{"ً":{"ٌ":151146,"ٍ":"اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى - ضمن مجموع رسائل ابن رجب","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى\n[مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الصفحات: ٨٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154091,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"الفصل الأول في ذكر الكفارات","level":1,"page":9},{"title":"السبب الثاني من مكفرات الذنوب: المشي على الأقدام إلى الجماعات وإلى الجمعات","level":2,"page":20},{"title":"السبب الثالث من مكفرات الذنوب الجلوس في المساجد بعد الصلوات","level":2,"page":29},{"title":"الفصل الثاني في ذكر الدرجات المذكورة في حديث معاذ","level":1,"page":33},{"title":"الفصل الثالث في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث","level":1,"page":50},{"title":"ومحبة الله على درجتين:","level":2,"page":80},{"title":"أقل ثمن المحبة بذل الروح:","level":2,"page":82}],"ٛ":{"4,3":1,"4,5":2,"4,6":3,"4,7":4,"4,8":5,"4,9":6,"4,10":7,"4,11":8,"4,12":9,"4,13":10,"4,14":11,"4,15":12,"4,16":13,"4,17":14,"4,18":15,"4,19":16,"4,20":17,"4,21":18,"4,22":19,"4,23":20,"4,24":21,"4,25":22,"4,26":23,"4,27":24,"4,28":25,"4,29":26,"4,30":27,"4,31":28,"4,32":29,"4,33":30,"4,34":31,"4,35":32,"4,36":33,"4,37":34,"4,38":35,"4,39":36,"4,40":37,"4,41":38,"4,42":39,"4,43":40,"4,44":41,"4,45":42,"4,46":43,"4,47":44,"4,48":45,"4,49":46,"4,50":47,"4,51":48,"4,52":49,"4,53":50,"4,54":51,"4,55":52,"4,56":53,"4,57":54,"4,58":55,"4,59":56,"4,60":57,"4,61":58,"4,62":59,"4,63":60,"4,64":61,"4,65":62,"4,66":63,"4,67":64,"4,68":65,"4,69":66,"4,70":67,"4,71":68,"4,72":69,"4,73":70,"4,74":71,"4,75":72,"4,76":73,"4,77":74,"4,78":75,"4,79":76,"4,80":77,"4,81":78,"4,82":79,"4,83":80,"4,84":81,"4,85":82,"4,86":83,"4,87":84,"4,88":85,"4,89":86,"4,90":87},"ٜ":{"4":[3,90]},"ٝ":["4,3","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90"],"ٞ":{"2":[1],"9":[2],"20":[3],"29":[4],"33":[5],"50":[6],"80":[7],"82":[8]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى","vol":"4","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nوبه ثقتي\nالحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه عَلَى محمد خاتم النبيين، وإمام (المتقين) (*)، ورسول رب العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إِلَى يوم الدين.\nخرَّج الإمام أحمد (١) -﵀-: من حديث مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوَّبَ (٢) بِالصَّلَاةِ وَصَلَّى وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ». ثُمَّ أَقْبَلَ (إِلَيْنَا) (**) فَقَالَ: \"إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ (٣)، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي -﷿- فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟\nقُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ . قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي يا رَبِّ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّه بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي، وَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ .\nقُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتُ.\n_________\n(*) المرسلين: \"نسخة\".\n(١) (٥/ ٢٤٣).\n(٢) التثويب: إقامة الصلاة (النهاية مادة: ثوب).\n(**) علينا: \"نسخة\".\n(٣) كذا في الأصول وجامع الترمذي وتوحيد ابن خزيمة، ووقع في المسند \"استيقظت\".","vol":"4","page":5},{"text":"قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟.\nقُلْتُ: نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ (عَلَى) (*) الْكَرِيهَاتِ.\nفَقَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ.\nقَالَ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ\".\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا».\nوخرّجه الترمذي (١)، وقال: \"حديث (حسن صحيح) (**) \"، قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا، فَقَالَ: \"هذا حديث حسن صحيح (٢).\n_________\n(*) عند:\"نسخة\".\n(**) صحيح: \"نسخة\".\n(١) برقم (٣٢٣٥).\n(٢) ونقل الترمذي في السنن (٥/ ٣٤٤) قول البخاري: هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا خالد بن اللجلاج حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث، وهذا غير محفوظ. هكذا ذَكَرَ الوليدُ في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله - ﷺ -. وروى بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي ﷺ. وهذا أصح، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي ﷺ.\nوفي علل الترمذي الكبير (٦٦١) قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فَقَالَ: عبد الرحمن بن عائش لم يدرك النبي ﷺ.\nوحديث الوليد بن مسلم غير صحيح.\nوالحديث الصحيح ما رواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير حديث معاذ بن جبل هذا.","vol":"4","page":6},{"text":"قلت: وفي إسناده اختلاف، وله طرق متعددة، وفي بعضها زيادة وفي بعضها نقصان، وقد ذكرت عامة أسانيده وبعض ألفاظه المختلفة في كتاب \"شرح الترمذي\".\nوفى بعض ألفاظه عند الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) أيضًا: \"المشي عَلَى الأقدام إِلَى الجماعات\" بدل \"الجُمُعات\".\nوفيه أيضًا عندهما (٣) بعد ذكر الكفّارات زيادة: \"ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه\".\nوفيه (٤) أيضًا عندهما: \"والدرجات: إفشاء السلام ... \" بدلًا لين الكلام\".\nوفي بعض رواياته (٥): \" ... فعلمت ما في \"السماء\" (*) والأرض\". ثم تلى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥].\nوفي رواية أخرى (٦): \" ... فتجلَّى لي ما بين السماء والأرض\".\nوفي رواية (٧): ... \"ما بين المشرق والمغرب\".\n_________\n(١) (٥/ ٣٧٨) عن بعض أصحاب النبي ﷺ.\n(٢) برقم (٣٢٣٣) عن ابن عباس.\nقال الترمذي: وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلًا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس:\n(٣) انظر رقمي (١، ٢).\n(٤) الترمذي (٣٢٣٣).\n(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٨٥) بلفظ: \"فعلمت ما في السماوات\".\n(*) السماوات: \"نسخة\".\n(٦) أخرجها الروياني في مسنده (٦٥٦).\n(٧) أخرجها الترمذي (٣٢٣٤) عن ابن عباس، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"4","page":7},{"text":"وفي بعضها زيادة في الدعاء الَّذِي فيه وهي (١): \" ... وتتوب عَلَى.\".\nوفي بعضها (٢): \"إصباغ الوضوء في السَّبرات\".\nوفي بعضها (٣): \"وقال: يا محمد! إذا صلّيت فقلْ: اللهم إني أسألك فعل الخيرات ... \" فذكره.\nوالمقصود هنا: شرحُ الحديث وما يُستنبط منه من المعارف والأحكام وغير ذلك.\nففي الحديث دلالة عَلَى أن النبي - ﷺ - لم يكن من عادته تأخير صلاة الصبع إِلَى قرب طلوع الشمس، وإنما كانت عادتُه التغليس بها، وكان أحيانًا يسفر بها عند انتشار الضوء عَلَى وجه الأرض، وأما تأخيرها إِلَى قريب طلوع الشمس فلم يكن من عادته، ولهذا اعتذرَ لهم عنه في هذا الحديث.\nوقد قيل: إن تأخيرها إِلَى هذا الإسفار الفاحش لا يجوز لغير عذر، وأنَّه وقت ضرورة كتأخير العصر إِلَى بعد اصفرار الشمس، وهو قول القاضي من أصحابنا في بعض كتبه، وقد أومأ إِلَيْهِ الإمام أحمد، وقال: \"هذه صلاة مفرط، إِنَّمَا الإسفار أن ينتشر الضوءُ عَلَى الأرض\".\nوفي الحديث: دلالة عَلَى أنّ من أخَّر الصلاة إِلَى آخر الوقت لعذر أو غيره وخاف خروج الوقت في الصلاة إن طوّلها أن يخففها حتى يدركها كلَّها في الوقت.\n_________\n(١) أخرجها ابن أبي عاصم في السنة (٣٨٨)، وفي الآحاد والمثاني (٢٥٨٥).\n(٢) أخرجها البزار في البحر الزخار (٢٦٦٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٩٠)، الأوسط (٥٤٩٦).\n(٣) أخرجها الترمذي (٣٢٣٣).\nوانظر في الكلام عَلَى هذا الحديث علل الدراقطني (٦/ ٥٤ - ٥٧) برقم (٩٧٣)، والعلل المتناهية لابن الجوزي (١/ ٣٠ - ٣٥)، فقد ذكر الدارقطني الخلاف في هذا الحديث ثم قال: ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة، ونقل كلامه ابن الجوزي وقال: قال أبو بكر البيهقي: قد رُوي من أوجه كلها ضعاف.","vol":"4","page":8},{"text":"وأما قول أبي بكر الصديق -﵁- لما طوّل في صلاة الفجر وقرأ بالبقرة فقِيلَ لَهُ: كادت الشمس أن تطلع!\nفَقَالَ: \"لو طلعت لم تجدنا غافلين\" (١)، فإن أبا بكر -﵁- لم يتعمد التأخير إِلَى طلوع الشمس ولا أن يُمدَّها ويطيلها حتى تطلع الشمس لأنه دخل فيها بغلس، وأطال القراءة وربما كان قد استغرق في تلاوته فلو طلعت الشمس حينئذٍ لم يضره لأنّه لم يكن متعمدًا لذلك.\nوهذا يدل عَلَى أنَّه كان يرى صحة الصلاة لمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاته كما أمر النبي ﷺ من طلعت عليه الشمس -وقد صلّى ركعة من الفجر- أن يضيف إليها أخرى (٢).\nوفي حديث معاذ: دليل عَلَى أن من رأى رؤيا تسرُّه فإنَّه يقصها عَلَى أصحابه وإخوانه المحبين له، ولاسيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعليمًا لما ينفعهم، وقد كان النبي ﷺ إذا صلّى الفجر يقول لأصحابه: \"من رأى منكم الليلة رؤيا\"؟ (٣).\nوفيه أيضًا: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتى رأى رؤيا تسره فإنَّ في ذلك بشرى له.\nوفي مراسيل الحسن: \"إذا نام العبد -وهو ساجد- باهى الله به الملائكة، يقول: يا ملائكتي انظروا إِلَى عبدي: جسده في طاعتي وروحه عندي\".\nوفيه: دلالة عَلَى شرف النبي ﷺ وتفضيله بتعليمه. ما في (السماوات) (*) والأرض، وتجلَّى ذلك له مما تختصم فيه الملائكة في السماء وغير ذلك، كما أُريَ\n_________\n(١) أخرجه الييهقي في السنن الكبير (١/ ٣٧٩)، وفيه أن القراءة كانت \"بآل عمران\".\n(٢) أخرجه \"أحمد\" (٢/ ٤٨٩).\n(٣) أخرجه البخاري (١٣٨٦)، ومسلم (٢٢٧٥) من حديث سمرة.\n(*) السماء: \"نسخة\".","vol":"4","page":9},{"text":"إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.\nوقد ورد في غير حديث مرفوعًا (١) وموقوفًا (٢) أنَّه - ﷺ - أعطي علم كلِّ شيء خلا مفاتيح الغيب الخمس التي اختص الله ﷿ بعلمها، وهي المذكورة في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤].\nوأما وصف النبي ﷺ لربه ﷿ بما وصفه به فكل ما وصف النبي - ﷺ - به ربه ﷿ فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله ﷿ به نفسه مع نفي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العِلْم وأخبر عنهم أنهم يَقُولُونَ عند المتشابه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].\nوكلما قال النبي ﷺ في القرآن: \"وما جهلتهم منه فكلوه إِلَى عالمه\"، خرّجه الإمام أحمد (٣) والنسائي وغيرهما، ولا يتكلَّف ما لا علم له به فإنَّه يُخشى عليه من ذلك الهلكة.\nسمع ابن عباس يومًا من يروي عن النبي ﷺ شيئًا من هذه الأحاديث فانتفض رجل استنكارًا لذلك، فَقَالَ ابن عباس: \"ما فرق هؤلاء؟! يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه\" خرَّجه عبد الرزاق في \"كتابه\" (٤) عن معم، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄.\nفكلما سمع المؤمنون شيئًا من هذا الكلام قالوا: هذا ما أخبرنا الله به ورسوله ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].\n_________\n(١) أخرجه \"أحمد\" (٢/ ٨٥ - ٨٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\nوقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٦٣) رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح وهو بنحوه عند البخاري في صحيحه (١٠٣٩) من حديث ابن عمر.\nوأخرجه أحمد (١/ ٣٨٦، ٤٣٨، ٤٤٥) وغيره من حديث ابن مسعود.\n(٢) أخرجه الطيالسي (١٨٠٩) عن ابن عمر بنحوه.\n(٣) في مسنده (٢/ ١٨٥) وفي (٢/ ١٨١، ٣٠٠) بلفظ: \"فردوه إِلَى عالمه\".\n(٤) كما في الجامع لمعمر (١١/ ٤٢٣ مع المصنف) برقم (٢٠٨٩٥).","vol":"4","page":10},{"text":"وفي الحديث دلالة عَلَى أن الملأ الأعلى -وهم الملائكة أو المقرَّبون منهم- يختصمون فيما بينهم، ويتراجعون القول في الأعمال التي تُقرِّب بني آدم إِلَى الله ﷿ وتكفر بها عنهم خطاياهم، وقد أخبر الله عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا ويدعون لهم.\nوفي الحديث الصحيح (١): \"إن الله إذا أحبَّ عبدًا نادى: يا جبريل إني أَحَبّ فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض\".\nوقال أبو هريرة ﵁: \"إذا مات ابن آدم قال الناس: ما خلَّف؟.\nوقالت الملائكة: ما قدَّم؟ \" (٢).\nفالملائكة يسألون عن أعمال بني آدم ولهم اعتناء بذلك واهتمامٌ به.\nوبقي الكلام عَلَى المقصود من الحديث، وهو: ذكر الكفّارات والدرجات والدعوات، ونعقد لكل واحدة منها فصلًا مفردًا.\n...\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (١٠٤٧٥) بلفظ: \"إذا مات الميت، قالت الملائكة: ما قدَّم، وقال بنو آدم ما خلف\".","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول في ذكر الكفَّارات</span>\nوهي إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إِلَى الجُمعات (أو) (*) الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات.\nوسميت هذه كفارات لأنها تكفر الخطايا والسيئات، ولذلك جاء في بعض الروايات: \"من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه\".\nوهذه الخصال المذكورة الأغلب عليها تكفيرُ السيئات، ويحصل بها أيضًا رفعُ الدرجات كما في صحيح مسلم (١) عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"ألا أدلكم عَلَى ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟! \".\nقالوا: بلى يا رسول الله.\nقال: \"إسباغ الوضوء عَلَى المكاره، وكثرة الخطأ إِلَى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط\".\nوقد رُوي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة. فهذه ثلاثة أسباب تُكفَّر بها الذنوب: أحدها: الوضوء، وقد دلَّ القرآن عَلَى تكفيره للذنوب في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ يشمل طهارة ظاهر البدن بالماء، وطهارة الباطن من الذنوب والخطايا، وإتمامُ النعمة إِنَّمَا يحصل بمغفرة الخطايا وتكفيرها، كما قال تعالى لنبيه\n_________\n(*) (و): \"نسخة\".\n(١) برقم (٢٥١).","vol":"4","page":12},{"text":"- ﷺ -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢].\nوقد استنبط هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، ويشهد له الحديث الَّذِي خرّجه الترمذي (١) وغيره (٢) عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يدعو، يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة.\nفَقَالَ له: \"أتدري ما تمامُ النعمة؟ \". قال: دعوةٌ دعوت بها، أرجو بها الخير.\nفَقَالَ النبي ﷺ: \"إن تمام النعمة: النجاةُ من النار، ودخول الجنة\". فلا تتِمُّ نعمة الله عَلَى عبده إلا بتكفير سيئاته.\nوقد تكاثرت النصوص عن النبي - ﷺ - بتكفير الخطايا بالوضوء كما في \"صحيح مسلم\" (٣) عن عثمان ﵁ أنَّه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: \"من توضأ هكذا غُفرَ له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إِلَى المسجد نافلة\".\nوفيه (٤) أيضًا عنه عن النبي ﷺ قال: \"من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره\".\nوفيه أيضًا (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إذا توضأ\n_________\n(١) برقم (٣٥٢٧) وقال: هذا حديث حسن.\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١، ٢٣٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٥)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٤).\nقال أبو نعيم في الحلية: تفرد به عن اللجلاج أبو الورد، وحدث به الأكابر عن الجريري منهم: إسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع، وعنهما الإمامان: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل.\n(٣) برقم (٢٢٩).\n(٤) برقم (٢٤٥).\n(٥) برقم (٢٤٤).","vol":"4","page":13},{"text":"العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء، فَإِذَا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيًّا من الذنوب\".\nوفيه أيضًا (١) عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا (خَرَّجت) (*) خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّا (خَرَّجت) (*) خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ أَهْله وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».\nوفي \"الموطأ\" (٢) \"ومسند الإمام أحمد\" (٣) \"وسنن النسائي\" (٤) \"وابن ماجه\" (٥) عن الصنابحي عن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلاَتُهُ نَافِلَةً».\n_________\n(١) برقم (٨٣٢).\n(*) في صحيح مسلم \"خرَّت\".\n(٢) (١/ ٥٦) برقم [٣٠١].\n(٣) (٤/ ٣٤٨، ٣٤٩).\n(٤) (١/ ٧٤، ٧٥).\n(٥) برقم (٢٨٢).","vol":"4","page":14},{"text":"وفي \"المسند\" عن أبي أمامة (١) عن النبي - ﷺ - قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ وَيُمَضْمِضُ فَاهُ وَيَتَوَضَّأُ كَمَا أَمَرَ اللهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ: مَا نَطَقَ بِهِ فَمُهُ، وَمَا مَسَّ بِيَدَيْهِ، وَمَا مَشَى إِلَيْهِ، حَتَّى إِنَّ الْخَطَايَا تَحَادَرُ مِنْ أَطْرَافِهِ، ثُمَّ إِذَا هُوَ مَشَى إِلَى الْمَسْجِدِ فَرِجْلٌ تَكْتُبُ حَسَنَةً، وَأُخْرَى تُمْحِي سَيِّئَةً». وفيه أيضًا (٢) عن النبي - ﷺ - قال: \"أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه، نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرةٍ، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له، ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا\".\nوفي هذا المعنى أحاديثُ (أخر) (*)، وفيما ذكرناه كفاية. وقد وردت النصوص أيضًا بحصول الثواب عَلَى الوضوء، وهذا زيادة عَلَى تكفير السيئات به:\nففي \"صحيح مسلم\" (٣) عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا اله الا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ الثَمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ\".\nوفيه أيضًا (٤): عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"تبلغ الحلية من المؤمن حيث\n_________\n(١) لم أجده في \"المسند\" وهو عند \"الطبرانى في \"الكبير\" (٨/ ٧٩٩٥) قال: الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٢٣): رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه: لقيط أبو المساور (*)، روى عن أبي أمامة، وروى عنه الجريري وقرة بن خالد، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطئ ويخالف.\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٥٦، ٢٦٣، ٢٦٤) من طرق عن شهر بن حوشب.\nوشهر ضعيف. وانظر الترغيب والترهيب للمنذرى (١/ ١٥٥) ومجمع الزوائد للهيثمي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٦).\n(*) كثيرة: \"نسخة\".\n(٣) برقم (٢٣٤).\n(٤) برقم (٢٥٠).\n_________\n(*) هكذا في المجمع، وفي الثقات لابن حبان \"أبو المثنى وفي إسناد الطبراني الكبير \"أبو المشاء\".","vol":"4","page":15},{"text":"يبلغ الوضوء\".\nوفيه أيضًا (١): عنه عن النبي ﷺ قال: \"أنتم الغر المحجلون من إسباغ الوضوء\".\nوخرّجه البخاري (٢)، ولفظه: \"إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من أثر الوضوء\".\nواعلم أن حديث معاذ بن جبل في المنام إِنَّمَا فيه ذكر إسباغ الوضوء عَلَى الكريهات، وكذا في حديث أبي هريرة المبدوء بذكره في هذا الفصل، فهاهنا أمران:\nأحدهما: إسباغ الوضوء، وهو إتمامه إبلاغه مواضعه الشرعية كالثوب السابغ المغطي للبدن.\nوفي \"مسند البزار\" (٣) عن عثمان مرفوعًا: \"من توضأ فأسبغ الوضوء غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر\". إسناده لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم (٤) من وجه آخر عن عثمان.\nوخرَّج النسائي (٥) وابن ماجه (٦) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إسباغ الوضوء شطر الإيمان\".\n[وخرّجه مسلم (٧)، ولفظه: \"الطهور شطر الإيمان\"] (*).\n_________\n(١) برقم (٢٤٦).\n(٢) برقم (١٣٦).\n(٣) برقم (٢٦٢ - كشف) بنحوه\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٣٧): \"ورجاله موثقون والحديث حسن إن شاء الله، وكذا حسنه المنذري فى الترغيب والترهيب (١/ ١٠٣).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في المجتبى (٥/ ٥).\n(٦) برقم (٢٨٠).\n(٧) برقم (٢٢٣).\n(*) ما بين المعقوفتين من المطبوع.","vol":"4","page":16},{"text":"وثانيهما: أن يكون إسباغه عَلَى الكريهات، والمراد أن يكون عَلَى حالة تكره النفس فيها الوضوء، وقد فُسِّر بحال نزول المصائب فإن النفس حينئذٍ تطلب الجزع، فالاشتغال عنه بالصبر والمبادرة إِلَى الوضوء والصلاة من علامة الإيمان كما قال الله ﷿: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].\nوالوضوء مفتاح الصلاة، وقد يٌطفأ به حرارة القلب الناشئة عن ألم المصائب، كما يؤمر من غضب بإطفاء غضبه بالوضوء.\nوفُسِّرت الكريهات بالبرد الشديد، ويشهد له أن في بعض روايات حديث معاذ: \" ... إسباغ الوضوء (عَلَى) (*) السبرات\"، والسبرة: شدة البرد، ولا ريب أن إسباغ الوضوء في البرد يشق عَلَى النفس وتتألم به، وكل ما يؤلم النفوس ويشق عليها فإنَّه كفارة للذنوب وإن لم يكن للإنسان فيه صنعٌ ولا تسبب كالمرض وغيره كما دلت النصوص الكثيرة عَلَى ذلك.\nوأما إن كان ناشئًا عن فعل هو طاعة لله فإنَّه يكتب لصاحبه به أجر، وترفعِ به درجات كالألم الحاصل للمجاهد في سبيل الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وكذلك [ألم] (**) الجوع والعطش الَّذِي يحصل للصائم، فهكذا التألم بإسباغ الوضوء في البرد. ويجب الصبر عَلَى الألم بذلك، فإن حصل به الرضى فذلك مقام خواصِّ العارفين المحبين، وينشأ الرضا بذلك عن ملاحظة أمور:\nأحدها: تذكر فضل الوضوء من حطَّه للخطايا، ورفعه للدرجات وحصول الغرة والتحجيل به، وبلوغ الحلية في الجنة إِلَى حيث يبلغ، وهذا كما انكسر ظفر\n_________\n(*) في: \"نسخة\".\n(**) من المطبوع.","vol":"4","page":17},{"text":"بعض الصالحات من السَّلف من عثرة عثرتها فضحكت وقالت: أنساني حلاوة ثوابه مرارة وجعه.\nوقال بعض العارفين: من لم يعرف ثواب الأعمال ثَقُلت عليه في جميع الأحوال.\nالثاني: تذكُّر ما أعده الله ﷿ لمن عصاه من العذاب بالبرد والزمهرير، فإن [شدة] (*) برد الدُّنْيَا يذكِّر بزمهرير جهنم، وفي الحديث الصحيح (١): \"إن أشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم\".\nفملاحظة هذا الألم الموعود يهون الإحساس بألم برد الماء، كما رُوي عن زبيد اليامي أنَّه قام ليلة للتهجد -[وكان] (*) البرد شديدًا- فلما أدخل يده في الإناء وجد شدة برده فذكر زمهرير جهنم فلم يشعر ببرد الماء بعد ذلك، وبقيت يده في الماء حتى أصبح، فقالت له جاريته: مالك لم تصل الليلة كما كنت تصلي؟!.\nفَقَالَ: إني لما وجدت شدة برد الماء (ذكرتُ) (**) زمهرير جهنم فما شعرت به حتى أصبحت، فلا تخبري بهذا أحدًا ما دمت حيًّا.\nالثالث: ملاحظة جلال من أمر بالوضوء، ومطالعة عظمته وكبريائه، وتذكُّر التهيؤ للقيام بين يديه ومناجاته في الصلاة (فذلك يهوِّن) (...) كل ألم ينال العبدَ في طلب مرضاته من برد الماء وغيره، وربما لم يشعر بألمه بالكلية كما قال بعض العارفين: بالمعرفة هانت عَلَى العاملين العبادة.\nقال سعيد بن عامر: بلغني أن إبراهيم الخليل ﵇ كان إذا توضأ سُمع لعظامه قعقعة.\n_________\n(*) من المطبوع.\n(١) أخرجه البخاري (٥٣٦)، مسلم (٦١٧).\n(**) تذكرت: \"نسخة\".\n(...) فبذلك يهون: \"نسخة\".","vol":"4","page":18},{"text":"وكان علي بن الحسين إذا توضأ اصفر لونه، فيقال له: ما هذا الَّذِي يعتريك عند الوضوء؟!. فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟.\nوكان منصور بن زاذان إذا فرغ من وضوئه يبكي حتى يرتفع صوته، (فقيل) (*) له: ما شأنك؟!. (فَقَالَ) (**): وأي شيء أعظم من شأني، إني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله (يعرض) (...) عني.\nوكان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه ارتعد وانتفض وبكى بكاءً شديدًا، فقِيلَ لَهُ في ذلك، فَقَالَ: إني أريد أن أتقدم إِلَى أمر عظيم: إني أريد أن أقوم بين يدي الله ﷿.\nالرابع: استحضار اطلاع الله ﷿ عَلَى عبده في حال العمل له، وتحمل المشاق لأجله، فمن تيقَّن أن البلاء بعين من يحبه هان عليه الألم كما أشار تعالى إِلَى ذلك وله ﷿ لنبيه - ﷺ -: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].\nوقوله تعالى لموسى وهارون -﵉-: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. وقال: \"اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك\" (١).\nوقال أبو سليمان الداراني: قرأت في بعض الكتب: يقول الله ﷿: \"بعيني ما تحمَّل المتحمِّلون من أجلي، وكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا في جواري، وتبحبحوا في رياض خلدي؟\nفهنالك فليبشر المُصَفُّون لله أعمالهم بالمنظر العجيب من الحبيب\n_________\n(*) فيقال: \"نسخة\".\n(**) فيقول: \"نسخة\".\n(...) في المطبوع: \"يرضى\".\n(١) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٨) في سياق حديث جبريل الطويل.","vol":"4","page":19},{"text":"القريب، أترون أني أضيع لهم عملًا؟\nفكيف وأنا أجود عَلَى المولين عني، فكيف بالمقبلين إليّ؟ \".\nفبإسباغ الوضوء في البرد -لاسيما في الليل- يطلع الله عليه، ويرضى به، ويباهي به الملائكة، فاستحضار ذلك يهون ألمه.\nوفي \"المسند\" (١) وصحيح ابن حبان (٢) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: \"رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إِلَى الطهور وعليه عُقَدٌ فيتوضأ، فَإِذَا وضّأ يديه انحلَّت عقدة، وإذا وضّأ وجهه انحلَّت عقدة، إذا مسح برأسه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلَّت عقدة، فيقول الرب ﷿ للذين وراء الحجاب: انظروا إِلَى عبدي هذا يعالج نفسه، ما سألني عبدي هذا فهو له ... \" وذكر بقية الحديث.\nوروى عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ: \"إن الله يضحك إِلَى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطُّهور فصلى ... \" (٣) وذكر الحديث.\nكان بعض السَّلف له ورد بالليل ففتر عنه، فهتف به هاتف يقول:\nبعين الله في الليل لما يصنع خدّامه ... إذا قاموا وحثَّتهم عَلَى الخدمة أحكامه\nالخامس: الاستغراق في محبة من أمر بهذه الطاعة، وأنه يرضى بها ويحبها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فمن امتلأ قلبه من محبة الله ﷿ أَحَبّ ما يحبه وإن شق عَلَى النفس وتألمت به، كما يقال: المحبة تهوَّن الأثقال.\nوقال بعض السَّلف في مرضه: أحَبُّهُ إِلَيّ أحَبُّهُ إِلَيْهِ.\n_________\n(١) (٤/ ١٥٩، ٢٠١) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٢٤) عن الثاني: رجاله ثقات.\n(٢) برقم (١٦٨ - موارد).\n(٣) أخرجها \"البزار\" (٧١٥ - كشف) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطية العوفي به، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥٦)، فيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام كثير لسوء حفظه لا لكذبه.","vol":"4","page":20},{"text":"وكما قيل:\nفما لجرح إذا أرضاكم ألم\nوكما قيل أيضًا:\nفي حبكم يهون ما قد ألقى ... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى\nمن خدم من يحب تلذّذ بشقائه في خدمته.\nوقال بعضهم: القلبُ المحبُّ لله يحب النصب له.\nوقال عبد الصمد: أوجدهم في عذابه عُذوبة.\nفإسباغ الوضوء عَلَى المكاره من علامات المحبِّين كما في \"كتاب الزهد\" للإمام أحمد (١) عن عطاء بن يسار قال: \"قال موسى ﵇: يا رب! من أهلك الذين هم أهلك، الذين تظلهم في ظل عرشك؟.\nقال: هم البريئة (أيديهم) (*)، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكرت ذكروا بي، وإذا ذُكروا ذكرت بذكرهم، الذين يُسبغون الوضوء في المكاره، ويُنيبون إِلَى ذكري كما تنيب النسور إِلَى أوكارها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حَرِبَ\".\nوقد يخرق الله العادة لبعض المحبِّين له فلا يجد ألم برد الماء، كما كان بعض السَّلف قد دعا الله أن يهوِّن عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء وله بخار، وربما سُلِب بعضهم الإحساس في الحرِّ والبرد مطلقًا.\nوكان علي بن أبي طالب -﵁- قد دعا له النبي ﷺ أن يذهب الله عنه الحر والبرد، فكان يلبس في الصيف لباس الشتاء، وفي الشتاء لباس\n_________\n(١) (ص ٧٤ - ٧٥) وبين عطاء بن يسار وموسى ﵇ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي.\n(*) أبدانهم: \"نسخة\".","vol":"4","page":21},{"text":"الصيف (١).\nوقال النبي ﷺ فيه: \"إنه يحب الله رسوله، ويحبه الله ورسوله\" (٢).\nورأى أبو سليمان الداراني في طريق الحج في شدة برد الشتاء شيخًا عليه أخلاقٌ رثَّة وهو يرشح عرقًا، فسأله عن حاله، فقال: إِنَّمَا الحر والبرد خلقان لله ﷿، فإن أمرهما أن يغشياني أصاباني، لأن أمرهما أن يتركاني تركاني.\nوقال: أنا في هذه البرية منذ ثلاثين سنة يلبسني في البرد فيحًا من محبته، ويُلبسني في الصيف بردًا من محبته.\nوقيل لآخر -وعليه خرقتان في برد شديد: لو استترت في موضع يكنك من البرد!. فأنشد:\nويحسن ظني أنني في فنائه ... وهل أحدٌ في كنِّه يجد البردا\n...\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١١٧) قال البوصيري في الزوائد (١/ ٧٠): هذا إسناد ضعيف، ابن أبي ليلى شيخ وكيع هو محمد، وهو ضعيف الحفظ لا يحتج بما ينفرد به وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٢٨٦) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٢٢): إسناده حسن.\n(٢) أخرجه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦).","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>السبب الثاني من مكفّرات الذنوب: المشيُ عَلَى الأقدام إِلَى الجماعات وإلى الجُمُعات</span>\nولا سيما إن توضأ الرجل في بيته ثم خرج إِلَى المسجد لا يريد بخروجه إلا الصلاة فيه كما في الصحيحين (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسة وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ\".\nوفي صحيح (٢) مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مَنْ بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ (*) إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً».\nوفي الصحيحين (٣) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"كل خطوة يمشيها إِلَى الصلاة صدقة\".\nوفي \"المسند\" (٤) وصحيح ابن حبان (٥) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٤٧)، ومسلم (٦٤٩).\n(٢) برقم (٦٦٦).\n(*) خطواته: \"نسخة\".\n(٣) ليس في الصحيحين بهذا اللفظ عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد (٢/ ٣١٢، ٣١٦، ٣٥٠).\n(٤) (٤/ ١٥٧).\n(٥) برقم (٢٠٤٥ - إحسان).","vol":"4","page":23},{"text":"\"إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتباه بكل خطوة يخطوها إِلَى المسجد عشر حسنات\" (١).\nوفيهما أيضًا (٢) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: \"مَنْ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخَطَوَاتِهِ: خَطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً، وَخَطْوَةٌ تُكْتَبُ حَسَنَةٌ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا\".\nوفي سنن أبي داود (٣) عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: \"من خرج من بيته متطهرًا إِلَى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم\".\nوفية (٤) أيضًا عن رجل من الأنصار عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، فَلْيُقَرِّبْ أَوْ لِيُبَعِّدْ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ\".\nوالأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.\nوالمشي إِلَى الجُمُعات له مزيد فضل، لاسيما إن كان بعد الاغتسال، كما في السنن (٥) عن أوس بن أوس -عن النبي ﷺ قال: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ\n_________\n(١) قال المنذري في الترغيب (١/ ٢٠٧) عن هذا الحديث: \"بعض طرقه صحيح\" وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٩): \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، وفي بعض طرقه ابن لهيعة، وبعضها صحيح وصححه الحاكم\" قلت: ولفظ الحكم في المستدرك (١/ ٢١١): هذا حديث صحيح عَلَى شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٢)، وابن حبان (٤١٩ - موارد).\nوقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٩) رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني رجال الصحيح ورجال أحمد فيهم ابن لهيعة.\n(٣) برقم (٥٥٨).\n(٤) برقم (٥٦٣).\n(٥) أخرجه أبو داود برقم (٣٤٥، ٣٤٦)، والترمذي (٤٩٦) وقال: حسن، والنسائي (٣/ ٩٥، ٩٦، ٩٧)، وابن ماجه (١٠٨٧).","vol":"4","page":24},{"text":"وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرُ سَنَةٍ: صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا».\nوكلما بعد المكان الَّذِي يمشي منه إِلَى المسجد كان المشي منه أفضل لكثرة الخُطا.\nوفي صحيح مسلم (١) عن جابر قال: كانت دارُنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله - ﷺ - وقال: \"إن لكم بكل خطوة حسنة\".\nوفي صحيح البخاري (٢) عن أنس أن النبي ﷺ قال: \"يا بني سلمة! ألا تحتسبون آثاركم؟ \".\nوفي الصحيحين (٣) عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: \"إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة: أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم\".\nومع هذا فنفس الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة عنه لكنَّ المشي من الدار البعيدة أفضل.\nففي المسند (٤) عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: «فَضْلُ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ عَلَى الدَّارِ البَعِيدَةِ الشَّاسِعَةِ كَفَضْلِ الْغَازِي عَلَى الْقَاعِدِ» وإسناده منقطع.\nوالمشيُ إِلَى المسجد أفضل من الركوب كما تقدّم في حديث أوس في الجُمُعة، ولهذا جاء في حديث معاذ ذكرُ المشي عَلَى الأقدام، وكان النبي ﷺ لا يخرجُ إِلَى الصلاة إلا ماشيًا حتى العيد يخرج إِلَى المُصلَّى ماشيًا، فإن الآتي للمسجد زائر\n_________\n(١) برقم (٦٦٤).\n(٢) برقم (٦٥٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٦٦٢).\n(٤) (٥/ ٣٨٧) وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٦): رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. قلت: وفي إسناده أبي عبد الملك وهو علي بن يزيد الألهاني، وهو مع ضعفه فإن روايته عن حذيفة منقطعة.","vol":"4","page":25},{"text":"الله، والزيارة عَلَى الأقدام أقربُ إِلَى الخضوع والتذلل كما قيل:\nلو جئتكم زائرًا أسعى عَلَى بصري ... لم أدِّ حفًّا وأي الحق أديت؟!\nوفي صحيح البخاري (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من غدا إِلَى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما كدا أو راح\".\nوالنزل: هو ما يعد للزائر عند قدومه.\nوفي الطبراني (٢) من حديث سلمان مرفوعًا: \"من توضأ في بيته فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائرُ اللهِ تعالى، وحق عَلَى المزور أن يكرم الزائر\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (٣) عن أبي بن كعب قال: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تُخطئه صلاة في المسجد، قال: فقِيلَ لَهُ -أو قلت له- لو اشريت حمارًا تركبه في الظلمات وفي الرمضاء. فَقَالَ: ما يسرني أن منزلي إِلَى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتبَ لي ممشاي إِلَى المسجد ورجوعي إذا رجعت إِلَى أهلي فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: \"قد جمع الله لك ذلك كله\".\nوكلما شقَّ المشي إِلَى المسجد كان أفضل، ولهذا فضل المشي إِلَى صلاة العشاء وصلاة الصبح، وعدل بقيام الليل كله كما في \"صحيح مسلم\" (٤) عن عثمان عن النبي ﷺ قال: \"من صلّى العشاء في جماعة فكأنَّما قام نصف الليل، ومن صلَّى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله\".\nوفي \"الصحيحين\" (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"أثقل صلاة\n_________\n(١) برقم (٦٦).\n(٢) في \"الكبير\" (٦/ ٣١١ - ٣١٢) وقال المنذري (١/ ٢١٤): رواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيد وقال الهيثمي (٢/ ٣١): وأحد إسناديه رجاله رجال الصحيح.\n(٣) برقم (٦٦٣).\n(٤) برقم (٦٤٤).\n(٥) أخرجه البخاري (٦٤٤) ومسلم (٦٥١).","vol":"4","page":26},{"text":"عَلَى المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا\".\nوإنما ثقلت هاتان الصلاتان عَلَى المنافقين لأنّ المنافق لا ينشط للصلاة إلا إذا رآه الناس كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].\nوصلاة العشاء والصبح يقعان في ظلمة، فلا ينشط للمشي إليهما إلا كل مخلصٍ يكتفي برؤية الله ﷿ وحده لعلمه به.\nوثواب المشي إِلَى المساجد في الظلم: النور التام في ظلم القيامة كما في سنن أبي داود (١) والترمذي (٢) عن بريدة عن النبي ﷺ قال: \"بشر المشائين في الظلم إِلَى المساجد بالنور التام يوم القيامة\" وخرّجه ابن ماجه (٣) من حديث سهل بن سعد، وقد رُوي من وجوه كثيرة (٤).\n_________\n(١) برقم (٥٦١).\n(٢) برقم (٢٢٣) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.\n(٣) برقم (٧٨٠).\n(٤) من حديث:\n١ - أنس: أخرجه ابن ماجه (٤٢٢) وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٠٦): فيه مجاهيل وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١٠٠) حديث ضعيف.\n٢ - أبي الدرداء: عند ابن حبان (٤٢٢ - موارد). وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠) فيه جناد بن أبي خالد ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.\n٣ - أبي سعيد الخدري: أخرجه الطيالسي (٢٢١٢)، والعقيلي (٣/ ١٠٥)، وابن عدي (٥/ ٣٣٤). وقال العقيلي عن هذه الرواية: فيها لين. وقال ابن عدي: ولعبد الحكم غير ما ذكرت من الأحاديث وعامة أحاديثه مما لا يتابع عليه، وبعض متون ما يرويه مشاهير إلا أنَّه بالإسناد الَّذِي يذكره عبد الحكم لعله لا يروي ذاك.\nوقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٠٨): هذا لا يصح، وقال ابن حبان: لا يحل كتابة حديث عبد الحكم إلا عَلَى سبيل التعجب.\n٤ - أبي هريرة: أخرجه ابن ماجه (٧٧٩) وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، أبو رافع أجمعوا عَلَى ضعفه، والوليد بن مسلم مدلس وقد عنعنه.=","vol":"4","page":27},{"text":"وفي بعضها زيادة: \"يفزع الناسُ ولا يفزعون\" (١).\nقال النخعي: وكانوا يرون أن المشي في الليلة الظلماء موجبة، يعني: توجب المغفرة.\nوروينا عن الحسن قال: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فيقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء لا يقيدون وهؤلاء يقيدون؟! فيناديهم منادٍ: إن هؤلاء كانوا يمشون في ظُلم الليل إِلَى المساجد.\nكما أن مواضع السجود من عصاة الموحدين في النار لا تأكلها النار (٢)، فكذلك الأقدام التي تمشي إِلَى المساجد في الظلم لا تقيد في النار، ولا يُسوِّي في العذاب بين من خدمه وبين من لم يخدمه وإن عذبه:\n_________\n=٥ - عائشة: أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٧٥) وقال: لم يرو هنا الحديث عن عطاه عن عائشة إلا الحسن، تفرد به قتادة. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٠): فيه الحسن بن علي الشروي قال الذهبي: لا يعرف وفي حديثه نكرة، وقال العقيلي: لا يتابع عليه.\n٦ - أبي أمامة: أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٧٦٣٣، ٧٦٣٤، ٨١٢٥).\n٧ - عمر: أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية: (٦٨٣) وقال: هذا حديث لا يثبت.\n٨ - ابن عمر: عند الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٣٣٥).\n٩ - زيد بن حارثة: أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٤٦٦٢) قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠): رواه الطبراني في الأوسط وفي الكبير، وفيه ابن لهيعة، وهو مختلف في الاحتجاج به.\n١٠ - ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٦٨٩). قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠): رواه الطبراني في الكبير وفيه العباس بن عامر الضبي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله موثقون.\n١١ - أبي موسى الأشعرى: أخرجه البزار (٤٣٢ - كشف). قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠): وفيه محمد بن عبد الله بن عمير بن عبيد، وهو منكر الحديث.\n(١) وهي في حديث أبي أمامة.\n(٢) أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢) كلاهما من حديث أبي هريرة مطولًا.","vol":"4","page":28},{"text":"ومن كان في سخطه محسنًا ... فكيف يكون إذا ما رضي؟!\nلما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، ومناجاة تظهر فيها آثارُ تَجَلِّيه لقلوب العارفين وقربه، شرع قبل الدخول فيها الطهارة، فإنَّه لا يصلح للوقوف بين يدي الله ﷿ والخلوة بمناجاته إلا طاهر، فأما المتلوث بالأوساخ الظاهرة والباطنة فلا يصلح للقرب، فشرع الله ﷿ للمُصلي غسل أعضائه بالماء، ورتب عليها طهارة الذنوب وتكفيرها، حتى يجتمع لمن يريد المناجاة طهارة ظاهره وباطنه، ثم شرع المشي إِلَى المساجد.\nوفيه أيضًا: تكفير الخطايا حتى تكمل طهارة الذنوب إن بقى منها شيء بعد الوضوء، حتى لا يقف العبد في مقام المناجاة إلا بعد كمال طهارة ظاهره وباطنه من درن الأوساخ والذنوب.\nولهذا شرع له تجديد التوبة والاستغفار عقب كل وضوء حتى تكمل طهارة ذنوبه كما خرَّج النسائي (١) من حديث أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: \"من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش فلم يكسر إِلَى يوم القيامة\".\nومتى اجتهد العبد عَلَى تكميل طهارته ومشيه إِلَى المسجد ولم يقوَ ذلك عَلَى تكفير ذنوبه فإن الصلاة يكمل بها التكفير، كما في الصحيحين (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ \"\nقالوا: لا ييقى من درنه شيء.\nقال: \"فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا\".\nوإن قويَ الوضوء وحده عَلَى تكفير الخطايا فالمشي إِلَى المسجد والصلاة بعده\n_________\n(١) في عمل اليوم والليلة (٨١) وقال: هذا خطأ، والصواب موقوف ثم ساقه موقوفًا.\n(٢) أخرجه البخاري (٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧).","vol":"4","page":29},{"text":"تكون زيادة حسنات، وهذا هو المراد بقول النبي ﷺ في حديث عثمان والصنابحي: \" ... وكان مشيه إِلَى المسجد وصلاته نافلة\"، وقد سبق ذكر الحديثين.\nواعلم أن جمهور العُلَمَاء عَلَى أن هذه الأسباب كلها إِنَّمَا تكفر الصغائر دون الكبائر، وقد استدل بذلك عطاء وغيره من السَّلف في الوضوء.\nوقال سلمان الفارسي ﵁: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إِلَى المسجد يكفر (أكثر) (*) من ذلك، والصلاة تكفر (أكثر) (*) من ذلك. خرَّجه محمد بن نصر المروزي.\nويدل عَلَى أن الكبائر لا تكفر بذلك ما في \"الصحيحين\" (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"الصلوات الخمس، والجمعة إِلَى الجمعة، ورمضان إِلَى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (٢) عن عثمان عن النبي ﷺ قال: \"ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله\".\nفانظر إِلَى كم تُيَسَّرُ لك أسباب تكفير الخطايا لعلك تطهر منها قبل الموت فتلقاه طاهرًا، فتصلح لمجاورته في دار السلام، وأنت تأبى إلا أن تموت عَلَى خبث الذنوب فتحتاج إِلَى تطهيرها في كير جهنم.\nيا هذا! أما علمت أنَّه لا يصلح لقربنا إلا طاهر؟! فإن أردت قربنا ومناجاتنا اليوم فطهِّر ظاهرك وباطنك لتصلح لذلك، وإن أردت قربنا ومجاورتنا غدًا فطهر قلبك من سوانا لتصلح لمجاورتنا ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ\n_________\n(*) أكبر: \"نسخة\".\n(١) أخرجه مسلم (٢٣٣)، وليس عند البخاري، وعزوه له وهم من ابن رجب ﵀.\n(٢) برقم (٢٢٨).","vol":"4","page":30},{"text":"أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، القلب السليم الَّذِي ليس فيه غير محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فما كل أحد يصلح لمجاورة الله تعالى غدًا، ولا كل أحد يصلح لمناجاة الله اليوم، ولا عَلَى كل الحالات تحسن المناجاة:\nالناس من الهوى عَلَى أصناف ... هذا نقض العهد وهنا وافي\nهيهات من الكدور تبغي الصافي ... ما يصلح للحضرة قلبٌ جافي\n***","vol":"4","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>السبب الثالث من مكفرات الذنوب الجلوس في المساجد بعد الصلوات</span>\nوالمراد بهذا الجلوس انتظارُ صلاةٍ أخرى كما في حديث أبي هريرة: \" ... وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط، فذلكم الرباط\" (١) فجعل هذا من الرباط في سبيل الله ﷿، وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها ثم يذهب تقصر مدة انتطاره، بخلاف من صلّى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلّى صلاة جلس ينتظر ما بعدها فقد استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله ﷿.\nوفي \"المسند\" (٢) وسنن ابن ماجه (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع رسول الله - ﷺ - المغرب، فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء رسول الله - ﷺ - مسرعًا قد حفزه النفس، قد حسر عن ركبيته فَقَالَ: \"أبشروا! هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة، يقول: أنظروا إِلَى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى\".\nوفي \"المسند\" (٤) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"منتظر الصلاة من بعد\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) (٢/ ١٨٦، ٢٠٨).\n(٣) برقم (٨٠١) قال المنذري في \"الترغيب\" (١/ ٢٨٢): رواته ثقات وأبو أيوب هو المراغي العتكي ثقة ما أراه سمع عبد الله والله أعلم ا. هـ.\nوقال البوصيري في الزوائد (١/ ١٠٢): رجاله ثقات.\n(٤) (٢/ ٣٥٢) قال المنذري في الترغيب (١/ ٢٨٤) إسناد أحمد صالح وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٦): وفيه نافع بن سليمان القرشي وثقه أبو حاتم وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":32},{"text":"الصلاة كفارس اشتدَّ به فرسه في سبيل الله عَلَى كشحه (١) تُصلِّي عليه ملائكة الله ما لم يحدث أو يقوم، وهو في الرباط الأكبر\".\nويدخل في قوله: \"والجلوس في المساجد بعد الصلوات\": الجلوس للذكر والقراءة وسماع العِلْم وتعليمه ونحو ذلك، لاسيما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، فإنَّ النصوص قد وردت بفضل ذلك، وهو شبيه بمن جلس ينتظر صلاة أخرى؛ لأنّه قد قضى ما جاء إِلَى المسجد لأجله من الصلاة وجلس ينتظر طاعة أخرى.\nوفي \"الصحيح\" (٢) عن النبي ﷺ قال: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده\".\nوأما الجالس قبل الصلاة في المسجد لانتظار تلك الصلاة خاصة فهو في صلاة حتى يصلي، وفي \"الصحيحين\" (٣) عن أنس عن النبي ﷺ أنَّه لما أخر صلاة العشاء الآخرة ثم خرج فصلى بهم: قال لهم: \"إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة\".\nوفيهما أيضًا (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"الملائكة تصلي عَلَى أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ولا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إِلَى أهله إلا الصلاة\".\nوفي رواية لمسلم (٥): \"ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه\".\nوهذا يدل عَلَى أن المراد بالحدث: حدث اللسان ونحوه من الأذى، وفسره\n_________\n(١) قال ابن الأثير: الكاشح: العدو الَّذِي يُضمر عدواته ويطوي عليها كشحه، أى: باطنه. والكشح: الخصر.\n(٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٤٠).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) برقم (٦٤٩).","vol":"4","page":33},{"text":"أبو هريرة بحدث الفرج، وقيل: إنه يشمل الحدثين.\nوفي \"المسند\" (١) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: \"القاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إِلَيْهِ\".\nوفي رواية له (٢): \"فَإِذَا صلّى في المسجد ثم قَعد فيه كان كالصائم القانت حتى يرجع\". وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.\nوبالجملة فالجلوس في المسجد للطاعات له فضلٌ عظيمٌ، وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"لا يوطِّنُ رجلٌ المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله ﷿ به كما يتبشبش أهل الغائب إذا قَدِمَ عليهم غائبهم\" (٣).\nوروى درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: \"من ألف المسجد ألفه الله\" (٤).\nوقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس الله ﷿.\nوصح عن النبي ﷺ أنَّه عدَّ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: \"رجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إِلَيْهِ\" (٥).\nوإنَّما كان ملازمة المسجد للطاعات مكفرًا للذنوب لأنّ فيه مجاهدة النفس، وكفًا لها عن أهوائها فإنها لا تميل إلا إِلَى الانتشار في الأرض لابتغاء الكسب أو لمجالسة الناس لمحادثتهم أو للتنزه في الدور الأنيقة والمساكن الحسنة ومواطن النَّزه ونحو ذلك، فمن حبس نفسه في المساجد عَلَى الطاعة فهو مرابط لها في سبيل الله، مخالف لهواها وذلك من أفضل أنواع الصبر والجهاد.\n_________\n(١، ٢) أخرجهما أحمد (٤/ ١٥٩).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٨، ٤٥٣)، وابن ماجه (٨٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١٠٢): هذا إسناد صحيح.\n(٤) أخرجه ابن عدي (٤/ ١٥٢)، والطبراني في الأوسط (٦٣٨٣).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن دراج إلا ابن لهيعة، تفرد به عمرو بن خالد.\nوقال الهيثمي (٢/ ٢٣): وفيه ابن لهيعة وفيه كلام.\n(٥) أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).","vol":"4","page":34},{"text":"وهذا الجنس -أعني ما يؤلم النفس ويخالف هواها- فيه كفارة للذنوب وإن كان لا صنع فيه للعبد كالمرض ونحوه، فكيف بما كان حاصلا عن فعل العبد واختياره إذا قصد به التقرب إِلَى الله ﷿؟!\nفإن هذا من نوع الجهاد في سبيل الله الَّذِي يقتضي تكفير الذنوب كلها.\nولهذا المعنى كان المشيُ إِلَى المساجد كفارة للذنوب أيضًا، وهو نوع من الجهاد في سبيل الله أيضًا، كما خرّجه الطبراني (١) من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ: \"الغدو والرَّواح إِلَى المساجد من الجهاد في سبيل الله\".\nكان زياد مولى ابن عباس أحد العباد الصالحين، وكان يلازم مسجد المدينة، فسمعوه يومًا يعاتب نفسه ويقول لها: \"أين تريدين أن تذهبي؟! إِلَى أحسن من هذا المسجد!! تريدين أن تُبصري دار فلان ودار فلان\".\nلما كانت المساجد في الأرض بيوت الله أضافها الله إِلَى نفسه تشريفًا لها،\nوتعلّقت قلوب المحبين لله ﷿ بها، لنسبتها إِلَى محبوبهم، وارتاحوا إِلَى ملازمتها لإظهار ذكره فيها ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].\nأين يذهب المحبون عن بيوت مولاهم؟!\nقلوبُ المحبين ببيوت محبوبهم متعلقة، وأقدام العابدين إِلَى بيوت معبودهم مترددة:\nيا حبّذا العرعرُ النجدي والبان ... ودارُ قومٍ بأكناف الحِمى بانوا\nوأطيبُ الأرض ما للقلبِ فيه هوى ... سَمُّ الخَياط مع المحبوبِ ميدانُ\nلا يُذكرُ الرَّملُ إلا حَنَّ مُغتربٌ ... له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ\nيهفو إلى البان من قلبي نوازعُه ... وما بيَ البانُ بل مَن دارهُ البانُ\n_________\n(١) في \"المعجم الكبير\" (٨/ ٧٧٣٩)، وفي \"مسند الشاميين\" (٨٧٩) قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٩ - ٣٠): وفيه القاسم بن عبد الرحمن وفيه اختلاف.\nوذكر الدارقطني في العلل (٨/ ١٤١) برقم (١٤٦٠) اختلافًا في الحديث في الرفع والوقف ثم قال: والموقوف أولى.","vol":"4","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الثاني في ذكر الدرجات المذكورة في حديث معاذ</span>\nوهي ثلاث درجات:\nأحدها: إطعام الطعام، وقد جعله الله في كتابه من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها، قال الله ﷿: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ إِلَى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. [الإنسان: ٨ - ٢٥] فوصف فاكهتهم وشرابهم جزاء لإطعامهم الطعام.\nوفي \"الترمذي\" (١) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: \"أيما مؤمن أطعم مؤمنًا عَلَى جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنًا عَلَى ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم\".\nوفي \"المسند\" (٢) و\"الترمذي\" (٣) عن علي عن النبي ﷺ قال: \"إن في\n_________\n(١) برقم (٢٤٤٩).\nقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد رُوي هذا عن عطية عن أبي سعيد موقوف، وهو أصح عندنا وأشبه.\nوسئل أبو حاتم كما في العلل لابنه (٢/ ١٧١) برقم (٢٠٠٧) عن هذا الحديث فَقَالَ: الصحيح موقوف، الحفاظ لا يرفعونه.\nوأخرجه أبو داود (١٦٨٢) من طريق آخر عن أبي سعيد.\n(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده عَلَى المسند (١/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(٣) برقم (١٩٨٤، ٢٥٢٧) وقال: حديث غريب، وقد تكلم بعضُ أهل العِلْم في=","vol":"4","page":36},{"text":"الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. قالوا: لمن هي يا رسول الله؟. قال: \"لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وصلى بالليل والناس نيام\".\nوفي حديث عبد الله بن سلام الَّذِي خرّجه \"أهل السنن\" (١) أنَّه سمع النبي - ﷺ - أول قدومه المدينة يقول: \"أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام\".\nوفي حديث عبادة عن النبي ﷺ أنَّه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: \"إيمان بالله وجهاد في سبيله وحج مبرور، وأهون من ذلك: إطعام الطعام، ولين الكلام\" خرجه الإمام أحمد (٢).\nوفي حديث هانئ بن يزيد أن رجلًا قال: يا رسول الله! دُلني عَلَى عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟. قال: \"تطعم الطعام، وتفشي السلام\" (٣).\nوفي حديث حذيفة عن النبي - ﷺ - قال: \"من ختم له بإطعام مسكين دخل الجنة\" (٤).\nوفي الصحيحين (٥) من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الإسلام خير؟.\n_________\n=عبد الرحمن بن إسحاق هذا من قبل حفظه.\n(١) أخرجه الدارمي (١٤٦٨، ٢٦٣٥)، والترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤، ٣٢٥١).\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\n(٢) ليس في المسند، وهو عند الطبراني كما في مجمع الزوائِد للهيثمي (٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩) حيث ذكره وقال: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما: ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وفي الآخر سويد بن إبراهيم وثقه ابن معين في روايتين وضعفه النسائي، وبقية رجالهما ثقات.\n(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨١١)، وفي خلق أفعال العباد (ص ٦٨)، والبزار (٢٨٨٩ - كشف)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٦٧، ٤٦٨).\nقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٧): رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.\n(٤) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢١٨ - ٢١٩)، وفي إسناده انقطاع.\n(٥) أخرجه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩).","vol":"4","page":37},{"text":"قال: \"تطعم الطعام، وتقرئ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف\".\nوفي حديث صهيب عن النبي ﷺ قال: \"خيركم من أطعم الطعام\" خرجه الإمام أحمد (١).\nفإطعام الطعام يوجب دخول الجنة، ويباعد من النار وينجي منها كما قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٦].\nوفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\" (٢).\nوكان أبو موسى الأشعري يقول لولده: اذكروا صاحب الرغيف. ثم ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل عبد الله سبعين سنة، ثم إن الشيطان حسَّن في عينيه امرأة فأقام معها سبعة أيام، ثم خرج هاربًا فأقام مع مساكين فتصدق عليه برغيف كان بعض أولئك المساكين (يريده) (*)، فآثره به ثم مات، فوُزنت عبادته بالسبعة أيام التي مع المرأة فرجحت الأيام السبعة بعبادته، ثم وزن الرغيف بالسبعة الأيام فرجح بها (٣).\nويتأكد إطعام الطعام للجائع وللجيران خصوصًا، وفي \"الصحيح\" (٤) عن أبي موسى الأشعرى عن النبي ﷺ قال: \"أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني\" (٥).\nوفي \"صحيح مسلم\" (٦) عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال له: \"يا أبا ذر! إذا طبخت مرقةً فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك\".\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٦) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٧): رواه أحمد، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٥٤٠)، ومسلم (١٠١٦).\n(*) أحق به: \"نسخة\".\n(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٣) مطولًا.\n(٤) أخرجه البخاري (٣٠٤٦).\n(٥) هو الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا. (النهاية: ٣/ ٣١٤).\n(٦) برقم (٢٦٢٥).","vol":"4","page":38},{"text":"وفي المسند\" (١) و\"صحيح الحاكم\" (٢) عن [ابن] عمر عن النبي ﷺ قال: \"أيما أهل عَرْصةٍ (٣) أصبح فيهم امرؤ جائعًا فقد برئت منهم ذمة الله ﷿\".\nوقال - ﷺ -: \"لا يشبع المؤمن دون جاره\" (٤).\nوفي \"صحيح الحاكم\" (٥) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"ليس بالمؤمن الَّذِي يشبع وجاره جائع\". وفي رواية: \"ما آمن من بات شبعانًا، وجاره طاويًا\" (٦).\nفأفضل أنواع إطعام الطعام: الإيثار مع الحاجة كما وصف الله تعالى بذلك الأنصار ﵃ فَقَالَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقد صحَّ أن سبب نزولها أن رجلًا منهم أخذ ضيفًا من عند النبي - ﷺ - يضيفه، فلم يجد عنده إلا قوت صبيانه، فاحتال هو وامرأته حتى نوّما صبيانهما، وقام إِلَى السراج كأنه يصلحه فأطفأه، ثم جلس مع الضيف يريه أنَّه يأكل معه ولم يأكل، فلما غدا عَلَى رسول الله ﷺ قال له: \"عجب الله من\n_________\n(١) (٢/ ٣٣) عن ابن عمر.\n(٢) (٢/ ١١ - ١٢) عن ابن عمر.\nوسئل أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٣٩٢) عن هذا الحديث فَقَالَ: \"هذا حديث منكر\".\nوأورده ابن الجوزي في الموضوعات.\n(٣) كل موضع واسع لا بناء فيه (النهاية ٣/ ٢٠٨).\n(٤) أخرجه أحمد (١/ ٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٧) بلفظ: \"الرجل\" بدلًا من \"المؤمن\".\nقال أبو نعيم: غريب لم نكتبه من حديث عمر بن الخطاب إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الرحمن.\nوقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٦٧ - ١٦٨): رواه أحمد وأبو يعلى ببعضه، ورجاله رجال الصحيح إلا أن عباية بن رفاعة لم يسمع من عمر.\n(٥) (٤/ ١٦٧) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٦) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٧٥١) بنحوه.\nقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٦٧): رواه الطبراني والبزار، وإسناد البزار حسن.","vol":"4","page":39},{"text":"صنيعكما الليلة\". ونزلت هذه الآية (١).\nوكان كثير من السَّلف يؤثر بفطوره غيره وهو صائم ويصبح صائما، منهم: عبد الله بن عمر ﵄ وداود الطائي، وعبد العزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل وغيرهم.\nوكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة.\nومنهم من كان لا يأكل إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم عَلَى طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إِلَى المسجد (فأكله) (*) مع الناس، وأكل الناس معه.\nوكان منهم من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن المبارك، وكان ابن المبارك ربما يشتهي الشيء فلا يصنعه إلا لضيف ينزل به فيأكله مع ضيفه.\nوكان كثير منهم يفضل إطعام الإخوان عَلَى الصدقة عَلَى المساكين.\nوقد رُوي هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنس بإسناد ضعيف، ولاسيما إن كان الإخوان لا يجدون مثل ذلك الطعام.\nكان بعضهم يعمل الأطعمة الفاخرة ثم يطعمها إخوانه الفقراء، ويقول: إنهم لا يجدونها. ومنهم من يقول: إني لا أشتهيه، وإنَّما صنعته لأجلكم. وبعضهم اتخذ حلاوة فأطعمها المعتوه، فَقَالَ له أهله: إن هذا لا يدري!. فَقَالَ: لكن الله يدري.\nواشتهى الربيع بن خثيم حلواء فلما صنعت له دعا بالفقراء فأكلوا، فَقَالَ له أهله: أتعبتنا ولم تأكل!. فَقَالَ: ومن أكله غيري!\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٧٩٨)، ومسلم (٢٠٥٤) من حديث أبى هريرة بنحوه.\n(*) فيأكله: \"نسخة\".","vol":"4","page":40},{"text":"وقال آخر منهم -وجرى له نحو من ذلك:- إذا أكلته كان في الحش، وإذا أطعمته كان عند الله مذخورًا.\nورُوي عن علي قال: لأنّ أجمع أناسًا من إخواني عَلَى صاع من طعام، أَحَبّ إِلَيَّ من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع نسمة فأعتقها.\nوعن أبي جعفر محمد بن علي قال: لأنّ أدعو عشرةً من أصحابى فأطعمهم طعامًا يشتهونه أَحَبّ إِلَيَّ من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل.\nأأصف الإيثار لمن يبخل بأداء الحقوق الواجبة عليه؟! أأطلب الشجاعة من الجبان، وأستشهد عَلَى رؤية الهلال من هو من جملة العميان؟! كم بين من قيل فيه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٦] وبين من قيل فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].؟! كم بيننا وبين القوم كما بين اليقظة والنوم.\nلا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد\nفيا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح هيهات هيهات! ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١].\nنزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل\n(الثاني من الدرجات): لين الكلام، وفي رواية: \"إفشاء السلام\". وهو\nداخل في لين الكلام، وقد قال الله ﷿: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، ولما قال النبي - ﷺ -. \"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة\" قالوا له: وما الحج المبرور يا","vol":"4","page":41},{"text":"رسول الله؟ قال: \"إطعام الطعام، ولين الكلام\". خرّجه الإمام أحمد (١)، وقد تقدّم في ذكر إطعام الطعام أحاديث أُخر في طيب الكلام.\nوفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: \"والكلمة الطيبة صدقة\" (٢).\nوفيه أيضًا: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة\" (٣).\nوأما إفشاء السلام فمن موجبات الجنة، وفي \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة (٤) عن النبي ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم عَلَى شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم\".\nوخرَّج أبو داود من حديث أبي أمامة (٥) عن النبي ﷺ قال: \"إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام\".\nويروى من حديث ابن مسعود مرفوعًا (٦) وموقوفًا (٧): \"إذا مر الرجل بالقوم فسلّم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنّه ذكرهم بالسلام، وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب\".\nوقد رُوي من حديث عمران بن حصين وغيره أن رجلًا دخل عَلَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: السلام عليكم. فَقَالَ النبي ﷺ: \"عشر\"، ثم جاء آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله. فَقَالَ رسول الله ﷺ \"عشرون\"، ثم جاء\n_________\n(١) (٣/ ٣٢٥، ٣٣٤) عن جابر بن عبد الله، قال الحافظ في الفتح (٣/ ٣٨٢): \"في إسناده ضعف\" وطرف الحديث الأول في الصحيحين من حديث أبي هريرة.\n(٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٢٩٨٩) ومسلم (٢/ ٦٩٩) عن أبي هريرة.\n(٣) أخرجه البخاري (٦٠٢٣)، ومسلم (١٠١٦).\n(٤) برقم (٥٤).\n(٥) برقم (٥١٩٧).\n(٦) أخرجه البزار (١٩٩٩ - كشف) والطبراني في الكبير (١٠/ ٩٨٠٠) قال البزار: رواه غير واحد موقوفًا.\nوقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٩): \"رواه البزار بإسنادين، والطبراني بأسانيد، وأحدهما رجاله رجال الصحيح عند البزار والطبراني\".\n(٧) أخرجه البخاري في الأدب (١٠٣٩).\nوقال الحافظ في الفتح (١١/ ١٣): \"وطريق الموقوف أقوى\".","vol":"4","page":42},{"text":"آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فَقَالَ رسول الله: \"ثلاثون\".\nخرجه الترمذي (١) وغيره (٢).\nوخرّجه أبو داود (٣). وزاد: ثم جاء آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. قال النبي ﷺ: \"أربعون\" ثم قال: \"هكذا تكون الفضائل\" (٤).\nوقد سبق حديث: \"أن تقرأ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف\".\nوفي حديث ابن مسعود مرفوعًا: \"من أشراط الساعة: السلام بالمعرفة.\nخرَّجه الإمام أحمد (٥).\nوإنَّما جمع بين إطعام الطعام ولين الكلام ليكمل بذلك الإحسان إِلَى الخلق بالقول والفعل، فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام وإفشاء السلام، فإن أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره كما قاله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وربما كان معاملة النَّاس بالقول الحسن أَحَبّ إليهم من الإحسان بإعطاء المال كما قال لقمان لابنه: يا بني! لتكن كلمتك طيبة، ووجهك منبسطا، تكن أَحَبّ إِلَى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة. وقد كان النبي ﷺ يلين القول لمن يشهد له بالشر فينتفي بذلك شره، وكان - ﷺ - لا يواجه أحدًا بما يكره في وجهه، ولم يكن - ﷺ - فحاشًا ولا متفحشًا.\nورُوي عن ابن عمر أنَّه كان ينشد:\nبني إن البر شيء هين ... وجه طليق وكلام لين\n_________\n(١) برقم (٢٦٨٩) وقال: حسن صحيح.\n(٢) وأخرجه أحمد (٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، والدارمي (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٣٧).\n(٣) برقم (٥١٩٥).\n(٤) هذه الزيادة أخرجها أبو داود (٥١٩٦) وقال الحافظ. في الفتح (١١/ ٦): سندها ضعيف.\n(٥) (١/ ٣٨٧، ٤٠٥ - ٤٠٦).","vol":"4","page":43},{"text":"ولبعضهم:\nخذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين\nولن في الكلام لكل الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاه لين\nوقد وصف الله ﷿ في كتابه أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال واحتمال الأذى، فَقَالَ تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤] فالإنفاق في السراء والضراء يقتضي غاية الإحسان بالمال من الكثرة والقلة، وكظم الغيظ والعفو عن الناس يقتضي عدم المقابلة عَلَى السوء بمثله من قول وفعل، وذلك يتضمن إلانة القول، واجتناب الفحش والإغلاظ في المقال ولو كان مباحًا، وهذا نهاية الإحسان، فلهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nومن هذا قول بعضهم وقد سئل عن حسن الخلق، فَقَالَ: بذل الندى (١) وكف الأذى. وهذا الوصف المذكور في القرآن أكملُ من هذا، لأنّه وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأذى.\nوحُسن الخُلُق يبلغ به العبد درجات المجتهدين في العبادة، كما قال النبي - ﷺ -: \"إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم النهار، القائم الليل\" (٢).\nورؤي بعض السَّلف في المنام فسئل عن بعض إخوانه الصالحين، فَقَالَ: وأين ذلك؟ رُفع في الجنة بحُسن الخلق.\nومما يندب إِلَى إلانة القول فيه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون برفق كما قال تعالى في حق الكفار: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]\n_________\n(١) الندى: السخاء والكرم. (لسان العرب: ١٥/ ٣١٥).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٩٨) وغيره وفيه إرسال بين المطلب بن حنطب وعائشة.\nوأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٨٤) وغيره عن أبي هريرة.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٢٧٣) عن علي وقال: لا يروى هذا الحديث عن علي ﵁ إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عياش.","vol":"4","page":44},{"text":"قال بعض السَّلف: ما أغضبت أحدًا فقبل منك.\nوكان أصحاب ابن مسعود إذا رأوا قومًا عَلَى ما يُكره يَقُولُونَ لهم: مهلًا مهلًا بارك الله فيكم.\nورأى بعض التابعين رجلًا واقفًا مع امرأة فَقَالَ لهما: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما.\nودُعي الحسن إِلَى دعوة، فجيء بآنية فضة فيها حلواء، فأخذ الحسن الحلواء فقلبها عَلَى رغيف وأكل منها، فَقَالَ بعض من حضر: هنا نهيٌ في سكون.\nورأى الفُضيل رجلًا يعبث في صلاته فزبره، فقال له الرجل: يا هذا! ينبغي لمن يقوم لله أن يكون ذليلًا. فبكى الفضيل، وقال له: صدقت.\nقال شعب بن حرب: ربما مرَّ سفيان الثوري بقوم يلعبون الشطرنج، فيقول: ما يصنع هؤلاء؟ فيقال له: يا أبا عبد الله ينظرون في كتاب. فيُطأطئ رأسه ويمضي، وإنَّما يريد بذلك ليُعلم أنه قد أنكر.\nوقال سفيان: لا يأمرُ بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى.\nوقال الإمام أحمد: الناس يحتاجون إِلَى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلًا معلنًا بالفسق فإنَّه لا حرمة له.\nوكان كثير من السَّلف لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا سرًّا فيما بينه وبين من يأمره وينهاه.\nوقالت أم الدرداء: من وعظ أخاه سرًّا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شأنه (١).\nوكذلك مقابلة الأذى بإلانة القول كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾\n_________\n(١) أخرجه الخلال (ص ١٠).","vol":"4","page":45},{"text":"[الرعد: ٢٢]، قال بعض السَّلف: هو الرجل يسبه الرجل فيقول له: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك.\nقال رجل لسالم بن عبد الله وقد زحمت راحلتُه راحلتَه في سفر: ما أراك إلا رجل سوء. فَقَالَ له سالم: ما أراك أبعدت.\nوقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مُرائي!. قال: متى عرفت اسمي؟! ما عرفه أحدٌ من أهل البصرة غيرك.\nومرَّ بعضهم عليَّ صبيان يلعبون بجوزٍ، فوطئ عَلَى بعض الجوز بغير اختياره فكسره، فَقَالَ له الصبي: يا شيخ النار! فجلس الشيخ يبكي ويقول: ما عرفني غيره.\nومرَّ بعضهم مع أصحابه في طريق فرموا عليهم رمادًا، فَقَالَ الشيخ لأصحابه: من يستحق النار فصالحوه عَلَى الرماد؟! يعني فهو رابح.\nورأى جندي إبراهيم بن أدهم خارج البلد فسأله عن العمران، فأشار له إِلَى القبور، فضرب رأسه ومضى، فقِيلَ لَهُ إنه إبراهيم بن أدهم! فرجع يعتذر إِلَيْهِ، فَقَالَ له إبراهيم: الرأس الَّذِي يحتاج إِلَى اعتذارك تركته ببلخ.\nومرَّ به جندي آخر وهو ينظر بستانًا لقوم بأجرة، فسأله أن يناوله شيئًا فلم يفعل وقال: إن أصحابه لم يأذنوا لي في ذلك. فضرب رأسه، فجعل إبراهيم يُطأطئ رأسه وهو يقول: اضرب رأسًا طالما عصى الله (١).\nمن أجلك قد جعلت خدي أرضًا ... للشامت والحسود حتى ترضى\n_________\n(١) قال الشيخ جاسم الدوسري: هذا ضعف وخور، وينبغي للمسلم أن يكون عزيز النفس أبيًّا لا يرضى بالذل والمهانة، ومثل هذه الحكايات نلاحظ فيها التأثر بحكمة نصرانية تقول: \"إذا ضرب خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر\". وهذا غير مجود في الإسلام، وقد ألصقت بهذا الزاهد حكايات وأقوال هو منها براء، قد افتراها عليه المتأخرون، فينبغي التثبت من صحتها قبل أن يُحكم عَلَى الرجل عَلَى ضوء هذه الروايات المختلفة فيكون الحكم جائرًا ولابد.","vol":"4","page":46},{"text":"(الثالث من الدرجات): الصلاة بالليل والناس نيام، فالصلاة بالليل من موجبات الجنة كما سبق ذكره في غير حديث، وقد دلّ عليه قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]، فوصفهم بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم.\nوكان بعض السَّلف نائمًا فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قم فصلِّ، أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خُزّانها هم خُزّانها.\nوقيام الليل يوجب علو الدرجات في الجنة، قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، فجعل جزاءه عَلَى التهجد بالقرآن بالليل أن يبعثه المقام المحمود، وهو أعلى درجاته - ﷺ -.\nقال عون بن عبد الله: يدخل الله الجنة أقوامًا فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في الدرجات العلى، فلما نظروا إليهم عرفوهم، فقالوا: ربنا إخواننا كنا معهم، فبم فضلتهم علينا؟ فيقول: هيهات هيهات! إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمئون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويشخصون حين تخفضون\".\nويوجب أيضًا من نعيم الجنة ما لم يطلع عليه العباد في الدُّنْيَا، قال الله ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦، ١٧]. وفي \"الصحيح\" (١) عن النبي ﷺ قال: يقول الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر عَلَى قلب بشر. اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٨٠) ومسلم (٢١٧٤ - ٢١٧٥) عن أبي هريرة.","vol":"4","page":47},{"text":"يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].\nقال بعض السَّلف: أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قدموا عليه لأقر تلك الأعين عنده.\nومما يجزي به المتهجدين في الليل: كثرة الأزواج من الحور العين في الجنة، فإن المتهجد قد ترك لذة النوم ولذة التمتع بأزواجه طلبًا لما عند الله ﷿، فعوضه الله تعالى خيرًا مما تركه وهو الحور العين في الجنة، ومن هنا قال بعضهم: طول التهجد مهور الحور العين في الجنة.\nوكان بعض السَّلف يحيى الليل بالصلاة ففتر عن ذلك، فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قد كنت يا فلان تدأب في الخطبة، فما الَّذِي قصر بك عن ذلك؟. قال: وما ذلك؟. قال: كنت تقوم من الليل، أو ما علمت أن المتهجد إذا قام إِلَى التهجد قالت الملائكة: قد قام الخاطب إِلَى خطبته؟!\nورأى بعضهم في منامه امرأة لا تشبه نساء الدُّنْيَا فَقَالَ لها: من أنت؟ قالت: حوراء أمة الله. فَقَالَ لها: زوجيني نفسك. قالت: اخطبني إِلَى سيدي وأمهرني. قال: وما مهرك؟. قالت: طولُ التهجد.\nنام بعض المتهجدين ذات ليلة فرأى في منامه حوراء تنشد:\nأتخطب مثلي وعني تنام ... ونوم المحبين عنا حرام\nلأنا خلقنا لكل امرئ ... كثير الصلاة براه (١) الصيام\nوكان لبعض السَّلف ورد من الليل فنام عنه ليلة، فرأى في منامه جارية كأنّ وجهها القمرُ ومعها رق فيه كتاب مكتوب، فقالت: اتقرأ؟ قال: نعم. فأعطته إياه ففتحه فإذا فيه مكتوب:\nأألهتك لذة نومة عن خير عيش ... مع الخيرات في غُرف الجنان\nتعيش مخلدًا لا موت فيه ... وتنعم في الجنان مع الحسان\n_________\n(١) أهزله وأضعفه: (اللسان: ١٤/ ٧١).","vol":"4","page":48},{"text":"تيقظ من منامك إن خيرًا ... من النوم التهجد بالقران\nفاستيقظ، قال: فوالله ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم.\nكان بعض الصالحين له وردٌ فنام عنه، فوقف عليه فتى في منامه فَقَالَ له بصوت محزون:\nتيقظ لساعات من الليل يا فتى ... لعلك تحظى في الجنان بحورها\nفتنعم في دار يدوم نعيمها ... محمد فيها والخليل يزورها\nفقم فتيقظ ساعة بعد ساعة ... عساك تُوفِّي ما بقى من مهورها\nكان بعض السَّلف الصالحين كثير التعبد، وبكى شوقًا إِلَى الله ستين سنة، فرأى في منامه كأنه عَلَى ضفة نهر يجري بالمسك، حافتاه شجر لؤلؤ ونبتٌ من قضبان الذهب، فإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد:\nذرانا إله الناس رب محمد ... لقوم عَلَى الأقدار بالليل قُوَّم\nيناجون رب العالمين إلههم ... وتسري هموم القوم والناس نُوَّم\nفَقَالَ: بخ بخ لهؤلاء! من هم؟ لقد أقر الله أعينهم بكن.\nفقلن: أوما تعرفهم؟ قال: لا.\nفقلن: بلى هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر.\nوكان بعض الصالحين ربما نام في تهجده فتوقظه الحوراء في منامه فيستيقظ بإيقاظها.\nورُوي عن أبي سليمان الداراني أنَّه قال: ذهب بي النوم ذات ليلة في صلاتي، فإذا بها -يعني: الحوراء- تنبهني وتقول: يا أبا سليمان! أترقد وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟!.\nوفي رواية عنه أنَّه نام ليلة في سجوده قال: فإذا بها قد ركضتني برجلها وقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إِلَى المتهجدين في","vol":"4","page":49},{"text":"تهجدهم؟ بؤسًا لعين آثرت لذة نوم عَلَى مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد يا حبيبي وقرة عيني؟\nأترقد عيناك وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟. فوثب فزعًا وقد عرق من توبيخها له، قال: وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي (١).\nوكان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدُّنْيَا.\nوقال يزيد الرقاشي لحبيب العجمي: ما أعلم شيئًا أقر لعيون العابدين في الدُّنْيَا من التهجد في ظلمة الليل، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها ألذَّ عند العابدين ولا أقرّ لعيونهم من النظر إِلَى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلّى لهم الكريم. فصاح حبيب عند ذلك وخرَّ مغشيًّا عليه.\nوكان السري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلام الليل.\nوقال أبو -سليمان-: إذا جنَّ الليل وخلا كل حبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم عَلَى خدودهم، أشرف الجليل ﷻ فنادى؟ يا جبريل! بعيني من تلذذ بكلامي، واستروح إِلَى مناجاتي، ناد فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟! هل رأيتم حبيبا يعذب أحبَّاءه؟ أم كيف يجمل بي أن أعذب قومًا إذا جنَّهم الليل تلمقوني؟ فبي حلفت إذا قدموا عليّ يوم القيامة لأكشفنَّ لهم عن وجهي الكريم ينظرون إليّ وأنظر إليهم (٢).\nوسئل الحسن: لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوهًا؟.\nقال: لإنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره.\n_________\n(١) قال الشيخ جاسم الدوسري: قد أسرف المصنف ﵀ في إيراد مثل هنه الحكايات التي هي من نسج الخيال، وتظهر عليها لوائح الوضع والانتحال، وإن امرءا لم يرغبه في قيام الليل ما ورد في الكتاب والسنة، لن يرغبه فيه أمثال هذه الحكايات الغثة.\n(٢) قال الشيخ جاسم الدوسري: الإخبار عن الله ﷿ أمر عظيم، وما لم يرد في أحد الوحيين: كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فهو مردود عَلَى قائله.","vol":"4","page":50},{"text":"رأت امرأة من الصالحات في منامها كأن حللا قد فرقت عَلَى أهل مسجد محمد بن جحادة، فلما انتهى الَّذِي يفرقها إِلَيْهِ دعا بسفط (١) مختوم فأخرج منه حلة صفراء، قالت: فلم يقم لها بصري، فكساه إياها، وقال: هذه لك بطول السهر.\nقالت: فوالله لقد كنت أراه -تعني: محمد بن جحادة- بعد ذلك فأتخايلها عليه- تعني تلك الحلة.\nقال كرز بن وبرة: بلغني أن كعبًا قال: إن الملائكة ينظرون من السماء إِلَى الذين (يتهجدون) (*) بالليل كما تنظرون أنتم إِلَى نجوم السماء.\nيا نفس فاز الصالحون بالتقى ... وأبصروا الحق وقلبي قد عمي\nيا حُسْنَهُم والليل قد جنهم ... ونورهم يفوق نور الأنجم\nترنموا بالذكر في ليلهم ... فعيشهم قد طاب بالترنم\nقلوبهم للذكر قد تفرغت ... دموعهم كلؤلؤ منتظم\nأسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير القِسَمِ\nفي بعض الآثار يقول الله ﷿ كل ليلة: يا جبريل أقم فلانًا وأنم فلانًا.\nقام بعض الصَّالحين في ليلة باردة، وكان عليه خلقان رثَّة فضربه البرد فبكى، فسمع هاتفًا يقول: أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي علينا!\nتنبهوا أيا أهيل ودي ... كم ذا الكرى، هب نسيم نجد\nكم بين خال وجوٍّ وساهر ... وراقد وكاتم ومبدي\nقيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل.\nقال: أبعدتكم ذنوبكم.\nوقيل للحسن: أعجزنا قيام الليل.\n_________\n(١) كيس يعبأ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء. (اللسان: ٧/ ٣١٥).\n(*) يصلون: \"نسخة\".","vol":"4","page":51},{"text":"قال: قيدتكم خطاياكم. إِنَّمَا يؤهل الملوك للخلوة بهم ومخاطبتهم من يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك:\nالليل لي ولأحبابي أحادثهم ... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا\nلهم قلوب بأسرار لها ملئت ... عَلَى ودادي وإرشادي لهم طبعوا\nقد أثمرت شجرات الفهم عندهم ... فما جَنَوْا إذ جَنَوْا مما به ارتفعوا\nسَرَوْا فما وهنوا عجزًا وما ضعفوا ... وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا\n***","vol":"4","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الثالث في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث</span>\nوهي: \"اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الَّذِي يبلغني حبك\".\nفَقَالَ النبي - ﷺ -: \"تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق\".\nهذا دعاء عظيم من أجمع الأدعية وأكملها، فقوله: \"أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات\"، يتضمن طلب كل خير وترك كل شر، فإن الخيرات تجمع كل ما يحبه الله تعالى ويقرب منه من الأعمال والأقوال من الواجبات والمستحبات، والمنكرات تشمل كل ما يكرهه الله تعالى ويباعد منه من الأقوال والأعمال، فمن حصل له هذا المطلوب حصل له خير الدُّنْيَا والآخرة.\nوقد كان النبي ﷺ يستحب مثل هذه الأدعية الجامعة، قالت عائشة: كان النبي - ﷺ - يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. خرَّجه أبو داود (١).\nوقوله: \"وحب المساكين\"، هذا قد يُقال أنَّه من جملة فعل الخيرات،\nوأفرده بالذكر لشرفه وقوة الاهتمام به، كما أفرد أيضًا ذكر حب الله تعالى وحب من يحبه وحب عمل يبلغه إِلَى حبه، وذلك أصل فعل الخيرات كلها، وقد يقال أنَّه طلب من الله ﷿ أن يرزقه أعمال الطاعات بالجوارح وترك المنكرات بالجوارح، وأن يرزقه ما يوجب له ذلك، وهو حبه وحب من يحبه وحب عمل يبلغه حبه، فهذه المحبة بالقلب موجبة لفعل الخيرات بالجوارح ولترك المنكرات بالجوارح، وسأل الله تعالى أن يرزقه المحبة فيه.\n_________\n(١) برقم (١٤٨٢).","vol":"4","page":53},{"text":"فقد تضمن هذا الدعاء سؤال حب الله ﷿ وحب أحبابه وحب الأعمال التي تقرب من حبه والحب فيه، وذلك مقتض فعل الخيرات كلها.\nوتضمن ترك المنكرات والسلامة من الفتن، وذلك يتضمن اجتناب الشر كله، فجمع هذا الدعاء طلب خير الدُّنْيَا، وتضمن سؤال المغفرة والرحمة، وذلك يجمع خير الآخرة كله، فجمع هذا الدعاء خير الدُّنْيَا والآخرة.\nوالمقصود أن حب المساكين أصل الحب في الله تعالى؛ لأنّ المساكين ليس عندهم من الدُّنْيَا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا لله ﷿، والحب في الله من أوثق عرى الإيمان.\nومن علامات ذوق حلاوة الإيمان، وهو صريح الإيمان، وهو أفضل الإيمان، وهذا كله مروي عن النبي ﷺ أنَّه وصف به الحب في الله تعالى (١).\n_________\n(١) منها حديث: \"أوثق عرى الإيمان الحب في الله\".\nأخرجه أحمد (٤/ ٢٨٦) عن البراء بن عازب، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٧) وغيره عن معاذ، وأخرجه أحمد (٥/ ١٤٦) وأبو داود (٤٥٩٩) عن أبي ذر.\nوأخرجه الطيالسي (٣٧٨) والطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٣٥٧، ١٠٥٣١)، والصغير (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤) والحاكم (٢/ ٤٨٠) عن ابن مسعود.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي قائلا: ليس بصحيح، فإن الصعق وإن كان موثقًا، فإن شيخه منكر الحديث، قاله البخاري.\nوقال الهيثمي في المجمع (١/ ٩٠، ١٦٣): وفيه عقيل بن الجعد قال البخاري: منكر الحديث.\nوقال الهيثمي (٧/ ٢٦٠ - ٢٦١): رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير بكير بن معروف، وثقه أحمد وغيره، وفيه ضعف.\nومنها حديث: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان\" وذكر منها: \"وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله\".\nأخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) عن أنس.\nومنها حديث: \"لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى ... \" الحديث.\nأخرجه أحمد (٣/ ٤٣٠) عن عمرو بن الجموح.\nومنها حديث معاذ بن أنس أنَّه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان. قال: \"أن تحب لله وتبغض لله\". أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٧).","vol":"4","page":54},{"text":"ورُوي عن ابن عباس أنَّه قال: \"به تنال ولاية الله، وبه يوجد طعم الإيمان\" (١).\nوحب المساكين قد وصى به النبي ﷺ غير واحد من أصحابه، قال أبو ذر: أوصاني رسول الله ﷺ أن أَحَبّ المساكين، وأن أدنو منهم. خرَّجه الإمام أحمد (٢).\nوخرَّج الترمذي (٣) عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: \"يا عائشة! أحبي المساكين وقرِّبيهم فإن الله يقربك يوم القيامة\".\nويروى أن داود ﵇ كان يجالس المساكين، ويقول: يا رب مسكين بين مساكين.\nولم يزل السَّلف الصالح يوصون بحب المساكين، كتب سفيان الثوري إِلَى بعض إخوانه: \"عليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن رسول الله - ﷺ - كان يسأل ربه حب المساكين\".\nوحب المساكين مستلزم لإخلاص العمل لله تعالى، والإخلاص هو أساس الأعمال الَّذِي لا تثبت الأعمال إلا عليه، فإن حب المساكين يقتضي إسداء النفع إليهم بما يمكن من منافع الدين والدنيا، فَإِذَا حصل إسداء النفع إليهم حبًّا لهم والإحسان إليهم كان هذا العمل خالصًا، وقد دلّ القرآن عَلَى ذلك، قال ﷿: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩]، وقال ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٥٣).\n(٢) (٥/ ١٥٩) وقال الهيثمي (١٠/ ٢٦٣): \"رواه أحمد والطبراني في الأوسط بنحوه، وأحد إسنادي أحمد ثقات\".\n(٣) برقم (٢٣٥٢) وقال: هذا حديث غريب. وقال الحافظ في التلخيص (٣/ ١٠٩): \"إسناده ضعيف\".","vol":"4","page":55},{"text":"﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].\nقال سعد بن أبي وقاص: نزلت هذه الآية في ستة: فيَّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال، قالت قريش لرسول الله - ﷺ -: إنا لا نرضى أن نكون أتباعًا لهم فاطردهم عنك. فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية (١).\nوقال خباب بن الأرت في هذه الآية: جاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فوجدوا رسول الله - ﷺ - مع صهيب وعمار وبلال وخباب قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقَّروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وجوه العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: \"نعم\". قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا. قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًّا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل ﵇ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا عَلَى ركبتيه، وكان رسول الله - ﷺ - يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزله الله ﷿: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ وتجالس الأشراف ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] يعني: عيينة والأقرع. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي -ﷺ- فإذا\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٤١٢٨).","vol":"4","page":56},{"text":"بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. خرجه ابن ماجه (١) وغيره (٢).\nوكان النبي ﷺ يعود المرضى من مساكين أهل الدينة ويشيِّع جنائزهم، \"وكان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي حاجتهما\" (٣)، وعلى هذا الهدي كان أصحابه من بعده والتابعون لهم بإحسان.\nورُوي عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم، ويحدثهم ويحدثونه، وكان النبي ﷺ يكنيه: أبا المساكين (٤).\nوفي رواية: أنَّه كان يطعمهم، وربما أخرج لهم عكَّة (٥) العسل فشقوها ولعقوها (٦).\nوكانت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين تسمى أم المساكين لكثرة إحسانها إليهم، وتوفيت في حياه النبي ﷺ.\nوقال ضرار بن مرة في وصف علي بن أبي طالب في أيام خلافته: كان\n_________\n(١) برقم (٤١٢٧).\n(٢) وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير - كما في تفسير ابن كثير (٢/ ١٣٤ - ١٣٥)، وابن جرير في تفسيره (٧/ ١٢٧ - ١٢٨) قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٣٥): \"هذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة وإنَّما أسلما بعد الهجرة بدهر\".\n(٣) أخرجه الدارمي (١/ ٣٥) والنسائي (٣/ ١٠٩)، والحاكم (٢/ ٦١٤) عن عبد الله ابن أبي أوفى وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٦١٤) عن أبي سعيد الخدري. وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٧٦٦) وقال: هذا حديث غريب. وأبو إسحاق المخزومي هو إبراهيم بن الفضل المدني، وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه وله غرائب. وابن ماجه (٤١٢٥).\n(٥) وعاء من جلد مستدير يختص بالسمن والعسل. (النهاية: ٣/ ٢٨٤).\n(٦) أخرجها البخاري (٥٤٣٢) من حديث أبي هريرة بنحوه.","vol":"4","page":57},{"text":"يُعظم أهل الدين، ويحب المساكين.\nومرَّ ابنه الحسن عَلَى مساكين يأكلون، فدعوه فأجابهم وأكل معهم، وتلا: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ثم دعاهم إِلَى منزله فأطعمهم وأكرمهم.\nوكان ابن عمر لا يأكل غالبًا إلا مع المساكين، ويقول: لعلَّ بعض هؤلاء أن يكون ملكًا يوم القيامة.\nوجاء مسكين أعمى إِلَى ابن مسعود -وقد ازدحم الناس عنده- فناداه: يا أبا عبد الرحمن! آويت أرياب الخزِّ واليمنية (١) وأقصيتني لأجل أني مسكين. فَقَالَ له: أدنه. فلم يزل يدنيه حتى أجلسه إِلَى جانبه أو بقربه.\nوكان مطرف بن عبد الله يلبس الثياب الحسنة ثم يأتي المساكين ويُجالسهم.\nوكان سفيان الثوري يعظم المساكين ويجفو أهل الدُّنْيَا، فكان الفقراء في مجلسه هم الأغنياء، والأغنياء هم الفقراء.\nوقال سليمان التيمي: كنا إذا طلبنا علية أصحابنا وجدناهم عند الفقراء والمساكين.\nوقال الفضيل: من أراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين.\nومن فضائل المساكين أنهم أكثر أهل الجنة كما قال النبي ﷺ: \"قُمت عَلَى باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين\" (٣).\nوسئل النبي ﷺ عن أهل الجنة، فَقَالَ: \"كل ضعيف متضعف\" (٤).\n_________\n(١) أي أصحاب الثياب الفاخرة، يكني بذلك عن أهل الغنى والسعة.\n(٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٦٥٤٧)، ومسلم (٢٧٣٦) من حديث أسامة بن زيد.\n(٣) أخرجه مسلم (٢٨٤٦/ ٣٤).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٩١٨) ومسلم (٢٨٥٣) عن حارثة بن وهب الخزاعي.","vol":"4","page":58},{"text":"وهم أول الناس دخولًا الجنة كما صحَّ عنه - ﷺ -: \"أن الفقراء يسبقون الأغنياء إِلَى الجنة بأربعين عامًا\" (١).\nوفي رواية: \"أنهم يدخلون الجنة بنصف يوم، وهو خمسمائة سنة\" (٢).\nوهم أول الناس إجازة عَلَى الصراط كما صحَّ عنه - ﷺ - أنَّه سئل: من أول الناس إجازة عَلَى الصراط؟. فَقَالَ: \"فقراء المهاجرين\" (٣).\nوهم أول الناس ورودًا الحوض كما قال - ﷺ -: \"أول الناس ورودًا عليه: فقراء المهاجرين، [الدنس ثيابًا والشعث رؤوسًا] (٤)، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد (٥) \" (٦).\nوهم أتباع الرسل كما أخبر الله تعالى عن نوح ﵇ أن قومه عيَّروه باتباع الضعفاء له فقالوا: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وكذلك قال هرقل لأبي سفيان لما سأله عن النبي ﷺ: وهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ فَقَالَ: بل ضعفاؤهم. قال هرقل: هم أتباع الرسل (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٩٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: \"إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إِلَى الجنة بأربعين خريفًا ... \".\n(٢) أخرجها أحمد (٢/ ٣٤٣، ٤٥١) والترمذي (٢٣٥٣، ٢٣٥٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الرواية الأخرى: صحيح والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١١/ ٦) وابن ماجه (٤١٢٢) من حديث أبي هريرة.\n(٣) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٣١٥) عن ثوبان.\n(٤) جاء في الأصول: (الدنسة رؤوسهم، الشعثة ثيابهم) وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(٥) الأبواب، جمع سدَّة. (النهاية: ٢/ ٣٥٣).\n(٦) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦) والترمذي (٢٤٤٤) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روى هذا الحديث عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان عن النبي ﷺ، وأبو سلام الحبشي اسمه ممطور، وهو شامي. وابن ماجه (٤٣٠٣) والحاكم (٤/ ١٨٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه من طريق أبي سلام ممطور عن ثوبان.\n(٧) أخرجه البخاري (٧) ومسلم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان،","vol":"4","page":59},{"text":"وهم أفضل من الأغنياء عند كثير من العُلَمَاء أو أكثرهم، وقد دلَّ عَلَى ذلك أدلة كثيرة، منها قول النبي ﷺ حين مرَّ به الغني والمسكين في المسجد: \"هذا - يعني: المسكين- خير من ملء الأرض من مثل هذا -يعني: الغني\" وقد خرجه البخاري (١) وغيره (٢).\nومنهم من لو أقسم عَلَى الله لأبره كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال في أهل الجنة: \"كل ضعيف متضعف لو أقسم عَلَى الله لأبره\" (٣).\nوفي رواية: \"أشعث ذو طمرين\" (٤)، وفي رواية خرَّجها ابن ماجه: \"أنهم ملوك الجنة\" (٥)، وفي الحديث المشهور: \"رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم عَلَى الله لأبره\" خرّجه الحاكم (٦) وغيره (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٤٤٧) عن سهل بن سعد.\n(٢) وأخرجه ابن ماجه (٤١٢٠).\n(٣) تقدم.\n(٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٥) من حديث أنس، وقال الهيثمي (١٠/ ٢٦٤): \"وفيه ابن لهيعة وحديثه يعتضد\".\nوأخرجه ابن ماجه (٤١١٥) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٤) من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: \"ألا أخبرك عن ملوك الجنة؟ قلت: بلى. قال: \"ورجل ضعيف مستضعف ذو طمرين ... \".\nقال العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١٩٧): \"سنده جيد\". ا. هـ وانظر: روايات أخرى في ذكر ذي طمرين في المجمع (١٠/ ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(٥) برقم (٤١١٥).\n(٦) أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، أظن مسلمًا أخرجه من حديث حفص بن عبد الله بن أنس.\n(٧) وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٧) من حديث أبي هريرة وعندهما: \"تنبو عنه أعن الناس\".\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٦١) وقال: لم يرو هذا الحديث عن حفص إلا أسامة. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٤): \" وفيه عبد الله بن موسى التيمي وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح غير جارية بن هرم، وقد وثقه ابن حبان عَلَى=","vol":"4","page":60},{"text":"رب ذي طمرين نضوٍ (١) ... يأمن العالم شره\nلا يُرى إلا غنيًّا ... وهو لا يملك ذره\nثم لو أقسم في شيء ... عَلَى الله أبره\nقال ابن مسعود: كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، مصابيح الظلام، تُعرفون في أهل السماء، وتخفون عَلَى أهل الأرض.\nطوبى لعبدٍ بحبلِ الله مُعْتَصَمُه ... على صراطٍ سَويٍّ ثابتٍ قدمُه\nرثّ اللباس جديدِ القلب مُستترٍ ... في الأرض مشتهرٍ فوقَ السما سمُه\nما زال (يستحقرُ) (*) الأُولَى بِهمَّته ... حتى ترقّت إلى الأخرى به هِمَمُه\nفذاك أعظمُ من التاج مُتّكئًا ... على النمارق مُحتفًّا به خَدَمُه\nواعلم أن محبة المساكين لها فوائد كثيرة، منها: أنها توجب إخلاص العمل لله ﷿؛ لأنّ الإحسان إليهم لمحبتهم لا يكون إلا لله ﷿؛ لأنّ نفعهم في الدُّنْيَا لا يرجى غالبًا، فأما من أحسن إليهم ليمدح بذلك فما أحسن إليهم حبًّا لهم بل حبًّا لأهل الدُّنْيَا، وطلبًا لمدحهم له بحب المساكين.\nومنها: أنَّها تزيل الكبر، فإن المستكبر لا يرضى مجالسة المساكين كما سبق عن رؤساء قريش والأعراب ومن حذا حذوهم من هذه الأمة ممن تشبّه بهم، حتى أن بعض علماء السوء كان لا يشهد الصلاة في جماعة خشية أن تزاحمه المساكين في الصف.\nويمتنع بسبب هذا الكبر خير كثير جدًّا، فإن مجالس الذكر والعلم يقعُ فيها كثيرًا مجالسة المساكين، فإنهم أكثر هذه المجالس، فيمتنع المتكبر من هذه المجالس بتكبره، وربما كان المسموع منه الذكر والعلم من جملة المساكين، فيأنف\n_________\n= ضعفه\".\nوأخرجه البزار في البحر الزخار (٢٠٣٥) من حديث ابن مسعود، وقال: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد.\n(١) أي: ذو ثياب خلقة بالية. (اللسان: ١٥/ ٣٢٩).\n(*) يحتقر: \"نسخة\".","vol":"4","page":61},{"text":"أهل الكبر من التردد إِلَى مجلسه لذلك فيفوتهم خير كثير.\nوقد أخبر الله تعالى عن المشركين أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يشيرون إِلَى عظماء مكة والطائف كعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة ونحوهما من صناديد قريش وثقيف ذوي الأموال والشَّرفِ فيهم ممن كان أكثر مالًا من محمد - ﷺ - وأعظم رياسة عندهم، ورد عليهم سبحانه بأنه يقسم رحمته كما يشاء، وأنه كما رفع درجات بعضهم عَلَى بعض في الدُّنْيَا فكذلك يرفعها في الآخرة، وأن رحمته بالنبوة والعلم والإيمان خير مما يجمعونه من الأموال التي تفنى، فهو سبحانه يختص بهذه الرحمة الدينية من يشاء ويرفعه عَلَى أهل النعم الدنيوية، وقد خص محمدًا - ﷺ - بما لم يشركه فيه غيره من هذه النعم كما قال تعالى له: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].\nوقد كان علي بن الحسين يجلس في مجلس زيد بن أسلم فيُعاتب عَلَى ذلك فيقول: إِنَّمَا يجلس المرءُ حيث يكون له فيه نفعٌ. أو كما قال، يشير إِلَى أنَّه ينتفع بسماع ما لم يسمعه من العِلْم والحكمة، وزيد بن أسلم أبوه مولى لعمر، وعلي ابن الحسن سيد بني هاشم وشريفهم.\nولما اجتمع الزهرى وأبو حازم الزاهد بالمدينة عند بعض بني أمية -لما حج- وسمع الزهري كلام أبي حازم وحكمته أعجبه ذلك، وقال: هو جاري منذ كذا وكذا، وما جالسته ولا عرفت أن هذا العِلْم عنده!. فقال له أبو حازم: أجل إني من المساكين، ولو كنت من الأغنياء لعرفتني فوبَّخه بذلك.\nوفي رواية عنه أنَّه قال له: لو أحببت الله لأحببتني، ولكنك نسيت الله فنسيتني. يشير إِلَى أنَّ من أحبَّ الله تعالى أحبَّ المساكين من أهل العِلْم والحكمة لأجل محبته لله تعالى، ومن غفل عن الله تعالى غفل عن أوليائه من المساكين فلم يرفع بهم رأسًا، ولم ينتفع بما اختصَّهم الله ﷿ به من الحكمة والعلوم النافعة التي لا توجد عند غيرهم من أهل الدُّنْيَا.","vol":"4","page":62},{"text":"وقد كان علماء السَّلف يأخذون العِلْم عن أهله والغالبُ عليهم المسكنة وعدم المال والرفعة في الدُّنْيَا، ويدعون أهل الرياسات والولايات فلا يأخذون عنهم شيئًا مما عندهم من العِلْم بالكلية.\nومنها: أنَّه يوجب صلاح القلب وخشوعه، وفي \"المسند\" عن أبي هريرة أن رجلًا شكى إِلَى رسول الله - ﷺ - قسوة قلبه، فَقَالَ له: \"إن أحببت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم\" (١).\nومنها: أنَّ مجالسة المساكين تُوجب رضى من يجالسهم برزق الله ﷿، وتعظُمُ عنده نعمة الله ﷿ عليه بنظره في الدُّنْيَا إِلَى من دونه. ومجالسة الأغنياء تُوجب التسخط بالرزق، ومدَّ العين إِلَى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى الله ﷿ نبيه - ﷺ - عن ذلك فَقَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، وقال النبي - ﷺ -: \"انظروا إِلَى من دونكم ولا تنظروا إِلَى من فوقكم، فإنّه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم\" (٢).\nقال أبو ذر أوصاني رسول الله ﷺ أن أنظر إِلَى من دوني ولا أنظر إِلَى من فوقي، وأوصاني أن أحبَّ المساكين وأن أدنو منهم (٣).\nوكان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يجالس الأغنياء فلا يزال في غمَّ، لأنّه لا يزال يرى من هو أحسن منه لباسًا ومركبًا ومسكنًا ومطعمًا، فتركهم وجالس المساكين فاستراح من ذلك.\nوقد رُوي عن النبي ﷺ من أنَّه نهى عائشة من مخالطة الأغنياء (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٣، ٣٨٧) من طريق أبي عمران الجوني عن رجل عن أبي هريرة، وفي الرواية الثانية عند أحمد: عن أبي عمران عن أبي هريرة دون ذكر.\nالتابعي المبهم، قال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٦٠): \"رجاله رجال الصحيح\".\n(٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٣/ ٩) من حديث أبي هريرة.\n(٣) تقدم.\n(٤) أخرجه الترمذي (١٧٨٠) والحاكم (٤/ ٣١٢)، وابن الجوزي في الموضوعات=","vol":"4","page":63},{"text":"وقال عمر: إياكم والدخول عَلَى أهل السعة فإنَّه مسخطةٌ للرزق.\nواعلم أن المسكين إذا أُطلق يُراد به غالبًا من لا مال له يكفيه، فإن الحاجة توجب السكون والتواضع، بخلاف الغنى فإنَّه يوجب الطغيان، ولهذا ذُمَّ الفقير المختال وعظم وعيده لأنّه عصى بما ينافي فقره، وهو الاختيال والزهو والكبر.\nولما كان المسكين عند الإطلاق لا ينصرف إلا إِلَى من لا كفاية له من المال وصى الله تعالى بإيثار المساكين وإطعامهم الطعام، ومدح من يُطعمهم، وذمَّ من لا يحف عَلَى إطعامهم، وجعل لهم حقًّا في أموال الصدقات والفيء وخُمس الغنائم وحضور قسمة الأموال.\nوهؤلاء المساكين عَلَى قسمين:\nأحدهما: من هو محتاج في الباطن وقد أظهر حاجته للناس.\nوالثاني: من يكتم حاجته ويظهر للناس أنَّه غنيٌّ فهذا أشرف القسمين، وقد مدح الله ﷿ هذا في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال النبي ﷺ: \"ليس المسكين بهذا الطوَّاف الَّذِي ترده اللقمه واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين من لا يجد ما يغنيه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه\" (١). وقال بعضهم: هذا المحروم المذكور في قوله ﷿: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].\n_________\n= (٣/ ١٣٩ - ١٤٠) عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدُّنْيَا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء .. \" الحديث.\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، قال: وسمعت محمدًا يعني البخاري يقول: صالح بن حسان منكر الحديث\". وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبي قائلا: الوراق -يعني: سعيد بن محمد- عدم\".\n(١) أخرجه البخاري (١٤٧٦) ومسلم (١٠٣٩) عن أبي هريرة بنحوه.","vol":"4","page":64},{"text":"فأخبر النبي ﷺ أن من كتم حاجته فلم يُفطن له أحقُّ باسم المسكين من الَّذِي أظهر حاجته بالسؤال، وأنه أحقُّ بالبر منه، وهذا يدل عَلَى أنهم كانوا لا يعرفون من المساكين إلا من أظهر حاجته بالسؤال، وبهذا فرَّق طائفة من العُلَمَاء بين الفقير والمسكين، فقالوا: من أظهر حاجته فهو مسكين، ومن كتمها فهو فقير.\nوفي كلام الإمام أحمد إيماء إِلَى ذلك، وإن كان المشهور عنه أن التفريق بينهما بكثرة الحاجة وقلتها كقول كثير من الفقهاء، وهذا حيث جمع بين ذكر الفقير والمسكين كما في آية الصدقات، (وأما إن) (*) أفرد أحد الاسمين دخل فيه الآخر عند الأكثرين.\nوقد كان كثير من السَّلف يكتم حاجته ويظهر الغنى تعففًا وتكرمًا، منهم: إبراهيم النخعي كان يلبس ثيابًا حسانًا، ويخرج بها إِلَى الناس وهم يرون أنَّه تحل له الميتة من الحاجة.\nوكان بعض الصالحين يلبس الثياب الجميلة وفي كمه مفتاح دار كبيرة ولا مأوى له إلا المساجد.\nوكان آخر لا يلبس جبة في الشتاء لفقره، ويقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو، وإنَّما يعني به الفقر.\nشعر:\nإن الكريم ليُخفي عنك عُسرته ... حتى تراه غنيًّا وهو مجهود\nوكان بعكس هؤلاء من يلبس ثياب المساكين مع الغنى تواضعًا لله ﷿، وبُعدًا من الكبر كما كأن يفعله الخلفاء الراشدون الأربعة وبعدهم عمر بن عبد العزيز، وكذلك كان جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما ﵃.\nورُوي أن أبا بكر الصديق -﵁- كان يُنشد:\n_________\n(*) فإذا أفرد: \"نسخة\".","vol":"4","page":65},{"text":"إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إِلَى ملك في زي مسكين\nذاك الَّذِي حسُنت في الناس سيرته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين\nوكان علي ﵁ يعاتب عَلَى لباسه فيقول: هو أبعدُ من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم (١).\nوعُوتب عمر بن عبد العزيز عَلَى ذلك فَقَالَ: إن أفضل القصد عند الجدة. يعني: أفضل ما اقتصد الرجل في لباسه عقدرته ووجدانه.\nوفي سنن أبي داود (٢) وغيره (٣) عن النبى - ﷺ - أنَّه قال: \"البذاذة من الإيمان\" يعني: التقشف.\nوفي الترمذي (٤) عن النبي ﷺ: \"من ترك اللباس تواضعًا لله ﷿ وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة [عَلَى رؤوس الخلائق] (٥) حتى يخيره من أي حُلل الإيمان شاء يلبسها\".\nوخرَّجه أبو داود (٦) من وجه آخر ولفظه: \"من ترك ثوب جمال -أحسبه قال: تواضعًا- كساه الله حلة الكرامة\".\nوإنما يُذم من ترك اللباس مع قدرته عليه بخلا عَلَى نفسه، أو كتمانًا لنعمة الله ﷿، وفي هذا جاء الحديث المشهور: \"إن الله إذا أنعم عَلَى عبد نعمة أَحَبّ أن يرى أثر نعمته عَلَى عبده\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في الزهد (ص ١٣٢) والفضائل (٩٢٤) والحاكم (٣/ ١٤٣) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٨٢ - ٨٣) وفيه شريك القاضي صدوق سيء الحفظ. وأخرجه أحمد في الفضائل (٩٢٣) وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (ص ١٣١) والفضائل (٨٩٣) وأبو نعيم (١/ ٨٣).\n(٢) برقم (٤١٦١).\n(٣) وأخرجه ابن ماجه (٤١١٨) وغيره، وانظر الصحيحة للعلامة الألباني برقم (٣٤١).\n(٤) برقم (٢٤٨١) وقال: هذا حديث حسن. وقال ابن الجوزي في العلل (١١٢٩): هذا حديث لا يصح.\n(٥) ما بين المعقوفتين من جامع الترمذي.\n(٦) برقم (٤٧٧٨). قال المنذري في مختصر السنن (٧/ ١٦٤): فيه رواية مجهول.\n(٧) أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٨١، ٤١٨) قال الهيثمي=","vol":"4","page":66},{"text":"ومن لبس لباسًا حسنًا إظهارًا لنعمة الله ولم يفعله اختيالًا كان حسنًا.\nوكان كثير من الصحابة والتابعين يلبسون لباسًا حسنًا، منهم: ابن عباس، والحسن البصري.\nوقد صحَّ عن النبي ﷺ أنَّه سئل عن الرجل يحب أن يكون لباسه حسنًا ونعله حسنًا؟\nقال: \"ليس ذلك بالكبر، إِنَّمَا الكبر بطر الحق وغمط الناس\" (١).\nيعني: التكبر عن قبول الحق والانقياد له، واحتقارُ الناس وازدراؤهم فهذا هو الكبر، فأما مجرد اللباس الحسن الخالي عن الخيلاء فليس بكبر، واحتقارُ الناس مع رثاثة اللباس كبر.\nوقد رُوي عن النبي - ﷺ - أنَّه كان ماشيًا في طريق، وهناك أمة سوداء، فَقَالَ لها رجل: الطريق! الطريق! للنبي - ﷺ -.\nفقالت: الطريق يُمنةً ويُسرةً!.\nفَقَالَ النبي - ﷺ -: \"دعوها فإنَّه جبارة\". خرَّجه النسائي (٢) وغيره (٣)، وفي رواية للطبراني (٤) وغيره: قالوا: يا رسول الله! إنها. يعني: مسكينة. قال:\n_________\n=في المجمع (٥/ ١٣٢): رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات.\n(١) أخرجه مسلم (٩١) بنحوه من حديث ابن مسعود.\n(٢) في السنن الكبرى (٦/ ١٤٣) برقم (١٠٣٩١) من حديث أبي بردة عن أبيه. قال النسائي: عافية بن يزيد ثقة، وسليمان الهاشمي. لا أعرفه.\n(٣) وأخرجه أبو يعلى (٣٢٧٦)، والطبراني في الأوسط (٨١٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٩١) من حديث أنس.\nوقال الهيثمي في المجمع (١/ ٩٩): رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى، وفيه يحيى الحماني ضعفه أحمد، ورماه بالكذب، ورواه البزار وضعفه براوٍ آخر.\nوقال البوصيري في الإتحاف (٧١٠٧ - ط. دار الوطن): رواه أبو يعلى عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، وقد ضعفه الجمهور.\n(٤) في المعجم الكبير كما في المجمع (١/ ٩٩) من حديث أبي موسى بلفظ: \"إن لا يكن ذلك في قدرتها، فإنَّه في قلبها\". قال الهيثمي: وفيه بلال بن أبي بردة.","vol":"4","page":67},{"text":"\"إن ذاك قلبها\".\nيعني: أن الكبر في قلبها وإن كان لباسها لباس المساكين.\nوقال الحسن: إن قومًا جعلوا التواضع في لباسهم والكبر في صدورهم، إن أحدهم أشد كبرًا بمدرعته من صاحب السرير بسريره، وصاحب المنبر بمنبره. قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي سليمان بن أبي سليمان -وكان يُعدلُ بأبيه: أي شيء أرداو بثياب الصوف؟.\nقلت: التواضع. قال: وما يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف\".\nوقال أبو سليمان: يكون ظاهرك قطنيًّا وباطنك صوفيًّا.\nقال أبو الحسن بن بشار: صوَّف قلبك، والبس القوهي عَلَى القوهي.\nيعني: رفيع الثياب.\nفمتى أظهر الإنسان لباس المساكين لدعوى الصلاح ليشتهر بذلك عند الناس كان ذلك كبرًا ورياء، ومن هنا ترك كثير من السَّلف المخلصين اللباس المختص بالفقراء والصالحين، وقالوا: إنه شهرة.\nولما قدم سيّار أبو الحكم البصرة لزيارة مالك بن دينار لبس ثيابًا حسنة ثم دخل المسجد فصلى صلاة حسنة، فرآه مالك -ولم يعرفه- فَقَالَ له: يا شيخ! إني أرغب بك عن هذه الثياب مع هذه الصلاة.\nفَقَالَ له: يا مالك! ثيابي هذه تضعني عندك أم ترفعُني؟!\nقال: بل تضعك. فَقَالَ: نعم الثوب ثوب يضع صاحبه عند الناس، ولكن انظر يا مالك لعل ثوبيك هذين -يعني: الصوف- أنزلاك عند الناس ما لم يُنزلاك من الله.\nفبكى مالك وقام إِلَيْهِ واعتنقه، وقال له: أنشدك الله أنت سيار أبو الحكم؟ قال: نعم.\nفلهذا كَرِه من كَرِه من السَّلف كابن سيرين وغيره لباس الصوف حيث صار شعار الزاهدين، فيكون لباسه إشهارًا للنفس، وإظهارًا للزهد، وأما النبي ﷺ","vol":"4","page":68},{"text":"فكان يلبس ما وجد، فتارة يلبس لباس الأغنياء من حلل اليمن وثياب الشام ونحوها، وتارة يلبس لباس المساكين فيلبس جُبَّة من صوف أحيانًا، وأحيانًا يتزر بعباءة ويهنأ إبل الصدقة بيده، يعني أنَّه يطليها بيده ويُصلحها كما يفعل أرباب الإبل بها.\nولم يبعث الله نبيًّا من أهل الكبر، وإنَّما بعث من لا كبر عنده، ولا يتكبر عن معالجة الأشياء التي يأنف منها المتكبرون كرعاية الإبل (والغنم) (*)، وإجارة نفسه (١) عند الحاجة إِلَى الاكتساب: ومن أعطاه الله منهم مُلكًا فإنَّه يزداد به تواضعا لله ﷿ كداود وسليمان ومحمد ﷺ.\nوقد يطلق اسم المسكين ويُراد به من استكان قلبه لله، وانكسر له وتواضع لجلاله وكبريائه وعظمته وخشيته ومحبته ومهابته.\nوعلى هذا المعنى حمل بعضهم الحديث المروي عن النبي ﷺ أنَّه قال: \"اللهم أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين\" خرَّجه الترمذي من حديث أنس (٢)، وخرّجه ابن ماجه من حديث ابن عباس (٣).\nوفي حمله عَلَى ذلك نظرٌ لأنّ في تمام حديثيهما ما يدل عَلَى أن المراد به المساكين من المال؛ لأنّه ذكر سَبْقَهُم الأغنياء إِلَى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ضعفًا.\nوقد خُيِّر النبي ﷺ بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولًا، فأشار إِلَيْهِ جبريل أن تواضع. فَقَالَ: بل عبدًا رسولًا. وكان بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول:\n_________\n(*) والبقر: \"نسخة\".\n(١) أي: اشتغاله أجيرًا للآخرين.\n(٢) برقم (٢٣٥٢) وقال الترمذي: هذا حديث غريب.\n(٣) وهم المصنف ﵀ في عزو الحديث لابن عباس عند ابن ماجه فقد أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري برقم (٤١٢٦). قال البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد ضعيف، أبو المبارك لا يعرف اسمه وهو مجهول، ويزيد بن سنان التميمي أبو فروة ضعيف.","vol":"4","page":69},{"text":"\"آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد\" (١).\nقال الحسن: قال رسول الله ﷺ: \"فأعطاني الله لذلك أن جعلني سيد ولد آدم، وأول شافع، أول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض\". وصحَّ عنه - ﷺ - أنَّه قال: \"إِنَّمَا أنا عبد، فقولوا:\n_________\n(١) ورد هذا الحديث عن عدة من الصحابة فمنهم:\nأ- عائشة ﵂:\nرواه عنها ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨١)، وأبو يعلي (٤٩٢٠) ومن طريق أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (ص ١٩٧) والبغوي في شرح السنة (٣٦٨٣)، والذهبي في السير (٢/ ١٩٥).\nقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٩): رواه أبو يعلى وإسناده حسن.\nوقال الذهبي في السير (٢/ ١٩٥): هذا حديث حسن غريب.\nب- أنس ﵁:\nرواه عنه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٦٣٧).\nج- ابن عباس ﵁.\nرواه عنه النسائي في الكبرى (٦٧٤٣) والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٢٤)، والطبراني كما في المجمع (٩/ ٢٠)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (ص ١٩٨) ومن طريقه البغوي في شرح السنة (٣٦٨٤).\nقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٠): وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس.\nقلت: وفي السند انقطاع بين محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وبين جده عبد الله ابن عباس.\nوضعف الحديث العراقي في تخريج الأحياء (٣/ ٣٤٠).\nورُوي الحديث مرسلًا عن الزهري وطاوس ويحيى بن أبي كثير والحسن.\nفأما مرسل الزهري فأخرجه معمر في جامعه (١٩٥٥١ - مع المصنف).\nوأما مرسل طاوس فأخرجه معمر أيضًا (١٩٥٥٢).\nوأما مرسل يحيى بن أبي كثير فأخرجه معمر (١٩٥٥٤)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٥٩٧٥)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٣٧١).\nقال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ١٢٥) بعد أن ذكر الحديث، ولأبي الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ من حديث جابر نحوه ومن حديث عائشة وإسنادهما ضعيف ولابن شاهين من طريق عطاء بن يسار مرسلًا نحوه. ثم ذكر رواية عائشة عند ابن سعد، قال: وللبيهقي في الشعب والدلائل من حديث ابن عباس في قصة قال فيها:=","vol":"4","page":70},{"text":"عبد الله ورسوله\" (١). فأشرف أسمائه: عبد الله ولهذا سُمِّى بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق - ﷺ - (عبوديته لربه) (*) حصلت له السيادة عَلَى جميع الخلق.\nكان كثير من العارفين يقول في مناجاته لربه: كفى بي فخرًا أني لك عبدٌ، وكفى بي شرفًا أنك لي رب.\nوكان بعضهم يقول: كلما ذكرت أنَّه ربي وأني عبده حصل لي من السرور ما يصلح به بدني:\nشرف النفوس دخولها في رقهم ... والعبد يحوي الفخر بالمتملَّك\nوكان أبو يزيد البسطامي ينشد:\nواليتني صرت شيئًا ... من غير شيء أعد\nأصبحت للكل مولى ... لأنني لك عبد\nفمن انكسر قلبه لله تعالى -واستكان وخشع وتواضع جبره الله ﷿ ورفعه بقدر ذلك وفي الأثر المشهور: أن الله ﷿ قال لموسى ﵇\n_________\n=فما أكل - ﷺ - بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا حتى لقي الله. ورواه النسائي بلفظ \"قط\" بدل \"حتى لقي الله\"، وإسناده حسن فإنَّه من رواية بقية عن الزبيدي وقد صرح، ووافقه معمر عن الزهري أخرجه عبد الرزاق أيضًا. وذكر العجلوني في كشف الخفاء (١/ ١٧): الحديث \"آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد\" وقال: رواه ابن سعد بسند حسن وأبو يعلى عن عائشة، وفي رواية البيهقي عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا بزيادة: \"فإنما أنا عبد\" ورواه هناد في \"الزهد\" (٨٠٠) عن عمرو بن مرة مرسلًا بلفظ: آكل كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده لو كانت الدُّنْيَا تزن ثم الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا كأسًا\".\nقلت: ولفقرات الحديث شواهد يتقوى بها انظرها في تخريج الشيخ جاسم الدوسري لهذا الحديث برقم (٣٠٢) فقد أفاد وأجاد حفظه الله وقد استفدت منه في تخريج هذا الحديث وغيره، فجزاه الله خير الجزاء.\n(١) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) عن عمر بن الخطاب.\n(*) عبودية ربه \"نسخة\".","vol":"4","page":71},{"text":"حين سأله: أين أجدك؟. قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فإني أدنو منهم كل يوم باعًا ولولا ذلك لانهدموا (١).\nورُوي عن عبد الله بن سلام أنَّه فسره، فَقَالَ: هم المنكسرة قلوبهم بحب الله عن حب غيره.\nوفي الحديث المشهور المرفوع: \"إن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له، فَإِذَا تجلَّى لقلوب العارفين عظمة الله وجلاله وكبرياؤه اندكَّت قلوبهم من هيبته، وخشعت وانكسرت من محبته ومخافته\" (٢).\nمساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر\nفالمسكين في الحقيقة من استكان قلبه لربه وخشع من خشيته ومحبته، ولا يكون المسكين ممدوحًا بدو هذه الصفة، فإن من لم يخشع قلبه مع فقره وحاجته فهو جبار كتلك الأمة السوداء التي قال فيها النبي - ﷺ -: \"إنها جبارة\".\nوهو إما عائل مستكبر أو فقير مختال، وكلاهما لا ينظر الله إِلَيْهِ يوم القيامة، فالمؤمن يستكين قلبه لربه ويخشع له ويتواضع، ويظهر مسكنته وفاقته إِلَيْهِ في الشدة والرخاء، أما في حال الرضا فإظهارًا للشكر، وأما في حال الشدة فإظهارًا للذل والعبودية والفاقة والحاجة إِلَى كشف الضر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]، فذمّ من لا يستكين لربه عند الشدة، وكان النبي ﷺ يخرج عند الاستسقاء متواضعًا متخشعًا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد (١/ ٥٧) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٧٧) عن عمران القصير قال: قال موسى وفيه انقطاع بين عمران وموسى ﵇. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٦٤) عن مالك بن دينار قال: قال موسى ﵇ وفيه انقطاع أيضًا.\nقال القاري في الأسرار المرفوعة (ص ١١٨): لا أصل له.\n(٢) قال الشيخ جاسم: لم أقف عليه ولا أظنه إلا موضوعًا، فهو أشبه بكلام المتصوفة من كلام المعصوم - ﷺ - وغفر الله لابن رجب ما كان أغناه عن مثل هذه الأحاديث التى لا خطام لها ولا أزمة.","vol":"4","page":72},{"text":"متمسكنًا (١).\nوحبس لمطرف بن عبد الله قريب له فلبس خلقان ثيابه، وأخذ بيده قصبة، وقال: أتمسكن لربي لعله يُشفعني فيه.\nومما يشرع فيه التمسكن لله حال الصلاة كما في حديث الفضل بن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"الصلاة مثنى مثنى، تَشَهَّدُ في كل ركعتين، وتخَشَّعُ، وتَضَرَّع وتمسكن، وتقنع يديك -يقول: ترفعهما- وتقول: يا رب ثلاثًا، فمن لم يفعل ذلك (فهي خداج) (*) \". خرّجه الترمذي (٢) وغيره (٣).\nوكذلك يشرع إظهار المسكنة في الدعاء.\nخرَّج الطبراني (٤) من حديث ابن عباس قال: رأيت النبي ﷺ يدعو بعرفة، ويداه إِلَى صدره كاستطعام المسكين.\nومن حديثه أيضًا أن النبي - ﷺ - قال في دعائه عشية عرفة: \"أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ، الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ، الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ، الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٠، ٢٦٩) وأبو داود (١١٦٥) والترمذي (٥٥٨، ٥٥٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٣/ ١٥٦ - ١٥٧) وابن ماجه (١٢٦٦).\n(*) في نسخة \"الأمبروزيانا\": كررت هذه العبارة \"ثلاث مرات\"، وفي سنن الترمذي: \"فهو كذا وكذا\".\nقال أبو عيسى: وقال غير ابن المبارك في هذا الحديث: \"من لم يفعل ذلك فهي خداج\".\n(٢) برقم (٣٨٥) ونقل قول البخاري: وحديث الليث بن سعد هو حديث صحيح، يعني أصح من حديث شعبة.\n(٣) وأخرجه أحمد (١/ ٢١١) والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف (٨/ ٢٦٤) من حديث الفضل، وأخرجه الطيالسي (١٣٦٦) وأحمد (٤/ ١٦٧) وأبو داود (١٢٩٦) والنسائي في الكبرى في التحفة (٨/ ٣٩١) وابن ماجه (١٣٢٥).\n(٤) في الأوسط (٢٨٩٢) عن ابن عباس.\nقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٦٨): \"وفيه الحسين بن عبد الله بن عبيد الله، وهو ضعيف\".\n(٥) قطعة من حديث أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١١٤٠٥) والصغير (١/ ٢٤٧) والخطيب في التاريخ (٦/ ١٦٣) ومن طريقه: ابن الجوزي في العلل (١٤١٢) عن ابن عباس.\nقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٥٢): \"وفيه يحيى بن صالح الأبلي، قال العقيلي:=","vol":"4","page":73},{"text":"وكان بعض السَّلف يجلس بالليل مطرقا رأسه، ويمد يديه وهو ساكت كحال المسكين المستعطي. وقال طاوس: دخل علي بن الحسين الحجر ليلة فصلى، فسمعته يقول في سجوده: عُبيدك بِفِنَائِكَ، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك.\nقال طاوس: فحفظتهن، فما دعوت بهن في كرب إلا فرج عني.\nوكان بعض العباد قد حج ثمانين حجة عَلَى قدميه، فبينما هو في الطواف وهو يقول: يا حبيبي! يا حبيبي! فهتف به هاتف: ليس ترضى أن تكون مسكينًا حتى تكون حبيبًا! فغشي عليه فكان بعد ذلك يقول: مسكينك مسكينك.\nولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\nأنا الفقير إِلَى رب السماوات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي\nأنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن جاءنا من عنده يأتي\nقوله - ﷺ -: \"وأن تغفر لي وترحمني\": المغفرة والرحمة يجمعان خير الآخرة كله؛ لأنّ المغفرة (ستر) (*) الذنب مع وقاية شره، وقد قيل: إنه لا تجتمع المغفرة مع عقوبة الذنب، حيث كانت المغفرة وقاية لشر الذنب، وهذا لا يكون مع عقوبة عليه، ولذلك سمي المِغفر مغفرًا؛ لأنّه يستر الرأس ويقيه الأذى، وهذا بخلاف العفو، فإنَّه يكون تارة قبل العقوبة وتارة بعدها.\nوأما الرحمة فهي دخول الجنة وعلوّ درجاتها، وجميعُ ما في الجنة من (النعيم) (**) بالمخلوقات، ومن رضى الله وقربه ومشاهدته وزيارته فإنَّه من رحمة الله، وفي الحديث الصحيح: \"إن الله ﷿ يقول للجنة: أنت رحمتي\n_________\n=روى عنه يحيى بن بكير مناكير، وبقية رجاله رجال الصحيح\". ا. هـ.\nوقال ابن الجوزي: \"حديث لا يصح\" وقال العراقي في تخريج الإحياء (١/ ٢٥٤): \"إسناده ضعيف\".\n(*) تستر: \"نسخة\".\n(**) كتب في حاشية \"نسخة الامبروزيانا\" أنها في نسخة: \"النعم\".","vol":"4","page":74},{"text":"أرحم بك من أشاء من عبادي\" (١).\nفكل ما في الجنة فهو من رحمته ﷿، وإنَّما تنال برحمته لا بالعمل كما قال - ﷺ -: \"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله\".\nقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟!.\nقال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته\" (٢).\nقوله - ﷺ -: \"وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون\": المقصود بهذا الدعاء سلامة العبد من فتن الدُّنْيَا مدة حياته، فإن قُدِّر الله عَلَى عباده فتنة قبض عبده إِلَيْهِ قبل وقوعها، وهذا من أم الأدعية فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن ثم قبضه الله قبل وقوعها وحصول الناس فيها كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبي ﷺ أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن (٣).\nوفي حديث آخر: \"وجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن\" (٤).\nوكان يخص بعض الفتن العظيمة بالذكر، فكان يتعوَّذ في صلاته من أربع، ويأمر بالتعوذ منها: \"أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال\" (٥).\nففتنة المحيا يدخل فيها فتنُ الدين والدنيا كلها، (كالكفر) (*) والبدع\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٤٦٧) ومسلم (٢٨١٨) من حديث عائشة.\nوأخرجه البخاري (٦٤٦٣) ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة.\n(٣) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٢٨٦٧) عن زيد بن ثابت مطولًا.\n(٤) قطعة من حديث أخرجه أبو داود (٩٦٩)، وابن حيان (٢٤٢٩)، والحاكم (١/ ٢٦٥) وقال: صحيح عَلَى شرط مسلم.\n(٥) أخرجه البخاري (٨٣٣) ومسلم (٥٨٩) عن عائشة، وأخرجه مسلم (٥٨٨) عن أبي هريرة وعن ابن عباس (٥٩٠) بألفاظ متعددة.\n(*) كالفقر: \"نسخة\".","vol":"4","page":75},{"text":"والفسوق والعصيان. وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال.\nثم خصَّ فتنة الدجال بالذكر لعظم موقعها، فإنَّه لم يكن في الدُّنْيَا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن.\nوفي حديث معاوية عن النبي ﷺ أنَّه قال: \"إنه لم يبق من الدُّنْيَا إلا بلاء وفتنة\" (١).\nوقد أخبر النبي ﷺ عن الفتن التي تكون كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدُّنْيَا (٢).\nوكان أول هذه الفتن ما حدث بعد عمر ﵁، ونشأ من تلك الفتن قتلُ عثمان ﵁، وما ترتب عليه من إراقة الدماء وتفرُّق القلوب وظهور فتن الدين كبدع الخوارج المارقين من الدين وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتنة التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة المشهور حين سأله عنها عمر (٣)، وكان حذيفة ﵁ من كثر الناس سؤالًا للنبي - ﷺ - عن الفتن خوفًا من الوقوع فيها (٤). ولما حضره الموت قال: حبيب جاء عَلَى فاقة، لا أفلح من ندم! الحمد لله الَّذِي سبق بي الفتنة! قادتها وعلوجها (٥) (٦). وكان موته قبل قتل عثمان ﵁ بنحو من أربعين يومًا، وقيل: بل مات (بعد قتل) عثمان.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٩٤)، وابن ماجه (٤٠٣٥) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح رجاله ثقات.\n(٢) أخرجه مسلم (١١٨) عن أبي هريرة.\n(٣) أخرجه البخاري (٧٠٩٦)، ومسلم (١٤٤).\n(٤) أخرجه البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧).\n(٥) العلوج جمع عِلْج، وهو الرجل من كفار العجم (اللسان مادة: علج).\n(٦) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٢).","vol":"4","page":76},{"text":"وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائمًا، فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قم! فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات (بعد قليل) (*).\nوقد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قال لرجل: \"إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان فإن استطعت أن تموت فمت\" (١)، وهذا إشارة إِلَى هذه الفتن التي وقعت بمقتل عثمان ﵁.\nوالدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائزٌ، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم، ولما حج عمر ﵁ آخر حجة حجها استلقى بالأبطح ثم رفع يديه وقال: اللهم إنه قد كبرت سني، ورق عظمي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفتون. ثم رجع إِلَى المدينة فما انسلخ الشهر حتى قتل ﵁ (٢).\nودعا علي ربه أن يريحه من رعيته حيث سئم منهم فقتل عن قريب.\n_________\n(*) عن قريب: \"نسخة\".\n(١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٥١ - علمية)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٤١) من طريق سلم بن ميمون الخواص ثنا سليمان بن حيان حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن سهل بن أبي حثمة ... فذكره.\nقال العقيلي عن سلم: حدث بمناكير لا يتابع عليها ثم ذكر هذا الحديث منها.\nوقال ابن حبان عنه: من عباد أهل الشام وقرائهم ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث وإتقانه، فربما ذكر الشيء بعد الشيء ويقلبه توهمًا لا تعمدًا، فبطل الاحتجاج بما يروي إذا لم يوافق الثقات.\nوقال ابن عدي عنه: روى عن جماعة ثقات ما لا يتابعه الثقات عليه، أسانيدها ومتونها ثم ذكر هذا الحديث وقال: ولسلم الخواص أحاديث، وهذا الحديث لا يرويه عن سليمان بن حيان غير سلم الخواص، وله غير ما ذكرت أحاديث معلومة الإسناد والمتن، وهو في عداد المتصوفة الكبار، وليس الحديث من عمله، ولعله كان يقصد أن يصيب، فيخطئ في الإسناد والمتن، لأنه لم يكن من عمله.\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٤) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٤).","vol":"4","page":77},{"text":"ودعت زينب بنت جحش لما جاءها عطاءُ عمر من المال فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعدها، فماتت قبل العطاء الثاني (١).\nولما ضجر عمر بن عبد العزيز من رعيته حيث ثقل عليهم قيامه فيهم بالحق طلب من رجل كان معروفا بإجابة (الدعوة) (*) أن يدعو له بالموت، فدعا له ولنفسه بالموت فماتا. ودعي طائفة من السَّلف الصالح إِلَى ولاية القضاء، فاستمهلوا ثلاثة أيام فدعوا الله لأنفسهم بالموت فماتوا.\nواطُّلع عَلَى حال بعض الصالحين ومعاملاته التي كانت سرًّا بينه وبين ربه، فسأل الله أن يقبضه إِلَيْهِ خوفًا من فتنة (الاشتهار) (**) فمات.\nفإن الشهرة بالخير فتنة كما جاء في الحديث: \"كفى بالمرء فتنة أن يُشار إِلَيْهِ بالأصابع، فإنها فتنة\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٠٠ - ٣٠١)، (٨/ ١٠٩ - ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٥٤).\n(*) الدعاء: \"نسخة\".\n(**) الدين: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢١٠، ٢٢٨) والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٧) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل (١٣٨٠) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٤٧) والبيهقي في الشعب (٦٩٧٩) عن عمران بن حصين مرفوعًا: \"كفى بالمرء إثمًا أن يُشار إِلَيْهِ بالأصابع\". قالوا: يا رسول الله وإن كان خيرًا؟! قال: \"وإن كان خيرًا فهي مزلة إلا من ﵀ وإن كان شرًّا فهو شر\".\nقال ابن الجوزي: لا يصح. وضعفه العراقي في تخريج الإحياء (٣/ ٢٧٦).\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٦٩٧٧) من حديث أنس مرفوعًا: \"حسب امرئ من الشر -إلا من عصمه الله- أن يشير إِلَيْهِ الناس بالأصابع في دينه ودنياه\" قال المناوي في الفيض (٣/ ١٩٧): \"وفيه يوسف بن يعقوب، فإن كان النيسابوري فقد قال أبو علي الحافظ: ما رأيت بنيسابور من يكذب غيره. وإن كان القاضي باليمن فمجهول، وابن لهيعة وسبق ضعفه\". أ. هـ.\nوأخرجه البيهقي من طريق عطاء الخراساني عن أبي هريرة بهذا اللفظ، وفيه كلثوم بن محمد بن أبي سدرة، قال أبو حاتم: يتكلمون فيه. (اللسان: ٤/ ٤٨٩) وعطاء لم يسمع من أبي هريرة فهو منقطع. (جامع التحصيل ص ٢٩٠ - ٢٩١).=","vol":"4","page":78},{"text":"كان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيرًا فسئل عن ذلك، فَقَالَ: ما يدريني! لعلي أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحلّ لي، لعلي أدخل في فتنة، أكون قد مت فسبقت هذا.\nواعلم أن الإنسان لا يخلوا من فتنة، قال ابن مسعود: لا يقل أحدكم: أعوذ بالله من الفتن، ولكن ليقل: أعوذ بالله من مضلات الفتن. ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (١).\nيشير إِلَى أنَّه لا يستعاذ من المال والولد وهما فتنة.\nوفي المسند أن النبي ﷺ أمر أم سلمة أن تقول: \"اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أبقيتني\" (٢).\nوقد جعل النبي، النساء والأموال فتنة، ففي الصحيح عنه - ﷺ - قال: \"ما تركت بعدي فتنة أضر عَلَى الرجال من النساء\" (٣).\nوفيه أيضًا (٤) أنَّه - ﷺ - قال: \"والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدُّنْيَا كما بُسطت عَلَى من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم\".\n_________\n=وأخرجه الطبراني في الأوسط (مجمع البحرين: ق ٤٩٦) من طريق آخر عن أبي هريرة، وقال الهيثمي (١٠/ ٢٩٧): \"وفيه عبد العزيز بن حصين وهو ضعيف\". أ. هـ وأشار البيهقي إِلَى هذا الطريق، وقال: \"هذا إسناد ضعيف\". والحديث ضعفه العراقي في تخريج الإحياء (٣/ ٢٧٥). قلت: وفيه عنعنة الحسن. وقد استفدت تخريج هذا من الشيخ جاسم الدوسري حفظه الله.\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٨٩٣١).\nقال الهيثمي (٧/ ٢٢٠): \"إسناده منقطع، وفيه المسعودي وقد اختلط\".\n(٢) قطعه من حديث أخرجه أحمد (٦/ ٣٠١ - ٣٠٢) عن أم سلمة.\nقال الهيثمي (٧/ ٢١١): \"وفيه شهر وقد وُثِّق وفيه ضعف\".\nوقال أيضًا (١٠/ ١٧٦): \"إسناده حسن\".\n(٣) أخرجه البخاري (٥٠٩٦) ومسلم (٢٧٤٠) عن أسامة بن زيد.\n(٤) أخرجه البخاري (٣١٥٨) ومسلم (٢٩٦١) عن عمرو بن عوف.","vol":"4","page":79},{"text":"وفي صحيح مسلم (١) عنه - ﷺ - قال: \"اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\".\nوفي الترمذي (٢) أنَّه - ﷺ - قال: \"لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال\".\nوقد قال الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]، فالرجل فتنة للمرأة، والمرأة فتنة للرجل، والغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، والفاجر فتنة للبر، والبر فتنة للفاجر، والكافر فتنة للمؤمن، والمؤمن فتنة للكافر قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال ﷿: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، فجعل كل ما يصيب الإنسان من شر أو خير فتنة، يعني أنَّه محنة يمتحن بها، فإن أصيب بخير امتحن به شكره، وإن أصيب بشر امتحن به صبره.\nوفتنة السراء أشد من فتنة الضراء، قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: بُلينا بفتنة الضراء فصبرنا، وبلينا بفتنة السراء فلم نصبر (٣).\nوقال بعضهم: فتنة الضراء يصبر عليها البر والفاجر، ولا يصبر عَلَى فتنة السراء إلا صديق.\nولما ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء صبر ولم يجزع، وقال: كانت زيادة في إيماني. فلما ابتلي بفتنة السراء جزع وتمنّى الموت صباحًا ومساء، وخشي أن يكون نقصًا في دينه.\nثم إن المؤمن لابد أن يفتن بشيء من الفتن المؤلمة الشاقة عليه ليمتحن إيمانه كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا\n_________\n(١) برقم (٢٧٤٢) عن أبي سعيد الخدري.\n(٢) برقم (٢٣٣٦) وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥١٩)، والترمذي (٢٤٦٤) وحسنه، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٠).","vol":"4","page":80},{"text":"يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢، ٣]، ولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتن، ويصبرهم عليها، ويثيبهم فيها، ولا يلقيهم في فتنة مضلة مهلكة تذهب بدينهم، بل تمر عليهم الفتن وهم فيها في عافية.\nوأخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"إن لله ضنائن (١) من عباده يغذوهم في رحمته، ويحييهم في (عافية) (*)، ويتوفاهم إِلَى جنته، أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم، وهم (فيها) (**) في عافية\" (٢).\nوالفتن الصغار التي يُبتلى بها المرء في أهله وماله وولده وجاره تكفِّرها الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة كذا جاء في حديث حذيفة (٣).\nورُوي عنه أن سأل النبي ﷺ قال: إن في لساني ذربًا، وإن عامة ذلك عَلَى أهلي. فَقَالَ له: \"أين أنت من الاستغفار\"؟! (٤).\nوأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهي التي يُستعاذ منها، ويسأل الموت قبلها، فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه الله\n_________\n(١) أي: خصائص، واحدهم ضنينة من الضنِّ، وهو ما تختصه لنفسك (النهاية ٣/ ١٠٤)\n(*) عافيته: \"نسخة\".\n(**) عنها: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٤٢٥) والأوسط (٦٣٦٩)، والعقيلي (٤/ ١٥٢) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٦) عن ابن عمر، وفي إسناده مسلم بن عبد الله، قال العقيلي: \"مجهول بالنقل وحديثه غير محفوظ\" وقال: \"والرواية في هذا الباب فيها لين\".\nوقال الذهبي في الميزان (٤/ ١٠٥): \"لا يعرف، والخبر منكر\".\nوقال الهيثمي (١٠/ ٢٦٦): \"وفيه مسلم بن عبد الله الحمصي، ولم أعرفه.\nوقد جهله الذهبي، وبقية رجاله وثقوا\" ا. هـ.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٤، ٣٩٦، ٣٩٧، ٤٠٢) والدارمي (٢/- ٣٠٢) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤٤٨ - ٤٥٣) وابن ماجه (٣٨١٧) عن حذيفة قال البوصيري في زوائده: \"في إسناده أبو المغيرة البجلي مضطرب الحديث عن حذيفة، قاله الذهبي في الكاشف\".","vol":"4","page":81},{"text":"وحماه.\nوفي \"المسند\" عن محمود بن لبيد عن النبي ﷺ قال: \"اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خيرٌ للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب\" (١).\nقوله - ﷺ -: \"وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الَّذِي يبلغني حبك\": هذا الدعاء يجمعُ كل خير، فإن الأفعال الاختيارية من العباد إِنَّمَا تنشأ عن محبة وإرادة، فإن كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد نشأت عنها حركات الجوارح فكانت بحسب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحبَّ ما يحبه الله من الأعمال والأقوال كلها، ففعل حينئذ الخيرات كلها وترك المنكرات كلها، وأحب من يحبه الله من خلقه، وهذا الدعاء كانت الأنبياء ﵈ تدعوا به كما في الترمذي (٢) عن النبي ﷺ \"أن داود ﵇ كان يقول: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يبلغني ألى حبك، اللهم اجعل حبك أَحَبّ إليَّ من نفسي وأهلي ومن الماء البارد\".\nوفيه أيضًا (٣) أن النبي ﷺ كان يدعو: \"اللهم ارزقني حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يبلغني إِلَى حبك، اللهم ما رزقتني مما أَحَبّ فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغًا لي فيما تحب\".\nوفي حديث مرسل خرَّجه ابن أبي الدُّنْيَا وغيره أن النبي ﷺ كان يقول: \"اللهم اجعل حبك أَحَبّ الأشياء إِلَيَّ، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدُّنْيَا بالشوق إِلَى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدُّنْيَا من دنياهم\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٧، ٤٢٨) والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٢٦٧) عن محمود ابن لبيد، قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٧) رواه أحمد بإسنادين، رواة أحدهما محتج بهم في الصحيح، ا. هـ.\n(٢) برقم (٣٤٩٠) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\n(٣) برقم (٣٤٩١) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.","vol":"4","page":82},{"text":"فأقرر عيني من عبادتك\" (١).\nومن كان همه طلب محبة الله أعطاه الله فوق ما يريده من الدُّنْيَا تبعًا.\nقال بعض السَّلف: لما توفي داود ﵇ أرسل الله إِلَى سليمان ﵇: ألك حاجة تسألني إياها؟\nفَقَالَ سليمان: اسأل الله أن يجعل قلبي يحبه كما كان قلب أبي داود يحبه، وأن يجعل قلبي يخشاه كما كان قلب أبي داود يخشاه. فشكر الله له ذلك وأعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ومحبة الله عَلَى درجتين:</span>\nإحداهما: واجبة، وهي المحبة التي توجب للعبد محبة ما يحبه الله من الواجبات، وكراهة ما يكرهه من المحرمات، فإن المحبة التامة تقتضي الموافقة، (لمن يحبه) (*) في محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه خصوصًا فيما يحبه ويكرهه من المحب نفسه فلا تصح المحبة بدون فعل ما يحبه المحبوب من محبه، وكراهة ما يكرهه المحبوب من محبه.\nوسُئل بعض العارفين عن المحبة، فَقَالَ: الموافقة في جميع الأحوال.\nوأنشد:\nولو قلت لي مت مت سمعًا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلًا ومرحبًا\nوأنشد آخر منهم:\nتعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع\nلو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع\nومتى أخلَّ العبد ببعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحرمات فمحبته لربه\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٨٢) عن الهيثم بن مالك الطائي مرسلًا.\n(*) للمحبوب: \"نسخة\".","vol":"4","page":83},{"text":"غير تامة، فالواجب عليه المبادرة بالتوبة، والاجتهاد في تكميل المحبة المُفضية\nلفعل الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها، وهذا معنى قول النبي ﷺ: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" (١).\nفإن الإيمان الكامل يقتضي محبة ما يحبه الله، وكراهة ما يكرهه، والعمل بمقتضى ذلك، فلا يرتكب أحد شيئًا من المحرمات أو يخل بشيء من الواجبات إلا لتقديم هوى النفس المقتضي لارتكاب ذلك عَلَى محبة الله تعالى المقتضية لخلافه.\nالدرجة الثانية من المحبة: درجة المقربين، وهي أن يمتلئ القلبُ بمحبة الله حتى توجب له محبة النوافل، والاجتهاد فيها، وكراهة المكروهات، والانكفاف عنها، والرضا بالأقضية والأقدار المؤلمة للنفوس لصدورها عن المحبوب، كما قال عامر بن قيس: أحببت الله حبًّا هوَّن عَلَيَّ كلَّ مصيبة، ورضَاني بكل بلية، فلا أبالي مع حبي إياه عَلَى ما أصبحت ولا عَلَى ما أمسيت.\nوقال عمر بن عبد العزيز لما مات ولده الصالح: إن الله أَحَبّ قبضه، وإني أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبة الله.\nكان يقول: إذا أصبحت فمالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر.\nوأنشد بعضهم:\nيا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم\nإن كان سركم ما قد بليت به ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم\nوحسب سلطان الهوى ... أن يلذ فيه كل ما يؤلم\nكان عمار بن ياسر ﵁ يقول: اللهم لو أعلم أنَّه أرضى لك عني\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) عن أبي هريرة.","vol":"4","page":84},{"text":"أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردى فأسقط فعلت، ولو أعلم أنَّه أرضى لك أن أوقد نارًا عظيمة فأقع فيها فعلت، ولو أعلم أنَّه أرضى لك عني أن ألقي نفسى في الماء فأُغرق نفسي فعلت، وإني لا أقول هذا إلا أريد وجهك، وأنا أرجو أن لا تخيّبني وأنا أريد وجهك (١).\nوقُتل لبعض الصالحين ولدان في الجهاد، فعزّاه الناس فيهما فبكى وقال: ما أبكى لفقدهما، إِنَّمَا أبكي كيف كان رضاهما عن الله حيث أخذتهما السيوف.\nوكان بعض العارفين يطوف بالبيت، فهجمت القرامطة عَلَى الناس فقتلوهم في الطواف، فوصلوا إِلَيْهِ فلم يقطع الطواف حتى سقط من ضرب السيوف صريعًا فأنشد:\nترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>أقل ثمن المحبة بذل الروح:</span>\nبدم المحب يباع وصلهم ... فمن الَّذِي يبتاع بالثمن\nقال بعض العارفين: إن كنت تسمح ببذل روحك في هذه الطريق، وإلا فلا تشتغل بالترهات:\nخاطر بروحك في هوانا واسترح ... إن شئت تحظى بالمحِّل الأعظم\nلا يشغَلَنَّك شاغل عن وصلنا ... وانهض عَلَى قدم الرجاء وقدَّم\nولما كانت محبة الله ﷿ لها لوازم، وهي محبة ما يحبه الله ﷿ من الأشخاص والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، سأل النبي ﷺ الله مع محبته محبة شيئين آخرين.\nأحدهما: محبة من يحب ما يحبه الله تعالى.\nفإن من أحبَّ الله أحبَّ أحبَّاءه فيه ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم كما قال - ﷺ -: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٢ - ١٤٣) عن عمار بنحوه.","vol":"4","page":85},{"text":"أَحَبّ إِلَيْهِ مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ... \" (١). الحديث.\nوأعظم من تجب محبته في الله أنبياؤه ورسله، وأعظمهم نبيه محمد - ﷺ - الَّذِي افترض الله عَلَى الخلق كلهم متابعته، وجعل متابعته علامةً لصحة محبته كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وتوعد من قدم محبة شيء من المخلوقين عَلَى محبته ومحبة رسوله ومحبة الجهاد في سبيله في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: ٢٤].\nووصف المحبين له باللين للمؤمنين: من الرأفة بهم والرحمة والمحبة لهم، والشدة عَلَى الكافرين: من البغض لهم والجهاد في سبيله، فَقَالَ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].\nوالثاني: محبة ما يحبه الله تعالى من الأعمال وبها يبلغ إِلَى حبه.\nوفي هذا إشارة إِلَى أن درجة المحبة لله إِنَّمَا تُنال (بطاعته) (*) وبفعل ما يحبه، فإذا امتثل العبد أوامر مولاه وفعل ما يحبه أحبه الله تعالى ورقّاه إِلَى درجة محبته كما في الحديث الإلهي الَّذِي خرّجه البخاري: \"وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه\" (٢).\nفأفضل ما استجلبت به محبة الله فعلُ الواجبات، وتركُ المحرَّمات، ولهذا جعل النبي - ﷺ - من علامات وجدان حلاوة الإيمان أن يكره أن يرجع إِلَى الكفر كما يكره أن يلقى في النار.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦) ومسلم (٤٣) عن أبي هريرة.\n(*) بطاعة الله: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) عن أبي هريرة.","vol":"4","page":86},{"text":"وسئل ذو النون: متى أَحَبّ ربي؟\nقال: إذا كان ما يكرهه عندك أمرَّ من الصبر.\nثم بعد ذلك الاجتهاد في نوافل الطاعات، وتركُ دقائق المكروهات والمشتبهات.\nومن أعظم ما تحصل به محبة الله من النوافل: تلاوة القرآن، وخصوصًا مع التدبر، قال ابن مسعود: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فمن أَحَبّ القرآن فهو يحب الله ورسوله.\nولهذا قال النبي ﷺ لمن قال: إني أَحَبّ سورة (قل هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن. فَقَالَ: \"أخبروه أن الله يحبه\" (١).\nوقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة خطب، فَقَالَ في خطبته: \"إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره عَلَى ما سواه من الأحاديث، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أَحَبّ الله، أحبوا الله من كل قلوبكم\" (٢).\nوكان بعضهم يكثر تلاوة القرآن ثم فتر عن ذلك فرأى في المنام قائلًا يقول له:\nإن كنت تزعم حبي ... فلم جفوت كتابي\nأما تدبّرت ما فيـ ... ـه من لطيف عتابي\nفاستيقظ وعاد إِلَى تلاوته.\nومن الأعمال التي توصل إِلَى محبة الله تعالى وهي من أعظم علامات المحبين: كثرة ذكر الله ﷿ بالقلب واللسان.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣) عن عائشة.\n(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلًا.","vol":"4","page":87},{"text":"قال بعضهم: ما أدمن أحد ذكر الله إلا وأفاد منه محبة الله.\nوقال ذو النون: من أدمن ذكر الله قذف الله في قلبه نور الاشتياق إِلَيْهِ.\nوقال بعض التابعين: علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئًا إلا أكثرت ذكره.\nوقال فتح الموصلي: المحب لله لا يجد مع حب الله للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين.\nالمحبون إن نطقوا نطقوا بالذكر، وإن سكتوا اشتغلوا بالفكر:\nفإن نطقتُ فلم ألفظ بغيركم ... وإن سكتُّ فأنتم عقد إضماري\nومن علامات المحبين لله وهو مما يحصل به المحبة أيضًا حب الخلوة بمناجاة الله تعالى، وخصوصًا في ظلمة الليل:\nالليل لي ولأحبابي (أحادثهم) (*) ... وأنتجيهم لي يسمحوا بوصالي\nقال الفضيل: يقول الله ﷿: كذب من ادعى محبتي فإذا جنَّه الليل نام عني، أليس كل (حبيب) (**) يحب خلوة حبيبه، ها أنا مطَّلع عَلَى أحبابي إذا جنَّهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثلت نفسي بين أعينهم (١)، فخاطبوني عَلَى المشاهدة، وكلموني عَلَى حضوري، غدًا أقر عين أحبابي في جناني:\nتنام عيناك وتشكوا الهوى ... لو كنت صبًّا لم تكن نائمًا\nقلوب المحبين جمرة تحت فحمة الليل، كلما هب عليها نسيمُ السحر التهبت،\nيذكرني مرّ النسيم عهودكم ... فأزداد شوقًا كلما هبت الريح\n_________\n(*) أسامرهم: \"نسخة\".\n(**) محب: \"نسخة\".\n(١) قال الشيخ جاسم الدوسري: تعالى الله ﷿ عن مثل هذا الكلام، ولا أدري كيف يصبح القول عَلَى الله بهذه السهولة واليسر نسأل الله السلامة.","vol":"4","page":88},{"text":"أراني إذا ما أظلم الليل أَشْرَقَتْ ... بقلبي من نار الغرام مصابيح\nكلما جنَّ الغاسق حَنَّ العاشق:\nلو أنك أبصرت أهل الهوى ... إذا غابت الأنجم الطلع\nفهدا ينوح عَلَى ذنبه ... وهذا يصلي وذا يركع\nمن لم يكن له مثل تقواهم لم يدر ما الَّذِي أبكاهم، ومن لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الَّذِي آلم قلب يعقوب.\n[وسُئل السري السقطي عن حاله فأنشد:] (*).\nمن لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكباد\nأين رجال الليل؟! أين ابن أدهم والفضيل؟! ذهب الأبطال وبقي كل بطال، يا من رضي من الزهد بالزي، ومن الفقر بالاسم، ومن التصوف بالصوف، ومن التسبيح بالسبح، أين فضل الفضيل؟! أين جد الجنيد؟! أين سر السري؟! أين بشر بشر؟! أين همة ابن أدهم؟! ويحك إن لم تقدر عَلَى معرفة معروف فاندب عَلَى ربع رابعة\nهاتيك ربوعهم وفيها كانوا ... بانوا عنها فليتهم ما بانوا\nناديتُ وفي حشاشتي نيران ... يا دار متى تحوَّل السكان؟!\nيا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيام الأسحار يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك عَلَى انقطاعك:\nتشاغلتم عنا بصحبة غيرنا ... وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا\nوأقسمتم أن لا تحولوا عن الهوى ... فقد وحياة الحبِّ حلتم وما حلنا\nليالي كنا نجتني من ثماركم ... فقلبي إِلَى تلك الليالي لقد حنّا\n_________\n(*) من المطبوع.","vol":"4","page":89},{"text":"إخواني! مجالسُ الذكر شراب المحبين، وترياق المذنبين ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، مجالس الذكر مآتم الأحزان، فهذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه وهذا يتأسف عَلَى فوات مطلوبه، وهذا يتلهف لإعراض محبوبه، وهذا ييوح بوجده، وهذا ينوح عَلَى (فقده) (*).\nما أذكر عيشنا الَّذِي قد سلفا ... إلا وجف القلبُ وكم قد وجفا\nواهًا لزماننا الَّذِي كان صفا ... وا أسفًا وهل يَرُدُّ فائتًا واأسفا\nيا ليتنا بزمزم والحجر ... (يا حيرتنا) (**) قُبيل يوم النَّفر\nهل يرجع صفو ما مضى من عمري ... أدري ما كان ليتني لا أدري\nكأني أرى الخلع خُلعت عَلَى المقبولين، كأني أرى الملائكة تصافح التائبين، تعالوا نبكي عَلَى المطردوين:\nما زالت دهرًا (للقلى) (...) متعرضا ... ولطالما قد كنت عنا معرضا\nجانبتنا دهرًا فلما لم تجد ... عوضًا سوانا صرت تبكي ما مضى\nلو كنت لازمت الوقوف ببابنا ... للبست من إحساننا خلع الرضا\nلكن تركت حقوقنا وهجرتنا ... فلذاك ضاق عليك متسع الفضا\nتم الكتاب بحمد الله\nوحسن توفيقه وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.\n...\n_________\n(*) بعده: \"نسخة\".\n(**) ترى حيرتنا: \"نسخة\".\n(...) للرضا: \"نسخة\".","vol":"4","page":90}]}