{"ً":{"ٌ":151111,"ٍ":"شرح حديث «لبيك اللهم لبيك»","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: شرح حديث «لبيك اللهم لبيك» [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ٥٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154090,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[],"ٛ":{"1,97":1,"1,99":2,"1,100":3,"1,101":4,"1,102":5,"1,103":6,"1,104":7,"1,105":8,"1,106":9,"1,107":10,"1,108":11,"1,109":12,"1,110":13,"1,111":14,"1,112":15,"1,113":16,"1,114":17,"1,115":18,"1,116":19,"1,117":20,"1,118":21,"1,119":22,"1,120":23,"1,121":24,"1,122":25,"1,123":26,"1,124":27,"1,125":28,"1,126":29,"1,127":30,"1,128":31,"1,129":32,"1,130":33,"1,131":34,"1,132":35,"1,133":36,"1,134":37,"1,135":38,"1,136":39,"1,137":40,"1,138":41,"1,139":42,"1,140":43,"1,141":44,"1,142":45,"1,143":46,"1,144":47,"1,145":48,"1,146":49,"1,147":50,"1,148":51,"1,149":52,"1,150":53},"ٜ":{"1":[97,150]},"ٝ":["1,97","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150"],"ٞ":{},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح حديث \"لبيك اللهم لبيك\"","vol":"1","page":97},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nخرَّج الإمام أحمد، والحاكم (١)، من حديث زيد بن ثابت أن النبي - ﷺ - علَّمه دعاءً، وأمره أن يتعاهد به أهلَه كل يوم، قال: \"قُلْ حِينَ تُصْبِحُ: لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَمِنْكَ وَبِكَ وَإِلَيْكَ، اللهُمَّ مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَا شِئْتَ وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهُمَّ وَمَا صَلَّيْتُ مِنْ صَلَاةٍ فَعَلَى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتُ مِنْ لَعْنَ فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ، إِنَّكَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.\nاللهُمَّ إِنَِي أَسْأَلُكَ اللهُمَّ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَذَّةَ نَظَرٍ إِلَى وَجْهِكَ، وَشَوْقًا إِلَى لِقَائِكَ، مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، أَعُوذُ بِكَ اللهُمَّ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ، أَوْ أَكْتَسِبَ خَطِيئَةً مُحْبِطَةً، أَوْ ذَنْبًا لَا تَغْفِرُهُ، اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَإِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأُشْهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهِيدًا أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الْمُلْكُ وَلَكَ الْحَمْدُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنْتَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. وَأَشْهَدُ أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي، تَكِلْنِي إِلَى ضَيْعَةٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ\".\nقوله -ﷺ-: \"لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ\" معناه: إجابة لدعائك مرة بعد مرة. وليس المراد به حقيقة التثنية، بل المراد التكرير والتكثير والتوكيد؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (٢) يعني: مرة بعد مرة.\n_________\n(١) أحمد في \"المسند\" (٥/ ١٩١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥١٦). وصححه الحاكم.\n(٢) الملك: ٤.","vol":"1","page":99},{"text":"وأصلُه: من (لب) (١) بالمكان: إذا لزمه وأقام فيه؛ فكأنَّ الملبِّي يُجيب دعوة الله ويلزم ذلك. ويقتضي أيضًا: سُرعة الإجابة مع الدوام عليها.\nوقوله: \"وسعديك\" يعني: إسعادًا بعد إسعاد. والمعنى: طاعة بعد طاعة.\nوأصلُه: أنَّ المُنادي إذا دعا غيره، فإنَّ المجيب لدعائه يجيبُه إسعادًا له ومساعدة. ثم نُقل ذلك إِلَى مُطلق الطاعة، حتى استُعمل في إجابة دعاء الله ﷿؛ وحُكي عن العرب: سُبحانه وسعدانه، عَلَى معنى أسبحه وأطيعه؛ تسمية للإسعاد بسعدان، كما يسمى التسبيح سبحان، ولم يُسمع بسعديك مفردًا.\nولا شك أنَّ اللَّه تعالى يدعو عباده إِلَى طاعته، وإلى ما فيه رضاه، وما يوجب لهم به سعادة الآخرة، فمن أجاب دعاءه واستجاب له فقد أفلح وأنجح؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣) وقال حكاية عن الجن الذين يستمعون القرآن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤).\nولهذا يقولُ المُلبي في الحج: لبيك اللهم لبيك. يعني: إجابة لدُعائك وطاعة لك، حيثُ دعوتنا إِلَى حج بيتك.\nوكان النبيّ -ﷺ- يقوله في دُعاء الاستفتاح في الصلاة -وقد قيل: إنَّه كان يقولُه في قيام الليل، وقد قيل: إنه كان يقوله في استفتاح المكتوبة-: \"لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ،\n_________\n(١) لبب: \"نسخة\".\n(٢) يونس: ٢٥.\n(٣) إبراهيم: ١٠.\n(٤) الأحقاف: ٣١.","vol":"1","page":100},{"text":"تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك\". خرَّجه مسلم (١) من حديث علي - ﵁.\nوروي من حديث حذيفة مرفوعًا (٢)، وموقوفًا (٣) وهو أصح، يدعو محمدٌ - ﷺ - فيقول: \"لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، وَالْمُهْتدَي مَنْ هَدَيْتَ، عَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ رَبَّ الْبَيْتِ\".\nفَإِذَا كان العبد في صبح كل يوم، يقول: اللهم لبيك وسعديك. فإنه يُريد بذلك أني أصبحتُ مجيبًا لدعوتك، مُسرعًا إليها، مقيمًا عَلَى طاعتك، ممتثلًا لأوامرك، مجتنبًا لنواهيك. فَإِذَا قال هذا بلسانه فالواجبُ أنْ يتبع ذلك بعمله؛ ليكون مُستجيبًا لدعوة الله قولًا وفعلًا.\nوإنْ قال ذلك ثُم خالفه بعمله، فقد كذَّب قولُه عملَه، وهو جديرٌ أنْ يُجاب كما يُجَابُ مَنْ حجَّ بمالٍ حرام، وقال: لبيك اللهم لبيك. فيُقال: لا لبيك ولا سعديك.\nوفي بعض الآثار أنَّ الله ﷿ يُنادي كلَّ يوم: \"ابن آدم ما أنصفتني، أذكرك وتنساني، وأدعوك إليَّ فتذهب إِلَى غيري، وأُذْهِبُ عنك البلايا وأنت تعكف عَلَى الخطايا. ابن آدم: ما اعتذارك غدًا إذا جئتنىِ؟ \".\nكم دعاك إِلَى بابه فما أجبت ولا لبَّيت، كم استدعاك إِلَى جنابه فقعدت وأبيت، كم عُرضت عليك واجباتُه فتكاسلت وتوانيت، وزُجرت عن منهياته فما انزجرت وتماديت، كم سمعت داعي الحق فتصاممت، وكم رأيت آياته في الخلق فتعاميت.\n_________\n(١) في \"صحيحه\" برقم (٧٧١).\n(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٧٣).\n(٣) أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٥٥ رقم ٤١٤) والنسائي في \"الكبرى\" (١١٢٩٤)، والبزار في مسنده (٢٩٢٦ البحر الزخار) وغيرهم من طريق صلة بن زفر قال: سمعت حذيفة يقول: يجمع الناس في صعيد واحد ... فأول مدعو محمد - ﷺ - فيقول: لبيك وسعديك ... الحديث. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٧٧): رواه البزار موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":101},{"text":"فيا من جسدُه حي وقلبه ميت، يا ليتك أجبت منادي الهدى حين ناداك يا ليت.\nشعر:\nيا نفس ويحك قد أتاك هُداك ... أجيبي فداعي الحق قد ناداك\nكم قد دُعيت إِلَى الرشاد فتُعرضي ... وأجبت داعي الغي حين دعاك\nطُوبى لمن أجاب داعي \"الهدى\" (١) إذا دعاه، يا قومنا أجيبوا داعي الله.\nهكذا يا عبد سوء هكذا ... عبد سوء أنت لم تصلح لنا\nهكذا يا عبد سوء هكذا ... بعدما قاربتنا جانبتنا\nكم قد دعوناك فما أجبتنا ... واختبرناك فما أعجبتنا\nقولُه - ﷺ -: \"والخير في يديك\" إشارة إِلَى أن الله -﷿- إنَّما يدعو عباده إِلَى ما هو خير لهم، مما يُصلح دينهم ودنياهم وآخرتهم؛ فإنَّه يدعوهم إِلَى دار السلام، ويدعوهم ليغفر لهم ذنوبَهم. فَإِذَا سارع العبدُ إِلَى إجابة دعوة ربه بتلبيته والاستجابة له، قال مع ذلك: والخيز في يديك؛ إشارةَ إِلَى أني (أستجيبُ) (٢) لدعوتك طمعًا في نيل الخير الَّذِي كله بيديك، وأنت لا تدعو العبد إلَّا إِلَى ما هو خير له في دنياه وآخرته.\nيا هذا، لو دعاك مخلوقٌ ترجو خيره لأسرعت إجابته، مع أنه لا يملك لك ولا لنفسه ضرًّا ولا نفعًا. فكيف لا تُسارع إجابةَ مَن الخيرُ كلُّه بيديه، ولا يدعوك إلاَّ لخير يُوصله إليك؟!\nألم يرث التقوى أناس صدق ... فقادهم التقى خير المقاد\nأما يقل الإله إلي عبيدي ... فكل الحير عندي في المعاد\nقولُه: \"ومنك وبك وإليك\" يحتمل أنَّ مراده أن الخير كله منك وبك وإليك\n_________\n(١) الهداة: \"نسخة\".\n(٢) استجبت: \"نسخة\".","vol":"1","page":102},{"text":"يعني: أنَّ مبدأ الخير منك؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (١).\nوقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٢) فاللَّه تعالى هو المبُتدئ بالخير، فمنه بدأ ونشأ. والخيرُ به، يعني: أنَّ دوامه واستمراره وثبوته باللَّه، ولو شاء اللَّه لنزعه وسلبه صاحبه. وقد قال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (٣) يعني: أنَّ دوام هذه النعمة عليك من اللَّه كما أن ابتداءها منه.\nوالخيرُ إِلَيْهِ: بمعنى أَنَّه يرجع بصاحبه إِلَى الله في الآخرة، وإلى جِواره وقُربه فى جنات النعيم. فينتهي الخيرُ بصاحبه إِلَى اللَّه ﷿.\nويُحتمل أنَّ المراد بقوله: \"ومنك وبك وإليك\": أنَّ العبد نفسه باللَّه ومن اللَّه وإلى الله؛ كما في حديث الاستفتاح: \"أنا بك وإليك\" ولعل هذا أظهر. ويكون معنى الكلام؛ أنَّ العبد وجودُه من اللَّه تعالى، فإنه كان عدمًا فأوجده اللَّه وخلقه، وهو في حال وجوده في الدُّنْيَا باللَّه. أي أنَّ ثباته وقيامه باللَّه، فلولا أنَّ اللَّه يُقيم الوجود وما فيه من أنواع الخلق لهلك ذلك كله وتلف. ومن أسمائه الحيُّ القيوم؛ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ (٤). وفي الأثر المعروف في قصة القارورتين: \"يا مُوسى، لو نمتُ لسقطت السماء عَلَى الأرض\".\nوبعد انتقال العباد من هذه الدار فإنَّ مرجعهم إِلَى اللَّه، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) ثم قال: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ (٦) في آيات كثيرة.\nوفي هذا المعنى قال بعضُ العارفين: حقيقة التوحيد أنْ يكون العبد فانيًا في الله ﷿ يرى الأشياء كلَّها به وله، وإليه ومنه، كما قال عامر بن عبد قيس: ما نظرتُ إِلَى شيءٍ إلَّا رأيت الله فيه.\n_________\n(١) النحل: ٥٣.\n(٢) الجاثية: ١٣.\n(٣) الإسراء: ٨٦.\n(٤) فاطر: ١ ٤.\n(٥) يونس: ٤.\n(٦) البقرة: ٢٨.","vol":"1","page":103},{"text":"تبارك من أوجد الإنسان من عدم ... وأقامه ولولا الإله لم يقم\nإِلَيْهِ مرجعه وهو باعثة ... بعد الممات والأجداث والرمم\nقولُه -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَا شِئْتَ كَانَ وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدِيرٌ\". ذكر الخطَّابي في كتاب \"الدُّعاء\" له أن قوله:\n\"فمشيئتك\" رُوي بضم التاء وفتحها، وأن من رواه بالضم فإنَّ المعنى: الاعتذار بسابق الأقدار العائقة عن الوفاء بما أَلْزَمَ العبدُ نفسَهُ مِن النذور والأيمان. قال: وفي هذا طرفٌ من الجبر. قال: والصواب رواية من رواه بفتح التاء عَلَى إضمار فعل. كأنّه قال: فإني أقدّم مشيئتك في ذلك، وأنوي الاستئناء فيه طرحًا للحنْث عني عند وقوع الحلف.\nقال: وفي ذلك حجة لمن ذهب مذهب المكيين، في جواز الاستئناء منفصلًا عن اليمين.\nقلتُ: الصواب: هذا المعنى عَلَى (كلا) (١) الروايتين. أعني: رواية الضم، ورواية النصب.\nوليس المرُاد برواية الضم الاعتذار بالقدر، وإنَّما المعنى: فمشيئتُك بين يدي ذلك كلِّه مقدَّمة. فهو مبتدأ حُذف خبره.\nويشهد لهذا المعنى ما خرجه أبو داود في \"سُننه\" (٢) بإسناده، عن أبي الدرداء أنه كان يقول: مَن قال حين يُصبح: اللهم ما حلفتُ من حلِفٍ أو قلتُ من قولٍ أو نذرتُ من نذرٍ فمشيئتك بين يدي ذلك كلّه، ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكن، اللهم اغفر لي وتَجَاوَزْ عنِّي، اللهم فمن صلَّيتَ عليه فعليه صلاتي، ومن لعنتَ فعليه لعنتي. كان في استثناءِ يومه ذلك\".\nفقد صَرَّحَ أبو داود بأن المراد بهذا الاستثناء بالمشيئة أنه يكون استثناء في يومه ذلك، يعني: فيما يحلف به وينذره ويقوله في ذلك اليوم.\n_________\n(١) برقم (٥٠٧٨) عن أبي ذر.\n(٢) كذا بالأصل، والصواب: \"كلتا\".","vol":"1","page":104},{"text":"وهذا صريحٌ في أنَّه يكون استثناء في ما يستقبله من الكلام في يومه ذلك.\nوأما قولُ الخطابي -أنَّه يمتنع الحنث- كقول من يقول ذلك في الاستثناء (المتصل) (١) بعد الكلام -كما حكاه عن المكيين. فأصلُ ذلك أنَّه قد رُوي عن المكيين، كعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار وابن جُريج وغيرهم أنه ينفع الاستثناء بعد مُدة من اليمين.\nورُوي ذلك عن ابن عباس من وجوه، وقد طعن فيها كلِّها غيرُ واحد، منهم القاضي إسْماعيل المالكي، والحافظ أبو موسى المديني، وله في ذلك مصنَّفٌ مُفرد.\nورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٢) قال: هي خاصةٌ للنبي - ﷺ - دون غيره. خرَّجه الطبراني من وجه ضعيف.\nورُوي ذلك عن ابن جُريج أيضًا.\nوقالت طائفةٌ: إِنَّمَا أراد هؤلاء أنَّ هذا الاستثناء المنُفصل، يحصل به امتثال قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٣) وسببُ نزولها: أن قومًا سألوا النبي -ﷺ- عن قصة، فَقَالَ: غدًا أخبركم، ولم يقل: إنْ شاء الله، فاحتبس الوحي عنه مدة، ثم نزلت هذه الآية.\nوفي الحديث \"الصحيح\" (٤) أنَّ سليمان ﵇ قال: \"لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ ... \". الحديث.\nوفي الحديث: أنَّ بني إسرائيل، لو لم يقولوا: إنْ شاء الله، لما اهتدوا أبدًا.\nيعني: إِلَى البقرة التي أمروا بذبحها.\n_________\n(١) المنفصل: \"نسخة\".\n(٢) الكهف: ٢٤.\n(٣) الكهف: ٢٣ - ٢٤.\n(٤) أخرجه البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤).","vol":"1","page":105},{"text":"وفي الحديث الَّذِي في \"المسند\" و\"السنن\" (١): أنَّ يأجوج ومأجوج يحفرون كلَّ يوم السد حتى يكادوا يروا منه شُعاع الشمس، ثم ينصرفون ويَقُولُونَ غدًا نفتحه. فَإِذَا رجعوا من الغد وجدوه كما كان أولًا فلا يفتحونه، حتى يأذن اللهُ في فتحه، فيَقُولُونَ: غدًا نفتحه -إنْ شاء اللَّه- فيرجعون فيجدونه كما تركوه فيفتحونه.\nقال سعيد القداح: بلغني أن موسى ﵇ كانت له إِلَى اللَّه حاجة فطلبها فأبطأت فَقَالَ: ما شاء اللَّه، فَإِذَا حاجته بين يديه فتعجب، فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: أما علمت أن قولك: ما شاء اللَّه أنجح ما طلعت به الحوائج.\nقال إبراهيم بن أدهم: قال بعضهم ما سأل السائلون مسألة هي أنجح من أن يقول العبد: ما شاء الله، ما شاء اللَّه. قال: يعني بذلك: التفويض إِلَى الله.\nوكان مالك بن أنس كثيرًا ما يقول: ما شاء اللَّه، فعاتبه رجلٌ عَلَى ذلك.\nفرأى في منامه قائلًا يقول: أنت المُعاتب لمالك عَلَى قوله: ما شاء الله؟ لو شاء مالك أنْ يثقب الخردل بقوله: ما شاء اللَّه فعل.\nقال حماد بن زيد: جعل رجلٌ لرجلٍ جُعلًا عَلَى أنْ يعبر نهرًا، فعبر حتى إذا قرب من الشط، قال: عبرتُ والله. فَقَالَ له رجل: قل: ما شاء الله. فَقَالَ: شاء اللَّه أو لم يشأ. قال: فأخذته الأرض.\nفلا ينبغي لأحد أنْ يُخبر بفعل يفعله في المستقبل إلاَّ أنْ يُلحقه بمشيئة اللَّه؛ فإنَّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. والعبد لا يشاء إلَّا أن يشاء الله له.\nفَإِذَا نسي هذه المشيئة ثم ذكرها ولو بعد مدة فقد امتثل ما أُمر به، وزال عنه الإثم، وإنْ كان لا يرفع عنه الكفارة ولا الحنِث فى يمنيه. ولهذا في كلام أبي الدرداء (٢): اللهم اغفر لي وتجاوز عني. فلم يسأل إلاَّ رفع الإثم دون رفع الكفارة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٥١٠، ٥١١)، والترمذي (٣١٥٣)، وابن ماجه (٤٠٨٠) عن أبي هريرة مع اختلاف بعض الألفاظ.\n(٢) أبو داود (٥٠٨٧) عن أبي ذر.","vol":"1","page":106},{"text":"وكذا روي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١) قال: يقول: إذا حلفت (ونسيت) (*) الاسشناء فاستثن إذا ذكرت، ولو بعد خمسة أشهر وستة أشهر، فإنَّه يجزئك ما لم تحنث. خرَّجه آدم بن أبي إياس في \"تفسيره\".\nوعلى هذا حَمل قولَ ابن عباس وأصحابه طائفةٌ من العُلَمَاء، منهم: أبو مسعود الأصبهاني، وابن جرير الطبري.\nوكذا يُقال في هذا الحديث في تقديم الاستثناء في اليمين؛ فإنَّ تقديمه أبعد من تأخيره عن اليمين، فإنَّ اليمين لم تُوجد بعد بالكلية وفي تأخيره قد وجدت.\nوقد قال مالك في الاستثناء في اليمين: إنْ ذكر المشيئة يُريد بها الاستثناء (نفعه) (**) ذلك في منع الحنث، وإنْ كان إنَّما (ريد) (...) امتثال قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) (لم يحنث) (****)، فإني أرى الكفارة. نقله ابنُ المنذر وغيره، وكذلك حكاه أبو عُبيد عن بعض العُلَمَاء.\nوتردد بعضُ العُلَمَاء في وجوب الكفارة في هذا القَسَم؛ لتردد نظره بين اللفظ والمعنى. فلفظُه معلَّقٌ بالمشيئة، ومعناه الجزم بالفعل غير معلق، وإنَّما ذكر الاستثناء تحقيقًا وتأكيدًا للفعل.\nوفي الجملة: فينبغي حملُ حديث زيد بن ثابت عَلَى هذا المعنى، وأنْ يُقدِّم المشيئة عَلَى كل قولٍ يقولُه، وحَلْفٍ يحلفهُ، ونذر ينذرُه؛ ليخرج بذلك من عُهدة استقلال العبد بفعله، وليحقق العبدُ أنَه لا يكون مما يعزم عليه العبدُ ويقوله؛ من حَلْفٍ ونذرٍ وغيرهما الأ ما شاء الله وأراده؛ ولهذا قال بعده: \"ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك عَلَى كل شيء قدير\".\n_________\n(١) الكهف: ٢٤.\n(*) فنسيت: \"نسخة\".\n(**) فيمنعه: \"نسخة\".\n(...) أراد: \"نسخة\".\n(٢) الكهف: ٢٣.\n(****) ثم حنث: \"نسخة\".","vol":"1","page":107},{"text":"فتبرَّأ من حوله وقوته ومشيئته بدون مشيئة الله وحوله وقوته، وأقرَّ لربِّه بقدرته عَلَى كل شيء، فإن العبد عاجزٌ عن كل شيء إلاَّ ما أقدره عليه ربَّه.\nففي هذا الكلام: إفرادُ الربِّ بالحوْل والقوة، والقُدرة والمشية، فإن العبد غيرُ قادرٍ عَلَى ذلك كله إلاَّ عَلَى ما يقدره مولاه، وهذا نهاية توحيد الربوبية.\nوللشافعي -﵀- من أبيات:\nما شئتَ كان وإنْ لم أشأ ... وما شتُ إِنَّ لم تشأ لم يكن\nوقد حمل طائفةٌ -منهم الإمام أحمد- كلامَ ابن عباس في تأويل الآية عَلَى وجه آخر، وهو أنَّ الرجل إذا قال لا أفعل كذا وكذا، ثم أراد فعلَه فإنَّه يستثني، ثم يقول: إنْ شاء الله، ثم يفعلُه ويتخلَّصُ بذلك من الكذب إِن لم يكن قد حلف عليه بيمين.\nوكان يحيى بن سعيد القطان إذا قال: لا أفعل كذا، لا يفعله أبدًا. فَإِذَا قيل له: لَمْ تحلف. يقول: هذا أشد -يعني الكذب- لو كنتُ حلفت كان أهون، كُنت أكفر يميني وأفعله.\nوسُئل الإمام أحمد عمَّن يقول لا آكل، ثم يأكل. قال: هو كذب، لا ينبغي أنْ يفعل ذلك. (ونقل) (*) الوليدُ بن مسلم في كتاب \"الأيمان والنذور\" -عن الأوزاعي، في رجل كُلِّم من شيءٍ فيقول: نعم، إنْ شاء اللَّه (ومن نيته أن لا يفعل) (**) قال: هذا الكذب والخُلف. قال: إنَّما يجوز المُستثنى في اليمين. قِيلَ لَهُ: فإن قال: نعم إنْ شاء الله، (ومن نيته) (...) أنْ يفعل، ثم بدا له أن لا يفعل. قال: له (ثُنياه) (****).\nوهذا يدل عَلَى أن الاستثناء بالمشيئة في غير اليمين، إِنَّمَا ينفع لمن لم يكن مصممًا عَلَى مخالفة ما قاله من أول كلامه.\n_________\n(*) وسُئِلَ: \"نسخة\".\n(**) وما نيته إلا أن لا يفعل: \"نسخة\".\n(...) ما بنيته: \"نسخة\".\n(****) استتناؤه مخالفة ما قال. \"نسخة\".","vol":"1","page":108},{"text":"قوله -ﷺ-: \"اللهم ما صلَّيتُ من صلاة فعلى من صليتَ وما لعنتُ من لعن فعلى مَن لعنتَ\".\nقال الخطَّابي: الوجهُ أن تُرفع التاء من \"صلَّيت ولعنت\" في الأولى، وأن تنصبها منهما في الأخرى.\nوالمعنى: كأنّه يقول: اللهم اصرف صلاتي ودعائي إِلَى من (اختصصته) (*) بصلاتك ورحمتك، واجعل لعنتي عَلَى من استحق اللعن عندك واستوجب الطردَ والإبعاد في حُكمك، ولا تؤاخذني بالخطأ مني في (وضعها) (**) غير موضعها (وإحلالها) في غير محلها.\nقال: وإنَّما يصح عَلَى هذا التأويل، إذا كان قد سبقت منه صلاةٌ أو لعن لغير المستحقين. قال: وقد يُحتمل أن يكون إِنَّمَا دعا بالتوفيق، واشترط في مسألته العصمة؛ لئلا يجري عَلَى لسانه ثناءٌ إلا لمن يستحق الثناء من أوليائه، ولا ذم إلاَّ لمن يستحقه من أعدائه. كأنّه (يقول) (****): اللهم احفطي حتى لا أوالي إلاَّ أولياءك، ولا أعادي إلا أعداءك. قال: والوجه الأول إِنَّمَا ينصرف إِلَى الماضي، والوجه الآخر إِلَى المستقبل، والله أعلم. انتهى.\nقلتُ: التفسير الأول أصح؛ يشهد له قولُ أبي الدرداء: اللهم فمَنْ صليتَ عليه فعليه صلاتي، ومَنْ لعنتَ فعليه لعنتي.\nوقول الخطابي: إِنَّ هذا الوجه إِنَّمَا ينصرف إِلَى الماضي. ضعيفٌ؛ بل الصواب أنَّه ينصرف إِلَى المستقبل، (وأنَّ) (*****) المراد: ما لعنتُ في هذا اليوم من لعن، وما صلَّيت فيه من صلاة -يعني: ما ألعن وما أصلي.\nوهذا ما تقدم في قوله: ما قلتُ من قولٍ، أو نذرتُ من نذرٍ، أو حلفتُ من حلفٍ، فمشيئتُك بين يديه.\n_________\n(*) خصصه: \"نسخة\".\n(**) وضعي إياها: \"نسخة\".\n(...) وأحلها: \"نسخة\".\n(****) قال: \"نسخة\".\n(*****) وإنما: \"نسخة\".","vol":"1","page":109},{"text":"وقد وافق الخطَّابي -كما تقدم عنه- أنَّ المراد به ما يقوله ويحلفه، وينذره في المستقبل، فكذلك الصلاة واللعن.\nواعلم أنَّ العبد مبتلى بلسانه، يلعن به من يغضب عليه ويمدح به مَن يرضى عنه. وكثيرًا ما يمدح مَنْ لا يستحق المدح، ويلعن مَنْ لا يستحق اللعن.\nوقد ورد في غير حديث: أنَّ اللعنة إذا لم يكن الملعون بها أهلًا لها رجعت (عَلَى) (*) اللاعن.\nواللعنُ دعاء، فربَّما أُجيب وأصاب ذلك الملعون. وقد أمر النبي -ﷺ- المرأة التي لعنت بعيرَها أنْ ترسله، وقال: \"لا تصحبنا ناقةٌ ملعونة\" (١).\nوكان بعضُ السلف لا يدخل بيته بشيءٍ ملعون، ولا يأكل من بيض دجاجةٍ يلعنها، ولا يشرب من لبن شاة لعنها. قال بعضهم: ما أكلتُ شيئًا ملعونًا قط.\nوذكر ابنُ حامد من أصحابنا، عن أحمد قال: مَن لعن عبده فعليه أن يُعتقه، أو شيئًا من ماله: أنَّ عليه أن يتصدَّق.\nقال: ويجيءُ في لعن زوجته أنَّه (يلزمه) (**) أن يطلقها؛ ويشهد لها - في الزوجة- وقوعُ الفرقة بين المتلاعنين، لمَّا كان أحدُهما كاذبًا في نفس الأمر قد حقَّت عليه اللعنةُ والغضب.\nفَإِذَا قدمُ العبدُ من أول نهاره في دعائه: أنَّ ما لعن من لعن، فإنَّه لاحقٌ بمن لعنه الله، وما أثنى من ثناء فهو لاحق بمن أثنى عليه الله. فقد خلص بذلك من إثم لعن من لا يستحق اللعن، أو مدح من لا يستحق المدح، إذا وقع ذلك سهوًا أو غلطًا، أو عن قوة غضب ونحوه.\nفأمَّا من (يتعمد) (...) ذلك عن علمه بالحال ففي دخوله في هذا الشرط نظر، مع أنَّ عموم اشتراطه يقتضي دخوله فيه.\n_________\n(*) إِلَى: \"نسخة\".\n(١) أخرجه مسلم (٢٥٩٦).\n(**) عليه: \"نسخة\".\n(...) تعمد: \"نسخة\".","vol":"1","page":110},{"text":"وقد صحَّ عن النبي -ﷺ- أنَه اشترط أنَّه من سبه أو لعنه أو ضربه في غضب ونحوه، أنَّه يكون له كفارة وصلاة (١). وفي رواية: وهو غير مُستحق.\nوهذا إِنَّمَا يكون إذا ظن استحقاقه لذلك، ثم تبين أنه غير مستحق.\nقوله - ﷺ -: \" ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ \".\nمأخوذٌ من دعاء يُوسف ﵇ حين قال: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) الآية، والله ﷿ وفي أوليائه في الدُّنْيَا والآخرة، يتولَّى حفظَهم وكلاءتهم وهدايتهم وحراستَهم، في دينهم ودنياهم ما (داموا) (*) أحياء، فَإِذَا حضرهم الموتُ توفَّاهم عَلَى الإسلام، وألحقهم بعد الموت بالصالحين.\nوهذا أجلُّ النعم وأتمها عَلَى الإطلاق؛ وقد قال رسولُ اللَّه -ﷺ- عند وفاته:\n\" ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ \" (٣).\nوقول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٤) قيل: إنَّه دعا لنفسه بالموت، وهو قولُ جماعة من السلف، منهم الإمام أحمد.\nفَيُستدل به عَلَى جواز الدعاء بالموت من غير ضر نزل به.\nوقيل: إنَّه إِنَّمَا دعا لنفسه بالموت عَلَى الإسلام عند نزول الموت، وليس فيه دعاءٌ بتعجيل الموت كما أخبر عن المؤمنين أنهم قالوا في دُعائهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (٥) ويؤيِّد التفسير الأوّل: أنَه عقَّبه بالدعاء بالشوق إِلَى لقاء اللَّه، وهو يتضمَّن الدعاء بالموت.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٥)، ومسلم (٢٦٠٠) من حديث عائشة، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٩٠، ٤٨٨، ٤٩٦) \" (٣/ ٤٠٠)، ومسلم (٢٦٠١) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد (٣/ ٣٣٣، ٣٨٤، ٣٩١، ٤٠٠)، ومسلم (٢٦٠٢) من حديث جابر، وأخرجه أحمد (٤/ ٤٥٤) من حديث سودة امرأة أبي الطفيل.\n(٢) يوسف: ١٠١.\n(*) كانوا: \"نسخة\".\n(٣) أخرجه البخاري (٤٥٨٦)، ومسلم (٢٤٤٤) [٨٦] من حديث عائشة.\n(٤) يوسف: ١٠١.\n(٥) آل عمران: ١٩٣.","vol":"1","page":111},{"text":"واستدل من جوَّز الدعاء بالموت وتمنّيه بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، ثم ذمَّهم عَلَى عدم تمنيه بسبب سيئاتهم، وعلى حرصهم عَلَى طول الحياة في الدُّنْيَا. وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ الآية (٢).\nوفي \"المسند\" (٣) عن النبي -ﷺ-: \"لاَ يتمنينَّ أحدٌ الموت إِلاَّ من وثق بعمله\".\nفمن كان له عملٌ صالح فإنَّه يتمنَّى القدومَ عليه، وكذلك مَنْ غلب عليه الشوقُ إِلى لقاء اللَّه ﷿.\nوأمَّا من تمنى الموت خوف فتنة في الدين، فإنَّه يجوز بغير خلاف. وقد بسطنا الكلام عَلَى هذه المسائل في غير هذا الموضع.\nقولُه - ﷺ -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ فِي وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءٍ مُضِرَّةٍ، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ».\nهذه الثلاث خصال قد رُوي عن النبي -ﷺ- أئه كان يدعو بها في غير هذا الحديث أيضًا من حديث عمَّار بن ياسر، عن النبي - ﷺ - (٤) وقد شرحنا حديثَه بتمامه في موضع آخر.\nفأمَّا الرضا بالقضاء: فهو من علامات المُخبتين (٥) الصادقين في المحبة، فمتى امتلأت القلوب بمحبة مولاها رضيت بكلِّ ما يقضيه عليها من مؤلمٍ ومُلائم.\nسيان إنْ لاموا وإنْ عَذلوا ... ما لي عن الأحباب مصطبرُ\nلابد لي منهم وإنْ تركوا ... قلبي بنار الهجر يستعرُ\nوعلي أنْ أرضى بما حكموا ... وأطيع في كل ما أمروا\n_________\n(١) البقرة: ٩٤.\n(٢) الجمعة: ٦، ٧.\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٠).\n(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤)، والنسائي في \"الصغرى\" (١٣٠٥)، وفي \"الكبرى\" (١٢٢٨).\n(٥) المتواضعين أو الخاشعين أو المطمئنين.","vol":"1","page":112},{"text":"إذا امتلأت القلوبُ بالرضا عن المحبوب، صار رضاها في ما يرد عليها من أحكامه وأقداره.\nقال عُمر بن عبد العزيز: أصبحتُ وما لي سرور إلاَّ في مواقع القضاء والقدر.\nدخلوا عَلَى بعض التابعين في مرضه، فَقَالَ: أحبه إلي أحبه إِلَيْهِ.\nإِنْ كان (سركم) (*) ما قد بُليت به ... فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألم\nحشب سُلطان الهوى أنه يُلذ كلَّ ما يؤلم.\nوربَّما اختار بعض (المحبين) (**) الذُّلَّ عَلَى العزِّ، والفقر عَلَى الغنى، والمرضَ عَلَى الصحة، والموت عَلَى الحياة.\nعزّي ذُلي وصحتي في سقمي ... يا قوم رضيتُ في الهوى سفك دمي\nعُذّاليَ كفُّوا فمن ملامي ألمي ... من بات عَلَى (مواعد اللقا) (...) لم ينم\nوإنَّما قال - ﷺ -: \"الرضا بعد القضاء\" لأنّ ذلك هو الرضا حقيقة.\nوأما الرضا بالقضاء قبل وقوعه فهو عزمٌ عَلَى الرضا، وقد تنفسخ العزائم (عند) (...) وقوع الحقائق.\nومع هذا فلا ينبغي أن يستعجل العبدُ البلاءَ؛ بل يسأل الله العافية؛ فإنْ نزل البلاء تلقَّاه بالرضا.\nقُتل لبعضهم ولدان في الجهاد، فجاءه الناسُ يعزّونه بهما فبكى، وقال: ما أبكي عَلَى قتلهما، ولكن كيف كان رضاهما عن الله حين أخذتهما السيوف!\nإِنْ كان سكّان الغصا ... رضوا بقتلي فرضا\nوالله ما كنت لما ... يهوي الحبيب مُبغضا\nصرت لهم عبدًا وما ... للعبد إِنْ يعترضا\nمن لمريض لا يرى ... إلاَّ الطبيب المُمرضا\n_________\n(*) سروركم: \"نسخة\".\n(**) الصالحين: \"نسخة\".\n(...) مواعيد اللقاء: \"نسخة\".\n(****) مع: \"نسخة\".","vol":"1","page":113},{"text":"وأمَّا بَرد العيش بعد الموت. فالمرادُ به: طيب العيش (ولذاته) (*)، وما تقر به عين صاحبه.\nفإنَّ البرد يحصل به قُرة عين الإنسان وطيبها، وبرد القلب يوجب انشراحه وطمأنينته، بخلاف حرارة القلب والعين.\nولهذا في الحديث: \"طهر قلبي بالماء والثلج والبرد\" (١).\nودمعةُ السرور باردة، بخلاف دمعة الحُزن فإنها حارة.\nفبردُ العيش هو طيبه ونعيمه، وفي الحقيقة إنَّما يكمل طيب العيش ونعيمه في الآخرة لا في الدُّنْيَا؛ كما قال النبي - ﷺ -: \"لا عيش إلاَّ عيش الآخرة\" (٢).\nوسببُ ذلك أنَّ ابن آدم مركبٌ من جسد وروح، وكل منهما يحتاج إِلَى ما يتقوت به ويتنعم به، وذلك هو عيشه.\nفالجسدُ عيشه: الأكلُ والشرب، والنكاح واللباس والطيب، وغير ذلك من اللذات الحسية.\nففيه بهذا الاعتبار مُشابهة بالحيوانات في هذه الأوصاف.\nوأمَّا الروح: فهي لطيفة، وهي روحانية من جنس الملائكة. فقوتُها ولذتها وفرحها وسرورُها في معرفة خالقها وبارئها وفاطرها، وفيما يقرب منه مِن طاعته في ذكره ومحبّته، والأنس به والشوق إِلَى لقائه.\nفهذا هو عيشُ النفس وقُوتُها، فَإِذَا فقدت ذلك مرضت وهلكت؛ أعظم مما يهلك الجسد بفقد طعامه وشرابه؛ ولهذا يوجد كثير من أهل الغِنى والسعة يُعطي جسده حظِّه من التنعيم ثم يجد ألمًا في قلبه ووحشة، فيظنَّه الجهال أنَّ\n_________\n(*) ولذاذته: \"نسخة\".\n(١) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨) عن حديث أبي هريرة. وأخرجه البخاري (٦٣٦٨)، ومسلم (٥٨٩) من حديث عائشة.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٤١٣)، ومسلم (١٨٠٥) عن حديث معاوية بن قرة. وأخرجه البخاري (٦٤١٤)، ومسلم (١٨٠٤) من حديث سهل بن سعد.","vol":"1","page":114},{"text":"هذا يزول بزيادة هذه اللذات الحسية، وبعضُم يظن أنه يزول بإزالة العقل بالسُّكر. وكلُّ هذا يزيد الألم والوحشة.\nوإنما سببُه أنَّ الروح فقدت قوتها وغذاءها، فمرضت وتألَّمت.\nإذا كُنت قوت النفوس ثم هجرتها ... فلن تصبر النفس التي أنت قوُتُها\nستبقى بقاء الضبِّ في الماء أو كما ... يعيش ببيداء المفاوز حوتُها\nقال بعضُ العارفين لقوم: ما تعدُّون العيش فيكم. قالوا: الطعام والشراب، ونحو ذلك. فَقَالَ: إنَّما العيش أن لا لقى منك جارحة إلاَّ وهي تجاذبك إِلَى طاعة اللَّه وعزَّ وجلَّ.\nمَن عاش مع اللَّه طاب عيشه، ومن عاش مع نفسه وهواه طال طيشه.\nقال الحسن: إنَّ أحباء الله هم الذين ورثوا أطيب الحياة بما وصلوا إِلَيْهِ من مناجاة حبيبهم، وبما وجدوا من لذَّة حبّه في قلوبهم.\nوأكل إبراهيمُ بن أدهم مع أصحابه كِسرًا يابسة، ثم قام إِلَى نهرٍ فشرب منه بكفه، ثم حمد اللَّه، تم قال: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا عليه بالسيوف أيام الحب، عَلَى ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلة التعب. فَقَالَ بعضُ أصحابه: يا أبا إسحاق، طلب القومُ الراحة والنعيم فأخطئوا (الصراط) (*) المستقيم. فتبسم ثم قال: من أين لك هذا.\nأهل المحبة قومٌ شأنهم عجب ... سرورهم أبدٌ وعيشهم طرب\nالعيش عيشهم والملك ملكهم ... ما الناس إلا هم بانُوا أو اقتربوا\nقيل لبعض العارفين -وقد اعتزل عن الخلق-: إذا هجرتَ الخلقَ مع من تعيش؟ قال: مع من هجرتهم لأجله.\n_________\n(*) الطريق: \"نسخة\".","vol":"1","page":115},{"text":"ويُروى عن المسيح ﵇، أنَّه قال: يا معشر الحواريين، كلِّموا الله كثيرًا، وكلموا الناس قليلًا. قالوا: كيف نكلم اللَّه كثيرًا؟! قال: اخلوا بذكره، اخلوا (بذكر نعمائه) (*) اخلوا بمناجاته.\nما أطيبَ عيشَ مَن يخلو بحبيب ... يَلْتَذُّ بِهِ من غير مُحَاشاةِ رقيب\nأعيا مرضي بكم كلّ طبيب ... من أمَّل فضلَ مثلِكم كيفَ يَخِيب\nواعلم أنَّ الجمع بين هذين العيشين في دار الدُّنْيَا غيرُ ممكن، فمن اشتغل يعيش روحه وقلبه وحصل له منه نصيب وافر لها عن عيش جسده وبدنه، ولم يقدر أنْ يأخذ منه نهاية شهوته، ولم يقدر أنْ يتوسَّع في نيل الشهوات الحسية، وإنما يأخذ منها بقدر ما تقوم به حاجة البدن خاصة، فينتقص بذلك عيشُ الجسد، ولا بد.\nوهذه كانت طريقةُ الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، وكان اللَّه يختار أنْ يقلل نصيبهم من عيش أجسادهم، (ويوفر) (**) نصيبهم مِن عيش قلوبهم وأرواحهم.\nقال سهل التستُري: ما آتى الله عبدًا مِن قُربه ومعرفته نصيبًا إلاَّ حرمه من الدُّنْيَا بقدر ما أعطاه من معرفته وقربه، ولا آتاه من الدُّنْيَا نصيبًا إلَّا حرمه (من) (...) معرفته وقُربه بقدر ما آتاه من الدُّنْيَا.\nوقد كان النبي -ﷺ- يقتصد في عيشه غاية الاقتصاد، مع ما فتح اللَّهُ عليه من الدُّنْيَا والملُك، ومات ولم يشبع من خُبز الشعير، وكان يقول: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلِ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١).\nوقال -ﷺ-: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٢).\n_________\n(*) بدعائه: \"نسخة\".\n(**) ويوف: \"نسخة\".\n(...) منه: \"نسخة\".\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥)، والنسائي (٧/ ٦١) من حديث أنس.","vol":"1","page":116},{"text":"والنساءُ والطيب فيهما قوَّة الروح، بخلاف الطعام والشراب، فإنَّ الإكثار منهما يقسّىِ القلب ويفسده، وربما أفسد البدن أيضًا؛ كما قال النبي -ﷺ-: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، فَإِنْ كَانَ لَابُدَّ فَاعِلًا، فَثُلُثٌ طَعَام، وَثُلُثٌ شَرَاب، وَثُلُثٌ نَفَس» (١).\nقال بعضُ السلف: قلَّةُ الطعام عونٌ عَلَى التسرُّع إِلَى الخيرات.\nوقال آخر: ما قلَّ طعامُ امرئ إلَّا رق قلبُه ونديت عيناه.\nوقال إبراهيمُ بن أدهم: الشِّبع يميت القلب، ومنه يكون الفرحُ والمرح والضحك.\nوقال أبو سليمان: إِنَّ النفس إذا جاعت وعطِشت صفي القلبُ ورق، وإذا شبِعت ورويت عمي القلب.\nوقال: مفتاح الدُّنْيَا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع.\nوقيل للإمام أحمد: يجدُ الرجلُ رقَّة من قلبه وهو يشبع؟ قال: ما أرى.\nولهذا المعنى شرع اللَّه الصيام، وقد كان النبي -ﷺ- يُواصل في صيامه أيامًا فلا يأكل ولا يشرب، وإذا سُئل عن ذلك يقول: \"إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي\" (٢) يُشير إِلَى أنَه يستغني عن قُوت جسده بما يمنحه اللهُ من قوت روحه، عند الخلوة به والأنس بذكره ومناجاته مما يُورده عَلَى قلبه من المعارف القُدسية والمواهب الإلهية.\nلها أحاديثُ من ذكراكَ تُشغلها ... عن الطعام وتلهيها عن الزاد\nواعلم أنَّ عيش الجسد يُفسد عيشَ الروح وينغصه، وأمَّا عيشُ الروح فإنَّه يُصلح عيشَ الجسد، وقد يُغنيه عن كثيرٍ مما يحتاج إِلَيْهِ من عيشه.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٣٢)، والترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ١٧٧)، وابن ماجه (٣٣٤٩) من حديث المقدام بن معدي كرب.\n(٢) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":117},{"text":"كان بالبصرة رجلٌ من المجتهدين في الطاعة، وكان قليل المطعم، وبدنُه غير مهزول، فسُئل عن سبب ذلك، فَقَالَ: ذلك مِن فرحى بحب الله، إذا ذكرتُ أنَّه ربي وأنا عبده لم يمنع بدني أنْ يصلح.\nوسُئل أبو الحسن بن بشار: هل يكون الوليُّ سَمينا. قال: نعم إذا كان الولي أمينًا. قِيلَ لَهُ: كيف، واللَّهُ يبُغض الحبر السمين. قال: إذا علم الحبر عبدَ مَن هو ازداد سمنًا.\nوكان بشر يخطر في داره، ويقول: كفى لي عِزًّا أني لك عبد، وكفى لي فخرًا أنك لي رب.\nنُسبت لكم عبدًا وذلك بغيتي ... وتشريفُ قدري نسبتي لعُلاكم\nفكل عذاب في هواكم يلذُ لي ... وكل هوانٍ طيِّبٌ في هواكم\nلحا (١) الله قلبي إنْ تغير عنكم ... وإن مال في الدُّنْيَا لحب سواكم\nفمن وفَّى نفسه حظها من عيش جسده بالشهوات الحسية كالطعام والشراب؛ فسد قلبُه وقسا، وجلب له ذلك الغفلةَ وكثرة النوم. فنقص حظُّ روحه وقلبه من طعام المناجاة وشراب المعرفة، فخسر خُسرانًا مبينًا.\nقال بعضُهم: مساكين أهل الدُّنْيَا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب شيء فيها.\nقيل: وما هو؟ قال: معرفةُ اللًه ﷿، فمن عاش في الدُّنْيَا ولا يعرف ربَّه ولا يتنعم بخدمته، فعيشُه عيش البهائم.\nنهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغفلة ... وليلك نومٌ والردى (٢) لك لازم\nوتتعب فيما سوف تكره غِبه ... كذلك في الدُّنْيَا تعيش البهائم\n_________\n(١) يقال: لحا لي الرجل أي شتمه ولامه وعنفه، وقيل: إِنَّ الملاحاة هي الملاومة، والمباغضة، ومنه لحاه الله لحيًا، أي: قبحه ولعنه. \"اللسان\" مادة: (لحي).\n(٢) الردى: الهلاك \"اللسان\" مادة: (ردي).","vol":"1","page":118},{"text":"فالصالحونُ كلهم قللوا من عيش الأجساد، وكثَّروا من عيش الأرواح، لكن منهم من قلَّل من عيش بدنه ليستوفيه في الآخرة، وهذا تاجرٌ. ومنهم من فعل ذلك خوفًا من الحساب عليه في الآخرة.\nوالمحققون فعلوا ذلك تفريغًا للنفس عمَّا يشغل عن الله، لتتفرَّغ القلوبُ للعكوف عَلَى طاعته وخدمته، وذكره وشكره، والأنس والشوق إِلَى لقائه.\nفإنَّ الأخذ من عيش الأجساد أكثر من قدر الحاجة يُلهي عن الله، ويشغل عن خدمته.\nقال بعضُهم: كلُّ ما شغلك عن الله فهو عليك شؤم، فلا كان ما يُلهي عن الله؛ إنه يَضر ويُردي، إنَّه لشؤم.\nفما تفرَّغ أحدٌ لطلب عيش الأجساد، وأعطى نفسَه حظَّها من لك إلاَّ ونقص حظُّه من عيش الأرواح، وربما مات قلبُه من غفلته عن الله وإعراضه عنه، وقد ذمَّ الله من كان كذلك فَقَالَ تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ الآية (١).\nثُم إِنَّ ما حصَّلوه من شهواتهم ينقطع ويزول بالموت، وينقص بذلك حظُّهم عند الله في الآخرة. فإن كان ما حصلوه من شهواتهم من حرام فذلك هو الخسرانُ المُبين؛ فإنَّه يُوجب العقوبة الشديدة في الآخرة.\nفلمَّا لم يجتمع في الدُّنْيَا للعبد بلوغُ حظّه من عيش رُوحه وبلوغ (نهايته) (*) من عيش جسده، جعل الله للمؤمنين دارًا جمع لهم فيها ما بين هذين الحظَّين عَلَى نهاية ما يكون من الكمال، وهي الجنة.\nفإنَّ فيها جميعَ لذات الأجساد وعيشها ونعيمها؛ كما قال الله تعالى:\n﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ (٢) وقال: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا\n_________\n(١) مريم: ٥٩.\n(*) نهاية حظه: \"نسخة\".\n(٢) الزخرف:٧١.","vol":"1","page":119},{"text":"وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (١) ولا ينقصُ ذلك حظَّهم من لذات أرواحهم؛ فإنَّه تتوافر لذات قلوبهم، وتتزايد عَلَى ما كانت للمؤمنين في الدُّنْيَا، مما لا نسبة لما كان في الدنيا إِلَيْهِ.\nفإنَّ الخبر في الدُّنْيَا يصير هناك عيانًا، فأعلى نعيمُهم هناك رؤية اللَّه ﷿ ومشاهدته، وقُربه ورضاه، ويحصل لهم بذلك نهايةُ المعرفة به والأُنس، وتتزايد هنالك لذةُ ذكره عَلَى ما كانت في الدُّنْيَا؛ فإنهم يُلهمون التسبيح كما يلهمون النفسَ، وتصير كلمةُ التوحيد لهم كالماء البارد لأهل الدُّنْيَا. فعُلم بهذا أنَّ العيش الطب عَلَى الحقيقة لا يحصل في الدُّنْيَا، إِنَّمَا يكون بعد الموت. فإن من يُوفر حظَّه من نعيم روحه وقلبه في الدُّنْيَا يتوفَّر في الآخرة أيضًا، ومن توفَّر حظُّه من نعيم جسده في دنياه وسرَّ بها نقص في الدُّنْيَا ونقص به أيضًا حظه من نعيم الآخرة.\nومع هذا فهو نعيمٌ منغَّص لا يدوم ولا يبقى، وكثيرًا ما يُنغَّص بالأمراض والأسقام، وربما انقطع وتبدَّل صاحبه بالفقر والذل بعد الغنى والعز. وإنْ سلم من ذلك كلِّه فإنه ينغصه الموتُ، فَإِذَا جاء الموت فما كان مَن تنعم بالدنيا ولذاتها كأنّه ما ذاق شيئًا من لذاتها، خصوصًا إنْ انتقل بعد الموت إِلَى عذاب الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ إِلَى قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٢).\nوكان الرشيدُ قد بنى قصرًا، فلما فرغ منه ونجزه وفرشه استدعى فيه بطعامٍ وشراب وملاهي، واستدعى أبا العتاهية، فَقَالَ له: صِف لي ما نحن فيه من العيش. فأنشأ يقول:\nعِش ما بدا لك سالمًا ... في ظل شاهقة القُصور\nيُسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرَّواح وفي البكور\nفذا النفوس تقعقعت (٣) ... في ضيق حشرجة الصدور\nفهناك تعلم موقنًا ... ما كنت إلاَّ في غُرور\n_________\n(١) ق:٣٥.\n(٢) الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧.\n(٣) تقعقعت: اضطربت وتحركت. \"القاموس المحيط\" مادة: (قعقع).","vol":"1","page":120},{"text":"فبكى الرشيد. فَقَالَ له الوزير: دعاك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته. فَقَالَ الرشيد: دعه؛ فإنَّه رآنا في عمى، فكره أنْ يزيدنا عمى.\nنظر بعضُ المترفين عند موته إِلَى منزله فاستحسنه، فَقَالَ:\nإنَّ عيشًا يكون آخره الموت ... لعيش معجَّل التغيص\nثم مات من يومه.\nوقال آخر:\nيا غنيّ بالدنانير ... مُحب اللَّه أغنى\nوقال آخر:\nإِنَّمَا الدُّنْيَا وإنْ سرَّ ... ت قليل من قليل\nإنَّما العيش جوار اللَّه ... في ظل ظليل\nحيث لا تسمع ما يؤذيـ ... ك مِن قال وقيل\nوقال آخر:\nوكيف يلذ العيش من كان عالمًا ... بأنَّ إله الحلق لابد سائله\nفيأخذ منه ظلمه لعباده ... ويجزيه بالخير الَّذِي هو فاعله\nفالأشقياءُ في البرزخ في عيش ضنك؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (١).\nوقد رُوي عن أبي سعيد الخدري، مرفوعًا وموقوفًا (٢): أنَّ المعيشة الضنك عذاب القبر، يضيق عليه قبرُه حتى تختلف أضلاعُه، ويسلَّط عليه تسعة وتسعون تنينًا.\nفأما عيشهم في الآخرة فأضيق وأضيق، فأما من طاب عيشه بعد الموت فإن طيب عيشه لا ينقطع؛ بل كلما جاء تزايد طيبه. ولهذا سئل بعضهم: من أنعم\n_________\n(١) طه: ١٢٤\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٨١) مرفوعًا، والطبري في \"التفسير\" (١٦/ ١٦٤) موقوفًا.","vol":"1","page":121},{"text":"الناس عيشًا؟ فَقَالَ: أجسام في التراب قد أمنت العذاب، فانتظرت الثواب.\nفهذا في البرزخ في عيش طيب.\nرئي معروف في المنام بعد موته، وهو يُنشد:\nموت التقي حياة لا نفاد لها ... قد مات قومٌ وهم في الناس أحياء\nوكان إبراهيم بن أدهم يُنشد:\nما أحد أنعم من مُفرد ... في قبره أعماله تؤنسُه\nمنعَّم الجسم وفي روضة ... زيَّنها الله (في) (*) مجلسه\nرئي بعضُ الصالحين في المنام بعد موته، فَقَالَ: نحن بحمد الله في برزخ محمود، نفترشُ فيه الريحان ونتوسد فيه السندس والإستبرق إِلَى يوم النشور.\nرئي بعضُ الموتى في المنام فسئل عن حال الفُضيل بن عياض، فَقَالَ: كُسي حلَّة لا تقوم لها الدُّنْيَا بحواشيها.\nفأمَّا عيشُ المتقين في الجنة فلا يحتاج أنْ يُسأل عن طيبه ولذته، ويكفى في ذلك قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (١) الآيات، ومعنى راضية أي: عيشةٌ يحصل بها الرضى. وفسَّر ابنُ عباس قوله: هنيئًا بأنه لا موت فيها، يُشير إِلَى أنَّه لم يهنهم العيش إلَّا بعد الموت والخلود فيها.\nقال يزيدُ الرقاشي: أمن أهلُ الجنة الموت فطاب لهم العيش، وأمنوا من الأسقام فهنيئًا لهم في جوار اللَّه طول المقام.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ إِلَى آخرها (٣) «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ وَسُرُرِهِ وَقُصُورِهِ\n_________\n(*) فهي: \"نسخة\".\n(١) الحاقة: ٢١ - ٢٤.\n(٢) الذاريات: ١٥.\n(٣) القمر: ٥٤ - ٥٥.","vol":"1","page":122},{"text":"مَسِيرَةَ أَلْفَيْ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ، وَأَعْلاَهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ رَبِّهِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» \" (١).\nوقال طائفةٌ من السلف: وإنَّ المؤمن له بابٌ في الجنة من داره إِلَى دار السلام، يدخل منه عَلَى ربه إذا شاء بلا إذن.\nقال أبو سُليمان الداراني: وإذا أتاه رسولٌ من ربِّ العزة بالتحية واللُّطف، فلا يدخل عليه حتى يستأذن عليه، يقول للحاجب: استأذن لي عَلَى ولي الله، قال: لستْ أصل إِلَيْهِ. فَيُعْلِمُ ذلك الحاجبُ حاجبًا آخر حتى يصل إِلَيْهِ، فذلك قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ (٢).\nفَللَّه ذَاك الْعَيْش بَين خيامها ... وروضاتها والثغرُ فِي الرَّوْض يبسم\nوَللَّه كم من خيرةٍ إِن تَبَسَّمت ... أَضَاء لَهَا نورٌ من الْفجْر أعظم\nوَللَّه واديها الَّذِي هُوَ موعد ... الْمَزِيد لوفد الْحبّ لَو كنتَ مِنْهُم\nبذيالك الْوَادي يهيم صبَابَة ... محب يرى أَنَّ الصبابة مغنم\nوَللَّه أفراحُ المحبين عِنْدَمَا ... يخاطبهم مَوْلَاهُم وَيُسلِّم\nوَللَّه أبصارٌ ترى الله جهرة ... فَلَا الْغَيْم يَغْشَاهَا وَلَا هِيَ تسأم\nفيا نظرةً أَهْدَت إِلَى الْقلب نظرة ... أَمن بعْدهَا يسلو الْمُحب المتيم\nفروحك قرّب إِن أردْت وصالهم ... فَمَا غلبت نظر تشري بروحك مِنْهُم\nوأقدم وَلَا تقنع بعيش منغص ... فَمَا فَازَ باللذات من لَيْسَ يُقدم\nفَصم يَوْمك الْأَدْنَى لَعَلَّك فِي غَد ... تفوز بعيد الْفطر وَالنَّاس صَوّم\nفيا بَائِعا هَذَا ببخس معجل ... كَأَنَّك لَا تَدْرِي بلَى سَوف تعلم\nفَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك مُصِيبَة ... وَإِن كنت تَدْرِي فالمصيبة أعظم\nقوله - ﷺ - بعد هذا: \"وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ\".\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٣، ٦٤)، والترمذى (٢٥٥٣، ٣٣٣٠) من حديث ابن عمر. وذكر الترمذي اختلافًا في رفع الحديث ووقفه.\n(٢) الإنسان: ٢٠.","vol":"1","page":123},{"text":"فهذا يشتمل عَلَى أعلى نعيم المؤمنين في الدُّنْيَا والآخرة، وأطيب عيشٍ لهم في الدارين.\nفأمَّا لذَّةُ النظر إِلَى وجه الله ﷿، فإنَّه أعلى نعيم أهل الجنة، وأعظم لذة لهم؛ كما في \"صحيح مسلم\" (١) عن صُهيب ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: \"إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى المُنَادِي: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُون: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، أَلَمْ يُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، أَلَمْ يُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. فَوَاللَّهِ مَا أَعَطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا هُوَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الزِّيَادَة. ثم تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٢) \".\nوفي رواية لابن ماجه وغيره (٣)، في هذا الحديث: \"فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا هُوَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ\".\nوأخرج الدارمي (٤)، من حديث ابن عمر مرفرعًا: \"إِن أهل الْجنَّة إِذا بلغ بهم النَّعيم كل مبلغ فظنُّوا أَنه لَا نعيم أفضل مِنْهُ، تجلَّى الربُّ ﵎ عَلَيْهِم فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجه الرَّحْمَن فينسون كلَّ نعيم عاينوه حِين نظرُوا إِلَى وَجه الرَّحْمَن\".\nوأخرجه الدارقطني (٥) بنقصان منه وزيادة، وفيه: فيقول: \"يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، هَلِّلُونِي وَكَبِّرُونِي وَسَبِّحُونِي، كَمَا كُنْتُ تُهَلِّلُونِي وَتُكَبِّرُونِي وَتُسَبِّحُونِي فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَيَتَجَاوَبُونَ بِتَهْلِيلِ الرَّحْمَنِ، فَيَقُولُ ﵎ لِدَاوُدَ -﵇-:\nيَا دَاوُدُ، قُمْ مَجِّدْنِي فَيَقُوم دَاوُد فَيُمَجِّدُ رَبَّهُ ﷿\".\nوفي \"سُنن ابن ماجه\" (٦) عن جابر مرفوعًا: بَيْنَمَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ\n_________\n(١) برقم (١٨١).\n(٢) يونس: ٢٦.\n(٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٧١)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٢٣٤/ ١)، وأحمد (٤/ ٣٣٢، ٣٣٣)، (٦/ ١٥).\n(٤) في \"الرد عَلَى الجهمية\" (١٨٩)، وفي الرد عَلَى المريسي (٢٢٩).\n(٥) في \"الرؤية\" (١٧٦).\n(٦) برقم (١٨٤).","vol":"1","page":124},{"text":"يَا أَهْلَ الجنة، وذلك قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَّبٍ رَّحِيمٍ﴾ (١)، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيْهِ مِنَ النَّعِيمِ دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ\".\nوخرَّج البيهقيُّ (٢) من حديث جابر مرفوعًا: \"إِنَّ أَهْلَ الْجنَّة يرونَ رَبهم ﷿ عَلَى نَجَائِبَ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَأَزِمَّتُهَا مِنْ زُمُرُّدٌ أَخْضَرُ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ بكُثبان من مسك أذفر أَبيض فتثير عَلَيْهَا ريحًا يُقَال لَهَا: المُثيرة، حَتَّى تَنْتَهِي بهم إِلَى جنَّة عدن وَهِي قَصَبَة الْجنَّة. فَتَقول الْمَلَائِكَةُ: رَبنَا جَاءَ الْقَوْم. فَيَقُول: مرْحَبًا بالصادقين، مرْحَبًا بالطائعين. قَالَ: فَيكْشف لَهُم الْحجاب، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ويتمتَّعون بنوره حَتَّى لَا يبصر بَعضهم بَعْضًا ثمَّ يَقُول: ارْجعُوا إِلَى الْقُصُور بالتحف. فيرجعون وَقد أبْصر بَعضهم بَعْضًا. فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٣) \".\nوفي \"مسند البزار\" (٤)، من حديث حذيفة مرفوعًا، في يوم المزيد: \"إِنَّ اللهَ يَكْشِفُ تِلْكَ الْحُجُبَ وَيَتَجَلَّى لَهُمْ، فَيَغْشَاهُمْ مِنْ نُورِهِ، لَوْلا أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَضَى أَلاَّ يَحْتَرِقُوا لاحْتَرَقُوا؛ مِمَّا غَشِيَهُمْ مِنْ نُورِهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَقد خفوا عَلَى أَزوَاجهم مِمَّا غشيهم من نوره، فَإِذا صَارُوا تراد النورُ وتراد وَأمكن، حَتَّى يرجِعوا إِلَى صورهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا\".\nويُروى من حديث أنس (٥) مرفوعًا: \"إِن الله يَقُول لأهل الْجنَّة إِذا (استزادهم) (*) وتجلَّى لَهُم: سَلام عَلَيْكُم يَا عبَادي، انْظُرُوا إِلَيّ فقد رضيتُ عَنْكُم. فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ. فتتصدَّع لَهُ مَدَائِن الْجنَّة وقصورها ويتجاوب فُصُول شَجَرهَا وأنهارها وَجَمِيع مَا فِيهَا: سُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ. فاحتقروا الْجنَّة وَجَمِيع مَا فِيهَا حِين نظرُوا إِلَى وَجه الله ﷿\".\n_________\n(١) يس: ٥٨.\n(٢) في \"البعث والنشور\" (٤٤٨).\n(٣) فصلت: ٣٢.\n(٤) أخرجه البزار في \"المسند\" كما في \" كشف الأستار\" (٣٥١٨).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٢٥٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٥٠) وابن أبي الدُّنْيَا في \"صفة الجنة\" (٩٠) وغيرهم.\n(*) استزارهم: \"نسخة\".","vol":"1","page":125},{"text":"ويُروى من حديث علي (١) مرفوعًا: \"إِنَّ الله ﷿ يَتَجَلَّى لأَهْلِ الجَنَّة عَنْ وَجْهِهِ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا نِعْمَةً قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٢).\nويُروى من حديث أبي جعفر مُرسلًا (٣): \"إِنَّ أهل الْجنَّة إِذا زاروا رَبهم ﵎، وكشف لَهُم عَن وَجهه، قَالُوا: رَبنَا أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام، وَلك حق الْجلَال وَالْإِكْرَام، فَيَقُول تَعَالَى: مرْحَبًا بعبادي الَّذين حفظوا وصيتي، وراعوا عهدي، وخافوني بِالْغَيْبِ، وَكَانُوا مني عَلَى كل حَال مشفقين، فَقَالُوا: وَعزَّتك وعظمتك وجلالك مَا قدرناك حق قدرك، وَمَا أدينا إِلَيْك حَقك؛ فَائذن لنا فِي السُّجُود لَك. فَيَقُول لَهُم ﷿: إِنِّي قد وضعت عَنْكُم مُؤنَة الْعِبَادَة، وأرحت لكم أبدانكم. فطالما أنصبتم لي الْأَبدَان، وأعنيتم الْوُجُوه؛ فَالْآن أفضيكم إِلَى روحي ورحمتي وكرامتي، فاسألوني مَا شِئْتُم، وتمنوا عَليّ أعطكم أمانيكم؛ فَإِنِّي لم أجزكم الْيَوْم بِقدر أَعمالكُم، وَلَكِن بِقدر رَحْمَتي وكرامتي.\nفَمَا يزالون فِي الْأَمَانِي والعطايا والمواهب، حَتَّى إِن المقصّر مِنْهُم فِي أمْنِيته ليتمنَّى مثلَ جَمِيع الدُّنْيَا مُنْذُ خلقهَا الله إِلَى أَن أفناها. فَيَقُول لَهُم الرب ﵎: لقد قصَّرتم فِي أمانيكم ورضيتم بِدُونِ مَا يحِق لكم فقد أوجبتُ لكم مَا سَأَلْتُم وتمنيتم، وألحقتُ بكم ذريتكم وزدتكم مَا قصرت عَنهُ أمانيكم.\nقَالَ عبد الرَّحْمَن بنُ أبي ليلى: إِذا تجلَّى لَهُم رَبُّهم لَا يكون مَا أُعطوا عِنْد ذَلِك بِشَيْء.\nقَالَ الْحسن: إِذا تجلَّى لأهل الْجنَّة نسوا كلَّ نعيم الْجنَّة.\nوكان يقول: لو علم العابدون أنّهم لا يرون ربَّهم في الآخرة لماتوا.\n_________\n(١) أخرجه اللالكائي (٨٥٢)، وأورده ابن القيم في \"حادي الأرواح\" (ص ٣٦٨) من طريق يعقوب بن سفيان، ورواه أبو بكر المقرئ في \"زيادات مسند أبي يعلى\" كما في \"المطالب العالية\" (٥٢٠٥) وإسناده ضعيف جدًّا.\n(٢) سورة ق: ٣٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في \"صفة الجنة\" (٥٣)، وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٤١١).","vol":"1","page":126},{"text":"وقال: إِنَّ أحباء الله هم الذين ورثوا طيبَ الحياة، وذاقوا نعيمَها بما وصلوا إِلَيْهِ من مُناجاة حبيبهم، وبما وجدوا من حلاوة حبّه في قلوبهم. لا سيما إذا خطر عَلَى بالهم ذكرُ مشافهته، وكشف ستور الحُجب عنه في المقام الأمين والسرور، وأراهم جلالَه، وأسمعهم لذَّة كلامه، ورد عليهم جواب ما ناجوه به أيام حياتهم.\nأملي أن أراك يومًا من الدهر ... فأشكو لك الهوى والغليلا\nوأُناجيك من قرب وأبدي لك ... هذا الجوى وهذا النُّحُولاَ\nقال وهب: لو خُيِّرت بين الرؤية والجنة لاخترتُ الرؤية.\nرئي بشر في المنام، فسُئل عن حاله وحال إخوانه، فَقَالَ: تركتُ فلانًا وفلانًا بين يدي الله يأكلان ويشربان ويتنعَّمان. قِيلَ لَهُ: فأنت؛ قال: علم قلَّة رغبتي في الطعام فأباحني النظر إِلَيْهِ.\nيا حبيب القلوب ما لي سواك ... اوحم اليوم مذنبًا قد أتَاكا\nأنت سُؤلي ومنيتي وسُروري ... طال شوقي متى يكون لقاكا\nليس سُؤلي من الجنان نعيم ... غير أني أريدها لأراكا\nقال ذُو النون: ما طابت الدُّنْيَا إلاَّ بذكره، ولا طابت الآخرة إلاَّ بعفوه، ولا طابت الجنة إلاَّ برؤيته.\nولو أنَّ الله احتجب عن أهل الجنة لاستغاث أهل الجنة من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار.\nكان بعضُ الصالحين يقول: ليت ربِّي جعل ثوابي من عملي نظرةً إِلَيْهِ، ثم يقول: كن ترابًا.\nكان علي بن الموفَّق يقول: اللهم إنْ كنت تعلم أنِّي أعبدُك خوفًا مِن نارك فعذِّبني بها، وإنْ كنت تعلم أنِّي أعبدك حُبًّا لجنتك فاحرمنيها، وإنْ كنت تعلم","vol":"1","page":127},{"text":"أنما عبدتك حبًّا مني لك وشوقًا إِلَى وجهك الكريم فأبحنيه، واصنع بي ما شئت (١).\nسمع بعضُهم قائلًا يقول:\nكبُرت همة عبد طمعت في أنْ تراكا ... وما حسبت أنْ ترى من رآكا\nثم شهق شهقة فمات.\nلما غلب الشوقُ عَلَى قلوب المُحبِّين استروحوا إِلَى مثل هذه الكلمات، وما تخفي صدورُهم أكبر!\nتجاسرتُ فكاشفتك لما غلب الصبر ... فإنْ عنفني الناسُ ففي وجهك لي عذر\nأبصارُ المُحبين قد غضت من الدُّنْيَا والآخرة، فلم تفتح إلاَّ عند مشاهدة محبوبهم يوم المزيد.\nأروح وَقد ختمتَ عَلَى فُؤَادِي ... بحبك أَنْ يحل بِهِ سواكا\nفَلَو أَنِّي اسْتَطَعْت غضضت طرفِي ... فَلم أنظر بِهِ حَتَّى أراكا\nأحبك لَا ببعضي بل بكلي ... وَإِنْ لم يبْق حبك لي حراكا\nوَفِي الأحباب مَخْصُوص بوجد ... وَآخر يَدعِي معي اشتراكا\nإِذا استكبت دموعي فِي خدودي ... تبيَّن من بَكَى مِمَّن تباكا\nفَأَما من بَكَى فيذوب وجدًا ... وينطق بالهوى من قد تشاكا\nكان سحنون المُحب يُنشد:\nوَكَانَ فُؤَادِي خَالِيًا قبل حُبّكم ... وَكَانَ بِذكر الْخلق يلهو ويمرح\n_________\n(١) في ذلك نظر، إذ العبودية الحقة لا بد وأن تجمع بين الحب والخوف والرجاء. قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] وقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].","vol":"1","page":128},{"text":"فَلَمَّا أن دَعَا قلبِي هَوَاك أَجَابَهُ ... فلست أرَاهُ عَن فنائك يبرح\nرُميت ببعد عَنْك إِن كنت كَاذِبًا ... وَإِن كنت فِي الدُّنْيَا بغيرك أفرح\nوَإِن كَانَ شَيْء بالبلاد بأسرها ... إِذا غبت عَن عَيْني لعَيْنِي يملح\nفَإِن شِئْت واصلني وَإِن شِئْت لَا تصل ... فلست أرى قلبِي لغيرك يصلح\nوأمَّا الشوق إِلَى لقاء الله فهو أجل مقامات العارفين في الدُّنْيَا؛ وقد روي عن النبي -ﷺ- \"أنه كان يدعو: \"اللهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيَّ، وَخَشْيَتَكَ أَخْوَفَ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي، وَاقْطَعْ عَنِّي حَاجَاتِ الدُّنْيَا بِالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ، وَإِذَا أَقْرَرْتَ أَعْيُنَ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ دُنْيَاهُمْ فَأَقِرَّ عَيْنِي مِنْ عِبَادَتِكَ\" (١).\nوإنما قال: \"مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ\" لأنَّ الشوق إِلَى لقاء الله يستلزم محبة الموت، والموتُ يقع تمنيه كثيرًا من أهل الدُّنْيَا؛ بوقوع الضرَّاء المُضرة في الدُّنْيَا، وإن كان منهيًّا عنه في الشرع.\nويقع من أهل الدين تمنيه؛ لخشية الوقوع في الفتن المُضلَّة.\nفسأل تمنّي الموت خاليًا من هذين الحالين، وأنْ يكون ناشئًا عن محض محبَّة الله والشوق إِلَى لقائه؛ وقد حصل هذا المقامُ لكثيرٍ من السلف. قال أبو الدرداء: أَحَبّ الموتَ اشتياقًا إِلَى ربي.\nوقال أبو عُتبة (الخواص) (**): كان إخوانكم لقاء الله أحب إليهم من الشَّهد.\nوقالت رابعةُ: طالت عليّ الأيامُ والليالي بالشوق إِلَى لقاء الله.\nومكث فتح بن (شخرف) (٢) ثلاثين سنة لم يرفع رأسه إِلَى السماء، ثم رفع رأسه فَقَالَ: طال شوقي إليك فعجَّل بالقدوم عليك.\n_________\n(*) إذا: \"نسخة\".\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٢٨٢).\n(**) الخولاني: \"نسخة\".\n(٢) في المطبوع \"شخروق\" والصواب ما أثبتناه. انظر \"طبقات الأولياء\" لابن الملقن (ص ٢٢٢، ٢٧٤، ٣١٩)، و\"طبقات الصوفية\" (ص ١١، ١٤٣) و\"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٩٣) و\"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٣٨٤).","vol":"1","page":129},{"text":"وكان بعضُهم يقول في مناجاته: قبيحٌ بعبد ذليل مثلي يعلم عظيمًا مثلك.\nاللهم إنك تعلم أنك لو خيَّرتني أنْ تكون لي الدُّنْيَا منذ خُلقت أتنعم فيها حلالًا لا أُسْأَلُ عنها يوم القيامة، وبين أن تخرج روحي الساعة (١).\nقال بعض السلف: إذا ذكرتُ القدومَ عَلَى اللَّه كُنت أشد اشتياقًا إِلَى الموت من الظمآن الشديد ظمؤه، في اليوم الحار الشديد حرَّه إِلَى الشراب الشديد بردُه.\nأشتاق إليك يا قريب نائي ... شوق الظامي إِلَى زُلال المائي\nقال الجنُيد: سمعتُ سريًّا يقول: الشوقُ أجل مقام العارف إذا تحقق فيه، وإذا تحقق بالشوق لها عن كل شيء يشغله عمَّن يشتاق إِلَيْهِ.\nرئي داود الطائي في المنام عَلَى منبر عالٍ، وهو ينشد:\nما نال عبدٌ من الرحمن منزلة ... أعلى من الشوق إنَّ الشوق محمود\nلا زال المُحبُّون يروضون أرواحهم في الدُّنْيَا حتى خرجت عن أبدان الهوى وصارت في حواصل طير الشوق، فهي تسرح في رياض الأُنس وترد حياضَ القُدس، ثم تأوي إِلَى قناديل المعرفة المُعلقةِ في المحل الأعلى حول العرش؛ كما قال بعضُ العارفين: القلوب جوَّالة، فقلبٌ يدور حول العرش، وقلبٌ يجول حول الحُش، كلَّما حلَّت نسماتُ القُدس من أرجاء الأُنس عَلَى أغصان قلوب الأحباب، تمايلت شوقًا إِلَى ذلك الجنَاب.\nكان بعضُ السلف يمشي أبدًا عَلَى قدميه من الشوق، وكان بعضُهم كأنّه مخمورٌ من غير شراب (٢).\n_________\n(١) كذا؛ وقد سقط: \"لاخترت أن تخرج نفسى الساعة\". انظر \"استنشاق نسيم الأنس\" (٩٦) للمؤلف.\n(٢) لم يكن هذا هدي النبي - ﷺ - وصحابته، ولا خير في هدي جانب هديه - ﷺ -.","vol":"1","page":130},{"text":"يريحني إليك الشوقُ حتى ... أميل من اليمين إِلَى الشمال\nويأخذني لذكركم رياح ... كما نشط الأسير من العقال\nأهل الشوق عَلَى طبقتين:\nأحدهما: من أقلقه الشوقُ ففني اصطبارُه؛ كان أبو عُبيدة الخوَّاص يمشي ويضرب عَلَى صدره، ويقول: واشوقاه إِلَى من يراني ولا أراه.\nكان داود الطائي يقول بالليل: همُّك عطَّل عَلَيَّ الهموم، وخالف بيني وبين السهاد، وشوقي إِلَى النظر إليك أوبق مني اللذات، وخالف بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب.\nأحبابي أمَّا جِفن عيني فمقروح ... وأمَّا فؤادي فهو بالشوق مجروح\nيذكرني مرُّ النسيم عهودكم ... فأزداد شوقًا كلّما هبت الريحُ\nأراني إذا ما أظلم الليلُ أشرقت ... بقلبي من نارِ الغرام مصابيح\nأصلي بذكراكم إذا كُنت خاليًا ... ألا إِنَّ تذكار الأحبَّة تسبيح\nالطبقةُ الثانية: من إذا أقلقهم الشوقُ سكَّنهم الأُنس باللَّه، فاطمأنت قلوبُهم بذكره، وأنسوا بقُربه.\nوهذه حالُ الرسول -ﷺ- وخواص العارفين من أمته.\nوسُئل الشَّبلي: بماذا تستريح قلوبُ المحبّين والمشتاقين؟ فَقَالَ: بسرورهم بمن أحبُّوه واشتاقوا إِلَيْهِ.\nأموت إذا ذكرتُك ثم أحيا ... ولولا ما أؤمل ما حييتُ\nفأحيا بالمنى وأموت شوقًا ... فكم أحيا عليك وكم أموت","vol":"1","page":131},{"text":"كانت بعضُ الصالحات تقول: أليس عجبًا أنْ أكون حية بين أظهركم، وفي قلبي من الاشتياق إِلَى ربي مثل شعل النار التي لا تطفأ.\nأموت اشتياقًا ثم أحيا بذكركم ... وبين التراقي والضلوع لهيب\nفوا عجبا موت المشوق صبابة ... ولكن بقاه فى الحياة عجيب\nهذه أحوالٌ لا يعرفها إلاَّ من ذاقها.\nلا يعرف الوجدَ إلاَّ من يُكابده ... ولا الصبابة إلاَّ من يُعانيها\nفأمَّا من ليس عنده منها خبر، فربما لام أهلَها.\nيا عاذل المشُتاق دعه فإنّه ... لديه من الزفرات غير حشاكا\nلو كان قلبك قلبه ما لمته ... حاشاك مما عنده حاشاكا\nقولُه -ﷺ-: \"أَعُوذُ بِكَ اللهُمَّ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ، أَوْ أَكْسِبَ خَطِيئَةً مُحْبِطَةً أَوْ ذَنْبًا لَا تَغْفِرُه\".\nاستعاذ من أربعة أشياء: أحدها: الظلم من الطرفين، وهو أنْ يظلم غيره أو يظمه غيره.\nوخرَّج أبو داود (١) من حديث أم سلمة، قالت: \"مَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ\".\nوخرَّجه الترمذي (٢) وصححه، ولفظُه: \"اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نُزَلَّ أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا\".\nفمن سلم من ظُلم غيره، وسلم الناسُ من ظلمه: فقد عُوفي وعوفي الناسُ منه. وكان بعض السلف يدعو: اللهم سلِّمني وسلِّم مني.\n_________\n(١) برقم (٥٠٩٤).\n(٢) برقم (٣٤٢٧).","vol":"1","page":132},{"text":"والثاني: العُدوان. وفرَّق اللَّه بين الظلم والعُدوان، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ (١) الآية.\nوقد يُفرَّق بين الظلم والعُدوان، بأنَّ الظلم: ما كان بغير حق بالكلية، كأخذ مالٍ بغير استحقاق شىء منه، وقتل نفس لا يحل قتلها.\nوأمَّا العُدوان: فهو مُجاوزة الحدود وتعديها فيما أصلُه مباح، مثل أنْ يكون له عند أحدٍ حقٌّ من مال أو دم أو عرض، فيستوفي أكثر منه. فهذا هو العُدوان، وهو تجاوز ما يجوز أخذه فيأخذ ماله أخذه وما لي له أخذه، وهو من أنواع الربا المحرَّمة.\nوقد ورد السَّبَّتَان بالسَّبة ربا.\nوالظلم المُطلق: أخذُ ما ليس له أخذه، وأخذ شيءٍ منه من مال أو عرض أو دم. كلاهما في الحقيقة ظلم.\nوفي \"الصحيح\" (٢) عن النبي -ﷺ-: \"يقول اللَّه ﷿: يا عبادي، إنِّي حرمت الظلمَ عَلَى نفسي وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا\".\nوفي \"الصحيحين\" (٣) عنه - ﷺ - قال: \"الظلم ظلمات يوم القيامة\".\nوفيهما (٤) عنه -ﷺ- قال: \" «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»\nوتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٥) الآية.\nوفي البخاري (٦) عنه -ﷺ- قال: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ».\n_________\n(١) النساء: ٢٩ - ٣٠.\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر.\n(٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٩) من حديث ابن عمر.\n(٤) أخرجه البخارى (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣) من حديث أبي موسى.\n(٥) هود: ١٠٢.\n(٦) أخرجه البخاري (٢٤٤٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":133},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\" (١) عنه - ﷺ - قال: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ»؟ قَالُوا: المُفْلِسُ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: «إِنَّ المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيَقْضِي هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَُقْضِي مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».\nوفي الحديث (٢): \" «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى تَتَقاضَى الشَّاة الْجَماء (٣) مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» \".\nوفي حديث عبد الله بن أنيس: (وليَسْأَلَنَّ الحجر لم نكت الحجر، وليسألن العود لم خدش صاحبه\".\nفخِف القضاء غدًا إذا وافيت ما ... كسبت يداك اليوم بالقسطاس\nفي موقف ما فيه إلاَّ شاخص ... أو مهطع (٤) أو مقنع بالراس\nأعضاؤهم هي الشهودُ وسجنهم ... نارٌ وحاكمهم شديد الباس\nإِنْ تمطل اليوم الحقوقَ مع الغنى ... فغدًا تؤديها مع الإفلاس\nوالظلمُ المحرَّم تارة يكون في النفوس، وأشده في الدماء. وتارة في الأموال، وتارة في الأعراض، ولهذا قال - ﷺ - في خُطبته في حجة الوداع: \"إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا\" (٥) وفي رواية: ثم قال: \"اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٥٨١) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة.\n(٣) الجماء: التي لا قرن لها. \"النهاية\" (١/ ٣٠٠).\n(٤) مهطع: أقبل عَلَى الشيء ببصره فلم يرفعه وقيل: الَّذِي ينظر في ذل وخشوع. \"اللسان\" مادة: (مطع).\n(٥) أخرجه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة.\n(٦) أخرجه الدارقطني فى \"السنن\" (٣/ ٢٦) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٠٠)، (٨/ ١٨٢) من حديث أنس.","vol":"1","page":134},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\" (١) عنه - ﷺ - قال: \"كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ\".\nفظلمُ العباد شرٌّ مكتسب؛ لأنَّ الحق فيه لآدمي مطبوع عَلَى الشُّح، فلا يترك من حقه شيئًا، لاسيما مع شدة حاجته يوم القيامة، فإنَّ الأم تفرحُ يومئذ إذا كان لها حقٌّ عَلَى ولدها، لتأخذه منه.\nومع هذا، فالغالبُ أنَّ الظالم تُعجَّل له العقوبة في الدُّنْيَا وإنْ أُمهل؛ كما قال - ﷺ - (٢): «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٣) الآية.\nقال بعضُ أكابر التابعين لرجل: يا مُفلس. فابتُلي القائل بالدَّين والحبس، بعد أربعين سنة.\nوضَرب رجلٌ أباه وسحبه إِلَى مكان، فَقَالَ الَّذِي رآه: إِلَى ها هنا! رأيتُ هذا المضروب قد ضَرب أباه، وسحبه إِلَيْهِ!\nوصادر بعضُ وزراء الخلفاء رجلًا، فأخذ منه ثلائة آلاف دينار. فبعد مدة غضب الخليفة عَلَى الوزير، وطلب منه عشرة آلاف دينار، فجزع أهلُه من ذلك، فَقَالَ: ما يأخذ مني أكثر من ثلاثة آلاف دينار كما كنتُ ظلمتُ. فلما أدَّى ثلاثة آلاف دينار وقَّع الخليفةُ بالإفراج عنه، فسبحان مَن هو قائمٌ عَلَى كل نفس بما كسبت، إنَّ ربك لبالمرصاد.\nحاكمُ العدل لا يجور، وإنَّما يُجازي بالعدل. وميزانُ عدله لا يُحابي أحدًا؛ بل يتحرَّر فيه مثاقيلُ الذر ومثاقيل الخردل، وكما تدين تدان.\nفجانب الظلمَ لا تسلُك (طريقته) (*) ... عواقبُ الظلم تُخشى وهى تنتظر\nوكل نفس ستُجزى بالذي عملت ... وليس للخلق من دينهم وطر\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) هود:١٠٢.\n(*) مسالكه: \"نسخة\".","vol":"1","page":135},{"text":"الثالث: مما استعاذ منه: وهو اكتساب الخطيئة؛ قال اللَّه ﷿: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (١).\nوفسِّرت إحاطة الخطيئة بالموت عَلَى الشرك، وفسِّرت بالموت عَلَى الذنوب الموجبة للنار من غير توبة منها.\nفكأنَّ ذنوبه أحاطت به من جميع جهاته، فلم يبق له مخلصٌ منها.\nفالخطايا تُحيط بصاحبها حتى تُهلكه؛ وقد ضرب النبيّ -ﷺ- مثل الخطايا التي يتلبس بها العبد بمثل درع ضيقة يلبسها، فتضيق عليه حتى تخنقه، ولا تنفك عنه إلا بعمل الحسنات، من توبة أو غيرها من الأعمال الصالحة؛ ففى \"المسند\" (٢)، عن عُقبة بن عامر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ (خَنِيقَة) (*)، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخْرَى فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ أُخْرَى حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ».\nفلا يخلص العبد من ضيق الذنوب عليه وإحاطتها به إلاَّ بالتوبة والعمل الصالح.\nكان بعضُ السلف يُردد هذين البيتين بالليل، ويبكي بكاءً شديدًا:\nابكِ لذنبك طول الليل مجتهدًا ... إنَّ البكاء معول الأحزان\nلا تنسَ ذنبك في النهار وطوله ... إِنَّ الذنوب تحيط بالإنسان\nالرابع مما استعاذ منه: الذنب الَّذِي لا يُغفر. ويدخل فيه شيئان. أحدُهما: الشرك؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ...﴾ (٣) الآية.\nوالثاني: أنْ يعمل العبدُ ذنبًا ولا يُوفَّق لسبب يمحوه عنه؛ بل يلقى اللَّه من غير سبب ملح له، فلا يُغفر له؛ بل يُعاقب عليه، فإنَّ الله إذا أَحَبّ عبدًا أوقعه\n_________\n(١) البقرة:٨١.\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥).\n(*) ثُم خنقته: \"نسخة\".\n(٣) النساء: ٤٨، ١١٦.","vol":"1","page":136},{"text":"في ذنب له، ووفقه لأسباب يمحوه عنه: إمَّا بالتوبة النصوح، وفي ابن ماجه (١) عن ابن مسعود مرفوعًا: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له\".\nوإمّا بحسنات ماحية ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢) وإمَّا أن يُتلى بمصائب مكفّرة؛ فمن وُرد اللَّه به خيرًا يُصب منه. ولا تزال البلايا بالمؤمن حتى يمشي عَلَى الأرض وليس عليه خطيئة.\nوإمَّا أنْ يُغفر له بشفاعة بإذن الله لمن يأذن فيها، وإما أن يغفر لمجرّد فضله ورحمته من غير سبب آخر، فحينئذ يكون هذا الذنب مغفورًا.\nقال بعضُهم: إذا أحبَّ اللهُ عبدًا لم يضره ذنب، ومرادُه أنه يمحوه عنه، وربما يجعل الذنب في حقه سببًا لشدة خوفه من ربَّ وذله وانكساره له، فيكون سببًا لرفع درجة ذلك العبد عنده.\nوإذا خذل عبدًا وقضى عليه بذنبٍ لم يوفِّقه لشيء من ذلك، فلقي الله بذنبه من غير سبب يمحوه عنه في الدُّنْيَا، ثم يؤاخذه عليه في الآخرة ولا يغفره، فهذا هو الذنب المُستعاذ منه ها هنا.\nوحاصلُ الأمر: أنَّ مَن عامله الله في ذنوبه بالعدل هلك، ومن عامله بالفضل نجا؛ كما قال يحى بن مُعاذ: إذا وضع عدله عَلَى (عبد) (*) لم ييق له حسنة، وإذا بسط فضله عَلَى عبد لم يبق له سيئة.\nيا ويلنا من موقف ما به ... أخوف من أنْ يعدل الحاكم\nيا رب عفوا منك عن مذنب ... أسرف إلا أنّه نادم\nقولُه - ﷺ -: \"اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ؛ فِإِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأُشْهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهِيْدًا، أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ المُلْكُ وَلَكَ\n_________\n(١) برقم (٤٢٥٠).\n(٢) هود: ١١٤.\n(*) عبده: \"نسخة\".","vol":"1","page":137},{"text":"الحَمدُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ، وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّكَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ\".\nهذا الدعاءُ استفتحه بقوله: \"اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ\".\nوقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ (١) الآية.\nوفىِ \"صحيح مسلم\" (٢): \"أنَّ النبي - ﷺ - كان يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».\nوفي \"المسند\" والترمذي (٣): أنَّ النبي - ﷺ - سمع رجلًا يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فَقَالَ: \"لقد استُجيب لك؛ فاسأل\".\nوالمسئولُ في هذا الدعاء أنَّ العبد يعهد إِلَى ربه في هذه الحياة الدُّنْيَا، ويُشهده، وكفى به شهيدًا أنَّه يشهد له بأصول الإيمان التي من وفَّى بها فقد نجا. وهي الشهادةُ لله بالوحدانية، وأتبعها بالشهادة له بالملُك والحمد والقُدرة عَلَى كل شيء، والشهادة لمحمدٍ - ﷺ - بالعبودية والرسالة، والشهادة لله بأنَّ وعده حق ولقاءه حق، وأنَّ الجنة حق والنار حق، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور. وقد تضمَّنت هذه الشهادة أصولَ الإيمان الخمسة؛ فإنَّ من شهد لمحمدٍ -ﷺ- بالرسالة فقد شهد بما أمر محمد - ﷺ - بالشهادة به، وهو أصول الإيمان الخمسة كلِّها. وهي: الإيمان بالله وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخر.\n_________\n(١) الزمر: ٤٦.\n(٢) برقم (٧٧٠) من حديث عائشة.\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١، ٢٣٥)، والترمذي (٣٥٢٧) من حدث معاذ.","vol":"1","page":138},{"text":"وكان النبيُّ -ﷺ- يقول في استفتاحه صلاة الليل: \"أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ\" (١).\nوقد أخبر اللَّه تعالى عن هُود ﵇ أنَه قال لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (٢).\nوقد وردت الأحاديث بفضل من عهد إِلَى ربِّه في الدُّنْيَا هذا العهد، واستشهده عَلَى نفسه بمثل هذه الشهادة؛ ففي \"سُنن أبي داود\" (٣) عن أنس موقوفًا: \"مَن قَال حِين يُصبح أو يمسي: اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ. أَعْتَقَ اللَّهُ رُبُعَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَعْتَقَ اللَّهُ نِصْفَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا ثَلَاثًا أَعْتَقَ اللَّهُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا أَرْبَعًا أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ\".\nوأخرج النسائي والترمذيّ بمعناه (٤).\nورُوي معناه: من حديث سلمان (٥)، وعائشة.\nوفي \"المُسند\" (٦) عن ابن مسعود ﵁، أنَّ النبي -ﷺ- قال: \"من قال: اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ وَتُبَاعِدْنِي مِنَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩) من حديث ابن عباس.\n(٢) هود: ٥٤ - ٥٥.\n(٣) برقم (٥٠٦٩).\n(٤) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٦) برقم (٩٨٣٧/ ٦) عن أنس، والترمذي (٣٥٠١) بمعناه عن أنس. وقال الترمذي: هذا حديث غريب.\n(٥) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٢٢٠)، و\"الدعاء\" (٢٩٩، ٣٠٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٢٣) من حديث سلمان.\n(٦) (١/ ٤١٢).","vol":"1","page":139},{"text":"الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. إِلَّا قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَأَوْفُوهُ إِيَّاهُ. فَيُدْخِلُهُ اللهُ الْجَنَّةَ\". قال القاسمُ بن عبد الرحمن: ما في أهلنا جارية إلا تقول هذا في خدرها.\nقولُه -ﷺ-: \"وَأَشْهَدُ أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَيْعَةٍ وَعَوْرَةٍ، وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ\" هذا كما في حديث ابن مسعود (١) المتقدم: \"فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وَتُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ\". والمقصودُ من ذلك: سؤالُ العبد لربه أنْ يتولاَّه برحمته، وأنْ لا يكله إِلَى نفسه.\nوفي كتاب \"اليوم والليلة\" للنسائي (٢): عن أنس أنَّ النبي - ﷺ - قال لفاطمة: \"مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ، أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَأَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ اسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، ولاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ\".\nوخرَّجه الطبراني (٣)، وزاد فيه: \"ولاَ إِلَى أحدٍ منَ الناسِ\".\nوخرَّج أبو داود والنسائي (٤): من حديث أبي بكرة، عن النبي -ﷺ- قال: \"دَعْوَة الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت\".\nوقال قتادة: لما نزل قولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (٥) الآيات، قال النبيّ - ﷺ -: \"اللَّهُمَّ لاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٤١٢).\n(٢) برقم (٥٧٠).\n(٣) في \"الأوس\" (٣٥٦٥)، (٨٠٢١).\n(٤) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٥٠٩٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١٦٧) برقم (١٠٤٨٧/ ٢٥).\n(٥) الإسراء: ٧٤.\n(٦) أخرجه الطبري في \"التفسير\" (١٥/ ٨٩).","vol":"1","page":140},{"text":"وفي \"سُنن أبي داود\" (١) عن عبد اللَّه بن حوالة، قال: \"بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدَامِنَا، فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا وَقّدْ عَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ».\nفَإِذَا وفَّق اللهُ عبدًا توكل بحفظه وكلاءته، وهدايته وإرشاده، وتوفيقه وتسديده. وإذا (أخذله) (*) وكله إِلَى نفسه أو إِلَى غيره؛ ولهذا كانت هذه الكلمة: \"حسبنا اللَّه ونعم الوكيل\" كلمة عظيمة، وهي التي قالها إبراهيم ﵊ حين أُلقي في النار، وقالها محمدٌ -ﷺ- حين قال الناس: إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم (٢)، وقالتها عائشةُ حين ركبت الناقة لمَّا انقطعت عن الجيش (٣)، وهي كلمةُ المؤمنين.\nفمن حقَّق التوكلَ عَلَى اللَّه لم يكله إِلَى غيره، وتولَّاه بنفسه.\nوحقيقةُ التوكل: تَكِلَةِ الأمور كلِّها إِلَى من هي بيده؛ فمن توكَّل عَلَى اللَّه في هدايته وحِراسته وتوفيقه وتأييده ونصره ورزقه، وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولَّى اللهُ مصالحه كلَّها؛ فإنه تعالى ولي الذين آمنوا. وهذا هو حقيقةُ الوثوق برحمة الله؛ كما في هذا الدعاء: \"فإنى لا أثق إلا برحمتك\".\nفمن وثق برحمة ربِّه ولم يثق بغير رحمته، فقد حقَّق التوكل عَلَى ربه في توفيقه وتسديده. فهو جدير بأن يتكفَّلَ اللهُ بحفظه، ولا يكله إِلَى نفسه.\nوفي هذا الحديث وصفَ النفسَ بأوصاف ذميمة، كلُّ ذلك حذرًا أنْ يُوكل العبد إِلَى ما هذه صفاته، وهي أربعةُ أوصاف: الضَّيعة، والعورة، والذَّنب، والخطيئة.\n_________\n(١) برقم (٢٥٣٥).\n(*) خذله: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٤٥٦٣، ٤٥٦٤) عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه البخاري برقم (٤١٤١)، ومسلم برقم (٢٧٧٠).","vol":"1","page":141},{"text":"فالضيعةُ: هي الضياع. فمن وكل إِلَى نفسه ضاع؛ لأنّ النفس ضيعة؛ فإنًها لا تدعو إِلَى الرُّشد، وإنَّما تدعو إِلَى الغي.\nوالعورة: هي ما ينبغي سترُه لقبحه ودناءته، فكذلك النفس لقُبح أوصافها وسوء أخلاقها الذميمة.\nوالذنبُ والخطيئة معناهما مُتقارب أو متحد، وقد يراد بأحدهما الصغائر وبالآخر الكبائر.\nوقد وصف الله ﷾ النفسَ بأنها أمَّارة بالسوء، فَقَالَ تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (١) فمن ﵀ عصمه (من) (*) السوء الَّذِي تأمر به النفس.\nوفي حديث أبي بكر الصديق ﵁ أنَّ النبي - ﷺ - علَّمه أنْ يقول في كل صباح ومساء وعند نومه: \"أعوذ بك من شر نفسي\" (٢).\nوأمّا من وكله إِلَى نفسه ولم يرحه؛ فإنَّه يُجيب داعي نفسه الأمارة بالسوء، فيفعل كل سوء تأمره به نفسُه.\nوفي \"المسند\" والترمذي (٣) مرفوعًا: \" «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ﷿».\nفقسَّم الناسَ إِلَى قسمين: كيّس، وعاجز. فالكيّسُ: هو اللَّبيب الحازمُ العاقل، الَّذِي ينظر في عواقب الأمور، فهذا يقهر نفسَه ويستعملُها فيما يعلم أنَّه ينفعها بعد موتها، وإن كانت كارهةٌ لذلك.\nوالعاجز هو الأحمقُ الجاهل، الَّذِي لا يفكر في العواقب؛ بل يتابع نفسه عَلَى ما\n_________\n(١) يوسف: ٥٣.\n(*) عن: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٩، ١٠، ٢٩٧)، وأبو داود (٥٠٦٧)، والترمذي (٣٣٩٢)، والنسائي في \"الكبرى\" برقم (١/ ٧٦٩١، ٧٧١٥/ ١) (٩٨٣٩/ ٨) من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٤) من حديث أبي بكر.\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٤)، والترمذى (٢٤٥٩).","vol":"1","page":142},{"text":"تهواه، وهي لا تهوى إلَّا ما تظن أنَّ فيه لذتها وشهوتها في العاجل وإنْ عاد ذلك بضرٍّ لها فيما بعد الموت، وقد يعود ذلك عليها بالضرر في الدُّنْيَا قبل الآخرة.\nفهذا هو الغالب واللازم، فيتعجَّل -هو لنفسه- العارَ والفضيحة في الدُّنْيَا، وسقوطَ المنزلة عند اللَّه وعند خلقه، والهوان والخزي، ويُحرم بذلك خير الدُّنْيَا والآخرة، من علمٍ نافع ورزق واسع وغير ذلك.\nومَن خالف نفسَه ولم يُتبعها هواها تعجَّل بذلك الجزاء في الدُّنْيَا، ووجد بركة ذلك من حصول العِلْم والإيمان والرزق وغير ذلك.\nوقيل لبعضهم: بما بلغ الأحنفُ بن قيس فيكم ما بلغ؟ قال: كان أشد الناس سُلطانًا عَلَى نفسه.\nفهذه النفس تحتاج إِلَى مُحاربة ومجاهدة ومعاداة؛ فإنَّها أعدى عدو لابن آدم، وقد قال النبيّ -ﷺ-: \"المُجاهد من جاهد نفسه في الله\" (١) ورُوي عنه -ﷺ- أنَّه قال: \"أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك\" (٢).\nوقال الصِّديقُ لعمر ﵄ في وصيته له عند موته: أوَّل ما أُحذرك نفسك التي بين جنبيك.\nوفيه يقول بعضُهم: كيف احترازي من عدوي، إذا كان عدوي يين أضلاعي؟!\nوقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص لمن سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها (٣). ويقال: إنَّه الجهاد الأكبر، ورُوي مرفوعًا (٤) من وجه ضعيف.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٠، ٢١، ٢٢)، والترمذي برقم (١٦٢١). قال الترمذي: حديث حسن\nصحيح.\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الزهد الكبير\" (٣٤٣) من حديث ابن عباس. قال العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ٣): وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين.\n(٣) أخرجه البيهقي في \"الزهد الكبير\" (٣٦٨).\n(٤) أخرجه أبو داود (٢٥١٩).","vol":"1","page":143},{"text":"فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عزَّ بذلك؛ لأنّه انتصر عَلَى أشد أعدائه وقهره، وأسره واكتفى شرَّه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) فحصر الفلاح في وقاية شح نفسه، وتطلُّعها إِلَى ما مُنعت منه، وحرصِها عَلَى ما يُضيرها مما تشتهيه: من علو وترفع، ومال وجاه، وأهل ومسكن، ومأكل ومشرب، وملبس وغير ذلك.\nفإنَّها تطلع إِلَى ذلك كلِّه وتشتهيه، وهو عين هلاكها، ومنه ينشأ البغيُ والحسد والحقد؛ فمن وقي شح نفسه فقد قهرها، وقصرها عَلَى ما أُبيح لها وأُذن لها فيه، وذلك عين الفلاح.\nكان بعض العارفين يُنشد:\nإذا ما (عدلت) (*) النفس ... عن الحق زجرناها\nوإن مالت عن الأخرى ... إِلَى الدُّنْيَا منعناها\nتخادعنا ونخدعها ... وبالصبر غلبناها\nلها خوف من الفقر ... وفي الفقر أنخناها\nوبكل حال، فلا يقوى العبدُ عَلَى نفسه إلاَّ بتوفيق الله إياه وتوليه له، فمن عصمه الله وحفظه تولاَّه، ووقاه شح نفسه وشرها، وقوَّاه عَلَى مُجاهدتها ومعاداتها.\nومن وكله إِلَى نفسه غلبته وقهرته، وأسرته وجرَّته إِلَى ما هو عين هلاكه، وهو لا يقدر عَلَى الامتناع كما يصنع العدوُّ الكافر إذا ظفر بعدوه المسلم؛ بل شر من ذلك؛ فإن المسلم إذا قتله عدوه الكافر كان شهيدًا، وأمّا النفس إذا تمكّنَتْ من صاحبها قتلته قتلًا يَهلك به في الدُّنْيَا والآخرة.\n_________\n(١) الحشر: ٩.\n(*) عدت: \"نسخة\".","vol":"1","page":144},{"text":"وهذا معنى الحديث الَّذِي رُوي مرفوعًا: \" «لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِذَا قَتَلْتَهُ كَانَ لَكَ نُورًا يَومَ القِيامةِ، وَإِنْ قَتَلَكَ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ. أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ» (١).\nفلهذا، كان من أهم الأمور سؤال العبد ربَّه أنْ لا يكله إِلَى نفسه طرفة عين.\nيا رب هئ لنا من أمرنا رشدا ... واجعل معونتك الحُسنى لنا مددا\nولا تكلنا إِلَى تدبير أنفسنا ... فالعبد يعجز عن إصلاح ها فسدا\nوقوله -ﷺ-: \"فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ\".\nختم الدعاء بسؤال مغفرة الذنوب والتوبة؛ قال بعض السلف: الدُّنْيَا إما عصمة الله أو الهلكة، والآخرة إمَّا عفو الله أو النار.\nفمن حصل له في الدُّنْيَا التوبة، وفي الآخرة المغفرة: فقد ظفر بسعادة الدُّنْيَا والآخرة. وقد تكرر في الكتاب والسنة ذكر الأمر بالتوبة والاستغفار؛ قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (٣) الآية.\nوأخبر عن هود ﵇، وصالح وشعيب ﵈. أنَّهم أمروا أممهم بالاستغفار والتوبة، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) الآيتان.\nوتركُ الإصرار هو التوبة.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٢٩٤) برقم (٣٤٤٥)، وفي \"مسند الشاميين\" برقم (١٦٦٨) من حديث أبي مالك الأشعري. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٤٥): وفيه محمد بن إسماعيل ابن عياش وهو ضعيف.\n(٢) المائدة: ٧٤.\n(٣) هود:٣.\n(٤) آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦.","vol":"1","page":145},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\" (١)، عن الأغر المُزني، أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ».\nوخرَّجه النسائي (٢)، ولفظه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَكْثرَ مِنْ سَبعينَ مَرَّةٍ».\nوفي \"صحيح البخاري\" (٣)، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"وَاللهِ إِنِّي إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِليهِ كُلَّ يَوْمٍ أَكْثرَ مِنْ سَبعينَ مَرَّةٍ\".\nوخرَّجه النسائي، وابن ماجه (٤)، ولفظهما: \"إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِليهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ\".\nوفي \"المسُند\" (٥) عن حُذيفة، قال: كان في لساني ذرب عَلَى أهلي، ما أعدوه إِلَى غيرهم. فذكرتُ ذلك للنبي - ﷺ - قال: \"أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، يَا حُذَيْفَةُ؟ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ \".\nوفيه (٦)، عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال: \"إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ\".\nوفي \"السنن الأربعة\" (٧)، عن ابن عمر قال: إِنْ كنا لنعد للنبي -ﷺ- فى المجلس الواحد مائة مرة يقول: (ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم الغفور\".\n_________\n(١) برقم (٢٧٠٢).\n(٢) في \"الكبرى\" (١٠٢٧٨/ ١١) من حديث أنس.\n(٣) برقم (٦٣٠٧).\n(٤) النسائي في \"الكبرى\" (١٠٢٦٨/ ٣)، وابن ماجه في \"السنن\" (٣٨١٥).\n(٥) (٥/ ٣٩٤، ٣٩٦، ٣٩٧، ٤٢).\n(٦) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٠)، (٥/ ٣٩٤).\n(٧) أخرجه أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٢٩٢/ ١)، وابن ماجه (٣٨١٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.","vol":"1","page":146},{"text":"وإنَّما قدَّم ذكرَ الشهادة بالتوحيد عَلَى طلب المغفرة؛ لأنّ التوحيد أعظم الأسباب التي تُستجلب بها المغفرة، وعدمُه مانع من المغفرة بالكلية؛ وفي الحديث (١): \"ابن آدم إِنَّ جِئْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً\".\nوفي حديث سيد الاستغفار (٢) البدايةُ بذكر التوحيد قبل طلب المغفرة. وإذا اعترف العبدُ بذنبه وطلب المغفرة من ربِّه، وأقر له أنَّه لا يغفر الذنوب غيره كان جديرًا أنْ يُغفر له؛ ولهذا قال في الحديث: \"فاغفر لي، إنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت\" وكذلك في دُعاء سيد الاستغفار، وكذلك في الدعاء الَّذِي علَّمه الصديق أنْ يقوله في صلاته.\nوإلى هذا الإشارة في القرآن: ﴿ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣).\nوفي حديث أبي ذر (٤) المرفوع: \"يَقُولُ اللهُ ﷿: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى المَغْفِرَةِ ثُمَّ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي\".\nوفى حديث علي (٥)، عن النبي -ﷺ-: \"إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي. إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي\".\nوفي \"الصحيح\" (٦): حديثُ الَّذِي أذنب ذنبًا فَقَالَ: \"رَبِّ عَمِلْتُ ذَنْبًا\nفَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ ﷿: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ الذَّنْبَ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابعَة: فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ\". يعني: ما دام على هذا الحال، كلما أذنب استغفر.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٤٧، ١٤٨، ١٥٣، ١٥٥، ١٩٦، ١٨٠)، وابن ماجه (٣٨٢١) من حديث أبي ذر.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٦).\n(٣) آل عمران: ١٣٥.\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ١٥٤، ١٧٧)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧).\n(٥) أخرجه أحمد (١/ ٩٧، ١١٥، ١٢٨)، وأبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٧٩٩/ ١).\n(٦) أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":147},{"text":"وفي \"السنن\" (١)، عن أبي بكر الصديق ﵁: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةٍ».\nالتوبةُ والاستغفار تُقبل في جميع آناء الليل والنهار، وفي \"صحيح مسلم\" (٢) مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».\nولكن بعض الأوقات أرجى قبولًا، فَإِذَا وقعت التوبةُ والاستغفار في مظان الإجابة كان أقرب إِلَى حصول المطلوب؛ ولهذا مدح اللَّهُ تعالى المُستغفرين بالأسحار، قال: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٤).\nوفي \"الصحيح\" (٥)، حديثُ النزول، وأنَّ الله يقول كل ليلية حين يبقى ثلثُ الليل الآخر: \"هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ\".\nقال الفُضيل بن عياض: ما من ليلةٍ اختلط ظلامُها، وأرخى الليل سربال سترها، إلَّا نادى الجليلُ -ﷻ-: مَن أعظم مني جودًا، والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم كأنَّهم لم يعصوني، وأتولَّى حفظَهم كأنهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل عَلَى العاصي وأتفضَّل عَلَى المسيء. من ذا الَّذِي دعاني فلم أُلبِّه، أمَّن ذا الَّذِي (سألني) (*) فلم أعطه، أمّن ذا الَّذِي أناخ ببابي فنحيتُه. أنا الفضل ومني الفضل، أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم، ومِن كرمي (أن) (**) أغفر للعاصي بعد\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩). وقال الترمذي: هذا حديث كريب، إِنَّمَا نعرفه من حديث أبي نضيرة، وليس إسناده بالقوي.\n(٢) برقم (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى.\n(٣) الذاريات: ١٨.\n(٤) آل عمران: ١٧.\n(٥) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة.\n(*) يسألني: \"نسخة\".\n(**) أني: \"نسخة\".","vol":"1","page":148},{"text":"المعاصي، ومِن كرمي أن أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنَّه لم يعصني. فأين عني يهرب الخلائق، وأين عن بابي ينتحيَّ العاصون (١). ما للعصاة مهرب من الله إلاَّ إِلَيْهِ، فيهربون منه إِلَيْهِ.\nهربت مِنْهُ إِلَيْهِ ... بَكَيْت مِنْهُ عَلَيْهِ\nوَحقه هُوَ سؤلي ... لَا زلت بَين يَدَيْهِ\nحَتَّى أنال وأحظى ... بِمَا أرجي لَدَيْهِ\nأَسَأْت وَلم أحسن وجئتك تَائِبًا ... وَأَنِّي لعبد عَن موَالِيه يهرب\nيؤمل غفرانًا فَإِن خَابَ ظَنّه ... فَمَا أحد مِنْهُ عَلَى الأَرْض أخيب\nوهذا معنى: \"لا ملجأ منك إلا إليك\" هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأفرح بتوبة عبده ممن فقد راحلته بأرض مهلكة، حتى يئس من الحياة ثم وجدها.\nيا مطرود احذر أنْ تُفارق عتبة بابهم، يا مرميَّا بالبُعاد إياك أنْ تبعد عن جنابهم، يا مهجورًا ابْكِ وترام عليهم، يا متوعَّدا بالعقاب لا تهرب منهم إلاَّ إليهم.\nفي حديث جابر، المرفوع: \"إِنَّ الْعَبْدَ (لِيَدْعُو) (*) اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَيُعْرِضُ عَنْهُ، فَلاَ يَزَالُ يَدْعُوهُ حَتَّى يَقُولُ ﷿ لِمَلَائِكَتِهِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ أَبَى أَنْ يَدْعُوَ غَيْرِي فَقَدِ اسْتَجَبْتُ لَهُ\".\nكان رجلٌ من أصحاب ذي النون يطوف في السِّكك يبكي، ويُنادي: أين قلبي، أين قلبي، مَن وجد قلبي؟! فدخل يومًا بعضَ السكك، فوجد صبيًّا يبكي وأمّه تضربه، ثم أخرجته من الدار وأغلقت الباب دونه. فجعل الصبي يلتفت يمينًا وشمالًا، ولا يدري أين يذهب ولا أين يقصد. فرجع إِلَى باب\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٩٢).\n(*) ليدع: \"نسخة\".","vol":"1","page":149},{"text":"الدار، فوضع رأسه عَلَى عتبته فنام، فلما استيقظ جعل يبكى، ويقول: يا أمَّاه، مَن يفتح لي الباب إذا أغلقت عني بابك، ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني، ومَن ذا الَّذِي يئويني بعد أنْ غضبت عليَّ؟ فَرَحمَتْهُ أمُه، فقامت فنظرت من خلل الباب فوجدت ولدها تجري الدموع عَلَى خده متمعِّكًا (١) في التراب.\nففتحت البابَ وأخذته حتى وضعته في حِجرها، وجعلت تُقبله وتقول: يا قُرَّة عيني وعزيز نفسي، أنت الَّذِي حملتني عَلَى نفسك، وأنت الَّذِي تعرَّضت لما حلَّ بك، لو كنت أطعتني لم (تلق) (*) منى مكروهًا.\nفتواجد (٢) الرجلُ، ثم قام وصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي.\nهكذا ينبغي أن يكون حالُ العبدُ مع ربه.\nإذا هجروا عزًّا وصلنا تذلُّلًا ... وإنْ بعدوا يأسًا قرُبنا تعللا\nوإنْ غلَّقوا بالهجر أبواب وصلهم ... وقالوا ابعدوا عنا طلبنا التوصلا\nوقفنا عَلَى أبوابهم نطلب الرِّضى ... عَلَى التُرب عفَّرنا الحدود تذللا\nأشرنا بتسليم وإنْ بعُد المدى ... إليهم وكلَّفنا الرياح التحملا\n(آخره والحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله وصلى اللَّه عَلَى محمد وآله وصحبه وسلم) (**).\n...\n_________\n(١) متمعك: أي تقلب وتمرغ في التراب. \"لسان العرب\" مادة: (معك).\n(*) يكن: \"نسخة\".\n(٢) فتواجد أي حزن \"لسان\" مادة: (وجد).\n(**) تم هذا الحديث وشرحه، والحمد لله وحده وصل اللهم عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم:","vol":"1","page":150}]}