{"ً":{"ٌ":151112,"ٍ":"شرح حديث عمار بن ياسر - ﵁ -","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: شرح حديث عمار بن ياسر - ﵁ - [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ٣٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154090,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[],"ٛ":{"1,151":1,"1,153":2,"1,154":3,"1,155":4,"1,156":5,"1,157":6,"1,158":7,"1,159":8,"1,160":9,"1,161":10,"1,162":11,"1,163":12,"1,164":13,"1,165":14,"1,166":15,"1,167":16,"1,168":17,"1,169":18,"1,170":19,"1,171":20,"1,172":21,"1,173":22,"1,174":23,"1,175":24,"1,176":25,"1,177":26,"1,178":27,"1,179":28,"1,180":29,"1,181":30,"1,182":31,"1,183":32,"1,184":33,"1,185":34,"1,186":35,"1,187":36},"ٜ":{"1":[151,187]},"ٝ":["1,151","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187"],"ٞ":{},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح حديث عمار بن ياسر - ﵁ -","vol":"1","page":151},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد للَّه رب العالين والصلاة والسلام عَلَى محمد وآله وصحبه أجمعين.\nوبعد فقد خرَّج الإمام أحمد والنسائى (١) من حديث عمار بن ياسر ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَقُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ».\nاعلم أن الحاجات التي يطلبها العبد من اللَّه ﷿ نوعان:\nأحدهما: ما علم أنه خير محض كسؤاله خشيته من اللَّه تعالى وطاعته وتقواه، وسؤاله الجنة، والاستعاذة به من النار، فهذا يطلب من اللَّه تعالى بغير تردد، ولا تعليق بالعلم بالمصلحة؛ لأنّه خير محض، ومصلحة خالصة؛ فلا وجه لتعليقه بشرط وهو معلوم الحصول، وكذلك لا يعلق لمشيئة اللَّه ﷿؛ لأنّ اللَّه يفعل ما يشاء ولا مُكْرِهَ له فلا فائدة في تعليقه بمشيئة؛ ولكن ليعزم المسألة، كما قال النبي -ﷺ-: \"لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ المَسْأَلَة، فَإِنَّ اللهَ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ\"، خرّجاه من حديث أنس وأبي هريرة بمعناه (٢).\n_________\n(١) أخرجه النسائي (١٣٠٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٣٣٨)، ومسلم (٢٦٧٨) من حديث أنس، والبخاري (٦٣٣٩، ٧٤٧٧)،\nومسلم (٢٦٧٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":153},{"text":"وفي رواية لمسلم (١): \"وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ المَسْأَلَة ولِيعظمْ الرَّغبة؛ فإنَّ الله لاَ يَتعَاظَمهُ شيء\".\nوفي رواية للبخاري (٢): \"إنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وأنَّه يَفعَلُ مَا يَشاءُ ولاَ مكره له\".\nالنوع الثاني: ما لا يعلم هل هو خير للعبد أم لا، كالموت والحياة، والغنى والفقر، والولد والأهل، وكسائر حوائج الدُّنْيَا التي تُجْهَل عواقبها، فهذه لا ينبغي أن يسأل الله منها إلا ما يعلم فيه الخيرة للعبد، فإن العبد جاهل بعواقب الأمور، وهو مع هذا عاجز عن تحصيل مصالحه ودفع مضاره، فيتعين عليه أن يسأل حوائجه من هو عالم قادر، ولهذا شرعت الاستخارة في الأمور الدنيوية كلها، وشرع أن يقول الداعي في استخارته: \"اللَّهُمَّ أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيم، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ -ويسميه باسمه- خَيْرٌ لِي فِي دِينِي ودُنْيَايَ\" (٣).\nوكذلك في هذا الدعاء يسأل الله بعلمه الغيب وقدرته عَلَى الخلق ما يعلم له فيه الخيرة من موت أو حياة.\nوقد تضمن الدعاء الَّذِي في هذا الحديث النوعين معًا، فإنه لما سأل الموت والحياة قيد ذلك بما يعلم الله أن فيه الخيرة لعبده، ولما سأل الخشية وما بعدها مما هو خير صرف جزم به ولم يقيده بشيء.\nفي \"الصحيحين\" (٤) عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا عَلِمت الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي\".\n_________\n(١) برقم (٢٦٧٩).\n(٢) برقم (٧٤٧٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٣٨٢) من حديث جابر.\n(٤) أخرجه البخاري (٥٦٧١، ٦٣٥١، ٧٢٣٣)، ومسلم (٢٦٨).","vol":"1","page":154},{"text":"وللبخاري (١): \"لاَ يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ المَوْتَ: إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ\".\nولمسلم (٢): \"لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إلَّا خَيْرًا\". وزاد الإمام أحمد (٣) في رواية له: \"إلا أن يكون وثق بعلمه\" وله أيضًا (٤): \"لا تتمنوا الموت، فإن هول المطلع، شديد وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة\".\nففي هذه الأحاديث التعليل للنهي عن تمني الموت بأن العبد إِنَّ كان محسنًا فحياته يرجى أن يزداد بها إحسانًا، وإن كان مسيئًا فإنه يرجو أن يستعتب، يعني: يزيل العتب عنه بالتوبة والإنابة قبل الموت، وقد جاءت الأحاديث عن النبي -ﷺ- بفضيلة طول العمر في الطاعة ففي الترمذي (٥): \"أنه -ﷺ- سئل: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ». وسئل: أَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ».\nوفي \"المسند\" (٦): \"إِنَّ نفرًا ثلاثة أسلَمُوا، فَكَانُوا عِنْدَ طَلْحَةَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا فَخَرَجَ فيه أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا آخَر فَخَرَجَ فِيهِ آخَرُ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيهِ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَوَّلَهُمِ آخِرَهُمْ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ\".\n_________\n(١) برقم (٧٢٣٥).\n(٢) برقم (٢٦٨٢).\n(٣) (٢/ ٣٥٠).\n(٤) (٣/ ٣٣٢).\n(٥) برقم (٢٣٣٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٦) (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":155},{"text":"وفي رواية (١): «قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» \".\nقيل لبعض السلف: طاب الموت. قال: يا ابن أخي، لا تفعل. لساعة تعيش فيها تستغفر الله خير لك من موت الدهر.\nوقيل لشيخ كبير منهم: أتحب الموت؟ قال: لا، قد ذهب الشباب وشره، وجاء الكبر وخيره، فَإِذَا قمت قلت: بسم الله، وإذا قعدت قلت: الحمد الله، فأنا أَحَبّ أن يبقى لي هذا.\nوقيل لشيخ آخر: ما بقي منك مما تحب له الحياة؟ قال: البكاء عَلَى الذنوب.\nولهذا كان كثير من السلف يبكي عند موته تأسفًا عَلَى انقطاع أعماله الصالحة.\nوكان يزيد الرقاشي يقول عند موته يا يزيد من يصلي لك بعدك ومن يصوم؟ ومن يتوب لك من الذنوب السالفة.\nولهذا يتحسر الموتى عَلَى انقطاع أعمالهم الصالحة.\nففي الترمذي (٢) عن النبي -ﷺ-: «مَا أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ: إِنْ كَانَ مُحْسِنًا أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا أَنْ يَكُونَ اسْتعتب».\nورئي بعض الموتى من السلف في المنام، فسُئل عن حاله فَقَالَ: قدمنا عَلَى أمر عظيم، نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون، والله لتسبيحة أو تسبيحتان، أو ركعة أو ركعتان في نسخة عملي أَحَبّ إلي من الدُّنْيَا وما فيها.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٢٥)، وأحمد (١/ ١٦٢، ١٦٣) من طريق أبي سلمة عن طلحة بن عبد الله. قال البوصيري في \"الزوائد\": رجال إسناده ثقات، إلا أنه منقطع. قال علي بن المدينى وابن معين: أبو سلمة لم يسمع من طلحة شيئًا.\n(٢) برقم (٢٤٠٣) من طريق يحيى بن عبيد قال: سمعتُ أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول ... فذكره. قال أبو عيسى: هذا حديث إِنَّمَا نعرفه من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله قد تكلّمَ فيه شعبة، وهو يحيى بن عبيد الله بن موهب، مَدَني.","vol":"1","page":156},{"text":"وصلى بعض السلف ركعتين خفيفتين بقرب من المقابر، ولم يرضهما لتخفيفهما، ثم غلبته عينه فرأى صاحب القبر الَّذِي هو بقربه يقول له: صليت ركعتين ولم ترضهما؟ قال: نعم. قال: لئن يكون لي مثل ركعتيك أَحَبّ إلي من الدُّنْيَا بحذافيرها.\nوأما الرواية التي في \"المسند\" (١): \"لَا يتمنين أحد الْمَوْت إِلَّا من وثق بِعَمَلِهِ\" فيدل عَلَى أن من له عمل صالح يثق به فإن له أن يتمنى الموت.\nوقد كان كثير من السلف يتمنى الموت، وهم أقسام:\nمنهم من يحمله حسن الظن باللَّه عَلَى حب لقائه، إما لا له عنده من كثرة الطاعات، أو لا عنده من محبة اللَّه ﷿ فيحسن ظنه به كما قال بعض السلف: لقد سئمتُ من الحياة، حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته، شوقًا إِلَى اللَّه وحبًّا للقائه، فقِيلَ لَهُ: أفعلى ثقة أنت من عملك؟ قال: لا، لكن\nلحبي إياه وحسن ظني به، أفتراه يعذبني وأنا أحبه؟!\nوكان بعضهم ينشد في هذا المعنى:\nوزادي قليل ما أراه مبلغي ... ألزاد أبكي أم لطول مسافتي؟\nأتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي فيك أين محبتي؟\nومنهم من يتمنى الموت شوقًا إِلَى لقاء الله ﷿، وسنذكر أخبارهم في الكلام عَلَى آخر الحديث إِنَّ شاء اللَّه تعالى.\nوتمني الموت لمن يثق بعمله له أحوال:\nتارة يتمنى الموت لضر نزل به، وهذا منهي عنه، وصاحبه إِنَّ لم يثق بعمله كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ فإنه لا يدري لعله يهجم بعد الموت عَلَى ما هو أعظم وأشد مما هو فيه، فإن وثق بعمله فقد تمناه للضر بعض السلف.\n_________\n(١) (٢/ ٣٥٠) وسبق عزوه للمسند.","vol":"1","page":157},{"text":"وتارة يتمناه خشية فتنة في الدين، فهذا جائز عند أكثر العُلَمَاء، وقد تمناه عمر بن الخطاب ﵁ في آخر حجة حجها فإنه قال: \"اللهم إنه قد كبرت سني ورق عظمي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إلك غير مضيع ولا مفتون\" (١). فقتل في ذلك الشهر.\nوتمنت زينب بنت جحش ﵂ لما جاءها عطاء عمر فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعدها، فماتت قبل أن يدركها عطاء ثانٍ لعمر.\nوسأل عمر بن عبد العزيز من ظن به إجابة الدعاء أن يدعو له بالموت، لما ثقلت عليه الرعية، وخشي العجز عن القيام بحقوقهم.\nوطُلِبَ كثير من السلف الصالح إِلَى بعض الولايات؛ فدعوا لأنفسهم بالموت فماتوا، واشتهر بعضهم واطلع عَلَى بعض عمل أحدهم أو معاملته مع الله فدعا لنفسه بالموت فمات، وفي الحديث: \"وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ\" (٢).\nوفي \"المسند\" (٣) عن محمود بن لبيد عن النبي - ﷺ - قال: \"اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: الْمَوْتُ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ\".\nوقال ابن مسعود وغيره: ما من بر ولا فاجر إلا والموت خير له إِنَّ كان برًّا، فما عند الله خير للأبرار.\nوإن كان فاجرًا، فإنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا.\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٢٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٥٤).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٣٣) من طريق أبي قلابة عن ابن عباس. قال أبو عيسى: وقد ذكروا بين أبي قلابة وابن عباس في هذا الحديث رجلًا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٤٣) من حديث معاذ بن جبل.\n(٣) (٥/ ٤٢٧) قال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣٢١): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":158},{"text":"وتارة يتمناه من غير ضر ولا فتنة، فإن كان ممن وثق بعمله حبًّا لله وشوقًا إِلَى لقائه جاز، وسنذكره فيما بعد إِنَّ شاء الله تعالى.\nوكذلك تمنيه عند حضور أسباب الشهادة اغتنامًا لها، كتمنيه عند حضور القتال فىِ سبيل الله أو الطاعون، وإن كان إحسانًا للظن به ففيه اختلاف بين السلف، وقد ورد تعليل النهي عن تمني الموت بأن هول المطلع شديد؛ فتمنيه من نوع تمني وقوع البلاء قبل نزوله ولا ينبغي ذلك كما قال - ﷺ -: \"لاَ تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَلَكِنْ وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا\" (١).\nوسمع ابن عمر رجلًا يتمنى الموت فَقَالَ: لا تتمنى الموت فإنك ميت، ولكن سل الله العافية، فإن الميت ينكشف له عن هول عظيم (٢).\nهو هول المطلع، ويرى عالمًا لا عهد له به، فلا ينبغي للإنسان أن يستعجل ذلك.\nوقد قال عمر عند موته: لو كان لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع (٣).\nوجزع الحسن بن علي عند موته وقال: إني أريد أن أشرف عَلَى ما لم أشرف عليه قط.\nوكان الحسن البصري يقول عند موته: نفيسة ضعيفة وأمر هول عظيم، فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون.\nوجزع حبيب بن محمد عند موته وجعل يقول: إني أريد أن أسافر سفرًا ما سافرته قط، إنني أريد أن أسلك طريقًا ما سلكته قط. أريد أن أزور سيدي ومولاي وما رأيته قط، أريد أن أشرف عَلَى أهوال ما شاهدت مثلها قط.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٦٣)، ومسلم (١٧٤١).\n(٢) أخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" بهذا اللفظ رقم (٣٣٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧/ ١٠٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥٧٩)، وابن حبان (٦٨٩١ - إحسان)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٩٠ علمية).\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٧٦): ... وإسناده حسن.","vol":"1","page":159},{"text":"وأيضًا فالموت نفسه أشد ما يلقاه الآدمي في الدُّنْيَا ولا يعلم الناس في الدُّنْيَا حقيقة شدته.\nوقال بعض السلف: لو أن ميتًا نُشِرَ فأخبر أهل الدُّنْيَا بحقيقة الموت ما انتفعوا بعيش ولا استلذوا بنوم.\nوإنما كان الموت خيرًا للعاصي؛ لأنّه كلما طال عمره زادت ذنوبه، فزاد عقابه. وهذا كما قال ابن مسعود: إِن كان مسيئًا فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (١).\nوكان بعض الصالحين يقول: قد سئمنا من الحياة لكثرة ما نقترف من الذنوب. هذا مع كثرة أعمالهم الصالحة فكيف يقول من عمره كله ضائع.\nصفوة اللذة أثمرت لي كدري ... كم أبصرت ما يعطي بصري\nما لي زاد وقد تداني سفري ... وقد ضاع العمر فإنه يوالي عمري\nولقد كان كثير من الصالحين يتمنى الموت في صحته، فلما نزل به كَرِهَهُ لشدته، ومنهم: أبو الدرداء وسفيان الثوري، فما الظن بغيرهما.\nوكان بعض الصالحين يتمنى الموت، فرأى في منامه قائلًا يقول له: أتتمنى الموت؟ قال: قد كان ذلك، فقطب وجهه ثم قال: لو عرفت الموت وكربه حتى يخالط قلبك معرفته، لطار نومك أيام حياتك، ولذهل عقلك حتى تمشي في الناس والهًا.\nوكان إذا ذكر منامه هذا بكى وقال: طوبى لمن نفعه عيشه، فكان طول عمره زيادة في عمله، واللَّه ما أراني كذلك.\nقال إبراهيم بن أدهم: إِنَّ للموت كأسًا لا يقوى على تجرعها إلا خائف وجل طائع كان يتوقاها.\n_________\n(١) آل عمران: ١٧٨.","vol":"1","page":160},{"text":"ولأبي العتاهية:\nألا للموت كأس أي كأس ... وأنت لكأسه لابد حاسي\nإِلَى كم والممات إِلَى قريب ... تذكر بالممات وأنت ناسي\nوفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يكون طول عمره زيادة في عمله، كما في \"صحيح مسلم\" (١) عن النبي -ﷺ-: \"أنه كان يدعو: واجعل الحياة زيادة لي في كل خير\".\nقال بعضهم: من لا خير له في الموت لا خير له في الحياة.\nيعني من لا تكون حياته زيادة في حسناته فلا خير له في الموت ولا في الحياة وقد رأى بعضهم النبي -ﷺ- في منامه فَقَالَ له: «مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ، وَمَنْ كَانَ يَوْمُهُ شَرًّا مِنْ أَمْسِهِ فَهُوَ مَلْعُونٌ، وَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّدُ الزِّيَادَةِ فِي عَمَلِهِ فَهُوَ فِي نُقْصَانٍ، وَمَنْ كَانَ فِي نُقْصَانٍ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ» (٢).\nوقال ميمون بن مهران: لا خير في الحياة إلا لتائب، أو لرجل يعمل في الدرجات يعني أن التائب يمحو بتوبته ما سلف من السيئات، والعامل في الدرجات تعلو درجاته بما يعمل من الحسنات، فهذا يزيد حسناته والأوّل يمحو سيئاته، فما عدا هذين الرجلين فلا خير لهما في الحياة.\nولهذا قال بقية: عمر المؤمن لا قيمة له [إلا أن] (٣) يتوب فيه من السيئات ويستدرك فيه ما مات.\n_________\n(١) برقم (٢٧٢٠).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الزهد الكبير\" (٩٨٧) عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: رأيت النبي -ﷺ- فى النوم ... فذكره.\nوالحديث ليس في نسخة الزهد المخطوطة وإنَّما هو مما استدركه المحقق من كتب أخرى ونسب فيها الحديث للبيهقي في \"الزهد\".\nوأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٥) قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: بلغني أن الحسن البصري رأى النبي -ﷺ- في منامه ...\n(٣) ليست بالأصل وهي أنسب للسياق.","vol":"1","page":161},{"text":"رفع إِلَى بعض العابدين رقعة في منامه وإذا فيها مكتوب:\nإن كنت لا ترتاب أنك ميت ... وليست لبعد الموت ها أنت تعمل\nفعمرك ما يغني وأنت مفرط ... واسمك في الموتى معد محصل\nورأى آخر في منامه كأن قائلًا ينشده:\nيا خدّ إنك إِن توسد لينا ... وسدت بعد الموت صم الجندل\nفاعمل لنفسك في حياتك صالحًا ... فلتندمن غدًا إذا لم تفعل\nقوله - ﷺ -: \"أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى\":\nهذه الثلاث المنجيات التي رويت عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات\" فذكر المنجيات هذه الخصال الثلاث.\nوالمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه.\nوروي أن سليمان ﵇ قال: أوتينا مما أوتي الناس، ومما لم يؤتوا، وعلمنا مما علم الناس، ومما لم يعلموا، فلم نجد شيئًا أفضل من هذه الثلاث خصال.\nوقال نافع بن سليمان: قال عيسى بن مريم ﵇: ثلاث من كن فيه بلغ ما بلغت: تقوى الله في السر والعلانية، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر.\nفأما خشية اللَّه في الغيب والشهادة فالمعنى بها أن العبد يخشى اللَّه سرًّا وإعلانًا وظاهرًا وباطنًا، فإن أكثر الناس يرى أنه يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن في خشيته الله في الغيب إذا غاب عن أعين الناس، وقد مدح الله من يخافه بالغيب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ (١) وقال: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٤).\n_________\n(١) الأنبياء: ٤٩.\n(٢) ق: ٣٣.\n(٣) المائدة: ٩٤.\n(٤) الملك:١٢.","vol":"1","page":162},{"text":"وقد فسر الغيب في هذه الآيات بالدنيا لأنّ أهلها في غيب عما وعدوا به من أمر الآخرة، وأما في هذا الحديث فلا يتأتى ذلك، كما ترى لمقابلته بالشهادة.\nكان بعض السلف يقول لإخوانه: زهدنا الله وإياكم في الحرام زهادة من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه.\nومن هذا قول بعضهم: ليس الخائف من بكى وعصر عينيه، إِنَّمَا الخائف من ترك ما اشتهى من الحرام إذا قدر عليه، ومن هنا عظم ثواب من أطاع الله سرًّا بينه وبينه، ومن ترك المحرمات التي يقدر عليها سرًّا.\nفأما الأول: فمثل قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إِلَى قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١).\nقال بعض السلف: أخفوا للَّه العمل فأخفى لهم الجزاء.\nوفي حديث السبعة الَّذِي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ» (٢).\nوفي الحديث: إِذا صلى العبد في العلانية فأحسن وصلى في السر فأحسن، قال اللَّه: هذا عبدي حقًّا (٣).\nوفي حديث آخر: \"مَنْ أَحْسَنَ صَلَاتَهُ حِيثُ يَرَاهُ النَّاسُ وَأَسَاءَهَا حِيثُ لاَ يَرَاهَا فَتِلْكَ اسْتِهَانَةٌ يَسْتَهِينُ بِهَا رَبَّهُ\" (٤).\nوأما الثاني: فمثل قوله -ﷺ- في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إِلا ظله \"وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ\n_________\n(١) السجدة: ١٦ - ١٧.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٢٩، ١٣٥٧، ٦١١٤)، ومسلم (١٠٣١).\n(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٣).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣٧٣٨).","vol":"1","page":163},{"text":"العَالَمِينَ\" (١)، ومثل الحديث الَّذِي جاء فيمن أدى دينًا خفيًَا أنه يخير في أي الحور العين شاء.\nوالموجب لخشيته اللَّه في السر والعلانية أمور منها:\n١ - قوة الإيمان بوعده ووعيده عَلَى المعاصي.\n٢ - ومنها النظر في شدة بطشه وانتقامه، وقوته وقهره، وذلك يوجب للعبد ترك التعرض لمخالفته، كما قال الحسن: ابن آدم، هل لك طاقة بمحاربة اللَّه، فإن من عصاه فقد حاربه.\nوقال بعضهم: عجبت من ضعيف يعصي قويًّا.\n٣ - ومنها قوة المراقبة له، والعلم بأنه شاهد ورقيب عَلَى قلوب عباده وأعمالهم وأنه مع عباده حيث كانوا، كما دل القرآن عَلَى ذلك في مواضع كقوله تعالى: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ الآية (٣) وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (٤).\nوكما في الحديث الَّذِي خرّجه الطبراني (٥): \"أفضل الإيمان أن يعلم العبد أن الله معه حيث كان\"، فيوجب ذلك الحياء منه في السر والعلانية.\nقال بعضهم: خف اللَّه عَلَى قدر قدرته عليك واستحي منه عَلَى قدر قربه منك.\nوقال بعضهم لمن استوصاه: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك، وفي هذا المعنى يقول بعضهم:\n_________\n(١) سبق تخريجه في الصفحة السابقة برقم (٢).\n(٢) المجادلة: ٧.\n(٣) يونس: ٦١.\n(٤) النساء: ١٠٨.\n(٥) في \"المعجم الصغير\" (٥٥٥) من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مطولًا، وقال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن ابن معاوية إلا بهذا الإسناد، ولا نعرف لعبد الله بن معاوية الغاضري حديثًا مسندًا غير هذا.","vol":"1","page":164},{"text":"يا مدمن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثانيكا\nغرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا\nوفي حديث أبي ذر ﵁ عن النبي -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ: رَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ لِقَرَابَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا؛ لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلِهِمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ رَجُلٌ (يَتَمَلَّقُنِي) (١) وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقُوا العَدُوَّ، فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ» (٢).\nفهؤلاء الثلاثة قد اجتمع لهم معاملة الله سرًّا يينهم وبينه، حيث غفل الناس عنهم، فهو تعالى يحب من يعامله سرًّا بينه وبينه، حيث لا يعامله حينئذ أحد، ولهذا فضل قيام وسط الليل عَلَى ما سواه من أوقات الليل، والمحبون لله يحبون ذلك أيضًا علمًا منهم باطلاعه عليهم ومشاهدته لهم، فهم يكتفون بذلك لأنهم عرفوه، فاكتفوا به من بين خلقه، وعاملوه فيما بينه وبينهم معاملة الشاهد غير الغائب، وهذا مقام الإحسان، قال بعض العارفين: من عرف الله اكتفى به من خلقه.\nوكان بعض المخلصين يقول: لا أعتد بما ظهر من عملي.\nاطلع عَلَى بعض أحوال بعضهم، فدعى لنفسه بالموت وقال: إِنَّمَا كانت تطب الحياة إذا كانت المعاملة بينى وبينه سرّا.\nوقيل لبعضهم: ألا تستوحش وحدك؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟!\n_________\n(١) يتملقني من \"تملق\" بالتحريك أي الزيادة في التودد والدعاء والتضرع فوق ما ينبغي. \"النهاية\" (٤/ ٣٥٨).\n(٢) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٦٧، ٢٥٦٨)، والنسائي (١٦١٤)، وأحمد (٥/ ١٥٣). قال الترمذي: هذا حديث صحيح، وهكذا روى شيبان عن منصور نحو هذا، وهذا أصح من حديث أبي بكر ابن عياش.","vol":"1","page":165},{"text":"آنستني خلواتي بك من كل أنيسي ... وتفردت فعاينتك في الغيب جليسي\n\"وأما كلمة الحق في الغضب والرضا\":\nفعزيز جدًّا، وقد مدح اللَّه منْ يغفر عند غضبه فَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (١) لأنّ الغضب يحمل صاحبه عَلَى أن يقول غير الحق، ويفعل غير العدل، فمن كان لا يقول إلا الحق في الغضب والرضا، دل ذلك عَلَى شدة إيمانه وأنه يملك نفسه.\nوخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعًا: \"ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِيمَانِ: مَنْ إِذَا غَضِبَ لاَ يُدْخِلْهُ غَضَبُهُ فِي بَاطِلٍ، وَمَنْ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُخْرِجْهُ رِضَاهُ مِنْ حَقٍّ، وَمَنْ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَى مَا لَيْسَ لَهُ\".\nفهذا هو الشديد حقًّا كما قال النبي -ﷺ-: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (٢).\nولمسلم: \"مَا تَعدّونَ ذَا الصُّرَعَةِ فِيكُمْ؟ قلنا: الَّذِي لاَ تصرعه الرِّجَال.\nقال: لَيسَ كَذلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (٣) وقال رجل للنبي -ﷺ-: \"أَوْصِنِي، قَالَ: لاَ تَغْضَبُ، فَردَّدَ مِرَارًا، قال: لاَ تَغْضَبُ\" أخرجه البخاري (٤).\nوفى \"المسند\" أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يباعدني عن غضب اللَّه؟ قال: لا تغضب\" (٥).\nقال مورق العجلي: ما قلت في الغضب شيئًا إلا ندمت عليه فىِ الرضا.\n_________\n(١) الشورى: ٣٧.\n(٢) أخرجه البخاري (٥٧٦٣)، ومسلم (٢٦٠٩).\n(٣) برقم (٢٦٠٨).\n(٤) برقم (٥٧٦٥).\n(٥) أخرجه الأمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٧٥).","vol":"1","page":166},{"text":"قال عطاء: ما أبكى العُلَمَاء بكاء آخر العمر إلا من غضبة يغضبها أحدهم، فتهدم عمل عشرين سنة أو ستين سنة، ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحمًا ما استقاله.\nكان الشعبي ينشد:\nليست الأحلام في حال الرضا ... إِنَّمَا الأحلام في حال الغضب\nوكان ابن عون رحمه الله تعالى إذا اشتد غضبه عَلَى أحد قال: بارك الله فيك ولم يزد.\nوقال الفضيل رحمه الله تعالى: أنا منذ خمسين سنة أطلب صديقًا إذا غضب لا يكذب عَلَيَّ ما أجده.\nفإن من لا يملك نفسه عند الغضب إذا غضب قال فيمن غضب عليه ما ليس فيه من العظائم، وهو يعلم أنه كاذب، وربما علم الناس بذلك ويحمله حقده وهوى نفسه عَلَى الإصرار عَلَى ذلك.\nوقال جعفر بن محمد ﵁: الغضب مفتاح كل شر.\nوقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة. قال: ترك الغضب.\nوقال مالك بن دينار رحمه اللَّه تعالى: منذ عرفت الناس لم أبال بمدحهم وذمهم لأني لم أر إلا مادحًا غاليًا، أو ذامًّا غاليًا.\nيعني أنه لم ير من يقتصد فيما يقول في رضاه وغضبه.\n\"وأما القصد في الفقر والغنى\":\nفهو عزيز أيضًا، وهو حال الرسول -ﷺ-، كان مقتصدًا في حال فقره وغناه.\nوالقصد: هو التوسط في الإنفاق، فإن كان فقيرًا لم يقتر خوفًا من نفاد الرزق، ولم يسرف فيحمل ما لا طاقة له به، كما أدب الله تعالى نبيه بذلك","vol":"1","page":167},{"text":"في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (١).\nوإن كان غنيًا لم يحمله غناه عَلَى السرف والطغيان؛ بل يكون مقتصدًا أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢).\nوإن كان المؤمن في حال غناه يزيد عَلَى نفقته في حال فقره، كما قال بعض السلف: إِنَّ المؤمن يأخذ عن الله أدبًا حسنًا، إذا وسع الله عليه، وسع عَلَى نفسه، وإذا ضيق عليه، ضيق عَلَى نفسه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٣) لكن يكون في حال غناه مقتصدًا غير مسرف، كما يفعله أكثر أهل الغنى الذين يخرجهم الغنى إِلَى الطغيان، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٤).\nكان علي ﵁ يعاتب عَلَى اقتصاده في لباسه في خلافته فيقول: هو أبعد عن الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم (٥).\nوعوتب عمر بن عبد العزيز في خلافته عَلَى تضييقه عَلَى نفسه فَقَالَ: إِنَّ أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند المقدرة.\nيعني أفضل ما اقتصد الإنسان في عيشه وهو واجد قادر، وهذه حال النبي -ﷺ- وخلفائه الراشدين، لم تغيرهم سعة الدُّنْيَا والملك ولم يتنعموا في الدُّنْيَا.\nوقد روي عن سليمان ﵇، أنه كان يأكل خبز الشعير ويلبس الصوف.\nوسئل الحسن ﵁ عن رجل آتاه الله مالًا، فهو يحج منه ويتصدق، أله أن يتنعم فيه منه؟ قال: لا، لو كانت له الدُّنْيَا ما كان له إلا الكفاف.\n_________\n(١) الإسراء: ٢٩.\n(٢) الفرقان: ٦٧.\n(٣) الطلاق: ٧.\n(٤) العلق: ٦ - ٧.\n(٥) أخرجه الضياء في \"المختارة\" (٢/ ٢١) برقم (٤٥٩، ٤٦٠) وقال: إسناده حسن.","vol":"1","page":168},{"text":"ويقدم فضل ذلك ليوم فقره وفاقته، إِنَّمَا كان أصحاب رسول الله -ﷺ- ومن أخذ عنهم من التابعين، ما آتاهم الله من رزق أخذوا منه -ﷺ- الكفاف، وقدموا فضل ذلك ليوم فقرهم وفاقتهم.\nوقال ابن عمر لبعض ولده: لا تكن من الذين يجعلون ما أنعم الله عليهم به في بطونهم وعلى ظهورهم (١).\nإشارة إِلَى أن المال لا ينفق كله في شهوات النفوس، وإن كانت مباحة، بل يجعل صاحبه منه نصيبًا لداره الباقية، فإنه لاقى له منه غير ذلك.\nوفي الجملة فالاقتصاد في كل الأمور حسن حتى في العبادة، ولهذا نهى عن التشديد في العبادة عَلَى النفس، وأمر بالاقتصاد فيها، وقال - ﷺ -: «عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» (٢).\nوفي \"مسند البزار\" (٣) عن حذيفة عن النبي -ﷺ- قال: «مَا أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ».\nقوله -ﷺ-: \"وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ\".\nالنعيم الَّذِي لا ينفد هو نعيم الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١/ ٢٦٠) من طريق جعفر بن برقان عن ميمون بن جرير أو ابن أبي جرير أن ابن عمر أتاه ابن له، فَقَالَ: تخرق ازاري. فَقَالَ: اقطعه وانكسه، وإياك أن تكون من الذين ... الأثر.\nوأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١/ ٣٥٥)، وهناد في \"الزهد\" (٢/ ٣٦٨)، وابن أبي عاصم في \"الزهد\" (١/ ١٩٣) من طريق جعفر بن برقان عن رجل عن ابن عمر.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٢٣٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٠١) من طريق جعفر بن برقان قال: حدثني ميمون بن مهران قال: بلغني أن رجلًا من بني ابن عمر.\nوقال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٤٣): قال ميمون بن أبي جرير أن ابن عمر قال: فذكره. قال البخاري: قاله كثير عن جعفر بن برقان قال: سمعت ميمونًا.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٤١)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٧٩٦، ١٧٩٧).\n(٣) كما في \"كشف الأستار\" (٣٦٠٤).","vol":"1","page":169},{"text":"يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ الآية (٣).\nوفي الدعاء عن النبي -ﷺ-: \"أسألك الدرجات العلى والنعيم المقيم\" (٤).\nوسمع النبي - ﷺ - ابن مسعود ليلة وهو يقول: أسألك إيمانًا لا يرتد ونعيمًا لا\nينفد، ومرافقة نبيك مُحَمَّدًا - ﷺ - في أعلى جنة الخلد. فَقَالَ: \"سَلْ تُعْطَه\" (٥).\nولما سمع عثمان بن مظعون لبيدًا ينشد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل\nقال: صدقت.\nفَقَالَ لبيد:\nوكل نعيم لا محالة زائل\nفَقَالَ: كذبت، نعيم الجنة لا ينفد.\nفنعيم الجنة مقيم، كما قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٦).\nوأما نعيم الدُّنْيَا فهو نافد، كما أن الدنْيا كلها نافدة، فلو نعم الإنسان فيها ما نعم، فإن ذلك ينفد، وكأنه حين ينزل به الموت وسكراته لم يذق نعيمًا من\n_________\n(١) النحل: ٩٦.\n(٢) ص: ٥٤.\n(٣) الرعد: ٣٥.\n(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٧٢٤)، والبزار في \"مسنده\" (٣٧٢٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٢٦) مطولًا.\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٢٢): رواه أحمد والبزار، واقتصر عَلَى عبيد بن رفاعة، وهو الصحيح.\n(٥) أخرجه ابن حبان (١٩٧٠)، والحاكم (١/ ٧٠٧)، وأخرجه الترمذي (٥٩٣) مختصرًا وقال: حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح. وقال أيضًا: هذا الحديث رواه أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم مختصرًا.\n(٦) التوبة: ٢١.","vol":"1","page":170},{"text":"نعيم الدُّنْيَا قط، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (١).\nوقال بعض السلف: إذا جاء الموت لم يغن عن الإنسان ما كان فيه من النعيم واللذة، ثم تلا هذه الآية.\nوكان الرشيد قد بنى قصرًا فلما فرغ منه نجده وفرشه، واستدعى إِلَيْهِ أنواع الأطعمة والأشربة، وجلس مع ندمائه استدعى إِلَيْهِ أبا العتاهية، فأمره أن يصف ما هم فيه من النعيم والعيش، فَقَالَ أبو العتاهية:\nعِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا ... فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ\nيُسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْتُ ... لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ\nفَإِذَا النُّفُوسُ (تَقَعْقَعَتْ) (٢) ... فِي ضِيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ\nفَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا ... مَا كُنْتَ إِلا فِي غُرُورِ\nفبكى واشتد بكاؤه، فَقَالَ الوزير لأبي العتاهية: دعاك أمير المؤمنين للمسرة فأحزنته! فَقَالَ: دعه فإنه رآنا في عمى، فكره أن يزيدنا عمًى.\nقال مالك بن دينار: رأيت بالبحرين قصرًا مشيدًا طريًا وعلى بابه مكتوب:\nطلبت العيش أسعد ناعميه ... وعشت من المعايش في النعيم\nفلم ألبث ورب الناس طرًّا ... سلبت من الأقارب والحميم\nفقلت: ما هذا القصر؟ قالوا: هذا أنعم أهل البحرين، مات فأوصى أن يدفن في قصره، وأن يكتب عَلَى بابه هذا الكلام.\nقال مالك: فعجبت من معرفته، فهلا يستقبل الموت بتوبة، ثم بكى مالك.\nإذا غمس أنعم الناس كان في الدُّنْيَا في العذاب غمسة. قِيلَ لَهُ: هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب.\n_________\n(١) الشعراء: ٢٠٥.\n(٢) تقعقعت: اضطربت. \"لسان العرب\" (٨/ ٢٨٦).","vol":"1","page":171},{"text":"ففي الحقيقة النعيم الَّذِي لا ينفد هو طاعة الله وذكره، ومحبته والأنس به والشوق إِلَى لقائه، فإن هذا نعيم لأهله في الدُّنْيَا.\nقال مالك بن دينار: في بعض الكتب يقول اللَّه: \"أيها الصديقون تنعموا بذكري، فإنه لكم في الدُّنْيَا نعيم، وفي الآخرة جزاء\". وقال: ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر اللَّه ﷿.\nوقال إبراهيم بن أدهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.\nقال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدُّنْيَا، وإنه ليمر عَلَى القلب أوقات يضحك فيه ضحكًا.\nوكان بعض العارفين يقول: إنه ليمر بي أوقات أقول: إِن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي عيش طيب.\nأهل المحبة قوم شأنهم عجب ... يقودهم حزن يهزهم طرب\nالعيش عيشهم والملك ملكهم ... ما الناس إلا همُ أبانوا أم اقتربوا\nفهذا نعيم فى الدُّنْيَا، فَإِذَا انتقلوا إِلَى البرزخ فهم في نعيم أزيد من ذلك، كما قال بعض السلف: أنعم الناس أجسادٌ في التراب أمنت العذاب، وانتظرت الثواب.\nوقال عمر بن عبد العزيز: ما أعلم أحدًا أنعم ممن صار إِلَى هذه القبور، وأمن من عذاب اللَّه ﷿، وإذا بعثوا إِلَى الجزاء حينئذ فلهم النعيم الأعظم في جنات النعيم، وينادي مناد إِنَّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا.\nوقوله - ﷺ -: \"وقرة عين لا تنقطع\".","vol":"1","page":172},{"text":"قرة العين من جملة النعيم، فمنه ما هو منقطع، ومنه ما لا ينقطع، فمن قرت عينه بالدنيا، فقرة عينه منقطعة وأيضًا فسرورها لا يدوم؛ لأنّ لذاتها مشوبة بالفجائع والتنغيص. وكيف تقر عين المؤمن في الدُّنْيَا وهو يعلم سرعة انقضائها، ومفارقة ماله فيها من أهل وولد ومال، ويعلم ما يعالجه عند مفارقتها من سكرات الموت، وما يلقاه في البرزخ من الوحشة والوحدة والضيق، ثم ما يخشاه يوم القيامة من العذاب؟!\nقال بعض السلف: ما ترك الموت للمؤمن قرة عين في أهل ولا مال ولا ولد. وقال مطرف: إِنَّ هذا الموت قد أفسد عَلَى أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا نعيمًا لا موت فيه.\nوقال بضع السلف: عجبًا لمن يوقن بالموت، كيف تقر بالدنيا عينه، أم كيف يطب فيها عيشه؟!\nونظر بعضهم إِلَى دار له حسنة، فبكى وقال: والله، لولا الموت لكنت بك مسرورًا، ولولا ما نصير إِلَيْهِ من ضيق القبور لقرت أعيننا بالدنيا، ثم بكى حتى ارتفع صوته.\nرأى بعض السلف في منامه قائلًا يقول له:\nوكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلين تنزل\nفلا تقر عين المؤمن في الدُّنْيَا إلا بالله ﷿، وذكره ومحبته والأنس به، ومن قرت عينه باللَّه، فقد حصلت له قرة العين التي لا تنقطع في الدُّنْيَا ولا في البرزخ ولا في الآخرة، وقرت به عيون المؤمنين، كما قال بعضهم: من قرت عينه بالله قرت به كل عين.\nكان حبيب العجمي يخلو في بيته ثم يقول: ومن لم تقر عينه بك فلا قرت، ومن لم يأنس بك فلا أنس.","vol":"1","page":173},{"text":"وروي عنه أنه كان يقول: لا قرت عين من لم تقر عينه بك ولا فرح قلب لم يفرح بك، وعزتك إنك لتعلم أني أحبك.\nوقال حبيب ليزيد الرقاشي: بأي شيء تقر عيون العابدين في الدُّنْيَا؟ وبأي شيء تقر أعينهم في الآخرة؟ فَقَالَ: بالإكثار من التهجد في ظلمة الليل، وأما الذين تقر أعينهم في الآخرة فلا أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها ألذ عند العابدين ولا أقر لعيونهم من النظر إِلَى ذي الكبرياء العظيم، إذا رفعت تلك الحجب، وتجلى لهم الكريم، فصاح حبيب عند ذلك صيحة خر مغشيًا عليه.\nوكان كهمس يقول في جوف الليل: أَتُرَاك معذبي وأنت قرة عيني يا حبيب قلباه.\nكان بعض العابدين يصلى، فنام في سجوده، فرأى في منامه كأنّه وقف بين يدي اللَّه ﷿، وهو يقول لملائكته: انظروا إِلَى عبدي بدنه في طاعتي، وروحه عندي فاستيقظ، فَقَالَ: أنت قرة عيني في نومي، وأنت قرة عيني في يقظتي.\nوكان يحيى بن معاذ ينشد:\nقرة عيني لابد لي منك وإن ... أوحش بيني وبينك الزلل\nقرة عيني أنا الغريق فخذ ... كف غريق عليك يتكل\nكان بعضهم يقول: أنت قرة عين المطيعين، وأنت مننت عليهم بالطاعة، وكيف لا تكون قرة عين العاصين وأنت مننت عليهم بالتوبة.\nمن قرت عينه بمناجاة اللَّه سرًّا في ظلمة الليل أقر اللَّه عينه عنده بما لم يُطْلِعْ عليه بشرًا، كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).\n_________\n(١) السجدة: ١٦ - ١٧.","vol":"1","page":174},{"text":"وفي الأثر عن فضيل بن عياض يقول الله تعالى: \"كذب من ادعى محبتى، فَإِذَا جنه الليل نام عني، أليس كل حبيب يحب خلوة حبيبه، فَإِذَا جن الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم فكلموني عَلَى المشاهدة، وخاطبوني عَلَى حضوري، غدا أقر أعين أحبابي في جناني\" (١).\nقوله -ﷺ-: \"وأسألك الرضا بعد القضاء\".\nالرضا بالقضاء مقام عظيم، من حصل له فقد ﵁، كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) وفي الحديث: -ﷺ- \"من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط\" (٣).\nوقال بعضهم: لن يرد القيامة أعظم درجة من الراضين بقضاء الله ﷿.\nقال بعضهم: من وهب له الرضا، فقد بلغ أفضل الدرجات.\nوقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٤) قال: الرضا والقناعة.\nقال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدُّنْيَا، ومستراح العابدين.\nقالت أم الدرداء: إِنَّ الراضين بقضاء الله الذين ما قضي الله لهم رضوا به، لهم في الجنة منازل يغبطهم بها الشهداء.\nيا أيها الراضي بأحكامنا ... لابد أن تحمد عقبى الرضا\nفوض إلينا وارض مستسلما ... فالراحة العظمى لمن فوضا\nوإن تعرضت لأسبابنا ... فلا تكن عن بابنا معرضا\nفإن فينا خلفا باقيا ... من كل ما فات وما قد مضى\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٩٩ - ١٠٠).\n(٢) المجادلة: ٢٢ - والبينة: ٨.\n(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٣٩٦)، وابن ماجه رقم (٤٠٨٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(٤) النحل: ٩٧.","vol":"1","page":175},{"text":"وإنما قال: الرضا بعد القضاء؛ لأنّ الرضا قبل القضاء، عزم عَلَى الرضا فَإِذَا وقع القضاء فقد تنفسخ العزائم.\nكما قال بعضهم:\nوليس لي في سواك حظ ... فكيف ما شئت فامتحني\nفامتحن بعسر البول فلم يصبر، وجعل يطوف عَلَى المكاتب ويقول للصبيان: ادعو لعمكم الكذاب.\nوكذا قول من قال: لو أدخلني النار كنت راضيًا.\nهو أيضًا عزم عَلَى الرضا، ولا يدري هل يثبت أو ينفسخ، فلا ينبغي للعبد أن يتعرض للبلاء، ولكن يسأل الله العافية وأن يرزقه الرضا بالبلاء إِنَّ قدر له البلاء.\nكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما تركتني هذه الدعوات، ولي سرور في غير مواقع القضاء والقدر، اللهم رضني بقضائك وبارك لي في قدرك، حتى لا أَحَبّ تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت.\nوقال بعضهم: الراضي لا يتمنى غير منزلته التي هو عليها؛ لأنّه قد رضي بها، وقد يستغرق المحب في الرضا عن حبيبه، حتى لا يحس بألم البلاء؛ لملاحظته عظمة المبتلي وكماله، وحكمته ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه، وقد وصى النبي -ﷺ- رجلًا فَقَالَ له: \"لا تتهم اللَّه فيما قضاه لك\" (١).\nكان بعض أهل البلاء يقول: لو قطعني إربًا إربًا ما ازددت له إلا حبًّا.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٠٤) من حديث عمرو بن العاص.\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٦٠): رواه أحمد، وفي إسناده رشدين وهو ضعيف.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣١٨ - ٣١٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (٩٧١٤) من حديث عبادة بن الصامت.\nقلت: وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف أيضًا.","vol":"1","page":176},{"text":"لو قطعني الغرام إربًا إربا ... ما ازددت لكم عَلَى الملام إلا حبًّا\nلا زلت بكم أسير وَجْدُ صبا ... حتى أُقْضَى عَلَى هواكم نحبا\nكان بعض العارفين يطوف بالبيت فهجم القرامطة عَلَى الناس فقتلوهم بالسيوف، وهو يطوف، فأخذته السيوف، فلم يقطع طوافه حتى سقط فتمثل:\nترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا\nقتل لرجل من الصالحين ابنان في الجهاد، فجاء الناس يعزونه بهما، فبكى وقال: والله ما أبكي عَلَى قتلهما، ولكن أبكي كيف كان رضاهما عن اللَّه ﷿ حين أخذتهما السيوف.\nإِن كَانَ سكان الغضا ... رَضوا بقتلي فرضا\nوَالله مَا كنت لما ... يهوي الحبيب مبغضا\nصرت لَهُم عبدا وَمَا ... للْعَبد أَن يعترضا\nمن لمريض لَا يرى ... إِلَّا الطَّبِيب الممرضا\nقوله - ﷺ -: \"وبرد العيش بعد الموت\".\nهذا يدل عَلَى أن العيش وطيبه وبرده، إِنَّمَا هو بعد الموت، فإن العيش قبل الموت منغص، ولو لم يكن له منغص غير الموت لكفى، كما قال بعضهم: إِنَّ عيشًا يكون آخره الموت لعيش معجل التغنيص، فكيف ومع ذلك له منغصات كثيرة من الهموم والأسقام والأمراض والهرم، ومفارقة الأحباب، وآخر الدُّنْيَا كلها الموت.\nقال بعض السلف: كيف يلذ العيش من يعلم أنه يموت.\nوقال بعضهم: ثنتان قطعتا عني لذات الدُّنْيَا: ذكر الموت المنغص، والوقوف بين يدي الله ﷿.","vol":"1","page":177},{"text":"وكيف يلذ العيش من كان موقنا ... بأن المنايا بغتة استعاجله\nوكيف يلذ العيش من كان موقنا ... بأن إله الخلق لابد سائله\nولبعضهم:\nوكيف قرت لأهل العِلْم أعينهم ... أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا\nوالموت ينذرهم جهرًا علانية ... لو كان للقوم أسماع لقد سمعوا\nوالنار ضاحية لابد موردهم ... وليس يدرون من ينجو ومن يقع\nفحينئذ فلا عيش يطيب إلا بعد الموت، وهو عيش من أمن من عذاب الله ﷿، ووصل إِلَى ثوابه، فكذلك سأل برد العيش بعده، وكان النبي - ﷺ - يقول -لما حفر الخندق، وجهد هو وأصحابه في حفره-:\n\"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة\" (١)\nكان يزيد الرقاشي يقول: أمن أهل الجنة من الموت فطاب لهم العيش، وأمنوا من الأسقام فهنيئًا لهم في جوار الله طول المقام.\nوعن وهب قال: أوحى الله تعالى إِلَى عيسى ﵇: يا عيسى ما خير عيش عن صاحبه يزول، وما خير لذة لا تدوم؟!\nوأنشد بعضهم:\nتقضي الدُّنْيَا وتفنى ... والفتى لها معنى\nليس في الدُّنْيَا نعيم ... لا ولا عيش مهنّا\nيا غنيا بالدنانير ... محب الله أغنى\nولبعضهم:\nإِنَّمَا الدُّنْيَا وإن سرت قليلًا من قليل ... ليس تعد أن تبدُ لك في زيّ جميل\n_________\n(١) البخاري (٤١٨، ٣٥٨٥، ٣٨٧٢)، ومسلم (١٨٠٥).","vol":"1","page":178},{"text":"ثم ترميك من المأمن بالخطب الجليل ... إِنَّمَا العيش جوار الله في ظل ظليل\nحيث لا تسمع من يؤذيك ... من قال وقيل\nقوله - ﷺ -: \"وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرَ فِي وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ\":\nهذان الأمران هما سعادة الدُّنْيَا والآخرة، وأعظم لذاتها وأعلى ما يحصل للمؤمن فيهما، فإن أعلى ما في الآخرة النظر إِلَى وجه الله ﷿، وهو أعظم من الجنة وكل ما فيها.\nوفي \"الصحيح\" عن النبي -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، نَادَى مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ\".\nفيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، أَلَمْ تُثَقَّلَ مَوَازِينَنَا، وَتُدْخِلَنَا الجَنَّةَ\nوَتُزَحْزِحُنَا عَنِ النَّارِ؛ فَيُكْشَفُ الحِجَاب، فينظرون إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النّظر إِلَيْهِ\" (١).\nوفي رواية: \"ولا أقر لأعينهم من النظر إِلَيْهِ، وهو الزيادة، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٢) \".\nوفي \"مسند البزار\" (٣) من حديث \"حذيفة عن النبي - ﷺ -: \"أَنَّه يُكشَفُ الحِجَابُ، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَغْشَاهُمْ مِنْ نُورِهِ لَوْلَا قَضَى عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَحْتَرِقُوا لَاحْتَرَقُوا مِنْ نُورِهِ، مِمَّا غَشِيَهُمْ مِنْ نُورِهِ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ خَفَوْا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ مِمَّا غَشِيَهُمْ مِنْ نُورِهِ حَتَّى يَعُودُوا إِلَى صُوَرِهِمُ التِي كَانُوا عَلَيهَا\".\nقال الحسن: إِنَّ الله يتجلى لأهل الجنة، فَإِذَا رآه أهل الجنة نسوا نعيم الجنة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٨١).\n(٢) يونس: ٢٦.\n(٣) أخرجه البزار كما في \"كشف الأستار\" رقم (٣٥١٨) من حديث حذيفة.","vol":"1","page":179},{"text":"وقال ابن أبي ليلى: إذا تجلى لهم ربهم، فلا يكون ما أعطوا عند ذلك بشيء، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد نظرهم إِلَى ربهم ﷿.\nوقال الحسن: لو يعلم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لماتوا.\nوفي رواية قال: لذابت أنفسهم.\nوكان أبو سليمان يقول: أي شيء أراد أهل المعرفة؟ ما أرادوا كلهم إلا ما سأل موسى ﵇.\nقال ذو النون: ما طابت الدُّنْيَا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته.\nوقال بعضهم: لو أن الله احتجب عن أهل الجنة، لاستغاث أهل الجنة من الجنة، كما يستغيث أهل النار من النار.\nوكان بعض العابدين يقول: ليت ربي جعل ثوابي من عملي نظرة إِلَيْهِ ثم يقول: كن ترابًا. وكان علي بن الموفق يقول كثيرًا: اللهم إِن كنت تعلم أني أعبدك خوفًا من نارك فعذبني بها، وإن كنت تعلم أنىِ أعبدك شوقًا إِلَى جنتك فاحرمنيها (١)، وإن كنت تعلم أني إِنَّمَا أعبدك حبًّا لك وشوقًا إِلَى وجهك الكريم فأبحنيه وافعل بي ما شئت.\nالعارفون في شغل عن الجنة، فكيف يلتفتون إِلَى الدُّنْيَا.\nوأنشد بعض العارفين هذا المعنى:\nيا حبيب القلوب من لي سواك ... ارحم اليوم مذنبًا أتاكا\nأنت سؤلي ومنيتي وسروري ... قد أبى القلب أن يحب سواكا\nيا مرادي وسيدي واعتمادي ... طال شوقي متى يكون لقاكا\nليس سؤلي من الجنان نعيم ... غير أني أريدها لأراكا\n_________\n(١) هذا مخالف للهدي الصحيح، وسبق التعليق عَلَى مثل هذا القول، وكثيرًا ما كان النبي - ﷺ - يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار.","vol":"1","page":180},{"text":"وأما الشوق إِلَى لقاء اللَّه في الدُّنْيَا فهو أعظم لذّة تحصل للعارفين في الدُّنْيَا، فمن أنس باللَّه في الدُّنْيَا واشتاق إِلَى لقائه، فقد فاز بأعظم لذّة يمكن لبشر الوصول إليها في هذه الدار.\nكان أبو الدرداء يقول: أَحَبّ الموت اشتياقًا إِلَى ربي ﷿.\nقال أبو عتبة الخولاني: كان إخوانكم، لقاء اللَّه أَحَبّ إليهم من الشهادة.\nكان بعضهم يقول: إذا ذكرت القدوم عَلَى اللَّه كنت أشدّ اشتياقًا إِلَى الموت من الظمآن الشديد ظمؤه، في اليوم الحار الشديد حره إِلَى الماء البارد الشديد.\nكانت رابعة تقول: قد طالت عليَّ الأيام والليالي بالشوق إِلَى لقاء اللَّه ﷿.\nوبقي فتح بن شخرف ثلاثين سنة لم يرفع رأسه إِلَى السماء، وقال: طال شوقي إليك فعجل قدومي عليك.\nوقال بعضهم: أخدموه شوقًا إِلَى لقائه، فإن له يومًا يتجلى فيه لأوليائه.\nوأهل الشوق إِلَى الله عَلَى طبقتين:\nأحدهما: من يفضي بهم الشوق إِلَى القلق والأرق، ويقل صبرهم عن طلب اللقاء.\nكان أبو عبيدة الخواص يمشي في الأسواق ويضرب عَلَى صدره ويقول: واشوقاه إِلَى من يراني ولا أراه.\nوعن إبراهيم بن أدهم أنه قال يومًا: اللهم إِن كنت أعطيت أحدًا من المحبين ما سكنت به قلوبهم قبل لقائك، فأعطي ذلك، فلقد أضرّ بي القلق، قال: فنمت فرأيته تعالى في النوم، فوقفني بين يديه، وقال: يا إبراهيم ما استحييت مني، تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي؟ وهل يسكن قلب","vol":"1","page":181},{"text":"المشتاق إِلَى غير حبيبه؟ أم كيف يستريح المحب إِلَى غير من اشتاق إِلَيْهِ؟ فقلت: يا رب تهت في حبك فلم أدري ما أقول.\nآلمني الشوق فلولا دمعه ... أحرق ما بين العذيب والنقا\nواستعرت أنفاسه وإنما ... تلتهب الأنفاس من حرّ الجوى\nمروا عَلَى وادي الغضا فقلبوا ... من الجوى قلبى عَلَى جمر الغضا\nالطبقة الثانية: من أعطاه الله بعد بلوغه إِلَى درجة الشوق إِلَيْهِ الأنس به والطمأنينة إِلَيْهِ، فسكنت قلوبهم بما كشف لها من آثار قربه ومشاهدته، ووجدوا لذّة الأنس به في الذكر والطاعة، وصار عيشهم مع اللَّه في نعيم سرمدي، وطاب لهم السير إِلَيْهِ في الدُّنْيَا بالطاعات.\nوهذه كانت حال نبينا -ﷺ- وأصحابه، وهي حال كثير من العارفين، كأبي سليمان وأحمد بن أبي الحواري وذي النون والجنيد وغيرهم.\nسئل الشبلي: بماذا تستريح قلوب المحبين والمشتاقين؟ فَقَالَ: إِلَى سرورهم بمن أحبوه واشتاقوا إِلَيْهِ.\nفهؤلاء كلما أقلقهم الشوق سكنهم الأنس والقرب والمشاهد، كما كان - ﷺ - إذا ذكر له تركه الطعام والشراب واجتهاده في الطاعات في الصيام يقول: \"إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني\" (١).\nساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره\nغاب عن سمعي وعن بصري ... (فسويداء) (٢) القلب تبصره\nقلوب المحبين كالجمرة تحت فخمة الليل، فَإِذَا هب عليها نسيم السحر التهبت بالأشواق، فلولا أن ريق عليها من ماء العيون، وتعدل ببرودة الذكر لسرى الحريق إِلَى أجسادها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٨٦٠، ٦٨١٤)، ومسلم (١١٠٥) عن أنس.\n(٢) سويداء: حبة القلب. \"القاموس المحيط\" (٢/ ٦٤٢).","vol":"1","page":182},{"text":"كان داود الطائي ينادي بالليل: همك عَطَّلَ عليَّ الهموم، وخالف بيني وبين (السهاد) (١) وشوقي إِلَى النظر إليك أوثق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب.\nثم يترنم بالآية فيخيل لمن سمعه أن جميع لذات الدُّنْيَا ونعيمها جمع له في ترنمه.\nأحبابي أما جفن عَيْني فمقروح ... وَأما فُؤَادِي فَهُوَ بالشوق مَجْرُوح\nيذكرنِي مرّ النسيم عهودكم ... فأزداد شوقًا كلما هبت الرّيح\nأَرَانِي إِذا مَا أظلم اللَّيْل أشرقت ... بقلبي من نَار الغرام مصابيح\nأُصَلِّي بذكراكم إِذا كنت خَالِيا ... أَلا إِن تذكار الْأَحِبَّة تَسْبِيح\nيشحّ فُؤادِي إِن يخامر سرّه ... سواكم وبعض الشح في المرء ممدوح\nوإن لاح برق بالندير تقطع ... الفؤاد عَلَى واد به البان والشيح\nقوله -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ زِيِّنَا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ\".\nأما زينة الإيمان، فالإيمان قول وعمل ونية.\nفزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقق الإيمان له.\nوزينة اللسان بأقوال الإيمان.\n_________\n(١) السهاد: الأرق. \"القاموس المحيط\" (٢/ ٦٣٦).","vol":"1","page":183},{"text":"وزينة الجوارح بأعمال الإيمان، وقد سمى الله تعالى التقوى لباس، وأخبر أنها خير من لباس الأبدان -قال تعالى-: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (١).\nوقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إِلَى عيسى ﵇: \"يا عيسى، تزين لي بالدين، وأحب المساكين\".\nوعنه أن الله تعالى لما بعث موسى وهارون ﵉ قال لهما: \"إِنَّمَا يتزين لي أوليائي بالذكر والخشوع، والخوف والتقوى، تنبت في قلوبهم، فتظهر عَلَى أجسادهم، فهي ثيابهم التي يلبسون، ودثارهم الَّذِي يظهرون، وضميرهم الَّذِي يستشعرون، ونجاتهم التي بها يفوزون، ورجاؤهم الَّذِي إياه يأملون، ومجدهم الَّذِي به يفتخرون، وسيماهم التى بها يعرفون\".\nقال الحسن في قوله -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ جَمِيل يُحِبُّ الجَمَالَ\" (٢) قال: يحب أن يُتَجَمَّلَ له بالطاعة.\nوعنه قال: \"إِنَّ لباس المؤمن التقوى، وزينته الحياء\".\nفالزينة النافعة الدائمة الباقية هي زينة الإيمان والتقوى، إذا شملت القلب والجوارح، فإن أظهر التزيين بذلك ظاهرًا وقلبه فارغ عاد ذلك عليه شيئًا، كما قال بعضهم: من تزيين للناس بما يعلم اللَّه منه خلافه شانه اللَّه ﷿. وقال بعضهم لمن أظهر التزين بالعلم من غير عمل به: تزينوا بما شئتم، فلن يزيدكم اللَّه إلا (اتضاعًا) (٣).\nوقال بعضهم: لا تقوم الساعة حتى يتزين الرجل بالعلم كما يتزين الرجل بثوبه. يعني: يظهره للناس تزينًا به عندهم من غير أن يزين قلبه وجوارحه بالعمل به، وكان الفضيل يقول: تزينت لهم بالصوف فلم ترهم يرفعون بك رأسًا، تزينت لهم بالقرآن، ولم تزل تنزين لهم بشيء بعد شيء كل ذلك لحب الدُّنْيَا.\n_________\n(١) الأعراف: ٢٦.\n(٢) أخرجه مسلم رقم (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٣) اتضاعًا: من الضًعَة وهي الذل والهوان والدناءة. \"لسان العرب\" (٨/ ٣٩٧).","vol":"1","page":184},{"text":"ومراده توبيخ من يزين ظاهره بالأعمال، وباطنه خالٍ منها.\nومن زين للَّه جوارحه بالأعمال وقلبه بحقيقة الإيمان، زينه اللَّه في الدُّنْيَا والآخرة كما في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (١) فمن علم اللًه من قلبه الصدق زينه اللَّه عند عباده، وبالعكس.\nوما أحسن قول أبي العتاهية:\nإذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى ... تقلب عريانًا وإن كان كاسيا\nوقوله -ﷺ-: \"واجعلنا هداة مهتدين\".\nيعني نهدي غيرنا ونهتدي في أنفسنا. هذه أفضل الدرجات: أن يكون العبد هاديًا مهديًّا.\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٢).\nوقال - ﷺ - لعلي بن أبي طالب ﵁: \"لَئِنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرُ النَّعَمِ\" (٣) وقال: \"من دعى إِلَى هدًى كان له مثل أجر من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شىِء\" (٤).\nويدخل فيمن دعى إِلَى الهدى من دعى إِلَى التوحيد من الشرك، وإلى السنة من البدعة، وإلى العِلْم من الجهل، وإلى الطاعة من المعصية، وإلى اليقظة من الغفلة، فمن استجيب له إِلَى شيء من هذه الدعوات فله مثل أجر من تبعه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤).\n(٢) الأنبياء: ٧٣.\n(٣) أخرجه البخاري (٢٨٤٧ - ٣٤٩٨ - ٣٩٧٣)، ومسلم (٢٤٠٦).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٦٧٤).","vol":"1","page":185},{"text":"أفضل الصدقة تعليم جاهل أو إيقاظ غافل، ما وصل المستثقل في نوم الغفلة بأفضل من ضربه بسياط الموعظة ليستيقظ.\nالمواعظ كالسياط تقع عَلَى (نياط) (١) القلوب فمن آلمته فصاح فلا جناح، ومن تراد بها ألمه فمات فدمه مباح.\nقضى اللَّه في القتلى قصاص دماؤهم ... ولكن دماء العاشقين جبار\nوعظ عبد الواحد بن زيد يومًا فصاح به رجل: يا أبا عبيدة، كف فقد كشفت الموعظة قناع قلبي؛ فتمادى عبد الواحد في وعظه فمات الرجل.\nصاح الرجل في حلقة الشبلي فمات، فاستعدى أهله عَلَى الشبلي! فَقَالَ: نفس رنت فحنت، فدعيت فأجابت، فما ذنب الشبلي.\nفكر في أفعالهم ثم صاح ... لا خير في الحب بغير افتضاح\nقد جئتكم مستأمنًا فارحموا ... لا تقتلوني قد رميت السلاح\nوعظ أبو عامر الواعظ بالمدينة رجلًا وولده فأخذ وعظه فيهما فماتا؛ قال أبو عامر: فما رأيت حزنًا مما جنيت عليهما حتى رأيتهما في المنام، عليهما حلتان خضراوتان. فقلت لهما: مرحبًا بكما وأهلًا، فما زلت حذرًا من وعظي لكما، فما صنع الله بكما؛ فَقَالَ الشيخ:\nأنت شريكي في الَّذِي نلته ... مستأهلًا ذاك أبا عامر\n_________\n(١) نياط: جمع نوط وهو عرق غليظ نيط به القلب إِلَى الوتين. \"القاموس والمحيط\" (٤/ ٤٦٠).","vol":"1","page":186},{"text":"وكل من أيقظ ذا غفلة ... فنصف ما يعطاه للآمر\nمن رد عبدًا آبقًا مذنبا ... كان كمن راقب للقاهر\nواجتمعا في دار عدن وفي ... جوار رب سيد غافر\nآخره، والحمد لله وحده، وصلى الله عَلَى محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كبيرًا.\n***","vol":"1","page":187}]}