{"ً":{"ٌ":151120,"ٍ":"جزء من الكلام على حديث شداد بن أوس «إذا كنز الناس الذهب والفضة»","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: جزء من الكلام على حديث شداد بن أوس «إذا كنز الناس الذهب والفضة» [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ٣٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154090,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[],"ٛ":{"1,333":1,"1,335":2,"1,336":3,"1,337":4,"1,338":5,"1,339":6,"1,340":7,"1,341":8,"1,342":9,"1,343":10,"1,344":11,"1,345":12,"1,346":13,"1,347":14,"1,348":15,"1,349":16,"1,350":17,"1,351":18,"1,352":19,"1,353":20,"1,354":21,"1,355":22,"1,356":23,"1,357":24,"1,358":25,"1,359":26,"1,360":27,"1,361":28,"1,362":29,"1,363":30,"1,364":31,"1,365":32,"1,366":33},"ٜ":{"1":[333,366]},"ٝ":["1,333","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366"],"ٞ":{},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"جزء من الكلام على حديث شداد بن أوس \"إذا كنز الناس الذهب والفضة\"","vol":"1","page":333},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوبه نستعين\nقال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، رحمه الله تعالى:\nخرَّج الإمام أحمد (١) من حديث شداد بن أوس ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَاكْنِزُوا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ».\nوخرجه الترمذي (٢) مختصرًا، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣)، والحاكم (٤) وصححه.\nوله طرق متعددة عن شداد.\nوفي بعض طرقه \"أن النبي -ﷺ- علمهم أن يدعوا بهذه الكلمات في الصلاة، أو في دبر الصلاة\" (٥).\nفقوله -ﷺ-: \"إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَاكْنِزُوا أَنْتُمْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ\": إشارة إِلَى أن كنز هذه الكلمات، أنفع من كنز الذهب والفضة.\nفإن هذه الكلمات نفعها يبقى، والذهب والفضة يفنى، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا\n_________\n(١) (٤/ ١٢٣).\n(٢) برقم (٣٤٠٧).\n(٣) كما في \"الإحسان\" (٩٣٥).\n(٤) (١/ ٥٠٨).\n(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٥).","vol":"1","page":335},{"text":"وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٢).\nوقد رُوي أن سليمان بن داود -﵉- مرَّ في موكبه، ومعه الإنس والجن بحرَّاث، فَقَالَ الحراث: لقد أوتي ابن داود ملكًا عظيمًا! فأتاه سليمان فَقَالَ له: تسبيحة واحدة خير من ملك سليمان؛ لأنّ التسبيحة تبقى، وملك سليمان يفنى (٣).\nوفي الحديث المشهور عن ثوبان أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٤) فَقَالَ النبي - ﷺ -: \"تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ\" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا نَتَّخِذُ؟ قَالَ: «لِيَتَّخِذَ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً صَالِحَةً، تُعِينُ أَحَدُكُمْ عَلَى إِيمَانِهِ» (٥).\nقال بعضهم: إِنَّمَا سمي الذهب ذهبًا لأنّه يذهب، وسميت الفضة فضة لأنها تنفض: يعني تنفض بسرعة، فلا بقاء لهما. فمن كنزهما فقد أراد بقاء ما لا بقاء له، فإنَّ نفعهما ما هو إلا بإنفاقهما في وجوه البر وسبل الخير.\nقال الحسن: بئس الرفيقان الدرهم والدينار! لا ينفعانك حتى يفارقانكَ فما داما مكنوزين فما يضران ولا ينفعان، وإنما نفعهما بإنفاقهما في الطاعات.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلًا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية (٦).\nوالآية ذم ووعيد لمن يمنع حقوق ماله الواجبة من الزكاة، وصلة الرحم، وقرى الضيف، والإنفاق في النوائب.\n_________\n(١) الكهف: ٤٦.\n(٢) النحل: ٩٦.\n(٣) أخرجه أبو نعيم في \"زياداته عَلَى زهد ابن المبارك\" (٢١٠).\n(٤) التوبة: ٣٤.\n(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٨، ٢٨٢)، والترمذي (٣٠٩٤)، وابن ماجه (١٨٥٦).\n(٦) التوبة: ٣٤، ٣٥.","vol":"1","page":336},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\" (١) عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلًا فِضَّةٍ، لًا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».\nوفي \"صحيح البخاري\" (٢) عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ\"، ثُمَّ تَلاَ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣).\nوفيه أيضًا (٤) عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَفِرُّ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ فَلاَ يَزَالَ يَطْلُبُهُ، حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ، فَيُلْقِمَهَا فَاهُ\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (٥) عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٌ، لَاَ يُفْعَلُ فِيهِ حَقُّهُ، إِلا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ فَيُنَادِيَهُ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَّأْتَهُ، فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لًا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ فَيَقْضِمَهَا قَضْمَ الْفَحْلِ\".\nوالشجاع: الحية الذكر، والأقرع: الَّذِي قد تمعط شعر فروة رأسه لكثرة سمه.\nفلهذا ورد الشرع بالأمر باكتناز ما يبقى نفعه بعد الموت، من الإيمان والأعمال الصالحة والكلمات الطيبة، فإن نفع ذلك يبقى، وبه يحصل الغنى الأكبر.\n_________\n(١) برقم (٩٨٧).\n(٢) برقم (١٤٠٣، ٤٥٦٥).\n(٣) آل عمران: ١٨٠.\n(٤) برقم (٦٩٥٧).\n(٥) برقم (٩٨٨).","vol":"1","page":337},{"text":"قال ابن مسعود (١): نعم كنز الصعلوك [البقرة وآل عمران، يقوم بهما] (*) في آخر الليل.\nوآخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، أعطيته هذه الأمة مع سورة الفاتحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة.\nوفي بعض الآثار الإسرائيلية: كنز المؤمن ربه.\nيعني أنه لا يكنز سوى طاعته وخشيته، ومحبته والتقرب إِلَيْهِ، فمن كان كنزه ربه، وجده وقت حاجته إِلَيْهِ.\nكما في وصية النبي - ﷺ - لابن عباس: \"احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ\" (٢).\nأنت كنزي أنت ذخري ... أنت عزِّي أنت فخري\nكيف أخشى الفقرَ إذا ... كنتَ أمني عند فقرِي\nمن كانَ اللَّهُ كنزَه فقد ظفرَ بالغنِى الأكبرِ\nقال بعض العارفين: من استغنى بالله أمن من العدم، ومن لزم الباب أثبت في الخدم، ومن أكثر من ذكر الموت أكثر من الندم.\nتنقضي الدُّنْيَا وتفنى ... والفتى فيها معنّى\nليس في الدُّنْيَا نعيم ... لا ولا عيش مهنّا\nيا غنيًّا بالدنانير ... محب الله أغنى\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في \"سننه\" (٣٣٩٨) بذكر آل عمران دون البقرة.\n(*) سورة آل عمران يقوم بها: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٩٣، ٣٠٧)، والترمذي (٢٥١٦). وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال ابن رجب في شرح الحديث التاسع عشر من \"جامع العلوم والحكم\" (١/ ٤٦٠ - ٤٦١).\nوقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه عليَّ، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غفرة، وابن أبي مليكة وغيرهم.\nوأصح الطرق كلها طريقُ حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي. كذا قاله ابن منده وغيره.","vol":"1","page":338},{"text":"والمقصود هنا شرح الكلمات التي أمر النبي -ﷺ- بكنزها، وأشار إِلَى أن نفعها خير من الذهب والفضة، وهي تتضمن طلب العبد من ربه لأهم الأمور الدينية.\nفقوله - ﷺ -: \"أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ\" المراد بالأمر: الدين والطاعة.\nفسأل الثبات عَلَى الدين إِلَى الممات ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١) الذين قالوا: ربنا الله كثير، ولكن أهل الاستقامة قليل.\nكان عمر يقول في خطبته: \"اللهم اعصمنا بحفظك، وثبتنا عَلَى أمرك\".\nفالاستقامة والثبات، لا قدرة للعبد عليه بنفسه، فلذلك يحتاج أن يسأل ربه.\nكان الحسن إذا قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١) يقول: اللهم أنت ربنا، فارزقنا الاستقامة.\nكان النبي -ﷺ- كثيرًا ما يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».\nفقِيلَ لَهُ في ذلك، فَقَالَ: \"إِنَّ القَلْبَ بَيْنَ أصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمُهُ أَقَامَهُ وإِنَّ شَاءَ أَنْ يُزِيغُهُ أَزَاغَهُ\" (٢).\nوفي رواية الترمذي (٣): قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: \"نَعَمْ\" ثم ذكر الحديث.\nكيف يأمن من قلبه بين أصبعين؟\nكيف يطيب عيش من لا يدري بما يختم له؟\n_________\n(١) فصلت: ٣٠.\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٩١، ٢٥٠)، والنسائي وفي \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٦٠٥٩) من حديث عائشة.\nوأخرجه أحمد (٣/ ١١٢، ٢٥٧)، والترمذي (٢١٤٠)، وابن ماجه (٣٨٣٤)، من حديث أنس. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوأخرجه الترمذي (٣٥٨٧) من حديث عاصم بن كليب الجَرْمِي عن أبيه عن جده. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من هذا الوجه.\n(٣) برقم (٢١٤٠)، وحسنه.","vol":"1","page":339},{"text":"كم من عامل خاشع وقع عَلَى قصة عمله؟ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ (١) «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَقَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» (٢).\nكان بعض الصالحين يسرد الصيام، فَإِذَا أفطر بكى، ويقول: أخشى أن يكون حظي منه الجوع والعطش.\nفي \"الصحيح\" (٣): \"إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا إِلَّا ذِرَاعٌ، ثُمَّ َيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ\".\nكم من عامل يعمل الخير، إذا بقي يينه وبين الجنة ذراع، وشارف مركبه ساحل النجاة، ضربه موج الهوى فغرق؟!\nالمحنة العظمى أن أمرك كله بد من لا يبالي بوجودك ولا عدمك، كم أهلك قبلك مثلك؟\n﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٤).\nكان الحسن يبكي ويطيل البكاء ويقول: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي.\nقال أبو الدرداء: ما أهون العباد عَلَى الله إذا عصوه (٥)!\n_________\n(١) الغاشية: ٣، ٤.\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٣، ٤٤١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٢٣٩)، وابن ماجه (١٦٩٠) من حديث أبي هريرة.\n(٣) أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود.\n(٤) المائدة: ١٧.\n(٥) أخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٤/ ٣٨٩/١).","vol":"1","page":340},{"text":"يا قلب إِلَى ما تطالبني ... بلقاء الأحباب وقد رحلوا\nأرسلتك في طلبي لهم ... لتعود فضعت وما حصلوا\nسلم واصبر واخضع لهم ... كم مثلك قبلك قد قتلوا\nما أحسن ما علقت به ... آمالك منهم لو فعلوا\nالعبد يحتاج إِلَى الثبات في طول حياته، وأحوج ما يحتاج إِلَيْهِ عند مماته.\nفي الطبراني (١): -ﷺ- «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لًا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقُولُوا: الثَّبَاتَ الثَّبَاتَ، وَلًا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».\nويحتاج إِلَى الثبات أيضًا بعد الموت، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢).\nوفي \"الصحيح\" (٣) أنها نزلت في سؤال القبر يُسأل المؤمن في قبره فيشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.\nوفي \"سنن أبي داود\" (٤) أنه - ﷺ - كان إذا دفن الميت يقول: \"سَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ\".\nمن دخل في الطاعة فهو يحتاج إِلَى الثبات عليها.\nيا معشر التائبين، أنتم تقاتلون جنود الهوى بجنود التقوى، فاصبروا وصابروا ورابطوا، لا تقولوا جنود الهوى لا طاقة لنا بها، ولكن اصبروا إِنَّ الله مع الصابرين.\nيا جنود العزائم اثبتوا واحذروا هتيكة (٥) الهزيمة ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٦).\n_________\n(١) في \"المعجم الصغير\" (٢/ ١٢٥). وقال: لم يروه عن صفوان بن سليم إلا عمر بن محمد.\n(٢) إبراهيم: ٢٧.\n(٣) أخرجه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١) من حديث البراء.\n(٤) برقم (٣٢٢١).\n(٥) الهتيكة: الفضيحة \"لسان العرب\" مادة: (هتك).\n(٦) الأنفال: ٦٥.","vol":"1","page":341},{"text":"لا تجزعن من كل خطب عرى ... ولا تُري الأعداء ما يشمتوا\nيا قوم بالصبر ينال المنى ... إذا لقيتم فئة فاثبتوا\nيا قوم الثبات الثبات، والمدوامة المداومة إِلَى الممات.\n\"أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ\" (١).\nقال الحسن: إِنَّ الله لم يجعل لعلم المؤمن أجلًا دون الموت، ثم قرأ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢).\nوفي \"الصحيح\" (٣) عن النبي -ﷺ- قال: \"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَىْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ (٤)، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا\".\nيا معشر التائبين، صوموا اليوم عن شهوات الهوى، لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء، لا يطولن عليكم الأمد باستبطاء الأجل، فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب.\nوما إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول\n﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (٥).\n﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (٦).\nمن سار في طريق العبودية إِلَى لقاء الحبيب، فلا بد من مواصلة السير حتى يصل، فإن وقف في الطريق أو رجع هلك، فإن اشتد عليه ألم السير، فليذكر راحة الوصول وقد زال التعب.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٦٥)، ومسلم (٧٨٢) من حديث عائشة.\n(٢) الحجر: ٩٩.\n(٣) أخرجه البخاري: (٦٤٦٣).\n(٤) الدُّلجة: سير السحر أو سير الليل كله. \"اللسان\" مادة: (دلج).\n(٥) الانشقاق: ٦.\n(٦) العنكبوت: ٥.","vol":"1","page":342},{"text":"لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nلها بوجهك نور تستضيء به ... وقت المسير وفي أعقابها حادي\nإذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعادي\nقوله -ﷺ-: \"وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ\".\nالعزيمة عَلَى الرشد مبدأ الخير، فإن الإنسان قد يعلم الرشد وليس له عليه عزم، فَإِذَا عزم عَلَى فعله أفلح.\n\"والعزيمة: هي القصد الجازم المتصل بالفعل.\nوقيل: استجماع قوى الإرادة عَلَى الفعل.\nولا قدرة للعبد عَلَى ذلك إلا بالله، فلهذا كان من أهم الأمور سؤال الله العزيمة عَلَى الرشد.\nوفي \"المسند\" (١) عن عمران بن حصين قال لرجل: قل اللهم قني شر نفسي، واعزم لي عَلَى أرشد أمري.\nفالعبد يحتاج إِلَى الاستعانة بالله، والتوكل عليه في تحصيل العزم، وفي العمل بمقتضى العزم بعد حصول العزم.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢).\n\"والرشد: هو طاعة الله ورسوله.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٣).\nوكان النبي -ﷺ- يقول في خطبته: \"مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى\" (٤).\n_________\n(١) (٤/ ٤٤٤).\n(٢) آل عمران: ١٥٩.\n(٣) الحجرات: ٧.\n(٤) أخرجه مسلم (٧٨٠).","vol":"1","page":343},{"text":"والرشد ضد الغي.\nقال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١).\nفمن لم يكن رشيدًا، فهو إما غاوٍ، وإما ضال.\nكما قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢).\nفالغاوي من تعمد خلاف الحق، والضال من لم يتعمد.\nوالعزم نوعان:\nأحدهما: عزم المريد عَلَى الدخول في الطريق، وهو من البدايات.\nوالثاني: العزم عَلَى الاستمرار عَلَى الطاعات بعد الدخول فيها، وعلى الانتقال من حال كامل، إِلَى حال أكمل منه، وهو من النهايات.\nولهذا سمى الله تعالى خواص الرسل أولوا العزم -وهم خمسة- وهم أفضل الرسل.\nفالعزم الأول يحصل للعبد [به] (*) الدخول في كل خير، والتباعد من كل شر؛ إذ به يحصل للكافر الخروج من الكفر والدخول في الإسلام، وبه يحصل للعاصي الخروج من المعصية والدخول في الطاعة، فَإِذَا كانت العزيمة صادقة، وصمم عليها صاحبها، وحمل عَلَى هوى نفسه وعلى الشيطان حملة صادقة، ودخل فيما أمر به من الطاعات فقد فاز.\nوعون الله للعبد عَلَى قدر قوة عزيمته وضعفها، فمن صمم عَلَى إرادة الخير أعانه وثبته، كما قيل:\nعَلَى قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي عَلَى قدر الكرام المكارم\n_________\n(١) البقرة: ٢٥٦.\n(٢) النجم: ٢.\n(*) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"1","page":344},{"text":"لما أفضت الخلافة إِلَى عمر بن عبد العزيز ﵁، بعد سليمان بن عبد الملك، فأول ما اشتغل به دفن سليمان، فلما رجع من دفنه، وصفت له مراكب الخلافة فوقف وأنشد:\nولولا النُّهَى ثم التقى خشية الردى ... لعصيت في حب الصّبا كل زاجر\nقضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى ... له عودة أخرى الليالي الغوابر\nثم قال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، قربوا لي بغلي.\nفركب دابته التي كان يركبها أولًا، وسار مستصحبًا لتلك العزيمة، فعلم الله صدقه فيها فأعانه عليها.\nفأول ما بدأ به أنه سار لن يديه أهل الموكب، فنحاهم وقال: إِنَّمَا أنا رجل من المسلمين ثم نزل فقعد، فقام الناس بين يديه، فأقعدوا، وقال: إِنَّمَا يقوم الناس لرب العالمين.\nثم عزم عَلَى رد المظالم، فأدركته القائلة، وكان قد تعب وسهر تلك الليلة لموت سليمان بن عبد الملك، فدخل ليقيل ثم يخرج فيرد المظالم وقت صلاة الظهر.\nفجاء ابنه عبد الملك فَقَالَ له: أتنام وما رددت المظالم؟\nفَقَالَ: إذا صليت الظهر رددتها.\nفَقَالَ عبد الملك: ومن لك أن تعيش إِلَى الظهر؟! وإن عشت فمن لك أن تبقى لك نيتك؟!\nفقام وخرج ونادى: الصلاة جامعة.\nفاجتمع الناس فرد المظالم، وجاء بكتب القرى والأملاك -التي كانت في يده من إقطاع بني أمية- فمزقها كلها، ورد تلك القرى إِلَى بيت مال المسلمين.","vol":"1","page":345},{"text":"وكان يقول: إِنَّ لي نفسًا تواقة! ما نالت شيئًا إلا تاقت إِلَى ما هو أفضل منه! فلما نالت الخلافة، وليس فوقها في الدُّنْيَا - منزلة، تاقت إِلَى الآخرة.\nوإذا كانت النفوس كبارُا ... تعبت في مرادها الأجساد\nلما ولي الخلافة، سمعوا في بيته صريخًا عاليًا من النساء.\nفسئل عن ذلك فقيل: إِن خير امرأته وجواريه، فَقَالَ: من أرادت منكن أن تذهب فلتذهب، ومن أرادت أن تقيم فلتقم، وليس لها مني نصيب، فإني قد نزل بي أمرٌ شغلني عنكن، فبكين إياسًا منه.\nذاكروه مرة شيئًا مما كان فيه قبل الخلافة من النعيم فبكى، حتى بكى الدم!\nوكان أكثر ما يقتات به حال خلافته، العدس والزيت، فَإِذَا عوتب عَلَى ذلك يقول: هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدًا في النار.\nودخل مرة عَلَى بناته وقد كن تعشين بعدس فيه بصل، فكرهن أن يشم منهن رائحة ذلك، فلما رأينه هربن، فبكى وقال: يا بناتي إما تفعلن (أن) (١) تتعشين الألوان ويذهب بأبيكن إِلَى النار.\nوكان يقول لأولاده: إِنَّ أباكم خير بين أن تفتقروا ويدخل الجنة، وبين أن تستغنوا ويدخل النار، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أَحَبّ إِلَيْهِ.\nكم أحمل في هواك ذلًاّ وعنا ... كم أصبر فيك تحت ضر وضنا\nلا تطردني فليس لي عنك غنا ... خذ روحي إِن أردت روحي ثمنا\nكان يقول لبعض أعوانه: إذا رأيتني ملت عن الحق، فضع يدك في تلبابي، ثم هزني فقل: ما تصنع يا عمر؟!\nمن أجلك قد تركت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضى\nمولاي إِلَى متى بهذا أحظى ... عمري يفنى وحاجتي ما تقضى\n_________\n(١) بالأصول، ولعلها زائدة.","vol":"1","page":346},{"text":"لا زال ينحل جسمه حتى ... كانت أضلاعه يعدهامن رآه عدًّا.\nحبي والفراق أورثاني سقما ... هذا جسدي يعد عظمًا عظما\nدعني فالشوق قد كفاني خصما ... يا سهم البين قد أصبت المرمى\nأخفي شجني ولوعتي تبديه ... والدمع ينم بالذي أخفيه\nقلبي قلق يحب من يضنيه ... لا أعذله فما به يكفيه\nكم كان يُعذل عَلَى حاله ويُلام؟! والمحبة تنهاه أن يصغي إِلَى عذل أو ملام:\nلو قطعني الغرام إربًا إربًا ... ما ازددت عَلَى الملام إلا حبا\nلا زلت بكم أسير وجد وصبا ... حتى أقضي عَلَى هواكم نحبا\nما زالت به المحبة حتى رقته إِلَى درجة الرضى بمُرِّ القضاء، فكان يقول: أصبحت ومالي سرور في غير مواقع القضاء والقدر.\nومات أعوانه عَلَى الخير كلهم في أيام متوالية: ابنه عبد الملك، وأخوه سهل، ومولاه مزاحم.\nفكان يقول بعد موتهم في مناجاته: أنت تعلم أني ما ازددت لك إلا حبًّا، ولا فيما عندك إلا رغبة.\nولما دفن ابنه عبد الملك -وكان أَحَبّ الخلق إِلَيْهِ- قال: ما زلت أرى فيه السرور وقرة العين من يوم ولد إلي يومي هذا، فما رأيت فيه أمرًا قط أقر لعيني من أمر رأيته فيه اليوم.\nوكتب إِلَى الأمصار أن الله أَحَبّ قبضه، وأعوذ بالله أن تكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله، فإن خلاف ذلك لا يصلح في بلائه عندي، وإحسانه إليَّ، ونعمته عليَّ.","vol":"1","page":347},{"text":"إِنَّ كان سكان الغضا ... رضوا بقتلي فرضا\nوالله لا كنت لما ... يهوى الحبيب مبغضا\nصرت لهم عبدًا وما ... للعبد أن يعترضا\nإخواني، الخير كله منوط بالعزيمة الصادقة عَلَى الرشد، وهي الحملة الأولى التي تهزم جيوش الباطل، وتوجب الغلبة لجنود الحق.\nزجر الحق فؤادي فارعوى ... وأفاق القلب مني وصحا\nهزم العزم جيوشًا للهوى ... سادتي لا تعجبوا إِنَّ صلحا\nقال أبو حازم: إذا عزم العبد عَلَى ترك الآثام، أتته الفتوح.\nيشير إِلَى ما يُفتح عليه بتيسير الإنابة والطاعة، ومقامات العارفين.\nسئل بعض السلف متى ترتحل الدُّنْيَا من القلب؟ قال: إذا وقعت العزيمة ترحلت الدُّنْيَا من القلب، ودرج القلب في ملكوت السماء، وإذا لم تقع العزيمة اضطرب القلب ورجع إِلَى الدُّنْيَا.\nمن صدق العزيمة يئس منه الشيطان، ومتى كان العبد مترددًا طمع فيه الشيطان، وسوفه ومناه.\nيا هذا كلما رآك الشيطان، قد خرجت من مجلس الذكر كما دخلت وأنت غير عازم عَلَى الرشد، فرح بك إبلس، وقال: قد فديت من لا يفلح! يا من شاب ولا تاب! ولا عزم عَلَى الرشد ولا أناب! لقد أفرحت الشيطان وأسخطت الرحمن!\nوإذا تكامل للفتى من عمره ... خمسون وهو إلى التقى لا يجنح\nعكفت عليه المخزيات فماله ... متأخر عنها ولا متزحزح\nوإذا رأى الشيطان غرة وجهه ... حيَّا وقال فديت من لا يفلح","vol":"1","page":348},{"text":"قوله -ﷺ-: \"وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ\" هذا كما وصى النبي -ﷺ- معاذًا أن يقول في دبر كل صلاة: \"اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ\" (١).\nفهذا أمران:\nأحدهما: شكر العم، وهو مأمور به، قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣) والشكر بالقلب واللسان والعمل بالجوارح.\nفالشكر بالقلب: الاعتراف بالنعم للمنعم، وأنها منه وبفضله، وجاء من حديث عائشة مرفوعًا: \"مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرُهَا\" (٤).\nومن الشكر بالقلب محبة الله عَلَى نعمه، ومنه حديث ابن عباس المرفوع: \"أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ (*) بِهِ مِنْ (النِّعَمِ) (**) \" (٥).\nقال بعضهم: إذا كانت القلوب جبلت عَلَى حب من أحسن إليها، فواعجبًا لمن لا يرى محسنًا إلا الله، كيف لا يميل بكليته إِلَيْهِ؟!\nوقال بعضهم:\nإذا أنت لم تزدد على كل نعمة ... لمؤتيكها حبًّا فلست بشاكر\nإذا أنت لم تؤثر رضى الله وحده ... عَلَى كل ما تهوى فلست بصابر\nوالشكر باللسان: الثناء بالنعم وذكرها، وتعدادها وإظهارها.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٥، ٢٤٧).\n(٢) البقرة: ١٥٢.\n(٣) النحل: ١١٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في \"الشكر\" (٤٧).\n(*) يغذوكم: أي يرزقكم.\n(**) نعمة: \"نسخة\" وهي موافقة لرواية الترمذي.\n(٥) أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) قال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه ..","vol":"1","page":349},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١).\nوفي حديث النعمان بن بشير المرفوع (٢): «التَّحَدُّثُ بِالنَّعَمِ شُكْرٌ، وتركها كفر».\nوقال عمر بن عبد العزيز: ذكر النعم شكرها.\nوكان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرًا، وأن أكفرها بعد معرفتها، أو أنساها فلا أثني بها.\nقال فضيل: كان يقال من شكر النعمة أن تحدث بها.\nوجلس ليلة هو وابن عيينة يتذاكران النعم إِلَى الصباح.\nوالشكر بالجوارح: أن لا يستعان بالنعم إلا عَلَى طاعة الله ﷿، وأن يحذر من استعمالها في شيء من معاصيه.\nقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٣) قال بعض السلف: لما قِيلَ لَهُم هذا، لم تأت عليهم ساعة إلا وفيهم مصل.\nوكان النبي -ﷺ- يقول حتى تتورم قدماه، ويقول: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (٤).\nومر ابن المنكدر بشاب يقاوم امرأة، فَقَالَ: يا بني، ما هذا جزاء نعمة الله عليك!\nالعجب ممن يعلم أن كل ما به من النعم من الله، ثم لا يستحيي من الاستعانة بها عَلَى ارتكاب ما نهاه!\n_________\n(١) الضحى: ١١.\n(٢) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في \"الشكر\" (٦٣).\n(٣) سبأ: ١٣.\n(٤) البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩).","vol":"1","page":350},{"text":"هب البعث لم تأتنا رسله ... و(جاحمة) (١) النار لم تضرم\nأليس من الواجب المستحق ... حياء العباد من المنعم\nمن كثرت عليه النعم فليقيدها بالشكر، وإلا ذهبت.\nإذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم\nوحافظ عليها بشكر الإله ... فشكر الإله يزيل النقم\nودخل خالد بن صفوان عَلَى عمر بن عبد العزيز فَقَالَ: يا أمير المؤمنين إِنَّ الله لم يرض أن يكون أحدٌ فوقك، فلا ترض أن يكون أحد أولى بالشكر له منك. فبكى عمر حتى غشي عليه.\nالأمر الثاني: حسن العبادة، وحسنها إتقانها والإتيان بها عَلَى أكمل وجوهها.\nوإلى هذا أشار النبي -ﷺ- لما سأله جبريل عن الإحسان فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (٢).\nفأشار إِلَى مقامين:\nأحدهما: أن يعبد الله العبدُ مستحضرًا لرؤية الله إياه، ويستحضر قرب الله منه، واطلاعه عليه، فيخلص له العمل، ويجتهد في إتقانه وتحسينه.\nوالثاني: أن يعبده عَلَى مشاهدته إياه بقلبه، فيعامله معاملة حاضر لا معاملة غائب، وقد وصَّى -ﷺ- رجلًا أن يصلي صلاة مودع؛ يعني يستشعر أنه يصلي صلاة لا يصلي بعدها صلاة أخرى، فيحمله ذلك عَلَى إتقانها، وتكميلها، وإحسانها.\nوقد وردت أحاديث فضائل الأعمال مقيدة بإحسان العمل، كما في\n_________\n(١) كل نار توقد عَلَى نار: جحيم، وهي جاحمة. \"اللسان\" مادة: (جحم).\n(٢) أخرجه مسلم (٨) من حديث عمر بن الخطاب. وأخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":351},{"text":"حديث أبي سعيد عن النبي -ﷺ-: «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، وَمُحِيَ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ ﷿».\nخرَّجه البخاري تعليقًا (١)، وفي رواية: \"وقيل: ائتنف العمل\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (٢) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا ﷿\".\nوفيه أيضًا (٣) عن عثمان ﵁، عن النبي -ﷺ-: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ».\nوفيه أيضًا (٤) أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلاَمِ، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلاَمِ، أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ».\nوكان السلف يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الإكثار منه، فإن العمل القليل مع التحسين والإتقان، أفضل من الكثير مع الغفلة وعدم الإتقان.\nقال بعض السلف: إِنَّ الرجلين ليقومان في الصف، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.\nكم بين من تصعد صلاته لها نور وبرهان كبرهان الشمس، وتقول: حفظك الله كما حفظتني، وبين من تُلَّفُ صلاته كما يُلَّفُ الثوب الخلق، فيضرب بها وجه صاحبها، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني؟!\nولهذا قال ابن عباس وغيره: صلاة ركعتين في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه!\n_________\n(١) برقم (٤١).\n(٢) البخاري (٤٢)، مسلم (١٢٩).\n(٣) برقم (٢٣٥).\n(٤) أخرجه (١٢٠)، وكذا البخاري (٦٩٢١).","vol":"1","page":352},{"text":"قال بعض السلف: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟!\nيشير إِلَى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).\nولهذا قال من قال من الصحابة: لو علمت أن الله قبل مني ركعتين، كان أَحَبّ إليّ من كذا وكذا.\nفمن اتقى الله فى العمل قبله منه، ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه.\nوالتقوى في العمل أن يأتي به عَلَى وجه إكمال واجباته الظاهرة والباطنة، وإن ارتقى إِلَى الإتيان بآدابه وفضائله كان أكمل.\nوالقبول هنا يراد به: الرضا بالعمل، والمدح لعامله، والثناء عليه في الملأ الأعلى، ومباهاة الملائكة.\nوقد يراد بالقبول الثواب عَلَى العمل، وإن لم يرض به، ولم يمدح عامله، فيجازى عليه بأنواع من الجزاء، فضلًا من الله وإحسانًا، وإن لم يرض عن عامله.\nكما رُئي بعض العُلَمَاء المفرطين في النوم، فسئل عن حاله فَقَالَ: غفر لي، وأعرض عني وعن جماعة من العُلَمَاء لم يعملوا بعلمهم.\nويطلق القبول عَلَى إسقاط الفرض بالعمل، وإن لم يثب عليه بثواب غير سقوط العقوبة، والمطالبة بأداء الفرض به.\nوالعارفون كلهم إِنَّمَا يطلبون القبول بالوجه الأول -وهو الرضا- ويخافون من فواته أشد الخوف.\nقال مالك بن دينار: وددت أن الله إذا جمع الخلائق يقول لي: يا مالك.\nفأقول: لبيك. فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة، فأعرف أنه قد رضي عني، ثم يقول لي: يا مالك كن اليوم ترابًا، فأكون ترابًا.\n_________\n(١) المائدة: ٢٧.","vol":"1","page":353},{"text":"كان بعضهم يقول في سجوده:\nمتى ألقاك وأنت عني راض ... وعذبتني بكثرة الإعراض\nوأعتاض ولست عنه بالمعتاض ... يا من بوصاله شفا أمراضي\nهل أنت علي ساخط أم راضي\nرضاه أكبر من الجنة ونعيمها، فليس للعارفين هم سواه.\nلعلك غضبان وقلبي غافل ... سلام عَلَى الدرارين إِن كنت راضيًا\nقوله - ﷺ -: \"وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا\".\nالقلب واللسان هما عبارة عن الإنسان، كما يقال: الإنسان بأصغَرَيه بقلبه ولسانه.\nوخرج ابن سعد (١) بن روايه عروة بن الزبير مرسلًا أن النبي -ﷺ- لما رأى أشج عبد القيس -وكان رجلًا دميمًا- فَقَالَ النبي - ﷺ -: \"إِنَّه لَا يَسْتَقِي فِي مسوك الرِّجَال، وَإِنَّمَا يحْتَاج من الرجل إِلَى أصغريه لِسَانه وَقَلبه\".\nوقال المتنبي:\nلسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم\nفمن استقام قلبه ولسانه، استقام شأنه كله.\nفالقلب السليم: هو الَّذِي ليس فيه شيء من محبة ما يكرهه الله، فدخل في ذلك سلامته من الشرك الجلي والخفي، ومن الأهواء والبدع، ومن الفسوق والمعاصي -كبائرها وصغائرها- الظاهرة والباطنة، كالرياء والعجب، والغل والغش، والحقد والحسد وغير ذلك.\n_________\n(١) في \"الطبقات\" (٥/ ٥٥٧) من طريق عبد الحميد بن جعفر عن أبيه مرسلًا.","vol":"1","page":354},{"text":"وهذا القلب السليم هو الَّذِي لا ينفع يوم القيامة سواه، قال تعالى: ﴿لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١) إذا سلم القلب لم يسكن فيه إلا الرب، في بعض الآثار يقول الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن (٢).\nساكن في القلب يعمره (٣) ... لست أنساه فأذكره\nغاب عن سمعي وعن بصري ... فسويداء القلب تبصره\nمتى سكن في القلب غير الله، فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى.\nأردناكم صرفًا فلما مزجتم ... بعدتم بقدر التفاتكم عنا\nوقلنا لكم لا تُسكنوا القلب غيرنا ... فأسكنتم الأغيار ما أنتم منا\nسلامة الصدور من الرياء والغل، والحسد والغش والحقد، وتطيرها من ذلك أفضل من التطوع بأعمال الجوارح.\nقال بعضهم: ما بلغ عندنا من بلغ بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بسلامة الصدور، وسخاوة النفوس والنصيحة.\nوكثرة أعمال الجوارح مع تدنس القلب بشيء من هذه الأوصاف لا تزكوا، وهو كزرع في أرض كثيرة الآفات لا يكاد يسلم ما ينبت فيها.\nوأما اللسان الصادق: فهو من أعظم المواهب من الله والمنح، وفي الحديث: \"أَعْظَمِ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ\".\nوكذلك اللسان الصادق أعظم الحسنات.\n_________\n(١) الشعراء: ٨٨ - ٨٩.\n(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا ما ذكروه في الإسرائيليات، ليس له إسناد معروف عن النبي - ﷺ - ومعناه: وسع قلبه محبتي ومعرفتي. \"الفتاوى\" (١٨/ ١٢٢).\n(٣) المراد سكون محبته والإيمان به والتعلق به في قلب العبد.","vol":"1","page":355},{"text":"وروى أبو نعيم بإسناده أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان جالسًا، فأقبل إِلَيْهِ تُبَيْع الحميري، فَقَالَ عبد الله: قد أتاكم أعرف من علينا. فلما جلس قال له عبد الله: أخبرنا عن الخيرات الثلاث! والشَّرَّات الثلاث! قال: نعم، الخيرات الثلاث: لسان صدوق، وقلب تقي، وامرأة صالحة؟ والشَّرَّات الثلاث: لسان كذوب، وقلب فاجر، وامرأة سوء. فَقَالَ عبد الله: قد قلت لكم!\nوفي \"الصحيح\" (١) عن النبي - ﷺ - قال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ؛ وَلاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَلاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا».\nوفيه أيضًا (٢) عن النبي - ﷺ - قال: -\"آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ\".\nفالكذب أساس النفاق الَّذِي بني عليه، كما أن الصدق أساس الإيمان.\nقال ابن مسعود: إِنَّ الكذب لا يصلح في جد ولا هزل. ثم تلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).\nوقال كعب بن مالك: إِنَّ من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا. قال: إِنَّمَا نجاني الله بالصدق.\nقال بعضهم: حقيقة الصدق أن يصدق العبد في موطن يرى أنه لا ينجيه فيه إلا الكذب.\nوكان الربيع بن حراش موصوفًا بالصدق -يقال: إنه لم يكن يكذب قط- وكان له ابنان عاصيان للحجاج -وكان يطلبهما- فقدما عَلَى أبيهما، فبعث الحجاج إِلَى الربيع، وقال: سيعلم بنو عبس أن شيخهم اليوم يكذب. فَقَالَ له:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧) واللفظ لمسلم.\n(٢) البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩).\n(٣) التوبة: ١٩.","vol":"1","page":356},{"text":"أين ابناك؟ فَقَالَ: تركتهما في البيت، والله المستعان. فَقَالَ: قد عفونا عنهما بصدقك!\nومتى طهر اللسان من الكذب، طهر من غيره من الكلام السيئ المحرم، واستقام حال العبد كله، ومتى لم يستقم اللسان فسد حال العبد كله.\nوربما يعبر عن صدق اللسان باستقامة المقال كله، كما في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (٢) يريد الثناء عليهم بحق.\nوكما تنقسم الأعمال إِلَى صدق وغير صدق -والمراد بالصدق ماله نفع ودوام- فكذلك أقوال الصدق، قد يراد بها ما هو حق له نفع وثبات، وجاء من حديث أنس مرفوعًا: \"لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ، حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ\" خرجه الإمام أحمد (٣).\nويروى من حديث أبي سعيد رفعه: \"إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا\" (٤).\nوقال مطرف: من صفا عمله صفا لسانه، ومن خلط خُلّط له!\nوقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحدًا لسانه منه عَلَى بال، إلا رأيت ذلك صلاحًا في سائر عمله.\nومن مراسيل زيد بن أسلم: \"ما من عضو من الأعضاء، إلا وهو يشتكي إِلَى الله ما يلقى من اللسان عَلَى حدته\".\n_________\n(١) الشعراء: ٨٤.\n(٢) مريم: ٥.\n(٣) في \"المسند\" (٣/ ١٩٨).\n(٤) في \"الجامع\" (٢٤٠٧).","vol":"1","page":357},{"text":"قال الحسن: اللسان أمير البدن، فَإِذَا جنى عَلَى الأعضاء شيئًا جنت، وإذا عفى عفت!\nوقد رُوي عن طائفة من السلفى أن اللسان ترجمان القلب، والقلب ملك الأعضاء، وبقية الجوارح جنوده، فَإِذَا صلح الملك وترجمانه صلحت الجنود كلها، وإذا فسد فسدت الجنود كلها.\nفَإِذَا كان الملك سليمًا من الهوى، والترجمان صادقًا أمينًا، فالرعية معهما في عافية؛ وإن كان الملك جائرًا، والترجمان غير أمين، فلا تسأل عن فساد حال الرعية معهما، ومتى كان الترجمان غير أمين فقد يلبس، ولكن حال الجائر لا يخفى!\nوفي \"الصحيحين\" (١) عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أَلاَ إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ\".\nوقد تقدم (٢) حديث أنس المرفوع: -ﷺ- \"لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ\".\nوفي \"المسند\" أيضًا (٣) عن ابن مسعود ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ\".\nوفي \"سنن ابن ماجه\" (٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"قلنا يا رسول الله، من خير الناس؟ قال: ذو القلب المخموم (٥)، واللسان الصادق.\nقلنا: قد عرفنا اللسان الصادق فما القلب المخموم؟ قال: هو التقي النقي الَّذِي لا إثم فيه ولا غل، ولا بغي ولا حسد\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).\n(٢) في \"المسند\" (٣/ ١٩٨).\n(٣) في \"المسند\" (١/ ٣٨٧).\n(٤) برقم (٤٢١٦).\n(٥) المخموم: أي نقي من الغل والحسد. \"اللسان\" مادة: (خمم).","vol":"1","page":358},{"text":"وفي \"المسند\" (١) عن أبي ذر عن النبي -ﷺ- قال: \"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا، وَلِسَانَهُ صَادِقًا، وَنَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً، وَخَلِيقَتَهُ مُسْتَقِيمَةً، وَجَعَلَ أُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَهُ نَاظِرَةً، فَأَمَّا الْأُذُنُ فَتَسمِعٌ، وَالْعَيْنُ مُقِرَّةٌ بِمَا يُوعَى الْقَلْبُ، فَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ وَاعِيًا\".\nوفي حديث ابن عباس أن النبي -ﷺ- كان يقول في دعائه: \"وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ (٢) سَخِيمَةَ (٣) صَدْرِي\" خرجه الترمذي (٤).\nوسخيمة الصدر: ما فيه من الغل والغش، والحسد ونحو ذلك.\nقال خالد الربعي: أمر سيدُ لقمان لقمانَ، بذبح شاة وقال له: ائتني بأطيبها مضغتين. فأتاه باللسان والقلب! فَقَالَ له: أما وجدت فيها أطيب من هذين؟! قال: لا. ثم أمره أن يذبح شاة أخرى، وقال له: ألق أخبثها مضغتين فألقى اللسان القلب! فَقَالَ له: أما كان فيها أخبث من هذين؟! قال: لا. فسأله عن فعله الأول والثاني، فَقَالَ: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا!\nتعاهد لسانك إِنَّ اللسان ... سريع إِلَى المرء في قتله\nوهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال عَلَى عقله\nإذا سلم القلب وصدق اللسان، ترجم اللسان الصادق عن القلب السليم بأنواع السلامة، فهذا المسلم الَّذِي سلم المسلمون من لسانه ويده.\nوإذا فسد القلب فسد اللسان، فترجم عن القلب بأنواع الفساد، وهذا الفاجر المعلن بفجوره.\n_________\n(١) (٥/ ١٤٧).\n(٢) واسلل: أي انتزاع الشيء وإخراجه في رفق. \"اللسان\" مادة: (سلل).\n(٣) السخيمة: الحقد والضغينة والموجدة في النفس. \"اللسان\" مادة: (سخم).\n(٤) برقم (٣٥٥١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":359},{"text":"فإن ترجم عن القلب الفاسد بالسلامة، فهذا اللسان الكذوب، وهو المنافق الَّذِي يختلف ظاهره وباطنه، وقوله وفعله.\nيا من يقول بلسانه ما ليس في قلبه، لا تبع ما ليس عندك، لا تنسب أحكام فرعون إِلَى موسى!\nوقوله -ﷺ-: \"وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ\".\nهذا سؤال جامع لطلب كل خير، والاستعاذة من كل شر، وسواء علمه الإنسان أو لم يعلمه.\nوهذا السؤال العام، بعد سؤال تلك الأمور الخاصة من الخير، هو من باب ذكر العام بعد الخاص.\nوقد كان النبي -ﷺ- يعجبه الجوامع من الدعاء، ويأمر بها.\nكما خرجه الإمام أحمد (١) وابن ماجه (٢) وابن حبان في \"صحيحه\" (٣) من حديث عائشة أن النبي -ﷺ- علمها هذا الدعاء: \"اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآَجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَلَمْ أَعْلَمْ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ لِي رُشْدًا\".\nوخرجه الحاكم (٤) وعنده أن النبي -ﷺ- قال لها: «يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالْكَوَامِلِ» وذكر الحديث.\n_________\n(١) في \"المسند\" (٦/ ١٣٤).\n(٢) برقم (٣٨٤٦).\n(٣) كما في \"الإحسان\" (٨٦٩).\n(٤) في \"المستدرك\" (٥٢١، ٥٢٢).","vol":"1","page":360},{"text":"وخرجه الفريابي في \"كتاب الدعاء\"، وفي رواية له أن النبي -ﷺ- قال لها: «يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالْجَوَامِعِ مِنَ الدُّعَاءِ» فذكره.\nوخرج الترمذي (١) من حديث أبي أمامة قال: \"دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعَوْتَ بِدُعَاءٍ كَثِيرِ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمْ بِمَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَنْتَ المُسْتَعَانُ وَعَلَيْكَ البَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ\".\nوسمع سعد بن أبي وقاص ابنًا له يدعو يقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها وإستبرقها -ونحو من هذا- وأعوذ بك من النار، وسلاسلها، وأغلالها. فَقَالَ: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ» وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢)، وإن بحسبك أن تقول: اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. خرجه الإمام أحمد (٣).\nوخرج الطبراني (٤) وغيره من حديث أم سلمة أن النبي -ﷺ- كان يقول في\nدعاء له طويل: \"الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَخَوَاتِمَهُ، وَجَوَامِعَهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ\".\nوخرج أبو داود (٥) من حديث عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ».\n_________\n(١) برقم (٣٥٢١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\n(٢) الأعراف: ٥٥.\n(٣) برقم (١/ ١٧٢).\n(٤) في \"المعجم الكبير\" (٧١٧).\n(٥) برقم (١٤٦٩).","vol":"1","page":361},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ\".\nختم الدعاء بالاستغفار فإنه خاتمة الأعمال الصالحة.\nوقوله: \"وأستغفرك لما تعلم\" يعم جميع ما يجب الاستغفار منه من ذنوب العبد، وقد لا يكون العبد عالمًا بذلك كله، فإن من الذنوب ما لا يشعر العبد بأنه ذنب بالكلية كما في الحديث المرفوع: \"الشِّرْكَ أَخْفَى مِنْ هَذِهِ الأُمَّة مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا. قَالُوا: فَكَيْفَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ\" (١).\nوكان النبي -ﷺ- يقول في دعائه: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».\nومن الذنوب ما ينساه العبد ولا يذكره وقت الاستغفار، فيحتاج العبد إِلَى استغفار عام من جميع ذنوبه -ما علم منها وما لم يعلم- والكل قد علمه الله وأحصاه، فلهذا قال: \"وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ\". قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (٢).\nقال إبراهيم التيمي: لأنا عَلَى ذنوبي التي لا أذكرها أخوف مني عَلَى الذنوب التي أذكرها! لأني أستغفر من التي أذكرها.\nمن أهمته ذنوبه صارت نصب عينيه، ولم ينسها، ومن لم تهمه ذنوبه هانت عليه فنسيها، فلم يذكرها إِلَى يوم يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى.\nإذا نشر ديوان السيئات ضج أرباب الجرائم من صغارها قبل كبارها،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٣).\n(٢) المجادلة: ٦.","vol":"1","page":362},{"text":"ويَقُولُونَ: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (١).\nقال ابن مسعود (٢): إِنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنّه فى أصل جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار عَلَى أنفه فَقَالَ به هكذا.\nقال عون بن عبد الله: جرائم التائبين منصوبة بالندامة نصب أعينهم، لا تقر للتائب في الدُّنْيَا عين كلما ذكر ما اجترح عَلَى نفسه.\nقال الفضيل: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله.\nقال كعب (٣): إِنَّ العبد ليعمل الذنب الصغير فيحقره ولا يندم عليه، ولا يستغفر الله عنه، فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود؛ ويعمل الذنب العظيم فيندم عليه، ويستغفر الله منه، فيصغر عند الله حتى يغفره له.\nقال: وأصاب رجل ذنبًا فحزن عليه، فجعل يجيء ويذهب ويقول: بما أرضي ربي؟ فكتب صديقًا.\nوقال أبو أيوب الأنصاري: إِنَّ الرجل ليعمل بالمحقرات حتى يأتي الله وقد أحطن به، ويعمل بالسيئة فيفرق منها حتى يأتي الله آمنًا.\nوقال بعض السلف: إِنَّ الرجل لتعرض عليه ذنوبه يوم القيامة، فيرى ذنبًا فيقول: أما إني كنت مشفقًا منك، فيغفر له.\nوقال بعضهم: كفاك همك بذنبك -من توبتك- إقلاعًا وإنابة.\nوقال الأوزاعي: كان يقال: من الكبائر أن تعمل الذنب فتحقره.\nومن هنا قال بعضهم: لا تنظر إِلَى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت؟!\n_________\n(١) الكهف: ٤٩.\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٤٩٧).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٧١٥١).","vol":"1","page":363},{"text":"وقال أويس لهرم بن حيان: لا تنظر إِلَى صغر ذنبك، ولكن انظر من عصيت؟ فإن صَغّرت ذنبك فقد صَغّرت الله، وإن عَظّمت ذنبك فقد عَظّمت الله!\nوقال عبد الله بن عمرو بن العاص: من ذكر خطيئة عملها، فوجل قلبه منها، فاستغفر الله منها، لم يحسبها شيئًا حتى يمحوها عند الرحمن.\nقال الفضيل في قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (١) قال: هو الرجل يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها.\nكان السلف لقلة ذنوبهم يعدونها.\nقال رياح القيسي: لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة.\nركب ابن سيرين الدين، فَقَالَ: هذا بذنب أذنبته منذ أربعين سنة، قلت لرجل: يا مفلس.\nفذكر ذلك لأبي سليمان، فَقَالَ: قَلَّتْ ذنوبهم فعرفوا من أين أتوا، وكثرت ذنوبنا فلم نعرف من أين نؤتى.\nكان معروف الكرخي ﵀ ينشد:\nأي شيء تريد مني الذنوب ... شغفت بي فليس عني تغيب\nما يضر الذنوب لو أعتقتني ... رحمة لي فقد علاني المشيب\nما للمذنبين أحد يرجعون إِلَيْهِ غير الله، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢).\n_________\n(١) ق: ٣٣.\n(٢) آل عمران: ١٣٥.","vol":"1","page":364},{"text":"ما يأمل الخطاءون إلا رحمة من أسبل عَلَى خطاياهم ذيل الكرم فسترها، لولا أن حلمه وسع الخلق لهلكوا.\nقال هارون بن رئاب: حملة العرش أربعة يتجابون بالتسبيح يقول اثنان منهم: سبحانك وبحمدك، عَلَى حلمك بعد علمك؟ ويقول الآخران: سبحانك وبحمدك عَلَى عفوك بعد قدرتك؛ لما يرون من ذنوب بني آدم.\nوقال محمد بن النضر الحارثي: أصبت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول: يا ابن آدم، لو يعلم الناس منك ما أعلم لنبذوك، فقد سترت عليك، وغفرت لك عَلَى ما كان منك، ما لم تشرك بي شيئًا.\nوفي \"الصحيحين\" (١) عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-: \"إِنَّ اللهَ لَيَدْعُو العَبْدَ\nيَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ وَيَقُولُ: أَتَذْكُرُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَذْكُرُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَلاَ يَزَال يُقَرِّرُهُ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ\".\nوفي رواية: «يَأْتِي اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةَ، فَيُقَرِّبُهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي حِجَابِهِ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَيَقُولُ لَهُ: اقْرَأْ، فَيُعَرِّفُهُ ذَنْبًا ذَنْبًا: أَتَعْرِفُ؟ أَتَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، نَعَمْ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ الْعَبْدُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَيَقُولُ اللَّهُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا عَبْدِي أَنْتَ فِي سِتْرِي مِنْ جَمِيعِ خَلْقِي، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْيَوْمَ أَحَدٌ يَطَّلِعُ عَلَى ذُنُوبِكَ غَيْرِي، اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ اليَوْمَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ مَا أَتَيْتَنِي بِهِ، قَالَ: مَا هُوَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: كُنْتَ لَا تَرْجُو الْعَفْوَ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِي».\nإخواني: هب أنه تجاوز عن الزلل، فأين ما يلقاه العاصي عند تقريره بذنوبه من الحياء والخجل؟!\nالعارفون يشتد قلقهم من الحياء من الله عند الوقوف بين يديه.\nقال بعضهم: ما يمر بي أشد من الحياء من الله.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨).","vol":"1","page":365},{"text":"وكان الفضيل يقول: واسوأتاه منك، وإن غفرت!\nوقال غيره: لو خيرت بين أن أبعث فأوقف بين يديه، ثم يأمر بي إِلَى الجنة، وبين أن لا أبعث لاخترت أن لا أبعث، ولا أريد الجنة!\nوقال آخر: لو أمر بي من الموقف إِلَى النار لكان أهون عليّ من أن يقفني بين يديه ثم يأمر بي إِلَى الجنة!\nقال أبو هريرة: يُدْنِي اللَّهُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَسْتُرُهُ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا، وَيَدْفَعُ إِلَيْهِ كِتَابَهُ فِي ذَلِكَ السَّتْرِ فَيَقُولُ: اقْرَأْ يَا ابْنَ آدَمَ كِتَابَكَ، فَيَقْرَأُ، فَيَمُرُّ بِالْحَسَنَةِ فَيَبْيَضُّ لَهَا وَجْهُهُ، وَيُسَرُّ بِهَا قَلْبُهُ! فَيَقُولُ اللَّهُ: أَتَعْرِفُ يَا عَبْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: إِنِّي قَبِلْتُهَا مِنْكَ، فَيَسْجُدُ فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَعُدْ فِي كِتَابِكَ فَيَمُرُّ بِالسَّيِّئَةِ فَيَسْوَدُّ لَهَا وَجْهُهُ، وَيَوْجَلُ لَهَا قَلْبُهُ، وَتَرْعَدُ مِنْهَا فَرَائِصُهُ، وَيَأْخُذُهُ مِنَ الْحَيَاءِ مِنْ رَبِّهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ! فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ يَا عَبْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ أَعْرِفُ، فَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ! فَيَسْجُدُ، فَلَا يَرَى مِنْهُ الْخَلَائِقُ إِلَّا السُّجُودَ! حَتَّى يُنَادِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: طُوبَى لِهَذَا الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ اللَّهَ قَطُّ! وَلَا يَدْرُونَ مَا قَدْ لَقِيَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهَ ﷿، فِيمَا قَدْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ.\nأستغفِرُ الله ممّا يَعلمُ الله ... إنَّ الشَّقيَّ لَمَن لا يَرحَمُ الله\nهَبهُ تَجَاوَز لِي عَنْ كُلِّ مَظْلَمَةٍ ... يَا سَوْأَتَا مِنْ حَيَاتِي يَوْمَ أَلْقَاهُ\nما أحلمَ الله عمن لا يُراقبُه ... كُلٌّ مُسيءٌ ولكن يَحلمُ الله\nفاسْتَغفِرُ الله مما كان من زَللٍ ... طُوبى لمن كَفَّ عما يَكرهُ الله\nطُوبى لمَن حَسُنَت سَريرتُه ... طُوبى لمَن يَنتهي عمَّا نهى الله\nآخر الكلام عَلَى الحديث، والحمد لله رب العالمين وصلى الله عَلَى محمد وعلى آله وصحبه وسلم آمين.\n***","vol":"1","page":366}]}