها وإسناده صحيح، قل أن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه، انتهى.","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>[سورة الجمعة]</span>\n\nقوله [تجارة أو لهوًا إلخ] يعني أن الأمور الدينية لا ينبغي أن يشتغل عنها. ويرغب في الأمور الدنيوية سواء كان مجرد حظ النفس أو فيها منفعة للمرأ في أمر معيشته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>[سورة المنافقين]</span>\n\nقوله [ابن سلول] بنصب الابن ويكبت الألف لأن سلول (١) اسم أمه. قوله [فحلفوا ما قالوا، فكذبني، إلخ] فعلم أن السبيل حين عدم الشهود للمدعي هو يمين المدعى عليه كائنًا ما كان صدوقًا أو كذوبًا، فإنهم كانوا معلومي النفاق ومع ذلك فلم يكن لهم غير أنهم صدقوا بأيمانهم.\nقوله [فكنا نبتدر الماء] مرة [والأعراب يسبقونا إليه] أخرى، أو المعنى كنا نسابقهم إليه لكنهم كانوا يسبقونا إليه، والأول هو الأولى لموافقة العادة ثم قوله [ويسبق الأعرابي إلخ] تصوير الماضي بصورة الحال وحكاية للحال\n_________\n(١) وإن لم يكتب الألف يوهم أن سلول اسم والد أبي أو أمه كما قالوا: لابد من كتابة الألف على ابن علية في قوله: إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، فإن لم يكتب الألف يوهم أن عليه التي هي زوجة إبراهيم أمه أو أبوه.","vol":"4","page":302},{"text":"الماضية. قوله [فأبى أن يدعه] أي أبي الأعرابي أن يدع الأنصاري ليفعل فعله الذي يريد، يعني أبي الأعرابي من أن يدعه أي يترك الأنصاري يشرب الماء، أو يترك جمله يشرب الماء، أو إسناد شرب الناقة إلى الأنصاري ففيه مجاز.\nقوله [أبشر] لدلالة فعله ﷺ على رضائه منه وأنه لم يسخط عليه.\nقوله [وفي غزوة تبوك] هذا سهو (١) من الراوي، ثم في تلك الأحاديث أسئلة (٢): أولاها أن المراد بالأذل في الروايات المهاجرون، وظاهر\n_________\n(١) وإليه مال المحشى إذ حكى عن شيخ المشايخ مولانا محمد إسحاق الدهاوي أن ما سيأتي في الحديث الآتي من غزوة بني المصطلق هو الصحيح، انتهى. وقال الحافظ في الفتح تحت حديث زيد بن أرقم (قال: كنت في غزاة، الحديث): وهذه الغزاة وقع في رواية محمد بن كعب عن زيد بن أرقم عند النسائي أنها غزوة تبوك، ويؤيده قوله في رواية زهير: في سفر أصاب الناس فيه شدة، وأخرج عبد بن حميد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير مرسلًا أن النبي ﷺ كان إذا نزل منزلًا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كان غزوة تبوك نزل منزلًا، فقال عبد الله بن أبي، فذكر القصة، والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلق، انتهى. ثم قال في حديث جابر (قال: كنا في غزاة، الحديث): سمى ابن إسحاق هذه الغزوة غزوة بني المصطلق، وكذا وقع عند الإسماعيلي عن سفيان، قال: يرون أن هذه الغزوة غزاة بني المصطلق، وكذا في مرسل عروة، انتهى.\n(٢) قلت: وأيَضًا فيه عدة مسائل أخر تظهر بمراجعة روايات هذه القصة: منها ما في هذه الروايات: فذكرت ذلك لعمي، وفي رواية التفسير للبخاري: فذكر ذلك لعمي أو لعمر بالشك، وعم زيد بن أرقم الحقيقي ثابت بن قيس لبس له صحبة، ووقع في سائر الروايات: لعمي بدون الشك، ووقع عند الطبراني وابن مردوديه أن المراد بعمه سعد بن عادة وليس عمه حقيقة، وإنما هو سيد قومه الخزرج، كذا قال الحافظ في الفتح. ومنها ما في ثاني الأحاديث قال زيد: وأنا ردف رسول الله ﷺ، وفي رواية الحاكم وكذا في الدر برواية جمهور المخرجين قال زيد: وأنا ردف عمي فسمعت، الحديث. ومنها ما في بعض الروايات أنه أخبر عمه، وفي بعضها أنه أخبر رسول الله ﷺ، وجمع بينها الحافظ ابن حجر بأنه لعله راسل أولًا بذلك على لسان عمه، ثم حضر هو بنفسه فأخبر، أو النسبة إليه مجاز أي أخبرته ﷺ على لسان عمى، انتهى. ومنها غير ذلك.","vol":"4","page":303},{"text":"الرواية (١) التالية أن المراد به النبي ﷺ، وثانيتها أن الروايات مختلفة في الوقت، الذي تلى فيه الآيات على زيد، ففي بعضها أنه تلاها عليه في سفر، وفي بعضها تلاوتها عليه في حضر، فليسأل! أما الجواب (٢) عن الأول فإن المهاجرين ليسوا بغير النبي ﷺ، فمن ذكرهم فقد ذكره، ومن ذكره فقد ذكرهم، والحاصل أن المراد هم كلهم سواء عبر (بهم) بصيغة الجمع أو (به) بصيغة الفرد (٣)، فإن مطمح النظر هو الذين وأصحابه الذين ليسوا من أهل المدينة، والجواب عن الثاني أن المراد بالبيت في الرواية إنما هو بيت وبر لا بيت مدر، أريد به\n_________\n(١) أي كما يدل عليه قول عبد الله لأبيه: والله لا تنقلب حتى تقر إلخ، وبذلك جزم الرازي في الكبير وصاحب المدارك وغيره، قال الرازي: يعني بالأعز نفسه. وبالأذل رسول الله ﷺ.\n(٢) كان هذا الكلام على الحاشية لعله ألحقه بعد السؤال.\n(٣) ضمير الجمع إلى المهاجرين، وضمير به المفرد إلى النبي ﷺ، والمعنى أن كلا التعبيرين سواء باعتبار المقصود، فإن ذكر المهاجرين فالمراد هم معه ﷺ، وإن ذكر النبي ﷺ فالمراد هو مع المهاجرين.","vol":"4","page":304},{"text":"ها هنا القباب والخيام لا بيت الإقامة والمقام.\nقوله [ما بال دعوى الجاهلية] أي لا ينبغي أن تدعوا بدعوى الجاهلية فيدعو كل امرئ بأصحابه، بل الواجب على كل منهما أن يحكم الله ورسوله فيما شجر بينهم، وأن يدعو المسلمين فيحكموا ما هو الإنصاف سواء كان لهم أو عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>[سورة التغابن]</span>\n\nقوله [هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله إلخ] والمراد (١) بها هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>[سورة التحريم]</span>\n\nقوله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ علة للجزاء أقيمت مقامه، والمعنى إن تتوبا إلى الله فقد وجبت عليكم التوبة لأنه قد صغت (٢) قلوبكما. قوله [فوا عجبًا لك\n_________\n(١) يعني المقصود من تمام الآية هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ الآية. كما هو نص رواية الحاكم ولفظها: فلما قدموا على رسول الله ﷺ رأوهم قد فقهوا فهموا أن يعاقبوا فأنزل الله ﷿، ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ الآية. وفي الدر برواية عبد بن حميد وابن مردوديه عن ابن عباس قال: كان الرجل يريد الهجرة فتحبسه امرأته وولده فيقول: أنا والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلن، فجمع الله بينهم في دار الهجرة، فأنزل الله وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾.\n(٢) وفي الجمل عن القرطبي: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبا ما كره النبي ﷺ من اجتناب جارية أو اجتناب العسل، انتهى. وقال البيضاوي: قوله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب من موافقة الرسول ﵊ يحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه، انتهى. وفي التفسير الكبير: جواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير كان خيرًا لكما، انتهى.","vol":"4","page":305},{"text":"يا ابن عباس] إنما تعجب لخفاء هذه المسألة (١) عليه، أو لكونه انتظر مدة كذا (٢) ولم يسأله، أو كما قال الزهري (٣)، قوله [وكان منزلي بالعوالي إلخ] وقد كان تزوج (٤)\n_________\n(١) وإليه مال الحافظ إذ قال: تعجب عمر من ابن عباس مع شهرته بعلم التفسير كيف خفى عليه هذا القدر مع شهرته وعظمته في نفس عمر، وتقديمه في العلم على غيره مع ما كان ابن عباس مشهورًا به من الحرص على طلب العلم ومداخلة كبار الصحابة وأمهات المؤمنين فيه، أو تعجب من حرصه على طلب فنون التفسير حتى معرفة المبهم، انتهى.\n(٢) ويؤيد ذلك ما في الفتح عن رواية الطيالسي: فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن أسألك عن حديث منذ سنة فتمنعني هيبتك أن أسألك، وفي رواية عبد بن حنين: فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ من أزواجه؟ قال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك، قال: لا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبرتك به، انتهى.\n(٣) كما في حديث الباب، وقال الحافظ: وقع في الكشاف كأنه كره ما سأله، قال الحافظ: وقد جزم بذلك الزهري في هذا الحديث كما أخرجه مسلم، واستبعد القرطبي ما فهم الزهري ولا بعد فيه، انتهى.\n(٤) فإن من زوجاته زينب بنت مظعون وهي والدة ولديه عبد الله وحفصة وهي من المهاجرات، ومن زوجاته جميلة بنت ثابت كان اسمها عاصية فسماها رسول الله ﷺ جميلة، تزوجها عمر سنة سبع فولدت له عاصم بن عمر، وهي التي أتى فيها الحديث في الموطأ وغيره أن عمر ركب إلى قباء فوجد ابنه عاصمًا يلعب، كذا في الإصابة. فالظاهر أنها هي الزوجة، وقصة هجره ﷺ كما في المجمع سنة تسع.","vol":"4","page":306},{"text":"في العوالي فكانت له زوجة هنا زوجة هنا.\nقوله [فضرب على الباب] بإضافة (على) إلى ضمير المتكلم، والباب مفعول، فالمعنى آذنني وناداني، أو بأن يكون المجرور هو الباب و(على) حرف جر. قوله [على رمل حصير] لما كان قد يطلق (١) الحصير على الغير المرمول أيضًا حسن إضافته إليه من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف. قوله [الله أكبر] كبر تعجبًا (٢) على ما اشتهر بينهم من الخبر الكاذب وتمكن منهم، وكان السبب في بكاء القوم خوف العذاب لغضب رسول الله ﷺ، أو خوف على أزواجه ورحمة عليهن فقد كانت فيما بينهم قرابات.\nقوله [استأنس] كأنه استأذن (٣) أن يجلس فيحدث. قوله [فعاتبه الله\n_________\n(١) قال الحافظ: بسكون الميم والمراد به النسج، تقول: رملت الحصير وأرملته: إذا نسجته، وحصير مرمول: أي منسوج، والمراد ها هنا أن سريره كان مرمولًا بما يرمل به الحصير، ووقع في رواية أخرى: على رمال سرير، ووقع في رواية: على حصير وقد أثر الحصير في جنبه، كأنه أطلق عليه حصيرًا تغليبًا، وقال الخطابي: رمال الحصير ضلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب، كأنه عنده اسم جمع، انتهى.\n(٢) قال الكرماني: لما ظن الأنصاري أن الاعتزال طلاق أو ناشئ عن طلاق فأخبر عمر بذلك جازمًا به، ولم يجد له عمر حقيقة كبر تعجبًا من ذلك، وقال الحافظ: يحتمل أن يكون كبر الله حامدًا له على ما أنعم به عليه من عدم وقوع الطلاق، انتهى.\n(٣) ولفظ البخاري: ثم قلت وأنا قائم استأنس: يا رسول الله لو رأيتني، الحديث. قال الحافظ: يحتمل أن يكون استفهامًا بطريق الاستئذان، ويحتمل أن يكون حالًا من القول المذكور بعده، وهو ظاهر سياق هذه الرواية، وجزم القرطبي بأنه استفهام فيكون أصله بهمزتين تسهل إحداهما، وقد تحذف تحفيفًا، ومعناه انبسط في الحديث، واستأذن في ذلك لقرينه الحال التي كان فيها لعلمه بأن بنته كانت السبب في ذلك، فخشى أن يلحقه هو شيء من المعتبة فبقي كالمنقبض عن الابتداء بالحديث حتى استأذن فيه، انتهى.","vol":"4","page":307},{"text":"في ذلك] فيه اختصار (١) إذ لم يكن نزول الكفارة فيه، وإنما نزلت آية التحريم فيما لم يذكره الراوي هاهنا، إذ قد أوفى النبي ﷺ بيمينه على متاركتهن شهرًا فكيف بالكفارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>[سورة ن والقلم </span>(٢)]\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>[سورة الحاقة]</span>\n\nقوله [في عصابه] أي من أصحابه. قوله [وسبعون سنة] المراد بذلك هو\n_________\n(١) كما يدل عليه سياق الروايات المفصلة، منها لفظ البخاري: فجلس النبي ﷺ وكان متكئًا فقال: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب، إن أولئك قوم قد عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: يا رسول الله استغفر لي، فاعتزل النبي ﷺ نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعًا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخل عليهن من شدة موجدته علهين حين عاتبه الله ﷿، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، الحديث في قصة التخيير.\n(٢) لم يذكر الشيخ في هذه السورة شيئًا لأن حديثها مكرر تقدم بهذا السند والمتن في أبواب القدر، وتقدمت هناك القصة التي أشار إليها الترمذي.","vol":"4","page":308},{"text":"التكثير فلا ينافي رواية خمسمائة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>[سورة سأل سائل </span>(٢)]\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>[سورة الجن]</span>\n\nقوله [ما قرأ (٣) رسول الله ﷺ على الجن] أي الوقعة التي ذكرت في\n_________\n(١) كما تقدمت الرواية بلفظ خمسمائة سنة في أول سورة الحديد، وما أفاده الشيخ من الجمع مال إليه غير واحد من الشراح، ففي البذل عن فتح الودود: إن قلت: قد جاء في بعض الأخبار أن بعد ما بينهما خمسمائة عام، قال الطيبي: المراد بالسبعين التكثير دون التحديد، ورد بأنه لا فائدة حينئذ لزيادة واحد أو اثنان، قلت: لعل التفاوت لتفاوت السائر، إذ لا يقاس سير الإنسان بسير الفرس، انتهى. وقال القارئ: قوله: إما واحدة أو اثنتان إلخ الشك من الراوي، كذا قيل، وللتنويع لاختلاف أما كن الصاعد والهاوي، وبهذا يظهر صحة ما قال الطيبي: المراد بالسبعون في الحديث التكثير لا التحديد، لما ورد من مسيرة خمسمائة عام، والتكثير هاهنا أبلغ، والمقام له أدعى، انتهى. ثم ما ذكر الترمذي من الكلام على هذا الحديث وكذا ما ذكر من الأثر الآتي بقوله: حدثنا يحيى بن موسى إلخ اختلفت فيه النسخ المصرية والهندية، فليتنبه.\n(٢) لم يتكل الشيخ على حديثها أيضًا لما أنه مكرر بسنده ومتنه، تقدم في (باب صفة شراب أهل النار).\n(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه برواية موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، بهذا السند عن ابن عباس، قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، الحديث. قال الحافظ: كذا اختصره البخاري ها هنا، وفي صفة الصلوة، وأخرجه أبو نعيم في المستخرج فزاد في أوله: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق إلى آخره، وهكذا أخرجه مسلم عن شيبان عن أبي عوانة بالسند الذي أخرجه به البخاري، فكأن البخاري حذف هذه اللفظة عمدًا، لأن ابن مسعود أثبت أن النبي ﷺ قرأ على الجن، فكان ذلك مقدمًا على نفي ابن عباس، وقد أشار إلى ذلك مسلم، فأخرج عقب حديث ابن عباس هذا حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: أتاني داعي الجن فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن، ويمكن الجمع بينهما بالتعدد (تقدم في حاشية باب الوضوء بالنبيذ أن قدومهم كان ست مرات) فإن الذين جاءوا أولًا كان سبب مجيئهم ما ذكر في الحديث من إرسال الشهب، وسبب مجيء الذين في قصة ابن مسعود أنهم جاءوا لقصد الإسلام وسماع القرآن والسؤال عن أحكام الدين، انتهى.","vol":"4","page":309},{"text":"القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ لم يكن فيها كلام له معهم ولا رآهم، وإنما سمعوا قراءته فأخبروا قومهم، فأخبر الله بذلك نبيه ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>[سورة المدثر]</span>\n\nقوله [الخبز من الدرمك] يعني أنه لم يبينوا فيه إلا ما يقارب الحق (١)، والجواب أنه الدرمك وهو التراب الناعم (٢) كأنها درمكة، ولا\n_________\n(١) وهذا على السياق الموجود من الترمذي، والسياقات في هذا الكلام مختلفة جدًا، ففي النسخة المصرية: فسكتوا هنية ثم قالوا: أخبزة يا أبا القاسم، الحديث. يعني بهمزة الاستفهام، وفي تيسير الوصول برواية الترمذي: فسكتوا هنيئة ثم قالوا: أخبرنا يا أبا القاسم، فقال: الخبز من الدرمك.\n(٢) قال المجد: الدرمك كجعفر دقيق الحوارى والتراب الناعم، انتهى. وقال القاري: في قصة سؤال ابن صياد عن تربة الجنة، فقال: درمكة بيضاء مسك خالص، وفي النهاية: الدرمكة الدقيق الحوارى، شبه تربة الجنة بها لبياضها ونعومتها، وبالمسك لطيبها، انتهى. ويقال: دقيق حوارى بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء، هو ما حور أي بيض من الطعام، انتهى. ثم لا يعارض الحديث ما تقدم في أبواب الجنة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إن ترابها الزعفران، لأن هذا كله تشبيهات له.","vol":"4","page":310},{"text":"يناسب السؤال والجواب (١) ما نقله في الحاشية (٢) عن المجمع: أنها خبزة أهل الجنة وطعامهم، فليسأل!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>[سورة القيامة]</span>\n\nقوله [فكان يحرك] إعادة وتكرير للأول لغاية الوضوح (٣).\n_________\n(١) هذا هو الأوجه، فإن ما حكاه المحشى عن المجمع لم يذكره صاحب المجمع في تفسير حديث الباب، بل هو تفسير لحديث آخر وهو ما روى عن أبي سعيد رفعه: تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة، الحديث عند الشيخين وغيرهما.\n(٢) ولفظها: خبزة بضم الخاء: الطلمة التي توضع في الملة، ويتكفأها بيديها أي يمليها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي، لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها، أي يجعل الأرض كالرغيف العظيم والطلمه ويكون طعامًا لأهل الجنة، انتهى. وأنت ترى أنها لا تطابق تربة الجنة ولا حديث الباب.\n(٣) لم أتحصل التعليل، ولا يبعد أنه أعاده لبيان تصويره، يعني وصف سفيان تحريكه ﷺ بوصف فعله، وحكى الحافظ عن رواية أبي عوانة قال ابن عباس: فأنا أحركهما كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، انتهى. والأوجه عندي أنه تفسير لقوله: يحرك به لسانه، لما أن تحريك الشفتين ليس في رواية سفيان، فقد أخرج البخاري برواية جرير عن موسى بن أبي عائشة بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبرئيل عليه بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، الحديث. قال الحافظ: اقتصر أبو عوانة على ذكر الشفتين، وكذلك إسرائيل، واقتصر سفيان على ذكر اللسان، والجميع مراد، إما لأن التحريكين متلازمان غالبًا، أو المراد يحرك فمه المشتمل على الشفتين واللسان، لكن لما كان اللسان هو الأصل في النطق اقتصر في الآية عليه، انتهى.","vol":"4","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>[سورة عبس]</span>\n\nقوله [يعرض عنه] لكونه أساء الأدب حيث لم يسأل عند الفراغ عن الكلام معه، وإنما عوتب ﷺ لتركه المتيقن بالمتوهم، وإنما فعل النبي ﷺ ذلك لما أن إسلامه كان أرجى عنده، ولا شك أنه (١) كان أعود بالفوائد على المسلمين. قوله [ويقول] أي النبي ﷺ. قوله [فيقول لا] أي لا بأس بما تقول، وكان ذلك القول من المشرك سبب رجاء إسلامه. قوله [لكل امرئ منهم إلخ] ويقال: إنهم يحشرون شاخصة (٢) أبصارهم إلى فوق، فلا يبصر بعضهم عورة بعض.\n_________\n(١) يعني أن إسلامه لو تحقق لكان أنفع للمسلمين باعتبار القوة والنصرة كما نفع إسلام عمر المستضعفين، واختلفت الروايات في اسم هذا المشرك المناجي كما في الأوجز.\n(٢) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ الآية.","vol":"4","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>[سورة المطففي </span>ن]\nقوله [وهو الران] بقلب الياء ألفًا على غير قياس، أو على لغة من يقلبها بها كما في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ أو أدخل اللام على الماضي بتأويل هذه اللفظة لكونه مذكورًا في الآية صريحًا ففسرها كما هي. قوله [يقومون في الرشح إلى أنصاف إلخ] أي بعضهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>[سورة إذا السماء انشقت]</span>\n\nقوله [من نوقش إلخ] ولا يرد عليه ما سألت عائشة لأن الهلاك مرتب على المناقشة، والمذكور في الآية هو الحساب اليسير فلا يصح السؤال، فأما أن يقال: إنها حملت المناقشة على مطلق السؤال والاستفسار، وكان له فردان: ما هو مذكور في الآية وهو الحساب اليسير الذي يترتب عليه أن ينقلب إلى أهله مسرورًا، والمذكور في الرواية وهو الذي رتب عليه الهلاك، لكنه ﷺ لما أبرزه بصورة المطلق اشتبه الأمر على عائشة فسألته، فأجاب بأن المناقشة في الحقيقة إنما هي الثاني دون الأول، وإنما الأول عرض، وبذلك يصح السؤال، والتوجيه الثاني أن يكون أصل الرواية (٢) من حوسب عذب كما هو مذكور فيما بعد، ولا يخفى\n_________\n(١) كما تقدم في (باب شأن الحساب والقصاص) مفصلًا، فإن الحديث مكرر بسنده ومتنه، وفسره الشيخ بذلك لما في المشكاة برواية مسلم عن المقداد رفعه: ندنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمهم العرق إلجامًا. وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه، انتهى.\n(٢) ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري في التفسير بثلاث طرق عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: ليس أحد يحاسب إلا هلك، قالت: قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداك، أليس يقول الله ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ الآية، قال: ذلك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك.","vol":"4","page":313},{"text":"ورود الشبهة عليه فسألته لذلك، فأجاب ﷺ بأن المحاسبة في الحقيقة إنما هي التي يبالغ ويستقصى فيها، وأما ما فيها استفسار وليس فيها شدة فإنما ذاك عرض، وليس يطلق عليه الحساب إلا مجازًا، ثم إن الراوي لما علم أن الهلاك إنما هو منوط بالمناقشة وضعها موضع الحساب، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>[سورة البروج]</span>\n\nقوله [أفضل منه] وقيل: أفضل الأيام يوم عرفة (١) فالفضل فيه جزئي. قوله [فأوحى الله إلخ] فيه حذف (٢)، أي وقعت فيهم معصية فأوحى\n_________\n(١) كما فصل في الأوجز، وتقدم شيء من ذلك في أبواب الجمعة.\n(٢) لم أجد الرواية المفصلة، ولعل ذلك توجيه للحديث من الشيخ لما في ظاهره من الإشكال بقوله عز اسمه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وغير ذلك من النصوص، ويمكن عندي أن يوجه الحديث بأن هذا النبي ﵇ لما أعجب بكثرة أمته وسكت على ذلك الأمة أيضًا فكأنهم اشتركوا في الإعجاب، ولذا ساء النبي ﷺ إعجابهم يوم حنين، كما ورد في الروايات المتعددة ذكرها السيوطي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية. ولذا كان النبي ﷺ يهمس بالدعاء الآتي ذكره، فإن قصة الهمس هذه كانت في حنين كما ورد في روايات عديدة، منها ما في مسند أحمد بسنده إلى صهيب قال: كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه أيام حنين بشيء لم يكن يفعله قبل ذلك، قال: فقال النبي ﷺ: إن نبيًا كان فيمن كان قبلكم أعجبته أمته فقال: أن يروم هؤلاء شيء، فأوحى الله إليه أن خيرهم بين إحدى ثلاث: إما أن أسلط عليهم عدوًا من غيرهم فيستيحهم، أو الجوع، أو الموت، قال: فقالوا: أما القتل أو الجوع فلا طاقة لنا به ولكن الموت، قال رسول الله ﷺ: فمات في ثلاث سبعون ألفًا، قال فقال: فأنا أقول الآن: اللهم بك أحاول، وبك أصول، وبك أقاتل، وبطريق آخر قال: كان إذا صلى همس شيئًا لا نفهمه ولا يحدثنا به، قال: فقال رسول الله ﷺ: فطنتم لي؟ قال قائل: نعم، قال: فإني ذكرت نبيًا من الأنبياء أعطى جنودًا من قومه، فقال: من يكافئ لهؤلاء، أو من يقوم لهؤلاء، أو كلمة شبيهة بهذه، قال: فأوحى الله إليه، الحديث. وفي آخره: فهمسي الذي ترون أني أقول: اللهم يا رب، بك أقاتل، وبك أصاول، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبطريق آخر: إن رسول الله ﷺ كان أيام حنين يحرك شفتيه بعد صلاة الفجر بشيء لم نكن نراه يفعله، فقلنا: يا رسول الله، إنا نراك تفعل شيئًا لم تكن تفعله، فما هذا الذي تحرك شفتيك؟ قال: إن نبيًا فيمن كان قبلكم أعجبته كثرة أمته فقال: أن يروم هؤلاء شيء فأوحى الله إليه، الحديث. وفي آخره: قال رسول الله ﷺ: فأنا أقول الآن حيث رأى كثرتهم: الله بك أحاول، وبك أصاول، وبك أقاتل، وغير ذلك من الروايات، فعلم أنه ﷺ تذكر قصة هذا النبي ﵇ لما وقع لمثل هذه القصة للمسلمين أيضًا يوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم، ولذا وقع لهم نوع من الهزيمة أولًا، لكن سيد الرسل لما استعان بحوله وقوته عز اسمه ووكل الأمر إليه تعالى كما تقدم في الدعاء الذي همس به عادت الهزيمة إلى الفتح.","vol":"4","page":314},{"text":"الله إلخ، فلما كان كذلك كانوا كأنهم أصابتهم عين، فكان النبي ﷺ إذا رأى طوائف أمته وكان اجتماعهم في العصر (١) فوقه في سائر الصلوات دعا لهم بالبركة، وألا تصيبهم عين (٢) فكان ذاك همسه، ولما ناسب هذه القصة المذكورة القصة الآتية في كون كل منهما مشتملة على ازدحام جماعات المسلمين وتوفرهم دفعة وأخذهم في الانتقاص كذلك كان يردفها بالتي تليها. قوله [من يقوم لهؤلاء] أي من ينوبني (٣) فيهم حتى لا يعدلوا عن الطريق.\nقوله [ولا يكون فيكم من يعلمه] من العلم (٤) أو التعليم. قوله [أحسب أن إلخ] يعني (٥) أنهم لم يكونوا فسدوا كما فسدوا في زماننا هذا، أو كفسادهم\n_________\n(١) كما في حديث الباب، وهكذا ذكره السيوطي في الدر، ووقع بعد الفجر كما في روايات أحمد، وأخرج ابن السنى الحديث مختصرًا فيما يقول في دبر صلاة الصبح، ولا مانع من الجمع، فإن الاجتماع لا سيما في الغزوات يكون في الصبح أكثر مع أن هذين الصلاتين وقتا اجتماع الملائكة.\n(٢) وأيضًا لا يهلكون بإعجابهم كما هلك أمة نبي تذكر قصته.\n(٣) أو من يستطيع أن يبارزهم لكثرتهم كما يدل عليه ما تقدم من لفظ أحمد: لن يروم هؤلاء بشيء، وعلى هذا فمعنى قوله: من يقوم أي مبارزًا لهم، وأما على ما أفاده الشيخ فيكون من قولهم: قام بالأمر وأقامه حفظه ولم يضيعه.\n(٤) وبسط الدميري القصة في لفظ الدابة، وحكى عن ابن بشكوال كان اسم الملك يوسف ذانواس واسم الراهب فيتمون.\n(٥) يعني أن المراد بالإسلام كونهم على دينهم وعد فسادهم، واحتاج إلى ذلك لما أن الإسلام المعروف بمعنى دين محمد لم يشرع بعد، وفي المعالم روى عطاء عن ابن عباس قال: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذوانواس بن شراجيل في الفترة قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه قد سلمه إلى معلم يعلمه السحر، فكره ذلك العلام ولم يجد بدًا من طاعة أبيه، فجعل يختلف إلى المعلم وكان في طريقه راهب جن للقراءة حسن الصوت فأعجبه ذلك، وذكر قريبًا من معنى صهيب، انتهى.","vol":"4","page":316},{"text":"في وقته ﷺ، قوله [فقل عند أهلي] إما أن يكون كذبًا (١) ولا ضير فيه إذا لم يكن متضمنًا للفساد (٢) لا سيما وفيه ذنب عن دينه، أو هو توزية كان أهل الرجل من يستأنس به ويركن إليه، وكذلك الكاهن غلب فيمن يخبر عن الغيب فقد أخبر الراهب بكتابه عما هو غيب. قوله [فسمع به أعمى] ويقال: كان وزيرًا للملك (٣).\nقوله [فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني إلخ] وقد ورد في غير هذه الرواية أنه أمر الملك (٤) أن يجمع أهل مملكته خاصهم وعامهم في صعيد ثم\n_________\n(١) وبه جزم النووي إذ قال: فيه جواز الكذب في الحرب ونحوها، وفي إنقاذ النفس من الهلاك سواء نفسه أو نفس غيره ممن له حرمة، انتهى.\n(٢) وكانت فيه مصلحة دينية.\n(٣) ولفظ حديث مسلم والمعالم: فسمع جليس للملك كان قد عمى، وفي الدر برواية ابن مردويه وغيره عن صهيب بلفظ، وكان جليس الملك قد عمى فسمع به.\n(٤) كما في مسلم بلفظ: فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، الحديث. وفي المعالم برواية عطاء= =المذكورة: قال الغلام: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول لك، قال: فكيف أقتلك؟ قال: تجميع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم باسم إلهي، الحديث.","vol":"4","page":317},{"text":"يصلب الغلام بمرأى عين منهم، ويقول عند الرمي: بسم الله رب هذا الغلام، وإنما تسبب الغلام بذلك إلى هدايتهم فإنهم لما يرونه كذلك ويسمعون القصة فلا يشك في إسلامهم إذًا، ففعل الملك، فلما رماه أصاب السهم صدغه، فوضع ثم أصبعه للألم. قوله [لقد علم هذا الغلام] وهذا من دأب العوام ودائهم القديم أنهم يعدون من يظهر الخوارق مقبولًا عند الله تعالى مع أن الأمر ليس كذلك وإن تضمن مصلحة ورشادًا فيما نحن فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>[سورة الضحى]</span>\n\nقوله [فدميت أصبعه] من الرجل، وكان ذلك (١) في غزوة غزاها.\n_________\n(١) قال القاري في شرح الشمائل: ولفظ البخاري في صحيحه: كان في بعض المشاهد فدميت أصبعه، قال الكرماني: قيل: كان ذلك في غزوة أحد، وفي صحيح مسلم: كان النبي ﷺ في غار فدميت، قال القاضي عياض: قال الباجي: لعله (غازيًا) فتصحف، كما في الرواية الأخرى: في بعض المشاهد، وكما في رواية للبخاري: بينما النبي ﷺ يمشي إذ أصابه حجر فدميت أصبعه، قال القاضي عياض: وقد يراد بالغار الجيش والجمع لا الغار الذي هو الكهف ليوافق رواية بعض المشاهد، وقال السقلاني: في رواية شعبة عند الطيالسي: خرج إلى الصلاة، قال القاري: أما القول بالتصحيف فلا يخلو عن نوع من التحريف فإنه لا يصح لفظًا ولا معنى، ومثل هذا الطعن لا يجوز في حديث مسلم، ورواية البخاري: بينما يمشي، لا تنافي كونه أولًا في الغار، وكذا رواية: خرج إلى الصلاة، فالتحقيق أنه كان في غار من جبل أحد أو كهف في بعض أماكنه يحترس فيه من الأعداء، على أنه لا مانع من الحمل على تعدد الواقعة وهو لا شك أنه أحسن من الطعن في الرواية الصحيحة، انتهى مختصرًا. قلت: ومال بعضهم إلى أن الوقعة كانت قبل الهجرة كما في المناوي، ولعلهم احتاجوا إلى ذلك لأن سورة الضحى مكية، وظاهر الحديث نزولها بعد هذه القصة، لكن قال الحافظ في الفتح: إن نزول هذه السورة كان في أوائل البعثة وجندب لم يصحب النبي ﷺ إلا متأخرًا، كما حكاه البغوي في معجم الصحابة عن الإمام أحمد، فعلى هذا هما قضيتان حكاهما جندب، أحدهما مرسلة لم يحضرها، فروايته لها من مراسيل الصحابة، والأخرى موصولة شهدها كما ذكر أنه كان مع النبي ﷺ، ولا يلزم من عطف إحداهما على الأخرى في رواية سفيان اتحادهما، انتهى.","vol":"4","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>[سورة ألم نشرح]</span>\n\nقوله [بين النائم واليقظان] أي بين الحالتين اللتين تردان على في نومي وفي يقظتي، أي لم أكن كما كنت أكون نائمًا ولا كما كنت أكون يقظان، بل بين هذين، أو المعنى كنت نائمًا حسب ما أنام وكنت بين نومي الثقيل بين النائم منكم واليقظان، والفرق أن في الأول تململًا بين الرقاد والسهاد، والثاني نوم على حسب عادته المستمرة ﷺ. قوله [أحد بين الثلاثة] ثم حذفت القصة (١)، والفاء للتعقيب على ما هو غير مذكور هاهنا، إذ لم يثبت شق\n_________\n(١) لم أتحصل كلام الشيخ حق التحصيل، والظاهر أنه وقع فيه اختصار مخل، إذ نفى فيه أولًا شق الصدر في الكعبة ثم أثبته في ليلة الإسراء، وهما قولان للسلف، من نفى الأول لم يثبت الثاني، ومن نفى الثاني نفي الأول أيضًا، وتوضيح ذلك أن هاهنا قصتين: الأولى حذف الحديث من الأول وهو صحيح كما سيأتي من الرواية المفصلة عن باب التوحيد من البخاري، والثانية قصة شق الصدر وهي مختلفة عند السلف هل وقع في الإسراء أم لا، وما وقع في حديث شريك عند الشيخين وغيرهما، وتكلم على حديثه جماعة منهم ابن حزم والقاضي عياض وغيرهما، قال القاضي في شرح الشفاء: فقد ذكر أي شريك في أول مجيء الملك، وشق بطنه، وغسله بماء زمزم، وهذا كله إنما كان وهو صبي، انتهى. وقال الحافظ في مبدأ الصلاة. رجع عياض أن شق الصدر كان وهو صغير عند مرضعته حليمة، وتعقبه السبيلي بأن ذلك وقع مرتين، وهو الصواب، انتهى. ثم قال في باب المعراج: قد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، =ولا إنكار لذلك، فقد تواردت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل منها حكمة. فالأول =وقع فيه من الزيادة عند مسلم من حديث أنس: فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعثة زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكل الأحوال من التطبير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة، قال القرطبي في المفهم: لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء لأن رواته ثقات مشاهير.","vol":"4","page":319},{"text":"الصدر في الكعبة، وإنما هو في صغره في بني سعد، وعلى الحرام، وفي ليلة الإسراء، والرواية الموردة هاهنا محمولة على أنه ﵎ أمر الملائكة لينزلوا فيعرفوه، فسمع ﷺ كلامهم، ومعناه مطلوبكم وصاحبكم هو الذي (١) بين اثنين، ثم\n_________\n(١) قال الحافظ: وقد جاء أنه ﷺ كان نائمًا معه حينئذٍ حمزة بن عبد المطلب عمه وجعفر بن أبي طالب ابن عمه، انتهى.","vol":"4","page":320},{"text":"مضوا (١) لسبيلهم، فلما كان بعد ذلك بكثير أسرى بي فأتيت بطست من ذهب، إلى آخر ما قال.\n_________\n(١) يعني لم تكن تلك الليلة ليلة المعراج وإذا عرجت الملائكة في تلك الليلة، ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه برواية شريك عن أنس يقول: ليلة أسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحي إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرئيل فشق ما بين نحره إلى لبته، الحديث بطوله، قال الحافظ: قوله: جاء ثلاثة نفر لم أقف على تسميتهم صريحًا لكنهم من الملائكة وأخلق بهم أن يكونوا من ذكر في حديث جابر المذكور في كتاب الاعتصام بلفظ: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة وقلبه يقظان، الحديث. ثم وجدت التصريح بالتسمية في رواية ميمون عن أنس عند الطبراني، ولفظه: أتاه جبرئيل وميكائيل فقالا: أيهم هو؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقالا: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاءوا وهم ثلاثة فألقوه فقلبوه لظهره، وقوله: قبل أن يوحى إليه أنكرها الخطابي وابن حزم وعبد الحق، وقال النووي: وقع في رواية شريك هذه أوهام أنكرها العلماء: أحدها قوله: قبل أن يوحى إليه، وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن فرض الصلاة كانت ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي، انتهى. وقوله: (كانت تلك الليلة) الضمير المستتر في (كانت) محذوف، والتقدير فكانت القصة الواقعة تلك الليلة، (فلم يرهم) بعد ذلك (حتى أتوه ليلة أخرى) ولم يعين المدة التي كانت بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحى إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون المدة ليلة واحدة أو ليالي أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة، ويسقط تشنيع الخطابي وغيره أن شريكًا خالف الإجماع، وما ذكره بعض الشراح أنه كان بين الليلتين سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: ثلاثة عشر، فيحمل على إرادة السنين لا كما فهمه الشارح المذكور أنه ليالي، وبذلك جزم ابن القيم في هذا الحديث نفسه، انتهى. قلت: وبذلك وضح مراد الشيخ بقوله: فلما كان بعد ذلك بكثير أسرى بي.","vol":"4","page":321},{"text":"قوله [من قرأ سورة والتين إلخ] أي في النافلة (١) أو خارجها، إذ لم يثبت هذا الجواب في الفريضة.\n_________\n(١) يعني هذه الأجوبة بعد السور محمولة عند الجمهور على النوافل، أو على خارج الصلاة لا المكتوبة، بخلاف الإمام الشافعي إذ قال بعمومها في المكتوبة وغيرها، ففي المرقاة: قال المظهر: عند الشافعي يجوز مثل هذه الأشياء في الصلاة وغيرها، وعند أبي حنيفة لا يجوز إلا في غيرها، قال التوربشتي: وكذا عند مالك يجوز في النوافل، انتهى. قلت: والمراد بغيرها غير المكتوبة، إذ يجوز عند الحنفية في النوافل كما جزم بذلك عامة الشراح، وهو مختار الإمام أحمد كما أشار إليه أبو داود، إذ حكى عنه بعد ما أخرج في السنن حديث: كان إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: سبحانك فبلى، قال أحمد: يعجبني في الفريضة أن يدعو بما في القرآن، انتهى. وحكى عنه ابن قدامة في المغني ألا يقولها في الصلاة، قلت: وعلله في هامش (إعلاه السنن (بأن هذه الأحاديث ليست بنصة في الصلاة، بل محتملة لداخلها وخارجها، =والاحتمال يبطل الاستدلال، والأصل تجريد القراءة عن غير القرآن في الصلاة، فلا يتحول عنه إلا بدليل، ولو عمل به أحد في الصلاة لا تفسد، انتهى.","vol":"4","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>[سورة القدر]</span>\n\nقوله [سودت وجوه المؤمنين] الذين كانوا معك لأنهم يعابون بترك النصرة حتى اضطررت إلى البيعة، وليس هذا كلامًا فيه منقصة له ﵇، وإنما نسبوا السواد إلى أنفسهم، وقال ذلك محبة له وشفقة. قوله [فإن النبي ﷺ أرى (١) إلخ] يعني أنه كان من الأمور المقدرة لا محالة، وقد أثابنا الله خيرًا من\n_________\n(١) ذكر في الحاشية: قد جاء في متن الحديث أن مدة ولاية بني أمية كانت على رأس ثلاثين سنة من وفاة النبي ﷺ وهو في آخر سنة أربعين من الهجرة، وكان انقضاء دولتهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون ذلك اثنين وتسعين سنة، ويسقط منها مدة خلافة عبد الله بن الزبير وهي ثماني سنين وثمانية أشهر، فبقى ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، وهي ألف شهر، انتهى. قلت: وهو كذلك، فإنه ﷺ قال: الخلافة بعدي ثلاثون، وهي على ما قالت العلماء لم يكن فيها إلا الخلفاء الراشدون وأيام الحسن كما في تاريخ الخلفاء، وانقرض دولة بني أمية في زمان مروان الحمار لخروج بني العباس عليهم، وأول خلفائهم السفاح. بويع له في ثالث ربيع الأول سنة ١٣٢ هجرية، قتل مروان الحمار في ذي الحجة.","vol":"4","page":323},{"text":"الولاية في هذه المدة، وإنما ساءه ﷺ رؤيتهم على المنبر لما علم أنهم لا يقومون بأحكام الشريعة ولا يكاد ينتظم بهم أمور الخليقة، ثم إن ليلة القدر لما كان فيها من الأجر ما يساوي زمان ولا يتهم ينجبر بها ما يعتري المسلمين من المفاسد في اكتساب الحسنات والعوارض المانعة عنها بقيامهم فيها، وانجبار الولاة بها ظاهر فإنهم أوتوا بالحظوظ الدنيوية حظًا وافرًا من النعم الأخروية بطاعتهم فيها.\nقوله [فنزلت إنا أعطيناك الكوثر] كان (١) ذلك أيضًا لجبر ذلك الكسر، وإيراده في ليلة القدر مجرد اتفاق واستطراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>[سورة لم يكن]</span>\n\nقوله [ذاك إبراهيم] إنما قال ذاك تواضعًا وليس بكذب بفضيلة فيه عليه ولو جزئية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>[سورة ألهاكم التكاثر </span>(٢)]\nقوله [ما زلنا نشك في عذاب القبر] لأنه ﷺ لم يكن قال فيه شيئًا، وإنما كانوا يسمعونه من أهل الكتاب ولا يدرون هل هو من محرفاتهم أم لا، فلما نزلت هذه السورة علمنا أنه حق، لقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لدلالته على القرب، ولو حمل على يوم القيامة لكان قوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تأكيدًا\n_________\n(١) واختلف في كونها مكية أو مدنية، وهذا الحديث مؤيد للثاني، قال الخازن: هي مكية، قاله ابن عباس والجمهور، وقيل: مدنية، قاله الحسن وعكرمة وقتادة، انتهى. وحديث الباب أخرجه الترمذي وضعفه، وابن جرير والطبراني وابن مردوديه والبيهقي في الدلائل، قاله السيوطي في الدر، واختلف أهل الرجال في أن يوسف بن سعد ويوسف بن مازن اثنان أو واحد، كما بسطه الحافظ في تهذيبه.\n(٢) وتقدم الكلام على الحديث الأول في أبواب الزهد فإنه مكرر بسنده ومتنه.","vol":"4","page":324},{"text":"مع أن التأسيس (١) أولى منه، أو المراد بالشك لازمه وهو اللهو والغفلة، والمعنى أنا لم تزل في الغفلات والقسوات إلى أن آل الأمر إلى إنزاله ﵎ في لهونا وسهونا هذه الآية. قوله [إما أنه] أي النعيم الذي تعدونه نعيمًا (٢)، أو السؤال كائن لا محالة فإن هذين من النعيم أيضًا كما صرح به في الرواية الآتية.\nقوله [ونرويك من الماء] بالعطف على (لم) لا على مدخوله (٣) لئلا ينقلب إلى الماضي فتفوت دلالته على التجدد، والاحتياج إلى شيء منه مغاير لما سبق شربه بخلاف الصحة، فإن الاحتياج فيها إنما هو في بقائها أو استرداد زائلها إذا فاتت، وأما الماء البارد فلا غناء عنه بحصوله مرة.\n_________\n(١) ويؤيد ذلك الروايات العديدة المرفوعة الصريحة في ذلك، بسطها السيوطي في الدر، منها ما ذكره برواية ابن مردويه عن عياض بن غنم أنه سمع رسول الله ﷺ تلا قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يقول: لو دخلتم القبور ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لو قد خرجتم من قبوركم، الحديث.\n(٢) يعني يبسط لكم الدنيا ويكون لكم فيها من النعيم ما تعدونه أيضًا نعيمًا، وبهذين الوجهين معًا فسر الحديث المحشى، والمراد بالرواية الآتية في قول الشيخ ما سيأتي من قوله: ونرويك من الماء البارد، وأوضح منه ما في الدر برواية أحمد والنسائي وغيرهما عن جابر، قال: جاءنا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطبًا وسقيناهم ماء، فقال رسول الله ﷺ: هذا من النعيم الذي تسألون عنه، انتهى.\n(٣) ويؤيده وجود الياء في النسخ الهندية والمصرية، وضبطه صاحب المجمع بحذفها عطفًا على المجزوم.","vol":"4","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>[سورة الكوثر]</span>\n\nقوله [ثم رفعت لي] أي ترقبت (١) فتراءت لي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>[سورة الفتح </span>(٢)]\nقوله [أتسأله] إما أن يكون غبطة على ما أوتي، أو تذكيرًا لما فات عمر، وتركه عمر (٣) من تنزيل الناس منازلهم، فأراد أن ينبه عليه أو يعلم النكتة في اختياره ذلك، وكان عبد الرحمن بن عوف قرأ على ابن عباس (٤)\n_________\n(١) وبذلك جزم الحافظ إذ فسر حديث المعراج عن أنس البخاري بلفظ: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، إذ قال: كدا للأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء، بضمير المتكلم بعده حرف جر، وللكشميهني (رفعت) بفتح العين وسكون التاء، أي السدرة لي باللام، أي لأجلي، ويجمع بين الروايتين بأن المراد أنه رفع إليها، أي ارتقى به وظهرت له، والرفع إلى الشيء يطلق على التقريب منه، انتهى.\n(٢) ()\n(٣) عطف على قوله (فات) ومن في قوله: من تنزيل الناس بيان لما، أي تذكير لعمر ما فات علنه، وتركه عمر وهو تنزيل الناس منازلهم.\n(٤) لم أجده في كتب الرجال، بل أجد فيها أنهم عدوا ابن عباس في الآخذين عن عبد الرحمن بن عوف كما صرحوا به في ترجمتها معًا، فليسأل ثم أفادني المولوي محمد صديق رئيس المدرسين بمدرسة معين الإسلام في قرية نوح من مضافات موات أن رواية أخذ عبد الرحمن بن عوف عن ابن عباس موجودة في البخاري في (باب رجم الحبلى) ص ١٠٠٩، انتهى. قلت: وهو كذلك: ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين منهم عبد الرحمن ابن عوف، الحديث. جزاء الله عنى خير الجزاء.","vol":"4","page":326},{"text":"شيئًا من القرآن، فأشار إليه عمر في الجواب، حيث قال: إنه من حيث تعلم (١). أي تقديمي إياه للسبب الذي ليس بخاف عليك. قوله [إنما هو أجل رسول الله ﷺ] لأن أمر التبليغ لما كمل، وحصل ما كان أرسل له، وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فاشرع يا محمد في التأهب إلينا، واستغفار ما لعله فرط منك، والتسبيح لله الحي القيوم الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، فإن النبي ﷺ إنما وطنه الأصلي هي الدار العالية، وإنما كان فينا غريبًا أتى يقضي حاجة، كما أشار إليه بقول: أنا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح، فلما أدى ﷺ ما عليه وقضى، ودع رفقاء طريقه ومضى، وقال: اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى. قوله [صعد] بتشديد العين (٢) للمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>[سورة المعوذتين]</span>\n\nقوله [هذا هو الغاسق] ليس للحصر، بل المراد أن هذا هو الذي ذكر في الآية، والمراد بالإشارة إلى القمر (٣) هو ما بعد غروبه وانتشار الظلمة.\n_________\n(١) والظاهر عندي في معناه أن فضله معلوم لك أيضًا لا يخفى عليك، والحديث بهذا اللفظ أخرجه البخاري في التفسير، قال الحافظ: وفي غزوة الفتح بهذا الوجه بلفظ: إنه ممن علمتم، وفي رواية شعبة: إنه من حيث تعلم، وأشار بذلك إلى قرابته من النبي ﷺ أو إلى معرفته وفطنته.\n(٢) كما ضبطه بالإعراب في الأصل الذي بأيدينا من النسخة الأحمدية.\n(٣) اختلفوا في تفسير الآية على أقوال عديدة بلغها الرازي في التفسير الكبير إلى خمسة: منها أن الغاسق إذا وقت هو القمر، قال ابن قتيبة: الغاسق القمر، سمى به لأنه يكسف فيغسق، أي يذهب ضوءه ويسود، ووقوبه دخوله في ذلك الاسوداد، ثم ذكر حديث الباب، ثم قال: وقال ابن قتيبة: ومعنى قوله: تعوذي بالله من شره إذا وقب، أي إذا دخل في الكسوف، وقال الخازن: معنى قوله: وقب دخل في الخسوف، أو أخذ في الغيوبة، وقيل: إذا وقب دخل في المحاق وهو آخر الشهر، وذلك الوقت يتم السحر المورث للتمريض، وهو المناسب بسبب النزول، ورجحه الرازي في التفسير، وقال: ولذلك السحرة إنما يشتغلون بالسحر المورث للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول السورة، فإنها نزلت لأجل أنهم سحروا النبي ﷺ لأجل التمريض، انتهى.","vol":"4","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>[باب]</span>\n\nأورد بابين، بين في الأول منهما ذكر ذاته ويده خلقه، وفي الثاني بعض صفاته، أي شدته على ما سواه، لما أن سورة الناس اشتملتهم مكررًا كما هو ظاهر، واختتمت السورة بذكر الناس أيضًا، فناسب ذكر بعض أحواله بعد ذلك بهذه المناسبة، والله أعلم. قوله [اخترت يمين ربي] لما فيها من اليمن والبركة فيما بيننا وإن كانت كلتاهما يمينًا وبركة فيه ﵎، ولعل (١) في اليد\n_________\n(١) وإليه يشير كلام القاري إذ قال في جملة ما بسط الكلام عليه: وأقرب ما قيل في هذا المقام من التأويل أنه أراد باليدين صفتي الجمال والجلال، وأن الجمال هو اليمين المطلق، وإن كان اليمين في الجلال أيضًا، ثم قال بعد بسط الكلام. وقال ابن الفورك في حديث آخر نحوه: إن ذاك كان من ملك أمره الله ﷿ يجمع أجزاء الطين من جملة الأرض، أمره بخلطها بيديه فخرج كل طيب بيمينه، وكل خبيث بشماله، فيكون =اليمين والشمال (كذا في الأصل)، فأضاف إلى الله تعالى من حيث كان عن أمره، وجعل كون بعضهم في يمين الملك علامة لأهل الخبر منهم، وكون بعضهم في شماله علامة لأهل الشر منهم، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، انتهى.","vol":"4","page":328},{"text":"الأخرى الكفار والمنافقون، فبسط اليمين أولًا وأراه المسلمين من ذريته كما بسطت القصة، ثم أراه الكفار منها ببسط اليد الأخرى وفتحها، ولا يخفى أن الذي ورد فيه من أن عمر داود ﵇ كان أربعين سنة، ثم آتاه آدم من عمره ستين مخالف لما سبق (١) في الروايات أن عمره كان ستين فآتاه آدم من عنده أربعين سنة، ويجمع بأن عمره كان أربعين فآباه آدم عشرين فصارت ستين، فسأل آدم ربه ﵎ من تمام عمره، بعد أن يحتسب ما آتاه آدم، فلما سمعه ستين زاد ثانيًا من عنده أربعين، وكذلك إذا حضرت وفاة آدم ذكره الملك ما آتاه ابنه داود من عمره، فحيث ذكره إعطاء ستين ذكره مجموع عطائه، وحيث ذكره أربعين ذكره ما آتى آخرًا، والأمر فيه سهل بعد التأمل الصادق، والله أعلم.\n_________\n(١) أي في آخر تفسير سورة الأعراف، وما أفاده الشيخ من الجمع هو الملخص في ذلك الاختلاف، وإليه مالت الشراح، وقال القاري: ويمكن الجمع -والله أعلم- بأنه جعل له من عمره أولًا أربعين، ثم زاد عشرين، فصار ستين، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ولا يبعد أن يتكرر مأتى عزرائيل للامتحان بأن جاء وبقى من عمره ستون، فلما جحده رجع إليه بعد بقاء أربعين على رجاء أنه تذكر بعد ما تفكر، وهذا أبلغ في باب النسيان، والأظهر أنه وقع شك للراوي وتردد في كون العدد أربعين أو ستين، فعبر تارة بالأربعين وأخرى بالستين، ومثل هذا وقع من المحدثين، ومهما أمكن الجمع فلا يجوز القول بالوهم والغلط في رواية الحفاظ، انتهى.","vol":"4","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ</span>\nقوله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية لقد تضمنت (١) شرائع الإسلام بأسرها دعوات صريحة أو ضمنية فكان الأمر بالدعاء هو الأمر بإتيانها بحسب الحقيقة، ولا شك أن الأبد عن الدعاء على هذا التقدير إنما هو إياه عن شعائر الشرع، فلا محالة يكون سببًا للعقاب، ولكنا معاشر العوام الذين عمتهم الغفلة وأحاطت بهم القسوة حتى لا يكاد أحدنا يؤدي الأحكام حسب ما\n_________\n(١) ولأجل هذا المعنى فسرت عامة المفسرين الدعاء بالعبادة، وكذا شراح الحديث جلهم، قال الشيخ في البذل: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي﴾ بصيغة الأمر الذي هو للوجوب، وقوله تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ إطلاق الوعيد يدل على فرضية الدعاء ووجوبه، وأجمعت الأمة على عدم الوجوب، قلت: إن الدعاء مفهومه يشمل جميع العبادات من الفرائض والنوافل، فبعض أفرادها فرض، وبعضها نفل، فلا إشكال فيه، أو يقال: إن الأمر للاستحباب، والوعيد ليس على ترك الدعاء مطلقًا بل على تركيا استكبارًا، انتهى. وبسط القاري في وجوه الحديث وحكى عن الطيبي: يمكن أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي، وهو غاية التذلل والافتقار والاستكانة، وما شرعت العبادة إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه، وقال أيضًا: قال الشارح: العبادة ليست غير الدعاء، انتهى.","vol":"4","page":330},{"text":"أمر به لسنا نتمكن من الاكتفاء بالدعوات الضمنية التي أشير إليها في الآية بل لابد من إتيان الدعاء مستقلًا على حدة، فبعزر تارك (١) الدعوات بعد الصلوات ولا يعذر\n_________\n(١) يشكل عليه ما تقدم من الإجماع على عدم الوجوب، وفي هامش أبي داود عن اللمعات في قوله (الدعاء هي العبادة): الحصر للمبالغة، وقراءة الآية تعليل بأنه مأمور فيكون عبادة أقله أن يكون مستحبة، وآخر الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية، المراد بعبادتي هو الدعاء، ولحوق الوعيد ينظر إلى الوجوب، لكن التحقيق أن الدعاء ليس بواجب، والوعيد إنما هو على الاستكبار، فافهم، انتهى. وفي شرح شرعة الإسلام ليعقوب بن سيد علي زادة الحنفي المتوفى ٥٩٣١: (ويغتنم الدعاء بعد المكتوبة) وقبل السنة، على ما روى عن البقالي من أنه قال: الأفضل أن يشتغل بالدعاء ثم بالسنة، وبعد السنن والأرواد على ما روى عن غيره وهو المشهور المعمول به في زماننا كما لا يخفى، (فإنه =مستجاب) بالحديث، وقد قال النبي ﷺ في حديث رواه ابن عباس: من لم يفعل ذلك فهو خداج، أي من لم يدع بعد الصلاة رافعًا يديه إلى ربه، مستقبلًا ببطونها إلى وجهه، ولم يطلب حاجاته قائلًا: يا رب يا رب، فما فعله من الصلاة ناقصة عند الحق سبحانه. كذا حقق في التنوير، وروى أنه كان للحسن البصري جار يحتطب على ظهره، فكان إذا سلم الإمام خرج من المسجد سريعًا، فقال له الحسن يومًا: يا هذا لم لم تجلس ساعة، إن لم نكن لك حاجة في الآخرة أفلا حاجة لك في الدنيا، قف بعد الصلاة وادع الله واسأله حمولة تحمل على ظهرها، ذكره في الخالصة، انتهى. قلت: ولعل المراد من حديث ابن عباس ما روى عن الفضل بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: الصلاة مثنى مثنى، الحديث. تقدم عند المصنف في باب التخشع في الصلاة، وبسط في (إعلاء السنن) في تصحيحه، وأجاب عما ورد عليه، وبسط في الروايات الدالة على رفع اليدين بعد الصلاة المعهود في الديار، فارجع إليه لو شئت التفصيل.","vol":"4","page":331},{"text":"على تركها. قوله [إنه من لم يسأل الله يغضب عليه] قد يحمل على ما ذكرناه من أنه يحصل بانيان الشرائع، فلا يتوهم أن إبراهيم ﵇ كيف ترك (١) الدعاء حين ألقى في النار، حيث قال: علمه بحالي حسبي من سؤالي، وقد يجاب عنه أيضًا بأن ترك السؤال إنما كان بلسانه لا بقلبه، فإنه لم يكن له هم إذ ذاك إلا ذكره ﵎، والذكر والثناء والشكر له سبحانه من العبد كله دعاء وسؤال لما له من فاقة ذاتية إليه.\nقوله [لسانك رطبًا إلخ] بإقامة الدال مقام المدلول، فإن المقصود إنما هو تذكر القلب إلا أن الذكر اللساني سبب له ومنبئ عنه فيثاب عليه أيضًا، وأما إذا اجتمعا فهو أولى وأحرى. قوله [لكان الذاكرين الله كثيرًا أفضل إلخ] لما أن حسن الذكر ذاتي من غير توسط أجنبي، بخلاف الجهاد فإنما حسن لأجل غيره (٢).\n_________\n(١) كما جزم بذلك عامة المفسرين في تفسير سورة الأنبياء، قال البيضاوي: روى أنهم بنوا حظيرة بكوئي وجمعوا فيها نارًا عظيمة، ثم وضعوه في المنجنيق مغلولًا فرءوا به فيها، فقال له جبرائيل: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فقال: فسل ربك، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فجعل الله ببركة قوله الحظيرة روضة، انتهى. قلت: وأجاد شيخ مشايخًا في التفسير العزيزي في سورة المزمل الكلام على أنواع التوكل، ومن جملتها قول إبراهيم ﵇ هذا، فارجع إليه.\n(٢) قال ابن عابدين: ولا تردد في أن المواظبة على أداء فرائض الصلاة في أوقاتها أفضل من الجهاد لأنها فرض عين وتتكرر، ولأن الجهاد ليس إلا للإيمان وإقامة الصلاة فكان حسنًا لغيره، والصلاة حسنة لعينها وهي المقصودة منه، وتمام تحقيق ذلك مع ما ورد في فضل الجهاد المذكور في الفتح، انتهى.","vol":"4","page":332},{"text":"لأن الذكر هو المقصود الأصلي المطلوب لذاته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ﴾ الآية، فالجهاد ليس إلا لتحصيله، فأما إن يسلم الكفار فيذكروه، أو يقتلوا فيتفرغ المؤمنون لذكره سبحانه، وأما ما ورود من الفضائل في الجهاد فإن ذلك لفضيلة جزئية فيه، وقد يربو المفضول على ما هو أفضل منه إذا احتيج إليه، فقد كانت في الجهاد (١) فضيلة للافتقار إليه إذًا، وكذلك في كل زمان يفتقر إليه وإلى\n_________\n(١) وعلى هذا فلا يخالف حديث الباب ما ورد من قوله ﷺ: رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل، وأيضًا رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وأيضًا مقام أحدكم في سبيل الله ساعة أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، وغير ذلك من الروايات الكثيرة الشهيرة في الباب، وإلى ذلك ذهب جمع من المشايخ وشراح الحديث في الجمع بين مختلف ما روى في أفضل الأعمال، وحكى العيني عن القفال الكبير الشاشي أنه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص كما روى أنه ﷺ قال: حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة، وحكى عن القاضي عياض أنه قال: أعلم كل قوم بما لهم إليه حاجة، وترك ما لم تدعهم إليه حاجة، أو ترك ما تقدم علم السائل إليه وأعلمه بما لم يكمله من دعائم الإسلام، ولا بلغه إلى عمله، إلى =أن قال: وقد يكون الجهاد أفضل من سائر الأعمال عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين، ثم قال: والحاصل أن اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال، انتهى.","vol":"4","page":333},{"text":"غيره، وأما إذا قطعت النظر عن الأمور الخارجية ونظرت إلى الشيء نفسه فالفضل للذكر على كل ما سواه (١)، فقوله [الله ما أجلسكم إلخ] أما استحلاف معاوية فكان يتحرى بها أداء السنة (٢)، وأما استحلاف النبي ﷺ فكان للتقرير لشدة السرور. قوله [وما كان أحد بمنزلتي إلخ] يعني أنه لما لم يكن يروى لهم روايات كثيرة كان مظنة أنه ليس له رواية وإلا لأظهرها، فأثبت له اختصاصًا بالنبي لكون أخته في بيته، وترك الرواية كان احتياطًا منه في باب الحديث، وإنما فعل ذلك أي أثبت اختصاصه واعتذر عن قلة لرواية لينفي عن نفسه ريبة الكذب (٣). قوله [ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم] وأما إذا (٤) فيحسبه أنه لم يعذب ولم يدهمه مصيبة.\n_________\n(١) وقد بسط الغزالي في الأحياء في آخر الباب الأول من كتاب الأذكار تفصيل ذلك، إذ قال: إن قلت: ما بال ذكر الله سبحانه مع خفته على اللسان وقلة التعب فيه صار أفضل وأنفع من جملة العبادات مع كثرة المشقات فيها؟ فأعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة والقدر الذي يسمح بذكره في المعاملة، ثم بسطه بما لا يتحمله هذا المختصر، فارجع إليه.\n(٢) كما أشار إليه هو بنفسه، قال القاري: أي ما استحلفكم تهمة لكم بالكذب لكني أردت المتابعة والمشابهة فيما وقع له ﷺ مع الصحابة، انتهى.\n(٣) وقريب منه ما قال القاري من أنه قدم بيان قربه منه ﵊، وقلة نقله من أحاديثه الكرام دفعًا لتهمة الكذب عن نفسه فيما ينقله، انتهى.\n(٤) يعني إذا دعا بإثم أو قطيعة رحم فيكفي له ألا يبتلي بمصيبة لهذه المعصية.","vol":"4","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>[باب الداعي يبدأ بنفسه]</span>\n\nقوله [بدأ بنفسه] لأن السؤال للغير وترك نفسه يوهم أن له غنى عنه، ولأنه لو أوتي له (١) ما سأل فهو يكون فهو يكون قد أحرز نصيبًا منه. قوله [ما لم يعجل] لأنه يكون سببًا للقنوط والترك. قوله [أراه قال] أي غالب ظني أنه قال: له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأما بعد ذلك (٢) فليس داخلًا\n_________\n(١) يعني أن الدعاء للغير من الأدعية المستجابة، فقد أخرج الطبري عن ابن عباس رفعه: خمس دعوات مستجابات، وذكر فيها دعوة الأخ لأخيه، كما حكاه الحافظ، فالمعنى أن الغير لو استجيب في حقه دعاء هذا الداعي، فيكون هو أيضًا محرزًا لذلك لتشريكه نفسه في الدعاء، فإن الله عز اسمه أكرم من أن يقبل بعضًا ويترك بعضًا، وهذا أوجه مما قاله القاري: فيه إيماء إلى أنه إذا قبل دعاءه لنفسه فلا يرد دعاءه لغيره، انتهى. وذلك لأن إجابة الدعاء في حق الغير أرجى من الإجابة لنفسه كما يدل عليه الحديث المذكور وما في معناه، ويشكل على الحديث ما في المشكاة برواية مسلم عن أبي الدرداء مرفوعًا: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك مؤكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك المؤكل به: آمين ولك بمثل، ويمكن الجواب عنه أن دعوته لنفسه إذا انضمت بدعاء الملك تكون أرجى للقبول، ثم بداية نفسه في الدعاء للغير ليس بضروري كما أشار إليه البخاري في صحيحه إذ ترجم بقوله: (باب قول الله ﵎: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه) ثم ذكر الروايات المؤيدة لذلك.\n(٢) لما أن روايات ابن مسعود مختلفة في ذكر هذه الكلمة فقط بخلاف الكلام الآتي، فإنه موجود في جميعها كما يدل عليه جميع طرق هذا الحديث المخرجة في مسلم وأبي داود وعمل اليوم والليلة لابن السنى وغيرها.","vol":"4","page":335},{"text":"تحت الظن، وإنما هو مثل الأول في اليقين به.\nقوله [وسوء الكبر] بفتح الباء من كبر السن، وقيل: بسكونه هو التكبر، ولا يناسب الكسل (١)، والإضافة على هذا بيانية. قوله [وشركه] بالكسر، أي يصيبني من ضرر شركة (٢)، أو أن أتلطخ بدنسه.\nقوله [فقلت: وبرسولك الذي أرسلت إلخ] إنما بدل البراء لفظ الرسول\n_________\n(١) قال القاري: الكبر بفتح الباء هو الأصح رواية ودراية، أي مما يورثه الكبر من ذهاب العقل واختلاط الرأي وغير ذلك مما يسوء به الحال، وروى بسكون الموحدة، والمراد به البطر، قال الطبي: والدراية تساعد الرواية الأولى، لأن الجمع بين البطر والهرم بالعطف كالجمع بين الضب والنون، ونازعه ابن حجر بأن الأول أشهر رواية. وأما دراية فالثاني يفيد التأسيس بخلاف الأول فإنه إنما يفيد ضربًا من التأكيد، وتعقبه القاري بأن الكلام في المناسبة والملائمة بين المتعاطفين المعتبرة عند علماء المعاني، ويدل عليه لفظ سوء المناسب للكبر بفتح الباء فإن الكبر بسكون الباء يذم مطلقًا، انتهى. وهذا هو مراد الشيخ بقوله: فالإضافة على هذا بيانية.\n(٢) كما يؤمى إليه قوله ﷺ وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث، وفي الحاشية عن المجمع: قوله: شركة بكسر الشين وسكون الراء، والإضافة إلى فاعله، أي يوسوس به من الإشراك بالله، ويروى بفتحتين جمع الشركة، أي من حبائله ومضائده، انتهى بتغير. وفي هامش الحصين عن المرقاة: الأول هو الأشهر في الرواية وأظهر في الدراية، انتهى.","vol":"4","page":336},{"text":"موضع النبي لزيادة في الرسالة نسبة النبوة، وإنما رد عليه (١) ذلك لأن الصيغة التي دعا بها النبي ﷺ أقرب إلى الإجابة. وإن كان الدعاء جائزًا مستحابًا بما شاء، وأما ما يقال من أن النبي ﷺ إنما رد عليه لأن الرسالة قد كانت ذكرهن في قوله: أرسلت، فأراد أن يحرز فضيلة النبوة أيضًا فإن في معناها؟؟؟ (٢)، فيخدشه أن الواقع في الدعوات المأثورة عن النبي ﷺ أيضًا هو رسولك (٣) الذي أرسلت في غير هذا الدعاء.\nقوله [وأنت على وضوء] ولا ينبغي أن يترك الدعاء أصلًا لفوت الوضوء.\n_________\n(١) وقال الحافظ: أولى ما قيل في حكمة الرد أن ألفاظ الأذكار توفيقية ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، انتهى. كذا في البذل.\n(٢) قال الراغب: التي بغير همز، قال النحويون: أصله الهمزة فترك همزه، قال بعض العلماء: هو من النبوة أي؟؟؟، وسمى نبيًا لرفعه محله عن سائر الناس المدلول عليه بقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ فالنبي بغير الهمز أبلغ من النبي بالهمز، لأنه ليس كل منبئ رفيع القدر، ولذا قال ﵇ لمن قال: يا نبئ الله: لست بنبئ الله ولكن نبي الله، والنبوة والنبأوة الارتفاع، ومنه قيل: نبا بفلان مكانه، انتهى.\n(٣) لقد حكى الحافظ عن الترمذي من حديث رافع: ويرسو لك الذي أرسلت، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ الآية. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا﴾ الآية. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ الآية وغير ذلك من الآيات والروايات.","vol":"4","page":337},{"text":"ونظائره في كلامه تعالى غير عزيز، والمعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث فقرأ فيهما، أو لعل السر في تقديم النفث على القراءة مخالفة السحرة البطلة على أن أسرار الكلام النبوي جلت عن أن يكون مشرع كل وارد، انتهى مختصرًا. وفي المرقاة: قال بعض شراح المصابيح: وفي صحيح البخاري بالواو وهو الوجه، لأن تقديم النفث على القراءة لم يقل به أحد، ولعل الفاء سهو من الكاتب أو الراوي، قال ابن الملك: تخطية الرواة العدول بما عرض له من الرأي خطأ، ثم حكى توجيه الطيبي، ثم قال: قال ابن حجر: عطف بثم لترتيب النفث فيهما على جمعهما، ثم بالفاء ليبين أن ذلك النفث ليس المراد به مجرد نفخ مع ريق بل مع قراءته، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":338},{"text":"يذكر أولًا. قوله [حتى يقرأ المسحبات إلخ] ثم اعمل أن النبي ﷺ كان يفعل أحيانًا كذا (١)، أحيانًا كذا. إلا أن الرواة حملوا كل ما سمعوه تلاها على الدوام. فمن أتى بها جميعًا، فهو أولى أو أزكى ومن قرأ أيامًا كذا وأيامًا كذا، أو يومًا كذا ويومًا كذا فقد أقام السنة، والله أعلم.\nوقوله [حتى يحب متى يحب] فيه إشارة إلى ان ذلك ليس لمن يريد صلاة فالليل، بل فعليه: يحرزها كل مسلم.\n_________\n(١) قال الحافظ: وقد ورد في القراءة عند النوم عدة أحاديث صحيحة، ثم ذكر الروايات في قراءة المعوذات، والإخلاص، والمعوذتين، وقراءة آية الكرسي، والآيتين من أخر سورة البقرة، والكافرون، والمسبحات، وسورة ألم سجدة، والملك، وسورة من القرآن، ثم قال: وقد ورد في التعوذ أيضًا عدة أحاديث، ثم ذكرها، قلت: وقد ورد غير ما ذكره الحافظ أيضًا، كالزمر وبني إسرائيل عند المصنف.","vol":"4","page":339},{"text":"صـ ٣٤٠ غير واضحة","vol":"4","page":340},{"text":"أو يقال في ذاته وصفاته من التحقق والثبوت ما ليس لشيء غيره عرفهما دلالة على ذلك، ونكر الحق بعد ذلك، فقال: ولقاؤك حتى إلخ. قوله [وتجمع بها أمري] في أمور ديني وأحوال طاعاتي. [وتلم بها شتى] أي في مصالح دنياي. قوله [غائبي وشاهدي] من الأعمال والأحوال والكيفيات الواردة على ما حضرني الآن وما لم يأتي بعد، أو المراد بالشاهد والغائب من تابعه وكان له ممن حضر أو لم يحضر.\nقوله [وترد بها الفتى] أي ترد إليك ما كان لي من أنسة والفتى فلا أتألف إلا بك.\nقوله [الفوز في القضاء] أي أن يكون لي في قضائك هو الفوز دون الخيبة والحرمان. قوله [كما تجير بين البحور] أي كما أن البحر لا يمكن فصله من بحر إلا بمحض قدرتك فكذلك إني بارتكاب المأثم لابست السعير والنار فلا ينجيني منها إلا أنت. قوله [وقال به] أي ثم (١) ذكره لنفسه في كتابه وأثبت له\n_________\n(١) في الحاشية: العطف والعطاف الرد. أي تردي بالعز، وهو مجار عن الاتصاف به، (وقال به) أي حكم به فلا يود حكمه (مجمع البحار).","vol":"4","page":341},{"text":"عزة قوله [إذا قام في الصلاة قال] أي بعد تكبيرة الافتتاح في موضع الثناء، ولا يفعل في الفريضة إلا إذا صلى لنفسه (١)، أو يكون من وراءه من المصلين كلهم لهم رغبة في التطويل (٢)، وعلى هذا يحمل ما ورد في الرواية الآتية بعد ذلك من زيادة لفظ المكتوبة، فإنه ﵊ شدد (٣) في تخفيف الصلاة إذا صلى بالقوم، وأما مع ذلك فلو أتى بها أحد في الفريضة بالجماعة أو غيرها لا يسجد للسهو كما توهم البعض. قوله [يوسف بن الماجثون] معرب مامكون (٤). قوله [ولا يقول في المكتوبة] أي دائمًا.\n_________\n(١) لما في المشكاة برواية الشيخين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء، انتهى.\n(٢) كما يشير إليه ما في المشكاة برواية النسائي عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ بأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصلاة، وفي حاشيته عن اللغات: إن تطويله ﷺ يورث شوقًا ونشاطًا ولذة وحضورًا بالاستماع عنه ﷺ، انتهى.\n(٣) نفى المشكاة برواية الشيخين عن أبي مسعود أن رجلًا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال: إن منكم؟؟؟، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، الحديث. وبرواية مسلم عن عثمان بن أبي العاص قال: أخر ما عهد إلى رسول الله ﷺ إذا أممت قومًا فأخف بهم الصلاة، وفي الباب أحاديث لا تحصى.\n(٤) كما جزم بذلك أهل الرجال، من صاحب المغني وغيره، وهو بفتح الجيم وضم الشين المعجمية، وقيل: بمثلثة الجسيم معرب ماه كون، أي شبه القمر، وقيل: ماء كون أي شبه الورد، سمى به لحمرة وجنتيه، قال صاحب المغني: هو لقب يعقوب، وجرى على أولاده وأولاد أخيه، انتهى.","vol":"4","page":342},{"text":"قوله [سمعت أبا إسماعيل يعني الترمذي] لما كان المسمون بأبي إسماعيل متعددين بينه بزيادة بيان النسبة يعين المراد. قوله [مثل حديث الزهري] يعني أن إسناده جيد جودة إسناد الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر، فإنهم يسمونه لجودته بسلسلة الذهب. قوله [فلقيني أخي سالم بن عبد الله إلخ] إنما قال له أخي (١). قوله [قال بأصبعه] أي أشار بها للتوحيد بتسويتها قيامًا. قوله [وأقلينا بذمة] أي كاملة تامة أريد بالمطلق فرده الكامل، أو التنوين عوض عن المضاف إليه (٢). قوله [وكلاهما له وجه] أشار به إلى جواب ما أورده البخاري (٣)\n_________\n(١) بياض في الأصل بعد ذلك، ولعله يكون بينهما نوع من القرابة، وإلا فإخوة الإسلام كافية، وحديث قهرمان آل الزبير أخرجه ابن ماجة وابن السنى.\n(٢) كما هو مختار المحشى إذ قال: أي بذمتك، كما في نسخة، انتهى. قلت: وهو كذلك في المصرية، وأقلبنا بذمة بدون الإضافة.\n(٣) لم أجد إيراد البخاري في صحيحه، فليفتش! فإن الحديث ليس من مروياته، فليحرر! وقد أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ الحور بعد الكون، قال النووي: هكذا في معظم النسخ من صحيح مسلم (بعد الكون) بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم، قال القاضي: وهكذا رواه الفارسي وغيره من رواة مسلم، قال: ورواه العذوي (بعد الكور) بالراء، قال: والمعروف في رواية عاصم الذي رواه عنه معلم بالنون، قال القاضي: قال إبراهيم الجربي: يقال: إن عاصمًا وهم فيه، وإن صوابه الكور بالراء قال النووي: وليس كما قال الحربي، بل كلاهما روايتان، وممن ذكر الروايتين جميعًا الترمذي في جامعه وخلائق من المحدثين، قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها، ورواية النون مأخوذة من الكون مصدر كان يكون إذا وجد واستقر، قال المازري: في رواية الراء قيل أيضًا: إن معناه =أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال: كار عمامته إذا لفها، وحارها إذا نقضها، وقيل: نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه فقال: ألم تسمع قولهم (حار بعد ما كان، أي كان على مسألة جميلة فرجع عنها، انتهى.","vol":"4","page":343},{"text":"ص ٣٤٤ غير واضحة","vol":"4","page":344},{"text":"قوله [على ولده] أي لضرره كما هو مفاد كلمة على (١)، فإن دعوة الوالد وإن كانت مستجابة في حق الولد خيرًا وشرًا إلا أن دعاءه في الشر أشد، وذلك لأنه لا يدعو عليه إلى بعد شدة يقاسيها منه، فكان مظلومًا أيما مظلوم، وقبول دعوة المظلوم مسلم معلوم.\nقوله [وزاد فيه] أي زاد فيه لفظ لا شك فيهن. قوله [وعافنا قبل ذلك] أي قبل أن يصيبنا العذاب، يعني أنه إذا أتى فلا مرد له فيدعو أن يصحبه العافية قبل إتيانه فلا يصيبه شيء منه. قوله [حتى عرف الغضب] على زنة المجهول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>[باب ما يقول إذا رأى الباكورة]</span>\n\nقوله [ثم يدعو أصغر وليد يراه (٢)] لما بينهما من مناسبة في حدثان العهد، ولأنها لا تقع من الكبير بمنزلة والصبي يفرح به.\n_________\n(١) وهو كذلك في رواية الترمذي إذ هي بلفظ (على) وأما رواية أبي داود وغيره فخالية من هذه الكلمة، فهي محتملة للنفع والضرر معًا، ولذا فسر بهما معًا القاري وغيره، ثم اختلفوا هل يدخل في ذلك الوالدة أيضًا؟ فقيل: بالأولى كما هو مختار القاري وغيره، وقيل: لا لأنها لا تريد بدعائها عليه وقوعه، كذا ذكره زين العرب.\n(٢) وفي المشكاة برواية مسلم: يدعو أصغر وليد له فيعطيه، قال الطيبي: هذه مقيدة والأولى مطلقة، فأما أن يأول هذه الرواية وهو الأنسب، أو يحمل المطلق على المقيد، وقال العصام: لعل قوله (له) متعلق بيدعو وليس قيدًا للوليد، أي يدعو للتمر، فلا يخالف الإطلاق، قال القاري: وبعده لا يخفى، والتحقيق أن الروايتين محمولتان على الحالتين، والمعنى أنه إذا كان عنده وليد له أو وليد آخر من غير أهله أعطاه، وإذا لم يكن أحد عنده حاضرًا فلا شبهة أنه ينادي أحدًا من أولاده، لأنه أحق ببره من غيره، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":345},{"text":"قوله [ليس شيء يجزئ] تنبيه على العلة التي صارت سببًا في طلب الزيادة من اللين.\nقوله [ولا يصح] أي كل واحد من القولين، وقال في الشمائل: الصحيح عمر بن أبي حرملة، انتهى. يعني كما تقدم في أول السند (زكريا).\nقوله [ربنا] منصوب (١) بحذف حرف النداء، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف أي أنت ربنا. وقوله [غير مودع ولا مستغني عنه] حال (٢).\nقوله [إن ربكم ليس بأصم] استدل بذلك من منع الجهر بالذكر ولا يتم، فقد ورد (٣) أنه كان ثم عدو فأراد أن لا يعلموا بهم، فكان الممانعة لأمر خارج\n_________\n(١) قال القاري: روى بالرفع والنصب والجر، فالرفع على تقدير هو ربنا، أو أنت ربنا، أو على أنه مبتدأ وخبره (غير) بالرفع مقدم عليه، والنصب على أنه منادي حذف منه حرف النداء، أو على المدح، أو الاختصاص، وإضمار أعني، والجر على أنه بدل من الله، انتهى.\n(٢) ولفظ المشكاة برواية البخاري: غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا، قال القاري: بنصب (غير) في الأصول المعتمدة على أنه حال من الله، أو من الحمد، وهو أقرب، وفي نسخة: برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي (هو).\n(٣) وقد بوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث في كتاب الجهاد (باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير) قال الحافظ: تصرف البخاري يقتضي أن ذلك خاص بالتكبير عند القتال، قلت: ويؤيده سياق الحديث في مغازي البخاري عن أبي موسى، قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر، أو قال: لما توجه رسول الله ﷺ أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير، الحديث. وما قال الحافظ أن هذا السياق يوهم أنه وقع وهم ذاهبون إلى خيبر وليس كذلك، بل إنما وقع حال رجوعهم، لأن أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر، انتهى. لا ينافي توجيه الشيخ، لأن قرب العدو في البداية والرجوع سواء، وأجاب عنه في البذل بأنهم بالغوا في الجهر وفي رفع أصواتهم، فلا يلزم منه المنع من الجهر مطلقًا، لأن النهي للتيسير والإرفاق لا لكون الجهر غير مشروع، انتهى. وأجاب عنه في روح البيان بأنه يختلف باختلاف المشارب والمقامات، واللائق بحال أهل الغفلات الجهر، وبأحوال أهل الظهور الخفاء، قلت: ولذا ترى الصوفية يمنعون عن الجهر بالذكر لمن ترقى إلى درجة المشاهدة ويأمرونه بالمراقبة، وأنت خبير بأن الصحابة ببركة الصحبة قد ترقوا على الدرجة القصوى، وهذا هو السر في أنهم لا يحتاجون إلى الضربات والأربعينات.","vol":"4","page":346},{"text":"لا لشيء في نفس الذكر، وهذا هو الحق، فإن الذكر ليس شيء من أنواعه متهيأ عنه (١)، وإنما ذلك لأمر خارج عنه، فإن كان في جهره إضرار بأحد مثلًا كره وإلا لا.\n_________\n(١) كيف وقد رد في الجامع الصغير: اذكروا الله ذكرًا يقول المنافقون تراءون، وضعفه منجبر بالشواهد الكثيرة، منها ما في المقاصد الحسنة عن أبي الجوزاء مرسلًا بمعناه، وعن أبي سعيد مرفوعًا: أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون، رواه أحمد والبيهقي وغيرهما، وصحه الحاكم، أفترى يقولون مجنون بدون الجهر المتداول، وقد قال عز اسمه: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، الحديث. وقال ﵇: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند ملكيكم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله، وقال: ما صدقة أفضل من ذكر الله، وقال رجل: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت على فأنبئني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله، وقال معاذ بن جبل: آخر كلام فارقت عليه رسول الله ﷺ أن قلت: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله، وعنه قلت: يا رسول الله أوصني، قال: عليك بتقوى الله ما استعطت، واذكر الله عند كل حجر وشجر، الحديث. وقال ﷺ: ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع، قاله ثلاث مرات، وقال ﷺ: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر، ويقول الله ﷿: سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم، قيل: من أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر من المساجد، وقال: سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات، وقال: إن الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخلون الجنة وهم يضحكون، وغير ذلك من الروايات الكثيرة الشهيرة بسطها صاحب الحصن وغيرها، وهي بعمومها تعم الجهر والأسرار، وبعضها صريحة في الجهر.","vol":"4","page":347},{"text":"قوله [ألا أعلمك كنزًا إلخ] وقد ورد في غيره من الروايات أنه كان يقول: لا حول ولا قو إلا بالله سرًا (١)، فأما أن النبي ﷺ سمعه (٢) يتلوها فبين له\n_________\n(١) كما في دعوات البخاري بلفظ: وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، الحديث.\n(٢) كما في سياق المغازي من البخاري بلفظة: وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، الحديث.","vol":"4","page":348},{"text":"فضيلتها ليكون على بصيرة من منزاتها حين يقرأ، أو وقع ذلك اتفاقًا. قوله [وإنها قيعان] ظاهره مخالف لقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والجواب (١) أن أشجارها في مواضعها مجتمعة وليست منثورة في جملة أراضيها كما هو دأب أصحاب البساتين أنهم يغرسون صنفًا من الأشجار في قطعة من الأرض صغيرة بحيث لا يكون بينها كثير فصل، ثم لما أرادوا قلعوها من هناك وأثبتوها حيث شاءوا، فكذلك أشجار الجنة إنما هي في قطاعات من الجنة، وليست في كل أراضيها بحيث لا يشذ منها أرض إلا وفيها شجر بل هي بأصنافها منبتة في موضع معلوم، فإذا سبح الرجل أو فعل غير ذلك مما هو موجب للغراس نقلت الشجرة إلى مقامه الذي أعد له، فاغتنم هذا.\nقوله [لم يأت أحد يوم القيامة] إلى قوله [مثل ما قال أو زاد عليه]\n_________\n(١) وهذا أجود مما أجاب به الشراح كما قال ابن الملك، يعني أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة، فأطلق السبب وأراد المسبب، وقال الطيبي: إنها كانت قيعانًا، ثم إن الله تعالى بفضله أوجد فيها أشجارًا وقصورًا بحسب أعمال العاملين، لكل عامل ما يختص به بسبب عمله، ثم إنه تعالى لما يسره لما خلق له من العمل لينال بذلك الثواب، جعله كالغارس لتلك الأشجار مجازًا، إطلاقًا للسبب على المسبب، وأجاب غيره بأنه لا دلالة في الحديث على الخلو الكلي من الشجار والقصور، لأن معنى كونها قيعانًا أن أكثرها مغروس، وما عداه منها أمكنة واسعة بلا غرس لينغرس بتلك الكلمات، ويتميز غرسها الأصلي الذي لا سبب وغرسها المسبب بتلك الكلمات، وقال القاري: إن أقل أهل الجنة من له جنتان، كما قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ الآية، فيقال: جنة فيها أشجار وقصور وأنهار وحور خلقت بطريق الفضل، وجنة يوجد فيها ما ذكر بسبب حدوث الأعمال، كذا في المرقاة.","vol":"4","page":349},{"text":"فيه حذف (١) تركه مختصرًا أنكالًا على الفهم، والمراد لم يأت أحد يوم القيامة بمثل ما جاء إلا أحد قال مثل ما قال، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا أحد زاد عليه، وهكذا فيما بعد، فافهم. قوله [ولم ينبغ لذنب أن يدركه إلخ] وليس المراد نفي تلك الفضيلة عن غير تلك الكلمة، بل إثباتها لها مع كون غيرها أيضًا كذلك فيها، ووجه الفضيلة ما فيها من معاني التوحيد والتكبير وغيرها، ولم يتدنس (٢) بعد بمشاغل دنيوية.\nقول [باسمه الأعظم إلخ] وكل أسمائه (٣) ﵎ أعظم، إلا أن لبعضها\n_________\n(١) وبذلك جزم صاحب اللمعات كما في هامش المشكاة، إذ قال: لابد من تمحل في بيان معناه بأن يقال: تقدير العبارة لم يأت أحد بمساو له ولا جاء بأفضل مما جاء إلا أحد زاد عليه، فإنه يأتي بأفضل منه، انتهى. وقال القاري: أجيب عن الاعتراض المشهور بأن الاستثناء منقطع، أو كلمة أو بمعنى الواو، قال الطيبي: أي يكون ما جاء به أفضل من كل ما جاء به غيره، إلا مما جاء به من قال مثله، أو زاد عليه، قبل: الاستثناء منقطع. والتقدير لم يأت أحد بأفضل مما جاء به لكن رجل قال مثل ما قاله، فإنه يأتي بمساواته، فلا يستقيم أن يكون متصلًا إلا على تأويل نحو قوله:\nوبلدة ليس بها أنيس\nوقيل: بتقدير لم يأت أحد بمثل ما جاء به، أو بأفضل مما جاء به إلخ، والاستثناء متصل. انتهى.\n(٢) كما يشير إليه قوله: قبل أن يتكلم، فإنه في إبان يومه يكون خاليًا عن الذنوب غالبًا.\n(٣) إشارة إلى الجمع بين مختلف ما ورد في الاسم الأعظم، ولذا اختلفت في تعيينه أقوال السلف، ذكر شيئًا منها القاري في المرقاة، وقال: قد استوعب السيوطي الأقوال في رسالته، وقيل: إنه مخفي في الأسماء الحسنى، وأنكر قوم ترجيح بعض الأسماء الإلهية على بعض وقالوا: ذلك لا يجوز لأنه يؤذن باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وأولوا ما ورد عن ذلك بأن المراد بالأعظم العظيم، إذ أسمائه كلها عظيمة، وقال أبو جعفر الطبراني: اختلفت الآثار في تعيينه، وعندي أن الأقوال كلها صحيحة، إذ لم يرد في خبر أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع لمعنى عظيم، وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد الداعي في ثوابه إذا دعا بها، وقيل: المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسمائه تعالى دعا به العبد مستغرقًا بحيث لا يكون في خاطره وفكره حالئذ غير الله، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":350},{"text":"تناسبًا ببعض الأوقات وبعض الأشخاص وبحسبها يعظم التأثير، فلذلك تراه ﷺ أمر كل سائل بما يناسبه. قوله [القداح] فعال (١) أي صناع القداح.\nقوله [فأحمد الله إلخ] ولا يتوهم (٢) بذلك نسخ إطلاق الآية ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؛ لأن الرواية إنما بينت فرده الكامل الأولى من غيره بالإجابة، لما أن في الآية لما ترتب الإجابة على الدعاء كان كمال الإجابة بكمال الدعاء، ونقصانها، فأراد النبي ﷺ أن ينبه على أدب الدعاء لتكون أقرب إلى الإجابة، لا أن الدعاء ليست بمجابة دونه.\n_________\n(١) ضبطه السمعاني بفتح القاف وتشديد الدال المهملة، في آخرها حاء مهملة أيضًا، وعد في المشهورين به هذا، وقال المجد: القدح بالكسر السهم قبل أن يراش، وبالتحريك آنية تروى الرجلين، أواسم بجمع الصغار والكبار جمعه أقداح، ومتخذه قداح.\n(٢) إشارة إلى دفع ما يرد على الحديث من أن ظاهرة ناسخ لعموم قوله عز اسمه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فإن عمومه وعد الإجابة مطلقًا كيفما يدعو بتقديم الحمد والثناء أو بغيره، انتهى.","vol":"4","page":351},{"text":"قوله [وأنتم موقنون إلخ] بإيجاد كيفية القبول فيكم، أو بتحري مواقع الإجابة زمانًا ومكانًا، أو لكثرة رجائكم بالقبول، أو لمبالغة في الدعاء حتى لا يظن الخيبة والحرمان. قوله [لا يستجيب دعاء] استجابة كاملة (١)، فلا يضره إطلاق الآية. قوله [أو لغيره] والغرض إسماعه (٢).\nقوله [واجعله الوارث مني] أي السمع (٣) والبصر، أي أبقى متمتعًا\n_________\n(١) فقد قال الجزري: ما أحسن قول الربيع بن خيثم: لا يقل أحدكم: أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبًا وكذبًا، بل يقول: اللهم أغفر لي وتب علي، فإنه إذا استغفر عن قلب لاه لا يستحضر طلب المغفرة ولا يلجأ إلى الله بقلبه فإن ذلك ذنب عقابه الحرمان، وإذا قال: أتوب إلى الله ولم يتب فلا شك أنه كذب، وأما الدعاء بالمغفرة والتوبة فإنه وإن كان غافلًا فقد يصادف وقتً فيقبل، فمن أكثر طرق الباب يوشك أن يلج. وفي كتاب الزهد عن لقمان: عود لسانك باللهم اغفر لي، فإنه لله ساعات لا يرد فيهم سائلًان انتهى. قلت: وفي المشكاة برواية مسلم عن جابر مرفوعًا: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم، انتهى.\n(٢) يعني إن كانت المخاطبة للغير فالمقصود كان إسماع الرجل الداعي لأنه كان إذا ذاك الرجل الداعي لأنه كان إذ ذاك محتاجًا، وهذا على السياق الذي بأيدينا من النسخ الهندية بلفظ أو للشك، وهكذا في أبي داود برواية أحمد بن حنبل عن المقرئ، وأما في النسخة المصرية من الترمذي: فقال له ولغيره بالواو بدون الشك، وهكذا في مسند أحمد بسند أبي داود بدون الشك.\n(٣) وذكر في الحاشية عن اللمعات: الضمير فيه المصدر الذي هو الجعل، أي اجعل الجعل، وعلى هذا الوارث مفعول أول، ومنى مفعول ثان، أي اجعل الوارث من نسلى لا كلالة خارجة مني، والكلالة قرابة ليست من جهة الولادة، وهذا الوجه قد ذكر بعض النحاة في قولهم: المفعول المطلق قد يضمر ولكن لا يتبادر إلى الفهم من اللفظ ولا ينساق الذهن إليه كما لا يخفى، والثاني أن الضمير فيه للتمتع الذي هو مدلول متعتى، والمعنى اجعل تمتعي بها باقيًا مأثورًا في من بعدنا، لأن وارث المرأ لا يكون إلا الذي يبقى بعده، فالمفعول الثاني الوارث، ومنا صلة، وهذا المعنى يشبه قول خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين» وقيل: وراثته دوامه إلى يوم الحاجة، يعني بوم القيامة، والثالث أن الضميران للأسماع والأبصار والقوى، وإفراد الضمير وتذكيره بتأويل المذكور، ومثل هذا شائع في العبارات لا كثير تكلف فيها، وإنما التكلف فيما قيل: إن الضمير إلى حد المذكورات، ويدل ذلك على وجود الحكم في الباقي، لأن كل شيئين تقاربا في معنييهما فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر، والمعنى بوراثتها لزومها إلى موته، لأن الوارث من يلزم على وقت موتهن انتهى بتغير.","vol":"4","page":352},{"text":"بهما ما دامت حياتي باقية، ويبقيان كأنهما وارثان مني، أو متعنى بمسموعاتي ومبصراتي بعد مماتي، أو أبق فيضانا بعدي لأهل العالم، كقول إبراهيم: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين».\nقوله [ومن الماء البارد] يعني أن أحبك فوق ما أحب نفسي وما تحبه نفسي، فبين بعض مشتهيات النفس وضرورياتها في بقاء شخصها ونوعها، فالأول الماء البارد، والثاني الأهل، فتدبر.\nقوله [كان أعبد البشر] ولا يلزم تفصيله (١) على سائر الأنبياء أو على\n_________\n(١) وفي الحاشية: يعني في عصره، انتهى. وعلى هذا فلا إشكال في الحديث بنبي آخر.","vol":"4","page":353},{"text":"نبينا عليهما الصلاة والسلام، لأن هذه الفضيلة جزئية، ولا ينكر فضل الأنبياء فيما بينهم بصفات مخصوصة، والكمال العلمي فوق الكمال العملي، وهو مختص بنبينا -ﷺ-. قوله [فتنة النار وعذاب النار] فالأول ما يصيب من لهبها وهولها وحزنها والخوف من دخولها، والثاني ظاهر، أو الأول (١) المآثم والمعاصي وسائر ما يوجبها، وعذاب النار ما يبدو بعد الموت.\nقوله [فوقع يدى على قدميه] فيه دلالة على عدم انتقاض الظهارة بمس المرأة، فإن المحدثين يحملون المس واللمس عليهما (٢) من دون حائل، فأما أن يلزمهم تلك المسألة أو يلزم رفض تيك القاعدة، وهو مفيد لنا في مواضع شيء. قوله [فإنه لا مكره له] يعني أن الأمر حقيقة على ما سأله السائل إلا أن فيه إيهامًا لأن التعليق بالمشيئة كما يكون لاستبداد المسئول عنه بالاختيار فكذلك قد يكون لاستغناء السائل، فالمراد وإن كان هو الأول لكن لما أوهم بالثاني وجب تركه، فلتكن على ذكر منه.\n_________\n(١) وبذلك حزم عامة الشراح، قال القارئ: قوله: من عذاب النار أي من أن أكون من أهل النار وهم الكفار، فإنهم هم المعذبون، وأما الموحدون فإنهم مؤدبون ومهذبون بالنار لا معذبون بها، وقوله: فتنة النار أي فتنة تؤدي إلى النار لئلا يتكررن ويحتمل أن يراد بفتنة النار سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ، انتهي.\n(٢) الظاهر أن الضمير إلى الرجل والمرأة، ولم يحتج إلى ذكرهما لمقام القرينة، والمعنى أنهم يحملون هذين اللفظين إذا أطلقا عليهما على المس بدون الحائل، كما جزموا به في قوله: نت مس ذكره، فإنهم يوجبون الوضوء بدون الحائل، فإما يتركوا هذه المسألة يعني إيجاب الوضوء بمس المرأة، أو يتركوا هذه القاعدة، يعني أن المس يراد به بدون الحائل.","vol":"4","page":354},{"text":"قوله [حتى يبقى] وما بعد حتى داخل (١) في حكم ما قبلها، واختلفت الروايات (٢) في وقت النزول، والجمع أنه يبتدأ حين يذهب الثلث الأول ثم يزيد حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى الصبح. قوله [نشهدك ونشهد حملة عرشك إلخ] أي نسألك أن تشهدهم فإنهم لم يشهدوا ولم يحضروا، وفائدة شهادة هؤلاء -والله عالم- هو الاعتبار في أعين الحضار. قوله [في داري] أي في دار دنياي ودار عقباي، لا لأنه تثنية فإنه مفرد بل لأنه صادق عليهما.\n_________\n(١) كما هو نص الروايات الواردة في الباب، منها ما تقدم عند المصنف في أبواب الصلاة من زيادة قوله: فلا يزال كذلك حتى يضيئ الفجر، ويؤيده أيضًا ما ورد في طريق هذا الحديث عند الجماعة لا سيما الشيخين من قوله: حين يبقى ثلث الليل الآخر، الحديث. فهو وقت النزول، وهذا كله على سياق النسخ الهندية، أما على المصرية بلفظ (حين يبقى) موضع (حتى يبقى) فالحديث موافق للروايات الأخر.\n(٢) قال العيني: وقع في ذلك خمس روايات، ثم بسطها فقال: أصحها ما صححه الترمذي وقد اتفق عليها مالك بن أنس وغيره جماعة من الرواة عن ابن شهاب عن أبي سلمة وأبي عبد الله عن أبي هيرة بلفظ: حين يبقى ثلث الليل الآخر، والثانية ما رواه الترمذي عن أبي هريرة -﵁- أيضًا بلفظ: حين يمضى ثلث الليل الأول. والثالثة: حين يبقى نصف الليل الآخر، والرابعة التقييد بالشطر أو الثلث الأخير، والخامسة التقييد بمضي نصف الليل أو ثلثه، انتهى. وما أفاده الشيخ من الجمع أوجه مما اختاره الشراح، قال العيني: اختلفت ظواهر رواياتهم، فقد صار بعض العلماء إلى الترجيح كالترمذي على ما ذكرنا، إلا أنه عبر بالأصح فلا يقتضى تضعيف غير تلك الرواية لما يقتضيه صيغة أفعل، وأما القاضي عياض فعبر في الترجيح بالصحيح فاقتضى ضعف الرواية الأخرى، ورده النووي بأن مسلمًا رواها في صحيحه بإسناد لا مطعن فيه عن صحابيين فكيف يضعفها؟ وغذا أمكن الجمع ولو على وجه فلا يصار إلى التضعيف. وقال النووي: يحتمل أن يكون النبي -ﷺ- أعلم بأحد الأمرين في وقت فأخبر بهن ثم بالآخر في وقت آخر فأعلم به. انتهى. ثم ذكر في البذل عن المرقاة: قال ابن حجر: ينزل أمره ورحمته، أو ملائكتهن وهذا تأويل الإمام مالك وغيره، ويدل له الحديث الصحيح: إن الله -﷿- يمهل شطر الليل، ثم يأمر مناديًا فيقول: هل من داع فيستجاب له، الحديث والتأويل الثاني -ونسب إلى مالك أيضًا- أنه على سبيل الاستعارة، ومعناه الإقبال على الداعي بالإجابة والطف والرحمة كما هو عادة الكرماء سيما الملوك، إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":355},{"text":"قوله [وإن كنت مغفورًا لك] أي قل هذه الكلمات وإن كنت كذا أو غفر لك وإن كنت مغفورًا لك، فالمغفرة للمغفور زيادة في درجاته. قوله [مائة غير واحدة] يعني (١) أن تسعة وتسعين ليس بكثير، أو إنما هو تحديد وليس فيه حصر للأسماء (٢)، فإن مفهوم العدد غير معتبر. قوله [المقيت]\n_________\n(١) يعني أن قوله: مائة غير واحدة، بعد قوله: تسعة وتسعين، إشارة إلى أن هذا المقدار ليس بكثير حتى لا يبلغ المائة أيضًا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى التحديد في هذا المقدار، فذكر هذا القول تأكيدًا للعدد، وقوله: ليس فيه حصر، إشارة إلى الجمع بين مختلف الروايات في هذا الباب.\n(٢) ويدل على ذلك اختلاف الروايات في الأسماء، فقد قال الحافظ: قد تكرر في رواية الوليد عن زهير ثلاثة أسماء، وهي الأحد الصمد الهادي، ووقع بدلها في رواية عبد الملك: المقسط القادر الوالي. وعند الوليد أيضًا: الوالي الرشيد، وعند عبد الملك: الولي الراشد، وعند الوليد: العادل المنير، وعند عبد الملك: الفاطر القاهر، وقد أخرج الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي عن صفوان بن صالح، فخالف في عدة أسماء فقال: القائم الدائم، بدل القابض الباسط، والشديد بدل الرشيد، والأعلى المحيط مالك يوم الدين بدل المجيد الودود الحكيم، إلى آخر ما بسط من اختلاف الروايات في ذلك، وبسط أيضًا في أن تعيين الأسماء. مرفوع أو مدرج من الرواة، فارجع إليه لو شئت تفصيل الكلام في ذلك.","vol":"4","page":356},{"text":"معطى (١) الأقوات، ثم الإحصاء (٢) أول مراتبه الإيمان بجملتها إجمالًا، وهو حاصل لكل مؤمن حيث يؤمن بالله كما هو بأسمائه وصفاته، وثانيها حفظ ألفاظها وإن لم يفهم معانيها، وثالثها الإيمان بتفاصيلها، ورابعها التذك بمعانيها مع حفظ ألفاظها، وخامسها- وهو أعلاها -أن يستوفي منكل منها حظه الذي وضع فيها،\n_________\n(١) قال القاري: المقيت بضم الميم وكسر القاف وسكون التحتية أي خالق الأقوات البدنية والأرزاق المعنوية، وموصلها إلى الأشباح ومعطيها للأرواح، من أقاته يقيته إذا أعطاه قوته، وقيل: هو المقتدر بلغة قريش، وقيل: هو الشاهد المطلع على الشيء، من أٌقات الشيء اطلع عليه، وقال بعضهم: المقيت اسم جامع لمعنى الاقتدار على حكم الموازنة من حيث إحاطة العلم وإقامة الكفاف بالقوت المقدر للحاجة من غير نقص وزيادة، وهو في غاية من الحسن، وقول ابن حجر: فيه ما فيه لم يظهر ما فيه، انتهى.\n(٢) كما بسطها شراح الحديث لا سيما الحافظ في الفتح، وقال القاري: قوله: من أحصاها أي من آمن بها، أو حفظ مبانها وعلم معانيها وتخلق بما فيها، انتهى.","vol":"4","page":357},{"text":"والحظ في جملتها ليس على نسق واحد بل التخلق (١) بها مختلف، ففي بعضها التخلق بمؤدى ألفاظها كما في الرحمن والرحيم، فإن التخلق فيها التكلف بالرحمة على الموافق والمخالف على حسب الشرع، حتى يصير التطبع فيه طباعًا والتكلف له هوى مطاعًا، وفي بعضها قطع الرجاء عن الغير وتوكيل أمره إليه في الشر والخير، كالمالك والرازق والوهاب وغير ذلك من الأمور كثيرة، ثم قد يتركب بعضها فيلاحظ في الاسم الواحد فوائد شتى.\nقوله [إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا] أردا برياض الجنة، واقع الذكر (٢) ومواضعه، وإنما كان تفسيرها بالمسجد بيان بعض أفرادها تمثيلًا، وليس المراد الحصر، ولذلك صح تفسيرها فيما بعد بحلق (٣) الذكر، والرتع للحيوان، فيه إشارة إلى أن المرأ ينبغي أن يكون حرصه على اقتناء المكاسب الدينية كحرص البهائم والدواب على مراعيها لا تقصر منها ما أمكنها، ولئن أردا أحد أن يصرفها عنها شق ذلك عليها، حتى أنها كثيرًا ما لا تزول عن موضعها الذي اشتغلت بالعري فيها وإن نالتها بذلك ضربات وصدمات بالعصى وأجماع الأكف، فكذلك الذاكر ينبغي أن لا تأخذه في ذلك لومة لائم ولا يزله عن ما قصده شهوات الملابس\n_________\n(١) وهو أن يعتبر معانيها فيطالب نفسه بما تتضمن من صفات الربوبية وأحكام العبودية فيتخلق بها، قال ابن الملك: مثل أن يعلم أنه سميع بصير فكيف لسانه وسمعه عما لا يجوز، وكذا في باقي السماء، والتخلق بأسمائه الحسنى، فبسطه الغزالي في المقصد الأسنى. وقيل: كل اسم للتخلق إلا اسم الله تعالى فإنه للتعلق، كذا في المرقاة.\n(٢) قال القاري: من باب تسمية الشيء باسم ما يؤل إليه، أو بما يوصل إليه.\n(٣) وقيل: هذا الحديث مطلق في المكان والذكر فيحمل على المقيد المذكور في باب المساجد، قال القاري: والأظهر حمله على العموم.","vol":"4","page":358},{"text":"والمطاعم، ولا يكون له عنه شبع وإعراض، ولا يصدر عنه من ذلك استحياء وإغماض.\nقوله [قال: فإذا أعطيت العافية إلخ] فإن السائل لما كرر عليه المسألة بعد الجواب علم أنه لعله استحقر الدعاء التي ذكرها لها فنبين فضيلتها بأنها جامع الدعوات (١)، وإنما لم يبين أول مرة ليكون أوقع في النفس.\nقوله [اللهم خر لي إلخ] لعل المراد بالأول أن يقدر له الخير، وبالثاني أن يختار له من بين الأمور خيرًا، فالأول إشارة على محو الشر لو كتب له وثبت الخير مكانه، والثاني إلى إرجاع الخير إليه من حيث كان، أو يكون اللام زائدة، أي خرني اجعلني خيرًا، والتفاوت على هذا التقدير بين السؤالين ظاهر، فالأول سؤال عن أن يجعل الله ذاته ونفسه خيرًا، والثاني أن يجعل ما يكسبه ويحمله ويرد عليه من الأحوال والكيفيات وما يعامل به من الديانات والبياعات ومن يفتقر إليه في تمدنه وغير ذلك خيرًا لا شرًا خبيثًا.\nقوله [الوضوء شطر الإيمان] وكذلك قوله في الرواية الثانية: الطهور شطر الإيمان، إن كان المراد بهما مطلق الطهارة فالشطر هو النصف (٢)، وتنصيفه أن الإيمان الكامل إنما هو تحلية عن الرذائل وتحلية بالفضائل فحسبن والطهارة لها مرتب (٣): طهارة الباطن عن الشرك، وطهارته عن المعاصي، وطهارته عن\n_________\n(١) فقد قيل: ليس في الشريعة كلمة أجمع من الفلاح إلا العافية، وكذا النصيحة، كذا في المرقاة.\n(٢) كما حكاه القاري عن بعض المحققين أن الطهور تزكية عن العقائد الزائغة والأخلاق الذميمة، وهي شطر الإيمان الكامل فإنه تحلية، انتهى.\n(٣) كما بسطها الغزالي في الإحياء بأن الطهارة لها مراتبك الأولى تطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث والفضلات، الثانية تطهير الجوارح عن الجرائم= =والآثام، الثالثة تطهير القلب عن الخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة، الرابعة تطهير السر عما سوى الله. والطهارة في كل مرتبة نصف العمل، إلى آخر ما بسطه","vol":"4","page":359},{"text":"ما يحول بينه وبين ربه، وطهارة الجسم عن الأحداث الحقيقية والحكمية، وهذه كلها تخلية ومتاركة، ثم بعج ذلك مراتب للتحلية والارتكابات من الإقبال على الطاعات وغيرها، ولا شك أن هذه الجملة نصف الإيمان، وإليه الإشارة في قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فقوله ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ كالتعميم بعد التخصيص، وكالإشارة إلى ما تضمنه إجمالًا قوله ﴿التَّوَّابِينَ﴾. أما إن كان الوضوء والطهور هما الاصطلاحيان فالشطر بمعنى (١) الجزء مطلقًا لا النصف، وجزئيته للإيمان ظاهرة، فإنه يتوقف عليه صحة الصلاة التي هي أعظم أركان الإيمان، أو يقال: الإيمان ها هنا (٢) بمعنى الصلاة، كقوله سبحانه:\n_________\n(١) كما حكاه أيضًا القاري ولفظه: قيل: المراد بالشطر مطلق الجزء لا النصف الحقيقي، قلت: كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ثم إما أن يراد بالإيمان الصلاة فلا إشكال، أو يراد به الإيمان المتعارف فالجزء محمول على أجزاء كماله، ولا ينافيه ما جاء في رواية بعابرة النصف، فإنه قد يكون بمعنى النصف (هكذا في الأصل والظاهر بمعنى الشطر) كما قيل في الحديث المشهور: علم الفائض نصف العلم، انتهي.\n(٢) كما حكاه أيضًا القاري عن زين العرب تبعًا لغيره أن المراد ها هنا بالإيمان الصلاة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وأطلق الإيمان عليها لأنها أعظم آثاره وأشرف نتائجه وأسراره، وجعلت الطهارة شطرها لأن صحتها باستجماع الشرائط والأركان، والطهارة أقوى الشرائط، والشرط شطر ما يتوقف عليه المشروط، انتهى.","vol":"4","page":360},{"text":"﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ولا شك أن الوضوء جزء من الصلاة متوقف عليه صحتها، والفرق بين الشرط والركن كما هو في اصطلاح الفقهاء إنما هو عرف مجدد، فلا يضر تأويلنا. [البرهان] الدليل [والحجة] هي البينة.\nقوله [التسبيح نصف الميزان والحمد لله يملأه] إما أن يكون المراد (١) بذلك ملؤ باقيه، فيكونان سواءين في الأجر إذ كل منهما نصف، ويمكن أن يكون المراد أن التحميد يملؤه بانفراده، ووجه ذلك أن التسبيح تنزيه فقط، والتحميد يستلزم التنزه عن الرذائل بأسرها والاتصاف بالفضائل عن آخرها، ففيه زيادة نسبة إلى التسبيح. والله تعالى (٢) فادر على تجلية هذه الأعمال بهيئات وصور هي صغيرة الحجم ولا يتفاوت وزنها، فلا يستشكل أن الميزان إذا املأ بالتحميد فبم يوزن سائر الأعمال، وكذلك ما يتوهم أن من كرر ففم يوزن.\n_________\n(١) قال القاري: بالتأنيث على تأويل الكلمة أو الجملة، وبالتذكير على إرادة اللفظ أو الكلام، أو المضاف المقدر، أي لو قدر ثوابه مجسمًا لملأ، وقال أيضًا: أي الميزان كله أو نصفه الآخر، والأول أظهر، قال الطيي: جعل الحمد ضعف التسبيح لأنه جامع لصفات الكمال من الثبوتية والسلبية، والتسبيح من السلبية، انتهى. ...\n(٢) أشار الشيخ بذلك إلى جواب عن إشكال يرد على ظاهر الحديث سيصرح به في كلامه، وحاصل الإشكال أن التحميد إذا يملأ الميزان فبقية الأعمال كيف توزن، وظاهر النصوص أن جميع الأعمال الحسنة توضع في كفة واحدة والسيئات بأسرها في الأخرى، والروايات في ذلك كثيرة، منها ما في الدر برواية البيهقي في الشعب عن ابن عباس، قال: الميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فتثقل على السيئات، الحديث. برواية الطبراني عنه= =مرفوعًا: والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرض ومن فهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن، وغير ذلك، وجزم صاحب الجمل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] أن الميزان واحد لكل الخلق وكل الأعمال، والجمع للتعظيم، وحاصل الجواب أن الله تعالى قادر على أن يجمل ثواب التحميد عند الوزن في جثة صغيرة، ونظيره القطن يجعل بالكبس في جثة الحديد حتى أثقل منه.","vol":"4","page":361},{"text":"قوله [اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجئ به الريح] إنما دعا بها لأن الريح لا يخلو عنها زمان ولا مكان، وكذلك يوم عرفة كان يوم اجتماع الناس، وللريح تأثير قوي في ما يوجد من الأشياء، فدعا دعوة عامة لا يشذ عنها نفر من الأنس والجن في أيامهم ولياليهم.\nقوله [اللهم رب السماوات السبع إلخ] لما كان السبب الموجب للأرق أرضيًا أو سماويًا بربهما، ولما كان للشياطين تأثير قوي في أمثال هذه افردها بالذكر تخصيصًا.\nقوله [أن يفرط (١) على أحد منهم أو أن يبغي] الأول من غير قصد الجاني ودون عزمه بفعله ذاك إيذاءه، والثاني بذلك. قوله [ومن همزات الشياطين وأن يحضرون] فالهمزات إشارة إلى وساوسها وما يبدر إليه من\n_________\n(١) قال القاري: بضم الراء أي من أن يفرط على أنه بدل اشتمال من شرهم، أو لئلا يفرط، أو كراهية أن يفرط، أي يسبق على أحد منهم بشره، وفي المفاتيح: أي يقصد بأذى أي مسرعًا، انتهى.","vol":"4","page":362},{"text":"أذاها، والثاني تعوذ من نفس حضورها فإنه لا يخلو عن ثفل (١) وأذى لخبث باطنها كالنار، فإنها تضر بحرارتها من جاورها وإن لم يعلم بوجودها عنده، وكذلك فإن للشياطين بحسب أفعالها الخبيثة لعنة وطردًا من حضرته ﵎، وإنها موارد غضب فيجب التعوذ من حضورها لئلا يصيبه شيء من آثار عقوباتها.\nقوله [من بلغ] أي سنا يسهل فيه حفظ الدعاء له، وكذلك المراد بمن لم يبلغ من ليس له ملكة الفهم وقوة الحفظ. قوله [أي شيء تمام النعمة] سأله (٢) عنه منعًا عن المسألة بما لا يعلم، وليكون على بصيرة عما يسأله فيرغب فيه، فيكون دعوته عن قلبه منتظرًا ظهوره. قوله [لم ينقلب ساعة إلخ] لآنه في حكم الذاكر فيستجاب له ما سأل ومتى سأل في إثناء ليله. قوله [السبأى] من غير أن تمد الباء (٣)، فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ [سبأ: ١٥].\n_________\n(١) بالضم ما استقر تحت الشيء من كدرة، كذا في القاموس.\n(٢) وقال القاري: (فقال) أي النبي -ﷺ- سؤال امتحان: (أرجو بها خيرًا) أي مالًا كثيرًا، قال الطيبي: وجه مطابقة الجواب السؤال أن جواب الرجل من باب الكناية، أي أسأله دعوة مستجابة فيحصل مطلوبي منها، ولما صرح بقوله: خيرًا فكان غرضه المال الكثير كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، فرد -ﷺ- بقوله: إن من تمام النعمة إلخ، وأشار إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، انتهى.\nوتبعه ابن حجر، والأظهر أن الرجل حمل النعمة على النعم الدنيوية الزائلة وتمامها على مدعاه، فرده -ﷺ- عن ذلك، ودله على أن لا نعمة إلا النعمة الباقية الأخروية، انتهى.\n(٣) قال الحافظ في الإصابة: بفتح المهملة والموحدة وهمزة مكسورة مقصورة مختلف في صحبتهـ قال ابن السكن: له صحبة، وذكره البخاري في الصحابة وقال ابن حبان: من قال: إن له صحبة فقد وهم، انتهى. وكذا بسط الخلاف في صحبته في التهذيب، وفي التقريب: عمارة بن =شبيب بفتح المعجمة وموحدتين السبأى بفتح المهملة والموحدة وهمزة مقصورة، ويقال فيه يقال له صحبة، وقال ابن حبان: من زعم أن له صحبة فقد وهم، انتهى.","vol":"4","page":363},{"text":"قوله [والله لا أغضض] ولعله اغتر بسكوته -ﷺ- عن النهي. قوله [ولما يلحق بهم] أي في الأعمال والطاعات، ويمكن (١) إرادة اللحوق الزماني وهو الإدراك والملاقاة، قوله [جاف] بتخفيف الفاء من الجفاء. قوله [قاص عمر بن عبد العزيز] لما كان اسم الفاعل هاهنا للدوام والاستمرار أفاد التخصيص، ويمكن أن يقال: إنه ليس بمضاف إلى معموله، وإنما الإضافة لأدنى ملابسة.\nقوله [ما كان في ذلك المجلس] لفظة (ما) ظرفية (٢).\n_________\n(١) وبالاحتمالين فسر القاري إذ قال: أحب قومًا أي من العلماء أو الصلحاء ولم يلحق بهم، أي بالصحبة أو العلم أو العمل أو بمجموعهما، أي لم يصاحبهم ولم يعامل معاملتهم، وقيل: أي لم يرهم، انتهى. قلت: ويؤيد الاحتمال الأول من كلام الشيخ ما قال الحافظ: ووقع في حديث أنس عند مسلم: ولم يلحق بعملهم، وفي حديث أبي ذر عند أحمد وأبي داود وغيره: ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، وفي بعض طرق حديث صفوان عند أبي نعيم: ولم يعمل بمثل عملهم، قال: وهو يفسر المراد، انتهى.\n(٢) يعني يكفي الصلاة مرة للمقدار الواجب في ذاك المجلس، قال القاري في شرح الشفاء: قوله: ما كان أي ما دام، انتهى. ثم هذا أحد المذاهب العشرة التي بسطها الحافظ في الفتح في باب الصلاة، ومقابله تجب الطلاة كلما= =ذكر، قال الحافظ: ثامنها كلما ذكر، قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية والحليمي وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وتاسعها في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارًا، حكاه الزمخشري، انتهى. قلت: ورجج جماعة من الحنفية هذا القول أيضًا، كما بسطه ابن عابدين وغيره.","vol":"4","page":364},{"text":"قوله [البخيل الذي إلخ] لأنه بخل على نفسه (١) باكتساب الأجر، أو بخل عن أن يدعو بكلمات. قوله [البخيل الذي من إلخ] (٢). قوله [أحب إليه من أن يسال العافية] إما لأنه (٣) أشمل للعبد في حوائجه، والرب ﵎. يفرح بما فيه فرحة العبد وقضاء لحوائجه، وإما لأنه لما سأله العافية وهي متضمنة لما\n_________\n(١) قال القاري: التعريف في البخيل للجنس المحمول على الكمال، فمن لم يصل عليه فقد بخل ومنع نفسه من أن يكتال بالمكيال الأوفى، فلا يكون أحد أبخل منه كما يدل عليه رواية: البخيل كل البخيل، انتهى.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك، ولعل الشيخ أراد أن يكتب التنبيه على تكرار الموصول ولم يتفق له، وهو مختلف التوجيه عند الشراح، قال القاري: كذا في الأصول المعتمدة من نسخ المشكاة المقروءة المصححة بالجمع بين الموصولين، وخالف ابن حجر وجعل لفظ (من) أصلًا، ثم قال: وفي نسخة (الذي)، قال الطيب: الموصول الثاني مقحم بين الموصول الأول وصلته تأكيدًا، وقال ابن حجر: يمكن أن تكون (من) شرطية والجملة صلة، والجزاء فلم يصل على، انتهي.\n(٣) اختلفوا في أن الأحب ذات العافية اهتمامًا لشأنها أو سؤال العافية، قال القاري: الظاهر أن السؤال أحب فأنه متضمن للافتقار والعبودية وظهور كمال الربوبية، وكذا اختلفوا في المراد بالعافية، قال القاري: اتفق الشراح= =إن المراد بالعافية الصحة، وقال الطبي: إنما كانت العافية أحب لأنها لفظة جامعة لخير الدارين من الصحة في الدنيا والسلامة فيها وفي الآخرة، لأن العافية أن يسلم من الأسقام والبلايا، انتهى. والبسط في المرقاة.","vol":"4","page":365},{"text":"يحتاج إليه من جلب المنافع وسلب المضار كلها، كان مقرًا بأنه لا مجير له من الله، وأن لا منجا ولا ملجأ من الله إلا إليه، وأنه المتولي لأموره المفتقرة إليها، فيكون تمام رجائه، متصرفًا إليه تعالى، وتمام رهبته منه سبحانه، وهذا سبب لعله أن العبد قد. اعترف بعجز نفسه وقدرة ربه، وقطع الرجاء عن غيره.\nقوله [ومطردة للداء عن الجسد] فإن النوم الكثير يضره. قوله [محمد القرشي إلخ] اختلف (١) فيه فقيل: محمد بن سعيد ومحمد بن قيس هما مختلفان، وقيل: بل هما واحد، وجزم البخاري بأنه محمد بن سعيد المصلوب بن حسان ابن أبي قيس، فينسب إلى أبيه وجد وجد أبيه، وليسوا بمتغائرين. قوله [لك شكارًا] التقديم لإفادة (٢) التخصيص.\n_________\n(١) قال الحافظ في تهذيبه: محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي المصلوب، ويقال محمد بن سعيد بن عبد العزيز، ويقال ابن أبي عتبة، ويقال ابن أبي قيس، ويقال ابن أبي حسان، إلى آخر ما بسطه، وفي القريب: محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأردي الشامي المصلوب، ثم قال بعد ما ذكر شيئًا من الاختلاف المذكور: وقد ينسب لجده، وقيل: إنهم قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى، قال أحمد بن صالح: وضع أربع آلاف حديث، وقال أحمد: قتله المنصور على الزندقة وصلبه، انتهى.\n(٢) قال القاري: قدم المتعلق للاهتمام والاختصاص، أو لتحقيق مقام الإخلاص، انتهى.","vol":"4","page":366},{"text":"قوله [فقد انتصر] أي انتقم، والموازنة (١) بينها مرعية فإن تساوى الظلم والدعاء كان كفافًا، لا له ولا عليه، وإن كان الظلم زائدًا. على دعائه كان له، وإلا كان عليه.\nقوله [إن رجلًا كان يدعو بأصبعيه] أي عند الإشارة في القعود (٢). قوله [ثم بكى] أمل بكاء الصديق -﵁-، فلعله لما تذكر زمان (٣) النبي\n_________\n(١) كما هو نص الرواية المفصلة المتقدمة في أول سورة الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، وقد أخرج أبو داود برواية أبي هريرة مرفوعًا: المستبان ما قالا فعلى البادي منها ما لم يعتد المظلوم، زاد في الدر المنثور برواية أحمد وغيره: ثم قرأ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وأخرج أبو داود أيضًا عن عائشة قالت: مرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال لها رسول الله -ﷺ-: لا تسبخي عنه، وغير ذلك من الروايات.\n(٢) أي للتشهد، ولذا ذكر الحديث صاحب المشكاة وغيره في باب التشهد، والظاهر أن الرجل الداعي سعد بن أبي وقاص، كما أخرج أبو داود عنه نحو حديث الباب.\n(٣) ويؤيده لفظ ابن ماجة يقول: قام رسول الله -ﷺ-، في مقامي هذا عام الأول ثم بكى أبو بكر، الحديث. ولفظ أحمد: يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- في هذا اليوم من عام الأول، ثم استعبر أبو بكر، الحديث. وأوضح منهما ما في رواية أخرى لأحمد من حديث رفاعة يقول: سمعت أبا بكر الصديق يقول على منبر رسول الله -ﷺ-: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول، فبكى أبو بكر -﵁- حين ذكر رسول الله -ﷺ-، ثم سرى عنه، ثم قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في هذا القيظ عام الأول، الحديث.","vol":"4","page":367},{"text":"ﷺ وقيامه على المنبر وتذكيره إياهم، أو يكون بكاؤه أداء للسنة، وأما بكاء النبي -ﷺ- حين قام يعظهم، فأما لتذكره ما يرد على أمته من الأموال بالمعاصي والآثام، أو (١) الموصوف إلى صفته. قوله [من استغفر] أي نادمًا على ما ارتكب عازمًا (٢) تركه وإن فعل مرارًا. قوله [اشركنا في دعائك] فيه (٣) طلب الفاضل من دعاء المفضول.\n_________\n(١) بياض في الأصل بعد ذلك، وقال القاري: قيل: إنما بكي لأنه علم وقوع أمته في الفتن وغلبة الشهوة والحرص على جمع المال وتحصيل الجاه، فأمرهم بطلب العفو والعافية لعصمهم من الفتن، وقال أيضًا: الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، انتهى.\n(٢) إشارة إلى أن مجرد التلفظ بالاستغفار لا يكفي في التكفير، ولذا قال الربيع بن خثيم: لا يقل أحدكم: استغفر الله وأتوب إليه، فيكون ذنبًا وكذبًا، بل يقول: اللهم اغفر لي، قال الجزري: ليس كما فهم بعض أئمتنا أن الاستغفار على هذا الوجه يكون كذبًا بل هو ذنب، فإنه إذا استغفر عن قلب لا، لا يستحضر طلب المغفرة ولا يلجأ إلى الله بقلبه، فإن ذلك ذنب عقابه الحرمان، وهذا كقول رابعة: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير، وأما إذا قال: أتوب إلى الله ولم يتب فلا شك أنه كذب، انتهى.\n(٣) وقال القاري: فيه إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية، وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة، وتنبه لهم على أن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحبائهم، لا سيما في مظان الإجابة، وتفخيم لشأن عمر ﵁، وإرشاد إلى ما يحمي دعاءه من الرد، انتهى.","vol":"4","page":368},{"text":"قوله [وجعي بعد] أي الوجع الذي قد كنت مبتلى به. قوله [يضطرب فيه إلخ] إلا أن المؤلف بعد ترجيحه إسنادًا من أسانيده حكم عليه بالصحة، فلا يتوهم تنافي الاضطراب (١) لصحته.\n_________\n(١) يعني ما ترجح عند المصنف طريق من أسانيده فصار هذا الطريق صحيحًا، ولا يشكل عليه حينئذ وقوع الاضطراب في أسانيده الأخر، ولذا أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه بعدة طرق، وما أشار إليه المصنف من الاضطراب ذكره الحافظ في كتاب الدعوات في (باب التعوذ من البخل) ولا يذهب عليك أن ما في النسخة الأحمدية من لفظ الكنية على عبد الله في قوله: قال أبو عبد الله: أبو إسحاق الهمداني يضطرب غلط من الناسخ، والصواب: بدونه، فإنه عبد الله بن عبد الرحمن، كما في النسخة المصرية، قال الحافظ: وقد رواه أبو إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود ﵁، هذه رواية زكريا عنه، وقال إسرائيل: عنه عن عمرو عن عمر بن الخطاب ﵁، ونقل الترمذي عن الدارمي أنه قال: كان أبو إسحاق يضطرب فيه، قلت: لعل عمرو بن ميمون سمعه من جماعة، فقد أخرجه النسائي من رواية زهير عن أبي إسحاق عن عمرو عن أصحاب رسول الله -ﷺ-، انتهى. وينحل بكلام الحافظ هذا كلام الترمذي بوضوح مثل أن المراد بعبد الله الدارمي، وبعمر ابن الخطاب، وبغيره ابن مسعود، وغير ذلك، وعلم أيضًا أن الاضطراب عند الحافظ مرتفع لرواية النسائي، ثم قال الحافظ في كتاب جهاد في (باب التعوذ من الجبن) في قوله: كان سعد يعلم بنيه: لم أقف على تعيينهم، وقد ذكر محمد بن سعد في الطبقات أولاد سعد، فذكر من الذكور أربعة عشر نفسًا، ومن الإناث سبع عشرة، انتهى.","vol":"4","page":369},{"text":"قوله [وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل السجدة] وتأخير السورة المتقدمة إما لأن (١) كل شفع من النفل صلاة على حدة، أو لأن ذلك يجوز في النفل دون الفريضة، أو لأن الرواية لما صرحت بعكس الترتيب كان ذاك تخصيصًا، ويبقى النهى على عمومه فيما وراء ذلك، والله اعلم.\nقوله [مؤمن ورب الكعبة] أي أنت مؤمن والله يا أبا الحسن.\n_________\n(١) وفي هامش الحصن عن الحرز الثمين لعلي القاري: ولما كان كل شفع صلاة على حدة لم يرد أن سورة السجدة فوق الدخان، على أنه لا يكره في النوافل تقديم بعض السورة على بعض خلافًا لترتيب القرآن، انتهى. وفي الدر المختار: يكره الفصل بسورة قصيرة، وأن يقرأ منكوسًا، ولا يكره في النفل شيء من ذلك، انتهى. وقال أيضًا قبل ذلك: وإطالة الثانية على الأولى يكره، واستثني في البحر ما وردت به السنة، واستظهر في النفل عدم الكراهة مطلقًا، قال ابن عابدين: قوله مطلقًا، أي وردت به السنة أولًا بقرينة ما قبله، وأطلق في جامع المحبوب عدم كراهة إطالة الأولى على الثانية في السنن والنوافل، لأن أمرها سهل، واختاره أبو اليسر، ومشى عليه في خزانة المفتين، وفي شرح المنية: الأصح كراهة إطالة الثانية على الأولى في النفل أيضًا إلحاقًا له بالفرض فيما لم يرد به تخصيص من التوسعة كجوازه قاعدًا بلا عذر ونحوه، وأما إطالة =الثالثة على الثانية والأولى فلا تكره لما أنه شفع آخر، انتهى مختصرًا. والحديث صححه الحاكم على شرطهما لكن تعقبه الذهبي وحكم عليه بالشذوذ، وقال: أخاف ألا يكون موضوعًا، وقد حيرني والله جودة سنده، انتهى. وفي رواية قراءة السجدة في الثانية وحم الدخان في الثالثة.","vol":"4","page":370},{"text":"قوله [وأفضل العبادة انتظار الفرج] لأن فيه ترقبًا (١) لرحمة ربه ورجاء منه ومسألة من كرمه: قول [إذًا نكثر] بصيغة (٢) المتكلم مع الغير من الإكثار.\nقوله [قال قل إلخ] إنما كرر الأمر عليه ليجمع إليه قلبه ويكون مقبلًا عليه بحذافيره فيكون أوعى لما يقال وأدرى بمعاني المقال. قوله [يلقي النوى بأصبعيه] أي كان (٣) يجمع الأصبعين فيضع من فيه النواة على ظهرهما فيفتح ما بين الأصبعين حتى يسقط النوي من بينهما على الأرض.\n_________\n(١) قال القاري: انتظار الفرج أي ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بترك الشكاية إلى غيره تعالى وكونه أفضل العبادة، لأن الصبر في البلاء انقياد للقضاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، انتهى.\n(٢) قال القاري: أي نكثر من الدعاء لعظيم فوائده، ثم بسط في إعرابه، ثم قال: والله أكثر بالمثلثة، وفي نسخة بالوحدة، فمعناه الله أكبر من أن يستكبر عليه شيء، وأما على الأول فقال الطيبي: الله أكثر إجابة من دعائكم، والأظهر عندي أن معناه فضل الله أكثر، أي ما يعطى من فضله وسعة كرمه أكثر ما يعطيكم في مقابلة دعائكم، أو الله أغلب في الكثرة فلا تعجزونه في الاستكثار. فإن خزائنه لا تنفد وعطاياه لا تفنى، انتهى.\n(٣) بياض في الأصل بعد ذلك، وقال القاري: قيل: إنما بكي لأنه علم وقوع أمته في الفتن وغلبة الشهوة والحرص على جمع المال وتحصيل الجاه، فأمرهم بطلب العفو والعافية لعصمهم من الفتن، وقال أيضَا: الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، انتهى.","vol":"4","page":371},{"text":"قوله [إني توجهت بك إلى ربي إلخ] والخطاب (١) لحضور النبي -ﷺ- هناك. قوله [فتنسين الرحمة] معروفًا والرحمة مفعوله، وإن كان (٢) يصح أن يكون مجهولًا والرحمة منصوبة بنزع الخافض، أو بإفضاء الفعل إلى المفعول بعد حذف\n_________\n(١) قال الطيبي: سأل الله أولًا بطريق الخطاب ثم توسل بالنبي وعلى طريقة الخطاب ثانيًا، ثم كر إلى خطاب الله طالبًا منه أن يقبل شفاعة النبي ﷺ في حقه، وبسط القاري الكلام على الباء فارجع إليه، والحديث صححه الحاكم وأقره عليه الذهبي.\n(٢) قال القاري: قوله فتنسين بفتح التاء، أي فتتركن الرحمة بسبب الغفلة، والمراد بنسيان الرحمة نسيان أسبابها، أي لا تتركن الذكر فإنكن لو تركتن الذكر لحرمتن ثوابه فكأنكن تركتن الرحمة، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾، أي بالطاعة ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، بالرحمة، وفي نسخة صحيحة بصفة مجهولة من الأنساء، أي أنكن استحفظتن ذكر الرحمة وأمرتن بسؤالها، فاذا غفلتن فقد ضيعتن ما استودعتن فتركتن سدى عن -رحمة الله-، قال الطيبي: لا تغفلن نهى الأمرين، أي لا تغفلن عما ذكرت لكن من اللزوم على الذكر، والمحافظة عليه، والعقد بالأصابع توثيقًا، وقوله: فتنسين جواب لو، أي إنكن لو تغفلن عما ذكرت لكن لتركتن سدى عن رحمة الله، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾، أي لا يكن منكن الغفلة فيكون من الله ترك الرحمة، فعبر بالنسيان عن ترك الرحمة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾، انتهى ما في المرقاة. وبسط في شرح الحصن أكثر من هذا وقال: الأولى أن يقرأ على صيغة المجهول من المجرد، وكذا صحيح في أصل الترمذي، انتهى.","vol":"4","page":372},{"text":"حرف الجر. قوله [واجعل علانيتي صالحة] فتكون السريرة أصلح (١).\nوقوله [وقبض أصابعه وبسط السبابة إلخ] فيه دلالة (٢) على أن المسبحة لا توضع بعد الإشارة إلى وقت التسليم فإن البسط لا يتم إلا برفعها. قوله [سبق المفردون] إنما كان قال ذلك في سفر (٣)، وظاهر معناه هم المحفون (٤) في\n_________\n(١) لأنه طلب أولًا سريرة خيرًا من العلانية، ثم عقب بطلب علانية صالحة لدفع توهم أن السريرة ربما تكون خيرًا من علانية غير صالحة، قال القاري: وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته.\n(٢) وهذا هو الحديث الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام الشيح من الجزء الأول في (باب ما جاء في الإشارة) ولا ينافي حديث الباب ما في أبي داود من رواية مالك بن نمير عن أبيه قال: رأيت النبي -ﷺ- واضعَا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعًا أصبعه السبابة قد حناها شيئًا، زاد في رواية أحمد: وهو يدعو، لأن الحنو اليسير لا ينافي البسط الذي هو مقابل القبض، واختلاف الأوقات محتمل.\n(٣) كما صرح بذلك في رواية مسلم، ولفظها بسنده إلى أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جدان، فقال: سيروا هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: وما المفردون؟ الحديث. وفي الدر برواية ابن أبي شيبة وابن مروديه عن معاذ بن جبل، قال: بينما نحن نسير مع رسول الله -ﷺ- بالدف بين حمدان قال: يا معاذ أين السابقون؟ قلت: مضى ناس، قال: أين السابقون الذين يستهترون بذكر الله؟ الحديث.\n(٤) هكذا في الأصل والظاهر أنه من أجفى الماشية أتعبها. ويحتمل أن يكون أفعالًا من حفه بالشيء أحاط به.","vol":"4","page":373},{"text":"أسفار الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ لما كان دأبه الانتقال من أمور الدنيا إلى الآخرة وتنبيههم منها إليها قال: إن الفرد في الحقيقة هو الذي وضع الذكر أقاله وشغل الشغل بالحبيب لسانه وباله.\nقوله [فضلًا عن كتاب الناس] الكتاب المصدر والفضل الفاضلون (١)، يعني أن هؤلاء فاضلون وفارغون عن كتابة أعمال الناس، أي هم وراء الكرام الكاتبين.\n_________\n(١) قال النووي: ضبطوا فضلًا على أوجه، أرجحها بضم الفاء والضاد، والثاني بضم الفاء وسكون الضاد، ورجحه بعضهم، وادعى أنه أكثر وأصوب. والثالث بفتح الفاء وسكون الضاد، وقال عياض: هكذا الرواية عند جمهور شيوخنا في البخاري ومسلم، والرابع بضم الفاء والضاد كالأول لكن برفع اللام، يعني على أنه خبر إن، والخامس فضلًا بالمد جمع فاضل، قال العلماء: ومعناه على جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر، انتهى. ونسبة عياض هذه اللفظة إلى البخاري وهم أنها ليست في الصحيح، إلا أن تكون خارج الصحيح، ولم يخرج البخاري الحديث المذكور عن أبي معاوية أصلًا، وإنما أخرجه من طريقه الترمذي، وزاد ابن أبي الدنيا والطبراني في رواية جرير: فضلًا عن كتاب الناس، ومثله لابن حبان من رواية فضيل ابن عياض، وزاد: سياحين في الأرض، وكذا هو في رواية أبي معاوية عند الترمذي والإسماعيلي عن كتاب الأيدي، ولمسلم من رواية سهل عن أبيه: سيارة فضلا، هكذا في الفتح، وفي المجمع: إن لله ملائكة سيارة فضلا، أي زيادة على ملائكة مرتبين مع الخلائق، وروى بسكون ضاد: وضمها وهما مصدر بمعنى الفضلة والزيادة، وعن الطيبي بسكون ضاد جمع فاضل، وعن النووي أي ملائكة زائدين على الحفظة لا وظيفة لهم سوى حلق الذكر، انتهى. واختلف في عدد الحفظة كما في مراقي الفلاح وحاشيته الطحطاوي.","vol":"4","page":374},{"text":"قوله [فيحفون بهم إلى السماء الدنيا] ولعل الوجه في تكثرهم وتراحمهم في جانب العلو دون سائر الجهات الأربعة من اليمين والشمال والقدام والخلف أنهم لما رأوا البركة تنزل عليهم وتشملهم قصدوا أن يكونوا فيها لا يخرجوا عنها. قوله [ستين بابًا من الضر] غلط من الكاتب، والموجود في سائر النسخ سبعين (١) بابًا، وهو الصحيح، فليحرر! قوله [أنا عند ظن عبدي بي إلخ] ولا يذهب (٢)\n_________\n(١) وهو كذلك في النسخة المصرية والمجتبائية بلفظ سبعين بابًا.\n(٢) أشار الشيخ بذلك إلى الجمع بين حديث الباب وبين ما ورد من الذم والوعيد في الأماني والظنون والتالي في النصوص القطاعية الصريحة من القرآن والحديث، قال تعالى: ﴿َقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ الآية، وقال عز اسمه: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ= =فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، وقال جل ثناؤه: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ الآية، وغير ذلك من الآيات الكثيرة، وقد وردت الروايات في النهي عن التألي على الله بوجوه مختلفة، وقال الحافظ في الفتح: قوله: أنا عند ظن عبدي بي، أي قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامله به، وقال الكرماني: في السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف، وكأنه أخذه به من جهة التسوية، فإن العاقل إذا سمع ذلك لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد وهو جانب الخوف، لأنه لا يختاره لنفسه، بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد وهو جانب الرجاء، وهو كما قال أهل التحقيق مقيد بالمحتضر، ويؤيد== وذلك حديث: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، وهو عند مسلم من حديث جابر، وأما قبل ذلك في الأول أقوال ثالثها الاعتدال، وقال ابن أبي جمرة: المراد بالظن هاهنا العالم، وهو كقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾، وقال القرطبي قيل: معنى ظن عبدي بي ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها، ولذلك ينبغي للمرأ أن يجتهد في القيام بما عليه موقنًا بأن الله يقبله، فإن أعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها أنها لا تنفعه فهذا هو اليأس من الرحمة وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك وكل إلى ما ظن كما في بعض طرق الحديث المذكور: فليظن بي ما شاء، قال: وأما ظن المغفرة مع الإصرار فذلك محض الجهل والغرة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة، انتهى.","vol":"4","page":375},{"text":"عليك الفرق بين السفه والظن، والموعود هو الثاني دون الأول، مثل الفاسق (١) يظن له نعمًا جزيلة وهو مصر على كبائره، فيكون كمن يرجو بيادر (٢) الحبوب ولم يذر، وهو قريب عما ذكره سبحانه في كتابه فقال: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ ضَرَّاءَ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، فبحسبك سفاهته في عقله، جزم بنبل الثواب هناك وإن لم يجزم بالحشر والنشر، ولذا صدره بلفظ الشك.\n_________\n(١) قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا* أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ الآية.\n(٢) جمع بيدر، وهو مكان يداس فيه الطعام.","vol":"4","page":376},{"text":"قوله [وإن ذكرني في ملأ إلخ] ثم اختلف في تفضيلها هل الذكر (١) في الملأ أفضل أم الذكر في النفس؟ والحق الثاني إلا أن يكون أحد يذكر في النفس والملأ معًا فيذكره الله فيهما معًا، فهذا أفضل للجمع بين الفاضلتين، ولا يتوهم (٢) بالرواية تفضيل عامة الملائكة على عامة المؤمنين إذ الخيرية في من عنده تعالى فعل الخيرية المقربين من الملائكة.\nقوله [واستعيذوا بالله من عذاب جهنم] قال طاؤس: يجب على المصلى قراءة هذه الدعاء في قعوده للصلاة فإن الأمر (٣) للوجوب، وحمله الآخرون على\n_________\n(١) قال الحافظ: قال بعض أهل العلم: هذا الحديث يستفاد منه أن الذكر الخفي أفضل من الذكر الجهري، والتقدير إن ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطالع عليه أحدًا، وإن ذكرني جهرًا ذكرته بثواب اطلع عليه إلا الأعلى، انتهى.\n(٢) قال ابن بطال: هذا نص في أن الملائكة أفضل من بني آدم وهو مذهب جمهور أهل العلم، وعلى ذلك شواهد من القرآن، مثل: إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، والخالد أفضل من الفاني، وتعقب بأن: المعروف عن جمهور أهل السنة أن صالحي بني آدم أفضل من سائر الأجناس، والذين ذهبوا إلى تفضيل الملائكة الفلاسفة ثم المعتزلة، وقليل من أهل السنة من أهل التصوف، وبعض أهل الظاهر، فمنهم من فاضل بين الجنسين فقالوا: حقيقة الملك أفضل من حقيقة الإنسان لأنها نورانية، ومنهم من خص الخلاف بصالحىي البشر والملائكة، ومنهم =من خصه بالأنبياء، ثم منهم من فضل الملائكة على غير الأنبياء، ومنهم من فضلهم على الأنبياء أيضًا إلا على نبينًا، ثم بسط الحافظ في الدلائل فارجع إليه.\n(٣) وأوضح منه ما في أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع، الحديث. قال الشيخ في البذل: استدل بهذا الأمر على وجوب الاستعاذة، وقد ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية، وروى عن طاؤس، وقد ادعى بعضهم الإجماع على الندب، انتهى. قلت: وقد بوب البخاري في صحيحه (باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب) ثم أورد فيه حديث ابن مسعود في التشهد، وفي آخره: ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو، وهذا حجة الجمهور.","vol":"4","page":377},{"text":"الاستحباب. قوله [الذي ما يتمنى] المراد بالمنية ما هنا الدعاء. قوله [حتى يسأله الملح إلخ] وليس في الحديث تصريح بكون المسالة في الصلاة حتى يرد على الفقهاء ما قالوا (١) إن الدعاء بما يشبه كلام الناس مفسد للصلاة.\n_________\n(١) ففي الهداية: لا يدعو بما يشبه كلام الناس تحرزًا عن الفساد، واستدل لذلك ابن الهمام بقوله: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، انتهى.","vol":"4","page":378},{"text":"أبواب المناقب (١) عن رسول الله ﷺ\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>[باب في فضل النبي -ﷺ</span>-]\nقوله [في كبوة] الكبوة موضع الكناسة (٢) والدمنة، ويكون الشجر فيها أجود القوة الأرض، أو هو المرتفع من الأرض، والموجب لزيادة قوة النخلة ثمة قلة الفضول والاكتفاء من الماء بما تحتاج إليه.\nقوله [فجعلني من خير فرقهم] يعني أنه قسم الخلق فرقًا وطوائف، ففرق\n_________\n(١) قال القاري: جمع المنقبة وهي الشرف والفضيلة، انتهى. قال العيني: وهي ضد المثلبة، انتهى.\n(٢) قال شمر: لم نسمع الكبر، ولكنا سمعنا الكبا والكبة وهي الكناسة والتراب الذي يكنس، وقال غيره: الكبة من الأسماء الناقصة، أصلها كبوة بالضم كتلة، ويقال للربوة كبوة، قال الزمخشري: جمعها أكباء، وعلى الأصل جاء الحديث لكن لم يضبط المحدث نفتحها، فإن صحت الرواية يوجه بإطلاقه للمرة، وحديث: كمثل نخلة نبتت في كبا، هي بالكسر والقصر الكناسة، انتهى. وقال الدمنتي: همزة، ثم ذكر كلام شمر، ثم قال: وكرحمة المرة الواحدة من الكسح كساحة وكناسة، انتهى.","vol":"4","page":379},{"text":"منهم خير (١) وفرق منهم شر، ثم خير الفرقة من خيار الفرق، فمعنى خير الفرق في الحديثين (٢).\n_________\n(١) وأخرج القاضي في الشفاء بسنده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسمًا، فذلك قوله ﷿: وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثًا، فجعلني من خيرها ثلثا، وذلك قوله \"وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة\" الآيات، فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني من خيرها قبيلة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ الحديث.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك، ولم يذكر صاحب المشكاة هذا الحديث بل ذكر الحديث الآتي والمؤدى واحد، وفسره القارئ بقوله: (عن العباس أنه جاء) غضبان (إلى النبي ﷺ فكأنه سمع شيئًا) من الطعن في نسبه، قال الطبي: قوله فكأنه سمع مسبب عن محذوف، أي جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعنًا من الكفار، نحو قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ كأنهم حقروا =شأنه وأن هذا الأمر العظيم الشأن لا يليق إلا بمن هو عظيم من القريتين، فأقرهم ﷺ على سبيل التبكيت على ما يلزم تعظيمه وتفخيمه، فإنه أولى بهذا الأمر من غيره، لأن نسبه أعرف وأروميته أعلى وأشرف، ويؤيده ما روى البخاري عن أبي سفان أنه حين سأله هرقل عظيم الروم عن نسبه ﷺ، فقال: هو فينا ذو نسب، فقال هرقل: سألتك عن نسبه فذكرت أنه ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. (فقال: إن الله خلق الخلق) أي من الجن والأنس، وأبعد الطبي وأدخل الملك معهم، قلت: وفي البعد خفاء، ثم قال: (فجعلني في خيرهم) وهو الأنس (ثم جعلهم) أي صير هذا الخير بمعنى الخيار والأخيار (فرقتين) عربًا وعجمًا (فجعلني في خيرهم فرقة) وهم العرب (ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة) يعني قريشًا (ثم جعلهم بيوتًا) أي بطونًا (فجعلني في خيرهم بيتًا) يعني بطن بني هاشم، انتهى.","vol":"4","page":380},{"text":"قوله [وآدم بين الروح والجسد] إن كان (١) المراد تقدير النبوة له (٢) فالأنبياء كلهم سواسية (٣) في ذلك، وإن أريد (٤) به إعلامه في عالم\n_________\n(١) توضيح هذا المبحث العظيم القدر رفيع الشأن يحتاج إلى قوة قدسية ودفاتر عظيمة لا يسعها هذا المختصر، ولا يقدر عليها هذا الآخر، وأشار إلى شيء من هذه المباحث القسطلاني في مبدأ المواهب ناقلًا عن كتاب النفخ والتسوية للغزالي، وهذا هو المشهور على ألسنة القوم بالحقيقة المحمدية، لا يصل إليها الواصل إلا بعد طي المنازل العلوية.\n(٢) كما جزم بذلك الشراح، وقال القاري: وجبت لي النبوة والحال أن آدم مطروح على الأرض صورة بلا روح، والمعنى أنه قبل تعلق روحه بجسده، قال الطبي: هو جواب لقولهم متى وجبت؟ أي وجبت في هذه الحالة، فعامل الحال وصاحبها محذوفان، انتهى.\n(٣) ولذا قال القسطلاني: إن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله تعالى محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي ﷺ بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلابد من خصوصية إلخ.\n(٤) كما حكاه في شرح الجامع الصغير إذ قال: قال المناوي: بمعنى أنه تعالى أخبره بمرتبته وهو روح قبل إيجاده الأجسام، انتهى.","vol":"4","page":381},{"text":"الأرواح بكونه نبيًا لا يكون فيه كثير مدح، مع أن سائر الأنبياء لعلهم أعلموا بأن الله مستنبئهم ومرسلهم إلى أقوام في وقت، فالمعنى (١) أنه ﷺ قد أعطى فاضلة التعليم والتربية في عالم الأرواح، فكان في تهذيب الأرواح وتكميلها، وبذلك يعلم وجه قوله ﷺ: إن آدم ومن سواه تحت لوائه يوم القيامة، إلى غير ذلك من الإشارات.\nله [ولا فخر] ويمكن أيضًا (٢) أن يقال في معناه: أن لا فخر بما\n_________\n(١) وإلى نحو هذا المعنى أشار شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في مؤلفاته كما أجمله في الدر الثمين، وبسطه بشيء من التفصيل في فيوض الحرمين، فقال: سألته ﷺ عن معنى قوله: كنت نبيًا وآدم منجدل بين الماء والطين، وكان هذا السؤال بلسان المقال ولا الأخطار بالبال، فأراني صورته الكريمة المثالية قبل أن يوجد في عالم الأجسام، ثم أراني كيفية انتقاله إلى هذا العالم من عالم المثال، وأراني أشباح الأنبياء المبعوثين وكيف أفيض عليهم النبوة من حضرة التدبير حذو ما أفيض عليه في عالم المثال من تلك الحضرة، ثم شرح كلامه ذلك فأرجع إليه، وفي الدر الثمين: سألته ﷺ سؤالًا روحانيًا عن معنى قوله ذلك، ففاض على روحي من روحه الكريمة الصورة المثالية التي كانت قبل أن يوجد في عالم الأجسام، وأن فيضانها في الحضرة المثالية كان عند كون آدم = =منجدلًا بين الماء والطين، وأن له ﷺ ظهورًا تامًا في تلك الحضرة، وهو المعبر عنه بالنبوة في ذلك الحديث، ولذلك لما وجد في العالم الجسماني انتقل معه القوى المثالية، فظهر من العلوم ما لم يكن بحساب، انتهى.\n(٢) أشار بقوله (أيضًا) إلى معناه المشهور، ولم يذكر هذا المعنى لشهرته وظهوره، وهو أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله تعالى لم أنلها من قبل نفسي ولا نلتها بقوتي، فليس لي أن افتخر بها، انتهى.","vol":"4","page":382},{"text":"ذكرته (١) فإنه ليس شيئًا كبيرًا مما أعطاني الله من كمالات الظاهر والباطن وما لي عند ربي من المزية، ودون ذلك لي مناقب عند الله ومآثر ليس يمكنني إحصاؤها أو إظهارها. قوله [إلا خر ساجدًا] وكان ذلك سجدة أرواحها لا أشباحها، ولذلك لم يتنبه له غير الراهب. قوله [فقال: هل خلفكم أحد إلخ] المراد بالخلف هو المقام الذي أرسلوا منه، يعني أن في دياركم هل أحد له دراية أم كل من ها هناك حمير مثلكم، ووجهه بما قال: أرأيتم أمرًأ أراد الله إلخ، ولكنهم لما لم يروا لذلك جوابًا أعادوا كلامهم الأول.\nقوله [وبعث معه أبو بكر بلالًا] وقد أنكر العلماء (٢) في هذه الرواية\n_________\n(١) وقال القاري: قوله ولا فخر، أي لا أقواله تفاخرًا بل تحدثًا بالنعمة، وقيل: لا أفتخر بذلك بل أفتخر بمن أعطاني هذه المرتبة، أقول: ويمكن أن يكون المعنى ولا فخر لي بهذه السيادة، بل افتخر بالعبودية له والعبادة فإنه يوجب الحسنى والزيادة.\n(٢) قال الجزري: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح، أو أحدهما، وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ، وعده أئمتنا وهما وهو كذلك، فإن سن النبي ﷺ إذ ذاك اثنا عشرة سنة وأبو بكر أصغر منه سنتين، وبلال لعله لم يكن ولد في ذلك الوقت، وقال في ميزان الاعتدال: قيل: مما يدل على بطلان هذا الحديث قوله: وبعث معه أبو بكر بلالًا وبلال لم يخلق بعد وأبو بكر كان صبيًا، وقال الحافظ في الإصابة: الحديث رجاله ثقات وليس فيه سوى هذه اللفظة، فيحتمل أنها مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر وهما من أحد رواته، كذا في المواهب، هكذا في المرقاة لعلي القاري.","vol":"4","page":383},{"text":"ثلاثة أمور: أن يبعث أبو بكر بلالًا، أما نفس البعثة فلأن (١) أبا بكر لم يكن له معه ﷺ ما يحمله على أن يبعث معه غلامه، وإن أمكن الجواب عنه بأن أبا بكر كان محبًا له ﷺ بدو حاله، فلا ينكر أن يكون محبته به باعثة لذلك البعث، والثاني بعثة أبي بكر فإنه كان أصغر منه ﷺ بعامين، وهذا غير مستبعد أيضًا فإن أطفال الأمراء لا سيما النجار يكون لهم مع صغر السن وقلة التجارب ما ليس لأكثر كبار الفقراء الصعاليك من النظر في الأمور، وكان آباؤهم يصاحبونهم في أسفار التجارات ليحصل لهم معرفة بموارد الأمور ومصادرها، وأما الثالث فبعثة بلال والبلال لم يولد بعد، وقد ثبت أن أبا بكر إنما اشتراه بعد شيوع الإسلام وفشو التبليغ، وكان إذ وقعت قضية الراهب غير مبعوث، فأما أن يقال: إن الراوي نسيه فذكر البلال موضع غيره، أو يكون هذا بلال آخر غير المعروف من الصحابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>[باب في مبعث النبي ﷺ إل </span>خ]\nقوله [وهو ابن خمس وستين] هذا مخالف لما ذكر أولًا، والرواية المثبتة لثلاث وستين هي الأصح (٢)، وأما رواية الستين وخمس وستين\n_________\n(١) وفيه أن هذا أيضًا يتعلق ببعثة أبي بكر لا بنفس البعثة، فالوجه الأول والثاني كلاهما يتعلقان ببعثة أبي بكر لا بنفس البعثة، اللهم إلا أن يقال: إن الوجه الأول لما كان متعلقًا بأبي بكر والنبي ﷺ معًا عزاه إلى نفس البعثة، بخلاف الثاني فإنه كان متعلقًا بأبي بكر خاصة باعتبار صغر سنه، فتأمل!\n(٢) هذا هو المتفق عليه عند جمهور المحدثين، وما أفاده الشيخ من التوجيه في الجمع معروف عند شراح الحديث، قال القاري في شرح الشمائل: اتفق العلماء على أن أصحها ثلاث وستون، وتأولوا ما في الروايات عليها، فرواية ستون محمولة على أن الراوي اقتصر فيها على العقود وترك الكسور، ورواية الخمس متأوله أيضًا بإدخال سنتي الولادة والوفاة، أو حصل فيها اشتباه، وقد أنكر عروة على ابن عباس قوله: خمس وستون، ونسبه إلى الغلط، وقال: إنه لم يدرك أول النبوة ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين، إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":384},{"text":"فحمولتان على أن الراوي أسقط الكسر أي الآحاد واكتفى على ذكر العشرات، أو أتم الكسر فعده كاملًا، وكلاهما مبني على العادة لا سيما العرب، فأنهم لما اعتادوا من القديم (١) والجاهلية أن يبدؤا من رأس المحرم وغرته أمورهم وحسابهم، أتموا الكسر فذكروا سن الهجرة وقيام المدينة أحد عشر، وكذا مدة قيامه بمكة بعد البعثة أربعة عشر، مع أن الأول عشر والثاني ثلاثة عشر وشهور، ومثل ذلك ممكن في الولاد والوفات، وهذا يمكن فهمه بأدنى تأمل، فافهم!\nقوله [ولا بالآدم] أي أدمة (٢) فيها سواد، فحيث نفيت الأدمة فبهذا المعنى، وحين (٣) أثبتت فبمعنى حمرة ضاربة بالبياض. قوله [إلا وهو يقول:\n_________\n(١) كما أشار إليه عثمان إذ شاور عمر الصحابة في مبدأ التاريخ، فقيل: رجب، وقيل: شهر رمضان، وقيل غير ذلك، فقال عثمان: أرخوا من المحرم أول السنة وهو شهر حرام وهو أول الشهور في العدة، وهو منصرف الناس عن الحج، كذا في التدريب.\n(٢) قال القاري في جمع الوسائل: آدم أفعل صفة مهموز الفاء، أصله أ. دم أبدلت الفاء ألفًا، والأدمة شدة السمرة، وهي منزلة بين البياض والسواد، فنفيه لا ينافي السمرة في حديث آخر. قال العسقلاني: تبين من مجموع الروايات أن المراد بالبياض المنفي ما لا يخالطه الحمرة، والمراد بالسمرة الحمرة التي يخالطها البياض، انتهى.\n(٣) كما في حديث حميد عن أنس في شمائل الترمذي وغيره بلفظ: أسمر اللون، قال القاري: يريد نفي البياض القوي مع حمرة قليلة، فلا ينافي حديث: ولا بالآدم المراد به شديد السمرة، قال العراقي: هذه اللفظة انفرد بها حميد عن أنس، ورواه غيره من الرواة بلفظ أزهر اللون، انتهى.","vol":"4","page":385},{"text":"السلام] فكان ذلك معجزة لنبينا وكرامة لعلينا، حيث بدا له ما كان يخفى لغيره.\nقوله [إلى لزق جزع] من إضافة الصفة إلى موصوفه، وكان لازقًا (١) بالجدار. قوله [إلا شعيرات بيض] وأما بياض شعرات النبيي ﷺ مع أنه في نصف من عمر هذا الصحابي الذي دعا له فلغلبة (٢) الخشية عليه.\nقوله [وردتني (٣) ببعضه] لئلا يظهر أن في إبطه شيئًا فيشرفوا له.\nقوله [فقمت عليهم (٤)] أي مترددًا هل أسكت فيفوت الغرض من إرسالي، أو أبدى ما أرسلت به فلا يبقى للنبي ﷺ منه إلا يسير.\n_________\n(١) قال في المجمع: يقال داره لزق دار فلان أي لازقه ولا صقه، انتهى.\n(٢) كما تقدم في حديث أبي بكر، قال: يا رسول الله شبت، قال: شيبتني هود والواقعة، الحديث.\n(٣) هكذا لفظ البخاري في الأطعمة، ولفظه في علامات النبوة: فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتنى ببعضه، الحديث. قال الحافظ. والمراد أنها لفت بعضها على رأسه وبعضها على إبطه.\n(٤) وما ذكر الحافظ من رواية يعقوب تدل على أنه كان مأمورًا بذلك، إذ قال: وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس عند أبي نعيم، وأصله عند مسلم، فقال لي أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبًا من رسول الله ﷺ، فإذا قام فدعه حتى يتفرق أصحابه، ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له: إن أبي يدعوك، ثم لا يذهب عليك أن الحافظ مال إلى تعدد هذه القصة لاختلاف الروايات الواردة في ذلك كما ذكر له القرائن في الفتح في علامات النبوة.","vol":"4","page":386},{"text":"قوله [أرسلك أبو طلحة] لما علم النبي ﷺ ذهاب أبي طلحة إلى بيته عالمًا بحاله ﵊ عرف أنه طلبه في بيته (١)، وعلى هذا فمعنى بطعام لطعام، ولكنه لما علم بظهور معجزته (٢) ثم ناداهم أجمع، أو لأنه لما علم من حال أبي طلحة أنه لا يبخل بموجود ولا يتكلف بما ليس عنده طلبهم إلى بيته اعتمادًا على محبته له ولأصحابه، ولا يبعد أنه عرف إيتان أنس بما أرسل به إلا أنه أراد أن يكون بركة على أبي طلحة نزولهم في بيته فلذلك أخذهم معه، وعلى هذا الأخير لا إشكال في دعوة القوم إلى بيته، لأن الدعاء لم يكن إلى طعامه. وإنما كان دعاهم إلى ما أهداه أبو طلحة له، فصار ملكه (٣).\n_________\n(١) وإليه مال الحافظ وقال: أكثر الروايات تقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي ﷺ في هذه الواقعة في بيته، ثم ذكر الروايات الدالة على ذلك.\n(٢) أي علم أن معجزته ﷺ ستظهر في بيته، ويشير إلى ذلك ما ورد في الروايات من جوابه ﷺ، ففي رواية عمرو بن عبد الله قال أبو طلحة: إنما هو قرص، فقال: إن الله سيبارك فيه، ونحوه في رواية عمرو بن يحيى المازني، وفي رواية يعقوب: فقال أبو طلحة: إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، فقال: ادخل فإن الله سيبارك فيما عندك، ذكر هذه الروايات الحافظ.\n(٣) يشكل عليه أن الهبة لا تتم إلا بالقبض ولم يتحقق بعد، فكيف صار ملكه، والجمهور على أن الموهوب يبقى في ملك الواهب قبله خلافًا لمالك، كما بسطه صاحب البدائع والحافظ في الفتح، ويمكن الجواب عنه أن الهبة لما تحققت من جانب الواهب ولم يبق عن النبي ﷺ إلا القبض فهو على شرف الملك، والنبي ﷺ أطعمهم بعد ما قبض فلم يكن الدعوة إلا إلى ملكه.","vol":"4","page":387},{"text":"قوله [وعصرت أم سليم إلخ] ولا يتوهم أن أم سليم كيف أرسلت الأقراص أولًا يابسة وقد أرسلتها له ﷺ خاصة، والآن تأدمه للقوم بالزيت، لأنها فالت (١) بالزيت أولًا على وجوهها، ولكنها لما فتت الأقراص غلبت اليبوسة عليها وصار ما أدمتها به أولًا كأن لم يكن شيئًا، هذا والله أعلم. قوله [ينبع من تحت أصابعه (٢)] ولا يبعد أن يتنبط منه جواز التوضئ بماء الشجر وبعض الثمار إذا حصل (٣) من غير\n_________\n(١) فالت بالفاء: أس سمنت.\n(٢) وقد وقعت هذه المعجزة عدة مرات، قال القاضي في شرح الشفاء: أما الأحاديث في هذا فكثيرة جدًا، وروى حديث نبع الماء من بين أصابعه ﷺ جماعة من الصحابة، منهم أنس وجابر وابن مسعود، ثم بسط الروايات في ذلك، وحكى عن الترمذي في الباب عن عمران حصين، ثم قال: ومثل هذا في مثل هذه المواطن الحفيلة والجموع الكثيرة لا تتطرق التهمة إلى المحدث به، لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذيبه لما جبلت عليه نفوسهم من ذلك، ولأنهم كانوا ممن لا يسكت على باطل، فهؤلاء قد رووا هذا وأشاعوه ونسبوا حضور الجم الغفير له، ولم ينكر أحد من الناس عليهم ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه، فصار كتصديق جميعهم له، انتهى.\n(٣) قال في الهداية: (ولا يجوز بما اعتصر من الشجر والثمر) لأنه ليس بماء مطلق، وأما الماء الذي يقطر من الكرم فيجوز التوضى به لأنه يخرج من غير علاج، ذكره في جوامع أبي يوسف، وفي الكتاب إشارة إليه حيث شرط الاعتصار، انتهى. وفي الدر المختار: ولا بعصير نبات، أي معتصر من شجر أو ثمر، لأنه مقيد، بخلاف ما يقطر من الكرم أو الفواكه بنفسه، فإنه يرفع الحدث، وقيل: لا، وهو الأظهر كما في الشر نبلالية عن البرهان، واعتمده القبستاني فقال: والاعتصار يعم الحقيقي والحكمي كماء الكرم، انتهى. قال ابن عابدين: قوله هو الأظهر هو المصرح به في كثير من الكتب، واقتصر عليه في الخانية والمحيط، وفي الحلية أنه الأوجه لكمال الامتزاج، وقال الرملي في حاشية المنهج: من راجع كتب المذهب وجد أكثرها على عدم الجواز، انتهى.","vol":"4","page":388},{"text":"صنع ولم يخرج عن طبيعة الماء. قوله [تعدون الآيات عذابًا إلخ] يعني أنها كانت في عصره صلى الله عليه توجب زيادة في الإيمان مبشرات كانت أو منذرات، وأما فيكم فلا تفيد (١).\n_________\n(١) الظاهر أنهم يعدون الآيات كلها تخويفًا، أنهم يعدون الآيات كلها تخويفًا مستدلين بالآية كما يظهر من كلام الحافظ إذ قال: الذي يظهر أنه أنكر عليهم عد جميع الخوارق تخويفًا، وإلا فليس جميع الخوارق بركة فإن التحقيق يقتضى عد بعضها بركة من الله كشبع الخلق الكثير من الطعام القليل، وبعضها تخويفًا من الله ككسوف الشمس والقمر، كما قال ﷺ: إنهما آيتان من آيات الله يخوف بها عباده، وكأن القوم الذين خاطبهم عبد الله بن مسعود بذلك تمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ ووقع عند الإسماعيلي من طريق الوليد بن القاسم عن إسرائيل في أول هذا الحديث: سمع عبد الله بن مسعود بخسف فقال: كنا أصحاب محمد نعد الآيات بركة، الحديث، انتهى. وقال القاري: قيل أراد ابن مسعود بذلك أن عامة الناس لا ينفع فيهم إلا الآيات التي نزلت بالعذاب والتخويف، وخاصتهم يعني الصحابة كان ينفع فيهم الآيات المقتضية للبركة، وحاصله أن طريق الخواص مبني على غلبة المحبة والرجاء، وسبيل العوام مبني على كثرة الخوف والعناء، والأظهر أن يقال: معناه كنا نعد خوارق العادات الواقعة من غير سابقة طلب مما يترتب عليها البركة آيات ومعجزات وأنتم تحصرون خوارق العادات على الآيات المقترحة التي يترتب عليها مخافة العقوبة، انتهى مختصرًا. والأوجه عندي في معناه: كنا أي الصحابة نهتم بإحصاء الآيات التي تظهر البركة، فإنه سبب لازدياد المحبة مع النبي ﷺ وزيادة الرجاء مع الله عز اسمه، وأنتم أيها المخاطبون عمدة شغفهم الاهتمام بحصر آيات العذاب، والغرض التنبيه إلى ترك التوغل فإنه يؤثر شيئًا من اليأس لغلبة الخوف، فتأمل.","vol":"4","page":389},{"text":"تلك الفائدة، فلم تبق إلا تخويفات وتهويلات، أو المعنى أن الأكثر فينا كانت مبشرات والأكثر فيكم منذرات. قوله [بعيد ما بين المنكبين] مكبرًا ومصغرًا (١)، والمعنى على الأول ظاهر، وعلى الثاني ما بين منكبيه ﷺ بعد قليل.\nقوله [لا بل مثل القمر] لما كان التشبيه في مجرد النورانية، ولم يكن الطول مقصودًا في وجه الشبه كما ليس التدوير البحت مقصودًا في تشبيه بالقمر رد تشبيهه بالسيف، لأن ضياء السيف ليست محبوبة تسر الناظرة وتضر الباصرة بخلاف\n_________\n(١) وبذلك جزم القاري في المرقاة، لكنه تعقب في شرح الشمائل على قول عصام: ويروى مصغرًا، والظاهر الأول، وبهما معًا ضبطه المناوي وغيره، قال القاري: أراد ببعيد ما بينهما السعة إذ هي علامة النجابة، وقيل: بعد ما بينهما كناية عن سعة الصدر، وشرحه الدال على الجود والوقار، قال العسقلاني: المنكب مجمع عظم العضد والكتف، ومعناه عريض أعلى الظهر، انتهى. وهو مستلزم لعرض الصدر، ومن ثم وقع في حديث أبي هريرة عند ابن سعد: رجب الصدر كما في الفتح، وقال القاري: تصغير بعيد تصغير ترخيم = =كغلام وغليم، والأصل في تصغيرهما بعيد وغليم بتشديد الياء فيهما، وفي هذا التصغير إشارة إلى أن طول ما بين منكبيه الشريفين لم يكن متناهيًا إلى العرض المنافي للاعتدال، انتهى.","vol":"4","page":390},{"text":"ضياء القمر. قوله [من قصر الأحنف] أي كان أبو جعفر من أهله، وهو اسم موضع (١). قوله [يعيد الكلمة ثلاثًا] أي بعضها (٢) وهو المهتم به من الكلام، والقرينة على ذلك لتعقل وسائر الروايات. قوله [أكثر تبسمًا] من ضحكة (٣) لا من تبسم سائر الناس. قوله [من وضوئه] أي فضالته أو غسالته (٤).\n_________\n(١) قال ياقوت الحموي: كان الأحنف بن قيس قد غزا طخارستان في سنة ٣٢ هجرية في أيام عثمان وإمارة عبد الله بن عامر، حاصر حصنا يقال له سنوان، ثم صالحهم على مال وآمنهم، يقال لذلك الحصن قصر الأحنف، انتهى.\n(٢) وبه جزم غير واحد من الشراح منهم الحافظ، كما بسط وذكر له القرائن في (باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه) قلت: والحديث مع غرابته أخرجه البخاري في صحيحه، وبسط الحافظ في ترجمة عبد الله بن المثنى.\n(٣) وبنحو ذلك جزم القاري في شرح الشمائل إذ قال: تبسمه أكثر من ضحكه بخلاف سائر الناس، فإن ضحكهم أكثر من تبسمهم، انتهى. وتعقبه المناوي، ثم قال: وذلك لا ينافي تواصل الأحزان بل ينافي السرور، وشأن الكمل إظهار الانبساط لمن يريدون تألفه أو استعطافه مع تلبسهم بالحزن، وإظهار الانبساط لا ينافي ظهور الحزن كما هو محسوس.\n(٤) قال القاري في جميع الوسائل: الرواية بفتح الواو، أي ماء وضوئه، قال ابن حجر: هو ما أعد للوضوء، أو ما فضل عنه، أو ما استعمله فيه، انتهى. والأنسب الأوسط، والأول غير صحيح لمخالفته الأدب ولإبعاد فاء التعقيب، ولذا اقتصر البيضاوي على الاحتمالين، وقال ميرك: الظاهر ما انفصل عن أعضاء وضوئه، لأن ملاحظة التبرك والتيمن فيه أقوى، وبسط القاري في ترجيح الفضالة فارجع إليه.","vol":"4","page":391},{"text":"قوله [مثل زر الحجلة] والتشبيه في الهيئة والصورة (١) لا المقدار، ولذلك اختلفت فيه الألفاظ. قوله [غدة (٢)] أي كان مثل سائر الجسم لا شيئًا مبائنًا عنه بالكلية. قوله [أشكل العينين] أي في بياضهما خطوط أحمر.\n_________\n(١) أشار الشيخ بذلك إلى الجمع بين الروايات المختلفة الواردة في ذلك، كما بسطها القاري في شرح الشمائل، وقال القرطبي: الأحاديث الثابتة تدل على أن خاتم النبوة كان شيئًا بارزًا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلل جعل كبيضة الحمام، وإذا كثر جعل كجمع البد، وقال القاضي: رواية جمع الكف يخالفه بيضة الحمام وزر الحجلة فتؤول على وفق الروايات الكثيرة، أو كهيئة الجمع لكنه أكثر منه في قدر بيضة الحمامة، ثم قال القاري: زر الحجلة بكسر الزاي والراء المشددة وبفتح الحاء المهملة والجيم: هي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعرى، وهذا ما عليه الجمهور، وقيل: المراد بالحجلة الطائر المعروف يقال له بالفارسية كبك، وزرها بيضها، والمعنى أنه مشبه بها، ويؤيده الحديث الآخر مثل بيضة الحمامة، فلا وجه لقول ابن حجر في المعنى الأول: هو الصواب كما قاله النووي، على أن الخطابي ذكر: روى بتقديم الراء على الزاي والمراد به البيض، ووقع في بعض نسخ البخاري: قال أبو عبد الله: الصحيح تقديم الراء على الزاي، وأما قول التوربشتي: تقديم الراء ليس بمرضي، فمحمول على أن الأول هو المعول عليه، لا أنه معلل، انتهى.\n(٢) قال القاري: غدة بضم المعجمة وتشديد المهملة قطعة اللحم المرتفعة، والمراد أنه شبيه بها، وفي المناوي عن القاموس: بالضم كل عقدة في الجسد أطاف بها شحم، وعن المصباح: الغدة لحم يحدث بين الجلد واللحم يتحرك بالتحريك، انتهى.","vol":"4","page":392},{"text":"قوله [وأنا ابن ثلاث وستين] رجى أن يوافقهم في ذلك وهو سبب للكرامة، ولا ندري (١) هل رزق ذلك أن لا، رضي الله تعالى عنه وعن سائر الصحابة والتابعين.\n_________\n(١) قال ميرك: لكنه لم ينل مطلوبة ومتوقعه بل مات وهو قريب من ثمانين، وفي جامع الأصول: كان معاوية في زمان نقله هذا الحديث في هذا السن ولم يمت فيه، بل مات وله ثمان وسبعون سنة، وقيل: ست وثمانون، قال القاري: ولم يذكر عثمان فإنه قتل وله من العمر ثلاث وستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون وخمسون، للاختلاف الواقع بينهما، أو لعدم معرفته بعمره بسبب تعدد الروايات، أو لكونه حيًا، انتهى.","vol":"4","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-888>مناقب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه</span>\nقوله [أبرأ إلى كل خليل من خله (١)] يعني لو كان لأحد خلة بي فإني\n_________\n(١) قال المجد: الخل والخلة بكسرهما أي المصادقة والإخاء، انتهى. وفي الحديث عدة أبحاث مفيدة لا يسع المحل الكلام على جملتها بالتفصيل، ونذكر بعضًا منها مختصرًا: الأول في معنى الخلة، قال الزمخشري: الخليل هو الذي يوافقك في خلالك ويسايرك في طريقك، أو الذي يسد خللك وتسد خلله، أو يداخلك خلال منزلك، وقيل: أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله، وقيل: الخليل من يتخلل سرك، وقيل: من لا يسع قلبه غيرك، وقيل: أصل الخلة الاستصفاء، وقيل: المختص بالمودة، وقيل: اشتقاق الخليل من الخلة وهي الحاجة، فعلى هذا فهو المحتاج إلى من يخاله، وهذا كله بالنسبة إلى الإنسان. أما خلة الله للعبد فبمعنى نصره له ومعاونته، كذا في الفتح، والثاني اختلف في المودة والخلة والمحبة والصداقة هل هي مترادفة أو مختلفة، قال أهل اللغة: الخلة الصداقة والمودة، ويقال: الخلة أرفع رتبة وهو الذي يشعر به حديث الباب، وكذا قوله ﷺ: لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي، فإنه يشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم، وقد ثبت محبته لجماعة من أصحابه كأبي بكر وفاطمة وعائشة والحسنين وغيرهما، إلى آخر ما بسطه الحافظ وغيره، والثالث اتصاف إبراهيم ﵇ بالخلة، ومحمد ﷺ بالمحبة، ويشكل إذا كانت الخلة أرفع، وأجاب الحافظ بأن محمدًا ﷺ ثبت له الأمران معًا فيكون رجحانه من الجهتين، والرابع ما قال الحافظ أيضًا: قد تواردت الأحاديث على نفي الخلة عن النبي ﷺ لأحد من الناس، وأما ما روى عن أبي بن كعب قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس دخلت عليه وهو يقول: إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلًا وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، أخرجه أبو الحسن الحربي، ويعارضه ما في رواية جندب عند مسلم أنه سمع النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن ثبت حديث أبي أمكن أن يجمع بينهما بأنه لما برئ من ذلك تواضعًا لربه وإعظامًا له أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لما رأى من تشوقه إليه وإكرامًا لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحب الطبري، وقد روى من حديث أبي أمامه نحو حديث أبي بن كعب دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحدي في تفسيره، والخبران واهيان، انتهى. والخامس ما قال الداودي: لا ينافي هذا قول أبي هريرة وأبي ذر وغيرهما: أخبرني خليلي ﷺ لأن ذلك جائز لهم، ولا يجوز للواحد منهم أن يقول: أنا خليل النبي ﷺ، ولذا يقال: إبراهيم خليل الله، ولا يقال: الله خليل إبراهيم، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، انتهى. وفيه أبحاث أخر.","vol":"4","page":394},{"text":"أبرأ إليه من أن أتخذه خليلًا ويرجع إليه خلتي، بل الخلة لي مع الله سبحانه، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر، لكونه أحرى بذاك وأولى من كل مؤمن. قوله [قالت: ثم أبو عبيدة بن الجراح] فأما إن لم تكن عالمة (١) بالترتيب\n_________\n(١) فإن الترتيب عند الجمهور أن الخلفاء الراشدين أفضل الأمة على ترتيب الخلافة، قال الحافظ بعد ما بسط الكلام في التخيير بعد الشيخين: نقل البيهقي في الاعتقاد بسنده إلى أبي ثور عن الشافعي: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، انتهى. وقال السيوطي في التدريب: أفضلهم على الإطلاق أبو بكر ثم عمر بإجماع أهل السنة، وممن حكى الإجماع القرطبي، وقال: لا مبالاة بأقوال أهل الشيع ولا أهل البدع، وكذا حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين على ذلك، انتهى. وقد أجاب شيخ المشايخ الدهلوي في الإنجاح عن حديث الباب بأن المحبة تختلف بالأسباب والأشخاص، فقد يكون للجزئية، وقد يكون بسبب الإحسان، وقد يكون بسبب الحسن والجمال وأسباب أخر لا يمكن تفصيلها، ومحبته ﷺ لفاطمة للجزئية والزهد، ومحبته لعائشة للزوجية والتفقه، ومحبة أبي بكر =وعمر وأبي عبيدة بسبب القدم في الإسلام وإعلاء الدين ووفور العلم، فإن الشيخين لا يخفى حالهما، وأما أبو عبيدة فقد فتح الله على يديه فتوحًا كثيرة في خلافة الشيخين، وسماه ﷺ أمين هذه الأمة، والمراد في هذا الحديث محبته ﷺ لهذا السبب، فلا يضر ما جاء في الأحاديث الأخر إلخ.","vol":"4","page":395},{"text":"كملا، أو كانت قد علمت أن الترتيب إنما هو أبو بكر وعمر وعثمان إلا أنها ذكرت أبا عبيدة بصفة مخصوصة فيه كالأمانة أو غيرها مما هي عالمة بها، فقالت: إن الشيخين فضلهما على سائر الصحابة كلي، وفي كل فضيلة، وفضل أبي عبيدة على من وراءهما من الصحابة جزئي، ولا ضير في كون أبي عبيدة أفضل من عثمان في صفة مخصوصة.\nقوله [وأنعما] أي صارا ذا نعمة في إحراز ذلك فيكون يانا لما سبق، أي إنهما فيما أوتي لهما منعمان، أو يكون زائدًا على ما أثبته لهما أولًا، والمعنى أنهما أحرزا نعمًا وراء ما ذكر، وصارا ذا نعمة فوق الذي ذكرت من شأنهما.\nقوله [ألا تعجبون من هذا الشيخ إلخ] لم يكن ذلك اعتراضًا عليه رضي","vol":"4","page":396},{"text":"الله عنه بل استكشافًا عما خفيت علته، واستفهامًا لما لم يتبين سببه، وتعجبًا (١) عن رقة قلبه. قوله [فكان أبو بكر أعلمهم] وكان من علمه أنه لما سمع القصة علم أن المخير هو النبي ﷺ لأنه لا يخير بينهما إلا نبي، ولا نبي في زمانه سواه.\nقوله [ولكن ود وإخاء إيمان] ولما كان سببه الإيمان كما يشعر به الإضافة إلى الإيمان كان أكملهم إيمانًا أحب إليه ﷺ وهو أبو بكر ﵁، لأنه قارب أن يبلغ الصداقة معه والخلة، وكاد أن يتخذه النبي ﷺ خليلًا.\nقوله [لا تبقين في المسجد خوخة إلخ] وقد ورد (٢) في بعض الروايات:\n_________\n(١) قال العيني: يعني كانوا يتعجبون من تفديته إذ لم يفهموا المناسبة بين الكلاميين، وفي الحديث الذي في كتاب الصلاة من البخاري: فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ والقائل أبو سعيد، وجاء في حديث ابن عباس عند البلاذري: فقال له أبو سعيد: ما يبكيك يا أبا بكر! فذكر الحديث، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: جاء في سد الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب، ثم ذكر الروايات التي فيها استثناء باب على من حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد والنسائي بإسناد قوي، قال: وفي رواية للطبراني في الأوسط برجال ثقات قال: يا رسول الله سدت أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدها، ومن رواية زيد بن أرقم عند أحمد والنسائي والحاكم برجال ثقات، ومن حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي برجال ثقات بلفظ: أمر بسد الأبواب غير باب علي، فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، وغير ذلك من الروايات، ثم قال: وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضًا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلًا عن مجموعها، وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، وأخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرًا على بعض طرقه عنهم، وأعله لبعض من تكلم فيه، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضًا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر، انتهى. وأخطأ في ذلك خطأ شنيعًا، فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي ﵁، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري، يعني الذي أخرجه الترمذي أن النبي ﷺ قال: لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك، والمعنى أن =باب علي ﵁ كان إلى جهة المسجد، ولم= يكن =لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسده، ويؤيد ذلك ما أخرجه إسمعيل القاضي في أحكام القرآن من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي ﵁ لأن بيته كان في المسجد، ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأول استثنى على لما ذكر، وفي الأخرى استثني أبو بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة، كما صرح في بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جمع الطحاوي في مشكل الآثار، وأبو بكر الكلاباذي في معاني الأخبار، وصرح بأن بيت أبي بكر ﵁ كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت علي ﵁ لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، انتهى.","vol":"4","page":397},{"text":"لا يبقين إلا باب علي، وظن التعارض وليس بشيء، فإن الوقعة متعددة واستثناء علي ﵁ كان في الأول حين أمر أ، لا يبقى في المسجد باب لأحد إلا باب النبي ﷺ وباب علي ﵁، فسد الناس أبوابهم وأخذوا في المسجد خوخات، فلما كان أيام وفاته ﷺ أمر بسد الخوخات وسد باب على كلها إلا خوخة أبي بكر، فليكن منك على ذكر.\nقوله [لا أدري ما بقائي فيكم] يعني مع علمه إجمالًا بقرب أجله لم يكن له علم بأيام بقائه فينا تفصيلًا.\nقوله [سيدا كهول أهل الجنة] لا شك (١) أن حصول درجات الجنة\n_________\n(١) الكهول بضمتين جمع الكهل، وهو على ما في القاموس من جاوز الثلاثين أو أربعًا وثلاثين إلى إحدى وخمسين، فاعتبر ما كانوا عليه في الدنيا حال هذا الحديث، وإلا لم يكن في الجنة كهل، كقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ وقال الشارح: يعني الكهول عند الدخول، وهو معلول مدخول، وقيل: سيدا من مات كهلًا من المسلمين فدخل الجنة، لأنه ليس فيها كهل بل من يدخلها ابن ثلاث وثلاثين، وإذا كانا سيدي الكهول فأولى أن يكونا سيدا شباب أهلها، انتهى. وفيه بحثان لا يخفيان قاله القاري، وقال أيضًا: إنما قال: سيدا كهول أهل الجنة مع أن أهل الجنة شباب إشارة إلى كمال الحال، فإن الكهل أكمل الإنسانية عقلًا من الشباب، ومدارج الجنة على قدر العقول، انتهى. قلت: وعلى القول بأن الكهل من جاوز الثلاثين أهل الجنة كلهم كهول، ففي كهول أهل الجنة على القول الثاني.","vol":"4","page":399},{"text":"ومراتبها على حسب الكمالات العلمية والعملية التي حصلها المرء في أيام بقائه في الدنيا، فمن نشأ في عبادة الله وشب فيها حتى بلغ سن الكهولة تكون قوته العلمية والعملية أزيد ممن ليس كذلك، فلما فضل النبي ﷺ صاحبيه على كهول الجنة وليس هناك كهل وإنما أهل الجنة جرد مرد، كان المقصود تفضيلهما على من أكمل قوتيه العلمية والعملية في دار الدنيا، وأما إذا فضلا على من كان كذلك كان فضلهما على من (١) ليس كذلك أوضح وأبين، فما ورد في شأن الحسنين ﵄ (٢) دون ما ورد في شأن الشيخين ﵄، فلا يلزم المعارضة، فهما سيدان لمن مات شابًا، وهذان للكل.\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما ورد من الزيادة في بعض الروايات، فقد قال القاري: وفي الجامع الصغير: رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن علي، وابن ماجة عن أبي جحيفة، وأبو يعلى والضياء في المختارة عن أنس، والطبراني في الأوسط عن جابر وأبي سعيد، وفي الرياض عن علي، قال: كنت مع رسول الله ﷺ إذا طلع أبو بكر وعمر، فقال رسول الله ﷺ: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، يا علي لا تخبرهما، أخرجه الترمذي وقال: غريب، وأخرجه عن أنس وقال: حسن غريب، وأخرجه أحمد وقال: سيدا كهول أهل الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين، وأخرجه المخلص الذهبي ولم يقل شبابها، انتهى.\n(٢) وهو ما سيأتي عند المصنف برواية أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، انتهى. وروى عن غير واحد من الصحابة كما ذكرها القاري.","vol":"4","page":400},{"text":"قوله [يا على لا تخبرهما] أما توجيه (١) ذلك بأنه لئلا يدركهما العجب فمنقصة لهما وسوء ظن بأصحاب النبي ﷺ وحط لهما عن درجتهما، فأما أن يقال: إن النهي ليكون النبي ﷺ هو المخبر إياهما بذلك فيكون العلم الحاصل لهما بخبره علم يقين، بخلاف إخبار علي فإن العلم الحاصل به لكان ظنيًا، أو يقال: إنما نهى عن الأخبار ليكون ما يحصل لهما بعد الحشر نعمة غير مترقبة، فيكون السرور به أوفر منه إذا كان وجدانه على انتظار منهما وترقب، أو يقال: إنما نهى لئلا يكون لهما استضرار بكثرة السرور ولا يأخذهما الحمام لشدة الفرح، فإن ذلك نعمة ليس فوقها (٢) نعمة، فعس أن لا يأخذهما تحمل إذا أخبروا به فيخبر به النبي ﷺ بحيث لا يخاف ذلك منهما.\nقوله [إنكن لأنتن صواحب يوسف] أي في إزلالي (٣) عما أردت (٤)\n_________\n(١) وبذلك جزم القاري إذ قال: ربما سبق إلى الوهم أنه ﵇ خشي عليهما العجب، وذلك وإن كان من طبع البشرية إلا أن منزلتهما عنده ﷺ أعلى من ذلك، وإنما معناه لا تخبرهما قبلي لأبشرهما بنفسي فيبلغهما السرور مني، انتهى.\n(٢) وذلك لأن كل نعمة تحصل لأحد من أهل الجنة تكون لسيدهم أولًا وبالذات وللاتباع ثانيًا وبالعرض، كما لا يخفى.\n(٣) قال المجد: زلت تزل وزللت كمللت: زلقت في طين أو منطق، وأزله غيره واستزله، انتهى.\n(٤) وفي المجمع: أراد تشبيه عائشة بزليخا وحدها وإن جمع في الطرفين، ووجهه إظهار خلاف ما أرادنا، فعائشة أرادت ألا يتشاءم الناس به وأظهرت كونه لا يسمع المأمومين، وزليخا أرادت أن ينظرن حسين يوسف ليعذرنها في محبته وأظهرت الإكرام في الضيافة، وقيل: أرادت صواحبها بإتيانهن ليعتبنها ومقصودهن أن يدعون يوسف لأنفسهن، أو أراد أنتن تشوشن الأمر علي كما أنهن يشوشن على يوسف، انتهى.","vol":"4","page":401},{"text":"كما أزللن يوسف حين قلن له ما قلن، أو المعنى إنكن صواحب يوسف حين أظهرن له أن يلتفت إلى زليخا وهن يقصدن لفتته (١) إليهن أنفسهن، فكذلك أنتن تبدين لي أشياء وفي قلوبكم (٢) غيرها، وذلك أن عائشة ﵂ أرادت أن لا يتشاءم الناس بأبي بكر، وحفصة أرادت تقدم أبيها على القوم، وكلتاهما مظهرة له ﷺ أن أبا بكر بتقدمه لا يكاد يسمعهم القرآن رقة.\nقوله [نودي من أبواب الجنة (٣)] أي من أبواب الصدقة كلها، فإن\n_________\n(١) قال المجد: لفته يلفته لواه وصرفه عن رأيه، وقال الصاوي: وورد ما من امرأة إلا دعته لنفسها.\n(٢) قلت: ويحتمل أن يكون التشبيه فيما حكى عامة المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ سمى مكرًا لأنهن طلبن بذلك رؤية يوسف لأنه قد وصف لهن حسنه وجماله فتعلقن به وأجبن أن يريه.\n(٣) ليس هذا لفظ الترمذي في النسخ التي بأيدينا، بل لفظه: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير، ولعل الشيخ ذكر هذا اللفظ على سبيل التفسير، فإن ذلك هو المراد لما ورد في عامة الروايات كما في البخاري وغيره بهذا اللفظ، وحاصل ما أفاد الشيخ في تقريره جواب لطيف لا يراد يقع على ظاهر الحديث، فإن ظاهره أن المتفق يدعى من الأبواب كلها، وعلى هذا فيشكل سؤال أبي بكر، فإن منفق الزوجين لا يعد ولا يحصى في الأمة، فكيف سؤال أفهم الناس وأعلمهم، وأيضًا فيشكل ما ورد في الروايات الأخر من التخصيص، كما في صوم البخاري برواية سهل مرفوعًا: إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد، وذكر الحافظ برواية أحمد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي هريرة: لكل عامل باب من أبواب الجنة يدعى منه بذلك العمل، وحاصل ما أجاب الشيخ بأن للجنة أبوابًا كبارًا وتحت كل باب منها أبواب صغار، فالمراد في الحديث الأبواب الصغار الداخلية تحت باب الصدقة، وعلى هذا فلا إشكال بالروايات الأخر، وأيضًا لا إشكال في سؤال أبي بكر فإن مراده الدعاء من الأبواب كلها الكبار والصغار، وهذا أسهل مما اختاره الشراح من المعاني في توجيه الحديث، مثل ما قال القاري: أي دعته الخزنة من جميع أبوابها، وفيه تنبيه أنه عمل عملا يوازي الأعمال يستحق بها الدخول من تلك الأبواب على أجمل الأحوال، ويمكن أن يكون التقدير من أحد أبوابها لما ورد أن للصدقة بابًا، ويقويه سؤال الصديق، انتهى. ومثل ما قال العيني وغيره: المراد بهذه الأبواب غير الأبواب الثمانية، ومثل ما تكلفوا بأن الانفاق في الصلاة قوت المصلى وثوبه، أو أن يبنى مسجدًا، والنفقة في الصيام أن يفطر صائمًا وغير ذلك. نعم بقى في الحديث إشكال وهو أن الوارد على الحوض لا يظمأ أبدًا فأي فاقة له إلى باب الريان، ومن يدخل من باب الريان لابد أن يسبقه على الحوض، وهذا ضروري وإن لم يكن عكسه ضروريًا كما في الأوجز.","vol":"4","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>باب الصدقة مشتمل على أبواب شتى</span>، وكذلك باب الصوم، وليس المعنى أنه • يدعى من سائر كبار أبواب الجنة، ولذلك سأل أبو بكر أنه هل يدعى أحد من","vol":"4","page":403},{"text":"كبار الأبواب كلها أم لا؟ وذلك لأن الدعوة من باب طاعة موقوفة (١) على مناسبة للمدعو بهذه الطاعة، ولما كانت مناسبات أبي بكر بالطاعات بأسرها سواسية (٢) لأنه كان يحب النبي ﷺ على ما ليس فوقه مزيد، وبحسب حب الرجل أحدًا يكون له مناسبة بما للنبي مناسبة به (٣)، وللأنبياء مناسبة بالطاعات على السواء.\nقوله [اليوم أسبق أبا بكر] لأن كلا منهما كان عالمًا بحال صاحبه (٤).\n_________\n(١) كما تقدم التصريح بذلك في رواية أحمد وابن أبي شيبة عن أبي هريرة.\n(٢) وقد نبه النبي ﷺ على ذلك بتعدد الأسئلة كما في المشكاة برواية أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، الحديث. قال السيوطي في التاريخ: وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس بن مالك وعبد الرحمن بن أبي بكر، انتهى.\n(٣) ويشير إليه ما قال السيوطي في التاريخ: أخرج أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعًا: عرج بي إلى السماء، فما مررت بسماء إلا وجدت فيها أسمى محمد رسول الله، وأبو بكر الصديق خلفي، إسناده ضعيف، لكنه ورد أيضًا من حديث ابن عباس وابن عمر، وأنس وأبي سعيد، وأبي الدرداء بأسانيد ضعيفة يشد بعضها بعضًا، انتهى.\n(٤) يعني قول عمر: اليوم أسبقه مبنى على علمه بحال أبي بكر أنه ليس له كثير مال إذ ذاك، وإلا فكيف يقول قبل الاتيان بمالهما، وأجمل القاري بالاختصار في تفسير الحديث فقال: (وافق ذلك عندي مالا) أي صادف أمره بالتصدق حصول مال عندي، فـ (ـعندي) حال من (مال) والجملة حال مما قبله يعني والحال أنه كان لي مال كثير في ذلك الزمان (فقلت: اليوم أسبق أبا بكر) أي بالمبارزة، أو بالمغالبة (إن سبقته يومًا =من الأيام) إن شرطية دل على جوابها ما قبلها، أو التقدير: إن سبقته يومًا فهذا يومه، وقيل: إن نافية أي ما= =سبقته يومًا قبل ذلك، فهو استئناف تعليل (وأتى أبو بكر بكل ما عنده) هو أبلغ من كل ماله بكسر اللام، وأصرح من كل ماله بالفتح (فقلت: لا أسبقه إلى شيء) من الفضائل (أبدًا) لأنه إذا لم يقدر على مغالبته حين كثرة ماله وقلة مال أبي بكر ففي غير هذا الحال أولى أو لا يسبقه، انتهى.","vol":"4","page":404},{"text":"قوله [آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر] إنما كان ذلك سبقه (١) من لسانه بناء على ما كان من عادته من ذكرهما معًا (٢) إذا ذكر نفسه، وأما توجيهه بأنه (٣) قال ذلك اتكالًا على إيمانهما ووثوقًا فليس فيه كثير مدح.\n_________\n(١) ليس المراد أنه سبق ذكرهما بدون القصد، بل جاء تصورهما معًا لرؤية هذه الأعجوبة بشدة تعلقه بهما، فكان قصدهما بالذكر لاعتياد اللسان بذكرهما.\n(٢) كما يدل عليه ما في المشكاة برواية الشيخين عن ابن عباس قال: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر وقد وضع على سريره إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: يرحمك الله، إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، ودخلت وأبو بكر وعمر، وخرجت وأبو بكر وعمر، فالتفت فإذا علي بن أبي طالب.\n(٣) وهو المعروف عند الشراح ومختارهم في معنى الحديث، ففي المرقاة: قال ابن حجر: هو محمول على أنه ﷺ كان أخبرهما به فصدقاه، أو أطلق ذلك لما اطلع عليه من أنهما يصدقان بذلك ولا يترددان فيه، قال القاري: والأخير هو الصحيح لما يدل عليه مقام المدح، وكما يشعر إيه قول الراوي: وما هما ثم، وإلا فكل مؤمن يصدق النبي ﷺ فيما أخبره به، فلابد من وجه يميزهما عن غيرهما، انتهى.","vol":"4","page":405},{"text":"قوله [وما هما في القوم يومئذ] إنما قال ذلك لأنهما لو كانا في القوم فعسى أن يتوسهم استنباط إيمانهما به بتعرف ذلك من وجههما وبشرتهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>[مناقب عمر]</span>\n\nقوله [على نحو ما قال عمر] وليس فيه فضيلة (١) له على الخليفة الأول، أفتراه فضل بذلك على النبي ﷺ، فالجواب الجواب، وكان الوجه في موافقة\n_________\n(١) احتاج الشيخ إلى أمثال هذه التوجيهات لما تقدم من إجماع الصحابة وأتباعهم على أن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، فيوجه ما يظهر به خلافه لا سيما في حديث الباب، فإن مراد ابن عمر لو كان تفضيله على أبي بكر يخالفه حديثه الذي هو أصح من ذلك، وهو ما في البخاري عن ابن عمر قال: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ، فنخير أبا بكر ثم عمر، الحديث. قال الحافظ: وفي رواية: لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر، الحديث. ولأبي داود: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، الحديث. زاد الطبراني: فيسمع رسول الله ﷺ ذلك فلا ينكره، ثم بسط الكلام إلى أن قال: ومنهم من قال: أفضلهم عمر مطلقًا متمسكًا بحديث المنام الذي فيه في حق أبي بكر: في نزعه ضعف. وهو تمسك واه، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: فالمقطوع به بين أهل السنة أفضلية أبي بكر ثم عمر، ثم اختلفوا فيمن بعدهما، فالجمهور على تقديم عثمان، وعن مالك التوقف، والمسألة اجتهادية، انتهى. وفي التدريب عن القاضي عياض: رجع مالك عن التوقف إلى تفضيل عثمان، قال القرطبي: هو الأصح، انتهى.","vol":"4","page":406},{"text":"أبي بكر بالنبي ﷺ في أمثال تلك المواضع (١) ماله من مناسبة به ﵊.\nقوله [رجل خير من عمر] وذلك (٢) في زمن خلافته وإلا لزم فضيلته\n_________\n(١) أي التي تسمى بموافقات عمر، وقد وصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين، ذكرها صاحب الجمل والسيوطي في تاريخ الخلفاء.\n(٢) قال القاري: هو إما محمول على أيام خلافته أو مقيد ببعد أبي بكر، أو المراد في باب العدالة أو في طريق السياسة ونحو ذلك جمعًا بين الألفاظ الواردة في السنة، قال الطيبي: جواب قسم محذوف وقع جوابًا للشرط على سبيل الأخبار، كأنه أنكر عليه قوله: يا خير الناس، لقوله: ما طلعت الشمس إلخ، انتهى. وقال أيضًا بعد قول الترمذي: حديث غريب، قيل: نقل في الميزان عن أهل الحديث تضعيفه، أقول: ويقويه ما في الجامع من أن قوله: ما طلعت الشمس رواه الترمذي والحاكم عن أبي بكر مرفوعًا، وقد أخرج البغوي في الفضائل عن ثابت بن الحجاج قال: خطب عمر ابنة أبي سفيان فأبوا أن يزوجوه، فقال رسول الله ﷺ: ما بين لابتي المدينة خير من عمر، ولا شك أن المراد بعده ﷺ للإجماع وبعد أبي بكر، انتهى. قلت: لا شك أن حديث الباب أخرجه الحاكم في المستدرك برواية بشر بن معاذ عن عبد الله بن داود، وقال في آخره: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، لكن لم يقره عليه الذهبي، بل قال: عبد الله ضعفوه، وعبد الرحمن متكلم فيه، والحديث شبه موضوع، انتهى. وقال أيضًا في الميزان في ترجمة عبد الله بن داود: وتكلم فيه ابن حبان وابن عدي في ترجمته عن عبد الرحمن، فذكر حديث الباب، وقال: هذا كذب، وقال الحافظ في التقريب: عبد الرحمن القرشي التيمي ابن أخي محمد بن المنكدر مجهول، وقال في التهذيب: قال العقيلي: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به، انتهى.","vol":"4","page":407},{"text":"عليه ﷺ وأبي بكر، ومن خص الأول فله أن يخص الثاني بدليل التخصيص.\nقوله [لو كان نبي بعدي إلخ] ولا تخصيص فيه له (١)، بل لو كان بعده ﷺ نبي لكان أولاهم بالتخصيص وأحقهم بالنبوة أبا بكر في زمان خلافته، ثم عمر في أيامه، ثم عثمان، ثم على، إلى غير ذلك، ولا يدل الحديث على تخصيص عمر بالنبوة (٢).\nقوله [فأعطيت فضلي إلخ] ولا يلزم بذلك فضل له عليه، ولعله شرب (٣) قبله شيئًا كثيرًا منه، وإن لم يره النبي ﷺ أو لم يذكره. قوله [بم سبقتني إلى الجنة] وكان سبقه عليه سبق النقيب على أميره أو الخادم على مخدومه لما فيه مصلحة، أو صاحب السراج على من خلفه لا لكرامة لهؤلاء على هؤلاء، بل لموجب أوجب\n_________\n(١) كما يؤمى إليه قوله ﷺ لعلى: أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، قال القاري تحت حديث على هذا: فيه إيماء إلى أنه لو كان بعده نبي لكان عليًا. وهو لا ينافي ما ورد في حق عمر صريحًا، لأن الحكم فرضي وتقديري، فكأنه قال: لو تصور بعدي نبي لكان جماعة من أصحابي أنبياء ولكن لا نبي بعدي، وهذا معنى قوله ﷺ: لو عاش إبراهيم لكان نبيًا، انتهى.\n(٢) نفى الخصيصة بمعنى نفي نبوة الغير. وإلا فظاهر أن الحديث ورد مورد المنقبة والفضيلة الدالة على الخصوصية.\n(٣) أي قبل الصديق الأكبر، وهذا إذا أريد بالعلم علم الحقائق، وأما إذا أريد علم السياسة عامة الشراح فلا حاجة إلى التوجيه، فإن الفضل الجزئي لعمر حاصل، قال القاري: (ثم أعطيت فضلي) أي سوري الكثير الخالص (عمر بن الخطاب) فلا ينافي أن سوره حصل للصديق فإنه كان قليلًا جدًا، ولا أن سورة لعثمان وعلي أيضًا وصل، فإنه لهما لم يكن صافيًا، وتقدم البسط في ذلك في هامش أبواب الرؤيا.","vol":"4","page":408},{"text":"ذلك وهماهما (١).\nقوله [ورأيت أن لله على ركعتين] أي بحسب العمل دون الاعتقاد، وبذلك يظهر الفرق بين التزام المندوب من الطاعات وهو حسن، وبين إيجاب (٢) ما لم يجب وهو حرام وبدعة، فعليك بتأمل صادق.\nقوله [إن الشيطان ليخاف منك إلخ] أي لما كان الشيطان يخاف منك فكيف لا تخاف هذه الجارية، ولا يحتاج إلى ما تكلفوه (٣) في توجيه ذلك.\n_________\n(١) الضميران للمخدوم ومن له السراج، وهما هما من قبيل شعري شعري، وقيل: الضميران للنبي ﷺ وبلال، وقيل: الصواب هم هم، والأوجه عندي الأولى، ولم يحتج إلى ضمير الجمع، لأن المخدوم يشمل الأمير أيضًا، وما أفاده الشيخ من توجيه السبق جزم بذلك عامة الشراح، قال الحافظ: ثبتت الفضيلة بذلك لبلال لأن رؤيا الأنبياء وحي، ولذلك جزم النبي ﷺ له بذلك، ومشيه بين يدي النبي ﷺ كان من عادته في اليقظة، فاتفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك دخول= =بلال الجنة قبل النبي ﷺ لأنه في مقام التابع، وكأنه أشار ﷺ إلى بقاء بلال على ما كان عليه في حياته واستمراره على قرب منزلته، انتهى.\n(٢) ولذا أنكر النبي ﷺ على من نذرت أن تحج ماشية، فقد أخرج أبو داود عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أختي نذرت يعني أن تحج ماشية، فقال النبي ﷺ: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، فلتحج راكبة ولتكفر يمينها، انتهى. وقد ورد في هذا المعنى الذي أفاده الشيخ روايات عديدة.\n(٣) كما في الحاشية عن اللمعات: إذ أشكل في الحديث بأنه كيف قررها ﷺ أولًا بل أمرها بذلك وسماها آخرًا شيطانًا، وقالوا في الجواب بأنها لما عدت انصرافه ﷺ نعمة من الله موجبًا للسرور، وهو كذلك في نفس الأمر أمرها بوفاء النذر، وخرج من صفة اللهو إلى الحق، ومن الكراهة إلى الاستحباب، لكن ذلك كان يحصل بأدنى الضرب، فلما ازداد عاد إلى حد المكروه، وصادف ذلك مجيء عمر، فقال ما قال إشارة إلى منع الزيادة منه والإكثار، وبنحو ذلك قال القاري وغيره، وقال القاري أيضًا: قوله إن الشيطان ليخاف منك، يريد به تلك المرأة السوداء لأنها شيطان الإنس وتفعل فعل الشيطان، أو المراد شيطانها الذي يحملها على فعلها المكروه، وهو زيادة الضرب التي هي من جنس اللهو على ما حصل به إظهار الفرح، انتهى.","vol":"4","page":409},{"text":"قوله [فإذا حبشية تزفن (١)] وليست لها من الحركات ولا الأصوات والنغمات ما فيه فتنة، وأنت تعلم أنها كانت حبشية، فمن أين لها وجه تفتن به الناس، ثم إن بعد ذلك كله كانت أمة وإلا فمن لها أن تكون بالمدينة، فليس وجهها وكفاها بل ولا ذراعاها وصدرها ورأسها عورة، فقياس رقص نساء الهند على رقص الحبشية قياس لله در قائسيه، أسلمهم التفقه زمامها (٢) وألقى إليهم الفتيا لجامها.\nقوله [قد فروا من عمر] ولا يستلزم اجتماعهم هناك كون هذا الفعل حرامًا، بل إنما اجتمعوا هناك ليجمعوهم على لعب ينجر في الآخرة إلى حرمة، أو الجواب عنه مثل ما مر من أنهم يفرون منه، فكيف هؤلاء الذي لم يكون من فعلهم على حرمة.\nقوله [فإن يك في أمتي أحد إلخ] لكنه أورد ذلك في صورة الشك (٣) بناء\n_________\n(١) بسكون الزاي وكسر الفاء ويضم: أي ترقص، كذا في المرقاة.\n(٢) كذا في الأصل، والحق التذكير.\n(٣) قال الحافظ: قيل لم يورد هذا القول مورد الترديد فإن أمته أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى، وإنما أورده مورد التأكيد، كما يقول الرجل: إن يكن لي صديق فإنه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء، وقيل: الحكمة فيه أن وجودهم في بني إسرائيل كان قد تحقق وقوعه، وسبب ذلك احتياجهم حيث لا يكون حينئذ فيهم نبي، واحتمل عنده ﷺ أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبي، وقد وقع الأمر كذلك، إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":410},{"text":"على أنه أولى منهم وأعلى، وليس فيه مزية على أبي بكر لأنه وافق ربه في أمور لم يوافقه النبي ﷺ، كالحجاب وترك الصلاة على المنافقين وأمثال ذلك، فكما لا يلزم المزية عليه ﷺ كذلك لا يلزم مزيته على أبي بكر، والأصل إن التفوق فيما ليس بمقصود ليس بكثير شيء وإن لم ينكر فضيلته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>[مناقب عثمان]</span>\n.\nقوله [ما على عثمان ما عمل بعد هذه] أي لا يضره (١) ذنبه، أو لا يضره ترك الخيرات. قوله [أنشدكم بالله والإسلام] أي أذكركم (٢) وأسألكم،\n_________\n(١) فما الأولى نافية بمعنى ليس، والثانية موصولة أو نافية، قال القاري: أي ليس عليه ولا يضره الذي يعمل في جميع عمره بعد هذه الحسنة، والمعنى أنها مكفرة لذنوبه الماضية مع زيادة سيآته الآنية، وفيه إشارة إلى بشارة له بحسن الخاتمة. وقال الشارح: ما أي الثانية إما موصولة أي ما بأس عليه الذي عمل من الذنوب بعد هذه العطايا، أو مصدرية أي ما على عثمان عمل من النوافل بعد هذه العطايا، لأن تلك الحسنة تنوب عن جميع النوافل، انتهى.\n(٢) كان يذكرهم وينشدهم تنبيهًا لهم على أنه مظلوم في ذلك الذي فعلوه، وأحقهم بالماء وغيره الذي منعوه، وقد كتب في الإرشاد الرضي في مبدأ كتاب الفتن تقريرًا بالإجمال ذكر فيه سبب حصار عثمان، وهو مبدأ الفتن بين الصحابة، وها أنا أعربه لك مختصرًا فإنه كالعنوان لهذه المشاجرات المعروفة بين الصحابة، فقال: يوم الدار عبارة عن الأيام التي حصر فيها عثمان في بيته، وكان سبب ذلك أن عثمان كان يؤثر أقاربه في الولايات، وكان الباعث له على ذلك كثرة حيائه فلا يقدر رد ما ألحوا عليه، وكان عمر يتجنب عن ذلك نظرًا في العاقبة، فكان من جملة ذلك أن عثمان أمر على مصر أخاه لأمه وليد بن عقبة، فقد ظلم وتعدى، فقد شكاه أهل مصر إلى عثمان، فدعا عثمان وليدًا لكن لم يثبت عليه شيء بالبينة، فاستدعى وليد العود إلى مصر، فقيل عثمان إصراره في ذلك حياء منه، فلما رجع أكثر في الظلم والعدوان حتى ساءت ظنون المصريين بعثمان أيضًا، قلت: وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء: إن ذلك أول ما نقم عليه، قال الشيخ: ووقع قصة أخرى وهي أن عائشة أرسلت محمد بن أبي بكر إلى عثمان ليستعمله على موضع، وكتبت له في ذلك، فأمر عثمان لكاتبه مروان أن يكتب له الولاية، فكتب الكتابة وفيها: إذا جاءكم محمد بن أبي بكر فاقتلوه، ولم يعجم الباء في ذلك، ولم يلتفت إلى ذلك عثمان، لأن مروان كان أمينًا عنده، وأراد محمد بن أبي بكر وجماعته أن ينظروا الكتاب بعد ما ساروا من المدينة، فإذا فيه الأمر بالقتل، فتعاظموا ذلك، وكانوا مترددين في أن ذلك من عثمان لمكان الخاتم عليه، أو من كاتبه، وكان هناك يودي قعد من مثالب عثمان أمورًا فظنوا هذا أيضًا من فعله، فرجع محمد بن أبي بكر إلى المدينة، واجتمع مع من خرج عليه من أهل مصر، فلما رأى الصحابة اشتداد المخالفين أشاروا على عثمان أن لا يخرج من بيته خوفًا عليه، وحاصر المخالفون بيته، فأراد ناصروه من الصحابة ومماليكه القتال، فمنعهم عثمان وقال: لا أرضى من أن يسفك دم لأجلي، فتسور محمد بن أبي بكر الجدار وأخذ بلحية عثمان، فقال: لو رآك أبوك لساءه، فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوخياه حتى قتلاه، إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":411},{"text":"وليس يمينًا حتى يلزم الحلف لغير الله. قوله [الله أكبر] تعجب من تعظيم (١) هؤلاء لعثمان وهم عالمون بحاله. قوله [قد عهد إلى عهدًا] وهو قوله: يقمص الله قميصًا (٢).\n_________\n(١) لعله مأخوذ من عظم الشاة تعظيمًا: قطعها عظمًا عظمًا، يعني أنهم أرادوا قتله وتعذيبه وهم مقرون بجلالة شأنه، ويحتمل أن يكون التعظيم في معناه المعروف. والمراد الإقرار بمناقبه، والمراد بحاله ما ابتلى فيه، وقال القاري: كلمة يقولها المتعجب عند إلزام الخصم وتبكيته، ولذلك قال: شهدوا لي، أي شهد الناس أني شهيد، وقوله ثلاثًا أي قال الله أكبر إلى آخره ثلاث مرات لزيادة المبالغة في إثبات الحجة على الخصم، انتهى.\n(٢) كما تقدم عند المصنف بلفظ: لعل الله يقمصك، الحديث وهكذا في المشكاة برواية المصنف وابن ماجة، قال القاري: وفي رواية فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه لهم ولا كرامة، يقولها مرتين أو ثلاثًا وفي رواية: فإن أرادك المنافقون خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني، يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصًا، فذكره ثلاث مرات، أخرجها أحمد، والمعنى إن قصدوا عزلك فلا تعزل نفسك عن الخلافة= =لأجلهم، لكونك على الحق وكونهم على الباطل، انتهى. وأوضح منه ما في كنز العمال: إنك مقتول مستشهد، ولا تخلعن قميصًا قمصك الله ثنتي عشر سنة =وسنة أشهر، الحديث. وفيه أحاديث عديدة أخر في الباب منها: يا عثمان إنك ستؤتي الخلافة بعدي، وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها.","vol":"4","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>[مناقب علي]</span>\n\nقوله [فمضى في السرية] أطلق السرية على الجيش أو الجيش على السرية إطلاق لفظ أحدهما على الآخر، أو كان على (١) ذهب بسرية من الجيش إلى\n_________\n(١) أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده برواية عبد الرزاق وعفان قالا: ثنا جعفر بن سليمان، ثني يزيد الرشك، عن مطرف، عن عمران ابن حصين، قال: بعث رسول الله ﷺ وأمر عليهم علي بن أبي طالب، فأحدث شيئًا في سفره، فتعاهد -أربعة من أصحاب محمد ﷺ يذكروا أمره لرسول الله ﷺ. وأخرج البخاري في صحيحه في (باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع) بسنده عن بريدة قال: بعث النبي ﷺ عليًا إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليًا وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت له ذلك، فقال: يا بريدة أتبغض عليًا؟ فقلت: نعم، قال: لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك، قال الحافظ: هكذا أورده البخاري مختصرًا، ثم ذكر اختلاف الروايات في ذلك تقدم شيء منها في هامش الجزء الثاني ص ٤٤١، وقال صاحب الخميس: وفي رمضان بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب إلى اليمن وعقد له لواء وعممه بيده، فخرج في ثلاث مائة فارس، ففرق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، ثم لقى جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنيل حتى حمل عليهم علي وأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلًا فتفرقوا وانهزموا، فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، ثم قفل فوافى النبي ﷺ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر، وفي رواية: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد في جماعة إلى اليمن، ثم بعث عليًا بعد ذلك، وقال له: مر أصحاب خالد من شاء أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقفل، قال البراء: كنت فيمن عقب معه فغمت أواقي ذات عدد، انتهى.","vol":"4","page":414},{"text":"جهة، وعلى هذا فليس إطلاقًا للفظ في غيره. قوله [فأصاب جارية (١)] وكان ذلك بإذنه ﷺ (٢)، لكن الصحابة لم يعلموا به، ولذلك ترددوا في أمره،\n_________\n(١) وتقدم شيء من ذلك في باب من يستعمل على الحرب.\n(٢) وبذلك وجه المحشي إذ قال: لعله ﷺ قد أجاز لعلي من قبل في هذا من الخمس، انتهى. وقال الحافظ: قد استشكل وقوع على على الجارية بغير استبراء، وكذلك قسمته لنفسه، فأما الأول فمحمول على أنها كانت بكرًا غير بالغ، ورأى أن مثلها لا يستبرأ كما صار إليه غيره من الصحابة، ويجوز أن تكون حاضت عقب صيرورتها له، ثم ظهرت بعد يوم وليلة (وثلاثة أيام ولياليها عندنا الحنفية) ثم وقع عليها، وليس في السياقة ما يدفعه، وأما القسمة فجائزة في مثل ذلك ممن هو شريك فيما يقسمه، كالإمام إذا قسم بين الرعية وهو منهم، فكذلك من نصبه الإمام قام مقامه، وقد أجاب الخطابي بالثاني، وأجاب عن الأول باحتمال أن تكون عذراء أو دون البلوغ، أو أداه اجتهاده أن لا استبراء فيها، ويؤخذ من الحديث جواز التسري على بنت رسول الله ﷺ بخلاف التزوج عليها، لما وقع في حديث المسور في كتاب النكاح، انتهى. قلت: وحكى البخاري في (باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرأ) عن ابن عمر: لا تستبرأ العذراء، فيمكن أن يكون مذهب علي أيضًا كذلك.","vol":"4","page":415},{"text":"ووجه غضب النبي ﷺ على الأربعة الذين اعلموه تركهم النصح لعلي حتى أعلموا النبي ﷺ به، ولم يؤذنوا عليًا بما خالج خواطرهم حتى يبين لهم عذره، وكان المانع لهم عن ذلك خوف الفتنة وأن يجد عليهم، والوجه الثاني للغضب حملهم فعل علي على الوجه الغير المشروع، بل كان عليهم حمله على الوجه المشروع، والثالث أنهم لو آذنوه بذلك في خلوة لم يغضب وإنما اسخطه ﷺ قولهم ذاك بمحضر من الناس.\nقوله [سنفقههم] وهذا (١) كان مغلطة منهم، أرادوا أنا لا نمنعهم عن تعلم دينهم. قوله [بأحب خلقك إليك] أي هو من أحب (٢) خلقك.\nقوله [وإذا سكت ابتدأني] أي كان يعتني بي (٣) ولا ينساني.\nقوله [أنا دار الحكمة] أراد بذلك على الباطن، فإن السلاسل سائرها\n_________\n(١) هذا على النسخ التي بأيدينا من النسخ الهندية، والظاهر أن فيه سقوطًا من الناسخ كما في النسخة المصرية بلفظ: قال فإن لم يكن لهم فقه في الدين إلخ، وعلى هذا فهو من كلام النبي ﷺ رد بذلك على قولهم: ليس لهم فقه في الدين، وليس ذكر الفقه في رواية أبي داود والحاكم.\n(٢) وبذلك جزم الشراح كما بسطه القاري بأشد البسط، وقال: هو نظير ما ورد في أفضل الأعمال، وقال أيضًا: قال ابن الجوزي: موضوع، وقال الحاكم: ليس بموضوع، قلت: بسط الكلام على ذلك الدمنتي إذ قال: هذا أحد أحاديث انتقدها سراج الدين القزويني على المصابيح فزعم وضعه، وقال صلاح الدين العلائي: ليس بموضوع، ثم بسط الكلام على طرقه، قلت: وعلى ما أفاده الشيخ من التوجيه لا يشكل عليه ما اختلفت الأجوبة منه ﷺ في سؤال أحب الخلق إليه من أسامة، والصديق، وعائشة، وفاطمة، وغيرهم.\n(٣) أي يهتم بشأني ولا يتوقف عطاؤه على سؤال.","vol":"4","page":416},{"text":"ومعظمها منتهية إلبيه (١). [أما ما ذكرت ثلاثًا] أي ما دام ذكرت (٢).\n_________\n(١) وهذا أوجه وأقيد يؤيده المشاهدة، ففيه إشارة إلى أن من أراد علوم الحكمة والحقائق فعليه الانسلاك بسلسلة المشايخ، ويقويه ما حكى القاري من الزيادة إذ قال: وفي رواية زيادة: فمن أراد العلم فليأته من بابه، وقال الطيبي: لعل الشيعة تتمسك بهذا التمثيل أن أخذ العمل والحكمة منه مختص به لا يتجاوز إلى غيره إلا بواسطته، لأن الدار إنما يدخل من بابها، وقد قال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ولا حجة لهم في ذلك، إذ ليس دار الجنة بأوسع من دار الحكمة ولها ثمانية أبواب، انتهى. ثم بسط الكلام على الحديث وقال: رواه الحاكم وقال: صحيح وتعقبه الذهبي، فقال: بل موضوع، وحكى عن الحافظ العسقلاني أنه حسن لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قال ابن الجوزي، قلت: وكذا بسط الكلام على الحديث الدمتي والسيوطي في التعقبات وغيرهما، انتهى.\n(٢) قال النووي: قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسببه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول: هل امتنعت منه تورعًا أو خوفًا أو غير ذلك؟ فإن كان تورعًا وإجلالًا له عن السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعدًا قد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم وعجز عن الانكار، أو أنكر عليهم فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويلًا آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا، انتهى.","vol":"4","page":417},{"text":"قوله [أن تكون منى بمنزلة هارون] ولا دلالة فيه على الخلافة (١)، كيف وقد توفى هارون قبل موسى، فالتشبيه ليس إلا في كونه خليفة عنه في أهله.\nقوله [فكتب معي خالد إلخ] والجواب عنه مثل ما مر (٢).\nقوله [أول من صلى علي] هذا مقال بحسب علم الراوي (٣)، ووجه الاختلاف في ذلك أنهم كانوا يخفون إسلامهم إذًا. قوله [أنا من القرن\n_________\n(١) قال القاضي: هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقًا لعلي، ثم اختلف هؤلاء فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديم غيره، وزاد بعضهم فكفر عليًا لأنه لم يقم في طلب حقه بزعمهم، وهؤلاء أسخف مذهبًا= =وأفسد عقلًا من أن يرد قولهم أو يناظر، قاله النووي. وقال الحافظ: استدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة، وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته، لأنه مات قبل موسى باتفاق، أشار إلى ذلك الخطابي. وقال الطيبي: معنى الحديث أنه متصل بي نازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه مبهم بينه بقوله: إلا أنه لا نبي بعدي، فعرف أن الاتصال المذكور بينهما =ليس من جهة النبوة بل من جهة ما دونها وهو الخلافة، ولما كان هارون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى، دل ذلك على تخصيص خلافة علي للنبي ﷺ في حياته، انتهى.\n(٢) أي قريبًا في حديث عمران بن حصين، وأما حديث البراء هذا فمكرر بسنده ومتنه تقدم في (باب من يستعمل على الحرب) ص ٤٤١ في كتاب فضائل الجهاد.\n(٣) وهذا توجيه معروف في أمثال ذلك جزم بذلك التوجيه فيما أخرجه البخاري في (باب إسلام سعد) من قوله: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام، قلت: وأشار الترمذي بالروايات الآتية إلى أن المرجح روايات إسلام أبي بكر أولًا، وقال السيوطي في التاريخ: أخرج خيثمة بسند صحيح عن زيد بن أرقم قال: أول من صلى مع النبي ﷺ أبو بكر الصديق، والخلاف في أول من أسلم مشهور، أجمل الكلام عليه السيوطي في التدريب.","vol":"4","page":418},{"text":"[الذين إلخ] أي تبع تابعي (١) قوله [قال علي: ما جمع رسول الله ﷺ إلخ] أي يوم أحد (٢). قوله [رأيت جعفرًا يطير] أي يجسده وشخصه بخلاف سائر الشهداء، فإنما الطيران لأرواحهم في حواصل (٣) طير خضر لا بأجسامهم.\n_________\n(١) كما هو الظاهر من رواية الباب إذ يروى عن تابعي، والصحيح أنه تابعي ويروى عن غير واحد من الصحابة. كما في كتب الرجال، وعده الحافظ في التقريب من الرابعة، وهي طبقة تلي الطبقة الوسطى من التابعين، وطبقات أتباع التابعين في كلامه تبتدأ من السادسة.\n(٢) كما سيأتي التصريح بيوم أحد عند المصنف، وقد وقع ذلك في غير واحد من روايات البخاري وأشار الشيخ بذلك القيد إلى دفع ما يرد على ظاهر الحديث، قال الحافظ بعد ذكر حديث علي: وفي هذا الحصر نظر لما تقدم في ترجمة الزبير أنه ﷺ جمع له أبويه يوم الخندق، ويجمع بينهما بأن عليًا لم يطلع على ذلك، أو مراده بذلك بقيد يوم أحد، انتهى.\n(٣) كما ورد التصريح بذلك في عدة روايات ذكرت في جنائز الأوجز، واحتاج الشيخ إلى هذا التوجيه لما أن ظاهر الأحاديث الواردة في فضل جعفر يدل على خصيصة له بذلك، ومطلق الطيران في الجنة يحصل لروح كل شهيد كما أخرج الروايات في ذلك السيوطي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾.","vol":"4","page":419},{"text":"قوله [ما احتذى النعال] ينبغي أن يحمل الاحتذاء على صنع النعل، والانتعال على لبسها، أو الأول على نوع منها، وهو ما ليس فيه إلا الجلد والشراك، وليس في صنعه كثير اهتمام، بخلاف الثاني فإن في صنعها إتقانًا، وعلى هذا لا يلزم التكرار، وكذلك في الثاني يراد بالمطايا الإبل خاصة، بخلاف الأكوار (١) فإنها عامة، أو غير ذلك من الفروق، ثم لا شك أن العموم (٢) ليس على ظاهره فيخص منه الأنبياء، وكذلك الخلفاء الراشدون بقرينة دلالة العقل، أو يقال: إن جعفرًا لا يحتذي فعلًا ولا يركب ظهرًا إلا وهو موجب على نفسه حقًا للمساكين والمحاويج، ومترحم لهم أن لا يجدوا ذلك، وعلى هذا فلا تخصيص، إذ يمكن أن لا يكون غيره بمثابته في تلك الخلة، أو المراد مدحه في التطهر والنظافة، والمعنى أنه متنظف في جملة حركاته حتى الركوب والتنعل، فلا تخصيص حينئذ أيضًا. قوله [ما أسأله إلا ليطعمني] لأني إذا سألته فلعله يستتبعني (٣)\n_________\n(١) وفي المجمع: الكور بالضم رحل الناقة بأداته، ومن فتح الكاف أخطأ، انتهى. وقال المجد: الكور بالضم الرحل أو بأدائه جمعه أكوار.\n(٢) وإليه مال الحافظ إذ قال في حديث البخاري الآتي قريبًا بلفظ: وكان أخير الناس للمساكين جعفر: وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن عكرمة عن أبي هريرة. قال: ما احتذى النعال، الحديث، أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد صحيح، انتهى.\n(٣) كما هو نص حديث البخاري في مناقب جعفر عن أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ، الحديث. وفيه: وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطمعنا ما كان في بيته.","vol":"4","page":420},{"text":"إلى بيته قصصًا فيطعمني ثمة شيئًا، فإن التعرض للكريم تذكير إياه للكرم، وإنما وجه الفقير باعثه على بذل النعم، ولذلك كان جعفر حيثما رآه تذكر ماله من الحق عليه فقاده إلى بيته وأحضر ما حضر بين يديه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>[مناقب الحسن والحسي </span>ن]\nقوله [سيدا شباب أهل الجنة] أي من مات (١) شابًا، وإن لم يموتا شابين، وقد مر تقريره في فضل الشيخين. قوله [وعلى رأسه ولحيته التراب] وإنما ارتسم ذلك في القوة الخيالية للرائي ولم يكن ثمة في الحقيقة تراب ولا غبار، أفترى النبي ﷺ أغبر وهو في عالم وراء عالمكم هذا الذي وقع فيه القتال، وليس هناك شيء من تلك العوارض التي تعتري لنا في المعارك والملاحم، غير أن النائم قلما يرى شيئًا إلا وهو يتخيله حسبما ارتسم في خياله من محسوساته، ولذلك ترى كثيرًا من أهل الصناعات والحرف يرون أشياء مختلفة حسب اختلاف ممارستهم وملابستهم، والمؤدى يكون واحدًا، وهذا ظاهر بالتأمل.\nقوله [قميصان أحمران] يمكن من هذا المقام استنباط جواز الالباس للصبيان\n_________\n(١) قال المظهر: هما أفضل من مات شابًا في سبيل الله من أصحاب الجنة، ولم يرد به سن الشباب لأنها مانا وقد كهلا، بل ما يفعله الشباب من المروءة، كما يقال: فلان فتى وإن كان شيخًا يشير إلى مروءته وفتوته، أو أنهما سيدا أهل الجنة سوى الأنبيا والخلفاء الراشدين، وذلك لأن أهل الجنة كلهم في سن واحد، وهو الشباب، وليس فيهم شيخ ولا كهل، قال الطيبي: ويمكن أن يراد: هما الآن سيدا شباب من هم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان، انتهى. كذا في المرقاة، وبسط في تخريج الحديث، وقد روى عن جماعة من الصحابة.","vol":"4","page":421},{"text":"والدواب وغير ذلك ما حرم لبسه، وللمانع حمل لفظ أحمر على الحمرة الجائزة (١).\nقوله [إنما أموالكم وأولادكم فتنة] وهو الامتحان، وإن كان افتتانه ﷺ الذي ذكر ها هنا بأفضل من كثير من طاعات الأبرار، وأجزل ثوابًا من جمهرة عبادات الأخيار، ولكن كان فتنة على حسب ما أولاه الله من الفضل والكمال، كيف وقد تتضمن قطعه الخطبة ورفعه إياهما أنواعًا من المصالح والحكم، واستنبط بذاك جملة من المسائل، وهو أن الشاغل من الطاعة وجب رفعه لتقع على ما ينبغي من خلو البال، وأن الإمام يجب عليه مراعاة المقتدين، فإن النبي ﷺ إن كان يقدر على شغل القلب عنهما إلى الخطبة فإن كثيرًا من الصحابة لم يكونوا يقتدرون عليه لأنهم كانوا يحبونهما بحبه ﷺ، ولما رأوهما في تلك الحالة أي يمشيان ويعثران خالج قلوبهم من ذلك شيء كاد أن يفسد عليهم استماعهم الخطبة، وأن المرء معذور فيما يفرط عنه من الأفعال التي جبلت الطبائع عليها من حب الأولاد، وغير ذلك كثير.\nقوله [لم يذكر] لما كان الحسين ﵁ يذكر (٢) في الحسن، وطعن في حسنه عبيد الله بن زياد وقال: ما رأيت مثل هذا حسنا على سبيل التهكم (٣)\n_________\n(١) وعليها حمل الحديث عامة الشراح من القاري وصاحب البذل وغيرهما إذ فسروا الحديث بخطوط أحمر، وفي الدر المختار: كره إلباس الصبي ذهبًا أو حريرًا فإن ما حرم لبسه وشربه حرم إلباسه وإشرابه، قال ابن عابدين: لأن النص حرم الذهب والحرير على ذكور الأمة بلا قيد البلوغ والحرية، والإثم على من ألبسهم، لأنا أمرنا بحفظهم، ذكره التمرناشي، انتهى.\n(٢) ببناء المجهول، أي كان يذكر حسنه في الآفاق، وكان مشهورًا في الجمال.\n(٣) هذا هو الأوجه بل المتعين في معنى الحديث، وهو الظاهر من سياق البخاري بلفظ: أتى ابن زياد برأس الحسين فجعل في طست، فجعل ينكت وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ، لكن القاري فسر حديث البخاري بالمدح إذ قال: وقال ابن زياد في حسنه شيئًا أي من المدح كما سيجيئ، ثم ذكر حديث الترمذي هذا وهو المراد بقوله سيجيئ، وكأنه حمل الحديثين معًا على المدح، ثم قال بعد ما ذكر حديث الترمذي هذا: قبل هذا لا يلايم السياق إلا أن يحمل على الاستهزاء، فحينئذ يحمل استهزاؤه على المكابرة وزيادة المعاندة، انتهى. قلت: وهذا الذي ذكره بلفظ قيل هو موافق لمختار الشيخ وهو الصواب، وفسر صاحب مظاهر الحق حديث البخاري بالتعييب، وحديث الترمذي بالمدح استهزاءً، ومؤداهما واحد، نعم يؤيد القاري ما في الخميس عن ذخائر العقبي: جيء برأسه إلى بين يدي ابن زياد فنكته بقضيبه، وقال: لقد كان غلامًا صبيحًا.","vol":"4","page":422},{"text":"أو الإنكار كما يشعر به قوله لم يذكر (١)، ناسب إثبات كون حسين حسينا، فلم يثبته أنس بأن يذكر أوصاف أعضائه وما ينبغي للحسن من الصفات، لأن\n_________\n(١) وهذا القول موجود في جميع النسخ الهندية، وكذا فيما حكى العيني عن رواية الترمذي، وليس في المصرية ولا فيما حكاه الحافظ من رواية الترمذي، ولا في المشكاة وجمع الفوائد وتيسير الوصول، وما أفاده الشيح من توجيه الكلام موافق لما حكاه المحشي عن شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي، ولفظه: قوله ما رأيت مثل هذا حسنًا، أي يعيب قول من قال إنه ذو حسن، بأن هذا لا يليق بأن يسمى حسنًا، وفي رواية البخاري: وقال في حسنه شيئًا، وإذا حمل لفظ الترمذي على معنى تلك الرواية فالوجه أن يقال: ما رأيت مثل هذا حسنًا، يعني ما رأيت حسنًا مثل حسن هذا، يتهكم به، وقوله: لم يذكر معناه لم يذكر في الناس بالحسن وليس له حسن، انتهى.","vol":"4","page":423},{"text":"ابن زياد أمكن أ، يثبت الحسن في غير ذلك المذكور، لأن كل امرئ لا يجب أن يختار ما هو المختار عند غيره، فكم من مادح شيئًا هو مذموم عند غيره، بل أثبت حسنه بذكر المشابهة له مع النبي ﷺ، ولا ينكر حسنه ﷺ من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فسكت ابن زياد (١) ولم يدر ما يجيبه، فلله دره من مستدل على مرامه.\nقوله [فإذا حية] ولعل (٢) ذلك انتقام منه جل مجده على ما فعل بالحسين من إدخال خشبة في أنفه، أراه الناس تحقيرًا له وتعظيمًا له.\nقوله [وعترتي أهل بيتي] فيه تنبيه على محبة الرسول ﷺ.\n_________\n(١) ولا عجب منه فيما فعله، فإن أباه كان ولد زنية استلحقه معاوية، ولذا يقال له زياد بن أبيه.\n(٢) قال العيني: ثم إن الله تعالى جازى هذا الفاسق الظالم ابن زياد بأن جعل قتله على يدي إبراهيم بن الأشتر يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين على أرض يقال لها الجازر، بينها وبين الموصل خمسة فراسخ، وكان المختار بن أبي عبيدة الثقفي أرسله لقتال ابن زياد، ولما قتل ابن زياد جيء برأسه وبرؤوس أصحابه وطرحت بين يدي المختار، وجاءت حية دقيقة تخللت الرؤوس حتى دخلت في فم ابن =مرجانة وهو ابن زياد وخرجت من منخره، ودخلت في منخره وخرجت من فيه، وجعلت تدخل وتخرج من رأسه بين الرؤوس، ثم إن المختار بعث برأس ابن زياد ورؤوس الذين قتلوا معه إلى مكة إلى محمد بن الحنفية، وقيل: إلى عبد الله بن الزبير، فنصبها بمكة، وأحرق ابن الأشتر جثة ابن زياد وجثة الباقين، انتهى.","vol":"4","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>[مناقب أهل بيت النبي ﷺ]</span>\n\nحتى بلغت غايته وتجاوزت منه إلى أهل بيته (١)، ولزم من ذلك حب أحاديثه ﷺ والعمل بمقتضاها، وعدم الضلالة على هذا التقدير ظاهر، فكان المعنى كتاب الله وسنة رسوله، أو يقال: العترة هم الذين كانوا على هديه كما يشعر به الرواية الآتية، وهو قوله (٢): ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، ففي هذا دليل على أن المراد بالعترة هم الذين وافق أمرهم كتاب الله.\nقوله [وعلى خلف ظهره] ولم يكن خارجًا عن الرداء بل داخلا فيها، ولإظهار ذلك كرر قوله: فجللهم (٣) بكساء. قوله [اللهم هؤلاء أهل بيتي] قد مر تقريره. قوله [وأعطيت أنا أربعة عشر] ولم يذكر فيهم عثمان (٤)\n_________\n(١) قال التوربشتي: عترة الرجل أهل بيته ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم العترة على أنحاء كثيرة بينها رسول الله ﷺ بقوله: أهل بيتي، ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه، انتهى. والمراد بالأخذ بهم التمسك بمحبتهم، ومحافظة حرمتهم، والعمل بروايتهم، والاعتماد على مقالتهم، وهو لا ينافي أخذ السنة من غيرهم، لقوله ﷺ: أصحابي كالنجو بأيهم اقتديتم اهتديتم، إلى آخر ما في المرقاة.\n(٢) قلت: وأوضح منه ما في أبي داود من حديث ابن عمر في فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، الحديث.\n(٣) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بضمير الجمع، والحديث مكرر بسنده ومتنه تقدم في تفسير سورة الأحزاب، وفيه: وعلى خلف طهره فجاله بكساء بإفراد الضمير لعلي، فدخوله في الرداء ظاهر،\n(٤) لله در الشيخ ما أجاد، ثم لا يذهب عليك أن الحديث ذكره صاحب المشكاة برواية الترمذي وفيه ذكر أبي ذر موضع حذيفة، ونسخ الترمذي الهندية متظافرة بهذا السياق التي بأيدينا، وليست في المصرية (*) هذه الرواية، ومثل الترمذي ذكرها في جمع الفوائد.\n(*) ثم وجد في المصرية في مناقب الحسن والحسين على سياق المشكاة","vol":"4","page":425},{"text":"لأن النقيب وهو المراد بالنجيب هو الذي يتقدم الإمام ويتكلم بين يديه، وأما عثمان فقد بلغ حياؤه منزلة ليس يمكن لهم التكلم بين يديه ﷺ إلا لضرورة، فلا يتأتى منه تلك الخدمة، وليس ذلك لمنقصة فيه نسبة عمن ذكر ها هنا.\nقوله [وأصدقهم حياء] يعني أنها ليست منه تكلفًا. قوله [وأعلمهم بالحلال والحرام] أي من أعلمهم (١).\n_________\n(١) إشارة إلى أ، لفظ (من) مقدر على صيغ التفضيل في هذا الحديث، وعلى هذا فلا يشكل بشركة غيرهم في هذه الأوصاف، وأجاب النووي بجواب آخر كما حكاه عنه القاري إذ قال: قال النووي في فتاواه: قوله أقضاكم علي، لا يقتضي أنه أقضى من أبي بكر وعمر، لأنه لم يثبت كونهما من المخاطبين، وإن ثبت فلا يلزم من كون واحد أقضى من جماعة كونه أقضى من كل واحد، يعني لاحتمال التساوي مع بعضهم، =ولا يلزم من كون واحد أقضى أن يكون أعلم من غيره، ولا يلزم من كونه أعلم كونه أفضل، انتهى. وفي المجمع: قوله أقرؤكم أبي، قبل: أراد من جماعة مخصوصين أو في وقت مخصوص فإن غيره كان أقرأ منه، ويجوز إرادة أكثرهم قراءة، ويجوز كونه عامًا وأنه أقرأ الصحابة، أي أتقن للقرآن وأحفظ، انتهى. قلت: فلو سلم عمومه ففي تقديمه ﷺ أبا بكر إلى، ولذا مال ابن الهمام وابن حجر في شرح المنهاج وغير واحد من أهل العلم إلى أن قوله ﷺ: يؤم القوم أقرؤهم، منسوخ بإمامة أبي بكر، ومال الزيلعي على الكنز إلى أن الروايات في قوله: أقرؤهم وأعلمهم مختلفة، والفعل مرجح، وقال أيضًا: إن قوله ﷺ: يؤم القوم أقرؤهم كان في الابتداء، وكان يستدل بحفظه على علمه لقرب العهد بالإسلام، ولما طال الزمان وتفقهوا قدم الأعلم نصًا، وكان أبو بكر أعلمهم، ألا ترى إلى قول أبي سعيد: كان أبو بكر أعلمنا، انتهى وقال القارئ: والظاهر أن النبي ﷺ إنما قدم أبا بكر لكونه جامعًا للقرآن والسنة، والسبق والهجرة، والسن والورع، وغير ذلك مما لم يجتمع في غيره من الصحابة، وبهذا صار أفضلهم، ولا ينافي أن يكون في المفضول مزية من وجه على الأفضل، انتهى قلت: ومقتضى ذلك أيضًا عموم حديث الباب وحمله على الفضيلة الجزئية، والأوجه عندي أن الأقرأ يطلق على معنيين، كما جزم به عامة شراح الحديث وعلماء الفقه: بمعنى أكثرهم حفظًا للقرآن وأخذًا له، والثاني أجودهم قراءة وأعلمهم بوجوه القراءات، والمراد في حديث الباب الثاني، كيف وقد ثبت أن جماعة من الصحابة كانوا حفاظ القرآن كما سيأتي قريبًا. فلو لم يكن المراد ذلك يكون قوله: أقرؤكم أبي، مشكلًا، والمراد في حديث الإمامة هو المعنى الأول، فإن مدار الإمامة على العلم بالمسائل، وكانوا أهل لسان، فكل من كان أكثرهم قرآنًا كان أعلمهم بالمسائل، ولي على ذلك قرائن كثيرة لا يسعها هذا المختصر.","vol":"4","page":426},{"text":"قوله [لم يكن الذين كفروا] وكانت (١) أطول من هذا بكثير فنسخت،\n_________\n(١) ففي الاتقان برواية الحاكم عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وبارك وسلم: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ومن بقيتها: لو أن ابن آدم سأل واديًا من مال فأعطيه سأل ثانيًا، وإن سأل ثانيًا فأعطيه سأل ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنفية غير اليهودية ولا النصرانية، ومن يعمل خيرًا فلن يكفره، وقال أبو عبيد بسنده إلى أبي موسى الأشعري، قال: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت، وحفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لأخلاق له، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، انتهى. فالظاهر أن المراد بالسورة في الحديث الثاني هي سورة لم يكن، لاشتراك معنى الروايتين، وقال الحافظ: زاد الحاكم من وجه آخر عن زرعن أبي أن النبي ﷺ قرأ عليه لم يكن، وقرأ فيها: إن ذات الدين عند الله الحنفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية، من يفعل خيرًا فلم يكفره، انتهى.","vol":"4","page":427},{"text":"والمناسبة (١) ما فيها من ذكر أهل الكتاب. قوله [فبكى] شوقًا وتلذذًا (٢)\n_________\n(١) قال الحافظ: قال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة، والإخلاص والصحف، والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة والمعاد، وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها، انتهى. وقال العيني: تخصيص هذه السورة لأنها مع وجازتها جامعة لأصول وقواعد ومهمات عظيمة، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: قوله سماني، أي هل نص على اسمي؟ أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك فاخترتني أنت؟ قال: نعم، بكى إما فرحًا وسرورًا بذلك، وإما خشوعًا وخوفًا من التقصير في شكر تلك النعمة، وفي رواية الطبراني بوجه آخر عن أبي قال: نعم باسمك = ونسبك في الملأ الأعلى، قال القرطبي: تعجب أبي من ذلك لأنه تسمية الله له ونصه عليه ليقرأ عليه النبي ﷺ تشريف عظيم، ولذلك بكى إما فرحًا وإما خشوعًا، انتهى.","vol":"4","page":428},{"text":"بأمر الله. قوله [جمع القرآن] أي (١) حفظه جميعًا، وليس فيه نفي لجمع غيرهم.\n_________\n(١) وبهذا جزم الحافظ إذ قال: قوله جمع القرآن، أي استظهره حفظًا، ثم قال: وليس في هذا ما يعارض حديث عبد الله بن عمرو: استقرؤا القرآن من أربعة، فذكر اثنين من الأربعة ولم يذكر اثنين، لأنه إما أن يقال: لا يلزم من الأمر بأخذ القراءة عنهم أن يكونوا كلهم استظهروه جميعه، وإما أن لا يؤخذ بمفهوم حديث أنس، لأنه لا يلزم من قوله: جمعه أربعة أن لا يكون جمعه غيرهم، فلعله أراد أنه لم يقع جمعه لأربعة من قبيلة =واحدة إلا لهذه القبيلة وهي الأنصار، انتهى، قلت: والمراد بحديث عبد الله بن عمرو ما أخرج البخاري عنه وقد ذكر ابن مسعود عنده، فقال: ذاك رجل لا أزال أحبه بعد ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: استقرؤا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، لا أدري بدأ بأبي أو بمعاذ، وذكره في باب القراء بلفظ: خذوا القرآن من أربعة، الحديث. قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد، منهم جماعة من الصحابة، وقد تقدم في غزوة موتة أن الذين قتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم القراء وكانوا سبعين رجلًا، انتهى. ثم ذكر بعد ذلك أسماء جماعة من حفاظ الصحابة، وبعضهم أكمله بعد النبي ﷺ، وقال القاري في حديث الباب: أراد أنس بالأربعة أربعة من رهطه وهم الخزرجيون، إذ روى أن جمعًا من المهاجرين أيضًا جمعوا القرآن، وقال المازري: هذا الحديث مما تعلق به بعض الملاحدة في تواتر القرآن، وجوابه من وجهين: أحدهما أنه ليس في تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه، فيكون المراد الذين علمهم من الأنصار أربعة، والمراد نفي علمه لا نفي غيره، وقد روى مسلم حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي ﷺ، وذكر منهم المازري خمسة عشر صحابيًا، وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه، فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها وممن لم يحضرها، وثانيهما أنه لو ثبت أنه لم يجمع إلا أربعة لم يقدح في تواتره، إذ ليس من شرط التواتر أن ينقل جميعهم جميعه، بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر صارت الجملة متواترة بلا شك، قال التوربشتي: المراد من الأربعة أربعة من رهط أنس وهم الخزرجيون، انتهى. وفي التلقيح: من جمع القرآن حفظًا في عهد رسول الله ﷺ أبي ابن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد الأنصاري، وأبو الدرداء، وذكر فيهم عثمان وتمم الداري، وعبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري، انتهى. قلت: وزاد صاحب روضة المحتاجين على بعض المذكورين عليًا وزيد بن ثابت وخالدًا، وزاد العيني أبا بكر وعبد الله بن مسعود.","vol":"4","page":429},{"text":"قوله [بين أمرين] أي في الطاعات، فيصح رواية أشدهما (١)، لأن\n_________\n(١) اختلفت النسخ والروايات في لفظ (إلا اختار أشدهما) ففي النسخة الأحمدية التي بأيدينا (أرشدهما) بالراء المهملة والشين المعجمة من الرشد. وهكذا في رواية الحاكم من رواية عائشة وكذا فيه برواية ابن مسعود بلفظ: (ما عرض عليه أمران قط إلا أخذ بالأرشد) وهكذا في ابن ماجة من حديث عائشة بلفظ (الأرشد منهما) وفي هامش الأحمدية بطريق النسخة (أشدهما بالمعجمة من الشدة، وكذا في جمع الفوائد برواية الترمذي، وفي النسخة المصرية من الترمذي بلفظ (أسدهما) بالمهملة من السداد، وفي تيسير الوصول برواية الترمذي (إلا اختار أيسرهما) وفي المشكاة برواية الترمذي (أشدهما) وفي هامشه نسخة (أرشدهما) قال القاري: قوله أرشدهما هو أصل الترمذي، أي أصلحهما، وفي نسخة صحيحة وهو أصل المصابيح (أشدهما) أي أصعبهما، فقيل: هذا بالنظر إلى نفسه، فلا ينافي رواية (أيسرهما) فإنه بالنظر إلى غيره، وفي نسخة (أسدهما) بالسين المهملة أي أصوبهما، والأظهر في الجمع بين الروايات أنه كان يختار أصلحهما وأصوبهما فيما تبين ترجيحه وإلا اختار أيسرهما، انتهى. قلت: لم يظهر الجمع في كلامه برواية (أشدهما) وقد عرفت أن الأكثر باعتبار النقل لفظ الأرشد.","vol":"4","page":430},{"text":"المحنة في الطاعات توجب المنحة. قوله [أصدق من أبي ذر] فمن سواه (١) يساويه في الصدق أو هو دونه.\nقوله [كالحاسد] يعني به مغتبطًا، لأن الغبطة يشبه الحسد. قوله [أفتعرف ذلك]. بصيغة الخطاب من الأفعال، ويمكن أن يكون متكلمًا من المجرد.\nقوله [مكانهما] أي هما موجودان ولم ينعدما، أو المراد هما موجودان في المدينة ولم ينعدما منها. قوله [وقد علم المحفوظون من أصحاب إلخ] فيه إشارة (٢) إلى أن الخلفاء قربتهم معلومة لكل أحد. قوله [وحذيفة صاحب سر رسول\n_________\n(١) قال التوربشتي: قوله أصدق من أبي ذر مبالغة في صدقه لا أنه أصدق من كل على الاطلاق، لأنه لا يكون أصدق من أبي بكر بالإجماع، فيكون عامًا قد خص، وقال الطبي: يمكن أن يراد به أنه لا يذهب إلى التورية والمعاريض في الكلام، إلى آخر ما في المرقاة.\n(٢) فإنه يدل على أنهم يعرفون درجات الصحابة ومراتب فضلهم، فلابد أن يعرفوا فضل الخلفاء الذين فضلهم مأثور يعرفهم كل من يأتي بعدهم، وقد عرف اهتمامهم بمعرفة مراتب الناس، فقد أخرج البخاري بروايات وطرق سؤالهم: من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني، الحديث. وأخرج أيضًا عن ابن عمر: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ، فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان، وحديث الباب أخرجه أحمد برواية حسين عن إسرائيل نحو الترمذي، وأخرج أيضًا عن شقيق عن حذيفة بلفظ آخر، وفيه: من حين يخرج من بيته حتى يرجع، فلا أدري ما يصنع في أهله، الحديث.","vol":"4","page":431},{"text":"الله ﷺ] وقد أسر إليه أشياء لم يعلمها (١) أحد، منها حال المنافقين.\nقوله [وعمار الذي أجاره الله إلخ] (٢). قوله [لم فضلت أسامة علي]\n_________\n(١) كما هو نص حديث البخاري عن أبي الدرداء بمعنى حديث الباب، ولفظه: أو ليس فيكم صاحب سر النبي ﷺ الذي لا يعلم أحد غيره، قال الحافظ: والمراد بالسر ما أعلمه النبي ﷺ من أحوال المنافقين، انتهى. وفي الإصابة: روى عنه مسلم قال: لقد حدثني رسول الله ﷺ ما كان وما يكون حتى تقوم الساعة، انتهى. قلت: وقد اشتهرت الروايات عنه في الفتن أن الناس كانوا يسألونه ﷺ عن الخير وأسأله عن الشر مخافة أن يدركني.\n(٢) بياض في الأصل بعد ذلك، وقال الحافظ: زعم ابن التين أن المراد بقوله: على لسان نبيه، قوله ﷺ: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وهو محتمل، ويحتمل أن يكون المراد بذلك حديث عائشة مرفوعًا: ما خير عمار إلا اختار أرشدهما، فكونه يختار أرشد الأمرين دائمًا يقتضي أنه قد أجير من الشيطان الذي من شأنه الأمر بالغي، ولابن سعد في الطبقات من طريق الحسن قال: قال عمار: نزلنا منزلًا فأخذت قربتي ودلوي لأستقي، فقال النبي ﷺ: سيأتيك من يمنعك من الماء، فلما كنت على رأس الماء إذا رجل أسود كأنه مرس، فصرعته، الحديث. وفيه قول النبي ﷺ: ذلك الشيطان، فلعله أشار إلى هذه القصة، ويحتمل أن تكون الإشارة بالإجارة إلى ثباته على الإيمان لما أكرهه المشركون على النطق بكلمة الكفر، فنزلت فيه: \"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان\"، انتهى.","vol":"4","page":432},{"text":"وكان سؤاله ذلك حرصًا على العلم لا على المال، وطلبًا لاستكشاف ما خفى عليه (١) من فضله لا طمعًا فيما ناله أسامة من طوله، لأن عمر ﵁ (٢) إنما كان يفضلهم فيما بينهم بالعطاء، إما لكثرة المشاهد أو لقدم الهجرة، ولما لم يره في شيء منهما أفضل من نفسه سأل، فأجيب أن ذلك لحبه ﷺ إياه، وإنما كان دليلًا على محبة عمر أنه اختار حب رسول الله ﷺ على حب نفسه. ولا يذهب عليك أن للمحبة أنواعًا ومراتب وجهات مختلفة، فلا يلتبس عليك حب النبي ﷺ أبا بكر وعمر، وعائشة وخديجة، وحسنًا وحسينًا، وعليًا وفاطمة، وأسامة وزيدًا، وبين هؤلاء بون لا يكتنهه مقياس، ولا يحصى كنهه وهم ولا قياس.\nقوله [فرأيت رأي أخي إلخ] لأنه (٣) اختار ما عند الله من العلم\n_________\n(١) وبذلك جزم القاري إذ قال: لم فضلت أسامة، أي في الوظيفة المشعرة بزيادة الفضلة، انتهى.\n(٢) وذلك لما أخرج أبو داود عنه برواية مالك بن أوس قال: ذكر عمر بن الخطاب يومًا الفيء فقال: ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم، وما أحد منا أحق به من أحد، إلا أنا على منازلنا من كتاب الله ﷿ وقسم رسوله، فالرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته، انتهى.\n(٣) قال القاري: قوله (عن جبلة) بفتح الجيم والموحدة (ابن حارثة) وهو أكبر من أخيه زيد بن حارثة، (هو ذا) \"هو\" عائد إلى زيد و\"ذا\" إشارة إليه، أي هو حاضر مخير، قوله (لم أمنعه) أي فإني أعتقته، قال جبلة: (فرأيت) أي فعلمت بعد ذلك (رأى أخي) أي زيد (أفضل) من رأيي، حيث اختار الملازمة لحضرة المتفرغ عليه خير الدنيا والآخرة، انتهى.","vol":"4","page":433},{"text":"والطاعة، وملازمة الرسول ﷺ، ففاز بالدرجات العلى. قوله [أي أهلك أحب إليك] وكان يراد بالأهل (١) معان متعددة، ولم يكونوا سألوه عن تفضيل أهل بيته فيما بينهم، ولعله ﵊ علم ما كان السائل أراد بأهل البيت، إلا أنه أجاب بحسب ظاهر اللفظ تكثيرًا للفائدة وتتميمًا للعائدة.\nقوله [نسألك عن أهلك] أي وراء ذلك، فإن كل أحد يعلم أن الرجل يحب أولاده ما لا يحب غيرهم، وكذلك الأزواج المطهرات، وإنما السؤال عمن يدانيه ويتعلق به (٢) من الحواشي والخدام، والأخوة وبني الأعمام، وسائر\n_________\n(١) قال الراغب: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبي ﷺ مطلقًا إذا قيل: أهل البيت، لقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وعبر بأهل الرجل عن امرأته وأهل الإسلام الذين يجمعهم، انتهى.\n(٢) وبذلك جزم من شرح الحديث، قال القاري: ما جئناك نسألك عن أهلك، أي عن أزواجك وأولادك، بل نسألك عن أقاربك ومتعلقيك، ثم في الحديث إشكال ذكره الشيخ خليل أحمد المهاجر على هامش كتابه: يشكل عليه بأن أسامة بن زيد لم يكن من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه، بل مصداقه أبوه زيد، فأوفق السياق هو الذي أخرجه السيوطي في الدر المنثور برواية البزار، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أسامة في هذا الحديث بلفظ: قالا ما نسألك عن فاطمة، قال: فأسامة بن زيد الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه، الحديث. انتهى بزيادة. وفي المرقاة: قال الطبي: أي أهلك أحب إليك مطلق، ويراد به المقيد، أي من الرجال، بينه ما بعده وهو قوله: أحب أهلي إلى من قد أنعم الله عليه، وفي نسخ المصابيح: قوله ما جئناك نسألك عن أهلك، مقيد بقوله: من النساء، وليس في جامع الترمذي وجامع الأصول هذه الزيادة، ولم يكن أحد من الصحابة إلا وقد أنعم الله عليه، وأنعم عليه رسوله، إلا أن المراد المنصوص عليه في الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ وهو زيد لا خلاف في ذلك ولا شك، وهو وإن نزل في حق زيد لكنه لا يبعد أن يجعل أسامة تابعًا لأبيه في هاتين النعمتين، انتهى.","vol":"4","page":434},{"text":"الصحابة الكرام ﵃ إلى يوم القيامة.\nقوله [ما حجبني رسول الله ﷺ] أي إن كان (١) في الرجال أمر يطلبني،\n_________\n(١) قال الحافظ: ما حجبني أي ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته فاستأذنت عليه، وليس كما حمله بعضهم على إطلاقه فقال: كيف جاز له أن يدخل على محرم بغير حجاب، ثم تكلف في الجواب أن المراد مجلسه المختص بالرجال، أو أن المراد بالحجاب منع ما يطلبه منه، قال الحافظ: وقوله ما حجبني يتناول الجميع مع بعد إرادة الأخير، انتهى. وقال العيني: أي ما منعني مما التمست منه أو من دخول الدار، ولا يلزم منه النظر إلى أمهات المؤمنين، انتهى.","vol":"4","page":435},{"text":"ولم يمنعني إذا استأذنت، وإن كان في نساء حجبهن وأذن لي، أو خرج بنفسه النفيسة إلى قوله [فإنك لن تأخذ عن أحد أوثق مني] لأن جيل الصحابة (١) قد انقرضوا فلم يبق إلا من أخذ منهم، وبكثرة الوسائط يختل الوثوق.\nقوله [فما نسيت شيئًا حدثني به] أي في مجلسه (٢) ذاك وغيره.\n_________\n(١) وقد تعددت الروايات بنحو ذلك عن أنس بالألفاظ المختلفة، وبمثل ما أفاده الشيخ فسرها الشراح، فقد أخرج البخاري في (باب رفع العلم) عن قتادة عن أنس قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثنكم أحد بعدي، الحديث.\nقال الحافظ: عرف أنس أنه لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله ﷺ غيره؛ لأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فلعل الخطاب بذلك كان لأهل البصرة، أو كان عامًا، وكان تحديثه بذلك في آخر عمره؛ لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النبي ﷺ، إلا النادر ممن لم يكن هذا المتن في مرويه، وقال ابن بطال: يحتمل أنه قال ذلك لما رأى من التغيير ونقص العلم، يعني فانقضى ذلك عنده أنه لفساد الحال أيحدثهم أحد بالحق، انتهى.\n(٢) يعني ما حدث رسول الله ﷺ في هذا المجلس أوغيره ما نسيت شيئًا من ذلك، والمقصود التعميم، وهذا هـ والوجه في معنى الحديث، واختلفت ألفاظ الرواية، ولفظ البخاري في (باب حفظ العلم) برواية المقبري عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: ابسط رداءك، فبسطته، قال: فغرف بيديه، ثم قال: ضم! فضممته، فما نسيت شيئًا بعد، قال الحافظ: تنكير شيئًا بعد النفي ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء من الحديث وغيره، ووقع في رواية ابن عيينة وغيره عن الزهري عند البخاري: فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه، وفي رواية يونس عند مسلم: فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به، وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث، ووقع في رواية شعيب عند البخاري في البيوع: فما نسيت من مقالته تلك من شيء، وهذا يقتضي عدم النسيان بتلك المقالة فقط، لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومن وافقه؛ لأن أبا هريرة نبه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها، ويحتمل أن تكون وقعت له قضيتان، فالتي رواها الزهري مختصة بتلك المقالة، والقضية التي رواها المقبرى عامة، وأما ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمر وبن أمية قال: تحدث عند أبي هريرة بحديث فأنكره، فقلت: إني سمعته منك، فقال: إن كنت سمعته مني فه ومكتوب عندي، فقد يتمسك به في تخصص النسيان بتلك المقولة، لكن سنده ضعيف، ويلتحق به حديث أبي سلمة عنه: لا عدوى، فإنه قال فيه: إن أبا هريرة أنكره، قال: فما رايته نسى شيئًا غيره، انتهى.","vol":"4","page":436},{"text":"قوله [إما أن يكون سمع] أن ناصبة وهو مبتدأ محذوف الخبر، أي أحرى به وأليق، قوله [ولا تجد أحدًا فيه خير الخ] فكيف بأبي هريرة وهو من كبار الصحابة ﵃ أجمعين.\nقوله [إما أن يكون سمع] أن ناصبة، وهو مبتدأ محذوف الخبر، أي أحرى به وأليق. قوله [ولا تجد أحدًا فيه خير الخ] فكيف بأبي هريرة وهو من كبار الصحابة ﵃ أجمعين.\nقوله [إلا عبد الله بن عمرو] هو ابن العاص، وكان قوله ذلك نسبة إلى ما سمعه قبل القصة التي ذكرها قبل، وأما بعدها فلم ينس أبو هريرة شيئًا حتى يلزم فضل لابن عمرو عليه، والحاصل أن أبا هريرة فضل عبد الله بن عمرو بن العاص فيما سمعه قبل القصة، واستويا بعدها، فكان في أحاديث ابن عمرو زيادة على أحاديث أبي هريرة، وهذا وإن كان ثابتًا في الآخذ (١) والتحمل لكنه لم يشتهر\n_________\n(١) أشار الشيخ بذلك إلى جواب إشكال يرد على ظاهر الحديث من أن مقتضاه أن تكون مرويات عبد الله بن عمر وأكثر من أبي هريرة والواقعة خلاف ذلك، كما تقدم مبسوطٍا في هامش (باب الرخصة في كتابة العلم). فان الحديث مكرر.","vol":"4","page":437},{"text":"روايات ابن عمر، وعلى اشتهار روايات أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\nقوله [أسلم الناس وآمن عمرو الخ] المراد بالناس مؤمنو يوم الفتح، ولم يكن إسلام هؤلاء في ظاهر الأمر إلا للسيف، وأما عمرو (١) فقد آمن بقلبه ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه أتى مؤمنًا من نفسه من غير خوف ولا دهشة.\nقوله [اهتز له عرش الرحمن] إما فرحًا بوصول روحه إليه، أو ترحًا (٢) على مفارقة مثل هذا الرجل نبي الله ﷺ. قوله [إن الملائكة كانت تحمله] ويكون\n_________\n(١) ذكر في الحاشية عن اللمعات: خصه بالإيمان لأنه آمن رغبة، لأنه وقع الإسلام في قلبه في الحبشة حين اعترف النجاشي بنبوته، فأقبل إلى رسول الله ﷺ مؤمنًا من غير أن يدعوه أحد إليه، فجاء إلى المدينة ساعيًا فآمن به، وكان قبل إسلامه مبالغًا في عداوته ﷺ، والمراد بالناس من أسلم يوم الفتح من مكة، فإنهم أسلموا جبرًا وقهرًا، ثم حسن إسلام من شاء الله منهم، وه وآمن طائعًا راغبًا مهاجرًا، فلذلك خصه بينهم بالإيمان، انتهى. قلت: وبذلك جزم القارئ إذ قال: (أسلم الناس) التعريف فيه للعهد والمعهود مسلمة الفتح من أهل مكة، وآمن عمر وبن العاص قبل الفتح بسنة أو سنتين طائعًا راغبًا مهاجرًا إلى المدينة، انتهى.\n(٢) الترح محركة: الهم، ذكر هذا الوجه في هامش المشكاة عن اللمعات بلفظ (قيل) وجزم بالأول الحافظ في الفتح، وأيده بالرواية، وقيل في ذلك بوجوه أخر ذكرها القاري وغيره.","vol":"4","page":438},{"text":"حمل الملائكة غير جنازته، بحيث لا يبدو أثره (١) في عالمنا هذا.\nقوله [يعني مما يلى من أموره] ترك (٢) لفظة مما يلي من النساخ فليكتب،\n_________\n(١) يعني ما يكون من حمل الملائكة لأشياء أخر من الأعمال والجنائز وغيرهما، لا يظهر لحملهم أثر في الدنيا بخلاف هذه الجنازة، فكان أثر حملهم ظاهرًا وهو التخفيف.\n(٢) يعني في النسخة الأحمدية التي بين يدي الشيخ، وهو موجود في النسخ الأخر كالمصرية وغيرها، وكذلك فيما حكى ابن الأثير في أسد الغابة من رواية الترمذي، وما أفاده الشيخ من المعنى هو نص رواية الإسماعيلى بلفظ: لما ينفذ من أموره، قال الحافظ: ترجم ابن حبان لهذا الحديث (احتراز المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا عليه) وهذا يدل على أنه فهم من الحديث أن ذلك وقع لقيس بن سعد على سبيل الوظيفة الراتبة، وهو الذي فهمه الأنصاري راوي الحديث، لكن يعكر عليه ما زاد الإسماعيلى ولفظه: لما قدم النبي ﷺ كان قيس بن سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، فكلم سعد النبي ﷺ في قيس أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه مخافة أن يقدم على شيء، فصرفه عن ذلك، والمراد بصاحب الشرطة كبيرهم، فقيل: سموا بذلك لأنهم رذلة الجند، ومنه حديث الزكاة: ولا الشرط اللئيمة، أي ردي المال، وقيل: لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند، ومنه حديث الملاحم: وتشترط شرطة للموت، وقال الأزهري: شرط كل شيء خياره، ومنه الشرط لأنهم نخبة الجند، وقيل: هم أو طائفة تتقدم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل: سموا شرطًا لأن لهم علامات يعرفون بها من هيئة وملبس، وهو اختيار الأصمعي، ويقال: إنهم أعدوا أنفسهم لذلك، يقال: أشرط فلان نفسه لأمر كذا إذا أعدها، قاله أبو عبيد، وقيل: مأخوذ من الشريط، وهو الحبل المبرم لما فيه من الشدة، انتهى","vol":"4","page":439},{"text":"والمعنى أنه كان بمنزلة صاحب الشرط لأجل ما يتولاه من أموره ﷺ.\nقوله [جاءني رسول الله ﷺ] وقد ذهب إليه يعوده في مرضه، وبيته على أميال من المدينة، ثلاث أو نحوها (١). قوله [استغفر لي الخ]، فقال (٢) في أثناء كلامه: غفر الله لك مرارًا. قوله [يبر جابرًا الخ] وكان شراء البعير أيضًا برًا وصلة معه لا أنه كان قصد شراء البعير؛ ولذلك رد البعير عليه بعد ما أوفى له القيمة، إلا أنه ﵊ جعل امتنانه في (٣) لئلا يستحي\n_________\n(١) واختلفت الروايات في المسافة بين بني سلمة وبين المدينة، فورد قدر ميل، وروي قدر ميلين، أخرجها أحمد في مسنده في أسانيد جابر، وقيل غير ذلك، وأيًا ما كان فمسكنه كان بعيدًا عن المدينة، أي من منزله ﷺ.\n(٢) قال الحافظ في أثناء اختلاف الروايات في هذه القصة: زاد النسائي من طريق أبي الزبير، قال: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولابن ماجة من طريق أبي نضرة عن جابر، فقال: أتبيع ناضحك هذا والله يغفر لك، زاد النسائي من هذا الوجه: وكانت كلمة تقولها العرب: افعل كذا والله يغفر لك، ولأحمد: قال سليمان - يعني بعض رواته - فلا أدري كم مرة يعني قال له: والله يغفر لك، وللنسائي من طريق أبي الزبير عن جابر قال: استغفر لي رسول الله ﷺ مع ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة، انتهى. وفي المجمع: هي ليلة اشترى فيها رسول الله ﷺ من جابر جملًا في السفر.\n(٣) بياض في الأصل، والظاهر «في صورة الشراء».","vol":"4","page":440},{"text":"منه. قوله [لم يأكل من أجره شيئًا] أي في دار الدنيا، فبقي له سالمًا بوفيه الله يوم القيامة. قوله [ولم يترك إلا ثوبًا] ولم يكن لمن معه من الثياب ما يزيد حاجته، وإلا لم يبخل بمواساته، فإن إتمام الكفن فرض (١) على المسلمين كفاية.\nقوله [لقد أعطيت مزمارًا الخ] وسمع النبي ﷺ منه (٢) قرآنًا، لحسن\n_________\n(١) في الدر المختار: كفن الضرورة لهما ما يوجد، وأقله ما يعم البدن، وعند الشافعي ما يستر العورة كالحي، انتهى. قال ابن عابدين: قوله ما يعم البدن، ظاهره أنه لو لم يوجد له ذلك سألوا الناس له ثوبًا يعمه، وأن ما دون ذلك بمنزلة العدم، وأنه لا يسقط به الفرض عر المكلفين وإن كان ساترًا للعورة ما لم يعم البدن، لكن لا يخفى أن كفن الضرورة ما لا يصار إليه إلا عند العجز، فلا يناسب تقييده بشيء، ولذا عبر المصنف بما يوجد، نعم ما يعم البدن هو كفن الفرض، كما صرح به في شر المنية، فيسقط به الفرض عن المكلفين، لا بقيد كونه عند الضرورة، ولذا لما استشهد مصعب بن عمير بوم أحد ولم يكن عنده إلا نمرة إذا غطى بها رأسه بدت رجلاه وبالعكس، أمر النبي ﷺ بتغطية رأسه بها ورجليه بالإذخر، إلا أن يقال: إن ما لا يستر البدن لا يكفي عند الضرورة أيضًا، بل يجب ستر باقيه بنحو حشيش كالإذخر، ولذا قال الزيلعي بعد سوقه حديث مصعب: وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي خلافًا للشافعي، انتهى.\n(٢) قال الحافظ: أخرج مسلم من طريق طلحة عن أبي بردة بلفظ: لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، الحديث. وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد ابن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه: أن النبي ﷺ وعائشة مرا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنها مضيا، فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا موسى مررت بك، الحديث، فقال: أما إنه لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرًا، قال الخطابي: قوله آل داود يريد داود نفسه، لأنه لم ينقل أن أحدًا من أولاد داود ولا من أقاربه كان أعطى من حسن الصوت ما أعطى.","vol":"4","page":441},{"text":"صوته، فكان مدحًا له حسن صوته لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>[باب في فضل من رأى النبي ﷺ وصحبه </span>(١)].\nقوله [لا تمس النار مسلمًا الخ] والموت على الإسلام شرط، وإلا لم يصدق عليه أنه مسلم، ووجه عدم المس مع أن وقوع المعاصي غير منكر، ما هم عليه من شدة مراقبة الله تعالى، فلا يتراخون في المتاب، أو رجحان (٢) الحسنات\n_________\n(١) لعل المصنف أشار بهذا اللفظ إلى أن المراد بمن رأى هو الصحابي، لا مطلق الرائي، وإليه أشار الشيخ في تقريره إذ قال: والموت على الإسلام شرط، فإنهم اتفقوا على هذا الشرط في تعريف الصحابي، كما بسط أهل الفن سيما الحافظ في مبدأ الإصابة إذ قال: أصح ما وقفت عليه في تعريف الصحابي: هو من لقي النبي صل الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ثم بسط الكلام على ذلك.\n(٢) وقد اشتهر قوله ﷺ في الصحيحين وغيرهما: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وإنفاقهم ﵃ بأقصى ما يمكنهم معلوم مشهور. وأجمل الحافظ الكلام على فضلهم في مبدأ الإصابة فقال: اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلًا نفيسا في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ - إلى قوله - إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾، في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء ما ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين، القطع على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله، ثم قال: وقال أبو محمد بن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون﴾، فان قلت: التقيد بالإنفاق والقتال يخرج من ليس كذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة، قلنا: إن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة، وروى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون من حديث سعيد بن المسيب عن جار مرفوعًا: إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين، وروي عن سفيان يقول في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ﴾ هم أصحاب محمد ﷺ، والأخبار في هذا كثيرة جدًا، فاقتصر على هذا القدر ففيه مقنع، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":442},{"text":"على السيئات لو سلم الموت من غير توبة، ولكن يشكل عليه بعض ما ورد في","vol":"4","page":443},{"text":"الأخبار من القصص التي هي مشعرة بخلاف ذلك كما ورد (١).\nقوله [أو شهادتهم أيمانهم] أي مرة كذا ومرة كذا، والمعنى بذلك قلة المبالاة فيما يأتون، فلا يتأملون فيما يقترفون عما لا يفعلون هل هو حق أم غير واقع. قوله [مد أحدهم] الظاهر أن المراد بالمد ما يوزن ويكال به عادة، وهي الأطعمة والحبوب، وإن كان يمكن على بعد إرادة مد الذهب بقرينه\n_________\n(١) بياض في الأصل بعد ذلك، ولعل الشيخ لم يذكر الروايات في ذلك عمدًا فإن خاطري أيضًا لا يطيب باحصاءها، لكنها لا تخفى على من نظر كتب الحديث، كحديث الشملة، والمعذبين في القبر بالنميمة والبول على القول بإسلامهما، وغير ذلك، وكذا ما ورد في قاتل عمار، ومبغض علي والحسين ﵃ أجمعين، والجواب عن حديث الباب ظاهر، على أن المرجو من كرمه تعالى أن لا يدخل النار أحدًا من الصحابة ﵃ أجمعين، كما يدل عليه ما ورد في الروايات من فضلهم، كما تقدم شيء من ذلك، وأخرج أبو داود عن سعيد بن زيد: كنا عند النبي ﷺ فذكر فتنة فعظم أمرها، فقلنا أو قالوا: يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لتهلكنا، فقال رسول الله ﷺ: كلا إن بحسبكم القتل، الحديث. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: أمتي هذه مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، وعذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل.","vol":"4","page":444},{"text":"مقابلة أحد الذهب، والفضل (١) لهم ثابت على المعنيين كليهما، وإن كان في\n_________\n(١) وظاهر هذا الحديث والتي تقدمت من الروايات أن الصحابة أفضل من التابعين، وهم من أتباعهم، قال الحافظ في الفتح: هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾، الآية، واحتج ابن عبد البر بحديث: مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره، وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة، وأغرب النووي فعزاه في فتاواه إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار. وأجاب عنه النووي بما حاصله أن المراد من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى، ويرون ما في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك أي الزمانين خير، وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله ﷺ: خير القرون قرني، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جفر أحد التابعين بإسناد حسن قال: قال رسول الله ﷺ: ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير ثلاثًا، الحديث. وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعه: تأتى أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم، وهو شاهد لحديث: مثل أمتي مثل المطر، واحتج ابن عبد البر أيضًا بحديث عمر رفعه: أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني، الحديث أخرجه الطيالسي وغيره، لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه، وروى أحمد والدرامي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أأحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك، قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني، إسناده حسن، وقد صححه الحاكم، وتعقب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى كلامه أن يكون في من يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرح القرطبي، لكن كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية، نعم الذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله ﷺ، أما من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة وضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده؛ لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم، ومحل النزاع يتمحض في من لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة كما تقدم، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهًا على أن حديث: للعامل منهم أجر خمسين منكم، لا يدل على أفضيلة غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة، وأما حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم: قلنا يا رسول الله ﷺ هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ الحديث. أخرجه الطبراني وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة، وتقدم الجواب عنه، انتهى. قلت: وتقدم بعض ما يتعلق بحديث الشهادة في أبوابها.","vol":"4","page":445},{"text":"الأول ما ليس في الثاني. قوله [إلا صاحب الجمل الأحمر] استثناه مع كونه لم يدخل فيهم (١) دفعًا لما عسى أن يتوهم أحد قياسه على عثمان ﵁،\n_________\n(١) كما هو نص الرواية المفصلة عند مسلم، ولفظها: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس فقال رسول الله ﷺ: وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر، فأتيناه فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال: لئن أجد ضالتي أحب إلى من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجل يشد ضالة له، وفي رواية أخرى- إذا هو أعرابي جاء ينشد صالة له، وذكر في حاشية الترمذي: صاحب الجمل الأحمر هو جد بن قيس، كان منافقًا يطلب جمله ولم يبايع، والاستثناء منقطع، انتهى. وحكى النووي عن القاضي عياض قيل: هذا الرجل هو الجد بن قيس المنافق، انتهى. وقال ابن الأثير: حضر يوم الحديبية فبايع الناس رسول الله ﷺ إلا الجد بن قيس، فانه استتر تحت بطن ناقته، وعن ابن إسحاق قال: لم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد يعني في الحديبية من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، قال جابر: كأني أنظر إليه لاصق بإبط ناقة رسول الله ﷺ قد صبأ إليها =يستتر بها من الناس، وقيل: إنه تاب وحسنت توبته، انتهى. وجزم القاري في شرح المشكاة بأن صاحب الجمل الأحر هذا هو عبد الله بن أبي المنافق المشهور.","vol":"4","page":447},{"text":"فإنه عد من هؤلاء في الوعد والأجر، وإن لم يحضرها، أو يظن دخوله الجنة نظرًا إلى قوله ﷺ: هم جلساء لا يشقى جليسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>[باب في فضل فاطمة]</span>\n\nقوله [قال إبراهيم: يعني من أهل بيته] أراد بذلك دفع المعارضة بما ورد في الشيخين وأسامة وغيرهم، وأنت على علم مما قلنا أن للحب أنواعًا (١).\nقوله [قام إليها] وكذا قوله قامت الخ، ولا شك في جوازه للتعظيم (٢)\n_________\n(١) كما تقدم شيء من ذلك، ثم اختلفوا في النساء أيتهن أفضل مريم أو خديجة؟ أو فاطمة أو عائشة؟ وبسط الحافظ شيئًا من الكلام على ذلك في (باب فضل خديجة) ورجح أنها أفضل نسائه، وذكر الاختلاف في نبوة مريم، وقال القاري: قال السيوطي في النقابة: نعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة، وأفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة، وفي التفضيل بينهما أقوال: ثالثها التوقف، قال القاري: التوقف في حق الكل أولى، إذ ليس في المسألة دليل قطعي، والظنيات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنية على اليقين، انتهى. وتقدم ما أفاده الشيخ في (باب الشواء) من كتاب الأطعمة.\n(٢) قال العيني في حديث الخدري: إن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد فأرسل النبي ﷺ فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم، الحديث. فيه أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المرسلين وإلزام الناس كافة للقيام إلى سيدهم، وقد منع ذلك قوم لحديث أبي أمامة عند أبي داود وابن ماجة، قال: خرج النبي ﷺ متوكئًا على عصي فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، وهو حديث ضعيف مضطرب السند، ثم حكي عن أبي الوليد بن رشد أن القيام على أربعة أوجه: الأول محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرًا وتعاظمًا على القائمين، والثاني مكروه وهو أن يقع لمن لا يتكبر، لكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، والثالث جائز وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، والرابع مندوب وهو أن يقع لمن قدم من سفر فرحًا بقدومه ليسلم عليه أو إلى من تجددت له نعمة فيهنيه بسببها، انتهى.","vol":"4","page":448},{"text":"والتواضع، وإنما كان لا يرتضيه ﷺ لكونه منجرًا إلى ما هو مذموم في آخر الأمر. قوله [إني إذن لبذرة] وقد كانت سألتها قبل ذلك فلم تخبر لكونها قد منعت عنه (١)، وإذا قضى النبي ﷺ أخبرت.\nقوله [ثم أخبرني أني الخ] ذكرت (٢) ها هنا شيئًا من الشيئين الذين أخبرها بهما، كما يجيء الثاني منهما بعد ذلك من كونها سيدة نساء الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>[فضل عائشة]</span>\n\nقوله [جاء بصورتها] وليس النهي عن التصوير إلا لنا، فلا يحتاج إلى الجواب (٣) بأن ذلك قبل النهي.\nقوله [في الدنيا والآخرة] وكونها زوجته في الآخرة فضل لها ووعد\n_________\n(١) كما هو مصرح في روايات الصحيحين وغيرهما من أن عائشة لما سألته أولًا في حياته ﷺ ما أخبرت، وقالت: لا أفشي سر رسول الله ﷺ، ثم أخبرت بذلك لما سألتها ثانيًا بعد وفاته ﷺ؛ ولعل ذلك لأن وفاته ﷺ لم يبق سرًا إذ ذاك، وبوب البخاري على الحديث في كتاب الاستئذان (باب من ناجى بين يدي الناس ولم يخبر بسر صاحبه، فإذا مات أخبر به).\n(٢) وبسط ذلك الحافظ في آخر المغازي في (باب وفاته ﷺ).\n(٣) كما أجاب به المحشى إذ قال: والتصاوير إنما حرمت بعد النبوة بل بعد القدوم بالمدينة، وأيضًا حرمتها إنما كانت في هذا العالم. انتهى.","vol":"4","page":449},{"text":"بمغفرتها. قوله [استعمله على جيش ذات السلاسل (١)] وفيهم أبو بكر وعمر، فظن أنه أحب الناس إليه (٢) ﷺ، ولولا ذلك لما أمره عليهم، فلما رجع سأل، وأجيب خلاف ما ظن فسكت، وإنما كان أمره عليهم لما له من بصيرة (٣)\n_________\n(١) قال الحافظ: بالمهملتين والمشهور أنها بفتح الأولى على لفظ جمع السلسة، وضبطه كذلك أبو عبيد البكري، قيل سمي المكان بذلك لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم، وقال: هو بمعنى السلسال أي السهل. انتهى، وبوب البخاري في صحيحه (باب غزوة ذات السلاسل وهي غزوة لخم وجذام، قاله إسماعيل بن أبي خالد) قال الحانظ: وقيل: سميت بذلك السلاسل لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له السلسل، وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى، بينها وبين المدينة عشرة أيام، وقال: وكانت في جمادى الأخرى سنة ثمان من الهجرة، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق، فقال: قبلها. انتهى.\n(٢) قال الحافظ: وقع عند ابن سعد سبب هذا السؤال، وأنه وقع في نفس عمرو لما أمره النبي ﷺ على الجيش وفيهم أبو بكر وعمر: أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم، فسأله لذلك، انتهى. زاد البخاري في المناقب بعد حديث الباب: فقلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعد رجالًا، قال الحافظ زاد في المغازي من وجه آخر: فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم، انتهى.\n(٣) قال الحافظ: ذكر ابن إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بلي، فعبث النبي ﷺ عمرو يستنفر الناس إلى الإسلام ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه والحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة: أن لا يوقدوا نارًا، فأنكر ذلك عمر، فقال له أبو بكر دعه فان رسول الله ﷺ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه فهذا السبب أصح إسنادًا من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمتنع الجمع، وروى ابن حبان من طريق قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بعثه في ذات السلاسل، فسأله أصحابه أن يوقدوا نارًا فمنعهم، فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك. فقال: لا يوفد أحد منهم نارًا إلا قذفته فيها، قال: فلقوا العدو فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم، فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فسأله، فقال: كرهت أن آذن لهم، أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد، فحمد أمره، فقال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ الحديث، انتهى.","vol":"4","page":450},{"text":"في الحرب ونظر في مواقعها، فإنه لما نزل على قرب العدو منع أن يوقد أحد نارًا والناس في شدة من البرد، فغاظ ذلك عمر ﵁ فشكى إلى أبي بكر وبين له ما لهم من العناء، فقال أبو بكر: إنما أمره رسول الله ﷺ علينا حين رآه أهلًا لذلك، فالسمع والطاعة، فسكت عمر، حتى إذا كان في آخر الليل أغار على العدو فهزموا، وحصلت للمسلمين غنيمة، فبين لهم عمرو بن العاص عذره في منع الاستيقاد.\nقوله [وما بي أن أكون أدركتها] أي لم يكن لي إدراكها في الزمان (١)\n_________\n(١) ويؤيد هذا المعنى ما في أكثر الروايات من الصحيحين وغيرهما بلفظ: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وفي بعضها: ما غرت على خديجة هلكت قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه، قال الحافظ: قوله ما رأيتها، وفي رواية مسلم من هذا الوجه: ولم أدركها، ولم أر هذه اللفظة إلا في هذه الطريق، نعم أخرجها مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ: وما رأيتها قط، ورؤية عائشة لخديجة كانت ممكنة، وأما إدراكها لها فلا نزاع فيه؛ لأنه كان لها عند موتها ست سنين، كأنها أرادت بنفي الرؤية والإدراك النفي بقيد اجتماعها عنده ﷺ، أي لم أرها وأنا عنده ولا أدركتها كذلك، انتهى، قلت: ولهذا الإشكال ذكر الشيخ معنى آخر للإدراك، وقال الدمنتي في قوله ما غرت: قال الطيبي: ما الثانية مصدرية أو موصولة، أي مثل الذي غرت.","vol":"4","page":451},{"text":"فإنها ماتت قبلي، أو لم يكن لي أن أدرك فضلها، فإن الفضل لها، وإنما غرت حسب اقتضاء البشرية. قوله [خير نسائها] أي الدنيا (١)، فكل منهما أفضل نسوة زمانها، ويمكن تقدير (٢) العبارة\n_________\n(١) قال القرطبي: الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة، يعني به الدنيا، وقال الطيبي: الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم، والثاني على هذه الأمة، إلى آخر ما بسطه، وهذا على سياق المشكاة، فإن فيه ذكر مريم مقدم بخلاف سياق الترمذي، والمآل واحد.\n(٢) وهو مختار الحافظ إذ قال: والذي يظهر لي أن قوله: خير نسائها خبر مقدم، والضمير لمريم، فكأنه قال: مريم خير نسائها أي نساء زمانها، وجاء ما يفسر المراد صريحًا، فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه: لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين، وهو حديث حسن الإسناد.","vol":"4","page":452},{"text":"بحيث يكون المرجع مذكورًا في العبارة، وهو أن يكون «خديجة» مبتدأ و«خير نسائها» خبرًا عنه، والمجرور راجع إلى خديجة بأدنى ملابسة، أو بحذف المضاف وهو الزمان، وكذلك في القرينة الثانية.\nقوله [فقال: أليس قال رسول الله ﷺ] وحاصل جوابه أن النهي إنما هو عن النوافل، وأما ما حدث سبب (١) وجوبه إذ ذاك فلا، كالسجدة التي وجبت بتلاوة القرآن، وصلاة الجنازة التي وجبت بحضورها، وكذلك حدوث الآية سبب للسجدة. قوله [عام الفتح] ويجاب بتعدد الوقعة (٢)، ولا يبعد\n_________\n(١) ولعل السجدة تكون واجبة لإطلاق الأمر، أو يكون مسلكه جواز الصلاة ذات السبب في هذه الأوقات، كما قالت به الشافعية، وذكر صاحب جمع الفوائد برواية رزين: ماتت سودة فسماها، وقال القاري: هي صفية، وقيل: حفصة، وقال الطيبي: الحديث مطلق، فإن أريد بالآية خسوف الشمس والقمر، فالمراد بالسجود الصلاة، وإن كانت غيرهما، كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما، فالسجود هو المتعارف، ويجوز الحمل على الصلاة أيضًا لما ورد: كان إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة، انتهى. قلت: وهو الصواب على أصول الحنفية، وكذا المالكية بخلاف الشافعية والحنابلة، فيحمل على مجرد السجود.\n(٢) وبالتعدد جزم عامة شراح الحديث من الحافظ والعيني وغيرهما، وتبعهم القسطلاني في المواهب، لكن كلامهم يشير إلى أن كلتا القصتين وقعتا في شكوى الوفاة، وعلى هذا فلفظ «عام الفتح» خطأ من أحد الرواة، مع أن في السند من يخطأ، لكنه مؤيد بعدة روايات أخر ذكرها السيوطي في الدر في تفسير سورة النصر والقسطلاني، تدل على أنه ﷺ- لما نزلت سورة النصر- سار فاطمة باقتراب أجله، واختلفت الروايات في عام نزولها، ففي غير واحد من الروايات أنها نزلت عام الفتح، وفي أكثرها عام حجة الوداع، والظاهر عندي بملاحظة هذه الروايات كلها أن إحدى القصتين وقعت عند نزل هذه السورة، والثانية في مرض الوفاة.","vol":"4","page":453},{"text":"السرور (١) والبكاء في كليهما إذا الأمر فظيع.\nقوله [سألتها] وإنما كانت سألتها بما لها من الحق (٢) عليها لكونها زوج أبيه، فلما سلمت حقها ذلك وأخبرت علم حق أزواج النبي ﷺ على الأمة خاصة وعامة، وبذلك يصح إيراد الحديث هاهنا.\nقوله [وإذا مات صاحبكم فدعوه] أراد بالصاحب (٣) نفسه، والمعنى إذا مضيت عنكم فلا يهمنكم شأني واتركوني مشتغلين بطاعاتكم وعباداتكم، أو المراد\n_________\n(١) لا سيما إذا كانت بين القصتين برهة من الزمان.\n(٢) كما في المشكاة برواية الشيخين عن عائشة، وفيها: فلما قدم رسول الله ﷺ سألتها عما سارك، قالت: ما كانت لأفشي على رسول الله ﷺ سره، فلما توفي قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني، قالت: أما الآن فنعم، الحديث. قال القاري: قوله من الحق أي من الأمومة الثانية، أو الأخوة، أو المحبة الصادقة، أو المودة السابقة، فما موصولة. انتهى.\n(٣) قال القاري: إذا مات صاحبكم أي واحد منكم، ومن جملة أهليكم فدعوه، أي اتركوا ذكر مساويه، فإن تركه من محاسن الأخلاق، ولهم ﷺ على حسن المعاملة مع الأحياء والأموات، وقيل: إذا مات اتركوا مجيته والبكاء عليه، والأحسن أن يقال: فاتركوه إلى رحمة الله تعالى، وقيل: أراد به نفسه الشريفة، أي دعوا التحسر والتلهف علي، فإن في الله خلفًا عن كل فائت، وقيل: معناه إذا مت فدعوني، ولا تؤذوني بإيذاء عترتي وأهل بيتي، انتهى.","vol":"4","page":454},{"text":"كل صاحب (١) لكم إذا انقضى ومات فدعوه، إن كان خيرًا فلا تشتغلوا بتذكاره والبكاء عليه، وإن كان شرًا فلا تذكروا مساويه، وقوله: أنا خيركم لأهلي، فيه بيان لفضيلة الأهل، حيث عامل النبي ﷺ معهن خيرًا، ولو لاقيهن ما يوجب ذلك لم يفعل.\nقوله [أخرج إليهم وأنا سليم الصدر] فيه تنبيه على فضل الأزواج، إذ يعلم منه بقاؤه فيهن ما دام فيهن بسلامة صدره، فلم يكن يسخط على إحداهن، أي إذا طلب خروجه من بيوته إليهم سليم الصدر، وذلك بأن لا يبلغ أحد عن أحد، علم أنه سليم الصدر ما دام فيها، فعلم رضاه منهن جميعًا، فافهم.\nقوله [رجل] وهو السدي (٢) كما بينه بعد. قوله [لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار] يعني أن الله أنعم علي بفاضلة الهجرة، ولولا ذلك لجعلني من الأنصار، فبين بذلك ما للنصرة من المزية.\nقوله [ابن أخت القوم منهم] هذا دليل (٣) لجعله من ذوي الأرحام.\nقوله [فكتب إليه] بيان لكتب الأول وفاعله زيد بن أرقم. قوله [كالرامي بيديه] أي الذي يرمي بهما شيئًا. قوله [خير الأنصار بنو عبد الأشهل] الخيرية\n_________\n(١) قلت: ويؤيد ذلك ما في نسخة لأبي داود بلفظ: إذا مات أحدكم.\n(٢) يعني زاد بعضهم بين إسرائيل والوليد واسطة السدي كما سيأتي في السند الآتي، والمراد بالسدي على الظاهر هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وقصة من قال في القسمة معروفة عند البخاري وغيره بغير هذا السند عن ابن مسعود.\n(٣) قال الحافظ: استدل بذلك من قال بأن ذوي الأرحام يرثون كما يرث العصبة، وحمله من لم يقل بذلك على أن المراد منهم في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":455},{"text":"ها هنا (١) إضافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>[باب في فضل المدينة]</span>\n\nقوله [مثلي ما باركت الخ] لما كان المحتمل أن يراد منه كون كل شيء ثلاثة، وكونه أربعة، راد قوله مع البركة بركتين لتعيين ثاني محتمليه، وذلك بأن الرمان مثلًا إذا كان واحدًا كان ببركة واحدة قدر اثنين، فلو سأل البركة مثلما بورك لأهل مكة لكان كل شيء اثنين، لكنه أربى في المسألة، فجعله مثليه، فصار كل شيء أربعة، ثم إني لم أحصله بعد، ووجهه أن الظاهر من الجملة الأولى طلب المزيد بحيث يصير شيء ثلاثة أشياء، فإن الأصل لما كان واحدًا والبركة الواحدة ثنتها كانت البركة الثانية المطلوبة بقوله: مثلي ما باركت، جاعلة للأصل (٢) ثلاثة\n_________\n(١) أي باعتبار من بعدهم كما تقدم الترتيب في الروايات السابقة، فلا ينافي الحديث لما تقدم من تفضيل بني النجار على بني عبد الأشهل، وهذا التوجيه يمشي في رواية الباب بلا تردد؛ لأنه لا ذكر فيها لبني النجار، لكن يتمشى في روايات وردت فيها: ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا: بلى، قال: بنو عبد الأشهل. قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: ثم بنو النجار، ورجح الحافظ بعد ذكر الاختلاف في ذلك روايات ترجيح بني النجار؛ لأنهم أخوال جد رسول الله ﷺ، فإن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لما قدم المدينة، فلهم مزية على غيرهم.\n(٢) ويؤيده ما في المشكاة برواية مسلم عن أبي هريرة بلفظ: اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه، هكذا في الشمائل برواية أنس وأبي هريرة، والحديث من مستدلات الإمام مالك في أفضلية المدينة، قال القاري في شرح النقاية: علماؤنا والشافعي فضلوا مكة على المدينة ومالك عكس القضية لهذا الحديث، ورواه مسلم، ولنا حديت عبد الله ابن عدي الحمراء، وحديث ابن عباس الآتيان قريبًا في (باب فضل مكة) وأما دعاء النبي ﷺ بمثل دعاء إبراهيم ﵇، فإنما كان في لرزق من الثمرات، ولا ريب في أكثرية ثمر المدينة، وليس هذا بسبب لأفضليتها، انتهى مختصرًا بتغير. قلت: والمسألة خلافية شهيرة، قال القاضي في الشفاء: تفضيل المدينة على مكة هو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين، وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة، وهو قول عطاء وابن حبيب من أصحاب مالك، وحكاه الساجي عن الشافعي، انتهى. قال القاري في شرحه: وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل والثوري وأصحاب الشافعي، انتهى.","vol":"4","page":456},{"text":"فحسب، وأما جعله أربعة فلا يقتضيه (١) اللفظ، بخلاف ما هو مقتضى قوله: مع البركة بركتين، فإنه نص في جعل كل شيء أربعة (٢)؛ لأنه لما كانت\n_________\n(١) ويمكن أن يؤخذ هذا المعنى بما حكى العيني عن الفقهاء إذ قال في حديث أنس عن النبي ﷺ قال: اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة، قال الجوهري: ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه، وقال الفقهاء: ضعفه مثلاه، وضعفاه ثلاثة أمثاله، انتهى.\n(٢) فلو ثبت هذا المعنى يجمع بما تقدم من حديث أبي هريرة باختلاف الأوقات، كما يجمع بحديث البخاري عن عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة، =انتهى. فيقال: إنه ﷺ دعا أولًا بمثل ما دعا إبراهيم ﵇ لهذا الحديث، ثم دعا بمثلي ما دعا على حديث أبي هريرة، ثم دعا بثلاثة أمثال ما دعا على حديث علي في الترمذي، وللتوجيه مجال لا يخفى على المتأمل.","vol":"4","page":457},{"text":"البركات ثلاثًا كما هو مقتضى اللفظ صار الكل أربعة. قوله [إن أعرابيًا (١) بايع رسول الله ﷺ على الإسلام] ولم يكن للمسلمين (٢) رخصة في إقامة دار الكفر إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فكان الذي بايع على الإسلام بايع على الهجرة. قوله [أقلني بيعتي] إنما كان ظنًا منه أن البيعة كما كانت انعقدت به ﷺ فكذلك انفساخها منوط بمشيئته وإرادته، ولم يكن الأمر كذلك، بل المدار في ذلك على عقيدة (٣) المسترشد وإرادته، إن ثبت على عهده الذي عقد فذاك،\n_________\n(١) قال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل؛ لأنه تابعي كبير مشهور، صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي ﷺ قد مات، فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري، فيحتمل أن يكون هو هذا، انتهى.\n(٢) وبذلك جزم الحافظ إذ قال: وكانت الهجرة في ذلك الوقت واجبة، ووقع الوعيد على من رجع أعرابيًا بعد هجرته، انتهى. وقال السيوطي في الجلالين: نزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فقتلوا مع الكفار يوم بدر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال الصاوي: وهل ماتوا عصاة أو كفارًا خلاف؛ لأن الهجرة كانت ركنًا أو شرطًا في صحة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم﴾ الآية، وهذا كان قبل الفتح، ثم نسخ بعده، انتهى. وحكى صاحب الجمل عن الخازن لم يقبل الله الإسلام من أحد بعد هجرة النبي ﷺ حتى يهاجر إليه ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة، انتهى.\n(٣) كما هو معروف عند أهل التصوف، حتى قال الأستاذ أبو علي الدقاق: يقول بدء كل فرقة المخالفة، يعني به أن من خالف شيخه لم يبق على طريقته وإن جمعتها البقعة، فمن صحب شيخًا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عقد الصحبة؛ لأنه بذلك ترك تقليد من لزمه تقليده، ووجبت عليه التوبة من ذلك، وقال الشيخ أبو سهل الصعلوكي: من قال لأستاذه: لم، لا يفلح أبدًا، هكذا في القشيرية.","vol":"4","page":458},{"text":"وإلا انفسخ، وإنما أبى النبي ﷺ إقالته ذلك الذي عهد لأنه كان ارتدادًا من الإسلام (١)، فكيف لا ينكره النبي ﷺ. قوله [وتنصع طيبها] من التفعيل (٢) والطيب مفعوله، أو من المجرد وهو فاعله، وليس المراد أنه\n_________\n(١) قال الحافظ: ظاهره أنه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جزم عياض، وقال غيره: إنما استقالة من الهجرة وإلا لكان قتله على الردة، انتهى.\n(٢) قال العيني: ينصع بفتح ياء المضارعة وسكون النون وفتح الصاد المهملة في آخره عين مهملة من النصوع، وهو الخلوص، والناصع الخالص، وطيبها بكسر الطاء وسكون الياء مرفوع على أنه فاعل؛ لأن النصوع لازم، وفي رواية الأكثرين بضم الباء وفتح النون وتشديد الصاد من التنصيع، وقوله: طيبها بتشديد الياء مفعوله بالنصب، هكذا قال الكرماني من التنصيع، لكن الظاهر أنه من الإنصاع، وسواء كان من التنصيع أو الإنصاع فهو متعد، فلذلك نصب طيبها، فافهم، وقال القزاز: قوله ينصع لم أجد له في الطيب وجهًا، وإنما الكلام يتضوع طيبها أي يفوح، قال: ويروى ينضخ بضاد وخاء معجمتين، ويرى بحاء مهملة وهو أقل، وقال الزمخشري: يبضع بضم الياء وسكون الموحدة، ورد عليه الصاغاني بأن الزمخشري خالف بهذا القول جميع الرواة، وقال ابن الأثير: المشهور بالنون والصاد المهملة، انتهى. ثم قال ابن المنير: ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة، وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة، وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا من بعدهم من الفضلاء، والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهية فيها ورغبة عنها كما فعل الأعراب المذكور، وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم وفتح بلاد الشرك، والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء، وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة، هكذا في الفتح، وفيه أيضًا في موضع آخر: قوله تنفي الناس، قال عياض: هذا مختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام بها معه إلا من ثبت إيمانه، وقال النووي: ليس هذا بظاهر لأن عند مسلم: لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد، وهذا - والله أعلم - زمن الدجال، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد كلا من الزمانين، وكان الأمر في حياته ﷺ كذلك لقصة الأعرابي، فانه ﷺ ذكره معللًا به خروج الأعرابي، ثم يكون هذا في آخر الزمان أيضًا عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها، فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج، ثم قال مجيبًا عن الإيراد: إن ذلك إنما هو في خاص من الزمان ومن الناس، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي ﷺ معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم علي وطلحة والزبير، وعمار وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت، انتهى. قال العيني: فإن قلت: إن المنافقين سكنوا المدينة وماتوا بها ولم تنفهم، قلت: كانت المدينة داره أصلًا ولم يسكنوها بالإسلام ولا حبًا له، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم، ولم يرد ﷺ بضرب المثل إلا من عقد الإسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه، انتهى.","vol":"4","page":459},{"text":"لا يبقى فيه خبيث، بل انتفاء الخبث منها (١) قدر ما كان.\nقوله [لو رأيت الظباء الخ] هذا ليس (٢) نصًا في وجوب الجزاء، وهو الذي فيه النزاع، والرواية التي استدل بها أبو هريرة كذلك، فإن الحرمة ليست من لو لزمها وجوب الجزء، بل المراد بذلك تعظيمه وبيان شرفه وغايته.\n_________\n(١) وهذا إشارة إلى جواب إشكال تقدم في كلام العيني من وجود المنافقين في المدينة.\n(٢) أشار الشيخ بذلك إلى جواب الحديث عن مسلك الحنفية، وكذا عن الجمهور في مسألة فقهية مختلفة بين العلماء، وتوضيح ذلك كما في البذل: اختلف العلماء في تحريم المدينة وعدم تحريمها، فقال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق: المدينة لها حرم، فلا يجوز قطع شجرها، ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم، خلافًا لابن أبي ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذا لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي في القديم، وقال في الجديد بخلافه، وقال ابن نافع: سئل مالك عن قطع سدر المدينة وما جاء فيه من النهي. فقال: إنما نهى عنه لئلا توحش، وليبقى فيها شجرها، ويستأنس بذلك ويستظل به من هاجر إليها، وقال ابن حزم: من احتطب في حرم المدينة فحلال سلبه وكل ما معه في حاله تلك وتجربده إلا ما يستر عورته، وقال الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، وأجابوا عن الحديث بأنه إنما قال ذلك لا لما ذكروه من التحريم، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها كما ذكرنا عن قريب من مالك، وذلك كمنعه ﷺ من هدم آطام المدينة، وقال: إنها زينة المدينة على ما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عمر، وهو إسناد صحيح، ثم ذكر الطحاوي دليلًا على ذلك من حديث النغير، إلى آخر ما بسط من الدلائل.","vol":"4","page":461},{"text":"والأصل المترتب على حرمته تغليظ الجناية فيه لو سيئة، وتكثير الأجر لو حسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>[باب فضل مكة]</span>\n\nقوله [واقفًا على الحزورة (١)] وكان ذلك حين رجع من عمرة القضاء (٢).\n_________\n(١) قال ياقوت الحموي: بالفتح ثم السكون وفتح الواو وراء وهاء، هو في اللغة: الرابية الصغيرة، قال الدارقطني: كذا صوابه، والمحدثون يفتحون الزاي ويشددون الواو، وهو تصحيف، وكانت الحزورة سوق مكة، وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه، ثم ذكر حديث الباب وقال الدمنتي: بحاء فزاي كقسورة: موضع بمكة عند باب الحناطين، قال الشافعي: الناس يشددون الحزورة والحديدية وهما مخففتان، وفي الأمثال للمدائني: إن وكيع بن سلمة - وقد كان ولى البيت بعد جرهم - بنى صرحًا بأسفل مكة، وجعل أمة له تسمى حزورة، فبها سميت حزورة بمكة، انتهى. وهكذا في المرقاة، وزاد: وهو في الأصل التل الصغير، سميت بذلك لأنه هناك كان تلًا صغيرًا، وقيل: اسم سوق بمكة وهو الآن معروف بالغرورة، وهو باب الوداع، انتهى.\n(٢) هكذا كتب الشيخ على هامش كتابه من ابن ماجة، وجزم القاري في المرقاة تحت حديث ابن عباس في هذا المعنى: قالها خطابًا لها حين وداعها، وذلك يوم فتح مكة. انتهى. ثم قال القاري: وفي الحديث دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة خلافًا للإمام مالك، وقد صنف السيوطى رسالة في هذه المسألة، وقال أيضًا بعد حديث الباب: فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة كما عليه الجمهور، إلا البقعة التي ضمت أعضاءه ﷺ فإنها أفضل من مكة، بل من الكعبة، بل من العرش إجماعًا، وتمحل المالكية في رد هذا الحديث من جهة المبنى والمعنى. انتهى. قلت: وتقدم شيء منه قريبًا في فضل المدينة، ثم قال الحافظ في الإصابة: انفرد برواية حديثه الزهري، واختلف عليه، فقال الأكثر: عنه عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي، وقال معمر فيه: عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة أرسله، قال البغوي: لا أعلم له غيره. انتهى.","vol":"4","page":462},{"text":"قوله [وأين العرب يومئذ] كأنها استبعدت وقوع ذلك الأمر والعرب (١) شجاعتهم وحميتهم تأبى أن يفورا منه إلى الجبال.\nقوله [لأنا بهم أو ببعضهم (٢)] والمعنى على تقدير الوثوق ببعض العجم نسبة إلى بعض العرب مستغن عن التأويل، إذ لا بعد فيه، وأما على تقدير كون العبارة لأنا بهم أوثق مني بكم فباعتبار أمور جزئية وكمالات (٣) شخصية،\n_________\n(١) وظاهر كلام الشيخ أن العرب جملتهم تكون قليلة إذ ذاك، لا يستطيعون المقاومة بمن مع الدجال، منهم سبعون ألفًا من يهود أصفهان عليهم الطيالسة، والله أعلم غيرهم. ويؤيد ذلك لفظ أحمد قال: كلهم قليل، وحكى القاري عن الطيبي أنه قال: الفاء جزاء شرط محذوف، أي إذا كان هذا حال الناس فأين المجاهدون في سبيل الله الذابون عن حريم الإسلام، فكنى عنهم بها، انتهى. قلت: والأوجه عندي الأول كما يشير إليه ذكر المصنف الحديث في فضل العرب، ويؤيده أيضًا حديث أم الجرير المتقدم، بخلاف ما أفاد الطيبي فإنه يشير إلى قلة المجاهدين لا إلى قلة العرب.\n(٢) بسط القاري في تعلق هذه الجوار والصلات فأرجع إليه لو شئت التفصيل، والمعنى ظاهر، وهو أن وثوقي بهم أو ببعضهم أكثر من وثوقي بكم أو ببعضكم.\n(٣) وهذا أوجه مما قال الطيبي من أن المخاطبين بقوله: بكم أو ببعضكم، قوم مخصوصون دعوا إلى الاتفاق في سبيل الله فتقاعدوا عنه، فهو كالتأنيب والتعبير عليهم، ويدل عليه قوله تعالى في الحديث السابق: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ الآية، فإنه جاء عقيب قوله تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، يعني أنتم هؤلاء المشاهدون بعد ممارستكم الأحوال وعلمكم بأن الإنفاق في سبيل الله خير لكم تدعون إليه فتثبطون عنه وتتولون، فإن استمر توليكم يستبدل الله قومًا غيركم بذالون لأرواحهم وأموالهم في سبيل الله، ولا يكونوا أمثالكم في الشح المبالغ، فهو تعرض، وبعث لهم على الإنفاق، فلا يلزم منه التفضيل. قال القاري: إن كان مراده أنه لا يلزم التفضيل: مطلقًا =فهو خلاف الكتاب والسنة، مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان مراده أنه لا يلزم التفضيل المطلق فهو صحيح، إذ يدل على أنهم في بعض الصفات أفضل من العرب، ولا بدع أن يوجد في المفضول زيادة فضيلة بالنسبة إلى بعض فضائل الفاضل، فجنس العرب أفضل من جنس العجم بلا شبهة، وإنما الكلام في بعض الأفراد، انتهى. قلت: وما اختاره القاري هذا هو مفاد كلام الشيخ، والحديث السابق الذي أشار إليه الطيبي هو ما تقدم عند المصنف في تفسير سورة محمد من حديث أبي هريرة، وفيه: لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس.","vol":"4","page":463},{"text":"أو يقال: حكم على الكل بالفضل، وهو الوثوق بهم لفضيلة ذلك البعض، فاللفظ وإن كان عامًا لكن الفاصل هو ذلك المخصوص، وباعتباره تتعدى الكرامة إلى قومه قوله [هم أضعف قلوبًا وأرق أفئدة] أما الفرق (١) بين القلب\n_________\n(١) اختلفوا في الفرق بينهما، قال العيني: الأفئدة جمع فؤاد، قال الخطابي: وصعب الأفئدة بالرقبة، والقلوب باللين؛ لأن الفؤاد غشاء القلب إذا رق نفذ القول فيه، وخلص إلى ما وراءه، وإذا غلظ تعذر وصوله إلى داخله، فإذا صادف القلب شيئًا علق به، أي إذا كان لينًا، والمشهور أن الفؤاد هو القلب، فعلى هذا تكرار لفظ القلب بلفظين أولى من تكرره بلفظ واحد، وقيل: الفؤاد غير القلب وهو عين القلب، وقيل: غشاء القلب، انتهى.","vol":"4","page":464},{"text":"الفؤاد ففرق الظاهر والباطن، فالأول القبول الظاهري، والثاني ظهور آثاره بحيث يعلم وصول الأمر إلى سويدائه، وليس المراد بالضعف هو الخور والجبن فإنهما قد أستعيذ منهما، فكيف يعدان منقبة ومدحًا، بل المراد هو ضد القساوة، والرقة واللين وإن كانا متقاربين لكنه قد يفرق بينهما ها هنا بأن (١) قوله [الملك (٢)\n_________\n(١) بياض في الأصل بعد ذلك، وحكى القاري عن القاضي: الرقة ضد الغلظة والصفاقة، واللين مقابل القساوة، انتهى. قلت: والروايات في ذلك مختلفة، ففي رواية للبخاري: هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، وفي أخرى له: أضعف قلوبًا وارق أفئدة، قال العيني: قوله أضعف قلوبًا، وذكر فيما مضى ألين قلوبًا، لأن الضعف عبارة عن السلامة من الغلظ والشدة والقسوة التي وصفت بها قلوب الآخرين. واللين عبارة عن الاستكانة وسرعة الإيجاب والتأثر بقوارع التذكير، انتهى. قلت: وتقدم الكلام على قوله: الإيمان يمان في أبواب الفتن.\n(٢) قال القاري: قوله (الملك) بالضم أي الخلافة (في قريش) أي غالبًا، أو ينبغي أن تكون فيهم، وهو الأظهر المطابق لبقية القرائن الآتية، انتهى. قلت: وقد تقدم في (باب الخلفاء من قريش) الإجماع على أنهم مستحقون لذلك، ثم قال القاري: (والقضاء في الأنصار) أي الحكم الجزئي، قاله تطيبًا لقلوبهم، لأنهم آووا ونصروا، وبهم قام عمود الإسلام، ذكره ابن الملك، وقال في الأزهار: قيل المراد بالقضاء النقابة لأن القباء كانوا منهم، وقيل: القضاء الجزئي، لأنه ﷺ قال: أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وقيل: القضاء المعروف لبعثه ﷺ معاذًا قاضيًا، قال القاري: والأخير أظهر لقوله (الأذان في الحبشة) أي لأن رئيس مؤذنيه ﷺ كان بلالًا وهو حبشي، والأمانة في الأزد أي أزد شنوءة، وهم حي من اليمن، ولا ينافي قول بعض الرواة، يعني (اليمن) لكن الظاهر المتبادر من كلامه إرادة عموم أهل اليمن، فإنهم أرق أفئدة وأهل أمن وإيمان، انتهى.","vol":"4","page":465},{"text":"في قريش الخ] هذا بيان (١) لما كان الأمر وقع عليه إذ ذاك سواء كان للأبد كما في كون الملك لقريش، أو لا كما في الأذان.\nقوله [يا ليت أبي كان الخ] سواء (٢) كان تمنيه ذلك لمناقب باطنة أو مآثر\n_________\n(١) وهذا المعنى لا غبار فيه ولا إشكال، ويؤيد ذلك ترجيح الترمذي وقفه، فان كان موقوفًا فالظاهر أن الصحابي بين ما رأى من تعامله ﷺ في هذه الأمور قولًا وفعلًا.\n(٢) وأشار الشيخ بذلك إلى ما اختلفوا فيه من سبب مدحهم، والباعث لهم بتلقيب أزد الله، قال القاضي: يريد بالأزد أزد شنوءة، وهو حي من اليمن أولاد أزد بن الغوث بن ليث بن مالك بن كهلان بن سبأ، وأضافهم إلى الله من حيث أنهم حزبه وأهل نصرة رسوله، وقال الطيبي: قوله أزد الله يحتمل وجوهًا: أحدها اشتهارهم بهذا الاسم لأنهم ثابتون في الحرب لا يفرون، وعليه كلام للقاضي، وثانيها أن تكون الإضافة للاختصاص والتشريف، كبيت الله وناقة الله، على ما يدل عليه قوله: يريد الناس أن يصنعوهم الخ، وثالثها أن يراد بها الشجاعة، والكلام على التشبيه، أي الأسد أسد الله، فجاء به إما مشاكلة، أو قلب السين زايًا، انتهى. وتبعه صاحب الأزهار من شراح المصابيح، لكن إنما يتم هذا لو كان الأسد بالفتح والسكون لغة في الأسد بفتحتين، وهو ليس كذلك على ما يفهم من القاموس، هكذا في المرقاة.","vol":"4","page":466},{"text":"ظاهرة. قوله [وهو يكره ثلاثة أحياء] لما علم (٣) من شيوع الفساد من بعضهم ولم تكن كراهة إلا لعلة، وإن كان يحبهم ويمدحهم لأخرى، ولا تنافي (٤). قوله [ليس هكذا قال] إنما أنكره تخمينًا منه وحملًا للفظ: أنا منهم على الحقيقة، وظاهر أنه لا يصح، فلما أصر الراوي وهو عامر على أن اللفظة المنقولة هي التي قلتها سلم معاوية ﵁ وحمل على المجاز، ومعاوية هذا هو صاحب علي ﵃ أجمعين (٥).\n_________\n(٣) قال القاري: قوله (أحياء) جمع حي بمعنى قبيلة (ثقيف) كأمير أبو قبيلة من هوازن واسمه قسي بن منبه بن بكر بن هوازن (وبني حنيفة) كسفينة لقب أثال بن لجبم أبو حي (وبني أمية) بضم ففتح فتشديد تحتية قبيلة من قريش، قال العلماء: إنما كره ثقيفًا للحجاج، وبني حنيفة لمسيلمة، وبني أمية لعبيد الله بن زياد الذي أتي برأس الحسين فجعله في طست وجعل ينكته بقضيب، انتهى. قلت: وما ورد في أمراء بني أمية وما مضى من أحوالهم غير مخفي على ناظري كتب الحديث والسير.\n(٤) يعني لا منافاة بين أن تكون المحبة لشيء بسبب والكراهة بسبب آخر، فلولا الاعتبارات لبطلت الحكمة.\n(٥) أي مخاصمة، قال الراغب: الصاحب الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا، أو مكانًا أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون المصاحبة بالبدن وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة، انتهى. والحديث أخرجه أحمد، ثم قال: قال عبد الله: هذا من أجود الحديث ما رواه إلا جرير. انتهى.","vol":"4","page":467},{"text":"قوله [ويقال الأسد هم الأزد] وإنما قال ذلك لكون بني أسد (١) قبيلة أخرى أيضًا، فكان اللفظ مشتركًا بينهما، فبين المراد من هم. قوله [خير عند الله يوم القيامة الخ]، وذلك لتقدمهم في الإسلام (٢). قوله [بشرتنا فأعطنا] حملوه (٣)\n_________\n(١) قال المجد: الأسد الأزد وأسد بن خزيمة محركة أبو قبيلة من مضر، وابن ربيعة بن نزار أبو أخرى، انتهى.\n(٢) قال القاري في حديث أبي بكرة بمعنى حديث الباب: قال النووي: تفضيل تلك القبائل لسبقهم إلى الإسلام، وحسن آثارهم في الأحكام، انتهى. قلت: وقد ورد في بعض الروايات أن الأقرع بن حابس قال للنبي ﷺ: إنما تابعك سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة - وأحسبه - وجهينة، فقال ﷺ: أرأيت إن كان أسلم وغفار بنحوه، ويشكل عليه أن أهل التفسير فسروا قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾، الآية، بهذه القبائل، قال الخازن: ذكر جماعة من المفسرين المتأخرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي أنهم من أعراب مزينة وجهينة وأشجع وغفار واسلم، وكانت منازلهم حول المدينة، وما ذكروه مشكل لأن النبي ﷺ دعا لهذه القبائل ومدحهم، فان صح نقل المفسرين فحمل قوله ﷾ على القليل، لأن لفظة من للتبعيض، ويحمل دعاء النبي ﷺ لهم على الأكثر والأغلب، انتهى مختصرًا.\n(٣) قال الحافظ: القائل منهم الأقرع بن حابس، وذكر في آخر المغازي في وفد بني تميم أسماء هذا الوفد، وقال أيضًا: قوله جاء أهل اليمن هم الأشعريون قوم أبي موسى، وقد أورد البخاري حديث عمران هذا وفيه ما يستأنس به لذلك، ثم ظهر لي أن المراد بأهل اليمن ها هنا نافع بن =زيد الحميري مع من وفد معه من أهل حمير، انتهى. وقال القاري: (اقبلوا) بفتح الموحدة أي تقبلوا مني (البشرى) بضم الموحدة أي البشارة المطلقة أو المعهودة (يا بني تميم) وهم لما لم يفهموا الإشارة بالبشارة ولم يعرفوا طريق استقبالها بالقبول المرتب عليه حصول كل وصول (قالوا: بشرتنا فأعطنا) فحملوا البشارة على الإحسان العرفي، فطلبوا ما يترتب عليه من العطاء الحسي، وهذا بمقتضى ما غلب عليهم من حب الدنيا العاجلة وغفلتهم عن المراتب الآجلة، فكل إناء يترشح بما فيه، وقال الطبيي: أي اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة من التفقه في الدين والعمل به، ولما لم يكن جل اهتمامهم إلا بشأن الدنيا والاستعطاء دون دينهم، قالوا: بشرتنا بالتفقه وإنما جئنا للاستعطاء فأعطنا، انتهى.","vol":"4","page":468},{"text":"على العاجل، وكان المراد هو الآجل قوله [فتغير وجه رسول الله ﷺ] لكونه رآهم مشغوفين بحب العاجل (١). قوله [قالوا (٢): وفي نجدنا]\n_________\n(١) قال الحافظ: تغير وجهه ﷺ إما للأسف عليهم كيف آثروا الدنيا، وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم به، أو لكل منهما، انتهى. وقال القاري: قال العسقلاني: بشرتنا دال على إسلامهم، وإنما راموا العاجل وغفلوا عن الآجل، وسبب غضبه ﷺ ونفيه قبولهم البشرى إشعاره بقلة علمهم وضعف قابليتهم لكونهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا الفانية، وقدموا ذلك على التفقه في الدين الموصل إلى ثواب الآخرة، انتهى.\n(٢) قال القاري: قوله (اللهم بارك لنا في شامنا) لعل تقديمه على اليمن مشير إلى أنه مبارك في أصله، لقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ولوجود كثير من الأنبياء فيه، فالمراد زيادة البركة، أو البركة الحاصلة لأهل المدينة وسائر المؤمنين على الخصوص اللهم بارك لنا في يمننا) بركة ظاهرية ومعنوية، ولذا كثر الأولياء فهم، والظاهر في وجه: تخصيص المكانين بالبركة لأن طعام أهل المدينة مجلوب منهما، وقال الأشرف: إنما دعا لهما بالبركة لأن مولده بمكة وهو من اليمن، ومسكنه ومدفنه بالمدينة وهي من الشام، وناهيك من فضل الناحيتين، فانه أضافهما إلى نفسه وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، انتهى.","vol":"4","page":469},{"text":"ولعل الوجه (١) في سكوته عن الدعاء له أن الفتن لما كانت مقدرة خروجها منه فالدعاء بالبركة لا يزيد إلا ما هو فيه، فلو قال ذلك لانعكس المقصود، والفتن غير مقصودة في زيادتها، وقرن الشيطان (٢) قيل: يخرج الدجال ويمر من هناك، وفيه بعض بعد؛ لأن نفس مروره من ثمة لا يقتضي (٣) نسبته إليها،\n_________\n(١) وبذلك جزم المهلب إذ قال: إنما ترك رسول الله ﷺ الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن، هكذا في الفتح.\n(٢) ذهب الداودي أن للشيطان قرنين على الحقيقة، وذكر الهروى أن قرنيه ناحيتا رابه، وقيل: هذا مثل، أي حينئذ يتحرك الشيطان ويتسلط، وقيل: القرن القوة، وإنما أشار رسول الله ﷺ إلى المشرق لأن أهله يومئذ كانوا أهل كفر، فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذلك كانت، وهي وقعة الجمل وقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وكانت الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين قتل عثمان، كذا قاله العيني، قلت: إطلاق الشرق على هذه المواضع تجوز لاسيما على مخرج الخوارج وهو حروراء قرية بظاهر الكوفة، قال: على ميلين منها كما في معجم البلدان، وشتان بين نجد والكوفة.\n(٣) لا سيما وقد ورد أنه يدخل القرى كلها غير مكة والمدينة فإنهما حرمتا عليه.","vol":"4","page":470},{"text":"إلا أن يقال: لما تسلط فيه وأقام هناك كثيرًا أو قليلًا عد من أهله (١)، وصار من أهله، فلو دعا لنجد- والدعاء لمكان ليس في الحقيقة إلا لأهله لكانت الدعاء تشمل (٢) عليه، وليس مقصودًا، وقال البعض: هذا إشارة\n_________\n(١) هذا إذا كان المراد بالنجد الناحية المخصوصة، وهذا مختلف عند الشراح، قال الحافظ: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك ما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذاك البدع نشأت من تلك الجهة، وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل الجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة، انتهى. قال الحافظ: عرف بهذا وماء ما قاله الداودي: إن نجدًا من ناحية العراق، فإنه توهم أن نجدًا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدًا والمنخفض غورًا، انتهى.\n(٢) أي تشمل الدجال أيضًا، والأوجه عندي أن يقال: إن المراد بقرن الشيطان إن كان الدجال فالمراد بالنجد جهة الشرق على العموم، وخروجه من الشرق متعين، قال الحافظ في ذكر الدجال: أما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي أخرى أنه يخرج من أصفهان، أخرجها مسلم، انتهى","vol":"4","page":471},{"text":"إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولا يضر (١) فإن الفتنة قد وقعت (٢) لا ريب منه، وإن كان أكثر ما يقوله موافقًا للسنة (٣)، إلا أنه تعدى فيه بحسب ما تجاوز الغاية المقصودة، فكان ذمًا وفتنة، فقد كان يقتل الرجل إذا لم يحضر الجماعة للصلاة إلى غير ذلك.\nقوله [لينتهين أقوام يفتخرون الخ] لما أثبت الفضل في القبائل والأشخاص أراد أن لا يفتخر بذلك أحد (٤) فيحتقر الآخرين، أو يتكل على نسبه،\n_________\n(١) والظاهر أنه يضر، وما أفاده الشيخ مبني على ما اشتهر في الهند من أحواله، والناس فيه مختلفون جدًا، فن مادح له يبلغونه إلى درجة الخلفاء الراشدين، ومن ثالب له لا يقتصرون عن تكفيره، وكم من موثق له وجارح عليه، والحق متوقف على كشف خلص أحواله، وهذا كله بعد تسليم أن المراد بالنجد الناحية المخصوصة، وتقدم أن السلف مختلفون في ذلك، ورجح الحافظ خلافه.\n(٢) على ما ذكر شيئًا منه صاحب الرحلة الحجازية، وصاحب روضة المحتاجين، وغيرهما.\n(٣) ولذا وثقه الشيخ في فتاواه، نورد كلامه بلفظه فقال: محمد ابن عبد الوهاب كولو وهابي كهتے هين، وہ اجھاآدمي تها، سنا هـے كه مذهب حنبلي ركهتا تها، اور عامل بالحديث تها، بدعت وشرك سے روكتا تها، مكر تشدد اس كے مزاج مين تهي، والله اعلم، انتهى بلفظه.\n(٤) يعنى أراد المصنف بذكر هذه الرواية التنبيه على أن ما تقدم من الفضائل لا ينبغي أن يكون موجبًا لإعجاب نفسه، أو سببًا للاتكال عليه، فمن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.","vol":"4","page":472},{"text":"فيكون ممن ليس لم يوم الجزاء إلا الندامة، فنهاهم (١) عن ذلك.\nقوله [من الجعل] دويبة صغيرة يجعل الخرء والنجاسة كشيء مستدير ثم يدهدهه إلى بيته، شبه المفتخرين بالأنساب بها في الافتخار (٢) والتنقير عما لا يفيد، فإن الذي يفتخر بآبائه إن كان هؤلاء كافرين كان باحثًا نجاسته (٣)، وإن كانوا على خير وكان على غير طريقتهم كان مظهرًا خباثة نفسه، أنه كيف صار خلف سوء لهم ولم يكن أحدًا من جملتهم، وأما إذا كانوا كذلك وكان مثلهم فظاهر أنه لا يفتخر ولا يعد نفسه شيئًا حتى يفتخر، وإنما هو مشتغل (٤) بمحاسبة نفسه، بصير بقبائحه في يومه وأمسه.\n_________\n(١) وقد ورد النهي عن ذلك في روايات كثيرة بسطها السيوطي في تفسير قوله عز اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾، الآية.\n(٢) اشتبه الأصل هاهنا، والظاهر أنه بالخاء المعجمة، ويحتمل أن يكون بالحاء المهملة، من افتحر الكلام والرأى إذا أتى به من قصد نفسه ولم يتابعه عليه أحد، كذا في القاموس، وكذلك اللفظ الآتي الظاهر أنه بالقاف، ويحتمل أن يكون بالفاء.\n(٣) أي حافرًا نجاسة كفرهم، فإنه كلما ذكرهم وهم كافرون فهو مشيع لكفرهم ومفتخر به.\n(٤) ففي المشكاة برواية الترمذي وغيره عن أبي ذر مرفوعًا: والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، قال أبو ذر: يا ليتني كنت شجرة تعضد. وبرواية رزين عن أبي هريرة مرفوعًا: أمرني ربي بتسع، الحديث. وفيه: أن يكون صمتي فكرًا، ونطقي ذكرًا، ونظري عبرة، رزقنيها الله تعالى بمزيد لطفه وعموم كرمه.","vol":"4","page":473},{"text":"هذا (١) والحمد لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين، وعلى سائر الأنبياء والصالحين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ووقفنا الله لسلوك سبل المهتدين.\n_________\n(١) وهذا آخر ما أفاده الشيخ على الجامع الإمام الترمذي رحم الله تعالى عليه، وعلى مفيد هذا التقرير الأنيق البديع، وعلى جامعه ومشيعه وأعوانه رحمة واسعة لا غاية لها ولا أمد.\nوقد تم ها هنا الجامع الترمذي كما يدل عليه ما في آخر الباب من النسخ الهندية: (آخر المسند والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين) ولا يوجد ذلك في النسخة المصرية \"ولعل ذلك من تصرف النساخ، أو اختلاف الرواة\".","vol":"4","page":474},{"text":"كتاب (١) العلل (٢)\n_________\n(١) ويقال: إن هذا تأليف مستقل للإمام الترمذي، يسمى بالعلل الصغرى، ألحق في آخر المسند الجامع لمناسبة تامة له بذلك، كما ألحق بعد ذلك في النسخ الهندية تأليف له ثالث يسمى بالشمائل، ويدل على ذلك ابتداء السند عن الكروخي في النسخ الهندية، ولفظه: أخبرنا الكروخي، نا القاضي أبو عامر الأزدي والشيخ أبو بكر الغورجي وأبو المظفر الدهان، قالوا: نا أبو محمد الجراحي، نا أبو العباس المحبوبي، أنا أبو عيسى الترمذي، قال: إن جميع ما في هذا الكتاب .... إلى آخره، ولا يوجد هذا السند في النسخة المصرية، قلت: ولعل السر في أن الدمنتي لم يذكر هذا الكتاب في تعليقه على الترمذي تبعًا للسيوطي أنهما جعلاه كتابًا مستقلًا مستأنفًا.\n(٢) العلة في الاصطلاح عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه، ويتطرق إلى الإسناد الجامع شروط الصحية ظاهرًا، وتدرك بتفرد راو وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف على وهم وقع، وتقع في الإسناد وهو الأكثر، وقد تقع في المتن، وقد تطلق العلة على غير مقتضاها ككذب الراوي وفسقه وغفلته ونحوها من أسباب ضعف الحديث، وسمي الترمذي النسخ علة، قال العراقي: فان أراد أنه علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا، لأن في الصحيح أحاديث كثيرة صحيحة منسوخة، وأطلق بعضهم العلة على مخالفة لا تقدح في صحة الحديث، وقسم الحاكم في (علوم الحديث) أجناس الملل إلى عشرة، لخصها السيوطي في التدريب.","vol":"4","page":475},{"text":"والعلة هي السبب، يعني (١) بها علل قبول الروايات وردها، والمراد التنبيه على بعضها لا استقصاؤها. قوله [وقد بينا علة الحديثين] أي وجه كونهما لم يعمل بهما وهو النسخ (٢)، أو ثبوت خلافه (٣) عن النبي ﷺ، أو عن الراوي، وهذا إذا (٤) حمل لفظ الحديثين على ظاهر معناهما، وإلا فقد بينا لك أن الجمع كان بحسب الصورة لا الحقيقة، وكذلك القتل كان الأمر فيه إذا رأى الإمام ذلك تعزيزًا وهو معمول به، وإنما المتروك كونه تشريعًا وأمر وجوب.\nقوله [ومنه ما روي عن أبي وهب (٥)] على صيغة المعلوم (٦) وفاعله\n_________\n(١) فسر الشيخ بذلك لما أن المذكور في هذا الكتاب ليس مجرد أسباب القدح، بل فيه ما يدل على التوثيق والصحة أيضًا، فعمم الشيخ الكتاب، ولو فسر الكتاب بالعلل الاصطلاحية فيوجه ما ذكر فيها بالتبع والاستطراد.\n(٢) كما جزم به المصنف في بيان ذكر حديث القتل.\n(٣) كما أشار إليه المصنف في حديث الجمع بين الصلاتين، والمصنف وإن حكم على حديث الخلاف بالضعف لكنه جعله معمولًا به عند أهل العلم.\n(٤) يعني أن ترك العمل بالحديثين باعتبار ظاهر الألفاظ، وإلا فالحنفية شكر الله سعيهم عملوا بهما أيضًا بعد حملهما على محمل لا يخالف الروايات الأخر جمعًا بين الروايات.\n(٥) هكذا في جميع النسخ الهندية، وفي المصرية: منه ما روي عن ابن وهب محمد بن مزاحم عن ابن المبارك، والظاهر أن الصواب الأول؛ لأن محمد بن مزاحم يكنى بأبي وهب لا بابن وهب.\n(٦) توهم بعض من اعتنى بحل الترمذي في حمله على البناء للمجهول نظرًا على الظاهر، والصواب ما أفاده الشيخ كما يؤمي إليه النظر الدقيق، لأن المصنف رام بيان إسناد الأقوال التي حكى في جامعه عن ابن المبارك، فلو كان هذا اللفظ بالبناء للمجهول لا يتم عرضه لانقطاع السند بين الترمذي وبين أبي وهب، ويؤيده أيضًا أن ما ذكر المصنف من أقوال الشافعي وابن حنبل ذكر أسانيد متصلة كما سيأتي، ويؤيده أيضًا أن الحافظ ذكر في تهذيبه محمد بن مزاحم العامري أبا وهب المروزي ورقم عليه الترمذي، وحكى في مشايخه ابن المبارك، وفي الآخذين عنه أحمد بن عبدة، وهكذا حكى في مشايخ أحمد بن عبدة حبان بن موسى، وعلي بن الحسن ابن شيقق، وعبدان، وغيرهم، فتأمل، وللتوجيه مجال.","vol":"4","page":476},{"text":"أحمد بن عبدة، وهذه الجملة كالتفصيل لما قبله.\nقوله [ما لم يسبقوا إليه] يعني أني كنت أتردد فيه لكون ذلك لم يسبق إليه أحد، فكنت أخاف الإقدام على ما ليس له سابقة لئلا أكون صاحب أمر محدث، ولكني لما رأيت هؤلاء الكرام فعلوا ما لم يفعله من قبلهم قوي بذلك عزمي واندفع ما كان يختلج في من وهمي.\nقوله [وقد عاب بعض من لا يفهم الخ] فائدة (١) ثالثة، والثانية\n_________\n(١) يعني أن المصنف ذكر في كتابه هذا كتاب العلل عدة فوائد: والفائدة الثالثة منها هي هذه، والفائدة الثانية ما تقدم قبيل ذلك من وجه التصنيف على هذا النهج العجيب مع ذكر أقوال الفقهاء وبيان علل الحديث، والفائدة الأولى ما تقدم قبل الثانية من ذكر أسانيد أقوال الفقهاء التي وضعها في هذا الكتاب، وحاصل هذه الفائدة الثالثة أن بعض من لا فهم لهم عابوا التكلم في حق الرجال ظنًا منهم أن ذلك غيبة، والحال أن جماعة من أهل العلم السلف تكلموا وضعفوا رجالًا. ولا يظن بهم لعلو شأنهم أن ارتكبوا الغيبة، بل الأمر أن ذلك بمنزلة تزكية الشهداء لإظهار الحق، قال السخاوي: وقد أوجب الله ﵎ التكشف والتبين عند خبر الفاسق بقوله عز اسمه: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وقال النبي ﷺ في الجرح: بس أخو العشيرة، وفي التعديل: إن عبد الله رجل صالح، إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة في الطرفين، ولذا استثنوا هذا: من الغيبة المحرمة، واجمع المسلمون على جوازه بل عد من الواجبات للحاجة إليه، وتكلم في الرجال جماعة من الصحابة ثم من التابعين، انتهى.","vol":"4","page":477},{"text":"وجه التصنيف. والأولى (١) أسانيد المذاهب إجمالًا. قوله [من الشهادة في الحقوق والأموال] وظاهر أن التزكية للشهود من أحكام الشرع حق على القاضي، ولا يمكن أن يعاب بها، فكذلك ها هنا. قوله [والمبتدع لا يذكر] فيه الشاهد (٢) لكنه خفي، والمراد أن صاحب بدعة لا ينبغي أن يأخذ العلماء منه، ولا أن\n_________\n(١) ولو عد ما في مبدأ الكتاب من قوله: جميع ما في هذا الكتاب معمول به ... الخ فائدة مستقلة فهي أولى بالفوائد، والثانية الأسانيد، والثالثة وجه التصنيف، والرابعة هي التي نحن بصددها.\n(٢) يعني أن المصنف ذكره أيضًا شاهدًا على ما هو بصدده من جواز الجرح، ولذا ذكره في جملة الشواهد الدالة على ذلك، لكن شهادة هذا الأثر على مدعاة محتاج إلى توضيح، ولذا فسر الشيخ هذا الأثر ببيان المراد، وحاصله أن المبتدع ينبغي أن لا يذكر في الناس أصلًا، وفي أخذ الرواية عنه ترويج لذكره في الأسانيد إلى آخر الدهر، فينبغي أن لا يؤخذ عنه الرواية، ويظهر ابتداعه لينزجر عنه الناس، وعلى هذا يطابق الجواب على السؤال أيضًا بأحسن مطابقة، والذين منعوا الرواية عن المبتدع علوا بذلك، قال السيوطي في التدريب: من كفر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق، وقيل: دعوى الاتفاق ممنوعة، ومن لا يكفر ففيه خلاف، قيل: لا يحتج به مطلقًا، ونسبة الخطيب لمالك، لأن في رواية عنه ترويجًا لأمره وتنويهًا لذكره، إلى آخر ما بسطه، وهكذا في فتح المغيث، وقال: أكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجًا لأمره وتنويهًا لذكره، وانتهى.","vol":"4","page":478},{"text":"يتركوا العامة يسألون عنه، ويجلسون إليه، فلما كان كذلك لا يتحدث عنه أحد فيموت ذكره، ولا يشتهر أمره، فعلم أن العلماء يجوز لهم، بل يجب عليهم أن يظهروا للناس عيبه ويمنعوهم عن الأخذ عنه.\nقوله [وعمرو بن ثابت] (١) ترك بعده اسم راو وهو أيوب بن خوط، فليكتب (٢). قوله [وقد روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء]\n_________\n(١) يعني في النسخة الأحمدية، وهو موجود في غيرها من النسخ الهندية والمصرية، لكنها مختلفة في لفظها، ففي الهندية: أيوب بن خوط، وفي المصرية: أبوب بن خويطة، والصواب الأول كما يظهر من ملاحظة كتب الرجال من التهذيب والميزان وغيرهما، قال في التقريب: أيوب ابن خوط بفتح المعجمة متروك من الخامسة، وفي التهذيب عن البخاري: تركه ابن المبارك.\n(٢) قلت: وكذلك يسقط من آخر هذا الكلام عبارة توجد في المصرية: وهي: (حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو يحي الحماني، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أحدًا أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء ابن أبي رباح. قال أبو عيسى: وسمعت الجارود يقول: لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث، ولولا حماد لكان بغير فقه) وذكره الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة إمام الأئمة فقال: وله في كتاب الترمذي من رواية عبد الحميد الحماني عنه، قال: ما رأيت اكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء، انتهى. قلت: وقد علم من ذلك عدة أمور: منها أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الجرح والتعديل أيضا، استدل بقوله الترمذي في كتابه، ومنها أن إطلاقهم لفظ أهل الكوفة لا يختص بالحنفية، بل قد يطلقون على غيرهم أيضًا كما هاهنا. ومنها غير ذلك كما لا يخفي.","vol":"4","page":479},{"text":"شروع في الفائدة الرابعة (١) وهو أن الأئمة قد يرون عمن يذكر بضعف وذلك لأسباب (٢)، إما ثبوت قوته عند من روى عنه، أو تمييز الآخذ صحيحه من سقيمه، أو بيان روايته مع بيان ضعفه، أو بيان الرواية بعد وجدان المتابع والشاهد لها لا إذا كانت منفردة.\nقوله [فقرأه على كله عن الحسن] ولما (٣) كان فيه بعد ما وهو كونه يروي عن الحسن قدر ما يرويه جملة تلامذه كان كذبًا ظاهرًا، فلذلك تركه.\nقوله [وزاد فيه: قال عبد الله الخ] وهذا وإن كان ممكنًا (٤) أن\n_________\n(١) هذا على ما عده الشيخ ونبه عليه قريبًا، وعلى عداد الحاشية هي فائدة خامسة.\n(٢) كما أشار إليها المصنف في آثار آتية، أما عدالته عند الراوي عنه فقد جزم بذلك شراح الصحيحين في الأجوبة عما يرد عليهما، وكتب الحديث مملوءة من ذلك، وأما تمييز الضعيف من القوي حكاه الملف عن الثوري، وهكذا في أمور أخر.\n(٣) ولفظ مسلم أوضح من ذلك إذ قال: ما بلغني عن الحسن حديث إلا أتيت به أبان بن أبي عياش فقرأه علي، قال النووي: معنى هذا الكلام أنه كان يحدث عن الحسن بكل ما يسال عنه وهو كاذب في ذلك.\n(٤) بل هو المتعين في هذه القصة، فان حديث ابن مسعود هذا أخرجه الدارقطني برواية يزيد بن هارون عن أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: بت مع رسول الله ﷺ لأنظر كيف يقنت في وتره، فقنت قبل الركوع، ثم بعثت أمي أم عبد فقلت: تبيتي مع نسائه وانظري كيف يقنت في وتره، فأتتنى فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع، ثم ذكره برواية سفيان عن أبان هذا السند قال: قنت رسول الله ﷺ في الوتر قبل الركعة، قال: فأرسلت أمي إليه القابلة فأخبرتني أنه فعل ذلك، ثم قال: أبان متروك، قلت: وحديث بزبد بن هارون عن أبان أخرجه البيهقي في سننه نحو ذلك، ثم قال: ورواه سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش، ومدار الحديث عليه، وأبان متروك، انتهى. قلت: وتعقب ابن التركماني كلام البيهقي وذكر له متابعة، وذكر الزيلعي في نصب الراية حديث أبان برواية الدارقطني وابن أبي شيبة، وذكر كلام الدارقطني، ثم قال: طريق آخر رواه الخطيب البغدادي في كتاب القنوت له، ثم ذكر سنده إلى منصور عن إبراهيم عن علقمة بنحوه، ثم قال: ذكره ابن الجوزي في التحقيق من جهة الخطيب وسكت عنه، إلا أنه قال: أحاديثنا مقدمة، انتهى. قلت: فما أفاده الشيخ من التوجيه احتمالًا هو الحق المتعين.","vol":"4","page":480},{"text":"يكون ابن مسعود رآه ﷺ بعينه وسمعه بأذنه قنت قبل الركوع، وسمع من أمه أيضًا، إلا أن ذلك لما كان منفردًا (١) بروايته ابن عياش بخلاف سائر الثقات، فإن أحدًا منهم لم يذكره، صار متهمًا.\nوقوله [وقد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من أجلة أهل العلم] بيان\n_________\n(١) يعني على رأى الترمذي والبيهقي ومن وافقهما، ثم ظاهر كلام الترمذي أن رواية سفيان توافق رواية الجماعة، وليس فيها ذكر الأم، وقد تقدم عن البيهقي والدارقطني أن رواية سفيان مثل رواية يزيد بن هارون بذكر الأم أيضًا، فتأمل.","vol":"4","page":481},{"text":"لأن في التوثيق مراتب، فبعضهم (١) شدد في أمر التعديل فعد الجرح القليل الذي أحرى أن يغضى عليه جرحًا وتركه، وبعضهم جعله عفوًا فأخذ عنه، وقد يفعل مثل ذلك واحد (٢) منهم بأن يبين ضعفه إذا اعتبر الشدة، ثم يروى\n_________\n(١) ففي زهر الربى: قال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح: ما حكاه عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه فإنه أراد بذلك إجماعًا خاصًا، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا يخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى شعبة وسفيان الثوري وشعبة أشد منه، ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى أشد منه، ومن الثالثة يحيى ابن معين وأحمد بن حنبل ويحيى أشد منه، ومن الرابعة أبو حاتم والبخاري وأبو حاتم أشد منه، انتهى.\n(٢) وفي الرفع والتكميل: كثيرًا ما تجد الاختلاف عن ابن معين وغيره من أئمة النقد في حق راو، وهو قد يكون لتغير الاجتهاد، وقد يكون لاختلاف كيفية السؤال. قال الحافظ ابن حجر في بذل الماعون في فضل الطاعون: وقد وثقه أي أبا بلح يحيى بن معين والنسائي، ومحمد بن سعد والدارقطني، ونقل ابن الجوزي عن ابن معين أنه ضعفه، فإن ثبت ذلك فقد يكون سئل عنه وعمن فوقه فضعفه بالنسبة إليه، وهذه قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن معين فيه، نبه عليه أبو الوليد الباجي في كتابه رجال البخاري، انتهى. وقال تلميذه السخاوي في فتح المغيث: ما ينبه عليه أنه ينبغي أن تتأمل أقوال المزكين ومخارجها، فيقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنه من يحتج بحديثه، ولا ممن يرد، وإنما ذلك بالنسبة لمن قرن معه على وفق ما وجه إلى القائل من السؤال، وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بها، منها ما قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين من العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه كيف حديثهما؟ فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق والعلاء ضعيف، فهذا لم يرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقًا بدليل أنه قال: لا بأس به. وإنما أراد به ضعفه بالنسبة لسعيد المقبري، إلى آخر ما بسطه.","vol":"4","page":482},{"text":"عنه إذا نظر إلى العفو، والدليل عليه قوله: حدثنا أبو بكر الخ وقوله: قد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو ثم روى عنه.\nقوله [فصيرتها عن سعيد عن أبي هريرة الخ] وإنما فعل ذلك لأن زيادة الراوي حيث لا يكون هو مضر (١) للإسناد بخلاف تركه من حيث كان، فإن الغاية فيه أن يكون مرسلًا، والإرسال مقبول (٢) من هؤلاء سيما في القدماء، وأما قوله: عن رجل عن أبي هريرة، فليس يعني به أن الرجل كان مجهولًا، بل الوسائط عن أبي هريرة كانت مختلفة ومعلومة كانت عنده ومعتبرة، لا أنه كان مجهولًا، وإلا لما صح روايته عنه (٣).\n_________\n(١) وبذلك جزم ابن حبان، فقد قال الحافظ في تهذيبه: قال يحيى القطان عن ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليه فجعلها كلها عن أبي هريرة، ولما ذكر ابن حبان في كتاب الثقات هذه القصة قال: ليس هذا بوهن يوهن الإنسان به، لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، انتهى.\n(٢) وبسط الكلام في قبول المرسل في مقدمة الأوجز، فارجع إليه.\n(٣) وسعيد المقبري من الثقات، ورواه الستة حتى قال النووي في تهذيبه: اتفقوا على توثيقه، فالظاهر أنه لا يروي إلا عن الثقة كما لا يخفى.","vol":"4","page":483},{"text":"قوله [في ابن أبي ليلى] هو محمد بن أبي ليلى (١) لا عبد الرحمن بن أبي ليلى.\nقوله [فأما من أقام الإسناد الخ] فائدة خامسة، حاصلها جواز الرواية (٢) بالمعنى إذا لم يتغير المراد، وكون الرواية حرفًا حرفًا أعلى مرتبة وأولى درجة.\nقوله [عليك بالسماع الأول] لأنه كان يرويه أولًا بحسب ألفاظه (٣).\nقوله [كثير أحد] هو مثل كبير أحد في المعنى. قوله [أتم حديثًا منك] وهذا يفيد أولوية الرواية بالألفاظ، وإلا لم يكن لذلك مدح، وبهذه المناسبة (٤)\n_________\n(١) يعني المشهور بابن أبي ليلى عدة رجال، ففي التقريب: ابن أبي ليلى هو عبد الرحمن، وابناه محمد وعيسى، وابن ابنه عبد الله بن عيسى، انتهى. فمراد الترمذي هاهنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو الذي تكلم أهل الرجال في حفظه كثيرًا، كما بسطه الحافظ في تهذيبه، وهو الذي يروي عن أخيه عيسى.\n(٢) وفيه خلاف وأقوال السلف ذكرت في مقدمة الأوجز، والذي عليه جمهور السلف والخلف ومنهم الأئمة الأربعة جواز ذلك إذا قطع بأدائه، وذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم للقصة الواحدة بألفاظ مختلفة.\n(٣) ولأن كل ما يكون أقرب إلى الأخذ من الشيخ أقرب إلى الحفظ.\n(٤) ظاهر كلام الشيخ أنه داخل في الفائدة الخامسة في الرواية بالمعنى، وما يظهر للعبد المعترف بالتقصير أن المصنف شرع من قوله: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان، فائدة مستقلة وهي سادسة، والمقصود التنبيه على مراتب أهل الحديث، وبيان الفرق في تفاضلهم، وكلام وكيع انقرض على قوله: هلك الناس، وإليه حكى السبوطي كلام وكيع في التدريب، ويؤيده ما سيأتي من كلام المصنف: وإنما بينا أشياء منه على الاختصار، بل سباق النسخة المصرية صريح في ذلك، وفيها بعد قول وكيع: فقد هلك الناس، قال أبو عيسى: وإنما تفاضل أهل العلم الخ. فله الحمد.","vol":"4","page":484},{"text":"ذكره ها هنا [ما رويت عن رجل حديثًا الخ] يعني به تثبتهم في الروايات وتحقيقهم وترددهم في التفتيش عن المعاني.\nقوله [فكرهت أن آخذ الحديث وأنا قائم] وذلك (١) لأنه يوجب انتشارًا في الطبيعة، فلعلي لا أتحمل على وجهه ويتغير على لفظه. قوله [فيقدم ويؤخر الخ (٢)].\n_________\n(١) وبذلك جزم المحشي، وأيضًا فيه إساءة أدب، قال السيوطي في آداب المحدث: يستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب ويسرح لحيته، ويجلس متمكنًا بوقار وهيبة، وقد كان مالك يفعل ذلك، فقيل له، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ، ولا أحدث إلا على طهارة متمكنًا، وكان يكره أن يحدث في الطريق، أو وهو قائم، أسنده البيهقي، وعن ابن المسيب أنه سئل عن حديث وهو مضطجع في مرضه، فلس وحدث به، فقيل له: وددت أنك لم تتعن، فقال: كرهت أن أحدث عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع، وعن بشر بن الحارث أن ابن المبارك سئل عن حديث وهو يمشي فقال: ليس هذا من توفير العلم، وعن مالك قال: مجالس العلم تحتضر بالخشوع والسكينة والوقار، انتهى.\n(٢) وغرض المصنف بذكر هذا الأثر مساواة القراءة على الشيخ والسماع منه، كما يدل عليه كلام ابن عباس الأخير: اقرأوا علي، والمسألة خلافية، قال السيوطي في التدريب: اختلفوا في مساواتها (أي القراءة على الشيخ) للسماع من لفظ الشيخ في المرتبة على ثلاثة مذاهب، فحكى المساواة عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومعظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري وغيرهم، وحكي ترجيح السماع على القراءة عن جمهور أهل الشرق، وهو الصحيح وحكي ترجيح القراءة على السماع عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو رواية عن مالك، إلى آخر ما بسطه من اختبار جماعة من السلف لذلك.","vol":"4","page":485},{"text":"يعني أن أحدًا كان جمعها عن ابن عباس فوقعت بأيدي أهل الطائف، فأرادوا أن يقرأها عليهم ابن عباس ليرووا عنه، فأخذ يقرأ ابن عباس ولم يكن حفظ على ما كتب في الكتاب من الترتيب، فقرأ رواية ثم إذا أراد الثانية لم يكن موافقًا للرواية التي هي مكتوبة بعدها؛ فلذلك اعتذر ابن عباس من قراءتها، وقال: إني حرت بتلك الداهية، أي عدم الموافقة (١)، فكان ذلك سببًا للتراخي والتمهل في أخذ الروايات، لما كانوا يتفحصون الروايات في الكتاب.\nقوله [وقد أجاز بعض أهل العلم الإجازة الخ] شروع في أن الإجازة من غير الرواية (٢) معتبرة أيضًا، وقد بين قبل ذلك أن القراء على العالم وكذا\n_________\n(١) ولا يبعد أن تكون الإشارة بذلك إلى ذهاب البصر كما يؤمي إليه سياق الطحاوي بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل الطائف أتوه بصحف من صحفه ليقراها عليهم، فلما أخذها لم ينطلق. فقال: إني لما ذهب بصري بلهت فاقرؤوها علي، ولا يكن في أنفسكم من ذلك حرج، فان قراءتكم علي كقراءتي عليكم.\n(٢) يعني أن ذلك فائدة مستقلة، وهي أن الإجازة بدون الرواية معتبرة، وبين قبل ذلك فائدة أخرى، وهي أن القراءة على الشيخ والسماع منه معتبرتان وتقدم الكلام على ذلك قريبًا بالاختصار، والمسالتان خلافيتان مبسوطتان في الأصول، وترك الشيخ تمييز الفوائد لحصول المقصود، وهو التنبيه على أن كتاب العلل متضمن لفوائد شتي، وهي من فرائد مسائل أصول الحديث والجرح والتعديل، ثم الإجازة على تسعة أضرب بسطها السيوطي في التدريب.","vol":"4","page":486},{"text":"قراءة التلميذ على العالم كلاهما معتبر.\nقوله [كتب كتابًا عن أبي هريرة] الجار مع المجرور متعلق بقوله كتابًا لا بقوله كتبت، وإلا لم يكن موافقًا لما أورد له (١)، فالمعنى أني كتبت عن (٢) أحد مرويات أبي هريرة، ثم أتيت بها أبا هريرة، فأجازني أن أرويها عنه وإن لم أكن\n_________\n(١) لأن المصنف ذكره في ذيل الإجازة بدون الرواية، والزيادة التي زادها الحافظ في تهذيبه في رواية يحيى القطان عن عمران بن حدير يدل على غير ما حمل عليه المصنف ذكره، ولفظه: عن بشير قال: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبت عنه فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم، انتهى. فعلم أن المسألة ليست من باب الإجازة المجردة، بل من باب القراءة على المحدث، ولفظ السخاوي في المقاصد: روى عن بشير ابن نهيك قال: كنت آتي أبا هريرة فأكتب عنه، فلما أردت فراقه أتيته فقلت: هذا حديثك أحدث به عنك؟ قال: نعم، ولفظ الطحاوي: عن بشري بن نهيك قال: كنت آخذ الكتب عن أبي هريرة فأكتبها فإذا فرغت قرأتها عليه، فأقول: الذي قرأته عليم أسمعته من رسول الله ﷺ فيقول: نعم.\n(٢) أو عن كتاب أبي هريرة، وأيًا ما كان فالظاهر أنه لم يكتب الكتاب بسماعه عن أبي هريرة، وإلا لم يكن لسؤاله معنى، ويمكن أن يوجه الكلام بأن المسألة من باب اشتراط الإجازة للقراءة أو الكتابة، كما في سياق التهذيب والسخاوي، قال الحافظ في الفتح: وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يُقرأ عليهم، ولذا بوب البخاري في صحيحه على جوازه، انتهى. ثم قال: وسوغ الجمهور الرواية بالمناولة، وردها من رد عرض القراءة من باب الأولى.","vol":"4","page":487},{"text":"أقرأها عليه (١). قوله [لا أدري أيهما أعجب أمرًا] أي القراءة أو المناولة (٢) من غير إجازة، ثم بيّن بعد ذلك ما هو الصحيح عنده من كون المناولة الصرفة غير معتبرة، أو الإشارة إلى القراءة والمناولة مع إجازة، كأنهما لما كانتا جائزتين عنده تردد في الأولى منهما، ورد المناولة (٣) الصرفة بتقريب ذكر\n_________\n(١) وهذا على ظاهر سياق المصنف، بخلاف ما تقدم من سياق التهذيب وغيره، ففيها تصريح بالقراءة على أبي هريرة.\n(٢) وجزم محشي المجتبائية أي من القراءة والإجازة، انتهى. والأوجه عندي أن المراد الاحتمال الثاني من الاحتمالين الذين ذكرهما الشيخ. لأن المناولة مع الإجازة جعلها بعضهم أرفع من السماع، كما سيأتي عن كلام السيوطي في التدريب، وأما التردد في القراءة والمناولة أو في القراءة والإجازة فليس مما ينبغي لشأن المصنف.\n(٣) أي المجردة عن الإجازة، قال السيوطي في التدريب: القسم الرابع من أقسام التحمل المناولة وهي ضربان: مقرونة بالإجازة، ومجردة عنها، فالمقرونة بالإجازة أعلى أنواع الإجازة مطلقًا، ونقل عياض الاتفاق على صحتها، ومن صورها وهو أعلاها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعًا مقابلًا به ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان فأروه عني، أو أجزت لك روايته، ومنها أن يدفع إلى الشيخ الطالب سماعه فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إلى الطالب ويقول: هو حديثي فأروه عني أو أجزت لك روايته، وهذه المناولة كالسماع في القوة والرتبة عند الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد والشعبي، ومالك وابن وهب، وجماعة عدها السيوطي، ثم قال: ونقل ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول أن بعض أصحاب الحديث جعلها أرفع من السماع لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه، والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة، وهو قول الثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، والمزني وأحمد وإسحاق، وأسنده الرامهرمزي عن مالك، ومن صورها أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول له: هذه روايتك فناولنيه وأجز لي روايته، فيجيبه إليه اعتمادًا عليه من غير نظر فيه ولا تحقق لروايته، فهذا باطل، فإن وثق بخبر الطالب ومعرفته اعتمده وصحت الإجازة والمناولة، والضرب الثاني المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله الكتاب مقتصرًا على قوله: هذا سماعي أو من حديثي، ولا يقول له: أروه عني، ولا أجزت لك روايته. فلا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وعابوا المحدثين المجوزين لها، إلى آخر ما بسط من الاختلاف في ذلك.","vol":"4","page":488},{"text":"المناولة (١) استطرادًا بقوله: لا شيء إنما هو كتاب دفعه إليه، يعني به أن المناولة الصرفة غير كافية، وأما المناولة مع الإجازة فلا أدري أهي أحب أم القراءة.\nقوله [والحديث إذا كان مرسلًا] شروع (٢) في بيان الاختلاف في\n_________\n(١) أي المناولة مع الإجازة، فهي كانت مقصودة بالذكر، وذكر المناولة المجردة استطرادًا.\n(٢) فائدة مستقلة، وأشار الشيخ بقوله: المراد بالمرسل ما هو أعم، إلى أن المرسل يطلق على معان، قال السيوطي في التدريب: اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي الكبير: قال رسول الله ﷺ كذا أو فعله، يسمى مرسلًا، فإن قبل الصحابي واحد أو أكثر لا يسمى مرسلًا، بل يختص المرسل بالتابعي عن النبي ﷺ، فإن سقط قبله واحد فهو منقطع، وإن كان أكثر فمعضل ومنقطع، والمشهور في الفقه والأصول أن الكل مرسل، وبه قطع الخطيب، وأما قول الزهري وغيره من صغار التابعين: قال رسول الله ﷺ، فالمشهور عند من خصه بالتابعي أنه مرسل كالكبير، وقيل: ليس بمرسل بل منقطع، لأن أكثر رواياتهم عن التابعي، وأما إذا قال فلان عن رجل، أو شيخ عن فلان، فقال الحاكم: هو منقطع، وقال غيره: هو مرسل، وقال العراقي: كل من القولين خلاف ما عليه الأكثرون، فإنهم ذهبوا إلى أنه متصل في سند مجهول، انتهى.","vol":"4","page":489},{"text":"المرسل بعد بيان المناولة، والمعنى بالمرسل ما هو أعم من المرسل الاصطلاحي.\nقوله [مرسلات مجاهد إلخ] يعني به (١) أن الحكم الكلي من كل منهما (٢) غير سديد، بل الأولى في قبول المراسيل وعدم قبولها هو التفصيل بأن الراوي إذا علم من حاله أنه لا يرسل إلا من ثقة قبلت مراسيله.\nقوله [والأعمش والتيمي يحيى بن أبي كثير] أي كذلك (٣)\n_________\n(١) يعني أن المصنف ذكر أولًا ترجيح بعضهم على بعض في المراسيل، ولما لم يكن هذا مختاره بين بعد ذلك بقوله: قال أبو عيسى الضابطة في قبول المرسل وترجيحه بأن المدار على حال الراوي. ومن ضعف المرسل إنما ضعف لأنهم يأخذون عن كل ضرب، وعلم منه أن من لا يرسل إلا عن ثقة يعتبر مرسله، ولذا قال الشيخ: بل الأولى في قبولها التفصيل.\n(٢) الظاهر أن المرجح (قابلو المرسل ورادوها) المفهوم من الآثار المختلفة التي أوردها المصنف.\n(٣) إشارة إلى أن لفظ (الأعمش) معطوف على (أبي إسحاق)، ولفظ السيوطي في التدريب: عن يحيى بن سعيد أنه قال: مرسلات أبي إسحاق الهمذاني والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير شبه لا شيء.","vol":"4","page":490},{"text":"قوله [إي الله وسفيان بن سعيد] أي كذلك (١). قوله [قد تكلم الحسن البصري إلخ] شاهد لما قاله من رواية العلماء عن غير الثقات أيضًا.\nقوله [فهو الذي سمعت] أي من فيه (٢) بغير وسيط. قوله [وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف إلخ] يعني قد يختلف العلماء (٣) في الرجل فيقويه أحدهم فروي عنه، ويضعفه آخر فيتركه.\nقوله [وقد ثبت غير واحد إلخ] بتشديد الباء من التثبيت ومفعوله أبو الزبير (٤)\n_________\n(١) أي شبه الريح، والمراد بسفيان بن سعيد الثوري.\n(٢) هذا هو الظاهر من جميع النسخ الهندية التي بأيدينا، والصواب أن فيها سقوطًا، والصحيح ما في المصرية، ولفظها: قال إبراهيم: إذا حدثتك عن رجل عن عبد الله فهو الذي سميت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله، انتهى. وهكذا حكى كلام الأعمش الحافظ في التهذيب.\n(٣) وهذا لا خفاء فيه، وكتب الرجال مملوءة من ذلك، كم من رجال وثقهم جماعة وضعفهم آخرون.\n(٤) والأوجه عندي أن مفعوله محذوف، وهو الضمير العائد إلى عبد الله، والمعنى أن شعبة تركه لأجل هذا الحديث، مع أنه وثقه غير واحد من الأئمة، ويؤيد ذلك ما تقدم في أبواب الشفعة من قوله: عبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث، انتهى. ثم ذكر الكلام الاتي تأئيدًا وتوضيحًا لذلك، يعني هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم روى عنه غير واحد من أئمة الحديث، ولعله ذكر الثلاثة لأن شعبة تكلم في كل واحد منها، والعامة رووا عنهم، أما أبو الزبير فقد قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، إلا أن شعبة تركه لشيء زعم أنه رآه فعله في معاملة، وقال الساجي: صدق حجة في الأحكام، قد روي عنه أهل النقل وقبلوه واحتجوا به، قلت: وكذا وثقة غير واحد كما بسط في التهذيب، وأما عبد الملك فقد تقدم عن الترمذي في (باب الشفعة للغائب) أنه قال: لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث، وأما حكيم بن جبير فقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: كم روى؟ إنما روى شيئًا يسيرًا، قلت: من تركه؟ قال: شعبة من أجل حديث الصدقة، يعني ذكر من تكلم عليه، وسيأتي حديث الصدقة في كلام المصنف أيضًا قريبًا.","vol":"4","page":491},{"text":"الذي انجر بدخول (عن) عليه. قوله [أحفظ لهم الحديث] متكلم (١) والحديث مفعوله. قوله [يقول: حدثني أبو الزبير إلخ] يعني أن سفيان (٢)\n_________\n(١) يعني بصيغة المتكلم من المضارع، والمعنى أنه لما كان أحفظهم كما تقدم في الأثر الماضي كان عطاء يقدمه في المجلس ليكون أقرب إلى السماع لحفظه.\n(٢) حاصل ما أفاد الشيخ أنه حمل تكرار لفظ (أبي الزبير) والعد بقبض اليد على تكرار الروايات، وظاهر أقوال أئمة الرجال أنهم حملوه على تكرار لفظ أبي الزبير في الرواية، ثم اختلفوا في غرضه، فحمله الترمذي على المدح والإتقان كما سيصرح به. وهكذا حكى الحافظ عن الترمذي أنه حمله على حفظه وإتقانه، وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: حدثنا أبو الزبير وأبو الزبير وأبو الزبير، قلت لأبي: يضعفه؟ قال: نعم، وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا أبو الزبير وهو أبو الزبير، أي كأن يضعفه، انتهى.","vol":"4","page":492},{"text":"أخذ يعد روايات أيوب السختياني عن أبي الزبير، فجعل بعدا بأنامله، فجعل يقبض أنامله واحدة بعد واحدة، يعني أن رواياته منه لم تكن قلائل [لو غير حكيم حدث بهذا] فإنه لم يكن شعبة يأخذ منه تمنى تلميذ شعبة أن تكون الرواية من غيره لتعتبر (١)، فقال له سفيان: وما لحكيم؟ أي ما أمره وشأنه وكيف حاله؟ وليس هذا متصلًا بما بعده حتى يكون كلامه: \"وما لحكيم لا يحدث عنه شعبة\" كلامًا واحدًا، إذ على هذا لا يرتبط قوله في الجواب: نعم، بل الاستفهام أولًا عن حال الحكيم فحسب بأن ماله لا يعتبره الناس، ثم قال بعد ذلك مشيرًا برأسه بالإنكار: لا يحدث شعبة عنه بحذف حرف الاستفهام، أي ألا يحدث عنه شعبة؟ قال: نعم، أي لا يحدث، فلما كان كذلك بين سفيان للرواية إسنادًا آخر ليس فيه عن حكيم، فقال: سمعت (٢) زبيدًا إلخ والعرض بإيراد القصة إظهار اختلاف الأئمة (٣) في توثيق الرجال وتضعيفهم.\n_________\n(١) والحديث أخرجه أبو داود من طريق يحيى بن آدم، نا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عب الرحمن بن يزيد، ثم قال: قال يحيى، فقال عبد الله بن سفيان: حفظي أن شعبة لا يروى عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: فقد حدثناه زيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.\n(٢) وتكلم عليه الذهبي في الميزان إذ حكى عن غيره قال: لا أعلم أحدًا يرويه غير يحيى بن آدم، وهذا وهم، ولو كان كذا لحدث به الناس عن سفيان، ولكنه حديث منكر، يعني إنما المعروف برواية حكيم، انتهى. وتقدم شيء من الكلام على ذلك في كتاب الزكاة.\n(٣) فقد روى عنه الثوري وزائدة، ولم ير يحيى بحديثه بأسًا كما حكاه المصنف، وتركه شعبة وضعفه جماعة، كما بسطه الحافظ في تهذيبه.","vol":"4","page":493},{"text":"قوله [فهو عندنا حديث حسن] أي لغيره (١) لأن حسنه بتعدد الطرق، إذ\n_________\n(١) اختلف شراح الحديث وأئمة الرجال في غرض الترمذي بهذا الكلام في أنه أي أنواع الحسن أردا بذلك، وحاصل ما أفاده الشيخ أنه عرف بذلك الحسن لغيره، وقال الحافظ في شرح النخبة: (خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته) وهذا أول تقسيم المقبول إلى أربعة أنواع، لأنه إما أن يشمل من صفات القبول على أعلاها أو لا، الأول الصحيح لذاته، والثاني إن وُجد ما يجبر ذلك القصور ككثرة الطرق فهو الصحيح أيضًا لكن لا لذاته، وحيث لا جبران فهو الحسن لذاته، وإن قامت قرينة ترجح جانب قبول ما يتوقف فيه فهو الحسن أيضًا لكن لا لذاته. ثم قال: (فإن خف الضبط) مع بقية الشروط المتقدمة (فهو الحسن لذاته) وخرج باشتراط باقي الأوصاف الضعيف (وبكثرة طرقه يصحح) فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه، فكيف يقول في بعض الأحاديث: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، فالجواب أن الترمذي لم يعرف مطلقًا، وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: حسن، من غير صفة أخرى، وعبارته ترشد إلى ذلك، حيث قال في أواخر كتابه: وما قلنا في كتابنا: حسنـ فإنما أردنا به إلخ، فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول: حسن فقط، أما ما يقول فيه: حسن صحيح، أو حسن غريب، فلم يعرج على تعريفه كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه: أو حسن غريب، فلم يعرج على تعريفه كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه: صحيح فقط، فكأنه ترك ذلك استغناء بشهرته عند أهل الفن. واقتصر على تعريف ما يقول في كتابه: حسن فقط، إما لغموضه وإما لأنه اصطلاح جديد، ولذلك قيده بقوله \"عندنا\" ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي، وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها، ولم يستقر وجه توجيههاـ فلله الحمد على ما ألهم وعلم، انتهى. وما أفاده الشيخ من التوجيه حكاه صاحب لقط الدرر عن البقاعي إذ قال: استعمل الترمذي الحسن لذته في المواضع التي يقول فيها: حسن غريب ونحو ذلك، وعرف ما رأى أنه مشكل، لأنه يخرج الحديث أحيانًا ويقول: فلان ضعيف في سنده، ثم يقول: هذا حديث حسن، فخشى أن يشكل ذلك على الناظر فيعترض عليه بأنه كيف يحسن ما صرح بضعف راويه أو انقطاعه ونحو ذلك، فعرفه أنه إنما حسنه لكونه اعتضد بتعدد طرقه، انتهى. قال الملا: وهو يفيد جواز أن يراد بقوله: (ونحو ذلك) ما يشمل دونه أيضًا، وأستفيد منه أنه أراد بالحسن المطلق الحسن لغيره، انتهى. قلت: وحمله بعضهم على أنه عرف لمطلق الحسن فوقعوا في الأشكال، كما بسط في التدريب.","vol":"4","page":494},{"text":"لو كان حسنًا لذاته لصار بعد روايته بطرق متعددة صحيحًا، وليس كذلك.\nقوله [وروى يحيى بن سليم إلخ] جوب عما يتوهم من أنكم نسبتم الرواية إلى الغرابة لتفرد عبد الله بن دينار مع أنه ليس منفردًا بها، بل يرويها أيضًا نافع كما يرويها عبد الله بن دينار، بأن هذا (١) وهم من يحيى، والصحيح هو\n_________\n(١) هكذا جزم المصنف بوهم يحيى، وتقدم نحو ذلك في المجلد الثاني في (باب كراهية بيع الولاء وهبته) ووجه ذلك أن الحديث مشهور عن عبد الله ابن دينار، فقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار، فأورده عن خمسة وثلاثين نفسًا، لكن قال الحافظ: وصل رواية يحيى ابن سليم ابن ماجه، ولم ينفرد به يحيى بن سليم، فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض، ويحيى بن سعيد الأموي، كلاهما عن عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريقهما، لكن قرن كل منهما نافعًا بعيد الله بن دينار، وأخرجه ابن حبان في الثقات في ترجمة أحمد ابن أبي أوفى، وساقه من طريقه عن شعبة عبد الله بن دينار وعمرو بن دينار جميعًا، عن ابن عمر، وقال: عمرو بن دينار غريب، انتهى. قلت: ومع ذلك مثل الحافظ في شرح النخبة الفرد المطلق بهذا الحديث، إذ قال: ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند، أي في الموضع الذي يدور الإسناد إليه، أو لا تكون كذلك بأن يكون التفرد في أثنائه، فالأول الفرد المطلق كحديث النهي عن بيع الولاء، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، انتهى.","vol":"4","page":495},{"text":"عبد الله أيضًا موضع نافع.\nقوله [وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك إلخ] جواب (١) عما\n_________\n(١) قد بيّن المصنف أولا أن الحديث يعد غريبًا بوجوه: منها تفرد راو بزيادة لا يتابعه عليها غيره من الرواة، وهذه الزيادة تكوون صحيحة إذا كان الراوي المتفرد ثقة، ومثل له بزيادة لفظ المسلمين في حديث صدقة الفطر، تفرد بها الإمام مالك، ولم يذكرها أيوب وعبيد الله وغير واحد من الأئمة، وأورد على مثاله أن الإمام مالكًا ليس بمتفر في هذه الزيادة بل له متابعة، وأجاب عنه أن من تابعه ليس ممن يعتمد على حفظه، فبقى تفرد الإمام مالك على حاله، ولذا قال الحافظ في الفتح بعد ما بسط الكلام على هذه الزيادة: وفي الجملة ليس فيمن روى هذه الزيادة أحد مثل مالك، انتهى. قلت: وقد بسط الكلام على اختلاف الأئمة في ذلك، واستدلال من استدل بها، والجواب عمن لم يستدل بها، في الأوجز، فأرجع لو شئت الإحصاء مع الإيجاز.","vol":"4","page":496},{"text":"يورد على الحكم بالغرابة بأن مالكًا لم يتفرد بالزيادة بل رواها غيره أيضًا، وحاصل الجواب أن الكلام في الثقات، وهو ليس منهم.\nقوله [وإنما يستغرب إلخ] يعني أن (١) الحديث قد يحكم عليه\n_________\n(١) توضيح ذلك موقوف على تفسير أنواع الغريب، قال الزرقاني في شرح البيقونية: الغريب ما روى ارو فقط منفردًا بروايته عن كل أحد، إما بجميع الحديث كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، فانه لم يصح إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، أو ببعضه كحديث زكاة الفطر، حيث قيل: إن مالكًا انفرد عن سائر رواته بقوله (المسلمين)، أو ببعض السند كحديث أم زرع، إذ المحفوظ فيه رواية عيسى بن يونس وغيره، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله عن أبيهما عن عائشة، ﵂ ورواه الطبراني من حديث الدراوردي عن هشام بدون واسطة أخيه به، سواء انفرد به مطلقًا، أو بقيد كونه عن إمام شأنه أن يجمع حديث لجلالته، كالزهري وقتادة، خلافًا لابن مندة، ثم الحديث قد يغرب متنًا كحديث انفرد بروايته واحد، وقد يغرب إسنادًا فقط، كأن يكون معروفًا برواية جماعة من الصحابة، فينفرد به ارو من صحابي آخر، فهو من جهته غريب مع أن متنه غير غريب، قال ابن الصلاح: ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة، قال: وهذا الذي يقول فيه الترمذي غريب من هذا الوجه، ومن ثم ابن سيد الناس فيما شرحه من الترمذي: الغريب أقسام، غريب سندًا ومتنًا، أو متنًا لا سندًا، أو سندًا لا متنًا، وغريب بعض السند، وغريب بعض المتن، ثم قال بعد ذلك: إن النوع الثاني لا وجود له، وقال الحافظ: الغرابة قد تكون في أصل السند، وهو طرفه الذي فيه الصحابي، أو لا يكون بأن يكون التفرد في أثنائه، فالأول الفرد المطلق كحديث النهي عن بيع الولاء، والثاني الفرد النسبي، ويقل إطلاق الفردية عليه، لأن الغريب الفرد مترادفان لغة واصطلاحًا، إلا أنهم غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، انتهى. وقال السيوطي: يدخل في الغريب ما انفرد راو براويته، أو بزيادة في متنه، أو إسناده: وينقسم أيضًا إلى غريب متنًا وإسنادًا كما لو انفرد راو واحد، وإلى غريب إسنادًا لا متنًا كحديث روى متنه جماعة من الصحابة وانفرد واحد براويته عن صحابي آخر، ويه يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه انتهى. إذا عرفت ذلك فوضح كلام المصنف أن الغرابة تُطلق على الحديث بعدة أوجه: منها أن يكون غريبًا باعتبار سند خاص، ومثل له بحديث أبي موسى الأشعري الآتي، وبذلك مثله السخاوي في شرح الألفية، إذ قال: أو يغرب إسنادًا فقط كأن يكون المتن معروفًا برواية جماعة من الصحابة فينفرد به راو من حديث صحابي آخر، فهو من جهته غريب مع أن متنه غير غريب، ومن أمثلته حديث أبي بردة عن أبيه رفعه: الكافر يأكل في سبعة أمعاء، فإنه غريب من حديث أبي موسى مع كونه معروفًا من حديث غيره، قال ابن الصلاح: ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة يعني كأن ينفرد به من حديث شعبة بخصوصه غندر، قال: وهو الذي يقول فيه الترمذي: غريب من هذا الوجه، انتهى. قلت: ومثل الترمذي لهذا الأخير بما سيأتي من حديث شبابة عن شعبة.","vol":"4","page":497},{"text":"بالغرابة باعتبار إسناد من أسانيده المتعددة، فالغرابة إذًا ليست إلا في طريق من","vol":"4","page":498},{"text":"طرقه، وباعتبار السند يحكم على المتن (١) أيضًا لا لأن الغرابة ثابتة له، بل توصيفًا له بوصف إسناده وطريقه. قوله [في المذاكرة] لا كما يأخذ التلميذ من الأستاذ. قوله [فهذا الحديث المعروف أصح] لما اتفق (٢) في روايته اثنان: شعبة وسفيان. قوله [وإنما يستغرب هذا الحديث] لحال إسناده لرواية السائب إلخ يعني أن حديث القيراط المذكور من قبل يروى عن أبي هريرة (٣)\n_________\n(١) هذا إشارة إلى جواب عما يرد على قولهم: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحاصل الأشكال أن الغرابة إذا وقعت في سند خاص فكيف يوصف به الحديث مع أنه ليس بغريب بل له أسانيد أخر، وحاصل الجواب أن النسبة إلى الحديث مجازي باعتبار سنده المخصوص.\n(٢) يعني أن الأصح بالسند المذكور هو حديث الحج لا حدث الدباء، قال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن عبد الله وقيل له: روى شبابة عن شعبة عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر في الدباء، فقال علي: أي شيء تقدر أن تقول في ذاك يعني شبابة كان شيخًا صدوقًا إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا ينكر لرجل سمع من رجل ألفُا أو ألفين أن يجيء بحيث غريب، وقال يعقوب: هذا حديث لم يبلغني أن أحد رواه عن شعبة غير شبابة، هكذا في التهذيب، وقال الذهبي: قال ابن المديني: لا ينكر لمن سمع ألوفًا أن يجيء بخبر غريب، وقد انفرد شبابة عن شعبة بحديث في الدباء، انتهى.\n(٣) وقد أخرج روايتي أبي هريرة وعائشة البخاري في صحيحه، وقال الحافظ: وقع لي حديث الباب من رواية عشرة من الصحابة فير أبي هريرة وعائشة، ثم بسط أسماءهم، وقال الذهبي في الميزان: حمزة ابن سفينة بصري له شيء عن السائب في تشييع الجناة، لا نعرف أن أحدًا روى عنه سوى أبي سعيد مولى المهرى، لكنه أتى بصدق، انتهى. يعني ما أتى بالحديث ليس بكذب، لكنه غريب منه هذا السند.","vol":"4","page":499},{"text":"وعن عائشة ﵄، فأما طرقها عن أبي هريرة فكلها لا غرابة فيها، وأما يروى عن عائشة فكذلك إلا طريقًا واحدًا وهو السائب عن عائشة.\nقوله [وقد روى عن عمرو بن أمية الضمري] يعني أن هذه الرواية المذكورة غريبة (١) إذا نسبت إلى أنس، وإذا رويت عن عمرو بن أمية فهي\n_________\n(١) قال العراقي في تخريج الأحياء: حديث: أعقلها وتوكل، رواه الترمذي من حديث أنس، قال يحيى القطان: منكر ورواه ابن خزيمة في التوكل، والطبراني من حديث عمرو بن أمية الضمري بإسناد جيد بلفظ: قيدها، انتهى. وقال السخاوي في المقاصد الحسنة: رواه الترمذي في الزهد والعلل، والبيهقي في الشعب، وأبو نعيم في الحلية، وابن أبي الدنيا في التوكل، من حديث المغيرة بن أبي قرة: سمعت أنسًا، وقال الترمذي: قال عمرو بن علي يعني الفلاس: قال يحيى القطان: إنه منكر، ثم الترمذي: هو غريب لا نعرفه من حيث أنس إلا من هذا الوجه، وإنما أنكره القطان من حديث أنس، وقد روى عن عمرو بن أمية الضمري عن النبي ﷺ نحوه، يشير إلى ما أخرجه ابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم من حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه ورواه الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب، وجعلا في روايتهما القائل عمروًا نفسه، وكذا عند أبي القاسم بن بشران في أماليه، وأخرجه البيهقي كذلك من حديث جعفر لكن مرسلًا، قال: قال عمرو بن أمية: يا رسول الله، الحديث،","vol":"4","page":500},{"text":"مشهورة لا غرابة فيها.\nقوله [وقد وضعنا هذا الكتاب على الاختصار] يعني (١) لم أكثر فيه الأخبار والروايات وإن طال بسبب ذكر المذاهب والآثار رجاء المنفعة في اختصاره، فإن الطبائع تميل من الطويل، والنفع أرجى في المختصر القليل، أو المعنى اقتصرت على هذا المقدار من الأحاديث والأخبار واختلافات المذاهب والآثار، ولم أطول الكتاب بما بقي من هاتيك الأبواب رجاء فيه، ونيل الثواب، والفرق بين المعنيين أن الأول عذر عن قلة إيراد الروايات فقط، والثاني عذر من إيراد كل ذلك مقتصرًا على ذكر شيء من كل باب.\nوالله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد أفضل من نطق بالصواب، المخصص بجوامع الكلم وفصل الخطاب، وعلى الآل والأصحاب، صلاة تنجي قائلها يوم الحساب، وتظفره النعيم المقيم يوم يُكشف الحجاب، والحمد لله على التمام، وهو المسئول حسن الختام، والفوز في دار السلام مؤرخه ١٨/ ذي الحجة سنة ١٣١٢ روز بنجشنبه يكهزار وسه صد ودوازده هجري ﷺ (٢).\n(٣)\n_________\n(١) ظاهر الكلام الشيخ أن الإشارة إلى جامع الترمذي وهو وجيه، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كتاب العلل خاصة احترازًا عن العلل الكبير، فإن هذا الكتاب يسمى عللًا صغيرًا، وله كتاب آخر جليل يسمى بالعلل الكبير.\n(٢) هكذا في آخر الأصل، أبقيته على حاله اعتناءً لتحريره، ومعناه: أنه وقع الفراغ للشيخ من تسويد هذا التقرير الأنيق لم ينسج على منواله يوم الخميس، ثامن عشر ذي الحجة، سنة اثني عشرة وثلاث مائة وألف من هجرة سيد ولد آدم عليه وعلى آله وصحبة وأتباعه أفضل الصلاة والسلام.","vol":"4","page":501},{"text":"_________\n(٣) هذا وقد وقع الفراغ من تسويد هذه الحواشي التي لا تستحق أن تسمى بالحواشي آخر ساعة من يوم الجمعة، ساعة مباركة مستجابة، سادس عشر من رجب المرجب، سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألف ألف صلوات وتحية، وأضيف بعض الحواشي على ذلك في صفر ١٣٨٢ هـ، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، سبحان الله وبحمده، سبحان العلي العظيم، وصلى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، الحنان المنان بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام.","vol":"4","page":502}]}