{"ً":{"ٌ":151142,"ٍ":"نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - ﷺ - لابن عباس","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - ﷺ - لابن عباس [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة:الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الصفحات: ٨٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154091,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"فقوله - ﷺ -: \"احفظ الله يحفظك\"","level":1,"page":5},{"title":"قوله: \"يحفظك\"","level":1,"page":10},{"title":"وقوله - ﷺ -: \"احفظ الله تجده أمامك\" وفي رواية أخرى: \"تجاهك\"","level":1,"page":24},{"title":"قوله - ﷺ -: \"تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة\"","level":1,"page":26},{"title":"وقوله - ﷺ -: \"إذا سألت فاسأل الله\"","level":1,"page":32},{"title":"وقوله - ﷺ -: \"وإذا استعنت فاستعن بالله\"","level":1,"page":44},{"title":"وقوله - ﷺ -: \"جف القلم بما هو كائن\" وفي الرواية الأخرى: \"رفعت الأقلام وجفت الكتب\" وفي الرواية الأخرى: \"وجفت الصحف\"","level":1,"page":48},{"title":"وقوله - ﷺ - بعد هذا: \"فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه\"","level":1,"page":51},{"title":"وقوله - ﷺ -: \"واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا\"","level":1,"page":55},{"title":"وقوله - ﷺ -: \"واعلم أن النصر مع الصبر\"","level":1,"page":67},{"title":"فقوله - ﷺ -: \"إن النصر مع الصبر\"","level":1,"page":70},{"title":"قوله - ﷺ -: \"أن الفرج مع الكرب\"","level":1,"page":71},{"title":"قوله - ﷺ -: \"إن مع العسر يسرا\"","level":1,"page":78},{"title":"فصل","level":1,"page":84}],"ٛ":{"3,89":1,"3,91":2,"3,92":3,"3,93":4,"3,94":5,"3,95":6,"3,96":7,"3,97":8,"3,98":9,"3,99":10,"3,100":11,"3,101":12,"3,102":13,"3,103":14,"3,104":15,"3,105":16,"3,106":17,"3,107":18,"3,108":19,"3,109":20,"3,110":21,"3,111":22,"3,112":23,"3,113":24,"3,114":25,"3,115":26,"3,116":27,"3,117":28,"3,118":29,"3,119":30,"3,120":31,"3,121":32,"3,122":33,"3,123":34,"3,124":35,"3,125":36,"3,126":37,"3,127":38,"3,128":39,"3,129":40,"3,130":41,"3,131":42,"3,132":43,"3,133":44,"3,134":45,"3,135":46,"3,136":47,"3,137":48,"3,138":49,"3,139":50,"3,140":51,"3,141":52,"3,142":53,"3,143":54,"3,144":55,"3,145":56,"3,146":57,"3,147":58,"3,148":59,"3,149":60,"3,150":61,"3,151":62,"3,152":63,"3,153":64,"3,154":65,"3,155":66,"3,156":67,"3,157":68,"3,158":69,"3,159":70,"3,160":71,"3,161":72,"3,162":73,"3,163":74,"3,164":75,"3,165":76,"3,166":77,"3,167":78,"3,168":79,"3,169":80,"3,170":81,"3,171":82,"3,172":83,"3,173":84,"3,174":85,"3,175":86,"3,176":87},"ٜ":{"3":[89,176]},"ٝ":["3,89","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2],"10":[3],"24":[4],"26":[5],"32":[6],"44":[7],"48":[8],"51":[9],"55":[10],"67":[11],"70":[12],"71":[13],"78":[14],"84":[15]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - ﷺ - لابن عباس","vol":"3","page":89},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nرب يسر يا كريم\nالحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وصلى الله عَلَى محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nخرج الإمام أحمد (١) من حديث حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵁] (٢).\nقَالَ: \"كُنْتُ رَدِيفَ (النَّبِيِّ) (*) ﷺ فَقَالَ: يَا غُلامُ -أَوْ يَا غُلَيِّمُ- أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ [عَلَيْكَ] (**) لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا\".\nهكذا ساقه من طريق حنش مع إسنادين آخرين منقطعين، وفي السياق أنَّه لا يحفظ حديث بعضهم من بعض.\n_________\n(١) (١/ ٢٩٣).\n(٢) ما بين المعقوفتين من المطبوعة.\n(*) رسول الله \"نسخة\".\n(**) ما بين المعقوفتين من المطبوعة بتحقيق النجار، وفي المسند: \"لم يكتبه الله عليك\".","vol":"3","page":91},{"text":"وخرّجه أيضًا (١) من طريق حنش وحده مختصرًا، ولفظه:\n\"يَا غُلامُ، إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، فَقَدْ رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجُفَّتِ الكُتُبِ، فَلَوْ جَاءَتِ الأُمَّةُ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ لَكَ لَمَا اسْتَطَاعَتْ، وَلَوْ أَرَادَتْ أنْ تَضُرَّكَ بِشَيءٍ لَمْ يَكْتُبُهُ اللهُ لَكَ لَمَا اسْتَطَاعَتْ عَلَيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا\".\nهكذا ساقه من طريق [حنش] (٢)، وخرّجه الترمذي (٣) بنحو هذا السياق المختصر ولفظه:\n«إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ».\nوقال: حديث حسن صحيح.\nوقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: لهذا الحديث طرق عن ابن عباس وهذا أصحها. قال: وهذا إسناد مشهور ورواته ثقات.\nقلت: قد رُوي هذا الحديث عن ابن عباس من رواية جماعة؛ عنه فمنهم: علي ابنه، وعطاء، وعكرمة. ومن رواية عمر (٤) مولى غفرة، وعبد الملك بن\n_________\n(١) (١/ ٣٠٧).\n(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الناسخ والسياق يقتضيه، وانظر بداية العزو.\n(٣) برقم (٢٥١٦).\n(٤) أخرجها العقيلي (٣/ ١٧٨)، والطبراني (١١/ ١١٥٦٠) ونقل العقيلي قول ابن يونس قلت لعمر مولى غفرة: سمعت من ابن عباس؟ قال: أدركت زمانه.\nقال العقيلي: وهذا المتن يروى عن ابن عباس وغيره عن النبي ﷺ بأسانيد لينة.","vol":"3","page":92},{"text":"عمير (١)، وابن أبي مليكة عن ابن عباس (٢). وقيل أنهما لم يسمعا منه، وفي أسانيدها جميعها مقال، وفي ألفاظها بعض الزيادة والنقص.\nورُوي عن النبي ﷺ أنَّه وصى بذلك ابن عباس من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري (٣)، وسهل بن سعد، وغيرهم من الصحابة، وفي أسانيدها أيضًا مقال.\nوذكر العقيلي (٤) أن أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضها أصلح من بعض.\nقلت: وأجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس التي ذكرناها، وهو إسناد حسن لا بأس به.\nوقد استوفينا ذكر طرق الحديث مع الكلام عليها في كتاب \"شرح الترمذي\".\nومقصودنا ها هنا الكلام عَلَى معنى الحديث وشرح ألفاظه، فإنَّه تضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين وأجلها، حتى قال الإمام أبو الفرج [ابن الجوزي] (*) في كتابه \"صيد الخاطر\": تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش. ثم قال: واأسفًا من الجهل بهذا الحديث، وقلة الفهم لمعناه.\n...\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٤١).\n(٢) أخرجه العقيلي (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨) وقال: الأسانيد في هذا لينة.\n(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٢٧) في ترجمة يحيى بن ميمون بن عطاء أبي أيوب التمار، والخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ١٢٤) ونقل ابن عدي عن عمرو بن علي الفلاس أنَّه قال عن يحيى بن ميمون: كنت عنده وكان كذابًا يحدث عن علي بن زيد بأحاديث موضوعة ... ومنها حديث أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال لابن عباس: ..... الحديث.\n(*) ما بين المعقوفتين من المطبوعة.\n(٤) في \"الضعفاء الكبير\" (٣/ ٥٤).","vol":"3","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>فقوله - ﷺ -: \"احفظ الله يحفظك</span>\"\nيعني: احفظ حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا تتجاوز ولا تتعدى ما أمر به إِلَى ما نهى عنه.\nفدخل في ذلك فعل الواجبات جميعًا وترك المحرمًات كلها، كما في حديث أبي ثعلبة المرفوع:\n«إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا» (١).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٨٩)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٨٤) من طريق داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني.\nوأخرجه الييهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٢) موقوفًا عَلَى أبي ثعلبة الخشني من نفس الطريق المرفوع.\nقال البيهقي: هذا موقوف، وأنبأنيه شيخنا أبو عبد الله الحافظ في \"المستدرك\" فيما لم يقرأ عليه إجازة حدثني علي بن عيسى ثنا محمد بن عمرو الحرشي ثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند ... فذكر نفس الإسناد.\nوسئل الدارقطني في العلل (٦/ ٣٢٤) برقم (١١٧٠) عن هذا الحديث فَقَالَ: يرويه مكحول واختلف عنه، فرواه داود بن أبي هند عن مكحول، واختلف عنه، فرواه إسحاق الأزرق عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبى ثعلبة مرفوعًا.\nوتابعه محمد بن فضيل عن داود.\nورواه حفص بن غياث ويزيد بن هارون عن داود فوقفاه.\nوقال قحذم: سمعت مكحولا يقول: لم يتجاوز به.\nوالأشبه بالصواب مرفوعًا وهو أشهر.\nقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٤٠): وله علتان: إحداهما أن مكحولًا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم وغيرهم.=","vol":"3","page":94},{"text":"وذلك كله يدخل في حفظ حدود الله، كما ذكره الله في قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ...﴾ [التوبة: ١١٢].\nوقال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢، ٣٣].\nوفسر الحفيظ ها هنا بالحافظ لأوامر الله، وفسر بالحافظ لذنوبه حتى يرجع منها، وكلاهما يدخل في الآية.\nومن حفظ وصية الله لعباده وامتثلها فهو داخل أيضًا، والكل يرجع إِلَى معنى واحد.\nوقد ورد في بعض ألفاظ حديث يوم المزيد في الجنة:\n\"إن الله تعالى يقول لأهل الجنة، إذا استدعاهم إِلَى زيارته وكشف لهم الحجب: مرْحَبًا بعبادي الَّذين حفظوا وصيتي، وراعوا عهدي، وخافوني بِالْغَيْبِ، وَكَانُوا مني على كل حَال مشفقين\" (١).\n_________\n=والثانية: أنَّه اختلف في رفعه ووقفه عَلَى أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر\" اهـ.\nقلت: وله شاهد من حديث أبي الدرداء مرفوعًا أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٤٠٤)، والطبراني في الصغير (٢/ ١٢٢ - ١٢٣).\nقال الطبراني: لم يروه عن قرة إلا أصرم بن حوشب.\nوقال ابن عدي بعد أن نقل قول يحيى بن سعيد القطان في أصرم بن حوشب: أنَّه كذاب خبيث، وقول البخاري: متروك الحديث.\nقال ابن عدي: وهذه الأحاديث بواطيل عن قرة بن خالد كلها، لا يحدث بها عنه غير أصرم هذا.\n(١) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في صفة الجنة (٥٣)، وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٤١١) وعزاه لهما المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٧) فَقَالَ: رواه ابن أبي الدُّنْيَا وأبو نعيم هكذا معضلا، ورفعه منكر، والله أعلم. وقال الحافظ ابن كثير في \"النهاية\" (٢/ ٥٢٠): وهذا مرسل ضعيف غريب، وأحسن أحواله أن يكون من كلام بعض السَّلف فوهم بعض رواته، فجعله مرفوعًا وليس كذلك، والله أعلم.","vol":"3","page":95},{"text":"فأمره - ﷺ - لابن عباس بحفظ الله يدخل فيه هذا كله.\nومن أعظم ما يجب حفظه من المأمورات الصلوات الخمس، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤].\nوقال النبي ﷺ:\n\"من حافظ عليها كان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة ... \" (١) الحديث.\nوفي حديث آخر:\n\" «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). الحديث.\nوكذلك الطهارة فإنها مفتاح الصلاة، وقال النبي ﷺ: \"لا يحافظ عَلَى الوضوء إلا مؤمن\" (٣).\nفإن العبد تنتقض طهارته ولا يعلم بذلك إلا الله، فالمحافظة عَلَى الوضوء للصلاة دليل عَلَى ثبوت الإيمان في القلب.\nومما أمر الله بحفظه الأيمان لمَّا ذكر كفارة اليمين قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن الأيمان كثيرًا ما تقع من الناس وموجباتها مختلفة، فتارة يجب بها كفارة يمين وتارة يجب بها كفارة مغلظة، وتارة يلزم بها المحلوف عليه من طلاق ونحوه. فمن حفظ أيمانه دل عَلَى دخول الإيمان في قلبه.\nوكان السَّلف كثيرًا يحافظون عَلَى الأيمان، فمنهم من كان لا يحلف بالله ألبتة، ومنهم من كان يتورع حتى يكفر عما شك في الحنث فيه. ووصى الإمام\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٢٣) (١٤)، وأحمد (٥/ ٣١٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٩)، والطبراني في \"الأوسط\" (١٧٦٧).\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠)، والدارمي (١/ ١٦٨) والطبراني في الكبير (٢/ ١٤٤٤).","vol":"3","page":96},{"text":"أحمد -﵀- عند موته أن تخرج عنه كفارة يمين. وقال: أظن أني حنثت في يمين حلفتها.\nوقد رُوي عن أيوب -﵇- أنَّه كان إذا مر باثنين يحلفان بالله ذهب فكفر عنهما بيمين، لئلا يأثمان وهما لا يشعران.\nولهذا لما حلف عَلَى ضرب امرأته مائة جلدة، أفتاه الله بالرخصة لحفظه لأيمانه وأيمان غيره.\nوقد اختلف العُلَمَاء، هل تتعدى الرخصة لحلفه أم لا؟\nوقال يزيد بن أبي حبيب: بلغني أن من حملة العرش من يسيل من عينيه أمثال الأنهار من البكاء، فإذا رفع رأسه قال: سبحانك، ما (تخشى) (*) حق خشيتك؟ فيقول الله تعالى: لكن الذين يحلفون باسمي كاذبين لا يعلمون ذلك.\nوقد ورد التشديد العظيم في الحلف الكاذب، ولا يصدر كثرة الحلف بالله والحلف به كاذبًا من الجهل بالله وقلة هيبته في الصدور.\nومما يلزم المؤمن حفظه رأسه وبطنه، كما في حديث ابن مسعود المرفوع: \"الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَيَحْفَظِ البَطْنَ وَمَا حَوَى\" خرجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢).\nوحفظ الرأس وما وعى، يدخل فيه السمع والبصر واللسان من المحرمات.\nوحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عن الإصرار عَلَى محرم.\nوقد جُمع -ذلك كله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].\nويدخل في حفظ البطن وما حوى: حفظه من إدخال الحرام. إِلَيْهِ من\n_________\n(*) نخشى: \"نسخة\".\n(١) (١/ ٣٨٧).\n(٢) برقم (٢٤٥٨) وقال: هذا حديث إِنَّمَا نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد.","vol":"3","page":97},{"text":"المأكولات والمشروبات.\nومما يجب حفظه من المنهيات: حفظ اللسان والفرج. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ:\n\"من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة\" خرجه الحاكم (١).\nوخرّجه البخاري (٢) من حديث سهل بن سعد عن النبي ﷺ ولفظه: \"من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه، أضمن له الجنة\".\nوفي مسند الإمام أحمد (٣) عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: \"من حفظ ما بين فقميه (٤) وفرجه دخل الجنة\".\nوقد أمر الله بحفظ الفروح خاصة ومدح الحافظين لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ...﴾ [النور: ٣٠].\nوقال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].\nوقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ...﴾ [المؤمنون: ٥، ٦].\nوقد رُوي عن أبي إدريس الخولاني أن أول ما وصى الله آدم عند إهباطه إِلَى الأرض بحفظ فرجه، أن لا يضعه إلا في حلال.\n...\n_________\n(١) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٥٧).\n(٢) برقم (٦٤٧٤).\n(٣) (٤/ ٣٩٨).\n(٤) الفُقْم: بالضم والفتح، اللَّحِي، يريد من حفظ لسانه وفرجه. النهاية مادة \"فقم\".","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>قوله: \"يحفظك</span>\"\nيعني أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، حفظه، فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].\nوقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].\nوقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].\nوحفظ الله -تعالى- لعبده وماله.\nوفي حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح:\n«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي».\nخرجه الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤).\nوهذا الدعاء منتزع من قوله -﷿-: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية [الرعد: ١١].\nقال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه (٥).\n_________\n(١) (٢/ ٢٥).\n(٢) (٥٠٧٤).\n(٣) (٨/ ٢٨٢).\n(٤) برقم (٣٨٧١).\n(٥) أخرج ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١١٧) شطره الأول.","vol":"3","page":99},{"text":"وقال علي ﵁: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يُقَدَّرْ، فإذا جاء القَدَرُ خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة (١).\nوقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئًا قد أذن الله فيه فيصيبه.\nومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله.\nقال بعض السَّلف: العالم لا يحزن، وقال بعضهم: من جمع القرآن متع بعقله.\nوتأول ذلك بعضهم عَلَى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] وهو أرذل العمر ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦].\nوكان أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهر ممتع بعقله وقوته، فوثب يومًا من سفينة كان فيها إِلَى الأرض وثبة شديدة. فعوتب عَلَى ذلك، فَقَالَ: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.\nوعكس هذا أن الجنيد رأى شيخًا يسأل الناس، فَقَالَ: إن هذا ضيع الله في صغره، فضيعه الله في كبره.\nوقد يحفظ الله العبد بصلاحه في ولده وولد ولده، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]: إنهما حفظا بصلاح أبيهما.\nوقال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ من الله وستره.\nوقال ابن المسيب لابنه: يا بني (لأزيدن) (*) في صلاتي من أجلك، رجاء\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٣٤ - طبعة دار صادر)، والطبري في تفسيره (١٣/ ١١٩).\n(*) في \"المطبوع\": إني لأزيد.","vol":"3","page":100},{"text":"أن أحفظ فيك. وتلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢].\nوقال عمر بن عبد العزيز: ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه.\nوقال يحيى بن إسماعيل بن سلمة بن كُهيل: كان لي أخت أسنَّ مني فاختلطت وذهب عقلها وتوحشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحنا، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذا باب يدق نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: كجه، فقلت: أختي؟! قالت: أختك، ففتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالبيت أكثر من عشر سنين.\nفقالت: أتيت الليلة في منامي فقيل لي: إن الله قد حفظ أباك إسماعيل لسلمة جدك، وحفظك لأبيك إسماعيل؛ فإن شئت دعوت الله فذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة؛ فإن أبا بكر وعمر قد شفعا فيك إِلَى الله ﷿ بحب أبيك وجدك إياهما، فقلت: فإذا كان لابد من اختيار أحدهما فالصبر عَلَى ما أنا فيه والجنة، وإن الله ﷿ لواسع بخلقه لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجمعهما لي فعل.\nقالت: فقيل لي: فإن الله قد جمعهما لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر ﵄، قومي فانزلي، فأذهب الله تعالى ما كان بها.\nومتى كان العبد مشتغلًا بطاعة الله فإن الله ﷿ يحفظه في تلك الحال، كما في مسند الإمام أحمد (١) عن حميد بن هلال عن رجل قال:\n\"أتيت النبي ﷺ فإذا هو يريني بيتًا فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا وَصِيصِيَتَهَا (٢)، كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا قَالَ: فَفَقَدَتْ عَنْزًا، مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي\n_________\n(١) (٥/ ٦٧). قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٧٧): ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) الصِّيصيَّة: هي الصِّنارة التي يغزل بها وينسج.","vol":"3","page":101},{"text":"وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا رَبِّهَا ﵎، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا، وَهَاتِيكَ [فَأْتِهَا]. قَالَ: قُلْتُ: بَلْ أُصَدِّقُكَ\".\nوكان شيبان الراعي يرعى غنمًا في البرية، فإذا جاءت الجمعة خط عليها خطًّا وذهب إِلَى الجمعة ثم يرجع وهي كلما تركها.\nوكان بعض السَّلف في يده الميزان يزن بها دراهم، فسمع الأذان فنهض ونفضها عَلَى الأرض وذهب إِلَى الصلاة، فلما عاد جمعها فلم يذهب منها شيء.\nومن أنواع حفظ الله لمن حفظه في دنياه: أن يحفظه من شر كل من يريده بأذى من الجن والإنس.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قالت عائشة ﵂: يكفيه غم الدُّنْيَا وهمها.\nوقال الربيع بن خثيم. يجعل له مخرجًا من كل ما ضاق عَلَى الناس.\nوكتبت عائشة إِلَى معاوية: إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئًا (١).\nوكتب بعض الخلفاء إِلَى الحكم بن عمرو الغفاري كتابًا يأمره فيه بأمر يخالف كتاب الله، فكتب إِلَيْهِ الحكم: إني نظرت في كتاب الله فوجدته قَبلَ كتاب أمير المؤمنين، وإن السماوات والأرض لو كانتا رتقًا عَلَى امرئ فاتقى الله ﷿، جعل الله له مخرجًا، والسلام.\nقال بعضهم شعرًا:\nبتقوى الإلهِ نجا من نجَا. . . وفازَ وصارَ إلى مَا رَجَا\nومن يتقِّ اللَّهِ يجعلْ له. . . كما قالَ من أمره مَخْرَجَا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٢٤٤) برقم (٣٥٧١٧)، والبيهقي في \"الزهد الكبير\" (٨٨٥).","vol":"3","page":102},{"text":"ويرزقه من حيث لا يحتسب. .. وإن ضاق أمرًا به فرجًا\nكتب بعض السَّلف إِلَى أخيه:\nأما بعد: فإنه من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله الغني عنه.\nومن عجيب حفظ الله تعالى لمن حفظه: أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى وساعية في مصالحه، كما جرى لسفينة (١) مولى النبي ﷺ حيث كسر به المركب وخرج إِلَى جزيرة فرأى السبع، فَقَالَ له: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى النبي - ﷺ - فجعل يمشي حوله ويدله عَلَى الطريق حتى أوقفه عليها، ثم جعل يُهَمْهِمُ كأنه يودعه وانصرف عنه.\nوكان أبو إبراهيم السائح قد مرض في برية بقرب دير، فَقَالَ: لو كنت عند باب الدير لنزل الرهبان فعالجوني، فجاء السبع فاحتمله عَلَى ظهره حتى وضعه عَلَى باب الدير فرآه الرهبان فأسلموا وكانوا أربعمائة.\nوكان إبراهيم بن أدهم نائمًا في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذب عنه حتى استيقظ.\nفمن حفظ الله حفظه من الحيوانات المؤذية بالطبع، وجعل تلك الحيوانات حافظة له.\nومن ضيع الله ضيعه الله بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر بشيء ممن كان يرجو أن ينفعه، ويصير أخص أهله به وأرفقهم به يؤذيه.\nكما قال بعضهم: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق خادمي وحماري. يعني: أن خادمه يسوء خلقه عليه ولا يطيعه، وحماره يستعصي عليه فلا يواتيه لركربه. فالخير كله مجموع في طاعة الله والإقبال عليه، والشر كله مجموع في معصيته والإعراض عنه.\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء: (١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":103},{"text":"قال بعض العارفين: من فارق سُدَّة سيده لم يجد لقدميه قرارًا أبدًا.\nوقال بعضهم شعرًا:\nوالله ما جئتكم زائرًا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي\nولا ثنيت العزم عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي\nبالله فاعفوا واصفحوا واجبروا ... كسري فحالي بكم حالي\nالنوع الثاني من الحفظ: وهو أشرفها وأفضلها، حفظ الله تعالى لعبده في دينه، فيحفظ عليه دينه وإيمانه في حياته من الشبهات المردية والبدع المضلة، والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه عَلَى الإسلام.\nقال الحكم بن أبان عن أبي مكي: إذا حضر الرجل الموت يقال للملك: شم رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن. قال: شم قلبه. قال: أجد في قلبه الصيام، قال: شم قدميه. قال: أجد في قدميه القيام. قال: حفظ نفسه فحفظه الله ﷿. خرجه ابن أبي الدُّنْيَا.\nوقد ثبت في \"الصحيحين\" (١) في حديث البراء بن عازب أن النبي ﷺ علَّمه أن يقول عند منامه:\n\"اللهم إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين\".\nوفي حديث عمر عن النَّبِيَّ ﷺ \"أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ رَاقِدًا، فَلاَ تُطِعْ فِيَّ\n_________\n(١) هذا الحديث ليس في الصحيحين من حديث البراء بهذا اللفظ، وإنَّما هو من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (٦٣٣٠)، ومسلم (٢٧١٤). وأما حديث البراء فبلفظ: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع عَلَى شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك ... الحديث. أخرجه البخاري (٦٣١١)، ومسلم (٢٧٠).","vol":"3","page":104},{"text":"عدوًا ولا حاسدًا، خرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١).\nوكان النبي ﷺ إذا وَدَّعَ من يريد السفر يقول له.\n\"أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك\" (٢).\nوفي رواية، وكان يقول:\n\"إن الله إذا استودع شيئًا حفظه\" خرجه النسائي (٣) وغيره (٤).\nوخرج الطبراني (٥) حديثًا مرفوعًا:\n\"إن العبد إذا صلّى الصلاة عَلَى وجهها صعدت إِلَى الله ولها برهان كبرهان الشمس وتقول لصاحبها: حفظك الله كما حفظتني، وإذا ضيَّعها لفت كما يلف الثوبُ الخَلِقُ ثم يضرب بها وجه صاحبها وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني\".\nوكان عمر ﵁ يقول في خطبته: اللهم اعصمنا بحفظك وثبتنا عَلَى\n_________\n(١) برقم (٢٢٣٠). وفي إسناده انقطاع بين هاشم بن عبد الله بن الزبير وعمر.\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٧)، والترمذي (٣٤٤٢، ٣٤٤٣)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٥٢٤)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٥٣١)، والحاكم (١/ ٦١٠، ٢/ ١٠٦) من حديث ابن عمر.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقال في الموضع الثاني: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث سالم.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح عَلَى شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال في الموضع الثاني: وله شاهد عن أنس بن مالك وعبد الله بن يزيد الأنصاري، ثم ساق الحديثين بإسناده إليهما.\n(٣) في عمل اليوم والليلة (٥٠٩).\n(٤) وأخرجه ابن حبان (٢٣٧٦ - موارد)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٩/ ١٧٣).\n(٥) في الأوسط (٣٠٩٥) عن أنس بنحوه، وفي مسند الشاميين (٤٢٧) عن عبادة بن الصامت بنحوه.\nقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٠٢) عن حديث أنس: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عباد بن كثير وقد أجمعوا عَلَى ضعفه.\nوقال (٢/ ١٢٢) عن حديث عبادة: رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه، وفيه الأحوص بن حكيم وثقه ابن المديني والعجلي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله موثقون.","vol":"3","page":105},{"text":"أمرك.\nودعا رجل لبعض السَّلف بأن يحفظه الله فَقَالَ: يا أخي، لا تسأل عن حفظه، ولكن قل يحفظ الإيمان. يعني: أن المهم هو الدعاء بحفظ الدين، فإن الحفظ الدنيوي قد يشترك فيه البر والفاجر، فالله يحفظ عَلَى المؤمن دينه ويحول بينه وبين ما يفسده عليه بأسباب قد لا يشعر العبد ببعضها وقد يكون يكرهه.\nوهذا كما حفظ يوسف -﵇- قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فمن أخلص لله خلصه الله من السوء والفحشاء وعصمه منها من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة.\nكما رأى معروف الكرخي شبابًا يتهافتون في الخروج إِلَى القتال في فتنة، فَقَالَ: اللهم احفظهم، فقِيلَ لَهُ: تدعو لهؤلاء؟ فَقَالَ: إن حفظهم لم يخرجوا إِلَى القتال.\nوسمع عمر -﵁- رجلًا يقول: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه، فَحُلْ بيني وبين معاصيك. فأعجب ذلك عمر ودعا له بخير (١).\nورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إِلَى النار (٢).\nحج بعضُ المتقدمين فبات بمكة مع قوم فهمَّ بمعصية، فسمع هاتفًا يهتف يقول: ويلك، ألم تحج؟ فعصمه الله مما هم به.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"الزهد\" ص ١٤٢ - الريان.\n(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤٣) بإسناد مسلسل بالضعفاء، وسبق أن نقلت كلام الشيخ شاكر -﵀- في التعليق عَلَى إسناد العوفيين هذا في تخريجي لـ \"اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل\" للتميمي ص ٤٣ - ٤٥ طبعة دار بلنسية بالرياض فانظره فإنَّه نفيس.","vol":"3","page":106},{"text":"وخرج بعضهم مع رفقة إِلَى معصية، فلما همَّ بمواقعتها هتف به هاتف: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] فتركها.\nودخل رجل غيضة ذات شجر فَقَالَ: لو خلوت ها هنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتًا ملأ ما بين حافتي الغيضة: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].\nوهمَّ رجل بمعصية فخرج إليها فمرَّ في طريقه بقاصٍّ يقص عَلَى الناس، فوقف عَلَى حلقته فسمعه يقول: أيها الهامُّ بالمعصية، أما علمت أن خالق الهمة مطلع عَلَى همَّتك؟ فوقع مغشيًا عليه فما أفاق إلا من توبة.\nكان بعض الملوك الصالحين قد تعلق قلبه بمملوك له جميل فخشي عَلَى نفسه؛ فقام ليلة واستغاث الله، فمرض المملوك من ليلته ومات بعد ثلاث.\nومنهم من عُصِمَ بموعظة جرت عَلَى لسان من أراد منه الموافقة عَلَى المعصية، كما جرى لأحد الثلاثة الذين دخلوا الغار وانطبقت عليهم الصخرة، فإنَّه لما جلس من تلك المرأة مجلس الرجل من امرأته، قالت له: يا عبد الله. اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقام عنها (١).\nوكذلك الكفل من بني إسرائيل، كان لا يتورع عن معصية، فأعجبته امرأة فأعطاها ستين دينارًا، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت، فَقَالَ: أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن عمل ما عملته قط، وإنَّما حملني عليه الحاجة.\nفَقَالَ: تخافين الله ولا أخافه! ثم قام عنها ووهب لها الدنانير وقال: والله لا يعصي الله الكفلُ أبدًا. ومات من ليلته فأصجع مكتوبًا عَلَى بابه، قد غفر الله للكفل.\nخرج الإمام أحمد (٢) والترمذي (٣) حديثه هذا من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣).\n(٢) (٢/ ٢٣).\n(٣) برقم (٢٤٩٦) وقال: \"هذا حديث حسن قد رواه شيبان وغير واحد عن الأعمش=","vol":"3","page":107},{"text":"وراود رجل امرأة عن نفسها وأمرها بغلق الأبواب ففعلت، وقالت له: قد بقي باب واحد، قال: وأي باب هو؟ قالت: الباب الَّذِي بيننا وبين الله -﷿- فلم (يعرض) (*) لها.\nوراود رجل أعرابية، قال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: فأين مكوكبها؟!\nوهذا كله من ألطاف الله وحيلولته بين العبد ومعصيته.\nقال الحسن -وذكر أهل المعاصي-: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم.\nوقال بشر: ما أصر عَلَى معصية الله كريم، ولا آثر الدُّنْيَا عَلَى الآخرة حكيم.\nومن أنواع حفظ الله لعبده في دينه: أن العبد قد يسعى في سبب من أسباب الدُّنْيَا، إما الولايات أو التجارات أو غير ذلك، فيحول الله بينه وبين ما أراده لما يعلم له من الخيرة في ذلك وهو لا يشعر مع كراهته لذلك.\nقال ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر من التجاوة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسَّرته له أدخلته النار.\nفيصرفه الله عنه، فيظل يتطير، يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله ﷿.\n_________\n= نحو هذا ورفعوه، وروى بعضهم عن الأعمش فلم يرفعوه، وروى أبو بكر بن عياش هذا الحديث عن الأعمش فأخطأ فيه، وقال عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد ابن جبير عن ابن عمرو، وهو غير محفوظ، وعبد الله بن عبد الله الرازي هو كوفي .. \" الخ. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٢٢٦): رواه الترمذي من حديث الأعمش به وقال: حسن، وذكر أن بعضهم رواه فوقفه عَلَى ابن عمر، فهو حديث غريب جدًا، وفي إسناده نظر، فإن سعدًا هذا قال أبو حاتم: لا أعرفه إلا بحديث واحد، ووثقه ابن حبان، ولم يرو عنه سوى عبد الله الرازي هذا فالله أعلم.\n(*) يتعرض: \"نسخة\".","vol":"3","page":108},{"text":"وأعجب من هذا أن العبد قد يطلب بابًا من أبواب الطاعات، ولا يكون فيه خيرة، فيحول الله بينه وبينه صيانة له وهو لا يشعر.\nوخرج الطبراني (١) وغيره (٢) حديث أنس مرفوعًا. \"يقول الله ﷿ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَإِنْ بَسَطْتُ عَلَيْهِ أَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ\n_________\n(١) كما في جامع العلوم والحكم للمصنف (١/ ٣٥٩ - دار المعرفة) قال ابن رجب خرجه الطبراني وغيره من حديث الحسن بن يحيى الخشني عن هشام الكناني عن أنس عن النبي ﷺ عن جبريل عن ربه تعالى قال: \"من أهان لي وليًّا.- فذكره.\nقال ابن رجب: والخشني وصدقة ضعيفان، وهشام لا يعرف، وسئل ابن معين عن هشام هذا من هو؟ قال لا أحد، يعني لا يعتبر به، وقد خرج البزار بعض الحديث من طريق صدقة بن عبد الكريم الجزري عن أنس. اهـ.\nقال العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة (٤/ ١٨٨ - ١٨٩): وأما حديث أنس فلم يعزه الهيثمي إلا للطبراني في \"الأوسط\" مختصرًا جدًا بلفظ \"من أهان لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة\" وقال وفيه عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي وهو ضعيف.\nوقال الألباني: وقد وجدته من طريق أخرى بأتم منه يرويه الحسن بن يحيى قال حدثنا صدقة بن عبد الله عن هشام الكناني عن أنس به نحو حديث الترجمة، وزاد \"وإن من عبادي المومنين\" الخ.\nقال الألباني: أخرجه محمد بن سليمان الربعي في \"جزء من حديثه\" (ق٢١٦/ ٢)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ١٢١).\nقلت: وإسناده ضعيف، مسلسل بالعلل.\nالأولى: هشام الكناني لم أعرفه ....\nالثانية: صدقة بن عبد الله -وهو أبو معاوية السمين- ضعيف.\nالثالثة: الحسن بن يحيى -وهو الخشني- وهو صدوق كثير الغلط كما في \"التقريب\". اهـ.\n(٢) وأخرجه ابن أبي الدنيا في \"الأولياء\" (١)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٨ - ٣١٩) ولفظه: \"من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت في شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه، وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابًا من العِلْم فأكفه عنه ... الحديث.\nقال أبو نعيم: غريب من حديث أنس لم يروه عنه بهذا السياق إلا هشام الكناني وعنه صدقة بن عبد الله أبو معاوية الدمشقي، تفرد به الحسن بن يحيى الحسني.","vol":"3","page":109},{"text":"مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ يَطْلُبُ بَابًا مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَكُفُّهُ عَنْهُ لِكَيْ لَا يَدْخُلَهُ الْعُجْبُ، إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي بِعِلْمِي بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ\".\nكان بعض المتقدمين يكثر سؤال الشهادة، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أسرت وإن أسرت تنصرت. فكف عن سؤاله.\nوفي الجملة: فمن حفظ حدود الله وراعى حقوقه، تولى الله حفظه في أمور دينه ودنياه، وفي دنياه وآخرته.\nوقد أخبر الله تعالى في كتابه أنَّه وليُّ المؤمنين، وأنه يتولى الصالحين، وذلك يتضمن أنَّه يتولى مصالحهم في الدُّنْيَا والآخرة، ولا يكلهم إِلَى غيره، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].\nوقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].\nوقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].\nوقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].\nفمن قام بحقوق الله عليه فإن الله يتكفل له بالقيام بجميع مصالحه في الدُّنْيَا والآخرة؛ فمن أراد أن يتولى الله حفظه ورعايته في أموره كلها فليراع حقوق الله عليه، ومن أراد ألا يصبيه شيء مما يكره فلا يأت شيئًا مما يكرهه الله منه.\nكان بعض السَّلف يدور عَلَى المجالس ويقول: من أَحَبّ أن تدوم له العافية فليتق الله.\nوقال العمري الزاهد لمن طلب منه الوصية: كما تحب أن يكون الله لك،","vol":"3","page":110},{"text":"فهكذا كن لله -﷿\nوقال صالح بن عبد الكريم يقول الله -﷿- \"وعزتي وجلالي لا أطلع عَلَى قلب عبد أعلم أن الغالب عليه حب التمسك بطاعتي، إلا توليت سياسته وتقويمه\".\nوفي بعض الكتب المتقدمة: يقول الله ﷿ \"يا ابن آدم، ألا تعلمني ما يضحكك؟! يا ابن آدم، اتقني ونم حيث شئت\".\nوالمعنى: أنك إذا قمت بما عليك لله من حقوق التقوى فلا تهتم بعد ذلك بمصالحك، فإن الله هو أعلم بها منك، وهو يوصلها إليك عَلَى أتم الوجوه من غير اهتمام منك بها.\nوفي حديث جابر عن النبي ﷺ \"مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةِ اللَّهِ عَنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ، حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» (١).\nفهذا يدل عَلَى أنَّه على قدر اهتمام العبد بحقوق الله وبأداء حقوقه ومراعاة حقوقه ومراعاة حدوده، واعتنائه بذلك وحفظه له يكون اعتناؤه به وحفظه له، فمن كان غاية همه رضا الله عنه وطلب قربه ومعرفته ومحبته وخدمته، فإن الله يكون له عَلَى حسب ذلك كما قال تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] بل هو سبحانه أكرم الأكرمين، فهو يجازي بالحسنة عشرًا ويزيد، ومن تقرَّب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا. ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة.\nفما يؤتى الإنسان إلا من قِبل نفسه ولا يصيبه المكروه إلا من تفريطه في حق\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلي (١٨٦٥، ٢١٣٨)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٥٠١) والحاكم (١/ ٤٩٤) وصححه، وتعقبه الذهبي في \"التلخيص\" بقوله قلت عمر ضعيف.\nوقال الطبراني: لا يروى هذا عن جابر إلا بهذا الإسناد تفرد به عمر.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٧٧) وقال: وفيه عمر بن عبد الله مولى غفرة.\nوقد وثقه غير واحد وضعفه جماعة، وبقية رجالهم رجال الصحيح.\nوقال الطبراني: لا يروى هذا عن جابر إلا بهذا الإسناد تفرد به عمر.","vol":"3","page":111},{"text":"ربه -﷿.\nكما -قال علي -﵁-: لا يرجوَنَّ عبد إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه.\nوقال بعضهم: من صَفَّى صُفِّي له، ومن خلَّطَ خُلِّطَ عليه.\nوقال مسروق: من راقب الله في خطرات قلبه، عصمه الله في حركات جوارحه.\nوبسط هذا المعنى يطول جدًّا، وفيما أشرنا إِلَيْهِ كفاية، ولله الحمد.\n***","vol":"3","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>وقوله - ﷺ -: \"احفظ الله تجده أمامك\" وفي رواية أخرى: \"تجاهك</span>\"\nمعناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، وجد الله معه في جميع الأحوال، يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده، فإنَّه قائم عَلَى كل نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.\nقال قتادة: ومن يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الَّذِي لا ينام، والهادي الَّذِي لا يضل.\nكتب بعض السَّلف إِلَى أخ له أما بعد؛ فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان عليك فمن ترجو؟ والسلام.\nوهذه المعية الخاصة بالمتقين، غير المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] فإن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، كما قال تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].\nوكان - ﷺ - قد قال لأبي بكر الصديق ﵁ في تلك الحال: \"ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ \" (١).\nفهذا غير المعنى المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ...﴾ الآية [المجادلة: ٧].\nفإن ذلك عام لكل جماعة، ومن هذا المعنى الخاص الحديث الإلهي وقوله فيه:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦٦٣).","vol":"3","page":113},{"text":"\"وَلاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا\" (١).\nإِلَى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة عَلَى قرب الرب سبحانه ممن أطاعه واتقاه، وحفظ حدوده وراعاه.\nودخل بُنان الحمال البرية عَلَى طريق تبوك فاستوحش، فهتف به هاتف: لم تستوحش، أليس حبيبك معك؟\nفمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أمامه وتجاهه عَلَى كل حال، فاستأنس به واستغن به عن خلقه.\nوفي الحديث:\n\"أفضل الإيمان أن يعلم العبد أن الله معه حيث كان\" خرجه الطبراني (٢) وغيره (٣). وبسط هذا القول يطول جدًّا.\nكان بعض العُلَمَاء البربانيين كثير السفر عَلَى التجريد وحده، فخرج الناس مرة معه يودعونه فردهم، وأنشد:\nإِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتَ أَمَامَنَا ... كَفَى لِمَطَايَانَا بِذِكْرِكَ هَادِيًا\nوكان الشبلي ينشد هذا البيت، وربما قطع مجلسه عليه.\n...\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٦٠٢).\n(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦) فإن حديث عبادة بن الصامت.\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٦٠): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، تفرد به عثمان بن كثير، قلت: ولم أر من ذكره بثقة ولا جرح. اهـ.\n(٣) وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٤) وقال: غريب من حديث عروة، لم نكتبه إلا من حديث محمد بن مهاجر.","vol":"3","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>قوله - ﷺ -: \"تعرف إِلَى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة</span>\"\nالمعنى: أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه وصحته، فقد تعرف بذلك إِلَى الله وكان بينه وبينه معرفة، فعرفه ربه في الشدة وعرف له عمله في الرخاء، فنجاه من الشدائد بتلك المعرفة.\nوهذه أيضًا معرفة خاصة تقتضي القرب من الله ﷿، ومحبته لعبده، وإجابته لدعائه، وليس المراد بها المعرفة العامة فإن الله لا يخفى عليه حال أحد من خلقه، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].\nوهذا التعرف الخاص هو المشار إِلَيْهِ في الحديث الإلهي.\n\"وَلاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ -إلى أن قال-: وَلَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ\" (١).\nاجتمع الفضيل بشعوانة العابدة فسألها الدعاء، فقالت: يا فضيل، وما بينك وبينه؟ ما إن دعوته أجابك: فشهق الفضيل شهقة خرَّ مغشيًّا عليه.\nوقال أبو جعفر السائح: أتى الحسن إِلَى حبيب أبي محمد هاربًا من الحَجَّاج، فَقَالَ: يا أبا محمد احفظني من الشرط، هم عَلَى إثري.\nفَقَالَ: استحييت لك يا أبا سعيد، أليس بينك وبينه من الثقة ما تدعوه فيسترك من هؤلاء؟! ادخل البيت فدخل الشرط عَلَى إثره فلم يروه.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":115},{"text":"فذكروا ذلك للحجاج فَقَالَ: بل كان في بيته إلا أن الله طمس أعينهم فلم يروه.\nومتى حصل هذا التعرف الخاص للعبد حصل للعبد معرفة خاصة بربه توجب له الأنس به والحياء منه، وهذه معرفة خاصة غير معرفة المؤمنين العامة.\nومدار العارفين كلهم عَلَى هذه المعرفة وهذا التعرف، وإشاراتهم تومئ إِلَى هذا.\nسمع أبو سليمان رجلًا يقول: سهرت البارحة في ذكر النساء، فَقَالَ: ويحك، أما تستحي منه، يراك ساهرًا في ذكر غيره؟! ولكن كيف تستحي ممن لا تعرف؟!.\nوقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أَحَبّ ألا أموت حتى أعرف مولاي. وليس معرفته الإقرار به ولكن المعرفة الَّذِي إذا عرفته استحييت منه.\nوهذه المعرفة الخاصة والتعرف الخاص [توجب] طمأنينة العبد بربه وثقته به في إنجائه من كل شدة وكرب وتوجب استجابة الرب دعاء عبده.\nلما اختفى الحسن البصري من الحجاج قِيلَ لَهُ: لو خرجت من البصرة فإنا نخاف أن يدل عليك، فبكى ثم قال: أخرج من مصري وأهلي وإخواني؟ إن معرفتي بربي وبنعمته عليّ [تدلني] عَلَى أنَّه سينجيي ويخصلني منه إن شاء الله تعالى؟ فما ضرَّه الحجاج بشيء، ولقد كان يكرمه بعد ذلك إكرامًا شديدًا ويحسن ذكره.\nوقال رجل لمعروف: ما الَّذِي هيجك عَلَى الانقطاع والعبادة [و] [*] ذكر الموت والبرزخ والجنة والنار؟ فَقَالَ معروف: أى شيء هذا، إن مَلِكًا هذا كله بيده، إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا.\nومما يبين هذا ويوضحه الحديث الذي خرجه \"الترمذي\" (١) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ.\n_________\n(١) برقم (٣٣٨٢) وقال: هنا حديث غريب.\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع (و)، ولعل الأليق بالمعنى حذفها، والله أعلم","vol":"3","page":116},{"text":"من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء\".\nوخرج ابن أبي الدُّنْيَا (١) وابن أبي حاتم (٢) وابن جرير (٣) وغيرهم من حديث يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه:\n«أَنَّ يُونُسَ ﵇ لَمَّا دَعَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، هَذَا صَوْتٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ فَقَالَ اللَّهُ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: يَا رَبِّ، أَفَلَا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهِ مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بِالْعَرَاءِ».\nقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس ﵇- كان يذكر الله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤].\nوإن فرعون كان طاغيًا ناسيًا لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: آمنت، فَقَالَ الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].\nوقال رشدين بن سعد: قال رجل لأبي الدرداء أوصني، فَقَالَ: اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء.\nوقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعّاءً في السراء ونزلت به ضراء فدعا الله ﷿، فقالت الملائكة. صوت معروف ... فشفعوا له، وإذا كان ليس بدعّاءٍ في السراء فنزلت به ضراء، فدعا الله ﷿ قالت\n_________\n(١) في \"الفرج بعد الشدة\" (ص ٢٥).\n(٢) كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٢١).\n(٣) في تفسيره (٢٤/ ٦٤) وفي إسناده يزيد الرقاشي وهو متروك.","vol":"3","page":117},{"text":"الملائكة: صوت ليس بمعروف، فلا يشفعون له.\nوحديث الثلاثة الذين دخلوا الغار (١) (وأطبقت) (*) عليهم الصخرة يشهد لهذا أيضًا؛ فإنهم فُرِّجَ عنهم بدعائهم لله بما كان سبق منهم من الأعمال الصالحة الخالصة في حال الرخاء: من بر الوالدين، وترك الفجور، وأداء الأمانة الخفية.\nفإذا علم أن التعرف إِلَى الله في الرخاء يوجب معرفة الله لعبده في الشدة، فلا شدة يلقاها المؤمن في الدُّنْيَا أعظم من شدة الموت، وهي أهون مما بعدها إن لم يكن مصير العبد إِلَى خير، وإن كان مصيره إِلَى خير، فهي آخر شدة يلقاها.\nفالواجب عَلَى العبد الاستعداد للموت قبل نزوله بالأعمال الصالحة والمبادرة إِلَى ذلك، فإنَّه لا يدري المرء متى تنزل به هذه الشدة من ليل أو نهار.\nوذكر الأعمال الصالحة عند الموت مما يحسن ظن المؤمن بربه، ويهون عليه شدة الموت ويقوي رجاءه.\nقال بعضهم: كانوا يستحبون أن يكون للمرء خبيئة من عمل صالح، ليكون أهون عليه عند نزول الموت أو كما قال.\nوكانوا يستحبون أن يموت (الرجل) (**) عقب طاعة عملها من حج أو جهاد أو صيام.\nوقال النخعي: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه.\nقال أبو عبد الرحمن السُّلمى في مرضه: كيف لا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضان؟!.\nولما احتُضِر أبو بكر بن عياش وبكوا عليه قال: لا تبكوا، فإني ختمت\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(*) وانطبقت: نسخة\".\n(**) المرء: \"نسخة\".","vol":"3","page":118},{"text":"القرآن في هذه الزاوية ثلاث عشرة ألف ختمة.\nورُوي عنه أنَّه قال لابنه: أترى أن الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم القرآن كل ليلة؟.\nوقال بعض السَّلف لابنه عند موته ورآه يبكي: لا تبك فما أتى أبوك فاحشة قط.\nوختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجى للموت ثم قال: بحبي لك إلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك، لا إله إلا الله. ثم قضى ﵀.\nوكان عبد الصمد الزاهد يقول عند موته: سيدي، لذه الساعة خبأتك، ولهذا اليوم اقتنيتك حقق حسن ظني بك.\nوقال ابن عقيل عند موته وقد بكى النسوة: قد وَقَّعْتُ عنه خمسين سنة، فدعوني أتهنأ بلقائه.\nولما هجم القرامطة عَلَى الحُجَّاج وقتلوهم في الطواف، وكان علي بن باكويه الصوفي يطوف فلم يقطع (الطواف) (*) والسيوف تأخذه حتى وقع، فأنشد:\nترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتيةِ الكهف لا يدرون كم لبِثُوا\nتالله لو حلف الأحباب أنهم ... موتى من البين يوم البين ما حنثوا\nفمن أطاع الله واتقاه وحفظ حدوده في حياته تولاه الله عند وفاته، وتوفاه عَلَى الإيمان، وثبته بالقول الثابت في القبر عند سؤال الملكين، ودفع عنه عذاب القبر، وآنس وحشته في تلك الوحدة والظلمة.\nقال بعض السَّلف: إذا كان الله معك عند دخول القبر، فلا بأس عليك ولا وحشة.\nورؤي بعض العُلَمَاء الصالحين في النوم بعد موته، فسئل عن حاله فَقَالَ:\n_________\n(*) طوافه: \"نسخة\".","vol":"3","page":119},{"text":"يؤنسني ربي ﷿.\nفمن كان الله أنيسه في خلواته في الدُّنْيَا، فإنَّه يرجى أن يكون أنيسه في ظلمات اللحود إذا فارق الدُّنْيَا وتخلى عنها، وفي هذا المعنى يقول بعضهم:\nفيا رب كن لي مؤنسًا يوم وحشتي ... فإني (بما) (*) أنزلته لمصدق\nوما ضرني أني إِلَى الله صائر ... ومن هو من أهلي أبر وأرفق\nوكذلك أهوال القيامة وأفزاعها وشدائدها، إذا تولى الله عبده المطيع له في الدُّنْيَا، أنجاه من ذلك كله.\nقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قال: من الكرب عند الموت ومن أفزاع يوم القيامة.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس [﵄] في هذه الآية: ننجيه من كل كرب في الدُّنْيَا والآخرة (١).\nوقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] قال: يُبَشَّر في ذلك عند موته، وفي قبره ويوم يبعث، فإنَّه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه.\nوقال ثابت البناني في هذه الآية: بلغنا أن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدُّنْيَا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، فيؤمِّن الله خوفه ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشى الناس يوم القيامة إلا وهي للمؤمن قرة عين، لما هداه الله ولما كان يعمل في الدُّنْيَا. خرج ذلك كله ابن أبي حاتم وغيره.\nوأما من لم يتعرف إِلَى الله في الرخاء، فليس له من يعرفه في الشدة لا في الدُّنْيَا ولا في الآخرة.\nوشواهد هذا مشاهدة حالهم في الدُّنْيَا، وحالهم في الآخرة أشد، وما لهم من ولي ولا نصير.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٢٨/ ٨٩).\n(*) لما: \"نسخة\".","vol":"3","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>وقوله - ﷺ -: \"إذا سألت فاسأل الله</span>\"\nأمر بإفراد الله ﷿ بالسؤال ونهي في سؤال غيره من الخلق، وقد أمر الله تعالى بسؤاله، فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].\nوفي \"الترمذي\" (١) عن ابن مسعود مرفوعًا:\n\"سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يُسأل\".\nوفيه (٢) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"من لا يسأل الله يغضب عليه\".\nوفيه أيضًا (٣): \"إن الله يحب الملحين في الدعاء\".\n_________\n(١) برقم (٣٥٧١) وقال: هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وقد خولف في روايته.\nوحماد بن واقد هذا هو الصغار ليس بالحافظ وهو عندنا شيخ بصري.\nوروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النبي ﷺ مرسل وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح. اهـ.\n(٢) برقم (٣٣٧٣) وقال الترمذي: وروى وكيع وغير واحد عن أبي المليح هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو المليح اسمه: صبيح، سمعت محمدًا يقوله وقال: يقال له الفارسي.\n(٣) ليس هذا الحديث في سنن الترمذي، ولم يعزه للترمذي غير ابن رجب، وقد أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٤٥٢)، وابن عدى في \"الكامل\" (٧/ ١٦٣) كلاهما من طريق بقية عن يوسف بن السفر عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا.\nوأخرجه الطبراني في الدعاء (٢٠)، والبيهقي في الشعب (١١٠٨) والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٦٩) كلهم من طريق بقية عن الأوزاعي به إسقاط يوسف بن السفر من السند.\nقال العقيلي عن يوسف بن السفر: يحدت بمناكير ثم ذكر هذا الحديث له.\nوقال ابن عدي يعد أن ذكر تجريح الأئمة له: وهذا كان بقية يرويه أحيانًا عن=","vol":"3","page":121},{"text":"وفي حديث آخر:\n\"ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع\" (١).\nوفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، وفي النهي عن سؤال الخلق أحاديث كثيرة صحيحة.\nوفي حديث (ابن مسعود) (*) مرفوعًا:\n_________\n=الأوزاعي نفسه، فسقط يوسف لضعفه، وربما قال: ثنا يوسف بن السفر عن الأوزاعي، وربما كناه فيقول: عن أبي الفيض، عن الأوزاعي وكل ذلك يضعفه، لأنّ الحديث يرويه يوسف عن الأوزاعي.\nثم قال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي رواها يوسف عن الأوزاعي بواطيل كلها.\nوقال البيهقي بعد أن ساق الحديث وفيه تصريح بقية بالتحديث عن الأوزاعي: هكذا قال: ثنا الأوزاعي، وهو خطأ.\nوسئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث كما في العلل لابنه (٢/ ١٩٩) برقم (٢٠٨٧) من رواية بقية عن الأوزاعي فَقَالَ: هذا حديث منكر، نرى أن بقية دلسه عن ضعيف عن الأوزاعي.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٩٥) برقم (٧١٥) عن هذا الحديث: تفرد به يوسف بن السفر عن الأوزاعي، وهو متروك، وكان بقية ربما دلسه.\n(١) أخرجه الترمذي (٣٦٨٢)، وابن حبان (٨٦٦، ٨٩٤، ٨٩٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٥٣). قال الترمذي: هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن النبي ﷺ، ولم يذكروا فيه عن أنس. ثم ساق الترمذي حديث ثابت البناني المرسل برقم (٣٦٨٣) وقال: وهذا أصح من حديث قطن عن جعفر بن سليمان. وقال ابن عدى عن قطن بن نسير: بصري يسرق الحديث ويوصله. قال ابن عدي: وحدثناه البغوي، ثنا القواريري، ثنا جعفر، عن ثابت عن انس عن النبي - ﷺ - نحوه، فَقَالَ رجل للقواريري: إن لي شيخًا يحدث به عن جعفر عن ثابت، عن أنس، فَقَالَ القواريرى: باطل، وهذا كما\nقال.\nوقال ابن حبان (٨٩٥): أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بخبر غريب، واستدرك الشيخ محمد بن ناصر/ العجمي -حفظه الله- في تخريجه للحديث لنفس الرسالة هذه ص٦٧ عَلَى المطبوع من كتاب الكامل لابن عدي، فجعل رواية القواريري مرسلة ثم قال: والتصويب من تهذيب التهذيب (٨/ ٣٨٢)، والميزان (٣/ ٣٩١).\nتنبيه! سقط هذا الحديث من نسخة الترمذي المطبوعة بتحقيق إبراهيم عطوة، وخرجته من النسخة المشروحة المسماة بـ \"تحفة الأحوذي\".\n(*) هكذا في \"الأصل\"، وفي التخريج \"مسعود بن عمرو\".","vol":"3","page":122},{"text":"\"لا يزال العبد يسأل. وهو غني حتى يخلق وجهه فما يكون له عند الله وجه\" (١)\nوقد بايع النبي -ﷺ- جماعة من أصحابه عَلَى أن لا يسألوا الناس شيئًا (٢)، منهم: أبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحدًا أن يناوله.\nواعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلا وشرعًا وذلك من وجوه متعددة منها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، فلا يصلح الذل إلا له بالعبادة والمسألة، وذلك من علامات المحبة الصادقة.\nسئل يوسف بن الحسين ما بال المحبين يتلذذون بذلهم في المحبة؟\nفأنشد:\nذل الفتى في الحب مكرمة ... وخضوعه لحبيبه شرف\nوهذا الذل وهذه المحبة لا تصلح إلا لله وحده وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحق.\nكان الإمام أحمد ﵀ يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك (فصنه) (*) عن المسألة لغيرك.\nوقال أبو الخير الأقطع: كنت بمكة سنة فأصابتني فاقة وضر، فكنت كلما\n_________\n(١) أخرجه البزار (٩١٩) والطبراني (٢٠/ ص ٣٣٣ برقم ٧٩٠) من حديث مسعود بن عمرو، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٩٦) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام. وأورد هذا الحديث ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٢٨٢) وقال: وهذا الحديث منكر.\nوله شاهد من حديث عمر أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٦٤) قال أبو نعيم: ثابت من حديث حمزة، غريب من حديث صفوان، تفرد به عنه عبد الله بن أبي جعفر وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي.\n(٢) أخرجه مسلم (١٠٤٣) من حديث عوف بن مالك.\n(*) كتب في هامش الأصل: فصن وجهي. وكتب فوقه: دعاء لطيف.","vol":"3","page":123},{"text":"أردت أن أخرج إِلَى المسألة هتف بي هاتف يقول: الوجه الَّذِي يسجد لي تبذله لغيري؟\nوفي هذا المعنى يقول بعضهم:\nما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... بدلًا وإن نال الغنى بسؤال\nوإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال\nفإذا ابتليت ببذل وجهك سائلًا ... فابذله للمتكرم المفضال\nولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس عَلَى وجهه مزعة لحم، كما ثبت ذلك في \"الصحيحين\" (١) لأنّه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدُّنْيَا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي فيصير عظمًا بغير لحم ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي، فلا يبقى له عند الله وجاهة.\nومنها أن في سؤال الله عبودية عظيمة؛ لأنها إظهار للافتقار إِلَيْهِ، واعتراف بقدرته عَلَى قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم؛ لأنّ المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها، فكيف يقدر عَلَى ذلك لغيره؟ وسؤاله إقامة له مقام من يقدر وليس هو بقادر.\nويشهد لهذا المعنى الحديث الَّذِي في \"صحيح مسلم\" (٢) عن أبي ذر ﵁ عن النبي - ﷺ -.\n«يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا (غمس) (*) فِي الْبَحْرَ».\nوفى الترمذي (٣) وغيره زيادة في هذا الحديث وهي:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠).\n(٢) برقم (٢٥٧٧).\n(*) أدخل: \"نسخة\"، وهو الموافق لما في صحيح مسلم المطبوع.\n(٣) (٢٤٩٥) وقال: هذا حديث حسن. وروى بعضهم هذا الحديث عن شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر عن النبي - ﷺ - نحوه.","vol":"3","page":124},{"text":"\"ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدَ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَأِنَّمَا أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ\".\nفكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إن هذا لأعجب العجب!\nقال بعض السَّلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدُّنْيَا وهو (يملكها) (*) فكيف أسألها من لا يملكها؟! يعني: المخلوق.\nوحصل لبعض السَّلف ضيق في معيشته حتى هم أن يطلب من بعض إخوانه، فرأى في منامه قائلا يقول:\nأيحسن بالحرِّ المريد\nإذا وجد عند الله ما يريد\nأن يميل بقلبه إِلَى العبيد\nفاستيقظ وهو من أغنى الناس قلبًا.\nوقال بعض السَّلف: قرأت في بعض الكتب المنزلة: \"يقول الله ﷿: (أَيُؤَمَّلُ) (**) غَيْرِي لِلشَّدَائِدِ؟! وَالشَّدَائِدُ بِيَدِي وَأَنَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَيُرْجَى غَيْرِي وَيُطْرَقُ بَابُهُ بِالْبُكْرَاتِ؟! وَبِيَدِي مَفَاتِيحُ الْخَزَائِنِ، وَبَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي، مَنْ ذَا الَّذِي أَمَّلَنِي لِنَائِبَةٍ فَقَطَعْتُ بِهِ أَوْ مَنْ ذَا الَّذِي رَجَانِي لِعِظَمٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءِهِ، وَمَنْ ذَا الَّذِي طَرَقَ بَابِي فَلَمْ أَفْتَحْهُ لَهُ؟\nأَنَا غَايَةُ الْآمَالِ، فَكَيْفَ تَنْقَطِعُ الْآمَالُ دُونِي؟!\nأَبَخِيلٌ أَنَا؟ فَيُبَخِّلُنِي عَبْدِي! أَلَيْسَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْكَرْمُ وَالْفَضْلُ كُلُّهُ لِي؟! فَمَا يَمْنَعُ الْمُؤَمِّلِينَ أَنْ يُؤَمِّلُونِي، لَوْ جَمَعْتُ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ أَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَعْطَيْتُ الْجَمِيعَ وَبَلَّغْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمَلَهُ، لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي عُضْوَ ذَرَّةٍ.\n_________\n(*) نسخة: \" مالكها\".\n(**) نسخة: \"يُؤَمَّلُ\".","vol":"3","page":125},{"text":"وكيف ينقص ملك أنا قيِّمه؟؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني وتوثّب عَلَى محارمي\".\nومنها: أن الله يحب أن يسأل، ويغضب عَلَى من لا يسأله فإنَّه يريد من عباده أن يرغبوا إِلَيْهِ ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إِلَيْهِ، ويحب الملحين في الدعاء.\nوالمخلوق غالبًا يكره أن يُسأل لفقره وعجزه.\nقال ابن السَّمَّاك: لا تسأل من يفر منك من أن تسأله، واسأل من أمرك أن تسأله.\nوقال أبو العتاهية:\nالله يَغضبُ إنْ تَرَكتَ سُؤالهُ ... وبُنيَّ آدَمَ حِينَ يُسألُ يَغضبُ\nفاجعل سؤالك للإله فإنما ... في فضل نعمة ربنا نتقلب\nكان يحيى بن معاذ يقول: يا من يغضب عَلَى من لا يسأله لا تمنع من قد سألك.\nوأنشد بعض الأعراب:\nأيا مالك لا تسأل الناس والتمس ... يكفيك فضل الله فالله أوسع\nولو يسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا\nومنها: \"أن الله -تعالى- يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من داع فأستجيب له؟ \" (١).\nوقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nفأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق فإنَّه يمتنع بالحجاب والأبواب، ويعسر الوصول إِلَيْهِ في أغلب الأوقات.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).","vol":"3","page":126},{"text":"قال طاوس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إِلَى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إِلَى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك.\nوقال وهب بن منبه لبعض العُلَمَاء: ألم أخبر أنك تأتي الملوك وأبناء الملوك تحمل إليهم علمك؟! ويحك تآتي من يغلق عليك بابه، ويظهر لك فقره ويواري عنك غناه! وتَدَعُ من يفتح لك بابه بنصف الليل وبنصف النهار ويظهر لك غناه؟ ويقول: ادعني استجب لك؟!.\nورأى ميمون بن مهران الناس مجتمعين عَلَى باب بعض الأمراء فَقَالَ: من كانت له حاجة إِلَى سلطان فحجبه فإن بيوت الرحمن مُفتحة، فليأت مسجدًا فليصل ركعتين ثم ليسأل حاجته.\nوكان بكر المزني يقول: من مثلك يا ابن آدم؟! متى شئت تطهرت ثم ناجيت ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان.\nوسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إِلَى بعض المخلوقين، فَقَالَ له: أنا لا أترك بابًا مفتوحًا، وأذهب إِلَى باب مغلق.\nوفي هذا المعنى يقول بعضهم:\nوأفنية الملوك محجبات ... وباب الله مبذول الفناء\nوقال آخر:\nقل للذين تحصنوا عن سائل ... بمنازل من دونها حجّاب\nإن حال دون لقائكم بوابكم ... فالله ليس لبابه بوّاب\nولبعض العُلَمَاء:\nلا تجلس بباب من ... يأبى عليك دخول داره\nوتقول حاجتي إِلَيْهِ ... يعوقها إن لم أداره\nواتركه واقصد ربها ... تقضى ورب الدار كاره","vol":"3","page":127},{"text":"وخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا (١) من حديثِ أبي عبَيدةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ \"أنَّ رجلًا جاءَ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بَني فُلانٍ أغاروا عليَّ فذهبُوا بابنِي وإبلِي. فقالَ له النبيُّ - ﷺ -: إنَّ آلَ محمَّدٍ كذا وكذا أهلَ بيتٍ ما لهُم مدٌّ منْ طعامٍ أو صاعٍ، فاسألِ اللَّهَ ﷿.\nفرجعَ إلى امرأتهِ، فقالت: ما قالَ لكَ؟ فأخبرَهَا، فقالتْ: نِعْمَ ما رَدَّ عليكَ. فما لبثَ أن ردَّ اللَّهُ عليه ابنَه وإبلَهُ أوفرَ ما كانتْ.\nفأتى النبيَّ - ﷺ - فأخبرَهُ فصعدَ المنبرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ، وأمرَ الناسَ بمسألةِ اللَّهِ ﷿ والرغبة إليهِ، وقرأَ عليهِمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].\nوسأل رجل ثابتًا البناني أن يشفع له إِلَى قاض في قضاء حاجة له، فقام ثابت معه، فكان كلما مر بمسجد في طريقه دخل فصلى فيه ودعا، فما وصل إِلَى مجلس القاضي إلا وقد قام منه، فعاتبه طالب الحاجة في ذلك فَقَالَ: ما كنت إلا في حاجتك. فقضى الله حاجته، ولم يحتج إِلَى القاضي.\nوكان إِسْحَاقَ بْنِ عَبَّادٍ الْبَصْرِيِّ نَائِمًا، فَرَأَى فِي مَنَامِي قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: أَغِثِ الْمَلْهُوفَ. فاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَ: هَلْ فِي جِيرَانِهِ مُحْتَاجٌ؟ قَالُوا: مَا نَدْرِي؟ ثُمَّ نَامُ فَأَتَاهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَقَالَ لَهُ: أَتَنَامُ وَلَمْ تُغِثِ الْمَلْهُوفَ؟ فَقَامَ وَأَخَذَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَرَكِبَ بَغْلَه فخرج إِلَى البَصْرَةِ حَتَّى وَقَفَ بِهِ عَلَى بَابِ مَسْجِد يُصَلَّى فِيهِ عَلَى الْجَنَائِزِ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي فَلَمَّا أحَسَّ بِهِ انْصَرَفَ فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟! مَا أَخْرَجَتْكَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ كَانَ رَأْسُ مَالِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَذَهَبَتْ مِنْ يَدَيَّ وَلَزِمَنِي دَيْنُ مِائَتَا دِرْهَمٍ. فَأَخْرَجَ لَهُ الدَّرَاهِمَ وَقَالَ: هَذِهِ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ خُذْهَا. فَأَخَذَهَا ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا.\nقَالَ لَهُ: أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبَّادٍ، فَإِنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ فَأْتِنِي فَإِنَّ مَنْزِلِي فِي مَوْضِعِ كَذَا.\n_________\n(١) في الفرج بعد الشدة (١٠)، وفي القناعة والتعفف (٥٤).","vol":"3","page":128},{"text":"فَقَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللهُ إِنْ نَابَتْنَا نَائِبَةٌ فَزِعْنَا إِلَى مَنْ أَخْرَجَكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ حَتَّى جَاءَ بِكَ إِلَيْنَا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أصبحنا ذات يوم فقالت أمي لأبي: والله ما في بيتك شيء يأكله ذو كبد. فقام فتوضأ ولبس ثيابه ثم صلّى في بيته، قال: فالتفتت إليّ أمي، فقالت: إن أباك ليس يزيد عَلَى ما ترى، فاخرج أنت. فخرجت، فخطر ببالي صديق لنا تمّار فجئت إِلَى سوقه، فلما رآني صاح بي وذهب بي إِلَى منزله وأطعمني، ثم أخرج لي صرة فيها ثلاثون دينارًا من غير أن أذكر له شيئًا من حالنا إلا ابتداء منه. وقال: اقرأ عَلَى أبيك السلام، وقل له: إنا جعلنا له شركًا في كل شيء من (تجرنا) (*) وهذا نصيبه منه.\nوعن شقيق البلخي قال: كنت في بيتي قاعدًا فَقَالَ لي أهلي:\nترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع، ولا يحل لك أن تجمل عليهم ما لا طاقة لهم به؟ قال: فتوضأت، وكان لي صديق لا يزال يقسم عَلَيَّ بالله إن يكن لي حاجة أن أعلمه بها ولا أكتمها عنه فخطر ذكره ببالي، فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد فذكر ما رُوي عن أبي جعفر قال: من عرض له حاجة إِلَى مخلوق فليبدأ فيها بالله ﷿.\nفدخلت المسجد وصليت ركعتين، فلما كنت في التشهد أفرغ عَلَيَّ النوم، فرأيت في منامي أنَّه قيل: يا شقيق، أتدل العباد عَلَى الله ثم تنساه! فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني به ربي، فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة ثم انصرفت إِلَى المنزل، فوجدت الَّذِي أردت أن أقصده قد حركه الله وأجرى لأهلي عَلَى يديه ما أغناهم.\nوعن إبراهيم بن أدهم أنَّه خرج إِلَى الغزو مع أصحابه، وأنهم تناهدوا فوضع كل واحد منهم دينارًا، ففكر فيمن يقصد من إخوانه ويستقرض منه ثم استفاق فبكى وقال: واسوءتاه أطلب من العبيد، وأترك مولاهم فيقول لي: من\n_________\n(*) متجرنا: \"نسخة\".","vol":"3","page":129},{"text":"كان أحق أن تطلب منه: أنا أو عبدي؟ فتوضأ وصلى ركعتين وخرّ ساجدًا، وقال: يا رب، قد عَلِمْتَ ما كان مني وذلك بخطئي وجهلي فإن عاقبتني عليه فأنا أهل لذلك، وإن عفوت عني فأنت أهل لذلك وقد عرفت حاجتي فاقضها برحمتك. ثم رفع رأسه فإذا هو بنحو أربعمائة دينار فتناول منها دينارًا واحدًا وذهب.\nوعن أصبغ بن زيد قال: مكثت أنا ومن عندي ثلاثًا لم نطعم شيئًا، فخرجت إِلَيَّ ابنتي الصغيرة وقالت: يا أبة، الجوع! فأتيت الميضأة فتوضأت وصليت ركعتين وألهمتُ دعاء دعوت به وفي آخره:\n\"اللهم افتح عَلَيّ منك رزقًا لا تجعل لأحد عليّ فيه منة، ولا لك علي في الآخرة فيه تبعة، برحمتك يا أرحم الراحمين\". ثم انصرفت إِلَى البيت فإذا بابنتي الكبيرة قد قامت إِلَيّ وقالت: يا أبة جاء عمي الساعة بهذه الصرة من الدراهم وحمَّال عليه دقيق، وحمَّال عليه من كل شيء في السوق، وقال: أقرئوا أخي السلام، وقولوا له: إذا احتجت إِلَى شيء فادع بهذا الدعاء تأتك حاجتك.\nقال أصبغ: والله ما كان لي أخ قط ولا أعرف من كان هذا القائل، ولكن الله عَلَى كل شيء قدير!.\nوعن الحكم بن موسى قال: أصبحت يومًا، فقالت لي المرأة: ليس عندنا دقيق ولا خبز! فخرجت ولا أقدر عَلَى شيء، فقلت في الشارع: \"اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تعلم أنَّه لا دقيق لي ولا خبزًا -وقال: ولا دراهم- فأتنا بذلك\". فلقيني رجل، فَقَالَ: خبزًا تريد أو دقيقًا؟\nفقلت له: أحدهما ثم مشيت نهاري أجمع لا أقدر عَلَى شيء فرجعت فقدّم أهلي إِلَيَّ خبزًا، ولحمًا واسعًا، فقلت: من أين هذا لكم؟ قالوا: من الَّذِي وجهت به. فَسَكَتُّ.\nوعن الأوزاعي قال: رأيت رجلًا في الطواف وهو متعلق بأستار الكعبة وهو","vol":"3","page":130},{"text":"يقول: يا رب، إني فقير كما ترى، وصبيتي قد عروا كما ترى، وناقتي قد عجفت كما ترى، فما ترى يا من ترى ولا يُرى؟\nفإذا بصوت من خلفه: يا عاصم، يا عاصم، الحق عمك! فقد هلك بالطائف وقد خلف ألف نعجة، وثلاثمائة ناقة وأربعمائة دينار، وأربعه أعبد، وثلاثة أسياف يمانية، فامض فخذها فليس له وارث غيرك.\nقال: فقلت: يا عاصم، إن الَّذِي دعوت لقد كان قريبًا منك.\nقال: يا هذا، أما سمعت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوالآثار والحكايات في هذا المعنى كثيرة جدًّا يطول الكتاب بذكرها، وهي موجودة في مثل \"كتاب الفرج بعد الشدة\" و\"كتاب مجابي الدعوة\" لابن أبي الدُّنْيَا، وفي \"كتاب المستصرخين بالله عند نزول البلاء\" للقاضي أبي الوليد بن الصغار، و\"كتاب المستغيثين بالله عند نزول البلاء\" للحافظ أبي القاسم ابن بشكوال الأندلسيين وفي غيرها من كتب الزهد والرقائق والتواريخ وغيرها.\nوروى الشيخ أبو الفرج في \"تاريخه الكبير\" بإسناده عن الحسن بن سفيان الفسوي الحافظ أنَّه كان مقيمًا بمصر مع جماعة من أصحابه يكتبون الحديث، فاحتاجوا فباعوا ما معهم حتى لم يبق لهم ما يباع، وبقوا ثلاثة أيام جياعًا لا يجدون شيئًا يكون وأصبحوا في اليوم الرابع وقد عزموا عَلَى المسألة لشدة الضرورة، فاقترعوا عَلَى من يسأل لهم، فخرجت القرعة عَلَى الحسن بن سفيان قال: فتحيرت ودهشت ولم تسامحني نفسي بالمسألة، فعدلت إِلَى زاوية المسجد أصلي ركعتين طويلتين وأدعو الله -﷿- لكشف الضر وسياقة الفرج، فلم أفرغ من الصلاة حتى دخل المسجد رجل معه خادم في يده منديل، فَقَالَ: من منكم الحسن بن سفيان؟ فرفعت رأسي من السجود وقلت: أنا.\nفَقَالَ: إن الأمير ابن طولون يقرئكم السلام والتحية، ويعتذر إليكم في الغفلة عن تفقد أحوالكم والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم، وقد بعث إليكم","vol":"3","page":131},{"text":"بما يكفي نفقة الوقت، وهو زائر لكم غدًا ومعتذرًا إليكم بلفظه ووضع (في يد) (*) كل واحد منا صرة فيها مائة دينار، قال: فتعجبنا وسألناه عن السبب، قال: إنه كان اليوم نائمًا فرأى فارسًا في الهواء يقول له: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه؛ فإنهم منذ ثلاثة أيام جياع في المسجد الفلاني!\nفَقَالَ له: من أنت؟ قال: أنا رضوان صاحب الجنة. قال الحسن: فشكرنا الله -﷿- وأصبحنا أحوالنا وسافرنا تلك الليلة من مصر خشية أن يزورنا الأمير، فيطلع الناس عَلَى أسرارنا فيكون ذلك سبب ارتفاع اسم، وانبساط جاه، ويتصل ذلك بنوع من الرياء والسمعة.\nوروى أيضًا بإسناد له عن محمد بن هارون الروياني أنَّه اجتمع هو ومحمد ابن نصر المروزي ومحمد بن علويه الورَّاق ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ... فذكر معنى هذه الحكاية وأن المصلي والداعي كان هو ابن خزيمة، وبإسناد آخر أن الأربعة كانوا محمد بن جرير، ومحمد بن نصر، ومحمد بن خزيمة، ومحمد بن هارون.\n...\n_________\n(*) بين يدي: \"نسخة\".","vol":"3","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>وقوله - ﷺ -: \"وإذا استعنت فاستعن بالله</span>\"\nلما أمر ﵇ بحفظ الله والتعرف إِلَيْهِ في الرخا، وذلك هو العبادة حقيقة ثم أرشد إِلَى سؤال الله وحده ودعائه و\"الدعاء هو العبادة\" كما في حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].\nخرَّجه أهل السنن الأربعة (١).\nأرشد بعد ذلك إِلَى الاستعانة بالله وحده وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وهي كلمة عظيمة جامعة يقال: إن سر الكتب الإلهية كلها ترجع إليها وتدور عليها.\nوفي استعانة الله وحده فائدتان:\nإحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.\nوالثانية: أنَّه لا معين له عَلَى مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.\nوفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -: \"احرص عَلَى ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز\" (٢).\nوكان - ﷺ - يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: \"الحمد لله نستعينه ونستهديه\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٣٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" برقم (١١٤٦٤) وابن ماجه (٣٨٢٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).\n(٣) أخرجه الشافعي في \"المسند\" بترتيب السندي (ص/ ١٤٧/ ١). قال الشيخ=","vol":"3","page":133},{"text":"وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: \"اللهم أعني عَلَى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\" (١).\nوكان من دعائه - ﷺ -: \"يا رب أعني ولا تعن عليّ\" (٢).\nوفي دعاء القنوت الَّذِي كان يدعو به عمر وغيره: \"اللهم إنا نستعينك\".\nوفي الأثر المعروف -ويقال إن موسى -﵇- قاله لما ضرب البحر فانفلق-: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nفالعبد محتاج إِلَى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وفي ترك المحظورات، وفي الصبر عَلَى المقدورات كما قال يعقوب -﵇- لبنيه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].\nولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا.\nوقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال الله لنبيه - ﷺ -: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، ولما بشَّر - ﷺ - عثمان بالجنة عَلَى بلوى تصيبه قال: الله المستعان (٣).\nولما دخلوا عَلَى عثمان وضربوه جعل يقول والدماء تسيل عليه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعيذ بك عليهم وأستعينك عَلَى\n_________\n=الألباني: ﵀ في مقدمة المجلد الخامس ص١ عن لفظة \"ونستهديه\" بأن هذه الزيادة لا أصل لها في شيء من طرق هذه الخطبة؛ خطبة الحاجة.\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٥)، وأبو داود (١٥٢٢)، والنسائي (٣/ ٥٣).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٧)، وأبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) أخرجه مسلم (٢٤٠٣)، وعنده فَقَالَ: اللهم صبرًا، أو الله المستعان.","vol":"3","page":134},{"text":"جميع أموري، وأسألك الصبر عَلَى ما ابتليتني.\nورُوي عن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال في بعض غزواته حين لقي العدو: \"يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال أبو طلحة: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ تُصْرَعُ\" (١) خرَّجه أبو الشيخ الأصبهاني.\nفالعبد محتاج إِلَى الاستعانة بالله في مصالح دينه ودنياه، كما قال الزبير في وصيته لابنه عبد الله بقضاء دينه: إن عَجزتَ فاستعن بمولاي.\nفَقَالَ له: يا أبت من مولاك؟ قال: الله.\nقال: فما وقعت في كُربة من دَيْنِهِ إلا قلتُ: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه فيقضيه؟.\nوقال عمر بن الخطاب -﵁- في أول خطبة خطبها عَلَى المنبر: ألا إن العرب جمل أنف قد أَخَذْتُ بخطامه، ألا وإني حامله عَلَى المحجة ومستعن بالله عليه.\nوكذلك يحتاج العبد الاستعانة بالله عَلَى أهوال ما بين يديه من الموت وما بعده.\nلما احتضر خالد بن الوليد قال رجل ممن حوله: والله، إنه ليسؤه -يعني: الموت- قال خالد: أجل، فأستعين الله ﷿.\nوبكى عامر بن عبد الله بن الزبير عند موته وقال: إِنَّمَا أبكي عَلَى حر النهار وبرد القيام -يعني: صيام النهار وقيام الليل- وقال: إني أستعين الله عَلَى مصرعي هذا بين يديه.\nومن كلام بعض المتقدمين: يا رب، عجبت لمن يعرفك يرجو غيرك!\nعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك!.\n_________\n(١) أخرجه ابن السني في \"عمل اليوم الليلة\" (٣٣٤)، والطبراني في الأوسط (٨١٦٣)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٣٢٨) وقال: وفيه عبد السلام بن هاشم وهو ضعيف.","vol":"3","page":135},{"text":"وكتب الحسن إِلَى عمر بن عبد العزيز -﵀-: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إِلَيْهِ.\nوقال بعضهم: فاستعن بالله واستعنه فإنَّه خير مستعان.\n***","vol":"3","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>وقوله - ﷺ -: \"جف القلم بما هو كائن\" وفي الرواية الأخرى: \"رفعت الأقلام وجفت الكتب\" وفي الرواية الأخرى: \"وجفت الصحف</span>\"\nكله كناية عن نفوذ المقادير وكتابتها جميعها في كتاب جامع من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا كتب وفرغ من كتابته وبعد عهده فقد رفعت الأقلام عنه وجفت الأقلام التي كتب به من مدادها وجفت الصحيفة المكتوب فيها بالمداد المكتوب به فيها.\nوهذا من (أحسن) (*) الكنايات وأبلغها، وقد دل الكتاب والسنة الصحيحة عَلَى مثل هذا المعنى، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].\nقال الضحاك عن ابن عباس: إن الله خلق القلم فأمره ليجري بإذنه، وعِظَم القلم كقدر ما بين السماء والأرض، فَقَالَ القلم: بم يا رب أجري؟ قال: بما أنا خالق وكائن في خلقي من قطر أو نبات أو نفس أو أثر -يعني به: العمل- أو رزق أو أجل. فجرى القلم بما هو كائن إِلَى يوم القيامة، فأثبته الله في الكتاب المكتوب عنده تحت العرش.\nوروى أبو ظبيان عن ابن عباس: إن أول شيء خلقه الله القلم، فَقَالَ له: اكتب قال: وما كتب؟ قال: القدر. فجرى بما هو كائن إِلَى أن تقوم الساعة ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] (١)، وروى أبو الضحى عن ابن عباس نحوه أيضًا (٢).\n_________\n(*) أبلغ: \"نسخة\".\n(١) أخرجه ابن جربر (٢٩/ ٩، ١٠).\n(٢) أخرجه ابن جرير (٢٩/ ١٠).","vol":"3","page":137},{"text":"ورُوي حديث أبي الضحى مرفوعًا، ولا يثبت رفعه (١). ورُوي ابن بطة بإسناد ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا: \"أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمَ ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وَهِيَ الدَّوَاةُ ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَنْطِقْ وَلَا يَنْطِقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (٢).\nوخرَّج الإمام أحمد (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ اَلسَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمٍ اَلْقِيَامَةِ\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (٦) عن عبد الله بن عمرو﵄- عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».\nوخرَّج الإمام أحمد (٧) والترمذي (٨) والنسائي (٩) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟» فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ: لِلَّذِي فِي يَدِهِ اليُمْنَى: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٤٢ برقم ١٢٢٢٧) وقال: لم يرفعه عن حماد ابن زيد إلا مؤمل بن إسماعيل.\nوقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٢٨): ومؤمل ثقة كثير الخطأ، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله ثقات.\n(٢) عزاه العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٠٩) للحكيم الترمذي عن أبي هريرة.\n(٣) (٥/ ٣١٧).\n(٤) برقم (٤٧٠٠).\n(٥) برقم (٢١٥٥) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.\n(٦) برقم (٢٦٥٣).\n(٧) (٢/ ١٦٧).\n(٨) برقم (٢١٤١) وقال: وفي الباب عن ابن عمر وهذا حديث حسن غريب صحيح.\n(٩) في السنن الكبرى (١١٤٧٣).","vol":"3","page":138},{"text":"ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا. ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟! فَقَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ: فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ، ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]».\nوخرَّج الإمام أحمد (١) من حديث أبي الدرداء عن النبي - ﷺ -: \"فرغ الله إِلَى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد\".\nوخرَّج الإمام أحمد (٢) والترمذي (٣) من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها\".\nوخرَّج مسلم (٤) من حديث جابر \"أنَّ رَجُلًا قال: يا رسول الله، فِيمَ الْعَمَلُ الْيَوْمَ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَوْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ. قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ\".\nوفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًّا، وكذلك الآثار الموقوفة. وقال بعضهم:\nسلم الأمر كله جف بالكائن القلم ... إن للناس خالقًا لا مرد لما حكم\n...\n_________\n(١) (٥/ ١٩٧).\n(٢) (١/ ٤٤٠).\n(٣) برقم (٢١٤٣).\n(٤) برقم (٢٦٤٨).","vol":"3","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>وقوله - ﷺ - بعد هذا: \"فلو أنَّ الخلق جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه</span>\"\nيريد بذلك أن ما يصيب العبد مما يضره أو ينفعه في دنياه فكله مقدر عليه، ولا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يُقدَّر عليه ولو اجتهد عَلَى ذلك الخلق كلهم جميعًا، وقد دلّ القرآن أيضًا عَلَى مثل هذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢] وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nوخرَّج الإمام أحمد (١) من حديث أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ».\nوخرَّج أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) من حديث زيد بن ثابت عن النبي - ﷺ - معناه أيضًا.\nواعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبي ﷺ لابن عباس عَلَى هذا الأصل، وما بعده وما قبله متفرع عليه وراجع إِلَيْهِ، فإنَّه إذا علم العبد أنَّه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وأن اجتهاد\n_________\n(١) (٦/ ٤٤١).\n(٢) برقم (٤٦٩٩).\n(٣) برقم (٧٧).","vol":"3","page":140},{"text":"الخلق كلهم جميعًا عَلَى خلاف المقدور غير مفيد شيئًا ألبتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار النافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه -﷿- وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال، وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة؛ لأنّ المعبود إِنَّمَا يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله سبحانه من يعبد ما لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا، وأيضًا فكثير ممن لا يحقق الإيمان (في قلبه) (*) يقدّم طاعة مخلوق عَلَى طاعة الله رجاء نفعه أو دفعًا لضره، فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع، أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة، ويقدم طاعته عَلَى طاعة الخلق كلهم جميعًا، كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه.\nوقد اشتملت هذه الوصية العظيمة الجامعة عَلَى هذه الأمور المهمة كلها.\nفإن حفظ العبد لله -﷿- هو حفظ حدوده ومراعاة حقوقه وهو حقيقة عبادته، وهو أول ما صُدِّرت به هذه الوصية، ورُتِّب عَلَى ذلك حفظ الله لعبده، وهو نهاية ما يطلبه العبد من ربه ويريده منه، ثم عقَّب ذلك بذكر التعرف إِلَى الله في الرخاء، وأنه مقتض لمعرفة الله لعبده في الشدة وهذا هو من تمام حفظ الله لعبده وداخل فيه، إلا أن حالة الشدة لما كان العباد مضطرين فيها إِلَى من يعرفهم ويفرج عنهم خُصَّت بالذكر لهذا المعنى، وفي هذه الحالة يُخلص المشركون الدعاء إِلَى الله وحده، ويُفردونه بالسؤال والطلب لعلمهم أنَّه لا يكشف الضر سواه سبحانه، ثم يعودون عند كشف الضر عنهم إِلَى الشرك كما ذكر سبحانه ذلك عنهم في مواضع من كتابه وذمَّهم عليه، فأمر - ﷺ - بمخالفتهم في ذلك بالتعرف إِلَى الله في حال الرخاء بإخلاص الدين له وحده وبطاعته والتقرب إِلَيْهِ، ليوجب ذلك معرفته لهم في الشدة وكشفها عنهم.\nثم عقب ذلك بذكر إفراد الله بالسؤال، وإفراده بالاستعانة وذلك يشمل حال الشدة وحال الرخاء. ثم ذكر بعد هذا كله الأصل الجامع الَّذِي (تنبني) (*)\n_________\n(*) وقلبه: \"نسخة\".\n(**) تبني: \"نسخة\"، وتبتني: \"نسخة أخرى\".","vol":"3","page":141},{"text":"عليه هذه المطالب، وهو: تفرد الله﷾- بالضر والنفع والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كله إلا ما سبق تقديره وقضاه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضر غير مقدَّر في الكتاب السابق.\nوتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق، وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة أيضًا، وأن تُقدم طاعته عَلَى طاعة الخلق كلهم جميعًا، وأن يُتقى سخطه وإن كان فيه سخط الخلق جميعًا، وقد جاء في حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسُخْطِ اللهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يَؤْتِكَ اللهُ، إِنَّ رِزْقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ إِلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كُرْهُ كَارِهٍ» (١).\nورُوي عن ابن مسعود من قوله نحوه.\nوما أحسن قول بعضهم:\nفليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب\nوليت الَّذِي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب\nإذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الَّذِي فوق التراب ترابُ\nفمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب فهو تراب، فكيف يقدم عَلَى طاعة شيء من التراب عَلَى طاعة رب الأرباب؟ أم كيف يُرضي التراب بسخط الملك الوهاب إن هذا لشيء عجاب!\nوقد دلّ القرآن عَلَى هذا الأصل وهو تفرد الله -سبحانه- بالعطاء والمنع في\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ١٠٦) وقال: غريب من حديث عمرو تفرد به علي بن مروان عن أبيه.\nقلت: ووالد علي بن مروان هو محمد بن مروان السدي قال الذهبي في الميزان (٤/ ٣٢): تركوه، واتهمه بعضهم بالكذب، وهو صاحب الكلبي. وفي الإسناد عطية العوفي وهو ضعيف.","vol":"3","page":142},{"text":"مواضع كثيرة جدًّا كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].\nوقوله تعالى حاكيًا عن نبيه نوح -﵇- أنَّه قال لقومه: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١].\nوقوله تعالى حاكيًا عن نبيه هود -﵇- ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].\nوقال بعضهم:\nما قدر الله لي لابد يدركني ... من ذا الَّذِي يدفع المقدور بالحذر\nالله أولى بنا منا بأنفسنا ... إن نحن إلا مماليك المقتدر\nوشكا رجل إِلَى فضيل الفاقة، فَقَالَ له فضيل: أمدبِّرًا غير الله تريد؟!\nوقال بعضهم:\nدبر فليس بمغن عنك تدبير ... وليس يعدوك بالتدبير تقدير\nإن الأمور لها رب يدبرها ... فما قضى الرب ساقته المقادير\n***","vol":"3","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>وقوله - ﷺ -: \"واعلم أنَّ في الصبر عَلَى ما تكره خيرًا كثيرًا</span>\"\nوفي رواية عمر مولى غفرة عن ابن عباس زيادة قبل هذا الكلام وهي: \"فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم نستطع فإن في الصبر عَلَى ما تكره خيرًا كثيرًا\" (١).\nومراده باليقين هاهنا تحقيق الإيمان بما سبق ذكره من التقدير السابق كما ورد ذلك صريحًا في رواية ابنه علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، لكن بإسناد ضعيف، وفي روايته زيادة وهي: قلت: يا رسول الله كيف أصنع باليقين؟ قال: \"أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك\".\nفإذا أنت أحكمت باب اليقين فحصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يوجب رضا النفس بالقضاء والقدر وطمأنينتها به، وقد دلّ القرآن عَلَى هذا المعنى بعينه في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].\nقال الضحاك في هذه الآية: عزّاهم ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ لا تأسوا عَلَى شيء من أمر الدُّنْيَا فإنا لم نقدره لكم ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ لا تفرحوا بشيء من أمر الدُّنْيَا أعطيناكموه، فإنَّه لم يكن يزوى عنكم. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا.\nوقال سعيد بن جبير في هذه الآية: لكيلا تأسوا عَلَى ما فاتكم من العافية والخصب إذا علمتم أنَّه كان مكتوبًا عليكم قبل أن يخلقكم. خرَّجه ابن أبي حاتم.\nومن هذا المعنى قول بعض السَّلف: الإيمان بالقدر يُذْهِبُ الهم\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣١٤).","vol":"3","page":144},{"text":"والحزن، وقد أشار النبي ﷺ إِلَى ذلك بقوله في الحديث الصحيح عنه: \"احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ [كَانَ] (*) كَذَا [وَكَذَا] (*) وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ\" (١). فأشار في هذا الحديث إِلَى أن تذكير النفس بالقدر السابق عند المصائب يذهب وساوس الشيطان الموجبة للهم والحزن والندم عَلَى تعاطي الأسباب الدافعة لوقوعها.\nوقال أنس: خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلت كذا وكذا؟ ولا شيء لم أفعله: ألا فعلت كذا (٢). وقال: وكان إذا لامني بعض أهله، قال: \"دعوه فلو قُدِّرَ شيء كان\" خرّجه الإمام أحمد (٣) بهذه الزيادة.\nوخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا بإسناد فيه نظر عن عائشة -﵂- قالت: كان أكثر كلام النبي ﷺ في بيته إذا خلا: \"ما قضى من أمر يكن\" وخرَّج أيضًا حديثًا مرسلًا أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: \"لا تكثر همك ما يُقدَّر يكن، وما ترزق يأتيك\" وفي حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"لا حول ولا قوة إلا بالله، دواء من تسعة وتسعين داء، أيسرها: الهم\" خرّجه الطبراني (٤) والحاكم (٥).\n_________\n(*) ما بين المعقوفتين من صحيح مسلم.\n(١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٠٣٨)، ومسلم (٢٣٠٩).\n(٣) (٣/ ٢٣١).\n(٤) في \"الأوسط\" (٥٠٢٨) وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عجلان إلا بشر ابن رافع، تفرد به عبد الرزاق.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٩٨): رواه الطبراني في الأوس، وفيه بشر بن رافع الحارثي وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح، إلا أن النسخة من الطبراني الأوسط سقط منها عجلان والد محمد الَّذِي بينه وبين أبي هريرة والله أعلم.\n(٥) (١/ ٥٤٢) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وبشر بن رافع الحارثي ليس بالمتروك وإن لم يخرجاه، وكذلك الهيثم البكاء لم يخرجاه وله حديث يتفرد به وهذا موضعه فإنَّه من عباد المسلمين. وتعقبه الذهبي في \"التلخيص\" وقال: بشر واه.","vol":"3","page":145},{"text":"فإن تحقيق هذه الكلمة يقتضي تفويض الأمور إِلَى الله، وأنه لا يكون إلا ما شاء والإيمان بذلك يذهب الهم والغم، وقد وصى النبي - ﷺ - رجلًا فَقَالَ: \"لا تتهم الله في شيء قضاه لك\" (١).\nفإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في (حكم) (*) الله ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه دعاه ذلك إِلَى الرضا بالقضاء، وقال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال علقمة في هذه الآية: هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلّم لها ويرضى.\nوفي الحديث الصحيح (٢) عن النبي ﷺ قال: \"لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ من قَضَاء إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ\".\nوقد دلّ القرآن عَلَى مثل هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥١، ٥٢] فأخبر أنَّه لن يصيبهم إلا ما كتب لهم، فدلّ عَلَى أنَّه لهم بكل حال سواء كان مما يلائم أو لا يلائم، وأخبر أنَّه تعالى مولاهم، ومن تولاه الله لم يخذله بل هو يتولى مصالحه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠] ثم عقب ذلك بقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] يعني إما النصر والظفر، وإما الشهادة، وأيّهما كان فهو حسن.\nوخرَّج الترمذي (٣) من حديث أنس عن النبي ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِي فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ\".\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٩).\nوذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٥٩) وقال: رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة.\n(*) حكمة: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه مسلم (٢٩٩٩).\n(٣) برقم (٢٣٩٦) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"3","page":146},{"text":"قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أَحَبّ أن يُرضى به. وقالت أم الدرداء: إن الراضين بقضاء الله الذين ما قضى لهم رضوا به، لهم في الجنة منازل، يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة.\nوقال ابن مسعود (١): إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. وقد رُوي هذا مرفوعًا من وجه ضعيف (٢).\nوكان عمر بن عبد العزيز يقول: لقد تركتني هؤلاء الدعوات وما لي في شيء من الأمور إرب إلا في مواقع قدر الله ﷿، وكان يدعو بها كثيرًا: اللهم ارضني بقضائك وبارك لي في قدرك، حتى لا أَحَبّ تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء قدّمته.\nوقال ابن عون: ارض بقضاء الله عَلَى ما كان من عسر ويسر؛ فإن ذلك أقل لهمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء، كيف تستقضي الله في أمرك؟ ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفًا لهواك! ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك لكان فيه هلاكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك وذلك لقلة علمك بالغيب! وكيف تستقضيه إن كنت ذلك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا!\nوهذا كلام حسن، ومعناه أن العبد إذا استخار الله -﷿- فينبغي له أن يرضى لما اختاره له من موافق لهواه أو مخالف له؛ لأنّه لا يدري في أيهما الخيرة له والله تعالى غير متهم في قضائه لمن استخاره.\nومن ها هنا كان طائفة من السَّلف ابن مسعود وغيره يأمرون من يخاف أن\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٢٠٥ - سلفية) وإسناده منقطع.\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٥١٤)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢٠٤ - سلفية)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢١، ٧/ ١٣٠). قال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري ومن حديث الأعمش، تفرد به خالد بن يزيد العمري.\nوقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٧١): وفيه خالد بن يزيد العمري واتهم بالوضع.","vol":"3","page":147},{"text":"لا يصبر عَلَى ما يخالف هواه مما يختار له أن يقول في استخارته: في عافية فإنَّه قد يختار له البلاء ولا يصبر عليه، وقد رُوي مرفوعًا من وجه ضعيف (١)!.\nوعن بكر المزني أن رجلًا كان يكثر الاستخارة فابتلي فجزع ولم يصبر فأوحى الله إِلَى نبي من أنبيائهم أن قل لعبدي فلان: إذا لم يكن من أهل العزائم فهلا استخرتني في عافية!\nوفي حديث سعد المرفوع: «مِنْ سَعادَةِ الْمَرْءِ استِخَارَتُهُ رَبُّهُ -﷿- وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى، وَإِنَّ مِنْ شَقَاوَتهِ تَرْكُهُ الاسْتِخَارَةَ وَسَخَطُهُ بِمَا قَضَى» خرَّجه الترمذي (٢) وغيره (٣).\nوللرضا بالقضاء أسباب منها:\nيقين العبد بالله وثقته بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا وهو خير له، فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح فإنَّه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنَّه لا يريد له إلا الأصلح، وهذا الَّذِي أشار إِلَيْهِ ابن عون في كلامه المتقدم ذكره.\nومنها:\nالنظر إِلَى ما وعد الله من ثواب الرضا، وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألم المقضي به كما رُوي عن بعض الصالحات من السلف أنها عثرت فانكسر ظفرها، فضحكت وقالت: أنساني لذة ثوابه مرارة ألمه.\nومنها:\nوهو أعلى من ذلك كله الاستغراق في محبة المبتلي ودوام ملاحظة جلاله وجماله وعظمته وكماله الَّذِي لا نهاية له، فإن قوة ملاحظة ذلك يوجب\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٠١٢، ١٠٠٥٢).\n(٢) برقم (٢١٥١). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد. ويقال له أيضًا حماد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم المدني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث.\n(٣) وأخرجه أحمد (١/ ١٦٨) وغيره.","vol":"3","page":148},{"text":"الاستغراق فيه حتى لا يشعر بالألم كما غاب النسوة اللاتي شاهدن يوسف عن ألم تقطيع أيديهن بمشاهدته.\nقال الجنيد سألت سريًّا: هل يجد المحب ألم البلاء؟ فَقَالَ: لا. وهذا إشارة منه إِلَى هذا المقام، ومنه قول جماعة من أهل البلاء: دعه يفعل بنا ما يشاء فلو قطعنا إربًا إربًا ما ازددنا له إلا حبًّا.\nوفي هذا المعنى يقول بعضهم:\nلو قطّعني الغرام إربًا إربًا ... ما ازددت عَلَى الملام إلا حبًّا\nلا زلت بكم أسير وجدٍ صبا ... حتى أقضي عَلَى هواكم نحبا\nوكان إبراهيم بن أدهم قد خرج من ملكه وماله وولده وحشمه، فرأى ولده في الطواف فلم يكلمه، وقال:\nهجرتُ الخلق طرّا في (رضاكا) (*) ... وأيتمتُ العيال لكي أراكا\nفلو قطّعتني في الحب إربًا ... لما حنَّ الفؤاد إِلَى سواكا\nكان جماعة من المحبين كالفضيل وفتح الموصلي إذا باتوا ليلة بغير عشاء ولا سراج اشتد فرحهم، وبكوا من الفرح، وقالوا: مثلنا يترك بغير عشاء ولا سراج بأي يد كانت منَّا، وبأي وسيلة توسلنا بها، وكان فتح يجمع ولده في ليالي الشتاء، ويغطيهم بكسائه، ويقول: أجعتني وأجعت عيالي، وأغربتني وأغربت عيالي، وإنَّما تفعل ذلك بأوليائك وأحبابك فهل أنا منهم حتى أفرح؟.\nودخلوا عَلَى بعض السَّلف وهو مريض فقالوا له: ما تحب؟ فَقَالَ: أحبُّه إِلَيّ أحبُّه إِلَيْهِ.\nوفي هذا المعنى يقول بعضهم:\nعذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب\nوأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أَحَبّ\nحسبي من الحب أني ... لما تحب أحبُّ\n_________\n(*) هواكا: \"نسخة\".","vol":"3","page":149},{"text":"وأنشد أبو تراب:\nلا تخدعن فللمحب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل\nمنها تنعمه بمرِّ بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل\nفالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرامٌ وبرٌّ عاجل\nدخلوا عَلَى رجل قد قتل ولده في الجهاد يعزونه فبكى وقال: ما أبكي عَلَى قتله، إِنَّمَا أبكي كيف كان رضاه عن الله حين أخذته السيوف؟:\nإن كان سكان الغضا ... رضوا بقتلي فرضى\nوالله لا كنت لما ... يهوى الحبيب مبغضا\nصرت لهم عبدًا وما ... للعبد أن يعترضا\nهم قلبوا قلبي من الشـ ... ـوق عَلَى جمر الغضا\nيا ليت أيام الحمى ... يعود منها ما مضى\nمن لمريض لا يرى ... إلا الطبيب الممرضا\nوالمقصود أن النبي ﷺ أمر ابن عباس بالعمل لله بالرضا إن استطاعه، ثم قال له: \"فإن لم تستطع فإن في الصبر عَلَى ما تكره خيرًا كثيرًا\".\nوهذا يدل عَلَى أن الرضا بالأقدار المؤلمة ليس بحتم واجب؛ وإنَّما هو فضل مندوب إِلَيْهِ، فمن لم يستطع الرضا فليلزم الصبر، فإن الصبر واجب لابد منه، وفيه خير كثير، فإن الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه جزيل الأجر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥].\nقال الحسن: الرضا عزيز ولكن الصبر مُعَوَّلُ المؤمن.","vol":"3","page":150},{"text":"قال سليمان الخواص: الصبر دون الرضا، فالرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر.\nوحقيقة الفرق بين الصبر والرضا: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، والرضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرضا يخفف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وقد يزيل الإحساس به بالكلية عَلَى ما سبق تقريره.\nولهذا قال طائفة كثيرة من السَّلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر.\nوقد رُوي عن طائفة من الصحابة هذا المعنى أيضًا، وأنهم كانوا لا يتمنون غير ما هم عليه من الحال، منهم عمر وابن مسعود.\nقال عبد العزيز بن أبي روَّاد: كان عابد يتعبد في بني إسرائيل، فرأى في منامه أن فلانة زوجتك في الجنة، فاستضافها ثلاث ليال لينظر عملها، فكانت تنام وهو يقوم، وتفطر وهو يصوم، فلما فارقها سألها عن أوثق عملها عندها، قالت: هو ما رأيت، إلا خصلة واحدة، إن كنت في شدة لم أتمنّ أني في رخاء، وإن كنت في مرض لم أتمنّ أني في صحة وإن كنت جائعة لم أتمنّ أني شبعانة، وإن كنت في شمس لم أتمنّ أني في ظلٍّ.\nفَقَالَ العابد: هذه والله خصلة يعجز عنها العباد.\nوكما أن الصبر إِنَّمَا يكون عند الصدمة الأولى، كما صح ذلك عن النبي - ﷺ - (١) فالرضا إِنَّمَا يكون بعد نزول البلاء، كما كان النبي ﷺ يقول في دعائه: \"وأسألك الرضا بعد القضاء\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٠٢)، ومسلم (٦٢٦).\n(٢) أخرجه النسائي (١٣٠٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٤ - ٥٢٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"3","page":151},{"text":"لأنّ العبد قد يعزم عَلَى الرضا بالقضاء قبل وقوعه، فَإِذَا وقع انفسخت تلك العزيمة.\nفمن رضي بعد وقوع القضاء، فهو الراضي حقيقة.\nوفي الجملة: فالصبر واجب لابد منه، وما بعده إلا السخط، ومن سخط أقدار الله فله السخط مع ما يتعجل له من الألم وشماتة الأعداء به أعظم من جزعه، كما قال بعضهم:\nلا تجزعن من كل خطب عرا ... ولا ترى الأعداء ما يشمتوا\nيا قوم بالصبر ينال المنى ... إذا لقيتم فئة فاثبتوا (*)\nوقال النبي ﷺ:\n\"من يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر\" (١).\nوقال عمر: وَجدنا خير عيشنا بالصبر (٢).\nوقال علي: إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له (٣).\nوقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الجنة، لا يعطيه الله إلا لمن كرم عليه.\nوقال ميمون بن مهران: ما نال أحد شيئًا من جسيم الخير، نبي فمن دونه إلا بالصبر.\nوقال إبراهيم التيمي: ما من عبد (وهبه الله) (**) صبرًا عَلَى الأذى،\n_________\n(*) فاصبروا \"نسخة\".\n(١) أخرجه البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣).\n(٢) علقه البخاري (١١/ ٣٠٩) وقال الحافظ في \"الفتح\": وقد وصله أحمد في \"كتاب الزهد\" بسند صحيح عن مجاهد قال: قال عمر -إِلَى قوله- وأخرجه الحاكم من رواية مجاهد عن سعيد بن المسيب عن عمر ... الخ.\nوأخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٣٠) ووكيع في الزهد (١٩٨).\n(٣) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٧٥ - ٧٦).\n(**) وهب الله له: \"نسخة\".","vol":"3","page":152},{"text":"وصبرًا عَلَى البلاء وصبرًا عَلَى المصائب، إلا وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله -﷿.\nوهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nوالمراد بالبأساء: الفقر ونحوه، وبالضراء: المرض ونحوه، وحين البأس: حال الجهاد.\nوقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله عَلَى عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكان ما انتزع منه الصبر إلا كان ما عوضه خيرًا مما انتزع منه، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\nوكان بعض الصالحين في جيبه ورقة يفتحها كل ساعة فينظر فيها، وفيها مكتوب: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].\nوالصبر الجميل هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها.\nقال طائفة من السَّلف في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣] قالوا: لا شكوى معه.\nكان الأحنف بن قيس قد ذهبت عينه من أربعين سنة ولم يذكرها لأحد.\nوذهبت عين عبد العزيز بن أبي روَّاد من عشرين سنة، فتأمله ابنه يومًا فَقَالَ له: يا أبت، قد ذهبت عينك! فَقَالَ: نعم يا بني، الرضا عن الله أذهب عين أبيك من عشرين سنة.\nوكان الإمام أحمد لا يشتكي ما به من المرض إِلَى أحد، وذُكرَ له أن مجاهدًا كان يكره الأنين في المرض، فتركه فلم يئن حتى مات، وكان يقول لنفسه: يا نفسي، اصبري ولا تندمي.\nودخل بعض العارفين عَلَى مريض يقول: آه، فَقَالَ له ذلك العارف: ممن؟!","vol":"3","page":153},{"text":"وفي هذا المعنى يقول بعضهم:\nتفيض النفوس بأوصابها ... وتكتم عوادها ما بها\nوما أنصفت مهجة تشتكي ... هواها إِلَى غير أحبابها\nقال يحيى بن معاذ: لو أحببت ربك ثم جوعك وأعراك، لكان يجب أن تحتمله وتكتمه عن الخلق، فقد يحتمل الحبيب لحبيبه الأذى فكيف وأنت تشكوه فيما لم يصنعه بك؟:\nويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا\nكان الرسول - ﷺ - وأصحابه يشدون عَلَى بطونهم الحجارة من الجوع (١).\nأن أُويس يلتقط الكسر من المزابل، والكلابُ تزاحمه، فنبح عليه كلب يومًا فَقَالَ: يا كلب، لا تؤذ من لا يؤذيك، كل مما يليك وآكل ما يليني، فإن دخلت الجنة فأنا خير منك، وإن دخلت النار فأنت خير مني.\nوكان إبراهيم بن أدهم يلتقط السنبل مع المساكين، فرأى منهم كراهة لمزاحمته، فَقَالَ: أنا تركت ملك بلخ أفأزاحم المساكين عَلَى لقط السنبل؟ فكان بعد ذلك لا يلتقط إلا مع الدواب التي ترعى فيه.\nوكان الإمام أحمد يلتقط السنبل مع المساكين أيضًا.\nوآجر سفيان الثوري نفسه من جمالين في طريق مكة، فطبخ لهم طعامًا فأفسده. فضربوه.\nوكان فتح الموصلي يوقد النار للناس بالأجرة:\nمن أجلك قد تركت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضى\nمولاي إِلَى متى بهذا أحظى ... عمر يفنى وحاجتي ما تقضى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٤٥٢).","vol":"3","page":154},{"text":"غيره:\nكم أحمل في هواك ذلا وعنا ... كم أصبر فيك تحت سقم وضنا\nلا تطردنّي فليس عنك غنى ... خذ روحي إن أردت الثمنا\nمن أجل هواكم هويت العشقا ... قلبي كلف ودمعتي ما ترقا\nفي حبكم يهون ما قد ألقى ... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى\nكانت مصائب الدُّنْيَا عندهم نعمًا، حتى قال بعضهم: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة.\nومن الإسرائيليات: إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبًا بشعار الصالحين.\nوقال بعض السَّلف: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد الله إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.\nانتظار الفرج بالصبر عبادة، فإن البلاء لا يدوم:\nاصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن الضر غير مؤبد\nواصبر كما صبر الكرام فإنها ... نُوَبٌ تنوب اليوم تكشف في غد\nإذا غُمِسَ أعظم الناس بلاء في الدُّنْيَا في نعيم الجنة غمسة، قِيلَ لَهُ: هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك بؤس قط؟ قال: لا يا رب (١).\nيا نفس ما هي إلا صبر أيام ... كأن مدتها أضغاث أحلام\nيا نفس جوزي عن الدُّنْيَا مبادرة ... وخل عنها فإن العيش قدام\nقال غيره:\nوما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول\n_________\n(١) يشير المصنف لما أخرجه مسلم (٢٨٠٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"3","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>وقوله - ﷺ -: \"واعلم أنَّ النصر مع الصبر</span>\"\nهذا موافق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].\nوقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ...﴾ الآية [الأنفال: ٦٦].\nوقوله تعالى في قصة طالوت: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].\nوقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] إِلَى غير ذلك من الآيات والأحاديث في الأمر بالصبر عند لقاء العدو كثيرة جدًا.\nوقال عمر لأشياخ من بني عبس: بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قومًا إلا صبرنا لهم كما صبروا لنا.\nقال بعض السَّلف: كلنا نكره الموت وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر.\nوسئل البطال عن الشجاعة فَقَالَ: صبر ساعة.\nوهذا كله في جهاد العدو الظاهر وهو جهاد الكفار، وكذلك في جهاد العدو الباطن وهو جهاد النفس والهوى، فإن جهادهما من أعظم الجهاد كما قال النبي -ﷺ-:","vol":"3","page":156},{"text":"\"المجاهد من جاهد في الله\" (١).\nوقال عبد الله بن عمرو لرجل سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها.\nويروى بإسناد ضعيف من حديث \"جابر أن رسول الله - ﷺ - قال لقوم رجعوا\nمن الغزو: قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ. قيل وما الجهاد الأكبر؟ قال: مُجَاهَدَةِ الْعَبْدِ هَوَاهُ\" (٢).\nوقال أبو بكر الصديق -﵁- في وصيته لعمر ﵁ حين استخلفه: إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك.\nويروى من حديث سعد بن سنان عن أنس -﵁- عن النبي - ﷺ - ومن حديث أبي مالك الأشجعي عن النبي ﷺ مرسلًا قال: \"لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِذَا قَتَلَكَ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ، وَإِذَا قَتَلْتَهُ كَانَ لَكَ نُورًا، أَعْدَى عَدُوّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ\" (٣).\nوأخذ هذا المعنى العباس بن الأحنف الشاعر فَقَالَ:\nقلبي إِلَى ما ضرني داعي ... يكثر أحزاني وأوجاعي\nلقل ما أبقى عَلَى ما أرى ... يوشك أن ينعاني الناعي\nكيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي\nفهذا الجهاد أيضًا يحتاج إِلَى صبر، فمن صبر عَلَى مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غلب وحصل له النصر، ومن جزع ولم يصبر عَلَى مجاهدة ذلك غلب\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٠)، والترمذي (١٦٢١) وقال: \"وفي الباب عن عقبة بن عامر وجابر، وحديث فضالة حديث حسن صحيح. والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١١).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الزهد الكبير\" (٣٧٣) وقال: هذا إسناد فيه ضعف.\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٤٤٥) من حديث أبي مالك الأشعري وفيه: \"ولكن أعدى عدوك ولدك الَّذِي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الَّذِي ملكت بيمينك\". وإسناده منقطع في موضعين، فإن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه، وشريح لم يسمع من أبي مالك الأشعرى كما قال أبو حاتم الرازي.","vol":"3","page":157},{"text":"وقهر وأسر، وصار ذليلا أسيرًا في يدي شيطانه وهواه، كما قيل.\nقال غيره:\nرب مستور سبته صبوة ... فتعرى صبره فانهتكا\nصاحب الشهوة عبد فإذا ... غلب الشهوة صار الملكا\nقال ابن المبارك ﵀: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يجزع.\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ:\n\"ليس الشديد بالصُّرعة، إِنَّمَا الشديد الَّذِي يملك نفسه عند الغضب\" (١).\nووصف بعضهم الأحنف بن قيس فَقَالَ: كان أشد الناس سلطانًا عَلَى نفسه عند الغضب.\nقيل لبعضهم: إن فلانًا يمشي عَلَى الماء! فَقَالَ: من مكّنه الله من مخالفة هواه فهو أقوى ممن يمشي عَلَى الماء.\nواعلم أن نفسك بمنزلة دابتك، إن عرفت منك الجدّ جدت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك، وطلبت منك حظوظها وشهواتها.\nكان أبو سليمان الداراني يقول: كنت بالعراق، أمر عَلَى تلك القصور والمراكب والملابس والمطاعم التي للملوك، فلا تلتفت نفسي إِلَى شيء من ذلك، وأمر عَلَى التمر، فتكاد نفسي تقع عليه، فذكر ذلك لبعض العارفين فَقَالَ: تلك الشهوات آيس نفسه منها فآيست والتمرة أطعمها فيه فطعمت، كما قيل:\nصبرت عَلَى اللذات حتى تولت ... وألزمت نفسي هجرها فاستمرت\nوما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طعمت تاقت لها وإلا تسلت\nوكانت عَلَى الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت عزمي عَلَى الذل ذلت\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٨).","vol":"3","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>فقوله - ﷺ -: \"إن النصر مع الصبر</span>\"\nيشمل الصبر عَلَى جهاد العبد لعدوه الظاهر، وجهاده لعدوه الباطن وهو نفسه وهواه، وكان السَّلف يفضلون هذا الصبر عَلَى الصبر عَلَى البلاء.\nقال ميمون بن مهران: الصبر صبران: الصبر عَلَى المصيبة حسن، وأفضل من ذلك الصبر عن المعاصي.\nوقال سعيد بن جبير: الصبر عَلَى نحوين: أحدهما الصبر عما حرم الله، والصبر لما افترض الله من عبادته، فذلك أفضل الصبر، والصبر الآخر في المصائب.\nوقد ورد في هذا حديث مرفوع من حديث علي (١). لكنه لا يثبت.\n...\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في \"الصبر\" (٢٤) من طريق عمر بن يونس عمن حديثه عن علي بن أبي طالب قال رسول الله: \"الصبر ثلاث: فصبر عَلَى المصيبة، وصبر عَلَى الطاعة، وصبر عن المعصية .. \" الحديث.\nوفي إسناده راوٍ مبهم.","vol":"3","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>قوله - ﷺ -: \"أَنَّ الفرج مع الكرب</span>\"\nهذا يشهد له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ...﴾ [الشورى: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ...﴾ [الروم: ٤٨].\nوقول النبي ﷺ في حديث أبي رزين العقيلي:\n\"ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ\" خرَّجه الإمام أحمد (١)، وخرَّج ابنه عبد الله (٢) من حديث أبي رَزِينٍ أيضًا في حديث طويل عن النبي - ﷺ - قال: \"علم الله يوم الغيث إنه ليشرف عليكم أَزَلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ غَيرَكُمْ إِلى قرب\".\nوالمعنى أنَّه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس المطر عنهم، وخوفهم وإشفاقهم ويأسهم من الرحمة، وقد قدر الله تغيير هذه الحال عنهم عن قرب بإنزال المطر ولكنهم لا يشعرون.\nوهذا كما اشتكى ذلك الرجل إِلَى النبي ﷺ وهو قائم يخطب يوم الجمعة احتباس المطر وجهد الناس فرفع النبي ﷺ يديه فاستسقى لهم حتى نشأ السحاب ومطروا إِلَى الجمعة الأخرى حتى قاموا إليه يسضحي لهم ففعل فأقلعت السماء (٣).\nوقد قص الله في كتابه قصصًا كثيرة تتضمن وقوع الفرج بعد الكرب والشدة،\n_________\n(١) (٤/ ١١، ١٢).\n(٢) في السنة (٤٥٢، ٤٥٣).\n(٣) أخرجه البخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧).","vol":"3","page":160},{"text":"كما قص نجاة نوح ومن معه في الفلك من الكرب العظيم، مع إغراق سائر أهل الأرض.\nوكما قص نجاة إبراهيم -﵇- من النار التي ألقاه المشركون فيها، وأنه جعلها عليه بردًا وسلامًا، وكما قص قصة إبراهيم ﵇ مع ولده الَّذِي أمر بذبحه ثم فداه بذبح عظيم.\nوكما قص قصة موسى -﵇- مع أمه لما ألقته في اليم حتى التقطه آل فرعون، وقصته مع فرعون لما نجّى الله موسى في البحر وأغرق عدوه.\nوكما قص أيوب ويونس ويعقوب ويوسف﵈- وقصة قوم يونس لما آمنوا.\nوكما قص الله قصص محمد - ﷺ - ونصره عَلَى أعدائه ونجاته منهم في عدة مواطن مثل قصته في الغار وقصته يوم بدر ويوم أُحد ويوم حنين.\nوكما قص سبحانه قصة عائشة ﵂ في حديث الإفك وبرأها مما رميت به (١).\nوقصة الثلاثة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (٢) [التوبة: ١١٨].\nوفي السنة من هذا المعنى شيء كثير أيضًا مثل قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فدعوا الله بأعمالهم الصالحة، ففرج عنهم (٣).\nومثل قصة إبراهيم وسارة مع الجبار الَّذِي طلبها من إبراهيم، ورد الله كيد الفاجر (٤).\nوالحكايات الواقعة في هذا المعنى في الإسلام وقبله كثيرة جدًّا لا يمكن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٦٧٧)، ومسلم (٢٧٦٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣).\n(٤) أخرجه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١).","vol":"3","page":161},{"text":"استقصاؤها وكثير منها مذكور في الكتب المصنفة: في \"الفرج بعد الشدة\" لابن أبي الدُّنْيَا وغيره، وكتاب \"مجابي الدعوة\" لابن أبي الدُّنْيَا، وكتاب \"المستغيثين بالله والمستصرخين به\" وكتب كرامات الأولياء، وأخبار الصالحين، وفي كتب التواريخ وغيرها.\nونحن نذكر هاهنا طرفًا يسيرًا، من أظرف ما حكي في هذا الباب ليعتبر به.\nذكر بعض العُلَمَاء في مصنف له -وأظنه من المغاربة- أنَّه سمع من أبي ذر الهروي الحافظ يحكي أنَّه كان ببغداد يقرأ عَلَى أبي حفص بن شاهين في دكان عطار، وأنه شاهد رجلًا جاء إِلَى العطار فدفع إِلَيْهِ عشرة دراهم وأخذ منه حوائج، وجعلها في طبق ووضعه عَلَى رأسه، فزلق ووقع طبقه وتفرقت حوائجه، فبكى واشتد بكاؤه وقال: لقد ضاع مني في قافلة كذا وكذا هميان فيه أربعمائة دينار - أو قال: أربعة آلاف دينار- ومعها فصوص قيمتها أكثر من ذلك فما جزعت لضياعها، ولكن ولد لي الليلة ولد فاحتجنا في البيت إِلَى ما تحتاج إِلَيْهِ النفساء، ولم يكن عندي غير هذه العشرة دراهم، فلما قدر الله ما قدر جزعت، وقلت: لا أنا عندي ما أرجع به اليوم إِلَى أهلي ولا ما أكتسب لهم غدًا، ولم يبق لي حيلة إلا الفرار عنهم وتركهم عَلَى هذه الحال فيهلكون بعدي، فلم أملك نفسي أن جزعت هذا الجزع.\nقال أبو ذر: ورجل من شيوخ الجند جالس على باب داره فسمع هذا كله، فسأل الجندي أبا حفص أن يدخل هو وأصحابه والرجل المصاب معه إِلَى بيته ففعل، وطلب من الرجل المصاب إعادة الحكاية في الهيمان فأعاد ذلك عليه، وسأله عن من كان في تلك القافلة وعن المكان الَّذِي ضاع فيه الهميان، فأخبره، ثم سأله عن صفة الهميان وعلامته، فأخبره بذلك، فَقَالَ: لو رأيته كنت تعرفه؟ قال: نعم. قال: فأخرجه إِلَيْهِ فلما رآه، قال: هذا الهميان الَّذِي سقط مني وفيه من الأحجار ما صفته كذا وكذا، ففتح الهميان فوجد الأحجار عَلَى ما وصف، فدفعه إِلَيْهِ وخرج من عنده وقد صار من الأغنياء.\nفلما خرج بكى الشيخ الجندي بكاء شديدًا، فسئل عن سبب بكائه فَقَالَ: إنه لم يكن بقي لي في الدُّنْيَا أمل ولا أمنية أتمناها إلا أن يأتي الله بصاحب هذا المال","vol":"3","page":162},{"text":"فيأخذه، فلما قضى الله بذلك بفضله ولم يبق لي أمل علمت أنَّه قد حان أجلي.\nقال أبو ذر: فما انقضى شهر حتى توفي، وصلينا عليه ﵀.\nوحكى هذا المصنف أيضًا في كتابه عن رجل حكى له بالموصل أن رجلًا كان عندهم تاجرًا يسافر بتجارته إِلَى البلدان، فسافر مرة بجميع ماله وما يملكه إِلَى الكوفة، فوافقه في تلك السفرة رجل فخدمه فأحسن خدمته، وأنس به حتى وثق به، ثم استغفله في بعض المنازل وأخذ دابته وما عليها من المال والمتاع، ولم يبق له شيئًا ألبتة، واجتهد في طلبه فلم يقع له عَلَى خبر، فرجع إِلَى بلده راجلًا جائعًا، فدخل المدينة ليلا وهو عَلَى تلك الحال فطرق بابه، فلما علم به أهله سروا به وقالوا: الحمد لله الَّذِي جاء بك في هذا الوقت، فإن أهلك قد ولدت اليوم ولدًا وما وجدنا ما نشتري به ما تحتاج إِلَيْهِ النفساء، ولقد كانت هذه الليلة طاوية فاشتر لنا دقيقًا ودهنا نسرج به، فلما سمع ذلك زاد في غمه وكربه، وكره أن يخبرهم بما جرى له فيحزنهم، فخرج إِلَى حانوت رجل كان بالقرب من داره فسلم عليه، وأخذ منه دهنًا وغيره مما يحتاج إِلَيْهِ، فبينما هو يخاطبه إذ التفت فرأى خرجه الَّذِي هرب به خادمه مطروحًا في داخل الحانوت، فسأله عنه فَقَالَ: إن رجلًا ورد عَلَيَّ بعد العشاء واشترى مني عشاء واستضافني فأضفته، فجعلت خرجه في حانوتي ودابته في دار جارنا، والرجل بائت في المسجد، فنهض إِلَى المسجد ومعه الخرج فوجد الرجل نائمًا، فرفسه فاستيقظ مذعورًا، فَقَالَ له: أين مالي يا خائن؟ قال: هوذا عَلَى عنقك والله ما فقد منه ذرة.\nواستخرج الدابة من موضعها، ووسع عَلَى أهله وأخبرهم حينئذ بخبره.\nوتشبه هاتين الحكايتين ما حكاه التنوخي في كتابه \"الفرج بعد الشدة\" والحكاية طويلة، وملخصها: أن رجلًا كان ببغداد في زمن الرشيد، وكان صيرفيًّا، فابتاع جارية بخمسمائة دينار، وشغف بها حتى تعطل عن معاشه بسبب ملازمتها، وأنفق رأس ماله حتى لم يبق معه منه شيء، وحملت جاريته فصار ينقض داره ويبيع أنقاضها حتى فرغت ولم يبق له حيلة فضربها الطَّلق وهو عَلَى تلك الحال، وطلبت منه ما يصلح للنفساء، وشكت إِلَيْهِ أنها تموت إن لم يعجل","vol":"3","page":163},{"text":"عليها بذلك، فبكى وخرج عَلَى وجهه، وهم أن يغرق نفسه في دجلة، ثم خاف عقاب الله فامتنع، وخرج ماشيًا عَلَى قدميه من قرية إِلَى قرية حتى بلغ خراسان، فأقام بها واكتسب بها مالا، وكتب إِلَى بلده ستة وستين كتابًا ليتعرف خبر الجارية، فلم يعد إليه الجواب فلم يشك أنها ماتت.\nثم رجع إِلَى بغداد بعد مدة طويلة، ومعه مال قيمته عشرون ألف دينار، فخرج عَلَى قافلته اللصوص فأخذوا ما معه كله، وعاد بثيابه فقيرًا، ولم يزل يتوصل حتى دخل بغداد فقيرًا كما خرج منها بعد أن غاب عنها قريبًا من ثلاثين سنة، فقصد داره فوجدها عامرة وبابها حسن، وعليه بواب وغلمان وبغال، فسأل عن الدار: لمن هي؟! فقيل: هي لابن فلان الصيرفي -وسموا الرجل باسمه- قالوا: وهو ابن داية أمير المؤمنين، وهو جهبذه وصاحب بيت ماله، وأخبره الَّذِي سأله أن أباه أخبره أن أبا هذا الرجل صاحب الدار كان صيرفيًّا جليلا فافتقر، وإن أم هذا الصبي ضربها الطلق فخرج أبوه يطلب لها شيئًا، ففقد وهلك، وأن أمه أرسلت إِلَى بعض الجيران تستغيث بهم، فقاموا لها بحوائج الولادة، ثم أنَّه ولد لأمير المؤمنين ولد ذكر وذلك الولد هو المأمون، وأنه عرض عليه جميع الدايات فلم يقبل أثدائهن، فأرشدوا إِلَى أم هذا الصبي فَحُمِلَت إِلَى دار الرشيد، فحين وضع فم المولود عَلَى ثديها قبله وأرضعته، وصارت عندهم في حال جليلة، ثم لما ولى المأمون الخلافة كانت المرأة وابنها معه، وبنى ابنها هذه الدار، وسأله عن أمه: أحية هي؟ قالوا: نعم، وهي تمضي إِلَى دار الخليفة أيامًا وتكون عند ابنها أيامًا، فجاء الرجل الصيرفي حتى دخل الدار مع الناس فرآها في غاية الحسن ورأى في صدرها شابًّا يشبهه، وبين يديه الكتاب والأموال والموازين يقبضون ويُقبضون، فجلس الرجل في غمار الناس حتى تفرقوا ولم يبق غيره فَقَالَ له الشاب: يا شيخ، هل من حاجة؟ قال: نعم أنا أبوك. قال: فتغير وجهه ووثب مسرعًا، ثم استدعاه إِلَى داره وأجلسه عَلَى كرسي وهناك ستار، فَقَالَ له الشيخ: لعلك تريد أن تختبر صدق قولي من جهة فلانة؟ وذكر اسم جاريته أم الصبي، فسمعت الجارية صوته فرفعت الستارة","vol":"3","page":164},{"text":"وخرجت إِلَى سيدها وجعلت تقبله وتبكي، وأخبرها خبره من حين خروجه من عندها إِلَى أن رجع، فقام ولده حينئذ واعتذر إِلَيْهِ من تقصيره وأصلح حاله، ثم أدخله عَلَى المأمون فحدثه بحديثه، فخلع عليه وصيره جهبذًا له عَلَى ما كان عليه ابنه، وأجرى عليه الرزق وقلد ابنه عملا أجلَّ من عمله.\nوروى المعافى بن زكريا النهرواني بإسناده عن سوّار القاضي أنَّه خرج يومًا من دار المهدي، فدخل داره بغدائه فجاشت نفسه، فرده ثم دعا بجارية له فلم تطب نفسه، فدخل للقائلة فلم يأخذه النوم، فنهض وركب بغلته، فلقيه وكيل له معه ألفا درهم، فَقَالَ له: أمسكها معك واتبعني. وخلى بغلته فذهبت به، فحضرت الصلاة وهو في بعض الشوارع فدخل فصلى في مسجد هناك، فلما قضى صلاته، إذا هو بأعمى يتلمس، فَقَالَ له: ما تريد؟ قال له: أريدك. قال: وما حاجتك؟ قال: شممت منك ريح الطيب فظننت أنك من أهل النعيم فأردت أن ألقي إليك شيئًا. قال: قل. قال: أترى هذا القصر؟ لقصر هناك. قال: نعم، قال: فإنَّه كان لأبي فباعه، ثم خرج إِلَى خراسان فخرجت معه فزالت عنا النعم التي كلنا فيها، فقدمت فأتيت صاحب الدار لأسأله شيئًا يصلني به وأصير إِلَى سوّار القاضي؛ فإنَّه كان صديقًا لأبي، قال سوّار: قلت: فمن أبوك؟ قال: فلان بن فلان. فإذا هو أصدق الناس لي، فقلت له: فإن الله قد أتاك بسوّار منعه الطعام والشراب والنوم وجاء به بين يديك. ثم دعا سوار وكيله فأخذ منه الدراهم فدفعها إِلَيْهِ، وقال له: إذا كان غد فصر إِلَيّ. قال سوّار: ثم دخلت عَلَى المهدي فحدثته بهذا الحديث، فأعجبه وأمر للأعمى بمائة ألف دينار، قال سوّار: فجاءني الأعمى، فدفعت إِلَيْهِ الألفي دينار وقلت له: قد رزق الله بكرمه بك خيرًا كثيرًا، وأعطيته من مالي ألفي دينار أيضًا.\nوخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا في كتابه \"الفرج بعد الشدة\" بإسناده عن وَضَّاح بن خيثمة قال: أمرني عمر بن عبد العزيز ﵀ بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم فنذر هدر دمي، فإني لبإفريقية إذ قيل لي: قدم يزيد بن أبي سفيان -يعني: أميرًا عَلَى إفريقية- فهربت منه، وأرسل في طلبي","vol":"3","page":165},{"text":"فأَخِذْت، فأتي بي إِلَيْهِ فَقَالَ لي: والله لطالما سألت الله أن يمكنني منك. فقلت: وأنا والله طالما استعذت بالله من شرك، فَقَالَ: والله ما أعاذك، والله لأقتلنك، ثم والله لأقتلنك، ثم والله لأقتلنك، لو سابقني ملك الموت إِلَى قبض روحك لسبقته، عَلَيَّ بالسيف والنطع!! قال: فجيء بالنّطع فأقعدت فيه وكُتّفت، وقام قائم عَلَى رأسي بسيف مشهورٍ، وأقيمت الصلاة، فخرج إِلَى الصلاة فلما سجد أخذته سيوف الجند، فقتل: فجاءني رجل فقطع كتافي بسيفه وقال لي: انطلق.\nوبإسناده عن عمرو السرايا وكان يغزو في بلاد الروم وحده فبينما هو نائم ذات يوم إذ ورد عليه علجٌ منهم فحرَّكه برجله، فانتبه فَقَالَ: يا عربي، اختر إن شئت مطاعنة، وإن شئت مسايفة، وإن شئت مصارعة! فقلت: أما المطاعنة والمسايفة فلا بقاء لهما ولكن المصارعة، فنزل فصرعني وجلس عَلَى صدري وقال: أيَّ قتلة أقتلك؟ فرفعت رأسي وقلت: أشهد أن كل معبود ما دون عرشك إِلَى قرار الأرضين باطل غير وجهك الكريم، قد ترى ما أنا فيه ففرج عني! قال: فأغمى عَلَيَّ، فأفقت فإذا الرومي قتيل إِلَى جنبي.\nوروى أبو الحسن بن الجهضم بإسناده عن حاتم الأصم قال: لقينا الترك فكان بيننا جولة فرماني تركي فقلبني عن فرسي، ونزل فقعد عَلَى صدري وأخذ بلحيتي وأخرج من خفه سكينًا ليذبحني، فما كان قلبي عنده ولا عند سكينه، وإنَّما كان عند سيدي، فقلت: سيدي، إن قضيت علي أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين؛ إِنَّمَا أنا لك وملكك! فبينما أنا عَلَى هذه الحال إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه فسقط عني فقمت أنا إِلَيْهِ وأخذت السكين من يده فذبحته بها، فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات.\nوهذا باب يطول ذكره جدًّا فليقتصر عَلَى ما ذكرناه ففيه كفاية.\n***","vol":"3","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>قوله - ﷺ -: \"إن مع العسر يسرًا</span>\"\nهذا منتزع من قوله ﷾: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦].\nوروى حُميد بن حماد بن أبي الخوار، ثنا عائذ بن شريح، سمعت أنس بن مالك يقول:\n«كان النبي ﷺ جالسًا وحياله جحر، فَقَالَ: لَوْ جَاءَ الْعُسْرُ فَدَخَلَ هَذَا الْحَجَرَ لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾».\nخرّجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١) وخرَّجه البزار في \"مسنده\" (٢): ولفظه لو جاء العسر حتى يدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يخرجه. ثم قال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.\nحُميد بن حماد هذا ضعفوه.\nوخرَّج ابن أبي حاتم من رواية مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: كانوا يَقُولُونَ: لا يغلبُ عسر واحد يسرين اثنين.\nوخرَّج ابن جرير (٣) من رواية معمر عن الحسن قال:\n\"خرج النبي ﷺ يومًا مسرورًا فرحًا وهو يقول: \"لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ \".\n_________\n(١) كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٥٢٥).\n(٢) (٣/ ٨١ - كشف)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٥٥) وقال: هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح. وتعقبه الذهبي قائلًا: تفرد به حميد بن حماد عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ.\n(٣) في تفسيره (٣٠/ ١٥١).","vol":"3","page":167},{"text":"وخرَّجه أيضًا من رواية عوف ويونس عن الحسن مرسلًا أيضًا.\nومن حديث قتادة (١) قال:\n\"ذكر لنا أن رسول الله - ﷺ - بشر أصحابه بهذه الآية فَقَالَ: لن يغلب عسر يسرين\".\nوروى ابن أبي الدُّنْيَا من حديث معاوية بن قرة حدثه عن ابن مسعود قال: \"لَوْ أَنَّ الْعُسْرَ دَخَلَ جُحْرًا لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ \"، ومن حديث عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده \"أن أبا عبيدة حُصر فكتب إِلَيْهِ عمر يقول: مهما ينزل بامرئ من شدة إلا يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، أنَّه يقول: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] \" (٢).\nوكذا قال ابن عباس وغيره من المفسرين في هذه الآية: \"لن يغلب عسر يسرين\".\nكان بعض المتقدمين ليلة في البادية في غم شديد، فألقي في روعه بيت من الشعر، فَقَالَ:\nأرى الموت لمن أصبح ... مغمومًا له أصلح\nفلما جنّ عليه الليل سمع هاتفًا يهتف:\nألا يا أيها المرء ... الذى الهم به برح\nوقد أنشد بيتًا لم ... يزل في ذكره يسبح\nإذا اشتد بك العسر ... ففكر في ألم نشرح\nفعسر بين يسرين ... إذا أبصرته فافرح\nقال: فحفظت الأبيات ففرج الله غمي:\nوقد أكثر الشعراء من القول في هذا المعنى، ونحن نذكر قطعة منتخبة من\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير (٣٠/ ١٥١).\n(٢) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في \"الفرج بعد الشدة\" ص ٢٤.","vol":"3","page":168},{"text":"محاسن ما قيل في ذلك، فمما قيل في هذا المعنى:\nتصبر إن عقبى الصبر خير ... ولا تجزع لنائبة تنوب\nفإن اليسر بعد العسر يأتي ... وعند الضيق تنكشف الكروب\nولبعضهم:\nوكم جزعت نفوس عن أمور ... أتى من دونها فرج قريب\nولبعضهم:\nعسى فرج يكون عسا ... نعلل أنفسنا بعسى\nوأقرب ما يكون المرء ... من فرج إذا يئسا\nولغيره:\nإذا تضايق أمرٌ فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه من الفرج\nولبعضهم:\nفلا تجزع وأن أعسرت يومًا ... فقد أيسرت في الزمن الطويل\nولا تظنن بربك ظنّ سوء ... فإن الله أولى بالجميل\nولا تيأس فإن اليأس كفر ... لعل الله يغني عن قليل\nفإن العسر يتبعه يسار ... وقيل الله أصدق كل قيل\nولبعضهم:\nمفتاح باب الفرج الصبر ... وكل عسر بعده يسر\nوالدهر لا يبقى عَلَى حالة ... والأمر يأتي بعده الأمر\nولغيره:\nإذا اشتملت عَلَى اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب\nوأوطأت المكاره وأطمأنت ... وأرست في أماكنها الخطوب\nولم ترى لانكشاف الضر وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب\nأتاك عَلَى قنوط منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب","vol":"3","page":169},{"text":"وكل الحادثات وإن تناهت ... فموصول بها الفرج القريب\nولبعضهم:\nعسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى ... له فرجًا مما ألج به الدهر\nعسى فرج يأتي به الله إنه له ... كل يوم في خليقته أمر\nإذا لاح عسر فارج يسرًا فإنَّه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر\nولنختم الكتاب بذكر نبذة يسيرة من لطائف البلايا وفوائدها وحكمها، فمنها: تكفير الخطايا بها، والثواب عَلَى الصبر عليها، وهل يثاب عَلَى (البلايا) (*) بنفسه؟ فيه اختلاف بين العُلَمَاء.\nومنها: تذكر العبد بذنوبه؛ فربما تاب ورجع منها إِلَى الله ﷿.\nومنها: زوال قسوة القلوب وحدوث رقتها.\nقال بعض السَّلف: إن العبد ليمرض فيذكر ذنوبه فيخرج منه مثل رأس الذباب من خشية الله فيغفر له.\nومنها: انكسار العبد لله ﷿ وذله له، وذلك أَحَبّ إِلَى الله من كثير من طاعات الطائعين.\nومنها: أنها توجب للعبد الرجوع بقلبه إِلَى الله ﷿، والوقوف ببابه والتضرع له والاستكانة، وذلك من أعظم فوائد البلاء، وقد ذم الله من لا يستكين له عند الشدائد، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦].\nوقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢].\nوفي بعض الكتب السابقة: إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه.\nوقال سعيد بن عبد العزيز: قال داود -﵇-: سبحان مستخرج\n_________\n(*) البلاء: \"نسخة\".","vol":"3","page":170},{"text":"الدعاء بالبلاء، وسبحان مستخرج الشكر بالرخاء.\nومرَّ أبو جعفر محمد بن علي بمحمد بن المنكدر وهو مغموم، فسأل عن سبب غمه، فقِيلَ لَهُ: الدّين قد فدحه، فَقَالَ أبو جعفر: أفتح له في الدعاء؟ قيل: نعم. قال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها من دعاء ربه كائنة ما كانت.\nوكان بعضهم إذا فتح له في الدعاء عند الشدائد لم يحب تعجيل إجابته خشية أن ينقطع عما فتح له.\nوقال ثابت: إذا دعا الله المؤمن بدعوة وكل الله جبريل بحاجته يقول: لا تعجل بإجابته، فإني أَحَبّ أن أسمع صوت عبدي المؤمن.\nورُوي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (١).\nرأى بعض السَّلف رب العزة في نومه فَقَالَ: يا رب، كم أدعوك ولا تجيبني؟.\nقال: إني أَحَبّ أن أسمع صوتك (٢).\nومنها: أن البلاء يوصل إِلَى قلبه لذة الصبر عليه والرضا به، وذلك مقام عظيم جدًّا، وقد تقدمت الإشارة إِلَى فض ذلك وشرفه.\nومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إِلَى مخلوق ويوجب له الإقبال عَلَى الخالق وحه.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٨٤٤٢) وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة تفرد به سويد بن عبد العزيز.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٥١) وقال: ... وفيه إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة، وهو تروك.\n(٢) قال الشيخ محمد ناصر العجمي- حفظه الله- في تعليقه على هذه الرسالة ص ١٢٢: كان الأولى بالمصنف -﵀- الإعراض عن ذكر مثل هذه الحكاية، وقد شحن كتابه هذا من الحكايات التي جلها لا أصل لها في الكتاب والسنة الصحيحة، بل مبنية عَلَى الحيال، وكفى بما صح من السنة وأقوال السَّلف واعظًا، فنسأل الله أن يتجاوز عنا وعنه.","vol":"3","page":171},{"text":"وقد حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد؛ فكيف بالمؤمن؟!.\nفالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه وذلك أعلى المقامات وأشرف الدرجات.\nوفي الإسرائيليات يقول الله ﷿: \"البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك\".\n***","vol":"3","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>فصل</span>\nوإذا اشتد الكرب وعظم الخطب كان الفرج حينئذٍ قريبًا في الغالب.\nقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠] وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].\nوأخبر عن يعقوب -﵇- أنَّه لم ييأس من لقاء يوسف، وقال لإخوته: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] وقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣].\nومن لطائف أسرار اقتران الفرج باشتداد الكرب أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وجد الإياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده، ومن انقطع عن التعلق بالخلائق وتعلق بالخالق، استجاب الله له وكشف عنه؛ فإن التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين، كما قال الإمام أحمد، واستدل عليه بقول إبراهيم لما عرض له جبريل في الهواء وقال: ألك حاجة؟ فَقَالَ: أما إليك فلا!.\nوالتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].\nقال الفضيل: والله لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئًا لأعطاك مولاك كل ما تريد.\nومنها: أن العبد إذا اشتد عليه الكرب فإنَّه يحتاج حينئذٍ إِلَى مجاهدة الشيطان؛ لأنّه يأتيه فيقنطه ويسخطه، فيحتاج العبد إِلَى مجاهدته ودفعه، فيكون ثواب مجاهدة عدوه ودفعه: دفع البلاء عنه ورفعه.","vol":"3","page":173},{"text":"ولهذا في الحديث الصحيح:\n\"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي! فيدع الدعاء\" (١).\nومنها: أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إِلَى نفسه باللائمة ويقول لها: إِنَّمَا أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت!.\nوهذا اللوم أَحَبّ إِلَى الله من كثير من الطاعات؛ فإن يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إِلَيْهِ حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنَّه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، عَلَى قدر الكسر يكون الجبر.\nقال وهب: تعبد رجل زمانًا ثم بدت له إِلَى الله حاجة فصام سبعين سبتًا يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل الله حاجته فلم يعطها فرجع إِلَى نفسه فَقَالَ: منك أتيت، لو كان فيك خير أعطيت حاجتك. فنزل إِلَيْهِ عند ذلك ملك، فَقَالَ: يا ابن آدم؛ ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت وقد قضى الله حاجتك.\nأهين لهم نفسي لكي يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها\nفمن تحقق هذا وعرفه وشاهده بقلبه، علم أن نعم الله عَلَى عبده المؤمن بالبلاء أعظم من نعمه في الرخاء، وهذا تحقيق معنى الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -:\n«لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ» (٢).\nومن ها هنا كان العارفون بالله لا يختارون إحدى الحالتين عَلَى الأخرى، بل\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٩٩٩).","vol":"3","page":174},{"text":"أيهما قدر الله رضوا به وقاموا بعبوديته اللائقة به.\nوفي \"المسند\" (١) والترمذي (٢) عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: \"عَرْضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا؛ فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ\".\nوقال عمر: ما أبالي أصبحت عَلَى ما أَحَبّ أو عَلَى ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أَحَبّ أو فيما أكره (٣)؟\nوقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت يومًا وما لي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر.\nيا هذا، لِمَ نستدعيك إلينا وأنت تفر منا؟! نسبغ عليك النعم فتشتغل بها عنا وتنسانا! فنفرغ عليك البلاء لترد إلينا! وتقف عَلَى بابنا ونسمع تضرعك! البلاء يجمع بيننا وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك.\nإن جرى بيننا وبينك عتب ... أو تناءت منا ومنك الديار\nفالوداد الَّذِي عهدت مقيم ... والأيادي التي عهدت غزار\nكم لنا في طي البلايا من منح ... وعطايا وفي الزوايا خبايا\nيا هذا! إن شكرت نعمنا عليك فتوفيقك للشكر من جملة نعمنا فاشكره! وإن صبرت عَلَى بلائنا فالصبر من جملة فضلنا فاذكره، فكل ما تقلب فيه فهو من نعمنا فلا تكفره ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ\n_________\n(١) (٥/ ٢٥٤).\n(٢) برقم (٢٣٤٧) وقال: هذا حديث حسن ... إِلَى أن قال: وعلي بن يزيد ضعيف الحديث.\nقلت: وفي الإسناد عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد الألهاني عن القاسم أبي عبد الرحمن، وقد قال ابن حبان عنهم: إنهم إذا اجتمعوا في إسناد، فهو مما عملت أيديهم.\n(٣) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في الفرج بعد الشدة ص ٢١.","vol":"3","page":175},{"text":"كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].\nإذا كان شكري نعمة الله نعمةً ... عَلَيَّ له في مثلها يجب الشكر\nفكيف وقوع الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر\nإذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر\nوما منهما إلا له فيه منة ... تضيق لها الأوهام والبر والبحر\nآخره والحمد ولله وحده، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا يا رب العالمين.\nووافق الفراغ منه في ليلة يسفر صباحها عن ليلة الثلاثاء خامس شهر ربيع الأولى من شهور سنة ثلاث وتسعين وثماني مائة، عَلَى يد فقير عفو ربه الممجد عيسى بن علي بن محمد الحوراني الشافعي، عامله الله بلطفه الخفي وغفر له ولوالديه، ولمن نظر فيه ودعا لي بالمغفرة وحسن الخاتمة، إنه بر رحيم جواد لا يخيب من دعاه.\n***","vol":"3","page":176}]}