{"ً":{"ٌ":151109,"ٍ":"ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ٥٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154090,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[],"ٛ":{"1,5":1,"1,7":2,"1,8":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55},"ٜ":{"1":[5,60]},"ٝ":["1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60"],"ٞ":{},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ورثة الأنبياء\nشرح حديث أبي الدرداء","vol":"1","page":5},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ - تسليمًا كثيرًا.\nخرَّج الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) في كتبهم:\n\"أن رجُلًا قدِم مِن المدِينةِ على أبِي الدّرداءِ وهُو بِدِمشْق، فَقَالَ: ما أقْدمك يا أخِي؛\nقال: حدِيثٌ بلغنِي أنّك تُحدِّثُهُ عنْ رسُولِ اللهِ ﷺ.\nقال: أما جِئْت لِحاجةٍ؟\nقال: لاَ.\nقال: أمَا قَدِمْتَ لِتِجارةٍ؟\nقال: لاَ. قَالَ: ما جِئْتُ إِلاَّ فِي طَلَبِ هَذَا الحدِيثِ؟\nقال: نَعَمْ.\nقال: فإِنِّي سمِعْتُ رسُول اللهِ ﷺ يقُولُ: «منْ سلك طرِيقًا يبْتغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ، وإِنّ الملائِكة تضعُ أجْنِحَتَهَا رِضًى لِطالِبِ العِلْمِ، وإِنّ العالِم ليسْتغْفِرُ لهُ منْ فِي السّمواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتّى الحِيتانُ فِي الماءِ، وفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كفضْلِ القمرِ على سائِرِ\n_________\n(١) (٥/ ١٩٦).\n(٢) برقم (٣٦٤١).\n(٣) برقم (٢٦٨٢).\n(٤) برقم (٢٢٣).","vol":"1","page":7},{"text":"الكواكِبِ، وإِنّ العُلماء ورثةُ الأنْبِياءِ، وإِنّ الأنْبِياء لمْ يُورِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهمًا إِنّما ورّثُوا العِلْم؛ فمنْ أخذ بِهِ أخذ بِحظٍّ وافِرٍ».\nوكان السلف الصالح -﵃- لقوة رغبتهم في العلم والدين والخير يرتحل أحدهم إلى بلد بعيد لطلب حديث واحد يبلغه عن النبي - ﷺ -.\nوقد رحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر للقاء رجل من الصحابة بلغه عنه حديث يحدثه عن النبي -ﷺ-.\nوكذلك فعل جابر بن عبد الله الأنصاري مع كثرة ما سمع من النبي - ﷺ - من الحديث وروى.\nوكان أحدهم يرحل إلى من هو دونه في الفضل والعلم لطلب شيء من العلم لا يجده عنده.\nويكفي في هذا المعنى ما قص الله علينا من قصه موسى وارتحاله مع فتاه، فلو استغنى أحد عن الرحلة في طلب العلم لاستغنى عنها موسى ﵇، حيث كان الله قد كمله وأعطاه التوراة التي كتب له فيها من كل شيء، ومع\nهذا فلما أخبره الله ﷿ عن الخضر؛ أن عنده علمًا يختص به سأل السبيل إلى لقائه، ثم سار هو وفتاه إليه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (١).\nيعني: سنين عديدة، ثم أخبر أنّه لما لقيه قال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٢).\n_________\n(١) الكهف: ٦٠.\n(٢) الكهف: ٦٦.","vol":"1","page":8},{"text":"وكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. ومن حديث أبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - قي قصة موسى والخضر مخرج في \"الصحيحين\" (١) وهو مشهور.\nوكان ابن مسعود يقول:\n\"واللهِ الّذِي لا إِله إِلاّ هُو ما أُنْزِلتْ سُورةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ إِلّا وأنا أعْلمُ أيْن نزلتْ، ولا نزلتْ آيةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ إِلّا وأنا أعْلمُ (فِيم أُنْزِلتْ) (*)، ولوْ أعْلمُ أحدًا أعْلم مِنِّي بِكِتابِ اللهِ تبْلُغُهُ الإِبِلُ لركِبْتُ إِليْهِ \" (٢).\nوقال أبو الدرداء:\n\"لوْ أعْيتْنِي آيةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ فلمْ أجِذ أحدًا يفْتحُها عليّ إِلاّ رجُلٌ بِبرْكِ الْغِمادِ لرحلْتُ إِليْهِ \" (٣).\nوبرك الغماد أقصى اليمن.\nوخرج مسروق من الكوفة إلى البصرة لرجل يسأله عن آية من كتاب الله فلم يجد عنده فيها علمًا، فاُخْبِر عن رجل من أهل الشام فرجع إلى الكوفة ثم خرج إلى الشام إلى ذلك الرجل في طلبها.\nورحل رجل من الكوفة إلى الشام إلى أبي الدرداء يستفتيه في يمين حلفها.\nورحل سعيد بن جبير من الكوفة إلى ابن عباس بمكة يسأله عن تفسير آية.\nورحل الحسن إلى الكوفة إلى كعب بن عجرة يسأله عن قصته في فدية الأذى.\nواستقصاء هذا الباب يطول.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٤)، مسلم (٢٣٨٠).\n(*) في نسخة: \"أين أنزلت\"، وفي نسخة أخرى: \" فيمن أنزلت\".\n(٢) أخرجه البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣).\n(٣) ذكره الذهبي في \"السير\" (٢/ ٣٢٢).","vol":"1","page":9},{"text":"وحلف رجل يمينًا فأشكلت على الفقهاء، فدل على بلد فاستبعده فقيل له: إن ذلك البلد قريب على من أهمه دينه.\nوفي هذا إشارة إلى أن من أهمه أمر دينه كما أهمه أمر دنياه إذا حدثت له حادثة في دينه لا يجد من يسأله عنها إلا في بلد بعيد؛ فإنه لا يتأخر عن السفر إليه ليستبرئ لدينه، كما أنّه لو عرض له هناك كسب دنيوي لبادر السفر إليه.\nوفي هذا الحديث أن أبا الدرداء بشر من أخبره أنّه رحل/ إليه لطلب الحديث بما سمعه من النبي - ﷺ - في فضل العلم وطلبه وهذا مأخوذ من قوله تعالى:\n﴿وإِذا جاءك الّذِين يُؤْمِنُون بِآياتِنا فقُلْ سلامٌ عليْكُمْ كتب ربُّكُمْ على نفْسِهِ الرّحْمة﴾ (١).\nوقد ازدحم الناس مرة على باب الحسن البصري لطب العلم، فأسمعهم ابنه كلامًا، فقال الحسن: \"مهلًا يا بني\"، ثم تلا هذه الآية.\nوفي كتاب الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن أبي سعيد:\n\"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَصَّاهُمْ بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالمُتَفَقِّهِينَ فِي الدِّينِ\".\nوجاء زر بن حبيش إلى صفوان بن عسال في طلب العلم قال له:\nبلغني \"أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ \" (٤).\nوفي رواية أنه روى له ذلك عن النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) الأنعام: ٥٤.\n(٢) برقم (٢٦٥٠، ٢٦٥١).\n(٣) برقم (٢٤٧، ٢٤٩).\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٥٣٥ - ٣٥٣٦) وقال: هذا حدث حسن صحيح.","vol":"1","page":10},{"text":"وازدحم الناس مرة على باب ابن المبارك فقال: حُقٌّ لهُمْ مِنْ وِلايةٍ سُرُورُ الأبدِ. يغبطهم بازدحامهم على طلب العلم؛ لأنّه يؤدي إلى الخلود في النعيم المقيم.\nولهذا تأسف معاذ بن جبل عند موته وبكى على مفارقة مجالس الذكر فقال: \"إِنّما أبكي على ظمأِ الْهواجِرِ، وقِيامِ ليْلِ الشِّتاءِ، ومُزاحمةِ العُلماءِ بِالرُّكبِ عِنْد حِلقِ الذِّكْرِ\" (١).\nوينبغي للعالم أن يرحب بطلبة العلم ويوصيهم بالعمل.\nكما قال الحسن لأصحابه -وقد دخلوا عليه-: \"مرحبًا بِكُمْ وأهْلًا، حَيّاكُمُ اللهُ بِالسّلامِ، وأذخلنا وإيّاكُمْ دار السّلامِ، هذِهِ علانِيةٌ حسنةٌ إِنْ صبرْتُمْ وصدقْتُمْ وأيْقنْتُمْ، لا يكُوننّ حظّكُمْ مِنْ هذا الخْيرِ -رحِمكُمُ اللهُ- أنْ تسْمَعُوهُ بِهذِهِ الْأُذُنِ فيخْرُجُ مِنْ هذِهِ الْأُذُنِ؛ فإِنّهُ منْ رَأَى مُحمّدًا ﷺ فقذ رآهُ غادِيًا ورائِحًا لمْ يضعْ إِلى اللهِ لبِنةً على لبِنةٍ ولا قَصَبَةً عَلَى قَصَبةٍ، وَلَكِنْ رُفِع لهُ علمٌ فشمَّر إِليْهِ. الْوحَا الْوحَا (٢)، النّجَا النّجَا عَلاَمَ تُعرِّجُون؛ أتيْتُمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ كأنّكُمْ والْأمْرُ معًا \".\n...\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"الزهد\" (٢٢٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢٣٩).\n(٢) الوَحَا الوَحَا: أي السرعة السرعة. \"اللسان\" مادة: (وحي).","vol":"1","page":11},{"text":"ولنشرع الآن في شرح حديث أبي الدرداء ﵁ الذي رواه عن النبي.\nفقوله - ﷺ -:\n\"منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الْجنّةِ\" وفي رواية أخرى: \"سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ\".\nوفي \"صحيح مسلم \" (١) عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: \"منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الْجنّةِ\".\nسلوك الطريق لالتماس العلم: يحتمل أن يراد به السلوك الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلم.\nويحتمل أن يشمل ما هو أعم من ذلك من سلوك الطريق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم، مثل حفظه ودراسته، ومطالعته ومذاكرته والتفهم له والتفكر فيه، ونحو ذلك من الطرق التي يتوصل بها إلى العلم.\nوأما قوله: \"سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ\".\nفإنه يحتمل أمورًا:\nمنها: أن يسهل الله لطالبِ العلمِ العلمَ الذي طلبه وسلك طريقه وييسره عليه؛ فإن العلم طريق موصل إلى الجنة.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢).\nقال طائفة من السلف في هذه الآية: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانُ عَلَيهِ.\n_________\n(١) رقم (٢٦٩٩).\n(٢) القمر: ٢٢.","vol":"1","page":12},{"text":"ومنها: أن ييسر الله لطالب العلم العمل بمقتضى ذلك العلم إذا قصد بتعلمه وجه الله، فيجعله الله سببًا لهدايته والانتفاع به والعمل به، وذلك من طرق الجنة الموصلة إليها.\nومنها: أن الله -تعالى- ييسر لطالب العلم الذي يطلبه للعمل به علومًا أخر ينتفع بها؛ فيكون طريقًا موصلًا إلى الجنة، وهذا كما قيل: مَنْ عَمِل بِمَا عَلِمَ أوْرَثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.\nوكما يقال:\n\"ثوابُ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا\".\nوإلى هذا إشارة بقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (١).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٢).\nفمن التمس العلم ليهتدي به زاده الله هدى وعلومًا نافعة، توجب له أعمالًا صالحة، وكل هذه طرق موصلة إلى الجنة.\nومنها: أن الله تعالى قد ييسر لطالب العلم الانتفاع به في الآخرة، وسلوك الطريق الحسنى المفضي إلى الجنة وهو الصراط وما بعده، وما قبله من الأهوال العظيمة والعقبات الشديدة الشاقة.\nوسبب تيسير طريق الجنة على طالب العلم؛ إذا أراد به وجه الله ﷿ وطلب مرضاته: أن العلم يدل على الله من أقرب الطرق وأسهلها؛ فمن سلك طريقه ولم يعوج عنه وصل إلى الله وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها، فتسهلت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا وفي الآخرة.\nومن سلك طريقًا يظنه طريق الجنة بغير علم، فقد سلك أعسر الطرق وأشقها، ولا يوصل إلى المقصود مع عسرة شديدة.\n_________\n(١) مريم: ٧٦.\n(٢) محمد: ١٧.","vol":"1","page":13},{"text":"فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بتهربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يُهْتدى في ظلمات الجهل والشبه والشكوك، وقد سمى الله كتابه نورًا يهتدى به في الظلمات.\nكما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).\nوقد ضرب النبي - ﷺ - مثل من حمل العلم الذي جاء به بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات.\nكما في \"المسند\" (٢) عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ -: \"إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا طُمِسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ\".\nوهذا مثل في غاية المطابقة؛ لأنّ طريق التوحيد والعلم بالله تعالى وأحكامه، وثوابه وعقابه لا يدرك بالحس، إنما يعرف بالدليل، وقد بين ذلك كله في كتابه وعلى لسان رسوله.\nفالعلماء بما أنزل الله على رسوله هم الأدلاء الذين يهتدى بهم في ظلمات الجهل والشبه والضلال، فإذا فقدوا ضل السالك.\nوقد شبه العلماء بالنجوم، والنجوم في السماء، فيها ثلاث فوائد:\nيهتدى بها في الظلمات، وهي زينة للسماء، ورجوم للشياطين الذين يسترقون السمع منها.\n_________\n(١) المائدة: ١٥ - ١٦.\n(٢) (٣/ ١٥٧).","vol":"1","page":14},{"text":"والعلماء في الأرض تجتمع فيهم هذه الأوصاف الثلاثة:\nبهم يهتدى في الظلمات، وهم زينة للأرض، وهم رجوم للشياطين الذين يخلطون الحق بالباطل، ويدخلون في الدين ما ليحمنه من أهل الأهواء، وما دام العلم باقيًا في الأرض فالناس في هدى.\nوبقاء العلم بقاء حملته؛ فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال، كما في الحديث الصحيح (١) عن النبي - ﷺ -:\n«إِنّ الله لا يقْبِضُ العِلْم انْتِزاعًا ينْتزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجالِ، ولكِنْ يُذْهِبُ العِلْم بِذِهابِ العُلماءِ، فإِذا لمْ يبْق عالِمٌ اتّخذ النّاسُ رُءُوسًا جُهّالًا فسُئِلُوا فأفْتوْا بِغيْرِ عِلْم، ٍ فضلُّوا وأضلُّوا».\nوخرج الترمذي (٢) من حديث جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال:\n«كُنّا مَعَ النّبِيّ - ﷺ - فقال: هَذَا أوانُ يُخْتلسُ العِلْمُ مِن النّاسِ حتّى لا يقْدِرُوا مِنْهُ على شيْءٍ»، فقال زِيادُ بْنُ لبِيدٍ: كيْف يُخْتلسُ مِنّا العِلْمُ، وقد قرأْنا القُرْآن؟! فواللهِ لنقْرأنّهُ ولنُقْرِئنّهُ نِساءنا وأبْناءنا، فَقَالَ: «ثَكِلتْك أُمُّك يا زِيادُ، إِنْ كُنْتُ لأعُدُّك مِنْ فُقهاءِ المدِينةِ، هذِهِ التّوْراةُ والإِنْجِيلُ عِنْد اليهُودِ والنّصارى، فَمَاذَا تُغْنِي عنْهُمْ؟!» قال جُبيْرٌ بْنُ نفير: فلقِيتُ عُبادة بْن الصّامِتِ فقُلْتُ: ألا تسْمعُ ما يقُولُ أبُو الدّرْداءِ؟ فأخْبرْتُهُ بِالّذِي قال، قال: «صدق أبُو الدّرْداءِ، لَوْ شِئْتُ لأُخْبَرْتُكَ بِأَوّلِ عِلْمٍ يُرْفعُ مِن النّاسِ: الخُشُوعُ، يُوشِكُ أنْ تذخُل مسْجِد الجامِعِ فلا ترى فِيهِ خاشِعًا».\nوخرجه النسائي (٣) من حديث جبير بن نفير، عن عوف بن مالك، عن النبي - ﷺ -، وفي حديثه: \"فذكر - ﷺ - ضلالة الْيهُودِ والنّصَارَى عَلَى مَا فِي أيْدِيهِمْ مِنْ كِتابِ اللهِ. قال جُبيْر: فَلَقِيتُ شَدَّادَ بْن أوْسٍ فحدّثْتُهُ بِحدِيثِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(٢) برقم (٢٦٥٣).\n(٣) في \"السنن الكبرى\" (٥٩٠٩/ ٣).","vol":"1","page":15},{"text":"عوْفِ، فقال: صدق، ألا أُخْبِرُك بِأوّلِ ذلِك؛ يُرْفعُ الْخُشُوعُ حتّى لا ترى خاشِعًا».\nوخرج الإمام أحمد (١) من حديث زياد بن لبيد، عن النبي -ﷺ- أنّه ذكر شيئًا فقال:\n\"ذاك عِنْد أوانِ ذِهابِ الْعِلْمِ \". فذكر الحديث، وقال فيه: \"أو ليْس الْيهُودُ والنّصارى يقْرءُون التّوْراة والْإِنْجِيل لا يعْملُون بِشيْءٍ مِمّا فِيها؛! \".\nولم يذكر ما بعدها.\nففي هذه الأحاديث أن ذهاب العلم بذهاب العمل، وأن الصحابة فسروا ذلك بذهاب العلم الباطن من القلوب وهو الخشوع.\nوكذا روي عن حذيفة: \"إنّ أوّل ما يُرْفعُ مِن العِلْمِ الخُشُوعُ\" (٢).\nفإن العلم علمان كما قال الحسن: \"عِلْمُ اللِّسانِ، فذاك حُجّةُ اللهِ على ابْنِ آدمِ، وعِلْمٌ فِى الْقلْبِ فذاك الْعِلْمُ النافِعُ \".\nوروي عن الحسن مرسلًا (٣) عن النبي -ﷺ-.\nوفي \" صحيح مسلم \" (٤) عن ابن مسعود/ قال:\n\"إِنّ أقْوامًا يقْرءُون الْقُرْآن لا يُجاوِزُ تراقِيهُمْ، ولكِنْ إِذا وقع فِي الْقلْبِ فرسخ فِيهِ نفع\".\nفالعلم النافع هو ما باشر القلب فأوقر فيه معرفة الله تعالى وعظمته، وخشيته وإجلاله، وتعظيمه ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع فخشعت الجوارح كلها تبعًا لخشوعه.\n_________\n(١) (٤/ ١٦٠، ٢١٨، ٢١٩).\n(٢) أخرجه أحمد في \" الزهد\") ص ٢٢٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٨١) بلفظ: \"أول ما تفقدون من دينكم الخشوع\".\n(٣) أخرجه أبي شيبة في \"المصنف\" (١٣/ ٢٣٥) وغيره.\n(٤) برقم (٨٢٢).","vol":"1","page":16},{"text":"وفي \" صحيح مسلم \" (١) عن النبي - ﷺأنّه كان يقول: \"إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ\".\nوهذا يدل على أن العلم الذي لا يوجب الخشوع للقلب فهو علم غير نافع.\nوروي عنه - ﷺ -: \"أنّهُ كَانَ يَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا نَافِعًا\" (٢).\nوفي حديث آخر قال: «سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» (٣).\nوأما العلم الذي على اللسان فهو حجة الله على ابن آدم.\nكما قال النبي - ﷺ -: \"والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيكَ\" (٤).\nفإذا ذهب من الناس العلم الباطن بقي الظاهر على الألسنة حجة، ثم يذهب هذا العلم الذي هو حجة بذهاب حملته، ولا يبقى من الدين إلا اسمه فيبقى القرآن في المصاحف ثم يسري به في آخر الزمان فلا يبقى منه في المصاحف ولا في القلوب شيء.\nومن هنا قَسَّمَ من قَسَّمَ من العُلَمَاءِ العلم إِلى باطن وظاهر، فالباطن: ما باشر القلوب فأثمر لها الخشية والخشوع، والتعظيم والإجلال، والمحبة والأنس والشوق.\nوالظاهر: ما كان على اللسان، فبه تقوم حجة الله على عباده.\nوكتب وهب بن منبه إلى مكحول: \"إِنَّكَ امْرُؤٌ قَدْ أَصَبْتَ بِمَا ظَهَرَ لَكَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ شَرَفًا فَاطْلُبْ بِمَا بَطَنَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ مَحَبَّةً وَزُلْفَى\".\n_________\n(١) برقم (٢٧٢٢) من حديث ابن مسعود.\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٨، ٣٢٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٩٣٠/ ٢)، وابن ماجه (٩٢٥) من حديث أم سلمة.\n(٣) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٧٨٦٧/ ١ - ٢)، وابن ماجه (٣٨٤٣).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٢٣).","vol":"1","page":17},{"text":"وفي رواية أخرى أنّه كتب إليه: \"إِنّك قذ بلغْت بِظَاهِرِ عِلْمِكَ عِنْدَ النّاسِ منْزِلةً وشَرَفًا، فَاطْلُبْ بِباطِنِ عِلْمِك عِنْد اللهِ مَنْزِلةً وزُلْفَى، واعْلمْ أن إِحْدى الْمنْزِلتيْنِ تَمْنعُ الْأُخْرى\".\nفأشار وهب بعلم الظاهر إلى علم الفتاوى والأحكام، والحلال والحرام، والقصص والوعظ وهو ما يظهر على اللسان.\nوهذا العلم يوجب لصاحبه محبة الناس له، وتقدمه عندهم، فحذره من الوقوف عند ذلك، والركون إليه والالتفات إلى تعظيم الناس ومحبتهم؛ فإن من وقف مع ذلك فقد انقطع عن الله وانحجب بنظره إلى الخلق عن الحق.\nوأشار بعلم الباطن إلى العلم الذي يباشر القلوب، فيحدث لها الخشية والإجلال والتعظيم، وأمره أن يطلب بهذا المحبة من الله والقرب منه والزلفى لديه.\nوكان كثير من السلف كسفيان الثوري وغيره يقسمون العلماء ثلائة أقسام:\nعَالِمٌ بِاللهِ وَعَالِم بِأمْرِ اللهِ.\nويشيرون بذلك إلى من جمع بين هذين العلمين المشار إليهما الظاهر والباطن، وهؤلاء أشرف العلماء، وهم الممدوحون في قوله تعالى: ﴿إِنّما يخْشى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلماءُ﴾ (١).\nوقوله: ﴿إِنّ الّذِين أُوتُوا الْعِلْم مِنْ قبْلِهِ إِذا يُتْلى عليْهِمْ يخِرُّون لِلْأذْقانِ سُجّدًا﴾ إلى قوله: ﴿ويزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٢).\nوقال كثير من السلف: لَيْسَ الْعِلْمُ كَثْرَةَ الرِّوايةِ ولَكِنّ الْعِلْمَ الْخَشْيةُ.\nوقال بعضهم: كفى بِخشْيةِ اللهِ عِلْمًا، وكفى بِالاغْتِرارِ بِاللهِ جهْلًا.\nويقولون أيضًا: عَالِمٌ بِاللهِ لَيْسَ بِعالمٍ بِأمْرِ اللهِ.\n_________\n(١) فاطر: ٢٨.\n(٢) الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩.","vol":"1","page":18},{"text":"وهم أصحاب العلم الباطن الذي يخشون الله، وليس لهم اتساع في العلم الظاهر.\nويقولون: عَالِمٌ بِأَمْرِ اللهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللهِ.\nوهم أصحاب العلم الظاهر الذين لا نفاذ لهم في العالم الباطن، وليس لهم خشية ولا خشوع، وهؤلاء مذمومون عند السلف.\nوكان بعضهم يقول: هَذَا هُوَ العَالِمُ الفَاجِرُ.\nوهؤلاء الذين وقفوا مع ظاهر العلم ولم يصل العلم النافع إلى قلوبهم ولا شموا له رائحة، غلبت عليهم الغفلة والقسوة، والإعراض عن الآخرة والتنافس في الدنيا، ومحبة العلو فيها والتقدم بين أهلها.\nوقد منعوا إحسان الظن بمن وصل العلم النافع إلى قلبه، فلا يحبونهم ولا يجالسونهم، وربما ذموهم وقالوا: ليسوا بعلماء، وهذا من خداع الشيطان وغروره، ليحرمهم/ الوصول إلى العلم النافع الذي مدحه الله ورسوله، وسلف الأمة وأئمتها.\nولهذا كان علماء الدنيا يبغضون علماء الآخرة، ويسعون في أذاهم جهدهم، كما سعوا في أذى سعيد بن المسيب والحسن وسفيان ومالك وأحمد، وغيرهم من العلماء الربانيين، وذلك لأن علماء الآخرة خلفاء الرسل، وعلماء السوء فيهم شبه من اليهود، وهم أعداء الرسل وقتلة الأنبياء ومن يأمر بالقسط من الناس، وهم أشد الناس عداوة وحسدًا للمؤمنين، ولشدة محبتهم للدنيا لا يعظمون علمًا ولا دينًا، وإنما يعظمون المال والجاه والتقدم عند الملوك.\nكما قال بعض الوزراء للحجاج بن أرطاة: \"إنَّ لَكَ دِينًا وإِنَّ لَكَ فِقْهًا\".\nفقال الحجاج: \"أَفَلاَ تَقُولُ إِنَّ لَكَ شَرَفًا وإِنَّ لَكَ قَدْرًا\".","vol":"1","page":19},{"text":"فقال الوزير: \"وَاللهِ إِنَّكَ لَتُصَغِّرُ مَا عَظَّمَ اللهُ وَتُعَظِّمُ مَا صَغَّرَ اللهُ\" (٥).\nوكثير ممن يدعى الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر، الذي هو الشرائع والأحكام، والحلال والحرام ويطعن في أهله ويقولون: هم محجوبون وأصحاب قشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة، والأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والاعتناء بها.\nوربما انحل بعضهم عن التكاليف، وادعى أنها للعامة، وأما من وصل فلا حاجة له إليها، وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد وغيره من العارفين وصلوا ولكن إلى سَقَرَ.\nوهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام.\nومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يُتَلَقَى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسنة، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات، فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة، حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام الغيوب، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول - ﷺ - في هذا الباب بالكلية، والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلوا وأضلوا.\nفظهر بهذا أن أكمل العلماء وأفضلهم: العلماء بالله وبأمره الذين جمعوا بين العلمين وتلقوهما معًا من الوحيين -أعني: الكتاب والسنة- وعرضوا كلام الناس في العلمين معًا على ما جاء في الكتاب والسنة، فما وافق قبلوه، وما خالف ردوه.\nوهؤلاء خلاصة الخلق، وهم أفضل الناس بعد الرسل، وهم خلفاء الرسل حقًّا، وهؤلاء كثير في الصحابة، كالخلفاء الأربعة، ومعاذ، وأبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود وابن عمر، وابن عباس وغيرهم.","vol":"1","page":20},{"text":"وكذلك فيمن بعدهم كالحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والنخعي، ويحيى بن أبي كثير.\nوفيمن بعدهم كالثوري، والأوزاعي، وأحمد، وغيرهم من العلماء الربانيين.\nوقد سماهم علي بن أبي طالب -﵁-: العلماء الربانيين، يشير إلى أنّهم الربانيون الممدوحون في غير موضع من كتاب الله -﷿-.\nفقال: \"النّاسُ ثلاثةٌ: عالِمٌ ربّانِيٌّ، ومُتعلِّمٌ على سبِيلِ نجاةٍ، وَهَمَجٌ رِعاعٌ ... \".\nثم ذكر كلامًا طويلًا وصف فيه علماء السوء والعلماء الربانيين، وقد شرحناه في غير هذا الموضع.\nوالمقصود ها هنا أن التماس العلم سبب موصل إلى الجنة.\nوفي الحديث المعروف عن النبي -ﷺ-: «إِذا مررْتُمْ بِرِياضِ الجنّةِ فارْتعُوا»،\nقالُوا: وما رِياضُ الجنّةِ؟!\nقال: «حِلَقُ الذِّكْرِ» (١).\nوكان ابن مسعود إذا ذكر هذا الكلام يقول: \"أَمَا إنِّي لاَ أعْنِي القُصَّاصَ ولكِنْ حِلَقَ الفِقْهِ\".\nوروي عن أنس معناه أيضًا.\nوقال عطاء الخراساني: \"مجَالِسُ الذِّكْرِ مجَالِسُ الحَلالِ والحَرَامِ، كَيفَ تَشْترِي وَتَبِيعُ، وتُصَلِّي وتَصُومُ، وتنْكِحُ وتُطلِّقُ، وتَحُجُّ وأشْباهُ هذا\".\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٠)، والترمذي (٣٥١٠) من حديث أنس. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس.\nوأخرجه الترمذي (٣٥٠٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ، قُلْتُ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ\" وقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"1","page":21},{"text":"وقال يحيى بن أبي كثير: دَرْسُ الفِقْهِ صَلاةٌ.\nوكان أبو السوار العدوي في حلقة يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: سُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ، فَغَضِبَ أَبُو السُّوارِ، وَقَالَ: وَيْحَكَ، في أَيّ شَيء كُنَّا إِذًا؟!\nوالمراد بهذا أن مجالس الذكر لا تختص بالمجالس التي يذكر فيها اسم الله بالتسبيح والتكبير والتحميد ونحوه؛ بل تشمل ما ذكر فيه أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه وما يحبه ويرضاه، فإنه ربما كان هذا الذكر أنفع من ذلك؛ لأنّ معرفة الحلال والحرام واجبة في الجملة على كل مسلم، بحسب ما يتعلق به في ذلك، وأما ذكر الله باللسان، فإن أكثره يكون تطوعًا، وقد يكون واجبًا كالذكر في الصلوات المكتوبة.\nوأما معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، وما يحبه ورضاه، وما يكرهه وينهى عنه فيجب على كل من احتاج إلى شيء من ذلك أن يتعلمه.\nولهذا روى: \"طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ\" (١).\nفإنه يجب على كل مسلم معرفة ما يحتاج إليه في دينه، كالطهارة والصلاة والصيام.\nويجب على من له مال معرفة ما يجب عليه في ماله من زكاة ونفقة، وحج وجهاد.\nوكذلك يجب على كل من يبيع ويشتري أن يتعلم ما يحل ويحرم من البيوع.\nكما قال عمر ﵁: \"لَا يَبِيعُ فِي سُوقِنَا إِلا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ\" خرجه الترمذي (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤) من حديث أنس.\n(٢) برقم (٤٨٧).","vol":"1","page":22},{"text":"ويروى بإسناد فيه ضعف عن علي ﵁ قال: \"الفِقْهُ قَبْلَ التِّجَارَةِ، إِنَّهُ مَنْ اتَّجَرَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهَ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا ثُمَّ ارْتَطَمَ\".\nوسُئل ابن المبارك: ما الذي يجب على الناس من تعلم العلم؟ قال: أن لا يقدم الرجل على شيء إلا بعلم يسأل ويتعلم، فهذا الذي يجب على الناس من تعلم العلم، ثم فسره وقال:\n\"لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيهِ وَاجِبٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ الزَّكَاةَ، فَإِذَا كَانَ لَهُ مَائَتَا دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَمْ يُخْرِجُ وَمَتَى يُخْرِجُ وَأَيْنَ يَضَعَ وَسَائِرُ الأَشْيَاءِ عَلَى هَذَا\".\nوسئل الإمام أحمد ﵀ عن الرجل مَا يَجِبُ عَلَيهِ مِنْ طَلَبِ العِلْمِ؟ فقال: مَا يُقِيمُ بِهِ الصَّلواتِ وَأَمَرَ دِينِه مِنَ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ، وَذَكَرَ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ. وقال: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ.\nوقال أيضًا: \"الَّذِي يَجِبُ عَلَى الإِنسَانِ مِنَ العِلْمِ مَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ فِي صَلاَتِهِ وَإِقَامَةِ دِيْنِهِ\".\nواعلم أن علم الحلال والحرام علم شريف، ومنه ما تَعَلَّمُهُ فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية.\nوقد نص العلماء على أن تَعَلَّمُهُ أفضل من نوافل العبادات، منهم أحمد وإسحاق. وكان أئمة السلف يتوقون الكلام فيه تورعًا؛ لأنّ المتكلم فيه مخبر عن الله بأمره ونهيه، مبلغ عنه شرعه ودينه.\nوكان ابن سيرين إَذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ تَغَيَّر لَوْنُهُ وَتَبَدَّلَ، حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بالَّذِي كَانَ.\nوقال عطاء بن السائب: أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُسْأَلُ عَن الشَّيءِ فَيَتَكَّلَّمُ وَإِنَّه لَيُرْعَدُ\".\nوروي عن مالك أنّه كان إذا سئل عن مسألة، كأنّه بين الجنة والنار.","vol":"1","page":23},{"text":"وكان الإمام أحمد شديد التورع في إطلاق لفظ الحرام والحلال أو دعوى النسخ، ونحو ذلك مما يجسر عليه غيره كثيرًا، وأكثر أجوبته: أرجو وأخشى، أو أحب إلي، ونحو ذلك.\nوكان هو ومالك وغيرهما يقولون كثيرًا: لا ندري.\nوكان أحمد يقول ذلك في مسألة يذكر للسلف فيها أقوالًا عديدة، ويريد بقوله لا أدري أي الراجح المفتى به من ذلك.\nومن مجالس الذكر أيضًا: مجالس العلم التي يذكر فيها تفسير كتاب الله أو يروى فيها سنة رسول الله - ﷺ -.\nفإن كانت رواية الحديث مع تفسير معانيه، فذلك أكمل وأفضل من مجرد رواية ألفاظه ويدخل في الفقه في الدين كل علم مستنبط من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ - سواء كان من علوم الإسلام التي هي الأعمال الظاهرة والأقوال، أو من علوم الإيمان التي هي الاعتقادات الباطنة، وأدلة ذلك وبراهينه المقررة في الكتاب والسنة، أو من علوم الإحسان التي هى علوم المراقبة والمشاهدة بالقلب، ويدخل في ذلك علم الخشية والمحبة والرجاء والإنابة، والصبر والرضا، وغير ذلك من المقامات.\nوكل ذلك قد سماه النبي -ﷺ- في حديث سؤال جبرئيل له عنه: دينًا.\nفالفقه فيه من الفقه في الدين، ومجالسه من أفضل مجالس الذكر التي هي من رياض الجنة، وهي أفضل من مجالس ذكر اسم الله بالتسبيح والتحميد والتكبير؛ لأنها دائرة بين فرض عين أو فرض كفاية، والذكر المجرد تطوع محض.\nوقد دخل بعض السلف مسجد البصرة فرأى فيه حلقتين في إحداهما قاص وفي الأخرى فقيه يعلم الفقه، فصلى ركعتين واستخار الله في الجلوس إلى إحداهما، فنعس فرأى في نومه قائلًا يقول له: أو قد سويت بينهما؟! إن شئت أريناك مقعد جبرئيل -﵇- من فلان- يعني: الفقيه الذي يعلم العلم.","vol":"1","page":24},{"text":"وسنذكر فيما بعد النصوص الدالة على فضل العلم على أنواع العبادات من الذكر وغيره -إن شاء الله تعالى.\nوكان زيد بن أسلم من جلة علماء المدينة، وكان له مجلس في المسجد يذكر فيه التفسير والحديث والفقه وغير ذلك، فجاء إليه رجل فقال له: إني رأيت بعض أهل السماء وهو يقول لأهل هذا المجلس: \"هَؤلاَءِ فِي رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ آمِنُونَ ثُمَّ أَرَاهُ أَنْزَلَ عَلَى أَهْلِ المَجْلِسِ حُوتًا طَرِيًّا وَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَجَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِي - ﷺ - وأبا بكر وعمر﵄- خرجوا من هذا الباب والنبي -ﷺ- يقول: \"انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى زَيدٍ نُجَالِسُهُ وَنَسْمَعُ مِنْ حَدِيثِهِ. فجاء النبيُّ - ﷺ - حتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِكَ فَأَخَذَ بِيَدِكَ، فَلَمْ يَبْقَ زَيدٌ بَعْدَ هذِهِ الرُّؤيَا إِلاَّ قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ رحمه الله تعالى\".\nومع ما ذكرنا من تفضيل العلم على القصص؛ فالعالم لا يستغني أحيانًا عن موعظة الناس والقصص عليهم، وإزالة القسوة عن قلوبهم، بالتذكير بالله وأيامه، فإن القرآن يشتمل على ذلك كله، والفقيه العالم حقًّا هو من فهم كتاب الله واتبع ما فيه.\nكما قال علي ﵁: \"الفَقِيهُ حق الفقيه مَنْ لاَ يُقَنَّطِ النَّاس مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَلاَ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصي اللهِ، وَلاَ يَدَعُ القُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ\" (١).\nوقد كان النبي -ﷺ- يَتَخَوَّلُ أَصْحَابَهُ بِالْمَوْعِظَةِ أَحْيَانًا؛ خشية السَّآمَةِ عَلَيْهِمْ\" (٢).\nقوله - ﷺ -: \"وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنَعُ\"\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ١٦١)، والآجري في \"أخلاق العلماء\" (٤٩، ٥٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨)، ومسلم (٢٨٢١).","vol":"1","page":25},{"text":"وخرج ابن ماجه (١) من حديث زر بن حبيش قال: \"أتيت صفوان بن عسال، فقال: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: أَطْلُبُ العِلْمَ. قال: فَإِنِّي سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ خَارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلَّا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًى بِمَا يَصْنَعُ».\nوخرجه الترمذي (٢) وغيره موقوفًا على صفوان.\nوقد اختلف الناس في تأويل وضع الملائكة أجنحتها:\nفمنهم من حمله على ظاهره، وأن المراد فرش الأجنحة وبسطها لطلاب العلم لتحملهم عليها إلى مقاصدهم من الأرض التي يطلبون فيها العلم؛ إعانة لهم على الطلب وتيسيره عليهم.\nوقد سمع هذا الحديث بعض الملحدين، فقال لطلبة العلم:\n\"ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها. يستهزئون بذلك، فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط\".\nوروي عن آخر قال:\nلأكسرن أجنحة الملائكة. فصنع له نعلًا طرقها بمسامير كثيرة، فمشى بها إلى مجلس العلم فجفت رجلاه ووقعت فيهما الأكلة\" (٣).\nومنهم من فسر وضع الملائكة أجنحتها بالتواضع لهم، والخضوع لطلاب العلم كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).\nوفي هذا نظر؛ لأنّ للملائكة أجنحة حقيقة بخلاف البشر.\n_________\n(١) برقم (٢٢٦، ٤٠٧٠).\n(٢) برقم (٣٥٣٦) عن صفوان بن عسال قال: بلغني أن الملائكة ... الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) الأكلة: داء يقع في العضو، فيأتكل منه \"اللسان\" مادة: (أكل).\n(٤) الشعراء: ٢١٥.","vol":"1","page":26},{"text":"ومنهم من فسر ذلك بأن الملائكة تحف بأجنحتها مجالس الذكر إلى السماء كما جاء ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-.\nوورد مثله في بعض ألفاظ حديث صفوان بن عسال مرفوعًا: \"إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلائِكَةُ وَتَظلّه بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يُطْلَبُ\" (١).\nولعل هذا القول أشبه، والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَانُ فِي جَوفِ المَاءِ\".\nقد أخبر الله في كتابه باستغفار ملائكة السماء للمؤمنين عمومًا بقوله تعالى:\n﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣).\nفهذا للمؤمنين عمومًا.\nفأما العلماء فيستغفر لهم أهل السماء وأهل الأرض حتى الحيتان في البحر.\nوخرج الترمذي (٤) من حديث أبي أمامة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال:\n«إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ فِي البَحْرِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ» وصححه الترمذي.\n_________\n(١) أخرجه الآجري في \"أخلاق العلماء\" (ص٢٠).\n(٢) غافر: ٧.\n(٣) الشورى: ٥.\n(٤) برقم (٢٦٨٥).","vol":"1","page":27},{"text":"وخرج الطبراني (١) من حديث جابر، عن النبي -ﷺ- قال:\n\"مُعَلِّمُ النَّاسِ الْخَيْرَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ حَتَّى الحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ\".\nويروى من حديث البراء بن عازب، عن النبي -ﷺ-:\n\"العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، يُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الحِيتَانُ فِي البَحْرِ إِذَا مَاتُوا إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ\" (٢).\nوورد الاستغفار أيضًا لطالب العلم. ففي \"مسند الإمام أحمد\" (٣) عن\nقبيصة بن المخارق قال: \"أتَيْتُ النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: كَبُرَ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَأَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مَا يَنْفَعُنِي اللهُ بِهِ\".\nقال: \"يَا قَبِيصَةُ، مَا مَرَرْتَ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ إِلَّا اسْتَغْفَرَ لَكَ\".\nوقد دل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٤).\nعلى أن الله وملائكته يصلون على أهل الذكر، والعلم من أفضل أنواع الذكر، كما سبق تقريره.\nوخرج الحاكم (٥) من حديث سليم بن عامر قال: \"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي، كَأَنَّ المَلاَئِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْكَ كُلَّمَا دَخَلْتَ وَكُلَّمَا خَرِجْتَ، وَكُلَّمَا قُمْتَ وَكُلَّمَا جَلَسْتَ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: اللَّهُمَّ\n_________\n(١) في \"الأوسط\" (٦٢١٩). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلاَّ أَبُو إسحاق الفزاري. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٢٤) وقال: وفيه إسماعيل بن عبد الله بن زرارة وثقه ابن حبان، وقال الأزدي: منكر الحديث، ولا يلتفت إلى قوله الأزدي في مثله، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٢) عزاه القرطبي في \"التفسير\" (٤/ ٤١) إلى أبي محمد عبد الغني الحافظ من حديث بركة بن نشيط وهو عنكل بن حكارك وتفسيره بركة بن نشيط كان حافظًا حدثنا عمر بن المؤمل حدثنا محمد بن أبي الخصيب حدثنا عنكل حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء .. فذكره. وذكره أيضًا الديلمي في \"الفردوس\" (٣/ ٧٥) عن البراء بن عازب.\n(٣) (١/ ٦٠).\n(٤) الأحزاب: ٤١: ٤٣.\n(٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٤١٨). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.","vol":"1","page":28},{"text":"غفرًا، دَعُونَا عَنْكُمْ، وَأَنْتُمْ لَوْ شِئْتُمْ لَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الَملاَئكَةُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١).\nوقذ ذكر بعضهم السر في استغفار دواب الأرض للعلماء، وهو أن العلماء يأمرون الناس بالإحسان إلى المخلوقات كلها، وبإحسان قتل ما يجوز قتله أو ذبحه من الحيوانات، فيتعدى نفعهم إلى الحيوانات كلها، فلذلك يستغفرون لهم.\nويظهر فيه معنى آخر وهو أن سائر المخلوقات مطيعة لله، قانتة له، مسبحة له غير عصاة الثقلين: الجن والإنس، فكل الخلق المطيعين لله يحبون أهل طاعته، فكيف به وهو يعرف الله ويعرف حقوقه وطاعته؟\nفمن كانت هذه صفته، فإن الله يحبه ويزكيه ويثني عليه، ويأمر عباده من أهل السماء والأرض وسائر خلقه بمحبته والدعاء له، وذلك هو صلاتهم عليه، ويجعل له المودة في قلوب عباده المؤمنين.\nكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٢).\nولا تختص محبته بالحيوانات؛ بل تحبه الجمادات أيضًا.\nكما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (٣) أن السَّماءِ والأَرضَ تَبْكِى عَلَى المُؤْمِنِ إِذَا مَاتَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا.\nوفي الحديث: \"إِنَّ الأَرْضَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ إِذَا دُفِنَ: إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي، فَسَتَرَى إِذَا صِرْتَ إِلَى بَطْنِى صنيعي\" (٤).\n_________\n(١) الأحزاب: ٤١.\n(٢) مريم: ٩٦.\n(٣) الدخان: ٢٩.\n(٤) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.","vol":"1","page":29},{"text":"وإنما يبغض المؤمن والعالم عصاة الثقلين؛ لأنّ معصيتهم لله اقتضت تقديم أهواء نفوسهم على محبة الله وطاعته، فكرهوا طاعة الله وأهل طاعته، ومن أحب الله وأحب طاعته أحب أهل طاعته، وخصوصًا من دعا إلى طاعته وأمر الناس بها.\nوأيضًا فإن العلم إذا ظهر في الأرض وعمل به درّت البركات ونزلت الأرزاق فيعيش أهل الأرض كلهم، حتى النملة وغيرها من الحيوانات ببركته، ويستبشر أهل السماء بما يرتفع لأهل الأرض من الطاعات والأعمال الصالحات فيستغفرون لمن كان السبب في ذلك.\nوعكس هذا أن من كتم العلم الذي أمر الله بإظهاره لعنه الله وملائكته وأهل السماء والأرض، حيث سعى في إطفاء نور الله فى الأرض، الذي بسبب إخفائه تظهر المعاصي والظم والعداوة والبغي.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١).\nوقد قيل أنها نزلت في أهل الكتاب، الذين كتموا ما عندهم في كتابهم من صفة النبي - ﷺ -.\nوكان أبو هريرة يقول: \"لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا. وَيَتْلُو هَذِه الآيَةَ\" (٢).\nوفي \"سنن ابن ماجه\" (٣) عن البراء بن عازب، عن النبي - ﷺ - \"في قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١) قَالَ: \"دَوَابّ الأَرْضِ\".\nوقد روي هذا موقوفًا على البراء (٤).\n_________\n(١) البقرة: ١٥٩.\n(٢) أخرجه البخاري (١١٨) بلفظ: \"لولا آيتان\".\n(٣) برقم (٤٠٢١).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٦).","vol":"1","page":30},{"text":"وروي عن طائفة من السلف قالوا: \"تَلْعَنُهُمْ دَوَابُّ الأرْضِ، ويقولون: مُنعنَا القَطْرَ بِخَطَايَا بَنِي آدَمَ \".\nفإن كتمان العلم النافع سبب لظهور الجهل والمعاصي، وذلك يوجب محو المطر ونزول البلاء، فيعم دواب الأرض، فتهلك بخطايا بني آدم، فتلعن الدواب من كان سببًا لذلك.\nوقد ظهر بهذا أن محبة العلماء من الدين، كما قال علي ﵁ لكميل بن زياد: وَمَحَبَّةُ العَالِمِ دِينٌ يُدَانُ بِهَا.\nوفي الأثر المعروف: \"كُنْ عَالِمًا أَوْ متَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا أَوْ مُحِبًّا لَهُمْ، وَلاَ تَكُنْ الخَامِسَ فَتَهْلَكَ \".\nقال بعض السلف عند هذا: سُبحَانَ اللهِ! لَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُمْ مَخْرَجًا.\nيعني أنّه لا يخرج عن هذه الأربعة الممدوحة إلا الخامس الهالك، وهو من ليس بعالم ولا متعلم، ولا مستمع ولا محب لأهل العلم، وهو الهالك.\nفإن من أبغض أهل العلم أحب هلاكهم، ومن أحب هلاكهم فقد أحب أن يطفأ نور الله في الأرض ويظهر فيها المعاصي والفساد، فيخشى أن لا يرفع له مع ذلك عمل، كما قال سفيان الثوري وغيره من السلف.\nوكان بعض خدم الخلفاء يبغض أبا الفرج ابن الجوزي ويسعى في أذاه بجهده فرآه بعضهم في منامه وهو يذهب به إلى النار، فسئل عن سبب ذلك فقيل له: كان يبغض ابن الجوزي.\nقال ابن الجوزي: \"لَمَّا زَادَ تَعَصُّبُهُ وَأَذَاهُ لَجَأْتُ إِلَى اللهِ فِي كَشْفِ سَتْرِهِ، فَقَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى قَرِيبًا\".\nولما قتل الحجاجُ سعيدَ بن جبير كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى عِلمِهِ، فَمَنَعَهُمْ الانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِ، فَرَئَي فِي المَنَامِ أَنَّ الحَجَّاجَ قُتِلَ بِكُلِّ قَتِيلٍ قَتَلَهُ فِي الدُّنْيَا قِتلَةً، وَقُتِلَ بِسعيدٍ بنِ جُبيرٍ سَبْعِينَ قِتْلَةً\".","vol":"1","page":31},{"text":"ولهذا المعنى كان أشد الناس عذابًا من قتل نبيًّا؛ لأنّه سعى في الأرض بالفساد، ومن قتل عالمًا فقد قتل خليفة نبي، فهو ساع في الأرض بالفساد أيضًا، ولهذا قرن الله بين قتل الأنبياء وقتل العلماء الآمرين بالمعروف في قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١).\nوقال عكرمة وغيره من السلف في قوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَامَ عَدْلٍ قَالَ: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدَّ عَلَى عَضُدَ نَبِيٍّ أَوْ إِمَامِ عَدْلٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.\nقوله -ﷺ-: \"وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ\".\nوقد رُوِي هذا المعنى عن النبي - ﷺ - أيضًا من حديث معاذ وأبي الدرداء (٣)، ولكن إسنادهما منقطع.\nوفي هذا المثل تشبيه للعالم بالقمر ليلة البدر، وهو نهاية كماله، وتمام نوره، وتشبيه للعابد بالكواكب، وأن بين العالم والعابد من التفاوت في الفضل ما بين القمر ليلة البدر والكواكب، والسر في ذلك -والله أعلم- أن الكوكب ضوءه لا يعدو نفسه، وأما القمر ليلة البدر فإن نوره يشرق على أهل الأرض جميعًا، فيعمهم نوره فيستضيئون بنوره، ويهتدون به في مسيرهم.\n_________\n(١) آل عمران: ٢١.\n(٢) المائدة: ٣٢.\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦)، والترمذي (٢٦٨٢) من حديث أبي الدرداء، وقال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس هو عندي بمتصل، هكذا حدثنا محمود بن خداش بهذا الإسناد، وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن الوليد بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-، وهذا أصح من حديث محمود بن خداش، ورأي محمد بن إسماعيل هذا أصح.","vol":"1","page":32},{"text":"وإنما قال: \"على سائر الكواكب\" ولم يقل: على سائر النجوم؛ لأنّ الكواكب هي التي لا تسير ولا يهتدى بها، فهي بمنزلة العابد الذي نفعه مقصور على نفسه، وأما النجوم فهي التي يهتدى بها كما قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١).\nوقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢).\nفكذلك مَثَّلَ العلماء من أمته بالنجوم في الحديث الذي سبق ذكره.\nوكذلك روي عنه أنّه قال: \"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ؛ فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ\" (٣).\nوقد قيل: إن القمر إنما يستفيد نوره من ضوء الشمس، كما أن العالم نوره مقتبس من نور الرسالة، فلذلك شبه بالقمر ولم يشبه بالشمس.\nولما كان الرسول سراجًا منيرًا، يشرق نوره على الأرض، كان العلماء ورثته وخلفاؤه مشبهين بالقمر عند تمام نوره وإضاءته.\nوفي \"الصحيح\" (٤) عن النبي -ﷺ-: \"إِنَّ أَوَّلُ زُمْرَةٍ يدخلون الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لأَِهْلِ الأَرْضِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلَونَهُمْ عَلَى أَضْوَأ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ\".\nولا يبعد-والله أعلم- أن العلماء الربانيين من الزمرة الأولى، كما كانوا في الدنيا بمنزلة القمر ليلة البدر لأهل الأرض، وقد يشاركهم في ذلك المبرزون من العباد ولا سيما من انتفع الناس باستماع أخبارهم، ورقت القلوب عند ذكرهم، وحنت إلى اقتفاء آثارهم، وأما الزمرة الثانية فهم عموم العباد.\nولما مات الأوزاعي، وكان إمام أهل الشام فى العلم مع شدة عبادته وكثرة\n_________\n(١) النحل: ١٦.\n(٢) الأنعام: ٩٧.\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ٩١) وحكم عليه الشيخ ناصر الألباني -﵀ - في \"السلسلة الضعيفة\" برقم (٥٨) بالوضع.\n(٤) أخرجه البخاري (٣٣٢٧)، ومسلم (٢٨٣٤) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":33},{"text":"خشيته وخوفه من الله تعالى رئي في المنام فَقَالَ: ما رأيت هناك أعظم من درجة العلم، ثم درجة المحزونين، يعني: أهل الخوف من الله والخشية والحزن.\nوقد دل هذا الحديث على تفضيل العلم على العبادة تفضيلًا بينًا، والأدلة الدالة على ذلك كثيرة.\nقال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).\nوقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٢).\nيعني: على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، كذا قال ابن مسعود وغيره من السلف.\nوخرج الترمذي (٣) من حديث أبي أمامة، عن النبي -ﷺ-: \"أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ، وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ ﷺ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» \".\nوقال: صحيح حسن غريب.\nوخرج أيضًا هو (٤) وابن ماجه (٥) من حديث ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: \"فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ\".\nوخرج ابن ماجه (٦) من حديث عبد الله بن عمرو قال: \"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ -﷿- وَالْأُخْرَى يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ، هَؤُلَاءِ يَدْعُونَ اللَّهَ -﷿- وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ\n_________\n(١) الزمر: ٩.\n(٢) المجادلة: ١١.\n(٣) برقم (٢٦٨٥). قال الترمذي: هذا حديث غريب.\n(٤) برقم (٢٦٨١). قال الترمذي: هذا حديث غريب، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الوليد ابن مسلم.\n(٥) برقم (٢٢٢).\n(٦) برقم (٢٢٩). قال في \"الزوائد\": إسناده ضعيف، داود وبكر وعبد الرحمن كلهم ضعفاء.","vol":"1","page":34},{"text":"شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا. فَجَلَسَ مَعَهُمْ\".\nوخرجه ابن المبارك في كتاب \"الزهد\" (١) وزاد فيه بعد قوله: \"وَإِنَّمَا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا\": \"هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ\".\nوخرج الطبراني (٢) من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي -ﷺ-: \"قَلِيلُ الْفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ\".\nوخرج البزار (٣) والحاكم (٤) وغيرهما بأسانيد متعدده مرفوعًا: \"فَضْلُ الْعِلْمِ أَحَبُّ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ\" (٥).\nوفي \"مراسيل الزهري\" عن النبي -ﷺ-: \"فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ حُضْرِ (٦) جَوادٍ مِائَةَ عَامٍ\".\nوالآثار الموقوفة عن السلف في هذا كثيرة جدًّا:\nفروي عن أبي هريرة وأبي ذر قالا: \"البَابُ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُل أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا\" (٧).\nوخرجه ابن ماجه (٨) من حديث أبي ذر مرفوعًا.\n_________\n(١) برقم (١٣٨٨).\n(٢) في \"الأوسط\" (٨٦٩٨). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن رجاء بن حيوة إلا إسحاق أبو عبد الرحمن، تفرد به الليث. وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ١٧٣ - ١٧٤) وقال: غريب من حديث رجاء، تفرد به إسحاق بن أسيد، ولم يروه عن رجاء إلا ابنه.\n(٣) في \"المسند\" كما في \"كشف الأستار\" (١٣٩).\n(٤) في \"المستدرك\" (١/ ٩٢ - ٩٣). وصححه.\n(٥) وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٢١١ - ٢١٢). من حديث حذيفة وقال أبو نعيم: لم يروه متصلًا عن الأعمش، إلا عبد الله بن عبد القدوس، ورواه جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن مطرف عن النبي -ﷺ- من دون حذيفة، ورواه قتادة وحميد بن هلال عن مطرف من قوله.\n(٦) حضر -بالضم-: العَدْو. \"النهاية\" (١/ ٣٩٨).\n(٧) أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١١٥)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٥١). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٢٤): رواه البزار، وفيه بلال بن عبد الرحمن الحنفي، وهر متروك.\n(٨) برقم (٢١٩).","vol":"1","page":35},{"text":"وروي عن أبي الدرداء قال: \"مُذَاكَرَةُ العِلْمِ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ\" (١).\nويروى عن أبي هريرة مرفرعًا (٢): \"لأَنْ أَفْقَهُ سَاعَة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحيِي لَيلَةً أُصَلِّيهَا حَتَّى أُصْبِحَ\".\nوعنه قال: \"لأَنْ أَعْلَمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ فِي أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ سَبْعِينَ غَزْوَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ -﷿-\" (٣).\nوعن ابن عباس﵁- قال: \"تَذَاكِرُ العِلم ِبَعضَ لَيلَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْيَائِهَا\" (٤).\nوصح عن أبي موسى الأشعري أنّه قال: \"لَمَجْلِسٌ أَجْلِسُهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَوْثَقُ فِي نَفْسِى مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ\" (٥).\nوعن الحسن قال: \"لأَنّ أَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ فَأُعَلِّمُهُ مُسْلِمًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِي الدُّنْيَا كُلُّهَا أَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ -﷿-\" (٦).\nوعنه قال: \"إنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصِيبُ البَابَ مِنَ العِلْمِ فَيَعْمَلُ بِهِ فَيكُونُ خَيرًا لَهُ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، لَوْ كَانَتْ لَهُ فَيَجْعَلُهَا فِي الآخِرَةِ\".\nوعنه قال: \"مِدَادُ العُلَمَاءُ ودَمُ الشُّهَدَاءُ مَجْرَى وَاحِدٍ\".\nوعنه: \"مَا مِن شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اللهُ أَعْظْمُ عِندَ اللهِ فِي عَظِيمِ الثّوَابِ مِنْ طَلَبِ عِلْمٍ، لاَ حَجَّ، وَلاَ عُمَرَةَ، وَلاَ جِهَادَ، وَلاَ صَدَقَةَ، وَلاَ عِتْقَ، وَلَوْ كَانَ العِلْمُ صُورَةً لَكَانَتْ صُورَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ صُورَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالسَّمَاءِ وَالعَرْشِ\".\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٥٤). وإسناده معضل.\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٠٩) عن أبي هريرة موقوفًا. وفي إسناده يزيد بن عياض، وهو كذاب.\n(٣) أخرجه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٥٢).\n(٤) رواه الدارمي في \"السنن\" (١/ ٨٢).\n(٥) أورده الذهبي في \"السير\" (١/ ٤٩٣).\n(٦) أخرجه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٥٣).","vol":"1","page":36},{"text":"قال الزهري: \"تعلم سنة أفضلُ من عِبَادَةِ مَائَتَي سَنَة\".\nوقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: \"لَيسَ بَعدَ الفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ العِلْمِ\".\nقال الثوري: \"لاَ نَعلَمُ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ العِلْمِ وَالحَدِيثِ لِمَنْ حَسُنَتْ فِيهِ نيَّتُهُ. قِيلَ لَهُ: وأَيُّ شَيءٍ النِّيَّةُ فِيهِ؟ قَالَ: يُريدُ اللهَ والدَّارَ الآخِرَةَ\".\nوقال الشافعي: \"طَلَبُ العِلْمْ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةٍ نَافِلَةٍ\".\nورأى مالك بعض أصحابه يكتب العِلْم ثم تركه وقام يصلي، فَقَالَ: عَجَبًا لَكَ! مَا الَّذِي قُمْتَ إِلَيْهِ بِأَفْضَلَ مِنَ الَّذِي تَرَكْتَهُ.\nوسئل الإمام أحمد: أّيُّمَا أَحَبُّ إِلَيكَ، أَن أُصَلِّي بِاللَّيلِ تَطَوُّعًا، أَو أَجْلِسَ أَنسَخُ العِلْمَ؟ قال: إِذَا كنتَ تَنسَخُ مَا تعلمَ أَمرَ دِينِكَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ.\nوقال أحمد أيضًا: \"العِلْمُ لاَ يَعْدِلُهُ شَيءٌ\".\nوقال المعافى بن عمران: \"كِتَابَةَ حديثٍ واحِدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِيَامِ لَيلَةٍ\".\nومما يدل على تفضيل العِلْم على جميع النوافل أن العِلْم يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة.\nفإن العِلْم أفضل أنواع الذكر، كما سبق تقريره، وهو أيضًا أفضل أنواع الجهاد.\nويروى من حديث عبد الله بن [عمر] (١) والنعمان بن بشير -﵁- مرفوعًا (٢): \"إِنَّهُ يُوزَنُ مِدَادُ العُلَمَاءِ بِدَمِ الشُّهَدَاءِ فَيَرجحُ مِدَادُ العُلَمَاءِ\".\nوخرج الترمذي (٣) من حديث أنس، عن النبي -ﷺ- قال: \"مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ العِلْمِ فَهُو فِي سَبِيلِ اللهِ حَتّى يَرجِعَ\".\n_________\n(١) في \"الأصل\": عمرو. وهو خطأ. والمثبت من \"تاريخ بغداد\".\n(٢) أخرجه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٩٣) من حديث عبد الله بن عمر.\nوأخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العِلْم\" (١٥٣) من حديث النعمان بن بشير.\n(٣) برقم (٢٦٤٧).","vol":"1","page":37},{"text":"وورد في حديث آخر (١): \"إِذَا جَاءَ المَوْتُ طَالِبَ العِلْمِ فَهُوَ شَهِيدٌ\".\nوقال معاذ بن جبل: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ [حَسَنَة] (٢)، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ سَبِيلُ مَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْأَنِيسُ فِي الْوِحْدَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالمُعِينُ عَلَى الضَّرَّاءِ، وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ، يَرْفَعُ اللهُ تَعَالَى بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً، تقْتَصُّ آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ، وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ، تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خِلَّتِهِمْ، وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ حِيتَانُ الْبَحْرِ وَهَوَامُّهُ، وَسِبَاعُ البَرِّ وَأَنْعَامُهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ، وَمِصْابِيح الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلْمِ، وَقُوَّةُ الأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ، يَبْلُغُ [بِالْعَبْدِ فِي الْعِلْمَ] (*) مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ والأَبْرَارِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامِ، وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ الْقِيَامِ، بِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَيُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ إِمَامُ الْعمَلِ، وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءَ، وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءِ» (٣).\nرواه ابن عبد البر ... \"به يُعْرَف اللهُ وَيُعْبَد، وبه يمجد ويوحد، يرفع الله بالعلم أقوامًا فيجعلهم قادة وأئمة للناس يقتدون بهم ويرجعون إلى رأيهم\". في كلام أكثر من هذا. وقد روي هذا مرفوعًا من حديث أبي هريرة (٤).\n_________\n(١) أخرجه البزار (١٣٨ - كشف الأستار)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العِلْم وفضله\" (١١٥)، والخطيب في \" الفقيه والمتفقه \" (٥١)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ٤٩٩) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأبي ذر مرفوعًا. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٢٤): \"رواه البزار، وفيه: هلال بن عبد الرحمن الحنفي، وهو متروك\".\n(٢) هكذا في \"الأصل\": وفي \"الفقيه والمتفقه\" برقم (٥٠)، وفي \"جامع بيان العِلْم وفضله\" لابن عبد البر \"خشية\".\n(*) في \"جامع بيان العِلْم\" (٢٦٨): ييلغ العبد بالعلم.\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العِلْم\" (٢٦٨) مرفوعًا وحكم عليه شيخنا الفاضل أبو الأشبال بالوضع فليراجع هناك. وليراجع \"تكميل النفع\" لشيخنا العلامة محمد عمرو عبد اللطف برقم (١٣).\n(٤) أخرجه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه \" (٥٠).","vol":"1","page":38},{"text":"ومما يدل على تفضيل العِلْم على العبادة: قصة آدم ﵇ فإن الله تعالى إنما أظهر فضله على الملائكة بالعلم، حيث علمه أسماء كل شيء واعترفت الملائكة بالعجز عن معرفة ذلك، فلما أنبأهم آدم بالأسماء ظهر حينئذ فضله عليهم، وقال ﷿ لهم:\n﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (١).\nوذكر طائفة من السلف أَنَّ الَّذِي كتمُوهُ أنّهُمْ قالُوا فِي أنفُسهمْ: لَنْ يَخْلُقَ اللهُ خَلْقًا إِلاَّ نَحْنُ أَكرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ.\nومما يدل على فضل العِلْم أن جبرئيل ﵇، إنما فضل على الملائكة المشتغلين بالعبادة بالعلم الَّذِي خص به، فإنه صاحب الوحي الَّذِي ينزل به على الأنبياء -﵈-.\nوكذلك خواص الرسل إنما فضلوا على غيرهم من الأنبياء -﵈ - بمزيد العِلْم المقتضي لزيادة المعرفة بالله والخشية له.\nولهذا وصف الله تعالى محمدًا - ﷺ - في كتابه ومدحه بالعلم الَّذِي اختصه به، وامتن به عليه في مواضع كثيرة، وأمره أن يعلمه لأمته.\nفأول ما ذكره بالعلم وبتعليمه في قصة إبراهيم حين دعا ربه لأهل، البيت الحرام أن يبعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ثم امتن علينا بأن بعث فينا رسولًا منا، وهو محمد - ﷺ - بهذه الصفة، فَقَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢).\n_________\n(١) البقرة: ٣٣.\n(٢) آل عمران: ١٦٤.","vol":"1","page":39},{"text":"وأول ما أنزل على محمد - ﷺ - ذكر العِلْم وفضله، وهو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١).\nوامتن على محمد - ﷺ - بالعلم في مواضع، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (٢).\nوأمره أن يسأل ربه أن يزيده علمًا، فَقَالَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٣).\nوكان - ﷺ - يقول: \"أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً\" (٤).\nوامتن الله تعالى علينا أن بعث فينا هذا الرسول - ﷺ - الَّذِي يعلمنا ما لم نكن نعلم وأمرنا بشكر هذه النعمة كما قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٥).\nوأخبر سبحانه أنّه إنما خلق السموات والأرض ونزل الأمر إلا لنعلم بذلك قدرته وعلمه، فيكون دليلًا على معرفته ومعرفة صفاته، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٦).\nومدح الله في كتابه العلماء في مواضع كثيرة، وقد سبق ذكر بعضها، وأخبر أنّه إنما يخشاه من عباده العلماء، وهم العلماء به.\n_________\n(١) العلق: ١ - ٥.\n(٢) النساء: ١١٣.\n(٣) طه: ١١٤.\n(٤) أخرجه البخاري (٢٠)، ومسلم (٢٣٥٦) من حديث عائشة، وأخرجه البخاري (٥٠٦٣) من حدث أنس.\n(٥) البقرة: ١٥١ - ١٥٢.\n(٦) الطلاق: ١٢.","vol":"1","page":40},{"text":"قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١).\nقال: \"إِنَّمَا يَخَافَنِي مِنْ عِبَادِي مَنْ عَرِفَ جَلاَلِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي\".\nفأفضل العِلْم العِلْم بالله، وهو العِلْم بأسمائه وصفاته، وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته، والتبتل إِلَيْهِ والتوكل عليه، والرضا عنه، والاشتغال به دون خلقه.\nويتبع ذلك العِلْم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك، والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وما يكرهه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.\nومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله، العلماء بأمر الله.\nوهم أكمل ممن قصر علمه على العِلْم بالله دون العِلْم بأمره وبالعكس، وشاهد هذا النظر في حال الحسن وابن المسيب والثوري وأحمد وغيرهم من العلماء الربانيين، وحال مالك بن دينار والفضيل بن عياض ومعروف وبشر وغيرهم من العارفين.\nفمن قايس بين الحالين عرف فضل العلماء بالله وبأمره على العلماء بالله فقط.\nفما الظن بتفضيل العلماء بالله وبأمره على العلماء بأمره فقط، فإن هذا واضح لا خفاء به، وإنما يظن بعض من لا علم له تفضيل العباد على العلماء؛ لأنهم تخيلوا أن العلماء هم العلماء بأمر الله فقط، وأن العباد هم العلماء بالله وحده، فرجحوا العالم بالله على العالم بأمره، وهذا حق.\n_________\n(١) فاطر: ٢٨.","vol":"1","page":41},{"text":"ونحن إنما نقول: إن العلماء بالله والعلماء بأمره أفضل من العباد، ولو كان العباد من العلماء بالله؛ لأنّ [العلماء] (١) الربانيين شاركوا العباد في فضيلة العِلْم بالله؛ بل ربما زادوا عليهم فيه، وانفردوا بفضيلة العِلْم بأمر الله، وبفضيلة دعوة الخلق إلى الله وهدايتهم إِلَيْهِ، وهو مقام الرسل -﵈- وكذلك كانوا خلفاء الرسل وورثتهم كما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى.\nوهذا القدر الَّذِي انفردوا به عن العُبَّاد أفضل من القدر الَّذِي انفرد به العُبَّاد من نوافل العبادة، فإن زيادة المعرفة بما أنزل الله على رسوله توجب زيادة المعرفة بالله والإيمان به، وجنس المعرفة بالله والإيمان [به] (١) أفضل من جنس العمل بالجوارح والأركان، ولكن من لا علم له تعظم في نفسه العبادات على العِلْم؛ لأنّه لا يتصور حقيقة العِلْم ولا شرفه، ولا قدرة له على ذلك، وهو يتصور حقيقة العبادات، وله قدرة على جنسها في الجملة.\nولهذا تجد كثيرًا ممن لا علم لديه يفضل الزهد في الدنيا على العلوم والمعارف وسببه ما ذكرناه.\nوهو أنّه لا يتصور معنى العِلْم والمعرفة، ومن لا يتصور شيئًا لا يقر فى صدره عظمته، وإنما يتصور الجاهل بالعلم حقيقة الدنيا، وقد عظمت في صدره، فعظم عنده من تركها.\nكما قال محمد بن واسع -وقد رأى (شابًّا) (*)، فقِيلَ لَهُ: هؤلاء زهاد- فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ قَدْرُ الدُّنْيَا حَتَّى يُمْدَحَ مَنْ زَهِدَ فِيهَا.\nوقال أبو سليمان الداراني قريبًا من هذا المعنى أيضًا، فالمفتخر بالزهد في الدنيا كأنّه يفتخر بترك نزر يسير من شيء هو أقل عند الله من جناح بعوضة، وهذا أحقر من أن يذكر، فضلًا عن أن يفتخر به.\n_________\n(١) من المطبوع.\n(*) شبابًا: \"نسخة\".","vol":"1","page":42},{"text":"ولهذا أيضًا يعظم في نفوس كثير من الناس ذكر الخوارق والكرامات، ويرونها أفضل مما أعطيه العلماء من المعرفة والعلم، وإنما يتصورون حقيقة الخوارق؛ لأنها من جنس القدرة والسلطان في الدنيا، الَّذِي يعجز أكثر الناس عنه.\nوأما العلماء بالله فلا تعظم هذه الخوارق عندهم؛ بل يرون الزهد فيها، وإنها من نوع الفتنة والمحنة وبسط الدنيا على العبد، فيخافون من الاشتغال بها والوقوف معها، والانقطاع عن الله ﷿.\nوقد ذكر أبو طالب المكي هذا المعنى فى كتابه عن كثير من العارفين منهم أبو يزيد، ويحيى بن معاذ، وسهل [التستري] (١)، وذو النون، [والجنيد] (١) وغيرهم.\nوقيل لبعضهم: إن فلانًا يمشي على الماء! فَقَالَ: \"مَنْ أَمْكَنهُ اللهُ مِنْ مُخَالَفَةِ هَوَاهُ فَهُوَ أَفْضَلُ\".\nوكان أبو حفص النيسابوري يومًا جالسًا مع أصحابه خارج المدينة، وهو يتكلم عليهم، فطابت أنفسهم فجاء أيل (٢) قد نزل من الجبل حتى برك بين يديه، فبكى بكاءً شديدًا وانزعج، فسئل عن سبب بكائه، فَقَالَ: رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم، فوقع في قلبي، لو أن لي شاة ذبحتها ودعوتكم، فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي، فخيل لي أني مثل فرعون، الَّذِي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه له، قلت: فما يؤمنني أن يكون الله يعطني كل حظ في الدنيا، وأبقى في الآخرة فقيرًا لا شيء لي، فهذا الَّذِي أزعجني.\n_________\n(١) من المطبوع.\n(٢) الأيْل، الذكر من الأوعال.\nقال الخليل: وإنما سُمي أَيْلًا؛ لأنّه يئول إلى الجبال. \"اللسان\" مادة: (أول).\nوالوعل: تيس الجبل. \"اللسان\" مادة: (وعل).","vol":"1","page":43},{"text":"فأحوال العارفين كلها تدل على أنّهم لم يكونوا يلتفتون إلى هذه الخوارق وإنما كان اهتمامهم بمعرفة الله وخشيته، ومحبته والأنس به، والشوق إلى لقائه وطاعته، والعلماء الربانيون [يشاركون] (١) في ذلك ويزيدون عليهم بالعلم بأمر الله وبدعوة الخلق إلى الله.\nوهذا هو الفضل العظيم عند الله وملائكته ورسله كما قال بعض السلف: مَنْ عَمِلَ وَعَلِمَ وَعَلَّمَ فَذَلِكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ.\nوإذا ظهر فضل العالم على العابد، فإنما المراد تفضيله على العابد بعلم، فأما العابد بغير علم؛ فإنه مذموم.\nولهذا شبهه السلف بالسائر على غير طريق، وبأنه يفسد أكثر مما يصلح.\nوبأنه كالحمار في الطاحون، يدور حتى يهلك من التعب ولا ييرح من مكانه.\nوهذا أشد ظهورًا ووضوحًا من أن يحتاج إلى بسط القول فيه.\nولنضرب هاهنا مثلًا جامعًا لأحوال الخلق كلهم، بالنسبة إلى دعوة الرسول - ﷺ - وانقسامهم في إجابة دعوته إلى: سابق، ومقتصد، وظالم لنفسه، وبه يظهر فضل العلماء الربانيين على غيرهم من الناس أجمعين، فنقول:\nمثل ذلك كمثل رسول قدم من بلد الملك الأعظم فأدى رسالة الملك إلى سائر البلدان، وظهر لهم صدقه في رسالته، فكان مضمون رسالته التي أداها عند الملك الأعظم إلى رعيته:\nأن هذا الملك لا إحسان أتم من إحسانه، ولا عدل أكمل من عدله، ولا بطش أشد من بطشه، وأنه لابد أن يستدعي الرعية كلهم إِلَيْهِ ليقيموا عنده، فمن قدم عليه بإحسان جازاه بإحسانه أفضل الجزاء، ومن قدم عليه بإساءة جازاه بإساءته أشد الجزاء، وأنه يحب كذا وكذا، ويكره كذا وكذا، ولم يدع شيئًا مما تعمله الرعية إلا أخبرهم بما يحبه الملك منه وبما يكره، وأمرهم\n_________\n(١) في المطبوع: يشاركونهم.","vol":"1","page":44},{"text":"بالتجهز والسير إلى دار الملك التي فيها الإقامة وأخبرهم بخراب جميع البلدان سوى ذلك البلد، وأن من لم يتجهز للسير بعث إِلَيْهِ الملك من يزعجه عن وطنه، وينقله منه على أسوأ حال، وجعل يصف صفات هذا الملك الحسنى من الجمال والكمال، والجلال والإفضال.\nفانقسم الناس في إجابة هذا الرسول الداعي إلى الملك أقسامًا عديدة:\nفمنهم من صدقه، ولم يكن له هم إلا السؤال عما يحب هذا الملك من الرعية واستصحابه إلى داره عند السير إِلَيْهِ.\nفانشغل بتخليصه لنفسه، وبدعاء من يمكنه دعاؤه من الخلق إلى ذلك، وعما يكرهه الملك، فاجتنبه وأمر الناس باجتنابه، وجعل همه الأعظم السؤال عن صفات الملك وعظمته وإفضاله، فزاد بذلك محبته لهذا الملك وإجلاله، والشوق إلى لقائه، فارتحل إلى الملك مستصحبًا لأنفس ما قدر عليه مما يحبه الملك ويرتضيه، واستصحب معه ركبًا عظيمًا على مثل حاله، سار بهم إلى دار الملك.\nوقد عرف من جهة ذلك الدليل -وهو الرسول الصادق- أقرب الطرق التي يتوصل بالسير فيها إلى الملك، وما ينفع من التزود للمسير فيها، وعَمِلَ بمقتضى ذلك في السير هو ومن اتبعه.\nفهذه صفة العلماء الربانيين الذين اهتدوا وهدوا الخلق معهم إلى طريق الله، وهؤلاء يقدمون على الملك قدوم الغائب على أهله، المنتظرين لقدومه، المشتاقين إِلَيْهِ أشد الشوق.\nوقسم آخرون اشتغلوا بالتأهب لمسيرهم بأنفسهم إلى الملك ولم يتفرغوا لاستصحاب غيرهم معهم.\nوهذه صفة العباد الذين تعلموا ما ينفعهم في خاصة أنفسهم، واشتغلوا بالعمل بمقتضاه.","vol":"1","page":45},{"text":"وقسم آخرون تشبهوا بأحد القسمين، وأظهروا للناس أنّهم منهم، وأن قصدهم التزود للرحيل، وإنما كان قصدهم استيطان دارهم الفانية.\nوهم العلماء والعباد المراءون بأعمالهم؛ لينالوا بذلك مصالح دارهم التي هم بها مستوطنون، وحال هؤلاء عند الملك الأعظم إذا قدموا عليه شر حال، ويقال لهم: اطلبوا جزاء أعمالكم ممن عملتم لهم، فليس لكم عندنا من خلاف، وهم أول من تسعر بهم النار من أهل التوحيد.\nوقسم آخرون فهموا ما أراده الرسول من رسالة الملك، لكنهم غلب عليهم الكسل والتقاعد عن التزود للسفر.\nواستصحاب ما يحب الملك، واجتناب ما يكرهه.\nوهؤلاء العلماء الذين لا يعملون بعلمهم، وهم على شفا هلكة، وربما انتفع غيرهم بمعرفتهم ووصفهم لطريق السير، فسار المتعلمون فنجوا، وانقطع بمن تعلموا منهم الطريق فهلكوا.\nوقسم آخرون صدقوا الرسول فيما دعا إِلَيْهِ من دعوة الملك، لكنهم لم يتعلموا منه طريق السير، ولا معرفة تفاصيل ما يحبه الملك وما يكرهه، فساروا بأنفسهم، ورموا نفوسهم في طرق شاقة، ومخاوف وقفار وعرة، فهلك أكثرهم، وانقطعوا في الطريق، ولم يصلوا إلى دار الملك.\nوهؤلاء هم الذين يعملون بغير علم.\nوقسم لم يهتموا بهذه الرسالة، ولا رفعوا بها رأسًا، واشتغلوا بمصالح إقامتهم في أوطانهم التي أخبر الرسول بخرابها.\nوهؤلاء: منهم من كذب الرسول بالكلية ومنهم من صدقه بالقول ولكنه لم يشتغل بمعرفة ما دل عليه ولا بالعمل به، وهؤلاء عموم الخلق المُعْرِضُون عن العِلْم والعمل.","vol":"1","page":46},{"text":"ومنهم الكفار والمنافقون، ومنهم العصاة الظالمون لأنفسهم.\nفلم يشعروا إلا وقد طرقهم داعي الملك، فأخرجهم عن أوطانهم، واستدعاهم إلى الملك، فقدموا عليه قدوم الآبق على سيده الغضبان.\nفإذا تأملت أقسام الناس المذكورة لم تجد أشرف ولا أقرب عند الملك من العلماء الربانيين، فهم أفضل الخلق بعد المرسلين.\nقوله -ﷺ-: \"وَإِنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ\".\nيعني أنّهم ورثوا ما جاء به الأنبياء من العِلْم، فخلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته، والنهي عن معاصي الله والذب عن دينه.\nوفي مراسيل الحسن، عن النبي -ﷺ- قال: \"رَحْمَةُ اللهِ عَلَى خُلَفَائِي. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ خُلَفَاؤُكَ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي مِنْ بَعْدِي وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ\".\nوقد روي نحوه من حديث (١) علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا أيضًا.\nفالعلماء في مقام الرسل بين الله وبين خلقه، كما قال ابن المنكدر:\nإِنَّ العَالِمَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَلْيَنْظُرْ كَيفَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمِ.\nوقال ابن عيينة: أَعْظَمُ النَّاسِ مَنْزِلَةً مَنْ كَانَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ: الأَنْبِيَاءُ، وَالعُلَمَاءُ.\nوقال سهل التستري: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَجَالِسِ الأَنْبِيَاءِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَجَالِسِ العُلَمَاءِ، يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أيش تَقُولُ فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: طُلِّقَتْ امْرَأَتُهُ، وَيَجِيءُ آخَرُ فَيَقَولُ: مَا تَقُولُ\n_________\n(١) أخرجه الرامهرمزي في \"المحدث الفاصل\" (١/ ١٦٣) عن علي بنحوه. وقال الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٢٧٠): هذا باطل. وذكره الديلمي في \"فردوس الأخبار\" (١/ ٤٧٩) بلفظ: \"اللهم ارحم خلفائي، الذين يرون أحاديثي وسنتي، ويعلمونها الناس\".","vol":"1","page":47},{"text":"في رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ فيقول: ليس يحنث بهذا القول.\nوليس هذا إلا لنبي أو عالم، فاعرفوا لهم ذلك.\nورأت امرأة من العابدات في زمن الحسن البصري، كأنها تستفتي في المستحاضة، فقِيلَ لَهُا: أتستفتين وفيكم الحسن، وفي يده خاتم جبرئيل ﵇؟\nوفي هذا إشارة إلى وراثة الحسن ما جاء به جبرئيل من الوحي بخاتمه.\nورأى بعض العلماء النبي -ﷺ- في المنام فَقَالَ له: يا رسول الله، قد اختلف علينا في مالك والليث أيهما أعلم؟\nفَقَالَ - ﷺ -: مالك ورث جدي -يعني: ورث علمي.\nورأى بعضهم في المنام النبي -ﷺ- قاعدًا في المسجد، والناس حوله، ومالك قائم بين يديه، وبين يدي رسول الله - ﷺ - مسك، وهو يأخذ منه قبضة فيدفعها إلى مالك، ومالك ينشرها على الناس فأول ذلك لمالك بالعلم واتباع السنة.\nورأى الفضيل بن عياض النبي -ﷺ- في منامه جالسًا، وإلى جنبه فرجة، فجاء ليجلس فيها، فَقَالَ له النبي -ﷺ-: \"هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري\".\nفسئل بعضهم: أيهما كان أفضل أبو إسحاق أو فضيل؟ فَقَالَ: كان فضيل رجل نفسه، وكان أبو إسحاق رجل عامة. يشير إلى أنّه كان عالمًا ينتفع الناس بعلمه، وكان فضيل عابدًا نفعه لنفسه.\nوالعلماء في الآخرة يتلون الأنبياء في الشفاعة وغيرها، كما في الترمذي (١)، عن عثمان، عن النبي - ﷺ -:\n\"يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ\".\n_________\n(١) لم أقف عليه عند الترمذي، وإنما أخرجه ابن ماجه (٤٣١٣).\nوذكره البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٧٠٧) وقال: وروينا في مسألة الشفاعة من كتاب \"البعث\" عن عثمان بن عفان مرفوعًا .. فذكره. وذكره الديلمي في \"الفردوس\" (٥/ ٥١٩) عنه أيضًا.","vol":"1","page":48},{"text":"وقال مالك بن دينار:\n\"بَلَغَنَا أَنّهُ يُقَالُ لِلعَابِدِ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، وَيُقَالُ لِلْعَالِمِ: قِفْ فَاشْفَعْ\".\nوقد روي هذا مرفوعًا من حديث أبي هريرة (١) بإسناد ضعيف جدًّا.\nوللعلماء الكلام في الموقف إذا اشتبهت الأمور على الناس؛ فإذا ظن أهل الموقف أنّهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة؛ بَيّن أهل العِلْم أن الأمر على خلاف ذلك كما قال تعالى:\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ الآية (٢).\nوالعلماء يخبرون يوم القيامة بخزي المشركين كما قال تعالى:\n﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣).\nوقد روي في حديث مرفوع: \"إِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ فِي الجَنّةِ إِلَى العُلَمَاءِ كَمَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِمْ في الدُّنيا، إِذَا اسْتَدْعَى الرَّبُّ أَهْلَ الجَنَّةِ لِزِيَارَتِهِ وَقَالَ لَهُمْ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ فَيَلْتَفِتُونَ إِلَى العُلَمَاءِ مِنْهُمْ، فَيَقُولُونَ: سَلُوهُ رُؤْيَتِهِ؛ فَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْظَمُ مِنْهَا\" (٤).\nوهذا كله يبين أن لا درجة بعد النبوة أفضل من درجة العلماء.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٦٨) من حديث أنس، وأخرجه أيضًا (٦٩) من حديث ابن عباس.\n(٢) الروم: ٥٥ - ٥٦.\n(٣) النحل: ٢٧.\n(٤) ذكره الذهبي في \"الميزان\" (٦/ ٢٢ - علمية) عن جابر مرفوعًا بنحوه، وقال: وهذا موضوع.","vol":"1","page":49},{"text":"وقد يطلق اسم العلماء ويراد إدخال الأنبياء فيهم كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١).\nفلم يفرد الأنبياء بالذكر؛ بل أدخلهم في مسمى العلماء، وكفى بهذا شرفًا للعلماء أنّهم يسمون باسم يجتمعون هم والأنبياء فيه.\nومن هنا قال من قال: إِنَّ العُلَمَاءَ العَامِلِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ.\nكما قال أبو حنيفة والشافعي: إِنْ لَمْ يَكُنْ العُلَمَاءُ وَالفُقَهَاءُ أَوْلِيَاءَ اللهِ فَلَيْسَ للهِ وَلِيٌّ.\nوقال الإمام أحمد في أَهْلِ الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ هُمُ الأَبْدَالُ.\nقوله -ﷺ-: \"إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ\".\nوالمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن الَّذِي خلف الأنبياء هو العِلْم النافع، فمن أخذ العِلْم وحصل له فقد حصل له الحظ العظيم الوافر الَّذِي يغبط به صاحبه.\nوَرَأَى ابْنُ مَسْعُود قَوْمًا فِي المَسْجِدِ يَتَعَلَّمُونَ فَقَالَ رَجُلٌ: عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَالَ: عَلَى مِيرَاثِ مُحَمَّد - ﷺ - يَقْتَسِمُونَهُ.\nوخرج أبو هريرة إلى السوق، فَقَالَ لأهله: تَرَكْتُمْ مِيرَاثَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - يُقْتَسَمُ فِي المَسْجدِ ِوَأَنْتُمْ هَا هُنَا (٢)؟! فتركة النبي - ﷺ - وميراثه هو هذا الكتاب الَّذِي جاء به مع السنة المفسرة له المبينة لمعانيه.\nوفي \"صحيح البخاري\" (٣) عن ابن عباس \"أنّه سئل: أترك النبي -ﷺ- من شيء؟ قال: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، يَعْنِي: دفتي المُصْحَف\".\n_________\n(١) آل عمران: ١٨.\n(٢) ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٢٤) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وإسناده حسن. أهـ.\n(٣) برقم (٥٠١٩).","vol":"1","page":50},{"text":"وفي \" الصحيحين \" (١) عن ابن أبي أوفى \"أنّه سئل: هل وصى رسول الله - ﷺ - بشيء؟ قال: وَصَّى بِكِتَابِ اللهِ \".\nوخطب -ﷺ- في مرجعه من حجة الوداع فَقَالَ:\n\"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَهُ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَوَّلَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَأَخَذَ بِهِ كَانَ عَلَى الهُدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ\" خرَّجه مسلم (٢).\nوفي \"المسند\" (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا كَالْمُوَدِّعِ، فَقَالَ: \"أَنَا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ \" -قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- \"وَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، أُوتِيتُ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَجَوَامِعَهُ، وَعَلِمْتُ كَمْ خَزَنَةُ النَّارِ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَعُوفِيتْ أُمَّتِي، فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا مَا دُمْتُ فِيكُمْ؛ فَإِذَا ذُهِبَ بِي فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، أَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ\".\nقوله -ﷺ-: \"إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ\".\nيريد أنّهم لم يورث عنهم سوى العِلْم، وهذا يبين المراد بقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (٤).\nوقوله تعالى عن زكريا أنّه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٥).\nإنما أريد به ميراث العِلْم والنبوة لا المال؛ فإن الأنبياء لا يجمعون مالًا يتركونه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٢٢)، ومسلم (١٦٣٤).\n(٢) برقم (٢٤٠٨).\n(٣) (٢/ ١٧٢).\n(٤) النمل: ١٦.\n(٥) مريم: ٤ - ٥.","vol":"1","page":51},{"text":"قال ﵇: \"مَا تَرَكْتُ بَعْدَ مُؤْنَةِ عَامِلِي وَنَفَقَةِ عِيَالِي فَهُوَ صَدَقَةٌ\" (١).\n\"وَمَا تَرَكَ إِلاَّ دِرْعَهُ وَسِلاَحه وَبَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً\" (٢).\nفلم يخلف سوى آلته الَّذِي بعث به، والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله، ردها صدقة على المسلمين.\nوكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث بجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، وإنما بعثوا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعلم النافع وتوريثه لأممهم.\nوفي مراسيل أبي مسلم الخولاني، عن النبي -ﷺ- قال: \"مَا أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ المَالَ وَأَكُنْ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أَوْحَى إِلَيّ: أَنْ سَبّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ\" خرجه أبو نعيم (٣).\nوفي الترمذي (٤) وغيره عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال:\n\"مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟! إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ بِظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا\".\nفقوله - ﷺ -: \"وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ\". فيه إشارة إلى أمرين:\nأحدهما: أن العالم الَّذِي هو وارث للرسول حقيقة، كما أنّه ورث علمه فينبغي أن يورثه كما ورث الرسول العِلْم، وتوريث العالم العِلْم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف، ونحو ذلك مما ينتفع به بعده.\nوفي \" الصحيح \" (٥) عن النبي - ﷺ -: \"إِذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَعَ عَمَلُه إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: عِلْمٍ نَافِعٍ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠٩٦)، ومسلم (١٧٦٠) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه البخاري (٢٧٣٩) من حديث عمرو بن الحارث.\n(٣) في \"الحلية\" (٢/ ١٣١).\n(٤) برقم (٢٣٧٧).\n(٥) أخرجه مسلم (١٦٣١).","vol":"1","page":52},{"text":"فالعالم إذا عَلَّم من يقوم به بعده؛ فقد خلف علمًا نافعًا وصدقة جارية؛ لأنّ تعليم العِلْم صدقة، كما سبق عن معاذ وغيره، والذين علمهم بمنزلة أولاد الصالحين يدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه هذه الخصال الثلاث.\nوالأمر الثاني: أن من كمال ميراث العالم للرسول -﵇- أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرسول، وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا، وتقلله منها، واجتزائه منها باليسير.\nكما كان سهل التستري يقول: مِنْ عَلاَمَةِ حُبِّ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ وَبُغْضُ الدُّنْيَا، وألا يأخذ مِنْهَا إِلاَّ زَادًا بُلْغَةً إِلَى الآخِرَةِ.\nوقال مالك بن دينار: إِنَّمَا العَالِمُ الَّذِي إِذَا أَتَيْتَهُ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ تَجِدْهُ قَصَّ عَلَيْكَ بَيْتِهِ، رَأَيْتَ حَصِيرَةَ الصَّلاةِ وَمُصْحَفِهِ وَمَطْهَرَتَهُ فِي جَانِبِ البَيْتِ، تَرَى أَثَرَ الآخِرَةِ.\nوكان الفضيل يقول: احْذَرُوا عَالِمَ الدُّنْيَا لاَ يَصُدَّكُمْ بِسُكْرِهِ. ثم قال: إِنَّ كثيرًا مِنْ عُلَمَائِكُمْ زِيُّهُ أَشْبَهَ بِزِيِّ كِسْرَى وَقَيْصَر، أَشْبَهُ مِنْهُ بِزِيِّ مُحَمَّد -ﷺ-، إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلاَ قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، وَلَكِنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ\".\nوكان يقول: العُلَمَاءُ كَثِيرٌ وَالحُكَمَاءُ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا يُزَادُ مِنَ العِلْمِ الحِكْمَةُ، فَمَنْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.\nوهكذا كان حال العُلَمَاء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد، اجتزءوا من الدنيا باليسير إلى أن خرجوا منها، ولم يخلفوا سوى العِلْم، مع أن بعضهم كان يلبس لباسًا حسنًا، ويأكل أكلًا متوسطًا بعيدًا من التقشف.\nكالحسن البصري؛ فإنه كان يأكل اللحم كل يوم، كان يشتري بنصف درهم لحمًا فيطبخه مرقة طيبة فيأكل منه هو وعياله، ويُطْعِمُ كل من دخل عليه، وكان يلبس الثياب الحسنة، وهو مع هذا أزهد الناس في الدنيا، وما زاحم على شيء منها قط.","vol":"1","page":53},{"text":"وكان الناس إذا دخلوا عليه خرجوا من عنده، ولا يعدون الدُّنْيَا شيئًا، وما رأوا أشد احتقارًا لأهل الدُّنْيَا منه.\nوكانوا يدخلون عليه في مرضه يعودونه وليس في بيته إلا سرير مرمول (١) هو عليه، وليس في بيته قليل ولا كثير، حتى قال ابن عون: \"إِنَّمَا اسْتَبَدَّ الحَسَنُ النَّاس بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَأَمَّا العِلْمُ فَقَدْ شُورِكَ فِيهِ\".\nوكان الحسن يقول: \"إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، المُجْتَهِدُ فِي العِبَادَةِ، القَائِمُ بِسُنَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، من رأى مُحَمَّدًا فقد رآه غاديًا ورائحًا لم يضع لبنة، على لبنة ولا قصبة على قصبة؛ إِنَّمَا رفع له علم فشمر إِلَيْهِ\".\nوكان سفيان الثوري أشد تقشفًا في ملبسه من الحسن، حتى كان من يراه ولا يعرفه يظنه من السؤال، وكان مع شدة ورعه إذا وجد الحلال أكل منه طيبًا، وإن لم يجد حلالًا استف الرمل، وربما بقي ثلاثًا لا يطعم شيئًا مع عرض الناس عليه الأموال الكثيرة.\nوكان إذا شبع من الحلال يزيد في عمله ويقول: \"أطعم الزنجي وكده \".\nوكان أزهد الناس في الدُّنْيَا في زمانه حتى كان يتعرى بمجلسه عن الدُّنْيَا ولم تكن السلاطين والملوك والأغنياء أذل منهم في مجلسه، ولا الفقراء والمساكين أعز منهم فى مجلسه.\nوكان الخوف قد غلب عليه، فلما مرض مرض الموت حُمل ماؤه إلى طبيب فَقَالَ: \"لَيْسَ لِهَذَا دَوَاءٌ، هَذَا قَدْ فَتَّتَ الحُزنُ وَالخَوفُ كَبِدَهُ\".\nويقال: لم يكن في زمانه من هو أخوف لله منه، ولا من هيبة الله في صدره أعظم منه.\n_________\n(١) قال أبو عبيد: رملت الحصير وأرملته، فهو مرمول اذا نسجته، \"اللسان\" مادة: (رمل).","vol":"1","page":54},{"text":"ولما مات قال بعض العُلَمَاء: معشر أهل الهوى، كلوا الدُّنْيَا بالدين، فقد مات سفيان، يعني؛ ما بقي بعده أحد يستحيا منه.\nوأما الإمام أحمد فكان أشد منهما تقشفًا في عيشه وأكثر صبرًا على خشونة العيش للقلة، وكانت معيشته من حوانيت له ورثها من أبيه، ويأخذ أجرها في الشهر دون عشرين درهمًا، ومات لم يخلف إلا قطعًا في خرقة له، كان وزنها دون نصف درهم، وترك عليه دينًا قضي عنه من أجرة حوانيته مع كثرة ما كان يرد عليه من الخلفاء من الجوائز والصلات.\nوكان يحيى بن أبي كثير من العُلَمَاء الربانيين المتوسعين في العِلْم، وكان يقال: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِثْلُهُ، وَكَانَ حسن الثياب، حسن الهيئة، فلما مات خلف ثلاثين درهمًا كفنوه بها ﵀.\nوكان محمد بن أسلم الطوسي من العُلَمَاء الربانيين الزهاد، فمات ولم يخلف سوى كساءه ولبده (١)، فوضعوهما على نعشه وإناء للوضوء تصدقوا به. فكان النساء على السطوح يقلن في جنازته: هَذَا العَالِمُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِيرَاثُهُ الَّذِي عَلَى جَنَازَتِهِ، لَيْسَ مِثْلَ عُلَمَائِنَا هَؤُلاَءِ عَبِيدُ بُطُونِهِمْ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ لِلْعِلْمِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا فَيَشْتَرِي الضّيَاعَ وَيَسْتَفِيدُ المَالَ.\nوقال العباس بن مرثد: سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: صَارَ إِلَى الأَوْزَاعِي أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنَ السُّلْطَانِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَلَمَّا مَاتَ خَلَّفَ سَبْعَةَ دَنَانِيرَ بَقِيَتْ بَقِيَّة، وَمَا كَانَ لَهُ أَرْضٌ وَلاَ دَارٌ.\nقال العباس: نَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ أَخْرَجَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالفُقَرَاءِ.\nوقد وصف الله سبحانه في كتابه العُلَمَاء بأوصاف منها: الخشية والخشوع والبكاء، كما سبق ذكره.\n_________\n(١) اللبد: من البُسُط، \"اللسان\" مادة: (لبد).","vol":"1","page":55},{"text":"ومنها احتقار الدُّنْيَا والتزهيد فيها كما قال تعالى في قصة قارون:\n﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (١).\nوقيل للإمام أحمد: إِنَّ ابن المبارك قِيلَ لَهُ: كيف يعرف العالم الصادق؟ فَقَالَ: الَّذِي يَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَيُقْبِلُ عَلَى أَمْرِ الآخِرَةِ.\nفَقَالَ أحمد: نعم، هكذا ينبغي أن يكون. وكان أحمد ينكر على أهل العِلْم حب الدُّنْيَا والحرص على طلبها.\nواعلم أنّه إِنَّمَا أهلك أهل العِلْم وأوجب إساءة ظن الجهال بهم وتقديم جهال المتعبدين عليهم ما دخل عليهم من الطمع في الدُّنْيَا.\nوقد رأى علي بن أبي طالب﵁- رجلًا يقص، فَقَالَ له: لأَسْأَلَنَّكَ مَسْأَلَةً، فَإِنْ خَرَجْتَ مِنْهِا وَإِلاَّ عَلَوْتُكَ بِهَذِهِ الدُّرَّةِ، فَقَالَ له: سَلْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ.\nفَقَالَ له: مَا ثَبَاتُ الدِّينِ وَزَوَالُهُ؟\nفَقَالَ له: ثَبَاتُ الدِّينِ الوَرَعُ، وَزَوَالُهُ الطَّمَعُ.\nفَقَالَ له: قُصَّ، فَمِثْلُكَ يَقُصُّ (٢).\nوهذا السؤال من علي -﵁- لهذا القاص فيه إشارة إِلَى أن من نشر علمه للناس وتكلم عليهم، ينبغي أن يكون ورعًا عما في أيديهم، غير طامع في شيء من أموالهم ولا أرزاقهم، ولا اجتلاب قلوبهم اليه، وإنما ينشر علمه لله ﷿ ويتعفف عن الناس بالورع.\n_________\n(١) القصص: ٧٩ - ٨٠.\n(٢) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٣٦).","vol":"1","page":56},{"text":"وفي \"سنن ابن ماجه\" (١) عن ابن مسعود قال: \"لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا: هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ\".\nوقال أبو حازم الزاهد: لَقَدْ أَتَتْ عَلَيْنَا بُرْهَةٌ مِنْ دَهْرِنَا وَمَا عَالِمٌ يَطْلُبُ أَمِيرًا، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا عَلِمَ اكْتَفَى بِالعِلْمِ عَمَّا سِوَاهُ، فَكَانَتْ الأُمَرَاءُ تعساهم في منازلهم وتقتبس منهم، فَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلاَحٌ لِلْفَرِيقَيْنِ لِلْوَالِي والمُولى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَتْ الأُمَرَاءُ أَنَّ العُلَمَاءَ قَدْ غَشُّوهُمْ وَجَالَسُوهُمْ، وَسَأَلُوهُمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ هَانُوا عَلَيْهِمْ، وَتَرَكُوا الأَخْذَ عَنْهُمْ وَالاقْتِبَاسَ مِنْهُمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ هَلاَكُ الفَرِيقَيْنِ الوَالِي والمُولى عَلَيهِ.\nودخل أعرابي البصرة فَقَالَ: مَنْ سَيّدُ هَذِهِ القَرْيَةِ؟ فقالوا: الحَسَنُ، قَالَ: فَبِمَ سَادهُمْ؟\nقالوا: احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى عِلْمِهِ، وَاسْتَغْنَى هُوَ عَنْ دُنْيَاهُمْ.\nوكان الحسن يقول: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شَيْنًا، وَشَيْنُ العِلْمِ الطَّمَعُ.\nوقال: مَنْ ازْدَادَ عِلْمًا فَازْدَادَ عَلَى الدُّنْيَا حِرْصًا، لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلاَّ بُعْدًا، وَلَمْ يَزْدَدْ اللهُ لَهُ إِلاَّ بُغْضًا.\nواجتاز الحسن يَوْمًا ببعض القراء عَلَى أبواب بعض السلاطين فَقَالَ:\nأَقْرَحْتُمْ جِبَاهَكُمْ، وَفَرْطَحْتُمْ نِعَالَكُمْ، وَجِئْتُمْ بِالعِلْمِ تَحْمِلُونَهُ عَلَى رِقَابِكُمْ إِلَى\n_________\n(١) برقم (٢٥٧، ٤١٠٦).","vol":"1","page":57},{"text":"أَبْوَابِهِمْ، فَزَهِدُوا فِيكُمْ، أَمَّا إِنَّكُمْ لَوْ جَلَسْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُرْسِلُونَ إِلَيْكُمْ؛ لَكَانَ أَعْظَمَ لَكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَ أَضْلاَعِكُمْ.\nوفي رواية: تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَ أَرْوَاحِكُمْ وَأَجْسَامكُمْ، فَرْطَحْتُمْ نِعَالكُمْ، وَشَمَّرْتُمْ ثِيَابَكُمْ، وَجَزَزْتُمْ شُعُورَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ فَزَهِدُوا فِيكُمْ، فَضَحْتُمْ القُرَّاءَ فَضَحَكُمُ اللهُ، أَما وَاللهِ لَوْ زَهِدْتُّمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ لَرَغِبُوا فِيمَا عِنْدَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ فَزَهِدُوا فِيكُمْ وَفِيمَا عِنْدَكُمْ أَبْعَدَ اللهُ مَنْ أَبْعَدَ.\nوفي الجملة فمن لا يصون نفسه لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع غيره به.\nقال الشافعي: مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ، وَمَنْ كَتَبَ الحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَمَنْ تَفَقَّهَ نَبُلَ قَدْرُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ رَقَّ طَبْعُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الحِسَابَ جَزُلَ رَأْيُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ.\nوفي هذا المعنى يقول أبو الحسن عبد العزيز الجرجاني ﵀:\nيَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَا ... رَأَوْا رَجُلًا عَنْ مَوْقِفِ الذُّلّ أَحْجَمَا\nأَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُمْ ... وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا\nوَلَمْ أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كَانَ كُلَّمَا ... بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِي سُلَّمَا\nإِذَا قِيلَ هَذَا مَنْهَلٌ قُلْتُ قَدْ أَرَى ... وَلَكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظّمَا\nولَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ العِلْمِ مُهْجَتِي ... لأَِخْدِمَ مَنْ لاَقَيْتُ لَكِنْ لأُِخْدَمَا","vol":"1","page":58},{"text":"أَأَشْقَى بِهِ عَرْسًا وَأَجْنِيهِ ذِلَّةً ... إِذًا فَاتِّبَاعُ الْجَهْلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَا\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُمْ ... وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا\nوَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانُوا وَدَنَّسُوا ... مُحَيَّاهُ بِالْأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا\nالحرص عَلَى الدُّنْيَا والطمع فيها قبيح وهو من العُلَمَاء أقبح، فإن كان بعد نزول الشيب فهو أقبح وأقبح.\nلبس بعض العُلَمَاء من التابعين ثيابه وتهيأ ليمضي لبعض الملوك فأخذ المرآة فنظر فيها فنظر في لحيته طاقة شيب، فَقَالَ: السلطان والشيب! ثم نزع ثيابه وجلس.\nقَدْ آنَ بَعْدَ ظَلاَمِ الجَهْلِ إِبْصَارِي ... لِلْشَّيْبِ صُبْح يُنَادِينِي بِأَسْفَارِي\nلَيْلُ الشَّبَابِ قَصِيرٌ فَاسْرِ مُتَّئِدًا ... إِنَّ الصَّبَاحَ قُصَارَى المُدَلِجِ السَّارِي\nكَمْ ذَا اغْتِرَارِي بِالدُّنيا وَزُخْرُفهَا ... أَبْنِي بِنَاهَا عَلَى جُرْفٍ لَهَا هَارٍ\nدَارٌ مَآثِمُهَا تَبْقَى وَلَذَّتُهَا ... تَفْنِى أَلا قَبُحَتْ هَاتِيكَ مِنْ دَارِ\nلَيسَ السَّعِيدُ الَّذِي دُنْيَاهُ تُسْعِدُهُ ... إِنَّ السَّعِيدَ الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ","vol":"1","page":59},{"text":"أَصْبَحْتُ مِنْ سَيِّئاتِي خَائِفًا وَجلًا ... وَاللهُ يَعْلَمُ إِعْلاَئِي وَإِسْرَارِي\nإَذَا تَعَاظَمْتُ ذَنْبِي ثُمَّ آيَسَنِي ... رَجَوْتُ عَفْوَ عَظِيمِ العَفْوِ غَفَّارِ\nنجزت، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\n***","vol":"1","page":60}]}