{"ً":{"ٌ":151124,"ٍ":"جزء فيه الكلام على حديث يتبع الميت ثلاث","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: جزء فيه الكلام على حديث يتبع الميت ثلاث [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ١٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154090,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["2"],"ٚ":[],"ٛ":{"2,419":1,"2,421":2,"2,422":3,"2,423":4,"2,424":5,"2,425":6,"2,426":7,"2,427":8,"2,428":9,"2,429":10,"2,430":11,"2,431":12,"2,432":13,"2,433":14,"2,434":15},"ٜ":{"2":[419,434]},"ٝ":["2,419","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434"],"ٞ":{},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"جزءٌ فيه الكلام على حديث يتبع الميت ثلاث","vol":"2","page":419},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nرب يسر يا كريم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد المصطفى وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nفي \"الصحيحين\" (١) من رواية عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ».\nورواه عمران القطان، وحجاج بن حجاج، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من عبد إلا له ثلاثة أخلاء، فأما خليلٌ فيقول: ما أنفقت فلك، وما أمسكت فليس لك، فذلك ماله، وأما خليلٌ فيقول: أنا معك، فَإِذَا أتيت باب الملك رجعت وتركتك، فذلك أهله وحشمه، وأما خليلٌ يقول: أنا معك حيث دخلت، وحيث خرجت، فذاك عمله. فيقول: إِن كنت لأهون الثلاثة عليَّ\" (٢).\nويروى نحو هذا من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا (٣) وموقوفًا.\nوتفسير هذا: أن ابن آدم في الدُّنْيَا لا بُدَّ له من أهل يعاشرهم، ومال يعيش به، فهذان صاحبان يفارقانه ويفارقهما.\nفالسعيدُ من اتخذ من ذلك ما يعينه عَلَى ذكر الله تعالى، وينفعه في الآخرة.\nفيأخذ من المال ما يبلغ به إِلَى الآخرة، ويتخذ زوجة صالحة تعينه عَلَى إيمانه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٥١٤)، ومسلم (٢٩٦٠).\n(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي (٣/ ٢٠)، والحاكم (١/ ٧٤، ٣٧١)، والبزار (٣٢٢٩ - كشف).\n(٣) أخرجه البزار (٣٢٢٦ - كشف الأستار)، والحاكم (١/ ٧٤ - ٧٥، ٣٧٢).","vol":"2","page":421},{"text":"فأمَّا من اتخذ أهلًا ومالًا يشغله عن الله تعالى، فهو خاسرٌ، كما قالت الأعراب: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٣).\nقال الحسن وهو في جنازة: ابن آدم، لئن رجعت إِلَى أهل ومال، فإن الثوى فيهم قليل.\nوفي حديث: \"ابن آدم، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مَفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاَقِيهِ، وَكُن كَيفَ شِئْتَ، وَكَمَا تَدين تُدان\" (٤).\nفَإِذَا مات ابن آدم، وانتقل من هذه الدار لم ينتفع من أهله وماله بشيء، إلا بدعاء أهله له واستغفارهم، وبما قدَّمه من ماله بين يديه.\nقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٥).\n_________\n(١) الفتح: ١١.\n(٢) المنافقون: ٩.\n(٣) سبأ: ٣٧.\n(٤) روي من عدة طرق:\nحديث علي: أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٤٨٤٥).\nوحديث جابر: أخرجه الطيالسي (١٧٥٥).\nوحديث سهل بن سعد: أخرجه القضاعي في \"مسند الشهاب\" (٧٤٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ١٠٨)، والسهمي في \"تاريخ جرجان\" (٨٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٥٣).\nوحديث أنس: أخرجه ابن حبان في \"المجروحين\" (٣/ ٤٤).\n(٥) الشعراء: ٨٨ - ٨٩.","vol":"2","page":422},{"text":"وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (١).\nفأمَّا إِنَّ خلف من يدعو له من أهله، أو قدَّم شيئًا من ماله فإنَّه ينتفع به.\nكما في \"صحيح مسلم\" (٢) عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: \"إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ\".\nفأهله لا ينفعه منهم بعد موته إلا من استغفر له ودعا له، وقد لا يفعل.\nوقد يكون الأجنبيُّ أنفع للميت من أهله، كما قال بعض الصالحين: وأين مثل الأخ الصالح؟! أهلك يقتسمون ميراثك، وهو قد تفرَّد بحزنك، يدعو لك، وأنت بين أطباق الأرض.\nفمن الأهل من هو عدو كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (٣).\nومنهم من يشتغل عن الميت بحصول ميراثه كما قيل:\nتمرُّ أقاربي جنبات قبرى ... كأنَّ أقاربي لا يعرفوني\nوذووا الميراث يقتسمون مالي ... ولا يألون إِن جحدوا ديوني\nوقد أخذوا سهامَهُم وعاشوا ... في لله أسرع ما نسوني\nقال الحسن: أزهد الناس في عالم جيرانه، وشر الناس لميت أهلُه يبكون عليه ولا يقضون دينه.\n_________\n(١) الأنعام: ٩٤.\n(٢) برقم (١٦٣١).\n(٣) التغابن: ١٤.","vol":"2","page":423},{"text":"يشير إِلَى أنهم يفعلون ما يضرّه ويتركون ما ينفعه؛ فالبكاءُ إذا كان معه ندبٌ أو نوحٌ أو تسخط يُعذَّب به الميت.\nوإنَّما يبكون لفقد حظوظهم منه، فبكاؤهم عَلَى أنفسهم لا عَلَى ميتهم.\nاحتُضر بعضُ الصالحين فبكى أبواه وولده، فسألهم عن بكائهم، فذكر أبواه ما يتعجَّلانه من فقده ووحشتهم بعده.\nوذكر ولده ما يتعجلون من فقده ويُتمهم بعده، فَقَالَ: كلُّكم بكى لدنياي، أما منكم من يبكي لآخرتي؟!\nأمَا منكم من يبكي لما يلقاه في التراب وجهي؟!\nأمَا منكم من يبكي لمسائلة منكر ونكير إياي؟!\nأما منكم من يبكي لمقامي بين يدي ربي؟!\nثُم صرخ صرخةً فمات ﵀.\nوأكثر الورثة لا يُوفون دين مورِّثهم، فيتركونه مرتهنًا محتبسًا بدينه، كما قال النبي - ﷺ - لقوم مات منهم ميت: \"إِنَّ صَاحِبَكُمْ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ أَوْ فُكُّوهُ\" (١) أو كما قال.\nوبكل حال فليوطِّن الإنسان في الدُّنْيَا نفسه عَلَى مفارقة أهله كما قيل:\nأيا فرقة الأحباب لابد لي منك ... ويا دار دنيا إنني راحلٌ عنك\nألا أيّ حي ليس بالموت موقنًا ... وأَيُّ يقين منه أشبه بالشك\nولا ينتفع الميت بعد موته بأهله ولا غيرهم، إلا بالاستغفار له ودعائهم وترحمهم، أو صدقتهم عنه.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ١١ و١٣، ٢٠)، وأبو داود (٣٣٤١)، والنسائي من حديث سمرة.","vol":"2","page":424},{"text":"وينتفع بزيارة من زاره ويسلم عليه ويستأنس بذلك.\nوقد وصَّى عمرو بن العاص، أن يقيموا عَلَى قبره بعدَ دفنه بقدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها وقال: أستأنس بكم، وانظر ما أراجع به رسل ربي.\nوفي \"سنن أبي داود\" (١): \"أن النبي - ﷺ - كان إذا دفن الميت قال: سلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل\".\nوأمَّا إقامتهم عنده بعد ذلك فلا ينتفع به.\nضربت امرأة الحسن بن الحسن بن علي عَلَى قبره بالبقيع فسطاطًا سنة، ثم نزعته بعد السنة وانصرفت، فسمعوا هاتفًا بالبقيع يقول: هل وجدوا ما فقدوا؟ أفاجابه مجيبٌ من الناحية الأخرى: بل يئسوا فانقلبوا.\nلمَّا دُفن داود الطائي حضر جنازته أهلُ الكوفة، وأثنى عليه ابن السماك بأعماله الصالحة، والناس يصدِّقونه عَلَى قوله: فقام أبو بكر النهشلي (٢) فَقَالَ: اللهمَّ لا تكله إِلَى عمله، فأعجب الناس قوله فلمَّا انصرفوا قال ابن السماك: يا داود رجعنا وتركناك، ولو أقمنا ما أنفعناك ثم أنشأ يقول:\nانصرف الناس إِلَى دورهم ... وغُودر الميت فى رمسه (٣)\nمرتهن النفس بأعماله ... لا يرتجي الإطلاق عن حبسه\nلنفسه صالح أعماله ... وما سواها فعلى نفسه\nومع هذا فالمؤمن يبشَّرُ في قبره بصلاح ولده من بعده؛ لتقرَّ عينه.\nوأعمال الأحياء تُعرض عَلَى أقاربهم من الموتى فيسرون بالأعمال الصالحة، ويدعون لأهلها بالتوبة والزيادة.\nوتسوءهم الأعمال السيئة، ويدعون لأهلها بالتوبة والمراجعة.\n_________\n(١) برقم (٣٢٢١) من حديث عثمان بن عفان.\n(٢) في \"الأصل\": النهلي. وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.\n(٣) الرمس: القبر. \"اللسان\" مادة: (رمس).","vol":"2","page":425},{"text":"وفي ذلك آثارٌ وأحاديثٌ كثيرة قد ذكرت في \"أهوال القبور\" في موضع آخر.\nوتنزل الملائكة عند موت المؤمن بالبشرى له، ويقال له: لا تخف مما أنت قادمٌ عليه، ولا تحزن عَلَى من خلَّفت من أهلك؛ فإنَّ الله يتكفَّل بهم، فتقرّ عين المؤمن بذلك.\nفهذا أحد الأخلاء الثلاثة، وهو الأهل يصلون مع خليلهم إِلَى باب الملك وهو اللَّحد، ثم يرجعون عنه.\nوأمَّا الخليل الثاني وهو المال، فيرجع عن صاحبه أولًا ولا يدخل معه قبره، ورجوعه كنايةٌ عن عدم مصاحبته له في قبره ودخوله معه.\nوقد فسَّر بعضهم المال الراجع بمن يتبعه من رقيقه، ثم يرجعون مع الأهل فلا ينتفع الميت بشيء من ماله بعد موته، إلا بما كان قدَّمه بين يديه؛ فإنه يقدم عليه وهو داخلٌ في عمله الَّذِي يصحبه في قبره.\nفأما ما خلَّفه وتركه، فهو لورثته لا له، وإنَّما كان خازنًا لورثته.\nوفي \"صحيح مسلم\" (١) عن النبي - ﷺ - قال: \"يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟.\nوفيه أيضًا (٢) عن النبي - ﷺ - قال: \"يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ\nمَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ \".\nوفي \"صحيح البخاري\" (٣) عنه - ﷺ - قال: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالُوا: مَا مِنَّا إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ».\n_________\n(١) برقم (٢٩٥٨).\n(٢) برقم (٢٩٥٩).\n(٣) برقم (٦٤٤٢).","vol":"2","page":426},{"text":"فلا ينتفع العبدُ من ماله إلا بما قدَّمه لنفسه، وأنفقه في سبيل الله﷿.\nفأمَّا ما أكله ولبسه فإنه لا له ولا عليه، إلا أن يكون فيه نيةٌ صالحةٌ.\nوقيل: بل يثاب عليه مطلقًا.\nفأمَّا ما أنفقه في المعاصي فهو عليه لا له، وكذلك ما أمسكه ولم يؤد حق الله ﷿ منه؛ فإنه يمثَّلُ له شجاعًا أقرع، يتبعه وهو يفرُّ منه، حتى يأخذ (بلهزمتيه) (١) ويقول: أنا مالك! أنا كنزك، ويلقمه يده فيقضمها قضم الفحل (٢).\nوإن كان المكنوز ذهبًا أو فضةٌ جُعل صفائح، فأحمي عليها، ثم كُوي بها جبينه وجبهته وجنبه.\nلا تدخر غير التقى فالمال لا يدخرُ ... فأخر لأمر بنا اعتدلوا واعتبروا\nفمن تحقَّق هذا، فليقدِّم لنفسه من ماله ما يحبُّ، فإنه إذا قدَّمه كان له وبين يديه، ينتفع به في دار الإقامة.\nوإذا خلَّفه كان لغيره لا له، وقد يكون هو ممن يحبسه عن النفقة في سبيل الله، فيراه يوم القيامة في ميزان غيره، فيتحسر عَلَى ذلك، فيدخل هو بماله النار، ولدخل وارثه به الجنة! \".\nفالعاقل هو من قدم من ماله ما يحبه، فيفوز به في دار الإقامة؛ فإن من أَحَبّ شيئًا استصحبه معه، ولا يدعه لغيره، فيندم حين لا ينفعه الندم.\nذكر ابن أبي الدُّنْيَا من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلًا \"أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما لي لا أَحَبّ الموت؟ قال: لك مال؟ قال: نعم، قال: فقدمه؛ فإن قلب المرء مع ماله، إِنَّ قدمه أَحَبّ أن يلحق به، وإن أخره أَحَبّ أن يتأخر معه\" (٣).\n_________\n(١) لهزمتيه: يعني شدقيه. \"اللسان\" مادة: (لهزه).\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٠٣)، ومسلم (٩٨٧).\n(٣) أخرجه ابن المبارك في كتاب \"الزهد\" (٦٣٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٥٩).","vol":"2","page":427},{"text":"وقال بعض الملوك لأبي حازم الزاهد: ما بالنا نكره الموت؟ قال: لتعظيمك الدُّنْيَا، جعلت مالك بين عينيك فأنت تكره فراقه، ولو قدمته لآخرتك لأحببت اللحوق به.\nقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١).\nكان ابن عمر لا يعجبه شيء من ماله إلا قدمه لله، حتى إنه كان يومًا راكبًا عَلَى ناقة فأعجبته، فنزل عنها في الحال وقلدها وجعلها هديًا لله ﷿.\nوكان له جارية يحبها حبًّا شديدًا، فأعتقها وزوجها بمولاه نافع، فولدت لنافع أولادًا، فكان ابن عمر ربما أخذ بعض أولادها فشمه، وقال: واهًا لريح فلانة -يعني: أم ذلك الولد (٢).\nدخل رجل عَلَى أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته، فَقَالَ: با أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: إِنَّ لنا بيتًا نوجه إِلَيْهِ صالح متاعنا\". قال: إنه لا بد لك من متاع، ما دمت هاهنا قال: إِنَّ صاحب المنزل لا يدعنا فيه.\nيا جامع الأموال بادر صرفها ... واعلم بأن الطالبين جثاث\nخذ من تراثك ما استطعت فإنما ... شركاؤك الأيام والأحداث\nلم يقض حق المال إلا معشر ... نظروا الزمان يعيث فيه فعاثوا\nما كان فيه فاضلًا عن قوته ... فليعلمن بأنه ميراث\n_________\n(١) آل عمران: ٩٢.\n(٢) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٤/ ١٦٧) (طبعة دار صادر) قال: أخبرنا محمد ابن يزيد بن خنيس، قال: سمعت عبد العزيز بن أبي داود، قال: أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كانت له جارية .... فذكر القصة.\nوذكر القصة الحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" (٢/ ٦٦)، وابن حجر في \"الإصابة\" (٤/ ١٨٧) طبعة دار الجيل بتحقيق البجاوي.\nقلت: في إسناده محمد بن يزيد بن خنيس المكي، قال الحافظ في \"التقريب\": مقبول. أي حيث يتابع وإلا فهو ضعيف، ولم يتابعه أحد عَلَى ما وقفت عليه، وعبد العزيز بن أبي رواد: صدوق ربما وهم. فالإسناد ضعيف، والله أعلم.","vol":"2","page":428},{"text":"قال الحسن: بئس الرفيقان الدرهم والدينار لا ينفعانك حتي يفارقانك.\nوقيل لبعضهم: جمع فلان مالًا، قال: هل جمع عمرًا ينفقه فيه؟ قالوا: لا. قال: ما جمع شيئًا.\nجمعت مالًا ففكر هل جمعت له ... يا جامع المال أيامًا تفرقه\nالمال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا حين تنفقه\nمن قدم اليوم شيئًا قدم عليه غدًا، ومن لم يقدم شيئًا قدم عَلَى غير شيء، فطال فقره في دار الإقامة.\nقال ﴿بعض﴾ (١) السَّلف: ابن آدم، إِنَّمَا تسكن يوم القيامة فيما بنيت، وتنزل يومئذ علي ما نقلت في حياتك من متاعك.\nدخلت امرأة عَلَى عائشة قد شلت يدها فقالت: يا أم المؤمنين، بتُّ البارحة صحيحة اليد فأصبحت شلاء! قالت عائشة: وما ذاك؟ قالت: كان لي أبوان موسران، كان أبي يعطي الزكاة ويقري الضيف ويعطي السائل ولا يحقر من الخير شيئًا إلا فعله، وكانت أمي امرأة بخيلة ممسكة، لا تصنع في مالها خيرًا، فمات أبي ثم ماتت أمي بعده بشهرين، فرأيت البارحة في منامي أبي وعليه ثوبان أصفران، بين يديه نهر جارٍ، قلت: يا أبه ما هذا؟ قال: يا بنية، من يعمل في هذه الدُّنيا خيرًا يره، هذا أعطانيه الله تعالى. قلت: فما فعلت أمي؟ قال: وقد عماتت أمك؟! قلت: نعم، قال: هيهات! عدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذات الشمال، فملت عن شمالي، فَإِذَا أنا بأمي قائمة عريانة متزرة بخرقة، بيدها شحيمة تنادي: والهفاه، واحسرتاه، واعطشاه.\nفَإِذَا بلغها الجهد دلكت تلك الشحيمة براحتها ثم لحستها، وإذا بين يديها نهر جار، قلت: يا ﴿أماه﴾ (١) ما لك تنادين العطش وبين يديك نهر جار؟! قالت: لا أترك أن أشرب منه. قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددت أنك فعلت، فغرفت لها غرفة فسقيتها، فلما شربت نادى مناد من ذات\n_________\n(١) ليست في \"الأصل\" والسياق يقتضيها.","vol":"2","page":429},{"text":"اليمين: ألا من سقي هذه المرأة شلت يمينه مرتين- فأصبحت شلاء اليمين، لا أستطيع أن أعمل بيميني. قالت لها عائشة: وعرفت الخرقة؟ قالت: نعم يا أم المؤمنين، وهي التي رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدقت بشيء قط، إلا أن أبي نحر ذات يوم ثورًا، فجاء سائل فعمدت أمي إِلَى عظم عليه شحيمة فناولتها إياه، وما رأيتها تصدقت بشيء إلا أن سائلًا جاء يسأل، فعمدت أمي إِلَى خرقة فناولتها إياه.\nفكبرت عائشة﵂- وقالت: صدق الله وبلغ رسوله - ﷺ -: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١).\nأخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب \"الترغيب والترهيب\" من طريق أبي الشيخ الأصبهاني الحافظ بإسناد حسن.\nمن خرج إِلَى سفر من أسفار الدُّنْيَا بغير زاد، ندم حيث يحتاج إِلَى الزاد، فلا ينفعه الندم وربما هلك. فكيف بمن رحل إِلَى سفر الآخرة مع طوله ومشقته بغير زاد؟!\nالسّقم في جسمي له تزداد ... والعمر ينقص والذنوب تزاد\nما أبعدْ سفرتي وما لي زاد ... ما أكثر بهرجي ولي نقَّاد\nكان عليّ -﵁- يقول في الليل: آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.\nوبكى أبو هريرة عند موته وقال: إِنَّمَا ابكي عَلَى بعد سفري وقلة زادي.\nإذا شكا من قلة الزاد من زاده كثير فكيف يقول من لا زاد له؟!\nيا جامع المال ما أعددت للحفر ... هل يغفل الزاد من أضحى عَلَى سفر\n_________\n(١) الزلزلة: ٧ - ٨.","vol":"2","page":430},{"text":"قال ابن السماك: ما بكوا لسكرة الموت، إِنَّمَا بكوا لحسرة الفوت، خرجوا من دار لم يتزودوا منها، وقدموا عَلَى دار لا زاد لهم فيها.\nإذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت بعد الموت من قد تزودا\nندمت عَلَى أن لا تكون شركته ... وأرصدت ما قد كان من قبل أرصدا\nأما الخليل الثالث: فهو العمل، وهو الخليل الَّذِي يدخل مع صاحبه قبره فيكون معه فيه، ويكون معه إذا بعث، ويكون معه في مواقف القيامة، وعلى الصراط، وعند الميزان، وبه تقتسم المنازل في الجنة والنار.\nقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (٢). قال بعض السَّلف: في القبر.\nيعني أن العمل الصالح يكون مهادًا لصاحبه في القبر، حيث لا يكون للعبد من متاع الدُّنْيَا فراشٌ ولا وسادٌ ولا مهاد؛ بل كل عامل يفترش عمله ويتوسده من خيرٍ أو شر.\nفالعاقل من عمر بيته الَّذِي تطول إقامته فيه، ولو عمره بخراب بيته الَّذِي يرتحل عنه قريبًا لم يكن مغبونًا؛ بل كان رابحًا.\nقال وهب بن منبه: قال لقمان لابنه: يا بني، لكل إنسان بيتان: بيتٌ غائبٌ، وبيتٌ شاهد؛ فلا يُلهينّك بيتك الشاهد الَّذِي فيه عمرك القليل، عن بيتك الغائب الَّذِي فيه عمرك الطويل.\n_________\n(١) فصلت: ٤٦.\n(٢) الروم: ٤٤.","vol":"2","page":431},{"text":"وقال بعض السَّلف: اعمل للدنيا عَلَى قدر مكثك فيها، واعمل للآخرة عَلَى قدر مكثك فيها.\nوقال بعضهم: لابن آدم بيتان: بيتٌ عَلَى الأرض، وبيتٌ في بطن الأرض، فعمد إِلَى الَّذِي عَلَى وجه الأرض، فزخرفه وزيّنه، وجعل فيه أبوابًا للشمال، وأبوابًا للجنوب، ووضع فيه ما يصلحه لشتائه وصيفه، ثُم عمد إِلَى الَّذِي في بطن الأرض فأخربه؛ فَإِذَا قيل: هذا البيت الَّذِي أصلحته كم تقيم فيه؟ قال: لا أدري. قِيلَ لَهُ: والذي أخربته كم تقيم فيه؟ قال: فيه مقامي. قال: تقرُّ بهذا عَلَى نفسك وأنت رجلٌ تعقل؟!\nكان عثمان بن أبي العاص -﵁- في المقابر في جنازة ومعه شاب من أقاربه فيه بعض غفلة، فَقَالَ عثمان: اطلع إِلَى بيتك، فاطلع في القبر. فَقَالَ له: ما ترى؟ قال: أرى بيتًا ضيقًا مظلمًا، ليس فيه طعامٌ ولا شرابٌ ولا زوجة، وقد تركت بيتًا فيه طعامٌ وشرابٌ وزوجة، قال: فإن هذا والله بيتك. قال: صدقت، أما والله لو رجعت نقلت من ذلك إِلَى هذا.\nقال الحسن: تبع رجلٌ من المسلمين جنازة أخيه، فَلَمَّا دُلي في قبره قال الرجل: ما أرى تبعك من الدُّنْيَا إلا ثلاثة أثواب، أما والله لقد تركتُ بيتي كثير المتاع، أمَا والله إِن أقالني اللهُ حتى أرجع لأقدِّمنَّه بين يدي. قال: فرجع فقدمه -والله- بين يديه، وكانوا يرون أنه كان عمر بن عبد العزيز.\nوكان ينشد هذه الأبيات كثيرًا:\nمن كان حين تصيبُ الشمسُ جبهته ... أو الغبارُ يخاف الشين والشَّعثا\nويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يومًا راغمًا جدثا (١)\n_________\n(١) الجدث: القبر. \"اللسان\" مادة: (جدث).","vol":"2","page":432},{"text":"في ظل مقبرةٍ غبراء مظلمة ... يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا\nتجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفسُ قبل الردئ لم تخلقي عبثا\nفالمؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة، فيبشّره بالسعادة من الله، والكافر بعكس ذلك.\nوالأعمال الصالحة تُحيط بالمؤمن في قبره؛ في \"صحيح ابن حبان\" (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَالزَّكَاةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالصَّوْمُ عَنْ شِمَالِهِ، وَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ وَالْمَعْرُوفُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: لَيْسَ قِبَلِي مَدْخَلٌ ... \" وذكر سائر الأعمال كذلك، وقال في الكافر: \"يؤتى من هذه الجهات فلا يوجد شىء فيجلس خائفًا مرعوبًا\".\nقال عطاء بن يسار: إذا وضع الميت في لحده، فأول شيء يأتيه عمله، فيضرب فخذه الشمال فيقول: أنا عملك. فيقول: فأين أهلي وولدي وعشيرتي وما خولني الله؛ فيقول: تركت أهلك وولدك وعشيرتك وما خوّلك الله وراء ظهرك، فلم يدخل معك قبرك غيري. فيقول: يا ليتني آثرتك عَلَى أهلي وولدي وعشيرتي وما خولني الله، إذ لم يدخل معي غيرك.\nقال يزيد الرقاشي: بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته (٢) أعماله، ثم أنطقها الله، فقالت: أيها العبدُ المنفردُ في حفرته، انقطع عنك الأخلاء والأهلون، فلا أنيس لك اليوم غيرنا، ثم بكى يزيد وقال: طوبى لمن كان أنيسه صالحًا، والويل لمن كان أنيسه وبالًا.\n_________\n(١) كما في \"الإحسان\" (٣١٣٣).\n(٢) أي جعلوه وسطهم. \"اللسان\" مادة: (حوش).","vol":"2","page":433},{"text":"تزوَّد قرينًا من فعالك إِنَّمَا ... قرين الفتى في القبر ما كان يفعلُ\nوإن كنت مشغولًا بشيءٍ فلا تكن ... بغير الَّذِي يرضى به اللهُ تُشغلُ\nفلن يصحبَ الإنسانُ من بعد موته ... إِلَى قبره إلا الَّذِي كان يعمل\nألا إِنَّمَا الإنسان ضيفٌ لأهله ... يقيم قليلًا عندهم ثم يرحل\nانتهى والحمد لله وحده وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا (١).\n...\n_________\n(١) كتب في الهامش: فتنبه أيها الغافل لأمرك قبل أن ترهن بعملك في قبرك، وتزود لطول سفرتك بك في حفرتك، وتأهب بتحويل عدتك قبل مدتك، قبل حلول الآجال، وورود الأهوال قبل القيامة، قبل أن تحاط في قبرك بالأعمال، وينصرف مشيعوك بالآمال، يتحدثون في قسمة ما خلفت من العقار والأموال.\nوالحمد لله -تعالى- طالعت هذه الرسالة الشريفة فوجدتها نافعة مفيدة، رحمة الله تعالى لمؤلفها ولمن طالعها آمين.","vol":"2","page":434}]}