{"ً":{"ٌ":151137,"ٍ":"شرح حديث «إن أغبط أوليائي»","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: شرح حديث «إن أغبط أوليائي» [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ٢٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154091,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"[شعر]","level":1,"page":8},{"title":"[شعر]","level":1,"page":10},{"title":"[شعر]","level":1,"page":12}],"ٛ":{"2,739":1,"2,741":2,"2,742":3,"2,743":4,"2,744":5,"2,745":6,"2,746":7,"2,747":8,"2,748":9,"2,749":10,"2,750":11,"2,751":12,"2,752":13,"2,753":14,"2,754":15,"2,755":16,"2,756":17,"2,757":18,"2,758":19,"2,759":20,"2,760":21,"2,761":22,"2,762":23,"2,763":24,"2,764":25,"2,765":26,"2,766":27,"2,767":28,"2,768":29},"ٜ":{"2":[739,768]},"ٝ":["2,739","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768"],"ٞ":{"2":[1],"8":[2],"10":[3],"12":[4]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح حديث \"إن أغبط أوليائي\"","vol":"2","page":739},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nرب يسر وأعن يا كريم.\nالحمد لله رب العالمين وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.\nخرَّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه (١) من حديث أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ (الْحَاذِّ) (٢) ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ لَهُ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَقَرَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُرَاثُهُ».\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢)، والترمذي (٢٣٤٧) من طريق عبد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة. وقال الترمذي عن القاسم: وهو شامي ثقة، وعلي بن يزيد ضعيف الحديث.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٥٥) من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الله عن القاسم عن أبي أمامة. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي قلت: ما تراثه؟ قال: ميراثه.\nقلت: وليس بن أبي سليم ضعيف. وأخرجه ابن ماجه (٤١١٧) من طريق صدقة بن عبد الله، عن إبراهيم بن مرة، عن أيوب بن سليمان، عن أبي أمامة.\nوفي الزوائد: إسناده ضعيف، لضعف أيوب بن سليمان، قال فيه أبو حاتم: مجهول، وتبعه عَلَى ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها. وصدقة بن عبد الله متفق عَلَى تضعيفه. اهـ.\nقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٦٢ - ٦٣): عبيد الله بن زحر يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبرٍ عبيد الله وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الحبر إلا مما عملته أيديهم. فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة بل التنكب عن رواية عبد الله بن زحر عَلَى الأحوال أولى. وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٦٣٦) من طريق وكيع قال: نا علي بن صالح عن أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا. قال ابن الجوزي: هنا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - فمن وكيع إِلَى أبي أمامة ضعفاء، ومتى اجتمع ابن زحر وعلي بن يزيد والقاسم في حديث لا يبعد أن يكون معمولهم.\n(٢) أي: خفيف الظهر من العيال (النهاية ١/ ٤٥٧).","vol":"2","page":741},{"text":"وقال الترمذي: حديث حسن واللفظ له.\nولفظ ابن ماجه: \"أغبط الناس عندي\" والباقي بمعناه ولم يذكر \"نقر بيده\".\nقوله - ﷺ -: \"أغبط أوليائي عندي\" الاغتباط هو: الفرح والسرور والابتهاج بالنعمة سواء كانت عَلَى الإنسان أو عَلَى غيره، محبة لذلك الغير وتهنئة له بما وصل إِلَيْهِ، وسواء كان المغبِط له أعلى منزلة من المغبوط أو مساويًا أو دونه.\nفأما مع علو المنزلة فكما في هذا الحديث، وفي حديث: «إن لِلَّهِ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﷿» (١). وفسرهم بالمتحابين في الله ﷿، وليس المراد أن الأنبياء يتمنون أن يكونوا بمنزلتهم لقصورهم عن درجاتهم، وإنَّما المراد أنهم يبتهجون ويسرون بهم بمكانهم من الله ﷿.\nومن هنا يعلم أن من فسر الغبطة بتمني مثل نعمة المغبوط، من غير زوالها عنه -بخلاف الحسد، فإنَّه تمني زوال نعمة المحسود- ليس ذلك\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٥٢٧)، والبيهقي في \"الشعب\" (٨٩٩٨) من حديث عمر بن الخطاب، وأخرجه الترمذي (٢٣٩٠) وأحمد (٥/ ٢٢٩، ٢٣٩، ٣٢٨) وغيرهم من حديث معاذ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣)، ومعمر بن راشد في جامعه كما في المصنف لعبد الرزاق (١١/ ٢٠٢) برقم (٢٠٣٢٤)، ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٤٣٣) وغيرهم من حديث أبي مالك الأشعرى، وفي الإسناد شهر بن حوشب وهو ضعيف، ولكنه يصلح في المتابعات والشواهد فيعتبر به. وأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٣٦٢) برقم (١١٢٣٦)، وأبو يعلى في مسنده (٦١١٠)، وابن حبان (٢٥٠٨ - موارد)، والبيهقي في الشعب (٨٩٩٧) من حديث أبي هريرة. وقال البيهقي: وهو وهم -أي حديث أبي هريرة- والمحفوظ عن أبى زرعة عن عمر بن الخطاب، وأبو زرعة عن عمر مرسل، ثم ساق الحديث من طريق أبى زرعة بن عمرو بن جرير عن عمر. ووقع خطأ في المطبوع، فَقَالَ: عن عمرو بن جرير، والصواب: من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير ﴿راجع تخريج الزيلعي للكشاف﴾.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٤٠٩) من حديث أنس بن مالك وفي إسناده يزيد الرقاشي وهو ضعيف، ولكنه يعتضد بما قبله، فيصح الحديث ولله الحمد. ولمزيد من التخريج لهذا الحديث راجع تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف بتخريج الإمام الزيلعي برقم (٥٩٩).","vol":"2","page":742},{"text":"عَلَى إطلاقه وإنَّما هي في غبطة الأدنى للأعلى خاصة.\nوقوله: \"أغبط أوليائي عندي\" يشير ﷺ إِلَى أن من كان كذلك فهو من خاصة أوليائه، وأن النبي ﷺ يُسَرُّ بمن كان من أمته عَلَى هذه الصفة، ويفرح به ويهنئه بما حصل له من السعادة، وكذلك جعله النبي ﷺ من أوليائه.\nوأولياء رسول الله ﷺ أولياء الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١) وصحَّ عنه - ﷺ - أنَّه قال: \"إن وليي الله وصالح المؤمنين\". وفي حديث آخر \"إن أوليائي، من كانوا وحيث كانوا\".\nوكذلك هم أولياء الله ﷿؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٢) فمن كان أعظم إيمانًا وتقوى فهو أعظم ولاية لله ورسوله - ﷺ -، فلهذا قال في هذا الحديث: \"إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن\" والمؤمن إذا أُطلق، لا سيما في مقام المدح، فإنما يراد به: من كمل إيمانه بفعل الواجبات وترك المحرمات، وربما أريد به: من قام بعد ذلك بالنوافل؛ لأنّ ذلك كله داخل في اسم الإيمان.\nوقوله: \"خفيف الحاذ\" فسره الأصمعي بقلة المال. ﴿قال﴾ (*): ابن قتيبة: ويفسر أيضًا بقلة العيال، ويشهد لهذا قول أبي ذر: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْبَطُ الرَّجُلِ فِيهِ بِخِفَّةِ الْحَاذِ، كَمَا يُغْبَطُ الْيَوْمَ فِيكُمْ أَبُو عَشْرَةَ» خرجه أبو نعيم وغيره.\nوخرَّج ابن عدي (٣) وغيره (٤) من حديث حذيفة مرفوعًا: \"خيركم في\n_________\n(١) المائدة: ٥٦.\n(٢) يونس: ٦٢ - ٦٣.\n(*) تكررت بالأصل.\n(٣) في \"الكامل\" (٣/ ١٧٧).\n(٤) وأخرجه أيضًا أبو يعلى فى \"مسنده\" كما في \"المطالب العالية\" (٥/ ١٥) برقم (٤٣٦٥)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٠٣٥٠)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٦/ ١٩٧=","vol":"2","page":743},{"text":"المائتين كل خفيف الحاذ. قالوا: وما خفيف الحاذ؟ قال: الَّذِي لا أهل له ولا ولد\". وهو من باب الاستعارة والكناية؛ لأنّ أصل الحاذ هو اللحم كما يقال: خفيف الظهر.\nفأما قلة المال: فهو ما يغبط به صاحبه في الدُّنْيَا إذا صبر عَلَى ذلك أو رضي به، وسنذكر ذلك في تفسير قوله: \"وكان رزقه كفافًا فصبر عليه\" إن شاء الله تعالى.\nوأما قلة العيال فهو مما يغبط به المؤمن أحيانًا لاسيما مع فقره وحاجته، ولهذا يقال: \"قلة العيال أحد اليسارين\". فإن كثرة العيال قد يحمل المؤمن عَلَى طلب الرزق لهم من الوجوه المكروهة، ولهذا وقع في كلام كثير من السَّلف ذم العيال، فكان سفيان الثوري يقول: لا يُعبأ بصاحب عيالٍ، فقلما رأيت صاحب عيال إلا خلط.\nوكان يقول: لا أعتد بعبادة رجل له عيال.\n_________\n=، ١١/ ٢٢٥)، وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٩٥).\nوسئل أبو حاتم الرازي كما في \"العلل\" لابنه (١٨٩٠) عن هذا حديث فَقَالَ: هذا حديث باطل.\nوسئل أيضًا كما في العلل (٢٧٦٩) عن هذا الحديث فَقَالَ: هذا حديث منكر.\nوقال البيهقي: تفرد به رواد بن الجراح العسقلاني عن سفيان الثوري. وقال البخاري: رواد عن سفيان كان قد اختلط، لا يكاد يقوم، ليس له كبير حديث قائم \"الميزان\" (٣/ ٨٤). وقال الدوري عن ابن معين: لا بأس به -أي: رواد- إِنَّمَا غلط في حديث سفيان. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صاحب سنة لا بأس به، إلا أنَّه حدَّث عن سفيان أحاديث مناكير. وقال الحفاظ: كثيرًا ما يخطئ ويتفرد بحديث ضعّفه الحفاظ فيه وخطّئوه، وهو خيركم بعد المائتين كل خفيف الحاذ. (التهذيب ٣/ ٢٤٩ - دار الفكر).\nقال الدارقطني: تفرد به رواد وهو ضعيف، وقد أدخله البخاري في الضعفاء (نقل ذلك ابن الجوزي في الضعفاء).\nوقال الخليلي في \"الإرشاد\" (٢/ ٤٧١) عن رواد \"يتفرد بحديث ضعفه الحفاظ في ذلك، ثم ذكر حديث حذيفة بإسناده، وقال: وهذا لا يعرف من حديث سفيان إلا من هذا الوجه وقد خطّئوه فيه.","vol":"2","page":744},{"text":"وقال: لو حدّثت عن ذي العيال أنَّه كفر ما أبعدت.\nوقال: صاحب العيال لا يكون ورعًا أبدًا.\nوقال: من تزوج فقد ركب البحر، فإن ولد له فقد كُسر المركب.\nوقال: كانت لنا هرَّة لا تؤذينا، فلما ولدت كشفت القدور.\nوعاتب سفيان رجلًا من كتاب الأمراء عَلَى كتابته معهم، وقال له سفيان: كلما دعي بأمير ممن كتبت له دعيت أنت معه، فسئلت عما جرى عَلَى يدك فأنت أسوؤهم حالًا. فَقَالَ له الرجل: فكيف أصنع بعيالي؛ فَقَالَ سفيان: اسمعوا هذا، يقول إذا عصى الله رُزق عياله، وإذا أطاع الله ضُيع عياله، ثم قال سفيان: لا تقتدوا بصاحب عيال، فما كان عذر من عوتب إلا أن قال: عيالي.\nوقال: يؤمر بالرجل إِلَى النار يوم القيامة فيقال: هذا عياله أكلوا حسناته.\nولما ولي شريك قضاء الكوفة هجره سفيان وقال: أي رجل أفسدوه! فَقَالَ شريك: لو كان لسفيان بنات، أفسدوه أكثر مما أفسدوني. ومما يستدل عَلَى فضل قله العيال بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) عَلَى تفسير من فسره بكثرة العيال، ولكن الجمهور عَلَى تفسيره بالجور والحيف، فإن ملك اليمين قد تكثر به الأولاد كثر من الزوجات الأربع، فإنَّه لا ينحصر في عدد.\nوكان الإمام أحمد ينكر عَلَى من كره كثرة الأزواج والعيال، ويستدل بحال النبي ﷺ وأصحابه من كثيرة أزواجهم وعيالهم، ويمثل قوله: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢) ولكنه يأمر مع\n_________\n(١) النساء: ٣.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٥٠)، والنساني في \"الكبرى\" (٥٣٤٢)، وفي \"المجتبى\" (٦/ ٦٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٥٠٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٠٥٦، ٤٠٥٧ - إحسان)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٧/ ٨١) من حديث معقل بن","vol":"2","page":745},{"text":"هذا بطلب الحلال والكسب، والصبر عَلَى الفقر وإن شق، فالإمام أحمد أمر بما جاء الأمر به في الشرع، وسفيان نظر إِلَى قلة صبر الناس إِلَى ما يئول إِلَيْهِ حالهم عند كثرة عيالهم من ترك الورع، والتكسب من الوجوه المكروهة، وهذا هو الغالب عَلَى الناس لاسيما مع قلة العِلْم والصبر (١)، وأما حال الصابرين عَلَى العيال المحافظين عَلَى الورع معهم فعزيزٌ جدًّا كحال الفضيل لما دخل عليه الرشيد فأعطاه ألف دينار، فأبى أن يأخذها، فخرج عنه، فجاء إِلَيْهِ بعض عياله فقالوا له: لو قبلت هذا المال ففرجت به عنا، قال: مثلي ومثلكم كمثل ﴿رجال﴾ (٢) كان لهم جمل يستقون عليه، فلما كبر نحروه، فأكلوا لحمه.\nوكان الإمام أحمد له عيال وكان يومًا لا يكون عنده شيء يفرح، وقال: أسرُّ أيامي يوم أصبح وليس عندي شيء، وأرسل يومًا إِلَيْهِ عياله يَقُولُونَ له: ليس عندنا اليوم دقيق، أو قالوا: خبز -فَقَالَ لهم: الساعة، ثم أبطأ عليهم، فعاودوه فَقَالَ: الساعة. فدق عليه رجل الباب، فإذا هو رجل من خراسان قد أرسل معه إِلَيْهِ بخمسة آلاف درهم، فأبى أن يأخذها رردها.\nكان فتح الموصلي يجمع عياله في ليالي الشتاء، ويمد كساءه\n_________\n=يسار. وأخرجه أحمد (٣/ ١٥٨، ٢٤٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٤٩٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥٠٩٩)، وابن حبان (٤٠٢٨ - إحسان) من حديث أنس.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حفص ابن أخي أنس إلا خلف بن خليفة.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٥٢) وقال: رواه أحمد والطبراني في \"الأوسط\" من طريق حفص بن عمر عن أنس، وقد ذكر ابن أبي حاتم وروى عنه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وذكره أيضًا في (٤/ ٢٥٨) وقال: إسناده حسن. وأخرجه الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٧٢٣) من طريق أبان بن أبي عياش عن أنس، وأبان متروك.\n(١) كتب في الهامش: فافهم ترشد.\n(٢) في \"الأصل\": رجل. والمثبت أنسب للسياق.","vol":"2","page":746},{"text":"عليهم ويقول: أجعتني وأجعت عيالي وأعريتني وأعريت عيالي، فبأي وسيلة توسلت بها إليك حتى تفعل هذا بي، وإنَّما تفعل هذا بأوليائك وأحسابك، فهل أنا منهم حتى أفرح، وعريت ابنة له فقِيلَ لَهُ: لو طلبت من أحد أن يكسوها؟ فَقَالَ: أدَعُها حتى يرى الله عريها وصبري عَلَى ذلك.\nوجيء إِلَى عبد الصمد الزاهد بمال، فأبى أن يقبله فقالوا له: تصدق به.\nفَقَالَ لأصحابه: من كانت له حاجة إلي شيء فليأخذ، فَتَورَّعَهُ أصحابُهُ بقدر حاجاتهم فجاء إِلَيْهِ بني له صغير يبكي فَقَالَ: أنا جائع. فَقَالَ: اذهب فخذ عليَّ من البقال ربع رطل تمر.\nإخواني، الطبع إِلَى التوسع في الدُّنْيَا يحن، والولد يطلب ما يشتهي، والزوجة تطلب سعة النفقة، والورع يمنع من التوسع ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١) فإن كان الإمام أحمد قد امتنع أن يأخذ من الخليفة شيئًا من مال بيت المال، واقتنع بِكَري حوانيت له، كانت تغل في الشهر عشرين درهمًا أو أقل، فأخذ أولاده من الخليفة، فهجرهم لذلك. وكانت أم ولده تعاتبه وتقول له: أنا معك في ضيق وأولادك يأكلون ويفعلون ويفعلون. ليقول لها: قولي خيرًا. فخرج إِلَيْهِ صبي له صغير يبكي فَقَالَ: أي شيء تريد؟ قال: زيت. قال: اذهب فخذ من البقال بحبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>[شعر]</span>\nكم أحمل في هواك كلًاّ وعنَّا ... كم أصبر فيك تحت (سقم) (٢) وضنًّا\nلا تطردني فليس لي عنك غنى ... هذا حالي فإن رحمتم فأنا\n_________\n(١) الأحزاب: ١١.\n(٢) كتب الناسخ فوقها \"ضر\".","vol":"2","page":747},{"text":"غيره:\nمن أجل هواكمُ هجرت الخلقا ... لم يُبق حقكمُ لنفسي حقًّا\nفي حبكم يهون ما قد ألقى ... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى\nوأيضًا فكثرة العيال مما يوجب تعلق القلب بهم، فيشغل ذلك عن محبته وخدمته لله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١).\nقال أبو حازم: كل ما شغلك عن الله من مال أو ولد فهو عليك شؤم.\nوقد روى أبو نعيم (٢) بإسناد ضعيف من حديث ابن مسعود مرفوعًا: \"إذا أَحَبّ الله عبدًا اقتناه لنفسه، ولم يشغله بزوجة ولا ولد\".\nومن كلام الشيخ عبد القادر: وكم تقول: كل من أحبه لا يدوم لي، بل يحال بيني وبينه بموت أو غيره، فيقال لك: يا محبوب الحق! المعني به المنطورُ إِلَيْهِ المغَارُ عليه، أما علمت أن الله غيور، خلقك له وتروم أن تكون لغيره، أما سمعت قوله ﷿: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) وقوله - ﷺ -: \"إذا أَحَبّ الله عبدًا ابتلاه\n_________\n(١) المنافقون: ٩.\n(٢) في \"الحلية\" (١/ ٢٥) من طريق عبد الملك بن يزيد، ثنا أبو عوانة عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود. فذكره. وأورد الخبر الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٤١٨ - علمية) وابن حجر في اللسان (٤/ ٧٣) في ترجمة عبد الملك بن يزيد، وقال الذهبي: عبد الملك بن يزيد، عن أبى عوانة بخبر باطل في ترك التزويج، لا يُدرى من هو؟ ثم ساق الخبر بإسناد أبي نعيم وقال: رواه ابن الجوري في \"الموضوعات\". وعزاه العجلوني في \"كشف الخفا\" (١/ ٤٦٥) للخطيب وغيره.\n(٣) المائدة: ٥٤.\n(٤) الذاريات: ٥٦.","vol":"2","page":748},{"text":"فَإِذَا صبر اقتناه فلم يذر له مالًا ولا ولدًا (١) انتهى.\nومن هذا المعنى الأثر الإسرائيلي: \"يا ابن آدم خلقتُ كل شيء لك وخلقُتكَ لنفسي، فلا تشتغل بما خلقتُهُ لك عما خلقتُكَ له\".\nوقد قيل: إن إبراهيم الخليل -﵇- إِنَّمَا أُمر بذبح ولده لتعلق قلبه به، فلما فرَّغه منه، وقدَّم محبة الله علي محبة ولده، وأسلما وتلّه للجبين، حصل الفداء بحصول المقصود منه، وهو تفريغ القلب، فلم يبق لإراقة الدم معنًى.\nوكذلك الخليل الأكبر لما اشتدت محبته لعائشة وقع تنغيصها عليه بما جرى من حديث الإفك.\nكان بعض العارفين له زوجة هي ابنة عمه وكان يحبها حبًّا شديدًا، فَقَالَ لنفسه يومًا: كيف ألقى الله بهذا الحال؟ فسأل الله فمرضت ثلاثة أيام ثم ماتت فخرج من فوره إِلَى مكة.\nمرَّ بعض الفقراء بامرأة فأعجبته فتزوجها، فلما دخل بها البيت نزعوا خلقَانَهُ، وألبسوه ثيابًا جددًا، فلما جن عليه الليل، طلب قلبه فلم يجده فصاح: خلقَاني خلقَاني. فأخذ ورجع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>[شعر]</span>\nنقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأولِ\nكم منزل (للمرء) (*) يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأول منزلِ\n_________\n(١) ذكر الديلمي في \"مسند الفردوس\" (١/ ٢٥٠)، والعجلوني في \"كشف الخفا\" (١/ ٨٠) وعزاه للطبراني.\n(*) كتب بالحاشية: \"في القلب\" خ. أي في نسخة أخرى \"في القلب\" بدلًا من \"للمرء\".","vol":"2","page":749},{"text":"دخلوا عَلَى أبي سليمان الداراني بيته فَقَالَ بعضهم ما أحوجه إِلَى زوجة تؤنسه. فَقَالَ: لا آنسني الله إلا به أبدًا.\nكان إبراهيم بن أدهم قد خرج من أهله وولده وحشمه وأقام في بلاد الغربة، فحج مرة فرأى ولده وحشمه في الطواف، فجعل يسارقهم النظر ويبكي، فأخبر ولدُهُ به، فجاء إِلَيْهِ فاعتنقه وبكى، ثم صرفه وودعه.\nوأنشد بعضهم:\nهجرت الخلق طُرَّأ في هواكا ... وأيتمت العيال لكي أراكا\nولو قطعتني في الحب إِرَبًا لما ... حن الفؤاد إِلَى سواكا\nقوله: \"ذو حظ من الصلاة\" يشير إِلَى أن المؤمن الخفي التقي لابد أن يكون له نصيب من التنفل بالصلاة فيكون هو لذته وقوته وغذاؤه كما قال - ﷺ -: \"جعلت قرة عيني في الصلاة\" خرّجه النسائي (١).\nوفي \"سنن أبي داود\" (٢) عنه - ﷺ - أنَّه قال: \"يا بلال، أقم الصلاة وأرحنا بها\".\nوفي \"المسند\" (٣) عن ابن عباس قال: \"قال جبريل للنبي - ﷺ -: يا محمد، إن الله قد حبب إليك الصلاة فخذ منها ما شئت\".\nوفي \"مسند البزار (٤) والطبراني\" عن أنس \"كان رسول الله - ﷺ - إذا\n_________\n(١) في \"السنن الكبرى\" (٨٨٨٨)، وفي \"المجتبى\" (٧/ ٦١) من حديث لأنس.\n(٢) برقم (٤٩٨٥) من حديث رجل من خزاعة.\n(٣) (١/ ٢٤٥، ٢٥٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٧٠): رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\"، وفيه علي بن يزيد، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٤) ذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥١) عن أنس وقال: رواه البزار، وفيه يحيى بن عثمان القرشي البصرى ولم أعرفه، روى عن أنس وبقية رجاله رجال الصحيح، ثم قال: قلت: ذكر ابن حبان في \"الثقات\" يحيى بن عثمان القرشي، ولكنه جمره في الطبقة الثالثة.\nوأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٨٠) معلقًا وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٤٣) والخطيب في \"تاريخه\" (٤/ ٣٦٠) من طريق محمد بن كان الواسطي عن ثابت عن أنس.","vol":"2","page":750},{"text":"أعجبه نحو الرجل أمره بالصلاة\".\nوقال ثابت: \"كان رسول الله ﷺ لا يشبع من الصلاة\".\nوفي رواية عن أنس أنَّه - ﷺ - قال: «الْجَائِعُ يَشْبَعُ وَالظَّمْآنُ يَرْوَى وَأَنَا لَا أَشْبَعُ مِنْ حُبِّ الصَّلَاةِ» (١). خرَّجه عبد الله بن أحمد في الزهد.\nوعن أبي هريرة قال: \"كان داود -﵇- كثير الصلاة لا يفتر\".\nوكان ثابت البناني لا يقدر أن يَقَرّ من الصلاة حبًّا لها، وكان يقوم الليل أربعين سنة ويدعو في السحر: اللهم إن كنت أذنت لأحد من خلقك أن يصلي في قبره فاجعلني منهم، فلما مات وسُوي اللَّبن عَلَى لحده، سقطت منه لبنةٌ، فنظروا إِلَيْهِ قائمًا يصلي في قبره.\nكان محمد بن النضر الحارثي لا يفتر من الصلاة، فكان إذا خرج حاجًّا فنزل الناس، قام يصلي، ثم إذا قرب ارتحالهم تقدم عَلَى رأس ميل يصلي حتى ﴿إذا سمع حس﴾ (*) الإبل فإذا أدركته تقدم عليها يصلي حتى تلحقه فلا يزال كذلك حتى يصلي العصر ثم يركب في وقت النهي عن الصلاة.\nوكان كرز بن وبرة لا يفتر عن الصلاة، وكان إذا حج ونزل الناس منزلًا، توارى عن الناس يصلي في موضع لا يرونه، فإذا سمع بحركة الناس للسير، جاء إِلَى رفقته فاحتبس عنهم يومًا عند الرحيل، فطلبه بعض رفقته فوجده قائمًا يصلي في يوم شديد الحر وغمامة تظله، فاجتهد به حتى حلف له أن لا يخبر بما رأى منه أحدًا حتى يموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>[شعر]</span>\nكم أكتم حبكم عن الأغيار ... والوجد يذيع في الهوى أسراري\nكم أستركم هتكتمو أستارى ... من يخفي في الهوى لهيب النار\n_________\n(١) ذكره الديلمي في \"الفردوس\" (٢٦٢٢) عن أنس.\n(*) من الحلية (٨/ ٢٢٠).","vol":"2","page":751},{"text":"قوله: \"أحسن عبادة ربه\" إحسان العبادة إتقانها وإكمالها والإتيان بها عَلَى أكمل الوجوه. والحاصل عَلَى ذلك أن يعبد العبد ربه كأنه يراه كما فسر النبي - ﷺ - الإحسان بذلك، وكان يقول في دعائه: \"أسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك\" وعلَّم معاذ بن جبل أن يقول: \"اللهم أعني عَلَى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\" (١).\nقوله: \"وإطاعته في السر\" طاعة العبد لربه في السر دليل عَلَى قوة إيمانه وإخلاصه لربه، وكان النبي ﷺ يسأل ربه خشيته في السر والعلانية (٢) وأفضل النوافل إسرارها، ولذلك فضلت صلاة الليل عَلَى نوافل الصلاة وفضلت صدقة السر عَلَى صدقة العلانية.\nوفي الحديث \"الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٩٠)، وأبو داود (١٥٢٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٩٣٧)، والبزار (٢٦٦١ - البحر الزخار) وابن خزيمة (٧٥١) وابن حبان (٢٠٢٠، ٢٠٢١ - إحسان)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ١١٠، ٢٥٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٠٧)، (٣/ ٣٠٧) كلهم من حديث معاذ بن جبل. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح عَلَى شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٧٢) من حديث ابن مسعود وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير عمرو بن عبد الله الأودي، وهو ثقة.\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤)، وابن حبان (١٩٧١ - إحسان) من حديث عمار بن ياسر مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤٥١٦)، وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (٤٦٨) عن عمار بن ياسر موقوفًا، ولفظ الحديث: اللهم إِلَيّ أسألك خشيتك في الغيب والشهادة.\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٥١، ١٥٨)، والترمذى (٢٩١٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢٣٤٢) وابن حبان (٧٣٤ - إحسان) والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٣/ ١٣) من حديث عقبة بن عامر. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ومعنى هذا الحديث أن الَّذِي يسر بقراءة القرآن أفضل من الَّذِي يجهر بقراءة القرآن، لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية، وإنَّما معنى هذا عند أهل العِلْم لكي يأمن الرجل من العُجب؛ لأنّ الَّذِي يسر العمل لا يُخافُ عليه العجب ما يُخافُ عليه من علانيته.","vol":"2","page":752},{"text":"قال بعض السَّلف: ما أعتد بما ظهر من عملي، وحب الإسرار بالطاعة من علامات المحبين لمولاهم.\nقال مخلد بن الحسين: ما أَحَبّ الله عبدٌ فأحب أن يعرف الناس مكانه.\nوقال أحمد بن أبي الحواري: مَن عَبَدَ الله عَلَى المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى محبوبه.\nواطَّلع عَلَى بعض أسرار المحبين مع الله، فعلم بذلك، فدعا لنفسه بالموت، وقال: إنما كانت المعاملة تطيب حيث كانت سرًّا بيني وبينه، فمات.\nسئل بعضهم عن شيء من أسراره مع مولاه فأنشد:\nمن سارروه فأبدى السر مجتهدًا ... لم يأمنوه عَلَى الأسرار ما عاشا\nوجانبوه فلم يظفر بودهم ... وأبدلوه من الإيناس إيحاشا\nلا يصفون مذيعًا بعض سرهم ... حاشا ودادهم من ذاكمو حاشا\nالمحبون يغارون عَلَى الأسرار من اطلاع الأغيار.\nنسيم صبا نجد متى جئت حاملًا ... تحيتهم فاطو الحديث الركبِ\nولا تذع السر المصون فإنني ... أغار على ذكر الأحبة من صحبِ\nقوله: \"وكان غامضًا في الناس لا يشار إِلَيْهِ بالأصابع\" يدل عَلَى فضل العبد التقي الخفي.\nوفي حديث سعد عن النبي ﷺ: \"إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي\" (١).\nوفي حديثه أيضًا: \"خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٩٦٥).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ١٧٢، ١٨٠، ١٨٧)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧/ ٨٤)، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (١٣٧)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٧٣١) من حديث سعد ابن أبي وقاص. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٨١): وفيه محمد بن عبد الرحمن ابن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص.","vol":"2","page":753},{"text":"وفي حديث معاذ المرفوع (١): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا، مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» خرّجه ابن ماجه.\nوخرَّج من حديثه مرفوعًا أيضًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ؟ قلت: بَلَى. قَالَ: رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعَفٌ ذُو طِمْرَيْنِ لَا يَؤُبهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (٢).\nوفي حديث آخر: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (٣).\n_________\n=قلت: وضعفه ابن معين، ويقية رجالهما رجال الصحيح. اهـ. وانظر العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٤٣) برقم (١٩٢٦)، وعلل الدارقطني (٤/ ٣٩٣) برقم (٦٥٢).\n(١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩). قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٤/ ١٧٨): هذا إسناد فيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، رواه الحاكم من طريق عياض بن عباس عن عيسى به، وقال: لا علة له.\nقلت: هو عند الحاكم (١/ ٤٤) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين، وقد احتجا جميعًا بزيد بن أسلم عن أبيه عن الصحابة، واتفقا جميعًا عَلَى الاحتجاج بحديث الليث بن سعد عن عياش بن عباس القتباني، وهذا إسناد مصر صحيح ولا يحفظ له علة.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٤١١٥) من حديث معاذ. قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٤/ ٢١٤): هذا إسناد فيه سويد بن عبد العزيز وقد ضعفوه، وله شاهد من حديث حارثة بن وهب رواه الشيخان، ورواه البخاري وغيره من حديث أنس، ورواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة.\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٨٦١) من طريق أسامة بن ريد عن حفص بن عبد الله ابن أنس عن جده أنس.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حفص إلا أسامة. وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٤) من طريق آخر عن أنس وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله ابن موسى التيمي، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح غير جارية بن هرم، ووثقه ابن حبان عَلَى ضعفه.","vol":"2","page":754},{"text":"قال ابن مسعود (١): كونوا ينابيع العِلْم مصابيح الظلام، جُددُ القلوب خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون عَلَى أهل الأرض.\nكان قاسم الجوعي يقول لأصحابه: اغتنموا من زمانكم خمسًا إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئًا لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئًا لم تعطوا به. وأوصيكم بخمس أيضًا: إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مُدحتُم لم تفْرحوا، وإن ذُممتُم لم تجزعوا، وإن كُذِّبتُم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا.\nطوبى لعبدٍ طوبى لعبد بحبل الله معتصم ... عَلَى صراط سويٍّ ثابت قدمه\nرثُّ اللباس جديدُ القلب مستترٌ ... في الأرض مشتهر فوق السماء اسمه\nما زال يحتقر الأولى بهمته ... حتى ترَّقت إِلَى الأخرى به هممه\nفذاك أعظم من ذي التاج متكئًا ... عَلَى النمارق مختلفًا به خدمه\nما زال الصادقون من العُلَمَاء والصالحين يكرهون الشهرة ويتباعدون عن أسبابها، ويحبون الخمول، ويجتهدون عَلَى حصوله.\nوقال بعضهم: ما اتَّقى الله من أَحَبّ الشهرة.\nوكان أيوب السختياني يقول: ما صدق عبدٌ إلا أَحَبّ أن لا يشعر بمكانه.\nولما اشتهر بالبصرة كان إذا خرج إِلَى موضع يتحرى المشي في الطرقان الخالية، ويجتنب سلوك الأسواق والمواضع التي يعرف فيها.\nوكان سفيان الثوري لما اشتهر يقول: وددت أن يدي قُطعت من إبطي، وأني لم أشتهر ولم أُعرف.\nولما اشتهر ذكر الإمام أحمد، اشتد غمه وحزنه، وكثر لزومه لمنزله، وقل خروجه في الجنائز وغيرها، خشية اجتماع الناس عليه.\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في \"سننه\" (٢٥٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٧٢٩) مع اختلافٍ فى بعض الألفاظ.","vol":"2","page":755},{"text":"وكان يقول: طوبى لمن أخمل الله ذكره. وكان يقول: لو قدرت عَلَى الخروج من هذه المدينة -يعني بغداد- لفعلت حتي لا أذكر عند هؤلاء -يعني الملوك. فكان إذا مشي معه أحد من أقاربه يعرفه الناس، أبعده عنه لئلا يعرف به، وكان لا يدع أحدًا يمشي معه في الطريق ولا يتبعه، فإن تبعه أحد وقف حتى ينصرف الَّذِي معه.\nوكان ابن مسعود يقول لمن تبعه: لو تعلمون ما أغلق عليه بابي لم يتَّبعني منكم أحد (١).\nورأى عمر قومًا يتبعون رجلًا فعلاهم بالدَّرة وقال: إن خفق النعال خلف الأحمق، قل ما يُبقي من دينه (٢).\nمشى قومٌ مع معروف إِلَى بيته، فلما دخل قال لهم: مشيُنا هذا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في الخبر: \"أنَّه فتنة للمتبوع مذلة للتابع\".\nوكان بعض العُلَمَاء في مجلسه فقام، فاتبعه جماعة فأعجبه ذلك، فرأى تلك الليلة في منامه قائلا يقول: سيعلمُ من يُحبُّ أن يُمشى خلفه غدًا.\nورئي سفيان في النوم بعد موته فقِيلَ لَهُ: ما فعل الله بك؟\nقال: غفر لي. قِيلَ لَهُ: هل رأيت شيئًا تكرهه؟ قال: نعم، الإشارة بالأصابع -يعني قول الناس هذا سفيان.\nالإشارة إِلَى الرجل بالأصابع فتنة، وإن كان في الخير.\nوفي الحديث \"كَفَى بِالْمَرْءِ شَرًّا أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينهِ أَوْ دُنْيَاهُ، إِلَّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في \"سننه\" (٥٣٢).\n(٢) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ١٢) بلفظ: أن خفق النعال، دون ذكر \"فعلاهم بالدرة\".\n(٣) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٣٢) من قول إبراهيم والحسن.","vol":"2","page":756},{"text":"كان بعض التابعين إذا جلس إِلَيْهِ أكثر من ثلاثة أنفس قام خوف الشهرة.\nوكان علقمة يكثر الجلوس في بيته فقِيلَ لَهُ: ألا تخرج فتحدث الناس.\nفَقَالَ: أكره أن يوطأ عقبي ويقال: هذا علقمة، هذا علقمة.\nكان كثير من الصادقين من السَّلف يجتنب لباس الثياب التي يُظنُّ بأصحابها الخير، إبعادًا لهذا الظن عن أنفسهم.\nوكان ابن محيريز يدعو فيقول: اللهم إني اسألك ذكرًا خاملًا.\nوقال مطرف: انظروا قومًا إذا ذكروا ذكروا بالقراءة، فلا تكونوا منهم، وانظروا قومًا إذا ذكروا ذكروا بالفجور فلا تكونوا منهم، وكونوا بين ذلك.\nوهذا هو الذكر الخفي المشار إِلَيْهِ في حديث سعد، وهو من أعظم نعم الله عَلَى عبده المؤمن، الَّذِي رزقه نصيبًا من ذوق الإيمان، فهو يعيش به مع ربه عيشًا طيبًا، ويحجبه عن خلقه حتى لا يُفسدُوا عليه حاله مع ربه، فهذه هي الغنيمة الباردة، فمن عرف قدرها وشكر عليها فقد تمت عليه النعمة.\nوقد ورد في بعض الآثار أن العبد يسأل عن شكر هذه النعمة يوم القيامة.\nتواريت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهرى وليس يراني\nفلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني\nكم بين حال هؤلاء الصادقين وبين من يسعى في ظهوره بكل طريق، باستجلاب قلوب الملوك وغيرهم، لكن إذا حقت الحقائق تبين الخالص من البهرج.","vol":"2","page":757},{"text":"شعر:\nإذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى\nرائحة الإخلاص كرائحة البخور الخالص، كلما قوي ستره بالثياب، فاح وعبق بها، ورائحة الرياء كدخان الحطب، يعلو إِلَى الجو ثم يضمحل وتبقى رائحته الكريهة. كلما بليت أجسام الصادقين في التراب فاحت رائحة صدقهم فاستنشقها الخلق.\nكما اجتهد المخلصون في إخفاء أحوالهم عن الخلق، وريح الصدد تنم عليهم. كم يقول لسان الصادق: لا لا، وحاله ينادي: نعم نعم، ولسان الكاذب يقول: نعم نعم، وحاله ينادي عليه: لا لا.\nكما اجتهد الإمام أحمد عَلَى أن لا يذكر، وأبى الله إلا أن يُشهرهُ ويقرن الإمامة باسمه عَلَى ألسنة الخلق شاءوا أو أبوا، وكان في زمانه من يعطي الأموال لمن ينادي باسمه في الأسواق ليشتهر، فما ذكر بعد ذلك ولا عرف.\nخمول المحبين لمولاهم شهرة، وذلُّهم بين يديه عزُّ، وفقرٌ أليه الغنى الأكبر.\nشعر:\nتذلل أرباب الهوى في الهوى عزٌّ ... وفقرهم نحو الحبيب هو الكنزُ\nوسترهم فيه السرائر شهرة ... وغير تلاف النفس فيه هو العجزُ\nقوله: \"وكان رزقه كفافًا فصبر عَلَى ذلك\" هذا خير الرزق كما سبق في حديث \"خير الرزق ما يكفي\".","vol":"2","page":758},{"text":"وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول: \"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا\" (١)\nوقد فسر طائفة من المفسرين قوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٢) بهذا، وقالوا: المراد رزق يوم بيوم.\nفي \"صحيح مسلم\" (٣) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: \"قد أفلح من هُدي إِلَى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنَّعه الله به\".\nوخَرَّج الترمذي والنسائي (٤) من حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ قاله: \"طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَع\".\nوفي \"المسند\" و﴿سنن ابن ماجه (٥) عن أنس مرفوعًا \"ما من غني ولا فقير إلا وَدَّ يوم القيامة أنَّه أوتي قوتًا\".\nوفي الترمذي (٦) عن أبي أمامة مرفوعًا \"عرض عَلَيَّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبًا فقلت: لا يا رب، ولكن أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك\"﴾ (٧).\nوفي سنن ابن ماجه (٨) \"أن النبي ﷺ بعث إِلَى رجل يستمنحه ناقة\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥) من حديث أبي هريرة.\n(٢) طه:١٣١.\n(٣) برقم (١٠٥٤).\n(٤) أخرجه الترمذي (٢٣٤٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنساني في \"الكبرى\" كما في تحفة الأشراف (٨/ ٢٦١) برقم (١١٠٣٣).\n(٥) أخرجه أحمد (٣/ ١١٧، ١٦٧)، وابن ماجه (٤١٤٠) وقال السيوطي: هذا حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وأعله بنفيع، فإنه متروك، وهو مخرج في مسند أحمد، وله شاهد من حديث ابن مسعود، أخرجه الخطيب في تاريخه. (حاشية ابن ماجه).\n(٦) أخرجه الترمذي تحت رقم (٢٣٤٧) قال: وبهذا الإسناد وقال: هذا حديث حسن.\n(٧) ما بين المعقوفتين تكرر بالأصل.\n(٨) برقم (٤١٣٤) من حديث نقادة الأسدي. قال في الزوائد: في إسناده البراء، قد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: مجهول، وباقي رجال الإسناد ثقات. وليس لنقادة شيء في بقية الكتب الستة سوى هذا الحديث الَّذِي انفرد به ابن ماجه. (انظر حاشية ابن ماجه).","vol":"2","page":759},{"text":"فردَّه، ثم بعث إِلَى آخر فبعث إِلَيْهِ بناقة، فَقَالَ النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَ فُلَانٍ -لِلْمَانِعِ الْأَوَّلِ- وَاجْعَلْ رِزْقَ فُلَانٍ يَوْمًا بِيَوْمٍ -لِلَّذِي بَعَثَ بِالنَّاقَةِ».\nوخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا من حديث أبي هريرة مرفوعا \"اللهم من أجبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده\". (١)\nوفي الترمذي وابن ماجه (٢) عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».\nوخرَّجه الطبراني (٣) وزاد في أوله \"ابن آدم جمعتُ عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، لا بقليل ولا من كثير تشبع\" وزاد في آخره، \"فعلى الدُّنْيَا العفاء\".\nوقال عمر (٤): كونوا أوعية الكتاب ينابيع للعلم، وسلوا الله رزق يوم بيوم، وعدوا أنفسكم في الموتى، ولا يضركم أن لا يكثر لكم\".\nوالكفاف من الرزق هو ما ليس فيه فضل لأنّ يكتفي به صاحبه من غير فضل.\nوجاء من حديث ابن عباس (٥) مرفوعًا: \"وإنَّما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه\" خرَّجه ابن أبي الدُّنْيَا.\nوالمراد أن من اكتفى من الدُّنْيَا باليسير وقنعت به نفسه، فقد كفاه ذلك واستغنى به وإن كان يسيرًا.\nقال أبو حازم: إن كان يغنيك ما يكفيك، فإن أدنى ما في الدُّنْيَا يكفيك،\n_________\n(١) وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (١٤٧٥) مطولًا من حديث عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة، وقال البيهقي: عبد الله بن سعيد غير قوي في الحديث.\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٦)، وابن ماجه (٤١٤١) من حديث عبيد الله بن محصن الحطمي. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مروان بن معاوية، وحيزت: جُمعت.\n(٣) في \"الأوسط\" (٨٨٧٥) من حديث عمر، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أسد بن موسى.\n(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في \"العلل\" (٤٧١٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٠٦٠٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٥١).\n(٥) ذكره الديلمي في \"الفردوس\" (١/ ٣٤٢).","vol":"2","page":760},{"text":"وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدُّنْيَا شيء يكفيك.\nقال بكر المزني: يكفيك من الدُّنْيَا ما قَنَعَت به، ولو كف تمر وشربة ماء.\nوقال الإمام أحمد: قليل الدُّنْيَا يكفي، وكثير ما يكفي يُعني، إن من اكتفى من الدُّنْيَا كفاه منها القليل، ومن لم يكتف لم يكفه الكثير.\nكما قال بعضهم، شعر:\nحقيق بالتواضع من يموتُ ... ويكفي المرء من ديناه قوتُ\nوقال آخر:\nيكفي الفتى خلق وقوت ... ما أكثر القوت لمن يموت\nوقد مدح في هذا الحديث من صبر عَلَى كفاف عيشه وقنع به، فأما الراضي بذلك فهو أعلى منزلة من الصابر القانع.\nوقد قيل: إن الفقير الراضي، أفضل من الفقير الصابر، والغني الشاكر بالإنفاق.\nوفي الحديث أنَّه ﵇ كان يقول في دعائه: \"رضني بما قسمت لي\" (١).\nوفي حديث آخر: \"إذا أراد بعبد خيرًا أرضاه بما قسم له وبارك له فيه\".\nشعر:\nإذا رضيت بميسور من القوت ... أصبحت في الناس حرًّا غير ممقوت\n_________\n(١) أورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٨١) عن ابن عمر بنحوه وقال: رواه البزار، وفيه أبو مهدي سعيد بن سنان، وهو ضعيف في الحديث.","vol":"2","page":761},{"text":"ياقوت نفسي إذا ما تم عفوك لي ... فلست آسى عَلَى دُرٍّ وياقوت\nقوله: \"عجلت منيته، قلَّت بواكيه، قلَّ تراثه\" يعني أنَّه يعجل له الموت عَلَى هذه الصفة، وهي أن يكون من يبكي ﴿عليه﴾ (*) قليلًا، وذلك لقلة عياله كما سبق، وأن يكون تراثه قليلًا، ويعني بتراثه الَّذِي يخلفه من الدُّنْيَا، وبذلك فسَّره الإمام أحمد وغيره.\nوهذا الكلام يحتمل أن يكون إخبارًا عن حال هذا المؤمن، ويحتمل أن يكون دعاء له من النبي ﷺ، فاقتضى هذا الكلام أن المؤمن إذا كان عَلَى حالةٍ حسنة من حسن عبادةٍ وخمولٍ وقناعةٍ باليسير، فإنَّه يغبط بتعجيل موته عَلَى هذه الحالة، خشية أن يفتن في دينه ويتغير عما عليه.\nولهذا المعنى شُرع تمني الموت وطلبه، خشية الفتنة في الدين. وفي \"المسند\" مرفوعًا (١) \"لا يتمنين الموت إلا من وثق بعمله\". فمن كان عَلَى حالةٍ حسنةٍ في دينه فإنَّه يغبط بموته قبل تغير حاله.\nكان أبو الدرداء إذا مات الرجل عَلَى الحالة الصالحة قال: هنيئًا لك، يا ليتني مكانك، فقالت له أم الدرداء في ذلك فَقَالَ: هل تعلمين يا حمقاء، أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي منافقًا، يسلب إيمانه وهو لا يشعر، فأنا لهذا الميت أغبط مني لهذا بالبقاء والصلاة والصوم.\nوقيل: ما تحب لمن تحب؟ قال: الموت. قِيلَ لَهُ: فإن لم يمت؟ قال: قلة المال والولد.\nوكان ابن مسعود يتمنى الموت، فقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: لو أني أعلم أني أبقى عَلَى ما أنا عليه لتمنيت البقاء عشرين سنة.\nورأى أبو هريرة شبابًا يتعبدون فَقَالَ: ليت الموت ذهب بهؤلاء.\n_________\n(*) في الأصل: \"عَلَى\" وما أثبته موافق للسياق.\n(١) (٢/ ٣٥٠) من حديث أبي هريرة بنحوه.","vol":"2","page":762},{"text":"وكان داود الطائي يبكي ويقول: أخاف أن يطول عمري.\nوسبب هذا أن من أطاع الله أَحَبّ لقاءه؛ كما قال الصديق في وصيته لعمر: إن أنت حفظت وصيتي لم يكن غائب أَحَبّ إليك من الموت، ولابد لك منه وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١).\nوقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). ومن أراد الله به خيرًا عسَّلهُ، فاستعمله بعمل صالح قبل موته فيقبضه عليه، إِنَّمَا الأعمال بالخواتيم.\nوقوله \"قلَّت بواكيه\" لما كان هذا المؤمن خفيف الحاذ قليل العيال، لم يكن له عند الموت كبير أحد يبكي عليه، خلاف من له أهل وولد وخدم وحشم وعشيرة، فإنَّه يكثر بواكيه مع قلة غناهم عنه، بل يزيد بكاؤهم في عذابه كما في الصحيح عن النبي ﷺ: \"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه\" (٣) فإنهم كثيرًا ما يفعلون ما لا يجوز من النياحة واللطم، وتحريق الثياب، وإتلاف الأمول، والتسخط لقضاء الله، وذلك كله يعذب به الميت ويتألم به.\nولهذا أوصى كثير من السَّلف أهلهم أن لا يبكون عليهم.\nلما احتضر هشام بن عبد الملك أحد خلفاء بني أمية بكى أهله، فَقَالَ لهم: جاد عليكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، ترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر له.\nوقال الحسن: شر الناس لميت أهله يبكون عليه ولا يقضون دينه، فهم يفعلون معه ما يضره، ولا يفعلون ما ينفعه في قبره، وكثر من يكي عَلَى\n_________\n(١) البقرة: ٩٤.\n(٢) الجمعة: ٦.\n(٣) أخرجه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٨) من حديث ابن عمر.\nوأخرجه البخاري (١٢٩٠)، ومسلم (٩٢٧) من حديث عمر بن الخطاب.","vol":"2","page":763},{"text":"الميت عند موته، إِنَّمَا يبكي لفقد حظه منه، إما من نفعه الحاصل له به من مال أو غيره، أو لفقده الأنس به ونحو ذلك من حظوظ الباكين، ولا يبكون رحمة لما هو فيه، وبكاء الرحمة هو بكاء العارفين دون بكاء الحزن، كما قال النبي - ﷺ - لما بكى: \"إِنَّمَا هذه رحمة، وإنَّما يرحم الله من عباده الرحماء\" (١).\nاحتضر بعض (الصالحين) (٢) فبكى أبواه وولده وأهله وصبيانه، فسألهم ما الَّذِي أبكاهم؟ قال أبواه: نبكي لفراقك، وما نتعجل من الوحشة بعدك.\nوقال ولده: نبكي لفراقك وما يُتعجَّلُ من اليتم بعدك. فَقَالَ: كلكم يبكي لدنياي، أما فيكم من يبكي لآخرتي؟ أما فيكم من ييكي لما يلقى في التراب وجهي؟ أما فيكم من يبكي لمسائلة منكر ونكير؟ أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يدي ربي؟ ثم صرخ صرخة فمات ﵀.\nفمن قلت بواكيه كان ذلك أقرب إِلَى رحمته.\nوقد روى صالح المري عن الحسن قال: إن الله إذا توفى المؤمن ببلاد غربة لم يعذبه رحمة لغربته، وأمر الملائكة فبكته لغيبة بواكيه عنه.\nوفي الحديث \"إن من مات في غير مولده قِيسَ به إِلَى منتهى أثره في الجنة\".\nوقد تبكي السماء والأرض عَلَى المؤمن لفقد عمله الصالح.\nوقد قال طائفة من السَّلف في قوله ﷿: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (٣) قالوا: إن السماء والأرض تبكي عَلَى المؤمن. فَقَالَ علي: يبكي عَلَى المؤمن مصلاه الَّذِي كان يصلي فيه من الأرض، وبابه الَّذِي كان يصعد فيه قوله وعمله، ولم يكن ذلك لآل فرعون، فلذلك لم (تبك) (٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٨٤) من حديث أسامة بن زيد بلفظ \"هذه رحمة ... \".\n(٢) كان مكانها في الأصل: \"العارفين\" ووضع فوقها حرف \"ح\" وكتب في الهامش \"الصالحين\" صح فكأن الأولى خطأ أو أنها نسخة والحاء \"خاء\"، والله أعلم.\n(٣) الدخان: ٢٩.\n(٤) في الأصل: \"تبكي\" وما أثبتناه هو الأصوب.","vol":"2","page":764},{"text":"عليهم السماء والأرض.\nوقيل: إن في التوراة أن الأرض تبكي عَلَى المؤمن أربعين صباحًا.\nفكلما قلت بواكي الميت المؤمن من بني آدم، كان أقرب إِلَى بكاء غيرهم عليه.\nوقد سُمع نياحة الجن وبكاؤهم عَلَى جماعة من سلف الأمة منهم: عمر ابن الخطاب، والحسين بن علي، وعمر بن عبد العزيز -﵃-.\nكان للمأمون ولد يسمى عليًّا وكان شديد الترف، فألقى الله في قلبه الزهد في الدُّنْيَا، فهرب من أبيه وخرج إِلَى البصرة وتنكر ولبس الخشن، وكان يصوم النهار ويقوم الليل، ويحمل عَلَى رأسه للناس بالأجرة ما يتقوت به، ويبيت في المساجد يتخللها حتى لا يفطن به، فمرض في بعض المساجد، فلما اشتد مرضه دخل خانًا بالبصرة، فاكترى فيه بيتًا وألقى نفسه عَلَى بارية فلما آيس من نفسه، دعا صاحب الخان، فناوله خاتمه ورقعة مختومة فَقَالَ له: إذا مت فاخرج إِلَى صاحبكم -يعني الأمير- بالبصرة فأه خاتمي وعرِّفهُ موضعي وناولُه هذه الرقعة. فلما مات خرج الرجل إِلَى باب الأمير، فأدى النصيحة فأدخله فأراه الخاتم، فلما نظر إِلَيْهِ عرفه فَقَالَ: ويلك أين صاحب هذا الخاتم؟ قال: في الخان ميت، وناوله الرقعة مختومة مكتوب عليها: لا يفكها إلا المأمون أمير المؤمنين، فأرسله الأمير ميتًا في دجلة إِلَى المأمون، وكتب إِلَيْهِ يعرفه قصته وأنه وجده في غرفة عَلَى بارية في بعض الخانات، ما تحته مهاد ولا عنده باكية، مسجي مغمض العينين مستنير الوجه طيب الرائحة، وبعث معه الخاتم والرقعة، ففكها المأمون فإذا فيها: يا أمير المؤمنين اقرأ سورة الفجر إِلَى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (١) فاعتبر بها، واعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.\n_________\n(١) الفجر: ١٤.","vol":"2","page":765},{"text":"قوله \"قل تراثه\" فسره الإمام أحمد وغيره ميراثه بعد موته، يعنيان ما يخلف من الدُّنْيَا بعده يكون قليلًا نزرًا يسيرًا، هذه سنة الأنبياء -﵈- كما في حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١) والنبي - ﷺ - لم يخلف إلا آلات الجهاد؛ ففي الصحيح عنه أنَّه لم يخلف إلا سلاحه وبغلته وأرضًا جعلها صدقة (٢).\nولما احتضر أبو بكر الصديق قال لعائشة -﵂-: \"يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا أكلنا من حريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم عَلَى ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من مال المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إِلَى عمر. فلما جاء الرسول إِلَى عمر بذلك، بكى عمر، وقال: رحم الله أبا بكر، لقد اتعب من بعده.\nولما احتضر عمر بن عبد العزيز قال: لا تتهموا الخازن فإني لا أدع إلا إحدى وعشرين دينارًا، وصَّى منها بوفاء ديون، فلم يبق لورثته سوى أربعة عشر دينارًا، هذا وجميع مملكة الإسلام تحت يديه.\nودخلوا عليه في مرض موته وعليه قميص قد اتسخ جيبه وتحرق، فَقَالَ مسلمة بن عبد الملك لأخته -وهي زوجة عمر: ناوليني قميصًا سوى هذا حتى يلبسه أمير المؤمنين فإن الناس يدخلون ﴿عليه﴾ (٣). فَقَالَ عمر:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (٣٦٤١)، والترمذي برقم (٢٦٨٢)، وقال: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس هو عندي بمتصل، هكذا حدثنا محمود بن خداش بهذا، وإنَّما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن الوليد بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ، وهذا أصح من حديث محمود بن خداش، ورأي محمد بن إسماعيل هذا أصح. اهـ.\nوأخرجه ابن ماجه برقم (٢٢٣) عن أبي الدرداء مطولًا.\n(٢) أخرجه البخاري في عدة مواضع منها (٢٨٧٣).\n(٣) في الأصل: عَلَى، وما أثبته أنسب للسياق.","vol":"2","page":766},{"text":"دعها يا مسلمة فما أمسى ولا أصبح لأمير المؤمنين ثوب سوى الَّذِي ترى علَيَّ.\nوكان يحيى بن أبي كثير من العُلَمَاء الربانيين، وكان حسن اللباس حسن الهيئة، فمات ولم يخلف سوى ثلاثين درهمًا كفنوه بها.\nوكان الأوزاعي قد وصل إِلَيْهِ في حياته من ملوك بني أمية وبني العباس أكثر من سبعين ألف دينار (*)، فأنفقها كلها في سبيل الله وفي الفقراء، فمات ولم يخلف سوى سبعة دنانير.\nومات الإمام أحمد ولم يخلف سوى قطعًا في خرقة، كان وزنها دون نصف درهم، وترك دينًا (عليه) (**) وُفِّيَ من أجرة عقارٍ خلفه.\nوكان محمد بن أسلم الطوسي من العُلَمَاء الربانيين، فمات ولم يخلف سوى كسائه يراناء لوضوئه، فتصدقوا به.\nووصى معروف أن يتصدق عند موته بقميصه الَّذِي عليه، وقال: أَحَبّ أن أخرج من الدُّنْيَا كما دخلت إليها عريانًا.\nوقال سفيان: يعجبني أن يموت الرجل ولا يخلف كفنًا.\nمات بعض الفقراء ولم يخلف كفنًا، فقالت له زوجته: نفتضح إذا لم تخلف كفنًا. فَقَالَ: لو خلفت كفنًا لافتضحت.\nقال يحيى بن معاذ: لا تكن ممن يفضحه في الدُّنْيَا ميراثه وفي الآخرة ميزانه.\nلابن آدم في ماله عند مماته مصيبتان عظيمتان يُسْلَبُهُ كله ويسأل عنه كله. فهو حينئذ يجمع لمن لا يحمده ويقدم عَلَى من لا يعذره.\n_________\n(*) في الأصل: دينارًا.\n(**) في الأصل: \"عَلَى\"، وما أثبته أنسب للسياق.","vol":"2","page":767},{"text":"يا نفس توبي فإن الموت قد حانا ... واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا\nأما ترين المنايا كيف تلقطنا ... لقطًا وتُحلق أخرانا بأولانا\nفي كل يوم لنا ميت نشيعه ... نرى بمصرعه آثار موتانا\nيا نفس مالي وللأموال أتركها ... خلفي وأخرج من دنياي عريانا\nأبعد خمسين قد قضيتها لعبًا ... قد آن أن تقصري قد آن قد آنا\nما بالنا نتعامى عن مصائرنا ... ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا\nنزداد حرصًا وهذا الدهر يزجرنا ... كان زاجرنا بالحرص أعرانا\nأين الملوك وأبناء الملوك ومن ... كانت تخر له الأذقان إِذعانًا\nصاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا ... مستبدلين من الأوطار أوطانًا\nخلوا مدائن كان العز مفرشها ... واستفرشوا حفرًا غُيرًا وقيعانا\nيا راكضًا في ميادين الهوى مرحًا ... ورافلا في ثياب الغي نشوانًا\nمضى الزمان وولى العمر فى لعب ... يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا\nتم آخره والحمد لله وحده، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"2","page":768}]}