{"ً":{"ٌ":151148,"ٍ":"المحجة في سير الدلجة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: المحجة في سير الدلجة [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)\nدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الصفحات: ٥٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":23,"ٖ":1770154091,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"الأصل العظيم","level":1,"page":3},{"title":"بيان معنى الباء في الآية والحديث","level":1,"page":4},{"title":"الحمد لله ثمن كل نعمة","level":1,"page":6},{"title":"بيان معنى النعم وأن الحمد منها","level":1,"page":8},{"title":"الجنة والعمل من فضل الله تعالى","level":1,"page":9},{"title":"الشقاء والسعادة بعدله ورحمته جل وعلا","level":1,"page":10},{"title":"ما يجب على العبد معرفته","level":1,"page":15},{"title":"الاشتغال بالشكر أعظم النعم","level":1,"page":16},{"title":"العمل لا يوجب النجاة","level":1,"page":17},{"title":"الاعتراف بفضل الله ﷿","level":1,"page":18},{"title":"ما على العبد للفوز والنجاة","level":1,"page":19},{"title":"بيان أحب الأعمال إلى الله","level":1,"page":20},{"title":"معنى سددوا وقاربوا","level":1,"page":23},{"title":"بيان ما تفوق به الصحابة","level":1,"page":24},{"title":"قاعدة جليلة","level":1,"page":26},{"title":"بيان جملة من التيسير في التشريع","level":1,"page":27},{"title":"معنى الغدوة والروحة وأوقاتها وفضائلها","level":1,"page":29},{"title":"معنى القصد في السير","level":1,"page":33},{"title":"سلوك صراط الله ﷿","level":1,"page":36},{"title":"الأعمال بالخواتيم","level":1,"page":37},{"title":"فضل تقرب العبد إلى الله ﷿","level":1,"page":38},{"title":"أنواع الوصول إلى الله تعالى","level":1,"page":40},{"title":"حال من التزم الإسلام أو الإيمان أو الإحسان","level":1,"page":42},{"title":"فضل وقتي الغداة والعشي والمقصود بهما","level":1,"page":45},{"title":"حال من ركن إلى الآخرة ومن ركن إلى الدنيا","level":1,"page":46},{"title":"فصل في قوله تعالى: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ [الزمر: ٤٧]","level":1,"page":47},{"title":"بيان ما يصير هباء منثورا من الأعمال","level":1,"page":48},{"title":"النوع الأول:","level":2,"page":48},{"title":"النوع الثاني:","level":2,"page":48},{"title":"النوع الثالث:","level":2,"page":48},{"title":"النوع الرابع:","level":2,"page":49},{"title":"النوع الخامس","level":2,"page":49},{"title":"النوع السادس","level":2,"page":49},{"title":"النوع السابع","level":2,"page":50},{"title":"هم الدنيا وشقاء الآخرة","level":1,"page":51},{"title":"الحذر ... الحذر","level":1,"page":52}],"ٛ":{"4,389":1,"4,391":2,"4,392":3,"4,393":4,"4,394":5,"4,395":6,"4,396":7,"4,397":8,"4,398":9,"4,399":10,"4,400":11,"4,401":12,"4,402":13,"4,403":14,"4,404":15,"4,405":16,"4,406":17,"4,407":18,"4,408":19,"4,409":20,"4,410":21,"4,411":22,"4,412":23,"4,413":24,"4,414":25,"4,415":26,"4,416":27,"4,417":28,"4,418":29,"4,419":30,"4,420":31,"4,421":32,"4,422":33,"4,423":34,"4,424":35,"4,425":36,"4,426":37,"4,427":38,"4,428":39,"4,429":40,"4,430":41,"4,431":42,"4,432":43,"4,433":44,"4,434":45,"4,435":46,"4,436":47,"4,437":48,"4,438":49,"4,439":50,"4,440":51,"4,441":52,"4,442":53},"ٜ":{"4":[389,442]},"ٝ":["4,389","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"4":[3],"6":[4],"8":[5],"9":[6],"10":[7],"15":[8],"16":[9],"17":[10],"18":[11],"19":[12],"20":[13],"23":[14],"24":[15],"26":[16],"27":[17],"29":[18],"33":[19],"36":[20],"37":[21],"38":[22],"40":[23],"42":[24],"45":[25],"46":[26],"47":[27],"48":[28,29,30,31],"49":[32,33,34],"50":[35],"51":[36],"52":[37]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المحجة في سير الدلجة","vol":"4","page":389},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nخرَّج البخاري -﵀- في \"صحيحه\" (١) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لن يُنَجِّيَ أحدًا منكم عملُه\".\nقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟\nقَالَ: \"ولا أنا إلاَّ أن يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ برحمتِهِ، سَدِّدوا وقاربوا واغدوا ورُوحوا وشيءٌ من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا\".\nوخرَّجه أيضًا (٢) في \"موضع آخر\" (*) في كتابه، ولفظه: \"إن هذا الدِّين يُسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلاَّ غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة\".\nوخرج أيضًا (٣) من حديث عائشة ﵂ عن النبيّ ﷺ أنّه قَالَ: \"سدّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنَّه (لا يُدخل الجنةَ أحدًا عملُه) (**) \". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟\nقَالَ: \"ولا أنا إلاَّ أن يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ برحمتِهِ\" (...) \".\nوخرج أيضًا (٤) من حديثها عن النبيّ ﷺ قَالَ: \"سدّدوا وقاربوا واعلموا أنّه لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة، وإنَّ أحبَّ الأعمال إِلَى الله أدومها وإنْ قلَّ\".\nاشتملت هذه الأحاديثُ الشريفةُ عَلَى أصلٍ عظيمٍ، وقاعدةٍ مهمةٍ. ويتفرع عليها مسائلُ شتَّى من مسائِل السير والسلوك إلى الله تعالى في طريقه الموصل إِلَيْهِ.\n_________\n(١) برقم (٦٤٦٣).\n(٢) برقم (٣٩).\n(*) مواضع آخر: \"نسخة\".\n(٣) برقم (٦٤٦٧).\n(**) (لن يَدخلَ الجنةَ أحد بعمله): \"نسخة\".\n(...) بمغفرته ورحمته: \"نسخة\".\n(٤) برقم (٦٤٦٤).","vol":"4","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الأصل العظيم</span>\nأمَّا الأصلُ (فهو أنَّ عمل الإنسان لا يُنْجِيه) (*) من النَّار ولا يُدْخِله الجنَّة، وإنَّ ذلك كلَّه إِنَّمَا يحصل بمغفرة الله ورحمته.\nوقد دلَّ القرآن العزيز عَلَى هذا المعنى في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. وقوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١]، وقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الصف: ١١ - ١٢].\nفَقَرَن بين دخول الجنة والنجاة من النار وبينَ المغفرة والرحمة فدلَّ عَلَى أنّه لا يُنال شيء من ذلك بدون مغفرة الله ورحمته.\nقَالَ بعض السَّلف: الآخرة إمَّا عفو الله أو النار، والدنيا إما عصمة الله أو الهلكة.\nوكان محمد بن واسع يودع أصحابه عند موته ويقول: عليكم السلام إِلَى النار أو يعفو الله.\n...\n_________\n(*) فإن الإنسان لا ينجيه عمله: \"نسخة\".","vol":"4","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>بيان معنى الباء في الآية والحديث</span>\nفأما قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، فقد اختلف العُلَمَاء في معنى ذلك عَلَى قولين:\nأحدهما: أنَّ دخول الجنة (برحمته) (*)، ولكن انقسام المنازل بحسب الأعمال.\nقَالَ ابن عيينة: كانوا يرون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة بفضله واقتسام المنازل بالأعمال.\nوالثاني: أنَّ الباء المثبتة، في قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقوله ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، باء السببية، وقد جعل الله العمل سببًا لدخول الجنة.\nوالباء المنفية في قوله - ﷺ -: \"لن يَدخلَ أحدٌ الجنة بعمله\"، باء المقابلة والمعاوضة، والتقديرُ لن يستحقَّ أحدُ دخول الجنة بعمل يعمله. فأزال بذلك توهم من يتوهم أنَّ الجنة ثمن الأعمال، وأنَّ صاحب العمل يستحق عَلَى الله دخول الجنة كما يستحق من دفع ثمن سلعة إِلَى صاحبها تسليم سلعته، فنفى بذلك هذا التوهم، وبيَّن أن العمل وإن كان سببًا لدخول الجنة، فإنما هو من فضل الله ورحمته.\nفصار الدخول مضافًا إِلَى فضل الله ورحمته ومغفرته؛ لأنّه هو المتفضل بالسبب والمسيَّب المرتَّب عليه، ولم يبق الدخول مرتبًا عَلَى العمل نفسه.\nفي \"الصحيح\" (١) عن النبى -ﷺ-: \"إن الله تعالى يقول للجنة: أنتِ\n_________\n(*) برحمة الله: \"نسخة\".\n(١) أخرجه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦).","vol":"4","page":393},{"text":"رحمتي أرحمُ بكَ مَنْ أشاء مِنْ عبادي\".\nما للعباد عليه حقٌّ واجب ... كلا ولا (سعي) (*) لديه ضائع\nإن عُذِّبو فبعدلِهِ أو نُعِّمُوا ... فبفضله وهو الكريمُ الواسع\n...\n_________\n(*) فضل: \"نسخة\".","vol":"4","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الحمد لله ثمن كل نعمة</span>\nفإن قيل: فقد روى حبيب بن الشهيد عن الحسن أنّه قَالَ: \"الحمد لله ثمن كل نعمة، ولا إله إلاّ الله ثمن الجنة\".\nورُوي هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنس (١) وأبي ذر وغيرهما، وإن كان في (أسانيدها) (*) ضعف.\nويشهد لذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فجعل الجنة ثمنًا للنفوس والأموال.\nفالجواب أنَّ الله ﷾ بفضله ورحمته وكرمه، ومنِّه وطَوْله، خاطب عباده بما ندبهم إِلَيْه من طاعته عَلَى حسب ما يتعارفونه بينهم في تصرفاتهم المعهودة المألوفة لهم.\nوجعل نفسه مشتريًا منهم ومستقرضًا وجعلهم بائعين له ومقرضين ليكون ذلك أدعى إِلَى (استجابتهم) (**) لدعوته ومبادرتهم إِلَى طاعته، وإلاَّ ففي الحقيقة الكلُّ له (ومِلْكه) (...) ومن فضله وإحسانه ورحمته. فالنفوسُ والأموالُ كلُّها ملكٌ له، كما أمرنا عند المصائب أن نقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].\nومع هذا فقد مدح من بذل له نفسه وماله وجعله بائعًا له ومقرضًا، كالذي\n_________\n(١) أورده الديلمي في مسند الفردوس (٢٥٤٨)، ولم أقف عليه عن أبي ذر.\n(*) إسنادهما: \"نسخة\".\n(**) استجلابهم: \"نسخة\".\n(...) ملك: \"نسخة\".","vol":"4","page":395},{"text":"له ملكٌ يبيعه ويقرضه لغيره مِمَّن لا يملكه عليه كذلك الأعمالُ كلُّها من فضله ورحمته، وقد مدح عليها ونسبها إِلَى عاملها وجعلها شكرًا منهم لنعمه ومكافأة لها.\n***","vol":"4","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>بيان معنى النعم وأنّ الحمد منها</span>\nوقد روى ابن ماجه (١) من حديث أنس مرفوعًا: \"ما أنعم الله عَلَى عبدٍ نعمةً فَقَالَ: الحمد لله إلاَّ كان ما أُعْطِي أفضلَ مما أخذ\".\nوكذا قَالَ عمر بن عبد العزيز والحسن وغيرهما من السَّلف.\nوأُشكل ذلك عَلَى كثير من العُلَمَاء قديمًا وحديثًا، وعلى ما قررناه معناه ظاهرٌ، فإنَّ المراد بالنعم: النعم الدنيوية، والحمد: من النعم الدينية.\nوالنعم الدينية أفضل من النعم الدنيوية، ولكن لما كان الحمد منسوبًا إِلَى العبد لفعله له، وقيامه به، جعله الله معطيًا لأعظم النعمتين، مكافئًا بها للنعمة الأخرى.\nولهذا جاء في الأثر \"الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويدافع نقمه ويكافئ مزيده\" (٢).\nفبهذا الاعتبار يكون الحمد ثمنًا للجنة.\n...\n_________\n(١) برقم (٣٨٠٥) وقال في الزوائد: إسناده حسن، شبيب بن بشر مختلف فيه.\n(٢) أورده المنذري في التركيب (٢٤٢٨ - دار الكتب العلمية) بلفظ: روي، وعزاه للبخاري في \"الضعفاء\".","vol":"4","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الجنة والعمل من فضل الله تعالى</span>\nوعند تحقيق النظر فالجنة والعمل كلاهما من فضل الله ورحمته عَلَى عباده المؤمنين؛ ولهذا يقول أهل الجنة عند دخولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nفلما اعترفوا لله بنعمته عليهم بالجنة وبأسبابها من الهداية، وحمدوا الله عَلَى ذلك كله جُوزُوا بأَنْ نُودُوا: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] فأضيف العمل إليهم وشُكروا عليه.\nونظير هذا ما قاله بعض السَّلف: إنَّ العبد إذا أذنب ثم قَالَ: يا رب أنت قضيت عَلَيَّ، قَالَ له ربه: أنتَ أذنبت وأنت عصيت، فإن قَالَ العبد: يا رب أنا أخطأت وأنا أسأت، وأنا أذنبت.\nقَالَ الله: أنا قضيت عليك وقدرت، وأنا أغفر لك.\n***","vol":"4","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الشقاء والسعادة بعدله ورحمته جلَّ وعلا</span>\nومما يتحقق به معنى قول النبيّ ﷺ: \"لَنْ يدخلَ أحدٌ الجنةَ بِعملِهِ\"، أو \"لَنْ ينجّيَ أحدًا عملُهُ\"، أن مضاعفة الحسنات إِنَّمَا هي من فضل الله ﷿ وإحسانه، حيث جازى بالحسنة عشرًا ثم ضاعفها إِلَى سبعمائة ضعف إِلَى أضعاف كثيرة. فهذا كله فضل منه -﷿-، ولو جازى بالحسنة مثلها كالسيئات لم تقوَ الحسنات عَلَى إحباط السيئات، فكان يهلك صاحبُ العمل لا محالة.\nكما قَالَ ابن مسعود -﵁- في صفة الحسنات: إن كان وليًّا لله فَفَضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يُدخله بها الجنة، وإن كان شقيًّا قَالَ المَلَك: يا رب فَنِيت حسناته وبقي له طالبون كثير؟\nقَالَ: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إِلَى سيئاته ثم صكوا له صكًّا إِلَى النار (١).\nفتبيَّن بهذا أن من أراد اللهُ سعادَتَهُ أضعفَ اللهُ له حسناته حتى يستوفي (منها) (*) الغرماء، ويبقي له منها مثقال ذرة فتضاعف له ويدخل بها الجنة، وذلك من فضل الله ورحمته.\nومن أراد الله شقاوته وله غرماء لم تضاعف حسناته كما تضاعف لمن أراد الله سعادته، بل يضاعفها عشرًا فتقسم عَلَى الغرماء فيستوفونها كلها، وتبقى لهم عليه مظالم فيطرح عليه من سيئاتهم فيدخل بها النار، قهذا عدله (وذاك) فضله (**).\nومن هنا قَالَ يحيى بن معاذ: إذا بسط فضله لم يبق لأحد سيئة، وإذا جاء\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤١٦)، والطبري في تقسيره (٥/ ٨٩ - ٩٠)، (١٩/ ٥٤ - ٥٥)، وعزاه ابن كثير (١/ ٤٩٨) لابن أبى حاتم والطبري وقال: ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.\n(*) منه: \"نسخة\".\n(**) وذلك: \"نسخة\".","vol":"4","page":399},{"text":"عدله لم يبق لأحد حسنة.\nوأيضًا، فقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنّه قَالَ: \"من نُوقش الحساب هلك\" (١)، وفي رواية \"عُذِّب\" (٢)، وفي رواية \"خصم\" (٣).\nوخرَّج أبو نعيم (٤) من حديث علي ﵁ مرفوعًا: \"أوحى الله إِلَى نبي من أنبياء بني إسرائيل: قُلْ لأهل طاعتي من أمتك لا يتكلوا عَلَى أعمالهم فإني لا (أقاص) (*) عبدًا الحساب يوم القيامة أشاء أن أعذبه إلاَّ عذبته. وقل لأهل معصيتي من أمتك: لا يلقوا بأيديهم، فإني أغفر الذنب العظيم ولا أبالي.\nوقال عبد العزيز بن أبي روّاد: أوحى الله إِلَى داود ﵇: يا داود بشِّر المذنبين وأنذر المُصَّدقين: فكأنه عَجِبَ، فَقَالَ: يا رب، أبشر المذنبين وأنذر (المُصَّدقين) (**)؟!\nقَالَ: نعم، بشِّر المذنبين أنّه لا يتعاظمني ذنب أغفره، وأنذر المصدقين أني لا أضع عدلي وحسابي عَلَى (عبد) (...) إلاَّ هلك (٥).\nقَالَ ابن عيينة: المناقشة سوء الاستقصاء حتى لا يترك منه شيء.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦/ ٨٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦/ ٧٩).\n(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٢٣).\n(٤) في \"الحلية\" (٤/ ١٩٥) وقال: غريب من حديث أبي عبد الرحمن، لم نكتبه إلاَّ من حديث أبي داود الضمري، تفرد به مختار، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٨٤٤)، وقال: لا يروي هذا الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمي، إلاَّ عبد الأعلى، تفرد به عيسى بن مسلم، ولا يروى عن علي إلاَّ بهذا الإسناد.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٠٧): وفيه عيسى بن مسلم الطهوي، قَالَ أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه، وبقية رجاله ثقات إن شاء الله.\n(*) من \"الحلية\"، وفي نسخة: \"أناضل\" وعلى حاشيتها: \"أناقش\". وفي نسخة: \"أناض\" وعلى حاشيتها: لعل الصواب \"أقاضي\".\n(**) الصادقين: \"نسخة\".\n(...) أحد: \"نسخة\".\n(٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٩٥) وبين ابن أبي رواد وداود ﵇ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي.","vol":"4","page":400},{"text":"وقال ابن زيد: الحساب الشديد الَّذِي ليس فيه شيء من العفو، والحساب اليسير الَّذِي تغفر ذنوبه وتقبل حسناته.\nفتبين بهذا أنّه لا نجاة للعبد بدون المغفرة والعفو والرحمة والتجاوز، وأنه متى أقيم العدل المحض عَلَى عبد هَلك.\nومما يبين ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فهذا يدلُّ عَلَى أن الناسُ يسألون عن النعيم في الدُّنْيَا، وهل قاموا بشكره أم لا؟ فمن طولب بالشكر عَلَى كل نعمة من عافية وستر وصحةِ جسم وسلامة حواسٍّ وطيب عيش واستُقصي (ذلك عليه) (*)، لم تَفِ أعمالُهُ كلُّها بشكر بعض هذه النعم، وتبقى سائر النعم غير مقابلة بشكر فيستحق صاحبها العذاب بذلك.\nوخرَّج الخرائطي في \"كتاب الشكر\" (١) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"يؤتى بعبد يوم القيامة فيوقفُ بين يدي الله ﷿ (فيقول الله للملائكة) (**): انظروا في عمل عبدي (ونعمتي) (...) عليه. فينظرون فيَقُولُونَ: ولا بقدر نعمةٍ واحدةٍ من نعمك عليه.\nفيقول: انظروا في عمله سيِّئه وصالحه. فينظرون فيجدونه كفافًا، فيقول: عبدي قد قبلتُ حسناتِكَ وغفرتُ لك سيئاتِكَ، وقد وهبت لك (نعمي) (****) فيما بين ذلك\".\nوخرَّج الطبراني (٢) من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: \"إنَّ الرجلَ يأتي يوم القيامة بالعمل لو وُضِعَ عَلَى جبلٍ لأثقله، فَتَقْدُم النعمة من نعم الله\n_________\n(*) عَلَى ذلك: \"نسخة\".\n(١) وأورده ابن رجب في \"جامع العلوم والحكم\" (ص ٢٤٤) بقوله: وروى الخرائطي بإسناد فيه نظر.\n(**) فيقول لملائكته: \"نسخة\".\n(...) ونعمي: \"نسخة\".\n(****) نعمتي: \"نسخة\".\n(٢) في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٣٥٩٥)، وقال الهيثمي (١٠/ ٤٢٠): فيه أيوب ابن عتبة، وهو ضعيف.","vol":"4","page":401},{"text":"فتكاد أن تستنفد ذلك، إلاَّ أن يتطاول الله برحمته\".\nوخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا (١) من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: \"يؤتى (بالنعم) (*) يوم القيامة ويؤتى بالحسنات والسيئات فيقول الله لنعمة من نعمه: خذي حقَّك من حسناته، فما تترك له حسنة إلاَّ ذهبت بها\".\nوبإسناده عن وهب بن مُنَبِّه قَالَ: عَبَدَ عابدٌ خمسين (عامًا) (**)، فأوحى الله إِلَيْهِ: إني قد غفرت لك. قَالَ: يا رب (ولم لا) (...) تغفر لي ولم أذنب؟ فأذن الله لِعرق في عنقه فضرب عليه فلم ينم ولم يصلِّ، ثم سكن (ونام) (****) فأتاه ملك فشكى إِلَيْه ما لقي من ضربان العرق، فَقَالَ المَلك: إن ربك ﷿ يقول: عبادتك خمسين سنة تعدل سكون (ذا) (*****) العرق.\nوفي صحيح (٢) الحاكم عن جابر ﵁ مرفوعًا عن جبريل ﵇: \"إنَّ عابدًا عَبَدَ الله -﷿- عَلَى رأس جبلٍ في البحر خمسمائة سنة، ثم سأل ربه أن يَقْبِضَه ساجدًا.\nقَالَ جبريل: فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا، ونجد في العِلْم أنّه (يُبعث) (******) يوم القيامة فيوقف بين يدي الله ﷿ فيقول الرب ﷿: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي.\n_________\n(١) في \"كتاب الشكر\" (٢٤)، وأورده ابن رجب في \"جامع العلوم والحكم\" (ص ٢٤٣) بقوله: بإسناد فيه ضعف.\n(*) بالنعيم: \"نسخة\".\n(**) سنة: \"نسخة\".\n(...) وما: \"نسخة\".\n(****) وقام: \"نسخة\".\n(*****) ذلك: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن سليمان بن هرم العابد من زهاد أهل الشام، والليث بن سعد لا يروي عن المجهولين. وتعقبه الذهبي نقال: لا والله، وسليمان غير معتمد.\n(******) إذا بعث: \"نسخة\".","vol":"4","page":402},{"text":"فيقول العبد: بعملي يا رب، يفعل ذلك ثلاث مراتٍ.\nثم يقول الله تعالى للملائكة: قايسوا عبدي بنعمي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت (بعبادته) (*) خمسمائة سنة، وبقيت نعم الجسد له.\nفيقول: أدخلوا عبدي النار.\nفيُجر إِلَى النار فينادي (برحمتك يا رب أدخلني الجنة) (**)، فيدخله الجنة.\nقَالَ جبريل: إِنَّمَا الأشياء برحمة الله يا محمد\".\n...\n_________\n(*) بعبادة: \"نسخة\".\n(**) برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك أدخلني الجنة: \"نسخة\".","vol":"4","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ما يجب عَلَى العبد معرفته</span>\nفمن حقق معرفة هذه الأمور، عَرَفَ أنَّ العمل وإنْ عظم فإنَّه لا يستقل بنجاة العبد، ولا يستحق به عَلَى الله دخول الجنة، ولا النجاة من النار.\nوحينئذٍ فيفلس العبد من عمله وييأس من الاتكال عليه ومن النظر إِلَيْه وإن كثر العمل وحسن.\nفكيف بمن ليس له (كثير عملٍ) (*)، وليس له عملٌ حسنٌ؟\nفإن هذا ينبغي أن يشغله الفكر في التقصير في عمله، ويشتغل بالتوبة من تقصيره والاستغفار منه.\n...\n_________\n(*) عمل كثير: \"نسخة\".","vol":"4","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الاشتغال بالشكر أعظم النعم</span>\nفأما من حَسُن عمله وكثر، فإنه ينبغي له أن يشتغل بالشكر عليه فإن ذلك من أعظم نعم الله عَلَى عبده.\nفيجب مقابلته بالشكر عليه وبرؤية التقصير في القيام بشكره.\nكما كان وهيب بن الورد إذا سُئل عن أجْر عمل من الأعمال يَقُول: لا تسألوا عن أجرِهِ ولكن سلوا عما يجب عَلَى من هدي له من الشكر عليه.\nوكان أبو سليمان يقول: كيف يعجب عاقل بعمله؟\nوإنَّما يُعد العمل نعمةً من نعم الله ﷿، وإنما ينبغي له أن يشكر ويتواضع، إِنَّمَا يعجب بعمله القدرية.\nيعني: الذين لا يرون أن أعمال العباد مخلوقةٌ لله ﷿.\n***","vol":"4","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>العمل لا يوجب النجاة</span>\nوما أحسن ما قَالَ أبو بكر النهشلي يوم مات داود الطائي وقام ابن -السمَّاك بعد دفنه يثني عليه بصالح عمله ويبكي، والناس يبكونه ويصدقونه عَلَى مقالته ويشهدون بما يثني به عليه، فقام أبو بكر النهشلي فَقَالَ: الفهم اغفر له وارحمه ولا تكله إِلَى عمله.\nوفي \"سنن أبي داود\" (١) عن زيد بن ثابت ﵁ مرفوعًا: \"لو عَذَّب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم\".\nوفي \"صحيح الحاكم\" (٢) عن جابرٍ ﵁: أن رجلًا جاء إِلَى النبيّ - ﷺ - فَقَالَ: واذُنوباه واذُنوباه. قالها مرتين أو ثلاثًا.\nفَقَالَ رسول الله ﷺ: \"قل: اللَّهم مغفرتُك أوسعُ لى من ذنوبي، ورحمتُكَ أرجى عندي من عملي\".\nفقالها، ثم قَالَ: \"عد\" فعاد، ثم قَالَ: \"عد\" فعاد فَقَالَ له: \"قم فقد غُفِرَ لك\".\nذنوبي إن فكَّرتُ فيها كثيرةٌ ... ورحمةُ ربي مِنْ ذنوبي أوسعُ\nوما طمعي في صالحٍ قد عملتُهُ ... ولكنني في رحمةِ اللهِ أطمعُ\n...\n_________\n(١) برقم (٤٦٩٩).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٤٣ - ٥٤٤). وقال: حديث رواته عن آخرهم مدنيون ممن لا يعرف واحد منهم بجرح، ولم يخرجاه.","vol":"4","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الاعتراف بفضل الله ﷿</span>\nفَإِذَا تقرر (هذا) (*) الأصل الشريف العظيم، وعُلم أنَّ العمل بنفسه لا يوجب النجاة من النار ولا دخول الجنة، فضلًا عن أن يوجب بنفسه الوصولَ إِلَى أعلى ما في الجنة من منازل المقربين، والنظرَ إِلَى وجه ربِّ العالمين، وإنما ذلك كله برحمة الله وفضله ومغفرته.\nفذلك يوجب عَلَى المؤمن أن يقطع نظره عن عمله بالكلية، وأن لا ينظر إلاَّ إِلَى فضل الله ومنّته عليه.\nكما سُئل بعض العارفين: أي الأعمال أفضل؟\nقَالَ: رؤية فضل الله ﷿، وأنشد:\nإنَّ المقادير إذا ساعدتْ ... ألحَقَت العاجزَ بالحازمِ\n...\n_________\n(*) ذلك: \"نسخة\".","vol":"4","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>ما عَلَى العبد للفوز والنجاة</span>\nفيتعين حينئذٍ عَلَى العبد المؤمن الطالب للنجاة من النار ولدخول الجنة، وللقرب من مولاه والنظر إِلَيْه في دار كرامته، وإن يطلب ذلك بالأسباب الموصلة إِلَى رحمة الله وعفوه ومغفرته ورضاه ومحبته.\nفبها ينال ما عند الله من الكرامة.\nإذ الله ﷾ قد جعل للوصول إِلَى ذلك أسبابًا من الأعمال التي جعلها موصلة إليها، وليس ذلك موجودًا إلاَّ فيما شرعه الله لعباده عَلَى لسان رسوله، وأخبر عنه رسوله أنّه يقرِّب إِلَى الله ويوجب رضوانه ومغفرته، وأنه مما يحبُّه الله، أو أنّه من أحبَّ الأعمال إِلَى الله ﷿، فقد قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\nوقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\nفالواجب عَلَى العبد البحثُ عن خصالِ التقوى وخصال الإِحسان التي شرعها الله في كتابه، أو عَلَى لسان رسوله - ﷺ -، والتقرب بذلك إِلَى الله ﷿ فإنه لا طريق للعبد يوصله إِلَى رضى مولاه وقربه ورحمته وعفوه ومغفرته سوى ذلك.\n***","vol":"4","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>بيان أَحَبِّ الأعمال إِلَى الله</span>\nوقد أشار النبيّ ﷺ في هذه الأحاديث المُشار إليها في أول الجزء من رواية عائشة وأبي هريرة ﵄ إِلَى أنَّ أحبَّ الأعمال إِلَى الله ﷿، شيئان:\nأحدهم: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلًا.\nوهكذا كان عمل النبيّ ﷺ وعمل آله وأزواجه من بعده، وكان ينهى عن قطع العمل.\nوقال لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: \"لا تكُنْ مثلَ فلانٍ كان يقومُ الليلَ فترك قيام الليل\" (١).\nوقال: \"يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَلْ فيقول: قد دعوت فلم يُسْتجب لي فيستحسر عنيد ذلك ويَدَع الدعاء\" (٢).\nقَالَ الحسن: إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداومًا عَلَى طاعة الله ﷿ فبغاك وبغاك، فرآك مداومًا مَلَّكَ ورفضك، وإذا رآك مرةً هكذا ومرةً هكذا طمع فيك.\nوالثاني: أنَّ أحبَّ الأعمال إِلَى الله ما كان عَلَى وجه السداد والاقتصاد والتيسير دون ما كان عَلَى وجه التكلف والاجتهاد والتعسير.\nكما قَالَ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٥).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥/ ٩٢).","vol":"4","page":409},{"text":"وكان النبيّ ﷺ يقول: \"يسِّروا ولا تعسِّروا\" (١).\nوقال: \"إِنَّمَا بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين\" (٢).\nوفي \"المسند\" (٣) عن ابن عباس قيل لرسول الله - ﷺ -: أيُّ الأديان أحبُّ إِلَى الله ﷿؟ قَالَ: \"الحنيفية السمحة\".\nوفيه أيضًا (٤) عن مِحْجَن بن الأدرع أن النبيّ ﷺ دخل إِلَى المسجد فرأى رجلًا قائمًا يصلّي فَقَالَ: \"أتراه صادقًا؟ \".\nفقيل: يا نبي الله هذا فلان، هذا من أحسن أهل المدينة، ومن أكثر أهل المدينة صلاة.\nفَقَالَ: (لا تُسْمِعه) (*) فتُهلكه -مرتين أو ثلاثًا- إنكلم أمة أُريد بكم اليسر\".\nوفي رواية أخرى له (٥) قَالَ: \"إن خير دينكم أيسره\".\nوفي رواية أخرى له (٦) قَالَ: \"إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة\".\nوخرجه حميد بن زنجويه وزاد فيه فَقَالَ: \"واكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا، وعليكم بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة\".\nوفي \"المسند\" (٧) عن بُريدة قَالَ: خرجتُ فإذا رسول الله -ﷺ- يمشي،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩)، ومسلم (١٧٣٤) عن أنس مرفوعًا.\n(٢) أخرجه البخاري (٢٢٠) عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(٣) (١/ ٢٣٦)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٦٠): رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\"، و\"الأوسط\"، والبزار وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس ولم يصرح بالسماع.\n(٤) في \"المسند\" (٥/ ٣٢).\n(*) لا تسمعوه: \"نسخة\".\n(٥) في \"المسند\" (٤/ ٣٣٨).\n(٦) في \"المسند\" (٤/ ٣٣٧). وقال الهيثمي (٩/ ٣٦٩): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(٧) (٥/ ٣٥٠)، وقال الهيثمي (١/ ٦٢): رواه أحمد ورجاله موثقون.","vol":"4","page":410},{"text":"فلحقته فإذا نحن بين (أيدينا برجلٍ) (*) يصلّي يكثر الركوع والسجود.\nقَالَ. \"أتراه يرائي؟ \"\nقلت: الله ورسوله أعلم.\nقَالَ: (فترك) (**) يدي من يده ثم جمع بين يديه فجعل يصوّبهما ويرفعهما ويقول: \"عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا فإنَّه من يشادَّ هذا الدين يغلبه\".\nوقد رُوي من وجه آخر مرسلًا، وفيه أن النبيّ ﷺ قَالَ: \"إن هذا آخذ بالعسر ولم يأخذ باليسر\" ثم دفع في صدره فخرج من المسجد ولم يُر فيه بعد ذلك.\nوقد أنكر النبيّ ﷺ عَلَى من عزم عَلَى التبتل والاختصاء وقيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن كل ليلة، كعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن مظعون والمقداد وغيرهم، وقال: \"ولكني أصومُ وأفطرُ، وأقومُ وأنامُ، وأتزوجُ النِّساءَ، فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس منِّي\" (١).\nوانتهى بعبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في كل سبع، وفي رواية أنّه انتهى به إِلَى قراءته في كل ثلاث، وقال: \"لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث\"، وانتهى به في الصيام إِلَى صيام داود، وقال: \"لا صيام أفضل من ذلك\"، وفي القيام إِلَى قيام داود ﵇ (٢).\n...\n_________\n(*) يدي رجل: \"نسخة\".\n(**) غير واضحة بالنسختين الخطيتين، ونقلتها من المسند.\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٠٥٢)، ومسلم (١١٥٩).","vol":"4","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>معنى سدِّدوا وقاربوا</span>\nفقوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة وعائشة: \"سدِّدوا وقاربوا\" المراد بالتسديد: العمل بالسِّداد، وهو القصد، والتوسط في العبادة فلا يقصِّر فيما أُمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه.\nقَالَ النضر بن شميل: السداد القصد في الدين والسبيل.\nوكذلك المقاربة المرادُ بها التوسط بين التفريط والإِفراط فهما كلمتان بمعنى واحدٍ أو متقارب.\nوهو المراد بقوله في الرواية الأخرى: \"وعليكم هديًا قاصدًا\".\nقوله: \"وأبشروا\" يعني أن من مشى في طاعة الله عَلَى التسديد والمقاربة فليبشر، فإنه يصل ويسبق الدائب المجتهد في الأعمال.\nفإن طريقَ الاقتصاد والمقاربة أفضلُ من غيرها، فمن سلكها فليبشر بالوصول فإنَّ الاقتصادَ في سنة خيرٌ من الاجتهاد في غيرها، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، فمن سلك طريقه كان أقرب إِلَى الله من غيره.\nوليست الفضائلُ بكثرة، الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصةً لله ﷿، صوابًا عَلَى متابعة السنة. وبكثرة معارف القلوب وأعمالها.\nفمن كان بالله أعرف وبدينه وأحكامه وشرائعه، وله أخوف وأحبَّ وأرجى فهو أفضلُ ممن ليس كذلك، وإن كان أكثر منه عملًا بالجوارح.\nوإلى هذا المعنى الإِشارة في حديث عائشة ﵂ بقول النبيّ ﷺ: \"سدِّدوا وقاربوا واعلموا أنّه لن يُدْخِل أحدًا منكم عملُه الجنةَ، وإن أَحَبَّ الأعمال إِلَى الله أدومها وإنْ قل\" (١).\nفأمر بالاقتصاد في العمل وأن يضم إِلَى ذلك العِلْم بأحبِّ الأعمال إِلَى الله، وبأن العمل وحده لا يدخل الجنة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٤٦٤).","vol":"4","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>بيان ما تفوَّق به الصحابة</span>\nولهذا قَالَ بعض السَّلف: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره.\nوقال بعضهم: الَّذِي كان في صدر أبي بكر ﵁ المحبة لله ورسوله والنصيحة لعباده.\nوقال طائفة من العارفين: ما بلغ من بلغ بكثرة (صيام) (*) ولا صلاةٍ ولكن بسخاوة (الأنفس) (**) وسلامة الصدور والنصيحة للأمة.\nزاد بعضهم: وبذم نفوسهم.\nوقال آخر منهم: إِنَّمَا تفاوتوا بالإرادات ولم يتفاوتوا بكثرة الصيام والصلوات.\nوذُكر لأبي سليمان طولُ أعمار بني إسرائيل وضدة اجتهادهم في الأعمال، وأنَّ من الناس من غبطهم بذلك.\nفَقَالَ: إِنَّمَا يريد الله منكم صدق النية فيما عنده. أو كما قَالَ.\nوقال ابن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صومًا وصلاةً من أصحاب محمدٍ - ﷺ -، وهم كانوا خيرًا منكم.\nقالوا: وبما ذاك؟\nقَالَ: كانوا أزهد منكم في الدُّنْيَا وأرغب في الآخرة (١).\n_________\n(*) صوم: \"نسخة\".\n(**) النفوس: \"نسخة\".\n(١) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٥٠١)، والحاكم في \"مستدركه\" (٤/ ٣٥٠) وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٧٤).","vol":"4","page":413},{"text":"يُشير إِلَى أن الصحابة فاقوا من بعدهم بشدة تعلق قلوبهم بالآخرة ورغبتهم فيها وإعراضهم عن الدُّنْيَا بتحقيرها وتصغيرها، وإن كانت في أيديهم، فكانت قلوبُهُم منها فارغةً، وبالآخرة ممتلئةً.\nوهذه الحال ورثوها من نبيهم - ﷺ -، فإنَّهُ كان أشدَّ الخَلْقِ فراغًا بقلبه من الدُّنْيَا، وتعلقًا بالله وبالدار الآخرة مع ملابسته للخلق بظاهره، وقيامه بأعباء النبوة وسياسة الدين والدنيا.\nوكذلك خلفاؤه الراشدون بعده، وكذلك أعيان التابعين لهم بإحسان كالحسن وعمر بن عبد العزيز، وقد كان في زمانهم من هو أكثر منهم صومًا وصلاةً، ولكن لم يصل قلبُهُ إِلَى ما وصلت إِلَيْه قلوب هؤلاء من ارتحالها عن الدُّنْيَا وتوطُنها الآخرة.\n***","vol":"4","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>قاعدة جليلة</span>\nفأفضل الناس من سلك طريق النَّبيّ ﷺ وخواص أصحابه في الاقتصاد في العبادة البدنية والاجتهاد في الأحوال القلبية، فإنَّ سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان.\nجاء رجلٌ إِلَى بعض العارفين فَقَالَ له: قطعتُ إليك مسافةً،\nفَقَالَ له: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارِق نفسك بخطوةٍ وقد حصل لك مقصودك.\nوقال أبو يزيد: رأيت ربَّ العزة في المنام فقلت له: يا ربِّ كيف الطريق إليك؟\nقال: اترك نفسك وتعالَ.\nما أُعْطِيتْ أمَّة ما أعطيت هذه الأمة ببركة متابعة نبيها - ﷺ - حيث كان أفضل الخلق، وهديه أكمل الهدي، مع ما يسر الله عَلَى يديه من دينه ووضع به من الآصار والأغلال عن أمته.\nفمن أطاعه فقد أطاع الله، وأحبه الله واهتدى بهدى الله.\n***","vol":"4","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>بيان جملة من التيسير في التشريع</span>\nفمن جملة ما حصل لأمته ببركته وتيسير شريعته أنَّ: \"من صلّى منهم العشاء في جماعةٍ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلّى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله\" (١).\nفيكتب له قيام ليلة وهو نائم عَلَى فراشه، لا سيما إن نام عَلَى طُهرٍ وذِكرٍ حتى تغلبه عيناه.\nو\"من صام منهم ثلاثة أيام من كل شهر فكأنما صام الشهر كله\" (٢)، فهو صائم [لبقية] (*) الشهر في مضاعفة الله، ومفطر له في رخصة الله، و\"الطاعم الشاكرُ له أجرُ الصائِم الصَّابِر\" (٣).\nومن نوى أن يقومَ من الليل فغلبته عيناه فنام كُتبَ له ما نوى، وكان نومه عليه صدقةً.\nوقال أبو الدرداء: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يسبقون سهر الجاهلين وصيامهم (٤).\nولهذا جاء في الحديث الصحيح: \"رُبَّ قائم حظُّه من قيامه السهر، وصائم\n_________\n(١) أخرجه \"مسلم\" (٦٥٦) عن عثمان بن عفان مرفوعًا.\n(٢) أخرجه البخاري (١٩٧٩)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٧) بنحوه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا.\n(*) في الأصل: \"لنفسه\"، والمثبت من المطبوع.\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٩) والترمذي (٢٤٨٦) وابن ماجه (١٧٦٤) وابن خزيمة (١٨٩٩) عن أبي هريرة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٤٣)، والدارمي (٢٠٣٠)، وابن ماجه (١٧٦٥) عن سنان بن سنة مرفوعًا أيضًا.\n(٤) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢١١).","vol":"4","page":416},{"text":"حظه من صيامه الجوع والعطش\" [رواه الطبراني (١) وأحمد بن حنبل] (٢) (*).\nوقال بعضهم: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم هذا مستغفر وقلبه فاجر، وهذا ساكت وقلبه ذاكر.\nوقال بعضهم: ليس الشأنُ فيمن يقوم الليل، إنَّما الشأن فيمن ينام عَلَى فراشه ثم يصبح وقد سبق الركب.\nوفي ذلك قيل:\nمن لي بمثل سيركَ المدللِ ... تمشي رويدًا وتجي في الأولِ\n...\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٣٤١٣)، وقال الهيثمي (٣/ ٢٠٢): رواه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله موثقون.\n(٢) في \"مسنده\" (٢/ ٣٧٣).\n(*) من المطبوع.","vol":"4","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>معنى الغدوة والروحة وأوقاتها وفضائلها</span>\nقوله - ﷺ -: \"اغدوا ورُوحوا وشيء من الدُّلجة\"، كقوله في الرواية الأخرى: \"استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة\".\nيعني أن هذه الأوقات الثلاثة تكون أوقات السير إِلَى الله بالطاعات وهي آخر الليل وأول النهار وآخره.\nوقد ذكر الله ﷾ هذه الأوقات في قوله تعالى:\n﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥ - ٢٦].\nوقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].\nوقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠].\nوذكَرَ الله تعالى الذِّكر في طرفي النهار في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال تعالى -في ذكر زكريا عليه\nالسلام: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١].\nفهذه الأوقات الثلاثة منها وقتان وهما أول النهار وآخره يجتمع في كل من هذين الوقتين عمل واجب وعمل تطوع، فأما العمل الواجب فهو صلاة الصبح وصلاة العصر وهما أفضل الصلوات الخمس، وهما البردان اللذان من حافظ","vol":"4","page":418},{"text":"عليهما دخل الجنة، وقد قيل في كل منهما أنها الصلاة الوسطى.\nوأما عمل التطوع فهو ذكر الله بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس.\nوقد ورد في فضله نصوص كثيرة وكذلك وردت النصوص الكثيرة فى أذكار الصباح والمساء، وفي فضل من ذَكَر اللهَ حين يصبح وحين يمسي.\nوقد رُوي من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"ابن آدم اذكرني ساعةً من أول النهار وساعةً من آخره أغفر لك ما بين ذلك إلاَّ الكبائر أو تتوب منها\" (١).\nوكان السَّلف لآخِرِ النهار أشد تعظيمًا من أوَّله.\nقَالَ ابن المبارك: بلغنا أنّه من ختم نهاره بذكر الله كُتب نهاره كله ذكرًا.\nوقال أبو الجَلْد: بلغنا أنَّ الله تعالى ينزل مساءً كل يوم إِلَى السماء الدُّنْيَا ينظر إِلَى أعمال بني آدم.\nورأى بعض السَّلف أبا جعفر القارئ في المنام فَقَالَ له: قل لأبي حازم - يعني الأعرج الزاهد الكَيِّس إنَّ الله وملائكته يتراؤن مجلسك بالعشيات.\nوالظاهر أن أبا حازم كان يقصُّ عَلَى النّاس آخر النهار.\nوقد جاء في الحديث: \"إنَّ الذِّكر بعد الصبح (أحبُّ) (*) من أربع رقابٍ، وبعد العصر أَحَبُّ من ثمان رقابٍ\" (٢).\nوأيضًا فيوم الجمعة آخره أفضل من أوله لِمَا يُرجى في آخره من ساعة الإجابة.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(*) أفضل: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٥٦٢)، (٥٦٣) عن أنس مرفوعًا، وعن رجل من أهل بدر (٥٦٤) بنحوه.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣، ٢٥٥) والطبراني في الكبير (٨/ ٨٠٢٨) عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه.\nوقال الهيثمي (١٠/ ١٠٤): رواه أحمد والطبراني وأسانيده حسنة.","vol":"4","page":419},{"text":"ويوم عرفة آخره أفضل من أوله؛ لأنّه وقت الوقوف، وكذلك آخر الليل أفضل من أوله.\nكذا قَالَ السَّلف، واستدلوا بحديث النزول الإلهي (١).\nوهذا كله مما يُرجح به قول من قَالَ إن صلاة العصر هي الوسطى.\nوأما الوقت الثالث فهو الدُّلجة.\nوالإِدلاج: سير آخر الليل، والمراد به ها هنا العمل في آخر الليل وهو وقت الاستغفار، كما قَالَ تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].\nوهو آخر أوقات النزول الإلهي المتضمن لاستعراض حوائج السائلين، واستغفار المذنبين، وتوبة التائبين، وسط الليل للمحبين للخلوة بحبيبهم، وآخر الليل للمذنبين يستغفرون (من ذنوبهم) (*).\nمن عجز عن مشاركة المحبين في الجري معهم في ذلك المضمار فلا أقلَّ من مشاركة المذنبين في الاعتذار.\nورد في بعض الآثار: أن العرش يهتز من السَّحَر.\nقَالَ طاووس: ما كنت أظن أن أحدًا ينام في السحر.\nوفي الحديث الَّذِي خرَّجه الترمذي (٢): \"من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل\".\nسير الدلجة آخر الليل يقطع به سفر الدُّنْيَا.\nولهذا في الحديث الَّذِي خرّجه مسلم (٣): \"إذا سافرتم فعليكم بالدُّلجة فإنَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) عن أبو هريرة مرفوعًا: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إِلَى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، منع يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له\".\n(*) لذنوبهم: \"نسخة\".\n(٢) برقم (٢٤٥٠) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر.\n(٣) لم أجده في مسلم، وأخرجه أبو داود (٢٥٧١)، وابن خزيمة (٢٥٥٥) عن أنس مرفوعًا. وأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٥، ٣٨١)، وأبو داود (٢٥٧٠)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٩٥٥)، وابن ماجه (٣٢٩)، (٣٧٧٢)، وابن=","vol":"4","page":420},{"text":"الأرض تطوى بالليل\".\nقَالَ بعض الفضلاء:\nاصبر عَلَى مضض الإِدلاج في السَّحَر ... وفي الرَّواح عَلَى الطاعات والبُكَرِ\nلا تَضجَرَنَّ ولا يُعجزكَ مطلبها ... فالهمُّ يتلَف بين اليأس والضجَرِ\nإني رأيتُ وفي الأيام تجربةٌ ... للصبر عاقبةٌ محمودة الأثرِ\nوقل مَنْ جَدَّ وفي أَمْرٍ تَطلبَّه ... واستَصْحَبَ الصَّبر إلاَّ فازَ بالظفرِ\nوقد رُوي أن الأشتر دخل عَلَى علي بن أبي طالب ﵁ بعد هدأة من الليل وهو قائم يصلّي.\nفَقَالَ: يا أمير المؤمنين صوم بالنهار وسهر بالليل وتعب فيما بين ذلك!\nفلما فرغ من صلاته قَالَ: سفر الآخرة طويلٌ يحتاج إِلَى قطعه بسير الليل وهو الإدلاج.\nكانت امرأةٍ حبيب بن محمد الفارسي توقظه بالليل وتقول: قم يا حبيب؛ فإنَّ الطريق بعيدٌ وزادنا قليلٌ، وقوافل الصالحين قد سارت من بين أيدينا ونحن قد بقينا.\nيا نائمًا بالليل كم ترقد ... قُم يا حبيبي قد دنا الموعدُ\nوخُذ من الليل أوقاته ... وردًا إذا ما هَجَعَ الرُّقَّدُ\nمن نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل لو يجهدُ\n...\n_________\n=خزيمة (٢٥٤٨)، (٢٥٤٩)، عن جابر مرفوعًا ضمن حديث طويل.","vol":"4","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>معنى القصد في السير</span>\nوقول - ﷺ -: \"القصد القصد تبلغوا\" حثٌّ عَلَى الاقتصاد فى العبادة والتوسط فيها بين الغلو والتقصير، ولذلك كرره مرةٌ بعد مرةٍ.\nوفي \"مسند البزَّار\" (١) من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: \"ما أحسن القصد في الفقر، وما أحسن القصد في الغني، وما أحسن القصد في العبادة\".\nوكان لمُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير ابنٌ قد اجتهد في العبادة، فَقَالَ له أبوه: خير الأمور أوسطها، الحسنة بين السيئتين، وشرُّ السير الحقحقة. قَالَ أبو عبيد: يعني أن الغلوَّ في العبادة سيئة، والتقصير سيئة والاقتصاد بينهما حسنةٌ.\nقَالَ: والحقحقة أن يلحَّ في شدة السير حتى تقوم عليه راحلته وتعطب فيبقى منقطعًا به سفره، انتهى.\nويشهد لهذا المعنى الحديث المروي عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا:\n\"إنَّ هذا الدينَ متينٌ فأوغلْ فيه برفقٍ ولا تبغض إِلَى نفسك عبادة الله، فإنَّ المنبتَّ لا سفرًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فاعمل عمل امرئ يظن أنّه لن يموت إلاَّ هَرِمًا، واحذر حذر امرئ (يخشى) (*) أن يموت غدًا\". أخرجه حميد بن\n_________\n(١) برقم (٢٩٤٦)، وقال: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن حذيفة إلاَّ بهذا الإسناد.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٢): رواه البزار من رواية سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلاَّ ابن حبان في ترجمة سعيد الرواي عنه، وبقية رجاله ثقات.\n(*) يحذر: \"نسخة\".","vol":"4","page":422},{"text":"زنجويه (١) وغيره.\nوفي تكرير أمره بالقصد إشارة (إِلَى) (**) المداومة عليه، فإن شدة السير والاجتهاد مظنةُ السامة والانقطاع، والقصد أقرب إِلَى الدوام، ولهذا جعل عاقبةَ القصد البلوغَ كما قَالَ: \"من أدلج بلغ المنزل\".\nفالمؤمن في الدنيا يسيرُ إِلَى ربه حتى يبلغَ إِلَيْهِ، كما قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].\nقَالَ الحسن: يا قوم، المداومةَ المداومةَ فإنَّ الله يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت، ثم تلا هذه الآية.\nوقال أيضًا: نفوسكم مطاياكم فأصلحوا مطاياكم تُبلِّغكم إِلَى ربكم ﷿.\nوالمرادُ بصلاح المطايا: الرفقُ بها، وتعاهُدها بما يصلحها من قوتها والرفق بها في سيرها، فإذا أحسَّ منها بتوقفٍ في السير تعاهدها تارةً بالتشويق، وتارةً بالتخويف حتى تسير.\nقَالَ بعض السَّلف: الرجاء قائدٌ والخوف سائقٌ، والنفس بينهما كالدابة الحَرُون (٢).\nفمتى فتر قائدها وقصَّر سائقها وقفت فتحتاج إِلَى الرفق بها والحدو لها حتى يطيب لها السير.\nكما قَالَ حادي الإِبل بالبوادي:\nبَشَّرها دليلها وقال لها ... غدًا ترَيْن الطلح والجبالا\n_________\n(١) وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبير\" (٣/ ١٩).\n(**) عَلَى: \"نسخة\".\n(٢) الدابة الحرون: هي التي إذا استدر جريها وققت لسان العرب (١٣/ ١١٠).","vol":"4","page":423},{"text":"ولما كان الخوف كالسَّوط فمتى ألحَّ بالضرب بالسوط عَلَى الدابة تلفت، فلا بد لها الضرب من حادي الرجاء، يطيِّب لها السير بحدائه حتى تقطع.\nقَالَ أبو يزيد: ما زلت (أقودُ) (*) نفسي إِلَى الله وهي تبكي حتى سُقتُها وهي تضحك.\nكما قيل:\nإذا شكتْ من كَلالِ السير أو عدها ... روحَ القدومِ فتحيا عندَ ميعادِ\n...\n_________\n(*) أسوق: \"نسخة\".","vol":"4","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>سلوك صراط الله ﷿</span>\nقَالَ خليدٌ العَصَريُّ: إنَّ كلَّ حبيبٍ يحب أنْ يلقى حبيبه، فأحبوا ربكم وسيروا إِلَيْه سيرًا جميلًا لا مصعدًا ولا مميلا.\nفغاية السير يوصل المؤمن إِلَى ربه، ومن لا يعرف الطريق إِلَى ربه لم يسلك إِلَيْه فيه، فهو والبهيمة سواء.\nقَالَ ذو النون: السفلة من لا يعرف الطريق إلى الله ولا يتعرَّفه.\nوالطريقُ إِلَى اللهِ هو سلوكُ صراطه المستقيمِ، الَّذِي بعث الله به (رسوله) (*) وأنزل به (كتابه) (**)، وأمر الخلق كلهم بسلوكه والسير فيه.\nقَالَ ابن مسعود ﵁: الصراط المستقيم، تركنا محمد - ﷺ - في أدناه، وطرفه الجنة، وعن يمينه جَوَادُّ، وعن يساره جَوَادُّ، وثم رجال يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجَوَادِّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ عَلَى الصراط انتهى به إِلَى الجنة. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] خرّجه ابن جرير (١) وغيره (٢).\nفالطريقُ الموصلُ إلى الله واحدٌ، وهو صراطُهُ المستقيمُ، وبقيَّةُ السُّبلِ كلِّها سبل الشيطان، مَنْ سلكها قطعت به عن الله، وأوصلته إِلَى دار سَخَطه وغضبه وعقابه.\n...\n_________\n(*) رسله: \"نسخة\".\n(...) كتبه: \"نسخة\".\n(١) في تفسيره (٨/ ٨٩).\n(٢) وأخرجه أحمد (١/ ٤٣٥، ٤٦٥)، وابن ماجه (١١) والحاكم (٢/ ٣١٨).","vol":"4","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الأعمال بالخواتيم</span>\nفربما سلك الإنسان في أول أمره عَلَى الصراط المستقيم، ثم ينحرف عنه في آخر عُمُره فيسلك بعض سبل الشيطان فينقطع عن الله فيهلك، \"إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونَ بينه وبينها إلاَّ ذراعٌ أو باعٌ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار\" (١).\nوربما سلك الرجل أولًا بعض سبل الشيطان ثم تدركه السعادة فيسلك الصراط المستقيم في آخر عمره فيصل به إِلَى الله.\nوالشأن كل الشأن في الاستقامة عَلَى الصراط المستقيم من أول السير إِلَى آخره، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة: ٤].\n﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].\nما أكثر من يرجع أثناء الطريق أو ينقطع، فإنَّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\nخَلِيليَّ قُطَّاع (الفيافي إِلَى الحما) (*) ... كثير وأما الواصلون قليل\n...\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(*) الطريق إليكما: \"نسخة\".","vol":"4","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>فضل تقرب العبد إِلَى الله ﷿</span>\nوفي الحديث الصحيح الإلهي يقول الله ﷿: \"من تقرّب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة\" (١).\nوفي \"المسند\" (٢): \"والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل\".\nوفيه أيضًا (٣)، يقول الله: \"يابن آدم قم إِلَيَّ أمشِ إليك، وامش إليّ أهرول إليك\".\nمَنْ أَقْبَلَ إلينا تَلَقَّيناه من بعيد ... ومن أراد مرادنا أردنا ما يُريد\nومن سَأَلنا أعطيناه فوق المزيد ... ومن عمل بقوَّتنا ألنَّا له الحديد\nيا هذا لو أنك قصدت باب والي الشُّرطة، لَمَا أقبل إليك ولا تلقَّاك، وربما حجبك عن الوصول إِلَيْه وأقصاك، وملك الملوك يقول: \"من أتاني يمشي أتيته (هرولة) (*) \".\nوأنت عنه معرضٌ وعلى غيره مقبلٌ، لقد غُبنت أفحشَ الغبن وخسرت أكبر الخسران.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٥) وهو ضمن الحديث السابق: \"من تقرب إلى الله ﷿ شبرًا .. الحديث\".\nوقال الهيثمي (١٠/ ١٩٧): رواه أحمد والطبراني وإسنادهما حسن.\n(٣) (٣/ ٤٧٨) بإسناده عن شريح قَالَ: سمعت رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ يقول: قَالَ النبيّ - ﷺ -: قَالَ الله تعالى: ... فذكره.\nوقال الهيثمي (١٠/ ١٩٦ - ١٩٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير شريح ابن الحارث، وهو ثقة.\n(*) أهرول: \"نسخة\".","vol":"4","page":427},{"text":"واللهِ ما جئتكم زائرًا ... إلاَّ وجدتُ الأرض تُطوى لي\nولا ثَنيت العزم عن بابكم ... إلاَّ تعثرتُ بأذيالي\nيا معشر المريدين قد وضح الطريق فما هذا التأخر عن السلوك والتعويق؟\nلقد وضح الطريق إليك حقًّا ... فما خَلْقٌ أرادكَ يستدل\n﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].\n﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].\nيا نفسُ ويحك قد أتاكِ هداكِ ... أجيبي فهذا داعي الله قد ناداك\nكم قد دعيتِ إِلَى الرشاد فتُعْرضي ... وأجبتِ داعي الغيِّ حين دعاكِ\n***","vol":"4","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>أنواع الوصول إِلَى الله تعالى</span>\nالوصول إِلَى الله نوعان: أحدهما في الدُّنْيَا، والثاني في الآخرة.\nفأما الوصول الدنيوي فالمراد به:\nأن القلوبَ تصل إِلَى معرفته، فإذا عرفته أحبته، وأنِست به، فوجدته منها قريبًا ولدعائها مجيبًا.\nكما في بعض الآثار: \"ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدتَ كلَّ شيء، وإن فِتُّكَ فاتك كل شيء.\nبرزَ المرسوم منّا ... لا نُخيب قَط ظنا\nفاطلبونا تجدونا ... في قلوب قد تسعنا\nصابرات راضيات ... بالذي قد يصدر عنّا\nكان ذو النون يخرج بالليل فيردد نظره في السماء ويردد هذه الأبيات حتى يصبح وهي هذه:\nاطلبوا لأنفسكم ... مثل ما وجدت أنا\nقد وجدتُ سكنًا ... ليس في هواه عَنَا\nإنْ بعدتُ قربني ... أو قربت منه دنا\nوأما الوصولُ الأخرويُّ فالدخولُ إِلَى الجنة التي هي دارُ كرامةِ الله لأوليائه.\nولكنهم في درجاتها متفاوتون في القرب بحسب تفاوت قلوبهم في الدُّنْيَا في القرب والمشاهد بحسب تفاوت قلوبهم في الدُّنْيَا في القرب والمشاهدة.\nقَالَ تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾","vol":"4","page":429},{"text":"[الواقعة: ٧ - ١١].\nكان الشبلي يهيج في داره وينشد يقول:\nعَلَى بُعدكم لا صبر ... عَلَى مَنْ عادته القربُ\nولا يقوى عَلَى حجبك ... من تيَّمه الحبُّ\nفإنْ لم تَرَكَ العين ... فقد (أبصركَ) (*) القلبُ\n...\n_________\n(*) يبصرك: \"نسخة\".","vol":"4","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>حال من التزم الإِسلام أو الإِيمان أو الإِحسان</span>\nالصراط المستقيم في الدُّنْيَا يشمل عَلَى ثلاثة درجات: درجة الإِسلام، ودرجة الإِيمان، ودرجة الإِحسان.\nفمن سلك درجة الإسلام إِلَى أن يموت عليها منعته من الخلود في النار، ولم يكن له بُدَّ من دخول الجَنة، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه.\nومن سلك عَلَى درجة الإيمان إِلَى أن يموت عليها منعته من دخول النار بالكلية، فإنَّ نورَ الإيمان يطفئ لهب نار جهنم حتى تقول: \"يا مؤمن جُز فقد أطفأ نورُك لهب\" (١).\nوفي \"المسند\" (٢) عن جابر مرفوعًا: \"لا يبقي بَرٌّ ولا فاجر إلاَّ دخلها، فتكون عَلَى المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت عَلَى إبراهيم حتى أن للنار ضجيجًا من بردهم\".\nهذا ميراثٌ رثه المحبوب من حال أبيهم إبراهيم ﵇.\nففي فؤاد المحبِّ نارُ (هوى) (*) ... حر نارِ الجحيم أبردُها\nومن سلك عَلَى درجة الإحسان إِلَى أن يموت عليها، صل بعد\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٦٦٨) عن يعلى بن منية مرفوعًا.\nوقاله الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٦٠): رواه الطبراني وفيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف.\nوقال المصنف في \"التخويف من النار\" ص ١٨٤: غريب وفيه نكارة.\nوقد سبق تخريجه في موضعين آخرين.\n(٢) (٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، وقال الهيثمي (٧/ ٥٥): ورجاله ثقات، وقال ابن كثير في \"تفسيره\": غريب ولم يخرجوه وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦١٥٦).\n(*) جوى: \"نسخة\".","vol":"4","page":431},{"text":"الموت إِلَى الله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\nوفي الحديث الصحيح: \"إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ نادي منادٍ: يا أهلَ الجنةِ إنَّ لكم عندَ اللهِ موعدًا يريد أن ينجزكموه.\nفيقولون: ما هو؟\nألم يبيِّض وجوهنا؟ ألم يثقِّل موازيننا؟ ألم يدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟\nفيَكْشِف الحجاب فينظرون إِلَيْهِ، فواللهِ ما أعطاهم الله شيئًا أحبّ إليهم، ولا أقرَّ لأعينهم من النظر إِلَيْه\". وهو الزيادة ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١).\nكلُّ أهل الجنة يشتركون في الرؤية لكن يتفاوتون فى القرب فى حال الرؤية وفي أوقات الرؤيا.\nعموم أهل الجنة يرون يوم المزيد وهو يوم الجمعة، وخواصهم (ينظرون إِلَى وجه الله) (*) كل يوم مرتين بكرةً وعشيًّا.\nعموم أهل الجنة لهم رزقهم فيها بكرةً وعشيًّا، وخواصهم يرون الله بكرةً وعشيًّا.\nالعارفون لا (يسليهم) (**) عن محبوبهم قصرٌ ولا يرويهم دونه نهرٌ.\nكان بعضهم يقول: إذا جعتُ فَذِكْرُهُ زادي، إذا عطَشتُ فمشاهدته سُؤْلي ومرادي.\nرُؤي بعض الصالحين في المنام بعد موته فسئل عن حال رجلين من العُلَمَاء؟\nفَقَالَ: تركتهما الآن بين يدي الله ﷿ يأكلان ويشربان ويتنعمان.\nقِيلَ لَهُ فأنت؟\nقَالَ: عَلِمَ قلة رغبتي في الطعام فأباحني النظرَ إِلَيْهِ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٨١) بنحوه، والترمذي (٢٥٥٢)، وابن ماجه (١٨٧) بلفظه.\n(*) يرون وجهه: \"نسخة\".\n(**) يلهيهم:\"نسخة\".","vol":"4","page":432},{"text":"أنت ربِّي إذا ظمأت إِلَى الماء ... وقوتي إذا أردت الطعاما\nوفي \"المسند\" (١) عن ابن عمر مرفوعًا \"إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً لمن ينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إِلَى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلةً لينظر إِلَى وجه الله ﵎ كلَّ يومٍ مرتين\".\nوخرَّجه الترمذي (٢) ولفظه. \"إنَّ أدنى أهلِ الجنة منزلةً لَمَن ينظر إِلَى جنانه وأزواجه (ونعيمه) (*) وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمُهُم عَلَى الله من ينظر إِلَى وجهه غدوة وعشيًّا\"، ثم قرأ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].\nولهذا المعنى قَالَ رسول الله - ﷺ - فِي الحديث الصحيح، عن جرِير بن عبد الله البَجَلي: \"إنكم لترون ربكم يومَ القيامةِ كما ترون هذا القمرَ ليلةَ البدرِ لا تُضامون في رؤيته\".\nقَالَ: \"فإن استطعتم أن لا تُغلبوا عن صلاة قبل طلوعِ الشمسِ وقبل غروبها فافعلوا\". ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] (٣).\n...\n_________\n(١) (٢/ ١٣)، وقال الهيثمي (١/ ٤٠١): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وفي أسانيدهم ثوير بن أبي فاختة وهو مجمع عَلَى ضعفه.\n(٢) برقم (٢٥٥٣) وقال: وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل، عن ثور عن ابن عمر مرفوعًا.\nورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر موقوفًا.\nورواه عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قوله ولم يرفعه اهـ.\nورواه الترمذي أيضًا (٣٣٣٠) وقال: هذا حديث غريب.\n(*) ونعمه: \"نسخة\".\n(٣) أخرجه البخاري (٧٤٣٤)، ومسلم (٦٣٣).","vol":"4","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>فضل وَقْتَي الغَدّاة والعَشِي والمقصود بهما</span>\nلمَّا كان هذان الوقتان في الجنة وقتين للرؤية في حقِّ خواصِّ أهلِ الجنة، حضَّ - ﷺ - عَلَى المحافظة عَلَى الصلاة في هذين الوقتين في الدُّنْيَا.\nفمن حافظ على هاتين الصلاتين في الدُّنْيَا في هذين الوقتين وصلاَّهما عَلَى أكمل وجوههما وخشوعهما وحضورهما وآدابهما، فإنَّه يرجى له أن يكون ممن يرى اللهَ في هذينِ الوقتين في الجنة.\nلا سيما إنْ حافظ بعدهما عَلَى الذكر وأنواع العبادات حتى تطلع الشمس أو تغرب، فإن وصل العبدُ ذلك بدلجةِ آخرِ الليلِ فقد اجتمع له السير في الأوقات الثلاثة، وهي: الدلجة، والغدوة، والروحة فيوشك أن يعقبه الصدق في هذا السير، الوصول الأعظم إِلَى ما يطلبه ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].\nمن لزم الصدق في طلبه أدّاه الصدقُ إِلَى مقعدِ الصدق وبأكثر ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].\nالمحبُّ لا يقطع السؤال عمن يحب، ويتجسس الأخبار، (ويتنسم) (*) الرياح، ويستدل بالآثار لسلوكِ الطريق إِلَى محبوبه\nأسائلكم عنها فهل من مخبر ... فما لي بنعم بعد مكثنا علم\nفلو كنتُ أدري أين خيَّم أهلها ... وأَيُّ بلادِ الله إذا ظعنوا أمُّوا\nإذًا لسلكنا مسلك الريح خلفَها ... ولو أصبحت نعم ومن دونها النجمُ\nلقد كبرت همةٌ (اللهُ مطلوبُهَا) (**)، وشرُفت نفسٌ اللهُ محبوبُهَا:\n﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].\nما للمحب سوى إرادة حُبِّه ... إنَّ المحبَّ بكلِّ بر يضرع\n_________\n(*) ويشم: \"نسخة\".\n(**) مع الله مطلبها \"نسخة\".","vol":"4","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>حال من ركن إِلَى الآخرة ومن ركن إِلَى الدُّنْيَا</span>\nقيمة كل امرئ ما يطلب، فمر كان يطلب الله فلا قيمة له من طلب الله فهو أجلْ من أن يقوَّم، ومن طلب غيره فهو أخس من أن يكون له قيمة.\nقَالَ الشُّبْلي: منْ ركن إِلَى الدُّنْيَا أحرقته بنارها فصار رمادًا (تذروه) (*) الرياح، ومن ركن إِلَى الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب يُنتفع به، ومن ركن إِلَى الله أحرقه بنور التوحيد فصار جوهرًا لا قيمة له.\nله همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر\nوسُئل الشبلي: هل يقنع المحبُّ بشيءٍ من حبيبه قبل مشاهدته؟\nفأنشد:\nوالله لو أنك توجتني ... بتاج كسرى ملك المشرِقِ\nولو بأموال الورى جُدت لي ... أموال من بادَ ومن قد بقي\nوقلتَ لي لا نلتقي ساعةً ... اخترت يا مولاي أن نلتقي\nمن كبرت همته لم يرض بطلب شيءٍ سوى الله ﷾\nكلُّ غدوي ورواحي ... في مسائي وصباحي\nوكذا ذكرك روحي ... ثم ريحاني وراحي\nأنت سؤلي ونصيبي ... ومرادي ونجاحي\nيا غياثي وملاذي ... لرشادي وصلاحي\n...\n_________\n(*) تذره \"نسخة\".","vol":"4","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>فصل في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]</span>\nهذه الآية ُكانت تشتدُّ عَلَى الخائفين في العارفين، فإنها تقتضي أنَّ من العباد من يبدو له عند لقاء الله ما لم يكن يحتسب، مثل أن يكون غافلًا عما بين يديه معرضًا عنه غير عامل ولا يحتسب له، فإذا كُشف الغطاء عاين تلك الأهوال الفظيعة، فبدا له ما لم يكن في حسابه.\nولهذا قَالَ عمر ﵁: لو أن لي ملء الأرض ذهبًا لافتديت به من هول المطلع (١).\nوفي الحديث: \"لا تَمنَّوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإنَّ من سعادة (المرء) (*) أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة\" (٢).\nوقال بعضُ حكماءِ السَّلف: كم من موقف خزي يوم القيامة لم يخطر عَلَى بالك قط.\nونظير هذا قوله تعالي: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلي (٢٧٣١)، وقال الهيثمي (٩/ ٧٧) رجاله رجال الصحيح.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٥٧٩) وقال: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عمر إلاَّ مبارك بن فضالة، وقال الهيثمي (٩/ ٧٦): إسناده حسن.\nوأخرجه ابن حبان (٦٨٩١ - إحسان)، والحاكم في \"مستدركه\" (٣/ ٩٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٥٥).\n(*) العبد: \"نسخة\".\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٣٢)، وعبد بن حميد (١١٥٥)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٠٥٨٩).\nوقال الهيثمي (١٠/ ٢٠٣): رواه أحمد والبزار وإسناده حسن.","vol":"4","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>بيان ما يصير هباء منثورًا من الأعمال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>النوع الأول:</span>\nويشتمل عَلَى ما هو أعم من ذلك وهو أن يكون له أعمالٌ يرجو بها الخير فتصير هباءً منثورًا وتبدل سيئات. وقد قَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].\nقَالَ الفضيل في هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] قَالَ: عملوا أعمالًا وحسبوا أنها حسنات فإذا هي سيئات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>النوع الثاني:</span>\nوقريب من هذا أن يعملَ الإنسانُ ذنبًا يحتقره، ويستهون به فيكون هو سبب هلاكه، كما قَالَ تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].\nوقال بعض الصحابة: إنكم تعلمون أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشعر، كنا نعدها عَلَى عهد رسول الله - ﷺ - من المُوبقات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>النوع الثالث:</span>\nوأصعب من هذا من زُيّن له سوء عمله فرآه حسنًا قَالَ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤].\nقَالَ ابن عُيَيْنَة: لما حضرت محمدَ بنَ المُنكَدر الوفاةُ جزع فَدَعوا له أبا حازم فجاء، فَقَالَ له ابن المنكدر: إنَّ الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٤٩٢) عن أنس.","vol":"4","page":437},{"text":"﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، فأخافُ أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب. فجعلا يبكيان جميعًا. خرَّجه ابن أبي الدُّنْيَا وابن أبي حاتم.\nوزاد ابن أبي الدُّنْيَا: فَقَالَ له أهله: دعوناكَ لتخفِّف عليه فزدته فأخبرهم بما قَالَ.\nوقال الفُضَيْل بن عِيَاض: أُخْبِرتُ عن سليمان التيمي أنّه قِيلَ لَهُ: أنتَ أنتَ ومن مُثلك؟\nفَقَالَ: مه، لا تقوّلوا هذا، لا أدري ما يبدو لي من الله، سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>النوع الرابع:</span>\nوكان سفيان الثوري يقول عند هذه الآية: ويلٌ لأهل الرياء من هذه الآية.\nوهذا كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، العالم، والمتصدِّق والمجاهد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>النوع الخامس</span>\nوكذلك من عمل أعمالًا صالحةً وكانت عليه مظالم فهو يظنُّ أنَّ أعماله تنجيه فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسب، فيقتسم الغرماء أعماله كلها ثم يفضل لهم فضل فيطرح من سيئاتهم عليه ثم يطرح في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>النوع السادس</span>\nوقد يُنَاقَشُ الحساب فيُطلب منه شكر النعم، فأصغرها تستوعب أعماله كلها، وتبقى بقية النعم، فيُطالَب شكرها فيعذَّب، ولهذا قَالَ ﵊: \"من نوقش الحساب عُذِّب أو هَلَك\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه سلم (١٩٠٥) عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"4","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>النوع السابع</span>\nوقد يكون له سيئات تحبط بعض أعماله وأعمال جوارحه سوى التوحيد فيدخل النار.\nوفي \"سنن ابن ماجه\" (١) من رواية ثوبان مرفوعًا: \"إنَّ مِنْ أمتي من يجيء بأعمال أمثال الجبال فيجعلها الله هباءً منثورًا\".\nوفيه: \"هم قومٌ من جلدتكم (ويتكلمون بألسنتكم) (٢) ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها\".\nوخرَّج يعقوب بن شيبة وابن أبي الدُّنْيَا من حديث سالم مولى أبي حذيفة مرفوعًا: \"لَيجيء يوم القيامة أقوامٌ معهم من الحسنات مثل جبال تِهامَةَ، حتى إذا جيء بهم جعل الله أعمالهم هباءً ثم أكبَّهم في النار\".\nقَالَ سالم: خشيت أن أكون منهم.\nقَالَ: \"أما إنَّهم كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنيهة من الليل، لعلهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه، فأدحض الله أعمالهم\" (٣).\nوقد يحبط العمل بآفة من رياء خفيٍّ وعُجْب به ونحو ذلك ولا يشعر به صاحبه.\n...\n_________\n(١) برقم (٤٢٤٥) قَالَ في الزوائد هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وأبو عامر الألهاني اسمه عبد الله بن غابر.\n(٢) ليست هذه العبارة في ابن ماجه.\n(٣) وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٧٨).","vol":"4","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>هم الدُّنْيَا وشقاء الآخرة</span>\nقَالَ ضيغم العابد: إن لم تأت الآخرةُ المؤمنَ بالسرور، لقد اجتمع عليه همان، همُّ الدُّنْيَا وشقاء الآخرة.\nفقِيلَ لَهُ: كيف (لا) (*) تأتيه الآخرة بالسرور وهو يتعب في دار الدُّنْيَا ويدأب؟\nقَالَ: كيف بالقبول، كيف بالسلامة؟ كم (من) (*) رجل يرى أنّه قد أصلح همته يُجمع ذلك كله يوم القيامة ثم يضرب به وجهه.\nومن هنا كان عامر بن عبد قيس وغيره يقلقون من هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].\nوقال ابن عون: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري أيُقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك فإنّك لا تدري هل كُفِّرت عنك أم لا؟ لأنّ عملك مُغَيَّبٌ عنك كله لا تدري ما الله صانع به.\nوبكى النخعيُّ عند الموت وقال أنتظرُ رسول ربي ما أدري أَيُبشرني بالجنة أم بالنار؟.\nوجزع غيره عند الموت، فقِيلَ لَهُ: لم تجزع؟ قَالَ: إِنَّمَا هي ساعة ولا أدري أين يُسلك بي؟.\nوجزع بعض الصحابة عند موته، فسئل عن حاله فَقَالَ: إن الله قبض خلقه قبضتين قبضة للجنة، وقبضة للنار، ولست أري في أي القبضتين أنا؟ (١).\n_________\n(*) من المطبوع.\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٣٦٥) عن معاذ بن جبل، وقال الهيثمي (٧/ ١٨٧): رواه الطبراني وفيه البراء بن عبد الله الغنوي وهو ضعيف، والحسن لم يدرك معاذًا. وأخرجه أحمد (٤/ ١٧٦ - ١٧٧)، (٥/ ١٦٨) عن رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ - فذكره وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الحذر ... الحذر</span>\nومن تأمل هذا حقَّ التأمل أوجب له القلق. فإنَّ ابن آدم متعرض، لأهوال عظيمةٍ من الموت وأهوال القبر والبرزخ وأهوال الموقف، والصراط والميزان.\nوأعظم من ذلك الوقوف بين يدي الله ﷿ ودخول النار، ويخشى عَلَى نفسه الخلود فيها بأن يُسلب إيمانه عند الموت، ولم يأمن المؤمن شيئًا من هذه الأمور ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].\nفتحقيق هذا يمنعُ ابن آدم القرار.\nرأى بعضهم قائلًا يقول له:\nوكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أيّ المحلين تنزل\nوسئل بعض الموتى وكان عابدًا مجتهدًا عن حاله، فأنشد يقول:\nوليس يعلم ما في القبر داخله ... إلاَّ الإِله وساكن الأجداث\nوقال غيره:\nأمَا والله لو علم الأنام ... لما خُلقوا لما غفلوا وناموا\nلقد خلقوا لما لو أَبْصَرَتْه ... عيون قلوبهم تاهوا وهاموا\nمَمَاتٌ ثم قبر ثم حشر ... وتوبيخ وأهوال عظامُ\nليوم الحشر قد عملت رجال ... فصلوا من مخافته وصاموا\nونحن إذا أمرنا أو نهينا ... كأهل الكهف أيقاظ نيامُ\nآخرة والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم عَلَى عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nتم بقلم العبد الفقير المقر بالذنب والتقصير، راجي عفو ربه المنان سليمان بن عبد","vol":"4","page":441},{"text":"الرحمن العمري، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وإخوانه وذريته، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، آمين.\nوذلك في ٨ من شوال سنة ١٣٣٣ هجرية.","vol":"4","page":442}]}