{"ً":{"ٌ":151141,"ٍ":"كلمة الإخلاص وتحقيق معناها - ضمن رسائل ابن رجب","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: التوحيد أو تحقيق كلمة الإخلاص [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الصفحات: ٤٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":1,"ٖ":1770154091,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"أهل التوحيد لا يخلدون في النار وإن دخلوها","level":1,"page":4},{"title":"شروط لا إله إلا الله","level":1,"page":6},{"title":"شروط دخول الجنة","level":1,"page":8},{"title":"فهم النصوص المطلقة في ضوء النصوص المقيدة","level":1,"page":11},{"title":"الشرك والكفر له أصل وفروع","level":1,"page":13},{"title":"طاعة الشيطان تقدح في توحيد الرحمن","level":1,"page":17},{"title":"دلالة محبة الله ﷿","level":1,"page":19},{"title":"تلازم الظاهر والباطن","level":1,"page":21},{"title":"النجاة لا تكون إلا لصاحب القلب السليم","level":1,"page":24},{"title":"احذروا الرياء","level":1,"page":25},{"title":"من صدق في قول لا إله إلا الله نجا من كربات يوم القيامة","level":1,"page":28},{"title":"فصل فضائل كلمة التوحيد","level":1,"page":33},{"title":"الله الله أيها الناس تمسكوا بأصل دينكم","level":1,"page":46}],"ٛ":{"3,41":1,"3,43":2,"3,44":3,"3,45":4,"3,46":5,"3,47":6,"3,48":7,"3,49":8,"3,50":9,"3,51":10,"3,52":11,"3,53":12,"3,54":13,"3,55":14,"3,56":15,"3,57":16,"3,58":17,"3,59":18,"3,60":19,"3,61":20,"3,62":21,"3,63":22,"3,64":23,"3,65":24,"3,66":25,"3,67":26,"3,68":27,"3,69":28,"3,70":29,"3,71":30,"3,72":31,"3,73":32,"3,74":33,"3,75":34,"3,76":35,"3,77":36,"3,78":37,"3,79":38,"3,80":39,"3,81":40,"3,82":41,"3,83":42,"3,84":43,"3,85":44,"3,86":45,"3,87":46},"ٜ":{"3":[41,87]},"ٝ":["3,41","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"6":[3],"8":[4],"11":[5],"13":[6],"17":[7],"19":[8],"21":[9],"24":[10],"25":[11],"28":[12],"33":[13],"46":[14]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"التوحيد أو تحقيق كلمة الإخلاص","vol":"3","page":41},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nوهو حسبي وبه أستعين\nقال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام زين الدين بن رجب -رحمه الله تعالى-:\nخرج البخاري (١) ومسلم (٢) في الصحيحين عن أنس -﵁- قال: «كَانَ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعَاذَ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ! قَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: يَا مُعَاذُ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا! قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.\nوفي \"الصحيحين\" (٣) عن عتبان بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ\".\nوفي \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة -أو أبي سعيد، بالشك (٤) - أنهم كانوا مع النبي ﷺ في (غزاة) (*) تبوك فأصابتهم مَجَاعَةٌ، فدعا النبي - ﷺ - بِنِطَعٍ (٥) فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ،\n_________\n(١) برقم (١٢٨).\n(٢) برقم (٣٠/ ٤٨) من هذا الطريق أيضًا.\n(٣) أخرجه البخاري (٤٢٥ مطولا) ومسلم (٣٣ مطولا، ٣٣/ ٢٦٣ ص ٤٥٥).\n(٤) برقم (٢٧/ ٤٥ ص ٥٦ - ٥٧) والشاك هنا هو الأعمش، ورواه مسلم أيضًا (٢٧/ ٤٤ ص ٥٥ - ٥٦) عن أبي هريرة بغير شك.\n(*) غزوة \"نسخة\".\n(٥) النطع: هو بساط متخذ من أديم، وفيه أربع لغات: فتح النون وكسرها، ومع كل واحد فتح الطاء وسكونها.\nوكانت الأنطاع تبسط بين أيدي الملوك والأمراء حين أرادوا قتل أحد صبرًا، ليصان=","vol":"3","page":43},{"text":"وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَجَعَلَ الْآخَرُ يَجِيءُ بِكَسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ. فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ. قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ».\nوفي \"الصحيحين\" (١) عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟! قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَهَا ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ. فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ».\nوفي \"صحيح مسلم\" (٢) عن عبادة، أنَّه قال عند موته: سمعت رسول الله - ﷺ -- يقول: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ».\nوفي \" الصحيحين\" (٣) عن عبادة عن النبي ﷺ قال: \" «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ».\nوفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًّا، يطول ذكرها.\n...\n_________\n=المجلس من الدم. انظر المصباح المنير مادة \"نطع\" وشرح النووي لصحيح مسلم.\n(١) أخرجه البخاري (٥٨٢٨)، ومسلم (٩٤).\n(٢) برقم (٢٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).","vol":"3","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهل التوحيد لا يخلدون في النار وإن دخلوها</span>\nوأحاديث هذا الباب نوعان:\nأحدهما: ما فيه أنَّ من أتى بالشهادتين دخل الجنة، أو لم يحجب عنها؛ وهذا ظاهر؛ فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طُهِّر من ذنوبه بالنار.\nوحديث أبي ذر معنا: أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، ليس فيه أنَّه لا يعذب يومًا عليهما مع التوحيد.\nوفي \"مسند البزار\" (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: \"مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنَ دَهْرِهِ، يُصيبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ\".\n_________\n(١) برقم (٣ - كشف) وقال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد.\nورواه عيسى بن يونس عن الثوري عن منصور أيضًا، وقد رُوي عن أبي هريرة موقوفًا، ورفعه أصح.\nوسئل الدراقطني في العلل (١١/ ٢٣٨ - ٢٤٠) برقم (٢٢٦٠) عن هذا الحديث فَقَالَ: يرويه هلال بن يساف عن الأغر، حدث به منصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن، واختلف عنهما، فأما منصور، فرواه الثوري عن منصور، واختلف عنه؛ فرواه عيسى بن يونس وابن إسماعيل الفارسي عن الثوري عن منصور مرفوعًا إِلَى النبي - ﷺ -.\nوخالفهما أبو نعيم، فوقفه عَلَى أبي هريرة وراد ابن إسماعيل الفارسي وهو محمد بن إسماعيل في هذا الحديث كلمة لم يقلها غيره، وهي قوله: \"لقنوا موتاكم لا اله إلا الله\".\nورواه أبر عوانة، واختلف عنه، فرواه حبَّان بن هلال عن أبي عوانة عن منصور مرفوعًا؛ وغيره يرويه عن أبي عوانة موقوفًا.\nوكذلك رواه إبراهيم بن طهمان وجرير بن عبد الحميد وأبو حفص الأبار عن=","vol":"3","page":45},{"text":"والثاني: ما فيه أنَّه يحرم عَلَى النار، وهذا قد حمله بعضهم عَلَى الخلود فيها، أو عَلَى نار يخلَّد فيها أهلُها، وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين.\nوفي \"الصحيحين\" (١): \"أن الله -تعالى- يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا اله إلا الله\".\n...\n_________\n=منصور، وأما حصين بن عبد الرحمن، فرواه عمرو بن عثمان الكلابي عن زهير بن معاوية عن حصين عن هلال عن الأغر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.\nوخالفه شعبة وهشيم وعبثر بن القاسم؛ رووه عن حصين عن هلال موقوفًا.\nورواه علي بن عابس عن حصين عن الأغر عن أبي هريرة موقوفًا، أسقط منه هلال بن يساف، والصحيح عن حصين ومنصور الموقوف.\n(١) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٦) في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.","vol":"3","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>شروط لا إله إلا الله</span>\nوقالت طائفة من العُلَمَاء: المراد من هذه الأحاديث: أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومتقض لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع؛ وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو الأظهر.\nوقال الحسن للفرزدق -وهو يدفن امرأته-: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم العُدة إن لـ \"لا إله إلا الله\" شروطما؛ فإياك وقذف المحصنة!.\nورُوي عنه أنَّه قال للفرزدق: هذا العمود. فأين الطنب (١)؟\nوقيل للحسن: إن ناسًا يَقُولُونَ: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فَقَالَ: من قال: لا إله إلا الله، فأدّى حقها وفرضها دخل الجنة.\nوقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن (ليس) (*) مفتاح إلا وله أسنانُ؛ فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتَح لك.\nوهذا الحديث: \"إن مفتاح الجنة لا اله إلا الله\" خرجه الإمام أحمد (٢) بإسناد\n_________\n(*) ما من \"نسخة\".\n(١) قال في القاموس المحيط: هو حبل طويل يشد به سرادق البيت أو الوتد.\n(٢) في مسنده (٥/ ٢٤٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١): رواه أحمد والبزار، وفيه انقطاع بين شهر ومعاذ، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجار ضعيفة، وهذا منها.\nوقد أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٣٨ - ٣٩) وقال ابن عدي (٤/ ٤٠):=","vol":"3","page":47},{"text":"منقطع. عن معاذ قال: \"قال لي رسول الله ﷺ: إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل: شهادة أن لا إله إلا الله\".\nويدل عَلَى صحة هذا القول أن النبي - ﷺ - رتَّب دخول الجنة عَلَى الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، كما في \"الصحيحين\" (١) عن أبي أيوب أن رجلًا قال: يا رسول الله! أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِى الْجَنَّةَ. فَقَالَ: \"تَعْبُدُ اللَّهَ، لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (٢) عن أبي هريرة \"أنَّ رَجُلًا قال: يا رسول الله، دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ.\nفَقَالَ النبي ﷺ: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا\".\nوفي \"المسند\" (٣) عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- لِأُبَايِعَهُ فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَأَنْ (أُؤَدِّي) (٤) الزَّكَاةَ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ أَصُومَ رَمَضَانَ، وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا [اثْنَتَانِ] (٥) فَوَاللَّهِ لاَ أُطِيقُهُمَا: الْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ! فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ حَرَّكَهَا، وَقَالَ: فَلَا جِهَادَ وَلَا صَدَقَةَ، فَبِمَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِذًا؟! قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْ أُبَايِعُكَ، فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ».\n_________\n=ولشهر بن حوشب هذا غير ما ذكرت من الحديث .... وشهر هذا ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يتدين به.\n(١) أخرجه البخاري (١٣٩٦)، ومسلم (١٣).\n(٢) برقم (١٤)، وكذا البخاري (١٣٩٧).\n(٣) (٥/ ٢٢٤) وفي إسناده مؤثر بن عفارة وهو مجهول.\n(٤) \"أوتي\": نسخة.\n(٥) في الأصول المخطوطة \"اثنتين\" وما نقلته من المسند، وهو الصواب.","vol":"3","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شروط دخول الجنة</span>\nففي هذا الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة، مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج.\nونظير هذا أن النبي - ﷺ - قال: \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله\" (١).\nففهم عمر، وجماعة من الصحابة أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدُّنْيَا بمجرد ذلك، فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة، وفهم الصِّديق أنَّه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها، لقوله - ﷺ -: \"فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وقال: الزكاة حق المال\" (٢).\nوهذا الَّذِي فهمه الصديق؛ قد رواه عن النبي - ﷺ - (صريحًا غير واحد من الصحابة) (*) منهم: ابن عمر (٣) وأنس (٤) وغيرهما (٥)، وأنه قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» \".\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر بهذا اللفظ، وورد بلفظ: \"حتى يقولوا\" في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب، وفي صحيح البخاري من حديث أنس، وفي صحيح مسلم من حديث جابر.\n(*) جماعة من الصحابة \"نسخة\".\n(٢) انظر تخريج الحديث السابق.\n(٣) كما سبق في الصحيحين.\n(٤) أخرجه البخاري (٣٩٢).\n(٥) منهم:\nأ- جابر بن عبد الله، كما عند مسلم برقم (٢١/ ٣٥).\nب- وعمر، كما عند البخاري برقم (١٣٩٩)، ومسلم برقم (٢٠).\nج- وأبو هريرة، كما عند مسلم برقم (٢١).","vol":"3","page":49},{"text":"وقد دل عَلَى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nكما دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، عَلَى أن الأخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد، فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد.\nولما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إِلَى قوله (١)، ورأوه صوابًا.\nفإذا عُلم أن عقوبة الدُّنْيَا لا ترفع عمن أدّى الشهادتين مطلقًا.\nبل قد يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة.\nوقد ذهب طائفة إِلَى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم:\nالزهري والثوري وغيرهما.\nوهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة قد نزل بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنَّه كان في غزوة تبوك (وهي) (*) في آخر حياة النبي - ﷺ -.\nوهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث أنها منسوخة، ومنهم من يقول: هي (**) محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إِلَى أن الزيادة عَلَى النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور.\nوقد صرَّح الثَّوري وغيره بأنها منسوخة، وأن نسخها الفرائض والحدود، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السَّلف كانوا يطلقون النسخ\n_________\n(١) وعلى رأسهم عمر ﵁ كما عند البخاري (١٤٠٠)، ومسلم (٢٠) حيث قال: \"فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق\".\n(*) وهو \"نسخة\".\n(**) إنها: \"نسخة\".","vol":"3","page":50},{"text":"عَلَى مثل ذلك كثيرًا، ويكون مقصودهم أن آيات الفرائض والحدود تبين بها توقفُ دخول الجنة والنجاة من النار عَلَى فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوص منسوخة، أي: مبيَّنة مفسَّرة، ونصوص الفرائض والحدود ناسخة أي: مفسَّرة لمعنى تلك، موضِّحة لها.\n***","vol":"3","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>فهم النصوص المطلقة في ضوء النصوص المقيدة</span>\nوقالت طائفة: تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيَّدة في أحاديث أُخر، ففي بعضها: \"من قال: لا إله إلا الله مخلصًا\" (١) وفي بعضها: (مُستيقنًا) (*) \" (٢)، وفي بعضها: \"يصدق قلبه لسانه\" (٣) وفي بعضها: \"يقولها حقًّا من قبله\" (٤) وفي بعضها: \"قد ذل بها لسانه، واطمأن بها قلبه\" (٥).\nوهذا كله إشارة إِلَى عمل القلب، وتحققه بمعنى الشهادتين، فتحققه بقول: لا إله إلا الله أن لا يأله القلب غير الله حبًّا ورجاءً، وخوفًا، وتوكلا واستعانة، وخضوعًا وإنابة وطلبًا، وتحققه بأن محمدًا رسول الله، ألا يعبد الله بغير ما شرعه الله عَلَى لسان رسوله محمد - ﷺ -.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٦).\n(*) \"متيقنا\": \"نسخة\".\n(٢) أخرجه مسلم (٣١) من حديث أبي هريرة.\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٧) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٠٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير معاوية بن معتب، وهو ثقة.\n(٤) أخرجه أحمد (١/ ٦٣).\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٠): قلت: لعمر حديث رواه ابن ماجه، بغير هذا السياق، ورجاله ثقات، رواه أحمد.\n(٥) أخرجه البيهقي في الشعب رقم (٩) من حديث أبي قتادة.\nوأورده الهيثمي في المجمع (١/ ٢٦) عن سعد بن عبادة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أطاع بها قلبه، وذل بها لسانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله حرمه الله -﷿- عَلَى النار\".\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الرحمن بن ريد بن أسلم، والأكثر عَلَى تضعيفه.","vol":"3","page":52},{"text":"وقد جاء هذا المعنى مرفوعًا إِلَى النبي - ﷺ - صريحًا أنَّه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ\nإِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قِيلَ: مَا إِخْلَاصُهَا يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: أَنْ تَحْجِزَكَ (عَمَّا) (*) حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيكَ».\nوهذا يُروى من حديث أنس بن مالك (١)، وزيد بن أرقم (٢)، ولكن إسنادهما لا يصح. وجاء أيضًا من مراسيل الحسن نحوه.\nوتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله غير الله، والإله الَّذِي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالا منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله ﷿، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده (فكان فيه عبودية لذاك المخلوق) (**) بحسب ما فيه من ذلك.\n...\n_________\n(*) عن كل ما: \"نسخة\".\n(١) أخرجه الخطيب في تاريخه (١٢/ ٦٤).\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٥٠٧٤)، وفي الأوسط (٣ - مجمع البحرين).\nوأورده الهيثمي في المجمع (١/ ٢٣) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير إلا أنَّه قال في الكبير: قال رسول الله - ﷺ -: \"إخلاصه أن تحجزه عما حرم الله عليه\" وفي\nإسناده: محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، وهو وضاع.\n(**) وكان فيه من عبودية المخلوق \"نسخة\".","vol":"3","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الشرك والكفر له أصل وفروع</span>\nوهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك عَلَى كثير من المعاصي (التي) (*) منشؤها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه، أو التوكل عليه أو العمل لأجله، كما ورد في (الصحيح) (**) إطلاق الشرك عَلَى الرياء (١)، وعلى الحلف بغير الله (٢)، وعلى التوكل عَلَى غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوَّى بين الله وبين المخلوق في المشيئة، مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان (٣).\nوكذا قوله: ما لي إلا الله وأنت؛ وكذلك ما يقدح في التوكل وتفرد الله بالنفع والضر: كالطيرة، والرُّقَى المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يَقُولُونَ، وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادحٌ في تمام التوحيد وكماله.\nولهذا أطلق الشرع عَلَى كثير من الذنوب التي منشؤها من اتباع هوى النفس بما هو كفر وشرك؛ كقتال المسلم (٤)، ومن أتى حائضًا أو امرأة في\n_________\n(*) الَّذِي: \"نسخة\".\n(**) في نسخة استانبول: صحيح، وما أثبته الأنسب للسياق، والأحاديث في \"المسند\" وليست في الصحيح.\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨) بلفظ: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر.\nقالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: \"الرياء\" من حديث محمود بن لبيد.\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٢٥)، وأبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥). بلفظ: \"لا تحلف بأبيك؛ فإنَّه من حلف بغير الله فقد أشرك\" من حديث ابن عمر.\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨)، وأبو داود (٤٩٨٠) بلفظ: \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان\" من حديث حذيفة بن اليمان.\n(٤) أخرج البخاري (٦٠٤٤)، ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود مرفوعًا بلفظ:=","vol":"3","page":54},{"text":"دبرها (١)، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة (٢)، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملّة بالكلية.\nولهذا قال السَّلف: كُفر دون كفر، وشرك دون شرك.\n_________\n= \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\".\n(١) أخرج الترمذي (١٣٥) وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل عَلَى محمد\".\nوقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة. وإنَّما معنى هذا عند أهل العِلْم عَلَى التغليظ. وقد رُوي عن النبي - ﷺ - قال: \"من أتى حائضًا فليتصدق بدينار\". فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة.\nوضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده.\n(٢) أخرج الترمذي (١٤٤٤) وغيره من حديث معاوية مرفوعًا بلفظ: \"من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه\".\nقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة والشريد وشرحبيل بن أوس وجرير وأبي الرَّمَد البَلَوي وعبد الله بن عمرو.\nوقال أبو عيسى: حديث معاوية هكذا روى الثوري أيضًا عن عاصم عن أبي صالح عن معاوية عن النبي ﷺ، وروى ابن جريج ومعمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.\nقال: سمعت محمدًا يقول: حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي ﷺ في هذا أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد.\nهكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: \"إِنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ\"، قال: ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ.\nوكذلك روى الزهري عن قبيصة بن ذويب عن النبي ﷺ نحو هذا، قال: فَرَفَعَ الْقَتْلَ وَكَانَتْ رُخْصَةً، والعمل عَلَى هذا الحديث عند عامة أهل العِلْم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما رُوي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنَّه قال: \"لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِى، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ\".","vol":"3","page":55},{"text":"وقد ورد إطلاق الإله عَلَى الهوى المتَّبع، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وقال الحسن: هو الَّذِي لا يهوى شيئًا إلا ركبه.\nوقال قتادة: هو الَّذِي كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه لا يحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى.\nورُوي من حديث أبي أمامة مرفوعًا بإسناد ضعيف: «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعْبَدُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ» (١).\nوفي حديث آخر: \"لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن أصحابها حتى يؤثروا دنياهم عَلَى دينهم، فَإِذَا فعلوا ذلك رُدَّت عليهم، وقِيلَ لَهُم: كذبتم\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي (٢/ ٣٠١)، (٣/ ٦٩) والطبراني في الكبير (٨/ ٧٥٠٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١١٨) من طريق الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن راشد بن سعد عن أبي أمامة.\nقال ابن عدى (٢/ ٣٠١): وهذا إن كان البلاء فيه من الحسن، وإلا من الخصيب ابن جحدر، ولعله أضعف منه.\nوقال ابن عدي (٣/ ٦٩): وللخصيب أحاديث غير ما ذكرته، وأحاديثه قلما يتابعه أحد عليها، وربما روى عنه ضعيف مثله مثل عباد بن كثير والحسن بن دينار، كما ذكرته، فلعل البلاء منهم لا منه.\nوقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٩٣): رواه الطبراني في الكبير، وفيه الحسن بن دينار، وهو متروك الحديث.\n(٢) أخرجه أبو يعلى (٤٠٣٤) من حديث أنس.\nوسئل أبو حاتم الرازي عنه كما في العلل لابنه برقم (١٨٥٧) فَقَالَ: هذا خطأ، إِنَّمَا هو أبو سهيل عن مالك بن أنس عن النبي ﷺ مرسل.\nوقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧٧): رواه البزار وإسناده. حسن. قلت: وليس كما قال.\nوأخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٧) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده: عبد الله بن محمد بن عجلان، قال عنه العقيلي: منكر الحديث، لا يتابع على هذين الحديثين. وذكر هذا الحديث وآخر.\nوأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧٧) وقال: رواه البزار، وفيه: عبد الله بن محمد ابن عجلان، وهو ضعيف جدًّا. اهـ.\nوللحديث روايات أخرى كلها ضعيفة.","vol":"3","page":56},{"text":"ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: \"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ\" (١).\nفدل هذا عَلَى أن كل من أَحَبّ شيئًا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله؛ فهو عبده، وذلك الشيء معبوده وإلهه.\n...\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٨٨٦).","vol":"3","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>طاعة الشيطان تقدح في توحيد الرحمن</span>\nويدل عليه أيضًا أن الله -تعالى- سمَّى طاعة الشيطان في معصية عبادةً للشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]. وقال حاكيًا عن خليله إبراهيم أنَّه قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤].\nفمن لم يحقق عبودية الرحمن وطاعته فإنَّه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن، وهم الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].\nفهم الذين (حققوا) (*) قول: \"لا إله إلا الله\" وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إِلَى غير الله، محبةً ورجاءً وخشية وطاعة وتوكلا، وهم الذين صدقوا في قول: \"لا إله إلا الله\" وهم عباد الله حقًّا.\nفأما من قال: \"لا إله إلا الله\" بلسانه ثم أطاع الشيطان، وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعلُهُ قولَهُ، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].\nفيا هذا كن عبد الله لا عبد الهوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] \"تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ\" والله ما ينجو غدًا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله\n_________\n(*) حفظوا: \"نسخة\".","vol":"3","page":58},{"text":"وحده، ولم يلتفت معه إِلَى شيء من الأغيار\".\nمن علم أن إلهه ومعبوده فرد، فليُفرده بالعبودية ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\nكان بعض العارفين يتكلم عَلَى أصحابه عَلَى رأس جبل، فَقَالَ في كلامه: لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردًا بفرد، فانزعج واضطرب، حتى رأى أصحابه أن الصخور قد تدكدكت، وبقي عَلَى ذلك ساعات، فلما أفاق فكأنه نُشر من قبر.\nقوله: \"لا إله إلا الله\" يقتضي أن لا يحب سواه، فإن الإله هو الَّذِي يطاع، محبةً وخوفًا ورجاءً، ومن تمام محبته محبةُ ما يحبه وكراهية ما يكرهه، فمن أَحَبّ شيئًا مما يكره الله، أو كره شيئًا مما يحبه الله لم يكمل توحيده ولا صدقه في قول: لا إله إلا الله، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله، وما أحبه مما يكرهه الله. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨].\n***","vol":"3","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>دلالة محبة الله ﷿</span>\nقال الليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، قال: لا تحبوا غيري.\nوفي صحيح الحاكم (١) عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «الشَّرَكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْجَوْرِ، أَوْ أَنْ تُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ؟».\nقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\nوهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة عَلَى ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي.\nوقال الحسن: اعلمْ أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته!\nوسئل ذو النون: متى أحبّ ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر.\nوقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك.\nوقال أبو يعقوب النَّهْرجَوري: كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة.\nوقال يحيى بن معاذ: ليس بصادقٍ من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.\nوقال رويم: المحبة: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد:\nوَلَوْ قُلْتَ لي مُتْ مُتُّ سَمعًا وطَاعَةً ... وَقلت لِدَاعي المَوْتِ أهلا ومَرْحَبًا\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٢٩١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم=","vol":"3","page":60},{"text":"ويشهد لهذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\nقال الحسن: قال أصحاب النبي - ﷺ -: يا رسول، الله إنا نحب ربنا حبًّا شديدًا؛ فأحبَّ الله أن يجعل لحبه علمًا. فأنزل الله -تعالى- هذه الآية.\nومن هنا يُعلم أنَّه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدًا رسول الله؛ فإنَّه إذا علم أنَّه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه. ولا طريق إِلَى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة محمد المبلّغ عن الله ما يحبه وما يكرهه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله وتصديقه ومتابعته.\nولهذا قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ...﴾ إِلَى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] كما قرن بين طاعته وطاعة رسوله في مواضع كثيرة.\nوقال - ﷺ -: \"ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، وَأَنْ يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ\" (١).\n...\n_________\n=يخرجاه. وتعقبه الذهبي في التلخيص قائلا: عبد الأعلى، قال الدارقطني: ليس بثقة.\n(١) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس.","vol":"3","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>تلازم الظاهر والباطن</span>\nهذا حال السحرة لما سكنت المحبة قلوبهم، سمحوا ببذل نفوسهم، قالوا لفرعون: \"اقض ما أنت قاض\" ومتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إِلَى طاعة الرب.\nوهذا هو معنى الحديث الإلهي الَّذِي خرَّجه البخاري في \"صحيحه\" (١) وفيه: \"وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا\". وفي بعض الروايات: \"فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش، وبي يمشي\".\nوالمعنى أن محبه الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إِلَى مراضي الرب، وصارت النفس حينئذٍ مطمئنة، ففنيت بإرادة مولاها عن مرادها وهواها.\nيا هذا، اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله عَلَى حرف، إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب عَلَى وجهه خسر الدُّنْيَا والآخرة، ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يُرد صاحبها إلا ما يريده مولاه.\nوفي بعض الكتب السالفة: من أَحَبّ الله لم يكن في شيءٌ عنده آثر من رضاه، ومن أحبَّ الدُّنْيَا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه.\nوروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن الحسن قال: (ما نظرت) (*) ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بَطَشْتُ بيدي، ولا نَهَضْتُ عَلَى قدمي، حتى أنظر عَلَى طاعة\n_________\n(١) برقم (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.\n(*) ما ضربت: \"نسخة\".","vol":"3","page":62},{"text":"أو معصية، فإن كانت طاعة تقدمتُ، وإن كانت معصية تأخرت.\nهذا حال خَوَاصّ المحبين الصادقين، فافهموا -رحمكم الله- هذا، فإنَّه من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. وإلى هذا أشار - ﷺ - في خطبته لما قدم المدينة حيث قال: \"أحبوا الله من كل قلوبكم\" وقد ذكرها ابن إسحاق (١) وغيره.\nفإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل بقوله:\nأروح وَقد ختمت على فُؤَادِي ... بحبِّك أَن يَحُلَّ بِهِ سواكا\nفَلَو أَنِّي اسْتَطَعْت غضضت طَرفِي ... فَلم أنظُر بِهِ حَتَّى أراكا\nأحبك لَا ببعضي بل بكلِّي ... وَإِن لم يُبْق حُبُّك لي حِراكا\nوَفِي الأحباب مَخْصُوص بوجدٍ ... وَآخر يَدَّعِي معه اشتراكا\nإِذا اشتكبت دموعٌ فِي خدودٍ ... تبيَّن من بَكَى مِمَّن تباكى\nفَأَما من بَكَى فيذوبُ وجدًا ... وينطقُ بالهوى من قد تشاكى\nمتى بقي للمحب من نفسه حظ، فما بيده من المحبة إلا الدعوى، إِنَّمَا المحب من يفنى عن نفسه كله، ويبقى بحبيبه، \"فبي يسمع، وبي يبصر\".\nالقلب بيت الرب:\nوفي الإسرائيليات يقول الله: \"ما وسعني سمواتي ولا أرضي، ولكن وسعني قلبُ عبدي المؤمن\" (٢). فمتى كان القلب فيه غير الله، فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى.\nالحق -تعالى- غيور، يغار عَلَى عبده المؤمن من أن يسكن في قلبه سواه،\n_________\n(١) أخرج ذلك البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥) من طريق ابن إسحاق، وذكر ذلك ابن هشام في السيرة (٢/ ١٤٦ - ١٤٧) دون إسناد.\n(٢) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٨/ ١٢٢) فقد ذكر أن هذا الحديث من الإسرائيليات.","vol":"3","page":63},{"text":"وأن يكون فيه شيء لا يرضاه.\nأردناكموا صِرْفًا فلما مَزَجْتُم ... بعُدْتُم بمقدار التفاتكموا عنَّا\nوقلنا لكم لا تُسْكِنُوا غَيْرَنَا ... فأسْكَنْتُمُوا الأغيار ما أنتموا مِنَّا\n***","vol":"3","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>النجاة لا تكون إلا لصاحب القلب السليم</span>\nلا ينجو غدًا إلا من لقي الله بقلب سليم، ليس فيه سواه؛ قال الله -تعالى-: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٩٠].\nالقلب السليم هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة (القدوس) (*) إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال منه الخبث صلح حينئذٍ للمجاورة، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.\nفأما القلوب الطيبة فتصلح للمجاورة من أول الأمر: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢].\nومن لم يُحرق اليوم قلبَه بنار الأسف عَلَى ما سلف، أو بنار الشوق إِلَى لقاء الحبيب، فنار جهنم له أشد حرًا.\nما يحتاج إِلَى التطهير بنار جهنم إلا من لم يُكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه.\n...\n_________\n(*) القدس: \"نسخة\".","vol":"3","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>احذروا الرياء</span>\nأول من تُسعر به النار من الموحدين العباد المراءون بأعمالهم؛ أولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء (١)؛ لأنّ يسير الرياء شرك.\nما ينظر المرائي إِلَى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق.\nالمرائي يُزوِّر التواقيع عَلَى اسم الملك ليأخذ البراطيل (٢) لنفسه، ويوهم أنَّه من خاصة الملك، وهو ما يعرف الملك بالكلية.\nنقش المرائي عَلَى الدرهم الزائف اسم الملك ليروج، والبهرج (٣) ما يجوز إلا عَلَى غير الناقد.\nوبعد أهل الرياء يدخل النار أصحاب الشهوات وعبيد الهوى، الذين أطاعوا هواهم، وعصوا مولاهم، فأما عبيد الله حقًّا، فيقال لهم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].\nنار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين.\nفي الحديث: \"تقول النار للمؤمن: (جُزْ) (٤)، فقد أطفأ نورك\n_________\n(١) يشير إِلَى الحديث الَّذِي رواه مسلم برقم (١٩٠٥) من حديث أبي هريرة.\n(٢) البراطيل: جمع برطيل بكسر الباء، وهو الرشوة، ويقال في المثل: البراطيل تنصر الأباطيل. كأنه مأخوذ من البرطيل الَّذِي هو المعول؛ لأنه يستخرج به ما استتر.\nوفتح الباء عاميُّ - المصباح المنير (ص ٤٢).\n(٣) البهرج: مثل جعفر. الرديء من الشيء ... ودرهمٌ بَهْرَجٌ: رديء الفضة. وبُهْرِجَ الشيء -بالبناء للمفعول-: أخذ به عَلَى غير الطريق - المصباح المنير (ص ٦٤).\n(٤) كذا وقع في الأصول المخطوطة، وفي جميع النسخ المطبوعة ومصادر التخريج [جُز يا مؤمن].","vol":"3","page":66},{"text":"لهبي! \" (١).\nوفي \"المسند\" (٢) عن جابر عن النبي ﷺ: \"لَا يَبْقَى (بَرٌّ) (*) وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ\".\nهذا ميراث ورثه المحبون من حال الخليل -﵇.\nنار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم.\nقال الجنيد: قالت النار: يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني؟ قال: نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى. قالت: وهل هناك نار أعظم مني وأشد؟! قال: نار محبتي أسكنها قلوب أوليائي المؤمنين.\nقفا قليلًا بها عَلَيَّ فلا ... أقلَّ من نظرة أرددها\nففي فؤاد المحبِّ نارُ جويّ ... أحرُّ نار الجحيم أبردُها\nلولا دموع المحبين تطفئ بعض ... حرارة الوجد لاحترقوا كمدًا\nدعوه يطفي بالدموع حرارة ... عَلَى كبدٍ حرِّي دعوه دعُواه\nسلوا عاذليه يعذروه هنيهة ... فبالعذل دون الشوق قد قتلوه\nكان بعض العارفين، يقول: أليس عجبًا أن كون حيًّا بين أظهركم، وفي\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٩٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٦٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٣٢) من طرق عن بشير بن طلحة عن خالد بن دريك عن يعلي بن منية مرفرعًا.\nقلت: وهذا الطريق فيه علتان، إحداهما: ضعف بشير بن طلحة، والثانية: الانقطاع بين خالد بن دريك ويعلي بن منية.\nوقد أخرجه البيهقي في الشعب (٤٦٩ - سلفية) من طريق سليم بن منصور بن عمار حدثني أبي عن الهقل بن زياد عن خالد بن دريك عن بشير، وهو منكر.\nقلت: وقد حدث قلب في هذا السند؛ لأن خالدًا شيخ بشير لا تلميذه.\n(٢) (٣/ ٣٢٨، ٣٢٩).\n(*) مؤمن: \"نسخة\".","vol":"3","page":67},{"text":"قلبي من الاشتياق إِلَى ربي مثل شُعَلِ النار التي لا تنطفئ؟!\nولم أرَ مِثْل نارِ (المحبين) (*) نارًا ... تزيدُ بُبُعد موقِدِها اتِّقادًا\nما للعارفين شغل بغير مولاهم، ولا همّ في غيره.\nوفي الحديث: \"من أصبح وهمه غير الله فليس من الله\" (١).\nقال بعضهم: من أخبرك أن الله وليه [و] (٢) همه في غيره فلا تصدقه.\nوكان داود الطائي يقول في الليل: همك عطّل عليّ الهموم، وحال بيني وبين السهاد، وشوقي إِلَى النظر إليك أوبق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب.\nما لي شُغْلٌ سواه ما لي شُغلُ ... ما يصرفُ قلبي عن هواه عذل\nما أصنع إن جَفَا وخَابَ الأملُ ... مني بَدلٌ ومنه مالي بَدَلُ\nإخواني: إذا فهمتم هذا المعنى فهمتم معنى قول النبي ﷺ: \"من شهد أن لا إله إلا الله (صدقًا) (**) من قلبه حرّمه الله عَلَى النار\" (٣).\n...\n_________\n(*) الحب: \"نسخة\".\n(١) أخرجه بهذا اللفظ ابن بشران في \"الأمالي\" (٧/ ١٠٥/ ١)، (ج١٩/ ٣/ ٢) كما في الضعيفة للألباني برقم (٣١١)، والحاكم (٤/ ٣٢٠) من طريق إسحاق بن بشر، ثنا مقاتل بن سليمان عن حماد عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود مرفوعًا.\nونقل العلامة الألباني -﵀- قول ابن بشران: \"هذا حديث غريب، تفرد به إسحاق بن بشر\" وقال الذهبي في \"التلخيص\": \"إسحاق ومقاتل ليسا بثقتين ولا صادقين\".\nوحكم عليه العلامة الألباني بالوضع؛ فراجعه في الضعيفة برقم (٣١١).\n(٢) سقطت من الناسخ، وبها يستقيم المعنى.\n(**) خالصًا: \"نسخة\".\n(٣) أخرجه البخاري (١٢٨).","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>من صدق في قول لا إله إلا الله نجا من كربات يوم القيامة</span>\nفأما من دخل النار من أهل الكلمة، فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت في قولها طهَّرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر (لما سوى) (*) الله، فمن قلة (صدقه) (**) في قولها.\nمن صَدَق في قوله: لا إله إلا الله، لم يحبّ سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا عَلَى الله، ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه.\nومع هذا فلا تظنوا أن المراد أن المحب مطالب بالعصمة، وإنَّما هو مطالب كلما زَلَّ أن يتلافى تلك الوصمة.\nقال زيد بن أسلم: إن الله ليحبُّ العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك.\nوقال الشعبي: إذا أَحَبّ الله عبدًا لم يضره (ذنب) (...).\nوتفسير هذا الكلام أن الله ﷿ له عناية بمق يحبه من عباده، فكلما زلق ذلك العبد في هوة الهوى أخذ بيده إِلَى نجوة النجاة، ييسر له أسباب التوبة، وينبهه عَلَى قبح الزلة، فيفزع إِلَى الاعتذار، ويبتليه بمصائب مكفّرة لما جنى.\nوفي بعض الآثار: يقول الله: \"أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي\n_________\n(*) لسوى: \"نسخة\".\n(**) الصدق: \"نسخة\".\n(...) ذنبه: \"نسخة\".","vol":"3","page":69},{"text":"أهل كرامتي، وأهل مصيبتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (١) عن جابر عن النبي ﷺ قال: \"الحمى تذهب الخطايا كما يذهب الكير الخبث\".\nوفي \"المسند\" (٢) و\"صحيح ابن حبان\" (٣) عن عبد الله بن مغفل \"أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ امْرَأَةً كَانَتْ بَغِيًّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَجَعَلَ يُلَاعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَتِ: مَهْ (٤) فَإِنَّ اللهَ أَذْهَبَ بِالشِّرْكِ وَجَاءَ بالإِسْلامِ! فَتَرَكَهَا وَوَلَّى، فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ خَلْفَهُ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى أَصَابَ وَجْهُهُ حَائِطًا، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- وَالدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ فَقَالَ - ﷺ -: «أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ ذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\".\nيا قوم، قلوبكم عَلَى أصل الطهارة، وإنَّما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فرشوا عليها قليلًا من (ماء) (*) العيون، وقد طهرت.\nاعزموا عَلَى فطام النفوس عن رضاع الهوى، فالحِمية رأس الدواء.\nمتى طالبتكم بمألوفاتها، فقولوا لها كما قالت تلك المرأة لذلك الرجل، الَّذِي دمي وجهه: قد أذهب الله الشرك وجاء بالإسلام، والإسلام يقتضي الاستسلام والانقياد للطاعة.\nذكِّروها مدحةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لعلها تَحِنَّ إِلَى الاستقامة.\n_________\n(١) برقم (٢٥٧٥).\n(٢) (٤/ ٨٧).\n(٣) برقم (٢٩١١ - إحسان).\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٩١): ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(٤) اسكت واكفف.\n(*) دمع: \"نسخة\".","vol":"3","page":70},{"text":"عرِّفوها اطلاع من هو أقرب إليها من حبل الوريد، لعلها تستحي من قربه ونظره: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].\nراود رجل امرأة في فلاة ليلا فأبت، فَقَالَ لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: فأين مُكَوْكبُها؟!\nأكره رجلٌ امرأة عَلَى نفسها، وأمرها بغلق الأبواب ففعلت، فَقَالَ لها: هل بقي باب لم تغلقيه؟ قالت: نعم، الباب الَّذِي بيننا وبين الله! فلم يتعرض لها.\nرأى بعض العارفين رجلًا يكلم امرأة، فَقَالَ: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما!.\nسُئل الجنيد: بم يستعان عَلَى غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبقُ من نظرك إِلَى ما تنظر.\nوقال المحاسبي: المراقبة: علم القلب بقرب الرب.\nكلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء من قربه ونظره.\nوصّى النبي ﷺ رجلًا أن يستحي من الله كما يستحي من رجل صالح من عشيرته لا يفارقه (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو بكر الإسماعيلي ما ذكر ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٠٥) من حديث نصر ابن خزيمة بن جنادة بن علقمة حدثني أبي عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائد قال: قال عمر: \"جاء رجل إِلَى النبي ﷺ فقال: زودني حكمة أعش بها. فَقَالَ: استح الله كما تستحي رجلًا من صالح عشيرتك لا يفارقك\".\nقال ابن كثير: هذا حديث غريب.\nوأخرجه ابن عدى (٢/ ١٣٦)، (٤/ ٩٠) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ اسْتِحْيَاءَكَ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي عَشِيرَتِكَ\".\nوفي إسناده جعفر بن الزبير (وصفدي) بن سنان، قال ابن عدي: ولجعفر بن الزبير هذا أحاديث غير ما ذكرت عن القاسم، وعامتها مما لا يتابع عليه، والضعف عَلَى حديثه بيِّن. =","vol":"3","page":71},{"text":".........................................\n_________\n=وقال عن الرواية الأخرى (٤/ ٩٠): وهذا يرويه الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ وأتى به (صفدي) (*) عن جعفر بن القاسم، عن أبي أمامة، ولعل البلاء فيه من جعفر لا من صفدي، فإن صفدي خير من جعفر بن الزبير، ولصفدي غير ما ذكرت من الحديث يتبين عَلَى حديثه ضعفه.\nقلت: وحديث سعيد بن يزيد أخرجه أحمد في الزهد (ص ٥٩) والطبراني في الكبير (٦/ ٥٥٣٩) ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٢٧).\nقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٨٤): ورجاله وثقوا عَلَى ضعف في بعضهم.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٧٧٣٨) من طريق ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير سمع سعيد بن زيد \"أن رجلًا قال للنبي - ﷺ - أوصني .. \" فذكره.\nقال البيهقي: كذا قال: سعيد بن زيد، وقال غيره: سعيد بن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن يزيد الأزدي عن ابن عم له قال: \"قلت: يا رسول الله ... \" فذكره، وروى هذا عن جعفر بن الزبير -وهو ضعيف- عن القاسم عن أبى أمامة عن النبي - ﷺ -.\nوسئل الدارقطني في العلل (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢) برقم [٦٦٩] عن هذا الحديث فَقَالَ: حدث به يزيد بن أبي حبيب واختلف عنه، فرواه الليث بن سعد عن يزيد عن أبي الخير عن سعيد بن زيد أو سعد بن زيد عن النبي ﷺ.\nوخالفه عبد الحميد بن جعفر فرواه عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن سعيد بن زيد عن ابن عم له قال: \"قلت: يا رسول الله أوصني ... \" الحديث.\nوقول عبد الحميد بن جعفر أشبه.\nوذكر الحديث ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٧٢): وقال: وليس بمحفوظ.\nثم ذكر الخلاف في السند.\nوذكر في المراسيل (ص ٦٨) أن سعيد بن يزيد ليست له صحبة.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٧٧٣٩) من طريق المعارك بن عباد البصري عن أبي عباد عن جده أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ مختلف، وقال البيهقي: إسناده ضعيف، وله شاهد ضعيف.\nوقال المناوي في فيض القدير (٥/ ٣٥): فيه ضعفاء منهم: معارك بن عباد، أورده الذهبي في الضعفاء وقال: ضعفه الدراقطني وغيره.\nوللحديث شاهد أخرجه البزار (١٩٧٢ - كشف) من حديث معاذ، وفي إسناده: سعيد بن كثير وابن لهيعة وهما ضعيفان.\n_________\n(*) تصحف في الكامل إِلَى \"صغدي\" بالغين المعجمة، والصواب: صفدي - بالفاء.","vol":"3","page":72},{"text":"قال بعضهم: استح من الله عَلَى قدر قربه منك، وخف الله عَلَى قدر قدرته عليك.\nكان بعضهم يقول لي منذ أربعين سنة ما خطوت خطوة لغير الله، ولا نظرت إلى شيء أستحسنه حياءً من الله -﷿-:\nكَأَن رقيبًا مِنْك يرْعَى خواطري ... وَآخر يرْعَى ناظري ولساني\nفَمَا أَبْصرت عَيْنَايَ بعْدك منْظرًا ... لغيرك إِلَّا قلتُ قد رَمَقاني\nوَلَا بدرت من فِيَّ بعْدك لَفْظَة ... لغيرك إِلَّا قلتُ قد سمعاني\nوَلَا خطرت من ذكر غَيْرك خطرة ... على الْقلب إِلَّا عرَّجا بعناني\n***","vol":"3","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>فصل فضائل كلمة التوحيد</span>\nوكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن ها هنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها.\nفهي كلمة التقوى، كما قاله عمر (١) وغيره من الصحابة.\nوهي كلمة الإخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ونجاة هذا الأمر، ولأجلها خُلق الخلق.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢].\nوهذه الآية أول ما عدَّد الله عَلَى عباده من النعم في سورة النعم التي تسمى \"سورة النحل\".\nولهذا قال ابن عيينة: ما أنعم الله عَلَى العباد نعمة أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلا الله، وإن لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدُّنْيَا، ولأجلها\n_________\n(١) أخرج أحمد في مسنده (١/ ٦٣) من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ثم إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًّا من قلبه إلا حرم عَلَى النار\". فَقَالَ له عمر بن الخطاب ﵁: أنا أحدثك ما هي كلمة الإخلاص التي أعز الله ﵎ بها محمد - ﷺ -، وهي كلمة التقوى ... \" الحديث.","vol":"3","page":74},{"text":"أعدت دارُ الثواب ودار العقاب في الآخرة.\nفمن قالها ومات عليها كان من أهل دار الثواب، ومن ردها كان من أهل العقاب.\nومن أجلها أُمرت الرسل بالجهاد، فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه (هدر) (*).\nوهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلم الله موسى كفاحًا (١).\nوفي \"مسند البزار\" (٢) وغيره عن عياض الأنصاري عن النبي ﷺ قال: \"إن لا إله إلا الله كلمة حقٍّ عَلَى الله كريمة، ولها من الله مكان، وهي كلمة جُمعت وشُرِكَتْ؛ فمن قالها صادقًا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبًا أحرزت ماله، وحقنت دمه، ولقي الله فحاسبه\".\nوهي مفتاح الجنة كما تقدم.\nوهي ثمن الجنة؛ قاله الحسن.\nوجاء مرفوعًا من وجوهٍ ضعيفة (٣): \"ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة\" (٤).\nوهي نجاة من النار:\n_________\n(*) حلال: \"نسخة\".\n(١) أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول. النهاية (٤/ ١٨٥).\n(٢) أورده الهيثمي في المجمع (١/ ٢٦) وقال: رواه البزار ورجاله موثقون، إن كان تابعيه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.\n(٣) منه ما أخرجه ابن عدي (٦/ ٣٤٨) من حديث أنس.\nوفي إسناده: موسى بن إبراهيم قال عنه ابن عدي: حدث بالمناكير عن قوم ثقات أو من لا بأس بهم. ثم ذكر له عدة روايات ثم قال: ولموسى بن إبراهيم هذا أحاديث غير ما ذكرت عن ثقات الناس، وهو بَيَّن الضعف عَلَى رواياته وحديثه.\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣، ٢٤٧) بلفظ: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة\". وأبو داود (٣١١٦) بلفظ: \"دخل الجنة\". والحاكم (١/ ٣٥١، ٥٠٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"3","page":75},{"text":"وسمع النبي ﷺ مؤذنًا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فَقَالَ: \"خرج من النار\" خرجه مسلم (١).\nوهي توجب المغفرة:\nفي \"المسند\" (٢) عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمًا: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، وَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ بَعَثْتَنِي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَأَمَرْتَنِي بِهَا، وَوَعَدْتَنِي الْجَنَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. ثُمَّ قَالَ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ\".\nوهي أحسن الحسنات:\nقال أبو ذَرٍّ: \"قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: \"إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ؟ قَالَ: هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ\" (٣).\n_________\n(١) برقم (٣٨٢) ولفظه: \"خرجت من النار\".\n(٢) (٤/ ١٢٤).\nأخرجه البزار في مسنده (٢٧١٧ - البحر الزخار) وكما في كشف الأستار (١٠)، والطبراني في الكبير (٧/ ٧١٦٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠١).\nقال البزار: وهذا لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد.\nوقال الحاكم: حال إسماعيل بن عياض يقرب من الحديث قبل هذا، فإنَّه أحد أئمة الشام، وقد نسب إِلَى سوء الحفظ، وأنا عَلَى شرطي في أمثاله.\nوقال الذهبي في التلخيص: راشد ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه دحيم.\nوقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٤): رواه أحمد والطبراني والبزار، ورجاله موثقون.\nوقال أيضًا في (١٠/ ٨٤): رواه أحمد وفيه راشد بن داود وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٩).\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٤): رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن شمر بن=","vol":"3","page":76},{"text":"وهي تمحو الذنوب والخطايا:\nوفي \"سنن ابن ماجه\" (١) عن أم هانئ بنت أبي طالب عن النبي - ﷺ - قال: \"لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا، ولا يسبقها عملٌ\".\nرؤي بعض السَّلف بعد موته في المنام، فسئل عن حاله، فَقَالَ: ما أبقت لا إله إلا الله شيئًا.\nوهي تجدد ما دُرِسَ من الإيمان في القلب:\nوفي \"المسند\" (٢) \"أن النبي ﷺ قال لأصحابه: جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟! قَالَ: قُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ\".\nوهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، فلو وزنت بالسماوات والأرض رجحت بهن.\nكما في \"المسند\" (٣) عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -: \"أَنَّ نُوحًا قَالَ\n_________\n=عطية حدَّث به عن أشياخه عن أبي ذر، ولم يسم أحدًا منهم.\n(١) برقم (٣٧٩٧). قال في الزوائِد: في إسناده زكريا بن منظور، وهو ضعيف.\n(٢) (٢/ ٣٥٩)، وأخرجه ابن عدي (٤/ ٧٧)، والحاكم (٤/ ٢٥٦) من طريق صدقة بن موسى ثنا محمد بن واسع عن سُمَيرِ بن نهار عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوفي إسناده صدقة بن موسى قال عنه ابن عدي: وبعض أحاديث مما يتابع عليه، وبعضه مما لا يتابع عليه.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بأن صدقة ضعفوه.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٥): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات.\n(٣) (٢/ ١٧٠، ٢٢٥)، وأخرجه الحاكم (١/ ٤٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه للصقعب بن زهير، فإنه ثقة قليل الحديث.\nوقال الذهبي: صحيح الإسناد والصقعب ثقة، ورواه ابن عجلان عن زيد بن أسلم مرسلًا.\nوأورده الهيثمي (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠) مطولا في كتاب الوصايا وقال: ورجال أحمد ثقات.","vol":"3","page":77},{"text":"لَابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَات السَّبع وَالْأَرْضين السَّبع لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضين السَّبع كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ\".\nوفيه أيضًا عن عبد الله بن عمرو (١) عن النبي - ﷺ -: \"أن مُوسَى -﵇- قَالَ: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: يَا رَبِّ!، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا.! قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصَّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كَفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" (٢).\nولذلك نرجح بصحائف الذنوب:\nكما في حديث السجلات والبطاقة، وقد خرّجه أحمد (٣) والنسائي (٤)\n_________\n(١) كذا وقع في نسخنا الخطية عزو الحديث إِلَى المسند وإِلَى عبد الله بن عمرو.\nقال العلامة الألباني -﵀-: إن العزو للمسند خطأ كما أن عزوه إِلَى حديث عبد الله بن عمرو خطأ، وإنَّما هو من حديث أبي سعيد الخدري اهـ.\n(٢) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٨٣٤، ١١٤١)، وأبو يعلي (١٣٩٣)، وابن حبان (٦٢١٨ - إحسان)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٢٨ - ٥٢٩) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨) من طرق عن عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\nقال أبو نعيم: غريب من حديث عمرو لم يروه عنه إلا ابن وهب.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٢): ورجاله قد وثقوا، وفيهم ضعف.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nقلت: وليس كما قال؛ لأنّ في رواية دراج عن أبي الهيثم ضعف كما ذكر العُلَمَاء.\n(٣) (٢/ ٢١٣، ٢٢١ - ٢٢٢).\n(٤) لم أجده في سنن النسائي ولا في تحفة الأشراف وهو من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو، وهو في سننن ابن ماجه (٤٣٠٠)، وفي مستدرك الحاكم (١/ ٦، ٥٢٩) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين، وهو صحيح عَلَى شرط مسلم.","vol":"3","page":78},{"text":"والترمذي (١) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ.\nوهي التي تخرق الحجب كلها حتى تصل إِلَى الله ﷿.\nوفي \"الترمذي\" (٢) عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: \"لا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب، حتى تصل إليه\".\nوفيه أيضًا (٣) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «مَا قَالَ عَبْدٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى تُفْضِيَ إِلَى العَرْشِ مَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ».\nويُروى عن ابن عباس مرفوعًا: \"ما من شيء إلا بينه وبين الله حجابٌ، إلا قول: لا إله إلا الله، كما أن شفيتك لا تحجبها كذلك، لا يحجبها شيءٌ، حتى تنتهي إِلَى الله ﷿\" (٤).\nوقال أبو أمامة: ما من عبد يهلل تهليلة فينهنهها (٥) شيء دون العرش.\nوهي التي ينظر الله إِلَى قائلها، ويجيب دعاه.\nخرَّج النسائي في كتاب \"اليوم والليلة\" (٦) من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ: \"مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مخلصًا بها روحه مصدقًا بها قلبه ولسانه، إلا فتق الله له السماء فتقًا، حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحُقّ لعبدٍ نظر الله\n_________\n(١) برقم (٢٦٣٩) وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(٢) برقم (٣٥١٨) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.\n(٣) برقم (٣٥٩٠) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(٤) أخرجه الختلي في الديباج كما في اللآلئ المصنوعة للسيوطي (٢/ ٣٤٥) وفي إسناده: عثمان بن عطاء بن أبي أسلم الخراساني، وقد ضعفه ابن معين والساجي، ولينه غيرهما وقالوا: ليس بالقوي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.\nوقد استفدت في تخريج هذا الحديث من أخي أبي إسحاق السمنودي مجدي بن حمودة في تخريجه لنفس الرسالة - رغم اعتراضي عليه في مواضع كثيرة منها.\n(٥) يكفها: القاموس المحيط مادة: \"نهنه\".\n(٦) برقم (٢٨).","vol":"3","page":79},{"text":"إليه أن يعطيه سؤله (*) \".\nوهي الكلمة التي يصدق الله قائلها.\nكما خرجه النسائي (١) والترمذي (٢) وابن حبان (٣) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رّبُّهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، يَقُولُ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي الْمُلْكُ، وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي\".\nوكان يقول: \"من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار\" (٤).\nوهي أفضل ما قاله النبيون، كما ورد في دعاء يوم عرفة (٥).\n_________\n(*) سؤاله: \"نسخة\".\n(١) في عمل اليوم والليلة (٣٠، ٣١) من طريقين عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنَّه شهد عَلَى أبي هريرة وعلى أبي سعيد أنهما شهدا عَلَى رسول الله ﷺ قال ... الحديث.\nوأخرجه النسائي (٣٢) من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن الأغر عن أبي هريرة موقوفًا، ولم يذكر أبا سعيد.\n(٢) برقم (٣٤٣٠) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد بنحو هذا الحديث بمعناه، ولم يرفعه شعبة.\n(٣) برقم (٨٥١ - إحسان).\n(٤) هذا لفظ الترمذي برقم (٣٤٣٠).\n(٥) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣ - بترقيم عبد الباقي) من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله ﷺ قال ... الحديث.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٩): لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث كما رأيت ولا أحفظه بهذا الإسناد مسندًا من وجه يحتج بمثله، وقد جاء مسندًا من حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص.=","vol":"3","page":80},{"text":"وهي أفضل الذكر:\nكما في حديث جابر المرفوع: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله\" (١).\nوعن ابن عباس قال: أَحَبُّ كلمة إِلَى الله -تعالى- لا يقبل الله عملًا إلا بها.\nوهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان.\nكما في \"الصحيحين\" (٢) عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ -\n_________\n=فأما حديث علي، فإنَّه يدور عَلَى دينار أبي عمرو، عن ابن الحنفية، وليس دينار ممن يحتج به.\nوحديث عبد الله بن عمرو من حديث عمرو بن شعيب، وليس [من] دون عمرو من يحتج به فيه. وأحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إِلَى من يحتج به. اهـ.\nقلت: أما حديث علي فأخرجه الطبراني في الدعاء (٨٧٤) وإسناده ضعيف.\nوقد ورد من حديث ابن عمر فأخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٦٢) من طريق فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر ... فذكره.\nقال العقيلي: لا يتابع عليه -أي: فرج بن فضالة،- وقد نقل عن عبد الرحمن بن مهدي أن حديث فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد أحاديث منكرة مقلوبة.\nوأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الترمذي (٣٥٨٥) من طريق حماد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المدني، وليس بالقوي عند أهل الحديث.\nوأخرجه ابن عدي (٤/ ٢٩٠) من طريق مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة.\nقال ابن عدي: وهذا منكر عن مالك عن سمي عن أبي هريرة، لا يرويه عنه غير عبد الرحمن بن يحيى هذا، وعبد الرحمن غير معروف. وهذا الحديث في الموطأ عن زياد ابن أبي زياد عن طلحة بن عبيد اله بن كريز عن النبي -﵇- مرسلًا.\n(١) أخرجه الترمذي (٣٣٨٣) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٨٣١)، وابن ماجه (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦ - إحسان)، والحاكم (١/ ٥٠٣) وقال: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه.\n(٢) أخرجه البخاري (٣٢٩٣)، ومسلم (٢٦٩١).","vol":"3","page":81},{"text":"\"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو عَلَى كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة ومُحي عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأت أحدُ بأفضل مما جاء به، إلا (أحد) (*) عمل أكثر من ذلك\".\nوفيهما أيضًا عن أبي أيوب (١)، عن النبي - ﷺ -: \"مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ\".\nوفي \"الترمذي\" (٢) عن ابن عمر مرفوعًا: \"مَنْ قَالَهَا إِذَا دَخَلَ السُّوقَ وَزَادَ\n_________\n(*) رجل: \"نسخة\".\n(١) أخرجه البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣) وذكر البخاري اختلافًا في وقف الحديث ورفعه ثم قال: والصحيح قول عمرو.\nأي: عمرو بن ميمون وروايته عن ابن أبي ليلى عن أبي أيوب مرفوعًا.\n(٢) برقم (٣٤٢٨) من طريق محمد بن واسع قال: قدمت مكة فلقيني أخي سالم بن عبد الله بن عمر فحدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله قال ... فذكره.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب.\nوقد رواه عمرو بن دينار -وهو قهرمان آل الزبير- عن سالم بن عبد الله هذا الحديث نحوه.\nوأخرجه الترمذي (٣٤٢٩) من طريق عمرو بن دينار -قهرمان آل الزبير- عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده مرفوعًا.\nقال أبو عيسى: وعمرو بن دينار هذا هو شيخ بصرى، وقد تكلم فيه بعض أصحاب الحديث من غير هذا الوجه.\nورواه يحيى بن سليم الطائفي عن عمران بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه عن عمر ﵁.\nوسئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث كما في العلل لابنه برقم (٢٠٣٨) فَقَالَ: هذا حديث منكر.\nقال ابن أبي حاتم: وهذا الحديث هو خطأ، وإنَّما أراد عمران بن مسلم عن عمرو بن دينار -قهرمان آل الزبير- عن سالم عن أبيه. فغلط وجعل بدل عمرو، عبد الله بن دينار، وأسقط سالمًا من الإسناد.\nوذكر الدارقطني في العلل (٢/ ٤٨ - ٥٠) برقم (١٠١) اختلافًا في جعل الحديث من رواية عمر، ومن رواية ابن عمر مرفوعًا، ومن رواية عمر مرقوفًا.=","vol":"3","page":82},{"text":"فيها: يُحْيِي وَيُمِيتُ- كُتِبَ لَهُ أَلْفُ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ أَلْفُ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرُفِعَ لَهُ ألف ألف دَرَجَة\".\nوفي رواية: \"وبني له بيت في الجنة\" (١).\nومن فضائلها أنها أمان من وحشة القبر وهول الحشر:\nكما في المسند وغيره (٢)، عن النبي - ﷺ - قال: «لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي نُشُورِهِمْ، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَدْ قَامُوا يَنْقُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، وَيَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾\n_________\n=قال الدارقطني: ويشبه أن يكون الاضطراب فيه من عمرو بن دينار؛ لأنّه ضعيف قليل الضبط.\nثم ذكر أن عمرو بن دينار ضعيف الحديث لا يحتج به.\n(١) وهي عند الترمذي (٣٤٢٩).\n(٢) هذا الحديث ليس في المسند كما ذكر العلامة الألباني -﵀- في تعليقه عَلَى هذه الرسالة (ص ٦٤)، وإنَّما أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٥)، والطبراني في الأوسط (٤٩٧٨)، والبيهقي في البعث والنشور (٧٩)، (٩٩) وغيرهم من حديث ابن عمر.\nقال ابن عدي وقد رواه من طريق بهلول بن عبد الله الكندي: ولبهلول هذا غير ما ذكرت من الحديث قليل، وأحاديثه عمن روى عنه فيه نظر، وحديثه عن أبي إسحاق أنكر منه عن غيره، وإنَّما ذكرته لأبين أن أحاديثه ليس مما يتابعه الثقات عليها، إذ لم أرَ لمن تكلم في الرجال فيه كلامًا.\nوقال البيهقي في الشعب: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال أيضًا: ورُوي من وجه آخر ضعيف عن ابن عمر، قد أخرجناه في كتاب البعث والنشور.\nوذكر الهيثمي فى المجمع (١٠/ ٨٢ - ٨٣) له روايتين ثم قال: وفي الرواية الأولى يحيى الحماني، وفي الأخرى مجاشع بن عمرو وكلاهما ضعيف.\nوقال أيضًا (١٠/ ٣٣٣): رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم.\nوأخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٦٨) من حديث ابن عباس وقال: وهذا خبر باطل، إنما يعرف هذا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر فقط.","vol":"3","page":83},{"text":"[فاطر: ٣٤]».\nوفي حديث مرسل (١): من قال: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَهُ الْمُلْكُ كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ أَمَانًا مِنَ الْفَقْرِ، وَأُنْسًا مِنْ وَحْشَةِ الْقَبْرِ، وَاسْتُجْلِبَ بِهِ الْغِنَى وَاسْتُقْرِعَ بِهِ بَابُ الْجَنَّةِ\".\nوهي شعار المؤمنين إذا قاموا من القبور:\nقال النضر بن عربي: بلغني أن الناس إذا قاموا من قبورهم كان شعارهم: لا إله إلا الله.\nوقد خرَّج الطبراني (٢) حديثًا مرفوعًا: \"إن شعار هذه الأمة عَلَى الصراط: يا لا إله إلا أنت\".\nومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء:\nكما في حديث عمر عن النبي - ﷺ - فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء، خرجه مسلم (٣).\nوفي الصحيحين (٤) عن عبادة عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة (١٨٥) وفي الحلية (٨/ ٢٨٠) من طريق مالك بن أنس عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - .. فذكره ولم يذكر أبو نعيم \"عليًّا\" في إسناد الحلية.\nقال أبو نعيم في الحلية: غريب من حديث سالم عن مالك -رضي الله تعالى عنه.\n(٢) في الكبير (١٣/ ١٦٨) وفي الأوسط (١٦٠) من طريق ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا.\nقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٥٩) رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه من وثق عَلَى ضعفه، وعبدوس بن محمد لم أعرفه.\n(٣) برقم (٢٣٤).\n(٤) أخرجه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).","vol":"3","page":84},{"text":"الْقُبُورِ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاء\".\nوفي حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ في قصة منامه الطويل، وفيه قال: \"ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إِلَى أبواب الجنة، فأغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب، وأدخلته الجنة\" (١).\nومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لابد أن يخرجوا منها:\nوفي الصحيحين (٢) عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: يقول الله: \"وَعِزَّتِى وَجَلالِى وَكِبْرِيَائِى وَعَظَمَتِى، لأخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ -لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ\".\nوخرَّج الطبراني (٣) عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: \"أن أناسًا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قول: لا إله إلا الله! فيغضب الله لهم فيخرجهم من النار، فيدخلون الجنة\".\nومن كان في سُخطه محسنًا فكيف يكون إذا ما رضي؟! لا يُسوي بين من وحَّده وإن قصر في حقوق توحيده وبين من أشرك به.\nقال بعض السَّلف: كان إبراهيم -﵇- يقول: اللهم لا تشرك من\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الأحاديث الطوال بآخر المعجم الكبير برقم (٣٩) من طريق سليمان بن أحمد الواسطي، ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا الوزير بن عبد الرحمن، عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة ... فذكره.\nقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٨٠): رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما: سليمان ابن أحمد الواسطي، وفي الآخر: خالد بن عبد الرحمن المخزومي، وكلاهما ضعيف.\n(٢) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣)، وقد سبق تخريجه في أول الرسالة.\n(٣) في الأوسط برقم (٧٢٨٩).\nقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٧)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم.","vol":"3","page":85},{"text":"كان يشرك بك بمن كان لا يشرك بك.\nكان بعض السَّلف يقول في دعائه: اللهم إنك قلت عن أهل النار إنهم ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]. ونحن نقسم بالله جهد أيماننا: ليبعثن الله من يموت، اللهم لا تجمع بين أهل القسمين في دار واحدة.\nكان أبو سليمان يقول: إن طالبني ببخلي طالبته بجوده، وإن طالبني بذنوبي طالبته بعفوه، وإن أدخلني النار أخبرت أهل النار أني كنت أحبه.\nما أطيب وصله وما أعذبه ... وما أثقل هجره وما أصعبه\nفي السخط وفي الرضا ما أهيبه ... القلب يُحبُّه وإن عذَّبه\nوكان بعض العارفين يبكي طول ليله، ويقول: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب. العارفون يخافون من الحجاب أكثر مما تخافون من العذاب.\nقال ذو النون: خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لُجِّيٍّ.\nكان بعضهم يقول: إلهي وسيدي ومولاي! لو أنك عذبتني بعذابك كله كان ما فاتني من قربك أعظم عندي من العذاب.\nقيل لبعضهم: لو طردك ما كنت تفعل؟ فَقَالَ:\nأنا إن لم أجد من الحبِّ وَصْلا ... رُمْتُ في النار منزلا ومَقيلا\nثم أزعجت أهلها بندائي ... بُكرةً في (عُرَاصها) (*) وأصيلا\nمعشر المشركين نُوحوا عَلَى من ... يدَّعي أنَّه يُحبُّ الخليلا\nلم يكن في الَّذِي ادّعاه محقًّا ... فجزاه به العذاب الطَّويلا\n...\n_________\n(*) عرصاتها: \"نسخة\".","vol":"3","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الله الله أيها الناس تمسكوا بأصل دينكم</span>\nإخواني اجتهدوا اليوم في تحقيق التوحيد، فإنَّه لا يوصل إِلَى الله سواه، واحرصوا عَلَى القيام بحقوقه، فإنَّه لا ينجي من عذاب الله إلا إياه.\nمَا نطق الناطقون إِذْ نطقوا ... أحسن من لَا إِلَه إِلَّا هُوَ\nتبَارك الله ذُو الْجلَال وَمن ... أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا هُوَ\nمن لِذُنُوبي وَمن يُمحّصها ... غَيْرك يَا من لَا إِلَه إِلَّا هُوَ\nجنانُ خلد لمن يُوَحدهُ ... أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا هُوَ\nنيرانه لَا تحرق من ... (يشْهد) (**) أَن لَا إِلَه إِلَّا هُوَ\nأقولُها مخلصًا بِلاَ بخل ... أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا هُوَ\nآخره والحمد لله وحده، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.\nوحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n...\n_________\n(**) حقق: \"نسخة\".","vol":"3","page":87}]}