{"ً":{"ٌ":150967,"ٍ":"شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت سرحان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/shadbqdkhsf/","files":["01_157631.pdf","02_157632.pdf","03_157633.pdf","04_157634.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح «أدب القاضي للخصاف (ت ٢٦١ هـ)»\nالمؤلف: برهان الأئمة حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري الحنفي، المعروف بالصدر الشهيد (المتوفى شهيدا ٥٣٦ هـ)\nالمحقق: محيي هلال السرحان [ت ١٤٤٦ هـ]\nالناشر: (جـ ١ - ٣) مطبعة الارشاد، بغداد - العراق، جـ ٤ الدار العربية للطباعة، بغداد - العراق\nالطبعة: الأولى (جـ ١، ٢) ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، (جـ ٣، ٤) ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م\nعدد الأجزاء: ٤\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":3036,"ٕ":20,"ٖ":1770156243,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":1},{"title":"[فهرست الأبواب]","level":2,"page":3},{"title":"[ما يحتاج إليه لمعرفة أدب القاضي]","level":2,"page":13},{"title":"[معنى القضاء]","level":3,"page":13},{"title":"[أهلية القضاء]","level":3,"page":14},{"title":"[بيان من يجوز تقلد القضاء منه]","level":3,"page":17},{"title":"[جواز الدخول في القضاء مختارا]","level":3,"page":20},{"title":"الباب الأول ما جاء في الدخول في القضاء","level":1,"page":24},{"title":"الباب الثاني في الإكراه على القضاء","level":1,"page":41},{"title":"الباب الثالث في الرخصة في القضاء","level":1,"page":44},{"title":"الباب الرابع في اجتهاد الرأي في القضاء","level":1,"page":51},{"title":"[بم يقضى القاضي]","level":2,"page":67},{"title":"[الفصل الأول] [في تقليد الصحابة]","level":3,"page":71},{"title":"[الفصل الثاني] [في تقليد التابعين]","level":3,"page":74},{"title":"[الفصل الثالث] [قي اجتهاد الرأي والنظر]","level":3,"page":76},{"title":"[معرفة المذهب حال الاتفاق والاختلاف بين أصحاب أبي حنيفة]","level":2,"page":78},{"title":"[المشاورة مع الاجتهاد ومعرفة المذهب]","level":2,"page":80},{"title":"الباب الخامس في ما أبيح للقاضي من الاجتهاد وما ينبغي أن يعمل به","level":1,"page":87},{"title":"[هل للصحابي أن يجتهد في زمن الرسول] [-ﷺ -؟]","level":2,"page":88},{"title":"[اجتهاد الرسول ﷺ]","level":2,"page":89},{"title":"[أحكام أخرى مستفادة من حديث معاذ]","level":2,"page":90},{"title":"[عمر بن الخطاب -﵁يضع] [أصولا للقضاء والقضاة] [في مكاتباته وعهوده]","level":2,"page":92},{"title":"[عهد عمر بن الخطاب إلى أبي موسى] [الأشعري في القضاء] [أو كتاب سياسة القضاة]","level":2,"page":101},{"title":"[أصول الاجتهاد والقضاء عند ابن مسعود]","level":2,"page":121},{"title":"[القضاء عند ابن عباس]","level":2,"page":126},{"title":"[اجتهاد الرسول - ﷺ -]","level":2,"page":127},{"title":"[قضاء شريح]","level":2,"page":128},{"title":"[من آداب القضاة]","level":2,"page":129},{"title":"[كاتب القاضي]","level":2,"page":130},{"title":"[أعوان القاضي]","level":2,"page":131},{"title":"[رقاع المتخاصمين] [والسبق في الدعوى]","level":2,"page":131},{"title":"[صورة الرقاع]","level":2,"page":133},{"title":"[هل يحط من رزق القاضي في يوم عطلته؟]","level":2,"page":138},{"title":"[من أحق بالتقديم في سماع دعواه؟]","level":2,"page":139},{"title":"[مساعد الكاتب]","level":2,"page":142},{"title":"[تذكرة القاضي]","level":2,"page":143},{"title":"[خريطة القاضي] [أو قمطره]","level":2,"page":143},{"title":"[ختم القاضي]","level":2,"page":144},{"title":"الباب السادس في قبض المحاضر من ديوان القاضي [المعزول]","level":1,"page":145},{"title":"[عزل القاضي لريبة ولغير ريبة]","level":2,"page":145},{"title":"[ما يحويه ديوان القاضي]","level":2,"page":146},{"title":"[جرد الديوان وقبضه]","level":2,"page":146},{"title":"[حضور القاضي أو أمينيه]","level":2,"page":149},{"title":"[تسلم الودائع وأموال اليتامى]","level":2,"page":150},{"title":"[أمور المحبسين]","level":2,"page":150},{"title":"[أمور الأموال والودائع]","level":2,"page":163},{"title":"[أمور العقار والضياع والعروض]","level":2,"page":167},{"title":"[أمور الوقف وأمنائه]","level":2,"page":169},{"title":"[محاسبة الأمناء]","level":2,"page":171},{"title":"[أمور الأوصياء والقوام ومحاسبتهم]","level":2,"page":171},{"title":"[معرفة القاضي المقلد أحوال الناس قبل دخوله البلد]","level":2,"page":179},{"title":"الباب السابع في القاضي يقضي في المسجد","level":1,"page":182},{"title":"[اختلاف العلماء في مسألة القضاء في المسجد]","level":2,"page":182},{"title":"[القضاء في الطريق]","level":2,"page":187},{"title":"[قضاء القاضي في منزله]","level":2,"page":189},{"title":"[هيئة القاضي وملبسه وزينته]","level":2,"page":191},{"title":"[القضاء بين اليهود والنصارى والنساء]","level":2,"page":195},{"title":"[اختيار المكان المناسب للقضاء]","level":2,"page":196},{"title":"[افتتاح جلسة القضاء]","level":2,"page":197},{"title":"[خير المجالس في القضاء ما استقبل به القبلة]","level":2,"page":199},{"title":"[أعوان القاضي]","level":2,"page":201},{"title":"[قمطر القاضي]","level":2,"page":202},{"title":"[جلوس كاتب القاضي]","level":2,"page":203},{"title":"[مجلس أهل الشورى في القضاء]","level":2,"page":203},{"title":"[إخراج رقاع الدعوى]","level":2,"page":204},{"title":"[اختلافهم في سؤال المدعى عن دعواه]","level":2,"page":205},{"title":"[تسجيل الدعوى أو تدوين المحضر]","level":2,"page":205},{"title":"[سؤال المدعى عن بيئته إذا جحد المدعى عليه]","level":2,"page":208},{"title":"[هل يسأل المدعى عن بيئته حين يطلب استحلاف المدعى عليه؟]","level":2,"page":209},{"title":"[هل يبدأ الشاهد بما عنده من الشهادة؟]","level":2,"page":214},{"title":"[صيغة سؤال القاضي للشاهد]","level":2,"page":218},{"title":"[إجمال الشهادة وتفسيرها]","level":2,"page":218},{"title":"[الشهادة على الحاضر]","level":2,"page":221},{"title":"[الشهادة على الميت أو الغائب]","level":2,"page":222},{"title":"[دعوى الدار]","level":2,"page":224},{"title":"[دعوى الشيء القائم]","level":2,"page":225},{"title":"[دعوى الشيء الهالك]","level":2,"page":226},{"title":"[آداب القاضي وصفاته حين جلوسه]","level":2,"page":226},{"title":"[تحلية المدعي والمدعى عليه والشهود في المحضر]","level":2,"page":230},{"title":"[الشهادة على الصك والسجل والوصية] [والوكالة في كتاب]","level":2,"page":231},{"title":"[تحلية المرأة]","level":2,"page":232},{"title":"[تقديم بعض الدعاوى على بعض]","level":2,"page":233},{"title":"[شهود القاضي للجنازة] [وعيادته للمرضى]","level":2,"page":234},{"title":"[إجابة القاضي الدعوة]","level":2,"page":236},{"title":"[قبوله الهدايا]","level":2,"page":239},{"title":"الباب الثامن في القاضي يجلس معه غيره","level":1,"page":241},{"title":"الباب التاسع في القاضي يشاور","level":1,"page":253},{"title":"الباب العاشر في الحكمة وفصل الخطاب","level":1,"page":258},{"title":"الباب الحادي عشر في ما جاء في النهي أن يقضي وهو غضبان","level":1,"page":267},{"title":"الباب الثاني عشر في القاضي إذا جاع","level":1,"page":270},{"title":"الباب الثالث عشر في القاضي يأخذ الرزق","level":1,"page":273},{"title":"الباب الرابع عشر في الرشوة في الحكم","level":1,"page":287},{"title":"[الهدية صورة من صور الرشوة]","level":2,"page":298},{"title":"أنواع الهدية وأحكامها","level":2,"page":299},{"title":"الباب الخامس عشر في القاضي يسلم على الخصوم","level":1,"page":330},{"title":"الباب السادس عشر في القاضي يولي القضاء، فيأتيه رجل فيقر عنده بشيء، أو يقول لي حق في البلد الذي وليته، وقد وكلت هذا الرجل عندك يطلب لي بحقي والقاضي في المصر الذي فيه الخليفة، أو في مصر آخر قبل أن يصل إلى عمله.","level":1,"page":334},{"title":"الباب السابع عشر في القاضي ينظر في القصاص","level":1,"page":338},{"title":"الباب الثامن عشر في القاضي يقوم على رأسه الجلواز","level":1,"page":343},{"title":"[نائب القاضي]","level":2,"page":346},{"title":"الباب التاسع عشر في التسوية بين الخصمين","level":1,"page":348},{"title":"الباب العشرون في القاضي يؤتى في منزله","level":1,"page":359},{"title":"الباب الحادي والعشرون في اليمين","level":1,"page":365},{"title":"[تشريع اليمين]","level":2,"page":365},{"title":"[التشديد في اليمين الكاذبة واسماؤها]","level":2,"page":366},{"title":"[اليمين في جانب المدعى عليه]","level":2,"page":375},{"title":"[سؤال القاضي الخصمين]","level":2,"page":378},{"title":"[تغليظ اليمين]","level":2,"page":380},{"title":"[صفة التغليظ ومتى تغلظ اليمين]","level":2,"page":381},{"title":"[هل يحلف على السبب أو على الحاصل؟]","level":2,"page":382},{"title":"[١ - في المال المطلق]","level":3,"page":382},{"title":"[٢ - في دعوى المنقول وغير المنقول]","level":3,"page":386},{"title":"[٣ - في دعوى الطلاق]","level":3,"page":390},{"title":"[٤ - في دعوى العتق]","level":3,"page":391},{"title":"[٥ - في دعوى النكاح]","level":3,"page":392},{"title":"[٦ - في دعوى الإجارة]","level":3,"page":394},{"title":"[٧ - في دعوى القتل والجراحات الموجبة للقصاص]","level":3,"page":396},{"title":"[٨ - في دعور الخطأ في القتل والجراحات]","level":3,"page":399},{"title":"[٩ - في دعوى الحنث في يمين الطلاق]","level":3,"page":402},{"title":"[١٠ - في دعوى بدل الشراء]","level":3,"page":404},{"title":"[١١ - في دعوى الزواج من الصغيرة]","level":3,"page":406},{"title":"[١٢ - في دعوى الحنث في يمين العتق]","level":3,"page":407},{"title":"[١٣ - في دعوى الزواج من الأمة]","level":3,"page":412},{"title":"[١٤ - في دعوى مقدار المبيع]","level":3,"page":413},{"title":"[١٥ - في دعوى الإقرار]","level":3,"page":414},{"title":"[١٦ - في الجحود]","level":3,"page":417},{"title":"[١٧ - في دعوى الغصب]","level":3,"page":419},{"title":"[١٨ - في دعوى الخصوم البيع]","level":3,"page":419},{"title":"[١٩ - في دعوى الوديعة والعارية]","level":3,"page":420},{"title":"[٢٠ - في دعوى الوكالة]","level":3,"page":420},{"title":"[٢١ - في دعوى الوارث الدين]","level":3,"page":428},{"title":"[٢٢ - في دعوى الشفعة]","level":3,"page":432},{"title":"[٢٣ - في دعوى الإيلاء]","level":3,"page":436},{"title":"[٢٤ - في دعوى إيفاء الحق في اليمين]","level":3,"page":437},{"title":"[٢٥ - في دعوى البراءة]","level":3,"page":438},{"title":"[٢٦ - عود إلى دعوى الإيلاء]","level":3,"page":440},{"title":"[٢٧ - في دعوى إتلاف المال]","level":3,"page":440},{"title":"[٢٨ - في دعوى خرق الثوب]","level":3,"page":441},{"title":"[٢٩ - في دعوى هدم الحائط]","level":3,"page":443},{"title":"[٣٠ - في دعوى القذف]","level":3,"page":444},{"title":"[٣١ - في دعوى وضع الخشب على الحائط أو الميزاب وما شابه ذلك]","level":3,"page":444},{"title":"[٣٢ - في دعوى حقوق الاتفاق]","level":3,"page":448},{"title":"[٣٣ - في دعوى الإضرار بالأرض]","level":3,"page":450},{"title":"[٣٤ - في دعوى الرهن]","level":3,"page":452},{"title":"[٣٥ - في دعوى المال والحقوق على العبد]","level":3,"page":454},{"title":"[٣٦ - في الدعوى على العبد المأذون له في التجارة]","level":3,"page":456},{"title":"[٣٧ - في دعوى العيوب]","level":3,"page":458},{"title":"الباب الثاني والعشرون في استحلاف أهل الذمة","level":1,"page":463},{"title":"[استحلاف أهل الكتاب وتغليظ اليمين عليهم]","level":2,"page":463},{"title":"[استحلاف اليهودي]","level":2,"page":464},{"title":"[استحلاف النصراني]","level":2,"page":465},{"title":"[استحلاف المجوسي والوثني وغيرهما]","level":2,"page":466},{"title":"[تغليظ اليمين بالمكان على أهل الكتاب وغيرهم]","level":2,"page":470},{"title":"[التحليف في دعوى الأجل]","level":2,"page":472},{"title":"[التحليف على بيان سبب المال المدعي]","level":2,"page":473},{"title":"الباب الثالث والعشرون في ما [لا] تجب فيه اليمين","level":1,"page":478},{"title":"[الاستحلاف في الحدود]","level":2,"page":478},{"title":"[الاستحلاف في الأشياء الستة أو السبعة]","level":2,"page":478},{"title":"[الاستحلاف في الوصية والوكالة وما شاكلهما]","level":2,"page":482},{"title":"[استحلاف الوصي في دعوى الأموال والحقوق على الميت]","level":2,"page":483},{"title":"[استحلاف البائع]","level":2,"page":484},{"title":"[الاستحلاف في دعوى النكاح]","level":2,"page":485},{"title":"[الاستحلاف في دعوى الهبة]","level":2,"page":486},{"title":"[الاستحلاف في الرهن والإجارة]","level":2,"page":486},{"title":"[الاستحلاف في الشفعة]","level":2,"page":487},{"title":"[الاستحلاف في صورة من صور الوصية والوكالة]","level":2,"page":489},{"title":"الباب الرابع والعشرون في رد الإيمان ومن لا يرى ردها","level":1,"page":491},{"title":"[اختلاف السلف في مسألة رد الإيمان]","level":2,"page":491},{"title":"الباب الخامس والعشرون في اليمين على العلم","level":1,"page":497},{"title":"[اختلاف السلف في أخذ اليمين على العلم أو البتات]","level":2,"page":497},{"title":"[طلب الدائن استحلاف الوارث في دعوى المال على المورث]","level":2,"page":500},{"title":"[طلب الوارث استحلاف المدين في دعوى مال مورثه]","level":2,"page":504},{"title":"[استحلاف الوارث على الوصية]","level":2,"page":506},{"title":"[استحلاف المشتري]","level":2,"page":506},{"title":"[استحلاف المولى على جناية عبده]","level":2,"page":508},{"title":"[الاستحلاف في دعوى الميراث]","level":2,"page":511},{"title":"الباب السادس والعشرون في من قال: تقبل البينة بعد اليمين","level":1,"page":516},{"title":"الباب السابع والعشرون في المدعي يقول: ليس لي شهود ثم يأتي ببينة","level":1,"page":520},{"title":"الباب الثامن والعشرون في النكول عن اليمين","level":1,"page":523},{"title":"الباب التاسع والعشرون في أخذ الكفيل","level":1,"page":534},{"title":"[مشروعية أخذ الكفيل واختلاف] [المتأخرين في ذلك]","level":2,"page":534},{"title":"[الكفالة في الحدود]","level":2,"page":535},{"title":"[الكفالة في غير الحدود]","level":2,"page":537},{"title":"[تأويل الآثار الواردة في جواز التكفيل عند من لا يراه من السلف]","level":2,"page":538},{"title":"[هل يجبر المدعي عليه على إعطاء الكفيل؟]","level":2,"page":540},{"title":"[تحديد وقت الكفالة]","level":2,"page":541},{"title":"[أخذ الكفيل في دعوى الطلاق والعتاق]","level":2,"page":541},{"title":"[أخذ الكفل من المسافر]","level":2,"page":542},{"title":"[الكفالة في ما يوجب القصاص]","level":2,"page":544},{"title":"[الكفالة في مالا قصاص فيه]","level":2,"page":546},{"title":"[الكفالة في حد القطع]","level":2,"page":547},{"title":"[الكفالة في ما يوجب التعزيز]","level":2,"page":547},{"title":"[هل يؤخذ الكفيل منه الثقة]","level":2,"page":547},{"title":"[الملازمة]","level":2,"page":548},{"title":"[الكفالة في ما ينقل]","level":2,"page":549},{"title":"[الكفالة في العقار]","level":2,"page":550},{"title":"[الكفالة بالنفس والوكالة في الخصومة]","level":2,"page":550},{"title":"[القضاء بالبينة المقامة قبل موت المدعي عليه أو وكيله]","level":2,"page":554},{"title":"[طلب الوصي أو الوكيل الكفالة إلى حين إثباته وصيته أو وكالته]","level":2,"page":555},{"title":"[طلب الوارث الكفالة إلى حين إثباته وفاة المورث]","level":2,"page":561},{"title":"[الكفالة في دعوى الزواج]","level":2,"page":562},{"title":"[الكفالة في دعوى الرق]","level":2,"page":562},{"title":"[متى تبطل الكفالة؟]","level":2,"page":563},{"title":"الباب الثلاثون في العدوى والأعداء","level":1,"page":566},{"title":"[جواز الأعداء بمجرد الدعوى]","level":2,"page":566},{"title":"[العلامة التي يطلب بها حضور المدعى عليه]","level":2,"page":579},{"title":"[استعداء الرجل على المرأة وبالعكس]","level":2,"page":581},{"title":"[الأعذار المانعة من الاستعداء]","level":2,"page":581},{"title":"[خليفة القاضي وأمينه في فصل الخصومات للمعذورين]","level":2,"page":582},{"title":"[قيام خليفة القاضي بتحليف المرأة أو المريض]","level":2,"page":583},{"title":"[هل يشترط القضاة بالنكول على فور النكول]","level":2,"page":583},{"title":"[امتناع المدعى عليه من الحضور بعد الاستدعاء]","level":2,"page":586},{"title":"[استعانة القاضي بالوالي في إحضار الخصوم]","level":2,"page":589},{"title":"[الختم على باب المدعى عليه]","level":2,"page":589},{"title":"[نصب الوكيل عمن حبس في منزله]","level":2,"page":591},{"title":"[الاستعداء على الغائب عن المصر]","level":2,"page":594},{"title":"(الهجوم على منزل الخصم المتواري في منزله)","level":2,"page":600},{"title":"الباب الحادي والثلاثون في الحبس في الدين","level":1,"page":606},{"title":"(دليل مشروعية الحبس)","level":2,"page":606},{"title":"(هل يشترط في الحبس طلب المدعي ذلك؟)","level":2,"page":613},{"title":"[كتابة اسم المحبوس وتدوين المعلومات الكافية عنه]","level":2,"page":629},{"title":"[البينة على الإفلاس بعد الحبس]","level":2,"page":630},{"title":"[البينة على الإفلاس قبل الحبس]","level":2,"page":632},{"title":"[البينة على الإفلاس بعد الحبس وقبل مضي المدة المقررة]","level":2,"page":633},{"title":"[حبس الشخص الممتنع عن الأداء وله أموال]","level":2,"page":634},{"title":"[طلب المديون الحبس دون الملازمة]","level":2,"page":636},{"title":"[عودة إلى إقامة البينة على الإفلاس قبل الحبس]","level":2,"page":637},{"title":"[حبس المريض]","level":2,"page":637},{"title":"[هل يحق للرجل ملازمة المرأة]","level":2,"page":638},{"title":"[تحويل المحبوس إلى سجن اللصوص]","level":2,"page":638},{"title":"[ما للمحبوس من الحقوق]","level":2,"page":639},{"title":"الباب الثاني والثلاثون في الحجر بسبب الدين","level":1,"page":641},{"title":"الباب الثالث والثلاثون في حجر الفساد","level":1,"page":659},{"title":"الباب الرابع والثلاثون في المسألة عن الشهود","level":1,"page":680},{"title":"[الأصل في الناس العدالة]","level":2,"page":680},{"title":"[العدالة مبنية على الغالب من أفعال الإنسان]","level":2,"page":683},{"title":"[الفاظ التعديل]","level":2,"page":686},{"title":"[شهادة المستور]","level":2,"page":689},{"title":"[المسلمون عدول]","level":2,"page":694},{"title":"[من أسباب الجرح]","level":2,"page":696},{"title":"[شهادة اهل الاهواء]","level":2,"page":697},{"title":"[تزكية الشهود] [أول من سأل عن الشهود في السر]","level":2,"page":699},{"title":"[الجمع بين تزكية السر وتزكية العلانية]","level":2,"page":701},{"title":"[أصحاب المسائل او المزكون]","level":2,"page":702},{"title":"[عمل المزكين]","level":2,"page":703},{"title":"[اشتراط العدد في المزكين وأهليتهم للشهادة]","level":2,"page":704},{"title":"[تعارض اقوال المزكين]","level":2,"page":705},{"title":"[ممن يسأل المزكون عن احوال الشهود]","level":2,"page":706},{"title":"[المبالغة في التقصي عن احوال الشهود في الحدود والقصاص]","level":2,"page":707},{"title":"[جرح الشهود]","level":2,"page":707},{"title":"[تعديل الوالد لولده وتعديل ذوي الرحم لأرحامهم]","level":2,"page":709},{"title":"[شهادة اهل الاهواء ايضا]","level":2,"page":710},{"title":"[الاسباب الموجبة لسقوط العدالة]","level":2,"page":710},{"title":"[جرح الشاهد وتعديله في ان واحد]","level":2,"page":715},{"title":"[الأصل في الناس الحرية]","level":2,"page":716},{"title":"[يجوز في تزكية السر مالا يجوز في الشهادة]","level":2,"page":717},{"title":"[لا يجوز في تزكية العلانية الا ما يجوز في الشهادة]","level":2,"page":717},{"title":"[الحكم بعدالة الشهود عند القاضي]","level":2,"page":717},{"title":"[تقادم التعديل والجرح] [وهل يعدل الشاهد مرة احرى بعد الحكم بتعديله]","level":2,"page":718},{"title":"الباب الخامس والثلاثون في الرجل يسأل عن الشاهد والرجل يجاور القوم متى ينبغي ان يعدلوه","level":1,"page":721},{"title":"الباب السادس والثلاثون في المدعى عليه يعدل الشهود","level":1,"page":732},{"title":"الباب السابع والثلاثون في الملازمة","level":1,"page":739},{"title":"الباب الثامن والثلاثون في ما ينبغي للقاضي ان يعمل به","level":1,"page":750},{"title":"الباب التاسع والثلاثون في القاضي يقضي بعلمه","level":1,"page":771},{"title":"الباب الأربعون في القاضي يجد في ديوانه شيئا لا يحفظه","level":1,"page":782},{"title":"الباب الحادي والأربعون في القاضي ترفع إليه قضية قاض مما ينفذها","level":1,"page":786},{"title":"الباب الثاني والأربعون في القاضي ترفع إليه قضية قاض آخر مما لا يجب عليه انفاذها","level":1,"page":800},{"title":"الباب الثالث والأربعون في من يقضي بين الناس زمانا ثم يعلم أنه ممن لا يجوز قضاؤه","level":1,"page":824},{"title":"الباب الرابع والأربعون في موت الخليفة وله قضاة أو عزل قاضيا","level":1,"page":828},{"title":"الباب الخامس والاربعون في الخوارج يولون قاضيا","level":1,"page":832},{"title":"الباب السادس والاربعون في القاضي يستخلف رجلا وما يجوز له من ذلك","level":1,"page":834},{"title":"الباب السابع والاربعون في القاضي يعزل فيطالب بشيء مما كانفعله","level":1,"page":838},{"title":"الباب الثامن والاربعون في القاضي يقضي بالقضاء ثم يرى بعد ذلك خلافه","level":1,"page":844},{"title":"الباب التاسع والاربعون في ما يحله قضاء القاضي وما لا يحله","level":1,"page":849},{"title":"الباب الخمسون في ما ينبغي للقاضي ان يضعه على يدي عدل إذا خوصم اليه","level":1,"page":872},{"title":"الباب الحادي والخمسون في ما لا يضعه القاضي على يدي عدل إذا خوصم اليه فيه","level":1,"page":882},{"title":"الباب الثاني والخمسون في الرجل الذي يدعي الشيء في يد رجل من الرقيق والمتاع والعقارات وله بينة على ذلك","level":1,"page":887},{"title":"الباب الثالث والخمسون في الرجلين يدعيان الشيء كل وحد منهما يدعيه كله ويقيم البينة انه له وليس هو في يد واحد منهما","level":1,"page":903},{"title":"الباب الرابع والخمسون في الرجلين يدعيان الشيء وهو في ايديهما","level":1,"page":913},{"title":"الباب الخامس والخمسون في الرجل يكون في يده العبد او الغرس او الناقة فيدعي رجل ذلك ويقيم بينة انه له ويقيم الذي في يديه [بينة] انه له","level":1,"page":916},{"title":"الباب السادس والخمسون في المدعي يدعي شيئا وان أباه مات وتركه ميراثا له","level":1,"page":924},{"title":"الباب السابع والخمسون في القاضي لمن يجوز قضاءه ولمن لا يجوز","level":1,"page":939},{"title":"الباب الثامن والخمسون في ما يكون فيه خصما وما لا يكون فيها خصما","level":1,"page":947},{"title":"الباب التاسع والخمسون في كتاب القاضي الى القاضي","level":1,"page":955},{"title":"الباب الستون في ما لا ينبغي أن يكتب فيه","level":1,"page":985},{"title":"الباب الحادي والستون في القاضي يرد عليه كتاب من قاض ما ينبغي أن يعمل به","level":1,"page":989},{"title":"الباب الثاني والستون في الرجل يريد أن يكتب وصية والشهادة عليها","level":1,"page":1014},{"title":"الباب الثالث والستون في ما يجوز من فعل الوصي","level":1,"page":1033},{"title":"الباب الرابع والستون في الرجل يوصي إلى رجلين","level":1,"page":1048},{"title":"الباب الخامس والستون في الرجل يوصي إلى من لا تجوز إليه الوصية","level":1,"page":1055},{"title":"الباب السادس والستون في ما [لا] يجوز من فعل الوصي في مال اليتيم","level":1,"page":1063},{"title":"الباب السابع والستون في ما يكون قبولا للوصية وما يكون ردا لها","level":1,"page":1071},{"title":"الباب الثامن والستون في إثبات الوكالة","level":1,"page":1075},{"title":"الباب التاسع والستون في الشهادة على الوكالة","level":1,"page":1103},{"title":"الباب السبعون في ما لا تجوز فيه الوكالة","level":1,"page":1110},{"title":"الباب الحادي والسبعون في الرجل يريد سفرا وهو مطلوب فيوكل","level":1,"page":1113},{"title":"الباب الثاني والسبعون في إثبات النسب","level":1,"page":1124},{"title":"الباب الثالث والسبعون في إثبات الدين والحقوق على الميت","level":1,"page":1136},{"title":"الباب الرابع والسبعون في الرد بالعيب","level":1,"page":1151},{"title":"الباب الخامس والسبعون (في الشفعة)","level":1,"page":1170},{"title":"[الشفعة للجار الملاصق]","level":2,"page":1170},{"title":"[طلب الشفعة]","level":2,"page":1184},{"title":"[المسلم والكافر سواء في الشفعة]","level":2,"page":1187},{"title":"[الشفعة على عدد الرؤؤس]","level":2,"page":1187},{"title":"[الحر والعبد والمكاتب سواء في الشفعة","level":2,"page":1188},{"title":"[الشفعة في ما لا ينقل]","level":2,"page":1188},{"title":"[الشفعة بالقضاء أو بالرضى]","level":2,"page":1189},{"title":"[خيار الثمن في الشفعة]","level":2,"page":1204},{"title":"[الخصم في دعوى الشفعة]","level":2,"page":1206},{"title":"[مكان طلب الشفعة]","level":2,"page":1208},{"title":"[تسليم الشفعة]","level":2,"page":1210},{"title":"[ألفاظ تسليم الشفعة]","level":2,"page":1212},{"title":"[الصلح على المال في الشفعة]","level":2,"page":1212},{"title":"[الشفعة بين البائع والمشتري] [وضمان الدرك في الشفعة]","level":2,"page":1214},{"title":"[خيار الرؤية وخيار العيب في الشفعة]","level":2,"page":1220},{"title":"[الاستحقاق في الشفعة]","level":2,"page":1221},{"title":"[الوكالة في الشفعة]","level":2,"page":1221},{"title":"الباب السادس والسبعون (في الخصمين يحكمان بينهما حكما)","level":1,"page":1223},{"title":"[جواز التحكيم]","level":2,"page":1223},{"title":"[الخروج من التحكيم والفرق بينه وبين القضاء]","level":2,"page":1225},{"title":"[تحكيم من لا تجوز شهادته]","level":2,"page":1227},{"title":"[تحكيم حكمين وامتناع أحدهما عن الحكم]","level":2,"page":1228},{"title":"[الإشهاد على حكم المحكم]","level":2,"page":1228},{"title":"[التحكيم في الحدود والقصاص]","level":2,"page":1229},{"title":"[التحكيم في الدم الخطأ]","level":2,"page":1230},{"title":"[إنشاء الحكم في التحكيم]","level":2,"page":1231},{"title":"[تحكيم الرجلين لأبي أحدهما أو ابنة أو امرأته]","level":2,"page":1232},{"title":"[تحكيم الفاسق وقضاؤه]","level":2,"page":1232},{"title":"[التحكيم في دعوى الكفالة]","level":2,"page":1233},{"title":"[تحكيم حكمين واختلافهما في الحكم]","level":2,"page":1234},{"title":"[شهادة الحكمين على الشهادة]","level":2,"page":1235},{"title":"الباب السابع والسبعون (في الإقرار بالمال عند القاضي)","level":1,"page":1236},{"title":"[الإقرار بالمال عند القاضي]","level":2,"page":1236},{"title":"[تدوين الحجج وأول من دونها]","level":2,"page":1238},{"title":"[اختلاف الشهود]","level":2,"page":1239},{"title":"[الإقرار أمام القاضي في مجلسين]","level":2,"page":1240},{"title":"[تعارض البينتين]","level":2,"page":1251},{"title":"[عودة إلى الإقرار في مجلسين]","level":2,"page":1256},{"title":"الباب الثامن والسبعون (في الحكومة، على أهل الكفر)","level":1,"page":1258},{"title":"[في حد الزني]","level":2,"page":1258},{"title":"[حد شرب الخمر]","level":2,"page":1261},{"title":"[يحكم بين المشركين بأحكام المسلمين]","level":2,"page":1261},{"title":"[اختصام أهل الذمة إلى قضاة المسلمين]","level":2,"page":1263},{"title":"[١ - في المواريث]","level":3,"page":1263},{"title":"[٢ - في البيع والشراء]","level":3,"page":1263},{"title":"[٣ - في النكاح]","level":3,"page":1264},{"title":"[٤ - في الربي]","level":3,"page":1265},{"title":"[٥ - في الطلاق]","level":3,"page":1265},{"title":"[٦ - في الزني]","level":3,"page":1266},{"title":"[٧ - في السرقة والسكر والقذف]","level":3,"page":1266},{"title":"[٨ - في اللعان]","level":3,"page":1267},{"title":"الباب التاسع والسبعون (في القسمة)","level":1,"page":1269},{"title":"[جواز أخذ الأجر في القسمة]","level":2,"page":1269},{"title":"[صفة القاسم]","level":2,"page":1271},{"title":"[أجرة القاسم من بيت المال]","level":2,"page":1271},{"title":"[جواز أخذه الأجرة من المتخاصمين]","level":2,"page":1272},{"title":"[لا يجبر القاضي الناس على قاسم معين]","level":2,"page":1272},{"title":"[اصطلاح الشركاء في القسمة دون الرجوع إلى القاضي]","level":2,"page":1272},{"title":"[أجر القسمة على الرؤوس أو على الانصباء]","level":2,"page":1273},{"title":"[لا يترك القاضي في قسامه يشتركون]","level":2,"page":1274},{"title":"[أثبات ملكية الشيء قبل القسمة]","level":2,"page":1275},{"title":"[حدوث الضرر في القسمة]","level":2,"page":1277},{"title":"[قسمة الرقيق]","level":2,"page":1280},{"title":"[قسمة اللؤلؤ والجواهر]","level":2,"page":1280},{"title":"[الخصم في القسمة صغير أو غائب]","level":2,"page":1283},{"title":"[قسمة الدور]","level":2,"page":1284},{"title":"[تحديد الأرضين والدار والعقارات في القسمة على وجه بقطع المنازعة]","level":2,"page":1287},{"title":"[تدوين كتاب القسمة]","level":2,"page":1288},{"title":"[المهاياه في القسمة]","level":2,"page":1288},{"title":"(الباب الثمانون) في دعوي بعض الورثة الغلط في القسمة","level":1,"page":1290},{"title":"الباب الحادي والثمانون (في نكاح الصغيرة)","level":1,"page":1293},{"title":"[جواز نكاح الصغيرة إذا كانت تطبق ذلك]","level":2,"page":1293},{"title":"[الصغيران إذا زوجا فهما بالخيار]","level":2,"page":1297},{"title":"[الصداق في تزويج الصغيرين]","level":2,"page":1298},{"title":"[تزويج الأب لأبنه أو ابنته]","level":2,"page":1299},{"title":"[ضمان المهر في تزويج الصغار]","level":2,"page":1299},{"title":"[تزويج غير الأب والجد للصغير أو الصغيرة والخيار في ذلك]","level":2,"page":1303},{"title":"الباب الثاني والثمانون (في نكاح الكبيرة)","level":1,"page":1307},{"title":"الباب الثالث والثمانون (في المطالبة بالمهر)","level":1,"page":1308},{"title":"[مطالبة الأب بمهر ابنته البكر]","level":2,"page":1308},{"title":"[مطالبة غير الأب مشروطة بوكالة منها]","level":2,"page":1310},{"title":"[هل يشترط في الاستيفاء إحضار المرأة؟]","level":2,"page":1311},{"title":"[مطالبة الزوج بالمراة والتكفيل في ذلك]","level":2,"page":1313},{"title":"[توكيل الزوج في أخذ المرأة]","level":2,"page":1316},{"title":"[ليس للأب قبض المهر بعد الدخول إلا بوكالة منها]","level":2,"page":1319},{"title":"[الخلاف في الدخول]","level":2,"page":1319},{"title":"[حبس الزوج بالمهر]","level":2,"page":1323},{"title":"[نفقة المرأة مدة الحبس]","level":2,"page":1324},{"title":"[دعوي كونها تصلح للجماع أو لا تصلح]","level":2,"page":1326},{"title":"[المهر والنفقة إذا كان الزوج صغيرا]","level":2,"page":1329},{"title":"[ولاية الأب على الصغيرة]","level":2,"page":1330},{"title":"[دعوي الأب موت أبنته ومطالبته بميراثه من مهرها]","level":2,"page":1331},{"title":"[دعوي الزوج موتها ومطالبته بميراثه من مهرها]","level":2,"page":1332},{"title":"الباب الرابع والثمانون (في العنين والمجبوب)","level":1,"page":1334},{"title":"[يؤجل العنين سنة]","level":2,"page":1334},{"title":"[تحتسب السنة من يوم يرتفعان إلى القاضي]","level":2,"page":1338},{"title":"[دعوي الوصول إليها]","level":2,"page":1338},{"title":"[ما لا يحتسب في سنة العنين من الأيام وما يحتسب] [أيام مرضه]","level":2,"page":1342},{"title":"[أيام هربها]","level":2,"page":1342},{"title":"[أيام الحبس]","level":2,"page":1343},{"title":"[أيام الحيض]","level":2,"page":1344},{"title":"[إشهاد القاضي على تأجيل العنين]","level":2,"page":1345},{"title":"[التحكيم في التأجيل خارج القضاء]","level":2,"page":1346},{"title":"[طلب الزوج التأجيل إلى مدة أخرى]","level":2,"page":1347},{"title":"[زواج العنين بها مرة أخرى بعد الفرقة]","level":2,"page":1348},{"title":"[ما يكون في حكم العنة]","level":2,"page":1349},{"title":"[دعوي الأمة عنه زوجها]","level":2,"page":1350},{"title":"[حكم العنين إذا وصل إلى امرأة أخرى]","level":2,"page":1351},{"title":"(الباب الخامس والثمانون) في من قال: إذا تم أجل العنين خيرت [المرأة]","level":1,"page":1353},{"title":"(الباب السادس والثمانون) في من قال لامرأة العنين الصداق ومن قال لها نصف الصداق","level":1,"page":1355},{"title":"(الباب السابع والثمانون) في من قال: إذا وصل الرجل إلى امرأته مرة فلا خيار لها","level":1,"page":1357},{"title":"الباب الثامن والثمانون (في المجبوب)","level":1,"page":1359},{"title":"[خيار المرأة في المجبوب]","level":2,"page":1359},{"title":"[رضي المرأة بالمجبوب]","level":2,"page":1361},{"title":"[هل للارتقاء خيار؟]","level":2,"page":1361},{"title":"[دعوي المجبوب الوصول إلى المرأة]","level":2,"page":1362},{"title":"[دعوي المجيوب أنها ارتقاء]","level":2,"page":1364},{"title":"الباب التاسع والثمانون (في الرجل يغيب عن امرأته فتطلب النفقة)","level":1,"page":1365},{"title":"[وجوب نفقة الزوجات والأولاد]","level":2,"page":1365},{"title":"[فرض القاضي النفقة على الزوج]","level":2,"page":1371},{"title":"[استدانة المرأة على زوجها]","level":2,"page":1374},{"title":"[الكفالة في النفقات]","level":2,"page":1375},{"title":"[استعداء المرأة المطالبة بالنفقة على صاحب الوديعة وزوجها غائب]","level":2,"page":1378},{"title":"الباب التسعون في نفقة المرأة","level":1,"page":1381},{"title":"[جواز فرص القاضي نفقة المرأة على زوجها]","level":2,"page":1381},{"title":"[نفقة امرأة الصبي]","level":2,"page":1384},{"title":"[نفقة المرأة الصغيرة]","level":2,"page":1384},{"title":"[النفقة مدة الحبس]","level":2,"page":1385},{"title":"[نفقة المطلقة إذا تحولت]","level":2,"page":1388},{"title":"[نفقة الناشزة]","level":2,"page":1389},{"title":"[حدود نفقة المرأة]","level":2,"page":1391},{"title":"[نفقة زوجة العبد]","level":2,"page":1393},{"title":"[نفقة المرأة المملوكة]","level":2,"page":1393},{"title":"[نفقة خادم المرأة]","level":2,"page":1393},{"title":"[أمر القاضي الزوج بالإنفاق على زوجته]","level":2,"page":1394},{"title":"[نفقة المرأة معتبرة بحالها في اليسار والإعسار]","level":2,"page":1396},{"title":"[عدد خدم المرأة الذين تجب نفقتهم على الزوج]","level":2,"page":1398},{"title":"[لا يفرض لأحد موسر نفقة إلا للمرأة على زوجها]","level":2,"page":1399},{"title":"[حبس الزوج بالنفقة]","level":2,"page":1399},{"title":"[استدانة المرأة على الرجل بنفقتها بعد فرض القاضي لها ذلك]","level":2,"page":1400},{"title":"[تبطل نفقة المرأة بموت الزوج]","level":2,"page":1401},{"title":"[لا تجبر المرأة على الخبز والطبخ]","level":2,"page":1402},{"title":"[تفسير الناشزة]","level":2,"page":1403},{"title":"[من هي على حكم الناشزة]","level":2,"page":1404},{"title":"[نفقة المرأة إذا حجت]","level":2,"page":1406},{"title":"[حق السكنى للزوجة]","level":2,"page":1408},{"title":"[منع الزوج أقاربها من الدخول عليها]","level":2,"page":1410},{"title":"[نفقة المريضة]","level":2,"page":1413},{"title":"[نفقة الرتقاء]","level":2,"page":1415},{"title":"[التفريق بين الزوجين بسبب الإعسار]","level":2,"page":1415},{"title":"[المصالحة عن النفقة على شيء معلوم]","level":2,"page":1417},{"title":"[هل ترجع المرأة بنفقتها على مال الزوج بعد وفاته؟]","level":2,"page":1417},{"title":"[المصالحة على مال لا يكفي]","level":2,"page":1418},{"title":"[امتناع الزوجة أن تتحول مع زوجها]","level":2,"page":1419},{"title":"[هل يبيع القاضي عروض الزوج وعقاراته بسبب النفقة]","level":2,"page":1420},{"title":"[مدة الحبس في النفقة]","level":2,"page":1421},{"title":"[الحرائر والإماء والذميات سواء في النفقة]","level":2,"page":1422},{"title":"[الاختلاف في مسألة اليسار والعسرة]","level":2,"page":1422},{"title":"[الكفالة في النفقة]","level":2,"page":1423},{"title":"[كسوة المرأة في اليسار والإعسار]","level":2,"page":1424},{"title":"[دعوى هلاك الكسوة]","level":2,"page":1426},{"title":"[بقاء الكسوة قائمة بعد مضي الوقت]","level":2,"page":1427},{"title":"[موت المرأة ومال النفقة قائم أو مستهلك]","level":2,"page":1428},{"title":"[لا يقضي بالنفقة على الغائب إلا للزوجة والوالدين والولد]","level":2,"page":1429},{"title":"[إعطاء الزكاة لمستحق النفقة]","level":2,"page":1430},{"title":"[بيع الأب مال والده الكبير للنفقة]","level":2,"page":1431},{"title":"[إنفاق الوالدين من مال ولدهما وهو في أيديهما]","level":2,"page":1432},{"title":"[إنفاق الوالدين من مال ولدهما وهو في يد أجنبي]","level":2,"page":1432},{"title":"[الحر والعبد والذمي في دعوى النفقة سواء]","level":2,"page":1433},{"title":"[الأمة مثل الحرة]","level":2,"page":1433},{"title":"[نفقة زوجة العبد حرة أو أمة واجتماع النفقات عليه]","level":2,"page":1434},{"title":"[نفقة من لا تطيق الجماع إذا زوجها أولياؤها]","level":2,"page":1436},{"title":"الباب الحادي والتسعون في نفقة المطلقة","level":1,"page":1438},{"title":"[المطلقة تستحق النفقة في العدة]","level":2,"page":1438},{"title":"[المطلقة إذا خرجت في العدة لا تستحق النفقة ولا السكنى]","level":2,"page":1439},{"title":"[نفقة السكنى إذا كان الزوج معسرا]","level":2,"page":1439},{"title":"[هل للمطلقة أن تستعدي على مال زوجها الغائب]","level":2,"page":1440},{"title":"[المبتوتة لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة]","level":2,"page":1441},{"title":"[مدة النفقة]","level":2,"page":1442},{"title":"[نفقة المختلعة والمبارئة وسكناهما]","level":2,"page":1444},{"title":"[الإبراء من النفقة والسكنى في الخلع]","level":2,"page":1445},{"title":"[نفقة الملاعنة]","level":2,"page":1446},{"title":"[نفقة الأمة إذا أعتقت فاختارت الفرقة]","level":2,"page":1446},{"title":"[نفقة المرتدة]","level":2,"page":1448},{"title":"[هل تحرم المطلقة من النفقة إذا ارتكبت شيئا هو معصية]","level":2,"page":1449},{"title":"الباب الثاني التسعون في نفقة الصبيان","level":1,"page":1451},{"title":"[نفي المضارة عن الوالدة والوالد]","level":2,"page":1451},{"title":"[أجر رضاع الصبي في ماله]","level":2,"page":1453},{"title":"[هل تجبر المرأة على إرضاع ولدها]","level":2,"page":1455},{"title":"[نفقة الأولاد الصغار على الاب]","level":2,"page":1458},{"title":"[للأم أن تطلب مرضعة لابنها عندها]","level":2,"page":1459},{"title":"[هل للأم أن تأخذ ما تأخذه الظئر من أجور؟]","level":2,"page":1459},{"title":"[هل لها أن تأخذ الأجر في عدة الطلاق البائن؟]","level":2,"page":1460},{"title":"[أجر الرضاع بعد انتهاء العدة]","level":2,"page":1461},{"title":"[فرض النفقة للصبيان على قدر طاقة الأب]","level":2,"page":1462},{"title":"[نفقة الصبيان في أموالهم إذا كانت لهم أموال]","level":2,"page":1463},{"title":"[فرض نفقة الصبيان على الولد المعسر واستدانة الأم]","level":2,"page":1463},{"title":"[حكم نفقة الصبيان إذا كانوا يأكلون من مسألة الناس]","level":2,"page":1465},{"title":"[لا يجبر أحد على الإنفاق على الأولاد سوى الأب]","level":2,"page":1465},{"title":"[هل للأب أن يؤاجر أولاده في عمل أو حرفة؟]","level":2,"page":1466},{"title":"[قد يضع القاضي أموال الصغار في يد أمين غير الأب]","level":2,"page":1467},{"title":"[هل للأم المطلقة أن تأخذ من مال ولدها؟]","level":2,"page":1467},{"title":"[نفقة الإناث والزمني من الأولاد الكبار]","level":2,"page":1468},{"title":"الباب الثالث والتسعون ﴿في النفقة على الأبوين وعلى ذي الرحم [المحرم]﴾","level":1,"page":1470},{"title":"[النفقة على كل وارث بقدر ما يرث]","level":2,"page":1470},{"title":"[نفقة الصبي على ورثته الموسرين]","level":2,"page":1475},{"title":"[عودة إلى إعطاء الزكاة لمستحق النفقة]","level":2,"page":1479},{"title":"[هل يجبر الوارث على نفقة من يرثه إذا كان له قوة العمل؟]","level":2,"page":1479},{"title":"[النفقة على الجد والأب حي فقير ومن على هذه الصورة]","level":2,"page":1480},{"title":"[لا تشترط الزمانة في الإجبار على نفقة الأب إذا كان لا يكتسب]","level":2,"page":1483},{"title":"[الجد كالأب في الإجبار على الإنفاق عليه]","level":2,"page":1484},{"title":"[لا يجد المسلم على الإنفاق على أحد من أهل الذمة إلا على الوالد والولد والجد ومن في حكمهم]","level":2,"page":1484},{"title":"[لا يجبر المسلم على الإنفاق على أحد من أهل الذمة إلا على الوالد]","level":2,"page":1484},{"title":"[مقدار النفقة على الأبناء]","level":2,"page":1485},{"title":"[الإجبار على الإنفاق على الأب المحتاج والأخوة الصغار]","level":2,"page":1487},{"title":"[الإنفاق على امرأة الأب وأم ولده]","level":2,"page":1487},{"title":"[نفقة الزوجة على الزوج وإن كان لها ابن موسر من غيره]","level":2,"page":1488},{"title":"[النفقة على أولاد الأبناء والبنات مع وجود الأخ]","level":2,"page":1489},{"title":"[النفقة على البنت دون ابن الابن]","level":2,"page":1490},{"title":"[عود إلى عدم اشتراط الزمانة في الإجبار على نفقة الأب والجد]","level":2,"page":1491},{"title":"[الإجبار على الإنفاق على الأخ وأبنائه الصغار وبناته الكبار]","level":2,"page":1491},{"title":"[النفقة على ولد العمات والأعمام والأخوال والخالات]","level":2,"page":1491},{"title":"[الحكم إذا فرض القاضي للأب نفقة وكسوة ثم ضاعت]","level":2,"page":1492},{"title":"[الحكم إذا فرض القاضي للأب نفقة وكسوة ثم ضاعت]","level":2,"page":1492},{"title":"[الحكم إذا بقيت النفقة والكسوة قائمة بعد مضي الوقت المقرر]","level":2,"page":1493},{"title":"الباب الرابع والتسعون ﴿في الرجل يطلب النفقة من أبيه أو من ذي رحم محرم فيقول المطلوب: أنا فقير أيضا﴾","level":1,"page":1494},{"title":"[لا يجبر على النفقة إلا القادر عليها]","level":2,"page":1494},{"title":"[هل يجبر الابن على نفقة أبيه إذا كان الابن غير قادر؟]","level":2,"page":1495},{"title":"[هل يجبر الأخ على نفقة أخته إذا كان لها السكنى والخادم والمتاع ولا فضل في ذلك؟]","level":2,"page":1500},{"title":"[لا يجبر الرجل على نفقة أحد وهو موسر]","level":2,"page":1501},{"title":"الباب الخامس والتسعون ﴿في العبد يتزوج وما يلزمه من نفقة﴾","level":1,"page":1502},{"title":"الباب السادس والتسعون ﴿في امرأة المفقود وولديه وأبويه يطلبون النفقة من مال المفقود﴾","level":1,"page":1505},{"title":"الباب السابع والتسعون ﴿في نفقة المرأة يشهد الشهود على طلاق زوجها أياها، أو الأمة يدعيها الرجل وهي في يدي آخر وتدعى هي الحرية﴾","level":1,"page":1510},{"title":"[نفقة المرأة التي يشهد الشاهدان على طلاقها]","level":2,"page":1510},{"title":"[نفقة الأمة التي يشهد الشاهدان على حريتها]","level":2,"page":1513},{"title":"[نفقة المرأة التي يشهد الشاهدان أنها أخته من الرضاع]","level":2,"page":1514},{"title":"[نفقة الأمة التي وضعها القاضي على يدي عدل]","level":2,"page":1515},{"title":"[نفقة العبد يدعيه رجل وهو في يدي آخر]","level":2,"page":1517},{"title":"[نفقة المرأة من أهل الذمة تحت رجل ذي رحم محرم منها]","level":2,"page":1518},{"title":"الباب الثامن والتسعون ﴿في الولد من أولى به وعند من يكون﴾","level":1,"page":1520},{"title":"[حضانة الصبي ونفقته]","level":2,"page":1520},{"title":"[هل للجدة حضانة الصبي مع وجود أمه]","level":2,"page":1525},{"title":"[هل للجدة حضانة الصبي مع وجود أمه]","level":2,"page":1525},{"title":"الباب التاسع والتسعون ﴿في المرأة يطلقها زوجها ولها منه ولد وتريد أن تخرج الولد من ذلك المصر﴾","level":1,"page":1529},{"title":"الباب المائة ﴿في الغلام والجارية إذا بلغا وتخييرهما﴾","level":1,"page":1534},{"title":"﴿أبواب الشهادات ما يجوز منها وما لا يجوز وما جاء في ذلك من الآثار﴾","level":1,"page":1542},{"title":"الباب الحادي والمائة ﴿في الرجل يشهد على نسب لم يدركه أو نسب لم يعرفه معرفة متقدمة﴾","level":2,"page":1543},{"title":"الباب الثاني والمائة ﴿في الشهادة على الموت﴾","level":2,"page":1552},{"title":"الباب الثالث والمائة ﴿في الشهادة على النكاح﴾","level":2,"page":1556},{"title":"الباب الرابع والمائة ﴿في الشهادة على العتق والطلاق والولاء﴾","level":2,"page":1560},{"title":"الباب الخامس والمائة ﴿في الشهادة على ملك لم يدركه ولم يعاين صاحبه﴾","level":2,"page":1563},{"title":"الباب السادس والمائة ﴿في الرجل يرى اسمه وخاتمه وخطه في الكتاب ولا يذكر الشهادة﴾","level":2,"page":1569},{"title":"الباب السابع والمائة ﴿في شهادة الأخ لأخيه﴾","level":2,"page":1573},{"title":"[شهادة الأخ لأخيه]","level":3,"page":1573},{"title":"[شهادة الوالد لولده والوالد لوالده]","level":3,"page":1574},{"title":"[شهادة الزوج لزوجته والزوجة لزوجها]","level":3,"page":1575},{"title":"[شهادة الخصم والظنين]","level":3,"page":1576},{"title":"[شهادة دافع المغرم والشريك والأجير والعبد]","level":3,"page":1577},{"title":"[شهادة النخاسين]","level":3,"page":1578},{"title":"[شهادة العشار]","level":3,"page":1579},{"title":"[شهادة تارك الجمعة]","level":3,"page":1579},{"title":"[شهادة من لم يؤد زكاته]","level":3,"page":1581},{"title":"[شهادة الإعرابي على القروي]","level":3,"page":1581},{"title":"[شهادة ذوي الصناعات]","level":3,"page":1582},{"title":"[شهادة بائع الأكفان]","level":3,"page":1583},{"title":"الباب الثامن والمائة ﴿في شهادة الخصي﴾","level":2,"page":1584},{"title":"[شهادة الخصي]","level":3,"page":1584},{"title":"[شهادة الأقلف]","level":3,"page":1586},{"title":"[شهادة ولد الزنى]","level":3,"page":1589},{"title":"الباب التاسع والمائة ﴿في شهادة السمع﴾","level":2,"page":1590},{"title":"الباب العاشر والمائة ﴿في الرجلين يدخلا بين القوم، فيقولان: لا تشهدوا علينا بما سمعتم من إقرارنا لأحد الفريقين﴾","level":2,"page":1594},{"title":"[في الرجلين يدخلان بين القوم فيقولان: لا تشهدوا علينا بما سمعتم من إقرارنا لأحد الفريقين]","level":3,"page":1594},{"title":"[شهادة المختفي]","level":3,"page":1597},{"title":"[شهادة الوصي]","level":3,"page":1599},{"title":"[شهادة العبد]","level":3,"page":1601},{"title":"الباب الحادي عشر والمائة في شهادة الأعمى","level":2,"page":1603},{"title":"[شهادة الأعمى]","level":3,"page":1603},{"title":"[شهادة المجنون]","level":3,"page":1605},{"title":"[شهادة المقطوع في السرقة]","level":3,"page":1606},{"title":"[شهادة المحدود في القذف]","level":3,"page":1607},{"title":"الباب الثاني عشر والمائة ﴿[في شهادة] النصراني والعبد إذا حدا ثم اسلم النصراني واعتق العبد﴾","level":2,"page":1608},{"title":"الباب الثالث عشر والمائة ﴿في شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض﴾","level":2,"page":1610},{"title":"[١ - شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض]","level":3,"page":1610},{"title":"[٢ - العبد والذمي تكون عندهما الشهادة فيعتق العبد ويسلم الذمي ثم يشهدان]","level":3,"page":1616},{"title":"[٣ - شهادة أهل الكتاب على وصية المسلم]","level":3,"page":1617},{"title":"[٤ - القضاء بالشاهد واليمين]","level":3,"page":1619},{"title":"[٥ - الشهادة على الشهادة]","level":3,"page":1619},{"title":"الباب الرابع عشر والمائة ﴿في الشهادة على الحدود وما على الحاكم أن يعمل به في ذلك﴾","level":2,"page":1630},{"title":"[حد الزنى وحكمة مشروعيته]","level":3,"page":1630},{"title":"[إقامة الحد على ملأ من الناس]","level":3,"page":1632},{"title":"[التقادم في الحدود]","level":3,"page":1633},{"title":"[الرجم والمبالغة في التثبيت فيه]","level":3,"page":1634},{"title":"[تعمد النظر لإقامة شهادة الحمية لا يسقط العدالة]","level":3,"page":1636},{"title":"[اجتماع الشهود في حد الزنى]","level":3,"page":1636},{"title":"[اختلاف الشهادات في الزنى ودرء الحد بالسببية]","level":3,"page":1639},{"title":"[السؤال عن الإحصان قبل إقامة الحد]","level":3,"page":1644},{"title":"[كيفية الرجم]","level":3,"page":1645},{"title":"[يبدأ الشهود بالرجم قبل أن يرجم الإمام والناس]","level":3,"page":1646},{"title":"[يصنع بالمرجوم ما يصنع بالموت]","level":3,"page":1647},{"title":"[بم يصير المرء محصنا]","level":3,"page":1648},{"title":"[الجلد لغير المحصن]","level":3,"page":1649},{"title":"[كيفية الجلد]","level":3,"page":1649},{"title":"[الإقرار في الزنى هل يبطله التقادم؟]","level":3,"page":1650},{"title":"[زنى العبد والأمة والذمي]","level":3,"page":1652},{"title":"[هل يجرد من ثبت عليه الحد من ملابسه لإقامة الحد؟]","level":3,"page":1652},{"title":"[نوع الضرب في حد القذف]","level":3,"page":1653},{"title":"[لا تقام الحدود في المساجد]","level":3,"page":1653},{"title":"[هل يمد المضروب بين العقابين؟]","level":3,"page":1655},{"title":"[أشد الضرب في الحدود]","level":3,"page":1655},{"title":"[حد المريض]","level":3,"page":1656},{"title":"[التقادم في حد القذف]","level":3,"page":1656},{"title":"[حبس القاذف إلى أن يعدل الشهود]","level":3,"page":1658},{"title":"[شهادة النساء في الحدود]","level":3,"page":1661},{"title":"[التعزير]","level":3,"page":1662},{"title":"[الإقرار في الحدود]","level":3,"page":1663},{"title":"[حد الشرب]","level":3,"page":1664},{"title":"[لا تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود]","level":3,"page":1665},{"title":"[لا يقام الحد على الحامل حتى تضع طفلها]","level":3,"page":1665},{"title":"الباب الخامس عشر والمائة [في الرجوع عن الشهادات]","level":2,"page":1669},{"title":"الباب السادس عشر والمائة [في الشهادة على الحقوق]","level":2,"page":1678},{"title":"الباب السابع عشر والمائة [في الرجوع عن الشهادة على الشهادة]","level":2,"page":1690},{"title":"الباب الثامن عشر والمائة (في البراءة والشهادة عليها)","level":2,"page":1695},{"title":"باب (من دعوى الرجلين)","level":3,"page":1699},{"title":"الباب التاسع عشر والمائة (في شهادة الغرماء بعضهم لبعض والموصى لهم)","level":2,"page":1704},{"title":"الباب العشرون والمائة (في شاهدي الزور وما يصنع بهما)","level":2,"page":1714},{"title":"باب (المرأة تخاصم زوجها في ولدها)","level":2,"page":1718}],"ٛ":{"1,113":1,"1,114":2,"1,115":3,"1,116":4,"1,117":5,"1,118":6,"1,119":7,"1,120":8,"1,121":9,"1,122":10,"1,123":11,"1,124":12,"1,125":13,"1,126":14,"1,127":15,"1,128":16,"1,129":17,"1,130":18,"1,131":19,"1,132":20,"1,133":21,"1,134":22,"1,135":23,"1,136":24,"1,137":25,"1,138":26,"1,139":27,"1,140":28,"1,141":29,"1,142":30,"1,143":31,"1,144":32,"1,145":33,"1,146":34,"1,147":35,"1,148":36,"1,149":37,"1,150":38,"1,151":39,"1,152":40,"1,153":41,"1,154":42,"1,155":43,"1,156":44,"1,157":45,"1,158":46,"1,159":47,"1,160":48,"1,161":49,"1,162":50,"1,163":51,"1,164":52,"1,165":53,"1,166":54,"1,167":55,"1,168":56,"1,169":57,"1,170":58,"1,171":59,"1,172":60,"1,173":61,"1,174":62,"1,175":63,"1,176":64,"1,177":65,"1,178":66,"1,179":67,"1,180":68,"1,181":69,"1,182":70,"1,183":71,"1,184":72,"1,185":73,"1,186":74,"1,187":75,"1,188":76,"1,189":77,"1,190":78,"1,191":79,"1,192":80,"1,193":81,"1,194":82,"1,195":83,"1,196":84,"1,197":85,"1,198":86,"1,199":87,"1,200":88,"1,201":89,"1,202":90,"1,203":91,"1,204":92,"1,205":93,"1,206":94,"1,207":95,"1,208":96,"1,209":97,"1,210":98,"1,211":99,"1,212":100,"1,213":101,"1,215":102,"1,216":103,"1,217":104,"1,218":105,"1,219":106,"1,220":107,"1,221":108,"1,222":109,"1,223":110,"1,224":111,"1,225":112,"1,226":113,"1,227":114,"1,228":115,"1,229":116,"1,230":117,"1,231":118,"1,232":119,"1,233":120,"1,234":121,"1,235":122,"1,236":123,"1,237":124,"1,238":125,"1,239":126,"1,240":127,"1,241":128,"1,242":129,"1,243":130,"1,244":131,"1,245":132,"1,246":133,"1,247":134,"1,248":135,"1,249":136,"1,250":137,"1,251":138,"1,252":139,"1,253":140,"1,254":141,"1,255":142,"1,256":143,"1,257":144,"1,258":145,"1,259":146,"1,260":147,"1,261":148,"1,262":149,"1,263":150,"1,264":151,"1,265":152,"1,266":153,"1,267":154,"1,268":155,"1,269":156,"1,270":157,"1,271":158,"1,272":159,"1,273":160,"1,274":161,"1,275":162,"1,276":163,"1,277":164,"1,278":165,"1,279":166,"1,280":167,"1,281":168,"1,282":169,"1,283":170,"1,284":171,"1,285":172,"1,286":173,"1,287":174,"1,288":175,"1,289":176,"1,290":177,"1,291":178,"1,292":179,"1,293":180,"1,294":181,"1,295":182,"1,296":183,"1,297":184,"1,298":185,"1,299":186,"1,300":187,"1,301":188,"1,302":189,"1,303":190,"1,304":191,"1,305":192,"1,306":193,"1,307":194,"1,308":195,"1,309":196,"1,310":197,"1,311":198,"1,312":199,"1,313":200,"1,314":201,"1,315":202,"1,316":203,"1,317":204,"1,318":205,"1,319":206,"1,320":207,"1,321":208,"1,322":209,"1,323":210,"1,324":211,"1,325":212,"1,326":213,"1,327":214,"1,328":215,"1,330":216,"1,331":217,"1,332":218,"1,333":219,"1,334":220,"1,335":221,"1,336":222,"1,337":223,"1,338":224,"1,339":225,"1,340":226,"1,341":227,"1,342":228,"1,343":229,"1,344":230,"1,345":231,"1,346":232,"1,347":233,"1,348":234,"1,349":235,"1,350":236,"1,351":237,"1,352":238,"1,353":239,"1,354":240,"1,355":241,"1,356":242,"1,357":243,"1,358":244,"1,359":245,"1,360":246,"1,361":247,"1,362":248,"1,363":249,"1,364":250,"1,365":251,"1,366":252,"1,367":253,"1,368":254,"1,369":255,"1,370":256,"1,371":257,"1,372":258,"1,373":259,"1,374":260,"1,375":261,"1,376":262,"1,377":263,"1,378":264,"1,379":265,"1,380":266,"2,3":267,"2,4":268,"2,5":269,"2,6":270,"2,7":271,"2,8":272,"2,9":273,"2,10":274,"2,11":275,"2,12":276,"2,13":277,"2,14":278,"2,15":279,"2,16":280,"2,17":281,"2,18":282,"2,19":283,"2,20":284,"2,21":285,"2,22":286,"2,23":287,"2,24":288,"2,25":289,"2,26":290,"2,27":291,"2,28":292,"2,29":293,"2,30":294,"2,31":295,"2,32":296,"2,33":297,"2,34":298,"2,35":299,"2,36":300,"2,37":301,"2,38":302,"2,39":303,"2,40":304,"2,41":305,"2,42":306,"2,43":307,"2,44":308,"2,45":309,"2,46":310,"2,47":311,"2,48":312,"2,49":313,"2,50":314,"2,51":315,"2,52":316,"2,53":317,"2,54":318,"2,55":319,"2,56":320,"2,57":321,"2,58":322,"2,59":323,"2,60":324,"2,61":325,"2,62":326,"2,63":327,"2,64":328,"2,65":329,"2,66":330,"2,67":331,"2,68":332,"2,69":333,"2,70":334,"2,71":335,"2,72":336,"2,73":337,"2,74":338,"2,75":339,"2,76":340,"2,77":341,"2,78":342,"2,79":343,"2,80":344,"2,81":345,"2,82":346,"2,83":347,"2,84":348,"2,85":349,"2,86":350,"2,87":351,"2,88":352,"2,89":353,"2,90":354,"2,91":355,"2,92":356,"2,93":357,"2,94":358,"2,95":359,"2,96":360,"2,97":361,"2,98":362,"2,99":363,"2,100":364,"2,101":365,"2,102":366,"2,103":367,"2,104":368,"2,105":369,"2,106":370,"2,107":371,"2,108":372,"2,109":373,"2,110":374,"2,111":375,"2,112":376,"2,113":377,"2,114":378,"2,115":379,"2,116":380,"2,117":381,"2,118":382,"2,119":383,"2,120":384,"2,121":385,"2,122":386,"2,123":387,"2,124":388,"2,125":389,"2,126":390,"2,127":391,"2,128":392,"2,129":393,"2,130":394,"2,131":395,"2,132":396,"2,133":397,"2,134":398,"2,135":399,"2,136":400,"2,137":401,"2,138":402,"2,139":403,"2,140":404,"2,141":405,"2,142":406,"2,143":407,"2,144":408,"2,145":409,"2,146":410,"2,147":411,"2,148":412,"2,149":413,"2,150":414,"2,151":415,"2,152":416,"2,153":417,"2,154":418,"2,155":419,"2,156":420,"2,157":421,"2,158":422,"2,159":423,"2,160":424,"2,161":425,"2,162":426,"2,163":427,"2,164":428,"2,165":429,"2,166":430,"2,167":431,"2,168":432,"2,169":433,"2,170":434,"2,171":435,"2,172":436,"2,173":437,"2,174":438,"2,175":439,"2,176":440,"2,177":441,"2,178":442,"2,179":443,"2,180":444,"2,181":445,"2,182":446,"2,183":447,"2,184":448,"2,185":449,"2,186":450,"2,187":451,"2,188":452,"2,189":453,"2,190":454,"2,191":455,"2,192":456,"2,193":457,"2,194":458,"2,195":459,"2,196":460,"2,197":461,"2,198":462,"2,199":463,"2,200":464,"2,201":465,"2,202":466,"2,203":467,"2,204":468,"2,205":469,"2,206":470,"2,207":471,"2,208":472,"2,209":473,"2,210":474,"2,211":475,"2,212":476,"2,213":477,"2,214":478,"2,215":479,"2,216":480,"2,217":481,"2,218":482,"2,219":483,"2,220":484,"2,221":485,"2,222":486,"2,223":487,"2,224":488,"2,225":489,"2,226":490,"2,227":491,"2,228":492,"2,229":493,"2,230":494,"2,231":495,"2,232":496,"2,233":497,"2,234":498,"2,235":499,"2,236":500,"2,237":501,"2,238":502,"2,239":503,"2,240":504,"2,241":505,"2,242":506,"2,243":507,"2,244":508,"2,245":509,"2,246":510,"2,247":511,"2,248":512,"2,249":513,"2,250":514,"2,251":515,"2,252":516,"2,253":517,"2,254":518,"2,255":519,"2,256":520,"2,257":521,"2,258":522,"2,259":523,"2,260":524,"2,261":525,"2,263":526,"2,264":527,"2,265":528,"2,266":529,"2,267":530,"2,268":531,"2,269":532,"2,270":533,"2,271":534,"2,272":535,"2,273":536,"2,274":537,"2,275":538,"2,276":539,"2,277":540,"2,278":541,"2,279":542,"2,280":543,"2,281":544,"2,282":545,"2,283":546,"2,284":547,"2,285":548,"2,286":549,"2,287":550,"2,288":551,"2,289":552,"2,290":553,"2,291":554,"2,292":555,"2,293":556,"2,294":557,"2,295":558,"2,296":559,"2,297":560,"2,298":561,"2,299":562,"2,300":563,"2,301":564,"2,302":565,"2,303":566,"2,304":567,"2,305":568,"2,306":569,"2,307":570,"2,308":571,"2,309":572,"2,310":573,"2,311":574,"2,312":575,"2,313":576,"2,314":577,"2,315":578,"2,316":579,"2,317":580,"2,318":581,"2,319":582,"2,320":583,"2,321":584,"2,322":585,"2,323":586,"2,324":587,"2,325":588,"2,326":589,"2,327":590,"2,328":591,"2,329":592,"2,330":593,"2,331":594,"2,332":595,"2,333":596,"2,334":597,"2,335":598,"2,336":599,"2,337":600,"2,338":601,"2,339":602,"2,340":603,"2,341":604,"2,342":605,"2,343":606,"2,344":607,"2,345":608,"2,346":609,"2,347":610,"2,348":611,"2,349":612,"2,350":613,"2,351":614,"2,352":615,"2,353":616,"2,354":617,"2,355":618,"2,356":619,"2,357":620,"2,358":621,"2,359":622,"2,360":623,"2,361":624,"2,362":625,"2,363":626,"2,364":627,"2,365":628,"2,366":629,"2,367":630,"2,368":631,"2,369":632,"2,370":633,"2,371":634,"2,372":635,"2,373":636,"2,374":637,"2,375":638,"2,376":639,"2,377":640,"2,378":641,"2,379":642,"2,380":643,"2,381":644,"2,382":645,"2,383":646,"2,384":647,"2,385":648,"2,386":649,"2,387":650,"2,388":651,"2,389":652,"2,390":653,"2,391":654,"2,392":655,"2,393":656,"2,394":657,"2,395":658,"2,396":659,"2,397":660,"2,398":661,"2,399":662,"2,400":663,"2,401":664,"2,402":665,"2,403":666,"2,404":667,"2,405":668,"2,406":669,"2,407":670,"2,408":671,"2,409":672,"2,410":673,"2,411":674,"2,412":675,"2,413":676,"2,414":677,"2,415":678,"2,416":679,"3,3":680,"3,4":681,"3,5":682,"3,6":683,"3,7":684,"3,8":685,"3,9":686,"3,10":687,"3,11":688,"3,12":689,"3,13":690,"3,14":691,"3,15":692,"3,16":693,"3,17":694,"3,18":695,"3,19":696,"3,20":697,"3,21":698,"3,22":699,"3,23":700,"3,24":701,"3,25":702,"3,26":703,"3,27":704,"3,28":705,"3,29":706,"3,30":707,"3,31":708,"3,32":709,"3,33":710,"3,34":711,"3,35":712,"3,36":713,"3,37":714,"3,38":715,"3,39":716,"3,40":717,"3,41":718,"3,42":719,"3,43":720,"3,44":721,"3,45":722,"3,46":723,"3,47":724,"3,48":725,"3,49":726,"3,50":727,"3,51":728,"3,52":729,"3,53":730,"3,54":731,"3,55":732,"3,56":733,"3,57":734,"3,58":735,"3,59":736,"3,60":737,"3,61":738,"3,62":739,"3,63":740,"3,64":741,"3,65":742,"3,66":743,"3,67":744,"3,68":745,"3,69":746,"3,70":747,"3,71":748,"3,72":749,"3,73":750,"3,74":751,"3,75":752,"3,76":753,"3,77":754,"3,78":755,"3,79":756,"3,80":757,"3,81":758,"3,82":759,"3,83":760,"3,84":761,"3,85":762,"3,86":763,"3,87":764,"3,88":765,"3,89":766,"3,90":767,"3,91":768,"3,92":769,"3,93":770,"3,94":771,"3,95":772,"3,96":773,"3,97":774,"3,98":775,"3,99":776,"3,100":777,"3,101":778,"3,102":779,"3,103":780,"3,104":781,"3,105":782,"3,106":783,"3,107":784,"3,108":785,"3,109":786,"3,110":787,"3,111":788,"3,112":789,"3,113":790,"3,114":791,"3,115":792,"3,116":793,"3,117":794,"3,118":795,"3,119":796,"3,120":797,"3,121":798,"3,122":799,"3,123":800,"3,124":801,"3,125":802,"3,126":803,"3,127":804,"3,128":805,"3,129":806,"3,130":807,"3,131":808,"3,132":809,"3,133":810,"3,134":811,"3,135":812,"3,136":813,"3,137":814,"3,138":815,"3,139":816,"3,140":817,"3,141":818,"3,142":819,"3,143":820,"3,144":821,"3,145":822,"3,146":823,"3,147":824,"3,148":825,"3,149":826,"3,150":827,"3,151":828,"3,152":829,"3,153":830,"3,154":831,"3,155":832,"3,156":833,"3,157":834,"3,158":835,"3,159":836,"3,160":837,"3,161":838,"3,162":839,"3,163":840,"3,164":841,"3,165":842,"3,166":843,"3,167":844,"3,168":845,"3,169":846,"3,170":847,"3,171":848,"3,172":849,"3,173":850,"3,174":851,"3,175":852,"3,176":853,"3,177":854,"3,178":855,"3,179":856,"3,180":857,"3,181":858,"3,182":859,"3,183":860,"3,184":861,"3,185":862,"3,186":863,"3,187":864,"3,188":865,"3,189":866,"3,190":867,"3,191":868,"3,192":869,"3,193":870,"3,194":871,"3,195":872,"3,196":873,"3,197":874,"3,198":875,"3,199":876,"3,200":877,"3,201":878,"3,202":879,"3,203":880,"3,204":881,"3,205":882,"3,206":883,"3,207":884,"3,208":885,"3,209":886,"3,210":887,"3,211":888,"3,212":889,"3,213":890,"3,214":891,"3,215":892,"3,216":893,"3,217":894,"3,218":895,"3,219":896,"3,220":897,"3,221":898,"3,222":899,"3,223":900,"3,224":901,"3,225":902,"3,226":903,"3,227":904,"3,228":905,"3,229":906,"3,230":907,"3,231":908,"3,232":909,"3,233":910,"3,234":911,"3,235":912,"3,236":913,"3,237":914,"3,238":915,"3,239":916,"3,240":917,"3,241":918,"3,242":919,"3,243":920,"3,244":921,"3,245":922,"3,246":923,"3,247":924,"3,248":925,"3,249":926,"3,250":927,"3,251":928,"3,252":929,"3,253":930,"3,254":931,"3,255":932,"3,256":933,"3,257":934,"3,258":935,"3,259":936,"3,260":937,"3,261":938,"3,262":939,"3,263":940,"3,264":941,"3,265":942,"3,266":943,"3,267":944,"3,268":945,"3,269":946,"3,270":947,"3,271":948,"3,272":949,"3,273":950,"3,274":951,"3,275":952,"3,276":953,"3,277":954,"3,278":955,"3,279":956,"3,280":957,"3,281":958,"3,282":959,"3,283":960,"3,284":961,"3,285":962,"3,286":963,"3,287":964,"3,288":965,"3,289":966,"3,290":967,"3,291":968,"3,292":969,"3,293":970,"3,294":971,"3,295":972,"3,296":973,"3,297":974,"3,298":975,"3,299":976,"3,300":977,"3,301":978,"3,302":979,"3,303":980,"3,304":981,"3,305":982,"3,306":983,"3,307":984,"3,308":985,"3,309":986,"3,310":987,"3,311":988,"3,312":989,"3,313":990,"3,314":991,"3,315":992,"3,316":993,"3,317":994,"3,318":995,"3,319":996,"3,320":997,"3,321":998,"3,322":999,"3,323":1000,"3,324":1001,"3,325":1002,"3,326":1003,"3,327":1004,"3,328":1005,"3,329":1006,"3,330":1007,"3,331":1008,"3,332":1009,"3,333":1010,"3,334":1011,"3,335":1012,"3,336":1013,"3,337":1014,"3,338":1015,"3,339":1016,"3,340":1017,"3,341":1018,"3,342":1019,"3,343":1020,"3,344":1021,"3,345":1022,"3,346":1023,"3,347":1024,"3,348":1025,"3,349":1026,"3,350":1027,"3,351":1028,"3,352":1029,"3,353":1030,"3,354":1031,"3,355":1032,"3,356":1033,"3,357":1034,"3,358":1035,"3,359":1036,"3,360":1037,"3,361":1038,"3,362":1039,"3,363":1040,"3,364":1041,"3,365":1042,"3,366":1043,"3,367":1044,"3,368":1045,"3,369":1046,"3,370":1047,"3,371":1048,"3,372":1049,"3,373":1050,"3,374":1051,"3,375":1052,"3,376":1053,"3,377":1054,"3,378":1055,"3,379":1056,"3,380":1057,"3,381":1058,"3,382":1059,"3,383":1060,"3,384":1061,"3,385":1062,"3,386":1063,"3,387":1064,"3,388":1065,"3,389":1066,"3,390":1067,"3,391":1068,"3,392":1069,"3,393":1070,"3,394":1071,"3,395":1072,"3,396":1073,"3,397":1074,"3,398":1075,"3,399":1076,"3,400":1077,"3,401":1078,"3,402":1079,"3,403":1080,"3,404":1081,"3,405":1082,"3,406":1083,"3,407":1084,"3,408":1085,"3,409":1086,"3,410":1087,"3,411":1088,"3,412":1089,"3,413":1090,"3,414":1091,"3,415":1092,"3,416":1093,"3,417":1094,"3,418":1095,"3,419":1096,"3,420":1097,"3,421":1098,"3,422":1099,"3,423":1100,"3,424":1101,"3,425":1102,"3,426":1103,"3,427":1104,"3,428":1105,"3,429":1106,"3,430":1107,"3,431":1108,"3,432":1109,"3,433":1110,"3,434":1111,"3,435":1112,"3,436":1113,"3,437":1114,"3,438":1115,"3,439":1116,"3,440":1117,"3,441":1118,"3,442":1119,"3,443":1120,"3,444":1121,"3,445":1122,"3,446":1123,"3,447":1124,"3,448":1125,"3,449":1126,"3,451":1127,"3,452":1128,"3,453":1129,"3,454":1130,"3,455":1131,"3,456":1132,"3,457":1133,"3,458":1134,"3,459":1135,"3,460":1136,"3,461":1137,"3,462":1138,"3,463":1139,"3,464":1140,"3,465":1141,"3,466":1142,"3,467":1143,"3,468":1144,"3,469":1145,"3,470":1146,"3,471":1147,"3,472":1148,"3,473":1149,"3,474":1150,"3,475":1151,"3,476":1152,"3,477":1153,"3,478":1154,"3,479":1155,"3,480":1156,"3,481":1157,"3,482":1158,"3,483":1159,"3,484":1160,"3,485":1161,"3,486":1162,"3,487":1163,"3,488":1164,"3,489":1165,"3,490":1166,"3,491":1167,"3,492":1168,"3,493":1169,"4,3":1170,"4,4":1171,"4,5":1172,"4,6":1173,"4,7":1174,"4,8":1175,"4,9":1176,"4,10":1177,"4,11":1178,"4,12":1179,"4,13":1180,"4,14":1181,"4,15":1182,"4,16":1183,"4,17":1184,"4,18":1185,"4,19":1186,"4,20":1187,"4,21":1188,"4,22":1189,"4,23":1190,"4,24":1191,"4,25":1192,"4,26":1193,"4,27":1194,"4,28":1195,"4,29":1196,"4,30":1197,"4,31":1198,"4,32":1199,"4,33":1200,"4,34":1201,"4,35":1202,"4,36":1203,"4,37":1204,"4,38":1205,"4,39":1206,"4,40":1207,"4,41":1208,"4,42":1209,"4,43":1210,"4,44":1211,"4,45":1212,"4,46":1213,"4,47":1214,"4,48":1215,"4,49":1216,"4,50":1217,"4,51":1218,"4,52":1219,"4,53":1220,"4,54":1221,"4,55":1222,"4,57":1223,"4,58":1224,"4,59":1225,"4,60":1226,"4,61":1227,"4,62":1228,"4,63":1229,"4,64":1230,"4,65":1231,"4,66":1232,"4,67":1233,"4,68":1234,"4,69":1235,"4,70":1236,"4,71":1237,"4,72":1238,"4,73":1239,"4,74":1240,"4,75":1241,"4,76":1242,"4,77":1243,"4,78":1244,"4,79":1245,"4,80":1246,"4,81":1247,"4,82":1248,"4,83":1249,"4,84":1250,"4,85":1251,"4,86":1252,"4,87":1253,"4,88":1254,"4,89":1255,"4,90":1256,"4,91":1257,"4,92":1258,"4,93":1259,"4,94":1260,"4,95":1261,"4,96":1262,"4,97":1263,"4,98":1264,"4,99":1265,"4,100":1266,"4,101":1267,"4,102":1268,"4,103":1269,"4,104":1270,"4,105":1271,"4,106":1272,"4,107":1273,"4,108":1274,"4,109":1275,"4,110":1276,"4,111":1277,"4,112":1278,"4,113":1279,"4,114":1280,"4,115":1281,"4,116":1282,"4,117":1283,"4,118":1284,"4,119":1285,"4,120":1286,"4,121":1287,"4,122":1288,"4,123":1289,"4,124":1290,"4,125":1291,"4,126":1292,"4,127":1293,"4,128":1294,"4,129":1295,"4,130":1296,"4,131":1297,"4,132":1298,"4,133":1299,"4,134":1300,"4,135":1301,"4,136":1302,"4,137":1303,"4,138":1304,"4,139":1305,"4,140":1306,"4,141":1307,"4,142":1308,"4,143":1309,"4,144":1310,"4,145":1311,"4,146":1312,"4,147":1313,"4,148":1314,"4,149":1315,"4,150":1316,"4,151":1317,"4,152":1318,"4,153":1319,"4,154":1320,"4,155":1321,"4,156":1322,"4,157":1323,"4,158":1324,"4,159":1325,"4,160":1326,"4,161":1327,"4,162":1328,"4,163":1329,"4,164":1330,"4,165":1331,"4,166":1332,"4,167":1333,"4,168":1334,"4,169":1335,"4,170":1336,"4,171":1337,"4,172":1338,"4,173":1339,"4,174":1340,"4,175":1341,"4,176":1342,"4,177":1343,"4,178":1344,"4,179":1345,"4,180":1346,"4,181":1347,"4,182":1348,"4,183":1349,"4,184":1350,"4,185":1351,"4,186":1352,"4,187":1353,"4,188":1354,"4,189":1355,"4,190":1356,"4,191":1357,"4,192":1358,"4,193":1359,"4,194":1360,"4,195":1361,"4,196":1362,"4,197":1363,"4,198":1364,"4,199":1365,"4,200":1366,"4,201":1367,"4,202":1368,"4,203":1369,"4,204":1370,"4,205":1371,"4,206":1372,"4,207":1373,"4,208":1374,"4,209":1375,"4,210":1376,"4,211":1377,"4,212":1378,"4,213":1379,"4,214":1380,"4,215":1381,"4,216":1382,"4,217":1383,"4,218":1384,"4,219":1385,"4,220":1386,"4,221":1387,"4,222":1388,"4,223":1389,"4,224":1390,"4,225":1391,"4,226":1392,"4,227":1393,"4,228":1394,"4,229":1395,"4,230":1396,"4,231":1397,"4,232":1398,"4,233":1399,"4,234":1400,"4,235":1401,"4,236":1402,"4,237":1403,"4,238":1404,"4,239":1405,"4,240":1406,"4,241":1407,"4,242":1408,"4,243":1409,"4,244":1410,"4,245":1411,"4,246":1412,"4,247":1413,"4,248":1414,"4,249":1415,"4,250":1416,"4,251":1417,"4,252":1418,"4,253":1419,"4,254":1420,"4,255":1421,"4,256":1422,"4,257":1423,"4,258":1424,"4,259":1425,"4,260":1426,"4,261":1427,"4,262":1428,"4,263":1429,"4,264":1430,"4,265":1431,"4,266":1432,"4,267":1433,"4,268":1434,"4,269":1435,"4,270":1436,"4,271":1437,"4,272":1438,"4,273":1439,"4,274":1440,"4,275":1441,"4,276":1442,"4,277":1443,"4,278":1444,"4,279":1445,"4,280":1446,"4,281":1447,"4,282":1448,"4,283":1449,"4,284":1450,"4,285":1451,"4,286":1452,"4,287":1453,"4,288":1454,"4,289":1455,"4,290":1456,"4,291":1457,"4,292":1458,"4,293":1459,"4,294":1460,"4,295":1461,"4,296":1462,"4,297":1463,"4,298":1464,"4,299":1465,"4,300":1466,"4,301":1467,"4,302":1468,"4,303":1469,"4,304":1470,"4,305":1471,"4,306":1472,"4,307":1473,"4,308":1474,"4,309":1475,"4,310":1476,"4,311":1477,"4,312":1478,"4,313":1479,"4,314":1480,"4,315":1481,"4,316":1482,"4,317":1483,"4,318":1484,"4,319":1485,"4,320":1486,"4,321":1487,"4,322":1488,"4,323":1489,"4,324":1490,"4,325":1491,"4,326":1492,"4,327":1493,"4,328":1494,"4,329":1495,"4,330":1496,"4,331":1497,"4,332":1498,"4,333":1499,"4,334":1500,"4,335":1501,"4,336":1502,"4,337":1503,"4,338":1504,"4,339":1505,"4,340":1506,"4,341":1507,"4,342":1508,"4,343":1509,"4,344":1510,"4,345":1511,"4,346":1512,"4,347":1513,"4,348":1514,"4,349":1515,"4,350":1516,"4,351":1517,"4,352":1518,"4,353":1519,"4,354":1520,"4,355":1521,"4,356":1522,"4,357":1523,"4,358":1524,"4,359":1525,"4,360":1526,"4,361":1527,"4,362":1528,"4,363":1529,"4,364":1530,"4,365":1531,"4,366":1532,"4,367":1533,"4,368":1534,"4,369":1535,"4,370":1536,"4,371":1537,"4,372":1538,"4,373":1539,"4,374":1540,"4,375":1541,"4,377":1542,"4,379":1543,"4,380":1544,"4,381":1545,"4,382":1546,"4,383":1547,"4,384":1548,"4,385":1549,"4,386":1550,"4,387":1551,"4,388":1552,"4,389":1553,"4,390":1554,"4,391":1555,"4,392":1556,"4,393":1557,"4,394":1558,"4,395":1559,"4,396":1560,"4,397":1561,"4,398":1562,"4,399":1563,"4,400":1564,"4,401":1565,"4,402":1566,"4,403":1567,"4,404":1568,"4,405":1569,"4,406":1570,"4,407":1571,"4,408":1572,"4,409":1573,"4,410":1574,"4,411":1575,"4,412":1576,"4,413":1577,"4,414":1578,"4,415":1579,"4,416":1580,"4,417":1581,"4,418":1582,"4,419":1583,"4,420":1584,"4,421":1585,"4,422":1586,"4,423":1587,"4,424":1588,"4,425":1589,"4,426":1590,"4,427":1591,"4,428":1592,"4,429":1593,"4,430":1594,"4,431":1595,"4,432":1596,"4,433":1597,"4,434":1598,"4,435":1599,"4,436":1600,"4,437":1601,"4,438":1602,"4,439":1603,"4,440":1604,"4,441":1605,"4,442":1606,"4,443":1607,"4,444":1608,"4,445":1609,"4,446":1610,"4,447":1611,"4,448":1612,"4,449":1613,"4,450":1614,"4,451":1615,"4,452":1616,"4,453":1617,"4,454":1618,"4,455":1619,"4,456":1620,"4,457":1621,"4,458":1622,"4,459":1623,"4,460":1624,"4,461":1625,"4,462":1626,"4,463":1627,"4,464":1628,"4,465":1629,"4,466":1630,"4,467":1631,"4,468":1632,"4,469":1633,"4,470":1634,"4,471":1635,"4,472":1636,"4,473":1637,"4,474":1638,"4,475":1639,"4,476":1640,"4,477":1641,"4,478":1642,"4,479":1643,"4,480":1644,"4,481":1645,"4,482":1646,"4,483":1647,"4,484":1648,"4,485":1649,"4,486":1650,"4,487":1651,"4,488":1652,"4,489":1653,"4,490":1654,"4,491":1655,"4,492":1656,"4,493":1657,"4,494":1658,"4,495":1659,"4,496":1660,"4,497":1661,"4,498":1662,"4,499":1663,"4,500":1664,"4,501":1665,"4,502":1666,"4,503":1667,"4,504":1668,"4,505":1669,"4,506":1670,"4,507":1671,"4,508":1672,"4,509":1673,"4,510":1674,"4,511":1675,"4,512":1676,"4,513":1677,"4,514":1678,"4,515":1679,"4,516":1680,"4,517":1681,"4,518":1682,"4,519":1683,"4,520":1684,"4,521":1685,"4,522":1686,"4,523":1687,"4,524":1688,"4,525":1689,"4,526":1690,"4,527":1691,"4,528":1692,"4,529":1693,"4,530":1694,"4,531":1695,"4,532":1696,"4,533":1697,"4,534":1698,"4,535":1699,"4,536":1700,"4,537":1701,"4,538":1702,"4,539":1703,"4,540":1704,"4,541":1705,"4,542":1706,"4,543":1707,"4,544":1708,"4,545":1709,"4,546":1710,"4,547":1711,"4,548":1712,"4,549":1713,"4,550":1714,"4,551":1715,"4,552":1716,"4,553":1717,"4,554":1718,"4,555":1719,"4,556":1720},"ٜ":{"1":[113,380],"2":[3,416],"3":[3,493],"4":[3,556]},"ٝ":["1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,377","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"13":[3,4],"14":[5],"17":[6],"20":[7],"24":[8],"41":[9],"44":[10],"51":[11],"67":[12],"71":[13],"74":[14],"76":[15],"78":[16],"80":[17],"87":[18],"88":[19],"89":[20],"90":[21],"92":[22],"101":[23],"121":[24],"126":[25],"127":[26],"128":[27],"129":[28],"130":[29],"131":[30,31],"133":[32],"138":[33],"139":[34],"142":[35],"143":[36,37],"144":[38],"145":[39,40],"146":[41,42],"149":[43],"150":[44,45],"163":[46],"167":[47],"169":[48],"171":[49,50],"179":[51],"182":[52,53],"187":[54],"189":[55],"191":[56],"195":[57],"196":[58],"197":[59],"199":[60],"201":[61],"202":[62],"203":[63,64],"204":[65],"205":[66,67],"208":[68],"209":[69],"214":[70],"218":[71,72],"221":[73],"222":[74],"224":[75],"225":[76],"226":[77,78],"230":[79],"231":[80],"232":[81],"233":[82],"234":[83],"236":[84],"239":[85],"241":[86],"253":[87],"258":[88],"267":[89],"270":[90],"273":[91],"287":[92],"298":[93],"299":[94],"330":[95],"334":[96],"338":[97],"343":[98],"346":[99],"348":[100],"359":[101],"365":[102,103],"366":[104],"375":[105],"378":[106],"380":[107],"381":[108],"382":[109,110],"386":[111],"390":[112],"391":[113],"392":[114],"394":[115],"396":[116],"399":[117],"402":[118],"404":[119],"406":[120],"407":[121],"412":[122],"413":[123],"414":[124],"417":[125],"419":[126,127],"420":[128,129],"428":[130],"432":[131],"436":[132],"437":[133],"438":[134],"440":[135,136],"441":[137],"443":[138],"444":[139,140],"448":[141],"450":[142],"452":[143],"454":[144],"456":[145],"458":[146],"463":[147,148],"464":[149],"465":[150],"466":[151],"470":[152],"472":[153],"473":[154],"478":[155,156,157],"482":[158],"483":[159],"484":[160],"485":[161],"486":[162,163],"487":[164],"489":[165],"491":[166,167],"497":[168,169],"500":[170],"504":[171],"506":[172,173],"508":[174],"511":[175],"516":[176],"520":[177],"523":[178],"534":[179,180],"535":[181],"537":[182],"538":[183],"540":[184],"541":[185,186],"542":[187],"544":[188],"546":[189],"547":[190,191,192],"548":[193],"549":[194],"550":[195,196],"554":[197],"555":[198],"561":[199],"562":[200,201],"563":[202],"566":[203,204],"579":[205],"581":[206,207],"582":[208],"583":[209,210],"586":[211],"589":[212,213],"591":[214],"594":[215],"600":[216],"606":[217,218],"613":[219],"629":[220],"630":[221],"632":[222],"633":[223],"634":[224],"636":[225],"637":[226,227],"638":[228,229],"639":[230],"641":[231],"659":[232],"680":[233,234],"683":[235],"686":[236],"689":[237],"694":[238],"696":[239],"697":[240],"699":[241],"701":[242],"702":[243],"703":[244],"704":[245],"705":[246],"706":[247],"707":[248,249],"709":[250],"710":[251,252],"715":[253],"716":[254],"717":[255,256,257],"718":[258],"721":[259],"732":[260],"739":[261],"750":[262],"771":[263],"782":[264],"786":[265],"800":[266],"824":[267],"828":[268],"832":[269],"834":[270],"838":[271],"844":[272],"849":[273],"872":[274],"882":[275],"887":[276],"903":[277],"913":[278],"916":[279],"924":[280],"939":[281],"947":[282],"955":[283],"985":[284],"989":[285],"1014":[286],"1033":[287],"1048":[288],"1055":[289],"1063":[290],"1071":[291],"1075":[292],"1103":[293],"1110":[294],"1113":[295],"1124":[296],"1136":[297],"1151":[298],"1170":[299,300],"1184":[301],"1187":[302,303],"1188":[304,305],"1189":[306],"1204":[307],"1206":[308],"1208":[309],"1210":[310],"1212":[311,312],"1214":[313],"1220":[314],"1221":[315,316],"1223":[317,318],"1225":[319],"1227":[320],"1228":[321,322],"1229":[323],"1230":[324],"1231":[325],"1232":[326,327],"1233":[328],"1234":[329],"1235":[330],"1236":[331,332],"1238":[333],"1239":[334],"1240":[335],"1251":[336],"1256":[337],"1258":[338,339],"1261":[340,341],"1263":[342,343,344],"1264":[345],"1265":[346,347],"1266":[348,349],"1267":[350],"1269":[351,352],"1271":[353,354],"1272":[355,356,357],"1273":[358],"1274":[359],"1275":[360],"1277":[361],"1280":[362,363],"1283":[364],"1284":[365],"1287":[366],"1288":[367,368],"1290":[369],"1293":[370,371],"1297":[372],"1298":[373],"1299":[374,375],"1303":[376],"1307":[377],"1308":[378,379],"1310":[380],"1311":[381],"1313":[382],"1316":[383],"1319":[384,385],"1323":[386],"1324":[387],"1326":[388],"1329":[389],"1330":[390],"1331":[391],"1332":[392],"1334":[393,394],"1338":[395,396],"1342":[397,398],"1343":[399],"1344":[400],"1345":[401],"1346":[402],"1347":[403],"1348":[404],"1349":[405],"1350":[406],"1351":[407],"1353":[408],"1355":[409],"1357":[410],"1359":[411,412],"1361":[413,414],"1362":[415],"1364":[416],"1365":[417,418],"1371":[419],"1374":[420],"1375":[421],"1378":[422],"1381":[423,424],"1384":[425,426],"1385":[427],"1388":[428],"1389":[429],"1391":[430],"1393":[431,432,433],"1394":[434],"1396":[435],"1398":[436],"1399":[437,438],"1400":[439],"1401":[440],"1402":[441],"1403":[442],"1404":[443],"1406":[444],"1408":[445],"1410":[446],"1413":[447],"1415":[448,449],"1417":[450,451],"1418":[452],"1419":[453],"1420":[454],"1421":[455],"1422":[456,457],"1423":[458],"1424":[459],"1426":[460],"1427":[461],"1428":[462],"1429":[463],"1430":[464],"1431":[465],"1432":[466,467],"1433":[468,469],"1434":[470],"1436":[471],"1438":[472,473],"1439":[474,475],"1440":[476],"1441":[477],"1442":[478],"1444":[479],"1445":[480],"1446":[481,482],"1448":[483],"1449":[484],"1451":[485,486],"1453":[487],"1455":[488],"1458":[489],"1459":[490,491],"1460":[492],"1461":[493],"1462":[494],"1463":[495,496],"1465":[497,498],"1466":[499],"1467":[500,501],"1468":[502],"1470":[503,504],"1475":[505],"1479":[506,507],"1480":[508],"1483":[509],"1484":[510,511,512],"1485":[513],"1487":[514,515],"1488":[516],"1489":[517],"1490":[518],"1491":[519,520,521],"1492":[522,523],"1493":[524],"1494":[525,526],"1495":[527],"1500":[528],"1501":[529],"1502":[530],"1505":[531],"1510":[532,533],"1513":[534],"1514":[535],"1515":[536],"1517":[537],"1518":[538],"1520":[539,540],"1525":[541,542],"1529":[543],"1534":[544],"1542":[545],"1543":[546],"1552":[547],"1556":[548],"1560":[549],"1563":[550],"1569":[551],"1573":[552,553],"1574":[554],"1575":[555],"1576":[556],"1577":[557],"1578":[558],"1579":[559,560],"1581":[561,562],"1582":[563],"1583":[564],"1584":[565,566],"1586":[567],"1589":[568],"1590":[569],"1594":[570,571],"1597":[572],"1599":[573],"1601":[574],"1603":[575,576],"1605":[577],"1606":[578],"1607":[579],"1608":[580],"1610":[581,582],"1616":[583],"1617":[584],"1619":[585,586],"1630":[587,588],"1632":[589],"1633":[590],"1634":[591],"1636":[592,593],"1639":[594],"1644":[595],"1645":[596],"1646":[597],"1647":[598],"1648":[599],"1649":[600,601],"1650":[602],"1652":[603,604],"1653":[605,606],"1655":[607,608],"1656":[609,610],"1658":[611],"1661":[612],"1662":[613],"1663":[614],"1664":[615],"1665":[616,617],"1669":[618],"1678":[619],"1690":[620],"1695":[621],"1699":[622],"1704":[623],"1714":[624],"1718":[625]},"ٟ":[],"numbers":{"1":13,"2":13,"3":14,"4":14,"5":16,"6":17,"7":20,"8":24,"9":25,"10":30,"11":31,"12":33,"13":34,"14":35,"15":36,"16":36,"17":37,"18":38,"19":38,"20":41,"21":41,"22":44,"23":45,"24":46,"25":49,"26":49,"27":51,"28":53,"29":54,"30":59,"31":61,"32":62,"33":63,"34":63,"35":65,"36":66,"37":67,"38":70,"39":71,"40":71,"41":72,"42":73,"43":74,"44":76,"45":76,"46":76,"47":78,"48":78,"49":79,"50":80,"51":81,"52":81,"53":82,"54":83,"55":87,"56":88,"57":89,"58":90,"59":91,"60":92,"61":95,"62":95,"63":101,"64":102,"65":102,"66":103,"67":103,"68":103,"69":104,"70":105,"71":105,"72":105,"73":106,"74":106,"75":106,"76":109,"77":110,"78":110,"79":111,"80":112,"81":112,"82":113,"83":113,"84":114,"85":114,"86":116,"87":116,"88":116,"89":117,"90":118,"91":118,"92":119,"93":119,"94":119,"95":120,"96":120,"97":120,"98":120,"99":121,"100":122,"101":122,"102":123,"103":125,"104":126,"105":127,"106":128,"107":128,"108":129,"109":130,"110":130,"111":130,"112":131,"113":131,"114":133,"115":135,"116":136,"117":138,"118":139,"119":139,"120":140,"121":141,"122":142,"123":142,"124":143,"125":143,"126":144,"127":145,"128":146,"129":146,"130":148,"131":148,"132":148,"133":149,"134":150,"135":150,"136":151,"137":154,"138":156,"139":157,"140":158,"141":159,"142":159,"143":160,"144":160,"145":161,"146":161,"147":162,"148":162,"149":163,"150":163,"151":163,"152":166,"153":167,"154":168,"155":169,"156":171,"157":171,"158":172,"159":174,"160":175,"161":178,"162":179,"163":182,"164":183,"165":186,"166":187,"167":187,"168":187,"169":189,"170":189,"171":191,"172":193,"173":195,"174":195,"175":196,"176":197,"177":197,"178":197,"179":199,"180":199,"181":199,"182":201,"183":202,"184":203,"185":203,"186":203,"187":204,"188":205,"189":205,"190":208,"191":209,"192":210,"193":211,"194":213,"195":213,"196":214,"197":218,"198":218,"199":221,"200":221,"201":222,"202":222,"203":223,"204":223,"205":224,"206":225,"207":225,"208":225,"209":226,"210":226,"211":227,"212":227,"213":227,"214":228,"215":228,"216":228,"217":229,"218":229,"219":229,"220":229,"221":230,"222":230,"223":230,"224":230,"225":231,"226":231,"227":231,"228":232,"229":233,"230":233,"231":234,"232":234,"233":236,"234":237,"235":237,"236":238,"237":239,"238":239,"239":239,"240":240,"241":241,"242":243,"243":244,"244":247,"245":247,"246":248,"247":249,"248":250,"249":251,"250":253,"251":254,"252":255,"253":255,"254":256,"255":257,"256":258,"257":259,"258":261,"259":263,"260":267,"261":268,"262":268,"263":270,"264":271,"265":273,"266":275,"267":277,"268":278,"269":280,"270":281,"271":282,"272":283,"273":284,"274":285,"275":286,"276":287,"277":289,"278":289,"279":290,"280":290,"281":293,"282":293,"283":294,"284":297,"285":298,"286":299,"287":301,"288":302,"289":302,"290":304,"291":305,"292":306,"293":308,"294":311,"295":312,"296":314,"297":316,"298":317,"299":319,"300":320,"301":321,"302":323,"303":324,"304":324,"305":324,"306":324,"307":327,"308":327,"309":328,"310":329,"311":330,"312":330,"313":333,"314":334,"315":335,"316":336,"317":336,"318":336,"319":336,"320":337,"321":338,"322":340,"323":340,"324":343,"325":344,"326":345,"327":346,"328":347,"329":348,"330":351,"331":356,"332":357,"333":358,"334":359,"335":363,"336":363,"337":365,"338":366,"339":370,"340":372,"341":375,"342":377,"343":378,"344":378,"345":379,"346":379,"347":380,"348":380,"349":380,"350":381,"351":382,"352":386,"353":386,"354":389,"355":390,"356":390,"357":391,"358":392,"359":394,"360":396,"361":399,"362":402,"363":404,"364":406,"365":407,"366":412,"367":413,"368":414,"369":414,"370":417,"371":419,"372":419,"373":420,"374":420,"375":428,"376":432,"377":436,"378":437,"379":438,"380":440,"381":440,"382":441,"383":443,"384":444,"385":444,"386":446,"387":448,"388":449,"389":450,"390":452,"391":454,"392":456,"393":458,"394":463,"395":464,"396":465,"397":466,"398":466,"399":470,"400":471,"401":472,"402":473,"403":478,"404":478,"405":482,"406":483,"407":484,"408":485,"409":486,"410":486,"411":487,"412":487,"413":489,"414":489,"415":491,"416":497,"417":500,"418":504,"419":506,"420":506,"421":508,"422":511,"423":512,"424":518,"425":518,"426":520,"427":523,"428":524,"429":525,"430":526,"431":526,"432":529,"433":530,"434":532,"435":534,"436":535,"437":537,"438":538,"439":540,"440":541,"441":541,"442":542,"443":544,"444":545,"445":546,"446":547,"447":547,"448":547,"449":548,"450":549,"451":550,"452":550,"453":552,"454":553,"455":554,"456":555,"457":556,"458":556,"459":557,"460":559,"461":560,"462":561,"463":562,"464":562,"465":563,"466":566,"467":570,"468":571,"469":573,"470":574,"471":577,"472":579,"473":579,"474":579,"475":581,"476":581,"477":585,"478":586,"479":589,"480":591,"481":593,"482":594,"483":595,"484":600,"485":606,"486":611,"487":611,"488":613,"489":615,"490":618,"491":619,"492":620,"493":623,"494":629,"495":630,"496":632,"497":633,"498":634,"499":634,"500":635,"501":636,"502":636,"503":637,"504":637,"505":638,"506":638,"507":639,"508":641,"509":642,"510":643,"511":644,"512":646,"513":647,"514":647,"515":649,"516":650,"517":653,"518":653,"519":654,"520":655,"521":655,"522":656,"523":657,"524":659,"525":662,"526":663,"527":665,"528":666,"529":666,"530":667,"531":667,"532":667,"533":668,"534":668,"535":669,"536":670,"537":671,"538":672,"539":673,"540":674,"541":676,"542":677,"543":680,"544":681,"545":683,"546":686,"547":686,"548":689,"549":691,"550":692,"551":693,"552":694,"553":695,"554":696,"555":697,"556":699,"557":701,"558":701,"559":702,"560":703,"561":705,"562":706,"563":707,"564":707,"565":708,"566":709,"567":709,"568":710,"569":710,"570":710,"571":711,"572":711,"573":712,"574":712,"575":712,"576":712,"577":713,"578":714,"579":714,"580":715,"581":715,"582":716,"583":717,"584":717,"585":717,"586":718,"587":719,"588":721,"589":721,"590":722,"591":723,"592":723,"593":725,"594":725,"595":727,"596":728,"597":729,"598":729,"599":730,"600":732,"601":733,"602":736,"603":737,"604":737,"605":738,"606":739,"607":741,"608":744,"609":745,"610":746,"611":746,"612":746,"613":747,"614":748,"615":748,"616":750,"617":750,"618":752,"619":753,"620":754,"621":756,"622":758,"623":758,"624":759,"625":760,"626":760,"627":761,"628":762,"629":765,"630":766,"631":768,"632":768,"633":771,"634":772,"635":773,"636":782,"637":784,"638":784,"639":786,"640":788,"641":790,"642":793,"643":796,"644":797,"645":800,"646":803,"647":804,"648":806,"649":807,"650":808,"651":809,"652":810,"653":811,"654":812,"655":813,"656":815,"657":816,"658":819,"659":824,"660":827,"661":828,"662":829,"663":832,"664":833,"665":833,"666":834,"667":834,"668":836,"669":837,"670":837,"671":838,"672":839,"673":840,"674":844,"675":845,"676":846,"677":849,"678":850,"679":852,"680":853,"681":856,"682":856,"683":857,"684":857,"685":858,"686":859,"687":860,"688":861,"689":861,"690":862,"691":863,"692":865,"693":865,"694":866,"695":867,"696":868,"697":869,"698":869,"699":872,"700":872,"701":873,"702":874,"703":874,"704":876,"705":876,"706":877,"707":879,"708":880,"709":881,"710":882,"711":883,"712":884,"713":885,"714":886,"715":887,"716":889,"717":892,"718":894,"719":896,"720":896,"721":897,"722":898,"723":899,"724":900,"725":900,"726":900,"727":901,"728":901,"729":902,"730":903,"731":904,"732":905,"733":906,"734":906,"735":907,"736":907,"737":908,"738":909,"739":909,"740":910,"741":910,"742":910,"743":913,"744":913,"745":913,"746":914,"747":914,"748":914,"749":914,"750":916,"751":917,"752":917,"753":917,"754":918,"755":918,"756":919,"757":920,"758":921,"759":922,"760":922,"761":922,"762":923,"763":924,"764":925,"765":926,"766":927,"767":927,"768":928,"769":928,"770":929,"771":934,"772":934,"773":936,"774":936,"775":937,"776":939,"777":939,"778":941,"779":941,"780":942,"781":942,"782":943,"783":944,"784":944,"785":944,"786":944,"787":945,"788":945,"789":946,"790":947,"791":947,"792":948,"793":949,"794":949,"795":950,"796":951,"797":951,"798":952,"799":953,"800":953,"801":954,"802":955,"803":957,"804":959,"805":960,"806":961,"807":962,"808":963,"809":963,"810":964,"811":964,"812":964,"813":966,"814":966,"815":967,"816":969,"817":969,"818":970,"819":970,"820":970,"821":971,"822":972,"823":972,"824":972,"825":974,"826":974,"827":975,"828":976,"829":977,"830":978,"831":978,"832":979,"833":980,"834":981,"835":985,"836":985,"837":987,"838":987,"839":988,"840":989,"841":994,"842":995,"843":995,"844":996,"845":997,"846":998,"847":999,"848":1000,"849":1000,"850":1001,"851":1003,"852":1003,"853":1004,"854":1004,"855":1005,"856":1005,"857":1006,"858":1007,"859":1007,"860":1008,"861":1008,"862":1008,"863":1009,"864":1010,"865":1012,"866":1014,"867":1014,"868":1016,"869":1017,"870":1017,"871":1017,"872":1020,"873":1020,"874":1022,"875":1023,"876":1024,"877":1025,"878":1027,"879":1028,"880":1029,"881":1030,"882":1031,"883":1031,"884":1031,"885":1032,"886":1033,"887":1039,"888":1039,"889":1040,"890":1040,"891":1042,"892":1044,"893":1045,"894":1045,"895":1046,"896":1046,"897":1046,"898":1048,"899":1048,"900":1051,"901":1052,"902":1053,"903":1055,"904":1055,"905":1057,"906":1058,"907":1059,"908":1059,"909":1060,"910":1060,"911":1061,"912":1062,"913":1063,"914":1064,"915":1065,"916":1066,"917":1068,"918":1069,"919":1071,"920":1072,"921":1073,"922":1073,"923":1073,"924":1074,"925":1075,"926":1078,"927":1080,"928":1082,"929":1082,"930":1083,"931":1083,"932":1084,"933":1084,"934":1085,"935":1085,"936":1085,"937":1086,"938":1087,"939":1088,"940":1088,"941":1089,"942":1089,"943":1093,"944":1093,"945":1094,"946":1094,"947":1094,"948":1095,"949":1095,"950":1096,"951":1096,"952":1097,"953":1097,"954":1098,"955":1099,"956":1100,"957":1101,"958":1103,"959":1103,"960":1103,"961":1104,"962":1104,"963":1105,"964":1105,"965":1105,"966":1105,"967":1106,"968":1107,"969":1108,"970":1110,"971":1112,"972":1113,"973":1114,"974":1114,"975":1116,"976":1117,"977":1118,"978":1118,"979":1118,"980":1119,"981":1119,"982":1120,"983":1120,"984":1120,"985":1121,"986":1121,"987":1124,"988":1124,"989":1125,"990":1127,"991":1127,"992":1129,"993":1129,"994":1130,"995":1131,"996":1132,"997":1133,"998":1134,"999":1135,"1000":1136,"1001":1137,"1002":1137,"1003":1138,"1004":1141,"1005":1142,"1006":1143,"1007":1143,"1008":1144,"1009":1146,"1010":1146,"1011":1147,"1012":1147,"1013":1148,"1014":1149,"1015":1151,"1016":1156,"1017":1163,"1018":1164,"1019":1165,"1020":1166,"1021":1166,"1022":1168,"1023":1168,"1024":1170,"1025":1175,"1026":1176,"1027":1177,"1028":1178,"1029":1179,"1030":1180,"1031":1180,"1032":1181,"1033":1181,"1034":1182,"1035":1183,"1036":1184,"1037":1184,"1038":1187,"1039":1188,"1040":1188,"1041":1188,"1042":1189,"1043":1192,"1044":1194,"1045":1195,"1046":1200,"1047":1202,"1048":1204,"1049":1205,"1050":1205,"1051":1206,"1052":1206,"1053":1207,"1054":1207,"1055":1208,"1056":1210,"1057":1211,"1058":1212,"1059":1212,"1060":1213,"1061":1214,"1062":1215,"1063":1216,"1064":1216,"1065":1217,"1066":1219,"1067":1219,"1068":1219,"1069":1220,"1070":1220,"1071":1221,"1072":1221,"1073":1222,"1074":1223,"1075":1224,"1076":1225,"1077":1227,"1078":1228,"1079":1228,"1080":1229,"1081":1230,"1082":1231,"1083":1232,"1084":1232,"1085":1233,"1086":1233,"1087":1234,"1088":1234,"1089":1235,"1090":1236,"1091":1237,"1092":1237,"1093":1238,"1094":1240,"1095":1249,"1096":1249,"1097":1250,"1098":1250,"1099":1251,"1100":1253,"1101":1254,"1102":1254,"1103":1256,"1104":1258,"1105":1261,"1106":1261,"1107":1262,"1108":1263,"1109":1264,"1110":1265,"1111":1265,"1112":1266,"1113":1266,"1114":1267,"1115":1269,"1116":1271,"1117":1271,"1118":1272,"1119":1272,"1120":1273,"1121":1274,"1122":1275,"1123":1277,"1124":1280,"1125":1280,"1126":1282,"1127":1282,"1128":1283,"1129":1284,"1130":1286,"1131":1287,"1132":1288,"1133":1288,"1134":1289,"1135":1290,"1136":1291,"1137":1293,"1138":1294,"1139":1297,"1140":1298,"1141":1298,"1142":1299,"1143":1299,"1144":1300,"1145":1300,"1146":1303,"1147":1305,"1148":1305,"1149":1306,"1150":1307,"1151":1308,"1152":1310,"1153":1311,"1154":1313,"1155":1315,"1156":1316,"1157":1316,"1158":1319,"1159":1319,"1160":1320,"1161":1321,"1162":1322,"1163":1322,"1164":1323,"1165":1323,"1166":1324,"1167":1324,"1168":1325,"1169":1325,"1170":1326,"1171":1327,"1172":1328,"1173":1328,"1174":1329,"1175":1329,"1176":1330,"1177":1331,"1178":1332,"1179":1334,"1180":1335,"1181":1338,"1182":1338,"1183":1340,"1184":1340,"1185":1340,"1186":1341,"1187":1342,"1188":1342,"1189":1343,"1190":1343,"1191":1343,"1192":1344,"1193":1345,"1194":1346,"1195":1347,"1196":1347,"1197":1348,"1198":1349,"1199":1350,"1200":1350,"1201":1351,"1202":1353,"1203":1353,"1204":1355,"1205":1357,"1206":1359,"1207":1361,"1208":1361,"1209":1362,"1210":1364,"1211":1365,"1212":1371,"1213":1374,"1214":1375,"1215":1377,"1216":1377,"1217":1378,"1218":1379,"1219":1381,"1220":1382,"1221":1384,"1222":1384,"1223":1385,"1224":1385,"1225":1388,"1226":1389,"1227":1389,"1228":1390,"1229":1391,"1230":1391,"1231":1392,"1232":1393,"1233":1393,"1234":1393,"1235":1393,"1236":1394,"1237":1396,"1238":1396,"1239":1397,"1240":1397,"1241":1397,"1242":1398,"1243":1399,"1244":1399,"1245":1400,"1246":1401,"1247":1402,"1248":1403,"1249":1404,"1250":1406,"1251":1406,"1252":1407,"1253":1407,"1254":1408,"1255":1409,"1256":1410,"1257":1411,"1258":1413,"1259":1415,"1260":1415,"1261":1415,"1262":1416,"1263":1417,"1264":1417,"1265":1418,"1266":1419,"1267":1419,"1268":1420,"1269":1421,"1270":1422,"1271":1422,"1272":1423,"1273":1423,"1274":1424,"1275":1424,"1276":1424,"1277":1425,"1278":1425,"1279":1426,"1280":1427,"1281":1428,"1282":1429,"1283":1430,"1284":1430,"1285":1431,"1286":1432,"1287":1432,"1288":1433,"1289":1433,"1290":1434,"1291":1436,"1292":1438,"1293":1438,"1294":1439,"1295":1439,"1296":1440,"1297":1441,"1298":1442,"1299":1443,"1300":1444,"1301":1444,"1302":1445,"1303":1446,"1304":1446,"1305":1448,"1306":1449,"1307":1451,"1308":1453,"1309":1454,"1310":1455,"1311":1455,"1312":1456,"1313":1456,"1314":1456,"1315":1457,"1316":1458,"1317":1458,"1318":1459,"1319":1459,"1320":1460,"1321":1461,"1322":1461,"1323":1461,"1324":1461,"1325":1461,"1326":1461,"1327":1461,"1328":1461,"1329":1461,"1330":1461,"1331":1461,"1332":1461,"1333":1461,"1334":1461,"1335":1461,"1336":1461,"1337":1461,"1338":1461,"1339":1461,"1340":1461,"1341":1461,"1342":1461,"1343":1461,"1344":1461,"1345":1461,"1346":1461,"1347":1461,"1348":1461,"1349":1461,"1350":1461,"1351":1461,"1352":1462,"1353":1463,"1354":1463,"1355":1465,"1356":1465,"1357":1466,"1358":1467,"1359":1467,"1360":1468,"1361":1470,"1362":1475,"1363":1477,"1364":1478,"1365":1479,"1366":1479,"1367":1480,"1368":1480,"1369":1483,"1370":1484,"1371":1484,"1372":1484,"1373":1485,"1374":1485,"1375":1487,"1376":1487,"1377":1488,"1378":1489,"1379":1490,"1380":1491,"1381":1491,"1382":1491,"1383":1492,"1384":1493,"1385":1494,"1386":1495,"1387":1495,"1388":1498,"1389":1500,"1390":1501,"1391":1502,"1392":1505,"1393":1507,"1394":1508,"1395":1508,"1396":1510,"1397":1511,"1398":1512,"1399":1512,"1400":1513,"1401":1513,"1402":1514,"1403":1514,"1404":1515,"1405":1515,"1406":1516,"1407":1517,"1408":1518,"1409":1520,"1410":1525,"1411":1525,"1412":1526,"1413":1526,"1414":1527,"1415":1527,"1416":1529,"1417":1529,"1418":1533,"1419":1534,"1420":1537,"1421":1538,"1422":1538,"1423":1539,"1424":1539,"1425":1540,"1426":1543,"1427":1545,"1428":1546,"1429":1547,"1430":1548,"1431":1548,"1432":1549,"1433":1550,"1434":1550,"1435":1552,"1436":1553,"1437":1554,"1438":1554,"1439":1555,"1440":1556,"1441":1556,"1442":1558,"1443":1559,"1444":1560,"1445":1560,"1446":1561,"1447":1562,"1448":1563,"1449":1567,"1450":1569,"1451":1569,"1452":1571,"1453":1573,"1454":1574,"1455":1575,"1456":1576,"1457":1577,"1458":1578,"1459":1579,"1460":1579,"1461":1581,"1462":1581,"1463":1582,"1464":1583,"1465":1584,"1466":1586,"1467":1587,"1468":1587,"1469":1589,"1470":1589,"1471":1590,"1472":1592,"1473":1594,"1474":1595,"1475":1596,"1476":1597,"1477":1599,"1478":1600,"1479":1600,"1480":1601,"1481":1601,"1482":1603,"1483":1603,"1484":1605,"1485":1605,"1486":1606,"1487":1606,"1488":1607,"1489":1607,"1490":1608,"1491":1609,"1492":1610,"1493":1612,"1494":1615,"1495":1616,"1496":1616,"1497":1617,"1498":1617,"1499":1619,"1500":1619,"1501":1620,"1502":1620,"1503":1621,"1504":1621,"1505":1621,"1506":1622,"1507":1622,"1508":1624,"1509":1625,"1510":1626,"1511":1626,"1512":1627,"1513":1628,"1514":1630,"1515":1632,"1516":1633,"1517":1634,"1518":1636,"1519":1636,"1520":1637,"1521":1637,"1522":1638,"1523":1638,"1524":1639,"1525":1639,"1526":1640,"1527":1641,"1528":1642,"1529":1642,"1530":1643,"1531":1643,"1532":1644,"1533":1644,"1534":1648,"1535":1648,"1536":1649,"1537":1649,"1538":1650,"1539":1652,"1540":1652,"1541":1653,"1542":1653,"1543":1655,"1544":1655,"1545":1656,"1546":1656,"1547":1658,"1548":1658,"1549":1660,"1550":1661,"1551":1662,"1552":1663,"1553":1663,"1554":1664,"1555":1665,"1556":1665,"1557":1669,"1558":1669,"1559":1671,"1560":1672,"1561":1673,"1562":1674,"1563":1675,"1564":1675,"1565":1676,"1566":1676,"1567":1676,"1568":1678,"1569":1681,"1570":1682,"1571":1683,"1572":1684,"1573":1685,"1574":1686,"1575":1686,"1576":1688,"1577":1690,"1578":1690,"1579":1691,"1580":1693,"1581":1693,"1582":1694,"1583":1695,"1584":1698,"1585":1699,"1586":1701,"1587":1702,"1588":1702,"1589":1704,"1590":1707,"1591":1707,"1592":1708,"1593":1709,"1594":1709,"1595":1710,"1596":1711,"1597":1712,"1598":1714,"1599":1718,"1600":1719,"1601":1720},"number_max":1601,"number_pages":{"13":2,"14":4,"16":5,"17":6,"20":7,"24":8,"25":9,"30":10,"31":11,"33":12,"34":13,"35":14,"36":16,"37":17,"38":19,"41":21,"44":22,"45":23,"46":24,"49":26,"51":27,"53":28,"54":29,"59":30,"61":31,"62":32,"63":34,"65":35,"66":36,"67":37,"70":38,"71":40,"72":41,"73":42,"74":43,"76":46,"78":48,"79":49,"80":50,"81":52,"82":53,"83":54,"87":55,"88":56,"89":57,"90":58,"91":59,"92":60,"95":62,"101":63,"102":65,"103":68,"104":69,"105":72,"106":75,"109":76,"110":78,"111":79,"112":81,"113":83,"114":85,"116":88,"117":89,"118":91,"119":94,"120":98,"121":99,"122":101,"123":102,"125":103,"126":104,"127":105,"128":107,"129":108,"130":111,"131":113,"133":114,"135":115,"136":116,"138":117,"139":119,"140":120,"141":121,"142":123,"143":125,"144":126,"145":127,"146":129,"148":132,"149":133,"150":135,"151":136,"154":137,"156":138,"157":139,"158":140,"159":142,"160":144,"161":146,"162":148,"163":151,"166":152,"167":153,"168":154,"169":155,"171":157,"172":158,"174":159,"175":160,"178":161,"179":162,"182":163,"183":164,"186":165,"187":168,"189":170,"191":171,"193":172,"195":174,"196":175,"197":178,"199":181,"201":182,"202":183,"203":186,"204":187,"205":189,"208":190,"209":191,"210":192,"211":193,"213":195,"214":196,"218":198,"221":200,"222":202,"223":204,"224":205,"225":208,"226":210,"227":213,"228":216,"229":220,"230":224,"231":227,"232":228,"233":230,"234":232,"236":233,"237":235,"238":236,"239":239,"240":240,"241":241,"243":242,"244":243,"247":245,"248":246,"249":247,"250":248,"251":249,"253":250,"254":251,"255":253,"256":254,"257":255,"258":256,"259":257,"261":258,"263":259,"267":260,"268":262,"270":263,"271":264,"273":265,"275":266,"277":267,"278":268,"280":269,"281":270,"282":271,"283":272,"284":273,"285":274,"286":275,"287":276,"289":278,"290":280,"293":282,"294":283,"297":284,"298":285,"299":286,"301":287,"302":289,"304":290,"305":291,"306":292,"308":293,"311":294,"312":295,"314":296,"316":297,"317":298,"319":299,"320":300,"321":301,"323":302,"324":306,"327":308,"328":309,"329":310,"330":312,"333":313,"334":314,"335":315,"336":319,"337":320,"338":321,"340":323,"343":324,"344":325,"345":326,"346":327,"347":328,"348":329,"351":330,"356":331,"357":332,"358":333,"359":334,"363":336,"365":337,"366":338,"370":339,"372":340,"375":341,"377":342,"378":344,"379":346,"380":349,"381":350,"382":351,"386":353,"389":354,"390":356,"391":357,"392":358,"394":359,"396":360,"399":361,"402":362,"404":363,"406":364,"407":365,"412":366,"413":367,"414":369,"417":370,"419":372,"420":374,"428":375,"432":376,"436":377,"437":378,"438":379,"440":381,"441":382,"443":383,"444":385,"446":386,"448":387,"449":388,"450":389,"452":390,"454":391,"456":392,"458":393,"463":394,"464":395,"465":396,"466":398,"470":399,"471":400,"472":401,"473":402,"478":404,"482":405,"483":406,"484":407,"485":408,"486":410,"487":412,"489":414,"491":415,"497":416,"500":417,"504":418,"506":420,"508":421,"511":422,"512":423,"518":425,"520":426,"523":427,"524":428,"525":429,"526":431,"529":432,"530":433,"532":434,"534":435,"535":436,"537":437,"538":438,"540":439,"541":441,"542":442,"544":443,"545":444,"546":445,"547":448,"548":449,"549":450,"550":452,"552":453,"553":454,"554":455,"555":456,"556":458,"557":459,"559":460,"560":461,"561":462,"562":464,"563":465,"566":466,"570":467,"571":468,"573":469,"574":470,"577":471,"579":474,"581":476,"585":477,"586":478,"589":479,"591":480,"593":481,"594":482,"595":483,"600":484,"606":485,"611":487,"613":488,"615":489,"618":490,"619":491,"620":492,"623":493,"629":494,"630":495,"632":496,"633":497,"634":499,"635":500,"636":502,"637":504,"638":506,"639":507,"641":508,"642":509,"643":510,"644":511,"646":512,"647":514,"649":515,"650":516,"653":518,"654":519,"655":521,"656":522,"657":523,"659":524,"662":525,"663":526,"665":527,"666":529,"667":532,"668":534,"669":535,"670":536,"671":537,"672":538,"673":539,"674":540,"676":541,"677":542,"680":543,"681":544,"683":545,"686":547,"689":548,"691":549,"692":550,"693":551,"694":552,"695":553,"696":554,"697":555,"699":556,"701":558,"702":559,"703":560,"705":561,"706":562,"707":564,"708":565,"709":567,"710":570,"711":572,"712":576,"713":577,"714":579,"715":581,"716":582,"717":585,"718":586,"719":587,"721":589,"722":590,"723":592,"725":594,"727":595,"728":596,"729":598,"730":599,"732":600,"733":601,"736":602,"737":604,"738":605,"739":606,"741":607,"744":608,"745":609,"746":612,"747":613,"748":615,"750":617,"752":618,"753":619,"754":620,"756":621,"758":623,"759":624,"760":626,"761":627,"762":628,"765":629,"766":630,"768":632,"771":633,"772":634,"773":635,"782":636,"784":638,"786":639,"788":640,"790":641,"793":642,"796":643,"797":644,"800":645,"803":646,"804":647,"806":648,"807":649,"808":650,"809":651,"810":652,"811":653,"812":654,"813":655,"815":656,"816":657,"819":658,"824":659,"827":660,"828":661,"829":662,"832":663,"833":665,"834":667,"836":668,"837":670,"838":671,"839":672,"840":673,"844":674,"845":675,"846":676,"849":677,"850":678,"852":679,"853":680,"856":682,"857":684,"858":685,"859":686,"860":687,"861":689,"862":690,"863":691,"865":693,"866":694,"867":695,"868":696,"869":698,"872":700,"873":701,"874":703,"876":705,"877":706,"879":707,"880":708,"881":709,"882":710,"883":711,"884":712,"885":713,"886":714,"887":715,"889":716,"892":717,"894":718,"896":720,"897":721,"898":722,"899":723,"900":726,"901":728,"902":729,"903":730,"904":731,"905":732,"906":734,"907":736,"908":737,"909":739,"910":742,"913":745,"914":749,"916":750,"917":753,"918":755,"919":756,"920":757,"921":758,"922":761,"923":762,"924":763,"925":764,"926":765,"927":767,"928":769,"929":770,"934":772,"936":774,"937":775,"939":777,"941":779,"942":781,"943":782,"944":786,"945":788,"946":789,"947":791,"948":792,"949":794,"950":795,"951":797,"952":798,"953":800,"954":801,"955":802,"957":803,"959":804,"960":805,"961":806,"962":807,"963":809,"964":812,"966":814,"967":815,"969":817,"970":820,"971":821,"972":824,"974":826,"975":827,"976":828,"977":829,"978":831,"979":832,"980":833,"981":834,"985":836,"987":838,"988":839,"989":840,"994":841,"995":843,"996":844,"997":845,"998":846,"999":847,"1000":849,"1001":850,"1003":852,"1004":854,"1005":856,"1006":857,"1007":859,"1008":862,"1009":863,"1010":864,"1012":865,"1014":867,"1016":868,"1017":871,"1020":873,"1022":874,"1023":875,"1024":876,"1025":877,"1027":878,"1028":879,"1029":880,"1030":881,"1031":884,"1032":885,"1033":886,"1039":888,"1040":890,"1042":891,"1044":892,"1045":894,"1046":897,"1048":899,"1051":900,"1052":901,"1053":902,"1055":904,"1057":905,"1058":906,"1059":908,"1060":910,"1061":911,"1062":912,"1063":913,"1064":914,"1065":915,"1066":916,"1068":917,"1069":918,"1071":919,"1072":920,"1073":923,"1074":924,"1075":925,"1078":926,"1080":927,"1082":929,"1083":931,"1084":933,"1085":936,"1086":937,"1087":938,"1088":940,"1089":942,"1093":944,"1094":947,"1095":949,"1096":951,"1097":953,"1098":954,"1099":955,"1100":956,"1101":957,"1103":960,"1104":962,"1105":966,"1106":967,"1107":968,"1108":969,"1110":970,"1112":971,"1113":972,"1114":974,"1116":975,"1117":976,"1118":979,"1119":981,"1120":984,"1121":986,"1124":988,"1125":989,"1127":991,"1129":993,"1130":994,"1131":995,"1132":996,"1133":997,"1134":998,"1135":999,"1136":1000,"1137":1002,"1138":1003,"1141":1004,"1142":1005,"1143":1007,"1144":1008,"1146":1010,"1147":1012,"1148":1013,"1149":1014,"1151":1015,"1156":1016,"1163":1017,"1164":1018,"1165":1019,"1166":1021,"1168":1023,"1170":1024,"1175":1025,"1176":1026,"1177":1027,"1178":1028,"1179":1029,"1180":1031,"1181":1033,"1182":1034,"1183":1035,"1184":1037,"1187":1038,"1188":1041,"1189":1042,"1192":1043,"1194":1044,"1195":1045,"1200":1046,"1202":1047,"1204":1048,"1205":1050,"1206":1052,"1207":1054,"1208":1055,"1210":1056,"1211":1057,"1212":1059,"1213":1060,"1214":1061,"1215":1062,"1216":1064,"1217":1065,"1219":1068,"1220":1070,"1221":1072,"1222":1073,"1223":1074,"1224":1075,"1225":1076,"1227":1077,"1228":1079,"1229":1080,"1230":1081,"1231":1082,"1232":1084,"1233":1086,"1234":1088,"1235":1089,"1236":1090,"1237":1092,"1238":1093,"1240":1094,"1249":1096,"1250":1098,"1251":1099,"1253":1100,"1254":1102,"1256":1103,"1258":1104,"1261":1106,"1262":1107,"1263":1108,"1264":1109,"1265":1111,"1266":1113,"1267":1114,"1269":1115,"1271":1117,"1272":1119,"1273":1120,"1274":1121,"1275":1122,"1277":1123,"1280":1125,"1282":1127,"1283":1128,"1284":1129,"1286":1130,"1287":1131,"1288":1133,"1289":1134,"1290":1135,"1291":1136,"1293":1137,"1294":1138,"1297":1139,"1298":1141,"1299":1143,"1300":1145,"1303":1146,"1305":1148,"1306":1149,"1307":1150,"1308":1151,"1310":1152,"1311":1153,"1313":1154,"1315":1155,"1316":1157,"1319":1159,"1320":1160,"1321":1161,"1322":1163,"1323":1165,"1324":1167,"1325":1169,"1326":1170,"1327":1171,"1328":1173,"1329":1175,"1330":1176,"1331":1177,"1332":1178,"1334":1179,"1335":1180,"1338":1182,"1340":1185,"1341":1186,"1342":1188,"1343":1191,"1344":1192,"1345":1193,"1346":1194,"1347":1196,"1348":1197,"1349":1198,"1350":1200,"1351":1201,"1353":1203,"1355":1204,"1357":1205,"1359":1206,"1361":1208,"1362":1209,"1364":1210,"1365":1211,"1371":1212,"1374":1213,"1375":1214,"1377":1216,"1378":1217,"1379":1218,"1381":1219,"1382":1220,"1384":1222,"1385":1224,"1388":1225,"1389":1227,"1390":1228,"1391":1230,"1392":1231,"1393":1235,"1394":1236,"1396":1238,"1397":1241,"1398":1242,"1399":1244,"1400":1245,"1401":1246,"1402":1247,"1403":1248,"1404":1249,"1406":1251,"1407":1253,"1408":1254,"1409":1255,"1410":1256,"1411":1257,"1413":1258,"1415":1261,"1416":1262,"1417":1264,"1418":1265,"1419":1267,"1420":1268,"1421":1269,"1422":1271,"1423":1273,"1424":1276,"1425":1278,"1426":1279,"1427":1280,"1428":1281,"1429":1282,"1430":1284,"1431":1285,"1432":1287,"1433":1289,"1434":1290,"1436":1291,"1438":1293,"1439":1295,"1440":1296,"1441":1297,"1442":1298,"1443":1299,"1444":1301,"1445":1302,"1446":1304,"1448":1305,"1449":1306,"1451":1307,"1453":1308,"1454":1309,"1455":1311,"1456":1314,"1457":1315,"1458":1317,"1459":1319,"1460":1320,"1461":1351,"1462":1352,"1463":1354,"1465":1356,"1466":1357,"1467":1359,"1468":1360,"1470":1361,"1475":1362,"1477":1363,"1478":1364,"1479":1366,"1480":1368,"1483":1369,"1484":1372,"1485":1374,"1487":1376,"1488":1377,"1489":1378,"1490":1379,"1491":1382,"1492":1383,"1493":1384,"1494":1385,"1495":1387,"1498":1388,"1500":1389,"1501":1390,"1502":1391,"1505":1392,"1507":1393,"1508":1395,"1510":1396,"1511":1397,"1512":1399,"1513":1401,"1514":1403,"1515":1405,"1516":1406,"1517":1407,"1518":1408,"1520":1409,"1525":1411,"1526":1413,"1527":1415,"1529":1417,"1533":1418,"1534":1419,"1537":1420,"1538":1422,"1539":1424,"1540":1425,"1543":1426,"1545":1427,"1546":1428,"1547":1429,"1548":1431,"1549":1432,"1550":1434,"1552":1435,"1553":1436,"1554":1438,"1555":1439,"1556":1441,"1558":1442,"1559":1443,"1560":1445,"1561":1446,"1562":1447,"1563":1448,"1567":1449,"1569":1451,"1571":1452,"1573":1453,"1574":1454,"1575":1455,"1576":1456,"1577":1457,"1578":1458,"1579":1460,"1581":1462,"1582":1463,"1583":1464,"1584":1465,"1586":1466,"1587":1468,"1589":1470,"1590":1471,"1592":1472,"1594":1473,"1595":1474,"1596":1475,"1597":1476,"1599":1477,"1600":1479,"1601":1481,"1603":1483,"1605":1485,"1606":1487,"1607":1489,"1608":1490,"1609":1491,"1610":1492,"1612":1493,"1615":1494,"1616":1496,"1617":1498,"1619":1500,"1620":1502,"1621":1505,"1622":1507,"1624":1508,"1625":1509,"1626":1511,"1627":1512,"1628":1513,"1630":1514,"1632":1515,"1633":1516,"1634":1517,"1636":1519,"1637":1521,"1638":1523,"1639":1525,"1640":1526,"1641":1527,"1642":1529,"1643":1531,"1644":1533,"1648":1535,"1649":1537,"1650":1538,"1652":1540,"1653":1542,"1655":1544,"1656":1546,"1658":1548,"1660":1549,"1661":1550,"1662":1551,"1663":1553,"1664":1554,"1665":1556,"1669":1558,"1671":1559,"1672":1560,"1673":1561,"1674":1562,"1675":1564,"1676":1567,"1678":1568,"1681":1569,"1682":1570,"1683":1571,"1684":1572,"1685":1573,"1686":1575,"1688":1576,"1690":1578,"1691":1579,"1693":1581,"1694":1582,"1695":1583,"1698":1584,"1699":1585,"1701":1586,"1702":1588,"1704":1589,"1707":1591,"1708":1592,"1709":1594,"1710":1595,"1711":1596,"1712":1597,"1714":1598,"1718":1599,"1719":1600,"1720":1601}},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nرب يسر وأعن يا كريم\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله [وصحبه]، أجمعين.\nقال الشيخ الإمام الأجل، الأستاذ حسام الدين، شمس الإسلام والمسلمين، برهان الأئمة في العالمين، أبو المعالي عمر بن الشيخ الإمام [الأجل برهان الأئمة] عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز [نور الله مضجعهما وحفرتهما].","vol":"1","page":113},{"text":"أما بعد، فقد طلب مني بعض أصحابنا أن أذكر لكل مسألة من مسائل [كتاب] أدب القاضي الذي جمعه القاضي الإمام أبو بكر أحمد بن عمر الخصاف -﵀نكتة وجيزة، فيه ما يحتاج الناظر إليها للتفهم. فأجبتهم إلى ذلك مستعينا بالله تعالى، وعددت أبوابه فكانت مائة وعشرين بابا؛ لاندراج بعض الأبواب [في البعض] وفصلته في ابتدائه؛ كيلا يتعذر على من يروم مسألة [وبالله التوفيق].\n* * *","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>[فهرست الأبواب]</span>\nالباب الأول: في الدخول في القضاء.\nالباب الثاني: في الإكراه على القضاء.\nالباب الثالث: في الرخصة في القضاء.\nالباب الرابع: في اجتهاد الرأي في القضاء.\nالباب الخامس: في ما ابيح للقاضي من الاجتهاد [وما ينبغي له أن يعمل به].\nالباب السادس: في قبض المحاضر من ديوان القاضي المعزول.\nالباب السابع: في القاضي يقضى في المسجد.\nالباب الثامن: في القاضي يجلس معه غيره.\nالباب التاسع: في القاضي يشاور.\nالباب العاشر: في الحكم وفصل الخطاب.\nالباب الحادي عشر: في القضاء وهو غضبان.\nالباب الثاني عشر: في القاضي إذا جاع.\nالباب الثالث عشر: في القاضي يأخذ الرزق.","vol":"1","page":115},{"text":"الباب الرابع عشر: في الرشوة في الحكم.\nالباب الخامس عشر: في القاضي يسلم على الخصوم.\nالباب السادس عشر: في القاضي يولي القضاء فيأتيه رجل [فيقر عنده بشيء أو يقول: لي حق في البلد الذي وليته، وقد وكلت هذا الرجل عندك يطلب لي حقي، والقاضي في المصر الذي فيه الخليفة، أو في مصر آخر قبل أن يصل إلى عمله].\nالباب السابع عشر: في القاضي ينظر [في] القصص.\nالباب الثامن عشر: في القاضي يقوم على رأسه الجلواز.\nالباب التاسع عشر: في التسوية بين لخصمين.\nالباب العشرون: في القاضي يؤتى في منزله.\nالباب الحادي والعشرون: في اليمين.\nالباب الثاني والعشرون: في استحلاف أهل الذمة.\nالباب الثالث والعشرون: في ما لا تجب فيه اليمين.\nالباب الرابع والعشرون: في رد الإيمان.\nالباب الخامس والعشرون: في اليمين على العلم.\nالباب السادس والعشرون: في من قال تقبل البينة [بعد] اليمين.\nالباب السابع والعشرون: في المدعي يقول ليس لي شهود.","vol":"1","page":116},{"text":"الباب الثامن والعشرون: في النكول عن اليمين.\nالباب التاسع والعشرون: في أخذ الكفيل.\nالباب الثلاثون: في العدوى.\nالباب الحادي والثلاثون: في الحبس في الدين وغيره.\nالباب الثاني والثلاثون: في الحجر بسبب الدين.\nالباب الثالث والثلاثون: في حجر الفساد.\nالباب الرابع والثلاثون: في المسألة عن الشهود.\nالباب الخامس والثلاثون: في الرجل يسأل عن الشهود.\nالباب السادس والثلاثون: في المدعي عليه يعدل الشهود.\nالباب السابع والثلاثون: في الملازمة.\nالباب الثامن والثلاثون: في ما ينبغي للقاضي أن يعمل [به].\nالباب التاسع والثلاثون: في القاضي يقضى بعلمه.\nالباب الأربعون: في القاضي يجد في ديوانه شيئا لا يحفظه.\nالباب الحادي والأربعون: في القاضي ترفع إليه قضية قاض مما","vol":"1","page":117},{"text":"لا ينفذها.\nالباب الثاني والأربعون: في ما لا ينفذها.\nالباب الثالث والأربعون: في القاضي يقضى زمانا ثم يعلم أنه ممن لا يجوز قضاؤه.\nالباب الرابع والأربعون: في موت الخليفة.\nالباب الخامس والأربعون: في الخوارج يولون قاضيا.\nالباب السادس والأربعون: في القاضي يستخلف رجلا.\nالباب السابع والأربعون: في القاضي يعزل فيطالب بشيء مما كان فعله.\nالباب الثامن والأربعون: في القاضي يقضى ثم يرى بعد ذلك خلافه.\nالباب التاسع والأربعون: في ما يحله قضاء القاضي وما لا يحله.\nالباب الخمسون: في ما ينبغي للقاضي أن يضمه على يدي عدل إذا [هو] خوصم إليه.\nالباب الحادي والخمسون: في ما لا يضمه القاضي على يدي عدل إذا هو خوصم إليه.\nالباب الثاني: والخمسون: في ما يدعي في يدي رجل من الرقيق وغيره.\nالباب الثالث والخمسون: في الرجلين يدعيان الشيء، كل واحد","vol":"1","page":118},{"text":"منهما يدعيه [كله، ويقيم البينة أنه له، وليس هو في يد واحد منهما].\nالباب الرابع والخمسون: في الرجلين يدعيان الشيء وهو في أيديهما.\nالباب الخامس والخمسون: في الرجل في يده عبد فيدعيه رجل.\nالباب السادس والخمسون: في الرجل يدعى الشيء أن أباه مات، وتركه [ميراثا].\nالباب السابع والخمسون: في القاضي لمن يجوز قضاؤه.\nالباب الثامن والخمسون: في ما يكون الرجل [فيه] خصما.\nالباب التاسع والخمسون: في كتاب القاضي إلى القاضي.\nالباب الستون: في ما لا ينبغي للقاضي أن يكتب به.\nالباب الحادي والستون: في القاضي يرد عليه كتاب من قاض.\nالباب الثاني والستون: في الرجل يريد أن يكتب وصية، والشهادة عليها.\nالباب الثالث والستون: في ما يجوز من فعل الموصي.\nالباب الرابع والستون: في الرجل يوصى إلى رجلين.","vol":"1","page":119},{"text":"الباب الخامس والستون: في الرجل يوصي إلى من لا تجوز إليه الوصية.\nالباب السادس والستون: في ما لا يجوز من فعل الموصي في مال اليتيم.\nالباب السابع والستون: في ما يكون قبولا للوصية، وما يكون ردا لها.\nالباب الثامن والستون: في إثبات الوكالة.\nالباب التاسع والستون: في الشهادة على الوكالة.\nالباب السبعون: في ما لا تجوز فيه الوكالة.\nالباب الحادي والسبعون: في الرجل يريد سفرا وهو مطلوب.\nالباب الثاني والسبعون: في إثبات النسب.\nالباب الثالث والسبعون: في إثبات الدين والحقوق على الميت.\nالباب الرابع والسبعون: في الرد بالعيب.\nالباب الخامس والسبعون: في الشفعة.\nالباب السادس والسبعون: في الخصمين يحكمان بينهما حكما.\nالباب السابع والسبعون [في الإقرار بالمال عند القاضي].","vol":"1","page":120},{"text":"الباب الثامن والسبعون: في الحكومة على أهل الكفر.\nالباب التاسع والسبعون: في القسمة.\nالباب الثمانون: في دعوى بعض الورثة الغلط في القسمة.\nالباب الحادي والثمانون: في نكاح الصغيرة.\nالباب الثاني والثمانون: في نكاح الكبيرة.\nالباب الثالث والثمانون: في المطالبة بمهر المرأة.\nالباب الرابع والثمانون: في العنين والمجبوب.\nالباب الخامس والثمانون: في من قال إذا [تم] أجل العنين خيرت المرأة.\nالباب السادس والثمانون: في من قال لامرأة العنين الصداق.\nالباب السابع والثمانون: في من قال إذا وصل إلى امرأته فلا خيار لها.\nالباب الثامن والثمانون: في المجبوب.\nالباب التاسع والثمانون: في الرجل بغيب عن امرأته فتطلب النفقة.\nالباب التسعون: في نفقة المرأة.\nالباب الحادي والتسعون: في نفقة المطلقة.\nالباب الثاني والتسعون: في نفقة الصبيان.\nالباب الثالث والتسعون: في نفقة الأبوين وعلى ذي الرحم المحرم.","vol":"1","page":121},{"text":"الباب الرابع والتسعون: في الرجل يطلب النفقة عن أبيه.\nالباب الخامس والتسعون: في العبد يتزوج وما يلزمه من النفقة.\nالباب السادس والتسعون: في امرأة المفقود وولده.\nالباب السابع والتسعون: في نفقة المرأة [يشهد الشهود على طلاق زوجها إياها].\nالباب الثامن والتسعون: في الولد من أولى به.\nالباب التاسع والتسعون: في الرجل يطلق المرأة ولها منه ولد، فيريد أن يخرج بالولد.\nالباب المائة: في الغلام والجارية إذا بلغا يخيرهما.\nالباب الحادي والمائة: في الرجل يشهد على النسب.\nالباب الثاني والمائة: في الرجل يجوز أن يشهد على من لم يدركه.\nالباب الثالث والمائة: في الشهادة على النكاح.\nالباب الرابع والمائة: في الشهادة على العتق.\nالباب الخامس والمائة: في الشهادة على ملك من لم يدركه والظنين ودافع المغرم.\nالباب السادس والمائة: في الرجل يرى خطه ولا يذكر الشهادة.","vol":"1","page":122},{"text":"الباب السابع والمائة: في شهادة الأخ وشهادة الولد، وشهادة المختبى وشهادة الوصي و[شهادة] العبد.\nالباب الثامن والمائة: في شهادة الخصى والاقلف وولد الزنى.\nالباب التاسع والمائة: في شهادة السمع.\nالباب العاشر والمائة: في الرجلين يدخلان بين القوم.\nالباب الحادي عشر والمائة: في شهادة الأعمى والمقطوع في السرقة والمحدود في القذف.\nالباب الثاني عشر والمائة: في النصراني والعبد. [إذا حد] ثم اسلم النصراني أو اعتق العبد.\nالباب الثالث عشر والمائة: في شهادة الكفار والعبد والذمي وأهل الكتاب على وصية المسلم، وشاهد ويمين، والشهادة على الشهادة.\nالباب الرابع عشر والمائة: في الشهادة على الحدود.\nالباب الخامس عشر والمائة: في الرجوع عن الشهادة.\nالباب السادس عشر والمائة: في الشهادة على الحقوق والشهادة على الشهادة.\nالباب السابع عشر والمائة: في البراءة والشهادة عليها.","vol":"1","page":123},{"text":"الباب الثامن عشر والمائة: في دعوى الرجلين وشهادة الغرماء.\nالباب التاسع عشر والمائة: في شهادة الزور وما يصنع فيها.\nالباب العشرون والمائة: في المرأة تخاصم زوجها في ولدها.\n[تم الفهرست]\n* * *","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>[ما يحتاج إليه لمعرفة أدب القاضي]</span>\n[١] قال -﵁ -:\nيحتاج لمعرفة أدب القاضي إلى معرفة تفسير القضاء لغة وشرعا، وإلى معرفة أهل القضاء، وإلى معرفة من يجوز تقليد القضاء منه، ومن لا يجوز، وإلى معرفة جواز الدخول في القضاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-4>[معنى القضاء]</span>\n[٢] أما تفسير القضاء لغة: فالقضاء لغة: يعبر عن أشياء:\nعن اللزوم، ولذلك سمي الحاكم قاضيا؛ لأنه يلزم الناس الأحكام.\nوعن التقدير؛ يقال: قضى على فلان بالنفقة، أي قدرها عليه.\nوعن الأمر؛ قال الله تعالى:\n﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾.","vol":"1","page":125},{"text":"أي أمر ربك.\nوفي متعارف الشرع يراد بالقضاء: فصل الخصومات، وفصل المنازعات.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>[أهلية القضاء]</span>\n[٣] وأما أهلية القضاء فأهل القضاء من كان علما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، حتى لا ينبغي أن يقلد القضاء ما لم يكن عالمًا بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، ثبت ذلك بالنص والمعقول:\n\n[٤] أما النص: فما روى عن النبي -ﷺأنه [لما] بعث معاذًا -﵁إلى","vol":"1","page":126},{"text":"اليمن قال له:\n\"بم تقضي يا معاذ؟ \"\nقال: بكتاب الله تعالى\nقال: \"فإن لم تجد؟ \"\nقال: فبسنة رسوله.\nقال: \"فإن لم تجد؟ \"\nقال: أجتهد في ذلك رأيي.\nفقال رسول الله -ﷺ -: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله\".","vol":"1","page":127},{"text":"[٥] وأما المعقول:\nفإن القاضي مأمور بالقضاء بالحق:\nقال الله تعالى:\n﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾.\nوإنما يمكنه القضاء بالحق إذا كان عالما بالكتاب والسنة واجتهد الرأي؛ لأن الحوادث ممدة والنصوص معدودة، فلا يجد القاضي في كل حادثة نصا يفصل به الخصومة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من النصوص، وإنما يمكنه ذلك إذا كان عالما بالاجتهاد.\nثم الاجتهاد إنما يكون حجة إذا لم يكن مخالفا للكتاب والسنة.\nوإنما يمكنه أن يعرف أنه لم يخالف الكتاب والسنة إذا كان عالما بالكتاب والسنة.\nفصار العلم بهذه الجملة شرطا.\nوذكر الخصاف [-﵀ -] شرطا آخر: وهو أن يكون عدلا،","vol":"1","page":128},{"text":"وهو مذهب الشافعي -﵁إلا أن الشافعي شرط العدالة شرطا لازما، حتى لو تقلد القضاء وهو غير عدل لا يصير قاضيا، ولو قضى لا ينفذ قضاؤه.\nوجعل الخصاف -﵀ - العدالة شرط الأولوية فإن الأولى أن يكون القاضي عدلا، كما أن الأولى أن القاضي لا يقضى بشهادة الفاسق، ومع هذا إذا قضى بشهادة الفاسق ينفذ قضاؤه، كذلك ههنا، الأولى أن لا يتقلد الفاسق القضاء، ومع هذا إذا تقلد يصير قاضيا، ولو قضى ينفذ قضاؤه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>[بيان من يجوز تقلد القضاء منه]</span>\n[٦] وأما بيان من يجوز تقلد القضاء منه فيجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائز جميعا:\nأما العادل فإن النبي -ﷺبعث معاذا إلى اليمن","vol":"1","page":129},{"text":"قاضيا. وولى عتاب بن أسيد أميرا على مكة.\nوأما الجائر فإن الصحابة -﵃تقلدوا الأعمال عن معاوية بعد ما أظهر الخلاف مع علي -﵁ -، والحق مع علي -﵁في توبته.","vol":"1","page":130},{"text":"لكن أنما يجوز تقلد القضاء من السلطان الجائر إذا كان يمكنه من القضاء بحق.\nوأما إذا كان لا يمكنه فلا، لما روي عن الحكم بن عمرو الغفاري أنه أتاه كتاب معاوية، وكان فيه:\nأن أمير المؤمنين يأمرك أن تصطفى له الصفراء والبيضاء.\nفقال: سبق كتاب الله تعالى كتاب [أمير المؤمنين] معاوية، وتلا قوله تعالى:\n﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء [فإن لله خمسة] …﴾ الآية.\nثم صعد المنبر وقال:\nيا أيها الناس: لقد أتاني كتاب أمير المؤمنين، وقد أمرني أن","vol":"1","page":131},{"text":"صفى له الصفراء والبيضاء، وقد سبق كتاب الله [تعالى] كتاب معاوية، وأني قاسم لكم ما أفاء الله عليكم، إلا فليقم كل واحد منكم فليأخذ حقه، ثم قال اللهم اقبضني إليك، فما عاش [بعد ذلك] إلا قليلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>[جواز الدخول في القضاء مختارا]</span>\n[٧] وأما جواز الدخول في القضاء [فقد] اختلفوا فيه:\nفمنهم من قال: يجوز الدخول فيه مختارا؛ لأن الأنبياء، والرسل، والخلفاء الراشدين اشتغلوا به [باختيارهم]. ولأن","vol":"1","page":132},{"text":"هذا نيابة عن الخلفاء الراشدين، وإقامة حدود الله تعالى، فيجوز الدخول فيه مختارا.\nومنهم من قال: لا يجوز الدخول فيه إلا مكرها؛ ألا ترى أن ابا حنيفة -﵁دعى إلى القضاء ثلاث مرات فأبى، حتى ضرب في كل مرة ثلاثين سوطا، فلما كان في المرة الثالثة قال: حتى استشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف -﵀ -، فقال أبو يوسف -﵀ -: لو تقلدت نفعت الناس. فنظر إليه نظر المغضب وقال: أرأيت لو أمرت أن اعبر البحر سباحة، أكنت اقدر عليه؟ وكأني بك قاضيا.","vol":"1","page":133},{"text":"وكذا دعي محمد -﵀إلى انقضاء، فأبى حتى قيد وحبس فاضطر إليه فتقلد.\nوالصحيح أن الدخول في القضاء مختارا رخصة والامتناع عزيمة.\nأما الدخول رخصة فلما قلنا.\nو[أما] الامتناع عزيمة فلوجهين:\nأحدهما: أن القاضي مأمور بالحق، وعسى [أن] يظن في الابتداء أنه يقضى بحق، ثم لا يقضي في الانتهاء.\nوالثاني: أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى [أن] يعينه غيره، وعسى [أن] لا يعينه [غيره].\n* * *","vol":"1","page":134},{"text":"إذا عرفنا هذه المقدمات جئنا إلى ما افتتح صاحب الكتاب به الكتاب والله أعلم بالصواب.\n* * *","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>الباب الأول ما جاء في الدخول في القضاء</span>\n[٨] افتتح صاحب الكتاب بحديث عائشة -﵂أنها قالت:\n\"يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يكن قضى بين اثنين\".\nأورد هذا الحديث المحدثون للتخدير عن طلب القضاء والدخول","vol":"1","page":136},{"text":"فيه؛ فإنه ذكر هذا في حق العادل في هذا الحديث؛ فإذا كان هذا حال العادل فما ظنك بالجائر؟\nفكأن شدة الحساب والعقاب تعم جميع القضاة، إلا ن العادل ينجيه الله تعالى بعدله، والجائر يبقى في وبال ما فعل.\n\n[٩] ذكر عن صعصعة بن صوحان أنه قال:\nخطبنا علي بن أبي طالب -﵁بذي قار على ظرب. وذي قار اسم موضع وظرب بالظاء رأس جبل، ويروى بالضاد، وهو تل؛ فإنهم كانوا يخطبون على الجبال والتلال؛ ليكون أبلغ وأشهر في الأسماع، ولهذا جرت العادة باتخاذ المنابر.\nقال: وعلى رأسه عمامة سوداء.\nوإنما تعمم بعمامة سوداء اقتداء برسول الله -ﷺ -، فإن النبي ﵊ كان على رأسه يوم فتح مكة عمامة سوداء، وعصب عليها عصابة حمراء.","vol":"1","page":137},{"text":"نتعمم علي -﵁بعمامة سوداء اقتداء به.\nثم قال:\nأيها الناس: أني سمعت رسول الله -ﷺيقول:\n\"أنه ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدى الله تعالى على الصراط ثم تنشر الملائكة سيرته، أي صحيفة عمله مع رعيته، ومع من تحت يده: أعدل أم جار، فيقراها على رؤوس الخلائق يعني بين الإشهاد كما قال الله تعالى:\n﴿ويوم يقوم الإشهاد﴾.\nفإن كان عدلا نجاه الله تعالى بعدله، وإن كان غير عدل انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة عام.","vol":"1","page":138},{"text":"فتكلموا في معناه على وجهين:\nمنهم من قال: تعظم أعضاؤه حتى يصير بين كل عضو من أعضائه لعظمه مسيرة مائة سنة قال النبي -ﷺ -:\n\"غلظ جلد الكافر في النار أربعون ذراعًا\".","vol":"1","page":139},{"text":"وقال -﵊ -:\n\"ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد\".\nفكذا ههنا تعظم أعضاؤه بهذه الصفة؛ ليذوق من الحساب بحسابه\".\nومنهم من يقول: تتفرق أعضاؤه حتى يصير بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة سنة.\nقال:\nثم ينخرق به الصراط، أي ينشق.\nوفي رواية: ينحرف الصراط، أي يميل.","vol":"1","page":140},{"text":"والأول أصح.\nفما يتلقى قعر جهنم إلا بوجهه وحر جبينه.\nوتكلموا في معناه على وجهين:\nمنهم من قال: [أن] أول ما يعذب في النار الوجه، قال الله تعالى:\n﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾.\nوهذا لأنه إنما قضى بالجور صيانة لوجهه فيكون الوجه هو المعذب أولا في النار.\nومنهم من يقول: يلقى في النار منكوسًا، وأشد ما يكون من العذاب أن يلقى المرء في النار منكوسًا فيكون مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.\nوهذا لأنه أظهر من نفسه أنه يقضى بالعدل وقد قضى بالجور، فكان صورته صورة المنافقين، فيكون مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.","vol":"1","page":141},{"text":"وفائدة الحديث التحذير عن طلب القضاء.\n\n[١٠] ذكر عن سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد عن مسروق قال:\nما من حكم -وفي رواية: ما من حاكم، والأول أصح -[يحكم بين اثنين] إلا جيئ به يوم القيامة وملك آخذ بهذه منه -وأشار سفيان بيده إلى قفاه -ينظر إلى الله تعالى، فإن أمره أن يلقيه القاه في مهواة سبعين خريفًا.\nفهذا الحديث كالمرفوع إلى رسول الله -ﷺ -؛","vol":"1","page":142},{"text":"لأن الوعيد في الآخرة لا يعرف بالرأي وإنما يعرف بالسماع من رسول الله -﵊فصار كالمرفوع إلى رسول الله -ﷺ -. ففي الحديث دليل على أن الوعيد المذكور للقضاة يتناول الحكم أيضا.\nوفائدة الحديث التحذير عن طلب القضاء؛ فإن أشد ما يكون من الاستخفاف أن يكون غيره آخذا بقفاه.\nثم تكلموا في معنى قوله: ينظر إلى الله تعالى من وجهين:\nمنهم من يقول: لم يرد به حقيقة النظر، وإنما أراد به أن ينظر أمر الله تعالى فيه؛ ليمتثل أمر الله تعالى.\nومنهم من يقول: أراد به حقيقة النظر؛ وهي الرؤية.\nثم تكلموا في الرؤية: أن الرؤية لبني آدم دون الملائكة أم لهما؟ وترك الخوض فيه أحوط.\nوقوله: في مهواة سبعين خريفا، ولم يرد به حقيقة السبعين، وإنما أراد به المبالغة، فإن هذه عادة العرب أن من أراد المبالغة في شيء فإنه يذكر السبعين والأربعين.\nوفائدة الحديث: التحذير عن طلب القضاء.\n\n[١١] وذكر عن مسروق -﵀أنه قال:","vol":"1","page":143},{"text":"لأن أقضى يومًا واحدا بحق وعدل أحب إلي من سنة اغزوها في سبيل الله تعالى.\nذكر مسروق محاسن القضاء؛ لأنه ابتلى به ومن ابتلى بشيء يذكر محاسن ذلك الشيء، هذا هو العادة. وإنما قال ذلك؛ لأن الجهاد فيه أمر بالمعروف، وفي القضاء بحق أمر بالمعروف وإظهار","vol":"1","page":144},{"text":"الحق، ونصرة المظلوم، فيكون نفع القضاء أعم، وما يكون أعم نفعا كان أفضل.\n\n[١٢] ذكر عن أبي هريرة -﵁قال:\nقال رسول الله -ﷺ -:\n\"من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين\".","vol":"1","page":145},{"text":"وفي رواية:\n\"من ولي القضاء فكأنما ذبح بغير سكين\".\nوهذا لأن السكين تؤثر في الظاهر والباطن جميعا، والذبح بغير سكين ذبح بطريق الخنق والغم ونحو ذلك، وأنه يؤثر في الباطن دون الظاهر فكذا القضاء لا يؤثر في الظاهر؛ فإنه في الظاهر حياة وفي الباطن هلاك.\n\n[١٣] ذكر عن الحارث البصري [-﵀ -] قال:\nكانت بنو إسرائيل إذا استقضى الرجل منهم أوين له من النبوة.\nوفائدة الحديث: التحذير عن طلب القضاء والدخول فيه؛ لأن","vol":"1","page":146},{"text":"درجة النبوة درجة عظيمة، فمن أوين له من النبوة كان ذلك مسقطة له لا مكرمة، وهذا لأن في نبي إسرائيل من فرغ نفسه للعبادة ستين سنة كان يرجى له النبوة، فإذا اشتغل بالقضاء انقطع طمعه فيها.\n\n[١٤] ذكر حديث أبي قلاية أنه دعي إلى القضاء فهرب حتى أتي الشام، فوافق ذلك عزل صاحبها، حتى أتى اليمامة، فقال: ما وجدت مثل القاضي إلا مثل سايح في بحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق.\nوهذا لأن الغالب من حال السابح في البحر الهلاك، والنجاة نادرة، فكان من الغالب من حال الداخل في القضاء الهلاك والنجاة نادرة. فكأن حديث أبي قلابة بلغ أبا حنيفة -﵀حتى قال أبي يوسف: لو أمرت أن اعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه؟!\nوفائدة الحديث ما قلنا.","vol":"1","page":147},{"text":"[١٥] وذكر أن الحكم بن أيوب كتب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد بن عمرو: أن الحكم بن أيوب قد كتب يذكرني في هؤلاء، وما أملك من الدنيا إلا حماري هذا، ولو أرسل إلي لركبته وهربت في الأرض.\nوفائدة الحديث ما قلنا.\n\n[١٦] ذكر عن شريح أنه قال:\nإنما القضاء جمر فادفع الجمر عنك بعودين.","vol":"1","page":148},{"text":"يعني بشاهدين.\nوتأويله: أنه لما جثا الخصمان بين يدي القاضي فقد توجه الاحتراق على القاضي، فعليه أن يدفع الاحتراق عن نفسه بشهادة شاهدين فإن قضى بشهادة شاهدين فقد دفع الاحتراق عن نفسه، وأن خالف احترق في نفسه.\n\n[١٧] ذكر عن سليمان بن جنيد المدني قال:\nحدثني من سمع أبا هريرة -﵁يقول:\nوالله ليرمين الله تعالى القضاة يوم القيامة بشرر أعظم من هضاب حسمى.\nالشرر هي النار. قال الله تعالى:\n﴿إنها ترمى بشرر كالقصر﴾.\nوالمراد به النار والهضاب: تلال، وحسمى: اسم موضع، والهضبة وحدان الهضاب، وهي اسم جبال صغار في حسمى.\nوقيل حسمى على وزن كسرى أصح، وهو اسم جبل عظيم.\nوهذا الحديث وإن قيل في تأويله: أن المراد منه الجائر، ولكن ظاهرة يتناول القضاة العادل والجائر جميعا.","vol":"1","page":149},{"text":"وفائدة الحديث ما قلنا.\n\n[١٨] وذكر عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال:\nويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلا من أم بالعدل وقضى بالحق، ولم يقض بهوى، ولا لقرابة، ولا لرغبة، ولا لرهبة، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه.\nفالمراد من ديان أهل الأرض الحاكم، ومن ديان أهل السماء هو الله تعالى، وفي صفات الله تعالى الديان.\nيعنى: ويل للحاكم الذي يحكم بغير حق من الله تعالى يوم القيامة.\nوقوله: إلا من أم بالعدل، أي قصد العدل والإنصاف، وجعل كتاب الله تعالى مرآة بين عينيه.\n\n[١٩] وذكر عن عمران بن الحصين أنه قضى على رجل بقضية فقال: والله لقد قضيت علي بالجور وما ألوت.","vol":"1","page":150},{"text":"يعنى: وما قصرت قال الله تعالى:\n﴿لا يألونكم خبالًا﴾.\nيعنى لا يقصرون في إفساد أمور دينكم.\nفقال: وكيف ذلك؟\nقال: شهد علي بزور.\nفقال: ما قضيت فهو من مالي، والله لا أجلس مجلسي هذا أبدا.\nفقوله: ما قضيت فهو من مالي ضمان على طريق التبرع، أما لا يجب عليه الضمان بذلك.\nوقوله: [والله] لا أجلس مجلسي هذا، يعني القاضي إنما","vol":"1","page":151},{"text":"يخرج عن الوبال بأن يعتمد شاهدين، ويتأمل، وبعد الاعتماد والتأمل فقد تقع مثل هذه الحادثة، فالصواب هو الامتناع.\nوالله اعلم\n* * *","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>الباب الثاني في الإكراه على القضاء</span>\n[٢٠] ذكر عن أنس بن مالك -﵁قال:\nقال رسول الله -ﷺ -:\n\"من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن اجبر عليه نزل عليه ملك يسدده\".\n\n[٢١] وذكر بعد هذا عن أنس -﵁قال:\nقال [رسول الله]-ﷺ -:\n\"من طلب القضاء وطلب عليه الشفعاء وكل إليه ومن اكره على القضاء وكل به ملك يسدده\".","vol":"1","page":153},{"text":"وإنما كان [كذلك] لأن من سأل القضاء اعتمد فقهه وورعه وذكاءه فصار معجبا، فلا يلهم الرشد، ويحرم التوفيق، فمحال أن يشتغل المرء بالتماس ما لو ناله وكل إلى نفسه.\nوأما من أكره على القضاء فقد اعتصم بحبل الله تعالى، وتوكل على الله تعالى، وقد قال الله تعالى:\n\"ومن يتوكل على الله فهو حسبه\".\nفيلهم الرشد ويوفق للصواب.\nوقوله: نزل عليه ملك يسدده، يعني يلهمه الرشد، ويوفقه","vol":"1","page":154},{"text":"للصواب، كما روي عن رسول الله -ﷺأنه قال:\n\"أن الملك لينطق على لسان عمر\".\nيعنى يوفقه للصواب.\nوالله أعلم\n* * *","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>الباب الثالث في الرخصة في القضاء</span>\n[٢٢] ذكر عن الحسن [-﵀ -] أنه قال:\nكان يقال: لأجر حكم عدل يوما واحدًا أفضل من أجر رجل يصلى في بيته سبعين سنة، أو قال ستين سنة.\nوكان الحسن إذا روى حديثا عن واحد سمى ذلك الواحد، فإذا روى عن غير واحد قال: كان يقال.\nوالحسن كان [قد] ابتلى بالقضاء، ومن ابتلى بشيء يروي في ذلك الباب ما يرجع في محاسن ذلك الشيء.","vol":"1","page":156},{"text":"ثم قوله: لأجر حكم عدل … الحديث إشارة إلى ما ذكرناه من قبل أن في نبي إسرائيل كان إذا فرغ الرجل نفسه لعبادة [ربه] ستين سنة ترجى له النبوة، ويصير عظيم الشأن في ما بينهم، ولا نبي في شريعتنا بعد نبينا -﵊ -، فيكون ثواب القضاء بحق موازيا ثواب من فرغ نفسه لعبادة ستين سنة، ويكون هذا أفضل بهذا الحديث.\nولأنا قد ذكرنا من قبل أن القضاء بحق أفضل من الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله أفضل من التخلي لنفل العبادة، فلأن يكون القضاء بحق أفضل من التخلي لنفل العبادة أولى.\nثم قال الحسن: نعم أنه يدخل من عدله في ذلك اليوم على كل أهل بيت من المسلمين خيرًا، وإنما يكون كذلك لأن بالعدل يمطرون، وبالجور يقحطون، فكان نفع القضاء بحق راجعا إلى كل المسلمين.\n\n[٢٣] ذكر عن أبي عبيدة قال:\nإن الحكم العدل يسكن الأصوات عن الله تعالى، وأن الحكم الجائر تكثر منه الشكاية إلى الله تعالى.","vol":"1","page":157},{"text":"وإنما كان [كذلك]، لأن القضاء متى كان بحق، لا يرجع كل واحد منهما شاكيا:\nأما المحكوم له: فلا شك؛ لأنه يرجع شاكرا لا شاكيا.\nوأما المحكوم عليه: فكذلك؛ لأنه يعلم أن الشكاية لا تنفعه.\nوإذا كان الفضاء بجور يرجع كل واحد منهما شاكيا:\nأما المحكوم عليه فلا شك.\nوأما المحكوم له فلأنه وقع في الحرام، ولا يأمن أن يبتليه الله تعالى بقاض يحكم عليه بالجور.\n\n[٢٤] ذكر عن الحسن [-﵀ -] أنه قال:\nإن الله -﷿أخذ على الحكام ثلاثًا …\nوهذا ليس إلى الحسن علمه، والظاهر أنه سمع فيه حديثا، أو حفظه من الكتب؛ فإنه كان ينظر في كتب المتقدمين، ويحفظ، ويروى، ثم قال:\nلا تتبعوا الهوى …","vol":"1","page":158},{"text":"فيه دليل على أن المنهى [عنه إنما هو] إتباع الهوى، لا نفس الهوى. وهذا لأن الإنسان إنما يخاطب بالامتناع عما في وسعه، ونفس الهوى ليس في وسعه الامتناع عنه، فإنه إذا جثا الخصمان بين يديه لابد له أن يقع في قلبه أنه ينبغي أن يكون المال لهذا أو لهذا، لكن هذا لا يمكن التحرز عنه، فلا يخاطب بالامتناع عنه، إنما يخاطب بما في وسعه، وهو الامتناع عن إتباع الهوى، قال الله تعالى:\n﴿يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ الآية.\nثم قال:\nوأن تخشوه، ولا تخشوا الناس.\nلقوله تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني﴾.\nولقوله -﵊ -:\n\"من خاف الله تعالى خافه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه","vol":"1","page":159},{"text":"الله من كل شيء\".\nوهذا لأنه متى خاف الناس لا يمكنه أن يطلب رضا الله تعالى، ومتى خاف الله تعالى يحصل رضا الله تعالى ورضا الناس.\nثم قال:\nولا تشتروا بآياته ثمنًا قليلًا.\nإنما أراد به النهي عن أخذ الرشوة؛ لقوله تعالى:\n﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾.","vol":"1","page":160},{"text":"وأراد به والله أعلم الرشوة.\nوهذا لأنه لا يخلو: أما أن يأخذ الرشوة ليقضى بالجور، وهذا حرام، أو يأخذ الرشوة ليكف عن الظلم، والكف عن الظلم واجب بدون الرشوة.\n\n[٢٥] قال صاحب الكتاب:\nوقد جاء في كراهية القضاء، وفي الدخول فيه من الأحاديث غير هذا.\n\n[٢٦] قال: وقد دخل في القضاء قوم صالحون واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه [أمثل، و] أصلح في الدين والدنيا لما ذكرنا من الفقه في صدر الكتاب.\nوهذا إذا كان في البلدة قوم يصلحون، فإذا امتنع واحد منهم لا يأثم، وإذا لم يكن فامتنع يأثم.\nوإذا كان في البلدة قوم يصلحون، فامتنعوا جميعهم، فإن كان السلطان بحيث لا يفصل الخصومات بنفسه [فإنهم] يأثمون؛ لأنه تضييع لأحكام الله تعالى.\nفأما إذا كان السلطان بحيث يفصل بنفسه لا يأثمون؛ لأنه","vol":"1","page":161},{"text":"لا تضييع لأحكام الله تعالى.\nولو امتنع الكل حتى ولوا جاهلا يشتركون في الآثم؛ لأنه يؤدى إلى تضييع أحكام الله تعالى فلا يحل لهم السكوت.\n\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>الباب الرابع في اجتهاد الرأي في القضاء</span>\n[٢٧] ذكر عن ابن بريدة عن أبيه قال:\nقال رسول الله -ﷺ -:\n\"القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة؛ رجل علم فقضى بما علم فهو في الجنة .... \".\nلأنه أظهر الحق بعلمه، وأنصف المظلوم ن خصمه فهو في الجنة.\nثم تكلم العلماء [في] أنه هل يجوز إطلاق اسم خليفة الله تعالى عليه؟\nوأكثرهم على أنه يقال: خليفة رسول الله [-ﷺ -] ووارثه، ولا [يجوز أن] يقال خليفة الله تعالى؛ لأن هذا الاسم خاص للأنبياء.\nقال:\n\" … ورجل جهل فقضى بجهله فهو في النار … \"","vol":"1","page":163},{"text":"لأنه جازف، وتخبط في ما صنع.\nقال:\n\" … ورجل علم فقضى بغير علمه فهو في النار\" لأنه كابر الحق، وأقدم على النار عن بصيرة.","vol":"1","page":164},{"text":"[٢٨] ذكر عن ابن بريدة [أيضا] عن أبيه عن رسول الله -ﷺأنه قال:\n\"القضاة ثلاثة … \" على ما بينا في الحديث الأول وزاد فيه: \" … وقاض قضى بغير علم فاستحيى أن يسأل فهو في النار\".\nفينبغي للقاضي أنه إذا لم يعلم جواب الحادثة أن لا يستحيى من السؤال، ولا يستحيى أن يقول لا أدري متى لم يدر؛ فإنه روي عن عبد الله بن عمر -﵄أنه سئل عن مسألة فقال: لا أدري، ثم قال في نفسه: بخ بخ لابن عمر لم يدر فقال لا أدري.","vol":"1","page":165},{"text":"وهذا لأنه متى لم يدر يفترض عليه السؤال؛ فإذا ترك فقد ترك ما هو فرض عليه، فهو في النار.\n\n[٢٩] ذكر عن علي بن أبي طالب -﵁أنه قال:\n\"الحكام ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل ترك الحق","vol":"1","page":166},{"text":"عيانا وهو يراه فهو في النار، ورجل حكم فاجتهد فأصاب فهو في الجنة، ورجل حكم فاجتهد فاخطأ فهو في النار\".\nوهذا الحديث أفاد مثل ما أفاد الحديث الأول، إلا أن فيه زيادة شيء، فإنه قال: \"ورجل حكم فاجتهد فاخطأ فهو في النار\".\nوقد صح في الحديث المرفوع إلى رسول الله -ﷺأنه قال:\n\"إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فاخطأ فله اجر واحد\".","vol":"1","page":167},{"text":"فلابد من التوفيق بين هذا الحديث المرفوع وبين حديث علي كرم الله وجهه.\nووجه التوفيق من وجهين:\nأحدهما: أن تأويل ما ذكر في الحديث المرفوع، أنه اجتهد فكان من أهل الاجتهاد.\nوتأويل ما ذكر في حديث علي -﵁أنه اجتهد ولم يكن من أهل الاجتهاد، وإذا لم يكن من أهل الاجتهاد لم يحل له الاجتهاد، فإذا اجتهد فهو في النار.\nوإلى هذا أشار علي -﵁على ما ذكر، وقال: هو الحروري اجتهد فاخطأ فهو في النار.","vol":"1","page":168},{"text":"والحروريون قوم من الخوارج لا يأخذون بسنة رسول الله -ﷺ -، ويقولون: ما وجدنا في كتاب الله تعالى نعمل به، وما لم نجد في كتاب الله تعالى لا نعمل به، ولهذا لا يرون الرجم ونصاب السرقة.\nوالثاني: أن تأويل ما ذكر في الحديث المرفوع أنه اجتهد في محل الاجتهاد،\nوتأويل ما ذكر في حديث علي -﵁ -: أنه اجتهد بذلك في غير محل الاجتهاد؛ بأن اجتهد في موضع النص.\nالدليل عليه ما روي عن الحسن البصري -﵀أنه دخل على إياس بن معاوية بعد ما قلد القضاء، فوجده باكيا حزينا، فقال له","vol":"1","page":169},{"text":"الحسن: ما أصابك؟ فقال له: أتفكر في قول النبي علي -﵁ -: أنه من اجتهد فاخطأ فهو في النار.\nفتلا عليه الحسن قوله تعالى:\n﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث …﴾ الآية.\nلأن داود -﵇كان مجتهدا، وسليمان اجتهد وأصاب، وقد مدحهما الله تعالى بقوله:\n﴿وكلا آتينا حكم وعلما﴾.\nفبين له الحسن بهذا أنه أنما قال علي -﵁في من لم يكن","vol":"1","page":170},{"text":"من أهل الاجتهاد، أو اجتهد في غير محل الاجتهاد.\nفهذا هو التوفيق بين الحديثين.\n\n[٣٠] ذكر عن قتادة عن أبي موسى الأشعري -﵀أنه قال:\n\"لا ينبغي للقاضي أن يقضى حتى يتبين له الحق كما يتبين الليل من النهار\" فبلغ ذلك عمر بن الخطاب -﵁فقال: \"صدق\".","vol":"1","page":171},{"text":"وهذا لأن النبي -عليه [الصلاة و] السلام -قد أخذ على الشاهد هذا، فقال:\n\"إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع\".\nوولاية القضاء فوق ولاية الشهادة؛ لأن القضاء ملزم بنفسه والشهادة غير ملزمة بنفسها، حتى ينضم إليها القضاء.\nفإذا أخذ هذا على الشاهد كان على القاضي بطريق الأولى.\nوهذا إنما يكون في موضع النص؛ فإن النص مقطوع به","vol":"1","page":172},{"text":"فيتبين له به الحق كما يتبين الليل من النهار، فإما في غير موضع النص فلا؛ لأن في غير موضع النص يقضى بالاجتهاد، والاجتهاد ليس بدليل مقطوع به، فلا يتبين له به الحق كما يتبين الليل من النهار.\n\n[٣١] ذكر عن الشعبي أنه قال له رجل: اقض بيننا بما أراك الله تعالى، فقال [له] الشعبي: لسن تراني قاضيا.\nقوله: بما أراك الله تعالى: أي بما علمك الله تعالى وهداك وأمرك، والله تعالى أمره بالقضاء بالحق.\nوقول الشعبي: لست تراني قاضيا تكلموا فيه على ثلاثة أوجه:\nمنهم من قال: [معناه] لست من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم، وهم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام -؛ فأنا قاض، ولست بنبي، وأنت بهذا القول تعتقد أني نبي ولست بقاض؛ فيكون هذا دليلا على [أن] المجتهد يخطئ ويصيب.\nومنهم من قال: معناه: لست تراني قاضيا؛ لأنك تطلب مني ما لا","vol":"1","page":173},{"text":"طريق إلى التوصل إليه، وهو الوصول إلى الحق لا محالة.\nومنهم من قال: معناه: لست تراني قاضيا بعد هذا؛ فإني لا اجلس مجلس القضاء؛ فإني ما علمت أن الخصوم يطلبون الصواب لا محالة من القاضي، فإذ علمت الآن، فلا أجلس مجلس القضاء بعد هذا.\nوفائدة الحديث أن المجتهد يخطئ ويصيب.\n\n[٣٢] ذكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁أنه سمع رسول الله -ﷺيقول:\n\"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم واجتهد فاخطأ فله أجر واحد\".\nلأنه إذا أصاب فله أجر الاجتهاد وأجر إظهار الحق، وإذا اخطأ","vol":"1","page":174},{"text":"فله أجر الاجتهاد لا غير؛ لأنه ما أظهر الحق.\nوهذا إذا اجتهد في محل الاجتهاد.\nأما إذا اخطأ في غير محل الاجتهاد فلا يثاب؛ لأنه مقصر كما في التحري في باب القبلة إذا تحرى وصل فاخطأ؛ إن تحرى في موضع التحري بأن تحرى عن عدم الأدلة والعلامات أجزأه، وإن اخطأ لا في محل التحري بأن تحرى عند وجود العلامات من المحاريب وغيرها لم يجز لما قلنا.\nوفائدة الحديث أن المجتهد قد يخطي وقد يصيب.\n\n[٣٣] ذكر بعد هذا حديث أبي هريرة -﵁ -.\n\n[٣٤] ذكر عن عمر -﵁أنه قضى بقضاء فقال رجل:","vol":"1","page":175},{"text":"هذا والله الحق، فسكت عمر -﵁ -، ثم عاد إلى القضاء، وقضى، فعاد الرجل إلى ذلك ثانيا، ثم عاد عمر إلى القضاء، فعاد الرجل إلى ذلك ثالثا، فقال عمر -﵁ما يدريك؟ فوالله ما يدري عمر أصاب الحق أم اخطأ ولكنه لا يألو.\nفيه دليل على أن الإنسان إذا سمع من الإنسان كلاما لا يكون موضعا له لا يرد عليه في المرة الأولى؛ لأن في المرة الأولى يجوز أن يجري على لسانه غلط، فإذا تأكد بالتكرار يستدل به على أنه إنما قال عن قصد فحينئذ يرد عليه.","vol":"1","page":176},{"text":"وقول عمر -﵁ -: لا يألو يعني: لا يقصر.\nوفائدة الحديث أن المجتهد يخطى ويصيب.\n\n[٣٥] وعن شريح أنه قضى بقضية فقال له رجل: والله لقد قضيت على بغير حق، فقال شريح: والله ما أنا بشاق الشعرة شعرتين.\nيعنى: لست من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم، كما أني لست بقادر على أن اجعل الشعرة شعرتين، وإنما علي أن اعتمد البينة وأقضى بها، وقد أتيت بما أمرت به، فبعد ذلك لا يضرني قولك","vol":"1","page":177},{"text":"أخطأت.\nوفيه دليل على أنه ينبغي للقاضي أن يحلم عن الخصوم، ولا يضجر إذا سمع بمثل هذا الكلام، ألا ترى أن شريحا قال: ما أنا بشاق الشعرة شعرتين.\nوهكذا ينبغي للمفتي أن يحلم عن المستفتى في مثل هذا، ولا يضجر.\n\n[٣٦] ذكر عن ابن سيرين قال:\nقال عمر -﵁ -:\nأني قضيت في الجد قضايا مختلفة كل ذلك لا آلو فيه عن الخير.","vol":"1","page":178},{"text":"يعنى: لا أقصر في طلب الحق.\nفي الحديث دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب.\nوفيه دليل أيضا أن كل حكم امضي بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>[بم يقضى القاضي]:</span>\n[٣٧] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب -﵀ -:\nوينبغي للقاضي أن يقضى بما في كتاب الله تعالى من الأحكام التي لم تنسخ؛ لأن الكتاب أمام المتقين وأمام كل حجة.\nفإن ورد عليه شيء لم يعرفه في كتاب الله تعالى قضى في ذلك بما جاء فيه عن رسول الله -ﷺ -. لأنا أمرنا بإتباع الرسول -﵊قال تعالى:\n﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا …﴾ الآية.\nفإن لم يجد نصا جاء عن رسول إلى -ﷺ -، قضى فيه بما اجتمع عليه أصحاب رسول الله -ﷺ -.","vol":"1","page":179},{"text":"قال النبي -ﷺ -:\n\"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي عضوا عليها بالنواجذ\". هذا إذا كان بينهم اجتماع.\nفإن كان بينهم اختلاف، فإن كان القاضي من أهل التمييز والنظر ميز بين أقاويلهم، ورجح قول البعض على البعض، ونظر إلى أشبهها بالحق، وأقربها إلى الصواب، وأحسنها عنده، وقضى به؛ لما روى عن رسول الله -صلى والله عليه وسلم -أنه قال:","vol":"1","page":180},{"text":"\"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\".\nفإن كان شيء لم يأت فيه عن الصحابة شيء وكان فيه إجماع التابعين، يقض به؛ لأن إجماع أهل كل عصر حجة، فإذا اجتمعوا صار ذلك سبيل المؤمنين، فلا يسعه أن يخالفهم.","vol":"1","page":181},{"text":"فإن كان فيه اختلاف بينهم صار إلى النظر والاجتهاد والتمييز، فيرجح قول البعض ويقضى به.\nوإن ورد عليه شيء لم يجد فيه أيضا شيئا من التابعين، فإن كان من أهل الاجتهاد قاسه على ما يشبهه من الأحكام واجتهد رأيه، وتحرى الصواب ثم يقضي به.\nفإن لم يكن من أهل الاجتهاد يستفت في ذلك، فيأخذ بفتوى المفتى، ولا يقضى بغير علم، ولا يستحيى من السؤال؛ كي لا يلحقهم الوعيد المذكور في ما رويناه من الحديث.\n\n[٣٨] ثم نقول:\nلابد من معرفة المذهب في ثلاثة فصول:\nأحدها: في تقليد الصحابة -﵃وأقوالهم.\nوالثاني: في تقليد التابعين وأقوالهم.\nوالثالث: في اجتهاد الرأي والنظر.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>[الفصل الأول]\n[في تقليد الصحابة]</span>\n[٣٩] أما الأول: فحاصل ما روي عن أبي حنيفة -﵀فيه ثلاث روايات:\n\n[٤٠] أما الأولى: [فقد] قال: اقلد من كان من القضاة والمفتين من الصحابة -﵃لقوله -﵊ -:\n\"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\".\nوقد اجتمع في حقهما القضاء والفتيا، فمن كان بمثابتهما مثل عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وغيرهم،","vol":"1","page":183},{"text":"ممن كان في معناهم فأقلدهم، ولا استجيز خلافهم برأي.\nوخرج عن هذا جماعة منهم أبو أمامة، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد الساعدي، والبراء بن عازب وغيرهم.\n\n[٤١] والثانية:\nقال: أقلد جميع الصحابة، ولا استجيز خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر [هم] أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب.\nفقيل له في ذلك، فقال:\nأما أنس: فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، فكان يستفتى من علقمة، وأنا لا أقلد علقمة، فكيف أقلد من يستفتى من","vol":"1","page":184},{"text":"علقمة.\nوأما أبو هريرة فكان يروى كل ما بلغه وسمعه من غير أن يتأمل في المعنى ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ.\nوأما سمرة بن جندب، فقد بلغني عنه أمر ساءني، والذي بلغه عنه أنه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر فلم يقلدهم في فتواهم.\nأما في ما رووا عن رسول الله -ﷺ -، فيأخذ بروايتهم؛ لأن كل واحد منهم موثوق به في ما يروى.\n\n[٤٢] والثالثة:\nقال: ما بلغني عن صحابي أنه أفتى به فأقلده ولا استجيز خلافه.","vol":"1","page":185},{"text":"يعنى أقلد جميع الصحابة.\nوهو الظاهر من المذهب.\nوهذا لأنه لا يخلو: أما أن قالوا ذلك جزافا أو سماعا أو اجتهادا.\nولا يظن بهم أنهم قالوا جزافا.\nفإذا كان سماعا لزم كل واحد منهم الانقياد له.\nوأن كان اجتهادا فاجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم؛ لأنهم يوفقون للصواب ما لا يوفق غيرهم لذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>[الفصل الثاني]\n[في تقليد التابعين]</span>\n[٤٣] وأما الكلام في الثاني فعن أبي حنيفة -﵀روايتان في ذلك:\nفي رواية قال: لا أقلدهم؛ هم رجال اجتهدوا ونحن رجال نجتهد، وهو الظاهر من المذهب.\nوالثاني ذكر في النوادر قال: من كان من أئمة التابعين وأفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى وسوغوا له الاجتهاد، فأنا أقلده","vol":"1","page":186},{"text":"مثل شريح، والحسن، ومروق بن الأجذع، وعلقمة.\nوهذا لأنهم لما بلغوا درجة الفتوى في زمن الصحابة،","vol":"1","page":187},{"text":"وسوغ الصحابة لهم الاجتهاد صار قولهم كقول الصحابة -﵃ -.\nفعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الجواب عن قول من يقول: لم ذكر أو حنيفة -﵁أقاويلهم في الكتب.\nوعلى ظاهر المذهب يحتاج: فنقول: إنما ذكر [ها] لا محتجا بها، بل بيانا أنه لم يستبد بهذا القول، بل سبقه غيره، وقال متبعا، لا مبتدعا.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>[الفصل الثالث]\n[قي اجتهاد الرأي والنظر]</span>\n[٤٤] وأما الكلام في الثالث، فلابد من معرفة تفسير الاجتهاد وأهلية الاجتهاد:\n[معنى الاجتهاد]\n\n[٤٥] أما تفسير الاجتهاد: فالاجتهاد بذل المجهود في طلب المقصود.\n[أهلية الاجتهاد]\n\n[٤٦] وأما أهلية الاجتهاد [فقد] تكلموا فيها:","vol":"1","page":188},{"text":"قال بعض مشايخنا\nينبغي أن يكون صاحب حديث له معرفة بالمعنى، أو صاحب فقه له معرفة بالحديث.\nوقال بعضهم هذا، وأن يكون صاحب قريحة يعرف أحوال الناس وعاداتهم وعرفتهم؛ لأن العرف قد يغلب على القياس؛ ألا ترى أن الاستصناع جوز عرفا بخلاف القياس.\nوقال الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو بكر محمد [بن أحمد] بن أبي سهل السرخسي -﵀ -:","vol":"1","page":189},{"text":"إن كان يحفظ المبسوط، ويحفظ مذهب المتقدمين فله آن يجتهد.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>[معرفة المذهب حال الاتفاق والاختلاف بين أصحاب أبي حنيفة]</span>\n[٤٧] ثم نقول:\nلابد من معرفة المذهب في فصلين:\nأحدهما: أنه إذا اتفق أصحابنا في شيء: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد -﵏ -.\nوالثاني: إذا اختلفوا في ما بينهم.\n\n[٤٨] أما الأول: فلا يسع القاضي أن يخالفهم برأيه؛ لأن","vol":"1","page":190},{"text":"الحق لا يعدوهم؛ فإن أبا يوسف -﵀كان صاحب حديث، حتى روى عنه أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، فإذا كان يحفظ من المنسوخ هذا القدر فما ظنك بالناسخ، وكان صاحب فقه ومعنى أيضا.\nومحمد -﵀كان صاحب قريحة، وصاحب فقه ومعنى، ولهذا قل رجوعه في المسائل، وكان مهديا، ومقدما في معرفة اللغة والإعراب، وله معرفة بالأحاديث أيضا.\nوأبو حنيفة -﵀كان مقدما في ذلك كله، إلا أنه قلت روايته في ذلك، لمذهب خاص له في باب الحديث؛ وهو أنه أنما تحل رواية الحديث إذا كان يحفظ الحديث من حين يسمع، إلى حين يروي.\n\n[٤٩] وأما الثاني: فقد اختلفوا فيه:\nقال عبد الله بن المبارك:","vol":"1","page":191},{"text":"يؤخذ بقول أبي حنيفة -﵀ -؛ لأنه كان من التابعين وزاحهم في الفتوى.\nوقال المتأخرون من مشايخنا:\nإذا اجتمع اثنان [منهم] على شيء، وفيهما أبو حنيفة، يؤخذ بقولهما، وإن كان أبو حنيفة من جانب وهما من جانب، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد والنظر يستفت غيره، فيأخذ بقوله بمنزلة العامي.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>[المشاورة مع الاجتهاد ومعرفة المذهب]</span>\n[٥٠] قال:","vol":"1","page":192},{"text":"فإن كان في المصر قوم من أهل الفقه شاورهم في ذلك.\nلأن الله تعالى أمر رسوله بذلك بقوله تعالى:\n﴿وشاورهم في الأمر﴾.\nوالقاضي لا يكون أفضن في نفسه من الرسول -﵇ -.\nولأن المشورة تفتح العقول.\n\n[٥١] فإذا شاورهم فإن اتفقوا على شيء وكان رأيه كرأيهم فصل الحكم.\nوأن اختلفوا: نظر إلى أقرب الأقاويل عندهم من الحق، وأمضى ذلك أن كان من أهل الاجتهاد.\n\n[٥٢] ولا يعتبر كبر السن، ولا كثرة العدد.\nأما كبر السن: فلأن الأصغر في السن قد يوفق الصواب في حادثة ما لا يوفق [له] الأكبر]:\nألا ترى أن عمر -رضي الله -[عنه] كان يشاور ابن عباس -﵁ -.\nوكان يقول [له]:\nغص يا غواص.","vol":"1","page":193},{"text":"وكان إذا أصاب يقول له:\nشنشنة اعرفها من أخزم.\nوهذا مثل تذكره العرب لمن يشبه أباه، وكان يأخذ بقوله، وعمر -﵁ كان أكبر منه سنا.\nوأما كثرة العدد: فلأن الواحد قد يوفق للصواب ما لا توفق الجماعة: ألا ترى أن شهادة الواحد على رؤية الهلال إذا كانت السماء مغيمة مقبولة؛ لأنه قد يوفق للرؤية [ولا يوفق] غيره.\n\n[٥٣] فإن اجتمع فقهاء البلدة على شيء، وكان رأيه خلاف ذلك، فلا ينبغي [له] أن يعجل بالحكم، حتى يكتب فيه إلى غيرهم،","vol":"1","page":194},{"text":"ويشاورهم ثم ينظر إلى أحسن ذلك فيعمل به؛ لأن المشورة بالكتاب من الغائب بمنزلة المشورة من الحاضر بالخطاب.\nألا ترى أن عمر بن الخطاب -﵁كان يكتب إلى أبي موسى الأشعري، وأبو موسى أيضا كان يكتب إليه [ويشاوره] ويستشيره؛ فإن وافق رأيهم رأيه قضى به، وإن خالف رأيه قضى برأي نفسه؛ لأن رأيه صواب عنده، ورأي غيره ليس بصواب عنده، فيقضى بما عنده، لا بما عند غيره.\n\n[٥٤] قال:\nوإذا أشكل على القاضي شيء فشاور في ذلك رجلا واحدا فقيها، فهذا على وجهين:\nإن لم يكن القاضي من أهل الرأي، فهو في سعة من أن يأخذ بقوله؛","vol":"1","page":195},{"text":"لأنه إذا لم يكن من أهل الرأي كان الواجب عليه أن يستفتى، ويأخذ بقول المفتى.\nوإن كان من أهل الرأي، ورأيه خلاف رأي هذا الفقيه يقض برأيه؛ لأن رأيه صواب عنده، إلا أنه أمر بالمشورة في الابتداء رجاء أن ينضم رأيه إلى رأي غيره، فإذا لم ينضم لا يدع رأيه برأي غيره.\nفإن قضى برأيه نفذ قضاؤه.\nوإن قضى برأي الفقيه نفذ قضاؤه أيضا عند أبي حنيفة -﵀ -.\nوعند أبي يوسف ومحمد -رحمها الله -: لا ينفذ، حتى لو صارت الحادثة معلومة للسلطان، كان له أن ينقض ذلك القضاء الذي أمضى.\nهما يقولان: أن رأيه صواب عنه، ورأي غيره خطأ عنده، فإذا قضى برأى غيره فقد قضى بما هو خطأ عنده، فلا ينفذ قضاؤه، كما إذا تحرى إلى جهة ثم ترك تلك الجهة وصلى إلى جهة أخرى بتحري غيره لا يجوز، وأن أصاب الكعبة.","vol":"1","page":196},{"text":"وكذا إذا أودع عند إنسان مالا ونسى المودع المودع، فأراد المودع أن يضع زكاته فيه لا يجوز، لأن عنده أنه غنى.\nوكذا إذا كان على الرجل فائتة حديثة، فافتتح الصلاة، ونسى الفائتة، فجاء رجل واقتدى به، وهو يعلم أن عليه فائتة حديثة فصلاة الإمام جائزة، وصلاة المقتدي فاسدة؛ لأن عنده أن أمامه على الخطأ، فكذا ههنا.\nأبو حنيفة -﵁ يقول:\nالقاضي قضى في موضع الاجتهاد، فينفذ قضاؤه، كما لو قضى برأيه.\nوهذا لأنه لم يتيقن بخطأ اجتهاد غيره؛ لأن المجتهد لا يقطع القول بأن الصواب في ما قال، بل عنده أن الأمر محتمل، فإذا كان محتملا ترجح ذلك الاجتهاد باتصال القضاء به فينفذ القضاء.\nهذا إذا كان للقاضي رأي وقت القضاء وقد قضى برأي غيره.\nوأما إذا لم يكن للقاضي رأي وقت القضاء فقضى برأي غيره ثم ظهر للقاضي رأي بخلاف ما قضى فهل ينقض قضاءه؟","vol":"1","page":197},{"text":"اختلف أبو يوسف ومحمد [-رحمهما الله -] فيما بينهما:\nقال أبو يوسف: لا ينقض.\nوقال محمد: ينقض\nمحمد -﵀يقول:\nرايه في حق وجوب القضاء عليه بمنزلة النص، ولو قضى برأيه، ثم تبين النص بخلافه، ينقض قضاؤه، كذا هذا.\nوأبو يوسف -﵀يقول:\nبأن رأي غيره، إذا لم يكن له رأي، بمنزلة رأيه، إلا ترى أنه يجب عليه القضاء برأي نفسه، ثم ظهر له رأي بخلافه، ولو كان كذلك لا ينقض قضاءه كذلك ههنا.\nوالله أعلم\n* * *","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>الباب الخامس في ما أبيح للقاضي من الاجتهاد وما ينبغي أن يعمل به</span>\n[٥٥] بدا الباب بحديث معاذ -﵁ -.\nوهو مشتمل على فوائد منها:\nأنه ينبغي للإمام إذا قلد إنسانا عملا، أن يختبره ببعض ما يكون من عمله؛ ليعرف أيصلح لذلك العمل ويهتدي إليه أم لا؟ كما فعل الرسول -ﷺ -، فإنه اختبر معاذا حيث قال: \"بم تقضى يا معاذ ..؟ \" الحديث.\nوفيه دليل على أن جميع الحوادث لا توجد في كتاب الله تعالى، فإنه قال:\n\"فإن لم تجد في كتاب الله تعالى؟ \" قال: بسنة رسوله.\nفيكون هذا ردا على أصحاب الظواهر حيث قالوا: الكتاب محيط بكل شيء، واعتمدوا ظاهر قوله تعالى:\n﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾.","vol":"1","page":199},{"text":"وتأويل قوله تعالى ﴿في كتاب مبين﴾ عندنا: اللوح المحفوظ.\nوفيه دليل أيضا على أن جميع الحوادث لا توجد في سنة رسول الله -ﷺ -؛ فإنه قال \"فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ \"\nوفيه دليل على فضيلة معاذ -﵁فإنه قال: اجتهد رأيي.\nوسوغ له رسول الله -ﷺالاجتهاد، ولم يأمره بالرجوع إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-19>[هل للصحابي أن يجتهد في زمن الرسول]\n[-ﷺ </span>-؟]\n[٥٦] وهذا فصل اختلف فيه العلماء: أن الصحابي هل له أن يجتهد في زمن رسول الله -ﷺ -؟\nاختلفوا فيه على ثلاثة أوجه:\nمنهم من قال: ليس له أن يجتهد؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى رسول الله -ﷺفيكون الاجتهاد في موضع النص وأنه باطل.","vol":"1","page":200},{"text":"ومنهم من قال: إذا كان بعيد عن رسول الله -ﷺجاز له الاجتهاد، وإن كان بقرب منه فلا يجوز له الاجتهاد.\nومنهم من قال: له أن يجتهد؛ إلا ترى أن معاذا -﵁قال: اجتهد رأيي وسوغ [له] رسول الله -ﷺذلك.\nوالدليل عليه ما روي عن رسول الله -ﷺأنه قال لأبي بكر وعمر -﵄ -:\n\"قولا، فإني في ما لم يوح إلي مثلكما\".\nفدل أن للصحابي أن يجتهد في زمن رسول الله -ﷺ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>[اجتهاد الرسول ﷺ]</span>\n[٥٧] وهذا ينبني على أصل آخر اختلفوا فيه وهو أن النبي -ﷺفي ما لم يوح إليه، هل كان يجتهد ويفصل به","vol":"1","page":201},{"text":"الحكم؟\nمنهم من قال: لا، بل ينتظر الوحي.\nومنهم من قال: كان يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأن شريعة من قبله شريعة لنا، ما لم يعرف نسخه.\nومنهم من قال: كان لا يعمل بالاجتهاد إلا أن يقطع طمعه من الوحي، فإذا انقطع فحينئذ يجتهد.\nفإذا اجتهد كان شريعة لنا.\nفإذا نزل عليه الوحي بخلافه صار ناسخا له، ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا، ولا ينقض ما امضى بالاجتهاد، ويستانف القضاء في المستقبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>[أحكام أخرى مستفادة من حديث معاذ]</span>\n[٥٨] ثم قال النبي -ﷺ -: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله\".\nفقد عد رسول الله -ﷺهذا من النعم التي أنعم الله بها عليه؛ ألا ترى أنه بدأ بالحمد؟ فهذا دليل على أن السلطان ينبغي له أن يعد صلاح العامل من نعم الله تعالى.","vol":"1","page":202},{"text":"وكذا ينبغي للزوج أن يعد صلاح الزوجة من نعم الله تعالى، فيشتغل بالشكر على ذلك الصلاح.\nوكذا المولى يعد صلاح المملوك، والوالد يعد صلاح الولد من نعم الله تعالى.\n\n[٥٩] ثم أعاد حديث معاذ، وفيه زيادة شيء ليس في الحديث الأول، فإنه قال:\nقال رسول الله -ﷺ -:\n\"فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله تعالى ولم يقض به نبيه، ولم يقض به الصالحون … الحديث.\nتكلموا فيه أنه ما المراد بقوله: الصالحون؟\nمنهم من قال: الأنبياء والرسل.\nومنهم من قال: أبو بكر وعمر -﵄ -؛ فإنه روي عن عبد الله بن مسعود -﵁ -[أنه] قال:","vol":"1","page":203},{"text":"إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر\".\n\n<span data-type='title' id=toc-22>[عمر بن الخطاب -﵁يضع]\n[أصولا للقضاء والقضاة]\n[في مكاتباته وعهوده]</span>\n[٦٠] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁أنه كتب إلى شريح فقال:\nإذا جاءك شيء في كتاب الله تعالى ناقض به، ولا يلهينك، وفي بعض النسخ: ولا يلفتنك عنه الرجال، أي لا يمنعك عن القضاء","vol":"1","page":204},{"text":"بحق حشمة محتشم، ولا شيء آخر.\nقال:\nفإن جاءك شيء ليس في كتاب الله، وليس في سنة رسوله، فانظر إلى ما اجمع عليه الناس.\nلأن إجماع الناس حجة.\nثم قال:\nفإن جاءك أمر ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله، ولم يتكلم به أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك وتتقدم، فتقدم.\nيعنى أن شئت أن تجتهد فاجتهد رجاء أن توفق للصواب، فيكون لك أجران،\nوإن شئت أن تتأخر فتأخر.\nيعنى أن شئت أن تمتع من الاجتهاد مخافة أن تقصر في طريق الاجتهاد فتخطى فامتنع.\nقال:","vol":"1","page":205},{"text":"ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك.\nيعنى اسلم لدينك؛ فإن المجتهد لا يصيب الحق الذي عند الله تعالى بالاجتهاد لا محالة.\nقالوا: وهذا إنما كان في زمانهم؛ فإنه كان في المجتهدين كثيرة، فإذا امتنع عن الاجتهاد واحد لا يضيع حكم الله تعالى.\nوأما في زماننا ففي المجتهدين قلة، فإذا امتنع هذا فلا يوجد من يجتهد، فيؤدي إلى ضياع حكم من أحكام الله تعالى.","vol":"1","page":206},{"text":"[٦١] ذكر بعد هذا حديث شريح وفيه زيادة لفظ فإنه قال:\nإن لم يستبن لك في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله فاجتهد رأيك، ولا تأل.\nأي لا تقصر في الاجتهاد وطلب الصواب.\n\n[٦٢] وذكر عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن عمر بن الخطاب -﵁ -: أنه استقضى رجلا على الشام يقال له حابس بن سعد الطائي على قضاء حمص، فقال له: يا حابس كيف تقضى؟\nقال: أقضى بما في كتاب الله تعالى.\nقال: فإن لم يكن في كتاب الله تعالى؟\nقال: فبسنة رسوله.","vol":"1","page":207},{"text":"قال: فإن لم يكن في سنة رسوله؟\nقال: اجتهد رأيي واستشير جلسائي.\nفقال عمر -﵁ -: أصبت وأحسنت.\nفمكث الرجل أياما، ثم لقى عمر ذلك الرجل فقال له: ما منعك أن تسير إلى عملك؟\nقال: يا أمير المؤمنين، أني رأيت رؤيا هالتني -أي خوفتني.\nقال: وما هي؟\nقال: رأيت كأن الشمس والقمر يقتتلان.\nقال ابن الفضيل، قال حابس: رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق في جمع كثير ورأيت كأن القمر اقبل من المغرب في جمع كثير، حتى التقيا فاقتتلا جميعا.\nقال: فمه أيهما كنت أنت؟\nقال: مع القمر.\nفقرأ عمر -﵁قوله تعالى:\n﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾.","vol":"1","page":208},{"text":"كنت مع القمر في مغرب الشمس، اردد إلينا عهدنا.\nقال عطاء: فبلغني أنه قتل بصفين مع معاوية.\nأفاد الحديث فوائد:\nمنها أن الإنسان إذا تقلد عملا من الأعمال ينبغي أن لا يتخلف،","vol":"1","page":209},{"text":"ويسير إلى رأس عمله ألا ترى أن عمر -﵁أنكر عليه؟ وهذا لأنه التزم الأمانة، فيجب عليه أداء ولا يمكنه إلا أن يسير إلى رأس عمله؛ لينظر في أمر رعيته.\nومنها: أنه لا بأس بالفأل، ولا يكون هذا من باب الطيرة.\nومنها أن عمر -﵁كان يعرف التعبير، وأبو بكر -﵁كان مقدما عليه في علم الرؤيا؛ فإن النبي -ﷺسأله: فقال:\n\"أني رأيت كأني أسوق غنمًا سودًا تتبعها عفر\".\nفقال أبو بكر -﵁ -: يتبعك العرب ثم العجم. فقال النبي -صلى الله عليه ويلم: هكذا عبر لي الملك\".","vol":"1","page":210},{"text":"ومنها: أن معاوية كان ذا حظ على اعتبار رؤيا الرجل، فإن الرجل كان مع القمر في مغرب الشمس، والقمر آية من آيات الله تعالى [كما أن الشمس آية من آيات الله تعالى] إلا ن الشمس أضوأ من القمر، فعلى هذا الاعتبار كان معاوية ذا حظ، إلا أن الحق كان مع علي -﵁في توبته، وكان حظ معاوية من الملك لا من الخلافة؛ لأن رسول الله -ﷺقال:\n\"الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم من بعده ملك وإمارة\".","vol":"1","page":211},{"text":"والخلافة تمت بموت علي -﵁ -، ومعاوية كان متأولا؛ فإن رسول الله -ﷺكان قال له يوما:\n\"إذا ملكت أمتي فأحس إليهم\".\nلكنه اخطأ في التأويل؛ فإن حظه كان من الملك لا من الخلافة؛ إلا ترى أن رسول الله -ﷺقال: \"إذا ملكت أمتي .. \" فثبت أنه كان متأولا فيجب كف اللسان عنه.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>[عهد عمر بن الخطاب إلى أبي موسى]\n[الأشعري في القضاء]\n[أو كتاب سياسة القضاة]</span>\n[٦٣] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري … الحديث.","vol":"1","page":213},{"text":"[٦٤] أورد محمد -﵀هذا الحديث في كتاب أدب القاضي وبدأ به الكتاب، وأورده الخصاف [-﵀ -] ههنا، واختلف بعض الألفاظ لكن المعاني غير متفاوتة، وسمي هذا كتاب سياسة القضاة.\n\n[٦٥] فقال:\nبسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد … وهذه كلمة فصل الخطاب، وأول من تكلم بها داود -صلوا الله [وسلامه] عليه -، قال الله تعالى:\n﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾.\nقيل: أنه أراد به كلمة أما بعد،","vol":"1","page":215},{"text":"وإنما أرد ههنا بقوله أما بعد: يعنى: بعد ما سمعت فرغ قلبك لما أقول لك.\n\n[٦٦] ثم قال:\n[فإن] القضاء فريضة محكمة.\nيعني الحكم بين الخصمين بحق فريضة محكمة، كان ثابتا في شريعة من قبلنا، وبقى في شريعتنا، لم يرد عليه النسخ والتبديل.\n\n[٦٧] [قال:]\nوستة متبعة.\nيعني سنة غير مهجورة.\n\n[٦٨] ثم قال:\nفافهم، إذا ادلى إليك [الخصمان].\nيعني فرغ خاطرك إذا تقدم إليك الخصمان، ورفعا الحادثة إليك؛ لتسمع كلامهما، فتوصل به إلى القضاء بحق.\n\n[٦٩] ثم قال:","vol":"1","page":216},{"text":"فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.\nيعني المدعى ربما يقر بما يبطل حقه في دعواه، أو المدعى عليه بما يلزمه، فلا نحتاج إلى القضاء، فإذا لم تسمع ذلك لتنفذه، لا ينفع التكلم بذلك الكلام وهو حق.\n\n[٦٩] ثم قال:\nآس بين الناس.\nيعنى سو بين الخصمين. لكن هذا غير مشتق من التسوية؛ لأنه لو كان مشتقا من التسوية لكان من حق الكلام أن يقول: سو، لكنه مشتق من النأسي، [و] الدليل عليه قول الخنساء:\n[من الوافر]\nولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي\nوما يبكون مثل أخي ولكن … اعزي النفس عنه بالتاسي","vol":"1","page":217},{"text":"[يذكرني طلوع الشمس صخرا … واذكره لكل غروب شمس]\nوأراد به المساواة.\n\n[٧٠] ثم قال:\nفي وجهك\nوأراد به التسوية بينهما في النظر إليهما؛ لأنه لو فضل أحدهما في النظر ينكسر قلب الآخر، ويضعف، فيذهب، ويترك حقه، فيكون هو المضيع لحقه.\n\n[٧١] ثم قال:\nومجلسك.\nأراد به التسوية بينهما في الجلوس.\n\n[٧٢] ثم قال:\nوعدلك.\nوتفسير العدل ما نقل عن أبي بكر -﵁أنه سئل عن العدل على المنبر، فأجاب على البديهة فقال: [من الرجز]\nالعدل أن تأتي إلى أخيكا\nما مثله من نفسه يرضيكا","vol":"1","page":218},{"text":"وعد هذا من فصاحة أبي بكر -﵁ -، حيث أجاب بهذه الصفة على البديهة.\n\n[٧٣] ثم قال:\nحتى لا يطمع شريف في حيفك.\nيعنى: في ميلك؛ قال الله تعالى:\n﴿أم يخافون أن يحيف الله عليهم﴾.\n\n[٧٤] ثم قال:\nولا ييأس ضعيف من عدلك.\nوذكر محمد -﵀في كتاب أدب القاضي: ولا يخاف ضعيف جورك، والمعنى واحد.\n\n[٧٥] ثم قال:\nالبينة على المدعي واليمين على من أنكر.\nوهذا حديث مرفوع إلى رسول الله -ﷺ -، وهو من","vol":"1","page":219},{"text":"جملة جوامع الكلم؛ فإنه تكلم بكلمتين، استنبط منهما العلماء ما بلغ دفاتر،","vol":"1","page":220},{"text":"ولكل [واحدة] منهما إشارة في كتاب الله تعالى:\nأما قوله: البينة على المدعي، فأشار إليه قوله ﴿قل هاتوا برهانكم …﴾ الآية.\nوقوله: اليمين على من أنكر، أشار إليه قوله تعالى: ﴿والله ربنا","vol":"1","page":221},{"text":"ما كنا مشركين﴾.\n\n[٧٦] ثم قال:\nوالصلح جائز بين الناس.\nوذكر محمد -﵀في كتاب أدب القاضي: والصلح جائز بين المسلمين.\nوما ذكر الخصاف -﵀ههنا أعم؛ لأنه يتناول المسلمين وغير المسلمين.","vol":"1","page":222},{"text":"[٧٧] ثم استثنى صلحًا بوصف فقال:\nإلا صلحًا حرم حلالا، أو أحل حرامًا.\nوهو حجة الشافعي [-﵀ -] علينا.\nوتأويله عندنا: حرم حلالا لعينه، وهو ما إذا صالحت إحدى المرأتين على أن لا يطأ الأخرى، أو أحل حراما لعينه، وهو ما إذا صالح على شرب الخمر، أو أكل الخنزير.\nفأما ما سوى ذلك فهو جائز.\n\n[٧٨] ثم قال:\nولا يمنعك من قضاء قضيته بالأمس، وراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطل، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.\nلأن أبا موسى -﵁لا يكون أعظم [شأنا] من عمر -﵁ -، وهو كان ينقض بعض قضاياه، إذا ظهر فيه نص بخلافه.\nوكذا عبد الله بن مسعود -﵁ -، رجع عن بعض","vol":"1","page":223},{"text":"فتواه.\nوهذا إذا قضى عن اجتهاد، ثم ظهر [له] نص بخلافه.\nأما إذا ظهر بالاجتهاد فلا ينقض؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.\n\n[٧٩] ثم قال:\nالفهم الفهم …\nهذا تكرار لما قال في الابتداء تأكيدا؛ فإن التكرار أصل في التأكيد: قال الله تعالى:\n﴿أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى﴾.","vol":"1","page":224},{"text":"كذا ههنا، كرر للتأكيد، يعني: فرغ خاطرك وقلبك؛ لتفهم ما طلب منك.\n\n[٨٠] ثم قال:\nفيما يختلج [في صدرك].\nوفي بعض النسخ: يتخلج في صدرك.\nوفي بعضها: يتخالج …\nوفي بعضها: تلجلج …\nوفي بعضها: يتلجلج …\nمما ليس في قرآن ولا سنة:\nيعنى: الفهم فيما يتردد في صدرك؛ لتكون مقدمًا على القضاء عن بصيرة.\n\n[٨١] ثم قال:\nثم أعرف الأشباه والأمثال.\nلأنه لابد من أن يعرف الحوادث ليرد الحكم في غير المنصوص","vol":"1","page":225},{"text":"عليه إلى المنصوص عليه بالمعنى.\n\n[٨٢] ثم قال:\nفقس الأمور عند ذلك، وأعمد إلى أقربها إلى الله تعالى واشبهها بالحق، وأجعل لمن يطلب حقا غائبا أو شاهدا أمدًا ينتهي إليه.\nأراد به أن المدعي إذا استمهل من القاضي حتى يحضر بينته فيأخذ بحقه، إنه يمهله، وكذا المدعي إذا أقام البينة، ثم أن المدعى عليه يستمهل القاضي حتى يأتي بالدفع فإنه يجيبه إلى ذلك، ولا يعجل بالحكم.\n\n[٨٣] ثم قال:\nفإن احضر بينة أخذ بحقه؛ فإن عجز عنها استحللت عليه القضية.\nيعني وجهت عليه القضية.","vol":"1","page":226},{"text":"[٨٤] قال:\nفإنه أبلغ في العذر، وأجلى للعمى.\nأما [أنه] أبلغ في العذر فإن القاضي لو استعجل، يقول الخصم:\nكان لي بينة، أو يقول: كان لي دفعة، ولكن القاضي لم يمهلني.\nوأما [كونه] أجلى للعمى فلأن قضاءه بعد ذلك يكون عن بصيرة، لا عن ريبة واشتباه.\n\n[٨٥] ثم قال:\nالمسلمون عدول بعضهم على بعض.\nفظاهر الحديث حجة لأبي حنيفة -﵀ -، فإن يقول: القضاء بظاهر العدالة يجوز وعندهما لا يجوز.","vol":"1","page":227},{"text":"وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان؛ فإن أبا حنيفة -﵀أفتى في القرن الثالث الذي شهد لهم رسول الله -ﷺبالصدق، ووصفهم بالخيرية، [وهما افتيا في","vol":"1","page":228},{"text":"زمانهما، وعند ذلك فسد الناس وفشا الكذب].\n\n[٨٦] ثم استثنى في الحديث فقال:\nإلا محدودا في حد.\nفظاهر الحديث حجة لنا، فإنه استثنى المحدود من العدول، ولم يفصل بين ما قبل التوبة، وما بعد التوبة.\n\n[٨٧] ثم قال:\nأو مجربا عليه شهادة زور.\nوهذا لأن الشهادة خبر محتمل، وإنما يكون حجة باعتبار جانب الصدق؛ فمتى كان مجربا عليه شهادة زور ترجح جانب الكذب، فلا تكون شهادته حجة.\n\n[٨٨] ثم قال:\nأو ظنينا في ولاء أو قرابة.\nوالظنين: هو المتهم. وقد قال النبي -ﷺ -:\n\"لا شهادة لمتهم\".","vol":"1","page":229},{"text":"والمراد من الظنين في الولاء إذا كان قانعا بأهل البيت، يعد نفعهم نفع نفسه، وضررهم ضرر نفسه\nوالمراد من الظنين في القرابة إذا كانت الشهادة للمشهود له تصير شهادة لنفسه معنى؛ كما في الوالدين والمولودين.\n\n[٨٩] ثم قال:\nفإن الله تولى منكم السرائر.","vol":"1","page":230},{"text":"يعنى توحد الله تعالى بعلم الغيب، فلا يكلف القاضي الوقوف على الباطن؛ لأن ليس في وسعه.\n\n[٩٠] ثم قال:\nودرأ عنكم بالبينات والإيمان.\nيعنى أسقط الوبال فيي الآخرة والذم في الدنيا بالبينات والإيمان.\n\n[٩١] ثم قال:\nإياك والغضب والقلق.\nأما الغضب فإنه مذموم؛ لما روي أن رجلا سأل رسول الله -ﷺفقال: دلني على ما نفعني في الدنيا والآخرة، فقال له: \"لا تغضب\".","vol":"1","page":231},{"text":"فإذا كان النفع في الدنيا والآخرة في ترك الغضب، كان الضرر في الدنيا والآخرة في الغضب، ولأنه إذا غضب لا يمكنه القضاء بحق.\nوكذا القلق، لأنه اضطراب النفس، والضجر.\nوهذا إذا كان في موضع الاجتهاد.\nفأما إذا كان في موضع النص فإنه يقضى؛ لأنه يكون واضحًا، ولا يشتبه عليه الأمر.\n\n[٩٢] ثم قال:\nوالتأذي بالناس.\nيعنى: أن لا يتآذى بكثرة الازدحام والاجتماع على بابه؛ لأنه بتقلد القضاء التزم فصل الخصومة في ما بين الخصوم\n\n[٩٣] ثم قال:\nوالتنكر عند الخصوم.\nيعنى: لا يعبس وجهه، ولا يرفع صوته على الناس.\n\n[٩٤] ثم قال:","vol":"1","page":232},{"text":"فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذخر.\nلأن القضاء عبادة، وهو أفضل من نقل العبادة.\n\n[٩٥] ثم قال:\nومن خلصت نيته في الحق.\nويروى: ومن خلصت نيته، ولو على نفسه، لأن القضاء عبادة؛ فيكون الإخلاص فيه شرطًا؛ قال الله تعالى:\n﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾.\n\n[٩٦] ثم قال:\nوابقى على نفسه، زانه الله تعالى.\nلما روي عن رسول الله -ﷺأنه قال:\n\"إذا أصلح العبد سريرته أصلح الله علانيته\".\nلأنه عامل لله تعالى.\n\n[٩٧] ثم قال:\nومن تزين للناس بما يعلم الله تعالى أنه ليس في قلبه شانه الله.\nلأنه منافق متهاون.\n\n[٩٨] ثم قال:","vol":"1","page":233},{"text":"فما ظنك بثواب الله تعالى مع عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام.\nيعنى القاضي إنما يقضى بغير حق، لينال شيئا من الدنيا، أو يمد في الناس، وما عند الله تعالى من الثواب أفضل من حظوظ الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>[أصول الاجتهاد والقضاء عند ابن مسعود]</span>\n[٩٩] ذكر عن عبد الله بن مسعود -﵁أنه قال:\n[قد] أتى علينا زمان -وفي بعض النسخ: حين -لسنا نقضى، ولسنا هناك،\nوذكر في كتاب أدب القاضي لمحمد: لسنا نسأل، ولسنا هناك.\nوهذا إشارة إلى زمن رسول الله -ﷺ -؛ فإنه كان","vol":"1","page":234},{"text":"يرجع في الحوادث إلى رسول الله -ﷺو [إلى] أبي بكر وعمر -﵄ -، وما كان يرجع إلى عبد الله، ثم تعلم عبد الله واجتهد حتى صار مذكورا؛ فإنه لما قدم الكوفة اجتمع حوله أربعة آلاف نفر، فلما قدم علي [-﵁الكوفة] تلقاه ابن مسعود -﵁في جميع أصحابه، فقال علي -﵁ -: لقد ملأن هذه البلدة علما وفقها.\n\n[١٠٠] ثم قال:\nثم كان من قدر الله تعالى أن بلغنا من الأمر ما ترون.\nهذا يحتمل أن يكون بيانا للشكر؛ فإن الله تعالى أنعم عليه بهذا، فإنه بلغ مبلغا يصلح للقضاء والفتوى.\nويحتمل أن يكون بيانا لتراجع الزمان، فإنه تراجع الزمان حتى وجب الرجوع إلى مثلي في القضاء والفتوى.\n\n[١٠١] ثم قال:\nفمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم -وفي بعض النسخ: فمتى ابتلى أحد منكم بالقضاء -فليقض بما في كتاب الله تعالى، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله تعالى، فليقض بما قضى به نبيه -ﷺ -، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله تعالى، ولم يقض به نبيه فليقض بما","vol":"1","page":235},{"text":"قضى به الصالحون، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله تعالى، ولم يقض به نبيه، ولم يقض به الصالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقولن أحدكم: أني أرى، وأني أخاف.\nيعنى: ينبغي أن لا يدع الاجتهاد؛ مخافة أن يغلط؛ فإن الشر في ترك الاجتهاد فوق الشر في الاجتهاد.\n\n[١٠٢] ثم قال:\nإن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فدع ما يربيك إلى ما لا يريبك.","vol":"1","page":236},{"text":"قوله: الحلال بين، إذا كان ثابتا بالنص فيكون الحكم فيه ظاهرا، واضحا.\nوقوله: دع ما يريبك، يعني: دع ما لا يطمئن قلبك إلى ما يطمئن قلبك إليه، قال رسول الله -ﷺ -:\n\"الصدق طمأنينة والكذب ريبة\".","vol":"1","page":237},{"text":"[١٠٣] ذكر عن القاسم [بن] عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود نحو ما ذكرنا، إلا أنه زاد فيه: فإن أتاه أمر لا يعرفه فليقر به، ولا يستحي، وفي بعض النسخ فليفر يعنى: من النار ولا يستحي؛ بأن [لا] يجازف، فيستوجب النار.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>[القضاء عند ابن عباس]</span>\n[١٠٤] ذكر عن عبد الله بن عباس أنه كان إذا سئل عن الأمر فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن، وكان عن رسول الله -ﷺأخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر -﵄ -، فإن لم يكن قال فيه برأيه.","vol":"1","page":239},{"text":"وإنما فعل ذلك؛ لأن عبد الله بن عباس -﵁كان شابا في زمن أبي بكر وعمر -﵄ -، والشاب في مثل هذا مأمور بتعظيم الشيخ وتوقيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>[اجتهاد الرسول - ﷺ </span>-]\n[١٠٥] ذكر عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنه سمع أم سلمة تقول:\nقال رسول الله -ﷺ -:\n\"إنما اقضي بينكم في ما لم ينزل علي فيه برأيي\".","vol":"1","page":240},{"text":"فيه دليل على أن رسول الله -ﷺكان يقضى بالاجتهاد، وهذا لأنه أن أصاب الحق باجتهاده فيها، وإن لم يصب لا يقر على الخطأ، فمتى قضى بالاجتهاد وأقر عليه صار ذلك شريعة له، فإن نزل القرآن بخلافه صار ناسخًا؛ فإن نسخ السنة بالكتاب جائز.\n\n[١٠٦] ذكر عن الشعبي قال:\nكان رسول الله -ﷺيقضى بالقضاء ثم ينزل القرآن بغير الذي قضى، فلا يرد قضاؤه ويستأنف.\nلأنه صار الكتاب ناسخًا للسنة، والنسخ يظهر في المستقبل لا في الماضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>[قضاء شريح]</span>\n[١٠٧] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁أنه استقضى شريحًا فقال له في الموسم:\nكيف تقضى في أموال الناس؟","vol":"1","page":241},{"text":"قال: البينات والشهود:\nفقال عمر -﵁: احرزت نفسك وأهلكت أموال الناس.\nوقوله: احرزت نفسك إشارة إلى أنه من تمسك بطريق الرسول [-ﷺ -] فلا يكون عليه العتب في الدنيا والوبال في الآخرة.\nوقوله: أهلكت أموال الناس إشارة إلى فساد أحوال الناس؛ فإن غير العدل قد يعدل في الظاهر، والعدل قد يجرح، فإذا فسدت أحوال الناس فمن اعتمد الشهادة فقد اهلك أموالك الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>[من آداب القضاة]</span>\n[١٠٨] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب:\nوإذا ابتلى الرجل بالقضاء ودخل فيه فليتق الله تعالى وحده لا شريك له.\nلأن الإنسان إنما ينال ما يطلب في الدنيا والآخرة بتقوى الله تعالى؛ [قال الله تعالى]:","vol":"1","page":242},{"text":"\"ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا\".\n\n[١٠٩] ثم قال:\nويؤثر طاعة ربه، ويعمل لمعاده.\nلأن ما يأتي به القاضي يصلح سببا لنيل ثواب الله تعالى، ويصلح أن يكون سببا لنيل متاع الدنيا، فينبغي أن يختار ثواب الله تعالى؛ فإن ما عند الله خير وأبقى. وعن علي -﵁ أنه -قال:\nلو كانت الدنيا من ذهب تفنى، والآخرة من تراب تبقى، فالعاقل يميل إلى تراب يبقى كيف وأنه على العكس.\n\n[١١٠] قال:\nويقصد الحق بجهده في ما تقلده.\nلأنه مأمور بالحكم بحق، فينبغي أن يجتهد لإصابة الحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>[كاتب القاضي]</span>\n[١١١] ثم قال:","vol":"1","page":243},{"text":"ويتخذ كاتبا ورعًا مسلمًا.\nلأن القاضي لا يجد بدا من الكتابة، وفي كل ما يحتاج إليه القاضي لا يمكنه أن يكتب بنفسه،\nثم شرط أن يكون ورعًا مسلمًا، لأن عمل الكتابة من جنس القضاء؛ فيشترط في الكاتب ما يشترط في القاضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>[أعوان القاضي]</span>\n[١١٢] ثم قال:\nويتخذ أعوانا يكونون بين يديه.\nلوجهين:\nأحدهما: أن مجلس القضاء مجلس هيبة، فلو لم يتخذ الأعوان ربما يستخف بالقاضي فتذهب مهابته؛ إلا ترى أنه لا ينبغي للقاضي أن يمشي في السوق وحده؛ لأنه يستخف به، فتذهب مهابته.\nوالثاني: أن القاضي يحتاج إلى إحضار الخصوم، ولا يمكنه ذلك بنفسه، وهم لا يحضرون بأنفسهم، فيتخذ أعوانا ليحضروا الخصوم مجلس القضاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>[رقاع المتخاصمين]\n[والسبق في الدعوى]</span>\n[١١٣] ثم قال:","vol":"1","page":244},{"text":"وإذا أراد أخذ الرقاع وجته كاتبه قبل ذلك إلى المسجد، وأخذ رفاع الناس.\nوكان المتقدمون من المشايخ قبل الخصاف يعتمدون السبق؛ فمن سبق يشتغل القاضي بسماع خصومته، وفصل حكومته.\nوالخصاف [-﵀ -] اعتمد على الرقاع؛ لأن الاعتماد على السبق يؤدي إلى المنازعة؛ فإن كل واحد يدعي السبق، وتكون هذه خصومة أخرى يحتاج القاضي إلى فصلها. فلذلك اعتمد على الرقاع، وله أصل في الشرع: فإن رسول الله -ﷺ -\"كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها سافر بها\".","vol":"1","page":245},{"text":"وهذا لأن القاضي لو ابتدأ بخصومة واحد منهم -كان له ذلك لكن يتهم لينيل، فيقرع نفيا للتهمة وهذا لأن كل ما للقاضي أن يفعل بنفسه كان له أن يقرع نفيا للتهمة؛ ألا ترى أن القاضي إذا قسم التركة فإنه يقرع، لأن له أن يعين نصيب كل واحد منهم بدون القرعة بينهم، فكان له أن يقرع نفيا للتهمة، كذا ههنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>[صورة الرقاع]</span>\n[١١٤] وصورة الرقاع: أن يكتب في كل رقعة اسم المدعى واسم المدعى عليه، ويجعله في بندقة، فإن اجتمع الخصوم","vol":"1","page":246},{"text":"على باب القاضي عشرون أو مائة، والقاضي يعرف بطريق الحزر أو الظن أنه يقدر على فصل الكل في هذا اليوم يقرع في ما بينهم، بعد ما يجعل الرقعة في البندقة، فمن خرجت قرعته أولا فصل خصومته، ثم فصل خصومة من خرجت قرعته بعد الأول، على هذا الترتيب، حتى يأتي على الكل.\nوإن كان يعرف القاضي أنه لا يقدر على فصل الكل في يوم واحد فالكاتب يأخذ الرقاع على الوصف الذي قلناه، ويجعل كل عشرين أو نحو ذلك على قدر طاقة القاضي للجلوس لهم، وأن يضبر عليهم اضبارة، ويكتب لكل اضبارة منها رقعة صغيرة فيها اسم أشهرهم، فتكون","vol":"1","page":247},{"text":"أسماء مختلفة، ثم يجعل كل رقعة منها في بندقة، ويقرع في ما بين الكل جملة، فكل اضبارة خرجت أولا فله يوم السبت وما خرجت بعده فله يوم الأحد على هذا الترتيب، ويعلم الخصوم، إن اسمك في اضبارة كذا مع فلان الذي هو أشهر، وأثبت اسمه على الاضبارة أيضا حتى يعرف كل واحد نوبته، فلا يكثر تردد الخصوم على باب القاضي.\nوبعد الاقتراع يأمر القاضي أن ينادى على بابه: اضبارة فلان يوم كذا، فتعرف الخصوم نوبتهم، فيحضرون في ذلك الوقت.\nويحتاج في هذه الحالة إلى الإقراع مرتين: مرة يقرع بين الاضارات، ومرة يقرع بين الخصوم الذين في كل اضبارة، فتكون إحداهما على طريق الجمل، والأخرى على طريق الأفراد، كما في باب الغنائم، يعزل انصباء العرفاء، فيقرع في ما بينهم جملة ثم يقسم في ما بين الرايات، ويقرع مرة أخرى.\n\n[١١٥] قال الشيخ الإمام الجل شمس الأئمة السرخسي","vol":"1","page":248},{"text":"- ﵀ -:\nما اعتمد الخصاف -﵀حسن، وما اعتمد المتقدمون من المشايخ قبل الخصاف أحسن؛ لأنه متى اعتمد القرعة، وأعلم الخصوم أن نوبتهم يوم السبت أو يوم الأحد، فإنما يمكنه فصل تلك الخصومات إذا كانت الحجج واضحة، أو كان الفصل بالإيمان، فإما إذا كان على وجه يحتاج القاضي في تلك الخصومات إلى المشاورة والنظر والاجتهاد، ولا يأتي على الكل في ذلك اليوم، فيصير مخلفا للوعد، فيجب التحرز عن هذا بالاعتماد على السبق.\n\n[١١٦] ثم قال في الكتاب:\nالاضبارة الأولى يوم السبت، والثانية يوم الأحد، والثالثة اليوم","vol":"1","page":249},{"text":"الذي يجلس فيه القاضي بعد يوم الأحد؛ فإن كان يجلس يوم الاثنين قال لهم يوم الاثنين.\nوإن كان ممن لا يجلس يوم الاثنين قال لهم الاسم الثالث يوم الثلاثاء.\nوهذا لأن القاضي لابد له من يوم يستريح فيه؛ حتى لا يمل، أو ينظر في أموره.\nوكان الرسم في زمن أبي حنيفة -﵀أن يوم البطالة يوم السبت، وكان المدرس لا يدرس يوم السبت.\nوكان الرسم في زمن الخصاف -﵀أن يوم البطالة كان مترددا بين يوم الاثنين وبين يوم الثلاثاء، من القضاة من يختار هذا، ومنهم من يختار ذلك، فلهذا أمر بالنظر.\nوالرسم في زماننا يوم الثلاثاء؛ لأن عمل القضاء من جنس أعمال السلطان، وعمال السلطان لا يشتغلون بالأعمال يوم الثلاثاء، ويقولون أنه يوم ذم؛ لأن قابيل قتل هابيل في هذا اليوم، فقالوا للخصوم: أن يوم البطالة يوم الثلاثاء، ثم يوم الأربعاء، ثم يوم الخميس على الترتيب الذي ذكرنا.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>[هل يحط من رزق القاضي في يوم عطلته؟].</span>\n[١١٧] ثم القاضي إذا كان يستحق الكفاية من بيت المال، ففي يوم البطالة هل يستحق الكفاية؟ أو يحط بقدره؟\nكان مشايخ بلخ يفتون بأنه لا يستحق، بل يحط من الرزق بقدره.\nومشايخ هذه الديار يفتون بأنه يستحقون ولا يحط، وهو الأصح؛ لأن القاضي يستريح في هذا اليوم، فيكون أقوى على فصل الخصومات في اليوم الذي يجلس فيه للفصل، فكان منفعة هذا اليوم راجعة إلى الخصوم، فيستحق الكفاية، إلا ترى أن [القاضي] يستحق ما يحتاج إليه في الليل، وإن كان لا يفصل الخصومة بالليل؛ لما قلنا، كذا ههنا.\nونظيره ما قال في الوصايا إذا أوصى برقاب النخيل لإنسان وبالثمار لإنسان، وكانت النخيل تثمر سنة ولا تثمر سنة أخرى، فإن نفقة النخيل كله من السقي وما يحتاج إليه من الإنفاق على النخيل كله في السنتين جميعا على الموصى له بالثمار.\nلأنه متى حالت سنة أثرت الثمار في السنة الأخرى، فتكون منفعة ذلك عائدة إلى الموصى له بالثمار في السنتين، فكانت المؤونة عليه في السنتين جميعا، كذا هنا.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>[من أحق بالتقديم في سماع دعواه؟]</span>\n[١١٨] قال:\nفإن اجتمع على باب القاضي أرباب الشهود، والأيمان، والغرباء، والنساء، فرأى القاضي أن يقدم رقاع أرباب الشهود في أول كل مجلس، فله ذلك.\nلأنا أمرنا بإكرام الشهود وتوقيرهم؛ قال للنبي -ﷺ -: \"أكرموا الشهود، فإن الله تعالى يحيى الحقوق بهم\".\nوترك الشهود على باب القاضي ليس من الإكرام في شيء.\n\n[١١٩] وإن رأى أن يقدم رقاع أرباب الإيمان في أول كل مجلس فله ذلك أيضا.\nلأن فصل الخصومة باليمين أيسر لأن في القضاء بالشهادة يحتاج","vol":"1","page":252},{"text":"إلى إثبات أسامي الشهود، والنظر في لفظ الشهادة، وتعديل الشهود، وفي الفصل باليمين لا يحتاج إلى هذه الأشياء الكثيرة.\n\n[١٢٠] وإن رأى أن يقدم رقاع الغرباء في أول كل مجلس فله ذلك.\nلأن قلب الغريب يكون مع أهله وداره، فمتى كثر مكنه وتردده على باب القاضي يمل، فينصرف إلى وطنه، ويترك حقه. فيكون القاضي هو الذي ضيع حقه.\nللكن هذا إذا لم يكن بالغرباء كثرة.\nأما إذا كان فيعتمد في ذلك السبق أو القرعة على ما فسرنا.\nفإن رأى التقديم لأجل الغربة فلا يصدقه في قوله أني غريب عازم على الرجوع إلى وطني، لكنه يسأل البينة على أنه غريب عازم على الرجوع إلى وطنه؛ هكذا روى عن محمد -﵀ -.\nوإنما كان [كذلك] لأنه يدعى معنى يتقدم به على غيره، فيحتاج إلى الإثبات بالبينة، لكن لا يشترط العدالة في هذه الشهادة، وشهادة المستور تكفى.","vol":"1","page":253},{"text":"ومن أصحابنا من قال: بأن القاضي يسأل أنه مع من يريد السفر، ويسأل الرفقة أنهم متى تخرجون؟، وأن فلانا هل يخرج معهم؟ وهل يستعد لأمر السفر.\nوهذا ليس في هذا الفصل خاصا، بل في الإجارة كذلك؛ فإن الإجارة تفسخ بسبب العذر في جهة المستأجر من السفر ونخوه، وبمجرد قوله أني أريد السفر لا يثبت العذر، ولا تفسخ به الإجارة، ولكن يسأل القاضي: مع من يريد الخروج؟ ثم يسأل رفقته: أنهم متى يخرجون؟ وأن فلانا هل يخرج معهم؟ وهل استعد للسفر؟\nفإن قالوا: نعم، فحينئذ يتحقق العذر فتفسخ الإجارة، فكذا ههنا.\nوفي أخذ الكفيل كذلك على ما يأتي بيانه في الباب التاسع والعشرين أن شاء الله تعالى.\n\n[١٢١] فإن رأى القاضي أن يقدم رقاع النساء على الكل فله","vol":"1","page":254},{"text":"ذلك [أيضا].\nلأن أمر المرأة مبنى على الستر و[هي] مأمورة بالقرار في البيت، وإنما خرجت لأجل العذر، فكان له أن يفصل خصومتها أولا، لتنصرف إلى بيتها، فيكون ذلك استر لها.\nوإن رأى أن يجمل للنساء نوبة في يوم على حدة فله ذلك.\nهذا إذا كانت الخصومات بين النسوان.\nأما إذا كانت بين الرجال والنساء، فلا يمكن أن يجعل للنساء نوبة على حدة.\n\n[١٢٢] وإذا ثبت اسم عشرين نفرا في الاضبارة يجعل لكل اضبارة منها رقعة صغيرة كما قلنا ويقرع، وبعد الإقراع يأمر القاضي أن ينادي على بابه: اضبارة فلان في يوم كذا، ولا ينادي النسوان؛ لأن فيه تشهيرا، ومبنى أمورهن على الستر، لكن يبعث القاضي عجوزًا أمينة تخبرها أن نوبتها في يوم كذا؛ لتحضر في وقتها، وتخاصم، وتنصرف.\n\n<span data-type='title' id=toc-35>[مساعد الكاتب]</span>\n[١٢٣] قال:","vol":"1","page":255},{"text":"وإن رأى القاضي أن يضم مع الكاتب رجلا ثقة مأمونا عند أخذ الرقاع، فعل ذلك؛ لأنه أحوط.\nألا ترى أن في باب التزكية الواحد يكفى، والاثنان أحوط، كذا هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>[تذكرة القاضي]</span>\n[١٢٤] قال:\nفإذا أتوه بالرقاع، وقد فرقوها على عدد الأيام، يكتب القاضي ذلك في تذكرته.\nلأن القاضي يحتاج [إلى] أن يتذكر ذلك، ولو لم يتذكر ربما يقدم من كان سبيله التأخير. والنسيان صفة في الآدمي، فقلنا بأنه يستعين على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>[خريطة القاضي]\n[أو قمطره]</span>\n[١٢٥] فإذا فعل ذلك جعله في قمطره، وهو اسم لخريطة القاضي.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>[ختم القاضي]</span>\n[١٢٦] قال:\nويختم عليها [القاضي] بخاتمه.\nلأنه متى لم يجعلها تحت خاتمه، لا يؤمن من الخيانة.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>الباب السادس في قبض المحاضر من ديوان القاضي [المعزول]</span>\n<span data-type='title' id=toc-40>[عزل القاضي لريبة ولغير ريبة]</span>\n[١٢٧] قال:\nفإذا أراد القاضي أن يقبض ديوان القاضي الذي قبله بعث رجلين من ثقاته فيقبضان من القاضي ديوانه.\nوهذا بناء على أن للسلطان أن يعزل القاضي لريبة ولغير ريبة. أما لريبة فلا شك.\nوأما لغير ريبة فإنه روي عن أبي حنيفة -﵀أنه قال: لا يترك القاضي على القضاء إلا حولًا.\nوهذا لأنه متى اشتغل بالقضاء ينسى العلم، فقلنا بأنه ينعزل، ويستبدل [به غيره] حتى يشتغل بالدرس. ومن حق السلطان أن ينظر لهذا القاضي إذا مضى عليه حول، فيقول له: لا فساد فيك، لكني أخشى عليك أن تنسى العلم، فعد وادرس العلم، ثم عد إلينا حتى نقلدك ثانيا.\nومتى عزله لريبة أو لغير ريبة واستبدل [به] فإن القاضي المقلد","vol":"1","page":258},{"text":"يبعث رجلين من ثقاته، والواحد يكفى، والاثنان أحوط، فيقبضان من المعزول ديوانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>[ما يحويه ديوان القاضي]</span>\n[١٢٨] وديوان القاضي الخرائط التي فيها نسخ السجلات، والصكوك، والمحاضر، ونصب الأوصياء والقيم في أموال الوقف، وتقدير النفقات.\nوهذا لأن القاضي يكتب نسختين: إحداهما تكون في يد الخصم، والأخرى قد تكون في ديوان القاضي؛ لأنه ربما يحتاج إليها لمعنى من المعاني، وما في يد الخصم لا يؤمن عليه من الزيادة والنقصان، فلا يمكن الاعتماد عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>[جرد الديوان وقبضه]</span>\n[١٢٩] ثم إذا جاءا يقبضان ديوان القاضي المعزول وما في","vol":"1","page":259},{"text":"الخريطة، فما كان فيها من نسخ السجلات يجمعان في خريطة.\nوما كان من نصب الأوصياء في أموال اليتامى يجمعان في خريطة.\nوما كان من تقدير النفقات يجمعان في خريطة.\nوما كان من نسخة قيم الأوقاف يجمعان في خريطة، إذا كان عمل الوقف للقاضي.\nوأما إذا كان عمل الوقف لغيره، فلا يحتاج إلى ذلك.\nوما كان من الصكوك يجمعان في خريطة، حتى يجمعان","vol":"1","page":260},{"text":"كل نوع من هذه الأنواع في خريطة؛ لأن هذه النسخ كانت تحت تصرف القاضي المعزول، فكان لا يشبه عليه شيء من ذلك متى احتاج إلى نسخة في الجملة.\nفأما القاضي المقلد فيشتبه عليه، فلو لم يجمعا كل نوع من ذلك في خريطة، واحتاج القاضي إلى نوع من الجملة [فإنه] يحتاج إلى أن يفتش جميع ذلك، فيتعذر عليه الوصول [إليه].\n\n[١٣٠] قال:\nويسألان القاضي المعزول شيئا فشيئا؛ لأن قول القاضي المعزول حجة، فإنه بالعزل التحق بواحد من الرعايا، لكن يسألان ليكشف لهما ما أشكل عليهما.\n\n[١٣١] ومتى قبضا ذلك يختمان على ذلك احترازا من الزيادة والنقصان.\n\n[١٣٢] قال:\nوالبياض الذي كتب عليه القاضي المعزول هذه النسخ لا يخلو: أما","vol":"1","page":261},{"text":"إن كان من بيت المال، أو من مال القاضي، أو من مال الخصوم. فإن طابت نفس القاضي المعزول بالدفع إلى أميني القاضي المقلد دفع إليهما، فإن آبى أن يدفع فإن كان من مال بيت المال يجبر على الدفع؛ لأن ذلك إنما كان في يده لعمله، وقد صار العمل لغيره، فلا يترك البياض في يده، وإن كان من ماله، أو من مال الخصوم، اختلف فيه المشايخ:\nمنهم من يقول: لا يجبر؛ لأنه على ملكه، أو وديعة عنده من جهة الخصوم.\nومنهم من يقول: يجبر، وهو الصحيح؛ لأنه ما اتخذ للتمول، بل للتدبير، وكذا الخصوم ما تركوا ذلك لعينه بل لعمله، وقد تحول العمل إلى غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>[حضور القاضي أو أمينيه]</span>\n[١٣٣] قال:\nويأخذان ذلك بحضرة القاضي المعزول، فإن لم يحضر لا يجبر عليه.\nلأن المقلد لا يجب عليه أن يحضر بنفسه، فكذلك المعزول، لا يجب عليه أن يحضر، لكن يبعث أمينين؛ ليسلما الديوان إلى أميني","vol":"1","page":262},{"text":"القاضي المقلد، ويسأل أمينًا المقلد من اميني المعزول شيئًا فشيئًا؛ ليكشف لهما ما اشكل عليهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-44>[تسلم الودائع وأموال اليتامى]</span>\n[١٣٤] قال:\nويأخذان الودائع، وأموال اليتامى.\nلأن ذلك كله كان في يده بحكم عمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>[أمور المحبسين]</span>\n[١٣٥] قال:\nويكتبان أسماء المحبسين.\nلأن القاضي إذا حبس رجلًا وجب عليه أن يكتب اسمه، واسم أبيه، وأسم جده، والسبب الذي يحبس عليه الرجل، وتاريخ الحبس.\nلأنه ربما يحتاج إلى سماع البينة على الإفلاس بعد الحبس، فلابد أن يكون ذلك معلومًا عند القاضي.\nثم القاضي المقلد يأخذ هذه النسخة من القاضي المعزول أيضًا، ويكتب ذلك في تذكرته، ويجعل في قمطره، ويختم [عليه] بخاتمه، ويكتب التاريخ في تذكرته من التاريخ الذي أثبته القاضي المعزول لا من","vol":"1","page":263},{"text":"وقت عمله، لأن هذا بناء على ذلك الحبس، وفي نسخة لا بالحجة\n\n[١٣٦] [قال:]\nويسألان القاضي المعزول عن المحبسين، وعن أسباب الحبس.\nثم يسأل المحبسين عن أسباب حبسهم.\nويجمع بينهم وبين خصومهم.\nفإن اتفقت كلمة القاضي، والمحبوس، ومن حبس لأجله، إعادة في الحبس.\nفإن اختلفوا فصل الخصومة بينهما بالحجة، ولا يلتفت إلى قول القاضي المعزول.\nفإن جمع بين الخصوم والمحبسين فاقر المحبوس وطلب المدعي حبسه إعادة القاضي المقلد إلى الحبس.\nهكذا ذكر.","vol":"1","page":264},{"text":"وذكر الخصاف صاحب الكتاب ﵀ بعد هذا في الباب الحادي والثلاثين أنه إذا أقر إنسان بحق إنسان لا يحبسه في المرة الأولى، وههنا قال يحبسه.\nوإنما كان [كذلك]؛ لأن الحبس عقوبة، وإنما يجب إذا ظهر تعنت الخصم وظلمه، ولم يظهر التعنت بإقراره أن له عليه حقًا.\nفإذا امتنع عن أداء المال حتى خوصم في ذلك الحق مرة أخرى [فإنه] الآن يحبسه. أما في الموضع فالقاضي المقلد وجده محبوسًا، والقاضي المعزول إنما كان حبسه بعد ظهور تعنته فجاز للمقلد أن يقره في الحبس.\nوهذا الفرق على قول الخصاف.\nأما على ما يشير إليه محمد ﵀ في الكتاب فلا فرق بين المرة والمرتين في الإقرار؛ لأنه متى أقر بحق حبسه القاضي وأجبره على الأداء.\nهذا إذا أقر المحبوس.","vol":"1","page":265},{"text":"أما إذا أنكر وقال: أنه يدعي على شيئًا بغير حق وحبسني بظلم فلا يلتفت إلى قوله، لكن يكلف المدعي إقامة الشهود.\nفإن أقام [فان] كان القاضي يعرف الشهود بالعدالة أقره في الحبس.\nلأن القاضي إنما يرجع في تعديل الشهود إلى غيره إذا لم يكن حال الشهود معلومًا له.\nأما إذا كان معلومًا له فلا يرجع إلى غيره، كما في باب الاتلاف، إنما يرجع في معرفة قيم المتلفات إلى تقويم المقومين إذا لم يعرف القيمة بنفسه.\nأما إذا عرف فلا يرجع.\nفإما إذا لم يعرف الشهود بالعدالة، فقول القاضي لا يكون حجة، لكنه يسأل عن حال الشهود، ويأخذ منه كفلًا بنفسه ويطلقه.\nأما لا يقره في الحبس فلانه لما تظهر عدالة الشهود، لم","vol":"1","page":266},{"text":"يثبت عليه الحق بنفس الشهادة، فلا يمكنه الحبس ولا يطلقه بدون كفيل أيضًا؛ لأن القاضي يحتاط للناس، والاحتياط في أخذ الكفيل منه إلى أن تظهر عدالة الشهود، فإن ظهرت العدالة إعادة إلى الحبس وإلا فلا.\n\n[١٣٧] قال:\nوإن كان في المحبسين قوم لم يحضر لهم خصم وادعوا أنهم حبسوا بغير حق، وأنه ليس لهم خصم، فإن القاضي يبلي عذره.\nأي يظهر [عذره].\nوإنما يحصل أبلاء العذر أن يأمر مناديًا ينادي كل يوم إذا جلس أن القاضي يقول: من كان يطلب فلان بن فلان الفلاني المحبوس بحق فليحضر، حتى يجمع بينه وبينه.\nفإن حضر [أحد] وإلا فان رأي القاضي أن يطلقه [فانه] ينادي أيامًا كذلك، كما إذا عرض اليمين على المدعي عليه يقول له في كل","vol":"1","page":267},{"text":"مرة: أني أعرض عليك اليمين فإن نكلت فمن رأيي أن أقضي عليك بالنكول، فإذا نكل في المرة الثالثة وجه عليه القضاء، فكذا هذا.\nفإن حضر خصم لأحد [منهم] جمع بينه وبينه.\nفإن لم يظهر تأتي [القاضي] في ذلك أيامًا على حسب ما يرى القاضي، ولم يسجل بإطلاقهم.\nفإن لم يحضر لأحد منهم خصم أخذ منهم كفيلًا بأنفسهم، وأطلقهم بعد التأني.\nقيل: ما ذكر من أخذ الكفيل في هاتين المسألتين قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.\nأما على قول أبي حنيفة رحمة الله فلا يأخذ بناء على مسألتين:\nأحداهما: أن القاضي إذا قسم التركة بين الورثة هل يحتاط بأخذ الكفيل من الورثة؟\nوالثانية: إذا قضى القاضي [بأخذ] الدين من التركة هل","vol":"1","page":268},{"text":"يحتاط بأخذ الكفيل من الغرماء؟\nعند أبي حنيفة ﵀: لا.\nوعندهما: يحتاط.\nفكذا في مسألة الكتاب.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: لا بل الصحيح أن هذا قولهم جميعًا، والفرق لأبي حنيفة ﵀ أن في مسألة القسمة وقضاء الدين الحق ظاهر لهذا الوارث وهذا الغريم، وفي ثبوت الحق لآخر شك. فلا يجوز تأخير هذا الحق إلى وقت الكفالة لحق موهوم.\nأما في مسألة الكتاب فالحق ثابت بيقين، لأنه حمل فعل القاضي المعزول على الصلاح والسداد، لكنه مجهول، فلا يكون أخذ الكفالة لحق موهوم.\n\n[١٣٨] وإن قال بعض المحبسين: أنا محبوس لرجل يقال له فلان بن فلان الفلاني بألف درهم أقررت له بها عند القاضي فحسبني له، فإن القاضي يأمر بإحضار خصمه.\nفإذا أحضره، فإن عرفه القاضي أنه فلان بن فلان الفلاني، أو","vol":"1","page":269},{"text":"شهد الشهود على نسبه، فقال المحبوس: هذا ماله أحضرته، فقل له ليقبضه ويخرجني من الحبس، فإن القاضي يأمره بأداء المال إليه، لأنه أقر به.\nفإن لم يعرف القاضي له خصمًا آخر أطلقه.\nولم يذكر صاحب الكتاب أخذ الكفيل ههنا، وهو موافق لما قلنا من المعنى.\nفكذا إذا لم يحضر المال، لكن المدعي يقول: أنا أختار الرفق به، فأمهلته مدة معلومة فأطلقه، فهذا والوجه الأول سواء.\nوأن أشكل على القاضي أمر المدعي أنه فلان بن فلان الفلاني، فإن القاضي يأمره بأداء المال إليه في الوجه الأول.\nوأما إطلاقه في الوجهين فلا ينبغي له أن يعجل بل يتأنى ثم يأخذ كفيلًا منه بنفسه، ثم يطلقه في الوجهين؛ لجواز أنهما احتالا بحيلة، والخصم غيره، فيحتاط القاضي بأخذ الكفيل بنفسه، ثم يطلقه.\n\n[١٣٩] وكذا لو قال المحبوس: إنما حبست لهذا الرجل بألف درهم، وقد أحضرتها، فقال له ليقبضها، ويخرجني من الحبس، والقاضي لا يعرف طالب هذا المحبوس، ولم يأت بمن يعرفه من الشهود، فإن القاضي يأمر هذا الرجل يقبض هذا المال بإقرار المحبوس له.","vol":"1","page":270},{"text":"فأما إطلاقه، فلا ينبغي أن يعجل في إطلاقه بقول هذا القابض للمال، لكن يأمر القاضي بالنداء على المحبوس على ما وصفنا، فإن أتى إنسان فيها. وإن لم يأت تأتى القاضي أيامًا على حسب ما يرى القاضي، ثم يأخذ منه كفيلًا بنفسه ثم يطلقه.\nفإن قال المحبوس: لا كفيل لي، أو قال: ما يجب على إعطاء الكفيل، فليس لي خصم، فلا أعطي كفيلًا، تأتي القاضي في أمره، ولم يعجل في إطلاقه حتى ينادى عليه، ويسأل الخصم شهرًا أو نحوه، على [حسب] ما يرى القاضي.\nفإن أتى له خصم وإلا فأطلقه.\n\n[١٤٠] سأل صاحب الكتاب ﵀ سؤالًا عن نفسه، قال:\nفإن قال قائل: لا ينبغي لهذا القاضي المولى أن يترك أحدًا من المحبسين إلا أطلقه إلا رجلًا يقر لإنسان بعينه بحق، وذلك الإنسان يريد حبسه، أو إنسان يأتي بشهود عدول على أحد منهم. أما من لم يحضر له خصم فإن القاضي لا يحبسه؛ لأن القاضي ما يحبسه لحقه، وإنما حبسه لحق غيره. فإذا لم يكن ههنا أحد يخاصمه وجب أن","vol":"1","page":271},{"text":"لا يحبسه.\nوأجاب عنه، فقال:\nأنا نضع أمر القاضي وحبسه على أنه لم يحبس إلا بأمر يلزم به الحبس؛ لأن القاضي عندنا على العدالة، حتى يصح عليه خلاف ذلك.\n\n[١٤١] ثم ذكر سؤالًا آخر، قال:\nفإن قال قائل: فإذا لم يطلقهم القاضي فلا ينبغي أن يتعرض في أمورهم لشيء، فلا يأمر بحبسهم، ولا ينهي عن ذلك.\nلأن فعل القاضي إنما يكون بحجة، ولم يوجد دليل الحبس، ولا دليل الإطلاق.\nفأجاب عنه، فقال:\nأن القاضي إذا قال أنا لا آمر في هذا بشيء، ولا انهي، فإذا أطلقهم البواب، أو غيره من الحبس، هل يتركه القاضي وذلك؟ فلا ينبغي له أن يتركه القاضي وذلك؛ لأنه ليس للقاضي أن يطلق، ولا يترك أحدًا يطلق، لكن يسأل عن أمره، فإذا صح عنده شيء عمل به.\n\n[١٤٢] ثم الحبس في حق المحبوس لا يخلو: إما أن يكون بسبب الدين، أو بسبب العقوبات الخالصة للعباد، وهو القصاص","vol":"1","page":272},{"text":"في النفس، أو في الطرف، أو في العقوبات الخالصة لله تعالى، وهو الزني، والسرقة، وشرب الخمر، أو بسبب عقوبة مترددة بين حق الله تعالى وحق العبد، وهو حق القذف.\n\n[١٤٣] فإن كان بسبب الدين فقد ذكرنا.\n\n[١٤٤] وإن كان بسبب العقوبات الخالصة للعباد؛ بأن قال واحد من المحبسين: إنما حبست لأني أقررت بالقصاص لفلان، جمع القاضي بينه وبين خصمه.\nو[ان] ادعاه ذلك الخصم ينظر:\nإن كان القصاص في النفس، فإن القاضي يمكنه من الاستيفاء بإقراره؛ لأنه لا تتمكن تهمة المواضعة.\nوإن كان القصاص في الطرف يمكنه من الاستيفاء أيضًا بإقراره، لكن لا يعجل بإطلاقه؛ لأنه تتمكن تهمة المواضعة؛ فإنه يجوز أن يكون لإنسان آخر حق في نفسه، أو في ماله، فهو يبذل الطرف؛ ليتخلص،","vol":"1","page":273},{"text":"فيفوت حق ذلك الإنسان في نفسه، وينفلت، فيتأنى في ذلك، وينادي [عليه]، ثم يأخذ عنه كفيلًا بنفسه، ويطلقه.\n\n[١٤٥] وإن كان بسبب العقوبات الخالصة لله تعالى بأن قال: إنما حبست لأني أقررت بالزنى عند القاضي المعزول أربع مرات، فحبسني ليقيم الحد علي، فإن القاضي لا يقيم الحد عليه بذلك.\nلأن ما كان من الأقارير في مجلس القاضي المعزول لا يكون حجة في حق القاضي المولى، لكن هو يستقبل الأمر، فإن أقر بالزنى أربع مرات في أربعة مجالس صح هذا الإقرار، فإن كان محصنًا رجم، وإن لم يكن محصنًا جلده، ثم يتأنى في ذلك، وينادى عليه، فإن حضر له خصم جمع بينهما، وإلا أخذ كفيلًا بنفسه وأطلقه.\n[فإن رجع عن الإقرار صح منه رجوعه؛ لأنه لو رجع عند القاضي الأول حين كان قاضيًا صح، فكذا ههنا عند القاني، فلا يقيم الحد عليه، لكن لا يطلقه؛ لتوهم الحيلة، لكن ينادي، ثم يتأنى، ويأخذ منه كفيلًا بنفسه ويطلقه].\n\n[١٤٦] وأما إذا قال: قامت البينة علي بالزنى، فحبسني القاضي؛ ليقيم علي الحد، فإن القاضي لا يقيم الحد عليه بتلك البينة؛ لأن","vol":"1","page":274},{"text":"ما كان من الشهادة عند القاضي المعزول لا يعتبر عند الثاني.\nوكذا لو شهدوا عليه عند الثاني إذا تقادم العهد؛ لأن الشهادة على الزنى عند التقادم لا تكون حجة، بخلاف الإقرار، فإنه يكون حجة، فيستقبل القاضي المولى الأمر في الإقرار.\nوإذا ثبت [إنه] لا يقيم الحد بتلك البينة لا يطلقه؛ لتوهم الحيلة، لكن ينادي عليه، ويتأنى في أمره، ويأخذ منه كفيلًا ويطلقه.\n\n[١٤٧] وإن قال: إنما حبست لأني أقررت بالسرقة من فلان عند القاضي، يقطع القاضي يده، سواء تقادم العهد أو لم يتقادم.\nلأن الإقرار حجة في السرقة في الفصلين جميعًا كما في الزني.\nثم لا يعجل بإطلاقه؛ لتوهم الحيلة، بل يتأنى في أمره، ويأخذ كفيلًا [بنفسه] ويطلقه كما بينا.\n\n[١٤٨] وإن قال: حبست لأنه قامت البينة علي بالسرقة عند القاضي الأول، فالقاضي لا يقيم الحد عليه بتلك البينة لما قلنا.\nوكذا إذا شهدوا عند الثاني إذا تقادم العهد؛ لأن البينة لا تقبل في","vol":"1","page":275},{"text":"السرقة بعد تقادم العهد، فلا تقطع يده، ولا يعجل بإطلاقه، بل يفعل ما قلنا.\n\n[١٤٩] وإن قال: إنما حبست لأني أقررت بشرب الخمر، أو بالسكر من النبيذ، أو قال: قامت على بينة على ذلك، فحبسني القاضي ليقيم علي الحد، فإنه لا يقيم الحد عليه في الفصل الثاني.\nوفي الفصل الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأن حد شرب الخمر إنما يجب بالإقرار أو بالبينة عندهما، إذا كانت الخمر في بطنه، والرائحة توجد منه ولم توجد فلا يجب الحد عليه، لكن لا يعجل بإطلاقه، بل يفعل ما قلنا.\n\n[١٥٠] وإن قال: إنما حبست، لأني قذفت هذا الرجل بالزنى، فحبسني القاضي ليقيم علي الحد، وصدقه ذلك الرجل، استوفى منه الحد، ولا يصح الرجوع عنه، بخلاف حد الزنى.\nفإذا استوفى منه لا يعجل بإطلاقه، بل يفعل ما قلنا.\nهذا هو الكلام في المحبوسين.\n\n<span data-type='title' id=toc-46>[أمور الأموال والودائع]</span>\n[١٥١] وأما الأموال والودائع: فإن قال القاضي المعزول: على يد فلان بن فلان كذا كذا من المال، وهو لفلان بن فلان، فإن القاضي","vol":"1","page":276},{"text":"يسأل الذي على يديه المال عن هذا المال. فبعد ذلك المسألة على أربعة أوجه:\nأما إن قال: دفعه إلى القاضي فلان بن فلان، وقال: هو لفلان ابن فلان.\nأو قال: دفعه إلى القاضي، ولا أدرى لمن هو.\nأو أنكر ما قاله القاضي المعزول كله.\nأو قال: دفعه إلى القاضي المعزول، وهو لفلان الآخر.\nففي الوجه الأول والثاني: القاضي المولى يقبل قبول القاضي المعزول، ويكون المال للمقر له.\nلأن المال إنما وصل إلى صاحب اليد من جهة القاضي المعزول، فكان المال في يد القاضي المعزول معنى، وهو بالعزل التحق بسائر الرعايا، ومن في يده المال إذا أقر بذلك المال لإنسان يقبل إقراره، فكذا هذا.\nونظير هذا ما قال في الكتب: إذا كان في يد رجل مال وأقر أن هذا","vol":"1","page":277},{"text":"المال دفعه إلى فلان بن فلان، [وفلان] يقول بأن هذا المال ملك فلان يؤمر صاحب اليد بالدفع إلى المقر له؛ لأن صاحب اليد أقر بأن اليد للدافع معنى، والدافع يقر بالملك لإنسان آخر، فصح إقراره، فيؤمر بالسليم إلى المقر له كذا ههنا.\nوفي الوجه الثالث القول قوله، وبقول القاضي المعزول لا يجب عليه شيء.\nوفي الوجه الرابع المسألة على وجهين:\n[أما أن بدأ صاحب اليد بالدفع، فقال: دفعه إلى القاضي المعزول، وهو لفلان آخر.\nأو بدأ بالإقرار] فقال: هذا المال لفلان بن فلان، غير الذي أقر له القاضي المعزول، ثم قال: دفعه إلى القاضي المعزول.\nففي الوجه الأول القول قول القاضي المعزول، ويؤمر بالدفع إلى من أقر له القاضي؛ لأنه لما بدأ بالدفع من القاضي، فهو أقر باليد للقاضي، فصار كأن المال في يد القاضي، ثم أقر بأنه لفلان بن فلان فلا يصح إقراره.","vol":"1","page":278},{"text":"وفي الوجه الثاني: يؤمر بالتسليم إلى من أقر له، ويضمن مثله إن كان من ذوات الأمثال لمن أقر له القاضي المعزول؛ لأن إقراره الأول صح؛ لأن المال في يده فيجب عليه التسليم إلى المقر له، فإذا قال بعد ذلك: دفعه إلى القاضي المعزول، والقاضي يقول: هو لفلان آخر، فقد أقر أن اليد كانت للقاضي، والقاضي يقر بالملك لرجل آخر، فيصير هو بالإقرار لإنسان آخر متلفًا على الذي أقر له القاضي المعزول ذلك المال، فيضمن مثله إن كان من ذوات الأمثال.\nوجنس هذه المسائل تعرف في كتاب الإقرار.\n\n[١٥٢] وإن قال القاضي: على يدي فلان عشرة آلاف درهم أصابها فلان [اليتيم] من تركة والده فلان، وصدقه بذلك الذي في يده المال، فإن القاضي المقلد يقبل قول القاضي المعزول في ذلك؛ لأن المال في يده مضى، فبعد ذلك ينظر: إن لم يدع أحد من الورثة هذا المال فهو لليتيم المقر له.","vol":"1","page":279},{"text":"فإن ادعى الورثة أنهم لم يستوفوا حقوقهم، فالقول قولهم، ويكون المال مشتركًا بين اليتيم و[بين] سائر الورثة.\nلأن اليد للقاضي المعزول معنى، وهو أقر أن هذا المال كان ملك [اليتيم، فيصح إقراره بأن المال كان ملك] أبيهم باعتبار يده، إنما لم يصح إقراره على سائر لورثة بالاستيفاء باعتبار يده، فإذا لم يثبت الاستيفاء كانت تركة للميت، فتكون مشتركة بين اليتيم وبين سائر الورثة، لكن القاضي يحتاط لأمر الصبي، فيستحلفهم أنهم ما استوفوا حقوقهم؛ لأن الصبي يعجز عن النظر لنفسه، فالقاضي ينظر له.\nألا ترى أن القاضي إذا قضى دين ميت فإنه يحلفه بالله تعالى: ما استوفى الدين، ولا أبرأه منه؛ لأن الميت عجز عن النظر لنفسه، فينظر له القاضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>[أمور العقار والضياع والعروض]</span>\n[١٥٣] قال:\nفكذلك لو كان مكان الدراهم عقارًا، أو ضياعًا، أو","vol":"1","page":280},{"text":"غروضًا، فعلى هذا.\n\n[١٥٤] قال:\nوإن كان مالًا بصك على رجل، وكان القاضي قد بين سبب المال، وأشهد في الصك أنه لفلان اليتيم، أصابه من تركه والده فلان، وأن سائر الورثة قد استوفوا حصصهم، كان هذا المال لليتيم دون الورثة.\nلأن إشهاده أنهم استوفوا حقوقهم من تركة والدهم فلان من المال حكم عليهم بذلك، وما كان من حكم أخبر به القاضي المعزول وله بذلك شهود [فإنه] يقبل قوله إذا شهد الشهود على حكمه، فكذا هذا، إذا شهدوا على ما في الصك، وهو إشهاده فيقبل قول القاضي المعزول، أما بمجر الصك، فلا يقبل قول القاضي المعزول.\nوإن كان القاضي المعزول أشهد أن هذا المال لفلان اليتيم، ولم يقل من تركة والده، فهو لليتيم.\nوإن ادعى الورثة حقوقهم في ذلك فليس لهم شيء؛ لأن القاضي المعزول أقر بالمال لليتيم، واليد له، فصح الإقرار.\nوليس من ضرورة كون المال ملكًا لليتيم أن يكون من تركه والده لا محالة.","vol":"1","page":281},{"text":"فإذا ادعوا أنه تركه والدهم لم تصح دعواهم إلا بحجة.\nفإذا بلغ اليتيم فيسأل عن ذلك، فإن أنكر أن يكون من تركة والده، وأنكر حقوقهم كان القول قوله.\nوإن أقر بحق لهم، كان إقراره حجة على نفسه، فيقبل.\nهذا هو الكلام في الأموال والودائع.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>[أمور الوقف وأمنائه]</span>\n[١٥٥] وأما الضياع الموقوفة التي على يدي الأمناء، فإن القاضي المعزول إذا قال: ضيعة كذا وكذا ثبت عندي بشهادة شهود أن فلان بن فلان الفلاني وقفها على كذا وكذا، وحكمت بذلك، وقد وضعتها على يدي فلان بن فلان، وأمرته بإنفاذ غلاتها في الوجوه التي سبلها في الواقف، وصدقه بذلك الأمين الذي في يديه، فهذا على ثلاثة أوجه.\nأما إن أقر ورثة الواقف بذلك، وصدقوه في ما قال، أو جحدوا، وقامت عليهم بينة على قضاء القاضي المعزول، أو على إقرار الواقف بذلك، أو جحدوا، ولم تقم عليهم بينة بذلك.","vol":"1","page":282},{"text":"ففي الوجه الأول: أنفذ القاضي هذا الوقف بإقرارهم؛ لأن اليد في الضيعة للقاضي المعزول معنى، وقد أقر القاضي المعزول بالملك للميت، وأدعى الوقفية عليه، والورثة خلفاء الميت، وقد صدقوه في ذلك، فيجعل تصديقهم بمنزلة تصديق الواقف بنفسه [أن] لو كان حيًا.\nوفي الوجه الثاني كذلك؛ لأن إقامة البينة عليهم بمنزلة إقامة البينة على الواقف [أن] لو كان حيًا.\nوفي الوجه الثالث يكون ميراثًا بينهم كما لو كان الواقف حيًا، كان القول قوله لإقرار القاضي أن الضيعة ملكة فلم تصح دعوى الوقفية عليه فكذا هذا. ويستحلفهم القاضي على العلم، فإن حلفوا ردها ميراثًا بينهم.\nفإن قال القاضي المعزول: هو وقف على كذا وكذا، ولم يقل وقفها فلان الميت، وهي في يد فلان بن فلان وصدقه صاحب اليد، أنفذها القاضي ولم يسأل القاضي المولى القاضي المعزول عن التفسير أنه من وقفها؛ لأنه إن سأل فربما يفسر، ويقول فلان الميت، فيجحد الورثة، فيتعذر على القاضي تنفيذ الحكم فيه، والقاضي إنما يشتغل بالسؤال والاستفسار إذا كان مفيدًا، ولا يشتغل بما لا يفيد، فيتعذر تنفيذ الحكم عليه.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>[محاسبة الأمناء]</span>\n[١٥٦] قال:\nوينبغي للقاضي أن يحاسب الأمناء على ما جرى على أيديهم من أموال المسلمين ومن غلاتهم.\nلما روى عن عمر ﵁ أنه كان يحاسب عماله كل سنة.\nلأن القاضي هو الذي يلي التصرف في [أموال اليتامى، وفي]، أموال الوقف، وربما يعجز عن ذلك بنفسه، فيستعين بغيره على بعض أعماله، فيجب أن يحاسب؛ ليصير ذلك معلومًا للقاضي.\nفإن أحس بخيانته عزله، واستبدل [به] غيره.\nوإن وجده أمينًا قرره على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>[أمور الأوصياء والقوام ومحاسبتهم]</span>\n[١٥٧] ثم صاحب الكتاب أشار إلى الفرق بين الوصي والقيم؛ فإنه يقول:\nفمن كان منهم أقامه القاضي مقام الوصي [قبل قوله في ما يقبل فيه قول الوصي].","vol":"1","page":284},{"text":"ومن كان منهم أقامه قيمًا قابضًا لأمواله [يبيع الغلات، ويعمر الضيعات، قبل قوله في ما جعل إليه].\nوإنما كان [كذلك] لأن القيم من فوض إليه حفظ المال، والقيام عليه، وجمع الغلات، دون التصرف، حتى لو تصرف يصير مخالفًا، كالمودع إذا تصرف في مال الوديعة.\nوالوصي من فوض إليه التصرف والحفظ جميعًا، فيكون بمنزلة الوكيل بالتصرف والحفظ جميعًا، لكن هذا الفرق كان من قبل، أما في زماننا [فانه] لا فرق بين القيم والوكيل.\n\n[١٥٨] قال:\nويقبل قول الوصي والقيم في ما يدعي من الإنفاق على الضيعة واليتيم ونحو ذلك إذا ادعى ما ينفق على مثلها في تلك المدة.\nلأن الوصي والقيم قائم مقام القاضي، فكما يقبل قول القاضي في ما يكون محتملًا، فكذا قول القيم والوصي.","vol":"1","page":285},{"text":"وقد ذكر هذا بعد هذا في باب طويل.\nوإن ادعى الوصي [أو] القيم أنه انفق من مال نفسه، وأراد به الرجوع على اليتيم، أو على مال الوقف، لا يكون له ذلك؛ لأنه يدعي لنفسه دينًا على اليتيم وعلى مال الوقف، فلا يصح بمجرد الدعوى.\nوأما إذا ادعى الإنفاق من مال اليتيم أو من مال الوقف، وماله في يده، فقد أدعى الإنفاق عليه مما هو أمانة في يده، وله ولاية الإنفاق، فيقبل قوله.\nوإن اتهم أحدًا منهم في شيء استحلفه.\nهكذا قال صاحب الكتاب.\nثم اختلف المتأخرون فيه:\nمنهم من قال: إنما يستحلف الوصي إذا ادعى عليه شيئًا معلومًا. أما إذا لم يدع [عليه] شيئًا معلومًا، فلا يستحلف.\nوأكثرهم قالوا: يستحلف.\nلأن هذا الاستحلاف للاحتياط، والنظر لليتيم ومال الوقف.","vol":"1","page":286},{"text":"فمتى أحس القاضي بشيء من الخيانة فإنه يحتاط لأمر اليتيم والوقف، ويحلفه على ذلك.\n\n[١٥٩] قال:\nفإن ادعى أحد من هؤلاء: الوصي في مال اليتيم أو القيم في مال الوقف، إن القاضي المعزول أجرها له مشاهرة كذا وكذا في كل شهر، ومسانهة كذا وكذا في كل سنة، فإن القاضي المولى لا ينفذ ذلك بمجرد الدعوى.\nوكذا إن زعم القاضي المعزول أنه فعل هكذا؛ لأن قوله للحال ليس بحجة.\nفإن قامت البينة على فعل القاضي المعزول ينفذه القاضي المولى؛ لأنه يثبت قول القاضي المعزول في حال قضائه، وقوله في حال قضائه حجة، إلا أنه ينظر القاضي المولى في ذلك: فإن كان ذلك مثل أجر مثل عمله أو دونه ينفذ ذلك كله، وإن كان أكثر ينفذ من ذلك مقدار أجر المثل والزيادة على ذلك تبطل، ويجب عليه أن يرده على اليتيم إن كان [قد] استوفى الأجر؛ لأن القاضي كان مأمورًا بالنظر","vol":"1","page":287},{"text":"لليتيم، وهذا ليس من النظر.\nفإذا كان لا يحل للأول أن يعطي أجرًا أكثر من أجر المثل لا يجب على الثاني أن ينفذ أكثر من أجر المثل.\n\n[١٦٠] قال:\nوإن قال أحد الأوصياء أو القوام في مال الوقف: أيها القاضي أني جمعت الغلات، وبعتها وأنفقتها في ضيعة كذا وكذا بأمر القاضي المعزول، وبقى في يدي هذا القدر، فإن القاضي المولى يقبل قوله في حق ما في يده؛ لأنه الأمين فيه، وقول الأمين يكون مقبولًا، ولا يقبل قوله: أني بعت وأنفقت كذا في ضيعة كذا بأمر القاضي المعزول، ويلزمه ما أخرج من يده من مال اليتيم وفالوقف؛ لأنه يدعي لنفسه سبب الولاية، وبمجرد الدعوى لا يثبت سبب الولاية.\nوكذا لو قال القاضي المعزول كذلك؛ لأن قوله في الحال ليس بحجة.\nفإن قامت البينة على إطلاق القاضي المعزول في حال قضائه، فإن القاضي المولى ينفذه ويمضيه وإلا فلا.\nذكر الفقيه أبو جعفر في شرح هذا الكتاب أنه ينظر: أن كان","vol":"1","page":288},{"text":"الرجل معروفًا بالصلاح لا يضمنه القاضي استحسانًا.\nلأنه فعل عين ما يفعله القاضي أن لو رفع إليه، فلا يضمن استحسانًا.\nومن هذا الجنس مسائل:\nمنها:\nأن الميت إذا كفنه إنسان من تركته بدون إذن القاضي.","vol":"1","page":289},{"text":"ومنها:\nأوقاف المسجد إذا أخذها واحد من صلحاء المحلة وانفق في المسجد قدر ما لابد منه أنه لا يضمن استحسانًا لما قلنا.\nوالصحيح ما قاله صاحب الكتاب، وكذلك في المسائل التي عدها؛ لأنه إنما لا يضمن هنا وفي تلك المسائل استحسانًا في ما بينهم وبين الله تعالى، أما في الحكم فيضمنون.\nكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح نفقات الخصاف [﵀].\nوهذا كله في الثمار والغلات التي تحصل من غير عقدة.","vol":"1","page":290},{"text":"أما ما تحصل بعقدة كغلة الحوانيت [فإنه] لا يجب عليه الضمان.\nلأنه لما لم يثبت إذن القاضي المعزول وإطلاقه كان غاصبًا، والغاصب إذا أجر المغصوب، واستوفى الأجر كانت الأجرة مملوكة له، فلا يتصور وجوب الضمان [عليه] سواء كان معروفًا بالصلاح أو لم يكن.\n\n[١٦١] قال:\nفلو قال القاضي للأمناء: لا أقبل منكم الجملة، لكن أحاسبكم شيئًا فشيئًا، شهرًا فشهرًا، وسنة فسنة، فهذا على وجهين:\nإن كان الوصي والقيم معروفًا بالصلاح والأمانة وقال: إنما بقى في يدي هذا القدر من المال، فالقاضي المولى لا يجبره على التفسير شيئًا فشيئًا، فيكون القول قول الأمين مع يمينه.\nوإن كان الوصي أو القيم غير معروف بالصلاح والأمانة، فالقاضي يحتاط في ذلك الباب ويبالغ ويحاسبه شيئًا فشيئًا.\nفإن لج الرجل وقال: إنما بقى في يدي هذا القدر من المال، فالقاضي لا يجبره على التفسير، فإن في الإجبار إضرارًا به، فإنه إذا أقر بشيء لا يقبل قوله بعد ذلك في الصرف، وليس للقاضي ولاية الإضرار، فلا","vol":"1","page":291},{"text":"يكون له ولاية الجبر، ولا ولاية التضمين؛ [لأنه، وإن كان متهمًا بالخيانة، لكن مجرد التهمة لا يكون سببًا للتضمين، وإذا بطل الجبر وتعذر التضمين] يحلفه، ويكف عنه.\nهذا كله إذا انعزل القاضي الأول.\nفإن مات القاضي الأول، فموته وعزله سواء، وكل جواب عرفناه في العزل في حق الأمناء وأمر المحبسين فهو الجواب في الموت.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>[معرفة القاضي المقلد أحوال الناس قبل دخوله البلد]</span>\n[١٦٢] قال:\nوإذا قلد الرجل قضاء بلدة ينبغي له أن يتعرف من الفقهاء، والصلحاء، والأمناء، والمدول؛ لينزل الناس منازلهم، في تلك البلدة، قبل أن يدخل البلدة؛ لوجهين:\nأحدهما: أن القاضي يحتاج إلى الرجوع إلى الفقهاء في معرفة حكم الحوادث، وإلى الصلحاء، لتعديل الشهداء، وإلى الأمناء","vol":"1","page":292},{"text":"والعدول؛ لكي إذا شهدوا بين يديه يمكنه القضاء للحال، لأن العدالة، متى ثبتت، تبقى ما لم يتغير حالهم.\nوالثاني: أنه إذا دخل البلدة والناس يدخلون عليه للزيارة من الفقهاء وغيرهم، فينبغي أن يتعرف حالهم لينزل الناس منازلهم.\nفإذا احتاج إلى التعرف من هؤلاء، فالسبيل له أن يقدم نائبه حتى يتعرف عنهم، حتى إذا قدم يخبره بذلك.\nثم إذا قدم القاضي تلك البلدة يسأل أمينًا من أمناء البلدة: من الأمناء في هذه البلدة؟ فيسأل البعض عن البعض؛ لأن نائبه ربما يخون ويخفي البعض، وهذا الأمين قد ظهرت أمانته وعدالته، فيسأل هذا عن الباقين، ويقدم في الجلوس الأفضل فالأفضل.\nوكذلك إذا كان القاضي المولى من أهل تلك البلدة.\nلأنه يزوره بعد العمل من لم يكن يزوره قبل العمل، ويحتاج القاضي إلى معرفة من لم يكن يعرفه قبل العمل، فيقدم نائبه قبل أن","vol":"1","page":293},{"text":"يرد البلدة؛ ليعرف من أحوال الناس، حتى يقدم القاضي.\nثم في الموضعين جميعًا يكتب [القاضي] أسماءهم، حتى إذا احتاج تيسر عليه الوصول إلى المقصود عن الحاجة.\n[والله أعلم بالصواب]","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>الباب السابع في القاضي يقضي في المسجد</span>\n<span data-type='title' id=toc-53>[اختلاف العلماء في مسألة القضاء في المسجد]</span>\n[١٦٣] قال:\nذكر [عن] الحسن ﵀ أنه قال:\nأتيت مسجد المدينة ذات يوم بالهاجرة، فإذا أنا بابن عفان ﵁ قد كوم كومة من الحصى، ووضع رداءه ثم اتكأ، فإذا رجل حسن الوجه، حسن اللحية، وإذا بوجنتيه نكتات من أثر الجدري، وإذا الشعر قد كسا ساعديه، فجاء سقاء معه قربة له، يخاصم رجلًا، قال: فجعل ينظر في ما بينهما.","vol":"1","page":295},{"text":"اشتمل هذا الحديث على فوائد:\nمنها:\nأن عثمان بن عفان ﵁ كان جميلًا حسن الوجه واللحية.\nومنها:\nأنه لا بأس بالجلوس في المسجد؛ فإن عامة جلوس عثمان ﵁ كان في المسجد، وعامة جلوس عمر ﵁ قبله كان في المسجد.\nفهكذا ينبغي للسلطان والقاضي أن يكون جلوسه في المسجد ليتيسر على الناس الدخول.\n\n[١٦٤] وهذه المسألة اختلف العلماء فيها: أنه هل يجوز للقاضي أن يجلس للقضاء في المسجد؟\nقال علماؤنا ﵏: لا بأس به.","vol":"1","page":296},{"text":"وقال الشافعي ﵀: يكره.\nوقال مالك [بن أنس ﵄]: الجواب فيه على التفصيل: إن كان في المسجد وتقدم إليه الخصمان لا بأس بفصل الخصومة في المسجد، وإن تعمد الذهاب إلى المسجد لفصل الخصومة في المسجد يكره.\nوالشافعي ﵀ يقول: القاضي يحضر في مجلسه المشرك وهو نجس كما نطق به الكتاب، وكذا تحضره الحائض، وهي ممنوعة عن دخول المسجد، فيكره له الجلوس في المسجد لهذا.\nولنا ما روى عن رسول الله -ﷺ- أنه قال:\n\"إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى والحكم\".","vol":"1","page":297},{"text":"سوى بين العبادة والحكم.\nوالدليل عليه ما روى أن رسول الله ﷺ كان يفصل بين الخصوم في معتكفة.\nوالخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات.","vol":"1","page":298},{"text":"وأما قوله: فإنه يحضره في مجلسه المشرك وهو نجس، قلن: النجاسة في اعتقاده، لا على ظاهر بدنه، فلا يصيب الأرض منه شيء، والحائض مسلمة، فالظاهر أنها تتحرز عن دخول المسجد في حالة الحيض، وتخبر أنها حائض، فإذا أخبرت فإن القاضي لا يكلفها دخول المسجد، لكن يخرج إليها فينظر في خصومتها، أو يأتي إلى باب المسجد، كما لو وقعت الخصومة في الدابة والشاة والبقرة وغيرها. فإنه لا يمكن إحضارها في المسجد، لكن يخرج القاضي لسماع الدعوى والشهادة من الشهود والإشارة إليها، فهاهنا كذلك.\n\n[١٦٥] وذكر عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب: أن لا يقعد قاض في مسجد يدخل [فيه] المشركون، فإنهم نجس، قال الله تعالى: \"إنما المشركون نجس\".","vol":"1","page":299},{"text":"[١٦٦] عن عمر بن عبد العزيز أيضًا أنه كتب أن لا يقضي القاضي في المسجد.\n\n[١٦٧] أورد صاحب الكتاب في هذا الباب أحاديث من الجانبين؛ ليبين أن هذا مما اختلف فيه السلف أيضًا، بعضهم كرهوا وبعضهم لم يكرهوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>[القضاء في الطريق]</span>\n[١٦٨] ذكر عن عبد الرحمن بن قيس أنه قال:\nرأيت يحيي بن يعمر … يقعد في الطريق","vol":"1","page":300},{"text":"فيقضي.\nوهذا لأن القاضي بتقلده القضاء التزم فصل الخصومات، فإذا تقدم إليه الخصمان ينبغي أن يفصل الخصومة بينهما ولا يؤخر، لكن إنما يقعد في الطريق إذا كان الطريق لا يضيق بالمارة، أما إذا كان يضيق فلا يقعد، بل يقف في ناحية الطريق فينظر فيها.\nوإنما يقف أيضًا إذا كان الطريق لا يضيق بالمارة.","vol":"1","page":301},{"text":"أما إذا كان يضيق فلا يقف، بل يذهب، ولا يقضي وهو يمشي؛ لأنه يتفرق رأيه، لكن يقف في موضع ثم يقضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>[قضاء القاضي في منزله]</span>\n[١٦٩] وعن ابن المبارك عن رجل قال:\nأتيت يحيي بن يعمر في منزله، فقال: القاضي لا يؤتي في منزله.\nتكلموا في تأويله من وجهين:\nأحدهما: أن المراد منه إذا مل القاضي من سماع الخصومات فقام وذهب ليستريح، لا ينبغي للخصوم أن يتبعوه في داره.\nوالثاني: أن المراد منه لا يأتي أحد الخصمين في دار القاضي؛ لأن القاضي يتهم بالميل إليه، لا يؤتي في منزله نفيًا للتهمة عن القاضي.\n\n[١٧٠] ذكر عن شريح أنه كان إذا كان يوم مطر قضى في داره.","vol":"1","page":302},{"text":"وتأويله من وجهين:\nأحدهما: يحتمل أنه إنما فعل ذلك رفقًا بنفسه فإنه يحتاج في الخروج إلى المسجد إلى تحمل الكلف والمشقة، فصار المطر عذرًا، ألا ترى أن رسول الله –ﷺ- جعل المطر عذرًا في نظيره فقال:\n\"إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال\".","vol":"1","page":303},{"text":"فلما جاز له التخلف عن الجماعة بعذر المطر فلأن يجوز التخلف عن حضور المسجد لأجل القضاء أولى.\nوالثاني: يحتمل أنه إنما اختار ذلك صيانة للمسجد عن التلويث، إن أقدام الخصوم لا تخلو عن ذلك، وتلويث داره كان أيسر عليه من تلويث المسجد.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>[هيئة القاضي وملبسه وزينته]</span>\n[١٧١] ذكر عن حسان بن إبراهيم رحمة الله قال:\nرأيت محارب بن دثار يقضي في المسجد، قال: ورأيته مخضبًا بالسواد.","vol":"1","page":304},{"text":"وهذا مختلف عن السلف.\nقال بعضهم: يكره؛ لأن الثيب نور الله تعالى فيكره تغيير نور الله تعالى.\nوعامة العلماء قالوا: لا يكره؛ لما روى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يخضب بالحناء والكتم.","vol":"1","page":305},{"text":"وعن عبد الله بن عباس ﵁ قال:\nكما يعجبني أن تتزين لي امرأتي يعجبها أن أتزين لها.\nوعن أبي يوسف ﵀ في هذا الباب روايتان:\nأحداهما: أنه قال: أن خضب حالة القتال فلا بأس به، وجعل هذا [على] قياس تطويل الشارب والأظفار لا بأس به في حال القتال: أما طول الشارب فليكون أهيب في عين من يارزه، وأما الظفر فليكون سلاحًا له، وفي غير حالة القتال لا يفعل فكذا ها هنا.\nوالثانية: إن كان له امرأة أو أمة فيتزين لها فلا بأس به.\n\n[١٧٢] وذكر عن أبي طالوت قال:\nرأيت شريحًا يقضي في المسجد عليه مطرف خز.","vol":"1","page":306},{"text":"أورد الحديث ليبين أن القاضي يتكلف للباسه في مجلس القضاء؛ ليكون أهيب للناس.\nالدليل عليه ما روى عن رسول الله ﷺ: \"أنه كان له جبة فك كان يلبسها في الأعياد والجمع ودخول الوفود عليه\".","vol":"1","page":307},{"text":"[١٧٣] قال:\nوكان يجلس حتى يقضي بين الخصوم، فإذا كان الغد واجتمعوا، صاح فيهم: أتتظالمون بالليل؟\nكره [لهم] شريح الابتكار لأجل الخصومة؛ لأن الابتكار ينبغي أن يكون لطلب العلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>[القضاء بين اليهود والنصارى والنساء]</span>\n[١٧٤] وذكر عن جابر أن عامرًا كان يقضي بين اليهود والنصارى","vol":"1","page":308},{"text":"والنساء إذا كن لا يصلين على باب داره.\nوعندنا لا بأس بإدخال أهل الذمة المسجد، أما في حق الحائض والنفساء فيقضي على باب المسجد وقد مر هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>[اختيار المكان المناسب للقضاء]</span>\n[١٧٥] قال أبو حنيفة ﵀:\nينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع، فإنه أشهر المجالس.\nوهذا لأن في الخصوم الغرباء، وأهل ذلك البلد، فينبغي أن يختار القاضي للجلوس موضعًا لا يخفي ذلك على الغرباء وأهل البلدة.\nوالمسجد الجامع في كل بلدة أشهر المواضع، ولا يخفي ذلك على أحد.","vol":"1","page":309},{"text":"[١٧٦] قال:\nفإن جلس في مسجد حيه فلا بأس به.\nلأنه لا يجب على القاضي أن يأتي الخصوم، ولو عين المكان كان فيه إلزام القاضي أن يأتي الخصوم.\n\n[١٧٧] وكذا إن جلس في بيته لا بأس به، ويأذن للناس، ولا يمنع أحدًا من الدخول عليه، فيجلس معه من كان يجلس معه أن لو كان في المسجد.\nلأنه لو جلس وحده في بيته تتمكن فيه تهمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>[افتتاح جلسة القضاء]</span>\n[١٧٨] قال:\nوإذا دخل القاضي المسجد، فأحب له أن يبدأ فيصلي ركعتين أو أربعًا.\nلما روى أبو سعيد الخدري -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال:\n\"من دخل المسجد فليحيه بركعتين\".","vol":"1","page":310},{"text":"وإن شاء صلى أربعًا؛ لما روى عن رسول الله –ﷺ- أنه قال:\n\"الصلاة خير دائم، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر\".","vol":"1","page":311},{"text":"والأربع أفضل؛ لأن هذه صلاة النهار، والأربع في صلاة النهار أفضل.\n\n[١٧٩] ثم اختلفوا في صلاة التحية: أنه يجلس ثم يقوم ويصلي، أو يصلي ثم يجلس.\nقال بعضهم: يجلس ثم يقوم.\nوعامة العلماء قالوا: يصلي كما دخل المسجد ثم يجلس.\n\n[١٨٠] قال:\nويدعو الله تعالى أن يوفقه ويسدده للحق ويعصمه عن معاصيه. ثم يجلس للحكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-60>[خير المجالس في القضاء ما استقبل به القبلة]</span>\n[١٨١] ويستقبل القبلة بوجهه.\nلما روى عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n\"خير المجالس ما استقبل به القبلة\".","vol":"1","page":312},{"text":"وهذا كان في عرف زمانهم.\nأما في زماننا [فقد] جرى الرسم أن القاضي يسند ظهره للمحراب. وهو موافق لما روى عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا فرغ من صلاته يسند ظهره إلى المحراب، ويقول لأصحابه: \"هل رأى أحد منكم رؤيا؟ \".","vol":"1","page":313},{"text":"وكذا الخطيب يوم الجمعة يخطب على المنبر، مستدير القبلة.\nوهذا لأن القاضي إذا جلس بهذه الصفة، فالخصوم بين يديه يستقبلون القبلة، فيكون ذلك أبلغ في المنع من الأقدام على الكذب.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>[أعوان القاضي]</span>\n[١٨٢] قال:\nويكون الناس أمامه بالبعد حيث لا يسمعون ما يدور بينه وبين من يتقدم إليه من الخصوم.\nأراد بالناس أعوانه.\nوهذا لأن مجلس القضاء مجلس هيبة وحشمة، فيقفون بين يديه؛ ليكون أهيب في عيون الناظرين.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>[قمطر القاضي]</span>\n[١٨٣] قال:\nويضع القمطر بين يديه إلى جانبه، وعن يمينه.\nأما الوضع إلى جانبه فلأن القمطر سلاح القاضي، فإن فيه السجلات والمحاضر والصكوك، وسلاح الأمراء يجب أن يكون ممدًا بين أيديهم.\nأما اختيار الجانب الأيمن، فلأن رسول الله ﷺ \"كان يختار التيمن في كل شيء\".","vol":"1","page":315},{"text":"[١٨٤] قال:\nوقد أخرجها القيم وحملها بين يديه من منزله إلى المسجد.\nلأنه سلاح القاضي فيحمل بين يديه، ألا ترى ان المدة كانت تحمل بين يدي [رسول الله] ﷺ.\nوهكذا جرى الرسم اليوم أن السلاح يحمل بين يدي الملوك.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>[جلوس كاتب القاضي]</span>\n[١٨٥] [قال]:\nويجلس كاتبه ناحية عنه حيث يراه.\nكي لا يخدع بالرشوة فيزيد في ألفاظ الشهادة أو ينقص.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>[مجلس أهل الشورى في القضاء]</span>\n[١٨٦] قال:","vol":"1","page":316},{"text":"وإذا أراد أن يجلس معه قومًا من أهل الفقه والأمانة أجلسهم قريبًا منه.\nلأن أهل الفقه إنما يجلسون مع القاضي لأجل المشورة، وإنما يحصل هذا المقصود إذا كانوا بقرب منه، بخلاف الأعوان، فإنهم يكونون ببعد منه؛ لأن الأعوان إنما يقفون لأجل الهيبة، وإنما يحصل هذا المقصود إذا كانوا ببعد منه.\nوكذا أهل الأمانة بقرب منه؛ لأن أهل الأمانة إنما حضروا [أما] لأجل الشهادة، أو ليذكروا القاضي ما جرى على لسانه، فإن كان الأول وجب على القاضي إكرامهم، وإن كان الثاني فإنما يحصل هذا المقصود بالقرب منه لا بالبعد عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>[إخراج رقاع الدعوى]</span>\n[١٨٧] قال:\nثم يفتح القاضي القمطر أو يفتح قيمه بين يديه، ولا يدخل القيم يده فيه؛ مخافة أن يدخل فيه ما لم يكن فيها [ويخرج رقاع ذلك اليوم ويجعلها بين يديه].","vol":"1","page":317},{"text":"وقد تقدم رسم الرقاع في بابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-66>[اختلافهم في سؤال المدعى عن دعواه]</span>\n[١٨٨] قال:\nوإذا تقدم إليه الخصمان سأل القاضي المدعى عن دعواه: ماذا يدعي؟\nوهذه مسألة اختلف فيها المشايخ:\nقال بعضهم: القاضي يسكت حتى يدعي المدعي ولا يسأل عن دعواه.\nورأى صاحب الكتاب أنه يسأل؛ لأن مجلس القضاء مجلس هيبة وحشمة، فمن لم ير مثل هذا المجلس يتحير، ولا يمكنه أن يبين دعواه، فينبغي للقاضي أن يؤنسه بكلامه، فيسأله، حتى يقدر على الدعوى.\nوروى عن محمد ﵀ أن القاضي بالخيار: إن شاء بدأ وسأل كما [هو] رأى صاحب الكتاب. وإن شاء سكت ونظر إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>[تسجيل الدعوى أو تدوين المحضر]</span>\n[١٨٩] فإذا ادعى فالقاضي يأخذ بياضًا ويكتب الدعوى في تلك الرقعة بلفظ لا يزيد [عليه] ولا ينقص. فينظر فيه أهو صحيح أو فاسد؟","vol":"1","page":318},{"text":"فإن كان فاسدًا لا يقبل على المدعى عليه، ولا يسأل الجواب، لكن يقول: دعواك فاسدة، فاذهب وصحح دعواك.\nوهذا يكون فتوى القاضي، وللقاضي أن يفتي في ما يكون معلومًا.\nفإن كان صحيحًا على قول أولئك المشايخ لا يسأل المدعى عليه، بل ينظر إليه؛ لأنه قد سمع دعوى المدعى، فيجيب بنفسه، فينظر إليه القاضي.\nوعلى ما هو رأى صاحب الكتاب أقبل على المدعى عليه، وسأله، وقال: ادعى عليك كذا وكذا فما تقول؟\nفإن أقر أثبت إقراره، والتاريخ في تلك الرقعة، وأمر المقر بالخروج عما وجب عليه بالإقرار.\nفإذا كتب الإقرار والتاريخ كتب الإقرار بلفظه لا يزيد ولا ينقص.\nوذكر صاحب الكتاب هنا تطويلًا.\nوإذا كتب فإن عرف القاضي المقر والمقر له أثبتهما معرفين وكتب:\nأقر فلان بن فلان الفلاني لفلان بن فلان.\nوإن لم يعرفهما القاضي أرسل الكلام إرسالًا وكتب:","vol":"1","page":319},{"text":"أقر رجل ذكر أنه فلان بن فلان لرجل ذكر أنه فلان بن فلان.\nوإن عرف أحدهما ولم يعرف الآخر، فمن عرفه أثبت معرفته إياه، ومن لم يعرف كتب وأرسل الكلام إرسالًا في حقه.\nهذا إذا أقر المدعى عليه.\nوإن جحد أثبت القاضي جحوده في الرقعة التي أثبت فيها دعوى المدعى.\nلأن الجحود مما يحتاج إلى معرفته في حال الدعوى والخصومة، فإنه ربما ادعى المدعى الوديعة، وجحد المدعى عليه الوديعة أصلًا، ثم ادعى بعد ذلك الرد أو الهلاك، فإنه لا يسمع منه هذه الدعوى، فثبت أن الجحود مما يحتاج إلى معرفته في حال الخصومة، فوجب أن يكتب القاضي الجحود في تلك الرقعة كما أثبت الدعوى.\nوإنما يكتب بلفظه وعبارته، ولا يحوله إلى لسان العربية إلا إذا أمكنه أن يحوله من غير زيادة ولا نقصان، ومن غير أن يأتي بكلمة مبهمة مشتركة تؤدي إلى الاشتباه.","vol":"1","page":320},{"text":"فإن لم يمكنه بينه بلسانه، ويثبت التاريخ.\nهذا الرسم رسم صاحب الكتاب.\nوالقضاة اليوم على رسم [آخر] أحسن من هذا، وهو أن المدعي متى أتى باب القاضي يشاور بعض الوكلاء على باب القاضي حتى يشيروا على الكاتب، ثم الكاتب يكتب دعواه في رقعة واسمه واسم خصمه، فإذا حضر خصمه تقدما إلى القاضي مع الرقعة، فيكون ذلك أيسر على القضاة، ولا يحتاج الخصم إلى كثير تردد بين القاضي والكاتب.\n\n<span data-type='title' id=toc-68>[سؤال المدعى عن بيئته إذا جحد المدعى عليه]</span>\n[١٩٠] قال:\nفإن جحد المدعى عليه على قول أولئك المشايخ لا يسأل المدعى.\nوعلى ما رأى صاحب الكتاب يسأل فيقول: ألك بينة؟ فقد","vol":"1","page":321},{"text":"انكر ما ادعيت.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>[هل يسأل المدعى عن بيئته حين يطلب\nاستحلاف المدعى عليه؟]</span>\n[١٩١] فإن قال: استحلفه لي على دعواي، فعلى قول أولئك المشايخ لا يسأل المدعى ألك بينة. وعلى رأي صاحب الكتاب يسأله فيقول: ألك بينة؟ لما روى عن النبي -ﷺ- أنه قال حين اختصم الحضرمي والكندي بين يديه للمدعى منهما: \"ألك بينة؟ \".\nقال: لا.\nقال: \"لك يمينه\".","vol":"1","page":322},{"text":"[١٩٢] فإن قال المدعى: لا [بينة لي] حلفه القاضي.","vol":"1","page":323},{"text":"لأن اليمين حق المدعى [كما أن البينة حق المدعى عليه] لما روى عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n\"إنما لك شاهداك أو يمينه\".\nدل [على] أن اليمين حقه.\n\n[١٩٣] فإن قال: نعم لي بينة حاضرة أو قال: حاضرة في المجلس، فالقاضي لا يجيبه، ولا يحلف المدعى عليه بالإجماع.\nذكر القدوري [﵀] في شرح هذا الكتاب: فإن قال:","vol":"1","page":324},{"text":"لا يجيبه، ولا يحلف المدعى عليه في قول أبي حنيفة -﵀-. وقال أبو يوسف: يجيبه ويحلفه، وقول محمد -﵀-[في هذا] مضطرب.","vol":"1","page":325},{"text":"ذكر القدوري قوله كقول أبي حنيفة [﵀].\nوذكر الخصاف [﵀] قوله كقول أبي يوسف ﵀.\nهما يقولان: اليمين حقه بالنص، فإذا طالبه بإيفاء حقه يجيبه إلى ذلك.\nوأبو حنيفة ﵀ يقول: الشرع رتب اليمين على عدم البينة، قال عليه [الصلاة و] السلام: \"ألك بينة؟ \" فقال: لا. قال: لك يمينه\".\nولأن اليمين كالخلف عن البينة، وإنما يصار إليه عند العجز عن الأصل.\nفإذا كانت المسألة مختلفة، فإن كان القاضي ممن لا يرى استحلافه لا يحلفه، وإن كان ممن يرى استحلافه حلفه.\n\n[١٩٤] فإن قال المدعي: لي بينة حاضرة فاسمع الشهادة منهم دعا بهم، وقد حفظ القاضي دعوى المدعى، ثم سمع من شهوده، فإن كانت الشهادة موافقة للدعوى أخذ القاضي جوا مع الشهادة في رقمة بين يديه، وبعث بهم إلى الكاتب، وكتب محضرهم.\n\n[١٩٥] وذكر صاحب الكتاب تطويلًا ههنا.\nقال:","vol":"1","page":326},{"text":"وإذا كتب الدعوى والإنكار، قرأ على المدعى: كذا كذا أدعيت، وقرأ على المدعى عليه كذا كذا قلت.\nفإن قالوا: نعم أمسكه بعد ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-70>[هل يبدأ الشاهد بما عنده من الشهادة؟]</span>\n[١٩٦] قال:\nولا ينبغي للشاهد إذا جلس بين يدي القاضي أن يبدأ بما عنده من الشهادة حتى يقول له القاضي: بم تشهد؟.\nفيسأل القاضي واحدًا واحدًا عن شهادته، ويقف عليها.\nوقال الطحاوي: لا بأس به.","vol":"1","page":327},{"text":"وجه ما قال في الكتاب: أن الشهادة قبل الطلب من علامات الكذب. قال النبي -ﷺ-:\n\"ثم يغشو الكذب، فيشهد الرجل قبل أن يستشهد، ويحلف قبل أن يستحلف\".","vol":"1","page":328},{"text":"فإذا كان هذا من علامات الكذب فالكذب واجب الامتناع عنه، فيسكت حتى يسأله القاضي: بم تشهد؟\nوجه ما قاله الطحاوي [﵀] أن هذا خير الشهداء على ما روى عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n\"ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ \".\nقالوا: نعم يا رسول الله.\nقال: \"أن يشهد قبل أن يطلب منه\".","vol":"1","page":330},{"text":"فإذا كان هذا خير الشهداء فلا يستقيم أن يجعل هذا من علامات الكذب.\nوتأويل قوله -﵊- \"قبل أن يستشهد\" قبل أن يتحمل، كما قال الله تعالى: \"واستشهدوا شهيدين من رجالكم\" والمراد من الاستشهاد هو التحميل.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>[صيغة سؤال القاضي للشاهد]</span>\n[١٩٧] فإذا سأله القاضي يقول: بم تشهد؟ ولا يقول له: كيف تشهد؟؛ لأن ذلك [يكون] شبه التلقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>[إجمال الشهادة وتفسيرها]</span>\n[١٩٨] فإن شهد شاهد وفسر الشهادة على وجهها، ثم شهد آخر فقال: أشهد على مثل شهادة صاحبي لا يقبل القاضي حتى يتكلم كل شاهد بشهادته.\nلأن هذا محتمل، يحتمل أن يكون المراد منه: أشهد على مثل","vol":"1","page":332},{"text":"شهادته من أوله، [أو خلاله]، أو من آخره، فيضمر الشاهد شيئًا في هذه الشهادة، فيتحرز عن الوبال، ويلبس [على] القاضي، والشهادة حجة القضاء، فمع الاحتمال لا يجب القضاء بهذا.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة [أبو محمد عبد العزيز بن أحمد] الحلواني:\nهذا احتياط من صاحب الكتاب أن لا يقبل من الشهود الإجمال، وهذا دأبه في هذا الباب، أما عندنا فإذا شهد الأول وفسر وقال الثاني: أشهد بما شهد به هذا كفى؛ لأنه بنى شهادته على شهادة صاحبه، والبناء يكون كالمبنى.\nثم قال ﵀:\nالمختار أن يجعل الجواب على التفصيل: إن كان الشاهد فصيحًا يمكنه بيان الشهادة على وجهها لا يقبل منه الإجمال كما قال صاحب الكتاب، وإن كان أعجميًا غير فصيح يقبل منه الإجمال إذا كان بحال لولا حشمة مجلس القاضي يمكنه أن يعبر الشهادة بلسانه. أما إذا كان","vol":"1","page":333},{"text":"يحال لا يمكنه أن يعبر بلسانه أصلًا فإنه لا يقبل أيضًا.\nوقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀:\nالمختار أن يجعل الجواب على التفصيل: أن أحس القاضي بخيانة من الشهود بشهادة الزور كلف كل شاهد أن يفسر شهادته كما قال صاحب الكتاب، وإن لم يحس بشيء من الخيانة لا يكلف، ويحكم في ذلك برأيه.\nهذا لما روى عن محمد ﵀ أن القاضي إذا اتهم الشهود بشهادة الزور فرق بينهم، وإن لم يتهم لم يتكلف لذلك.\nثم قال هو ﵀: هذه الأقاويل في ما إذا قال الثاني: أشهد بما شهد الأول.\nأما إذا قال: أشهد على شهادة الأول فلا تقبل بالإجماع.\nلأن هذه شهادة على الشهادة، وليست بشهادة على الحق.\nوكذا إذا قال: على مثل ما شهد الأول.\nلأن \"مثل\" قد تكون صلة. قال الله تعالى:","vol":"1","page":334},{"text":"﴿ليس كمثله شيء﴾.\nأي ليس كهو شيء، فيصير هذا وقوله: أشهد على شهادة الأول سواء فلا يقبل.\nوكذلك إذا قال: أشهد على مثل ما شهد الأول.\nلأن المثل قد يكون صلة، وما قد تكون [بمعنى] من. كأنه قال: أشهد على من شهد الأول.\n\n[١٩٩] قال:\nوإذا شهد شاهد بالكتاب بحق أو يكتب شهادته في بياض فقرأه بعضهم، أو يقرأ عليهم فيقول الشاهد: أشهد أن لهذا المدعي جميع ما سمى ووصف في هذا الكتاب على هذا المدعى عليه، أو يقول: هذا المدعي الذي قرأه ووصفه في هذا الكتاب في يد المدعى عليه بغير حق، وواجب عليه تسليمه، تصح هذه الشهادة؛ لأن الشهادة ربما تكون طويلة، فلا يمكن للشاهد حفظها عن ظهر قلبه، فلو لم يشهد من الكتاب لبطل حق المدعي، فيباح له ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-73>[الشهادة على الحاضر]</span>\n[٢٠٠] ثم إن كانت الشهادة على الحاضر يحتاج إلى الشاهد إلى الإشارة","vol":"1","page":335},{"text":"إلى ثلاثة مواضع: إلى المدعى، وإلى المدعى عليه، وإلى المشهود به.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>[الشهادة على الميت أو الغائب]</span>\n[٢٠١] وإن كانت الشهادة على ميت حضر وصية، أو غائب حضر نائبه، فإذا شهدوا على الميت، أو على الغائب، فسموه، ونسبوه إلى أبيه فقط لا يقبل القاضي حتى ينسبوه إلى جده؛ لأن المعرفة لا تحصل باسم واحد؛ لأنه لا يقع به التمييز، ولا يزول به الاشتباه.\nأما إذا ذكر أبوين فيقع به التمييز، ويزول به الاشتباه؛ لأن الاثنين جماعة، فيكون ذكر الاثنين كذكر العشرة والمائة.\n\n[٢٠٢] قال صاحب الكتاب:\nشرط ذكر الأب والجد للتعريف.\nوهكذا ذكر في الشروط\nواختلف مشايخنا فيه:\nمنهم من قال: هذا قول أبي حنيفة ومحمد [رحمهما الله].\nأما على قول أبي يوسف [﵀] فذكر الأب يكفي في التعريف، ومحمد توسع في الكتب وترك [ذكر] اسم الجدود.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح هذا الكتاب: أن هذا على قول أبي حنيفة [﵀] وحده، أما على","vol":"1","page":336},{"text":"قولهما فذكر اسم الأب يكفي.\n\n[٢٠٣] قال:\nوهكذا ذكر الاختلاف أبو زيد الكبير في شروطه، وإن ذكر اسمه واسم أبيه وصناعته لا يكفي.\nلأن الصناعة ليست بشيء لازم، فإن الإنسان قد يشتغل بصناعة في زمان، ثم يشتغل بصناعة أخرى في زمان آخر، فلا يحصل به التعريف، إلا إذا كانت صناعة يعرف بها لا محالة، فحينئذ تكفي.\nوهو تأويل ما قاله صاحب الكتاب لم يقبل القاضي ذلك حتى ينسبوه إلى جده وإلى قبيلته، أو إلى صناعته، أو إلى شيء يعرف ذلك الرجل الميت به.\nوهذا لأن التعريف شرط، فأي شيء حصل التعريف فقد حصل الشرط، فكفاه.\n\n[٢٠٤] فإن ذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، أو اسم أبيه وقبيلته، أو حرفته على ما قال صاحب الكتاب، وفي المحلة رجلان بهذا الاسم،","vol":"1","page":337},{"text":"أو في تلك القبيلة، أو في تلك الصناعة رجلان بهذا الإسم، لا يقبل القاضي حتى يذكر مع هذا شيئًا آخر يقع به التمييز ويزول به الاشتباه.\nوهذا إذا لم يكن الرجل مشهورًا.\nأما إذا كان مشهورًا كشهرة أبي حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله فلا يشترط التسمية، لأن المقصود من ذكر التسمية التعريف، وأنه حاصل.\n\n<span data-type='title' id=toc-75>[دعوى الدار]</span>\n[٢٠٥] قال:\nفإن ادعى المدعي دارًا في يد المدعى عليه ينبغي للقاضي أن يقبل على المدعي فيقول: سم البلد الذي فيه هذه الدار، والمحلة في ذلك البلد، والسكة التي الدار فيها من تلك المحلة، وحددها.\nلأن المدعي إنما يستحق جواب الخصم بعد صحة الدعوى، والدعوى إنما تصح إذا كان المدعى به معلومًا، وإنما يصير معلومًا بما ذكرنا، فإن ذكر حدين لا يقبل.\nوإن ذكر ثلاثة حدود قبل عندنا.","vol":"1","page":338},{"text":"وعند زفر ﵀ لا يقبل.\n\n[٢٠٦] وإن غلط في أحد الحدود الأربعة لا يقبل بالإجماع وفيه اختلاف المشايخ.\nوالصحيح أنه لا يقبل.\nزفر ﵀ قاس ترك [أحد] الحدود الأربعة بوقوع الغلط في أحد الحدود الأربعة.\nوعلماؤنا الثلاثة ﵏ فرقوا.\n\n[٢٠٧] وإن كانت الدار مشهورة لا يستغنى عن ذكر الحدود عند أبي حنيفة [﵀] وعندهما يستغني.\nهما قاسا شهرة الدار بشهرة المدعى والمدعى عليه.\nوأبو حنيفة [﵀] فرق.\nوموضع هذه المسائل كتاب الشهادات، وسيأتي بعضها في الباب الثاني والخمسين من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.\nوكذلك لو كان مكان الدار ضيعة أو عقارًا فهو كما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-76>[دعوى الشيء القائم]</span>\n[٢٠٨] قال:\nوإن ادعى المدعي شيئًا، فإن كان الشيء قائمًا في يد المدعى عليه يكلف المدعى عليه بالإحضار، ثم تشترط الإشارة إليه، ولا يحتاج إلى","vol":"1","page":339},{"text":"بيان الجنس، والسن، والقيمة، والحلية، والصفة.\nلأن بالإشارة يصير معلومًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>[دعوى الشيء الهالك]</span>\n[٢٠٩] وإن كان ذلك الشيء هالكًا لا تصح الدعوى ألا أن يبين جنسه، وسنه، وحليته، وصفته، وقيمته.\nلأنه لا يصير معلومًا إلا بذكر هذه الأشياء.\nوكذلك جميع النقليات من الأثاث والثياب وغير ذلك على هذا.\nوستأتي معرفة هذا في الباب الحادي والعشرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>[آداب القاضي وصفاته حين جلوسه]</span>\n[٢١٠] قال:\nولا ينبغي للقاضي أن يجلس للقضاء وهو غضبان.\nلأن النبي -ﷺ- \"نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان\".","vol":"1","page":340},{"text":"[٢١١] قال:\nولا يقضي وهو جائع.\nلأن الجوع مما يقطع الرأي.\n\n[٢١٢] قال:\nولا ضجر.\nلأن الضجر يقطع الرأي كالغضب.\n\n[٢١٣] قال:\nولا كظيظ من الطعام.","vol":"1","page":341},{"text":"وهو أن يأكل فوق الشبع، لأن ذلك يؤذيه، فيضعف رأيه، فلا يهتدي للصواب.\nوإنما ينهي عن هذا كله مخافة الجور؛ لأنه مأمور بالعدل.\n\n[٢١٤] قال مشايخنا:\nإن كان القاضي شابًا ينبغي أن يقضي شهوته في أهله قبل أن يجلس للقضاء، حتى إذا حضرته الشابة من النسوان لا يميل قلبه إليها فيجور.\n\n[٢١٥] قال:\nويجعل سمعه، وقلبه، وفهمه، إلى الخصم.\nلما روى عن عمر ﵁ أنه قال:\n\"الفهم، الفهم … \".\n\n[٢١٦] ويسوى بين الخصمين في الإقبال عليهما، والنظر إليهما.\nلما روى عن عمر -﵁- أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري:","vol":"1","page":342},{"text":"آس بين الخصمين.\n\n[٢١٧] ولا يمازح الخصوم ولا أحدهم.\nلأن المزاح منهي عنه لغير القاضي، فما ظنك بالقاضي.\n\n[٢١٨] قال:\nولا يضحك في وجه واحد منهما.\nلأنه يجترئ على خصمه، ويطمع في الميل من القاضي إليه.\n\n[٢١٩] قال:\nولا يساره، ولا يومئ إليه بشيء دون خصمه.\nلأن ذلك يورث تهمة في أمر القاضي؛ فإن خصمه يظن أنه يمينه، أو يعلمه، أو يلقنه الصواب.\n\n[٢٢٠] قال:\nويسوي بينهما في الجلوس.","vol":"1","page":343},{"text":"لما روى عن عمر -﵁-.\nويتفقد من ذلك ما يلزمه، ويجب عليه تفقده.\nلأنه إذا لم يتفقد فربما يقع الجور في قضائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>[تحلية المدعي والمدعى عليه والشهود في المحضر]</span>\n[٢٢١] وينبغي للكاتب إذا كتب محضرًا أن يكتب باسم المدعي وباسم أبيه وجده وكنيته وصناعته [وقبيلته] وما يعرف به.\nلأنه محتاج إلى تعريف المدعي. وهذا أبلغ في التعريف.\n\n[٢٢٢] قال:\nوإن كان القاضي لا يعرفه حلاه.\nوهذا ليس بواجب، لكن إن حلاه ليكون أبلغ في التعريف فلا بأس به.\n\n[٢٢٣] فإذا حلاه فإنما يحليه بما يزينه لا بما يشينه، حتى إنه إذا كان به عور لا يحليه به؛ لأن ذلك لا يذكر فيه.\n\n[٢٢٤] قال:\nوكذا المدعى عليه والشهود.\nأما المدعى عليه فلأن الحق لا يظهر له إلا بمعرفة المدعي والمدعى عليه.","vol":"1","page":344},{"text":"وأما الشهود فلأنه يحتاج إلى معرفة الشهود للسؤال عنهم.\n\n[٢٢٥] قال:\nويكتب للشهود مواضع منازلهم، ومحالتهم، ومصلياتهم.\nلأن القاضي متى كان لا يعرف عدالة الشهود يحتاج إلى أن يتعرف عن عدالتهم، وإنما يمكنه التعرف من أهل المحلة.\n\n[٢٢٦] قال:\nويخرج أسماء الشهود وحلاهم، ومنازلهم، ومصلياتهم في رقعة، ويشدها في رأس المحضر.\nللمسألة عنهم إن كان القاضي لا يعرفهم. وإن كان يعرفهم لم يحتج إلى ذلك؛ لأنه إنما يكتب تلك لتقع المعرفة بحالهم.\nفإذا عرفهم فقد وقع الاستغناء عن ذلك فلا يكتب.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>[الشهادة على الصك والسجل والوصية]\n[والوكالة في كتاب]</span>\n[٢٢٧] قال:\nفإن كان الشهود شهدوا على صك أو سجل أو وصية، أو","vol":"1","page":345},{"text":"وكالة، في كتاب نسخ الكاتب ذلك الكتاب في المحضر.\nلأنه يحتاج إلى العرض على العلماء؛ لطلب الفتوى منهم، فيجب أن يكتب؛ حتى يمكنه أن يعرضه عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>[تحلية المرأة]</span>\n[٢٢٨] قال:\nوإذا كتب الكاتب محضر امرأة، وأراد أن يحليها فإنه ينبغي أن يترك موضع الحلية حتى يصير إلى القاضي، فيكون القاضي هو الذي يحليها، ويكتب حليتها في المحضر.\nلأن الكاتب -وإن حلاها- لا يستغني القاضي عن النظر في وجهها، فيكون فيه نظر رجلين إليها، ولو حلاها القاضي كفى، فيكون فيه نظر رجل واحد، ونظر الواحد أستر. وما كان أستر لهن فهو أفضل.\nفإن نظر القاضي وحلاها جاز.\nوإن أملى على الكاتب أن يحليها جاز أيضًا؛ لأن في الحالين فيه نظر واحد.\nوسواء كانت المرأة مدعية، أو مدعى عليها، أو شاهدة، فهو سواء.","vol":"1","page":346},{"text":"لأن معرفة الكل محتاج إليها، فيكتب حلية الكل.\n\n[٢٢٩] قال:\nفإن رأي القاضي أن يقلد ذلك الكاتب، فيكون الكاتب هو الذي يحليها فله ذلك.\nلأن القاضي ربما لا يتفرغ لذلك، أو لا يقدر على ذلك فيفوضه إلى الكاتب إذا كان الكاتب ورعًا عدلًا.\nفإذا قرأ المحضر على القاضي نظر القاضي إلى وجه المرأة وإلى حليتها، فعارض به ما كتب الكاتب فعل ذلك، ويعمل القاضي في ذلك بما هو أحوط وأجود وأستر.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>[تقديم بعض الدعاوى على بعض]</span>\n[٢٣٠] قال:\nوإن حضر القاضي قوم غرباء يخاصمون إليه أحدًا من أهل المصر، أو غرباء يطالب بعضهم بعضًا، أو كان أحد [منهم] من أهل المصر يطالب غريبًا، ينبغي للقاضي أن يقدمهم، ويسمع منهم، ويجعلهم أول مجلسه، ألا أن يكونوا كثيرًا يشغلونه عن رقاع الناس، فيجعل لهم وقتًا من الأوقات.","vol":"1","page":347},{"text":"وقد مر هذا الفصل في الباب السادس.\n\n[٢٣١] قال:\nولا يحبسهم عن سفرهم إلا بحق يثبت أو [أن] تكون خصومتهم تطول، فيكونوا أسوة أهل المصر في التقدم.\nيريد به أن يقدمهم؛ لأن في التأخير حبسهم عن السفر، فليس للقاضي أن يحبسهم عن السفر إلا بحق يثبت، ولم يثبت الحق، فيقدمهم، إلا أن تكون خصومتهم تطول، فيكونوا أسوة أهل المصر في التقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-83>[شهود القاضي للجنازة]\n[وعيادته للمرضى]</span>\n[٢٣٢] ثم قال:\nولا بأس بأن يشهد القاضي الجنازة، ويعود المريض.\nلأن هذه الأشياء من حقوق المسلم على المسلم.\nقال النبي -ﷺ-:\n\"ست من حقوق المسلم على المسلم …، وذكر من جملتها:","vol":"1","page":348},{"text":"\"أن يشهد الجنازة ويعود المريض\".\nوحق المسلم لا يسقط عنه بتلقده القضاء، لكنه لا يطيل مكثه في ذلك المجلس، ولا يمكن أحدًا [أن] يتكلم بشيء من الخصومات؛ لأن الخصم الآخر يتهمه.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>[إجابة القاضي الدعوة]</span>\n[٢٣٣] قال:\nويجيب الدعوة إذا كانت دعوة عامة للجماعة؛ فإن النبي -ﷺ- كان يقضي بين الناس ويجيب الدعوة، وكان يقول:\n\"من لا يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم\".","vol":"1","page":350},{"text":"ولأن الدعوة إذا كانت عامة لا يكون المقصود منها القاضي.\n\n[٢٣٤] وإن كانت الدعوة خاصة لا يجيب؛ لأن المقصود هو القاضي، فيصير آكلا بقضائه.\n\n[٢٣٥] وفرق ما بين الدعوة العامة والخاصة تكلموا فيه:\nمنهم من قال: الدعوة العامة أن تكون كدعوة عرس، أو ختان، وما يشاكلهما، وما سوى ذلك خاصة.\nومنهم من قال: أن ما وراء العشرة فهو دعوة عامة، والعشرة وما دونها خاصة.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀:\nالصحيح أن صاحب الدعوة إن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر","vol":"1","page":351},{"text":"يتخذ الدعوة فهي دعوة عامة فيجيبه، وإن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر لا يتخذها فهي دعوة خاصة، فلا يجيبه.\n\n[٢٣٦] وهذا إذا لم يكن بين صاحب الدعوة والقاضي قرابة.\nفإن كان بينهما قرابة [فإنه] يجيبه، وإن كانت الدعوة خاصة؛ لأن في إجابة دعوته صلة الرحم، وصلة الرحم فرض عليه.\nهكذا ذكر الخصاف [﵀] ولم يحك خلافًا.\nوذكر الطحاوي في مختصره خلافًا فقال:\nإن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف [رحمهما الله] لا يجيب الدعوة الخاصة للقريب، وعلى قول محمد يجيب.","vol":"1","page":352},{"text":"[٢٣٧] ثم إنما يجيب الدعوة الخاصة للقريب إذا لم يكن للقريب خصومة، أما إذا كانت له فلا يجيب.\n\n[٢٣٨] ثم إنما لا يجيب الدعوة الخاصة للأجنبي لمن لا يتخذ الدعوة لأجله قبل القضاء، إنما يجيب لمن يتخذ.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>[قبوله الهدايا]</span>\n[٢٣٩] وهكذا الهدايا، لا يقبل الهدية إلا ممن كان بينهما قرابة.\nوهكذا ذكر الطحاوي في مختصره، ولم يذكر خلافًا.","vol":"1","page":353},{"text":"[٢٤٠] ولا يقبل من الأجنبي إذا كان [ممن] لا يهدي إليه قبل القضاء.\nوإن كان [ممن] يهدي إليه قبل القضاء، فإن كانت له خصومة فلا ينبغي أن يقبل، نص عليه الخصاف ﵀ في آخر الباب الرابع عشر.\nوإن لم تكن له خصومة: فإن كانت هذه الهدية مثل تلك الهدية أو أقل [منها] فإنه يقبلها؛ لأنه لا يكون آكلًا بقضائه.\nوإن كانت أكثر رد الزيادة؛ لأنه إنما زاد لأجل القضاء.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>الباب الثامن في القاضي يجلس معه غيره</span>\n[٢٤١] ذكر [عن] عبد الرحمن بن سعيد [﵀] قال:\nرأيت عثمان بن عفان -﵁- جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان قال لهذا: ادع عليًا، وقل لهذا: ادع طلحة والزبير، ونفرًا من أصحاب رسول الله -ﷺ، فإذا جاءوا قال لهما: تكلما. فإذا تكلما يقبل [عليهم] فيقول: ماذا تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق قوله قضي عليهما، ولا ينظرهم بعد، فيقومان وقد سلما.","vol":"1","page":355},{"text":"اشتمل الحديث على فوائد منها:\nأنه لم يكن بين عثمان وعلي -﵄- إلا جميلًا، بخلاف ما قاله أهل البدع.\nومنها: أنه يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد.\nومنها: أنه يجوز للقاضي أن يستفتي ويقضي بالفتوى.\nومنها: أن المشورة مستحبة.\nثم إنما يشاور إذا لم يكن وجه القضاء بينًا، أما إذا كان بينًا فلا يحتاج إلى المشورة.\nوحديث عثمان -﵁- محمول على أن حكم الحادثة لم يكن بينًا.\nثم قال:\nفإذا تكلما يقبل عليهم، فإن قالوا ما يوافق قوله إمضاء عليهما؛ لأنه صار إجماعًا منهم.","vol":"1","page":356},{"text":"ثم قال:\nولا ينظرهم بعد.\nلأن الحق قد ظهر، والصواب قد تبين، فلا يسعه التأخير، كما لا يسعه تأخير الفرائض.\nثم قال:\nفيقومان وقد سلما.\nيعني استسلما، وانقادا له.\n\n[٢٤٢] ذكر عن إسماعيل بن أبي خالد قال:\nرأيت شريحًا جالسًا على القضاء في المسجد معتمًا بعمامة بيضاء، قد ألقى طرفها بين كتفيه عليه مطرف خز، ورأيت ناسًا من العلماء يجالسونه على القضاء منهم أبو عمرو الشيباني والشعبي.","vol":"1","page":357},{"text":"اشتمل الحديث على فوائد منها:\nأنه يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد.\nومنها: أنه ينبغي [للقاضي] أن يتعمم بعمامة.\nوقد جرى الرسم في بعض الديار أن القاضي يتقلنس بقلنسوة، وذلك لا بأس به، والعمامة أولى.\n\n[٢٤٣] ذكر عن الأعمش [أنه] قال:\nقال لي القاسم بن عبد الرحمن [﵀]: لو أنك جئت،","vol":"1","page":358},{"text":"فجلست إلي.\nيعني في مجلس القضاء.\nقال: فجلست إليه. فاختصم إليه خصمان، فأخذ الأعمش عليه [فيه] فقال: لئن قلت ذلك لقد قال عبد الله: إذا علم أحدكم فليقض، وإلا فليقر، ولا يستحي.\nاشتمل الحديث على فوائد منها:\nأنه إذا كان من رأي القاضي أن يجلس فقيهًا معه فإنما يجلسه بالتماس منه، ولا يجبر على ذلك.\nومنها: أن القاضي إذا زلت قدمه، فعلى الفقيه الذي يجلس معه أن يقومه ويرد عليه، إلا أن الأعمش جاهره بالرد؛ لأنه","vol":"1","page":359},{"text":"علم أنه يغتنم ذلك، ولا يخجل بذلك.\nومنها: أن القضاة في زماننا لا يجاهرون بالرد عليهم.\nوقوله: لئن قلت ذلك لقد قال عبد الله … يحتمل أن يكون هذا قول الأعمش، بأن خشي أن يخجل منه القاسم فقال: لقد قال عبد الله إذا علم أحدكم فليقض وإلا فليقر ولا يستحي، ويحتمل أن يكون هذا قول القاسم: لقد قال عبد الله: إذا علم أحدكم فليقض، وإلا فليقر ولا يستحي، وأما ابن عبد الرحمن [فقد] أقر بالعجز ولا استحيي.","vol":"1","page":360},{"text":"[٢٤٤] ذكر عن ادريس عن أبيه رحمهما الله قال:\nرأيت محارب بن دثار [﵀] يقضي وحماد والحكم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ينظر إلى حماد مرة، وإلى الحكم مرة، والخصوم بين يديه.\nوهذا الحديث يفيد ما أفاد [الحديث] الأول.\n\n[٢٤٥] ذكر عن معمر، عن أيوب، عن محمد ﵏ قال:\nكانوا يرون للأمير ما ليس للقاضي، الأمير يدني منه، ويباعد عنه، والقاضي ليه له ذلك .... الحديث.","vol":"1","page":361},{"text":"وإنما كان [ذلك] لأن الناس إنما يدخلون على الأمير لأجل الزيارة، فينبغي أن يعطي كل ذي فضل فضله.\nوأما القاضي فإنما يدخلون عليه لفصل الخصومات، فينبغي أن يسوي بينهم في كل شيء.\nوهذا ليس بحكم مختص بكونه أميرًا أو قاضيًا، بل الحكم يتعلق بالوصف الذي بينا، حتى أن الأمير إذا جلس لفصل الخصومة يسوي بين الخصمين، والقاضي إذا جلس للزيارة يدني منه ويباعد عنه.\n\n[٢٤٦] ذكر عن علي -﵁- قال:\nنزل به ضيف، فسأله عن شيء، قال:\n-ألك خصم؟\nقال: نعم.\nقال: فتحو ل، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:","vol":"1","page":362},{"text":"\"لا تضيفوا الخصم، إلا مع الخصم\".\nوهذا لأنه إذا أضاف أحد الخصمين يتهمه الآخر بالميل إلى خصمه.\n\n[٢٤٧] قال:\nقال أبو حنيفة ﵀: لا بأس بأن يجلس القاضي معه من يثق بدينه وأمانته وفقهه في مجلس الحكم قريبًا منه حيث يسمعون كلامه وكلام من يحضر معه من الخصوم بشرط ثلاثة أشياء:","vol":"1","page":363},{"text":"الديانة.\nوالأمانة.\nوالعفة.\nأما الديانة والأمانة فلأن مجلس القضاء يحضره امرأة شابة، فلو لم يكن متدينًا أمينًا ربما يتمكن فيه فساد.\nوأما الفقه فلأن المقصود من المشورة إصابة الحق، واستخراج الحكم، وذلك إنما يتأتى بمشاورة الفقيه.\n\n[٢٤٨] قال:\nولا ينبغي أن يشاورهم بمحضر من الخصوم في شيء مما يتقدم فيه.\nلكيلا يعلم الخصوم ما يدور بين القاضي، وبين من يشاوره، وما يعزم عليه رأيه،\nوقد ذكر قبل هذا في حديث عثمان -﵁- أنه شاور عليًا وطلحة والزبير [﵃]، وإنما كان، لأن الغالب في الناس في ذلك الزمان الأمانة؛ لأن النبي -ﷺ- شهد لأهل ذلك الزمان","vol":"1","page":364},{"text":"بالصدق والخيرية.\nوإنما تقع الخصومة فيما بينهم لاشتباه المحق من المبطل، فإنما يتقدمان إلى القاضي، ليتبين المحق من المبطل، فإما في هذا الزمان فقد فسدوا واشتغلوا بالحيل.\nفمتى كانت المشورة بمحضر من الخصمين، فإذا أشار إنسان على القاضي بشيء يقف عليه الخصم، اشتغل بالحيلة والتلبيس.\n\n[٢٤٩] قال:\nوإن كره القاضي أن يجلس معه غيره لخصومتهم، أو لغير ذلك لم يجلس أحدًا، وجلس وحده، إذا كان عالمًا بالقضاء، وإن لم يكن عالمًا فأولى الأشياء مناظرة الفقهاء في أمره، وما يرد عليه، وإن","vol":"1","page":365},{"text":"أجلس معه قومًا من أهل الفقه فهو أحب إلي.\n[والله أعلم]","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>الباب التاسع في القاضي يشاور</span>\n[٢٥٠] ذكر عن أبي هريرة -﵁- قال:\nما رأيت أحدًا بعد رسول الله -ﷺ- أكثر مشاورة لأصحابه منه.\nيعني عمر -﵁-.\nوهذا لأن رسول الله -ﷺ- كان يشاور أصحابه في","vol":"1","page":367},{"text":"كل شيء، حتى [في] طعام الأهل وأدامهم.\nوإنما كان يفعل ذلك لينال بركة المشورة.\nوإن فيه امتثال أمر الله تعالى؛ قال الله تعالى:\n\"وشاورهم في الأمر\".\nوقد ورد على هذا أحاديث كثيرة ذكرها هنا وفي غير هذا الموضع.\n\n[٢٥١] ذكر عن الحسن ﵀ أنه قال في هذه الآية:\n\"وأمرهم شورى بينهم\".\nقال:\nأنه والله ما تشاور قسوم قط إلا وفقهم الله تعالى لأفضل","vol":"1","page":368},{"text":"ما بحضرتهم.\nلأن أفضل ما بحضرتهم الصواب، والمطلوب هو الصواب، فإذا تشاوروا في ما بينهم يوفقهم الله تعالى للصواب، فيصلون إلى ما هو أفضل وهو الصواب.\n\n[٢٥٢] ذكر أيضًا حديثًا عن الحسن، وهو قريب من الأول.\n\n[٢٥٣] ذكر عن زياد أنه قال:","vol":"1","page":369},{"text":"الرجال ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء.\nفالرجل الذي له رأي، ولا يحتاج إلى غيره.\nونصف رجل الذي لا رأي له، وإذا حزبه أمر شاور ذا رأي.\nولا شيء: الذي لا رأي له ولا يشاور.\nوهذا من جملة الحكم، وزياد كان ممكن يتكلم بالحكمة.\nوإنما قال ذلك تحريضًا على المشاورة.\n\n[٢٥٤] قال أحمد ﵀:\nوإذا ورد على القاضي حكم من الأحكام نظر في ذلك: فإن كان مما قد نزل به الكتاب، أو جاءت به السنة، فلا حاجة إلى المشاورة، وإن كان","vol":"1","page":370},{"text":"شيئًا لم يأت في كتاب الله تعالى، ولا في السنة، احتاج فيه إلى مشاورة أهل العلم، فينبغي أن لا يعجل في ذلك بحكم حتى يشاور من يثق برأيه وعلمه دينه.\nفإذا اتفقوا على ذلك أمضاه.\nوقد ذكرنا هذه الجملة قبل هذا.\n\n[٢٥٥] قال:\nوإن شاور رجلًا واحدًا في ذلك أجزأه.\nلأنه لو كان القاضي صاحب رأي وقضى برأيه جاز قضاؤه، وإنما المشورة للاحتياط، وإن لم يكن للقاضي رأي فهو كالعامي، والعامي إذا استفتى من مفت واحد جاز، فكذا القاضي، لكن إذا شاور المثني كان أولى.\nكما أنه إذا كان له رأي وقضى برأيه جاز، ولكن إذا شاور غيره؛ ليضم رأي غيره إلى رأيه [كان] أولى، فكذلك هذا.\nوإن شاور الجماعة كان أفضل؛ لأن الصواب لا يعدوهم بالحديث.\n\n[والله أعلم بالصواب]","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>الباب العاشر في الحكمة وفصل الخطاب</span>\n[٢٥٦] ذكر عن الحسن في قوله تعالى: \"وفصل الخطاب\" قال: العلم بالقضاء.\nوتكلموا في تفسيره، وهذا أحد أقاويلهم.\nوقال بعضهم: فصل الخطاب الشهود والإيمان.\nوقال بعضهم: هو كلمة أما بعد.","vol":"1","page":372},{"text":"وقال بعضهم: هو المعرفة بوجوه القضاء.\nوقال بعضهم: الخصوم وهو أضعف التآويل في هذا الباب.\nووجه صحة هذا التأويل أن يراد به الفصل بين الخصوم.\n\n[٢٥٧] ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي [قال]:\nإن داود -﵊- لما أمر بالقضاء قطع به،","vol":"1","page":373},{"text":"فأمر أن يسألهم الشهود، قال: وأسْرُهْهُمْ أن يحلفوا باسمي وبي.\nمعنى قوله: قطع به أي عجز عن فصل القضاء فأمره الله تعالى أن يقضي ببينة المدعي ويمين المدعى عليه، وأمرهم أن يحلفوا باسمه وبه.\nوهذا كان بعد رفع السلسلة.\nوقصة السلسلة معروفة:\nفإنه روى أن داود النبي –﵊- لما أمر بفصل القضاء نزلت السلسلة من السماء، فإذا تقدم إليها الخصمان،","vol":"1","page":374},{"text":"فالمحق منهما تدلت السلسلة له فنالها، والمبطل منهما تقلعت السلسلة فما نالها.\nفكان يفصل بها. فرفعت السلسلة.\nوكان سبب الرفع أنه احتال بعض الناس. وذلك أن رجلًا أودع رجلًا دنانير، ثم جحد المودع له الدنانير، وكان شيخًا معه عصا، فاختصما إلى داود -﵊-، فاحتال المودع ونقر عصاه وجعل الدنانير في العصا، فلما اختصما قام المدعي إلى السلسلة فنالها، فقال المدعى عليه للمدعي: خذ عصاي حتى أنال السلسلة فأخذها، فكان محقًا في الإنكار بعد ذلك، أنه لا حق له قبله، فتحير داود عليه [الصلاة و] السلام، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بالقصة، فرفعت السلسلة، فقطع داود -﵊- عن القضاء فأمره تعالى أن يقضي ببينة المدعي ويمين المدعى عليه.\n\n[٢٥٨] ذكر عن مجاهد ﵀ أنه قال في قوله تعالى: \"يؤتي","vol":"1","page":375},{"text":"الحكمة من يشاء\" ليست النبوة، لكنه العلم والقرآن والفقه.\nهكذا فسر مجاهد.\nوقال بعضهم: الحكمة تلاوة القرآن.\nوقال بعضهم: استظهار القرآن.","vol":"1","page":376},{"text":"وقال بعضهم: الفقه في الأحكام.\n\n[٢٥٩] ذكر عن عمر بن عبد العزيز [﵁] أنه قال:\nخمس إذا أخطأ القاضي منهم خصلة كانت فيه وصمة ..\nأي عيب.\nوهذه ثلاثة ألفاظ: الوصم، والفصم، والقصم.\nفالوصم: هو الكسر اليسير،\nوالقصم فوقه.\nوالقصم فوق ذلك.\nعلى مثال القبص، والقبض، والأخذ.\nفالقبص: هو الأخذ برؤوس الأصابع.\nوالقبض فوقه، وهو الأخذ بالأصابع.\nوالأخذ فوق ذلك، وهو الأخذ بجميع اليد.\nثم بين الخمسة فقال:\nأن يكون فهما، وأن يكون حليمًا، وأن يكون عفيفًا،","vol":"1","page":377},{"text":"وأن يكون عالمًا، وأن يكون صايبا.\nوفي بعض الروايات:\nوأن يكون صليبًا، يعني صلبًا في الدين، وأن يكون سؤولًا عن العلم.","vol":"1","page":378},{"text":"أما الفهم، والحلم، والعفة، والرأي الصائب، أو الصلابة في الدين فحتى لا يتبع الهوى.\nهذه الأربعة قد ذكرناها بقى الخامس: وهو أن يكون سؤولًا عن العلم، وهذا لأن كل العلوم لا تؤتي كل واحد، لكن يؤتي كل أحد بعض العلوم، فإنما يضم ما عند غيره إلى ما عنده بالسؤال، فحب أن يكون سؤولًا لهذا.\n[والله أعلم بالصواب]","vol":"1","page":379},{"text":"بحمد الله وتوفيقه نجز طبع الجزء الأول من كتاب شرح أدب القاضي للخصاف، في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك ١٣٩٧ هـ، الموافق لليوم السابع والعشرين من شهر آب ١٩٧٧.\nويتلوه الجزء الثاني (بتجزئتنا) وأوله الباب الحادي عشر في ما جاء في النهي أن يقضي وهو غضبان.\nنرجو الله أن يتمه بالخير أنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n\nمحقق الكتاب\nمحيي هلال السرحان","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>الباب الحادي عشر في ما جاء في النهي أن يقضي وهو غضبان</span>\n[٢٦٠] ذكر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:\n«لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان»","vol":"2","page":3},{"text":"[٢٦١] وذكر أحاديث أخر ذكرت في هذا الباب، كلها تدل على أنه لا ينبغي للقاضي أن يقضي وهو غضبان.\nوقد ذكرنا هذا في ما تقدم.\n\n[٢٦٢] ذكر عن شريح أنه قال:\nما شددت على لهوات خصم، ولا لقنته حجة.\nوهذا الحديث روي بلفظين: ما شددت، بالشين والسين.\nفإن كان بالشين فالمراد منه: ما قويت أحد الخصمين على","vol":"2","page":4},{"text":"الآخر، قال الله تعالى:\n«أشدد به أزري».\nأي قو به ظهري.\nوقوله: ولا لقنته حجة تفسير له، يعني: ما قويت أحد الخصمين على الآخر بتلقين الحجة.\nوإن كان بالسين فالمراد منه: ما منعت أحد الخصمين من أن يدلي بحجته ويظفر بحقه.\n[والله اعلم]\n* * *","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>الباب الثاني عشر في القاضي إذا جاع</span>\n[٢٦٣] ذكر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ:\n«لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان»\nلم يرد به أن يكون كظيظ الطعام، وإنما أراد [به] أن لا يكون به جوع مفرط، ولا عطش مفرط، ولهذا قال مشايخنا بأن","vol":"2","page":6},{"text":"القاضي لا ينبغي له أن يتنفل بالصوم في اليوم الذي يريد الجلوس فيه للقضاء؛ لأنه ربما يلحقه جوع مفرط فيغضب ويضعف فيضعف رأيه ويعجز عن القضاء.\n\n[٢٦٤] ذكر عن ميمون بن مهران قال:\nبعثني عمر بن عبد العزيز ﵁ [قاضيًا] فقال:\nلا تقض على غضب ولا ضجر، وليكن من رأيك الحلم عن الخصوم، واعلم أنه لا خير في قضاء إلا بفهم ولا خير في فهم إلا بحكم، ولا خير في حكم إلا بفصل، ولا خير في فصل إلا بعدل.","vol":"2","page":7},{"text":"أما القضاء على الغضب والضجر، والحلم عن الخصوم فقد ذكرنا ما تقدم.\nوقوله: لا خير في قضاء إلا بفهم، لأنه إذا لم يفهم يقضي عن جهل.\nوقوله: لا خير في فهم إلا بحكم، لأنه إن فهم المحق من المبطل لا يمكنه إيصال الحق إلى المستحق إلا بالحكم.\nوقوله: لا خير في حكم إلا بفصل يريد به: أن الخصومة إنما تنتهي نهايتها بالتسليم، فما لم يسلم الحق إلى المستحق لا يقع الفصل.\nوقوله: لا خير في فصل إلا بعدل، يريد به: إذا كان محقًا في ذلك الحكم والتسليم.\n[والله اعلم بالصواب]\n* * *","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>الباب الثالث عشر في القاضي يأخذ الرزق</span>\n[٢٦٥] ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي عبيدة [بن الجراح] ومعاذ بن جبل بالشام: أن انظروا رجلًا من أهل العلم من الصالحين من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم من الرزق.","vol":"2","page":9},{"text":"فيه دليل على أن للقاضي أن يأخذ كفايته من بيت المال، ألا ترى أنه قال: وأوسعوا عليهم من الرزق.\nوالدليل عليه ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه لما استخلف كان يأخذ الرزق من بيت المال أيضًا. وعمر ﵁ لما استخلف كان يأخذ الرزق من بيت المال، وعثمان ﵁ كان صاحب ثروة ويسار، فكان يحتسب ولا يأخذ. وعلي ﵁ كان يأخذ.","vol":"2","page":10},{"text":"ولأنه محبوس بحق العامة، والحبس من أسباب النفقة، ولا يكون هذا أجرًا على القضاء، لكن إنما يأخذ كفايته، لأنه محبوس بحق العامة، فكان عاجزًا عن الكسب، فلو لم يأخذ كفايته لنفسه وعياله ومن يمونهم من أهله وأعوانه، احتاج أن يأخذ من أموال الناس فيأخذ الرشوة، وذلك حرام.\n\n[٢٦٦] ذكر عن نافع قال:\nكان زيد بن ثابت ﵁ يأخذ على القضاء","vol":"2","page":11},{"text":"أجرًا.\nولم يرد به حقيقة الأجر، بل يأخذ كفايته لكن سماه أجرًا لتصوره بصورة الأجر فإنه مستحق ذلك بعمل يقيمه، فأشبه الأجر.","vol":"2","page":12},{"text":"[٢٦٧] ذكر عن ابن أبي ليلى أنه قال:\nبلغني أن عليًا ﵁ رزق شريحًا [﵀] خمسمائة درهم.\nيريد به كل شهر.\nوإنما فعل ذلك لأنه كان كثير العيال، فكان يحتاج إلى ذلك القدر.","vol":"2","page":13},{"text":"[٢٦٨] ذكر عن الأزهري أنه قال:\n«رزق رسول الله ﷺ عتاب بن اسيد حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة».","vol":"2","page":14},{"text":"قال اسحق: لا أدري ذهبًا أو فضة، فإن كان ذهبًا فمال عظيم، لأن الأوقية أربعون مثقالًا فأربعون مرة يكون مالًا عظيمًا.\nوإنما رزقه لأنه ولاه مكة، واستقضاه بها، فكان قاضيًا وواليًا.\nفي الحديث دليل على أنه [ينبغي أن] يرزق القاضي من بيت المال ما يكفيه وأهله، ومن يمونه، ومن يكون من أعوانه.\nوتكلموا: أن رسول الله ﷺ من أي مال رزقه ولم تكن يومئذ الدواوين [ولا بيت المال] فإن الدواوين وبيت المال إنما ظهرت في زمن عمر ﵁.\nقيل: إنما رزقه من الفيء، مما أفاء الله تعالى عليهم.\nوقيل: إنما رزقه من المال الذي أخذه من نصارى نجران، أو","vol":"2","page":15},{"text":"من الجزية التي أخذها من مجوس هجر، ويهود، وهو [فيء]، فإن القاضي [أن] يرزق له من الجزى أو الأخرجة.\n\n[٢٦٩] روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أعطى عثمان بن أبي العاص أرضًا بالمدينة في عمالته.","vol":"2","page":16},{"text":"وللإمام أن يقطع أرض بيت المال العامل عن عمالته حتى يزرعها وينتفع بها ما دام على العمل، فإذا عزل ردها إلى بيت المال.\n\n[٢٧٠] ذكر [عن] هشام عن محمد ﵀ أنه قال: كان لا يرى بأسًا أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال.\nلأن القضاة من السلف قد ارتزقوا من بيت المال، فلا بأس أن يرتزق في زماننا، وإن استعف وتنزه فذلك أفضل له، لأن القضاة من السلف منهم من ارتزق، منهم شريح ومنهم من استعف","vol":"2","page":17},{"text":"وتنزه منهم مسروق والقاسم.\n\n[٢٧١] ذكر عن عمر ﵁ أنه قال:\nلا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا بالشرط ولا صاحب مغنم.","vol":"2","page":18},{"text":"أراد به أن لا يأخذ بالشرط.\nوأراد بصاحب المغنم الوالي.\nوكما لا ينبغي للقاضي أن يأخذ على القضاء أجرًا لا ينبغي للوالي أيضًا؛ لأنه عامل المسلمين كالقاضي، لكن لا بأس له أن يأخذ مقدار كفايته من غير شرط.\n\n[٢٧٢] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب:\nلا بأس أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال.","vol":"2","page":19},{"text":"ثم بين المعنى فقال:\nلأنه عامل من عمال المسلمين.\nوقاسه على عمالة العامل في الصدقات.\n\n[٢٧٣] ذكر عن النبي ﷺ أنه قال:\n«من استعملناه منكم على عمل ولم يكن له امرأة فليتزوج امرأة، ومن لم يكن له خادم فليخذ خادمًا، ومن لم يكن له مسكن فليتخذ مسكنًا».","vol":"2","page":20},{"text":"وإنما أراد بهذا ما تحت يده، فينتفع به مقدار ما يكون قاضيًا، فإذا عزل رد ذلك إلى بيت المال.\n\n[٢٧٤] قال:\nوقد رأيت أبا بكر وعمر ﵄ فرضًا لأنفسهما من بيت مال ما يغنيهما.\nهكذا روى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يأخذ كل يوم ثلاثة دراهم.\nوروى في رواية أخرى أنه كان [يأخذ] من بيت المال كل يوم درهمين وثلاثين.\nوروي عن عمر ﵁ أنه كان له من بيت","vol":"2","page":21},{"text":"المال الفرض رزقًا له ولأهله، ولم يرد في الخبر مقداره.\n\n[٢٧٥] فهذا كله يدل على أنه لا بأس للقاضي أن يرتزق من بيت المال مقدار كفايته وأهله، ومن يمونهم، وكفاية أعوانه حتى لا تشره نفسه إلى أموال الناس.\n[والله تعالى اعلم بالصواب]\n* * *","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>الباب الرابع عشر في الرشوة في الحكم</span>\n[٢٧٦] ذكر عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:\n«لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم»\nنقل أبو هريرة ﵁ لفظ رسول الله صلى الله","vol":"2","page":23},{"text":"عليه وسلم مقيدا.\nوروى عنه ﵊ أنه «لعن الراشي والمرتشي» مطلقا.","vol":"2","page":24},{"text":"وروي عنه ﷺ أنه «لعن الراشي والمرتشي والرائش».\nفالراشي: المعطي، والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يمشي بينهما ويقدر الرشوة.\n\n[٢٧٧] والرشوة مأخوذة من الرشا، فإن الناضح لا يتوصل إلى استقاء الماء إلا به، فكذلك الإنسان لا يتوصل إلى مقصود حرام إلا بها.\n\n[٢٧٨] ثم الرشوة لا تخلو من أربعة أوجه:","vol":"2","page":25},{"text":"أما أن يرشوه؛ لأنه قد خوفه، فيعطيه الرشوة، ليدفع الخوف عن نفسه.\nأو يرشوه؛ ليسوي أمره بين يدي السلطان، ويسعى في ذلك.\nأو يرشوه؛ ليتقلد القضاء من السلطان.\nأو يرشو القاضي؛ ليقضي له.\n\n[٢٧٩] ففي الوجه الأول: لا يحل الأخذ للآخذ؛ لأن الكف عن التخويف كف عن الظلم، وأنه واجب بدين الإسلام؛ فلا يحل أخذ المال لذلك، وحل للمعطي الإعطاء؛ لأنه جعل المال صيانة للنفس، وهذا جائز في الشرع.\nوكذا إذا طمع في ماله، فرشاه بعض ماله، لا يحل الأخذ، وحل الإعطاء؛ لأنه جعل بعض المال وقاية لسائر الأموال.\nولو سعى إنسان بينهما، فدفع إليه بعض المال ليوصله إلى الظالم، فلا بأس أن يفعل ذلك الإنسان، فيسعى بينهما.\n\n[٢٨٠] وفي الوجه الثاني: لا يحل للآخذ الأخذ؛ لأن القيام بمعونة المسلمين واجب عليه بدون المال؛ فهو يأخذ المال؛ لإقامة ما وجب عليه إقامته بدونه، فلا يحل له الأخذ.","vol":"2","page":26},{"text":"والحيلة في حل الأخذ أن يقول الرجل: استأجرني يومًا إلى الليل؛ لأقوم بعملك ببدل، فيستأجره، فيكون صحيحًا. ثم المستأجر بالخيار: إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في عمل آخر.\nوهل يحل للمعطي الإعطاء بدون هذه الحيلة؟\nتكملوا فيه:\nمنهم من قال: لا يحل. لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ سيأتي بعد هذا. ولأنه لا يحل الأخذ فلا يحل الإعطاء.\nومنهم من قال: يحل. وهذا أصح كالوجه الأول.\nهذا إذا أعطاه قبل أن يسوي أمره.\nأما إذا أعطاه معد ما سوى أمره، ونجا عن ظلمه [فأنه] يحل للمعطي الإعطاء؛ لأنه أنعم عليه بالنجاة عن الظلم، قال النبي ﷺ:\n«من أزلف إليه نعمة فليشكرها من غير فضل».","vol":"2","page":27},{"text":"وأما الأخذ فهل يحل له الأخذ؟\nتكلموا فيه:\nمنهم من قال: لا يحل؛ لأنه أقام الواجب.\nومنهم من قال: يحل، وهو الصحيح؛ لأن هذا بر وصلة. وقاسوا هذه المسألة بما ذكر محمد ﵀ في كتاب الصلاة: إن الإمام أو المؤذن إذا جمع له القوم شيئًا فأعطوه من غير شرط عليهم فما أحسن هذا، فقد سمي ذلك حسنا، وإن كانوا لا يعطونه [ذلك الشيء] إلا بسبب الإمامة والأذان، لكن جعل ذلك بمنزلة البر والصلة، فكذا هذا.","vol":"2","page":28},{"text":"قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني [﵀] حاكيًا عن أستاذه القاضي الإمام [﵀] قال:\nينظر، إن كان فعلا لو استأجره على ذلك استحق الأجر؛ بأن أعطاه لتبليغ الرسالة؛ بأن بعثه رسولًا إلى الظالم، فلما بلغ الرسالة أعطاه شيئًا، وأهدى إليه شيئًا، يحل له الأخذ، وإلا فلا.\n\n[٢٨١] وفي الوجه الثالث: لا يحل له الأخذ والإعطاء؛ لأنه إنما يرشوه؛ ليأخذ من أموال الناس، فيحرم عليه الأخذ والإعطاء.\n\n[٢٨٢] وفي الوجه الرابع: حرم الأخذ؛ سواء كان لذلك القضاء له بالجور أو بالحق:\nأما الجور فلوجهين:\nأحدهما: أنه رشوة.\nوالثاني: أنه تسبيب للقضاء بالجور.\nوأما بالحق، فلوجه واحد، هو أنه أخذ المال لإقامة ما وجب عليه بدونه.","vol":"2","page":29},{"text":"وأما الإعطاء، فإن كان بجور لا يحل، وإن كان بحق كذلك، نص عليه في آخر الباب على ما تبين [إن شاء الله تعالى]. ولا ينفذ قضاؤه الذي ارتشى فيه، نص عليه في آخر الباب، وسجله ذلك يكون باطلًا. وأما قضاياه بعد ذلك فهل تنفذ؟\nفيه كلام.\nوالصحيح من المذهب عندنا أنها تنفذ، وقد مر شيء منه في صدر الكتاب، وتمامه يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.\n\n[٢٨٣] ذكر عن الحسن بن عثمان قال:\nكنت مع عمي أبي سلمة بن عبد الرحمن بالإسكندرية","vol":"2","page":30},{"text":"عند عبد العزيز بن مروان، فدخل عليه، فعرف له فضله وشرفه، وكان البواب بعد ذلك مسيئًا إليه، فقال:","vol":"2","page":31},{"text":"يا ابن أخي إن منزلتي من صاحبي لحسنة، وإني لأرى هذا يسيء إلي.\nقال: فقلت له: لو أعطيته شيئًا.\nقال: كيف أعطيه، وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي أو قال: الراشي والمرتشي في النار لا أدري أي ذلك قال.","vol":"2","page":32},{"text":"وعلى هذا الحديث قالوا: لا ينبغي للقاضي أن يتخذ بوابًا يمنع الناس من دخول المسجد. حتى يأخذ قطعة؛ لأن ذلك رشوة يأخذها بتمكين القاضي، فيكون ذلك بمنزلة رشوة أخذها القاضي، لكن ينبغي أن يتخذ بوابًا يحتسب في ذلك، ويأمر الناس بالدخول على القاضي في نوبتهم؛ فإن لم يجد أحدًا يحتسب فليعط كفايته، كما تعطى كفاية القاضي من بيت المال.\n\n[٢٨٤] ذكر عن علقمة ومسروق أنهما سألا عبد الله بن مسعود ﵁ عن السحت، فقال: الرشوة. فقالا: في الحكم؟ قال ذلك كفر.","vol":"2","page":33},{"text":"وتأويله من وجهين:\nأحدهما: أنه أراد به التهديد لا التحقيق.\nوالثاني: أنه أراد به التحقيق، وإنما قال ذلك في المستحل أنه إذا استحل ذلك يكفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>[الهدية صورة من صور الرشوة]:</span>\n[٢٨٥] ذكر عن أبي الاحوص قال:\nقال عبد الله:\nالرشوة في الحكم كفر، إنما السحت أن يهدي الرجل هدية كيما يعينه على حاجته عند السلطان.","vol":"2","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>أنواع الهدية وأحكامها:</span>\n[٢٨٦] الهدية على ثلاثة أوجه:\nأما أن تكون حلالًا من جهة المهدي والقابض جميعًا.\nأو تكون حلالًا من جانب المهدي حرامًا على القابض أن يقبل. أو تكون حرامًا من الجانبين.","vol":"2","page":35},{"text":"أما الأول: [فهو أن] يهدي الرجل إلى الرجل لابتغاء التودد والتحبب. قال ﷺ:\n«تهادوا تحابوا».\nوأما الثاني: [فهو] أن يخاف من غيره فيهدي إليه هدية؛ ليكف عنه ولا يظلمه، ولا يشترط أنه إنما يهدي إليه لهذا، لكن يعلم أنه إنما يهدي إليه لهذا؛ لأنه جعل المال وقاية لنفسه، فحل في جانب المهدي. والقابض أخذه لإقامة ما هو الواجب، فكان حرامًا.\nوأما الثالث: [فهو] ما قاله عبد الله: أن يهدي إلى غيره؛ كيما يعينه عند السلطان على حاجته، وهذا حجة لقول أولئك المشايخ.","vol":"2","page":36},{"text":"وتأويله عندنا [ما] إذا كان ذلك المقصود مما لا يحل بحال من الأحوال، أما إذا حل فيحل في جانب المهدي، ولا يحل في جانب القابض.\nوإذا أراد [القابض] الحل فالحيلة للحل في جانب القابض ما ذكرنا في صدر الباب.\n\n[٢٨٧] وذكر عن مسروق قال:\nالقاضي أذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة فقد بلغ به الكفر.\nأما الهدية فلما ذكرنا في آخر الباب السابع أنه لا يباح له القبول","vol":"2","page":37},{"text":"إلا ممن ذكرنا على الصفة التي ذكرنا، فإذا لم يكن ممن ذكرنا، ولا على الصفة التي ذكرنا كان سحتًا.\nوأما الرشوة، فتأويل ما قال من الوجهين اللذين ذكرناهما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n\n[٢٨٨] وذكر عن علي ﵁ أنه خطب وفي يده قارورة قال:\nما أصبت بها منذ دخلتها إلا هذه القارورة أهداها دهقان.\nوإنما قال ذلك لبيان أنه يتحرز ويتورع عن أموال الناس.\nفعلى كل من اشتغل بشيء من أعمال المسلمين أن يكون بهذه الصفة.\n\n[٢٨٩] ذكر عن أبي يوسف [﵀] قال:","vol":"2","page":38},{"text":"أهدى الاصبهبذ إلى [عبد الحميد بن] عبد الرحمن أربعين ألفًا أو أقل، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ فكتب إليه:","vol":"2","page":39},{"text":"إن كان يهدي لك وأنت بالجزيرة فاقبلها و[إلا] أحسبها من خراجه.\nيعني إذا أهدي إليك بعدما عزلت وذهبت إلى أهلك فأقبل الهدية، وإلا فاحسبها من خراجه.\nوهكذا ينبغي للعامل أنه إذا ما عزل عن العمل فلا بأس أن يقبل الهدية، فإن لم يعزل فلا يقبل، وإذا قبل يحتسب ذلك من خراجه، ويجعل هذه الهدية من خراجه.\n\n[٢٩٠] ذكر عن الحسن بن رستم أنه قال لعمر بن عبد العزيز:\nيا أمير المؤمنين مالك لا تقبل الهدية، وكان رسول الله ﷺ يقبلها؟\nقال عمر ﵁:\nأنها كانت على عهد رسول الله ﷺ هدية وأنها","vol":"2","page":40},{"text":"اليوم رشوة.\nأشار عمر ﵁ إلى أن الزمان قد فسد والمهدي يلتمس. لا يحل له في الشريعة، فلو قبل كان رشوة، وهذا لا يتصور في زمن رسول الله ﷺ فكانت هدية.\n\n[٢٩١] ذكر عن خيثمة قال:\n[قال] عمر ﵁:\nبابان من السحت يأكلهما الناس: الرشوة ومهر الزانية.\nأما الرشوة فلما ذكرنا.","vol":"2","page":41},{"text":"وأما مهر الزانية فلأن النبي ﷺ «نهى عن مهر البغي».\nولأن الزنا حرام، والاعتياض عن الحرام حرام.\n\n[٢٩٢] ذكر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [قال رسول الله ﷺ]:","vol":"2","page":42},{"text":"«هدايا الأمراء غلول».","vol":"2","page":43},{"text":"يعني خيانة.\nوإنما كان [كذلك] لأن تعزز الأمير ومنعه بالجند وبالمسلمين لا بنفسه، فكانت الهدية لجماعة المسلمين بمنزلة الغنيمة، فإذا استبد به كان ذلك من خيانة، بخلاف هديا رسول الله ﷺ؛ لأن تعززه ومنعته كان بنفسه لا بالمسلمين، فصارت الهدية لنفسه لا للمسلمين.\n\n[٢٩٣] وذكر عن يحيى بن سيد قال:\n«لما بعث رسول الله ﷺ ابن رواحة إلى أهل","vol":"2","page":44},{"text":"خيبر أهدوا إليه فرده، وقال: سحت».","vol":"2","page":45},{"text":"لم يذكر صاحب الكتاب تمام الحديث، ومحمد بن الحسن ﵀ ذكر تمامه في أول كتاب المزارعة، نذكر تأويله إذا انتهينا إليه في شرح المختصر.","vol":"2","page":46},{"text":"[٢٩٤] ذكر عن يحيى بن سعيد قال:\nكتب عمر ﵁ إلى أهل العراق: أن لنا هدايا دهاقيينا.\nوالدهاقين هم رؤساء العجم من أهل الذمة، الذين عليهم الخراج والجزى، وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتوسعون في قبول الهدايا منهم؛ وهذا لأن الهدية كانت عادتهم، وكانوا لا يلتمسون منهم شيئًا، وإنما كانوا يهدون على وجه التودد، والتحبب، وكانوا يستوحشون برد هداياهم، فلا يتمكن فيه معنى الرشوة؛ فلهذا كانوا يقبلون.\nثم كانوا مختلفين في ما بينهم:\nمنهم من يقبل الهدية منهم ولا يحسب ذلك من الخراج.\nومنهم من يقبل ويحسب ذلك لهم من الخراج.","vol":"2","page":47},{"text":"وعمر وعلي ﵄ كانا ممن يقبل ولا يحسب ذلك من الخراج.\nوعمر بن عبد العزيز ﵁ كان ممن يقبل ويحسب ذلك لهم من الخراج.\n\n[٢٩٥] وأصل توسيع الخراج هذا ما ذكر عن سفيان قال:\nقدم معاذ برقيق من اليمن في زمن أبي بكر ﵁ فقال له عمر ﵁: ادفعهم إلى أبي بكر. فقال معاذ: ولم أدفع إليه رقيقي؟\nفانصرف إلى منزله، ولم يدفعهم، فنام ليله ثم أصبح في الغد، فدفعهم إلى أبي بكر ﵁ فقال له عمر: ما بدا لك؟\nقال: رأيتني فيما يرى النائم كأني أرى نارًا أهوى فيها، فأخذت بحجزتي، فمنعتني من دخولها فظننت أنهم الرقيق.\nفقال له أبو بكر ﵁: هم لك.\nفلما انصرف إلى أهله فقام يصلي فرآهم يصلون خلفه، فقال: لمن تصلون؟\nقالوا: لله تعالى.\nقال: فاذهبوا فأنتم لله تعالى …","vol":"2","page":48},{"text":"فعمر ومعاذ ﵄ اعتمد كل واحد منهما دليلًا:\nأما عمر ﵁ [فقد] اعتمد دليلًا: فإن معاذًا ﵁ إنما توصل إلى هذا المال بسبب القضاء والعمل للمسلمين، فيكون مال المسلمين، فأمره بالدفع إلى الخليفة؛ ليوضع في بيت المال.\nفأما معاذ فقد اعتمد دليلًا: فأنه هو الذي أصاب.\nتم الحديث إلى قوله (رأيتني) وفي رواية (رأيت كأني في مفازة أضل فيها وأنت تدعوني إلى العمران).\nثم الحديث إلى قوله: (فقال له أبو بكر: هم لك) أعطاه لفضله، وللإمام أن يخص أحدًا من أهل العلم بشيء من بيت المال لفضله.\nثم الحديث إلى قوله (فأنتم لله تعالى) فكأنه أعتقهم بهذا اللفظ، وأحسن إليهم؛ لأن رسول الله ﷺ كان يوصي بالإحسان إلى المصلين.","vol":"2","page":49},{"text":"ولم يذكر محمد ﵀ في كتاب العتاق أن من قال لمملوكه: أنت لله هل يعتق؟\nذكر في النوادر أنه على قول أبي حنيفة ﵀ لا يعتق، لأن هذا الكلام محتمل يحتمل: أنت عبد لله والرقيق عبد لله تعالى، ويحتمل أنه أراد به التحرير، والمحتمل لا يكون حجة.\nوعند أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله] يعتق.\nفيكون هذا الحديث حجة لهما عليه.\n\n[٢٩٦] ذكر عن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ استعمل عبد الله بن اللتبية على صدقات بني سليم. فلما جاء قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي. فخطب النبي ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه فقال:","vol":"2","page":50},{"text":"«ما بال رجال نوليهم أمورًا مما ولانا الله تعالى، فيجيئ أحدهم فيقول: هذا لكم، وهدا أهدي إلي، أفلا يجلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته أن كان صادقًا».\nوفي رواية:\n«هلا جلس عند حفش أمه فينظر هل يهدي إليه أم لا».","vol":"2","page":51},{"text":"وهذا لأن رسول الله ﷺ كان إذا سمع من أصحابه شيئًا ساءه، لم يجاهر بالمرد عليهم ولا يواجه أحدًا بالسوء، لكنه كان يخطب؛ فيذكر ذلك في خطبته؛ ليعرف ذلك الإنسان المقصود، وهذا أقرب إلى الستر وحسن المعاشرة.\nوالحديث دليل على أن العامل إذا أهدي إليه هدية فلا ينبغي أن يقبل، وإذا قبل لا يختص به، بل تكون لبيت المال، لأن تعززه بالجند وبالمسلمين فكانت بمنزلة الغنيمة، والغنيمة توضع في بيت المال.\n\n[٢٩٧] ذكر: عن علي بن ربيعة أن عليًا ﵁ استعمل رجلًا من بني أسد يقال له ضبيعة بن زهير، فلما جاء قال: يا أمير المؤمنين أهدي إلي في عملي سمن، فأتيتك به، فإن كان حلالًا أكلنا، وإلا فقد أتيتك به، فقبضه علي ﵁، وقال: لو حبستها كان غلولا.\nأفاد الحديث مثل ما أفاد الأول.","vol":"2","page":52},{"text":"[٢٩٨] ذكر عن عمر بن عبد العزيز (﵁) أنه نزل منزلًا بالشام فأهدي إليه تفاح، فأمر برده، فقال له عمر بن قيس:\nيا أمير المؤمنين: أما علمت أن رسول الله ﷺ كان يأكل الهدية؟\nفقال: ويحك يا عمرو إن الهدية كانت لرسول الله ﷺ هدية وهي لنا اليوم رشوة.\nقال:\nفقام رجل من أهل بيته يقال له هشام، وكان يعرفه عمر","vol":"2","page":53},{"text":"صلاح فقال:\nيا أمير المؤمنين لو أمرت به فقوم وأعطيتهم ثمنه، وأكلته. فأمر به فقوم، وأعطاهم ثمنه.\nأما أول الحديث فقد ذكرنا تأويله في ما تقدم.\nوأما قول ذلك الرجل: لو أمر به فقوم فإنما قال ذلك لأحد","vol":"2","page":54},{"text":"معينين.\nأما لأنه أقرب إلى حسن العشرة، لأن في رد الهدية ما يسوؤه ويوحشه.\nأو لأنه رأى عمر يشتهي ذلك التفاح، لكنه رده لمعنى الرشوة.\n\n[٢٩٩] ذكر عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه أخذ في أرض الحبشة فرشاهم حتى خلو سبيله.\nفي الحديث دليل على أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان ممن هاجر إلى أرض الحبشة.\nوفيه دليل على أن من ابتلى بشيء ظلما، لا بأس بأن يرشو ليخلى سبيله.","vol":"2","page":55},{"text":"[٣٠٠] ذكر عن أيوب قال:\nأخذ سارق بمكة، فرشاهم طاووس دينارًا، حتى خلو سبيله.\nوتأويل الحديث من وجهين:\nأحدهما: أنه [أخذ] بتهمة السرقة؛ لأن السرقة إذا ثبتت [وظهرت] لا يجوز لأحد أن يرشو ليسقط عنه الحد.\nوالثاني: أنه أخذ في خصومة أخرى عرف طاووس أنه مظلوم فيها لا في السرقة، وذكر السرقة للتعريف.\nفهذا يدل على أن المسلم إذا رأى مسلمًا يظلم فرشا، وأنجى","vol":"2","page":56},{"text":"المسلم من ذلك الظلم، فلا بأس به.\n\n[٣٠١] وذكر عن جابر بن زيد، وعطاء،","vol":"2","page":57},{"text":"وحجاج، أنهم قالوا: لا بأس بالرشوة إذا خاف الرجل على نفسه الظلم.\nفي الحديث دليل على أنه لا بأس بأن يرشو الرجل لما يخاف من ظلم في المستقبل، وإن لم يكن التهديد للحال.","vol":"2","page":58},{"text":"[٣٠٢] ذكر عن جابر يقول:\nلم نجد في زمن عبيد الله بن زياد أنفع لنا من الرشا.\nذكر عبيد الله بن زياد في هذه الرواية.\nوفي رواية أخرى قال: في زمن بني أمية.\nذكر صاحب الزمان في هاتين الروايتين.\nوفي رواية أخرى قال: في ذلك الزمان، ولم يذكر صاحب الزمان.\nفي الحديث دليل على أنه لا بأس بالرشوة لدفع الظلم عن نفسه وماله.","vol":"2","page":59},{"text":"[٣٠٣] ذكر عن مجاهد قال:\nاجعل مالك جنة دون دينك، ولا تجعل دينك جنة دون مالك.\nفي الحديث دليل على أنه لا بأس بالرشوة لدفع الظلم عن نفسه، إذا خاف الظلم على نفسه أو على دينه.\n\n[٣٠٤] وكان رسول الله ﷺ يعطي المال من كان يخاف من لسانه وكان يعطي الشعراء.\n\n[٣٠٥] وفي هذا الباب أحاديث كثيرة تدل كلها على أن الإنسان إذا بذل مالًا لرجل يخاف من ظلمه أو لسانه أو لشاعر فلا بأس به.\n\n[٣٠٦] ذكر عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:\nبعثني عمر بن الخطاب ﵁ إلى بعض ولده؛ لادعوه له، ونهاني أن أخبره لأي شيء ادعوه، فدعوته.","vol":"2","page":60},{"text":"فسأل عم يدعوه أبوه.\nفأبيت أن أخبره.\nفقال: أخبرني على أني أرشوك هذه الدجاجة وهذا الديك.\nفقلت: فعلى أن لا تخبر عمر.\nقال: نعم.\nفرشاني، فأخبرته.\nفلما رجعت إلى عمر قال: أخبرته؟\nفوالله ما استطعت أن أقول لا، فقلت: نعم.\nفقال: أرشاك؟\nفقلت: نعم؟\nفقال: ما أرشاك؟\nفقلت: ديكًا ودجاجة هنديين.\nقال: فأخذ بيساره يدي، وأخذ الدرة بيمينه.\nقال: فجعل يضربني.","vol":"2","page":61},{"text":"فجعلت أنزوي حتى أوجعني ضربا.\nوجعل يقول لي:\nأنك لجريء.\nوإنما أدبه لوجهين:\nأحدهما: أنه أساء في الأدب، فإنه نهاه أن يخبره فأخبره.\nوالثاني: أنه أخذ الرشوة.\nوقوله: أنك لجريء روي بروايتين:\nلجريء، ولجربز.\nفإن كانت الرواية لجريء يريد به إنك تجتريء على الله تعالى في أخذ الرشوة.\nوإن كان الرواية لجربز يريد به بالفارسية كربز، حيث تنزوي [كي] لا يصيبك الوجع من الضرب.","vol":"2","page":62},{"text":"[٣٠٧] ذكر عن الشعبي قال:\nلأن أعطى درهمًا في النائبة أحب إلي من أعطي خمسة دراهم.\nيعني أتصدق بها.\nإنما أراد بالنائبة فكاك الأسير، وفكاك الأسير أفضل من التصدق على المساكين، لأن الأسير مشرف على الهلاك، فكان الفكاك إحياء له.\n\n[٣٠٨] قال صاحب الكتاب:\nلو أن رجلًا ابتلي بسلطان جائر [جار] عليه في نفسه، أو في ولده، أوفي أحد من أهله، أو في ماله، فصانعه في شيء فرشاه على أن يدفع ذلك الجور، رجونا أن لا يكون آثمًا في ذلك.\nلما قلنا من قبل.\nعلقه بالرجاء؛ لأن القبض حرام، والإعطاء تمكين من القبض، والتمكين من الحرام حرام، إلا أن قصد المعطي من هذا دفع الظلم عن نفسه، أو عن ماله، فمن ذلك الوجه يكون حرامًا، ومن هذا الوجه لا [يكون حرامًا]، فعلقه بالرجاء لهذا.\nفرق بين هذا وبين ما إذا رشا القاضي؛ ليقضي له بالحق؛ حيث لا يحل للقابض أن يقبض، ولا للمعطي أن يعطي.\nوالفرق أن [في] السلطان الجائر أن رشا ينال ما هو المقصود","vol":"2","page":63},{"text":"بدفع الرشوة، وهو دفع الظلم عن نفسه، أو ماله، فلا يأثم المعطي.\nأما في القاضي فلا ينال [ما هو المقصود]، لأن المقصود منه أن يصير المدعي ملكًا وحقًا له، وهذا إنما يحصل إذا نفذ القضاء، وقضاء المرتشي في ما ارتشى باطل؛ حتى لا يحل لأحد من القضاة إن اتضح هذا عنده أن ينفذ ذلك الحكم، ولكن برده ويبطله؛ فلهذا أثم المعطي.\nثم إنما لم ينفذ قضاء المرتشي في ما ارتشى؛ فلأنه لما رشاه المدعي فقد استأجره على القضاء بحق فرض عليه، والاستئجار على ما هو فرض عليه لا يجوز؛ كالاستئجار على الأذان والإقامة.\n\n[٣٠٩] [قال]:\nوإن رشا الطالب ولد القاضي، أو كاتب القاضي، أو أحدًا في ناحية القاضي، على أن يعينه عند القاضي؛ ليقضي له، وهو حق له، فقضى القاضي، وهو لا يعلم بذلك، حتى قضى، فالطالب آثم بما صنع، والقاضي معاتب، وهو حرام عليه، والقضاء نافذ.","vol":"2","page":64},{"text":"لأن القاضي لم يصر مستأجرًا على القضاء؛ لأنه لم يأخذ الرشوة، فنفذ قضاؤه، بخلاف ما تقدم.\n\n[٣١٠] قالوا:\nولا ينبغي للقاضي أن يقبل من أحد هدية إلا من رجل كان يهاديه قبل أن يلي الحاكم.\nوقد مر هذا الفصل في آخر الباب السابع.\n[والله تعالى أعلم]","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>الباب الخامس عشر في القاضي يسلم على الخصوم</span>\n[٣١١] ذكر عن محمد بن سيرين ﵀ بأن شريحًا كان يسلم على الخصوم.\nلأن السلام سنة فلا تمنع عليه إقامة السنة بسبب تقلده القضاء؛ كالصلاة على الجنازة وعيادة المريض.\n\n[٣١٢] قال صاحب الكتاب أحمد بن عمر:\nوإذا دخل القاضي المسجد فلا بأس بأن سلم على الخصوم.\nيريد به تسليمًا عامًا.\nواختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال: إن سلم عليهم فلا بأس، وإن ترك وسعه، لتبقى الهيبة، وتكثر الحشمة، فإن ترك وتأول هذا فلا بأس به.\nوإلى هذا القول مال صاحب الكتاب.\nومنهم من قال: عليه أن يسلم، ولا يسعه الترك؛ لأنه سنة، فلا يسعه ترك السنة بسبب تقلد العمل.\nهذا هو الكلام وقت الدخول.","vol":"2","page":66},{"text":"فأما إذا جلس ناحية من المسجد للفصل والحكم فلا يسلم على الخصوم، ولا يسلمون عليه.\nأما [أنه] لا يسلم فلامه جلس لفصل الخصومة فينبغي أن يشتغل بما جلس لأجله.\nوأما [أنهم] لا يسلمون فلان السلام تحية الزائرين، والخصوم ما تقدموا إليه إلا لأجل الخصومة. فينبغي أن يشتغلوا بما جاءوا له.\nوعلى هذا قال بعض مشايخنا: جرى الرسم أن الناس متى دخلوا على الولاة والأمراء لا يسلمون عليهم، ولا هم يسلمون على الناس؛ لأن القاضي متى جلس لا يسلم ولا يسلم عليه، فالوالي والأمير أولى.\nوليس كما ظنوا.\nوالصحيح أن الناس يسلمون عليهم، وهم يسلمون على الناس بخلاف القاضي.","vol":"2","page":67},{"text":"والفرق أن الوالي والأمير إنما جلسوا للزيارة لا للفصل والحكم، وتحية الزائرين السلام.\nفأما القاضي فإنما جلس للفصل والحكم لا للزيارة، فلا يسلمون عليه.\nفإن سلموا عليه مع هذا، وهو في مجلس الحكم، فلا بأس بأن يرد ﵈.\nوهذا إشارة إلى أنه لا يجب عليه رد السلام، بل يتخير: أن شاء رد، وإن شاء لم يرد؛ لأن الرد جواب، والسلام إنما يستحق الجواب إذا كان في أوانه.\nأما إذا كان في غير أوانه فلا، ألا ترى أنه لو سلم على المصلي لا يستحق الجواب، فكذا هذا.\nوحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري","vol":"2","page":68},{"text":"﵀ أنه كان يقول:\nمن جلس ليفقه تلاميذه، فدخل عليه داخل، فسلم عليه وسعه أن لا يرد السلام؛ لأنه إنما جلس للتعليم لا لرد السلام، فلا يكون السلام في أوانه، فلا يستحق الجواب، وكذا من جلس للذكر في المسجد، فدخل عليه أحد، فسلم عليه، وسعه تركه؛ لأنه جلس للذكر، لا لرد السلام، فلا يكون السلام في أوانه، فلا يستحق الجواب.\n\n[٣١٣] قال:\nولا ينبغي للقاضي أن يكلم أحد الخصمين بشيء إلا بشيء مما هو فيه، ولا ينظر إلى أحدهما دون الآخر؛ لأنه يجترئ على صاحبه، فينكسر قلب صاحبه.\n[والله تعالى أعلم]","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>الباب السادس عشر في القاضي يولي القضاء، فيأتيه رجل فيقر عنده بشيء، أو يقول لي حق في البلد الذي وليته، وقد وكلت هذا الرجل عندك يطلب لي بحقي والقاضي في المصر الذي فيه الخليفة، أو في مصر آخر قبل أن يصل إلى عمله.</span>\n[٣١٤] قال صاحب الكتاب:\nولو أن رجلًا ولي القضاء على مصر من الأمصار، فلم يخرج من الموضع الذي فيه الخليفة، أو خرج فصار إلى مصر آخر غير المصر الذي ولي فيه، حتى أتاه رجل، فقال: أن لي حقوقًا قبل الناس في البلد الذي وليته، وقد وكلت هذا الرجل بطلب حقوقي في ذلك البلد، وقبضها، والخصومة فيها، والقاضي يعرف الوكيل والموكل، فعلى قول أبي حنفية ﵀ لا يسمع القاضي منه ذلك، ولا يقبل، فإن حضر الوكيل في البلد الذي ولي [فيه] أمره بإحضار بينته على الوكالة.","vol":"2","page":70},{"text":"وفي قول أبي يوسف ومحمد يقضي بذلك ويقبل.\nلأن القاضي إنما يصير قاضيًا إذا بلغ الموضع الذي ولي القضاء فيه، فإن العلم الحاصل له بعد تقلد القضاء قبل الوصول إلى ذلك الموضع كالعلم الحاصل له قبل تقلد القضاء.\nوإن حصل له العلم قبل تقلد القضاء ثم تقلد، لا يقض بذلك العلم عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما يقضي، فهذا كذلك.\n\n[٣١٥] ثم من هذا الجنس ثلاث مسائل:\nأحداها: إذا علم بشيء قبل تقلد القضاء، ثم تقلد القضاء.\nوالثانية: إذا علم بشيء يعد تقلد القضاء قبل أن يصل إلى الموضع الذي قلد القضاء فيه.\nوالثالثة: إذا علم في حال القضاء، ثم عزل، ثم أعيد عليه القضاء.\nوالكل على هذا الاختلاف.\nوالثاني والثالث فرع الأول.\nأما الثاني فلما قلنا.","vol":"2","page":71},{"text":"وأما الثالث فلإن علم القاضي قد بطل بالعزل، فصار كأنه علم به وهو ليس بقاض، ثم قلد القضاء.\nولو كان هكذا كان عين الأول.\nوالحجج تعرف في كتاب أدب القاضي لمحمد ﵀.\n\n[٣١٦] وكذا على هذا الخلاف لو علم القاضي بوجوب حق لإنسان على إنسان بإقراره، أو عاين سبب الحق في هذه الوجوه الثلاثة.\n\n[٣١٧] وكذا على هذا الخلاف لو علم القاضي أنه أوصى إلى فلان في هذه الوجوه الثلاثة.\n\n[٣١٨] وكذا على هذا الخلاف إذا علم القاضي أنه وكل فلانًا بالخصومة مع فلان في المصر الذي قلد فيه القضاء وقبل الوكيل هذه الوكالة في هذه الوجوه الثلاثة.\n\n[٣١٩] ثم عندهما يقضي بذلك كله في هذه الوجوه الثلاثة.\nلأن هذه الحقوق كلها سواء.\nولا يقضي بالحدود الخالصة لله تعالى؛ نحو حد الزنا وحد شرب الخمر وحد السرقة، لأنهما يلحقان هذا العلم بالعلم الحاصل في حالة القضاء، ولو علم به [في] حالة القضاء؛ بأن عاين إنسانًا زنى،","vol":"2","page":72},{"text":"أو شرب الخمر، أو سرق، لا يقيم عليه الحدود، إلا حد القذف والقصاص، إلا رواية عن محمد ﵀ إنه قال: يفضي بعلمه، ويقيم سائر الحدود بعلمه، فكذا إذا علم في هذه الوجوه الثلاثة.\nأما في الحقوق الخالصة للعباد؛ نحو المال، والقصاص، والحقوق المشتركة؛ نحو حد القذف [فإنه] يقضي بعلمه الحاصل في حالة القضاء، فكذا يقضي بهذا العلم.\nوموضع هذه المسائل كتاب الحدود.\n\n[٣٢٠] وكل أمر يريد رجل أن يثبته عند هذا القاضي ببينة يقيمها عنده وذلك قبل أن يصل إلى عمله، فإن القاضي لا يقبل ذلك ولا يسمع من شهوده في غير عمله؛ لأن القاضي إنما يصير قاضيًا إذا بلغ الموضع الذي قلد فيه القضاء؛ ألا ترى أن الأول لا ينعزل ما لم يبلغ هو البلد الذي قلد فيه القضاء، فكان هو في ذلك المكان بمنزلة واحد من الرعايا، فلا تقبل البينة.\n[والله تعالى أعلم]","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>الباب السابع عشر في القاضي ينظر في القصاص</span>\n[٣٢١] ذكر عن فرات بن أحنف عن أبيه ﵀. أن رجلًا رفع إلى شريح قصة، فقال:\nإنا لا نقرأ الكتب.\nاختلف الناس في أخذ القصة:","vol":"2","page":74},{"text":"منهم من قال: لا يأخذ، ولا يقرأ، في أي حال كان.\nوشريح كان ممن لا يأخذ القصة؛ لأنه لو قبل من أحدهما ربما يتغير قبل الآخر؛ لأن ابقصه مما يبالغ فيها.\nومنهم من قال: لا يأخذه إذا جلس للقضاء، اما إذا كان في داره، أو عند فناء داره، فيأخذ، أو يقرأ، وهو المذهب عندنا؛ فإن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون القصة، وكذا من بعدهم من الخلفاء والأمراء.\nوهذا لأن من الجائز أن يكون الخصم أعجميًا، لا يعرف لسان القاضي، ولا القاضي [يعرف] لسانه. فلابد [من] أن يستعين بغيره؛ ليكتبه، فيدفعه إلى القاضي، فتصير الحال به معلومة للقاضي، إلا إذا كان جالسًا مجلس القضاء؛ لأنه لو جلس للقضاء، فيشتغل بما يجلس له. وشرح إنما لم يأخذ؛ لأنه جلس مجلس القضاء لما نبين","vol":"2","page":75},{"text":"في الحديث الثالث [إن شاء الله تعالى].\n\n[٣٢٢] ذكر عن ابن سيرين [﵀] قال:\nكان شريح إذا سئل: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وشطر الناس على غضبان. ويروى: وشطر الناس على غضاب.\nلم يرد حقيقة الشطر، وإنما أراد به شطر الخصوم، ولم يرد به أيضًا حقيقة شطر الخصوم؛ لأن من الخصوم من ينصرف إلى الصلح، فيكون كل واحد منهما شاكرًا، وكذلك المقضي عليه، قد يكون ورعًا دينا، فيقوم من مجلسه، وينقاد للحق.\nدل على أنه أراد به قريبا من الشطر.\nدل الحديث على التحذير عن الدخول في القضاء.\n\n[٣٢٣] ذكر عن ابن سيرين [﵀] أن شريحًا كان يجيز الاعتراف في القصص.\nوفيه بيان أن شريحًا كان ممن يأخذ القصة.\nلأن الاعتراف إنما يكون بعد أخذ القصة.\nوالعلماء مختلفون في ذلك.","vol":"2","page":76},{"text":"فمن مذهب شريح أنه كان إذا أخذ القصة يقول للخصم: أهذه قصتك؟ فإن قال: نعم، يقول: أنت كتبتها؟ فإن قال: [نعم، يقول: أهو كما فيها؟ فإن قال: نعم، قرأها، فإن كان فيها إقرار قضى عليه؛ لإقراره على نفسه.\nوالمذهب] عندنا إنه يأخذ القصة، ولا يقضي عليه بإقراره على نفسه؛ لأن من الجائز أن الكاتب هو الذي زاد أو نقص، أو كتب بنفسه، لكنه غلط، أو أخطأ، أو يحتمل أنه كتب، ولم يكن من قصده أن يدفعها إلى القاضي، ثم أخطأ، أو نسي، فدفعها إلى القاضي، فكان محتملًا، فلا يكون حجة إلا إذا أعلمه القاضي ما فيها.\nفإن أعلمه، واعترف به قضى عليه بإقراره على نفسه.\nوذكر في بعض النسخ: أن شريحًا كان لا يجيز الاعتراف في القصص، والأول أصح.\nفإن كان المروي هذا فمن قال أن شريحًا كان يأخذ القصة، تأول الحديث في أول الباب: أنه إنما لم يأخذ؛ لأنه في مجلس","vol":"2","page":77},{"text":"القضاء، وهو مذهبنا، لا يحتاج إلى التأويل؛ لجواز أن يأخذ القصة، ولا يجيز الاعتراف في القصة كما هو مذهبنا.\nوإن كان المروي ذلك -وهو الأصح -فمن قال أن شريحًا كان لا يأخذ القصة، ويجري حديث أول الباب على ظاهره [فإنه] يحتاج إلى تأويل هذا الحديث.\nوتأويله: أن شريحًا عرف حياء المدعي وعجزه، والقاضي إذا عرف حياء المدعي وعجزه يأخذ القصة منه.\nونظير هذا ما قالوا في توكيل أحد الخصمين إذا وكل فالقاضي إن أتهمه بالتلبيس والتدليس وتعليه على خصمه لا يقبل منه الوكالة.\nوإن عرف أنه عاجز لا يقدر على البيان بنفسه يقبل [الوكالة] فكذا هذا.\n[والله تعالى أعلم]\n* * *","vol":"2","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>الباب الثامن عشر في القاضي يقوم على رأسه الجلواز</span>\n[٣٢٤] ذكر عن أم داود الوابشية قالت:\nرأيت على رأس شريح شرطيًا بيده سوط.\nأراد بالشرطي الذي يقال له صاحب المجلس، والعريف والجلواز.\nوالجلوزة هي المنع وبه نقول أن القاضي يقوم على رأسه الجلواز؛ ليمنع الناس من إساءة الأدب والتقدم إلى القاضي.\nوروي في الآثار عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان","vol":"2","page":79},{"text":"إذا سافر استصحب رجلًا به سوء أدب، فقيل له ذلك، فقال: أما علمت أن الشر بالشر يدفع.\nثم قال:\nوبيده سوط.\nلأنه يحتاج إلى تأديب السفهاء، وإنما يمكنه التأديب بالسوط.\n\n[٣٢٥] ذكر عن عمرو بن قيس قال:\nرأيت رجلًا يقوم على رأس شريح، فإذا تقدم إليه الخصمان قال: أيكما المدعي فليتكلم.","vol":"2","page":80},{"text":"والناس في هذا يختلفون أن القاضي هل له أن يستنطق أحد الخصمين؟\nوقد مر في الباب السابع.\nوشريح كان ممن يستنطق، إلا أنه أمر غيره حتى لا تذهب مهابته\n\n[٣٢٦] ذكر عن خالد الحذاء قال:\nشهدت أياسًا حين استقضى، قال: فجلس ناحية، فنكس رأسه، [وجعل يبكي] والخصوم ناحية …\nوهذا لأن إياسًا كان من زهاد التابعين، ثم أجبر على القضاء، وكان يبكي ندمًا على ما شرع في القضاء، أو خوفًا من أن يبتلى بالجور، لكن [كان] لا يبكي بين يدي الخصوم، وإنما كان يبكي في ناحية والخصوم في ناحية؛ كي لا تهذب مهابته، وحشمة مجلسه.\nقال:\nثم دعا بهم اثنين اثنين، فصل بين سبعين بلا شاهد، إنما هو","vol":"2","page":81},{"text":"إقرار.\nوإنما كان كذلك؛ لحسن نيته، وصلاح القوم؛ فإنه كان في زمن الصدق؛ فإن النبي ﷺ وصفهم بالخيرية؛ فما كانوا يتقدمون إلى القاضي لأجل الخصومة، وإنما كانوا يتقدمون ليتبين المحق عن المبطل؛ فينقاد كل واحد منهم للحق، ولهذا كان القاضي فيهم يسمى مفتيًا.\nوفي زماننا قد فسد الزمان؛ فيحتاج القاضي إلى الشهود والأيمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>[نائب القاضي]:</span>\n[٣٢٧] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب:\nينبغي للقاضي أن يتخذ رجلًا يقوم بين يديه، ويكون مأمونًا، ويدعو بالرقاع.\nلما قلنا من قبل.\nولا ينبغي للذي يقوم بين يدي القاضي أن يسار أحد من الخصوم في مجلس الحكم؛ لإنه نائب القاضي.","vol":"2","page":82},{"text":"[٣٢٨] قال:\nفإذا جلس الخصمان بين يدي القاضي، فرأى أن يأمر هذا القيم أن يصير إلى ناحية؛ كي لا يعرف ما يدور بين الخصمين وبين القاضي في ذلك فعل ذلك.\nلأنه لو سمع ربما يلقن أحدهما، أو يعلمه الحيلة، فتتمكن فيه تهمة المواضعة في أخذ الرشوة، وإن كان مأمونًا، وتركه، فلا بأس ذلك، ويعمل القاضي في ذلك بما فيه من الاحتياط والتحرز.\n[والله تعالى أعلم]\n* * *","vol":"2","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>الباب التاسع عشر في التسوية بين الخصمين</span>\n[٣٢٩] ذكر عن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت أن بعد الله بن الزبير خصامه عمرو بن الزبير إلى سعيد بن العاص، وهو","vol":"2","page":84},{"text":"على السرير، وقد أجلس عمرو بن الزبير على السرير، فلما جاء عبد الله وسع له سعيد من شقه الآخر، فقال: ههنا، فقال عبد الله: الأرض، قضاء رسول الله ﷺ أو سنة رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الإمام.","vol":"2","page":85},{"text":"فيه دليل على أن الخصوم يجثون بين يدي القاضي أمامه على الأرض، ألا ترى أن عبد الله بن الزبير أشار إلى هذا.\nوهذا لأن القاضي [لو أجلسهما على السرير فإن أجلسهما على جانب واحد كان أحدهما أقرب إلى القاضي] فتنعدم به التسوية.\nوإذا جلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره تنعدم به التسوية أيضًا؛ لفضل اليمين على اليسار أيضًا؛ ألا ترى أن يمين رسول الله ﷺ كانت لأبي بكر، ويساره كانت لعمر ﵄، وكان ذلك لإظهار فضل أبي بكر على عمر ﵄.","vol":"2","page":86},{"text":"[٣٣٠] ذكر عن الشعبي قال:\nكان حائط بين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ﵄، فكانا جميعًا يدعيانه، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت ﵁، فأتياه فضربا الباب، فسمع زيد صوت عمر ﵁ فاستقبل، فقال:","vol":"2","page":87},{"text":"ألا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين. فقال: في بيته يؤتى الحكم …\nفي الحديث دليل على جواز التحكيم.\nوفيه دليل أيضًا على أن الإمام إذا وقعت له الخصومة أو عليه، لا يحكم بنفسه لكن يحكم غيره، ليحكم بينه وبين خصمه؛ ألا ترى أن عمر ﵁ حكم [زيد بن ثابت].","vol":"2","page":88},{"text":"فإذا حكم الإمام إنسانًا يصير ذلك الحكم كالحاكم المولى.\nوفيه دليل على أن الحكم لا يدعوه الإمام إلى نفسه، لكن يأتي إلى بيته.\nوإنما كان كذلك تعظيمًا للحاكم؛ كما أن المتعلم لا يدعو العالم إلى نفسه، بل يأتي إليه تعظيمًا [للعلم].\nوفيه دليل على أن الخصومات كانت تقع بين كبار الصحابة ﵃، ولا يظن بهم إلا الجميل، فيحمل على أن الأمر قد يشتبه عليهم، فيختصمون كي يظهر الحق، ولا يظن بهم إلا هذا.\nثم قال: حائط …\nوالحائط اسم للبناء، لكن المراد منه ما ادير عليه الحائط من النخل والأشجار جميعًا.\nثم قال:\nفلما دخل ألقى إليه وسادة، فقال: ههنا في","vol":"2","page":89},{"text":"الرحب …\nوفتح الراء في الرحب جائز.\nيا أمير المؤمنين.\nقال: وهذا أول جورك …\nيعني دخلت عليك لأجل الخصومة، لا لأجل الزيارة.\nفجلسا بين يدي زيد.\nفقال أبي: حائطي.\nفقال زيد: بينتك.\nفيه دليل أن الحائط كان في يد عمر ﵁.\nثم قال زيد لأبي بن كعب:\nفإن رأيت أن تعفي أمير المؤمنين عن اليمين فاعفه.\nفقال عمر: [وهذا جور] أيضًا.\nفيه دليل على أنه لا ينبغي للقاضي أن يقول مثل هذا، إنما عليه أن يفصل بينهما، فكان هذا منه جورًا أيضًا.\nفقال أبي:\nلا، بل نعفيه، ونصدقه.","vol":"2","page":90},{"text":"فقال عمر: لا، بل تقضى علي باليمين، ثم لا أحلف.\nاختلف المتأخرون في تأويله:\nمنهم من قال: أراد به لا، بل اقض علي باليمين؛ فإني لا أحلف.\nفيه دليل على أن القضاء بالنكول جائز.\nوفيه دليل على أن التجنب عن اليمين الصادقة واجب.\nومنهم من قال: أراد به: لا، مفصولًا عن قوله: تقضي.\nيعني: لا، تقضي علي باليمين، ثم لا أحلف.\nيعني: إنك تقضى علي باليمين، فكيف لا أحلف.\nفيه دليل على أن اليمين الصادقة لا بأس بها ألا ترى أن عمر ﵁ تركت له اليمين، ومع هذا قال [له] احلف.","vol":"2","page":91},{"text":"وروي عن رسول الله ﷺ أنه كان يقسم كثيرًا بحق.\nوفائدة هذا الحديث وجوب التسوية بين الخصمين.\n\n[٣٣١] وذكر عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال:\n«إذا ابتلي أحدكم بالقضاء، فليسوا بينهم في المجلس والإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر».\nوفائدة الحديث أيضًا وجوب التسوية بين الخصمين.","vol":"2","page":92},{"text":"[٣٣٢] ذكر عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:\n«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله» … إلى قوله تعالى: «وإن تلووا أو تعرضوا» قال: هو الرجلان يجلسان عند القاضي، فيكون لي القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر.","vol":"2","page":93},{"text":"فاللي هو الإعراض عن أحد الخصمين؛ وهو أن يلوي عنقه إلى أحد الخصمين بعد ما كان مقبلًا عليهما، وهذا نهى [عنه] شرعًا؛ لأن فيه إعانة لأحد الخصمين، ومكسرة للآخر، وهو مأمور بالتسوية بينهما.\n\n[٣٣٣] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب.\nينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين.\nوقد ذكر أشياء [بعد هذا] تقدم ذكرها في الباب السابع.\n[والله اعلم]\n* * *","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>الباب العشرون في القاضي يؤتى في منزله</span>\n[٣٣٤] ذكر عن الشمبي قال:\nسمعت النعمان بن بشير يخطب على منبر الكوفة ويقول:\nأتدرون ما مثلكم ومثلي يا أهل الكوفة [ما مثلي ومثلكم] إلا مثل ضبع وثعلب، اختصما إلى ضب في جحره، فأتياه، فقالا:\nيا أبا الحسل!\nوالحسل ولد الضب، فكنياه، وما سمياه.\nفقال الضب: سميعًا دعوتما.\nقالا: أتيناك لتقضي بيننا.","vol":"2","page":95},{"text":"قال: في بيته يؤتى الحكم.\nقال الضبع: إني فتشت عيبتي.\nقال: فعل النساء فعلت.\nقال: إني وجدت فيها ثمالة.\nقال: خبيث مخبث.\nقال: وإني لطمته.\n[قال: كريم انتصر].\nقال: وإنه لطمني.\nقال: البادي أظلم.\nقال: احكم بيننا.\nقال: حدث امرأة حديثين فإن أبت فأربع.\n[قال: رأيت] النعمان بن بشير كان من فقهاء الصحابة، وكان عاملًا على الكوفة في زمن عمر ﵁، [قال]: وكان بينه","vol":"2","page":96},{"text":"وبين أهل الكوفة مواضعة وشر، بلغه أنهم خانوه، فافشوا سره إلى عدوه، فتمثل بهذا المثل: فقال:\nأتدرون ما مثلي ومثلكم يا أهل الكوفة؟\n[ما مثلي ومثلكم] إلا مثل ضبع وثعلب …\nوإنما جمع بينهما؛ لأنه قيل [إن] الضبع أخبث ما يكون من الدواب، والثعلب معروف بالمكر والحيل، والضب من أشد الدواب حماقة، فقال: أتيناك لتقضي بيننا.\nقال: في بيته يؤتي الحكم …\nذكر هذا ليبين أنه لم يشكل على من هو أشد الدواب حماقة، أن الحكم يؤتى في منزله، فكيف يشكل على غيره.\nوقول الضبع: إني فتشت عيبتي …\nأي فتشت سري، والعيبة اسم لوعاء يجعل فيه الأداة التي يحتاج إليها للتواري عن أعين الناس.\nقيل: فعل النساء فعلت …\nفيه دليل [على] أنه لا ينبغي أن يظهر سره أحدًا؛ فإن إفشاء السر من فعل النساء.","vol":"2","page":97},{"text":"ثم قال:\nإني وجدت فيها ثعالة …\nوالثعالة: اسم لأنثى من الثعالب، والثعلبان [اسم] للذكر من الثعالب.\nوقيل الثعالة اسم لدويبة منتنة تقابل باليدين فمعنى قوله: فوجت فيها ثعالة يعني: وجدت فيها من نفس ريحًا منتنا في ما أفشيت من سري إليه.\nوقوله: إني لطمته، وقوله: كريم انتصر …\nيعني لما لم يحفظ سرك فقد خانك، فإذا لطمته فقد انتصرت.\nوقوله: إنه لطمني، وقوله: البادي أظلم …\nيعني: بلطمك حيث أفشيت سرك إليه، وما ينبغي لك أن تفشي سرك إلى غيرك، وقد كنت ضربته لأنه أفشى سرك، فلطمك، لأنك أفشيت سرك [أولًا] والبادي أظلم.\nوقوله: احكم بيننا.\nقوله: حدث امرأة حديثين فإن أبت فأربع.\nيعني انصحها مرتين فإن أبت فاعرض عنها.","vol":"2","page":98},{"text":"ثم تكلموا [فيه].\nمنهم من قال: إنما قال ذلك على سبيل الحقيقة؛ لأن الله تعالى قادر على أن يقدر هذه الحيوانات على التكلم.\nومنهم من قال: إنما قال ذلك على سبيل المثل.\nوهذا أصح.\n\n[٣٣٥] ذكر عن عبد الله بن المبارك عن رجل قال:\nأتيت يحيى بن يعمر في منزله، قال: فقال: القاضي لا يؤتي في منزله.\nأراد به أحد الخصمين.\nأما إذا كان الخصمان معًا فلا بأس أن يدخلا عليه.\n\n[٣٣٦] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب.\nوالذي يكره للقاضي من هذا أن يكون يأذن لأحد الخصمين [بأن] يدخل منزله، فإن ذلك مكسرة لقلب خصمه.","vol":"2","page":99},{"text":"فأما إذا لم يكن له خصومة فلا بأس بأن يأذن له القاضي في الدخول عليه للسلام، أو لحاجة تعرض [له].\n[والله أعلم]\n* * *","vol":"2","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>الباب الحادي والعشرون في اليمين</span>\n<span data-type='title' id=toc-103>[تشريع اليمين]:</span>\n[٣٣٧] ذكر عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين عن المدعى عليه.\nقوله: قضى، أي شرع، فيكون هذا إشارة إلى الحديث المعروف الذي رواه ابن عباس وعبد الله [بن] عمرو بن العاص ﵃ أن النبي ﷺ قال:\n«البينة على المدعي واليمين على من أنكر».","vol":"2","page":101},{"text":"وإلى الحادثة المعروفة التي اختصم فيها الحضرمي والكندي فطلب رسول الله ﷺ البينة من المدعي، فلم يجد، فقضى باليمين على المدعى عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>[التشديد في اليمين الكاذبة واسماؤها]</span>\n[٣٣٨] وذكر عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال:\nمن حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال رجل مسلم،","vol":"2","page":102},{"text":"لقي الله ﷾ وهو عليه غضبان.\nولهذه اليمين أسامٍ: اليمين المغموس، ويمين الصبر، واليمين الفاجرة.\nفتسميتها بالغموس، لأنها تغمس صاحبها في المأثم والنار.\nوأما تسميتها بالصبر، ففيه قولان:\nأحدهما: أن الصبر هو المنع، فكأنه يمنع نفسه بهذه اليمين عن","vol":"2","page":103},{"text":"دخول الجنة.\nوالثاني: هو الحبس، ومنه سميت المصبورة، وهي المحبوسة، وهي التي جعلت غرضًا للرمي، فكأنه بهذه اليمين يحبس نفسه على العذاب والعقاب.\nوأما تسميتها بالفاجرة، فلأن بسبب هذه اليمين يصير الحالف فاجرًا.\nقال ابن مسعود ﵁:\nقال رسول الله ﷺ:\n«من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله تعالى وهو عليه غضبان» فأنزل الله تعالى تصديق ذلك [قوله]:\n«إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا …» إلى قوله: «ولهم عذاب أليم».","vol":"2","page":104},{"text":"والصحيح أن الآية نزلت في حق الكفار والمنافقين الذين يستحلون أموال المسلمين، فإن اليمين الغموس وإن كانت من جملة الكبائر لكن لا تخرج الحالف من الأيمان، والمؤمن لا يخلد في النار، فإذا خرج من الدنيا مع الأيمان فإن شاء عاقبه على سوء صنعه ثم أدخله الجنة، وإن شاء رحمه وأدخله الجنة.\nثم بين الأشعث بن قيس بأن سمع قول ابن مسعود ﵁: «من حلف على يمين وهو فيها فاجر …» قال:\nفي والله نزلت؛ كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني،","vol":"2","page":105},{"text":"فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لي: «ألك بينة؟».\nفقلت لا.\nقال لليهودي: «احلف».\nقال: قلت يا رسول الله إذن يحلف فيذهب بمالي، فانزل الله تعالى هذه الآية: «إن الذين يشترون بعهد الله [وأيمانهم ثمنًا قليلًا] …» الآية.\nدل أن الآية نزلت في شأن الكفار والمنافقين لا في حق المؤمنين وفائدة الحديث: أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.\n\n[٣٣٩] ذكر عن عامر الشعبي قال:\nقال الأشعث بن قيس:\nكان بين رجل منا وبين رجل من الحضرمين يقال له الجفشيش","vol":"2","page":106},{"text":"خصومة في أرض، فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقال [للكندي]:\n«بينتك، أو يحلف».\nفقال: إن شاء ارضي أعظم من ذلك، أي لا يحلف عليها.\nقال:\nفقال النبي ﵊:\n«إن يمين المسلم من رواء ما هو أعظم من ذلك».\nفلما ذهب يحلف قال رسول الله ﷺ:\n«من حلف كاذبًا أدخله الله تعالى النار».\nقال:","vol":"2","page":107},{"text":"فقال الرجل: اصلح بيني وبينه.\nوقوله: «إن يمين المسلم من وراء ما هو أعظم من ذلك» يعني ما يلحقه من الخسران والنقصان والوبال في الدنيا مع العقوبة في الآخرة أعظم من المدعى [به] وإن كان خطيرًا.\nفي الحديث دليل على أن القاضي إذا حلف إنسانًا ينبغي أن يذكره بالوعيد لكي يمتنع عن اليمين.\n\n[٣٤٠] ذكر عن كردوس الثعلبي عن الأشعث بن قيس:","vol":"2","page":108},{"text":"قال: اختصم رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ، فقال الحضرمي:\nيا رسول الله، أرضي في يد هذا اغتصبها أبوه.\nفقال الكندي: أرضي في يدي ورثتها من أبي.\nفقال النبي ﷺ:\n«ألك بينة يا أخا حضرموت؟».\nقال: لا يا رسول الله، لكن خذ لي يمينه ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه.\nفتهيأ الكندي ليحلف.\nفقال النبي ﷺ:\n«من اقتطع مالًا بيمنه لقى الله تعالى [وهو] أجذم».\nفما سمع الكندي [ذلك] كف عن اليمين وأعطاه الأرض.","vol":"2","page":109},{"text":"تكلموا في قوله (أجذم):\nمنهم من قال: أراد به مقطوع اليد؛ لأن الأجذم مقطوع اليد.\nومنه من قال: أراد به مقطوع الحجة، وهذا أصح، يعني لا حجة له عند الله تعالى في الإقدام على اليمين الكاذبة، وهذا كما روي عن النبي ﷺ أنه قال:\n«من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم».","vol":"2","page":110},{"text":"قيل: مقطوع اليد.\nوالأصح مقطوع الحجة.\nيعني لا حجة له عند الله تعالى في تعلم القرآن ثم ترك القراءة حتى نسيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>[اليمين في جانب المدعى عليه]</span>\n[٣٤١] ذكر عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال:\nأمر النبي ﷺ مناديًا فنادى حتى بلغ","vol":"2","page":111},{"text":"الثنية:\n«لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، وأن اليمين على المدعى عليه».\nالثنية: اسم موضع بعيد عن أبنية المدينة، فرفع المنادي صوته حتى بلغ هذا الموضع.\nقوله: «لا تجوز شهادة خصم»، لأنه إذا كان خصمًا كانت تهمة الكذب متمكنة في شهادته.\nوقوله: «ولا ظنين» والظنين -بالظاء -المتهم، وقد مر شرحه في كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري في الباب الخامس.\nوقوله: «إن اليمين على المدعى عليه» أدخل فيه الألف واللام، فهذا دليل على أن جميع الأيمان كون في جانب المدعى عليه؛ فيكون","vol":"2","page":112},{"text":"موافقًا لمذهبنا.\n\n[٣٤٢] ذكر عن الأعمش عن حسان بن أبي الأشرس عن شريح، أنه أتاه رجل فقال: إن هذا باعني جارية ملتوية العنق.\nقال شريح: بينتك أنه باعك، وإلا فيمينه بالله ما باعك ذا [فيها].\nفيه دليل على أن العيب قائم في الجارية في الحال؛ فإنه لم يعرف وجود العيب في الجارية في الحال لا تسمع الخصومة.\nوفيه دليل على أن العيب إذ اكان يحدث مثله في تلك المدة يكون القول قول البائع.\nوفيه دليل [على] أنه توجه اليمين على البائع؛ لأن القول","vol":"2","page":113},{"text":"قوله، والأصل أن من جعل القول قوله في الشرع فإنما يجعل القول قوله مع اليمين؛ فيحلف بالله ما باعك داء، فالمراد منه الجارية وبها داء، أي عيب بها؛ لأن الداء لا يباع.\nوهذا كما يكتب في الصك [في] بيع المسلم من المسلم، والمراد ما يعتاده المسلم [بيعًا].\n\n[٣٤٣] ذكر عن عمران بن حصين أنه قال:\n«أمر رسول الله ﷺ بشاهدين واليمين على المدعى عليه».\nولم يرد به أن الشاهدين واليمين على المدعى عليه، وإنما أراد به تقسيم الحجة.\nيعني البينة في جانب المدعي، واليمين في جانب المدعى عليه، على ما ورد في الحديث المعروف مفسرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-106>[سؤال القاضي الخصمين]</span>\n[٣٤٤] قال صاحب الكتاب أحمد بن عمر:\nفإذا تقدم الرجلان إلى القاضي فينبغي للقاضي أن يقبل على المدعي،","vol":"2","page":114},{"text":"فيسأله عن دعواه.\nوهذه مسألة اختلف المشايخ فيها.\nورأى صاحب الكتاب أنه يسأل.\n\n[٣٤٥] فإذا ادعى شيئًا هل يسأل المدعى عليه الجواب، ويقول: ماذا تقول في ما يدعي عليك هذا؟\nاختلف المشايخ فيها أيضًا.\nورأي صاحب الكتاب أنه يسأل.\nفإن أقر أثبت إقراره في تلك الرقعة، وجعله في ديوانه؛ كي لا ينكر بعد ذلك.\nوإن أنكر أثبت إنكاره في الرقعة، وجعله في ديوانه.\n\n[٣٤٦] فإذا أنكر هل يسأل المدعي ويقول: قد أنكر ما ادعيت؟\nاختلف فيه المشايخ أيضًا.\nورأي صاحب الكتاب أنه يسأل.\n[فإن قال: استحلفه، هل يسأل المدعي: ألك بينة؟\nاختلف فيه المشايخ أيضًا.\nورأي صاحب الكتاب أنه يسأل].","vol":"2","page":115},{"text":"[٣٤٧] فإن قال: نعم لي بينة حاضرة -يريد به في المصر لا في المجلس -ولكنه استحلفه، قال أبو حنيفة ﵀: لا يجيبه، ولا يستحلفه.\n[وقال أبو يوسف: يجيبه، ويستحلفه].\nوقول محمد ﵀ مضطرب.\nفإذا كانت المسألة مختلفة فالقاضي يجتهد: فإن رأى أن يميل إلى قول أبي حنفية ﵀ لا يحلفه، وإن رأى يميل إلى قولهما يحلفه كما في التوكيل بغير رضا الخصم إذا وكل وليس به عذر المرض والسفر فالقاضي يجتهد.\nوقد مرت هذه الفصول في الباب السابع.\n\n[٣٤٨] فإن قال: لا بينة لي، أو [قال:] شهودي غيب، فإنه يحلفه القاضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>[تغليظ اليمين]:</span>\n[٣٤٩] وإذا حلفه القاضي في كل موضع حلفه إن شاء غلظ في","vol":"2","page":116},{"text":"اليمين، وإن شاء لم يغلظ، لكن ينبغي أن يتأمل حتى لا يكرر عليه اليمين؛ فإنه متى حلفه بالله الرحمن الرحيم كان يمينًا واحدًا، وإذا حلفه بالله والرحمن والرحيم، يكون ثلاثة أيمان، والمستحق عليه يمين واحدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-108>[صفة التغليظ ومتى تغلظ اليمين]:</span>\n[٣٥٠] وصفة التغليظ ما ذكره صاحب الكتاب أن يقول له:\nقل بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن، الرحيم، الطالب، المدرك، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ما لفلان هذا عليك حق، ولا قبلك هذا المال الذي أدعاه وهو كذا وكذا، ولا شيء منه.\nفهذه صفة التغليظ.\nوالاختيار في صفة التغليظ إلى القاضي يزيد في التغليظ ما شاء وينقص ما شاء.","vol":"2","page":117},{"text":"[٣٥١] واليمين بغير صفة التغليظ ذكر اسم الله تعالى، وهو أن يقول: والله.\nثم اختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال: القاضي بالخيار؛ إن شاء غلظ، وإن شاء لم يغلظ في كل مدعى [به]، وعلى كل مدعى عليه.\nومنهم من قال: يعتبر حال المدعى عليه: إن عرفه بالصلاح حلفه، واكتفى بذكر اسم الله تعالى، وإن عرفه بغير ذلك الوصف غلظ في اليمين.\nومنهم من قال: يعبر حال المدعى [به]: إن كان مالًا عظيمًا غليظ اليمين، وإن كان حقيرًا اكتفى بذكر الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>[هل يحلف على السبب أو على الحاصل؟]:</span>\n<span data-type='title' id=toc-110>[١ - في المال المطلق]:</span>\n[٣٥٢] ثم يحلفه: [ما يستحق عليك] هذا المال الذي ادعاه، وهو كذا وكذا، ولا شيء منه، يجمع بين الكل والبعض؛ لأنه أحوط.\nلأنه يجوز أن يكون قد أدى البعض، فالمدعي قد أقر باستيفاء البعض، والمدعى عليه ينكر أن يكون له قبله شيء، فيطالبه برد","vol":"2","page":118},{"text":"ما قبض، فلهذا يحلفه: ولا شيء منه.\nولا يحلفه: ما استقرضت منه هذا المال، ولا غصبته، ولا أودعك [إياه].\nلأنه يحتمل أنه كان قد استقرض منه أو غصبه، وقبل الوديعة منه لكنه رد عليه بعضه، فإن أنكر وحلفه كان كذبًا.\nولو أقر بالاستقراض والغصب وادعى القضاء والرد ينكر المدعي.\nوالقاضي يراعي كلا الخصمين وينظر لهما، فلا يحلف على هذا الوجه، سواء عرض المدعى عليه، أو لم يعرض، لكن يحلف -في ما عدا الوديعة -: ما لا عليك، ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه، ولا شيء منه.\nوفي الوديعة يحلفه: ماله هذا المال الذي ادعاه في يدك وديعة، ولا شيء منه، ولا له قبلك حق منه.\nلأنه متى استهلكه، أو دل إنسانًا على الوديعة فلا يكون في يده، لكن ضمان القيمة في ذمته، فلا يكتفى بقوله: في يدك، ولكن يقول: ولا له حق منه.","vol":"2","page":119},{"text":"لأن قوله: قبلك حق، قد يطلق على الدين.\nوكذا كل ما ادعى المدعى من مال في ذمة المدعى عليه احلفه على ما وصفت لك.\nوهذا الذي ذكرنا جواب ظاهر الرواية، وهو قول الحسن [بن زياد، فإن في غير ظاهر الرواية] يحلف على الحاصل.","vol":"2","page":120},{"text":"ويروى عن أبي يوسف ﵀ أن الدعوى من المدعي إذا كانت في [المال] المطلق يحلف على المال المطلق، وإن كانت الدعوى في السبب والمال يحلف على ذلك الوجه: فإن كانت في القرض [يحلف] بالله ما استقرضت. وإن كانت في الغصب [يحلف] بالله ما غصبت، وهكذا، إلا أن يعرض المدعى عليه للقاضي فيقول: أيها القاضي لا تحلفني على هذا الوجه؛ فإنه قد يستقرض الرجل من الرجل شيئًا ولا يكون عليه شيء؛ بأن رده أو أبرأه، فحينئذ يستحلفه على الحاصل.\nقال مشايخنا:\nالأول أصح؛ لأنه أحوط.\nوكذا قال الشيخ الإمام شمس الأئمة [عبد العزيز بن أحمد] الحلواني [﵀] في شرح هذا الكتاب، أنه ذكر في بعض الروايات أنه إذا أنكر الاستقراض وقال ما استقرضت، يحلف على","vol":"2","page":121},{"text":"السبب بالله ما استقرضت، وإن قال: ليس له علي ما يدعي، يحلفه على الحاصل بالله ما له عليك ولا قبلك هذا المال الذي يدعي، ولا شيء منه. قال [﵀]: هذا أحسن الأقاويل، وعلى هذا أكثر القضاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>[٢ - في دعوى المنقول وغير المنقول]</span>\n[٣٥٢] قال:\nفإن ادعى قبله ضيعة، أو دارًا، أو عقارًا، قال له: سم ما تدعي وحدده، وبين موضعه، وبلده.\nكما قلنا في الباب السابع.\nفإذا فعل، وصار معلومًا، يحلفه القاضي: بالله ما هذه الضيعة، ولا هذه الدار التي سمى وحدد لفلان بن فلان هذا في يدك، ولا شيء منها، ولا له قبلك منها حق ولا بسببها.\nيجمع له بين هذا كله؛ ليكون أحوط؛ لما قلنا.\n\n[٣٥٣] قال:\nوإن ادعى جارية، أو غلامًا، أو عرضًا من العروض مما ينقل ويحول؛ مثل دابة، أو ثوب، فهذا على وجهين:","vol":"2","page":122},{"text":"فإن كان قائمًا بعينه قد أحضره.\nأو كان غائبًا عن القاضي:\nففي الوجه الأول: حلف المدعى عليه: بالله ما هذا الغلام لفلان بن فلان هذا، ولا شيء منه.\nيجمع بين الكل والبعض؛ لأنه أحوط.\nوفي الوجه الثاني قال في الكتاب: يقول القاضي: سمته، وانسبه إلى جنسه، وسم قيمته؛ حتى يصير ذلك معلومًا عند القاضي؛ فيمكنه سماع الدعوى.\nلكن هذا إذا كان المدعى عليه منكرًا أن يكون ذلك في يده.\nفأما إذا كان مقرًا لكنه ينكر أن يكون ذلك للمدعي، بل هو ملكه، يكلفه القاضي بالإحضار؛ ليمكنه الإشارة إليه في الدعوى والشهادة، إلا إذا كان يلحقه مؤونة كبيرة في ذلك.\nثم إذا أنكر قال له القاضي ما قال في الكتاب.\nثم صاحب الكتاب شرط بيان القيمة.\nوبعض القضاة يقولون: لا يشترك ذلك، ويقولون بأن الإنسان قد لا يعرف قيمة ملكه؛ بأن ورثه من أبيه، أو ورث من غيره شيئًا، فلا","vol":"2","page":123},{"text":"يشترط ذلك، فيكون القول قول المنكر في القيمة.\nوصاحب الكتاب يقول:\nالعين إذا كانت مستهلكة حقيقة أو في حكم المستهلك؛ بأن كان غائبًا، كانت الخصومة في المالية والقيمة في الحقيقة، فلابد من بيان القيمة.\nثم إذا سمى المدعي جميع ذلك حتى صحت الدعوى، وارد استحلافه، حلفه القاضي: بالله ما ثقلان بن فلان هذا في يدك هذه الجارية التي ذكر، ولا شيء منها، ولا هي له عليك، ولا قبلك، ولا قيمتها التي سمى، وهي كذا وكذا، ولا شيء من قيمتها.\nإنما يذكر عين الجارية، وشيئًا منها؛ لأنه ربما تكون الجارية قائمة في يده وكتمها.\nوأما [أن يذكر] قيمتها، وشيئًا منها؛ فلأنه بالاستهلاك تصير القيمة واجبة [في ذمتها] وقد أدى البعض، فيجمع بين الكل [والبعض] احتياطًا.","vol":"2","page":124},{"text":"وزاد الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: هذه الجارية التي ذكر، ولا شيء منها ولا مثلها، قال: لأن عند بعض العلماء إتلاف الحيوان يوجب المثل، فربما يعتقد ذلك المذهب، ولو لم يذكر المثل يتأول، فيحلف، فيجمع بين الكل [والبعض والمثل] احتياطًا، لكن إذا نكل لزمته القيمة؛ لأن الجارية إذا كانت غائبة لا يقدر على ردها فيجب رد قيمتها.\n\n[٣٥٤] قال:\nفإن ادعى إنه اشترى منه هذه الضيعة التي حدودها كذا، أو الدار، أو الجارية، وسمى الثمن، وأنكر المدعى عليه أن يكون باعه ذلك، وأراد استحلافه على ذلك، ففي ظاهر الرواية -وهو قول الحسن -يحلف على الحاصل إن شاء، كما قال صاحب الكتاب: بالله ما بينك وبين هذا بيع قائم الساعة في ما ادعى، أو قال: بالله ما بينكما في هذه الدار شراء الساعة بما ادعى من الثمن، أو بالله ما هذا البيع الذي ادعى عليك في هذه الدار قائم فيها الساعة بهذا الثمن على ما ادعى.","vol":"2","page":125},{"text":"وإن شاء حلفه: ليس عليك تسليم هذه الضيعة إليه بهذا البيع الذي يدعي، سواء عرض المدعى عليه للقاضي أو لم يعرض.\nوقال أبو يوسف ﵀: يحلف على السبب: بالله ما بعته هذه الضيعة بهذا الثمن الذي يدعي، ولا هذه الدار، ولا هذه الجارية، إلا أن يعرض المدعى عليه للقاضي، فيقول: قد يبيع الرجل الشي، ثم يرجع عليه بإقالة أو فسخ بيع، أو بوجه من الوجوه، ولا يمكنه أن يقر بالبيع وإدعاء الفسخ، فحينئذ يحلف على الحاصل.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>[٣ - في دعوى الطلاق]</span>\n[٣٥٥] قال:\nفإذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها ثلاثًا، أو ادعت الجارية أن مولاها أعتقها، أو ادعت امرأة نكاحًا على رجل، وادعت صداقها، أو ادعى رجل على امرأة أنها امرأته، فأراد المدعي أن يحلف المدعى عليه كيف يحلف؟\n\n[٣٥٦] أما في الطلاق: فإن شاء حلف الزوج: بالله ما طلقها ثلاثًا في هذا النكاح الذي تدعي أنك تقيم معها عليه.\nوإن شاء حلفه: بالله ما هي طالق منك ثلاثًا بما ادعت. ولا يحلف: بالله ما طلقها ثلاثًا؛ لأنه لو حلفه بالله ما طلقها ثلاثًا، يؤدي إلى الإضرار بالزوج؛ لأنه يجوز أنه كان طلقها ثلاثًا ثم عادت إليه","vol":"2","page":126},{"text":"بعد زوج [آخر] بنكاح مستقبل.\nوقال الحسن بن زياد: إذا ادعت الطلقات الثلاث يحلف بالله ما هي بائن منك اليوم بثلاث تطليقات على ما ادعته.\nفإن ادعت تطليقة واحدة فإن شاء حلف الزوج: ما هي طالق منك اليوم بواحدة، وإن شاء أسقط اليوم وحلف: بالله ما هي طالق منك بواحدة، فيكون تحليفًا على الحاصل، وهذا أشبه بجواب ظاهر الرواية، فيحتمل أن يكون المذكور أولًا قول أبي يوسف [﵀].\n\n<span data-type='title' id=toc-113>[٤ - في دعوى العتق]</span>\n[٣٥٧] وأما في العتق، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:\nإما أن يكون المدعي للعتق جارية، أو عبدًا ذميًا، أو عبدًا مسلمًا:\nفإن كانت جارية ففي ظاهر الرواية -وهو قول الحسن -يحلف على الحاصل: بالله ما هي حرة الساعة بما ادعت من العتق. وعلى قول أبي يوسف ﵀ يحلف على السبب: بالله ما اعتقها، إلا أن يكون عرض للقاضي فيقول: إن الرجل قد يعتق جاريته فترتد فتلحق بدار","vol":"2","page":127},{"text":"الحرب، وتسبي وتعود إلى ملكه، فلا يمكنه أن يحلف بالله ما اعتقها، ولو امتنع من ذلك لزمه حكم شرعي وهو حرية الجارية، وهي مملوكة حقيقة، فحينئذ يحلف على الحاصل.\nوإن كان عبدًا ذميًا فهو مثل الجارية؛ لأنه قد ينقص العهد، ويلتحق بدار الحرب، ويصير مملوكًا ثانية كالجارية.\nوإن كان عبدًا مسلمًا: فإن شاء حلف على السبب: بالله ما اعتقه على ما ادعى. وإن شاء حلف على الحاصل: بالله ما هو حر الساعة بما ادعى؛ لأنه لا ضرر عليه في التحليف على السبب؛ لأنه لا يتصور استرقاق المسلم عبد العتق.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>[٥ - في دعوى النكاح]</span>\n[٣٥٨] وأما في دعوى النكاح فالكلام في أصل الاستحلاف وفي كيفية الاستحلاف في دعوى النكاح وغيره.\nأما الكلام في أصل الاستحلاف فعند أبي حنيفة ﵀ لا يستحلف، وعندهما يستحلف.\nوأخذ الفقيه أبو الليث. ﵀ بقولهما لعموم البلوى به، ذكره","vol":"2","page":128},{"text":"في الفتاوى.\nوإن ادعت الصداق يحلف الزوج على دعوى الصداق بالإجماع.","vol":"2","page":129},{"text":"والمسألة تعرف في كتاب النكاح.\nأما الكلام في كيفية الاستحلاف عندهما: [فقد] ذكر في الكتاب أنه يستحلف على الحاصل؛ فإنه قال:\nيحلف الزوج إن كانت المدعية هي: بالله ما هذه المرأة امرأتك بهذا النكاح الذي ادعته، ولا لها عليك هذا الصداق الذي ادعت، وهو كذا وكذا، ولا شيء منه، وتحلف المرأة إن كان المدعي هو: بالله ما هذا زوجك على ما ادعى.\nولم يذكر قول أبي يوسف ﵀، فيحتمل أن يكون المذكور جواب ظاهر الرواية، وعلى هذا قول أبي يوسف [﵀] يحلف على السبب: بالله ما تزوجتها على كذا وكذا من الصداق، إلا أن يكون [قد] عرض.\nويحتمل أن يكون قول الكل:\nفأبو يوسف [﵀] فرق بين النكاح وبين ما تقدم.\nوالفرق: أن النكاح عقد خطير يصان عن البذلة، فيحلفه على الحاصل احتياطًا، عرض للقاضي أو لم يعرض.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>[٦ - في دعوى الإجارة]</span>\n[٣٥٩] قال:","vol":"2","page":130},{"text":"وإن ادعى رجل على رجل إجارة دار أو ضيعة أو حانوت، أو إجارة عبد، أو دابة، أو غير ذلك مما يؤاجر، أو ادعى مزارعة أرض، أو معاملة في نخل، أو شجر، أو رطاب، أو غير ذلك مما تقع عليه المعاملة، ذكر في الكتاب أنه يستحلف على الحاصل: بالله ما بينك وبينه إجارة في هذا الذي ادعى، قائمة، تامة، لازمة، اليوم، ولا له قبلك فيها حق بالإجارة التي وصف.\nولم يذكر قول أبي يوسف [﵀].\nفيحتمل أن يكون [القول] المذكور جواب ظاهر الرواية، وعلى قول أبي يوسف [﵀]: يحلف على السبب: بالله ما أجرت، إلا أن يكون عرض.\nويحتمل أن يكون قول الكل:\nفأبو يوسف [﵀] فرق بين هذا وبين ما تقدم.\nوالفرق: أن المنافع لا تتقوم إلا بعقد، فإذا استحلف على السبب وحلف انتفى العقد، وليس ها هنا شيء، فلا يثبت له حق الرجوع بشيء، فلا يكون مفيدًا، أما فيما تقدم، فالعين متقوم بنفسه، وأكثر ما في الباب","vol":"2","page":131},{"text":"أن العقد ينتفي بالاستحلاف، لكن العين بنفسه متقوم، فيرجع بقيمة العين.\nونظير هذا ما قال محمد [﵀] إذا اختلف الآجر والمستأجر في الأجرة بعد استيفاء المنفعة، لا يجري التحالف، ولو اختلف البائع والمشتري في الثمن بعد هلاك السلعة يجري التحالف؛ لأن التحالف لا يفيد في باب الإجارة ويفيد في باب الثمن [البيع].\n\n<span data-type='title' id=toc-116>[٧ - في دعوى القتل والجراحات الموجبة للقصاص]</span>\n[٣٦٠] قال:\nوإن ادعى رجل على رجل أنه قتل أباه عمدًا، أو عبده عمدًا، أو وليه عمدًا، يجب فيه القود، وأراد الاستحلاف على ذلك، أو ادعى قطع يده عمدًا، أو ادعى قطع يد ابن له صغير حضر معه، أو ادعى شجة أو جراحة يجب فيها القصاص، وأراد استحلافه على ذلك: أما في القتل:\n[فقد] ذكر في الكتاب أنه يحلف على الحاصل.","vol":"2","page":132},{"text":"وذكر في كتاب الاستحلاف أنه يحلف على السبب: بالله ما قتلت فلان بن فلان ولي هذا.\nواختلفوا فيه:\nفمنهم من قال: ما ذكر في كتاب الاستحلاف قول أبي يوسف [﵀] وما ذكر هنا جواب ظاهر الرواية.\nوهذا غير سديد؛ فإنه نص أبو يوسف [﵀] بعد هذا إن هذا قوله أيضًا.\nومنهم من قال: لا بل ما ذكره في الاستحلاف قول الكل، وما ذكر هنا هنا قوله الأول، فصار في القتل روايتان عند الكل.\nوجه تلك الرواية: إن النص في باب القتل ورد بهذه الصفة، وهو حديث خيبر «يحلف لكم اليهود خمسين يمينًا بالله ما قتلوا، وما علموا له قاتلًا».","vol":"2","page":133},{"text":"فعلم بهذا النص التحليف على السبب عند الكل، ولم يرد النص بهذا في سائر المواضع.\nوجه هذه الرواية أنه لو استحلف بهذا السبب يتضرر به المدعى عليه؛ لأنه قد يكون قتل وليه ولا شيء عليه؛ بأن قتله لردته، أو لدفع قصد قتله إياه، أو وجب عليه القصاص وعفا عنه، أو صالحه على شيء قد قبضه.","vol":"2","page":134},{"text":"فأبو يوسف [﵀] على رواية كتاب الاستحلاف لا يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين ما تقدم، وعلى هذه الرواية يحتاج إلى الفرق.\nوالفرق ما أشار إليه في النكاح.\nوإذا حلف على الحاصل يحلف: بالله ما له عليك دم أبيه فلان، ولا دم عبده فلان، ولا دم وليه فلان، ولا دم وليه فلان، ولا له قبلك حق بسبب هذا الدم الذي ادعى؛ لجواز أن يكون الدم بينه وبين غيره، فعفا [عنه] ذلك الغير، فيكون حقه في المال.\nفإذا نكل عند أبي حنيفة يحبس حتى يحلف.\nوعندهما يقضى عليه بالدية.\nوالمسألة تعرف في كتاب الدعوى.\nوأما في قطع اليد والجراحة والشجة التي يجب فيها القصاص [فإنه] يحلف على الحاصل: بالله ما له عليك قطع يده هذه، ولا له قبلك حق بسببها.\nوكذا الشجاج والجراحات فيه وفي ابنه وعبده.\n\n<span data-type='title' id=toc-117>[٨ - في دعور الخطأ في القتل والجراحات]</span>\n[٣٦١] قال:","vol":"2","page":135},{"text":"وإذا ادعى أنه قتل ابنه خطأ أو وليا له خطأ، أو قطع يده خطأ، أو شجه خطأ، أو ادعى عليه شيئًا يجب فيه دية أو أرش يستحلفه: بالله ما لفلان عليك هذا الحق الذي ادعى من هذا الوجه الذي ادعى ولا شيء منه، ويستوي الأرش والدية عند اليمين؛ لأن دعوى الخطأ دعوى المال، فتكون هذه الدعوى ودعوى سائر الأموال سواء، وفي دعوى سائر الأموال يحلف على الحاصل فكذا هذا.\nوقال أبو يوسف ﵀: كل حق يجب على غير المدعى عليه مثل القتل خطأ والجناية التي يجب بها الأرش، فإنه يستحلف [في ذلك]: بالله ما قتلت ابن هذا فلانًا، وفي الشجة [يستحلف]: بالله ما شججت هذا هذه الشجة.\nوكل جناية يجب فيها الأرش والدية عليه يستحلف على ما فسرنا في","vol":"2","page":136},{"text":"القصاص.\nيريد به على الحاصل.\nدل أن ما قاله أولئك المشايخ من التوفيق بين الروايتين غير سديد، وإنما قال أبو يوسف ﵀ ذلك؛ لأن بين العلماء اختلافًا ظاهرًا: أن الدية على القاتل تجب ثم تتحملها العاقلة، أو تجب على العاقلة ابتداء؟\nمنهم من قال بالأول، وبعض المسائل تدل عليه.\nومنهم من قال بالثاني.\nفلو استحلف على الحاصل: ما لفلان هذا عليك هذا الحق الذي ادعى من الوجه الذي [ادعى] ربما يتأول قول بعض العلماء أن لاشيء قبله، وإنما الوجوب على غيره، فلا يمتنع عن اليمين، فيفوت حق المدعي هذا لمعنى لا يتأتي في جناية يجب موجبها عليه.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة [أبو محمد عبد العزيز بن أحمد] الحلواني ﵀:\nما قاله أبو يوسف ﵀ غير سديد؛ لأن الدية إن كانت تجب على العاقلة ابتداء عند بعض العلماء، يجب بعضها أو شيء منها على القاتل؛","vol":"2","page":137},{"text":"لأنه واحد من العاقلة في تحمل الدية.\nفإذا كان الأمر كذلك، فإذا حلفه بالله ما لفلان عليك هذا الحق الذي ادعى، ولا شيء منه يقع الاحتراز عنه، لكن ما قاله أبو يوسف ﵀ سديد؛ لأن من العلماء من قال: إن القاتل ليس بواحد من العاقلة فلا يقع الاحتراز عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>[٩ - في دعوى الحنث في يمين الطلاق]</span>\n[٣٦٢] قال:\nولو أن امرأة ادعت على زوجها أنه حلف بطلاقها ثلاثًا، أن لا يدخل هذه الدار، وأنه دخلها بعد اليمين، فسأل القاضي الزوج من دخولها فأنكر، كيف يحلف؟ فهذا على أربعة أوجه:\nإما أن أقر بالأمرين جميعًا.\nأو أنكر الأمرين جميعًا.\nأو أقر باليمين وأنكر [الدخول بعد اليمين.\nأو أقر بالدخول وأنكر اليمين\nففي الوجه الأول لا يحلف؛ لأن الحق قد بان] بإقراره فبانت المرأة.\nوفي الوجه الثاني: يحلف.\nثم في ظاهر الرواية يحلف على الحاصل: بالله ما هذه المرأة بائن","vol":"2","page":138},{"text":"منك بثلاث تطليقات على ما ادعت، وهو قول أبي يوسف ﵀ يحلف على السبب: بالله ما حلف بطلاقها أن لا يدخل الدار ثم دخلتها بعد ذلك.\nوفي الوجه الثالث يحلف على الدخول بالله ما دخلت هذه الدار بعد ما حلفت بطلاق امرأتك هذه [ثلاثًا].\nهكذا ذكر ها هنا.\nوقال بعض مشايخنا: هذا قول أبي يوسف ﵀. أما في ظاهر الرواية فيحلف كما حلف في الوجه الثاني؛ لأنه من الجائز أنه [حلف لكن] أبانها بواحدة، وانقضت عدتها، ثم دخل الدار، ثم تزوجها.\nوفي الوجه الرابع: يحلف: بالله ما حلفت بطلاق امرأتك هذه ثلاثًا أن لا تدخل هذه الدار قبل أن يدخلها.\nهكذا ذكر.\nوقال بعض مشايخنا: هذا قول أبي يوسف [﵀] وفي ظاهر الرواية يحلف كما يحلف في الوجه الثاني؛ لأنه من الجائز أنه","vol":"2","page":139},{"text":"حلف لكن أبانها بواحدة، ثم دخل [الدار] ثم تزوجها.\nوكذا على هذا العتاق؛ إذا ادعى العبد، أو الأمة، على المولى أنه حلف بعتقه أن لا يدخل هذه الدار، وأنه دخلها، فهو أيضًا على هذه الوجوه الأربعة.\nقال في الكتاب:\nإلا أن يعرض الزوج، والمولى، في ذلك شيئًا، فيستحلفه: بالله ما هذه المرأة طالق منك ثلاثًا بهذه اليمين التي ادعت، ولا هذه الأمة [حرة] بما ادعت من يمينك.\nفإذا حلف على ذلك فقد أتى على ما يريد.\nوهذا يؤيد قول أولئك المشايخ أن المذكور قول أبي يوسف ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>[١٠ - في دعوى بدل الشراء]</span>\n[٣٦٣] قال:\nولو أن رجلًا باع من رجل جارية، ثم اختلفا في الثمن؛ فقال البائع: بعتك بألفين، وقال المشتري: اشتريتها منك بألف، يتحالفان، ويترادان. ويبدأ في التحالف بيمين المشتري.","vol":"2","page":140},{"text":"وفي ذلك كلام كثير.\nوالمسألة موضعها كتاب البيوع.\nثم إذا تحالفا فإنما ينقض القاضي العقد بينهما إذا طلبا، أو طلب إحداهما.\nأما بدون الطلب فلا ينقض العقد.\nفرق بين هذا وبين اللعان:\nفإن الزوجين إذا فرغا من اللعان، فإن القاضي يفرق بينهما، سواء طلبا من القاضي، أو لم يطلبا.\nوالفرق: أن باللعان تثبت حرمة المحل شرعًا على ما قال ﵊.\n«المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا».","vol":"2","page":141},{"text":"وهذه الحرمة حق الشرع، فلا يحتاج فيها إلى طلب العبد، فأما فسخ العقد فحقهما، فاحتيج إلى طلبهما أو طلب إحداهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>[١١ - في دعوى الزواج من الصغيرة]</span>\n[٣٦٤] قال:\nولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه زوج ابنته فلانة منه وهي صغيرة، وقدمه إلى القاضي، فأنكر الأب أن يكون زوجها إياه، فأراد استحلاف الأب على ذلك، فإن كان قدمه إلى القاضي وابنته صغيرة لا يستحلف الأب على ذلك عند أبي حنيفة ﵀ لوجهين:\nأحدهما: أنه لا يجري الاستحلاف عنده في النكاح.\nوالثاني: أن فائدة الاستحلاف النكول ليصير مقرًا [على ابنته الصغيرة بالنكاح] والأب لو أقر على ابنته الصغيرة بالنكاح لا يصح","vol":"2","page":142},{"text":"عنده.\nوعند أبي يوسف [ومحمد رحمهما الله] يستحلف.\nوإن قدمه وهي كبيرة، فإنه لا يستحلف بالإجماع، لأنه لا تتوجه الخصومة على الأب بعد البلوغ؛ لأنه بعد البلوغ بمنزلة الوكيل عنها، فلا تتوجه الخصومة عليه، ولا اليمين.\nفأما المرأة فلا تستحلف عند أبي حنيفة ﵀.\nوعندهما تستحلف على ما ادعاه الزوج.\n\n<span data-type='title' id=toc-121>[١٢ - في دعوى الحنث في يمين العتق]</span>\n[٣٦٥] قال:\nولو أن رجلًا حلف بعتق عبده أن لا يزني أبدًا فقدمه العبد إلى القاضي وقال: هذا حلف بعتقي أن لا يزني أبدًا، وأنه قد أتى الذي حلف عليه بعد يمينه، وقد حنث، وعتقت، فاستحلفه على ذلك.\nذكر صاحب الكتاب أنه يستحلف: بالله ما زنيت بعد ما حلفت بعتق عبدك هذا أن لا تزني ..\nفإن نكل عن اليمين عتق عليه العبد.\nوإن حلف فلا شيء عليه.","vol":"2","page":143},{"text":"وذكر الجصاص في شرح هذا الكتاب لأنه لا يستحلف بالله","vol":"2","page":144},{"text":"ما زني على ما يدعيه العبد.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀:\nالرواية محفوظة في الكتب أن القاذف إذا ادعى على المقذوف أنه صدقه، وأنه قد زنى، وأقام البينة على ذلك تقبل، ولو لم تكن له بينة، وأراد استحلاف المقذوف: بالله ما صدقه في ذلك القذف لا يسقط عنه الحد، ولا يستحلف المقذوف على ذلك.\nولا فرق بين المسألتين؛ فإن مقصود القاذف من هذه الدعوى إسقاط الحد عن نفسه، لا إيجاب الحد على المقذوف، مما أن مقصود العبد من هذه الدعوى إثبات الحرية لنفسه، لا إيجاب الحد على المولى.\nولا فرق بينهما.\nفتصير الرواية في مسألة القذف أن المقذوف لا يستحلف على أنه صدق","vol":"2","page":145},{"text":"القاذف في قذفه إياه بالزني رواية في مسألة العبد أن المولى لا يستحلف بالله ما زنى بعد ما حلف بعتقه من الوجه الذي يدعيه الغلام.\nوتصير الرواية في مسألة العبد أن المولى يستحلف رواية في مسألة القذف أن المقذوف يستحلف.\nفصار في كل واحدة من المسألتين روايتان.\nوجه الرواية التي [قال] لا يستحلف أنه لا يعتبر مقصود القاذف ومقصود العبد، وإنما يعتبر أصل ما تعلق بالزنى من الحكم، [وأصل ما تعلق بالزنى من الحكم] الحد، وأنه لا يجري فيه الاستحلاف.\nوجه الرواية الأخرى: أن مقصود القاذف إسقاط الحد عن نفسه، ومقصود العبد إثبات الحرية لنفسه، وكلاهما يثبت مع الشبهات، ألا ترى أن القاذف إذا أقام رجلًا وامرأتين على تصديق المقذوف والعبد على الحرية يقبل، وكل حكم يثبت مع الشبهات يجري فيه الاستحلاف.","vol":"2","page":146},{"text":"ولم يذكر في الكتب أن العبد هل يصير قاذفًا للمولى بهذا.\nوما ذكره صاحب الكتاب إشارة إلى أنه لا يصير قاذفًا؛ لأنه قال: وقد أتى الذي حلف عليه، ولو صار قاذفًا بهذا اللفظ لما ترك قوله وقد زنى، وتحول إلى هذا اللفظ تحرزًا عن القذف.\nوقد نص في كتاب الخدود أن من قذف غيره، وقال الآخر: هو كما قلت فإنه يصير قاذفًا، [يغني قوله هو كما قلت]، لأنه تقدم ذكر الزنى، فينصرف قوله هو كما قلت [وأمثاله] إلى ذلك، فكأنه قذف صريحًا بالزنى فكذا هنا. سبق من العبد أن المولى حلف بعتقه أن لا يزني، ثم قال وقد أتى الذي حلف عليه، يعني وقد زنى، وإذا انصرف إليه صار قاذفًا، فكان المذكور في الكتب يخالف المشار إليه في هذا الكتاب.","vol":"2","page":147},{"text":"فإذا حلف [المولى] يحلف على السبب: بالله ما زنيت بعد ما حلفت بعتق عبدك إلى آخره.\nوهذا قال الكل؛ فإنه قد نص على قول محمد [﵀]، وإنما كان لما أشار إليه محمد ﵀ فقال: وكذلك كل أمر لا يبطل يحلف المدعى عليه: بالله ما فعلت هذا الشيء الذي ادعى عليك، وكل أمر يجوز أن يبطل، مثل البيع، والإجارة، والنكاح، والطلاق، والقتل، والشجة، والجراحة، وما يجوز العفو عنه والصلح فيه يحلف المدعى عليه على ما فسرت لك، ولا يحلف ما فعلت كذا وكذا.\nوشرح هذه الأشياء ما مر في عتق العبد الذمي والعبد المسلم.\nفإذا حلف المولى: فإن حلف فلا شيء عليه.\nوإن نكل لزمه العتق، ولا يلزمه الحد؛ لأن أكثر ما في الباب أنه أقر الزنى مرة، والحد لا يجب بالإقرار بالزنى مرة [واحدة].\n\n<span data-type='title' id=toc-122>[١٣ - في دعوى الزواج من الأمة]</span>\n[٣٦٦] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، فقال: إن هذا زوجتي أمته فلانة على مائة درهم، فإنه يستحلف على ذلك.\nوهذا قول أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله]\nلأنه لو أقر جاز، وإن جحدت الأمة، بخلاف ما إذا ادعى على الأب بعدما بلغت البنت.","vol":"2","page":148},{"text":"أما على قول أبي حنيفة ﵀ فلا يستحلف هنا كما لا يستحلف [هناك].\n\n<span data-type='title' id=toc-123>[١٤ - في دعوى مقدار المبيع]</span>\n[٣٦٧] ثم قال:\nولو أن رجلًا اشترى من رجل جرابًا هرويًا، وقبضه المشتري فوجده أحد عشر ثوبًا، ثم اختلفا فقال البائع: بعتك هذا الجراب على أن فيه عشرة أثواب بمائة درهم، فقال المشتري: اشتريته منك على أن فيه أحد عشر ثوبًا بمائة درهم، وأراد كل واحد منهما استحلاف صاحبه على ما ادعى، فإن القاضي يحلف البائع: بالله ما باعه هذا الجراب على أن فيه أحد عشر ثوبًا بهذا الثمن الذي ادعاه.\nلأن المشتري يدعي العقد في الثوب الحادي عشر، والبائع ينكر. ولو أنكر العقد في جميع الأثواب كان القول قوله، فهذا كذلك، إذا أنكر العقد في البعض.\nفإن نكل لزمه دعوى المشتري.","vol":"2","page":149},{"text":"وإن حلف على ذلك رد المشتري الجراب، ولم يحلف المشتري على دعوى البائع.\nأما الرد فلأنه لما حلف البائع فسد العقد؛ لأنه لم ثبت البيع في الثوب الحادي عشر، وإنه مجهول، وإذا فسد وجب على المشتري الرد.\nوأما عدم تحليف المشتري فلأن فائدة التحليف النكول ليصير مقرا، ولو أقر بما ادعى البائع صريحًا كان البيع فاسدًا إن فيه ثوبًا زائدًا. لم يقع عليه العقد فلا يفيد تحليفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>[١٥ - في دعوى الإقرار]</span>\n[٣٦٨] قال:\nولو أن رجلًا في يده عبد، أو أمة، أو غرض من الغروض ادعاه رجلان كل واحد منهما يقول: هو لي، وقدماه جميعًا إلى القاضي، فسأله القاضي عن دعواهما، فأقر به لأحدهما، وجحد الآخر، يؤمر بالتسليم إلى المقر له.\nلأن بدعواهما لا يبطل ملكه ويده، فمتى أقر به لأحدهما كان هذا إقرار على نفسه فيصح.\nفإن أراد الآخر استحلافه فلا سبيل له عليه، وإنما الخصومة على المقر له.\nلأن الفائدة الاستحلاف النكول، وبعد خروج العين عن ملكه ويده لا يصح النكول؛ لأنه بذل أو إقرار.\n\n[٣٦٩] قال:","vol":"2","page":150},{"text":"فإن قال الذي جحد له للقاضي إنه إنما أخرجه من بده بإقرار به لهذا الرجل؛ ليدفع اليمين عن نفسه، فحلفه لي: بالله ما لي قبله [حق]، ولا [لي] عليه هذا المملوك، ولا قيمته، فإن القاضي يستحلف على ذلك له.\nصاحب الكتاب أطلق المسألة.\nومحمد ﵀ ذكر في الكتب في مواضع أن الخصمين إذا ادعيا عليه الغصب كل واحد منهما يقول: العين ملكي، غصبه هذا مني، فأقر به لأحدهما، ودفع العين إلى المقر له فللذي جحد له أن يستحلف، لأنه يدعي عليه سبب الضمان وهو الغصب.\nولو أقر به لزمه.\nفإن أنكر فله أن يستحلفه؛ ألا ترى أن من ادعى على آخر عينًا في يده أنه ملكه غصبه منه ذو اليد، فأقر ذو اليد به لابنه الصغير، أو قال: أنا مودع فيه من جهة لفان، وأقام البينة على ذلك لا تندفع عنه الخصومة واليمين.","vol":"2","page":151},{"text":"وإذا ادعى كل واحد منهما الوديعة في هذا العين فأقر به لأحدهما، ودفعه إليه، فعند أبي يوسف [﵀] ليس للآخر أن يستحلفه؛ لأنه لو أقر له لا يلزمه الضمان؛ لأن الإتلاف على الآخر إنما حصل بدفع العين إلى المقر له، والدفع حصل بقضاء القاضي، فلا يكون موجبًا عليه الضمان، فإذا أنكر لا يستحلف.\nوعند محمد ﵀ يستحلف؛ لأنه لو أقر به يلزمه الضمان؛ لأنه بعقد الوديعة التزم الحفظ والتزم الضمان بترك الحفظ، فمتى أقر به لإنسان فقد سلطه على الأخذ، وصار تاركًا للحفظ الواجب عليه بالعقد، فوجب عليه الضمان، كما لو دل سارقًا على الوديعة، فإن أنكر يستحلف.\nأما إذا ادعى كل واحد منهما ملكًا مطلقًا قبله وقال كل واحد منهما: هذه العين ملكي في يدك، فأقر به لأحدهما، ودفع إليه، فليس للآخر أن يستحلفه؛ لأنه لو أقر به لا يضمن للآخر.\nأما عند أبي يوسف ﵀ فلما قلنا.\nوأما عند محمد فلأنه لا يدعي عليه ضمانًا بترك حفظ واجب بالعقد فلا يضمن للذي جحده، وإن دفع العين إلى المقر له؛ ألا ترى أن من ادعى عينًا في يد إنسان ملكًا مطلقًا، فأقر به لابنه الصغير، أو قال: أنا","vol":"2","page":152},{"text":"مودع من جهة فلان، وأقام البينة على ذلك تندفع الخصومة عنه واليمين، وإذا لم يضمن لم يستحلف، وما أطلق صاحب الكتاب المسألة فمحمول على أن كل واحد منهما أدعى عليه الغصب أو الوديعة على قول محمد ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>[١٦ - في الجحود]</span>\n[٣٧٠] قال:\nفلو أن صاحب اليد جحدهما جميعًا، وطلبا يمينه كل واحد منهما يقول للقاضي: استحلفه لي، فإن القاضي يحلفه لكل واحد منهما على دعواه.\nفإن بدأ بأحدهما فإن ذلك جائز؛ فإنه لا يمكنه أن يحلف لهما جميعًا معًا، فيبدأ بأيهما شاء. وإن تشاحتا في ذلك أقرع بينهما؛ تطييبًا لقلييهما، ونفيًا لتهمة الميل عن نفسه، لا أن يكون ذلك واجبًا عليه؛ كما لو اجتمع الخصوم عند القاضي كان له أن يبدأ بفصل خصومة البعض، وإن شاء أقرع تطييبًا لقلوبهم، ولنفي تهمة الميل عن نفسه؛ كذا ههنا.","vol":"2","page":153},{"text":"فإن حلف لأحدهما، أو نكل عن اليمين له، فالقاضي يحلفه للآخر، ولا يقضي بالنكول للأول.\nفرق بين هذا وبين الإقرار؛ فإنه إذا أقر به لأحدهما قضى به للأول.\nوالفرق: أن الإقرار يوجب الحق بنفسه؛ فلا يتوقف على قضاء القاضي، فحين أقر به للأول ثبت له الحق، فيؤمر بالتسليم إليه.\nفأما النكول [فليس بإقرار، لا نصًا، ولا دلالة، لكن يصير إقرارًا بقضاء القاضي بإنزاله مقرًا، فحين نكل للأول لم يثبت الإقرار] فلا يثبت الحق، فلا يقضي.\nفلو قضى [للأول] بنكوله الأول نفذ قضاؤه؛ لأن القضاء وقع في محل الاجتهاد؛ فإن من العلماء من قال بأن المدعى [عليه] إذا نكل لأحدهما فالقاضي يقضي له؛ لأن النكول إقرار دلالة، فنفذ قضاؤه، ودفع إلى الأول.","vol":"2","page":154},{"text":"فإن قال الآخر: استحلفه لي، فإنه إنما احنال بهذا ليدفع اليمين عن نفسه بذلك، فإن القاضي يسحلفه له: بالله ما لهدا عليك هذا العبد، ولا قيمته وهي كذا وكذا، ولا أقل منها.\nفإن حلف فلا شيء عليه.\nوإن نكل ألزمه القاضي القيمة له.\nوهذا محمول على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما.\nفإن قال الآخر: حلفه لي: ما هذا العبد لي، فالقاضي لا يستحلفه له على ذلك؛ لأنه [لو] أقر به بعد ما صار العبد للأول لا يقبل قومه، فلا يفيد الاستحلاف على هذا الوجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>[١٧ - في دعوى الغصب]</span>\n[٣٧١] قال:\nولو ادعى كل واحد منهما أن الرجل الذي في يده ذلك غصبه ذلك، فإنه يحلفه لكل واحد منهما: بالله ما هذا العبد لفلان هذا، ولا يحلفه: بالله ما غصبه، فإن أقر به لأحدهما أو نكل عن اليمين له استحلفه القاضي للآخر على ما وصفت لك.\nوهذا قولهم جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>[١٨ - في دعوى الخصوم البيع]</span>\n[٣٧٢] قال:\nوكذلك أن ادعى كل واحد [منهما] أنه باعه هذا العبد فقال","vol":"2","page":155},{"text":"أحدهما: بعثه هذا العبد بألف، وقال الآخر كذلك، أو قال الآخر بعثه هذا العبد بمائة دينار، فإنه يحلفه لكل واحد منهما.\nفإن أقر به لأحدهما أو نكل عن اليمين استحلفه القاضي للآخر.\nفإن نكا لزمه دعواه.\nوهذا قولهم جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>[١٩ - في دعوى الوديعة والعارية]</span>\n[٣٧٣] قال:\nوإن ادعى كل واحد منهما أنه أودعه هذا العبد، فسأل القاضي عن ذلك فأقر به لأحدهما، فإن القاضي يستحلفه للآخر: بالله ما له عليك هذا العبد ولا قيمته وهي كذا وكذا، ولا أقل من ذلك، ولا يستحلفه: بالله ما أودعك. وكذا العارية فكذلك لو نكل عن اليمين لأحدهما يستحلفه للآخر.\nوهذا محمول على قول محمد [﵀].\nأما على قول أبي يوسف [﵀] فلا يستحلف؛ لما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>[٢٠ - في دعوى الوكالة]</span>\n[٣٧٤] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي وادعى أن عليه ألفًا باسم رجل يقال له فلان بن فلان الفلاني، وأن هذا المال له، وأن فلان بن","vol":"2","page":156},{"text":"فلان الفلاني الذي المال باسمه أقر أن المال له، وأن اسمه عارية له في ذلك، وأنه قد وكله بقبض ذلك، وفي الخصومه فيه، فإن القاضي يسأل المدعى عليه عن هذه الدعوى، فإن أقر بجميع ما ادعى المدعي أمره بدفع المال إليه.\nشرط في ظاهر الرواية أنه يدعي أن فلان بن فلان وكله يقبض ذلك.\nوروي عن أبي يوسف [﵀] أن هذا ليس بشرط؛ بل إذا ثبت أن هذا المال الذي عليه باسم فلان، ملك هذا الرجل، أمره بدفع المال إليه.\nووجه تلك الرواية أن الدين في الذمة مال مملوك كالعين، ولو ادعى عينًا في يد رجل أنه ملكه وثبت ذلك بالحجة يؤمر بالدفع إليه، وإن لم يثبت كون المدعي وكيلًا بالقبض من جهة أحد، فكذا إذا أثبت كون الدين في الذمة مملوكًا له.\nوجه ظاهر الرواية: أن أصل الدين قد يكون مملوكًا لإنسان، ولا يكون له حق القبض، أكثر ما في الباب أن يثبت كون الدين مملوكًا له، لكن بهذا لا يثبت له حق القبض لا محالة.\nثم المسألة على أربعة أوجه:\nأما أن أقر بجميع ذلك.","vol":"2","page":157},{"text":"أو جحد جميع ذلك.\nأو أقر بالوكالة وجحد المال.\nأو أقر بالمال وجحد الوكالة.\nفإن أقر بجميع ذلك أمره بدفع المال إليه.\nولم يكن هذا قضاء على الغائب، حتى إذا جاء الغائب وانكر ذلك كان له أن يأخذ ماله من المدعى عليه؛ لأن الدين إنما يقبض من مال المديون، فيكون إقراره تصرفًا منه على نفسه وفي ملكه، فينفذ عليه، ولا يتعدى إلى غيره.\nوإن جحد الدعوى كلها، فقال المدعي للقاضي: حلفه لي، فإن القاضي يكلف المدعي البينة على ما أدعى من إقرار الرجل بالمال ومن توكيله له بالقبض لذلك المال؛ لأنه يدعى أنه خصم له وهو ينكر، فيحتاج إلى إثباته بالبينة.\nوما قال في الكتاب [من أن القاضي] يكلف المدعي البينة على إقرار الرجل بالمال وتوكيله إياه بقبض ذلك المال فكلاهما ليس بشرط، بل الشرط إقامة البينة على أنه وكيل ليثبت كونه خصمًا، وإلا حضر.","vol":"2","page":158},{"text":"فصل في الكتاب.\nفبعد ذلك المسألة على وجهين:\nإما أن أقام البينة على الوكالة، أو لم تكن له بينة.\nفإن أقام [بينة] ثبت كونه خصمًا، فبعد ذلك المسألة على وجهين:\nأما إن أقام البينة على المال، أو لم تكن له بينة على المال.\nفإن أقان [بينة فإنها] تقبل، ويأخذ المدعي المال، ويكون هذا قضاء على الغائب، حتى [إنه] لو جاء وأنكر ذلك ليس له أن يأخذ المال من المدعي عليه؛ لأن المدعي إنما أثبت الوكالة بالبينة فالمدعي عليه خصم في إثبات الوكالة عليه، لأن ما يدعى على الغائب سبب لما يدعي على الحاضر، فينتصب هو خصمًا، فيصير كان البينة قامت على الغائب.\nفإن لم تكن له بينة على المال، فأراد استحلافه، فالقاضي يحلفه: بالله ما لفلان بن فلان الفلاني ولا باسمه عليك هذا المال الذي سماه فلان بن فلان وهو ألف درهم، ولا أقل منها.\nلأنه لما أثبت الوكالة بالبينة صار خصمًا، فهذا خصمه يدعي عليه المال، والمدعي عليه ينكر، فتوجه عليه اليمين.\nوإن لم يكن للمدعي بينة على التوكيل، وقال للقاضي: إن هذا المدعي عليه يعلم أن فلانًا الذي باسمه هذا المال قد وكلني بقبض هذا المال،","vol":"2","page":159},{"text":"فاستحلفه لي على ذلك، يحلفه: بالله ما يعلم أن فلان بن فلان الفلاني [الذي باسمه هذا المال] وكله على ما ادعى.\nهكذا ذكر في الكتاب.\nوأضاف هذا الجواب إلى أبي يوسف ﵀.\nواختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال؛ منهم [الشيخ] الإمام شمس الأئمة الحلواني [﵀]: هذا قولهم جميعًا.\nومنهم من قال؛ منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: هذا قولهما خاصة؛ بناء على ما ذكر في الجامع الكبير أنه إذا","vol":"2","page":160},{"text":"اشترى عبدًا فطعن فيه المشتري بعيب الأباق وغيره، فإن أقام البينة على وجود هذا العيب في الحال كان البائع خصمًا، وإن لم يكن له بينة، وأراد استحلافه يحلفه: بالله ما يعلم وجود هذا العيب في الحال.\nعند أبي حنيفة ﵀ لا يستحلف.\nوعندهما يستحلف.\nولا فرق بينهما؛ فإن وجود العيب به في الحال ثمة شرط لسماع الخصومة وثبوت الوكالة بالقبض ههنا شرط لسماع الخصومة، والأول أظهر.\nثم إذا حلف، فإن حلف انتهى.\nوإن نكل صار مقرًا بالوكالة، منكرًا للمال.\nوههنا ثلاث مسائل:\nأحداها: هذه.\nوالثانية: لو أقام البينة على إقرار الغائب له بالمال، ولم يكن له بينة على التوكيل، فلا خصومة بينهما.\nفإن طلب من القاضي أن يحلفه حلفه كما قلنا.\nفإن حلف انتهى.\nوإن نكل صار مقرًا بالوكالة، منكر للمال.","vol":"2","page":161},{"text":"والثالثة: لو كان المدعي عليه مقرًا بالوكالة صريحًا، منكرًا للمال، فصارت المسائل الثلاث واحدة: وهو ما إذا أقر بالوكالة، وأنكر المال.\nولو أقر بالوكالة، وأنكر المال صار المدعي خصمًا في حق استحلافه على المال، وأخذ المال منه، ولم يصر خصمًا في حق الخصومة، حتى لو أراد المدعي إقامة البينة على المدعي عليه بالمال قبل أن يحلفه على المال، أو بعد ما حلف، لا تسمع.\nوإنما كان [ذلك]؛ لأن المدعي إنما يصير خصمًا بالوكالة، والوكالة تثبت بإقرار المدعي عليه، وإقراره حجة على نفسه، وليس بحجة على الغائب، فتثبت وكالة المدعي في حق استخلافه على المال إن كان جاحدًا للمال، وأخذ المال منه إن كان مقرًا؛ لأنه يقتصر عليه ولا يتعدى إلى الغائب، ولم تثبت في حق الخصومة، وإثبات المال عليه بالبينة؛ لأنه لو ثبت كان ذلك قضاء على الغائب، ويتعدى قوله إلى الغائب.\nونظير هذا ما قال أصحابنا: لو أن رجلًا ادعى أن رجلًا يقال له فلان بن فلان الفلاني وكله بطلب كل حق هو له على هذا الرجل، وأن له عليه ألف درهم، فأقر المدعي عليه بالوكالة، وأنكر المال، فقال المدعي له: أنا أقيم البينة أن هذا المال عليه، لم يكن خصمًا في ذلك.\nوإن أقر بشيء أمره القاضي بدفعه إليه.\nوإن لم يقر وأراد استحلافه حلفه.","vol":"2","page":162},{"text":"فإن جاء الغائب بعد ذلك، وأنكر الوكالة، فالقول قوله، كذا ههنا.\nفرق بين ما إذا ثبتت الوكالة بالإقرار، وبين ما إذا ثبتت الوكالة بالبينة.\nوالفرق: أن الإقرار حجة على نفسه، وليس بحجة على غيره، والقضاء بالإقرار يقتصر على المقضي عليه، والبينة حجة في حق الكل، والقضاء بالبينة يتعدى إلى غيره، فإنه يتعدى إلى الناس اجمع؛ فلهذا قال: إذا ثبتت الوكالة بالبينة يكون خصمًا، وإذا ثبتت بالإقرار لا يكون خصمًا.\nو[أما] إذا أقر بالمال وجحد الوكالة فهذا على وجهين:\nأما إن أقام البينة على الوكالة. أو لم تكن له بينة.\nفإن أقام البينة على الوكالة ثبتت الوكالة بالبينة فصار خصمًا مطلقًا، فيؤمر بتسليم المال إليه.\nوإن لم تكن له بينة، فأراد استحلافه يحلفه على ما قلنا:\nفإن حلف انتهى.\nوإن نكل ثبتت الوكالة، لكن في حق أخذ المال منه، لا في حق الخصومة والقضاء على الغائب.","vol":"2","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>[٢١ - في دعوى الوارث الدين]</span>\n[٣٧٥] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وقال: إن أبي فلان بن فلان الفلاني توفى، ولم يترك وارثًا غيري، وله على هذا كذا وكذا من المال، فإن القاضي يسأله عن ذلك:\nفإن أقر بجميع ذلك أمره القاضي أن يدفع جميع ذلك إليه، ولم يكن ذلك حكمًا من القاضي على الغائب.\nفههنا أربع مسائل:\nمسألة في الوارث إذا حضر.\nومسألة في الوكيل إذا حضر.\nومسألة في الوصي إذا حضر.\nومسألة في المشتري إذا حضر.\nأما الأولى فالجواب على ما ذكره في الكتاب: أن يؤمر أن يدفع جميع المال إليه؛ لأن المدعي عليه أقر بثبوت حق القبض له في دين في ذمته وفي عين في يده؛ فإن الدين في ذمته، والعين في يده ملك للأب بإقراره، فإذا مات الأب ولم يترك [وارثًا] إلا هذا الابن، كان حق قبض الدين والعين له، فقد أقر المدعي عليه بثبوت حق القبض له في الدين والعين جميعًا، فقبلنا إقراره، وأمرناه بالدفع إليه.","vol":"2","page":164},{"text":"ولا يكون هذا حكمًا من القاضي على الأب؛ لأن القضاء بدفع المال إلى الابن لا يمس جانب الغائب، ألا ترى أن الأب لو كان حيًا، فيطالب الذي كان عليه المال بهذا المال، فإن القاضي يلزمه المال، ويحكم له عليه، فيأخذ الأب منه، ثم يرجع هو على الابن بما كان أخذه منه، فلا يكون [في] هذا إبطال حق الغائب.\nولو أنكر المدعي عليه دعواه، فقال له الابن: استحلفه: بالله ما يعلم أن أبي فلان بن فلان، ولا يعلم أن فلانًا مات ..\nذكر صاحب الكتاب: أنه روى عن أصحابنا أنه لا يستحلفه، ولكن يقال للابن: أقم البينة على وفاة أبيك، وأنك وارثه، ثم يحلف بعد ذلك على ما تدعي لأبيك من المال.\nولم ينص على أن هذا الذي روى عنه من هو.\nقال: وفيها قول آخر: أنه يستحلف على العلم لما بينا.\nومنهم من قال، ومنهم الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: الأول قول أبي حنيفة، والثاني قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، بناء على ما ذكرنا من مسألة الجامع [الكبير] وهو جمل الوكالة على هذا الخلاف.","vol":"2","page":165},{"text":"ومنهم من قال؛ منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: الصحيح هو القول الثاني أنه يحلف كما في الوكالة، حتى لا يقع الفرق بينهما، وجعل مسألة الوكالة على الاتفاق، فإن حلف على ذلك كلف الابن إقامة البينة على وفاة أبيه [وإنه] وارثه.\nفإن نكل صار مقرًا بالنسب والموت، فصار كما لو أقر بالنسب والموت صريحًا، وأنكر المال.\nولو كان كذلك [فإن] القاضي لا يجعل الابن خصمًا في إقامة البينة على إثبات المال، لكن يجعله خصمًا في حق التحليف على المال، وأخذه منه، فيحلفه على المال، لكنه يحلف البتة ما لفلان بن فلان الفلاني عليك هذا المال، وعلى دعوى النسب والموت يحلف على العلم؛ لأن ذلك ليس بتحليف على الفعل؛ فإن النسب والموت ليس من فعله، والتحليف لا على فعل نفسه يكون على العلم.\nوأما المسألة الثانية، وهي مسألة الوكالة إذا حضر الوكيل وادعى أنه وكيل فلان بن فلان الغائب وكله بقبض الدين الذي قبلك، وبقبض العين الذي في يدك وديعة، وصدقه المدعي عليه بجميع ذلك فإنه يؤمر بدفع","vol":"2","page":166},{"text":"الدين إليه، ولا يؤمر بدفع عين الوديعة، وفي مسألة الوارث أمره بدفع الدين والعين إلى الوارث.\nوالفرق: أن الوديعة عين مال مملوك للمودع، فما دام المودع حيًا كان ملكه، وكان إقرار المودع بثبوت حق القبض للوكيل إقرارًا منه في ملك الغير فلا يكون مقبولًا.\nأما إذا مات المودع [فقد] صار الملك للوارث، فلم يكن هذا إقرارًا بثبوت حق القبض للوكيل في ملك الغير.\nوأما المسألة الثالثة، وهي مسألة الوصي إذا حضر الوصي وقال: إن فلان بن فلان توفي، وأوصى إلي بقبض الدين الذي هو في ذمة هذا الرجل، وبقبض العين التي في يده، وصدقه صاحب اليد، فإنه يؤمر بتسليم الدين والعين جميعًا كما في المسألة الأولى، بخلاف المسألة الثانية، ولا فرق بينهما، فإن الوكالة إنابة في حالة الحياة، والوصية إنابة بعد الوفاة، ومع هذا بينهما فرق:\nوالفرق: إن للقاضي ولاية نصب الوصي في تركة الميت، وولاية أمر المودع بدفع الوديعة إليه، فإذا ادعى هذا أنه وصي، وصدقه المودع أيضًا يؤمر المودع بدفع الوديعة إليه، أما [الوكالة] فليس للقاضي","vol":"2","page":167},{"text":"ولاية نصب الوكيل في مال الغائب، وولاية أمر المودع بدفع الوديعة إليه، فإذا ادعى هذا أنه وكيل، وصدقه، لم يملك أن يأمر المودع بدفع الوديعة إليه.\nوالففه ما أشرنا إليه في الفرق بين الوكيل والوارث.\nوأما المسألة الرابعة، وهي مسألة المشتري: إذا حضر المشتري فادعى عينًا في يد رجل أنه ملكه اشتراه من فلان الغائب وصدقه صاحب اليد، فإنه لا يأمره القاضي بالتسليم إليه؛ لأن الشراء سبب متجدد لملك المال، فكان المدعي مدعيًا الملك بسبب، ولو قضى لابد أن يقضي بالملك والسبب، ولو قضى بالملك والسبب كان هذا قضاء على الغائب بإقرار ذي اليد، وهذا لا يجوز، بخلاف الإرث؛ لأن ذلك ليس بسبب متجدد لملك المال، بل هو إبقاء على ملك الوارث، فلا يكون قضاء على الغائب.\n\n<span data-type='title' id=toc-131>[٢٢ - في دعوى الشفعة]</span>\n[٣٧٦] قال:\nولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه اشترى دارًا بجنب داره، وأنه شفيعها بداره، وأراد استحلافه على ذلك، فقال [المدعي] للقاضي:","vol":"2","page":168},{"text":"أن هذا لا يرى الشفعة بالجوار، فإن حلفته: مالي قبلك شفعة هذه الدار التي سميت وحددت يتأول قول من لا يرى الشفعة بالجوار، ويحلف فيكون صادقًا في يمينه، فإن القاضي يستحلفه على السبب: ما اشتريت هذه الدار التي حددت وسميت بكذا وكذا ولا أقل من ذلك.\nثم صاحب الكتاب إلى الآن كان يأمر القاضي بأن ينظر للمدعي عليه إذا عرض للقاضي [و] يحلفه على الحاصل، ثم حول الكلام إلى جانب المدعي، فأمر القاضي أن ينظر للمدعي إذا عرض للقاضي وذكر من جنس هذه المسائل مسائل.\nوهذا لأن بين العلماء اختلافًا ظاهرًا في استحقاق الشفعة بالجوار، فمتى حلفه بالله ما له قبله شفعة يتأول قول من لا يرى الشفعة بالجوار، فيكون صادقًا في يمينه، فيؤدي إلى إبطال حق المدعي، فيحلف على السبب، نظرًا للمدعي، وإن كان في هذا النظر ضرر بالمدعي عليه؛ لجواز أنه اشترى ولا شفعة له؛ بأن سلم، أو سكت عن الطلب.\nلأن القاضي لا يجد بدًا من إلحاق الضرر بأحدهما، فكان مراعاة جانب المدعي أولى؛ لأن السبب الموجب للحق له وهو الشراء، إذا ثبت ثبت الحق له، وسقوطه إنما يكون بأسباب عارضة، فيصح التمسك","vol":"2","page":169},{"text":"بالأصل حتى يقوم الدليل على العارض.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح هذا الكتاب في هذا الفصل مسألة تحتاج إليها القضاة، وهي إن الرجل إذا جاء إلى القاضي وهو يرى مذهب المخالف، فادعى شفعة بالجوار على رجل هل يقضي له القاضي بالشفعة أم لا؟ [قال]:\nاختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال: لا [يقضي له]؛ لأن المدعي يدعي أنه لا حق له فيما يدعي، فإذا علم القاضي بذلك لا يلتفت إلى دعواه.\nومنهم من قال: يقضي [له]؛ لأنه لما طلب الشفعة فقد ركن إلى مذهبنا، فتقبل دعواه، ويقضي له، وإن كان يعتقد خلاف ذلك، هذا كما قلنا في أحد الزوجين من أهل الذمة إذا رفع إلى القاضي أن زوجته محرم منه، فإن القاضي يفرق بينهما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ لأنه ركن إلى ديننا، وإن كان يعتقد خلاف ذلك، فإن كانا؟؟؟؟؟؟ يفرق بينهما عندهم جميعًا؛ لما قلنا، كذلك هذا.","vol":"2","page":170},{"text":"ومنهم من قال: إذا تقدم إلى القاضي يسأله عن ذلك، ويقول: هل يعتقد وجوب الشفعة بالجوار؟ فإن قال: نعم، يقضي، وإن قال: لا يدفعه عن مجلسه، ولا يسمع كلامه.\nقال ﵀: وهذا أوجه الأقاويل واحسنها.\nومن جنس مسألة الكتاب ما حكى عن القاضي أبي عاصم أنه كان يدرس والخليفة يحكم، واتفق جلوسه أن امرأة ادعت على زوجها نفقة العدة فأنكر الزوج، فحلفه: بالله ما عليك تسليم النفقة من الوجه","vol":"2","page":171},{"text":"الذي تدعي، فلما تهيأ للحلف نظرت المرأة إليه، فعلم أنها لماذا نظرت إليه، فنادى خليفته: سل الرجل من أي المحلة هو حتى إن كان من أصحاب الحديث حلفه: بالله ما هي معتدة منك.\nلأن الشافعي ﵀ لا يرى النفقة للمبتوتة.\nوإن كان من أصحابنا حلفه: بالله ما عليك تسليم النفقة إليها من الوجه الذي تدعي؛ نظرًا لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-132>[٢٣ - في دعوى الإيلاء]</span>\n[٣٧٧] ومن هذا الجنس مسألة ذكرها بعد هذا وهي إنه إذا ادعت امرأة على زوجها أنه آلى منها، ومضت مدة الإيلاء، ووقعت الفرقة بينهما، وطلبت من القاضي استحلافه، وقالت للقاضي: إنه يرى أن المولي يوقف بعد الأربعة الأشهر، فيقال له: إما أن تفيء، وإما أن تطلق، فإن حلفته: بالله ما أنا بائن منه بهذا الإيلاء فإنه يحلف ويتأول: أني لست ببائن منه، فإن القاضي لا يحلفه على ذلك، لكن يحلفه","vol":"2","page":172},{"text":"على السبب: بالله ما قلت لها والله لا أقربك منذ كذا وكذا على ما ادعت.\nفإن حلف انتهى.\nوإن نكل أبانها منه بتطليقة؛ نظرًا للمدعية، وإن كان فيه ضرر بالمدعي عليه؛ لأن سبب الفرقة إذا ثبت وهو الإيلاء، يثبت الحكم، وهو وقوع الفرقة، وعدم الفرقة إنما يكون بأسباب عارضة فلا يعتبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>[٢٤ - في دعوى إيفاء الحق في اليمين]</span>\n[٣٧٨] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وادعى عليه ألف درهم، وأنكر ذلك، فأراد أن يستحلفه على ذلك فقال المدعي عليه للقاضي: أنه قد حلفني على هذه الدعوى عند قاضي بلدة كذا، وأنكر الطالب ذلك، وقال: ما حلفته عليها، وطلب المدعي عليه يمين الطالب على ذلك، فإن القاضي يحلفه.\nلأن المدعي عليه يدعى إيفاء حقه في اليمين. ولو ادعى إيفاء حقه في المال، وأراد أن يحلف الطالب على ذلك كان له ذلك، وكذا إذا ادعى إيفاء حقه في اليمين، وأراد أن يحلفه، فله أن يحلفه.\nوهذا لأنه يدعى عليه شيئًا لو أقر به الطالب لزمه، فإنه إذا أقر.","vol":"2","page":173},{"text":"به لا يبقى قبله حق آخر له؛ لأن المستحق عليه يمين واحدة، ولهذا جرى الرسم أن المدعي عليه إذا حلف، فإن القاضي يبذل له الخط حتى لا يحلفه مرة أخرى، فدل إنه إذا أقر به يلزمه، فإذا أنكر يحلف، فيحلفه القاضي: بالله ما حلفت هذا المدعي عليه على دعواي هذه عند قاضي بلدة كذا.\nفإن حلف، فله أن يحلف المدعي عليه على المال.\nوإن نكل الطالب عن اليمين لم يحلف له المدعي عليه؛ لأنه أقر أنه لا حق له قبله.\n\n<span data-type='title' id=toc-134>[٢٥ - في دعوى البراءة]</span>\n[٣٧٩] قال:\nولو كان ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعي عليه للقاضي: قد كان علي هذه الدعوى عند قاضي بلدة كذا ثم خرج من دعواه تلك فابرأني من هذه الدعوى، فحلفه أنه لم يبرئني منها، فإن حلف على ذلك حلفت له ما له علي هذه الألف التي ادعاها، ولا شيء منها، فإن القاضي لا ينبغي [له] أن يحلف المدعي: ما ابرأت هذا المدعي عليه من هذه الألف ولا [من] شيء منها.","vol":"2","page":174},{"text":"هكذا ذكر صاحب الكتاب، وأشار في الكتاب إلى الفرق بين دعوى البراءة من المدعي عليه على المدعي وبين دعوى المطلوب على الطالب أن حلفه مرة.\nواختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال: لا فرق بينهما، وإن اختلف الجواب لاختلاف الموضعين؛ فإن الاستحلاف إنما يكون على وفق الدعوى، ولا يكون على خلاف الدعوى، والمطلوب ادعى على الطالب البراءة عن الدعوى لا عن الألف.\nثم وضع اليمين على خلاف الدعوى وقال: لا ينبغي أن يحلف المدعي: ما أبرأت هذا المدعي عليه من هذه الألف، والمطلوب ما ادعى البراءة عن الألف، وإنما ادعى البراءة عن الدعوى.\nأما في المسألة المتقدمة، فوضع المسألة على وفاق الدعوى؛ فإن المدعي عليه ادعى على الطالب أنه أوفاه حقه في اليمين، وأجاب وقال بأنه يحلف على هذا: بالله ما حلفته، فكان استحلافًا على وفاق الدعوى","vol":"2","page":175},{"text":"فيستحلف فبهذا أيضًا يستحلف على دعوى البراءة من الدعوى.\nومنهم من فرق فقال: لا يستحلف أيضًا على دعوى البراءة من الدعوى.\nوالصحيح أنه يستحلفه. وإليه ذهب [الشيخ الإمام] شمس الأئمة الحلواني ﵀؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر فله أن يحلفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>[٢٦ - عود إلى دعوى الإيلاء]</span>\n[٣٨٠] ثم ذكر بعد هذا مسألة الإيلاء، وقال: وقد شرحناها فيما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>[٢٧ - في دعوى إتلاف المال]</span>\n[٣٨١] قال:\nولو ادعى رجل على رجل: أنه كسر إبريق فضة له، وأحضره، أو أنه صب في طعامه ماء فأفسده، فجواب المسألة معروف عندنا: أن صاحب الإبريق والطعان بالخيار: إن شاء أمسك الإبريق والطعام، ولا يرجع عليه بشيء، وإن شاء دفع الإبريق والطعام إلى الجاني","vol":"2","page":176},{"text":"يرجع عليه بالمثل في الطعام إن كان له مثل، وبجميع قيمة الإبريق من خلاف جنسه.\nوعند الشافعي ﵀ يضمن النقصان، ولا يضمن جميع القيمة.\nفإذا عرفنا جواب المسألة، فلو قال المدعي للحاكم: إن هذا ممن يرى أنه من فعل هذا لزمه النقصان، ولو يوجب عليه القيمة في الإبريق، ولا مثل كر حنطة، فمتى حلفته: بالله ما له عليك قيمة الإبريق ومثل هذا الطعام بتأول قول الشافعي ﵀ ويحلف، ولا يكون حانثًا في يمينه، فإن القاضي يحلفه له على السبب: بالله ما فعلت كذا وكذا على ما ادعاه المدعي مفسرًا، نظرًا للمدعي، وإن كان ضررًا بالمدعي عليه، لما قلنا من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-137>[٢٨ - في دعوى خرق الثوب]:</span>\n[٣٨٢] قال:\nولو أن رجلًا أدعى على رجل أنه خرق ثوبًا له، وأحضر الثوب","vol":"2","page":177},{"text":"إلى القاضي معه، وأراد استحلافه، فإن القاضي لا يحلفه على السبب: بالله ما خرقت ثوبه.\nلأنه يجوز أن يكون خرقه ولا شيء عليه؛ بأن أبرأه عن ضمان النقصان، أو صالحه على شيء، أو أعطاه ضمان النقصان، فلا يحلف على السبب، لكن ينظر القاضي إلى الخرق؛ لأن من الخرق ما يوجب النقصان من غير خيار؛ نحو أن يكون الخرق يسيرًا، ومن الخرق ما يثبت الخيار، إن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان، وإن شاء ترك النقصان وضمنه قيمة الثوب كله؛ نحو أن يكون فاحشًا.\nفإن كان يسيرًا حتى أوجب النقصان من غير خيار يقوم الثوب صحيحًا، ويقوم متخرقًا، فيضمنه ذلك النقصان، فيحلفه على الحاصل؛ لأن الخرق اليسير يوجب النقصان من غير خيار بالإجماع، فلا يمكنه أن يتأول، فلم يكن في التحليف على الحاصل ضرر بالمدعي، وفي التحليف على السبب ضرر بالمدعي عليه، فيحلف على الحاصل: بالله ماله عليك هذا القدر من الدراهم الذي يدعي، ولا شيء منه.\nفإن حلف برئ.\nوإن نكل لزمه ذلك.\nهذا إذا كان الثوب حاضرًا.","vol":"2","page":178},{"text":"وإن لم يكن الثوب حاضرًا، فجاء المدعي وقال: إن هذا خرق ثوبًا لي، فإن القاضي يقول: كم نقص هذا الخرق ثوبك؟ سمه حتى احلفه لك عليه.\nلأن الدعوى لا تصح إلا بعد معرفة المدعي، ومعرفة الغائب ببيان القيمة والصفة.\nهذا إذا كان الخرق يسيرًا.\nوإن كان فاحشًا يوجب جميع قيمة الثوب، كان الجواب فيه في حق كيفية التحليف كالجواب في الإبريق، وإفساد الطعام بصب الماء فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>[٢٩ - في دعوى هدم الحائط]</span>\n[٣٨٣] قال:\nوكذا إذا أدعى عليه أنه هدم حائطًا له، أو أفسد متاعًا له، أو ذبح شاة، أو بقرة، أو فقأ عين عبد له قد مات من غير ذلك، أو عيب دابة له، أو جنى على شيء من ماله، ونقصه، وذلك الشيء غير حاضر، فإن القاضي يقول [له]: كم نقصان ذلك؟ فإذا عرف ذلك حلفه على الحاصل، ولا يحلفه على السبب.","vol":"2","page":179},{"text":"لأن في التحليف على السبب ضررًا بالمدعي عليه، وليس في التحليف على الحاصل ضرب بالمدعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>[٣٠ - في دعوى القذف]</span>\n[٣٨٤] قال:\nولو أن رجلًا أدعى على رجل أنه قال له: يا فاسق، أو أدعى أنه قال له: يا زان، أو قال له: يا زنديق، أو يا كافر، أو يا منافق، أو يا فاجر، أو أدعى عليه أمرًا من الأمور التي يجب بها التعزير، أو أدعى عليه أنا ضربه، أو لطمه، فأدعى عليه التعزير، وأراد استحلافه [فإنه] يحلفه.\nلأن التعزير محض حق العبد، والاستحلاف يجري في حقوق العبد، سواء كان عقوبة أو مالًا.\nفإن حلف فلا شيء عليه.\nوإن نكل لزمه التعزير.\nلأن التعزير يثبت مع الشبهات، فجاز أن يقضي فيه بالنكول؛ كالأموال.\nوصفة الاستحلاف أن يحلفه على الحاصل: بالله ما له عليك هذا الحق الذي ادعى. ولا يحلف على السبب: بالله ما فعلت؛ لأنه يجوز أن يكون فعل ذلك، وأبرأه، أو عفا عنه، وهو مما يسقط بالعفو.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>[٣١ - في دعوى وضع الخشب على الحائط أو الميزاب وما شابه ذلك]</span>\n[٣٨٥] قال:","vol":"2","page":180},{"text":"وإن أدعى رجل [على رجل] أنه وضع على حائط له خشبًا، أو أجرى على سطحه ميزابًا، أو في داره، أو فتح عليه في حقه بابًا، أو بنى على حائط له بناء، أو أدعى أنه أخرج تل تراب، فرمى به في أرضه، أو رملًا، أو دابة ميتة، أو شيئًا مما يكون فسادًا في أرضه، ويجب على صاحبه نقله، وأراد استحلافه على ذلك، فإنه يحلفه على السبب: بالله ما فعلت كذا وكذا، بخلاف ما تقدم.\nلأنه ليس في التحليف على السبب إضرار بالمدعي عليه؛ لأنه بعد ما ثبت هذا الحق المدعي وهو استحقاق رفع هذه الأشياء عن أرضه لا يتصور سقوطه بسبب من الأسباب؛ فإنه لو أذن في الإبتداء أن يضع الخشب على حائطه، وأن يلقى الدابة الميتة في أرضه، كان ذلك إعارة منه، فمتى ما بدا له كان له أن يطالب بالرفع عن أرضه، وإن باع منه ذلك لا يجوز؛ لأن هذا بيع الحق، وبيع الحق لا يجوز.\nوإن صالح عن ذلك الشيء لا يجوز.\nوأن أجر الأرض لذلك لا يجوز.\nدل أن هذا الحق متى ثبت لا يتصور سقوطه فلا يتضرر المدعي","vol":"2","page":181},{"text":"عليه بالتحليف على السبب، فيحلف على السبب.\nفإن حلف فلا سبيل عليه.\nوإن نكل كلفه القاضي رفع الخشب والدابة الميتة من أرضه.\n\n[٣٨٦] قال:\nولو كان صاحب الخشب هو المدعي، فقدم صاحب الحائط فقال: كان لي على هذا الحائط خشب، فوقع، فقلعته لأعمل غيره، وصاحب الحائط يمنعني من أن أضع عليه الخشب، فالقاضي يأمر المدعي بتصحيح الدعوى أولًا.\nفإنه ما لم تصح الدعوى [أولًا] لا يستحق الجواب.\nوتصحيح الدعوى في أن يبين أن له حقًا في وضع خشبة، أو خشبتين، وأن يبين غلظ الخشبة وخفتها؛ فإن هذا يتفاوت بين غلظ الخشبة وخفتها، ويبين موضع الخشبة من الحائط.\nفإن صحح دعواه يسأل [القاضي] المدعي عليه عن ذلك: فإن أقر به فقد انقطعت المنازعة. وإن جحد فطلب المدعي استحلافه","vol":"2","page":182},{"text":"لا يستحلفه القاضي على السبب: بالله ما كانت عليه خشبة، أو بالله ما وقعت الخشبة، أو بالله ما طرحت الخشبة؛ لأنه يجوز أن يكون طرحها لأنه لم يكن له حق وضع الخشبة، فلا يحلفه على السبب، بل يحلفه على الحاصل: بالله ما لهذا في هذا الحائط مواضع هذا الخشب، وهي كذا وكذا خشبة في موضع كذا من هذا الحائط حق واجب له.\nفإن حلف لم يكن له عليه سبيل.\nوإن نكل ألزمه القاضي حقه.\nوكذلك أن أدعى مسيل ماء، فالقاضي يأمر المدعي بتصحيح الدعوى أولًا.\nوتصحيح الدعوى في أن يبين [أن] له مسيل ماء المطر، أو ماء الوضوء؛ فإن هذا يتفاوت؛ فإن ماء المطر لا يكون أدوم لكن يكون","vol":"2","page":183},{"text":"أكثر، وماء الوضوء والغسالات يكون أدوم لكن يكون أقل، فلابد من أن يبين.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>[٣٢ - في دعوى حقوق الاتفاق]</span>\n[٣٨٧] قال:\nوإذا أدعى طريقًا في دار رجل، فإن القاضي أولًا يأمره بتصحيح الدعوى.\nلما قلته.\nوتصحيح الدعوى في أن يبين مقدار عرضه وطوله، وموضعه من الدار، ثم يستحلف على الحاصل: بالله ما له هذا الحق الذي أدعاه في هذه الدار التي في يده.\nفإن حلف فلا سبيل عليه.\nوإن نكل ألزمه القاضي حقه.\nذكر في كتاب الدعوى قال:\nإذا أدعى سبيل ماء أو طريقًا في دار رجل، وشهد الشهود أن له سبيلًا، وأن له طريقًا في هذه الدار [فإنه] تقبل البينة، وإن لم يبينوا.\nهكذا ذكر في بعض النسخ.","vol":"2","page":184},{"text":"وذكر في البعض: أنه لا تقبل ما لم يبينوا.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nتأويل ما ذكر في بعض النسخ أنها تقبل [فيما] إذا شهدوا على إقرار صاحب الدار للمدعي أن للمدعي سبيل ماء، أو طريقًا في داره، فإن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار.\nوتأويل ما ذكر في بعض النسخ أنه لا تقبل إذا شهدوا لا على الإقرار؛ فإن جهالة المشهود به تمنع صحة الشهادة.\n\n[٣٨٨] قال:\nوإن أدعى على رجل أنه شق في أرضه نهرًا، فساق الماء فيه إلى أرض له، فإنه ينبغي للقاضي أن يسأله عن هذه الأرض التي شق فيها لتصير معلومة، فتصح الدعوى.\nوذلك في أن يبين أولًا حدود هذه الأرض، وموضع هذا النهر من هذه الأرض أنه من الجانب الأيمن، أو من الجانب الأيسر، ويبين قدر طول النهر وعرضه.\nفإذا بين صار معلومًا، فتصح الدعوى.\nثم يسأل القاضي المدعي عليه عن ذلك:","vol":"2","page":185},{"text":"فإن جحد دعواه، وأراد المدعي استحلافه يحلفه: بالله ما أحدثت في أرض هذا الرجل هذا النهر الذي وصف.\nولا يحلفه على الحاصل؛ لأنه ليس في التحليف على السبب ضرر بالمدعي عليه؛ لأنه إذا ثبت هذا لا يسقط حق صاحب الأرض في مطالبة حافر النهر بسبب من الأسباب من الإذن في الإبتداء، بالبيع والإجارة وغير ذلك، فيحلف على السبب.\nوكذلك القناة وما أشبه ذلك على هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>[٣٣ - في دعوى الإضرار بالأرض]</span>\n[٣٨٩] قال:\nوإن أدعى [رجل] على رجل إنه حفر في أرض له حفيرة أضر ذلك بأرضه، وأراد استحلافه على ذلك، فإنما عليه النقصان في ذلك.\nويستحلفه القاضي على الحاصل: بالله ما له عليك هذا الذي ادعاه، وهو كذا وكذا.\nولا يحلف على السبب؛ بخلاف ما تقدم.\nلأن هنا في التحليف على السبب ضررًا بالمدعي عليه؛ لأنه يجوز","vol":"2","page":186},{"text":"أن يكون حفر حقه، وأضر بأرضه، لكن ابرأه عن ذلك، أو أوفاه النقصان، فلو حلف على السبب لتضرر المدعي عليه كما في دعوى الخرق اليسير في الثوب وأجناسه.\nثم من العلماء من قال: إذا حفر حفيرة في أرضه لا يضمن النقصان، لكن يؤمر بكسبها، فإذا حلف على النقصان ربما يتأول قوله، فيحلف. وصاحب الكتاب لم يأخذ في ذلك بالإحتياط؛ لأنه لم يعتبر هذا القول.\nثم قوله في الكتاب: أضر ذلك بأرضه، إشارة إلى أنه إن لم يتمكن النقصان في أرضه بذلك فلا يجب عليه شيء.\nولو رفع التراب من أرض إنسان هل تجب عليه قيمة التراب؟\nينظر:\nإن كان في موضع للتراب فيه قيمة، يضمن قيمة التراب، سواء تمكن النقصان في الأرض أو لم يتمكن؛ لأن الأرض مملوكة له، فكذا التراب أيضًا مملوك له.","vol":"2","page":187},{"text":"قال الشيخ شمس الأئمة السرحسي ﵀:\nالرواية محفوظة في ما إذا دخل الماء في أرض رجل، واجتمع الطين في أرضه بذلك فإنه لا يكون لأحد أن يأخذ ذلك الطين، ويرفعه عن أرضه؛ بخلاف الصيد، إذا دخل في أرضه حيث يملك كل أحد أن يصطاده، وكذا السمك إذا دخل مع الماء في ملكه كان لكل أحد أن يأخذه، فثبت أن التراب مملوك له، فمتى رفعه إنسان، وله قيمة في ذلك الموضع يضمن.\nوإن كان في موضع لم يكن للتراب فيه قيمة ينظر:\nإن تمكن النقصان في الأرض بذلك الصنع يضمن النقصان، وإلا فلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>[٣٤ - في دعوى الرهن]</span>\n[٣٩٠] قال:\nولو أن رجلًا أدعى على رجل مائة دينار، وكان للمدعي عليه عند المدعي رهن بهذه الدنانير، فخاف المدعي عليه أن لو أقر بالدنانير، وادعي الرهن يجحد المدعي الرهن، فالحيلة في ذلك: أن يسأل","vol":"2","page":188},{"text":"القاضي، حتى يسأل المدعي: هل عندك بهذا المال رهن أم لا؟\nفإن أقر، وقال: نعم كذا، فقد زال الخوف.\nوإن جحد، وأراد الاستحلاف، لا يحلف: بالله ما له عليك مائة دينار؛ لأنه يتضرر به المدعي عليه؛ فإن المال واجب عليه، ولا يمكنه أن يحلف، لكن يحلف: بالله ما له عليك مائة دينار، ولا رهن لك بها عنده.\nلأنه لا يتضرر به، فإنه يمكنه أن يحلف.\nوقال بعض المتأخرين من مشايخنا: له حيلة أخرى، وهي أن يحلف: بالله ما عليك أداء هذا المال وتسليمه إلى هذا المدعي.\nلأن أداء المال وتسليمه لا يجب إذا لم يحضر صاحب الدين الرهن، فيكون المدعي عليه صادقًا في يمينه.\nوقال بعضهم: لا حاجة إلى هذه الحيلة؛ فإنه يحلف: بالله ما له عليك مائة دينار، ولا شيء منها.\nلأن جحود المدعي الرهن إتلاف منه للرهن، وبهلاك الرهن يصير مستوفيًا المال، فلا يبقى له عليه حق، فإذا حلف على ذلك كله كان صادقًا في يمينه.","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>[٣٥ - في دعوى المال والحقوق على العبد]</span>\n[٣٩١] قال:\nولو أن رجلًا أدعى على عبد محجور عليه مالًا أو حقًا من الحقوق، لا يؤخذ منه الساعة، وهو عبد، ويلزمه ذلك بعد العتق؛ بأن أدعى أنه كفل بالدين عن هذا الرجل، أو تزوج امرأة بغير إذن المولى، ودخل بها، ووجب المهر عليه صحت الدعوى، وتوجهت اليمين على العبد.\nلأن العبد صحيح القول، وقد أدعى عليه شيئًا لو أقر [به] لزمه بعد العتق. فإذا أنكر توجهت عليه اليمين، فإذا نكل ثبت المدعي [به]، فإن عتق أخذ به حينئذ.\nثم اختلفوا في الدين الموجل إذا أدعى صاحب الدين ذلك الدين هل تتوجه اليمين على المدعي عليه أم لا؟\nقال بعضهم: تتوجه.\nواستدلوا بمسألة العبد المحجور.\nوقال بعضهم: لا [تتوجه] وهو الأظهر.","vol":"2","page":190},{"text":"وفرقوا بينه وبين مسألة العبد المحجور.\nوالفرق: أن التأخير في الدين المؤجل بدليل يوجب التأخير، وهو التأجيل، فتأخرت المطالبة [به] مطلقًا، فلم يبق واجب الأداء.\nأما في العبد المحجور فلم يتأخر بدليل موجب للتأخير؛ ألا ترى أنه لو كفل به إنسان صح، ويطالبه بالأداء في الحال، لكن تأخرت المطالبة ضرورة العسرة، فلا يظهر التأخير في حق توجه اليمين عليه؛ كما إذا أدعى دينًا على المعسر الحر وجحده فإنه تتوجه اليمين عليه كذا ههنا.\nوبعض العلماء قالوا: بل إن للمولى أن يمنع المدعي عن ذلك ويقول: لي حق استخدامه، فلو اشخصه إلى باب القاضي عجزت عن استخدامه، فلا يملك إبطال حقي بأشخاصه؛ كما قلنا في الرجل إذا زوج أمته من إنسان، فإن له أن يمنعها من الزوج، وإن كان","vol":"2","page":191},{"text":"للزوج حق الاستمتاع بها بالنكاح؛ كيلا يفوت حق استخدام المولى، كذلك ههنا.\nولو كان مكان العبد المحجور صبي، فهذا على وجهين:\nإن لم يكن للمدعي بينة فلا يكون له حق إحضاره إلى باب القاضي؛ لأنه لو أحضره لا تتوجه عليه اليمين؛ لأنه لو نكل لا يقضي بنكوله.\nوإن كانت له بينة وهو يدعي عليه الاستهلاك كان له عليه حق إحضاره، لكن يحضر معه أبوه؛ لأن الصبي مؤاخذ بأفعاله، والشهود يحتاجون إلى الإشارة، فكان له حق إحضاره، فيحضر معه أبوه؛ لأن الصبي لا يلي بنفسه شيئًا، فيحضر الأب، حتى إذا لزم الصبي شيء يؤمر الأب بالأداء عنه من ماله.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>[٣٦ - في الدعوى على العبد المأذون له في التجارة]</span>\n[٣٩٢] قال:\nوكذا العبد المأذون له في التجارة [إذا] اشترى جارية فوطئها، ثم استحقت، وهي ثيب، إن أقر العبد بذلك الساعة لا يلزمه شيء، وإن","vol":"2","page":192},{"text":"أنكر العبد فأراد استحلافه عليه حلفه [عليه] بالله.\nوإن نكل جعلته عليه إذا أعتق.\nوالمأذون بمنزلة المحجور عليه في حق بعض الأحكام؛ فإنه لو أقر بمهر إمرأة، أو بافتضاض جارية وافضائها، فإنه لا يؤاخذ به في الحال، إنما يؤاخذ به بعد العتق كالمحجور عليه، وبمنزلة الحر في حق بعض الأحكام؛ فإنه لو أقر بثمن جارية اشتراها، يؤاخذ به في الحال؛ لكن إذا جحد المأذون ما يلزمه في الحال، وما يلزمه بعد العتق، وأراد المدعي استحلافه يحلف في الحال كما في المحجور عليه.\nثم قال صاحب الكتاب: إذا اشترى جارية فوطئها، ثم استحقت وهي ثيب، أن أقر العبد بذلك الساعة لا يلزمه شيء، وجعله فيه كالمحجور.\nومن المتأخرين من صحح ما قاله صاحب الكتاب، وفرق بين الثيب والبكر، وجعل المأذون في الثيب كالمحجور عليه، وفي البكر كالحر، ذكره الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب، وقال: هذا غير صحيح؛ فإنه شيء ذهب على صاحب الكتاب؛ فإن هذه المسألة","vol":"2","page":193},{"text":"أوردها في المأذون والإقرار، أن إقراره صحيح؛ لأن هذا يبتني على الشراء، والشراء من التجارة، فيكون هذا من توابع التجارة، إلا ترى أن أحد المتفاوضين إذا فعل ذلك يؤاخذ به صاحبه، وكذا ذكر في الجامع الصغير في كتاب المكاتب، ووضع المسألة في المكاتب وقال: إذا وطئ المكاتب أمه على وجه الملك بغير إذن المولى، ثم استحقها رجل فعليه العقر يؤاخذ به في مكاتبته، وجعله من توابع التجارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>[٣٧ - في دعوى العيوب]</span>\n[٣٩٣] قال:\nولو أن رجلًا أشترى من رجل جارية بألف درهم، وتقابضا، ثم طعن المشتري فيها بشبجة في رأسها، فاستحلف القاضي البائع على ذلك،","vol":"2","page":194},{"text":"فنكل عن اليمين، فردها على البائع، ثم جاء البائع بالجارية بعد ذلك وقال: هذه الجارية حبلى، وهذا الحبل حدث عند المشتري، فإن القاضي يسأل المشتري عن ذلك.\nهذه المسألة على ثلاثة أوجه:\nأحدهما: هذه. فإذا سأله: فإن قال المشتري: ما لي بها علم، فإن القاضي يريها النساء، فإن قلن حبلى لا يثبت الرد بقول النساء لكن توجه الخصومة فيحلف القاضي المشتري: بالله ما حدث هذا الحبل عندك.\nفإن حلف فلا شيء عليه، والرد باق على حاله، كما كان؛ لأنه لم يثبت كون هذا العيب عند المشتري.\nوإن نكل قيل للبائع: أنت بالخيار: إن شئت فاحبسها، ولا شيء لك، وإن شئت فردها على المشتري، ويرد عليه أرش الشجة التي كانت بها عندك؛ لأن الجارية خرجت عن ملكه بعيب واحد والآن ترد بعيبين، فيكون له الخيار: إن شاء رضي بذلك، وإن شاء لم يرض.\nوما قال صاحب الكتاب: يرد عليه أرش الشجة، أراد به نقصان ذلك العيب.\nوالثاني: إن قال المشتري للقاضي: قد كان هذا الحبل عند البائع،","vol":"2","page":195},{"text":"ولا أعلم به فهذا إقرار منه بكون الحبل عنده؛ لأنه لما أقر إنه كان عند البائع، فقد أقر أنه موجود عنده، فثبت عيب الحبل عند المشتري، لكن لم يثبت عند البائع؛ لإن إقراره على نفسه حجة، أما على البائع فلا.\nفيستحلف البائع: بالله لقد بعتها من هذا المشتري وسلمتها إليه، وما بها هذا الحبل.\nفإن حلف ردها على المشتري، ورد عليه أرش الشجة.\nوإن نكل لزمته الجارية.\nكذا قال صاحب الكتاب.\nوطعنوا فيه وقالوا: لا يحلف بالله لقد بعتها من هذا المشتري [وسلمتها إليه] وما بها هذا الحبل، لأن الحبل يجوز أن يكون حادثًا [بعد البيع قبل التسليم، والحبل الحادث بعد البيع قبل التسليم يثبت حق الرد، ومتى كان الحبل حادثًا] بعد البيع قبل التسليم، فلو حلف على ذلك يمكنه أن يحلف؛ لأنه يكون بارًا في يمينه، مع أن للمشتري حق الرد عليه؛ لأن شرط الحنث في هذه اليمين قيام الحبل عند الأمرين،","vol":"2","page":196},{"text":"فلا يستحلف على هذه الصفة، لكن يستحلف: بالله لقد سلمتها بحكم هذا البيع وما بها هذا العيب.\nفإن حلف أو نكل فعلى ما قلنا.\nوالثالث: إذا كانت الجارية في يد المشتري، فخاصم البائع في الشجة التي بها، فلما حكم الحاكم على البائع بردها عليه بالشجة، قال البائع: إنها حبلى، وهذا الحبل حدث عند المشتري. وقال المشتري: بل كان عندك، فإن هذا بمنزلة الشجة، فيحلف البائع على ذلك، ولا يمين فيه على المشتري.\nوهذا يخالف المسألة الأولى.\nيريد به الوجه الأول.\nووجه الفرق بينهما ما أشار إليه صاحب الكتاب [فقال]:\nإن في تلك المسألة القاضي قضى برد الجارية على البائع بعيب الشجة، وصارت الجارية في يد البائع فالبائع بعد ذلك يريد أن يردها بعد ما صارت في يديه على المشتري بحبل ظهر عند المشتري فلا يمكنه الرد على المشتري بيمين نفسه، فكانت اليمين على المشتري: بالله ما حدث","vol":"2","page":197},{"text":"هذا الحبل عندك.\nأما ههنا فالمشتري هو الذي يريد الرد على البائع؛ لأن الجارية في يديه، فكان مدعيًا للرد على البائع، والبائع ينكر أن يكون له حق الرد بهذا السبب.\nفتكون اليمين على البائع.\nلكن الفرق غير سديد:\nفإن في الوجه الثاني قضاء القاضي بالرد ثابت، وصارت الجارية في يد البائع، وعلى هذا يحلف البائع.\nوالفرق الصحيح أن في المسألة الأولى المشتري ينكر قيام الحبل عنده، فيحلف على ذلك. أما ههنا فالمشتري مقر بقيام الحبل عنده بقوله: بل كان عندك، فلا يحلف على ذلك. لكن إذا أدعى المشتري حدوث هذا الحبل القائم عنده عند البائع، والبائع ينكر، فيحلف على ذلك كما في الوجه الثاني.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"2","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>الباب الثاني والعشرون في استحلاف أهل الذمة</span>\n<span data-type='title' id=toc-148>[استحلاف أهل الكتاب وتغليظ اليمين عليهم]</span>\n[٣٩٤] ذكر عن إبراهيم أنه كان يقول في أهل الكتاب إذا استحلفوا: تغلظ عليهم بدينهم، فإذا بلغت اليمين استحلفوا بالله.\nلأن المسلم تغلظ عليه اليمين؛ لتكون أمنع له من اليمين الكاذبة، وكذا الكافر تغلظ عليه اليمين، إلا أن المسلم تغلظ عليه اليمين، فيحلف","vol":"2","page":199},{"text":"بالله الذي لا إله إلا هو .. إلى آخر ما قلنا في الباب الأول.\nلأن المسلم يعتقد هذا.\nوالكافر تغلظ عليه بدينه:\n\n<span data-type='title' id=toc-149>[استحلاف اليهودي]</span>\n[٣٩٥] فيحلف اليهودي: بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى.\nلما روى الشعبي: \"أن رسول الله ﷺ حلف ابن صوريا الأعور: بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدون حد زنى الثيب في كتابكم؟ \".","vol":"2","page":200},{"text":"وهذا لأن اليهودي يقر بنبوة موسى ﵊، ويعتقد الحرمة فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>[استحلاف النصراني]</span>\n[٣٩٦] ويحلف النصراني: بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل الإنجيل على عيسى ﵊.","vol":"2","page":201},{"text":"لما روي عن عطاء أنه سئل: كيف يستحلف أهل الكتاب بالتوراة والإنجيل؟\nفقال: يستحلفون بالله، وإن النوراة والإنجيل من كتب الله تعالى.\nيعني لا يستحلفون بالتوراة والإنجيل كما إنه لا يستحلف المؤمن بالقرآن؛ لكن يستحلفون بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى [عليهما الصلاة والسلام]، فاليهود على الأول، والنصارى على الثاني.\nوهذا لأن النصراني يقر بنبوة عيسى ﵇ ويعتقد الحرمة فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>[استحلاف المجوسي والوثني وغيرهما]</span>\n[٣٩٧] ويحلف المجوسي: بالله الذي خلق النار.\nهكذا قال محمد [﵀].\n\n[٣٩٨] وذكر صاحب الكتاب: أن غير اليهودي والنصراني يحلف، بالله تعالى؛ لأن في اليمين تعظيم المقسم به؛ إلا ترى إلى ما روى عن عمر بن","vol":"2","page":202},{"text":"عبد العزيز أنه كتب: أن لا يستحلفوا بغير الله تعالى.\nوألا ترى إلى ما روي عن النبي ﷺ أنه قال:\n\"لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيث، فمن كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليذر\".","vol":"2","page":203},{"text":"وألا ترى إلى ما روي عن الحسن ﵀ إنه قال:\nلأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقًا.\nوإلا ترى إلى ما روي عن عيسى ﵇ إنه حلف سارقًا [بالله ما سرق] فحلف، وكان عيسى ﵇ رآه سرق، فلما اشتد على عيسى أوحى الله تعالى إليه: أني قد غفرت له بتوحيده لي وإن كان كاذبًا.","vol":"2","page":204},{"text":"فثبت أن فيه تعظيم المقسم به، ولا يجوز تعظيم النار، فلا تذكر النار مع اسم الله تعالى؛ كي لا يؤدي إلى تعظيمها.\nأما التوراة والإنجيل [فهما] كتابا الله تعالى وهما معظمان، فيجوز تعظيمهما بذكر ذلك في اليمين.\nوأما النار فلا، لكن يحلف بالله تعالى.\nوكذا الوثني، يحلف بالله؛ فإن الكفرة يقرون بالله تعالى؛ قال تعالى:\n\"ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله\".","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>[تغليظ اليمين بالمكان على أهل الكتاب وغيرهم]</span>\n[٣٩٩] ذكر عن ابن سيرين أن كعب بن سور استحلف رجلًا من أهل الكتاب فقال: انطلقوا به إلى المذبح، وقال: اجعلوا الإنجيل في حجره، والتوراة على رأسه، واستحلفوه بالله تعالى في","vol":"2","page":206},{"text":"المذبح.\nوالمذبح: موضع قرابينهم، فيعتقدون الحرمى لذلك المكان؛ كالمسجد للمسلمين.\nهكذا كانوا يغلظون على أهل الكتاب بالمكان.\n\n[٤٠٠] وعندنا لا تغلظ [اليمين] بالمكان، ولا يبعث به إلى بيت القربان، ولا يبعث إلى البيعة والكنيسة، ولا يبعث المجوسي","vol":"2","page":207},{"text":"إلى بيت النار؛ لأن فيه تعظيم ذلك المكان.\nوالدليل عليه: أن المسلم لا يبعث به إلى المسجد ليحلف فيه، فكذا الكافر لا يبعث به إلى هذه المواضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>[التحليف في دعوى الأجل]</span>\n[٤٠١] قال:\nولو أدعى [رجل] على رجل ألف درهم، فقال المدعي عليه للقاضي: له علي ألف درهم إلى سنة، فقد أقر بالمال، وأدعى الأجل، فيكون القول قول الطالب في الأجل مع يمينه.\nلأن المال ثبت بتصادقهما، إلا أن المطلوب يدعي الأجل على الطالب، وهو ينكر، فيكون القول قوله مع اليمين.\nوهذا مذهبنا.\nوقال الشافعي ﵀: القول قول المطلوب.\nوقد ذكرنا المسألة في شرح الجامع الصغير.","vol":"2","page":208},{"text":"ثم إذا حلف الطالب يحلف بالله ما هذا المال مؤجل على هذا الرجل إلى هذا الوقت الذي أدعى إن أراد المدعي عليه يمينه على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>[التحليف على بيان سبب المال المدعي]</span>\n[٤٠٢] قال:\nولو أن رجلًا أدعى على رجل ألف درهم، فقال المدعي عليه للقاضي: سل المدعي من أي وجه له هذا المال؟ فقال المدعي: هو يعرف سببه، أو قال: لا أخبر بسببه، لا ينبغي للقاضي أن يجبر المدعي على بيان السبب؛ لأن الواجب على المدعي تصحيح الدعوى، ودعوى مطلق المال دعوى صحيحة كدعوى المال مع السبب، فلا يجبره على البيان، لكن إذا بين نظر القاضي فيه، فإن كانت الدعوى صحيحة يسمعها، وإلا فلا.\nوإن أبي فلا يجبر على البيان، لكن يسأل المدعي عليه عن المال:\nفإن أقر به، وأدعى إنه من وجه كذا وكذا فهذا على وجهين:\nإما أن أقر به من وجه لا يلزمه؛ بأن قال: له علي ألف؛ لأني أشتريت منه الميتة، أو الدم، أو أقر به من وجه يلزمه.","vol":"2","page":209},{"text":"ففي الوجه الأول، ينظر:\nفإن صدقه لا يجب المال.\nلأنهما اتفقا على سبب لا يصلح للإيجاب.\nوإن كذبه: ذكر ها هنا أن القوول قول المقر، وعليه اليمين؛ لأن قوله: له علي ألف درهم لأني أشتريت منه الميتة أو الدم جحود المال أصلًا فكان القول قوله مع يمينه.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nالمذكور ههنا قول أبي يوسف ومحمد. أما على قول أبي حنيفة فالمال لازم عليه بإقراره، ولا يصدق في قوله: هو [من] ثمن ميتة أو دم. أورد هذه المسألة على سبيل الاستشهاد، وذكر فيها الاختلاف، فكإنه ذهب على صاحب الكتاب، أو ليه عن أبي حنيفة ﵀ روايتان.\nوإن قال: له علي ألف من ثمن خمر، وصدقه المدعي، قال أبو حنيفة: يجب المال. وقالا: لا يجب.\nوهذا الاختلاف بناء على أن المسلم هل يجب عليه ثمن الخمر؟","vol":"2","page":210},{"text":"عند أبي حنيفة يجب؛ بأن يوكل دميًا شراء الخمر، فيجب الثمن في دمه الموكل.\nوعندهما: لا [يجب].\nوإن كذبه يجب أن يكون على هذا الخلاف.\nوفي الوجه الثاني، ينظر:\nإن صدقه المدعي في المال [وكذبه في ذلك السبب]، وأدعى سببًا آخر، ينظر:\nإن لم يكن بين السببين منافاة يجب المال؛ بأن قال المدعي عليه: له علي ألف درهم بدل القرض، وقال المدعي: بدل الغصب؛ لأنه لا فرق بين الألف الذي يجب له بسبب الغصب وبين الألف الذي يجب له بسبب القرض، والاختلاف في السبب لا يضر، إذا لم يختلف المقصود، فيجب الألف.\nوإن كان بين السببين منافاة؛ بأن قال المدعي عليه: له علي ألف درهم من ثمن عبد باعنيه، إلا أني لم أقبض [ذلك]،","vol":"2","page":211},{"text":"وقال المدعي: لي عليه ألف درهم بدل قرض، أو بدل غصب، فهذا على وجهين:\nإما أن لا يكون العبد في يد المدعي؛ بأن قال المدعي عليه: ثمن عبد باعتيه، أو يكون.\nففي الوجه الأول عند أبي حنيفة يلزمه الألف، ولا يصدق في قوله: لم أقبض سواء وصل أم فصل.\nوكذلك لو صدقه المدعي في الجهة، وهي الشراء وكذبه في عدم القبض عند أبي حنيفة ﵀ يلزمه الألف ولا يصدق في قوله: لم أقبض، فصل أم وصل، وهي مسألة كتاب البيوع.\nوإن كان العبد في يد المدعي:\nفإن قال المدعي عليه: ثمن هذا العبد الذي في يد المدعي، فالمسألة على ثلاثة أوجه:\nإن صدقه المدعي يؤمر بأخذ الألف منه وتسليم العبد إليه.\nوإن كذبه، وقال: ما بعته أصلًا، والعبد لي، وإنما لي عليه","vol":"2","page":212},{"text":"ألف درهم بسبب آخر من بدل قرض أو بدل غصب، فالقول قول المقر؛ لأنه ما أقر له بالمال مطلقًا، وإنما أقر له بالمال بشرط سلامة العبد له، ولم يسلم، فلا يلزمه الألف، ويكون القول قوله مع يمينه: بالله ما لهذا علي ألف درهم من غير ثمن هذا العبد من الوجه الذي أدعاه.\nوإن قال: هذا العبد له، وليس هو لي، لكن هذا الألف لي عليه من غير ثمن هذا العبد، فإن القاضي يأمر المدعي عليه بدفع الألف إلى المدعي، ويأمر المدعي بدفع العبد إلى المدعي عليه؛ لأن المدعى عليه أقر له بالألف بشرط سلامة العبد له، وقد سلم، والسبب غير مقصود، وإنما المقصود سلامة الألف للمدعي، وسلامة العبد للمدعى عليه، وهذا حاصل، والاختلاف في السبب لا يضر إذا لم يختلف المقصود لهما.\nوالله تعالى أعلم [بالصواب]\n* * *","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>الباب الثالث والعشرون في ما [لا] تجب فيه اليمين</span>\n<span data-type='title' id=toc-156>[الاستحلاف في الحدود]</span>\n[٤٠٣] [قال:]\nالحدود كلها لا تجب فيها الإيمان.\nلأن المقصود من اليمين النكول، والنكول: بذل أو إقرار فيه شبهة، والحدود لا تقام بحجة فيها شبهة؛ ألا ترى أنه لا تقام بكتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الشهادة، وشهادة رجل وامرأتين، فكذا لا نقام بالنكول؛ فلهذا لا يجري فيها إيمان إلا السرقة؛ فإنه يستحلف فيها إن أدعى المدعي فله مالًا حلفه على المال: بالله ما له عليك هذا المال، ولا شيء منه؛ لأن المال يثبت مع الشبهات؛ ألا ترى أنه يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الشهادة، وشهادة رجل وامرأتين، فحاز أن يثبت بالنكول.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>[الاستحلاف في الأشياء الستة أو السبعة]</span>\n[٤٠٤] قال:","vol":"2","page":214},{"text":"ولا يجري الاستحلاف في الأشياء الستة عند أبي حنيفة ﵁.\nوعندهما يجري.\nوالأشياء الستة [هي]: النكاح، والرجعة، والرف، والفيء في الإيلاء، والولاء، والنسب.\nثم ذكر صاحب الكتاب ستًا، وهي سبع.\nوالسابعة: أمية الولد.\nذكر في الجامع الصغير في آخر كتاب الدعوى: إذا أدعت. الأمة على مولاها أنها ولدت منه هذا الولد، أو كان الولد مات، وأدعت أمومية الولد، وأنكر المولى، لا يستحلف عند أبي حنيفة ﵀، ويكون القول قوله من غير يمين، وعندهما يستحلف. والمسألة معروفة.\nثم عندهما ومن يرى الاستحلاف في الأشياء السبعة من أصحابنا: كل","vol":"2","page":215},{"text":"نسب لو أقر به المدعي عليه يثبت يستحلف عليه من غير دعوى المال. وكل نسب لو أقر به لا يثبت لا يستحلف، إلا إذا أدعى المال بذلك النسب؛ بأن أدعى مالًا في يده، أو قبله، لا يثبت له ذلك المال، إلا بثبوت النسب، فيستحلفه على النسب.\nبيانه: أن إقرار الرجل يصح بأربعة نفر: بالأب، والابن، والزوجة، والمولى.\nوإقرار المرأة يصح بثلاثة نفر: بالأب، والزوج، والمولى.\nولا يصح بالأخ؛ لأن فيه حمل النسب على الغير، فلا يصح.\nإذا ثبت هذت فنقول:\nإذا أدعى على رجل أنه أبوه أو ابنه، ولم يدع مالًا بسببه،","vol":"2","page":216},{"text":"يستحلف عندهما ومن تابعهما؛ لأنه لو أقر به يثبت، فيستحلف لرجاء النكول، الذي هو إقرار عندهما ومن تابعهما.\nوإن أدعى أنه أخوه، أو عمه، أو ما أشبه، لا يستحلف المدعى عليه؛ لأنه لو أقر [به] لا يثبت؛ لأن فيه تحميل النسب على الغير، فكان هذا إقرارًا على الغير فلا يصح، إلا إذا أدعى مالًا بسببه؛ وذلك من وجهين:\nأحدهما: الميراث؛ بأن قال [المدعي]: أنه أخ للمدعى عليه لأبيه، وأن أباهما مات وترك مالًا في يد هذا المدعى عليه.\nوالثاني: النفقة؛ بأن قال المدعي، وهو زمن: إنه أخو المدعى عليه، والمدعى عليه قريبه موسر فأفرض لي عليه نفقة، وأنكر المدعى عليه أن يكون هذا المدعى أخاه إلا أن، يستحلف [المدعى] عليه على ما يدعي المدعي من النسب بالإجماع؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀، وإن كان لا يجري الاستحلاف في النسب أصلًا، وعندهما في دعوى الإخوة، لما قلنا، لكن هذه دعوى المال، وهو الميراث والنفقة،","vol":"2","page":217},{"text":"والاستحلاف يجري في المال لرجاء النكول.\nفإن حلف برئ.\nوإن نكل ثبت ما أدعى من المال، ولا يثبت النسب.\nوأجناس هذا أربعة:\nأحدهما: الميراث.\nوالثاني: النفقة.\nوالثالث: إذا أدعى حجرًا؛ بأن قال: هذا الصغير الذي التقطت أخي، وأنكر ذو اليد.\nوالرابع: إذا أدعى بطلان حق الرجوع؛ بأن وهب لإنسان هبة، وأراد الواهب الرجوع فيها، فقال الموهوب له: أنا أخوك.\nفثبت إنه إذا كان بسبب النسب بدعي مالًا، أو حقًا لازمًا، يستحلف بالإجماع، فإن المقصود إثبات ذلك الحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>[الاستحلاف في الوصية والوكالة وما شاكلهما]</span>\n[٤٠٥] قال:\nولو أن رجلًا أدعى أن فلانًا مات، وأوصى إلى هذا الرجل، وقال الرجل: لم يوص إلي؛ فإنه لا يستحلف.","vol":"2","page":218},{"text":"لأنه لو أقر أن الميت أوصى إليه، غير أنه لم يقبل [الوصية] لم يجبر على القبول، ولا يصير وصيًا، ولو قبل كان له أن يرد في حياة الموصي، فلم يكن المدعي حقًا لازمًا، وشرط صحة الدعوى أن يكون المدعي حقًا لازمًا، فإذا لم يكن لم يصح، فلا يستحلف.\nوكذا الوكالة، إذا أدعى أنه وكيل فلان على هذا.\nوأجناس هذا ثلاثة:\nالوصاية، والوكالة، والاستصناع، إذا أدعى الصانع على رجل أنه استصنع له كذا وكذا، فإنه لا يستحلف المستصنع؛ لأنه لو ثبت كان للمستصنع خيار، فلم يكن المدعي حقًا لازمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>[استحلاف الوصي في دعوى الأموال والحقوق على الميت]</span>\n[٤٠٦] قال:\nولو أن رجلًا أدعى على ميت مالًا أو حقًا من الحقوق، وقدم وصية إلى الحاكم، والوصي ليس بوارث، فأراد استحلاف الوصي على ما أدعى، فلا يمين على الوصي.","vol":"2","page":219},{"text":"لأن اليمين إنما كانت لرجاء النكول الذي هو بذل أو إقرار، والوصي لا يملك البذل والإقرار، فلا يستحلف؛ لأنه لا يفيد.\nوكذا الأب في ما يدعي على ولده الصغير.\n\n<span data-type='title' id=toc-160>[استحلاف البائع]</span>\n[٤٠٧] قال:\nولو أن رجلًا في يده غلام، أو جارية، أو عرض من العروض، فقدمه رجلان إلى القاضي، وأدعى كل واحد منهما أنه اشتراه من الذي هو في يده، فسأله القاضي عن دعوى الرجلين قبله، فهذا على وجهين:\nإن أقر أنه باع ذلك من أحدهما بعينه، وهو هذا، أو جحدهما.\nفإن أقر، فالقاضس يأمره بالتسليم.\nفإن قال الآخر: حلفه لي: [أنه] لم يبعه مني، فإنه","vol":"2","page":220},{"text":"لا يمين عليه في ذلك؛ لأنه بعد ما أقر بالبيع من هذا، لو أقر للآخر بعينه أو بذل لا يمكنه، فلا يفيد الاستحلاف.\nوكذا لو جحدهما جميعًا، فحلفه القاضي لأحدهما، فنكل عن اليمين، وقضى القاضي له، فقال الآخر: حلفه لي، فإنه لا يمين له عليه في ذلك.\nلأن القاضي مع أنه لا ينبغي أن يقضي للأول حتى يحلف الثاني، [لكن] لما جعل للأول فالقضاء صادف فصلًا مجتهدًا فيه؛ لما قلنا في الباب الحادي والعشرين، فنفد قضاؤه، فصار المدعى عليه خارجًا من اليمين، فلا يملك الإقرار والبذل، ولا يتوجه عليه اليمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-161>[الاستحلاف في دعوى النكاح]</span>\n[٤٠٨] قال\nوكذا النكاح، إذا أدعى رجل على امرأة نكاحًا، فهو على [هذا في] الوجهين اللذين ذكرناهما، إلا أن الوجه الأول يتأتى على قول الكل، والوجه الثاني يتأتى على قولهما.","vol":"2","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>[الاستحلاف في دعوى الهبة]</span>\n[٤٠٩] قال:\nوكذا لو أدعى كل واحد منهما هبة العبد أو الأمة من الذي هو في يده، وأنه قد قبضه، أو أدعى كل واحد منهما صدقة مقبوضة، فهو مثل الشراء في جميع ما ذكرنا.\nلأنه إذا ثبت الملك لأحدهما بينة أو إقرار لم يكن للآخر يمين في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>[الاستحلاف في الرهن والإجارة]</span>\n[٤١٠] قال:\nولو أدعى أحدهما أنه اشتراه منه، وأدعى الآخر أنه ارتهنه منه بألف درهم، أو استأجره منه بألف درهم، فسأله القاضي، فأقر به للمرتهن، أو للمستأجر أولًا، فقال له صاحب الشراء: حلفه لي: بالله ما باعه منه، فإنه يحلفه له.\nلأن المرهون والمستأجر ملكه، وبيعه بعد الإجارة والرهن منعقد صحيح لازم في حق البائع، وليس للمرتهن والمستأجر أيضًا حق الفسخ، فإذا كان بيعه ينعقد صحيحًا لازمًا في حق البائع بعد الرهن والإجارة، يملك البائع الإقرار به، فيفيد الاستحلاف.\nفإن حلف انتهى الكلام.","vol":"2","page":222},{"text":"وإن نكل ثبت البيع، وثبت الخيار للمشتري: إن شاء صبر إلى أن يفتك الرهن، وتمضي المدة في الإجارة، وإن شاء فسخ؛ لأنه لم يرض بتأخير حقه.\nوإن أقر لصاحب الشراء أولًا، فقال المرتهن أو المستأجر: حلفه لي: بالله ما رهنه، أو أجره منه، لم يكن عليه في ذلك يمين؛ لأن بعد البيع لا يملك الرهن والإجارة، فلا يملك الإقرار به، فلا يفيد الاستحلاف.\n\n[٤١١] قال:\nوكذلك لو كانا مدعيين الإجارة، وأقر لأحدهما لم يحلف للآخر؛ لأن إجارة المستأجر لا تصح على الآخر، ولا يلزمه، فلا يفيد الاستحلاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>[الاستحلاف في الشفعة]</span>\n[٤١٢] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، فقال: إن هذا اشترى الدار التي في موضع كذا التي أحد حدودها كذا، والثاني [كذا]،","vol":"2","page":223},{"text":"والثالث [كذا]، والرابع [كذا] بألف درهم، وأنا شفيعها بدار لي تلاصقها، فقال القاضي للمدعى عليه: ما تقول في ما يدعيه؟ فقال: هذه الدار في يدي لابني هذا الطفل، صح إقراره لابنه.\nلأن الدار في يده، واليد دليل الملك، فكانت الدار مملوكة له، فصح إقراره لابنه.\nفإن قال الشفيع: حلفه لي: ما أنا شفيعها، فلا يمين عليه في ذلك.\nلأن الأب إن أقر بالشفعة لإنسان على ابنه لا يصح، فلا يفيد الاستحلاف.\nوهذا من جملة المخارج والحيل في دفع الخصومات.\nفإن أقام الشفيع البينة على الأب على الشراء كان الأب خصمًا في ذلك.\nلأن الأب قائم مقام الابن شرعًا، فكان خصمًا، فتقبل البينة","vol":"2","page":224},{"text":"عليه، ويقضي للشفيع بالشفعة بالبينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>[الاستحلاف في صورة من صور الوصية والوكالة]</span>\n[٤١٣] قال:\nولو أن وصيا لرجل قدمه رجل إلى القاضي، وقال: إن فلانًا الميت أوصى إلى هذا الرجل وإلي، فسأل القاضي أن يسأل الوصي عن دعواه هذه، وأن يحلفه على ذلك. إن جحده، فإنه لا يمين على الوصي في ذلك؛ لأنه لو أقر [به] لم يصر وصيًا للميت بإقراره؛ لأنه إقرار على غيره فلا يفيد الاستحلاف.\nوكذا الوكالة على هذا.\n\n[٤١٤] [ولو أن] رجلًا أدعى على رجل أن فلانًا الغائب وكلني وهذا الرجل الآخر بقبض الدين، وأنكر الآخر، [فإنه] لا يستحلف.\nلأنه لو أقر لم يصر وكيلًا للغائب، فكذا هنا لا يستحلفه القاضي،","vol":"2","page":225},{"text":"ولا يسأله؛ لأنه لا يفيد السؤال، لأن فائدة السؤال الإقرار، ولو أقر لم يصر وكيلًا، لكنه يقول له: هلت بينة إن كانت لك، على دعواك بينة، وقد يكون الإنسان خصمًا في سماع البينة، وإن لم يكن خصمًا في باب اليمين.\nألا ترى أن الأب في ما يدعي على ولده الصغير خصم في حق سماع البينة؛ حتى تقبل عليه البينة، وليس بخصم في حق اليمين؛ حتى [إنه] لا يستحلف كذا هذا.\nوالله تعالى أعلم\n* * *","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>الباب الرابع والعشرون في رد الإيمان ومن لا يرى ردها</span>\n<span data-type='title' id=toc-167>[اختلاف السلف في مسألة رد الإيمان]</span>\n[٤١٥] ذكر عن الشعبي أن المقداد بن الأسود استسلف من عثمان ﵁ سبعة آلاف درهم، فلما أتاه بها أتاه بأربعة آلاف درهم، فقال عثمان ﵁: أنها كانت سبعة آلاف درهم، فقال المقداد: ما كانت إلا أربعة آلاف، فلم يزالا حتى ارتفعا إلى عمر بن الخطاب رضي","vol":"2","page":227},{"text":"الله عنه، وكان ذلك في خلافته، قال: فقال المقداد: يا أمير المؤمنين، ليحلف أنها كما يقول، وليأخذها.\nفقال عمر ﵁: قد انصفك، احلف إنها كما تقول، وخذها.\nفقال عثمان ﵁: لا أحلف.\nفقال: أن لا تحلف فخذ ما أعطاك.\nقال: فأخذها.\nقال: فلما قام المقداد قال عثمان: والله إنها كانت لسبعة آلاف.\nفقال: فما منعك أن تحلف، وقد جعلت ذلك إليك، والله إن هذه لسماء، وإن هذه لأرض، وإن هذه لشمس، وإن هذا لنهار؟!","vol":"2","page":228},{"text":"اشتمل الحديث على فوائد:\nمنها: إنه علم أن عمر ﵁ كان ممن يرى رد اليمين إلى المدعي، ألا ترى أنه عد هذا من الإنصاف؟!\nوالمسألة مختلفة بين الصحابة ﵃:\nفكان عمر ﵁ يرى رد اليمين إلى المدعي، وعلي ﵁ ممن لا يرى ذلك.\nوالشافعي ﵁ أخذ بقول عمر ﵁.\nوعلماؤنا ﵃ أخذوا بقول علي رضي الله تعالى عنه.\nوقد صح رجوع عمر ﵁ [عن ذلك]:","vol":"2","page":229},{"text":"فإنه روي أن امرأة ادعت على زوجها أنه قال لها: حبلك على غاربك، فحلفه عمر: بالله ما أراد به الطلاق، فنكل فقضى بالفرقة.\nوالقضاء بالنكول إنما يتصور إذا كان لا يرى رد اليمين إلى المدعي، فكان تأويل حديث عمر مع عثمان والمقداد أحد الوجهين:\n[أما أن كان] قبل الرجوع، أو كان بطريق الصلح.\nفقد ذكر محمد ﵀ في كتاب الاستحلاف أنه يجوز رد اليمين","vol":"2","page":230},{"text":"إلى المدعي على وجه الصلح.\nوذكر في الجامع الصغير أن الصلح عن اليمين جائز، حتى لا يكون له أن يستحلفه على تلك اليمين أبدًا، فلما جاز الصلح جاز أيضًا رد اليمين على وجه الصلح.\nومنها أنه لا بأس باليمين الصادقة؛ ألا ترى أن عمر ﵁ قال: ما منعك أن تحلف؟\nوهذا لأن في اليمين تعظيم المقسم به، فمتى كان صادقًا في اليمين كان فيه تحقيق معنى التعظيم، فلم يكن به بأس.\nوعثمان ﵁ تحرز عن اليمين الصادقة صيانة لنفسه عن اليمين.\nثم قال صاحب الكتاب:\nإن القرض كان سبعة آلاف، والتجاحد كان في ثلاثة آلاف، وغيره من رواة الحديث قالوا: إنها كانت اثنى عشر ألفًا، والتجاحد كان في خمسة آلاف؛ لأنه أتاه بسبعة آلاف وجحده في خمسة","vol":"2","page":231},{"text":"آلاف.\nثم الأخبار إلى أخر الكتاب على هذا الأصل، فبعضهم رأوا رد اليمين إلى المدعي، وبعضهم أبوا [ذلك]، وبقولهم أخذ علماؤنا.\nوالله تعالى أعلم\n* * *","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>الباب الخامس والعشرون في اليمين على العلم</span>\n<span data-type='title' id=toc-169>[اختلاف السلف في أخذ اليمين على العلم أو البتات]</span>\n[٤١٦] ذكر عن الشعبي أنه قال:\nكان شريح يحلف البتة في الرجل يدعي على أبيه دينًا، فإن حلف وإلا أخذ منه.\nواختلف السلف في هذا؛ إن الرجل إذا أدعى على مورثه دينًا أو عينًا كيف يحلف؟ على العلم، أو على البتات؟","vol":"2","page":233},{"text":"قال شريح: يحلف على البتات.\nوبه أخذ ابن أبي ليلى.\nوقال إبراهيم النخعي والحسن البصري: يحلف على العلم.","vol":"2","page":234},{"text":"وبه أخذ علماؤنا.\nهما يقولان بأن الاستحلاف ينبني على الإنكار، وفي الإنكار لا يكفيه العلم، بل يلزمه أن ينكر باتًا؛ فإنه لو قال المدعى عليه: لا علم لي بأن له علي دينًا، أو قال: لا علم لي بأن العين الذي في يده ملك المدعي، أم لا، لا يكفيه؛ بل يلزمه الجواب باتًا بالإنكار إن كان منكرًا.\nفكذلك الحلف لا يكفي فيه بالعلم؛ بل يلزمه الحلف باتًا.\nوالدليل على ذلك: أن الابن إذا أدعى دينًا لأبيه الميت، يكون الاستحلاف على البتات لا على العلم، فكذا ههنا.\nوإنا نقول: مباشرة سبب هذا الدين لم توجد من الوارث، وإنما كان من المورث؛ كالاستحلاف على فعل نفسه، فيكون على البتات.","vol":"2","page":235},{"text":"أما على فعل الغير فيكون على العلم.\nأصله حديث القسامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>[طلب الدائن استحلاف الوارث في دعوى المال على المورث]</span>\n[٤١٧] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي [وقال]:\nإن أبا هذا قد توفى، ولي عليه ألف درهم، فإنه ينبغي للقاضي أن يسأل المدعى عليه: هل مات أبوه؟\nلأن الجواب إنما يتوجه على الابن [إذا صار خصمًا] وإنما ينتصب الابن خصمًا بعد موت الأب.\nفبعد ذلك المسألة على وجهين:\nإما أن أقر، وقال: نعم.\nأو أنكر أن يكون أبوه مات.\nفإن أقر، وقال: نعم، سأله عن دعوى الرجل على أبيه.\nلأنه صار خصمًا، والجواب يتوجه على الخصم.\nفإن أقر له بالدين على أبيه يستوفى الدين من نصيبه.\nلإقراره على نفسه بذلك.\nوإن أنكر، فأقام المدعي البينة على ذلك تقبل، ويقضي بالدين، ويستوفي من التركة، لا من نصيب هذا الوارث.","vol":"2","page":236},{"text":"لأن أحد الورثة ينتصب خصمًا في ما يدعى على الميت، فصارت البينة القائمة على هذا الواحد كالقائمة على جميع الورثة، أو على المورث لو كان حيًا، فيثبت الدين في جميع التركة، فيستوفى من التركة؛ بخلاف الإقرار.\nوإن لم يكن للمدعي بينة على ذلك، وأراد استحلاف هذا الابن، يستحلف على العلم عند إبراهيم، والحسن، وهو قول علمائنا؛ خلافًا لابن أبي ليلى وشريح.\nيحلف عندنا: بالله ما يعلم أن لفلان بن فلان هذا على أبيك هذا المال الذي أدعاه وهو ألف درهم، ولا شيء منه.\nفإن حلف انتهى [الكلام].\nوإن نكل يستوفى الدين من نصيبه.\nفإن قال: لم يصل إلي من ميراث أبي شيء ينظر: إن صدقه المدعي فلا شيء له، وإن كذبه، وقال: لا، بل وصل إليه ألف درهم، أو أكثر، يحلف على البتات: بالله ما وصل إليه من مال أبيه هذه الألف، ولا شيء منها.\nلأنه يحلف على فعل نفسه.","vol":"2","page":237},{"text":"فإن نكل لزمه القضاء.\nوإن حلف لا شيء عليه.\nهذا إذا حلفه على الدين أولًا، ثم [حلفه] على الوصول.\nوإن حلفه على الوصول، ولم يكن حلف المدعي على الدين، فأراد أن يحلفه على الدين بعد ما حلفه على الوصول، فقال الابن: ليس علي يمين؛ لأنه لم يصل إلي من ميراث أبي شيء، فإن القاضي لا يقبل قوله، ويحلفه على العلم.\nلأن الحاجة إلي إثبات الدين، وفي إثبات الدين لا تقع الحاجة إلى وصول شيء من الميراث إلى يده، وفي إثبات الدين فائدة، فإنه متى استحلف، وأقر، أو نكل، وثبت الدين بعد ذلك، إذا ظهر للأب وديعة، أو بضاعة عند إنسان لا تقع الحاجة إلى الإثبات، فكان فيه فائدة منتظرة.\nهذا إذا حلفه على الوصول أولًا ثم على الدين.\nأما إذا أراد أن يحلفه على الدين أولًا، فقال الابن: لم","vol":"2","page":238},{"text":"يصل إلي من ميراث أبي شيء، فليس علي يمين. ينظر:\nإن صدقه المدعي، ومع هذا أراد استحلافه على الدين فله ذلك، لما قلنا.\nوإن كذبه، وأراد استحلافه على الدين والوصول جميعًا، لم يذكر هذا في الكتاب. واختلف المشايخ فيه:\nقال بعضهم: يستحلف يمينًا واحدةً: بالله ما وصل إليه ألف درهم، أو شيء منها من تركة أبيك، ولا نعلم أن لهذا الرجل على أبيك دينًا من هذا الوجه الذي يدعي.\nويجوز أن يجمع بين اليمين على البتات واليمين على العلم؛ كما في حديث القسامة.\nوقال عامتهم: يحلف مرتين؛ لأنه إنما يجمع بين اليمينين إذا كانا من جنس واحد وسببهما واحد، وههنا قد اختلف الجنس؛ فإن اليمين على البتات ليس من جنس اليمين على العلم، وسببهما مختلف، فلا يجمع بينهما، بخلاف القسامة؛ لأن سببهما واحد وهو القتل، لكن يحلف مرة على الوصول على البتات ومرة يحلف على الدين","vol":"2","page":239},{"text":"على العلم.\nهذا إذا أقر، وقال: نعم.\nأما إذا أنكر أن يكون أبوه مات، وأراد الغريم استحلافه على ذلك يحلف على الموت والوصول يمينًا واحدة، لكن على الموت على العلم، وعلى الوصول على البتات: بالله ما تعلم أن أباك مات، ولا وصل إليك من ميراثه شيء.\nهكذا ذكر في بعض النسخ، وبه أخذ أولئك المشايخ.\nوعامة مشايخنا على أنه يحلف مرتين: على الموت مرة على العلم، وعلى الوصول مرة على البتات.\nفإن نكل حتى ثبت الموت يحلف على الدين على علمه.\nفإن حلف فليس عليه شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-171>[طلب الوارث استحلاف المدين في دعوى مال مورثه]</span>\n[٤١٨] قال:\nولو أن رجلًا مات فادعى وارثه على رجل أنه كان لأبيه عليه ألف درهم دينًا، وصار ميراثًا له، وأقر المدعى عليه بالموت، وأنكر","vol":"2","page":240},{"text":"الدين، وأراد الوارث أن يحلفه [فإنه] يحلفه بالله البتة: ما كان لأبيه عليه ألف درهم دينًا، ولا شيء منه من الوجه الذي يدعي.\nوعلى قول شريح: يحلف الوارث أولًا على البتات: بالله ما قبض الأب منه شيئًا.\nهو يقول بأن الدين إنما ينتقل إلى ملك الابن إذا لم يقبض الأب، أما إذا قبض فلا.\nونحن نقول: إن الدين إذا ثبت للأب على المديون يبقى إلى أن يوجد المسقط وهو القبض؛ ألا ترى أن في حياة الأب يحلف المديون على الدين، ولا يحلف الأب بالله ما قبض، إلا أن يكون المديون يقر ويدعي الاستيفاء، فكذا هذا.\nوكذا إذا أقام الابن البينة على الدين، لا يحلف على قبض الأب عندنا.\nوعند الشافعي وشريح يحلف البتة.\nفإن حلف أخذ المال، وإلا فلا.\nهذا معنى ما قال في أول الباب حاكيًا عن شريح: ويكون لأبيك على","vol":"2","page":241},{"text":"إنسان دين تدعيه، فتقيم البينة، فإن حلفت مع بينتك، وإلا لم أعطك.\nفإن أقر المديون، وادعى الابن أن أباه قبض منه الدين، أو عرض المديون فقال: قد يكون لإنسان على إنسان [دين] ثم لا يبقى، باعتبار أن صاحب الدين يقبض ذلك منه، وأنا لا أحب أن أقر بشيء، مخافة أن يلزمني، وأراد الاستحلاف، فحينئذ يحلف الابن على العلم: بالله ما يعلم أن أباه قبض هذا المال.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>[استحلاف الوارث على الوصية]</span>\n[٤١٩] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا وارث الميت إلى القاضي، وادعى أن له على الميت حقًا مسمى، وإن الميت أوصى إليه بوصية، فإن الوارث يستحلف على علمه في ذلك.\nلإنه يستحلف لا على فعله.\n\n<span data-type='title' id=toc-173>[استحلاف المشتري]</span>\n[٤٢٠] قال:\nولو أن رجلًا اشترى من رجل جارية أو غيرها، وقبض ذلك منه، ثم إن رجلًا ادعى أنه اشترى ذلك من البائع، قبل أن يشتريه منه هذا، وقدم هذا المشتري إلى القاضي، فإن المشتري الذي ذلك في يده يحلف [على علمه] لكن على السبب: بالله ما يعلم أن هذا الرجل اشترى","vol":"2","page":242},{"text":"هذا الشيء من فلان بن فلان قبل أن تشتريه أنت منه.\nإما [إنه] يستحلف، فلأن المدعي يدعي شيئًا لو أقر به لزمه، فإن أنكر يستحلف.\nوإنما يستحلف على العلم؛ لأنه استحلاف على فعل الغير.\nفإن عرض المشتري الذي هو ذو اليد بشيء، فقال: قد يشتريه ثم ينتقض البيع، ولا أحب أن أقر مخافة أن يلزمني، فإن القاضي يحلفه الآن على الحاصل: بالله ما يعلم أن هذا الشيء شراء لهذا من فلان قبل أن تشتريه انت؛ على التفسير الذي فسرناه في باب اليمين.\nلأنه لما عرض، فقد طلب النظر من القاضي، فيجب النظر له.\nقال القاضي الإمام أبو الحسن علي السغدي:","vol":"2","page":243},{"text":"النظر لا يحصل بما قال صاحب الكتاب، وإنما يحصل إذا حلفه: بالله ما هذا الشيء له من الوجه الذي يدعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>[استحلاف المولى على جناية عبده]</span>\n[٤٢١] قال:\nوكذلك لو أن رجلًا قدم رجلًا إلى الحاكم، فادعى أن غلامًا له قد استهلك له مالًا، أو جنى عليه جناية دون النفس، أو ادعى أنه","vol":"2","page":244},{"text":"جنى على ابنه، أو على عبده جناية في النفس، أو في ما دونها، أو ادعى أنه قتل وليًا له خطأ، أو ادعى أنه قتل له وليًا عمدًا، وأراد استحلاف المولى على ذلك، فهذا على وجهين:\nإن ادعى جناية موجبة للمال فاليمين تتوجه على المولى دون العبد.\nلأن اليمين مشروعة لرجاء الإقرار، وإقرار المولى [بالمال] على عبده صحيح، فإما إقرار العبد بذلك فلا يصح؛ بخلاف ما إذا ادعى المال على العبد فإنه تتوجه اليمين على العبد.\nلأن إقرار العبد على نفسه بالمال صحيح في حق نفسه، إلا أنه لا يستوفى في الحال لحق المولى، بدليل أنه إذا سقط حق المولى بالعتق، يطالب به العبد للحال.\nأما إقرار العبد على نفسه بالجناية الموجبة للمال،","vol":"2","page":245},{"text":"فلا يصح، حتى لا يطالب به العبد بعد العتق، فكانت اليمين في هذا على المولى.\nوإن ادعى جناية موجبة للقصاص فاليمين تتوجه على العبد.\nلأن إقرار العبد بالقصاص على [فعل] نفسه صحيح، وإقرار للمولى بذلك لا يصح، فلا يستحلف. إلا أن في الوجه الثاني العبد يستحلف على البتات، وفي الوجه الأول المولى يستحلف على العلم؛ لإن العبد يستحلف على فعل نفسه، والمولى يستحلف على فعل غيره، والاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم. وعلى فعل نفسه يكون على البتات.\nمثال الأول:\nرجل وكل رجلًا بطلب حقه قبل فلان وقبضه من المطلوب، ثم جاء صاحب الحق يطالب فلانًا، فقال المطلوب: قد كنت دفعت ذلك إلى وكيلك، وأنكر الطالب ذلك منه، فإنه يستحلف على علمه في ذلك.\nلأنه استحلاف على فعل غيره.","vol":"2","page":246},{"text":"ومثال الثاني:\nرجل اشترى من رجل أمة وقبضها، فجاء رجل وادعى أنها له، فإن المشتري يحلف البتة على دعواه؛ لأنه لم يستحلف على فعل غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>[الاستحلاف في دعوى الميراث]</span>\n[٤٢٢] قال:\nولو أن رجلًا ادعى دارًا في يد رجل فأراد أن يستحلفه، فقال المدعى عليه: هذه الدار ورثتها من أبي، فقال المدعي: ما ورثت هذه الدار، ولكنها وصلت إليك من غير ميراث، فإنه لا يقبل قول المدعى عليه، ويحلفه البتة على دعوى المدعي.\nلأن سبب استحقاق اليمين على البتات قد تقرر، وهو ظهور الدار في يده، فيكون خصمًا لهذا المدعي.\nفقوله: وصلت إلي من جهة الميراث يريد إسقاط يمين البتات عن نفسه، فلا يقبل ذلك منه إلا بحجة.\nفإن قال الذي في يده الدار [للقاضي]: حلف هذا المدعي أنها لم تصل إلي من ميراث أبي، حلفه القاضي: بالله ما يعلم أنها وصلت إليه","vol":"2","page":247},{"text":"من قبل ميراث أبيه؛ لأنه ادعى عليه شيئًا لو أقر به لزمه، وسقطت يمين البتات عن المدعى عليه.\nفإذا جحد يستحلف، لكن على العلم.\nلأنه [استحلاف] على فعل غيره.\nفإن حلف المدعي لم يثبت وصول هذه الدار إلى المدعى عليه بجهة الميراث، فتتوجه يمين البتات عليه.\nوإن نكل ثبت الوصول بجهة الميراث، فحينئذ يستحلف المدعى عليه على العلم: بالله ما يعلم أن هذه الدار لهذا الرجل من الوجه الذي يدعيه.\n\n[٤٢٣] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وقال: إن أبا هذا توفي، ولي عليه ألف درهم، وسأل القاضي المدعي على أبيه المال عن ذلك فقال:","vol":"2","page":248},{"text":"قد مات أبي، ولهذا عليه ألف درهم، فقال المدعي: قد ترك أبوه مالًا، وسمى ألفًا أو أكثر من ذلك، فسأله القاضي عن ذلك فقال: ترك أبي هذه الألف وهؤلاء إخوتي، وأحضرهم، وهم اثنان، أو ثلاثة، صغارًا [كلهم] أو كبارًا كلهم، أو صغارًا وكبارًا، فالمسألة على وجهين:\nإما أن أقر بالدين أولًا ثم ادعى أن هؤلاء إخوته كما ذكر في الكتاب.\nأو ادعى الإخوة أولًا، وقال: هؤلاء إخوتي، وهذه الألف من بركة أبينا.\nففي الوجه الأول: يؤمر بتسليم جميع الألف إلى صاحب الدين، ولا يقبل قوله: إن هؤلاء إخوتي إذا كانوا لا يعرفون إلا بقوله.\nلأنه لما أقر بالدين، وإن الألغ تركة الميت الآن، صارت","vol":"2","page":249},{"text":"الألف مستحقة للمقر له عينًا؛ لأن الدين بعد الموت يتعلق بالتركة وتتعين التركة لقضاء الدين.\nفإذا صارت مستحقة للمقر له عينًا، فإقراره بالإخوة بعد ذلك مما يؤدي إلى إبطال الاستحقاق الثابت له لا يقبل، فيؤمر بالتسليم إليه.\nوفي الوجه الثاني: يؤمر بتسليم نصيبه إليه.\nلأنه لما أقر بالإخوة أولًا فقد أقر لهم بالشركة، وصارت التركة مقسومة بينهم بالحصص، فبعد ذلك إقراره بالدين على نفسه يصح لا على غيره، ويستوفي نصيبه من ذلك الدين.\nونظير هذا إذا اختلف الشفيع والمشتري، فقال المشتري: اشتريت بألفين، وقال الشفيع: لا، بل اشتريت بألف، وقال البائع:","vol":"2","page":250},{"text":"بعت بألفين، واستوفيت الثمن، فيعتبر قول البائع، ويجب على الشفيع ألفان، لا يأخذ الدار إلا بها.\nومثله: لو قال: بعت واستوفيت الثمن وهو ألفان، فإنه لا يعتبر بيانه، فافترق الحال بينهما إذا قدم أو أخر.\nوكذلك في كتاب الإقرار إذا قال وصي الميت: استوفيت حق الميت الذي على فلان، وهو كذا وكذا، أو قال: استوفيت من فلان كذا وكذا، وهو جميع حق الميت الذي كان عليه، يفترق الحال بينهما، وموضعهما كتاب الإقرار.\nوالله تعالى أعلم\n* * *","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>الباب السادس والعشرون في من قال: تقبل البينة بعد اليمين</span>\n[٤٢٤] ذكر عن شريح أنه قال:\nاليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة.\nيريد بهذا أن الرجل إذا ادعى على غيره حقًا واستحلفه، فحلف، بم جاء المدعي بعد ذلك بالبينة فإن بينته تكون مقبولة.","vol":"2","page":252},{"text":"لأنه لما جاء بالبينة العادلة تبين أن المدعى عليه كان كاذبًا في يمينه، فكان رد اليمين الفاجرة أولى من رد البينة العادلة.\nوهذا مذهبنا.\nوهو مروي عن عمر بن الخطاب وشريح ﵄.\nوقال ابن أبي ليلى:\nلا تقبل البينة من المدعى بعد يمينه المدعى عليه.\nهو يقول:\nفصل الخصومة إنما يكون بشيئين:\n[إما] بالبينة من جانب المدعي\nأو باليمين من جانب المدعى عليه.","vol":"2","page":253},{"text":"ثم لو فصل الخصومة بالبينة من جانب المدعي [وجب أن] لا يجوز المصير إلى يمين المدعى عليه، فإذا فصل الخصومة باليمين من جانب المدعى عليه وجب أن لا يجوز المصير إلى بينة المدعي.\nوإنا نقول:\nبيمين المدعى عليه لم تنفصل الخصومة، لكن القاضي لا يمكن المدعي من الخصومة إلا بحجة. والحجة أنواع: بينة، وإقرار، ونكول، فإذا انتفى الإقرار والنكول تعينت البينة، فإذا جاء بالبينة فقد نور دعواه بالحجة، وتبين أن المدعى [عليه] كان كاذبًا في يمينه، فوجب العمل بالبينة العادلة، لا باليمين الكاذبة.\n\n[٤٢٤] وذكر في الباب أخبار تدل على صحة ما قلنا.\n\n[٤٢٥] [قال]\nوكذلك إذا قال المدعي للمدعى عليه: إذا حلفت فأنت برئ من هذا الحق الذي ادعيت قبلك، أو قال: احلف وأنت برئ من هذا","vol":"2","page":254},{"text":"الحق الذي ادعيت قبلك، فحلف، ثم جاء بالبينة بعد ذلك الحق، تقبل بينته.\nلأن قوله: إذا حلفت، هذا شرط، وقوله: فأنت برئ، جزاء معلق بالشرط، فإن الجزاء إنما يتعلق بالشرط بحرف الفاء، وقوله: احلف، أمر [منه]. وقوله: وأنت برئ، جواب له، فإن جواب الأمر يكون بالواو، فكان هذا بمنزلة المعلق بالشرط أيضًا.\nألا ترى أن المولى إذا قال لعبده: إن أديت إلي ألفًا فأنت حر كان تعليق العتق بأداء الألف.\nولو قال له: أد إلي ألفًا وأنت حر كان بمنزلة الأول.\nفإذا ثبت أن هذا تعليق بالشرط، فالبراءات مما لا يجوز تعليقها بالشروط، وإذا لم يصح [فقد] بقى مجرد اليمين، وقد ذكرنا أن البينة بعد اليمين مقبولة.\nوالله أعلم","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>الباب السابع والعشرون في المدعي يقول: ليس لي شهود ثم يأتي ببينة</span>\n[٤٢٦] قال احمد بن عمرو وصاحب الكتاب:\nقال أبو حنيفة ﵁ في رجل قدم رجلا إلى القاضي فادعى قبله مالا، أو حقًا من الحقوق، فأنكر المدعي عليه ذلك، فقال [للقاضي] حلفه، فسأله القاضي: ألك بينة؟ فقال: لا، فحلف المدعي عليه، فلما حلف، قال المدعي: لي بينة، فإن القاضي يقبل ذلك منه.\nوهذا قول أبي حنيفة ﵀ خاصة، روي عن الحسن ابن زياد.\nوقال محمد ﵀: لا تقبل، روى عنه صاحب الإملاء.\nولا يحفظ عن أبي يوسف رواية في هذا.\nوهذا الاختلاف لا يوجد في المبسوط.\nمحمد ﵀ يقول بأن المدعي لما قال: لا بينة لي، ثم أتى بالبينة","vol":"2","page":256},{"text":"صار مناقضًا، والمناقض لا قول له؛ ألا ترى انه لو قال: لا حق لي قبله، ثم ادعى عليه حقًا لا تصح دعواه؟ كذا هذا. وإذا لم تصح الدعوة لا تقبل الشهادة؛ لأن الشهادة لا تقبل إلا بعد استشهاد المدعي.\nوأبو حنيفة يقول:\nلا منافاة بين استشهاده في الانتهاء، وبين ما قاله في الابتداء؛ لأنه انما قال ذلك في الابتداء لأنه لم يعلم [أن هؤلاء شهوده، بأن لم يعلم بأن هؤلاء عاينوا ذلك السبب، ولا علموا ذلك الأمر، ثم علم أنهم شهوده].\nأو لم يكن هؤلاء شهوده، ثم صاروا شهوده؛ بأن أقر المدعى عليه عندهم، فلم يكن بينهما تناف، فلا يكون المدعي مناقضًا، فتسمع بينته.\nوكذلك لو قال المدعي: كل بينة آتي بها فإنما هم شهود زور.","vol":"2","page":257},{"text":"وكذلك لو قال: ليس لي عند فلان شهادة في ما ادعى قبل هذا، [ثم] حلف القاضي خصمه، ثم قال: لي بينة، فهو على هذا الخلاف.\nوكذلك إن جاء الرجل الذي سماه، وقال: لا شهادة لي عنده، فشهد له على هذا الحق.\nوكذلك لو قال: مالي عند فلان وفلان شهادة على هذا، ثم ادعى بعد ذلك شهادتهما عليه.\nوكذلك لو قال: كل شهادة شهد لي بها فلان وفلان على فلان بهذا الحق، فلا حق لي فيها، ثم ادعى بعد ذلك شهادتهما عليه، وجاء بهما يشهدان عليه، فهو على هذا الخلاف.\nوالله تعالى أعلم","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>الباب الثامن والعشرون في النكول عن اليمين</span>\n[٤٢٧] ذكر عن شريح أن رجلًا نكل عن اليمين عنده، فقضى عليه بالنكول، فقال الرجل إذن احلف، قال: قد مضى قضائي.\nدل الحديث على أن شريحًا كان مما يرى القضاء بالنكول.\nوهذه مسألة اختلف فيها السلف:","vol":"2","page":259},{"text":"منهم من قال: يجوز القضاء بالنكول منهم شريح وبقولهم أخذ علماؤنا ﵏.\nومنهم من قال: لا يقضي، لكن ترد اليمين إلى المدعي منهم الشعبي، وبقولهم أخذ الشافعي ﵀.\n\n[٤٢٨] ذكر عن ابن أبي مليكة عن ابن العباس ﵄","vol":"2","page":260},{"text":"أنه أمره أن يستحلف امرأة، فأبت فألزمها ذلك.\nدل ذلك على أن ابن عباس ﵄ كان ممن يرى جواز القضاء بالنكول.\n\n[٤٢٩] ذكر عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه باع غلامًا له بثمانمائة درهم، فوجد المشتري به عيبًا، فخاصمه [المشتري] إلى عثمان ﵁، فقال: بعته بالبراءة، فقال له: احلف بالله لقد بعته وما به عيب تعلمه، فقال: بعته بالبراءة، وأبى أن يحلف، فرده عثمان ﵁.","vol":"2","page":261},{"text":"دل الحديث على أن عثمان كان ممن يرى جواز القضاء بالنكول.\nلكن، في الحديث أشكال، أن البيع كان بشرط البراءة عن العيب وفي هذا تكون اليمين على المشتري فلماذا حلف ابن عمر؟\nتأويله أن عثمان ﵁ كان لا يرى تصحيح الشرط.\n\n[٤٣٠] ذكر بعد هذا الحديث الشعبي؛ لبيان أنه كان لا يقضي بالنكول، لكن يرد اليمين على المدعي.\n\n[٤٣١] قال:\nوإذا قدم رجل رجلا إلى القاضي، وادعى عليه مالا، من قرض أو مداينة، أو ادعى في يده ضبعة أو دارا، وحددها، وعين ذلك، واستحلفه القاضي على ذلك، فأبى أن يحلف، فإن القاضي يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثًا، فان حلفت، وإلا ألزمتك دعوى الرجل.\nوالذي أعرض عليك: أن تحلف: بالله مالهذا عليك هذا المال الذي","vol":"2","page":263},{"text":"ادعى، وهو كذا وكذا، لا شيء منه، أو ما لهذا في يديك هذه الضيعة، أو الدار التي حدد، أو الجارية التي سمى، فإن نكلت عن اليمين ألزمتك جميع هذا الشيء.\nفإذا قال ذلك يقول له: احلف: بالله ما لهذا عليك هذا المال الذي ادعى، كذا وكذا، ولا شيء منه.\nفإن أبى قال له مرة أخرى مثل ذلك.\nفإن أبى قال له: بقيت الثالثة ثم أحكم عليك.\nثم يقول له الثالثة: احلف على مثل ما قال له أول مرة.\nفإن نكل عن اليمين ألزمه ذلك الشيء الذي ادعاه المدعي قبله.\nوإنما قدره بثلاث مرات؛ ليكون أبلغ في إبلاء العذر.\nفإن قضى القاضي بنكوله في المرة الأولى، نفذ قضاؤه؛ لأن نكوله متعين للتورع عن اليمين الكاذبة. وقد وجد دليل القضاء، لكن الإمهال وترك الاستعجال أولى، لكن مع هذا إذا قضى به نفذ قضاؤه، كالمرتد يمهله ثلاثة أيام، فلو لم يمهله وقتله كان مصيبًا، وإن كان الإمهال أولى.\nفإن قال في المرة الأولى: لا احلف، ثم قال في المرة الثانية: احلف، فلما قال له القاضي: قل والله، قال: لا احلف، ثم قال في المرة الثالثة لا احلف، فإن القاضي يحتسب ذلك كله عليه الأولى","vol":"2","page":264},{"text":"والثانية فيقضي عليه؛ لأن بقوله في المرة الثانية احلف لم يصر موفيا [خصمه] حقه في اليمين، فيحتسب به.\nألا ترى أن المرتد إذا أمهل ثلاثة أيام، فقال في اليوم الأول: لا أسلم، ثم قال في اليوم الثاني: اسلم، ثم قال في اليوم الثالث: لا اسلم، فإن القاضي يحتسب الكل ويقتله في اليوم الثالث كذا ههنا.\nفرق بين هذا وبين مسألة ذكرها بعد هذا، وهو أن المدعى عليه إذا استمهل من المدعي ثلاث أيام، بعم ما قال في المرة الأولى: احلف، ثم جاء بعد مضي المدة وأبى اليمين، فإن النكول المتقدم لا يعتبر، ويستقبل القاضي عرض اليمين عليه ثلاث مرات.\nوالفرق أن عرض اليمين إنما [يبقى] معتبرا إذا بقى الاستحلاف مستحقا للمدعي.\nففي المسألة الأولى بقى حقًا مستحقًا للمدعي في المهلة، فبقي عرض اليمين معتبرا.\nوفي هذه المسألة لم يبق حقا مستحقًا للمدعي في مدة المهلة، فلا","vol":"2","page":265},{"text":"يبقى عرض اليمين معتبرا.\n\n[٤٣٢] قال:\nفلو نازعه الرجل، وادعى عليه حقًا من الحقوق، فقال: ما لهذا علي هذا الحق، فأراد استحلافه، فقال له القاضي: قل والله؛ ليحلفه له، فسكت عن جواب القاضي، ولم يجبه، فإن القاضي يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثا، فإن لم تحلف قضيت عليك بما ادعى [عليك به].\nثم تعرض عليه اليمين ثلاثا، فإن حلف وإلا ألزمه ذلك.\nلأنه امتنع عن اليمين المستحقة عليه، فيجعله القاضي ناكلا، إلا ترى أنه لو سكت عن جواب الخصم يجعله القاضي مجيبًا، فكذا هنا.\nفكأن النكول نوعان: حقيقة، وحكمًا.\nفالحقيقة: أن يقول: لا أحلف.\nوحكما: أن يمتنع عن اليمين، لكن هذا إن لم يكن به آفة.\nأما إذا كان في لسانه آفة تمنعه عن الجواب، أو بأذنه آفة تمنعه عن السماع، لا يجعل الامتناع عن اليمين نكولا حكما؛ لأن الإنسان","vol":"2","page":266},{"text":"قد يسمع كلام القاضي، لكنه لا يمكنه أن يجيب لآفة في لسانه.\nوقد يمكنه أن يجيب، لكن لا يسمع كلام القاضي لآفة في سمعه.\nوما لم يسمع، ويقدر على الجواب، لا يصير ظالمًا، فلا يجعل نكولا حكمًا.\nوفي مسألتنا هذه سمع وقدر على الجواب؛ لأنه قد سمع كلام الخصم، وأجابه في مجلس القاضي بالإنكار، فيقدر أن يسمع كلام القاضي، ويجيبه، فإذا امتنع يجعله القاضي ناكلا.\n\n[٤٣٣] قال:\nولو أنه حين قدمه إلى القاضي، وادعى عليه الحق الذي زعم أنه قبله، فسأله القاضي عن دعواه، فسكت، ولم يجب القاضي لا بقليل، ولا بكثير، وكلما كلمه القاضي بشيء لم يرد عليه الجواب، فإن القاضي يأمر المدعي أن يأخذ منه كفيلا، حتى يسأل عن قضيته، وحاله، هل به آفة تمنعه من السمع والكلام.\nلأنه محتمل، فلابد أن يسأل؛ ليتبين حاله.\nفإن فعل ذلك، وظهر أنه لا آفة به، وادعاه إلى مجلس القاضي، وادعى [عليه] وهو ساكت كذلك، فإن القاضي يعرض عليه اليمين","vol":"2","page":267},{"text":"ثلاثًا، ويقضي عليه بالنكول.\nهذا هو الكلام في غير الحدود والقصاص.\nفأما الحدود فلا يقضي فيها بالنكول:\nأما الحدود الخاصة [لله تعالى] فلأنه لو رجع بعد الإقرار صح.\nوأما حد القذف، فلأن المغلب فيه حق الله تعالى، أنه يندرئ بالشبهات، فلا يقام بحجة فيها شبهة.\nوأما القصاص فيستحلف فيه بالإجماع، سواء كان القصاص في النفس، أو فيما دون النفس، ثم يقضي بالنكول في النفس بالدية، وفيما دون النفس بالأرش، عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.\nوعند أبي حنيفة ﵀ في النفس يحبس إلى أن يحلف، وفي الطرف يقضي بالقصاص.","vol":"2","page":268},{"text":"والحجج تعرف في المختلف.\n\n[٤٣٤] قال:\nولو أن رجلا ادعى على رجل كالا أو حقًا من الحقوق، فأراد استحلافه في ذلك، فأمره القاضي أن يحلف، فأبى أن يحلف، حتى عرض عليه [اليمين] ثلاثا، وقد أعلمه قبل ذلك أنه إن أبى أن يحلف ألزمه المال، فأبى أن يحلف، فلما أراد أن يحكم عليه قال: أنا أحلف، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويحلفه على دعوى الرجل.\nفإن حلف لم يلزمه شيء، ولم يحكم عليه بذلك النكول.\nأما إذا قضى عليه، ثم قال: أنا أحلف، فلا يعتبر ذلك؛ لما روينا عن شريح في أول الباب.\nوهذا لأن الحلف معتبر من إبطال كلام المدعي [غير معتبر في إبطال قضاء القاضي، فمتى كان قبل القضاء كان أثره في إبطال كلام المدعي] فاعتبر.\nومتى كان بعد القضاء كان أثره في إبطال قضاء القاضي، فلا","vol":"2","page":269},{"text":"يعتبر.\nوصار هذا كرجوع الشهود؛ إذا كان قبل القضاء اعتبر، وإذا كان بعد القضاء لا يعتبر؛ لما فيه من إبطال قضاء القاضي، كذا هذا\nوالله تعالى أعلم بالصواب","vol":"2","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>الباب التاسع والعشرون في أخذ الكفيل</span>\n<span data-type='title' id=toc-180>[مشروعية أخذ الكفيل واختلاف]\n[المتأخرين في ذلك]</span>\n[٤٣٥] ذكر عن قتادة، وأبي هاشم، في رجل ادعى قبل رجل مالا، فقال: أعطني [به] كفيلا حتى أجيء ببينتي، قالا: ليس له ذلك.\nوهكذا روي عن عامر الشيعي.\nوروي عن إبراهيم النخعي أنه جوز أخذ الكفيل.\nواختلف المتأخرون فيه:\nومهم من قال: ما روى عن قتادة، وأبي هاشم، وعامر، قياس، وما روي عن إبراهيم استحسان، وبه أخذ علماؤنا، وحققوا الاختلاف بينهم.\nوجه القياس: أن مجرد الدعوى ليس بسبب للاستحقاق، لكونه","vol":"2","page":271},{"text":"ممارضا بالإنكار، فلا يجب على المدعى عليه إعطاء الكفيل.\nوجه الاستحسان: إن في أخذ الكفيل نظرا للمدعي؛ فإنه متى أحضر بينته ربما يخفي المدعى عليه نفسه، فلا يقدر هو على إثبات حقه بالبينة، وليس فيه كبير ضرر بالمدعى عليه، فيصار إلى الكفيل.\nومنهم من قال: لا اختلاف بينهم، لكن ما روي عن قتادة وأبي هاشم وعامر مؤول، [و] إليه مال صاحب الكتاب.\nوتأويله ما نبين إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>[الكفالة في الحدود]</span>\n[٤٣٦] ذكر عن شريح أنه قال:\nلا كفالة في حد.\nوقد روي هذا الحديث مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":272},{"text":"والمعنى [فيه] من وجهين:\nأحدهما: أن الكفالة مشروعة للتوثيق، والحدود مبناها على الدور، فلا يكون التكفيل لائقًا بالحدود.\nوالثاني: أنه لا حاجة [إليه] لما نبين إن شاء الله","vol":"2","page":273},{"text":"تعالى، فلا يجوز التكفيل بنفس من عليه الحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>[الكفالة في غير الحدود]</span>\n[٤٣٧] ثم قال في الكتاب:\nوقول أصحابنا: لا كفالة في حد، يدل على أنهم يأخذون الكفيل في غير الحدود.\nوهذا احتجاج بالمفهوم.","vol":"2","page":274},{"text":"وصاحب الكتاب كان يرى الاحتجاج بالمفهوم صحيحًا، وظاهر المذهب أن المفهوم ليس بحجة، وهذا لأنه لا يمكن شرع التكفيل في باب الحد، وأمكن في باب المال؛ لما قلنا أنه لا حاجة إلى شرع التكفيل في باب الحد؛ لأنه يمكن حبسه، وفي باب المال حاجة؛ لأنه لا يمكن حبسه؛ لأن الحبس في باب الدعاوى أقصى العقوبات.\nألا ترى أنه بعد ما ثبت الحق لا يعاقب بعقوبة أخرى سوى الحبس، فقبل ثبوت الحق لا يجوز إيجاب أقصى العقوبات.\nفإذا تعذر الحبس مست الحاجة إلى التكفيل، ولا كذلك الحدود.\n\n<span data-type='title' id=toc-183>[تأويل الآثار الواردة في جواز التكفيل عند من لا يراه من السلف]</span>\n[٤٣٨] إذا ثبت جواز التكفيل، فتأويل ما ذكر في الكتاب من","vol":"2","page":275},{"text":"الآثار: أن السلف لم يجوزوا ذلك من وجوه أربعة، ذكر صاحب الكتاب ثلاثة، ولم يذكر الرابع:\n[أحدها]\nأن هذه الآثار تحمل على أن المدعي قال: لا بينة لي، ومتى قال ذلك لا يكفل؛ لأنه لا فائدة في التكفيل، فإن حقه تعين في اليمين، ويمكنه أن يحلف من ساعته.\nوالثاني:\n[أنه] يحمل على أن المدعي قال: شهودي غيب، ومتى قال ذلك [لا] يكفل؛ لأنه ليس كل غائب يؤوب، فتعين حقه في اليمين.\nوالثالث:\nأنه يحمل على أن المدعي عليه كان غريبًا، ومتى كان ذلك لا يجبر على إعطاء الكفيل لما تبين.\nوالرابع:\nأنه يحمل على أن لا يطالب المدعي عليه بإعطاء الكفيل مؤبدًا، وإنما","vol":"2","page":276},{"text":"يطالب إلى ثلاثة أيام، أو إلى المجلس الثاني، ونحو ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>[هل يجبر المدعي عليه على إعطاء الكفيل؟]</span>\n[٤٣٩] [قال]:\nوقال أبو حنيفة وأصحابنا جميعًا ﵏: إذا تقدم رجل إلى القاضي ومعه رجل يدعي عليه حقًا، وسأل أن يأخذ منه كفيلًا، وقال: لي بينة حاضرة في المصر، فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا.\nولا يقع الفرق في ظاهر الرواية بين ما إذا كان المدعي عليه معروفًا، أو لم يكن [و] المدعي به خطيرًا أو حقيرًا.\nوروي عن محمد -﵀- أنه قال: إذا كان المدعي عليه معروفًا فالظاهر من حاله أنه لا يخفي نفسه لذلك القدر، ولا يجبر على إعطاء الكفيل. لكن إن أعطى [الكفيل] مختارًا يؤخذ منه، وكذلك إن كان المدعي به حقيرًا لا يخفي المرء نفسه لذلك القدر","vol":"2","page":277},{"text":"[فإنه] لا يجبر على إعطاء الكفيل لكن إن أعطى يؤخذ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>[تحديد وقت الكفالة]</span>\n[٤٤٠] ثم في ظاهر الرواية إذا أخذ منه كفيلًا إلى أي وقت يأخذ؟\nاختلفت الأقوال فيه.\nوالصحيح أنه يؤخذ إلى ثلاثة أيام.\nوهكذا ذكر صاحب الكتاب في الباب في مواضع.\nوروى عن أبي يوسف -﵀- أنه يأخذ إلى جلوس القاضي مجلسًا آخر، حتى إذا كان يجلس في كل سبعة أيام مرة يأخذ الكفيل إلى سبعة أيام، وإذا كان يجلس في كل خمسة عشر يومًا مرة أخذ منه الكفيل إلى خمسة عشر يومًا، فإن أحضر بينة وإلا رفع الكفيل [الأمر] إلى القاضي حتى يبريه.\nوهذا القول أيضًا حسن، وهو أرفق بالناس في الزمن الأول، وما قلناه أرفق في زماننا، حيث يجلس القاضي في كل يوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>[أخذ الكفيل في دعوى الطلاق والعتاق]</span>\n[٤٤١] وكذا إذا ادعت المرأة طلاقًا أو الأمة عتاقًا، وأقامت شاهدًا","vol":"2","page":278},{"text":"واحدًا حتى وجبت الحيلولة، فإذا حال بينهما، فإذا طلبت الكفيل أخذ منه كفيلًا لها؛ لما ذكرنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-187>[أخذ الكفل من المسافر]</span>\n[٤٤٢] قال:\nفإذا كان المطلوب مسافرًا، [فإنه] لا يجبر على إعطاء الكفيل؛ [لأن الكفيل] يمنعه من السفر إلى منزله، فيتضرر، فلا يجبره القاضي على إعطاء الكفيل، لكن يؤجله إلى وقت قيامه من مجلس الحكم، فإذا أتى المدعي ببينته، وإلا خلي سبيله.\nلأن من حجة الطالب أن يقول للقاضي: ظننت أن يقر المطلوب بحقي، ولو كنت اعلم أنه ينكر لكنت أتيت بالبينة، فلا يجد بدًا من أن يخرج من عند القاضي، فيطلب شهوده في المصر، فيجيء بهم، فيقدر ذلك إلى آخر المجلس، وليس في هذا القدر كبير ضرر على المطلوب؛ لأنه لا ينقطع عن الرفقة.\nهذا إذا علم القاضي أن المطلوب مسافر.","vol":"2","page":279},{"text":"فإن أشكل على القاضي أنه مسافر أو مقيم، وقال المطلوب: أنا مسافر، سأل القاضي أولًا [المدعي]: أهو مسافر؟\nفإن قال: نعم هو مسافر، فقد ثبت كونه مسافرًا بإقراره فيكون الجواب كما ذكرنا، إنه يؤجل إلى آخر المجلس، فإن أنكر الطالب أن يكون هذا المطلوب مسافرًا، تكلموا فيه بأقوال.\nقال بعضهم: القول قول المدعي؛ لأنه يتمسك بالأصل، وهو الإقامة في موضع الإقامة، وهو المصر.\nوقال بعضهم: ينظر إلى زيه وثيابه: فإن كان في ثياب السفر يجعله مسافرًا، فإن عرف بنفسه، وإلا بعث إلى رفقته، لما نبين.\nوقال بعضهم: يسأله مع من يريد السفر؛ فإن أخبره مع فلان بن فلان، فالقاضي يبعث إلى الرفقة أمينًا من أمنائه، يسألهم: أن فلانًا هل استعد للخروج معكم؟ فإن من أراد الخروج إلى السفر لابد من أن يكون مستعدًا لذلك الأمر؛ قال -الله تعالى-:\n﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾.\nفإن قالوا: نعم قد استعد لذلك ثبت كونه مسافرًا.","vol":"2","page":280},{"text":"وهكذا قال مشايخنا في المستأجر إذا أراد فسخ الإجارة لعذر السفر، وقد مر في الباب الخامس.\nبعد هذا اختلف المتأخرون فيه:\nمنهم من قال، منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي -﵀-: يقبل ويؤجله إلى آخر المجلس، فإن احضر بينته، وإلا خلي سبيله.\nومنهم من قال، منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: يسألهم عن الخروج متى يريدون الخروج، فيكفله إلى ذلك الوقت.\nفإن لم يعلموا من حاله يجبره على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام؛ لأنه لم يستعد، ونحن نعلم أنه يبقى ثلاثة أيام لأجل الاستعداد [للسفر].\n\n<span data-type='title' id=toc-188>[الكفالة في ما يوجب القصاص]</span>\n[٤٤٣] قال:\nوإن ادعى الطالب على المطلوب حدًا في قذف، أو دمًا فيه قصاص، أو جراحة فيها قصاص، فقال: لي بينة حاضرة، وطلب كفيلًا من المطلوب، يجبر المطلوب على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام، حتى يحضر شهوده عند أبي يوسف -﵀-، وهو قول محمد -﵀-.\nذكر [قول] محمد مع أبي يوسف في القصاص بعد هذا.\nوقال أبو حنيفة -﵀-: لا يجبر، لكن إن أعطاه جاز.","vol":"2","page":281},{"text":"واجمعوا أن في الحدود الخالصة -لله تعالى- كحد الزنى وشرب الخمر، والسكر من النبيذ، إذا قدمه فقال الذي قدمه: لي بينة حاضرة، وطلب منه كفيلًا لا يجبر [على إعطاء الكفيل].\nهما يقولان بأن القصاص محض حق العبد، وفي حد القذف، حق العبد أيضًا، ولهذا شرط فيه الدعوى، والمدعي يحتاج إلى أن يجمع الشهود وبين المطلوب [وربما يخفي المطلوب نفسه، فيحتاج الطالب إلى أن يأخذ منه كفيلًا ليتوصل به إلى المطلوب] فيثبت حقه بالبينة.\nوأبو حنيفة -﵀- يقول: الكفالة مشروعة للتوثق، والحدود والقصاص مبينة على الدرء، فلا تليق الكفالة بهما.\n\n[٤٤٤] قال:\nفإن شهد على المطلوب شاهد عدل حبسه القاضي؛ لأنه تم أحد شطري الشهادة، وهي العدالة.\nفلو تم العدد، وانعدمت العدالة ثبتت التهمة، حتى وجب الحبس، فكذا إذا تمت العدالة، وانعدم العدد.\nوهذا قول أبي حنيفة -﵀-.","vol":"2","page":282},{"text":"وعند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- لا يحبسه.\nلأن عند أبي حنيفة -﵀- القاضي لا يجبر على إعطاء الكفيل، فإذا شهد القذف أو بالقصاص رجل واحد عدل يحبسه.\nوعندها يجبره على إعطاء الكفيل، وإذا شهد واحد عدل لا يحبسه.\nوكذلك لو شهد على القذف والقصاص مستوران، فإن القاضي يحبس المدعي عليه في قول أبي حنيفة -﵀-، وفي قولهما لا يحبسه؛ لما قلناه.\nوإن شهد واحد وهو مجهول لا يعرفه القاضي لم يحبسه بالإجماع.\nلأنه انعدم العدد والعدالة، فصار وجوده وعدمه سواء، بقى مجرد الدعوى، والحبس لا يثبت بمجرد الدعوى.\n\n<span data-type='title' id=toc-189>[الكفالة في مالا قصاص فيه]</span>\n[٤٤٥] قال:\nوإن كانت جراحة خطأ، أو قتلًا خطأ، أو شيئًا من الجراحات، لا قصاص فيه، بجبر المطلوب على إعطاء الكفيل.\nلأن هذه الدعوى ودعوى المال سواء، فكما أن في دعوى المال يجبر المطلوب على إعطاء الكفيل، فكذا في جراحة الخطأ، وقتل الخطأ يجبر.","vol":"2","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>[الكفالة في حد القطع]</span>\n[٤٤٦] قال:\nفإن ادعى سرقة فلا يجبر المطلوب على إعطاء الكفيل في حق القطع.\nلأنه خالص حق -الله تعالى-؛ كحد الزنى، وشرب الخمر، والسكر من النبيذ، لكن يجبر على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام بالمال المسروق، إذا ادعى المسروق منه قبله المال الذي سرق.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>[الكفالة في ما يوجب التعزيز]</span>\n[٤٤٧] قال:\nوكل شيء يجب فيه التعزيز؛ مصل الحر يقذف العبد، أو الحر يشتم الحر شتيمة يجب فيها التعزيز، فيقول الطالب: لي بينة حاضرة، فخذ لي منه كفيلًا، يجبر على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام.\nلأن التعزيز حق العبد [ولهذا] يسقط بعفوه، ويستحلف فيه، ويثبت مع الشبهات، حتى يثبت بشهادة النساء مع الرجال، فيجبر [المطلوب] على إعطاء الكفيل كالأموال.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>[هل يؤخذ الكفيل منه الثقة]</span>\n[٤٤٨] قال:","vol":"2","page":284},{"text":"ولو أن المدعي أقام البينة على المدعي عليه بحق من الحقوق، والقاضي لا يعرف الشهود، فقال المدعي للقاضي: خذ لي منه كفيلًا، إلى أن تسأل عن شهودي، فإن القاضي يأمره بإعطاء الكفيل.\nوإن أعطاه كفيلًا فقال المدعي: لا أرضي بهذا فإنه ليس بثقة، فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثقة.\nلأن الكفيل إنما شرع ليحضر الكفيل بنفس المطلوب؛ فيتوصل الطالب إلى حقه، وهذا المقصود إنما يحصل بكفيل ثقة.\nوالثقة: أن يكون له دار معلومة، أو يكون تاجرًا له حانوت معلومة، لا يمكنه أن يخفي نفسه.\nأما إذا كان اكترى حجره يسكن فيها، فلا يكون ثقة.\nلأنه إذا اتبع ربما يتوارى، فلا يقدر عليه، فلا يحصل معنى التكفيل، فكان له أن لا يرضى به كفيلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-193>[الملازمة]</span>\n[٤٤٩] قال:\nفإن أبي المدعي عليه أن يعطيه كفيلًا، أمره القاضي بملازمته بالليل والنهار.","vol":"2","page":285},{"text":"لأنه لا يتوصل إلى حقه إلا به.\nلأنه ربما يخفي نفسه، فلا يقدر عليه لإقامة البينة عليه.\nوتفسير الملازمة: أن يدور معه أينما دار، أو يبعث أحدًا من أمنائه؛ ليكون معه، حتى إذا اتفق له إقامة البينة يتوصل إليه.\nوليس تفسير الملازمة أن يجلس معه في موضع؛ لأن ذلك حبس، والحبس غير مستحق عليه بنفس الدعوى، لكن يدور معه حيث ما دار، ولا يمنعه من اشتغاله بأعماله بل يشتغل هو بأعماله ومصالحه وتصرفه، وبكون الرجل معه.\n\n<span data-type='title' id=toc-194>[الكفالة في ما ينقل]</span>\n[٤٥٠] قال:\nوكذلك إن ادعى في يده شيئًا بعينه، أمره القاضي أن يعطيه كفيلًا بنفسه، وبذلك الشيء بعينه إذا كان ذلك الشيء مما ينقل ويحول، مثل العبد والأمة والدابة.\nلأن النظر للمدعي لا يحصل إلا بهذا، فإنه كما لا تقبل البينة إلا بمحضر من الخصم، لا يقبل أيضًا إلا بحضرة ذلك الشيء، لتقع الإشارة من المدعي والشهود إليه، فيتعذر عليه إثبات حقه إلا بوجود","vol":"2","page":286},{"text":"المطلوب، والعين المدعي به، فكان له أن يطالب بإعطاء الكفيل بها جميعًا.\nفإن أبى أن يعطي كفيلًا بنفسه، وبذلك الشيء أمره القاضي أن يلزمه، ويلزم ذلك الشيء، حتى يأخذ كفيلًا بهما؛ لأنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-195>[الكفالة في العقار]</span>\n[٤٥١] قال:\nفإن كان الذي يدعي عقارًا أو يدعي عليه دينًا، لم يأخذ منه كفيلًا بذلك، وأخذ كفيلًا بنفسه منه.\nلأنه [لا] يتصور تغيب العقار والدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>[الكفالة بالنفس والوكالة في الخصومة]</span>\n[٤٥٢] قال:\nوإن كان المدعي به مما ينقل ويحول، وأعطاه كفيلًا بذلك الشيء، ولم يعطه كفيلًا بنفسه، أمره القاضي أن يلزمه، إلى أن يعطيه كفيلًا بنفسه.","vol":"2","page":287},{"text":"لما قلنا.\nفإن قال: قد أعطيته كفيلًا بذلك الشيء، وأنا أقيم له وكيلًا في خصومته، جائزًا على ما يقضي به عليه، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويأخذ من الوكيل كفيلًا بنفسه.\nأما أولًا، فليس للمدعي أن يطالب المدعي عليه بإعطاء الوكيل.\nفرق بينه وبين إعطاء الكفيل.\nوالفرق هو أن القاضي لا ينظر لأحدهما، ويلحق الضرر بالآخر، وفي المطالبة بالتوكيل إضرار بالمدعي عليه؛ لأن من حجته أن يقول: أنا اهدي إلى الدعاوى.\nإذا ثبت هذا ففي هذه المسألة، إذا أعطى كفيلًا بالمدعي به، وأعطى وكيلًا بنفسه، فالقاضي يقبل منه، لكن يأخذ من الوكيل كفيلًا، لأن الوكيل قائم مقام الموكل. وفي حق ما كان يكتفي بإعطاء الكفيل بالمدعي به، بل يطالب بإعطاء الكفيل بنفسه أيضًا، فيطالب الوكيل عنه بإعطاء الكفيل [بنفسه] أيضًا.","vol":"2","page":288},{"text":"فإذا فعل ذلك، فقد حصل المنظر للمدعي؛ لأنه يتوصل إلى الوكيل، وإلى المدعي به، متى أراد إقامة البينة.\nوهذا كله ينبني على قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله-، لأن التوكيل بغير رضا الخصم جائز عندهما، فإذا جاز توجهت الخصومة على الوكيل، وسقطت المطالبة عن المطلوب، وإنما يطالب الوكيل بإعطاء الكفيل دون الموكل.\nأما على قول أبي حنيفة -﵀- فالتوكيل بغير رضى الخصم لا يجوز، فبقى حضور الموكل مجلس القاضي حقًا للمدعي، فيجبره على إعطاء الكفيل بنفسه.\n\n[٤٥٣] قال:\nوأما في دعوى الدين، فإن قال المدعي عليه: أنا أقيم له وكيلًا في خصومته، فيأخذ من الوكيل كفيلًا، ولا أقيم أنا كفيًا، لم يقبل القاضي ذلك منه.\nلأن المدعي أثبت حقه بالبينة على الوكيل، فلا يمكنه الاستيفاء من الوكيل، وحق المدعي في شيئين: في إثبات الدين، وفي الاستيفاء،","vol":"2","page":289},{"text":"وههنا بإعطاء الكفيل إن تمكن المدعي من الإثبات لم يتمكن من الاستيفاء، فلا يحصل النظر له.\nوإن قال: أنا أقيم [له] كفيلًا بالمال، ولا أعطيه كفيلًا بنفسي، والمسألة بحالها، لم يقبل ذلك منه.\nلأنه لا يتوصل إلى الاستيفاء [إلا] بعد إثبات الدين، ولا يمكنه الإثبات على الكفيل.\nوكذلك إن كان المال ثابتًا، فقال المطلوب: أنا أعطي كفيلًا بالمال، ولا أعطي كفيلًا بنفسي، وأبى الطالب إلا أن يأخذ منه كفيلًا بنفسه كان له ذلك.\nلأن الناس يتفاوتون في إيفاء الدين، وربما الاستيفاء من الأصيل أسهل.\n\n[٤٥٤] قال:\nوأما العقار فإن إعطاء وكيلًا في خصومته، وأخذ من الوكيل كفيلًا، ودفع المطلوب العقار إلى الوكيل، وأبى أن يعطيه كفيلًا بنفسه، لم يجبر على ذلك.\nلأن الناس لا يتفاوتون في تسليم العقار، فإن تسليم الكفيل وتسليم الأصيل يكون سواء، وحاجة المدعي إلى الإثبات، وقد أعطى وكيلًا يمكنه","vol":"2","page":290},{"text":"أن يثبت عليه الدعوى، وقد أخذ كفيلًا من الوكيل بنفسه، فلا تمنت، فقد حصل مقصود المدعي، فيكتفي به.\nبخلاف ما لو كانت دعوى المال في الدين؛ لما قلنا.\nوقد ذكرنا هذه المسائل في الزيادات في الباب السادس والأربعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-197>[القضاء بالبينة المقامة قبل موت المدعي عليه أو وكيله]</span>\n[٤٥٥] قال:\nوإذا قامت البينة على رجل بشيء مما وصفت لك، وسمع القاضي البينة عليه، ثم مات المدعي عليه، أو غاب، أو قامت البينة على الوكيل بالخصومة، فقبل أن يقضي القاضي مات الوكيل، أو غاب، ثم زكيت البينة في السر والعلانية، قال أبو حنيفة ومحمد- رحمهما الله- القاضي لا يقضي بتلك البينة.\nوقال أبو يوسف -﵀-: يقضي، وهو اختيار صاحب الكتاب.\nأبو يوسف يقول: لأن حضور المدعي عليه إنما كان شرطًا، أما ليسمع القاضي كلام كل واحد من الخصمين، فيعلم بماذا يقضي، أو ليمكن الدفع بالطعن بالشهود فإن كان شرطًا لذلك، فقد حصل المقصود، وإن كان شرطًا لهذا فقد عجزه ن الطعن في البينة، ولهذا هرب من البلدة، فلم يبق حضور المدعي عليه شرطًا، فيقضي","vol":"2","page":291},{"text":"عليه القاضي، ويجعله على حجته إن كانت له.\nوهما يقولان: الإنكار شرط لسماع البينة، وما يشترط لسماع البينة يشترط عند القضاء، كالعدالة. وما يكون شرطًا يشترط وجود حقيقته، ولا يكتفي بوجوده بظاهر الحال ولم يوجد.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nقول أبي يوسف أرفق بالناس.\nفرق أبو حنيفة [ومحمد]-رحمهما الله- بين البينة والإقرار؛ فإنه إذا أقر ثم غاب فإن القاضي يقضي عليه به.\nوالفرق أن البينة لا تكون حجة موجبة إلا بانضمام قضاء القاضي إليها، فتراعي شرائط كونها حجة وقت القضاء.\nأما الإقرار فحجة موجبة بنفسه، فلا يشترط انضمام قضاء القاضي إليه، لكونه حجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>[طلب الوصي أو الوكيل الكفالة إلى حين إثباته وصيته أو وكالته]</span>\n[٤٥٦] قال:","vol":"2","page":292},{"text":"ولو أن رجلًا تقدم إلى القاضي، فادعي وصية من رجل، واحضر معه رجلًا ادعى عليه مالًا للميت، ولم تثبت وصية الوصي عند القاضي، فقال الوصي للقاضي: خذ لي من هذا الرجل كفيلًا حتى أثبت وصيتي، وأثبت الحق للميت، فإن القاضي لا يأخذ منه كفيلًا.\nلأن التكفيل إنما يكون للخصم، وهو بعد لم ينتصب خصمًا؛ لأنه إنما ينتصب خصمًا إذا انتصب وصيًا، ولم ينتصب.\nوكذلك الوكالة على هذا القياس، لما قلنا.\n\n[٤٥٧] قال:\nولو كان الوصي [قد] ثبت وصيته عند القاضي أو الوكيل قد ثبتت وكالته عند القاضي، ثم قدم المدعي عليه، وسأل أن يأخذ له منه كفيلًا، أخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام، فإن أتى بالبينة على الحق وإلا ابرأ كفيله.\nلأنه انتصب [له] خصمًا.\n\n[٤٥٨] قال:","vol":"2","page":293},{"text":"ولو كان الوصي أو الوكيل قد أقام البينة على ما ادعى من الوصية أو الوكالة، والقاضي في المسألة عن الشهود، ثم إن الوصي أو الوكيل أحضر خصمًا ادعى عليه للذي أوصى إليه أو الذي وكله، وسأل القاضي أن يأخذ له منه كفيلًا إلى أن يسأل عن شهوده، ثم يثبت الحق على الرجل، لم يفعل القاضي ذلك.\nلأنه لم يثبت الوصاية والوكالة عند القاضي، فلم ينتصب خصمًا عند القاضي.\n\n[٤٥٩] قال:\nولو أن الوصي قدم رجلًا إلى القاضي، فادعى عليه حقًا للميت، وادعى وصية من الميت في مجلس واحد، وقال للقاضي: لي بينة بالوصية والحق الذي للميت على هذا، وهي حاضرة، فاسمع من شهودي على ذلك كله، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويدعو بالشهود فيسألهم عن الشهادة على الوصية.\nفإذا شهدوا عليها سألهم عن الشهادة على الحق الذي على المدعي عليه.\nفإذا شهدوا على ذلك أثبته عنده.","vol":"2","page":294},{"text":"وهذا استحسان.\nوالقياس: أن لا يقبل البينة على الحق، وغنما تقبل على الوصاية.\nفإذا قضى بالوصاية وثبتت الوصاية [عنده] حينئذ تقام البينة على الحق فيقبلها.\nثم إذا قبلنا الشهادتين جميعًا في مجلس واحد استحسانًا، فالمسألة على ثلاثة أوجه:\nأم إن ظهرت عدالة الفريقين جميعًا.\nأو ظهرت عدالة شهود الحق دون شهود الوصاية.\nففي الوجه الأول: قضى ببينة الوصاية أولًا ليكون خصمًا، ثم يقضي ببينة الحق.\nوفي الوجه الثاني: قضي ببينة الوصاية، وجعله خصمًا، ولم يقض ببينة الحق.\nوفي الوجه الثالث: لا يقضي بشيء؛ لأنه لا يمكنه القضاء بالوصاية؛ لعدم الحجة، ولا يمكنه القضاء بالحق؛ لأن البينة على","vol":"2","page":295},{"text":"الحق قامت من غير خصم.\nهذا هو الكلام في الوصي.\nوكذلك الجواب في الوكيل، إذا أقام البينة على الوكالة وعلى الحق في مجلس [واحد].\nفالقياس أن لا تقبل على الأمرين جميعًا.\nوفي الاستحسان تقبل.\nوكذلك بقية المسألة كما ذكرنا في الوصاية.\n\n[٤٦٠] قال:\nولو أن رجلًا ادعى على الميت حقًا، وقدم وصية إلى القاضي، ولم تثبت وصيته عند القاضي، فطلب منه كفيلًا، حتى يثبت الحق على الميت، لم يأخذ له القاضي منه كفيلًا.\nلأنه لم يصر خصمًا، فلا يجبر على إعطاء الكفيل.\nوكذلك لو قدم رجلًا وادعى أنه وكيل فلان، وأن له على فلان","vol":"2","page":296},{"text":"كذا، وأنت وكيله، بأداء المال إلى، ولم تثبت وكالته في الخصومة، وأراد المدعي أن يأخذ له كفيلًا، لم يأخذ له القاضي كفيلًا، لما قدمنا في الوصي.\n\n[٤٦١] قال:\nولو كانت صيته قد ثبتت عند القاضي، لكن قال الوصي: لم يصر في يدي من مال الميت شيء فالقول قوله.\nلأنه منكر، كالوارث إذا أنكر وصول التركة إليه يكون القول قوله، كذلك ههنا.\nفإن قال الطالب: أريد أن أثبت حقي على الميت بمحضر منه، ثم أطلب مال الميت فخذ لي منه كفيلًا، حتى احضر شهودي، فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا، ثلاثة أيام.\nلأن الوصي خلف عن الموصي كالوارث.\nوقد ذكرنا في الباب الخامس والعشرين: أن الوارث ينتصب خصمًا للمدعي، وإن لم يصل إلى يده شيء من التركة، فكذا الوصي.\nوإذا انتصب خصمًا كان مجبرًا على إعطاء الكفيل.\nوكذلك لو أحضر وارثًا للميت، فقال الوارث: ما صار إلى","vol":"2","page":297},{"text":"من تركة الميت شيء، فإن القاضي يأخذ منه للمدعي كفيلًا ثلاثة أيام، حتى يثبت حقه، كما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>[طلب الوارث الكفالة إلى حين إثباته وفاة المورث]</span>\n[٤٦٢] قال:\nولو أن وارثًا نقدم إلى القاضي فادعى أن أباه مات، وهو وارثه، أو أن أخاه مات، وهو وارثه، وأن للميت على هذا الرجل ألف درهم، وأراد كفيلًا من الرجل، فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام، حتى يثبت وفاة الميت، ونسبه منه، ويثبت الحق على هذا الرجل.\nفرق بين الوارث وبين الوصي والوكيل إذا احضر واحد منهما خصمًا وادعى الدين عليه للميت أو للغائب، وأراد أن يأخذ من الخصم كفيلًا، فإنه لا يأخذ له منه كفيلًا.\nوالفرق: أن الوارث يدعى لنفسه حقًا؛ لأن الملك يزول من المورث إلى الوارث بالموت، فيكون الخصم في المال هو الوارث، فصار الوارث خصمًا مدعيًا الحق لنفسه، فكان له أن يطالبه بالكفيل؛ كمن ادعى دارًا في يدي رجل فقال: هي لي اشتريتها من فلان، وقبضتها، أو قال: اشتريتها من فلان، وهو يملكها، والذي في يده الدار يدعيها لنفسه، فإنه يأخذ منه كفيلًا ثلاثة أيام.\nلأن بالشراء يزول الملك إلى المشتري، فصار مدعيًا لنفسه حقًا","vol":"2","page":298},{"text":"فصار خصمًا.\nفأما الوصي والوكيل، فكل واحد منهما لا يدعي لنفسه حقًا، وإنما يدعي الحق للغير، فما لم تثبت الوصاية والوكالة، لا يكون خصمًا، فلا يكون له ولاية المطالبة بإعطاء الكفيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-200>[الكفالة في دعوى الزواج]</span>\n[٤٦٣] قال:\nامرأة ادعت على رجل أنه تزوجها، أو رجل ادعى على امرأة أنها امرأته، فإن القاضي يأخذ للمدعي كفيلًا من المدعي عليه.\nلأن يدعي حقًا لنفسه فصار خصمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>[الكفالة في دعوى الرق]</span>\n[٤٦٤] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي فقال: إن هذا مملوكي، فأنكر المدعى عليه ذلك، وقال: أنا حر، فطلب منه كفيلًا، إلى أن يحضر بينة، فإنه يأخذ منه كفيلًا ثلاثة أيام.\nوكذا إذا ادعى على امرأة أنها أمته، أخذ له منهما كفيلًا ثلاثة","vol":"2","page":299},{"text":"أيام.\nلأنه يدعي لنفسه حقًا، فصار خصمًا، فيأخذ منه كفيلًا.\n[وكذلك كل من ادعى حقًا لنفسه قبل رجل، وطلب منه كفيلًا، فإنه يأخذ منه كفيلًا] ثلاثة أيام، إلا أن يكون المدعى عليه ذلك ليس من أهل المصر؛ لما قلنا من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>[متى تبطل الكفالة؟]</span>\n[٤٦٥] قال:\nوكل مطلوب بحق من الحقوق أخذ منه الطالب كفيلًا بنفسه، فمات المطلوب، أو مات الكفيل، بطلت الكفالة.\nلأنه وقع العجز عن تسليم الملتزم.\nفإن مات الطالب، فالكفيل كفيل على حاله.\nفرق بينه وبين ما إذا مات الكفيل.\nوالفرق: أن ورثة الطالب يقومون مقامه في الاستحقاق على الأصيل والكفيل جميعًا، فلا تبطل الكفالة.\nأما ورثة الكفيل فلا يقومون مقامه في الاستحقاق عليه، فتبطل","vol":"2","page":300},{"text":"الكفالة.\nثم إذا لم تبطل الكفالة بموت الطالب [فالكفيل كفيل على حاله] فإن دفع الكفيل المكفول به إلى وصي الميت بريء عن الكفالة.\nلأن الوصي قائم مقام الموصي، فيكون الدفع إليه كالدفع إلى الموصي.\nوإن لم يكن للميت وصي، وله ورثة، فدفع الكفيل المكفول به إلى ورثة الميت، يبرأ من حق ذلك الوارث خاصة، وكان لمن بقي من الورثة أن يطالبوا الكفيل بكفالة المكفول به.\nفرق بين الوارث وبين الوصي.\nوالفرق أن الوصي أخذ للموصي، فيكون الدفع إلى الوصي كالدفع إلى الموصي، أما الوارث [فقد] أخذ لنفسه، فكان خصمًا في حقه، لا في حق غيره.","vol":"2","page":301},{"text":"ألا ترى أن الغريم إذا دفع الدين إلى وصي الميت يبرأ عن الدين أصلًا، ولو دفعه إلى أحد الورثة يبرأ عن الدين من نصيب هذا الوارث خاصة دون من سواه من الورثة، فكذا في حق تسليم المكفول به.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"2","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-203>الباب الثلاثون في العدوى والأعداء</span>\n<span data-type='title' id=toc-204>[جواز الأعداء بمجرد الدعوى]</span>\n[٤٦٦] قال أحمد بن عمرو صاحب الكتاب:\nقال أبو يوسف -﵀- في رجل ادعى على رجل دعوى، وأراد عليه دعوى، وهو في المصر، والقاضي لا يعلم أمحق هو أم مبطل، فإنه يعديه عليه، ويبعث [معه] من يحضره.\nوهذا استحسان.\nوالقياس أن لا يعديه بمجرد الدعوى.\nوجه القياس: أن الدعوى خبر محتمل، فلا يكون حجة، ولا تثبت به ولاية الأعداء.\nووجه الاستحسان: أن ترك القياس بالآثار المشهورة جائز، وقد جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين أنهم فعلوا ذلك من غير نكير، وقد قال -﵊-: «لا تجتمع أمتي على الضلالة».","vol":"2","page":303},{"text":"ثم قال في الكتاب: وأراد عليه عدوي وهو في المصر.\nفهذا إشارة إلى أن الخصم إذا كان خارج المصر لا يعديه، بمجرد الدعوى.\nقالوا: وهذا إذا كان ذلك الموضع بعيدًا عن المصر، أما إذا كان قريبًا [فإنه] يعديه [بمجرد الدعوى] كما لو كان في المصر.","vol":"2","page":304},{"text":"والحد الفاصل بين القريب والبعيد هو أنه إذا كان بحيث [لو] ابتكر من أهله أمكنه أن يحضر مجلس القاضي ويجيب الدعوى، ويمكنه أن يبيت في منزله، فهذا قريب.\nوإن كان يحتاج إلى أن يبيت في الطريق فهذا بعيد.\nوقد نص على هذا الحد، وهو قول صاحب الكتاب في آخر الباب.\nونظير هذا ما ذكرنا في شرح الجامع الصغير: أن القرفة متى وقعت بين الزوجين وبينهما ولد، فأرادت المرأة أن تنتقل من القرية التي كان فيها العقد إلى قرية أخرى مع الولد، إن كان الزوج يمكنه أن يحضر ويطالع ولده، وينظر في أمره، ثم يعود ويبيت في منزله كان لها ذلك، وإلا فلا.\nوكذلك ذكرنا في شرح المختصر في كتاب الصلاة، أن أبا","vol":"2","page":305},{"text":"يوسف -﵀- ذكر في كتاب أدب القاضي الذي أملى على بشر ابن الوليد، أن الجمعة تجب على أهل السواد، إذا كانوا بحال لو غدوا شهدوا الجمعة ثم راحوا إلى منازلهم قبل أن يأويهم الليل، ثم على قول من أخذ في هذا بالقياس.\nوعلى قول من أخذ بالاستحسان إذا كانت المسافة بعيدة إذا ادعى المدعي كيف يصنع القاضي؟\nاختلف المشايخ فيه:","vol":"2","page":306},{"text":"منهم من قال: يأمر المدعي بإقامة البينة على موافقة دعواه، ولا تكون هذه البينة لأجل القضاء، وإنما تكون لأجل الإحضار كما في كتاب القاضي إلى القاضي، فإن المدعي يقيم البينة عند القاضي؛ ليكتب له كتابًا، كذا ههنا.\nوالمستور في هذا يكفي.\nلما نبين في آخر الباب.\nفإذا [أقام البينة] أمر إنسانًا بأن يحضر خصمه، فإذا أحضره، أمر المدعي بإعادة البينة، فإذا أعادها وظهرت عدالة الشهود قضي بها عليه.\nومنهم من قال: يحلفه القاضي، فإن نكل أقامه من مجلسه، وإن حلف إنسانًا أن يحضر خصمه.\nومنهم من قال: يستكشف حال المدعي، فيقول: هل كان لك معه خلطة، أو أخذ وإعطاء، أو شركة، أو مضاربة، أو مبايعو؟\nفإن فسر ذلك أمر إنسانًا أن يحضر خصمه وإلا فلا.\nوالأول أصح. وعليه أكثر القضاة.\n\n[٤٦٧] ذكر عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه، قال:\nاستعدبت عثمان بن عفان -﵁- وأخذت بتلابيبه،","vol":"2","page":307},{"text":"فأعداني.\nقوله: استعديت عثمان بن عفان، أي استعنت به على إحضار خصمي فأعانني.\nدل الحديث على جواز الأعداء بمجرد الدعوى.\nوقوله: أخذت بتلابيبه، كان ذلك عادة العرب، وكانوا لا يعيبون ذلك، ولا يعبرون بذلك، وقد فعل رسول الله -ﷺ- ذلك [بغيره]، وغيره فعل به.\n\n[٤٦٨] ذكر عن رسول الله -ﷺ- أن رجلًا من أراض، قدم مكة بابل، فباعها من أبي جهل بن هشام، فمطله، فقام في المسجد، فقال: يا معشر قريش: أتى رجل غريب ابن سبيل، وإني بعت إبلًا من أبي جهل فمطلني، وظلمني، فمن رجل يعديني عليه، ويأخذ لي بحقي؟ ورسول الله -ﷺ- جالس في المسجد، قال: فقالوا: ذلك الرجل يعديك عليه.\nقال: فانطلق إليه، فذكر له ذلك، فقام معه، وبعثت قريش في أثرهما رجلًا، وإنما فعلوا ذلك استهزاء، لما قد علموا ما بين رسول الله -ﷺ- وبين أبي جهل من العداوة.","vol":"2","page":308},{"text":"فأتى الباب فضربه.\nفقيل: من هذا؟\nفقال: محمد.\nقال: فخرج أبو جهل وما في وجهه رائحة من الذعر، أي من الخوف.\nفقال: أعط هذا حقه.\nففال: نعم.\nفدخل، فأخرج حقه، وأعطاه إياه، فجاء الرسول فأخبرهم، وجاء الرجل فوقف عليهم فقال: جزاه الله خيرًا، فقد أخذ له بحقي، فلم يتفرقوا لي أن جاء أبو جهل. فقالوا: ويلك ما صنعت؟\nفقال: والله ما هو إلا أن ضرب على الباب، فقلت: من؟ فقال: محمد، فذهب فؤادي فخرجت وإن معه لفحلًا ما رأيت مثل هامته، وأنيابه لفحل قط، إن كاد ليأكلني لو امتنعت فو الله ما ملكت نفسي أن أعطيت حقه.","vol":"2","page":309},{"text":"أورد الحديث، ليبين جواز الأعداء بمجرد الدعوى، ألا ترى أن رسول الله -ﷺ- قام بنفسه بمجرد الدعوى.\nإلا أن اليوم القاضي لا يقوم بنفسه؛ لوجهين:\nأحدهما: لكثرة الخصوم.\nوالثاني: أن حشمة القاضي بمجلسه وأعوانه، فلو قام مع الكل، يكون فيه حرج، ولو قام بنفسه يستخف به فلا يحصب المقصود.\n\n[٤٦٩] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه خطب الناس، فقال: أنه بلغني أن في بيت فلان وفلان شرابًا، لرجل من قريش، ورجل من ثقيف، فسمى الثقفي مرشدًا وأني آتي بيوتهما، فإن كان حقًا أحرقتهما.\nفسمع القرشي بذلك فحذر، وأخرج ما في بيته ولم يفعل الثقفي.\nقال: فأتى بيت القرشي، فلم يجد فيه شيئًا، وأتى بيت الثقفي،","vol":"2","page":310},{"text":"فوجد فيه الخمر، فأحرق البيت، وقال: ما أنت بمرشد.\nفائدة الحديث: جواز الأعداء؛ فإن عمر -﵁- لما بلغه الخبر أعدى، واشتغل بالخطبة والوعظ، فاتعظ القرشي بوعظه، والثقفي لم يتعظ، فأحرق بيته.\nولم يرو عن أصحابنا في إحراق البيت شيء، وإنما روى عنهم في هدم البيت وكسر الدنان.\nوأما كسر الدنان [فقد] ذكر محمد -﵀- في السير الكبير: إن الرجل إذا كسر دن الخمر لرجل إن كان فعل ذلك بأمر الإمام فلا ضمان عليه، وإن كان بغير أمر الإمام فعليه الضمان.\n\n[٤٧٠] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه بلغه أن امرأة مغيبة يتحدث عندها، فأرسل إليها؛ ليؤتى بها، وكانت حاملًا، فذعرها","vol":"2","page":311},{"text":"ذلكن وأخذها الطلق في الطريق، فأسقطت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب -﵁-، فاستشار جلساءه في السقط، فقالوا: أنت الوالي، أرسلت في حق، أنت مؤدب، فلا نرى عليك شيئًا، وعلى -﵁- ساكت، [عمر]: قل.\nفقال: أراك ضامنًا.\n[قال عمر]: عزمت عليك ألا تجلس حتى تقضى ذلك على قومك.","vol":"2","page":312},{"text":"قوله: امرأة مغيبة، أي غاب عنها زوجها، فإن الأزواج في زمن رسول الله -ﷺ- وفي زمن الصحابة كانوا يخرجون إلى الجهاد.\nوقوله: يتحدث عندها، لم يرد أن النساء يتحدثن عندها، وإنما أراد أن الرجال يتحدثون عندها.\nوقوله: أسقطت سقطًا، مهابة من عمر -﵁-.\nوقوله: شاور القوم، فلم يوجبوا عليه شيئًا، وعلي -﵁- ساكت.\nهكذا كان دأبه، أنه لا يتكلم حتى يسأل وهكذا ينبغي للعالم أن يسكت، فإن سئل أجاب وإن لم يسأل فقد كفيت المؤونة.\nوقوله لما سأله: فقال: أراك ضامنًا.\nلأن العدوى لمباح، لكن مقيد بشرط السلامة كالرمي.\nوقوله: لا تجلس حتى تقضي ذلك على قومك.\nيعني تفرق ذلك على قومك؛ لن هذا تسبب للقتل، وهو","vol":"2","page":313},{"text":"خطأ، وقتل الخطأ يوجب الدية على العاقلة، وعاقلته قريش.\nوالواجب في قتل الجنين الغرة على العاقلة.\nوفائدة الحديث: جواز الأعداء.\n\n[٤٧١] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه لما قدم الشام أتاه رجل فذكر عن امرأته فجورًا، قال: فأرسل عمر -﵁- إليها أبا واقد الليثي، فقال: أخبرها أنها لا تؤاخذ بقول زوجها، فأتاها أبو واقد، وأخبرها بذلك، فاعترفت، فأمر بها عمر -رضي الله","vol":"2","page":314},{"text":"عنه- فحدث.\nظاهر الحديث حجة للشافعي -﵀-[علينا] حيث أمر بإقامة الحد بالإقرار مرة واحدة.\nوأنا نقول: ذكر [في] الحديث أنها اعترفت، وإنما أراد به اعترافًا موجبًا للحد، وذلك بالاعتراف أربع مرات في أربعة مجالس.\nفائدة الحديث جواز الأعداء بمجرد الخبر من غير حجة.","vol":"2","page":315},{"text":"قال صاحب الكتاب: والذي نزل فيه اللعان كان على نحو من هذا.\n\n[٤٧٢] ذكر الذي رأى [الرجل] مع امرأته.\n\n[٤٧٣] ذكر حديث أبي النواحة.\nوفائدة الحديث: جواز الأعداء بمجرد الخبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>[العلامة التي يطلب بها حضور المدعى عليه]</span>\n[٤٧٤] ذكر أنه كان مكتوبًا على خاتم سعيد بن اشوع: أجب القاضي سعيد بن اشوع.","vol":"2","page":316},{"text":"وعلى هذا جرى الرسم: فإن بعض القضاة في هذا يختارون دفع الخاتم، وبعضهم دفع الطينة. وبعضهم دفع قطعة من قرطاس.\nوصاحب الكتاب اختار في المصر شيئًا، وسيأتي في آخر الباب.\nوهذا لأن الخصم ربما يكون بعيدًا عن المصر، والمدعي تلحقه مؤونة الراحل، ويريد أن يتحمل تلك المؤونة بنفسه فلا يلزمه شيء، فقلنا بأن القاضي يبذل له علامة ليذهب بها ويريها خصمه، ويشهد على ذلك.\nفإن أجاب الخصم، وحضر مجلس الحكم، وإلا بعث القاضي إليه من يحضره، وتكون مؤونته عليه، على ما نبين بعد هذا.","vol":"2","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>[استعداء الرجل على المرأة وبالعكس]</span>\n[٤٧٥] وإذا استعدى رجل على رجل أو امرأة، أعداه عليه، أمر حضارهما؛ ليجمع بينهما، ويسأله عن دعوى المدعي.\nلأنه لا يمكنه إيصال الحق إلى المستحق إلا بهذا الطريق والرجل والمرأة في ذلك سواء؛ لأن المعنى يجمعهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>[الأعذار المانعة من الاستعداء]</span>\n[٤٧٦] قال في الكتاب:\nإلا أن يكون المستعدي عليه مريضًا، أو امرأة مخدرة لا تخرج، وهي التي لم يعهد لها الخروج إلا عند الضرورة.\nأما المريض فلأنه معذور.\nقال الله تعالى:\n﴿ولا على المريض حرج﴾.\nوأما المخدرة فلأنه لا فائدة في إحضارها، لن الحياء يمنعها عن التكلم، وربما يصير ذلك سببًا لفوات حقها.","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>[خليفة القاضي وأمينه في فصل الخصومات للمعذورين]</span>\nفبعد هذا لا يخلو: إما أن يكون القاضي مأذونًا بالاستخلاف، أو لم يكن.\nفإن كان [مأذونًا] يبعث إليها، أو إلى المريض خليفته، لفصل الخصومة هنالك.\nلأن مجلس الخليفة كمجلسه.\nوغن لم يكن [مأذونًا فإنه] لا يستخلف، لكن يبعث إليها أمينًا من أمنائه، ويبعث مع الأمين رجلين أمينين أيضًا، ممن يعرف المرأة أو المريض؛ لأن المقصود من هذت أن ينقلا كلام المرأة إلى القاضي، إقرارًا كان أو إنكار، ويشهدا على ذلك. وإنما يمكنهما الشهادة إذا كانا يعرفان المرأة أو المريض.\nفإذا أتى الأمين مع الشاهدين إليها. إن أقر بدعوى المدعي، شهد الشاهدان على ذلك، وقال الأمين لها أو للمريض: وكل وكيلًا يحضر مع خصمك مجلس الحكم.\nفإذا فعل ذلك، حضر الشاهدان، فشهدا عليه عند القاضي بما أقر","vol":"2","page":319},{"text":"بمحضر من وكيله، وإن جحد الدعوى أمره الأمين أن يوكل وكيلًا يحضره مع خصمه ليقيم عليه البينة، والشاهدان اللذان ذهبا مع الأمين ينقلان إنكار الخصم إلى القاضي، كما ينقلان الإقرار.\n\n<span data-type='title' id=toc-209>[قيام خليفة القاضي بتحليف المرأة أو المريض]</span>\nوإذا توجهت اليمين عليها، أو على المريض، عرض الأمين اليمين [عليها] وكان القاضي حين بعث الأمين يجب أن يعلمه كيفية طريقة الاستحلاف؛ فإن القضاة مختلفون في هذا؛ فكل واحد منهم اختار لنفسه طريقًا لتغليظ اليمين، والأمين [قد] لا يعلم اختيار القاضي فيعلمه طريقه في التغليظ، ليحلف بتلك الصفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-210>[هل يشترط القضاة بالنكول على فور النكول]</span>\nفإذا عرض الأمين، فأبى أن يحلف، عرض عليه ثلاث مرات.\nفإذا نكل عن اليمين، أمره أيضًا أن يوكل وكيلًا يحضر مع الخصم مجلس الحكم، ويحضر الشاهدان، فيشهدان عند القاضي بمحضر من وكيله بنكوله عن اليمين.\nفإذا شهدا بذلك عند القاضي بمحضر من المدعي والوكيل، حكم","vol":"2","page":320},{"text":"القاضي عليه بالدعوى؛ بنكوله عن اليمين؛ وألزمه ذلك.\nقال: [الشيخ] الإمام شمس الأئمة، فإنه لا يشترط القضاء بالنكول أن يكون على فور النكول، فإن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين، فاشتغل القاضي بعمل آخر، ثم فرغ من ذلك العمل، فأراد أن يقضي بذلك النكول جاز، فلما لم يشترط أن يكون القضاء بالنكول على فور النكول، كان للأمين أن يعرض عليها اليمين، فإذا نكلت، ثم نقل الشاهدان نكولها إلى مجلس القاضي فيقضي القاضي بذلك النكول. وإن لم يحصل القضاء بالنكول على أثر النكول.\nوأما غيره من المشايخ [فإنهم] يقولون: يشترط القضاء بالنكول أن يكون على أثر النكول، فلا يمكن القاضي أن يقضي بذلك النكول، فكيف يصنع على قولهم؟\nاختلفوا:\nقال بعضهم: الأمين يحكم عليها بالنكول، ثم ينقل الشاهدان ذلك إلى مجلس القاضي على وكيلها الذي حضر مجلس الحكم مع الخصم، فالقاضي يمضي ذلك، فيكون هذا إمضاء لذلك [ليعلم] الحكم، فإن الضرورة تحققت.","vol":"2","page":321},{"text":"وقال بعضهم: القاضي يقول للمدعي حين ادعى: أتريد حكمًا بحكم بذلك ثمة؟ فإذا رضى بذلك يبعث أمينًا إلى الخصم الآخر، فيخبره بالحكم، فإذا رضي يحكم الحاكم بينهما، وحكم الحاكم في ما بين الخصمين يكون بمنزلة حكم القاضي المولى.\nفإذا حكم الحاكم بينهما، فإذا كان شيئًا لا اختلاف فيه بين العلماء نفذ. وإن كان شيئًا فيه اختلاف يتوقف على إمضاء القاضي، فإذا أمضى القاضي المولى ذلك نفذ قضاؤه، والقضاء بالنكول مختلف بين الفقهاء، فيتوقف النفاذ على إمضاء القاضي.\nفإذا أمضى القاضي المولى ذلك الحكم نفذ على الكل.\n\n[٤٧٧] قال في الكتاب:\nويكتب القاضي للأمين اليمين التي يستحلفه عليها.\nوهذا إذا كان لا يتلقن إذا لقن.","vol":"2","page":322},{"text":"أما إذا كان يتلقن لو لقن [فإنه] لا يكتب له.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>[امتناع المدعى عليه من الحضور بعد الاستدعاء]</span>\n[٤٧٨] قال:\nوإذا قدم الرجل إلى القاضي، وادعى حقًا على رجل ليس بحاضر معه، وذكر أنه امتنع من الحضور معه، أعطاه القاضي طينة أو خاتمًا، وقال له: أره الخاتم، وادعه إلى، واشهد عليه.\nلأن القاضي مأمور بإيصال الحق إلى المستحق، وذلك في ما قلنا.\nفإذا ذهب به إلى الخصم، وأراده ذلك، فقال: هذا خاتم القاضي، فاحضر معي إليه يوم كذا، وأشهد عليه بذلك، فإن قال: [أنا] احضر، وحضر فيها.\nوإن قال: لا أحضر، وشهد بذلك [عند القاضي] شاهدان مستوران لم يسأل عنهما.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:","vol":"2","page":323},{"text":"هذا رأي صاحب الكتاب، وروي عن أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-: أنه لا يقبل قولهما ما لم يعدلا. وما رآه صاحب الكتاب انظر للناس، وبه يؤخذ؛ لأن القاضي لو اشتغل بتعديلهما اختفى الخصم؛ مخافة العقوبة من القاضي، فاكتفى بالمستور في هذا.\nوسيأتي تمام الكلام في هذا الفصل في آخر الباب.\nفإذا شهد عنده على ذلك كتب بإحضار هذا الرجل إلى الوالي. لأن في هذا إحياء حقوق الناس، والوالي إنما لإحياء حقوق الناس، فكان للقاضي أن يستعين به في إحضار الخصم.\nثم لم يذكر صاحب الكتاب أن مؤونة المشخص على من تكون. اختلف العلماء فيه،\nقال بعضهم: تكون على بيت المال.\nوقال بعضهم: تكون على المتمرد.\nوهو الصحيح.\nلأنه لما تمرد فقد تحقق منه سبب وجوب ذلك عليه كالسارق إذا قطع، فإنه يكون ثمن الدهن الذي تحسم به عروقه عليه، كذا هذا.","vol":"2","page":324},{"text":"فإذا حضر أمر المدعى أن يعيد عليه الشهود على ما صنع.\nفإذا شهد الشهود عليه في وجهه برد الخاتم، وامتناعه من الحضور عزره.\n[لأنه أساء الأدب في ما صنع، فيستوجب التعزيز، فيعززه القاضي] أما بالضرب، أو بالصفع، أو بالحبس، على قدر ما يرى، أو يغلس وجهه.\nلأن القضاء اختلفوا في ذلك، فيعززه القاضي بما يراه تعزيزًا أو تأديبًا له.\n- وكذلك أن أراه الخاتم، وأشهد عليه، أنه يدعوه إلى القاضي في وقت كذا وكذا، فسكت، ولم يقل أني أحضر، أو لا أحضر، إلا أنه لم يحضر معه في الوقت الذي وقت له، فهذا والأول سواء.\nلأن السكوت في مواضع الجواب يكون امتناعًا عما دعي إليه، فيصير كأنه قال: لا أحضر.\nوكذلك لو قال: أحضر، ولم يحضر، فهو واحد.\nلأنه انقاد له قولًا، وما انقاد له فعلًا، فكان جانيًا، إلا أن الأول","vol":"2","page":325},{"text":"أغلظ، وأشد، وهذا دونه في الجناية، فكان دونه في استحقاق العقوبة أيضًا.\nوغن كتب القاضي حين استعداه عليه الرجل إلى الوالي في إحضار خصمه معه، فلا بأس بذلك، ولا يعطيه خاتمًا، ويفعل في ذلك ما رأى.\nلأن كل ذلك جائز.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>[استعانة القاضي بالوالي في إحضار الخصوم]</span>\n[٤٧٩] قال:\nولو أن رجلًا أتى [إلى] القاضي، فقال: إن لي على فلان حقًا، وهو في منزله قد توارى عني، وليس يحضر معي، فإن القاضي يكتب إلى الوالي في إحضاره.\nلما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>[الختم على باب المدعى عليه]</span>\nفإن قال الوالي له لم أظفر بالرجل، وسأل الطالب من القاضي الختم على بابه، فإن القاضي يكلفه أن يأتي بشاهدين، أنه في منزله.","vol":"2","page":326},{"text":"لأن القاضي [بتواريه] يريد أن يعاقبه، فإن الختم على بابه عقوبة؛ لأنه يصير البيت سجنًا له، ويصير الشخص محتبسًا، فلا يمكنه بدون الحجة.\nفإذا أحضر شاهدين أنه في منزله، سألهما القاضي: من أين علمتما ذلك؟\nلأن هذه الشهادة قامت على العقوبة، وهو الختم على بابه، فيحتاط القاضي [في ذلك] بالسؤال.\nفإن قالا: رأيناه اليوم، أو أمس، أو منذ ثلاثة أيام، فإن القاضي يقبل بذلك ويأمر بالختم عليه.\nوإن كانت الرؤية قد تقادمت، لم يقبل ذلك منهما.\nلأن الرؤية متى تقادمت احتمل أنه سافر قبل دعوى المدعي.\nومتى كانت قريبة، فالظاهر أنه بلغه دعوى المدعى، واختفى منه، فيختم عليه الباب.\nثم جعل صاحب الكتاب ما زاد على ثلاثة أيام متقادمًا.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني -﵀-: الصحيح أن ذلك مفوض إلى رأي القاضي.","vol":"2","page":327},{"text":"ثم إذا كانت الرؤية قريبة حتى ختم على الباب، يسمر الباب الذي من جانب السطح، كما يسمر الباب الذي من جانب السكة.\nلأن القاضي لو ظفر به حبسه في السجن.\nفإذا لم يظفر به جعل بيته سجنًا عليه.\nوإنما يصير سجنًا بأن يسمر كلا البابين؟\nثم إذا تقادمت الرؤية لم يقبل ذلك، ولا يختم [على] الباب إلا أن يكون المدعي لا يمكنه التقدم إلى القاضي لأنه لم تجيء نوبته، لأن قرعته قد تأخرت، إلا أن يقبل القاضي منه تلك البينة، لأنه ما لم تجيء نوبته لا يمكنه أن يتقدم إلى القاضي فيقبل القاضي ذلك منه في مقدار القرعة، ويسمر بابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>[نصب الوكيل عمن حبس في منزله]</span>\n[٤٨٠] قال:\nفإن أقام شهودًا على المدعى عليه أنه في منزله، فختم القاضي على الباب، وأقام المدعى عليه في منزله، والخاتم على الباب، فقال المدعي","vol":"2","page":328},{"text":"للقاضي انه لا يحضر، وقد حبس في منزله، فاغد عليه وانصب له وكيلًا، واسمع من شهودي عليه.\nقال صاحب الكتاب: فقد قال أبو يوسف -﵀-: يبعث القاضي إلى داره رسولًا ومعه شاهدان، فينادي الرسول بابه، بحضرة شاهدين ثلاث مرات: يا فلان بن فلان، إن القاضي فلان بن فلان يقول لك: أحضر مع خصمك فلان بن فلان مجلس الحكم، وإلا نصبت لك وكيلًا، وقبلت بينته عليك.\nثم هكذا يبعث القاضي ثلاثة أيام لينادي الرسول بحضرة شاهدين، في كل يوم ثلاث مرات.\nلأن القاضي مأمور بإيصال الحق إلى المستحق، ولا يمكنه الإيصال إلا بهذا.\nفإذا فعل ذلك فلم يخرج، نصب له وكيلًا، واستمع من شهود المدعى وأمضى الحكم عليه بمحضر من وكيله.\nوإنما قدره بثلاثة أيام؛ لأن [ذلك] حسن لإبلاء العذر.","vol":"2","page":329},{"text":"قال صاحب الكتاب: قال غير أبي يوسف: لا أرى أن ينصب له وكيلًا، ولا يحكم عليه حتى يحضر.\nولم يبين من هو. واختلف المشايخ فيه.\nمنهم من قال: أراد به قول محمد -رحمه اله-.\nوأكثرهم قال: أراد به قول أبي حنيفة -﵀، فإنه روي عن محمد في النوادر مثل قول أبي يوسف، فكان المراد به قول أبي حنيفة -﵀-.\nقال القاضي الإمام أبو علي النسفي:\nرأيت في بعض النوادر عن أبي حنيفة كقول أبي يوسف.\nفصار هذا فصلًا متفقًا [عليه] بينهم، أن القاضي ينصب وكيلًا ويقضي بمحضر من وكيله.\n\n[٤٨١] قال صاحب الكتاب:\nوقال أبو يوسف في كتاب أدب القاضي.\nأراد به أدب القاضي الذي ذكره أبو يوسف في الأمالي قال:\nولو أن رجلًا أتى بكتاب قاض إلى قاض بحق على رجل فلم يحضر المطلوب مع الطالب، وأشهد عليه شاهدين، فإن هذا على قياس ما ذكرنا.","vol":"2","page":330},{"text":"لأن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، ثم لو امتنع عن الحضور إلى مجلس الحكم، ليجيب خصمه ويسمع عليه الشهود، فقد ذكرنا أن عند أبي يوسف يبعث القاضي أمينًا ثلاثة أيام لينادي على بابه في كل يوم ثلاث مرات، أن أحضر، وإلا نصب عنه وكيلًا، وقضى عليه بمحضر من وكيله، فكذا هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>[الاستعداء على الغائب عن المصر]</span>\n[٤٨٢] قال:\nوإن تقدم رجل إلى القاضي [فادعى حقًا] على الغائب عن المصر، وسأل القاضي إحضاره، والكتاب إلى الوالي في أشخاصه، فإن كانت المسافة بين المصر وبين الموضع الذي فيه المدعى عليه مقدار ما يأتي الرجل مجلس الحكم ثم يروح من يومه فيبيت في منزله أعدى عليه، وأمر بإحضاره.\nوإن كانت المسافة أكثر من ذلك لم يعد عليه، حتى يقيم الطالب شاهدين أن له حقًا عليه، وإن ذلك لحق مما يستجيز به القاضي إحضاره.\nأما أنه يكتب إلى الوالي، فلأن الظاهر أن يكون على باب القاضي","vol":"2","page":331},{"text":"من الرجالة من لا يجد مركبًا، ولا يمكنه الخروج من المصر، فلهذا يكتب إلى الوالي.\nوهذا اختيار صاحب الكتاب.\nوعمل القضاة اليوم على خلافه: فإنهم يتولون إحضار الخصم برجالتهم، والتحديد بما حد الجواز الأعداء بنفس الدعوى؛ لما مر في صدر الباب.\nثم اختيار صاحب الكتاب أن القاضي يدفع خاتمه لإحضاره الخصم إذا كان في المصر، ويبعث من يحضره إذا كان خارج المصر.\nوالقضاة على عكس هذا؛ فإنهم يبعثون الرجل في المصر، ويبعثون العلامة خارج المصر.\nثم اختلفوا في العلامة.\nوقد مر ذلك في وسط الباب.\n\n[٤٨٣] ثن صاحب الكتاب قال:\nقال إسماعيل بن حماد:","vol":"2","page":332},{"text":"أربعة شهود لا أسأل عنهم -يعني عن عدالتهم- شاهدا رد الطينة، وشاهدا تعديل، وشاهدا الغربة؛ ليدعو به القاضي على غير قرعة، والرجل يستعدي على الرجل ويريد أشخاصه إلى لمصر.","vol":"2","page":333},{"text":"يريد به أن يبعث من يدعوه (من (خارج المصر، ويأتي به إلى المصر، ويقيم عليه شاهدين بحق يدعيه.\nقال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني ﵀:\nاسماعيل بن حماد هذا نافلة ابي حنيفة ﵀، وكان يختلف الى ابي يوسف ﵀، ويتفقه عنده، ثم صار بحال يزاحمه، ولو بلغ من العمر حتى شاخ لصار له نبأ في الناس؛ لحسن حفظه، وقريحته، الا أنه مات شابا، فأور صاحب الكتاب قوله: أربعة شهود لا أسأل عنهم.\nاما شاهدا رد الطينة فرأي صاحب الكتاب وافق رأيه، وقد مر هذا من قبل.\nوإما شاهدا تعديل العلانية (فان (هذا كان في زمنهم، فانه بعد ما سأل القاضي عن الشهود في السر يسأل عنهم في العلانية، وانما","vol":"2","page":334},{"text":"يسأل عنهم في العلانية من قوم غير القوم الذي سأل منهم في السر. ولا نشترط العدالة في شاهدي تزكية العلانية؛ لأن القاضي لو اكتفى بتزكية السر كان له ذلك، فكان الثاني زيادة احتياط، فيكتفي بالمستور.\nوإما شاهدا الغربة، فلأن التقديم بحكم الغربة انما كان نظرا له كيلا ينقطع عن الرفقة، والاستغمال بتعديل الشهود يبطل عليه هذا النظر، فلا يفيده.\nوإما شاهدا الأشخاص، فلان القاضي لو اشتغل بالسؤال (عنهم (لهرب الخصم.\nوقال محمد بن سماعة:","vol":"2","page":335},{"text":"وإما أنا فأسأل عن شاهدي رد الطينة، وعن شاهدي الأشخاص.\nلأن فيهما الزام شيء على الغير، وفي ما فيه الزام (شيء) على الغير لا بد من العدالة.\nلنا: ليس في تقديم الغريب وتزكية العلانية الزام شيء","vol":"2","page":336},{"text":"على الغير.\nفرأيه في رد الطينة وافق ما قال شمس الائمة من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>(الهجوم على منزل الخصم المتواري في منزله)</span>\n[٤٨٤] قال:\nوإما الهجوم على الخصم إذا تواري في منزله، وتبين ذلك للقاضي، فانه رأي بعض أصحابنا.\nأراد به ابا يوسف، فانه كان يفعله في وقت قضائه، ويجيزه.\nولم يذكر شمس الائمة (السرخسي) خلافا.\nوذكر شمس الائمة الحلواني أن المذهب عندنا انه لا ينبغي للقاضي الهجوم.\nوصورته ما ذكر في الكتاب:\nأن يكون لرجل على رجل دين، فيتواري في منزله، وتبين ذلك للقاضي يوجه رجلين ممن يثق بهم، ومعهما جماعة من النساء والخدم ومعهما الأعوان الى منزله بغته، حتى يهجموا عليه","vol":"2","page":337},{"text":"(في (منزله، فيكون الاعوان على الباب، وحول الدار، حتى اذا خرج من ناحية على قصد الفرار اخذوه.\nثم النساء يدخلن من غير استئذان، وينذرن حرم المطلوب؛ ليدخلن في بيته، ثم يدخل الرجال فيفتشون (البيت (فان لم يجدوا أمر النساء بتفتيش النساء؛ لأنه ربما اختفى بين النساء.\nهذا هو صورة الهجوم.\nاما من أجاز ذلك (فانه (احتج بحديث عمر -﵁- أنه قال:\nبلغني أن في بيت فلان وفلان شرابًا، قم هجم على بيت القرشي والثقفي، كما ذكرنا قبل هذا.","vol":"2","page":338},{"text":"وبأحاديث ذكر صاحب الكتاب منها ما روى أن عليًا -﵁- استعمل عبد الرحمن بم مخنف على الري، فأخذ المال، وتوارى عنه عند نعيم بن دجاجة الاسدي، فأرسل علي -﵁- من يخرجه من دار نعيم، فجاء نعيم معهم الى علي كرم الله وجهه، وقال:\nان مفارقتك لكفر -يعني الخروج عليك، فيكون من الخوارج- وان المقام معك لذل.\nفأمر -﵁- بالكف عنه.\nجوز علي -﵁- الهجوم.\nومنها ما روي أن عمر بن الخطاب -﵁- بلغه عن نائحة لمدينة، فأتاتها، حتى هجم عليها في منزلها، ثم ضربها بالدرة، حتى سقط خمارها، فقيل له: يا أمير المؤمنين ان خمارها قد سقط، فقال: انه لا حرمة لها.","vol":"2","page":339},{"text":"تكلموا في قوله: لا حرمة لها:\nمنهم من قال: معناه أنها لما اشتغلت بما لا يحل لها في الشريعة، فقد أسقطت بما صنعت حرمة نفسها، فالتحقت بالاماء.\nوالدليل عليه ما روي عن ابي بكر الاعمش انه خرج الى بعض الرستاق، فكان النساء على شط نهر كاشفات الرؤوس، والأذرع. فذهب ابو بكر الاعمش فجعل يخالطهن، ولا يتحامي عن النظر اليهن، فقيل له: كيف فعلت هذا؟ فقال: انه لا حرمة لهن، وأنا لنشك في","vol":"2","page":340},{"text":"ايمانهن، فكأنهن حربيات.\nفكأنه بلغه هذا الحديث.\nلكن مع هذا لشعرها وعورتها حرمة، لكن معناه: لا حرمه لها بحيث يجب الامتناع بها عن سبب يفضي الى هذا؛ لانها هي التي أذهبت حرمة نفسها.\nوعن هذا الحديث قالوا: لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين اذا سمع صوت الفساد (عندهم).\nلأن صاحب الدار لما أسمع صوت الفساد من داره، فقد اسقط حرمة داره، فلا بأس بالدخول فيها من غير اذن وحشمة، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما فعل عمر ﵁ بيت القرشي والثقفي (فقد (جوز عمر -﵁- الهجوم.\nوأصحابنا قالوا: ان في الهجوم هتك ستر المسلم،","vol":"2","page":341},{"text":"وهتك حرمة محارمه، وذلك لا يجوز (في حق المسلم).\nوالله تعالى اعلم بالصواب.\n* * *","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>الباب الحادي والثلاثون في الحبس في الدين</span>\n<span data-type='title' id=toc-218>(دليل مشروعية الحبس)</span>\n[٤٨٥] ذكر عن سلام بن مسكين أنه قال:\nسمعت الحسن يقول:\nان اناسًا من أهل الحجاز اقتتلوا فقتلوا بينهم قتيلا، فبعث اليهم رسول الله -ﷺ- فحبسهم.\nأورد الحديث ليبين ان الحبس بالتهمة مشروع.\nوهذا موافق لما روى بهز بن حكيم عن ابيه عن جده «أن النبي -ﷺ- حبس رجلا بالتهمة».","vol":"2","page":343},{"text":"وكما أن الحبس بالتهمة مشروع، فالحبس بالدين مشروع، نبت ذلك بأخبار أوردها صاحب الكتاب في الباب، إلا أن في زمن النبي -ﷺ-، وفي زمن ابي بكر وعمر وعثمان -﵃-، لم يكن سجن وكان يحبس في المسجد، أو في الدهليز، حيث أمكن.","vol":"2","page":344},{"text":"ولما كان زمن علي -﵁- أحدث السجن، فكان أول من أحدث السجن في الاسلام، وسمى السجن نافعًا، ولم يكن حصينا، فأنفلت الناس منه، ثم بنى سجنا آخر وسماه مخيسًا، وقال فيه شعرًا أورده صاحب الكتاب ههنا، وأورده محمد ﵀ في كتاب الكفالة، لكن بين اللفظين تفاوت:\nاما الذي أورده صاحب الكتاب ههنا (فانه) قال:\nبنيت، وفي بعض النسخ بذلت.","vol":"2","page":345},{"text":"بعد نافع مخيسًا\nبابًا سديدًا وأميرًا كيسًا\nالا تراني كيسًا مكيسًا\nواما الذي أورده محمد في كتاب الكفالة فقال:\nالا تراني كيسًا مكيسًا\nبنيت بعد نافع مخيسًا\nحصنًا حصينًا وأميرًا كيسًا","vol":"2","page":346},{"text":"ونافع ومخيس اسم تعريف لذلك الموضع.\nوهذا كان من عادتهم، انه كان لأملاكهم وعقاراتهم أسماء تعريف.","vol":"2","page":347},{"text":"[٤٨٦] ذكر عن (ابي) مجلز أن النبي -ﷺ- حبس رجلا من جهينة اعتق شقصًا له في مملوك حتى باع فيه غنيمة له -تصغير الغنم-.\nدل الحديث على أن الحبس بالدين مشروع؛ فانه لما عتق نصيبه صار ضامنا لنصيب صاحبه فصار مديونًا.\n\n[٤٨٧] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁- أن رجلا أتاه وهو","vol":"2","page":348},{"text":"بالجابية، يا أمير المؤمنين، عبدي وجدته على امرأتي.\nفقال: ابصر ما تقول؛ فانك مؤاخذ بما تقول.\nفأعاد الرجل.\nفأمر عمر -﵁- ابا واقد، فقال: خذ بيده، فأثبته عندك، حتى تغدو أنت وهو عليها (فانظر) أحق ما يقول ام باطل. فغدوا (عليها)، وقد حفرت حفيرة، وتهيأت وتحنطت، فقال لها أبو واقد: ان هذا جاءنا عنك بأمر منكر، فان كان كاذبا فلا تصدقيه، رجاء ان تتوب.\nفقالت: صدق، لا والله لا أتحملها مرتين.","vol":"2","page":349},{"text":"فأمر بها عمر -﵁- فرجمت.\nفالحديث بظاهره حجة للشافعي -﵁- علينا؛ حيث أمر بأقامة الحد بالاقرار مرة (واحدة).\nوانا نقول: ذكر في الحديث أنها أقرت، لكن ليس في الحديث أنها خرجت من الحفيرة، وأقرت أربع مرات، في أربعة مجالس أم لا، فكان محتملا.\nوقولها: لا والله لا أتحملها مرتين (تعني) وزر الزنى، ووزر الكذب.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>(هل يشترط في الحبس طلب المدعي ذلك؟)</span>\n[٤٨٨] ذكر أن رجلا أتى ابا هريرة -﵁- بغريم له قال: احبسه لي.\nفقال ابو هريرة: هل تعلم له عين مال نأخذه به؟\nقال: لا.","vol":"2","page":350},{"text":"قال: فهل تعلم له عقارا نكسره؟\nقال: لا.\nقال: فما تريد منه؟\nقال: احبسه\nقال: لا، ولكن دعه ليطلب لك ولنفسه ولعياله.\nوقوله: (هل) تعلم له عين مال نأخذه، أراد به المال النقد؛ لأن العين تتناول العرض والنقد، لكن عند الاطلاق تتناول النقد.\nوقوله: عقارا نكسره، أراد به نبيعه بثمن وكس. لان البائع","vol":"2","page":351},{"text":"اذا كان مضطرا لا يشتري (متاعه) بقيمته.\nفيه دليل على أن المديون اذا كان له عقار يحبس ليبيع، فيقضي الدين، وان (كان لا) يشتري ذلك منه (الا) بثمن وكس.\nثم سأل ابو هريرة -﵁- صاحب الدين: هل تعلم له عين مال؟\nوهذا مذهبه. وللقضاء في هذا مذاهب.\nوالمذهب عندنا أن القاضي لا يسأل المدعي حتى يسأل المدعي عليه من القاضي أن يسأل المدعي على ما يأتي بيانه.\nثم (لما) قال الرجل: لا، قال ابو هريرة -﵁-: دعه يطلب لك ولنفسه ولعياله.\nلأن المقصود من الحبس أن يضجر قلبه، فيشتغل بقضاء الدين، فإذا لم يكن له شيء، فلا يفيد الحبس.\n\n[٤٨٩] ذكر عن طلق بن معاوية قال:","vol":"2","page":352},{"text":"كان لي على رجل ثلاثمائة درهم، فخاصمته إلى شريح، فقال الرجل: إنهم وعدوني أن يحسنوا إلي، فقال شريح: ﴿أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وأمر بحبسه، وما طلبت إليه أن يحبسه حتى صالحني على مائة وخمسين درهمً.\n[فقد] حبسه شريح من غير سؤال المدعي.\nوهذا مذهبه.\nوللقضاة مذاهب في هذا.","vol":"2","page":353},{"text":"والمذهب عندنا: أن المال إذا ثبت لا يحسبه مالم يسأل المدعي ذلك.\nثم قال شريح: ﴿أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾.\nأطلق اسم الأمانة على الدين.\nوالناس تكلموا في قوله تعالى ﴿أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾.\nقال بعضهم: هو أداء الودائع والعواري.\nوقال بعضهم: هو رد مفتاح الكعبة على بني شيبة.\nوقال بعضهم: هي الديون.","vol":"2","page":354},{"text":"قال [بعضهم]: هي الديون والأمانات جميعًا.\nومذهب شريح هو القول الرابع.\nقال: ثم وقع الصلح على مائة وخمسين.\nلأن المدعي وعد الإحسان إليه كم ازعم المدعي عليه، ووفى بما وعد وأحسن؛ حيث حطه شطر المال.\n\n[٤٩٠] ذكر عن الشعبي أنه قال:\nإذا لم أحبس في الدين، فأنا أتويت حقه.","vol":"2","page":355},{"text":"لأن الناس متى علموا أن القاضي لا يحبس في الدين [فأنهم] لا يتسارعون إلى قضاء الدين، فيتوى حق الإنسان، فيكون القاضي هو المتوى لحقه.\n\n[٤٩١] ذكر عن علي ابن أبي طالب -﵁-، أن كان إذا أتاه الرجل بالرجل، وقال أن لي عليه دينًا، فقال: أله مال؟ فإن كان له مال أخذناه لك، فإن قال: قد لجأة قال: أقم بينة أن لجأة، وإلا حلفه بالله ما لجأه. فإن قال: احبسه، قال: لا اعينك على ظلمه، فإن قال: فأنني ألزمه، قال: إن لزمته كنت له ظالمًا، ولا أحول بينك وبينه.\n[فهو قد] سأل المدعي: أله مال؟","vol":"2","page":356},{"text":"وهذا مذهبه، كما هو مذهب أبي هريرة.\nوالمذهب عندنا أنه لا يسأل.\nقال: فإن قال المدعي: نعم قد لجأه، أراد به عقد التلجئة. وصورته ما عرف في كتاب الإكراه.\nفقال: أقم بينه أنه قد لجأه، وإلا حلفه بالله ما لجأه، لأنه بدعي عليه معنى، فيكلفه إقامة البينة، وعلى الآخر اليمين.\nقال: فإن قال: احسبه لي، قال: لا اعينك على ظلمه؛ لأنه متى حلف لم يثبت له اليسار، فيكون حبسه ظلمًا.\nقال: فإن قال: فإني ألزمه، قال: فإن لزمته كنت له ظالما، ولا أحول بينك وبينه.\n\n[٤٩٢] ههنا مسألتان لم يذكرهما صاحب الكتاب.\nأحدهما: أن المدعي عليه إذا لم يكن له مال فإن أقر المدعي بذلك حتى لم يحبسه القاضي، هل يمنع المدعي من ملازمته؟","vol":"2","page":357},{"text":"قال عامة العلماء: لا [يمنع].\nوقال إسماعيل بن حماد: يمنع.\nهو احتج بقوله علي -﵁-: فإن لزمته كنت له ظالما، ولأنه معسر، والمعسر مستحق للنظرة إلى الميسرة، فصار كما لو استحق النظرة بالتأجيل، ولو أجله صاحب الدين لا يمكنه الملازمة كذا هذا.\nوعامة العلماء احتجوا بحديث أبي بن كعب، فإن النبي -ﷺ- رآه لازم غريمً له عند سارية، فلم ينكر عليه.","vol":"2","page":358},{"text":"وقال ﵊:\n(لصاحب الحق اليد واللسان).\nوأراد باليد الملازمة.\nوأراد باللسان التقاضي.\nواستدلوا بقول علي ﵁: ولا أحول بينك وبينه.\nولأنه ربما يظهر له مال فيظفر به متى لازمه.\nوالثانية: إذا كان للمدعي الملازمة، فمتى لازمة في هذا هل يأثم؟\nقال بعض العلماء: يأثم؛ لحديث علي -﵁-: فإن لزمته كنت له ظالما.","vol":"2","page":359},{"text":"وقال أكثرهم: لا [يأثم]؛ لحديث أبي بن كعب، وكذا حديث علي -﵁-، فإنه لم يمنعه، ولو كان يصير به آثمًا لمنعه.\n\n[٤٩٣] قال:\nفإذا قدم رجل رجلًا إلى القاضي فثبت له عليه مال، إما بإقرار، أو ببينة، فالقاضي لا يحبسه، مالم يطلب المدعي حبسه عندنا.\nوقال شريح: يحبسه.\nوقد مرت المسألة.\nفإذا طلب المدعي حبسه، فغن القاضي يتأنى في حبسه، ولا يعجل، ويأمره بالخروج إليه من حقه.\nفإذا لم يفعل، وعاد إليه يريد حبسه، فإن القاضي يحبسه.\nصاحب الكتاب سوى بين الدين الثابت بالإقرار، وبين الدين الثابت بالبينة، وقال: لا يحبسه في أول وهلة.\nوهذا رأيه.\nوالمذهب عندنا: أن في الإقرار لا يحبسه في أول وهلة، وفي البينة: بحبسه.\nوالفرق: أن الحبس إنما يجب باعتبار مماطلة الغني بالنص.","vol":"2","page":360},{"text":"فإذا أقر لم تظهر منه مماطلة، لأن من حجة المقر أن يقول: ظننت أنك تمهلني، فغن أبيت أوفيك حقك.\nأما إذا جحد الدين حتى اثبت بالبينة، فقد وجدت المماطلة، فإذا جاء أوان الحبس لا يسأله المدعي عليه ألك مال ..\nوقال صاحب الكتاب:\nالصواب عندي أنه لا يحبس حتى يسأله: ألك مال؟ ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن مالًا حبسه، وإن قال: لا مال لي قال للطالب: تثبت أن له مالًا حتى أحبسه.\nوهو مذهب بعض القضاة.\nوكذا روي في النوادر عن أصحابنا: أنه يسأل المدعي عليه: ألك مال؟، ولا يسأل المدعي أله مال.\nوقال أبو هريرة -﵁-: يسأل.\nوهو مذهب بعض القضاة.\nوإن طلب الديون من القاضي أن يسأل المدعي عن ذلك يسأله القاضي بالإجماع.","vol":"2","page":361},{"text":"فإن سأل المديون وسأل القاضي عن المدعي فقال إنه موسر، وزعم المديون أنه معسر، يجعل القول قول من؟\nاختلفت الأقوال فيه.\nقال صاحب الكتاب: القول قول المديون؛ لأن العسرة أصل في بني آدم، والمديون متمسك بالأصل، وصاحب الدين يدعي أمرًا عارضًا، فيكون القول قول المديون.\nوقال بعضهم: إن كان الدين وجب بدلًا عما هو مال؛ كثمن متاع، أو بدل قرض، يكون القول قول المدعي، وإن كان الدين وجب بدلًا عما ليس بمال، يكون القول قول المدعي عليه.\nلأنه إذا وجب بدلًا عما هو مال، فقد عرفت قدرته على قضاء الدين بما دخل في ملكه، وزوال ذلك محتمل فإذا وجب بدلًا عما ليس بمال، لم تعرف قدرته على قضاء الدين، فبقى متمسكًا بالأصل أنه معسر.\nوالذي يؤكد هذا الأصل مسألتان:\nأحدهما: نص في كتاب النكاح أن المرأة إذا أدعت على","vol":"2","page":362},{"text":"زوجها انه موسر، وادعت عليه نفقة الموسرين، وأدعى الزوج أنه معسر، وعليه نفقة المعسرين، يجعل القول قول الزوج.\nلأن السبب الذي وجبت به النفقة دينًا في ذمته، لم يدخل في ملكه شيئًا يصير به قادرًا على قضاء الدين، فبقى متمسكًا بالأصل.\nوالثانية: نص في كتاب العتاق: أن أحد الشريكين إذا أعتق العبد المشترك، وزعم أنه معسر كان القول قوله؛ لأن هذا الضمان وجب بسبب لم يدخل في ملكه شيئًا بذلك السبب.\nثم صاحب الكتاب نسب هذا القول إلى أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، والقاضي المنتسب إلى اسبيحاب نسبه إلى الفقيه أبي جعفر الهنداوني.","vol":"2","page":363},{"text":"وقال بعضهم: إن كان الدين لزمه بمباشرة العقد يكون القول قول المدعي، وإن كان الدين لزمه حكمًا لا بمباشرته","vol":"2","page":364},{"text":"عقدًا فالقول قول المديون؛ لأن الظاهر من حال الإنسان أنه لا يشرع في أمر لا يقدر عليه، وأن لا يلتزم بما لا وفاء به.\nوهذا القول يوجب التسوية بينهما إذا ثبت ذلك بدلًا عما هو مال، ولم يكن بدلًا عما هو مال.\nوفرق هذا القائل بأن مسألة النفقة وبين مسألة العتق، وبين غيرهما، وقال: ذلك ليس بدين، بل هو صلة؛ فإن النفقة تسقط بالموت، وضمان العتق كذلك على قول أبي حنيفة ﵀.\nونسب الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي -﵀- هذا القول إلى الفقيه أبي جعفر الهندواني.\nوقال بعضهم: يحكم فيه الزي؛ إن كان عليه زي الفقراء كان القول قول المديون، وإن كان عليه زي الأغنياء كان القول قول المدعي.\nلأن ذلك علامة الغني، إلا في حق العلوية والفقهاء.\nونسب الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ هذا القول إلى أبي جعفر الهنداوني.\nفعلى قول هذا القائل إن كان على المديون زي الفقراء، وأدعى المدعي أنه غير زيه، وقد كان عليه زي الأغنياء، قبل أن يحضر مجلس القاضي، فإن القاضي يسأله البينة، فإن أقام البينة على ذلك","vol":"2","page":365},{"text":"سمع القاضي وجعل القول قوله، وإن لم يمكنه الإقامة يحكم زيه للحال، ويجعل القول قول المديون.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>[كتابة اسم المحبوس وتدوين المعلومات الكافية عنه]</span>\n[٤٩٤] ثم متى توجه الحبس على المديون، وحبسه القاضي يكتب اسمه ونسبه في ديوانه [ثم يكتب اسم من حبس لأجله] ويكتب مقدار الحق الذي حبس به، ويكتب التاريخ، فيكتب:\nحبس فلان بن فلان، لفلان بن فلان بكذا وكذا درهمًا، يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا.\nوإنما يكتب اسم المحبوس ونسبه؛ لأن الطالب ربما يطالب القاضي بتسليم المحبوس إليه، فلابد من أن يعرف القاضي اسمه ونسبه، حتى يطالب السجان بتسليم ذلك إليه، والتعريف إنما يحصل بالاسم والنسب.\nوإنما يكتب من جبس لأجله؛ لأنه لو لم يكتب ربما يجيء إنسان آخر ويدعي أنه حبس لأجله في دينه ويخرجه، فيهرب من القاضي،","vol":"2","page":366},{"text":"والخصم الذي حبس لأجله غيره.\nوإنما يكتب مقدار الحق؛ لأنه ربما يجيء المحبوس بمال قليل، ويقول للقاضي: حبستني بهذا القدر من المال، فيدفعه إلى القاضي ويهرب.\nوإنما يكتب التاريخ؛ لأنه ربما يحتاج أن يسمع البينة على إفلاسه، وإنما يسمع البينة على إفلاسه، وإنما يسمع [البينة] بعد مدة فلا [بد أن] يعرف هل انقضت تلك المدة، وإنما يعرف بالتاريخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-221>[البينة على الإفلاس بعد الحبس]</span>\n[٤٩٥] ثم البينة على الإفلاس بعد الحبس مقبولة بالإجماع.\nوإنما اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ في أن القاضي هل يقضي عليه بالإفلاس وبالحجر؟\nقال أبو حنيفة: لا يقضي عليه بالإفلاس، ولا يحجر عليه.\nوعندهما: يقضي، ويحجر عليه. لكن إنما تقبل البينة على الإفلاس بعد مضي مدة على حبسه.\nواختلفوا في تقدير تلك المدة:\nفروى عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة [في كتاب الحوالة والكفالة إنها تقدر بشهرين أو ثلاثة أشهر.\nوروى الحسن عن أبي حنيفة ما بين أربعة أشهر] إلى ستة أشهر.","vol":"2","page":367},{"text":"وذكر الطحاوي شهرًا.\nقال شمس الأئمة الحلواني: مال قاله الطحاوي أوفق الأقاويل في هذا الباب.\nوهذا لأن ما زاد على الشهر في حكم الآجل، وما دون الشهر في حكم العاجل، فصار الشهر أدنى الآجل، والأقصى لا غاية له.\nوالصحيح أن هذا ليس بتقدير لازم، بل هو مفوض إلى رأي القاضي؛ فإن مضت ستة أشهر، ووقع عنده أنه متعنت [فإنه] يديم الحبس، وإن مضى شهر أو دونه، ووقع عنده أنه عاجز أطلقه، هذا معنى قول محمد في آخر الباب بعد ذكر التقدير: هذا إذا أشكل عليه أمره، يعني أفقير أم غني، فإما إذا لم يشكل أمره سألت عنه عاجلًا.\nيعني إذا كان ظاهر الفقر [فإني] أقبل البينة على الإفلاس واخلي سبيله.\nوهذا إذا ثبت أنه معسر ثبت له النظرة إلى الميسرة.","vol":"2","page":368},{"text":"ولو استدام الحبس كان ذلك ظلمًا.\nوإن لم يقع للقاضي شيء، وكان حاله مشكلًا فالقاضي ينظر: إن كان الرجل لينًا، أو صحاب عيال، ويشكو عياله إلى القاضي، يحبس شهرًا ثم يسأل عن حاله، ويسمع البينة على إفلاسه.\nوإن كان وقحًا عند جواب الخصم، يحبسه إلى ستة أشهر، ثم يسأل عن حاله، ويقبل البينة على إفلاسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>[البينة على الإفلاس قبل الحبس]</span>\n[٤٩٦] قال:\nفإن قامت البينة على إفلاسه قبل الحبس هل تقبل؟ وفيه روايتان: في إحدى الروايتين: تقبل، وبه كان يفتي الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري، وكان يقول: له رواية في كتاب الكفالة ستذكر في أول الكفالة.\nوفي رواية: لا تقبل، نص عليه صاحب الكتاب في آخر الباب، وبه كان يفتي عامة المشايخ، وهو الصحيح.","vol":"2","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>[البينة على الإفلاس بعد الحبس وقبل مضي المدة المقررة]</span>\n[٤٩٧] فإن احضر المدعي عليه بينة بعد الحبس، قبل هذا الوقت الذي ذكرنا بالعدم، فشهدوا بذلك عند القاضي، قال صاحب الكتاب: قبل القاضي ذلك، وأخرجه من الحبس، وفلسه.\nوهذا لا يشكل على إحدى الروايتين.\nأما الرواية الثانية [فقد] قال مشايخنا هذا إذا لم يكن حال الرجل مشكلًا، أما إذا كان [مشكلًا] فلا تقبل [البينة] قبل مضي تلك المدة. فإذا مضت تلك المدة، واحتاج القاضي إلى معرفة حاله، رجع إلى من له معرفه بحاله، وعلم بحاله.\nواعلم الناس بحاله جيرانه وأهل محلته، فيسأل الثقات من جيرانه، وأصدقائه، وأهل سوقه؛ لأن الفساق يكذبون عسى.\nفإن قال هؤلاء: أنا لا نعرف له مالًا فلسه القاضي، وأخرجه من الحبس، ولا يحول بين المدعي وبين ملازمته عند عامة العلماء.\nوعلى قول إسماعيل بن حماد: يحول.\nوليس للمدعي أن يلازمه في الابتداء، لكن يأخذ المدعي من","vol":"2","page":370},{"text":"الخصم كفيلًا، فإن أعطى الكفيل فقد انتهى الكلام، فإن أبى فحينئذ يلازمه.\nوالمسألة قد مرت.\n\n[٤٩٨] فإن قامت البينة على أنه مفلس، والمدعي أقام البينة على أنه موسر، فالقاضي يقبل بينه المدعي؛ لأن بينته مثبته، وبينة المدعي عليه نافية، والبينات شرعت للإثبات لا للنفي.\n\n<span data-type='title' id=toc-224>[حبس الشخص الممتنع عن الأداء وله أموال]</span>\n[٤٩٩] قال:\nوإن حبسه القاضي، وله أموال، فامتنع من قضاء الدين، فإن كان له من جنس ما عليه من الدين؛ بأن كان الدين عليه دراهم، وله دراهم، فإن القاضي يقضي من ماله الدين.\nلأن صاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه [كان] له أن يأخذ، وكان للقاضي أن يعينه على ذلك.\nفإن كان عليه دراهم، وماله دنانير، أو على العكس فالقياس على قول أبي حنيفة -﵀- أن لا تصرف الدراهم بالدنانير، ولا يقضى دينه؛ لأنهما جنسان مختلفان، ولهذا لم يكن لصاحب الدين أن يمد يده ويأخذ الدنانير إذا كان دينه دراهم، أو على العكس.","vol":"2","page":371},{"text":"وفي الاستحسان يصرف ويقضي دينه؛ جنسان مختلفان من حيث الصورة والعين، لكنهما جنس واحد في المالية، وحق صاحب الدين في العين، ومن حيث العين هما جنسان مختلفان، وولاية القاضي إنما تثبت من حيث المالية، وفي حق المالية هما جنس واحد، فلا يثبت لصاحب الدين ولاية أخذ الدنانير مكان الدراهم، وتثبت للقاضي ولاية صرف الدنانير بالدراهم.\n\n[٥٠٠] وإن كان له عروض، فعند أبي حنيفة -﵀- لا يبيع القاضي في دينه لكنه يستديم الحبس، إلى أن يبيع بنفسه، ويقضي الدين.\nوعندهما يبيع رواية واحدة.\nفإن كان عقارًا، فعند أبي حنيفة لا يبيع.\nوعندهما روايتان.\nوإلا ظهر أنه يبيع.","vol":"2","page":372},{"text":"وموضع المسألة كتاب الكفالة والحوالة وكتاب الحجر.\nثم عند أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله] إذا ثبت للقاضي ولاية البيع يبدأ بالعروض أولًا.\nفإذا لم يف ثمن العروض بالدين يشتغل ببيع العقار حينئذ.\nوترتيب الأموال في قضاء الدين ذكرناه في زكاة الجامع الكبير.\n[أخذ الكفالة من المفلس إذا ظهر إفلاسه بعد غياب المدعي]\n\n[٥٠١] قال:\nولو أن رجلًا حبس غريمًا له، ثم غاب، فسأل القاضي عن المحبوس فوجده معدمًا، قال: يأخذ منه كفيلًا، ويخلي سبيله.\nيريد به إذا مضت المدة، وسأل القاضي عن حاله، فوجده مفلسًا.\nأما يخلي سبيله فلأنه ربما يغيب الطالب، ويخفي نفسه، ويريد به أن يطول حبسه، فيتضرر.\nوأما يأخذ منه كفيلًا فلأنه لو كان المدعي حاضرًا كان له حق لملازمة بعد ما خلى القاضي سبيله، نظرًا للمدعي.\nفإن كان غائبًا يأخذ منه كفيلًا أيضًا، نظرًا للمدعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>[طلب المديون الحبس دون الملازمة]</span>\n[٥٠٢] قال:\nوإذا كان الغريم مقرًا بما عليه، وأراد المدعي أن يلازمه بما عليه،","vol":"2","page":373},{"text":"وقال المديون: احبسني، كان الرأي لصاحب الدين، وله أن يلازمه.\nلأن الحبس والملازمة كل واحد منهما شرع لإيصال المدعي إلى حقه، وطباع الناس في هذا مختلفة؛ رب إنسان يختار الحبس، ورب إنسان يختار الملازمة، فكان للمدعي أن يختار أيمهما رآه انظر له.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>[عودة إلى إقامة البينة على الإفلاس قبل الحبس]</span>\n[٥٠٣] قال:\nوإذا حضر المطلوب ومعه الطالب إلى القاضي، وهو مقر بالدين، لكن زعم انه مفلس، فقال: معي بينة تشهد على إفلاسي، قال: لا تسمع هذه البينة.\nلأن وقت إقامة البينة على الإفلاس في أصح الروايتين بعد الحبس، فلا تقبل قبل الحبس.\n\n<span data-type='title' id=toc-227>[حبس المريض]</span>\n[٥٠٤] قال:\nوالمطلوب إذا مرض في الحبس مرضًا أضناه فإن كان له خادم يخدمه، لم يخرج من الحبس.\nلأن الحبس شرع ليضجر قلبه، فيتسارع إلى قضاء الدين،","vol":"2","page":374},{"text":"وبسبب المرض يزداد الضجر، فيتسارع إلى قضاء الدين، وليس في عدم الإخراج خوف الهلاك عليه؛ لأن المعالجة في السجن وفي منزله سواء.\nوأما إذا لم يكن له من يخدمه [فإنه] يخرج من السجن؛ لأنه لو لم يخرج، يخاف عليه الهلاك، والمستحق قضاء الدين، لا الهلاك.\n\n<span data-type='title' id=toc-228>[هل يحق للرجل ملازمة المرأة]</span>\n[٥٠٥] قال:\nوإذا كان الحق لرجل على امرأة، فإن المدعي لا يلازمها.\nلأن تفسير ملازمتها أن يدور معها أيما دارت، ولا يحبسها في موضع، فإذا كان كذلك فيخلو بها، والخلوة بالأجنبية حرام، لكن يبعث معها أمينًا من أمنائه من النساء جارية أو امرأة، حتى تلازمها، فتدور معها حيث ما دارت.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>[تحويل المحبوس إلى سجن اللصوص]</span>\n[٥٠٦] قال:\nوإذا خاف القاضي على الرجال المحبوس في السجن أن يفر من حبسه، حوله إلى حبس اللصوص، إن كان لا يخاف عليه منهم.\nلأن القاضي محتاج إلى حفظه، فإذا كان يخاف منه الفرار من","vol":"2","page":375},{"text":"السجن حوله إلى سجن اللصوص، ألا ترى أن في الابتداء لما أحتاج إلى إحضاره مجلسه، فمتى تعذر عليه الإحضار برجالته، يستعين عليه في إحضاره بالوالي، كذا هنا.\nلكن هذا إذا كان لا يخاف عليه الهلاك منهم.\nأما إذا كان يخاف، لما أن بينه وبين اللصوص عداوة، وعرف أنه لو حوله إليهم لقصدوه [فإنه] لا يحوله.\nلأن فيه إهلاكه، وما استحق عليه الهلاك.\n\n<span data-type='title' id=toc-230>[ما للمحبوس من الحقوق]</span>\n[٥٠٧] قال:\nوالمحبوس في السجن لا تمنه جاريته من أن تدخل عليه في السجن فيطأها، إن كان له هناك موضع.\nلأن الوطء اقتضاء شهوة الفرج، وهو غير ممنوع من اقتضاء","vol":"2","page":376},{"text":"شهوة البطن، فكذا لا يمنع عن اقتضاء شهوة الفرج.\nلكن هذا إذا كان له هناك موضع الخلوة.\nأما إذا لم يكن [فإنه] لا يمكنه أن يجامعها بين الرجال المحبوسين في السجن.\nوالله أعلم بالصواب.\n* * *","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>الباب الثاني والثلاثون في الحجر بسبب الدين</span>\n[٥٠٨] ذكر عن الزهري أن معاد بن جبل -﵁- كان عليه دين فأخرجه النبي -ﷺ- من ماله لغرمائه.\nهكذا ذكر في الكتاب.\nوفي بعض الروايات: أن النبي -ﷺ- باع على معاذ -﵁- عنه ماله وصرف ثمنه إلى الغرماء.","vol":"2","page":378},{"text":"فأبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- احتجا بهذه الرواية.\nوأبو حنيفة -﵀- يقول: في الروايات تعارض، والحديث حكاية حالا لا عموم، فوقع الشك في كونه حجة. على انه إن كانت الرواية هذا فتأويله أنه باع برضاه وبالتماسه.\n\n[٥٠٩] ذكر عن كعب بن مالك أن النبي -ﷺ- «حجر على معاذ، وباع ماله في دين كان عليه».\nفأبو يوسف ومحمد - رحمهما الله- احتجا بهذا الحديث في مسألتين:\nأحدهما: جواز الحجر على الحر.\nوالثانية: بيع مال المديون.\nوأبو حنيفة -﵀- يقول: المراد بالحجر النهي عن التصرف في ذلك المال، لا إسقاط تصرفه، والبيع كان برضاه.","vol":"2","page":379},{"text":"[٥١٠] ذكره عن شريح أنه كان يبيع ما فوق الازار.\nفالحديث حجة لهما في جواز الحجر على الحر وبيع مال المديون.\nثم القضاة الذين يرون ذلك مختلفون في هذا.\nمنهم من قال: لا يبيع مسكنه وخادمه، وبه كان يأخذ عمر بن عبد العزيز -﵁-.\nذكر صاحب الكتاب بعد هذا: لأن هذا من أصول حوائجه وحاجته مقدمة على الدين، ويبيع ما سوى ذلك.\nومنهم من قال: يبيع ما فوق الازار.\nلأن الضرورة وهي ضرورة ستر العورة تندفع به؛ فإن كان موضع برد يترك ما يدفع به ضرر البرد، ويبيع ما سوى ذلك.\nفإن لم يكن موضع برد يبيع ما فوق الازار. ألا ترى أن شريحًا لما كان في الحجاز، وفي حر الحجاز الرجل يكتفي بازار واحد -باع ما فوق الازار؟.\nوقال بعضهم: يترك دستًا من الثياب، ويبيع ما سوى ذلك، وهو مختار الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني.","vol":"2","page":380},{"text":"وقال بعضهم: [يمسك به] دستين [من الثياب] لأن الحاجة تتحقق في دستين؛ لأنه إذا غسل أحدهما يحتاج إلى الآخر، وهو اختيار الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي.\n\n[٥١١] ذكر عن عبد الله بن دلاف عن أبيه عن عم أبيه بلال بن الحارث قال:\nكان رجل يغالي بالرواحل يسبق الحاج، حتى أفلس. قال فخطب عمر﵁- فقال:\nأما بعد فإن الاسيفع اسيفع جهينة رضي من أمانته ودينه ان يقال سبق الحاج فادان معرضًا، فأصبح وقد رين به،","vol":"2","page":381},{"text":"فمن كان له عليه شيء فليأتنا حتى يقسم ماله بينهم.\nقوله: فادان معرضًا، معناه: استدان فوق الطاقة.\nوقوله: فأصبح وقد رين به، معناه: وقد غلبه الدين، قال الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾ أي غلبهم.","vol":"2","page":382},{"text":"ثم الحديث حجة لأبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- على أبي حنيفة -﵀- في جواز الحجر وبيع مال المديون.\nوأبو حنيفة﵀- يقول: يحتمل أن ماله كان من جنس الدين، فلا يكون هذا حجرًا. والثاني: إن كان حجرًا فلأنه كان مكاري الحج، والحجر على المكاري المفلس يجوزه أبو حنيفة -﵀-، فلا يكون حجه عليه.\n\n[٥١٢] ذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه فلس رجلًا وأجره. لأن الإجارة انفع له.\nلأنه متى أجره توصل إلى قضاء الدين بالأجرة، وأبقى الأعيان على ملكه، ومتى باع الأعيان تزول الأعيان عن ملكه ولا تبقى المنفعة.\nوعلماؤنا -﵏- لم يأخذونا بهذا؛ لأن الدين لم يتعلق بمنافع بدنه؛ لأن الدين إنما يتعلق بما يمكن الاستيفاء منه.\nوإنما يمكن الاستيفاء من المال، وإنما يعطي المنافع حكم المال","vol":"2","page":383},{"text":"عند الضرورة، وههنا لا ضرورة، فلا يؤاجره القاضي.\n\n[٥١٣] ذكر عن شريح انه كان إذا فلس رجلًا جعل ما بقى بين غرمائه.\nلأنه إذا فلسه فقد حجر عليه في التصرف في ماله، فيتعلق حق الغرماء به، كما في المريض، فإذا تعلق حقهم بذلك المال قسم بينهم.\n\n[٥١٤] ذكر عن عبد الله بن جعفر أنه اشترى دارًا بأربعين","vol":"2","page":384},{"text":"ألفًا، فأراد علي﵁- أن يحجر عليه، وكان جعفر أوصى إلى علي -﵁-، فأتى عثمان -﵁- فقال: يا أمير المؤمنين: إني اشتريت دارًا بأربعين ألفًا، وإن عمي يريد أن يحجر علي، فقال عثمان -﵁-: أنا شريكك، فبلغ ذلك عليًا -﵁- فقال: كيف احجر على رجل شريكه أمير المؤمنين.\nهكذا روى صاحب الكتاب هذا الحديث.\nوروى في بعض الروايات أنه اشترى دارًا بأربعة آلاف دينار، ولا تعارض بين الراويتين&lt; لأن عندهم كانت قيمة الدينار عشرة دراهم.\nوأهل الحديث يروون: اشترى دارًا بأربعين ألفًا وطلب علي -﵁- من عثمان -﵁- أن يحجر عليه، فلما علم به عبد الله بن جعفر شارك الزبير بن العوام، فلما بلغ ذلك عثمان - ﵁- قال كيف أحجر على رجل شريكه الزبير بن العوام؟!","vol":"2","page":385},{"text":"والحديث بظاهره حجة لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله-.\nوأبو حنيفة -﵀- يقول: إنما طلب علي -﵁- الحجر من عثمان -﵁-، وجوز عثمان -﵁- الحجر لأنه كان يخاف فيه الضرر العام، وهو العداوة بين العشيرة، وعند أبي حنيفة الحجر جائز إذا كان يخاف فيه الضرر العام، ولهذا جاز الحجر على المتطبب الجاهل، والمفتي الماجن، الذي يعلم الناس الحيل، والمكاري المفلس، على ما يبين في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله تعالى.\n\n[٥١٥] ذكر عن مجاهد قال:\nلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط، حتى يؤنس منه الرشيد.\nفالحديث بظاهره حجة [لأبي يوسف وحمد -رحمهما الله-] على أبي حنيفة -﵀- في السفيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة:\nعند أبي حنيفة يدفع إليه ماله.\nوعندهما لا يدفع [إليه ماله] وإن صار شيخًا مالم يؤنس","vol":"2","page":386},{"text":"منه الرشيد، عملًا بظاهر الحديث.\nوأبو حنيفة يقول:\nإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة يؤنس منه نوع رشد، وإن لم يؤنس منه جميع أنواع الرشد؛ لأنه بلغ مبلغًا يصلح أن يكون جدًا، فيزول السفه، أو يقل، فيثبت نوع رشد، والله تعالى شرط نوع رشد لدفع ماله إليه بقوله:\n﴿فإن آنستم منهم رشدًا﴾.\nذكر الرشيد منكرًا، فيتناول نوع رشد، وقد طهر.\n\n[٥١٦] قال صاحب الكتاب:\nقال أصحابنا -﵏-:\nولو أن رجلًا ثبت له على رجل دين أما ببينه، أو بإقرار عد القاضي، فقال الطالب للقاضي: احجر عليه قبل أن يحبسه بالدين الذي ثبت عليه، أو بعد ما حبسه، فإن القاضي لا يحجر عليه في قول أبي حنيفة وفي قولهما يحجر عليه.","vol":"2","page":387},{"text":"فإذا حجر عليه يشهد على ذلك ويقول:\nقد حجرت على فلان بن فلان هذا بعلة الدين الذي عليه لفلان بن فلان.\nأما الأشهاد: فلأن الحجر حكم من القاضي، ويتعلق بهذا الحكم أحكام، ربما يقع فيه التجاحد، فيحتاج إلى إثباته، فقلنا بأنه يشهد.\nوأما بيان العلة، وهو الدين فلأن على قول من يرى الحجر جائزًا يختلف الحجر باختلاف سببه؛ فإن الحجر بسبب السفه يعم الأحوال والأموال الموجودة في الحال، وما يحدث بعد ذلك. والحجر بسبب الدين يعمل في الأموال الموجودة في الحال، فأما ما يظهر في يده من المال بالكسب ونحوه [فإنه] لا يعمل فيه، فنفذ تصرفه فيه كما قيل الحجر، فلابد من أن يبين العلة.\nفإذا حجر لا تصح منه التبرعات؛ لأنه لما صار محجورًا صار بمنزلة المريض مرض الموت، ويصح بيعه شيئًا من ماله بمثل القيمة.\nوما ذكر صاحب الكتاب: لا أجيز بيعه وشراءه، أراد به إلا بمثل القمة.\nلأن المديون إنما صار محجورًا عن تصرف مبطل لحق الغرماء، وليس في البيع بمثل القيمة إبطال حق الغرماء، فلا يصير محجورًا؛ كالمريض مرض الموت.","vol":"2","page":388},{"text":"وأن أقر بعد هذا الحجر لإنسان بدين لا يصح هذا الإقرار في حق الغرماء الأولين.\nلأنه لما صار محجوزًا، تعلق حق الغرماء بماله، فصار بمنزلة المريض مرض الموت، لكن إذا زال دين الأولين صح الإقرار الثاني.\nلأن الإقرار الثاني في حق نفسه صحيح.\nوإنما لم يصح في حق الغرباء الأولين، فإذا زال حقهم ظهر صحة الإقرار الثاني، بمنزلة المريض مرض الموت إذا أقر بالدين لا يصح في حق غرماء الصحة، فإذا قضى دين غرماء الصحة صح الإقرار الثاني كذا ههنا.\nفإن اكتسب مالًا بعد هذا الحجر نفذ إقراره، والتصرفات في هذا المال.\nلأن هذا الحجر لم يؤثر فيه، لأن الحجر إنما يظهر في ما في يده وقت الحجر، فأما ما لم يكن في يده يومئذ، فلا يؤثر فيه الحجر.\nلأن الحجر إنما كان ضرورة صيانة محل قضاء حق الغرماء، ومحل حق الغرماء المال القائم في يده، لأن ما يحدث لا يكون محل القضاء للحال، فصار وجود الحجر وعدمه في حق ما يحدث","vol":"2","page":389},{"text":"من الماء سواء.\n\n[٥١٧] قال:\nوقال أبو حنيفة -﵀-: ولو أن رجلًا ثبت لإنسان عليه دراهم، فامتنع من دفعها إليه، وهل دنانير، بعت دنانيره بدراهم، ودفعت إلى صحاب الدراهم حقه.\nوهذا استحسان.\nوالقياس أن لا يباع.\nوقد مرت المسألة.\n\n[٥١٨] قال:\nوإذا ثبت لرجل على رجل مال بمحضر منه أما بالإقرار أو ببينة قامت عليه بحضرته، ثم غاب المطلوب عن خصمه، وامتنع من الحضور معه، فالقاضي على قول أبي يوسف ينصب عنه وكيلًا، ويحكم عليه بالمال، إن سأل الخصم ذلك، وإن سأل الحجر عليه حجر له عليه على ما وصفت لك.\nلأنا قد ذكرنا في الباب الثلاثين أن المدعي عليه إذا امتنع عن الحضور، أو توارى، واختفى في بيته، فالقاضي على قول أبي يوسف","vol":"2","page":390},{"text":"-﵀ينصب عنه وكيلًا، ويسمع البينة عليه، ويقضي له عليه بالحق، ويكون الذي نصيه القاضي بمنزلة الوكيل الذي اختاره المطلوب بنفسه إذا سأل الخصم ذلك، فكذلك في حق الحكم والحجر ينصب عنه وكيلًا ويقضي عليه بالمال، ويحجر عليه إن سأل الخصم ذلك.\n\n[٥١٩] قال:\nوإن باع المطلوب بعد ما حجر عليه القاضي بسبب دين فلان، ضيعه لفلان، أو عقارًا، أو عرضًا من عروضه، بدينه الذي حجر عليه بذلك الدين [فإنه] يجوز.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي -﵀-:\nهذا إذا كان الغريم واحدًا.\nلأن الغريم إذا كان واحدًا كان الحجر لحقه خاصة؛ صيانة لحقه عن الأبطال، فإذا باع منه لم يكن فيه أبطال حقه، فلا يظهر الحجر عن هذا التصرف.\nوالدليل عليه أنه لو قضى دينه يصح، ولم يحتج إلى استئذان القاضي، ولم يكن محجورًا عليه.","vol":"2","page":391},{"text":"فإذا باع العقار منه ليجعل الثمن قصاصًا بالدين الذي عليه يصح أيضًا، ولا يكون محجورًا عنه، ولم يحتج إلى استئذان القاضي.\nفأما إذا كان الغريم اثنين، وحجر لدينهما، فبيع العقار إنما يصح من أحدهما إذا كان بمثل القسمة كما لو باع من الأجنبي.\nفإذا صح بمثل القسمة، لا يصير الثمن قصاصًا بالدين الذي للمشتري عليه؛ لأن فيه إيثار بعض الغراء على البعض، وهو محجور عنه.\nألا ترى أنه لو قضى دين أحدهما من غير استئذان القاضي لا يسلم له، وكان للآخر أن يشاركه، كذا هنا.\n\n[٥٢٠] قال:\nولو أن هذا المحجور استهلك مالًا لإنسان بمعاينة من الشهود لزمه ذلك، وحاص صاحب المال الغرماء الذين حجر عليه القاضي لهم، فيما كان في يده من ماله، فيكون أسوتهم في ذلك.\nلأن الحجر إنما يؤثر في التصرفات الشرعية لا في الأفعال الحسية فيكون الحجر في حق الأفعال الحسية وجوده وعدمه بمنزلة.\n\n[٥٢١] قال:","vol":"2","page":392},{"text":"وإن حبسه القاضي بالدين الذي ثبت عليه، وكان يسرف في الحبس لاتخاذ الطعام، ويتحمل من ذلك بما فيه سرف، امسك عليه القاضي، وأمره أن يدخل عليه من ذلك شيئًا بالمعروف، وليس بالضيق، وكذلك الكسوة يقتصد فيها.\nلأن الإسراف يمنع عنه غير المحبوس وغير المحجور، فلأن يمنع المحبوس والمحجور كان أولى، لكن لا يمنع ما كان قدر حاجته؛ لأن حاجته مقدمة على حق الغرماء.\n\n[٥٢٢] قال:\nوإن تزوج امرأة في الحبس، فزاد على مهر مثلها، كان لها أن نحاص الغرماء الذين حجر عليه [القاضي] لهم بمقدار مهر مثلها، وأما الفضل على ذلك فيلزمه فيما يستفيد من المال، ولا يلزمه في هذا المال الذي في يده.\nلأن أصل النكاح من جملة حوائجه، وحاجته مقدمة على حق الغرماء، فصح النكاح، وإذا صح النكاح، فمقدار مهر المثل إنما يجب حكمًا لصحة النكاح لا بالتزامه؛ لأنه لو لو يسم [لها مهرًا]","vol":"2","page":393},{"text":"لوجب مقدار مهر المثل.\nفأما الزيادة على مهر المثل فإنما وجبت بالتزامه، وفي ذلك إبطال حق الغرماء، فلا يصح في حق ذلك المال الموجود، وأما في حق ما يستفيده من المال بعد ذلك، فصح التزامه؛ لأن الحجر لا يؤثر فيه.\nوكذلك لو اشترى هذا المحجور عليه جارية بمعاينة من الشهود بأكثر من القيمة، فإن البائع يحاص الغرماء بمقدار قيمتها، وما زاد على القيمة يأخذه من المال الذي يستفيده [بعد ذلك] لما قلنا.\nوهو في هذا بمنزلة المريض مرض الموت، إن كان عليه دين.\nوالجواب في نكاح المريض بالزيادة على مهر مثلها، وشراء الجارية بالزيادة على قيمتها، هكذا، فكذا ههنا.\n\n[٥٢٣] قال:\nوقال فيرجل ركبه دين فاختفى، فقال أصحاب المال للقاضي: نخاف أن يلجئ ماله، فاحجر عليه، قال محمد -﵀-: إن كانت أموالهم قد ثبتت عند القاضي حجر عليه، وإن لم يكونوا أثبتوا ذلك لم يحجر عليه. ذكر قول محمد، ولم يذكر قول أبي يوسف.\nوعلى قول أبي يوسف -﵀- بنصب عنه وكيلًا فيحجر عليه.\nأما على قول أبي يوسف فلا يشكل؛ لأن القضاء على الغائب إذا","vol":"2","page":394},{"text":"كان عنه خصم حاضر بجوز، وإذا نصب عنه وكيلًا صار عنه خصمًا حاضرًا.\nوأما على قول محمد -﵀-[فأنه] يشكل؛ لأن القضاء على الغائب لا يجوز بالاتفاق بين أصحابنا، إذا لم يكن عنه خصم حاضر، وليس ههنا عنه خصم حاضر، لكن هذا ليس بقضاء على الغائب بشيء، لكن هذا نوع نظر للحاضر لمنزلة من غاب، واحتاجت امرأته إلى النفقة، فإن القاضي يقضي لها بالنفقة في مال الزوج نظرًا لها، فلا يكون ذلك فصاء على الغائب بشيء كذا ههنا.\nلكن إنما يحجر عليه عند محمد -﵀-، أو ينصب عنه وكيلًا ويحجر عليه عند أبي يوسف إذا ثبت الدين عند القاضي بالبينة، أو بالإقرار؛ لأن الحجر إنما كان نظرًا لهم، وإنما يستحقون النظر إذا ثبت دينهم.\nفشرط ثبوت دينهم عند القاضي لهذا.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"2","page":395},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>الباب الثالث والثلاثون في حجر الفساد</span>\n[٥٢٤] الحجر على الحر العاقل البالغ باطل لا يجوز عند أبي حنيفة -﵀- إلا على [ثلاثة] المتطيب الجاهل الذي يسقي الناس السم وعنده انه دواء والثاني المفتي الماجن الذي يعلم الناس. الحيل والمخارج، والثالث المكاري المفلس.\nلأن الأول يفسد النفس.\nوالثاني: يفسد الدين.\nوالثالث: يفسد المال. وفيه ضرر فاحش عام.\nومن المتأخرين من قال: هذه رواية رويت عن أبي حنيفة - ﵀-. فأما في ظاهر [المذهب] فلا يجوز الحجر على أحد من الأحرار العاقلين البالغين.\nوعند أبي يوسف ومحمد والشافعي -﵏- يجوز، كلن عند أبي يوسف ومحمد يجوز بثلاثة أسباب، وعند الشافعي بأربعة","vol":"2","page":396},{"text":"أسباب.\nأما الثلاثة:\nفأحدها: الدين.\nوقدر ذكرنا ذلك في الباب المتقدم.\nوالثاني: السفه والتبذير؛ فإن السفيه المبذر المسرف في المال ممن يحجر عليه عندهما.\nوالثالث: الغفلة، وهو أن لا يكون مفسدًا، لكن يكون مغفلًا، سليم القلب، لا يهتدي إلى التصرفات، ولا يصبر عنها، فيقع في الغبن، فإن القاضي يحجر على هذا الرجل.\nوأما الرابع: الفسق، فإنه إذا كان مفسدًا في دينه مرتكبًا للمعاصي، لكن لا يبذر، ولا يسرف [فإنه] لا يجوز الحجر عليه عندهما أيضًا، نص عليه في آخر الباب، وعند الشافعي -﵀- يجوز [الحجر عليه]؛ فإن الفسق من أسباب الحجر عنده.\nثم اختلف أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- فيما بينهما في من بلغ سفيهًا:\nقال أبو يوسف: يبلغ مطلقًا، ولا ينحجر إلا بحجر القاضي.","vol":"2","page":397},{"text":"وقال محمد: يبلغ محجورًا.\nوكذا إذا بلغ رشيدًا حتى بلغ مطلقًا، ثم صار سفيهًا، قال أبو يوسف: لا ينحجر إلا بحجر القاضي.\nوقال محمد: ينحجر.\nفأبو يوسف: جعل الحجر بسبب السفه والتبذير قياس الحجر بسبب الدين، وذلك لا يثبت إلا بقضاء القاضي.\nومحمد جعل قياس الحجر بسبب السفه والتبذير قياس الحجر سبب (؟) والجنون، وذلك يثبت من غير قضاء القاضي.\nوإذا انحجر عنده من غير قضاء القاضي، فمتى تصرف تصرفًا قبل أن يحجر عليه القاضي عنده، أو بعد ما حجر عليه عندهما، نظر القاضي في ذلك:\nإن كان النظر في إمضائه، أجازة، وأمضاه.\nوإن كان النظر في رده وإبطاله، رده، وأبطله، كما لو باع إنسان مال يتيم، نظر [فيه] الوصي، وفعل ما قلنا، كذلك ههنا.\nثم يمنع المال عن السفيه بالإجماع مالم يبلغ خمسًا وعشرين سنة.","vol":"2","page":398},{"text":"فإذا بلغ، قال أبو حنيفة -﵀-: لا يمنع، بل يدفع إليه ماله.\nوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: المنع دائم مادام السفه.\nوالحجج في هذه المسائل تعرف في المختلف.\n\n[٥٢٥] قال:\nوالمفسد لماله، والذي لم يبلغ سواء، إلا في أشياء:\nمنها: أن هذا المفسد يخرج من ولاية الوصي عليه، حتى لا يجوز أمر الوصي عليه في شيء، وهذا دليل لأبي حنيفة -﵀- على محمد -﵀-؛ فإنه لولا حدوث الولاية له في ماله وإلا لكان لا تزول ولاية غيره عنه، كما لو بلغ مجنونًا.\nومنها: أنه إذا أعتق مملوكًا جاز عتقه؛ لأن الحجر بسبب السفه عندهما أنما يؤثر فيما فيه الهزل؛ لأن السفيه في معنى الهازل؛ لان الهازل يخرج كلامه على نهج الصبيان، ولا يقصد به الحكم، بل السخرية واللعب، والسفيه كذلك، والاعتاق مما لا يؤثر فيه الهزل، فكذا السفه.\nوإذا نفذ العتق وجب على العبد أن يسعى في قيمته له، هكذا ذكر","vol":"2","page":399},{"text":"ههنا.\nوروي عن محمد أنه لا يجب عليه السعاية.\nوموضعها كتاب الحجر.\nومنها: إذا دبر [عبدًا أو أمة] جاز تدبيره؛ لأن التدبير لا يؤثر فيه الهزل، فلا يؤثر فيه السفيه، فإذا مات السفيه، ولم يؤنس منه الرشد عتق المدبر؛ لأن العتق بالموت وقد وجد، فصار الاعتاق بعد الموت قياس الاعتاق قبل الموت، ثم الاعتاق قبل الموت من السفيه نافذ، وتجب السعاية على العبد، فكذا الاعتاق منه بعد الموت، لكن يسعى في قيمته مدبرًا؛ لأنه ملك نفسه مدبرًا.\nأطلق الجواب في المدبر أنه يسعى.\n\n[٥٢٦] وذكر بعد هذا أن السفيه المحجور إذا مرض فأوصى بوصايا فمات [فإنه] ينظر فيه:\nإن كانت وصيته موافقة لوصايا أهل الخير والصلاح؛ نحو الوصية بحجج، أو للمساكين، أو لقرابته، أو لشيء من أبواب البر الذي يتقرب به إلى الله تعالى، جاز استحسانًا.\nوإن كانت مخالفة لوصايا أهل الخير والصلاح تبطل.\nوإنما كان [ذلك] لأن بين العلماء اختلافًا في جواز","vol":"2","page":400},{"text":"وصية صبي لم يبلغ:\nفإن عمر -رضي الله- عنه أجاز وصية غلام.\nوشريح أجاز وصية صبي لم يحتلم.\nوهو مذهب أهل المدينة.\nلأن في جواز وصيته نظرًا، وهو إزالة المال إلى خلف في الآخرة، وهو الثواب، في حال لو لم يزل لزال من غير خلف.\nفإن كان في وصية الصبي اختلاف العلماء كانت وصية السفيه (؟) عن الاختلاف فتصح.","vol":"2","page":401},{"text":"وإذا ثبت أن وصيته صحيحة، والتدبير وصية فلماذا أوجب السعاية؟\nاختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال: لا تجب السعاية على المدبر، وسووا بين التدبير وبين سائر الوصايا.\nومنهم من قال: تجب، وفرقوا.\nوجه الفرق: أن التدبير قد لزم في الحال، ألا ترى أنه خرج من ان يكون قابلًا للبيع، وفي الحال هو محتاج إلى المال، ومستحق للنظر، فيثبت الحجر للحال، فتجب السعاية إذا مات، وعتق المدبر لهذا.\nفأما سائر الوصايا فمضافة إلى ما بعد الموت، فكان أوان وجوبها ما بعد الموت. وما بعد الموت هو مستغن عن المال، فلا يستحق النظر في ماله، بل النظر في تنفيذ الوصايا.\n\n[٥٢٧] قال:\nولو كانت له جارية، فجاءت بولد، فأدعاه، يثبت النسب.\nلأن هذا من حوائجه الأصلية، حتى لا يضيع ماؤه ونسله، وحاجته مقدمة على حق الغريم، فيثبت النسب، وصارت الجارية أو ولد له.\nفإن مات ولم يؤنس منه الرشد عتقت الجارية، ولا سعاية عليها، بخلاف المدبر.\nوالفرق، أن الاستيلاد من الحوائج الأصلية، وحاجته مقدمة على","vol":"2","page":402},{"text":"كل شيء، وأما التدبير فليس من الحوائج الأصلية، فتجب السعاية، وصار هو بمنزلة المريض إذا كان عليه دين، فاستولد جارية، ثم مات، تعتق الجارية، ولا سعاية عليها، ول دبر عتق، وعليه السعاية كذا ههنا.\n\n[٥٢٨] قال:\nوكذا لو كان له غلام ولد في ملكه، ومثله يولد لمثله، فقال: هذا ابني لزمه نسبه، وعتق، ولا سعاية عليه.\nلأن هذا إقرار بالنبوة.\nولو كان له غلام لم يولد في ملكه، ومثله يولد لمثله، فقال: هذا ابني لزمه نسبه، وعتق، وسعى له في قيمته.\nوهو بمنزلة المريض إذا وهب له ابنه، ثم مات وعليه دين فغن الابن يسعى في جميع قيمته، فيدفع إلى الغرماء.\nوهذه المسألة مذكورة في كتاب الدعوى، ولها فروع.\n\n[٥٢٩] قال:\nولو تزوج السفيه المحجور امرأة جاز النكاح.\nلأن الهزل لا يؤثر في النكاح، فكذلك الحجر بسبب السفه،","vol":"2","page":403},{"text":"إلا أنه إذا كان رد على مهر مثلها بطلب الزيادة.\nلأن الزيادة على مهر المثل لو وجبت، وجبت بالتزامه، لأنا حكمنا بصحة النكاح، ولا يجوز أن تجب بالتزامه، لأنه محجور عن التزام المال.\n\n[٥٣٠] قال:\nولو طلق وقع الطلاق على امرأته.\nلأن الهزل لا يمنع وقوع الطلاق فكذا الحجر بسبب السفه.\n\n[٥٣١] قال:\nولو حنث في يمينه أجزأه الصيام، ولم يكن له أن يكفر من ماله.\nلأنه إن أراد التكفير بالإطعام فلا يتم ذلك إلا بتسليم الطعام إلى الفقراء، ويده قاصرة، فلا يمكنه التسليم.\n\n[٥٣٢] قال:\nوإن أراد التكفير بالاعتاق، فإذا اعتق تجب على العبد السعاية، فيصير اعتاقًا بعوض، والاعتاق بعوض لا تتأدى به الكفارة.\nوكذا لو ظاهر كان عليه الصوم.\nلما قلنا.\nفإنه اعتق مملوكًا له عن ظهاره جاز العتق، وكان على المعتق أن","vol":"2","page":404},{"text":"ولم يجز في كفارة الظهار، وكذا كفارة القتل هو بمنزلة هذا، لما قلنا.\n\n[٥٣٣] قال:\nوأما زكاة المال فتجب عليه.\nلأن الحجر بسبب السفه لا يؤثر فيه؛ لأن الحجر شرع نظرًا به، إبقاء لماله على ملكه، والإبقاء إنما يحصل بإخراج فدر الزكاة، قال الله تعالى:\n﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾.\nفيلزمه أن يخرج قدر الزكاة من ماله.\n\n[٥٣٤] قال:\nوأما حجة الإسلام فتجب عليه إن استطاع إليه سبيلًا.\nلكن المال الذي يحتاج إليه في الطريق لا يدفع إليه، فغنه يسرف فيه ويبذر، لكن يدفع إلى رجل ثقة ممن يحج معه،","vol":"2","page":405},{"text":"فينفق عليه في الطريق [بقدر حاجته].\nوما لزمه في حجة من كفارة في شيء يصنعه في حجة أو إحصاره، فكل موضع شرع فيه الصوم كان هو في ذلك بمنزلة العبد الذي يحج بأمر مولاه.\nوفي هدي الإحصار الصوم غير مشروع، وهو محتاج إلى التحلل عن الإحرام، فليزمه الهدي.\n\n[٥٣٥] قال:\nوالمرأة المفسدة في ذلك بمنزلة الرجل.\nفإن اختلعت نفسها من زوجها، أو قبلت الطلاق على مال من الزوج بعد ما حجر عليها القاضي، فإن الطلاق يقع، ولا يلزمها المال.\nأما عدم لزوم المال فلأن الهزل يمنع التزام المال، فكذا الحجر بسبب السفه.\nوأما وقوع الطلاق فلأن الطلاق المقرون بمال يعتمد وقوعه وجود","vol":"2","page":406},{"text":"القبول لا وجود المقبول، كما إذا طلق امرأته الصغيرة على مال وقبلت وقع الطلاق ولم يلزمها المال، كذا هنا.\nثم ينظر:\nإن كان الواقع بصريح لفظ الطلاق [فإنه] يكون رجعيًا.\nوإن كان الطلاق بلفظ الخلع [فإنه] يكون بائنًا.\n\n[٥٣٦] قال:\nولو حجر القاضي على سفيه، ثم أذن له أن يبيع شيئًا من ماله، ويشتري شيئًا، فالمسألة على ثلاثة أوجه:\nأحدها: إذا أذن له في أن يبيع شيئًا من ماله، ويشتري شيئًا، فباع، واشترى، وقبض الثمن، جاز جميع ما صنع، وكان أمر القاضي أخراجا له من الحجر.\nلأن الحجر إنما شرع؛ نظرًا له؛ إبقاء لماله، فإذ أذن له القاضي فالظاهر أنه رأى النظر في الإطلاق، فغن وهب، أو تصدق، لم يجز ذلك لأن القاضي إنما أذن له في التجارات، والإطلاق في التجارات لا يوجب ارتفاع الحجر في التبرعات؛ كالمولى، إذا أذن لمبده في التجارة، والوصي إذا أذن للصبي في التجارة [فأنهما] لا يملكان التبرعات؛ كذا هنا.\nوالثاني: لو أمره القاضي ببيع عبد بعينه، أو [بشراء] شيء","vol":"2","page":407},{"text":"بعينه، لم يكن هذا إخراجًا له من الحجر؛ كالمولى، إذا أمر عبده أن يبيع شيئًا بعينه، أو يشتري شيئًا بعينه، لا يكون إذنًا له في التجارة، ويكون هذا استخدامًا. فإذا وجد من القاضي لا يكون إطلاقًا له عن الحجر أيضًا.\nوالثالث: إذا أذن له في شراء البز خاصة كان هذا إطلاقًا له من الحجر؛ كما في المولى مع العبد، والوصي مع الصبي.\n\n[٥٣٧] قال:\nولو قال القاضي بمحضر من أهل سوقه: قد أذنت له في التجارة، ولا أجيز عليه من ذلك إلا ما كان ببينة، أو بمعاينة من الشهود، فأما ما كان بإقرار، فلم أجزه، فهو كما قال.\nفرق بينه، وبين العبد والصبي، فإنه لا يعمل هذا الاستثناء في حقهما، ويجب الدين عليهما سواء كان بمعاينة من الشهود أو الإقرار.\nوالفرق: أن حجر العبد عن التصرفات إنما كان لحق المولي، فإذا أذن له المولى فقد أسقط حق نفسه، فلا يعمل فيه الاستثناء.\nوكذا حجر الصبي كان لنقصان رأيه، فإذا انضم رأي المولى إلى رأيه كمل رأيه تقديرًا، والتحق بالبالغ في حق ذلك التصرف، فلا يعمل فيه الاستثناء.","vol":"2","page":408},{"text":"وأما ههنا فالحجر إنما يثبت بطريق النظر، وربما يكون النظر في أصل الأذن دون الوصف، فكان النظر في تقييد الأذن لا في الإطلاق فعمل هذا التقييد والاستثناء.\n\n[٥٣٨] قال:\nولو أن قاضيًا حجر على رجل فاسد يستحق الحجر فجاء قاض آخر فأطلق حجره، وأجاز ما صنع، كان إطلاقه جائزًا.\nوما صنع في ماله من شراء أو بيع قبل إطلاقه عنه، وبعد إطلاقه عنه [فإنه] يجوز لوجهين:\nأحدهما: أن الأول ليس بقضاء لعدم المقضي له والمقضي عليه، بل هو فتوى منه، فكان للثاني أن لا يعمل به ويطلق.\nوالثاني: إن كان قضاء فنفس القضاء مجتهد فيه، فلا يكون حجة تامة، بل يتوقف على إمضاء قاض آخر.\nفإن إمضاء نفذ، وصار قول القاضي الآخر بيانًا في محل مجتهد فيه، والبيان من الثاني في محل مجتهد [فيه قد] يكون بمنزلة القضاء في محل مجتهد [فيه]، واو قضى في محل مجتهد [فيه] ينفذ","vol":"2","page":409},{"text":"قضاؤه، فلا يكون للثاني أن ينقضه، فكذا إذا بين في محل مجتهد فيه لا يكون لثالث أن يرده.\nفإن رد القاضي الثاني القضاء الأول بطل، فلا يكون للثالث أن ينفذه، وصار نظير هذا القاضي إذا قضى في حادثه، وهو محدد في قذف، فإن هذا القضاء لا يكون حجة حتى يتصل به الإمضاء من [القاضي] الثاني.\n\n[٥٣٩] قال:\nفإن رفع شيء من بيوعه إلى القاضي الذي حجر عليه فنقضها، وأبطلها، فعلى القاضي الثاني أن ينفذ قضاء الأول. فإن لم يفعل ذلك وأجاز أمر المحجور عليه، ثم رفع إلى قاضي آخر، فإنه ينبغي لهذا القاضي الثالث أن ينفذ ما صنع الأول، ورد ما فعل الثاني.\nأما على الوجه الأول فلأن القاضي الأول لما نقض بيوعه، كان هذا قضاء؛ لوجود المقضى له والمقضي عليه، فنفذ، فليس للثاني أن يبطله.\nوعلى الوجه الثاني لم يكن فسخ البيع مختلفًا فيه، فإذا قضى نفذ قضاؤه، فليس للقاضي الثاني أن يبطله.","vol":"2","page":410},{"text":"[٥٤٠] قال:\nوهذا المفسد لماله لا يجوز بيعه.\nوإن باع شيئًا من ماله وقبض ثمنه لم يكن للذي دفع إليه المال أن يرجع عليه بماله.\nأطلق صاحب الكتاب جواب هذه المسألة.\nومحمد -﵀- في كتاب الحجر قسم الجواب تقسيمًا فقال: أما أن يكون بيع رغبة، أراد به أن يكون فيه توفير النظر والمنفعة على المحجور عليه، أو لم يكن بيع رغبة، أراد به أن يكون في جانب السفيه محاباة.\nفإن كان بيع رغبة، فالقاضي ينفذ ذلك البيع؛ لأن الحجر عليه إنما كان نظرا له، فإذا كان النظر في تنفيذ التصرفات، وجب على القاضي تنفيذ.\nوإن كان فيه محاباة، رد البيع وأبطله.\nفبعد ذلك، أما إن كان الثمن قائمًا، أو هالكًا، هلك في يده، أو ستهلكه.\nفغن كان قائمًا، وجب عليه أن يرده إلى البائع؛ لأن سلامة الثمن باعتبار العقد، وقد بطل العقد، فلا يسلم له الثمن.\nوإن كان هالكًا، فلا ضمان عليه.\nلأن المقبوض إنما يصير مضمونًا [عليه] إما بالعقد أو","vol":"2","page":411},{"text":"بالقبض. والعقد قد انفسخ من الأصل، فلا يكون مضمونًا عليه بالعقد، والقبض حصل بإذن المالك، فلا يكون مضمونًا بالقبض.\nوإذا استهلكه: فإن [كان] أنفقه في ما يحتاج إليه؛ بأن حج حجة الإسلام، وما أشبه ذلك [فإنه] يضمن المثل للدافع؛ لأن الحجر لا يؤثر ف الإنفاق على نفسه بالمعروف.\nوإن استهلكه في ما لا يحتاج إليه، وصرفه إلى وجوه القبيح قال أبو يوسف: يضمن المثل.\nوقال محمد: لا يضمن.\nبناء على مسألة استقراض الصبي، والعبد المحجور إذا استقراضا مالًا واستهلكناه.\nعن أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-: لا يجب الضمان على الصبي أصلًا، ولا يجب على العبد حتى يعتق.\nوعند أبي يوسف -﵀-: يجب الضمان عليهما في الحال.\nإلا أن الخلاف في مسألة السفيه لا يتحقق على قول أبي حنيفة -﵀-؛ لأن السفيه عنده كالرشيد في حق التصرفات، وإنما بتحقيق الخلاف بينهما؛ عند أبي يوسف -﵀-: يجب الضمان،","vol":"2","page":412},{"text":"وعند محمد -﵀-: لا يجب الضمان.\nإلا أنه فرق بين هذه المسألة وبين مسألة العبد إذا استقرض واستهلك، فإن ثمة قال: يضمن بعد العتق، وههنا قال: لا يضمن وإن زال الفسق؛ لأن الامتناع ثمة كان لحق المولى وقد زال، وههنا لمعنى النظر.\nوهذا المعنى لا يوجب الفرق بين الحالتين، فصار السفيه عنده في هذا الحكم بمنزلة الصبي.\n\n[٥٤١] قال:\nالمحجور عليه إذا زوج ابنته أو أخته، وهما صغيرتان، فتزويجه باطل، ولا أراه وليًا.\nفرق بين هذا وببن ما إذا تزوج بنفسه.\nوالفرق أن التزويج بنفسه محتاج إليه، وحاجته مستثناه عما يتناوله الحجر، أما ههنا فغير محتاج إلى تزويج الصغير، فلا","vol":"2","page":413},{"text":"يصير مستثنى عما يتناوله الحجر، فبقى داخلًا تحت الحجر.\n\n[٥٤٢] قال:\nولو أن رجلًا كان صالحًا، ثم فسد بعد ذلك، فحجر عليه القاضي، وقد كان إنسان اشترى منه شيئًا فاختلف المحجور عليه، والمشترى منه، فقال المشترى: اشتريته منك في حال صلاحك قبل الحجر عليك، وقال المحجور عليه: بل اشتريته مني في حالة الحجر، فالقول قول المحجور عليه.\nلأن الشراء حادث، والحوادث تحال بحدوثها إلى أقرب الأوقات، وأقرب الأوقات في الشراء حالة الحجر.\nفإن أقاما جميعًا البينة، فالبينة بينة الذي يدعي الصحة.\nلأنه يدعي الصحة، والآخر يدعي الفساد، فكانت بينة مدعي الصحة أولى.\nلأنه اثبت (؟) بالبينة، فكانت بينته أولى.\nولو أطلق عنه القاضي، ثم اختلفا، فقال المشتري: اشتريته بعد ما أطلق عنك الحجر، وقال المحجور عليه، بل اشتريته مني في","vol":"2","page":414},{"text":"حالة الحجر، فالقول قول المشتري.\nلما قلنا من المعنى.\nقال صاحب الكتاب: وفي هذه المسألة نظر.\nفكأنه أشار إلى مسألة معروفة في الكتب وهي: أنه إذا وقع الاختلاف بين الصبي وبين امرأته، أو أمته، أو المشتري منه، فقالت المرأة: طلقتني بعد ما بلغت، وقالت الأمة: اعتقتني بعد ما بلغت، وقال المشتري: اشتريت منك بعد ما بلغت، وقال الصبي: كان ذلك مني في حالة الصبا، فإن القول في هذه الفصول الثلاثة قول الصبي.\nلأنه لما أضاف التصرف إلى حالة معهودة تنافي تلك الحالة جواز التصرف، يكون انكارًا، فينبغي أن يكون القول ههنا قوله أيضًا.\nلكن جعل في الكتاب القول قول المشتري.\nوالفرق: أن الحجر في حق الصبي مطلق غير مقيد، فإذا أضاف التصرف إلى تلك الحالة وهي منافية صحة التصرف على الإطلاق جعل إنكارًا، فكان القول قوله.","vol":"2","page":415},{"text":"أما الحجر في حق السفيه [فهو] غير مطلق، بل هو مقيد بالنظر، فلم يكن مضيفًا للتصرف إلى حالة منافية للتصرف على الإطلاق، فلا يمكن أن يجعل هذا إنكارًا.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"2","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>الباب الرابع والثلاثون في المسألة عن الشهود</span>\n<span data-type='title' id=toc-234>[الأصل في الناس العدالة]</span>\n[٥٤٣] ذكر عن إبراهيم [أنه] قال:\nالعدل في المسلمين من لم يطعن عليه بطن ولا فرج.\nوهذا الحديث [حجة] لأبي حنيفة ﵀: أن شهادة المستور حجة ما لم يطعن الخصم في شهادته؛ لأنه مسلم، والظاهر من حال المسلم العدالة، فيجوز البناء على هذا الظاهر، مالم يوجد الطعن والجرح في عدالته.","vol":"3","page":3},{"text":"ثم خص في الحديث عدم الطعن في الفرج والبطن، وأراد بالطعن في البطن: انه أكل ربا، أو أكل بالمال المغصوب، وما أشبه ذلك. وعدم الطعن في الفرج: انه لا يقال انه زان، وما أشبه [ذلك]، فموضع الطعن فيهما، ولهما توابع، فإذا سلم عنهما وعن توابعهما كان عدلًا مقبول الشهادة.\nثم هنا شيء آخر لم يذكره صاحب الكتاب، وهو انه إذا كان كاذبًا، هل يكون عدلًا، مقبول الشهادة، أم لا؟\nقال مشايخنا: لا [يكون عدلًا]؛ لأن الكذب من جملة الطعن في البطن، لأن موضعه البطن، ويخرج منه.\n\n[٥٤٤] ذكر عن عامر قال:\nشهادة الرجل جائزة، ما لم يضرب حدًا، أو يعلم منه سخرية في دينه، أو يعلم منه خزية في دينه.","vol":"3","page":4},{"text":"لأن الحد انما يجب بارتكاب ما لا يحل، فإذا ضرب الحد فقد ظهر منه ارتكاب ما لا يحل، فتسقط عدالته، إلا أن تظهر توبته [بعد ذلك].\nوقوله: خزية في دينه، أي فساد في دينه، فإنه إذا ظهر منه فساد في دينه ظهر منه ارتكاب ما لا يحل.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀:\nالناس لا تخلو عن ارتكاب الصغائر شرعًا، ولا تخلو عن اتيان ما هو مأذون به في الشرع، فتجعل العبرة به في ذلك للغالب.\nيريد به في حق الصغائر: فإن كان غالب حاله أن يأتي بما هو مأذون به في الشرع، ويحترز عما لا يحل له في الشرع، كان جائز الشهادة، بعد إن كان محترزًا عن كل الكبائر.","vol":"3","page":5},{"text":"وان كان غالب حاله أنه لا يحترز عما لا يحل [له] في الشرع لا يكون جائز الشهادة، وان كان يأتي بالمأذون به شرعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-235>[العدالة مبنية على الغالب من أفعال الإنسان]</span>\n[٥٤٥] وذكر المزني في كتابه فقال:","vol":"3","page":6},{"text":"ان كان غالب أفعاله موافقًا للشريعة، ويكون حافظًا للمروءة يكون جائز الشهادة.\nوحفظ المروءة: أن يحفظ لسانه، ويخاف [من] هتك الستر؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة، يخاف من ظهور الكذب.\nوقال القاضي أبو حازم:","vol":"3","page":7},{"text":"أحسن ما نقل في هذا الباب ما روي عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيش الانصاري القاضي -﵀- أنه قال:\nالعدل في الشهادة: أن يكون مجتنبًا عن الكبائر، ولا يكون مصرًا على الصغائر، ويكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، وأن يستعمل الصدق ديانة ومروءة، ويجتنب عن الكذب ديانة ومروءة.\nفالحاصل: أن العبرة للغالب.\nوقد نص صاحب الكتاب في آخر الباب أن العبرة في الصغائر","vol":"3","page":8},{"text":"للغالب، بعدما يحترز عن كل الكبائر على ما نبين إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>[الفاظ التعديل]</span>\n[٥٤٦] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه سأل رجلًا عن رجل فقال: لا نعلم إلا خيرًا، فقال عمر -﵁- حسبك.\nفي الحديث دليل على أنه إذا قالوا: لا نعلم إلا خيرا كفى للتعديل، وهذا اللفظ مستعمل للتعديل؛ لأن المسلمين انما يعرفونه بالظاهر، وما وراء ذلك غيب، والغيب عند الله تعالى.\n\n[٥٤٧] ذكر عن شريح: أنه قال للمدعى: ايت على ذلك بشهود عدول؛ فانا قد أمرنا بالعدل، وانت فاسأل عنه؛ فان قالوا: الله أعلم، فالله أعلم [به] يفرقون أن يقولوا هو مريب، ولا تجوز شهادة مريب، وإن قالوا: هو في ما علمنا عدل مسلم فهو","vol":"3","page":9},{"text":"-إن شاء الله تعالى- كذلك وتجوز شهادته.\nأما قوله: ايت بشهود عدول، فبه نقول.\nوقوله: انت فاسأل عنه: أمر للمدعى عليه، يعني انت","vol":"3","page":10},{"text":"فاسأل عن الشهود: أهم عدول أم لا؟\nوقوله: فإن قالوا: الله أعلم فالله أعلم [به] انه مجروح أم لا، فان قولهم: الله أعلم جرح، فإن هذا اللفظ مستعمل في الجرح؛ لأنه بهذا الكلام امتنع عن بيان الخصال المذمومة فيه سخافة أن تقع بينهما عداوة ووحشة.\nفأما بيان الخصال الحميدة في الإنسان [فإنه] لا يمتنع عن [بيانها] إنسان آخر.\nوقوله: يفرقون أن يقولوا هو مريب، انه أراد به انهم يخافون ان يقولوا ذلك في وجهه على وجه التصريح.\nوقوله: فان قالوا: هو فيما علمنا عدل مسلم، فهو -إن شاء الله تعالى- كذلك، إنما علقه بالاستثناء، لأنه قد يكون في الظاهر عدلًا وفي","vol":"3","page":11},{"text":"الباطن بخلافه، وهذه اللفظة تكون تعديلًا؛ لأنها مستعملة في التعديل، لما قلنا من قبل، وإن لم يكن تعديلًا؛ لأن قوله: فيما علمنا إذا اقترن بالاخبارات لا يكون إثباتا.\nالا ترى انه لو قال: أشهد أن لفلان على فلان كذا فيما أعلم لا يكون اثباتا، ولو أقر، فقال: لفلان علي الف درهم فيما أعلم [فانه] لا يكون إقرارا عند ابي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، وإذا لم يكن هذا تعديلًا صار وجوده وعدمه سواء، فبقى مستورًا كما كان، وشهادة المستور جائزة، فيكون هذا حجة لأبي حنيفة ان شهادة المستور حجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-237>[شهادة المستور]</span>\n[٥٤٨] ذكر عن الحسن انه كان يجيز شهادة من صلى، إلا أن يأتي الخصم بما يجرحه به.","vol":"3","page":12},{"text":"والمراد بقوله: صلى، المسلم، كما قال الله تعالى: ﴿قالوا لم تك من المصلين﴾ يعني من المسلمين.\nوهذا لأن إسلام الرجل وعقله يمنعانه عن الكذب ويدعوانه إلى الصدق.\nفإذا عرف القاضي منه ما يمنعه من الكذب، ويدعوه إلى الصدق رجح صدقه على كذبه فيقبل.\nفي الحديث دليل على جواز القضاء بشهادة المستور، ما لم يطعن الخصم، فإذا طعن الخصم وجب السؤال عن الشهادة.\nثم ظاهر الحديث دليل على ان الحسن -﵀- شرط لوجوب السؤال عن الشهود أن يأتي الخصم بما يمكنه اثبات الجرح؛ فانه قال: الا ان يأتي الخصم بما يجرحه به، يعنى يأتي بحجة على ذلك.\nفظاهر هذا انه ما لم يأت بالحجة على ما يدعي من الجرح في الشهود تبقى شهادة المستور حجة.\nلكن ظاهر المذهب عندنا ان المدعى عليه متى طعن في الشهود، يجب على القاضي ان يسأل عن حالهم.","vol":"3","page":13},{"text":"[٥٤٩] ذكر على الاشعث الحداني انه جاء رجل الى الحسن، فقال: ان هذا رد شهادتي، يعني اياس بن معاوية، فقام معه فقال: يا ملعكان لم رددت شهادة هذا؟ اما بلغك رسول الله -ﷺ- قال:\n«من استقبل قبلتنا واكل ذبيحتنا فذلك مسلم»؟","vol":"3","page":14},{"text":"فقال: يا شيخ: ان الله تعالى يقول: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وهذا ليس ممن نرضى من الشهداء.\nفكان الحسن يعتبر الاسلام، واياس احتج [عليه] بالآية فقال: ان الله تعالى شرط مع الاسلام العدالة والرضا فدلت الآية على ان العدالة شرط، ولا يكتفي بمجرد الاسلام قال محمد، فخصمه اياس، يعني غلبه والزمه الحجة.\n\n[٥٥٠] ذكر عن خالد الحذاء قال:\nشهدت اياس بن معاوية فقضى في يوم ثلاثين قضية ما صبر فيها يمينًا، ولا سأل فيها بينة.","vol":"3","page":15},{"text":"وقوله: ما صبر فيها يمينًا، يعنى ما أجبر على يمين.\nوانما فعل ذلك اياس بن معاوية لرفقه في الحكم والقضاء؛ فانه كان يرفق بهم حتى يقر المدعى عليه، ولا يحتاج الى يمين ولا الى بينة.\nوهكذا السنة في القضاء.\n\n[٥٥١] ذكر عن منصور بن المعتمر قال:\nسألتإبراهيم عن العدل، فقال: العدل من لم تظهر عنه ريبة.\nأراد به التهمة.\nوالمذهب عندنا انهانما لا تقبل الشهادة إذا كان فاسقًا،","vol":"3","page":16},{"text":"فأما إذا اتهم بالفسق، فذلك مما لا يوجب رد الشهادة؛ لان التهمة إذا تجردت تكون ظنًا، وقد قال الله تعالى: ﴿ان الظن لا يغنى من الحق شيئًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-238>[المسلمون عدول]</span>\n[٥٥٢] ذكر عن عمر -﵁- انه قال:\nانا لا نقبل الا العدول.\nوهذا حجة لأبي يوسف ومحمد على ابي حنيفة -﵏-[في] انه لا يجوز القضاء بظاهر العدالة.","vol":"3","page":17},{"text":"وأبو حنيفة -﵀- يقول: عندي لا يجوز القضاء الا بشهادة العدول.\nلكن المسلمين كلهم عدول.\nلما روينا من الحديث.\n\n[٥٥٣] ذكر عن عمر -﵁- انه كتب الى ابي موسى الأشعري: ان المسلمين عدول بعضهم على بعض الا مجلودًا حدًا او مجربًا عليه شهادة زور، او ظنينا في ولاء او قرابة.\nوقد مر شرح الحديث في ما تقدم الا ان صاحب الكتاب ذكر عن بعض العلماء انه قال:\nالمنهم على القرابة ان يتعدى عليهم غير الحق، أي يظلم قرابته في منع الصلة والبر [عنهم]، كنفقة المحارم.","vol":"3","page":18},{"text":"لان ذلك حق واجب عليه، فإذا منعه يصير ظالمًا، وشهادة الظالم لا تقبل.\nوعندنا تفسيره غير هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-239>[من أسباب الجرح]</span>\n[٥٥٤] ذكر عن محمد بن عبد الرحمن النوفليانه قال:\nقلت لا ياس بن معاوية: اخبرت انك كنت لا تجيز شهادة الاشراف بالعراق، ولا التجار، و[لا] الذين يركبون البحر …\nقال: أجل … الحديث الى آخره.","vol":"3","page":19},{"text":"وأعلمان اسبال الجرح كثيرة:\nمنها الركوب في البحر الى الهند؛ لانهإذا ركب البحر الى الهند فقد خاطر بنفسه، ودينه وسكن دار الحرب، وكثر سوادهم، وعددهم، وتشبه بهم؛ لينال بذلك مالًا، ويرجع الى أهله غنيًا، فإذا كان لا يبالي ان يخاطر بنفسه ودينه، فلا يؤمن ان يأخذ من عروض الدنيا فيشهد بالزور.\nومنها التجارة في قرى فارس؛ فانهم يطعمونهم الربا وهم يعلمون.\nوأكل الربا من أسباب الجرح.\nومنها انه لا تقبل شهادة الاشراف من أهل العراق؛ لانهم قوم يتعصبون، فإذا نابت أحدًا منهم نائبة، اتى سيد قومه، فيشهد له سيد قومه، ويشفع، فلا يؤمن ان يشهد بالزور.\n\n<span data-type='title' id=toc-240>[شهادة اهل الاهواء]</span>\n[٥٥٥] ذكر عن عيسى بن موسى [ان عيسى] قال: أتجيز شهادة","vol":"3","page":20},{"text":"أهل الأهواء؟ قال: نعم، وأراهم لذلك أهلًا، إنما ادخلهم في الاهواء الدين الا الخطابية.","vol":"3","page":21},{"text":"وهذا لان الشهادة انما تكون حجة إذا ترجح جانب الصدق على جانب الكذب فيها، وقد وجد هذا المعنى في شهادتهم؛ لانهم قوم يعتقدون ان نفس الكذب كفر، فمن يعتقد ان نفس الكذب كفر كيف يشتغل الكذب؟ وشهادة الزور كذب، فتقبل شهادتهم الا الخطابية؛ فانهم قوم يستجيزون الشهادة لمن يحلف بالله بين ايديهم ان هذا كذا، ويقولون: ان المسلم لا يحلف كاذبًا، وهم قوم من الروافض، فتمكن تهمة الكذب في شهادتهم من هذا الوجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-241>[تزكية الشهود]\n[أول من سأل عن الشهود في السر]</span>\n[٥٥٦] ذكر عن ابن شبرمة انه قال:","vol":"3","page":22},{"text":"ثلاث لم يعمل بهن أحد قبلي ولم يتركهن احد بعدي:\nالمسألة عن الشهود في السر، وإثبات حجج الخصمين، وتحلية الشهود في المسألة.\nقال الشيخ الامام شمس الائمة السرخسي:\nفيه نظر؛ فانه نقل عن ابن شبرمة تزكية السر، وتزكية السر انمااحدثها شريح، فانه قيل له: احدثت، فقال: احدثتم فأحدثنا.","vol":"3","page":23},{"text":"يرد: ان في الابتداء. كانت التزكية في العلانية؛ لانه كان لا يخاف البعض من البعض في ان يبين منه ما يعلم منه، وانتم احدثتم الخوف والامتناع عن بيان ما تعلمون من بعضهم، فأحدثت تزكية السر، فثبت ان هذا [شيء] احدثه شريح.\n\n<span data-type='title' id=toc-242>[الجمع بين تزكية السر وتزكية العلانية]</span>\n[٥٥٧] ويجمع بين تزكية السر وتزكية العلانية.\nبان يجمع القاضي بين المعدل وبين الشهود ويقول: أهؤلاء الذين زكيتم في السر؟\nواختلفت الروايات عن محمد ﵀ في تزكية العلانية:\nذكر في بعض المواضع [ان] تزكية العلانية حسن.\nوذكر في بعض المواضع [ان] تزكية العلانية بلاء وفتنة.\nهذا بيان لواحد.\nوالثاني: اثبات حجج الخصمين، وتفسيره: ان يثبت القاضي الحجج في تذكرته، حتى إذا احتاج اليه ينظر فيه، وقد مر هذا من قبل.\nوالثالث: تحلية الشهود في المسألة؛ لانه ابلغ في التعريف؛ لانه قد يتفق اثنان في الاسم، والنسب والقبيلة، والمحلة، فلهذا قال: يبين حلاهم، حتى يتبين للقاضي انالمزكي هو الذي شهد، فلا يؤدى الى الاشتباه على القاضي.\n\n[٥٥٨] قال:","vol":"3","page":24},{"text":"وقال أبو حنيفة ﵀:\nلا أسأل عن الشهود الا ان يطعن فيهم المشهود عليه.\nوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يسأل عنهم [سواء] طعن فيهم الخصم او لم يطعن.\nوهذا إذا كان المشهود به مالًا.\nفان كان حدا او قصاصًا [فانه] يسأل بالاجماع طعن [فيهم] الخصم او لم يطعن، وهي مسألة كتاب التزكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-243>[أصحاب المسائل او المزكون]</span>\n[٥٥٩] قال:\nوينبغي للقاضي ان يتخير في المسألة عن الشهود اوثق من يقدر عليهم، واعظمهم أمانة، وأكثرهم خبرة بالناس، وأعلمهم بالتمييز، فيوليه المسألة [عنهم].\nلان القاضي مأمور بالتفحص عن عدالة الشهود فتجب","vol":"3","page":25},{"text":"عليه المبالغة والاحتياط في هذا الباب، فيتخير من يعتمد على قوله، وذلك بان يكون بهذه الصفة.\nفإذا اختاره دفعها اليه في السر حتى لا يعلم فيخدع، فيدفع اليه اسماء الشهود بانسابهم وحلاهم وقبائلهم ومحالهم؛ لانه يمكن ان يتفق من تلك المحلة رجلان على ذلك الاسم والنسب، فيدفع الرقعة التي فيها اسماء الشهود وانسابهم وحلاهم ومصلياتهم، حتى لا تتمكن فيه الشبهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-244>[عمل المزكين]</span>\n[٥٦٠] قال:\nفيسأل عنه اهل الثقة والامانة من جيرانه.\nلاناعرف من يكون بحال الإنسان جيرانه وأهل محلته.\nفإذا سأل فقال المسؤول عنه: هو عدل جائز الشهادة رد المعدل تلك الرقعة الى القاضي في السر، واخبره بعدالته، فيقبل القاضي منه ويقضى به.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>[اشتراط العدد في المزكين وأهليتهم للشهادة]</span>\n[٥٦١] وهل يشترط العدد في المزكي؟\nقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يشترط، لكن الواحد يكفى، والاثنان افضل.\nوقال محمد: يشترط العدد في المزكي؛ حتى لا تثبت التزكية عنده بقول الواحد، وهى مسألة كتاب التزكية، ولكن، الاثنان عندنا أفضل، وأحوط؛ لانه ابعد عن الاختلاف، واقرب الى الاحتياط.\nفإذا أتاه كتاب التعديل من الواحد، واحتاط القاضي، وأراد ان يسأل عن حال الشاهد غير الاول فينبغي ان يدفع اليه اسماء الشهود، وأمره بالمسألة عنهم، ولم يعلمه انه سأل عن حالهم من غيره؛ لانه متى أعلمه بذلك يتهاون بسؤاله، ويعتمد على قول الاول، فلا يبالغ في التفحص.\nفان جاء الثاني بمثل ما جاء به الاول انفذ ذلك، وأمر الطالب انيأتي بقوم يعدلونهم في العلانية.\nشرط العدد في تزكية العلانية عند الكل، وان كان لا يشترط في تزكية السر عندهما؛ لان هذا في معنى الشهادة، فإنها تختص بمجلس","vol":"3","page":27},{"text":"القضاء، فكان في معنى الشهادة، فيشترط فيها العدد.\nولهذا لم تشترط أهلية الشهادة لتزكية السر، حتى ان الابن إذا عدل اباه، والاب إذا عدل ابنه، والمرأة إذا عدلت زوجها، والعبد إذا عدل مولاه يصح. وتشترط لتزكية العلانية، حتى ان كل من كان من أهل الشهادة كان من أهل التعديل في العلانية، والا فلا.\nوهذا كان في الابتداء.\nفأما اليوم [فقد] وقع الاكتفاء بتزكية السر؛ لما قال محمد في رواية تزكية العلانية بلاء وفتنة، فلا تشترط أهلية الشهادة.\nثم شرط صاحب الكتاب ان يكون المزكي في العلانية غير المزكي في السر.\nقال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني -﵀-؛ هذا مذهب صاحب الكتاب ورأيه. واما عندنا فالذي يزكيهم في العلانية هو الذي يزكيهم في السر.\n\n<span data-type='title' id=toc-246>[تعارض اقوال المزكين]</span>\n[٥٦١] قال:\nوإذا سأل القاضي عن حال الشهود من إنسان آخر بعدما سأل","vol":"3","page":28},{"text":"من الاول، فعدل احدهما، وجرح الاخر، وقعت المعارضة بينهما، فصار جميعًا وجودًا وعدمًا بمنزلة، فكانه لم يسأل عنهم بعد، ولم يوجد الجرح والتعديل، فيستقبل السؤال بعد ذلك استقبالًا.\nفان عدله الثالث، صار التعديل اولى من الجرح.\nلان المثنى حجة كاملة يفصل بها الحكم، والواحد ليس بحجة يفصل بها الحكم، فكان قول المثنى اولى.\nفان جرحه الثالث، صار الجرح اولى.\nلما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-247>[ممن يسأل المزكون عن احوال الشهود]</span>\n[٥٦٢] قال:\nوإذاأمر القاضي بالسؤال عن الشهود فينبغي [له] ان يسأل من جيرانه.\nلما قلنا انهم أعرف بحاله من غيرهم.\nفان لم يكن في جيران الشهود من يصلح للمسألة عنه من أهل الثقة، ولهم أسواق، وكان فيها من يصلح للمسألة، سأل منهم؛ لانهم اعرف بحاله.","vol":"3","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>[المبالغة في التقصي عن احوال الشهود في الحدود والقصاص]</span>\n[٥٦٣] قال:\nوإذا كان الشهود شهدوا على حد او قصاص سأل عنهم اخيارهم، ويبحث عن ذلك بحثًا شافيًا، حتى يستقصي معرفة ذلك.\nلان الحدود تدرا بالشبهات؛ فإذا استقصى فربما يظهر ما يوجب سقوط الحد عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>[جرح الشهود]</span>\n[٥٦٤] قال:\nوإذا أمر القاضي المزكي بالسؤال: فجرح المزكي الشهود فالقاضي لا يقول جرح شهودك، لكن يقول: زد في شهودك، او زدني شهودًا، او يقول لم يحمد شهودك عندي.\nلان هذا أقرب الى الستر، والستر على المسلم واجب بقدر الامكان.","vol":"3","page":30},{"text":"[٥٦٥] [قال]:\nفان قال المدعى: انا آتي بن يعدلهم من اهل الثقة والامانة، او قال للقاضي: اسمي لك قومًا من أهل الثقة [والامانة] تسألهم عنهم فاسألهم فسمى له قومًا يصلحون للمسألة، فان القاضي يسمع قوله.\nفان جاء بقوم وعدلوا، او سأل اولئك، فعدلوا، فينبغي للقاضي ان يسأل اولئك الذين طعنوا فيهم بهم يطعنون عليهم؟ لانه يجوز ان يكونوا جرحوا بشيء يكون جرحًا عندهم، ولا يكون ذلك جرحًا عند القاضي، وعند المعدلين.\nفبعد ذلك المسألة على وجهين:\nاما ان يبينوا كذلك.\nاو يبينوا بما يكون جرحًا عند الكل.\nففي الوجه الاول لا يلتفت الى ذلك، وأخذ بقول الذين عدلوا.\nوفي الوجه الثاني الجرح اولى؛ لان المثنى نصاب كامل في الشهادة، والنصاب ان تم كان الجرح اولى.","vol":"3","page":31},{"text":"[٥٦٦] قال:\nوقال أبو حنيفة -﵀-:\nلو ان شهودًا شهدوا على رجل بحق، فأقام المشهود عليه شهودًا شهدوا ان هذا المدعى استأجر هؤلاء الشهود ليشهدوا [له] علي بهذه الشهادة [فانه] لا تقبل هذه الشهادة.\nلان المقصود من اقامة هذه الشهادة ابطال شهادة المدعى ونفيها، والشهادة مشروعة لإثبات الحق لا للنفي.\nهذا معنى ما اشار اليه صاحب الكتاب.\nوهذا عندنا تهاتر ..\n\n<span data-type='title' id=toc-250>[تعديل الوالد لولده وتعديل ذوي الرحم لأرحامهم]</span>\n[٥٦٧] قال:\nويقبل تعديل الوالد لولده، والولد لوالده، وكل ذي رحم محرم فانه يقبل تعديله لرحمه.\nأراد به تعديل السر؛ [لان تعديل السر] ليس بشهادة، انما هو من باب الاخبار، والاب والابن في الاخبارات سواء، بخلاف تعديل العلانية؛ لانه من الشهادة.","vol":"3","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>[شهادة اهل الاهواء ايضا]</span>\n[٥٦٨] قال:\nوشهادة أهل الاهواء جائزة، إذا كانوا عدولًا.\nلما قلنا من قبل.\n\n[٥٦٩] قال:\nوقال أبو يوسف ﵀:\nأيما رجل أظهر شتيمة أصحاب النبي -ﷺ- لا تكون شهادته مقبولة.\nلانه لو أظهر شتيمة واحد من المسلمين سقطت [به] عدالته، فإذا أظهر شتيمة اصحاب النبي كيف لا تسقط به عدالته، فان اصحاب النبي -ﷺ- أعظم حرمة [وأرفع منزلة، وافضل منقبة، واشرف رتبة].\n\n<span data-type='title' id=toc-252>[الاسباب الموجبة لسقوط العدالة]</span>\n[٥٧٠] ذكر بعد هذا الاسباب الموجبة لسقوط العدالة.\nوحاصله:\nانهإذا ارتكب جناية موجبة للعقوبة في الدنيا، او الوعيد في الآخرة، وذلك منصوص عليه في الكتاب، او ما يشبهه من الكبائر، فانهتسقط به العدالة، وان كانت جميع أخلاقه صالحه.","vol":"3","page":33},{"text":"فأما إذا سلم من الفواحش التي تجب فيها الحدود وما يشبه ذلك من الكبائر، ينظر في معاصيه الصغائر وفي طاعاته، فيعتبر فيه الغالب كما قلنا من قبل.\n\n[٥٧١] إذا ثبت هذا فالسارق وجب عليه القطع بنص الكتاب، وكذا قاطع الطريق، والزاني، ومن يعمل عمل قوم لوط؛ لان هذا من الكبائر.\nوذكر صاحب الكتاب من هذه الجملة شرب الخمر، وذكر محمد -﵀- في كتاب الشهادات وشرط مع هذا الادمان، حتى إذا شرب الخمر في السر لا تسقط عدالته في الشهادات.\nوهو الصحيح.\nلان بهذا لا يصير تاركًا للمروءة.\n\n[٥٧٢] وكذا ايضًا ذكر صاحب الكتاب في هذه الجملة ان يسكر من النبيذ.\nومحمد شرط مع هذا شيئًا آخر: وهو ان يعتاد ذلك، ويظهر للناس، ويسخر الصبيان منه، ويلعبون به.","vol":"3","page":34},{"text":"وهو الصحيح.\nلانه الان صار تاركًا للمروءة.\n\n[٥٧٣] [قال]:\nوكذلك من يجلس مجالس الفجور والمجانة على الشرب وان لم يشرب ولم يسكر.\nلانه لما جالسهم لم يتحرز ان يظهر عليه ما يظهر عليهم، فلا ينحرز عن ارتكاب مالا يحل في الدين وهو شهادة الزور.\n\n[٥٧٤] قال:\nوكذلك المغنى، والمغنية، والنائح، والنائحة.\nلانه ارتكب ما لا يحل في الدين، لطمعه في المال، فلا يؤمن عليه من ان يرتكب شهادة الزور لطمعه في المال ايضًا.\n\n[٥٧٥] قال:\nوكذلك الذي يلعب بالحمام ويطيرها.\nلانهانما يفعل ذلك ليقف على عورات النساء.\n\n[٥٧٦] قال:\nوكذلك الذي يلعب بالشطرنج.\nلكن يشترط انضمام احد المعاني الثلاثة اليه:","vol":"3","page":35},{"text":"إذا قامر عليها.\nاو شغلته عن الصلوات.\nاوأكثر الحلف عليها بالكذب والباطل.\nلان القمار حرام، وتفويت الصلوات أعظم الكبائر، واليمين الكاذبة من جملة الكبائر.\nواما بدون انضمام [احد] المعاني الثلاثة اليه فلا تسقط العدالة.\nلان العلماء اختلفوا في حرمة اللعب بالشطرنج واباحته عند انعدام هذه المعاني، فخف حكمه، فمباشرته على الانفراد لا تصلح سببًا لسقوط العدالة.\n\n[٥٧٧] قال:\nوإذا ترك الرجل الصلاة بالجماعة استخفافًا بذلك، او مجانة، او فسقًا، لا تجوز شهادته.\nولم يرد به الاستخفاف بالدين؛ لان المستخف بالدين","vol":"3","page":36},{"text":"كافر، [وانما] اراد به ان لا يستعظم تفويت الجماعة كما يفعله العوام، فانه يصير به ساقط الشهادة؛ لانه ظهر فسقه ومجانته، وشهادة الماجن لا تقبل.\nفان تركها متاولًا؛ بان كان الامام فاسقًا يكره الاقتداء به، ولا يمكنه ان يصرفه، فيصلي في بيته وحده، او كان ممن يضلل الامام، ولا يرى الاقتداء به جائزًا، فهذا مما لا يسقط العدالة.\nاما الاول فلاشك.\nواما الثاني فلانه صاحب هوى، وقد ذكرنا ان شهادة صاحب الهوى مقبولة.\n\n[٥٧٨] قال:\nولو ان رجلًا كان يأكل الربا، ولا يبالي من اين اكتسب الدراهم، لا تقبل شهادته.\nلانه لما لم يمتنع عن الحرام لا يمتنع عن الكذب والزور ان يشهد به.\n\n[٥٧٩] قال:\nوإذا كان الرجل يلعب بشيء من هذه الملاهي، وذلك لا يشغله عن الصلاة، ولا عن ما يلزمه من الفرائض، ينظر ان كانت مستشنعة بين الناس؛ كالمزامير، والطنابير، لم تجز شهادته.","vol":"3","page":37},{"text":"لان .. اصحاب هذه الملاهي أهل فسق فيما بين الناس.\nوان لم تكن مستشنعة نحو الحداء وضرب القضيب جازت شهادتهم، الا ان يتفاحش؛ بان يرقصوا به فتدخل في حد المعاصي والكبائر، فحينئذ تسقط بها العدالة.\n\n[٥٨٠] قال:\nوإذا كان الرجل معروفًا بالكذب الفاحش، لم تقبل شهادته.\nيريد به إذا اعتاد الكذب؛ لانهإذا اعتاد ذلك لا يصبر عنه، فلا يؤمن من ان يكذب في هذه الشهادة.\nوأما إذا كان يقع فيه احيانا، قبلت شهادته.\nلأن لا يسلم أحد من الكذب.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>[جرح الشاهد وتعديله في ان واحد]</span>\n[٥٨١] قال:\nوإذا عدل الرجل واحد، وجرحه واحد، فان القاضي يعيد المسألة، فان اجتمع رجلان على التعديل، فالتعديل اولى وان جرحه رجلان وعدله جماعة فالجرح اولى.\nلما قلنا من قبل.","vol":"3","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-254>[الأصل في الناس الحرية]</span>\n[٥٨٢] وإذا قال المشهود عليه: هذان الشاهدان عبدان، وقالا: نحن حران، لم نملك قط، فهذا على وجهين، ان عرفهما القاضي وعرف حريتهما، لا يلتفت الى قول المشهود عليه.\nلانه يدعي خلاف الظاهر.\nفان كان لا يعرفهما، وكانا مجهولين، قبل قول المشهود عليه، ولا تقبل شهادتهما.\nلان الاصل في الناس الحرية، الا في اربعة مواضع احدها هذا، الا ان يقيم المدعي بينة، او يقيما بينة انهما حران، فحينئذ تقبل شهادتهما.\nفان قالا: سل عنا لم يقبل ذلك منهما.\nولو سأل عنهما فأخبر انهما حران، فقبل شهادتهما كان ذلك حسنًا، والاول أحب اليّ، وهو ان لا يقبل قولهما الا بالبينة.\nاما الجواز فلان المسألة مختلفة بين العلماء:\nفان زفر والشافعي يقولان بان الثابت بالظاهر يصلح حجة للدفع والاستحقاق جميعًا.\nوإذا اكتفى القاضي بالسؤال عن الشهود، ولم يشتغل بتكليف المدعي بإقامة البينة على الحرية، فقد أمضى حكمًا في موضع الاجتهاد، فيجوز.\nواما كون الاول أحسن، فلما قلنا.","vol":"3","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-255>[يجوز في تزكية السر مالا يجوز في الشهادة]</span>\n[٥٨٣] قال:\nوقال أبو يوسف: أجير في التزكية سرًا تزكية العبد، والمرأة، والمحدود، والاعمى، إذا كانوا عدولًا.\nلان ذلك خبر، وخبر هؤلاء مقبول في باب الدين؛ الا ترى انشهادة العبد على رؤية الهلال إذا كان عدلًا، مقبولة، ويجب الصوم.\nهكذا استشهد في الكتاب صاحب الكتاب.\nواما التزكية علانية [فإنها] تقبل ممن كان من أهل الشهادة. لما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-256>[لا يجوز في تزكية العلانية الا ما يجوز في الشهادة]</span>\n[٥٨٤] قال:\nوأقبل تزكية امرأتين ورجل لرجل في العلانية.\nلان تزكية العلانية بمنزلة الشهادة، فيعتبر فيها العدد، وقد وجد [ذلك].\nوقد مر هذا فيما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-257>[الحكم بعدالة الشهود عند القاضي]</span>\n[٥٨٥] قال:\nوإذا سأل القاضي عن الشهود، فصحت عدالتهم، وثبتت، وقع عند","vol":"3","page":40},{"text":"اسم كل شاهد اسم من عدله؛ ليعرف ذلك إذا احتاج الى معرفته.\nلانه ربما يظهر انه مجروح فيحتاج القاضي الى من عدله.\nقال الشيخ الامام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nهذا في عرف بلادهم، حيث كان القاضي يختار لكل فريق معدلًا ومزكيًا على حدة، فأما في عرف بلادنا فيكون له مزكيان لا غير، فلا يحتاج الىن يوقع [اسم] من عدله، الا ان يعدله احدهما ويجرحه الآخر، فلم يقبل جرح الجارح، وأخذ بتعديل المعدل فحينئذ يوقع اسمه الى وقت وقوع الحاجة الى تعرفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>[تقادم التعديل والجرح]\n[وهل يعدل الشاهد مرة احرى بعد الحكم بتعديله]</span>\n[٥٨٦] قال:\nولو ثبتت عدالة الشهود، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم انهم شهدوا عند القاضي في حادثة اخرى، ان كان العهد قريبًا لا يشتغل بتعديلهم.\nلان الظاهر من حال الإنسانان لا يتغير في الزمان القريب.\nوان كان العهد بعيدًا [فانه] يشتغل [بذلك].","vol":"3","page":41},{"text":"لان الإنسان في الزمان البعيد يتغير.\nو[اختلفوا في] الحد الفاصل بينهما.\nوالصحيح فيه قولان:\nاحدهما: انه مقدر بستة اشهر؛ لانه هو الزمان المطلق، فان شهدوا ثانيًا قبل ان يمضي من [وقت] الشهادة الاولى ستة اشهر قبل القاضي شهادتهما من غير تزكية اخرى، وان كان بعد ما مضى ستة اشهر [فانه] لا يقبل من غير تزكية اخرى.\nوالثاني: [انه] يفوض الى رأي القاضي؛ فان رأى ان يسأل [عنهم] لا يكتفى بما كان في الماضي.\nوإنرأىأن لا يسأل فله ذلك.\n\n[٥٨٧] قال:\nوان قال المشهود عليه: انا أقيم البينة انهم عبيد، او احدهم عبدهم، او محدود في قذف، او شارب خمر، او قاذف، او ما أشبه ذلك من الكبائر التي توجب الحد يقبل ذلك منه.\nلان هذه الكبيرة توجب الحد، فكانت هذه الشهادة قائمة على اثبات","vol":"3","page":42},{"text":"حد، لا على جرح مفرد.\nلكن هذا إذا كان حديثًا.\nاما إذا كان متقادمًا [فإنها] لا تقبل.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-259>الباب الخامس والثلاثون في الرجل يسأل عن الشاهد والرجل يجاور القوم متى ينبغي ان يعدلوه</span>\n[٥٨٨] ذكر عن إبراهيم، انهكان يجيب في النكاح، ولا يجيب في الشهود إذا سئل عنهم.\nلان رسول الله -ﷺ- أجاب في النكاح، فانه زيف بعض الخطاب، وزكى البعض في الحديث المعروف، ولم ينقل عنه -ﷺ- في الشهود مثل ذلك، فاقتدى إبراهيم به.\n\n[٥٨٩] ذكر حديث ابي جمرة [انه] قال:\nقلت للشعبي: اسأل عن الرجل لا ارضاه، فأي شيء اقول؟ قال: قل الله أعلم.\nلانه لو ذكر فيه ما يكون من المعاصي [فيكون] قد هتك عليه ستره، وقد امر بالستر على المسلم، وذلك بان يقول: الله أعلم، ولا يزيد على هذا.","vol":"3","page":44},{"text":"وكانعمر -﵁- لا يكتفي بهذا.\nولكن اليوم القضاة اكتفوا بهذا.\nفلهذا لا يزيد على قوله: الله أعلم.\n\n[٥٩٠] ذكر عن عمر -﵁- انه كانإذاانعم ان يمدح الرجل قال: ما علمنا الا خيرًا.\nلان الإنسان لا يعرف غيره الا من حيث الظاهر، فلا ينبغي له انيقول انه عدل.\nلكن من هذا لو قال: انه عدل، جاز ايضًا.\nلان القاضي انما سأله ليخبره عن حاله بما لم يكن معلومًا له، فمتى قال: ما علمنا الا خيرًا، فانما اعتمد على ظاهر حاله، والقاضي يعرف هذا المقدار منه بدون السؤال؛ لان الاسلام يدل على عدالته من حيث الظاهر، فينبغي لذلك الإنسانان يخبر بشيء لا يكون معلومًا للقاضي، فمتى قال: هو عدل الان [فقد] اخبره بشيء لم يكن معلومًا عند القاضي، فيقبل منه، لكن الاول احوط.\nونظير هذا شهود الميراث إذا شهدوا ان هذا وارث فلان لا نعلم له","vol":"3","page":45},{"text":"وارثًا غيره جاز.\nولو قال: هذا وارثه لا وارث له غيره جاز ايضًا، والاول احوط.\n[وكذا شهود الجرح إذا شهدوا، وقالوا: جرح هذا ولم يزل صاحب فراش حتى مات جاز].\nولو قالوا: انه مات من تلك الجراحة جاز ايضًا، والاول احوط.\n\n[٥٩١]\nذكر عن ابن المبارك [انه] قال:\nمن غلبت حسناته على سيئاته قبلت شهادته.\nلان من لا يكون معصومًا لا يخلو عن قليل الفساد، وان كان مصلحًا؛ لان الجواد قد يعثر، فلا يمكن اشتراط التحرز عن جميع المعاصي في عدالة الشهود، فيعتبر الغالب.\n\n[٥٩٢] [قال]:\nوقال اصحابنا: لا ينبغي للرجل ان يعدل الرجل إذا لم يختبره، ولم يعرف اموره.\nلما روي ان رجلًا عدل رجلًا بين يدي رسول الله -ﷺ-، فقال النبي -ﷺ-:","vol":"3","page":46},{"text":"«اكنت شاركته، او عاملته، او سافرت معه؟».\nفقال الذي عدله: لا.\nفقال النبي -ﷺ-:\n«لم زكيته؟».\nشرط الاختبار، ومعرفة امور الشهود حتى يسعه ان يعدل.\nوان كان المسؤول عن الشهود عرفه وخبر أموره، فسئل عنه، فبعد ذلك المسألة على وجهين:\nان عرفه بعدالة فلا ينبغي له ان يمسك عن الاخبار بما فيه.\nلانه لو أمسك [عن ذلك فربما يمسك] غيره، فتعطل أمر التعديل، وامضاء الحكم.\nقالوا: هذا إذا كان القاضي عالمًا عدلًا، فأما إذا كان جائرًا [او] جاهلًا، فلا بأس بان يمسك؛ لانه لو عدله ربما يقضى بجور وجهل. فأماإذا أمسك بهذا التأويل لم يكن به بأس.\nوان عرفه بغير ذلك مما تسقط به شهادته، فهذا على وجهين:\nفان عرف انه لو لم يخبر القاضي بما فيه يخبر غيره، أمسك عن هتك ستره وعرض في أمره وقال الله أعلم به.\nوان عرف انه لو لم يخبر هو لعدله غيره فيقضى به القاضي","vol":"3","page":47},{"text":"[فانه] لا يسعه ان يمسك، بل عليه ان يخبر القاضي بما يعرف منه؛ لانه يؤدي الى الخطأ، وصيانة القضاء عن الخطأ واجبة.\n\n[٥٩٣] قال:\nوقال أبو يوسف [﵀]: ان كانأكثر امور الإنسان حسنة فهو عدل، إذا كان الذي يكون منه من القبيح ليس من الكبائر.\nوهذا موافق لما روينا عن ابن المبارك [﵀] قال:\nالعدل كان ملازمًا للجماعة.\n\n[٥٩٤] وأعلمان للعدالة شرائط:\nمنها: ان يكون ملازمًا للجماعة؛ لانه المخلص انما يتميز من المنافق بالمحافظة على الجماعة، فكذا العدل [يتميز] من غير العدل.\nومنها: ان يكون معروفًا بصحة المعاملة في الدينار والدرهم؛ لان الرجل انما يعرف بالدينار والدرهم.\nقال عمر -﵁-:\nلا تغرنكم طنطنة الرجل في صلاته، انظروا الى حاله عند درهمه وديناره.","vol":"3","page":48},{"text":"ومنها: ان يكون مؤديًا للأمانة؛ لان الشهادة عند الشاهد أمانة، فان كان معروفًا باداء سائر الأمانات [فانه] يستدل [به] على انه يؤدي هذه الامانة على وجهها.\nومنها: ان يكون صدوق اللسان على ما قلنا من قبل.\nقال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني:\nومنها: ان يقل لغوه.","vol":"3","page":49},{"text":"قال في الكتاب:\nومنها: ان لا يكون معاقرًا للنبيذ، ينادم عليه.\nوقوله: معاقرًا، يعني: مداومًا.\nوقوله: ينادم عليه، يعني: لا يشرب وحده، ولكن يجمع الناس الى نفسه، فأما إذا كان يشرب وحده لاستمراء الطعام [فانه] لا تسقط عدالته.\nومنها: ان لا يكون صاحب لهو.\nومنها: ان لا يكون مجربًا عليه الكذب.\nومنها: ان لا يكون قاذفًا للمحصنات؛ لان قاذف المحصنات ملعون؛ قال الله تعالى:\n﴿ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾.\nومن يكون ملعونًا في الدنيا والآخرة كيف يكون مقبول الشهادة؟\n\n[٥٩٥] قال:\nوالامور التي تسقط بها العدالة كثيرة يطول تعدادها.","vol":"3","page":50},{"text":"والاصل فيه ما قلنا في الباب المتقدم.\n\n[٥٩٦] قال:\nولو ان رجلًا نزل بين ظهراني قوم لم يعرفوه قبل ذلك، فأقام بين اظهرهم، لم يظهروا منه الا على خير، قال أبو يوسف اولًا إذا أقام كذلك ستة أشهر، وسعهم ان يعدلوه، ثم رجع، وقال: إذا مكث سنة ولم يعرفوا منه الا خيرًا، جاز لهم ان يعدلوه.\nوجه قول الاول: ان الحاجة وقعت الى تبيين حال هذا الرجل، وحال الرجل انما تتبين لستة أشهر؛ الا ترى انا [قد] ذكرنا قبل هذا ان الشهود إذا عدلوا ثم شهدوا في حادثة أخرى، ان كان المتخلل قريبًا لا يعدلهم ثانيًا، وان كان بعيدًا يعدلهم ثانيًا، وقدروا تلك المدة بستة أشهر.\nوجه قوله الآخر: ان الوقوف على حال الإنسانانما يكون بالتجربة، والمدة التي تصلح للتجربة سنة كما في العنين.\nوهذا لان من الفرائض مالا يجب على الإنسان الا بعد كمال السنة؛ كالزكاة، فلابد من ان يمكث سنة حتى يعرفوا انه هل يمنع الزكاة، او يؤديها، فلهذا قدرنا بالسنة.","vol":"3","page":51},{"text":"[٥٩٧] قال:\nولو ان رجلين عدلين لهما معرفة وتمييز، عدلا رجلًا عند رجل، ومع ذلك الرجل ان يعدل هذا الرجل الذي عدله الرجلان عنده إذا وقع في قلبه ان الأمر على ما قالا، لانهما لو عدلاه بين يدي المزكي يثبت المزكي التزكية ويبعث به الى القاضي، والقاضي يقضي به.\nوكذا لو عدلاه بين يدي القاضي، فان القاضي يقضي به، ويقبل قولهما، ويسعه ان يقول: هو عدل، وان يعدله لو سأل [عنه] قاض آخر، اوإنسان، فجاز له ان يعدله أيضًا.\nلكن هذا ما لم يتقادم العهد.\nوحده ما قلناه.\nهذا إذاعدله [عنده] رجلان.\nوكذلك إذا عدله عنده رجل وامرأتان جاز له ان يعدله؛ لما قلنا.\n\n[٥٩٨] [قال]:\nولا ينبغي [له] ان يسأل عن النساء أحدًا من الشهود","vol":"3","page":52},{"text":"الا امرأة برزة تخالط الناس، وتعاملهم، وتخبر أمورهم.\nلأنهاإذا كانت مخدرة غير برزة، لا يكون لها خبرة، فلا تعرف أحوال الناس إلا حال زوجها وولدها، فلا يكون تعديلها معتبرًا، فلا يفيد السؤال [منها].\nأماإذا كانت برزة تخالط الناس، فان لها خبرة، فيفيد السؤال، والتعديل من أمور الدين، فيستوي فيه الرجل والمرأة؛ كرواية الأخبار، ورؤية الهلال في رمضان، خصوصًا في تعديل النسوان [في ما] إذا شهد رجل وامرأتان.\nلان أحوال النساء في بيوتهن، انما يعرفها النساء حقيقة، فالقاضي متى رجع في تعديلهن الى النساء وقف على مالا يقف عليه لو رجعالى الرجال.\n\n[٥٩٩] قال:\nوقال أبو يوسف -﵀-: من سئل عنه فقالوا نتهمه بشتم أصحاب رسول الله -ﷺ-، فانى لا أقبل [قولهم فيه] حتى يقولوا: سمعناه يشتم.\nلان مجرد التهمة ظن، وبمجرد الظن لا يظهر الفسق، فإذا قالوا","vol":"3","page":53},{"text":"سمعناه يشتم، فقد ظهر فسقه.\nوفرق بين هذا وبين ما إذا قالوا: نتهمه بالفسق والفجور، ونظن ذلك به، فانى أقبل ذلك، ولا أجير شهادته.\nوالفرق: انهم متى قالوا: نتهمه بالفسق فما عدلوه بشيء البتة، وكان هذا جرحًا.\nأما في الوجه الاول [فانهم] عدلوه في سائر الخصال، إلا انه تمكنت التهمة والظن في حق الشتم، ومجرد التهمة والظن لا يكون معتبرًا، فلا يكون جرحًا.\nوالله تعالىأعلم","vol":"3","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-260>الباب السادس والثلاثون في المدعى عليه يعدل الشهود</span>\n[٦٠٠] ذكر عن الشعبي انه قال:\nإذا رضي الخصمان بقول رجل جاز عليهما ما قال.\nفالحديث يحتمل وجهين:\nأحدهما: ان الرجلين إذا حكما رجلًا فحكم يجوز حكمه عليهما؛ لان حكم الحكم عليهما بمنزلة حكم القاضي المولى؛ لانه لهما ولاية على انفسهما.\nوالثاني: ان الخصمين إذا اتفقا على رجل ليعدل الشهود، فرضيا بذلك، فعدلهم ذلك الرجل [فانه] يجوز، وتثبت العدالة بقوله.\nوهذا ظاهر على قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-، فانه لا","vol":"3","page":55},{"text":"يشترط العدد في المزكي عندهما.\nوعند محمد -﵀- يشترط العدد في المزكي. فيكون هذا حجة عليه، لكن يقول انما يشترط العدد في المزكي عندي إذا لم يوجد الرضا من جهة الخصم، أما إذا وجد فتزكية الواحد وتعديله جائزة.\n\n[٦٠١] قال:\nوقال أبو حنيفة -﵀-: إذا عدل المشهود عليه الشهود الذين شهدوا عليه، فان القاضي لا يجتزئ بذلك حتى يسأل عنهم في قول من يرى المسألة عن الشهود.\nأما عند أبي حنيفة فالسؤال ليس بشرط، إلا ان يطعن المشهود عليه فيهم.\nوعندهما: السؤال شرط، لكن ههنا لم يجعل تعديل المشهود عليه تعديلًا.\nلان المشهود عليه إذا عدل الشهود لا يخلو:\nأما ان عدلهم قبل ان يشهدوا، فقال: هم عدول، فلما شهدوا عليه انكر ما شهدوا به، وقال للحاكم: سل عنهم.","vol":"3","page":56},{"text":"او عدلهم بعد ما شهدوا عليه.\nففي الوجه الاول: القاضي لا ينفذ ذلك عليه، ويسأل عنهم؛ لانه لو قال بعد ما شهدوا عليه: هم عدول، ولم يزد على هذا [فانه] لا يعتبر تعديله؛ لما نبين. ويسأل عنهم على قول من يرى السؤال عنهم؛ فإذا قال قبل ان يشهدوا عليه اولى.\nأما إذا عدل المشهود عليه بعدما شهدوا عليه فهذا على ثلاثة اوجه:\nأما ان قال: صدقوا في ما شهدوا علي به.\nاو قال: هم عدول في ما شهدوا به لي وعلي، جائزة شهادتهم لي وعلي.\nاو قال: هم عدول، ولم يزد على هذا.\nففي الوجه الاول والثاني أمضى ذلك الحكم وانفذه عليه، لان قوله: صدقوا في ما شهدوا به علي، وقوله: هم عدول في ما شهدوا به علي إقرار بالمال منه، فالقاضي يقضي عليه بالإقرار لا بالشهادة.","vol":"3","page":57},{"text":"وفي الوجه الثالث: لا يكتفى بهذا التعديل [بل] لم يجعل تعديل المشهود عليه الشهود تعديلًا هنا، وهو المذكور في الجامع الصغير في باب القضاء في الشهادة.\nوقال في كتاب التزكية: إذا عدل المشهود عليه الشهود، فان كان المشهود عليه من أهل التعديل جاز تعديله.\nاعتبر تعديل المشهود عليه الشهود ثمة.\nوهكذا ذكر صاحب الكتاب في آخر الباب، فكانه أراد به في اول الباب.\nوفي الجامع الصغير: إذا لم يكن المشهود عليه من أهل التعديل.\nاو كان في المسألة روايتان.\nاو يحمل ما روي انه لا يعتبر في ما إذا جحده، وما روي انه يعتبر في ما إذا سكت. ذكرت هذا التأويلفي شرح الجامع الصغير.\nلكن هذا التأويل لا يتأتى على ما ذكره صاحب الكتاب، فانه وضح المسألة في آخر الباب في الجحود، وقال: غلط الشاهد، ومع هذا قال يعتبر، فكانتأويل ما ذكر الخصاف ما قلنا.","vol":"3","page":58},{"text":"ثم إذا صح التعديل فعند ابي حنيفة -﵀- لا حاجة الى التعديل، وعند أبي يوسف -﵀- يحتاج الى التعديل، وتعديل الواحد يكفي، فيكتفى بتعديل المشهود عليه، إلا رواية روى عنه في آخر الباب انه لا يعتبر تعديل المشهود عليه لما نبين ان شاء الله تعالى.\nوعند محمد -﵀- يحتاج الى المثنى، فيتوقف القضاء على تعديل آخر.\nثم فرقوا بين تعديل المشهود عليه قبل الشهادة وبعد الشهادة، فقالوا: لا يعتبر تعديله قبل الشهادة، ويعتبر بعد الشهادة.\nوالفرق: انه متى عدل قبل الشهادة يمكنه الجمع بين التعديل والجرح، فيقول: كان عدلًا لكن تبدل حاله، والحال مما يحتمل التبدل، أما ههنا [فانه] لا يمكنه الجمع بينهما، فيعتبر تعديله.\n\n[٦٠٢] قال:\nوان شهد عليه شاهدان، فعدل أحدهما بعد ما شهد عليه، وقال للقاضي: قد غلط علي، او وهم، فان القاضي لا ينفذ شهادة هذا وحده، لكن يسأل عن الآخر، فان عدل، انفذ ذلك عليه.\nاعتبر تعديل المشهود عليه ههنا.\nوقوله: قد غلط علي، او وهم، ليس بجرح فيه، فان عدل الآخر جاز القضاء.","vol":"3","page":59},{"text":"[٦٠٣] قال:\nوان شهدا عليه فقال بعد ما شهدا عليه: ما شهد به فلان علي حق، او قال: الذي شهد به علي فلان هو الحق، ألزمه القاضي، ولم يسأل عن الآخر.\nلان هذ إقرار منه.\n\n[٦٠٤] قال:\nوان قال ذلك قبل ان يشهدا عليه؛ بان قال: الذي يشهد به فلان علي حق، او قال: الذي يشهد به فلان علي هو الحق، فلما شهدا عليه قال للقاضي: سل عنهما، فانهما شهدا علي بباطل، وما كنت أظنهما يشهدان علي بما شهدا به، لم يلزمه ذلك، ويسأل القاضي عنهما، فانعدلا أمضى شهادتهما، وانفذها، وان لم يعدلا فلا [يمضيها].\nلانه لما قال: الذي يشهد به فلان علي حق، هذا إقرار متعلق بالخطر، وتعليق الإقرار بالخطر لا يصح، فإذا لم يصح الإقرار بقي مجرد الشهادة، فيحتاج الى التعديل، لان المشهود عليه طعن فيهما، وعند الطعن يسأل عنهما بالإجماع.","vol":"3","page":60},{"text":"[٦٠٥] قال:\nوقال أبو يوسف -﵀- في الإملاء: إذا شهد رجلان لرجل على رجل بحق، فقال المشهود عليه بعد ما شهدوا: هما عدلان، لم يجتزئ القاضي بذلك، ولم يحكم بشهادتهما حتى يسأل عنهما.\nعلى هذه الرواية أبو يوسف لم يعتبر تعديل المشهود عليه، وهكذا نص على قوله وقول محمد -﵀- في اول الباب.\nفعلى قول من يرى السؤال لا يجتزئ بذلك.\nيعني على قولهما.\nوهكذا نص في الجامع الصغير.\nووجه التأويل لما قلنا.\nوان قال: شهدا علي بالحق، او قال: الذي شهدا به من هذه الشهادة حق، او قال: صدقا في ما شهدا به علي، فان القاضي يحكم عليه بقوله.\nلان هذا إقرار منه ان الحق واجب عليه فيقضي بإقراره.\nوالله تعالىأعلم","vol":"3","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>الباب السابع والثلاثون في الملازمة</span>\n[٦٠٦] ذكر عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، انه تقاضى ابن حدرد دينًا له عليه، فمر بهما رسول الله -ﷺ-، وهو يلازمه في المسجد، فقال:\n«ما لك يا كعب؟».\nفقال:\nيا رسول الله، دين لي على هذا.","vol":"3","page":62},{"text":"فأشار إليه النبي -ﷺ- ان ضع عنه شطرًا.\nقال:\nقد فعلت يا رسول الله.\nقال:\n«قم فأد إليه حقه».\nفي الحديث فوائد:\nمنها: ان لصاحب الحق حق ملازمة المديون.\nومنها: انهيجوز الجلوس في المسجد لغير الصلاة.\nومنها: ان الإشارة تقوم مقام العبارة، وان كان قادرًا على البيان باللسان؛ ألا ترى ان النبي -ﷺ- أشار إليه ان ضع عنه","vol":"3","page":63},{"text":"شطرًا، وكان قادرًا على البيان باللسان.\nومنها: ان صاحب الدين مندوب الى الإحسانالى المديون، وتمام الإحسان بوضع الشطر، وقد تقدم بيان هذا الكلام قبل هذا.\n\n[٦٠٧] ذكر عن حسيل بن خارجة الأشجعي قال:\nلما أراد رسول الله -ﷺ- ان يغزو خيبر، لم يبق أحد من يهود المدينة له دين على أحد من المسلمين إلا لزمه، وكانلأبي الشحم اليهودي علي درهما، فاستعدى علي رسول الله -ﷺ- فقال: «الزمه، حتى يؤدي إليك حقك».\nفعمدت الى شقيقة كانت علي سنبلانية فادخلتها السوق","vol":"3","page":64},{"text":"فبعتها بستة دراهم، فقضيته درهمين، وخلفت عند أهلي درهمًا، وتزودت بدرهم، واشتريت شملة بدرهمين، فلبستها، فبينما نحن نسير مع رسول الله -ﷺ- في ليلة مقمرة، وهو خلفي يسير، وانا لا أعلم، إذ نظر الى ضوء القمر على الشملة كانه شمس فقال:\n«ما هذا يا حسيل؟».\nفقلت: يا رسول الله شملة اشتريتها.\nثم أخبرته خبري، فقال -﵊-:\n«انت والله وأصحابك من الفقراء المهاجرين الذي يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف».\nثم قال:\n«اللهم [انهم] عالة، فأغنهم، وحفاة، فاحملهم، وعراة","vol":"3","page":65},{"text":"فاكسهم».\nفما رجع منا أحد إلا ومعه بعيران وثلاثة ومن الطعام والتمر حملان، ومن الكسوة والأثاث والخرثى سوى سهامنا كثير.","vol":"3","page":66},{"text":"في الحديث فوائد:\nمنها: ان لصاحب الدين حق الملازمة، وان كان المديون معسرًا؛ ألا ترى ان النبي -ﷺ- عرف اعسار المديون، ومع ذلك أمر اليهودي بان يلزمه، فيكون حجة على اسماعيل بن حماد.\nومنها: انهإذا كان للمديون ثياب يلبسها، ويمكنه ان يجتزئ بما دون ذلك، فانه يبيع ذلك، ويقضي ببعض ذلك الثمن الدين، ويشتري بما بقي ثوبًا.\n\n[٦٠٨] ذكر بعد هذا حديث الهرماس بن حبيب.","vol":"3","page":67},{"text":"وفيه دليل على ان لصاحب الدين ان يلزم غريمه.\n\n[٦٠٩] وإذا ثبت ان لصاحب الدين حق ملازمة الغريم، فالخيار إليه دون المطلوب؛ ان شاء حبسه، وان شاء لازمه.\nلان الحبس او الملازمة مشروع لإيصال حقه [إليه]، وطبائع الناس تختلف في هذا، فكان الخيار إليه.\nوقد مر هذا الفصل في الباب الحادي والثلاثين.","vol":"3","page":68},{"text":"[٦١٠] ومتى اختار الملازمة لا يجلسه في موضع، ولكن يدور معه.\nولو أراد الدخول في داره للأكل والشرب او الوضوء، فلا يمكن المدعي من الدخول معه، فغن الإنسان قد يحتاج الى الخلوة في بعض الأمور، فلا يكون للمدعي ان يمنعه عن ذلك، فيجلس على باب الدار، فإذا خرج لازمه، ودار معه.\nوقد مر بعض هذه الفصول في ذلك الباب.\n\n[٦١١] ثم قال صاحب الكتاب:\nلان الملازمة انما تكون في المساجد.\nقال القاضي الإمام أبو علي النسفي:\nوليس هذا مذهبنا؛ لان المساجد انما بنيت لذكر الله تعالى وإقامة الصلاة فيها، فمن جوز في المسجد لا يحمدها.\n\n[٦١٢] قال:\nفان قال المطلوب: احبسني له؛ فان الحبس أرفق لي من الملازمة، فانه ينظر: ان لم يكن به ضرر من تلك الوجوه التي بيناها، والمنع من الدخول للأكل والشرب، او الوضوء، وما يحتاج إليه من الخلوة، لا يحبسه القاضي؛ لانه متعنت.\nلان الملازمة دون الحبس.","vol":"3","page":69},{"text":"وان كان به ضرر من تلك الوجوه حبسه القاضي.\nلان الحبس أعلى من الملازمة، فلما رضي بالأعلى علم انه يتضرر بالملازمة، فعلى القاضي ان يزيل ذلك الضرر عنه.\n\n[٦١٣] قال صاحب الكتاب:\nوإنما يحبس عن منزله والاضطراب في أموره، فأما ان يدخل عليه ضرر فلا ينبغي ذلك.\nوإنما يمنع عن ذلك حتى يضجر قلبه، فيتسارع الى قضاء الدين.\nوأراد بالحبس عن المنزل لا لتلك الأمور الي بيناها، التي فيها ضرورة.\nوأراد بالاضطراب في أموره التردد في أمر معاشه والكسب لأهله","vol":"3","page":70},{"text":"وعياله.\nوهذا يدل على انهإذا كان محترفًا يمنع من الاحتراف؛ لان ذلك من جملة التردد والاضطراب في أموره، وهو الصحيح لما نبين ان شاء تعالى.\nوقال بعض العلماء: لا يمنع لما نبين ان شاء الله تعالى.\n\n[٦١٤] قال:\nوإذا ظهر إفلاس الغريم فانه يخرج من السجن، وللمدعي ان يلازمه.\nوقد مر هذا في ما تقدم.\n\n[٦١٥] قال في الكتاب:\nقال بعض أصحابنا: إذا فلسه القاضي، وأخرجه من السجن حال بينه وبين خصمه، ولم يدعه يلزمه، وقال: اتركه يضطرب، ويكتسب، وينفق على نفسه وعليك.\nدل هذا [على] ان المديون قبل الاطلاق من الحبس يمنع من الاكتساب، فإذا اطلق لا يمنع فانه قال: اتركه يضطرب ويكتسب، وينفق على نفسه وعليك وعلى صاحب الدين.","vol":"3","page":71},{"text":"فكان هذا دليلًا على ان المديون يمنع من الاكتساب في الحبس.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: هذا هـ والصحيح من المذهب.\nوقال بعض العلماء: لا يمنع [من ذلك]؛ لان في الاكتساب نظرًا من الجانبين.\nلكن الصحيح انهيمنع.\nلان الحبس مشروع ليضجر، ومتى تمكن من الاكتساب لا يضجر، فيكون السجن له بمنزلة الحانوت حينئذ، فكان الاختلاف في الحبس وخارج الحبس سواء.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>الباب الثامن والثلاثون في ما ينبغي للقاضي ان يعمل به</span>\n[٦١٦] قال أحمد بن عمرو ﵀:\nوينبغي للقاضي ان يشرف على كاتبه وأصحاب مسائله وأمنائه، ويتفقد أحوالهم، وأمورهم؛ ليكون على أحوالهم بصيرًا، ويحاسب الأمناء على ما يعملون في كل سنة، وعلى ما يجري على أيديهم؛ لينظر انهم هل خانوه في شيء، ويقتصد في إجراء الرزق عليهم.\nأما إجراء الرزق فلانهم فرغوا انفسهم لإقامة هذه الأعمال، وهم محتاجون الى الكفاية، فتكون كفايتهم في ما فيه كفاية القاضي، وهو مال بيت المال.\nوأما الاقتصاد فلان الإسراف يؤدي الى الاجحاف ببيت المال، والقاضي نصب ناظرًا للمسلمين.\n\n[٦١٧] قال:\nويسأل عن الأموال؛ فما كان من مال اليتيم له وصي [من جهة أبيه]","vol":"3","page":73},{"text":"أقر في يدي وصية.\nلان الأب أقام الوصي في التصرف لولده الصغير مقام نفسه، خلفًا عن نفسه، فكان رأيه باقيًا ببقاء خلفه، ولو كان باقيًا حقيقة لم يكن للقاضي ان يتعرض لماله، وكذا إذا كان باقيًا حكمًا [ببقاء خلفه].\nوان لم يكن له وصي الأب اختار له وصيًا من قرابته، وأهل بيته، ممن يوثق بأمانته ودينه، فوصاه عليه، وأمره بالقيام بأمره.\nلان مبنى الوصية على الشفقة، ومن كان بهذا الصفة كان أقرب الناس إليه، فيكون أشد الناس اشفاقًا عليه.\nلكن هذا إذا كان أهدى الى التصرفات.\nأما إذا لم يكن أهدى الى التصرفات فلا.\nلان تمام النظر في ان يكون أقرب إليه، وأهدى الى التصرفات.\nفان لم يكن في أهل البيت من يصلح لذلك فمن جيرانه.\nلان جيرانهأكثر شفقة عليه من غيرهم، فيكون انظر له.","vol":"3","page":74},{"text":"فان لم يجد ذلك فيهم اختار من غيرهم ممن يثق به، فوصاه على اليتيم، واشهد له بذلك.\nفإذا فعل أجرى عليه رزقًا لذلك.\nومتى أجرى أشهد له بالرزق.\nلان لو لم يشهد له بالرزق لا يكون له حجة في ما يقبص من أرزاقه ليصدق.\nوإذا أكل شيئًا مما رزق لا يضمن.\n\n[٦١٨] قال:\nفإذا جعله القاضي وصيًا على اليتيم جاز له في مال اليتيم ما يجوز للوصي من جهة الأب.\nلان وصي القاضي بمنزلة وصي الأب، فيجوز له ما يجوز للأوصياء، إلا ان القاضي متى استثنى التصرف في العقار للوصي الذي نصبه يعمل هذا الاستثناء، حتى لا يملك التصرف في العقار.\nوالأب لو اوصى واستثنى التصرف في العقار لا يعمل هذا الاستثناء، حتى كان للوصي ان يتصرف في المنقول والعقار جميعًا.\nلان ولاية الأب لا تحتمل الوصف بالتجزؤ؛ لانه لا يجوز ان يكون أمينًا في بعض الأشياء دون البعض، فإذا أثبت لغيره [ذلك]","vol":"3","page":75},{"text":"نبت مطلقًا كما كان له.\nأما ولاية القاضي [فإنها] مما تحتمل الوصف بالتجزؤ؛ فانه يجوز ان يقلده في بعض الأشياء دون البعض، فكذا يملك إثباته لغيره.\n\n[٦١٩] قال:\nوان لم يجعله وصيًا عليه، لكن جعله قيمًا عليه، فهذا القيم لا يملك التصرف بخلاف الوصي.\nلان الوصاية إثبات ولاية التصرف له على الإطلاق، فملك التصرف على الإطلاق.\nفأما القوامة [فإنها] عبارة عن الحفظ لا عن التصرف، فيملك الحفظ ولا يملك التصرف.\nولو اشترى هذا القيم ما لابد للصبي منه فالقياس ان لا ينفذ على اليتيم، لانه تصرف.\nوفي الاستحسان ينفذ؛ لانه فوض إليه الحفظ، والصبي انما يبقى محفوظًا بالإنفاق عليه، وشراء ما لابد [له] منه، فكان هذا من باب الحفظ.\nفان جعله القاضي في ما يحفظ ماله، ويزرع، ويؤاجر ضياعه ودوره، ويجمع غلاته، ويبيع ما كان له من غلة، اشهد له القاضي","vol":"3","page":76},{"text":"على ذلك أيضًا؛ ليعلم انه لا يجوز له في مال اليتيم إلا ما وكل به القاضي.\n\n[٦٢٠] قال:\nوينبغي للقاضي ان يقرض أموال اليتامى قومًا ثقاة.\nلان القاضي يحتاج الى حفظ مال اليتيم، ولا يمكنه الحفظ بنفسه، فيحتاج الى الحفظ بيدي غيره. وهذا [يكون] بإحدى الطريقتين: إما الإقراض، وإما الإيداع، والإقراض انفع للصبي؛ لانه مضمون على المستقرض.\nالى هذا المعنى أشار صاحب الكتاب فقال: هو أحوط من انيودعها.\nفان قيل: لو كانانفع لملكه الأب والوصي كما يملكان الإيداع.\nقيل: له في الأب روايتان:\nفي إحدى الروايتين يملك [ذلك].\nوفي الأخرى لا يملك.\nوالوصي لا يملك.\nلان الإقراض انما يكون انفع [له] إذا تمكن من الاسترداد،","vol":"3","page":77},{"text":"والأب والوصي لا يتمكنان [من الاسترداد متى شاءا]؛ فانه ربما يجحد، وربما يمكنهما الإثبات وربما لا يمكن.\nفأما قول القاضي فملزم، فكان متمكنًا من الاسترداد متى شاء، فكان الاقراض منه انفع [له].\nفإذا أقرض [ذلك] يكتب عليهم الصكاك ويخلدها في ديوانه.\nلانه يحتاج الى حفظ قدر الدين، وربما ينسى.\nثم يتفقد أمور الذين يقرضهم أموال اليتامى، فان أحس بخيانة او إفلاس أخرج المال من يده.\nلان القاضي لا يمكنه الاسترداد من المفلس، ومن الفقير؛ ألا ترى انه لم يكن للقاضي ان يقرض مال اليتيم مفلسًا في الابتداء، فكذا لا يكون له ان يبقى على المفلس مال اليتيم.\nوكذا يتفقد حال وصيه، فمتى أحس بخيانة منه أخرجه من","vol":"3","page":78},{"text":"الوصاية؛ لما قلنا.\n\n[٦٢١] قال:\nولو أثبت الرجل عند القاضي حقًا بشهادة شهود عدول، فينبغي له ان يعلم ذلك الخصم المدعى عليه انه يريد القضاء عليه، فان أتى من ذلك بمخرج قبل منه.\nلان شهادة المدعي انما تكون حجة إذا لم يأت المدعى عليه بحجة أخرى، تعارض حجة المدعي، وانما يتحقق العجز عن الإتيانإذاأعلمه القاضي بما يقضي، وطالبه بحجة تعارضه.\nثم اختلفوا في إعلامه انه كيف هو:\nقال بعضهم: يقول للمدعى عليه: قد ثبت هذا الحق للمدعي عليك بشهادة هؤلاء الشهود، وعدلوا، وعرفتهم، وقد ثبت عندي ذلك، فأخرج عن حقه، ان لم يكن لك مخرج.\nوان كان لك مخرج فأت به.\nقال بعضهم: لا يقول هذا؛ لان قوله ثبت عندي يكون هذا حكمًا منه، لكن يقول: ان هؤلاء الذي شهدوا عليك بهذا الحق قد عدلوا،","vol":"3","page":79},{"text":"وقد ثبتت عندي شهادتهم، وانا عرفتهم، ووجب القضاء له عليك، فان خرجت عن حقه، او أتيت بالمخرج، وإلا وجهت القضاء له عليك.\nوقال بعضهم بان قوله ثبت عندي لا يكون حكمًا منه.\n[و] قد أفتى القاضي الإمام أبو عاصم انه يكون حكمًا منه، وهو اختيار الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني -﵀-.\nفعلى القاضي ان يتحرز عن هذا.\nفإذا فعل ولم يأت [بالمخرج] في المدة التي ضرب له القاضي أجلًا، وسأل الطالب ان يحكم له عليه، ويسجل له بذلك سجلًا، فعل ذلك، وكتب السجل بنسختين، يدفع إحداهما الى الطالب والأخرى يخلدها في ديوانه.\nلان الحق متى ثبت يحتاج المدعي الى الاستيفاء، وانما يمكنه الاستيفاء بحجة، فيدفع إليه إحدى النسختين؛ لتكون له حجة، ويخلد في ديوانه نسخة أخرى؛ لانه يمكن المدعي من استيفاء الحق، فينبغي ان تكون عنده حجة، حتى يجوز له ان يمكنه.","vol":"3","page":80},{"text":"[٦٢٢] قال:\nوكذلك لو ثبت الحق عليه بإقراره، يعلمه انه يقضي عليه.\nلانه ربما يكون قد اوفاه او أبرأه.\nفان أتى بالدفع، وإلا قضى عليه له ذلك كما لو ثبت [الحق] بالبينة.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nهذا إذا أقر فقال: بلى كان له علي هذا المال، لكن قضيته، او ابراني الان، يمكنه اني يأتي بالمخرج.\n\n[٦٢٣] قال:\nأما إذا أقر فقال: هذا الذي ادعى علي حق، وهو صادق في مقالته، لا يمكنه ان يأتي بالمخرج؛ لانه أقر بالواجب للحال صريحًا، فلا يمكنه ان يأتي بالمخرج.\nفان أراد ان يسمي الشهود في القصة سماهم، فيكتب: ثبت عندي بشهادة شهود عدول [وهم] فلان وفلان سماهم، وهو أحوط.","vol":"3","page":81},{"text":"ليكون ذلك معلومًا للقاضي بعد زمانإذا احتاج إليه انه بشهادة من قضى.\n\n[٦٢٤] قال في الكتاب\nوأكثر الناس والقضاة لا يرون تسمية الشهود في السجل، بل يكتب: ثبت عندي بشهادة الشهود العدول.\nلانه لو سماهم في السجل، وربما عدل البعض دون البعض، أدى ذلك الى الافتضاح على المسلم، وقد أمرنا بالستر.\nلكن هذا في شهود شهدوا على الحق.\nاما في شهود الفروع على شهادة الأصول فلابد ان يكتب في السجل أسماء شهود الأصول.\nلان القضاء لا يقع بشهادة الفروع، وانما يقع بشهادة الأصول، فلابد ان يصيروا معلومين للقاضي، وذلك إذا لم يكونوا حضورًا، فطريق المعرفة بالاسم والنسبة.","vol":"3","page":82},{"text":"[٦٢٥] قال:\nوان قضي لرجل على رجل بقود، يعني بقصاص في النفس، او قصاص [يعني القصاص] فيما دون النفس، او حد من حدود الله تعالى ببينة، ينبغي للقاضي ان يشهد على ذلك انه ثبت عنده ببينة شهدت عنده على هذا الرجل، وعدلوا سرًا وعلانية، وانه قبل شهادتهم، وانفذها، وقضى بذلك على الرجل، ثم يقيده بعد ذلك، أي يقتص منه، او يحده.\nلانه لو لم يشهد ربما يتهم، فينبغي [له] ان يحتاط في ذلك.\nوان ثبت عنده بإقراره أشهد على ذلك أيضًا انه قضى عليه بإقراره.\nان البينة تخالف الإقرار، فان الشهادة بعد تقادم العهد على حقوق الله تعالى غير مقبولة، والإقرار مقبول.\n\n[٦٢٦] ثم قال في الكتاب:\nلانه لا يؤمن ان يعزل القاضي عن القضاء، فيدعي المطلوب ذلك فيقول: فعلت بي كذا وكذا، فان قال: فعلت ذلك وانا قاض، لم","vol":"3","page":83},{"text":"يؤمن ان يقدمه الى قاض لا يرى ان يقبل قوله فيأخذه بذلك ويلزمه، فان هذا فصل مختلف فيه ان في مثل هذه الصورة هل يصدق القاضي [في قوله ذلك]؟\nاجمعوا علىنه لا يصدق في الأشياء القائمة.\nواختلفوا في الأشياء الهالكة:\nقال أكثر الفقهاء: يصدق.\nوقال بعضهم: لا [يصدق]؛ فربما يقدمه الى قاضٍ يرى قول اولئك انه لا يصدق في القائمة والهالكة جميعًا، فينبغي له ان يشهد على قضائه شهودًا عدولًا، ويكتب بذلك ذكرًا، ويعده لوقت الحاجة.\n\n[٦٢٧] قال:\nوإذا أراد القاضي ان يكتب بشيء لرجب ثبت عنده، وان يسجل له سجلًا، أخرج محضره، ان كان ببينة، او بإقرار، ثم انشأ السجل على المحضر - يعني على وفقه - وحكى في السجل بما ثبت عنده للطالب، وما أدلى به المطلوب من حجة ان كان أدلى بشيء يخرج به","vol":"3","page":84},{"text":"من بعض ما ثبت عنده [وعرض بنسخة السجل، وتدبره مرة بعد مرة، حتى لا يكون في سجله خلل.\nلان السجل حكاية] ما جرى بين الخصوم كالصك، فيذكر في السجل جميع ما جرى ويعرض مرة بعد مرة، حتى لا يكون فيه خلل.\n\n[٦٢٨] قال:\nوإذا قال القاضي: ان فلانا هذا أقرد عندي ان لهذا الرجل عليه دينًا كذا وكذا، او أقر انه قتل فلانا ولي هذا عمدًا، او قال خطأ، او أقر بحق من الحقوق، فالقاضي مصدق في ذلك، مقبول قوله، مأمون عليه، له ان يحكم بذلك وينفذه.\nوالمسألة على وجهين:\nإما ان أخبر القاضي عن إقراره بشيء يصح رجوعه [عنه]؛ كالحد في باب الزنى، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوه، او لا يصح رجوعه [عنه]؛ كالقصاص، وحد القذف، والأموال، والطلاق،","vol":"3","page":85},{"text":"وسائر الحقوق.\nففي الوجه الاول: لا يقبل قول القاضي بالإجماع؛ لانهانما يحتاج الى الرجوع الى قول القاضي عند جحود الخصم، فإذا كان الخصم جاحدًا كان ذلك رجوعًا عن الإقرار.\nوفي الوجه الثاني: يقبل قول القاضي؛ لان القاضي أمين، وليس بمتهم، بدلالة انه ينفذ قضاؤه، ولو كان متهمًا لما نفذ قضاؤه؛ ألا ترى انه في حق نفسه وولده لما كان متهمًا لم ينفذ قضاؤه وقول الأمين مقبول.\nوروى ابن سماعة عن محمد انه لا يقبل قوله حتى ينضم إليه رجل آخر عدل.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nكان قول محمد كقول أبي حنيفة وأبي يوسف في الابتداء، ثم رجع عنه، وقال: لا يقبل إلا بضم رجل آخر عدل إليه.\nوقد بينا هذه الرواية في الجامع الصغير.\nلكن ثمة روينا انه رجع وقال: لا يقبل مطلقًا، وههنا قلنا: لا يقبل إلا بضم رجل آخر عدل إليه، وهو المراد من الرواية المذكورة في الجامع الصغير.","vol":"3","page":86},{"text":"وكان الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي -﵀-[قد] جعل المسألة على أربعة اوجه.\nوقد شرحنا ذلك في شرح الجامع الصغير. ثم صح رجوع محمد الى قول أبي حنيفة وأبي يوسف -﵏-، روى عنه هشام هذا القول.","vol":"3","page":87},{"text":"هذا إذا أخبر القاضي عن ثبوت الحق بالإقرار.\nوان أخبر عن ثبوت الحق بالبينة فقال: قامت بذلك بينة وعدلوا وقبلت شهادتهم على ذلك يقبل في الوجهين جميعًا اللذين ذكرناهما، وله ان يحكم بخلاف الإقرار، لان رجوع الخصم ثمة يعمل وههنا لا يعمل.\n\n[٦٢٩] قال:\nوإذا قدم الى القاضي رجل أعجمي والقاضي لا يفهم كلامه فانه يترجم له رجل ثقة، ويقبل ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-، وقال محمد -﵀-: لا يجور، إلا ان يترجم له رجلانعدلان، او رجل وامرأتان.\nوالخلاف في الترجمة على قياس الخلاف في التزكية.\nثم علل لمحمد -﵀- في الكتاب في اشتراط العدد فقال:\nلان هذا بمنزلة الشهادة، لا يقوم بذلك إلا من تقبل شهادته.","vol":"3","page":88},{"text":"لان القاضي إذا لم يعلم ما يتكلم به الخصم فكانه لم يسمعه.\nثم قول المترجم يقبل في الحدود وغيرها.\nفان قيل: وجب ان لا يقبل؛ لان عبارة المترجم بدل عن عبارة الأعجمي، والحدود لا تثبت بالإبدال، ألا ترى انه لا تثبت بالشهادة على الشهادة وكتاب القاضي الى القاضي.\nقيل له: كلام المترجم ليس ببدل عن كلام الأعجمي، لكن القاضي لا يعرف لسانه ولا يقف عليه، وهذا الرجل المترجم يعرفه ويقف عليه، فكانت عبارته كعبارة ذلك الرجل لا بطريق البدل، لكن بطريق الأصالة؛ لانه يصار الى الترجمة عند العجز عن معرفة كلامه كالشهادة يصار إليها عند عدم الإقرار، فان القاضي قبل قبول الشهادة يبدأ بإقرار المدعى عليه، فيقول له: هل تقر بهذا او تجحد؟ وليست الشهادة ببدل عن الإقرار.\nهذا هو الكلام في الأعجمي.\n\n[٦٣٠] وأما الأخرس فان الأخرس إذا خوصم الى القاضي فأشار عنده، يعني عند القاضي بإشارة إقرار بطلاق او غيره، فان كانت تلك الإشارة معلومة معروفة عنه تجربة، انفذ ذلك عليه،","vol":"3","page":89},{"text":"يعني انفذ القاضي ذلك عليه ويجعله كالعبارة.\nوهذا استحسان.\nوالقياس ان لا ينفذ على الأخرس شيء من الحكم بإشارته، وهو قول بعض الفقهاء.\nوجه القياس ان علم القاضي لا يحيط بإشارته؛ لانه ربما يشير بشيء، فيعرف القاضي من ذلك خلاف ما يكون مقصودة، فلا يصح القضاء بإشارته، ولهذا لم يصح في الحدود في باب الزنى وفي باب الشهادة.\nوجه الاستحسانانا لو لم نقبل إشارته، ولم نجعلها كالعبارة، أدى الىن يموت جوعًا؛ لانهإذا لم يبايع، ولم يعامل، يضطر، فيؤدي الى إتلافه.\nلكن هذا إذا عرف القاضي إشارته.\nفان لم يعرف [إشارته] فينبغي ان يستحضر من يعرف إشارته، وهم إخوانه، وأصدقاؤه، وجيرانه فيستحضر منهم من يعرف إشارته، حتى يقول بين يدي القاضي أراد بهذه الإشارة كذا وكذا، وبهذه كذا، ويفسر ذلك ويترجم له، حتى يحيط علم القاضي بذلك.","vol":"3","page":90},{"text":"وينبغي ان يكون عدلًا مقبول القول.\nلأن الفاسق لا قول له.\nوهذا بخلاف حد الزنى.\nلان الشرط في إيجاب حد الزنى الإقرار بلفظ الزنى، ولا يتصور ان يشير الأخرس الى شيء لم يوجد منه لفظة الزنى، بخلاف الشهادة؛ لان لفظة الشهادة شرط في باب الشهادة، ولا يتصور ان يشير الأخرس على وجه يوجد منه لفظة الشهادة، فلا تصح منه الشهادة، والإقرار بالزنى، فأما في سائر التصرفات فلا يعتبر اللفظ، فإذا أشار الى شيء، وهو إشارة معلومة معهودة منه يقبل ذلك منه، ويبنى عليه الحكم.\n\n[٦٣١] قال:\nولو ان قاضيًا اودع مال اليتيم صيرفيًا، او تاجرًا، فجحد ذلك المودع، او مات، وتوي ذلك المال، لم يكن على القاضي في ذلك شيء.\nلان القاضي امين في ما يصنع، والأمين لا يضمن.\n\n[٦٣٢] قال:\nولو ان قاضيًا أقر عنده رجل لرجل بحق من الحقوق، فأثبت ذلك في ديوانه، ثم عزل القاضي عن القضاء، ثم ولي القضاء بعد ذلك ثانيًا، فقدم الطالب المقر في ذلك الحق الى القاضي، فانكر المطلوب ذلك الحق عند القاضي، فههنا ثلاثة فصول:","vol":"3","page":91},{"text":"الفصل الاول هذا.\nوهذا على وجهين:\nإما ان لم يتذكر القاضي: او تذكر.\nففي الوجه الاول لا يحكم به.\nوفي الوجه الثاني اختلفوا فيه:\nقال أبو حنيفة -﵀-: لا يحكم أيضًا.\nوقال غيره من أصحابنا: يحكم [به].\nوالفصل الثاني على هذا الخلاف.\nفإذا قضى القاضي لإنسان على رجل بحق من الحقوق، ثم عزل، ثم ولى ثانيًا، فقدم الطالب المحكوم عليه الى القاضي بعد ولايته فجحد المحكوم عليه الحكم. فان كان القاضي لم يتذكر تلك القضية لم ينفذ عليه، وان تذكر فهو على الاختلاف الذي ذكرناه انفًا.\nلان عند أبي حنيفة -﵀- علمه بالعزل انقلب علم شهادة، فلا ينقلب علم قضاء بعد ذلك.\nوالمسألة قد مرت في ما تقدم.","vol":"3","page":92},{"text":"والفصل الثالث: إذا قامت عنده بينة بحق الإنسان على إنسان فقبل ان يقضي بها عزل، ثم أعيد الى القضاء، ثم رفعت أليه تلك الخصومة، هل يقضي بتلك البينة؟\nسيأتي بيان هذا في باب القاضي يجد في ديوانه شيئًا لا يحفظه.\nوالله تعالىأعلم.","vol":"3","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>الباب التاسع والثلاثون في القاضي يقضي بعلمه</span>\n[٦٣٣] ذكر عن شريح ان رجلًا خاصم إليه، فسألة البينة فقال الرجل: يا أبا أمية انك تشهد لي، فقال له شريح: اذهب الى الأمير فخاصم إليه حتى أجيء فأشهد لك.\nفي الحديث فائدتان:","vol":"3","page":94},{"text":"إحداهما: ان القاضي لا يقضي بعلمه الذي استفاده قبل القضاء؛ ألا ترى ان شريحًا لم يقض به، فصار الحديث حجة لأبي حنيفة على صاحبيه.\nوالثانية: قضاء الوالي ينفذ كما ينفذ قضاء القاضي؛ ألا ترى ان شريحًا قال للرجل: اذهب الى الأمير فخاصم إليه؟! وهذا لان القاضي انما استفاد ولاية القضاء من الأمير، فإذا استفاد هذه الولاية من الأمير وقد نفذ قضاءه، فلان ينفذ قضاء الأمير كاناولى.\n\n[٦٣٤] ذكر بعد هذا ان شريحًا قضى بشهادة رجل واحد، وقد كان علم منها علمًا.\nيريد بهذا ان الحادثة كانت معلومة عند شريح، فشهد بها عنده رجل آخر، حتى انضمت شهادة ذلك الرجل إليه، فيصير شاهدين، فقضى به شريح.\nوهذا رأي روي عن شريح، ولم يأخذ به أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد -﵏.\nلان عند أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله] للقاضي ان يقضي بعلم نفسه، فلا يشترط انضمام رجل آخر إليه.\nوعند أبي حنيفة [﵀] علم القاضي لا يعتبر، فإذا سقط اعتبار","vol":"3","page":95},{"text":"علمه لابد من شهادة شاهدين.\nوهذا لان في باب الشهادة لفظة الشهادة شرط، والقاضي لا يمكنه ان يشهد بين يدي نفسه ثم يقضي.\n\n[٦٣٥] قال:\nولو ان رجلًا تقدم الى القاضي ومعه رجل، فقال للقاضي: انك قضيت لي على هذا الرجل بكذا وكذا من المال، او قضيت لي عليه بضيعة كذا وكذا، او بدراهم، او بحق من الحقوق، ولم يذكر القاضي ذلك، فأقام عنده شهودًا عدولًا يشهدون عنده، انه أشهدهم، انه قضى لهذا المدعي على هذا الذي معه بالحق الذي ادعاه، قال أبو يوسف -﵀-: لا ينفذ ذلك ولا يحكم به، روى عنه الحسن بن زياد، ونسر بن الوليد.\nوقال محمد -﵀- ينفذ [ذلك] ويحكم به.\nوهو قول إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وابن سماعة.\nوهنا أربعة فصول\nالفصل الاول هذا.\nمحمد -﵀- يقول: أجمعنا ان الشهود لو شهدوا على","vol":"3","page":96},{"text":"قضية عند قاض آخر، فان القاضي الآخر ينفذ القضية، ويحكم بهذه الشهادة، فكذا إذا شهدوا على قضية عنده.\nلان البينة في الموضعين جميعًا قامت على السبب الموجب للحق، وهو القضاء.\nوأبو يوسف -﵀- يقول: أجمعنا على ان الشهادة دون القضاء، والرجل إذا تحمل شهادة ثم نسي لا يسعه ان يشهد بقولهما، فأولىن لا يجوز القضاء بقولهما إذا لم يذكر ذلك.\nالفصل الثاني: إذا وجد شهادة شهود في ديوانه وهو محتوم بختمه، مكتوب بخطه، او بخط نائبه، لكن لم يذكر تلك الشهادة.\nعند أبي حنيفة -﵀- لا يقضي بتلك الشهادة.\nوعندهما: يقضي.\nوكذا على هذا إذا وجد سجلًا في ديوانه [مختومًا بختمه] مكتوبًا بخطه، او بخط نائبه، فيه قضاؤه، او كتب في آخره بخطه: اني قضيت بهذه القضية، وانفذت القضاء بذلك، ولم يذكر.\nعند أبي حنيفة -﵀- لا يمضي ذلك حتى يتذكر.\nوعندهما يمضي.","vol":"3","page":97},{"text":"الفصل الثالث: في رواية الأخبار عن رسول الله -ﷺ-، إذا وجد سماعه مكتوبًا في موضع، لكن لا يذكر ذلك.\nعند أبي حنيفة: لا يحل له ان يروي.\nوالشرط عند أبي حنيفة -﵀- لحل الرواية ان يحفظ الحديث عن ظهر القلب من حين سمع الى حين يروي.\nوعندهما: يحل له ان يروي؛ إذ عندهما هذا ليس بشرط.\nالفصل الرابع: إذا وجد خطه مكتوبًا في صك في يدي رجل، لكنه لا يذكر الشهادة.\nاختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال: وهو الفقيه أبو الليث -﵀- والقاضي المنتسب الىسبيجاب: انه على هذا الخلاف.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني -﵀- قول أبي","vol":"3","page":98},{"text":"يوسف مع محمد، كما قال الفقيه أبو الليث وغيره من اولئك المشايخ.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي قول أبي يوسف مع أبي حنيفة.\nفكان المخالف في هذه المسألة محمدًا وحده.\nوانما اختلف الجواب لاشتباه لفظ صاحب الكتاب فانه قال:\nوفي قول أبي يوسف بهذا لا يشته قضية القاضي، يعني إذا رفع الى قاض آخر، ولا يشتبه بما في ديوان القاضي مما لا يذكره، وانما هذا بمنزلة شهادة لا تقوم بذلك إلا ان يذكره.\nوالشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني حمل هذا على ما إذا تحمل الشهادة ثم نسي، فشهد شاهدانانك تحملت هذه الشهادة.\nوالشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي حمل هذا على الشاهد إذا وجد خطه مكتوبًا في صك وهو لا يذكر الشهادة.","vol":"3","page":99},{"text":"والاول أظهر.\nفعلى قول هؤلاء: هما لا يحتاجانالى الفرق بين الفصل الرابع وبين الفصل الثاني.\nوعلى اولئك الذين قالوا لا يحل بالإجماع يحتاجانالى الفرق.\nوعلى قول الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: أبو يوسف يحتاج الى الفرق.\nوالفرق وهو ان ما يكون في خريطة القاضي وتحت ختمه يؤمن فيه الزيادة والنقصان.\nفأما الصك يكون في يد الخصم فلا يؤمن فيه الزيادة والنقصان.\nثم القاضي إذا علم بوجوب حق لإنسان على إنسان على إنسان فهذا على ثلاثة اوجه:\nإما ان علم قبل تقلد القضاء.\nاو علم بعد ما تقلد القضاء في المصر الذي هو قاض فيه في","vol":"3","page":100},{"text":"مجلس القضاء، او في غير مجلس القضاء.\nاو علم بعد ما تقلد القضاء في غير المصر الذي هو قاض فيه.\nففي الوجه الاول عند أبي حنيفة لا يقضي بذلك العلم، وعندهما يقضي.\nوفي الوجه الثاني: يقضي في حقوق العباد بما يثبت مع الشبهات، وما يسقط، كالقصاص، وحد القذف، ولا يقضي في الحدود الخالصة لله تعالى؛ نحو حد الزنى، والسرقة، وشرب الخمر؛ لان حقوق الله تعالى كل واحد من آحاد المسلمين [قد] ساوى القاضي، ثم غير القاضي إذا وجد سكراناو رجلًا به إمارات السكر فانه ينبغي له ان يعزره؛ لأجل التهمة، ولا يكون ذلك حدًا.\nوفي الوجه الثالث: نحو ما إذا خرج من المصر الذي هو فيه قاض لتشييع جنازة، او خرج الى ضيعة له، فعلم بسبب الحق، فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في الوجه الاول.","vol":"3","page":101},{"text":"واختلف المشايخ في هذا الوجه على قول أبي حنيفة:\nقال بعضهم هذا إذا لم يكن مقلدًا على القرى، أما إذا كان مقلدًا على القرى [فانه] ينفذ، وهذا يدل على ان الوالي إذا قلد رجلًا قضاء كورة كذا لا يصير قاضيًا في سواد تلك الكورة ما لم يقلد قضاء الكورة ونواحيها، ويكتب في رسمه ومنشوره: انا قلدناه قضاء كورة كذا ونواحيها، فإذا خرج الى تشييع جنازة اوالى ضيعة، فأحاط علمه بشيء جاز له ان يقضي بعلمه عند أبي حنيفة -﵀-.\nوالى هذا القول مال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني -﵀-.\nوقال بعضهم: لا يجوز له أن يقضي بذلك العلم سواء كان مقلدًا على القرى أو لم يكن.\nفعلى هذا القول جعل المصر شرطًا لنفاذ القضاء، لأنه من أعلام","vol":"3","page":102},{"text":"الدين؛ كالعيدين، والجمعة، فإذا كان شرطًا [لنفاذ القضاء] فالقاضي استفاد العلم في موضع لا يتمكن من القضاء، فصار بمنزلة سائر الرعايا، فلا يقضي بهذا العلم.\nوإلى هذا القول مال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀، وجعل هذا القول جواب ظاهر الرواية، وجعل ذلك جواب رواية النوادر.\nوأشار محمد بن الحسن ﵀ في كتاب أدب القاضي إلى أن المصر شرط لنفوذ القضاء.\nوهكذا ذكر الخصاف ههنا.\nوروى أبو يوسف في الإملاء: أن المصر ليس بشرط.\nثم أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يحتجان على قول أبي حنيفة ﵀ بما لو أن رجلًا ليس بحاكم رأى رجلًا يغصب رجلًا مالًا، وهو يقدر على أن يمنعه من ذلك، ولم يفعل، أيسعه ذلك؟ فكيف الحاكم الذي يقدر أن يرد على هذا ما غصب منه، وقد علم بذلك قبل القضاء، فينبغي أن يأخذه منه، ويرده على هذا.\nوكذلك لو أن رجلًا سمع رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، أو أعتق أمة","vol":"3","page":103},{"text":"له، أو عبدًا له، يجب عليه أن يحول بينه وبين امرأته، وكذلك إذا علم الرجل ثم ولي ذلك الرجل القضاء، فقدمت المرأة المطلقة زوجها، أو الأمة المعتقة، أو العبد المعتق المولى، فجحد ذلك، والقاضي قد شهد ذلك وسمع قبل أن يولي القضاء، وجب أن يقضي بالطلاق والعتاق.\nلكن أبا نيفة ﵀ يجيب عن هذا ويقول بأن القاضي أيضًا في هذه الصورة يحول بين الزوج وبين المرأة، وبين المولى، وبين الأمة. هكذا روى أبو يوسف ﵀ في الإملاء عنه أيضًا، لكن لا يفرق بينهما ولا [يحكم] بعتقهما؛ لأن الحيلولة تثبت بمجرد الشهادة بدون القضاء، فلأن تثبت بعلم القاضي كان أولى.\nلكن هذا كله يكون على وجه الحسبة، والأمر بالمعروف، لا على سبيل القضاء.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-264>الباب الأربعون في القاضي يجد في ديوانه شيئًا لا يحفظه</span>\n[٦٣٦] قال أبو حنيفة ﵀:\nإذا وجد القاضي في ديوانه إقرار رجل لرجل بحق من الحقوق، أو شهادة شهود لرجل على رجل بحق من الحقوق، وهو لا يذكر ذلك ولا يحفظه، لا يحكم بذلك، ولا ينفذه حتى يذكره.\nوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يحكم بذلك وينفذه إذا وجد تحت خاتمه.\nوالمسألة قد مرت في الباب المتقدم.\n\n[٦٣٧] قال:\nوقال محمد ﵀: لو ضاع محضر لرجل من ديوان القاضي، وفيه شهادة شهود له بحق من الحقوق، والقاضي لا يذكر ذلك، فشهد عند القاضي كاتباه أن شهود هذا الرجل شهدوا عندك على هذا الرجل بكذا وكذا فلا ينبغي للقاضي أن يقبل ذلك، ولا ينفذه.\nفرق بين هذا وبين مسألتين:\nإحداهما: إذا ضاع سجل من ديوان القاضي، فشهد كاتباه عند القاضي أنه أمضى ذلك، فإن القاضي يقبله.","vol":"3","page":105},{"text":"والثانية: إذا ضاع إقرار الرجل لرجل، فشهد الكاتبان عند القاضي أن هذا أقر عبدك لهذا لكذا وكذا، قد سمعناه، قبل القاضي ذلك، وقضى بشهادتهما.\nوالفرق: أن في الفصل الأول: الكاتبان لم يعاينا السبب الموجب للحق؛ لأن الشهادة ليست بموجبه للحق، وإنما تصير سببًا إذا نقل ذلك إلى مجلس القضاء، والنقل إنما يكون بالأمر، والشاهدان لم يشهدا الكاتبين على شهادتهما، ولم يأمراهما بالنقل.\nفأما في الفصل الثاني والثالث، الكاتبان عاينا السبب الموجب للحق؛ لأن قضاء القاضي موجب والإقرار موجب، فالكاتمان شهدا عند القاضي على السبب الموجب للحق.\nونظير الفصلين ما يقول في رجلين سمعا إقرار رجل لرجل بحق، ولم يشهد المقر الرحلين على إقراره جاز لهما أن يشهدا على إقراره.\nوبمثله لو عاين الرجلان رجلين يشهدان رجلين على شهادتهما، ولم يشهداهما لا يحل لهما أن يشهدا على شهادة الرجلين؛ قلنا.","vol":"3","page":106},{"text":"[٦٣٧] قال:\nوما وجد القاضي في ديوان قاض كان قبله من إقرار أو بينة فإنه لا يعمل بشيء من ذلك، ولا ينفذه، حتى يستقبلوا الخصومة عنده.\nلأن العلم شرط في القضاء، وما كان عند القاضي الأول فليس بمعلوم له.\nوهذا الفصل حجة لأبي حنيفة على صاحبيه، في أن القاضي إذا وجد سجلًا في ديوانه ولم يذكر ذلك، فإنه لا يمضي ذلك؛ لأنه إذا لم يذكر، ولم يعلم [به] صار بمنزلة ما لو كان ذلك السجل في ديوان قاض آخر كان قبله؛ لأنه لا يعلم في الموضعين جميعًا.\n\n[٦٣٨] قال:\nولو أن قاضيًا عزل عن القضاء، ثم رد بعد ذلك على القضاء، [فقد] أجمعوا أن القاضي لا يقضي بشيء من ذلك مما كان في ديوانه من القضاء لإنسان على إنسان، أو إقرار من إنسان لإنسان بحق إذا لم يكن يذكره.\nفأما إذا ذكره فكذلك عند أبي حنيفة ﵀.\nوعندهما يقضي.\nوقد مرت المسألة في آخر باب ما ينبغي للقاضي أن يعمل به.\nوأما البينة إذا قامت عنده بحق لإنسان على إنسان، فقبل أن يقضي","vol":"3","page":107},{"text":"بها عزل، ثم أعيد إلى القضاء، فرفعت إليه تلك الخصومة، فإن المدعي يكلف إعادة البينة، تذكر أو لم يتذكر؛ فرقًا بين الإقرار وبين البينة.\nوالفرق: أن البينة لا توجد الحق بنفسها، وإنما توجب باتصال القضاء بها، ولم يوجد، فصار تقليد هذا القاضي بعد ذلك وتقليد قاض آخر سواء.\nولو قلد قاض آخر لم يسعه أن يقضي بتلك البينة، حتى يستقبلوا الخصومة، ويعيدوا البينة، فكذلك هذا.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>الباب الحادي والأربعون في القاضي ترفع إليه قضية قاض مما ينفذها</span>\n[٦٣٩] قال:\nوينبغي للقاضي أن ينفذ قضايا القضاة التي ترفع إليه، ويحكم بها.\nوأعلم أن قضايا القضاة التي ترفع إلى القاضي لا تخلو من ثلاثة أوجه:\nأما أن تكون جورًا بخلاف الكتاب أو السنة أو إجماع العلماء.\nأو تكون في محل الاجتهاد، إذا اجتهد فيه العلماء والفقهاء.\nأو بقول مهجور.\nففي الوجه الأول: فالقاضي الذي رفع إليه القضية ينقضها، ولا ينفذها، حتى لو أنفذها ثم رفع إلى قاض ثالث، فالثالث ينقضها؛ لأنه متى خالف الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، كان [حكمه] باطلًا، وضلالًا، والباطل لا يجوز الاعتماد عليه، فعلى القاضي الثاني أن ينقضها.","vol":"3","page":109},{"text":"وفي الوجه الثاني: إذا قضى بقول البعض وحكم بذلك ثم رفع إلى قاض آخر يرى خلاف ذلك، فإنه ينفذ هذه القضية، ويمضيها، حتى لو قضي بإبطالها ونقضها ثم رفع إلى قاض آخر فإن هذا القاضي الثالث ينفذ قضاء الأول ويبطل قضاه الثاني؛ لأن قضاء الأول كان في موضع الاجتهاد، والقضاء في المجتهدات نافذ بالإجماع، فكان الثاني بقضائه ببطلان الأول مخالفًا للإجماع، ومخالفة الإجماع ضلال وباطل، فلا يجوز الاعتماد عليه، فعلى القاضي الثالث أن يبطلها وينقضها، وإن كان رأيه بخلاف ذلك، ويستقبل الأمر استقبالًا في الحوادث التي ترفع إليه.\nوفي الوجه الثالث: ينقضها ولا ينفذها؛ لأن القول المهجور ساقط الاعتبار في مقابلة الجمهور.\nوقوله: لا يكون اختلافًا بل يكون خلافًا، فإنه لما أجمع فقهاء الأمصار على شيء فقول واحد يخالف قولهم يكون خلافًا ولا يكون اختلافًا، فمتى قضى بقوله كان القضاء حاصلًا في موضع الخلاف، والقضاء ينفذ في موضع الاختلاف لا في موضع الخلاف فكان","vol":"3","page":110},{"text":"باطلًا، فكان للقاضي الثاني أن يبطله وينقضه.\n\n[٦٤٠] قال:\nفإن كان القاضي الذي قضى في الحادثة فاسقًا أو محدودًا في قذف، أو ممن لا تجوز شهادته له، فرفع قضاؤه إلى قاض آخر، فإنه ينقضه.\nأما الفاسق، فهذا رأي صاحب الكتاب.\nوهو اختيار الطحاوي.\nلأن الفاسق لا يصلح قاضيًا، ولو قلد لا يصير قاضيًا، فلا ينفذ فكان قضاؤه باطلًا فكان للثاني أن ينقض ذلك القضاء.\nوأما عند عامة مشايخنا [فإن] الفاسق يصلح أن يكون قاضيًا ولا ينعزل بالفسق، لكن يستحق العزل، فإذا قضى نفذ قضاؤه، لكن لقاض آخر أن يبطله إذا رأى ذلك، حتى لو أبطله قاض آخر، ثم رفع إلى قاض ثالث، فليس للثالث أن ينفذه لما نبين إن شاء الله تعالى.\nوأما المحدود في القذف إذا قضى قبل التوبة [فإن] القاضي الثاني يبطل قضاءه لا محالة، حتى لو نفذه ثم رفع إلى قاض ثالث، فله أن","vol":"3","page":111},{"text":"ينقضه؛ لأنه لا يصلح قاضيًا بالإجماع، فكان القضاء من الثاني مخالفًا للإجماع فكان باطلًا.\nوأما إذا كان بعد التوبة، فلا ينفذ قضاؤه عندنا، لكن لقاض آخر أن ينفذه، حتى لو نفذه قاض آخر، ثم رفع إلى قاض ثالث، فليس للثالث أني بطله، على عكس الفاسق.\nوعند الشافعي ﵀ ينفذ، لكن لقاض آخر أن يبطله إذا رأى ذلك، وإنما كان ك ١ لك لأن نفس قضاء الفاسق وقضاء المحدود في القذف بعد التوبة مختلف فيه.\nوعندنا قضاء الفاسق ينفذ، وقضاء المحدود في القذف بعد التوبة لا [ينفذ].\nوعند الشافعي ﵀ [الأمر] على العكس.\nفكان القضاء فيهما مجتهدًا فيه، إلا أن يكون القضاء منهما في محل الاجتهاد.\nفإذا قضى الفاسق ثم رفع إلى قاض آخر فأبطله كان قضاء الثاني","vol":"3","page":112},{"text":"في محل الاجتهاد فنفذ، حتى أنه لو رفع إلى قاض ثالث ونفذ قضاءه، ثم رفع إلى قاض رابع، أبطل قضاء الثالث، ونفذ قضاء الثاني.\nوكذا المحدود في القذف على عكس هذا.\n\n[٦٤١] قال:\nولو أن رجلًا وطئ أم امرأته أو ابنتها، فخاصمته زوجته في ذلك إلى قاض يرى أن الحرام لا يحرم الحلال، فقضى بالمرأة لزوجها، ثم أن المرأة بعد ذلك رفعت زوجها إلى قاض آخر يرى أن ذلك يحرمها على زوجها، فإنه ليس لهذا القاضي الثاني أن يبطل قضاء الأول، بل ينفذ ذلك ويصيرها إلى زوجها.\nلأن هذا مما اختلف فيه الصحابة والعلماء، والأحاديث فيه مختلفة، فإذا قضى فيه نفذ قضاؤه بالإجماع، فلا يكون لأحد بعد","vol":"3","page":113},{"text":"هذا أن يبطله، فإذا قضى الثاني بخلاف ذلك كان هذا القضاء مخالفًا للإجماع فكان باطلًا.\nثم هل يحل للزوج المقام معها؟\nفهذا على وجهين:\nأما أن يكون الزوج جاهلًا.\nأو يكون عالمًا.\nففي الوجه الأول يتبع في ذلك رأي القاضي؛ فإن قضى بالمرأة له نفذ قضاؤه، فحل له المقام معها من غير شبهة، وهي مسألة الكتاب.\nوإن قضى بتحريمها نفذ قضاؤه، ولا يحل له المقام معها.\nوفي الوجه الثاني المسألة على وجهين:\nأما أن قضى عليه بأن كان لا يرى وطء الأم محرمًا لها، والقاضي قضى بتحريمها، أو قضى له بأن كان هو يرى وطء الأم محرمًا، والقاضي قضى بالمرأة له، وهي مسألة الكتاب.\nففي الوجه الأول: ينفذ القضاء عليه بالإجماع، فيتبع رأي القاضي، فلا يحل له المقام معها.\nوفي الوجه الثاني، وهي مسألة الكتاب: اختلفوا فيه:\nقال أبو يوسف ﵀: لا ينفذ القضاء، فيتبع رأي نفسه حتى لا يحل له المقام معها، وهو قول صاحب الكتاب.","vol":"3","page":114},{"text":"وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: ينفذ، فيتبع رأي القاضي، حتى يحل له المقام معها.\nوذكر الشيخ الإمام الزاهد المعروف بخواهر زادة قول أبي","vol":"3","page":115},{"text":"حنيفة ومحمد في آخر كتاب الاستحسان.\nوذكر في كتاب الاستحسان وفي السير الكبير [أنه] إذا طلقها بلفظة الكناية، فرفع إلى قاض آخر يرى أن الكنايات رواجع، فقضى له بالرجعة، حل له أن يراجعها، وإن كان رأيه خلاف ذلك.\nفعلم أن هذا الاختلاف في غير رواية الأصل.\nفأما في ظاهر الرواية [فإنه] ينفذ من غير اختلاف.\nمحمد ﵀ يقول: أجمعنا أنه لو كان جاهلًا ينفذ فكذا إذا كان عالمًا؛ لأن القضاء ملزم في حق الناس كافة بخلاف الفتوى؛ لأنه ليس بملزم، فجاز أن يفترق الحال بينهما.\nوأبو يوسف يقول: هذا القضاء له، والقاضي مخطئ في هذا القضاء في زعمه، فلا يتمسك به، كما لو شهد شاهدان على رجل أنه قتل ولي هذا عمدًا، وقضى له القاضي عليه بالقود، والولي يعلم أن الشهود شهود زور، لا يحل له أني قتله؛ لما قلنا.\n\n[٦٤٢] قال:\nوكذلك لو أن رجلًا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثًا، نم تزوجها، فخاصمته إلى قاض لا يرى ذلك القول يعمل شيئًا، فأجاز النكاح، وأبطل الطلاق، ثم خاصمته إلى قاض آخر يرى أن الطلاق","vol":"3","page":116},{"text":"يعمل، فإن هذا القاضي الثاني ينبغي له أن ينفذ قضاء القاضي الأول ويمضيه.\nلأن هذه المسألة مختلفة بين العلماء، فكان قضاؤه في موضع الاجتهاد، فكان نافذًا بالإجماع، فالقاضي الثاني بالرد يكون مخالفًا للإجماع.\nوهل يحل للزوج المقام معها بهذا القضاء؟\nينظر:\nإن كان الرجل جاهلًا يسعه من غير شبهة.\nوإن كان عالمًا، فهو على الاختلاف الذي حكيناه آنفًا.\nهذا هو الكلام في جانب الرجل.\nأما الكلام في جانب المرأة، هل يسع المرأة المقام معه؟ فهو أيضًا على التفصيل.\nوروى عن أبي يوسف أنه قال في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فتزوج امرأة، وهو ممن لا يرى الطلاق واقعًا، فرفعته امرأته إلى قاض لا يرى ذلك الطلاق واقعًا، فقضى بصحة","vol":"3","page":117},{"text":"النكاح، ثم تحول الرجل عن رأيه، وصار ممن يرى ذلك الطلاق واقعًا، ثم تزوج امرأة أخرى، فإنه يمسك المرأة الأولى، ويفارق الثانية؛ لأن هذا القضاء له، لكن هذا القضاء ببطلان الطلاق في المرأة الأولى نفذ؛ لأنه وافق رايه، فكان في زعمه أن القاضي مصيب، والقضاء متى نفذ في محل الاجتهاد لا ينقض.\nأما في حق المرأة الثانية، فالقاضي ما قضى ببطلان الطلاق في حقها، فيبني الأمر على رأي نفسه.\nوكذا على هذا إذا أطلق امرأته ببعض ألفاظ الكنايات، ثم راجعها، فحاصمته امرأته، فرفعته إلى قاض آخر يرى ذلك الطلاق رجعيًا، فقضى بالرجعة، ثم رفعته بعد ذلك إلى قاض يرى ذلك بأننا، فإنه ينفذ القضاء الأول، ويمضيه؛ لما قلنا.\nوهل يحل للزوج المقام معها بهذا القضاء له؟\nينظر:\nإن كان جاهلًا يحل.\nوإن كان عالمًا فعلى الاختلاف الذي حكيناه آنفًا.\nوعلى هذا مسائل ذكرها:","vol":"3","page":118},{"text":"منها: السلم في الحيوان.\nومنها: طلاق المكره.\nومنها: القضاء بقول القافة.\nومنها: القضاء بالعتق في القرعة في إعتاق المريض عبدًا بغير عينه.\nومنها: القضاء برد المنكوحة بالعيوب الخمسة.\nفالقضاء في هذه المواضع ينفذ سواء قضى بالجواز أو بالرد؛ لأنه مجتهد فيه.\nفإذا رفع إلى قاض آخر فإنه ينفذ قضاء الأول ويمضيه.\n\n[٦٤٣] قال صاحب الكتاب:\nوكل ما قضى به قاض مما لم يخالف الكتاب والسنة، فرفع ذلك إلى قاض آخر يرى خلاف ذلك، فإنه ينفذه، ويحكم به.\nفإن كان بخلاف الكتاب والسنة أبطله، وليس ينفذ قضاء قاض","vol":"3","page":119},{"text":"خالف الكتاب والسنة بحديث شاذ.\nيريد بهذا: أن القاضي إذا اعتمد حديثًا شاذًا فقضى به، وكان هذا الحديث خلاف الكتاب لا ينفذ قضاؤه، ولكل قاض رفع إليه ذلك القضاء أن ينقضه؛ لأن الحديث الشاذ لا يجوز نسخ الكتاب به، فكان قضاؤه هذا مخالفًا للكتاب، فكان باطلًا.\nفأما إذا قضى بالسنة المتواترة، وكان ذلك مخالفًا للكتاب كان نافذًا.\nلأن نسخ الكتاب بالسنة المتواترة جائز.\n\n[٦٤٤] قال:\nوكذلك إذا قضى بالسنة المشهورة.\nلأن السنة المشهورة التي تلقتها العلماء بالقول والعمل بها مما يجوز نسخ الكتاب بها، نحو قوله ﵊:\n\"لا تنكح المرأة على عمتها\".","vol":"3","page":120},{"text":"وقوله ﵊:\n\"لا تنكح الأمة على الحرة\".","vol":"3","page":121},{"text":"فإذا قضى به ينفذ، بخلاف الشاذ [على ما قلنا قبل].\nوالله تعالى أعلم\n* * *","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>الباب الثاني والأربعون في القاضي ترفع إليه قضية قاض آخر مما لا يجب عليه انفاذها</span>\n[٦٤٥] قال:\nولو أن قاضيًا قضى قضي بشاهد ويمين، أو بقتل بقسامة أو ببيع أم الولد، ثم رفع [ذلك] إلى قاض آخر، فإن هذا مما لا ينبغي لهذا القاضي أن ينفذه.\nأما الأول فلأن هذا القضاء يخالف الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ الآية.\n[لأن] الله تعالى شرع فصل القضاء بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، فكان الفصل في القضاء بشاهد ويمين مخالفًا للكتاب.","vol":"3","page":123},{"text":"والحديث فيه شاذ لا يجوز العمل به على مخالفة كتاب الله تعالى، فلم يعتبر الاختلاف بيننا وبين الشافعي ﵀، وإنما اعتبر الاختلاف بين المتقدمين، والمراد من المتقدمين الصحابة -﵁م ومن كان معهم، ولم يقض أحد من المتقدمين بشاهد ويمين إلا مروان بن الحكم، وفعله مما لا يؤخذ به، فلا يكون هذا مجتهدًا.\nوأما الثاني وهو القتل بالقسامة، فيريد به أن القتيل إذا وجد في محلة، وبينه وبين أحد من أهل المحلة عداوة ظاهرة، والعهد قريب من حين الدخول في المحلة إلى أن يوجد قتيلًا، فعيّن ولي القتيل في","vol":"3","page":124},{"text":"المحلة رجلين إنهما قتلاه، وحلف على ذلك:\nفعند مالك ﵀ وهو قول الشافعي في القديم يقضي القاضي له بالقود.\nوعندنا لا يقضي بذلك.\nفإذا قضى به ثم رفع إلى قاض آخر ينقض هذا القضاء؛ لأن هذا القضاء يخالف الإجماع، لما أن مالكًا لم يكن موجودًا في الصحابة، فلا يكون قوله معتبرًا.\nوالدليل عليه: أن أول من قضى بالقود بالقسامة معاوية، فلم يكن مختلفًا بين الصحابة، فكان القضاء مخالفًا للإجماع، فكان للثاني أن ينقضه.\nوأما الثالث فما ذكر صاحب الكتاب من الجواب [فعلى] قول محمد.\nوأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف [رحمهما الله] فلا ينقض؛ لأن الصحابة اختلفوا في جواز بيعها، ثم أجمع المتأخرون على أنه لا يجوز.","vol":"3","page":125},{"text":"والصحابة متى اختلفوا في شيء، ثم أجمع التابعون على أحد القولين، فهل ينسخ الاختلاف الذي كان بين الصحابة بإجماع التابعين؟\nعندهما: لا [ينسخ].\nوعنده: ينسخ.\nفكان القضاء عندهما في محل الاجتهاد، فيكون نافذًا فلا يكون للثاني أن ينقضه.\nوعنده يخالف الإجماع، فكان للثاني أن ينقضه.\n\n[٦٤٦] قال:\nولو قضى قاض بمال بقسامة كان للقاضي الثاني أن يبطله ولا ينفذه.\nيريد به أن مال الإنسان إذا تلف في محله فقضى قاض بوجوب ضمان المال بالقسامة، وقاسه على النفس، فهذا القضاء باطل؛ لأنه مخالف","vol":"3","page":126},{"text":"للكتاب: قال الله تعالى:\n﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.\nوهذا القياس فاسد.\nلأن المال مبتدل، والنفس مستبدل، فكان هذا القضاء مخالفًا للإجماع، فكان باطلًا، فكان للثاني أن ينقضه.\n\n[٦٤٧] وكذلك متعة النساء في النكاح إلى أجل لو قضى بها ثم رفع إلى قاض آخر أبطل ذلك ولم ينفذه.\nلأن هذا لقضاء يخالف الإجماع؛ فإن الصحابة -﵁م أجمعوا على فساده، وصح رجوع ابن عباس عنه. وروي عن عائشة -﵁اأنها قالت:","vol":"3","page":127},{"text":"هي منسوخة نسختها آية الطلاق.\nوالعمل بالمنسوخ حرام، فلم يكن هذا القضاء نافذًا، فكان للثاني","vol":"3","page":128},{"text":"أن يبطله.\nوروي عن أبي يوسف أن القضاء بالمنعة نافذ.\nلكن هذا شاذ لا يعمل به.\nهذا في لفظ المتعة؛ بأن قال: أتمتع بك إلى أجل، فأما في لفظ النكاح، بأن قال تزوجتك إلى شهر، فعندنا يبطل النكاح، وعند زفر يصح النكاح، ويبطل الوقت. فكان هذا في موضع الاجتهاد.\nفإذا قضى القاضي به نفذ قضاؤه، فإذا رفع إلى قاض آخر كان عليه أن يمضيه.\n\n[٦٤٨] قال:\nولو أن رجلًا أعتق نصف عبده، أو نصف أمته، أو كانت أمة بين اثنين فاعتقها أحدهما وهو معدم، فقضى القاضي ببيع، ويبطل القضاء.\nلأن هذا القضاء مخالف لإجماع الصحابة؛ فإن الصحابة أجمعوا أنه لا يجوز استدامة الرق فيه لكن اختلفوا:\nقال بعضهم: يخرج إلى العتق بالسعاية، وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀.","vol":"3","page":129},{"text":"وقال بعضهم: يعتق كله، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد رحمهما الله.\nفكان هذا القضاء مخالفًا للإجماع فكان باطلًا، فعلى القاضي الثاني أن ينقضه.\n\n[٦٤٩] قال:\nولو أن قاضيًا قضى بخلاص في دار لإنسان، فاستحقت، فأخذه قاض بدار مثله، وحكم بذلك عليه، فإن هذا إذا رفع إلى آخر أبطله، ولم ينفذه.\nيريد به أن الإنسان يبيع داره من إنسان، ويضمن له الخلاص، أو غير البائع يضمن له الخلاص.\nوتفسير الخلاص: أنه لو جاء مستحق، واستحقها فهو ضامن للخلاص، يستخلص الدار من يد المستحق؛ إما بشراء، أو هبة، أو بوجه من الوجوه، فإذا ضمن الخلاص بهذه الصفة، ثم ظهر الاستحقاق، فرفع إلى قاض آخر يرى ذلك الضمان صحيحًا، فقضى عليه بتسليم الدار، ثم رفع إلى قاض آخر لا يرى ذلك الضمان صحيحًا، فإنه يبطله.\nلأن هذا الضمان باطل، فإنه شرط ما لا يقدر على الوفاء به، فلا يصح.\nفإذا قضى بصحته، كان قضاء بصحة الباطل؛ فلم يكن نافذًا.\nوهذا الذي ذكرنا من تفسير الضمان للخلاص قول أبي حنيفة","vol":"3","page":130},{"text":"﵀، وهو اختيار صاحب الكتاب.\nفأما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فتفسير ضمان الخلاص، والدرك والعهدة، واحد: وهو الرجوع بالثمن على البائع.\nوعند أبي حنيفة تفسير ضمان الخلاص ما بينّا، وتفسير ضمان العهدة، وضمان الصك القديم الذي عند البائع.\nفإن ضمان الخلاص، أو العهدة، أو الدرك، لما كان صحيحًا عندهما، ثم استحق المبيع من يد المشتري، كان له أن يأخذ الضامن عندهما، فمتى قضى قاض بصحة ذلك الضمان، وأثبت للمشتري حق الخصومة مع الكفيل، ينفذ هذا القضاء.\nفإذا رفع إلى قاض آخر ينفذه.\nفأما إذا ضمن الخلاص، وهو تسليم الدار إلى المشتري من يد المستحق كما هو مذهبه كان باطلًا، فإذا رفع إلى قاض آخر يبطله.\n\n[٦٥٠] قال:\nوكذلك قاض قضى بإبطال حق رجل في دار.\nوذلك أنه أقام [ثلاث] سنين لا يطلب حقه، فأبطل القاضي حقه من أجل ذلك، ثم رفع إلى قاضي آخر، فإنه يبطل قضاء القاضي","vol":"3","page":131},{"text":"بذلك، ويجعل الرجل على حقه في الدار.\nلأن بعض العلماء وإن قال بأن من له دعوى في دار في يدي رجل فلم يخاصم ثلاث سنين، وهو في المصر، فقد بطل حقه، لكن هذا القول مهجور، مخالف لقول الجمهور من العلماء والفقهاء في الأمصار، فكان خلافًا لا اختلافًا، والقضاء في موضع الخلاف لا ينفذ.\nفإذا رفع إلى قاض آخر كان له أن يبطله.\n\n[٦٥١] قال:\nولو أن زوجة رجل أو ابنته، عفت عن دم عمد، وهي وارثة المقتول، فأبطل ذلك قاض، وقضى بالقود للرجل، وقال: لا عفو للنساء، ثم رفع إلى قاض آخر قبل أن يقاد الرجل، فإنه ينفذ العفو ويبطل القود. و[يبطل] قضاء ذلك القاضي.\nلأن بعض العلماء وإن قال أنه لا حق للنساء في القصاص، فلا يصح عفوهن، لكن هذا قول مهجور، مخالف لقول الجمهور، ومخالف للكتاب، قال الله تعالى:","vol":"3","page":132},{"text":"\"ولهن الربع مما تركتم …﴾ الآية.\nأثبت لها الحق في ربع المتروك من غير فصل، فكان هذا القضاء باطلًا، فكان للثاني أن يبطله.\nوإن كان الرجل قد أقيد وقتل، فإن هذا القاضي الثاني لا ينبغي له أن يحكم في ذلك بشيء، ويترك الأمر فيه بحاله هكذا ذكر ههنا.\nوهذا غير سديد.\nلكن السديد أنه ينظر:\nإن كان عالمًا، يجب القصاص؛ لأنه قتل شخًا محقون الدم.\nوإن كان جاهلًا تجب الدية.\nهكذا ذكر في كتاب الديات فقال:\nإن كان الدم بين اثنين، فعفا أحدهما، ثم قتل الآخر، قال: إن كان جاهلًا تجب عليه الدية، وإن كان عالمًا يجب القصاص عليه.\n\n[٦٥٢] ولو أن قاضيًا قضى برد أمة أو عد اشتراه المشتري، وقبض، ونقد الثمن، فأصابه عنده لم، فرده القاضي على البائع بذلك بغير إقرار من البائع، ولا بينة شهدت عليه، ثم رفع إلى قاض آخر، أبطل ذلك، ولم ينفذه.","vol":"3","page":133},{"text":"لأن بعض العلماء وإن قال بان المشتري إذا جن في يد المشتري له حق الرد؛ لأن الجنون إنما يكون لنقصان يتمكن في أصل الخلقة، فإذا وجد في يد المشتري يستدل به على أنه كان ذلك النقصان في يد البائع، لكن هذا القول مهجور، فلا يعتبر بمقابلة قول الجمهور من العلماء.\nفإذا قضى القاضي بذلك كان هذا القضاء مخالفًا للإجماع، فكان للآخر أن يرده.\n\n[٦٥٣] قال:\nوكذلك امرأة بلغت ولها زوج، فتصرفت في مال نفسها؛ بأن أعتقت رقيقًا لها، أو أقرت بدين، أو أوصت بوصايا، بغير رضى زوجها، فأبى ذلك، فرفعها إلى القاضي، فأبطل فعلها، ثم ارتفعوا إلى قاض آخر، فإنه يبطل حكم ذلك القاضي، وينفذ ما صنعت المرأة من ذلك.\nلأن بعض العلماء وإن قال أن تصرف المرأة لا ينفذ من غير رضى زوجها؛ لأنها بعقد النكاح صارت مرقوقة للزوج، لكن هذا قول مهجور لا يعتبر بمقابلة قول الجمهور من العلماء، وبمقابلة الكتاب، وهو قوله تعالى:\n﴿فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ الآية.\nفالله تعالى حكم عليها بصحة الوصية من غير اعتبار إذن الزوج.","vol":"3","page":134},{"text":"فإذا قضى القاضي بذلك لم ينفذ القضاء، فكان للقاضي الثاني أن يبطله.\n\n[٦٥٤] قال:\nوكذلك لو أن امرأة طلقها زوجها قبل الدخول بها، وقد كانت قبضت منه المهر، وتجهزت به، فقضى القاضي للزوج بنصف الجهاز، ثم رفع إلى قاض آخر، فإنه يبطل ذلك القضاء؛ لأن بعض العلماء وإن قال للزوج نصف الجهاز؛ لأن في العادة المرأة إنما تأخذ المهر لتتجهز به، فجعل ذلك بمنزلة أن الزوج هو الذي فعل ذلك بنفسه، لكن هذا قول مهجور، فلا يعتبر بمقابلة قول الجمهور من العلماء والكتاب، وهو قوله تعالى:\n﴿فنصف ما فرضتم ..﴾.\nفالله تعالى أوجب نصف المفروض بالطلاق قبل الدخول، والمفروض هو المسمى في العقد، والجهاز ما كان مسمى في العقد، فلا يتصف، فإذا قضى القاضي بذلك بطل قضاؤه.\nولو رفع إلى قاض آخر كان له أن يبطله، ويقضي عليها بنصف المفروض.","vol":"3","page":135},{"text":"[٦٥٥] قال:\nوكذلك لو أن قاضيًا قضى بشهادة رجل يشهد على خط أبيه، أو أبطل مهرًا بغير بينة، ولا إقرار، فإن هذا باطل، لا ينفذ حكم هذا القاضي بذلك.\nلأن بعض العلماء وإن قال بجواز الشهادة على خط أبيه، وصورته: إن الرجل إذا مات فوجد ابنه خط أبيه في صك علم يقينًا أنه خط أبيه، فإنه يشهد بذلك الصك، لأن الابن خليفة الميت في جميع الأشياء، لكن هذا قول مهجور، فلا يعتبر بمقابلة قول الجمهور من العلماء والكتاب وهو قوله تعالى:\n﴿ألا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾.\nوهو لا يعلم.\nفإذا قضى القاضي بذلك كان هذا القضاء باطلًا، فإذا رفع إلى قاض آخر كان له أن ينقضه.\nوكذا قال بعض العلماء، وإن بطل حقها في المهر.","vol":"3","page":136},{"text":"وصورته: وهو أن المرأة متى لم تخاصم زوجها في المفروض حتى مضت مدة طويلة، ثم خاصمت يبطل حقها في الصداق، فالقاضي لا يلتفت إلى خصومتها، لكن هذا القول مهجور [فلا يعتبر بمقالة قول الجمهور]؛ لأنه ينبني على المسألة التي تقدمت من القضاء بإبطال حق الإنسان في الدار بسبب تأخير الخصومة وقد ذكرنا ذلك.\nكذلك رجل طلق امرأته ثلاثًا، وهي حبلى، أو حائض، أو قبل أن يدخل بها، فقضى قاض بإبطال ذلك، أو أبطل بعضه، فرفع إلى قاض آخر لا يرى ذلك، فإنه يبطل ما قضى به القاضي في ذلك وينفذه على الزوج ما كان منه.\nلأن على قول أهل الزيغ إذا أوقع الثلاث في حال الحيض، أو في طهر جامعها في -إن كان- لا يقع أصلًا.","vol":"3","page":137},{"text":"وعلى قول الحسن البصري: إذا أوقع الثلاث -إن كان- يقع واحدة.\nلكن كلا القولين باطل.\nلأنه مخالف للكتاب: قال الله تعالى:\n﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ الآية من غير فصل، والمراد به الطلقة الثالثة.\nفمن قال لا يقع شيء، أو تقع واحدة، فقد أثبت الحل للزوج الأول بدون الزوج الثاني، وهو مخالف للكتاب.\nفإذا قضى القاضي به لا ينفذ.\nإذا رفع إلى قاض آخر كان له أن يبطله.\n\n[٦٥٦] قال:\nولو أن قاضيًا ضرب [رجلًا] حدا في تعريض أبطلت الحد على المضروب، وأطلقت شهادته.\nلأن هذه المسألة، وإن كانت مختلفًا فيها بين عمر وعلي رضي","vol":"3","page":138},{"text":"الله عنهما، وصورتها: أن الرجلين إذا تخاصما فقال أحدهما: أما أنا فلست بزان، فعند عمر -﵁- يحدّ، وعند علي -﵁- لا يحد.\nلكن قول عمر ههنا مهجور؛ لأنه مخالف للكتاب، فإن الحد في الكتاب معلق بالرمي، قال الله تعالى:\n﴿والذين يرمون المحصنات …﴾.\nوالرمي لم يوجد، فلم ينفذ القضاء.\nفمتى رفع إلى قاض آخر يرى ذلك القضاء باطلًا، فإنه ينقض قضاء الأول، ويجعل المحدود جائز الشهادة.\n\n[٦٥٧] قال:\nولو أن قاضيًا قضى في العنين، بأن لا يؤجل العنين حولًا، ثم رفع إلى قاض آخر، فإنه يبطل هذا القضاء، ويؤجل العنين حولًا.\nلأن عند بعض العلماء، وإن كان لا يؤجل العنين، لكن هذا فول مهجور لا يعتبر بمقابلة الجمهور من العلماء، ثم ينفذ، فإذا","vol":"3","page":139},{"text":"رفع إلى قاض آخر، كان له أن يبطله.\nثم القاضي إذا قضى في حادثة لا يوجد فيها نص من الكتاب، ولا من الأخبار، ونقل فيها قول عن المتقدمين، فهذا على وجهين:\nإما أن نقل فيها قول من المتقدمين: أنهم كانوا على ذلك القول لكن من غير إجماع؛ بأن لم يبلغ الباقين، ثم عن واحدًا من المتأخرين قال فيها قولًا مخالفًا لقول المتقدمين، فقضى قاض بقول هذا المتأخر نفذ قضاؤه لأن الناس يتفاوتون في حدة الخاطر، فتصير المسألة مختلفة، فمتى قضى القاضي فيها بقول المتأخر فقد قضى في محل الاجتهاد والاختلاف، فنفذ قضاؤه.\nأما إن نقل فيها اختلاف بين المتقدمين على قولين، فقضى القاضي فيها بقول ثالث، فهذا على وجهين:\nإما أن يكون ما قضى به خلاف علماء زمانه، أو يوافق قول علماء زمانه.","vol":"3","page":140},{"text":"ففي الوجه الأول: لا ينفذ قضاؤه بالإجماع.\nوفي الوجه الثاني: اختلفوا فيه:\nقلل بعضهم: ينفذ، وإليه مال صاحب الكتاب.\nوقال بعضهم: لا ينفذ، وإليه القاضي الإمام عليّ السغدي، والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي.\nوهذه مسألة أصولية، وهي أن أهل العصر إذا اجتمعوا على شيء وانقرضوا، ثم خالفهم من بعدهم من العلماء، واتفقوا على قول خلاف ما اتفق عليه المتقدمون، هل يعتبر هذا؟\nمنهم من قال: يعتبر، وإليه مال صاحب الكتاب.\nومنهم من قال: لا [يعتبر]، وإليه مالا.\nوهو الصحيح.\nووجه البناء على هذه المسألة أن المتقدمين لما اختلفوا على هذين القولين، وتناظروا، فأتى كل واحد منهم بالدلائل والحجج، فقر أجمعوا على أنه ليس ههنا قول ثالث، فصار كما لو أجمعوا على قول واحد.\nولو أجمعوا على قول واحد، ثم أجمع من بعدهم على خلاف ذلك،","vol":"3","page":141},{"text":"كانت المسألة مختلفة، فكذا ههنا، بخلاف الوجه الأول من المسألة.\nلأن في ذلك الوجه نقل عن المتقدمين أنهم كانوا على هذا القول، وما تناظروا، وما أجمعوا على انعدام قول آخر، فإذا ظهر قول بخلاف ذلك القول من المتأخرين صارت الحادثة مختلفة، فإذا قضى القاضي بأحد القولين كان القضاء في محل الاجتهاد فنفذ.\n\n[٦٥٨] قال:\nأن رجلًا له على رجل مال، وطالبه به، فقال له: إن لم أقض مالك اليوم فامرأتي طالق ثلاثًا، أو قال: فعبدي حر، فتغيب عنه الطالب، فخشى المطلوب أن يحنث، وأتى الحاكم بالمال، وأخيره بالقضية، فنصب له القاضي وكيلًا، وأمره بقبض المال للطالب، وحكم بذلك ثم رفع إلى حاكم آخر:\nقال أبو يوسف: لا يجوز هذا.\nوهذا قولهم جميعًا، وإن خص [بالذكر] قول أبي يوسف.","vol":"3","page":142},{"text":"وذكر الناطفي في الواقعات وقال:\nذكر في كتاب الحسن بن زياد أن القاضي ينصب وكيلًا عن الغائب، ويقبض ما عليه ولا يحنث.\nقال الناطفي: وعليه الفتوى.\nوكذلك لو قدم رجل رجلًا إلى القاضي فقال: لأبي على هذا الرجل ألف درهم، وأبي غائب، وأخاف أن يتوارى هذا، فرأى القاضي أن يجعله وكيلًا لأبيه، فجعله وكيلًا لأبيه، وقبل بينته على المال، وحكم بذلك، ثم رفع إلى قاض آخر، فإنه لا يجيزه.\nلأن هذا ليس بقضاء على الغالب.\nأما في الفصل الأول فلأن القضاء على الغائب إنما يكون إذا قامت البينة، وادعى حقًا على الغائب، فحينئذ تكون المسألة مختلفة.\nفعندنا لا ينصبّ القاضي عنه وكيلا.","vol":"3","page":143},{"text":"وعند بعض العلماء ينصب.\nوهذا لم يحضر البينة، ولم يدع على الغائب شيئًا، فلا يكون قضاء على الغائب.\nلكن هذا تكلف تحرزًا على الحنث.\nوأما في الفصل الثاني فكذلك.\nإلا أنه أخبر أن للغائب على الحاضر حقًا، وهو ليس بخصم عن الغائب، إنما هو تكلف فضولي.\nفرق بين هذا وبين المفقود؛ فإن ثمة القاضي يجعل ابن المفقود وكيلًا في طلب حقوقه.\nوالفرق: أن المفقود كالميت، فكان للقاضي بُسوطَةُ يد في ماله. فإنما يجعله وكيلًا لبسوطة يده في ماله، لا لأنه ابنه.\nوهذا المعنى معدوم ههنا.\nوذكر في بعض النسخ:","vol":"3","page":144},{"text":"وقد قال بعض الناس ذلك.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: أراه بذلك الفصل الأول، وهو فصل اليمين؛ فإنه [روى عن محمد ما يقارب الفصل الأول، وهو فصل اليمين؛ فإنه] روي عنه أن رجلًا لو جاء إلى قاضي، فقال: أيها القاضي؛ إن لفلان كان عليّ كذا من المال، وقد أوفيته، وإنه في بلد كذا، وإني أريد أن أقدم تلك البلدة، وأخاف أن يجحد؛ فيأخذني بذلك الحق، فاسمع من شهودي هذا، واكتب لي حجة، حتى لو خاصمني تكون حجة لي، فالقاضي يسمع منه، ويجعل عن الغائب خصمًا، كذا قال محمد ﵀.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني.\nوهذا يقارب الفصل الأول، وهو فصل اليمين الذي ذكر ههنا،","vol":"3","page":145},{"text":"فيكون قوله ثمة قولًا ههنا.\nوقد قال بعض الناس هذا القول أيضًا في فصل اليمن نصًا.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-267>الباب الثالث والأربعون في من يقضي بين الناس زمانًا ثم يعلم أنه ممن لا يجوز قضاؤه</span>\n[٦٥٩] قال:\nولو أن قاضيًا قضى بين الناس زمانًا، ثم علم أنه عبد، أو ذمي، أو محدود في قذف أو فاسق، أو أعمى، أو مرتش في الحكم قد ولي، فإن قضاياه ترد، ولا ينفذ منها شيء.\nأما العبد: فلأنه ليس بأهل للشهادة أصلًا؛ فلأن لا يكون أهلًا للقضاء أولى.\nوأما الذمي: فلأنه ليس من أهل الشهادة على المسلم أصلًا، فلأن لا يكون من أهل القضاء بطريق الأولى.\nوأما المحدود في القذف: فلأنه ليس من أهل أداء الشهادة؛ فإن شهادته لا تقبل، وإن كان من أهل أصل الشهادة؛ حتى ينعقد النكاح","vol":"3","page":147},{"text":"بشهادته، فلا يكون من أهل القضاء.\n[لأن القضاء ينبني على قول مقبول\nوأما الأعمى: فلأنه ليس بأهل لأداء الشهادة أيضًا؛ حتى لا تقبل شهادته، فلا يكون من أهل القضاء].\nأما الفاسق والمرتشي: فقد سوى في الكتاب بينهما وبين العبد والذمي والمحدود في القذف والأعمى، وهو رأي صاحب الكتاب، واختيار الطحاوي، أن الفاسق إذا قلد القضاء لا يصير قاضيًا، والقاضي إذا فسق ينعزل.\nوقال الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد:","vol":"3","page":148},{"text":"إني أحفظ عن أصحابنا المتقدمين رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ أن القاضي إذا فسق ينعزل، لكني أدع هذه الرواية، ولا أخالف أصحابي، وأقول بعزله، لكن ما لم يعزل فهو قاضٍ.\nومنهم من فصل فقال: إذا قلد الفاسق يصير قاضيًا، وإذا قلد العدل ثم فسق ينعزل.\nومنهم من قال: إن كان القاضي مرتزقًا من بيت المال ينعزل بالفسق، وإن لم يكن مرتزقًا من بيت المال لا ينعزل، لكن يعزل.\nوالصحيح ما عليه عامة المشايخ: أنه ييصير قاضيًا، وإذا فسق لا ينعزل؛ وكذا إذا ارتشى لا ينعزل، وينفذ قضاؤه إلا فيما ارتشى، فإنه","vol":"3","page":149},{"text":"لا ينفذ حكمه فيه؛ لما قلنا أنه مستأجر على القضاء، والاستئجار على القضاء لا يجوز.\n\n[٦٦٠] قال:\nولو أن امرأة استقضيت، فقضت بقضايا، جاز حكمها في كل شيء حكيت به إلا في الحدود والقصاص.\nلأنها ليست من أهل الشهادة في الحدود، والقصاص فلا تكون من أهل القضاء في الحدود والقصاص، فبنى صاحب الكتاب القضاء على الشهادة.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-268>الباب الرابع والأربعون في موت الخليفة وله قضاة أو عزل قاضيًا</span>\n[٦٦١] قال:\nولو أن خليفة مات، أو خلع، وولي غيره، بأن أجمع الناس على خلعه والاستبدال به، ولليت، أو للمخلوع قضاة قد كان ولاهم، فإن القضاء على حالهم، أحكامهم نافذة على ما كانت، وأمورهم جائزة.\nقال صاحب الكتاب: لأنهم قوام المسلمين، جعلوا لمصالحهم، وليسوا هم ولاة له في شيء [في] خاص أمره.\nيريد به أن القضاة يعملون للمسلمين، لا يعملون له، والخليفة نائب عن المسلمين في تقليد هؤلاء، والمسلمون على حالهم، فلا ينعزل القاضي بموت النائب.\nوكذلك والي مدينة لو مات وله عمال لا ينعزلون حتى يستبدلوا.","vol":"3","page":151},{"text":"لأنهم نصبوا لمصالح أهل المدينة، فكان نائبًا عنهم.\nوعلى هذا قيم الوقف إذا آجر شيئًا من الوقف ثم مات، لا تبطل الإجارة.\nلأن القيم نائب عن الاوقاف، والاوقاف على حالها، فلا يبطل العقد بموت النائب.\n\n[٦٦٢] قال:\nولو أن الخليفة عزل قاضيًا من قضائه، فقضى ذلك الرجل بقضايا قبل أن يصل إليه كتاب عزله، كان قضاؤه نافذًا ماضيًا، وله أن يحكم الىن يصل إليه كتاب عزله، أو يقدم قاض مكانه.\nلأن الخطاب من الشرع انما يثبت حكمه في حق المخاطب إذا بلغه.\nأصله قضية أهل قباء.","vol":"3","page":152},{"text":"فكذا الخطاب من العبد، مالم يبلغ لا ينعزل، والبلوغ بالعلم. وكذلك على هذا إذا عزل الوكيل، او حجر على عبده المأذون لا ينعزل الوكيل والعبد قبل العلم.\nواستشهد صاحب الكتاب بالإمام الذي يجمع بالناس فانه قال:\nألا ترى اني والي الصلاة إذا عزل فلم يقدم وال مكانه فانه يجمع بالناس الىن يقدم الوالي عليه.\nكذا استشهد.\nوفي مسألة الاستشهاد، وان علم لا ينعزل مالم يقدم عليه وال آخر.\nواختلف المتأخرون [فيه]:\nمنهم من قال: بان في القاضي وان علم بعزله لا ينعزل مالم يقدم قاض آخر.","vol":"3","page":153},{"text":"لكن هذا خلاف ما نص عليه صاحب الكتاب، فانه قال: وله ان يحكم الىن يصل إليه كتاب عزله، او يقدم قاض مكانه.\nومنهم من فرق.\nووجه الفرق: ان الجمعة مؤقتة، فلو لم يجمع بالناس بعد العلم تفوتهم الجمعة. فأما في القاضي فليس ههنا شيء مؤقت يفوت بفوات الوقت.\nفإذا علم بعزله بكتاب او بخبر ينعزل.\nومنهم من فرق فقال:\nهذا شيء ينبغي على المنشور؛ فان كان في منشور القاضي الثاني: فإذا أتاك كتابي فقد عزلتك، لا ينعزل الاول ما لم يقدم الثاني ويصل إليه الكتاب.\nلان العزل معلق بشرط، فما لم يوجد الشرط لا يثبت العزل.\nوان كان المكتوب في المنشور: انا كنا عزلناك، فمتى علم بعزل نفسه ينعزل.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>الباب الخامس والاربعون في الخوارج يولون قاضيًا</span>\n[٦٦٣] ولو ان قومًا من الخوارج اوأهل التأويل غلبوا على المدينة، او مصر من أمصار المسلمين، حتى نفذت أمورهم، وجازت أحكامهم في البلدة، ثم ولوا قاضيًا، فهذا على وجهين:\nأما ان ولوا قاضيًا من الخوارج.\nاو من أهل العدل.\nففي الوجه الاول لا ينفذ شيء من قضاياه، حتى لو رفع ذلك الى قاض آخر من أهل العدل أبطله.\nلان ما يفعله قاضي الخوارج وأهل التأويل لا يفعله على وجه الحكم، وانما يفعله على وجه الاستحلال؛ فانهم يستحلون دماءنا وأموالنا، فلم يكن ذلك على وجه الحكم، فلا ينفذ، وان كان موافقًا للشريعة.\nوكذلك لو كتب هذا القاضي الى قاضي أهل السنة والجماعة في حق لرجل على رجل، فانه لا يقضي به.\nلان لو قضى بنفسه لا ينفذ، فأولىن لا يقضي بكتابه.","vol":"3","page":155},{"text":"وفي الوجه الثاني ينفذ قضاؤه حتى لو ظهر أهل العدل فرفع الى قاضي أهل العدل ينفذه.\nلان ما يفعله يفعله على وجه الحكم؛ ألا انهانما يتقوى على تنفيذ الحكم بالخوارج، وحكم القاضي [ينفذ] سواء كان تنفيذه بقوة أهل العدل، او بقوة أهل الظلم.\n\n[٦٦٤] قال:\nولا ينبغي لهذا القاضي ان يقضي بينهم إلا بالحق عنده.\nلان القاضي بغير الحق ليس بقضاء.\nوسيأتي بعض هذه المسائل في السير الصغير في باب الخوارج.\n\n[٦٦٥] قال:\nولا ينبغي له ان يقضي لإنسان بشهادة الخوارج.\nلانه لا يجوز قضاؤهم، فلا تجوز شهادتهم.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-270>الباب السادس والاربعون في القاضي يستخلف رجلًا وما يجوز له من ذلك</span>\n[٦٦٦] قال:\nولو ان قاضيًا استخلف رجلًا، فقضى بين الناس، لم يجز ذلك. لان الخليفة انما فوض التصرف اليه برأيه لا برأي غيره، فلا يكون له ان يستخلف؛ كالوكيل بالبيع إذا وكل رجلًا آخر، لا يجوز هذا التوكيل.\nفان كان الخليفة أمر القاضي ان يستخلف خليفة بحكم، وأمر القاضي رجلًا ان يحكم بين الناس فذلك جائز.\nلانه فوض التصرف إليه على العموم، فكان له ان يستخلف؛ كالموكل إذا قال للوكيل: ما صنعت من شيء فهو جائز، يجوز له ان يوكل؛ لما قلنا.\n\n[٦٦٧] قال:\nولو ان الخليفة أمر القاضي ان يستخلف رجلًا يسمع من الخصوم، ويثبتوا عنده البينة، ويكتب الإقرار، ولا يقطع حكمًا، فأمر القاضي رجلًا يقوم بذلك لا يجاوز ذلك، فان لهذا الرجل ان يسمع من","vol":"3","page":157},{"text":"الشهود، ويكتب من أقر عنده، ويسأل عن الشهود، ثم ينهي ذلك الى القاضي، فيكون القاضي هو الذي يحكم، بعد ان يعرف صحة ذلك.\nلان الخليفة لو أمر القاضي بنفسه ان يسمع البينة، ويكتب الإقرار، ولا يحكم، بل يرفع الأمر الى الخليفة، حتى يقضي به الخليفة، كان صحيحًا، ويتقيد الأمر بهذه الصفة، ولا يكون له ان يقضي.\nفإذا كان هو بنفسه لو سمع البينة لا يقضي إذا كان أمر الخليفة بهذه الصفة، فكذا في حق الخليفة، لا يقضي لكن يرفع الامر الى القاضي.\nفإذا رفع فالقاضي لا يقضي بتلك البينة، لكن يأمر ان يدعو بالمدعي، وبالمدعى عليه، وبالشهود، فيعيدوا الشهادة عليه، بحضرة المدعى والمدعى عليه.\nفإذا صحت الشهادة عنده قضى بتلك الشهادة.\nوهذا فصل غفل الناس عنه؛ فان نائب القاضي يسمع البينة، ويكتب الإقرار، ويبعث الى القاضي، والقاضي يقضي بذلك.\nولا ينبغي له ان يقضي بتلك البينة، بل عليه ان يكلفه اعادة البينة بين يديه.\nوهذا، لان الخليفة هو الذي سمع البينة، ومع هذا لم يكن له","vol":"3","page":158},{"text":"ان يقضي.\nفإذا كان من يسمع البينة لا يستفيد ولاية الحكم بتلك البينة، فمن لم يسمع كيف يستفيد. فيكلفهم اعادة البينة عنده، وكذلك الإقرار بحضرة المقر والمقر له، حتى يقر عنده بالحق، ثم يحكم به بعد ذلك.\n\n[٦٦٨] قال:\nوان كان الشهود شهدوا عند خليفته بالحق للمدعي، ثم ماتوا بعد ذلك، او غابوا، فأعلمه خليفته انهم شهدوا عنده على كذا وكذا، لم يقبل ذلك، ولم يحكم به، حتى يعيدوا الشهادة عنده.\nوكذا الإقرار؛ ان كان المدعى عليه قبله أقر بشيء عند خليفته، ثم جحد بعد ذلك، فاخبره خليفته انه اقر لهذا بكذا وكذا، وهو يجحد ذلك، لم يقبل القاضي ذلك.\nلان من سمع هذه البينة وهذا الإقرار لم يستفد ولاية الحكم بتلك البينة وبذلك الإقرار، فمن لم يسمع كاناولى. الا ان يأتي خليفته فيشهد على إقراره، ويشهد معه غيره، فيقبل ذلك على طريق الشهادة.\nلانه لو شهد على إقراره غير خليفته مع شاهد آخر تقبل، فخليفته اولى.","vol":"3","page":159},{"text":"[٦٦٩] قال:\nولو ان قاضيًا استحلف رجلًا، ولم يجعل الامام ذلك اليه، فحكم خليفته القاضي بشيء، لم يجز ذلك؛ لما قلنا، فان أجازه القاضي وانفذه فهذا على وجهين:\nاما ان يكون الخليفة من أهل القضاء.\nاو لم يكن؛ بان كان عبدًا، او ذميًا، او صبيًا، او مجنونًا.\nففي الوجه الاول: جاز عندنا.\nوعند زفر: لا يجوز.\nوهذا بناء على ان الوكيل إذا وكل غيره بالتصرف، ولم يكن مأذونًا فيه، فتصرف الوكيل الثاني، فرفع الى الاول، واجاز الاول، جاز عندنا، وعند زفر لا يجوز، فكذا هذا.\nوفي الوجه الثاني: لا يجوز.\nلان في الوجه الثاني لو أجاز شهادة هؤلاء لا تجوز فالقضاء اولى.\n\n[٦٧٠] قال:\nولو ان المرأة استقضت، فحكمت بأشياء جاز حكمها في كل شيء حكمت به الا في الحدود والقصاص.\nاعتبارًا لقضاء بالشهادة.\nوالله أعلم","vol":"3","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-271>الباب السابع والاربعون في القاضي يعزل فيطالب بشيء مما كانفعله</span>\n[٦٧١] قال:\nولو ان قاضيًا عزل عن القضاء، فقدمه رجل الى القاضي الذي ولى بعده، فقال: ان هذا قتل ابني فلانا وهو قاض او فعل به ما ذكر في الكتاب، وانه فعل ذلك ظلمًا، وقال القاضي المعزول: انما قضيت له ببينة قامت عندي على ذلك، اوإقرار وجد من الخصم، فان القول في ذلك كله قول القاضي، ولا ضمان على القاضي، ولا يمين عليه.\nاما لا ضمان عليه فلوجهين:\nاحدهما: ان القاضي اضاف فعله الى حالة معهودة تنافي تلك الحالة وجوب الضمان، فيكون هذا انكارًا للضمان اصلًا، فيكون القول قوله؛ كالصبي إذا قال: طلقت امرأتي، او اعتقت عبدي في حالة الصبا، يقبل قوله، ولا يقع الطلاق والعتاق، كذا هنا.","vol":"3","page":161},{"text":"والثاني: ان القاضي أمين، ومن ضرورة كونه أمينًا ان يكون قوله مقبولًا.\nواما لا يمين عليه فلانهما اتفقا انه فعل وهو قاض، فصار الثابت باتفاقهما كالثابت معاينة.\nولو عاينا انه فعل وهو قاض، وادعى انه فعله بحق كان القول قوله، ولا يمين عليه، فكذا إذا ثبت ذلك باتفاقهما.\n\n[٦٧٢] قال:\nوكذلك لو حضر [القاضي] الذي قال القاضي: اني حكمت له بالمال فقال: ما حكمت لي على هذا بشيء او قال: ما اقر هذا لي عندك بشيء، او قال: ما أقمت عليه بينة عندك، ولا دفعت الي شيئًا، ولا أخذت من هذا شيئًا، فالقول قول اقاضي، ولا ضمان عليه\nلما قلنا من هذين الوجهين.\nوهذا كله إذا كان ذلك الشيء مستهلكًا.\nفان كان قائمًا في يد المقضي له، فقال المقضي عليه ان القاضي المعزول، اخذ هذا مني بغير حق، ودفعه الى هذا الآخر، وقال القاضي المعزول: بل فعلت ذلك ببينة قامت عندي على ذلك، او بإقرارك، لا ضمان على القاضي المعزول بكل حال.\nلما قلنا من الوجهين.\nوهل ينتزع من يد المقضي له؟ فهو على وجهين:","vol":"3","page":162},{"text":"اما ان صدق المقضي له القاضي المعزول في ما يقول.\nاو كذب، ويقول: المال مالي، لم آخذ من هذا ولا حكم لي به هذا القاضي المعزول على هذا الرجل.\nففي الوجه الاول: ينزع من يده، ويدفع الى المقضي عليه، حتى يقيم المقضي له بينة تشهد ان القاضي المعزول، كان حكم بذلك؛ لانهم تصادقوا ان العين وصل الى يده من يد المقضي عليه، وان اليد كانت له، ثم المقضي له ادعى التملك، وهو ينكر، فيؤمر بالتسليم اليه، حتى يقيم البينة على ما يدعي.\nوقول القاضي المعزول في الحال مقبول، في دفع الضمان عن نفسه، لا في الزام الحكم على الغير.\nوفي الوجه الثاني: القول قول صاحب اليد؛ لان المال في يده، واليد دليل الملك، حتى يقوم الدليل على غير ذلك.\n\n[٦٧٣] قال:\nوما حكم به القاضي فاخطأ فيه فهو على وجهين:\nاما ان ظهر خطؤه في حقوق الله تعالى؛ بان قضى في حد الزنى،","vol":"3","page":163},{"text":"والسرقة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، ثم ظهر ان الشهود عبيد. او ظهر خطؤه في حقوق العباد.\nففي الوجه الاول: كان ضمان ذلك في بيت المال.\nلان القاضي عامل لجماعة المسلمين، فان منفعة استيفاء الحدود لجماعة المسلمين.\nفإذا ظهر الخطأ كان الضمان على المسلمين، وبيت المال مال المسلمين، فيكون الضمان واجبًا فيه.\nوفي الوجه الثاني: المسألة على وجهين:\nاما ان كان خطأ يمكن رده؛ بان قضى بمال، او بضيعة، او بدار، او بطلاق، او بعتاق، ثم ظهر الشهود عبيد، او محدودون في قذف.\nاو [خطأ] لا يمكن رده؛ بان قضى بالقصاص، واستوفى القصاص، ثم ظهر ان الشهود عبيد، او محدودون في القذف.\nففي الوجه الاول من هذا الوجه: يؤخذ ذلك من المقضي له، ويرد الىلمقضي عليه.","vol":"3","page":164},{"text":"وفي الوجه الثاني من هذا الوجه: تجب الدية على المقضي له في ماله؛ لان القاضي عامل للمقضي له، فكان غنم القضاء له، فيكون الغرم عليه؛ لان الغرم يقابل الغنم.\nوهذا كله إذا اخطأ القاضي.\nفأما إذا تعمد، وأقر انه تعمد، كان الضمان عليه؛ لانه أقر بالجناية، وجناية القاضي تكون سببًا لوجوب الضمان عليه، ويصير به فاسقًا، فيعزل ان أقر به وهو قاض.\nوكذلك القاضي إذا أقر انه على هذا الرجل بقضية جورا، او أقر بأخذ رشوة في الحكم، فان أقر وهو قاض يغرم ويصير فاسقًا، فيعزل، ولا ينقض تلك القضية؛ [لانه لا يصدق على ذلك].\nوان أقر وهو معزول يغرم، ويصير فاسقًا، ولا ينقض تلك","vol":"3","page":165},{"text":"القضية].\nلما قلنا.\n[لانه لا يصدق في ابطال حق المقضي له].\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>الباب الثامن والاربعون في القاضي يقضي بالقضاء ثم يرى بعد ذلك خلافه</span>\n[٦٧٤] ذكر عن الشعبي، قال:\nكان رسول الله -ﷺ- يقضي بالقضاء ثم ينزل القران يغير الذي قضى، فلا يرد قضاءه، ويستأنف.\nفي الحديث دليل على ان رسول الله -ﷺ- في مثل هذا كان لا ينتظر الوحي، لكن يقضي برأيه فيصير ذلك شريعة. فإذا نزل القران بخلافه يصير ناسخًا لتلك الشريعة، فكان يعمل بالناسخ في المستقبل.\nفهذا دليل على ان القاضي إذا قضى بالاجتهاد في حادثة ليس فيها كتاب ولا سنة، ثم تحول عن رأيه فانه يقضي في المستقبل بما هو أحسن","vol":"3","page":167},{"text":"عنده ولا ينقض ذلك القاضي الذي كان منه، برأيه الاول.\nلان حدوث الرأي الثاني بمقابلة الرأي الاول دون نزول القران في مقابلة الاجتهاد بالرأي، وثمة لم ينقض الذي قضى بالراي بالقران الذي نزل بعده، فها هنا اولى.\nفرق بين هذا وبين القاضي إذا قضى باجتهاد في حادثة، ثم تبين النص بخلاف ذلك، فانه ينقض ذلك القاضي. ورسول الله -ﷺ- قضى باجتهاد في حادثة، ونزل القران بخلافه، ومع ذلك لم ينقض قضاءه الاول.\nوالفرق ان القاضي حال ما قضى باجتهاد، فالنص الذي هو مخالف لاجتهاده موجود، الا انه خفي عليه فكان الاجتهاد في محل النص، فلم يصح.\nفأما في حق النبي -ﷺ- فحال ما قضى باجتهاده كان الاجتهاد في محل لا نص فيه، فصح، وصار ذلك شريعة، فإذا نزل القران بخلافه صار ناسخًا لتلك الشريعة.\nوالى هذا الفرق أشار أبو يوسف -﵀- في حديث شريح بعد هذا.\n\n[٦٧٥] وذكر عن شريح: انه كان يقضي بالقضاء، ثم يرجع عنه،","vol":"3","page":168},{"text":"فيقضي بخلافه، فلا يرد ما قضى به.\nوانما ذكر حديث شريح؛ لانه كان قاضيًا في زمن عمر وعلي -﵄-، فما فعل فالظاهر انه فعله سماعًا منهما.\n\n[٦٧٦] قال:\nوإذا قضى القاضي في حادثة اختلف فيها الفقهاء، وله مذهب فيها، لكنه نسي مذهب نفسه، وقضى بمذهب بعض الفقهاء، قال أبو حنيفة الله: ينفذ القضاء.\nوقالأبو يوسف ومحمد -رحمهما الله: لا ينفد.\nذكر صاحب الكتاب قول ابي يوسف وحده.\nوذكر القاضي الامام أبو الحسن علي بن الحسين السغدي، والشيخ","vol":"3","page":169},{"text":"الامام شمس الائمة السرخسي في شرح هذا الكتاب، قول محمد مع قول ابي يوسف.\nوجعل القاضي الامام أبو الحسن هذه المسألة فرعًا لمسألة أخرى ذكرناها في الباب الرابع وهي ان القاضي إذا كان عالمًا بمذهب نفسه وقضى بمذهب بعض الفقهاء، فعلى قول ابي حنيفة -﵀ ينفذ، وعلى قولهما لا [ينفذ].\nوبيان مسألة الكتاب فيمن قال لامرأته: انت خليّة، او برية، او بائن، والقاضي ممن يرى ان ينوي في ذلك كما هو مذهبًا فجعلها ثلاثًا، وأبانها منه، ثم تبين له مذهبه قال أبو حنيفة -﵀- يمضي ذلك القاضي.\nوقالأبو يوسف ومحمد: لا يمضي والزوج خاطب.\nوهما يقولان: انه قضى بما هو باطل عنده، فلا ينفذ؛ كالمتوضئ إذا اقتدى بالتيمم، ثم رأى الماء في خلال الصلاة، فسد اقتداؤه؛ لان عنده ان الامام على الخطأ.\nوكذلك بالمقتدي إذا رأى على ثوب الامام نجاسة أكثر من قدر","vol":"3","page":170},{"text":"الدرهم.\nوكذلك المقتدي إذا ظن على ثوب الامام نجاسة ولم تكن.\nوكذلك ان كان على الامام فائتة حديثة لا يتذكرها والمقتدي يتذكرها.\nفدل ان العبرة لما عنده.\nوأبو حنيفة -﵀- يقول بان هذا القضاء حصل في محل الاجتهاد فوجب ان ينفذ.\nوهذا لان الحادثة إذا كانت مختلفة بين الصحابة، والصواب لا يعدوهم، بل بينهم، لكن كل واحد منهم يرجح الصواب في رأي نفسه، ولا يقطع القول بان ما ادى اليه اجتهاد صاحبه خطأ، بل يعتقد رجحان جانب الصواب في اجتهاده، فلا يتبين ان قضاءه ذلك خطأ بيقين؛ فلا يكون مردودًا.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-273>الباب التاسع والاربعون في ما يحله قضاء القاضي وما لا يحله</span>\n[٦٧٧] ذكر عن ام سلمة -﵂- ان رسول الله -ﷺ- قال:\n\"انكم تختصمون لدي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وانماانا بشر مثلكم، فمن قضيت له من مال اخيه شيئًا بغير حق، فإنما اقطع له قطعة من النار\".","vol":"3","page":172},{"text":"دل الحديث على ان قضاء القاضي يكون اظهارًا لما كان، ولا يكون انشاء لأمر لم يكن، فيكون حجة لأبي يوسف [في قوله] الآخر ومحمد على ابي حنيفة وابي يوسف [في قوله] الاول.\nوأبو حنيفة وأبو يوسف في قوله الاول يقولان: انما قال رسول الله -ﷺ- ذلك في الأملاك المرسلة.\nوعندي قضاء القاضي في الاملاك المرسلة لا ينفذ إذا وقع خطأ.\n\n[٦٧٨] ذكر عن ابي هريرة -﵁- انه قال:\nاختصم الي النبيﷺ- رجلان احدهما عالم بالخصومة والآخر جاهل بها، فلم يلبث العالم ان قضى له، فقام المقضي له،","vol":"3","page":173},{"text":"وبقى المقضي عليه، فقال: والله الذي لا اله الا هو ان حقي لحق.\nفقال رسول الله -ﷺ-:\n\"علي بالرجل\".\nفأتى به، فأخبره بما حلف به صاحبه.\nفقال: ان شئت عاودته.\nفقال: \"عاوده\".\nفلم يلبث ان قضى له.\nفقام.\nوحلف المقضي عليه.\nحتى استكمل في ذلك ثلاث مرات.\nفلما كانت الرابعة قال: ان شئت عاودته.\nفقال: \"لا، ولكن أعلمان من اقتطع بخصومته وجدله مال امرئ مسلم بغير حق فإنما يقتطع قطعة من النار\".\nفقال الرجل: ان الحق حقه.\nقال: فكان رسول الله -ﷺ- متكئًا، فجلس فقال: \"من اقتطع بخصومته وجدله مال امرئ مسلم بغير حق فليتبوأ مقعده من النار\".","vol":"3","page":174},{"text":"قال أبو هريرة -﵁-: فكانت الآخرة اشد من الاولى.\nيعني: العبارة الآخرة منه -ﷺ- اشد من الاولى.\nافاد الحديث فوائد:\nمنها ما قلنا في الحديث الاول.\nومنها: ان القاضي إذا وقعت له شبهة لا بأس بالمعاودة، ولا يكون هذا من باب اعانة احد الخصمين.\nومنها: انه لا بأس للقاضي ان يقضي متكئًا؛ الا ترى ان رسول الله -ﷺ- قضى متكئًا، ثم استوى جالسًا.\nومنها: ان شاهد الزور لا يعزر بالضرب، بل يطاف به، الا ترى ان رسول الله -ﷺ- لم يضربه، فكان الحديث حجة لأبي حنيفة ﵀ على صاحبيه.\n\n[٦٧٩] ذكر حديث علي -رضي الله عمه- ان رجلًا من الحي خطب امرأة، وهو دونها في النسب والحسب، فأبت ان تتزوجه، فادعى انه تزوجها، وأقام شاهدين عند علي -﵁-، فقالت: اني لم أتزوجه فقال: قد زوجك الشاهدان، وقضى عليها بالنكاح قال","vol":"3","page":175},{"text":"عمرو: فتزوجها الرجل بعد ذلك.\nفأول الحديث حجة لأبي حنيفة وابي يوسف في قوله الاول، ان النكاح ينعقد بقضاء القاضي، ألا ترى ان عليًا -﵁- قال: قد زوجك الشاهدان.\nوآخر الحديث حجة لهما انه لا ينعقد؛ فانه قال: فتزوجها الرجل بعد ذلك.\nلكن، أبو حنيفة وأبو يوسف في قوله الاول يقولان في تأويل ذلك: انه تزوجها احتياطًا ليكون ذلك ابعد عن الشبهة، لا لان النكاح لم ينعقد فيما بينهما.\nوقال أبو يوسف -﵀-: إذا شهد شاهدان على رجل انه طلق امرأته بزور، ففرق القاضي بينهما، ثم تزوجها احد الشاهدين قال الشعبي ذلك جائز، وهذا حجة لأبي حنيفة وابي يوسف في قوله الاول؛ ان قضاء القاضي ينفذ ظاهرًا وباطنًا.\n\n[٦٨٠] وقال:\nقالأبو حنيفة في الرجلين استأجرتهما امرأة، فشهدا لها على زوجها بطلاق ثلاث بزور، ففرق القاضي بينهما، [ثم تزوجها احد","vol":"3","page":176},{"text":"الشاهدين، قال: أثم الشاهدان اثمًا عظيمًا، وقد مضت الفرقة في ما بينهما].\nاما الاثم العظيم، فلان شهادة الزور نظير اليمين الكاذبة؛ لان بقوله: أشهد تنعقد اليمين، واليمين الكاذبة من اعظم الكبائر، وكذا شهادة الزور، فيكون اثمًا عظيمًا.\nوانما مضت الفرقة فلانه صدرت عن دليل، وهو الصدق من حيث الظاهر.\nفإذا مضت الفرقة، فلا يسع الزوج ان يطأها، ولا يسعها ان تتزوج بزوج آخر قبل انقضاء العدة، ويسعها ان تتزوج بزوج آخر بعد انقضاء العدة.\nوهذا قول ابي حنيفة وابي يوسف اولًا.\nوقال أبو يوسف آخرًا، وهو قول محمد، لا يسعها ان تتزوج بزوج آخر.\n\nفان تزوجت بزوج آخر بعد انقضاء العدة، فالكلام فيه في موضعين:\nفي حل الوطء للزوج الثاني، وحل الوطء للزوج الاول.\nأما الزوج الثاني [فقد] حل له وطؤها، سواء كان الثاني جاهلًا بحقيقة الحال او عالمًا بحقيقة الحل؛ بان كان الزوج احد الشاهدين عند ابي حنيفة، وعند ابي يوسف اولًا.","vol":"3","page":177},{"text":"وعند ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد، ان كان جاهلًا حل له وطؤها؛ لانه يتبع الظاهر، وليس يكلف ما في الباطن.\nهذا كما قال في كتاب البيوع: لو اشترى أمة من رجل، فظهر ان البائع لم يكن مالكها وقد وطئها المشتري لا يوصف بان وطأها كان حرامًا، وان كان عالمًا لا يحل له.\nواما الزوج الاول فعند ابي حنيفة لا يحل له وطؤها في الظاهر والباطن.\nوعند ابي يوسف ومحمد: لا يحل له وطؤها في الظاهر؛ لان في الظاهر عند القاضي والناس الفرقة واقعة، فلو وطئها يكون زانيًا عندهم؛ فيقيمون عليه الحد.\nواما في الباطن عند محمد فيحل.\nوعند ابي يوسف لا يحل.\nمحمد مر على أصله.\nوأبو يوسف يقول بان الفرقة واقعة عند ابي حنيفة، فصار قول ابي حنيفة شبهة.\nوهذا كما قال محمد -﵀- في كتاب النكاح: إذا تزوج امرأة بغير ولي، ثم طلقها ثلاثًا، ثم تزوجها بعد ذلك اكره له ان يطأها قبل","vol":"3","page":178},{"text":"المحلل كقول ابي حنيفة.\n\n[٦٨١] قال:\nولا بأس للزوج بعد انقضاء العدة اربعًا احداهن اختها.\nوهذا قول ابي حنيفة -﵀-.\nلان الفرقة قد وقعت، وقد انقضت العدة، فلا يؤدي غلى الجمع بين خمس نسوة، ولا بين اختين.\n\n[٦٨٢] قال:\nولو تزوجها الثاني على ما وصفها، ودخل بها، وفارقها، وانقضت المدة فلا بأس بان يتزوجها الاول.\nاما عند ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد فلان نكاح الاول قائم، وكان تزوج الاول مرة اخرى امساكًا لها بحكم النكاح القديم، لكنهما يجددان حتى لا يتهما في الناس.\nوعند ابي حنيفة وابي يوسف اولًا، لانه نفذ قضاء القاضي بالفرقة بالثلاث، فإذا تزوجها الثاني بعد انقضاء العدة من الاول، ووجد الدخول تبث الحل للأول.\nفإذا تزوجها بنكاح جديد كانت حلالًا له.\nهذا إذا فارقها الزوج بطلاق باختياره، فأماإذا شهد الشاهدان على","vol":"3","page":179},{"text":"الزوج الثاني بالطلاق الثلاث بالزور، وقضى القاضي بالفرقة، حل لها ان تتزوج من شاءت؛ من الزوج الاول والشاهدين عند ابي حنيفة وابي يوسف اولا؛ لان قضاء القاضي بالفرقة بينها وبين الزوج الثاني قد صح كما صح بينها وبين الزوج الاول.\nفإذاانقضت عدتها من الثاني كان لها ان تتزوج من شاءت.\nواما عند ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد، لا يحل لها ان تتزوج بأحد الشاهدين؛ لان الفرقة الاولى كانت باطلة، والنكاح الثاني كان باطلًا.\nفإذاانقضت عدتها من الثاني كانت منكوحة الاول، فلا تتزوج الا من الزوج الاول.\n\n[٦٨٣] قال في الكتاب:\nواما على قول ابي يوسف، فلا يسعها ان تتزوج احد الشاهدين ما خلا الزوج الاول.\nخص قول ابي يوسف، وهذا قوله الآخر، وهو قول محمد.\nلكن لم يذكر في الكتاب قول محمد، وقول محمد مثل قول ابي يوسف آخرًا.\n\n[٦٨٤] قال:\nولو كانت المسألة مثل ما وصفنا، فقالت المرأة قد تزوجت غيرك، وفارقني بعد الدخول، وانقضت عدتي، وهي كاذبة، فهذا على وجهين:","vol":"3","page":180},{"text":"اما ان علم الزوج الاول انها كاذبة.\nاو لم يعلم.\nفان علم فلا يسعه ان يتزوجها.\nواما إذا لم يعلم، فان كانت المرأة مؤتمنة، وسمه ان يتزوجها.\nلان النساء في مثل هذا مؤتمنات. الا ترى انه لو طلق امرأته ثلاثًا ثم جاءت بعد زمان، وقالت: اني قد حللت لك بمحلل ان كانت مؤتمنة يصدقها، وان كانت غير مؤتمنة، وركن قلبة الى تصديقها، حل له ان يتزوجها، فهذا كذلك.\n\n[٦٨٥] قال:\nولو ان امرأة أقامت شاهدين على رجل انه تزوجها بمهر وولي، وهما شاهدا زور، وأمضى القاضي النكاح، فعلى قول ابي حنيفة -﵀-، وهو قول ابي يوسف اولًا يسعها المقام معه على ذلك النكاح.\nوعل قول ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد لا يسعها.\nهذا هو الكلام في الطلاق.\nوالشهادة في عتق الامة نظير الشهادة في الطلاق فيما وصفت لك.","vol":"3","page":181},{"text":"[٦٨٦] قال:\nولو ان رجلًا اقامت عليه أمته [بينة] انه أقر انها ابنته، وهم شهود الزور، فاعتقها القاضي وجعلها ابنته، فإنها ابنته في الحكم، ولا يحل له ان يطأها، ولا يرثها، وتستنفق منه، وترثه.\nلان القاضي جعلها ابنة له. وهذه أحكام البنتية.\nوهل يحل لها ان تأكل ميراثه؟\nعلى قول ابي حنيفة، وهو قول ابي يوسف اولًا، يحل [لها ذلك].\nوعلى قول ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد: لا يحل [لها ذلك] بناء على ان قضاء القاضي بالنسبة هل ينفذ باطنًا؟ فهو على هذا الاختلاف.\nمن مشايخنا من قال: القضاء بالنسب بشهادة الزور لا ينفذ باطنًا بالإجماع، لكن نص ههنا انه ينفذ عند ابي حنيفة، فكان هذا حيلة","vol":"3","page":182},{"text":"لمن لا وارث له ان يثبت النسب من نفسه بان يدعي شخصًا مجهولًا النسب انه ابنه، او ابنته، ويقيم على ذلك شاهدي زور، فيقضي القاضي بذلك النسب [له].\n\n[٦٨٧] قال:\nولو ان رجلًا باع من رجل أمة بيعًا صحيحًا فجحد المشتري ذلك، وحلف، قال أبو حنيفة: لو أجمع البائع على ترك الخصومة، أي عزم على ترك الخصومة، بأس بان يطأ الأمة، ويبيعها، وان كان طعامًا أكله، وان كان ثوبًا لبسه.\nوان كان من رأيه خصومته، وطلب البينة عليه، فلا يطأ الامة، ولا يأكل الطعام، ولا يلبس الثوب.\nلان المشتري لما جحد صار فاسخًا للعقد في جانبه، الا انه لم يتم انفسخ، حتى لو أقر المشتري بعد ذلك الجحود بالبيع يصح، ويبقى البيع فيما بينهما، فإذا عزم البائع على ترك الخصومة، تم الفسخ، فيعود اليه قديم ملكه، فيحل له وطؤها.\nفأماإذا عزم البائع على الخصومة، لم يوجد منه الفسخ لا صريحًا","vol":"3","page":183},{"text":"ولا دلالة، فلا يتم الفسخ.\nوتمام هذا يأتي في آخر الباب.\n\n[٦٨٨] قال:\nولو ان رجلًا اشترى من رجل أمة فطعن فيها بعيب، وهو فيه ظالم، فردها ببينة زور، او بأداء يمين، وقبلها البائع بحكم قاض، فان هذا في قول ابي حنيفة، وهو قول ابي يوسف اولًا، لا بأس للبائع ان يقربها، ويستخدمها، ويبيعها، وان ثوبًا لبسه، وان كان طعامًا أكله.\nوعلى قول ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد، لا يحل له ذلك؛ بناء على ان القضاء بالفسخ بشهادة الزور هل ينفذ ظاهرًا باطنًا؟ فهو على هذا الاختلاف.\nهذاإذا لم يرض البائع برد ذلك الشيء عليه.\nفأما إذا رضي برده، حل بالإجماع.\nاما عند ابي حنيفة وابي يوسف اولا فلما قلنا.\nواما عند ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد فلانهما تراضيا على الرد، فيثبت الفسخ الان بتراضيهما، لا بقضاء القاضي.\n\n[٦٨٩] قال:\nوكذلك ان اقام البينة [بشهود] بزور، انه أقاله البيع، او ادعى ذلك عليه، فأبي ان يحلف، فرد عليه باباء اليمين، فهو على","vol":"3","page":184},{"text":"هذا الخلاف. وان رضي بالرد حلبالإجماع.\n\n[٦٩٠] قال:\nولو ان رجلًا قال لامرأته: انت طالق البتة، وهو ينوي واحدة، فخطبها، ثم تزوجها على مهر جديد وشهود، ثم رافعته الي القاضي، فجعلها ثلاثًا، وفرق بينهما، فانه لا يسع الزوج ان يقربها، ولا يسع المرأة ان [تمكنه و] تدعه وذلك.\nوهذا [هو] قولهم جميعًا.\nلان هذا القضاء عليه قد حصل في محل الاجتهاد؛ فان هذه المسألة مختلفة بين الصحابة:\nمنهم من يجعلها واحدة.\nومنهم من يجعلها ثلاثًا، فينفذ قضاؤه.\nفرقأبو يوسف، في قوله آخرًا، ومحمد، بين هذا، وبين مسألة قضاء القاضي بشهادة الزور.\nوالفرق لهما: ان ثمة الزوج تيقن خطأ القاضي، وبطلان","vol":"3","page":185},{"text":"قضائه، وههنا لم يتيقن.\n\n[٦٩١] قال:\nولو قال الزوج لامرأته: انت طالق البتة، فخاصمها الرجل الي قاض آخر يرى البتة واحدة، يملك الرجعة، وقد لمسها بعد الطلاق بشهوة قبل ان يفرق القاضي بينهما، وان تزوجها الزوج الثاني، قضى عليها بالرجعة، وجعلها امرأته، وقد كان نوى واحدة بائنة، او ثلاثًا، وهو ممن يرى ذلك، فانه لا يسعه المقام معها بقضاء القاضي، ولا يحلها قضاء القاضي.\nوهذا قول ابي يوسف، وهو قول صاحب الكتاب.\nلان هذا قضاء له، والقاضي متى قضى له، وهو عالم يرى خلاف ذلك يتبع رأي نفسه في قول ابي يوسف، وهو قول صاحب الكتاب.\nوفي قول محمد، وهو قول ابي حنيفة -﵀-، يتبع رأي القاضي.\nوكذلك لو رافعها الي قاض آخر، وهو يرى الفرقة على ما نوى","vol":"3","page":186},{"text":"الزوج، واحتجوا عنده بقضاء القاضي الاول، فانه ينفذ، ولا يقضي بخلاف الاول، وان كانرأية بخلافه.\nلان قضاء الاول كان في محل الاجتهاد.\nلكن، هل يسع الزوج المقام معها، ويتبع قضاء هذين القاضيين؟ فهو على هذا الخلاف.\nهذا إذا قضى له.\nواما إذا قضى عليه، بان رأى القاضي ثلاثًا، ورأى الزوج واحدة فقضى بالحرمة، فانه يتبع رأي القاضي، حتى لا يحل له ان يتزوجها، حتى تنكح زوجًا غيره بالإجماع.\nوهذا كله إذا كان الزوج عالمًا، وله رأي واجتهاد.\nاما إذا كان الزوج جاهلًا عاميًا، فانه يتبع رأي القاضي، سواء قضى له او عليه.\nوقد مرت هذه الفصول في الباب السادس والثلاثين.\nهذا إذا قضى له في هذه الحادثة.\nاما إذا أفتى له في هذه الحادثة، فهو على وجهين:","vol":"3","page":187},{"text":"ان كان عالمًا له اجتهاد يعمل برأيه.\nوان كان جاهلًا، يأخذ بفتوى أفضل الرجلين عند العامة فقهًا، ويكون هذا اجتهادًا له.\nفان قضى له في تلك الحادثة قاض، وأفتاه مفت هو أفقه، وأعلم من القاضي في تلك الحادثة عند العامة، ان كان ما قضى عليه فانه يتبع رأي القاضي بالإجماع.\nوان كان ما قضى له، فهو على الاختلاف الذي حكيناه انفًا.\nلان قول المفتي في حق الجاهل بمنزلة رأيه واجتهاده، فصارت هذه المسألة عين تلك المسألة.\n\n[٦٩٢] قال:\nولو ان رجلًا قذف امرأته بالزنى وهو كاذب، او صادق، فرافعته الي القاضي، فلاعن القاضي بينهما، وفرق، نفذ القضاء بالفرقة بالإجماع، والقاضي يعلم ان احدهما كاذب، لكن لما اشتبه عليه الصادق من الكاذب نفذ القضاء بالفرقة.\nوهذا حجة لأبي حنيفة وابي يوسف اولًا، على قول ابي يوسف آخرًا وهو قول محمد.\n\n[٦٩٣] قال:\nولو ان رجلًا خلا بزوجته، ثم فارقها، ولم يغشها، فلها المهر","vol":"3","page":188},{"text":"كاملًا وعليها العدة كاملة.\nوهذا يشبه ما وصفنا من الشهود بالطلاق وغيره بزور.\nهكذا قال صاحب الكتاب.\nيريد بذلك انها إذا طلبت المهر فالقاضي يقضي لها بالمهر كاملًا؛ لان الظاهر انهإذا خلا بها والزوج فحل، انه يدخل بها، فقضى لها بالمهر كاملًا من طريق الظاهر.\nواما في الباطن فإنما يحل لها نصف المهر دون النصف، هكذا فيما ذكرنا.\nوقد عابوا على صاحب الكتاب بهذا، وقالوا:\nعند علمائنا يحل لها المهر كاملًا ظاهرًا وباطنًا؛ لان الخلوة عندنا اقيمت مقام الدخول.\n\n[٦٩٤] قال:\nولو ان رجلًا ادعى حقًا في يد رجل، وأقام عليه بينة زور، فقضى القاضي للمدعي، والذي قضى عليه يعلم انها بينة زور، فانه في سعة من غصب ذلك من يد المدعى المقضي له.","vol":"3","page":189},{"text":"لان القضاء في الاملاك المرسلة لا ينفذ في الباطن فبقى الشيء على حكم ملك المدعى عليه، فكان له ان يأخذه من يده، لكن لا يجاهر بالأخذ، لان القضاء نفذ من حيث الظاهر، فلو جاهر بالأخذ فالناس يظنونه غاصبًا؛ فيفسقونه، او يعزرونه، فلا يجاهر بذلك، اما مخافة التهمة، او تحرزًا عن العقوبة، لكن يأخذ سرًا ان قدر.\nثم الكلام في الحل في حق المقضي له والمقضي عليه.\nاما المقضي له، فلا يسعه وطؤها ان كانت جارية، ولا لبسه ان كان ثوبًا، ولا أكله ان كان طعامًا، ولا ركوبه ان كانت دابة.\nلان القضاء لم ينفذ من حيث الباطن بالإجماع.\nواما المقضي عليه، فيسعه ذلك كله، لكن لا ينبغي ان يفعل [ذلك] جهرًا لما قلنا، لكن يأخذ سرًا ويذهب به، ثم ينتفع به ما شاء.\n\n[٦٩٥] قال:\nولو باع المقضي له ذلك الشيء، فهذا على وجهين:\nاما ان باع [ذلك] ممن يعرف ذلك؛ بان باع من الشاهدين، او من أحدهما.\nاو باغ ممن لا يعرف ذلك.\nففي الوجه الاول لا يحل للمشتري غثيان الامة، ولا الانتفاع بالثوب والطعام والدابة.","vol":"3","page":190},{"text":"وفي الوجه الثاني: يحل [له ذلك]؛ لما قلنا من قبل.\n\n[٦٩٦] قال صاحب الكتاب:\nوكذلك الهبة، ان أقام عليها بينة، او الصدقة، إذا أقام عليها البينة [شهودًا] شهدوا بزور، فهو مثل ذلك.\nيريد به ان المدعي إذا أقام شاهدي الزور على الرجل انه [قد] وهب منه هذه الجارية، وقبضها منه، أو تصدق بها عليه، وقبضها منه، وهي في يده بغير حق، فقضى القاضي بذلك، لا ينفذ قضاؤه باطنًا عند ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد.\nوهل ينفذ عند ابي حنيفة؟\nعنه روايتان:\nفي رواية ينفذ؛ بمنزلة مسألة المشتري التي تأتي بعد هذا ومسألة النكاح؛ لأن السبب متعين يدعيه المدعي.\nوفي رواية لا ينفذ، وهو رواية صاحب الكتاب؛ بمنزلة الاملاك المرسلة.","vol":"3","page":191},{"text":"[٦٩٧] قال:\nولو أقام شاهدي زور ان فلانا باعه هذه الامة بألف درهم، فقضى بها القاضي له، ودفع الثمن الى البائع، وقبضه، والبائع يعلم انه لم يبعه. فعند ابي حنيفة وابي يوسف اولًا ينفذ هذا القضاء ظاهرًا وباطنًا، حتى وسع المشترى غشيان الامة، وأكل الطعام، ولبس الثوب، وركوب الدابة، ان كانت الدعوى في ذلك.\nوعند ابي يوسف، آخرًا، وهو قول محمد، لا ينفذ باطنًا، حتى [انه لا] يسع المشتري ذلك.\nوهل يسع البائع وطء الامة؟\nقالأبو يوسف -﵀-: لا يحل، وقد مر الكلام فيه.\n\n[٦٩٨] ثم ذكر صاحب الكتاب البيع مطلقا. واختلف أصحابنا فيه:\nمنهم من قال: عند ابي حنيفة ﵀ انما ينفذ القضاء باطنًا، إذا كان البيع بمثل القيمة، او بما يتغابن الناس في مثله.\nاما إذا كان بغبن فاحش [فانه] لا ينفذ عنده، على قياس رواية صاحب الكتاب في الهبة والصدقة.","vol":"3","page":192},{"text":"لان البيع إذا كان بغبن فاحش [فان] هذا يعد تبرعًا، فيكون هذا ومسألة الهبة والصدقة سواء.\nومنهم من قال: لا بل عنده ينفذ كيف ما كان البيع؛ لان البيع وان وقع ببدل يسير يكون حكمه حكم المبادلة، ولا يكون تبرعًا؛ الا ترى ان المكاتب إذا باع بغبن فاحش ينفذ ذلك منه، ولا يجوز تبرعه، علم ان حكم هذا حكم المبادلة.\nهذا إذا ادعى المشتري وانكر البائع.\nولو كان البائع هو المدعي للبيع، والمشتري ينكر، وقامت البينة على ذلك، وانفذ القاضي القضاء، والشهود شهود زور، والمشتري يعلم انه لم يشتر، فعند ابي حنيفة وابي يوسف اولًا، هذا والاول سواء، وينفذ القضاء باطنًا، حتى يحل للمشتري وطؤها.\nواما عند ابي يوسف آخرًا، وهو قول محمد، ان رضي المشترى بذلك وسعه ان يطأها، ويلبس [الثوب]، ويركب [الدابة]، ان كانت الدعوى في ذلك.\nوان لم يرض، وكان يطلب حجته، ليقضي بها الحاكم، فلا يسعه [شيء من ذلك]؛ لان البيع انعقد من جانب المدعي برضاه، فنفذ","vol":"3","page":193},{"text":"شطر العقد، ويصير كان القاضي تولى العقد من الجانب الآخر بغير رضاه، فيتوقف على اختياره، وان رضى نفذ، وان لم يرض فلا [ينفذ].\nفلو انه مجمع على الخصومة، اي عازم عليها، وعلى البيع ان قدر، ثم وطئ الجارية، او ركب الدابة، او اكل الطعام، او لبس الثوب، كان ذلك رضى بالبيع، فلا يسعه الخصومة في نقضه.\nقال صاحب الكتاب:\nلان البيع قد وجب برضاه.\nوهذا اشارة الى ما قلنا من المعنى.\nوالله تعالىأعلم","vol":"3","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>الباب الخمسون في ما ينبغي للقاضي ان يضعه على يدي عدل إذا خوصم اليه</span>\n[٦٩٩] الأصل في هذا الباب ان كل ما كان حق الله تعالى تثبت فيه الحيلولة، وما لم يكن حق الله تعالى لا تثبت فيه الحيلولة، إلا أن يسأل المدعى ذلك.\nوآية حق الله تعالىن المدعى إذا أقام البينة ثم ترك لم يترك.\nوآية حق العبد انهإذا ترك يترك.\nإذا عرفنا هذا [فنقول]:\n\n[٧٠٠] قال:\nولو ان رجلًا في يده أمة فادعاها رجل، وأقام عليها شاهدين عند القاضي انها له، والذي هي في يده ينكر ذلك، والقاضي لا يعرف الشهود؛ بان كانا مستورين، فههنا ثلاثة فصول:","vol":"3","page":195},{"text":"احدها: إذا أقام شاهدين مستورين.\nوالثاني: إذا لم يقم الشهود.\nوالثالث: إذا أقام شاهدًا واحدًا.\n\n[٧٠١] أما الفصل الاول: فينبغي للقاضي ان يضع الجارية على يدي امرأة ثقة مأمونة تحفظها، حتى يسأل عن الشهود، ولا يتركها في يد الذي في يديه.\nلان شهادة المستور حجة للاستحقاق.\nالا ترى ان القاضيلو قضى بهذه الشهادة يجوز فقد ظهر سبب الاستحقاق، وبعدما ظهر الاستحقاق لو تركت الجارية في يديه ربما يطؤها، فيكون القاضي ممكنًا له من ارتكاب الحرام.\n[و] الى هذا اشار صاحب الكتاب فقال: لا يتركها في يد الذي هي في يديه؛ لانه زعم انها له، و[انه] يستحل وطأها، ولهذا قلنا انه يستوي ان يكون المدعى عليه عدلًا او غير عدل؛ لان العدل انما يتحرز عن ارتكاب ما يعتقده حرامًا في دينه، والمدعى عليه ههنا يعتقده حلالا، فلا يمتنع من وطئها.","vol":"3","page":196},{"text":"لكن هذا إذا سأل المدعى من القاضي ان يضعها على يدي عدل، وان لم يذكر صاحب الكتاب السؤال في هذه المسألة؛ لان الحق في هذا للمدعي، الا ترى انه لو ترك الخصومة بعد اقامة البينة يترك.\n\n[٧٠٢] قال:\nوكذلك لو لم يدعها رجل، لكن ادعت الامة انها حرة الاصل، وان مولاها الذي هي في يديه اعتقها، وأقامت عليه شهودًا بذلك، فانه يضعها على يدي عدل يحفظها، ولا يخلى بين الذي هي في يديه وبينها.\nلان سبب الحرمة قد ظهر، والباب باب الفروج، والاحتياط فيه واجب، وههنا يضعها [على يدي عدل] سواء سئل او لم يسأل؛ لان الحق فيه لله تعالى.\n\n[٧٠٣] قال:\nوكذلك لو ان امرأة رجل ادعت انه طلقها ثلاثًا، وأقامت بينة على ذلك، والزوج منكر، فانه ينبغي للقاضي ان يمنع الزوج منها، ويحول بينه وبين الدخول عليها.\nولم يشترط السؤال ههنا؛ كما في دعوى العتق؛ لما قلتا الا انهما","vol":"3","page":197},{"text":"يفترقان في خصلة، وهي ان في الامة يخرجها من بيت المولى، فيضعها على يدي عدل، وفي المرأة لا يخرجها من بيت الزوج، لكن يجعل معها امرأة ثقة مأمونة تحفظها، وتمنع زوجها منها، حتى يسأل عن الشهود.\nوانما كان كذلك لان شهود المرأة اما ان كذبوا او صدقوا.\nفان كذبوا كانت منكوحته.\nوان صدقوا كانت معتدة.\nوالمنكوحة لا تخرج من بيت الزوج الا بأذنه.\nوالمعتدة لا تخرج من بيت العدة.\nواما في حق الامة فان كذبوا كانت أمته، وللامة ان تخرج من البيت، وان صدقوا كانت حرة، وللحرة ان تخرج ايضًا، فافترقا في هذا الحكم.\nوفي ما سوى هذا الحكم يستويان.\nفان عدلت البينة، فرق بينهما.\nلان الثابت بالبينة إذا قبلت كالثابت بالمعاينة.","vol":"3","page":198},{"text":"وان لم تعدل، وقالت: لي شهود آخرون أحضرتهم ايضًا؛ ليشهدوا فشهدوا لها بالطلاق، فإنها تترك على حالها، الىن يتبين له أمرها.\nلان بهذه الشهادة تجب ابتداء الحيلولة؛ فلان تبقى كاناولى.\n\n[٧٠٤] قال:\nوأما الفصل الثاني، فلو ادعى المدعي انها أمته، او ادعت الامة الحرية، او المرأة الطلاق، وليس لواحدة منهما بينة، وسأل القاضي الحيلولة الىن يحضر شهوده فان القاضي لا يلتفت الى ذلك.\nلان مجرد الدعوى ليس سبب الاستحقاق في حق المدعي عليه بالحديث؛ الا ترى ان القاضي لو قضى عليه بمجرد الدعوى لا يجوز، فلا تجب به الحيلولة.\n\n[٧٠٥] واما الفصل الثالث: فإذا ادعى المدعى كما وصفنا، وأقام على ذلك شاهدًا واحدًا، هل يحول القاضي بينه وبين ذي اليد؟ فهذا على وجهين:","vol":"3","page":199},{"text":"اما ان قال: لي شاهد آخر في المصر آتي به في المجلس الثاني.\nاو قال: لا شاهد لي سوى هذا [الواحد.\nففي الوجه الاول: القياس ان لا يحول، وفي الاستحسان يحول، إذا كان الشاهد عدلًا.\nوجه القياس: ان] شهادة الواحد شطر الحجة، وشطر الحجة لا يكون حجة، فصار وجوده وعدمه سواء، فبقى مجرد الدعوى.\nوجه الاستحسان: ان قول الواحد حجة في باب الديانات حقًا لله تعالى، والحل والحرمة حق لله تعالى، فجاز ان تجب [به] الحيلولة الى المجلس الثاني.\nوفي الوجه الثاني: لا يحول قياسًا واستحسانا؛ لانه لا يخلو: اما ان يحول الى المجلس الثاني، او مؤبدًا.\nلا وجه الى الاول؛ لانه لا يفيد، لانه لا يمكنه ان يقضي بالشاهد الاول.\nولا وجه الى الثاني؛ لانه يؤدي الى تعطيل ملكه على\n\n[٧٠٦] قال:\nوجل في يده أمة، ادعى رجل انه اشتراها منه، وأقام بينة على","vol":"3","page":200},{"text":"ذلك عند القاضي، وسأل ان يضعها على يدي عدل، والذي في يديه ينكر البيع، فان القاضي ينبغي له ان يضعها على يدي عدل، فان زكيت البينة أمر المشتري بدفع الثمن ان كان لم يدفع، ويسلمها اليه.\nوكذلك ان ادعى الهبة والقبض، او الصدقة والقبض، او الوصية من اب الذي هي في يديه، وهي تخرج من الثلث، وأقام البينة، فانه يضعها على يدي عدل، الىن يسأل عن الشهود.\nلان البيع والهبة والصدقة والوصية تحرم الوطء على البائع، والواهب، والمتصدق وابن الموصي، فيخاف منه الوطء الحرام.\nوهذا إذا سأل المدعى ذلك؛ لانالحق فيه للمدعى.\nوهذا إذا كانت الأمة في يدي رجل.\nاما إذا كانت في يدي امرأة ادعاها رجل بسبب من الاسباب، فأقام على ذلك بينة، فالقاضي ههنا لا يضعها على يدي عدل، وان سأل، لان هنا القاضي لا يخاف وقوع الوطء الحرام.\nوكذلك رجل ادعى على أيتم نكاحًا، فان القاضي يكفلها، ولا يضعها على يدي عدل.\nلانها حرة مالكة نفسها، لا يخاف منها الوطء الحرام.\nهذا الذي ذكرناه كله في الفروج.","vol":"3","page":201},{"text":"واما في غير الفروج من الاموال، فلا تثبت الحيلولة بشهادة شاهدين مستورين، وان سأل، حتى لو ادعى بستانا في يدي رجل، او أرضًا فيها نخل، اوشجر، وفي ذلك ثمر، وأقام على ذلك بينة، وسأل من القاضي ان يجعل ذلك على يدي عدل حتى يسأل عن شهوده، فان القاضي لا يضع، الا ان يقول المدعي: لا آمن ان يستهلك هذا الذي في يديه الغلة والثمرة التي في ذلك، فحينئذ يضع حتى يسأل عن شهوده.\nلان المدعي طلب من القاضي ان ينظر له، والنظر انما يحصل بإخراج ذلك الشيء عن يده.\nقال الشيخ الامام شمس الأئمة السرخسي: هذا إذا كان الرجل معروفًا بالاستهلاك الان.\nفيضع على يدي عدل.\nلما نبين في الباب الذي يلي هذا الباب ان شاء الله تعالى.\n\n[٧٠٧] قال:\nولو ان رجلًا ادعى على امرأة انها امرأته، وهي مع رجل زعمت","vol":"3","page":202},{"text":"انه زوجها، والرجل يصدقها على ذلك، فأقام المدعي عليها بينة انها امرأته والقاضي لا يعرف الشهود، فان القاضي يعزل هذه المرأة، إذا سأل ذلك الرجل الذي أقام البينة.\nلأنها مع رجل يقر انها امرأته، ويزعم ان وطأه اياها حلال، فلو لم يعزلها، ولم يضعها على يدي عدل، ربما يطؤها، فيخاف القاضي وقوع الوطء الحرام. لكن ينبغي للمدعي ان يسأل ذلك من القاضي؛ لان الحق في هذا للمدعي، ألا ترى انه لو ترك الخصومة يترك، بخلاف دعوى العتاق؛ لان ثمة الحق لله تعالى، ألا ترى انها لو أقامت البينة على العتق، ثم ارادت الترك لا تقدر.\n\n[٧٠٨] قال:\nولو غاب رجل عن امرأته، فتزوجت بزوج آخر، ثم قدم فأقام البينة انها امرأته، وسأل القاضي ان يعزلها، فانه يعزلها، ويضعها على يدي عدل.\nلانه لو ثبت ما ادعى كان النكاح الثاني فاسدًا.\nلكن يشترط السؤال ههنا.\nوفي دعوى الأمة لا يشترط.\nووجه الفرق ما بينا.","vol":"3","page":203},{"text":"[٧٠٩] قال:\nوكذلك امرأة مع رجل ادعت انه تزوجها نكاحًا فاسدًا، وأقامت على ذلك بينة، وهو يزعم انه تزوجها نكاحًا صحيحًا، فانه يعزلها، ويضعها على يدي عدل.\nوكذلك رجل ادعى أمة في يد رجل، وقال: بعتها من هذا الذي [هي] في يديه بيعًا فاسدًا، وأقام بينة على ذلك، فقال الذي هي في يديه: اشتريتها شراء صحيحًا، او قال: هي جاريتي، اشتريتها منه، فان القاضي يعزلها.\nلانه لو زكيت البينة كان الوطء حرامًا، فالقاضي يخاف وقوع الوطء الحرام، فإذا أقام البينة، توضع على يدي عدل.\nقال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني ﵀: انما يعزلها في دعوى الشراء لا لان المشتري شراء فاسدًا إذا وطئها يكون الوطء حرامًا، بل لانه يكون مكروهًا، فيحول بينه وبينها، مخافة الوطء المكروه؛ كما يحول مخافة الوطء الحرام.\nوالله تعالى أعلم","vol":"3","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>الباب الحادي والخمسون في ما لا يضعه القاضي على يدي عدل إذا خوصم اليه فيه</span>\n[٧١٠] قال:\nولو ان رجلًا ادعى غلامًا في يدي رجل، او دابة، او ثوبًا، او عرضًا من العروض التي تنقل وتحول، انه ابتاعها من الذي هو في يديه، والذي في يديه ينكر ذلك، وأقام المدعي شهودًا على دعواه، وسأل القاضي ان يجعله على يدي عدل الىن يسأل عن شهوده، فان القاضي لا يخرج ذلك الشيء من يد الذي هو في يديه.\nلان اليد مقصودة في العين، كما ان الملك مقصود.\nثم لا يجوز استحقاق الملك بالبينة قبل ظهور العدالة، فلا يجوز ايضًا استحقاق اليد بالبينة قبل ظهور العدالة؛ بخلاف ما تقدم.\nلان ثمة الباب باب الفروج، فأمر بالحيلولة احتياطا لباب الفروج. وهذا المعنى ههنا معدوم، فلا يخرج من يده، لكن يأخذ منه كفيلًا بنفسه، وبذلك الشيء المدعى به، حتى لا يغيب ذلك الشيء، ويأخذ منه وكيلًا في الخصومة.","vol":"3","page":205},{"text":"هكذا ذكر صاحب الكتاب.\nلكن هذا إذا أعطى بنفسه مختارًا\nاما إذا أبى فلا يجبر.\nذكره في مواضع.\nوهذا إذا لم يكن المدعى عليه متلافا مخوفًا على ما في يديه، وخاف ان يتلفه، ويستهلكه فأما إذا كان كذلك، فان رأى القاضي ان يضع ذلك على يدي رجل ثقة مأمون، فعل ذلك وهو حسن.\nلانهإذا كان بهذه الصفة لا يؤمن ان يتلفه تعنتًا، فان القاضي يخرجه من يديه على سبيل المنع من التعنت.\n\n[٧١١] قال:\nوكذلك ان ابى الذي في يديه ذلك ان يعطي كفيلًا بنفسه، وبذلك الشيء، أمر المدعى ان يلزمه، ويلزم ذلك الشيء، إذا لم يمط به كفيلًا، فان امتنع عن اعطاء الكفيل، وكان المدعي ضعيفًا عاجزًا عن ملازمته، ورأى القاضي ان يضع ذلك الشيء على يدي عدل فعل ذلك.\nلما قلنا.","vol":"3","page":206},{"text":"[٧١٢] ولو ان رجلًا في يديه جارية ادعى رجل نصفها انه ملكه، او اشترى ذلك الشيء نت الذي هي في يديه، وأقام على ذلك بينة، وسأل القاضي ان يضعها على يدي عدل، الىن يزكي بينته، فان القاضي لا يخرجها من يدي الذي هي في يديه.\nلانه ادعى شركة في الجارية، ولو ثبتت الشركة في الجارية بان زكيت بينته، وحكم له بالنصف وطلب من القاضي ان يزيلها من يده، لم يفعل ذلك، لكن يأمرهما بالتهايؤ، قبل ظهور الشركة اولى ان لا يزيل يده عنها.\nوينبني على هذا مسائل:\nمنها:\nان الجارية إذا كانت بين رجلين، فجاء احدهما الى القاضي، فقال: ايها القاضي، ان شريكي ليس بمؤتمن، أخاف ان يواقع هذه الجارية، فضعها على يدي عدل فالقاضي لا يلتفت الى ذلك.","vol":"3","page":207},{"text":"ومنها:\nامرأة جاءت الى القاضي فقالت: ايها القاضي لست آمن على نفسي من زوجي ان يقربني في حالة الحيض، فضعي على يدي عدل كلما حضت، فان القاضي لا يلتفت الى ذلك.\nففي مسألتنا اولى.\nلكن يأخذ من الذي [هي] في يده كفيلًا بنفسه وبالمدعى به.\nفان قال المدعى: لا آمن ان يستهلك ذلك، فضعه على يدي عدل. قيل له: لك في الكفيل الذي يضمن عن الذي هو في يده ثقة، تأخذ منه كفيلًا مليًا ثقة بذلك الشيء.\n\n[٧١٣] قال:\nولو ان رجلين تنازعا في جارية، وهي في ايديهما، وكل واحد","vol":"3","page":208},{"text":"منهما يدعيها، وزعم انها له، وحضر القاضي، فان القاضي يدعها في أيديهما، ويقول لكل واحد منهما: أقم البينة على دعواك.\nلأنهاإذا كانت في أيديهما، فكل واحد منهما يمنع صاحبه من وطئها.\nفان تنازعا فيها الىن يقيما بينة أمرهما القاضي ان يجمعها على رجل يضعانها على يديه الىن تقوم لهما بينة؛ لكي تنقطع المنازعة.\nفان أقام احدهما بينة على دعواه، ولم يقم الآخر، وضعها القاضي على يدي عدل، الىن يسأل عن الشهود، كما لو كانت الجارية كلها في يدي احدهما، وادعى الآخر كلها، وأقام على ذلك بينة، وضعها القاضي على يدي عدل. كذلك ههنا.\n\n[٧١٤] قال:\nولو ان رجلًا ادعى نكاح امرأة كبيرة، وهي تجحد ذلك، فأقام بينة عليها، وسأل القاضي ان يعزلها حتى يسأل عن شهوده، فان القاضي لا يفعل، لكن يأخذ له منها كفيلًا.\nلان المرأة الكبيرة تحفظ نفسها، وليست هي في يدي رجل يخاف عليها ان يطأها، وكذلك لو كانت الجارية بكرًا في منزل ابيها، فان القاضي لا يعزلها.\nلانه لا تهمة فيه؛ فإنما يعزل التي هي مع رجل يطؤها.\nوالله تعالىأعلم","vol":"3","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>الباب الثاني والخمسون في الرجل الذي يدعي الشيء في يد رجل من الرقيق والمتاع والعقارات وله بينة على ذلك</span>\n[٧١٥] قال:\nولو ان رجلًا ادعى جارية في يدي رجل، او غلامًا، او دابة، او عرضًا من العروض التي تنقل وتحول، وارد استحلافه على ذلك الشيء، فان القاضي يأمر المدعى عليه بإحضار ذلك الشيء، ثم يحلفه على دعوى المدعى.\nلان المدعي يحتاج في الدعوى الى الاشارة الى ذلك الشيء، ولا يمكنه الاشارة اليه، الا ان يكون حاضرًا في مجلس القاضي، فيكلف احضاره.\nوالقضاة كلهم كانوا على هذا؛ حتى كانت تقاد البهائم الى المساجد فبعد ذلك بعضهم تعاملوا القيام اليها، وبعضهم تعاملوا ادخالها","vol":"3","page":210},{"text":"في المسجد؛ فان ادخال الدابة في المسجد عند وقوع الحاجة اليه جائز؛ ألا ترى ان النبي -ﷺ- \"طاف بالبيت على ناقته، وجعل يستلم الاركان بمحجنه\"، والصحابة رضوان الله عليهم لم يمنعوا الدواب من الطواف بالبيت، حتى الكلاب.","vol":"3","page":211},{"text":"[٧١٦] قال:\nوكذا ان أحضر المدعي بينة على ان ذلك له، يأمر القاضي المدعى عليه بإحضار ذلك الشيء، حتى يشهد الشهود على عين ذلك الشيء ان كان قائمًا.\nلان الشهود يحتاجون في الشهادة الى الاشارة الى ذلك الشيء [ان كان قائمًا]، ولا يمكنهم الاشارة اليه الا ان يكون حاضرًا في مجلس القضاء. فإذا احضر شهد الشهود.\nوههنا خمسة فصول:\n[الفصل] الاول: إذا شهدوا وقالوا: نشهد ان هذا له، ولم يقولوا نشهد ان هذا ملكه، يجوز، ويقضي [له] به.","vol":"3","page":212},{"text":"لان اللام في مثل هذا للملك، فصار كأنهم قالوا نشهد ان هذا ملكه.\nوالفصل الثاني: إذا شهدوا وقالوا: تشهد انه مالك لهذا، يجوز، ويقضي [له] به.\nوالفصل الثالث: إذا شهدوا على إقرار الذي ذلك الشيء في يديه، انه أقر ان هذا الشيء للمدعي يجوز، ويقضي [له] به.\nوالفصل الرابع: لم يذكره صاحب الكتاب، وهو ان المدعى لو ادعى عليه انه أقر ان هذا الشيء له فأمره بالتسليم الي، ولم يدع انه ملكي، [فقد] اختلف العلماء فيه:\nقال بعضهم: القاضي لا يسمع دعواه، ولا يأمره بالتسليم اليه.\nوقال عامة العلماء: يسمع ويأمره بالتسليم اليه، إذا ثبت ذلك عنده.\nاما وجه قول اولئك [فهو] ان الإقرار خبر، والخبر يحتمل الصدق والكذب، وانما وجب إذا كان صادقًا. اما إذا كان كاذبًا","vol":"3","page":213},{"text":"فلا، فالمدعي بقوله أقر انه لي لا يصير مدعيًا للملك، وما لم توجد دعوى الملك لا يقضي له بالملك.\nوجه قول عامة العلماء ان الدعوى تعتبر بالشهادة، وقد ذكرنا ان الشهود لو شهدوا ان المدعى عليه أقر ان هذا الشيء المدعى [به] للمدعي، فان القاضي يقبل شهادتهم، وان لم يشهدوا انه ملكه، فكذا المدعي إذا ادعى عليه انه أقر بهذا لي، ولم يقل هذا ملكي.\nوالفصل الخامس: إذا شهد شهود انه له، اوانه هو يملكه منذ عشرين سنة، او شهدوا على أقل من هذا الوقت، اوأكثر، فهو سواء، يحكم به للمدعي.\nلان الشهود لا يحتاجون في شهادتهم الى التاريخ، لكن مع هذا إذا شهدوا فالقاضي يسمع ذلك منهم، ويذكر في السجل القضاء بالملك من ذلك التاريخ؛ لانهم شهدوا بالملك المؤرخ، والقاضي ايضًا يقضى بالملك المؤرخ، ولا يحتاج الشاهدانان يقولا لا نعلم انه باع ذلك ولا وهبه.\nلان ملكه لما ثبت في ذلك الوقت يبقى الىن يوجد [الدليل]","vol":"3","page":214},{"text":"المزيل، الا إذا ادعى المدعى عليه ذلك، وأثبت ذلك بالبينة يقبل ذلك منه، وان لم تكن له بينة، وادعى على المدعى، فان للقاضي ان يحلفه بالله ما بعته ولا وهبته.\n\n[٧١٧] قال:\nولو ادعى دارًا في يدي رجل، او حانوتا، او أرضًا، او شيئًا من العقارات، وأحضر على ذلك بينة، ان ذلك له، وحدد الشهود بحدود اربعة، وشهد الشهود ان ذلك في يد المدعى عليه، وانه لهذا المدعى قبل الحاكم [ذلك] وقضى يه للمدعي.\nوكذلك ان شهدوا ان هذا مالك لهذه منذ سنة او سنتين، اوأكثر من ذلك.\nلان اعلام المدعى به في الدعوى، والمشهود به في الشهادة شرط صحة القضاء، والاعلام بأقصى ما يمكن في العقار انما يكون بالتحديد.\nلان النقل [فيه] لا يتصور، فقلنا بانه يبين اولًا البلدة التي فيها","vol":"3","page":215},{"text":"الدار، ثم المحلة التي فيها الدار في تلك البلدة، ثم يبين حدود الدار.\nلان الاعلام بأقصى ما يمكن هذا؛ وهو ان يبين اولًا الاسم العام، ثم ما هو الاخص به.\nثم شرط صاحب الكتاب ان يشهد الشهود ان ذلك في يد المدعى عليه، اوياتي المدعى بشهود غيرهم يشهدون ان ذلك في يد المدعى عليه.\nذكر صاحب الكتاب [هذا] في آخر الباب، حتى يجوز الحكم، ولم يشترط ذلك في المبسوط، وانه شرط، لكن توسع في المبسوط.\nوبين صاحب الكتاب. حتى [انه] لو أقر المدعى عليه ان العقار الذي وقع فيه الدعوى في يدي، فالقاضي لا يلتفت الى ذلك ما لم يشهد الشهود، ان هذا المحدود في يده.\nفرق بين العقار وبين المنقول، فان الدعوى إذا كانت في النقول لا يشترط في الشهادة ان يشهدوا ان هذا الشيء في يده، بل إذا أقر المدعى عليه ان ذلك في يدي يكفى.\nوالفرق ما أشار اليه صاحب الكتاب في آخر الباب ان المنقول لا يخلو: اما ان يكون قائمًا، او مستهلكًا في يد المدعى عليه.\nفان كان قائمًا فلا بد من الاحضار، ومتى أحضر فالقاضي يعاين انه في يديه.","vol":"3","page":216},{"text":"وان كان مغيبًا، وقال المدعى عليه: هلك في يدي، او استهلك في يدي، فقد أقر بوجوب الضمان على نفسه، وإقرار الإنسان على نفسه صحيح.\nواما العقار [فانه] تتمكن فيه تهمة المواضعة، وهو ان المدعى ربما واضع رجلًا ليقر بذلك، فيقضي القاضي عليه، ويكون ذلك استحقاقًا علية وعلى غيره، والعقار في الحقيقة في يد غيره، فيثبت الاستحقاق على صاحب اليد، فلا بد ان يشهدوا ان ذلك في يده.\nفان لم يشهدوا بذلك، لكن علم الحاكم ان ذلك في يده، تقيل الشهادة. وان لم يشهدوا انه في يده، لان يده ثبتت عند القاضي، فان لم يشهدوا بذلك، ولم يعلم الحاكم بذلك، وقال المدعى عليه؛ هذا الشيء ليس في يدي، فقال المدعى: انا اقيم بينة عدولًا غير هؤلاء يشهدون ان هذا الشيء في يدي فلان المدعى عليه، فان القاضي يقبل ذلك منه، ويحكم بذلك له.\nلان الحاجة الى القضاء بالملك للمدعي وباليد للمدعى عليه.\nولا فرق بين ان يثبت هذين الامرين بشهادة فريق واحد، وبين ان يثبت كل امر بشهادة فريق على حدة.\n\n[٧١٨] قال:\nفان لم يشهد به الشهود على حدود اربعة، وشهدوا على ثلاثة حدود، وقالوا الحد الرابع لا نعرفه قبل الحاكم ذلك، وقضى به للمدعى.","vol":"3","page":217},{"text":"وهذا استحسان اخذ به علماؤنا.\nوالقياس ان لا يقبل، وبه اخذ زفر -﵀-.\nوان شهدوا على حدين لا غير لا يقبل ذلك، ولا يحكم به.\nوروي عن ابي يوسف انه يقبل ذلك ويحكم به.\nواختلف المشايخ فيه.\nذكر الشيخ الامام أبو الحسن علي بن الحسين الغدي في شرح هذا الكتاب قال:\nقال مشايخ بلخ: انما يقبل إذا شهدوا على حدين متقابلين يصير ما بينهما معلومًا؛ بان شهدوا على حد اليمين واليسار. اما إذا شهدوا على حدي اليمين والمغرب او حد اليسار والمشرق فإنها لا تقبل عند ابي يوسف.\nوذكر الشيخ الامام شمس الائمة السرخسي -﵀- رواية عن ابي يوسف فيما إذا شهدوا على حدين احدهما طولًا والاخر عرضًا، على عكس ما قاله القاضي الامام.\nوان شهدوا على اربعة حدود، وغلطوا في حد واحد، اختلف المشايخ فيه.\nوالصحيحانه لا يقبل.","vol":"3","page":218},{"text":"لانهم إذا غلطوا صار المشهود به شيئًا آخر، فكان ذلك شهادة بغير ما ادعى.\nاما إذا تركوا ما صار المشهود به شيئًا آخر، ونظير هذا ما لو شهد الشاهدان بالبيع، وقبض المبيع، وتركوا ذكر الثمن، جاز.\nولو غلطوا في الثمن لا يجوز كذا هنا.\nوحق هذه المسائل كتاب ادب القاضي لمحمد والشروط والشهادات.\n\n[٧١٩] قال:\nفان قال الشهود للقاضي: نشهد ان الدار في موضع كذا، ونحن نقف على حدودها، ونمشي عليها، ونعرفها، لهذا الرجل، وفي ملكه، ولكنا لا نعرف اسماء حدودها قبل ذلك، وإذا اراد ان يحكم بذلك للمدعى بعث بالشهود ليمشوا على الحدود، ويقفوا عليها، ويبعث المدعي بجماعة معهما من الشهود، حتى يقفوا على الحدود بحضرتهم، ويقولوا: هذه حدود الدار التي شهدنا بها لهذا، وهي هذه الدار، وهذه حدودها، ثم يأتون القاضي، فيشهدون [ويشهد] اولئك الذين حضروا مع الشاهدين على اسماء الحدود، فيحكم للمدعى على المدعى عليه بهذه الدار التي شهد بها هذان الشاهدان، ووفقًا على حدودها.\nوكذلك الشيعة، والحانوت، وجميع العقارات، فهي على ما وصفنا لك.\n\n[٧٢٠] قال:","vol":"3","page":219},{"text":"ولو لم يعرف الشهود الحدود ولا سموها، وكانت الدار مشهورة باسم رجل مثل دار عمرو بن الحارث بالكوفة، ومثل دار الزبير بالبصرة، فشهدوا بها لإنسان، ولم يذكروا الحدود، لم يقبل الحاكم ذلك عند ابي حنيفة -﵀-، وقبل عندهما.\nوعلى هذا الخلاف الضيعة إذا كانت مشهورة شهرة قد بانت وظهرت عند الناس.\nواجمعوا ان الرجل إذا كان مشهورًا يستغنى عن ذكر الاسم والنسب.\nوحق المسألة ما ذكرنا من الكتب.\n\n[٧٢١] ثم اعاد المسألة وقال:\nوان شهد الشاهدانان الدار التي بالكوفة في محلة بني فلان تلاصق دار فلان لن فلان الفلاني، مما يلي كذا وكذا، وقالوا: هي بين دار فلان بن فلان الفلاني، وبين دار فلان بن فلان الفلاني، وهي الدار التي في يد فلان بن فلان الفلاني هذا، هي لفلان بن فلان الفلاني هذا المدعي، وفي ملكه، وقالا: نعرف حدودها ولا نقف عليها، فقال","vol":"3","page":220},{"text":"المدعي: آتيك بشهود آخرين يعرفون حدودها، ويعرفون ان حدها كذا وحدها كذا، فأتى بشاهدين فشهدا بان حد هذه الدار ينتهي الى كذا، والثاني ينتهي الى كذا، والثالث ينتهي الى كذا، والرابع ينتهي الى كذا، اختلفت النسخ في جواب هذه المسألة.\nفقد ذكر في بعض النسخ انه يقبل ويحكم به كما في المسألة الاولى.\nوذكر في بعض النسخ انه لا يقبل ولا يحكم بهذه الدار للمدعي.\nلان الشهادة الاولى بدون الشهادة الثانية ليست بحجة، فصار وجودها وعدمها بمنزلة واحدة، بخلاف الاولى.\nوكذا الضيعة، والقرية، والحانوت، وجميع العقارات، فهي على هذا.\n\n[٧٢٢] قال:\nولو ادعى رجل جارية في يدي رجل، او غلامًا، او دابة، او عرضًا من العروض، او دارًا، او ضيعة، او عقارًا، والذي في يديه ينكر دعواه، ويزعم انه له، فاحضر المدعي شهودًا، فشهدوا ان ذلك الشيء كان في يدي هذا المدعي أمس. او قالوا منذ شهر، او منذ سنة، فان القاضي لا يحكم به للمدعي.\nوهذا ظاهر الرواية.","vol":"3","page":221},{"text":"وروى اصحاب الأمالي عن ابي يوسف: انه يقبل هذه البينة، ويأمر المدعى عليه بالتسليم الى [يد] المدعى.\nوجه تلك الرواية ان الثابت بالبينة بمنزلة الثابت بالإقرار.\nولو أقر المدعى عليه ان العين كانت في يد المدعى أمس، يؤمر عادة بالإعادة الي يد المدعي، فكذا إذا ثبت بالبينة.\nوفي ظاهر الرواية فرق بينهما.\nوجه الفرق: ان الإقرار حجة موجبة بنفسها، لا تحتاج الى قضاء القاضي، فثبت بنفس الإقرار كون العين في يد المدعي، وانها وصلت اليه من جهته، فإذا كان كذلك وجب التسليم اليه حتى يثبت لنفسه بعد ذلك الاستحقاق.\nفأما البينة فلا توجب الحكم بنفسها، فيحتاج الى القضاء، وقد تعذر القضاء بهذه البينة؛ لانه لا يمكن القضاء باليد في ما مضى؛ لان تلك اليد زائلة في الحال، فتعذر القضاء باليد بهذه البينة.\n\n[٧٢٣] قال:","vol":"3","page":222},{"text":"وكذلك المدعى ان اقام شاهدين على إقراره ان العين كانت في يد المدعى أمس تقبل.\nلان الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة.\n\n[٧٢٤] قال:\nوكذلك لو شهدوا ان هذا العين كان في يد المدعي، وان المدعى عليه أخذه منه، او غصبه اياه، اوانتزعه منه، او أخرجه من الدار، او أبق العبد من يده، فأخذه هذا، او أرسله في حاجة، فأخذه هذا، فودعه عند هذا المدعى عليه، او أعاره اياه، فانه يقبل ذلك، ويحكم به، وان لم يشهدوا على ملكه.\nلان ثبت بهذه الشهادة الوصول اليه من جهة المدعي، فيجب عليه الإعادةالى يد المدعى، حتى يظهر استحقاقه.\n\n[٧٢٥] ثم ذكر بعد هذا مسائل قد ذكرناها من قبل.\n\n[٧٢٦] قال:\nوان ادعى انه اشترى دارًا من هذا الرجل، او قرية، او ضيعة، ولم يحدد ذلك، فأقر المدعى عليه بذلك، واتفقا على حدود ذك، فان القاضي يحكم على المدعى عليه بذلك بإقراره.\nلانإقرارهما حجة على انفسهما.","vol":"3","page":223},{"text":"[٧٢٧] فان أقرا بالشراء واختلفا في الحدود، فقال المدعى: هذه حدودهما، وقال المدعى عليه: لا بل هذه حدودها، والتي أقر بها المدعى عليه أقل مما ادعى المدعي، وليس للمشترى شهود يعرفون حدوده فانهما يتحالفان، ويترادان.\nلان هذا اختلاف في مقدار المعقود عليه، وذا يوجب التحالف بالنص.\n\n[٧٢٨] قال:\nوكذلك لو شهد شهود على إقرارهما بالشراء، ولم يسميا حدودًا، فان اتفقا على حدود انفذ ذلك عليهما، وان اختلفا في الحدود، ولبيس للمشتري شهود يعرفون الحدود تحالفا على ذلك، وتناقضا البيع.\nلانه ثبت الشراء بالشهادة، فبقى الاختلاف في مقدار المعقود عليه، وذا يوجب التحالف بالنص.\nوإذا تحالفا، فالقاضي لا ينقض البيع بينهما حتى يسألا القاضي؛ لجواز ان يرجع احدهما الى تصديق","vol":"3","page":224},{"text":"البائع، وطلب البائع نقض ذلك، فان القاضي ينظر في ذلك، ويتأنى. فان كان للمشتري حجة أثبت بها دعواه، والا نقض البيع.\n\n[٧٢٩] قال:\nوكذلك لو احضر المشتري كتاب شراء بحقه على البائع، فشهد الشهود على إقرارهما جميعًا بذلك الشراء، وفيه تسمية الحدود، فان القاضي يلزم البائع ذلك، ويأمره بتسليمه الى المشتري.\nفان اختلفا في الحدود تحالفا، وتناقضا البيع، الا انيأتي المشتري ببينة تشهد على الحدود التي يدعي.\nفان اتى على ذلك ببينة ألزم القاضي البائع ما شهدت به الشهود، فأمره بتسليمه الى المشتري.\n[والله تعالىأعلم]","vol":"3","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>الباب الثالث والخمسون في الرجلين يدعيان الشيء كل وحد منهما يدعيه كله ويقيم البينة انه له وليس هو في يد واحد منهما</span>\n[٧٣٠] ذكر عن تميم بن طرفة ان رجلين اختصما الى رسول الله -ﷺ- في ناقة، وليست في يد واحد منهما، فأقام كل واحد منهما البينة انها ناقته، فجعلها رسول الله -ﷺ- بينهما نصفين.\nوبه نأخذ؛ ان رجلين لو تنازعا في عين في يد ثالث، وأقاما البينة","vol":"3","page":226},{"text":"يقضى بالعين بينهما نصفين.\nوللشافعي ﵀ فيه ثلاثة أقوال:\nفي قول: مثل قولنا.\nوفي قول: يقرع بينهما، فمن خرجت قرعته يقضى بالملك له.\nوفي قول: تهاترت البينتان. ثم على هذا القول له قولان:\nانه هل تترك العين في يد المدعى عليه؟\nفي قول: تترك.\nوفي قول: تخرج وتمسك الىن تتبين مستحقة.\nوحق المسألة كتاب الدعوى.\n\n[٧٣١] ذكر حديث ابي الدرداء ﵀ ان رجلين اختصما الى ابي الدرداء في فرس، فأقام كل واحد منهما شاهدين؛ انه نتجه، لا نعلم انه باعه، ولا وهبه، فقضى به أبو الدرداء بينهما نصفين، وقال: ما أحوج هؤلاء الى سلسلة بنى اسرائيل؛ كان داود ﵊ إذا جلس يقضى بين الناس نزلت السلسلة، فأخذت بعنق الظالم.\nوقصة السلسلة قد مرت في صدر الكتاب، لكن صاحب الكتاب","vol":"3","page":227},{"text":"روى ههنا على رواية أخرى وقال:\nنزلت فأخذت بعنق الظالم.\nلكن مشايخنا اخذوا بتلك الرواية لا بهذه الرواية.\nفي الحديث دليل علىنه يقضي بالعين بينهما نصفين.\n\n[٧٣٢] ذكر عن سعيد بن المسيب ان رسول الله -ﷺ- اختصم اليه قوم، فاستوت بيناتهم في العدد والعدالة، فأسهم رسول الله -ﷺ-[بينهم] فقال: «اللهم انت تقضي بينهم» ثم قضى لم خرج سهمه.","vol":"3","page":228},{"text":"فهذا الحديث حجة للشافعي ﵀ في استعمال القرعة.\nوالجواب: ان هذا كان في الابتداء حين كان القمار مشروعًا؛ فان القمار لم يكن حرامًا في شريعة من قبلنا، ثم صار حرامًا في شريعتنا.\n\n[٧٣٣] ذكر عن علي بن ابي طالب -﵁- انه كان يقضي في الشهادة إذا كانوا سواء انه يقرع بينهم أيهم يحلف.\nوكان هذا مذهل لعلي -﵁- انه كان يحلف الشاهد والمدعي إذا أقام المدعي البينة، ولسنا نأخذ بهذا.\nوقوله: يقضى انه يقرع بينهم ايهم يحلف معناه: إذا تشاحنا على الحلف؛ بان اختلفا في البداية باليمين يقرع بينهم.\n\n[٧٣٤] ذكر عن عمرو بن شعيب، عن ابيه عن جده، ان عبدالله بن عمرو أقرع بين قوم في امرأة من بنى سعد بن بكر، ثم من بنى عوف حين اعتدلت البينة، انكحها خواها في يوم واحد وهي غائبة.\nمعناه انهما زوجاها بوكالتها، زوجها كل واحد منهما من رجل لا يعلم من السابق منهما.","vol":"3","page":229},{"text":"والمذهب عندنا ان نكاحهما جميعًا باطل.\nوللشافعي ثلاثة أقوال.\nفكان هذا الحديث حجة على ذلك القول، انهيقرع بينهما.\n\n[٧٣٥] ذكر عن هشام بن عروة، عن أبيه، ان ناسًا من بني سليم اختصموا في معدن الى مروان، وهو أمير المدينة، فجاءت احدى الطائفتين بمثل ما جاءت به الاخرى، فأمر مروان عبدالله بن الزبير فأسهم بينهم، اى الطائفتين تحلف، فحلفت احدى الطائفتين، فقضى لهم بالمعدن.\nفي الحديث دليل على ان المعدن مملوك حتى تسمع فيه الخصومة.\n\n[٧٣٦] ذكر عن عبدالله بن الزبير انه أقرع بين من صلى من رقيق","vol":"3","page":230},{"text":"حين اعتقهم بعده، وكانت البينة قد اختلفت فى الاسماء، واجتمعت في العدد.\nوقوله: من صلى، اى من بلغ، يقال: عبيد فلان يصلون، اي قد ادركوا، وصلى بنو فلان، اى ادركوا.\n[و] جميع ما اورد صاحب الكتاب من اخبار القرعة لسنا نأخذ به.\n\n[٧٣٧] ذكر عن حنش بن معتمر، ان رجلين ادعيا بغلة، فجاء احدهما بشاهدين، وجاء الآخر بخمسة، فقال علي -﵁-، ان فيها قضاء وصلحًا، اما الصلح، بان تباع البغلة، فيعطى هذا خمسة اسهم، وهذا سهمين، وأما القضاء فانه يستحلف كل واحد من الخصمين، فان تشاحا في اليمين أقرعت بينهما، ثم استحلف الذي قرع، وذهب بالبغلة.","vol":"3","page":231},{"text":"وتاويل الحديث يعرف في كتاب الصلح.\n\n[٧٣٨] ذكر عن زياد ان غلمانا تعاطوا فكسرت سن احدهم، فشهد اثنان على ثلاثة انهم كسروها، وشهد الثلاثة على الاثنين انهما كسراها، فقضى مسروق على الثلاثة بخمسي دية السن، وقضى على الاثنين بثلاثة اخماسها.\nوقوله: تعاطوا، اى تناظروا، والقوا الكلام، وما قضى به مسروق شيء تفرد به، ولم يأخذ به علماؤنا -﵏-، بل تبطل شهادة كل فريق؛ لان كل فريق يدفع عن نفسه بهذه الشهادة مغرمًا.\n\n[٧٣٩] ثم أطال صاحب الكتاب، ليبين انه لا يجوز القضاء على عدد الشهود، قال:\nفان كان العبد او الفرس او الناقة في يدي رجل فادعى ذلك رجلان كل واحد منهما يدعيه كله، انه له، واقام كل واحد منهما شاهدين على ما ادعى من ذلك، فانالقاضى يقضى به بينهما نصفين.\nلانهما استويا في الدعوى والحجة، فيستويان في الاستحقاق.","vol":"3","page":232},{"text":"[٧٤٠] وكذلك لو اقاما جميعًا البينة على النتاج، فهو بينهما نصفان.\nلما قلنا من المعنى.\n\n[٧٤١] وان أقام احدهما البينة انه نتج في ملكه، وأقام الآخر البينة انه له، ولم يقم [البينة] على النتاج، فصاحب النتاج اولى.\n[وهو له.\nلان صاحب النتاج يدعى الملك لنفسه فى وقت لا ينازعه الآخر، وهو اولية الملك فيكون هو اولى].\n\n[٧٤٢] وان اقام احدهما البينة انه له، ولد في ملكه منذ عشر سنين، واقام الآخر البينة انه ولد في ملكه منذ ثماني سنين، نظر القاضي في سنه: فان كان على بينة احدهما قضى له به، وأبطل بينة الآخر.\n[لانه ظهر صدق هذه السنة وكذب الاخرى].","vol":"3","page":233},{"text":"وان كان مشكلًا، قضى [به] بينهما نصفين.\nومعنى المسألة: ان كل واحد منهما ادعى النتاج؛ بان ادعى احدهما انه له ولد في ملكه منذ عشر سنين، فادعى الآخر انه له ولد في ملكه منذ ثماني سنين، وأقاما على ذلك البينة الان، نظر القاضىفى سنه: فان كان على بينة احدهما قضى له به، وابطل بينة الآخر؛ لانه ظهر صدق هذه البينة وكذب الاخرى. وان كان مشكلًا قضى [به] بينهما نصفين لاستوائهما في الدعوى والحجة. هذا إذا ادعيا النتاج.\nاما إذا ادعيا الملك المطلق، فادعى احدهما انه له وفى ملكه منذ عشر سنين، وادعى الاخر انه له، وفى ملكه منذ ثماني سنين، وأقام على ذلك سنة، فالقاضي لا ينظر ههنا الى السن، بل يقضى [به] لصاحب الوقت الاول.","vol":"3","page":234},{"text":"وهي [هذه] المسألة كلام.\nوموضع المسألة كتاب الدعوى.\n[والله أعلم بالصواب]","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>الباب الرابع والخمسون في الرجلين يدعيان الشيء وهو في ايديهما</span>\n[٧٤٣] قال:\nولو ان رجلين في ايديهما عبد، او فرس، او ناقة، فادعى كل واحد منهما ذلك، وأقام شاهدين ان ذلك له، فان ذلك الشيء يكون بينهما نصفين.\nلانفي كل واحد من النصفين اجتمع بينة الخارج، وبينة ذي اليد، لكن الدعوى في الملك المطلق، فتكون بينة الخارج اولى بالقبول، فيصير النصف الذى في يد كل واحد منهما مقضيًا به لصاحبه، ولو يقيما بينة على دعواهما وأتيا القاضي يتنازعان في ذلك، تركه القاضي في ايديهما.\nلانهما استويا في سبب الاستحقاق.\n\n[٧٤٤] فان اقام احدهما بينة انه له، ولم يقم الآخر، فانه يقضي به لصاحب البينة؛ لانه وجد من احدهما البينة، ومن الآخر اليد، واليد لا تعارض البينة.\n\n[٧٤٥] ولو أقام كل واحد منهمًا بينة؛ لانه له نتجه في ملكه فهو بينهما نصفان.\nلان كل واحد من النصفين اجتمع فيه بينة الخارج، وبينة ذي اليد،","vol":"3","page":236},{"text":"لكن الدعوى في النتاج، فتكون بينة ذي اليد اولى، فيصير النصف الذي في يد كل واحد منهما مقضيًا به لصاحب اليد.\n\n[٧٤٦] وان أقام احدهما بينة انه له نتجه في ملكه، واقام الاخر بينة انه له، فهو لصاحب الولادة، دون الاخر؛ فانه يثبت الملك لنفسه في وقت لا ينازعه الآخر فيه. وهو اولية الملك.\n\n[٧٤٧] فان أقام احدهما بينة انه ملكه منذ سنة، واقام الآخر بينة انه له منذ سنتين، فهو لصاحب السنتين.\nلانه أثبت الملك في وقت لا ينازعه الآخر فيه.\nوفي المسألة كلام.\nوموضع المسألة كتاب الدعوى.\n\n[٧٤٨] قال:\nولو ادعى احدهما انه له، وأقام بينة على ذلك، فادعى الآخر نصفه، وأقام بينة [على ذلك] فهو لصاحب الجميع.\nلان مدعي النصف لا يدعي الا النصف الذي في يده، واثبته بالبينة، والآخر يدعي هذا النصف ايضًا، واثبته بالبينة، والآخر يدعي هذا النصف ايضًا، واثبتة بالبينة، فقد اجتمع في هذا النصف بينة الخارج وبينة ذي اليد، فتكون بينة الخارج اولى، فيقضى بجميعه لمدعى الكل.\n\n[٧٤٩] ولو أقام احدهما بينة ان له خمسة اسداسه، وادعى الاخر","vol":"3","page":237},{"text":"ثلثيه، وأقام على ذلك بينة، فانه يكون لصاحب الخمسة الاسداس ثلثا ذلك، ولصاحب الثلثين ثلث ذلك.\nلان مدعي الثلثين يدعي الثلثين، وفي يده النصف، فقد بقى الى تمام الثلثين السدس، فيكون مدعيًا سدس ذلك الشيء مما في يد الآخر، وهو ثلث ما في يد الآخر، [ومدعي الخمسة الاسداس يكون مدعيًا ثلث ذلك الشيء مما في يد الآخر، وهو ثلثا ما بقى في يد الآخر]، وقد اثبت كل واحد منهما ما يدعيه بالبينة، فمتى أخذ مدعي الثلثين السدس من الآخر بقي في يد الآخر الثلث، وهو اخذ من مدعي الثلثين الثلث، فصار ذلك ثلثين [في يد مدعي خمسة الاسداس]، ومدعي الثلثين بقى مما كان في يده السدس، وقد أخذ من مدعي الخمسة الاسداس سدسًا آخر، فاستقام التخرج.\nوالله أعلم","vol":"3","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>الباب الخامس والخمسون في الرجل يكون في يده العبد او الغرس او الناقة فيدعي رجل ذلك ويقيم بينة انه له ويقيم الذي في يديه [بينة] انه له</span>\n[٧٥٠] ذكر عن عبدالله بن عتبة، انه أتاه رجلان يختصمان في دابة في يد احدهما، فأقام كل واحد منهما البينة انها له، فقال عبدالله: هي للمتلد.\nوالمتلد [هو] صاحب الملك القديم، لأن من قدم ملكه في شيء سمى [ذلك] تليدًا، وما حدث فيه سمى [ذلك] طريفًا.\nفمعنى قوله: هي للمتلد، أي لصاحب الملك القديم، وهو صاحب النتاج، وهو من القاب صاحب النتاج.\nوهذا هو المذهب عندنا: ان صاحب النتاج اولى.\nوكذلك إذا تنازعا في ثوب يدعى كل واحد منهما انه نسجه، فان كان الثوب مما لا يتكرر نسجه، كانت بينة مدعي النسيج اولى.\nلانه بمنزلة النتاج.\nوان كان مما يتكرر عليه النسج كانت بينة الخارج اولى.","vol":"3","page":239},{"text":"[٧٥١] ذكر عن شريح انه اختصم اليه قوم في مهر، فأقام هؤلاء البينة انه مهرهم، نتجوه، وأقام هؤلاء البينة انه مهرهم نتجوه، وهو في يد احدهما، فقضى شريح للذين هو فى ايديهم، وقال: الآخرون اولى بالشبهة.\nوبه نأخذ؛ ان الدعوى إذا كنت في النتاج كانت بينة ذي اليد اولى.\nلأنها تترجح باليد.\nوهذا معنى قول شريح ان الآخرين اولى بالشبهة؛ يعني الخارجين اولى بضعف الحجة.\n\n[٧٥٢] ثم ذكر حديث عبدالله بن عتبة.\nوهذا يفيد ما أقاده حديث شريح.\n\n[٧٥٣] ذكر عن علي بن ابي طالب -﵁- انه قال:\nان كانت السلعة في يد احدهما، وجاء بشاهدي عدل كانت له،","vol":"3","page":240},{"text":"وان جاء الآخر بأكثر من ذلك.\nأراد به النتاج، او ما هو في معنى النتاج.\nيعني إذا كان في يد أحدهما، وادعى كل واحد منهما النتاج، وأقام ذو اليد شاهدين فهو اولى بالملك من الخارج وان جاء بعشرة من الشهود.\n\n[٧٥٤] ذكر عن مكحول انه قال:\nإذا كان الذي يختصمون فيه بيد أحدهما مع شاهديه، كان هو الذي يحلف.\nيعني فيكون هو أحق بالسلعة.\nوهذا هو مذهب بعض من خالفنا؛ فان عندنا الخارج اولى.\nوعند الشافعي -﵀- ذو اليد اولى.\nوعند بعضهم ذو اليد اولى مع اليمين، ويقولون: البينات تهاترت، فيستحق ذو اليد ذلك الشيء باليمين.\nولسنا نأخذ به.\n\n[٧٥٥] ذكر عن الشعبي انه قال:\nلا يسأل المدعى عليه بينة.","vol":"3","page":241},{"text":"وبه نأخذ.\nلقول النبي -ﷺ-:\n«البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه».\nجعل جنس البينات على المدعي، فلم يبق في جانب المدعى عليه إلا اليمين.\n\n[٧٥٦] ثم فسر صاحب الكتاب المدعي والمدعى عليه، فقال:\nالمدعي: هو الذي ليس ذلك في يده، والمدعى عليه هو الذي في يده [ذلك] الشيء ..\nلان المدعي من لا يستغني عن اضافة الشيء الى نفسه.\nوالمدعى عليه من يستغني عن ذلك.\nوالخارج لا يستغني، فانه لو قال: ليس هذا الشيء لك لا ينتصب خصمًا.\nوالمدعى عليه يستغني؛ فانه لو قال: ليس هذا الشيء لك، ينتصب خصمًا، [و] كان المعنى فيه، وهو ان الرجل إذا كان لا يستغني عن إضافة الشيء الى نفسه كان محتاجًا الى الإثبات، والبينات شرعت للإثبات.","vol":"3","page":242},{"text":"[٧٥٧] قال:\nولو أقام المدعي البينة انه له ولد في ملكه، فأقام الذي ذلك الشيء في يده على مثل ذلك، فانه يقضى به للذي هو في يده.\nلان في دعوى النتاج بينة ذي اليد اولى، فيكون القضاء لذي اليد قضاء ملك، لا قضاء ترك، كما قاله عيسى بن ابان.","vol":"3","page":243},{"text":"[٧٥٨] قال:\nوكذلك لو أقام المدعى بينة انه له، وأقام الذي ذلك [الشيء] في يده انه له ولد في ملكه، فهو للذي [هو] في يده.\nلان الخارج لو ادعى النتاج كانت بينة ذي اليد على النتاج اولى.\nفان ادعى الخارج الملك المطلق فلان تكون بينة ذي اليد على النتاج اولى.","vol":"3","page":244},{"text":"[٧٥٩] قال:\nولو أقام المدعى البينة انه له ولد في ملكه منذ سنة، وأقام الذي هو في يده البينة انه له ولد في ملكه منذ سنتين، فهو للذي في يده.\nلانه أثبت الملك لنفسه قبل اثبات الخارج، فكان هو اولى.\n\n[٧٦٠] قال:\nولو اقام المدعي بينة انه له وفي ملكه منذ خمس سنين، وأقام الذى هو فى يده [بينة] انه له، وفي يديه، ولم يوقت شهوده وقتًا فهو للمدعي.\nلان المدعي ادعى الملك منذ خمس سنين، وأثبته بالبينة وذو اليد بينته على الملك المطلق، لا تدفع استحقاق الخارج، فكان الخارج اولى.\n\n[٧٦١] قال:\nولو أقام المدعى بينة انه له وفى ملكه، ولم يوقت شهوده وقتًا، وأقام الذي هو في يديه [البينة] انه له، وفي ملكه منذ خمس سنين، فهو للمدعي.\nلانه ليس في بينة ذي اليد على الملك المؤرخ ما يدفع استحقاق","vol":"3","page":245},{"text":"الخارج؛ لانه يجوز ان يكون مملوكًا للخارج قبل خمس سنين.\n\n[٧٦٢] وروى عن ابي يوسف انه قال: ذو اليد يكون اولى.\nفصار الحاصل ان بينة الخارج في الفصول كلها اولى، الا إذا ادعى ذو اليد النتاج، فحينئذ تكون بينته اولى.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>الباب السادس والخمسون في المدعي يدعي شيئًا وان أباه مات وتركه ميراثًا له</span>\n[٧٦٣] قال:\nوان ادعى ان أباه مات وهو وارثه، لا وارث له غيره، وادعى دارًا في يدي رجل انها كانت لأبيه، مات وتركها ميراثًا له، والذى الدار يديه ينكر ذلك، فأقام المدعي ان الدار كانت لأبيه، مات وتركها ميراثًا له، وانهم لا يعلمون لأبيه وارثًا غيره، فان الحاكم يحكم له بالدار.\nلانه أثبت سبب الملك لنفسه بالحجة، فيقضى له به، كما لو ادعى انه اشترى منه في حال حياته هذه الدار، وأقام على ذلك بينة، فهاهنا اربعة الفاظ إذا شهدوا به يقضى بها للمدعي:\nاحدها: ان يقولوا: كانت لأبيه.\nوالثاني: ان يقولوا: كانت ملك ابيه.\nوالثالث: ان يقولوا: ان اباه كان يسكنها.\nوالرابع: ان يقولوا: ان اباه كان يملكها.","vol":"3","page":247},{"text":"ففي هذه الالفاظ الأربعة تكون شهادة بالملك لأبيه.\nفان جروا الميراث؛ بأنقالوا: وتركها ميراثًا له، يقبل بالاتفاق.\nوان لم يجروا، فعلى الاختلاف المعروف، [و] سيأتي في آخر الباب ان شاء الله تعالى.\nفعند ابي حنيفة ومحمد وهو قول ابي يوسف الاولى: لا يقبل.\nوعند أبي يوسف -آخرا- يقبل.\nواما إذا شهدوا انه مات فيها، فلا تكون شهادة بالملك على ما نبين.\nوهذه الفصول أوردها في كتاب الدعوى.\nواورد في الجامع الصغير ان ذا اليد إذا أقر بشيء من الالفاظ الأربعة يكون إقرارا بالملك له، وإذا أقر باللفظ الخامس لا يكون إقرارًا بالملك له.\n\n[٧٦٤] قال:\nولو شهدوا ان اباه مات، وهذه الدار في يده، او شهدوا ان الدار كانت في يديه يوم مات، فانه يقبل، ويقضى بالملك له، وان لم يجروا الميراث.\nلانه ثبت يد الاب على الدار يوم الموت، والايدي المجهولة عند الموت","vol":"3","page":248},{"text":"تنقلب يد ملك، فكانت هذه شهادة على ملك الاب يوم الموت، وهذا وارثه، فيصير ميراثًا عنه له، فيثبت الجر دلالة، ان لم يثبت تصريحًا.\n\n[٧٦٥] قال:\nوكذلك لو شهدوا ان اباه مات، وهو ساكن فيها، يقبل، ويقضى بالملك له.\nلان الشهادة بالسكنى عند الموت شهادة باليد عند الموت؛ لان اليد تثبت بالسكنى، الا ترى ان ذا اليد إذا أقر للمدعي انه كان يسكنها كانإقرارا له بها، حتى امر التسليم ايبه، فكان هذا وما لو شهدوا ان اباه مات وهذه الدار في يده سواء.\nولو شهدوا ان اباه مات في هذه الدار، وشهدوا ان اباه كان في هذه الدار حتى مات لم يقبل الحاكم ذلك، ولم يحكم له بشيء.\nاورد محمد -﵀- اللفظ الاول في كتاب الدعوى، واستفيد من اللفظ الثاني من صاحب الكتاب.\nوكذلك لو شهدوا ان اباه دخل هذه الدار، ومات لم يقبل الحاكم ذلك، ولم يحكم له بشيء.\nلان اليد على الدار لا تثبت بالكينونة فيها، ولا بالدخول فيها؛ ألا ترى انه لو دخل الدار ملتجثًا، او لدفع أذى الحر او البرد، لا يصير مثبتًا يده على الدار. فما قامت الشهادة على اليد بالملك، فلم تقم","vol":"3","page":249},{"text":"الشهادة على الملك، ولا على سبب الملك؛ الا ترى ان هذا اليد إذا أقر للمدعي انه كان فيها، او كان فيها، او كان داخلًا فيها لا يكون إقرارا له بها، فكذا الشهادة.\n\n[٧٦٦] قال:\nولو ادعى ثوبًا لأبيه، او خاتمًا، فشهد له الشاهدانان اباه مات وهو لابس هذا الثوب، او هذا الخاتم، والذي في يديه يجحد ذلك، فانى اقضى به للابن.\nلان اليد على الملبوس تثبت باللبس؛ لان الملبوس يصير تبعًا للابس؛ الا ترى ان من لبس ثوب الغير لينظر في مقدار قامته يصير غاصبًا، فيكون اللبس في الملبوس نظير السكنى في الدر، فتكون الشهادة على اللبس عند الموت شهادة على سبب الملك له، فتكون شهادة على الملك، الا ترى ان محمدًا -﵀- ذكر في الجامع ان ذا اليد إذا أقر ان المدعي كان لابسًا هذا الثوب، كانإقرارا له به، فكذا في الشهادة [على اللبس عند الموت شهادة على سبب الملك].\n\n[٧٦٧] قال:\nوكذلك ان ادعى دابة، فشهدوا ان اباه مات وهو راكبها، او متاعًا،","vol":"3","page":250},{"text":"فشهدوا ان أباه مات وهو حامل المتاع، قضيت به للوارث.\nلان اليد على الدابة تثبت بالركوب، وعلى الثوب بالحمل، بدليل ان الغاصب يضمن.\nولو أقر ذو اليد كانإقرارا له به. كذا اورد محمد -﵀- في الجامع، فكذا في الشهادة.\n\n[٧٦٨] قال:\nولو شهدوا انه مات وهو قاعد على هذا البساط، او على هذا الفراش، او نائم عليه، لم يستحق بهذا شيئًا.\nلان اليد على المحل لا تثبت بهذه الاسباب، بدليل انه لا يصير به غاصبًا، ولا يصير بهذه الاسباب مقرًا له به، فكذا الشهادة.\n\n[٧٦٩] قال:\nولو ان رجلًا مات، وله ورثة، فحضر واحد منهم وادعى دارًا في يد رجل، انها كانت لأبيه، مات وتركها ميراثًا له، ولسائر ورثة ابيه، وهم فلان وفلان، والذى في يديه الدار يجحد هذا كله، فأقام الابن شاهدين على وفاة ابيه وعدة ورثته، وان هذه الدار لأبيه، مات وتركها ميراثًا لهم، ولم يحضر منهم وارث غيره، فان القاضي يقبل ذلك، ويحكم بالدار لأبيه، ويدفع الى هذا الذى اقام البينة حصته منها.\nلان الواحد من الوارثة ينتصب خصمُا فيما يثبت للميت على والميت، واما حصص الباقين، فتترك في يده، فكلما حضر واحد منهم اخذ حصته منها، ولا يكلف اعادة البينة انها كانت لأبيه.","vol":"3","page":251},{"text":"وهذا قول ابي حنيفة ﵀.\nوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يدفع الى المدعي حصته منها، وينتزع الباقي من يد المدعى عليه، ويجعله على يدي عدل حتى يحضر من بقى من الورثة.\nواجمعوا ان المدعى عليه لو كان مقرًا دفع الى الوارث الحاضر نصيبه، والباقي يترك في يد ذي اليد.\nوموضع المسألة كتاب الدعوى.\n\n[٧٧٠] قال:\nوإذا حضر الرجل فادعى دارا في يدي رجل انها لأبيه، مات وتركها ميراثًا، فأقام على ذلك بينة، ولم يشهدوا على عدد الورثة، ولم يعرفوهم، ولكن قالوا: تركها ميراثًا لورثته، فانه لا تقبل هذه الشهادة، ولا يدفع اليه شيء، حتى يقيم البينة على عدد الورثة.\nلانهم مالم يشهدوا على عدد الورثة لا يصير نصيب هذا الواحد معلومًا، والقضاء بغير المعلوم متعذر.\nوههنا ثلاثة فصول:\nالفصل الاول: هذا.\nوالفصل الثاني: لو شهد الشهود انه ابنه ووارثه لا نعلم له وارثًا","vol":"3","page":252},{"text":"غيره، فان القاضي [يقضى] بجميع التركة له من غير تلوم.\nوالفصل الثالث: إذا شهدوا انه ابن فلان مالك هذه الدار، ولم يشهدوا على عدد الورثة، ولم يقولوا في شهادتهم: لا نعرف له وارثًا غيره، فانالقاضي يتلوم زمانا، على قدر ما يرى، فان حضر وارث غيره قسم المال بينهم، وان لم يحضر دفع المال اليه.\nوهل يأخذ منه كفيلًا بما دفع اليه؟\nقال أبو حنيفة ﵀: لا [يأخذ منه كفيلًا].\nوقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: يأخذ [منه كفيلًا به].\nوموضع المسألة كتاب الدعوى.\nثم انما يدفع الى الوارث الذى حضر جميع المال بعد التلوم، إذا كان هذا الوارث ممن لا يحجب بغيره؛ كالأب والابن.\nاما إذا كان يحجب بغيره؛ كالجد والاخ والعم، فلا يدفع اليه المال.\nواما إذا كان ممن لا يحجب بغيره لكن يختلف نصيبه؛ كالزوج","vol":"3","page":253},{"text":"والزوجة أيدفع اليه أقل النصيبين اواوفر النصيبين؟\nقال محمد: اوفر النصيبين، وهو النصف للزوج، والربع للمرأة.\nوقال أبو يوسف: اقل النصيبين.\nوقول ابي حنيفة مضطرب في بعضها مثل قول محمد.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب فيما إذا كان الميت امرأة والمدعي زوجها، وفى بعضها مثل قول ابي يوسف.\nمحمد يقول: الزوجية سبب لاستحقاق النصف للزوج بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك ازواجكم﴾، وانما ينتقص حقه عن النصف بشرط وجود الولد، وقد وقع الشك في هذا الشرط، فلا يثبت النقصان بالشك، فترك الزوج فيما زاد على الربع الى النصف، بمنزلة الاب فيما زاد على السدس الى الكل. ثم إذا شهدوا انهأبوه يدفع اليه كل الميراث، وان احتمل ان يكون للميت ابن، فيكون للاب السدس؛ لما قلنا، فكذلك ههنا.\nوإذا ظهر الكلام في النصف في جانب الزوج، فهو الكلام في الربع في جانب المرأة.","vol":"3","page":254},{"text":"وأبو يوسف يقول: الزوجية سبب لاستحقاق النصف للزوج لكن بشرط عدم الولد بالنص لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك ازواجكم﴾ الآية. فما لم يثبت هذا الشرط لا يثبت استحقاق النصف، وترك الزوج في ما زاد على الربع الى النصف بمنزلة الجد والاخ والعم في حق اصل المال.\nثم إذا شهدوا انه جده، او اخوه، او عمه، لا يدفع اليه المال اصلا حتى يثبت الشرط، وهو عدم من هو أقرب الى الميت، فكذا الزوج في ما زاد على الربع الى النصف.\nوإذا ظهر الكلام في النصف في جانب الزوج فهو الكلام في الربع في جانب المرأة.\nثم إذا ثبت عند ابي يوسف انه يدفع أقل النصيبين، ثم اختلفت الروايات عنه في ذلك.\nاما إذا كان الميت زوجًا والمدعي امرأه ففيه روايتان:\nفي ظاهر الرواية عنه، وهو المذكور ههنا يدفع اليها ربع الثمن.\nلانه قد يكون للزوج اربع نسوه، فيكون نصيبها ربع الثمن.\nوفي رواية اخرى روى الطحاوي عنه، وهو قول الحسن ابن زياد: يدفع اليه ربع التسع، لأن المسألة قد تكون عولية؛ بان","vol":"3","page":255},{"text":"مات الرجل وترك أبوين وابنتين وامرأة، فللأبوين السدسان، هو ثمانية من اربعة وعشرين، وللبنتين الثلثان، وهو ستة عشر من اربعة وعشرين، وللمرأة الثمن، وهو ثلاثة، فمالت الفريضة بثلاثة، فصارت سبعة وعشرين، وثلاثة من سبعة وعشرين تكون تسعها، وهذه الثلاثة بين اربع نسوة فيكون لها ربع التسع.\nوقد ذكر صاحب الكتاب عن ابي يوسف رواية اخرى انه يعطى لها ربع الميراث كما قلنا لمحمد.\nواما إذا كان الميت امرأة والمدعي زوجًا ففيه روايتان ايضًا:\nفي ظاهر الرواية عنه، وهو المذكور ههنا: يدفع اليه الربع.\nوفي رواية اخرى التي رواها عنه الطحاوي، وهو قول الحسن: يدفع اليه الخمس.\nلان المسألة قد تكون عولية؛ بان ماتت المرأة، وتركت أبوين وابنتين، وزوجًا، فللأبوين السدسان، وهو اربعة من اثني عشر،","vol":"3","page":256},{"text":"وللبنين الثلثان، وهو ثمانية من اثنى عشر، وللزوج الربع، وهو ثلاثة من اثني عشر، فعالت الفريضة بثلاثة، فصارت خمسة عشر، وثلاثة من خمسة عشر [تكون] خمسها.\n\n[٧٧١] قال:\nولو ان رجلًا مات وترك امرأة حبلى وورثة، فأراد الورثة أخذ حقوقهم، فانه يقسم التركة بينهم، ولا يؤخر لمكان الحبل.\nوكم يوقف لأجل الحبل من التركة؟\nعند ابي حنيفة -﵀- نصيب اربعة بنين.\nوعند محمد -﵀- وهو قول الحسن نصيب ابنين.\nوعن ابي يوسف -﵀- روايتان:\nفي رواية نصيب ابنين، كما قال محمد والحسن.\nوفي رواية، وهو المذكور في الكتاب، نصيب ابن واحد، وعليه الفتوى، وقد ذكرنا هذا في كتاب الفرائض.\n\n[٧٧٢] قال:\nوإذا اقام رجل البينة ان هذه الدار كانت لأبيه، ولم يشهدوا ان اباه مات وتركها ميراثًا له، قال أبو حنيفة ﵀: لا أحكم بها للأب، وهو قول محمد وابي يوسف اولًا.","vol":"3","page":257},{"text":"وقال أبو يوسف آخرًا: احكم بها ميراثًا بين ورثة الاب، بناء على ان جر المواريث شرط عندهما، وعند ابى يوسف ليس بشرط.\nوعلى هذا الخلاف إذا شهدوا انها كانت لجدهم، مات الجد، وتركها ميراثًا، ولم يزيدوا على هذه المقالة، فعند ابى حنيفة وابي يوسف اولًا لا يحكم بذلك، لا للجد، ولا لهم، حتى يفسروا المواريث، فيقولوا: مات جدهم فلان، وتركها ميراثًا لفلان وفلان، وهم اولاده، ثم مات فلان ابنه، وترك حصته منها ميراثًا لورثته، وهم فلان وفلان، وهم اولاد، وهم هؤلاء.\nوعند ابي يوسف بدون هذا الحكم، يحكم بها للجد، ثم لمن بعده.\nوحق المسألة كتاب الدعوى.\nوان شهدت البينة على إقرار الذي في يده الدار انه أقر انها دار جدهم، جازت الشهادة، وقضى بها لجدهم، ثم لورثة الجد، ثم لهم، ان لم يكن وارث غيرهم في قولهم جميعًا.\nفأبو يوسف ﵀ سوى بينهما، وهما قرقًا.","vol":"3","page":258},{"text":"وموضع الفرق لهم كتاب الدعوى.\n\n[٧٧٣] قال:\nولو ان رجلًا ادعى شيئًا لأبيه، وأقام بينة ان هذا الشيءلأبيه مات وتركه ميراثًا، وان اباه مات يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، فأقامت امرأة البينة ان اباه تزوجها يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، وانه مات بعد ذلك بيوم [وموته] بعد اليوم الذي وقته الابن، فانا نحكم بالميراث بشهادة شهود الابن، ويحكم بشهادة شهود المرأة على التزويج، فيجعل لها الصداق والميراث مع الابن.\nلان يوم الموت مما لا يدخل تحت القضاء؛ لانه لا يتعلق به حكم؛ لان الميراث ليس يستحق بالموت، بل بسبب سابق على الموت، وإذا لم يدخل يوم الموت تحت القضاء جعل وجود ذلك التاريخ وعدمه بمنزلة.\nولو عدم تقبل البينتان جميعًا، ويقضى بحق كل واحد منهما.\nلان العمل بهما ممكن، فكذا هذا.\n\n[٧٧٤] قال:\nوكذلك لو أقامت امرأة اخرى بعد هذه المرأة البينة ان ابا هذا تزوجها في يوم كذا من شهر كذا [من سنة كذا] بيوم بعد الذى","vol":"3","page":259},{"text":"وقتت فيه موته المرأة الاولى، قبلت بينتها، وحكم بنكاحها وتوريثها منه.\nلما قلنا.\nفرق بين هذه المسألة وبين ما لو أقام الابن البنية على رجل انه قتل أباه في وقت كذا وكذا، وادعى عليه القصاص او الدية، وقضى القاضي بذلك، ثم أقامت المرأة [البينة] انه تزوجها بعد ذلك لم أقبل بينتها.\nوالفرق ان يوم القتل يدخل تحت القضاء؛ لانه تعلق بالقتل القصاص او الدية، فاعتبر ذلك التاريخ، فإذا ادعت المرأة بعد ذلك بتاريخ يخالفه لا تقبل دعواها.\nوقد استشهد صاحب الكتاب في الكتاب بمسألة اخرى فقال:\nالا ترى ان امرأة لو أقامت البينة انه تزوجها يوم النحر بمكة، فقضى بشهودها، ثم اقامت امرأة اخرى البينة انه تزوجها يوم النحر في تلك السنة بخراسان، فانى لا أقبل بينة المرأة الاخرى.\nلان يوم النكاح يدخل تحت القضاء، فاعتبر ذلك التاريخ، فإذا ادعت المرأة بعد ذلك بتاريخ يخالفه لم تقبل دعواها.\n\n[٧٧٥] قال:\nولو ان رجلًا ادعى شيئًا في يدي رجل انهلأبيه، مات وتركه ميراثًا، وأتى بشاهدين يشهدانان هذا الشيء المدعى كان في يد ابي","vol":"3","page":260},{"text":"هذا المدعى، وهو فلان حتى مات وهو في يده، جاز ذلك، وحكم بذلك الشيء لورثة ابي هذا المدعي في قولهم جميعًا.\nلانه ثبت الجر دلالة.\nلما مر في صدر الباب.\nوان شهدوا بذلك لرجل حي فقالوا: نشهد ان هذا الشيء كان في يد هذا منذ شهر، او منذ سنة، في خصومة وقعت في حياته، كان ذلك باطلًا.\nلما مر في صدر الباب\nوالله تعالىأعلم","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-281>الباب السابع والخمسون في القاضي لمن يجوز قضاءه ولمن لا يجوز</span>\n[٧٧٦] الأصل في هذا الباب ان القضاء يعتبر بالشهادة، فكل من حازت شهادته له نفذ قضاؤه له، والا فلا.\nإذا عرفنا هذا جئنا الى ما ذكر في الباب:\n\n[٧٧٧] ذكر حديث علي -﵁- انه وجد درعًا لرجل من قريش قتل يوم الجمل، فوجدها مع عبد الله بن قفل التيمي، فقال: هات الدرع؛ فإنها لرجل من قريش قتل يوم الجمل، فقال عبدالله: اشتريتها بأربعة آلاف، فقال: بيني وبينك شريح، فقال شرحي لعلي ﵇: بينتك، فجاء بعبد الله بن جعفر، ومولى لعلي -﵁-، فكان شريحًا اتهم المولى، ولم يجز شهادته، فغضب علي -﵁-، واخذ الدرع، وقال للرجل: اتبع بائعك، وعزل شريحًا","vol":"3","page":262},{"text":"عن القضاء ثم اعاده.\nويقال ان صاحب الدرع طلحة بن عبيدالله.\nفي الحديث فوائد:\nمنها:\nانه يجوز للمقلد ان يقضى للمقلد وعليه.\nوبه نأخذ.\nالا ترى ان عليًا -﵁- قلد شريحًا، وخاصم عنده. وهذا لان المقلد ليس بنائب عن المقلد، بل هو نائب عن جماعة المسلمين، ولهذا لا ينعزل بموته.\nومنها:","vol":"3","page":263},{"text":"ان المولى إذا شهد للمولى لا تقبل.\nولا نأخذ به.\nلكن شريحًا اعتمد ظاهر قوله ﵊:\n«المسلمون عدول بعضهم على بعض، الا ظنينا في ولاء أو نسب».\nومنها:\nانه يجوز للإمامان يقضى بعلمه؛ ألا ترى ان عليًا -﵁- قضى بعلمه، وكان هو الامام الاكبر.\n\n[٧٧٨] قال:\nولو ان قاضيًا قضى للإمام الذي ولاه بقضية، او قضى عليه جاز.\nلما روينا من الأثر، ولما قلنا من المعنى.\n\n[٧٧٩] [قال]:","vol":"3","page":264},{"text":"وكذلك لو قضى لولد الامام، او والده، او لزوجته.\nلان نفس الامام اليه أقرب من الولد، والوالد، والزوجة، فإذا جاز ذلك فهذا اولى.\n\n[٧٨٠] قال:\nوكذلك لو ان قاضيًا قضى لأخيه، او لعمه، او لابن أخيه، او لأخته، او لخاله، [أو لخالته]، أو لأحد من محارمه يجوز.\nلانه لو شهد لهؤلاء جاز.\n\n[٧٨١] قال:\nوكذلك قاضي القضاة لو خوصم الى قاض ولاه هو فقضى له او عليه جاز ذلك.","vol":"3","page":265},{"text":"لان قاضي القضاة في حق هذا القاضي بمنزلة الامام في حقه، ولو قضى للإمام جاز، فكذا هنا.\n\n[٧٨٢] قال:\nوكذلك لو ان الامام ولى قاضيًا على مثل خراسان، وأمره ان يولي قضاة على الكُوَرِ ففعل، ثم خاصم القاضي الاعلى الى بعض من ولاه، فقضاءه جائز له وعليه.\nلما قلنا.","vol":"3","page":266},{"text":"[٧٨٣] قال:\nوان قضى القاضي لولده، او لولد ولده وان سفلوا من ولد الرجال والنساء، او قضى لأبويه، او لأجداده، او لجداته من قبل ابيه وأمه، وان بعدوا، لم يجز قضاؤه لاحد منهم في شيء من الاشياء.\n\n[٧٨٤] وكذا إذا قصى لزوجته، او لمكاتبه، او لعبده، وعليه دين، او لا دين عليه.\nلانه لو شهد لهؤلاء لم تجز شهادته، فكذا القاضيإذا قضى لهم.\nوان قضى على احد من هؤلاء كلهم بشيء جاز قضاؤه عليهم جميعًا.\nلانه لو شهد على هؤلاء جازت شهادته عليهم، فكذا إذا قضى عليهم.\n\n[٧٨٥] قال:\nوان قضى لأب امرأته، او لأمها، وهما حيّان، جاز قضاؤه لهما.\nلانه لو شهد لهما جاز، فكذا إذا قضى لهما.\nوان كانا قد ماتا لم يجز قضاؤه لهما، إذا كانت امرأته ترث من ذلك شيئًا.\nلانه لو شهد لهما في هذه الصورة لم يجز، فكذا إذا قضى لهما.\n\n[٧٨٦] قال\"\nوان قضى القاضي لامرأة ابنه، او لزوج ابنته، والمقضي له حي","vol":"3","page":267},{"text":"جاز قضاؤه [له] وان كان ميتًا لم يجز، إذا كان الابن او البنت ممن يرثه.\nلما قلنا:\n\n[٧٨٧] قال:\nوإذا قدم الى القاضي من لا يجوز قضاؤه له، فلا ينبغي له ان ينظر بينهما، فان فعل وتوجه الحكم على ابنه فحكمه جائز، وان توجه الحكم لابنه على الآخر لم يجز حكمه لابنه.\nلما قلنا.\n\n[٧٨٨] قال:\nولو ان قاضيًا شهد عنده شاهدان لرجل بحق على رجل، فحكم بشهادتهما، او لم يحكم حتى عزل فمات الشاهدان، او غابا، فسأل المدعي القاضي المعزول ان يشهد له على شهادة الشاهدين اللذين شهدا عنده، فلا ينبغي ان يفعل.\nلان الفرع نائب عن الأصل في الشهادة، وانما يتحقق معنى النيابة.","vol":"3","page":268},{"text":"بإنابة الاصل، ولم توجد؛ ألا ترى ان شاهد الأصل لو أشهد إنسانا على شهادته، فسمع إنسان ذلك منه، لا يكون له ان يشهد على شهادته، فكذا القاضي، فان شهد مع هذا القاضي وفسر ذلك لم تنفذ شهادته.\nلما قلنا.\n\n[٧٨٩] قال:\nولو ان قاضيًا عزل عن القضاء، وقد كانإنسان أقر عنده لرجل بحق، فسأل الطالب القاضي المعزول ان يشهد له على إقرار ذلك الرجل، فانه ينبغي له ان يشهد له على ذلك، وتجوز الشهادة، ويحكم بها القاضي الذي شهد عنده.\nلانه ليس بنائب في الشهادة على الإقرار، حتى تشترط الانابة؛ ألا ترى نه لو اقر بالحق لإنسان، فسمع إنسان آخر إقراره حل له ان يشهد على إقراره، كذلك لو طلب صاحب الحق من القاضي المعزول، ان يشهد عند القاضي بحق له عليه، فانه يشهد.\nلان القاضي عاين السبب الموجب للحق؛ لان الإقرار يوجب الحق بنفسه، من غير ان يتصل به قضاء القاضي، فكان له ان يشهد.\nوالله أعلم","vol":"3","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>الباب الثامن والخمسون في ما يكون فيه خصمًا وما لا يكون فيها خصمًا</span>\n[٧٩٠] قال\"\nوإذا ادعى دارا في يدي رجل، فقال الذي [هي] في يديه: هذه الدار لفلان بن فلان الغائب، او دعنيها، او غصبتها منه، او أجرنيها، او ارتهنتها منه، لا تندفع عنه الخصومة، حتى يقيم البينة على ذلك، فإذا أقام فلا خصومة بينه وبين المدعى حتى يحضر فلان الغائب، لكن لا يثبت الملك للغائب.\nوقال ابن ابي ليلي: تندفع الخصومة بدون البينة.\nوقال ابن شرمه: لا تندفع [الخصومة عنه] وان اقام البينة.\nوهى محمسة كتاب الدعوى، وتمامها في الجامع.\n\n[٧٩١] قال:\nولو قال الذي في يديه الدار: ليست لي بينة على ادعيت من","vol":"3","page":270},{"text":"ملك فلان الغائب انها داره، او دعنيها، او غصبتها منه، او استأجرتها، او ارتهنتها [منه]، ولكن قد أقررت انت بها، وأقام بينة على إقرار المدعي بان الدار لفلان الغائب، فلا خصومة بينهما في ذلك حتى يحضر الغائب.\nلان الثابت من الإقرار بالبينة كالثابت بالمعاينة.\nولو عاين القاضي إقرار المدعي ان هذا الشيء ملك فلان الغائب، لا تكون بينهما خصومة، فكذا إذا ثبت هذا بالبينة.\n\n[٧٩٢] قال\"\nولو قال الذي في يده الدار: ليست لي بينة ان فلانا اودعني ذلك، او أعارني، أو رهنني، وان لك ملك فلان، وان هذا المدعي يعلم ان الأمر هكذا، فاستحلفه: بالله؛ انه لا يعلم ذلك، فان القاضي يستحلفه على علمه بالله؛ ما يعلم ان فلان بن فلان الفلاني اودعه هذا الشيء، او أعاره او رهنه، او آجره.\nلأني المدعى عليه يدعى عليه معنى لو أقر به لزمه، فإذاانكر كان له","vol":"3","page":271},{"text":"ان يحلفه، لكن على العلم؛ لانه استحلاف على فعل الغير، فان نكل فلا خصومة بينهما حتى يحضر الغائب.\n\n[٧٩٣] قال:\nولو كانت ادبة، او ثوبًا، او غلامًا، فقال الذي [ذلك] في يديه: هذا لفلان، سرقته منه، اوانتزعته منه، او وصل الى ذلك من قبل فلان، وهو على ملك فلان، وأقام بينة على ذلك، فلا خصومة بينهما.\nلما قلنا.\nوكذلك لو شهد الشهود ان فلانا الغائب دفعها الى هذا وديعة، او عارية، او غصبًا، او اجارة، او رهنًا، ولا يدري هي لفلان الغائب، او لا.\nلانهم شهدوا ان يد هذا يد أمانة، وليست بيد خصومة.\nوكذلك لو قالوا: رأيناه سرق [ذلك] من فلان، ولا ندري هو لفلاناو لا، فهذا كله سواء، ولا خصومة بينهما، حتى يحضر الغائب.\nلما قلنا.\n\n[٧٩٤] قال:\nولو قال للذي ذلك [الشيء او الدار] في يدية [ان] فلانا اودعني هذا، او ارتهنت منه، او استأجرته منه، فسأله القاضي البينة على","vol":"3","page":272},{"text":"ذلك، فأقام شاهدين، فشهدا: ان هذه الدار، او ذلك الشيء الذي في يد المدعى عليه لفلان الغائب، ولم يشهدوا على عارية، ولا وديعة، ولا على شيء مما ذكرنا، ولا ان ذلك وصل اليه من قبل فلان، فهو خصم.\nلانهم شهدوا بالملك فيه للغائب لا غير، فكانت الشهادة بهذه الاشياء قائمة للغائب، وليس عنه خصم حاضر.\nفرق بين البينة والإقرار؛ فان المدعي إذا أقر ان ذلك ملك فلان الغائب، تندفع عنه الخصومة.\nوالفرق: ان الإقرار بانه ملك فلان الغائب إقرار على نفسه فصح، فثبت ان يد هذا ليست بيد خصومة.\n\n[٧٩٥] قال:\nولو قال المدعي: اشتريتها من فلان الغائب، وقال الذي ذلك الشيء في يديه: اودعني، او أعارني، او غصبته، او سرقته منه، او أقر ان ذلك وصل اليه من قبل فلان الغائب فلا خصومة بينهما.\nلانهما تصادقا ان الملك كان لفلان الغائب، ثم ان المدعي يدعي ذلك لنفسه، وليس على الغائب خصم حاضر؛ لان هذا الذي ذلك الشيء","vol":"3","page":273},{"text":"في يديه ليس بوكيل عنه، فلا تكون بينهما خصومة، الا ان يقيم المشتري بينة ان فلانا الغائب وهو البائع وكله بقبض ذلك من هذا الذي هو في يده، فان اقام على ذلك بينة تقبل، وكان له قبض ذلك.\nلانه ادعى على الحاضر حقًا، فينتصب الحاضر عنه خصمًا.\n\n[٧٩٦] قال:\nولو كانت دابة، او جارية في يدي رجل، فقال المدعي: هذه دابتي، او جاريتي غصبت مني، او سرقت مني، وأقام الذي في يديه بينة: ان فلانا اودعه ذلك، او اقام البينة: انه مودع فيه من جهة فلان، فلا تندفع عنه الخصومة.\nلان المدعى يدعي عليه فعلًا، وهو ما احال بهذا الفعل على غيره فبقى خصمًا له، بخلاف ما إذا ادعى المدعى الملك المطلق؛ لان المدعى عليه انما انتصب خصمًا باعتبار اليد، فتبين ان اليد ليست يد ملك، فلا ينتصب خصمًا.\n\n[٧٩٧] قال:\nوأما إذا قال المدعي: دابتي، او جاريتي، غصبت مني او سرقت مني، وأقام الذي ذلك في يديه بينة: ان فلانا اودعه ذلك، او اقام بينة: انه مودع فيه من جهة فلان [فقد] اجمعوا على انه في الغصب تندفع الخصومة، وفي السرقة اختلفوا:","vol":"3","page":274},{"text":"قالأبوحنيفة -﵀-: لاتندفع، وهو بمنزلة ما لو ادعى عليه السرقة.\nوقال غير ابي حنيفة: تندفع عنه الخصومة.\nوموضع المسألة كتاب السرقة والغصب.\n\n[٧٩٨] قال:\nولو ان الذي ذلك [الشيء] في يديه قال: أودعني ذلك رجل، ولم يسمه، وجاء بشاهدين، فقالا: نشهد ان رجلًا اودعه اياه، فان القاضي يسألهما عن الرجل، فان قالا: لا نعرفه بوجهه، فانه لا تندفع الخصومة عنه بالإجماع.\nوان قالا: نعرفه بوجهه، ولا نعرفه باسمه ونسبه [فقد] اختلفوا فيه:\nقال أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله- تندفع عنه الخصومة.\nوقال محمد: لا تندفع، حتى يعرفاه باسمه ونسبه.\nغير ان عند ابى يوسف ههنا، وفي الموضع الذي سميا ونسبا، وفي المواضع الأخر التي ذكرنا انه يقبل البينة على ذلك، إذا لم يعرف القاضي ان الرجل معروف بالحيل.\nاما إذا عرف فلا تقبل.","vol":"3","page":275},{"text":"ذكر صاحب الكتاب الاختلاف في هذه الصورة.\nوقال غيره: الخلاف فيما إذا ادعى ذو اليد الوديعة، والاجارة من رجل معروف، بان قال: اودعني، او آجرني فلان، يعني فلان بن فلان، لكن شهد شاهدانان رجلًا اودعه اياه، او آجره، وقالا: نعرفه بوجهه، اما إذا قال ذو اليد: اودعني رجل لا تقبل شهادتهم بالإجماع.\nوهو الصحيح.\n\n[٧٩٩] قال:\nولو قال الذي ذلك الشيء في يديه: أودعنيه فلان - يعني فلان ابن فلان - وشهد الشهود انهاودعه ذلك رجل لا يعرفونه لم تقبل هذه الشهادة.\nلانهم شهدوا لمجهول.\n\n[٨٠٠] قال:\nولو قال: اودعني رجل لا أعرفه، وقال الشهود: اودعه ذلك فلان، يعنى فلان بن فلان، لم تقبل الشهادة، وكان خصمًا.\nلان دعوى مدعي الوديعة غير صحيحة؛ لانه يدعي الفعل من المجهول، والشهادة بلا دعوى لا تقبل.","vol":"3","page":276},{"text":"[٨٠١] قال:\nولو ان رجلًا اشترى دارا شراء فاسدًا، وقبضها، ثم ادعاها رجل، وأقام بينة انها له بالشراء، حكم له، وقضى بها عليه للذي اقام البينة، ويرجع المشتري على بائعه بالثمن الذي نقده اياه.\nلان الشراء الفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض به، فيصير خصمًا فيه؛ كما في الملك بالشراء الجائز.\nوكذا الهبة عند اتصال القبض بها، والصدقة عند اتصال القبض بها تفيد لملك، فينتصب خصمًا فيه لمدعي الملك، بخلاف الرهن، والاعارة، والوديعة، والاجارة، فان صاحب اليد لا يكون مالكًا، فإذا لم تكن يده يد ملك فلا ينتصب خصمًا لمدعى الملك.\n[والله أعلم]","vol":"3","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-283>الباب التاسع والخمسون في كتاب القاضي الى القاضي</span>\n[٨٠٢] ذكر عن الشعبي انه كان يجيز كتاب القاضي إذا جاءه بغير بينة.\nوهذه مسألة اختلف فيها السلف على أقاويل:\nفكان الشعبي يجيز كتاب القاضي إذا جاءه بغير بينة.","vol":"3","page":278},{"text":"وكان عمر بن عبد العزيز -﵀- يشترط ان يكون الكتاب مختومًا، إذا كان الختم معروفًا.\nوكان بعضهم يشترط مع الختم ان يكون معنونًا في ظاهره وباطنه.\nوكان بعضهم يقول: لا نقبل حتى تقوم عليه البينة انه كتاب القاضي، وبه اخذ علماؤنا ﵏.\nفالشعبي يقول:\nاجمعنا ان كتاب أهل الحرب إذا جاء الى امام المسلمين يكون معتبرًا بغير بينة، حتى إذا دخل الكافر الذي معه الكتاب دار الاسلام بغير استئمان يكون آمنًا، فلان يكون الكتاب الذي جاء من قاضي المسلمين معتبرًا من غير بينة اولى. وصار هذا كرسول القاضي الى المزكي ورسول المزكيالى القاضي [حيث] يكون معتبرًا من غير بينة فكذا هذا.\nوعمر بن العزيز يقول: الكتاب متى كان مختومًا، والختم","vol":"3","page":279},{"text":"معروفًا، يؤمن فيه من الزيادة والنقصان والتبديل والتغيير.\nونحن تقول: كتاب القاضي ملزم، فانه يجب على القاضي ان ينظر فيه، ويعمل به، والحجة لا تكون ملزمة الا ببينة؛ بخلاف كتاب اهل الحرب؛ لانه ليس بملزم شيئًا، فانه متى ورد على الامام فهو بالخيار ان شاء اعطاه الأمام وان شاء لم يعطه الأمان. فلا تشترط فيه البينة، وبخلاف رسول القاضي الى المزكي، ورسول المزكي الى القاضي؛ لان القضاء ثمة انما يقع بشهادة الشهود لا بالتزكية.\n\n[٨٠٣] ذكر عن عمر بن ابي زائدة او عمير قال:\nجئنا بكتاب من قاضي الكوفة الى اياس بن معاوية، فجئت وقد عزل اياس واستقضى الحسن، فدفعت كتابي اليه فقبله، ولم يسألني بينة عليه، ففتحه، ثم نشره، فرأى لي، وفي رواية فوجد لي فيها شهادة شاهدين على رجل من أهل البصرة بخمسمائة درهم، فقال لرجل يقوم على راسه: اذهب بهذا الى زياد، فقل له ارسل الى فلان بن فلان فخذ","vol":"3","page":280},{"text":"منه خمسمائة درهم فادفعها الى هذا، فذهب بي ففعل.\nولسنا نأخذ بهذا؛ فان الكتاب إذا جاء من قاض الى قاض، ولو مات المكتوب اليه او عزل فدفع الى قاض آخر فانه لا يقبله، ولا يكون حجة.\nوتأويله: انه يجوز ان الحسن كان عالمًا بوجوب ذلك الحق، وانما قضى بعلم نفسه لا بالكتاب، فان كان هذا العلم حصل [له] في حالة القضاء","vol":"3","page":281},{"text":"كان قول الكل، وان كان حصل قبل القضاء كان قلوهما، فصار الحديث حجة لهما على ابي حنيفة -﵀-.\nوانما ارسل الرجل الذي قام على رأسه الى زياد، ولم يرسل الخصم؛ لان زيادًا كان واليًا، وقد عجز الحسن عن استخراج الحق من المطلوب.\nوعندنا إذا عجز عن استخراج الحق من المطلوب يجوز له ان يستعين بالوالي.\n\n[٨٠٤] قال:\nوإذا تقدم الرجل الى القاضي، فسأله ان يقبل بينة على حق يلزمه ببينة له على رجل في بلد آخر؛ ليكتب له كتابًا الى قاضي ذلك البلد، فان القاضي يسمع من شهوده على حقه الذي يدعي.\nلان الحاجة ماسة الى هذا، فان الإنسان قد يتعذر عليه الجمع بينه وبين خصمه والشهود في مجلس القاضي، فكان فيه حاجة ماسة كما في الشهادة على الشهادة، ثم الشهادة على الشهادة جعلت حجة لمكان مساس الحاجة، فكذا كتاب القاضيالىلقاضي.\nثم المدعى لا يخلو: اما ان كان دينًا، او عقارًا، او عروضًا:\nففي الدين العقار يجوز كتاب القاضي الى القاضي بالإجماع؛ لان الحاجة في الدين الى بيان قدره ووصفه، وفي العقار الى","vol":"3","page":282},{"text":"التحديد وذلك ممكن فيجوز.\nواما في العروض؛ نحو الثياب والعبيد والجواري، فلا يجوز كتاب القاضي الى القاضي فيه.\nلان الشرط فيما ينقل الاشارة اليه من المدعي والشهود، فإذا عدم هذا الشرط فلا تقبل الدعوى والبينة على ذلك.\nوروي عن ابي يوسف -﵀- انه قال: يجوز في العبيد في الاباق لضرورة، بشرائط على ما نبين بعد هذا ولا يجوز في الجواري.\nروى عنه محمد -﵀- ثم ذكر بعد هذا وروى عنه انه قال: يجوز في العبيد والجواري جميعًا، ولا يجوز غيرهما من المنقولات.\nوروى عنه في النوادر انه قال: يجوز في جميع العروض، وبه أخذ مشايخنا المتأخرون.\nقال الامام [القاضي] الاسبيجابي: وعليه الفتوى.\n\n[٨٠٥] ثم إذا أراد القاضي ان يكتب الى قاض آخر فانه يكتب في الكتاب اسم المدعي، واسم ابيه، واسم جده، وحليته، ونسبه الى قبيلته،","vol":"3","page":283},{"text":"وفخذه، او صناعته ان لم يكن من العرب.\nوكذا يكتب اسم المدعى عليه، واسم ابيه، واسم جده، وحليته، ونسبته الى قبيلته، وفخذه، او صناعته ان لم يكن من العرب.\nفان ذكر اسمه واسم ابيه وجده، وترك ما سوى ذلك جاز وكفاه.\nوان ذكر اسمه واسم ابيه ولم يذكر اسم جده كان في صحة الكتاب الخلاف المعروف بين اصحابنا.\nوكذا لو نسبه الى قبيلته وفخذه وترك اسم الجد، او نسبه الى صناعته المعروفة ان لم يكن عربيًا، وترك اسم الجد كانت صحة الكتاب على ذلك الخلاف ايضًا.\nفإذا ذكر اسمه ولم يذكر اسم ابيه، لكن نسبه الى قبيلته وفخذه، فقال: فلان التميمي، او النضري، لا يصح الكتاب بالإجماع.\n\n[٨٠٦] وإذا صحت النسبة، فبعد ذلك المسألة على ثلاثة اوجه:\nاما ان عرف القاضي المدعي.\nاو لم يعرفه، لكن سأل الشهود عن اسمه ونسبه الى جده.\nاو لم يعرف ولم يسأل [الشهود].\nففي لوجه الاول يكتب: حضر مجلس الحكم يوم كذا وكذا رجل يقال له فلان بن فلان، وقد اثبت معرفته انه فلان بن فلان.","vol":"3","page":284},{"text":"او يكتب عرفته [انه] فلان بن فلان بن فلان، وزعم ان له على فلان بن فلان بن فلان كذا الى آخر الكتاب.\nوفي الوجه الثاني يكتب: حضر مجلس الحكم يوم كذا وكذا رجل ذكر انه فلان بن فلان الفلاني، ولم اعرفه، فأقام البينة فشهدوا انه فلان ابن فلان الفلاني، فاثبت معرفته، او يكتب: عرفته، او يكتب: نبت عندي بحجة حكمية انه فلان بن فلان الفلاني.\nوفي الوجه الثالث يكتب: حضر مجلس الحكم يوم كذا وكذا رجل ذكر انه فلان بن فلان الفلاني، فيستقصي في تعريفه كي لا يتسمى رجل باسم رجل فيأخذ [ذلك] المال بغير حق.\nفإذا عرف المدعي يعرف المدعى عليه نحو هذا.\n\n[٨٠٧] ويكتب اسماء الشهود الذين شهدوا عنده، وانسابهم، وحلاهم، ومواضعهم، ويعرفهم كما عرف المدعى والمدعى عليه.\nلانه ربما يطعن المشهود عليه الغائب فيهم فينبغي ان يعرف انسابهم، حتى إذا طعن في البعض يعرف المطعون من غيره.\nولو لم يكتب اسماءهم وانسابهم، واخفى، واكتفى بذكر قوله: شهد بذبك عندي شهود عدل قد عرفتهم، واثبت معرفته كفاه.\nلما قلنا في القاضي إذا كتب السجل إذا شاء أظهر فيه اسماء الشهود وانسابهم، وان شاء اخفى واكتفى بقوله: بعد ما ثبت عندي بشهادة شهود","vol":"3","page":285},{"text":"عدول، فكذا ههنا.\nثم إذا كتب اسماء الشهود فالمسألة على وجهين:\nان عرفهم القاضي بالعدالة كتب ذلك في الكتاب.\nوان لم يعرفهم بالعدالة سأل عنهم.\nفإذا عدلوا كتب في الكتاب: انه سأل عنهم فعدلوا عنده، وعرفوا بخير؛ لان القاضي المكتوب اليه محتاج الىن يقضى به. وانما يمكنه القضاء إذا ظهرت عدالة الشهود.\nفان لم يكتب القاضي عدالة الشهود فلا بأس به.\nلان القاضي المكتوب اليه متى وصل اليه الكتاب يتفحص عن حال الشهود الذين شهدوا عند القاضي بالحق، فمتى ظهرت العدالة فحينئذ يقضي.\nفإذا كتب الكتاب يقرأ كتابه على الشهود الذين يشهدهم على الكتاب.\nلان عند ابي حنيفة ومحمد وهو قول ابي يوسف الاول معرفة ما في الكتاب للشهود شرط، فما لم يقرأ عليهم لا يعرفونه.\n\n[٨٠٨] قال:\nويدفع اليهم نسخة تكون معهم حتى يحفظوا ما في الكتاب.\nلانهم ان نسوا ما في الكتاب لم تقبل شهادتهم عند ابي حنيفة ومحمد وهو قول ابي يوسف الاول.\n\n[٨٠٩] قال:\nويختم الكتاب بحضرتهم.","vol":"3","page":286},{"text":"لانه لو لم يختم بحضرتهم يتوهم التغيير والتبديل.\n\n[٨١٠] قال:\nويشهدهم ان هذا كتابه الى فلان بن فلان قاضي بلد كذا وكذا، وهذا خاتمه عليه.\nكي لا يشتبه على الشهود حال المكتوب اليه.\n\n[٨١١] فصار عند ابي حنيفة ومحمد، وهو قول ابي يوسف الاول شرط صحة كتاب القاضي الى القاضي أشياء:\nاحدها: ان يقرأ عليهم الكتاب، او يخبرهم بما في الكتاب.\nوالثاني: ان يختم بحضرتهم.\nوالثالث: ان يحفظوا ما في الكتاب.\nحتى لو عدم شيء من هذه الاشياء لا يقبل، وأشياء أخر تأتي بعد هذا في باب القاضي يرد عليه كتاب من قاض.\nوعند ابي يوسف آخرا ليس شيء من هذه الاشياء بشرط، بل إذا اشهدهم القاضي ان هذا كتابه وختمه، فشهدوا على الكتاب والختم عند القاضي المكتوب اليه كفى.\nوالحجج تعرف في المبسوط.\n\n[٨١٢] قال:\nوإذا كتب القاضي الكتاب فقال: هذا من فلان بن فلانالى قاضي بلد كذا وكذا، ولم يكتبوا اسم ذلك القاضي واسم ابيه، فعند ابي حنيفة ومحمد، وهو قول ابي يوسف الاول ينبغي للقاضي الذي يرد","vol":"3","page":287},{"text":"عليه الكتاب ان لا يقبله.\nوقال أبو يوسف آخرًا: يقبله، بشرط ان يكون تاريخ الكتاب بعد ولاية الذي يصل اليه الكتاب.\nوهذا على الخلاف؛ إذا كتب القاضي الكتاب، فقال هذا: من فلان بن فلانالى من وصل اليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم.\nوأجمعوا انه لو كتب هذا: من فلان بن فلانالى قاضي بلد كذا فلان ابن فلان، والى كل من وصل اليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم، فمتى ورد الكتاب على كل قاض [فانه] يقبله.\nأبو يوسف يقول: ذكر الاسم والنسب انما كانللإعلام، والقاضي في كل بلدة معروف ومشهور، فتقع الغنية في حقه عن ذكر الاسم والنسب؛ الا ترى ان ابا حنيفة وابن ابي ليلى لما صارا مشهورين وقع الاستغناء في حقهما لإعلامهما.\nوأبو حنيفة ومحمد يقولان: اعلام القاضي المكتوب اليه شرط، وانما يصير معلومًا بالاسم والنسبة، ولم يوجد، بخلاف ما إذا سمى فلان ابن فلان، ثم قال: والى كل من يصل اليه؛ لان الاول قد صار معلومًا بذكر الاسم والنسبة، وما وراءه تبع له، فأمكن الحاقه به.","vol":"3","page":288},{"text":"[٨١٣] وقال:\nوكل حق يدعيه رجل من دين، او قرض، او غصب، او وديعة، او مضاربه - يعني وديعة مجحودة، او مضاربه مجحودة -او ضيعة، او دارًا، او عقارًا في يدي رجل، فان القاضي إذا ثبت ذلك عنده كتب مصاحبه بذلك.\nلان دعوى الوديعة المجحودة، ودعوى المضاربة المجحودة دعوى الدين، والدين والعقار مما لا ينقل، وكتاب القاضي الى القاضي فيما لا ينقل جائز بالإجماع؛ لعدم الحاجة الى الاشارة.\nفأما المودع والمضارب إذا كان مقرًا فلا حاجة الى كتاب القاضي الى القاضي فيه.\n\n[٨١٤] قال:\nوكذلك إذا ادعت امرأه نكاحًا على رجل، او ادعى رجل على امرأه نكاحًا، او امرأه ادعت طلاقًا على زوجها، او رجل ثبتت وكالته او وصيته، واراد كتاب القاضي بذلك، فانه يكتب له به.\nلان هذه الاشياء مما لا تنقل، فكان كتاب القاضي فيها جائزًا بالإجماع؛ لعدم الحاجة فيها الى الاشارة.","vol":"3","page":289},{"text":"فان قيل: الاشارة في باب النكاح شرط، وكتاب القاضي فيما يحتاج فيه الى الاشارة لا يجوز.\nقيل له: الاشارة الى الخصم شرط كاف، وهو الرجل او المرأة، وهو ليس بمدعى به، انما المدعى به شيء آخر، فصار نظير النكاح الدين، فان الدين في الذمة، والاشارة الى الغريم شرط، ومع هذا جاز كتاب القاضي فيه الى القاضي كذا هنا.\n\n[٨١٥] قال:\nوان ادعى عبدًا، او دابة، او امة، او عرضًا من العروض مما ينقل ويحول، فعند ابي حنيفة ومحمد، وهو قول ابي يوسف الاول: القاضي لا يكتب فيه كتابًا.\nوعند ابي يوسف آخرًا يكتب في العبد، لكن إذا أراد ان يكتب به يكلف المدعى اقامة البينة ان كان له عبد فأبق وهو اليوم في يد فلان، ويعرف العبد غاية التعريف من الحلية والصفة والاسم والسن والقيمة والدار التي جلب منها.\nفإذا كتب، وختم، وفعل كما قلنا من قبل، فإذا ورد هذا الكتاب على القاضي المكتوب اليه، احضر ذلك القاضي المدعى عليه والغلام، ثم يفك الكتاب، وينظر في الغلام وفي الكتاب، فان وافق حلية الغلام ما في الكتاب ختم في عنق الغلام - يعني من الرصاص - ودفع الى المدعى من غير ان يقضى بالملك له، واخذ منه كفيلًا، وأمره ان يذهب بالغلام الى","vol":"3","page":290},{"text":"القاضي الكاتب.\nفإذا حضر الى القاضي الكاتب أمر القاضي الكاتب بإعادة البينة على ان هذا الغلام بعينه ملكه.\nفإذا اعاد البينة على ذلك فبعد ذلك اختلفت الروايات عن ابي يوسف فيه:\nفذكر في بعضها: ان هذا القاضي الكاتب يقضى به له، ثم يكتب الى قاضي تلك البلدة؛ ليبرئ الكفيل.\nوذكر في بعضها: انهإذا سمع البينة، واشاروا اليه فيكتب كتابًا آخر الى قاضي تلك البلدة، ويبعث بهذا العبد اليه حتى يقضى بالعبد للطالب، ويبرئ كفيله.\nقال محمد:\nقال أبو يوسف: اجيز هذا في العبد، ولا أجيزه في الأمة.\nوالفرق له من وجهين:\nاحدهما: ان العبد انما يخدم خارج البيت، فيقدر على الاباق غالبًا، فتمس الحاجة الى الكتاب، فأما الأمة [فإنها] انما تخدم داخل البيت","vol":"3","page":291},{"text":"فلا تقدر على الاباق غالبًا، فلا تمس الحاجة الى الكتاب.\nوالثاني: ان باب الفرج مما يحتاط فيه، فلم يجز دفع الجارية الى رجل لم يقض بالملك له.\nالى هذا الفرق اشار أبو يوسف -رحمه الله تعالى- فقال: أرأيت لو كانت جارية جميلة، أكنت تدفعها الى الطالب؟\n\n[٨١٦] قال:\nوان كتب القاضي كتابًا للطالب في حق ادعاه سوى العبد، وقد أقام عليه البينة، فضاع الكتاب من الطالب، فسأل القاضي ان يكتب له كتابًا آخر الى ذلك القاضي به فانه يكتب له كتابًا.\nلان ما هو المقصود، وهو الوصول الى حقه، لم يحصل له بذلك الكتاب، فيكتب له به مره اخرى، لكن يكتب: انى قد كتبت له كتابًا مرة ثم جاء بعد زمان وزعم انه قد ضاع منه ذلك الكتاب، حتى لا يحتال بحيلة فيستوفي حقه مرتين.\n\n[٨١٧] قال\"\nوكذلك لو انتقل المطلوب منه من ذلك البلد الى بلد آخر، فسأل الطالب القاضي ان يكتب له كتابًا آخر الى قاضي البلد الذي انتقل اليه المطلوب.\nلما قلنا.\nلكن يكتب: انه قد كتب مرة الى قاضي بلد كذا، وانه زعم بعد","vol":"3","page":292},{"text":"زمانان غريمه انتقل الى بلد آخر؛ لما قلنا.\n\n[٨١٨] قال:\nوان ثبت حقه، وكتب له القاضي، فقدم المطلوب الى البلد الذي فيه القاضي الكاتب، فقدمه الطالب اليه، فلا ينبغي للقاضي ان يحكم عليه بشهادة اولئك الذين شهدوا، حتى يأتوا فيشهدوا بحضرته.\nوقال صاحب الكتاب:\nلان في هذا كانت شهادتهم على غائب.\nومعناه: ان الشهادة على الغائب انما تسمع للنقل لا للقضاء، فكان هذا بمنزلة شاهد الفرع إذا تحمل الشهادة، ثم استعفى لا يقضى بشهادة الاصل حتى يشهد غيره على الحق؛ لانهانما سمع شهادته ليتحمل عنه الشهادة؛ لا ليقضى بتلك الشهادة.\n\n[٨١٩] قال:\nولو اثبت رجل وفاة رجل، وعدد ورثته، وهو وارث، واراد من القاضي كتابًا بذلك الى قاض آخر كتب له.\nلان المشهود به ليس بشيء ينقل، فيجوز فيه كتاب القاضي الى القاضي.\nوكذلك ان أثبت نسبه من رجل ميت كتب ذلك له. لما قلنا.\n\n[٨٢٠] قال:","vol":"3","page":293},{"text":"ولو ان رجلًا حضر الى القاضي وقال: انا فلان بن فلان، وفلان أبي، وهو في بلد كذا، وهو يدفع نسبي، ولي بينة ههنا بانه قد أقر اني ابنه، اوانه تزوج بأمي، واني ولدت منه على فراشه، ونسبت اليه، وأقام على ذلك بينة، وسأل كتابه [فانه] يكتب له بذلك.\nلان المشهود به ليس بشيء ينقل، فيجوز فيه كتاب القاضي الى القاضي؛ كما في الدين.\nفرق أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله بين هذا وبين مسألة ذكرها بعد هذا نبينها إذاانتهينا اليه ان شاء الله تعالى.\n\n[٨٢١] قال:\nوكل رجل ادعى قبل رجل [دمًا] خطأ، او جراحة خطأ يجب في ذلك المال فانه يكتب له بذلك إذا ثبت عنده.\nلان القتل ليس بمطلوب لعينه، بل المطلوب عنه موجبه، وموجبه، المال، والمال يجب دينًا في الذمة، وفي الدين لا تقع الحاجة الى الاشارة اليه من المدعي والشهود، فصار بمنزلة الدعوى في سائر الديون، فجاز ان يكتب فيه القاضي.","vol":"3","page":294},{"text":"[٨٢٢] قال:\nوكذلك لو ان رجلًا أقام عند القاضي شاهدًا واحدًا بحق له قبل رجل، او شهدت له امرأة، او شهادة على الشهادة، فان القاضي يكتب بذلك.\nلان القاضي انما يكتب عند كمال النصاب لأجل الضرورة، وقد نعذر الجمع بينه وبين خصمه وبين شهوده، وهذا المعنى موجود فيما إذا وجد شط الشهادة او نصف الشطر، لان الإنسان ربما يكون بعض شهوده في هذه البلدة، وبعضهم في بلدة أخرى، فيجوز الكتاب، كما جاز عند كمال النصاب.\n\n[٨٢٣] قال:\nولو ان رجلًا اقام عن القاضي شهودًا على دار في يدي رجل في بلد آخر انها له، او ضيعة، او عقار، وشهد الشهود على ذلك بحد او حدين، لم يقبل القاضي ولم يكتب له.\nلان القاضي انما يكتب بالمعلوم كما يقضي بالمعلوم، والدار انما تصير معلومة بذكر حدودها الأربعةاو الثلاثة ولم يوجد:\n\n[٨٢٤] قال:\nولو ان قاضيًا كان علم شيئًا من إقرار رجل لرجل بمال، او طلاق، او نكاح، ما خلا الحدود والقصاص، فسأله صاحب الحق ان يكتب له بذلك الى قاضي بلد من البلدان، والمطلوب هناك، ينبغي له ان يكتب له، ويفسر له الأمر.","vol":"3","page":295},{"text":"واختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال: المسألة على وجهين:\nاما من استفاد العلم بذلك بذلك السبب في حالة القضاء. او قبل القضاء.\nففي الوجه الاول يكتب في قولهم جميعًا؛ لانه يمكنه بهذا العلم القضاء، فلان يمكنه الكتاب كان ذلك اولى.\nوفي الوجه الثاني: المسألة على الاختلاف:\nعند ابي حنيفة: لا يكتب، كما لا يقضي؛ لان عليه في هذه الحالة علم شهادة، والشاهد لا تقبل شهادته بالكتاب الى القاضي.\nوعندهما: يكتب كما يقضي.\nومنهم من قال: القاضي يكتب في الوجهين جميعًا في قولهم جميعًا.\nوفرق لأبي حنيفة -﵀- بين القضاء والكتاب.\nوالصحيح هو الاول؛ لانه فرع في الكتاب على القول الاول لما بين [بعد هذا ان شاء الله تعالى].\nثم قال:\nالا الحدود والقصاص.\nاما في الحدود فلانه لا يقضى بعلمه، فلا يكتب ايضًا بعلمه.","vol":"3","page":296},{"text":"واما القصاص [فقد] ذكر في بعض المواضع، وجعله بمنزلة سائر الحقوق للعباد، وذكر ههنا، وجعله بمنزلة الحدود، وهكذا نص في باب ما لا ينبغي للقاضي ان يكتب به، وهو الصحيح.\nلان كتاب القاضي الى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، والقصاص لا يثبت بالشهادة على الشهادة، فكذا بكتاب القاضي الى القاضي.\n\n[٨٢٥] قال:\nوينبغي للقاضي الذي يرد عليه الكتاب ان ينفذ ذلك كما ينفذ كتابه لو كان بشهادة شهود، الا ان يكون القاضي الذي يرد عليه الكتاب يرى مذهب ابي حنيفة، فلا يرى القضاء بعلم وقع له قبل القضاء، فان كان ذلك رأيه، والقاضي الكاتب انما كتب الكتاب بعلم حصل له قبل القضاء، فله ان لا ينفذ ذلك عند ابي حنيفة -﵀- وينفذه عندهما.\nوبهذا تبين لك ان الصحيح فيما تقدم هو القول الاول.\n\n[٨٢٦] قال:\nوقال أبو يوسف -﵀-: ويدخل على ابي حنيفة لو ان ذميًا علم علمًا، ثم أسلم فاستقضى، او عبدًا علم علمًا، ثم اعتق فاستقضى، او غلامًا مراهقًا يعقل علم علمًا، ثم بلغ فاستقضى، فسأله الطالب ان يكتب الى قاضي البلد الذي فيه الخصم، فكتب له بذلك، فان ابا حنيفة -﵀- قال: لا ينفذه، وعندهما ينفذه.\nوهذا ايضًا يبين لك ان الصحيح فيما تقدم هو القول الاول.\nثم احتج أبو يوسف على ابي حنيفة -رحمهما الله- بفصل الشهادة،","vol":"3","page":297},{"text":"فقال:\nالا ترى ان ذميًا لو أقر عنده رجل مسلم، ثم اسلم الذمي، ثم شهد على المسلم بذلك جازت شهادته.\nوكذلك العبد إذا عتق، والصبي، إذا بلغ ثم شهدا جازت شهادتهما، فلما اعتبر في الشهادة حالة الاداء لا حالة التحمل، فكذا في القضاء، وجب ان تعتبر حالة القضاء، لا حالة التحمل.\nوأبو حنيفة -﵀- فرق بين الشهادة والقضاء.\nوالفرق: ان القضاء اقوى من الشهادة؛ لان الشهادة لا تكون ملومة بنفسها، والقضاء ملزم بنفسه، فيكون القضاء اقوى، فاعتبر كونه مالكًا للقضاء وقت العلم بالسبب ووقت القضاء، وتكون الشهادة ادنى، فاعتبر مالكًا للشهادة وقت الاداء.\n\n[٨٢٧] قال:\nولو ان رجلًا شهدت له امرأة على شهادة رجل في بلد من البلدان، وشهد له رجل واحد على شهادة رجل، فسأل القاضي ان يكتب له","vol":"3","page":298},{"text":"بذلك، فان القاضي يجيبه الى ذلك.\nلانه ربما تكون بقية حجته عند المطلوب، فإذا وصل الكتاب الى القاضي اثبت ذلك عنده، وكلفه ان يأتي بامرأة اخرى تشهد على مثل شهادة تلك المرأة، او رجل يشهد على مثل شهادة ذلك الرجل، وينفذ ذلك، ويحكم به له.\nوكذا يكلفه انيأتي بمن يشهد له بتمام الشهادة.\n\n[٨٢٨] قال:\nوقال أبو يوسف: ولو ان رجلًا وامرأة ادعيا ابنًا او بنتًا، وقالا: هو معروف النسب منا، وهو في يد فلان بن فلان الفلاني في بلد كذا قد استرقه، وانا نقيم [عليه] البينة بذلك عندك، ونأخذ كتابك بذلك الى قاضي ذلك البلد، فانه يقبل منهما البينة، ويكتب لهما.\nقالأبو حنيفة: لا اكتب في ذلك، وهو قول محمد.\nوهذا الاختلاف فرع لمسألة اخرى وهي ان القاضي هل يكتب في اباق العبد؟\nعند ابي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-: لا\nوعند ابي يوسف -﵀-: يكتب","vol":"3","page":299},{"text":"هذا في نسب الابن.\nووجه البناء ان المقصود من اثبات النسب هنا انتزاع الولد من يده، كما ان المقصود ثمة من اثبات الملك في العبد الانتزاع من يده بخلاف ما تقدم من دعوى النسب على الاب؛ لان ثمة المقصود ليس هو الانتزاع، وتحقيقه، وهو ان المقصود ههنا لما كان هو الانتزاع كان المشهود به شيئًا ينقل من حجر الى حجر، وفيما ينقل لا يقبل كتاب القاضي الى القاضي، ولا كذلك ثمة.\n\n[٨٢٩] ثم قال:\nوقال أبو يوسف -﵀-: لا اكتب للأحرار الا للأب، او للام، او للزوج يدعي المرأة، فاني اكتب لهؤلاء، ولا اكتب لاحد سوى الأبوين ما كانا حيين.\nفرق أبو يوسف -﵀-\nووجه الفرق له: ان دعوى الرجل ان هذا ابنه صحيحة، فإذا صحت الدعوى جاز ان يكتب.\nاما دعوى الرجل ان هذا اخوه فلا تصح، وإذا لم تصح الدعوى لا يكتب. وهذا قوله.\nفأما على قول ابي حنيفة ومحمد فلا يكتب في النسب اصلًا الا فيما تقدم.","vol":"3","page":300},{"text":"وهذا الاختلاف في حالة الحياة.\nواما بعد الوفاة فيكتب لكل واحد يستحق نسبًا، او ميراثًا، او تزويجًا بالإجماع.\nلان بعد الوفاة المقصودة اثبات المال، وانه دين، والقاضي يكتب في الدين بالإجماع.\n\n[٨٣٠] قال:\nولو ان رجلًا في يديه أمة، فأقام رجل شاهدين انها له فقضى له بها القاضي، فقال الذي هي في يديه للقاضي: اني اشتريتها من رجل يقال له فلان بن فلان الفلاني، وهو في بلد كذا، ودفعت اليه الثمن، وشهودي ههنا، فاسمع منهم، واكتب لي بذلك، فانه يسمع من شهوده، ويكتب له بما صح عنده من أمره.\nلان الحاجة ههنا الى الرجوع عليه بالثمن، والثمن دين، والقاضي يكتب في الديون.\n\n[٨٣١] قال:\nولو ان جارية في يدي رجل، ادعت انها حرة الاصل، وقد كانت أقرت بالرق، فأقامت شاهدين على حرية الاصل، فجعلها القاضي حرة، فقال الذي هي في يديه: اشتريتها من فلان بن فلان الفلاني، فاسمع من","vol":"3","page":301},{"text":"شهودي، واكتب بذلك الى القاضي، فانه يعمل ذلك له.\nلان حرية الاصل لما ثبتت تبين ان البائع انما اخذ الثمن بدلًا عن الحرة، فكان دينًا عليه والقاضي يكتب في الديون.\n\n[٨٣٢] قال:\nولو انها لم تقم البينة على حرية الاصل، الا انها قالت: ما أقررت بالرق، ولم يكن للذي في يديه هذه المرأة بينة على إقرارها بالرق، فجعلها القاضي حرة، فقال الذي [هي] في يديه: اسمع من شهودي على شرائي من فلان بن فلان الفلاني فاني اشتريتها من فلان ونقدته الثمن. وقد كانت مقرة بالرق، فان القاضي لا يسمع من شهوده، ولا يكتب الى ذلك القاضي.\nلان الحرية ما ظهرت في حق البائع؛ لان البائع مع المشتري يتصادقان على انها رقيقة، وانما ظهرت الحرية بإنكارها الرق فلا تظهر الحرية في حقها ألا ترى ان البائع لو كان حاضرًا فقدمه المشتري الى القاضي فقال: ان هذا باعني هذه الجارية بألف درهم، وقبض مني، وقبضت منه الجارية، وقد كانت مقرة بالرق، ثم جحدت ذلك فادعت الحرية، وأقر البائع بذلك، والجارية تقول: انا حرة الاصل،","vol":"3","page":302},{"text":"[فإنه] لا يكون للمشتري على البائع في الثمن سبيل، فكذلك ههنا.\nبخلاف الفصل الأول؛ لأن ثمة الحرية إنما ظهرت بالبينة، فتظهر في حق المشتري والبائع، فيبطل إقرارها بالرق شرعًا وحكمًا لظهور الحرية في حقها.\n\n[٨٣٣] قال:\nوإذا كان البائع حاضرًا، فقال المشتري للقاضي: حلف البائع على أنها ليست بحرة الأصل، أجابه القاضي.\nلأنه يدعي على البائع ما لو أقر به يلزمه، فإذا جحد يحلف [عليه].\nفإن نكل أمره القاضي برد الثمن عليه؛ لأنه أقر أنه أخذ الثمن بدلًا عن الحرة، وإن حلف فلا سبيل عليه.\nفإن أقام المشتري البينة بعد ذلك على البائع أنها حرة الأصل قبل القاضي منه [ذلك].\nفإن قيل لما أقر المشتري أنها كانت مقرة بالرق كان في دعوى حرية الأصل لها مناقضًا، والتناقض يمنع صحة الدعوى.","vol":"3","page":303},{"text":"قيل له: التناقض في هذا الباب لا يمنع الدعوى، وقد بينا تمام هذا في شرح الزيادات.\n\n[٨٣٤] قال:\nولو أن رجلًا حضر إلى القاضي فقال: إن هذه الدار التي في هذا البلد في موضع كذا وهي الدار التي أحد حدودها كذا والثاني [كذا] والثالث [كذا] والرابع كذا - لي، وفي ملكي، وهي اليوم في يد فلان بن فلان، وهي في بلد كذا، وبينتي على ملك هذه الدار حاضرة قبلك، فاسمع من شهودي، واكتب لي بما يصح عمدك من ذلك إلى قاضي البلد الذي فيه فلان بن فلان، فإن القاضي يسمع من شهوده، فإذا عدلوا كتب له بما يصح عنده من أمره.\nلأن المدعى به غير منقول، فيستغنى عن الإشارة.\nثم المسألة على ثلاثة أوجه:\nإحداها: هذا [١٨٨ آ].\nوالثاني: أن تكون الدار المدعى بها في البلد الذي فيه المدعى عليه.\nوالثالث: أن تكون في بلد أخرى غير البلد الذي فيه المدعي، والبينة في البلد الذي فيه المدعى عليه، فالقاضي يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه المدعى عليه في الوجوه الثلاثة.","vol":"3","page":304},{"text":"لأن العبرة في هذا الباب بغيبة المدعى عليه، فإن المدعى عليه إذا كان غائبًا، وعجز الدعي عن الجمع بين الشهود والمدعى عليه، فإن القاضي يكتب له، وقد تحقق غيبة المدعى عليه في الوجوه الثلاثة.\nفإذا كتب، ففي الوجه الثاني إذا ورد الكتاب وحكم به القاضي المكتوب إليه للطالب أمر المحكوم عليه بتسليم ذلك إلى الطالب، والخروج إليه منه، وإن امتنع من التسليم فالقاضي يسلم [ذلك] إليه.\nلأن الدار في ولايته فيقدر على التسليم.\nوفي الوجه الأول: إذا ورد الكتاب وثبت الحق عند القاضي المكتوب إليه لا يسلم الدار؛ لأن الدار ليست في ولايته، فلا يقدر على التسليم، لكن هو بالخيار، إن شاء بعث المدعي مع المدعى عليه، أو مع وكيل المدعى عليه إلى القاضي الكاتب، حتى يقضي له عليه ويسلم الدار إليه، وإن شاء فعل ما قال صاحب الكتاب، وهو أنه يحكم به للطالب، بوجود الحجة، ويسجل له به، ويكتب له قضيته، لتكون في يده ويشهد له على ذلك شهودًا، فإذا أورد الطالب قضيته على القاضي الكاتب، وأقام بينة عليها، وليس خصمه حاضرًا فالقاضي الكاتب لا يقبل هذه البينة؛ لأنه يحتاج إلى تنفيذ ذلك القضاء، والقضاء على الغائب لا يجوز، فلا يسلم","vol":"3","page":305},{"text":"الدار إليه؛ لأن تسليم الدار إليه قضاء منه، والقضاء على الغائب لا يجوز، لكن ينبغي للقاضي المكتوب إليه إذا سجل للطالب بعد ما حكم له بالدار [أن] يأمر المطلوب بتسليمها إلى الطالب، بأن يأمره أن يبعث مع الطالب إنسانًا إلى بلد القاضي الكاتب ليسلم الدار إليه.\nفإن امتنع من ذلك الآن كتب القاضي المكتوب إليه كتابًا إلى القاضي الكاتب، ويحكي له كتابه الذي وصل إليه بما ثبت لفلان عنده، ويخبره أنه جمع بين فلان المطلوب وبين فلان الطالب، وقرأ عليهما كتابه بعد أن شهد الشهود على الكتاب والخاتم ودعوته بحجته إن كانت له، فلم يأت بحجة يدفع بها ما ثبت لفلان عليه، وإني حكمت لفلان عليه بذلك، وأسجلت له سجلًا به، وأمرت فلانًا بتسليم ذلك إلى فلان، والخروج إليه منه، فدافع بذلك، وامتنع من تسليمه إليه، وذلك قبلك، فسألني الكتاب إليك، وإعلامك قضيتي له على فلان بذلك؛ ليسلم إلى فلان هذه الدار، وتأمر بدفعها إليه، فاعمل في ذلك رحمنا وإياك بالذي يحق لله عليك، وسلم هذه الدار المحدودة في هذا الكتاب إلى فلان بن","vol":"3","page":306},{"text":"فلان موصل كتابي هذا إليك.\nفإذا وصل إليه هذا الكتاب يسلم الدار إليه ويخرجها من يد المدعى عليه.\nوفي الوجه الثالث: القاضي المكتوب إليه لا يسلم الدار إلى المدعي، لكنه بالخيار إن شاء بعث المدعي مع المدعى عليه أو كيل المدعى عليه إلى قاضي بلده التي كانت الدار فيه، ويكتب إليه كتابًا حتى يقضي للمدعى بها، وإن شاء حكم بها للطالب، ويسجل، وفعل مع ذلك القاضي كما فعل مع القاضي الكاتب في الوجه الثاني.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>الباب الستون في ما لا ينبغي أن يكتب فيه</span>\n[٨٣٥] قال:\nولا ينبغي للقاضي أن يكتب في حد ولا قصاص إلى قاض آخر.\nلما قلنا في باب كتاب القاضي إلى القاضي.\n\n[٨٣٦] قال:\nولو أن رجلًا حضر [إلى] القاضي فقال: كان لفلان بن فلان الفلاني علي كذا وكذا درهمًا، وقد دفعتها إليه، أو أبرأني منها، أو وهبها لي وهو في بلد كذا، ولا آمن إن أصير إلى ذلك البلد فيأخذني بهذا المال، وشهودي هنا، فاسمع منهم، واكتب لي إلى ذلك القاضي، فإنه لا يسمع من شهوده، ولا يكتب له [بذلك].\nوهذا قول أبي يوسف.\nوقال محمد: يسمع من شهوده، يكتب له.\nواجمعوا أنه لو قال: جحدني الاستيفاء وخاصمني. مرة أخرى","vol":"3","page":308},{"text":"حتى يستوفي الحق مني مرتين، وأراد إقامة البينة على أنه أوفى ليكتب الكتاب إلى قاضي ذلك البلد فإنه يسمع من شهوده ويكتب له.\nمحمد ﵀ يقول:\nكتاب القاضي إلى القاضي إنما جعل حجة لمكان الحاجة، والحاجة هنا متحققة، فوجب أن يجعل حجة كما في تلك المسألة.\nوأبو يوسف ﵀ يقول:\nالقاضي إنما يكتب الكتاب في خصومة توجهت إليه؛ لأنه نصب لفصل الخصومة، وههنا لن تتوجه، بل هي موهومة، فلو كتب كان ذلك تهيجًا له، وليس له تهييج الخصومة، بخلاف تلك المسألة.\nثم استدل في الكتاب لهذا بفصل الحاضر فقال:\nألا ترى أن رجلًا لو جاء إلى القاضي برجل فقال: قد كان لهذا علي ألف درهم قد قبضها مني، ولي بينة بقبضة ذلك مني، فاسأله عن ذلك، فإن أنكر أتيت بشهودي فإنه لا يسأل عن ذلك.","vol":"3","page":309},{"text":"لما قلنا، فيكون هذا حجة لأبي يوسف على محمد.\n\n[٨٣٧] وأما إذا حضرت امرأة إلى القاضي وقالت: أن زوجي طلقني ثلاثًا، وتزوجت آخر بعد العدة، وإني أخاف أن ينكر الطلاق، فطلبت من القاضي أن يسأله حتى إذا أنكر أقامت عليه البينة، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: القاضي يسأله ههنا بالاتفاق.\nفيكون هذا حجة لمحمد على أبي يوسف.\n\n[٨٣٨] ثم ذكر في الباب مسألة تسليم الشفعة ومسألة الطلاق إذا ادعت [ذلك] على الغائب على هذا الاختلاف.\nوصورة مسألة تسليم الشفعة [ما] إذا قال الرجل للقاضي: إني اشتريت دارًا في بلد كذا، وإن شفيعها سلم الشفعة لي، وشهودي هنا إلى آخر المسألة.\n[وصورة مسألة الطلاق: ما إذا ادعت امرأة الطلاق على زوجها وقال: هو في بلد كذا، ولا آمن تعرضه إلي إلى آخره].","vol":"3","page":310},{"text":"[٨٣٩] قال:\nولو جاء المطلوب بالدين والمشتري للدار والمرأة، فقال المطلوب: أنه كان لفلان بن فلان على ألف درهم فدفعتها إليه وقد أخذني بها في كذا وكذا [وقدمني إلى القاضي، وألزمني به، وقال المشتري: قد طالبني بالشفعة في بلد كذا وكذا] وقالت المرأة: قد طالبني في بلد كذا وكذا فألزمني القاضي النكاح، فالقاضي يسمع الشهود هنا ويكتب [به] بالإجماع.\nلما قلنا في صدر الباب\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-285>الباب الحادي والستون في القاضي يرد عليه كتاب من قاض ما ينبغي أن يعمل به</span>\n[٨٤٠] وإذا ورد على القاضي كتاب قاض بحق على رجل، فإنه ينبغي أن يجمع بين الذي جاء بالكتاب وبين خصمه، ثم يدعوه والشهود الذين يشهدون على الكتاب.\nلأن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة.\nثم القاضي لا يقبل الشهادة على الشهادة إلا بحضرة الخصم، فكذا لا يقبل الكتاب إلا بحضرة الخصم، فإذا أحضر المدعى عليه بطلب المدعي، ادعى المدعي حقه عليه، فسأله [القاضي] الجواب، فإن أجاب بنعم وقع الاستغناء عن الكتاب، وإن أجاب بلا جاء أوان تسليم الكتاب إلى القاضي.\nلأن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، والقاضي إنما يسمع الشهادة على الشهادة حال إنكار الحق، فكذا الكتاب، فيدفع","vol":"3","page":312},{"text":"المدعي الكتاب إلى القاضي فيقول القاضي: ما هذا: فيقول المدعي: كتاب قاضي بلد كذا إليك، فالقاضي لا يفض الكتاب، لكن يسأل من المدعي إقامة البينة أن هذا كتاب قاضي بلد كذا إليه لما نبين.\nفإذا أقام المدعي البينة على ذلك أن هذا كتاب فلان بن فلان قاضي بلد كذا إليك وهذا خاتمه، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: وهو قول محمد وأبي يوسف الأول: يسألهم ويقول: هل قرأت عليكم [الكتاب] وختمه بحضرتكم؟ فإن شهدوا على ذلك قبله، وإن قالوا: لم يقرأه علينا، ولكن ختمه بحضرتنا، أو قالوا: قرأه علينا ولم يختم بحضرتنا لم يقبله.\nوقال أبو يوسف آخرًا: يقبله.\nفشرط صحة الشهادة على الكتاب أن يشهدوا أن هذا [الكتاب] كتاب قاضي بلد كذا، وهذا خاتمه.\nوشرط صحة الكتاب عند أبي حنيفة، وهو قول محمد وأبي يوسف","vol":"3","page":313},{"text":"الأول، أشياء، منها:\nأن يقرأ عليهم الكتاب أو يخبرهم بما فيه.\nوالثاني: أن يختم الكتاب بحضرتهم.\nوالثالث: أن يحفظوا ما في الكتاب.\nوأشياء أخر تذكر بعد هذا.\nوعند أبي يوسف الآخر: ليس شيء من هذه الأشياء بشرط.\nوالختم هل هو شرط عنده.\nسيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى.\nوالحجج تعرف في المبسوط.\nومنها: أن يكون عنوان الكتاب من فلان بن فلان بن فلان إلى فلان بن فلان بن فلان. حتى لو كتب اسم المكتوب إليه لا غير [أو اسمه واسم أبيه لا غير] أو اسمه واسم جده لا غير، أو ذكر كنيته،","vol":"3","page":314},{"text":"بأن ذكر: إلى ابن فلان لا غير، لا يصح الكتاب عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأول. إلا أن تكون كنى مشهورة، كشهرة أبي حنيفة وابن أبي ليلى.\nوعند أبي يوسف آخرًا هذا ليس بشرط.\nومنها: أن تكون داخل الكتاب الأسماء، كما تكون على عنوان الكتاب، حتى لو لم تكن في داخل الكتاب لا الأسماء ولا الكنى وكانت على عنوانه لم يقبله عند أبي حنيفة، وهو قول محمد وأبي يوسف الأول.\nوعند أبي يوسف آخرًا هذا ليس بشرط.\nفهذا شرائط صحة الكتاب.\nوالأول شرائط صحة الشهادة على الكتاب.\nفإذا شهد الشهود على الكتاب وعلى خاتم القاضي، وهو كتاب صحيح، يعني يستجمع الشرائط التي عددناها فهذا على وجهين:\nإما أن عرف القاضي الشهود الذين شهدوا على الكتاب بالعدالة.\nأو لم يعرفهم.","vol":"3","page":315},{"text":"ففي الوجه الأول فض الكتاب بمحضر من الطالب المطلوب؛ وعمل بما فيه وأنفذه.\nوفي الوجه الثاني لم يفض؛ لأن العدالة متى لم تظهر يحتاج المدعي إلى أن يزيد في شهوده، وإنما يمكنه أن يزيد في شهوده إذا لم يفض، وإذا لم يفض القاضي الكتاب اشهدوا أن هذا خاتم القاضي، ولكن يكتب المحضر وشهادة الشهود، ويجعل الكتاب في درج المحضر، فإن عدلوا فض الكتاب بمحضر من الطالب والمطلوب والشهود.\nشرط حضرة الشهود لفض الكتاب، وهذا ليس بشرط لازم لا محالة، لكنه احتياط، حتى تقابل شهادة الشهود بما في الكتاب، فينظر هل وافق أم لا، لا أن يكون شرطًا لازمًا.\nولو لم يعدلوا قال القاضي للطالب: زدني شهودًا على الكتاب.\nقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: والمروي عن محمد ﵀ فيما سمعنا من مشايخنا ﵏ أن القاضي المكتوب إليه يفض الكتاب ويقرأ بعد شهادة الشهود على الكتاب والختم قبل أن يتعرف عن حال الشهود.\nثم يتعرف عند أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول","vol":"3","page":316},{"text":"﵏.\nوعند أبي يوسف الآخر لا يفض حتى يتعرف عن حالهم.\nوهذا بناء على أن شهادتهم بما فيه شرط عندهم، فإذا لم يقرأه فربما يموت الشهود، أو يغيبوا، فلا يمكنه القضاء بعد ظهور العدالة، فإذا قرأه بعد ما شهدوا، ثم ماتوا، أو غابوا، أمكنه القضاء بما فيه، إذا ظهرت العدالة.\nوالصحيح ما هو المذكور في الكتاب؛ لأن الشهود إذا شهدوا على الكتاب والختم، وسألهم القاضي: أنه قرأه عليهم وختمه بحضرتهم، فإذا شهدوا بذلك كفى، ولو كان هذا شرطًا لأمكنهم أن يشهدوا بما فيه قبل فض الكتاب، لأن حفظ الشهود ما فيه شرط عند أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول لما قلنا من قبل.\n\n[٨٤١] قال:\nوإن لم يصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه حتى مات القاضي الكاتب، أو عزل، أو عمي، أو فسق، أو صار بحال لا يجوز حكمه فيها، لا يقبل هذا القاضي الكتاب ولم ينفذه.\nلأن القاضي الكاتب بهذه العوارض صار كواحد من الرعايا، والقاضي لا يقبل كتاب الرعية.","vol":"3","page":317},{"text":"[٨٤٢] قال:\nوإن ضاع الكتاب من الرجل قبل أن يوصله، أو أوصله إلى القاضي، وهرب خصمه، فسأل الرجل الذي جاء بالكتاب من هذا القاضي أن يكتب له إلى القاضي الكاتب يعلمه ذلك ليكتب له كتابًا آخر إليه، أو إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم، فليس عليه أن يفعل ذلك.\nيريد به أن لا يلزمه أن يفعل ذلك.\nأما لو فعل فلا بأس به.\nوإنما لم يلزمه الكتاب في الوجه الأول، لأن الكتاب لم يبلغ محله، وفي الوجه الثاني لم يشهد الشهود على الكتاب فلا يلزمه ذلك.\n\n[٨٤٣] قال:\nولو لم يسأله الكتاب إلى القاضي الكاتب، ولكنه أوصل الكتاب إليه، وليس خصمه بحضرة هذا القاضي ولا في بلده، وقد كان خرج إلى بلد آخر، فقال الذي أتى بالكتاب للقاضي: هذا كتاب قاضي بلد كذا إليك، وهؤلاء شهودي على الكتاب [فأريد أن] تسمع منهم، وتكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم، فإن القاضي يقبل منه الكتاب وبسمع من شهوده عليه أنه كتاب فلان القاضي إليه، وإذا ثبت ذلك عنده كتب له إليه.\nلأن كتاب القاضي الأول إنما كان لحاجته إلى إحياء حقه، وانسداد طريق الإحياء بغير هذا الطريق. وهذا المعنى موجود في حق القاضي الثاني والثالث إلى العاشر.","vol":"3","page":318},{"text":"وإذا كتب نسخ في كتابه كتاب القاضي الذي كتب إليه به، وإن شاء حكاه له في كتابه إليه.\nلأنه يكتب بما ثبت عنده كالأول، إلا أن الأول ثبت عنده بشهادة الشهود بالحق على الغائب، والثاني ثبت عنده كتاب القاضي الكاتب، فيكتب بما ثبت عنده.\n\n[٨٤٤] قال:\nوكذلك إذا كان الرجل سأل القاضي الأول أن يسمع من شهوده على حقه ويكتب له إلى قاضي بلد كذا [ليكتب له إلى قاضي بلد كذا]؛ لأن خصمه في ذلك البلد، وقال: لست أجد بينة تشهدني على كتابك ممن يخرج إلى بلد كذا الذي فيه خصمي، ولكن أجد من يخرج إلى هذا البلد الذي أسألك أن تكتب إلى قاضيه فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويسمع من شهوده. ويكتب له.\nلأن الإنسان قد يبتلي بهذا.\nوإذا كتب القاضي له هذا الكتاب [فإنه] يكتب في كتابه: أن المدعي سأله الكتاب إليك، لتكتب أنت [كتابًا] إلى قاضي بلد كذا، فإذا ورد","vol":"3","page":319},{"text":"الكتاب على هذا القاضي سمع من شهوده على الكتاب.\nفإذا ثبت ذلك عنده، كتب له إلى قاضي البلد الذي فيه خصمه، ثم هو بالخيار إن شاء نسخ كتاب القاضي الكاتب في كتابه، وإن شاء حكاه كما فسرنا من قبل.\nوإذا ورد الكتاب على القاضي الذي بحضرته الخصم جمع بينهما، ويصنع كما يصنع بكتب القضاة.\n\n[٨٤٥] قال:\nوكذلك لو أن رجلًا أخذ كتاب قاضي الكوفة إلى قاضي فارس في حق له، فلما صار إلى البصرة مرض شهوده الذين يشهدون له على كتاب القاضي، أو لم يمرضوا لكن بدا لهم أن لا يأتوا فارس، فأشهدوا على شهادتهم قومًا آخرين جاز.\nلأن الشهادة على الشهادة حجة فيما يثبت مع الشبهات، وكتاب القاضي إلى القاضي مما يثبت مع الشبهات، فيثبت بالشهادة على الشهادة.\nفإذا أتي بالكتاب إلى قاضي فارس، وشهد أولئك الشهود على شهادة أولئك الشهود، قبله قاضي فارس.\nلأنه ثبت بشهادة الفروع شهادة الأصول، وبشهادة الأصول كتاب","vol":"3","page":320},{"text":"قاضي الكوفة إلى قاضي فارس.\n\n[٨٤٦] قال:\nولو أن الطالب قال لقاضي الكوفة: اكتب إلى قاضي البصرة أو إلى قاضي فارس يكون في كتابك: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان قاضي البصرة أو إلى فلان بن فلان قاضي فارس، فإن أصبت خصمي بالبصرة دفعت الكتاب إلى قاضي البصرة، وإن لم أجده مضيت بالكتاب إلى قاضي فارس، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويكتب ذلك على ما سأل، ويشهد الشهود أن كتابه إلى فلان بن فلان قاضي البصرة، أو [إلى] فلان بن فلان قاضي فارس، فإن القاضي الذي ورد عليه الكتاب ينفذه، ويعمل بما فيه.\nوهو قول أبي يوسف.\nفأما عند أبي حنيفة ومحمد فلا يقبل القاضي ذلك منه، ولا يكتب له ذلك على ما سأل.\nأما عند أبي يوسف فلأن عنده لو كتب من فلان بن فلان إلى من ورد عليه كتابي من قضاة المسلمين وحكامهم جاز، فمن ورد عليه","vol":"3","page":321},{"text":"الكتاب يقبله، ويعمل بما فيه، والجهالة ههنا أعظم، ثم تلك الجهالة لما لم تمنع صحة الكتاب، فهذه الجهالة أولى.\nوأما عند أبي حنيفة ومحمد فلأن كون المكتوب إليه معلومًا شرط صحة الكتاب، والمكتوب إليه ههنا مجهول فلا يصح الكتاب.\n\n[٨٤٧] قال:\nوإن ورد على القاضي كتاب قاض بحق على رجل لرجل فقدم الطالب المطلوب، وأثبت عليه الكتاب بمحضر منه، ولم يحكم عليه بما فيه حتى غاب المطلوب إلى بلد آخر، فسأل الطالب كتابًا أن يكتب له إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم، قال أبو يوسف: لا يكتب، وقال محمد: يكتب.\nوهنا بناء على مسألة أخرى؛ وهو أن عند أبي يوسف ينصب له وكيلًا، ويحكم على الغائب، فلما تمكن من القضاء فلا حاجة إلى الكتاب. وعند محمد لا يقضي على الغائب، فلما لم يكن من القضاء مست الحاجة إلى الكتاب.\nوهذا بناء على مسألة أخرى مذكورة في الزيادات أن من ادعى على رجل ما لا، وأقام عليه البينة ثم غاب، قال أبو يوسف: يقضي عليه","vol":"3","page":322},{"text":"القاضي. وقال محمد: لا يقضى [عليه].\nوإذا أقر بالحق للطالب ثم غاب يقضي عليه القاضي بالإجماع.\n\n[٨٤٨] قال:\nولو أن رجلًا أورد على قاض كتابًا من قاض [آخر] بحق له على رجل، فوافق البلد وقد مات المطلوب فاحضر الطالب ورثة المطلوب، أو وصيه، وجاء بالكتاب إلى القاضي، وأحضر شهوده إلى القاضي، فإن القاضي يقبل ذلك، ويسمع من شهوده على الكتاب، بمحضر من وارث المطلوب أو الوصي، وينفذ ذلك إن كان التاريخ بعد موت المطلوب، أو قبله، لأن الوارث خليفة الموروث، والوصي نائب عن الميت، فيكون قائمًا مقام الميت، ألا ترى أن الطالب لو أقام بينة بالحق على الميت كان الوارث أو الوصي هو الخصم، فكذا ههنا.\n\n[٨٤٩] قال:\nوإن ورد على قاض كتاب من قاض كتاب من قاض بشيء لا يراه هذا القاضي، وهو مما اختلف فيه العلماء فإنه لا ينفذه.\nلأن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، ثم شهود الفرع إذا شهدوا بحق عند القاضي وهو لا يرى ثبوت ذلك الحق،","vol":"3","page":323},{"text":"وهو مما اختلف فيه العلماء، فإن الرأي في ذلك إلى القاضي، إن شاء قضى، وإن شاء لم يقض، كذلك ههنا.\nفرق بين الكتاب وبين السجل؛ فإنه إذا ورد على القاضي سجل من قاض آخر، وهو لا يرى ذلك، وهو مما اختلف فيه العلماء، فإنه ينفذه ويمضيه.\nوالفرق أن السجل لا يكون إلا بعد القضاء، وحال ما قضى فالقضاء صادف موضع الاجتهاد فنفذ، فلا يكون لأحد من القضاة أن يبطله برأيه، فأما الكتاب فيكون قبل القضاء، فإذا لم يكن الكتاب من القاضي كان للقاضي الذي ورد عليه الكتاب أن يتبع رأي نفسه.\nإلى هذا الفرق أشار صاحب الكتاب فقال:\nلأن كتاب القاضي [إلى القاضي] ليس بقصة، إنما هو بمنزلة الشهادة.\n\n[٨٥٠] قال:\nوإذا كتب القاضي كتابًا وذكر فيه اسم المدعي واسم المدعى عليه لا غير، لا يصح ما لم يذكر نسبه.\nواختلفوا في النسبة إلى الجد على حسب ما ذكرنا؛ فإن نسبه إلى","vol":"3","page":324},{"text":"فخذه، أو إلى تجارة، أو إلى صناعة كان ذلك زيادة في التعريف، لا أن يكون شرطًا لازمًا، فإن ذكر اسم المدعى عليه ونسبه وصناعته أو فخذه، وفي تلك الصناعة أو في ذلك الفخذ اثنان على ذلك الاسم والنسب، لم يقبل القاضي الكتاب حتى يقيم البينة على المطلوب أنه هو الذي كتب فيه الكتاب.\nلأن التعريف لا يقع بهذا؛ إذا ليس أحدهما بأولى من الآخر.\nوإن لم يكن في تلك القبيلة اثنان على ذلك الاسم أنفذ القاضي عليه الحكم؛ لأنه وقع بها المعرفة.\nفإن قال المطلوب: في هذا الفخذ، أو في هذه التجارة رجل على هذا الاسم والنسب، لم يقبل منه ولم تندفع الخصومة من غير بينة؛ لما يأتي بعد هذا.\nفإن قال المطلوب: أنا أقيم البينة أن في هذا الفخذ، أو في هذه التجارة رجلًا على [هذا الاسم والنسب، فهذا على وجهين: أما إن قال: أنا أقيم أن في هذا الفخذ لو في هذه التجارة رجلًا على] هذا الاسم والنسب يقبل منه هذه الشهادة، وتندفع الخصومة.\nلأنه إذا كان حيًا لا يتعين هو المطلوب.","vol":"3","page":325},{"text":"وإن قال: أنا أقيم البينة أنه كان في [هذا] الفخذ أو في هذه التجارة رجل على هذا الاسم [والنسب]، وأنه مات لم يقبل ذلك منه، إلا أن يكون موت فلان بعد تاريخ الكتاب، وشهادة الشهود بالحق في كتاب القاضي الآن، وتندفع الخصومة.\nلأنه إذا كان فلان قبل تاريخ الكتاب يتعين الباقي مطلوبًا، وإذا مات فلان بعد تاريخ الكتاب لم يتعين فيبقى الاشتباه.\n\n[٨٥١] قال:\nوإن كان في الكتاب: على فلان بن فلان الكندي أو التميمي أو الهمداني لم أجز ذلك حتى ينسب إلى الفخذ الذي هو منه.\nلأن هذا الاسم عام، وربما يكون على ذلك الاسم والإضافة إلى القبيلة جماعة من الناس، فينبغي أن ينسبه إلى فخذه.\n\n[٨٥٢] قال:\nوإن قال الخصم: أنا فلان بن فلان الفلاني، وليس علي لهذا شيء، لم أقبل ذلك منه، ولم يكن في هذا حجة له.\nلأنه أقر أن المكتوب في الكتاب هو، فلا يكون جحوده الحق حجة له.","vol":"3","page":326},{"text":"ولو قال: لي حجة إني دفعت إليه المال، أو أبرأني، أو أتى بمخرج، قبل القاضي ذلك منه.\nلأنه يدعي الخروج وإسقاط الحق فتقبل حجته على ذلك.\n\n[٨٥٣] قال:\nوإن قال الخصم: لست بفلان بن فلان الفلاني، والقاضي المكتوب إليه لا يعرفه، فعلى الرجل الذي أتى بالكتاب أن يقيم البينة أنه فلان بن فلان الفلاني بعينه.\nلأن القاضي إن عرف الحق، ولم يعرف المطلوب، فيحتاج الطالب إلى أن يقيم البينة على إنه هو بعينه؛ ليتمكن من القضاء عليه.\n\n[٨٥٤] قال:\nوإن قال الخصم: إنا فلان بن فلان الفلاني، وفي هذا الحي، أو في هذه التجارة رجل غيري على هذا الاسم والنسب، قال له القاضي؛ اثبت ذلك عندي، فإذا أثبت ذلك عنده بشهود تندفع الخصومة عنه، ولا يحكم عليه بشيء حتى يعرف الرجل المكتوب فيه.\nلأنه لم يتعين هو مطلوبًا.","vol":"3","page":327},{"text":"وإن لم يثبت ذلك عنده بشهود كان هو الخصم، وأنفذ عليه الحكم.\nلأنه تعين مطلوبًا، فانتصب خصمًا، فهو بهذا يريد دفع ذلك عن نفسه، فلا يقدر إلا ببينة.\n\n[٨٥٥] قال:\nوإن كان الكتاب على ميت أحضر بعض الورثة، وسمع من الشهود، وقبل الكتاب.\nلأن بعض الورثة ينتصب خصمًا فيما يدعي للميت أو على الميت.\n\n[٨٥٦] قال:\nولو أن هذا القاضي لم يأته كتاب القاضي، ولكنه أتاه رسالة من القاضي مع رجل بمثل ما يكون في الكتاب، واشهد على ذلك، لم يقبل هذه الرسالة.\nفرق بين الرسالة والكتاب.\nوالفرق وهو أن الكتاب من القاضي الكاتب جعل كالخطاب بنفسه للقاضي المكتوب إليه، والكتاب وجد منه في موضع القضاء، فكان الخطاب موجودًا منه في موضع القضاء، فيكون حجة.\nأما في الرسالة فالرسل ينقل خطاب المرسل، والنقل اقتصر على هذا","vol":"3","page":328},{"text":"الموضع، فيثبت خطاب المرسل في هذا الموضع، والمرسل في هذا الموضع ليس بقاض، وقول القاضي في غير موضع قضائه كقول واحد من الرعية.\nونظير هذا ما روي عن محمد ﵀ أنه قال في مصر فيه قاضيان في كل جانب منه قاض، فكتب أحدهما إلى الآخر كتابًا يقبل كتابه، ولو أتى أحدهما إلى صاحبه وأخبره بالحادثة بنفسه لا يقبل منه قوله.\nلأنه قي الوجه الأول جعل كأن الكاتب خاطبه في موضع القضاء وفي الوجه الثاني خاطبه في غير موضع القضاء كذا ههنا.\n\n[٨٥٧] قال:\nوكذلك لو أن القاضيين التقيا في عمل أحدهما، أو في مصر ليس من عملهما، فقال له: ثبت عندي لفلان بن فلان الفلاني كذا وكذا فاعمل بذلك بما يحق لله تعالى عليك لم يقبل ذلك، ولم ينفذه.\nلأن في الوجه الأول الخطاب والسماع وجد في موضع لا ينفذ فيه قضاؤه، فصار كخطاب غيره أو سماعه وهو غير قاض، فلا يجوز أن يعتمده في القضاء به.\nوفي الوجه الثاني الخطاب والسماع وجدا في موضع لا ينفذ قضاؤهما فيه، فكان كخطاب غير القاضي لغير القاضي، بخلاف كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن خطاب الكاتب إنما وجد في موضع ينفذ فيه قضاؤه،","vol":"3","page":329},{"text":"وثبت ذلك عند المكتوب إليه في موضع ينفذ فيه قضاؤه أيضًا.\n\n[٨٥٨] قال في الكتاب:\nالكتاب إنما هو بمنزلة الشهادة.\nيريد به الفرق بين كتاب القاضي وبين قول القاضي إذا سمع قاض آخر في موضع قضاء المخبر.\nمعناه أن الكتاب بمنزلة الشهادة على الشهادة، والقاضي المكتوب إليه إنما سمع الكتاب في موضع هو قاض فيه فقد سمع الشهادة في موضع هو قاض فيه.\nفأما إذا سمع قول القاضي في موضع قضاء المخبر فإنما يسمع في موضع ليس موضع قضائه، ولا ينبغي للقاضي أن يقبل الشهادة في غير بلده الذي هو قاض فيه.\n\n[٨٥٩] قال:\nوإن عزل القاضي الكاتب أو مات بعدما وصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه وقرأ ما فيه نفذه وأمضاه.\nلأن العزل بمنزلة الموت، وكتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة","vol":"3","page":330},{"text":"على الشهادة ثم موت شاهد الفرع بعد الشهادة لا يمنع القضاء، فكذا موت القاضي الكاتب بعد وصول الكتاب.\nوإن مات أو عزل قبل وصول الكتاب إليه لم يقض به.\nلأنه لم يثبت بالكتاب كلام القاضي، وإنما ثبت كتاب الرعية.\n\n[٨٦٠] قال:\nولو فسق القاضي، أو صار في حالة لا يجوز حكمه، من ذهاب عقل، عد وصول الكتاب إليه، فإن القاضي لا ينفذ ما فيه.\nلأن شاهد الفرع إذا فسق أو جن قبل القضاء لم يجز الحكم بشهادته، كذلك ههنا.\n\n[٨٦١] فإن عمي القاضي الكاتب بعد وصول الكتاب، فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا ينفذه، وعند أبي يوسف ﵀ ينفذه.\nلأنه لو عمي شهود الفرع بعد ما شهدوا، قبل أن يقضي القاضي بشهادتهم كان هذا على الخلاف، كذا ههنا، وجب أن يكون كذلك.\n\n[٨٦٢] قال:\nولا ينبغي للقاضي أن يقبل كتاب عامل، ولا قاضي رستاق، ولا","vol":"3","page":331},{"text":"قرية، إلا قاضي مصر من الأمصار، أو مدينة من المدائن، فيها منبر، أو كتاب الخليفة.\nلأن قاضي الرستاق ليس بقاض، وما يفعل على سبيل الصلح، لا على سبيل القضاء، فإن قضاؤه لا ينفذ، وكتاب غير القاضي لا يقبل.\n\n[٨٦٣] قال:\nفإن كتب القاضي إلى الأمير الذي يستعمله، وهو معه في المصر: أصلح الله الأمير الجليل السيد، ثم اقتص القضية، وبعثه مع ثقة، ولم يشهد على الكتاب، ففي القياس أن لا يقبل الأمير هذا الكتاب، وفي الاستحسان يقبل وينفذه.\nوجه القياس: إن هذا كتاب القاضي، فيشترك [فيه] الختم، والشهادة ككتب القضاة.\nوجه الاستحسان: إن العادة جارية أن القاضي يكتب إلى الأمير، ويستعين به فيما يعجز عن إقامته بنفسه في كل وقت، فلو شرطنا الشهادة والختم يقع الناس في الحرج؛ لأن كل واحد لا يحضر مجلس","vol":"3","page":332},{"text":"الأمير فيشهد، والأمير لا يمكنه التفحص عن أحوال الشهود أبدًا، فيقبل الكتاب لضرورة.\nلكن هذه العادة في المصر الواحد.\nأما في المصرين بأن كان القاضي في مصر والوالي في مصر آخر لإعادة [فيه] فيرد إلى ما يقتضيه القياس، فلا يقبل الكتاب، إلا أن يكون مختومًا، وله معه شاهدان يشهدان كما يشهدان على كتاب القاضي.\n\n[٨٦٤] قال:\nولو انكسر خاتم القاضي الذي على الكتاب، وعليه خواتم الشهود، فإن القاضي يقبله.\nوهذا في عرف ديارهم، فإن الشهود يختمون على الكتاب كالقاضي، فإذا بقى خواتم الشهود حصل ما هو المقصود، وهو الأمن من التغيير والتبديل. وهذا بالاتفاق.\nوكذلك لو لم يكن للشهود عليه خواتم، وقالوا: نحن نشهد","vol":"3","page":333},{"text":"أن هذا كتاب فلان بن فلان القاضي ببلد كذا قرأه علينا، وأشهدنا عليه فإنه يقبله.\nوكذا لو كان الكتاب منشورًا وفي أسفله خاتم، فإن القاضي يقبله، إذا شهد الشهود عليه، وإنه قرأه عليهم. وهذا قول أبي يوسف ﵀.\nأما عند أبي حنيفة ﵀ فلا يقبل إذا كان غير مختوم، غير أن أبا يوسف يقول: إن كان الكتاب غير مختوم فلا تصح الشهادة على الكتاب، حتى يشهدوا بما في الكتاب؛ لأنه إذا كان غير مختوم، فهو بمنزلة الصك، وعلم الشهود بما في الصك شرط صحة الشهادة، فكذا علمهم بما في الكتاب شرط صحة الشهادة.\nفأما إذا كان مختومًا فعلم الشهود بما في الكتاب ليس بشرط عنده، لما مر في صدر الكتاب.\nقال القاضي الإمام أبو علي النسفي:\nكنا نظن أنه على قول أبي يوسف ﵀ لا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي إذا كان غير مختوم حتى وقفنا على رواية الخصاف عنه أنه يقبل.","vol":"3","page":334},{"text":"وهي هذه الرواية.\nلأنه إذا انكسر الخاتم وليس عليه ختم الشهود، أو كان الختم في أسفله كان كأنه لم يختم، ومع هذا جاز قبوله.\nوذكر أبو بكر الرازي والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمهما الله أن قبول الكتاب مع كسر الخاتم قولهم جميعًا.\nلأن هذا مما يبتلي به الناس.\nوإضافة الخصاف الجواب إلى أبي يوسف يحتمل أن يكون منصرفًا إلى المسألة الأخيرة، وهي ما إذا كان الختم في أسفله.\n\n[٨٦٥] قال:\nولو أن المطلوب طعن عند هذا القاضي في القاضي الذي كتب، أو في الشهود الذين شهدوا عليه بالحق عند القاضي الذي كتب الكتاب، وقال لهذا القاضي: أني آتيك بما أوضح هذا عندك، أو قال له: سل عن ذلك فانك تجده على ما قلت لك، وقال فيهم ما تسقط به عدالتهم، بأن قال: أن الشهود الذين شهدوا عند القاضي الكاتب عليه بالحق عبيد، أو محدودون في قذف، أو من أهل الذمة، سمع القاضي هذا الطعن، فإن أقام على ذلك شاهدين لم يقبل القاضي ذلك الكتاب.","vol":"3","page":335},{"text":"لأن هذه الأشياء ليست بجرح مفرد على ما يأتي بيانه في شرح كتاب التزكية، فلا يمتنع قبول الشهادة عليها.\nوبه تبين أن ما ذكرنا في شرح الجامع الصغير في كتاب القضاء أنه قيل: أن الخصاف ذكر أن الشهادة على الجرح المفرد مقبولة غير صحيح، لأن هذه الأشياء ليست بجرح مفرد.\nهذا إذا أقام شاهدين.\nوإن أقام شاهدًا واحدًا، ذكر في الكتاب [و] قال بأن هذا شبهة.\nيعني به إن تمكنت التهمة بشهادة الواحد فتقع الحاجة في القضاء، والقضاء مع الشبهة لا يجوز، فيتفحص، فإن وجد الأمر على ما شهد به هذا الواحد، وإلا قضى بالكتاب.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>الباب الثاني والستون في الرجل يريد أن يكتب وصية والشهادة عليها</span>\n[٨٦٦] ذكر عن يونس أنه قال:\nجاء رجل إلى الحسن البصري ﵀ بوصية مختومة ليشهد عليها، فقال: ما تجد في هؤلاء الناس رجلين تثق بهما وتشهدهما على ما في كتابك هذا؟\nفي الحديث دليل على أنه لا بأس للإنسان أن يتحرز عن قبول الشهادة، وعن تحملها، ألا ترى أن الحسن تحرز، وهذا لأن تحمل الشهادة وقبولها أمانة، ولا بأس للإنسان أن يتحرز عن قبول الأمانة.\n\n[٨٦٧] ذكر عن يونس أنه قال:\nكان الحسن يكره الشهادة على الوصية المختومة.\nوبه أخذ علماؤنا.\nوبيان المسألة: أن الرجل إذا كتب وصية، وختمها ثم دعا بالشهود، وقال: هذه وصيتي وختمي، فاشهدوا على ما في هذا الكتاب، لا يجوز هذا الاشهاد.","vol":"3","page":337},{"text":"وقال جماعة من التابعين منهم سالم، وعبد الملك بن يعلى قاضي البصرة وغيرهما: يجوز.","vol":"3","page":338},{"text":"ومنهم من فصل فقال:\nإن كتب ذلك بنفسه بين يدي الشهود، وختمه، وأشهدهم على الكتاب والختم، يجوز، وإن جاء بالكتاب مختومًا، وأشهدهم عليه، لا يجوز.\nوالصحيح ما قاله الحسن: أن كون المشهود به معلومًا للشاهد شرط لجواز الشهادة بالنصوص، ولم يوجد، فلا تجوز الشهادة.\nوالصحيح ما قاله الحسن: أن كون المشهود به معلومًا للشاهد شرط لجواز الشهادة بالنصوص، ولم يوجد، فلا تجوز الشهادة.\n\n[٨٦٨] ذكر عن الحسن أنه قال:\nلا تشهد على صحيفة حتى تعلم ما فيها، فإن كان عدلًا شهدت، وإن كان جورًا لم تشهد بها.\nوبين المعنى:\nفإن الوصية قد تكون عدلًا؛ بأن كانت موافقة للشرع، وقد تكون جورًا؛ بأن كانت مخالفة للشرع، ولا يتبين أحدهما عن الآخر إلا بأن يعلم الشاهد ما في الكتاب؛ فإن كان عدلًا يشهد على ذلك؛","vol":"3","page":339},{"text":"لأنه إعانة على البر والتقوى، فإنه مندوب إليه، وإن كان جورًا لا يحل له أن يشهد [به]؛ لأنه إعانة على الإثم والعدوان، وإنه حرام.\n\n[٨٦٩] ذكر حديث أبي قلابة، وأنه موافق لحديث الحسن.\n\n[٨٧٠] وذكر عن إبراهيم ما يوافق حديث الحسن أيضًا.\n\n[٨٧١] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀: لو أن رجلًا شهد على صك لم يقرأه، ولم يقرأ عليه لا يجوز.\nوكذلك لو شهد على وصية لم يقرأها ولم تقرأ عليه لا يجوز.\nوهذا بالاتفاق.\nفأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يحتاجان إلى الفرق بين هذه وبين كتاب القاضي إلى القاضي؛ فإنه إذا شهد على كتاب القاضي إلى القاضي وختمه، ولم يقرأ عليه، ولم يعلم بما فيه لا يجوز عندهما.\nوأبو يوسف ﵀ يحتاج إلى الفرق، لأنه يجوز عنده.\nوالفرق: أن في كتاب القاضي إلى القاضي الإشهاد إنما يكون على الكتاب وعلى الختم وقد وجد، أما الإشهاد في الصك والوصية فإنما يكون على البيع والحق الذي في الكتاب، فما لم يوجد الإشهاد على البيع والحق لا يجوز، والإشهاد على البيع والحق بأحد الطرق الثلاثة، أما","vol":"3","page":340},{"text":"أن يقرأ، أو يكتب بين يديه، وهو يعلم بما فيه فيقول الكاتب له أشهد علي بما فيه، أو يقرأ الكتاب حتى يكون إقرارًا منه، أو يقرأ على الكاتب بين يدي الشهود، ويقول الكاتب: اشهد علي بما فيه، أو يكتب بين يديه، وهو يعلم بما فيه، ويقول الكاتب له: اشهد علي بما فيه.\nلما نبين.\nوقال أبو حنيفة ﵀: إن كتب الصك والوصية بخطه قدام الشاهد فإن الشاهد يسعه أن يشهد على ذلك إذا قال له اشهد علي، وقد عرف الشاهد ما كتب.\nفرق بين هذا وبين ما إذا لم يقل اشهد، فإنه وإن عرف ما كتب لا يسعه أن يشهد.\nوالفرق: إن كتاب الصك والإقرار قد يكون للتجربة والامتحان، وقد يكون لنقل كتابة الصك أنه كيف يكتب، ومع الاحتمال لا يسعه أن يشهد، فأما إذا أمره أن يشهد عليه بما فيه فقد ظهر أن الكتابة ما كانت","vol":"3","page":341},{"text":"للتجربة والامتحان، بل كانت للاستيثاق على نفسه، فوسعه أن يشهد.\nقال القاضي الإمام أبو علي النسفي:\nهذا إذا لم يكن الكتاب مكتوبًا على الرسم، فإن كان الكتاب مكتوبًا على الرسم كتبه بين يدي الشاهد، وكان الشاهد يحسن الكتاب، ويفهم ما في الكتاب وسعه أن يشهد عليه وإن لم يقل له الكاتب اشهد على ما في الكتاب.\nلأنه إذا كان مكتوبًا على الرسم كان بمنزلة الخطاب، ولو سمع خطابه وسعه أن يشهد عليه، وإن لم يقل له اشهد.\nوقال ﵀: إلى هذا أشار في كتاب النكاح لكن صاحب الكتاب لم يفصل في الكتاب.\nوهذا إذا عرف ما في الكتاب، فإن لم يعرف لا يسعه أن يشهد، وأن أشهد على ما في الكتاب؛ بأن قال له اشهد علي بما فيه، إلا رواية عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إذا كتب الصك ين يدي الشاهد ونودعه عنده، وقال له: اشهد علي بما فيه وسعه أن يشهد عليه بما فيه وإن لم يعرف بما فيه.\nفعلى هذه الرواية فرق بين هذا وبين ما إذا لم يكن وديعة عنده.\nوالفرق إنه إذا كان وديعة عنده لا يتوهم التغيير والتبديل، وإذا لم يكن وديعة عنده يتوهم.","vol":"3","page":342},{"text":"[٨٧٢] قال:\nوإذا كان الشهود أميين لا يقرأون، فكتب إنسان الصك، أو الوصية بمحضرهم، ثم قال: اشهدوا علي بما في هذه الوصية، أو بما في هذا الصك، لم يسعهم أن يشهدوا في ذلك.\nلأنهم لم يتحملوا الشهادة عن علم. وإذا لم يعلموا ما في الوصية والصك وإن شهدوا عند القاضي وفسروا الأمر كما لم ينفذ القاضي ذلك.\nلأنهم تحملوا الشهادة عن علم.\n\n[٨٧٣] قال:\nوإذا تقدم الرجل إلى القاضي فادعى أن رجلًا أوصى إليه وذكر أن له بينة على ذلك، وأراد إثبات الوصية، فإن القاضي لا يسمع من شهوده إلا بمحضر من الخصم.\nلأن البينة إنما تسمع على الخصم، والخصم في ذلك الوارث، أو رجل عليه للميت دين، أو قبله حق، أو له قبل الميت حق، أو رجل أوصى له بوصية.\nأما الوارث فلأن المدعي يدعى عليه ولاية التصرف في المال.\nأما الموصي له فلأن للموصي له حقًا في الميراث كالوارث، فيكون","vol":"3","page":343},{"text":"حكمه حكم الوارث.\nوأما الغريم الذي عليه للميت دين فلأنه يدعي عليه حق استيفاء الدين.\nوأما الغريم الذي له قبل الميت دين [فقد] قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: اختلف العلماء في هذا الفصل: منهم من قال بالطعن في هذا الفصل، وقال: ينبغي أن لا ينتصب خصمًا، لأن الوصي لا يدعي عليه شيئًا.\nومنهم من قال: ما ذكر في الكتاب صحيح؛ لأنه إن كان لا يدعي عنده حقًا فهو يدعي عليه دينًا، والوصي يدعي الوصاية وينكر الدين، فيقيم البينة على أنه وصي، وإذا ثبتت الوصاية يقيم المدعي البينة على الدين فيأخذ منه الدين.\nفرق بين الوصي وبين الغريم، وسيأتي الفرق في باب إثبات الدين على الميت.\nفإن أحضر واحدًا من هؤلاء يسمع من شهوده بحضرته.\nبعد ذلك المسألة على وجهين:\nإما أن عرف القاضي عدالة الشهود.\nأو لم يعرف.","vol":"3","page":344},{"text":"ففي الوجه الأول انفذها له.\nوفي الوجه الثاني أن عدلوا انفذها، كما في سائر القضايا.\n\n[٨٧٤] قال:\n[وقال] أبو حنيفة ﵀:\nإن طعن على الوصي في شيء سأله القاضي عنه، فبعد ذلك المسألة على وجهين:\nإما أن اتهم بتهمة لم يتضح ذلك للقاضي.\nأو اتهم بتهمة بينة.\nففي الوجه الأول جعل القاضي معه رجلًا ثقة مأمونًا، يكون أمرهما واحدًا، أو يجعل عليه مشرفًا؛ لأنه إذا اتهم فقد قيل فيه وقد ثبت في الأخبار «كيف وقد قيل».","vol":"3","page":345},{"text":"وفي الوجه الثاني أخرجه القاضي من الوصية، وجعل وصيًا آخر؛ لأن الموصي لو كان حيًا ووقف على حاله ما فوض الوصاية إليه، فإذا لم يقف عليه، ووقف عليه القاضي كان للقاضي أن ينظر له، فيستبدل به.\nوأما إذا لم يكن متهمًا بالخيانة، لكن لا يهتدي إلى التجارة، لضعف رأيه، فإن القاضي يضم إليه وصيًا آخر حتى إذا قصد التصرف لا ينفرد بالتصرف.\n\n[٨٧٥] قال:\nوإذا أثبت الوصي وصيته، وفيها -يعني في كتاب وصيته- إقرار من الميت بديون لأناس شتى، ووصايا شتى لقوم مختلفين، ووصايا في أبواب البر، وأحضر بعض الغرماء أو بعض الموصى لهم، فيثبت ذلك ويحكم له القاضي بأنه وصي.\nقال أبو حنيفة ﵀: كلما حضر واحد من الغرماء أو الموصي لهم قيل له: أعد البينة وخذ حقك، إلا ما كان في أبواب البر، فإن القاضي ينفذ ذلك.\nوقال أبو يوسف: لا أكلف أحدًا إعادة الشهود، بل كلما حضر واحد منهم قضيت له بحقه.","vol":"3","page":346},{"text":"ولم يذكر قول محمد ﵀.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي في شرح هذا الكتاب قوله مع قول أبي يوسف.\nهما يقولان: لما ثبت كتاب الوصاية ثبت جميع ما في الكتاب بمعاينة من القاضي، فينفذ ذلك كله، ولا يحتاج إلى إعادة البينة على ذلك.\nوأبو حنيفة ﵀ يقول: الإقرار بالدين أو الوصية لأقوام معينين، إنما ينفذ لحقهم، والبينة على حق المرء لا تقبل إلا بحضرته، فكل من كان حاضرًا وقت إقامة البينة من الوصي على كتاب الوصية من الغرماء والموصي لهم ثبت دينهم ووصيتهم، ومن لا فلا. بخلاف الوصايا في أبواب البر؛ لأنها تنفذ لحق الميت، والوصي انتصب خصمًا عن الميت، فكان قبوله البينة بحضرة الخصم، وبخلاف الغريم الذي للميت عليه دين، حيث له أن يطالب؛ لأنه يطلب حق الميت، والوصي انتصب خصمًا عن الميت، فكان قبول البينة في هذا الحكم بحضرة الخصم.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nلم يذكر محمد هذه المسألة في المبسوط، وإنما استفيدت من صاحب الكتاب ﵀.\n\n[٨٧٦] قال:\nوإن جهل معرفة الذي قدم، وزعم أنه هو الغريم الذي أقر الميت له بدين بما في هذا الكتاب، أو هو الموصي له، وأقام البينة أن الميت أقر","vol":"3","page":347},{"text":"لفلان بن فلان الفلاني، أو أوصى لفلان بن فلان الفلاني، أو لم يقم [البينة] عندهما، فإن القاضي يقول: أثبت عندي أنه أقر لفلان بن فلان الفلاني، أو أوصى لفلان بن فلان الفلاني، واثبت أنك فلان بن فلان الفلاني، فإذا أثبت أنه فلان بن فلان الفلاني كما في كتاب الوصية ينظر: إن كان أقر له بدين أعطى ذلك له بعد أن يحلف، وهذا ليس في هذا الموضع خاصة، بل في كل موضع ادعى أحد دينًا في التركة، وأثبته بالبينة، فإنه يحلف من غير خصم أنه ما استوفى حقه، وهو مثل حقوق الله تعالى أنه يحلف من غير دعوى، وإن أوصى له نفذ وصيته.\n\n[٨٧٧] قال:\nولو أن رجلًا تقدم إلى القاضي فقال: إن فلان بن فلان أوصى إلي في جميع تركاته، وقد مات، وله على هذا الرجل الذي حضر معي ألف درهم بدين، أو له في يديه وديعة ألف درهم، أو ادعى للميت قبل","vol":"3","page":348},{"text":"هذا الرجل حقًا من الحقوق فقال المدعى عليه، صدق، وقد أوصى له فلان بن فلان، ولفلان قبلي هذا الحق الذي ادعاه هذا الوصي، وقد مات، وهذا وصيه، فإن القاضي لا يثبت الوصية بإقراره حتى لا يأمر المدعى عليه بدفع ما عليه إلى هذا المدعي، لكن يقول للمدعي: أقم البينة على وصية هذا الميت إليك.\nظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على أن البينة تسمع على المقر، وهو رأي صاحب الكتاب، أنه تسمع البينة على الذي حضر مع نفسه على إثبات الوصية.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي في شرح هذا الكتاب:\nوأكثر مشايخنا على أنها لا تقبل على المقر، وهو الذي أحضره مع نفسه، لكن إذا أراد إقامة البينة أحضر خصمًا آخر جاحدًا.\nولم يذكر غيره من المشايخ هذا.\nثم فرق بين الوصية وبين الوكالة؛ فإنه لو جاء رجل إلى المديون وقال: إن صاحب الدين وكلني بقبض الدين الذي له عليك، فأقر به المديون ثبتت الوكالة بإقراره حتى يأمره القاضي بدفع المال إليه.","vol":"3","page":349},{"text":"والفرق أن الوصية لو ثبتت لتعدت إلى حق غير المقر؛ لأنها إنما ثبتت للقاضي بعد موت الموصي، وبالموت تتعلق أحكام من عتق أمهات الأولاد، والمدبرين، وحلول الآجال، دل على أن الوصية لو ثبتت تعدت إلى حق غير المقر وهو الميت، وإقراره لا يكون حجة في حق الغير، فلم تثبت الوصية بإقراره.\nفأما الوكالة لو ثبتت [فإنها] لا تتعدى إلى حق الغير؛ لأن الوكيل إن لم يكن وكيلًا من الغائب بقى حق الغائب على حاله كما كان، ولا تسقط بقبض هذا الوكيل، فتثبت الوكالة بإقراره.\n\n[٨٧٨] قال:\nفإن ثبتت عند القاضي وصيته، وأراد [من] القاضي أن ينفذ له الوصية، سأل القاضي [عنه]: فإن كان الرجل محمود الأمر، وكان موضعًا للوصية، أنفذ له الوصية، وإن لم يحمد، ولم يكن","vol":"3","page":350},{"text":"موضعًا للوصية لم ينفذها له.\nوقوله: لم يحمد: يعني كان معروفًا بالخيانة.\nوقوله: لم يكن موضعًا [للوصية]: يعني كان مبذرًا مسرفًا مستحقًا للحجر [عليه] على قول من يرى الحجر.\nلأنه إذا كان هكذا لا يفيد، لأنه يعزله في الانتهاء، فلا يفيد الإنفاذ في الابتداء.\n\n[٨٧٩] قال:\nوقال أبو يوسف: إذا جعل القاضي وصيًا لأيتام فهو بمنزلة وصي الأب.\nلأن ولاية القاضي نظير ولاية الأب، فصار وصي القاضي بمنزلة وصي الأب.\nلكنهما يفترقان في شيء، وهو أن القاضي إذا خص شيئًا يختص به، [حتى لو جعله وصيًا في شيء يشتريه لهم، ويحفظ عليهم، ليس له أن يعدو إلى غيره، والأب إذا ص شيئًا لا يختص به].\nوالفرق أن ولاية الأب مطلقة غير محتملة للتجزي، لأن سببها هو الأبوة، وهي لا تحتمل الوصف بالتجزي، فمن يستفيد الولاية","vol":"3","page":351},{"text":"من جهته لا يحتمل ولاية الوصف بالتجزي أيضًا.\nفأما القاضي فولايته محتملة للوصف بالتجزي؛ لأن سببها، وهو القضاء، يحتمل الوصف بالتجزي أيضًا، فإنه يجوز أن يكون قاضيًا في شيء دون شيء، وفي مكان، فكذا [من] يستفيد الولاية من جهته، تحتمل ولايته الوصف بالتجزي، فصار وصي القاضي إذا خص شيئًا بمنزلة وكيل الأب، ووكيل الأب ليس له أن يعدو إلى غيره، وأن تعدي ضمن، كذلك هذا.\n\n[٨٨٠] قال:\nفإن أوصى الميت إلى رجل، فقال القاضي للوصي: قد أشركت معك فلانًا في الوصية، قال: هو بمنزلة وصي الأب، ولا يكون بمنزلة الوكيل.\nلأن ولاية القاضي في هذا الباب نظير ولاية الأب.\n\n[٨٨١] قال:\nوإن جعل القاضي وصيًا للأيتام، فحضره الموت، فأوصى إلى رجل، فوصيه يقوم مقام وصي الميت.\nفرق بين الوصي وبين الوكيل، فإنه لا يملك أن يوكل غيره.\nقال القاضي الإمام أبو علي النسفي:\nلا فرق بينهما من حيث الحقيقة؛ لأن الوصي بمنزلة وكيل قيل له ما صنعت من شيء فهو جائز.","vol":"3","page":352},{"text":"وذكر في كتاب الوكالة: أنه لو قال للوكيل: ما صنعت من شيءٍ فهو جائز، فحضر الوكيل الموت، فأوصى إلى غيره بما فوض إليه، يجوز، ويصير هذا الوصي بمنزلته. كذا هذا.\n\n[٨٨١] قال:\nوإذا توفيت امرأة، ولها أولاد صغار، ولها زوج، وهو أبو [ولدها] هؤلاء، وتركت ميراثًا من عقاراتٍ ومتاعٍ وغير ذلك، وأوصت إلى رجل، وعليها دين لأناس، فلوصيها أن يبيع من تركتها ما يقضي به ما عليها من الدين، وكذلك إن أوصت بوصيةٍ في أبواب البر، أو لأناسٍ شتى فما يحتاج أن يباع من تركتها فيه فلوصيها أن يبيع من تركتها ما ينفذ به وصيتها، فإذا فرغ من الدين أو الوصية كان الأب أولى بحصة هؤلاء الصغار من وصي الأم.\nلأن قضاء الدين وتنفيذ الوصية وحفظ التركة لتنفيذها حق الميت، والميت في حال حياته كان أولى بتنفيذ حقوقه من غيره، فكذا وصيه بعد موته، فإذا فرغت التركة من حقها، كان الأب أولى، لأن","vol":"3","page":353},{"text":"الباقي مال الولد، والأب يتقدم على الأم في التصرفات في مال الولد، فكذا على وصي الأم.\n\n[٨٨٢] قال في الكتاب:\nكان الأب أولى إذا كان موضعًا لذلك.\nيعني إذا لم يكن مبذرًا، مسرفًا، يستحق الحجر [عليه] على قول من يرى الحجر، فإذا كان هكذا لا يملك التصرف في مال اليتيم، ويوضع ماله في يدي عدل إلى وقت الحاجة، أو إلى وقت بلوغ الصغير.\n\n[٨٨٣] قال:\nوكذلك إن مات الأب بعد ذلك، وأوصى إلى رجل، فوصي الأب أولى بحصة هؤلاء الصغار من وصي الأم.\nلأن وصي الأب قائم مقام الأب.\n\n[٨٨٤] قال:\nولو أن رجلًا حضر القاضي، ومعه رجل، فادعى أن رجلًا أوصى إليه ومات، وأن له على هذا الرجل الذي معه ألف درهم، فقال للقاضي: سله عن دعواي، فإن القاضي لا يسأله عن الوصية إلى هذا المدعي، لكن يسأل عن موت الرجل.","vol":"3","page":354},{"text":"لأن المدعي يدعي أنه وصي فلان، ووصياته لا تثبت إلا بعد موت الموصي.\nفإن أقر بذلك سأله عن المال الذي ادعاه للميت عليه.\nلأنه لما أقر بالموت فقد ادعى الوصي توجه المطالبة عليه له؛ لأن حق المطالبة في ديون الميت يتحول إلى الوصي.\nفإن أقر بذلك، أمر مدعي الوصية أن يقيم البينة على وصيته.\nلأن الوصية مما لا تثبت إلا بالبينة.\n\n[٨٨٥] قال:\nوإن جحد المدعى عليه موت الرجل والمال، ولم يكن للمدعي بينة على الوصية قال له القاضي: أقم البينة على موته، حتى أجعل له وصيًا يطالب بحقوق الميت، ويجمع أمواله.\nلأن للقاضي أن يجعل للموتى أوصياء يحفظون أموالهم.\nفإن أقام بينةً على موته، ولم يجد بينةً على الوصية، فالقاضي بالخيار: إن شاء جعله وصيًا، وإن شاء جعل غيره وصيًا.\nلأن موته قد ظهر، والوصاية لم تظهر، فصار هذا المدعي وغيره سواء.\nوكذلك إن أقر الغريم بموته وبالدين، وأنكر الوصاية ولم يجد المدعي بينةً على الوصاية، كان القاضي أيضًا بالخيار: إن شاء جعله وصيًا، وإن شاء جعل غيره.\nوالله تعالى أعلم بالصواب","vol":"3","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-287>الباب الثالث والستون في ما يجوز من فعل الوصي</span>\n[٨٨٦] قال:\nوإذا ثبتت وصية الرجل، والورثة صغار، فبيع الوصي، وشراؤه لهم جائز؛ يبيع كل شيء تركه الميت، من متاعٍ وعروضٍ وعقار.\nوأصل هذه المسألة على ثلاثة أوجه:\nإما أن يكون الورثة صغارًا كلهم.\nأو كبارًا [كلهم].\nأو صغارًا وكبارًا.\nوكل وجهٍ على فصلين:\nإما أن يكون الورثة حضورًا، أو غيبًا.\nوكل فصلٍ على قسمين:\nإما أن يكون على الميت دين، أو لا يكون.","vol":"3","page":356},{"text":"ففي الوجه الأول [الجواب] ما ذكر في الكتاب، أنه يبيع كل شيءٍ تركه الميت من متاعٍ وعروضٍ وعقار، لكن إذا كان بمثل القيمة، أو بما يتغابن الناس فيه في الفصلين في القسمين.\nلأنه قام مقام الموصي، والموصي كان له ولاية هذه التصرفات، فكذا الوصي، لكن القيام بشرط النظر كان له، وذا في البيع بما يتغابن الناس فيه.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nما ذكر في الكتاب أنه يجوز للوصي بيع عقار الصغير جواب السلف. فإنما المتأخرون من مشايخنا [فإنهم] قالوا: إنما يجوز بأحد الشرائط الثلاثة:\nإما أن يرغب فيه رجل بضعف قيمته.\nأو للصغير حاجة إلى ثمنه.\nأو يكون على الميت دين لا وفاء له إلا به.\nلأن العقارات محصنة بنفسها فلا يكون بيعها نظرًا، إلا بأحد هذه الشرائط الثلاثة.","vol":"3","page":357},{"text":"وأما الوجه الثاني: ففي القسم الأول من الفصل الأول، لا يملك التصرف في التركة أصلًا؛ لأن التركة بالموت انتقلت إلى الورثة، وهم قادرون على التصرف بأنفسهم، فلا يثبت للوصي الولاية، لكن يتقاضى ديون الميت، ويقضي حقوقه، فيدفع ذلك إلى الورثة؛ لأن في التقاضي تحصين المال، وهو يملك التحصين.\nوأما القسم الثاني من الفصل الأول [فإنه] لا يخلو: إما أن يكون الدين محيطًا بالتركة، أو لم يكن.\nفإن كان [محيطًا بالتركة كان] للوصي أن يبيع كل التركة؛ لأن استغراق التركة بالدين يمنع ملك الورثة، فكان له أن يبيع الكل.\nوإن كان غير محيط [فقد] أجمعوا أنه يبيع [من] كل التركة بقدر الدين.","vol":"3","page":358},{"text":"وأما فيما زاد على الدين [فقد] اختلفوا فيه:\nقال أبو حنيفة: يبيع أيضًا.\nوقال أبو يوسف ومحمد: لا يبيع؛ لما نبين.\nوعلى هذا إذا لم يكن على الميت دين، ولكنه أوصى بأشياء؛ فإن كانت الوصية في الثلث، أو فيما دونها، أنفذها، وإن كان أكثر من ذلك أنفذها بمقدار الثلث، وما بقي فللورثة.\nفلو أراد أن يبيع شيئًا من التركة لتنفيذ الوصية [فقد] أجمعوا أنه ينفذ بقدر الوصية.\nوأما فيما زاد [فقد] اختلفوا على الوجه الذي اختلفوا في قضاء الدين.\nوهذا إذا لم يقض الورثة الدين، ولم ينفذوا الوصية من خالص مالهم.\nأما إذا قضوا [الدين] ونفذوا [الوصية] لم يبق للوصي ولاية بيع التركة أصلًا.\nوأما في القسم الأول من الفصل الثاني [فإنه] يبيع العروض، ولا يبيع العقار؛ لأن التركة وإن انتقلت إلى الورثة بالموت، إلا أنهم محتاجون إلى النظر، والوصي نصب ناظرًا لهم، فتثبت له ولاية النظر، وهو حفظ أموالهم، وبيع العروض من جملة الحفظ، أما بيع العقار فلا، على","vol":"3","page":359},{"text":"ما بينا.\nوأما القسم الثاني من الفصل الثاني، فالجواب فيه كجواب في القسم الثاني من الفصل الأول.\nوأما الوجه الثالث:\nففي القسم الأول من الفصل الأول يبيع من كل التركة حصة الصغار بالإجماع.\nوهل يبيع حصة الكبار؟\nعلى الاختلاف الذي ذكرناه آنفًا:\nعند أبي حنيفة: يبيع.\nوعندهما: لا [يبيع].\nوأما القسم الثاني من الفصل الأول، فإن كان الدين محيطًا يبيع الكل بالإجماع، وإن كان غير محيط يبيع حصة الكل بقدر الدين.\nوأما فيما زاد فيبيع حصة الصغار بالإجماع، وأما في حصة الكبار فهو على الاختلاف الذي ذكرناه أيضًا غير مرة.\nوأما في القسم الأول للفصل الثاني فيبيع حصة الصغار بالإجماع، وأما حصة الكبار فإن كانت عروضًا فيبيع، وإن كان عقارًا فهو على هذا الاختلاف.","vol":"3","page":360},{"text":"وأما في القسم الثاني من الفصل الثاني، فيبيع الكل بحصة الدين بالإجماع. وفيما زاد يبيع حصة [الصغار] بالإجماع. وأما حصة الكبار فإن كانت عروضًا يبيع، وإن كانت عقارًا فهو على هذا الاختلاف.\nوالمسائل ذكرت في باب القسمة والوصايا.\nهذا هو الكلام في وصي الأب.\nوأما وصي الأم ووصي الأخ إن ماتت المرأة، وتركت ابنًا صغيرًا، فأوصت إلى رجل، أو مات الرجل وترك أخًا صغيرًا وأوصى إلى رجل، فلهذا الوصي أن يبيع ما ترك من العروض، وليس له أن يبيع ما ترك من العقار.\nلأن لهذا الوصي ولاية الحفظ دون التصرف، وبيع العروض من جملة الحفظ؛ لأنه يخشى عليه التوى والتلف.\nأما بيع العقار فليس من جملة الحفظ؛ لأنها محصنة في نفسها.\nولا يجوز شراء هذا الوصي على اليتيم إلا الطعام والكسوة خاصة؛ لأن هذا [ليس] من باب التصرف، بل من باب الحفظ، لأنه يتقي به الجوع والحر والبرد.","vol":"3","page":361},{"text":"[٨٨٧] قال:\nولو كان الميت أوصى بثلث ماله، وتركة الميت عقار كلها، والورثة صغار، لم يجز بيع الوصي على الموصى له بالثلث.\nلأن الوصي نائب الموصي، فإنما تكون له الولاية على من هو خلف الموصي قائم مقامه، والورثة خلف الموصي قائمون مقامه، ألا نرى أنهم يردون بالعيب، ويرد عليهم بالعيب، ويصيرون مغرورين فيما اشتراه الوصي، أما الموصى له فليس [بخلف] عن الميت، ألا ترى أنه لا يرد بالعيب، ولا يرد عليه، ولا يصير مغرورًا فيما اشتراه الوصي.\nوقد ذكرنا شيئًا من هذا الكلام فيشرح الجامع الصغير في كتاب الوصايا.\n\n[٨٨٨] قال:\nوللوصي أن يودع مال اليتيم، وأن يضع، والوصي أمين من ذلك.\nأما الإيداع فلأنه من جملة الحفظ.","vol":"3","page":362},{"text":"وأما الإيضاع فلأنه إيضاع العين وأمر بالتصرف والوصي يملك كليهما.\n\n[٨٨٩] قال:\nوإن كبر اليتيم فطلب ماله فقال الوصي ضاع، فالقول قوله مع يمينه.\nلأنه أمين في حفظ ماله، والقول في الأمانة قول الأمين مع اليمين.\n\n[٨٩٠] قال:\nوإن قال: أنفقت مالك عليك صدق الوصي في نفقة مثله في تلك المدة.\nلأنه متسلط على الإنفاق بنفقة مثله، فكان أمينًا، فيقبل خبره، إلا أن يدعي شيئًا يكذبه الظاهر [فيه].\nوإن اختلفا في المدة، فقال الوصي: مات أبوك منذ عشرين سنة، وقال الابن: مات أبي منذ خمس سنين فالقول قول الابن في ذلك.\nولم يذكر في الكتاب فيه خلافًا.\nوكذا لم يذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب خلافًا.","vol":"3","page":363},{"text":"وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي فيه خلافًا، قال:\nوالمذكور في هذا الكتاب قول محمد ﵀. أما على قول أبي يوسف ﵀ فالقول قول الوصي، ورد هذه المسألة إلى مسألةٍ أوردها في الجامع الصغير وههنا في آخر الباب وهي مسألة جعل الآبق والاختلاف في الحاصل في أربع مسائل:\nإحداها: هذه.\nوالثانية: إذا ادعى الوصي أن الميت ترك رقيقًا، فأنفق عليهم إلى وقت كذا، ثم ماتوا، وكذبه الإبن، قال أبو يوسف ﵀: القول قول الوصي، وقال محمد ﵀، وهو قول الحسن بن زياد: القول قول الابن وأجمعوا أن العبيد لو كانوا موجودين للحال، فالقول قول الوصي.\nوالثالثة: إذا ادعى الوصي أن غلامًا لليتيم أبق، وأنه أعطى جعل الذي جاء به أربعين درهمًا وأنكر [الابن] الإباق، فعلى قول أبي يوسف، ﵀، القول قول الوصي.\nوعلى قول محمدٍ ﵀، وهو قول الحسن بن زياد، القول قول الابن، إلا أن يأتي الوصي ببينةٍ على ما ادعى من ذلك.\nوأجعموا أنه لو قال: استأجر رجلًا ليرده، فإنه يصدقه لأن الاستئجار من التجارة.","vol":"3","page":364},{"text":"والرابعة: مسألة ذكرها في آخر الباب [وهي ما] إذا قال الوصي: أديت خراج أرضك منذ مات أبوك منذ عشرين سنة، في كل سنةٍ ألف درهم، وقال الابن: إنما مات أبي منذ خمس سنين.\nمحمد ﵀ يقول: الوصي يدعي في موت الأب تاريخًا سابقًا، والابن ينكر، فيكون القول قوله، بخلاف ما إذا كان العبيد موجودين في الحال؛ لأنه يستدل به على أنهم كانوا موجودين قبل هذا، فيكون القول قول الوصي.\nوفي مسألة الإباق يدعي جناية على العبد والابن ينكر، فيكون القول قوله، بخلاف ما لو قال: استأجرت؛ لأن الاستئجار من التجارة، وهو مسلط عليه فيكون القول قوله.\nوأبو يوسف ﵀ يقول: الوصي أمين في ماله، والأمين متى أخبر بخبرٍ محتمل للصدق، وجب أن يقبل خبره.\nوتحقيقه هو أن المدعي في الحقيقة يرجع إلى أن الصبي يدعي على الوصي وجوب تسليم شيءٍ من المال، والوصي ينكر، فكان القول قوله.\n\n[٨٩١] قال:\nولو أن رجلًا ادعى على ميتٍ حالًا، وأحضر رجلًا ذكر المدعي أنه ابن الميت ووارثه لا وارث له غيره، وذكر أن في يده مالًا ورثه من أبيه، وأن له على أبيه ألف درهم، فقال المدعي على أبيه المال: أنا ابن","vol":"3","page":365},{"text":"فلان بن فلان الفلاني، وقد مات أبي، ولا وارث له غيري، وفي يدي مال ورثته من أبي، ولا أعلم أن لهذا على أبي شيئًا، وأراد المدعي استحلافه، كان له ذلك.\nلأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه أن يؤديه من تركة والده، فإذا أنكر وجب أن يستحلف، لكن يستحلف على العلم.\n\n[٨٩٢] فإذا أقام المدعي بينةً أن له على فلان بن فلان الفلاني ألف درهم، وأنه مات، وأنهم لا يعرفون هذا الرجل الذي حضر مع المدعي أنه فلان بن فلان الفلاني قال: فإن القاضي يحكم عليه بالمال، ويأمره بدفع المال إلى الغريم الطالب بالبينة التي شهدت على الميت بالدين.\nولا يكون هذا حكمًا على الميت، ولا على ورثته.\nلأن كونه وارثًا لم يثبت بالبينة، وإنما ثبت يإقراره، وإقراره يصح في حق نفسه، ولا يصح في حق الورثة إن كانوا، وفي حق الميت.\nوفائدة هذا أنه لو جاء وارث آخر وأقام البينة أنه وارث الميت لا وارث له غيره، فإن القاضي يسلم جميع ما في يد الأول إليه.\nلأن الثابت بالإقرار لا يعارض الثابت بالبينة.\nوكذا على هذا إذا أقر أحد الورثة بالدين على الميت المورث، وهو","vol":"3","page":366},{"text":"كان معروفًا صح إقراره في حق نفسه، ولا يصح في حق غيره كذا هذا.\nوإذا ثبت أن الثاني أولى به يأخذ المال كله من يدي الغريم، وهو هلى حجته، يقيمها على الثاني؛ لأنه ظهر أن الأول لم يكن خصمًا.\nوعلل في الكتاب وقال:\nلأن الخصم لا يكون على الميت إلا وارث أو وصي، وهذا لم يثبت أنه وارث، وإنما حكمنا عليه بالمال الذي في يده بإقراره أنه وارث عن فلان.\n\n[٨٩٢] قال:\nوينبغي للقاضي أن يستحلف الطالب بالله ما قبضت هذا المال من الميت، ولا من أحدٍ أداه إليك عنه، ولا قبض لك قابض بأمرك، ولا أبرأت فلانًا منه، ولا بشيٍ منه، ولا أحلت بذلك، ولا بشيءٍ منه على أحد، ولا عندك به ولا بشيءٍ منه رهن. فإن حلف على ذلك أمر بالدفع إليه.\nوكذلك دين كل واحدٍ على رجلٍ ميت، فإن القاضي يستحلف الطالب على ما قررنا، نظرًا للميت.\nلما مر غير مرة.","vol":"3","page":367},{"text":"[٨٩٣] قال:\nوإن قال الورثة: لا نرد يمين الطالب، ولا نستحلفه، فلا يلتفت القاضي إلى ذلك، ولا يدفع إليه شيئًا حتى يستحلفه.\nعلل في الكتاب فقال:\nلأن اليمين ههنا ليست للوارث، وإنما هي لتركة الميت.\nيريد به أن اليمين ههنا ليست حق الوارث، وإنما هي حق الميت؛ لأنه قد يكون له غريم آخر يأتي، أو موصى له، فالحق في هذا على تركة الميت. فعلى القاضي الاحتياط في ذلك.\n\n[٨٩٤] قال:\nوإن باع الوصي شيئًا من تركة الميت بالنسيئة، فإن كان ذلك ضررًا على اليتيم لم يجز، وإن لم يكن فيه ضرر بأن كان لا يخشى عليه الجحود والمطل والمنع عند حلول الأجل يجوز.\nولهذا قال مشايخنا: إذا استباع رجل شيئًا من مال اليتيم بألف، والآخر بألف ومائة والأول أملأ من الثاني ينبغي أن يبيع من الأول الذي لا يخشى عليه المنع والجحود عند الطلب.","vol":"3","page":368},{"text":"وكذلك متولى الأوقاف.\nوكذلك إن كان لليتيم دار فأراد رجل أن يستأجرها كل شهرٍ بثمانية دراهم والآخر بعشرة، والأول أملأ، ينبغي أن يؤجراها من الأول.\nوكذلك متولى الأوقاف، وجميع أمناء الأوقاف على هذا القياس.\n\n[٨٩٥] قال:\nوللوصي أن يوكل ببيع مال اليتيم من رأى، ويوكل في تقاضي ديون الميت وأمواله، وله أن يتجر بماله، ويتضع له ويودع ماله.\nلأنه قائم مقام الأب، والأب يملك هذه الأشياء، فكذا الوصي.\n\n[٨٩٦] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀: للوصي أن يعطي عن اليتيم زكاة الفطر.\nوهو قول أبي يوسف.\nوهذا استحسان.\nوالقياس: أن لا يعطي، وهو قول محمد، وزفر، والحسن بن زياد ﵏.\nولو أعطى من مال اليتيم ضمن.\nوموضع المسألة كتاب الصوم.\n\n[٨٩٧] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀:\nويضحي له إذا كان له مال.","vol":"3","page":369},{"text":"والكلام فيه كثير ذكرناه في مختصر أضاحي الزعفراني.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-288>الباب الرابع والستون في الرجل يوصي إلى رجلين</span>\n[٨٩٨] قال:\nولو أن رجلًا مات وأوصى إلى رجلين، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا ينفرد كل واحدٍ منهما بالتصرف، بل يشترط اجتماعهما.\nوقال أبو يوسف ﵀: ينفرد.\nوأجمعوا أنه ينفرد في أشياءٍ ستة:\nتجهيز الميت وتكفينه.\nوقضاء الدين.\nوتنفيذ الوصية في العين.\nوعتق النسمة.\nورد الودائع والغصوب.\nوشراء ما لابد للصغير [منه] من الطعام والكسوة.\nومن مشايخنا من زاد هذا إلى التسعة.\nومنهم من زاد على اثني عشر.\nتمام هذا في آخر الجامع.\n\n[٨٩٩] ثم قال في الكتاب:","vol":"3","page":371},{"text":"قال أبو حنيفة ﵀: ليس لأحدهما أن يعمل شيئًا.\nذكره بلفظ العمل، ولم يذكره بلفظ التجارة، فهذا يدل على أنه لا يملك أحدهما من العمال شيئًا، لكن يملك ما قلنا.\nوكذا على هذا الاختلاف إذا أوصى أن يتصدق بكذا وكذا من ماله، ولم يعين الفقراء، أو أوصى بشيءٍ للمساكين، ولم يعين مسكينًا، فإن عين [شيئًا] ينفرد أحدهما بالإجماع.\nنص على هذا صاحب الكتاب.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nكان مشايخنا يظنون أنه إذا أوصى بشيءٍ من أبواب البر أن ينفرد أحدهما بتنفيذ الوصية، وليس كما ظنوا، بل الجواب على الوجه الذي أورد صاحب الكتاب، فينبغي أن يحفظ هذا من صاحب الكتاب.\nوكذلك في حالة الحياة إذا وكل رجلين بأن يهبا هذا العين، ولم يعين الموهوب له، فإن عين ينفرد أحدهما بالإجماع.\nهذا إذا أوصى إليهما جملة.\nأما إذا أوصى إلى أحدهما أولًا، ثم أوصى إلى الآخر [فقد] قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nاختلف المشايخ في هذا الفصل:\nمنهم من قال بأنه ينفرد كل واحد بالتصرف، وسووا بين هذا وبين الوكيل إذا وكل رجلًا ببيع شيءٍ بعينه، ثم وكلا الآخر ببيع ذلك الشيء،","vol":"3","page":372},{"text":"فإن كل واحدٍ منهما ينفرد بالتصرف، ولو كان وكلهما معًا لا ينفرد أحدهما بالتصرف.\nومنهم من قال: هذا على الخلاف.\nوهكذا ذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀.\nوفرق أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله بين هذا وبين الوكالة.\nوكذلك إذا خص نوعًا فقال لأحدهما: أنت وصيي في قضاء ما علي من الدين، وقال للآخر: أنت وصيي في القيام بأمرٍ مالي، وما أخلف به بعدي، وفي أمر ولدي، فإنهما [يصيران] وصيين في جميع الأنواع عند أبي حنيفة ﵀.\nوعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يصير [كل واحدٍ منهما] وصيًا فيما أوصى إليه؛ بناءً على أن من أوصى إلى رجلٍ في نوعٍ هل يصير وصيًا في الأنواع كلها؟\nفرق أبو حنيفة ﵀ بين هذا وبين الوكالة.\nأما الفرق الأول فهو أن أوان وجوب الوصية ما بعد الموت سواء قدم وصيه هذا أو وصيه ذلك، فصار أوان وجوبهما ما بعد الموت، فصار الإيصاء إليهما في وقتين متفرقين إيصاء إليهما بعد الموت، ولا كذلك التوكيل؛ لأن","vol":"3","page":373},{"text":"أوان وجوبه أوان التوكيل، ووقت التوكيل متفرق، فلم يكن هذا توكيلًا لهما.\nوأما الفرق الثاني فهو أن الولاية الثابتة بالإيصاء لا تحتمل الوصف بالتجزي؛ لأن الوصي قائم مقام الموصي، وكانت ولاية الموصي غير محتملة للوصف بالتجزي، فكذلك ولاية الوصي، ولا كذلك الوكالة؛ لأن التوكيل إنابة، وقد أنابه في تصرف، فلا يتعدى عن ذلك إلى غيره.\n\n[٩٠٠] قال:\nولو أوصى إلى رجلين، فمات أحدهما، ولم يوص إلى الآخر، فإن على قول أبي حنيفة ومحمد ليس للوصي الآخر أن يعمل شيئًا حتى يرفع [الأمر فيه] إلى الحاكم، فإن رأى أن يجعله وصيًا وحده فعل، وإن رأي أن يضم إليه رجلًا آخر مكان الميت فعل.\nلأن الميت رضي برأيهما دون رأي أحدهما.\nأما قول أبي يوسف فينفرد الحي منهما بالتصرف كما في حالة الحياة.\nوقال ابن أبي ليلى:\nلا يكون للقاضي أن يجعل هذا الوصي الحي وصيًا وحده، ولو فعل لا يملك التصرف وحده.\nوهكذا روي عن أبي حنيفة في النوادر.","vol":"3","page":374},{"text":"لأن الميت لم يرض برأيه وحده في التصرفات، فلا يجوز له أن يتصرف إلا بمظاهرة الآخر معه.\nوجه ظاهر الرواية: أن القاضي لو رأى الصلاح أن يخرج هذا من الوصية، وينصب وصيًا آخر جاز. فإذا رأى الصلاح أن يجعله وصيًا وحده وجب أن يجوز.\nوجنس هذه المسائل على هذا الخلاف ثلاث مسائل.\nإحداها: هذه.\nوالثانية: إذا أوصى إلى رجلين ومات فقبل أحدهما الوصية، ولم يقبل الآخر، أو مات أحدهما قبل موت الموصي وقبل الآخر:\nعند أبي حنيفة ومحمد [رحمهما الله] لا ينفرد هذا القابل بالتصرف.\nوعند أبي يوسف [﵀] ينفرد.\nوالثانية: إذا أوصى إلى رجلين ففسق أحدهما فإن القاضي إن شاء أطلق الثاني أن يتصرف وحده وإن شاء ضم إليه وصيًا آخر، واستبدل بالفاسق العدل، ولا ينفرد بالتصرف عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ينفرد.\n\n[٩٠١] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀: لأحد الوصيين أن يقضي ما على الميت من","vol":"3","page":375},{"text":"دين.\nلما قلنا أن هذا من جملة الستة التي ينفرد بها، وليس له أن يقضي شيئًا إلا بأمر صاحبه من دين الميت؛ لأن هذا من باب الأمانات، والميت رضي بأمانتهما.\n\n[٩٠٢] قال:\nولو أن رجلًا مات وعليه ديون، وله أموال، وترك ورثةً فأقام رجل شاهدين أنه أوصى إليه وإلى فلان الغائب فإن القاضي يقبل ذلك منه.\nلأنه أقام البينة على حقه، وحقه متصل بحق الغائب، فانتصب خصمًا عن الغائب، فصارا وصيين، فلا يكون لهذا الحاضر أن ينفرد بالتصرف ما لم يحضر الغائب، إلا في الأشياء الستة.\nوهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.\nأما قول أبي يوسف ﵀ [فإن] هذا الحاضر أقام البينة على حقه وحق الغائب، وحقه غير متصل بحق الغائب، فلا ينتصب خصمًا عن الغائب، فيثبت حقه دون حق الغائب، فكان لها الحاضر أن يتصرف وحده.\nثم [إذا] حضر الغائب فالمسألة على وجهين:\nأما إن ادعى أنه وصي معه.","vol":"3","page":376},{"text":"أو جحد أن يكون وصيًا معه.\nففي الوجه الأول عند أبي حنيفة ومحمد لم يكلفه القاضي إعادة البينة، وعند أبي يوسف يكلفه؛ لأن بينة الحاضر ما سمعت على وصيته.\nوفي الوجه الثاني: كأن الرأي إلى القاضي، إن شاء أدخل معه رجلًا مكان الغائب، وإن شاء جعله وصيًا وحده، فيفعل ما هو الأصلح والأنظر والأنفع للميت.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>الباب الخامس والستون في الرجل يوصي إلى من لا تجوز إليه الوصية</span>\n[٩٠٣] قال:\nولو أن مسلمًا أوصى إلى ذمي، لم تجز الوصية، وأخرجه القاضي من الوصاية، وجعل وصيًا مكانه.\nيريد بقوله: لا تجوز بالوصية أنه لا تقر عليه، ويخرجه القاضي من الوصاية، فإنه قال في الكتاب: وأخرجه القاضي من الوصاية. والإخراج للداخل يكون.\nوكذا قال في كتاب القسمة: إذا كان في التركة خمر، فقسم الوصي الذمي الخمر صح، لكن القاضي يخرجه من الوصاية.\nلأنه بعقد الوصاية [له] يثبت له الولاية على الميت والورثة والتركة، ولا يجوز أن تثبت الولاية للكافر على المسلم.\n\n[٩٠٤] قال:\nوكذلك إذا أوصى إلى عبدٍ، أو صبي، أخرجهما القاضي من الوصاية،","vol":"3","page":378},{"text":"وجعل مكانهما وصيًا للميت.\nلأن العبد مشغول بخدمة المولى، والصبي لا يهتدي إلى التصرف.\nوهل ينفذ تصرفهما قبل أن يخرجهما القاضي كما ينفذ تصرف الذمي قبل أن يخرجه القاضي؟\nأما تصرف العبد فينقذ.\nنص عليه صاحب الكتاب.\nوأما تصرف الصبي [فقد] اختلف المشايخ فيه:\nمنهم من قال: ينفذ؛ لأن الإيصاء إنابة مناب نفسه في التصرف، وإنابة الصبي في التصرف صحيحة، ألا ترى أنه لو وكله يصح تصرفه، والدليل عليه أنه قال في الكتاب: أخرجه القاضي من الوصاية، والإخراج للداخل يكون، فإذا دخل نفذ تصرفه.\nومنهم من قال: لا ينفذ، وهو الصحيح.\nلأن هذا التصرف لا ينفك عن إلزام العهدة، ولا يمكن إلزام العهدة على الميت، ولا على الصبي؛ لأنهما ليسا من أهل لزوم العهدة عليهما، وبدون العهدة لا يمكن تنفيذ هذا التصرف، بخلاف حالة الحياة،","vol":"3","page":379},{"text":"لأنه لا يمكن إلزام العهدة على الموكل، وبخلاف العبد والذمي؛ لأنهما من أهل لزوم العهدة.\n\n[٩٠٥] قال:\nولو لم يخرج القاضي العبد والذمي والصبي من الوصاية حتى أسلم الذمي، وأعتق العبد، وكبر الصبي، فالذمي والعبد بقيا [على حالهما] وصيين، ولا يخرجهما القاضي من الوصاية.\nلأن المانع من التقرير هو الكفر والرق وقد زال، فلا يكون له حق العزل.\nوأما في حق الصبي فاختلفوا فيه:\nقال أبو حنيفة ﵀: لا يكون وصيًا.\nوقال أبو يوسف ﵀: يكون وصيًا.\nوهكذا في قول محمد ﵀ ذكر بعد هذا في مسألةٍ من جنس هذه المسألة.\nفأبو يوسف سوى بينه وبين العبد والذمي، وأبو حنيفة فرق.\nوالفرق أن الصبي ليس من أهل قولٍ ملزم، فلم يصح هذا التفويض إليه أصلًا.","vol":"3","page":380},{"text":"فأما الذمي والعبد فمن أهل قومٍ ملزم، لكن في حق العبد امتنع لمانع، هو حق المولى، فإذا زال المانع وهو حق المولى كان وصيًا.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nهذه المسألة بهذا الاختلاف لا توجد في المبسوط، وإنما هي مستفادة من جهة صاحب الكتاب.\nوذكر في كتاب الوكالة: أن من وكل صبيًا بحالٍ لا يعقل، ثم صار بحالٍ يعقل البيع والشراء قال: فإنه يصح ويصير وكيلًا، واختلف المشايخ فيه:\nمنهم من جعل ذلك قول أبي يوسف.\nومنهم من جعله على الاتفاق.\nفلو كان هكذا كان لأبي حنيفة في هذا الفصل روايتان.\n\n[٩٠٦] قال:\nوإن أوصى إلى عبده، فهذا على ثلاثة أوجه:\nإما أن يكون الورثة كبارًا كلهم.\nأو بعضهم كبارًا.\nأو صغارًا كلهم.\nففي الوجه الأول والثاني لم تجز الوصية إليه بالإجماع.","vol":"3","page":381},{"text":"لأن العبد انتقل إليهم، فتثبت لهم عليه ولاية، فكيف يثبت للعبد عليهم الولاية بالوصية؟\nوفي الوجه الثالث: اختلفوا فيه.\nقال أبو حنيفة ﵀: يجوز.\nوقالا: لا يجوز.\nوحق المسألة كتاب الوصايا.\n\n[٩٠٧] قال:\nفإن أوصى إلى مكاتب، فالوصية جائزة.\nلأنه بمنزلة الحر.\n\n[٩٠٨] قال:\nفإن لم يوص إلى أحد لكن قال: إذا أدرك ابني [فلان] فهو وصيي في كذا وكذا، فعلى قول أبي حنيفة لا يكون وصيًا إذا بلغ، وعلى قول أبي يوسف يكون وصيًا.\nوهكذا قول محمد.\nوهذه بناءً على مسألةٍ ذكرناها آنفًا، وهو أنه إذا أوصى إلى صبي، فبلغ الصبي، فعند أبي حنيفة ﵀: لا يكون وصيًا، وعندهما يكون. فكذا هذا. وأجمعوا أنه لو قال: إذا حضر فلان، وقبل","vol":"3","page":382},{"text":"يكون وصيًا.\n\n[٩٠٩] قال:\nوكذلك على هذا الاختلاف لو قال: أوصيت إلى فلان هذا، فإذا أدرك ابني فلان، وكبر، فهو وصيي دون فلان، أو قال: هو وصي مع فلان، فعند أبي حنيفة لا يكون الابن وصيًا في شيءٍ من ذلك، وعندهما يكون وصيًا على ما قال، فإن أفرده فهو مفرد، وإن أشركه مع الآخر فهو على ما جعله.\nوكذلك لو وقف شيئًا وسلمه إلى المتولي، ثم قال: إذا أدرك ابني فهو المتولي فيه، فقد روى بعض أصحابنا، وهلال في كتابه عن أبي","vol":"3","page":383},{"text":"يوسف أنه أيضًا يصح.\nولو أن رجلًا مات ولو يوص إلى أحد، وله أولاد صغار، وله أب، كان أبوه بمنزلة الوصي في جميع ما ترك الميت.\nلأن الجد قائم مقام الأب عند عدم الأب، فكان له حق التصرف والحفظ، وكل ذلك إليه.\n\n[٩١١] قال:\nفإن كان الميت أوصى بشيءٍ كان للأب أن ينفذ وصاياه.\nولو مات وعليه ديون كثيرة، وله ورثة صغار، وترك متاعًا وعقارًا، لم يكن للأب أن يبيع شيئًا من تركة الميت.\nوالفرق بينهما: أن تنفيذ الوصية إنما كان لحق الميت، وهو نائب عنه، والبيع إنما كان لحق الغرماء، وهو ليس بنائبٍ عن الغرماء. أشار إليه في الكتاب فقال: لأن ذلك للغرماء. فرق بين الجد وبين وصي الأب، فإن وصي الأب يملك بيع التركة لقضاء الدين وتنفيذ الوصايا،","vol":"3","page":384},{"text":"والجد لا يملك بيع التركة بقضاء الدين وتنفيذ الوصايا.\nوينبغي أن يحفظ هذا من صاحب الكتاب.\nلأن محمدًا ﵀ لم يذكر في المبسوط على هذا البيان، فإنه أقام الجد مقام الأب، فإنه قال:\nإذا ترك وصيًا وأبًا، فالوصي أولى، فإن لم يكن فالأب أولى، فإن لم يكن … وهكذا، إلى أن قال: فوصي الجد، ثم وصى القاضي.\nوصاحب الكتاب بين، قال:\nولو أن رجلًا له ابن لم يدرك، أذن له في التجارة، واستدان دينًاـ ومات الإبن، وترك متاعًا وعقارًا، والدين محيط بالتركة، لم يكن لأبيه أن يبيع شيئًا مما ترك.\nلأنه مشغول بحق الغرماء، فلا يملك البيع إلا برضى الغرماء.\n\n[٩١٢] قال:\nوكذا العبد المأذون له في التجارة إذا لحقه دين، ثم حجر عليه، أو مات، فليس لمولاه عليه ولا على ما بيده سبيل، حتى يبيعه؛ لأنه مشغول بحق الغرماء، فلم يكن له ولاية البيع، لكن يبيعه القاضي للغرماء.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>الباب السادس والستون في ما [لا] يجوز من فعل الوصي في مال اليتيم</span>\n[٩١٣] قال:\nوليس للوصي أن يشتري لنفسه شيئًا من تركة الميت، وإن اشترى شيئًا نظير القاضي في ذلك.\nوجنس هذه المسألة ثلاث:\nإحداها: في الأب.\nوالثانية: في الوكيل.\nوالثالثة: في الوصي.\nأما الأب فله أن يشتري لنفسه شيئًا من تركة الميت، إذا لم يكن فيه ضرر لليتيم، بأن كان بمثل القيمة.\nوليس للوكيل بالبيع أن يشتري لنفسه.\nوأما في الوصي فإذا لم يكن فيه خير لليتيم فلا يجوز. وإذا كان فيه خير له اختلفوا فيه.\nقال أبو حنيفة ﵀، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف: [يجوز].","vol":"3","page":386},{"text":"وقال محمد، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، مذكورة ههنا: لا يجوز.\nوقد ذكرنا هذه المسائل في شرح الزيادات.\nثم قال في الكتاب:\nإذا كان خيرًا لليتيم، ولم يذكر تفسيره.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀، في شرح هذا الكتاب وقال:\nإذا اشترى لنفسه من مال اليتيم ما يساوي عشرة بخمسة عشر فصاعدًا، فهو خير لليتيم، وما دونه فلا، وإذا باع مال نفسه من اليتيم ما يساوي خمسة عشر فصاعدًا بعشرة، فهذا خير لليتيم، وما زاد عليه فلا.\n\n[٩١٤] قال:\nوكذلك إذا كانا وصيين، فباع أحدهما شيئًا، واشتراه الآخر، لم يجز في قول أبي حنيفة ﵀، ويجوز عند أبي يوسف ﵀ إذا لم يحاب فيه.","vol":"3","page":387},{"text":"لأن عند أبي يوسف أحد الوصيين ينفرد بالتصرف فصار البيع منه كالبيع من الأجنبي، ولو باع من الأجنبي بمثل القيمة جاز فكذا ههنا.\nوعند أبي حنيفة ﵀: أحد الوصيين لا ينفرد بالتصرف مع الأجنبي، فكذا مع صاحبه.\nفإن قيل: لو باع من الأجنبي فرضي به صاحبه جاز وههنا لما قبله صاحبه، فقد رضي به، فوجب أن يجوز.\nقيل له: رضاه إنما يعتبر في المعاملة مع الغير، أما المعاملة مع نفسه فلا، فبقي هذا تصرف أحد الوصيين، وهو لا ينفرد به عند أبي حنيفة ﵀.\n\n[٩١٥] قال:\nوليس للوصي أن يقرض مال اليتيم، وإن أقرض كان ضامنًا، فرق بينه وبين القاضي.\nوالفرق: أن القرض تبرع في الحال، معاوضة في المال، فاعتبر في حق القاضي معنى المعاوضة في المال؛ لأن القاضي قاد على الاستخراج، والقاضي يملك المعاوضة في مال اليتيم، واعتبر في حق الوصي معنى التبرع للحال؛ لأنه لا يقدر على الاستخراج.","vol":"3","page":388},{"text":"[٩١٦] قال:\nولا يجوز إقرار الوصي بدينٍ على الميت، ولا بوصيةٍ أوصى بها لإنسانٍ، ولا بشيءٍ مما في يديه من تركة الميت، إن ادعى إنسان فأقر [به] الوصي له، فإن إقراره بطل.\nأما الإقرار بالدين فلأن هذا إقرار الغير على الغير؛ لأنه إقرار الوصي على الميت، وأنه إقرار الغير على الغير فلا يصح.\nوأما الإقرار بالوصية، وبشيءٍ مما في يديه، فلأنه إقرار على الوارث فلا يصح، ومتى لم يصح الإقرار كان شاهدًا، فإذا شهد مع آخر صح على معنى الشهادة، أو يكون هو وارثًا، فيصح إقراره، ويستوفي من نصيبه.\nولو كان الميت أقر عنده بدين، فإن كان الوصي عالمًا ينبغي أن يقول للموصي: أحضر شاهدين، وأشهدهما على قولك، أو أحضر شاهدًا فأشهده على قولك، حتى إذا مات، وجاء الغريم يشهد له مع هذا الوصي للغريم ثم يقضيه الوصي فلا يضمن.","vol":"3","page":389},{"text":"فإذا لم يكن عالمًا، ويجهل ماذا يصنع الوصي، [فقد] اختلف المشايخ من المفتين على خمسة أقوال:\nمنهم من قال: ينبغي له أن يجيء إلى القاضي، ويقول له: أقسم أنت الميراث بين الورثة، حتى إذا ظهر الدين بالبينة، لا يكون للغريم أن يخاصمني، ولا يرجع بالعهدة والضمان علي.\nومنهم من قال: يدفع إلى المقر له سرًا حتى لا تعرفه الورثة فيضمنونه.\nومنهم من قال: ينبغي أن يجعل من التركة مقدار الدين في صرة، ويضعها بين يديه، ويبعث إلى الغريم ليجيء","vol":"3","page":390},{"text":"ويأخذ سرًا أو جهرًا، والوصي يتغافل، فإن علم الورثة يقول للورثة: خاصموه أنتم، أو أقيموا غيري لكي يخاصم به.\nومنهم من قال: ينبغي أن يجعل مقدار الدين من جنس الدين في صرة، ويودعها الغريم، فيأخذ الغريم الوديعة قصاصًا بالدين.\nثم إن الوصي لا يضمن؛ لأن له أن يودع، ولا يخاصم في استردادها، بل يفوض ذلك إلى الورثة.\nومنهم من قال: يبيع بمقدار الدين شيئًا من التركة من الغريم، ثم لا يخاصم الوصي، ويحيل بالخصومة إلى الورثة، فيخاصمونه، أو يقيموا غيره ليخاصم.\n\n[٩١٧] [قال]:\nوليس للوصي أن يبرئ أحدًا من غرماء الميت، ولا يحط عنه شيئًا، ولا يؤجله بما عليه.\nلأن هذا تبرع في حق الغير، فلا يصح.\nوهذا كله في دينٍ لم يجب بعقد الوصي.\nأما في الدين الذي وجب بعقده، فيصح الحط والتأجيل والإبراء.","vol":"3","page":391},{"text":"عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف ﵀ لا يصح.\nوهي [من] مسائل كتاب البيوع.\n\n[٩١٨] قال:\nولا يصالح أحدًا.\nومسألة الصلح على وجهين:\nإما أن يصالح عن حق الميت على إنسان.\nأو يصالح عن دعوى الدين على الميت.\nففي الوجه الأول: المسألة على أربعة أوجه.\nإن كان للميت بينة.\nأو كان من عليه مقرًا.\nأو كان القاضي قضى له بذلك. لا يجوز.\nلأن مبنى الصلح على الإغماض والتجوز بدون الحق، فلا يجوز.\nوإذا لم يكن له بينة وكان الخصم منكرًا، ولم يكن القاضي قضى [بذلك] جاز.\nلأن فيه تحصيل بعض الحق لليتيم في حال لا يقدر على تحصيل","vol":"3","page":392},{"text":"الكل. وهذا نفع لليتيم.\nوأما في الوجه الثاني فالمسألة على ثلاثة أوجه:\nإن كان للمدعي بينة.\nأو كان القاضي قضى له بحقه.\nأو لم يكن له بينة.\nفإن كان له بينة، أو قضى له القاضي، جاز؛ لأنه فيه إسقاط بعض الحق عن اليتيم، هذا انفع لليتيم.\nوإن لم يكن له بينة، ولا قضى القاضي [له بحق] لم يجز؛ لأن بنفس الدعوى لا يثبت شيء للمدعي، فيكون الصلح تبرعًا، فلا يجوز من الوصي.\nونظير هذا السلطان إذا طمع في مال اليتيم فصانعه الوصي ببعض مال اليتيم لدفع ظلمه [فإنه] ينظر: إن أمكنه دفع الظلم من غير أن يعطي شيئًا لا يجوز له أن يعطي، ولو أعطى ضمن، وإن لم يمكنه ذلك إلا بهذا جاز، ولا يضمن [لما قلنا].\nوالله ﷾ أعلم بالصواب","vol":"3","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>الباب السابع والستون في ما يكون قبولًا للوصية وما يكون ردًا لها</span>\n[٩١٩] قال:\nولو أن رجلًا أوصى إلى رجل، فقال الموصى إليه في وجه الموصي: لا أقبل هذه الوصية، ثم مات الموصي، فقال الوصي بعد موته: قد قبلت الوصية، أو قال أنا أقبلها الساعة، فإنه لا يكون وصيًا.\nلأنه لما رد [الوصية] في وجهه ارتد الإيجاب، فبعد ذلك إذا قبل فقد قبل وليس ههنا وصية، فلا يصح.\nوكذا على عكس هذا لو قبل في وجهه، ثم رده بعد موته لا يجوز رده.\nلأنه [لما] قبل صحت الوصية إليه، فلا يخرج عن تلك الوصية إلا بعلم الموصي كما في الوكالة.\nفرق بين هذا وبين مسألة ذكرها في آخر الباب، وهي أنه إذا أوصى له بشيء فرده في وجهه في حياته، ثم قبل بعد وفاته، أو على العكس، فإن قبل في وجهه، ثم ردد بعد وفاته يصح.\nوالفرق أن في الإيصاء إليه لما قبل اعتمد الموصي عليه، فلو صح رده بعد وفاته فإنه يتضرر به الموصي، فإنه لم يوص إلى غيره، ولو علم بذلك","vol":"3","page":394},{"text":"لكان يوصي إلى غيره، فأما في الوصية له فلو صح له بعد موته لا يتضرر الميت.\nوهذا الذي ذكرنا قول علمائنا الثلاثة ﵏.\nوأما عند زفر فهما سواء؛ لما نبين.\n\n[٩٢٠] قال:\nولو أوصى إليه وهو ليس بحاضر، فبلغه ذلك في حياة الموصي، أو بعد وفاته، فقال: لا أقبل، ثم مات الموصي، ثم قبل ذلك [فإنه] يجوز.\nلأن الرد لم يصح من غير علم الموصي، كرد الوكالة لا يصح من غير علم الموكل. فإذا لم يرتد الإيجاب وقبل، صح القبول، إلا أن يكون القاضي أخرجه من ذلك بذلك الرد، فيكون خارجًا من الوصي، فبعد ذلك أن قبل لا يصح.\nواختلف المشايخ في تخريج هذا الحكم.\nمنهم من قال: إنما كان لأن على قول بعض العلماء يصح الرد بدون علم الموصي، فالقاضي متى أخرجه من الوصاية بذلك الرد، فقد قضى في فصل مجتهد فيه فينفذ، وإليه ذهب الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀.\nومنهم من قال: لا حاجة إلى هذا، لكن إنما كان لأن الوصاية لو صحت بقبوله كان للقاضي أن يخرجه، ويصح الإخراج، فهذا أولى. وإليه ذهب الشيخ [الإمام] شمس الأئمة الحلواني ﵀.","vol":"3","page":395},{"text":"[٩٢١] قال:\nفإن أرسل الموصى إليه رسولًا برد الوصية، أو كتب إليه كتابًا، إن وصل ذلك إلى الموصي صح الرد.\nلأن الرد بهذه الصفة بمنزلة الرد في وجه الموصي بالخطاب، فتبطل، فبعد ذلك إذا قبل لا يصح، ولا يصير وصيًا.\nوإن لم يصل إليه بالكتاب، ولم يبلغه الرسول الرسالة حتى مات، ثم مات، ثم قبل الوصية جاز قبوله وهو وصي.\nلأنه لم يصح الرد، فإذا قبل قبل والإيجاب قائم، فيصح.\n\n[٩٢٢] [قال]:\nولو كان قال الموصي إليه في وجهه: قد قبلت وصيتك، ثم قال بعد ذلك في غير وجهه: قد رددتها، ولا أقبلها، لم يكن ذلك ردًا للوصية.\nلما مر.\n\n[٩٢٣] قال:\nولو أن رجلًا أوصى لرجل بثلث ماله، فقال في وجه الموصي: لا أقبل وصيتك، أو قال: قبلت، ثم مات الموصي، فذلك القول الذي كان من الموصى له في حياة الموصي من القبول والرد باطل. وله أن يقبل في الوجه الأول، ويرد في الوجه الثاني.","vol":"3","page":396},{"text":"وهذا قول علمائنا الثلاثة ﵏.\nوقال زفر: هما سواء. ولكن تكلموا في وجه التسوية:\nمال صاحب الكتاب إلى هذا: إنه إذا ردد في وجهه ليس له أن يقبل بعد موته في المسألتين.\n[ومنهم من مال إلى هذا: إنه إذا ردد في وجهه له أن يقبل بعد موته في المسألتين].\nوحق المسألة كتاب الوصايا.\n\n[٩٢٤] قال:\nولو أن الموصى له لم يقل في حياته الموصى: قبلت، ولا قال: رددت، حتى مات الموصى، فقال بعد موته: قد قبلت، فليس له بعد هذا أن يرد ما أوصى له به.\nلأنه لما قبل تعلق به اللزوم، فالتحق بالإرث، فلا يرتد بعد ذلك بالرد.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":397},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>الباب الثامن والستون في إثبات الوكالة</span>\n[٩٢٥] [ذكر] عن عبد الله بن جعفر أن عليًا ﵁ كان لا يحضر الخصومة، وكان يقول: إن لها قحمًا يحضرها الشيطان، فجعل الخصومة إلى عقيل، فلما كبر ورق حولها إلي، فقال","vol":"3","page":398},{"text":"علي ﵁: ما قضى لوكيلي فهو لي، وما قضى على وكيلي فهو علي.\nهذا الحديث أورده محمد ﵀ في كتاب الوكالة أطول من هذا، وإنما أورد صاحب الكتاب ههنا بقدر ما يحتاج إليه.\nاشتمل هذا الحديث على فوائد:\nمنها: أن الأفضل للإنسان أن لا يحضر مجلس الخصومة بنفسه، وهو مذهبنا، وقول عامة العلماء؛ لما روى عن النبي ﷺ أنه قال:","vol":"3","page":399},{"text":"\"كفى بالمرء إثمًا أن لا يزال مخاصمًا\".\nفقد ذم الخصومة.\nولأنه رب إنسان يرى الحق بصورة الباطل، والباطل بصورة الحق، ومثل هذا المجلس يحضره الشيطان على ما قال علي ﵁.\nومنها: أن التوكيل بالخصومة جائزُ، ألا ترى أن عليًا ﵁ وكل عقيلًا، وكان فطنًا ذكيًا فلما كبر وأسن فوض ذلك إلى عبد الله بن جعفر.","vol":"3","page":400},{"text":"ومنها: أن التوكيل بالخصومة من غير رضى الخصم جائز، فإن عليًا ﵁ لم يشترط رضى الخصوم فيكون الحديث بظاهره حجة لأبي يوسف ومحمد على أبي حنيفة ﵏.\nوأبو حنيفة يقول: عندي التوكيل بغير رضى الخصم صحيح، لكنه غير لازم، حتى كان للخصم أن يطالب الموكل بالخصومة، وليس في الحديث أن الخصوم طلبوا حضور علي ﵁.\nوالظاهر: أنهم ما طلبوا؛ لأن عليًا ﵁ اعلم من غيره فكان أقدر على إقامة الحجة.\n\n[٩٢٦] ذكر حديث فاطمة بنت قيس، أنها قالت: طلقني زوجي","vol":"3","page":401},{"text":"ثلاثًا، ووكل أخاه بنفقتي، وخرج إلى اليمن، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ، فلم يجعل لي النفقة ولا السكنى.\nفي الحديث دليل على جواز التوكيل.\nثم تكلم العلماء في أن النبي ﷺ لماذا لم يجعل لها النفقة والسكنى؟\nقال الشافعي ﵀:","vol":"3","page":402},{"text":"إنما لم يجعل لها [النفقة والسكنى] لأنها كانت مبتوتة، والمبتوتة لا تستحق النفقة.\nوقال علماؤنا ﵏: لأنها كانت ناشزة تبذأ احماء الزوج، وكانت لا تلزم بيت العدة، بل تسكن زمانًا وتخرج زمانًا، والمعتدة إذا كانت لا تلزم بيت العدة لا تستحق النفقة؛ لأنها ناشزة، والناشزة لا تستحق النفقة.\n\n[٩٢٧] [قال]:\nوقال أبو حنيفة ﵀: لا أقبل الوكالة من حاضر صحيح","vol":"3","page":403},{"text":"إلا برضى الخصم.\nوهي مسألة معروفة في كتاب الوكالة، أن التوكيل من غير رضا الخصم صحيح بالاتفاق.\nوهل تلزم؟\nعند أبي حنيفة ﵀: لا، لا بأحد معان ثلاثة:\nبأن يرضى الخصم.\nأو يكون مريضًا، لا يستطيع معه الحضور إلى مجلس الحكم.\nأو يكون على مسيرة السفرة أدنى مدة السفر.\nوعندهما تلزم.\nثم عند أبي حنيفة ﵀ كما تلزم إذا كان على مسيرة سفر، تلزم إذا كان يريد السفر.\nلأن معنى الضرورة يجمعهما.\nألا ترى أنه كما يجوز من الأصول الإشهاد على شهادتهم إذا كان على مسيرة السفر يجوز عند إرادة السفر، فكذا هنا.","vol":"3","page":404},{"text":"وهذا إذا صدق خصمه أنه يريد السفر.\nأما إذا كذبه فماذا يصنع القاضي، وبماذا يعرف القاضي؟\nقد مر هذا في باب ما أبيح للقاضي من الاجتهاد وغيره من الأبواب.\n\n[٩٢٨] قال:\nوإن ادعى رجل أن رجلًا وكله بطلب كل حق له بالكوفة، وبقبضه، وبالخصومة فيه، وجاء بالبينة على الوكالة، والموكل غائب، ولم يحضر الوكيل أحدًا للموكل قبله حق، وأراد أن يثبت الوكالة، فإن القاضي لا يسمع من شهوده حتى يحضر خصمًا.\nلأن المدعي أخبر بخبر محتمل، فيظهر المخبر به في حقه، وحق القاضي.\nلأنه لا يكذبه.\nأما إذا أراد الإثبات بالبينة، فإنما يقبل على خصم جاحد ليصير الجحود معارضًا للدعوى، فيحتاج إلى البينة، فلهذا لا يقبل القاضي البينة.\n\n[٩٢٩] قال:\nفإن أحضر رجلًا يدعى عليه حقًا للموكل، والمدعى عليه مقر بذلك، أو جاحد له، فإن القاضي يسمع من شهود الوكيل على الوكالة، وينفذ له الوكالة.","vol":"3","page":405},{"text":"لأن البينة قامت على خصم حاضر فتقبل.\n\n[٩٣٠] قال:\nفإن أحضر غريمًا له يدعي عليه حقًا للموكل لم يحتج إلى إعادة البينة على الوكالة، ويحكم له القاضي بالوكالة على كل خصم يحضر يدعي قبله حقًا للموكل.\nلأن القاضي قضى بالبينة الأولى بالوكالة عامًا.\nلأن القاضي إنما يقضي على حسب ما شهد به الشهود، والشهود شهدوا بالوكالة عامًا، فالقاضي قضى بذلك، فلا يحتاج إلى إقامة البينة على كل غريم.\n\n[٩٣١] قال:\nولو كان وكله بطلب كل حق له قبل إنسان بعينه لم يسمع القاضي من شهوده على الوكالة إلا بمحضر من ذلك الرجل.\nلأن خصمه ذلك الرجل، لأنه وكله بالخصومة معه، والوكالة مما تقبل التخصيص.","vol":"3","page":406},{"text":"[٩٣٢] قال:\nولو أن الموكل حضر ليوكل عند القاضي هذا الوكيل [و] قال: قد وكلت هذا الوكيل بطلب كل حق لي بالكوفة [و] بالخصومة في ذلك، وليس معهما أحد للموكل قبله حق، فإن كان القاضي يعرف الموكل، ويعلم أنه فلان بن فلان الفلاني قبل القاضي وكالته، وأنفذها للوكيل، فإن أحضر الوكيل أحدًا يدعي عليه حقًا للموكل، وقد غاب الموكل كان الوكيل خصمًا له.\nلأن القاضي يعرف أنه لمن يقضي، فيقبل منه الخصومة.\n\n[٩٣٣] قال:\nفإن كان القاضي لا يعرف الموكل لا يقبل الوكالة.\nلأنه لو قبلها لا يمكنه القضاء بخصومة هذا الوكيل، لأنه إذا لم يعرف الموكل لا يعرف أنه لمن يقضى ومعرفة المقضي له شرط جواز القضاء.","vol":"3","page":407},{"text":"[٩٣٤] قال:\nفإن قال الموكل: إني أقيم البينة إني فلان بن فلان لتقضي بوكالتي لهذا الرجل، فإن القاضي لا يسمع شهوده.\nلأنه ليس معه خصم حاضر فلا تقبل البينة على ذلك.\n\n[٩٣٥] قال:\nفإن غاب الموكل، ثم إن الوكيل حضر إلى القاضي، ومع رجل يدعى عليه حقًا للموكل، كلفه القاضي أن يأتي بشهود يشهدون أن الذي وكله فلان بن فلان الفلاني، فإذا احضر بينة على ذلك انفذ له القاضي الوكالة، بطلب كل حق للموكل بالكوفة.\nلأن البينة قامت على خصم، فتقبل، فإذا قبل عرف أنه لمن يقضي.\n\n[٩٣٦] قال:\nفإن أراد الوكيل من القاضي في هذه الوجوه أن يصحح عنده الوكالة ويثبتها بالبينة، ويأخذ كتاب القاضي إلى قاض آخر قبلت بينته على غير خصم، وكتب له بذلك إلى قاضٍ آخر.","vol":"3","page":408},{"text":"لأن حضرة الخصم ليست بشرط لقبول البينة لأجل الكتاب، كما لو قامت على مال.\n\n[٩٣٧] قال:\n[وقال] أبو حنيفة ﵀:\nلو أن رجلًا وكل رجلًا بقبض حقوقه قبل رجل كان الوكيل بالقبض وكيله بالخصومة، إن جحد المطلوب ذلك الحق، فللوكيل أن يقيم البينة.\nوكذلك أن أثبت الحق على المطلوب، فقال المطلوب: دفعت هذا الحق إلى الطالب، فأقام المطلوب بينة على ذلك، تقبل بينته على هذا الوكيل.\nوعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: الوكيل بقبض الدين لا يكون وكيلًا بالخصومة.\nوهذا قول زفر ﵀.\nوذكر صاحب الكتاب بعد هذا [فقال]:","vol":"3","page":409},{"text":"واجمعوا أن الوكيل بقبض العين لا يكون وكيلًا بالخصومة، حتى لو ادعى المودع أن المودع وهب منه، أو تصدق عليه، أو باعه منه، وأراد إقامة البينة على الوكيل فإنه لا يقبل [ذلك].\nفأما الوكيل بالخصومة في الدين أو في العين إذا خاصم فيه وأثبت هل يملك القبض؟\nعند علمائنا الثلاثة ﵏: يملك.\nوعند زفر: لا يملك، بل يقبضه الموكل.\nواستحسن المتأخرون في أنه لا يملك كما قال زفر، وبه يُفتى.\nلأنه لا يؤتمن على المال من يوتمن على الخصومة.\nوقد ذكرنا هاتين المسألتين في شرح الجامع الصغير.\n\n[٩٣٨] قال:\nالوكيل بالخصومة إذا أقر أن الموكل قد كان قبض هذا الحق من المطلوب فهذا على وجهين:\nأما أن أقر في مجلس القاضي، أو في غير مجلس القاضي.","vol":"3","page":410},{"text":"ففي الأول صح إقراره عند علمائنا الثلاثة ﵏ استحسانًا.\nوعند زفر ﵀ لا يصح قياسًا، ويخرج من الوكالة، نص على هذا صاحب الكتاب بعد هذا.\nوإن أقر في غير مجلس القاضي لم يصح إقراره عند أبي حنيفة ومحمد وزفر.\nوعند أبي يوسف صح.\n\n[٩٣٩] قال صاحب الكتاب:\nوقال أبو يوسف وغيره من أصحابنا: أنه يجوز إقراره في غير مجلس القاضي.\nولم يذكر أن ذلك الغير من هو.\nثم عند أبي حنيفة ومحمد وزفر: إذا لم يصح الإقرار في غير مجلس القاضي، لكن إذا ثبت إقراره في غير مجلس القاضي عند القاضي، بأن أقام المطلوب بينة على ذلك يخرج عن الوكالة، إن لم يبرأ المطلوب.\nلأنه إن أقر أنه ليس عليه شيء، فكيف يخاصمه وهو بمنزلة الوكيل بالخصومة إذا استثنى الإقرار فأقر، لا يصح، لكن يخرج عن الوكالة، كذا هنا.\nوحق المسألتين كتاب الوكالة.\n\n[٩٤٠] قال:\nوكذلك إذا قال الوكيل: قد أخذت هذا الحق من المطلوب،","vol":"3","page":411},{"text":"ودفعته إلى الموكل، جاز إقراره.\nلأنه مسلط، وهو مؤتمن فيه، فيصدق كالمودع إذا قال: دفعت الوديع إلى المودع.\nوفي هذه المسألة دقيقة لم تذكر ههنا، وستأتي بعد هذا.\n\n[٩٤١] قال:\nفإن وهب الحق من المطلوب، أو أبرأه منه، أو تصدق به عليه، لم يجز على الموكل ذلك.\nلأنه غير مسلط على هذه التصرفات.\n\n[٩٤٢] قال:\nوإن تقدم رجل إلى القاضي وادعى أن فلان بن فلان وكله بقبض دينه الذي على فلان هذا فأحضره القاضي معه، فهذا على ثلاثة أوجه:\nأما أن أقر الغريم بالدين والوكالة جميعًا.\nأو أقر بالدين وجحد الوكالة.\nأو أقر بالوكالة وجحد الدين.\nأما إذا أقر بالدين والوكالة فإن القاضي يأمره بدفع الدين إلى الغريم.\nلأن إقراره على نفسه جائز.\nفإن أبي أن يدفع فالقاضي يجبره على الدفع.\nفرق بين هذا وبين الوكيل بقبض العين إذا جاء، وقال: أنا وكيل فلان وكلني بقبض الوديعة منك، فصدقه المدعى عليه في الوكالة","vol":"3","page":412},{"text":"والوديعة، ثم أبى أن يدفع إليه، فإنه لا يجبر على الدفع.\nوالفرق أن في الوديعة أقر بثبوت الحق له في ملك الغير؛ لأن الوديعة ملك المودع، فلا يصح إقراره، فلا يجبر على الدفع.\nأما في الدين فافر بثبوت حق القبض له في ملك نفسه؛ لأن الديون تقضي بأمثالها لا بأعيانها، فصح الإقرار، فأجبر على الدفع.\nفإن حضر الطالب، وأنكر أن يكون وكل هذا كان للغريم أن يحلفه بالله ما قبض فلان بن فلان الفلاني هذا المال لهذا الغريم بأمرك ووكالتك إياه بذلك.\nلأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول، فإن حلف رجع على الغريم بالدين فيأخذه.\nوهل يرجع الغريم على الوكيل؟ فهذا على ثلاثة أوجه:\nأما أن يكون الدين الذي دفع إليه قائمًا عنده، أو مستهلكًا استهلكه القابض أو هلك.\nففي الوجه الأول: يرجع ويأخذ منه.\nوفي الوجه الثاني: يضمنه مثله.\nوفي الوجه الثالث: لا [يضمنه].","vol":"3","page":413},{"text":"وقد ذكرنا تمام هذه المسألة في شرح الجامع الصغير في كتاب القضاء.\nوأما إذا أقر بالدين وجحد الوكالة، فقال الوكيل: حلفه ما يعلم أن الطالب وكلني بقبض ذلك منه [فعند أبي حنيفة لا يحلف، وعند أبي يوسف ومحمد يحلف].\nوذكر في بعض النسخ: وقال الحسن بن زياد: قال أبو يوسف: ذكره حاليًا، وفي بعض النسخ: قال الحسن بن زياد: وقال أبو يوسف ذكره لا حاكيًا عند أبي حنيفة يستحلف، وعندها لا يستحلف.\nهما يقولان: الوكيل يدعى عليه معنى لو أقر به لزمه، فإذا نكل وجب أن يستحلف رجاء النكول.\nوأبو حنيفة ﵀ يقول: اليمين تترتب على صحة الدعوى،","vol":"3","page":414},{"text":"وصحة الدعوى تترتب على كونه وكيلًا، ولم يثبت كونه وكيلًا، فلا تصح الدعوى فلا تتوجه اليمين.\nوأما إذا أقر بالوكالة، [وأن الطالب وكله بكل حق له قبله وبخصومته] وجحد الدين فقال الوكيل: أنا أقيم البينة على هذا الحق، لم يقبل القاضي ذلك منه، ولا يكون وكيلًا بإثبات الحق إلا بينة تشهد له على الوكالة، أو يحضر الموكل فيوكله.\nلأن البينة إنما تسمع من الخصم، وكونه خصمًا لو ثبت إنما يثبت بإقرار المطلوب، وإقراره ليس بحجة في حق الطالب، فإن أقام البينة على الوكالة [ثبت كونه خصمًا، فقبلت بينته بعد ذلك، وإن كان مقرًا بالوكالة، لأن الوكالة] لم تثبت بإقراره، لأنه لم يصح إقراره، فجعل كالعدم.\nونظير هذا ما قالوا: لو أن رجلًا ادعى على ميت دينًا، فأحضر واراثًا من ورثته، فأقر هذا الوارث بدينه، فإنه يستوفي من نصيبه خاصة.\nفإن قال المدعي: أنا أقيم البينة على هذا الدين على هذا الوارث المقر","vol":"3","page":415},{"text":"لكي يثبت حقي فأستوفيه من التركة، إنه يقبل.\nوكذا لو وكله بقبض عين له في يد إنسان، فأقر الذي في يديه، ثم أقام المدعى البينة على هذا المقر بالتوكيل جاز؛ لما قلنا.\n\n[٩٤٣] قال:\nوإن وكل رجلًا بطلب حقوقه، وقبضها، والخصومة فيها على أن لا يجوز إقراره عليه ولا صلحه، ولا تعديل شاهد يشهد عليه بشيء يبطل به حقًا، فالوكالة على [هذا] الشرط جائزة.\nلأن الوكيل قائم مقام الموكل، فإن أقام مطلقًا جاز، وإن قيد جاز.\n\n[٩٤٤] قال:\nفإن أقر هذا الوكيل أن الطالب قبض هذا الحق من الغريم لم يجز ذلك على الموكل.\nلأنه لما استثنى الإقرار عن الوكالة لم يكن وكيلًا في الإقرار، فلم يصح، لكن يصير به خارجًا عن الوكالة.\nلأن الإقرار من هذا الوكيل في مجلس القاضي بمنزلة إقرار الوكيل المطلق في غير مجلس القاضي عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ﵏. ونمة لما لم يصح خرج من أن يكون وكيلًا كما مر فكذلك ههنا.","vol":"3","page":416},{"text":"[٩٤٥] قال:\nوإن قال الوكيل: قد قبضت أنا هذا الحق من الغريم فضاع مني، أو قال: دفعته إلى الطالب، صح إقراره وبرئ الغريم.\nفرق بين هذا وبين ما إذا أقر أن الطالب قبض هذا الحق من الغريم فإنه لا يصح.\nوالفرق: أن الموكل استثنى من التوكيل الإقرار بما يبطل حقه في الاستيفاء، أما الإقرار بأني قبضت فليس بإقرار يبطل به حقه في الاستيفاء، بل يتقرر فصح فبعد ذلك إذا قال: دفعته إلى الطالب، أو يقول: ضاع مني، وهو أمين في ذلك فيصدق إذا حلف ويبرأ.\n\n[٩٤٦] قال:\nوإذا وكل الرجل رجلًا بقبض حقوقه، وبطلبها، والخصومة فيها، فليس للوكيل أن يوكل بذلك غيره.\nلأن الخصومة أمر يحتاج فيها إلى الرأي، والناس يتفاوتون في هذا، والموكل رضي برأيه، لا برأي غيره، فلا يكون له أن يوكل غيره بذلك.\n\n[٩٤٧] قال:\nفإن كان صاحب الحق أجاز أمره في ذلك، وما صنع فيه؛ بأن قال: ما صنعت فيه من شيء فهو جائز، فله أن يوكل بذلك.","vol":"3","page":417},{"text":"لأنه فوض إليه الأمر فيما يراه عامًا، والتوكيل من جملة ما رآه، فيصح، وليس للوكيل الثاني أن يوكل غيره؛ لأن الوكيل الثاني ما فوض إليه الأمر عامًا، وإنما فوض إليه الخصومة.\n\n[٩٤٨] قال:\nوإن مات صاحب الحق بطلت وكالتهما جميعًا.\nلأن كل واحد منهما نائب عن الموكل الأول، فموته يبطل وكالتهما [جميعًا].\nلأن التركة انتقلت إلى الورثة.\n\n[٩٤٩] قال:\nولو لم يمت صاحب الحق، لكن مات الوكيل الأول، فالثاني على وكالته على حاله.\nلأنه نائب عن الموكل، وليس بنائب عن الوكيل الأول، لكن ملك الوكيل الأول عزل الثاني، لأنه [في العزل] نائب عن صاحب الحق؛ لأن صاحب الحق فوض الأمر إلى رأيه عامًا.","vol":"3","page":418},{"text":"إلى هذا أشار صاحب الكتاب فقال:\nلأن الطالب سلطه على ذلك، فصار كأن صاحب الحق وكل رجلين ومات أحدهما.\n\n[٩٥٠] قال:\nوإذا ثبت الحق على المطلوب فقال للقاضي: حلف الوكيل بالله ما يعلم أن الطالب قد قبضه مني، فلا يمين عليه، وأن ادعى معنى لو أقر به لزمه.\nلأن اليمين تترتب على صحة الدعوى، وصحة الدعوى تترتب على كونه خصمًا، والمدعى به قبض الموكل، فالوكيل لا يكون فيه خصمًا.\n\n[٩٥١] قال:\nفإن قال المطلوب: أريد يمين الطالب، قيل له: ادفع الحق إلى الوكيل واتبع الطالب واستحلفه، وكذا الوكيل بأخذ الشفعة إذا أثبت الشفعة، فإذا ادعى المشتري أن الموكل سلم الشفعة، قيل له: لا يمين لك على الوكيل، سلم الدار إلى الوكيل، ثم اتبع الموكل وحلفه.\nفرق بين هاتين المسألتين وبين المشتري إذا وكل وكيلًا برد المشتري بالعيب وغاب فادعى البائع أن المشتري رضى بالعيب، فإن الوكيل لا يملك الرد، بل يتوقف إلى أن يحضر المشتري.\nوالفرق قد ذكرناه في الجامع الصغير في كتاب البيوع.","vol":"3","page":419},{"text":"[٩٥٢] قال:\nوإذا وكل رجلين بطلب حقوقه، والخصومة فيها، فإن حضر أحدهما ومعه خصم يطالبه، فهو وكيل في خصومته في إثبات الحق له، إلا أنه ليس لأحدهما أن يقبض الحق دون صاحبه.\nوهذا الذي ذكرنا استحسان أخذ به علماؤنا الثلاثة.\nوالقياس: أنه لا ينفرد أحدهما بالخصومة وإثبات الحق، وبه أخذ زفر، وهو يقول: بأن الخصومة إنما يحتاج فيها إلى الرأي، والموكل رضى برأيهما، لا برأي أحدهما، فلا ينفرد [أحدهما] كما لا ينفرد بالقبض.\nوأنا نقول بأنهما إذا حضرا لا يمكنهما [أن يتكلما] معًا، فإذا وكلهما مع علمه أنه لا يمكنهما أن يتكلما مما كان رضى [منه] بتفرد أحدهما، بخلاف القبض؛ لأنه يمكن اجتماعهما على القبض، والقبض يحتاج فيه إلى الأمانة، فيكون رضى بأمانتهما لا بأمانة أحدهما.\n\n[٩٥٣] قال:\nولو أن رجلًا وكل رجلًا فقال: فلان وكيلي في كل شيء، فهذا","vol":"3","page":420},{"text":"وكيل في الحفظ لا غير، استحسانًا. والقياس أنه لا يصير وكيلًا.\nوجه القياس: أن هذا توكيل بما هو مجهول، فلا يصح أصلًا.\nوجه الاستحسان: أن الوكالة مما تبنى على الحفظ، قال الله تعالى: ﴿وهو على كل شيء وكيل﴾.\nمعناه حفيظ.\nفوجب أن ينصرف التوكيل إليه.\nولأن التوكيل استعانة، والمرء إنما يستعين فيما هو منفعة له، فهذا هو الظاهر، والحفظ محض منفعة له، فهذا القدر متيقن، وما وراءه مشكوك، فثبت القدر المتيقن، فيصير وكيلًا بالحفظ.\n\n[٩٥٤] قال:\nوإن قال: فلان وكيلي في كل شيء جاز أمره، فهذا وكيل في الحفظ، والبيع، والشراء، والهبة، والصدقة، وتقاضى ديونه، وحقوقه، وغير ذلك.\nلأنه فوض إليه التصرفات عامًا، فصار بمنزلة ما لو قال له: ما صنعت من شي فهو جائز، فيملك جميع أنواع التصرفات. وبهذا يخدع الموكل فيقول له الوكيل: اجعلني وكيلًا في مالك جائز ما صنعت، فإذا فعل الموكل ذلك صار وكيلًا في كل شيء، [حتى] لو","vol":"3","page":421},{"text":"وهب، أو تصدق جاز، وإذا انفق على نفسه جاز؛ لأنه أجاز صنيعه، [وكل ذلك من صنيعه].\n\n[٩٥٥] قال:\nولو أن رجلًا ادعى أن فلانًا وكله وفلانًا الغائب بطلب كل حق له قبل فلان، رجل بعينه، والخصومة في ذلك وقبضه، وأقام على ذلك بينة، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويقضي بوكالته ووكالة الغائب، ويخاصم هذا الحاضر ويثبت الحقوق، فإذا أثبت لم يقبض حتى يحضر الغائب، فإذا قدم الوكيل الغائب، وادعى الوكالة، انفذها القاضي بتلك البينة، ولم يكلف إعادة البينة.\nأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله سويًا بين الوكالة والوصاية، فإنه لو حضر وادعى أنه وصي فلان بن فلان الميت، وفلان بن فلان الغائب وصي معه … إلى آخر المسألة، فإن القاضي يقبل البينة، ويقضي بوصايته وبوصاية الغائب، حتى لو حضر الغائب لم يحتج إلى إعادة البينة.\nوأبو يوسف ﵀ فرق.\nوالفرق له أن أحد الوصيين عنده ينفرد بالتصرف فلم يكن حق الحاضر متصلًا بحق الغائب، فلا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب في","vol":"3","page":422},{"text":"إثبات الوصاية للغائب، فأما أحد الوكيلين فلا ينفرد بالقبض والتصرف، فصار حقه متصلًا بحق الغائب فينتصب هو خصمًا عن الغائب في حق إثبات الوكالة للغائب، وإذا ثبت ثبتت الوكالة لهما، فأحد الوكيلين ينفرد بالخصومة، ولا ينفرد بالقبض، وإن قدم الغائب وجحد الوكالة ولم يدعها لم يكن للحاضر أن يقبض شيئًا من الغريم بهذه الوكالة.\nلما قلنا أن أحد الوكيلين لا ينفرد بالقبض.\n\n[٩٥٦] قال:\nولو أن الحاضر أقام البينة أن فلانًا وكله، ووكل فلانًا الغائب بمطالبة فلان بحقوقه قبله، وبخصومته، على أن يقوم كل واحد منهما بانفراده جائز أمره، فإن القاضي ينفذ شهادتهم، ويقضى له بالوكالة، ولا يقضى بالوكالة للغائب، حتى لو قدم الغائب، وادعى الوكالة يحتاج إلى إعادة البينة.\nلأنه لما قال: على أن يقوم كل واحد [منهما] بانفراده جائز أمره، فقد جعل كل واحد منهما وكيلًا على الانفراد، فلم يكن حق الحاضر في هذه المسألة متصلًا بحق الغائب، فلا ينتصب خصمًا عن الغائب فلهذا يقضى بوكالته لا غير.\nفإذا قضى، ملك [هو]. القبض.","vol":"3","page":423},{"text":"فإن حضر الغائب وادعى الوكالة احتاج إلى إعادة البينة، وإن جحد بقى الحاضر وكيلًا على الانفراد، فيملك القبض، بخلاف المسألة الأولى.\nلما قلنا.\n\n[٩٥٧] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي وقال: أن لفلان على هذا ألف درهم، وقد وكلني فلان بطلب كل حق له وقبضه، والخصومة فيه، وأحضر شهودًا فشهدوا له بالوكالة وعلى المال في ذلك المجلس، فإن على قول أبي حنيفة ﵀ لا يقبل القاضي الشهادة على المال، بل يقبل على الوكالة، ويقضي بالوكالة، ثم يأمره بإقامة البينة على المال.\nوقال أبو يوسف ﵀: يقبل البينة على الأمرين جميعًا، فإذا عدلت البينة يقضى بالوكالة أولًا ثم المال.\nوعلى هذا الخلاف الوصاية والوراثة أيضًا:\nأما صورة الوصاية: فإذا ادعى على آخر عند القاضي أنه وصى فلان بن فلان الميت، وإن للميت قبل هذا الرجل ألف درهم، وأقام البينة على الوصاية والمال في ذلك المجلس.\nوصورة الوراثة: إذا ادعى على رجل أن أباه مات، ولا وارث له","vol":"3","page":424},{"text":"غيره، وإن له على هذا الرجل الذي حضر ألف درهم، وأقام البينة يشهدون له على النسب، وعلى وفاة أبيه، وأنه وارثه، لا يعلمون له وارثًا غيره، وعلى أن للميت على هذا الرجل كذا من المال.\nوكذلك لو ادعى الوارث لأبيه دارًا في يدي رجل، أو ضيعة أو غير ذلك، وأحضر على ذلك شهودًا، فشهدوا على ما قلنا.\nأبو يوسف ﵀ يقول: البينة لا توجب الحق بنفسها، وإنما توجب بقضاء القاضي، فكان الموجب هو القضاء، وإنما يعتبر هذا الترتيب في حق القضاء، لا جرم [أن] القاضي عندي يقضى بالوكالة أولًا، ثم بالمال، لكن يقبل البينة على الأمرين في الابتداء.\nوأبو حنيفة ﵀ يقول: بلى لكن البينة وإن كانت لا توجب الحق بنفسها، فإنها [لا] تسمع من [غير] الخصم، وإنما يصير المدعى خصمًا في دعوى المال، إذا كان وكيلًا، ووصيًا، ووارثًا، فما لم تثبت الوكالة والوصاية والوراثة لا يكون خصمًا فصار هو كالأجنبي، والبينة أن كانت لا توجب الحق بنفسها [لا تسمع] من الأجنبي كذا ههنا.\n[والله تعالى أعلم]","vol":"3","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-293>الباب التاسع والستون في الشهادة على الوكالة</span>\n[٩٥٨] [قال]:\nوإذا شهد للوكيل على الوكالة ابنا الوكيل فلا تجوز شهادتهما.\nلأن الشهادة على الوكالة إنما يحتاج إليها إذا كان الأب [مدعيًا]، فكان في الشهادة إثبات صدق الأب، وفيها إثبات حق القبض، والخصومة له، وفيه منفعة للأب فلا تقبل.\n\n[٩٥٩] قال:\nوكذلك شهادة أبوي الوكيل، وشهادة ولد ولده وإن سلفوا، وشهادة أجداده وإن علوا لا تجوز.\nلما قلنا.\n\n[٩٦٠] قال:\nوكذلك شهادة أبوي الطالب وابنيه وولده وأجداده.\nلأن الموكل إذا كان مدعيًا فإن في قبول الشهادة إثبات","vol":"3","page":426},{"text":"صدق الأب، وإقامة الوكيل مقام الأب بحقوق الأب وباستيفائه، وفي ذلك منفعة للأب فلا تقبل.\n\n[٩٦١] قال:\nوكذلك امرأة الوكيل، وامرأة الطالب، وكذلك شهادة مولى العبد، ومولى المكاتب للعبد والمكاتب، إذا كان العبد أو المكاتب هو الوكيل.\nلأن شهادة المولى لعبده لا تقبل، وأم الولد والمدبر هما بمنزلة العبد والمكاتب.\nلأنهما أمتان.\n\n[٩٦٢] [قال]:\nوإذا شهد للوكيل شاهد: أن الطالب وكله بقبض دينه من هذا الرجل، وشهد الآخر: أنه جراه في ذلك، جازت الشهادة.\nلأن الجراية والوكالة سواء، والجري والوكيل سواء، فقد اتفق الشاهدان في المعنى، واختلفا في اللفظ، وأنه لا يمنع قبول الشهادة، كما لو شهد أحد الشاهدين على الهبة والآخر على العمري، أو أحدهما","vol":"3","page":427},{"text":"بالعربية والآخر بالفارسية.\n\n[٩٦٣] قال:\nوكذلك إن شهد أحدهما: نه وكله بقبضه، وشهد الآخر: أنه سلطه على قبضه، فالشهادة جائزة.\nلما قلنا.\n\n[٩٦٤] قال:\nوكذلك إن شهد أحدهما: أنه جعله وكيلًا في قبضه، وشهد الآخر: أنه جعله وصيًا في حياته في قبضه، فالشهادة جائزة.\nلأن الوكالة بعد موت الموكل تكون وصاية، والوصاية في حال حياة الموصي تكون وكالة، فقد اتفق الشاهدان على معنى الوكالة، واختلفا في اللفظ.\n\n[٩٦٥] قال:\nوإن شهد أحدهما: أنه جعله وصيًا في قبضه، ولم يقل في حياته لا تجوز الشهادة.\nلأن الوصاية أوان وجوبها بعد الموت، فإذا أطلق ينصرف إلى ما بعد الموت، والوكالة تكون ثابتة للحال، والوصاية تخالف الوكالة حكمًا، فقد اختلفا لفظًا ومعنى.\n\n[٩٦٦] قال:\nفإن شهد أحدهما: أنه وكله بطلب دينه قبل فلان، وشهد الآخر:","vol":"3","page":428},{"text":"إنه وكله بتقاضيه، فالشهادة جائزة.\nلأنهما اتفقا معنى واختلفا لفظًا فتقبل.\nويملك هذا الوكيل قبض الدين.\nلأن الوكيل بالطلب، والوكيل بالتقاضي يملك قبض الدين.\nومشايخنا استحسنوا أنه لا يملك.\nوقد مر هذا في شرح الجامع الصغير في كتاب الوكالة.\n\n[٩٦٧] قال:\nوكذلك إن شهد أحدهما: أنه وكله بقبضه، وشهد الآخر: أنه وكله بتقاضيه، أو بطلبه منه، فالشهادة جائزة.\nلأن التقاضي والقبض سواء في اللغة، والوكيل بالطلب يملك القبض، فكان هذا كله توكيلًا بالقبض، فقد اتفقوا معنى، واختلفوا في اللفظ.\nوعلى ما استحسن مشايخنا [يجب] أن لا تقبل.\nفبعد ذلك المسألة على وجهين:\nأما إن أقر المطلوب بالدين.\nأو جحد.\nففي الوجه الأول كان للوكيل قبضه.\nوفي الوجه الثاني عند أبي حنيفة ﵀ يملك الإثبات.\nوعندهما لا [يملك الإثبات] بناء على أن الوكيل يقبض الدين أو التقاضي هل يملك الخصومة؟","vol":"3","page":429},{"text":"عنده: يملك.\nوعندهما: لا [يملك].\n\n[٩٦٨] قال:\nوإن شهد أحدهما: أنه وكله بقبضه، وشهد الآخر: أنه أمره يأخذه، أو أرسله في أخذه، فالمسألة على وجهين:\nأما إن أقر الغريم بالدين.\nأو جحد.\nففي الوجه الأول: كان للوكيل قبض ذلك منه.\nلأن الشاهدين اتفقا على ثبوت حق القبض للمشهود له؛ لأن حق القبض كما ثبت للوكيل ثبت للرسول.\nوفي الوجه الثاني: لم يكن للوكيل إقامة البينة بالدين في قولهم جميعًا.\nأبو حنيفة ﵀ فرق بين هذا وبين ما تقدم.\nوالفرق له: أن الشاهدين هنا ما اتفقا على ثبت حق الخصومة له، لأن الذي شهد أنه وكله بقبضه قد أثبت له حق الخصومة، والذي شهد أنه أمره، أو أرسله لم يثبت، لأن المأمور والرسول بالقبض لا يكون","vol":"3","page":430},{"text":"له حق الخصومة، فما اتفقا على ثبوت حق الخصومة له.\nأما فيما تقدم فقد اتفقا على أنه وكيل، لكن اختلفا في اللفظ، فكانا متفقين على ثبوت حق القبض.\n\n[٩٦٩] قال:\nوإن شهد أحدهما: أنه وكله بالخصومة في هذه الدار إلى قاضي الكوفة، وشهد الآخر: أنه وكله بالخصومة فيها إلى قاضي البصرة، فالشهادة جائزة، وهو وكيل بالخصومة.\nلأن الوكيل بالخصومة إلى قاضي الكوفة يكون وكيلًا بالخصومة إلى قاضي البصرة، والوكيل بالخصومة إلى قاضي البصرة يكون وكيلًا بالخصومة إلى قاضي الكوفة.\nلأن المطلوب نفس القضاء، ولقضية القضاة لا تختلف، والتقييد إنما يراعى إذا كان مفيدًا، فإذا لم يكن مفيدًا لغا فصار كأنه لم يوجد التقييد أصلًا.\nفرق بين هذا وبين ما إذا شهد أحدهما: أنه وكله بالخصومة إلى فلان الفقيه، وشهد الآخر: أنه وكله [بالخصومة] إلى فلان الفقيه رجل آخر، فإنه لا يجوز.\nوالفرق: أن حكم الحاكم توسط، والمتوسطون مختلفون في","vol":"3","page":431},{"text":"ذلك، لاختلاف الذكاء والذهن، فالرضى يكون أحدهما حكمًا لكون الحاكم عالمًا بحقيقة الحال، لا يكون رضى بالآخر، فكان التقييد مفيدًا، فصح.\nفإذا صح، فقد تفرد كل واحد من الشاهدين بما شهد به، والقضاء لا يقع بشهادة الواحد، فأما القاضي فإنما يقضى بحكم الشرع، وحكم الشرع أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهذا لا يختلف، فلا يفيد التقييد، فلم يصح.\nوالله تعالى أعلم","vol":"3","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-294>الباب السبعون في ما لا تجوز فيه الوكالة</span>\n[٩٧٠] [قال]:\nولا تجوز الوكالة في حد.\nوالحد على نوعين:\nأما أن يكون حدًا لا تشترط فيه الدعوى من العبد، كحد الزنى.\nأو يكون حدًا تشترط فيه دعوى العبد، كحد السرقة، وحد القذف، وكذا القصاص.\nوالتوكيل على نوعين:\nوكيل بالاستيفاء.\nووكيل بالإثبات.\nوكلا النوعين لا يصح في الضرب الأول.\nوالنوع الأول لا يصح في الضرب الثاني حال غيبة الموكل، فإن حضرة الموكل شرط استيفاء هذه الحدود والقصاص، وتصح حال","vol":"3","page":433},{"text":"حضرة الموكل، فإن وكل إنسانًا باستيفاء القصاص وهو حاضر صح.\nوأما النوع الثاني، في الضرب الثاني فيصح عند أبي حنيفة ﵀، ثم إذا جاء أوان الاستيفاء لا يستوفى إلا بحضرة الموكل.\nوعند أبي يوسف ﵀ لا يصح النوع الثاني من الضرب الثاني.\nوقول محمد مضطرب.\nوالأظهر أنه مع أبي حنيفة.\nوقيل: هذا الاختلاف عند غيبة الموكل، أما عند حضرته فجائز بالإجماع كالنوع الأول.\nوهذا لأن كل كلام يوجد من الوكيل عند حضرة الموكل ينتقل إليه إذا لم يكن فيه عهدة على الوكيل.\nوحق المسألة كتاب الوكالة.\nوقد ذكرناها في شرح الجامع الصغير\n\n[٩٧١] قال:\nوكذلك الرجل يشتري العبد، فيجد به عيبًا، فيوكل وكيلًا في رده، فإن وكيله لا يقدر على رده حتى يحضر [الموكل] فيحلف بالله ما رضي بهذا العيب، ولا أبرأه منه، ولا عرضه على بيع منذ علم","vol":"3","page":434},{"text":"بالعيب.\nوهذا إنما يستقيم على قول صاحب الكتاب، وهو المروي عن أبي يوسف ﵀: أن الموكل لو كان حاضرًا يستحلف بغير دعوى البائع: بالله ما رضيت بهذا العيب، ولا أبرأته، ولا عرضته على بيع منذ علمت بالعيب، فإذا كان يستحلف الموكل من غير دعوى البائع لا تصح خصومة الوكيل حال غيبة الموكل.\nأما في ظاهر الرواية، [فلأنه] لما كان لا يستحلف الموكل حال حضرته من غير دعوى البائع يصح التوكيل، وتسمع خصومة الوكيل، فإذا ادعى البائع الرضى والإبراء توقف حتى يحضر الموكل.\nوهكذا ذكر في الدعوى في شرح الجامع الصغير.\n\n[٩٧١] قال:\nوكذلك الرجل يوكل في طلب سرقة سرقت منه، فإن كان إنما يطلب المال فالوكالة جائزة.\nلأن التوكيل بإثبات المال واستيفاء المال صحيح.\nوأما إذا كان بطلب القطع فالوكالة غير جائزة.\nلأن التوكيل باستيفاء القطع حال غيبة الموكل لا يجوز.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>الباب الحادي والسبعون في الرجل يريد سفرًا وهو مطلوب فيوكل</span>\n[٩٧٢] قال:\nولو أن رجلًا أراد سفرًا، فطالبه رجل بحق يدعيه قبله، فقال المطلوب: أني أوكل وكيلًا بخصومته، جائز على ما قضى به عليه، وأعطى كفيلًا بما قضى به عليه لهذا الطالب، فإن القاضي يقبل ذلك منه، وإن أبى ذلك الطالب أجبره القاضي على قبوله ذلك.\nلأن مقصود الطالب الوصول إلى حقه، وحقه إما في جواب الخصومة، أو في المال. والأول حصل بالتوكيل، والثاني حصل بإعطاء الكفيل.","vol":"3","page":436},{"text":"فبعد ذلك إذا أبى صار متعنتًا، والمتعنت لا يقبل قوله.\n\n[٩٧٣] قال:\nوكذلك إن كان الكفيل غير الوكيل يجوز.\nلأن المعنى يجمعهما، وهو حصول مقصود الطالب.\nأبو حنيفة ﵀ فرق بين هذا وبين ما إذا كان مقيمًا لا يريد السفر، فوكل إنسانًا بالخصومة لا يجبر صاحبه على القبول.\nوالفرق: أنه إذا كان مقيمًا، فالحضور للجواب مستحق عليه، فلا يملك التفويض إلى غيره، إلا برضى من له الحق في الجواب، وأما إذا أراد السفر فالحضور للجواب غير مستحق عليه، فيملك التفويض إلى غيره.\n\n[٩٧٤] قال:\nفإن وكل المطلوب وكيلًا في خصومته بحضرة القاضي، أو بغير حضرة القاضي بشهود، وذلك بمحضر من الطالب، ثم أخرجه من الوكالة بغير محضر من الطالب، فأخرجه إياه باطل.","vol":"3","page":437},{"text":"لأنه يتضمن إلحاق الضرر بالغائب، فلا يملك ذلك.\nوهذا إذا كان التوكيل بسؤال الطالب.\nأما إذا كان بغير سؤاله فجاز إخراجه من غير علم الطالب، إلا أن في الكتاب لم يذكر التوكيل بسؤال الطالب. [وكذا] في المبسوط لم يذكر، لكن هذه الزيادة شرط.\nوإن أخرجه من الوكالة بمحضر من الطالب فإخراجه إياه جائز.\nلأن للطالب أن يطالبه بأن يوكل إنسانًا آخر، أو يخاصم نفسه، ولا يمكنه من السفر حتى يفعل ذلك.\nفإذا جاز ذلك فبعد ذلك ينظر: إن كان هو كفيلًا بما يقضى به، فالكفالة لازمة، لا يملك الكفيل الرجوع، ولا المكفول عنه أنه يخرجه عن ذلك.\nفإن كان غيره كفيلًا بما يقضي به، فالكفالة أيضًا لازمة.\nلأن الكفالة حق الطالب، فلا يملك الكفيل ولا المكفول عنه إبطال حقه إلا برضاه.","vol":"3","page":438},{"text":"[٩٧٥] قال:\nفإن جاء المطلوب إلى القاضي وليس الطالب بحاضر، وقال: قد كنت وكلت هذا بين يديك بخصومة فلان، فيما يدعي، وهذا الوكيل يريد السفر، أو قال: أنا أتهمه أن يقر عليّ بشيء يلزمني، فقد أخرجته من الوكالة، ووكلت هذا الآخر لرجل أحضره للقاضي، وقبل الوكيل الوكالة، فإنه ينبغي للقاضي أن يأمره بإحضار الطالب حتى يوكل هذا بحضرته.\nلأن الطالب يتهم القاضي أن لو فعل ذلك، وللقاضي أن يتحرز عما يكون فيه تهمة، فإن طلبه فلم يقدر عليه، أثبت القاضي وكالة الثاني، وأخذ من الوكيل الثاني كفيلًا.\nفإذا فعل ذلك فالأول خارج عن الوكالة، والثاني خصم للطالب.\nلأن تصرف المتصرف إنما يمتنع عليه إذا كان فيه إلحاق الضرر بالغير، وليس فيه إلحاق الضرر بالغائب؛ لأنه يصل إليه حقه في الموضعين","vol":"3","page":439},{"text":"جميعًا. لكن القاضي يأخذ من الوكيل الثاني كفيلًا.\nلأن الطالب في الابتداء كان لا يرضى إلا بوكيل ثقة له عيال وثقل، والثاني لا يؤمن عليه، فيحتاط القاضي بأخذ الكفيل.\nفإذا فعل تم مقصود الطالب، فخرج الأول عن الوكالة، وصار الثاني خصمًا للطالب.\n\n[٩٧٦] قال:\nوكذلك لو جاء إلى الشهود فقال: قد كنت أشهدتكم على وكالتي لهذا في خصومة فلان، فيما يدعي قبلي، وقبل الوكيل هذه الوكالة، وقد أخرجته عن وكالتي هذه، ووكلت فلانًا هذا في خصومة فلان في ما يدعي قبلي، وقبل الوكيل الوكالة هذه بمحضر من الشهود فهو جائز.\nلأن الشهود في هذا الباب بمنزلة القاضي؛ لأن التوكيل الأول لما كان عند الشهود فقد ثبت عليهم للطالب حق، وهو أن لا يمتنعوا عن أداء الشهادة إذا طلب الخصم منهم الشهادة.","vol":"3","page":440},{"text":"وإنما يصح هذا القول بمحضر من الطالب أو الشهود أو القاضي.\n\n[٩٧٧] قال:\nفإن أحضر الوكيل الثاني القاضي، وأحضر الطالب والوكيل الأول، فأقام هؤلاء الشهود، فشهدوا على وكالته إياه، وعلى إخراجه الأول، فهو وكيل في خصومة الطالب، يقوم مقام الأول.\nلأنه أثبت العزل للأول عند القاضي.\n\n[٩٧٨] قال:\nفإن لم يحضر الوكيل الثاني، ولم يحضر شهوده، فالأول وكيل على حاله.\nلأنه لم يثبت الثاني عزل الأول عند القاضي.\n\n[٩٧٩] قال:\nفإن كان الخصم أثبت حقه على الوكيل الأول ببينة أقامها عند القاضي، ثم أخرجه الموكل من الوكالة، ووكل غيره [بذلك] فهو جائز، والقاضي يقضي على الوكيل الثاني.\nلأن الوكيل نائب عن الموكل، والموكل نفسه لو حضر بعد أن أثبت الخصم حقه على الوكيل، وعزل الوكيل، وقال: أنا أحضر بنفسي","vol":"3","page":441},{"text":"كان له ذلك، والقاضي يقضي عليه بتلك البينة على الموكل، ولا يشترط إعادة البينة، فكذا الوكيل الثاني.\n\n[٩٨٠] قال:\nوكذلك لو أن القاضي سمع من بينة الطالب على الوكيل، ثم مات الوكيل، وحضر الموكل، فإن القاضي يحكم عليه بتلك البينة.\nلأن السماع على نائب الموكل كالسماع على الموكل.\n\n[٩٨١] قال:\nولو وكل المطلوب وكيلًا في خصومة فلان هذا فيما يدعيه قبله من حقوق، وأجاز له أن يوكل بمثل ما وكله من ذلك من رأي كان جائزًا.\nلأنه فوض الأمر إلى رأيه على العموم، وتوكيل الثاني من رأيه، فيجوز.\nفإن وكل الأول وكيلًا، فأثبت الطالب حقه عليه، أو لم يثبت حتى أخرج الوكيل الأول [الوكيل] الثاني من الوكالة، فإنه يجوز، سواء كان بمحضر من الطالب، أو لم يكن.\nلأن الوكيل الأول قائم على حاله يخاصم.\nإلى هذا أشار صاحب الكتاب حيث قال:\nلأن الوكيل الأول ينوب عن الثاني في الوكالة، فذلك جائز.","vol":"3","page":442},{"text":"[٩٨٢] قال:\nواو أن الوكيل وكل وكيلًا بخصومة هذا الطالب عن فلان بمحضر من الطالب، وقبل الثاني الوكالة من الوكيل الأول، ثم إن الوكيل الأول مات، فالوكيل الثاني وكيل على حاله في خصومة الطالب.\nلأنه وكيل الأول، لا أنه وكيل الوكيل.\nإليه أشار صاحب الكتاب حيث قال:\nلأن المطلوب كأنه هو الذي وكله.\n\n[٩٨٣] [قال]:\nوكذلك لو أن المطلوب أخرج الوكيل [الأول] كان خارجًا منها، وكان الوكيل الثاني وكيلًا على حاله، في خصومة الطالب.\nلما قلنا.\n\n[٩٨٤] قال:\nولو أن القاضي حيث أمر المطلوب أن يوكل وكيلًا بخصومة الطالب، فخرج من عند القاضي، وأشهد بمحضر من الطالب أنه وكل فلان ابن فلان بخصومة فلان هذا فيما يدعي قبله من حق، وليس الوكيل","vol":"3","page":443},{"text":"بحاضر كذلك فإن للطالب أن لا يقبل هذا.\nلأنه يقول: لا آمن من أن لا يقبل الوكيل هذه الوكالة، وتكون أنت قد غبت، فله أن لا يقبل.\nفإن قبل مع هذا فلما افترقا أشهد الموكل شهودًا أنه أخرج الوكيل من الوكالة، فإخراجه إياه جائز.\nلأن الوكالة إنما تتم بقبول الوكيل، ولم يوجد القبول، فلم تكن هذه الوكالة تامة، فيملك إخراجه بدون علم الوكيل، وهذه حيلة يحتال بها.\n\n[٩٨٥] قال:\nولو أن المطلوب وكل رجلًا حاضرًا في خصومته، وقبل الوكيل الوكالة بمحضر من الطالب، ثم إن الوكيل أقر هذا الحق على المطلوب، فهذا على وجهين: إما أن أقر عند القاضي، أو أقر عند غير القاضي.\nوفي الوجهين خلاف.\nوقد ذكرنا المسألتين، وإنما أوردهما هنا ليفرع عليهما من المسائل.\n\n[٩٨٦] قال:\nولو أن المطلوب وكل وكيلًا في خصومة هذا الطالب وليس الوكيل بحاضر، وأشهد على خصومته، ورضي به الطالب،","vol":"3","page":444},{"text":"وقبل الوكيل الوكالة حين بلغه، صار وكيلًا مطلقًا، فإن أراد الموكل أن يستثنى إقرار هذا الوكيل عليه وأشهد شهودًا أنه قد أخرج الإقرار عنه فهذا على وجهين.\nأما إن كان بمحضر من الطالب.\nأو بغير محضر.\nففي الوجه الأول يجوز.\nلأن في الوجه الأول يملك إخراجه من أصل الوكالة فلأن يملك تغييره كان أولى.\nوأما في الوجه الثاني [فقد] اختلفوا فيه.\nقال محمد ﵀: يصح.\nوقال أبو يوسف ﵀: لا يصح.\nمحمد ﵀ يقول: هذه الزيادة ليست بحق للطالب، ألا ترى أن في الابتداء لا يملك أن يطالبه بالتوكيل المطلق، فكان للمطلوب أن يوكل، ويستثني الإقرار، فكذا في الانتهاء.\nوأبو يوسف ﵀ يقول: إنه قيد ما أطلق، وتقييد المطلق إبطال من وجه، ولو أراد إبطال أصل الوكالة لا يملك، فكذا لو أراد","vol":"3","page":445},{"text":"إبطال بعض الوكالة.\nأما قوله: هذه الزيادة ليست بحق للطالب [قلنا]: نعم في الابتداء، لكن إذا وكله مطلقًا صارت الزيادة مع الأصل حقًا له، فلا يملك الإبطال بغير محضر منه.\nوكذلك على هذا إذا وكل المطلوب وكيلًا في خصومته على أن للوكيل أن يوكل في خصومة الطالب من رأى، فأراد بعد ذلك أن يحجز على الوكيل في حق تلك الزيادة حتى لا يملك الوكيل الأول التوكيل، ففي الوجه الأول يصح، وفي الوجه الثاني عند محمد يصح، وعند أبي يوسف لا يصح.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>الباب الثاني والسبعون في إثبات النسب</span>\n[٩٨٧] بنى الباب على أصلين:\nأحدهما: أن من ادعى على إنسان شيئًا، إن كان المدعى عليه [بحال] لو أقر يصح إقراره، [فإنه] ينتصب خصمًا في إقامة البينة بالإنكار.\nوإن كان [بحال] لو أقر لا يصح إقراره، فإنه لا ينتصب خصمًا في إقامة البينة بالإنكار.\nلأن البينة إنما تقبل على الخصم المنكر ومن يصح إقراره يصح إنكاره، فيكون خصمًا في إقامة البينة عليه. ومن لا يصح إقراره لا يصح إنكاره، فلا يكون خصمًا في إقامة البينة عليه، بخلاف الوصي، فإنه لا يصح إقراره، ويصح إنكاره.\nلأن الوصي ليس بمدعى عليه، وإنما المدعى عليه في الحقيقة هو الصبي، والوصي نائب عنه شرعًا في ما صار نائبًا.\nوالثاني: أن من ادعى مالًا على غائب، فأراد أن يقيم البينة على رجل حاضر، فإن الحاضر ينتصب خصمًا عنه، إذا كان ما ادعى على الحاضر حقًا لا يتوصل إليه إلا بإثبات ذلك على الغائب.\n\n[٩٨٨] إذا عرفنا هذا قال:\nوإذا ادعى رجل على رجل أنه أخوه لأبيه وأمه، فجحد ذلك عند","vol":"3","page":447},{"text":"القاضي، فقال المدعي: أنا أقيم البينة على ذلك، فإن القاضي يسأل المدعي: ألك قبله ميراث تدعيه من قبل أبيه أو من قبل أمه؟\nأو كان المدعي زمنًا يطالبه بالنفقة، أو ادعى قبله حقًا من الحقوق، ولا يقدر على أخذه إلا بإثبات النسب، فإن كان كذلك فإن القاضي يقبل بينته على إثبات النسب، وإلا فلا خصومة بينهما.\nلأنه إذا لم يكن يدعى ما لو أقر به لا يصح إقراره فلا ينتصب خصمًا في إقامة البينة بالإنكار، وهذا [لأنه] إذا لم يدع عليه مالًا لم عليه حقًا، لأن الأخوة إنما هي المجاورة بين الأخوين في الصلب، أو في الرحم، فلم يكن مدعيًا على الحاضر شيئًا.\nوإذا ادعى مالًا فقد ادعى على الحاضر حقًا لا يتوصل إليه إلا بعد إثبات النسب على الغائب، فينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب في إقامة البينة بالإنكار.\n\n[٩٨٩] قال:\nولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه أبوه، وأنكر الأب ذلك، وأقام البينة أنه أبوه، ثبت نسبه منه، وإن لم يدع قبله حقًا.","vol":"3","page":448},{"text":"وكذلك إن كان الأب هو المدعي لذلك فادعى أن هذا ابنه، وجحد ذلك الابن، فأقام هو البينة أنه ابنه، ثبت نسبه منه، وإن لم يدع عليه قبله حقًا.\nلأنه لو أقر به يصح إقراره فينتصب خصمًا في حق إقامة البينة عليه بالإنكار.\nوهذا لأن بدعوى الأبوة والنبوة يدعي عليه حقًا، فإن الابن يدعى عليه حق الانتساب إليه، والأب يدعى على الابن وجوب الانتساب إلى نفسه شرعًا.\nقال النبي ﷺ:\n\"من انتسب إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\".","vol":"3","page":449},{"text":"[٩٩٠] قال:\nوكذلك لو أن رجلًا ادعى أن هذه امرأته، وأنكرت المرأة، أو كانت المرأة هي المدعية، وأنكر الزوج، فأقام المدعي منهما البينة على دعواه، فقبل ذلك الحاكم منه، وحكم له، وإن لم يكن فيه دعوى مهر ولا نفقة.\nلأنه لو أقر به صح، فينتصب خصمًا في إقامة البينة بالإنكار.\nوهذا لأن نفس الزوجية حق، فيدعي عليه حقًا.\n\n[٩٩١] قال:\nوكذلك لو ادعت امرأة أن هذا الرجل ابنها، أو كان هو المدعي أنها أمه، وهي تجحد، فأقام المدعي منهما البينة على دعواه، فإن القاضي يقبل ذلك منه ويثبت نسبه منه.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب ههنا.\nوهكذا ذكر محمد ﵀ في الجامع.","vol":"3","page":451},{"text":"وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه لا يقبل [ذلك].\nوما ذكره أبو يوسف ﵀ قياس، وما ذكره محمد في الجامع استحسان.\nوجه القياس: أنها لو أقرت بذلك لم يصح إقرارها لأنها تحمل النسب على الغير، فلا ينتصب خصمًا في إقامة البينة بالإنكار.\nوجه الاستحسان: أن الأم أحد الأبوين، ثم الأب ينتصب خصمًا في إقامة البينة عليه على النسب في الإنكار، فكذا الأم.\nويجوز أن يثبت النسب من الأم، وإن كان لا يثبت من الأب، ألا نرى أن ولد الزنى ثابت النسب من الأم، وإن لم يكن ثابت النسب من الأب، إلا أنها لو أقرت بالنسب لا يثبت.\nلأن سبب ثبات النسب في جانبها الولادة، وأنه يحضرها غيرها عند الولادة، وهي القابلة، فشرط انضمام قول القابلة إلى قولها، فلا يصح إقرارها على الانفراد.\nفأما في الإنكار فلا يشترط انضمام قول الغير إلى قولها، لصحة","vol":"3","page":452},{"text":"الإنكار، فصح إنكارها، والبينة تسمع عن المنكر.\n\n[٩٩٢] قال:\nوكذلك لو أن رجلًا ادعى على رجل أنه مولاه، وأنه أعتقه، إن كان المعتق هو المدعي لذلك، والذي أعتق يجحد ذلك، وأقام على ذلك بينة، تقبل، وإن لم يدع قبله حقًا\nلأن الولاء لحمة كلمة النسب، وفي نفس النسب ينتصب خصمًا، فكذا في الولاء.\nوهكذا في ولاء المولاة.\nلأن ولاء الموالاة، وولاء العتاقة سواء، إلا أن ولاء العتاقة أقوى.\nفصار الحاصل أن إقرار الرجل يصح بأربعة نفر: بالأب، والابن، والزوجة، والمولى، فينتصب خصمًا في هذه المواضع.\nوإقرار المرأة يصح بثلاثة نفر: بالأب، والزوج، والمولى، فتنتصب خصمًا في هذه المواضع، ولا صح إقرارها بالولد، وهل تنتصب خصمًا في ذلك بالإنكار؟ فيه خلاف على ما مر.\n\n[٩٩٣] قال:\nوكذلك لو أن رجلًا في يديه صبي لقيط التقطه، فجاءت امرأة، فأقامت البينة أنها حرة الأصل، وأن هذا الصبي أخوها لأبيها وأمها، قبلت","vol":"3","page":453},{"text":"بينتها، وأثبت [القاضي] نسبها، ودفعه إليها.\nلأنها تدعي لنفسها حقًا، وهو حق الحضانة والتربية، ونقل الصبي إلى حجرها، وهذا حق وراء الأخوة، لكن لا تقدر على إثبات الحق إلا بإثبات الحق إلا بإثبات الأخوة، فتقبل البينة لهذا.\nوكذلك لو ادعى امتناع الرجوع في الهبة بسبب الأخوة، أو فساد النكاح بسبب الأخوة، وأقام البينة على الأخوة تقبل.\nلما قلنا.\n\n[٩٩٤] قال:\nولو أن رجلًا له على آخر ألف درهم دين، أو له في يده أيضًا ألف درهم غصب أو وديعة، فغاب صاحب المال، وجاء رجل فقدم الذي قبله المال إلى الماضي، فقال: أن صاحب هذا المال قد مات، وأنا ابنه، ووارثه، لا وارث له غيري. فإن صدقه الذي قبله المال فيما ادعى، أمره القاضي أن يدفع إليه المال.\nأما في الدين فلأنه [لو] زعم المدعي أنه وكيل فلان يقبض الدين، وصدقه، يؤمر بالدفع إليه، فكذا إذا زعم أنه وارثه.\nوأما في الغصب والوديعة ففرق بين هذا وبين ما إذا جاء وادعى أنه وكيل فلان يقبض الغصب والوديعة [وصدقه، فإنها لا يؤمر بالدفع إليه.","vol":"3","page":454},{"text":"وهنا إذا أقر بالموت، وكون المدعي وارثًا وبالغصب والوديعة] أمر بالدفع إليه.\nوالفرق أن هناك تصادقًا أن الملك للمودع، فكان هذا إقرارًا بثبوت حق القض في ملك الغير فلا يصبح. أما هنا فبالموت انتقلت التركة إلى الوارث، فلم يكن هذا إقرارًا بثبوت حق القبض في ملك الغير، فإذا دفع إليه أخذ القاضي منه كفيلًا في قول بعض أصحابنا.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب، وعنى به أبا يوسف ومحمد رحمهما الله.\nأما عند أبي حنيفة ﵀ فلا يأخذ.\nلأن أبا حنيفة قال ههنا في آخر الباب وفي الجامع الصغير: هذا شيء احتاط القضاة فيه، وهو ظلم.\n\n[٩٩٥] قال:\nفإن أنكر المدعى عليه جميع ما ادعى عليه، من وفاة أبيه، وأنه ابنه، وهو مقر بالملك، فأراد المدعي استحلافه، فإن الحسن بن زياد قال: استحلفه على علمه: بالله ما يعلم أن فلان بن فلان الفلاني توفي وأن","vol":"3","page":455},{"text":"هذا ابنه.\nقال صاحب الكتاب:\nوروي عن بعض أصحابنا أنهم قالوا: يحلف على علمه على مثل ما قال الحسن بن زياد، بعد أن كانوا يقولون: لا يحلف.\nفقد ذكر صاحب الكتاب رجوعًا عن بعض أصحابنا، إلى قول الحسن بن زياد، ولم يبين من ذلك من أصحابنا؟ وقد عرف في هذه المسألة قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أنه يستحلف، وقول أبي حنيفة ﵀ أنه لا يستحلف، فلم يعرف قول من قال: لا يستحلف ورجع إلى أنه يستحلف.\nفلا يعرف قول من يريد صاحب الكتاب.\nأبو يوسف ومحمد يقولان: المدعي ادعى عليه معنى من موت أبيه، وكونه ابنا له، لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يستحلف لكن على العلم.\nوأبو حنيفة ﵀ يقول: اليمين إنما تترتب على الدعوى، والدعوى إنما تسمع من الخصم، وما لم يثبت موت المورث لا يثبت كونه خصمًا، فلا تصح الدعوى، فلا تتوجه اليمين.\n\n[٩٩٦] قال:\nولو أقر الذي قبله المال بموت صاحب المال، وقال: أما هذا المدعي","vol":"3","page":456},{"text":"فلا أعرفه، فقال المدعي: حلفه على أنه ما يعلم أني فلان بن فلان، أستحلفه على ذلك.\nفرق أبو حنيفة بين هذا وبين الفصل الأول.\nوالفرق أن في الفصل الأول لما لم يثبت موت المورث لم ينتصب هو خصمًا، فلم تصح الدعوى، ولم تترتب عليه اليمين.\nوأما ههنا لما ثبتالموت بتصادقهما، ثبت كونه خصمًا، فتصح الدعوى، فترتبت عليه اليمين.\nفإن قيل: كيف يستحلف عند أبي حنيفة ﵀، وعنده [أن] الاستحلاف لا يجري في النسب؟\nقيل له: [لا نسلم أن الاستحلاف لا يجري في النسب على الإطلاق؛ لأن] الاستحلاف يجري في النسب عنده إذا كان في ضمنه دعوى المال، وإنما لا يستحلف إذا تجردت دعوى النسب.\n\n[٩٩٧] قال:\nفإن أقر أن هذا ابنه، وقال: لا أدري أن له وارثًا آخر أم لا، فإن القاضي يتلوم، وينتظر: فإن جاء وارث آخر وإلا دفع المال إليه، وإن قال: لا أعرف وارثًا آخر لا يتلوم، بل يدفع إليه المال.","vol":"3","page":457},{"text":"لأن الإقرار معتبر بالبينة.\nولو ادعى رجل أنه ابن الميت، وشهد الشهود أنه ابنه، ولم يقولوا: لا نعلم له وارثًا آخر، فإن القاضي يتلوم. ولو قالوا: لا نعرف له وارثًا آخر لا يتلوم، بل يدفع إليه المال، فكذا هذا في الإقرار.\nثم إذا دفع المال إلى المدعي، فرأة أن يأخذ منه كفيلًا، فعل.\nوهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله\nوعند أبي حنيفة ﵀ لا يأخذ.\n\n[٩٩٨] قال:\nوإذا أراد الرجل أ، يثبت نسبه من أبيه، وأبوه ميت، فإن القاضي لا يسمع من شهوده إلا على خصم.\nلأن البينة إنما تقام على خصم.\nثم الخصم من ذكر في الكتاب، وهو: [أما] وارث الميت، أو غريم للميت عليه دين، أو رجل له على الميت حق، أو موصى له.\nفإذا أحضر رجلًا ادعى عليه حقًا لأبيه، والمدعى عليه ذلك الحق مقر به، أو جاحد له، فله أن يثبت نسبه، ويسمع القاضي من شهوده","vol":"3","page":458},{"text":"بحضرة ذلك الرجل.\nوقد مر هذا\n\n[٩٩٩] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀ في ميراث قسم بين غرماء الميت، لا آخذ من الغرماء كفيلًا بما أدفع إليهم، ولا آخر من الوارث كفيلًا بما أدفع إليه من الميراث، وهذا شيء احتاط القضاة فيه، وهو ظلم.\nوالله تعالى أعلم","vol":"3","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-297>الباب الثالث والسبعون في إثبات الدين والحقوق على الميت</span>\n[١٠٠٠] قال:\nوإذا توفي الرجل وادعى رجل عليه حقًا أو شيئًا مما كان في يده، دارا، أو ضيعة، أو غلامًا، أو عروضًا، أو ادعى عليه دينًا، فخاصم في ذلك بعض الورثة، أو الوصي، وأراد أن يثبت عليه حقه ذلك بمحضر وارث واحد، أو الوصي عن الميت، فذلك جائز على جميع الورثة.\nلأن أحد الورثة ينتصب خصمًا فيما يدعي عليه، وله؛ لأن الوراثة خلافة عن الميت، والخلافة لا تتجزأ لأن سببها لا يتجزأ، والسبب متى تحقق في حق الكل، والحق غير متجزئ، يثبت الحكم لكل واحد منهم على الكمال، فكان الحق كاملًا، كانه ليس معه غيره، وسبب الخلافة يتحقق في حق الكل، والخلافة غير متجزئة، فتثبت لكل","vol":"3","page":460},{"text":"واحد منهم على الكمال، فكان الحق الثابت عليه كالحق الثابت على الميت، والحق لو ثبت على الميت كان ثابتًا في حق جميع الورثة كذا ههنا.\n\n[١٠٠١] قال:\nفإن أقر الوارث بالدين الذي ادعاه الخصم، لزمه ذلك في حصته، حتى يستغرق دينه جميع حصته.\nلأن الوارث إنما صار خليفة للمورث نظرًا [له] في كل ما يعجز الميت عن النظر لنفسه، ولا نظر للميت أن جعل الوارث خليفة عنه في حق الإقرار، كالوصي لما كان نائيًا عن الميت نظرًا له في كل ما يعجز الميت عن النظر لنفسه، لم يصح إقراره على الميت كذا هنا، وإذا لم يصح إقراره على الميت بقي إقراره على نفسه، وإنما يصح على نفسه في حصته.\n\n[١٠٠٢] قال:","vol":"3","page":461},{"text":"فإن كان الذي ادعاه الخصم شيئًا مما كان في يد الميت فأقر الوارث بذلك كان حصته من ذلك للخصم.\nلأنه إقرار على نفسه فيصح، والوارث الباقون على حقوقهم، لأنه لم يصح إقراره عليهم.\n\n[١٠٠٣] قال:\nفإن ادعى قوم على الميت ديونًا، وأرادوا أن يثبتوا ذلك، فليس لهم أن يثبتوا ذلك إلا بمحضر من وارث أو وصي. وليس لهم أن يثبتوا على غريم للميت عليه دين، ولا موصى له، ولا غريم له له على الميت دين.\nأما الغريم الذي للميت عليه دين، فلأن المدعي لا يدعي عليه شيئًا، وإنما يدعي دينا في ذمة الميت، لكن إذا ثبت ذلك ثبتت له ولاية الاستيفاء من هذا الغريم، باعتبار أنه تركه الميت، فلا يكون الغريم خصمًا له؛ بخلاف الوارث أو الوصي إذا حضر فإنه يخاصم الغريم الذي للميت عليه دين.\nأما الوارث: فلأنه يدعي ملك ما في ذمته.","vol":"3","page":462},{"text":"وأما الوصي: فلأنه يدعي حق قبض الدين [الذي] عليه لنفسه، فيكون الغريم خصمًا له.\nوأما الموصي له: فلأنه ليس بخليفة للميت فيما يتملك، بل يتملك ابتداء بعقد الوصية. ألا ترى أنه لا يرد بالعيب، ولا يرد عليه، ولا يصير مغرورًا فيما اشتراه الموصي. وإذا لم يكن خليفة الميت، ولا يملك المدعي إثبات الدين عليه.\nوأما الغريم الذي له على الميت دين، فكلك أيضًا.\nفإن لم يكن الميت أوصى إلى رجل، وكانت ورثته صغارًا ليس فيهم من يقوم بحجته، فينبغي للقاضي أن يجعل لهم وصيًا يقوم بأمرهم، لأن فيه نظرًا للغرماء وللورثة.\nأما الغرماء فلأنهم يحتاجون إلى إثبات حقوقهم، ولا يتمكنون من الإثبات إلا على الخصم.\nوأما الورثة فلأنهم يحتاجون إلى من يحفظ المال عليهم، فإن أثبت الغرماء حقوقهم بمحضر من هذا الوصي، [فإن]","vol":"3","page":463},{"text":"سألوا القاضي أن يأمره بدفعه إليهم من مال الميت، فينبغي للقاضي أن يستحلف كل واحد منهم قبل أن يدفع إليهم شيئًا: بالله ما قبضت من هذا المال الذي ثبت لك من فلان الميت، ولا من أحد أداه إليك عنه، ولا قبض ذلك قابض بأمرك، ولا أربأته منه، ولا من شيء منه، ولا أحالك بذلك، ولا بشيء منه فلان الميت، ولا ارتهن بذلك، ولا بشيء منه رهنًا من فلان [الميت]، وإن لم يدع الوصي ذلك.\nلأن الميت عاجز عن النظر لنفسه بدعوى أحد هذه الأشياء، فيحتاج إلى من ينظر له، والوصي نائب عنه، لكن النائب قد يقصر، ولا يبالغ في النظر، فلا ينبغي للقاضي أن يدع النظر، فيحلفه، وإن لم يدع الوصي ولا والوارث.\nوأصل هذا الحديث الذي ذكر في الكتاب عن ابن عمر ﵄.\nفإذا خلف أمر بالدفع إليه؛ لأنه لم يثبت الاستيفاء والإبراء، وأن","vol":"3","page":464},{"text":"نكل لم يحكم له بشيء، ولم يأمر بالدفع؛ لأنه ثبت الاستيفاء والإبراء.\n\n[١٠٠٤] قال في الكتاب:\nكان ابن عمر ﵄ وصى رجل، فأتاه رجل بصك، وقد درست أسماء الشهود فقضاه، المال.\nوتأويل ذلك: أنه كان عرف وجوب ذلك الحق على الميت، فأما الصك فلا يكون حجة درست [أسماء شهوده] أو لم تندرس.\nثم قال: يا نافع اذهب به إلى المنبر فاستحلفه.\nوأراد به منبر رسول الله ﷺ؛ لأنه كان في المدينة.\nفظاهر الحديث حجة للشافعي ﵀ فإن عنده إذا أراد القاضي تغليظ اليمين يحلفه عند المنبر، أو في المسجد الجامع.\nوعندما تغلظ بصفات الله تعالى.","vol":"3","page":465},{"text":"وهي مسألة كتاب الشهادات.\nثم اشتبه آخر الحديث، فإنه تشويش.\nوالصحيح من الألفاظ:\nفقال ذلك الرجل يا ابن عمر تريد أن تسمع بي غير الذي سمع.\nوما سوى هذا غلط من الكتاب.\nومعنى هذا أنه سمع بعض الناس دعواي وخصومتي، وأنك اتهمتني، فنريد أن تسمع الذي لم يسمع بذلك أنك اتهمتني، وأني عرفت بالأمانة.\nوإنما قال ذلك؛ لأن الناس يكونون مجتمعين عند المنبر.\n\n[١٠٠٥] قال:\nوكذلك إن مات رجل لم يوص إلى أحد، ولم يخلف وارثًا، وادعى قوم عليه مالًا وحقوقًا، فإن القاضي يجعل له وصيًا، ثم يدعوهم بيناتهم على ما يدعون بمحضر من هذا الوصي.\nلأن الميت لما لم يترك وارثًا كان ماله لبيت المال، فيكون للمسلمين، فكان للقاضي أن ينصب قيمًا، حتى يسمع خصومة المدعي في حق المسلمين، فإذا ثبت الحق، حلف المدعي على الوجه الذي مر في","vol":"3","page":466},{"text":"المسألة الأولى.\n\n[١٠٠٦] قال:\nفإن كان للميت ورثة في بلد آخر، وماله وتركته هنا حيث توفي فادعى عليه قوم حقوقًا وأموالًا، فإن كان البلد الذي فيه ورثة الميت بلدًا منقطعًا عن هذا البلد، جعل له القاضي وصيًا، وأمرهم بالتثبيت عليه.\nلأن الغيبة المنقطة جعلت بمنزلة الموت، ولو كان الوارث ميتًا فإن القاضي يجعل للميت وصيًا، فكذا هنا.\nوإن لم يكن البلد منقطعًا عن ذلك البلد، فأرادوا أن يثبتوا حقوقهم عند هذا القاضي ليحكم لهم بذلك، لم يقبل ذلك.\nلأن الغيبة إذا لم تكن منقطعة لا تكون بمنزلة الموت، فلا يكون للقاضي ولاية نصب الوصي عن الميت.\n\n[١٠٠٧] قال:\nفإن سألوا أن يسمع من شهودهم، ويكتب لهم بما يصح عنده من أمورهم إلى ذلك القاضي، سمع، وكان الجواب فيه كالجواب","vol":"3","page":467},{"text":"في العقار.\nفإن العقار إذا كان في هذه البلدة، والمطلوب في بلدة أخرى، فإن قاضي هذه البلدة يكتب إلى قاضي تلك البلدة، ليقضي قاضي تلك البلدة، ثم يكتب إلى هذا القاضي الكاتب ليسلم إليه العقار.\nوكذلك ههنا، يكتب هذا القاضي الذي مات المورث فيه بلده والتركة في بلده، إلى قاضي بلده فيها الوارث ليقضي، ثم يكتب إلى هذا القاضي الكاتب ليسلم التركة إليه.\n\n[١٠٠٨] قال:\nولو أن رجلًا توفي فجاء قوم إلى القاضي، فقالوا: إن فلانًا توفي، ولنا عليه أموال، وقد ترك مالًا، وعدا ورثته على ماله وهم يمزقونه، ويتلفونه، ويفرقونه، وسألوا القاضي أن يأمر بالاحتياط.\nيعني يجعل التركة موقوفة حتى يثبتوا عنده حقوقهم، فإنه لا يحب على القاضي أن يتعرض للورثة بما في أيديهم، يعني لا يجعل التركة","vol":"3","page":468},{"text":"موقوفة؛ لأن في جعل التركة موقوفة قصر يد ذي اليد عن ماله بدون الحجة.\nفإن قالوا: لنا شهود حضور، فقفها إلى آخر المجلس أو المجلس الثاني، والوارث ممن يخاف عليه الإتلاف والإسراف، وإن اشتهر أن فلانًا مات غارمًا، أو عرف القاضي هؤلاء المدعين بالصلاح، أو مال قبله إلى أنهم صادقون، والوارث ممن يخاف عليه الإتلاف والإسراف، فالقياس أن لا يوقفه القاضي.\nوفي الاستحسان لا بأس بأن يوقفه.\nوجه القياس: أن فيه قصر ذي اليد [عن ماله] من غير حجة، فلا يجوز، وإن قلت المدة.\nوجه الاستحسان: أن فيه نظرًا للغرماء، وليس فيه كبير ضرر بالورثة، فيجوز أن يفعله القاضي؛ لأنه نصب ناظرًا للمسلمين.","vol":"3","page":469},{"text":"[١٠٠٩] قال:\nوكذلك سبيل من ادعى وصية من الثلث.\nلما قلنا.\n\n[١٠١٠] قال:\nولو أن رجلًا ادعى دينًا على الميت، وقدم وارثًا من ورثته إلى القاضي، فأقر له الوارث بحقه، فأراد الطالب أن يقيم البينة عند القاضي على حقه ليكون حقه في جميع مال الميت، ويلزم ذلك جميع الورثة، فإن القاضي يقبل منه، ويسمع من شهوده، ويحكم له في جميع مال الميت بدينه.\nوكذا لو أقر بذلك جميع الورثة، فإن القاضي يقبل منه ويسمع [بينته].\nلأن المدعي يحتاج إلى إثبات الدين في حقهم وحق غيرهم؛ لأنه ربما يكون للميت غريم غائب يحضر ودينه ظاهر، ودين المقر له بإقرار","vol":"3","page":470},{"text":"الورثة لا يظهر في حق ذلك، فكان محتاجًا إلى إثبات الدين في حق غيرهم، ولا يثبت ذلك إلا بالبينة.\nوقد تقدمت هذه المسألة.\nوكذا الموصى له لو ادعى الوصية فأقر له وارث بوصية وأراد الموصى له أن يثبت وصيته عند القاضي بالبينة، فالقاضي يقبل منه البينة على هذا المقر، ويحكم بوصيته على جميع الورثة في مال الميت.\nوكذا لو أقر جميع الورثة. لما قلنا.\n\n[١٠١١] قال:\nولو أن رجلًا ادعى دينًا على الميت، وله ورثة، كبار غيب، وله وارث صغير حاضر، قال: يجعل له القاضي وكيلًا يخاصم [عنه] المدعي، فإن قضى على الوكيل، فهو قضاء على جميع الورثة.\nلأن القاضي له ولاية نصب الولي في حصة الصغير، والصغير من أهل أن يدعي للميت ويدعي عليه على الميت، لكنه عاجز، فإذا نصب عنه وكيلًا صار كما لو كان بالغًا فخوصم عليه الحق، ولو كان كذلك كان القضاء عليه قضاء على جميع الورثة، كذا هنا.\n\n[١٠١٢] قال:\nولو أن رجلًا مات وله ابنان كبيران، أحدهما حاضر، والآخر","vol":"3","page":471},{"text":"غائب، فادعى الحاضر أن له على أبيه ألف درهم، وأن لأبيه على رجل أحضر معه ألف جرهم، وسأل القاضي أن يسمع من [شهوده على الرجل بدين أبيه، ومن شهوده على أبيه، فالقاضي يسمع من] الشهود الذي يشهدون للأب، ويحكم للأب على الأجنبي بألف درهم، ولا يسمع من شهود الابن إلا بمحضر من وارث معه، أو وصي.\nأما الأول، فلأن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الميت في ما يدعي للميت.\nوأما الثاني: فلأن تقدم الإنكار شرط سماع البينة ولم يوجد ههنا إنكار أحد الورثة ليقوم مقام إنكار الميت.\n\n[١٠١٣] قال:\nولا يجوز إقرار الوصي بدين على الميت لا أحد من الغرماء، ولا يجوز إقراره بشيء من تركة الميت.","vol":"3","page":472},{"text":"لأن هذا إقرار الغير على الغير، وإقرار الغير على الغير شهادة، وشهادة الفرد لا تكون حجة، فلا يصح هذا الإقرار، إلا أن يكون هذا الوصي وارثًا، فأقر ذلك جاز إقراره في حصته خاصة دون سائر الورثة؛ لأما أنه وارث، لا لما أنه وصي.\n\n[١٠١٤] قال:\nولو أن رجلًا مات وعليه دين، وترك ألف درهم، وترك ابنًا، فقال الابن: هذه الألف وديعة كانت عند أبي لفلان، وجاء فلان يدعي ذلك، فصدقه غرماء الميت في ذلك، وقالوا: الألف لفلان، أو كذبوه، وقالوا الألف للميت، أو لم يصدقوه، [ولم يكذبوه]، وقالوا: لا ندري لمن هي، فإن القاضي يقضي للغرماء بالألف من الميت، ولا يجعلها لمدعي الوديعة.\nلأن إقرار الورثة وتصديق الغرماء لم يصح.\nأما إقرار الورثة فلأن إحاطة الدين بالتركة تمنع ملك الورثة فكان إقرار الورثة إقرارًا في ملك الغير فلم يصح.\nوأما تصديق الغرماء [فلم يصادف محله] لوجهين:\nأحدهما: أن التركة لم تصر مملوكة لهم، إنما لهم حق استيفاء الدين من التركة، فكان هذا إقرارًا في ملك الغير، وهو الميت.\nوالثاني: ما أشار إليه صاحب الكتاب، أن القاضي لا","vol":"3","page":473},{"text":"يصدقهم على الميت أن يتركوه مرهونًا بالدين، لكن في الوجه الأول، وهو ما إذا صدقه غرماء الميت، وإذا قضى القاضي بها لهم [من ديونهم على الميت] يرجع المودع فيأخذها منهم بإقرارهم أنها له.\nهذا إذا أقر.\nوكذلك إذا جحد، وقال: الألف لأبي.\nأو لم يقر ولم يجحد، وقال: لا أدري لمن هي فهذا والأول سواء.\nفإن أراد مدعي الوديعة استحلاف الابن في الوجه الثاني، وهو ما إذا جحد فلا يمين عليه.\nلأن اليمين إنما كان لرجاء النكول، ولو أقر صريحًا لم يصح إقراره، فلا يفيد شرع اليمين.\nوهذه المسألة من أعجب المسائل، لم يعرف إلا من صاحب الكتاب.\nوإذا عرفت الجواب في الوديعة فكذا الجواب في المضاربة والبضاعة، والعارية، والإجارة، والرهن، إذا كان في يد الميت عين فأقر بشيء من هذا.\nوالله ﷾ اعلم","vol":"3","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>الباب الرابع والسبعون في الرد بالعيب</span>\n[١٠١٥] ذكر حديث الضحاك؛ أن الضحاك بن قيس اختص إليه في جارية وجد بها الدبيلة، وهي داء قديم، يعرف أنه ليس مما","vol":"3","page":475},{"text":"يحدث مثله، فقضى به على البائع، قال سفيان: قول الضحاك أحب إلي من قول شريح، إذا كان يعرف أنه ليس مما يحدث مثله أن يرد بغير بينة.","vol":"3","page":476},{"text":"فقد أشار سفيان إلى [أن] هذه المسألة مختلفة بين التابعين:\nفكان من مذهب شريح: أن من اشترى جارية، ووجد بها عيبًا لا يحدث مثله في مثل تلك المدة؛ نحو الأصبع الزائدة، وغيره، أن المشتري لا يملك الرد على البائع إلا بإقراره، أو بإقامته البينة، وعلى","vol":"3","page":477},{"text":"قول الضحاك ترد على البائع بدون الإقرار وبدون البينة. فأخذ سفيان يقول الضحاك.\nوبه أخذ علماؤنا ﵏.\nلأن العيب متى كان لا يحدث مثله في تلك المدة عادة، ثبت وجوده في يد البائع عادة، وأحكام الشرع مبينة على عادات الناس.\nوإذا ثبت وجود العيب في يد البائع، ثبت له حق الرد به.\nثم قال في الحديث: وجد بها الدبيلة، وتكلموا فيها:\nقال أكثرهم: هو نوع من الطاعون.\nوقال بعضهم: هي الدمامير القروح.\nوقال بعضهم: [هي] داء لا دواء له.\nوأيًا ما كان [فهي] تثبت له حق الرد بالعيب. وإذا ثبت له حق الرد بالعيب، فالقاضي هل يحلف المشتري: بالله ما سقط حقك في الرد بالعيب؟\nفهذا على وجهين:\nأما إن ادعى البائع على المشتري\nأو لم يدع.","vol":"3","page":478},{"text":"ففي الوجه الأول: يحلفه بالإجماع.\nوفي الوجه الثاني: لا [يحلفه].\nوعن أبي يوسف ﵀: أنه يحلفه كما يحلفه غرماء الميت، وإن لم يطلب الوارث أو الوصي بالإجماع.\nوقد مر هذا فيما تقدم.\nثم كيف يحلف إذا ادعى بالإجماع، أو إذا لم يدع عند أبي يوسف ﵀؟\nذكر في الكتاب وقال:\nيحلفه بالله ما رأيته قبل أن تشتريه، ولا رضيت به بعد ما رأيت الداء، ولا عرضت على البيع بعد ما رأيت الداء.\nوأكثر القضاة على أن يحلفه بالله ما سقط حقك في الرد بالعيب من الوجه الذي يدعي البائع لا صريحًا ولا دلالة.\nلأن الأسباب المسقطة للرد بالعيب كثيرة، ولا يتمكن البائع أن يذكر جميع تلك الأسباب، فيحلفه على هذا الوجه حتى يحصل مقصوده.","vol":"3","page":479},{"text":"[١٠١٦] قال:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وقد كان اشترى منه عبدًا، أو أمة، أو ثوبًا، أو شيئًا من الأشياء التي تكون فيها العيوب، وأحضر ذلك الشيء إلى القاضي، وقال: اشتريت هذا من هذا الرجل، وقد ظهر فيه عيب كذا، فهذا على وجهين:\nأما أ، يكون العيب حقيقيًا.\nأو يبكون حكيمًا، نحو الإباق، والسرقة، والجنون، والبول في الفراش.\nوالحقيقي لا يخلو:\nأما أن يكون ظاهرًا، أو غير ظاهر.\nوالظاهر لا يخلو.\nأما إن كان لا يحدث مثله في هذه المدة، أو يحدث.\nوغير الظاهر لا يخلو:\nأما أن يعرف بقول الأطباء أو بقبول النساء.\nأما الحقيقي [فإنه] إذا كان ظاهرًا، وهو لا يحدث مثله، فالقاضي يرده، ولا يلتفت إلى إنكار البائع.\nوهل يحلف المشتري؟","vol":"3","page":480},{"text":"تقدم الكلام فيه.\nوأما إذا كان ظاهرًا، وهو يحدث مثله، فيسأل القاضي البائع عن العيب، فإن أقر أنه باعه هذا الشيء وبه هذا العيب ينظر فيه: إن لم يدع البراءة ولا الرضى به رده عليه.\nوعن أبي يوسف ﵀ أنه يحلف المشتري.\nفإن ادعى فقال: قد علم المشتري بهذا العيب حين اشتراه أو قال [البائع]: بعته إياه على أني بريء من هذا العيب أو من كل عيب به، أو قد علم بالعيب بعد ما اشتراه ورضي به، فأريد أن أحلفه على ذلك، فإن القاضي يحلف المشتري؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقبر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف.\nثم كيف يحلف إذا ادعى بالإجماع، أو إذا لم يدع عند أبي يوسف ﵀؟\nذكر في الكتاب أنه يحلف بالله ما علمت بهذا العيب حين اشتريته،","vol":"3","page":481},{"text":"ولا أبرأته، ولا رضيت به منذ رأيت العيد ولا عرضته على بيع بعد علمك بالعيب، ولا خرج من ملكك، ولا شيء منه.\nوأكثر القضاة على أنه يحلف على ما قلنا.\nفإذا حلف على ذلك رده القاضي على البائع بذلك العيب؛ لأن سبب الرد قد وجد، والمسقط لم يظهر.\nذكر في الكتاب [في] كيفية الاستحلاف: ولا أخرجته من ملكك.\nقال الجصاص في شرح هذا الكتاب: لا فائدة في هذه الزيادة؛ لأن الخروج عن ملكه ليس بمسقط حق الرد لا محالة، ألا ترى أنه لو وهبه من إنسان ثم وجد به عيبًا فإنه يرده على البائع، وكذا لو باعه المشتري من إنسان آخر ولم يعلم بالعيب، فرد عليه بالعيب، فإن المشتري الأول يملك رده على بائعه، فدل على أنه لا فائدة في هذه الزيادة، لكن لو ادعى البائع كون العين خارجة عن ملك المشتري للحال، فالقاضي يحلفه على ذلك.\nلأن الخصومة في العيب لا تتوجه ما لم تكن العيب قائمة على ملكه للحال.\nوإن كان العيب غير ظاهر فإنما يعرفه الأطباء؛ نحو وجع الطحال، والكبد،","vol":"3","page":482},{"text":"فإن القاضي يريه الأطباء، والواحد في هذا يكفي، فقبل قوله في حق توجه الخصومة، واليمين على البائع. ولا يقبل في حق الرد؛ لأن قول الواحد لا يكفي فيما يطلع عليه الرجال للرد.\nأما إذا كانا اثنين عدلين فيأتي في آخر الباب.\nفإن قال المشتري للقاضي قبل أن يسأل الطبيب: سل البائع عنه فإنه يعلم أن به هذا العيب في هذه الحالة، فينبغي للقاضي أن يسأل البائع هل هذا العيب الذي ذكره المشتري بهذا العبد في هذه الحالة.\nفإن قال: لا يسأل المشتري من القاضي أن يحلفه بالله ما يعلم أن به هذا العيب الساعة، وفيه خلاف على ما تبين.\nفإن قال: نعم، ثبت العيب.\nثم سأله القاضي: هل بعته إياه وبه هذا العيب؟\nإن قال: نعم فالقاضي يرده عليه.\nوإن قال: لا، إنما هو عيب حدث عند المشتري، فالقول قوله مع","vol":"3","page":483},{"text":"يمينه: بالله لقد بعته هذا العبد، وسلمته إليه وما به هذا العيب.\nلأنه لما ثبت العيب عند المشتري بإقرار البائع ثبت حق الخصومة بالإجماع، فينبت حق الاستحلاف.\nفإن نكل يرد على البائع.\nفإن حلف يقول القاضي للمشتري: إن كان لك بينة أن هذا العيب كان عنده أحضرها.\nفإن كان العيب مما يعرف بقول النساء فالقاضي يريه النساء، ويقبل قول النساء في حق توجه الخصومة، واليمين على البائع لا في حق الرد.\nوالمرأة الواحدة في هذا الباب تكفي.\nوالثنتان أحوط.\nوهذا جواب ظاهر الرواية.\nوروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أن الرد يثبت بشهادة النساء.\nوجه تلك الرواية: أن شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال بمنزلة شهادة الرجال فيما يطلع عليه الرجال، ولو ثبت العيب فيما يطلع عليه الرجال بشهادة الرجال يثبت له حق الرد.\nكذا إذا ثبت العيب فيما لا يطلع عليه الرجال بشهادة النساء.","vol":"3","page":484},{"text":"وجه ظاهر الرواية أن شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال حجة ضرورية، والضرورة في حق إثبات الخصومة على البائع، واليمين على البائع لا في حق الرد؛ لأن الرد يتصور بحجة أخرى، وهو نكول البائع.\nوأما إذا كان العيب حكميًا، فادعى المشتري أنه آبق، أو سارق، أو مجنون، أو يبول في الفراش، لا يثبت له حق الخصومة، ما لم يثبت هذا العيب في يد المشتري بإقامة البينة أنه أبق، أو سرق، أو جن، أو بال [في الفراش] في يده، فإن لم تكن له بينة، وسأل القاضي أن يحلف البائع ما يعلم أنه أبق، أو سرق أو جن، أو بال في الفراش عند المشتري، قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: له ذلك.\nوهكذا ذكر في الجامع الكبير.\nولم يذكر قول أبي حنيفة ﵀.\nواختلف المشايخ على قوله.\nوالصحيح أنه لا يحلف.","vol":"3","page":485},{"text":"هما يقولان: المشتري يدعي على البائع معنى لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يستحلف.\nوأبو حنيفة ﵀ يقول: الاستحلاف يترتب على الخصومة، والخصومة إنما تتوجه من المشتري إذا ثبت وجود العيب بالمبيع في الحال، ولم يثبت.\nثم إذا ثبتت هذه العيوب عند المشتري بالبينة بالإجماع أو نكول البائع عن اليمين على العلم عندهما الآن يحلف البائع البتة.\nثم كيف يحلف؟\nأما في الجنوب فيحلف: بالله لقد باعه إياه وقبضه المشتري وما جن قبل ذلك قط.\nوفي ما سوى الجنون يحلف: ولا أبق، ولا شرق، ولا بلل على الفراش، منذ بلغ مبلغ الرجال.\nلأن الجنون سببه متحد، وهو فساد في الباطن، فإذا كان السبب متحدًا، كان العيب في نفسه متحدًا.","vol":"3","page":486},{"text":"فأما في ما عدا الجنون فالسبب مختلف، فإن سبب السرقة في حالة الصفر قصور عقله، وفي حالة الكبر قلة المبالاة، وسبب البول على الفراش في حالة الصغر ضعف المثانة، وفي حالة الكبر داء في بطنه، وسبب الإباق في حالة الصغر حب اللعب، وفي حالة الكبر قلة المبالاة.\nفإذا كان السبب مختلفًا كان العيب في نفسه مختلفًا.\nفإذا حلف على هذا الوجه، أن حلف فلا شيء عليه حتى يثبت المشتري بينة على ذلك، وإن نكل رد القاضي عليه.\n\n[١٠١٧] قال:\nفإن اشترى غلامًا صغيرًا فوجده يبول في الفراش، إن كان بحال يبول في الفراش عادة، لا يملك الرد بالعيب.\nلأن الصبيان في هذه الحالة لا يخلون من البول في الفراش، فلما اشتراه مع العلم بحالة صار راضيًا به.","vol":"3","page":487},{"text":"وإن كان بحال لا يبول في الفراش عادة يملك الخصومة.\nلأن الصبيان في هذه الحالة يخلون عن البول في الفراش عادة، فكان له أن يرد على البائع بهذا العيب.\nثم إن صاحب الكتاب أشار إلى أن الصبيان الذي يبولون في الفراش أن يكون رباعيًا، أو خماسيًا، فإذا جاوز هذا فالبول فيه عيب، فإن لم يخاصمه حتى بلغ وهو يبول في الفراش، فإنه لا يملك الخصومة في الرد بالعيب.\nلأن هذا عيب متجدد فلا يملك الرد به.\n\n[١٠١٨] قال:\nولو أن رجلًا اشترى جارية على أنها بكر، فطعن المشتري أنها ثيب، فإن القاضي يريها النساء.\nلأن البكارة لا يعرفها إلا النساء.\nفإن قلن: هي بكر، فلا سبيل للمشتري على البائع؛ لأن قول النساء تأيد بمؤيد، وهو الظاهر، فإن البكارة في النساء أصل. وإذا تأيد بمؤيد، لم يبق له على البائع سبيل، ولزم البيع.\nوإن قلن: إنها ثيب تتوجه الخصومة على البائع، فيحلف: بالله لقد بعتها وسلمتها إليه وهي بكر.\nفإن حلف فلا شيء عليه.","vol":"3","page":488},{"text":"وإن أنكر لم يثبت عدم البكارة عند البائع.\nوإن نكل عن اليمين ردت عليه، لأنه ثبت.\n\n[١٠١٩] قال:\nوإن ادعى المشتري أن بها حبلًا فالقاضي أراها النساء. فإن قلن: ليس بها حبل، فلا سبيل للمشتري على البائع، والبيع لازم.\nلأن شهادتهن تأيدت بمؤيد.\nلأن الأصل في النساء هو الفراغ.\nوإن قلن: أنها حامل، حلف البائع: بالله لقد بعتها منه، وسلمتها إليه، وما بها هذا الحبل، كما ذكرنا في البكارة.\nثم ذكر في الكتاب: وقال بعض أصحابنا: لا أحلف البائع على ذلك؛ لأن المرأة لا تعرف حقيقة أن بها حبلًا فكيف يعرفها غيرها فكانت شاهد النساء في هذا شهادة [على] غيب.\nذكر صاحب الكتاب أنه قال بعض أصحابنا، ولم يذكر القائل، لأن الفقهاء لم يأخذوا بهذا القول؛ لأن النسوان يعرفن ذلك بعلامات وإمارات.","vol":"3","page":489},{"text":"[١٠٢٠] قال:\nفإن كان المشتري مستهلكًا فادعى المشتري العيب، ليرجع بنقصان العيب على البائع، فالجواب في الرجوع بنقصان العيب بعد الهلاك على البائع، بمنزلة الرد بالعيب قبل الهلاك، ما لم يثبت العيب عنده لا يثبت له حق الخصومة، فكذا في الرجوع ينقصان العيب بعد الهلاك.\n\n[١٠٢١] قال:\nفإن كان المشتري ادعى بالجارية المشتراة عيبًا، وهو في موضع لا ينظر إليه إلا النساء مثل الرتقاء والعفلاء وغير ذلك، فإن القاضي يريها النساء، فإن قلت: أن هذا العيب بها، فهذا على وجهين:","vol":"3","page":490},{"text":"أما أن كان بعد القبض، أو قبل القبض.\nفإن كان بعد القبض [فقد] اتفقوا أنه لا يرد القاضي بقولهن ما لم يحلف البائع أو ينكل.\nوإن كان قبل القبض [فقد] اختلفوا فيه.\nقال أبو يوسف: يرد من غير يمين البائع.\nوقال محمد: هما سواء، ولا يرد حتى يحلف البائع.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nوروي عن محمد في النوادر ضد ما ذكر صاحب الكتاب، فإنه روي عنه أنه قال: إذا طعن المشتري بمثل هذا العيب، فأراها القاضي النساء فقلن: أن هذا العيب بها، فالقاضي يردها على البائع، وإن كان بعد القبض.\nفمحمد ﵀ يقول:\nحق الرد ينبني على ظهور السبب، وهو العيب، والعيب لا يظهر بشهادة النساء على الانفراد، فلا يثبت له حق الرد [فصار] كما بعد القبض.\nوأبو يوسف رحمة الله يقول: شهادة النساء بانفرادهن حجة، لكن","vol":"3","page":491},{"text":"حجة ضعيفة، فالعقد قبل القبض ضعيف، ولهذا ملك المشتري رده بالعيب قبل القبض بغير قضاء ولا رضى، فجاز أن يثبت فسخ عقد ضعيف بحجة ضعيفة.\n\n[١٠٢٢] قال:\nفإن ادعى أ، بعينها ريح السبل، فالقاضي يريها العدول من الأطباء.\nلأن ريح السبل نوع من الرمد تعرفه الأطباء.\nفإن قالوا: نعم بها ذلك فإن كان بعد القبض يحلف البائع على ذلك، وإن كان قبل القبض يرد على البائع بالاتفاق.\nلأن العيب ظهر بقولهم؛ لأن قول الرجال مما يثبت به العيب.\n\n[١٠٢٣] قال:\nوكل عيب يثبت عند الحاكم فأراد المشتري أن يرد على بائعه بذلك العيب، فسأل القاضي أن يحكم له برده فإن القاضي يستحلف","vol":"3","page":492},{"text":"المشتري: بالله ما علم بهذا العيب عند شرائه إياه … إلى آخره ما ذكر في الكتاب.\nوهذا إذا ادعى البائع.\nوإن لم يدع البائع فهو على الاختلاف الذي حكيناه غير مرة.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"3","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-299>الباب الخامس والسبعون (في الشفعة)</span>\n<span data-type='title' id=toc-300>[الشفعة للجار الملاصق]</span>\n[١٠٢٤] ذكر عن رافع بن خديج أن سعد بن","vol":"4","page":3},{"text":"مالك عرض بيتا على جار له، فقال: خذه باربعمائة","vol":"4","page":4},{"text":"درهم .. الحديث إلى آخره.","vol":"4","page":5},{"text":"أورد محمد ﵀ هذا الحديث في أول [كتاب] الشفعة. وبه أخذ علماؤنا، أن للجار حق الشفعة، إذا كان جارًا ملاصقًا. وفيه أربعة أقوال:\nفعند علمائنا ﵏: الشفعة تستحق بالجوار إذا إذا كان جارًا ملاصقًا.","vol":"4","page":6},{"text":"وقال بعضهم: الجار المقابل له الشفعة أيضًا.\nوقال بعضهم: الشفعة بالأبواب: فمن كان بابه أقرب إلى الدار المبيعة فالشفعة له.\nوقال الشلقعي ﵀: الشفعة لا تستحق بالجوار.\nفكان في المسألة اربعة أقوال.\nثم الشفعة عندنا على ثلاث مراتب:\n[فأنها] تثبت أولًا للشريك الذي لم يقاسم، وهو الشريك في كل جزء من اجزاء المبيع، ثم للشريك حقوق الملك في الطريق والشرب، وهذا يسمى خليطًا تارة، ويسمى شريكًا في حقوق الملك تارة. ثم للجار الملاصق.\nوقيل الشفعة تثبت على اربع مراتب، وذلك في مسألتين:\nاحداهما: تثبت في دار في سكة غير نافذة، والبيت لاثنين، والدار لقوم، فباع أحد الشريكين نصيبه من البيت،","vol":"4","page":7},{"text":"فالشفعة أولًا للشريك في البيت، فإن سلم فللشريك في الدار، فإن سلم فللشريك في الطريق، فإن سلم فللجار الذي هو ملاصق بالبيت خلف البيت.\nوالثانية: أن الدار إذا كانت بين اثنين شريكين في سكة غير نافذة، فباع أحد الشريكين نصيبه من الدار من انسان فالشفعة أولًا للشريك في الدار، وهو الشريك الذي لم يقاسم، فإن سلم فللشريك في الحائط المشترك الذي يكون بين الدارين، لأن نصف الحائط مبيع، وهذا الشفيع شريك في جزء من المبيع، فإن سلم فللشريك في الطريق، فإن سلم فللجار الذي يكون ظهر هذه الدار إليه وباب تلك الدار إلى سكة اخرى.\n\n[١٠٢٥] ذكر عن الحسن بن أبي الحسن أنه","vol":"4","page":8},{"text":"قال في الشفعة: لليتيم وصيه، إن شاء اخذ له، والغائب على شفعته.\nوقد أورد محمد ﵀ هذا الحديث في كتاب الشفعه.\nوفيه دليل أن الشفعة تجب للصبي، والأب والوصي يقوم مقامة في الاستيفاء.\nوفيه دليل أن الغائب تجب له الشفعة، كما تجب للحاضر.\n\n[١٠٢٦] ذكر عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:","vol":"4","page":9},{"text":"«الخليط احق من غيره».\nوالخليط هو الشريك في الطريق.\nوقوله: «من غيره». اراد به الجار.\nفكان هذا الحديث حجة لنا على الشافعي ﵀.\n\n[١٠٢٧] ذكر عن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:","vol":"4","page":10},{"text":"«الجار احق بشفعته ينتظر بها له إذا كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا».\nوهو أيضًا يدل على ثبوت حق الشفعة للجار.\n\n[١٠٢٨] ذكر عن الشعبي أنه قال:","vol":"4","page":11},{"text":"من بيعت شفعته وهو حاضر فلم يطلب بطلت شفعته.\nوبه أخذ علماؤنا ﵏؛ لما نبين ان شاء الله تعالى.\n\n[١٠٢٩] ذكر عن علي وابن عباس ﵄ انهما قالا: لا شفعة الا لشريك لم يقاسم.\nوهذا حجة للشافعي ﵀.\nوتأويله عندنا ما ذكر محمد في كتاب الشفعة: أنه لا شفعة الا لشريك لم يقاسم إذا لم يسلم الشفعة، فأما إذا سلم الشفعة هو فحينئذ تثبت لغيره.","vol":"4","page":12},{"text":"[١٠٣٠] ذكر عن شريح أنه قال:\nالشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من الجار، والجار أحق من غيره.\nوبه نقول.\nفكان هذا الحديث حجة لنا على الشافعي رحمة الله عليه.\n\n[١٠٣١] ذكر عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الجار احق بصقبه ما كان».","vol":"4","page":13},{"text":"في رواية: «من كان»\nفأن كانت الرواية: «من كان» فتأويله مسلمًا كان أو كافرًا، حرًا كان أو عبدًا، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا كان أو كبيرًا، فيصير الحديث حجة لنا على من قال: لا شفعة ليهودي ولا نصراني.\nوإن كانت الرواية: «ما كان» فتأويله من كان أيضًا؛ لأن اقامة (ما) مقام (من) سائغ في اللغة.\n\n[١٠٣٢] وذكر عن شريح أنه قضى لنصراني بالشفعة، فكتب إلى عمر ﵁ فاجازها.\nوبه نقول.\nوبعضهم قال: لا تثبت الشفعة للكافر.\n\n[١٠٣٣] وروى عامر عن شريح أنه قال","vol":"4","page":14},{"text":"لا شفعة ليهودي، ولا لنصراني، ولا لمجوسي.\nفالمخالف أخذ بالحديث الثاني.\nواصحابنا أخذوا بالحديث الأول.\nوالأخذ به أولى؛ لأنه تأيد بحديث عمر ﵁.\n\n[١٠٣٤] ذكر عن شريح أنه قال:\nالشفعة بالأبواب، اقرب الأبواب إلى الدار احق بالشفعة.","vol":"4","page":15},{"text":"ولسنا نأخذ بهذا الحديث.\nوقد مر هذا في صدر الباب.\n\n[١٠٣٥] ذكر عن الحسن قال:\nإذا قسم القوم الأرضين وابقوا شربها بينهم فهم شفعاء.\nلأن لهم في الشرب شركة، والشركة في الشرب تثبت حق الشفعة.\n[أو ان وجوب الشفعة]","vol":"4","page":16},{"text":"[١٠٣٦] قال أبو بكر [وهو صاحب الكتاب]:\nالشفعة في قول اصحابنا ﵏ تجب بعقد البيع، ثم بالطلب حين يعلم الشفيع، فإن سكت عن ذلك وفرط حين علم، أو أخذ في عمل تشاغل به فهذا إبطال للشفعة.\nولم يرد بقوله الشفعة أنها تحجب بعقد البيع أن سبب وجوب الشفعة البيع، بل سبب وجوبها اتصال ملك الشفيع بالدار المبيعة، وإنما اراد به أن أوان وجوبها البيع، فإذا بيع، وعلم الشفيع به ولم يطلب بطلت كما علم.\n\n<span data-type='title' id=toc-301>[طلب الشفعة]</span>\n[١٠٣٧] والطلب على ثلاثة أوجه:\nطلب المواثبة، وهو أن يطلب كما علم، حتى لو بلغه البيع ولم يطلب بطلت شفعته، حتى لو أخبر بكتاب، والشفعة في أول الكتاب أو وسطه فقرأ الكتاب إلى آخره بطلت شفعته.\nوإلى هذا ذهب مشايخ بلخ وعامة مشايخنا.","vol":"4","page":17},{"text":"وروى هشام عن محمد ﵀ في نوادره أن له مجلس العلم أن طلب في مجلس العلم كانت له الشفعة والا فلا.\nوهكذا روي عن أبي الحسن الكرخي.\nأما إذا قال بعد ما بلغه الخير: الحمد لله، فلا تبطل شفعته.","vol":"4","page":18},{"text":"لأن هذا من الطلب، يعني: الحمد لله الذي خلصني من جواره.\nوكذا لو قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.\nلأن هذا من الطلب، يعني: [ان] البائع قصد الاضرار، حيث باع من رجل يتضرر به، فكان هذا من باب الطلب، لا من باب الاعراض.\nوالثاني: طلب التقرير والاشهاد.\nلأن الشفيع يحتاج إلى اثبات طلبه عند القاضي بالبينة، ولا يمكنه إذا لم يشهد على الطلب، فالظاهر أنه لا يمكنه الإشهاد على طريق المواثبة؛ لأنها شرعت على فور العلم بالشراء، فيحتاج بعد طلب المواثبة إلى الإشهاد والتقرير، وطلب الإشهاد والتقرير إنما يصح عند حضرة المشتري أو البائع أو","vol":"4","page":19},{"text":"الدار، ويقول: ان فلانا اشترى هذه الدار، وأنا شفيعها، وقد كنت طلبت الشفعة، و[أنا] أطلبها الآن، فاشهدوا على ذلك.\nوالثالث: طلب تملك، وهو من مسائل كتاب الشفعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>[المسلم والكافر سواء في الشفعة]</span>\n[١٠٣٨] قال:\nوالمسلم والكافر في الشفعة سواء.\nلما روينا من الآثار.\nولأنهما سواء في سبب الشفعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-303>[الشفعة على عدد الرؤؤس]</span>","vol":"4","page":20},{"text":"[١٠٣٩] قال:\nوالشفعة على عدد الرؤوس.\nوهذا عندنا.\nوعند الشافعي ﵀ على قدر الانصباء.\nوالحجج تعرف في كتاب الشفعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-304>[الحر والعبد والمكاتب سواء في الشفعة]</span>\n[١٠٤٠] قال:\nوالحر والعبد التاجر والمكاتب في ذلك سواء.\nلأن الأخذ بالشفعة تجارة؛ لما فيه من المبادلة، والحر والعبد التاجر والمكاتب في التجارة سواء.\n\n<span data-type='title' id=toc-305>[الشفعة في ما لا ينقل]</span>\n[١٠٤١] قال:\nوإنما الشفعة في الأرضين التي تملك رقابها، وهي الدور والعقار كلها.\nوبه أخذ علماؤنا؛ أن الشفعة إنما تجب في الأراضي التي تملك رقابها، حتى أن الأراضي التي حازها الإمام لبيت","vol":"4","page":21},{"text":"المال، وتدفع إلى الناس مزارعة بالمناصفة والمثالثة، وصار لهم فيها كردار كالبناء والأشجار والكبيس، إذا كبسها بتراب نقله من موضع يملكه حتى صار لهم كردارًاـ فإن بيعت الأراضي فبيعها باطل، وإن بيع الكردار وكان معلومًا يجوز بيعه، لكن لا شفعة فيه؛ لأنه مما ينقل، ولا شفعة فيما ينقل.\nوكذا الأراضي المياندهية إذا كانت الأكره يزرعونها فبيعها لا يجوز، وبيع الكردار يجوز إذا كان معلومًا، ولا شفعة فيه لما قلنا\n\n<span data-type='title' id=toc-306>[الشفعة بالقضاء أو بالرضى]</span>\n[١٠٤٢] قال:","vol":"4","page":22},{"text":"والشفعة للشفيع بعد البيع، ويستحقها بالطلب والاشهاد على شفعته، ويملكها بأخذها، إذا سلمها له المشتري، أو يحكم له به الحاكم.\nأراد بالطلب طلب المواثبة، وبالإشهاد طلب الإشهاد والتقرير.\nوبه نقول.\nثم إذا طلب طلب المواثبة، وطلب الإشهاد والتقرير، وطلب التملك، فإنما يملك الدار أما بقضاء، أو ر ضى، وهو حكم الحاكم، أو تسليم المشتري إليه.\nلأن الملك للمشتري في الدار تم بالشراء، والملك إذا تم لا ينقض إلا بقضاء أو رضى. ألا ترى أن وهب من آخر شيئًا وقبض لا ينقض ملكه إلا بقضاء أو رضى، وإن كان للواهب حق الرجوع.","vol":"4","page":23},{"text":"وإنما يظهر أثر هذا فيما إذا طلب الشفعة طلب المواثبة، وطلب الإشهاد والتقرير، فلم يسلمها له المشتري، ولم يحكم له الحاكمبها حتى بيعت دار أخرى بجنبها، تجب شفعتها، ثم سلمها له المشتري، أو حكم الحاكم له بها، فإنه لا يستحق الدار التي بيعيت بجنبها بالشفعة؛ لأن الاستحقاق إنما يكون بالجوار، والجوار إنما يتحقق بالملك، وقبل تسليم المشتري أو حكم الحاكم له بالملك لم يملك، فلا يصير جارًا.\nوكذا لو مات الشفيع بعد الطلبين، قبل أن يحكم له القاضي، أو قيل أن يسلمها إليه المشتري، بطلت شفعته.\nلأن الشفعة لا تورث، ولو ثبت الملك يجري الارث فيه.\nوكذا لو باع داره بعد الطلبين قبل أن يحكم الحاكم له بالشفعة، وقبل أن يسلمها إليه المشتري بطلت شفعته.\nلأن بقاء الدار التي بها يستحق الشفعة من وقت العقد إلى وقت التملك شرط للأخذ بالشفعة، علم أنه إنما يملك إما بالقضاء، أو بالرضى، وهو حكم الحاكم، أو تسليم المشتري.","vol":"4","page":24},{"text":"[١٠٤٣] ثم أن صاحب الكتاب يعلم وجه القضاء أنه كيف يقضي القاضي إذا اختصم إليه في دعوى الشفعة فقال:\nإذا قدم رجل رجلا إلى القاضي فقال:\nإن هذا اشترى [دارًا] وأنا شفيعها، فإنه ينبغي للقاضي أن يسأله قبل أن يسأل المدعي عليه: أين هذه الدار؟ وفي أي بلدة؟ ويقول له: صف موضعها وحدودها.\nفيحتاج المدعي إلى أن يبين بلدها ومحلتها وحدودها؛ لأنه يدعي حقًا فيها، فصار بمنزلة ما لو [يدعي] رقبتها، يحتاج إلى أن يبين بلدها، ومحلتها، وحدودها. فكذا إذا ادعى حقًا فيها.\nفإذا بين المدعي ذلك سأله القاضي وقال: بأي شيء شفيعها أنت؟\nلأن الأسباب التي بها يصيير شفيعًا تختلف والشفعة ببعض الأسباب مقدمة على البعض، فيحتاج القاضي إلى أن يعرفها.","vol":"4","page":25},{"text":"فإن قال المدعي: بدار لي تلاصقها، فالآن تمت دعواه، فيقبل القاضي على المدعي عليه ويقول: ما تقول في ما ادعى عليك؟\nفإن قال: ما لهذا قبلي شفعة هذه الدار التي حدودها [كذا وكذا]، فهذا جواب صحيح.\nفإذا صح الجواب أقبل على المدعي وقال: قد أنكر ما ادعيت.\nفإن قال المدعي: حلفه لي، استحلفه القاضي.\nلأن المدعي يدعي عليه شيئًا لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يستحلف.\nثم كيف يستحلفه؟\nقال في الكتاب:\nيستحلف: بالله ما لهذا قبلك شفعة هذه الدار التي وصف وحدد.","vol":"4","page":26},{"text":"لأن الاستحلاف إنما يكون على وفق انكار المنكر.\nفإن حلف، فلا شيء له، إلا أن يأتي المدعي بالبينة، وإن نكل لزمته الشفعة.\n\n[١٠٤٤] قال:\nفإن قال المدعي عليه: قد اشتريت هذه الدار التي سمى وحدد، لكن الدار التي في يد هذا المدعي ليست له، وما له قبلي شفعة، فالقاضي يأمر المدعي أن يقيم البينة أن الدار التي في يديه له.\nلأن الجوار بسبب ملك الرقبة سبب استحقاق الشفعة. والجوار سبب الإجارة والإعارة لا. واليد محتملة، والمحتمل لا يكون حجة.\nفإن أقام البينة على ذلك استحق الشفعة.\nوإن لم يقيم وقال للقاضي: إن المشتري يعلم أنها فحلفه على ذلك، حلف المشتري.\n[لأن الشفيع ادعى عليه شيئًا لو أقر به لزمه فإذا انكر حلف.","vol":"4","page":27},{"text":"ثم كيف يحلف؟\nقال صاحب الكتاب:\nاحلف المشتري بالله ما يعلم أن الدار التي في يدي هذا المدعي التي بجنب هذه الدار التي اشتريت له.\nلأنه استحلاف على ما ليس في يدي انسان. والاستحلاف على ما ليس في يدي انسان يكون على العلم.\nفإن حلف فلا سبيل [له] عليه، إلا أن يقيم البينة أنها له.\nوإن نكل لزمته الشفعة.\n\n[١٠٤٥] قال:\nفإن قال المشتري: قد اشتريت هذه الدار منذ سنة، وقد علم الشفيع بشرائي، ولم يطلب، فاسأله عن ذلك، فإن القاضي يسأل المدعي عنه: متى اشترى هذه الدار؟","vol":"4","page":28},{"text":"فإن قال الشفيع: [قد] طلبت الشفعة حين علمت، فإن القاضي يكتفي منه بهذا المقدار؛ لأنه لا يمكنه أن يقول اشتراها منذ سنة، لأنه يحتاج إلى الإثبات، فهذا الرجل ممن يتحرز، حتى لا يحتاج إلى اثباب شيء.\nفإن قال المشتري: ما طلبت حين علمت، كان القول قول الشفيع.\nفرق بين هذا وبين ما إذا قال الشفيع: علمت منذ كذا، وطلبت، وقال المشتري: ما طلبت، كان القول قول المشتري.\nوالفرق بينهما: أنه إذا قال: طلبت حين علمت فعلمه عند القاضي ظهر للحال، وقد وجد منه الطلب للحال، فكان القول قوله.\nأما إذا قال: علمت منذ كذا فعلمه بالشراء منذ كذا ثبت عند القاضي بإقراره، وطلبه منذ كذا لم يظهر فيحتاج إلى الإثبات.\nونظير هذا البكر إذا زوجت، فبلغها [النكاح] فردت، فاختصما إلى القاضي، فقال الزوج: أنها سكتت.","vol":"4","page":29},{"text":"وقالت هي: رددت، فإن ابهمت وقالت: رددت حين علمت، فالقول قولها، وإن قالت: علمت يوم كذا، ورددت، فالقول قول الزوج.\nهذا إذا لم يصدق الشفيع المشتري.\nأما إذا صدق، فقال: نعم اشتراها منذ سنة، وقال: قد طلبت الشفعة، وأشهدت على شفعتي، لكن لم يكن في البلد قاض، فهذا على وجهين:\nأما إن عرف أنه لم يكن في البلد قاض كما قال.\nأو عرف أنه كان في البلد قاض، وليس الأمر كما قال.\nففي الوجه الأول القاضي يعذره؛ لأنه لا يتمكن من الخصومة إلا عند القاضي، وترك الخصومة عند عدم الإمكان لا يكون مبطلًا لحقه، فينبغي للقاضي أن يسأل المشتري: في أي يوم اشتريت، وأي شهر من السنة؟\nفإذا سمى ذلك قال للشفيع: قد سمعت الوقت، فهو على ما قال.","vol":"4","page":30},{"text":"فإن قال: نعم قال له: متى علمت؟\nأن قال في ذلك اليوم ساعة اشترى كنت حاضرًا للشراء، فاشهدت على شفعتي، وطلبت الشفعة، فإنه يكلف الشفيع أن يأتي بالبينة أنه اشهد على شفعته وطلبها.\nفإن جاء بهم شهدوا على ما ادعى سألهم القاضي: أين اشهدكم على هذا؟\nلأنه إن كان أشهدهم على شفعته في بيته، أو في موضع آخر، ولم يأت المشنري ولا البائع ولا الدار بطلت الشفعة، إلا أن يكون غائبًا فيشهد على شفعته، حيث هو، ثم يتوجه فيطلب، أو يوكل من يطلب له ذلك.\nوفي الوجه الثاني: القاضي هل يعذره في ذلك أو يبطل شفعته؟\nبين اصحابنا اختلاف سيأتي بعد هذا.\nهذا إذا كان اشهاد الشفيع في وقت الشراء.","vol":"4","page":31},{"text":"وإن كان بين الوقت الذي أشهد فيه الشفيع على شفعته وبين وقت الشراء وقت من الأوقات، فعليه اليمين أنه لم يعلم الشراء قبل هذا الوقت الذي أشهد فيه على شفعته.\nفإن حلف ثبتت شفعته.\nفإن اتفقنا على الثمن دفعه، وقضى له القاضي بالدار.\nفإن اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري مع يمينه.\nلأن الشفيع يدعي عليه استحقاق الشفعة بالأقل، وخصمه ينكر.\nفإن أقاما البينة على ما ادعيا، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: البينة بينة الشفيع.\nوقال أبو يوسف ﵀: البينة بينة المشتري.\nوصاحب الكتاب ذكر [قول] محمد مع أبي يوسف، وقول محمد مع أبي حنيفة في هذه المسألة منصوص عليه في كتاب لشفعة.\nأما قوله مع أبي يوسف ففي مسائل أخرى منها:\nإذا هدم المشتري البناء فأراد الشفيع أن يأخذ العرصة بحصتها من الثمن، والمشتري مع الشفيع اختلفا في مقدار","vol":"4","page":32},{"text":"الثمن، وأقاما البينة، فعند أبي حنيفة ﵀: البينة بينة الشفيع، وعندهما: البينة بينة المشتري.\nوأما في هذه المسألة فقوله محمد مع أبي حنيفة، فكان هذا وهما وقع من صاحب الكتاب، أو كان عن محمد روايتان.\nوحق المسألة كتاب الشفعة.\n\n[١٠٤٦] قال:\nوإن قال الشفيع للقاضي: إن المشتري يقول أنه اشتراها منذ سنة، ولم أعلم بها إلا منذ خمسة أيام، وذلك الوقت لم يمكنني فيه التقدم إلى القاضي، فالقاضي يكلفه أن يقيم البينة على الشهادة على شفعته، وأنه قد طلبها على ذلك لما قلنا.\nفإذا ثبت ذلك حلفه القاضي: بالله ما علمت بشراء فلان هذه الدار قبل هذا الوقت الذي أشهدت فيه هؤلاء الشهود","vol":"4","page":33},{"text":"على شفعتك فيها، وعلى طلبك إياها.\nفبعد ذلك المسألة على وجهين:\nأما أن نكل عن اليمين.\nأو حلف.\nففي الوجه الأول: لا حق له فيها.\nوفي الوجه الثاني: المسألة على وجهين: -\nأما إن لم يمكنه التقدم إلى القاضي منذ أشهد، وعلم إلى يومه.\nأو أمكنه لكن فرط في الطلب.\nففي الوجه الأول: له الشفعة.\nوفي الوجه الثاني: كذلك في قول أبي حنيفة.\nوقال محمد: إذا أشهد على طلبه ثم لم يخاصم عند القاضي مع الإمكان حتى مضي شهر بطلت شفعته.\nوعن أبي يوسف روايتان:\nفي رواية: قال: إن لم يخاصم إلى المجلس الثاني بطلت شفعته.","vol":"4","page":34},{"text":"وفي رواية: ثلاثة أيام.\nوحق المسألة كتاب الشفعة.\n\n[١٠٤٧] قال:\nوأن قال الشفيع: قد كنت أشهدت على شفعتي، وعلى طلبها منذ علمت بشرائه منذ خمسة أيام فمات شهودي، أو غابوا، أو قال: لم أجد قومًا أشهدهم على شفعتي، إلا أنى جئت إلى المشتري وطلبتها منه، وسألته أن يدفعها إلى فلم يدفع، فاعلمته أني على شفعتي، وأنكر المشتري ذلك، فطلب الشفيع من القاضي أن يستحلفه على ذلك، فالقاضي يستحلفه.\nثم كيف يستحلفه؟\nذكر في الكتاب: أنه يستحلفه في الوجه الأول: بالله ما يعلم أنه أشهد على شفعته بهذه الدار التي اشتريت، في الوقت الذي ذكر في يوم كذا.\nلأنه يستحلف على أمر قد جرى بين المشتري وبين غيره، فيستحلف على العلم.","vol":"4","page":35},{"text":"وفي الوجه الثاني: يستحلف البتة: بالله ما طلب لهذه الدار التي اشتريت شفعة فيها في يوم كذا، ولا سألك دفعها إليه بشفعته.\nلأنه يستحلف على أمر جرى بين المشتري وبينه، وللقاضي فيه خيار على ما تبين.\nفبعد هذه المسألة على وجهين:\nأما إن حلف.\nأو نكل.\nفإن حلف لم يثبت الطلب، ولا تثبت الشفعة إلا أن يقيم البينة على الشهادة على الشفعة في ذلك الوقت.\nوإن نكل ثبت الطلب في الوقت الذي يدعيه المشتري، فإن كان المشتري اشترى قبل ذلك الوقت حلف الشفيع: بالله ما علم بشرائه قبل هذا الوقت الذي أشهد فيه وطلب.","vol":"4","page":36},{"text":"ثم القاضي في تحليف المشتري بالخيار: إن شاء طول كما قلنا، وإن شاء أوجز، وحلفه: بالله ما له قبلك شفعة هذه الدار.\nفالرأي للقاضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>[خيار الثمن في الشفعة]</span>\n[١٠٤٨] قال:\nوإذا ثبتت الشفعة للشفيع، ولم يكن علم بالثمن، ثم علم بعد ذلك، فهو بالخيار، إن شاء أخذ الدار بذلك، وإن شاء ترك.\nلأن رضاه بالأخذ إنما يتم إذا علم بالثمن؛ لأن الإنسان قد يرغب في الأخذ إذا كان الثمن قليلًا، ولا يرغب إذا كان كثيرًا.\nوإن شاء أخذ الدار بالشفعة، قال له القاضي ادفع الثمن وخذ الدار.\nلأن الشفيع مع المشتري بمنزلة المشتري مع البائع، والمشتري ما لم يدفع الثمن إلى البائع لا بأخذ الدار المبيعة، كذا ههنا.","vol":"4","page":37},{"text":"[١٠٤٩] قال:\nفإن قال: حتى أحتال للثمن، واضطرب، لم يكن له ذلك.\nلما قلنا.\nوإن قال: إن الثمن في المنزل، اذهب فأجيء به، أو عند الصيرفي، فله ذلك.\nلأن الإنسان لا يمكنه أن يحضر الثمن مع نفسه في مجلس الخصومة، فإنه لا يدري أيقضى القاضي له بالشفعة أم لا، فلا يمكنه أن يحضر الثمن مع نفسه، فيكون هذا القدر عذرًا.\n\n[١٠٥٠] قال:\nوليس يؤخر الشفيع إلا مقدار هذا الذي ذكرنا ونحوه، ويقول [المشتري]: أشهد عليك أنك إن لم تجيء بالثمن إلى الوقت الذي أخرتك بطلت شفعتك.\nفإن لم يجيء بطلت شفعته.\nفرق بين هذا وبين المشتري مع البائع، فإن للبائع حق لحبس إلى أن يستوفي الثمن، فلو أن المشتري اضطرب وماطل في إيفاء الثمن فإن الشراء لا يبطل.","vol":"4","page":38},{"text":"والفرق أن البائع هو الذي أضر بنفسه، حيث أوجب البيع له، وههنا المشتري ما أوجب البيع للشفيع، وإنما ثبت له الحق دفعًا للضرر عنه، فيثبت على وجه لا يضر بغيره.\nولو قلنا بأنه لا يبطل حقه في الشفعه، فهذا يؤدي إلى الإضرار بالمشتري.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>[الخصم في دعوى الشفعة]</span>\n[١٠٥١] قال:\nوإن أحضر الشفيع البائع والدار في يده لم يدفعها إلى المشتري، والمشتري غائب، لم يكن بينه وبين البائع خصومة.\nلأن الملك للمشتري، والمشتري غائب، ولا يجوز استحقاق الملك على انسان إلا بمحضر منه.\n\n[١٠٥٢] قال:","vol":"4","page":39},{"text":"وكذلك إن حضر المشتري والدار في يد البائع، وهو غائب، فلا خصومة بينهما.\nلأن الشفيع كما يستحق الملك يستحق اليد، والملك إن كان للمشتري، فاليد للبائع، وكما لا يجوز استحقاق الملك على إنسان إلا بمحضر منه، لا يجوز استحقاق اليد على إنسان إلا بمحضر منه، فلا يملك الأخذ إلا بمحضر منهما جميعًا.\n\n[١٠٥٣] قال:\nوإن كان المشتري قد قبض الدار فهو خصم.\nلأن اليد والملك له.\n\n[١٠٥٤] قال:\nوإن اشترى رجل دارًا لرجل بأمره فهو الخصم للشفيع في شفعتها ما دامت في يده.\nلأن حق الشفعة عند العقد، والعاقد هو، ألا ترى أن العهدة عليه وله.","vol":"4","page":40},{"text":"وإذا وجد به عيبا رده بالعيب، ولا يسترضي المشتري، فإذا سلمها إلى الآمر، فالخصم فيها هو الآمر.\nلأنه لما سلمها إلى الآمر صارت اليد للآمر، فصار الخصم هو الآمر، ألا ترى أنه لو وجد بها عيبًا، كان حق الخصومة للآمر كذا هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-309>[مكان طلب الشفعة]</span>\n[١٠٥٥] قال:\nوإذا اشترى الرجل من الرجل دارا، وهما بالسواد والدار بالكوفة، فطلب الشفيع الشفعة بالسواد، فهذه المسألة على وجهين:\nأما إن لم يقبض المشتري الدار من البائع أو قبض.\nففي الوجه الأول للشفيع أن يطلب الشفعة عند البائع، أو عند المشتري، أو عند الدار، أي ذلك أقرب إليه يطلب عنده، ويشهد عليه.\nفإن ترك الأقرب وذهب إلى الأبعد، فهذا غلى ثلاثة أوجه.","vol":"4","page":41},{"text":"أما إن كان الأبعد في المصر وهو خارج المصر.\nأو الأبعد خارج المصر وهو في المصر.\nأو كانوا في المصر.\nففي [الوجه] الأول [لم تبطل].\nو[في] الثاني [قال] بططلت شفعته.\nوفي الوجه الثالث فيه قياس واستحسان:\nالقياس: تبطل شفعته.\nوفي الاستحسان: لا تبطل.\nلأن جوانب المصر كجانب واحد؛ ألا ترى أن بيان مكان الإيفاء شرط لجواز السلم، وإذا ذكر المصر ولم يذكر الموضع الذي يوجد فيه فعل التسليم يكفي كذلك ههنا، إلا أن يختار على الأقرب ويذهب إلى الأبعد الآن فتبطل؛ لأنه حين وصل إلى الأقرب قدر على الطلب، فإذا لم يطلب فقد ترك الطلب.","vol":"4","page":42},{"text":"وأما في الوجه الثاني، وهو ما إذا قبض المشتري فإنما يطلب الشفعة عند لمشتري أو عند الدار، أيهما كان أقرب، يطلب عنده. وإذا ترك الأقرب، فهو على ما قلنا، ولا يطلب عند البائع، ولو طلب بطلت شفعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>[تسليم الشفعة]</span>\n[١٠٥٦] قال:\nوإن سلم الشفيع الشفعة قبل أن يجب البيع، فليس هذا بتسليم.\nلأنه أسقط قبل الوجوب، وقبل وجود سبب الوجوب.\nلأن الجوار إنما يعتبر سببا عند البيع.\nوإن سلم بعد ما أوجب البيع وهو لا يعلم بالشراء فهو تسليم.\nلأن هذا اسقاط الحق فلا يشترط للصحة العلم كسا الاسقاطات.","vol":"4","page":43},{"text":"[١٠٥٧] قال:\nوإن قال للبائع: قد سلمت لك شفعة هذه الدار التي بعت أو قال [المشتري] قد سلمت لك الشفعة في هذه الدار، وقد كان المشتري اشتراها لغيره، أو قال: سلمت شفعتها لمن اشتراها له، فهذا كله تسليم للشفعة، ولا شفعة له.\nلأن هذا الكلام للتعليل، يعني أسقطت حقي في الشفعة لاحترامك، أو لحقك، واسقاط حقه في الشفعة [صحيح] سواء بين الداعي إلى الاسقاط أو لم يبين.\nفرق بين هذه المسائل وبين ما إذا قال لأجنبي: سلمت [لك] شفعة هذه الدار، فإنه لا يصح التسليم.","vol":"4","page":44},{"text":"والفرق أن الأجنبي بمعزل عن هذا العقد، فلا يكون التسليم لاحترامه وحقه، فلا تكون اللام للتعليل، فتبقى اللام للتمليك، يعني: ملكت لك شفعة هذه الدار منك، وحق الشفعة ليس بحق يحتمل التمليك، ولا كذلك ما تقدم.\nثم فرق بين هذا وبين ما إن اتقدم إليه الأجنبي، وتشفع إليه، فقال الشفيع: سلمت شفعة هذه الدار إليك، حيث يصح التسليم.\nلأن هذه المقدمة دليل على أنه أسقط الشفعة لاحترامه وحقه فكانت اللام للتعليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>[ألفاظ تسليم الشفعة]</span>\n[١٠٥٨] ثم لتسليم الشفعة ألفظ ذكرها صاحب الكتاب: منها: سلمتها لك، ومنها تركتها لك، ومنها صفحت عنها لك، فهذا كله ألفاظ التسليم.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>[الصلح على المال في الشفعة]</span>\n[١٠٥٩] قال:\nولو أن رجلا أجنبيا صالح عن شفعته في هذه الدار على مال، كان ذلك تسليمًا للشفعة، ولم يكن له من المال شيء.","vol":"4","page":45},{"text":"لأن حق الشفعة ليس بحق متقوم فيصح الاعتياض عنه، لكن لفظ الصلح استعمل في الاسقاط، والاسقاط يصح ببدل وبغير بدل.\nفرق بين الصلح مع الأجنبي، وبين ما إذا قال للأجنبي: سلمتها لك، حيث لا يكون تسليمًا.\nوالفرق: أن هذا اللفظ يستعمل للتمليك، والمحل الذي أضيف إليه هذا اللفظ لا يحتمل التمليك مطلقًا [فلغا] أما لفظة الصلح فتستعمل للاسقاط، والمحل الذي أضيف إليه اللفظ يحتمل الاسقاط.\n\n[١٠٦٠] قال:\nولو أن الأجنبي قال له: اصالحك من شفعتك على هذا المال، على أن تكون الشفعة لي، لم يصح هذا الصلح، ولم يكن هذا ابطالًا للشفعة","vol":"4","page":46},{"text":"فرق بين هذا وبين ما إذا صالح ولم يقل على أن تكون الشفعة لي.\nوالفرق أن ههنا لما نص على قوله: أن الشفعة لي تبين أن قصدهما من لفظ الصلح ليس هو الاسقاط بل هو التمليك والتملك. وحق الشفعة لا يحتمل التمليك والتملك، فيلغو الصلح، ولا يصح الإبطال، كما لو قال للأجنبي ابتداء: قد سلمتها [لك]، ولا كذلك ما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>[الشفعة بين البائع والمشتري]\n[وضمان الدرك في الشفعة]</span>\n[١٠٦١] ثم ما بعد هذا من المسائل ينبني على حرفين:\nاحدهما: أن من باع أو بيع له فلا شفعة له، ومن اشترى أو اشترى له فله الشفعة.\nلأن البائع بإيجابه البيع رغب عن هذه الدار فكان ذلك إبطالًا لحقه في الأخذ.\nفأما المشتري فبالشراء رغب في أخذها، فلا يكون إبطالًا لحقه.","vol":"4","page":47},{"text":"والثاني: أن اشتراط ضمان الدرك لا يجوز، إلا أن يكون الكفيل معينًا حاضرًا في المجلس فيقبل، فحينئذ يجوز.\nإذا ثبت هذان الحرفان فنقول:\nلو أن المشتري اشترى دارًا على أن يضمن له الشفيع عن البائع الدرك في هذه الدار، وعلى أن يضمن للبائع عن المشتري الثمن وهو حاضر، فقبل، فهذا تسليم منه للشفعة.\nلأن البيع إنما يتم بضمان الشفيع، فصار كما لو تم بإيجابه، ولو تم بإيجابه بأن كان وكيلًا بالبيع لم يكن له الشفعة، فكذا إذا تم بضمانه.\n\n[١٠٦٢] قال\nوكذلك لو أن البائع باع الدار على أن الشفيع بالخيار","vol":"4","page":48},{"text":"فيها ثلاثة أيام، فامضى البيع الشفيع بإجازته قبل مضي الثلاثة، لم تكن له شفعة.\nإذا تم بضمانه.\n\n[١٠٦٣] قال:\nولو كان المشتري اشتراها على أن الشفيع فيها بالخيار ثلاثة أيام، فاسقط الشفيع الخيار قبل مضي ثلاثة أيام كان له الشفعة.\nلأن الشراء تم بإسقاط الخيار، فصار كما لو تم بقبوله بأن كان وكيلًا بالشراء.\n\n[١٠٦٤] قال:\nولو أن رجلًا باع دارا لرجل بأمره وهو شفيعها، لم يكن له أن يأخذها بالشفعة.\nلأنه بائع، وكل من باع أو بيع له فلا شفعة له.\nولو أمره بأن يشتري له دارًا وهو شفيعها فاشتراها للآمر فله شفعتها.","vol":"4","page":49},{"text":"لأنه هو المشتري، وكل من اشترى أو اشترى له فله الشفعة.\n\n[١٠٦٥] قال:\nوإن باع الرجل دارا على أنه الخيار، ثلاثة أيام، فلا شفعة للشفيع فيها.\nلأن وجوب الشفعة يعتمد زوال ملك البائع، والخيار في جانب البائع يمنع زوال ملكه، وإنما يأخذ بالشفعة عند اسقاط الخيار وإجازة البيع، لكن يشترط الطلب والإشهاد عند البيع، إذا علم بذلك حتى لو لم يطلب ولم يشهد عند البيع ثم أجاز البيع، وطلب الشفيع الشفعة، واشهد على ذلك عند الإجازة فلا شفعة له في ظاهر الرواية.\nوقال بعض العلماء: إنما يشترط الطلب والإشهاد عند جواز البيع، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀.","vol":"4","page":50},{"text":"وجه تلك الرواية: أن الطلب إنما يشترط عند امكان الأخذ، وهو غير ممكن من الأخذ عند البيع، فلا يشترط الطلب وقت البيع.\nوجه ظاهر الرواية وهو أن حق الشفعة إنما يثبت عند البيع، وقد انعقد البيع، فيشترط الطلب عنده وإن لم يكن ممكنا من الأخذ، كالجار مع الشريك، فإن الجار غير ممكن من الأخذ مع الشريك، ومع ذلك يشترط الطلب من الجار، حتى إذا لم يطلب، وسلم الشريك الشفعة لا يثبت للجار الأخذ بالشفعة.\nفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا باع داره غيره بغير أمره حتى توقف على إجازة المالك، فأراد الشفيع أن يطلب الشفعة، فإنما يطلب عند الإجازة من المالك.","vol":"4","page":51},{"text":"والفرق: أن البيع بشرط الخيار عقد تام، ألا ترى أنه يعمل من غير إجازة أحد، فإذا تم العقد جاء أو أن ثبوت الحق، فيشترط الطلب، فأما بيع الفضولي فليس بعقد تام، ألا ترى أنه لا يعمل من غير إجازة فلم يوجد أو أن ثبوت الحق، فلا يشترط الطلب.\n\n[١٠٦٦] وإذا اشترى الرجل دارا على أنه بالخيار فإنه تجب للشفيع الشفعة.\nلأن خيار المشتري لا يمنع زوال ملك البائع.\n\n[١٠٦٧] قال:\nوإذا اشترى الرجل دارا شراء فاسدا فلا شفعة فيها.\nلأن البائع مجبر على نقض هذا البيع، وذلك ينافي ثبوت حق الشفعة؛ لأن ذلك يوجب التقرير.\n\n[١٠٦٨] قال:\nوإذا أخذ الشفيع الدار من البائع فعهدته عليه، وإن أخذها م المشتري فعهدته على المشتري.","vol":"4","page":52},{"text":"وحق المسألة كتب الشفعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-314>[خيار الرؤية وخيار العيب في الشفعة]</span>\n[١٠٦٩] قال:\nوللشفيع في الدار خيار الرؤية مثل خيار المشتري له، وله أن يردها بالعيب أن كان فيها ذلك كما يكون للمتشري [خيار].\nلأن الشفيع من المشتري ينزل منزلة المشتري من: البائع، فكما يثبت للمشتري خيار الرؤية وخيار العيب فكذلك يثبت للشفيع.\n\n[١٠٧٠] قال:\nوإن كان المشتري اشتراها على أن البائع بريء من عيوبها إذا كان بها عيوب قد رآها المشتري فاشتراها وهو [عالم] بها فإن الشفيع لا يلزمه رضا المشتري ولا ابراؤه، وله أن يردها بالعيب إن كان فيها.\nلأن خيار العيب كان ثباتًا للمشتري وللشفيع، والمشتري أسقط حق نفسه، فلا يسقط حق الشفيع بإسقاط المشتري.","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>[الاستحقاق في الشفعة]</span>\n[١٠٧١] قال:\nفان أخذ الشفيع بشفعته، فبني بها بناء، ثم استحق، رجع بالثمن على من كان دفعه إليه، ولم يرجع بقيمة البناء.\nوفي هذا الفصل فرق بين الشفيع والمشتري؛ فإن المشتري إذا بني في الدار المبيعة ثم استحقت رجع على البائع بقيمة البناء.\nوالفرق: أن المشتري صار مغرورًا، فإن البائع لما أوجب البيع له في الدار صار غار أياه والمغرور يرجع على الغار بما يلحقه من الضمان والخسران.\nأما ههنا [فان] الشفيع ما صار مغرورًا من جهة المشتري؛ لأنه تملك الدار عليه على كره منه فلا يرجع بقيمة البناء عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-316>[الوكالة في الشفعة]</span>\n[١٠٧٢] قال:","vol":"4","page":54},{"text":"فان وكل الشفيع وكيلًا في أخذ الشفعة له من المشتري، فوكالته جائزة.\nلأن الأخذ بالشفعة يتضمن الشراء والخصومة، والتوكيل بهما جائز.\nفإن قال المشتري بعد أن ثبتت الشفعة: أنا أريد يمين الشفيع، أنه لم يسلم الشفعة، قيل له سلم الدار إلى الوكيل واتبع الموكل، واستحلفه، فكذا هذا في التوكيل بقبض الدين إذا أدعي المديون الإبراء على الموكل، فإنه يؤمر بدفع الدين إلى الوكيل، ثم يتبع الموكل ويستحلفه على ذلك.\nوقد مر من هذا فيما تقدم.\nوذكرنا تمامه في الجامع الصغير.\n\n[١٠٧٣] قال:\nوكذلك أن أراد استحلافه على أنه لم يفرط في الشفعة، وأنه لم يعلم قبل الوقت الذي أشهد فيه على شفعته، ووكل يطلبها على ما وصفت لك.\nوالله تعالي أعلم بالصواب.","vol":"4","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>الباب السادس والسبعون (في الخصمين يحكمان بينهما حكمًا)</span>\n<span data-type='title' id=toc-318>[جواز التحكيم]</span>\n[١٠٧٤] ذكر عن الشعبي أنه قال:\nإذا رضي الخصمان بقول رجل جاز عليهما ما قال.","vol":"4","page":57},{"text":"في الحديث دليل [علي] جواز التحكيم، وأنه ورد موافقًا لكتاب الله؛ قال الله تعالي:\n(وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ..) الآية (٤).\nأراد به: أن يحكم الزوجان حكمًا لاختيار المقام أو لاختيار الفرقة، فلما جاز التحكيم في حق الزوجين دل ذلك على جوار التحكيم في ساتر الخصومات والدعاوي.\n\n[١٠٧٥] وقد ذكر صاحب الكتاب آثارًا عن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم والتابعين، منهم عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو عبيدة، وعبد الله بن","vol":"4","page":58},{"text":"عتبة ﵃ كلها تدل على جواز التحكيم\n\n<span data-type='title' id=toc-319>[الخروج من التحكيم والفرق بينه وبين القضاء]:</span>\n[١٠٧٦] قال:\nوإذا حكم الرجلان بينهما حكمًا فلكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك، ويخرج المحكم مما كانا جعلا إليه من أمرهما، ما لم يمض الحكم عليهما.\nلأن المحكم في حقهما بمنزلة القاضي المولي في حق السلطان، والسلطان لو زعل الفاضي المولي قبل الحكم صح، فكذا هذا.\nفإن قيل: التحكيم إنما ثبت باتفاقهما، فينبغي أن لا يصح الإخراج إلا باتفاقهما.","vol":"4","page":59},{"text":"قيل له: يجوز أن لا يثبت العقد إلا باتفاقهما، ثم ينفرد أحدهما بالإبطال؛ كما في المضاربة، والشركة.\nوهذا، لأنه لم يرض أحدهما بهذا التحكيم، ولو لم يرض في الابتداء لا يصح التحكيم، فإذا لم يرض بعد ذلك لا يبقي التحكيم، فإذا أمضي الحكم عليهما، فليس لواحد منهما أن يرجع عن ذلك؛ لأن السلطان لو عزل القاضي المولي بعد ما قضي لا يبطل ذلك القضاء، فكذا في حكم المحكم في حقهما، لكن ينبغي للقاضي إذا رفع إليه حكم هذا المحكم أن ينظر فيه:\nفإن كان موافقًا لرأيه وللحق عنده أمضاه.\nوإن كان مخالفًا لرأيه وللحق عنده رده.\nفرق بين هذا وبين ما إذا رفع إلى القاضي قضية قاض خر فإنه لا يرده، وإن كان مخالفًا لرأيه، إذا كان ذلك في فصل مجتهد فيه.\nوالفرق: أن الحاكم المحكم له ولاية على المحكمين، وليس له ولاية على غيرهما، والقاضي الذي رفع إليه حكمها:","vol":"4","page":60},{"text":"غيرهما، فلا يكون حجة عليه، فكان بمنزلة الصلح في حقه، فكان له أن يرده، إذا كان مخالفًا لرأيه ويمضيه إذا كان موافقًا [لرأيه].\nفأما القاضي فله ولاية على الناس كافة، فكان قضاؤه حجة في حق الكل، فلا يكون لهذا القاضي أن يرده إذا كان صادف القضاء محله، وهو الفصل المجتهد فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-320>[تحكيم من لا تجوز شهادته]</span>\n[١٠٧٧]\nولو حكمًا بينهما من لا تجوز شهادته؛ مثل المكاتب، والعبد، والأعمي، والمحدود في قذف، والذمي، فحكم بينهما، فإن ذلك لا يجوز.\nلأن المحكم في حق المحكمين بمنزلة القاضي المولي، وهؤلاء لا ينفذ قضاؤهم، بل يتوقف إذا كان مولي من جهة السلطان، فكذلك إذا كان محكمًا بينهما لا ينفذ، بل يتوقف.\nوالجامع بينهما: أن القضاء ينبني على الولاية، وهؤلاء ليس لهم ولاية الشهادة، فأولى أن لا تكون لهم ولاية القضاة.","vol":"4","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>[تحكيم حكمين وامتناع أحدهما عن الحكم]</span>\n[١٠٧٨] قال:\nولو حكما رجلين، فحكم أحدهما، ولم يحكم الآخر، لم يجز ذلك حتى يحكما جميعًا.\nلأن الحكومة أمر يحتاج فيه إلى الرأي وهما رضيًا برأيهما، والرضا برأي المثني فيما يحتاج فيه إلى الرأي لا يكون رضا برأي الواحد؛ كما في البيع، ونحوه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-322>[الإشهاد على حكم المحكم]</span>\n[١٠٧٩] قال:\nوأن حكمًا بنيهما رجلًا فحكم بينهما، بحكم، ولم يشهد على ذلك في المجلس الذي حكم فيه، فإنه لا يصدق على ذلك، أن قال: حكمت بكذا وكذا [و] لا ينفذ عليهما.\nلأنه أقر بشيء لا يملك انشاءه، فلا يصح إقراره؛ كالقاضي المعزول إذا قال: قد قضيت عليك بكذا وكذا.","vol":"4","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-323>[التحكيم في الحدود والقصاص]</span>\n[١٠٨٠] قال:\nولو أن رجلين حكما بينهما رجلًا في حد أو قصاص، فحكم بينهما لم يجز ذلك.\nومن أصحابنا من قال: إنما لا يجوز هذا في الحدود الواجبة لله تعالي، أما في القذف والقصاص [فانه] يجوز.\nلكن صاحب الكتاب أطلق الحد، ونص على القصاص وهو الصحيح.\nلأن حكم المحكم بمنزله الصلح، فكل ما يجوز استحقاقه بالصلح يجوز التحكيم فيه، وما لا فلا، وحد القذف والقصاص لا يجوز استيفاؤهما بالصلح، وبعقد ما، فلا يجوز التحكيم فيهما.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀، تخصيص صاحب الكتاب الحدود والقصاص دليل على أن فيما سوي ذلك ينفذ حكم الحاكم المحكم في المجتهدات، نحو الكنايات","vol":"4","page":63},{"text":"[في الطلاق]، والطلاق المضاف، وهو الظاهر عند أصحابنا، وإليه أشار بعد هذا، وهو الصحيح، لكن مشايخنا امتنعوا عن هذا في الفتوى وقالوا: يحتاج إلى حكم الحاكم كما في الحدود والقصاص كيلًا يتجاسر العوام فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>[التحكيم في الدم الخطأ]</span>\n[١٠٨١] قال:\nوإن حكما في دم خطأ، فحكم على العاقلة بالدية لم يجز ذلك.\nلأن العاقلة لم ترض به، وحكم المحكم إنما ينفذ على من رضي بحكمه وهو المحكم.\nوإن قضي بالدية على القاتل لا يجوز.\nلأن هذا الحكم مخالف للشرع، فإن الدية في قتل الخطأ على ناقلة، إلا أن يكون القاتل أقر بالقاتل خطأن فحينئذ يجوز حكمه بالدية عليه.\nلأن ما يجب بالاعتراف لا تتحمله العاقلة، وإنما يجب على المقر، فكان حكمه موافقًا للشرع فينفذ.","vol":"4","page":64},{"text":"وإن قضي على رجل بباء يمين، أو بإقرار، أو ببينة، فذلك جائز.\nلأن هذا الحكم موافق للشرع.\n\n<span data-type='title' id=toc-325>[إنشاء الحكم في التحكيم]</span>\n[١٠٨٢] قال:\nفان قال المحكم بينهما لأحدهما: قد أقررت عندي لهذا بكذا وكذا، أو قا مت عليك عندي بينه لهذا بكذا وكاذن فعدلوا عندي فقد ألزمتك ذلك، وحكمت به لهذا عليك، وأنكر المقضي عليه أن يكون أقر عنده بشيء، أو قامت عليه بينه بشي، لم يلتفت إلى قوله، ويمضي القضاء عليه، ونفذ.\nلأن المحكم يملك إنشاء الحكم عليه بذلك، فيملك الإقرار كالقاضي المولي إذا قال في حال قضائه لإنسان قضيت عليك لهذا بإقرارك، أو ببينة قامت عندي على ذلك، فإن يصدق في ذلك، ولا يلتفت إلى إنكار المقضي عليه، فكذا ههنا، إلا أن يخرج عن الحكم، أو يعزل عنه قيل أن يقول حكمت عليك، ثم قال المحكم بعد ذلك لم يصدق؛ لما قلنا.","vol":"4","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326>[تحكيم الرجلين لأبي أحدهما أو ابنة أو امرأته]</span>\n[١٠٨٣] قال:\nوإن حكما بينهما أبا أحدهما، أو جده، أو ابنة، أو امرأته، وكانت المرأة هي المخاصمة زوجها، فإن حكم علي الابن أو الزوجة أنفذ ذلك القاضي إذا كان موافقًا لرأيه، وإن حكم لابنه، أو لأبيه، أو لامرأته، أبطل ذلك القاضي الذي يختصمون إليه، كان موافقًا للحق عنده، أو مخالفًا.\nلأن شهادته للمقضي له لا تجوز فالحكم أولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-327>[تحكيم الفاسق وقضاؤه]</span>\n[١٠٨٤] قال:\nفان حكمًا فاسقًا لم يجز حكمه عليهما.\nهذا رأي صاحب الكتاب على ما مر في صدر الكتاب؛ أن الفاسق عنده ليس من أهل القضاء، والقاضي إذا فسق ينعزل بنفس الفسق، فصار بمنزلة الأعمى والمكاتب والذمي والمحدود في القذف والصبي، فلا يجوز حكمه.\nفأما في ظاهر الرواية فيجوز عند أصحابنا: الفاسق","vol":"4","page":66},{"text":"من أهل القضاء والقاضي إذا فسق يعزل لكن لا ينعزل بنفس الفسق.\nوالأولى أن لا يقلد الفاسق القضاء، وإذا قلد يصير قاضيًا، فكذا هنا الأولى أن لا يحكم الفاسق، [وهو] مع هذا إذا حكما وحكم بينهما نفذ حكمه فيما بينهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>[التحكيم في دعوى الكفالة]</span>\n[١٠٨٥] قال:\nولو أن رجلًا أدعي على رجل ألف درهم، ونازعه في ذلك وأدعي أن فلانًا الغائب ضمنها له عن هذا الرجل، افتراضي هذان برجل يحكم بينهما، والكفيل غائب، فأقام المدعي شاهدين على المال و[علي] الكفالة بأمره، أو بغير أمره، فحكم له المحكم بالمال على المدعي عليه، وبالكفالة عنه، فحكمه جائز على المدعي عليه دون الكفيل.\nلأن المدعي عليه رضي بحكمه، والكفيل لم يرض، فصح التحكيم في حقهما دون الكفيل.\n\n[١٠٨٦] قال:","vol":"4","page":67},{"text":"وكذلك أن حضر الكفيل والمكفول عنه غائب، فتراضي الطالب والكفيل برجل حكم بينهما، فأقام الطالب شاهدين بالمال على المطلوب، وعلى كفالة الكفيل له بذلك بأمر المطلوب، أو بغير أمره، فحكم المحكم بذلك فإن حكمه جائز على الكفيل دون المكفول عنه.\nلما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-329>[تحكيم حكمين واختلافهما في الحكم]</span>\n[١٠٨٧] قال:\nفلو أن رجلين تنازعا في شيء فحكما بينهما رجلين، فاختلف المحكمان في الحكم، فرأي أحدهما في ذلك رأيًا، ورأي الآخر خلافه، فإنه لا يجوز، إلا أن يجتمعا على حكم واحد.\nلأن المحكمين رضيا برأيهما، والرضا برأي المثني لا يكون رضا برأي الواحد.\n\n[١٠٨٨] قال:\nوكذلك رجل قال لامرأته: أنت على حرام، ونوي الطلاق، ولم ينو عددًا فحكما [بينهما] رجلين، فقال أحدهما: قد","vol":"4","page":68},{"text":"حكمت أن ذنبك تطليقه بائنة، وقال الآخر: قد حكمت أنها بائن بثلاث لا تنحل له حتى تنكح زوج غيره، فإنه لا يجوز الحكم في ذلك.\nلأنهما لا يجتمعا على أمر واحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-330>[شهادة الحكمين على الشهادة]</span>\n[١٠٨٩] قال:\nولو أدعي رجل على رجل حقًا، فحكما بينهما رجلين، وأحضر المدعي شاهدين، فشهدا له على حقه عندهما، فحكما له بحقه، أو لم يحكما، ثم مات الشاهدان، أو غابا، فسأل المدعي الحكمين أن يشهدا له على شهادة الشاهدين الذين شهدا عندهما على حقه، فإنه لا ينبغي لهما أن يشهدا على ذلك، وإن شهدا على ذلك وفسرا للقاضي لم تنفذ شهادتهما.\nلأن الإشهاد من الأصول شرط، والشاهدان لم يشهداهما على شهادتهما\".\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>الباب السابع والسبعون (في الإقرار بالمال عند القاضي)</span>\n<span data-type='title' id=toc-332>[الإقرار بالمال عند القاضي]</span>\n[١٠٩٠] ذكر عن حماد والحكم: أنهما [كانا] يقولان: سمعنا أن الحاكم إذا اعترف عنده جاز قوله إلا في الحدود.\nمعناه: أن القاضي يقضي بعلمه إلا في الحدود، فإنه لا يقضي [في الحدود] بعلمه ما لم يوجد نصاب القرار بشرائطه، أو حجية البينة بشرائطها.","vol":"4","page":70},{"text":"[١٠٩١] ذكر عن الشعبي وغيره: أن شريحا كان يقضي في قوم بعلمه.\nوهذا يؤيد الأول، لكن أريد به في ما عدا الحدود، عرف ذلك بالحديث الأول.\n\n[١٠٩٢] ذكر عن عامر أنه قال:\nإذا أقر عند الحاكم بشيء ثم كافر أخذه بإقراره الا في الحدود.","vol":"4","page":71},{"text":"وهذا الحديث يفيد ما أفادته الأحاديث المتقدمة، أن القاضي يقضي بعلمه إلا في الحدود.\nوقوله: كافر، أي جاحد، فان محمدًا ﵀ أورد في المبسوط: لو كان لرجل على رجل دين فكافره .. وهذا لأن قوله كفر معناه ستر، ولهذا سميت المزارعة مكافرة؛ لأن الزارع يستر الحب في الأرض والجاحد يستر الحق بالجحود.\n\n<span data-type='title' id=toc-333>[تدوين الحجج وأول من دونها]</span>\n[١٠٩٣] ذكر عن ابن شبرمة أنه قال:\nأنا أول من أثبت حجج الخصمين، ولا يتركه أحد بعدي أبدًا.\nمعناه إثبات الدعوي في الصحيفة.\nلأن في الابتداء كانوا لا يكتبون المحاضر، لكن المدعي يدعي عن ظهر قلبه، ويجيبه الخصم فيحفظه القاضي،","vol":"4","page":72},{"text":"ويحكم من غير أن يكتب، وكان هذا عسيرًا، فأحدث ابن شبرمة هذا وهو كتُبُه المحاضر والدعوي؛ ليكون أسهل. والقضاة اليوم على هذا، ولم يتركه بعده أحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-334>[اختلاف الشهود]</span>\n[١٠٩٤] ذكر عن الحكم أن رجلين شهدا على رجل بحق عند شريح، فشهد أحدهما بألف والآخر بألف ومائتين فقضي شريح بألف، فقال الرجل، أتقضي علي وقد اختلفا؟ فقال شريح: أنهما قد اجتمعا على الألف.\nوتأويل الحديث أن المدعي كان مدعيًا لأكثر المالين، والشاهدان اتفقا على مدار الألف لفظًا ومعني، لكن زاد","vol":"4","page":73},{"text":"عليه أحد الشاهدين، فما اتفقا عليه ثبت، وما تفرد به أحد الشاهدين لم يثبت.\n\n[١٠٩٥] ذكر عن الشعبي في رجلين شهدا على رجل، فشهد أحدهما أنه طلق امرأته واحدة، وشهد الآخر أنه طلقها أثنتين فلم يجز الشعبي شهادتهما.\nوهذا حجة لأبي حنيفة ﵀ علي أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فإنه يقول: لا تقبل هذه الشهادة كما قال الشعبي، وهما يقولان: تقبل، ويقضي بطلقة.\n[و] ذكر عن حماد أنه قال: إذا اختلف الشهود في الكلام وكان الأصل واحدًا فلا بأس به.\nوبه نأخذ.\n\n<span data-type='title' id=toc-335>[الإقرار أمام القاضي في مجلسين]</span>\n[١٠٩٤] قال أحمد بن عمرو صاحب الكتاب:\nولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي فأدعي عليه ألفا، فأقر","vol":"4","page":74},{"text":"بها عند القاضي، وأثبتها في ديوانه، ثم أعاده إلى القاضي في مجلس آخر بعد ذلك فادعي عليه الفا، فأقر بها، فقال الطالب: قد أقر لي بألفين، وذلك لي عليه، وقال المطلوب: إنما هو مال واحد، فالقول قول المطلوب.\nوهذه من مسائل الإقرار، أوردها ههنا وشوش صاحب الكتاب، فنقول:\nمن أقر لإنسان بألف وأشهد عليه، ثم أقر بألف، وأشهد عليه، فهذا على وجهين:\nأما أن يكون الإقرار مقيدًا بسبب، أو لم يكن مقيدًا بسبب: أما إذا كان مقيدًا بسبب فلما أن يكون السبب متحدًا، أو مختلفًا","vol":"4","page":75},{"text":"أما إذا كان السبب متحدًا؛ بأن أقر بألف درهم من ثمن هذا العبد، وأشهد ع ليه، ثم أقر بألف درهم من ثمن هذا العبد، وأشهد عليه، فإنه يكون مالًا واحدًا [بكل حال].\nلأن السبب واحد، واتحاد السبب يدل على اتحاد الواجب، فكان المال واحدًا.\nوإن كان السبب مختلفًا؛ بأن أقر بألف درهم ثمن هذا العبد، وأشهد عليه، ثم أقر بألف درهم ثمن هذه الجارية، وأشهد عليه، فإنه يكون المال مثني بكل حال.\nلأن السبب اختلف، واختلاف السبب يوجب اختلاف الواجب.\nوكذا على هذا إذا أقر سالف درهم، وكتب في صك، أقر بألف درهم أخرى، وكتب في صك آخر يكون المال مثني.","vol":"4","page":76},{"text":"لأنه ما جري الرسم باتخاذ الوثيقتين بمال واحد، فكان اختلاف الصحكين بمنزلة اختلاف السبب.\nوكذا لو كان الإقرار بالصك، فأقر بما في الصحكين [فانه] يكون المال مثني بكل حال لما بينا.\nوأما إذا لم يكن الإقرار مقيدًا بسبب: بان أقر بألف درهم وأشهد عليه، ثم أقر بألف وأشهد عليه، فهدا على وجهين:\nأما أن يكون الإقرار في موطنين، أو في موطن واحد.\nفإن كان في موطنين: فأما أن أشهد على الإقرار الأول شاهدين، أو شاهدًا واحدًا.\nفإن أشهد شاهدين ثم أشهد على الإقرار الثاني، فأما أن أشهد على الإقرار الثاني الشاهدين اللذين أشهدهما على الإقرار الأول في الموطن الأول، أو غيرهما.\nفعند أبي يوسف ومحمد [رحمها الله] سواء أشهد","vol":"4","page":77},{"text":"الذين [أشهدهما على الإقرار الأول في الموطن الأول] أو غيرهما، فالمال واحد.\nوعند أبي حنيفة [﵀] في ظاهر الرواية: أن أشهد اللذين [أشهدهما] يكون المال واحدًا، إلا أن يقول المطلوب أنه مالان، وأن أشهد غيرهما يكون المال مثني.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب،\nوذكر الجصاص على قلب هذا فقال:","vol":"4","page":78},{"text":"أن أشهد الذين [أشهدهما] يكون المال مثني، وأن أشهد غيرهما يكون المال واحدًا.\nالجصاص يقول: العادة جرت بالاستكثار من الشهود، والاستكثار إنما يكون بغير الشهود الأولين، فمتي أشهد غيرهما كان ذلك محمولًا على الاستكثار والاستيثاق، فيكون هو المال الأول.\nوأما إذا أشهد عينهما فلم يحمل هذا على الاستثكار فكان هذا حجة وإثباتًا مستقبلًا، فيكون إقرار بمال آخر.\nوالخصاف يقول:\nأن أشهد اللذين [أشهدهما] بالمقصود من هذا","vol":"4","page":79},{"text":"الإشهاد التذكير لذلك الإقرار، فيكون هو المال الأول، فأما إذا أشهد غيرهما فالحجة قد تمت على المال الأول، فإذا أشهد غيرهما كان هذا حجة وإثباتا مستقبلًا.\nهذا إذا أشهد على الإقرار الأول في الموطن الأول شاهدين، أما إذا أشهد شاهدًا واحدًا ثم أشهد على الإقرار الثاني في الموطن الثاني شاهدًا واحدًا أو أكثر: فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يكون المال واحدًا، وأما عند أبي حنيفة ﵀ [فقد] ذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: أنه اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة ﵀.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: أن المال واحد بالاتفاق.\nوإلى هذا أشار صاحب الكتاب، فإنه شرط أن يكون على الإقرار الأول إشهاد كامل.\nفرق أبو حنيفة ﵀ بين هذا وبين ما إذا أشهد على الإقرار الأول في الموطن الأول شاهدين.\nوالفرق: أن المقصود من الإشهاد هو الاستيثاق، وإنما يحصل الاستيثاق هنا للمال الأول إذا كان المال الذي أقر","vol":"4","page":80},{"text":"به عند الثاني هو المال الذي أقر به عند الأول، حتى تتم الحجة على المال الأولن فيحصل الاستيثاق، ولا كذلك فيما إذا أشهد على الإقرار الأول في الموطن الأول شاهدين.\nهذا إذا كان الإقرار في موطنين.\nوأما إذا كان الإقرار في موطن واحد، فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يكون المال واحدًا بكل حال.\nو[أما] عند أبي حنيفة إذا أشهد على الإقرار الأول شاهدين ثم أشهد على الإقرار الثاني واحدًا أو أكثر ففيه قياس واستحسان:\nفالقياس على قوله: أن يكون المال مثني.\nواستحسن وقال المال واحد.\nوجه القياس: أن الحجة هو الإقرار دون المجلس، والإقرار اختلف.\nوجه الاستحسان: أن المجلس يجمع الكلام المتفرق، ويجعل الكل كشيء واحد، فصار الإقراران كإقرار واحد، فيكون المال واحدًا.\nوإن جاء بشاهدين على ألف درهم، وجاء بشاهدين على","vol":"4","page":81},{"text":"ألف، ولم يعلم في موطن واحد، أو في موطنين [بأن] نسي الشهود ذلك فهما مالان، ما لم يعرف أنه في موطن واحد.\nلأن اختلاف الشهود دليل على اختلاف المجلس، إلا أن يظهر بالدليل أنه أراد به مالًا واحدًا، أو كان المجلس واحدًا، والبيض والسود، وثمن الهروي والمروي دليل على أنهما مالان.\nهذا إذا أقر وأشهد، ثم أقر وأشهد.\nأما إذا أقر وأشهد، ثم قدمه الطالب إلى القاضي فأقر عند القاضي [فانه] يكون المال واحدًا.\nلأنه لما أقر بين يدي الشهود، كان هذا الإقرار لوجوب المال والإقرار عند القاضي للخروج عن موجب الإقرار الأول، إلا أن يكون إقرارًا بمال آخر.\nإذا ثبتت هذه التفاصيل ظهر لنا ما ذكر صاحب الكتاب فقال:\nلو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي فأدعي عليه ألفًا فأقر بها عند القاضي وأثبتها في ديوانه، ثم أعاده إلى القاضي في مجلس آخر بعد ذلك، فأدعي عليه ألفا فأقر بها، فقال الطالب: قد","vol":"4","page":82},{"text":"أقر لي بألفين، وقال المطلوب: إنما هو مال واحد، وألف واحدة فالقول قول المطلوب.\nلأن الإقرار في المجلس الأول كان لثبوت المال عليه، والإقرار في المجلس الثاني كان للخروج عن موجب الإقرار الأول، فلا يكون إقرارً بمال آخر.\n\n[١٠٩٥] قال:\nوكذلك لو أدعي عليه في المجلس الثاني خمسمائة، فأقر بها، فقال الطالب: قد أقر بألف وخمسمائة، وقال المطلوب: إنما له على ألف درهم، فالقول قول المطلوب.\nلأن الخمسمائة بعض الألف، وبالإقرار الأول ثبت وجوب ألف، فكان الإقرار الثاني للخروج عن بعض ما أقر به بالإقرار الأول، فلا يكون إقرارًا بمال آخر.\n\n[١٠٩٦] قال:\nوكذلك لو أدعي عليه في المجلس الثاني الفين، فأقر بهما، فأدعي الطالب ثلاثة آلاف، وقال المطلوب: إنما له الفان، فالقول قول المطلوب.\nلأن الإقرار الثاني للخروج عن موجب الإقرار الأول [لا] إيجاب الزيادة فتجب الزيادة، فيجب عليه الفان.","vol":"4","page":83},{"text":"[١٠٩٧] قال صاحب الكتاب:\nوكذلك الشهادة في غير موطن.\nإذا كان إنما يشهد على ذلك رجلان فصاعدًا في الموطنين جميعًا.\nثم قال صاحب الكتاب:\nثم أشهد على الإقرار الثاني غير الأولين، فهو مال واحد.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nهذا اللفظ وقع مشوشًا لا يمكن تصحيحه.\n\n[١٠٩٨] قال:\nولو أن رجلًا أشهد لرجل على نفسه بألف درهم في صك، ثم أشهد على نفسه في موضع آخر في صك آخر بألف درهم، أولئك الشهود بأعيانهم، أو غيرهم، فإن المالين جميعًا يلزمانه.\nوكذلك الإقرار بالصحكين عند القاضي يلزمه المالان جميعًا.\nوالصحكان بمنزلة المالين المختلفين، [و] قد سمي ونسب كل واحد منهما إلى غير ما نسب إليه الآخر.\nلما قلنا من قبل.","vol":"4","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>[تعارض البينتين]</span>\n[١٠٩٩] قال:\nولو أن رجلًا جاء بشاهدين على صك بألف درهم، وجاء المطلوب بشاهدين بالبراءة عن ألف درهم، فهذا على ثلاثة أوجه:\nلما أن يكون كل واحد منهما مؤرخًا.\nأ، لم يكن كل واحد منهما مؤرخًا.\nأو كان أحدهما مؤرخًا والآخر لا.\nأما في الوجه الأول [فانه] ينظر أن كان تاريخ البراءة [بعد] تاريخ الصك، يعمل بصك البراءة لا بصك المال.\nلأن البراءة إنما تكتب لتكون حجة، وإنما تكون حجة إذا صحت، وإنما تصح إذا كانت بعد وجوب المال، وليس ههنا مال آخر واجب سوي ما ظهر في هذا الصك، فتنصرف البراءة إليه، فصار المديون بريئًا عن صك المال.\nوإن كان صك المال بعد صك البراءة يعمل بصك المال، ويجب المال.\nلأن البراءة إنما تكتب لتكون حجة، وإنما تكون حجة إذا صحت، وإنما تصح بعد وجوب المال، فلا تعمل تلك البراءة","vol":"4","page":85},{"text":"في هذا المال الذي ظهر في هذا الصك؛ لأنه تأخر وجوبه، فإذا لم يدخل هذا المال تحت ذلك، صارت، صارت البراءة في حق هذا المال وجودها وعدمها سواء.\nوأما في الوجه الثاني: فالبراءة أولى؛ لأن البراءة إنما تكتب لتكون حجة، وإنما تكون حجه إذا صحت، وإنما تصح بعد وجوب المال، وتصرف العاقل يحمل على وجه الصحة، ولا صحة إلا يعد وجوب المال، فثبت تأخر البراءة دلالة.\nوكذلك إذا كان تاريخها في شهر واحد فالبراءة أولى، لأن هذا، وما لم يكن كل واحد متهمًا مؤخرًا سواء.\nوأما في الوجه الثالث: [فانه] ينظر: أما أن يكون صك المال مؤرخًا، وصك البراءة غير مؤرخ، أو على العكس.\nوفي الحالين جميعًا البراءة أولى.\nلأن البراءة أنما تكتب لتكون حجة، وإنما تكون حجة إذا كانت صحيحة، وصحتها تعتمد وجوب المال فالظاهر أنه كان بعد وجوب المال.","vol":"4","page":86},{"text":"[١١٠٠] قال:\nولو أن رجلًا له على رجل صكان، كل صك بالف درهم، في كل صك شهود، وتاريخ الصكين مختلف، وعند المطلوب براءة في صك بألف درهم، وفي صك براءة بخمسمائة، فقال المطلوب: إنما ماله ألف درهم، وقد أخذ مني ألفا وخمسمائة، وقال الطالب: مالي ألفان، ولم أقبض شيئًا، فإن المطلوب يبرأ من ألف وخمسمائة، ويؤخذ بخمسمائة تمام الألفين.\nلأنه ثبت وجوب الألفين بصكين، فثبتت البراءة عن ألف وخمسمائة بصكين.\nلأن حجج البراءات على: قياس حجج الوجوب، ففي كل موضع كان مالان كان براءتان في البراءات، وفي كل موضع كان مال واحد كانت براءة واحدة في البراءات، واختلاف صك الطالب يوجب اختلاف المال، واختلاف صك المطلوب يوجب اختلاف البراءت، فثبتت البراءة عن","vol":"4","page":87},{"text":"ألف وخمسمائة وتبقي خمسمائة، ألا تري أن صك البراءتين لو كان كل واحد بألف لكان المطلوب مبرءًا من المال كله، كذا هذا.\n\n[١١٠١] قال:\nولو أن الطالب قال: إنما، مالي ألف درهم، وإنما قبضت منك ألفا، فقال المطلوب [بل] قبضت مني ألفين، ومالك ألف، فإن المطلوب يرجع على الطالب بألف إذا ثبت استيفاء الألفين.\nلأنهما اتفقا أن المال كان ألفا، فإذا ثبت استيفاء الألفين كان له أن يسترد [منه] الزيادة.\n\n[١١٠٢] ثم ما بعد هذا إلى آخر الباب ثلاثة أنواع من المسائل:\nأحدها: أن الصكين بمنزلة شيئين مختلفين سواء كان الصكان في الإيجاب أو البراءة.","vol":"4","page":88},{"text":"وقد ذكرنا هذا النوع من قبل.\n[و] الثاني: إذا شهد شاهدان على براءة المديون عن ألف وشهد آخران على براءة المديون عن ألف في موطنين، فهذا وما لو شهد شاهدان على إقراره بألف في موطن، وشهد آخران على إقراره بألف في موطن آخر من حق ثبوت البراءتين سواء.\nوقد ذكرنا هذا من قبل.\nوالثالث: إذا شهد أحد الشاهدين أنه أقر بألف درهم وشهد الآخر أنه أقر بألفين، فإن كان المدعي يدعي الأقل لا تقبل هذه الشهادة بالإجماع، إلا أن يدعي المدعي التوفيق بينهما.\nوإن كان يدعي الأكثر قال أبو حنيفة ﵀: لا تقبل [هذه] الشهادة. وقالا: تقبل.\nهذه الشهادة بالإجماع، إلا أن يدعي المدعي التوفيق بينهما.\nوإن كان يدعي الأكثر قال أبو حنيفة ﵀: لا تقبل [هذه] الشهادة. وقالا: تقبل.\nوعلى هذا الاختلاف مسائل [في] المبسوط في الطلاق والديون وغير ذلك.\nوموضع المسائل الإقرار والشهادات.","vol":"4","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>[عودة إلى الإقرار في مجلسين]</span>\n[١١٠٣] قال:\nولو أن رجلا أقر، فقال: قتلت عبدًا لفلان، وسماه أو قال ابن فلان [و] سماء أو لم يسمه، أو أخًا فلان، وسماه أو لم يسمه، [ثم أقر بمثل ذلك مرة أخرى]، فقال الطالب: قتلت لي عبدين، أو ابنين، أو أخوين، فهذا إقرار بعبد واحد، وابن واحد، وأخ واحد، إلا أن يكون المطلوب سمي اسمين مختلفين، فحينئذ لزمه كل واحد منهما.\nقال القاضي الإمام أبو الحسن على بن الحسين السغدي [﵀]:\nيجوز أن تكون هذه المسائل أيضًا على الاختلاف، ويجوز أن ولكن على الاتفاق وهو الصحيح.\nفرق بين هذا وبين الديون فإن المال يكون مبني عند أبي حنيفة ﵀ إذا كان في مجلسين مختلفين.","vol":"4","page":90},{"text":"وموضع هذا الفرق كتاب الإقرار.\nثم أن صاحب الكتاب ﵀ جعل الغصوب والودائع والمضاربات بمنزله الدين وما كان يرجع إلى الذمة، حتى إذا أقر به في موطنين يكون إقرارًا بالمثني.\nوذكر الجصاص في شرح هذا الكتاب فقال:\nهذا وهم من صاحب الكتاب، حيث جعل الودائع والمضاربات بمنزله الديون، بل اعتبار الودائع والمضاربات بالأعيان أشبه، حتى [أنه] إذا أقر به في موطنين يكون أقرارًا بواحد.\nوالله تعالي أعلم","vol":"4","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>الباب الثامن والسبعون (في الحكومة، على أهل الكفر)</span>\n<span data-type='title' id=toc-339>[في حد الزني]</span>\n[١١٠٤] ذكر حديث ابن عمر ﵄، أن النبي صلي الله عليه وسلم رجم يهوديًا ويهودية.\nأورد صاحب الكتاب في هذا الباب أخبارًا:\nمنها هذا.\nومنها حديث أبي هريرة.\nومنها حديث [البراء] بن عازب.","vol":"4","page":92},{"text":"كلها تدل على إيجاب الرجم على اليهودي واليهودية.\nوهذا حجة للشافعي ﵀ علينا.\nوتأويل هذه الأحاديث عندنا: أنه كان في بدء الأمر حين قدم المدينة، فإنه ﵊ إنما رجم بحكم التوراة؛ لأنه لم يكن للزنا في شريعتنا حكم، ولما نزل قوله تعالي: \"الزانية والزاني … \" بعد انصرافه من خيبر بسبع فصار للزنا في شريعتنا حكمًا، وهو جلد مائة، ثم ظهر بعد ذلك الرجم متى كان الزاني محصنًا بحديث ماعز رضي","vol":"4","page":93},{"text":"الله عنه، والكافر ليس بمحصن على ما قال النبي صلي الله عليه وسلم:\n\" من أشرك بالله فليس بمحصن\".\nفبقي موجب زناه الجلد بظاهر الآية.","vol":"4","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>[حد شرب الخمر]</span>\n[١١٠٥] ذكر عن إبراهيم [أنه] قال:\nلا يقام على أهل الكتاب حد في شرب خمر ولا زنا.\nأما في شرب لخمر فنأخذ بهذا الحديث.\nلأن الحدود أن شرعت زاجرة عن ارتكاب أسبابها، وحرمة الخمر لم تثبت في دينهم، فلا يحدون [على شرب الخمر. و] أما في الزنا فلا نأخذ بهذا الحديث.\nلأنهم يحدون؛ لأن الزنا حرام في الأديان كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-341>[يحكم بين المشركين بأحكام المسلمين]</span>\n[١١٠٦] ذكر عن إبراهيم والشعبي [أنهما] قالا:\nإذا أتاك المشركون فحكموك فأحكم بحكم الإسلام، ولا","vol":"4","page":95},{"text":"تعدل إلى غيره، أو أعرض عنهم، وحلهم وأهل دينهم.\nلأنهم لما حكموا صار الحكم كالقاضي المولي، ولو رفعوا الأمر إلى القاضي للولي لحكم بحكم المسلمين؛ لقوله تعالي:\n\"وإن أحكم بينهم بما أنزل الله\".\nفكذا الحاكم المحكم.\n\n[١١٠٧] ذكر بعد هذا آثارًا عن الزهري وعن","vol":"4","page":96},{"text":"الحسن وغيرهما كلها تدل على أنهم إذا ترافعوا الأمر إلى القاضي، فالقاضي يقضي بينهم بحكم الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-342>[اختصام أهل الذمة إلى قضاة المسلمين]</span>\n<span data-type='title' id=toc-343>[١ - في المواريث]</span>\n[١١٠٨] قال أحمد بن عمرو صاحب الكتاب:\nفإذا اختصم أهل الذمة، وتحاكموا إلى قاض من قضاة المسلمين فينبغي أن يحكم بينهم، فإن كانت خصومنهم في مواريث حكم بينهم بأحكام المسلمين وألزمهم ذلك وأنفذه علهيم لما تلونا من الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-344>[٢ - في البيع والشراء]</span>\nوكذلك أشريتهم وبياعاتهم يلزمهم من ذلك ما يلز المسلمين إلى بيع الخمر والخنزير، فأمه يجوز بينهم ذلك.","vol":"4","page":97},{"text":"لأن الدلالة قد قامت لنا أن الخمر مال متقوم عندهم، فالقاضي يجيز ذلك ويقضي بصحة العقد، ووجوب الثمن على المشتري.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>[٣ - في النكاح]</span>\n[١١٠٩] ذكر بعد هذا صاحب الكتاب مسائل كتاب النكاح:\nمنها:\nأن الذمي إذا تزوج ذمية في دار الإسلام بغير شهود.\nومنها:\nإذا تزوج امرأة بغير مهر.\nومنها:\nإذا تزوج ذمية في عدة [من] ذمي كان النكاح جائزًا في هذه المواضع في قوله أبي حنيفة.\nوينبني على هذه المسائل تفريعات، وقد ذكرنا هذه المسائل في كتاب النكاح في شرح المختصر.","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>[٤ - في الربي]</span>\n[١١١٠] قال:\nولو أن نصرانيًا أربي لم يجز ذلك، ورد الزيادة،\nلأن الربا مستثني من عهودهم:\nقال النبي صلي الله عليه وسلم:\n\"إلا من أربي فليس بيننا وبينه عهد\".\nفصار هذا أكل مال الغير بالباطل، فالقاضي يمنعه عن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-347>[٥ - في الطلاق]</span>\n[١١١١] قال:\nولو طلق الذمي امرأته ثلاثًا ثم أقام عليها، وخاصمته في ذلك لم يتركه الحاكم وأياها، بل يفرق بينهما.\nلأن الطلاق الثلاث قاطع للملك، فإذا انقطع الملك كان إمساكه إياها ظلمًا منه، والظلم حرام، فالقاضي منعه عن ذلك.\nلكن لو تزوجها بعد ذلك فالقاضي لا يتعرض لهما، لأن الطلاق غير محصور بعدد عنده من فإذا تزوجها زال الظلم فلا يتعرض [لهما] القاضي، ما لم يسلما، كما لو تزوج المجوسي","vol":"4","page":99},{"text":"بذورات محارمه، فإن القاضي لا يتعرض لذلك ما لم يسلما، فإذا أسلما فرق بينهما، كذا هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>[٦ - في الزني]</span>\n[١١١٢] قال:\nولو أن ذميا زني، ضرب الحد مائة سوط، كما يضرب المسلم.\nوكذا المرأة من أهل الذمة.\nلقوله تعالي:\n\"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة\".\nلكن خص من هذه الآية المحسن. والكافر، والكافرة ليسا بمحصنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-349>[٧ - في السرقة والسكر والقذف]</span>\n[١١١٣] قال:\nوكذا حد السرقة، يقام على الذمي كما يقام على المسلم.\nلأنه ملتزم لذلك.","vol":"4","page":100},{"text":"وأما السكر:\n[فقد] قال أصحابنا: لا بأس به.\nوقال الحسن بن زياد، إذا سكر الذمي من الخمر ضربته الحد.\nهو يقول: السكر في دينهم حرام، فجاز أن يتعلق به الحد، كالمسلم إذا رب المثلث وسكر يلزمه الحد، كذا ههنا.\nونحن نقول: الشرب مباح في حقهم مطلقًا، والحد لو تعلق إنما يتعلق به لا بالسكر، ولا كذلك السكر من المثلث، لأن شرب ما يحصل به السكر من المثلث حرام، فجاز أن يتعلق به الحد.\nوأما القذف، فإن قذف بعضهم بعضًا، فلا حد على القذف، لأن المقذوف ليس بمحصن، واحصان المقذوف شرط وجوب الحد على القاذف، لكن يؤدب على ذلك كما لو قذف مسلمًا ليس بمحصن لا يحد، ولكن يؤدب إلى ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-350>[٨ - في اللعان]</span>\n[١١١٤] قال:\nوكذلك لا لعان بين رجل منهم وبين امرأته.","vol":"4","page":101},{"text":"لأن اللعان فيما بين الزوجين بمنزلة حد القذف فيما بين الأجنبيين.\nولو قذف الذمية أجنبي لا حد على القاذف، فإذا قذفها الزوج لا يجري اللعان [بينهما].\nوالله تعالي أعلم بالصواب","vol":"4","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-351>الباب التاسع والسبعون (في القسمة)</span>\n<span data-type='title' id=toc-352>[جواز أخذ الأجر في القسمة]</span>\n[١١١٥] ذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أن عبد الله ابن يحيي كان يقسم لعلي ﵁ الدور والأرضين ويأخذ على ذلك أجرًا.\nفي الحديث دليل على جواز أخذ الأجر على القسمة.\nوهذا لأن عمل القسمة غير مستحق عليه، فيجوز أخذ الأجر عليه كما في سائر الأعمال.\nثم قوله: ويأخذ على ذلك أجرًا محتمل، يحتمل أنه كان يأخذ، من على ﵁، ويحتمل أنه كان يأخذ من الناس.\nفإن كان المراد منه الأول كان دليلًا على جواز إعطاء الأجر للقاسم من مال بيت المال.","vol":"4","page":103},{"text":"وهذا لأن القسمة من عمل القضاة؛ ألا تري أن القوم إذا طلبوا من القاضي القسمة تجب عليه القسمة، كما لو طلبوا من القاضي القضاء، وأجر القضاء في مال بيت المال، فكذا أجر أعوانه، فصار القاسم بمنزله الكاتب، وأجر الكاتب في مال بيت المال، فكذا أجر القاسم.\nوإن كان المراد منه الثاني كان دليلًا على جواز أخذ الأجر من الناس للقاسم.\nفرق بينه وبين القاضي، فإن القاضي لا يجوز له [أخذ] الأجر من الناس.\nوالفرق: أن القضاء قربة وطاعة لله تعالي؛ لأنه دفع الظلم عن المظلوم، فصار القضاء نظير تعليم القرآن وتعليم الفقه ونحوهما، ولا يجوز أخذ الأجر على هذه الأعمال، فكذا على القضاء.\nفأما القسمة [فأنها] ليست بقربة وطاعة، فجاز أخذ لأجر عليه كسائر الأعمال.","vol":"4","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-353>[صفة القاسم]</span>\n[١١١٦] قال:\nوينبغي للقاضي أن يتخذ قاسمًا من أهل الثقة والأمانة، لأن القسمة من جملة عمل القضاء، كالكتابة، فكان [ذلك] على القاضي، لكن القاضي قل ما يتفرغ للقسمة، فيتخذ قسامًا من أهل الثقة والأمانة حتى لا يميل بأخذ الرشوة إلى البعض [دون البعض]، كما يتخذ كاتبًا من أهل الثقة والأمانة.\n\n<span data-type='title' id=toc-354>[أجرة القاسم من بيت المال]</span>\n[١١١٧] فإذا اتخذ فالأفضل أن تكون أجرته من [مال] بيت المال.\nقال في الكتاب:\nلأنه أرفق بالناس.\nمعناه: أن هذا أبعد عن التهمة.\nولأنه متى علم أن أجر عمله يصل غليه على كل حال لا بأخذ الرشوة إلى البعض، فكان هذا أرفق بالناس، فله جعل في بيت المال كما في الكاتب.","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>[جواز أخذه الأجرة من المتخاصمين]</span>\n[١١١٨] وإن جعل أجره على من يقسم له فلا بأس به.\nلأن منفعه عمله حصلت له فيجب أن تكون المؤونة عليه كما في الكاتب إذا جعل أجرته على من يكتب له، يجوز، كذا هذا.\nلكن ينبغي أن يقدر له الأجر مقدار أجر مثل عمله؛ حتى لا يتحكم على الناس، فيأخذ زيادة على أجر مثل عمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-356>[لا يجبر القاضي الناس على قاسم معين]</span>\n[١١١٨] قال:\nولا ينبغي للقاضي أن يجبر الناس على أن يستأجروا قسمة.\nلأنه لو فعل ذلك تحكم القاسم على الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-357>[اصطلاح الشركاء في القسمة دون الرجوع إلى القاضي]</span>\n[١١١٩] قال:\nفإذا اصطلح الشركاء على قسمة غيره، ولم يرجعوا إلى القاضي، فذلك جائز عليهم.","vol":"4","page":106},{"text":"لأن في القسمة معني المعاوضة، وتمييز الملك، فتثبت بالتراضي؛ كسائر المعاوضات.\nفإن كان فيهم صغير أو غائب، لم تجز القسمة على الاصطلاح بينهم، ألا أن يكون القاضي أمر بقسمتها.\nلأن سبب ثبوت ولاية القسمة هنا اصطلاح القوم فيما بينهم، وتراضيهم، ورضاهم لا يكون حجة على الصغير والغائب، فلم تجز ألا أن يكون القاضي يأمر بقسمتها.\nفإذا أمر جاز ذلك على الصغير والغائب.\nلأن سبب ثبوت ولاية القسمة هنا أمر القاضي، وللقاضي ولاية الحفظ في مال الصغير والغائب، فتجوز هذه القسمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-358>[أجر القسمة على الرؤوس أو على الانصباء]</span>\n[١١٢٠] وأجر القسمة للقاسم على الصغير والكبير والذكر والأنثى على عدد الرؤوس في قول أبي حنيفة ﵀.\nوقالا: على قدر الانصباء.\nهما يقولان: هذه مؤونة لحقتهم بسبب الملك، فتتقدر بقدر الملك قياسًا على المنفعة الحاصلة من الملك، وهي الثمار، والربح والولد.\nوأبو حنيفة ﵀ يقول:","vol":"4","page":107},{"text":"عمل القاسم واقع لصاحب القليل ولصاحب الكثير بصفة واحدة؛ لأن عمله في تمييز الأنصباء، وتمييز نصيب صاحب الكثير ونصيب صاحب القليل بصفة واحدة، فإذا استويا كان الأجر عليهما على السواء.\nقال في الكتاب:\nوجعل قولهما استحسانًا، وقول أبي حنيفة ﵀ قياسًا.\nوإنما جعل قولهما استحسانًا بالاستنكار، لأن الناس يستنكرون أن يكون على صاحب الأقل من الأجرة ما يكون على صاحب الأكثر.\n\n<span data-type='title' id=toc-359>[لا يترك القاضي في قسامه يشتركون]</span>\n[١١٢١] قال:\nولا ينبغي للقاضي أن يترك قسامه أن يستركوا.","vol":"4","page":108},{"text":"لأنهم أدا اشتركوا فإذا دعي هذا إلى القسمة يمتنع، وإذا دعي ذلك إلى القسمة يمتنع حتى يتحكموا على الناس [في الأجر].\nهذا معني ما أشار [إليه] في الكتاب: كيلا يتحكموا على الناس.\nأما إذا منع من الاشتراك قمتي دعي أحدهم إلى القسمة رغب مخافة أن يجيب الآخر، ويكسر بعضهم بعضًا، فيكون ذلك أنفع للناس.\nهذا معني ما أشار إليه في الكتاب: لأنهم إذا لم يكونوا شركاء كسر بعضهم بعضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>[أثبات ملكية الشيء قبل القسمة]</span>\n[١١٢٢] قال:\nوإذا حضر القاضي قوم فأقروا أن في أيدهم ضيعة، دارًا، أو حانوتًا، وسألوه قسمة ذلك بينهم، وقالوا: هو في أيدينا ميراث عن أبينا، فان \" [علي] قول أبي حنيفة رحمه","vol":"4","page":109},{"text":"الله القاضي لا يقسم ذلك بينهم بإقرارهم حتى تقوم بينه على ذلك أن كان لأبيهم، وأنه مات، وتركه ميراثًا، وعلى عدد الورثة.\nوعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يقسم ذلك بينهم بإقرارهم، ويكتب: أنه قسم ذلك بإقرارهم، وجعل كل خصم يحضر على حجته.\nوأجمعوا: أنهم إذا قسموا ذلك في ما بينهم أن القاضي لا يمنعهم\"\nوأجمعوا: أنهم إذا أقروا أن ذلك في أيديهم بحكم الشراء، وسألوا القاضي قسمتها بينهم، فإن القاضي يقسم ذلك بينهم.\nوأجمعوا: أنه لو كان مكان العقار منقول، فأقروا أنه في أيدينا ميراث عن أبينا، وسألوا القاضي القسمة، قسم القاضي بينهم.\nفأبو يوسف ومحمد سويًا في الأرث بين العقار والمنقول، وفي العقار بين الإرث والشراء.\nوأبو حنيفة ﵀ فرق.\nوحق المسألة كتاب القسمة.","vol":"4","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-361>[حدوث الضرر في القسمة]</span>\n[١١٢٣] قال:\nوإن كانت دار في يدي رجلين فطلبا القسمة جميعًا، وتراضيًا بذلك، وليس نثيب كل واحد منهما ما ينتفع به، فإن القاضي يقسم ذلك بينهما.\nلأن الملك لهما، وقد تراضيًا بهذا الضرر.\nوإن طلب أحدهما القسمة، وأبي الآخر لم يقسم القاضي.\nلأن الطالب متعنت.\nوإن كان الضرر يدخل على أحدهما؛ بأن كان نصيبه قل لا يبقي منتفعًا [به] بعد القسمة، ونصيب الآخر كثيرًا يبقي منتفعًا [به] بعد القسمة، فطلب أحدهما القسمة فهذا على وجهين:\nوأما إن طلب صاحب الكثير الذي يبقي نصيبه منتفعًا به وأبي الآخر.","vol":"4","page":111},{"text":"أو طلب صاحب القليل الذي لا يبقي نصيبه منتفعًا به، وأبي صاحب الكثير.\nففي الوجه الأول: يقسم القاضي\nوفي الثاني: لا [يقسمه]\nهكذا ذكر الخصاف.\nوذكر الجصاص على عكس هذا، فقال: إن طلب صاحب الكثير وأبي صاحب القليل فالقاضي لا يقسم، وإن طلب صاحب القليل وأبي صاحب الكثير فالقاضي يقسم.\nوما ذكر الخصاف أصح.\nلأن في الوجه الأول الطالب غير متعنت، بل متظلم؛ فإنه سأل القاضي أن يمنع شريكه من الانتفاع بملكه.\nفالقاضي يجيبه إلى ذلك.","vol":"4","page":112},{"text":"وفي الوجه الثاني الطالب متعنت، فالقاضي لا يجيبه إلى ذلك.\nثم المال المشترك بين جماعة إذا طلب أحدهم من القاضي القسمة وأبي الآخرون فهذا على ثلاث أوجه:\nأما أن لا يكون فيه تفاوت، ويمكن اعتبار المعادلة في المنفعة؛ كالدراهم، والدنانير، والمكيل والموزون.\nأو يقل فيها التفاوت نحو الثياب من صنف واحد.\nأو يكون التفاوت كثيرًا؛ بأن كانت الثياب من أجناس مختلفة.\nففي الوجه الأول: يقسم القاضي؛ لأن هذا تمييز محض، وكل واحد منهما لو ميز نصيبه بنفسه جاز، فكان للقاضي أن يعينه على ذلك.\nوفي الوجه الثاني: كذلك؛ لأن التفاوت الذي يكون ما بين الثياب يسير فيمكن القاضي اعتبار المعادلة في المنفعة فكان للقاضي أن يقسم [ذلك].\nوفي الوجه الثالث: لا [يقسم]، بل يتركهم حتى","vol":"4","page":113},{"text":"يقسموا في ما بينهم؛ لأن الثياب إذا كانت أجناسًا مختلفة، فالقسمة تكون مبادلة، والقاضي لا يجبر الناس على المبادلات.\n\n<span data-type='title' id=toc-362>[قسمة الرقيق]</span>\n[١١٢٤] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀: لا أقسم الرقيق قسمة واحدة، بل أقسم كل رقيق على حدة وليس بشبه سائر الحيوانات.\nوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يقسم الرقيق قسمة واحدة، فيجمع القاضي نصيب أحدهما في بعض الرقيق، ونصيب الآخر في البعض، ويقسمها بهذه الصفة، كما في الثياب.\nوالمسألة معروفة في كتاب القسمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-363>[قسمة اللؤلؤ والجواهر]</span>\n[١١٢٥] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀: لا أقسم اللؤلؤ، ولا الجواهر، علل في الكتاب وقال:\nلأن تفاوت ذلك كثير.","vol":"4","page":114},{"text":"قال الجصاص:\nوهذا التعليل إشارة إلى الكبار من اللألي واليواقيت والجواهر، أما إذا كان صغارًا [فإنه] يقسم.\nوقال غيره: لا، بل هذا التعليل في اللؤلؤ واليواقيت والجواهر مطلقًا، فإن صاحب الكتاب ذكره مطلقًا.\nووجه ذلك أن بين اللالئ واليواقيت والجواهر مطلقًا تفاوتًا، وهذا التفاوت أكثر من التفاوت فيما بين العبيد؛ فإن اللألئ والجواهر واليواقيت لا تجب في الذمة بعقد، سواء كان العقد معاوضة مال بمال أو معاوضة مال بما ليس بمال؛ حتى لو تزوج المرأة على لؤلؤة، أو خالع امرأته على","vol":"4","page":115},{"text":"ذلك لا تصح بالتسمية، والعبد يجب في الذمة بعقد معاوضة مال بما ليس بمال، ثم العبد لا يقسم قسمة واحدة، فاليواقيت والجواهر أولى.\n[وجود الخصم في القسمة\n\n[١١٢٦] قال:\nوإذا جاء وارث واحد، وليس معه أحد من الورثة، فأقام البينة على دار أو ضيعة في يده أنها ميراث من أبيه بينه وبين ورثة والده، وأقام البينة على عدد الورثة فإنه لا يقسم ذلك.\nعلل في الكتاب وقال: من قبل أنه ليس معه خصم [حاضر] من الورثة.\nمعناه أن قسمة القاضي من القاضي، والقضاء يعتمد المقضي عليه والمقضي له.\n\n[١١٢٧] قال:\nفإن حضر معه وارث آخر فهو خصم.\nلأن الواحد من الورثة ينتصب خصمًا في التركة، فيكون خصمًا له، فيقبل بينته، ويقسم بينهم.","vol":"4","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-364>[الخصم في القسمة صغير أو غائب]</span>\n[١١٢٨] قال:\nوإن كان في الورثة صغير، أو غائب، فهذا على وجهين: أما أن لا يكون في يد الغائب أو في يد أم الصغير شيء، بل الكل في يد الحاضرين، أو كان.\nفإن لم يكن فالقاضي لا يقسم ما لم يكن على الصغير وصي، وعلى الغائب وكيل، فالقاضي ينصب للصغير وصيًا يقوم بأمره بالقسمة، وبقبض حقه، ويجعل للغائب وكيلًا، وأمرهم بالقسمة.\nلأن القضاء على وصي الصغير قضاء على الصغير، والقضاء على وكيل الغائب قضاء على الغائب.\nوإن كان في يد الغائب من ذلك شيء لم يقسم حتى يحضر الغائب.\nقال في الكتاب:\nأو تقوم البينة على أن ذلك ميراث بينهم، وعلى عد الورثة، وإذا قامت تقسم.","vol":"4","page":117},{"text":"هكذا ذكر ههنا، وجوز القضاء على الغائب.\nوذكر في الجامع [الصغير] أنه لا يقسم وأن قامت البينة ما لم يحضر الغائب.\nفصار في المسألة روايتان، وما زاد على هذا يعرف في الجامع.\nوكذلك لو كان في يد أم الصغير شيء من نصيب الصغير فالجواب كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-365>[قسمة الدور]</span>\n[١١٢٩] قال:\nوإن كانت دور كثيرة في مصر واحد، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: أقسم كل دار على حدة، ولا أجمع نصيب أحدهما في بعض الدور ونصيب الآخر في بعض الدور.\nوقالا: الرأي في ذلك إلى القاضي، أن رأي النظر أن يقسم كل دار على حدة فعل، وإن رأي النظر في أن يقسم جملة فعل.","vol":"4","page":118},{"text":"فهما ما أطلقا الجواب في الدور كما أطلقا في الرقيق، بل فوضا ذلك إلى رأي الإمام.\nوأجمعوا أنه إذا كان بينهم دار وأرض، أو دار وحانوت، يقسم كل واحد منهما على حدة، ولم يجمع نصيب واحد في أحد الصنفين.\nهكذا ذكر ههنا، وجعل الدار مع الحانون جنسين مختلفين.\nوذكر في كتاب الإجارة ما يدل على أنهما كجنس واحد، لأنه قال: إذا أجر منافع الدار بالحانوت لا يجوز، وجعل منافعهما كجنس واحد.\n[و] قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nأما أن يكون في المسألة روايتان، أو يكون هذا من مشكلات هذا الكتاب.\nوأما البيوت إذا كانت مشتركة بين أثنين، وطلب أحدهما القسمة من القاضي، فإن القاضي يقسم ذلك، سواء كانت البيوت في محلة واحدة، أو في محال.","vol":"4","page":119},{"text":"لأن التفاوت بين البيوت يسير\nوأما المنازل [فإنها] إذا كانت مشتركة بين اثنين فطلب أحدهما من القاضي القسمة [فإنه] ينظر:\nإن كانت متصلة بعضها ببعض في محله واحدة قسم.\nوإن كانت متصلة بعضها ببعض في محله واحدة قسم.\nوإن كانت في محال مختلفة لا يقسم.\nلأن المنازل فوق البيوت ودون الدور في التفاوت فيعمل بهما، وطريق العمل بهما ما قلنا.\n\n[١١٣٠] قال:\nوإن كان البناء والدار بين اثنين، فطلبا القسمة من القاضي، فإن على قول أبي حنيفة ﵁ يقسم القاضي العرصة بالمساحة فإذا وقع البناء في أحد الجانبين، فإن الذي وقع البناء في نصيبه يرد نصف قيمة البناء إلى شريكة دراهم.\nوعلى قول أبي يوسف ﵀: تقوم العرصة والبناء أولًا يقسم دلك باعتبار القيمة بينهما.","vol":"4","page":120},{"text":"وعلى قول محمد ﵀: يقسم الأرض بينهما، فإذا وقع البناء في أحد الجانبين، فصاحب البناء يرد على صاحبه بمقابلة البناء في أحد الجانبين، فصاحب البناء يرد على صاحبه بمقابلة البناء ما يساويه من العرصة، وإذا بقي فضل مع ذلك [و] لا يمكن تحقيق التسوية من هذا الوجه حينئذ يصار إلى الدراهم، ويرد الفضل دراهم على صاحبه.\nوحق المسألة كتاب القسمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-366>[تحديد الأرضين والدار والعقارات في القسمة على وجه بقطع المنازعة]</span>\n[١١٣١] قال:\nولا يقسم شيئًا من الأرضين والدور والعقارات حتى يصور ذلك [ويعرف ما كان حولها، ما كان شارعًا إلى الطريق أو إلى شرب، ويسوي ذلك] على السهام التي يريد أن يقسمه عليها.\nلأن القسمة إنما تكون على وجه لا يتضرر [به] أحدهما، وتنقطع منازعتهما.","vol":"4","page":121},{"text":"وانقطاع منازعتهما إنما يكون بأن لا يبقي لكل واحد منهما في نصيب صاحبه طريق، ولا مسيل، ولا شيء، فيجعل لأحدهما طريقه، ومسيل مائة إلى ظهر داره أن أمكن وإن لم يمكن بأن كان ظهرها إلى دار رجل [فإنه] يجعل الطريق ومسيل الماء في نصيب صاحبه، ثم يفعل كما قال في الكتاب نفيًا للتهمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-367>[تدوين كتاب القسمة]</span>\n[١١٣٢] قال:\nويكتب القاضي كتاب القسمة.\nلأن القسمة من أعمال القضاء، فيكتب القاضي كتاب القسمة، ويكتب نسختين: تكون إحداهما في أيدي الشركاء والأخرى في ديوان القاضي، حتى إذا ضاع ما في أيدهم يرجع في ذلك إلى النسخة الأخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-368>[المهاياه في القسمة]</span>\n[١١٣٣] قال:\nوالثوب الواحد لا يقسم.","vol":"4","page":122},{"text":"أراد بالثوب الواحد القميص؛ لأنه لا ينتفع كل واحد منهما بنصيبه بعد القسمة.\n\n[١١٣٤] وكذا البيت الصغير والحمام.\nلما قلنا يتهيأن.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-369>(الباب الثمانون) في دعوي بعض الورثة الغلط في القسمة</span>\n[١١٣٥] الاختلاف في هذا الباب على خمسة أوجه:\nأحدها: أن يدعي أحدهما القسمة، والآخر ينكر.\nوالثاني: أن يدعي أحدهما فيقول: أصابني بالقسمة ستون ذراعًا هذا وأصابك أربعون ذراعًا هذا، وقال الآخر: لا، بل يصيبني ذلك.\nوالثالث: إذا اتفقا أن كل واحد منهما أصاب خمسين ذراعًا، لكن أدعي أحدهما: أنك قبضت ستين ذراعًا، وأنا قبضت أربعين ذراعًا، وقال الآخر: لا، بل قبض كل واحد منا خمسين ذراعًا.\nوالرابع: أن يدعي أحدهما الغبن في القسمة والآخر لكن.\nوالخامس: أن يقر بالاستيفاء، ثم أدعي عليه أنه غصب شيئًا من نصيبه.","vol":"4","page":124},{"text":"ففي الوجه الأول والثاني يتحالفان.\nلأن القسمة مبادلة فتعتبر بالبيع، فإذا وقع الاختلاف في أصل البيع، أو في مقدار المبيع يتحالفان، فإن نكل واحد منهما لزمه دعوي صاحبه.\nوإن حلفا ترادًا القسمة، ويستقبل القسمة استقبالًا.\nوكذا في الوجه الثالث؛ لأنهما اختلفا في مقدار المقبوض، والقبض له شبه بالعقد، فصار بمنزلة الاختلاف في مقدار المبيع.\nوفي الوجه الرابع: لا يلتفت إليه كما في البيع.\nوفي الوجه الخامس: لما أقر بالاستيفاء التحق بسائر أملاكًا فدعواه الغصب شيئًا منه، ودعوي غصب [شيء] آخر سواء، فتكون عليه البينة وعلى الآخر اليمين.\nفمسائل الباب تدور على هذه الأوجه.\n\n[١١٣٦] إذا عرفنا هذا قال صاحب الكتاب:","vol":"4","page":125},{"text":"إ ذا قسمت الدار والأرض بين الورثة، فأنكر بعضهم أن يكون أستوفي نصيبه، فشهد عليه قاسمًا القاضي اللذان توليًا القسمة بينهما: أنه استوفي نصيبه، فإن شهادتهما جائزة عليه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب\nوذكر في كتاب القسمة وقال: على قول محمد ﵀ لا تقبل.\nوهذا الخلاف مشهور في هذه المسألة وحق المسألة كتاب القسمة.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>الباب الحادي والثمانون (في نكاح الصغيرة)</span>\n<span data-type='title' id=toc-371>[جواز نكاح الصغيرة إذا كانت تطبق ذلك]</span>\n[١١٣٧] ذكر حديث عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، ودخل بها وهي تسع سنين.\nهكذا ذكر الخصاف.\nوذكر محمد في كتاب النكاح، والخصاف بعد هذا الحديث أن النبي صلي الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين.","vol":"4","page":127},{"text":"ووجه التوفيق بينها: أن ما ذكر محمد والخصاف بعد هذا محمول على أن تزوجها لتمام ست سنين، وطعنت في السابعة، وما ذكر الخصاف ههنا محمول على أنها بنت سبع سنين قبل تمام السنة السابعة.\nوفي الحديث دليل على أن للأب ولاية تزويج الصغيرة.\nوفيه دليل على أنه لا بأس أن تزف الصغيرة إلى بيت زوجها.\nوفيه دليل على أنه لا بأس أن يدخل بها أن علم أنها تطيق ذلك.\n\n[١١٣٨] ذكر حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه طب إلى علي [﵁] أم كلثوم، فقال له: أنها صغيرة، فإن رضيتها فهي امرأتك.","vol":"4","page":128},{"text":"هكذا ذكر الخصاف هذا الحديث، ولم يذكر تمامه.\nوتمامه: أن عمر ﵁ لما خطبها اعتل على ﵁ بصغرها، فقال عمر ﵁: ما بي إلى النساء حاجة، لكني ابتغي الوسيلة بأل محمد صلي الله عليه وسلم، لأني سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول:\n\" كل سبب ونسب ينقطع بالموت إلى سببي ونسبي\".\nفزوجها على ﵁ أياه بمهر أربعين ألف درهم، فساق ذلك عمر ﵁ كله إليه، فزقت إليه وهي بنت أربع سنين، أو ما بين الأربع إلى الخمس، فأجلسها عمر ﵁ إلى جنبه، فجعل يبرها، ويمسح بيده على رأسها، ويقبلها، فجرد ساقها فرفعت يدها، وكادت [أن] تلطمه، وقالت له لولا أنك أمير المؤمنين وإلا للطمتك علي","vol":"4","page":129},{"text":"خدك، فقال عمر ﵁: دعوها فإنها هاشمية قرشية.","vol":"4","page":130},{"text":"وفي الحديث دليل على جواز نكاح الصغيرة.\nوفيه دليل على أنه لا بأس بأن تزف في حالة الصغر، لكن لا يغاشيها إلا إذا علم أنها تطيق ذلك.\nوفيه دليل على غني عمر ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>[الصغيران إذا زوجا فهما بالخيار]</span>\n[١١٣٩] ذكر عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كتب في اليتيمين إذا زوجا وهما صغيران أنها بالخيار.\nفيه دليل على جواز نكاح الصغيرة [من] غير الأب والجد فيكون حجة على الشافعي ﵀.","vol":"4","page":131},{"text":"وفيه دليل على أن لهما الخيار، فيكون حجة لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله علي أبي يوسف ﵀ [لما مر].\n\n[١١٤٠] ثم أورد عن السلف أخبارًا وآثارًا كثيرة كلها تدل على جواز نكاح الصغيرة، وعلى ثبوت الخيار لها إذا بلغت إذا كان المزوج لها غير الأب والجد.\n\n<span data-type='title' id=toc-373>[الصداق في تزويج الصغيرين]</span>\n[١١٤١] ذكر عن حماد أنه سئل عن رجل يزوج ابنه وهو صغير، قال: الصداق على الأب.\nوقال الحسن والحكم وغيرهما: أنه يجب على الأبن.\nوالمسألة مختلف [فيها] بين الصحابة ﵃:\nقال علي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵃: تجب على الابن.\nوبه نأخذ.","vol":"4","page":132},{"text":"وهذا لأن المهر إنما وجب عوضًا عن ملك النكاح، والملك ثابت للابن فكان العوض عليه.\n[وإليه] أشار على ﵁ في قوله:\nالصداق على من أخذ بالساق.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>[تزويج الأب لأبنه أو ابنته]</span>\n[١١٤٢] ذكر عن عامر الشعبي قال:\nلا يجبر على النكاح إلا الأب.\nيريد به أنه لا يزوج المرأة شاءت أم أبت إلا الأب.\nقصار حجة للشافعي في إجبار البكر البالغة.\n\n<span data-type='title' id=toc-375>[ضمان المهر في تزويج الصغار]</span>\n[١١٤٣] ذكر عن شريحة أنه قال:\nإذا أنكح الرجل ابنه وهو صغير جاز عليه، فإذا بلغ","vol":"4","page":133},{"text":"فإن طلق فنصف المهر على الذي كفل به.\nيعني الأب إذا ضمن.\n\n[١١٤٤] قال أحمد بن عمرو صاحب الكتاب:\nوالذي ذهب إليه أصحابنا وأخذوا به في نكاح الصغار حيث عائشة ﵂.\nيعني جواز نكاح الصغيرة إنما ثبت بحديث عائشة ﵂.\n\n[١١٤٥] قال:\nولو زوجها الأب من إنسان وضمن لها المهر جاز.\nلقوله صلي الله عليه وسلم:\n\"الزعيم عارم\"\nفرق بين هذا وبين ما إذا باع مالها وضمن لها الثمن عن المشتري حيث لا يجوز.","vol":"4","page":134},{"text":"والفرق: أن حقوق العقد في باب البيع ترجع إلى العاقد، والعاقد هو الأب، فكان حقوق العقد إليه، ألا تري أنه لو أبرأه عن الثمن يجوز، ولو استبدل عن الثمن أو احتال به على إنسان فإنه يجوز، فلو صح الضمان يصير ضامنًا لنفسه بنفسه، فأما حقوق العقد في باب النكاح [فإنها] لا ترجع إلى العاقد، ألا تري أن الوكيل في باب النكاح لا يملك قبض المهر، فلو صح الضمان لا يصير ضامنًا لنفسه بنفسه\".\nولو زوجه أبوه أمرأة وضمن المهر صح، فلو أدي [الأب الصداق] فهذا على ثلاثة أوجه:","vol":"4","page":135},{"text":"أما أن ضمن في حالة الصحة، وأدي في حالة الصحة في حالة صغره.\nأو ضمن في حالة الصحة، وأدي في حالة مرضه.\nأو ضمن في حالة الصحة ومات، فأخذت المرأة من ماله.\nففي الوجه الأول: القياس أن لا يكون متبرعًا.\nوفي الاستحسان يكون متبرعًا، ولا يكون له أن يرجع عليه، ألا أن يشهد عند الأداء أنه يرجع عليه.\nونظير هذا القياس والاستحسان إذا اشتري للصغير طعامًا، وللصغير مال، فأدي [الثمن] من مال نفسه، فالقياس أن لا يكون متبرعًا.\nوجه القياس: أن فعل الأب كفعل الأجنبي بإذن الصبي لو كان بالغًا؛ لأن للأب ولاية عليه فيما يصنع، كما تكون للأجنبي بإذنه لو كان بالغًا، والأجنبي لو كفل عنه بإذنه بعد البلوغ يرجع عليه إذا أدي، فكذا إذا فعل الأب.\nوجه الاستحسان العرف، فإن العرف فيما بين الناس أنهم يتبرعون بأداء المهر عن أولادهم، ولا يرجعون به عليهم.","vol":"4","page":136},{"text":"وفي الوجه الثاني والثالث عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يكون متبرعًا، بل يحسب من ميراث الابن.\nوقال أبو يوسف: هو متبرع، ولا يرجع هو ولا ورثته بعد موته على الابن بشيء منه.\nأبو يوسف ﵀ يقول:\nالكفالة انعقدت غير موجبة للرجوع؛ ألا تري أنه إذا أداة في صحته لم يكن له أن يرجع عليه، فلا تنقلب موجبة للرجوع.\nوهما يقولان:\nالتبرع يجعل بالأداء لا بالكفالة، والأداء إذا وجد في حالة المرض أو بعد الموت كان تبرعًا على وارثة، والتبرع على وارثه في مرض الموت لا يكون صحيحًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>[تزويج غير الأب والجد للصغير أو الصغيرة والخيار في ذلك].</span>\n[١١٤٦] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵁:\nوأن زوج الصغيرة غير الأب والجد، فلها الخيار إذا بلغت مبلغ النساء.","vol":"4","page":137},{"text":"وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.\nوعلى قول أبي يوسف ﵀: لا يثبت لها الخيار.\nوهي مسألة معروفة في كتاب النكاح.\nثم عندهما: إذا ثبت لها الخيار، كان لها الخيار ساعة بلغها الخبر، حتى إذا بلغها الخير فإن أشهدت على ذلك كان لهذا الخيار، وإن سكتت سقط خيارها؛ اعتبارًا بابتداء النكاح.\nفرق بين خيار البلوغ وخيار المخيرة وخيار العتق، فإن خيار العتق وخيار المخيرة إذا ثبت لها يتوقف على مجلسها.\nوالفرق بين خيار العتق وخيار البلوغ في أشياء منها هذا.\nوالثاني: أن في خيار البلوغ لا تعذر بالجهل حتى لو علمت بالنكاح ولم تعلم بالخيار، وسكتت لبطل الخيار وتعذر [به] في خيار العتق.\nللأنثي.","vol":"4","page":138},{"text":"والرابع: أن خيار البلوغ لا يوجب الفرقة إلا بقضاء، وخيار العتق يوجب من غير قضاء.\nوقذ ذكرنا هذه الفروق على سبيل الاستقصاء في شرح الجامع الصغير وشرح المختصر.\n\n[١١٤٧] قال:\nوأيهما مات قبل أن تختار الفرقة، أو بعد ما اختارت الفرقة قبل أن يفرق القاضي بينهما ورثة الآخر.\nلأن النكاح صحيح ما لم يفسخ القاضي [العقد]، فمتي مات أحدهما فقد انتهي النكاح بالموت، وانتهاء النكاح بالموت يوجب استحقاق الميراث.\n\n[١١٤٨] قال:\nوإن اختلفت المرأة والزوج بعد ما بلغت المرأة وقالت قد اخترت الفرقة حين أدركت، وقال الزوج: كذبت، لم تختاري الفرقة، فالقول قول الزوج، وعليها أن تأتي بالبينة: أنها اختارت فسخ النكاح والفرقة.\nلأنها أقرت بما لا تملك استئنافه في الحال، فلا يكون القول قولها.","vol":"4","page":139},{"text":"ونظير هذا الشفيع مع المشتري إذا اتفقا على أن الشفيع علم بالبيع قبل هذا، واختلفا في اطلب، فقال الشفيع: طلبت الشفعة حين علمت، وقال المشتري: لا بل سكت، فالقول قول المشتري.\nلأن الشفيع أخبر بشيء لا يملك استئنافه للحال.\n\n[١١٤٩] وإن اختلفا في الحال، فقالت المرأة: بلغت الآن، واخترت الفرقة، وقال الزوج: لا [بل] بلغت قبل هذا وسكت كان القول قولها.\nلأنه ظهر البلوغ الآن، وكما ظهر البلوغ اختارت الفرقة، والزوج يدعي قبلها سقوط حقها، فلا يسقط حقها بمجرد الدعوي.\nوالمسائل إلى آخر الباب مذكورة في كتاب النكاح، فلا نعيد شرحها هنا.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-377>الباب الثاني والثمانون (في نكاح الكبيرة)</span>\n[١١٥٠] الآثار المذكورة في هذا الباب، ومسائلة ذكرنا شرحها في شرح المختصر فلا نذكرها ههنا احترازًا عن التطويل.\nوالله تعالي أعلم","vol":"4","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-378>الباب الثالث والثمانون (في المطالبة بالمهر)</span>\n<span data-type='title' id=toc-379>[مطالبة الأب بمهر ابنته البكر]</span>\n[١١٥١] قال أحمد بن عمرو صاحب الكتاب:\nقال أصحابنا: للأب أن يطالب بمهر ابنته، وإن كانت كبيرة إذا كانت بكرًا.\nوهذا استحسان.\nوالقياس أن لا يطالب.\nوجه القياس أن ولاية الأب تنقطع عنها بالبلوغ؛ ألا تري أنه لا يملك التصرف في سائر أملاكها إلا بأمرها، فكذا في المهر.\nوجه الاستحسان: أن العادة [جارية] فيما بين الناس أن الآباء يقبضون صداق البنات، ويجهزون البنات بها، والبنت تكون راضية بتصرف الأب، ولأنها تستحي من المطالبة بالمهر بنفسها ومن التوكيل [بذلك] فجعل سكوتها بمنزلة التوكيل.","vol":"4","page":142},{"text":"وروي إبراهيم بن رستم عن أبي يوسف ﵀ أنه قال بأن الزوج إذا سلم الصداق إلى الأب، وقبض الأب، صح قبضه، وأن أبي الزوج أن يسلم الصداق إلى الأب، فإنه لا يملك مطالبة الزوج إلا بأمرها.\nلأن المطالبة [بالمهر] تنبني على قيام الولاية، والولاية منقطعة بالبلوغ، فلا تثبت له المطالبة بالمهر، [و] كان ينبغي أن لا يصح القبض، لكن إنما يصح باعتبار العادة، فإن العادة [جارية] أن الآباء يقبضون صداق البنات ويجهزون بها.\nوجه ظاهر الرواية ما مر، أن البنت راضية بمطالبة الأب عادة، فيثبت له حق المطالبة، ولو نهت أباها عن قبض الصداق لا يملك الأب المطالبة، ولا الاستيفاء.\nلأن ولاية المطالبة والاستيفاء إنما تثبت للأب لوجود الرضي منها دلالة، باعتبار العادة، والدلالة إنما تعتبر إذا لم يوجد التصريح بخلافه.","vol":"4","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-380>[مطالبة غير الأب مشروطة بوكالة منها]</span>\n[١١٥٢] قال:\nوليس لأحد من الأولياء أن يقبض على الجارية البكر المدركة مهرها، ولا يطالب زوجها، إلا بوكالة منها غير الأب.\nلأن الأب إنما تثبت له ولاية المطالبة بوجود الرضي منها دلالة باعتبار العادة، حتى يقبض المهر ويجهزها به، والتجهيز بالإحسان في العادة إنما يكون من الآباء، أما غيرهم من الأولياء، فقلما يجهزون الصغيرة بالإحسان، فلا تثبت له ولاية المطالبة.\nحتى أن البنت إذا كانت ثيبًا فزوجها الأب، لا يملك الأب مطالبة الزوج بالمهر إلا بوكالة منها\".\nلأن العادة أن الآباء إنما يجهزون البنات مرة واحدة، فإذا انعدم التجهيز انعدم ولاية القبض، فصار الأب في المرة الثانية بمنزلة غير الأب من الأولياء في المرة الأولى.","vol":"4","page":144},{"text":"ثم [إن] الأب في حق البكر البالغة إنما يلي قبض صداقها المسمي، حتى إذا كان المسمي بيضًا لا يلي قبض السود.\nلأنه بمنزلة الوكيل عرفًا، والوكيل يقبض الشيء لا يملك الاستبدال به.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nهذا مذهب علمائنا.\nوروي عن علماء بلخ أنهم جوزوا ذلك، وقالوا:\nلو قبض بعض الصداق من جنس المسمي، وبالبقية ضياعًا يجوز.\nقال ﵀: وهكذا العرف في رساتيقنا أن الآباء وعقارًا، فيجوز ذلك على قول علمائنا، على قياس قول أئمة بلخ، وهذا أرفق بالناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-381>[هل يشترط في الاستيفاء إحضار المرأة؟]</span>\n[١١٥٣] قال:\nولو أن رجلا قدم رجلًا إلى القاضي فقال:","vol":"4","page":145},{"text":"إني زوجت هذا ابنتي على صداق كذا وكذا بأمرها، وهي بكر، وأنا أريد صداقها، فإن أقر الزوج بالتزويج وبالمهر وقال: لم أدخل بها أمره بدفع المهر إلى الأب.\nلأن الأب يملك مطالبة الزوج بالمهر، فلا يشترط إحضار المرأة للاستيفاء.\nوهذا قول علمائنا الثلاثة ﵏.\nوقال زفر ﵀:\nإحضار المرأة شرط الاستيفاء، وهو قول أبي يوسف الآخر.\nذكر بعد هذا: هو يقول: النكاح معاوضة، فكان بمنزلة البيع، والبائع إنما يملك مطالبة المشتري بالثمن، إذا أحضر المبيع مع نفسه ليسلم المبيع عقيب قبض الثمن، فكذا في النكاح.\nونحن نقول: العادة جرت أن تسليم المرأة يتأخر عن قبض الصداق زمانًا، فإن الزوج يوفي الصداق إلى الولي، والولي يجهزها بذلك ثم يبعث بها إلى بيته، فلما علم","vol":"4","page":146},{"text":"الزوج بهذه العادة كان راضيًا بإيفاء الصداق، وتأخير تسليم المرأة زمانًا، فلا يشترط إحضار المرأة، لثبوت ولاية قبض الصداق بخلاف البيع.\nلأن ثمة لم يوجد ما يدل على الرضي بتأخير تسليم المبيع عن قبض الثمن، فشرط إحضار [المبيع لقبض] الثمن ليسلم المبيع عقيبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-382>[مطالبة الزوج بالمراة والتكفيل في ذلك]</span>\n[١١٥٤] قال:\nفإن قال الزوج للقاضي: مر الأب أن يقبض مني المهر ويسلم الجارية إلي، قال له القاضي: أقبض المهر، وأدفع الجارية إليه.\nفإن قال الأب: ليس على دفعها فأطلبها حيث هي.\nقال له القاضي: أن المهر الذي تريد أخذه إنما هو ثمن لبضعها، فعليها إذا كانت كبيرة أن تسلم نفسها إلى الزوج إذا","vol":"4","page":147},{"text":"قبضت المهر، فإذا قبضت أنت المهر لها، فإن كانت في منزلك فعليك تسليمها إليه.\nفإن قال الأب: ليست هي في منزلي، ولا أقدر على تسليمها إليه، فأنا أقبض المهر، وهو يطلبها حيث هي، فليس له ذلك.\nلما قلنا.\nفإن قال: هي في منزلي، فأنا أقبض المهر وأجهزها به، وأسلمها إليه، فإن القاضي يأمر الزوج بدفع المهر إليه.\nفإن قال الزوج: إن هذا يدافعني عنها، ويريد أن يأخذ مني المهر ولا يسلمها إلى، فمره فليوثق من المهر، فإن القاضي يأمر الأب أن يوثق للزوج من المهر بكفيل، فيعطيه كفيلًا بالمهر، ويأمر الزوج بدفع المهر إلى الأب، [حتى] إذا سلم البنت إليه بريء الكفيل، وإن عجز عن ذلك توصل الزوج إلى حقه بالكفيل، فيعتدل النظر من الجانبين.\nوهكذا كان يقول أبو يوسف أولًا، ثم رجع عن هذا، وقال بأن القاضي يأمر الأب أن يجعل المرأة مهيأة للتسليم","vol":"4","page":148},{"text":"ويحضرها، ويأمر الزوج بدفع المهر، والأب بتسليم البنت، فيكون دفعه المهر عند تسليمها نفسها إليه.\nلأن النظر للزوج لا يحصل بالكفالة كما قال في الكتاب: أنه إذا أعطاء كفيلًا فإذا لم يسلم الأب البنت إليه يصير الأب والكفيل غريمًا، فيدفع المهر بحضرتها\"\nقال الخصاف: وهذا أحسن القولين\n\n[١١٥٥] قال:\nفإن كان الأب إنما قدم الزوج إلى قاضي الكوفة، والخصومة بينهما على ما وصفنا، فقال الأب: أبنتي بالبصرة، وثمة كانت عقدة النكاح، أو كانت بالكوفة فانتقلت إلى البصرة، فأنا أسلمها إليه بالبصرة، فإن الأب لا يجبر على حملها إلى الكوفة، ولكن يقال للزوج أدفع المهر إلى الأب، وأخرج إلى البصرة مع الأب، وتأخذ المرأة هناك من الأب.\nلما قلنا إن إحضار المرأة في ذلك المجلس ليس بشرط، لتوجه المطالبة على الزوجة بتسليم المهر.\nفإن اتهمه الزوج بما قلنا من قبل، فالقاضي يأمر الزوج بأن يأخذ من الأب كفيلًا بالمهر على أنه أن سلم البنت إليه بالبصرة","vol":"4","page":149},{"text":"بريء الكفيل، فإذا أتي البصرة وقبض البنت بريء الكفيل والأب.\nوإن عجز الأب عن تسليم البنت إليه يخاصم الكفيل فيستوفي حقه منه، فيكون نظرًا من الجانبين.\n\n<span data-type='title' id=toc-383>[توكيل الزوج في أخذ المرأة]</span>\n[١١٥٦] قال:\nفإن قال الزوج: لا يمكنني الخروج إلى البصرة، لكن أوجه [لي] وكيلًا يحولها إلى منزلي بالبصرة، فذلك له.\nلأن الوكيل نائب عنه.\n\n[١١٥٧] قال:\nوإن قال الزوج: يحملها [وكيلي] إلي، فإن كان الوكيل الذي وجهه محرمًا لها فذلك له.\nلأنها متي استوفت صداقها كان عليها أن تنتقل إلى حيث يسكنها الزوج.","vol":"4","page":150},{"text":"وإن كان غير محرم لها لم تؤمن بالخروج من غير محرم، وإن رضي الزوج بذلك.\nلأن الزوج طلب منها ما لا يرضي به الشرع، وهو المسافرة من غير زوج ولا محرم.\nوهذا التفصيل الذي ذكره صاحب الكتاب أيضًا جواب ظاهر الرواية.\nوقال أبو القاسم الصفار:","vol":"4","page":151},{"text":"هذا كان في زمانهم أما في زماننا، فلا يملك الزوج أن يسافر بها، وأن أوفي صداقها؛ لأن في زمانها كان الغالب من حالهم الصلاح، أما في زماننا [فقد] فسد الناس، والمرأة متى كانت فيما بين عشيرتها، فالزوج لا يمكنه أن يظلمها، ومتى نقلها إلى بلده أخرى ظلمها، وهي لا تقدر أن تستغيث بأحد.\nهذا هو الكلام في الأب.\nوأما الكلام في الوكيل إذا وكلت المرأة وكيلًا بمطالبة الزوج بمهرها، كان الأمر في اشتراط حضرة المرأة، وأخذ الكفيل بالمهر من الوكيل عند التهمة، ورجوع أبي يوسف كالكلام في الأب.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nهذه المسألة على هذا البيان لا توجد في المبسوط، وإنما استفيدت من صاحب الكتاب ﵀.","vol":"4","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-384>[ليس للأب قبض المهر بعد الدخول إلا بوكالة منها]</span>\n[١١٥٨] قال:\nفإن كان الزوج دخل بامرأته، وغشيها، فليس للأب أن يقبض المهر من الزوج إلا بوكالة منها.\nلما قلنا من قبل.\nفإن أرادت أن تمتنع من المصير إلى الزوج حتى تقبض مهرها، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: لها ذلك.\nوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: أن كان قد دخل بها برضاها فليس لها ذلك، بل تجبر على المصير إليه، وتطالبه بمهرها بعد ذلك.\nوقد ذكرناه على الاستقصاء في الجامع الصغير.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>[الخلاف في الدخول]</span>\n[١١٥٩] قال:\nفإن طالب الأب الزوج بالمهر، وقال: ابنتي بكر في منزلي، وقال الزوج: بل دخلت بها، فالقول في ذلك قول الأب.\nلأنه متمسك بالأصل، والزوج يدعي العارض، والأب ينكر وبهذا الإنكار ينكر ولاية قبض الصداق الثابت له بالعقد.","vol":"4","page":153},{"text":"[١١٦٠] قال:\nفإن قال الزوج: حلف الأب أنه لم يعلم أني دخلت بها فإنه لا يمين عليه في ذلك.\nفإن قيل: وجب أن تتوجه عليه اليمين، لأن الزوج يدعي عليه معني لو أقر به لزمه، وهو سقوط حقه في المطالبة بالمهر إلا بالوكالة من جهة البنت.\nقيل له: الجواب عنه من وجهين:\nأحدهما: أن الزوج لا يدعي على الأب شيئًا، وإنما يدعي عليها معني وهو الدخول حتى إذا ثبت ذلك سقط حق الأب في قبض الصداق، وصار كما إذا اشتري جارية، ثم إن المشتري أدعي أنها زوجة فلان، وأراد يمين البائع لا تتوجه عليه اليمين، لأنه لا يدعي على البائع شيئًا، وإنما يدعي على الغائب معني، وهو النكاح، حتى إذا ثبت النكاح ثبت للمشتري حق الرد بالعيب، كذا هذا.\nوالثاني: ما [أشار] إليه صاحب الكتاب فقال:\nلأنه لو أقر بالدخول لم يجز ذلك عليها؛ لأنه إقرار علي العين، إلا أنه يبطل حقه في القبض، ما لم يوجد التوكيل","vol":"4","page":154},{"text":"منها، فكان بمنزلة الوكيل بقبض الدين إذا أدعي المديون أن الموكل أبرأه، أو أستوفي الدين منه، فإنه لا يمين علي الوكيل، وإن كان الإبراء والاستيفاء من الموكل لو ثبت يبطل حق الوكيل في القبض، فكذا ههنا.\n\n[١١٦١] قال:\nفإن قال الزوج للقاضي: مر الأب بإحضارها فاسألها عما أقول من دخولي بها، فإن كانت المرأة ممن تخرج في حوائجها أمره بإحضارها حتى يسألها عن دعوي الزوج.\nلأن الزوج لو أدعي عليها شيئًا آخر، فإن القاضي بحضرها مجلسة إذا كانت برزة ممن تخرج، فكذا إذا أدعي عليها هذا الحق.\nوإن كانت ممن لا تخرج في حوائجها بعث إليها القاضي أيمنًا من أمنائه، ويدخل عليها الأب رجلين عدلين ممن يعرفها يحضران مع الأمين والزوج فيسألها الأمين عن دعوي الزوج.","vol":"4","page":155},{"text":"فإن أقرت يشهد الشاهدان بذلك، وأجبرها القاضي على المصير إلى منزل الزوج، ويطالبه بمهرها.\nوإن أنكرت الدخول فالقول قولها.\nوإن قال الزوج: حلفها أني لم أدخل بها، حلفها الأمين على ذلك إذا كان القاضي أمره باستحلافها إن أنكرت.\n\n[١١٦٢] قال:\nفإن قال الزوج: قد دخلت بها برضاها، وقالت هي: لم أرض بذلك، ولكنه استكرهني على نفسي، فالقول قولها مع يمينها على ذلك: أنه لم يدخل بها برضاها.\nلأن حق الحبس كان ثابتًا لها، والزوج يدعي سقوط حقها في الحبس بالدخول برضاها، وهي تنكر، فالقول قولها، كالمشتري إذا قبض المبيع قبل نقد الثمن، وقال المشتري: قبضت برضي البائع، وقال البائع قبضت بغير رضاي.\n\n[١١٦٣] قال:\nولو قالت المرأة: قد خلا بي، ألا أنه لم يقع علي، ولم أمكنه من ذلك، حتى أقبض مهري، فالقول قولها أيضًا","vol":"4","page":156},{"text":"لما قلنا\".\n\n[١١٦٤] [قال]:\nفإن قال الزوج: قد خلوت بها، فبالخلوة ما يجب لي أن تصير إلى، ثم تطالبني بمهرها، فليس له ذلك.\nلما أشار إليه صاحب الكتاب؛ لأن الخلوة ليست بجماع، وإنما عرفنا وجوب المهر بالطلاق بعد الخلوة بالحديث.\nألا تري أنه لو طلقها بعد الخلوة لا يملك رجعتها في هذه العدة، وهي بعد الخلوة تملك مطالبة الزوج بالإجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-386>[حبس الزوج بالمهر]</span>\n[١١٦٥] قال:\nفإن لم يثبت الدخول بها، وطلبت المرأة حبسه بمهرها، حبسه القاضي بذلك.","vol":"4","page":157},{"text":"لأن المهر دين كسائر الديون، والزوج يحبس بسائر ديون المرأة، فكذا بهذا الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-387>[نفقة المرأة مدة الحبسٍ]</span>\n[١١٦٦] قال:\nفإن قالت المرأة: مرة أن ينفق علي إلى أن يدفع مهري أمره بدلك.\nلأن الحبس بالمهر والحبس بدين آخر سواء، ولو حبس الزوج بدين آخر استحقت النفقة؛ لكونها مقيمة في بيت الزوج، فكذا إذا حبسته بهذا الدين.\n\n[١١٦٧] قال:\nفإن ماطلها بذلك، فسألت القاضي أن يفرض لها نفقة عليه، فعل ذلك، ويكون ما اجتمع عليه من النفقة بعد الفرض دينًا مع الصداق، فيستديم الحبس، إلى أن يوفي الكل.\nوهذا جواب ظاهر الرواية.","vol":"4","page":158},{"text":"وقال بعض المتأخرين من أئمة بلح: أنها لا تستوجب النفقة؛ لأن المرأة أنما تستوجب النفقة إذا زفت إلى بيت زوجها.\nلكن ظاهر المذهب أنها تستحق، إذا كانت تطيق الرجال، وتجامع، سواء زفت إلى بيت زوجها، أو لم تزف.\nفإن قال الزوج للقاضي: أحبسها معي، فإن لي موضعًا في الحبس خاليًا، فإني أريد أن تكون معي، لم تحبس معه، ولكنها تصير في منزله، ويحبس لها؛ لأن الحبس لا يستحق بالنكاح.\n\n[١١٦٨] قال:\nوإن كانت الجارية صغيرة زوجها أبوها، فطالب الأب الزوج بمهرها فله ذلك، ويجبر الزوج على دفع المهر إلى الأب.\nلأن المهر يجب كله بنفس العقد، وحق القبض للأب، فيؤمن الزوج بالدفع إليه.\n\n[١١٦٩] قال:\nفإن طلب الأب منه النفقة إلى أن يدفع إليه المهر، فـ كانت الجارية مثلها تطيق الرجال وتجامع، أمره بالنفقة عليها.","vol":"4","page":159},{"text":"لأن استحقاق النفقة باعتبار قيام الزوج عليها.\nوإن كانت لا تطيق الرجال لم يكن على الزوج نفقتها حتى تصير إلى حال يجامع مثلها.\nلأن معني القيام لا يتحقق ههنا.\nوعند شريح عليه النفقة على ما يأتي في باب نفقة المرأة.\n\n<span data-type='title' id=toc-388>[دعوي كونها تصلح للجماع أو لا تصلح]</span>\n[١١٧٠] قال:\nفإن طلب الأب مهرها، وقال: هي صغيرة، وقال الزوج: أنا أدفع إليه المهر فمرة أن يدفعها إلي، فإنها تطيق الرجال، وتصلح للجماع، فإن كانت المرأة ممن تخرج، أخرجها القاضي، وأحضرها، فنظر إلى قامتها، فإن صلحت للرجال أمره بدفعها إلى زوجها، وإن لم تصلح لم يأمره.","vol":"4","page":160},{"text":"وإن كانت ممن لا تخرج أمر من يثق بهن من النساء أن ينظرن إلى قامتها، فإن قلن أنها تطيق الرجال وتحتمل الجماع قيل للأب أقبض مهرها، وسلمها إليه، فإن قلن لا تحتمل الرجال أجبر الزوج على دفع المهر إلى الأب، ولا يجبر الأب على دفع البنت إلى الزوج.\n\n[١١٧١] قال:\nوكذلك إذا أدعي الزوج أنها بلغت مبلغ النساء، وقال الأب: هي صغيرة لم تبلغ، ولا تحتمل الرجال، وهي ممن يشك في بلوغها، نظر إليها النساء.\nفإن قلن: [أنها] لا تحتمل الرجال، أجبر الزوج على دفع المهر إلى الأب.\nوإن قلن: أنها تحتمل الرجال دفعت إلى الزوج؛ لأنهم لو اتفقوا [علي] أنها صغيرة لكنها تحتمل الرجال دفعت إلى الزوج.\nفإن شكوا في بلوغها، واتفقوا أنها تحتمل الرجال أولى أن تدفع [إلى الزوج].","vol":"4","page":161},{"text":"[١١٧٢] قال:\nفإن أتي الزوج ببينه تشهد على سنها، وقد عرفوا مولدها، وكانت أبنه خمسة عشرة سنة دفعت إلى الزوج.\nلأن الظاهر أن المرأة إذا بلغت بسنها خمس عشيرة سنة تصلح للرجال، وتحتمل الجماع، والبناء على الغالب واجب، حتى يتبين ما يخالفه.\nفإن تبين لا يؤمر.\nلأن هذا أمر ينبني على الطاقة؛ ألا تري أن البالغة إذا كانت لا تحتمل لا يؤمر الأب أيضًا بالدفع.\n\n[١١٧٣] قال:\nفإن كان أهلها قد دفعوا إلى الزوج، أو كان أبوها قد دفعها إليه، ثم رجعت إلى منزل أبيها، فطلبها الزوج، وقال: قد دخلت بها، وقال أهلها: نعم قد دخل بها، ولكنه قد عقرها، وذلك أنها لا تحتمل الرجال، وقال الزوج: لا بل هي تطيق الرجال، وما عقرتها، لكنها نشزت على، فإنها أيضًا تري النساء.","vol":"4","page":162},{"text":"فإن قلن إنها ممن تطيق الرجال دفعت إلى الزوج.\n\n[١١٧٤] قال:\nوإذا كان أبوها دفعها إليه، وهي ممن لا تطيق الرجال، ولا تحتمل الوطء، فصارت في منزل زوجها، ثم أنها رجعت إلى منزل أبيها، فقال أبوها: لا أدفعها [إليك] إلى أن تصير إلى حال تحتمل الرجال، وقال الزوج: قد كنت دفعتها إلى، وصارت في منزلي، فليس لك منعي بعد ذلك، فللأب ذلك.\nلما قال صاحب الكتاب: أن الزوج لا ينتفع بها في هذه الحالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-389>[المهر والنفقة إذا كان الزوج صغيرًا]</span>\n[١١٧٥] قال:\nوإن كان الزوج صغيرًا زوجة أبوه، أو جارية صغيرة زوجها أبوها، أو امرأة كبيرة زوجها وليها بإذنها، فللأب أن يقبض مهر الصغيرة من مال الصبي، وكذا مهر الكبيرة إن كانت بكرًا، وهي تقبض إن كانت ثيبًا.","vol":"4","page":163},{"text":"لأن المهر إنما يجب بنفس العقد، والعقد قد صح.\nوإن طلبت النفقة وقد قبضت المهر أنفق عليها من مال الغلام.\nفرق بين هذا وبين ما إذا كان الزوج كبيرًا، والمرأة صغيرة؛ فإنها لا تستوجب النفقة على الزوج الكبير.\nوالفرق: إن استحقاق النفقة بحكم قيام الزوج عليها، فمتى كان الزوج كبيرًا والمرأة صغيرة فالمانع من القيام عليها جاء من قبلها، فمنع استحقاق النفقة ومتى كان بالعكس فالمانع جاء من قبل الزوج، فلا يمنع استحقاق النفقة لها، وصار هذا كالخلوة بالارتقاء، لا توجب تأكيد المهر، وخلوة العنين والمجبوب توجب؛ لما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-390>[ولاية الأب على الصغيرة]</span>\n[١١٧٦] قال:\nولو أن رجلًا زوج أبنته وهي صغيرة من رجل، وهي تحتمل الرجال، وتصلح للوطء، فدفعها أبوها من","vol":"4","page":164},{"text":"غير أن يأخذ منها مهرها، فوطئها الزوج، فللأب أن يطالب بمهرها، ويأخذه من زوجها ثيبًا كانت أو بكرًا، ما دامت صغيرة لم تبلغ مبلغ النساء.\nلأن الأب ولي الصغيرة بكرًا كانت أو ثيبًا؛ ألا تري أنه يملك التصرف في سائر أملاكها.\n\n<span data-type='title' id=toc-391>[دعوي الأب موت أبنته ومطالبته بميراثه من مهرها]</span>\n[١١٧٧] قال:\nوإن طالب الأب [الزوج] بمهر ابنته، فأحضر زوجها فقال الأب: [قد ماتت ابنتي، ولم تدع وارثًا غير زوجها هذا، فأنا أريد نصف مهرها الذي هو] حقي، وقال الزوج: لم تمت، وإنما يدفعني عنها، وليس للأب بينة تشهد على موتها، والزوج يطلبها من الأب، ويقول: أدفعها إلى، فليس للأب أن يقبض من الزوج شيئًا.\nلما قال صاحب الكتاب: أن الأب لما أدعي موتها فقد أقر أنه خرج من ولاية القبض لها، وإنما","vol":"4","page":165},{"text":"يدعي نصف المهر لنفسه بعد ذلك، معناه أنه أقر بانقطاع الولاية الثابتة له، وإنما يدعي بعد ذلك شيئًا حادثًا لإثبات ولاية قبض المهر، وهو ينكر، فيكون القول قول المنكر.\nونظير هذا رجل له أبنان، وله على أحدهما ألف درهم، فوكل أبنه الآخر قبضها منه، فقال الوكيل بعد ذلك: قد مات أبي، فورثته أنا وأنت هذه الألف، فأدفع إلي نصفها، وقال الذي عليه الألف: لم يمت أبي، فليس للوكيل أن يقبض من أخيه شيئًا.\nلأنه أقر بانقطاع الولاية الأولى، وأدعي حدوث الولاية بعد ذلك، وهو ينكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-392>[دعوي الزوج موتها ومطالبته بميراثه من مهرها]</span>\n[١١٧٨] قال:\nولو أن الأب في المسألة الأولى طالب الزوج بمهر أبنته، وقال: هي حية بالبصرة أدفعها إليك هناك، وقال","vol":"4","page":166},{"text":"الزوج: قد ماتت: ولي نصف المهر ولك النصف، فالقول قول الأب، وله أن يأخذ المهر من الزوج.\nلأن ولاية القبض كانت ثابتة له، وهو لم يقر بانقطاع تلك الولاية، بل الزوج يدعي عليه الانقطاع، وهو ينكر، فكان القول قول المنكر.\nفإذا لم يثبت الموت يقال للزوج سلم المهر إليه، ويوثق له، فإن دفعها غليه بالبصرة كما قال، وإلا رد عليه نصف المهر بالميراث.\nوإن رجع إلى تصديقه وقال: هي ماتت، دفع إليه نصف المهر الذي قبضه منه.\nوالله أعلم بالصواب.","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-393>الباب الرابع والثمانون (في العنين والمجبوب)</span>\n<span data-type='title' id=toc-394>[يؤجل العنين سنة]</span>\n[١١٧٩] ذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ [أنه] قال:\nيؤجل العنين سنة، فإن انتشط قبل ذلك وإلا فرق بينهما وابتغي كل واحد منهما من فضل الله تعالي.\nوهذا الحكم مروي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود ﵃.","vol":"4","page":168},{"text":"ذكر صاحب الكتاب ههنا: وهذا لأن العجز عن الوصول إليها محتمل [أن يكون] لقصور في أصل الخلقة، فيتحقق قوات الإمساك بالمعروف فيجب التسريح بالإحسان، ويحتمل أن يكون لداء على شرف الزوال، فلا يتحقق فوات الإمساك بالمعروف فلا يجب التسريح بالإحسان، ولا يتبين أحدهما من الآخر إلا بمضي مدة، فقدرت بالحول: لأنه يشتمل على الفصول الأربعة.\nوقد ذكرنا تمام هذا الفصل في شرح المختصر في كتاب النكاح.\n\n[١١٨٠] وقد ذكر صاحب الكتاب في الكتاب أثارًا كثيرة تدل على أن العنين مما يؤجل سنة.\nوقد ذكر من جملة الآثار حديث على ﵁ قال: جاءت أمرأة إلى علي ﵁ فقالت: يا أمير المؤمنين","vol":"4","page":169},{"text":"هل لك في امرأة لا أيم ولا ذات بعل؟ فقال علي ﵁: من صاحب هذه؟\nفجاء شيخ كبي رقد اجتنح يدف أي مال، وتقرب قليلًا قليلًا، فقالت ويا أمير المؤمنين، قد تري هيئتها، فقال علي ﵁: هل مع هذا شيء؟\nقال: \"لا\nقال: ولا من آخر السحر؟\nقال: لا\nقال: [قد] هلكت وأهلكت.\nقالت: يا أمير المؤمنين فرق بيني وبينه.\nفقال: ما أنا بمفرق بينكما، فاتقي الله واصبري مع زوجك.","vol":"4","page":170},{"text":"وهذا يحتمل تأويلين:\nأحدهما: أصبري حولًا، وبه نقول.\nوالثاني: أنه قد غشيها مرة وعجز عن الوصول إليها. وبه نقول، أن الزوج متى غشيها مرة لا ينبت لها حق المطالبة بالفرقة بعد ذلك.","vol":"4","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-395>[تحتسب السنة من يوم يرتفعان إلى القاضي]</span>\n[١١٨١] قال:\nولو أن امرأة قدمت زوجها إلى القاضي فقالت: أن هذا تزوجني وأن بكر، أو ثيب، وأنا مقيمة معه منذ زمان، لم يصلي إلى فقال الزوج صدقت، الأمر على ما قالت، لم أصل إليها، وأنا أرجو أ، أصل إليها، فإن القاضي يؤجله سنة من يوم يرتفعان إليه، فإن وصل إليها من بينه وبين سنة، وإلا خيرها القاضي بعد مضي السنة، فإن اختارت الفرقة فرق الحاكم بينهما، وكانت فرقة بطلاق.\nلما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-396>[دعوي الوصول إليها]</span>\n[١١٨٢] قال:\nوإن قدمت إلى القاضي، فقالت: إن هذا تزوجني وأنت بكر، ولم يصل إلي، فقال الزوج: كذبت، بل وصلت إليها، وما هي بكر، فإن القاضي يريها النساء.\nلأن للقاضي طريق معرفة الصادق من الكاذب أن يريها النساء.","vol":"4","page":172},{"text":"فإن شهدن أنها بكر أجله سنة.\nلأن البكارة لا تبقي مع الوصول إليها، فلما ثبتت البكارة تبين كذب الزوج.\nفإن ردته بعد سنة فقالت: لم يصل إلي، وقال هو: بل وصلت غليها، وما هي ببكر، فإن القاضي يريها النساء.\nفإن شهدت أنها بكر على حالها يخيرها.\nلأن شهادتهن تأديت بمؤيد، فإن الأصل في النساء البكارة، فقبل بشهادتهن، وخيرت المرأة.\nوإ، قلن أنها ثيب، حلف الزوج: بالله لقد وصلت إليها وجامعتها.\nلأن شهادتهن في هذه الصورة تجردت عن مؤيد، فيحلف الزوج، لكن ينضم يمين الزوج إلى شهادتهن فتتقوي [بها] شهادتهن فتصير حجة.\nفإن حلف فهي امرأته، ولا خيار لها.\nفإن أبي أن يحلف، ونكل عن اليمين، خير القاضي.","vol":"4","page":173},{"text":"[١١٨٣] قال:\nفإن قال الزوج للقاضي بعد الحول حين قدمته [إليه] الثانية، قد كنت أعلمتك أني وقد وصلت إليها قبل أن تقدمني إليك، وقبل أن تؤجلني، فأما بعد ما أجلتني ما وصلت إليها، فإن القاضي لا يحتاج أن يريها النساء ثانية.\nلأنه قد أراها مرة، وشهدن أنها بكر، وكذبه القاضي في هذا الإخبار حين حكم عليه بالعنة، فما أدعي من الوصول قبل رفع الأمر إلى القاضي صار عدما، وقد أقر أنه لم يصل في هذا التأجيل، فيخيرها القاضي.\n\n[١١٨٤] قال:\nوإن قال: قد كنت وصلت إليها قبل أن تقدمني، وقبل أن رجلني، ثم وصلت إليها بعد ما أجلتني، فإن القاضي يريها النساء، فإن شهدن أنها بكر خيرها، وإن قلن: أنها ثيب حلفه على وصوله إليها، ولم يخيرها إذا حلف، وخيرها إذا أبي أن يحلف [ونكل].\n\n[١١٨٥] قال:\nوإن قدمت إلى القاضي وقالت: أن هذا تزوجني وأنا ثيب، ولم يصل إلى منذ تزوجني، أو قالت: قد فسدت عذرتي من علة","vol":"4","page":174},{"text":"أصابتني، فأما هو فلم يصل إلي، سأله القاضي عن ذلك، فإن قال الزوج: قد وصلت إليها: وجامعتها فالقول قوله مع يمينه.\nولأن الأصل في النكاح هو اللزوم، والمرأة تدعي ثبوت حق الفسخ لنفسها، والزوج ينكر، فكان القول قوله مع يمينه؛ كلاشمتري إذا طعن في المبيع بعيب فأنكر البائع.\n\n[١١٨٦] قال:\nوإن قالت: أنا بكر، ولم يصل إلي، وقال الزوج: قد وصلت إليها وجامعتها، فأراها القاضي النساء فاختلفن عليها، فقال بعضهن: هي بكر، وقال بعضهن، هي ثيب، وهي تقول: أنا بكر، وهؤلاء غلطن، فإن القاضي يستظهر بنسوة غيرهن يريهن أياها.\nلأن الاشتباه باق، فيسأل غيرهن؛ كما في الشاهد [إذا] عدله واحد وجرحه الآخر، فإنه يسأل من غيرهما، كذلك ههنا.\nفإن قلن: أنها ثيب، حلفه أنه وصل إليها، ودفعها إليه، ولم يجعل لها خيارًا، لأن ثبت كذبها.","vol":"4","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-397>[ما لا يحتسب في سنة العنين من الأيام وما يحتسب]\n[أيام مرضه]</span>\n[١١٨٧] قال:\nفإن أجله القاضي سنة فمرض في السنة مرضًا لا يمكنه معه] الجماع، لم تحتسب عليه الأيام التي مرض فيها، وكذلك أن مرضت هي لم تحتسب علي الأيام التي مرضت فيها.\nلأن العجز عن الوصول إنما يعتبر إذا كان بسبب العنة والعجز بسبب آخر يصير مستثني.\n\n<span data-type='title' id=toc-398>[أيام هربها]</span>\n[١١٨٨] قال:\nوكذلك لو هربت منه لم تحتسب عليه الأيام التي غابت فيها من السنة.\nلأن العجز إنما جاء بسبب من جهتها، فلا تحتسب عليه؛ بخلاف ما لو كان الزوج هو الذي غاب، فإن تلك الأيام تحتسب عليه، لأن العجز إذا جاء من جهته عن اختيار فتحتسب عليه.","vol":"4","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-399>[أيام الحبس]</span>\n[١١٨٩] قال:\nوإن حبس في الحبس، فأمتنعت من أن تأتيه في الحبس، لم تحتسب عليه تلك الأيام.\nلأن العجز ما كان بسبب العنة، ولا بسبب من جهته.\n\n[١١٩٠] قال:\nوكذلك إذا كان القاضي لما أجله سنة طلبت هي حبسه بمهرها، فحبسه القاضي، فامتنعت [هي] من اتيانه في الحبس [لم تحتسب عليه تلك الأيام.\nلما قلنا.\nوإن لم تمتنع عن اتيانه في الحبس] لو كان له هناك موضع خلوة احتسبت عليه تلك الأيام.\nلأن العجز جاء بسبب العنة.\n\n[١١٩١] قال:\nوكذلك لو حبست هي في حق لزمها، فإن كان الزوج يعد إليها في الحبس، ويمكنه الخلوة والمبيت فيها احتسبت عليه","vol":"4","page":177},{"text":"تلك الأيام، وإن لم يمكنه لم تحتسب عليه.\nلما قلنا من جانب الزوج.\n\n<span data-type='title' id=toc-400>[أيام الحيض]</span>\n[١١٩٢] قال:\nوتحتسب أيام حيضها.\nلأن الصحابة قدروا الأجل بسنة، مع علمهم أن المرأة تحيض، فعلم أنهم ما جعلوا زمان الحيض مستثني من السنة وهذا لأن الحيض مانع شرعًا والعنة مانع حسًا.\nوإن تخلل في هذه المدة شهر رمضان، فزمان الصوم يكون محسوبًا من السنة لوجهين:\nأحدهما: أنه يمكنه أن يأتيها بالليل.\nوالثاني أن الصوم مانع شرعًا لا حسًا.\nوأما إذا أحرم الرجل أوأحرمت هي بالحج، أو أحرما [فقد ذكر هذه المسألة في النوادر، وذكر فيها خلافًا بين أبي يوسف ومحمد.","vol":"4","page":178},{"text":"فعلي قول محمد ﵀ يكون محسوبًا.\nوعلى قول أبي يوسف ﵀: لا.\n\n<span data-type='title' id=toc-401>[إشهاد القاضي على تأجيل العنين]</span>\n[١١٩٣] قال:\nوينبغي للقاضي إذا أجله أن يشهد علي تأجيله أياه، وعلى الوقت، ويثبت ذلك عنده.\nلأن هذا من جملة الأحكام، فينبغي أن يحتاج فيه بسجل أو كتاب، حتى لا تشتبه عليه المدة عند انقضائها.\nفإذا مضت السنة ثم مات القاضي أو عزل قبل أن تخير المرأة فولي قاضي آخر فقدمت الزوج إليه، وقامت عند البينة أن فلانًا القاضي كان أجله في أمرها سنة منذ وقت كذا، وأن السنة قد مضت، فإن القاضي يبني على هذا.\nوكذلك لو مات القاضي أو عزل، ثم ولي قاضي آخر، فأقامت عنده البينة بذلك، أو أقر به الزوج عند القاضي، فالقاضي يبني على هذا، حتى لو أقر الزوج بعدم الوصول بعد تمام السنة خيرها.","vol":"4","page":179},{"text":"وإن أدعي الوصول أراها النساء، فإن شهدن أنها بكر خيرها.\nلأن التأجيل حكم من القاضي، وكل حكم أمضاه القاضي ليس للقاضي الذي يأتي بعده أن يبطله، فيبني عليه.\nبخلاف ما لو شهد شهوده عنده، فقبل أن يقضي مات، أو عزل، وولي آخر، [فإنه] ليس له أن يقضي بتلك الشهادة.\nلأن الشهادة إذا لم يتصل بها القضاء لن تكون حجة، والثاني إنما يعمل بهما هو حجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-402>[التحكيم في التأجيل خارج القضاء]</span>\n[١١٩٤] قال:\nولو أن المرأة نازعته في ذلك فلم يرتفعا إلى القاضي فدخل قوم بينهما، فاصطلحا على أن أجلته سنة، كما يؤجله القاضي، فلما كان بعد السنة أبي أن يخيرها، وارتفعا إلى القاضي، فإن القاضي يستأنف التأجيل ولا يلتفت إلى ذلك الأجل الذي كان بينهما.\nلأن سبب ذلك الأجل التراضي، فكان بمنزلة ما لو لم تخاصم زوجها زمانًا بعدما علمت بذلك، ثم خاصمته إلى القاضي.","vol":"4","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-403>[طلب الزوج التأجيل إلى مدة أخرى]</span>\n[١١٩٥] قال:\nوأن أجله القاضي سنة فلم يصل إليها، فسأل الزوج القاضي أن يؤجله سنة أخرى، أو شهرًا، أو أكثر من ذلك، فإنه لا ينبغي للقاضي أن يفعل ذلك إلا برضي المرأة.\nلأن الأجل مقدر شرعًا، فلا تجوز الزيادة عليه.\n\n[١١٩٦] قال:\nفإن رضيت أن تؤجله أجلًا بعد الأجل الأول، فعل القاضي ذلك.\nلأن صاحبه الحق رضيت به، وأن أرادت بعد ذلك الرجوع في الأجل فرجعت فيه، فلها ذلك، ويبطل الأجل، ويخيرها القاضي.\nلأن التأجيل أنما يلزم فيما صار مستحقًا في الذمة دينًا وليس هذا دينًا، فلا يلزم التأجيل، فكان هذا تأخيرًا لحقها، بمنزلة التأقيت في العارية، فكان هذا تأخيرًا لحقها، بمنزلة التأقيت في العارية، فلا يكون لازمًا، وصار هذا كالشفيع إذا تشفع إليه المشتري أن يمهله شهرًا فأمهله صح ذلك، ولو رجع عن ذلك صح بالرجوع.","vol":"4","page":181},{"text":"وكذا المدعي عليه إذا استمهل المدعي شهرًا لينظر فيه فأمهله صح ذلك، ولو رجع عن ذلك صح الرجولة.\nكذا ههنا.\nفرق بين هذا وبين ما إذا رضيت بالمقام معه، ثم خاصمته، فإنه لا يسمع خصومتها.\nوالفرق: إن ثمة أسقطت حقها على الإطلاق، والساقط لا يحتمل الرجوع.\nأما ههنا [فقد أخرته، فكان بمنزلة التوقيت في العارية، فكان لها الرجوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-404>[زواج العنين بها مرة أخرى بعد الفرقة]</span>\n[١١٩٧] قال:\nفإن اختارت الفرقة ففرق القاضي بينهما بعد أن لم يصل إليها، ثم تزوجها ذلك الزوج بعد الفرقة تزويجًا مستقبلًا، فلم يصل إليها في هذا النكاح الثاني، فخصامته في ذلك القاضي، وقالت: أنه وعدني الوصول إلى، وقال لي: أن عندي ما يحييني، وإنما كنت مأخوذًا عنك، لم يقبل القاضي منها [ذلك]، ولم يجعل لها الخيار.","vol":"4","page":182},{"text":"لأنا لما تزوجت به ثانيًا مع علمها بحال صارت راضية بذلك العيب.\nبخلاف ما تزوجت به امرأة أخرى، قد سمعت أنه لا يصل إلى النساء، فإن ذلك لا يكون رضي منها، حتى لو خاصمته في ذلك إلى القاضي أجله سنة.\nلأن العجز عن وطء امرأة لا يدل على العجز عن وطء جميع النساء، فلم يوجد منها الرضي ببطلان حقها، فكان لها الخيار كما إذا لم تعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-405>[ما يكون في حكم العنة]</span>\n[١١٩٨] قال:\nولو أن رجلًا كانت له امرأة كان يصل إليها، وأولد منها أولادًا، ثم طلقها طلاقًا بائنًا، ثم تزوجها ثانيًا، فلم يصل إليها في هذا النكاح الثاني، فهو بمنزلة العنين، فإن خاصمته في ذلك أجله القاضي سنة.\nلأن العقد الثاني غير [العقد] الأول، وباعتبار كل عقد يتجدد لها حق المطالبة بإيفاء حقها و[هي] لم ترض بذلك، فكان لها الخيار.","vol":"4","page":183},{"text":"[١١٩٩] قال:\nولو تزوجها، وكأن يأتيها في مادون الفرج حتى ينزل، وتنزل هي، ولا يصل إليها في الفرج، فأقامت معه على ذلك زمانًا، وهي بكر، أو ثيب، لم يصل إليها في الفرج، ثم خاصمته، وقالت ليس يصل على في الفرج، فإنه يؤجل سنة.\nلأن مقاصد النكاح لا تتوفر عليها [بالإتيان] في مأذون الفرج من نيل اللذة، وثبوت الإحصان، وحصول النسل، فكان هذا بمنزله العنين، فيؤجل سنة كما يؤجل العنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-406>[دعوي الأمة عنه زوجها]</span>\n[١٢٠٠] قال:\nولو أن أمة لرجل زوجها من رجل وهي بكر، أو يثب، فخاصمت الأمة الزوج إلى القاضي، وقالت: هي عنين، ولم يصل إلي، أو مجبوب، فإن أبا حنيفة وزقر قالًا: الخيار في ذلك إلى المولي، فإن رضي المولي فليس للأمة خيار، وإن لم يرض بذلك كانت الخصومة إليه.\nوقال أبو يوسف: الخيار في ذلك إلى الأمة، وليس إلى المولي من ذلك شيء.","vol":"4","page":184},{"text":"هو يقول: الحق لها؛ لأن منفعة الجماع لها، فكان حق الخصومة لها كما قال أبو يوسف في العزل أن الأذن إليها [فيه].\nوأبو حنيفة وزفر يقولان: المقصود من الوطء الأولاد والأولاد للمولي، فكان الخيار فيه إلى المولي كما قال أبو حنيفة في العزل؛ لأن الإذن فيه إلى المولي.\nولم يذكر في الكتاب قول محمد\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح هذا الكتاب قوله مع أبي حنيفة.\nوذكر القاضي الإمام أبو الحسن السفدي في شرح هذا الكتاب [قوله] مع أبي يوسف.\nوهذا أليق بأصل محمد؛ فإنه في العزل مع أبي يوسف.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>[حكم العنين إذا وصل إلى امرأة أخرى]</span>\n[١٢٠١] قال:\nولو أن رجلًا تزوج امرأة فلم يصل إليها، وكانت له امرأة أخرى كان يصل إليها، أو إلى جارية، فهو في ما بينه وبين تلك","vol":"4","page":185},{"text":"المرأة التي لم يصل إليها عنين، ويؤجل سنة، ثم تخير بعد ذلك.\nلأن مقصودها لا يحصل بأتيان غيرها، بل يزداد غيظها، فإنها تتمه، أنه يقصد به الإضرار بها، فكان لها الخيار.\nوالله تعالي أعلم بالصواب","vol":"4","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-408>(الباب الخامس والثمانون) في من قال: إذا تم أجل العنين خيرت [المرأة]</span>\n[١٢٠٢] ذكر عن إبراهيم أنها تخير في رأس الحول، فإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقت.\n\n[١٢٠٣] وقد أورد في الباب أخبارًا كثيرة كلها تدل على ثبوت الخيار لها بعد المدة [وعلى أنها إذا اخترت فليس لا خيارًا بعد ذلك].\nوعلى أنها إذا اختارت الفرقة وفرق القاضي بينها كان لها الصداق كاملًا.\nوعلى أن الفرقة كانت فرقة بطلاق.\nوعلى أنها إذا خيرها القاضي فاختارت الفرقة.","vol":"4","page":187},{"text":"فقبل أن يقول القاضي: فرقت بينكما رضيت بالمقام معه كان لها ذلك، ولم يفرق القاضي بينهما بعد هذا القول.\nوعلى أنه إذا فرق القاضي بين العنين وبين امرأته وبين المحبوب وامرأته، ثم جاءت بولد، ولم تقر بانقضاء العدة أنه يلزم الزوج.\nوهذه الجملة كلها ظاهرة.\nوالله تعالي أعلم بالصواب","vol":"4","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-409>(الباب السادس والثمانون) في من قال لامرأة العنين الصداق ومن قال لها نصف الصداق</span>\n[١٢٠٤] ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه [قال]:\nأجل العنين سنة، فإن أتاها، وإلا فرق بينهما، ولها الصداق كاملًا.","vol":"4","page":189},{"text":"معناه: أن عمر ﵁ قال: يجب على القاضي أن يؤجل سنة، فقان اتاها وإلا فرق إلى آخر الحديث.\nوكان شريح يقول: إن عليه نصف الصداق.\nوعلماؤنا أخذوا بحديث ﵁؛ بناء على أن خلوة العنين توجب تأكد المهر.\nوذكر في الباب أخبارًا كثيرة كلها تدل على ذلك.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-410>(الباب السابع والثمانون) في من قال: إذا وصل الرجل إلى امرأته مرة فلا خيار لها</span>\n[١٢٠٥] ذكر عن الحسن أنه قال:\nإذا وصل إليها مرة [فلا خيار لهاو] لم يفرق بينهما.\nوذكر في الباب اخبارًا كثيرة على أن حق المرأة يبطل في الفرقة بالوطء مرة.\nوبه أخذ علماؤنا.\nفإن قالت: وطئني مرة، ولكنه قد اشتغل بامرأة لـ أخرى، أو بجارية له، فلا خيار لها أيضًا بسبب الوطء.\nلما قلنا.\nلكن إن أردت أن يكون معها، ويقسم لها المبيت كما يفعل","vol":"4","page":191},{"text":"بامرأة له أخرى، أو بجاريته، أمره القاضي بذلك، يسوي بينها وبين نسائه في المبيت.\nفإذا أقام معها ليلة لا يجب عليها أن يطأها.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>الباب الثامن والثمانون (في المجبوب)</span>\n<span data-type='title' id=toc-412>[خيار المرأة في المجبوب]</span>\n[١٢٠٦] قال:\nولو أن امرأة رفعت زوجها إلى القاضي فقال: أنه مجبوب الذكر والانثيين، وخصامته في الجماع، فإنه إذا كان الأمر على ما صفت فإن صدقها الزوج فلها الخيار، ولا يؤجل.\nفرق بينه وبين العنين.\nوالفرق: أن التأجيل لرجاء الوصول إليها، والرجاء في العنين قائم، أما في المجبوب فلا ينبت ولها الخيار.\nوإن اختارت الفرقة فرقة القاضي بينهما.\nفإن كانت الفرقة قبل الخلوة يجب على الزوج نصف المهر ولا عدة عليها.\nوإن كانت بعد الخلوة فعلي قول أبي حنيفة ﵀ يجب على الزوج كمال المهر، وعليها العدة كما في العنين.\nوقالا: يجب على الزوج نصف المهر.","vol":"4","page":193},{"text":"والمسألة معروفة: أن خلوة المجبوب هل توجب كمال المهر؟\nوهي تعرف في المبسوط.\nوهل تجب عليها العدة عندهما؟\nفيها روايتان:\n[أشار] في كتاب الطلاق إلى أنه لا تجب، فإنه قال ثمة: خلوة المجبوب بمنزلة خلوة الصبي.\nوأشار في كتاب النكاح، وفي الجماع الصغير [إلى أنه] تجب.\nفإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، فموضوع ما أشار في كتاب الطلاق مجبوب جف ماؤه، فلا يتصور منه الإنزال بالسحق.","vol":"4","page":194},{"text":"وموضوع ما ذكر في كتاب النكاح وفي الجامع الصغير مجبوب لا يجف ماؤها، فيتصور منه الاعلاق، فتجب العدة احتياطًا.\nوقد ذكرنا هذا في كتاب النكاح في باب العنين في شرح المختصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-413>[رضي المرأة بالمجبوب]</span>\n[١٢٠٧] قال:\nولو أنها حين علمت أنه مجبوب قالت: قد رضيت به، واخترت المقام معه، وأشهد إليها بذلك [بينة] لم يكن لها بعد ذلك أن تراجع عنه.\nلأنها لما رضيت فقط أسقطت حق نفسها مطلقًا، فتسقط، كالمشتري إذا وجد بالمبيع عيبًا فقال: رضيت بهذا العيب، ثم أراد أن يرده على البائع، لا يملك كذا ههنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-414>[هل للارتقاء خيار؟]</span>\n[١٢٠٨] قال:\nولو تزوجها، وهو محبوب، وهي ارتقاء، لا يوصل مثلها، فخاصمته في ذلك فلا خيار لها.\nلأن الخيار إنما يثبت، لتختار نفسها، فتتوصل إلى حقها من جهة رجل آخر، وهي لا تتوصل، فلا يكون إثبات الخيار لها مفيدًا.","vol":"4","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>[دعوي المجبوب الوصول إلى المرأة]</span>\n[١٢٠٩] قال:\nولو أن رجلًا تزوج امرأة فخاصمته إلى القاضي، فقالت: أنه مجبوب، وليس يصل إلي، وقال هو: ما أنا بمجبوب، وقد وصلت إليها، وقالت هي: أنا ثيب تزوجني كذلك، أو قالت: تزوجني وأنا بكر فصرت ثيبًا من مرض، أو علة أصابتني، فأما هو فما وصل إلي، وذلك لأنه مجبوب ممسوح، فإن القاضي لا يريها النساء، وكذا لو أدعت أنها بكر.\nلأن رؤية النساء إنما تكون لتوهم الدخول، والدخول من المجبوب لا يتصور، فلا فائدة [في] أن يريها النساء، ولكنه يري الرجل، فإن كان يتبين حالة حقيقية [بالحبس] والمس من غير أن يكشف [عورته] فينظر إليه بالحس والمس وراء الثياب، فعل ذلك.\nلأن كشف العورة لا يحل من غير ضرورة.\nوإن لم يتبين [حاله إلا بالكشف والنظر، أمر أن","vol":"4","page":196},{"text":"ينظر إليه.\nولا ينظر بنفسه.\nلأن النظر بنفسه يؤدي إلى الازدراء، والاستخفاف به، فلا يفعل، لكن يأمر أمينًا ينظر إلى ذلك الموضع.\nلأن النظر إلى العورة يحل عند الضرورة؛ ألا تري أن الذمي إذا أسلم وهو أقلف، واحتاج إلى الختان، حل النظر [إليه].\nوكذا شهود الزني ينظرون إلى الفرج؛ لتحمل الشهادة، ويحل لهم ذلك.\nوالقابلة تنظر إلى الفرج لتحمل الشهادة، وحل لها ذلك، والمشهود عليه بالزني إذا قال للقاضي: إني مجبوب، فأنظر إلي، أو مر من ينظر إلي، فإنه ينبغي للقاضي أن ينظر إليه، أو يأمر من ينظر إليه فكذا ههنا.\nفإذا نظر، فإن وجده صحيحًا، فلا خيار لها، وإن وجده محبوبًا خيرها ولم يؤجل.\nلما قلنا من قبل.\nولو وصل إلى امرأته مرة، ثم جبت آلته، فلا خيار كما في العنين.","vol":"4","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-416>[دعوي المجيوب أنها ارتقاء]</span>\n[١٢١٠] قال:\nولو أن امرأة خاصمت زوجها إلى القاضي فقالت: أنه مجبوب، وقال هي رتقاء، لا يوصل إليه أن فإن القاضي يريها النساء.\nلأن ولاية الخصومة إنما تثبت لها إذا كانت محلًا للاتيان، فإن القاضي يريها النساء؛ ليعلم أن لها ولاية الخصومة، أم لا، كما في الزوج إذا قال: وصلت إليه وقالت: أنا بكر، فالقاضي يريها النساء؛ ليعلم أن لها ولاية الخصومة.\nفإن شهدن أنها ارتقاء لا يوصل إليها، فلا خيار لها.\nلما قال في الكتاب:\nأن المنع من قبله وقبلها، فإذا كان من قبله وقبلها لا يفيد لها الخيار، فلا يثبت لها الخيار.\nوإن شهدن أنه ليس بها مانع، يسمع خصومتها، ويتفحص عن حال الزوج؛ فإن وجده مجبوبًا خيرها، ولم يؤجل.\nلما قلنا.\nوالله تعالي أعلم بالصواب","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-417>الباب التاسع والثمانون (في الرجل يغيب عن امرأته فتطلب النفقة)</span>\n<span data-type='title' id=toc-418>[وجوب نفقة الزوجات والأولاد]</span>\n[١٢١١] ذكر عن عائشة ﵂: إن هند بنت عتبة قالت:\nيا رسول الله أن أبا سفيان رجل شحيح، وأنه لا يعطني [من النفقة] ما يكفيني وولدي، فأخذ من ماله بغير علمه؟\nقال:\n\"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف\".","vol":"4","page":199},{"text":"وفي الحديث دليل علي وجوب نفقة الزوجات على الأزواج، وبه نقول؛ أن نفقة الزوجات تجب على الأزواج.\nوهذا موافق لكتاب الله تعالي، وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم:\nأما الكتاب:\nفقوله تعالي:\n(الرجال قوامون على النساء ..) إلى قوله وتعالي: (وبما أنفقوا من أموالهم).\nوقال تعالي:\n(وعلي المولود له رزقهن ..) الآية.","vol":"4","page":200},{"text":"والمولود له إنما هو الزوج.\nوأما السنة:\nفقوله ﵊:\n\"تقول لك زوجك: أنفق علي، أو طلقني، ويقول لك مملوك: أنفق علي أو بعني، ويقول لك ولدك: أنفق علي، إلى من تكلني .. \".\nوفيه أيضًا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد.\nوبه نقول: أن نفقة الأولاد الصغار، والزمني من الذكور الكبار والإناث واجبة على الوالد.","vol":"4","page":201},{"text":"وهذا موافق لقوله تعالي:\n(وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن).\nوالمولود له إنما هو الأب.\nوفيه دليل على أن نفقة الزوجات على الأزواج، ونفقة الأولاد على الوالد واجبة قبل قضاء القاضي، وأمره بالإنفاق عليهم إعانة على استيفاء حقهم، لا إيجابًا مبتدأ.\nلأن سبب الوجوب سبق القضاء والأمر، وهو النكاح والولاد، لكن الزوج والوالد بالمنع صار ظالمًا، والقاضي إنما نصب لرفع الظلم، لينصف المظلوم من ظالمه، ويعين المظلوم، ويوصله إلى حقه.\nبخلاف نفقة الأقارب، فإن أمر القاضي بالإنفاق وقضاءه لإيجاب ابتداء؛ لأن ذلك مختلف فيه، فلا يثبت إلا بقضاء القاضي.","vol":"4","page":202},{"text":"وفيه دليل [على] أنها إنما تأخذ نفقتها ونفقة ولدها بالمعروف من غير إسراف ولاتقتير، وهو أن يكون دون الإسراف وفوق التقتير.\nوهذا موافق لقوله تعالى:\n«والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ..» الآية.\nثم المرأة كما تستحق النفقة حال قيام النكاح، تستحق حال قيام العدة.\nأما إذا كانت العدة عن طلاق رجعي، فبالاتفاق لأن النكاح قائم.\nوإن كانت عن طلاق بائن فعندنا تستحق [النفقة] وعند الشافعي لا تستحق.","vol":"4","page":203},{"text":"وذكر في الكتاب حديث إبراهيم ما يدل على مذهبنا فإنه قال في الرجل يطلق امرأته وهو غائب، ولم يفصل بين طلاق رجعي وبين طلاق بائن، وأوجب النفقة.\nثم عندنا لا تستحق هذه النفقة ابتداء، بكن يبقى ما كان واجبًا حال قيام النكاح، حتى إن كل امرأة لا تستحق النفقة حال قيام النكاح لا تستحق حال [قيام] العدة؛ كما في العدة من النكاح الفاسد، والناشزة، والأمة التي لم يبوئها المولى بيتًا.","vol":"4","page":204},{"text":"فإن لم تطلب المرأة نفقتها في العدة حتى انقضت عدتها، أو ماتت، سقطت نفقتها.\nلأنها من باب الكفاية، وما كان من باب الكفاية فموت من له الحق يسقط الحق؛ كمن له العطاء إذا مات قبل أن يأخذه، وكالقاضي إذا مات قبل أن يستوفي رزقه، لا يكون لورثتهما حق المطالبة من بيت المال، كذا هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-419>[فرض القاضي النفقة على الزوج]</span>\n[١٢١٢] قال:\nوإذا جاءت المرأة تطلب النفقة، وذكرت أن زوجها غائب عنها، ولم يخلف نفقة لها، وسألت القاضي أن يفرض لها عليه، فهذا قسمان:\nإما أن يكون للزوج مال حاضر\nأو لم يكن.\nوكل قسم على وجهين:\nإما أن علم القاضي بالنكاح","vol":"4","page":205},{"text":"أو لم يعلم.\nففي ما لم يكن له مال ههنا في الوجهين جميعًا. القاضي لا يفرض.\nنص عليه في المختصر في آخر باب النفقة مطلقًا.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي في شرح المختصر المذكور قول علمائنا الثلاثة ﵏.\nأما عند زفر ﵀ فالقاضي يفرض في الوجهين.\nفكان هذا فصلًا مجتهدًا [فيه] فكان للقضاء فيه مجال.\nوفي ما إذا كان له مال ههنا.\nففي الوجه الأول من هذا القسم يفرض لها ويأخذ [منها] كفيلًا بعد ما حلفها أنها لم تعط نفقتها.","vol":"4","page":206},{"text":"وفي الوجه الثاني: [أنها] إذا أقامت البينة أنها فلانة بنت فلان بن فلان الفلاني، وزوجها فلان بن فلان الفلاني، فعلى قول أبي حنيفة القاضي لا يفرض.\nوعلى قول أبي يوسف ﵀: يفرض، ولا يقضي بالنكاح عليه، فإن قدم الغائب فأقر أنها امرأته أخذته بنفقتها، وإن أنكر، أن أقامت البينة على نكاحها، أخذته أيضًا بنفقتها، وإن لم تقم [له بينة] لم تأخذ.\nهكذا ذكر الخصاف هذا الخلاف في كتاب النفقات.\nوذكر في المختصر: أن على قول أبي حنيفة الأول: القاضي يقبل البينة، ويفرض لها، ثم رجع وقال: لا تقبل، ولا يفرض.\nفكان ما ذكره الخصاف ههنا وفي النفقات من قول أبي حنيفة قوله الآخر.\nو[كذا] ذكر في المختصر أن على [قول] أبي يوسف الأول تقبل البينة، ولا يقضي بالنكاح.","vol":"4","page":207},{"text":"فكان ما ذكره الخصاف ههنا من قول أبي يوسف قوله الأول.\nوروي عن أبي يوسف أنه قال في الوجه الثاني من القسم الثاني، وهو ما إذا لم يعلم القاضي بالنكاح، وليس للزوج مال حاضر، إذا أقامت البينة على النكاح، فالقاضي يقبل، ويقول لها: إن كنت صادقة قد فرضت [لك] النفقة، وإن كنت كاذبة لم أفرض.\nفإذا كانت صادقة استحقت النفقة.\nوإن كانت كاذبة كان الفرض باطلًا.\nواليوم القضاة يقبلون البينة على النكاح على الغائب للفرض؛ لأنه مجتهد فيه لحاجة الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-420>[استدانة المرأة على زوجها]</span>\n[١٢١٣] قال:\nوإن استدانت امرأة على زوجها، وهو غائب فالاستدانة هي الشراء بالنسيئة ليقضي ثمنه من مال الزوج، فلما قدم الغائب طالبته بذلك، لم يحكم به القاضي بشيء مما","vol":"4","page":208},{"text":"استدانته، إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة، وأمرها أن تسدين عليها.\nلأن الثمن وجب دينًا في ذمتها بحكم العقد، لكن إذا استدانت بأمر القاضي صارت النفقة دينًا في ذمة الزوج بالقضاء.\nلأن للقاضي ولاية إيجاب الدين في ذمة الغائب، فلها أن ترجع عليه إذا قدم، ويقضي الثمن من ماله.\nفإذا لم يأمرها القاضي بذلك وليس لها ولاية إيجاب الدين في ذمة الغائب، لم تصر النفقة دينًا في ذمة الغائب فلا ترجع عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>[الكفالة في النفقات]</span>\n[١٢١٤] قال:\nولو أن امرأة أخذت زوجها بنفقتها، وهو يريد أن يغيب فقالت: أقم لي كفيلًا بنفقتي شهرًا شهرًا، قال أبو حنيفة ﵀: لا يجبر على إعطاء الكفيل.\nوقال أبو يوسف ﵀: يجبر على إعطاء الكفيل بنفقة شهر واحد.\nهكذا ذكر الخصاف ههنا.","vol":"4","page":209},{"text":"وذكر في النفقات أنه على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يجبر على إعطاء الكفيل بنفقه شهر واحد.\nوذكر الحاكم في المختصر مطلقًا أنه لا يجبر [على ذلك].\nوإنما لم يجبر لوجهين:\nأحدهما: ما أشار إليه صاحب الكتاب، فقال:\nلأن النفقة لم تجب لها؛ لأنها إنما تجب فيما يحدث، فلا يجبر على أن يقيم لها كفيلًا بنفقة لم تجب عليه [بعد].\nوالثاني: ما ذكر في شرح المختصر: أن إعطاء الكفيل تبرع والمرء لا يجبر على التبرع، وصار هذا كالدين المؤجل إذا أراد صاحب الدين أن يأخذ منه كفيلًا قبل حلول الأجل مخافة أن يغيب منه عند الحلول لا يقدر كذا ههنا.\nثم عندهما يأخذ [منه] كفيلًا بنفقة شهر.\nوروي عن أبي يوسف رواية أخرى: أن القاضي يسأل الزوج: إنك كم تغيب؟","vol":"4","page":210},{"text":"فإن قال: شهرًا، يأخذ كفيلًا بنفقة شهر.\nوإن قال: شهرين، يأخذا [كفيلًا] بنفقة شهرين. وهكذا.\n\n[١٢١٥] قال:\nإذا كفل رجل لامرأة بنفقتها على زوجها أبدًا فإن ذلك جائز.\nأراد بالأبد: ما داما حيين على النكاح، حتى لو مات أحدهما، أو انقطع النكاح بينهما، فلا نفقة لها، وإنما جاز، لأن الجهالة ارتفعت إذا عرف مقصودها من الأبد.\n\n[١٢١٦] قال:\nفإن تكفل لها بنفقة ولدها كان باطلًا.\nلأن نفقة الأولاد ليست تجب على التأبيد ما دام حيًا، فإنه إذا بلغ تسقط [نفقته].\nوكذا إذا أيسر تسقط.\nفلهذا بطلت الكفالة، بخلاف المسألة الأولى.","vol":"4","page":211},{"text":"لأن نفقة المرأة تجب على التأبيد ما دام النكاح، موسرة كانت أو معسرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-422>[استعداء المرأة المطالبة بالنفقة على صاحب الوديعة وزوجها غائب]</span>\n[١٢١٧] قال:\nوإذا غاب الرجل عن امرأته، وله مال وديعة عند رجل، فاستعدت المرأة على صاحب الوديعة، فإن كان المستودع مقرًا بالوديعة والنكاح، أو القاضي علم بهما، فالقاضي يسأل المرأة: هل ترك لها نفقة\nلأنه ربما يكون خلف لها نفقة.\nفإن قالت: لا، حلفها القاضي بالله ما استوفيت النفقة ولا بينكما معنى من إيجاب النفقة من النشوز وغيره.\nلأن القاضي نصب ناظرًا،؟؟؟ ينظر لها ينظر للغائب.\nفإذا حلفت أمر المستودع أن ينفق عليها، وفرض لها شيئًا وما من ذلك، وأمره أن يأخذ منها كفيلًا.\nوهذا قولهم جميعًا.\nأما عن قول أبي يوسف ومحمد [فإنه]، لا يشكل.","vol":"4","page":212},{"text":"وأما على قول أبي حنيفة ففرق بين هذا وبين الوارث فإن الشهود إذا شهدوا أن هذا وراث فلان ولم يشهدوا وإنا لا نعلم له وارثًا آخر. وتلوم القاضي زمانًا. فإنه يدفع التركة إليه، ولا يأخذ منه كفيلًا.\nوالفرق له: أن جهالة المكفول له تمنع صحة الكفالة. وثمة المكفول له مجهول. لا يدري أنه يحضر خصم آخر أم لا. وههنا المكفول له الزوج. وأنه معلوم. فيجوز أخذ الكفيل.\n\n[١٢١٨] قال:\nولا يسأل المرأة ذلك ولا يستحملها، حتى يسأل المستودع: هل عندك وديعة لفلان أم لا؟\nيريد به إذا لم يعرف القاضي ذلك.\nلأن هذا مقدمة الخصومة، فإنه إذا أنكر يضيع سؤالها واستحلافها.","vol":"4","page":213},{"text":"فإن أقر يشترط إقراره بالوديعة فحسب، أو بالوديعة والنكاح جميعًا.\nوإن أنكر هل تسمع من المرأة إقامة البينة على ذلك؟ فالمسألة على الاستقصاء ذكرناها في شرح المختصر في كتاب النكاح في آخر باب النفقة.\nوالله تعالى أعلم بالصواب.\n* * *","vol":"4","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-423>الباب التسعون في نفقة المرأة</span>\n<span data-type='title' id=toc-424>[جواز فرص القاضي نفقة المرأة على زوجها]</span>\n[١٢١٩] ذكر عن أم الحصيب قالت:\nقرض لي شريح خمسة عشر درهمًا في كل شهر.\nفي الحديث دليل على أنه يجوز للقاضي أن يفرض نفقة المرأة على زوجها.\nلكن إنما يفرض إذا كان الزوج يضر بها في الإنفاق، ولا ينفق عليها بما يكفيها.\nوالتقدير بخمسة درهمًا ليس بتقدير لازم، لأن هذا شيء يختلف باختلاف الأماكن والأزمان، لكن المستحق لها كفايتها، فيفرض لها عليه قدر ما يكفيها في كل","vol":"4","page":215},{"text":"شهر، حتى إذا كان فرض لها عليه دراهم كثيرة لغلاء الأسعار ثم رخصت الأسعار كان له أن يمنع الزيادة، ويعطيها من الدراهم المفروضة عليه قدر كفايتها.\nوإذا فرض لها عليه دراهم يسيرة لرخص الأسعار، ثم غلت كان لها أن تطالب الزوج بالزيادة على المفروض إلى قدر كفايتها.\n\n[١٢٢٠] ذكر عن علي ﵁ أنه فرض لامرأة وخادمها اثنى عشر درهمًا في الشهر، أربعة للخادم، وثمانية للمرأة، منها درهمان للقطن والكتان.\nوالتقدير باثنى عشر ليس بتقدير لازم.","vol":"4","page":216},{"text":"لما قلنا.\nفي الحديث دليل على أنه لا يسوي بين نفقة الخادم ونفقة المرأة.\nفرق بين هذا وبين الحرة والأمة إذا كانتا منكوحتين، فإنهما يستويان في النفقة.\nذكر بعد هذا:\nوالفرق: أن الحرة. تستحق بحكم الزوجية، والأمة بحكم الخدمة، لا حكمًا للنكاح، أما ثمة فاستحقت. كل واحدة منهما حكمًا للنكاح.\nثم قال في الحديث:\nمنهما درهمان للقطن والكتان.\nقال مشايخنا: لا نفهم لهذا المعنى: لأن المرأة ما دامت في بيت زوجها لا يجب عليها أن تغزل لزوجها، ويحتمل أن يكون معناه: أنه شكت وحشتها، فأمره علي ﵁ أن يؤنسها بالقطن والكتان.","vol":"4","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>[نفقة امرأة الصبي]</span>\n[١٢٢١] ذكر عن أبي اسحق أنه قال:\nزوج مالك ابنة وليس له مال [من] ابنة أخيه، وهي يتيمة، ثم تركهما لا ينفق عليهما، فاستعدت اليتيمة شريحًا، يعني إلى شريح، فقال له شريح:\nزوجت ابنك لا مال له بنت أخيك يتيمة في حجرك، ثم تركتهما لا تنفق عليهما [انفق عليهما] خمسة عشر درهمًا كل شهر حتى يستغنيا.\nولسنا نأخذ بهذا الحديث.\nلأن نفقة امرأة الصبي إذا كانت كبيرة أو صغيرة تطيق الرجال، ويجامع مثلها، في مال الصبي إذا كان له مال، ويستدين الأب على الابن، إذا لم يكن له مال، وليس على الأب نفقة امرأة ابنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>[نفقة المرأة الصغيرة]</span>\n[١٢٢٢] ذكر عن يحيى قال:\nسألت شريحًا عن الرجل يتزوج الصبية، أيجبر على نفقتها؟ قال: نعم.","vol":"4","page":218},{"text":"وهذا مذهب شريح أنه يوجب [النفقة] بنفس العقد [سواء] كانت المرأة صغيرة أو كبيرة.\nوعلل فقال:\nلأنه يقدم على ذلك، وهو يعلم.\nيريد به: أنه لما تزوجها مع علمه بأنها صغيرة، صار راضيًا بتأخير حقه في الجماع، وهي لم ترض بتأخير حقها في النفقة.\nوالمذهب عندنا: أنها إذا كانت لا تطيق الرجال، ولا تحتمل الجماع لا تستحق النفقة.\n\n[١٢٢٣] ذكر عن سفيان بن سعيد أنه قال\nليس على الزوج أن ينفق على امرأته وهي صبية حتى تبلغ.\nولسنا نأخذ بهذا الحديث.\nفإنه يجب عليه النفقة إذا كان يجامع مثلها، وتصلح لخدمة الرجال.\n\n<span data-type='title' id=toc-427>[النفقة مدة الحبس]</span>\n[١٢٢٤] ذكر عن إبراهيم وإسماعيل بن مسلم عن الحسن","vol":"4","page":219},{"text":"إذا جاء الحبس من قبل المرأة فعليها النفقة.\nيعني لا نفقة على الزوج.\nوإن كان الحبس من قبله فعليه النفقة.\nيعني لها النفقة على الزوج؟\nأما إذا جاء الحبس من قبلها فالحبس من قبلها على ثلاثة أوجه:\nإما أن نشزت.\nأو حبست في السجن بحق.\nأو بغير حق.\nوفي الوجوه الثلاثة لا نفقة لها.\nأما في الوجه الأول فلأنها منعت زوجها من الاستمتاع بها والانتفاع، فلا يكون لها النفقة، ولهضا قال الحسن -ذكر بعد هذا- حين سئل عن نفقة الناشزة: هل تجب لها على زوجها نفقة؟ قال: نعم جوالق من تراب؛ يعني لا نفقة لها.\nوأما في الوجه الثاني فلأن الحبس جاء من قبلها؛ لأنها إذا كانت قادرة على أداء الدين تجب عليها أن تؤدي،","vol":"4","page":220},{"text":"فتخرج، فإذا لم تفعل [فقد] جاء الحبس من قبلها.\nوأما الوجه الثالث فالحبس وإن كان بغير حق؛ لأنها لم تقدر على أداء الدين، أو حبست ظلمًا، فالحبس لم يجيء من قبلها، إنما جاء من قبل الزوج، فلا يجب عليه الحق؛ كمن أجر دارًا، وسلمها إلى المستأجر، فجاء غاصب وغضبها، لا أجرة على المستأجر؛ لأنه مقاته التكمن من الانتفاع، لا من جهة المستأجر.\nهكذا ذكر الخصاف في الكتاب.\nوروي عن أبي يوسف أنه لو غضبها إنسان، وهرب بها أنها تستحق النفقة.\nوذكر القاضي الإمام أبو الحسن علي بن الحسيين السغدي في شرح هذا الكتاب أنه لو غضبها إنسان أو حبست إنسان أو حبست ظلمًا أنها تستحق النفقة.\nوالخصاف اعتبر فوات سبب النفقة، وهو القيام عليها،","vol":"4","page":221},{"text":"لا من جهة الزوج في حق فوات استحقاق النفقة، لأنه إذا فات لا من قبله لا يجعل الفائت كالقائم.\nوالقاضي الإمام، وهو رواية أبي يوسف، اعتبر الفوات من جهتها في حق فوات استحقاق النفقة.\nوسيأتي هذا الفصل بعد هذا إن شاء الله تعالى.\nوالفتوى على قول الخصاف.\nوأما إذا كان الحبس من قبل الزوج، فهو على ثلاثة أوجه:\nإما أن تستر أو هرب.\nأو حبس بحق.\nأو بغير حق.\nوفي هذه الوجوه الثلاثة لا تسقط النفقة؛ لما ذكرنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-428>[نفقة المطلقة إذا تحولت]</span>\n[١٢٢٥] ذكر عن الشعبي في امرأة طلقت فتحولت، قال ليس لها نفقة، لأنها ناشزة.","vol":"4","page":222},{"text":"وفي الحديث دليل على أن الناشزة لا نفقة لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-429>[نفقة الناشزة]</span>\n[١٢٢٦] ذكر عن عبد الرحمن قال:\nسألت الشعبي عن امرأة فرت من زوجها شهرًا، ألها نفقة؟ قال: لا ما لم ترجع إليه [وترضى].\nفي الحديث دليل على أن الناشزة لا نفقة لها.\nوهذا إنما يكون إذا فرت من بيت زوجها، أما إذا كانت مقيمة في ناحية من بيت الزوج، ولا تمكنه من نفسها، فإنها تستحق النفقة.\nلأنها إذا كانت في بيت الزوج فالظاهر أن الزوج يقدر على تحصيل مقصوده منها، وإن كان لا يقدر، لكن معنى القيام عليها تحصل، فتستحق النفقة عليه.\nألا ترى أن الرتقاء تستحق النفقة، وإن كان الزوج لا يقدر على تحصيل مقصوده منها.\n\n[١٢٢٧] ذكر عن هارون أنه قال:\nسئل الحسن عن امرأة خرجت مراغمة لزوجها: ألها نفقة؟","vol":"4","page":223},{"text":"قال: نعم، جوالق من تراب.\nيعني لا نفقة لها.\nكما قال ﵊:\n«الولد للفراش والعاهر للحجر»\nيعني لا حظ له في الدعوى فبغيه الحجر، يعني حتى لا يدعي النسب.\n\n[١٢٢٨] ذكر عن الضخاك أنه قال:\nإذا خرجت المطلقة في عدتها فلا سكنى لها ولا نفقة.\nلأن العدة ما دامت باقية كان النكاح باقيًا من وجه، ولو نشزت في حال قيام النكاح من كل وجه. لم يكن لها النفقة والسكنى. هكذا إذا نشزت في حال قيام النكاح من وجه.","vol":"4","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-430>[حدود نفقة المرأة]</span>\n[١٢٢٩] ذكر عن شريك قال:\nشهدت ابن أبي ليلى فرض على ليث بن أبي مسلمة لامرأته ستة دراهم، ولخادمها ثلاثة دراهم في الشهر.\nفهذا الحديث دل على ما دل عليه حديث علي ﵁ أن نفقة الخادم دون نفقة المرأة.\n\n[١٢٣٠] قال شريك: وكان ابن أبي ليلى يقضي في كسوة المرأة بدرعين، وخمارين، وملحفة واحدة في السنة.\nذكر درعين وخمارين وملحفة واحدة، لأن الملحفة مما يطول مكثها.\nواختلفوا في تفسيرها:\nقال بعضهم: هي الملاءة التي تلبسها المرأة عند الخروج.\nوقال بعضهم: هي غطاء الليل، تلبس بالليل.\nثم ذكر درعين وخمارين، وأراد به صيفيًا.","vol":"4","page":225},{"text":"وشتويًا، أحدهما رقيق يصلح لها في الصيف، والأخر تخين صميق، يصلح لها في الشتاء.\nولم يذكر السراويل ههنا أصلًا.\nوكذا لم يذكر محمد ﵀ في المبسوط [ذلك] اصلًا.\nوذكر الخصاف بعد هذا الكسوة، ولم يذكر السراويل في الكسوة بالصيف، وذكر في كسوة الشتاء.\nوهذا في عرف ديارهم بالعراق، فإنهم لا يتمكنون من ليس السراويل، لشدة الحر في زمان الصيف، ويتمكنون في زمان الشتاء.\nفأما في عرف ديارنا فيقضي لها بالسراويل، وبثياب مما تحتاج إليه في الشتاء سوى هذه الثياب، نحو الجبة وما أشبه ذلك.\n\n[١٢٣١] ذكر الخصاف بعد هذا ههنا فوائد أخر [وقد] ذكرناها في [شرح] المختصر.","vol":"4","page":226},{"text":"[١٢٣٢] ذكر عن الشعبي في امرأة أضر بها زوجها، ففرض لها الشعبي خمسة عشر صاعًا ودرهمين في كل شهر.\nوهذا الحديث يفيد ما أفادته الأحاديث المتقدمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-431>[نفقة زوجة العبد]</span>\n[١٢٣٣] ذكر عن الشعبي أنه قال:\nإذا تزوج العبد بإذن مولاه، فعليه النفقة.\nلأن السبب ظهر بإذن المولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-432>[نفقة المرأة المملوكة]</span>\n[١٢٣٤] ذكر عن الحسن قال:\nينفق الرجل على امرأته المملوكة إذا أتته، فإن لم تأته لم ينفق عليها.\nأراد به إذا بوأها بيتًا وسلمها المولى إليه، ولم يطالبها بالخدمة.\nلأنه إذا فعل هكذا تمكن الزوج من الانتفاع بها فكان لها النفقة، وإن لم يفعل هكذا لم يتمكن فلا تكون لها النفقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-433>[نفقة خادم المرأة]</span>\n[١٢٣٥] ذكر عن الحكم قال:\nينفق الرجل على امرأته وخادم واحد.","vol":"4","page":227},{"text":"لأن الواحد يقوم بخدمتها وكفايتها وما وراءها من باب السرف [والمروءة].\nوروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصل أنه ينفق على امرأته وخادمين.\nلأنها قد تحتاج إليهما؛ ليقوم أحدهما بأمور داخل البيت والآخر بأمور خارج البيت.\nذكر صاحب الكتاب القولين بعد هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-434>[أمر القاضي الزوج بالإنفاق على زوجته]</span>\n[١٢٣٦] قال:\nوإذا طالبت المرأة زوجها بالنفقة، وهي امرأته على حالها، وقالت: إنه يضيق علي، يضر بي، فإن القاضي يأمره بالإنفاق عليها.\nلأن الله تعالى أمره بالإمساك بالمعروف، وليس من المعروف ترك التوسع في النفقة، والزوج هو الذي يلي الإنفاق، إلا أن يظهر للقاضي ظلمه [ومطله] أنه يضر بها، ولا ينفق عليها،","vol":"4","page":228},{"text":"فحينئذ يفرض لها القاضي النفقة عليه في كل شهر، ويأمره أن يعطيها النفقة لتنفق على نفسها هي.\nلأن نفقتها واجبة بعقد النكاح، فالقاضي يعينها على الوصول إلى حقها.\nوإذا لم يعطها، وقدمته مرارًا، ولم يقبل نصح القاضي، ولم ينجح فيه وعظه، حبسه القاضي؛ لظهور مطله.\nفإذا فرض لها فرض نفقة يعطيها في كل شهر مقدار ما تحتاج إليه، وعلى قدر طاقة الرجل على يسره وعسره، فينظر إلى ما يكفيها من الدقيق، والأدم [والدهن] وحوائج المرأة التي تكون لمثلها، فيقوم ذلك دراهم، ويفرض عليه في كل شهر، ويأمر بدفع ذلك إليها: أما [أن] ينظر إلى قدر كفايتها؛ لأن النفقة إنما تجب كفاية لها، فيوجب مقدار ما يكفيها، وأما ينظر إلى طاقة الرجل على يسره وعسره؛ لقوله تعالى:","vol":"4","page":229},{"text":"«وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره».\n\n<span data-type='title' id=toc-435>[نفقة المرأة معتبرة بحالها في اليسار والإعسار]</span>\n[١٢٣٧] قال:\nوإن كان الرجل صاحب مائدة، فطلبت المرأة من القاضي أن يفرض لها النفقة لا يفعل ذلك.\nلأن الرجل إذا كان بهذه الصفة ينفق على من ليس عليه نفقته، فلا يمتنع من الإنفاق على من تجب عليه نفقته.\nوإن تحققت الحاجة إلى الفرض في هذه الصورة، وكان الرجل مفرط اليسار ممن يأكل الخبز الحواريـ والحملان، والدجاج والحلوى، والمرأة فقيرة تزوجها على ذلك، فالقاضي يفرض لها نفقة مثلها من أوساط الناس، ولا يفرض عليه قدر ما يأكله.\nوكذلك سبيل الكسوة.\n\n[١٢٣٨] وإن كانت المرأة موسرة مثله أجبر على أن ينفق عليها نفقة واسعة ليست بسرف.","vol":"4","page":230},{"text":"فهذا يشير إلى أنه يعتبر حالها في اليسار والعسرة، حتى قال:\n\n[١٢٣٩] إذا كانا موسرين كان لها نفقة الموسرين، لكن نفقة لا إسراف فيها، فإن الإسراف ف كل شيء حرام.\n\n[١٢٤٠] وإن كان الرجل موسرًا مفرط اليسار، والمرأة معسرة، كان لها نفقة مثلها من أوساط الناس، فيكون دون ما لو كانت موسرة وفوق ما لو كان الزوج معسرًا.\nوهكذا ذكر الخصاف في النفقات أنه يعتبر حالها في اليسار والإعسار، حتى لو كانا موسرين لها نفقة الموسرين، لكن نفقة لا إسراف فيها، ولو كانا معسرين كان لها نفقة المعسرين، لكن نفقة لا تقتير فيها.\nولو كانت موسرة والزوج معسر فلها فوق ما لها لو كانت معسرة.\nولو كانت معسرة والزوج موسر فلها دون ما [لها] لو كانت موسرة.\n\n[١٢٤١] وذكر الخصاف بعد هذا وقال:","vol":"4","page":231},{"text":"إن كانت المرأة موسرة مفرطة اليسار، والرجل من أوساط الناس، فرض لها نفقتها على قدر طاقته، ولم يفرض لها على قدر يسارها وحالها.\nفهذا دليل على أنه يعتبر حاله في اليسار والإعسار لا حالها.\nوهكذا ذكر محمد ﵀ في كتاب النكاح.\nهكذا ذكر الخصاف بعد هذا في الكسوة.\nوالصحيح أنه يعتبر حالها.\n\n<span data-type='title' id=toc-436>[عدد خدم المرأة الذين تجب نفقتهم على الزوج]</span>\n[١٢٤٢] قال:\nوإن كان لها رقيق، من غلمان وجوار، لم يفرض لخدمها كلهم، لكنه يفرض لاثنين منهم. والقول الآخر: أنه يفرض لخادم وا\nحد.\nفالقول الأول قول أبي يوسف ﵀.\nوالقول الثاني قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.\nوقد مرت المسألة من قبل.","vol":"4","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-437>[لا يفرض لأحد موسر نفقة إلا للمرأة على زوجها]</span>\n[١٢٤٣] قال:\nوليس يفرض لأحد موسر نفقته على أحد إلا للمرأة على زوجها، فإنه يفرض لها النفقة عليه وإن كانت موسرة.\nلما روينا من حديث هند امرأة [أبي] سفيان أنها استحقت النفقة، وكانت صاحبة أموال جمة.\nولأن وجوب النفقة لها بالعقد، والعقد في حق الموسرة والمعسرة واحد.\nأما وجوب نفقة من عداها فباعتبار الحاجة فلا تجب بدون الحاجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-438>[حبس الزوج بالنفقة]</span>\n[١٢٤٤] قال:\nوإن فرض القاضي عليه نفقة، فسألت حبسه لها بذلك، لم يحبسه لها القاضي، حتى يمضي من الوقت الذي فرض لها فيه النفقة ما لم يعلم القاضي أنه قد منعها ذلك، ودافعها بها، ثم يحبسه بما وجب لها من النفقة.","vol":"4","page":233},{"text":"إما حبس الزوج بالنفقة، فلأن نفقتها تصير دينًا بقضاء القاضي، والزوج يحبس بسائر ديون المرأة، فكذا في دين النفقة.\nلكن إنما يجبس بعد الوجوب، وظهور المطل، فإذا مضى بعض الوقت، وقد علم القاضي أنه قد منعها ذلك، بأن أعادت المرأة زوجها إلى القاضي بعد الفرض، ظهر المطل فيحبسه.\nوإذا حبس لا تسقط النفقة.\nلأن هذا حبس بحق، وقد وجد المنع من جهته، فيلزم النفقة وهو في الحبس، لما يستقبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-439>[استدانة المرأة على الرجل بنفقتها بعد فرض القاضي لها ذلك]</span>\n[١٢٤٥] قال: فإن فرض القاضي عليه نفقة كل شهر مطلها بذلك شهرًا، فاستدانت عليه فأكلت، أو كان عندها ما تأكل، فأنفقت مما عندها فإن النفقة لازمة تأخذه بها ما كان حيًا، والأخذ إنما كان بحكم الاستدانة.\nلأنه لا ولاية لها عليه، لكن باعتبار أن النفقة بقضاء القاضي صارت دينًا [في ذمته].","vol":"4","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-440>[تبطل نفقة المرأة بموت الزوج]</span>\n[١٢٤٦] قال:\nوإن مات بطل ما كان وجب لها عليه من النفقة ولم تأخذ من ميراثه.\nعلل صاحب الكتاب فقال:\nلأن أصل ذلك لم يكن مالًا.\nأراد به أن أصل ذلك إذا لم يكن مالًا كانت النفقة في حق وصف المالية صلة، والصلات لا تتم إلا بالتسليم.\nفإذا مات قبل التسليم سقطت.\nفإن قيل: لو كانت صلة، كيف يجبر الزوج على التسليم؟\nقيل له: يجوز أن يجبر؛ ألا ترى أن من أوصى أن يوهب عبده لفلان بعد موته، فمات الموصي، فإن الوارث يجبر على تنفيذ الهبة في العبد، وإن كان صلة.\nولو مات العبد تبطل الوصية.\nوكذا الشفيع يستحق على المشتري تسليم الدار إليه بالشفعة، والشفعة صلة شرعية.\nولو مات الشفيع بطلت الشفعة.","vol":"4","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-441>[لا تجبر المرأة على الخبز والطبخ]</span>\n[١٢٤٧] قال:\nوإن فرض القاضي لها نفقة ما تحتاج إليه من الدقيق، وسائر المؤن، فقالت: أنا لا أعمل، ولا أخبز، ولا أطبخ، ولا أعالج شيئًا من ذلك، فإنها لا تجبر على ذلك، وعلى الزوج أن يأتيها بمن يكفيها عمل الخبر، والطبخ، وما أشبه ذلك.\nلأن الواجب لها على الزوج الطعام. قال الله تعالى:\n«من أوسط ما تطعمون أهليكم».\nوالطعام ما يمكن تناوله. والحنطة والدقيق لا يمكن تناولهما، فوجب على الزوج أن يجعل الحنطة والدقيق مهيأة للأكل، وذا [إنما يكون] بالطبخ والخبز.\nفرق بين نفقتها، وبين نفقة خادمها، فإن خادمتها إذا امتنعت من هذه الأعمال لا تستحق النفقة على زوج مولاتها.","vol":"4","page":236},{"text":"والفرق: أن نفقة الخادم إنما تجب بإزاء الخدمة فإذا امتنعت فلا نفقة لها.\nأما نفقة المرأة [فإنها] تجب بإزاء التمكين، وقد مكنت، فلا تجب عليها هذه الأعمال.\nوهكذا ذكر الخصاف في النفقات.\nقال الفقيه أبو الليث ﵀ في نكاح الفتاوى:\n[على] هذا إذا كانت المرأة بها علة لا تقدر على الخبز والطبخ، أو كانت من الإشراف، أما إذا كانت ممن تقدر، وهي ممن تخدم نفسها لا يجب على الزوج أن يأتيها بمن يفعل ذلك؛ لأنها متعنتة في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-442>[تفسير الناشزة]</span>\n[١٢٤٨] قال:\nوليس للناشزة على زوجها نفقة ما كانت على تلك الحالة.\nلما روينا من الأحاديث.\nثم فسر صاحب الكتاب الناشزة في الكتاب فقال:","vol":"4","page":237},{"text":"الناشزة: هي الخارجة عن منزل زوجها المانعة [من] نفسها.\nلأنها إذا كانت مقيمة مع الزوج في البيت، فالظاهر أن الزوج يقدر على تحصيل المقصود منها، وإن لم يقدر لكن لما كانت في بيت الزوج تحقق القيام عليها. وسبب استحقاق النفقة القيام عليها؛ كالمرأة الرتقاء.\nوقد مر هذا من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-443>[من هي على حكم الناشزة]</span>\n[١٢٤٩] قال:\nوكذلك لو كان المنزل ملكًا لها، والزوج ساكن معها فيه فمنعته من الدخول عليها، لم يكن لها نفقة ما كانت على تلك الحالة.\nلأنها لما منعته من الدخول عليها فقد حبست نفسها، فصارت كأنها نشزت إلى موضع آخر، إلا أن تكون سألته أن يحولها إلى منزله، أو يكتري لها منزلًا يصيرها فيه، وقالت: أنا","vol":"4","page":238},{"text":"احتاج إلى منزلي، ومنعته من الدخول عليها فلها ذلك، ولها النفقة.\nفرق بين هذا وبين ما إذا حبست في السجن ظلمًا، أو غضبها إنسان فهرب بها حيث لا نفقة لها.\nوالفرق: أن السبب الموجب للنفقة هو القيام عليها، والقيام عليها إنما يتحقق بكونها في بيت الزوج وإقامتها بأعمال الزوج في البيت. وفي الوجه الأول إنما فات هذا السبب من قبل الزوج من حيث الحقيقة فلا تسقط النفقة، وفي الوجه الثاني ما فات من قبل الزوج، وإن لم يفت من قبلها، لكن لما لم يفت من قبل الزوج يجعل كالقائم، فينعدم سبب استحقاق النفقة.\nثم هذا الفرق إنما يتأتى على ما ذكر الخصاف.\nأما على ما ذكره القاضي الإمام أبو الحسن السغدي فإنه يتأتى.\nلأنها تستحق النفقة في الوجهين جميعًا.\nوهو رواية أبي يوسف في العصب أيضًا على ما مر.","vol":"4","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-444>[نفقة المرأة إذا حجت]</span>\n[١٢٥٠] قال:\nوكذلك لو وجب عليها حجة الإسلام فحجت مع محرم لها، لم يكن لها على الزوج نفقة حتى ترجع إليه.\nلأنها لما خرجت من بيت الزوج فات قيام الزوج عليها، بخلاف ما لو صامت عن رمضان أو صلت.\nلأن بالصوم والصلاة لا ينعدم سبب الاستحقاق للنفقة وهو قيام الزوج عيلها.\n\n[١٢٥١] قال:\nولو خرج الزوج معها كانت لها نفقة عليه.\nلأنه تقرر السبب الموجب لاستحقاق النفقة في هذه الحالة، وهو القيام عيلها.\nلأنها تستحق نفقة الحضر لا نفقة السفر؛ لجواز أن تكون نفقتها في الحضر بنصف درهم، وفي السفر مثلها بربع دينار، فإنما تجب عليه نفقتها بنصف درهم والزيادة في مالها.","vol":"4","page":240},{"text":"لأن هذه زيادة لحقتها بإزاء منفعة تحصل لها، فلا تستحقها على الزوج. كالمريضة لا تستحق المداواة على الزوج، وتستحق النفقة، وليس عليه أن يكتري لها.\nلأن هذا ليس من نفقة الحضر، فتكون في مالها.\n\n[١٢٥٢] قال:\nولا تلزمه نفقة الحج.\nلأن الواجب عليه نفقة الحضر لا نفقة الحج.\n\n[١٢٥٣] قال:\nوليس للمرأة ألتي تزوجها الرجل نكاحًا فاسدًا نفقة على زوجها ما دامت مقيمة معه على ذلك النكاح، ولا بعد ما يفرق بينه وبينها، وإن كان قد دخل بها.\nأما قبل الدخول فلأنه لا يتمكن من الانتفاع بها.\nوأما بعد الدخول والفرقة فلأن هذه عدة وجبت لاشتغال رحمها بالماء، وكانت بمنزلة الوطء بالشبهة ومن وطئ امرأة بشبهة حتى وجبت العدة عليها، فإنها لا تستحق نفقة العدة.","vol":"4","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-445>[حق السكنى للزوجة]</span>\n[١٢٥٤] قال:\nوإن كان للرجل والدة. أو أخت، أو ولد من غيرها، أو إنسان ذو رحم محرم من الزوج، وكانت المرأة نازلة معهم في منزل واحد، وقالت المرأة: أنا لا أنزل مع واحد منهم، فصر بي في منزل على حدة، فلها ذلك.\nلأن حق السكنى لها إنما كان بمعنيين:\nأحدهما: أن تعاشر الزوج.\nوالثاني: أن تأمن على متاعها.\nفإذا كان معها ثالث تستحي من المعاشرة مع زوجها، وتخاف على متاعها.\nهذا إذا كان البيت واحدًا.\nأما إذا كانت دارًا فيها بيوت، وأعطى لها بيتًا يغلق عليها ويفتح، لا يكون لها أن تطالبه بمنزل آخر.\nلأنه متى كان لها في الدار بيت يغلق عليها ويفتح","vol":"4","page":242},{"text":"كان هذا بمنزلة منزل مفرد] فيتوفر عليها [فيه] حظها. فلا تثبت لها المطالبة بشيء آخر.\n\n[١٢٥٥] قال:\nولو كانت في منزل له وليس معها أحد من هؤلاء تساكن، فشكت إلى القاضي أن الزوج يضر بها ويؤذيها، وسألت القاضي أن يفرض لها السكنى بين قوم صالحين، يعرفون إحسانه وإساءته فهذا على وجهين:\nإما أن علم القاضي أن الأمر كما قالت.\nأو لم يعلم.\nفإن علم زجره عن ذلك، ومنعه من التعدي عليها.\nلأنه علم أنه ارتكب ما لا يحل له.\nفإن لم يعلم ينظر: فإن كان جيران هذه الدار قومًا صالحين، أقرها هناك، لأنه لو أمر بنقلها من هذه الدار إلى قوم آخرين مثلهم لا يفيد ذلك، فلا يأمر لكن يسأل الصالحين من أولئك القوم عن صنيعه بها:","vol":"4","page":243},{"text":"فإن ذكروا عنه مثل الذي ذكرت زجره عن ذلك ومنعه من التعدي عليها.\nوإن ذكروا أنه لا يؤذيها، فالقاضي يتركها.\nلأنه علم أنها متعنتة.\nوإن لم يكن في جواره من يوثق به، أو كانوا يميلون [إليه] أمره أن يسكنها بين قوم صالحين، ويسأل منهم ويبني الأمر على خبرهم كما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-446>[منع الزوج أقاربها من الدخول عليها]</span>\n[١٢٥٦] قال:\nوإذا أراد الرجل أن يمنع أمها، أو أباها، أو أحدًا من أهلها من الدخول عليها، فله أن يمنعهم من الدخول في منزله.\nلأن المنزل ملكه، فله أن يمنع من دخول من أحب.\nوهذا لأنهم متى دخلوا منزله يتكلمون على ما هو مرادها، فيؤدي إلى الإضرار بالزوج.\nوكذا يمنعها من الخروج إلى بيت الأبوين.","vol":"4","page":244},{"text":"لما قلنا.\nلكن لا يمنعهم من النظر إليها، ومن تعاهدها، والتكلم معها، فيقومون على باب الدار المرأة داخلة.\nلأنه لو منعهم كان هذا قطيعة الرحم، وقاطع الرحم ملعون.\nوهذا في حق الأبوين وذي رحم محرم، ومن لا يتهمه الزوج.\nأما إذا لم يكن محرمًا. ويتهمه الزوج، فله أن يمنعه من النظر إليها.\n\n[١٢٥٧] قال:\nوكذلك إن كان لها ولد من غيره، لم يكن له أن يمنعها، ولا يمنعهم من أن بنظر بعضهم إلى بعض.\nلما قلنا من المعنى.\nهكذا ذكر الخصاف ههنا وفي كتاب النفقات.\nوروي عن أبي يوسف: أن الزوج لا يملك أن يمنع الأبوين من الدخول عليها للزيارة في كل شهر مرتين، وإنما يمنعهما من الكينونة.","vol":"4","page":245},{"text":"وذكر عن أبي يوسف الاسكاف في الفتاوي المنسوب إلى الفقيه أبي الليث بأنه لا يمنع الأبوين من الدخول عليها للزيارة في كل جمعة، وإنما يمنعهما من الكينونة.\nلأن الزيارة في كل جمعة هي الزيارة المعتادة.\nوهذا لأن معنى التكلم معها على ما هو مرادها إنما يحصل بالكينونة لا بالزيارة.\nوعليه الفتوى.\nوأما غير الأبوين من المحارم فقد ذكر الخصاف ههنا وفي النفقات: أنه يمنعهم من الدخول عليها. لكن لا يمنعهم من النظر إليها.\nوذكر عن ابي بكر الاسكاف في فتاوي الفقيه أبي الليث: أن للزوج أن يغلق الباب عليها من الزوار غير الأبوين.\nوقال محمد بن مقاتل الرازي:\nلا يمنع المحرم من الزيارة في كل شهر.","vol":"4","page":246},{"text":"وقال مشايخ بلخ: في كل سنة.\nوعليه الفتوى.\nوكذا إذا أرادت أن تخرج إلى زيارة المحارم، نحو الخالة والعمة. هل للزوج أن يمنعها من الخروج لهذه الزيارة؟ فهو على هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-447>[نفقة المريضة]</span>\n[١٢٥٨] قال:\nوإن مرضت امرأة رجل مرضًا لا يقدر معه على جماعها فلها عليه النفقة.\nوهذا استحسان.\nوالقياس أن لا تكون عليه النفقة.","vol":"4","page":247},{"text":"وجه القياس: أن سبب استحقاق النفقة القيام عليها، وقد اختل معنى القيام عليها.\nوللاستحسان وجهان:\nأحدهما: أنه لا يحسن في المروءة أن ينفق عليها في حالة الصحة، ويمتنع من الإنفاق في حالة المرض.\nوالثاني: أن معنى القيام عليها يتحقق، فإنه ينظر في جمالها، ويمسها، ويستأنس بها، وهي تحفظ بيته.\nهذا إذا مرضت في منزل الزوج.\nأما إذا زفت إليه وهي مريضة، فلم يذكر هذا في الكتاب، وينبغي أن تستحق النفقة لما ذكرنا من الوجهين.\nوعن أبي يوسف ﵀ أنه قال:\nلا تستحق النفقة.\nوفرق بين ما إذا زفت إليه وهي صحيحة ثم مرضت، وبين ما إذا زفت إليه وهي مريضة.\nقال أبو يوسف ﵀:\nأخذ في هذا -يعني إذا زفت وهي صحيحة ثم مرضت- بالاستحسان، وفي الأول بالقياس.","vol":"4","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-448>[نفقة الرتقاء]</span>\n[١٢٥٩] قال:\nوكذلك الرتقاء لها على زوجها النفقة.\nلأن معنى القيام يتحقق على الرتقاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-449>[التفريق بين الزوجين بسبب الإعسار]</span>\n[١٢٦٠] قال:\nوإن كان الرجل معسرًا لا يقدر على النفقة على امرأته لم يفرق بينه وبينها، وهي امرأته على حالها.\nوهذا مذهبنا.\nوعند الشافعي يفرق.\nوهي مسألة معروفة.\n\n[١٢٦١] قال:\nفإن سألت القاضي أن يفرض لها عليه [نفقة] فقالت: أستدين عليه إلى أن يجد ما يعطيني، فذلك لها، ويفرض القاضي لها عليه نفقة في كل شهر، ويأمرها أن تستدين عليه، فإذا أيسر أخذ ما عليه.","vol":"4","page":249},{"text":"أما الفرض: فلأن الواجب على الزوج لها الإمساك بالمعروف وهو النفقة والكسوة، فمتى عجز كان الإمساك بالمعروف في الالتزام في الذمة.\nوأما الرجوع: فلأن النفقة صارت دينًا عليه بقضاء القاضي.\n\n[١٢٦٢] قال:\nوكذلك إن لم يأمرها القاضي أن تستدين عليه، فاستدانت هي، وقد فرض لها القاضي عليه نفقة، فإنها تأخذه بتلك النفقة منذ يوم فرض لها القاضي.\nوكذلك لو لم تستدن عليه، لكنها انفقت من عندها، كان لها أن تأخذه بتلك النفقة.\nوكذلك لو غاب، أو حبس بعد ما فرض القاضي لها، كان لها أن تأخذه بنفقة ما مضى.\nلأن النفقة صارت دينًا بقضاء القاضي.\nقال الحاكم في المختصر:","vol":"4","page":250},{"text":"يحتمل أن يكون الأمر بالاستدانة عليه، أن الزوج إن مات بعدما استدانت عليه بأمر القاضي وأنفقت لم يبطل الرجوع بذلك في ماله، كما تبطل النفقة المقضي بها من غير أمر بالاستدانة إذا مات بعد وجوبها.\n\n<span data-type='title' id=toc-450>[المصالحة عن النفقة على شيء معلوم]</span>\n[١٢٦٣] قال:\nوكذلك لو كان الزوج هو الذي صالحها عن النفقة على شيء معلوم، وفرض لها ذلك ثم غاب عنها، فأنفقت بدين أو غيره، فإنها ترجع عليه بنفقة ما مضى ما دام حيًا.\nلأن لهما ولاية على أنفسهما، فصار اتفاقهما بمنزلة قضاء القاضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-451>[هل ترجع المرأة بنفقتها على مال الزوج بعد وفاته؟]</span>\n[١٢٦٤] [قال]:\nفإن مات الزوج بعد ما فرض لها القاضي النفقة عليه بأشهر، ولم يك أعطاها شيئًا من النفقة، وقد كانت","vol":"4","page":251},{"text":"استدانت فأنفقت أو لم تستدن فأنفقت لم ترجع في مال الزوج، ولم ترجع ورثتها على الزوج.\nلأن النفقة المقضي بها تبطل بموت أحدهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-452>[المصالحة على مال لا يكفي]</span>\n[١٢٦٥] قال:\nولو صالحت امرأة زوجها على نفقة لا تكفيها، ثم رافعته بعد ذلك إلى القاضي، فإن القاضي يزيدها في النفقة حتى يبلغ بها ما يكفيها، ويبطل ذلك [الصلح].\nلأن صلح المرأة يعتبر بفرض القاضي، ولو فرض القاضي على الزوج نفقة لا تكفيها، كان لها أن تطالب الزوج بمقدار كفايتها، فكذا إذا صالحت الزوج على نفقة لا تكفيها.\nفإن قيل: ليس للقاضي ولاية إسقاط حقها، فلا يصح، أما [هي فإن] لها ولاية [إسقاط حقها] فينبغي أن يصح.\nقيل له: نعم لها ولاية، لكنها أسقطت قبل وجود سببها فإن سببها إنما هو القيام عليها وأنه يوجد شيئًا فشيئًا.","vol":"4","page":252},{"text":"[١٢٦٦] قال:\nوكذلك لو فرض لها عليه القاضي نفقة وهو معسر، ثم أيسر بعد ذلك، زادها القاضي على تلك الفريضة، حتى يبلغ بها ما يفرض على مثله في حالة اليسار الذي صار إليه.\nلأن التقدير من القاضي بإعتبار حاله، وهو العسرة، وقد زالت تلك الحالة، فيزول ذلك التقدير.\n\n<span data-type='title' id=toc-453>[امتناع الزوجة أن تتحول مع زوجها]</span>\n[١٢٦٧] قال:\nوأن أبت المرأة أن تتحول مع زوجها إلى منزله، وأراد الزوج أن يخرجها إلى بلد من البلدان، فامتنعت من ذلك، فلا نفقة لها، إن كان قد أعطاها مهرها.\nلأنها مبطلة في هذا المنع.\n[وإن كان لم يعطها مهرها فأبت أن تجيب إلى ما أراد، فلها عليه النفقة.\nلأنها محقة في هذا المنع].\nهذا إذا لم يدخل بها الزوج.\nفإن دخل بها فكذلك الجواب في قول أبي حنيفة ﵀.\nوفي قولهما: لا نفقة لها في الوجهين جميعًا.","vol":"4","page":253},{"text":"ويدخل على هذه المسألة أيضًا قول أبي القاسم الصفار.\nوالمسألة مرت من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-454>[هل يبيع القاضي عروض الزوج وعقاراته بسبب النفقة]</span>\n[١٢٦٨] قال:\nوكل امرأة قضى لها على زوجها بالنفقة فإن كان معسرًا، لا يقدر على إعطائها ذلك وهو حاضر أو حبسه القاضي بنفقتها أو بمهرها، فإنها تؤمر أن تستدين عليه، ويلزم الزوج ذلك.\nلما قلنا من قبل.\nوإن كان له مال حاضر أدى إليها القاضي من ذلك نفقتها.\nيريد به إذا كان المال دراهم أو دنانير؛ لأنها ظفرت بجنس حقها، ومن ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذ بغير أمر القاضي. فكان للقاضي أن يعين على ذلك كما في سائر الدعاوي.","vol":"4","page":254},{"text":"وإن كان ماله عروضًا أو عقارًا لم يبع القاضي عليه [ذلك] في النفقة، ولا في الدين في قول أبي حنيفة ﵀.\nوقالا: يبيع القاضي عروضه وعقاره في الدين والنفقة.\nذكر قولهما في العروض ههنا، وفي العقار وجميع الأموال في باب الحبس، وقد مرت في باب الحبس.\n\n<span data-type='title' id=toc-455>[مدة الحبس في النفقة]</span>\n[١٢٦٩] قال:\nوليس للحبس عندنا وقت، وهو الأبد أو يؤدي المال، إلا أن يكون معدمًا.\nلأنه إذا لم يكن معدمًا كان ظالمًا في الامتناع من الإيفاء، فتجب إدامته في الحبس، حتى يوفي.\nأما إذا كان معدمًا فقد استحق النظر إلى المسيرة بالنص، فلا يجوز حبسه.","vol":"4","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-456>[الحرائر والإماء والذميات سواء في النفقة]</span>\n[١٢٧٠] قال:\nوإذا كان للرجل نسوة بعضهن حرائر مسلمات، وبعضهن أماء، أو ذميات، فهن في النفقة سواء، على التفسير الذي فسرنا.\nلأن النفقة تجب كفاية للمرأة، بسبب قيام الزوج عليها، وكفاية الذمية، وكفاية المسلمة، وكفاية الأمة، وكفاية الحرة على السواء.\nفصارت النفقة نظير المهر.\nوهما في المهر سواء، فكذا في النفقة، إلا أن الحرة تستحق نفقة خادمها، والأمة لا.\nلأن الحرة تستخدم الأمة، والأمة خادمته في نفسها، فلا تستحق نفقة الخادم.\n\n<span data-type='title' id=toc-457>[الاختلاف في مسألة اليسار والعسرة]</span>\n[١٢٧١] قال:\nوإن اختلفت المرأة والزوج، فقال الزوج: أنا فقير، وقالت المرأة: هو موسر، فالقول قول الزوج، وتفرض عليه النفقة على حالة الإعسار.","vol":"4","page":256},{"text":"لأنه متمسك بالأصل؛ فإن العسرة أصل، واليسار عارض، ولم يقم على هذا العارض دليل، فكان القول قول من تمسك بالأصل.\nوقد مرت المسألة على الاستقصاء في باب الحبس.\n\n[١٢٧٢] قال:\nوإن أقامت المرأة البينة أنه موسر، وأقام الزوج البينة أنه معسر، فالبينة بينة المرأة.\nلأنها تثبت أمرًا عارضًا، وأنه غير ثابت أصلًا.\nوبينة الزوج تثبت أمرًا أصليًا، وأنه ثابت ظاهرًا، فكانت بينتها أكثر إثباتًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-458>[الكفالة في النفقة]</span>\n[١٢٧٣] قال:\nولو كفل لها رجل بنفقتها، فقال: قد ضمت عنه نفقتك كل شهر، لم يكن على الكفيل إلا نفقة شهر واحد.\nلأن كلمة «كل» متى أضيفت إلى ما لا يعرف منتهاه ينصرف إلا الأدنى، وهو شهر واحد.","vol":"4","page":257},{"text":"[١٢٧٤] قال:\nوإن قال: قد ضمنت عنك نفقتك سنة، فهو كما ضمن، وعليه نفقة سنة.\n\n[١٢٧٥] قال:\nوإن قال: ضمنت لك أبدًا عنه نفقتك، لزمه ذلك، وتجب عليه نفقتها، ما دام النكاح بينهما.\nلأن المراد من الأبد ما داما على النكاح.\nوقد مر هذا في باب الرجل يغيب عن امرأته فتطلب النفقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-459>[كسوة المرأة في اليسار والإعسار]</span>\n[١٢٧٦] قال:\nوأما الكسوة فإن القاضي يفرض للمرأة على زوجها أن كان فقيرًا قميصًا، ومقنعة، وملحفة، على قدر ما يحتمله مثله، وإن كان موسرًا فرض لها أجود من ذلك ما يحتمله مثله أيضًا.","vol":"4","page":258},{"text":"لأن الكسوة مثل النفقة، ثم في النفقة يعتبر الرجل، فكذا في الكسوة.\nوهذا إشارة إلى أنه يعتبر حالة في الكسوة.\nوقد مر هذا من قبل.\n\n[١٢٧٧] قال:\nوهذا لها في الصيف، وأما في الشتاء فإنه يفرض لها مع ذلك جبة وسراويل على قدر يساره وإعساره.\nلم يذكر صاحب الكتاب في جملة كسوة الصيف السراويل، وذكر في جملة كسوة الشتاء.\nومحمد ﵀ لم يذكر في المبسوط أصلًا.\nوقد مر هذا الوجه في هذا من قبل.\n\n[١٢٧٨] قال:\nفإن طلبت لحافًا في الشتاء، أو قطيفة، إن لم يكن يحتمل لحافًا، فطلبت فراشًا تنام عليه، ألزمه القاضي من ذلك بما يلزم مثله.\nلأن النوم على الأرض ربما يؤذيها، ويمرضها وهو منهي عن إلحاق [الأذى و] الضرر بها.","vol":"4","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>[دعوى هلاك الكسوة]</span>\n[١٢٧٩] قال:\nوإن أعطاها كسوة فهلكت، أو سرقت منها، أو خرقتها قبل الوقت، فليس عليه أن يكسوها حتى يمضي الوقت الذي [تبقى] إليه الكسوة.\nوأصل هذه المسائل أن القاضي متى يتبين له الخطأ في قضائه يرده، ومتى لم يتبين يمضه، فنقول: إذا هلكت الكسوة أو سرقت لم يتبين خطؤه فيمضيه، ولا يقضي بكسوة أخرى، وأن تتخرق بخرق استعمالها، بل تخرقت بالاستعمال المعتاد [بين الناس] تبين الخطأ.\nلأنه وقت وقتًا لا تبقى الكسوة إليه، فيرده ويقضي لها بكسوة أخرى [ويعتبر المعتاد].\nوكذا الجواب على التفاصيل في النفقة إذا ضاعت، أو","vol":"4","page":260},{"text":"سرقت، أو أكلت، أو لم تسرق.\nفرق بين نفقة الزوجات، وبين نفقة المحارم، إذا فرض للمحارم النفقة فضاعت من يدهم، فإنه يفرض مرة أخرى.\nوالفرق: أن نفقة المحارم إنما تجب بسبب الحاجة، والحاجة بعد ضياع النفقة قائمة باقية، أما نفقة المرأة [فإنها] لا تجب بسبب الحاجة، ولهذا تجب وإن كانت موسرة، فجاز أن لا تفرض، وإن بقيت الحاجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-461>[بقاء الكسوة قائمة بعد مضي الوقت]</span>\n[١٢٨٠] قال:\nوأما مضي الوقت والكسوة قائمة، فهذا على وجهين:\nأما أن لم تستعمل تلك الكسوة.\nأو استعملت.\nفإن لم تستعمل حتى مضى الوقت يفرض لها كسوة أخرى.\nوإن استعملت، فهذا على وجهين:\nإما أن استعملت معها كسوة أخرى\nأو لم تستعمل.\nففي الوجه الأول يفرض لها كسوة أخرى.","vol":"4","page":261},{"text":"وفي الوجه الثاني: لا يفرض؛ لأنه ظهر خطأ القاضي، لأنه وقت وقتًا تبقى الكسوة وراء ذلك الوقت، فيرده، ولا يمضيه، ولا يقضي لها بكسوة أخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-462>[موت المرأة ومال النفقة قائم أو مستهلك]</span>\n[١٢٨١] قال:\nوإن فرض لها نفقة وكسوة، وأعطى للزوج ذلك لسنة، أو أكثر، أو أقل، فماتت المرأة في بعض السنة، وذلك قائم، أو مستهلك استهلكته، فما كان لما مضى كان ميراثًا لورثتها إن كان قائمًا ولا يصير دينًا إن كان مستهلكًا، وما بقى في الوقت فكذلك في قول أبي يوسف ﵀.\nوقال محمد: يرد على الزوج إن كان قائمًا، ويصير دينًا في مالها إن كان مستهلكًا.\nمحمد يقول: سبب استحقاق الكسوة والنفقة القيام عليها، أنه يتجدد ساعة فساعة، فإذا ماتت بطل السبب، فيمتنع الوجوب فوجب الرد بحساب ما بقى من الوقت كالمستأجر إذا عجل الأجرة ثم مات أحدهما.","vol":"4","page":262},{"text":"وأبو يوسف يقول: الكسوة والنفقة صلة، والصلات لا تصير دينًا، ألا ترى أنها لو لم تأخذ من الزوج حتى مضى الوقت لا يصير دينًا [في الذمة] على الزوج، فكذا لا يصير دينًا عليها. وبهذا فارق الأجرة، فإنها عوض.\n\n<span data-type='title' id=toc-463>[لا يقضي بالنفقة على الغائب إلا للزوجة والوالدين والولد]</span>\n[١٢٨٢] [قال]:\nولا يقضي بالنفقة في مال أحد ممن تجب عليه النفقة إذا كان رب المال غائبًا ما خلا الوالدين والولد والزوجة، فأنا أقضي بالنفقة لهؤلاء في مال الغائب، ولا أقضي لمن سواهم.\n[لأن] لهؤلاء أن يأخذوا [من ماله] النفقة متى ظفروا بجنس حقوقهم من غير قضاء، فكان القضاء إعانة لهم على حقوقهم لا قضاء على الحقيقة.\nفأما من عداهم [فإنهم] لا يستحقون النفقة إلا بالقضاء فكان هذا قضاء على الغائب، وليس للقاضي ولاية القضاء على الغائب.","vol":"4","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-464>[إعطاء الزكاة لمستحق النفقة]</span>\n[١٢٨٣] قال:\nولو أعطى من زكاة ماله جميع ذوي الرحم المحرم الذين تجب عليه النفقة عليهم أجزأه ذلك ما خلا الوالدين والولد.\nفإن قيل: وجب أن لا تجزيه لأن له في إعطاء الزكاة لهم نوع منفعة، لأنه إذا أعطاهم الزكاة يستغنون فلا يستحقون النفقة عليه فلا يجبر هو على نفقتهم. قيل له: نعم، لكن هذه منفعة حصلت تابعة، لا مقصودة، فلا يمتنع إعطاء الزكاة، كمن دفع زكاة ماله إلى غريمه [يجوز]، وإن حصل له نوع منفعة، فإنه يصير موسرًا، فيجبر على قضاء دينه، ومع ذلك جاز.\n\n[١٢٨٤] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀: إن أعطت زوجها من زكاتها لم يجزئها. وقالا: يجزي.","vol":"4","page":264},{"text":"وحق المسألة المبسوط.\nثم فرقا بين هذا وبين ذوي الرحم المحرم، فإن في ذوي الرحم المحرم ما عدا الوالدين والولد إذا أعطاهم الزكاة سقطت عنه نفقتهم ما بقي شيء من الزكاة في يدهم، [وههنا لا تسقط عنه نفقتها وإن بقى من الزكاة في يدها].\nوالفرق: أن سبب الاستحقاق في ذي الرحم المحرم الحاجة، وبأخذ الزكاة استغنى فلا يستحق.\nوأما سبب استحقاق المرأة فالقيام عليها، وهذا السبب موجود وإن استغنت.\n\n<span data-type='title' id=toc-465>[بيع الأب مال والده الكبير للنفقة]</span>\n[١٢٨٥] قال:\nوإذا باع الوالد من مال ولده الكبير وهو غائب لحاجة النفقة فهذا على وجهين:\nإما أن يكون المال عقارًا.\nأو منقولًا، كالعبد وغير ذلك.\nفإن كان عقارًا لا يجوز بيعه بالإجماع.\nوإن كان منقولًا قال أبو حنيفة ﵀: يجوز.","vol":"4","page":265},{"text":"وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يجوز.\nواجمعوا أن بيع الأب المنقول لحاجة النفقة حال حضرة الابن لا يجوز.\nوأجمعوا أن بيع الأب من الأقارب نحو الأم وغير ذلك العقار والمنقول حال حضرة الابن وغيبته لحاجة النفقة لا يجوز.\nوقد ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في كتال المفقود.\n\n<span data-type='title' id=toc-466>[إنفاق الوالدين من مال ولدهما وهو في أيديهما]</span>\n[١٢٨٦] قال:\nولو كان [في يد] الوالدين مال لولدهما، فانفقا منه وهما محتجان لم اضمنهما ذلك.\nيريد به إذا كان في أيديهما دراهم أو دنانير.\nلأنهما ظفرا بجنس حقهما، فكان لهما أن يأخذا ولا يضمنان.\n\n<span data-type='title' id=toc-467>[إنفاق الوالدين من مال ولدهما وهو في يد أجنبي]</span>\n[١٢٨٧] قال:\nوإذا كان المال في يد أجنبي فأعطاهما من ذلك، فهذا على وجهين.\nإما أن أعطاهما من غير قضاء القاضي.\nأو بقضاء القاضي.\nففي الوجه الأول يضمن.","vol":"4","page":266},{"text":"لأن نفقتهما لا تكون أعلى من دين واجب، والمودع إذا قضى دين المودع بغير أمره ضمن، فهذا أولى لكن إذا ضمن لا يرجع على القابض، لأنه ملكه بالضمان، فتبين أنه دفع ملك نفسه، فكان متبرعًا، فلا يرجع عليه.\nوفي الوجه الثاني: لا يضمن.\nلأنه بأمر القاضي وجب عليه الدفع. فإذا دفع لا يضمن.\n\n<span data-type='title' id=toc-468>[الحر والعبد والذمي في دعوى النفقة سواء]</span>\n[١٢٨٨] قال:\nوأهل الإسلام، وأهل الذمة، والعبد إذا تزوج بإذن مولاه في النفقة سواء.\nلأنهم سواء في سبب الاستحقاق، وهو القيام عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-469>[الأمة مثل الحرة]</span>\n[١٢٨٩] قال:\nوالأمة إذا زوجها مولاها حرًا أو عبدًا بإذن مولاه، ودفعها إلى زوجها، وبوأها بيتًا [فهي] في النفقة مثل الحرة.","vol":"4","page":267},{"text":"لأنها مثل الحرة في سبب الاستحقاق [وهو القيام عليها].\n\n<span data-type='title' id=toc-470>[نفقة زوجة العبد حرة أو أمة واجتماع النفقات عليه]</span>\n[١٢٩٠] قال:\nوإذا تزوج العبد حرة بإذن مولاه، فإنه يجبر على النفقة عليها، والنفقة دين في عنقه إذا فرض القاضي لها ذلك.\nوكذلك إذا زوجه أمه قد بوأها المولى بيتًا.\nوإذا اجتمعت النفقات عليه يباع في دين النفقة، ويباع في دين المهر أيضًا.\nلأن هذا دين وجب في ذمة العبد، وظهر الوجوب في حق المولى؛ لأن السبب كان بإذن المولى، فيباع فيه كسائر الديون.\nإلا أن النفقة والمهر يفترقان في شيء [واحد] وهو أنه إذا بيع في المهر [مرة]، وبقى شيء من المهر، فإن لم","vol":"4","page":268},{"text":"يف الثمن بكل المهر لا يباع مرة أخرى، بل يتأخر إلى ما بعد الع؟؟، وإذا بيع في دين النفقة يباع مرة أخرى.\nوالفرق أن العبد إنما يباع في جميع المهر، والمهر جميعه واجب، فإذا بيع في جميعه مرة لا يباع مرة أخرى، وإن بقى شيء من ذلك المهر.\nفأما النفقة فإنها إنما تجب شيئًا فشيئًا، فإذا بيع فإنما يباع فيما اجتمع عليه من النفقات وصارت واجبة.\nوأما فيما لم تجتمع ولم تصر واجبة فلا يتصور البيع فيه، فإذا وجبت نفقة أخرى فهذا دين حادث، لم يبع فيه العبد مرة، فجاز بيعه [فيه].\nولو ولدت امرأته أولادًا فهذا على وجهين:\nأما أن تكون المرأة حرة أو أمة.\nففي الوجه الأول نفقة الأولاد تكون على العبد؛ لأن الأولاد أحرار تبعًا للأم، والحر لا يستوجب النفقة على العبد، إلا الزوجة، فإنها تستحق النفقة، وإن كانت حرة.","vol":"4","page":269},{"text":"وفي الوجه الثاني: نفقة الأولاد على مولى الأمة، وإن كانت نفقتها على الأب.\nلأن الأولاد تبع للأم في الملك، فتكون نفقة الأولاد على المالك\n\n<span data-type='title' id=toc-471>[نفقة من لا تطيق الجماع إذا زوجها أولياؤها]</span>\n[١٢٩١] قال:\nوإذا تزوج الرجل صبية زوجها أبوها أو ولي غير الأب، فطالبوه بنفقتها، فهذا على وجهين:\nأما أن تكون مثلها توطأ وتصلح للجماع. أو لا تطيق الجماع.\nففي الوجه الأول يفرض لها القاضي النفقة على الوةج.\nوفي الوجه الثاني لا يفرض لها حتى تصير إلى الحال التي تطيق بها الجماع.\nوأجمعوا على أن الزوج إذا كان صغيرًا لا يطيق الجماع زوجه أبوه امرأة كبيرة. فطلبت النفقة، فإن القاضي يفرض لها في مال الصبي النفقة.\nلأن في المسألة الأولى المنع جاء من قبلها، وفي المسألة الثانية المنع جاء من قبله، فجعل كأن لا منع.\nوقد مرت المسألة من قبل.","vol":"4","page":270},{"text":"وكذلك لو كانا صغيرين لا يطيقان الجماع فإنه لا نفقة لها.\nلأن المنع جاء من قبلهما، فلو جعل المنع من قبله كلا منه لا يتحقق سبب استحقاق النفقة؛ لأن المنع من قبلها قائم.\nوكذا المجبوب لو تزوج صبية صغيرة لا تصلح للجماع، فطلب أبوها نفقتها منه لم يفرض لها [القاضي] النفقة حتى تصير إلى حال تطيق الجماع، وإن كان الزوج لا يكون منه الجماع.\nلأنها إذا بلغت هذا المبلغ كان المنع من قبله، فجعل المنع كلا منع. ألا ترى أن الصبي الصغير الرضيع وفوقه ممن لا يكون منه الجماع لو زوجه أبوه امرأة كبيرة أو صبية يجامع مثلها، فطلبت النفقة، فرض لها القاضي النفقة في مال زوجها، لأن المنع جاء من قبله، كذا هذا.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>الباب الحادي والتسعون في نفقة المطلقة</span>\n<span data-type='title' id=toc-473>[المطلقة تستحق النفقة في العدة]</span>\n[١٢٩٢] ذكر [عن] إبراهيم النخعي ﵀ أنه قال: نفقة المطلقة نصف صاع كل يوم.\nفي الحديث دليل على استحقاق نفقة المطلقة في حالة العدة.\nوالتقدير بنصف صاع ليس بتقدير لازم، إنما اللازم مقدار كفايتها، لكن ربما كان مقدار الكفاية في زمن إبراهيم ﵀ نصف صاع.\n\n[١٢٩٣] ذكر عن إبراهيم ﵀ أنه قال:\nقوت المطلقة نصف صاع كل يوم بأدامها.\nوإنما قيد بالأدام، لأنها ربما لا تقدر على أكل الخبز","vol":"4","page":272},{"text":"القفار، فتجوع، فتتضرر، والضرر منفي في الشرع.\n\n<span data-type='title' id=toc-474>[المطلقة إذا خرجت في العدة لا تستحق النفقة ولا السكنى]</span>\n[١٢٩٤] وذكر عن الضحاك أنه قال:\nإذا خرجت المطلقة في عدتها فلا سكنى ولا نفقة.\nوبهذا أخذ بعض العلماء رحمهم الله تعالى.\nوهذا عندنا ما دامت على النشوز، فإذا عادت إلى بيت الزوج كان لها النفقة والسكنى، كما في حال قيام النكاح.\n\n<span data-type='title' id=toc-475>[نفقة السكنى إذا كان الزوج معسرًا]</span>\n[١٢٩٥] ذكر عن سعيد بن المسيب ﵀ في امرأة طلقت وهي بيت بكراء، فعلى من يكون كراء البيت؟\nقال: على زوجها.\nلأن الإسكان واجب على الزوج، والمرأة تابعة للزوج في السكنى.\nقيل لسعيد بن المسيب: ليس عنده.\nقال: عليها.","vol":"4","page":273},{"text":"قال: ليس عندها.\nقال: فعلى الأمير.\nمعنى قوله: ليس عنده، يعني الزوج معسر، لا يملك شيئًا.\nومعنى قوله: عليها، تؤمر أن تستدين، وتؤدي الكراء، فترجع به على الزوج إذا أيسر كما في حال قيام النكاح.\nومعنى قوله: ليس عندها، يعني المرأة معسرة.\nومعنى قوله: فعلى الأمير، يعني على بيت المال لأنهما كانا معسرين، وإذا كانا معسرين كانت كفايتهما في بيت المال.\n\n<span data-type='title' id=toc-476>[هل للمطلقة أن تستعدي على مال زوجها الغائب]</span>\n[١٢٩٦] ذكر عن إبراهيم في الرجل يطلق امرأته وهو غائب فلا يعطيها النفقة تستعدي على ماله؟","vol":"4","page":274},{"text":"قال تعدى عليه، فينفق عليها، فإن لم تطلب النفقة حتى تنقضي عدتها، فلا نفقة لها كما في حال قيام النكاح.\nفأما إذا فرض القاضي لها النفقة، فلم تقبض حتى انقضت عدتها، فلم يذكر في الكتاب أنه هل يقاس على الموت حتى تسقط أم لا؟\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني، ﵀، في شرح هذا الكتاب: فيه كلام يذكر في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-477>[المبتوتة لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة]</span>\n[١٢٩٧] قال:\nفإذا طلق الرجل امرأته طلاقًا بائنًا، ثلاثًا، أو واحدة، فلها السكنى والنفقة على زوجها ما دامت العدة.\nوهذا مذهبنا.\nقال الشافعي ﵀: لا نفقة لها.\nوالمسألة معروفة.\nثم ينظر: إن كانت المرأة من ذوات الحيض فعدتها","vol":"4","page":275},{"text":"تنقضي بثلاث حيض والقول قولها في العدة أنها لم تنقض، مع يمينها.\nلأنها أمينة في الإخبار، والقول قول الأمين، فإذا اتهم الأمين يستحلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-478>[مدة النفقة]</span>\n[١٢٩٨] وإن ادعت حبلًا أنفق عليها ما بينها وبين سنتين، منذ يوم طلقها.\nلأن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل، والولد يبقى سنتين.\nفإن مضت سنتان، ولم تلد، وقال: كنت أظن أني حامل. ولم أحض إلى [هذه الغاية]، وأظن هذا الذي بي ريح، وأنا أريد النفقة حتى تنقضي عدتي، وقال الزوج: قد ادعت الحبل، وأكثر مدة الحبل سنتان، فإن القاضي لا يلتفت إلى قوله، ويلزمه نفقة العدة [ما لم تنقض العدة].\nلأن هذا أمر قد يشتبه، فتعذر، فكان لها النفقة حتى تقضي عدتها، وعدتها تنقضي بثلاث حيض، أو بدخولها في حد الآياس، وبمضي ثلاثة أشهر بعد ذلك.","vol":"4","page":276},{"text":"فإن حاضت في هذه الشهور استقبلت العدة بالحيض.\nلأنه تبين أنها لم تكن آيسة، والنفقة واجبة عليه لها، لأنها محتبسة بعدتها منه.\n\n[١٢٩٩] قال:\nوإن طلق الرجل امرأته وهي صغيرة لم تحض، وقد دخل بها، ومثلها بجامع، فعدتها ثلاثة أشهر، ينفق عليها كذلك، لقوله تعالى:\n«واللائي لم يحضن» [معطوفًا على قوله:\n«واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر»].\nقال القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله تعالى:\nهذا إذا لم تكن مراهقة. أما إذا كانت مراهقة [فقد] قال: كان الشيخ الإمام أبو بكر محمد لن الفضل","vol":"4","page":277},{"text":"البخاري ﵀ يقول: عدتها لا تنقضي بثلاثة أشهر، بل يوقف حالها إلى أن يعلم أنه حبلت بذلك الوطء أن لا، فينبغي أن يدر عليها النفقة، ما لم يظهر فراغ رحمها.\n\n[١٣٠٠] قال:\nفإن حاضت في الشهور استقبلت العدة بالحيض.\nلما قلنا.\nوأنفق عليها حتى ينقضي الحيض.\n\n<span data-type='title' id=toc-479>[نفقة المختلعة والمبارئة وسكناهما]</span>\n[١٣٠١] قال:\nوالمختلعة والمبارئة لها النفقة والسكنى.\nوهذا عندنا.\nوعند الشافعي ﵀ ليس لهما النفقة.","vol":"4","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-480>[الإبراء من النفقة والسكنى في الخلع]</span>\n[١٣٠٢] قال:\nفإن اختلعت منه على أن أبرأته [من النفقة والسكنى] فالبراءة من النفقة جائزة، وأما السكنى فهي واجبة.\nلأن النفقة حق المرأة، فإذا رضيت بالخلع بشرط أن لا تجب لها النفقة صح هذا الشرط، فلم تجب.\nوأما السكنى فإنها حق الله تعالى، وحق الله تعالى لا يسقطها برضاها.\nوإن اختلعت أن لا سكنى لها لم يصح هذا الشرط، حتى لو اختلعت بشرط الإبراء عن مؤونة السكنى، فإن أبرأته عن مؤونة السكنى، بأن قالت: أكتر [لي] بيتًا اعتد فيه، وتكون الأجرة علي جاز.\nلأن مؤونة السكنى حقها.\nوبهذا كان يفتي [الشيخ] الإمام أبو بكر محمد بر الفضل [البخاري] ﵀.","vol":"4","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-481>[نفقة الملاعنة]</span>\n[١٣٠٣] قال:\nوالملاعنة لها السكنى والنفقة.\nلأن الفرق باللعان فرقة بطلاق، فكانت هذه الفرقة، والفرقة بالطلاق الثلاث، والطلاق البائن سواء.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>[نفقة الأمة إذا أعتقت فاختارت الفرقة]</span>\n[١٣٠٤] قال:\nوالأمة إذا أعتقت وهي عند زوج قد بوأها بيتًا فاختارت الفرقة فلها السكنى والنفقة.\nوالأصل في هذه المسألة وفي جنس هذه المسألة ما قال صاحب الكتاب ﵀، وذلك أصلان:\nأحدهما: أن الفرقة متى وقعت بين الزوجين ينظر: إن كانت الفرقة من جهة الزوج فلها النفقة سواء كانت معصية أو غير معصية:\n[فإن كانت من جهة المرأة ينظر: إن لم تكن معصية فلها النفقة]، وإن كانت معصية فلا نفقة لها، لأن النفقة","vol":"4","page":280},{"text":"صلة لهما، وبعصيان الزوج لا تحرم من الصلة، أما إن عصت هي حتى وقعت الفرقة من جهتها، جاز أن تحرم [من] الصلة.\nونظير هذا الوارث إذا قتل مورثه، إن كان بحق لا يحرم [من] الميراث، وإن كان بغير حق يحرم [من] الميراث.\nوالثاني: أن المعتدة إذا وجبت لها النفقة كانت هي [في] العدة بمنزلة الزوجة التي لم تطلق، فما وجب للزوجة التي [لم] تطلق فيه [من] النفقة، فلها ما دامت في العدة، وما حرمت به النفقة وهي زوجته تحرم به إذا كانت في العدة.\nأما بيان الأصل الأول: فإن الأمة إذا أعتقت فاختارت الفرقة فلها النفقة.\nلأن هذه فرقة جاءت من قبلها لا بسبب هو معصية.\nوالمنكوحة إذا ارتدت حتى وقعت الفرقة لا نفقة لها.\nلأن الفرقة جاءت من قبلها، بسبب هو معصية.\nوبيان الأصل الثاني: إذا طبق الرجل امرأته ثلاثًا، حتى وجبت لها النفقة، ثم ارتدت في عدتها عن الإسلام، فحبست","vol":"4","page":281},{"text":"حتى تتوب، فلا نفقة لها؛ كما لو ارتدت وهي منكوحة [فحبست].\n\n<span data-type='title' id=toc-483>[نفقة المرتدة]</span>\n[١٣٠٥] قال:\nفإن رجعت إلى الإسلام كان لها النفقة والسكنى.\nلأن استحقاق النفقة والسكنى كان ثابتًا لها، لكن السقوط بعارض وهو الحبس بالردة حتى تتول، فإذا أسلمت زال العارض، فيعود وجوب النفقة؛ كما لو نشزت ثم عادت إلى بيت العدة.\nفرق بين هذا وبين ما إذا ارتدت وهي منكوحة، حتى وقعت الفرقة، وسقطت النفقة، ثم أسلمت [بعد ذلك] فأنه لا تعود النفقة.\nوالفرق هو أن الفرقة ههنا وقعت بمعنى مضاف إليها وهي معصية، فسقطت النفقة أصلًا، فلا تعود بعد ذلك.\nأما إذا ارتدت وهي معتدة، فسبب الوجوب قد","vol":"4","page":282},{"text":"تقرر، لكن امتنع الوجوب في بعض المدة لعارض، وقد زال، فيزول الحكم كما في النشوز.\n\n<span data-type='title' id=toc-484>[هل تحرم المطلقة من النفقة إذا ارتكبت شيئًا هو معصية]</span>\n[١٣٠٦] قال:\nوإن كان حين طلقها زوجها ثلاثًا قبلت ابنه بشهوة، لم تحرم النفقة.\nفرق بين هذا وبين ما إذا ارتدت المعتدة.\nوالفرق: أن المرتدة [المعتدة] تحبس في العدة حتى تتوب، وهذا الحبس كان بحق واجب عليها، وهو الإسلام، والحبس إذا كان بحق واجب عليها كان مسقطًا للنفقة.\nوأما التقبيل فلا تحبس.\nفرق بين هذا وبين المنكوحة إذا قبلت ابنه بشهوة حيث تسقط النفقة.\nوالفرق: أن الفرقة قد وقعت بمعنى مضاف إليها، وهو معصية، فجاز أن تسقط النفقة، فأما بعد العدة فلم يقع بهذا التقبيل فرقة.\nهذا معنى ما قاله صاحب الكتاب رحمه الله تعالى.","vol":"4","page":283},{"text":"لأنها لم تودد بينونة، ولأنها لم [تحبس] بهذه العدة.\nفالعبارة الأولى إشارة إلى الفرق بينها وهي معتدة، وبينها وهي منكوحة.\nوالعبارة الثانية [إشارة] إلى الفرق بينها وهي معتدة وبين المعتدة إذا ارتدت.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-485>الباب الثاني التسعون في نفقة الصبيان</span>\n<span data-type='title' id=toc-486>[نفي المضارة عن الوالدة والوالد]</span>\n[١٣٠٧] ذكر عن ابن عباس ﵄ في تأويل قوله تعالى:\n«لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك».\nقال في قوله:\n«لا تضار والدة بولدها»: بانتزاع الولد من حجرها.\n«ولا مولود له بولده»: بإلقاء الولد على الوالد، ولا تضار [هي] بإلقاء الولد عليها.\n«وعلى الوارث مثل ذلك»: يعني: التحرز به عن المضارة.","vol":"4","page":285},{"text":"وقال عبد الله بن مسعود ﵁:\nالمراد من قوله «مثل ذلك» النفقة، يعني: تجب النفقة مثل ذلك.\nوعندنا: تحتمل عليهما جميعًا: على [نفي] المضارة، والنفقة جميعًا.\nاشتمل الحديث على فوائد:\nمنها: أن الأم أحق بالولد من الوالد.\nومنها: أن نفقة الرضاع على الوالد، يعني: أجر الرضاع.\nوقد فسر البعض أن المراد من قوله تعالى:","vol":"4","page":286},{"text":"«وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن»: نفقة الرضاع، يعني: أجر الرضاع.\nوهذا إذا وقعت الفرقة بينهما. فما دامت في العدة وهي ترضع الولد تكون نفقتها وكسوتها على الوالد وراء نفقة العدة، ويكون ذلك أجر الرضاع.\nوهذا عندنا غير صحيح.\nلما نبين في كتاب النفقات إن شاء الله تعالى.\nومنها: أن الرضاع واجب على الوالدة ديانة، وإن لم يكن واجبًا من حيث الحكم. ألا ترى أنه جعل إلقاء الوالد بالولد من جملة المضارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-487>[أجر رضاع الصبي في ماله]</span>\n[١٣٠٨] ذكر عن [ابن] مغفل: قال:","vol":"4","page":287},{"text":"يحسب رضاع الصبي من نصيبه.\nأراد بالرضاع: أجر الرضاع.\nوأراد من نصيبه: نصيبه من المال الذي ورثه مع غيره، فكان له مال.\nلأن أجر الرضاع من النفقة، ونفقة الصبي تكون في ماله إذا كان له مال، فكذلك هذا.\n\n[١٣٠٩] [وقال شريح في حديث الرضاع:\nالرضاع من جميع المال.\nيعني: من جميع المال الموروث من نصيبه ونصيب غيره].\nوقال شريح ﵀ في حديث آخر:\nرضاع الصبي من جميع المال، حتى يفطم، فإذا فطم فمن نصيبه.","vol":"4","page":288},{"text":"وكلاهما قول لا يؤخذ به.\n\n[١٣١٠] ذكر عن إبراهيم ﵀ قال:\nإذا مات الرجل وترك ابنًا رضيعًا أنفق عليه من نصيبه، فإن كان نصيبه لا يكمل به الرضاع أنفق [عليه] من جميع المال.\nيعني إذا فني ماله ولم يستغن عن الرضاع، يكون ذلك على ورثته على قدر مواريثهم.\nفكان في الحديث دليل صحيح على وجوب نفقة المحارم.\nوبه نأخذ.\n\n<span data-type='title' id=toc-488>[هل تجبر المرأة على إرضاع ولدها]</span>\n[١٣١١] ذكر عن الحسن ﵀ قال:\nتجبر المرأة على إرضاع ولدها إن كانت عند زوجها.\nولا نأخذ به.","vol":"4","page":289},{"text":"لأن الإرضاع من جملة النفقة، ونفقة الأولاد تكون على الوالد، وإن كان الولد لا يأخذ من لبن غيرها فسنبين الجواب عنه إن شاء الله تعالى.\n\n[١٣١٢] ذكر عن الحسن بن صالح رحمه الله تعالى أنه سئل عن المرأة تأبى أن ترضع ولدها من الرجل، قال:\nللزوج أن يجبر المرأة على إرضاع ولها منه، ما لم يطلقها.\nلأن عليه نفقتها وكسوتها.\nولا نأخذ بهذا.\n\n[١٣١٣] ذكر عن الضحاك ﵀ قال:\nتجبر الأم على الرضاع، ما لم يأخذ الصبي من غيرها إن لم يكن له وللأب مال.\n\n[١٣١٤] وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح","vol":"4","page":290},{"text":"هذا الكتاب وقال: في ظاهر الرواية عند أصحابنا ﵏: أن لا تجبر، وإن لم يأخذ من لبن غيرها.\nوروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في النوادر أنها تجبر.\nوذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح هذا الكتاب وقال: أنها تجبر مطلقًا.\nوجه ما ذكره: أنه متى لم تجبر، والولد لم يأخذ من لبن غيرها أدى ذلك إلى إتلاف الولد، وهي منهية ممنوعة عن إتلاف الولد.\nوجه ما ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنه يغذي بالدهن وغيره من المائعات، فلا يؤدي هذا إلى تلف الولد.\n\n[١٣١٥] ثم قال الضحاك:\nإذا لم يكن للصبي أو للأب مال أجبرت الأم على الإرضاع.\nوهو الصحيح.\nلأنها ذات يسار في اللبن، [فصار] هذا قياس ما ذكرنا: أن الأب إذا غاب وليس له مال، وترك امرأة وصغيرًا، ولها مال،","vol":"4","page":291},{"text":"فإنها تجبر على الإنفاق على الصغير، ثم ترجع هي عليه [بعد ذلك] فكذا ههنا.\nفإن طلبت من القاضي أن يفرض لها نفقة الرضاع، حتى إذا أيسر رجعت عليه فعل ذلك. لأنها أنصفت، كما في النفقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-489>[نفقة الأولاد الصغار على الاب]</span>\n[١٣١٦] قال:\nولو أن رجلًا له أولاد صغار، بعضهم رضيع وبعضهم فطيم، وتزوجت أمهم، وليس لهم مال، فخاصمت أمهم في نفقتهم، فإن القاضي يفرض لهم النفقة عليه ما داموا صغارًا، فإن نفقة الأولاد الصغار تكون على الأب بالإجماع.\n\n[١٣١٧] [قال]:\nفإن شكت الأم تضييقه وتقتيره في النفقة عليهم فينبغي للقاضي أن يسمع كلامها، ويدفع نفقتهم إلى الأم.","vol":"4","page":292},{"text":"لأنه إذا كان يضيق عليهم ربما يمونون جوعًا، فيدفع الأولاد إلى أمهم؛ لأنها أرفق بالأولاد، ولا تضيق عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-490>[للأم أن تطلب مرضعة لابنها عندها]</span>\n[١٣١٨] قال:\nفأما الرضيع فإن أبت الأم أن ترضعه، وقال: ائتني [بامرأة] ترضعه عندي فلها ذلك.\nلأن الإرضاع من النفقة، والنفقة على الأب، لا على الأم، فلا تجبر الأم على الإرضاع. ويؤمر على الأب بأن يكتري، امرأة إذا كان يجد امرأة مرضعة ترضعه عند أمه، ولا ينتزع الولد من أمه.\nلأن حق الحضانة والتربية لها بالإجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>[هل للأم أن تأخذ ما تأخذه الظئر من أجور؟]</span>\n[١٣١٩] قال:\nفإن قالت: أنا أرضعه بما تأخذ هذه الظئر، فليس لها ذلك.","vol":"4","page":293},{"text":"لأنها زوجته.\nأراد به أنها ما دامت زوجته كان إقامة هذا العمل مستحقًا عليها ديانة، إن لم يكن مستحقًا عليها من حيث الحكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-492>[هل لها أن تأخذ الأجر في عدة الطلاق البائن؟]</span>\n[١٣٢٠] قال:\nفإن كان قد طلقها بائنًا، أو ثلاثًا، فطلبت أجر الرضاع لترضع الصبي، فاستأجرها الزوج هل يصح؟.\nفيه روايتان:\nذكر عن محمد ﵀ في كتاب الاجارات أنه لا يصح. وهكذا ذكر صاحب الكتاب ههنا. وفي كتاب النفقات في باب نفقة الصبي والصبية قال: لأن نفقة العدة مستحقة لها على الزوج ما دامت في العدة، ولا تجتمع نفقتان: نفقة الرضاع مع نفقة العدة.\nوذكر في الأصل أنها تستحق نفقتين: نفقة الرضاع ونفقة العدة.","vol":"4","page":294},{"text":"وهكذا على رواية الحسن بن زياد رحمه الله تعالى.\nوصار هذا كاختلاف الروايتين في فصل القطع: أنه إذا طلقها طلاقًا بائنًا فاعتزلت بمالها إلى بيت أهلها، ثم إن الزوج سرق مالها من بيت أهلها، هل يقطع؟ فيه روايتان: -\nوفي فصل الزكاة والشهادة يدل على صحة هذه الرواية أنه لا يجوز؛ فإنه لو دفع زكاة ماله إليها، وهي فقيرة، وهي في عدة منه، أو شهد لها وهي في عدة منه لم يجز.\n\n<span data-type='title' id=toc-493>[أجر الرضاع بعد انتهاء العدة]</span>\n[١٣٢١] قال:\nوإذا انقضت عدتها فطلبت أجر الرضاع، فخي أحق بدفع ذلك إليها. وينظر القاضي بكم تجد امرأة غيرها، فيأمره أن يدفع ذلك القدر إليها؛ لقوله تعالى:","vol":"4","page":295},{"text":"«فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن».\nوإن أردت أكثر من ذلك كان للأب أن يستأجر غيرها: لقوله تعالى:\n«وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى».\nقالوا في التفسير:\nالتعاسر: هو أن يجري المكاس في الأجرة بينهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-494>[فرض النفقة للصبيان على قدر طاقة الأب]</span>\n[١٣٥٢] قال:\nوأما الأولاد الذين قد خرجوا عن حد الرضاع فإنه يفرض لهم النفقة بقدر حاجتهم، وعلى قدر طاقة أبيهم؛ لقوله تعالى:","vol":"4","page":296},{"text":"«على الموسع قدره وعلى المقتر قدره».\n\n<span data-type='title' id=toc-495>[نفقة الصبيان في أموالهم إذا كانت لهم أموال]</span>\n[١٣٥٣] قال:\nفإن كان للصبيان مال فنفقتهم في أموالهم، ولا يجبر الأب على أن ينفق عليهم.\nلأن الولد موسر، ونفقة الولد الموسر لا تجب على الأب.\n\n<span data-type='title' id=toc-496>[فرض نفقة الصبيان على الولد المعسر واستدانة الأم]</span>\n[١٣٥٤] قال:\nوإن كان الولد معسرًا لا يقدر على النفقة عليهم فهذا على وجهين:\nأما أن يقدر على الكسب.\nأو لا يقدر.\nفإن كان يقدر على الكسب فالقاضي يفرض عليه نفقتهم، فيكتسب، وينفق عليهم.\nلأن نفقة الأولاد لا تسقط عن الوالد بالعسرة.\nوإن لم يقدر على الكسب، فإن القاضي يفرض","vol":"4","page":297},{"text":"النفقة ويأمر المرأة حتى تستدين على الزوج، فإذا أيسر طالبته بذلك.\nوكذلك لو قالت المرأة في هذا الوجه: افرض لولدي عليه حتى استدين لهم، وأنفق عليهم إلى أن يجد ما يعطيني، فأرجع به عليه، فلها ذلك.\nفإذا فعل القاضي، واستدانت، وأنفقت عليهم فلها أن ترجع عليه إذا أيسر.\nوكذلك لو كان الأب واجدًا للنفقة، [لكنه] تمرد عليهم، وامتنع من النفقة عليهم، ففرض لهم القاضي عليه النفقة، فامتنع من الأداء، أمرها القاضي أن تستدين عليه، وتنفق عليهم لترجع بذلك على الأب، ففعلت، فإنها ترجع [بذلك] على الأب.\nوكذلك إن فرض القاضي النفقة على أبيهم، وتركهم بلا نفقة، فاستدانت الأم، وأنفقت عليهم بأمر القاضي، فإنها ترجع على الأب بذلك.\nلأن الإنفاق عليهم بأمر القاضي كالإنفاق بأمر الأب.","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-497>[حكم نفقة الصبيان إذا كانوا يأكلون من مسألة الناس]</span>\n[١٣٥٥] قال:\nفإن لم تكن استدانت عليه بعد الفرض ولكنهم كانوا يأكلون من مسألة الناس، لم ترجع على الأب بشيء.\nلأنهم إذا سألوا وأعطوا صار ذلك ملكًا لهم فإذا صار مقدار الكفاية ملكًا لهم سقطت النفقة عن الأب.\nوإن أعطوا مقدار نصف الكفاية سقط نصف النفقة عن الأب، وتصح الاستدانة بقدر ذلك النصف.\nوليس هذا من حق الأولاد خاصة، بل في جميع نفقة المحارم إذا أكلوا من مسألة الناس لا يكون لهم حق الرجوع على من فرضت نفقهم عليه.\nلأنهم لما أعطوا استغنوا عن النفقة، بخلاف نفقة الزوجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-498>[لا يجبر أحد على الإنفاق على الأولاد سوى الأب]</span>\n[١٣٥٦] قال:\nونفقة الأولاد الصغار الذكور والإناث على الأب، لا يشاركه في ذلك أحد، ينفق عيلهم، إلى أن يدركوا؛ لقوله تعالى:\n«وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف».","vol":"4","page":299},{"text":"والمولود له الأب.\n\n<span data-type='title' id=toc-499>[هل للأب أن يؤاجر أولاده في عمل أو حرفة؟]</span>\n[١٣٥٧] قال:\nوأما الولدان الذكور إذا بلغوا حد الكسب، ولم يبلغوا في أنفسهم، فإذا أراد الأب ليسلمهم في عمل ليكتسبوا، وينفق عليهم من ذلك، فذلك له.\nوكذا لو أراد الأب أن يؤاجر في عمل، أو في حرفة، فذلك له.\nلأن له فيه منفعة؛ فإنه يتعلم الكسب.\nهذا إذا كان الولد من الذكور.\nوأما إذا كان من الإناث، فليس له ذلك.\nلأن المستأجر يخلو بها، وذلك منهي عنه في الشرع.\nفإذا فعل ذلك في إجارة الذكور يأخذ كسبهم، وينفق عليهم من كسبهم.","vol":"4","page":300},{"text":"لأن ذلك ملكهم، ونفقة الولد في ماله إذا كان له مال.\nوما فضل عن نفقته فإن الأب يحفظ ذلك عليهم إلى بلوغهم كسائر أموالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-500>[قد يضع القاضي أموال الصغار في يد أمين غير الأب]</span>\n[١٣٥٨] قال:\nوإن كان الأب مبذرًا لا يؤمن على ذلك فالقاضي يخرج ذلك من يده، ويجعله في يد أمين يحفظه لهم، فإذا بلغوا سلمه إليهم.\nوهذا لا يختص بهذا المال، بل بكل مال الصبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-501>[هل للأم المطلقة أن تأخذ من مال ولدها؟]</span>\n[١٣٥٩] قال:\nولو كان للصبي أم مطلقة، وقد خرجت من العدة، فاحتاجت إلى أن ينفق عليها من كسب ولدها فعل ذلك بها.\nلأن الأب لو احتاج إليه جاز له أن يأخذ مقدار حاجته فكذا الأم إذا احتاجت كان لها أن تأخذ.","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-502>[نفقة الإناث والزمني من الأولاد الكبار]</span>\n[١٣٦٠] قال:\nوأما الولد الإناث فنفقتهن على الأبوين جميعًا، على الأم الثلث، وعلى الأب الثلثان.\nهكذا ذكر الخصاف ﵀ ههنا.\nوهكذا روى الحسن عن ابن يوسف عن أبي حنيفة ﵀ ذكره الخصاف في كتاب النفقات.\nوذكر في ظاهر الرواية أن نفقتهم على الأب.\nوأجمعوا على أن نفقة الولد الصغير ذكرًا كان أو أنثى كلها على الأب.\nففي ظاهر الرواية سوى بين الصغير والكبير الزمن، والبالغة الأنثى.\nوعلى رواية الخصاف، ورواية الحسن فرق.\nوجه ظاهر الرواية: [قوله تعالى]:\n«وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن».","vol":"4","page":302},{"text":"من غير فصل.\nوجه رواية الحسن والخصاف: أنه اجتمع في الصغير الولاية والمؤونة في جانب الأب، حتى كانت صدقة فطره عليه، فاختص بتحمل النفقة، ولا كذلك الزمن البالغ، والأنثى البالغة.\nلأنه إن وجدت المؤونة حتى وجبت النفقة، لم توجد الولاية، حتى لا تجب عليه صدقة فطره، فلا تختص بتحمل النفقة.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-503>الباب الثالث والتسعون ﴿في النفقة على الأبوين وعلى ذي الرحم [المحرم]﴾</span>\n<span data-type='title' id=toc-504>[النفقة على كل وارث بقدر ما يرث]</span>\n[١٣٦١] ذكر عن زيد بن ثابت ﵁ قال: يجبر كل وارث بقدر ما يرث.\nهكذا ذكر عن زيد بن ثابت.\nوهذه مسألة أختلف فيها الصحابة ﵃:\nقال عمر ﵁:","vol":"4","page":304},{"text":"تجب النفقة على كل وارث بقدر ما يرث، وإن لم يكن محرمًا.\nحتى روي عنه أنه قال:\nتجب النفقة على ابن العم.\nوروي عنه أنه قال:\nلو لم يبق من العشيرة إلا واحد لأجبرته على النفقة.\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁:\nتجب على الوارث الذي هو ذو رحم محرم بقدر ما يرث.\nوعن زيد بن ثابت ﵁ روايتان:\nفي [١٢٨٧] رواية كما قال عمر.\nوفي رواية كما قال عبد الله بن مسعود ﵄.\nوأخذ ابن أبي ليلى بقول عمر ﵁.\nوأخذ أصحابنا ﵏ بقول عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"4","page":305},{"text":"وصاحب الكتاب ﵀ ههنا أعتمد على قول زيد على الرواية التي توافق قول عمر، وفي كتاب النفقات على قول ابن مسعود.\nوالكلام في فصلين:\nأحدهما: في اشتراط المحرمية.\nوالآخر: في اشتراط الإرث.\nأما الكلام في الفصل الأول فنقول:\nعمر ﵁ احتج بقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ من غير فصل.\nوابن مسعود ﵁ قرأ: \"وعلى الوارث ذي حم محرم منه مثل ذلك\" وهو قرأ قرآنًا لفقد شروطه، لا يتخلف عن الخبر، ولأن النفقة إنما تجب بطريق الصلة، فتختص بقرابة","vol":"4","page":306},{"text":"المحرمية للنكاح، وكما في العتق عند الملك، وحرمة الرجوع في الهبة، ونحو ذلك.\nهذا هو الكلام في اشتراط المحرمية.\nوأما الكلام في الفصل الثاني فكونه وارثًا شرط في المحارم بالاتفاق، لكن المراد منه عند الأكثر كونه أهلًا للإرث.\nوبه أخذ علماؤنا.\nوعند البعض كونه وارثًا حقيقة، منهم الحسن بن صالح، حتى إذا أجتمع الخال وابن العم كانت النفقة على الخال عند علمائنا ﵏، وإن كان الإرث لابن العم.\nلأن الخال ذو رحم محرم، وهو أهل للإرث، وابن العم ليس بذي رحم محرم.\nوعند الحسن ﵀ لا تجب النفقة على الخال.","vol":"4","page":307},{"text":"وستأتي مسائل آخر فيها خلاف.\nوإنما يظهر هذا عند اختلاف الدينين [حتى لا تجب نفقة المحارم عند اختلاف الدينين]؛ لانعدام أهلية الإرث.\nفرق بين النفقة وبين العتق عند الملك، وحرمة الرجوع في الهبة، فإنهما يثبتان مع اختلاف الدينين.\nوالفرق أن الموجب للعتق عند الملك، والمحرم، للرجوع في الهبة المحرمية؛ لقوله ﷺ:\n\"من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر\".","vol":"4","page":308},{"text":"والمحرمية لا تنعدم باختلاف الدينين.\nفأما الموجب للنفقة المحرمية للوارث فلقوله تعالى:\n﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾.\nقرأ عبد الله بن مسعود ﵁: \"وعلى الوارث ذي رحن محرم منه مثل ذلك\" والوارثة تنعدم باختلاف الدينين.\nفرق بين هذا وبين نفقة الولد فإنها تجب، وإن كان مخالفًا للأب في الدين؛ لأن ظاهر قوله تعالى ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾. ترك بقوله تعالى:\n﴿وعلى المولود له رزقهن﴾.\nاعتبر الولاد، والولاد متحقق عند اختلاف الدينين.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>[نفقة الصبي على ورثته الموسرين]</span>\n[١٣٦٢] ذكر عن الحسن بن صالح ﵀، أنه قال.","vol":"4","page":309},{"text":"إذا كان للصبي ورثة بعضهم موسر، وبعضهم معسر، أجبر الموسر بقدر سهمه من الميراث.\nولا نأخذ به.\nفإن عندنا النفقة كلها على الموسر.\nفهو اعتبر الإرث. وأوجب بقدر الإرث، ونحن نعتبر ذا رحم محرم مع كونه أهلًا للإرث، لكن إذا اجتمع الموسرون والمعسرون حتى وجبت النفقة على الموسرين، فيعتبر المعسرون إحياء في حق إظهار قدر ما يجب على الموسرين.\nبيانه:\nإذا كان للصغير أخت لأب وأم وأخت لأب، وأخت لأم، وأم. والأخت من الأب والأخت من الأم معسرتان، والأخت لأب وأم، والأم، موسرتان، فكل النفقة تجب عليهما،","vol":"4","page":310},{"text":"لكن على أربعة أسهم، ثلاثة أسهم على الأخت لأب وأم، وسهم على الأم، ولا يلحقان بالأموات بل يعتبران لإظهار النصيب، ثم يسقط نصيبهما لعسرتهما.\nوإنما يلحق بالأموات من لو كان مع المعسرين حيًا لا يرث معهم شيئًا.\nأما إذا كان يرث فلا يلتحق بالأموات، بل يعتبر لإظهار النصيب، ثم يسقط نصيبه لعسرته.\n\n[١٣٦٣] ذكر عن يحيي قال:\nسألت شريكًا عن أخوين صبيين لهما عم موسر، وهما معسران. قال: يجبر العم على نفقتهما.","vol":"4","page":311},{"text":"وقال الحسن بن صالح ﵀: لا يجبر العم على نفقة واحد منهما.\nفالحسن ﵀ اعتبر الإرث. والعم لا يرث منهما؛ لأن كل واحد منهما يرث الآخر.\nوشريك ﵀ اعتبر [كونه] ذا رحم محرم، وكونه أهلًا للإرث.\nوبقول شريك أخذ علماؤنا ﵏.\n\n[١٣٦٤] ذكر عن سفيان ﵀ في صبي له أخوان أحدهما موسر والآخر معسر. قال: ينفق الموسر وحده على الصبي.\nوعلى قول الحسن يعتبر الإرث، فيجب على الموسر نصف نفقته.\nوبقول سفيان ﵀ أخذ علماؤنا ﵏؛ فإن المعسر ملتحق بالأموات في حق استحقاق كل النفقة، غير ملحق بالأموات في حق إظهار النصيب عند الحاجة إلى القسمة على الموسرين.","vol":"4","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>[عودة إلى إعطاء الزكاة لمستحق النفقة]</span>\n[١٣٦٥] ذكر عن سفيان ﵀ قال:\nلا تعط زكاتك من تجبر على النفقة عليه.\nولا نأخذ به.\nوقد مر هذا الكلام في آخر باب نفقة المرأة.\n\n<span data-type='title' id=toc-507>[هل يجبر الوارث على نفقة من يرثه إذا كان له قوة العمل؟]</span>\n[١٣٦٦] ذكر عن الحسن ﵀ قال:\nيجبر الوارث على نفقة من يرثه. وإن كان له قوة العمل، إذا كان لا يحسن العمل.\nلأنه إذا كان لا يحسن العمل فالناس لا يستعملونه، ولا يأمرونه بالعمل، فيصير هو كالعاجز عن الكسب بسبب المرض والزمانة.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\n[الرجل] الصحيح قد لا يقدر على الكسب لخرقه، أو لكونه من أهل البيوتات، فيكون عاجزًا عن الكسب فإذا كان هكذا كانت نفقته على الأب.","vol":"4","page":313},{"text":"وهكذا قالوا في طالب العلم إذا كان لا يهتدي إلى الكسب لا تسقط نفقته عن الأب، بمنزلة الزمن والأنثى.\n\n[١٣٦٧] ذكر صاحب الكتاب ﵀ أخبارًا كثيرة، بعضها معاد محض، وبعضها لا فائدة من ذكره، وفي بعضها ضرب فائدة، فتذكر ما فيه فائدة: -\n\n<span data-type='title' id=toc-508>[النفقة على الجد والأب حي فقير ومن على هذه الصورة]</span>\n[١٣٦٨] ذكر عن يحيي ﵀ قال:\nسألت شريكًا: أيجبر ابن الابن على النفقة على الجد أبي الأب والأب حي فقير؟\nقال: نعم.\nقلت: أيجبر الجد على النفقة على ابن الابن والابن فقير؟\nقال: نعم.\nوبه نأخذ.\nلأن الفقير يلحق بالميت في حق استحقاق النفقة على الموسر.\nوعلى قول الحسن بن صالح: لا يجبر.\nلما قلنا، أنه يعتبر الإرث.\nقلت: أيجبر على نفقة أبي الأم؟\nقال شريك أولًا: لا.","vol":"4","page":314},{"text":"لأنه لا يرثه.\nولا نأخذ به.\nوإنما نأخذ بما قال بعد ذلك: أنه لمن ولده.\nوهذا إشارة إلى قرب القرابة. وهذا لأنه لا عبرة للإرث عندنا، إنما العبرة لقرب القرابة، وقد وجد.\nقلت: أيجبر على نفقة جدته أم أمه وهو لا يرثها؟\nفقال: إذا كان لو ملكها عتقت.\nوهذا إشارة إلى قرب القرابة.\nوبه نأخذ.\nقال: قلت: فالأخت المحتاجة إذا كان لها منزل تسكنه. أيجبر الأخر على نفقتها؟.\nقال: لا.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: لا نأخذ به؛ فإن هذا ليس مذهبنا، إنما هو مذهب شريك وبعض العلماء ﵏، فإنهم يقولون: إذا كان للإنسان دار يسكنها، أو خادم يخدمه، أو ظهر يركبه، لا تفرض نفقته على ذوي رحمه، بل يبيع داره، ويسكن دارًا بكراء، ويبيع خادمه، ويخدم نفسه بنفسه، ويبيع الظهر، ويمشي برجليه، فإذا لم يبق شئ من ذلك فحينئِذ يفرض على ذوي رحمه.","vol":"4","page":315},{"text":"وفرق هؤلاء بين ذوي الأرحام، وبين الوالدين والمولودين؛ فإن الأب والولد الزمن، إذا كان له دار، أو خادم، أو دابة، فإنه يفرض نفقته على الابن والوالد.\nوقد ذكر في الباب الذي يلي هذا الباب عن شريك ﵀ قولًا آخر أنه يجبر، كما هو مذهبنا، فإن المذهب عندنا أن الكل سواء في أنه تفرض النفقة له، إلا أن يكون في المسكن فضل، نحو أن يكفيه أن يسكن ناحية منه، فيؤمر ببيع الفضل، وينفق ثمنه على نفسه، فإذا آل الأمر إلى تلك الناحية التي يسكنها تفرض نفقته على ذوي رحمه.\nوكذا إذا كانت له دابة نفيسة، يؤمر أن يبيع، ويشتري أوكس منها، وينفق الفضل على نفسه، فإذا آل الأمر إلى الأوكس تفرض النفقة على ذوى الرحمة.\nويستوي في هذا الوالدون والمولودون وسائر المحارم وقد ذكر في الباب الذي يلي هذا الباب عن شريك","vol":"4","page":316},{"text":"﵀ أنه فرض لرجل مريض نفقته على الأب. فلما برئ جاء يطلب النفقة. فقال له شريك: اذهب فاطلب لنفسك.\nفإن الموجب للنفقة بعد بلوغ الابن العذر وقد زال ذلك العذر.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>[لا تشترط الزمانة في الإجبار على نفقة الأب إذا كان لا يكتسب]</span>\n[١٣٦٩] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀: لا أجبر أحدًا أن ينفق على أحد من الرجال إلا أن يكون بالرجل الذي يطلب النفقة زمانة، إلا الأب والجد، فإني أجبر الولد على النفقة على أبيه، وأن لم يكن بالأب زمانة. إذا كان ممن لا يكتسب.\nلأن النفقة إنما تفرض على ذوي الأرحام إذا كان عاجزًا عن الكسب، والعجز عن الكسب إنما يثبت بالزمانة.\nفأما نفقة الوالدين فإنما تفرض عند العسرة، والعسرة تتحقق مع الصحة.","vol":"4","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-510>[الجد كالأب في الإجبار على الإنفاق عليه]</span>\n[١٣٧٠] قال:\nوكذلك الجد إذا كان الأب ميتًا، أو فقيرًا، والجد من قبل الأم بمنزلة الجد من قبل الأب في النفقة.\nلما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-511>[لا يجد المسلم على الإنفاق على أحد من أهل الذمة إلا على الوالد والولد والجد ومن في حكمهم]</span>\n[١٣٧١] قال:\nولا يجبر أحد من المسلمين على أن ينفق على أحد من أهل الذمة، إلا على الوالدين، والولد، وولد الولد، وإن سفلوا، والجد، والجدة، والأجداد، والجدات، وإن ارتفعوا.\nوالفرق بينهما ما من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-512>[لا يجبر المسلم على الإنفاق على أحد من أهل الذمة إلا على الوالد]</span>\n[١٣٧٢] قال:\nويجبر المسلم على النفقة على امرأته النصرانية.\nلأن الاستحقاق سببه النكاح، والنكاح ثابت.","vol":"4","page":318},{"text":"[١٣٧٣] قال:\n\n<span data-type='title' id=toc-513>[مقدار النفقة على الأبناء]</span>\nولو أن رجلًا محتاجًا، وله ابنان أحدهما موسر مكثر، والآخر متوسط الحال، كانت النفقة عليهما، يجعل على الموسر المكثر من ذلك أكثر مما يجعل على الآخر.\nهكذا قال صاحب الكتاب ﵀ ههنا، وفي كتاب النفقات.\nوذكر محمد ﵀ في المبسوط وقال: أنه يكون بينهما على السواء.\nلأن العبرة لليسار. فإذا كان كل واحد منهما موسرًا كانت النفقة عليهما على السواء.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nقال مشايخنا ﵏: إنما تكون النفقة عليهما سواء إذا تفاوتا تفاوتًا يسيرًا، أما إذا تفاوتا فاحشًا [فإنه] يجوز أن يتفاوتا في قدر النفقة.\n\n[١٣٧٤] قال:\nولو أن مسلمًا له ابنان: أحدهما مسلم، والآخر ذمي، وهما جميعًا موسران، فنفقته عليهما جميعًا، وإن كان الإرث لا يجري بين الكافر والمسلم.","vol":"4","page":319},{"text":"لأن الوارثة في نفقة الوالد غير معتبرة؛ فإن وجوب نفقة الوالد باعتبار الولاد، وذلك متحقق في حق الكافر والمسلم جميعًا.\nواستدل صاحب الكتاب ﵀ في الكتاب لهذا الفصل بمسائل؛ أن العبرة ليست للإرث، قال:\nألا ترى أن الرجل إذا كان له ابن وبنت، وهما موسران، كانت نفقته عليهما نصفين؛ لاتحاد معنى الولاد، وإن كان الإرث بينهما أثلاثًا.\nوكذلك رجل له بنت أخ، وهما موسران، أن النفقة له على ابنتيه خاصة دون الأخر [وإن كان] يرثه.\nوكذا إذا كان له بنت ومولى عتاقة، وهما موسران، كانت النفقة على البنت دون المولى، وإن كان الميراث بينهما.\nوكذا إذا كان له ابن نصراني، وأخ مسلم، وهما موسران، وهو زمن، فنفقته على الابن، [وإن كان] الميراث للأخ.","vol":"4","page":320},{"text":"وكذا المرأة المعسرة إذا كان لها بنت وأخت، وهما موسرتان، وهي زمنة، فنفقتهما على البنت، دون الأخت، والميراث بينهما.\nومسائل أخر تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-514>[الإجبار على الإنفاق على الأب المحتاج والأخوة الصغار]</span>\n[١٣٧٥] قال:\nولو أن رجلًا محتاجًا له الأولاد صغار محاويج، وله ابن كبير موسر، أجبرت الابن على أن ينفق على أبيه وعلى أخوته الصغار.\nأما نفقة الأب فلأنه معسر.\nوأما نفقة الأخوة فلأن الأب إذا كان معسرًا كان في الحكم كالهالك، ولو لم يكن لأخوته الصغار أب كانت نفقتهم عليه، كذا هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-515>[الإنفاق على امرأة الأب وأم ولده]</span>\n[١٣٧٦] قال:\nولو كان للرجل زوجة، وليست بأم لأبنه الكبير،","vol":"4","page":321},{"text":"لم يجبر الابن على أن ينفق على امرأة أبيه. وكذلك أم ولده، لا يجبر على النفقة عليها.\nلأن نفقة الأب إنما وجبت بسبب القرابة، ولا قرابة بينه وبين امرأة أبيه [ولا بينه] وبين أم ولده، فلا يجبر على النفقة عليهما، إلا أن يكون بالأب علة لا يقدر [معها] على خدمة نفسه، فيحتاج إلى من يخدمه، ويقوم بشأنه، فإذا كان كذلك أجبر الابن على أن ينفق على الذي يخدمه، زوجة كانت أو أم ولد.\nلأن الأب لا يستغنى عنها، فصار ذلك من فروض حاجة الأب، فصار كنفقة الأب، فجاز أن تستحق بقرابة الأب.\n\n<span data-type='title' id=toc-516>[نفقة الزوجة على الزوج وإن كان لها ابن موسر من غيره]</span>\n[١٣٧٧] قال:\nولو أن امرأة معسرة لها ابن موسر، ولها زوج، وليس هو يا الابن، والزوج معسر، كانت نفقتها على زوجها، إلا أنه يؤمر الابن أن يقرضها على زوجها، فإذا أيسر الزوج يرجع عليه بما أقرضها.\nلأن الزوجية تسقط النفقة على ذوي المحارم؛ إلا ترى أن الأب يفرض عليه نفقة ابنته المراهقة، فإذا زوجه سقطت","vol":"4","page":322},{"text":"نفقتها، إلا أن [يكون] الزوج ههنا معسرًا، ونفقة الزوجة لا تسقط بالإعسار، فتجب النفقة عليه، لكن يؤمر الأب بالإقراض؛ لأنه أقرب الناس إليها وهي محتاجة إلى الاستدانة، فتستدين من أقر ب الناس إليها.\nثم قال في الكتاب:\nقال الحسن بن زياد: وأن أبي الابن أن يقرضها النفقة فرضت لها عليه النفقة، فأجبرته بدفع ذلك إليها.\nلأن الزوج لما كان معسرًا، وأبي الابن أن يقرض كان الزوج بمنزلة الميت، فتفرض على الابن النفقة.\nوإنما ذكر قول الحسن، لأنه لم يحفظ في هدا عن أبي حنيفة رواية.\n\n<span data-type='title' id=toc-517>[النفقة على أولاد الأبناء والبنات مع وجود الأخ]</span>\n[١٣٧٨] قال:\nولو أن رجلًا له بنت بنت أو ابن بنت، وله أخ لأب وأم، كانت نفقته على ولد ابنته، ذكرًا كان أو أنثى وإن سفل","vol":"4","page":323},{"text":"ولد الولد وكانوا أولاد بنات أو أولاد ابن فهم سواء في النفقة عليهم دون الأخ.\nقال في الكتاب:\nلأنهم أولاد.\nأشار إلى أن العبرة بقرب القرابة والجدية، لا للإرث؛ فإن الميراث للأخ دون أولاد البنت.\n\n<span data-type='title' id=toc-518>[النفقة على البنت دون ابن الابن]</span>\n[١٣٧٩] قال:\nولو أن رجلًا له ابنة وابن ابن، وهما موسران، جميعًا، كانت نفقته على الابنة خاصة.\nقال في الكتاب:\nلأنها أقرب إليه.\nأشار إلى العبرة بقرب القرابة، وإن كان الميراث بينهما.","vol":"4","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-519>[عود إلى عدم اشتراط الزمانة في الإجبار على نفقة الأب والجد]</span>\n[١٣٨٠] قال:\nولا يجبر على أن ينفق على أحد من الرجال ليست بهم زمانة، إلا على والده، أو جده، فإنه يجبر على أن ينفق عليهما، وإن لم يكن بأحدهما زمانة.\nوالفرق بينهما ما مر.\n\n<span data-type='title' id=toc-520>[الإجبار على الإنفاق على الأخ وأبنائه الصغار وبناته الكبار]</span>\n[١٣٨١] قال:\nولو أن رجلًا له أخ زمن محتاج، ولأخيه الزمن أولاد صغار أو كبار إناث، فإن الرجل يجبر على نفقة أخيه، وأولاده الصغار ذكورًا كانوا أو إناثًا، وعلى بنات أخيه، وإن كن نساء.\nلأن أباهم لما كان فقيرًا صار كالهالك.\n\n<span data-type='title' id=toc-521>[النفقة على ولد العمات والأعمام والأخوال والخالات]</span>\n[١٣٨٢] قال:\nولا يجبر على نفقة ولد عماته وأعمامه، وولد أخواله وخالاته.\nقال في الكتاب:","vol":"4","page":325},{"text":"لأن هؤلاء ليسوا بذي رحم محرم منه، وإنما تجب النفقة على ذي الرحم المحرم منه.\nثم ذكر صاحب الكتاب مسائل، واستدل بحديث عمر ﵁ لبيان أنه لا عبرة بالإرث.\n\n<span data-type='title' id=toc-522><span data-type='title' id=toc-523>[الحكم إذا فرض القاضي للأب نفقة وكسوة ثم ضاعت]</span></span>\n[١٣٨٣] قال:\nولو أن رجلًا فرض له القاضي [نفقة وكسوة] على ابنه، فأعطاه نفقة شهر وكسوة سنة، فضاع ذلك، [فطلب من] ابنه النفقة والكسوة [ثانيًا] فإنه يجبر على النفقة والكسوة ثانيًا، إذ كانت كسوته قد ذهبت،\nفرق بين الأب والزوجة إذا ضاعت النفقة والكسوة [من يدها، فإنها لا تستحق مرة أخرى حتى تمضي المدة\nوللفرق: إن استحقاق النفقة والكسوة] فيما عدا زوجات من القرابات، باعتبار الحاجة؛ ألا ترى أنه متى كان غنيًا لا يستحق، ومتى ضاعت الكسوة، فقد تجددت الحاجة.","vol":"4","page":326},{"text":"وأما الزوجة فلا تستحق باعتبار الحاجة؛ ألا ترى أنها تستحق وإن كانت موسرة، وإنما تستحق كفاية، وبالضياع لم يتبين أنها لم تكن كافية في تلك المدة، ولم يتبين أن القاضي اخطأ في قضائه في ذلك التقدير.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>[الحكم إذا بقيت النفقة والكسوة قائمة بعد مضي الوقت المقرر]</span>\n[١٣٨٤] قال:\nوإن كسا الأب لسنة، وأعطاه نفقة شهر، فمضت تلك المدة، والنفقة والكسوة عند الأب، فإنه لا يعطيه نفقة ولا كسوة، ما دام عنده ما ينفق ويكتسي.\nلأن الحاجة لم تتجدد، لخلاف الزوجة، فإنها إذا لم تستعمل الكسوة حتى ذهبت المدة استحقت كسوة أخرى.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-525>الباب الرابع والتسعون ﴿في الرجل يطلب النفقة من أبيه أو من ذي رحم محرم فيقول المطلوب: أنا فقير أيضًا﴾</span>\n<span data-type='title' id=toc-526>[لا يجبر على النفقة إلا القادر عليها]</span>\n[١٣٨٥] قال:\nولو أن رجلًا محتاجًا له ابن كبير، فطلب منه نفقة، ونازعه في ذلك إلى القاضي، فقال الابن للقاضي: أنا فقير أيضًا، وما عندي ما أنفق على أبي فإن القاضي لا يجبر الابن على النفقة على أبيه إلا أن يعلم أنه يطيق ذلك، وفي بعض النسخ: إلا أن يعلم أنه مضطلع لذلك، أي قادر.\nلأن شرط وجوب الإنفاق القدرة عليه، والأب يدعي عليه لنفقة، فهو ينكر، فعلى الأب أن يثبت الشرط بالحجة.","vol":"4","page":328},{"text":"[١٣٨٦] قال:\nفإن قال الأب: أنه يكتسب ما يقدر أن ينفق علي معه، فإن القاضي ينظر في كسب الابن: فإن كان فيه فضل عن قوته أجبر الابن على أن ينفق على أبيه من ذلك الفضل.\nلأن شرط وجوب النفقة على الابن ليس هو اليسار، إنما الشرط القدرة [على الإنفاق] وقد وجد.\n\n<span data-type='title' id=toc-527>[هل يجبر الابن على نفقة أبيه إذا كان الابن غير قادر؟]</span>\n[١٣٨٧] قال:\nوإن لم يكن في ذلك فضل عنه، فلا شئ عليه في الحكم، لكن يؤمر من حيث الديانة أن لا يضيع والده.\nوقال بعض العلماء: يجبر الابن على أن يدخل الأب في قوته، ويجعله واحدًا من عياله، فينفق من ذلك الكسب عليهم، إذا كان ما يصيب الابن من ذلك القوت [ما] يقوم معه بدنه، ولا يضره إضرارًا يمنعه من الكسب، أو يقدر الأب على الكسب، وعلى طلب قوته.","vol":"4","page":329},{"text":"واحتج بحديث عمر ﵁: قال عمر ﵁: لو أصابت الناس سنة دخلت على أهل كل بيت عدتهم، فإنهم لن يهلكون على إنصاف بطونهم.\nفإذا كان هذا الحكم الذي قضي به عمر في الجيران الأجانب، ففي حق الأقارب أولى.\nوأحتج أيضًا بقوله ﵊:","vol":"4","page":330},{"text":"\"طعام الواحد كافي الاثنين\".\nوعلماؤنا احتجوا بقوله ﵊:\n\"ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول\".","vol":"4","page":331},{"text":"هذا إذا كان الابن وحده.\nفإن كان للابن زوجة وأولاد صغار وباقي المسألة على حالها فإن القاضي يجبر الابن على أن يدخل الأب في كسبه، ويجعله كأحد العيال الذي ينفق عليهم، ولا يجبر أن يعطي له شيئًا على حدة.\nوالفرق: أن الابن إذا كان يكتسب مقدارًا ما يكفر له ولزوجته وأولاده الصغار، فإذا دخل الأب في طعامهم يقل الضرر؛ لأن طعام الأربعة إذا فرق على خمسة يقل الضرر، إما إذا دخل الواحد مع الواحد في طعام الواحد يتفاحش الضرر.\n\n[١٣٨٨] قال:","vol":"4","page":332},{"text":"وإن قال الأب: إن ابني هذا كسوب يقدر على أن يعمل حتى يكسب ما يكفيه ويكفيني، لكن يدع العمل على عمد كي لا يفضل منه ما يعطيني منه شيئًا؛ يريد بذلك عقوقي، نظر القاضي في ما قال.\nو[طريق] ذلك: أن يسأل من أهل حرفته؛ لأن لهم نظرًا في هذا الباب، فإن تبين له أن [الأمر] على ما قال الأب، أجبر الابن على نفقة أبيه، وأخذه بذلك.\nلأنه قصد الأضرار بالأب.\nوهذا إذا لم يكن الأب كسوبًا.\nوأما إذا كان الأب كسوبًا فهل يجبر الابن على الكسب وعلى النفقة من كسبه إن كان الابن يكتسب الزيادة؟\nذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي أنه يجبر.","vol":"4","page":333},{"text":"قال لأن الأب متى أشتغل بالكسب يلحقه التعب في ذلك، بخلاف ذي المحرم، فإنه لا يستحق النفقة في كسب قريبه إذا كان هو كسوبًا، ولا على قريبه الموسر إذا كان هو كسوبًا.\nوذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب أنه لا يجبر؛ لأن الكسوب لا يجبر على نفقة الكسوب كما في [نفقة] ذي الرحم المحرم.\n\n<span data-type='title' id=toc-528>[هل يجبر الأخ على نفقة أخته إذا كان لها السكنى والخادم والمتاع ولا فضل في ذلك؟]</span>\n[١٣٨٩] قال:\nولو أن امرأة لها منزل تسكنه، وخادم يخدمها، ومتاع لمنزلها، ولا فضل في شئ من ذلك، ولها أخ موسر، أو رجل ذو رحم محرم يكتسب ما يفضل عنه وعن عياله، فطلبت الأخت منه النفقة، وقدمته في ذلك إلى القاضي، فإن القاضي يجبر ذا الرحم المحرم على النفقة عليها، أخًا كان، أو غيره.","vol":"4","page":334},{"text":"لأنها لا تصير غنية بهذا القدر، ألا ترى أنه يحل لها أخذ الصدقة؟.\nوهكذا قال محمد ﵀.\nولم يرو عن أصحابنا في هذا خلاف.\nوقال بعض العلماء: لا يجبر الأخر.\nوقد مرت المسألة في الباب المتقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-529>[لا يجبر الرجل على نفقة أحد وهو موسر]</span>\n[١٣٩٠] قال:\nولا يجبر الرجل على النفقة على أحد وهو موسر.\nهكذا ذكر في بعض النسخ، والصحيح أن يقول: لا يجبر وهو معسر.\nلأن المعسر هو الذي لا تفرض عليه نفقة ذوي الأرحام. أما الموسر فتفرض عليه، وبالإعسار لا تسقط عنه نفقة الزوجة والولد الصغير.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-530>الباب الخامس والتسعون ﴿في العبد يتزوج وما يلزمه من نفقة﴾</span>\n[١٣٩١] ذكر عن عامر في العبد يتزوج الحرة، فتلد له أولادًا، من يجبر على نفقتهم؟.\nقال: عصبة الأم.\nأراد به نفقة الأولاد.\nلأن الأولاد أحرارًا تبعًا لأمهم، ونفقة الحر لا تجب على العبد.\nوهذا لأن نفقة الأولاد إنما تجب باعتبار الحاجة، والولد الحر إن كان محتاجًا فالعبد أحوج منه.\nوأما نفقة الزوجة على العبد فتفرض، وتكون في ذمته، وإن كانت المرأة حرة.\nلأن نفقة المرأة إنما تجب كفاية لها في العقد، وفي ما يجب بالعقد العبد والحر سواء.","vol":"4","page":336},{"text":"ومتى لم تجب نفقة الأولاد على الأب تجب على الأم إن كان لها مال، فإن لم يكن [لها] فعلى من يرث الأولاد من القرابة، الأقرب، فالأقرب.\nهذا إذا كانت امرأة العبد حرة.\nفإن كانت أمة كانت نفقة الزوجة على العبد أن بوأها [المولى بيتًا معه].\nوأما نفقة الأولاد فعلى مولى الأم، لأنهم مماليك لمولى الأم، فكانت نفقتهم عليه.\nوإن كانت امرأة العبد مدبرة، أو أم ولد، فالجواب فيها كالجواب في الأمة.\nلاستحقاق النفقة. إلا بالتبوئة من المولى.\nوإن كانت امرأة العبد مكاتبة فنفقتهما على العبد بوأها المولى بيتًا أو لم يبوئها، ولأنها حرة يدًا فتتبوأ مع زوجه","vol":"4","page":337},{"text":"من غير تبوئة المولى؛ كالمرأة الحرة ولا تشترط التبوئة من المولى لاستحقاق النفقة.\nوإما نفقة الأولاد [فإنها] تكون على الأم.\nلأن واد المكاتبة يدخل في كتابها؛ إلا ترى أنه لو كسب كان الكسب لها تستعين على أداء بدل الكتابة، فإذا كان كسبه لها كانت نفقته عليها.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-531>الباب السادس والتسعون ﴿في امرأة المفقود وولديه وأبويه يطلبون النفقة من مال المفقود﴾</span>\n[١٣٩٢] قال أبو يوسف ﵀: قال أبو حنيفة ﵁: إذا جات المرأة المفقود تطلب [النفقة فإن القاضي ينظر في ذلك: فإن كانت ورثته زوجته وأولادًا صغارًا ذكورًا أو أناثًا، فطلبت] النفقة لها ولأولادها، وله مال، فإن القاضي يأمر بالنفقة عليهم من ماله، من غلة أن كانت، أو من وديعة عند إنسان، أو دين [له] على إنسان، بالمعروف.\nلأن المرأة متى ظفرت بجنس حقها كان لها أ، تأخذه.\nفإن استعانت بالقاضي، كان للقاضي أن يعينها على ذلك.","vol":"4","page":339},{"text":"فمتى أعطاها النفقة فهو مخير في ذلك إن استوثق منهم بكفيل فحسن، وإن لم يؤخذ منهم كفيلًا فهو جائز.\nفرق أبو حنيفة بين هذا وبين أخذ الكفيل من الوارث حيث لا يجوز للقاضي أن يأخذ.\nوالفرق: أن ثمة لو أخذ [كفيلًا] لأخذه نظرًا للوارث الآخر. وذلك مجهول، فتكون كفالة للمجهول، والكفالة للمجهول باطلة.\nأما ههنا فلو أخذ لأخذ نظرًا للزوج، لأنه يحتمل أنها استوقفت [منه] نفقتها مرة أو أعترض بما يوجب نفقتها، والزوج معلوم فتكون كفالة للمعلوم.\nأما إذا لم يكن [معلومًا و] للمفقود مال وديعة عند رجل ودين على رجل فالقاضي هل يأمره بالإنفاق من الوديعة والدين؟","vol":"4","page":340},{"text":"ذكرنا هذه المسألة في كتاب المفقود. وفي كتاب النكاح في شرح المختصر الكافي.\nوهذا إذا كان ورثة المفقود زوجة وأولادها صغار ذكورًا] أو أناثًا.\nأما إذا كان ورثة المفقود أخًا، أو أختًا، أو عمًا لم ينفق عليهم من ماله شيئًا، فرق بين نفقة الزوجة والأولاد والوالدين، وبين نفقة المحارم.\nوالفرق: أن نفقة الزوجة والأولاد والوالدين متفق عليها، فلم يكن الإنفاق قضاء على الغائب، بل يكون إعانة لهم على أخذ حقهم.\nفأما نفقة المحارم فمختلف فيها، فإنما تجب بالقضاء، فيكون الإنفاق قضاء [على الغائب]، والقاضي لا يقضى على غائب ليس عنه نائب.\n\n[١٣٩٣] قال:\nفلو كان للمفقود أولاد كبار، إن لم يكن بهم زمانة لا ينفق عليهم.","vol":"4","page":341},{"text":"لأنه لو كان حاصرًا لا تجب عليه نفقتهم.\nوأما إذا كانت بهم زمانة فينفق عليهم مما ذكرنا من الأموال.\nلأن الزمانة تعجزهم عن الكسب، كالصغر، والأنوثة.\nولو كان له أخ أو أخت أو عم بهم رمانة لا يتفق عليهم من ماله.\nوالفرق ما ذكرنا. وما ذكر صاحب الكتاب.\nوإن كان بأحد من هؤلاء زمانة أمر بالنفقة عليه.\nأراد به بعض من ذكرنا. وهم الأولاد الذكور الكبار دون الكل وهم الأولاد والأخ والأخت والعم.\n\n[١٣٩٤] قال:\nوإذا غاب الرجل وأبوه محتاج هل لأبيه أن يبيع من ماله لأجل النفقة؟.\nفهذه المسألة تشتمل على فصول قد ذكرناها من قبل.\n\n[١٣٩٥] قال:\nوإذا سألت امرأة المفقود القاضي أن يجعل وكيلًا في مال،","vol":"4","page":342},{"text":"ليحفظ ماله، ويؤاجر مستغلاته، فالقاضي هل يسمع [منها ذلك]؟\nفهذه المسألة مع ما بقي من مسائل الباب مسائل كتاب المفقود، وقد ذكرناها ثمة.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-532>الباب السابع والتسعون ﴿في نفقة المرأة يشهد الشهود على طلاق زوجها أياها، أو الأمة يدعيها الرجل وهي في يدي آخر وتدعى هي الحرية﴾</span>\n<span data-type='title' id=toc-533>[نفقة المرأة التي يشهد الشاهدان على طلاقها]</span>\n[١٣٩٦] قال:\nولو أن شاهدين شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا، وقد كان دخل بها، وهي تدعي الطلاق، أو تنكر، فإنه ينبغي للقاضي أن يمنع الزوج من الدخول عليها.\nلأن هذا شهادة قامت على حق الله تعالى وهو تحريم الفرج، فلا يشترط لقبولها الدعوى.\nفإذا قبلت عزل القاضي المرأة عنه، أو يجعل معها امرأة ثقة عدلة، تمنع الزوج من الدخول عليها، ليسأل [عن] الشهود عدولًا أو غير عدول.","vol":"4","page":344},{"text":"[١٣٩٧] قال:\nفإن طلبت المرأة النفقة من الزوج، وهي تقول: طلقني، أو تقول: لم يطلقني، أو تقول: لا أدري طلقني أو لم يطلقني، فهذا على وجهين:\nأما إن كان الزوج لم يدخل بها.\nأو دخل بها.\nففي الوجه الأول: القاضي لا يقضي لها بشئ من النفقة؛ لأنا نتيقن أنه لا نفقة لها، لأن الطلاق إن وقع عليها فهي مبانة من غير عدة، فلا تجب لها نفقة.\nوإن لم يقع عليها فهي محبوسة عن الزوج، والمنكوحة متى حبست عن الزوج لا تستحق النفقة.\nوفي الوجه الثاني: القاضي يقضي لها بمقدار نفقة المدة إلى أن يسأل عن الشهود.\nلأنه إن وقع الطلاق عليها كان لها نفقة العدة، وإن لم يقع لم يكن لها نفقة النكاح؛ لأنها محبوسة عن الزوج، فإذا أحتمل يقضي لها بنفقة العدة إلى أن يسأل عن الشهود.","vol":"4","page":345},{"text":"فإن تطاولت المسألة عن الشهود حتى انقضت المدة، لم يردها القاضي على نفقة العدة شيئًا؛ لأنا تيقنا أن لا نفقة لها؛ لأنه إن وقع الطلاق عليها فقد انقضت عدتها، وإن لم يقع فهي ممنوعة من الزوج.\n\n[١٣٩٨] قال:\nفإن عدلت البينة فرق بينهما، ويسلم لها ما أخذت من النفقة.\nلأنه [متى] تبين أنها معتدة أخذت نفقة العدة، فتكون آخذه بحق، فيسلم لها.\n\n[١٣٩٩] قال:\nوإن لم تعدل البينة ردت المرأة إلى زوجها فيرجع الزوج على المرأة بما أخذت منه من النفقة.\nلأنه تبين أنها منكوحة محبوسة عن الزوج، فلم يكن","vol":"4","page":346},{"text":"لها نفقة النكاح، فكان أحدها بغير حق، فيجب عليها الرد.\n\n<span data-type='title' id=toc-534>[نفقة الأمة التي يشهد الشاهدان على حريتها]</span>\n[١٤٠٠] قال:\nولو أن أمة في يدي رجل شهد شاهدان على حريتها، وهي تدعي ذلك. أو تنكره، فوضعها القاضي على يدي عدل، فطلبت النفقة، حتى يسأل عن الشهود. فإن القاضي يفرض لها على الذي كانت في يديه النفقة.\nلأن نفقة الأمة إنما تجب على المولى باعتبار الملك، والملك باق، أكثر ما في الباب أنها محبوسة عن المولى، لكن الموجب للنفقة مجرد الملك. لا قيام المولى عليها، بخلاف الزوجة.\nلأن الموجب للنفقة قيام الزوج عليها.\n\n[١٤٠١] قال:\nفإن أخذت النفقة أشهرًا. ثم عدلت البينة، فحكم القاضي بحريتها. فإن الذي كانت في يده يرجع عليها بما أخذت من النفقة إن أدعت الحرية من قبل مولاها أنه أعتقها، أو أدعت أنها حرة الأصل، أو لم تدع ذلك.","vol":"4","page":347},{"text":"لأن القاضي إنما يقضي بحريتها من الوقت الذي شهد به الشهود، فينعدم الموجب للنفقة من ذلك الوقت، وهو الملك.\nفتبين أنها أخذته بغير حق.\n\n[١٤٠٢] قال:\nوإن لم تعدل البينة وردها القاضي إلى مولاها بطلت تلك النفقة التي أخذتها.\nلأنه تبين أنها أخذتها بحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-535>[نفقة المرأة التي يشهد الشاهدان أنها أخته من الرضاع]</span>\n[١٤٠٣] قال:\nولو أن رجلا تزوج امرأة، فطالبته بنفقتها، ففرض لها القاضي عليه نفقة، فأخذت ذلك أشهرًا، ثم شهد الشهود أنها أخته من الرضاع، فإنه يفرق بينهما، ويرجع الزوج عليها بما أخذت منه من النفقة.\nلأنه تبين أن أخذها [كان] بغير حق.\nوهذا إذا فرض لها القاضي عليه نفقة.","vol":"4","page":348},{"text":"أما إذا أنفق عليها مسامحة من غير فرض القاضي، لم يرجع الزوج عليها بشئ.\n\n<span data-type='title' id=toc-536>[نفقة الأمة التي وضعها القاضي على يدي عدل]</span>\n[١٤٠٤] قال:\nولو أن أمة في يدي رجل أدعى رجل أنها أمته، وأقام على ذلك شاهدين، والذي في يديه ينكر ذلك، فوضعها القاضي على يدي عدل امرأة ثقة حتى يسأل عن الشهود، فطلبت النفقة، فإن القاضي يجبر الذي كانت في يديه على النفقة عليها.\nلأن الموجب للنفقة الملك، والملك باق فيها، ما لم يتصل بهذه الشهادة القضاء.\nفإن قيل: ينبغي أن يجبر القاضي المدعي على النفقة، لأنه يزعم أنها أمته، قيل له: لو أجبره كان قضاء بالنفقة عليه، والقضاء بالنفقة عليه قضاء بالملك له، والقضاء بالملك له من غير حجة لا يجوز. فإذا أجبر الذي كانت في يديه فيه إبقاء ما كان على ما كان.\n\n[١٤٠٥] قال:\nفإن أنفق عليها أشهرًا فلم ترك البينة، فردها القاضي عليه، لم يكن له على المدعي شئ من ذلك.","vol":"4","page":349},{"text":"لأنه تبين أن هذا الرجل إنما أنفق على جاريته، فلا يكون له حق الرجوع بها على أحد.\n\n[١٤٠٦] قال:\nفإن زكيت البينة فقضى بها القاضي للمدعى، لم يكن للذي انفق عليها على المدعي سبيل في قياس [قول] أبي حنيفة ﵀. وفي قياس قولهما يرجع بالنفقة عليها. وتباع الأمة في ذلك، إلى أن يفديها المدعي.\nوهذا الاختلاف بناء على مسألة أخرى في كتاب الديات أن عند أبي حنيفة ﵀ جناية المغضوب على الغاضب وعلى مال الغاضب هدر، وعندهما معتبرة.\nفإذا ثبت هذا فنقول:\nلما قضي القاضي بالجارية للمدعي تبين أنها مغصوبة، والمدعي عليه غاضب، وقد تناولت من مال الغاضب، فكان هذا جناية المغصوب على مال الغاصب، فيكون هدرًا عند أبي حنيفة، معتبرًا عندهما.\nثم عندهما إذا بيعت الأمة أو فداها المدعي بالنفقة رجع المدعي على المدعي عليه بالأقل من قيمتها ومن النفقة.","vol":"4","page":350},{"text":"لأن ذلك إنما لزم المدعي بسبب كان في ضمان المدعي عليه، لكنه يتخلص بالأقل منهما، فكان في الزيادة متطوعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-537>[نفقة العبد يدعيه رجل وهو في يدي آخر]</span>\n[١٤٠٧] قال:\nوأما العبد إذا ادعاه رجل وأقام بينة على ذلك فإنه يتركه في يدي الذي هو في يديه.\nلأنه ليس في هذا خوف ارتكاب الحرام، كما في الجارية، ويؤخذ منه كفيل بنفسه، وبالعبد احتياطًا.\nوهل يؤمر المدعي عليه بالنفقة؟\nفهذا على وجهين:\nأما إن كان العبد قادًا على الكسب أو عاجزًا.\nفإن كان قادرًا يأمره القاضي بالاكتساب، ويجعل نفقته في كسبه.\nوإن كان عاجزًا يأمر المدعي عليه بالنفقة، كما في الأمة.\nهذا إذا لم يكن المدعي مخوفًا عليه أن ينقله.\nفأما إذا كان مخوفًا عليه أن ينقله، فرأى القاضي أن يضعه على يدي عدل جاز.","vol":"4","page":351},{"text":"ثم هل يأمر المدعي عليه بالنفقة عليه؟\nفهذا على وجهين:\nإما أن كان العبد قادرًا على الكسب.\nأو عاجزًا.\nفإن كان قادرًا يأمره القاضي بالاكتساب، ويجعل نفقته في كسبه.\nوإن كان عاجزًا يأمر المدعي عليه بالنفقة عليه كما في الأمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-538>[نفقة المرأة من أهل الذمة تحت رجل ذي رحم محرم منها]</span>\n[١٤٠٨] قال:\nلو أن رجلًا من أهل الذمة تحته امرأة ذات رحم محرم منه، فطلبت منه نفقة الزوجية، فإن أبا حنيفة قال: أفرض لها النفقة، كما أفرض في النكاح الصحيح.\nوقالا: لا نفقة لها.\nوهذا بناء على أن عند أبي حنيفة هذه الأنكحة لها حكم الصحة فيما بينهم، حتى لو رفع أحدهما الأسر إلى القاضي","vol":"4","page":352},{"text":"فالقاضي لا يفرق بينهما، ما لم يرفعا الأمر جميعًا ومن ضرورة صحة النكاح استحقاق النفقة.\nوعندهما لها حكم الفساد، حتى لو رفعا الأمر إلى القاضي، أو رفع أحدهما أو لم يرفع واحد منهما فرق القاضي بينهما.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-539>الباب الثامن والتسعون ﴿في الولد من أولى به وعند من يكون﴾</span>\n<span data-type='title' id=toc-540>[حضانة الصبي ونفقته]</span>\n[١٤٠٩] ذكر عن عامر قال:\nقضى أبو بكر الصديق رصي الله عنه بعاصم بن عمر لأمه، وقضى على أبيه بالنفقة.","vol":"4","page":354},{"text":"وقصة الحديث: أن عاصمًا كان ابن عمر ﵁ من امرأة فارقها فاختصما. فأراد عمر ﵁ أن يكون الولد عنده. وأرادت الأم أن يكون عندها فاختصما فقضي [به] أبو بكر ﵁ لأمه وقضى على أبيه بالنفقة.\nوهذا لأن كونه في حجر الأم أنفع له. لأن حاجته إلى التربية … والحضانة في هذه الحالة، والأم أقدر على هذا، لكن نفقته على الأب.\nلأن الأم عاجزة عن الاكتساب.\nوذكر في بعض الروايات: أن أم عاصم تزوجت، فقال عمر رضي الله:\nابني أنا أحق به.","vol":"4","page":355},{"text":"وقالت جدته أم الأم: [ابني] أنا أحق به.\nفاختصما إلى أبي بكر ﵁. فقضي به للجدة، وقضى على عمر بالنفقة.\nوبه نأخذ.\nثم الترتيب في استحقاق الحضانة ومدة الاستحقاق على سبيل الاستقصاء ذكرناه في شرح الجامع الصغير وشرح المختصر الكافي.\nثم صاحب الكتاب أورد أخبارًا تدل على أن الأم أحق بالولد ما لم تتزوج. فإذا تزوجت كان غيرها أحق بالولد على الترتيب الذي ذكرناه في شرح الجامع الصغير وفي المختصر الكافي.\nوبه نقول.\nفإن قيل: أليس صاحب الكتاب ذكر حديث أم سلمة، أنها تزوجت، وكان أولادها عندها.","vol":"4","page":356},{"text":"قيل له: إنما كان ذلك لأنها زوجت رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ كان أحق بهم. قال الله تعالى:\n﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾.\nثم الأم إنما تكون أولى بالولد قبل أن تتزوج، ما لم ترتد. فإذا ارتدت كان الأب أولى.\nلأنها تحبس، ولو حبس الولد معها لمر ض الولد عسى. فإن أسلمت رد الولد إليها؛ لأن المانع قد زال.\nهذا إذا كانت الأم حرة.\nفإن كان أم ولد قد أعتقها مولاها، أو مات مولاها، فهي بمنزلة الحرة في الحضانة.","vol":"4","page":357},{"text":"[وكذا النمية، إذا طلقها زوجها. أو مات عنها زوجها. فهي بمنزلة المسلمة في حق الحضانة].\nفأما إذا كانت أمة، أو مدبرة، أو مكاتبة، طلقهن أزواجهن، أو ماتوا، لا تكون لهن الحضانة.\nلاشتغالهن بخدمة المولي، كما لا يكون للحرة إذا تزوجت حق الحضانة؛ لاشتغالها بخدمة الزوج، فيكون غيرهن أولى.\nلكن إذا كان الولد حرًا لا يكون مولاهن أولى بالولد، وإن كان الولد رقيقًا كان مولاهن أولى بالولد.\nلأنه مملوك لمولي الأم، والمالك أولى بالمملوك.\nوهذا الذي ذكرنا إذا ولدت المكاتبة قبل الكتابة.\nأما إذا ولدت بعد الكتابة كانت هي أولى من غيرها.\nلأنه يصير داخلًا في كتابتها، فتصير هي أولى.\nثم ذا لم يكن للولد أحد من النساء، أو بلغ مبلغًا لم يبق للنساء حق، واختصم [فيه] الرجال، فمن يكون من الرجال أولى به؟","vol":"4","page":358},{"text":"والترتيب على سبيل الاستقصاء ذكرناه في شرح الجامع [الصغير]، وشرح المختصر الكافي.\n\n<span data-type='title' id=toc-541><span data-type='title' id=toc-542>[هل للجدة حضانة الصبي مع وجود أمه]</span></span>\n[١٤١٠] قال:\nولو أن الجدة جاءت بالصبي فطلبت النفقة من أبيه، فقالت: هذا ابن بنتي منك، وقد ماتت أمه، فأعطني نفقته، فقال الأب: صدقت، هذا ابني من بنتك، فأمنا أمه فلم تمت، وهي في منزلي، وأراد أخذ الصبي منها، لم يكن له ذلك، حتى يعلم القاضي منم أمه، وتحضر هي فتأخذه.\nلأن الأب لما أقر أنها جدة الصبي، فقد أقر أن لها حق الحضانة، ثم يدعي قيام من هو أولى منها، وذلك أمر محتمل.\n\n[١٤١١] قال:\nوإن أحضر الأب امرأة، وقال: هذه ابنتك، وهذا ابني منها، وقالت الجدة: ما هي ابنتي، فقد ماتت ابنتي أم هذا الصبي، فقالت المرأة التي حضرت مع الأب: هذا ابني من هذا الرجل، وأنا ابنتك، فالقول في هذا قول الأب والمرأة التي معه، ويدفع الصبي إليه.","vol":"4","page":359},{"text":"لأن الفراش بينهما قد ثبت باتفاقهما، وقد أقرت الجدة أنه ابن الرجل، فيكون ابنه من ذلك الفراش، وصار هذا كالزوجين إذا كان بينهما ولد، فقالت المرأة: هو ابني من زوج آخر، وقال الزوج: هو ابني من امرأة أخرى، فإنه يحكم بكونه ولدهما.\nلأنهما اتفقا على ثبوت الفراش بينهما، فيكون الولد ولدهما من ذلك الفراش، وهذا ظاهر، وغيره، ليس بظاهر.\n\n[١٤١٢] قال:\nوكذا لو حضرت الجدة وقالت: هذا ابن بنتي من هذا الرجل، وقد ماتت أمه. وقال الرجل: هذا ابني من غير ابنتك، من امرأة [أخرى] لي، فالقول قوله. ويأخذ الصبي.\nلأن الجدة لما أقرت أنه ولده، فقد أقرت أن له حقًا في الجملة، والأب لما أنكر أنها جدته، فقد أنكر أن يكون لها حق أصلًا، فكان هو أولى.\n\n[١٤١٣] قال:\nوكذلك لو قالت الجدة: قد ماتت أم هذا الصبي، وهي بنتي، فقال الأب: لم تمت وهي هذه المرأة، فقالت الجدة:","vol":"4","page":360},{"text":"هذه ابنة لي أخرى تزوجتها بعد موت أم هذا الصبي، وقالت المرأة: أنا ابنتك، وأنا أم هذا الصبي، فالقول قول الأب والمرأة، ويأخذ الصبي من الجدة.\nلما قلنا في المسألة الأولى.\n\n[١٤١٤] قال:\nولو أحضر الأب امرأة. وقال: هذا ابني من هذه، وقالت الجدة: ما هذه أمه، بل أمه ابنتي، وقالت المرأة: صدقت ما أنا بأمه، وقد كذب هذا الرجل، ولكني امرأته، فإن الأب أولى به، ويأخذه.\nعلل في الكتاب [وقال]:\nلأنه لما قال: هذا ابني من هذه المرأة، فكأنه قال: ليس بابن ابنتك، فيكون منكرًا لكونها جدة له، فيكون منكرًا للحق لها أصلًا، وهي أقرت بالحق له في الجملة، لما أقرت أنه ابنه فكان هو أولى.\n\n[١٤١٥] قال:\nولو أن الأم لم تتزوج بزوج آخر، وجاءت بالولد إلى الأب،","vol":"4","page":361},{"text":"وقالت: لا حاجة لي فيه خذه، فجاءت الجدة وقالت: أنا آخذه، يدفع إليها، ويؤمر الأب بالنفقة عليه.\nلأن استحقاق الحضانة كان حقًا لها، فإذا أسقطت حقها صح، لكن حق الولد بهذا لم يسقط. فصارت الأم بمنزلة الميتة، أو بمنزلة ما لو تزوجت بزوج، فتكون الجدة أو الأم أولى.\n\nوالله تعالى أعلم\n* * *","vol":"4","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-543>الباب التاسع والتسعون ﴿في المرأة يطلقها زوجها ولها منه ولد وتريد أن تخرج الولد من ذلك المصر﴾</span>\n[١٤١٦] ذكر عن شريح؛ أنه خاصم غليه ولي أيتام، فقال شريح: إن كانت الدار واحدة فأمهم أحق بهم، ونفقتهم من مالهم ما يصلحهم، فإن تفرقت الدار فالولي أحق [بهم] ينظر في مالهم.\nهذا قضاء شريح ومذهبه.\nفأما عندنا فالأقرب من ذوات الرحم المحرم أولى في حق التربية من الأولياء، إذا لم يكن الحق للأم.\nوأما حفظ أموالهم فيفوض إلى من يوثق به.\n\n[١٤١٧] ثم ذكر عن الشعبي: أن جارية أرادت أمها أن تخرجها من الكوفة فقال: إن هي خرجت فعصبتها أحق بها.","vol":"4","page":363},{"text":"أراد به أقرب الناس إليها من ذوات [الرحم] المحرم.\nثم الفرقة إذا وقعت بين الزوجين، وأرادت المرأة الانتقال بعد انقضاء العدة مع أولادها الصغار، فلا تخلو:\nأما إن قصدت الانتقال من قرية إلى قرية، أو من قرية إلى مصر، أو من مصر إلى قرية، أو من مصر إلى مصر.\nأما الانتقال من القرية التي وقع فيها العقد إلى قرية من قرى المصر. فإن كانت قريبة، بحيث يمكن للأب أن يطالعهم، ويبيت بأهله، كان لها ذلك، وإلا فلا.\nوكذلك إن أرادت أن تنتقل من القرية التي وقع فيها العقد إلى المصر.\nوإن أرادت أن تنتقل من المصر الذي وقع فيه","vol":"4","page":364},{"text":"العقد إلى القرية فلا يكون لها ذلك، وغن كانت القرية قريبة.\nوإن أرادت أن تنتقل من مصر إلى مصر، فإن لم يكن المصر الذي تريد الانتقال إليه مصرها، ولا أصل للعقد فيه، فليس لها ذلك.\nوإن كان مصرها، وكان أصل العقد فيه [فلها ذلك].\nوإن كان مصرها ولم يكن أصل العقد فيه فليس لها ذلك.\nوإن لم يكن مصرها، وكان أصل العقد فيه ففيه روايتان:\nفي رواية الجامع الصغير: لها ذلك، وبه أخذ الخصاف وكذا ذكر ههنا.","vol":"4","page":365},{"text":"وفي رواية كتاب الطلاق، ليس لها ذلك، وبه أخذ الجصاص في شرح هذا الكتاب.\nوالمسائل على سبيل الاستقصاء ذكرناها في شرح الجامع الصغير وفي شرح المختصر الكافي.\nوهذا إذا اتفقا على ذلك.\nوإن اختلفا، فقالت المرأة: تزوجتني بالبصرة، وأنا أريد أن أخرج بابني إلى البصرة، وهي بالكوفة، وقال الزوج: بل تزوجتك بالكوفة، فالقول قول الزوج في ذلك. ما لم يعلم أن عقد النكاح كان هناك.\nلأن المرأة تدعي ولاية النقل، والزوج ينكر، فكان القول قول الزوج في ذلك.\nهذا هو الكلام في الزوج مع أم الولد.\nوأما إذا ماتت الأم، وصار الولد إلى جدته، أم الأم، أو بعض من يجب لها أخذه من النساء، فأرادت أن تخرج الولد من المصر الذي فيه الأب إلى مصر آخر، لم يكن لها ذلك، وإن","vol":"4","page":366},{"text":"كان ذلك المصر هو المصر الذي كانت وقعت عقدة النكاح فيه على أمن الصبي، إنما هذا الحق للأم خاصة.\nلأن الأم إنما كان لها أن تخرج بالولد إلى ذلك المصر بحكم العقد الذي جرى بينهما في ذلك المصر، وعقد النكاح جرى بين الزوج وبين الأم خالصة.\n\n[١٤١٨] قال:\nوليس لأم الولد إذا اعتقها مولاها أن تخرج بالولد من المصر الذي فيه أبوه إلى غيره.\nلأن ولاية الإخراج بحكم العقد، ولم يكن بينهما عقد.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nينبغي أن تحفظ هاتان المسألتان: مسألة أم الولد، مسألة الجدة، لأنهما استفيدتا من صاحب الكتاب لا توجدان في المبسوط، وأنهما من خواص هذا الكتاب.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-544>الباب المائة ﴿في الغلام والجارية إذا بلغا وتخييرهما﴾</span>\n[١٤١٩] ذكر عن عامر قال:\nخير رسول الله ﷺ ابنة حمزة ﵁؛ وكان تكلم فيها جعفر، وعلي، وزيد بن حارثة، فاختارت خالقها، فجعلها [٢٩٨ ب]","vol":"4","page":368},{"text":"عندها.\nوقصة الحديث: أن زيد بن حارثة لما قدم بابنة حمزة من","vol":"4","page":369},{"text":"مكة. تكلم فيها علي، وجعفر، وزيد:\nفقال علي:\nأنا أحق بكونها في بيتي؛ [فإنها بنت عمي].\nوقال زيد:\nأنا أحق بكونها في بيتي] فإني قدمت بها، وكمان أبوها أخا لي، فإن النبي ﷺ كان آخى [بيننا]، أي عقد عقد المؤاخاة بين حمزة وزيد بن حارثة.\nفقال جعفر: أنا أحق بكونها في بيتي، وخالتها عندي.\nفقال النبي ﷺ لعلي ﵁:\n\"أنت مني بمنزلة هارون من موسى\".\nوقال لزيد بن حارثة:\n\"أنت مولانا\".\nفإن زيدًا كان مولاه لما تبين سبب ذلك، وأن مولي القوم من أنفسهم.","vol":"4","page":370},{"text":"وقال لجعفر:\n\"أنت أشبه الناس بي خلقًا [وخلقًا] \".\nوقضى بها بأن تكون عنده؛ لأن خالتها [كانت] عنده.\nفظاهر الحديث حجة للشافعي في تخيير الولد.\nوأنا نقول:\nالحديث محمول على شيئين:\nأحدهما: أنها كانت كبيرة، فخيرها فاختارت خالتها، فجعلها النبي ﷺ عندها.\nوالثاني: أن النبي ﷺ دعا لها بالصواب فقال: \"اللهم أرشدها\" فيبركه دعاء النبي ﷺ اختارت ما هو إلا نظر لها.\n\n[١٤٢٠] وذكر عن ابن عباس أنه قال:\nكان زيد بن حارثة لخديجة بنت خويلد اشتراه لها غلامها ميسرة، فوهبته للنبي ﷺ، فأعتقه، فقدم أبواه على النبي ﷺ، فطلبا زيدًا فخيره رسول الله ﷺ فقال:","vol":"4","page":371},{"text":"\"اختر، فإن شئت فاختر أبويك، وإن شئت فاخترني\".\nفقال أبواه: قد أنصفتنا.\nيعني حيث خيرته.\n\n[١٤٢١] وذكر بعد هذا أخبارًا ظاهرها حجة للخصم، لكن تأويل الأخبار على الوجهين اللذين ذكرناهما. .\n\n[١٤٢٢] قال:\nوإذا بلغ مبلغ الرجال خير من أبويه، فأيهما اختار","vol":"4","page":372},{"text":"يكون معه، فله أن يقيم معه، وإن كره ذلك وأراد التفرد والكون وحده فله ذلك، ولا يجبر على أن يصير مع أحدهما.\nلأن بالبلوغ زالت الولاية عنه.\n\n[١٤٢٣] قال:\nفإن كان فاسدًا، أو غير مأمون، ممن يحتاج إلى الأدب؛ بأن كان الأب يخشى أن يجنى عليه فيلحقه الضمان، أو يرتكب فاحشة، فيلحق الأب عار، فللأب أن يأخذه ويضمه إليه.\nلأن معرة الصبا فيه باقية، ويجوز أن يكون للأب عليه يد. وحق المنع، وإن زالت ولايته، كما قال أبو حنيفة: أن الغلام إذا بلغ فاسدًا كان للأب أن يمنع المال عنه، حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، وإن زالت ولايته عن الأب بالبلوغ. كذا ههنا.\n\n[١٤٢٤] قال:\nوأما الجارية إذا أدركت، فالأب أولى بتحصينها وحفظها","vol":"4","page":373},{"text":"لأنه أقدر على تحصينها وحفظها من الأم. وهي محتاجة إلى الحفظ والتحصين؛ لأنها لم تمارس الرجال. فتكون سريعة الانخداع. فلا تؤمن من أن تفعل شيئًا يلحق العار بالأب، ولا يتركها لتنفرد [بنفسها].\n\n[١٤٢٥] قال:\nفإن كانت ثيبًا، وكانت مأمونة على نفسها، فأراد أبوها أن يضمها إليه. وأبت ذلك، فليس لأبيها عليها سبيل.\nلأن بالبلوغ زالت ولاية الأب. وقد مارست الرجال، فيقع الأمن من الانخداع غالبًا.\nوإن كانت مخوفة على نفسها غير مأمونة، فللأب أن يضمها إليه، ويحفظها.\nوالجد أبو الأب في هذا كالأب عند عدمه.\nفرق بين الأب والجد وبين غيرهما؛ مثل الأخ والعم؛ حيث لا يكون لهم ولاية الضم إلى نفسه إذا كانت ثيبًا غير مأمونة.\nوالفرق: أن الأب والجد كان لهما حق الحجر في ابتداء","vol":"4","page":374},{"text":"حالها، فجاز أن يعيداها إلى حجرهما.\nأما إذا لم تكن مأمونة فأما غير الأب والجد فليس لهم حق الحجر في ابتداء حالها، فلا يكون لهم أن يعيدوها إلى حجرهم أيضَا، لكن يترافعوا إلى القاضي ليسكنها بين قوم صالحين.\nلأن للقاضي ولاية على الناس، وهو لو لم يترافعوا ربما يرتكب ما يلحقهم الضرر بذلك من الضمان، وغير ذلك.\nوتأويل ما ذكر صاحب الكتاب أن أراد الأخ والعم أن يضمها إليه، ويسكنها معه، فأبت ذلك، فإنها لا تجبر على الكون معهم، كما لا تجبر على الكون مع الأب إذا كانت مأمونة [على نفسها].\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-545>﴿أبواب الشهادات ما يجوز منها وما لا يجوز وما جاء في ذلك من الآثار﴾</span>","vol":"4","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-546>الباب الحادي والمائة ﴿في الرجل يشهد على نسب لم يدركه أو نسب لم يعرفه معرفة متقدمة﴾</span>\n[١٤٢٦] قال:\nوإذا شهد الرجل على نسب لم يدركه، [أو نسب لم يعرفه معرفة متقدمة] فالشهادة جائزة. قال ذلك أصحابنا جميعًا.\nوكذا النسب من قبل الأم الشهادة عليه جائزة.\nوهي مسألة أوردها محمد ﵀ في المبسوط، أعادها صاحب الكتاب، وهي خمس مسائل، في أربع يصح تحمل الشهادة فيها بالتسامع بالإجماع:\nإحداها: النسب.\nوالثانية: الموت.\nوالثالثة: النكاح.","vol":"4","page":379},{"text":"والرابعة: القضاء.\nوالخامسة: اختلفوا فيهال وهي الولاء، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا يجوز، وقال أبو يوسف ﵀ يجوز.\nوقد ذكر صاحب الكتاب لكل مسألة بابًا، وقد أورد هذا الباب آثارًا لبيان أن الشهادة بالتسامع جائزة على النسب فقال:\nألا ترى أنا نشهد أن علي بن أبي طالب، وان عمر بن الخطاب، وأن عبد الله بن مسعود ﵃ ولم ندرك هؤلاء، فكذا الغلام منا إذا بلغ، فرأى رجلً ينتسب إلى أبيه، ويقال: فلان بن فلان ولم يدرك هذا الغلام أبًا له، فيشهد أن هذا فلان بن فلان، بعد أن يكون ذلك مشهورًا بالأخبار المتواترة، وجب أن يجوز.\nوهذا لأن النسب ينبني على الوطء، أو على النكاح.\nفإن كان ينبني على الوطء، فالوطء مما لا يمكن الوقوف عليه.\nوإن كان ينبني على النكاح، فالنكاح مما يثبت بالتسامع، لما نبين، فكذا ما ينبني عليه.","vol":"4","page":380},{"text":"[١٤٢٧] قال:\nولو أن رجلً أتى رجلً، فقال:؛ أنا فلان بن فلان الفلاني، لم يسع الذي سمع هذا أن يشهد على نسبه.\nلأنه لو وسع هذا أن يشهد لوسع للقاضي أن يقضي بقوله أني فلان بن فلان [بن فلان الفلاني]، ولا يقضي، فكذا لا يشهد على نسبه بقوله ما لم يثبت ذلك بالدليل، والدليل هو الاشتهار، لكن الاشتهار في النسب يثبت بطريقين.\nأحدهما: حقيقي.\nوالآخر: حكمي.\nأما الحقيقي [فهو] ما قال في الكتاب وهو أن يخبره قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، فتشيع الأخبار وتشتهر.\nوأما الحكمي فأن يشهد عنده رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان بلفظ الشهادة.\nلكن هذا إذا شهدوا عنده من غير استشهاد هذا الرجل، فإنه ذكر محمد ﵀ في كتاب الشهادات أنه إذا لقي رجلين عدلين شهدا عنده على نسبه، وعرفا حاله وسعه أن يشهد، ولو","vol":"4","page":381},{"text":"أقام [هذا] الرجل شاهدين شهدا عنده على نسبه لم يسعه أن يشهد.\nلأنه لما لم يعتمد قوله في شهادته لم يعتمد على قول من اعتمد هذا الرجل على قوله.\n\n[١٤٢٨] قال:\nولو أن رجلًا نزل بين ظهراني قوم، وهم لا يعرفونه، وقال: أنا فلان بن فلان، لم يسعهم أن يشهدوا على نسبه حتى تقع معرفة ما قال في قلوبهم.\nقال في الكتاب:\nوجه ذلك عندي أن يقيم معهم سنة، وأن وقع ذلك في قلوبهم قبل السنة لم يسعهم أن يشهدوا على نسبه؛ لأن السنة الواحد لا بلاء العذر سحن، كما عرف في كثير من المسائل.\nوروى عن أبي يوسف أنه قدر ذلك بستة أشهر.\nفالمقصود من هذا صدقه وكذبه.\nفصاحب الكتاب قدر ذلك بسنة، وأبو يوسف قدره بستة أشهر. وقال محمد. لا يسعه أن يشهد على نسبقه، حتى يلقى من أهل بلده رجلين عدلين، فيشهدان عنده على نسبه.\nقال الجصاص في شرح هذا الكتاب: وهو الصحيح.","vol":"4","page":382},{"text":"والحاصل أنه لا يشهد على النسب ما لم يشتهر، والاشتهار حقيقي وحكمي.\nفصاحب الكتاب قدر الاشتهار ههنا بسنة. قال:\nلأن الظاهر أنه يشتهر في هذه المدة.\nوأبو يوسف قدر بستة أشهر.\nومحمد اعتبر الاشتهار الحكمي.\nلأن الظاهر عدم الاشتهار الحقيقي في حق هذا الرجل.\n\n[١٤٢٩] قال:\nولو مات رجل فأقام رجل شاهدين: أن الميت فلان بن فلان الفلاني، وأن فلان بن فلان الفلاني ابن عمه يلققون إلى أب كذا، وانه وارثه، لا يعلمون له وارثًا غيره، فإنه يقضي له بميراثه.\nلأنه ثبت بالبينة كونه وارثًا.\nفإن جاء رجل آخر فأقام شاهدين: أنه ابن الميت ووارثه لا يعلمون له وارثًا غيره، فالميراث له.\nلأن الابن يتقدم عليه، ولا تنافي بين الثاني والأول؛ فإن الإنسان يجوز أن يكون له ابن عم، وله ابن أيضًا.","vol":"4","page":383},{"text":"[١٤٣٠] قال:\nولو أقام رجل شاهدين: أن الميت فلان بن فلان الفلاني ونسبه إلى غير الأب الذي نسبه إليه الأول، وأنه هو فلان بن فلان الفلاني من قبيلة أخرى، وانه عصبته ووارثه لا يعلمون له وارثًا غيره، لم أقبل هذا، ولم أحول النسب من ومن فخذ، إلى أب وفخذ آخر.\nلأنه لما ثبت نسبه من الأول خرج من أن يكون محلًا لإثباته من إنسان [آخر]، فالبينة الثانية قامت في غير محلها، فلا تقبل.\nألا ترى أن رجلين لو تنازعا في مولود، فأقام أحدهما البينة، وقضى القاضي له بالولد، ثم أقام الآخر البينة لا تقبل بينة الثاني.\nوكذا لو تنازعا في نكاح امرأة، وأقام أحدهما البينة، وقضى القاضي له بالنكاح، ثم أقام الآخر البينة، لم تقبل بينة الثاني، لما قلنا، كذا هذا.\n\n[١٤٣١] قال:\nولا يكلف الشهود أن يشهدوا انه لا وارث لفلان غير فلان، لكن إذا شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثًا غير فلان هذا، وهو ابن أو أخ، أو من يجوز الميراث أجزت ذلك.","vol":"4","page":384},{"text":"وهذا مذهبنا.\nوقال ابن أبي ليلى: يكلف الشهود ذلك.\nوإن شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثًا [غيره] بأرض كذا وكذا، قال أبو حنيفة ﵁: جازت شهادتهم.\nوقالا: لم تجز حتى يشهدوا أنهم لا يعلمون له وارثًا غير فلان هذا.\nوحق المساكين كتاب الدعوى.\n\n[١٤٣٢] قال:\nويجوز للجيران، ومن عرف إنسانًا أن يشهد على نسبه: أنه فلان بن فلان.\nقال في الكتاب:\nوإنما [جازت] الشهادة على الأنساب بالسماع، والشهرة، والأخبار المتواترة.\nوهذا اشتهار حقيقي.\nوأما الاشتهار الحكمي فعلى ما مر.","vol":"4","page":385},{"text":"[١٤٣٣] قال:\nولو أن رجلًا لم يعرف نسبه، إلا أنه سمع جيران ذلك الرجل [يقولون]: هذا فلان بن فلان [الفلاني]، واشتهر ذلك عنده، وسعه أن يشهد أنه فلان بن فلان [الفلاني].\nوكذلك إن سمع من السقاء، والبقال، والخادم، ومن العوام، فكانت أخبارًا على غير تواطؤ، جاز أن يشهد.\nلأنه ما يثبت بالشهرة الحقيقية لا تشترط فيه العدالة، إنما يشترط أن لا يتواطؤوا على الكذب.\nوإنما خص البقال والسقاء؛ لأنهم يخالطون الناس أكثر، ويعرفون أنسابهم غالبًا.\n\n[١٤٣٤] قال:\nوأما الشهادة على نسب المرأة إذا أراد أن يعرف المرأة يشهد لها بوكالة، أو بأمر من الأمور الذي يحتاج [فيه] أن يقول: أقرت عندي فلانة بنت فلان بكذا، قال صاحب الكتاب:\nينبغي أن يدخل عليها، وعندها جماعة من النساء ممن يثق بهن ذلك الجل، فيسألهن: أهذه فلانة بنت فلان؟","vol":"4","page":386},{"text":"فإذا قلن: نعم، وقلن إنها هي، تركها أيامًا، ثم نظر إليها بحضرة نسوة أخرى، فيصنع مثل ذلك.\nوكذلك يتردد إليها مرارًا شهرين أو ثلاثة، فإذا وقعت معرفتها في قلبه يقول رجال ونساء، ومن أمكنه، شهد عليها بذلك.\nوهذا شيء اختص به صاحب الكتاب، وضيق الأمر؛ لخفاء أمرهن.\nوالله أعلم بالصواب.\n* * *","vol":"4","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-547>الباب الثاني والمائة ﴿في الشهادة على الموت﴾</span>\n[١٤٣٥] قال:\nويجوز أن يشهد الرجل على موت من لم يدركه، وعلى موت من لم يحضر وفاته، إذا كان مشهورًا ظاهرًا عند الناس.\nألا ترى أنا نشهد على موت عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃، ولم ندركهم، ولم نحضرهم.\nوكذا نشهد على موت السلف، وإن لم ندركهم ولم حضرهم.\nوهذا، لأن وإن أدرك [ذلك] الوقت وحضرهم، لا يستفيد العلم أكثر من ذلك؛ فإنه [قد] يأتي باب إنسان، فيخرج","vol":"4","page":388},{"text":"إنسان فيخبر أن فلانًا قد مات، فيجوز أن يشهد على موته، ومثل هذا العلم قد حصل له وإن لم يدرك ذلك الوقت ولم يحضره.\nوالدليل عليه: أن الجنازة، إذا حضرت، جاز لمن اجتمع أن يشهدوا على موته، وإن لم يعاين موته إلا اثنان أو ثلاثة.\n\n[١٤٣٦] قال:\nوإذا شهد شاهدان على موت رجل فهذا على وجهين:\nإما أن شهدا ولم يفسرا سببًا.\nأو فسرا، وقالا: لم نعاين موته.\nوكل وجه على قسمين:\nإما أن يكون موت ذلك الرجل مشهورًا.\nأو لم يكن.\nفلفي الوجه الأول: تقبل الشهادة في القسمين جميعًا.\nوفي الوجه الثاني: في القسم الأول قال الخصاف بأنه تقبل. وقال بعض مشايخنا: لا تقبل، وهو الصحيح.\nوفي القسم الثاني: لا تقبل بالإجماع؛ لأن الشهادة على الموت وغير ذلك بالتسامع، كالشهادة على الملك باليد، وثمة إذا","vol":"4","page":389},{"text":"أطلق الشاهد جاز، وإذا بين السبب لم يجز كذا ههنا.\n\n[١٤٣٧] قال:\nوإن شهدا أنه مات فلان، وقالا: نحن دفناه، أو شهد أنه مات فلان، وقالا: شهدنا جنازته، فشهادتهما جائزة لوجهين:\nأحدهما: أن المشهود به الموت، لا الدفن، ولا شهود الجنازة.\nوالثاني: أن هذا معاينة الموت معنى، إذ معاينة [الموت] لإنسان عادة، إنما تكون بأن يشهد دفنه أو جنازته.\n\n[١٤٣٨] قال:\nوإذا أخبر الرجل الثقة، والمرأة الثقة، رجلًا بموت رجل، وقال المخبر بذلك: أنا عاينته، فالمخبر في سعة أن يشهد على موته. فرق بين الموت والنسب والنكاح، فإن ثمة لا يسعه أن يشهد، ما لم يشهد عنده رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان.\nلأن في اشتراط العدد في الموت حرجًا؛ لأنه لا يقوم بمباشرة أسبابه، من الغسل، وغير ذلك إلا رجل واحد. أو","vol":"4","page":390},{"text":"امرأة واحدة، ولو شرطنا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، لأدى ذلك إلى الحرج، فاكتفى بخبر الواحد، وليس في اشتراط العدد في النكاح والنسب حرج فشرطناه.\n\n[١٤٣٩] قال:\nوإذا نعي الرجل من أرض إلى أرض، وصنع أهله ما يصنع بالميت، فإنه لا يسع أحدًا أن يشهد على موته إلا من شهد موته، أو يخبر بذلك من شهد موته ممن يثق به، أو تأتي بذلك الأخبار المتواترة.\nلأن المصائب قد تتقدم على الموت، أما خطأ، أو غلطًا، أو حيلة؛ لقسمة المال، فلا تسمع الشهادة عليه، ما لم يثبت الموت، والثبوت بأحد معان ثلاثة: إما أن يشهد موته، أو يخيره بذلك من شهد موته ممن يثق به، أو تأتي بذلك الأخبار المتواترة.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>الباب الثالث والمائة ﴿في الشهادة على النكاح﴾</span>\n[١٤٤٠] قال:\nويجوز للرجل أن يشهد للمرأة، وإن لم يحضر عقد نكاحها، وقد عرف أنها فلانة بنت فلان الفلاني، وأنها امرأة فلان بن فلان [الفلاني] إن احتاجت إلى ذلك.\n\n[١٤٤١] قال:\nويجوز أن يشهد الزوج على المرأة أنها امرأته إن احتاج الزوج إلى ذلك أو اشتهر أمرهما، ألا ترى أنا نشهد أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ زوجة علي ﵁ وإن لم تحضر عقدها. وألا ترى أن النائب إذا قدم فقيل له: إن جارك فلانًا تزوج فلانة بنت فلان، وجرى الأمر على هذا، وتواترت الأخبار، ومضى على ذلك سنون","vol":"4","page":392},{"text":"[فإنه] يجوز لهذا القادم أن يشهد: أن فلانة امرأة فلان إذا احتيج إلى شهادته.\nوألا ترى أن الصغير إ ذا كبر فقيل له: أن فلانة امرأة فلان، ولعلها عجوز مثل أمه، أو أكبر، جاز له أن يشهد عليها.\nوألا ترى أنه لو كان بينهما ولد ينسب إليهما، وسع للجيران أن يشهدوا أنه ابنهما، وإن لم يعاينوا الولادة.\nهذا إذا ثبتت الشهرة الحقيقية.\nوكذا إذا رآهما يسكنان في منزل واحد، وينبسط كل واحد منهما إلى صاحبه، كما يكون بين الأزواج، وسعه أن يشهد لهما بالنكاح.\nلأن هذا القدر يكفي لتحمل الشهادة بملك اليمين، فإنه إذا رأى شيئًا في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك وسعه أن يشهد بملك ذلك الشيء، فهذا أولى، وأما الشهرة الحكمية فما قلنا في النسب.\nهذا هو الكلام في الشهادة على النكاح بالشهرة والتسامع.\nوأما الشهادة على الدخول بالشهرة والتسامع فتجوز أيضًا كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح هذا الكتاب.","vol":"4","page":393},{"text":"لأن هذا أمر يشتهر، وتتعلق به أحكام مشهورة، من النسب، والمهر. والعدة، وثبوت الأحصان، بخلاف الزنى، فإنه فاحشة، لا تجوز الشهادة فيها بالتسامع: لأن الشهادة بالتسامع، إنما كانت إحياء لحقوق الناس، لأن الذين عاينوا لو ماتوا ومضى عليهم قرن بعد قرن، لو لم تجز الشهادة بالتسامع لأدى إلى إبطال حقوق الناس، والفاحشة لا يحتال إلى إثباتها.\n\n[١٤٤٢] قال:\nوإن ادعى رجلان نكاح امرأة، فإن أقرت لأحدهما فهي امرأته.\nلأن النكاح ثبت بتصادقهما.\nفإن أقام الآخر بينة أنها امرأته قضيت له [بها].\nلأن البينة أقوى من الإقرار، فيكون الثاني أولى.\nفإن أقام كل واحد منهما البينة انهار امرأته فهذا على وجهين:\nإما أن وقتًا.\nأو لم يوقتا.\nفإن وقتا فالوقت الأولى أولى.","vol":"4","page":394},{"text":"وإن لم يوقتا، وزكيت بينة أحدهما، فهي أولى، وإن زكيت البينتان جميعًا لم أحكم بها لواحد منهما.\nلأن المرأة الواحدة لا تصلح أن تكون لكل واحد منهما، ولا مشتركة بينهما.\n\n[١٤٤٣] قال:\nولو أن رجلًا ادعى نكاح امرأة، وهي تجحد، فأقام بينة أنها امرأته قضيت له بها، وجعلتها امرأته.\nوإن جاء آخر، وأقام البينة على مثل ذلك، لم احكم له بها.\nلأن القضاء الأول صح ظاهرًا، فلا ينتقض إلا إذا ظهر الخطأ بيقين، وذلك أن يوقت شهود الثاني وقتًا قبل وقت الأول.\nوقد مر شرح هذه المسائل في كتاب النكاح في شرح المختصر الكافي.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":395},{"text":"<span data-type='title' id=toc-549>الباب الرابع والمائة ﴿في الشهادة على العتق والطلاق والولاء﴾</span>\n[١٤٤٤] قال:\nلا تجوز الشهادة على العتق والطلاق إلا بسماع الرجل يطلق امرأته، أو يقر عنده الزوج بذلك، وكذلك العتق.\nلأن القياس يأبى جواز الشهادة في جميع الحوادث إلا بوقوع العلم للشاهد؛ إما بالمعاينة، أو بالإقرار العري عن التهمة، لكنا تركنا القياس في بعض الحوادث التي تشتهر وقوعًا ودوامًا، والطلاق والعتاق مما لا يشتهران وقوعًا، فبقى الطلاق والعتاق كسائر الحقوق، فلا تجوز الشهادة فيهما بالتسامع.\n\n[١٤٤٥] قال:\nوكذلك الشهادة على الولاء بالتسامع لا تجوز في قول أبي حنيفة ومحمد، وفي قول أبي يوسف تجوز.\nذكر صاحب الكتاب الخلاف في الولاء.","vol":"4","page":396},{"text":"وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب أن الخلاف ثابت أيضًا في العتق، فإن العتق يثبت الولاء، والشهادة على الولاء شهادة على العتق، لكن صاحب الكتاب لم يذكره.\nوذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح هذا الكتاب أن الشهادة على العتق بالتسامع لا تقبل بالإجماع، إنما الخلاف في الشهادة بالتسامع على الولاء كما كذر صاحب الكتاب.\nثم صاحب الكتاب شرط لسماع الشهادة بالتسامع على الولاء عند أبي يوسف شرطًا لم يشترطه محمد ﵀ في المبسوط، فقال:\nإنما تقبل إذا كان العتق مشهورًا وللمعتق أبوان أو ثلاثة في ال\"إسلام. ضيق، ومحمد وسع.\nوالمسألة في المبسوط.\n\n[١٤٤٦] قال:\nولو أن رجلين ادعى كل واحد منهما ولاء رجل ميت، وأقاما بينة، أن فلانًا الميت كان عبدًا له، وأنه أعتقه، وأنه مولاه ووارثه، لا يعلمون له وارثًا غيره، قضيت بالولاء والميراث بينهما نصفين.","vol":"4","page":397},{"text":"لأن الولاء مما يحتمل الاشتراك، فصار كالأموال فيقضى بينهما نصفين.\n\n[١٤٤٧] قال:\nولو جاء أحدهما وادعى ولاءه، وأقام بينة على ما قلنا، وقضيت بالولاء والميراث له، ثم جاء آخر بعد ذلك، وأقام البينة على مثل ذلك، لم أقبل بينته.\nلأن القاضي قضى بكل الولاء للأول، فبينة الثاني قامت على إبطال قضاء الأول، فلا تسمع، فصار كالنسب والنكاح، إذا ادعى أحدهما، وأقام البينة، وقضى القاضي له، ثم أقام الآخر البينة، لم اسمع بينته، كذا هذا.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-550>الباب الخامس والمائة ﴿في الشهادة على ملك لم يدركه ولم يعاين صاحبه﴾</span>\n[١٤٤٨] قال:\nالشهادة على ملك اليمين لا تحل، ولا تصح بالتسامع، إلا في صورة ذكرها صاحب الكتاب، لما نبين.\nوإنما تحل وتصح إذا عاين سبب الملك أو دليل الملك.\nوسبب الملك الشراء من مالكه أو الإرث من مالكه، أو غيرهما، فيحيل لمن عاين السبب أن يشهد بالملك للثاني.\nوأما دليل الملك [فقد] قال أصحابنا: اليد، فإن محمدًا ﵀ ذكر في المبسوط: لو رأى شيئًا في يد إنسان حل له أن يشهد له بالملك.\nوقال الشافعي ﵀: اليد مع التصرف.\nوبه أخذ الخصاف، لكنه شرط شرطًا آخر، وهو أن يقال فيها بين الناس: أن هذا ملكه، فإنه قال:","vol":"4","page":399},{"text":"إنما يشهد على الإملاء، إذا رآه في الدار يرمها، أو يبني فيها ويسكنها، ويؤاجرها، ويحدث فيها شيئًا، لا يضرب أحد على يده في ذلك، ويقال: هي داره.\nوهذا الشرط الزائد لم يشترطه أحد.\nوقال أبو يوسف، ذكر في آخر الباب، إذا رآه في يده إنما يحل له أن يشهد إذا وقع في قلبه أنه ملكه، أما إذا لم يقع [في قلبه فلا يحل له أن يشهد].\nقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: ويجوز أن يكون هذا قولهم جميعًا، حتى أنه إذا كان في يده شيء، والناس يقولون: أنه ملكه، وهو يتصرف فيه، لكن وقع في قلب الرائي أنه ملك غيره، وهو يتصرف بأمره، لا يحل له أن يشهد بالملك له، فصار دليل الملك اليد، مع الوقوع في قلبه أنه ملكه.\nوبه نأخذ.\nثم مسائل [هذا] الباب مشتملة على أربعة أوجه:\nأما أن يكون عاين الملك والملك جميعًا.\nأو لم يعاين الملك والملك جميعًا.","vol":"4","page":400},{"text":"أو عاين المالك دون الملك.\nأو عاين الملك دون المالك.\nأما إذا عاينهما، الملك بحدوده، والمالك بوجهه، أو عرفه بنسبة الملك إليه، واشتهرت النسبة، حل له أن يشهد، أنه ملكه، إذا وقع في قلبه أن الأمر كما نسب.\nلأنه [لما] عاينهما، ونسب الملك إليه، فقد عرفه في يده، فإذا وقع في قلبه أنه ملكه تحقق دليل الملك في المعلوم.\nوإذا لم يعاينهما، نحو إن قيل لفلان بن فلان الفلاني، وهو لم يعاينه بوجهه، ولم يعرفه بنسبة ملك، بقرية كذا، بحدود كذا، وهو لم يعاينه، لم يحل له أن يشهد بالملك له.\nوإن عاين المالك دون الملك، لم يحل له أن يشهد بالملك له.\nوإن عاين الملك دون المالك؛ بأن عاين ملكًا بحدوده، ينسب إلى فلان بن فلان الفلاني، وهو لم يعاينه بوجهه، ولا يعرفه بنسبه، ففيه قياس واستحسان، والقياس أن لا يحل، وفي الاستحسان يحل.","vol":"4","page":401},{"text":"وجه القياس: أن هذه الشهادة بالملك للمالك، ثم الجهالة في المشهود به تمنع حل الشهادة، والجهالة في المشهود له أيضًا وجب أن تمنع.\nوجه الاستحسان: أن النسب مما يثب بالتسامع والشهرة فيصير المالك معروفًا بالتسامع والشهرة، والملك معروف، فترتفع الجهالة.\nلكن إنما تقبل الشهادة على الملك في الموضع الذي تقبل إذا لم يفسر الشاهد عند القاضي، وأطلق.\nأما إذا فسره فلا، كما قلنا في الشهادة على الموت بالتسامع\nإذا ثبت هذا قال:\nوإذا شهد من أدرك الملك، ولم يعاين المالك، والمالك كذلك كانت امرأة لا تخرج، ولا يراها الرجال، فإن كان ذلك مشهورًا عند العوام والناس، فالشهادة على ذلك جائزة.\nيريد به إذا عاين الملك، ووقع في قلبه أن الأمر كما اشتهر.","vol":"4","page":402},{"text":"لأن هذا هو صورة من عاين الملك، ولم يعاين المالك، وهي الصورة التي أشرنا إليها في صدر الباب.\n\n[١٤٤٩] قال:\nوقال أبو حنيفة ﵀: إذا كانت الدار، أو الدابة أو العبد، أو الثوب، في يدي رجل، وسعك أن تشهد أن ذلك له، وإن لم تكن رأيته قبل تلك الساعة.\nوقال محمد في الجامع الصغير عن أبي حنيفة أنه قال: إذا رأيت شيئًا في يدك سوى العبد والأمة، وسعني أن أشهد بذلك [لك].\nوالقول الأول رواه أبو يوسف في الآمالي.\nوأما ما سوى العبد والأمة فقد مر الكلام فيه.\nوأما العبد والأمة ففيهما روايتان عن أبي حنيفة:\nعلى رواية أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة:\nيحل [له] أن يشهد له.\nوعلى رواية الجامع الصغير عن محمد عن أبي حنيفة: لا يحل أن يشهد.\nوجه رواية أبي يوسف: إن يد المولى ثابتة على العبد [والأمة] فصار كغيرها من الأموال.","vol":"4","page":403},{"text":"وجه رواية محمد: أن العبد والأمة في يد أنفسهما، فلا تثبت اليد عليهما حقيقة، فلا تكون وصرة اليد حجة.\nوهذا الاختلاف فيما إذا كان العبد والأمة يعبران عن أنفسهما، أما إذا كانا لا يعبران [عن أنفسهما] فهما والثياب سواء.\nقال أبو يوسف: لا يشهد على ذلك حتى تقع معرفة ذلك في قلبه.\nويجوز أن يكون هذا قول الكل.\nوبه نأخذ.\nوالله تعالى أعلم بالصواب.\n* * *","vol":"4","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-551>الباب السادس والمائة ﴿في الرجل يرى اسمه وخاتمه وخطه في الكتاب ولا يذكر الشهادة﴾</span>\n[١٤٥٠] ذكر عن الشعبي أنه قيل له:\nأرى نقش خاتمي في الصك، ولا أذكر الشهادة، قال: لا تشهد إلا بما تعرف؛ فإن الناس ينقشون على الخواتم.\nوهذا لأن الخط يشبه الخط، والخاتم يشبه الخاتم، والخط قد يزور، والخاتم قد يفتعل.\n\n[١٤٥١] ثم ذكر صاحب الكتاب آثارًا كثيرة [في] أن الشاهد على الصك إذا رأى خطه ولم يتذكر [الواقعة] لا تجوز.","vol":"4","page":405},{"text":"وقال صاحب الكتاب: وبهذه الأحاديث أخذ أصحابنا وقالوا: لا ينبغي لرجل أن يشهد على صك وأن كان اسمه وخاتمه وخطه فيه، ولم يذكر الشهادة.\nوروى ابن رستم في نوادره عن محمد أنه يسعه أن يشهد وإن لم يذكر الشهادة، ذكره شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب.","vol":"4","page":406},{"text":"وإن شهد على ذلك وعلم القاضي لم يجز شهادته، ولم ينفذها.\n\n[١٤٥٢] قال:\nفإن ذكر المجلس الذي كانت فيه الشهادة وتذكر أنه كتب أسمه في الصك وختم عليه، ولم يذكر أنه شهد على ذلك فلا يشهد عليه. وكذلك إن لم يذكر أنه أشهد على ذلك المال لم يسعه أن يشهد عليه.\nوكذلك إن قال قوم ممن يثق بهم: إنا قد شهدنا عليها نحن وأنت، وهو لا يذكر، فإنه لا ينبغي أن يشهد بذلك.","vol":"4","page":407},{"text":"صاحب الكتاب لم يذكر الخلاف. فكأنه لم يحفظه، والكلام في هذه المسألة على سبيل الاستقصاء ذكرناه في باب القاضي يجد في ديوانه شيئًا لا يحفظه.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-552>الباب السابع والمائة ﴿في شهادة الأخ لأخيه﴾</span>\nوذكر بعده:\n﴿باب شهادة الوالد لولده والوالد لوالده والزوج والمرأة﴾\nوبعده:\n﴿باب شهادة الظنين ودافع المغرم وجار المغنم﴾\n﴿وأصحاب الصناعات والشريك والخصم﴾\n﴿[وبائع الأكفان]﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-553>[شهادة الأخ لأخيه]</span>\n[١٤٥٣] ذكر في الباب الأول أثارًا لبيان أن شهادة الأخ لأخيه مقبولة.","vol":"4","page":409},{"text":"ومن العلماء من قال: لا تقبل.\nقيل هو قول إبراهيم.\nوذكر في بعض النسخ: فعلى قياس قوله: كل قرابة تمنع النكاح تمنع قبول الشهادة.\nوالصحيح ما شهدت به الآثار، وأخذ به عامة العلماء: أن شهادة الأخ لأخيه مقبولة.\n[وكذا شهادة الأخ على أخيه]؛ لأن التهمة قد انتفت بينهما من كل وجه؛ لظهور العداوة، والتحاسد بينهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-554>[شهادة الوالد لولده والوالد لوالده]</span>\n[١٤٥٤] وذكر في الباب الثاني آثارًا [تدل على] أن شهادة","vol":"4","page":410},{"text":"[الوالد لولده] والولد لوالده لا تقبل.\nومن العلماء من قال: تقبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-555>[شهادة الزوج لزوجته والزوجة لزوجها]</span>\n[١٤٥٥] وذكر أثارًا لبيان أن شهادة الزوج لزوجته [أو الزوجة لزوجها لا تقبل.\nومن العلماء من قال: شهادة الزوج لزوجته تقبل]،\nوشهادة الزوجة لزوجها لا تقبل.\nوقال الشافعي:\nشهادة الزوج لزوجته وشهادة الزوجة لزوجها تقبل.","vol":"4","page":411},{"text":"وقال أصحابنا: كل ذلك لا يقبل؛ فإنه قال الخصاف:\nبهذه الأحاديث أخذ أصحابنا، وقالوا: لا تجوز شهادة الأب لأبنه، ولا الزوج لامرأته، ولا المرأة لزوجها، ولا العبد لسيده، ولا لغير سيده، ولا السيد لعبده، ولا المكاتب والمدير، ولا [لا] أم لولده، ولا شهادة أحد من هؤلاء له.\nوكذلك شهادة الرجل لولد ولده وأن سفلوا، أو لأمه، أو لأجداده، وكذلك شهادتهم له لا تجوز.\nوهذه الجملة معروفة في المختلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-556>[شهادة الخصم والظنين]</span>\n[١٤٥٦] وذكر في الباب الثالث عن طلحة بن عبد الله بن عوف، أنه قال:","vol":"4","page":412},{"text":"\" أمر رسول الله ﷺ مناديًا فنادى: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين\"\nأما شهادة الخصم فلأنها شهادة لنفسه، والشهادة لنفسه دعوى.\nوأما شهادة [الظنين فلأنها شهادة] متهم، إذ الظنين هو المتهم.\nواختلفوا في تهمته:\nقال بعضهم: هو أن يكون له اتصال بصاحب المال؛ بأن يكون أجيرًا وجد له.\nوقال بعضهم: أراد به أن يكون متهمًا بالفسق.\nوقال بعضهم: أراد به أن يكون متهمًا بالرشوة.\nوأي ذلك كان فشهادته لا تقبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-557>[شهادة دافع المغرم والشريك والأجير والعبد]</span>\n[١٤٥٧] ذكر عن شريح أنه قال:\nلا أجيز شهادة خصم، ولا مريب، ولا دافع المغرم، ولا الشريك لشريكه، ولا أجير لمن أستأجره، ولا","vol":"4","page":413},{"text":"العبد لسيده.\nأما شهادة الخصم. فلأنها دعوى.\nوأما شهادة المريب، فهو المتهم.\nوأما دافع المغرم، فهو أن يدفع بشهادته ضمانًا عن نفسه.\nوأما الشريك والأجير، [فأنهما] عاملان لأنفسهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-558>[شهادة النخاسين]</span>\n[١٤٥٨] ذكر عن أبي هريرة ﵁ [أنه] قال: لا تجوز شهادة أصحاب الحمير، يعني النخاسين.\nوالمراد منه الدلالون.\nوإنما لم تقبل، لأنهم يجازفون، ويكذبون، ولا يبالون بذلك.","vol":"4","page":414},{"text":"فأما من كان عدلًا فلا تسقط عدالته وشهادته بسبب الحرفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-559>[شهادة العشار]</span>\n[١٤٥٩] ذكر عن الحسن قال:\nلا تجوز شهادة العشار.\nأراد به الذي يأخذ بغير حق.\nلأن الأخذ بغير حق يكون ظلمًا، فيكون فسقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-560>[شهادة تارك الجمعة]</span>\n[١٤٦٠] ذكر عن عبد الله بن يعلى، قال:\nلا تجوز شهادة من تقوم عليه البينة أنه ترك الجمعة ثلاث مرات.\nلأنه ترك الغرض فصار فاسقًا، فترد الشهادة.\nثم ذكر ثلاث مرات، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀:\nالتقدير بالثلاث شرط، كما ذكر في الكتاب، لأن الثلاث","vol":"4","page":415},{"text":"أقل الجمع، وليس لما زاد عليه نهاية.\nوقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nهدا الشرط ليس بلازم، بل إذا تركها مرة كفى لرد الشهادة.\nوهكذا ذكر صاحب الكتاب بعد هذا فإنه [قال]:\nمن ترك الجمعة رغبة عنها على غير تأويل، فشهادته غير جائزة.\nولم يقدر بالثلاث.\nوهذا كله إذا تركها اختيارا.\nفأما إذا تركها بعذر كالمرض، وبعده عن المصر، أو بتأويل؛ بأن كان يفسق الإمام، فلا ترد شهادته.\nلأنه في الوجه الأول معذور. وفي الوجه الثاني يصير صاحب هوى، وشهادة أصحاب الأهواء تقبل، إذا كان عدلًا في التعاطي.\nوإلى هذا أشار صاحب الكتاب بعد هذا.\nوقد مر هذا من قبل.","vol":"4","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-561>[شهادة من لم يؤد زكاته]</span>\n[١٤٦١] ذكر عن الضحاك قال:\nمن لم يؤد الزكاة لم تقبل شهادته.\nلأنه يمنع الزكاة صار فاسقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-562>[شهادة الإعرابي على القروي]</span>\n[١٤٦٢] ذكر عن يونس عن ابن شهاب قال:\nشهادة الإعرابي علي القروي جائزة إذا لم يكن متهمًا في الدين.\nومن العلماء من قال غير جائزة لقوله تعالى:\n﴿الإعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾.\nفالله تعالى وصفهم بالجهل، وقلة العلم. وعن ذلك قال بعض العلماء: لا تجوز شهادة القروي، وتجوز شهادة أهل الأمصار.","vol":"4","page":417},{"text":"وقال عامة العلماء:\nتجوز شهادة الإعرابي إذا كان عدلًا لقوله تعالى:\n﴿ومن الإعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ الآية.\nفالله تعالى مدحهم، والحديث إنما كان في وقت كانت الهجرة فريضة، فإذا تركوا الهجرة فقد تركوا الفريضة، فصاروا فسقة، ثم انتسخت الهجرة بعد ذلك، فبترك الهجرة لا يصير فاسقًا:\n\n<span data-type='title' id=toc-563>[شهادة ذوي الصناعات]</span>\n[١٤٦٣] قال:\nوأما الصناعات، فإن شهادة أهلها إذا كانوا عدولًا جائزة.\nوقال بعض العلماء: لا تجوز لكثرة خلافهم وكثرة ما يجري من الإيمان الفاجرة بينهم.\nوقال عامة العلماء: تجوز.\nلأن المجوز العدالة، وقد وجدت.","vol":"4","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-564>[شهادة بائع الأكفان]</span>\n[١٤٦٤] قال:\nوشهادة بائع الأكفان لا تقبل.\nقال شمس الأئمة الحلواني:\nإنما لا تقبل عندنا إذا أبتكر لذلك، وترصد لذلك العمل؛ لأنه حينئذٍ يتمنى الموت والطاعون.\nأما إذا كان يبيع الثياب، ويشتري منه الكفن، فتجوز شهادته.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-565>الباب الثامن والمائة ﴿في شهادة الخصي﴾</span>\n﴿باب من لا يجوز شهادة الأقلف﴾\nوذكر بعده\n﴿باب من يقبل شهادة الأقلف﴾\nوذكر بعده\n﴿باب شهادة ولد الزنى﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-566>[شهادة الخصي]</span>\n[١٤٦٥] ذكر في الباب الأول عن عمر ﵁ أنه أجاز شهادة علقمة الخصي على قدامة بن","vol":"4","page":420},{"text":"مظعون.\nفي الحديث دليل على أن شهادة الخصي مقبولة.\nوبه نقول: إن شهادة الخصي إذا كان عدلًا جائزة في الدماء، والقصاص، وحد الزنى، وجميع الحقوق.","vol":"4","page":421},{"text":"لأنه رجل عدل، أكثر ما في الباب أنه قطع عضوه، وقطع سائر أعضائه لا يوجب سقوط العدالة، فكذا قطع هذا العضو.\n\n<span data-type='title' id=toc-567>[شهادة الأقلف]</span>\n[١٤٦٦] وذكر في الباب الثاني عن ابن عباس ﵁ قال:\nالأقلف لا تقبل شهادته، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته.\nوهذا مذهبه.\nوعندنا تجوز شهادته، وتؤكل ذبيحته إذا لم يكن تركه الختان رغبة عن السنة.\nنص على قول أصحابنا صاحب الكتاب في الباب الثالث.","vol":"4","page":422},{"text":"وهذا لأن قبول الشهادة يعتمد العدالة، والعدالة لا تنعدم بترك الختان؛ لأن أكثر ما في الباب أنه ترك السنة، وترك السنة لا يوجب الفسق إذا لم يكن الترك رغبة عن السنة، وإباحة الذبيحة تعتمد [على] ملة التوحيد، وقد وجدت.\nأما إذا ترك الختان بعد الكبر فلا تسقط عدالته؛ لأنه ما ترك رغبة عن السنة، بل صيانة لمهجته.\n\n[١٤٦٧] ذكر عن أمية بنت أبي بردة الأسلمي أن النبي ﷺ سئل عن الأقلف يحج بيت الله تعالى قال: \"لا، حتى يختتن\".\nيحتمل أنه إنما قال ليتطهر، فيكون أطهر عند الطواف.\n\n[١٤٦٨] ذكر عن شداد بن أوس قال:\nقال رسول الله ﷺ:\n\"الختان للرجال سنة، وللنساء مكرمة\".","vol":"4","page":423},{"text":"قال شمس الأئمة الحلواني:\nفي الختان ثلاثة أقاويل:\nقال بعضهم: سنة.\nوقال بعضهم: واجب.\nوقال بعضهم: فريضة.\nوتأيد القول الأول بهذا الحديث.\nفأما [كونه] للنساء مكرمة [فقد] قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: [كانت] النساء تختتن في زمن رسول الله ﷺ، وكان ذلك مكرمة؛ لأنها ألذ للرجال عند المواقعة.","vol":"4","page":424},{"text":"[١٤٦٩] وذكر في الباب الثالث آثارًا تدل على أن شهادة الأقلف مقبولة.\nوبه أخذ أصحابنا إذا لم يكن ترك الختان رغبة عن السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-568>[شهادة ولد الزنى]</span>\n[١٤٧٠] وذكر في الباب الرابع أن رجلًا شهد عند عمر بن عبد العزيز فقال المشهود عليه: أنه لا تقبل شهادته، فقال: لم؟ قال: لأنه لا يدري من أبوه، فقال: ائتني بشاهدين سوى هذا.\nفاختلف العلماء في شهادة ولد الزنى:\nقال بعضهم: لا تقبل مطلقًا.\nوقال بعضهم: تقبل في كل شئ إلا في الزنى، قيل: وهو قول مالك.\nوقال بعضهم: تقبل إذا كان عدلًا، وبه أخذ أصحابنا.\nلأن الشهادة تعتمد العدالة [والولاية] وقد وجدت.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-569>الباب التاسع والمائة ﴿في شهادة السمع﴾</span>\n[١٤٧١] ذكر عن الشعبي وعن إبراهيم رحمهما الله قالا:\nشهادة السمع جائزة.\nيريد به: أنه إذا سمع إنسان إقرارًا إنسان لإنسان بحق، أو سمع بيعًا، أو طلاقًا، أو عتقًا، أو قذفًا، جاز له أن يشهد، وأن لم يأمره بذلك.\nوبه نأخذ.\nومن العلماء من قال: لا يجوز حتى يشهد على ذلك.\nوالصحيح ما قلنا.\nوعلى هذا الأئمة من السلف.","vol":"4","page":426},{"text":"لأن الشهادة تعتمد العلم وقد وجد.\nوهذا إذا سمع من الرجل يقر بهذه الأشياء ويعاينه.\nأما إذا سمع [من] وراء حجاب، فلا يجوز له أن يشهد، ولو شهد وفسر للقاضي، فالقاضي لا يقبل.\nلأن العلم لم يحصل وإنما حصل الظن؛ لأن النغمة تشبه النغمة، فإذا دخل في بيت، وعلم أنه ليس في البيت غير واحد، ثم خرج وقعد على باب البيت، وليس للبيت مسلك إلا هذا الباب، فأقر الرجل الذي داخل البيت بشئ، والرجل الجالس على باب البيت لا يراه، فالآن وسعه أن يشهد عليه بما أقر.\nهكذا قال صاحب الكتاب.\nلأنه حصل له العلم، فصار شرط الشهادة على السمع أحد شيئين:","vol":"4","page":427},{"text":"أن يسمع منه ويعانيه.\nأو يسمع منه على هذا الوجه الذي ذكرنا آنفًا.\n\n[١٤٧٢] قال:\nولو أن رجلًا أشهد رجلًا على نفسه بحق لرجل، فسمع ذلك رجل آخر وسعه أن يشهد عليه بذلك الحق.\nوكذا القاضي إذا أشهد قومًا: أنه قضى لرجل بشيء على رجل، وقوم آخرون يسمعون ذلك، ولم يشهدهم القاضي على قضائه، ومعهم أن يشهدوا بذلك.\nوإن فسروا ذلك للقاضي الذي شهدوا عنده أجاز شهادتهم.\nوكذا تزويج امرأة بحضرة قوم جمعوا لذلك فزوجها الولي، والقوم حضور يسمعون ذلك، وسعهم أن يشهدوا على النكاح.\nفرق بين هذا كله وبين من اشهد أنسانًا على شهادته، فسمع آخر لا يسعه أن يشهد.","vol":"4","page":428},{"text":"والفرق: أن الإقرار والقضاء والنكاح موجب نفسه، فكان حجة بنفسه. فإذا عاين الحجة حصل له العلم. فأما الشهادة فليست بموجبة، وليست بحجة بنفسها، وإنما تصير موجبة وتصير حجة بالنقل إلى مجلس القضاء، فصار الفرع نائبًا عن الأصل في نقل شهادته، والنيابة لا تثبت إلا بالإنابة.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-570>الباب العاشر والمائة ﴿في الرجلين يدخلا بين القوم، فيقولان: لا تشهدوا علينا بما سمعتم من إقرارنا لأحد الفريقين﴾</span>\nوذكر بعده:\n﴿باب شهادة المختفي﴾\nوذكر بعده:\n﴿باب شهادة الوصي﴾\nوذكر بعده:\n﴿باب شهادة العبد﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-571>[في الرجلين يدخلان بين القوم فيقولان: لا تشهدوا علينا بما سمعتم من إقرارنا لأحد الفريقين]</span>\n[١٤٧٣] ذكر في الباب الأول عن ابن سيرين أنه كان يكره أن يدخل بين رجلين، فيقولان: [لا تشهد علينا، ويقولان أن رأيت منكرًا قمت ثمة.","vol":"4","page":430},{"text":"وبه نقول؛ أنه يكره أن يدخل بين اثنين، يقولان] له:\nلا تشهد علينا بما تسمع منا، ولا تشهد لأحد الفريقين بشئ يدور بيننا.\n[و] مع هذا لو دخل وسمع من أحد الفريقين ما يكون إقرارًا للفريق الآخر، فطلب المقر له الشهادة، وقال: أشهد بما سمعت، فمن العلماء من قال:\nلا يحل له أن يشهد.\nلأن الشهادة أمانة، وقد منعناه من تحمل الأمانة.\nوذكر صاحب الكتاب: أنه يحل.\nوبه أخذ علماؤنا.\nلأنه حصل له العلم.\nفلو امتنع [الشاهد] عن الشهادة صار كاتمًا للشهادة، ولا يجوز أن يكتم الشهادة بقول من يجب عليه الحق، ولو كتم كان آثمًا.\n\n[١٤٧٤] ذكر عن الحسن أنه قال:\nأن قالوا: لا تشهد علينا، فإن أقر رجل لآخر بشئ","vol":"4","page":431},{"text":"فاشهد عليه، وأن كان قال قد كان ذلك على فقضيت فلا تشهد عليه.\nلأنه كما سمع الإقرار سمع القضاء.\nوعندنا يحل له أن يشهد، لكن إنما يشهد على نحو ما سمع، فإن رأي القاضي أن يجعل ذلك إقرارًا وكلفه البينة على القضاء فعل.\n\n[١٤٧٥] ذكر عن ابن سيرين: أنه سئل عن رجل قال لرجل، أو قال له قوم لا تشهد علينا بشئ، فسمع من بعضهم اعترافًا بأمر، قال ابن سيرين: قال الله تعالى:\n﴿وأقيموا الشهادة لله﴾.\nوقوله ﷿:\n﴿أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ الآية.\nولم يزده على ذلك.\nإنما لم يزده لأن الجواب قد حصل بتلاوة القرآن، وفهم السائل فلم يحتج إلى الزيادة.","vol":"4","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-572>[شهادة المختفي]</span>\n[١٤٧٦] وذكر في الباب الثاني عن الشعبي أن عمرو بن حريث أجاز شهادة المختفي [و] قال: هكذا يفعل بالخائن والظالم والفاجر.","vol":"4","page":433},{"text":"وصورة شهادة المختفي: إذا كان للرجل على آخر حق فيقر في السر، ويجحد في العلانية وصاحب الحق يعجز عن الوصول إلى حقه، فاحتال [على] ذلك، وأخفى قومًا من العدول في بيته، ثم استحضر من عليه الحق فأقر بذلك سرًا، وخرج فسمع الشهود، حل لهم أن يشهدوا.\nومن العلماء من قال: لا يحل، منهم شريح، والشعبي، وإبراهيم.\nلأن فيه تدليسًا وغرورًا.\nوذكر صاحب الكتاب: أنه يحل [لهم ذلك].\nوبه أخذ أصحابنا.\nلأن العلم قد حصل، فتجوز له الشهادة.","vol":"4","page":434},{"text":"لكن إنما تجوز إذا كان الشهود يرون وجهه، ويعرفونه ويفهمون كلامه.\nوإن كان في موضع لا يرون وجهه، لكن يسمعون كلامه، لا يحل لهم أن يشهدوا.\nوإن شهدوا، وفسروا للقاضي، لم يجز القاضي شهادتهم.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب.\nلكن هذا إذا لم يحيطوا علمًا به.\nأما إذا أحاطوا [به علمًا فأنه] يحل؛ بأن رأوه دخل بيتًا، وعلموا أنه ليس في هذا البيت غيره، وليس في هذا البيت مسلك آخر، وسمعوا أقراره، بحيث لا يشتبه عليهم حاله، حل لهم أن يشهدوا، وإن لم يروا وجهه وقت الإقرار، كما ذكرنا في باب شهادة السمع.\n\n<span data-type='title' id=toc-573>[شهادة الوصي]</span>\n[١٤٧٧] وذكر في الباب الثالث عن عامر الشعبي قال:\nالوصي خصم لا شهادة له.\nوبه أخذ سفيان.","vol":"4","page":435},{"text":"وبه أخذ أصحابنا ﵏.\nلأن الوصي قائم مقام الميت، والميت حال حياته لو شهد لنفسه لا تجوز شهادته، فكذا الوصي.\n\n[١٤٧٨] وذكر عن ابن شهاب قال:\nلا تجوز شهادة ولي يتيم يخاصم له .. الحديث إلى قوله:\nولا متهم في الدين.\nأراد به المتهم في الدين بفتح الدال، لا المتهم في الدين بكسر الدال؛ لأن المتهم في الدين صاحب الهوى، وقد ذكرنا أن شهادة أهل الأهواء تقبل. فكان المراد منه المتهم في الدين؛ بأن كان منفعة تلك الشهادة راجعة إليه.\nقال صاحب الكتاب:\nوقال أصحابنا: لا تجوز شهادة الوصي للميت، ولا لليتيم في شئ.\nواعتل في الكتاب [فقال]:\nلأنه خصم في ذلك.\n\n[١٤٧٩] قال:","vol":"4","page":436},{"text":"والوصي إذا عزل، فشهد للميت أو لليتيم. لا تقبل [شهادته].\nلأنه كان خصمًا فيه.\nوإن لم يخاصم فكذلك.\nفرق بين هذا وبين الوكيل بالخصومة إذا غزل قبل أن يخاصم تجوز شهادته عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.\nوموضع الفرق كتاب [الدعوى و] الوكالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-574>[شهادة العبد]</span>\n[١٤٨٠] وذكر في الباب الرابع قال:\nلا تجوز شهادة العبد.\nوبه نقول؛ لقوله تعالى:\n﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾\nفالله تعالى جعل وصف الشاهد أن يجيب إذا دعي، والعبد لا يمكنه الإجابة إذا دعي؛ لأنه مشغول بخدمة مولاه.\n\n[١٤٨١] وذكر صاحب الكتاب آثارًا كبيرة في هذا الباب قال:","vol":"4","page":437},{"text":"ولو شهد العبد في حادثة، فرد القاضي شهادته بعلة الرق، ثم اعتق، فشهد بتلك بعد العتق، فالقاضي يقبل ويمضيها.\nفرق بين هذا وبين الفاسق إذا شهد، فرد القاضي شهادته بعلة الفسق، ثم تاب، وأعاد تلك الشهادة حيث لا تقبل.\nوالفرق: ما أشار إليه صاحب الكتاب فقال:\nلأن القاضي لم يرد شهادة العبد للتهمة.\nوتمام هذا الفرق في كتاب الشهادات.\nوالله تعالى اعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-575>الباب الحادي عشر والمائة في شهادة الأعمى</span>\nوذكر بعده\nباب شهادة المقطوع في السرقة\nوذكر بعده\nباب شهادة المحدود في القذف\n\n<span data-type='title' id=toc-576>[شهادة الأعمى]</span>\n[١٤٨٢] ذكر في الباب الأول عن الأسود بن قيس، أن أبا نصير شهد عند علي ﵁ وكان أعمى فرد شهادته.\n\n[١٤٨٣] وذكر صاحب [الكتاب] آثارًا كثيرة في هذا الباب.\nوالجملة في هذا أن نقول:","vol":"4","page":439},{"text":"للشهادة ثلاثة أحوال:\nحال التحمل.\nوحال الأداء.\nوحال القضاء.\nفإذا وجد العمى في أحد هذه الأحوال الثلاثة منع صحة القضاء عند أبي حنيفة ومحمد.\nوعند أبي يوسف: أن وجد في حالة التحمل منع، وإن وجد في حالة الأداء أو في حالة القضاء لا يمنع.\nوأجمعوا أن الموت إذا وجد بعد الأداء قبل القضاء لا يمنع القضاء.\nوأجمعوا أن الخرس والفسق والجنون وغير ذلك من أسباب الجرح تمنع القضاء.\nوروى عن أبي حنيفة في هذا الباب روايتان غير ظاهر الرواية ذكرهما شمس الأئمة الحلواني:\nأحداهما: أن شهادة الأعمى تقبل في ما يصح تحمل الشهادة بالشهرة والتسامح، كالنكاح والموت والنسب.","vol":"4","page":440},{"text":"والثانية: أن شهادة الأعمى تقبل إذا كان المشهود له والمشهود عليه معروفين، مشهورين، ليس على اسمهما ونسبهما غيرهما، فشهد لأحدهما على الآخر، وبين لمن شهد وعلى من شهد.\nوموضع معرفة هذه الجملة كتاب الشهادات.\n\n[١٤٨٤] ثم قال صاحب الكتاب في شهادة الأعمى أشياء، وميز بين ما يحتاج فيه إلى الإشارة وبين ما لا يحتاج.\nوهذا كله قوله.\nإنما المذهب عندنا ما ذكرناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-577>[شهادة المجنون]</span>\n[١٤٨٥] قال:\nولو أن رجلًا يجن ساعة ويفيق ساعة، فشهد في حال صحته، تقبل شهادته.\nلأن ذلك بمنزلة الإغماء، لأنه لا تثبت للغير عليه ولاية، والإغماء لا يمنع.\nثم يقدر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب [ذلك] بيوم، أو يومين، فقال:\nإذا كان جنونه يومًا، أو يومين، أو أقل من ذلك، ثم يفيق هكذا، فشهادته جائزة في حالة الصحة.","vol":"4","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-578>[شهادة المقطوع في السرقة]</span>\n[١٤٨٦] وذكر في الباب الثاني عن الحسن أن رجلًا سرق بعيرًا على عهد رسول الله ﷺ، فقطع رسول الله ﷺ يده [ثم كان يشهد] بعد ذلك فيقبل شهادته.\nوبه نقول: أن شهادة المحدود في السرقة وغيرها من الجنايات إذا تاب تقبل.\nفرق بين هذا وبين شهادة المحدود في القذف إذا تاب حيث لا تقبل.\nوالفرق: أن رد شهادة هؤلاء كان لأجل الفسق، وبالتوبة يرتفع الفسق، ورد شهادة المحدود في القذف إنما كان لأنه من تمام الحد، وأصل الحد لا يرتفع بالتوبة، فكذلك ما هو من تمامه.\n\n[١٤٨٧] ذكر عن عمرو بن ثابت قال:\nرأيت أبا حيوة مقطوع اليد من المفصل، فشهد عند المغيرة بن عبد الله، فقال له من قطعك؟ قال: علي بن أبي طالب","vol":"4","page":442},{"text":"﵁، ما أراه إلا قد ظلمك. قال: لا والله ما ظلمني، فأجاز شهادته.\nإنما قال له ما أراه إلا قد ظلمك امتحانًا، واختبارًا له، أنه هل صحت توبته أم لا.\nلأنه لو أقر أنه ظلمه علي ﵁ لا تكون توبته صحيحة عنده؛ لأنه يكون ذلك تفسيقًا لعلي ﵁ إذ نسبه إلى الظلم، فيصير هو فاسقًا في نفسه، فلا تقبل شهادته، فلما قال: والله ما ظلمني فقد أقر أنه صحت توبته عنده فلم يصر فاسقًا.\n\n[١٤٨٨] ثم ذكر صاحب الكتاب آثارًا على قبول شهادة السارق بعد القطع.\n\n<span data-type='title' id=toc-579>[شهادة المحدود في القذف]</span>\n[١٤٨٩] وذكر في الباب الثالث أثارًا تدل على أن شهادة المحدود في القذف لا تقل.\nوبه نقول.\nفرق بينه وبين المحدود في الزني وفي سائر الكبائر إذا تاب حيث تقبل شهادته.\nوالفرق ما ذكرنا من قبل.\nوالله تعالى اعلم بالصواب","vol":"4","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-580>الباب الثاني عشر والمائة ﴿[في شهادة] النصراني والعبد إذا حدا ثم اسلم النصراني واعتق العبد﴾</span>\n[١٤٩٠] ذكر عن الحسن قال:\nإذا أقيم الحد علي نصراني، أو على عبد، فأعتق العبد، واسلم النصراني، أنه كان يرى شهادتهما جائزة، ويراهما بمنزلة المسلم المحدود في القذف.\nوهكذا ذكر عن إبراهيم.\nوهو مذهبهما.\nوما عندنا النصراني إذا حد حد القذف، ثم أسلم، فإن شهادته جائزة، والعبد إذا حد حد القذف، ثم أعتق، فإن شهادته غير جائزة.\nوالفرق أن رد الشهادة موجب القذف، وأنه من تمام الحد، والنصراني حال ما قذف كان له شهادة فردت تتميمًا للحد،","vol":"4","page":444},{"text":"وبالإسلام حدثت له شهادة أخرى، لم تكن، فأما العبد فحال ما قذف لم تكن له شهادة فتوقف القذف موجبًا رد الشهادة على حدوث الشهادة.\nوأشار صاحب الكتاب إلى فرق آخر.\nوالفرق الصحيح ما ذكرنا.\n\n[١٤٩١] قال:\nوإن قذف النصراني، فضرب الحد، ثم اسلم، فضرب تمام الحد، فأنه تقبل شهادته.\nوكذا لو ضرب سوطًا واحدًا وهو كافر، ثم اسلم، ثم ضرب الباقي، فإن شهادته تقبل.\nلأن رد الشهادة من تمام الحد، فتكون صفة الحد، والمقام بعد الإسلام ليس بحد؛ لأنه بعض الحد ورد الشهادة لا يصلح تتمة له.\nوالله تعالى أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-581>الباب الثالث عشر والمائة ﴿في شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض﴾</span>\nوذكر بعده\n﴿باب العبد والذمي تكون عندهما الشهادة﴾\n﴿فيعتق العبد ويسلم الذمي ثم يشهدان﴾\nوذكر بعده\n﴿باب شهادة أهل الكتاب على وصية المسلم﴾\nوذكر بعده\n﴿[باب] ما جاء في شاهد ويمين﴾\nوذكر بعده\n﴿باب شهادة الشاهد على شهادة الشاهد﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-582>[١ - شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض]</span>\n[١٤٩٢] ذكر في الباب الأول آثارًا لبيان أن شهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة. وقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال:","vol":"4","page":446},{"text":"قال بعضهم: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة سواء اتفقت مللهم كاليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، والمجوسي مع المجوسي، أو اختلفت، إلا أن يكونا من دارين مختلفين، بأن شهد رومي على هندي، أو هندي على رومي.\nوبه أخذ علماؤنا.\nوقال بعضهم غير مقبولة سواء اتفقت مللهم أو اختلفت.\nوبه أخذ الشافعي.\nوقال بعضهم: [هي] مقبولة إذا اتفقت مللهم، وأن اختلفت لا [تقبل].\nوقال بعضهم: شهادة أهل الكتاب كالنصراني واليهودي مقبولة على غيرهم من المجوس وأهل الوثن، وشهادة المجوسي والوثني على أهل الكتاب غير مقبولة.\nوالحجج تعرف في الشهادات من المبسوط.","vol":"4","page":447},{"text":"[١٤٩٣] قال:\nوكل شهادة شهد بها ذمي، فلم ينفذ الحاكم الشهادة، ولم يحكم، حتى اسلم المشهود عليه، فإن الشهادة تبطل.\nلأن الشهادة إنما تصير حجة عند اتصال القضاء عليها، وعند اتصال القضاء بها الشاهد كافر، والمشهود عليه مسلم، فلا تصير حجة.\nوأن اسلم المشهود عليه بعد الحكم، فالحكم ماض عليه، ويؤخذ بالحقوق كلها إلا في أشياء بعضها متفق [عليه] وبعضها مختلف [فيه]:\nأما المتفق [عليه] فالحدود لأن الإمضاء في باب الحدود من القضاء، فصار الإسلام قبل الإمضاء كالإسلام قبل القضاء.\nوأما المختلف [فيه] فالقصاص في النفس، وفي ما دون النفس:\nفالقياس أن ينفذه القاضي.","vol":"4","page":448},{"text":"وفي الاستحسان لا ينفذه.\nوذكر صاحب الكتاب بعد هذا:\nوكان الذي يجب عليه عندي أن أمضيه عليه، وهذا قياس.\nأما في الاستحسان فلا ينفذ.\nومتى لم ينفذ استحسانًا، فهل تجب عليه الدية؟\nذكر صاحب الكتاب أن عند أبي يوسف تجب.\nواختلف المتأخرون في شروحهم في هذه المسألة:\nقال شمس الأئمة الحلواني: هذا قول أبي يوسف خاصة، كما ذكر صاحب الكتاب؛ فأن القياس أن لا يجب عند الكل، وإنما استفدنا خلاف أبي يوسف من صاحب الكتاب.\nوقال القاضي الإمام أبو الحسن علي السعدي ﵀: هذا قول الكل، وأن خص صاحب الكتاب قول أبي يوسف.\nوقال شمس الأئمة السرخسي: يجب أن يكون هذا الاختلاف كالاختلاف في القضاء بالنكول: عند أبي حنيفة ﵀ ينفذ القاضي القضاء بالنكول في القصاص في ما دون النفس، ولا يقضي بشئ في النفس.","vol":"4","page":449},{"text":"وعندهما: يقضي بالدية فيهما.\nووجه الإلحاق: أن تعذر استيفاء القصاص ههنا إنما جاء لمعنى في المدعي عليه، فصار نظير النكول. إلا أن صاحب الكتاب نص على أنه لا ينفذ القاضي القضاء في النفس وفي ما دون النفس مطلقًا.\nفالظاهر أن المسألة في النفس وفي ما دون النفس على القياس والاستحسان، كما ذكرنا في الدية:\nعندهما: يقضي بالدية في النفس وفي ما دون النفس.\nوعند أبي حنيفة ﵀: لا.\nولا يرجع المشهود عليه في هذا الباب على الشاهدين؛ لأن القصاص لم يسقط بفعل الشاهدين، وإنما سقط بإسلام المشهود عليه.\nوأما في السرقة فإذا أسلم السارق بعد القضاء قبل القطع فالقاضي يضمنه المال، ويدرأ عنه القطع؛ لأن السرقة اشتملت على حكمين [مختلفين]، فيعمل بإسلامه في حق كل","vol":"4","page":450},{"text":"واحد من الحكمين، كما لو انفرد ذلك الحكم.\n\n[١٤٩٤] قال:\nوأن اسلم المشهود عليه، ثم اسلم الشاهدان، أو اسلم الشاهدان، ثم اسلم المشهود عليه، إن لم يجدد الشهادة لم يقض بها في جميع الحقوق.\nلأن تلك الشهادة المؤداة بطلت بإسلام المشهود عليه، قبل أن تصير حجة؛ لأنها شهادة الكافر، فصار وجودها وعدمها سواء.\nوإن جددا في الوجه الأول بعد إسلامهما، وفي الوجه الثاني بعد إسلام المشهود عليه، قضى بها في الأموال والقصاص وحد القذف، وهو المراد من الحد الذي ذكره صاحب الكتاب ولم يقض بها في الحدود الخالصة لله تعالى.\nوالفرق: أن هذه الشهادة غير مردودة حقيقة بإسلام المشهود عليه، لكن القاضي لما لم ينفذها، عليه بعد إسلامه تصورت بصورة المردود، فأورثت شبهة، والشبهة وإن","vol":"4","page":451},{"text":"قلت كفت لدرء الحدود الخالصة لله تعالى.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:\nوهذه المسألة لا توجد في المبسوط، إنما استفدناها من صاحب الكتاب.\n\n[١٤٩٥] قال:\nولو أن قومًا من أهل الكفر شهدوا على ذمي شهادة، فرد القاضي شهادتهم لعلة التهمة، ثم اسلموا بعد ذلك فجددوا الشهادة عليه بعد ما أسلموا، فإن شهادتهم لا تقبل.\nعلل في الكتاب [وقال]:\nلأن القاضي إنما ردها للتهمة.\nأراد به تهمة الفسق، والقاضي متى رد الشهادة بتهمة الفسق لا تقبل بعد ذلك أبدًا؛ لاحتمال بقاء الفسق.\n\n<span data-type='title' id=toc-583>[٢ - العبد والذمي تكون عندهما الشهادة فيعتق العبد ويسلم الذمي ثم يشهدان]</span>\n[١٤٩٦] قال:\nولو كانت عند الذمي شهادة على مسلم، فأسلم الذمي، وشهد على المسلم، فشهادته جائزة.","vol":"4","page":452},{"text":"لأن الإسلام شرط لأهلية الأداء، فيراعى وقت الأداء، وقد وجد.\n\n[١٤٩٧] وذكر في الباب الثاني أن الذمي إذا شهد أو العبد، أو الصبي، فرج القاضي شهادتهم بسبب الكفر والرق والصبا، ثم زالت هذه الأسباب، فأعادوا تلك الشهادة، فالقاضي يقبل شهادتهم.\n[لأن القاضي لم يرد شهادتهم] لتهمة الفسق، وإنما رد لعله الكفر والرق والصبا، وقد زالت هذه العلة بيقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-584>[٣ - شهادة أهل الكتاب على وصية المسلم]</span>\n[١٤٩٨] وذكر في الباب الثالث عن الحسن في قوله تعالى:\n﴿وآخران من غيركم﴾.","vol":"4","page":453},{"text":"قال: من غير العشيرة.\nوقال مجاهد، وقتادة، وابن عباس ﵃: من غير المؤمنين.\nوهو الأظهر، وبه نأخذ.\nفظاهر الآية يقتضي جواز شهادة الكفار على وصايا المسلمين.\nو[في] جواز شهادة الكفار على وصايا المسلمين دليل على جواز شهادة الكفار على وصايا الكفار إلا أن جواز شهادة الكفار على وصايا المسلمين قد انتسخ، فبقي جواز شهادة الكفار على وصايا الكفار.\nفصارت الآية حجة لنا على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض على من يخالفنا.","vol":"4","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-585>[٤ - القضاء بالشاهد واليمين]</span>\n[١٤٩٩] وذكر في الباب الرابع آثارا تدل على جواز القضاء بشاهد ويمين.\nوالآثار مطعونة.\nوبين صاحب الكتاب وجه الطعن في ذلك.\nولو قضي القاضي بشاهد ويمين لا ينفذ قضاؤه.\nوقد مر هذا في الأبواب المتقدمة في أول الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-586>[٥ - الشهادة على الشهادة]</span>\n[١٥٠٠] وذكر في الباب الخامس عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال:\nلا تقبل على شهادة الميت دون رجلين.\nوبه أخذ علماؤنا.\nوقال مالك: تقبل على شهادة كل واحد من الأصلين شهادة واحد من الفرعين.","vol":"4","page":455},{"text":"وحق المسألة كتاب الشهادات.\n\n[١٥٠١] قال:\nولو أن عشرة شهدوا على شهادة واحد تقبل، لكن لا يقضي حتى يشهد شاهد آخر.\nلأن الثابت بشهادتهم شهادة شاهد واحد.\nوكذا لو شهدوا على شهادة نسوة [فأنها] تقبل، لكن لا يقضي حتى يشهد رجل آخر.\nلأن الثابت بشهادتهم [شهادة] شاهد واحد.\nلأن النسوة وأن كثرن يقمن مقام شاهد واحد.\nوإذا شهدوا على شهادة امرأة واحدة تقبل، لكن لا يقضي حتى تشهد امرأًة ورجل آخر.\n\n[١٥٠٢] قال:\nولو أن رجلين شهدا على شهادة عشرة رجال جاز ذلك، وحكم به الحاكم.\nوهذا مذهبنا.\nوقال الشافعي [﵀]: شهادة كل واحد من الشاهدين الأصليين إنما تثبت بشهادة شاهدين من الفروع.","vol":"4","page":456},{"text":"وحق المسألة كتاب الشهادات.\n\n[١٥٠٣] قال:\nولو أن عشر نسوة شهدن على شهادة رجل، أو على شهادة امرأتين، أو على شهادة امرأة، لم يقبل الحاكم ذلك حتى يشهد معهن رجل.\nلأن هذا شطر الشهادة، فلا يثبت به شئ من الشهود به، وهو شهادة الأصول.\n\n[١٥٠٤] قال:\nولو أن رجلًا أشهد رجلًا على شهادته، ورجل آخر يسمع ذلك، ولم يشهده، ولم يقل له أشهد على شهادتي، لم يسع لهذا الرجل أن يشهد على شهادته، فإن شهد، وفسر ذلك للقاضي لم تجز شهادته.\nفرق بين هذا، وبين الإقرار والقضاء والتزويج.\nوالفرق قد مر في باب شهادة السمع.\n\n[١٥٠٥] قال:\nوإذا شهد الرجلان على شهادة رجل عند الحاكم، فينبغي أن يسألهما: كيف يشهدان.\nفهذا كيفية أداء الشهادة على الشهادة.","vol":"4","page":457},{"text":"وصاحب الكتاب طول. وما ذكر هو أبلغ [ما] في الباب.\nوحق المسألة كتاب الشهادات.\n\n[١٥٠٦] قال:\nوإن قال الأصل: أشهد أني أشهد على إقرار فلان لفلان بكذا وكذا درهمًا، فأن أبا حنيفة ﵀ قال: لا يقبل ذلك. وهذا جواب ظاهر الرواية.\nوقال أبو يوسف في الإملاء: يقبل.\nوجه ظاهر الرواية أنه وعد أن يشهد، وأمرهما أن يشهدا أنه وعد أن يشهد، فلا يكون هذا أشهادا على شهادته.\nوجه قول أبي يوسف: أن المقصود من هذا الشهادة على الشهادة، فلو اعتبرنا المقصود لصح تصرفهما، ولو اعتبرنا الحقيقة لبطل تصرفهما، وتصرف العاقل محمول على الصحة ما أمكن.\n\n[١٥٠٧] قال:\nوإذا شهد رجلان عند القاضي على شهادة رجل، وصححا","vol":"4","page":458},{"text":"الشهادة، فينبغي للقاضي أن يسألهما عن عدالة الذي شهدا على شهادته.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب.\nولم يشترط محمد في المبسوط هذا، وهو أن يسألهما القاضي عن عدالة الأصول، وإنما عرف هذا من صاحب الكتاب.\nفإن قالا: هو عدل أثبت ذلك في موضع شهادتهما في المحضر.\nفإن كان القاضي يعرفهما بالعدالة تثبت عدالة الأصل.\nوإن لم يعرفهما بالعدالة سأل عنهما:\nفإن عدلا ثبتت عدالة الأصل.\nهكذا ذكر في ظاهر الرواية.\nوروى عن محمد أن تعديلهما للأصل لا يكون صحيحًا.\nوالصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية.\nلأن الفرع نائب عن الأصل في نقل عبارته إلى مجلس القاضي.\nفإذا نقل انتهى حكم النيابة، فصار هذا بمنزلة الأجانب، فصح التعديل.","vol":"4","page":459},{"text":"[١٥٠٨] قال:\nفإن قولا: لا نخبرك، فالقاضي لم يقبل شهادتهما على شهادته.\nوإن قال المدعي للقاضي: سل عن الأصل فإنه عدل، أو قال أتيك بمن يعدله، فالقاضي لم يقبل ذلك. وهو قول محمد.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب.\nوهو جواب ظاهر الرواية.\nوروي عن أبي يوسف أنهما إذا قالا: لا نخبرك، فالقاضي يقبل، ويسأل عن الأصل، ولو قالا: لا نعرفه أعدل [هو] أم لا مكان قولهما لا نخبرك، فكذا الجواب.\nكذا ذكر القاضي الأمام أبو الحسن علي بن الحسين السغدي في شرح هذا الكتاب.\nوذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب: أن القاضي يقبل شهادتهما، ويسأل عن الأصل.\nوهو الصحيح.\nلأن الأصل بقى مستورًا.","vol":"4","page":460},{"text":"وجه ظاهر الرواية: أن هذا جرح في شهادة الأصول، فصار كما لو حضر الأصول، وشهادتهم مجروحة.\nثم استشهد في الكتاب وقال:\nألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي على شهادة رجل وقالا: أنا نتهمه في الشهادة لم يقبل القاضي شهادتهما، فكذا إذا قالا: لا نخبرك بشئ، أو قالا: لا نعرفه.\nوجه رواية أبي يوسف: أن هذا ليس بجرح في شهادة الأصول؛ لأن ها أمر محتمل [يحتمل] أنه جرح في شهادة الأصول، ويحتمل أنه توقف في حالهم، فلا يثبت الجرح بالشك [والاحتمال].\n\n[١٥٠٩] قال:\nوإن شهد رجلان على شهادة رجل مريض في المصر لا يقدر أنه يحضر القاضي، فالشهادة جائزة.\nلأنه عجز عن الحضور بنفسه لأداء الشهادة فيلزمه الحضور بنائبه.","vol":"4","page":461},{"text":"[١٥١٠] قال:\nفإن شهد على شهادة رجل غائب عن المصر [فقد] ذكر في المبسوط، وشرط أن يكون بين الأصل وبين المصر مسيرة السفر، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إذا كان بحال لو غدا [إلى] المصر، فشهد وراح إلى منزله، لا يجوز أن يشهد على شهادته، وإن كان بحال لا يروح إلى منزله يجوز أن يشهد على شهادته.\nوقد ذكرنا المسألة في شرح الجامع الصغير. وتمامها يأتي في كتاب الشهادات.\n\n[١٥١١] قال:\nوإذا شهد رجلان عند القاضي على شهادة رجل لرجل [على رجل] فإن كان الشاهد الذي أشهدهما على شهادته أوقفهما على الطالب والمطلوب [فقال]: أشهد أن فلان بن فلان هذا أقر عندي أن لفلان","vol":"4","page":462},{"text":"هذا عليه كذا وكذا، وعرفهما إياهما، وكان أشهاده إياهما بحضرتهما، فالشهادة جائزة.\nوإن لم يكونا حاضرين، أو كان أحدهما حاضرًا والآخر غائبًا أو ميتًا، فينبغي أن ينسب الغائب أو الميت منهما إلى أبيه وجده وقبيلته وإلى من يعرف به.\nلأن هذا أداء الشهادة عند الشاهد؛ ليحتمل الشاهد، فكان بمنزلة أداء الشهادة عند القاضي فيقضي بها، فكما يشترط في الشهادة عند القاضي الإعلام بأقصى ما يمكن، فكذا يشترط في الشهادة عند الشاهد بأقصى ما يمكن، إلا أن المشهود عليه إذا كان غائبًا يكتفي بذكر الاسم والنسب للإشهاد، ولا يكتفي للقضاء.\nلأن القضاء إلزام، وإلزام الغائب لا يتحقق، والإشهاد ليس بالإلزام، فيتحقق في حق الغائب.\n\n[١٥١٢] قال:","vol":"4","page":463},{"text":"ولو أن رجلين شهدا على شهادة أبيهما بحق لرجل على رجل، جاز ذلك.\nوإن شهدا على قضية أبيهما، أنه قضى لرجل على رجل [بحق من الحقوق، وكان أبوهما قاضيًا] لم يجز ذلك.\nوالفرق ما أشار إليه صاحب الكتاب رحمه الله تعالى:\nلأن القضية فعل أبيهما، فلا يجوز.\nبيان هذا: أن الابن قائم مقام الأب في الشهادة، والأب لو شهد على الحق تقبل [شهادته]، فكذا إذا قام الابن مقامه في الشهادة، فأما الأب إذا شهد على فعلى نفسه فلا تقبل، فكذا إذا قام الابن مقامة في الشهادة لا تقبل أيضًا.\nقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي:\nالمذكور في الكتاب قول أبي يوسف ﵀. فأما قول محمد ﵀: فتقبل هذه الشهادة في الوجهين؛ لأنه لا منفعة للأب في هذه الشهادة.\n\n[١٥١٣] قال:\nولو أن رجلين شهدا عند قاض على شهادة رجلين، فقالا للقاضي: نشهد أن رجلين نعرفهما، أشهد أنا على شهادتهما، أنهما","vol":"4","page":464},{"text":"يشهدان بكذا وكذا، وقالا للقاضي لا نسميهما لك، أو قالا لا نعرف أسميهما، لم يقبل القاضي شهادتهما حتى يسميا من يشهدان على شهادتهما.\nلأنه تبين أنهما تحملا الشهادة عن مجازفة، لا عن معرفة فلا يكون صحيحا.\nوالله أعلم بالصواب\n* * *","vol":"4","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-587>الباب الرابع عشر والمائة ﴿في الشهادة على الحدود وما على الحاكم أن يعمل به في ذلك﴾</span>\n<span data-type='title' id=toc-588>[حد الزنى وحكمة مشروعيته]</span>\n[١٥١٤] ذكر عن عطاء أنه سئل عن قوله تعالى:\n﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة …﴾\nالآية قال:\nذلك أن لا يضيعوا حدود الله، ويقيموها.\nواختلفوا في تأويل هذه الآية:","vol":"4","page":466},{"text":"قال بعضهم هذا.\nوقال بعضهم: أي لا تنقصوا عن الحد المقدر.\nوقال بعضهم: أي لا تخففوا الضرب.\nوبه نقول: أنه لا يمتنع من الإقامة ومن التكميل عددًا ووصفًا شفقة عليه.\nلأنه لا يخلو:\nأما أن يكون تائبًا، أو مصرا:\nفإن كان تائبًا كان إقامة الحد المقدر تطهيرًا له، فلا يمنع من التطهير بسبب شفقته.\nوإن كان مصرًا كان إقامة الحد المقدر تنكيلًا له. فلا يمنع من الإقامة بسبب شفقته عليه.","vol":"4","page":467},{"text":"<span data-type='title' id=toc-589>[إقامة الحد على ملأ من الناس]</span>\n[١٥١٥] ذكر عن مجاهد في قوله تعالى:\n﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾\nقال: الطائفة الواحد [إلى الألف].\nإلا أن السنة في إقامة حد الزنى أن يقام بملأ من الناس.\nلأن النص به نطق.\nثم اختلفوا في قوله ﷿:\n﴿طائفة من المؤمنين﴾\nقال مجاهد وقتادة الواحد فصاعدا، حتى إذا أقام الحد بمحضر من الواحد يكفي.","vol":"4","page":468},{"text":"وقال بعضهم الثلاثة فصاعدا.\nوقال بعضهم: هي الجماعة الكثير ة.\nواختلفوا على هذه الأقوال الثلاثة.\nوكذا [على] هذا الاختلاف في قوله تعالى:\n﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-590>[التقادم في الحدود]</span>\n[١٥١٦] ذكر عن عمر [بن الخطاب] ﵁ [أنه] قال:\nأيما قوم شهدوا على رجل بحد لم يشهدوا به حين يصيبه، فإنما شهدوا على ضغن.","vol":"4","page":469},{"text":"أورد محمد ﵀ هذا الحديث في كتاب الحدود.\nوقد بينا الكلام فيه ثمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-591>[الرجم والمبالغة في التثبيت فيه]</span>\n[١٥١٧] قال:\nولو أن أربعة شهدوا على رجل بالزنى، فشهدوا عند الحاكم أنه رأوه زنى بامرأة رأوها، وقالوا: رأينا ذكره في فرجها قد غاب كما يغيب الميل في المكحلة، وسألهم الحاكم عن الموضع الذي زنى فيه، فإذا وصفوا يقيم عليه الحد: إن كان محصنًا رجمه، وإن لم يكن محصنًا جلده مائة جلده.\nلأن المبالغة في هذا الباب شرط، والمبالغة إنما تكون على هذا الوجه، فإذا بالغوا، أقام عليه الحد إذا شهدوا قبل أن يتقادم العهد والأمر.\nفأما إذا تقادم الأمر [والعهد] لا يقيم.","vol":"4","page":470},{"text":"وهذا إذا كان التقادم بغير غدر.\nأما إذا كان بغدر: بأن لم يكن في البلدة قاص: أو جاء الشهود من مصر أخر لا يمتنع القبول؛ لمكان التقادم؛ الحديث المغيرة، كما ذكر صاحب الكتاب.","vol":"4","page":471},{"text":"وتكلموا في حد التقادم.\nوقدره صاحب الكتاب بالشهر فما فوقه.\nوقد استقصينا الكلام فيه في كتاب الحدود.\n\n<span data-type='title' id=toc-592>[تعمد النظر لإقامة شهادة الحمية لا يسقط العدالة]</span>\n[١٥١٨] قال:\nوإن شهدوا عند القاضي: أنهم تعمدوا النظر إليه، وهو يجامعها، ليشهدوا عليه بالزنى، فشهادتهم عليه جائزة، لأن هذا النظر لإقامة الحسبة، فلا يصيرون به فسقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-593>[اجتماع الشهود في حد الزنى]</span>\n[١٥١٩] قال:\nفإن حضر الشهود مجلس القاضي مجلسًا واحدًا وشهدوا جملة تمت الشهادة.\nلأنهم شهود.\nوإن جاءوا متفرقين- يريد به في مجالس متفرقة- وشهد كل واحد في مجلس، لم تتم الشهادة.","vol":"4","page":472},{"text":"لأنهم قذفه. فيحدون حد القذف، ولا يجب الحد على المشهود عليه بشهادتهم.\n\n[١٥٢٠] قال:\nفإن كان القاضي يدعو بهم واحدًا واحدًا. حتى توافى الأربعة، فشهدوا جميعًا تمت الشهادة.\nيريد به إذا كان يدعو بهم واحدًا واحدًا ويشهد كل واحد قبل مجئ الآخر.\nلأن الاجتماع في المجلس الواحد شرط؛ لأن المجلس الواحد جامع، وقد وجد.\n\n[١٥٢١] قال:\nوإذا حضر الثلاثة، وشهد كل واحد منهم، وتخلف واحد من الأربعة، فإن دعي ثلاث مرات، فلم يجب ضرب الثلاثة الحد.\nلأن الامتناع من الرابع قد تحقق، فصار الثلاثة قذفه.\nثم شرط أن يدعوه القاضي ثلاث مرات، لأن الامتناع من الرابع لا يتحقق ما لم يدع به القاضي ثلاث مرات؛ كالامتناع عن اليمين، لا يتحقق إلا بعرض اليمين عليه ثلاث مرات.","vol":"4","page":473},{"text":"فإن قيل: هذا الدعاء ثلاث مرات احتيال لا يجاب الحد على المشهور عليه. والحدود يحتال في درئها لا لإيجابها.\nقيل له: لو لم يدع هذا الواحد لوجب حد القذف على هؤلاء الثلاثة، ولو دعي، وجب حد الزنى على هذا الواحد. وإنما يستحسن لدرء الحد إذا لم يكن في أحد الجانبين إيجاب، أما إذا كان فلا يستحسن.\n\n[١٥٢٢] قال:\nوإن كان القاضي لما دعا هذا الواحد فلم يجب حتى قضى على الثلاثة بالحد للمشهود عليه، ثم جاء بعد ذلك هذا الرابع وشهد، فإنه يقام الحد عليه أيضًا معهم.\nلأن القاضي لما قضى بالحد عليهم انقلبت شهادتهم قذفًا، فبعد ذلك لا تعود شهادتهم بقول هذا الرابع، فصار هذا الرابع أيضًا قاذفًا.\n\n[١٥٢٣] قال:\nوكذلك إن كان القاضي قضى عليهم بالحد، وضرب بعضهم","vol":"4","page":474},{"text":"أو لم يضربهم حتى جاء هذا الرابع، وشهد، فإنهم يحدون جميعًا.\nلما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-594>[اختلاف الشهادات في الزنى ودرء الحد بالسببية]</span>\n[١٥٢٤] قال:\nوإن شهدوا عليه جميعًا بالزنى، فشهد اثنان: أنه زنى بالكوفة، وشهد آخران أنه زنى بالبصرة، درئ عنه وعنهم الحد.\nأما عنه، فلأنه لم يجتمع الأربعة على الزنى الواحد؛ لأن الزنى فعل، والفعل بالكوفة غير الفعل بالبصرة.\nوأما عنهم، فلأن الأربعة متفقون على أنه زان، فلم يبق محصنًا، وقذف غير المحصن لا يوجب الحد.\n\n[١٥٢٥] قال:\nوكذلك أن شهد اثنان: أنه زنى [بها] يوم الجمعة وشهد اثنان أنه زنى بها يوم السبت، درئ الحد عنه وعنهم.\nلما قلنا.","vol":"4","page":475},{"text":"وكذلك أن شهد شاهدان. أنه زنى في هذه الدار [وشهد آخران: أنه زنى في] الدار الأخرى، درئ الحد عنه وعنهم.\nوكذلك أن شهد اثنان: أنه زنى في هذه الدار في العلو، وشهد اثنان: أنه زنى بها في هذه الدار في السفل، درئ الحد عنه وعنهم.\nوكذلك أن شهد اثنان: أنه زنى بها [في هذا البيت] في هذه الدار، وشهد اثنان: أنه زنى بها في هذا البيت في هذه الدار، وهو بين آخر، درئ الحد عنه وعنهم.\nهذا مذهب علمائنا الثلاثة.\nوقال زفر ﵀: لا يدرأ الحد عنهم.\nوالمسألة بتمامها في كتاب الحدود.\n\n[١٥٢٦] [قال]:\nوإن اجتمعوا جميعًا على بيت واحد، فقال اثنان: عن يمين البيت، وقال الآخران: عن يسار البيت، فإنه يقام على الرجل الحد.","vol":"4","page":476},{"text":"وهو استحسان.\nوالقياس أن لا يقام الحد عليه، ويقام على الشهود.\nوحق المسألة كتاب الحدود.\n\n[١٥٢٧] قال:\nفإن شهد اثنان: أنه زنى بامرأة حبيشة، وشهد آخران: أنه زنى بامرأة خراسانية، أو قال اثنان: كوفية، وقال اثنان: بصرية، فهذا على وجهين.\nأما إن كانت المرأتين غائبتين، أو حاضرتين.\nففي الوجه الأول يدرأ الحد عن الشهود وعنه:\nأما عنه، فلأن الفعل مختلف، ولم يقم على كل فعل إلا شهادة شاهدين، والزنى لا يثبت بشهادة شاهدين.\nوأما عن الشهود، فلأنه لو وجب [الحد] على الشهود، فإنما يجب [عليهم] للرجل بدعواه، والشهود منفقون على أنه زان وأنه غير محصن.\nوأما في الوجه الثاني، [فإن] لكل واحدة منهما أن تقيم على الشاهدين اللذين شهدا عليها الحد.","vol":"4","page":477},{"text":"وكذلك في الوجه الأول إذا حضرتا.\nلأنه شهد بالزنى على كل واحد منهما اثنان، فكان قذفا.\n\n[١٥٢٨] قال:\nوكذلك أن شهد اثنان: أنه زنى بحرة، وشهد آخران: أنه زنى بأمة.\nففي [الوجه] الأول درئ الحد عنهم وعنه.\nوفي الوجه الثاني والوجه الأول إذ حضرتا كان للحرة إن تحد اللذين شهدا عليها.\nلأنهما قذفا المحصنة.\nوليس للأمة ذلك.\nلأنها غير محصنة.\n\n[١٥٢٩] قال:\nوكذلك إن قال اثنان: أنه زنى بامرأة بالغة، وقال الآخران: أنه زنى بجارية لم تبلغ.\nففي الوجه الأول درئ الحد عنه وعنهم.\nوفي الوجه [الثاني والوجه] الأول [إذا حضرتا] كان للبالغة أن تحد اللذين شهدا عليها.\nلأنها محصنة.\nوليس للصغيرة ذلك.\nلأنها غير محصنة.","vol":"4","page":478},{"text":"[١٥٣٠] قال:\nوإن شهد اثنان: أنه زنى بامرأة سوداء، وشهد آخران: أنه زنى بامرأة بيضاء، ففي الوجه الأول يدرأ عنهم وعنه الحد.\nلأن اللونين لا يتشابهان، فصار كما لو شهد اثنان: أنه زنى بامرأة، وشهد آخران: أنه زنى بامرأة أخرى.\nوفي الوجه الثاني والوجه الأول إذا حضرتا كان لكل واحدة منهما أن تقيم الحد على اللذين شهدا عليها [بذلك].\n\n[١٥٣١] قال:\nوإن شهد اثنان: أنه زنى بامرأة بيضاء، وشهد اثنان: أنه زنى بامرأة سمراء، تقبل الشهادة ويجب الحد على المشهود عليه، إن كان محصنًا الرجم، وإن كان غير محصن الجلد.\nلأن اللونين يتشابهان، فلم يكن هذا اختلافًا في الشهادة فتقبل.\nوكذلك أن شهد اثنان: أنه زنى بها وعليها ثوب أحمر، وشهد اثنان: أنه زنى بها وعليها ثوب أصفر.\nوكذلك أن شهد اثنان: أنه زنى بها وعليها ثوب أحمر، وشهد اثنان: أنه زنها بها وعليها ثوب أسود.","vol":"4","page":479},{"text":"لأنه يحتمل أن يكون عليها ثوبان. أحدهما أحمر. والأخر أصفر، أو أسود فأحد الفريقين وقف على أحد الثوبين والفريق الثاني وقف على الثوب الآخر. فلم يكن هذا اختلافًا في الشهادة.\nوهذا قول علمائنا الثلاثة.\nوعلى قول زفر: هذا اختلاف في زوايا البيت.\nوالمسألة مرت.\n\n[١٥٣٢] قال:\nوكذا إذا اختلفوا في الطول والقصر، أو في السمن والهزال؛ بأن شهد اثنان: أنها كانت قصيرة، وشهد اثنان: أنها كانت طويلة، أو شهد اثنان: أنها كانت سمينة، وشهد اثنان أنها كانت مهزولة، فهذا ليس باختلاف، ويقام على الرجل الحد.\nلما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-595>[السؤال عن الإحصان قبل إقامة الحد]</span>\n[١٥٣٣] قال:","vol":"4","page":480},{"text":"وإذا ثبت الزنى عند الحاكم على رجل، فينبغي أن يسأل عن إحصانه.\nلأن رسول الله -ﷺ- فعل هكذا بماعز حين أقر بين يديه.\nولأن الحد يختلف في حق المحصن وغير المحصن، فلابد أن يسأل [عن ذلك].\nفإن ثبت إحصانه عند القاضي، وشرائطه معلومة في كتاب الحدود، قضى عليه بالرجم.\n\n<span data-type='title' id=toc-596>[كيفية الرجم]</span>\n[١٥٣٤] ثم كيفية الرجم ما وصف صاحب الكتاب في الكتاب فقال:\nيخرج إلى موضع كثير الحجارة، فيبدأ الشهود بالرجم، ثم الإمام ثم الناس.\n\n[١٥٣٥] قال:\nولا تحفر له حفرة إن كان رجلًا، وإن كانت امرأة، تحفر لها حفيرة.","vol":"4","page":481},{"text":"والفرق [١٣١٩] مذكور في كتاب الحدود.\n\n<span data-type='title' id=toc-597>[يبدأ الشهود بالرجم قبل أن يرجم الإمام والناس]</span>\n[١٥٣٣] قال:\nوإن أبى الشهود أن يرجموا، أو كانوا موتى، أو غيبًا، أو أبى ذلك بعضهم، لم يرجم الإمام في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.\nوقال أبو يوسف ﵀: يرجم الإمام.\nهكذا ذكر صاحب الكتاب.\nوذكر شمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي:\nالمحفوظ عن أبي يوسف والمشهور عنه أن في الموت والغيبة الإمام يرجمه، أما إذا كانوا حضورًا، فلا يرجمه الإمام.\nفعلى هذا هو فرق بين الموت والغيبة، وبين الامتناع.\nوالفرق لهم: أنهم إذا كانوا حضورًا فأبوا كان هذا رجوعًا منهم عن الشهادة. فأما إذا ماتوا أو غابوا فلا.","vol":"4","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-598>[يصنع بالمرجوم ما يصنع بالموت]</span>\n[١٥٣٣] قال:\nوإذا مات المرجوم غسل وكفن وحنط، وصلى عليه، ودفن، ويصنع به ما يصنع بالموتى.\nلما روي أن ماعزًا لما رجم جاء عمه إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: أن ماعزًا قتل كما يقتل الكلاب، فقال ﵊.\n\"لا تقل هذا، فلقد تاب توبة، لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم، اذهب، فغسله، وكفنه، وصل عليه، وادفنه\".\nهذا إذا ثبت الزنى على الرجل. وإن ثبت الزنى على","vol":"4","page":483},{"text":"المرأة وهي محصنة، حفر لها حفرة إلى موضع الثدي.\nوالكلام في كيفية الحفر للمرأة مر في كتاب الحدود.\n\n<span data-type='title' id=toc-599>[بم يصير المرء محصنا]</span>\n[١٥٣٤] ثم ذكر صاحب الكتاب بعد هذا أن المرء لا يصير محصنًا بالدخول بالأمة، والمدبرة، وأم الولد، والمكاتبة، والصبية، والذمية، سواء كان بالنكاح أو بغيره.\nوهذا يرجع إلى معرفة شرائط الإحصان.\nوموضع المعرفة كتاب الحدود.\n\n[١٥٣٥] قال:\nوإذا ثبت الزنى ولا يعلم القاضي أهو محصن أم لا [فإنه] لا يقيم عليه الحد حتى يتبين أمره لما قلنا.\nفإن أقر هو أنه محصن سأل عن إحصانه كيف هو؟","vol":"4","page":484},{"text":"لأن الإحصان مجمل، والمجمل يستفسر.\nفإذا فسره على الوجه الذي ذكرنا، فحينئذ يقضي عليه بالرجم.\nومن جملة شرائط الإحصان الدخول، والدخول كما يثبت بالإقرار، يثبت بولد تأتي به امرأته؛ لأنه شاهد على الدخول.\n\n<span data-type='title' id=toc-600>[الجلد لغير المحصن]</span>\n[١٥٣٦] قال:\nهذا إذا ثبت الرجم، فإن ثبت الجلد فالقاضي يقضي عليه بالجلد.\n\n<span data-type='title' id=toc-601>[كيفية الجلد]</span>\n[١٥٣٧] ثم كيفية الجلد ما ذكره صاحب الكتاب في الكتاب فقال:\nإذا قضى عليه بجلد مائة سوط يخرجه من المسجد فيجرده، ويفرق الضرب على أعضائه، إلا أعضاء مخصوصة.\nوالكلام [فيه] طويل.\nهذا في الرجل.","vol":"4","page":485},{"text":"فأما المرأة فتضرب في ثيابها وهي جالسة، ويفرق الضرب على أعضائها، إلا أعضاء مخصوصة.\nوالكلام [فيه] طويل أيضًا، وموضعه كتاب الحدود.\n\n<span data-type='title' id=toc-602>[الإقرار في الزنى هل يبطله التقادم؟]</span>\n[١٥٣٨] [قال]:\nوالإقرار لا يبطله تقادم العهد.\nفرق بين الإقرار وبين البينة.\nوالفرق: أنه تمكنت التهمة في البينة من حيث أن الضغينة حملتهم على أداء الشهادة ولم تتمكن هذه التهمة في الإقرار في مجلس واحد.\nفإن أقر عند القاضي أربع مرات، في أربعة [مواطن] قبل ذلك منه.\nوكذلك إن كان الإقرار في مجلس واحد، إلا أنه","vol":"4","page":486},{"text":"يطرده في كل مرة، حتى يتوارى عنه، ثم يجيء في ذلك المجلس، فيقر حتى تتم أربع مرات فإنه يقيم عليه [الحد].\nلإن الإقرار أربع مرات في أربعة مجالس شرط لظهور الزنى الموجب للحد عندنا. لكن الشرط اختلاف مجالس المقر لا مجالس القاضي.\nلأن رسول الله -ﷺ- قبل إقرار ما عز بالزنى وهو في مكانه، لكن إنما اختلفت مجالس ماعز قبل، كذا هنا.\nوإن أقر أربع مرات في أربعة مواطن بينهما شهر أو سنة أو أكثر من ذلك فإنه يؤخذ بذلك.\nلأنه لو لم يؤخذ فإنما لم يؤخذ لمكان التقادم، وقد بينا أن التقادم لا يمنع صحة الإقرار.","vol":"4","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-603>[زنى العبد والأمة والذمي]</span>\n[١٥٣٩] قال:\nوإن كانت الشهادة في الزنى على عبد أو أمة، أو ذمي، فلا رجم على واحد من هؤلاء.\nلأن هؤلاء غير محصنين، فلا يجب عليهم الرجم، لكن يجب عليهم الجلد، فبعد ذلك ينظر، إن كان رقيقًا يجلد خمسين جلدة، وإن كان حرًا ذميًا يجلد مائة جلدة.\nلأن الرق متصف للعقوبة.\nهذا حد الزنى.\nوكذا حد القذف على الحر المسلم أو الذمي ثمانون جلدة. وعلى العبد اربعون سوطًا؛ لأن الرق منصف.\n\n<span data-type='title' id=toc-604>[هل يجرد من ثبت عليه الحد من ملابسه لإقامة الحد؟]</span>\n[١٥٤٠] قال:\nويضربه في حد القذف على الحالة التي كان عليها حين قذف، إلا أن يكون عليه فرو، أو حشو، فينزع ذلك عنه.","vol":"4","page":488},{"text":"يريد به أنه لا يجرد في حد القذف.\nفرق بين حد القذف وبين حد الزنى وشرب الخمر والتعزيز فإنه يجرد.\nوموضع معرفة الفرق كتاب الحدود.\n\n<span data-type='title' id=toc-605>[نوع الضرب في حد القذف]</span>\n[١٥٤١] قال:\nويضربه ضربًا بين الضربين.\nيريد به في حد القذف لا يشدد، ولا يخفف، فيكون في ما بين ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-606>[لا تقام الحدود في المساجد]</span>\n[١٥٤٢] قال:\nولا يضرب في المسجد.\nولا تقام الحدود في المساجد لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n\"جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم\".","vol":"4","page":489},{"text":"ولأن ألم الضرب متى وصل إلى الحدود فربما ينفصل منه شيء، وقد نهينا عن تلويث المسجد.\nوإن كان القاضي في المسجد، وهو يضرب خارج المسجد، وفلا بأس به.\nلأن ماعزًا أقر بين بين يدي رسول الله -ﷺ-، ورسول الله -ﷺ- في المسجد، ثم أخرج عن المسجد وأقيم عليه الحد.","vol":"4","page":490},{"text":"<span data-type='title' id=toc-607>[هل يمد المضروب بين العقابين؟]</span>\n[١٥٤٣] [قال]:\nولا يمد، إلا أن يغلبهم، ولا يلبث المضرب فيمد.\nوتكلموا في قوله: ولا يمد.\nمنهم من قال: أراد به: لا يمد السوط، يعني كما وقع السوط على العضو يرفع ولا يمد.\nومنهم من قال: لا يمد بين العقابين، ألا ترى أنه قال في الكتاب: إلا أن يغلبهم، يدفع السوط عن نفسه هربًا فلا يلبث للضرب، فحينئذ يمد بين العقابين.\n\n<span data-type='title' id=toc-608>[أشد الضرب في الحدود]</span>\n[١٥٤٤] قال:\nوأشد الضرب [ضرب] التعزير، ثم حد الزنى، ثم","vol":"4","page":491},{"text":"حد الشرب، ثم حد القذف.\nوالكلام في معرفة هذه المراتب موضعه كتاب الحدود.\n\n<span data-type='title' id=toc-609>[حد المريض]</span>\n[١٥٤٥] قال:\nوإن كان الذي يقام عليه الحد مريضًا، فهذا على وجهين:\nفإن كان الحد مما يأتي على نفسه؛ مثل الرجم في الزنى، والقتل في الردة، يقيمه الإمام، ولا ينتظر برءه.\nلأن الخوف من المرض لصيانة النفس عن الإتلاف، والمستحق هنا الإتلاف.\nوإن كان مما لا يأتي على نفسه: كالضرب، لا يقيم الإمام عليه، وينتظر برءه، صيانة للنفس عن الإتلاف.\nونظير هذا زمان الحر، وزمان البرد، فإن الحد إذا كان قتلًا لا يصير عذرًا، وإن كان قطعًا يصير عذرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-610>[التقادم في حد القذف]</span>\n[١٥٤٦] قال:\nوحد القذف أن تقادم أو لم يتقادم فهو سواء، وصاحبه مأخوذ به إن كان بإقرار أو ببينة، فرق بين حد القذف وبين حد","vol":"4","page":492},{"text":"الزنى وحد السرقة وحد شرب الخمر إذا ثبت بالبينة، فإن التقادم يمنع.\nوموضع الفرق كتاب الحدود.\nوحد التقادم في سائر الحدود سوى حد الخمر مقدر بالزمان بالإجماع، وإن كان في تقدير الزمان كلام.\nوفي حد الخمر اختلفوا:\nقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: يقدر بانقطاع الرائحة.\nوقال محمد ﵀: مقدر بالزمان، كسائر الحدود.\nثم في سائر الحدود سوى حد القذف فرق بين البيئة وبين الإقرار، فإن التقادم يمنع البينة، ولا يمنع الإقرار.\nوالفرق قد مر من قبل، لكن مع هذا قيام الرائحة شرط لإقامة حد الخمر بالإقرار عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.\nوعند محمد ﵀: لا [يشترط].\nوموضع هذا الفرق كتاب الحدود.\nوقد ذكرنا طرفًا منه في شرح الجامع الصغير.","vol":"4","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-611>[حبس القاذف إلى أن يعدل الشهود]</span>\n[١٥٤٧] قال:\nوإن شهد عليه رجلان يقذف رجل، والقاضي لا يعرف الشهود، فإنه يحبسه القاضي، ويعجل المسألة عنهما.\nأما الحبس فلأن القاذف صار متهمًا، وحبس المتهم مشهور مشروع.\nوأما التعجيل في المسألة فلأن الرجل محبوس، والحبس عقوبة، فينبغي أن يعجل المسألة؛ لأنهما ربما يجرحان، فلا يثبت الحد عليه، فيكون معاقبًا بغير حجة.\nقال شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nشرط تعجيل المسألة في مواضع:\nمنها هذا.\nومنها عند الحيلولة بسبب الطلاق والعتاق.\n\n[١٥٤٨] قال:\nوإن شهد عليه شاهد واحد بالقذف، وعرفه القاضي بالعدالة، وقال الخصم: شاهدي الآخر حاضر أحضره. فإن القاضي يستحلف الطالب أن الذي تطلبه به حق واجب لك عليه.","vol":"4","page":494},{"text":"فإذا حلف حبسه حتى يحضر شاهده الآخر.\nقال شمس الأئمة الحلواني ﵀:\nوهذا لا يوجد في المبسوط أن الطالب يحلف في هذا الموضع، وإنما استفيد من صاحب الكتاب.\nواختلف أصحابنا فيه:\nمنهم من قال: هذا شيء قاله صاحب الكتاب من رأيه، لا مرويًا عن أبي حنيفة على ما هو الأصل عندنا: أن القضاء بشاهد ويمين في الأموال لا يجوز، ففي الحدود أولى.\nومنهم من صحح هذا، وقال:\nهذا مروي عن أبي حنيفة ﵀، لأن الحبس عقوبة المتهم، فإذا انضمت اليمين إلى شهادة شاهد واحد ثبتت التهمة.\nقال شمس الأئمة الحلواني ﵀: والطالب يحلف في مواضع:\nمنهما: هذا.\nوالثاني: أن المديون المحبوس إذا ادعى أنه معدم، وطلب يمين الطالب أنه لا يعرف أنه معدم، فإن القاضي يحلفه.","vol":"4","page":495},{"text":"فإن حلف أيد الحبس.\nوإن نكل أطلقه إلى وقت اليسار.\nومنها: في فصل الاستعداء [فإنه] ذكر في باب العدوي: إنه إذا طلب من القاضي إحضار الخصم، وهو خارج المصر، فإن القاضي يحلفه بالله: إنك محق في دعواك [عليه]. قال: فإن حلف استجاب اعداءه.\n[حد المرأة]\n\n[١٥٤٩] قال:\nوالمرأة لا يقام عليها حد رجم، ولا ضرب، وهي حامل حتى تضع.\nأما الرجم فلأن في قتلها قتل الولد، ولا جناية من الولد.\nوأما الضرب فلأنه متى انضم [ألم الضرب] إلى ألم الحمل والطلق، فربما يأتي على النفس، وإتلاف النفس غير مستحق.\nفإذا وضعت الحمل: فإن كان الحد رجمًا رجمت، لكن بشرط ذكره في آخر الباب على ما نبين إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":496},{"text":"وإن كان جلدًا ينتظر حتى تطهر من نفاسها.\nلأن النفاق نوع مرض، فيعتبر بسائر أنواع الأمراض.\nفرق بين النفاس والحيض، فإنها إذا كانت حائضًا لا ينتظر طهرها، لأن الحيض ليس بمرض، فأما النفاس فمرض، لأن النفاس أثر الولادة، والولادة تمرضها.\n\n<span data-type='title' id=toc-612>[شهادة النساء في الحدود]</span>\n[١٥٥٠] قال:\nولا يقبل في شيء من الحدود شهادة النساء.\nلما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة من لدن رسول الله -ﷺ- والخليفتين من بعده أبي بكر وعمر -﵄- أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص.","vol":"4","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-613>[التعزير]</span>\n[١٥٥١] قال:\nولو أن رجلًا قال لرجل: يا فاسق، أو يا فاجر، أو يا ابن الفاسق، أو يا ابن الفاجر، أو يا ابن الفاسقة، أو يا ابن الفاجرة، والذي قيل له لا يعرف بفسق وهو صالح عفيف، فإنه يعزر القائل.\nلأنه ألحق به الشين بمقالته، فيقام عليه التعزير. والتعزير في هذا الباب يفوض إلى رأي الحاكم، لكن ما بينه وبين","vol":"4","page":498},{"text":"أربعين سوطًا، على قدر القائل والذي قيل له.\nولا يبلغ أربعين سوطًا في قول أبي حنيفة ﵀.\nوقال أبو يوسف ومحمد: ما بينه وبين خمسة وسبعين سوطًا على قدر القائل والذي قيل له. لا يبلغ خمسة وسبعين سوطًا.\nوحق المسألة كتاب الحدود.\nوقد ذكرنا طرفًا منها في شرح الجامع الصغير.\n\n[١٥٥٢] قال:\nوالتعزير أيضًا يقام على صاحبه خارج المسجد.\nلأن الحد إنما لا يقام في المسجد تحرزًا عن تلويث المسجد، [و] هذا المعنى موجود ههنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-614>[الإقرار في الحدود]</span>\n[١٥٥٣]-قال:\nوإن أقر رجل بالسرقة مرة واحدة …\nالحدود على ثلاثة أقسام:\nقسم يجب بالإقرار مرة، وهو حد القذف والقصاص بالإجماع.\nوقسم لا يجب بالإقرار مرة، وهو حد الزنى.\nوقسم اختلفوا فيه، وهو حد السرقة، وحد الشرب.\nقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: يجب بالإقرار مرة.\nوقال أبو يوسف ﵀: لا يجب، ما لم يقر مرتين في موطنين.","vol":"4","page":499},{"text":"وحق المسألة كتاب السرقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-615>[حد الشرب]</span>\n[١٥٥٤] قال:\nوحد الخمر ثمانون جلدة [للحر]، وللعبد أربعون جلدة.\nلأن حد الخمر كان في زمن أبي بكر -﵁- أربعين، وكذلك في صدر خلافة عمر -﵁-، ثم اجتمعت الصحابة -﵃- أن حد الخمر ثمانون.","vol":"4","page":500},{"text":"<span data-type='title' id=toc-616>[لا تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود]</span>\n[١٥٥٥] قال:\nولا تقبل شهادة في شيء من الحدود.\nلأنه تمكن فيها تهمة زائدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-617>[لا يقام الحد على الحامل حتى تضع طفلها]</span>\n[١٥٥٦] قال:\nولو أن امرأة حاملًا أقرت عند القاضي بالزنى أربع","vol":"4","page":501},{"text":"مرات. في أربعة مواطن، فإن القاضي لا يحبسها، ولكنه يخلي عنها. حتى تضع حملها. فإن عادت إليه بعدما وضعت حملها أقام الحد عليها، إذا كان للولد من يرضعه.\nلأن الحبس كان لخوف الهرب، ولو هربت لكان الهرب دليل الرجوع. ولو رجعت لصح رجوعها فلا تحبس.\nفرق بين هذا وبين ما إذا ثبت الزنى عليها بالبينة، فإنها تحبس، إلى أن تضع ما في بطنها.\nهكذا ذكر في آخر الباب.\nوالفرق: أن الحبس كان لخوف الهرب، والهرب دليل الرجوع، وثمة لو رجعت لصح رجوعها، وههنا لا يصح فلا بد من الحبس ليتمكن القاضي من إقامة الحد عند وضع الحمل.\nفإذا وضعت الحمل في الوجهين جميعًا: إن كان الحد جلدًا ينتظر الإمام طهارتها عن النفاس، وإن كان رجمًا، فهذا على وجهين:\nإما إن كان للولد من يرضعه، ويقوم بمصالحه.\nأو لم يكن.","vol":"4","page":502},{"text":"ففي الوجه الأول: يرجمها.\nوفي الوجه الثاني: ينتظر فطام الولد.\nهكذا فعل رسول الله -ﷺ- بالغامدية، حين اعترفت بالزنى وهي حامل.","vol":"4","page":503},{"text":"وكان ذلك محمولًا على أنه لم يكن هناك أخرى ترضع الولد وتقوم بمصالح الولد.\nوهذا التقادم لا يمنع الإفامة،\nلأنه كان بعذر.\nوالله تعالى أعلم","vol":"4","page":504},{"text":"<span data-type='title' id=toc-618>الباب الخامس عشر والمائة [في الرجوع عن الشهادات]</span>\n[١٥٥٧] ذكر عن الشعبي في شاهدين شهدا على رجل أنه طلق امرأته، ففرق القاضي بينهما، ثم أن أحدهما رجع عين شهادته، وتزوج الآخر امرأة، قال الشعبي: هذا حكم لا يرد.\nيريد بهذا: أن رجوع الشاهد بعد القضاء لا يكون معتبرا.\n\n[١٥٥٨] ذكر عن الشعبي: أن رجلين أتيا عليًا -﵁- برجل، فشهدا عليه أنه سرق فقطع علي -﵁- يده، ثم جاءا بعد ذلك يأخر، وقالا: غلطنا في الأول، إنما كان هذا الذي سرق، فأبطل علي -﵁- شهادتهما على","vol":"4","page":505},{"text":"الآخر وضمنهما دية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما.\nلم يصحح رجوعهما بعد القضاء في حق إمكان القضاء.\nثم ذكر صاحب الكتاب: وضمنهما دية الأول.\nوقد افتتح محمد -﵀- كتاب الرجوع عن الشهادة","vol":"4","page":506},{"text":"بهذا الحديث. وذكر ثمة: وأغرمكما دية الأول.\nفكانت الدية المذكورة ههنا محتملة: تحتمل دية اليد: بأن اقتصر القطع. وتحتمل دية النفس؛ بأن سرى القطع، لكن لما نص محمد ثمة على دية اليد علم أن المراد ههنا دية اليد.\n\n[١٥٥٩] وذكر عن الحسن في أربعة شهود شهدوا على رجل بالزنى، فرجم ثم رجع أحدهم، قال: يقتل الراجع، ويضرب الثلاثة الحد، ويغرمون ثلاثة أرباع الدية.\nوبهذا الحديث أخذ الشافعي -﵀- حتى قال: أن شهود","vol":"4","page":507},{"text":"القصاص والرجم إذا رجعوا يقتلون.\nولسنا نأخذ بهذا الحديث فإن الشاهد إذا رجع لا يقتل عندنا.\nوهذا إذا قال الراجع: تعمدت. أما إذا قال: اشتبه علي [فإنه] لا يقتل بالاتفاق.\nوحق المسألة كتاب الديات.\nثم إذا لم يقتل الراجع عندنا، يضرب الحد، ويغرم ربع الدية. وأما الثلاثة فلا يحدون.\nوحق المسألة كتاب الحدود.\n\n[١٥٦٠] وذكر بعد هذا آثارًا كلها تشهد أنه إذا رجع واحد من شهود الزنى وهم أربعة بعد الرجم أنه يغرم ربع الدية.\nوبه نآخذ.\nوإذا غرم الراجع ربع الدية فهل يعزر؟","vol":"4","page":508},{"text":"يريد به الضرب.\nعند أبي حنيفة -﵀-: لا [يعزر].\nوعندهما: يعزر.\nوأصل المسألة على أن شاهد الزور هل يعزر؟\nعند أبي حنيفة -﵀-: لا [يعزر].\nوعددهما: يعزر.\nوحق المسألة كتاب الشهادات وكتاب الرجوع عن الشهادات.\n\n[١٥٦١] قال أحمد بن عمرو [صاحب الكتاب]:\nقال أصحابنا: ولو أن شاهدين شهدا لرجل بمال على رجل، فقضى به القاضي عليه، ثم رجعا عن شهادتهما، لم يرد الحاكم ذلك، لكن القاضي يغرم الشاهدين المال الذي حكم به على المشهود عليه، ويدفعه إلى المشهود عليه.\nأما عدم انتفاض القضاء، فلأرجوعهما بعد القضاء لم يصح في حق إبطال القضاء.","vol":"4","page":509},{"text":"وأما ضمانها، فلأنهما [نقلا] ملكه عنه إلى غيره بقولهما بغير حق بزعمهما، ولو نقلاه بيدهما ضمنا، كذا هذا.\n\n[١٥٦٢] قال:\nوإن كانا رجعا قبل أن يحكم الحاكم بشهادتهما فالشهادة باطلة.\nلأن الشهادة إنما تصير حجة عند اتصال القضاء بها، وقيل اتصال القضاء بها لم تكن حجة، فصح الرجوع مطلقًا، فظهر كذب الشهود مطلقًا.\nهذا إذا رجعا.\nأما إذا رجع أحدهما ففي الوجه الأول يغرم الراجع نصف ذلك المال.\nلأن الثابت بشهادته نصف الحق، فعند الرجوع ظهر أنه نقل نصف ملكه إلى غيره بغير حق، فيضمن ذلك القدر.\nوفي الوجه الثاني بطلت شهادته، وكانت شهادة الآخر على حالها.\nهذا إذا شهد اثنان.\nوإن شهد جماعة، فرجع القوم جميعًا بعد القضاء إلا اثنين، فليس على من رجع منهم شيء.","vol":"4","page":510},{"text":"لأنه بقي من يثبت بشهادته جميع الحق، فلا يظهر أن الذين رجعوا نقلوا شيئًا من ملكه.\nفإن رجعوا جميعًا إلا واحدًا، فعلى الراجعين جميعًا نصف المال.\nلأنه بقي من يثبت بشهادته نصف الحق، فلا يظهر أن الذين رجعوا نقلوا شيئًا من ملكه إلا نصفه.\nوكذا الرجوع عن الشهادة في سائر الأموال والعقارات تجب على الشاهد إذا رجع عن الشهادة ما ألزم المشهود عليه بشهادته.\n\n[١٥٦٣] قال:\nوإن شهد رجل وامرأتان على رجل بحق، فقضى القاضي به، ثم رجعت امرأة عن الشهادة. فعليها ربع المال.\nلأنه بقى من يثبت بشهادته ثلاثة أرباع المال.\n\n[١٥٦٤] قال:\nوإن شهد رجل وعشر نسوة على رجل بحق فقضى القاضي","vol":"4","page":511},{"text":"بالحق، ثم رجع ثماني نسوة، فلا شيء عليهن.\nلأنه بقى من يثبت بشهادته جميع الحق.\nفإن رجعت امرأة أخرى، فعلى النسوة اللاتي رجعن ربع الحق.\nلأنه بقى من يثبت بشهادته ثلاثة أرباع الحق.\n\n[١٥٦٥] قال:\nفإن رجع النسوة جميعًا، كان عليهن النصف.\nلما قلنا.\n\n[١٥٦٦] قال:\nوإن رجع الرجل والنسوة جميعًا، كان على الرجل سدس المال، وعلى النساء خمسة أسداسه.\nوهذا قول أبي حنيفة -﵀-.\nوقالا: على النسوة النصف، وعلى الرجل النصف.\nوحق المسألة كتاب الرجوع عن الشهادات.\n\n[١٥٦٧] قال:\nوإن رجع الرجل وثماني نسوة عن الشهادة، فعلى الرجل","vol":"4","page":512},{"text":"نصف الحق، ولا شيء على النسوة، وإن كثرن.\nلأنهن يقمن مقام رجل واحد، وقد بقي من النساء من يثبت بشهادتهما نصف الحق، فتجعل اللاتي رجعن كأنهن لم يشهدن.\nوالله تعالى أعلم بالصواب","vol":"4","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-619>الباب السادس عشر والمائة [في الشهادة على الحقوق]</span>\n[١٥٦٨] قال:\nولو أن رجلًا أقام شاهدين على رجل، أن له ولفلان الغائب على هذا الرجل ألف درهم، وأتى بصك باسمه، وباسم الغائب على هذا المدعى عليه بذلك المال، وعدل الشهود، فإن على قول أبي حنيفة -﵀- تقبل هذه البينة في نصيب الحاضر خاصة، ويقضي بنصف المال، فإذا قدم الغائب كلفه إعادة البينة، فإن أحضرهم، وشهدوا له، حكمت له، وإلا فلا.\nوقال أبو يوسف ﵀: تقبل البينة في نصيب الحاضر والغائب.\nوقول محمد ﵀ مثل قول أبي حنيفة.\nوذكر هذه المسألة في المبسوط، وقال:\nلا تقبل في نصيب الغائب، ولم يحك خلافًا، وإنما عرف الخلاف في هذه وهي دعوى الدين من صاحب الكتاب.","vol":"4","page":514},{"text":"وعلى هذا الخلاف دعوى الشراء، إذا ادعى أنه وفلانًا الغائب اشتريا منه هذه الدار بألف درهم.\nوكذا الصلح، وجميع العقود حتى قالوا: الوصية على هذا الخلاف، وهو أن الرجل إذا أقام البينة على رجل أن مورثه أوصى له بثلث ماله ولفلان الغائب.\nوحق المسألة في المبسوط.\nثم فرع في الكتاب فقال:\nعلى قول أبي حنيفة -﵀-: لما لم تقبل بينته في حق الغائب، ففي دعوى العين لا ينتزع نصيب الغائب من يد المدعى عليه.\nوعلى قول أبي يوسف ﵀: لما قبلت، ففي دعوى الدين لا يؤخذ نصيب الغائب، وأما في دعوى العين فينتزع ويوضع على يدي عدل.\nواختلف المشايخ فيه.\nمنهم من قال: هذا أصله، إذا وصل الثمن إلى البائع، وأما إذا لم يصل فلا ينتزع نصيب الغائب.","vol":"4","page":515},{"text":"وأكثرهم قالوا: لا بل ينتزع؛ لأن هذا ليس بدفع إلى المشتري، بل وضما على يدي عدل، وتكون يد العدل في حق الحبس كيد البائع، فجاز أن ينتزع، لكن لا يقسم حتى يحضر الغائب؛ لأن الغائب إذا حضر ربما يدعي رد الشراء أما بسبب الإقالة أو بسبب آخر، فيحتاج إلى رد النصف إلى البائع، فيحتاج إلى نقض القسمة.\nهذا إذا كانت الدعوى في الشراء، أو في الصلح، أو في الوصية.\nفإن [كانت] الدعوى في الرهن فكذلك [عند أبي يوسف -﵀-].\nوعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تسمع دعواه، ولا تقبل بينته.\nلأنها لو سمعت وقبلت، إنما تسمع وتقبل في حق الحاضر، فيصير رهنًا مشاعًا، ورهن المشاع لا يجوز.","vol":"4","page":516},{"text":"وإن كانت الدعوى في الصدقة والهبة، فهذا على وجهين:\nأما إن كان الشيء غير محتمل القسمة.\nأو محتمل القسمة.\nففي الوجه الأول: المسألة كمسألة الشراء.\nوفي الوجه الثاني: كمسألة الرهن.\n\n[١٥٦٩] قال:\nولو أقام الحاضر البينة أنه وحده اشترى من هذا الرجل ومن فلان الغائب هذه الدار، أو العبد، أو الأرض، أو الأمة، وعدل الشهود، فإن القاضي لا يقضي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- إلا على الحاضر في حصته، ولا يقضي بنصيب الغائب إذا كان الحاضر مقرًا بنصيب الغائب، [بأن] كانت الدار ميراثًا، أو شراء في أيديهما فهو سواء.\nفأبو حنيفة -﵀- سوى بين هذه المسألة وبين المسألة الأولى.\nوأبو يوسف فرق.\nوالفرق: أن في المسألة الأولى القضاء للحاضر بنصيبه يتعدى إلى نصيب الغائب؛ لأنه إذا حضر الغائب كان له أن يأخذ منه","vol":"4","page":517},{"text":"نصف ما أخذ الحاضر، فلهذا لا يقتصر القضاء على نصيب الحاضر، وهذا المعنى معدوم ههنا.\n\n[١٥٧٠] قال:\nفإن جحد الحاضر نصيب الغائب، فأقام المشتري البينة أنه اشتراها من الحاضر والغائب جميعًا بكذا وكذا درهمًا ونقده الثمن، فإنه يقضي له بالدار كلها.\nلأن الحاضر لما ادعى لنفسه صار خصمًا في الكل، بخلاف المسألة الأولى؛ لأنه لما أقر بالشركة لم يصر خصمًا في الكل.\nواستدل في الكتاب لبيان أنه يجوز أن يدعي البيع على غير ذي اليد، ويقضي على ذي اليد، فقال:\nهو كرجل في يده دار يدعيها لنفسه، وأقام رجل البينة أنه اشتراها من فلان الغائب بكذا وكذا، ونقده الثمن، وسلم هذا الذي في يده المبيع، فإنه يقضي على الذي هي في يديه بالدار كلها، فكذا ههنا، جاز أن يكون كذلك.\n\n[١٥٧٠] قال:\nولو كان الذي في يديه [الدار] مقرًا بأنها للغائب،","vol":"4","page":518},{"text":"ولم يقر بالبيع، فلا خصومة بينهما.\nلأن المدعي لما ادعى شراء الكل من الغائب، وذو اليد أقر أنها للغائب، فقد اتفقا أنه ليس بخصم، فلا يكون بينهما خصومة.\n\n[١٥٧١] قال:\nولو أقام البينة على صدقة من هذا الحاضر والغائب، أو على هبة منهما وعلى القبض، أو على رهن منهما، وعلى القبض، والدار في يدي هذا الحاضر، فإن هذا في قياس قول أبي حنيفة -﵀- لا يجوز في الرهن.\nلأنه لما لم يسمع البينة على الغائب بقي هذا رهن المشاع.\nوأما في الصدقة والهبة، فإن كان شيئًا يحتمل القسمة كالدار والأرض فكذلك، وإن كانت لا تحتمل القسمة كالعبد والأمة، فتقبل في نصيب الحاضر.\nوأما على قول أبي يوسف -﵀- في الرهن فكذلك وفي","vol":"4","page":519},{"text":"الصدقة والهبة إن كانت تحتمل القسمة، فقد ذكر صاحب الكتاب أنه يقضي بنصف الدار غير مقسوم.\nوهذا يدل على [أن] الشيوع لا يمنع صحة الصدقة والهبة. وهذا خلاف مذهب أبي يوسف -﵀-.\nأما إذا كانت لا تحتمل القسمة فالجواب كما قال أبو حنيفة.\n\n[١٥٧٢] قال:\nولو ادعى رجل على رجلين مالا في صك، وأحدهما حاضر، وجحد، والآخر غائب، فأقام البينة على ذلك، فإن أبا حنيفة -﵀- قال: أقضي بالمال على الشاهد والغائب.\nوعلى قياس المسائل المتقدمة ينبغي أن يقضي على الشاهد ولا يقضي على الغائب.\nلكن تشوشت الروايات في هذه المسائل:\nفذكر في بعض المسائل ما يدل على أن قول أبي حنيفة","vol":"4","page":520},{"text":"مثل قول أبي يوسف.\nوذكر في بعضها ما يدل على أن قول أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة.\nوإنما عرف هذا التشويش من صاحب الكتاب.\nفأما المذكور في المبسوط فالجواب على نسق واحد:\nعند أبي حنيفة: تقبل في حق الحاضر ولا تقبل في حق الغائب.\nوعند أبي يوسف: تقبل في حقهما في المسائل كلها فكأن صاحب الكتاب لم يحك المذكور في المبسوط.\n\n[١٥٧٣] قال:\nوكذلك لو كان كل واحد منهما كفيلًا عن صاحبه، وكذلك لو كان الحاضر كفيلًا عن الغائب.\nيريد به [أنه] يدعي المدعي على الحاضر أنه كفيل عن الغائب بأمره فإنه ههنا يقضي بالمال على الشاهد والغائب جميعًا.","vol":"4","page":521},{"text":"وهذا قول الكل.\nوهكذا ذكر في المبسوط.\nلأنه ينتصب الحاضر ههنا خصمًا عن الغائب، فيتعدى القضاء إلى الغائب.\n\n[١٥٧٤] قال:\nو[كذلك] لو كان الحاضر أصيلًا والغائب كفيلًا، فإن القضاء يقتصر على الحاضر.\nوهذا قول الكل.\nذكر قول أبي يوسف في الإملاء.\nلأنه لا حاجة إلى التعدي، فلا يتعدى القضاء.\n\n[١٥٧٥] قال:\nولو أن شاهدين شهدا عند القاضي لرجل، فقالا: نشهد أن قاضيًا من القضاة أشهدنا أنه قضى لهذا الرجل","vol":"4","page":522},{"text":"على هذا الرجل بألف درهم، أو بحق من الحقوق وسمياه، أو قالا: نشهد أن قاضي الكوفة أشهدنا بذلك، ولم يسميا القاضي، لم ينفذ القاضي هذه الشهادة، حتى يسميا القاضي الذي حكم، وينسباه.\nلأن القضاء عقد من العقود، فإذا شهدا بعقد ولم يسميا العاقد [فإنه] لا يصير معلومًا، فلا تقبل.\nوليس هذا في هذا الموضع وحده، بل في جميع الأفاعيل، إذا شهدا على فعل ولم يسميا الفاعل، لم تقبل.\nوقال محمد ﵀ في رجل قدم رجلا إلى القاضي فادعى عليه وعلى رجل غائب ألف درهم، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه، وأقام على ذلك بينة، فإنه يحكم له على الحاضر بألف درهم، فإن قدم الغائب قبل أن يؤديها الحاضر لم يأخذه إلا بخمسمائة درهم.\nلأن الحاضر لما قضى عليه بألف درهم كان هو في نصفها أصيلًا، وفي نصفها كفيلًا، ففيما كان كفيلًا كان القضاء عليه قضاء على الأصيل، وفيما كان أصيلًا لم يكن القضاء عليه قضاء على الكفيل لما قلنا من قبل.","vol":"4","page":523},{"text":"فاستدل في الكتاب بمسألة فقال:\nألا ترى [إنه] لو حضر رجل فقال: لي على فلان الغائب ألف درهم، وهذا كفيل بها، وأقام بينة على ذلك، أنه يحكم له بألف درهم على الكفيل وعلى الغائب الذي عليه الأصل.\nلكن هذا كله إذا كانت الكفالة بأمره.\nأما إذا كانت بغير أمره فلا يكون قضاء على الغائب.\nوقد ذكرنا هذا الفصل في كتاب الكفالة في [شرح] الجامع الصغير.\nولو حضر الذي عليه الأصل، فأقام عليه بينة: أن له عليه ألف درهم، وفلان الغائب كفيل بها حكم له على الحاضر بألف درهم، ولم يكن ذلك حكمًا على الكفيل.\nلما قلنا من قبل.\n\n[١٥٧٦] قال:\nولو أحضر رجلًا فقال: لي على فلان الغائب ألف درهم، وهذا ورجل غائب يقال له فلان كفيلان لي بها عنه، على أن كل واحد منهما [كفيل] ضامن عن صاحبه بذلك، فإنه يحكم له على هذا بألف درهم. فإن حضر الكفيل الغائب كان","vol":"4","page":524},{"text":"ذلك حكمًا عليه أيضًا بالألف كلها، كما قال في الكتاب: أن الحاضر كفيل بها عن صاحبه الأصيل، وعن الكفيل الغائب بأمرهما. والكفالة [كلها] إذا كانت بأمره القضاء على الكفيل يكون قضاء على الأصيل أيضًا.\nيريد بهذا إذا ادعى أن هذا الحاضر، وفلانًا الغائب كفل كل واحد منهما عن فلان بألف درهم [بأمره]، على أن كل واحد منهما كفيل، فإذا كان هكذا كان القضاء عليه بألف درهم بحكم الكفالة عن الكفيل الغائب بأمره قضاء على الغائب.\nوهذه المسألة مستقصاة في شرح الجامع الكبير.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":525},{"text":"<span data-type='title' id=toc-620>الباب السابع عشر والمائة [في الرجوع عن الشهادة على الشهادة]</span>\n[١٥٧٧] قال:\nولو أن شاهدين شهدا على شهادة شاهدين لرجل بحق على رجل، فقضى له القاضي، ثم رجع الشاهدان اللذان شهدا عند القاضي عن الشهادة، ضمنهما القاضي الحق الذي كانا شهدا به.\nلأنهما شهدا بكلام موجب، وهو شهادة الأولين، والقاضي إنما قضى بشهادتهما، فإذا رجعا ضمنا؛ كما إذا شهدا على إقرار الرجل بالمال، ثم رجعا بعد القضاء.\n\n[١٥٧٨] قال:\nولو رجع أحدهما يضمن النصف.","vol":"4","page":526},{"text":"لأنهما لو كانا أصلين يضمن الراجع النصف، فكذا ههنا].\n\n[١٥٧٩] قال:\nوإن لم يرجع هذان، ولكن رجع المشهود على شهادتهما، [فقد] ذكر في كتاب الرجوع: أن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- لا يضمنان، وعلى قول محمد -﵀- يضمنان.\nوما ذكر صاحب الكتاب أن محمدًا -﵀- روى عن أصحابنا أنه لا شيء عليهما.\nأراد به قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- لا قول نفسه.\nوحق المسألة المبسوط.\nوذكر صاحب الكتاب وقال:\nروي عن أبي يوسف في الأمالي عن أبي حنيفة أنه قسم الجواب فقال.\nأن قالا -يعني الأصول- أشهدنا هذين الشاهدين","vol":"4","page":527},{"text":"اللذين شهدا عندك على هذه الشهادة، وقد رجعنا عنها ضمنهما ذلك الحق.\nلأنه تحقق الرجوع.\nوهذا موافق لقول محمد -﵀-.\nوأن قالا: لم نشدهما على هذه الشهادة، وقد شهد عندك الشاهدان على باطل، لم يكن عليهما ضمان.\nلأنهما لما يجحدا الإشهاد، فقد جحدا الرجوع عن الشهادة، فلا يضمنان.\nوإن قال الشاهدان اللذان شهدا عند القاضي: قد أشهدنا الرجلان اللذان شهدنا على شهادتهما هذه الشهادة التي شهدنا عندك عليهما، ولكنهما قد كذبا عندنا في هذه الشهادة، وشهدا على الباطل، وهذا القول بعد القضاء بشهادتهما، فإن القاضي لا يلتفت إلى هذا، ولا يلزمهما بذلك ضمانًا.\nلأنهما يشهدان على الأصلين أنهما كذبا، فلا تسمع هذه الشهادة، فلا يوجد منهما الرجوع، فإنهما لم يرجعا عن شهادتهما، فلا ينقضي القضاء الذي [قضى به].\nثم قال:\nوإن قالا للقاضي: قد كانا أشهدانا على شهادتهما هذه،","vol":"4","page":528},{"text":"ولكنهما قد رجعا عن هذه الشهادة، أو قالا: قد أخبرانا بأنهما رجعا عن شهادتهما، فلا ضمان عليهما في شيء من هذا.\nلأنهما يشهدان على رجوع باطل. لأن الرجوع عند غير القاضي لا يصح.\n\n[١٥٨٠] قال:\nوإن قالا للقاضي: لم يشهدنا الرجلان على شهادتهما، لكنا غلطنا، أو قالا: تعمدنا فذلك سواء، ويضمنهما القاضي ذلك الحق الذي شهدا للمشهود عليه.\nلأن هذا أبلغ جهات الرجوع، فصار متلفين.\n\n[١٥٨١] قال:\nوإن رجع الشاهدان اللذان شهدا عند القاضي والمشهود على شهادتهما جميعًا عند القاضي، فهذا على وجهين:\nأما أن قال اللذان شهدا عند القاضي: لم يشهدنا هذان على شهادتهما، ولكنا غلطنا، وقال الأولان: صدقا، لم نشهدهما على هذه الشهادة، أو قال الأولان: بل كنا أشهدناهما على هذه الشهادة، وقد رجعنا، وذلك [أنا] قد أوهمنا فيها. ففي الوجهين ليس على الشاهدين الأولين شيء، والضمان في ذلك على الشاهدين اللذين شهدا عند القاضي.\nقال في الكتاب:","vol":"4","page":529},{"text":"لأن الحكم كان من الحاكم بشهادتهما، أما في الوجه الأول، فلا يشك، لأنهم اتفقوا [على] أن الحكم من الحاكم كان بشهادتهما. وأما في الوجه الثاني، فقد ذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني هذه المسألة تؤيد ما ذكر محمد -﵀- في المبسوط أن القضاء يقع بشهادة الفروع، حتى إذا رجعوا جميعًا، فلا ضمان على الأصول.\n\n[١٥٨٢] قال:\nوإن قال اللذان شهدا عند القاضي لم يشهدنا هذان على شهادتهما، وقال الأولان: لم تشهدهما على شهادتهما هذه، ولكن نحن نشهد بها، وهو حق ثابت على المشهود عليه، فالضمان على اللذين شهدا عند القاضي.\nلأن الأصول جحدوا الإشهاد، فتبين أن القضاء واقع بشهادة الفروع.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":530},{"text":"<span data-type='title' id=toc-621>الباب الثامن عشر والمائة (في البراءة والشهادة عليها)</span>\n[١٥٨٣] قال:\nوإذا ادعى رجل على رجل ملًا، فأنكر ذلك المدعى عليه وأقام الطالب البينة على المال، فجاء المطلوب بالبينة على البراءة، فالبراء جائزة.\nوهذه المسألة على ثلاثة أوجه:\nأحدها: ان قال المدعى عليه: ليس على شيء، ثم أقام البينة من بعد [ذلك] على القضاء والابراء.\nوالثاني: ان قال في الابتداء: ما كان لك على شيء قط، ثم اقام البينة من بعد [ذلك] على القضاء والابراء.\nوالثالث: ان قال في الابتداء: ما [كان] لك علي","vol":"4","page":531},{"text":"شيءقط، ولا اعرفك، ثم اقام البينة من بعد [ذلك] على القضاء والابراء.\nاما في الوجه الأول: فتقبل بينتهبالاتفاق؛ لوضوح التوفيق؛ فإنه يقول: ليس لك علي شيء، لاني قد قضيتك، أو لانك أبرأتني.\nأما في الوجه الثاني: فكذلك عندنا خلافًا لزفر وابن ابي ليلى؛ لوضوح التوفيق، فلعله قضاه دفعًا لخصومته، مع أنه لم يكن عليه [شيء]، فتوجد صورة القضاء. ألا ترى أنه يقال: قضى بحق، وقضى بباطل.\nودلت المسألة [المبينة] على أن التوفيق إذا كان ممكنًا بين الكلامين، يجب القول بالتوفيق، ويجب قبول البينة من غير دعوى التوفيق، وفي بعض المواضع شرط دعوى التوفيق.\nوأما في الوجه الثالث: فلاتقبلبينته على القضاء؛","vol":"4","page":532},{"text":"لانه لا يتحمل التوفيق؛ لانه لا يتصور أن يكون بين رجلين خصومة وقضاء، ولا يعرف أحدهما صاحبه.\nوذكر القدوري عن أصحابنا في هذه المسألة أن بينته على القضاء تقبل ايضًا.\nلان الرجل يدعي على رجل محتجب، أو امرأة محتجبة، فيؤذيه بالشغب على باب داره فيأمر بعض وكلائه أن يعطيه ما يرضيه، فيكون قد قضاه وهو لا يعلم، ثم علم به من بعد.\nثم استدل في الكتاب في الوجه الثاني على أن ابن ابي ليلى يفصل بين دعوى القصاص ودعوى الرق، فقال:\nألا ترى أن رجلًا لو ادعى على رجل دم عمد [فجحده] فلما اثبت عليه القتل أقام المدعى عليه البينة أنه مشي اليه بقوم فأبرأه من ذلك، أو عفا عنه، أو صالحه عن ذلك على مال، فإنه تقبل.\nوكذلك رجل ادعى رقبة جارية، فانكرت فاقام البينة على رقمها، فاقامت هي البينة أنه اعتقها، أو كاتبها على ألف درهم،","vol":"4","page":533},{"text":"وأنها ادت إليه [الالف] فإنه يجوز ذلك، كذلك ههنا.\n\n[١٥٨٤] قال:\nولو ادعى شراء جارية من رجل، فأراد ردها بعيب، فجحد البائع، وقال: لم ابعك، فأتى المشتري بشهود أنه ابتاعها منه وهي عوراء، قأقام البائع البينة أنه قد برئ إليه من العور، فإن على قول ابي حنيفة -﵀- لا تقبل البينة على هذا الدفع.\nوعلى قول ابي يوسف -﵀- تقبل.\nهكذا [ذكر ههنا].\nوذكر في الجامع الصغير مطلقًا: انها لا تقبل فابو يوسف -﵀- سوى بين هذا وبين الدين.\nوأبو حنيفة -﵀- فرق.\nوالفرق له: أن التوفيق ههنا غير ممكن؛ لأن البراءة عن العيب تغيير بصيغة العقد عن اقتضاء السلامة إلى غير ذلك، وذلك أمر لا يتصور بلا بيع، فإذا بطل التوفيق لزم التناقض.\nوالله أعلم بالصواب","vol":"4","page":534},{"text":"<span data-type='title' id=toc-622>باب\n(من دعوى الرجلين)</span>\n[١٥٨٥] قال:\nولو أن رجلين تنازعا في أرض، أو دار، أو شيء من العقارات، فقال كل واحد منهما: هذا الشيء لي، وفي يدي، فإن القاضي يأمر كل واحد منهما أن يحضر البينة على أن ذلك في يده.\nلأن كل واحد منهما يدعي لنفسه يدًا، والمدعى به لا يثبت إلا بالبينة.\nفإن أتيا جميعًا بالبينة، فشهد شهود كل واحد منهما أنه في يده، فإن القاضي يقر ذلك في ايديهما على ما شهدت به الشهود.\nلانه ثبت المشهود به.\nوإن اقام أحدهما البينة أن ذلك فييده، ولم يقم الآخر، جعلته في يدي الذي أقام البينة.","vol":"4","page":535},{"text":"لأنه ثبت المشهود به [له] وامتنع الآخر منه، كما لو ثبت اليد عيانًا.\nوإن لم يقم واحد منها البينة على دعواه لم يتعرض القاضي لذلك وتركهما.\nلأنه لم تقم حجة القضاء، فيتركهما كما كان قبل الدعوى.\nفإن أقام أحدهما البينة أنه في يده، وأقام الآخر أنه له وفي ملكه، فهو لصاحب الملك دون صاحب اليد.\nلأن يده لا تمنع القضاء بالملك للآخر.\nثم تكلموا: [أن] كله له يكون على وجه القضاء، أو نصفه على وجه القضاء ونصفه على وجه الترك؟\nقال مشايخنا: نصفه على وجه القضاء، ونصفه على وجه الترك؛ لأن الشيء في يدهما جميعًا، والبينة لا تقبل فيما في يده.\nلكن الظاهر أن كله يكون على وجه القضاء.","vol":"4","page":536},{"text":"لأن الشيء كله ثبت في يد الآخر بالبينة، فيكونهذا خارجًا في الكل.\n\n[١٥٨٦] قال:\nوإن شهد شهود أحدهما: أنه كان في يده منذ شهر، أو منذ جمعة، أو أمس، وشهد شهود الأخر: أنه في يده الساعة، أقره القاضي في يد الذي [هو] في يديه الساعة.\nلأن شهود أحدهما شهدوا بيد منتقضة، وشهود الأخر شهدوا بيد ثابتة، فكان هذا أولى.\nوعلى قياس ما روى عن ابي يوسف أن الشهود إذا شهدوا: أنهكان في يد المدعي، يقضي به له، ينبغي أن يكون بينهما نصفين.\nهو يقيس هذا على الملك، فيقول: لو ادعى كل واحد منهما الملك، فشهد شهود أحدهما: أنها له، وشهد شهود الآخر: انها كانت له، فإنه يقضي بينهما نصفين.","vol":"4","page":537},{"text":"وكذلك إذا ادعى شيئًا لنفسه، فشهد [به] الشاهدان: احدهما: أنه له وفي ملكه، وشهد الآخر: انه كان له، وملكه، فانه تقبل هذه الشهادة.\nوكذا في اليد. لكن الفرق بين اليد والملك قد ذكرناه في شرح الجامع الصغير.\n\n[١٥٨٧] قال:\nولو أقام احدهما البينة: أنها كانت في يده منذ شهر وأقام الآخر البينة: انها كانت في يده منذ جمعة، فان القاضي يقرها في يد صاحب الجمعة.\nلان يده أقرب، ويجعل كأنهما كانا جميعًا في يد الاول، ثم انتقل الي يد هذا.\n\n[١٥٨٨] قال:\nوقال ابو حنيفة في رجل في يديه دار ادعاها رجل واقام شاهدين انها كانت في يديه: انى لا أقبل ذلك. وعن ابي يوسف:","vol":"4","page":538},{"text":"انها لا تقبل. فان أقر المدعى عليه انها كانت في يد هذا المدعى يجبر على دفعها اليه بالاجماع.\nوكذلك ان اقام المدعي شاهدين على أقرار المدعى عليه انها كانت في يد هذا المدعي قبلت ذلك بالاجماع.\nفابو يوسف سوى بين البينة على الاقرار، وبين البينة على اليد.\nوالفرق بينهما ما ذكرنا في [شرح] الجامع الصغير.\nوالله اعلم بالصواب","vol":"4","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-623>الباب التاسع عشر والمائة (في شهادة الغرماء بعضهم لبعض والموصى لهم)</span>\n[١٥٨٩] قال:\nولو أن رجلًا مات وترك مالا فشهد رجلان لرجلين على الميت بدين الف درهم، وشهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين الف درهم، فالشهادة باطلة.\nهكذا ذكر ههنا.\nوذكر في الجامع الصغير وفي الجامع الكبير: أن الشهادة جائزة.","vol":"4","page":540},{"text":"وروى صاحب الكتاب رواية ثالثة عن الحسن بن زياد عن ابي حنيفة انهم جاءوا جميعًا، وشهدوا، فالشهادة باطلة، وان شهد اثنان لاثنين قبلت شهادتهما، ثم ادعى الشاهدان بعد ذلك على الميت بالف درهم، فشهد لهما الغريمان الاولان، فشهادتهما جائزة.\nفصار في المسألة ثلاث روايات.\nوجه ما ذكر ههنا: أن الدين اذا ثبت على الميت حل في التركة، فتصير التركة مشتركة بين الغرماء فما يقبضه احد الفريقين يشاركه الآخر فيه، فكان كل فريق شاهدًا على شيء لهما فيه شركة.\nوجه رواية الجامعين: أن الشهادة انما قامت على الميت بالدين، والدين يثبت في ذمة الميت ثم يتحول الى التركة","vol":"4","page":541},{"text":"لا تحول القرار؛ فان الوارث لو اراد أن يقضي الدين من ماله، ويخلص التركة لنفسه له ذلك، فيصير كأنهم شهدوا عليه في حياته.\nوجه رواية الحسن: انهم لو جاءوا معًا كان ذلك بمعنى المعاوضة، فتتفاحش التهمة.\nثم استدل في الكتاب للرواية الاولى بدلائل على كيفية الشركة فقال:\nألا ترى أن الميت لو لم يترك الا الف درهم، فانهم يتحاصون فيها، فتكون بينهم، والا ترى لو أن احد الفريقين حضروا فاعطاهم القاضي نصف الالف التي ترك الميت، ووقف النصف الآخر للغريم الآخر، فضاع هذا النصف، ثم جاء الغريمان الآخران، لهم أن يشاركوا اولئك فيما قبضوا، فيدل هذا على أن التركة تصير شركة بينهم.","vol":"4","page":542},{"text":"[١٥٩٠] قال:\nولو لم يكن الامر على هذا، ولكن رجلان ادعيا دارا أو عبدا في يدي ورثة الميت، انه غصبها الميت ذلك فشهد لهما رجلان بملك ذلك، ثم شهد المشهود لهما بذلك للشاهدين على الميت بألف درهم، فان هذه الشهادة جائزة في الروايات كلها.\nلانه لا يتمكن في هذه الشهادة معنى الشركة؛ لان الملك في تلك العين اذا ثبت للمشهود لهما لا يشاركهما الغرماء [فيه].\n\n[١٥٩١] قال:\nوكذلك لو لم يدعيا الغصب، ولكن ادعيا أن الميت باعهما ذلك بالف درهم، وقبض الثمن فشهد لهما شاهدان بذلك، ثم شهدا هما للشاهدين على الميت بالف درهم، فان هذه الشهادة جائزة ايضا باتفاق الروايات.","vol":"4","page":543},{"text":"لما قلنا.\nثم استشهد في الكتاب فقال:\nألا ترى ان هؤلاء لو ادعوا دارا من تركة الميت، أن الميت باعهم اياها بالف درهم، وقبض الثمن، فادعى هؤلاء عبدا من تركة الميت، أنه باعهم اياها، وقبض الثمن، فشهد هؤلاء لهؤلاء وهؤلاء لهؤلاء، ان الشهادة جائزة.\nلما قلنا.\n\n[١٥٩٢] [قال]:\nولو أن رجلين ادعيا على رجل حي الف درهم، وهو يجحد ذلك، فشهد بذلك لهما عليه رجلان، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين على رجل بالف درهم، وهما يدعيان ذلك، وهو يجحد، فان هذه الشهادة جائزة.\nلان الشركة لا تثبت. الا ترى انه لو قبض احد الفريقين دينه، وتوي مال الفريق الآخر، ليس للفريق الآخر أن يشاركهم فيما قبضوا.","vol":"4","page":544},{"text":"ثم اكد ابو يوسف هذا الفرق بعد هذا، والكل يرجع الى نفي الشركة.\n\n[١٥٩٣] قال:\nولو أن رجلًا مات فادعى رجلان انه اوصى لهما بالثلث، واقاما على ذلك [بينة] شاهدين، وادعى الشاهدان أيضًا ان الميت اوصلى لهما بالثلث، فشهد لهما بذلك الرجلان الآخران اللذان شهد هذان لهما، فهذا باطل على اتفاق الروايات.\nلان الشركة ههنا متحققة؛ لانه اذا ثبتت الوصايا، يشتركون كلهم في الثلث، ويثبت الحق لهم في الثلث على سبيل القرار، حتى لو اراد الوارث استخلاص التركة كلها لنفسه باعطاء البدل لا يقدر [على ذلك].\n\n[١٥٩٤] قال:\nوكذلك لو ادعى احد الفريقين وصية بالثلث، فادعى","vol":"4","page":545},{"text":"الفريق الآخر وصية بالسدس، او ادعى وصية بدر اهم مسماة [او] بعين عينها، فشهد هؤلاء لهؤلاء بما ادعوا، وشهد هؤلاء لهؤلاء بما ادعوا، فان الشهادة كلها باطلة باتفاق الروايات.\nلان الشركة متحققة؛ ألا ترى انه يشارك بعضهم بعضًا فيما يقبض.\n\n[١٥٩٥] قال:\nوان كانت الوصية لهذين بشيء بعينه، مثل ان كانت الوصية بثوب أو جارية، ولهذين بشيء بعينه، مثل دابة، أو عرض، فشهد هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء فان شهادتهم جائزة.\nلانه لا يتحقق معنى الشركة.","vol":"4","page":546},{"text":"فرق بين هذا وبين ما اذا كانت الوصية لهذين بشيء بعينه، ولهذين بالثلث، فان شهادتهم لا تجوز.\nوالفرق: أنه يتحقق ههنا معنى الشركة، فان لصاحب الثلث أن يشارك الآخر في الشيء بعينه، فيتحقق معنى الشركة، بخلاف المسألة الاولى.\n\n[١٥٩٦] قال:\nولو أن رجلين ادعيا على ميت الف درهم، فشهد لهما بذلك رجلان، وحكم لهما الحاكم بالالف، أو لم يحكم، حتى ادعى رجلان آخران غير الشاهدين على الميت بألف درهم، فشهد لهما الغريمان اللذان قد اقاما بينة ان لهما على الميت الف درهم، فان شهادتهما جائزة.\nلما قال في الكتاب: انهما لم يشهدا لهما، وانما شهدا لغير من شهدا له.","vol":"4","page":547},{"text":"وأصل هذا: أن كل حق ثبت للشاهدين بشهادة غير من شهدا له فهو جائز، وكل حق ثبت للشاهدين بشهادة من شهدا له فهو على وجهين:\nان كان يقع في شيء من الشهادة شركة في مال الميت فالشهادة كلها باطلة.\nوان كان لا يقع فالشهادة جائزة.\n\n[١٥٩٧] قال:\nولو أن رجلين شهدا لرجل انه ابن الميت. ثم شهد الابن ورجل آخر للشاهدين على الميت بدين الف درهم، فان ابا حنيفة وابا يوسف قالا: الشهادة باطلة.\nلان حق الغريم ثبت في التركة كما ثبت حق الوارث، فتتمكن فيه تهمة، لمعنى الشركة.","vol":"4","page":548},{"text":"قال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني:\nهذه المسألة لا توجد في المبسوط. ولا تجعل فيها روايتان. بل تجعل على الاتفاق.\nوالله تعالى اعلم بالصواب","vol":"4","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-624>الباب العشرون والمائة (في شاهدي الزور وما يصنع بهما)</span>\n[١٥٩٨] ذكر عن عامر بن ربيعة قال:\nشهدت عمر بن الخطاب أقام شاهد زور عشية في ازار يبكت نفسه، اي يلوم نفسه، ويقول: هذا جزاء من شهد بزور.","vol":"4","page":550},{"text":"وهذا اللفظ يستمل عند الضرب، فيكون هذا حجة لابي يوسف ومحمد على أبي حنيفة: أن شاهد الزور يعزر كما هو مذهبنا.\nوفي الباب احاديث متعارضة بعضها يدل على أنه يعزر كما هو مذهبهما.","vol":"4","page":551},{"text":"وبعضها يدل على أنه لا يعزر، بل يشهر، وهو أن يبعث به الى السوق ان كان سوقيًا، أو الى مجلته ان لم يكن، فيقال لهم: ان القاضي يقول: انا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه، وحذروا الناس منه.\nوكيفية التعزير عندهما موضعها المبسوط.","vol":"4","page":552},{"text":"ثم عندهما اذا كان يعزر هل يشهر ايضًا مع التعزير أم لا؟.\nذكر في المبسوط ان عندهما يعزر ولم يذكر التشهير بالنفي والاثبات.\nوذكر ههنا صاحب الكتاب انه يشهر.\nقال الشيخ شمس الائمة الحلواني ﵀:\nلولا تنصيص صاحب الكتاب ﵀ على هذا والا لكان مشكلًا.\nثم بين صاحب الكتاب المعنى انه لاي معنى يعزر الشاهد؟ فقال: لكي يتعظ به غيره، فلا يشهد بالزور.\nوالله اعلم بالصواب","vol":"4","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-625>باب\n(المرأة تخاصم زوجها في ولدها)</span>\n[١٥٩٩] قال:\nولو أن امرأة معها ولد صغير، فقدمت رجلًا الى القاضي فقالت: ان هذا كان زوجي، وانه طلقني، وهذا ابني منه، فمره بالنفقة عليه. فقال الزوج: انها [قد] تزوجت، وأنا أحق بالولد منها، وانكرت هي أن يكون لها زوج فالقول قولها.\nلانها تنكر ما يدعي من بطلان حقها في الحضانة [والتربية]، فيكون القول قولها مع يمينها.\nفان حلفت اخذت منه النفقة.","vol":"4","page":554},{"text":"وان نكلت فلا نفقة لها.\nلانه أقرت بما يدعيه.\nواذا بطل حق الام كانت الجدة اولى [به] على الترتيب الذي عرف قبل هذا.\n\n[١٦٠٠] قال:\nفان قالت: كان تزوجني، وطلقني، أو مات عني، كان القول قولها.\nلانه أقرت بالنكاح لمجهول لا يتوهم تصديقه، فلا يثبت النكاح بذلك الاقرار.\nفرق بين هذا وبين ما اذا سمت ذلك الرجل، فان هناك لا يكون القول قولها.\nوالفرق انها لما سمت رجلًا بعينه فقد أقرت بالنكاح لمعلوم، والتصديق من المقر له موهوم، فيثبت النكاح، فلا تقع الفرقة الا بتصديق ذلك الزوج.","vol":"4","page":555},{"text":"مثال هذا: المرأة اذا كانت تحت زوج فقالت: انك تزوجت اختي قبلي، وهي تحتك، ونكاحي غير صحيح. وقال الزوج: فارقتها منذ سنين، كان القول قول الزوج. لأن نكاح هذه المرأة صحيح ظاهرًا، وهي تدعي شيئًا يفسد هذا النكاح فلا تصدق.\n\n[١٦٠١] قال:\nفان أقر الزوج بالطلاق يقر الولد معها.\nلان من له الحق قد أقر بابطال حقه، فارتفع النكاح في حقها بتصادقهما، فكان حق الحضانة لها دون الاب.\nوالله ﷾ اعلم بالصواب\nواليه المرجع والمآب\nتم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين على كل حال.","vol":"4","page":556}]}