{"ً":{"ٌ":151154,"ٍ":"الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور\nالمؤلف: أحمد محمود الشوابكة\nتقديم ومراجعة:\nالعلامة المحدث شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]\nأ. د. محمود السرطاوي\nأ. د. محمد الملكاوي\nأ. د. سمير استيتية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م\nعدد الصفحات: ٣٦٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.14","ٔ":3046,"ٕ":23,"ٖ":1770156253,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":4},{"title":"الإهداء","level":2,"page":4},{"title":"تقديم فضيلة العلامة المحدث شعيب الأرنؤوط","level":2,"page":5},{"title":"تقديم أ. د. محمود السرطاوي","level":2,"page":8},{"title":"تقديم أ. د. محمد ملكاوي","level":2,"page":11},{"title":"تقديم أ. د. سمير استيتية","level":2,"page":13},{"title":"المقدمة","level":1,"page":16},{"title":"القسم الأول: ساعة الموت","level":1,"page":24},{"title":"فضل الزهد في الدنيا والتقلل منها","level":2,"page":24},{"title":"قلة لبث الإنسان في هذه الدار","level":2,"page":28},{"title":"قلة متاع الدنيا","level":2,"page":28},{"title":"الزجر عن اغترار المرء بما أوتي من هذه الدنيا الفانية وزهوه في شيء منها","level":2,"page":29},{"title":"الأجل أسرع من العمل","level":2,"page":29},{"title":"السفر القصير والسفر الطويل","level":2,"page":30},{"title":"النوم موت أصغر والموت نوم أكبر","level":2,"page":31},{"title":"المنية سنة كونية جارية لا تتبدل ولا تتحول","level":2,"page":32},{"title":"جهل العبد بوقت موته وموضع حتفه","level":2,"page":34},{"title":"ما يذكر بالموت","level":2,"page":34},{"title":"ما يقي من المكاره والكرائه ويصرف مصارع السوء","level":2,"page":35},{"title":"إيثار الدنيا والغفلة عن الآخرة","level":2,"page":37},{"title":"تعجيل التوبة","level":2,"page":37},{"title":"الاستعداد للرحيل والتأهب للموت","level":2,"page":39},{"title":"الدنيا يوم غده الآخرة","level":2,"page":42},{"title":"ما ينتظر أحدنا","level":2,"page":43},{"title":"الأمراض تكفر الخطايا وإن قلت","level":2,"page":43},{"title":"القسم الثاني: المرض وأحكامه","level":1,"page":44},{"title":"ثواب الصبر على البلاء","level":2,"page":44},{"title":"فرحة الصالحين بالبلاء","level":2,"page":47},{"title":"فضل الصرع وثوابه","level":2,"page":47},{"title":"فضل عيادة المريض","level":2,"page":48},{"title":"حكم عيادة المريض","level":2,"page":48},{"title":"استحباب السؤال عن حال المريض إذا تعذرت زيارته","level":2,"page":49},{"title":"البكاء عند المريض","level":2,"page":50},{"title":"ما يقال عند المريض","level":2,"page":50},{"title":"ما يقال للمريض إذا دخل عليه","level":2,"page":50},{"title":"الدعاء للمريض عند عيادته","level":2,"page":51},{"title":"ما جاء في دعاء المريض لعواده","level":2,"page":51},{"title":"ما يدعو إذا رأى مبتلى","level":2,"page":52},{"title":"استحباب رقية المريض","level":2,"page":52},{"title":"مسح الراقي وجع المريض بيده اليمنى","level":2,"page":53},{"title":"رش وضوء العائد على المريض","level":2,"page":53},{"title":"وضع المريض يده على موضع الألم والدعاء بالشفاء","level":2,"page":54},{"title":"الحمى تكفر الخطايا","level":2,"page":54},{"title":"إبراد الحمى بالماء","level":2,"page":55},{"title":"ما في شدة المرض من الفضل","level":2,"page":56},{"title":"يكتب للمريض ما كان يعمل وهو صحيح","level":2,"page":56},{"title":"استحباب طلب الموت في بلد شريف","level":2,"page":57},{"title":"القسم الثالث: أحكام المحتضر: ما على المحتضر","level":1,"page":58},{"title":"لكل مؤجل أجل","level":2,"page":58},{"title":"ماذا على من نزل به الموت أن يفعل","level":2,"page":58},{"title":"كيف تكتب الوصية","level":2,"page":68},{"title":"حكم الوصية","level":2,"page":69},{"title":"حكم تبديل الوصية","level":2,"page":71},{"title":"المبادرة إلى تنفيذ الوصية قبل الدفن","level":2,"page":71},{"title":"الفرق بين المتوفي والمتوفى","level":2,"page":74},{"title":"القسم الرابع: ما على من حضر المحتضر","level":1,"page":75},{"title":"ماذا على من حضر المحتضر أن يفعل","level":2,"page":75},{"title":"العلة التي من أجلها أمر النبي - ﷺ - بتلقين الشهادة من حضرته المنية","level":2,"page":77},{"title":"الكلمة التي يجد المؤمن لجسده وروحه روحا إذا قالها عند الموت ويشرق لها لونه","level":2,"page":78},{"title":"حكم قراءة سورة يس على من حضرته الوفاة","level":2,"page":79},{"title":"حكم توجيه المحتضر إلى القبلة","level":2,"page":80},{"title":"حكم دخول الحائض والنفساء والجنب على من حضرته الوفاة","level":2,"page":86},{"title":"التوجع للميت عند احتضاره","level":2,"page":90},{"title":"ما يجب على أهل الميت أن يقولوا عند موته","level":2,"page":90},{"title":"ما يجب على أهل الميت من التقوى ولزوم الصبر والرضا بالقضاء","level":2,"page":91},{"title":"القسم الخامس: علامات حسن الخاتمة وشرف الموت في زمان أو مكان","level":1,"page":93},{"title":"علامات حسن الخاتمة","level":2,"page":93},{"title":"هل هناك فضل لمن مات يوم الجمعة أو في رمضان","level":2,"page":99},{"title":"ثناء الناس على الميت وما يرجى به","level":2,"page":102},{"title":"القسم السادس: ما على الحاضرين بعد تحقق موت المحتضر","level":1,"page":104},{"title":"صفة غسل الميت","level":2,"page":106},{"title":"الزوجان لكل واحد منهما غسل الآخر","level":2,"page":108},{"title":"الشهيد لا يغسل ولو كان جنبا","level":2,"page":109},{"title":"ثواب من غسل ميتا وكتم عليه وثواب من كفنه","level":2,"page":110},{"title":"استحباب الغسل لمن غسل الميت والوضوء لمن حمله","level":2,"page":111},{"title":"هل يعرف الميت من يحمله ومن يغسله ومن يدليه في قبره؟","level":2,"page":112},{"title":"تبخير أكفان الميت ثلاثا","level":2,"page":112},{"title":"تحسين الكفن","level":2,"page":113},{"title":"صفة الكفن","level":2,"page":113},{"title":"لون الكفن","level":2,"page":114},{"title":"الدليل على أن الكفن من رأس المال وأقله ثوب واحد","level":2,"page":114},{"title":"كراهية المغالاة في الكفن","level":2,"page":115},{"title":"الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه والكشف عن وجهه وتقبيله والبكاء عليه","level":2,"page":116},{"title":"أين يقبل من الميت؟","level":2,"page":116},{"title":"تأخير الجنازة لغرض اجتماع الناس","level":2,"page":117},{"title":"الصحابي الذي أحياه الله تعالى وكلمه مواجهة","level":2,"page":118},{"title":"الشهيد يغفر له كل ذنب إلا الدين","level":2,"page":120},{"title":"من يؤدي الله تعالى عنه دينه","level":2,"page":120},{"title":"انتفاع الميت بقضاء دينه","level":2,"page":121},{"title":"من مات وعليه دين ولم يقض عنه أخذ من حسناته","level":2,"page":122},{"title":"قصاص المظالم يوم القيامة على قنطرة بين الجنة والنار","level":2,"page":124},{"title":"حكم إحالة دين الميت والصلاة عليه","level":2,"page":124},{"title":"متى تبرأ ذمة الميت بعد إحالة الدين عنه؟","level":2,"page":126},{"title":"من الحقوق التي تعقب وفاة أحد الزوجين","level":2,"page":126},{"title":"القسم السابع: رحلة الروح","level":1,"page":129},{"title":"الفرق بين النفس والروح","level":2,"page":129},{"title":"سكرة الموت","level":2,"page":129},{"title":"الموت راحة للمؤمن","level":2,"page":131},{"title":"ساعة الموت وأن من مات قامت قيامته","level":2,"page":132},{"title":"الملائكة الموكلة بنزع الأرواح","level":2,"page":132},{"title":"نزول الملائكة عند الموت بالبشرى على المؤمنين والوعيد على الكافرين","level":2,"page":133},{"title":"المؤمن عند الوفاة إذا بشر برضوان الله كان الموت أحب إليه من الحياة","level":2,"page":135},{"title":"المؤمن إذا فاضت روحه لا يسرها أن ترجع ولو أن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد","level":2,"page":135},{"title":"تمني من غفر له وأكرم أن يعلم قومه","level":2,"page":136},{"title":"تمني الكافر أن يرجع إلى الدنيا إذا حضره الموت","level":2,"page":136},{"title":"تمني عصاة المؤمنين الرجعة","level":2,"page":137},{"title":"حبذا المكروهان: الموت وقلة المال","level":2,"page":137},{"title":"موت الفجأة","level":2,"page":137},{"title":"صفة خروج نفس المؤمن والكافر","level":2,"page":141},{"title":"ما يعمل بروح المؤمن إذا قبض وما يلقى من كرامة وطلبه قيام الساعة ليرجع إلى أهله","level":2,"page":141},{"title":"ما يعمل بروح الكافر إذا قبض","level":2,"page":143},{"title":"في اجتماع الموتى إلى الميت وسؤالهم إياه","level":2,"page":144},{"title":"رحلة الروح بعد نزعها","level":2,"page":145},{"title":"الزجر عن سب الموتى والوقوع فيهم والعلة من ذلك","level":2,"page":146},{"title":"القسم الثامن: الحزن والبكاء","level":1,"page":147},{"title":"الحزن في القرآن منهي عنه أو منفي","level":2,"page":147},{"title":"الزجر عن النياحة والندب على الميت والرخصة بالبكاء","level":2,"page":151},{"title":"الزجر عن مساعدة من نزلت بها مصيبة الموت بالبكاء والنوح والندب","level":2,"page":152},{"title":"رد دعوى أن عائشة - ﵂ - أقامت مجلس نوح على أبيها","level":2,"page":153},{"title":"أحاديث توهم أن من بكاه أهله أو نيح عليه عذب بعد موته","level":2,"page":156},{"title":"حكم النياحة","level":2,"page":159},{"title":"النهي عن البكاء بعد الموت نهي تنزيه","level":2,"page":162},{"title":"النهي عن البكاء فوق ثلاث","level":2,"page":163},{"title":"الأمر بالتلبينة للمريض والمحزون على الهالك","level":2,"page":164},{"title":"ما يذهب حر المصيبة ويطفئ جمرها","level":2,"page":164},{"title":"إحداد المرأة على غير زوجها ثلاث ليال وعلى زوجها أربعة أشهر وعشرا","level":2,"page":168},{"title":"الحكمة في إحداد المرأة على زوجها أكثر من إحدادها على والديها","level":2,"page":170},{"title":"صفة الإحداد في الإسلام","level":2,"page":170},{"title":"صفة الإحداد في الجاهلية","level":2,"page":172},{"title":"القسم التاسع: من قضى فبكاه المصطفى - ﷺ -","level":1,"page":173},{"title":"صبره - ﷺ - على فقد الأخيار وتسليمه للأقدار","level":2,"page":173},{"title":"بكاء النبي - ﷺ - في زيارته قبر أمه","level":2,"page":173},{"title":"بكاء النبي - ﷺ - لموت ولده إبراهيم - ﵇ -","level":2,"page":174},{"title":"بكاء النبي - ﷺ - على ابنته أم كلثوم - ﵂ - حال دفنها","level":2,"page":175},{"title":"بكاء النبي - ﷺ - عند موت ابنة له أيضا","level":2,"page":175},{"title":"بكاء النبي - ﷺ - على ولد ابنته - ﵂ -","level":2,"page":176},{"title":"بكاء النبي - ﷺ - على مصرع قادة مؤتة","level":2,"page":177},{"title":"القسم العاشر: ما يرتجى في مصيبة الموت","level":1,"page":178},{"title":"ما يرجى للعبد في مصيبة الموت إذا احتسب أصفياءه","level":2,"page":178},{"title":"لا تفرح بموجود ولا تأس على مفقود","level":2,"page":180},{"title":"ما يستحب للمرء من تقديم الفرط لنفسه","level":2,"page":181},{"title":"الولد الصالح ينفع أبويه حيا وميتا","level":2,"page":181},{"title":"النبي - ﷺ - فرط من لا فرط له","level":2,"page":182},{"title":"ثواب من يموت له ولد إذا حمد واسترجع","level":2,"page":182},{"title":"من مات له ولد فاحتسبه لم يأت بابا من أبواب الجنة إلا وجده ينتظره","level":2,"page":182},{"title":"ثواب من قدم اثنين من أولاده","level":2,"page":183},{"title":"ثواب من مات له ثلاثة من الولد","level":2,"page":183},{"title":"أطفال المؤمنين يدخلون الجنة بلا سعي ويتلقون آباءهم من أبوابها","level":2,"page":184},{"title":"شفاعة الولدان لآبائهم","level":2,"page":185},{"title":"السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه","level":2,"page":185},{"title":"لا نقطع لأحد بالجنة ولا بالشهادة","level":2,"page":185},{"title":"كيف تصل والدك في قبره؟","level":2,"page":186},{"title":"ما يفقده الإنسان بفقد والديه؟ !","level":2,"page":187},{"title":"القسم الحادي عشر: أحكام الجنازة","level":1,"page":189},{"title":"طلب المخبر من الناس الاستغفار للميت ولو كان شهيدا","level":2,"page":189},{"title":"الصلاة على الجنازة في المسجد وخارجه","level":2,"page":189},{"title":"هل يصلى على الجنازة في المقبرة؟","level":2,"page":190},{"title":"الصلاة على الميت وهو في قبره","level":2,"page":191},{"title":"النهي عن صلاة الفريضة أو النافلة عند القبور","level":2,"page":193},{"title":"كراهة اتخاذ المساجد على القبور","level":2,"page":194},{"title":"من لا تجب عليه صلاة الجنازة","level":2,"page":194},{"title":"أين يقوم الإمام من الميت في صلاة الجنازة؟","level":2,"page":195},{"title":"صفة الصلاة على الميت","level":2,"page":196},{"title":"اجتماع جنائز الرجال والنساء والصلاة عليها","level":2,"page":197},{"title":"ما يرتجى للميت في كثرة من يصلي عليه","level":2,"page":198},{"title":"الأمر لمن صلى على ميت بإخلاص الدعاء له","level":2,"page":198},{"title":"دعاء النبي - ﷺ - للميت في صلاة الجنازة","level":2,"page":199},{"title":"الدعاء للفرط في الصلاة عليه","level":2,"page":200},{"title":"أجر الصلاة على الجنازة واتباعها","level":2,"page":200},{"title":"استحباب الإسراع في الجنازة والعلة في ذلك","level":2,"page":201},{"title":"أين يكون الماشي والراكب من الجنازة؟","level":2,"page":202},{"title":"القول بكراهية الركوب خلف الجنازة","level":2,"page":202},{"title":"المشي خلف الجنازة أفضل من الركوب","level":2,"page":203},{"title":"القيام للجنازة وتركه","level":2,"page":204},{"title":"العلة من وراء القيام للجنازة","level":2,"page":204},{"title":"نهي النبي - ﷺ - النساء من اتباع الجنائز","level":2,"page":205},{"title":"معرفة الميت ما يحل به من ثواب أو عقاب قبل أن يدخل حفرته","level":2,"page":206},{"title":"حمل الرجال للجنازة دون النساء","level":2,"page":206},{"title":"التزاحم على النعش","level":2,"page":207},{"title":"كراهية رفع الصوت في الجنازة","level":2,"page":207},{"title":"القسم الثاني عشر: أحكام الدفن","level":1,"page":208},{"title":"دفن الميت","level":2,"page":208},{"title":"ما يقال عند دخول المقابر والدعاء لأهلها","level":2,"page":208},{"title":"كراهية دخول المقابر بالنعال","level":2,"page":209},{"title":"النهي عن الجلوس على القبور","level":2,"page":210},{"title":"جواز الجلوس على شفير القبر عند الدفن","level":2,"page":210},{"title":"استحباب توسيع القبر وإعماقه","level":2,"page":211},{"title":"جواز اللحد والشق","level":2,"page":211},{"title":"الأمر بالتسمية لمن وضع ميتا في قبره","level":2,"page":211},{"title":"إدخال الميت القبر من قبل رجليه","level":2,"page":212},{"title":"كم يدخل القبر؟ ومن أولى بإنزاله؟","level":2,"page":212},{"title":"هل يدخل قبر المرأة غير محارمها وزوجها؟","level":2,"page":213},{"title":"توجيه الميت في قبره إلى القبلة","level":2,"page":214},{"title":"دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد من ضرورة وتقديم الأكثر قرآنا","level":2,"page":215},{"title":"لا يدفن مسلم مع كافر","level":2,"page":215},{"title":"تبشير الكافر بالنار عند المرور على قبره","level":2,"page":216},{"title":"تسوية القبر","level":2,"page":216},{"title":"تسنيم القبر","level":2,"page":218},{"title":"رفع القبر من الأرض قدر شبر","level":2,"page":219},{"title":"استحباب حثو التراب على القبر من قبل رأس الميت","level":2,"page":219},{"title":"رش الماء على القبر","level":2,"page":220},{"title":"الإقامة حول القبر مقدار ما تنحر جزور ويقسم لحمها","level":2,"page":221},{"title":"ثواب من حفر لميت قبرا ودفنه","level":2,"page":221},{"title":"الساعات التي نهي عن دفن الموتى فيهن إلا لضرورة","level":2,"page":221},{"title":"جواز الدفن ليلا","level":2,"page":222},{"title":"إخراج الميت من القبر بعد أن يدفن فيه لعلة","level":2,"page":223},{"title":"الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه وسؤال التثبيت له","level":2,"page":224},{"title":"الدعاء جماعة عند القبر والتأمين","level":2,"page":224},{"title":"موعظة المحدث عند الدفن وقعود أصحابه عنده","level":2,"page":224},{"title":"حكم تلقين الميت بعد الفراغ من دفنه","level":2,"page":226},{"title":"علامة القبر وجمع الرجل موتاه في موضع","level":2,"page":228},{"title":"كراهية تجصيص القبر والكتابة عليه","level":2,"page":229},{"title":"مشروعية التعزية وثواب من عزى مصابا","level":2,"page":230},{"title":"استحباب صنع الطعام لأهل الميت وكراهته منهم للناس","level":2,"page":231},{"title":"لا تخص التعزية في مكان ولا تحد بزمان","level":2,"page":232},{"title":"صيغة التعزية","level":2,"page":232},{"title":"القسم الثالث عشر: القبر: ضمته فتنته نعيمه وعذابه","level":1,"page":234},{"title":"القبر أول منازل الآخرة","level":2,"page":234},{"title":"البرزخ","level":2,"page":234},{"title":"ضغطة القبر","level":2,"page":234},{"title":"أحاديث واهية في ضمة القبر","level":2,"page":238},{"title":"هل ضغطة القبر على المؤمن كضمة الأم الشفيقة؟","level":2,"page":239},{"title":"أيهما يسبق ضمة القبر أم فتنة القبر (سؤال الملكين)؟","level":2,"page":240},{"title":"صحوة الميت","level":2,"page":240},{"title":"اجتماع أعمال الميت عليه ودفاعها عنه إن كان مؤمنا","level":2,"page":240},{"title":"أتعاد إلينا أرواحنا وترد إلينا عقولنا قبل أن نسأل؟","level":2,"page":241},{"title":"فتنة القبر","level":2,"page":242},{"title":"الاستعاذة من فتنة القبر","level":2,"page":243},{"title":"اسم الملكين اللذين يفتنان الناس في قبورهم وصفتهما ثبتنا الله تعالى","level":2,"page":243},{"title":"ثبات المؤمن بعد الممات وعذاب المنافق والكافر","level":2,"page":243},{"title":"كيف يجيب على السؤال من قام على رأسه ملك بمطراق من حديد؟ !","level":2,"page":244},{"title":"عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه بعد السؤال","level":2,"page":246},{"title":"سؤال الميت بعد سؤال الملك أن يرجع فيبشر أهله","level":2,"page":246},{"title":"من يأمن من فتنة القبر","level":2,"page":247},{"title":"صفة نعيم القبر","level":2,"page":249},{"title":"رزق الشهداء أين يكون؟","level":2,"page":250},{"title":"إثبات عذاب القبر من الكتاب والسنة","level":2,"page":251},{"title":"سماع النبي - ﷺ - عذاب القبر","level":2,"page":254},{"title":"العلة التي من أجلها لم يدع المصطفى - ﷺ - ربه أن يسمع أمته عذاب القبر","level":2,"page":255},{"title":"هل العذاب على الروح أم على الروح والجسد معا؟","level":2,"page":255},{"title":"وقوع العذاب على الميت ولو لم يدفن","level":2,"page":258},{"title":"التنين الذي يسلط على الكافر في قبره","level":2,"page":259},{"title":"حديث مركب في عقوبة من تهاون بصلاته","level":2,"page":260},{"title":"البهائم تسمع أصوات من عذب في قبره من الناس","level":2,"page":262},{"title":"سماع الميت قرع النعال","level":2,"page":262},{"title":"من أسباب عذاب القبر","level":2,"page":263},{"title":"ما ينجي من عذاب القبر","level":2,"page":267},{"title":"عذاب القبر دائم أم منقطع؟","level":2,"page":270},{"title":"ما يطفئ من حر القبور","level":2,"page":272},{"title":"ما يلحق الميت وما يبقى معه بعد أن يلج قبره","level":2,"page":273},{"title":"ما المقابر إلا زيارة!","level":2,"page":273},{"title":"مشروعية زيارة المقابر والعلة التي من أجلها شرعت هذه الزيارة","level":2,"page":274},{"title":"حكم زيارة المقابر للنساء وحكم زيارتها للجنب والحائض والنفساء","level":2,"page":275},{"title":"حكم تخصيص يوم الجمعة أو يوم العيد لزيارة القبور","level":2,"page":277},{"title":"حكم قراءة القرآن عند القبور","level":2,"page":278},{"title":"عدم استقبال القبر عند الدعاء لصاحبه","level":2,"page":279},{"title":"القسم الرابع عشر: ذكر بعض أحوال الموتى وما يلقونه في قبورهم","level":1,"page":280},{"title":"تمثيل غروب الشمس للميت","level":2,"page":280},{"title":"التعبد في القبر وسؤال الميت الصلاة","level":2,"page":280},{"title":"المؤمن في قبره في روضة خضراء ينور له فيها","level":2,"page":282},{"title":"ما ينير ظلمة القبر","level":2,"page":283},{"title":"هل الأموات على علم بحال الأحياء؟ وهل تعرض أعمال الأحياء على الأموات؟","level":2,"page":284},{"title":"هل يعرف الميت الحي إذا سلم عليه ويسمعه ويأنس به؟","level":2,"page":286},{"title":"هل كلام القبر للميت حق؟","level":2,"page":291},{"title":"هل الموتى يتزاورون في أكفانهم؟","level":2,"page":292},{"title":"أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضا؟","level":2,"page":293},{"title":"هل تتلاقى أرواح الأموات وتتذاكر؟ نتن الميت وبلاء جسده إلا الأنبياء ومن ألحق بهم","level":2,"page":295},{"title":"نتن الميت وبلاء جسده إلا الأنبياء ومن ألحق بهم","level":2,"page":296},{"title":"بيان مشكل ما روي: \"واستخرجوا عظام يوسف - ﵇ - \"","level":2,"page":297},{"title":"الناس يبلون في قبورهم إلا عجب الذنب منهم","level":2,"page":298},{"title":"هل يشعر الميت ببلاء جسده؟ وكيف ينعم بعد ذلك؟","level":2,"page":299},{"title":"هل أجساد الشهداء تبلى؟","level":2,"page":300},{"title":"الروح لا تفنى بفناء الجسد","level":2,"page":301},{"title":"دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة","level":2,"page":302},{"title":"الأرواح في البرزخ أين تكون؟","level":2,"page":302},{"title":"هل يشعر الميت بتطاول الزمن في قبره؟","level":2,"page":307},{"title":"تغبيط أهل القبور آخر الزمان خشية ذهاب الدين من اشتداد الفتن","level":2,"page":308},{"title":"القسم الخامس عشر: ما ينتفع به الميت","level":1,"page":309},{"title":"ما ينتفع به الميت من عمله وسعيه","level":2,"page":309},{"title":"ما ينتفع به الميت من سعي غيره","level":2,"page":315},{"title":"دخول الأبناء الجنة بصلاح الآباء دليل على انتفاع الإنسان بسعي غيره","level":2,"page":317},{"title":"هل يعرف الميت من تصدق عنه أو استغفر له؟","level":2,"page":318},{"title":"القسم السادس عشر: البعث والنشور","level":1,"page":320},{"title":"الإيمان بالبعث والنشور","level":2,"page":320},{"title":"إنكار المشركين البعث","level":2,"page":320},{"title":"الرد على منكري البعث","level":2,"page":322},{"title":"أمر الله تعالى للنبي - ﷺ - بأن يقسم على البعث","level":2,"page":324},{"title":"نفخة الصعق","level":2,"page":324},{"title":"نفخة البعث","level":2,"page":326},{"title":"ما بين النفختين","level":2,"page":326},{"title":"أول من تنشق عنه الأرض","level":2,"page":327},{"title":"صفة البعث (كيفية بعث من في القبور)","level":2,"page":327},{"title":"صفة الحشر","level":2,"page":330},{"title":"الأرض التي يحشر الناس عليها","level":2,"page":330},{"title":"أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟","level":2,"page":331},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":332},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":333},{"title":"ترجمة المؤلف","level":1,"page":344},{"title":"صدر للمؤلف","level":1,"page":344}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,360":344},"ٜ":{"1":[1,360]},"ٝ":["1,1","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,360"],"ٞ":{"4":[1,2],"5":[3],"8":[4],"11":[5],"13":[6],"16":[7],"24":[8,9],"28":[10,11],"29":[12,13],"30":[14],"31":[15],"32":[16],"34":[17,18],"35":[19],"37":[20,21],"39":[22],"42":[23],"43":[24,25],"44":[26,27],"47":[28,29],"48":[30,31],"49":[32],"50":[33,34,35],"51":[36,37],"52":[38,39],"53":[40,41],"54":[42,43],"55":[44],"56":[45,46],"57":[47],"58":[48,49,50],"68":[51],"69":[52],"71":[53,54],"74":[55],"75":[56,57],"77":[58],"78":[59],"79":[60],"80":[61],"86":[62],"90":[63,64],"91":[65],"93":[66,67],"99":[68],"102":[69],"104":[70],"106":[71],"108":[72],"109":[73],"110":[74],"111":[75],"112":[76,77],"113":[78,79],"114":[80,81],"115":[82],"116":[83,84],"117":[85],"118":[86],"120":[87,88],"121":[89],"122":[90],"124":[91,92],"126":[93,94],"129":[95,96,97],"131":[98],"132":[99,100],"133":[101],"135":[102,103],"136":[104,105],"137":[106,107,108],"141":[109,110],"143":[111],"144":[112],"145":[113],"146":[114],"147":[115,116],"151":[117],"152":[118],"153":[119],"156":[120],"159":[121],"162":[122],"163":[123],"164":[124,125],"168":[126],"170":[127,128],"172":[129],"173":[130,131,132],"174":[133],"175":[134,135],"176":[136],"177":[137],"178":[138,139],"180":[140],"181":[141,142],"182":[143,144,145],"183":[146,147],"184":[148],"185":[149,150,151],"186":[152],"187":[153],"189":[154,155,156],"190":[157],"191":[158],"193":[159],"194":[160,161],"195":[162],"196":[163],"197":[164],"198":[165,166],"199":[167],"200":[168,169],"201":[170],"202":[171,172],"203":[173],"204":[174,175],"205":[176],"206":[177,178],"207":[179,180],"208":[181,182,183],"209":[184],"210":[185,186],"211":[187,188,189],"212":[190,191],"213":[192],"214":[193],"215":[194,195],"216":[196,197],"218":[198],"219":[199,200],"220":[201],"221":[202,203,204],"222":[205],"223":[206],"224":[207,208,209],"226":[210],"228":[211],"229":[212],"230":[213],"231":[214],"232":[215,216],"234":[217,218,219,220],"238":[221],"239":[222],"240":[223,224,225],"241":[226],"242":[227],"243":[228,229,230],"244":[231],"246":[232,233],"247":[234],"249":[235],"250":[236],"251":[237],"254":[238],"255":[239,240],"258":[241],"259":[242],"260":[243],"262":[244,245],"263":[246],"267":[247],"270":[248],"272":[249],"273":[250,251],"274":[252],"275":[253],"277":[254],"278":[255],"279":[256],"280":[257,258,259],"282":[260],"283":[261],"284":[262],"286":[263],"291":[264],"292":[265],"293":[266],"295":[267],"296":[268],"297":[269],"298":[270],"299":[271],"300":[272],"301":[273],"302":[274,275],"307":[276],"308":[277],"309":[278,279],"315":[280],"317":[281],"318":[282],"320":[283,284,285],"322":[286],"324":[287,288],"326":[289,290],"327":[291,292],"330":[293,294],"331":[295],"332":[296],"333":[297],"344":[298,299]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الصحيح المأثور\nفي\nعالم البرزخ والقبور","vol":"1","page":1},{"text":"الصحيح المأثور\nفي\nعالم البرزخ والقبور\n\nأحمد محمود الشوابكة\n\nتقديم ومراجعة\nالعلّامة المحدّث شعيب الأرنؤوط\nأ. د. محمود السرطاوي ... أ. د. محمّد الملكاوي\nكليّة الشّريعة- الجامعة الأردنيّة ... كليّة الشّريعة - جامعة اليرموك\nأ. د. سمير استيتية\nكليّة الآداب - جامعة اليرموك\n\n﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾","vol":"1","page":3},{"text":"وأكبر الظَّنِّ أنَّ هذا الكِتَابَ وما دوَّنه فيه المؤلِّفُ مِنْ مَعَانٍ مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله - ﷺ -\nيُعَدُّ فريدًا في بَابِه\n\nفضيلة العلّامة المحدِّث: شعيب الأرنؤوط","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>الإهداء</span>\nإِلى مَنْ أوْصَاني ربِّي بهما خَيرًا، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء].\nإِلى مَنْ أَسْأَلُ رَبِّي لهما خَيرًا، فأقول: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء].\nوإلى صَفِيِّي وفرطي عبيدة، الّذي أجاب ربّه، وأوجعني فقده! عسى اللهُ أَنْ يَجْمَعَني بهم جميعًا في مُسْتَقِرِّ رحمته، مع الأحبَّة: النَّبيِّ - ﷺ - وصحبه.\nوإلى أهل بيتي، لا أَذَاقَنِي اللَّهُ فَقْدَهم، وَقَدَّمَنِي قَبْلَهم.\n\nالرّاجي عفو ربّه\nأحمد محمود الشّوابكة\nأبو عبيدة","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تقديم\nفضيلة العلّامة المحدِّث: شعيب الأرنؤوط</span>\nالحَمْدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد، وعلى آلهِ وصحبه وسلَّم، وبعد:\nفإنَّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزّمر]، وهذا ينطبق على كلِّ مخلوق من الإنس والجنِّ والملائكة.\nلقد مَنَّ الله تعالى على أخينا الأستاذ الشَّوابكة، فألَّف كتابًا يتضمَّنُ أحكام الموت من ساعة خروج الرُّوح إلى مبعث النَّاس يوم القيامة.\nوقد توثَّق من النُّصُوصِ الَّتي احتجَّ بها وذهب إليها بالتَّصحيح والتَّضعيف، ينسب كلَّ قول إلى قائله ممَّن يتعاطى صناعة الحديث.\nولم يفته أن يذكر ما هو مستشهد به ممَّا لا يثبت عن رسول الله - ﷺ -، وقد قرأت كتابه هذا فرأيت فيه الاهتمام بالنُّصوص والاحتفال بها.\nوبما أنَّ الموت لا بدَّ أنْ يذوقَه كلُّ مخلوق، فلم يكن بحاجة إلى مراجعة بقيَّة النُّصوص في الكتب الفقهيَّة؛ لأنَّ الموضوع يتعلَّق بالقرآن الكريم والحديث الشَّريف.\nوهو كتاب جَدِير بِأَنْ يقرأَهُ كلُّ مسلم؛ ليأْخُذَ العظة والعبرة بالنِّهاية الحتميَّة الَّتي ينتهي إليها كلُّ مسلم، نعم مثل هذا الكتاب في هذا الزَّمن جدير بأَنْ يطبع وينشر، ويدخل إلى كُلِّ بيت مسلم، فإنَّ معظم النَّاس لا يفكِّرون بالموت، فَحُبُّ الدُّنيا والانهماك في شهواتها أَنْسَاهم ذِكْرَ الموتِ والتَّأثُّر به، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -","vol":"1","page":6},{"text":"كان يقول لأَصْحَابِه: \"أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ\" (١)، حتَّى يكون المؤمن آخر عهده مُسْتَعِدًّا للقاء الله تعالى بالأعمال الصَّالحة الَّتي يقدِّمها.\nوقد ذكر الشَّيخ أحمد الشّوابكة في هذا الكتاب المراحِلَ الَّتي يمرُّ بها الإِنسانُ في مرضه، وما ينبغي أَنْ ينْظُرَ فيه كلُّ مكلَّف من الأحكام حتَّى يتعبَّد بها المسلم، ويكون حريصًا على لقاء الله تعالى بالأعمال الصَّالحة والطَّاعة الواعية لما جاء في كتاب الله الكريم، وفي سنَّة النَّبيِّ - ﷺ - الصَّادق الوعد الأمين، ولا يليق بالمسلم أن يتجاهل هذه الأمور الَّتي تقرِّبه من الله تعالى، وتغرس الخوف في قلبه منه سبحانه، وتجعله مِنَ المُصْطَفيْنَ الْأَخْيَارِ، ويفوز برضوان الله تعالى وكرمه.\nوأنا أنصح كُلَّ مسلم باقتناء هذا الكتاب؛ فإنَّه نِعْمَ المذكِّر للإنسان في مراحل حياته، ونعم المقوِّي لإيمان المرء وطاعته لله تعالى والخوف منه، والإقبال على كلِّ ما يتقرَّب به إليه.\nومن الجدير بالذِّكر أنَّ الأستاذ الشَّوابكة مَلَأَ كتابه بالاستدلال المحكم بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله - ﷺ -، ورجع إلى أمَّهات كتب السُّنَّة وأخذ ما صَحَّ منها، وهو أمر ينْدرُ في هذا الزَّمن الَّذي شاعت فيه الأحاديثُ الَّتي لا تثبت ولا تصحُّ عن النَّبيِّ - ﷺ -.\nوأكبر الظَّنِّ أنَّ هذا الكتاب وما دوَّنه فيه من معان مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله - ﷺ - يُعَدُّ فريدًا في بَابِه، ونسألُ اللهَ تعالى أن يُوَفِّقَه للمزيد من هذه الأعمال الطَّيِّبة الموثَّقة، الَّتي تسهم في رَدِّ المسلمين إلى جَادَّة الصَّواب، وتوقفهم\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٨/ص ٣٥/رقم ٧٩١٢) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":7},{"text":"على المستندات العلميَّة الَّتي ينبغي أن تُعْتَبر في هذه الأعمال.\n\nوختامًا، إنِّي لأعجب ممَّن على غبراء قد سكنوا، وهم يعلمون أنَّهم عن قريب سيرقدون مع من رقدوا، ولسوف يعلمون ما عنه قد غفلوا، كيف تطيب أنفسهم بعد هذا البيان أن يعرضوا عنه أو يغضوا منه!\nموتوا على ما مات عليه رسولكم - ﷺ - تفلحوا، قال - ﷺ - عند نزول الموت به «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى» (١)، فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبيُّ - ﷺ - كما قالت أمُّنا عائشة - ﵂ -.\n\n﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران].\n\nشعيب الأرنؤوط\n٢/رجب/١٤٣٦ هـ\n٢١/نيسان/٢٠١٥ م\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٠٦/رقم ٦٥٠٩) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تقديم\nأ. د. محمود السّرطاوي</span>\nالحمدُ لله الحيِّ القَيُّوم، الواحد الأحد، الفرد الصَّمد، المُحْيِي المُمِيت، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (١٢٣)﴾ [هود]، سُبْحَانَه، تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وتنزَّهت عن التَّشبيه صفاته، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ما لنا من ملجأ إلَّا إليه.\nغفَّارَ الذُّنوبِ، قَابِلَ التَّوبةِ، واسِعَ الرَّحمةِ، أدْخلنا بعفوك وفضْلِكَ في رحمتك، إِلَهِي ما لنا سواك، اعفُ عنَّا، وارحمنا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ [الشّعراء]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ [عبس]، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار].\nوالصَّلاة والسَّلام على نبيِّ الهدى وخاتمِ الأنبياءِ محمَّد بن عبدالله - ﷺ -، النّعمة المهداة والرَّحمة المسداة، صاحب الحوض المورود والشَّفاعَة الكبرى يوم الخلود، وعلى آله وصحبه والتَّابعين بإحسان إلى يوم الدِّين.\nاللَّهُمَّ اجعلنا من أهل شفاعته، وأوردنا حَوْضَه، واسقنا منه شربة لا نظْمَأُ بعدها أبدًا، وبعد:\nفقد طالعت كتاب (الصَّحيح المأثور) لمؤلِّفه الأخ الأستاذ أحمد محمود الشَّوابكة - حفظه الله ومَنَّ عليه بالصِّحة والعافية ونفع بعلمه - فنَقَلَنِي إلى رحلة في","vol":"1","page":9},{"text":"عالم الرُّوح، بعبارة بارعة جامعة تباشر القلوب، وتأخذ بالقارئ حيثما تريد مِنْ عالم الرّوح، فتطوف به في جنبات ذلك العالم، وتنقله من الدُّنيا وزينتها وزخرفها ومتعها وملذّاتها، ومن همومها وصخبها وآلامها، إلى ميادين فسيحة ورحبة في عالم الرّوح.\nتنقله برفق مِنْ مَرْتَبَة من مراتبها إلى مرتبة أخرى، فمن الزُّهد في الدُّنيا إلى لحظات المرض وسكرات الموت، وبين كلِّ مرتبة وأخرى جرعة بلسم تؤهِّله للارتقاء، فهو مثلًا يتحدَّث بين المرتبتين السَّابقتين عن التَّوبة وتكفير الخطايا، ولطف الله بعباده، وهكذا سائر أقسام الكتاب.\nلقد تناول الكاتب موضوعات البحث وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة المتعلِّقة فيه، والَّتي شغلت الكثير من السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بعد أن وقف على الصَّحيح والحسن من الحديث، ونبَّه إلى الضَّعيف، فجاء كلامه مُعَزَّزًا بالأدلَّة مُعَضَّدًا بالبراهين.\nوكان للأسلوب الأدبيّ الَّذي وهبه الله تعالى للكاتب، أَثَرٌ كبير في وضع المادَّة العلميَّة في ثوب قشيب بهيج.\nومما يحمد للباحث تخليص الموضوع من البدع والخرافات، والعجائب والغرائب، والموضوعات والمعضلات.\nوالكتاب يبعث في القارئ السَّكينة والطُّمأنينة، ويحفزه إلى النَّجاة والعمل لما ينفعه في دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ.\nأسأل الله تعالى أن يجزي أخانا الشَّوابكة خير الجزاء وأَبرَّه، وأنْ يَنْفَعَ به وبعلمه","vol":"1","page":10},{"text":"﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصَّافات].\n\nالفقير إلى عفو ربِّه\nأ. د. محمود علي السّرطاوي\nأستاذ الفقه المقارن\nنائب رئيس جامعة العلوم الإسلاميّة العالميّة\nوعميد كليّة الشّريعة / الجامعة الأردنيّة سابقًا\n١٣/رجب/١٤٣٦ هـ\n٢/ أيار/ ٢٠١٥ م.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>تقديم\nأ. د. محمّد ملكاوي</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة]، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نبيِّنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أجمعين، وتابعيهم بإحسان، وبعد:\nفقد أُهديت إليَّ مخطوطةُ كتاب: (الصّحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور)، للأستاذ الفاضل أحمد محمود الشّوابكة أبي عبيدة حفظه الله تعالى، وكان الأستاذ ... أبو عبيدةَ قد استقصى فيه جميعَ المسائل المتعلِّقةِ بأحد عوالم الغيبِ، وهو عالم البرزخِ والقبور، فكنْتُ كلَّما قرأتُ قسْمًا من أقسامه ازددتُ إعجابًا بحُسْنِ تنسيقِهِ وإخراجِهِ، وبخاصّة أنَّه التزمَ فيه الدَّليلَ النَّقليَّ من كتابِ الله تعالى، وما صحَّ أو حَسُنَ من أحاديثِ المصطفى - ﷺ -، ونبَّه فيه إلى الأسانيد الضَّعيفةِ والموضوعةِ، ونقَلَ فيه بعضَ أقوالِ العلماءِ المعتبَرين، فجاءَ الكلامُ في مسائلِهِ منسجِمًا مع عقيدةِ أهل السُّنَّة والجماعةِ الَّذين وصفَهمُ الرَّسولُ - ﷺ - بأنَّهم الفِرْقةُ النَّاجيةُ.\nوجاءَ الكتابُ سِفْرًا جليلًا وافيًا بالمقصودِ من تأليفه، وموضِّحًا للعقائد الإسلاميَّة الصَّحيحة الَّتي من خرج عنها شذَّ إلى أودية الضَّلالِ، وَتَنَكَّبَ سَبِيلَ الْحَقِّ.\nوأسألُ الله تعالى أنْ يجزيَهُ عنَّا وعن سائرِ المسلمين خيْرَ الجزاء على جهْدهِ وجَلَدِهِ وصَبْرِه وسهَرِه، ودقَّة استقصائِه، وعظيم اعتنائه، بارك الله تعالى أخانا أبا عبيدةَ، وباركَ له في أهلِهِ ومالِهِ، وفي وقته وصحَّته، وأعانه على الاستمرار في إخراج المزيد من الكُتُبِ الدُّررِ والمؤلَّفات الغُرَر، إنَّه سبحانه وليُّ التَّوفيق، والهادي","vol":"1","page":12},{"text":"إلى سَوَاءِ السَّبِيلِ.\nوَصَلَّى الله تعالى وسلَّم وبارك على النَّبِيِّ الأمِّيِّ محمَّد - ﷺ -، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.\n\nأ. د. محمّد أحمد عبد القادر ملكاوي\nأستاذ العقيدة الإسلاميّة ومقارنة الأديان - قسم أصول الدّين\nكليّة الشّريعة والدّراسات الإسلاميّة - جامعة اليرموك - إربد\n\n٢٤ /رجب/١٤٣٦ هـ\n١٣/أيّار/٢٠١٥ م","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>تقديم\nأ. د. سمير استيتية</span>\nاللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ كما ينبغي لجلال وجهك العظيم، وسلطانك القديم، أحمدك بكل حمدٍ حمدتَ به نفسك، وبكل حمدٍ تحبُّ أَنْ تُحْمَدَ بِهِ، وبكل ما حمدتك به الملائكة والأنبياء والمرسلون، وعبادُ الله الصالحون، وأحمدك يا مولانا بكل حمدٍ خَصَصْتَ به أحدًا مِنْ خلقك، فأجريته على لسانِه، فَقَبِلْته وأحبَبْته، وأشهد لك بكل ما شَهِدْتَ به لنفسك، وكما شهدت الملائكة والأنبياء والمرسلون، وعبادُ الله الصالحون.\nوأشهدُ لعبدك ونبيِّك ورسولك محمَّد - ﷺ -، بكلِّ ما شَهِدْت به له مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالة والخُلُق العظيم، اللَّهُمَّ صَلِّ عليه أزكى صلاة، وسلِّم عليه أتمّ تسليم، وعلى آل بيته الأطهار، وأصحابه الأخيار، وأزواجه أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وألحقنا به وبهم يا مولانا وأنت راضٍ عنَّا، اللَّهُمَّ آمِينَ، وبعد:\nفلِلهِ دَرُّكَ أبا عبيدة، لقد جمعتَ فأوعيتَ، وقدحت فأوريت، وأبليتَ فأَحْسَنْتَ وَأَجْمَلْتَ. ولقد نظرتُ في هذا العمل، ورأيت فيه الحياة الدُّنيا، كما أراد الله - ﷿ - أن نراها؛ إنَّها طريقُ الآخرة، فهي ممرُّنا ومعبرنا إلى دار المستَقَرِّ، ومهما اتَّسعت بنا عَرَصاتُها، وتعدَّدت أفناؤُها، وتكاثرت زخارِفُها، وتعالت مباهجها، فإنَّ في اتساعها ضيقًا، وفي فرحتها غصَّة، وفي مباهجها فناءً، وفي زخارفها زوالًا، لكنّ الآخرة هي دارُ المستَقَرِّ والخلود، إنَّها السَّعادة الَّتي لا شقاء معها، أو الشَّقاء والعذاب اللَّذَانِ لا سعادة معهما.","vol":"1","page":14},{"text":"لقد دلَّنا كتابُ الله تعالى على حقيقة الدُّنيا، وما حُفَّت به من الشَّهوات، ودلَّنا على عظمة شأن الآخرة، بأيسر العبارات، وأدقّها مضمونًا، وأنفذها إلى القلب، وأعلاها بيانًا، وأبان عن بعض ما في الآخرة من ثواب وعقاب، ولم يفصِّل صورهما ولا أشكالهما، ووضَّح لنا النَّبِيُّ - ﷺ - بعض ما يكون في عَالمِ الْبَرْزَخِ، ولم يفصِّل فيه القولَ تفصيلًا شاملًا؛ لأنَّ الهدف من ذكر ذلك العالم تذكيرُ ذوي الألباب، وتحذيرُ العباد من مغبَّة الوقوع في المعاصي والآثام الَّتي تفسد على الإنسان آخرته، وليس الهدف منه أن يعطي صورة تفصيليَّة للآخرة، ولا ما يكون في البرزخ وهو بعضها. وعندما تختزن ذاكرة الإنسان هذه المفاهيم ينضبط سلوك الإنسان، أو هكذا ينبغي أن يكون الحال.\nفضبط السّلوك في النِّهاية هو الهدف، وضبط السلوك إنّما يكون بقناعة الإنسان وإيمانه، بتوسط بين التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ فما جاء في القرآن العظيم وَالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ من مُسَاءَلَة في الحياة الآخرة، ليس الهدف منه تحويل حياة الإنسان إلى رعاب في الدُّنيا. وقد أدرك المؤلِّف - جزاه الله خيرًا- هذا الأمرَ أَحْسَنَ إدراك، فتجد في عمله هذا ما يجعل الموعظة قريبةً إلى القارئ، فموعظته - بحقّ- تشقُّ طريقها إلى النَّفس دون استئذان.\nلا يكون العلم بخبر الآخرة والبرزخ إلا بما أخبرنا الله - ﷻ - به، وما عرَّفنا به رسول الله - ﷺ -؛ لأنَّ ذلك من الغيب الَّذي نؤمن به، والغيب لا يتوصَّل إليه إلَّا بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَصَحِيحِ الْأَثَرِ. ولذلك كان المؤلّف - حفظه الله - يروي الأحاديث الصَّحيحة في هذا الباب، بحرص شديد، وهذا هو المسلك الذي ينبغي أن يكون؛","vol":"1","page":15},{"text":"فصحَّة الاعتقاد لا تبنى إلَّا على الحديث الصَّحيح، فكان يقف عند الحديث وقفة مستأنية، يروي ما يقوله العلماء في صحَّة سنده، فيوافق - وهذا هو الأغلب عنده بحمد الله - ويناقش أهل العلم، ويرجِّح أو ينتهي إلى نظر مستقل، وهذا هو شأن أهل العلم.\nوكنت أحترم رأي المؤلِّف وأقدِّره، ولو رأى رأيًا غير الَّذي أراه، فالعبرة في المنهج الَّذي يتَّبعه العالم، وليست العبرة في الاختلاف في الفرعيات.\nلقد كنت أحسُّ وأنا أقرأ هذا الكتاب أن المؤلِّف - جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا - يَنْطَوِي على قدر كبير من التَّأَسِّي بعلمائنا المتقدِّمين، حتَّى في أسلوبهم، وعلى الَّذين لا يعرفون هذه القيمة أن يعلموا أنَّ المنهج التُّراثيَّ، وأسلوبَ أسلافنا في الكتابة قد بَلَغَا مبلغًا عظيمًا من الرَّصَانَة والقُوَّة، مصحوبين بدقَّة العبارة، وعمق المعنى، وسلاسة السَّرد. ومن المحزن حقًّا أنَّ عاديات هذه الأيام قد فصلتنا عن التَّأَسِّي بِعُلَمَائِنَا المُتَقَدِّمِينَ إلى حَدٍّ كبير.\nأَسْأَلُ الله الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أن يتقبَّل هذا العملَ وصاحبه، وأن ينْفَعَ بهِ أمَّةَ سيِّدنا محمَّد - ﷺ -.\n﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة].\nأ. د. سمير شريف استيتية\nكلية الآداب - جامعة اليرموك\n١٨/رجب/١٤٣٦ هـ\n٧/ أيّار/٢٠١٥ م","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المقدمة</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة]، افْتَتَحَ بالحمد كتابه، وجعله آخر دعوى سَاكِنِي دار مَقَامه وثوابه ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس].\nالْحَمْدُ لله الّذي قَصَّ علينا في كتابه المُبِين، مِنْ سِيَرِ المُرْسَلِينَ، وأنباء الغابرين، وأخبار الماضين، ما فيه عظة وعبرة وذكرى على مرِّ الدَّهر المديد، والأمد البعيد ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق].\nالحمد لله الَّذي جعل الموت على عباده حتمًا مقضيًّا، فسوَّى فيه بين مَنْ كان رسولًا أو نبيًّا، أو رفيعًا أو دنيًّا، أو ضعيفًا أو قويًّا، فقال - ﷿ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ ... [العنكبوت].\nوالصَّلاة والسَّلام على رسُولِ الله - ﷺ - ما ذرَّ شارِقٌ ولاح بارق، خاطبه ربُّه في حياته، وقال له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء].\nألا فَلْيَتَّقِ اللهَ أُنَاسٌ نَعَاهم الله تعالى بعد نبيِّه - ﷺ -، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزّمر]، وإنَّ إنسانًا قرأ هذه الآية لَمَحْقُوقٌ أنْ يستشعر أنَّ نفسه نُعِيَتْ إلى الرَّحيل!\nيعيش الواحد منَّا مع صفيّ أو حليف، وينسى أنَّ لهذه الدَّار بأهليها صروفًا، فلكلِّ اجتماع من حميمين فرقة وغربة، والموت لا يبقي عزيزًا لعزيز؛ فكلّ","vol":"1","page":17},{"text":"أخٍ مفارقٌ أخاه، فإذا قَضَى يومًا نَحْبَهُ أَغْمَضَهُ وَسَجَّاه، ثمّ صلَّى عليه وأمكن الأرض منه وحدره في جوانب حفرة وفي التُّرب واراه، وبوَّأه جَدَثَهُ بيديه ورجع وخلَّاه، فيبكي قَليِلًا لَحْدًا ثواه، وينكر قلبًا خافقًا ودَّع ساكنًا ثُمَّ يَنْساهُ.\nويْحَكِ يا نَفْسُ، فما النَّاس إلَّا مُسْتَقْدِم ومُسْتَأْخِر، وسالف وتابع، وسابق ولاحق، وجاء وذاهب، وسار وسارب، فلا المعزِّي ولا المعزَّى بباق ولا خالد.\nمَنْ مِنَ الْأَنَامِ راح بالخلود، ونجا من ضمة القبر وَاللُّحُودِ؟! فما مِنْ باكٍ اليوم إلّا غدًا سَيُبْكى، وما مِنْ ناعٍ إلّا سَيُنْعَى، وما مِنْ مشيِّع إلّا سَيُشَيَّع، وكلّ مُغَسِّل سيُغَسَّل، وكلّ حامل ودافن سيُحْمَل ويدفن، وكُلُّ اثْنَينِ إِلَى افْتِراقِ، وكلّ واحد حسابه ملاق، فلا جَرَمَ أنَّ سَبِيلنا إِلَى الْآخِرَةِ، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ... (٤٣)﴾ [غافر].\nفماذا بعد الشَّباب إِلَّا الهرم، والصّحة إِلَّا السّقم، والسَّلامة إِلَّا المَنُون، ولو أُخِّرَ الحَيْنُ إلى حِين؟!\nلا شكّ أنَّ المنايا بالأحبّة تفجع، وفِطَام النَّفس عَنْ إلفها أعسر محملًا من الجبال الشَّوَامِخ إذا رُمْتَ نقلها، ومصيبة الموت فاجعة من فواجع الدَّهر، تحطم العظم وتُعْظِم الحطم، لكن الغنيمة أن تردَّها بصبر وحسْنِ عزاء، وترضى بالقضاء، فالأجر على قدر الصَّبر والنَّصب؛ فإذا جَلَّت مصيبتُك فَتَجَمَّلْ، لعلَّ الخير عقباك، والأمور إذا تضايقت تلاها اتِّساع، والنَّكَبَاتُ إذا توالت تولَّت، وما أنت في مصيبة الموت بأوحد، ولا بِأَلَمِ الْفِرَاقِ بفريد.\nوخير مَا يسلي عن فقد الأصفياء المصيبة بسيِّد الأنبياء - ﷺ -! فَمَنْ كانت","vol":"1","page":18},{"text":"مصيبةُ الموت عنده عظيمة، فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بالنَّبيِّ - ﷺ - فهي أعظم، وَلْيَتَعَزَّ بذَلِكَ عَنْ مُصِيبَتِهِ؛ فلم يُصَبْ أَحَدٌ بمثله - ﷺ -، وهل بعد فقد الحبيب - ﷺ - فقيد؟!\nوَهَلْ عَدَلَتْ يَوْمًا رَزِيَّةُ هَالِكٍ ... رَزِيَّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ مُحَمَّدُ\nفَمَنْ غَالَبَ الحزن وترك دواعي الشَّجَن، وصبر وتجلَّد، وذَكَّرَه مصابُه بمصابِه بالنَّبيِّ محمَّد - ﷺ -، فقد مَلَأَ يديه مِنَ الخير، ومَنْ سخط ونقم، وهلك أسىً وحسرة، وهو يعلم أنَّه غير مخلَّد، فقد خاب وخسر، وصار بين ذمّ ووزر، وأمر الله تعالى ماضٍ.\nوقد أخبر الله تعالى أنَّ هذه الدَّار دار بلاء، وأمر بالصَّبر، وجعل لِلصَّابِرِينَ\nالْبُشْرَى وحسن العُقْبَى، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة].\nوأخبر النَّبيُّ - ﷺ - أنّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاء، ثُمَّ الأَمْثَل فَالأَمْثَل، عن سَعْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ الله - ﷺ -: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: فَقَالَ: \"الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ\" (١).\nوالبلاء لم يكتب علينا وحدنا، وإنّما أصاب مَنْ قبلنا، قال تعالى تَطْيِيبًا\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ١٥٩/رقم ١٦٠٧) إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":19},{"text":"لقلوبنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ... (٢١٤)﴾ [البقرة].\nفهَوِّنْ عَلَيْكَ ولا تولع بأحزان ولا تظلّ رهينًا؛ فأَيُّ كريمٍ أَخْطَأَتْه الحَبائلُ، أو سالمته القواصم، وما نزلت به القَوارِعُ؟! وأي حزين على ميِّته بقي بعده ولم يلحق به؟! فالأَمْر إِذا تَمَّ دنَا نَقْصُه، فَالْكُلُّ مفارق، سابق ولاحق، أَفَإِنْ عاد أحد إلى بطن الأرض، فَأَنْتَ باق على ظهرها؟!\nفَهَلَّا رضينا بقضاء قد سَرَى، وصبرنا على ما قدَّر وقضى، واعتبرنا بِمَنْ قضى ومضى، فليس وراءَ ذلك وَايْمُ الله مِنْ خير.\nفيا للنَّاس في غَفَلاتِهِمْ، كيف لا ينهاهم نُهَاهُمْ عن التَّسَخُّطِ عَلَى قدر الله تعالى الفعَّال لما يريد، الَّذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]! لا حَسْرَة وربِّي تنفع ولا جَزَع يشفع إذا ذكرت مَنْ ليس له إلى الدُّنيا مُرْتَجَعٌ،؛ فكلّ جديد لا أبا لك يمسي باليًا، فما البكاء على ميّت أصبح في قبره ثاويًا؟! سيَلْحَقُ آخِرُنَا بِأَوَّلِنَا، ويلقى مَنْ يَبْقَى ما لقي مَنْ مَضى.\nنيطوها في رقبتي واعْصِبُوهَا برأسي، واحملوا النَّاس على أن يقولوا: بَرَدَ قلبُه رجاءَ رَحْمَةِ ربِّه، ولا تجمعوا بين مصيبتين: مصيبة الموت، ومصيبة ذهاب الأجر، فالجزع لا يردُّ المصائب وإنّما يضاعفها، وشفاء النَّفس ليس بالتَّندُّم.\nإنَّ الموت وعد موعود، وورد مورود، فما الجزعُ مِنْ قَدَر مقدور؟! وما الطَّمع في دنيا غرور، كلّ ما فيها يزول!\nأَلَا يا قومي، إِنَّ الله تعالى قد بَيَّنَ في كتابه صفات عباده بيانًا، فقال:","vol":"1","page":20},{"text":"﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان]،\nفكونوا من المتيقّظين، وانظروا مصارع السَّابقين، ومصائر الغابرين، واعتبروا بالرَّاحلين، فكم وقعت أعينكم على محتضر، وقبر حفر، وإنسان قبر، أما لكم مُعْتَبر؟ \"كَفَى بِالمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَر\"!\nبالله رَبِّكُمْ ألم تروا إلى تلك الدِّيار الغابرة، كيف غدت؟! صارت أطلالًا بالية ومنازل خاوية وديارًا خالية، مضى أهلها في الأرض ترابًا، وأضحى قوم في أعقابهم عظامًا.\nيُرَاعُ النَّاسُ إذا حملوا إلى القبور جنازة، وهم يعلمون أنَّهم لن يتلبَّثوا بعدها إلّا يسيرًا، فإذا نفضوا أيديهم من التُّراب وأسلموها، رَتَعُوا في نعمة زمنًا، ثمَّ لحقوا بها وصاروا في برزخ إلى يوم يبعثون، سادِمين نادمين على كلِّ ساعة لم يتزوَّدوا فيها من التَّقوى.\nلله دَرُّ الدَّافنين لأحبَّة أما راعهم مثوى من الأرض ضيِّق؟! ما لهم لم تعِظْهم دموعٌ تستهلّ على من يغيَّب في ضريح، أو تهزّهم قلوب تحنو على من يوسَّد في حفرة عفراء تعاف نفوس وردها؟!\nلا جَرَمَ أنَّ حسرة الإنسان تعظم حين تحضره الوفاة؛ لأجل ساعة لم ينفقها في طاعة الله تعالى، وَلَا غَرْوَ أنَّ فرحته تعظم لما قدَّمت يداه من تُقَىً لله؛ فَنَفْسَك نَفْسَك فاغنمها، شمِّر هُدِيت عن ساق واتَّزر، وشدَّ مئزرك مِنْ قبل التّنَدُّمِ وَالتَّحَسُّرِ على ما فرَّطت في جنب الله تعالى، واضْرَعْ إليه مبتهلًا، ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ [المؤمنون].","vol":"1","page":21},{"text":"ألا بُعْدًا لمَنْ أنفق عمره في الشَّهوات ومقارفة السَّيِّئات، لا يخشى أن يحيق به سوء مكره، ولا يخاف أن تصيبه المَثُلَاتُ! ألا تَعْسًا ونُكْسًا لمن غَدَا وَرَاحَ ضاربًا فِي غمرة اللَّهْو يَعْمَهُ في ضلالته، وقد فتَّح أَبْوَابَ شَرٍّ لِنَفْسِهِ، ولم يَسُؤْه سُوءُ عمله، ولَمْ يَشِنْهُ شَيْن فعله، بل رآه حسنًا، مغترًّا بعمر قصير، غافلًا عن أجل ومصير، متى يعوّض هذا الخاسِرُ الدَّابِرُ ما أنفقه، ويدرك ما ضيَّعه، ويستدرك على نفسه ما سبقها الصّالحون إليه؟! فارجع قبل الحسرات، وقبل أن يقولوا مات.\nوتعجب حين تعلم أنَّ من النَّاس من يأتيه الموت واعظًا فلا ينتفع، ويأتيه الشّيب نذيرًا فلا يرتدع! ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... (٨)﴾ [فاطر]، ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾ [محمّد].\nهذا وطوبى لمن استجاب لله تعالى والرَّسول - ﷺ -، ووضع عن نفسه أَوْزَارَهَا، وحَطَّ عنها أَثْقَالَها.\nأُخَيّ، هذا كتاب وسمته بالصَّحيح المأثور، أردت أن أطَيِّب بِهِ الأَنْفُسَ عَنْ مَوْتَاها، لأنَّه لا يَعْرَى أحدٌ من مصيبة بحميم أو فاجعة بكريم، فلَعَلَّهُ يأْسُو الكَلْم، ويرمّ الثَّلْم، ويجلو الهمَّ، ويداوي السّقم، ويدمل الجرح، ويطفئ الجمر، ويأخذ باليد، ويحسر الكرب، ويُذلّ الخطب.\nأحسبه مُتَّعَظًا ناجعًا، وذخرًا نافعًا، وجوابًا شافيًا، وزادًا وافيًا، وبرهانًا عذبًا نميرًا صافيًا، لمن أراد النّجاة وثواب الدَّار الآخرة.\nفيه من الحُجَّة ما يحمل على المَحَجَّةِ، ومن العظات ما يملأ القلوب رغبة","vol":"1","page":22},{"text":"ورهبة، ولا أيأس من رَوْحِ الله تعالى، فكم من حُجَّة أتت على مُهْجَة.\nأذكر فيه باختصار دون احتفال وإكثار: فضل الزُّهد في الدُّنيا المدبرة والتَّقَلُّل منها، والاستعداد للآخرة المقبلة وَالتَّأَهُّب لها، والمرض وفضله، وساعة الموت، وَمَا يَرِدُ على الميِّت حال الاحتضار، وصفة ملك الموت ورسله، وَحَال الرُّوح بعد مُفَارقَة البدن وصعودها إِلى الله تَعَالَى، والتقائها بالأرواح ومقرّها بعد ذَلِك، والْقَبْر وضمَّته وفتنته ونعيمه وعذابه وسعته وضيقه وَمَا ينفع فِيهِ، والخروج منه.\nوَضَمَّنْتُهُ بعض سنن وآداب وأحكام: المحتضر، والميِّت، والجنازة؛ إِتْمَامًا لِلْفَائِدَةِ، وبلوغًا إلى الغاية، مُتَتَبِّعًا لذَلِك من القرآن الكريم، والحديث الشَّريف المنيف، والمأثور عن الصَّحابة؟ والتَّابعين، والمنقول عن جمهور الفقهاء والأصوليين، والرَّاجح من أقوال العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين، مُسْتَمْسِكًا بالدَّليل، مقدِّمًا الأعلى سندًا ومتنًا، جامعًا بين الرِّواية والدّراية، موفِّقًا بين الرِّوايات الَّتي يبدو فيها تعارض، مستوعبًا تضارب الآراء، دون تعصُّب إلّا للدَّليل، ساعيًا للوصول إلى الْحَقِّ جَهْدِي، ناظرًا إلى سلامة الاستدلال ومقاصد الشَّريعة، وفقه الواقع وتغير الحال وفقه المآل، آخذًا بإحكام بالأحكام، ملحقًا فروعها بأصولها، دون تفصيل وتطويل، منبّهًا إلى بعض الأخطاء الشَّائعة، والأباطيل الذَّائعة: ... ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ... (٩)﴾ [النّحل]، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة].\nوقد استغرقت في إملائه ثلاث سنوات وبضعة أشهر، فلم أكن كَحَاطِبِ لَيْلٍ لا يبالي ما يأخذ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وكان ابتدائي به في الثّاني والعشرين من شهر","vol":"1","page":23},{"text":"صفر عام ألف وأربعمائة وثلاثة وثلاثين للهجرة، الموافق للسّابع عشر من شهر كانون الثّاني عام ألفين واثني عشر للميلاد، وكان الفراغ من تحريره في الثّالث من شهر محرّم عام ألف وأربعمائة وسبعة وثلاثين للهجرة، الموافق للسّابع عشر من تشرين الأوّل عام ألفين وخمسة عشر للميلاد، فَلَكَ الْحَمْدُ رَبَّنَا على تمام هذا العمل قبل انقضاء الأجل وتمام العدّة وذهاب المدّة.\nورحمة الله تعالى ومغفرته والسُّقيا سجالًا على مَنْ أعانني في هذا العمل ما لاح نجم أو أَفَل.\nوختامًا، إن أصبت فإنّي بأجر المصيب أمنِّي النَّفس، وإن أخطأت بشيء فَإِنِّي أسليها بمعذرة لبيب أو دعاء حبيب ينفعني في الرَّمس.\nرِضَاكَ ربّي قبل لِقَاكَ! هَبْ لي توبة تذهب ذنوبي، واعفُ عَنِّي ما كَان منِّي، واستر ما علمت من عيوبي!\nالمؤلّف\nأحمد محمود الشّوابكة\nأبو عبيدة","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>القسم الأوّل\nساعة الموت</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>فضل الزهد في الدّنيا والتّقلّل منها</span>\nليس من إنسان عَلَتْه يومًا ضحكة إلَّا عرَتْهُ بعدها عَبْرَةٌ، ولا أتته ساعة يحبُّها إلَّا أعقبتها ساعة يكرهها، وَلَمْ تَمُرَّ عليه ليلة وهو سليم إلَّا جاءته أخرى وهو سقيم، ولم تظلّه سحابة رخاء إلَّا هطلت عليه سحائب بلاء، لهفي عليك لا تأمن الدَّهر وصروفه، وانظر الموت وصنوفه.\nإنَّ الدُّنيا متاع غرور قليل فخلِّها، ولا تطمئنَّ بها، ولا تُطَوِّل أَمَلَك فِي عِمَارَتها، فلم تُخْلَق لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، فهي دار مَمَرٍّ إلى دار مقرّ، سرعان ما ترحل عنها إلى دار سواها: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر]. فأقلّ الهَمَّ فيها، وبعِّد أَمَلك عَنْهَا، وقرِّب عَلَى نَفْسِك أَجَلك، فما فيها لحيٍّ مِنْ بقاء، وصدق القائل:\nعلى زهرَةِ الدُّنْيَا السَّلَام من امرئٍ ... يرى كُلَّ مَا فِيهَا يَزُولُ وَيذْهبُ\n\nوحدِّث نفسك بذكر هاذم اللَّذَّاتِ واغلظ عليها، فكم روَّع الموت قلوبًا، فاستعدّ له لعلَّ وطأته تخفّ عليك إذا نزل بساحتك، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ\" (١). فلا تأمن الدُّنيا وإن طالت سلامتك؛ فأنت على سفر لا رجعة فيه، فَهَلَّا أعددت الزَّاد لحسن المآب!\nوالنَّفْسُ عَزُوفٌ أَلُوفٌ؛ إنْ زَهَّدْتها زهِدَتْ وإن رَغَّبْتها رَغِبَتْ، فخذ مِنْ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٨/ص ٣٥/رقم ٧٩١٢) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":25},{"text":"نفسك لنفسك، واسع فِي دُنْيَاكَ لِآخِرَتِكَ، وأعدّ الْعُدَّةَ لِبُعْدِ الشُّقَّةِ، وتزوَّد من التَّقوى لِلَيْلَةٍ صَبِيحَتُهَا يَوْم الْقِيَامَةِ؟ !\nوَعَظَ النَّبيُّ - ﷺ - رجلًا، وقال له: \"اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ\" (١).\nازهد في الدُّنيا مقتديًا بالنَّبيِّ - ﷺ - الَّذي زهد في المباح، وكَرِهَ لِابْنَتِهِ مَا كَرِهَ لِنَفْسِهِ مِنْ تَعْجِيلِ الطَّيِّبَاتِ فِي الدُّنْيَا، أَتَى النَّبيُّ - ﷺ - بَيْتَ فَاطِمَةَ - ﵂ -، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ - ﵁ -، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا. مَا لِي وَلِلدُّنْيَا\" (٢).\nومَرَّ النَّبيُّ - ﷺ - بِالسُّوقِ، دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ (٣)، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ (جَانِبَهُ)، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ (صَغِير الأذنين) مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: ... \"أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ قَالُوا: وَالله لَوْ كَانَ حَيًّا، كَانَ عَيْبًا فِيهِ، لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ فَقَالَ: فَوَالله لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله، مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ\" (٤).\n_________\n(١) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٤/ص ٣٤١/رقم ٧٨٤٦) وقال الحاكم: على شرط الشّيخين، ووافقه الذّهبي.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٣/ص ١٦٣/رقم ٢٦١٣) كتاب الهبة.\n(٣) العَالِيَةُ وَالعَوَالِي أَمَاكِنُ بِأَعْلَى أَرَاضِي المدِينَةِ.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٧٢) كتاب الزّهد.","vol":"1","page":26},{"text":"ولذلك فإنَّ المؤمن يَسْتَعِدُّ لِلِارْتِحَالِ عن الدُّنيا، وَيَتَشَوَّفُ إلى الآخرة، بخلاف الكافر الَّذي يحرص على طول المقام فيها، ويمدّ عينيه إلى زخرفها، ويحذر فوات نعيمها، ويرغب في الخلود فيها، قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ... (٩٦)﴾ [البقرة]، وقال النَّبيُّ - ﷺ -: \"الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ\" (١).\nفاحذر زهرة الدُّنيا والمغالبة عليها، واحذر سطوة الموت أن تأتي على مهجة أودت بها الغفلة، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"فَوَالله مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ\" (٢).\nوَلَا يَغْرُرْكَ أنَّ أعداءَ الله تعالى فِي رَخَاءٍ وَلِينِ عَيْشٍ، قَالَ تَعَالَى تَسْلِيَةً للمؤمنين: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التّوبة]، وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الحجر].\nوانظر إلى فعل الأمر (ذَرْ) وما ينطوي عليه من تهديد لهؤلاء الّذين يؤمِّلون\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٧٢) كتاب الزّهد.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٥/ص ٨٤/رقم ٤٠١٥) كتاب المغازي.","vol":"1","page":27},{"text":"طول الأعمار وقضاء الأوطار، وتحقيق الآمال والأحلام.\nفما أقبلت الدُّنيا على قوم إلّا تنافسوها، فوقع بينهم لأجل ذلك التَّحاسد والتَّدابر، وقدَّموا نصيبهم من الدُّنيا على حظِّهم من الآخرة، وقاتلوا عليه، إلّا مَنْ رحم الله تعالى.\nفلا تصحب الدُّنيا، ولا تأنس فيها كما أَنِس فيها الغافلون، قَال النَّبيُّ - ﷺ -: \"أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرُ الله وَمَا وَالاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ\" (١).\nأرأيت ذَمَّ ما ألهى من الدُّنيا عن ذكر الله تعالى وأشغل عن طاعته؟ وقد أخبر الله تعالى عَنْ خُسْرَانِ مَنْ لَهَا عَنْ ذكر الله تعالى بِغَيْرِه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون].\nوأمَّا ما أعان على طاعة الله تعالى من الدُّنيا فليس مذمومًا، قال تعالى: ... ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النّور].\nفلا تَفْرَحَنَّ من الدّنيا بلذيذ عيش؛ فإنّ قصاراه لَحْدٌ ضيّق: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ [الرّعد].\n_________\n(١) التّرمذي \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٥٢٥/رقم ٢٣٢٢)، وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وحسّنه الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٦/ص ٧٠٣/رقم ٢٧٩٧) و\"المشكاة\" (ج ٢/ص ١٤٣١/رقم ٥١٧٦).","vol":"1","page":28},{"text":"واحذر أهل المعاصي ومَنْ يلحق بهم مِن أصحاب خوارم المُرُوءَةِ، فالفرع يحمل على الأصل، فَنَفْسَكَ احْفَظْهَا وشرِّد بها عنْهم، لعلّك تَنْجو سالِمًا مِنْ مندمٍ، وتفوز بنعيم مقيم وَتَغْنَم!\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>قلة لبث الإنسان في هذه الدّار</span>\nدَخَلَ عُمَرُ - ﵁ - على النَّبيِّ - ﷺ -، وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقَالَ: ... يَا نَبِيَّ الله، لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: \"مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا، إِلا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا\" (١). ولذلك يقول عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ - ﵄ -: أَخَذَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: \"كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ\" (٢).\nو(أو) للإضراب بمعنى (بل)، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ... (٧٧)﴾ [النّحل]. وَمعنى أو الإضرابيّة الإضراب عَن الأول وَالْإِثْبَات للثَّانِي، فهو لا يريدك أن تكون في الدّنيا غريبًا مستوحشًا فيها، بل أكثر من ذلك، يريدك أن تكون فيها عابِرَ سبيل، وعابرُ السَّبيل مَنْ يسير طالبًا وطنه، أو الَّذي يمرّ بالمكان دون أن يقيم فيه، ويجتازه قاصدًا منزله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>قلّة متاع الدّنيا</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ... (٧٧)﴾ [النّساء]،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ٢٢٢/رقم ٢٧٤٤) وإسناده صحيح.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٨/ص ٨٩/رقم ٦٤١٦) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":29},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التّوبة]، وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ... (٤٥)﴾ [الكهف].\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>الزّجر عن اغترار المرء بما أوتي من هذه الدّنيا الفانية وزهوه في شيء منها</span>\nحَضَّ الله تعالى عباده على الزُّهد في الدُّنيا وعدم الاغترار بشَيْءٍ مِنْها، وعلى الرَّغبة في الآخرة، قال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشّورى]، وقال - ﷺ -: \"بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الخُيَلاءِ، خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ\" (١)، فلا تُعْجِبكَ نَفْسُكَ بما أوتيت من حطامها، فهذه الدُّنيا تَغُرُّ وَتَضُرُّ فكُنْ منها على حذر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الأجل أسرع من العمل</span>\nكم مِن آمل مبتلى ببعد الأمل والغفلة عن الأجل، مرَّ النَّبيُّ - ﷺ - بِالصَّحَابِيِّ الجليل عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو - ﵄ -، وكان يطيّن حائطًا له هو وأمّه، فأرشدهما - ﷺ - إلى أنَّ المَوْت أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ، وأنّ إصلاح العمل للآخرة أولى، وأنّ الموت قريب، ليقصر أملهما، عنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ -، قَالَ: مَرَّ بِنَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَنَحْنُ نُصْلِحُ خُصًّا لَنَا، فَقَالَ: \"مَا هَذَا؟ قُلْنَا: خُصًّا لَنَا، وَهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ، قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّ الْأَمْرَ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ\" (٢).\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٤/ص ١٧٧/رقم ٣٤٨٥) كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٤٦/رقم ٦٥٠٢) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.","vol":"1","page":30},{"text":"فيا أيّها الغافل أفق، فكلّ مقيم على سفر، وكلّ عمل سينهيه أجل، وما انقضت ساعة من الدَّهر إلّا زادتك نقصًا من العمر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>السّفر القصير والسّفر الطّويل</span>\nالسَّفر نوعان: سفر قصير، وسفر طويل. وقد اجتمع ذكرهما في قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزّخرف].\nفالإنسان في هذه الدُّنيا ضيف، والضَّيف لا بدَّ له أن يرتحل، ومبدأ سفره أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق]، وقد أجاد من قال:\nالنّاسُ في هذِه الدُنيا عَلَى سَفرٍ ... وعن قَرِيبٍ بِهِم مَا يَنْقَضِي السَّفَرُ\nوالسّفر الطّويل لا رجعة فيه إلى الدُّنيا فتجهّز للظَّعَنِ، قال تعالى: ... ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ [يس].\nفماذا تنتظر إلّا مثل أيام أقوام أناخوا ثمّ رحلوا، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾ [يونس]، فَلَا بُدَّ يومًا أن تقطع سفر الدُّنيا القصير، وتمرّ","vol":"1","page":31},{"text":"سِنُوكَ، فاجهد أن تتوسَّد التّراب خيرًا إذا ما وَارَاكَ لاحِد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>النوم موت أصغر والموت نوم أكبر</span>\nالنَّوم شبيه الموت وشقيقه، وقد سمَّاه الله تعالى وفاة، والقيام منه بعث ونشور، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ [الأنعام].\nوحين نضع جنباتنا لِنَنَامَ تصعد أرواحُنا، فمن كان أجله قد حان أمسك الله تعالى روحه فلا ترجع إليه، ومن كان في عُمُرِه بقيَّة باقية أرسل الله تعالى إليه روحه إلى أجل مسمَّى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ... (٤٢)﴾ [الزّمر].\nولشبه النَّوم بالموت يسنُّ للعبد الدَّعاء، فقد كان النَّبيُّ - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه يدعو الله تعالى بهذا الدّعاء: \"بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ\" (١) فإذا توفّاه الله تعالى كان آخر عهده ذكر الله تعالى.\nوكَانَ - ﷺ - إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا. وَإِذَا اسْتَيْقَظَ، قَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٧٠/رقم ٦٣٢٠) كتاب الدّعوات.","vol":"1","page":32},{"text":"أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ\" (١).\nوالنّوم ينافي صفات الكمال، ولذلك حَمِدَ اللهُ تعالى نفسه بِكَوْنِهِ ﴿لَا تَأْخُذُهُ\nسِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ... (٢٥٥)﴾ [البقرة]، كما حَمِدَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ لَا يَمُوتُ، فقال - ﷻ -: ... ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ... (٥٨)﴾ [الفرقان].\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المنيّة سنة كونيّة جارية لا تتبدل ولا تتحوّل</span>\nالموت سُنَّة مِن سنن الحياة الَّتي لا تتخلَّف، فحكم المنيّة في البريّة ماضٍ لا مفرّ منه ولا مَحِيصَ عَنْهُ ولا محيد لأحد عنه، ولَا مَدْفَعَ لَهُ، ولا مناص ولا نجاة منه أبدًا، فلا بدَّ مِنْ حَتْفِ أَنْف وغوائل حتف، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ... (٨)﴾ [الجمعة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ... (١٦)﴾ [الأحزاب]، وقال تعالى: ... ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ... (٧٨)﴾ [النّساء].\nوكُلُّ إِنْسَانٍ مَاتَ شهيدًا أَوْ غريقًا أو حريقًا أو مريضًا أو بغتة، أَوْ وَقَصَتهُ دابة، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ بِأَيِّ حَتْفٍ زهقت نفسه، فَبِأَجَلِهِ؛ فلكلِّ أجل كتاب لا يعدوه، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف]، ولكل إنسان كتابٌ يتلوه ﴿... وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]، وهذا الكتاب كما قال - ﷻ -: ﴿... لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٦٩/رقم ٦٣١٤) كتاب الدّعوات. (١)","vol":"1","page":33},{"text":"وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف].\nوَأَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ الَّذِي كَانَت فِيهِ منيّته إنّما وقع بإرادة الله تعالى وحكمته، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ... (١٤٥)﴾ [آل عمران]، ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾ [الواقعة]، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (١١)﴾ [التّغابن]، ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ... (١١)﴾ [فاطر].\nفالله تعالى ضرب للخلائق آجالًا معلومة، وأنفاسًا معدودة، وخطوات محسوبة، بِحَيْثُ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ طَرْفَة عَيْنٍ. قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ - ﵂ - ذات يوم: اللهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ الله - ﷺ -، وَبِأَبِي ... أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ الله أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ\" (١).\nوالموت حَتْمٌ لَازِمٌ على الإنس والجنِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، كَانَ يَقُولُ: \"أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ\" (٢).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٠٥٠) كتاب القدر.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٩/ص ١١٧/رقم ٧٣٨٣) كتاب التّوحيد.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>جهل العبد بوقت موته وموضع حتفه</span>\nالموت لا يؤمن في حال، فلا تدري متى يَغْشَاكَ وأين يلقاك، فما يمنعك أن تتهيَّأ له قبل أن يَبْغَتك ويَفْجَأكَ؟ ! قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ... (٣٤)﴾ [لقمان]، ومَنْ عَلِمَ ذلك عَمِلَ بقدر علمه، فمِن النَّاس مَنْ يحسن عمله ويبقى مستعدًّا لقدوم أجله، ومنهم من طال أمله وساء عمله، فاتّقوا الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة]، فَلَهْفِي عليك لهفي؛ لا تدري متى يصيبك الموت فاحذر، وأَدِم فيه النَّظر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ما يذكّر بالموت</span>\nممَّا يبعث على ذكر الموت زيارة القبور، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ\" (١)، وقال - ﷺ -: \"إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ\" (٢).\nولذلك كَانَ - ﷺ - يكثر مِن زيارة أهل البقيع، والدُّعاء والاستغفار لهم، فكُلَّمَا كَانَ لَيْلَة عائشة - ﵂ - مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، كَانَ - ﷺ - يخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ\" (٣).\nويحمل على الشُّعور بالموت وتذكّر الآخرة عيادة المرضى، واتّباع الجنائز،\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٧١) كتاب الجنائز.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٦/ص ٤٩٥/رقم ٢٢٩٠١) حديث صحيح، إسناده قويّ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٩) كتاب الجنائز.","vol":"1","page":35},{"text":"وما يتعلَّق بها، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"عُودُوا المَرْضَى، وَاتَّبِعُوا الْجَنَائِزَ تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ\" (١)، فليكن الموت منك على بال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ما يقي من المكاره والكرائه ويصرف مصارع السّوء</span>\nمن أسباب السَّلَامَةِ مِنْ نوازل الدَّهرِ ودوائر الشَّرِّ مكارمُ الأخلاق، فلمّا خشي النَّبيُّ - ﷺ - على نفسه مِنْ مَجِيءِ المَلَكِ، قالت له خديجة - ﵂ -: \"كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَالله لا يُخْزِيكَ الله أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ\" (٢)، فمعنى كلام خديجة - ﵂ - أنّه لا يصيبه مكروه لما جمع من مكارم الأخلاق وحميد الفعال.\nويقي من موارد السُّوء أن تحفظ حدود الله تعالى، قال النَّبيُّ - ﷺ - يومًا لابن عبّاس - ﵄ -: \"احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ\" (٣).\nوبرُّ الوالدين يدفع المكاره ويقي من سوء المصار ع، وقد جعله الله تعالى سببًا في إجابة الدُّعاء، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: \" بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لله صَالِحَةً، فَادْعُوا الله بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١٠/ص ١٥١/رقم ١١٣٨٣) وإسناده صحيح.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٩/ص ٢٩/رقم ٦٩٨٢) كتاب التّعبير.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ١٩٤/رقم ٢٦٦٩) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":36},{"text":"بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ ... \" (١).\nويصرف عنك السُّوء أن تكون عبدًا مُخْلَصًا، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف]، فَعِلَّة صرف السُّوء والفحشاء عن يوسف - ﵇ - أنّه من عباد الله المخلصين.\nويدفع ميتة السّوء وينجي من سوء الخاتمة التّقوى والصِّلة، روى أحمد بإسناد قويّ عن عليّ - ﵁ -، قال: قال - ﷺ -: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ\" (٢).\nواصطناع المعروف يقي من مصارع السّوء، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوء\" (٣).\nفاصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله؛ فالمعروف حتّى لو ضاع عند\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٨/ص ٣/رقم ٥٩٧٤) كتاب الأدب.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢/ص ١٠٤/رقم ١٢١٢) وإسناده صحيح.\n(٣) الطَّبَرَانِيُّ \"المعجم الكبير\" (ج ٨/ص ٢٦١/رقم ٨٠١٤). وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ١١٥/رقم ٤٦٣٧): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.","vol":"1","page":37},{"text":"المصطنع إليه ولم يصب أهله فإنَّه لا يضيع عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ... (١١٥)﴾ [آل عمران].\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>إيثار الدنيا، والغفلة عن الآخرة</span>\nحُبُّ الدُّنيا وإيثارها والغفلة عن الموت أمات قلوب كثير من النَّاس، وقد عَابَ الله تَعَالَى قَوْمًا بإيثار الْحَيَاةِ والغفلة عن الآخرة؛ حتّى لا نكون أمثالهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النّجم]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم]، فأحال الله تعالى كلَّ ذلك على الغفلة. وبَعْدَ غفلة يا ويح نفسي مِنْ غفلة، إذا فاز مَنْ فاز وكنت الخاسر!\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>تعجيل التوبة</span>\nلتأخير التّوبة آفات وشرور، فلو أَدْرَكَ العبدَ المَوْتُ وهو في غفلة، لتمنَّى لو أنَّ بينه وبين الموت بُعْدًا بَعِيدًا وأَمَدًا مَدِيدًا؛ ليدرك ما فوَّته، ويكَفِّرَ عَنْهُ كلَّ ذنب أَزْلَفَه وأَسْلَفَه.\nفَحَرِيّ بمن ركب ذنبًا أو قَارَفَ مَعْصِيَةً بجهالة أن يبادر إلى المغفرة بالتَّوبة الْخَلْصاءِ قبل الفوت والنَّدم، فالله تعالى يتفضّل على عبده التّائب بقبول توبته ومغفرة ذنبه؛ فقد أوجب الله تعالى مغفرته للتَّائبين، فقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ","vol":"1","page":38},{"text":"تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه]. وعلى العبد أن يحمد الله تعالى أن أمدَّ في عمره أمدًا يتوب فيه وينيب إليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... (١٧)﴾ [النّساء]، وكُلُّ تَوْبَةٍ قَبْلَ معاينة المَوْتِ فَهُوَ مِنْ قَرِيبٍ.\nأمَّا التَّوْبَة عِنْدَ المعَايَنَةِ والغرغرة فلَا تَنْفَعُ، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النّساء]، وقال النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ\" (١).\nفإيّاك والأمانيّ فقد غرَّت أقوامًا وأَرْدَت آخرين، فكم من النَّاس ابتلوا بتسويف أنفسهم، وفارقوا الدُّنيا ولم يحدثوا توبة: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ [سبأ].\nوكم من رَجُل افْتُلِتَتْ نَفْسُه، وقد قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والآثام، وحيل بينه وبين التّوبة، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال]. ...\nفَخَلِّ سَبِيلَ الْعَيْنِ بعدك للبكا ... فليس لأيَّام الصَّفاء رجوعُ\n\nوقد رأينا كيف يختطف الموتُ مِنْ بين أيدينا مَنْ في القلوب مقامهم،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٥/ص ٥٥٨/رقم ٦٤٠٨) وإسناده حسن.","vol":"1","page":39},{"text":"أصفياء لا يَصْفُو عَيْشٌ بَعْدَ بعادهم، ومن العجب أن فارقونا ونقوى على العيش بعد فراقهم! ولم نستطع أن ندفع عنهم، أو نحول بينهم، فاخْتُلِجُوا مِنْ بيننا، وخرجوا من الدُّنيا وقد تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وصارت كلّ نفس رهينة عملها، وحبيسة كسبها: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ... (٥١)﴾ [إبراهيم].\nفيا أَصَمَّ الأُذْنِ، يا من شغلتْه الشّواغِل، وحالت دون توبته الحوائل، الإنابةَ قبل أن يمدَّ لك الموت يدًا ويسدّ باب الإجابة، إيّاك أن تموت مصرًّا على مَعْصِيَة أَو قانطًا من رَحمة، فتقيم عَلَى مَا لَا قِبَلَ لَكَ بِهِ. إنّ في تأخير التّوبة من الضَّرر ما لا يخطر لك على بال، ولا يدور لك بخيال، فابعد عن المعاصي بعدًا لا بُعْد بَعْده، فَوَاحَسْرَتَاهُ حتّى متى اللَّهْو والسَّهو، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ... (٥)﴾ [العنكبوت]، وكلّ آت قريب.\nكم ودِّع بعد طيب حياة إِلْف حبيب، وتفطَّرت عليه من وَجْد أكباد، وتقطَّعت قلوب، بعد أن رحل إلى محلّةِ الأمْواتِ، وكِفاتِ الرُّفاتِ، أصبح بعد الحياة مواتًا، وبعد غضارة العيش رفاتًا.\nفاحرص على عمل يُغْفَر به ذنبُك، ويرفع به ذكرك قبل أن تخرج نفسُك، فكم إنسان غاب عنّا في التُّرْب عَيْنًا، وبقي مَعْنىً، وكم من حاضر مَعَنا غائب مَعْنىً، فاستقبِل الموت بتوبة وعمل به ترضى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الاستعداد للرّحيل والتّأهب للموت</span>\nإنَّ امتداد العمر ينذر بفواجع الدّهر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ","vol":"1","page":40},{"text":"قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ... (٥٤)﴾ [الرّوم]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ... (٧٠)﴾ [النّحل]. وعَنْ أَنَس - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَدْعُو: \"أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ وَالكَسَلِ، وَأَرْذَلِ العُمُرِ\" (١)، فما الرّغبة في أرْذَل العمر؟ !\nهذا وَمَنْ عُمِّر وارى الأحبَّة كُلَّهم في التّراب، وأُسْلِم لهموم طارقات وغموم سابغات، فَمَنْ لم يذق الموت ذاق ما هو أوجع! قَالَ الإمام الْبُخَارِيُّ:\nإنْ عِشْتَ تُفجع بالأحِبّةِ كلِّهم ... وفناءُ نَفْسِك لا أبالَكَ أفْجعُ\n\nومَنْ عُمِّر وأُخِّر فهو كزَرْع آنَ حَصَادُهُ، ولا عذر له، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ... (٣٧)﴾ [فاطر]، وقال النَّبيُّ - ﷺ -: \"أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ، حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً\" (٢).\nومع هذا فمن النَّاس مَنْ يكبر وتكبر معه الرَّغبة في طول العمر، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ\" (٣).\nإنّ الاسْتِعدادَ لِلْمَوْتِ، وتَوْطِينَ النَّفْس عَلَيْهِ، والتَّجافي عن هذه الدّار، علامةُ خير، فما في الحياة بقاء لأحد ولا خلود، فكم من مصبح ينتظر المساء لم يبْلُغْه، وكم من مُسْتَقْبِلٍ ليلة لم يَسْتَكْمِلْها، وكم من رجل مدَّ يده إلى طعام متلذّذًا لم\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ٨٢/رقم ٤٧٠٧) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٨٩/رقم ٦٤١٩) كِتَابُ الرِّقَاقِ.\n(٣) المرجع السّابق.","vol":"1","page":41},{"text":"يرفعها! وكمْ من طامع غير قانع نَافَسَ النّاس في شَيْءٍ واحتال ثُمَّ تركه وراء ظهره وَخَلَّاهُ، وكم مِنْ سَاعٍ وراء شهواته فَجَأَهُ الموْتُ وأَصَابَهُ قَدَرُهُ، فانطوى صدْرُه على\nحسراته، فَوَيْحَكَ حتّى متّى تُفَرِّق عمرك بين الهزل واللّعب؟ !\nحَتّى مَتى أنْتَ في لَهْوٍ وفي لَعِبٍ ... والمَوْتُ نَحْوَكَ يَهْوي فاغِرًا فَاهُ\nتَلْهو وَلِلْمَوْتِ مُمْسَانا وَمُصْبَحُنا ... مَنْ لَمْ يُصبِّحْهُ وَجْهُ المَوْت مَسَّاهُ\n\nحقيق على كلِّ ذي قَلْبٍ مُنِيبٍ أن يأخذ من دار مماته لدار معاده، وأن يعلم أنَّ الله تعالى أخفى ساعة الموت، فليس له عمر معلوم؛ لنكون على حَذَرٍ فنحن بلا ريب بالأثر.\nوَلَوْ أَنَّ العبد أدرك أنَّ له نفسًا تراوده وتطغيه، وشيطانًا يغويه ويعاديه، وقال لنفسه إذا أمرته بالسُّوء: \"تَحَمَّدِي يا نَفْسُ لا حَامِدَ لَكِ\"، فقد تكون هذه خاتمة عملك ونهاية أجلك، ما تجرّأ على معصية، ولله القائل:\nيَا نَفْسُ تُوبِي فَإنَّ المَوْتَ قَدْ حَانَا ... وَاعْصِي الْهَوى فالْهَوى مَا زَالَ فَتَّانَا\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَاشِرَ عَشْرَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا نَبِيَّ الله، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ، وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: \"أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ، قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ أُولَئِكَ هُمُ الْأَكْيَاسُ، ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا، وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ\" (١).\n_________\n(١) الطّبراني \"المعجم الصّغير\" (ج ٢/ص ١٨٩/رقم ١٠٠٨) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ١٠/ص ٣٠٩/رقم ١٨٢١٤): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وقال العراقي في \"المغني عن حمل الأسفار\" (ص ١٨٢٨): إسناد جيّد.","vol":"1","page":42},{"text":"وكَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -، يَقُولُ: \"إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ\" (١). فإذا تنبَّهت إلى الموت، فهذا ممَّا أراده الله تعالى لك من الخير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الدنيا يوم غده الآخرة</span>\nالنَّاس على ثَلَاثة أَحْوَال متباينة في معيشتهم، فمن النَّاس مَنْ يعيش في طاعة، ومنهم من يعيش في معصية، ومنهم من يعيش في غفلة.\nوخليق بمن قرأ كلام الله تعالى ألّا يغفل عن أمر آخرته وَالتَّزَوُّدِ لَهَا، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ... (١٨)﴾ [الحشر].\nوانظر كيف عبَّر الله تعالى عن يوم القيامة بكلمة (غد) لقربه وتحقّق وقوعه، ونكَّر كلمة (نفس) وأفردها للإشارة إلى أنَّ الأنفس النَّاظرة في معادها قليلة، فَقَلَّ أن تجد نفسًا ناظرة، كما نكَّر كلمة غد؛ لتعظيم هذا اليوم وإبهامه، لتذهب النَّفسُ كلّ مذهب في تصوِّر عظمته وهول مطلعه.\nفيا مقبلًا على أمله، لا يدري منتهى أجله، أَمْسِك واعمل لغدك وامهد لنفسك، فلو علمت ما بقي لك من الأجل لزهدت كثيرًا في طول الأمل.\nوقد حثَّ النَّبيُّ - ﷺ - على قِصَرِ الْأَمَلِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِبَغْتَةِ الْأَجَلِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ - ﷺ - خُطُوطًا، فَقَالَ: \"هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٨٩/رقم ٦٤١٦) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":43},{"text":"جَاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ما ينتظر أحدنا</span>؟ !\nكم في هذه الدَّار من أذى وقذى، كم أضحكت باكيًا وأبكت ضاحكًا، كم عاش فيها من سقيم وتخطّاه الموت، وكم من صحيح مات فيها من غير بَلِيَّةٍ، وكم عاش فيها من عاش مائة عام ومات آخر قبل فطام، وكم عمل فيها عَبْدٌ بعمل أهل\nالجنّة فلم يختم له بخير، وعمل آخر بعمل أهل النَّار وختم له بخير.\nفيا مَنْ يُؤَمِّلُ دارًا لا تُؤَمَّلُ، ويَأْمَنُ موتًا لا يُؤْمَنُ، ويودّ أن يعمَّر عُمْرًا طَوِيلَ الْآبَادِ بَعِيدَ الْآمَادِ، هَيْهَاتَ أن تَبْقَى في دار لا بقاء لها ولا ثبوت! فَخَبِّرْنِي مَا تنْتَظِرُ إِلَّا المرض أو الهرم أو الموت؟ !\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الأمراض تكفّر الخطايا وإن قلّت</span>\nقَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله - ﷺ -: \"أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا مَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: كَفَّارَاتٌ، قَالَ أُبَيٌّ: وَإِنْ قَلَّتْ؟ قَالَ: وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا\" (٢). ودَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ - وَهِيَ بِمِنًى، وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ (أي حَبْل خِبَاء)، فَكَادَتْ عُنُقُهُ، أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً، فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ\" (٣).\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٨٩/رقم ٦٤١٨) كِتَابُ الرِّقَاقِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٧/ص ٢٧٨/رقم ١١١٨٣) إسناده حسن.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩٩١) كتابُ الْبِرِّ.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>القسم الثّاني\nالمرض وأحكامه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>ثواب الصّبر على البلاء</span>\nمَنْ مُتِّع بكبر قيَّده هرم وبلي بسهر وَعِبَر، وعَضَّه ريب الدَّهر، فإذا صبرت على نكبات الدَّهر فإنَّ الله تعالى يدَّخر لك الأجر، وإن لم تصبر فما أنت بصانع؟ ! فماذا بعد أن يطول عليك سَالِف الأَبَد إلّا الموت في يوم أغرّ مشهَّر؟ !\nإنّ الطَّريق إلى الجنَّة محفوف بِالمَكَارِهِ، والمؤمنون مُبْتَلَوْنَ في الأموال والأنفس، وممتحنون بضروب من البلاء وصنوف من المحن الصَّمَّاءِ، والفتن العمياء المُطْبِقَةِ، وممتحنون في الصَّبر والإيمان، ليمحِّصَ الله - ﷻ - الذُّنوبَ ويغفر الْحُوبَ، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمّد].\nوقد بيَّن النَّبيُّ - ﷺ - في غير حديث أنَّ الصَّبر على الأذى من مرض فما عداه يرفع الله تعالى به الدَّرجات ويحطُّ به السَّيِّئَاتِ، فيلقى العبد ربَّه نَقِيًّا مِنْ رَيْنِ الذُّنُوبِ، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَا يَزَالُ البَلاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ، حَتَّى يَلْقَى الله وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ\" (١).\nفالْأَمْرَاض من مُكَفِّرَاتِ الذُّنوب الّتي تَغْسِلُ الْخَطَايَا، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ الله لَهُ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ\n_________\n(١) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٥٤١/رقم ٢٣٩٩) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.","vol":"1","page":45},{"text":"الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا\" (١).\nولذلك إذا أحبّ الله تعالى عبدًا ابتلاه، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ\" (٢)، وقال - ﷺ -: \"إِذَا أَحَبَّ اللهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ\" (٣).\nوالمؤمن مبتلى شَاءَ أَمْ أَبَى، قال - ﷺ -: \"مَثَلُ المُؤْمِنِ كَالخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ المُنَافِقِ كَالأَرْزَةِ، لا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً\" (٤).\nوإنّما يُجْزَى المسلم بمصائب الدُّنيا من المرض والْهَمِّ والشِّدَّة والمشقَّة وَضِيقِ المَعِيشَةِ وَالْحُزْنِ وَالنَّصَبِ والخوف وَغَيْرِ ذَلِكَ لِما يُرْجَى مِنْ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ... ... (١٢٣)﴾ [النِّساء].\nومن رحمة الله تعالى أنّه لَيْسَ فِي الآية تَقْيِيدُ الْجَزَاءِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وإلّا لم يَنْجُ أَحَدٌ مِنْ عَمَلِ السُّوءِ فِي الْآخِرَةِ، ولذلك فإنَّ هَذَا الْجَزَاءَ قَدْ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِلَلِها ومحنها.\nوقد أَشْكَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - أَمْرُ النَّجَاةِ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَظَنَّ أَنَّ\nالْجَزَاءَ فِي الْآخِرَةِ لَا بُدَّ منه على عمل السُّوء، فَأَخْبَرَهُ - ﷺ - أَنَّ جَزَاءَ المؤمن بِمَا يَعْمَلُه\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١١٨/رقم ٥٦٦٠) كِتَابُ المَرْضَى.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١١٥/رقم ٥٦٤٥) كِتَابُ المَرْضَى.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٤١/رقم ٢٣٦٣٣) إسناده جيّد.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١١٤/رقم ٥٦٤٣) كِتَابُ المَرْضَى.","vol":"1","page":46},{"text":"مِنَ السُّوءِ فِي الدُّنْيَا مَا يُصِيبُهُ مِنَ النَّصَبِ وَالْحُزْنِ وَالمَشَقَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ\nحَتَّى لا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ.\nعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ -، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ... (١٢٣)﴾ [النِّساء]؟ فَكُلُّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ، قَالَ: \"غَفَرَ الله لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ - قَالَهُ ثَلَاثًا - يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَمْرَضُ، أَلَسْتَ تَحْزَنُ، أَلَسْتَ تَنْصَبُ، أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهُوَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ فِي الدُّنْيَا\" (١).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ... (١٢٣)﴾ [النِّساء]، بَلَغَتْ مِنَ المُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا\" (٢).\nوهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فيها بِشَارَةٌ للمؤمن بما له عند الله تعالى من الكرامة في الآخرة، فالمؤمن لَا يَنْفَكُّ عنه غالبًا مَرَضٌ أَوْ هَمٌّ أَوْ نَحْو ذَلِكَ من الْأَمْرَاض والأعراض والأسقام وَالْآلَام البدنيّة أَوْ القَلْبِيَّة، الّتي إذا قارنها الصَّبر عليها يكفِّر الله تعالى بها مَا شَاءَ مِن ذُنُوب مَنْ تَقَعُ لَهُ.\nحَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْعَافِيَةِ يَتَمَنَّوْنَ يوم القيامة أنَّ أجسادهم قرضت بالمقاريض\n_________\n(١) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٣/ص ٧٨/رقم ٤٤٥٠) وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وقال الذّهبي: صحيح.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩٩٣) كتاب الْبِرِّ.","vol":"1","page":47},{"text":"مما يذهب به أهل البلاء من الفضل، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يَوَدُّ أَهْلُ العَافِيَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ\" (١)، وصدق الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزّمر].\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>فرحة الصّالحين بالبلاء</span>\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -: أنّه دَخَلَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ مَوْعُوكٌ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَوَجَدَ حَرَارَةَ الحُمَّى فَوْقَ القَطِيفَةِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: \"مَا أَشَدَّ حَرَّ حُمَّاكَ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: إِنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا البَلَاءُ وَيُضَاعَفُ لَنَا الْأَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: العُلَمَاءُ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ الصَّالِحُونَ، كَانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلَّا العَبَاءَةَ يَلْبَسُهَا، وَيُبْتَلَى بِالقُمَّلِ حَتَّى تَقْتُلَهُ، وَلَأَحَدُهُمْ كَانَ أَشَدَّ فَرَحًا بِالبَلَاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالعَطَاءِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>فضل الصّرع وثوابه</span>\nوَمن الأمراض الشَّديدة الَّتي يعظم أجرها، ويُورِثُ الصَّبْرُ عليها الْجَنَّةَ\nالصَّرع، عن عَطَاء، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ:\n_________\n(١) التّرمذيّ \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٥٤١/رقم ٢٤٠٢) وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وحسّنه الألبانيّ في \"المشكاة\" (ج ١/ص ٤٩٤/رقم ١٥٧٠).\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ١٣٧/رقم ١١٩) وقال الحاكم: على شرط مسلم، ووافقه الذّهبي. وصحّحه الألبانيّ في \"صحيح الأدب المفرد\" (ص ١٩٢/رقم ٥١٠).","vol":"1","page":48},{"text":"بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله لِي، قَالَ: \"إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَكِ\" (١) فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.\nوفيه فضل الصَّرع وثوابه، وَفِيهِ دفع الْأَمْرَاض بِالدُّعَاءِ واللّجوء إِلَى الله تعالى بصدق قصد وإخلاص نيَّة، وفيه أنَّ تلك المرأة المؤمنة صبرت على مرض الصَّرع ولم تصبر على التَّكَشُّفِ، فيا ليت نساء المؤمنين يدركْنَ اليوم ذلك!\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>فضل عيادة المريض</span>\nقال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ، قِيلَ يَا رَسُولَ الله وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: جَنَاهَا\" (٢).\nوقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ - ﷿ - يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ \" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>حكم عيادة المريض</span>\nعيادة المريض قُرْبَة إلى الله تعالى، يستحقُّ صاحبها الثَّواب إِذَا خَلصَتْ نِيَّتُهُ\nلله تعالى. وعيادة المريض وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، لقول النَّبيِّ - ﷺ -: \"حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى\nالمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ،\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١١٦/رقم ٥٦٥٢) كِتَابُ المَرْضَى.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩٨٩) كتابُ البِرِّ.\n(٣) المرجع السّابق.","vol":"1","page":49},{"text":"وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ\" (١).\nولذلك بوَّب البخاريّ في كتاب المرضى (باب وُجُوبِ عِيَادَةِ المَرِيضِ) فَجَزَمَ بِالْوُجُوبِ، وأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا: عن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ\" (٢).\nوالثّاني: حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي الْأَمْرِ بِسَبْعٍ وَالنَّهْيِ عَنْ سَبْعٍ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: \"أَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ ... \" (٣)\nولعلَّ ما يؤكِّد أن عيادة المريض واجب على الكفاية ما وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>استحباب السّؤال عن حال المريض إذا تعذرت زيارته</span>\nإذا تعذَّرت زيارة المريض، وصار الدّخول عليه عسيرًا، فإنَّه يستحبّ سؤال أهله عن حاله، وينبغي لمن يُسْأَل أن يجيب السَّائل بِمَا يَطْمَئِنُّ بِهِ خَاطِرُهُ، عن ابْن عَبَّاسٍ - ﵄ -، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: \"يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ الله - ﷺ -؟\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧١/رقم ١٢٤٠) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ٦٧/رقم ٥٣٧٣) كِتَابُ الأَطْعِمَةِ.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧١/رقم ١٢٣٩) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٧٠٤) كتابُ السَّلَامِ.","vol":"1","page":50},{"text":"فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ الله بَارِئًا\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>البكاء عند المريض</span>\nيستحبُّ لأهل الفضل زيارة المريض، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: \"اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵃ -، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ (٢)، فَقَالَ: قَدْ قَضَى (٣)؟ قَالُوا: لا يَا رَسُولَ الله، فَبَكَى النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بَكَوْا ... \" (٤). وفيه جواز البكاء عند المريض إشفاقًا وحزنًا عليه وحرقة لحاله، وجواز اتّباع القوم لمن بكاه دون الزِّيادة على ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>ما يقال عند المريض</span>\nعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ\" (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>ما يُقال للمريض إذا دخل عليه</span>\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، فَقَالَ: \"لا بَأْسَ عَلَيْكَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله\" (٦).\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٢/رقم ٤٤٤٧) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٢) أهله الذين يغشونه أي يحضرون عنده لخدمته.\n(٣) أي قضى أَجَلَهُ.\n(٤) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٤/رقم ١٣٠٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٥) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣٣) كتابُ الجَنَائِزِ.\n(٦) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٩/ص ١٣٨/رقم ٧٤٧٠) كِتَابُ التَّوْحِيدِ.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الدّعاء للمريض عند عيادته</span>\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: \"مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عُوفِيَ\" (١). فينبغي لمن عاد مريضًا أن يدعو له بهذا الدّعاء سبع مرّات؛ فالنَّبيُّ - ﷺ - كَمَا أَخْبَرَ الله تَعَالَى عَنْهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النّجم].\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ما جاء في دعاء المريض لعوّاده</span>\nأمّا ما جاء في دعاء المريض لِعُوَّادِهِ، واستحباب طَلَب الدُّعَاءِ مِن المَرِيضِ لحديث عُمَرَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ، فَمُرْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَكَ؛ فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ المَلَائِكَةِ\" (٢)، فهذا حديث ضعيف لا يحتجّ به.\nوما روي عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"عُودُوا المَرْضَى وَمُرُوهُمْ فَلْيَدْعُوا لَكُمْ، فَإِنَّ دَعْوَةَ المَرِيضِ مُسْتَجَابَةٌ وَذَنْبَهُ مَغْفُورٌ\" (٣)، فهو موضوع، وما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا تُرَدُّ دَعْوَةُ المَرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ \" (٤)، موضوع.\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤/ص ٤٠/رقم ٢١٣٧) حديث صحيح.\n(٢) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة \" (ج ٢/ص ٤٣٥/رقم ١٤٤١) إسناده ضعيف، كذا قال شعيب الأرنؤوط.\n(٣) الطّبراني \"المعجم الأوسط\" (ج ٦/ص ١٤٠/رقم ٦٠٢٧) موضوع، كذا قال الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ٣/ص ٣٦٧/رقم ١٢٢٢).\n(٤) البيهقي \"شعب الإيمان\" (ج ١٢/ص ٣٦٧/رقم ٩٥٥٥) موضوع، كذا قال الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ١٠/ص ٧٧٥/رقم ٥٠٠٠).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>ما يدعو إذا رأى مبتلى</span>\nأرشدنا النَّبيُّ - ﷺ - إلى ما يمنع ويدفع عنَّا البلاء النَّازل بأحد الخلق كَائِنًا مَا كَانَ، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ رَأَى مُبْتَلًى، فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ \" (١). فإذا رأيت مبتلى فاحمد الله تعالى أن عافاك، وادع بهذا الدّعاء، فمن دعا به عُوفِيَ -إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ مَا عَاشَ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>استحباب رقية المريض</span>\nمِنَ النَّاس مَنْ يدخل على المريض، ويجده يجود بأنفاسه، ولا يعرف هدي النَّبيِّ - ﷺ - في عيادة المريض، فيسأله عن حاله، وعَمَّا فَعَلَ ... ويترك السُّنَّة بجهله، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ، قَالَ: \"أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا \" (٢).\nوعنها - ﵂ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَرْقِي يَقُولُ: \"امْسَحِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، بِيَدِكَ الشِّفَاءُ، لا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا أَنْتَ\" (٣).\nوكان النَّبيُّ - ﷺ - يرقي المَرِيضَ بِالمُعَوِّذَاتِ وَالنَّفْثِ عليه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ\n_________\n(١) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٧٨٠/رقم ٣٤٣٢) وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وأورده الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ٢/ص ١٥١/رقم ٦٠٢).\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١٢١/رقم ٥٦٧٥) كِتَابُ المرضى.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١٣٣/رقم ٥٧٤٤) كِتَابُ الطِّبِّ.","vol":"1","page":53},{"text":"أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>مسح الرّاقي وجع المريض بيده اليمنى</span>\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدِهِ اليُمْنَى، وَيَقُولُ: \"اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، اشْفهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا\" (٢).\nهذا وليعلم الرَّاقي والمرقيّ أن وضع اليد على الوجع أثناء الرّقية ليس لخصوصيَّة في يد الرَّاقي لصلاحه وتقواه، أو لأنَّه فاضل ويده كريمة ومباركة كما يتوهّم بعضهم، لا وإنّما هو اتّباع للنَّبيِّ - ﷺ -.\nوبعض الرّقاة من الجهلة يضع يده على المريضة، قياسًا بالطَّبيب، ولا يقاس عليه، وما وقع النَّاس في المحذور إلّا لجهلهم بالمأمور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>رش وضوء العائد على المريض</span>\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، قَالَ: \"دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَنَا مَرِيضٌ، فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَيَّ أَوْ قَالَ: صُبُّوا عَلَيْهِ، فَعَقَلْتُ (٣) \" (٤).\nوهذا الحديث بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ المرضى (بَاب وُضُوءِ العَائِدِ لِلْمَرِيضِ) وبوّب عليه في كتاب الوضوء (باب صَبِّ النَّبِيِّ - ﷺ - وَضُوءهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ) وفيه أنَّ وضوء العائد للمريض إذا كان مِنْ أَهْلِ الفضل المُتَّبِعِينَ لَسُنَنِ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٧٢٣) كتابُ السَّلَامِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١٣٢/رقم ٥٧٤٣) كِتَابُ الطِّبِّ.\n(٣) فأفقت من إغمائي.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١٢١/رقم ٥٦٧٦) كِتَابُ المَرْضَى.","vol":"1","page":54},{"text":"النَّبيِّ - ﷺ - يُرْجَى نفعه، وصفة ذلك أن يؤخذ فضل وضوئه ويصبّ على المريض أو يرشّ عليه أو ينضح في وجهه.\nعَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَالَ: \"عَادَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - لا أَعْقِلُ شَيْئًا، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ\" (١).\nوعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: \"اشْتَكَيْتُ وَعِنْدِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ لِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَنَضَحَ فِي وَجْهِي فَأَفَقْتُ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>وضع المريض يده على موضع الألم والدعاء بالشفاء</span>\nويستحبُّ لِلْعَلِيلِ أن يضع يده على موضع الألم وَيَذْكُر اسْمَ الله ثَلَاثَ مِرَارٍ، ويَتَعَوَّذ بِالله سَبْعَ مِرَارٍ مِنْ شَرِّ مَا يَجِد وَيُحَاذِر، ويدعو الله تعالى بقوَّة يقين وصدق نيَّة، فلعلَّ الله تعالى يذهب عنه مَا كَانَ مِن الْأَلَمِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ - ﵁ -، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ الله ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِالله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الحمّى تكفّر الخطايا</span>\nالإنسان لا يخلو من علّة أو نقص أو قلّة في الحياة الدُّنيا، وكلّ ذلك لا يخلو\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ٤٣/رقم ٤٥٧٧) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٣/ص ٢٤٥/رقم ١٤٩٩٨) حديث صحيح، وهذا إسناد على شرط مسلم.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٧٢٨) كتابُ السَّلَامِ.","vol":"1","page":55},{"text":"من نعمة، فمن صبر خرج من ذنوبه، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ المُسَيِّبِ فَقَالَ: \"مَا لَكِ؟ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا ... أُمَّ المُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ (تُرْعَدِينَ)؟ قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ\" (١).\nفالمسلم إِذَا اعْتَرَته الْحُمَّى فِي دَارِ الدُّنْيَا، وصبر عليها وَسَلَّم لحكم الله تعالى كَانَتْ طَهُورًا له لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّمَا مَثَلُ الْعَبْدِ المُؤْمِنِ حِينَ يُصِيبُهُ الْوَعْكُ، أَوِ الْحُمَّى كَمَثَلِ حَدِيدَةٍ تَدْخُلُ النَّارَ فَيَذْهَبُ خَبَثُهَا وَيَبْقَى طِيبُهَا\" (٢)، فكما أنَّ النَّار تنفي عن الحديدة خبثها، كذلك الوعك أو الحمّى تنفي الخطايا عن المؤمن، فينصع طيبُه.\nعَادَ رَسُولُ الله - ﷺ - مَرِيضًا وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ وَعْكٍ كَانَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَبْشِرْ، إِنَّ الله - ﷿ -، يَقُولُ: نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي المُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ\" (٣)، فالْحُمَّى يستوفى عَلَيْهَا الثَّوَاب فِي الْعُقْبَى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>إبراد الحمى بالماء</span>\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩٩٣) كتاب الْبِرِّ.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٤٤٩/رقم ١٢٨٨) وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذّهبي، وهو في \"الصّحيحة\" (ج ٤/ص ٢٩٠/رقم ١٧١٤).\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ١٥/ص ٤٢٢/رقم ٩٦٧٦) إسناده جيّد.","vol":"1","page":56},{"text":"بِالمَاءِ\" (١). وصِفَةُ التَّبْرِيدِ المُطْلَقِ فِي الحديث وكيفيّته وَرَدَ في فعل أسماء - ﵂ -، فعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ -: \"كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا، أَخَذَتِ المَاءَ، فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا (٢) \" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>ما في شدّة المرض من الفضل</span>\nمن النَّاس من يشتدُّ عليه المرضُ عند موته، وهذه الشِّدَّة ليست من المنذرات بسوء الْعَاقِبَة، بل من المبشِّرات برفع الدَّرجات العالية، ولذلك تقول عَائِشَةُ - ﵂ -: \"مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - \" (٤).\nوعنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، قَالَ: \"دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ قَالَ: أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا\" (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>يُكْتَبُ لِلْمَرِيضِ مَا كَانَ يعمل وهو صحيح</span>\nمن فضل الله تعالى أنَّه يجري عمل المريض عليه إذا حَبَسَهُ المَرَضُ مثل ما\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ١٢١/رقم ٣٢٦٤) كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ.\n(٢) الجيب: ما يدخل منه الرّأس عند لبسه.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١٢٩/رقم ٥٧٢٤) كِتَابُ الطِّبِّ.\n(٤) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١١٥/رقم ٥٦٤٦) كِتَابُ المَرْضَى.\n(٥) المرجع السّابق.","vol":"1","page":57},{"text":"كان يعمل في صحَّته، ويَكْتُب لَهُ أَجْرَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، ويُعْطيه أَجْرَهُ مَا كَانَ مَحْبُوسًا مَوْثُوقًا حتّى يصير طَلِيقًا، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، إِلَّا أَمَرَ اللهُ - ﷿ - الْحَفَظَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ، مَادَامَ مَحْبُوسًا فِي وَثَاقِي\" (١).\nوقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا اشْتَكَى الْعَبْدُ المُسْلِمُ، قِيلَ لِلْكَاتِبِ الَّذِي يَكْتُبُ عَمَلَهُ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذْ كَانَ طَلِيقًا، حَتَّى أَقْبِضَهُ أَوْ أُطْلِقَهُ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>استحباب طلب الموت في بلد شريف</span>\nويسْتَحَبُّ طَلَبُ المَوْتِ فِي بَلَدٍ شَرِيفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ عُمَرَ - ﵁ -، قَالَ: \"اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ - ﷺ - \" (٣).\nوالعاقل مَنْ تفطَّن لأجله وعمل لما بعد الموت وأبْصر الْعَاقِبَة، والجاهل من عمي عَنْ ذلك.\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٤٥٥/رقم ٦٨٧٠) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٥١٥/رقم ٦٩١٦) إسناده صحيح.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ٢٣/رقم ١٨٩٠) كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>القسم الثالث\nأحكام المحتضر: ما على المحتضر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>لكل مؤجَّل أجل</span>\nماذا بعد الحياة إلّا الممات، ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ... (٢٦)﴾ [الجاثية]، فإذا دنا أجل الإنسان، ولم يبْقَ إلّا بَقِيَّة رُوح، وأَشْفَى عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَبَاتَ يُحَشْرِجُ، وأخذت نفسه تتَرَدَّد فِي حَلْقِه تكابد غُصَصَ المَوْت، وَضَاقَ الصَّدْرُ، وزاغ الْبَصَرُ، وبَلَغَت الرّوحُ التَّرَاقِي، واقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، وَتَشَنَّجَتِ الْأَصَابِعُ، ومَالَ الأَنْفُ، وانخسف الخدَّان، وغارت العينان، واسترخت القدمان، وأتى اليقين، وعرق الجبين ... فهل إلى خلاصٍ بعد ذلك من سبيل؟ !\nهَاكَ نصحي فأَصِخ له ولا تجعله منك بظهر، وأَقْبِل قَبْل أن تعاين الموت وتضيق بك بلاد الله رحبها! اتَّقِ الله فأنت يومًا إلى الله صائر بأعمالك قَدَرًا، واندم على ما فات، وكفَّ عن اجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ، مخافةَ أن يخونَك لسانُك ساعةَ الاحتضارِ، فتكون ذميمَ المصْرعِ، وخيمَ المرتع، ضيِّقَ المضجع.\nإنّ عِنْدَ الله مسأَلَةً فَاحِصَةً، فَأَعِدَّ لها جَوَابًا وجلبابًا، قال الله تعالى: ... ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر].\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>ماذا على من نزل به الموت أن يفعل</span>؟ !\nدخلت على كَثِير مِنَ المُحْتَضرِينَ، وأعْزِزْ عليَّ بأنْ أراهم مفارقين وعن هذه الدَّار راحلين، وزاد أحزانًا فِي نَفْسِي أنِّي عرفت أنَّ كثيرًا منهم لا يعرف ما عليه فعله في هذه السَّاعة؛ فمن الأمور الَّتي تلزم من كان فِي سِيَاقِ المَوْتِ: أن يرضى بالقضاء ويحمد الله تعالى حتّى على نزع روحه، وأن يحسن الظَّنَّ بالله تعالى، وأن","vol":"1","page":59},{"text":"يكون بين الخوف والرّجاء، وألّا يتمنَّى الموت، وأن يؤدِّي ما عليه، وأن يكثر من الذِّكر والاستغفار والدُّعاء، وأن يسأل الله - ﷻ - أن يقبضه على لا إله إلّا الله، وأن يوفّقه لعمل صالح بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ، وأن يتعوّذ بالله من أن يتخبَّطه الشَّيطان عند موته، وأن يكتب وصيَّته، وَإِلَيْك بَيَان ذَلِك.\nأوّلًا: أن يرضى بالقضاء ويحْمَد اللهَ حَتّى عَلَى قَبْضِ رُوحِه\nعلى المحتضر أن يصبر ويرضى بقضاء الله تعالى، فالمُؤْمِنُ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ\" (١).\nوعليه أن يحْمَدَ اللهَ تعالى حَتىَّ عَلَى قَبْضِ رُوحِه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ: \"إِنَّ اللهَ - ﷿ - يَقُولُ: إِنَّ عَبْدِي المُؤْمِنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ كُلِّ خَيْرٍ، يَحْمَدُنِي وَأَنَا أَنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ\" (٢)، وقال النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ المُؤْمِنَ تَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ وَهُوَ يَحْمَدُ اللهَ - ﷿ - \" (٣).\nفقابل قضاء الله تعالى بعين الرِّضا ولا تجزع ما دام الجزع لا يَدْفَع حتفًا قاضيًا، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان].\nأَتَجْزَعُ إنْ نَفْسٌ أَتَاهَا حِمَامُها ... فهلَّا الَّتِي عَن بَين جنبَيْك تَدْفعُ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٩٥) كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٤/ص ١٩١/رقم ٨٤٩٢) إسناده جيّد.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٤/ص ٤٣٦/رقم ٢٤١٢) حديث حسن.","vol":"1","page":60},{"text":"ثانيًا: أن يحُسْنَ الظَّنَّ بِالله تَعَالَى عِنْدَ المَوْتِ\nحذَّر النَّبيُّ - ﷺ - من القنوط واليأس، وَحَثَّ على الرَّجاء عند الخاتمة، ودعا إلى مُجَانَبَةِ سُوءِ الظَّنِّ بالله تعالى، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَقُولُ: \"لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالله - ﷿ - \" (١).\nوالمراد بحسن الظَّنِّ بالله تعالى أَنْ يظنَّ العَبْدُ أنَّ الله تعالى يرحمه ويعفو عنه إذا نزل به الموت؛ ولذلك ينبغي أن يُبَشَّرَ الإنسانُ عند موته، ويُذَكَّر بمحاسن عمله حَتَّى يلقى الله تعالى وَهُوَ حسن الظَّنِّ به، فالله تعالى يجازي بحسب الظَّنِّ به، فَمَنْ رَجَا رحمة الله تعالى، وظنَّ أنّه يعفو عنه ويغفر له فله ما أَمَّلَ وَرَجَا، قال النَّبيُّ - ﷺ -: يَقُولُ الله تَعَالَى: \"أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي\" (٢)، وقال - ﷺ -: قَالَ اللهُ - ﷿ -: \"أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ\" (٣)، وقال - ﷺ -: قَالَ اللهُ - ﷿ -: \"أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي\" (٤)، وقال - ﷺ -: إِنَّ الله جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: \"أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظنَّ شرًّا فله\" (٥).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٠٦) كتاب الْجَنَّةِ وَصِفَة نَعِيمِهَا.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٩/ص ١٢١/رقم ٧٤٠٥) كِتَابُ التَّوْحِيدِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٢٥/ص ٣٩٨/رقم ١٦٠١٦) إسناده صحيح.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢١٠٢) كتاب التَّوْبَةِ.\n(٥) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٢/ص ٤٠٥/رقم ٦٣٩) إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":61},{"text":"والظَّنُّ نوعان: حسن مُنْجٍ، وقبيح مُرْدٍ، فالأوّل: مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة]، والثّاني: قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصّلت].\nفتَحْسِين الظَّنِّ بالله تَعَالَى مَنْدُوبٌ لِلْمَرِيضِ، خاصّة المريض مرض الموت، واليأس من رحمة الله ذنب عظيم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر].\nثالثًا: أن يكون بين الخوف والرّجاء\nعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: ... \"كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: والله يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَرْجُو الله، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ الله مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ\" (١).\nوقد امتدح الله تعالى أهل الخوف والرّجاء، فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ... (٩)﴾ [الزّمر].\n_________\n(١) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٣٤/رقم ٩٨٣) وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مُرْسَلًا. وحسّنه الألباني في \"المشكاة\" (ج ١/ص ٥٠٦/رقم ١٦١٢)، وفي \"الأحكام\" (ص ٣).","vol":"1","page":62},{"text":"رابعًا: ألّا يَتَمَنَّى المَوْتَ\nزجر النَّبيُّ - ﷺ - عن تمنّي الموت وكرَّه إلينا الدُّعاء به سواء كان الإنسان محسنًا أو مسيئًا، وبيَّن لنا الحكمة من ذلك، فلعلّه إن كان محسنًا يزداد خيرًا، وإنْ كان مسيئًا يرجع عَنْ إِسَاءَتِهِ، قال - ﷺ -: \"وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ: إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي\" (٢).\nخامسًا: أن يؤدِّي ما عليه من حقوق\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ\" (٣).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ\" (٤).\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ١٢١/رقم ٥٦٧٣) كِتَابُ المَرْضَى.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ١٢٩/رقم ٢٤٤٩) كِتَابُ المَظَالِم.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١١١/رقم ٦٥٣٤) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":63},{"text":"سادسًا: أن يكثر من الذّكر والاستغفار والدّعاء\nعليه أن يكثر من الذِّكر وَالتَّهْلِيلِ، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، والله أَكْبَرُ، قَالَ يَقُولُ الله - ﷿ -: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي المُلْكُ، وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بالله، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ الْأَغَرُّ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ\" (١).\nوعند التّرمذي، وَكَانَ يَقُولُ: \"مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ\" (٢).\nوأن يكثر من الاستغفار، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قَالَ: مَنْ قَالَهَا بَعْدَمَا يُصْبِحُ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا بَعْدَمَا يُمْسِي مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ\n_________\n(١) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٤/ص ٧٠٩/رقم ٣٧٩٤) إسناده صحيح.\n(٢) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٧٨٠/رقم ٣٤٣٠) وقال أبو عيسى التّرمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.","vol":"1","page":64},{"text":"مِنْ لَيْلَتِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\" (١). وأن يكثر من الدُّعاء، سَمِعَتْ عائشةُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إليها ظَهْرَهُ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ\" (٢)، وأن يحرص أن يكون آخر عهده في الدُّنيا، لَا إِلَهَ إِلَّا الله.\nسابعًا: أن يسأل الله تعالى أن يوفّقه لعمل صالح بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ\nعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ، حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ، أَوْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ، بِعَمَلٍ صَالِحٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، قِيلَ: وَمَا عَسَلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ؟ قَالَ: يُفْتَحُ لَهُ عملٌ صالحٌ بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ\" (٤).\nثامنًا: أَنْ يَتَعَوَّذَ بالله تعالى من أن يتخبّطه الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ\nوعليه أن يتعوّذ بالله تعالى مِنْ أن يستولي عليه الشَّيطان عند الموت، عن\nأبي اليَسَر - ﵁ - أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كان يدعو: \"وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٨/ص ٣٥٥/رقم ١٧١٣٠) إسناده صحيح على شرط البخاري.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١١/رقم ٤٤٤٠) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ١٩/ص ٢٤٦/رقم ١٢٢١٤) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.\n(٤) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٢/ص ٥٤/رقم ٣٤٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":65},{"text":"عِنْدَ المَوْتِ\" (١)، ودعا به - ﷺ - تعليمًا لنا؛ فالشَّيطان يجتهد على الإنسان من المهد إلى اللّحد، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ\" (٢).\nفَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فاعلم أنَّ لك جِيرَانًا يجب التيقّظ لهم والاستعاذة بالله من شرِّهم: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون]، وأنَّ لك جِيرَانًا يجب أن لا تسيء جوارهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار].\nوخير سبيل للنَّجاة من الشّيطان اللُّجُوءُ إلى الله تعالى والاستعاذة به، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف]، والتّقوى نجاة للإنسان مِن مسِّ الشَّيطان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف].\nوكيد الشَّيطان ضعيف: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النِّساء]،\n_________\n(١) \"صحيح أبي داود\" (ج ٥/ص ٢٧٤/رقم ١٣٨٨) وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم. وضعّفه شعيب الأرنؤوط لاضطرابه في \"سنن أبي داود\" (ج ٢/ص ٦٤٩/رقم ١٥٥٢) وكذا في \"المسند\" (ج ٢٤/ص ٢٨١/رقم ١٥٥٢٣)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٢/ص ٣١٨/رقم ٣٨٨٥): رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ وَثَّقَهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (ج ١/ص ٧١٣/رقم ١٩٤٨) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وتعقّبه الذّهبي بقوله: أخرجه أبو داود والنّسائي بطرق، وليس فيه عن جدّه، وكذا قال ابن الملقّن.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم \" (ج ٣/ص ١٦٠٧) كتاب الْأَشْرِبَةِ.","vol":"1","page":66},{"text":"وإذا ذكرت الله تعالى انخنس: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ [النَّاس]، ومع ذلك لا نستغني عن مجاهدة الشَّيطان، وَالتَّيَقُّظِ لِكَيْدِهِ ما دام فينا عِرْق يَنْبِضُ، أو عَيْنٌ تَطْرِفُ.\nولا ريب أنّ الله تعالى يوفِّق عباده المحسنين إلى سدِّ مداخل الشّيطان ويرزقهم الثَّبات عند الممات: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء]، وفضل الله - ﷻ - لَا يُخاف فَوْتُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف].\nأمّا اعتقاد بعض النّاس أَن الشَّيَاطِين يأْتونَ ويحضرون المحتضر على صفة أَبَوَيْهِ فِي زِيِّ يهود ونصارى، حَتَّى يعرضُوا عَلَيْهِ كل مِلَّة ليُضِّلوه، فهذا لا يصحّ، قَالَ ابن حجر الهيثميّ في الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ نقلًا عَنِ السّيوطِيِّ: \"لم يَرِدْ ذلك\" (١).\nوعلّة التَّخصيص في قوله - ﷺ - (عِنْدَ المَوْتِ) في الحديث المتقدّم \"وَأَعُوذُ بِكَ\nأَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ\" أنَّ المدار على العاقبة والخاتمة، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ\" (٢)، وقال - ﷺ -: \"إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ، فِيمَا يَرَى النَّاسُ، عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ\nالجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا\" (٣).\nفابتهل إليه سبحانه أن يلهمك عَمَلًا صَالِحًا قُبَيلَ مَوْتِك، وأن يَقْبِضك\n_________\n(١) ابن حجر الهيثميّ \"الفتاوى الحديثيّة\" (ص ١١٨/رقم ١٢٣).\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٨/ص ١٢٤/رقم ٦٦٠٧) كِتَابُ القَدَرِ.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٨/ص ١٠٣/رقم ٦٤٩٣) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":67},{"text":"عَلَيْهِ، فالشّيطان حريص على أن لا تفلت منه إذ حضرتك الوفاة، وأن يتخبَّطك عند مغادرة الدّنيا، وأن يلقي الباطل في قلبك ويجريه على لسانك، فيحول بينك وبين التّوبة، ويخوفك اللهَ خَوْفًا يُؤَيِّسُكَ مِنْ رَحْمَتِهِ، ويكرِّه لك الموت ولقاء الله تعالى، ويجعلك تتأسّف على الحياة الدّنيا ومَنْ فيها، حتّى يُختَم لك بِسُوءِ. ولذلك حذَّرالنَّبيُّ - ﷺ - مِنْهُ ونبَّه عَلَى مُلَازَمَتِهِ لِلْإِنْسَانِ ما دامت روحه في جسده؛ لنتَأَهَّبَ ونَحْتَرِزَ مِنْهُ، فقال - ﷺ -: \"إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِيهِمْ، فَقَالَ لَهُ اللهُ: فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي\" (١).\nتاسعًا: أن يكتب وصيّته ويشهد عليها\nعلى مَنْ أوشك على الموت ولم يكتب وصيّته أن يكتبها، قال تعالى: ... ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة]، وَيُسْتَحَبّ تَعْجِيلُهَا، أي أن يَكْتُبَهَا فِي صِحَّتِهِ، لقول النَّبيِّ - ﷺ -: \"مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ \" (٢).\nوقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: \"مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي\" (٣).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١٧/ص ٣٤٤/رقم ١١٢٤٤) حديث حسن.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٤/ص ٢/رقم ٢٧٣٨) كِتَابُ الوَصَايَا.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٢٥٠) كِتَابُ الْوَصِيَّةِ.","vol":"1","page":68},{"text":"وعليه أن يشهد عليها شاهدان عدلان مَنْعًا للنّزاع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... (١٠٦)﴾ [المائدة]، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ شرطًا، وإنّما تصحُّ الوصيَّة باللَّفظ المسموع من الموصي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>كيف تكتب الوصية</span>؟\nله أن يكتب في صدر (١) وصيّته إن شاء:\nبِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، أَوْصَى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحجّ]. أوْصي مَنْ تَرَكت مِنْ أَهْلِي أَنْ يَتَّقُوا الله، وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وأوصيهم بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا\n_________\n(١) عَن أَنَس بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: \" كَانُوا (الصّحابة - ﵃ -) يَكْتُبُونَ في صُدُورَ وَصَايَاهُمْ ... \" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. أخرجه سعيد بن منصور في \"السّنن\" (ج ١/ص ١٢٦)، والبيهقي في \"السّنن الكبرى\" (ج ٦/ص ٤٦٨)، والدَّارَقُطْنِيُّ في \"السّنن\" (ج ٥/ص ٢٧١)، وصحّحه الألباني في \"إرواء الغليل\" (ج ٦/ص ٨٤)، وأخرجه البزّار في \"المسند\" (ج ١٣/ص ٢٣٠)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٤/ص ٢١٠/رقم ٧٠٨١): رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِي الْأَصْلِ عَلَامَةُ سُقُوطٍ، وَفِيهِ عَبْدُ المُؤْمِنِ بْنُ عَيَّادٍ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَوَثَّقَهُ الْبَزَّارُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ.","vol":"1","page":69},{"text":"تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة].\nثمّ يذكر ما يحبُّ أن يوصي به مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ أو أقلّ من ذلك للوالدين اللَّذين لا يرثان، وللأقارب الفقراء الّذين لا يرثون؛ فهي عليهم صدقة وصلة، ويذكر الوكيل على ذلك، ويذكر ما له وما عليه من دَيْن أو قرض أو حقّ أَوْ وَدِيعَة وَنَحْو ذلك، ويبرأ إلى الله تعالى مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ الله - ﷺ -، ويُشْهِد عليها.\nوله أن يوصي أن يصلّي عليه (١) عَدْلٌ، فقد أوصى أبو بكر - ﵁ - أن يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ - ﵁ -، وعمر - ﵁ - أوصى أن يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ - ﵁ -، وعائشة - ﵂ - أوصت أن يُصَلِّيَ عليها أبو هريرة - ﵁ -، وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ: \"أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ\" (٢)، وله أنْ يغيّر في وصيّته ويرجع فيما شاء منها، قبل أن يلقى منيَّته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>حكم الوصيّة</span>\nالوصيَّة عطيّة مَنْ أَتَاهُ المَوْتُ، جعلها الله تعالى له لتعود عليه عند الموت بالخير والأجر، والميراث عطيَّة الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ... (١١)﴾ [النّساء].\nوالوصيّة إمَّا واجبة أو مستحبّة أو محرّمة، فهي واجبة إذا كان على الإنسان\n_________\n(١) هناك خلاف شهير بين الفقهاء على الأولى والأحقّ بالصّلاة على الميّت فاسْتَبِنْ مِنْ مَظَانِّهِ.\n(٢) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ١٨/ص ١٧)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٣٢/رقم ٤١٥١): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.","vol":"1","page":70},{"text":"حقّ لله تعالى أو للعباد. وحقّ الله تعالى كأن يكون عليه فدية، أو كفَّارة، أو زكاة، أو صيام واجب من قضاء أو نَذْر، أو نحو ذلك.\nفَمَنْ مات مثلًا وعليه صيام مبيّن في وصيّته لزم وليَّه الصِّيام عنه، عَنِ ... ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: \"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى\" (١)، وقَالَ الحَسَنُ: \"إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ\" (٢).\nوحقّ العباد كالدّيون والأمانات والأجور والودائع والقروض ونحوها، فيلزمه أن يخبر بما له لاقتضائه، وما عليه لقضائه، لتردّ الحقوق إلى أهلها، فإن كان عليه دين لازم، أو حقّ واجب، وجب عليه أن يوصي بقضائه بعد موته.\nوهي ليست واجبة على كلّ أحد، فمن لم يكن عليه حقّ لله أو لعباده، فهي مستحبَّة لمن ترك خيرًا، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ... (١٨٠)﴾ [البقرة]، على أن تكون بثلث المال أو دونه لقول النَّبيِّ - ﷺ -: \"الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ\" (٣) وذلك بأن يوصي به لقريب غير وارث، أو لعمل من أعمال البرّ، أو وجه من وجوه الخير، أو معونة أهل الحاجة ... وقد جعلها\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٨٠٤) كِتَابُ الصِّيَامِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٣/ص ٣٥) كِتَابُ الصَّوْمِ، وهذا الأثر ذكره البخاريّ تعليقًا، وقال الحافظ في \"الفتح\" (ج ٤/ص ١٩٣): وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الذَّبْحِ.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٤/ص ٣/رقم ٢٧٤٣) كِتَابُ الوَصَايَا.","vol":"1","page":71},{"text":"الله تعالى زيادة له في أعماله، فهي له صدقة وصلة وطُهْرَة وَزَكَاة وقربة لله - ﷻ -.\nوالوصيّة محرّمة إذا كان المراد منها الإضرار بالورثة، كأن يوصي بحرمان بعض الورثة، أو يفضّل بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النّساء]، ولقوله - ﷺ -: \"وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ الله عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ \" (١). والمسألة لا تخلو من أخذ وردّ واستدراك وتفصيل وتأصيل واستقراء بين الفقهاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>حكم تبديل الوصيّة</span>\nهذا ولا يجوز تبديل الوصيَّة إذا كانت بالحقّ ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ... (١٨١)﴾ [البقرة]، لكن إذا خرج الموصي في وصيَّته عن الحقّ خطأ أو عمدًا، فإنّه يجوز تبديلها، وينبغي لمن علم أنَّ فيها جنفًا أو إثمًا أن ينصح للموصي، ويصلح بردّ الوصيّة إلى الشّرع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة]، فاستثنى الله تعالى من إثم التّبديل من بدّل للإصلاح، ووعده بالمغفرة والرّحمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبادرة إلى تنفيذ الوصيّة قبل الدّفن</span>\nإذا كانت وصيّة الميّت بالواجب، وجب المبادرة إلى إنفاذها قبل أن يدفن، وبالتّطوع يسنّ، والإِسراع مطلوب سواء كانت واجبة أو مستحبّة عند أهل العلم، فإذا كان عليه دين وَجَبَ الإسراعُ في قضائِه عنه، لأنّ الميّت ينتفع بذلك، ويرفع\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٩/ص ٦٤/رقم ٧٢٥٢) كِتَابُ الأَحْكَامِ.","vol":"1","page":72},{"text":"عنه العذاب.\nوإنك تجد في هذا الزَّمان مَنْ يؤخّر الوفاء بدين ميِّته، وربّما يكون الميّت قد ترك وراءَه مالًا، ومع هذا لا يقضي وارثه عنه دينه إلى حين الانتفاع من هذا المال وكسب ما يقضي به دينه، وهذا ظلم بيِّن، وعقوق ظاهر، وجحود لحقٍّ واجب للميّت، ولا يجوز تأخير الواجب عن وقته طمعًا في تحصيل منفعة مستحبّة، وصدق رسول الله - ﷺ -: \"وَلا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ\" (١).\nوالإجماع منعقد على أن دين الميّت يُقضى من ماله قبل أن ينتقل مالُه إلى الورثة، فالميّت أحقّ مَنْ ينتفع بماله.\nومِنَ النّاس مَنْ يبخل بماله في حياته لما يخوّفه الشّيطان من الفقر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ... (٢٦٨)﴾ [البقرة]، فتجده يجمع ويمنع، فإذا بلغت نفسه إلى حلقه، وانقطع أمله في الحياة، ولم يعد للمال مكانة في قلبه، فزع إلى الصَّدقة وبالغ بها وأضرّ بالورثة، فيكون قد عصى الله تعالى في حياته بإمساكه وتفريطه، وعصاه حال موته بإسرافه وتبذيره وتضييعه ورثته، وتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، فلربّما خاب من الانتفاع به في يوم العوز والحاجة إليه.\nقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: \"يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ\" (٢). فالصّدقة عند الموت\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٨/ص ٩٢/رقم ٦٤٣٧) كِتَابُ الرِّقَاقِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٤/ص ٤/رقم ٢٧٤٨) كِتَابُ الوَصَايَا.","vol":"1","page":73},{"text":"جائزة بضوابطها، ولكنَّها فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَفْضَل.\nولمّا سمع الصّحابة - ﵃ - قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ... (٢٤٥)﴾ [البقرة]، بَادَرُوا بأموالهم، جاء رجل إلى النَّبِيِّ - ﷺ - يشكو له أنَّه يريد أن يقيم حائطه، ولجاره نخلة لا يصلح حائطه إلّا بها، فعَرَضَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى صَاحِبِ النَّخْلَةِ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَأَبَى، فَاشْتَرَاهَا أَبُو الدَّحْدَاحِ - ﵁ - بِبُسْتَانٍ لَهُ، وأقرضها لله تعالى.\nعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: \"يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، فَأَبَى، فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي (بُسْتَانِي). فَفَعَلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي. قَالَ: فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: كَمْ مِنْ عَذْقٍ (نخلة) رَدَاحٍ ... (مثقلة حملًا) لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ. قَالَهَا مِرَارًا. قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا ... أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَتْ: رَبِحَ الْبَيْعُ. أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا\" (١).\nولمّا مات أَبُو الدَّحْدَاحِ - ﵁ - صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - عليه وتبع جنازته، ثمّ أُتِيَ بِفَرَسٍ لا سَرْج عليه، فَرَكِبَهُ، فسمعه رَجُلٌ يعيد تلك العبارة.\nعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ -، قَالَ: \"صَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١٩/ص ٤٦٥/رقم ١٢٤٨٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":74},{"text":"ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ (١) فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ (٢) بِهِ، وَنَحْنُ نَتَّبِعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ - أَوْ مُدَلًّى - فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ\" (٣). أَوْ قَالَ شُعْبَةُ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ.\nفَيَا لأنْفُسٍ صَفَتْ لا كَدَرَ فِيها وَلا عَكَرَ، ولقلوب رُغِّبَتْ في الآجلة فزهدت في العاجلة! ولصدور سُلَّت سخائمها، وظهور حطّت عنها أثقالها ووضعت عنها أوزارها! ومُهَج سلمت بصائرها، وطابت سَرَائِرُها!\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفرق بين المتوفِّي والمتوفَّى</span>\nالمُتَوفِّي اسم فاعل، والمتوفَّى اسْم مفعول، والمتوفِّي حقيقة هو الله تعالى، الّذي يتوفَّى الأنفس، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ... (٤٢)﴾ [الزّمر]، وقد يسند ذلك إلى الملائكة المكلّفين بقبض الأرواح، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... (٢٨)﴾ [النّحل]. أما المُتَوفَّى فهو المَيِّت الَّذِي توفاه الله وأَمَاتَهُ. وكثير مِنَ النّاس لا يفرِّق بين الكلمتين، قَالَ أحد اللّغويين: \"مَرَرْتُ فِي طريقي فَرَأَيْتُ جَنَازَة تُشَيَّع، وَسمعت رجلًا يسْأَل: مَن المتوفِّي؟ فَقلت لَهُ: الله ﷾، فَضُرِبْتُ حَتَّى كدت أَمُوت\" (٤).\n_________\n(١) لا سرج له.\n(٢) أَيْ يَنْزُو ويَثِبُ، ويُقارِبُ الخَطْو.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٥) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٤) الحريري \"درّة الغوّاص في أوهام الخواص\" (ص ٢٩٠).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>القسم الرابع\nما على من حضر المحتضر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>ماذا على من حضر المحتضر أن يفعل</span>؟\nمِن الأمور الَّتِي ينبغي أن يفعلها مَنْ حَضَر مَنْ حضرته الوفاة: أن يدعو له ولا يقول عنده إلّا خيرًا، وأن يُطْمِعَه برحمة الله تعالى وفضله، وأن يُلَقِّنَه الشَّهادة، وهذا بيان ذلك.\nأوّلًا: على مَنْ حَضَر الدّعاء لمن حُضِر\nعلى من حَضَرَ الدُّعاء لمن حُضِر، وقول الخير عنده، وترك الدُّعاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ؛ فإنَّ الملائكة تحضر وتؤمِّن (يَقُولُونَ آمِينَ) على دعائهم فيستجاب دعاء الملائكة فيهم، عنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ\" (١).\nثانيًا: يستحب لمن حضر أن يطمع المحتضر في رحمة الله تعالى\nنعم، يستحبُّ لمن حَضَرَ أن يُطْمِعَ المحتضِر في رَحمةِ الله تعالى بتذكيره بمحاسن عمله، وَفَعَلَ ذلك ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - لِعُمَرَ - ﵁ - عِنْدَ احْتِضَارِهِ، فلمَّا طُعِنَ عُمَرُ - ﵁ - جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: \"يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ الله - ﷺ -، فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣٣) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":76},{"text":"عَنْكَ رَاضُونَ\" (١).\nوفعله ابنُ عبَّاس - ﵄ - مع عائشة - ﵂ -، فقد دخل عليها قَبْلَ مَوْتِهَا وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ، فقال: \"فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ الله، زَوْجَةُ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ\" (٢). وفي رواية أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - اشْتَكَتْ، فَجَاءَ ... ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -، فَقَالَ: \" يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، تَقْدَمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ: عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ\" (٣).\nولمّا حضرت عَمْرَو بْن الْعَاصِ الوفاة، بكى طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: \"يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِكَذَا؟ \" (٤).\nثالثًا: أن يُلقِّن مَنْ حضرته الوفاة لا إله إلا الله\nأوَّلُ أحكام المُحْتَضَرِ تَلْقِينُه لَا إِلَهَ إِلَّا الله، والتّلقين سُنَّةٌ أُمِرْنا بِهَا، فقد نَدَبَ النَّبيُّ - ﷺ - إليها، وقال: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" (٥) أي ذكِّروهم بها، وذلك في آخر يوم من أيَّام الدُّنيا، وأوّل يوم من أيَّام البرزخ.\nوصفة التَّلقين أن تأمر المحتضر أن يقول لا إله إلّا الله، فإن قالها فلا تكلّمه\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ١٢/رقم ٣٦٩٢) كتاب أصحاب النَّبيِّ - ﷺ -.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٠٦/رقم ٤٧٥٣) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ٢٩/رقم ٣٧٧١) كتاب أصحاب النَّبيِّ - ﷺ -.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ١١٢) كِتَابُ الْإِيمَان.\n(٥) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":77},{"text":"بكلمة بعدها لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، فإن قالها ثمَّ تكلّم بكلام آخر أُعِيدَت عَلَيْهِ، رجاء أن يموت عليها، فيفلح.\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - عَادَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: \"يَا خَالُ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ: أَخَالٌ أَمْ عَمٌّ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ خَالٌ، قَالَ: فَخَيْرٌ لِي أَنْ أَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: نَعَمْ\" (١).\nويقتضي عَدْلُ الله - ﷻ - أنَّ مَنْ عاش على كَلِمَة التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مات عليها، وبعث عليها في زمرة الموحّدين، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ الله عَلَيْهِ\" (٢)، ويفسّره قولُ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ المَرَاتِبِ بُعِثَ عَلَيْهَا\" (٣) يعني الرِّبَاط أو الحَجّ أَوْ نَحْو ذَلِكَ، ويؤكّده قول النَّبِيِّ - ﷺ -: \" يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ\" (٤)، فكلمة التّوحيد عَلَيْهَا نَحْيَا، وَعَلَيْهَا نَمُوتُ، وعليها نبعث، وعليها نلقى الله - ﷿ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>العلّة التي من أجلها أمر النّبيّ - ﷺ - بِتَلْقِينِ الشَّهَادَةِ مَنْ حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلِمَتِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله عِنْدَ المَوْتِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٠/ص ٣١/رقم ١٢٥٦٣) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٤/ص ٣٤٨/رقم ٧٨٧٢) وقال: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ ... مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذّهبي.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٣٦٦/رقم ٢٣٩٤١) إسناده صحيح.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٠٦) كِتَابُ الْجَنَّةِ وَصِفَة نَعِيمِهَا.","vol":"1","page":78},{"text":"وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ\" (١).\nفمَنْ كان آخر لفظه وخاتمة نطقه عِنْد خُرُوجِه من الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا الله دخل\nالجنَّة، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ لَنَا مُعَاذٌ فِي مَرَضِهِ: قَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - شَيْئًا كُنْتُ أَكْتُمُكُمُوهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ: ... \"مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ \" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الكلمة التي يجد المؤمن لجسده وروحه رَوْحا إذا قالها عند الموت ويشرق لها لونه</span>\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - يَقُولُ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله:\n\"مَا لِي أَرَاكَ قَدْ شَعِثْتَ وَاغْبَرَرْتَ مُنْذُ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله - ﷺ -؟ لَعَلَّكَ سَاءَكَ يَا طَلْحَةُ إِمَارَةُ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: مَعَاذَ الله، إِنِّي لَأَجْدَرُكُمْ أَنْ لَا أَفْعَلَ ذَاكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا رجلٌ عِنْدَ حَضْرَةِ المَوْتِ إِلَّا وَجَدَ رُوحهُ لَهَا رَوْحًا حِينَ تَخْرُجُ مِنْ جَسَدِهِ، وَكَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمْ أَسْأَلْ رَسُولَ الله - ﷺ - عَنْهَا، وَلَمْ يُخْبِرْنِي بِهَا، فَذَلِكَ الَّذِي دَخَلَنِي، قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُهَا، قَالَ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَمَا هِيَ؟ قَالَ: هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا لِعَمِّهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ طَلْحَةُ: صَدَقْتَ\" (٣).\nوفي رواية قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"كَلِمَةٌ لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلا فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٢٧٢/رقم ٣٠٠٤) حديث صحيح.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٦/ص ٣٦٣/رقم ٢٢٠٣٤) وإسناده صحيح.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ١/ص ٣١٩/رقم ١٨٧) حديث صحيح بطرقه.","vol":"1","page":79},{"text":"كُرْبَتَهُ، وَأَشْرَقَ لَوْنُهُ \" (١).\nوالكلمة الّتي أراد النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهَا عَمَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الله، فإنَّ أَبَا طَالِبٍ لمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَيْ عَمِّ، قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>حكم قراءة سورة يس على من حضرته الوفاة</span>\nقراءة سورة يس على مَنْ حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ لَمْ يَصِحَّ فيها حديث عن رسول الله - ﷺ -، وجملة ما روي أحاديث ضعيفة لا يحتجُّ بها، ومنها ما أخرجه أحمد عن عَارِم، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مرفوعًا، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"وَيس قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللهَ والدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ، وَاقْرَؤوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ\" (٣).\nوعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس\" (٤). وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ - كما في المدخل (٥) - الْقِرَاءَةَ عِنْدَهُ بِسُورَةِ يس.\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ٩/رقم ١٣٨٦) إسنادُه صحيح.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ٥٢/رقم ٣٨٨٤) كتاب مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٣/ص ٤١٧/رقم ٢٠٣٠٠) إسناده ضعيف. وضعّفه الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ١٤/ص ٧٨٧/رقم ٦٨٤٣). وأخرجه النّسائي في \"عمل اليوم واللّيلة\" (ج ١/ص ٥٨١/رقم ١٠٧٥) من طريق آخر عن معتمر به، وإسناده ضعيف.\n(٤) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٢٦٩/رقم ٣٠٠٢) إسناده ضعيف.\n(٥) ابن الحاج \"المدخل\" (ج ٣/ص ٢٢٩).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>حكم توجيه المحتضر إلى القبلة</span>\nنقل النّووي في (المجموع) الإجماع على استحباب توجيه المحتضر عِنْدَ نَزْعِهِ إلى القبلة، قال: \"يُسْتَحَبُّ أَنْ يسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ المُسْتَحَبَّةِ وَجْهَانِ\" (١). وقال في المجموع: \"وَاحْتَجَّ لِلْمَسْأَلَةِ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ\" (٢).\nقلت: وفي نقله الإجماع نظر، فقد كره مالك - كما في المدخل - أن يوجّه المحتضر إلى القبلة اقتداء، قال: \"لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَكَرِهَ أَنْ يُعْمَلَ ذَلِكَ اسْتِنَانًا\" (٣).\nوكره ذلك سعيد بن المسيّب، فقد حُوِّلَ فِرَاشُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي مَرَضِهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعَادَ كَمَا كَانَ، عن زُرْعَة بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ شَهِدَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ فِي مَرَضِهِ وَعِنْدَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَغُشِيَ عَلَى سَعِيدٍ، فَأَمَرَ أَبُو سَلَمَةَ، أَنْ يُحَوَّلَ فِرَاشُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: \"حَوَّلْتُمْ فِرَاشِي؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: أُرَاهُ عَمَلَكَ، فَقَالَ: أَنَا أَمَرْتُهُمْ، فَقَالَ: فَأَمَرَ سَعِيدٌ أَنْ يُعَادَ فِرَاشُهُ\" (٤).\nقلت: والاحتجاج بحديث أبي قتادة أنَّ البراء بن معرور أَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ\n_________\n(١) النّووي \"المجموع\" (ج ٥/ص ١١٦).\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) ابن الحاج \"المدخل\" (ج ٣/ص ٢٢٩).\n(٤) ابن أبي شيبة \"المصنّف\" (ج ٢/ص ٤٤٧/رقم ١٠٨٧٧) وصحّحه الألباني في \"الأحكام\" (ص ١١) قال: أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" بسند صحيح عن زرعة.","vol":"1","page":81},{"text":"إِلَى القِبْلَةِ لمّا احْتُضِرَ لا يحتجّ به لضعفه، قال الحاكم: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، ثنا جَدِّي، ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ سَأَلَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَقَالُوا: تُوُفِّيَ وَأَوْصَى بِثُلُثِهِ لَكَ يَا رَسُولَ ... الله، وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ لمّا احْتُضِرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَصَابَ الْفِطْرَةَ\" (١). وأعلّه الألباني في \"الإرواء\" (٢) بعلّتين: فيه نعيم بن حمّاد، ضعيف، والثّانية: الإِرسال، فإِنّ عبد الله بن أبي قتادة ليس صحابيًّا.\nقلت: وفيه علّة أخرى، وهي أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّد بْنِ الْفَضْلِ، من شيوخ الحاكم، لم يوثّقه أحد، وتكلّم الحاكم في سماعه، فقال: \"ارْتبت في لقيه بعض الشّيوخ\" (٣). وجدّه الفَضْل فيه كلام أيضًا، أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتّعديل، وقال: \"كتبت عنه بالرّي وتكلّموا فيه\" (٤).\nأضف إلى ذلك الاختلاف على متنه، فقد روي أنّ البراء أَوْصَى لمَّا حَضَرَتْهُ\nالْوَفَاةُ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ في قبره، فالتّوجيه المقصود هو التَّوجيه في القبر بعد الموت،\n_________\n(١) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٤٦٤/رقم ١٣٣٦). ومن طريقه البيهقي في \"السّنن الكبرى\" (ج ٣/ص ٥٣٩/رقم ٦٦٠٤)، وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَقَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، وَاحْتَجَّ مُسْلِمُ بِالدَّرَاوَرْدِيِّ، وَلَمْ يُخَرِّجَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَا أَعْلَمُ فِي تَوَجُّهِ المُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. ووافقه الذّهبي في التّلخيص.\n(٢) الألباني \"إرواء الغليل\" (ج ٣/ص ١٥٢/رقم ٦٨٩).\n(٣) ابن حجر \"لسان الميزان\" (ج ١/ص ٤٣٤/رقم ١٣٤٥).\n(٤) ابن أبي حاتم \"الجرح والتّعديل\" (ج ٧/ص ٦٩/رقم ٣٩٣).","vol":"1","page":82},{"text":"أخرج البيهقي وابن سعد عن حَمَّاد، قال: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّد بنُ مَعْبَدِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: \"أَنَّ الْبَرَاءَ، كَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَكَانَ أَحَدَ السَّبْعِينَ النُّقَبَاءِ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَجَعَلَ يُصَلِّي نَحْوَ الْقِبْلَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَسُولِ الله - ﷺ - يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ، وَقَالَ: وَجِّهُونِي فِي قَبْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ\" (١).\nأمّا ما أخرجه الصّنعاني عن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ الْبَرَاءَ لمّا حَضَرَهُ المَوْتُ، قَالَ لِأَهْلِهِ: «اسْتَقْبِلُوا بِيَ الْكَعْبَةَ» (٢) فهو مرسل، فالزُّهريّ تابعيّ صغير لم يدرك القصّة.\nقلت: وكلّ ما يستدلُّ به على استحباب توجيه المحتضر إلى القبلة لا يخلو من علَّة، ومن ذلك ما جاء في المسند من أنَّ فاطمة - ﵂ - اسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ في مرضها الّذي ماتت به، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَلِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلْمَى، قَالَتْ: \"اشْتَكَتْ فَاطِمَةُ شَكْوَاهَا الَّتِي قُبِضَتْ فِيهَا، فَكُنْتُ أُمَرِّضُهَا، فَأَصْبَحَتْ يَوْمًا كَأَمْثَلِ مَا رَأَيْتُهَا فِي شَكْوَاهَا تِلْكَ، قَالَتْ: وَخَرَجَ عَلِيٌّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَتْ: يَا أُمَّهْ اسْكُبِي لِي غُسْلًا، فَاغْتَسَلَتْ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُهَا تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ أَعْطِينِي ثِيَابِيَ الْجُدُدَ، فَأَعْطَيْتُهَا فَلَبِسَتْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ قَدِّمِي لِي فِرَاشِي وَسَطَ الْبَيْتِ، فَفَعَلْتُ، وَاضْطَجَعَتْ، وَاسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ خَدِّهَا ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ إِنِّي مَقْبُوضَةٌ الْآنَ، وَقَدْ تَطَهَّرْتُ الْآنَ، فَلَا يَكْشِفنِي أَحَدٌ، فَقُبِضَتْ مَكَانَهَا، قَالَتْ:\n_________\n(١) البيهقي \"السّنن الكبرى\" (ج ٤/ص ٨٠/رقم ٧٠٢٣)، وابن سعد \"الطّبقات الكبرى\" (ج ٣/ص ٤٦٥/رقم ٣٣٤)، وفيه علّتان: الإرسال، وأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعْبَدِ مجهول، لم يرو عنه غير حمّاد بن سلمة.\n(٢) الصّنعاني \"مصنّف عبد الرّزاق\" (ج ٣/ص ٣٩٢/رقم ٦٠٦٤) رجاله ثقات لكنّه مرسل.","vol":"1","page":83},{"text":"فَجَاءَ عَلِيٌّ فَأَخْبَرْتُهُ\" (١).\nوفي سنده ضعف وفي متنه نكارة، فكيف تغتسل فاطمة للْمَوْت قبل المَوْتِ وتكفّن نفسها، وتوصي بأن تدفن بغسلها، ويقرّها عليّ، وحاشا لعليّ - ﵁ - وفاطمة - ﵂ - أن يخفى عليهما مثل هذا.\nثمّ إنّ المشهور أنّ فاطمة غسّلها عليّ - ﵁ -، عَنْ أُمِّ جَعْفَرٍ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَتْ: \"يَا أَسْمَاءُ، إِذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلِينِي أَنْتِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَغَسَّلَهَا عَلِيٌّ، وَأَسْمَاءُ\" (٢).\nومن ذلك أثر عن حذيفة - ﵁ -، قال: \"وجّهوني إلى القبلة\". قال الألباني في الإرواء: \"لم أجده عن حذيفة\" (٣). وتعقّبه صاحب التّكميل، وقال مقيّده:\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤٥/ص ٥٨٨/رقم ٢٧٦١٥) إسناده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق ولضعف عُبيد الله بن علي. وأورده الهيثمي في مجمع الزّوائد (ج ٩/ص ٢١١/رقم ١٥٢٢٠) وقال: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ. وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (ج ٣/ص ٢٧٧) وفي \"العلل المتناهية\" (ج ١/ص ٢٥٩/رقم ٤١٩)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ، فِي إِسْنَادِهِ ... ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ كَذَّبَهُ مَالِكٌ. وقال ابن حزم في \"المحلّى\" (ج ٣/ص ٤٠٦): رِوَايَة لَا تَصِحُّ: أَنَّهَا - ﵂ - اغْتَسَلَتْ قَبْلَ مَوْتِهَا وَأَوْصَتْ أَلَّا تُحَرَّكَ، فَدُفِنَتْ بِذَلِكَ الْغُسْلِ. وقال ابن كثير في \"السّيرة النّبويّة\" (ج ٤/ص ٦٤٨): غَرِيب جدًّا.\n(٢) البيهقي \"السّنن الكبرى\" (ج ٣/ص ٥٥٦/رقم ٦٦٦٠) وحسّن إسناده الحافظ في \"التّلخيص الحبير\" (ج ٢/ص ٣١٧) وقال: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.\n(٣) الألباني \"إرواء الغليل\" (ج ٣/ص ١٥٢/رقم ٦٨٩).","vol":"1","page":84},{"text":"\"وجدته عن حذيفة، رواه ابن أبي الدّنيا في المحتضرين، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق، وإسناده صحيح عن رِبْعِيِّ بن حِرَاش\" (١).\nقلت: نعم أخرجه ابن أبي الدّنيا، وابن عساكر، عن عَبَّاد بْن الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أُخْتَهُ وَهِيَ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ قَالَتْ: \"لمّا كَانَ لَيْلَةُ تُوُفِّيَ حُذَيْفَةُ جَعَلَ يَسْأَلُنَا: أَيُّ اللَّيْلِ هَذَا؟ فَنُخْبِرُهُ. حَتَّى كَانَ السَّحَرُ، قَالَتْ: فَقَالَ: أَجْلِسُونِي. فَأَجْلَسْنَاهُ، قَالَ: وَجِّهُونِي. فَوَجَّهْنَاهُ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ صَبَاحِ النَّارِ وَمِنْ مَسَائِهَا\" (٢).\nقلت: أمّا قوله: إسناده صحيح، فهو كما قال، مع أنَّ في سنده أخت ... ربعي بن حراش، وثّقها العجلي (٣)، \"والعجلي معروف بتساهله في التّوثيق\" (٤) كما قال الألباني، ولم يرو عنها غير ربعي بن حراش.\nلكن في المتن كلام، فقد ذكر قصَّة احتضار حذيفة، ابْنُ شَبَّةَ في \"تاريخ المدينة\" (٥) من طريق، ولم يذكر قوله: \"وَجِّهُونِي\".\nومن ذلك ما في المصنّف عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي\n_________\n(١) صالح بن عبد العزيز \"التّكميل\" (ج ١/ص ٣٢/رقم ٦٨٩).\n(٢) ابن أبي الدّنيا \"كتاب المحتضرين\" (ج ١/ص ٢١٤/رقم ٣٠٩) وابن عساكر \"تاريخ دمشق\" (ج ١٢/ص ٢٩٦).\n(٣) أخت ربعي بن حراش، وهي امرأة حذيفة: كوفيّة، تابعيّة، ثقة. كذا قال العجلي في ... \"تاريخ الثّقات\" (ج ١/ص ٥٢٥/رقم ٢١١٦).\n(٤) الألباني \"تحذير السّاجد\" (ص ٥٢).\n(٥) ابن شبّة \"تاريخ المدينة\" (ج ٤/ص ١٢٤٨).","vol":"1","page":85},{"text":"يَحْيَى بْنُ أَبِي رَاشِدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: \"إِذَا حَضَرَتِ الوَفَاةُ، فَاصْرِفْنِي\" (١). قلت: في سنده يَحْيَى بْن أَبِي رَاشِد، وحديثه عن عمر مرسل، قال ابن أبي حاتم: \"يحيى بن راشد البصري روى عن عمر - ﵁ -، مرسلًا، روى عنه عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر سمعت أبي يقول ذلك\" (٢).\nومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن عُمَرَ بْن هَارُونَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: \"كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَجَّهَ المَيِّتُ عِنْدَ نَزْعِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ\" (٣). لكن في سنده عمر بن هارون، قال عنه الحافظ: متروك (٤).\nومن ذلك قول النَّبيِّ - ﷺ - في البيت الحرام: \"قِبْلَتكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا\" (٥)، وفي الاستدلال به بُعْد؛ فالمراد أنّ البيت قِبْلَة أحيائنا عند الصّلاة وَوجهة أمواتنا فِي اللَّحْدِ، فهذا الحديث لا يتناول المحتضر.\nوالخلاصة، توجيه (٦) المحتضر إلى القبلة قال به جمهور من العلماء، ولم ينهض دليلهم عليه، ولم أَرَ دليلًا يثبت على استحباب توجيه المُحْتَضَرِ إذا ظَهَرَتْ\n_________\n(١) ابن أبي شيبة \"المصنّف\" (ج ٢/ص ٤٤٧/رقم ١٠٨٧٠).\n(٢) ابن أبي حاتم \"الجرح والتّعديل\" (ج ٩/ص ١٤٣/رقم ٦٠٦).\n(٣) ابن أبي شيبة \"المصنّف\" (ج ٢/ص ٤٤٧/رقم ١٠٨٧٣).\n(٤) ابن حجر \"تقريب التّهذيب\" (ص ٤١٧/رقم ٤٩٧٩).\n(٥) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٤/ص ٤٩٩/رقم ٢٨٧٥) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف، كذا قال شعيب الأرنؤوط، وحسّنه الألباني في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ١٥٤/رقم ٦٩٠).\n(٦) بأن يستقبل به الْقِبْلَة، وذلك بِأَنْ يجعل على شِقِّهِ الأيمَنِ ووجهه إلى القبلة كما يوضع في اللّحد، أو يحوّل فراشه.","vol":"1","page":86},{"text":"عليه عَلَامَاتُ قُرْبِ المَوْتِ.\nأمّا مَنْ يتعلّل بما رواه عبد الرّزاق الصّنعاني عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْتَ حُرُوفَ المَيِّتِ إِلَى الْقِبْلَةِ حِينَ يَحِينُ فَوْضُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، أَسُنَّةٌ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"سُبْحَانَ الله مَا عَلِمْتُ مِنْ أَحَدٍ يَعْقِلُ تَرَكَ ذَلِكَ مِنْ مَيِّتِهِ، والله إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْمَلُ فِرَاشُهُ حَتَّى يُحَرَّفَ بِهِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ\" (١). فالجواب: هذا قول التَّابعيّ الجليل عطاء بن أبي رباح، والسُّنَّة هنا بمعنى ما تعارف عليه النَّاس، ولَا حُجَّةَ فِيه لنتّبعه، ولا نتّبع إلّا ما قام عليه دليل.\nوقد عدّ الألباني في الأحكام (٢) توجيه المحتضر إلى القبلة من بدع الجنائز، ولا نوافقه؛ لأنّ هذه المسألة ليست من المسائل الّتي لا يسوغ فيها الاجتهاد ويبدَّع فيها المخالف، بل هي من المسائل الّتي يتَّسع فيها الاجتهاد ويسوغ فيها الاختلاف.\nوعلى كلِّ حال إذا كان وجه المحتضر إلى القبلة أو لغير القبلة فلا حرج، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ... (١١٥)﴾ [البقرة].\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>حكم دخول الحائض والنّفساء والجنب على من حضرته الوفاة</span>\nيَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ أو النّفساء ما يحرم على الجنب من: الصّلاة، واللُّبْثِ فِي المَسْجِدِ، والطّواف في البيت الحرام، ومَسِّ المُصْحَفِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَة، وقراءة القرآن. وتزيد الحائض والنّفساء عن الجنب في أمور: منها الصّيام، والوطء، ولا\n_________\n(١) الصّنعاني \"مصنّف عبد الرّزاق\" (ج ٣/ص ٣٩١/رقم ٦٠٥٩) وهذا سند غاية في الصّحّة.\n(٢) الألباني \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٤٣).","vol":"1","page":87},{"text":"تُمنع من شيء إلا بدليل.\nوقد استحبَّ بعضُ أهل العلم ألّا يدخل على من حضرته الوفاة حائض ولا جنب ولا نفساء، وكذلك بعد الوفاة، لأحاديث فيها نَفْي دُخُولِ المَلَائِكَةِ الدَّار الَّتِي فِيهَا أحد من هؤلاء، وهي أحاديث مُعَلَّةٌ وإن كان ظاهرها الصِّحَّة، منها ما رواه أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّ جِبْرِيل - ﵇ - قَال لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: \"إِنَّهَا ثَلاثٌ لَنْ يَلِجَ مَلَكٌ مَا دَامَ فِيهَا أَبَدًا وَاحِدٌ مِنْهَا: كَلْبٌ، أَوْ جَنَابَةٌ، أَوْ صُورَةُ رُوحٍ\" (١) وفي إسناده عَبْدُ الله بْنُ نُجَيّ مختلف فيه، وأبوه نُجَيّ الْحَضْرَمِيّ لَمْ يَرْوِ عنه غير ابنه، ولم يوثّقه غير ابن حبان، وَقَال: \"لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد\" (٢).\nومنها ما رواه أحمد عَنِ ابْنِ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قال: \"لَا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ، وَلا صُورَةٌ، وَلا كَلْبٌ\" (٣).\nوما رواه أحمد عنْ جَابِرٍ، عن عَبْد الله بْن نُجَيّ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ\" (٤)، وإسناده ضعيف لضعف جابر الجعفي وانقطاعه بين عبد الله بن نجيّ وبين عليّ.\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢/ص ٧٧/رقم ٦٤٧) إسناده ضعيف.\n(٢) ابن حبّان \"الثّقات\" (ج ٥/ص ٤٨٠).\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٢/ص ٦٥/رقم ٦٣٢) حسن لغيره دون ذكر الجنب.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٢/ص ٤٢٥/رقم ١٢٩٠) وإسناده ضعيف. وأخرجه أبو داود في \"سنن أبي داود\" (ج ١/ص ١٦٢/رقم ٢٢٧)، والنّسائي في \"سنن النّسائي\" (ص ٤٩/رقم ٢٦١) وحكم عليه الألبانيّ بالضّعف.","vol":"1","page":88},{"text":"وأصل الحديث في \"الصَّحيحين\" دون ذكر الجنب من حديث أبي طلحة، \"لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ\" (١). ويشهد لقوله \"ولا جنب\" ما روى أبو داود عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ المَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ (٢)، وَالْجُنُبُ، إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ\" (٣) والحسن بن أبي الحسن (البصري) لم يسمع من عمّار.\nوما أخرجه البزّار بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: ... \"ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ المَلَائِكَةُ: الْجُنُبُ وَالسَّكْرَانُ وَالمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ\" (٤).\nولعلّ المراد بالجنب الّذي يتهاون في رفع الجنابة عادة، فيترك الاغتسال ويقضي أغلب وقته جنبًا، وإلّا فقد صَحَّ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كان ينام وهو جنب، عنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ يَنَامَ\" (٥). ولذلك يجوز نَوْم الْجُنُبِ، ويستحبّ لَهُ الْوُضُوء\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ١٣٠/رقم ٣٣٢٢) كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ.\n(٢) أي المُتَلَطِّخ بِالْخَلُوقِ، وَهُوَ طِيبٌ لَهُ صِبْغٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وقد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ وَكَذَا نَهْيُ الرِّجَالِ عَنِ الْخَلُوق؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ النِّسَاءِ.\n(٣) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٦/ص ٢٥٢/رقم ٤١٨٠) إسناده ضعيف لانقطاعه.\n(٤) البزّار \"كشف الأستار\" (ج ٣/ص ٣٥٥/رقم ٢٩٣٠)، وقال الهيثميّ في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٥/ص ٧٢/رقم ٨١٩٨): رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ خَلَا الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ ثِقَةٌ، وصحّحه المنذري في \"التّرغيب\" (ج ١/ص ٤١/رقم ١٧٤)، والألباني في \"الصّحيحة\" (ج ٤/ص ٤١٧/رقم ١٨٠٤).\n(٥) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٢٤٨) كِتَابُ الْحَيْضِ.","vol":"1","page":89},{"text":"قبل أن يَرْقُد.\nولعلَّ المراد بالملائكة الَّذين ينزلون بالخير والرّحمة والبركة دون الملائكة الحفظة، فإنَّهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب، ودون ملك الموت ورسله فكم من جنب وحائض ونفساء دخل عليها ملك الموت.\nونحن نعلم أنَّ حَنْظَلَةَ بْن أَبِي عَامِرٍ الْأَنْصَارِيّ غَسِيل المَلَائِكَةِ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ فَغَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ المَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لمَّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ\" (١).\nقال ابن قدامة في المغني: قال أحمد: \"يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ تَغْمِيضُهُ، وَأَنْ تَقْرَبَاهُ\" (٢)، وفي مصنف ابن أبي شيبة، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: \"كَانُوا إِذَا حَضَرُوا الرَّجُلَ يَمُوتُ أَخْرَجُوا الْحُيَّضَ\" (٣).\nوقَالَ مَالِكٌ فِي المُخْتَصَرِ: \"لَا بَأْسَ أَنْ تُغْمِضَهُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ\" (٤). والخلاصة لَا يحرم حُضُورُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ والنّفساء وَقْتَ الِاحْتِضَارِ، وليس هناك ما يمنع دخولهم، وقد عَدَّ الألبانيّ إخراج الحائض والنّفساء والجنب من عند\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ١٥/ص ٤٩٥/رقم ٧٠٢٥) حديث صحيح، رجاله ثقات.\n(٢) ابن قدامة \"المغني\" (ج ٢/ص ٣٣٦).\n(٣) ابن أبي شيبة \"مصنّف ابن أبي شيبة\" (ج ٢/ص ٤٤٥/رقم ١٠٨٥٤).\n(٤) أبو الوليد الباجي \"المنتقى شرح الموطّأ\" (ج ٢/ص ٢٦).","vol":"1","page":90},{"text":"الميّت من بدع الجنائز (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>التوجع للميِّت عند احتضاره</span>\nعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ -﵍-: \"وَا كَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ -﵍-: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - التُّرَابَ\" (٢).\nفإذا تألّمنا لألم محتضر لنا، وتأثَّرنا لتأثّره، فما علينا مِنْ سبيل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>ما يَجِبُ عَلَى أهل الميّت أن يقولوا عند موته</span>\nنحن والبنون والأهلون لله تعالى، وقد جعل الله تعالى الْوَاحِدَ مِنَّا كالوديعة أو الْعَارِيَّةِ، والوديعة لا بدَّ أن تردَّ والْعَارِيَّة أن تؤدّى وترجع إلى مالكها، ولذلك على مَنْ أصابته مصيبة أن يسترجع، كَمَا أَمَرَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]، وأن يدعو الله تعالى بهذا الدّعاء: \"اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا\".\nعن أمِّ سَلَمَة - ﵂ -، زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ: \"مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]،\n_________\n(١) الألبانيّ \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٤٤).\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٥/رقم ٤٤٦٢) كِتَابُ المَغَازِي.","vol":"1","page":91},{"text":"اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبو سَلَمَةَ، قُلْتُ: كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ الله - ﷺ -، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ الله - ﷺ - \" (١). وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَنْجَعُ علاج للمصاب، وَأَنْفَعُ فِي عَاجِلَتِهِ وَآجِلَتِهِ، وأعلى درجة له عند الله تعالى وأرفع.\nوقد يسأل سائل: هل استرجع النَّبيُّ - ﷺ - لموت أحد؟ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ الله بْنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - \" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>ما يَجِبُ عَلَى أهل الميّت مِنَ التّقوى ولُزُومِ الصّبر والرِّضَا بِالْقَضَاءِ</span>\nوعليهم أن يلزموا التّقوى والصَّبر وضبط النّفس، وترك التَّسَخُّط، لا سيّما عند فَجْأَة المُصِيبَة، فهذا هو الصّبر الكامل المحمود، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: \"مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: اتَّقِي الله وَاصْبِرِي. قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى\" (٣).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم \" (ج ٢/ص ٦٣٢) كتاب الجنائز.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٤٧٦/رقم ٣١٨٩) صحيح، وصحّحه ... ابن الملقّن في \"البدر المنير\" (ج ٥/ص ٣٥٩)، والنّوويّ في \"خلاصة الأحكام\" ... (ج ٢/ ص ١٠٥٥/رقم ٣٧٦٩).\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٩/رقم ١٢٨٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":92},{"text":"فالصَّبر إذا لم يصادف محلّه لا ينفع، ومن هنا نفهم التَّسوية في صيغة الأمر في قول الله تعالى حكاية لما يُقال لأهل النار: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطّور]، فلا ينفع صبر في غير محلّه.\nولذلك فإنَّ كلَّ ذي مَرْزِئَةٍ إنّما يُحْمَد صبره عند حرِّ المصيبة عند الصَّدمة الأولى، ويعلو صبره وقدره إذا كان رَاضِيًا بِقَضَاءِ الله رَاجِيًا ثوابَه، ويزاد فيه إذا لم يَشْكُ بثَّه وحزنه إلّا لخالقه - ﷻ -، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (٨٦)﴾ [يوسف]، فإن فعل ذلك كان إن شاء الله تعالى من الصَّابرين. ومن لم يصبر عند لقاء الكرائه ونوازل الدَّهر سلا سُلُوَّ البهائم، وصبر صبر السَّوَائِمِ.\nفإذا أخذ الله تعالى، فلا يكون لأحد أن يعترض، فالله تعالى أخذ ما له. وإنّما أخذ ما أعطى ليبتليك بالأخذ كما ابتلاك بالعطاء، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"لله مَا أَخَذَ ولله مَا أَعْطَى، كُلٌّ بِأَجَلٍ، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ\" (١).\nولا ريب أنَّ مصيبة الموت جرعة ألم لا يعرفها إلّا من تجرَّع مرارتها، واصطلى بحرّها!\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٢٣/رقم ٦٦٠٢) كِتَابُ القَدَرِ.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>القسم الخامس\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>علامات حسن الخاتمة </span>وشرف الموت في زمان أو مكان</span>\nعلامات حسن الخاتمة\nهناك علامات على موت المؤمن، يستدلّ بها على حسن خاتمته، منها:\nالنّطق بالشّهادة عند الموت، قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - ﵁ - فِي مَرَضِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ\" (١).\nومنها: الموت بِرَشْحِ الجَبِينِ، عَنِ بُرَيْدَةَ - ﵁ -، أَنَّهُ كَانَ بِخُرَاسَانَ، فَعَادَ أَخًا لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَوَجَدَهُ بِالمَوْتِ، وَإِذَا هُوَ يَعْرَقُ جَبِينُهُ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ! سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"مَوْتُ المُؤْمِنِ بِعَرَقِ الْجَبِينِ\" (٢).\nومنها: الشَّهَادَة فِي سَبِيلِ الله تَعَالَى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]. وقال النَّبِيُّ - ﷺ -: ... \"لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ\" (٣).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٦/ص ٣٦٣/رقم ٢٢٠٣٤) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٨/ص ١٢٩/رقم ٢٣٠٢٢) حديث صحيح.\n(٣) التّرمذيّ \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٣٨٩/رقم ١٦٦٣) وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وصحّحه الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٧/ص ٦٤٧/رقم ٣٢١٣).","vol":"1","page":94},{"text":"هذا ومَنْ سأل الشَّهادة بصدق نِيَّةٍ أُعْطِيَهَا، وإن كان على فراشه، مُجَازَاةً لَهُ عَلَى صِدْقِ نيّته، بدليل قوله - ﷺ -: \"مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ\" (١).\nومنها: الموت غازيًا في سبيل الله، لقوله - ﷺ -: \"مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ ... \" (٢) فقتيل المعركة شهيد، ومن مات في سبيل الله بغير قتال شهيد، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران]، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (١٠٠)﴾ [النّساء].\nومنها: الموت بالطّاعون (٣)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ\" (٤). وعن عَائِشَةَ - ﵂ -، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ الله - ﷺ - عَنِ الطَّاعُونِ فَقَالَ: \"كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ الله عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ،\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥١٧) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) الطّاعون: وباء فسّره النَّبيُّ - ﷺ - لعائشة - ﵂ - لمّا سألته، فما الطّاعون؟ قال: \"غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ\" أحمد \"المسند\" (ج ٤٢/ص ٥٣/رقم ٢٥١١٨) إسناده جيّد.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ٢٤/رقم ٢٨٣٠) كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ.","vol":"1","page":95},{"text":"مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ لا يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِ، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ\" (١).\nومنها: المبطون، عَنْ عَبْدِ الله بنِ يَسَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ وَهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَتْبَعَا جِنَازَةَ مَبْطُونٍ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ يَقْتُلُهُ بَطْنُهُ، فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ\" (٢)؟ ... فَقَالَ: بَلَى.\nومنها: الموت بالغرق والهدم، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله\" (٣).\nومنها: موت المرأة في نفاسها، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وَالنُّفَسَاءُ شَهَادَةٌ\" (٤)، أو أَن تموتَ المرأة وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وَالمَرْأَةُ يَقْتُلُهَا وَلَدُهَا جمْعا شَهَادَةٌ\" (٥) فالمرأة إذا ماتت حَامِلًا جَامِعَةً وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا شَهِيدَةٌ.\nومنها: الموت بالحرق، وذات الجَنْبِ (قُرْحَةٌ تَكُونُ فِي الْجَنْبِ بَاطِنًا): قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ الله: المَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ،\nوَصَاحِبُ ذَاتِ الجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٢٧/رقم ٦٦١٩) كِتَابُ القَدَرِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٢٤٢/رقم ١٨٣١٠) إسناده صحيح.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ٢٤/رقم ٢٨٢٩) كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ١٣/ص ٤٥٦/رقم ٨٠٩٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٥) أحمد \"المسند\" (ج ٣٧/ص ٤١٧/رقم ٢٢٧٥٦) إسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"1","page":96},{"text":"يَمُوتُ تَحْتَ الهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ\" (١).\nومنها، الموت دون المال والأهل والدِّين والنَّفس، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ\" (٢)، وقَالَ - ﷺ -: \"مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ\" (٣)، وقال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ\" (٤).\nفلو صَالَ عليك إنسان يريد مالك، أو عرضك، أو نفسك، فلك دفعه، بما يمكن أن يندفع به، فتدْفَعُ ظُلْمَهُ ابتداءً بِالْأَسْهَلِ والأخفّ، فَإِذَا انْدَفَعَ بالتّهديد لا يدفع بالعصا، وإذا اندفع بِالْعَصَا لا يُدْفَعْ بِالسَّيْفِ، فإذا هَرَبَ وانحسم شرُّه فلا تَعْدُ خَلْفَه.\nوالحاصل، الصَّائِلُ المعتدي بلا تأويل يَسْتَحِقُّ الدَّفع سَوَاء كَانَ مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: \" يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ\" (٥).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ١٦٣/رقم ٢٣٧٥٣) حديث صحيح.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ١٣٦/رقم ٢٤٨٠) كِتَاب المَظَالِم.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٤٢٤/رقم ٦٨٢٩) إسناده صحيح.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ١٩٠/رقم ١٦٥٢) إسناده قويّ.\n(٥) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ١٢٤) كِتَابُ الْإِيمَان.","vol":"1","page":97},{"text":"ومنها، الموت بمرض السِّلِّ (قُرْحَة الرِّئَة): أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ والأوسط، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قال: \"وَالسُّلُّ شَهَادَةٌ\" (١).\nوفي رواية لِأَحْمَدَ زَادَ فِيهَا أَبُو الْعَوَّامِ: \"وَالْحَرْقُ، وَالسَّيْلُ\" (٢)، وقيَّده الحافظ: \"وَالسِّلُّ وَهُوَ بِكَسْرِ المُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ\" (٣) يعني مرض السِّل.\nومنها، الموت مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله، والرِّباطُ: المُقامُ فِي الثُّغور بِإِزاء الْعَدُوِّ لحفظ المسلمين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران].\nوقال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ\" (٤).\nوقال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ\" (٥).\n_________\n(١) الطّبراني \"الكبير\" (ج ٦/ص ٢٤٧)، و\"الأوسط\" (ج ٢/ص ٥٩/رقم ١٢٤٣) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٢/ص ٣١٧/رقم ٣٨٧٨): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ ... مَنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ وَفِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ وُثِّقَ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٥/ص ٣٨٠) وقال الألباني في \"الأحكام\" (ص ٤٠): ورجاله موثّقون. وقال المنذري في \"التّرغيب\" (ج ٢/ص ٢١٩): رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن. وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٥/ص ٢٩٩/رقم ٩٥٤٥): رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n(٣) الحافظ \"فتح الباري\" (ج ٦/ص ٤٣).\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٣٧٤/رقم ٢٣٩٥١) إسناده صحيح.\n(٥) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥٢٠) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.","vol":"1","page":98},{"text":"ومنها، الموت على عَمَلٍ صَالِح، عَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ -، قَالَ: أَسْنَدْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - إِلَى صَدْرِي، فَقَالَ: \"مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ\" (١).\nوعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ، حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ، أَوْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ، بِعَمَلٍ صَالِحٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ\" (٢)، ولذلك قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا\" (٣).\nهذا ولا يقطع للميّت بظهور شيء من هذه العلامات بأنّه من أهل الجنّة، ولكنّها بشارات يرتجى له بها رَحْمَة الله تعالى، كذلك إذا لم يقع له شيء منها فلا\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٨/ص ٣٥٠/رقم ٢٣٣٢٤) صحيح لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أنّه منقطع. وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٧/ص ٢١٥/رقم ١١٩٣٥): رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عُثْمَانَ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَتِّيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ. وقال المنذري في \"التّرغيب\" (ج ٢/ص ٥١/رقم ١٤٦٠): رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ، وقال الألبانيّ في \"الأحكام\" (ص ٤٣): إسناده صحيح.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٩/ص ٢٤٦/رقم ١٢٢١٤) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٠٣/رقم ٦٤٩٣) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":99},{"text":"يُقْضَى عليه بسوء الخاتمة، فهذا من الغيب.\nوشهداء الآخرة كما في حديث مُخَارِقٍ عن النَّبيِّ - ﷺ -: \"قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ، أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ\" (١) هؤلاء يُغسَّلون ويُصلّى عليهم، ولهم أجر الشّهداء في الآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>هل هناك فضل لمن مات يوم الجمعة أو في رمضان</span>؟\nعَدَّ بعضُ أَهْلِ العِلْم: الموت ليلة الجمعة أو نهارها من علاماتِ حُسْنِ الخاتمة، لما روى التّرمذيّ في آخر كتاب الجنائز بسند منقطع عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ الله فِتْنَةَ القَبْرِ\" (٢)، وأعلَّه التِّرْمِذِيّ بِانْقِطَاع مَا بَين ربيعَة بن سيف، وعبد الله بن عَمْرو.\nقلت: وفي سنده هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، ورَبِيعَة بْن سَيْفٍ، وكلاهما ضعيف، لكن الحديث له شواهد، ولذلك حسّنه الألبانيّ بمجموع طرقه، وتعقّبه الأرنؤوط في\n_________\n(١) النّسائيّ \"سنن النّسائيّ\" (ص ٦٣٠/رقم ٤٠٨١) حسن صحيح.\n(٢) التّرمذيّ \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٢٥٤/رقم ١٠٧٤) وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَلَا نَعْرِفُ لِرَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ سَمَاعًا مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. وقال الحافظ في \"الفتح\" (ج ٣/ص ٢٥٣): فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ (ج ٧/ص ١٤٦/رقم ٤١١٣) وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ. وقال المباركفوري في \"تحفة الأحوذي\" (ج ٤/ص ١٦٠): الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِانْقِطَاعِهِ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ، وقال الألبانيّ في \"الأحكام\" (ص ٣٥): الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح، وتعقّبه شعيب الأرنؤوط في حاشية \"المسند\" (ج ١١/ص ١٥٠/رقم ٦٥٨٢)، فقال: الشَّواهد لا تصلح لتقوية الحديث، وقد أخطأ الألبانيّ في \"الجنائز\" فحسَّنه أو صحَّحه بها.","vol":"1","page":100},{"text":"تحقيق المسند بأنّ الشَّواهد لا تصلح لتقوية الحديث.\nوله طريق أخرى أخرجها أحمد، من رواية بَقِيَّة عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ\" (١). وبقيَّة مختلف في الاحتجاج به، وهو ابن الوليد الحمصي يُدلِّس عن الضّعفاء ويسوّي.\nوقد عقد البخاري في صحيحه (بَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ)، وأورد فيه حديث أبي بكر - ﵁ - لعائشة - ﵂ -، قَالَ لَهَا: \"فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله - ﷺ -؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ\" (٢). وفهم الحافظ ابن حجر من ذلك أنّ فَضْلَ المَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ البخاريّ، فقد كان أبو بكر يرجو ويرغب أن يموت في يوم الاثنين، ليوافق يوم موته - ﷺ -، قال: \"وَكَأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ المَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَافَقَ شَرْطَهُ وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى غَيْرِهِ\" (٣).\nأمّا هل مِنْ فضل لمن مات في رمضان؟ فقد تقدّم أنّ من مات وهو صائم - في رمضان وفي غير رمضان - دخل الجنّة، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ\" (٤). وقال النَّبيُّ - ﷺ -: \"وَمَنْ خُتِمَ لَهُ بِصَوْمِ يَوْمٍ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٢٢٦/رقم ٦٦٤٦) إسناده ضعيف.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٢/رقم ١٣٨٧) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) الحافظ \"فتح الباري\" (ج ٣/ص ٢٥٣).\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٣٨/ص ٣٥٠/رقم ٢٣٣٢٤) وسبق الحديث عن إسناده.","vol":"1","page":101},{"text":"مُحْتَسِبًا عَلَى الله - ﷿ - دَخَلَ الْجَنَّةَ\" (١).\nهذا ويظنّ بعض النّاس أنَّ الموت في مكَّة والدَّفن فيها يختلف عن أيّ بلد آخر، وأنَّ فيه زيادة حسنات أو رفع درجات، قلت: والمعوّل عليه بعد رحمة الله تعالى العمل الصَّالح الخالص، وليس المكان الَّذي يدفن فيه الإنسان.\nولو كان للدّفن في مكّة فضيلة لما قال النَّبِيُّ - ﷺ - لأهل المدينة: \"هَاجَرْتُ إِلَى الله وَإِلَيْكُمْ، فَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ\" (٢)، فقد اختار - ﷺ - المدينة حيًّا وميّتًا. ولو كان في الموت بمكّة مزيد فضل لأمر النَّبِيُّ - ﷺ - أصحابه أن يموتوا فيها، لكنّه لم يوص بذلك ولم يشرع نقل الميّت، وأنت ترى قبور الصَّحابة في الأردنّ والشّام والعراق واليمن وغيرها، هُنَا، وهُنَاكَ، وهُنَالِكَ.\nفإن قيل فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: \"مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا\" (٣)، فالمراد الاستقرار في المدينة إلى الموت، والتّوطّن فيها وعدم الخروج منها حتّى يأتي الموت، فيفوز العبد حينها بشفاعة المصطفى - ﷺ - قضاءً لحقِّ الجوار، وليست الشّفاعة والفضيلة لمن مات خارج المدينة ونقل إليها كما تأوّل بعضهم.\nلكن يظهر أنّ الموت في المدينة أفضل لمن كان مقيمًا فيها من الموت في\n_________\n(١) المخَلِّص \"المُخَلِّصيَّاتُ\" (ج ٣/ص ١٠٥/رقم ٢٠٩٤) وأورده الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٤/ص ٢٠٠/رقم ١٦٤٥).\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٤٠٧) كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ١٠/ص ٨٠/رقم ٥٨١٨) حديث صحيح.","vol":"1","page":102},{"text":"غيرها، والله تعالى أعلم.\nعلى كلّ إذا مات الإنسان في مكان أو زمان، لا نقول فيه شيئًا حتَّى ننظر إلى مَا مات عليه؛ فإن مات على عَمَلٍ صَالِحٍ وخُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ، قلنا: أَصَابَ إن شاء الله تعالى خَيْرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>ثناء النّاس على الميّت وما يرجى به</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: \"مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁ -: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ\" (١).\nوالثّناء المراد به من أثنى عليه أهل الفضل، فيكون ثَنَاؤُهُمْ عليه موافقًا لِفعاله؛ لأنّ الّذين أثنوا على الجنازة جماعة من الصّحابة.\nومن العلماء من يرى أنَّ الثَّناء على عمومه وإطلاقه، قال النّووي: \"كُلّ مُسْلِمٍ مَاتَ فَأَلْهَمَ الله تَعَالَى النَّاسَ أَوْ مُعْظَمَهُمُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِيهِ فَلَا تُحَتَّمُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ بَلْ هُوَ فِي خَطَرِ المَشِيئَةِ، فَإِذَا أَلْهَمَ الله - ﷿ - النَّاسَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ اسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﷾ قَدْ شَاءَ المَغْفِرَةَ لَهُ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الثَّنَاءِ\" (٢).\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٧/رقم ١٣٦٧) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) النّووي \"صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٤/ص ١٩) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":103},{"text":"وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابن حبّان وغيره عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَتِهِ الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا خَيْرًا إِلَّا قَالَ الله جَلَّ وَعَلَا قَدْ قَبِلْتُ عِلْمَكُمْ فِيهِ وَغَفَرْتُ لَهُ ما لا تعلمون\" (١).\nوأَقَلّ مَا يُكْتَفَى بِهِ شهادة اثنين، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ، قَالَ: وَثَلاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ\" (٢).\nويفهم ممّا سبق جَوَاز الثّناء على الميّت بِمَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ عند مرور الجنازة، وهذا ليس من الغيبة الَّتي جاء فيها النَّهي عن سبِّ الأموات.\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٢٩٥/رقم ٣٠٢٦) صحيح بشواهده.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٧/رقم ١٣٦٨) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>القسم السادس\nما على الحاضرين بعد تحقّق موت المحتضر</span>\nفإذا قضى المحتضر فعلى من حضره من أهله وأهل الخير عدّة أمور، منها: أن يغمضوا عينيه ويدعوا له بخير، وأن يسجّوه بثوب يستره كلّه، إلّا أن يكون مُحْرِمًا، فلا يغطّى رأسه ولا وجهه، وأن يسرعوا بتجهيزه والخروج به، وأن يدفن في الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وأن يقضوا دينه، وهذا تَفْصِيلُ مَا أُجْمِلَ فيه.\nأوّلًا: إغماض الميت والدُّعاء له بالمغفرة وإفساح قبره وتنويره:\nإذا شخص البصر، وقضى الإنسان وحضر، فإنَّه يستحبُّ تغميضه عملًا بالسُّنَّة، وصيانة له عَنِ الْأَعْيُنِ من تغيّر صورته. ويستحب بعد ذلك الدُّعاء له ووصيَّة أهله بالصَّبر والدَّعاء له بالخير، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"دَخَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ\" (١).\nثانيًا: تسجية الميّت:\nويستحبّ تَسْجِيَةُ (تغطية) المَيِّتِ بعد موته، وذلك بأن يُمدَّ عَلَيْهِ ثَوْبٌ يغطِّي جَمِيع بَدَنِهِ، قبل الاشتغال بتجهيزه، لستره عَنِ الْأَعْيُنِ، وَفِي الْحَدِيثِ: \"دَخَلَ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣٤) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":105},{"text":"أبو بكر - ﵁ - عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ -، فَتَيَمَّمَ (قَصَدَ) رَسُولَ الله - ﷺ - وَهُوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ (١) \" (٢)، وقَالَتْ عائشة - ﵂ -: \"سُجِّيَ رَسُولُ الله - ﷺ - حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ\" (٣).\nويستثنى من ذلك المُحْرِم، فمن مات مُحْرِمًا لا يُغطّى رأسه ووجهه، وَلَا يُمَسّ طِيبًا، ويكفّن فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَوَقَصَتْهُ (٤) نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: ... \"اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا\" (٥).\nثالثًا: المبادرة إلى تجهيز الميت والخروج به:\nويستحبّ الإسراع في تجهيز الميت إذا تحقّق موته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس]، فعطف الفعل (أقبر) على الفعل (أمات) بِالْفَاءِ المفيدة للتَّرتيب والتَّعقيب مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ في الزَّمن، لأنَّه لا ينبغي أن يكون بين موته وإقباره تَرَاخٍ إلّا لضرورة. وقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ ... أي أمر أَنْ يُجْعَلَ في قبر يواريه، ولم يقل (فقبره) لأنَّ القابر هو الدّافن، والمقْبِر هو الله تعالى.\n_________\n(١) كساء يمانيّ مُنَمَّر مخطّط.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٣/رقم ٤٤٥٢) كتاب مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٤) وقع عن راحلته فكسر عنقه.\n(٥) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ١٧/رقم ١٨٥١) كتاب جَزَاءِ الصَّيْدِ.","vol":"1","page":106},{"text":"فينبغي الإسراع بتجهيز الميّت وعدم التَّباطؤ به عَنِ الدَّفْنِ إلّا لضرورة، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ\" (١). والإسراع يحتاج إلى الإسراع في غسله وتكفينه والخروج به للصَّلاة عليه ودفنه، والإسراع في قضاء دينه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>صفة غسل الميت</span>\nعزَّ في هذا الزَّمان مَنْ يَعْرِفُ أَحْكَامَ غسل الميِّت وتجهيزه فِقْهًا وَعَمَلًا، وكثير ممّنْ عرف الأحكام لَا يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ، ومنهم مَنْ يَهَابُ المَيِّتَ فيحجم عن غُسْلِه وتَجْهِيزِه.\nوغُسْلُ المَيِّتِ وتكفينه وحَمْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ من فُرُوض الكِفَايَة، وينبغي ألّا يحضر غسل الميِّت إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يعينه حفظًا لحرمته وكرامته، وَتُسْتَر عَوْرَتُهُ بِمِئْزَرٍ، ثمّ يجرَّد من ثيابه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَت: \"لمَّا أَرَادُوا، غُسْلَ رَسُولِ الله - ﷺ - اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَالله مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ؟ أَنُجَرِّدُ رَسُولَ الله - ﷺ - كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ \" (٢).\nوغسل الميّت لا يختلف كثيرًا عن غسل الحيّ، يستحضر الغاسل نيّة الغسل ويسمّي، ويبدأ بغسل يديه، ثمّ يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويمرّ بيده على بطنه برفق ولا يبالغ، ويصبّ عليه الماء، فهذا يُيَسِّر خروج الخارج، ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً يفضي بها إلى السَّبِيلَيْنِ يزيل الأذى وَيُنَجِّيهِ بها، وَيَصُبُّ المَاءَ فِي غَسْلِ مَخْرَجِهِ؛ فهذا أدعى للإنقاء، ويغضّ الطّرف ولا ينظر إلى عورته، ثمّ يوضّئه وضوء الصّلاة،\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٦/رقم ١٣١٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٤٣/ص ٣٣١/رقم ٢٦٣٠٦) إسناده حسن.","vol":"1","page":107},{"text":"ولا يدخل الماء في فمه أو منخريه، ثمّ يغسل رأسه ولحيته، ثمّ يأخذ خِرْقَة أخرى أو ليفة لغسل سائر الجسد فذلك أدعى لإزالة درنه.\nويُغَسِّلُهُ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَى الْغَاسِلُ لِلْإِنْقَاءِ، وذلك بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أو ما يقوم مقامه كالأُشْنَان (شَجَر) أو الصَّابون، وَيُجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ الْكَافُورُ، وَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهُ، فيضعه عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ليغسل الْأَيْمَن، ثُمَّ عَلَى شقّه الْأَيْمَنِ ليغسل الْأَيْسَر وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ويسرّح شعره، فإِنْ كَانَ المَيِّتُ امْرَأَةً تُنْقَض ضَفَائِرُهَا فِي الْغُسْلِ، ويُضَفَّرُ شَعْرُها ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ويلقى خَلْفَهَا.\nوحديث أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّة (نَسِيْبَة) أصل فِي غسل الميت، وهي الَّتي غَسَّلَتْ زَيْنَب بِنْت رَسُولِ الله - ﷺ -، زوج أبي العَاصِي بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَتْ - ﵂ -: ... \"دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ (١)، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٢)، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ (إزاره)، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ\" (٣). أي اجعلْنَ الإزار ممّا يلي الجسد.\n_________\n(١) هي زَيْنَب، فقَدْ وَرَدَتْ مُسَمَّاةً فِي هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: لمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُول - ﷺ - ... \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٤٨).\n(٢) وفي رواية: \"اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ\" البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٤).\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٤/رقم ١٢٥٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":108},{"text":"وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: \"ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا\" (١).\nوعن أُمِّ عَطِيَّة: \"أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ الله - ﷺ -، ثَلاثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاثَةَ قُرُونٍ\" (٢)، وفي رواية: \"فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا\" (٣).\nويفهم جواز غسل المرأة للمرأة ولو كانت أجنبية، وأنّ الذَّكَرَ يتولّى غسله الرِّجالُ، والأنثى يتولّى غسلها النِّساءُ، ويُسْتَثْنَى من ذلك الزَّوجان فإنَّه يجوز لأحدهما أن يغسّل الآخر.\nوتجدر الإشارة إلى أنَّ حديث \"لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمُ المَأْمُونُونَ\" (٤) موضوع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الزوجان لكل واحد منهما غسل الآخر</span>\nيجوز لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ صَاحِبِهِ بعد الموت، فالزَّوْج له غُسْل امْرَأَتِهِ، وَالأَصْل فِي جَوَازِه مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: \"رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ الله - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ، وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهْ، قَالَ: بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ، ثم قَالَ: مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٤/رقم ١٢٥٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) المرجع السّابق.\n(٤) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٢/ص ٤٤٧/رقم ١٤٦١) موضوع.","vol":"1","page":109},{"text":"عَلَيْكِ، وَدَفَنْتُكِ؟ \" (١). ولِلْمَرْأَةِ تَغْسِيل زَوْجِهَا، قالت عائشة - ﵂ -: \"لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنَ الْأَمْرِ مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ الله - ﷺ - إِلَّا نِسَاؤُهُ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الشّهيد لا يغسّل ولو كان جنبًا</span>\nلَمْ يُشْرَعْ غسْلُ الشَّهِيدِ (قَتِيل المَعْرَكَةِ)، وإنّما يُدْفَنُ بِدِمَائِهِ وَثِيَابِهِ، فالنَّبيُّ - ﷺ - أمَرَ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، عن جابر - ﵁ - قال: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ\" (٣) - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وعن جَابِر - ﵁ - أنّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: \"أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ\" (٤). وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا.\nويترك غسل الشَّهيد، ولا تنزع ثيابه ويبقى عليه أثر الشَّهادة، لقوله - ﷺ - في شُهَدَاءِ أُحُدٍ: \"زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ\" (٥)، ولقوله - ﷺ -: \"مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ الله إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ\" (٦). وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ، فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ... لِأَصْحَابِهِ: \"هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ:\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤٣/ص ٨١/رقم ٢٥٩٠٨) حديث حسن.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٤٣/ص ٣٣٢/رقم ٢٦٣٠٦) إسناده حسن.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩١/رقم ١٣٤٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ١٠٢/رقم ٤٠٧٩) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٥) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٦٢/رقم ٢٣٦٥٧) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.\n(٦) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٧/ص ٩٦/رقم ٥٥٣٣) كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ.","vol":"1","page":110},{"text":"هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ. فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا\" (١).\nوفي أحد قتل شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِرٍ - ﵁ -، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ المَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لمّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ثواب من غسّل ميّتًا وكتم عليه وثواب من كفّنه</span>\nقال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَمَنْ كَفَّنَ مَيِّتًا كَسَاهُ الله مِنَ السُّنْدُسِ، وَإِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ\" (٣)، وعن أبي رَافِعٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً\" (٤). فينبغي للمغسِّل أن\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩١٨) كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ - ﵃ -.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ١٥/ص ٤٩٥/رقم ٧٠٢٥) حديث صحيح.\n(٣) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٥٠٥/رقم ١٣٠٧) وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الّذهبي.\n(٤) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ١/ص ٣١٥/رقم ٩٢٩)، وقال المنذري في \"التّرغيب\" (ج ٤/ص ١٧٤/رقم ٥٣٠٥): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته مُحْتَجّ بهم فِي الصَّحِيح. وتبعه الهيثمي في \"المجمع\" (ج ٣/ص ٢١/رقم ٤٠٦٨) وقال: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.","vol":"1","page":111},{"text":"يَكْتُمَ شَيْنَ الميّت إن وجد، وأن يَسْتُرَ عيبه، ولا يحدّث بما يكره أهله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>استحباب الغسل لمن غسّل الميت والوضوء لمن حمله</span>\nيُسْتَحِبُّ الغُسْل مِنْ غُسْلِ المَيِّتِ، والْوُضُوء مِنْ حَمْلِه، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ\" (١)، وقال - ﷺ -: \"مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِه الوُضُوءُ\" (٢).\nوظاهر الأمر يدلُّ على الوجوب، لكن يحمل على الاستحباب، فلَيْسَ فِي غسْلِ المَيِّتِ غُسْلٌ واجب، لأنّ المَيِّتَ المؤمن طاهر لَا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، ولَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْهُ المَاءُ.\nلمّا لقي النَّبيُّ - ﷺ - أبا هُرَيْرَة وهو جُنُبٌ، كَرِه أبو هريرة أَنْ يجالسه فبَادَرَ إِلَى الِاغْتِسَالِ، فقال له النَّبيُّ - ﷺ -: \"سُبْحَانَ الله يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ\" (٣). فالموت لا يسلب المؤمن صِفَةَ الْإِيمَانِ، وَلذلك ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ... ابن عَبَّاسٍ - ﵄ - تَعْلِيقًا: \"المُسْلِمُ لا يَنْجُسُ حَيًّا وَلا مَيِّتًا\" (٤).\nويُؤَيِّدُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ قول ابن عمر - ﵄ -: \"كُنَّا نُغَسِّلُ المَيِّتَ فَمِنَّا مَنْ يَغْتَسِلُ وَمِنَّا مَنْ لَا يَغْتَسِلُ\" (٥).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١٥/ص ٥٣٤/رقم ٩٨٦٢) رجاله ثقات.\n(٢) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٣٦/رقم ٩٩٣) وقال أبو عيسى: حَدِيثٌ حَسَنٌ.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ١/ص ٦٥/رقم ٢٨٥) كِتَابُ الغُسْلِ.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٥) الدَّارَقُطْنِيّ \"سُنَن الدَّارَقُطْنِيّ\" (ج ٢/ص ٤٣٤) وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي \"التَّلْخِيص الْحَبِيرِ\" (ج ١/ص ٣٧٣).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>هل يَعْرِفُ المَيِّتُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ</span>؟\nقد يسأل سائل: هل يعرف المَيِّت من يُغَسِّلُهُ ويجهِّزه، وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي ... حفرته؟ والجواب أنّ الأخبار المرويّة بهذا المعنى ضعيفة، ومنها ما أخرجه أحمد والطَّبراني في الأوسط وابنُ أبي الدّنيا في المنامات، عن مُعَاوِيَة أَوْ ابْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ المَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ، وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ\" (١)، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ فِي المَجْلِسِ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَانْطَلَقَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -. وللحديث أطراف أخرى كلّها ضعيفة، والضّعيف لا يحتجّ به في العقائد والأحكام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>تبخير أكفان الميّت ثلاثا</span>\nيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَبْخِيرُ أَكْفَانِ المَيِّتِ بِالْعُودِ، فيُتْرَك الْعُودُ عَلَى النَّارِ فِي مِجْمَرٍ، ثُمَّ يُبَخَّر بِهِ الْكَفَنُ حَتَّى تَعْبَق رَائِحَتُهُ. وَتُجْمَر الْأَكْفَانُ ثَلَاثًا قَبْل أَنْ يُدْرَجَ (يُلَفّ) المَيِّتُ فِيهَا، وَالأَصْل فِيهِ قوله - ﷺ -: \"إِذَا أَجْمَرْتُمُ المَيِّتَ، فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا\" (٢).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١٧/ص ٢٩/رقم ١٠٩٩٧) إسناده ضعيف لإبهام راويه عن أبي سعيد، وأخرجه الطَّبَرَانِيُّ فِي \"الْأَوْسَطِ\" (ج ٧/ص ٢٥٧/رقم ٧٤٣٨) وفي إسناده عطية العوفي، وفيه ضعف، وأخرجه ابن أبي الدّنيا في \"المنامات\" (ج ١/ص ١٠) بِمِثْلِ إِسْنَادِ أحمد، وضعّفه الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ٧/ص ١٤١/رقم ٣١٥٢) و\"ضعيف الجامع\" (ج ١/ص ٢٥٨/رقم ١٧٩٤). وقال الهيثميّ في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٢١/رقم ٤٠٧١): رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ رَجُلٌ لَمْ أَجِدْ مَنْ تَرْجَمَهُ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٢/ص ٤١١/رقم ١٤٥٤٠) إسناده قويّ على شرط مسلم.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>تحسين الكفن</span>\nأمر النَّبيُّ - ﷺ - بتحسين الكفن لمن وَلِي ذلك كرامة للميّت ولأهله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ... (٧٠)﴾ [الإسراء]، فالمؤمن مكرّم حيًّا وميّتًا، عن جَابِر - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ (١)، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ\" (٢)، والتّحسين يحمل على الصّفة بعيدًا عن المغالاة في الثّمن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>صفة الكفن</span>\nغُسْلُ المَيِّتِ وَكَفَنُهُ وَتَجْمِيرُهُ كلّ ذلك وِتْرٌ، وصفة الكفن ثلاثة أثواب بيض مِنْ قطن تُلَفّ على الميِّت، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"كُفِّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ سُحُولٍ (قرية باليمن) كُرْسُفٍ (قطن) لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ\" (٣).\nوكفن المرأة ككفن الرّجل، واستحبَّ كثير من أهل العلم أنْ تكفَّن المرأة في خمسة أثواب، واستدلّوا بحديث لَيْلَى ابْنَةِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ (٤)، لكن في سنده ضعف.\n_________\n(١) غَيْرِ كَامِلِ السَّتْرِ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٧/رقم ١٢٧١) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٤) قَالَتْ: \"كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ الله - ﷺ - عِنْدَ وَفَاتِهَا، وَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ الله - ﷺ - الْحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ، قَالَتْ: وَرَسُولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهُ ثَوْبًا ثَوْبًا\". أحمد \"المسند\" (ج ٤٥/ص ١٠٦/رقم ٢٧١٣٥) إسناده ضعيف. وأخرجه أبو داود في \"السّنن\" (ج ٥/ص ٧٠).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>لون الكفن</span>\nالسُّنَّة في الكفن أن يكون أبيض، فخَيْرُ الثّياب الْبَيَاض، ولذلك جاء الأمر للأحياء بِلبْسِ الْبِيضِ مِنَ الثِّيَابِ، وتكفين الموتى بها، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"البَسُوا مِنْ ثِيَابِكُم الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ\" (١).\nهذا ولا يذهب الإنسان من متاع هذه الدُّنيا إلّا بالكفن ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ... (٩٤)﴾ [الأنعام].\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الدّليل على أنّ الكفن من رأس المال وأقلّه ثوب واحد</span>\nذهب جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلى أَنَّ الكَفَنَ مِنْ رَأْسِ المَالِ والحجَّة الواضحة أنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ - ﵁ -، لَمْ يَتْرُكْ إِلَّا بردة قَصِيرَةً كَفَّنَهُ فِيهَا النَّبيُّ - ﷺ - وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَرِيمٍ وَلَا وَارِثٍ ولا وصيَّة، فدلَّ أنَّه مِنْ رَأْسِ مَالِ المَيِّتِ، فلمّا قُتِلَ مُصْعَب بْن عُمَيْرٍ - ﵁ - يَوْمَ أُحُدٍ، قال خَبَّابٌ - ﵁ -: \"فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِر (٢) \" (٣).\nوالحديث دليل على جواز التَّكفين في ثوب واحد للضَّرُورَةِ، ولو لم يكن سابغًا، وأنّه مِنْ أَصْلِ المَالِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ خَبَّابٍ أَنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤/ص ٩٤/رقم ٢٢١٩) صحيح.\n(٢) الإِذْخِر: نَبْتٌ مَعْرُوفٌ طَيِّبُ الرِّيحِ.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٧/رقم ١٢٧٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":115},{"text":"بُرْدَة، قَالَ خَبَّاب - ﵁ -: \"لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ، حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ، وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ\" (١).\nوهناك دليل آخر على أنّ الكفن يكون مِنْ أَصْلِ مَالِ الميِّت، وهو قول النَّبيِّ - ﷺ - في الَّذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ: \"اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>كراهية المغالاة في الكفن</span>\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أنّ أبا بكر - ﵁ - نَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ (أَثَر) مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: \"اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ (٣) \" (٤).\nوقال حُذَيْفَة بْن الْيَمَان - ﵄ -: \"يَكْفِينِي رَيْطَتَانِ بَيْضَاوَانِ لَيْسَ مَعَهُمَا قَمِيصٌ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَنَالَ خَيْرًا مِنْهُمَا أَوْ شَرًّا مِنْهُمَا\" (٥).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٤/ص ٥٥٠/رقم ٢١٠٧٢) إسناده صحيح.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ١٧/رقم ١٨٥١) كتاب جزاء الصّيد.\n(٣) المُهْلَة: صديد المَيِّت.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٢/رقم ١٣٨٧) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٥) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ٣/ص ١٦٣/رقم ٣٠٠٧). وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٢٥/رقم ٤١٠٢): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الدّخول على الميّت إذا أدرج في أكفانه والكشف عن وجهه وتقبيله والبكاء عليه</span>\nبَعْدَمَا قُبِضَ النَّبيُّ - ﷺ -، وأُدرج في أكفانه، جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - ﵁ - على فَرَسِهِ مِنْ مَنْزِله بِالسُّنْحِ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، فدخل المسجد، ثمّ دخل على عائشة - ﵂ - في حجرتها، وقصد النَّبيَّ - ﷺ - وهو مُسَجًّى (مغطّى) بثوب يمانيّ، فَكَشَفَ الثّوب عن وجهه الشَّريف، وقَبَّلَهُ وَبَكَى.\nعن عَائِشَةَ - ﵂ -: \"أنّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَتَيَمَّمَ رَسُولَ الله - ﷺ - وَهُوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، والله لا يَجْمَعُ الله عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ، فَقَدْ مُتَّهَا\" (١).\nفالدّخول على الميّت بعد إدراجه في كفنه، والكشف عن وجهه، وتقبيله والبكاء عليه جائز، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، قَالَ: \"لمَّا قُتِلَ أَبِي (يَوْمَ أُحُدٍ) جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - لا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>أين يقبّل من الميّت</span>؟\nيقبَّل من الميِّت ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وجبهته، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: \"أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ\nعَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ووَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ، وَقَالَ:\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٣/رقم ٤٤٥٢) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٢/رقم ١٢٤٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":117},{"text":"وَانَبِيَّاهْ، واخَلِيلَاهْ، وَاصَفِيَّاهْ\" (١).\nوعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: \"ثُمَّ أَتَاهُ (أبو بكر) مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَحَدَرَ فَاهُ، وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَانَبِيَّاهْ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاصَفِيَّاهْ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ: وَاخَلِيلَاهْ مَاتَ رَسُولُ الله - ﷺ - \" (٢).\nرابعًا: دفن الميّت في البلد الّذي مات فيه:\nويدفن الميّت في الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ؛ لأنّ نقله ينافي أمر النَّبيِّ - ﷺ - في الإسراع بالجنازة، وحديث جَابِرٍ - ﵁ -: \"أَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ حُمِلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله - ﷺ -: أَنْ رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهَا\" (٣).\nولمّا مَاتَ أَخٌ لِعَائِشَةَ - ﵂ - بِوَادِي الْحَبَشَةِ فَحُمِلَ مِنْ مَكَانِهِ، قَالَتْ: \"مَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، أَوْ يَحْزُنُنِي فِي نَفْسِي، إِلَّا أَنِّي وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ دُفِنَ فِي مَكَانِهِ\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>تأخير الجنازة لغرض اجتماع الناس</span>\nيجوز تأخير الجنازة إلى أن يجتمع النَّاس عليها، عن جَابِر - ﵁ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤٠/ص ٣٢/رقم ٢٤٠٢٩) إسناده حسن.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٤٣/ص ٣٥/رقم ٢٥٨٤١) إسناده حسن.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٢٢/ص ٧٧/رقم ١٤١٦٩) إسناده صحيح.\n(٤) البيهقي \"السّنن الكبرى\" (ج ٤/ص ٩٤/رقم ٧٠٧٢) وصحّحه الألباني في \"الأحكام\"\n(ص ١٤).","vol":"1","page":118},{"text":"إِلَى ذَلِكَ\" (١).\nفالدَّفن نهارًا يحضره كثير من النَّاس ويصلّون عليه، ولا يحضره في اللَّيْلِ إلا أفراد قليلون، فنهي النَّبِيِّ - ﷺ - عن الدَّفن ليلًا؛ لمظنّة قلَّة الحاضرين، فيفوته كثرة دعاء المسلمين المرغَّب فيه، وهذه الكثرة من مقاصد الشَّريعة، فهي أدعى لقبول شفاعتهم في الميّت. فلا حرج في تأخير الدَّفن لإعلام النّاس وتكثير المصلّين عليه، فليس هناك تضييق على المسلمين في مسألة الإسراع في الدَّفن أو الإبطاء به، فتأخير الدَّفن أو تعجيله يعود إلى مصلحة الميّت، فإذا كان في التَّأخير نفعٌ للميّت أُخِّر، كأن يشهد جنازته عدد كبير من المسلمين ليُشَفَّعوا فيه، وإن لم يكن هناك مصلحة تدعو إلى تأخيره قُدِّم إلى الدَّفن، والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>الصّحابيّ الّذي أَحْيَاهُ الله تعالى وكلمه مواجهة</span>\nجِيءَ بوالد جابر (عَبْد الله بن عَمْرِو بْن حَرَام الأنصاريّ) - ﵁ - يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فجعل ابنه جابر يكشف الثّوب عن وجه أبيه ويبكي، فلمَّا رآه النَّبيُّ - ﷺ - مُنْكَسِرًا، بشَّره بأنّ الله تعالى أَحْيَا أَبَاه فكَلَّمَهُ كِفَاحًا مُوَاجَهَةً لَيْسَ بَيْنَهُمَا حجابٌ وَلَا رَسُولٌ، وهذه فَضِيلَة لم تُسْمَعْ لغيره من الشُّهَدَاءِ.\nعن جابر - ﵁ -، قال: \"لَقِيَنِي النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بِهِ أَبَاكَ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قَالَ: مَا كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُّ إلا من وراء\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ ٦٥١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":119},{"text":"حجاب، وإنّ الله أحيا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِكَ، قَالَ: تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ قِتْلَةً ثَانِيَةً، قَالَ الله: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ... ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ... [آل عمران] \" (١).\nفإن قيل: كيف يكلمه الله تعالى مواجهة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشّورى].\nفَالْجَوَاب أنَّ الْآيَة مَخْصُوصَة مُقَيَّدة بدار الدُّنْيَا، فالله تعالى لا يكلِّم فيها بشرًا مواجهة، والمراد أنَّ الله تعالى كلَّمه مواجهة بعدما أحياه حياة الشُّهداء، ... قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران].\nفإن قيل كيف استحقّ هذه المنزلة عند الله تعالى، وقد تَرَكَ دَيْنًا وحقوقًا، والشّهادة لا تكَفِّرُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ؟ ! والجواب، أنّه ترك دينًا وترك وراءه وفاءً له كما بيَّنته أحاديث أخرى، وكان بنيّته الوفاء بدينه، فقد أوصى ابنه جابرًا - ﵁ - أن يقضي عنه دينه، قال: \"فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا\" (٢).\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ١٥/ص ٤٩٠/رقم ٧٠٢٢) إسناده جيّد.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٣/رقم ١٣٥١) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الشّهيد يغفر له كلّ ذنب إلا الدّين</span>\nيَتَجَاوَزُ الله - ﷻ - عَمَّنْ قُتِلَ في سبيله خَطَايَاهُ كلّها إِلَّا الدَّيْنَ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ\" (١). ذلك أنّ الدَّين من حقوق العباد، وحقوق العباد مَبْنَاهَا على المُشَاحَّةِ، أمّا حقوق الله تعالى فمَبْنِيَّة عَلَى المُسَاهَلَةِ، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران].\nقَالَ رَجُلٌ: \"يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ الله، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - قَالَ لِي ذَلِكَ\" (٢).\nفالشَّهادة لا تكفّر حُقُوق الآدَمِيِّينَ وكذلك سائر الأعمال الصّالحة، فلا بدّ من إبْرَاءِ الذِّمَّةِ وأداء الدَّين والتَّوبة النَّصوح، أو أن تكون مسامحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>مَن يؤدّي الله تعالى عنه دينه</span>\nلكن إذا كان المسلم يُرِيدُ قَضَاءَ دَيْنِهِ وفي نَفْسِهِ الوَفَاء، ومَاتَ قَبْلَ أن يَفِيَ بِهِ، وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَفَّاهُ اللهُ تعالى عَنْه، وأرضى خصماءَه، ولَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥٠٢) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.\n(٢) المرجع السّابق.","vol":"1","page":121},{"text":"إنْ شَاءَ الله تعالى، فالأمور بمقاصدها، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ - ﵂ -، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ: \"مَنْ اسْتَدَانَ دَيْنًا، يَعْلَمُ اللهُ - ﷿ - مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ، أَدَّاهُ اللهُ عَنْهُ\" (١).\nخامسًا: المبادرة إلى قضاء دين الميّت:\nأمر الله تعالى بأَدَاءِ ما يتعلّق بالذِّمَّة إلى أهلها، كالدُّيُونِ وغيرها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... (٥٨)﴾ [النّساء]، ولذلك يجب الإِسراع والتَّعجيل في قضاء دين الميّت، سواء كان هذا الدَّين لله تعالى أو للعباد، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"لَا تَزَالُ نَفْسُ ابْنِ آدَمَ مُعَلَّقَةً بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ\" (٢) والحديث فيه حثّ لِلْوَرَثَةِ عَلَى المبادرة إلى قَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ.\nومعنى معلّقة أَيْ مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ، ولأحمد عَنْ سَمُرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: ... \"إِنَّ صَاحِبَكُمْ مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>انتفاع الميت بقضاء دينه</span>\nعَنْ سَعْدِ بْنِ الْأَطْوَلِ، قَالَ: مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِئَةِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ وَلَدًا صِغَارًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، فَاذْهَبْ، فَاقْضِ عَنْهُ\" (٤). وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدبٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ - ذَاتَ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤٤/ص ٤١٩/رقم ٢٦٨٤٠) صحيح بشواهده.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٦/ص ٣٥٢/رقم ١٠٥٩٩) حديث صحيح.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٣/ص ٣١٠/رقم ٢٠١٢٤) إسناده صحيح.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٢٨/ص ٤٦٣/رقم ١٧٢٢٧) حديث صحيح.","vol":"1","page":122},{"text":"يَوْمٍ فَقَالَ: \"هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟ فَنَادَى ثَلَاثًا لَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي مَاتَ بَيْنَكُمْ قَدِ احْتُبِسَ عَنِ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ الله\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>من مات وعليه دين ولم يقض عنه أخذ من حسناته</span>\nعلى المسلم قَضَاءُ دينه متى حلَّ أجله قبل أن يحين أجله، فمَنْ أخَّر حقًّا للعباد ثمّ مات ولم يُقْض دينه ولم يكن بنيّته قضاؤه أُخِذَ يوم القيامة من حسناته، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ خَطَايَا صاحب الحقّ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: ... \"وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلَا بِالدِّرْهَمِ، وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ\" (٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ\" (٣).\n_________\n(١) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٢/ص ٣٠/رقم ٢٢١٤) وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وصحّحه الألبانيّ في \"الأحكام\" (ص ١٥).\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٩/ص ٢٨٣/رقم ٥٣٨٥) إسناده صحيح.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩٩٧) كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ.","vol":"1","page":123},{"text":"فمن اقترض من عِرْض أخيه المسلم شيئًا بِسَبٍّ أو غيبة أو حقّ أو غيره، أو كَانَتْ لأَخِيه عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ مِنْ دمِهِ أو ماله أو عِرْضِهِ أو أرضه، فليسأله أن يجعله في حلٍّ منها، وليطلبه ببراءة ذمَّته مِنْ تَبِعَاتِها، وليقل لأخيه: بِعْنِي مَظْلَمَتَكَ، أو ردّها عليّ لتكون قِصَاصًا، فلا أريد أن ألقى الله ظالمًا.\nوإعادة الحقوق بأدائها إلى أهلها، أو استحلالهم منها، وطلب العفو والمغفرة أمر ممكن في الدّنيا، أمّا فِي الْآخِرَةِ فإنّ أهْلَ الحقوق أَشَدُّ تَقَاضِيًا؛ لما يرون من الأهوال، فلا يفرِّط أحد بحقّ له، وهو يعلم أنّه سيأخذ من الحسنات في ذلك اليوم، أو يتحلّل من السَّيِّئَاتِ؛ فمن أدّى أو أرضى في الدّنيا، فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن أعرض وأبى، فقد أودى بنفسه وهوى.\nفإذا علمت أنَّ التَّقاضي والتَّقَاصَّ في الدِّماء والأموال والأعراض يوم القيامة بالحسنات والسَّيِّئات، علمت لِمَ حذَّر النَّبيُّ - ﷺ - منها: \"كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ\" (١)، فإيّاك وحمل المظالم، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ [طه].\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ\" (٢).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩٨٦) كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ١٢٩/رقم ٢٤٤٩) كِتَاب المَظَالِم.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>قصاص المظالم يوم القيامة على قنطرة بين الجنة والنّار</span>\nمَظَالِمُ الْعِبَادِ لا يغفرها الله تعالى يوم القيامة، فلا بدَّ من القصاص، فالمظلوم يلقى ظالمه، ويأخذ منه حَقَّه وافِرًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزّمر]. فالمؤمنون إِذَا خَلَصَوا مِنَ النَّارِ، وجَازُوا الصِّرَاط، فإنّه يحبس منهم ويوقف مَنْ كان عليه مظالم للمؤمنين على قنطرة بَين الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ ويأخذ كلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّه، يعطي الظّالم من حسناته، أو يحمل عن المظلوم من أوزاره وسيّئاته.\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ -، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا\" (١). وَالمُرَادُ بِالمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لا كلّهم، فهناك طَوَائِف مِنَ المؤمنين يدخلون الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>حكم إحالة دين الميّت والصّلاة عليه</span>\nلا شَكَّ أنَّ إحالة دَيْن المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ تجوز، عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَالَ: \"تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ الله - ﷺ - يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطىً، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: حَقُّ الْغَرِيمُ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا المَيِّتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: مَا فَعَلَ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ١٢٨/رقم ٢٤٤٠) كِتَابُ المَظَالِم.","vol":"1","page":125},{"text":"الدِّينَارَانِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ، قَالَ: فَعَادَ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ\" (١).\nهذا وقد صَلَّى النَّبيُّ - ﷺ - عَلَى مَنْ مات وعَلَيْهِ دَيْنٌ وقضى عنه دينه بَعْدَ أَنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِن الصَّلَاةِ عليه، وذلك بعد أن فَتَحَ الله تعالى عَلَيْهِ الْبِلَادَ وَكَثُرَت الْأَمْوَالُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ\" (٢).\nفمَنْ كان عليه دين مِنَ الصَّحابة ويُرِيدُ أَدَاءَهُ، فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّهِ قضى عنه دينه النَّبِيُّ - ﷺ -؛ حرصًا منه - ﷺ - على إبراء ذمّته وحسن عاقبته، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٦)﴾ [الأحزاب]، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَلْيَأْتنِي فَأَنَا مَوْلاهُ\" (٣). وقال - ﷺ -: \"مَنْ حَمَلَ مِنْ أُمَّتِي دَيْنًا، ثُمَّ جَهَدَ فِي قَضَائِهِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَأَنَا وَلِيُّهُ\" (٤).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٢/ص ٤٠٦/رقم ١٤٥٣٦) إسناده حسن.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ٩٧/رقم ٢٢٩٨) كتاب الكفالة.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ١١٨/رقم ٢٣٩٩) كِتَاب فِي الِاسْتِقْرَاضِ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٤٢/ص ١١٨/رقم ٢٥٢١١) حديث صحيح.","vol":"1","page":126},{"text":"ولذلك من مات وعليه دين، لزم ولي الأمر قضاء دينه إن كان قد جَدَّ في قضائه، فإن تطوَّع أهله أو من يتحرّون أمره وقضوا عنه دينه جاز.\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>متى تبرأ ذمّة الميّت بعد إحالة الدّين عنه</span>؟\nيصِحّ إحالة دَيْنِ المَيِّتِ كما تقدّم، لكن لا بدّ من موافقة صاحب الدَّين على الإحالة، ويستحبّ لصاحب الدَّين أن يقبل الإحالة إن لم يكن هناك مانع، كمعرفته بأنَّ الضَّامن لِدَيْن الميّت عاجز عن السَّداد، أو لا يفي بدينه، أمّا إذا كان الضَّامن قادرًا على قضاء الدَّين وصادقًا، فإنّه يستحبّ ألّا يردّه، قال النَّبيُّ - ﷺ -: ... \"وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ\" (١).\nكما ويلزم مَنْ أحيل عليه الدَّين الوفاء بقضاء الدَّين عن الميّت، حتَّى تبرأ ذمَّة الميّت، فإنّما تبرأ ذمّة الميِّت بأداء دينه لا بمجرد ضمانه، لقوله - ﷺ - لأبي قَتَادَة بعد\nأن قضى عن الميّت دينه: \"الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>من الحقوق التي تعقب وفاة أحد الزوجين</span>\nمن هذه الحقوق مِيرَاثُ الرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ وَالمَرْأَة مِنْ زَوْجِهَا، فالزَّوج يَسْتَحِقُّ النّصف من مال زوجته إذا توفّيت ولم يكن لها ولد منه أو من غيره، فإن كان لها ولد فله الرّبع، من بعد إخراج الوصيّة إن أوصت بثلث مالها أو بشيء من مالها، وسداد الدّين إن كان عليها دين، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... (١٢)﴾ [النّساء].\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ٩٤/رقم ٢٢٨٨) كِتَاب الحَوَالاتِ.","vol":"1","page":127},{"text":"وأمّا الزّوجة فلها ربع مال زوجها إن مات ولم يترك أولادًا منها أو من غيرها، ولها الثّمن إن ترك أولادًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... (١٢)﴾ [النّساء].\nهذا وإن كان له غير زوجة ولم يكن له ولد فلهنّ الرّبع يشتركْنَ فيه بالتّساوي، وإن كان له ولد فلهنّ الثّمن يشتركن فيه.\nومن الحقوق أن تمكث المرأة في بيت زوجها بعد وفاته أربعة أشهر وعشر ليال لا تتزوج ولا تخطب، ولا تتزيّن، ولا تمسّ طيبًا، ولا تخرج في غير حاجة حتّى تنقضي عدتها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٢٣٤)﴾ [البقرة].\nإلا أن تكون حاملًا فإن عدّتها تنقضي بوضع حملها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤)﴾ [الطّلاق]، ولحديث سُبَيْعَة - ﵂ -: \"أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ، إِنَّكِ وَالله، مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ","vol":"1","page":128},{"text":"وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي\" (١).\nومن الحقوق حفظ الجميل والعهد والودِّ حتَّى بعد الوفاة، وإكرام وصلة أصدقاء الزَّوج المتوفَّى وصدائق الزَّوجة المتوفّاة، ولنا في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ\" (٢).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ١١٢٢) كتاب الطّلاق. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ في آخر حديثه عند مسلم: «فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ» قال ابن حجر: وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. \"فتح الباري\" (ج ٩/ص ٤٧٥).\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ٣٨/رقم ٣٨١٨) كتاب مناقب الأنصار.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>القسم السابع\nرحلة الرّوح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>الفرق بين النّفس والرّوح</span>\nالَّذِي عليه أكثر أهل العلم أنَّ النَّفْسَ وَالرُّوحَ شَيْءٌ وَاحِد؛ لما ورد من إطلاق أحدهما على الآخر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ... (٩٣)﴾ [الأنعام]، والمراد بالأنفس الأرواح.\nوعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"قُبِضَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَرَأْسُهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، قَالَتْ: فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ، لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا\" (١)، تريد روحه.\nوعن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -، قال: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَلَمْ تَرَوُا الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ\" (٢)، أي روحه.\nوممّا يحتجُّ به على أنَّ النَّفس وَالرّوح بِمَعْنىً قولُ بِلَال - ﵁ -: \"أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله- بِنَفْسِكَ\" (٣).\nلكن المسألة لا تخلو من خلاف، فقد قَالَ آخَرُونَ النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، والخلاف فيها شهير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>سكرة الموت</span>\nيمرُّ الإنسان في رحيله من الدُّنيا إلى عالم البرزخ بشدَّة تعقبها شدَّة، وأوَّلُ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤١/ص ٣٩١/رقم ٢٤٩٠٥) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣٥) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٤٧١) كِتَابُ المَسَاجِدِ.","vol":"1","page":130},{"text":"هذه الشَّدائد سكرةُ الموت، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق]، فقد استعير لفظ السَّكرة لهول الموت وشدَّته. وهناك آيات أُخَر تصوِّر شدَّة الموت، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ... (٩٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة]، وقال تعالى: ﴿... كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة].\nوقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... (٥٧)﴾ [العنكبوت]، أي كلّ نفس تحسُّ بشدَّة الموت عند الاحتضار. ولفظة (ذائقة) فيها استعارة تصْرِيحِيَّة تبَعِيَّة، فقد شبَّه طعم الموت المرّ عند الاحتضار، بطعم الشَّراب المرّ الّذي يتجرّعه الإنسان، واستخدم المشتقّ اسم الفاعل (ذائق)، وعدل عن الفعل (تذوق) للدَّلالة على التَّحقُّق.\nولمّا مرض النَّبيُّ - ﷺ - مرض الموت كان عنده عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: \"لا إِلَهَ إِلَّا الله، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ\" (١).\nوهذا يدلّك على شدَّة كان يعالجها النَّبيُّ - ﷺ -، فإذا كان هذا حاله - ﷺ -؛ فاللَّهُمَّ أعنَّا على مَا بَين أَيْدِينَا، أَعِنَّا عَلَى سَكَرَات المَوْت يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ!\nوخير زاد نواجه به الشَّدَائِد أن نحفظ حدود الله تعالى، قال النَّبيُّ - ﷺ - ... لابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - يَوْمًا: \"يَا غُلامُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ،\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٣/رقم ٤٤٤٩) كِتَابُ المَغَازِي.","vol":"1","page":131},{"text":"يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ... \" (١).\nفمن حفظ الله تعالى في صحته حفظه الله تعالى في مرضه، ومَنْ تعرَّف عليه سبحانه في الرَّخاء عرفه الله تعالى في الشِّدَّةِ. وخلاصة الخلاصة من أراد أن يكون في حفظ الله تعالى وأن يأتيَه بقلب منيب، فعليه أن يحفظ حدوده، وحفظ حدود الله تعالى يكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فعل ذلك فَهُوَ مِنَ الْحَافِظِينَ لِحُدُودِ الله تعالى، الَّذِينَ مَدَحَهُمُ بقوله - ﷿ -: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق].\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الموت راحة للمؤمن</span>\nممَّا يدلُّ على استراحة المؤمن بالموت أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: \"مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ الله ... \" (٢) الحديث.\nولذلك كان من دعاء النَّبِيِّ - ﷺ -: \"وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ\" (٣)، اللَّهُمَّ اجعل الموت راحة لنا، ولقِّنا منك رحمة ورضوانًا، وعفوًا وغفرانًا.\nوممّا يحتجُّ به ما جاء في روح المؤمن إذا فاضت إِلَى بَارِئِهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \" حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٥/ص ١٩/رقم ٢٨٠٣) حديث صحيح.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٠٧/رقم ٦٥١٢) كِتَابُ الرِّقَاقِ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٨٠٧) كتاب الذِّكْرِ.","vol":"1","page":132},{"text":"الدُّنْيَا ... \" (١) الحديث. وممّا يستدلّ به على استراحة المؤمن بالموت، قول النَّبِيِّ - ﷺ - لفاطمة -﵍-: \"لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا، المُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ساعة الموت وأنّ من مات قامت قيامته</span>\nساعةُ كلّ حيّ موته، فإذا مات قَامَتْ قِيَامَتُهُ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ جُفَاةً، يَأْتُونَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: \"إِنْ يَعِشْ هَذَا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ\" (٣)، أي موتكم. فأرشدهم النَّبيُّ - ﷺ - إلى حسن الاستعداد وَالتَّزَوُّدِ ليوم المعاد، وأنّ مَنْ مات حان حينُه وقامت ساعتُه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الملائكة الموكلة بنزع الأرواح</span>\nوَكَّلَ اللهُ تعالى ملكَ الموتِ بنزع الأرواح، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السّجدة]. ولملك الموت أعوان من الملائكة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ... (٩٧)﴾ [النّساء]، وقال\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٢٨٤/رقم ٣٠١٤) إسناده صحيح.\n(٢) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٢/ص ٥٥٢/رقم ١٦٢٩) إسناده حسن.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٨/ص ١٠٧/رقم ٦٥١١) كتاب الرّقاق.","vol":"1","page":133},{"text":"تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ [النَّازعات].\nوإسناد التَّوَفِّي إلى ملك الموت وأعوانه يفسِّر اتَّفَاقَ مَوْت النّفوس فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ في المشارق والمغارب، والأمر كلّه بمشيئة الله تعالى، ولذلك أَسْنَد التَّوَفِّي لنفسه، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ... (٤٢)﴾ [الزّمر].\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>نزول الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ بالبشرى على المؤمنين والوعيد على الكافرين</span>\nلأولياء الله تعالى المتَّقين بشائرُ من ربِّهم ولله الحمد، منها ما هو في الحياة الدُّنيا كالرُّؤيا الصَّالحة، سَأَل عُبَادَةُ بْن الصَّامِت - ﵁ - رَسُولَ الله - ﷺ - عَنْ قَوْلِهِ ﵎: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ... (٦٤)﴾ [يونس]، فَقَالَ: \"هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ\" (١).\nومنها ما هو عِنْدَ المَوْتِ، فالملائكة تنزل على المؤمنين ساعة الاحتضار تبشّرهم بالجنَّة والرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصّلت]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النّحل]، وقَالَ تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر].\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٧/ص ٣٦١/رقم ٢٢٦٨٧) صحيح لغيره، وصححّه الألبانيّ بمجموع طرقه في \"الصّحيحة\" (ج ٤/ص ٣٩١/رقم ١٧٨٦).","vol":"1","page":134},{"text":"ومنها ما هو في الحياة الآخرة، فلهم البشرى من الله تعالى بحسن الثَّواب والنَّعيم المقيم في الجنَّة، ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التّوبة].\nولهم البشرى من الملائكة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد].\nفإذا دخلوا الجنَّة دخلت الملائكة عليهم من أبوابها الثَّمانية مبشِّرة بالسَّلامة، قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرّعد]. أمّا الكفَّار فلا بشرى لهم في لُجَجِ الموت وغمراته، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى\nإِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ [محمّد]. ولا بشرى لهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ... (٢٢)﴾ [الفرقان]. فاذكر يَوْمًا يَجِيئُكَ فيه الْبَشِيرُ مِنَ الله تعالى إِمَّا بِرِضَاه وَإِمَّا بِغضبه وسَخَطِهِ!","vol":"1","page":135},{"text":"وقد يسأل سائل ويقول قائل: متى يَرَى المَلَائِكَةَ مَنْ مات فَجْأَةَ؟ وكيف يراهم مَنْ مات غريقًا أو حريقًا؟ والجواب أنَّ الله تعالى قادر لَا يعجزه شَيْء، وقدرته أعظم من هذا، وَلَسْنا مكلَّفين فِي الاطِّلاع على ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المؤمن عند الوفاة إذا بشّر برضوان الله كان المَوت أحب إليه من الحَيَاة </span>بخلاف الكافر\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله، أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله، كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله أَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوْتَ، فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ الله وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ، أَحَبَّ لِقَاءَ الله، فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ الله وَسَخَطِهِ، كَرِهَ لِقَاءَ الله، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المؤمن إذا فاضت روحه لا يسرها أن ترجع ولو أنّ لها الدنيا وما فيها إلا الشّهيد</span>\nاعلم أنَّ نفس المؤمن إذا فاضت لَا تُحِبُّ الرُّجوع إلى الدُّنيا ومُلابَسَتها، وَلو أنَّ لَهَا الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا لما ترى من الخير، إلاَّ الشَّهيد، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ غير مرّة لمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ.\nقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ الله خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ\" (٢).\nفالموت خير للمؤمن وإن كان في ظاهره شرًّا، قال عَبْد الله بن مَسْعُودٍ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٠٦٥) كتاب الذِّكْرِ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٤٩٨) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.","vol":"1","page":136},{"text":"- ﵁ -: \"وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا مِنْ نَفْسٍ حَيَّةٍ إِلَّا المَوْتُ خَيْرٌ لَهَا إِنْ كَانَ بَرًّا؛ إِنَّ الله - ﷿ - يَقُولُ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران]. وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا; فَإِنَّ الله - ﷿ - يَقُولُ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ... (١٧٨)﴾ [آل عمران] \" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>تمنّي من غُفر له وأكرم أن يعلم قومه</span>\nأخبر الله تعالى أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ تمنَّى بعد أن قُتِلَ وأدخل الجنَّة أَنْ يُعْلِمَ قَوْمَهُ بِمَا غفر الله تعالى له وأَكْرَمَهُ بِهِ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ [يس].\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>تمني الكافر أن يرجع إلى الدّنيا إذا حضره الموت</span>\nأمّا الكافر إذا حضرته الوفاة تمنّى أن يُرَدَّ إلى الدّنيا ليشهد أن لا إله إلّا الله، ويعمل غير الّذي كان يعمل، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، فَطُوبَى لِمَنْ شرح الله تعالى بِالْإِسْلَامِ صَدْرَهُ، ثمَّ طوبى لِمَنْ دَانَ نَفْسَهُ قبل أفول شمسه، وتَأَهَّبَ قَبْلَ الْفَوْتِ بالموت.\n_________\n(١) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ٩/ص ١٥١/رقم ٨٧٥٩)، قال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ١٠/ص ٣٠٩/رقم ١٨٢١١): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ، وَرِجَالُ أَحَدِهِمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ. وأخرج نحوه الحاكم في \"المستدرك\" (ج ٢/ص ٣٢٦/رقم ٣١٦٨) وقال: هذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ووافقه الذّهبي.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>تمنّي عصاة المؤمنين الرّجعة</span>\nوليس سؤال الله تعالى الرّجعة يختصّ بالكافر، وإنّما يتعدَّاه إلى المؤمن المقصّر المفرِّط في جنب الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون].\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>حَبَّذَا الْمَكْرُوهَانِ الموت وقلة المال</span>\nقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: المَوْتُ، وَالمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ المَالِ، وَقِلَّةُ المَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>موت الفجأة</span>\nموتُ الفجأة من آثار غضب الله تعالى في حَقِّ الكافر، قال تعالى: ... ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف]، وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ -، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \" مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَف\"، وَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (٢). وقوله: \"أخذةُ أسف\" أي أخذةُ سخط وغضب، وهو مستفاد من قوله\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٣٦/رقم ٢٣٦٢٥) إسناده جيّد.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٩/ص ٤٤٥/رقم ١٥٤٩٦) إسناده صحيح، وصحّحه الألباني في \"المشكاة\" (ج ١/ص ٥٠٥) من رواية أبى داود والبيهقي.","vol":"1","page":138},{"text":"تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ... (٥٥)﴾ [الزّخرف].\nأمّا المؤمن فموته راحة على كُلِّ حَالٍ وَوَجْه إذا مات على الإيمان، عَنْ ... أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ -، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: ... \"مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ الله، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ\" (١).\nوهذا الحديث رواه الشَّيخان وغيرهما، والطَّريف أنَّ البيهقي رواه في كتاب الجنائز، وبوَّب عليه (باب في موت الفجاءة) ولعلَّه يستشهد به على أنَّ الموت رَاحَة للمؤمن بغتة كان أو غيره.\nوروى ابن أبي شيبة عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود - ﵁ -، وَعَائِشَةَ - ﵂ -، بإسناد صحيح، قَالَا: \"مَوْتُ الْفُجَاءَةِ رَأْفَةٌ بِالمُؤْمِنِ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ\" (٢).\nومّما يستدلُّ به على عدم كراهة موت الفجأة ما رواه البخاريّ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: \"إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْهَا\" (٣)، فلم يظهر منه - ﷺ - كراهة لمّا أخبره الرَّجل أنَّ أمَّه ماتت فجأة.\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٠٧/رقم ٦٥١٢) كِتَابُ الرِّقَاقِ.\n(٢) ابن أبي شيبة \"مصنّف ابن أبي شيبة\" (ج ٣/ص ٤٨/رقم ١٢٠٠٧) وإسناده صحيح موقوفًا، كذا قال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ٢٦).\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ٨/رقم ٢٧٦٠) كِتَابُ الوَصَايَا.","vol":"1","page":139},{"text":"وَأَمَّا الْحَدِيث: \"إِنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ تَخْرُجُ رَشْحًا، وَلَا أُحِبُّ مَوْتًا كَمَوْتِ الْحِمَارِ، قِيلَ: وَمَا مَوْتُ الْحِمَارِ؟ قَالَ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ\" (١) فَضَعِيف، بَيَّنَ الهيثمي وَغَيْرُهُ\nضَعْفَهُ. قلت: وفي اللّسان \"يُقَالُ لموتِ الفَجْأَةِ: الموتُ الأَبْيَضُ والجارِفُ، والفاتِلُ\" (٢) ويُقَالُ له: \"مَوْتُ الْعَافِيَةِ\" (٣) لا مَوْت الْحِمَارِ.\nوأمّا حديث أنّ النَّبيَّ - ﷺ - مَرَّ بِجِدَارٍ أَوْ حَائِطٍ مَائِلٍ، فَأَسْرَعَ المشْيَ، فَقِيلَ لَهُ:\nفَقَالَ: \"إِنِّي أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَوَاتِ\" (٤) أي الفجأة، فإسناده أضعف.\nأمّا حديث: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَعَوَّذُ مِنْ مَوْتِ الفَجْأَةِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُمَرَّضَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ\" (٥) فموضوع.\n_________\n(١) الطّبراني \"المعجم الأوسط\" (ج ٦/ص ٩٤/رقم ٥٩٠٢) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٢/ص ٣٢٥/رقم ٣٩٢٧): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَفِيهِ حُسَامُ بْنُ مِصَكٍّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وضعّفه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (ج ٢/ص ٤١٠/رقم ١٤٨٨) وقال: لا يصحّ، وضعّفه الألباني في \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٢٣٤/رقم ٩٨٠).\n(٢) ابن منظور \"لسان العرب\" (ج ١٠/ص ٣١٢).\n(٣) إبراهيم بن ناصف \" نجعة الرائد\" (ج ١/ص ١٩٣).\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ١٤/ص ٣٠٢/رقم ٨٦٦٦) إسناده ضعيف جدًّا، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٢/ص ٣١٨/رقم ٣٨٨٦): رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.\n(٥) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ٨/ص ١٣٢) فِيهِ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، كذا قال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٢/ص ٣١٨/رقم ٣٨٨٢). وقال الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ١٢/ص ٧٦/رقم ٥٥٤٩): موضوع.","vol":"1","page":140},{"text":"وما روي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - اسْتَعَاذَ مِنْ سَبْعِ مَوْتَاتٍ: مَوْتِ الفُجَاءَةِ ... \" (١) فضعيف.\nهذا وظهور موت الفجأة يعدُّ من علامات اقتراب السَّاعة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - - رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - - قَالَ: \"مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ يُرَى الْهِلَالُ قَبَلًا، فَيُقَالُ: لِلَيْلَتَيْنِ (٢)، وَأَنْ تُتَّخَذَ المسَاجِدُ طُرُقًا، وَأَنْ يَظْهَرَ مَوْتُ الفُجَاءَةِ\" (٣)، والمراد بالظّهور وقوعه بكثرة، وإلَّا فموت الفجأة كان في عهده - ﷺ -.\nوقَدْ كره مَوْتَ الْفَجْأَةِ بعض أهل العلم، وقال آخرون هو مَحْبُوبٌ لِلْمُرَاقِبِينَ، وهو كذلك؛ فمن الصَّالِحِينَ مَنْ مَات فجأة، ومنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ... أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵄ -، قال الحافظ: \"وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكَّة، فحمل إلى مكَّة ودفن بها، ولما بلغ عائشة - ﵂ - خبره خرجت حاجَّة فوقفت على قبره فبكت، ثم قالت: لَوْ حَضَرْتُكَ دَفَنْتُكَ حَيْثُ مُتَّ، ولما بكيتك\" (٤).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ١٦٨/رقم ٦٥٩٤) إسناده ضعيف، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (ج ٢/ص ٣١٨/رقم ٣٨٨٤): رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالْطَبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَفِيهِ كَلَامٌ.\n(٢) أي مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الْأَهِلَّةِ، حتّى يَرَى الرَّجُلُ الْهِلَال ابْن لَيْلَةٍ يَحْسِبُهُ لِلَيْلَتَيْنِ.\n(٣) الطّبراني \"المعجم الأوسط\" (ج ٩/ص ١٤٩/رقم ٩٣٧٦). ضعّفه الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٧/ص ٣٢٥/رقم ١٢٤٤١)، وحسَّنه الألباني بشواهده في \"الصّحيحة\" (ج ٥/ص ٣٦٧/رقم ٢٢٩) و\"صحيح الجامع\" (ج ٢/ص ١٠٢٦/رقم ٥٨٩٩).\n(٤) ابن حجر \"الإصابة\" (م ٢/ص ١٦٩/رقم ٥١٤٣).","vol":"1","page":141},{"text":"ورحم الله الإمام البخاري حيث قال:\nاغْتَنِمْ فِي الْفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةْ\nكَمْ صَحِيحٌ رَأَيْتُ مِنَ غَيْرِ سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَةْ\n\nقال الحافظ: \"كَانَ من الْعَجَائِب أَنه هُوَ وَقع لَهُ ذَلِك أَو قَرِيبًا مِنْهُ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>صفة خروج نفس المؤمن والكافر</span>\nعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - رَفَعَهُ، قَالَ: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ تَخْرُجُ رَشْحًا، وَنَفَسَ الْكَافِرِ تَخْرُجُ مِنْ شِدْقِهِ، كَمَا تَخْرُجُ نَفْسُ الْحِمَارِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>ما يُعْمَل بروح المؤمن إذا قبض وما يلقى من كرامة وطلبه قيام السّاعة ليرجع إلى أهله</span>\nعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ -، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ:\n\" اسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ\n_________\n(١) ابن حجر \"فتح الباري\" (ص ٤٨١) المقدّمة: ذكر سيرته.\n(٢) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ١٠/ص ١٨٩)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٢/ص ٣٢٣): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وحسّنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (ج ٢/ص ٩١٥)، و\"الصّحيحة\" (ج ٥/ص ١٨٤/رقم ٢١٥١).","vol":"1","page":142},{"text":"الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ - ﵇ - حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلأ مِنَ المَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ،\nفَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الله، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ","vol":"1","page":143},{"text":"إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>ما يعمل بروح الكافر إذا قبض</span>\nقَالَ: \"وَإِنَّ الْعَبْدَ الكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ المُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ الله وَغَضَبٍ، قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ (٢) مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ المُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الملَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله - ﷺ -:\n﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ... (٤٠)﴾ [الأعراف]، فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج].\nفَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٤٩٩/رقم ١٨٥٣٤) إسناده صحيح، رجاله رجال الصّحيح.\n(٢) حَدِيدَةٌ ذَاتَ شُعَب مُعَقَّفَة يُشْوى بِهِ اللَّحْمُ.","vol":"1","page":144},{"text":"لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>في اجتماع الموتى إلى الميت وسؤالهم إياه</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِذَا حُضِرَ المُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ الله، وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ، حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يقْدمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ.\nوَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ (٢) فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ الله - ﷿ -، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، حَتَّى يَأْتُونَ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٤٩٩/رقم ١٨٥٣٤) إسناده صحيح، رجاله رجال الصّحيح.\n(٢) كساء خشن من شعر أو صوف.","vol":"1","page":145},{"text":"بِهِ بَابَ الْأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ\" (١).\nوأخرج الحاكم وغيره من حديث أبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، في ذكر خروج الرّوح، وقال في روح المؤمن: \"حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَلَهُمْ أَفْرَحُ بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَيَسْأَلُونَهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ ... \" (٢) الحديث، فالأرواح تعرف بَعْضُهَا بَعْضًا بَعْدَ مَوْتِ أَجْسَامِهَا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>رحلة الرّوح بعد نزعها</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ المُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا - قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ - قَالَ: وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى الله عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ - ﷿ -، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ. قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ - قَالَ حَمَّادٌ وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْنًا - وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ. قَالَ فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ الله - ﷺ - رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْفِهِ، هَكَذَا (٣) \" (٤).\n_________\n(١) النّسائي \"سنن النّسائي\" (ص ٢٩٦/رقم ١٨٣٣) إسناده صحيح، وصحّحه الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ٣/ص ٢٩٣/رقم ١٣٠٩)، و\"صحيح الجامع\" (ج ١/ص ١٤٦).\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٤٦٣/رقم ١٣٣٣)، وصحّحه الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٣/ص ٢٩٣/رقم ١٣٠٩).\n(٣) لعلَّه - ﷺ - ردَّ ثَوْبَه على أَنْفِه على سبيل التّمثيل لِما ذَكَرَ مِنْ نَتْنِ رِيحِ رُوحِ الْكَافِرِ.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٠٢) كتابُ الْجَنَّةِ.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الزّجر عن سبّ الموتى والوقوع فيهم والعلّة من ذلك</span>\nينبغي للمسلم أن يمسك عن مساوئ الموتى، وأن يذكرهم بِمَا يَعْلَمُ مِنْ محاسنهم، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ\" (١).\nوالعلَّة الَّتي من أجلها أمر النَّبِيُّ - ﷺ - بالكفِّ عنهم بيِّنة في قوله - ﷺ -: \"لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا\" (٢)، وقوله - ﷺ -: \"لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ\" (٣).\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٢٨٨/رقم ٣٠١٨) وإسناده صحيح.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٤/رقم ١٣٩٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) أحمد المسند (ج ٣٠/ص ١٥٠/رقم ١٨٢٠٩) وإسناده صحيح على شرط الشّيخين.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>القسم الثامن\nالحزن والبكاء</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الحزن في القرآن منهيّ عنه أو منفيّ</span>\nما جاء الْحُزْنُ فِي كتاب الله تعالى إِلَّا مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ مَنْفِيًّا، فمن المَنْهِيّ عَنْهُ قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ... ... (١٣٩)﴾ [آل عمران]، وَقَوْله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ... (١٧٦)﴾ [آل عمران]، وَقَوْله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة]، وَقَوْله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة]، وَقَوْله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ... (٤٠)﴾ [التّوبة]، وَقَوْله: ... ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ... (٦٥)﴾ [يونس]، وَقَوْله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الحجر]، وَقَوْله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النّحل]، وَقَوْله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ... (٣٣)﴾ [العنكبوت]، وَقَوْله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ... (٢٣)﴾ [لقمان]، وَقَوْله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ... (٨)﴾ [فاطر]، وَقَوْله: ... ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ... (٧٦)﴾ [يس].\nومن النَّهي أَيْضًا قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشّعراء]، فقد جاءت (لعَلَّ) مُضَمَّنَةً مَعْنَى النَّهي عن الحزن عليهم كما يدلّ السّياق.","vol":"1","page":148},{"text":"وَمن المَنْفِيّ قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة]، وَقَوْله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ... (١٥٣)﴾ [آل عمران] وَقَوْله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران]، وَقَوْله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس]، وَقَوْله: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾ [الزّمر].\nوالحزن لا يقع باختيار الإنسان، فالنَّهي عن الحزن على الحقيقة المراد به النّهي عمَّا يورث الحزن ويجدّده ويعظّم شأنه، أي النّهي عن طلبه والإغراق فيه لما يسبّبه من ضرر.\nوأكثر ما يبعث الحزن التَّذكُّر والتَّأسّف، فهذا سيّدنا يعقوب - ﵇ - ابيضَّت عيناه من تَجَدُّدِ الحزن ومعاودة الحنين، قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ ... [يوسف].\nفالحزن ليس محظورًا؛ لأنّه أَمْرٌ ليس اختيارًا، وهناك مواقف حزن فيها النَّبيُّ - ﷺ - وبكى، فلمَّا مات ابنه إبراهيم - ﵇ -، قال - ﷺ -: \"إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ\" (١). وقد صبر النَّبيُّ - ﷺ - على وفاة أبنائه، فقد ماتوا جميعًا في حياته عدا فاطمة -﵍-، فإنّها توفيت بَعْدَه بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كما ثبت في الصَّحيح.\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٣/رقم ١٣٠٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":149},{"text":"ولمّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ -، قَالَتْ فَاطِمَةُ -﵍-: \"وَا كَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ\" (١)، ولم ينكر عليها ذلك.\nفَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: \"يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ -﵍-: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - التُّرَابَ؟ ! \" (٢)،\nوقَالَ أنس - ﵁ -: \"مَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا\" (٣).\nفإظهار الحزن والأسى والأسف على المصيبة جائز إذا لم يخرج عن معنى الرِّضا ويدخل في معنى السَّخط، وهذا نبيّ كريم يعقوب - ﵇ -، يقول: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ ... (٨٤)﴾ ... [يوسف].\nوالبكاء لا يضرُّ ما دام القلب راضيًا، بل إسبال الدَّمع يردُّ وطأة الأحزان، والدُّموع على الشّجو والأشجان أعوان، والدّموع الهوامع رحمة، لكن هناك صفة للبكاء يُعَذَّب عليها، وهي أن يقول العبد مَا لَا يُرْضِي الرَّبَّ، قال - ﷺ -: \" أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ الله لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا ... - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - \" (٤).\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٦/ص ١٥/رقم ٤٤٦٢) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٢١/ص ٣٣٠/رقم ١٣٨٣٠) إسناده قويّ على شرط مسلم.\n(٤) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٤/رقم ١٣٠٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":150},{"text":"والشّيطان همّه أن يوقع المؤمنين في الحزن والهمِّ، ليضعف تَعَلُّقَ هِمَم نفوسهم بِالْآخِرَةِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ... (١٠)﴾ [المجادلة].\nوالهمّ أخو الحزن فهما صنوان، ولعلَّ الفرق بينهما أنَّ الهمَّ يَرِدُ على القلب إذا كان هناك مكروه سيقع في المستقبل، والحزن يكون بسبب مكروه وقع.\nوالهمُّ والحزن من أمراض القلوب الَّتي توهن العزائم، ولذلك كان - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ\" (١). وهذه الدَّار تَكْثُرُ فِيها الْهُمُومُ وَالأَحْزَانُ، ولذلك إذا دخل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ... (٣٤)﴾ [فاطر]، فدلَّ عَلَى أَنَّ حُزْنَ الدُّنْيَا غَيْرُ مَحْمُودٍ.\nولم يأت الحزن في مقام المدح في موضع، ولم يأمر الله تعالى به قطّ، أمّا قوله\nتعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التّوبة]، فلم يمدحوا على الحزن، وإنّما على دلالته، فهو يكشف عن صدق إيمانهم، وحسن نيّاتهم، فقد بكوا لمّا قال لهم النَّبيُّ - ﷺ -: ﴿... لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ... (٩٢)﴾ [التّوبة].\nوأمّا قوله - ﷺ -: \"مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ\" (٢).\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٨/ص ٧٨/رقم ٦٣٦٣) كِتَابُ الدَّعَوَاتِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٧/ص ١١٤/رقم ٥٦٤١) كِتَابُ المَرْضَى.","vol":"1","page":151},{"text":"فالمدح ليس للحزن، وإنَّما للصَّبر، الَّذي به يثبت الأجر ويكفَّر الوزر، وهذا يعقوب - ﵇ - يعلِّمنا كيف يكون جميل الصَّبر على الأحزان، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ... (٨٦)﴾ [يوسف].\nوأمّا حديث أنّ النَّبيَّ - ﷺ -: \"كَانَ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ\" (١)، فهو ضعيف لا يحتجُّ به، ومثله حديث: \"إِنَّ الله يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الزّجر عن النّياحة والنّدب على الميّت والرّخصة بالبكاء</span>\nزَجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الْبُكَاءِ الّذي معه صياح ونياحة لِلنِّسَاءِ عِنْدَ المَصَائِبِ إِذَا امْتُحِنَّ بِهَا، عن عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"لمَّا جَاءَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ شَقِّ البَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: انْهَهُنَّ، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: والله لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ الله، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ، فَقُلْتُ: أَرْغَمَ الله أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ الله - ﷺ - مِنَ العَنَاءِ\" (٣).\nوفي قوله - ﷺ -: \"احْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ\" دُونَ أَعْيُنِهِنَّ إشَارَة إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَقَعْ بسبب الْبُكَاءِ وحده، بَلْ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ مِنْ عويل ونياحة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) التّرمذيّ \"مختصر الشّمائل\" (ص ٢٠)، وقال الألباني: ضعيف جدًّا.\n(٢) الألباني \" الضّعيفة\" (ج ١/ص ٦٩٥/رقم ٤٨٣)، وقال: ضعيف.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٢/رقم ١٢٩٩) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":152},{"text":"كما جاء النَّهي عن النَّدب (١) على الميِّت، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ -، قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَاجَبَلاهْ، وَاكَذَا وَاكَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: \"مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنتَ كَذَلِكَ؟ \" (٢).\nولمّا مات خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - ﵁ - سنة إحدى وعشرين في الشَّام، اجْتَمَعَ نِسْوَةُ بَنِي المُغِيرَةِ (بَنَاتُ عَمِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ) في دار خالد يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فلمّا ذُكِر ذلك لعمر - ﵁ - أذِن أَنْ يُهْرِقْنَ مِنْ أَعْيُنِهِنَّ عليه، لكن نهى عن النِّياحة ورَفْعِ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ ووضع التُّرَابِ على الرَّأْسِ، قالَ عُمَرُ - ﵁ -: \"دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ (٣) أَوْ لَقْلَقَةٌ\" (٤)، فرَخَّص - ﵁ - بالبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ.\nوممَّا يستدلُّ به على الرُّخصة والإذن بالبكاء المُجَرَّدِ قول النَّبيِّ: \"تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ\" (٥).\nالزّجر عن مساعدة من نزلت بها مصيبة الموت في البكاء والنّوح والنّدب\nلا يجوز أَنْ تُجَامِلَ المَرْأَةُ المَرْأَةَ بمُسَاعَدَتهَا في النِّيَاحَةِ، فالواجب أَنْ يُتَعَزَّى بِمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالِاسْتِرْجَاعِ، وأن تذكِّر إحداهنَّ الأخرى بذلك.\n_________\n(١) النَّدْب: أَنْ تَذكر النَّائحةُ شمائل الميّت وأحسن أوصافه وَأَفْعَالِهِ، وتُعَدِّد عليه كأن تقول: وَاعَضُدَاه، وَاكَاسِيَاه، وَانَاصِرَاه، وَاكَهْفَاه، وَاكَرِيمَاه، واعِزَّاه، واظهراه، وَاسَنَدَاه ... لا عِشْتُ بعده.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٥/ص ١٤٤/رقم ٤٢٦٧) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٣) النَّقْع: التُّرَابُ، والمراد وَضْعُهُ عَلَى الرَّأْسِ. واللَّقْلَقَة: الصَّوْت، والمراد الصَّوت المُرْتَفِع.\n(٤) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٠) ذكره البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا فِي كِتَابُ الجَنَائِزِ، ... ووَصَلَهُ فِي \"التّاريخ الأوسط\" (ج ١/ص ٤٦) مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ.\n(٥) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٢/رقم ١٢٤٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":153},{"text":"قالت أمُّ سلمة لمَّا مَاتَ زوجها الأوَّل: غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ (أي أنَّه مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَاتَ بِالمَدِينَةِ)، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، وكانت قَدْ تَهَيَّأْت لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ (من عَوَالِي المَدِينَةِ) تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَها ... (أي تُسَاعِدها في البكاء والنَّوح)، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -، وَقَالَ: \"أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ؟ \" (١) مَرَّتَيْنِ، فلمّا سمعت أمُّ سلمة ذلك كَفَّت عَنِ الْبُكَاءِ على أبي سلمة ولَمْ تبكِه.\nفلا يجوز أن تعين المرأة الشَّيطان على أختها إذا امتحنت بمصيبة الموت، بمساعدتها على النِّياحة والنَّدب، ولا أن تعينها على نفسها بالجزع.\nوممّا يدلُّ على حظر ذلك ما أخرجه أحمد وغيره عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى النِّسَاءِ حِينَ بَايَعَهُنَّ أَلَّا يَنُحْنَ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ نِسَاءً أَسْعَدْنَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَفَنُسْعِدُهُنَّ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا إِسْعَادَ فِي الْإِسْلَامِ ... \" (٢) الحديث. فلا يجوز لجارات المَرْأَة أن يسعدنها فِي مصيبتها؛ لأنَّ في ذلك تَسَخُّطًا على قدر الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>رد دعوى أنّ عائشة - ﵂ - أقامت مجلس نوح على أبيها</span>\nلا تكفُّ ألسنةُ الشَّانِئِينَ لأمِّنا أمِّ المؤمنين - ﵂ -، قالوا: إنَّ عائشة - ﵂ - الَّتِي هي أفقه نساء المسلمين وأعلمهنَّ بالدِّين، أقامت مجلس نوح على أبيها ... أبي بكر - ﵁ - لما توفِّي، وأنَّ هذا مخالف لما ثبت من تحريم النِّياحة لما فيها من تظلّم\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣٥) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٠/ص ٣٣٣/رقم ١٣٠٣٢) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.","vol":"1","page":154},{"text":"وتسخّط من قضاء الله تعالى وقدره واعتراض على أحكامه، وأنَّها لم تنته عن ذلك حتَّى ضربها عمر - ﵁ - بِالدِّرَّةِ ضَرَبَاتٍ.\nقلنا: الطَّاعنون في عائشة - ﵂ - هم المطعونون حقًّا، ويصدق فيهم قول العرب: \"رَمَتْني بِدائِها وانْسَلَّتْ\"؛ إذ قالوا بما فيهم.\nوتعلَّلوا بما رواه ابنُ سعد عن يُونُس، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ قَالَ: \"لمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَقَامَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ النَّوْحَ، فَبَلَغَ عُمَرَ فَجَاءَ فَنَهَاهُنَّ عَنِ النَّوْحِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ، فَقَالَ لِهِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَخْرِجْ إِلَيَّ ابْنَةَ ... أَبِي قُحَافَةَ، فَعَلَاهَا بِالدِّرَّةِ ضَرَبَاتٍ، فَتَفَرَّقَ النَّوَائِحِ حِينَ سَمِعْنَ ذَلِكَ\" (١).\nقالوا: قال الحافظ في الفتح بعد أن ذكره البخاريّ تعليقًا: \"وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ ناحت وَصله ابن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، قَالَ: لمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَقَامَتْ عَائِشَةُ عَلَيْهِ النَّوْحَ ... \" (٢).\nقلت: في البخاري: \"وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ\" ذكره هكذا تعليقًا في كتاب الخصومات، وفي كتاب الأحكام، ولم يزد على أنَّ أخت ... أبي بكر (أمّ فَرْوَة - ﵂ -) - لا عائشة - ﵂ - رفعت صوتها بالبكاء على أخيها فنهاها عمر - ﵁ - عن ذلك.\nوأمَّا رواية ابن سعد في الطَّبقات، فإنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيّب لَمْ يَسْمَعْ مِنْ\n_________\n(١) ابن سعد \"الطّبقات الكبرى\" (ج ٣/ص ٢٠٨).\n(٢) ابن حجر \"فتح الباري\" (ج ٥/ص ٧٤).","vol":"1","page":155},{"text":"عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -، فالسَّند مرسل مُنْقَطِعٌ، وفيه علَّة غير إرسال سعيد، وهي رواية يونس بن يزيد بن أبي النِّجاد الأَيلي، قال عنه الحافظ: \"ثقة إلَّا أنَّ في روايته عن الزّهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزّهري خطأ\" (١)، وقَالَ المَيْمُونِيّ: \"سُئِلَ أَحْمد من أثبت فِي الزُّهْرِيّ؟ قَالَ: معمر، قيل: فيونس، قَالَ: روى أَحَادِيث مُنكرَة\" (٢).\nولعلَّ هذه الرِّواية من منكراته؛ لأنَّ فيها زِرَايَة على عائشة - ﵂ -، وعائشة أتقى لله تعالى من أن تقيم النّوح، وأكمل عقلًا مِنْ أن يقع لها مثل هذه القصَّة، وعمر أَتْقَى لله وَأَخْشَى من أن يضرب أمَّ المؤمنين ولا يعرف لها حرمة كما زعموا.\nويردُّ هذه الرِّواية أنْ تعلم أنَّ عائشة - ﵂ - ممَّن روى زجر النَّبيِّ - ﷺ - عن نياحة النِّساء على موتاهنَّ، فلمّا جاء نَعْيُ زيد وجعفر وابن رواحة، ناحت نساء جعفر عليه، فلمّا نَهَاهُنَّ - ﷺ - وَأَبَيْنَ، دعت عائشة، وقالت: \"أَرْغَمَ الله بِآنَافِهِنَّ\".\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"لمَّا جَاءَ نَعْيُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ الله - ﷺ -، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذِهِ نِسَاءُ جَعْفَرٍ يَنُحْنَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَكْثَرْنَ بُكَاءَهُنَّ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَمَكَثَ شَيْئًا ثُمَّ رَجَعَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ نَهَاهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، قَالَ: فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ غَلَبْنَهُ قَالَ: فَاحْثُ فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَرْغَمَ الله بِآنَافِهِنَّ، والله مَا تَرَكْتَ رَسُولَ الله - ﷺ -، وَمَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ\" (٣).\n_________\n(١) ابن حجر \"تقريب التّهذيب\" (ص ٦١٤/رقم ٧٩١٩).\n(٢) ابن حجر \"تهذيب التّهذيب\" (ج ١١/ص ٤٥١).\n(٣) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٤١٧/رقم ٣١٤٧) إسناده صحيح.","vol":"1","page":156},{"text":"هذا والإجماع منعقد على عدالة الصَّحابة، ولم يندّ عن ذلك إلّا من لا يُعَدُّ خلافه خلافًا، ولم يعترض إلَّا من ليس له قدم راسخة في العلم أو باع في الفهم، ولا نترك كلام الله تعالى وكلامَ النَّبيِّ - ﷺ - في عدالة الصَّحابة لقول أحد، أيًّا كان هذا الأحد، وأين في النَّاس من يرتقي مرتقاهم، أو يبلغ ذراهم؟ !\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>أحاديث توهم أَنَّ مَنْ بكاه أهله أو نِيحَ عَلَيْه عُذِّبَ بَعْدَ مَوْتِهِ</span>\nفإن قال قائل: ولكنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: \"إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\" (١)، وقال - ﷺ -: \"إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ\" (٢)، وقال - ﷺ -: \"إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\" (٣)، فكيف يرخِّص عمر - ﵁ - بالبكاء؟ !\nفالجواب: هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ الله - ﵄ -، وهي ممّا استدركته عائشة - ﵂ - على الصَّحابة، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٦٤)﴾ [الأنعام].\nذُكِرَ لَهَا - ﵂ - أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ - ﵄ -، يَقُولُ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: \"يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ، لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، لَا وَالله مَا حَدَّثَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٧٩/رقم ١٢٨٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) المرجع السّابق.","vol":"1","page":157},{"text":"المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٦٤)﴾ [الأنعام]، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [النّجم]، قَالَ ... ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَوَالله مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ\" (١).\nوَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، فَتَأَوَّلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى وَيُنَاحَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وعُمِل بوصيّته، فَهَذَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ ونوح أَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ سعيه، أَمَّا مَنْ بَكَاه أَهْلُهُ وَنَاحُوا عليه مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ فَلَا يُعَذَّبُ لِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٦٤)﴾ [الأنعام].\nولعلَّ ما يؤكِّد ذلك، وأنَّه إنَّما يُعَذَّب إذا رضي منهم النّوح عليه، أنَّ البخاري قيده في ترجمته للباب بقوله: \"إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ\" (٢).\nقلت: وليس المراد مطلق البكاء، فقد جاء مقيّدًا، في قوله - ﷺ -: \"المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\" (٣)، فيحمل المطلق على المقيّد. وليس مطلق النّوح يعذّب الميّت عليه، وإنّما يعذَّب إذا أوصى النَّاس بالبكاء والعويل عليه بعد موته، لأنَّ وصيَّته مخالفة لِلسُّنَّةِ، أو لم يوص بترك البكاء والإِعْوال وهو يعلم أنَّ أهله قد يقع منهم ذلك إذا هلك.\nفإذا لم يأمر به ولم يرضه ولم يهمل الوصيَّة ولم يفرِّط بالوصيَّة بتركه، فلا\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٤٢) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٧٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٠/رقم ١٢٩٢) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":158},{"text":"شيء عليه، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٨)﴾ [فاطر].\nولعلَّ ما يؤكِّد أنَّه ليس كلّ ميِّت يُعَذَّب بالبكاء، وإنَّما ميِّت مخصوص، أنَّ كلمة (الميّت) دخلت عليها (أل) العهديَّة الَّتي تدخل على النكرة فتكسبها شيئًا من التَّعريف، فتجعل مدلولها فردًا معيّنًا بعد أن كان مبهمًا عامًّا.\nوسمِّيت عهديَّة لأنَّها تدخل على كلِّ معهود بين المتكلم والمخاطب، فالمراد ميِّت معهود معيَّن. ومعلوم أنَّ ما عُرِّف بِـ (ألْ) العهديّةِ، فهو معرَّفٌ لفظًا لاقترانه بألْ، ومعنًى لدلالتِه على مُعَيّنٍ، فهو بحكم المقيَّد، فالمراد ميِّت بعينه، وليس مطلق ميِّت، أيّ ميِّت.\nولا يصحُّ أن يقال إنَّها (أل) الجنسيَّة؛ لأنَّ (أل) الجنسيَّة تدخل على اسم لا يراد به معيّن، بل كلّ فرد من أفراد الجنس، فهي تفيد الاستغراق والشّمول والإحاطة والعموم؛ فمصحوبها في حُكم النَّكرةِ من حيثُ معناهُ، فالمعرَّف بِـ (ألْ) الجنسيّةِ نكرةٌ معنًى، معرفةٌ لفظًا، فلا يجوز أن يقال كلمة (الميّت) نكرة معنى؛ لأنّ\nالنَّكرة تفيد العموم.\nأو بعبارة أخرى ما تدخل عليه (أل) الجنسيّة يكون لفظه معرفة، لكنّ معناه معنى النَّكرة المسبوقة بكلمة: كلّ، فيشمل كلّ فرد من أفراد مدلولها، فأل الجنسيّة يصحّ أن يحلَّ محلّها لفظة (كلّ) فلو قلت: النّهر عذب، لكان المعنى: كلّ نهر عذب، ولو قلت: الميّت يعذّب، لكان المعنى: كلّ ميّت يعذّب، هكذا يخرج الكلام مطلقًا، وهذا لَيْسَ مُرَادًا من الحديث الشَّريف قَطْعًا، والمراد مَا بَيَّنَّاهُ جَزْمًا.\nومن الأخبار الَّتي توهم أَنَّ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ عُذِّبَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ما رواه مسلم","vol":"1","page":159},{"text":"عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ -، لمَّا طُعِنَ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ - ﵂ -، فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"المُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ\". وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ؟ (١).\nوالخلاصة أَنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ، إذا رضي بذلك وأوصى به في حياته، بذكر أوصافه وتعداد محاسنه الباعثة على تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ\nالبكاء والأسف عليه، كما فعل طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ حيث قال:\nفإنْ مِتُّ فَانْعِيْني بِمَا أنا أهْلُهُ ... وَشُقِّي عَليَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبدِ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>حكم النّياحة</span>\nوحُكْمُ النَّدب والنِّيَاحَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ التَّحْرِيمُ جملة لا تفصيلًا، فهناك تَفْصِيلاتٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ، فمن رغب في البسط والتَّفصيل رجع إلى كتب الفقه المقارن. والقول بالتَّحريم معزَّز بالأدلَّة، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لا نَنُوحَ\" (٣)، وعن أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ، عَنِ امْرَأَةٍ، مِنَ المُبَايِعَاتِ، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله - ﷺ - فِي المَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْصِيَهُ فِيهِ: \"أَنْ لَا نَخْمُشَ وَجْهًا، وَلَا نَدْعُوَ وَيْلًا، وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا، وَأَنْ لَا نَنْشُرَ شَعَرًا\" (٤).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٤٠) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) الشّنقيطي \"شرح المعلّقات العشر\" (ص ٧٩)، وابنة معبد: ابنة أخيه.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٤/رقم ١٣٠٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٤) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ٥٢/رقم ٣١٣١) إسناده حسن.","vol":"1","page":160},{"text":"ووَجِعَ أَبُو مُوسَى الأشعريّ - ﵁ - وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَته أمّ عبد الله، فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: \"أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَإِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ (١)، وَالْحَالِقَةِ (٢)، وَالشَّاقَّةِ (٣) \" (٤).\nوقال - ﷺ -: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ\" (٥)، وقال - ﷺ -: \"أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ\" (٦)، وقال - ﷺ -: \"النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ\" (٧)، وقال - ﷺ -: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ\" (٨)، وقال - ﷺ -: \"اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ\" (٩)، فأطلق اسم الكفر على الطَّعْن فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَة.\n_________\n(١) الصَّالقة: المولولة بالصَّوت الشَّديد عِنْد المُصِيبَة.\n(٢) الْحَالِقَة: الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَهَا عِنْدَ المُصِيبَةِ.\n(٣) الشَّاقَّة: الَّتِي تَشُقُّ ثَوْبَهَا عِنْدَ المُصِيبَةِ.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ١٠٠) كِتَابُ الْإِيمَان.\n(٥) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٢/رقم ١٢٩٧) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٦) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٤٤) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٧) المرجع السّابق.\n(٨) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨١/رقم ١٢٩٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٩) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٨٢) كِتَابُ الْإِيمَان.","vol":"1","page":161},{"text":"فالنّياحة تحرم على أهل الميّت، وهي نوعان: نياحة بالأقوال، ونياحة بالأعمال. فالنّياحة تكون قولًا وفعلًا، فمن القول: الصِّيَاح الَّذي لا يمكن دفعه، والعويل والولولة، والدُّعاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، والنَّدب بتعداد محاسن الميّت وفضائله بما يعظِّم المصاب.\nومن الفعل: اللَّطْم، وخمش الوجه وضربه، وشقّ الجيب، وحلق الشَّعر أو نتفه أو نفشه، وحثو التُّراب على الرَّأس وتعفيره، ونحو ذلك؛ لأنَّ هذا من النّياحة وَفيه تسَخُّط على قضاء الله تعالى وقدره.\nوذكر البُخَارِيُّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقًا فِي بَاب الْجَنَائِز، فَقَالَ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ) وقال عُمَرُ فِي نساءٍ اجْتَمَعْنَ يَبْكِينَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - ﵁ -: \"دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ\" (١)، أي بشرط ألّا يصاحبه وضع التّراب على الرّأس، أو رفع الصَّوت.\nوَالمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدِمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَسَمِعَ نِسَاءً مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَبْكِينَ عَلَى هَلْكَاهُنَّ، فَقَالَ: \"لَكِنْ حَمْزَةُ لَا بَوَاكِيَ لَهُ، فَجِئْنَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ عَلَى حَمْزَةَ عِنْدَهُ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُنَّ يَبْكِينَ، فَقَالَ: يَا وَيْحَهُنَّ، أَنْتُنَّ هَاهُنَا تَبْكِينَ حَتَّى الْآنَ، مُرُوهُنَّ فَلْيَرْجِعْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ\" (٢).\nوظَاهِرُهُ النَّهي عن الْبُكَاءِ مُطْلَقًا بَعْدَ المَوْتِ، والمراد الْبُكَاء المُفْضِي إلَى\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٠) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٩/ص ٤٧٧/رقم ٥٦٦٦) وإسناده حسن.","vol":"1","page":162},{"text":"النَّوْحِ وَالصُّرَاخِ والإعوال، لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أذن بالْبُكَاءِ بَعْدَ المَوْتِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>النهي عن البكاء بعد الموت نهي تنزيه</span>\nيجوز الْبُكَاءِ بَعْدَ المَوْت، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: \"شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: وَرَسُولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ\" (١).\nوالنَّهْي عَن الْبكاء بعد المَوْتِ مَحْمُول عَلَى التَّنْزِيه وَالْأولَى، وَلَيْسَ بِحرَام، كما في حديث جَابِر بْن عَتِيكٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ الله بْنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَقَالَ: \"غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ وجعل ابن عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ، فَقَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: إِذَا مَاتَ\" (٢).\nفظاهر النَّهي في قوله - ﷺ -: \"فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ\" النَّهي عن البكاء مُطْلَقًا بعد الموت، وهو محمول على البكاء المصحوب بالنِّياحة والنَّدب ونحو ذلك؛ لأنّ البكاء بدمع العين وحزن القلب جاءت السُّنَّةُ بإباحته قبل الموت وبعده، فهو رحمة بِالمَيِّتِ.\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٧٩/رقم ١٢٨٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٤٧٦/رقم ٣١٨٩) صحيح، كذا قال ... شعيب الأرنؤوط، وصحّحه الألبانيّ في \"التّعليقات الحسان\" (ج ٥/ص ١٤٢/رقم ٣١٨٠)، والنّوويّ في \"خلاصة الأحكام\" (ج ٢/ص ١٠٥٥/رقم ٣٧٦٩).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>النّهي عن البكاء فوق ثَلَاث</span>\nلمّا اسْتُشْهِدَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - رَخَّصَ النَّبيُّ - ﷺ - لآل جَعْفَر ... في البكاء ثلاث لَيَال، ثُمَّ نهاهم عن البكاء بعدها، فقد أَمْهَلَ النَّبيُّ - ﷺ - ... آلَ جَعْفَرٍ - ثَلاثًا - أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: \"لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ\" (١).\nوالنَّهي عن البكاء بعد ثلاث نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا نَهْي تَحْرِيمٍ، فالبكاء بعدها جائز، لكن الأولى تركه فلَا يُزَاد فِي الْبُكَاءِ والتَّحَزُّنِ وَالتَّوَجُّعِ على الميّت فَوْقَ ثَلاث لَيَالٍ.\nهذا ومن النَّاس من له عبرات وحسرات مَا لَهُنَّ نفاد، فهل أغنى بكاء، أَمْ هل نفع عويل؟ ! قال أراكة الثّقفي يعزّي نفسه في ابنه عمرو: ...\nتأمَّلْ فإنْ كَانَ البكا رَدَّ هالكًا ... على أَحَدٍ فاجهدْ بُكاك على عَمرو (٢)\n\nومن النّاس من يبكي ألمًا على مَنْ مات له مضيّعًا للصّلاة مُتوعَّدًا عليها، بقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم].\nأو على امرأة ماتت وقد ذمَّها النَّبيُّ - ﷺ - بقوله: \"وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ ... عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ٢٧٩/رقم ١٧٥٠) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) الزّمخشري \"ربيع الأبرار\" (ج ٥/ص ١٤٣).","vol":"1","page":164},{"text":"وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا\" (١).\nأو على رجل مات قاتلًا لأنفس حرَّم الله تعالى قتلها، قال الله تعالى فيه: ... ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النّساء] وهكذا، فمن كان له أخ مفرّط فليذكّره ربَّه.\nالأمر بالتلبينة (٢) للمريض، وللمحزون على الهالك\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ (٣) لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>ما يذهب حرّ المصيبة ويطفئ جمرها</span>\nممّا يعين على الصَّبر ويحمل على احتمال المصيبة ويبرد حرَّها: معرفة ثواب الصَّابرين، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة]. وقد دلَّت الأحاديثُ الشَّريفة على أنَّ الإنسان إذا احْتَسَبَ صَفِيَّهُ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٦٨٠) كتاب اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ.\n(٢) حساء مِنْ دَقِيقٍ أَو نُخَالَةٍ وَيُجْعَلُ فِيهَا عَسَلٌ.\n(٣) أَي تَكْشِفُ عَنْهُ هَمَّه.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٧/ص ٧٥/رقم ٥٤١٧) كِتَابُ الأَطْعِمَةِ.","vol":"1","page":165},{"text":"إذا قبض، وصَبَرَ رَاضِيًا بِقَضَاءِ الله تعالى رَاجِيًا فَضْلَهُ فَلَيس له جزاء إِلَّا الْجَنَّة.\nويذهب حرّها: أن تعلم أن المؤمن يبتلى في الأموال والأنفس ويمتحن صبره على قدر دينه، وأنَّ شدَّة البلاء من شدَّة الدِّين.\nويذهب حرّها: أن تَتَسَلَّى عمَّن قضى بمن نجا، فتحمد الله تعالى على مَا أَخَذَ وعلى مَا أَبْقَى، وتحمده أن لم يَجْعَل مصيبتك أعظم مِمَّا هِيَ، ورزقك الصَّبر عليها، ووفقك للاسترجاع، وأنّك معزَّى لا معزّى بك.\nويذهب حرّها: أن تعلم أنَّ الله تعالى سيخلف لك خيرًا منها، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا\" (١). وقد وعد الله تعالى بجميل العوض وحسن الخلف عمَّا فات، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ [النّحل].\nويذهب حرّها: العلم بتكفير المصيبة لِلسَّيِّئَاتِ، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ\" (٢)، فالهمّ الَّذِي يعتري الإنسان، والحزن الَّذِي يصيبه بسبب فقد أصفيائه يترتَّب عليه تكفير الخطايا.\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٧/ص ١١٤/رقم ٥٦٤١) كِتَابُ المَرْضَى.","vol":"1","page":166},{"text":"ويذهب حرّها أن تعلم بأنَّ كلّ مُقَدّر كَائِن، وأنَّ الرِّضا بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ من أركان الإيمان، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ\" (١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (١١)﴾ [التّغابن]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ... (٥١)﴾ [التّوبة]، ولم يقل: علينا؛ تنبيهًا أَنَّ كلَّ ما يصيبنا لَنَا لا علينا.\nويذهب حرّها: أن تعلم أنَّ الله تعالى يحبُّ أن ترضى بقضائه، قال أَبُو الدَّرْدَاءِ - ﵁ -: \"إِنَّ الله إِذَا قَضَى قَضَاءً أَحَبَّ أَنْ يُرْضَى بِهِ\" (٢)، وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -﵀-: \"مَا لِيَ فِي الْأُمُورِ هَوىً سِوَى مَوَاقِعَ قَضَى الله - ﷿ - فِيهَا\" (٣). ولذلك كان من دعاء النَّبيِّ - ﷺ -: \"وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بِالْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ\" (٤).\nويذهب حرّها: معرفة حقّ الله تعالى في تلك المصيبة، وهو الحمد والاسترجاع والاحتساب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة].\nويذهب حرّها: أن تعلم بأنَّ الخير قد يكون فيما تكره، فكم مِن نعمة في\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٣٦) كِتَابُ الْإِيمَان.\n(٢) ابن قيّم الجوزيّة \"زاد المعاد\" (ج ٤/ص ١٧٨).\n(٣) ابن أبي الدّنيا \" الرّضا عن الله بقضائه\" (ص ٤٩).\n(٤) النّسائي \"سنن النّسائي\" (ص ٢١٣/رقم ١٣٠٦) صحيح.","vol":"1","page":167},{"text":"طيّ المكاره كامنة، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... (٢١٦)﴾ [البقرة]، وقَال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النّساء].\nويذهب حرّها: أنّك ترى في كلّ يوم مَنْ يوسّد في التّراب، فالعمر قصير وإلى الله تعالى المصير، قال - ﷻ -: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران]، فلا بدَّ أن يترك العبد الدُّنيا ويرجع إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [الرّوم].\nويذهب حرّها: أن تعلم بأنَّ الله تعالى سيجمع عليك شملك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ... (٢١)﴾ [الطّور]، وأنّ الله تعالى سيجمع بينك وبين من هم خير لك مِنْ ذُرِّيَّتِك، قال تعالى: ... ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النّساء].\nفلا تحزن وقِيْت الهمّ والغمّ؛ فإنّه راجع إلينا وصال بعد طول التَّقاطع، فلا تظنّ أنَّه لا سبيل إلى وصال، فبعد التَّنائي بيننا سيجمع الله تعالى في الجنَّة شملنا.\nويذهب حرّها: أن تعلم أنَّ الخسارة الكبيرة خسارة النَّفس والأهل يوم القيامة، حيث لا اجتماع للخاسرين أبدًا، ولهم عذاب مقيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزّمر]، وقال تعالى: ... ﴿... وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ","vol":"1","page":168},{"text":"وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾ [الشّورى].\nويذهب حرّها: استصغار المصيبة، فقد يَظُنُّ ظَانٌّ أنَّ المصيبة بالولد ونحوه أعظم المصائب، والحقيقة أنَّ مصابنا بفقد النَّبيِّ - ﷺ - أعظم من ذلك، قال - ﷺ -: \"فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي، لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِي\" (١)، وصدق حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ - ﵁ -:\nوَمَا فَقَدَ المَاضُونَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ ... وَلَا مِثْلُهُ حَتَّى الْقِيَامَةِ يُفْقَدُ (٢)\n\nوالمصيبة بالدِّين أعظم كذلك، ولذلك كان من دعاء النَّبيِّ - ﷺ -: \"وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا\" (٣)، ولعلّ المصيبة بالعرض تفوق المصيبة بفقد الولد ونحوه، أَجَارَنَا الله تعالى مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، ولا أنسانا المصيبة بأعظم منها حاشا مصابنا به - ﷺ -.\nويذهب حرّها: أَنْ تعلم أَنَّ ذهاب أجر الصَّبر على المصيبة أعظم من المصيبة نفسها، فالجزع لا يزيدك إلّا خسارًا وتبارًا، فضلًا عن أنَّ الجزع فيه مغضبة للرَّب، ومرضاة للشّيطان، ومسرَّة للحاقدين والأعداء، ومساءة لِلْأَقْرَبِينَ وَالْأَخِلَّاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>إحداد المرأة على غير زوجها ثلاث ليال وعلى زوجها أربعة أشهر وعشرًا</span>\nلمَّا جَاءَ خبر موت أَبِي سُفْيَانَ (صخر بن حرب) والد أمّ حَبِيبَة - ﵂ -، دعت أُمُّ حَبِيبَةَ - ﵂ - فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ بِطِيبٍ، فَمَسَحَتْ جانبي وجهها وذِرَاعَيْهَا،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٥/ص ٢١٣/رقم ٣٠٩٨) إسناده حسن.\n(٢) \"ديوان حسّان بن ثابت - ﵁ - \" (ص ٦٤).\n(٣) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٧٩٥/رقم ٣٥٠٢) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.","vol":"1","page":169},{"text":"إيذانًا بانتهاء الحداد، فعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: لمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ، دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ - ﵂ - بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا، وَذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يَقُولُ: \"لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا\" (١).\nفالمرأةُ لا تُحِدُّ على هالك أكثر من ثلاث إلّا على زوجها، تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... (٢٣٤)﴾ [البقرة].\nوهذا في حقِّ المرأة غير الحامل، أما الحامل فإنها تعتدّ وتحدّ على زوجها إلى وضع الحمل، فإذا وضعت حملها خرجت من العدّة والإحداد ولو بعد موت زوجها بمدة يسيرة، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤)﴾ [الطّلاق]، والآية مخصّصة لعموم الآية السّابقة.\nوَفِي الْبُخَارِيِّ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أفتى سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ إِذَا وَضَعَتْ حملها بعد وفاة زوجها أَنْ تَتَزَوَّجَ، لخروجها من العدّة، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: \"أَفْتَانِي إِذَا وَضَعْتُ أَنْ أَنْكِحَ\" (٢).\nوقَالَتْ أمّ سلمة - ﵂ -: \"قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٧٨/رقم ١٢٨٠) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٧/ص ٥٧/رقم ٥٣١٩) كِتَابُ الطَّلاقِ.","vol":"1","page":170},{"text":"بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - \" (١)، فالمرأة المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تنقضي عدّتها وتخرج منها بِوَضْعِ الْحَمْلِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>الحكمة في إحداد المرأة على زوجها أكثر من إحدادها على والديها</span>\nقد يقول قائل: ما الحكمة في أنّ المرأة لا تحدّ على أبيها وأمّها فَوْقَ ثَلَاثٍ، وتحدّ عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟\nوالجواب لعلّ الحكمة تكون في امتثال أمر الله تعالى القائل في محكم التّنزيل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ... (٣٦)﴾ [الأحزاب]، كذلك لمعرفة براءة الرَّحم معرفة يقينيّة حماية لحرمات الله تعالى، فالحمل حقّ للزوج المتوفّى، فلو تزوّجت بآخر وكانت حاملًا لجعلت الآخر يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وهذا لا يحلّ لعموم قوله - ﷺ -: \"لَا يَحِلُّ لِامْرِئ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ\" (٢).\nوالمرأة إذا وضعت بعد موت زوجها بِلَحْظَةٍ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وحلَّت للأزواج.\nأيضًا تحدّ المرأة صيانة لحقّ الزَّوج المتوفَّى، ووفاء له، ومراعاة لشعور أهله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>صفة الإحداد في الإسلام</span>\nالمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عليها أن تَجْتَنِب وتمتنع في عِدَّتِهَا عن خمسة: الخروج من البيت إلَّا لحاجة أو ضرورة، وتمتنع عن الجميل من الثِّياب، وعن الحليّ (الجواهر)،\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٦/ص ١٥٥/رقم ٤٩٠٩) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٨/ص ٢٠٧/رقم ١٦٩٩٧) صحيح بشواهده، وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":171},{"text":"والكحل، والطِّيب إلّا إذا طهرت من حيض فلا بأس أن تأخذ شيئًا من البخور لا لِلتَّطَيُّبِ، وإنَّما لتتبع به أثر الدَّم.\nعنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ (١) أَوْ أَظْفَارٍ\" (٢).\nوتلزم بيتها وتعتدّ به، بدليل أنّ أُخْت أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (فُرَيْعَة بِنْت مَالِك) لمّا قُتِلَ زوجها سَأَلت النَّبيَّ - ﷺ - أن تَتَحَوَّلَ إِلَى أَهْلِها، فقال لها: \"امْكُثِي فِي بَيْتِكِ الَّذِي أَتَاكِ فِيهِ نَعْيُ زَوْجِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ\" (٣).\nولا تخرج منه إِلَّا للحاجة أو الضَّرورة، أخرج مسلم في كتاب الطَّلاق (باب جَوَازِ خُرُوجِ المُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ، وَالمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي النَّهَارِ لِحَاجَتِهَا) حديث جَابِر بْن عَبْدِ الله - ﵄ -، يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: \"بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا\" (٤)، والحديث في خروج المطلَّقة، لكنّ المصنّف أخذ منه حكم جواز خروج المتوفَّى عنها زوجها لحاجة.\n_________\n(١) القسْطُ: بَخُورٌ مَعْرُوفٌ وَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ١١٢٧) كِتَابُ الطَّلَاقِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٤٥/ص ٢٨/رقم ٢٧٠٨٧) إسناده حسن.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ١١٢١) كِتَابُ الطَّلَاقِ.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>صفة الإحداد في الجاهليّة</span>\nأمَّا صفة الإحداد في الجاهليّة فقد كانت المرأة تَشُقُّ الْجُيُوبَ، وَتلطم الْخُدُود، وَتحلق الشّعر، وتدعو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ ... تَسَخُّطًا لمقادير الله تعالى وعدم رضى بالقضاء، ثُمَّ إِنَّهَا تدخل أكره بيت، وتلبس شَرَّ ثِيَاب، ولا تتطيّب، وَلَا تَمَسُّ مَاءً، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا، وتحبس نفسها سنة كاملة، ثمّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا، ثُمَّ تخرج بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ وأبشع محضر، فَتُعْطَى بَعَرَةً من الأرض وترمي بها، كأنَّها تقول: إنّ هذه المدّة في جانب حقِّ الزّوج عليها هيّنة لا تساوي بَعَرَةً.\nقَالَتْ زَيْنَبُ - ﵂ -: \"كَانَتِ المَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً، فَتَرْمِي، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ\" (١)، وفي آخر الحديث: سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ؟ قَالَ: «تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا».\nوعن أُمِّ سَلَمَة، قالت: \"جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ: لا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ\" (٢).\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٧/ص ٥٩/رقم ٥٣٣٧) كِتَابُ الطَّلاقِ.\n(٢) المرجع السّابق.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>القسم التاسع\nمن قضى فبكاه المصطفى - ﷺ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>صبره - ﷺ - على فقد الأخيار وتسليمه للأقدار</span>\nتعرَّض النَّبيُّ - ﷺ - لمصيبة فقد الأولاد وفرقة الأحباب كغيره من النَّاس، مات أولاده كلُّهم في حياته عدا فاطمة - ﵂ -، مات له: القاسم، وعبد الله، وإبراهيم، ورقيّة، وزينب، وأمّ كلثوم، ومات أحفاده في حياته عدا الحسن والحسين - ﵄ -، وماتت زوجه خديجة، واستشهد من أصحابه ... لكنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان قد وَطَّنَ نفسه على الاحتمال والرِّضا؛ فقد أخبره الله تعالى بما سينزل به وبالمؤمنين ليصبروا، فقال تعالى: ... ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة].\nوقد بَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - لموت أصفيائه - كمَا سَيَأْتِي - وَلَمْ يَمْلِكْ عَيْنَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولذلك فإنَّ الإنسان يُعْذَر ولا يلام على حزن القلب وبكاء العين عند نزول المصيبة؛ لأنَّ ذلك ليس أمرًا اخْتِيَارِيًّا وإنّما هو بِالْجِبِلَّةِ والطَّبع. والأمر والنَّهي لا يتعلَّق في الشَّرع بالأمور الِاضْطِرَارِيَّةِ، والبكاء لَا يُخَالِفُ الصَّبر والرِّضَا طالما أنَّه بكاء رحمة وليس بكاء جزع وقلّة صبر.\nوبكى - ﷺ - وهُوَ يُصَلِّي، وبكى عند سماع القرآن وغير ذلك، لكنَّه لم يكن يرفع صوته بالبكاء، وإنَّما كانت عيناه تدمعان، وكان يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>بكاء النبي - ﷺ - في زيارته قبر أمّه</span>\nبكى - ﷺ - وأبكى عند قبر أمِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْرَ","vol":"1","page":174},{"text":"أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: \"اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>بكاء النبي - ﷺ - لموت ولده إبراهيم - ﵇ </span>-\nإِبْرَاهِيم - ﵇ - وَلَد النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ مَارِيَةَ - ﵂ -، كان إبراهيم - ﵇ - عند ... أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ (الحدّاد) زوج مُرْضِعَته، وَاسْمُهَا خَوْلَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ، وكان النَّبِيُّ - ﷺ - يدخل عليه، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ويشمّه، ثُمَّ يَرْجِعُ، ثم دخل عليه بعد ذلك وهو يموت فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وهو يجود بنفسه الزَّكِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْه، فَدَمَعَتْ عَيْناه - ﷺ -.\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ - ﵇ - (زوج مرضعته)، فَأَخَذَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ الله - ﷺ - تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ -: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ - ﷺ -: \"يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ - ﷺ -: إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ\" (٢).\nفأثبت الدَّمع للعين، والحزن للقلب، وبيّن أنَّ هذا لا ينافي الصَّبر، ولا يُعَدُّ\nمن الجزع. فإذا بكينا عزيزًا، أو انطوى فؤادنا على حزن لفراق حميم ووحشة لخلوِّ مكانه، فإنَّ لنا أسوة حسنة، فقد بكى لموت الأحبَّة وحزن لفقدهم نَبِيُّ الرَّحْمَةِ - ﷺ -، فاسمح لقلبك أن يحزن، ودمع العين أن يجري؛ فلن تظلَّ عَيْنٌ على الدَّهر تدمع، ولا\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٧١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٣/رقم ١٣٠٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":175},{"text":"قلب على الأيّام يوجع، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ -: \"مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالعِيَالِ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - \" (١).\nومات إبراهيم - ﵇ - وهو يرضع قبل أن يتمَّ الحولين، ولذلك لمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ (لمرْضِعَتَيْنِ) تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>بكاء النّبيّ - ﷺ - على ابنته أمّ كلثوم - ﵂ - حال دفنها</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: \"شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: وَرَسُولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>بكاء النّبيّ - ﷺ - عند موت ابنة له أيضَا</span>\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ -، إِلَى بَعْضِ بَنَاتِهِ وَهِيَ فِي السَّوْقِ (٤)، فَأَخَذَهَا وَوَضَعَهَا فِي حِجْرِهِ حَتَّى قُبِضَتْ، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَبَكَتْ ... أُمُّ أَيْمَن، فَقِيلَ لَهَا: أَتَبْكِينَ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ -؟ فَقَالَتْ: أَلا أَبْكِي وَرَسُولُ الله - ﷺ - يَبْكِي؟ قَالَ: \"إِنِّي لَمْ أَبْكِ، وَهَذِهِ رَحْمَةٌ\" (٥).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٨٠٨) كتاب الْفَضَائِلِ.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٩/رقم ١٢٨٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ\n(٤) أي وروحها تُساق لِتخرج من بدنها.\n(٥) أحمد \"المسند (ج ٤/ص ٤٣٦/رقم ٢٤١٢) حديث حسن.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>بكاء النّبيّ - ﷺ - على ولد ابنته - ﵂ </span>-\nوبكى المصطفى - ﷺ - على ابن ابنته (١)، فقد أرسلت إلى أبيها النَّبيِّ - ﷺ - رسولًا يخبره أنَّ ابنها في النّزْعِ وتطلب منه أن يأتيها، فأَرْسَلَ يقرئها السَّلام ويأمرها بالصَّبر والاحتساب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها ترجو مواساته لها، فَقَامَ وَمَعَهُ رجال، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - ولدها، وهو في الموت، وَنَفْسُهُ تضطرب، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ - ﷺ -.\nعَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، - ﵄ -، قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ،\nفَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ، وَيَقُولُ: إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ - قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ (قرْبَة خَلِقَة يَابِسَة) - فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا الله فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ\" (٢).\nولعلّ سائلًا يسأل: لماذا امتنع - ﷺ - أوّلًا، وهو يعلم أنَّ الأمر جَلَل والمصابَ فادحٌ، وأنَّ رؤيتها له ووقوفه معها في هذه السَّاعة يدفع عنها شيئًا ممَّا هي فيه من الألم؟ والجواب، لاشك أنَّ مكانة ابنته عنده عظيمة، لكنّ النَّبيَّ - ﷺ - لم يكن مَقْصُورًا على أهل بيته، وإنَّما للنَّاس كافَّة، وربَّما كان عنده ساعتها مِن الْأُمُورِ\n_________\n(١) اختلف فيها، ولعلّها رقيّة، وابنها هو عبدالله بن عثمان بن عفّان.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٩/رقم ١٢٨٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":177},{"text":"الْعِظَامِ الَّتي لو نيط واحد منها إلينا لشغلنا، ثُمَّ إِنَّه أرسل إليها من يقرئها السَّلام ويقول لها على لسانه: \"إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ\" ولمّا ذهب - ﷺ - لم يزد على ذلك، ولعلَّه أراد إظهار التَّسليم لأمر الله تعالى، وأن يبيّن أنَّ مَن دُعِي ليشهد المحتضر لم تجب عليه الإِجابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>بكاء النّبيّ - ﷺ - على مصرع قادة مؤتة</span>\nعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، نَعَى زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ - ﷺ -: \"أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ\" (١).\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ٢٧/رقم ٣٧٥٧) كتاب أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>القسم العاشر\nما يرتجى في مصيبة الموت</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>مَا يُرْجَى للعبد فِي مصيبة الموت إِذَا احْتَسَبَ أصفياءه</span>\nعلى المسلم أن يُوَطِّنَ على الصَّبر نفسه، فيعدّ الصَّبر لفواجع الأمور وتعاظم الشُّرُورِ، فمن يَعِشْ في هذه الحياة ويصحب الدَّهر لَا بُدَّ له من أَنْ يَسْتَعِدَّ فيها للنَّوازل قبل نزولها، وللحوادث قبل حدوثها، ولأحوال الدَّهر قبل حلولها، فيصبر على فراق الأصفياء من الآباء والأمهات، والأبناء والبنات، والإخوة والأخوات، والأحبَّاء وَالْأَخِلَّاء والقرناء.\nفكلَّما مدَّ الإنسان في العمر وتراخت منيَّتُه وتقدَّم زمانُه وبعد أجله وأوانه، ولاحَ بياضُ الشَّيبِ فِي مفرقه؛ رأى الفجيعة في أحبَّته، وَالرَّزِيَّةَ في أعزَّته، وكان له من حوادث الدَّهر معتبر، ومن صُرُوف اللَّيَالِي مُزْدَجَرٌ، وفي إخوان له تتابعوا للمنايا واحدًا بعد واحدٍ فكرة إذا افتكر.\nوالابن لا شكَّ أنَّه من صفوة الصَّفوة، وموته رزء عظيم ومصاب جسيم، وفقده جرح في قلب والديه لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إِلَى المَوْتِ، ولو برئ في بعض الغفلات، ولذلك رتَّب الله تعالى على احتسابه الأجر العظيم والخير العميم، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يَقُولُ الله تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ\" (١).\nولا ريب أنَّه بقدر حبور التَّلاقي تكون حرقة التَّنَائِي، كما قالوا في المثل:\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٨/ص ٩٠/رقم ٦٤٢٤) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":179},{"text":"\"بِقَدْرِ سُرُورِ التَّوَاصُلِ، تَكُونُ حَسْرَةُ التَّفَاصُلِ\" (١).\nفإذا أُصِبْتَ بمن كان لك على المصائب معين، فاسترجع واصبر، وقل كما الله تعالى أَمَرَ، فلن يَرى الله تعالى لك ثوابًا دُونَ الْجَنَّةِ، قال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدَاهُ\" (٢).\nوالميِّت كلَّما كان نفيسًا عند أهله عظمت الرَّزِيَّةُ به، فعظم الأجْرُ وكان الجزاءُ أنفس، قال - ﷺ -: \"عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ\" (٣).\nوالنّاس يتفاوتون فضلًا، فمنهم إذا مات اغتمَّ بموته الأنام، وتألَّم له الْخَاصّ وَالْعَامّ، كما قال القائل: ...\nيموتُ قومٌ وَلَا يأسى لَهُم أحد ... وواحدٌ مَوته همٌّ لأقوام\n\nوقد قبض لي ولد بعد والديّ وأخي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّي اشدد لكلِّ مُلِمَّة أزري، ولا تحبطنَّ في فرط لوعتي أجري، فلَأُوثِرَنَّ صبري فيهم ما حييت، فإنْ أمت ثَوَيْتُ وقد أبقيت حسن أثري في جميل الصَّبر ولم أعدم الأجر؛ ويا قلب تَسَلّ ولا تُحْزِنْك نائبةٌ، فالخير وَالشَّرُّ يتعاقبان تعاقب اللَّيل والنَّهار، فصبرًا عَلَى الأمر\n_________\n(١) الميداني \"مجمع الأمثال\" (ج ١/ص ١٠٨).\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٤/ص ٤٣٠/رقم ١٥٦٦٢) حديث صحيح، رجاله ثقات\n(٣) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٥/ص ١٥٩/رقم ٤٠٣١) حسن لغيره، وفي الباب عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عند أحمد (ج ٣٩/ص ٣٥/رقم ٢٣٦٢٣) وإسناده جيّد.","vol":"1","page":180},{"text":"المَقْدُورِ والأجل المسطور صبرًا يستوجب مثوبة الصَّابرين وجزاء الشَّاكرين، ... ويا عين شحّي ولا تسحّي؛ لعلَّ لي إلى أَجْرٍ لدى المليك سبيل، ويا نفس جِدِّي ليوم ﴿... لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ... (٣٣)﴾ [لقمان].\nنعم، لا شكَّ أنَّ الولد إذا غُيِّب في لحده تدمع له عيون، وتحزن له قلوب، فالولد يترك ذكرى تُهَيِّجهَا ذِكْرَى، كما قال القائل:\nتولَّى وأَبْقَى بيننا طِيْبَ ذِكْرِهِ ... كباقي ضِيَاء الشَّمسِ حِيْنَ تغيب\n\nلكن لعلَّ الصَّبر ومنع النَّفْس من السَّخط يجعل الولد وِجَاءً لوالديه من النّار، ولعلَّ الحمد والاسترجاع يبلِّغهما بيت الحمد عند الواحد القهَّار، ولعلَّ خير الله فيما نكره أكثر من خيره فيما نحبُّ، فطب أيُّها المبتلى نفسًا وقرَّ عينًا، فالمؤمن فِي كَنَفِ الله تعالى حَيًّا وَمَيِّتًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>لا تفرح بموجود ولا تأس على مفقود</span>\nاعْلَم أنَّ مَنْ يَصْحَب الدَّهْرَ - والدَّهر قُلَّب- يرى القشيب والرّثيث، والسّمين والغثيث، ويذوق السَّمين والغثَّ، ويلبس الجديد والرَّثَّ، ولا يتلبّث إلّا قليلًا ليدعو لفوات الولد خير مجيب لشكوى الحزن والبثِّ، فكلٌّ إلى الله تعالى راجع وإنْ طالت سلامته، فالموت يأخذ كلَّ حيّ، ولا يترك أحدًا لأحد.\n\"والدّنيا كلّها إلى شتات، وكلّ حيّ إلى ممات\" (١)، وكلّ نفس إلى فوات، كان لامْرَأَة من بني عَامر بَنُون عشرَة، فَخرج تِسْعَة مِنْهُم فِي بَعْض حَاجتهم، فَأَصَابَتْهُم السَّمَاء فابتدروا كهفًا فانطبق عليهم، فَمَكَثُوا فِيهِ لَا يقدرُونَ عَلَى الْخُرُوج\n_________\n(١) الهاشمي \"جواهر الأدب\" (ج ١/ص ٦٢) والعبارة من كلام المأمون.","vol":"1","page":181},{"text":"مِنْهُ، فَجَعَلَتْ تَسْمَعُ أَنِينَهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرهم، فقالت:\nوكلُّ أمٍّ وَإِنْ سُرَّتْ بِمَا ولدتْ ... يَوْمًا سَتَثْكِلُ مَا رَبَّتْ مِنَ الوَلَد\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>ما يستحبّ للمرء من تقديم الفرط لنفسه</span>\nمَنْ مات ولم يقدِّم من ولده شيئًا، فهو كمن لا وَلدَ لَهُ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالَ قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا\" (١).\nفكأنّ ولد المسلم على الحقيقة مَنْ مات في حياته واحْتَسَبَه، أمّا مَنْ لم يمت مِنْ ولده أحد في حياته، فهو كالرَّقُوب الَّذي لَا وَلدَ لَهُ، لِمَا فَقَدَ من ثَوَاب فَقْد الولد فِي الْآخِرَة، ولِمَا فَاتَهُ مِنْ أَجْرِ تَقْدِيمِهِ والصَّبر عليه.\nإنّ فقد الولد في الدُّنيا وإن كان عظيمًا، لكنَّ فقد والده لثواب مصيبته به وصبره عليه واحتسابه أعظم! والمصاب على الحقيقة مَنْ حُرِمَ الثَّوابُ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الولد الصّالح ينفع أبويه حيّا وميّتا</span>\nالْوَلَد الصّالح ينفع أَبَوَيْهِ إن عاش بعدهما، أو مات قبلهما، فإن عاش بعدهما دعا لهما، فانتفعا بدعائه، قال - ﷺ -: \"إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\" (٢).\nوإن مات قبلهما وصبرا عليه رِضًا بِقَضَاءِ الله تعالى رجاء فضله أعظم الله تعالى لهما الزّلفى، وكان لهما أَجْرًا وسَلَفًا.\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٠١٤) كتاب الْبِرِّ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٢٥٥) كِتَابُ الْوَصِيَّةِ.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>النبي - ﷺ - فرط مَن لا فرط له</span>\nمَنْ كَانَ لَهُ فَرَط (١) مِنْ أُمَّة النَّبيِّ - ﷺ - فاحتسب أَدْخَلَهُ الله بِهِ الجَنَّةَ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ فالنَّبيُّ - ﷺ - له فَرَط، قَالَ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي، دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِأَبِي، فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ؟ فَقَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ، قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي، لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِي\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>ثواب من يموت له ولد إذا حمد واسترجع</span>\nإنَّ ظاهر الموت أمر مكروه، خاصّة إذا أصاب ثمرة الفؤاد، لكنّ باطنه أمر\nمحبوب؛ فكم من مكروه ضارّ أسْفر عمّا هو سَارّ، فقد رتَّب الله تعالى عليه الأجر العظيم والخير العميم، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ الله لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ الله: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ\" (٣)، والْولد يَشْمَل الذَّكر وَالْأُنْثَى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>من مات له ولد فاحتسبه لم يأت بابًا من أبواب الجنّة إلا وجده ينتظره</span>\nبيّن النَّبِيُّ - ﷺ - في غير حديث ثَوَاب الْوَلَدِ يُقَدِّمُهُ الوالد، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -:\n_________\n(١) الْفَرَط: الولد الَّذي يتقدَّم والديه.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٥/ص ٢١٣/رقم ٣٠٩٨) إسناده حسن.\n(٣) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٤٢/رقم ١٠٢١) وقال أبو عيسى: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وحسّنه الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٣/ص ٣٩٨/رقم ١٤٠٨).","vol":"1","page":183},{"text":"\"أَتُحِبُّهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَحَبَّكَ اللهُ كَمَا أُحِبُّهُ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ: مَا فَعَلَ ابْنُ فُلَانٍ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِأَبِيهِ: أَمَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّكُمْ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>ثواب من قدّم اثنين من أولاده</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: \"لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبَهُ، إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أَوِ اثْنَيْنِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>ثواب من مات له ثلاثة من الولد</span>\nعنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ -، قال: \"جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: ... يَا رَسُولَ الله، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ الله، فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ الله، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاثَةً، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ الله، أَوِ اثْنَيْنِ؟ قَالَ: فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ\" (٣).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - ﷺ - بِصَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٤/ص ٣٦١/رقم ١٥٥٩٥) إسناده صحيح.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٠٢٨) كتاب الْبِرِّ.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٩/ص ١٠١/رقم ٧٣١٠) كِتَابُ الِاعْتِصَامِ.","vol":"1","page":184},{"text":"الله ادْعُ اللهَ لَهُ، فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً، قَالَ: \"دَفَنْتِ ثَلَاثَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ\" (١).\nوقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ، إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ\" (٢). قَالَ البُخَارِيّ: قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ... (٧١)﴾ [مريم].\nوقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ، يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ\" (٣).\nوالمراد أنَّهم ماتوا صغارًا وسلموا من الإثم، ولم يبلغوا مَبْلَغًا يجري عَلَيْهِ القَلَم بِالطَّاعَةِ والمعصِية. والحاصل مَنْ قَدَّم واحدًا فَمَا فَوْقَهُ دخل الجنَّة، وغفر الله تعالى له بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِلْأَبْنَاءِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>أطفال المؤمنين يدخلون الجنّة بلا سعي ويتلقون آباءهم من أبوابها</span>\nعَنْ أَبِي حَسَّان، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ \"صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ - أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ ـ، فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ - أَوْ قَالَ بِيَدِهِ ـ، كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ (بطرف) ثَوْبِكَ هَذَا، فَلَا يَتَنَاهَى - أَوْ قَالَ فَلَا يَنْتَهِي - حَتَّى يُدْخِلَهُ اللهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ\" (٤).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٠٣٠) كتاب الْبِرِّ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٣/رقم ١٢٥١) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٠/رقم ١٣٨١) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٠٢٩) كتاب الْبِرِّ.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>شفاعة الولدان لآبائهم</span>\nقال النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِنَّهُ يُقَالُ لِلْوِلْدَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا وَأُمَّهَاتُنَا، قَالَ: فَيَأْتُونَ، قَالَ: فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: مَا لِي أَرَاهُمْ مُحْبَنْطِئِينَ (١)، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ آبَاؤُنَا، قَالَ: فَيَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>السّقط يصلّى عليه ويدعى لوالديه</span>\nقَال النَّبيُّ - ﷺ -: \"وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ\" (٣). والظّاهر أنَّ السِّقْط يصلَّى عليه ويدعى لوالديه إِذَا كان لأَرْبَعَة أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، قال - ﷺ -: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ\" (٤).\nفحمل المرأة إذا سقط ميّتًا وقد تمَّ له أربعة أشهر فأكثر، صُلِّي عليه، وإن كان دون أربعة أشهر؛ لم يصلَّ عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>لا نقطع لأحد بالجنّة ولا بالشّهادة </span>عنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ\n_________\n(١) المُحْبَنْطِئُ: المُتَغَضِّبُ المُسْتَبْطِئُ لِلشَّيْءِ، وَقِيلَ: هُوَ الممتنِعُ امتِناعَ طلَبٍ لَا امْتِنَاعَ إِباء.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٨/ص ١٧٤/رقم ١٦٩٧١) إسناده جيّد.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ١١٠/رقم ١٨١٧٤) حديث صحيح.\n(٤) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ١١١/رقم ٣٢٠٨) كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ.","vol":"1","page":186},{"text":"السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ: \"أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ\" (١).\nأراد النَّبيُّ - ﷺ - أن يمنع كلَّ أحد أن يفتح أبواب الجنَّة لمن يشاء، ونحن نسمع من يقطع بالجنَّة لفلان من النَّاس ويزعم أنّه مع المبشرين بالجنَّة - ﵃ -!\nكذلك لا نقطع بالشّهادة لأحد، قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"الله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ\" (٢). ولكن نقول كَمَا قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ ... \" (٣) ولا نقطع بالشّهادة إلّا لمن قطع له النَّبيُّ - ﷺ - بها كما في قوله - ﷺ -: \"اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>كيف تصل والدك في قبره</span>؟\nعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَأَتَانِي عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ - ﵄ -، فقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ أَتَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ، فَلْيَصِلْ إِخْوَانَ أَبِيهِ بَعْدَهُ\" (٥)، وَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي (عُمَرَ) وَبَيْنَ أَبِيكَ إِخَاءٌ وَوُدٌّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَصِلَ ذَاكَ.\nفيستحبُّ للإنسان أَنْ يَصِلَ ويكرم أصدقاء أَبِيهِ وأمّه ونحوهما رَجَاءَ برّ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٠٥٠) كتاب الْقَدَرِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ٣٧) كِتَابُ الجِهَادِ، بَابُ لا يَقُولُ فُلانٌ شَهِيدٌ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥١٧) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ٩/رقم ٣٦٧٥) كِتَابُ أصحاب النَّبيّ - ﷺ -.\n(٥) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٢/ص ١٧٥/رقم ٤٣٢) إسناده صحيح.","vol":"1","page":187},{"text":"والديه بَعْدَ مَمَاتِهِما، كَانَ ابْن عُمَر - ﵄ - إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ\" (١) وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>ما يفقده الإنسان بفقد والديه</span>؟ !\nاعلم أنّ الإنسان يفقد بفقد والديه دعاء مستجابًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ\" (٢).\nويفقد بابًا من أبواب الجنَّة، عن أبي الدَّرْدَاءِ - ﵁ -، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ: \"الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَاحْفَظْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ دَعْهُ\" (٣). فمراعاة جانب الوالد وحفظ حقوقه سبب من أسباب دخول الجنَّة، فإذا مات الوالد يغلق هذا الباب دونك. وإذا كان المُرَادُ بِالْوَالِدِ الْجِنْس، فكيف بالوالدة، فهي بالاعتبار أولى، وبالمكانة أعلى، لكثرة الحثِّ على برِّها.\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩٧٩) كتاب الْبِرِّ.\n(٢) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٥/ص ٣٠/رقم ٣٨٦٢) حسن لغيره.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٤٥/ص ٥٣٥/رقم ٢٧٥٥٢) إسناده حسن.","vol":"1","page":188},{"text":"ويفقد الأجر بفقد صحبتهما والإحسان إليهما، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو - ﵄ -، قَالَ: \"أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ الله - ﷺ -، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ الله، قَالَ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا\" (١).\nويفقد رِضى والديه الَّذي فيه رضى الله تعالى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ\" (٢).\nويفقد عملًا من أحبِّ الأعمال إلى الله تعالى: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، قَالَ: \"سَأَلْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ... \" (٣).\nواعلم أنَّ رتبة عقوق الوالدين من الكبائر في الدَّرجة الثَّانية، أي بعد الإشراك بالله، فاحذر، عَنْ أَبِي بَكْرَة - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: الإِشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ ... \" (٤).\nهذا ومِنَ النَّاس مَنْ إذا مات والداه بكى بحُرْقَةٍ لا تبرد وَعَبْرَة تتجدَّد، لا لموتهما، ولكن لأنَّه كان جَبَّارًا شَقِيًّا، كان عَاقًّا لهما، ومقصّرًا في حقِّهما.\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩٧٥) كتاب الْبِرِّ.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٤/ص ١٦٨/رقم ٧٢٤٩) وقال حَدِيثُ صَحِيحُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٨٩).\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٤/رقم ٥٩٧٦) كِتَابُ الأَدَبِ.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>القسم الحادي عشر\nأحكام الجنازة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>طلب المخبر من النّاس الاستغفار للميّت ولو كان شهيدا</span>\nيستحبُّ للمخبر عن الوفاة أن يطلب من النَّاس الاسْتِغْفارَ للميِّت؛ اقتداءً بالنَّبيِّ - ﷺ - وعملًا بسنَّته، قال - ﷺ - لأصحابه - ﵃ -: \"إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ\" (١).\nويستحبُّ أن يطلب من النَّاس الاسْتِغْفارَ للميِّت ولو كان شهيدًا؛ ففي غزوة مؤتة صَعِدَ النَّبيُّ - ﷺ - الْمِنْبَرَ، وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وأخبرهم عن جَيْشِ الْأُمَرَاءِ، وقال - ﷺ -: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي؟ إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا حَتَّى لَقُوا الْعَدُوَّ، فَأُصِيبَ زَيْدٌ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ - فَاسْتَغْفَرَ لَهُ النَّاسُ - ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْهَدُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، ... فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى أُصِيبَ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ ... \" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الصّلاة على الجنازة في المسجد وخارجه</span>\nيجوز الصَّلاة على الجنازة في المسجد، لما روي عن عائشة - ﵂ -، قالت:\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣١/ص ٥٢٢/رقم ١٩١٨٦) صحيح لغيره، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (ج ٩/ص ٤١٩/رقم ١٦١٨٥) وقال: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ. وحسّنه الألباني في \"الأحكام\" (ص ٩١).\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٧/ص ٢٤٥/رقم ٢٢٥٥١) صحيح لغيره، وهذا إسناد جيّد.","vol":"1","page":190},{"text":"\"عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي المَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى ... سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي جَوْفِ المَسْجِدِ\" (١).\nكما تجوز الصَّلاة على الجنازة في مصلَّى الجنائز، أي فِي مَوْضِعٍ مُعَدٍّ للصَّلاة عليها، كأن يكون بفناء المسجد أو مصلَّى مخصَّص نحو مصلَّى العيد، وكان العمل على ذلك في عهد النَّبيِّ - ﷺ - أيضًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ اليَهُودَ جَاؤوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ الجَنَائِزُ عِنْدَ المَسْجِدِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>هل يُصلّى على الجنازة في المقبرة</span>؟\nاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الصَّلاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي المَقْبَرَةِ ووَسَطَ الْقُبُورِ، والّذي أختاره أنَّ الصَّلَاةَ تُكْرَهُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي المَقْبَرَةِ، وهو قول جُمْهُور الْعُلَمَاءِ، لأنّها خلاف السُّنَّة الَّتي لم تأتِ إلَّا بصلاتها في المسجد والمصلَّى.\nوقد جاء النَّهي صريحًا عن الصَّلاة على الجنازة بين القبور، عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: \"نَهَى أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ بَيْنَ الْقُبُورِ\" (٣). لكنّه نهيٌ غير جازم، فقد صلَّى أبو هريرة وعبد الله بن عمر على عائشة وأمِّ سلمة في وسط البقيع مدفن أهل المدينة، ولم ينكر أحد من الصَّحابة ذلك، عن نَافِع قَالَ: \"صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ الْبَقِيعِ بَيْنَ الْقُبُورِ، قَالَ: وَالْإِمَامُ يَوْمَ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٨) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٩/ص ١٠٥/رقم ٧٣٣٢) كِتَابُ الِاعْتِصَامِ.\n(٣) الطّبراني \"الأوسط\" (ج ٦/ص ٦) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٣٦): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وصحّحه الألباني في\"صحيح الجامع\" (ج ٢/ص ١١٥٤).","vol":"1","page":191},{"text":"أَبُو هُرَيْرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ\" (١).\nوالخلاصة، الأفضل في الصَّلاة على الجنازة أن يكون في مصلّى الجنائز؛ لفعله - ﷺ -، أو في المسجد، أمَّا في المقبرة فالصَّلاة على الميِّت قبل الدَّفن فيه خلاف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>الصلاة على الميت وهو في قبره</span>\nالصَّلاة عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ مَا يُدفن لمن لم يُصَلِّ عَلَيْهِ جائزة إذا كان العهد قريبًا، عن الشَّعْبِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ \"فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ\" (٢).\nوعَنِ الشَّعْبِيِّ: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا\" (٣)، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ: \"انْتَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ\" (٤)، وفي الصَّحيحين عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ\" (٥).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: \"مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: البَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلا آذَنْتُمُونِي؟ قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ\n_________\n(١) الصّنعاني \"مصنّف عبد الرّزاق\" (ج ٣/ص ٥٢٥/رقم ٦٥٧٠)، والبيهقي \"السّنن الكبرى\" ... (ج ٢/ص ٦١١/رقم ٤٢٧٨) سنده صحيح عن نافع.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٩/رقم ١٣٣٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥٨) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٤) المرجع السّابق.\n(٥) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩١/رقم ١٣٤٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ. ومسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٧٩٥) كِتَابُ الْفَضَائِلِ.","vol":"1","page":192},{"text":"فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ\" (١).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ (يكنس) المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ ... - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا\" (٢).\nوالأحاديث فيها دليل على جواز الصَّلاة على الميت وهو في قبره، وأن ذلك لا يشمله نهيه - ﷺ - عن الصَّلاة إلى القبور، والجواز لا يقيَّد بيوم وليلة.\nومن أهل العلم من يرى أنَّ الصَّلاة على القبر من وقائع العَيْنٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ من خصائص النَّبِيِّ - ﷺ -، وَاسْتَدَلُّوا بقوله - ﷺ -: \"وَإِنَّ اللهَ - ﷿ - يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ\" (٣). وفيه نظر، فلو كان من خصائصه - ﷺ - ما أَمَّ النَّاس وصلّوا خلفه، ولزجرهم عن ذلك، والله أعلم. وفي الأحاديث ندْب إلى الإِعْلَام بِالْجِنَازَةِ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا، لقوله: \"أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي\" أيْ أَخْبَرْتُمُونِي. واخْتُلِفَ فِي أَمَدِ ذَلِكَ، وأَشْهَر ما سُمِع عنه - ﷺ - في المدَّة الّتي يُصَلَّى عليه فيها أنَّها شهر، أخرج البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ\" (٤).\nأمَّا كيفيَّة الصَّلاة على الميِّت، وهو في قبره، فكما هو الحال فيما إذا صلَّيت\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ٢/ص ٨٧/رقم ١٣٢١) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاريّ\" (ج ١/ص ٩٩/رقم ٤٥٨) كِتَابُ الصَّلاةِ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٤) البيهقي \"السُّنن الكبرى\" (ج ٤/ص ٧٥/رقم ٧٠٠٤)، وإِسْنَادُهُ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ، كذا قال الحافظ في \"التّلخيص الحبير\" (ج ٢/ص ٢٥٣).","vol":"1","page":193},{"text":"عليه قبل الدَّفن، تجعله بينك وبين القبلة وتكَبِّر عَلَيْهِ أَرْبَعًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>النّهي عن صلاة الفريضة أو النافلة عند القبور</span>\nالمَقْبَرَةُ لَيْسَتْ موضعًا للصَّلَاةِ، وقد نهى النَّبيُّ - ﷺ - عن الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ سَوَاء كَانَت الصّلاة بِجَنْبِ الْقَبْرِ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ إِلَيْهِ؛ وسَوَاء كان القبر أمام المصلِّي أو خلفه أو عن يمينه أو عن شماله، لأنّ النّهي مُطلق، والمطلق يجري على إِطلاقه حتَّى يأتي ما يُقيِّده، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا\" (١)، وبوّب البخاريّ على هذا الحديث (باب كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ).\nفصلاة الفريضة أو النَّافلة تكره في المقبرة، لعمومِ النَّهي عن الصَّلاةِ في المقبرةِ. وعلى من حضرته الصَّلاة وهو في المقبرة الصَّلاة خارجها، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْحَمَّامَ وَالمَقْبَرَةَ\" (٢)، وعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا\" (٣)، وعَنْ أَنَس - ﵁ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَيْنَ القُبُورِ\" (٤).\nولعلَّ علَّة النَّهي سَدُّ الذَّرَائِعِ إلى المحرَّمات، لما في الصِّلاة بين القبور من الفتنة، والخوف من أن يفضي ذلك إلى الغلوِّ فيها وتعظيمها، واتّخاذها أوثانًا تُدعى\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ١/ص ٩٤/رقم ٤٣٢) كِتَابُ الصَّلاةِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٨/ص ٤١١/رقم ١١٩١٩) إسناده صحيح.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٨) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٤) البزّار \"مسند البزّار\" (ج ١٣/ص ١٩٨/رقم ٦٦٦٠) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" ... (ج ٢/ص ٢٧/رقم ٢٠٦٢): رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.","vol":"1","page":194},{"text":"وتعبد من دون الله تعالى، ولذلك قال - ﷺ -: \"اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>كراهة اتِّخَاذِ المَسَاجِد عَلَى القُبُورِ</span>\nعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، قَالَ: \"لمّا مَاتَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ (فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ ابْنَةُ عَمِّهِ) القُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا - لعلّه مِنَ المَلَائِكَةِ أَوْ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ- يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا\" (٢). وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ على هَذَا الْأَثَرِ (مَا يُكْرَهُ مِن اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ) لأنّ ضرب القبّة (الْخَيْمَة) سنة يقتضي الإقامة ومن ثمّ الصّلاة، فتصير كالمسجد، وأورده البخاريّ لموافقته الأدلّة على الْكَرَاهَة.\nوتُكْرَهُ الْخَيْمَةُ وَالْفُسْطَاطُ على القبر؛ فقد رَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: \"انْزِعْهُ يَا غُلامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ\" (٣) ولمّا حضر أبا هريرة الموتُ، قال: \"إِذَا مُتُّ فَلَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ، وَأَسْرِعُوا بِي إِلَى رَبِّي\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>من لا تجب عليه صلاة الجنازة</span>\nاثنان لا تجب الصَّلاة عليهما: الطِّفل والشَّهيد. فلا تجب صلاة الجنازة على\nالطّفل الَّذي لم يبلغ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لم يصلِّ على ابنه إبراهيم - ﵇ -، عَنْ عَائِشَة - ﵂ -،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١٢/ص ٣١٤/رقم ٧٣٥٨) إسناده قويّ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٨) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ، رواه تعليقًا.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ١٦/ص ١٢٨/رقم ١٠١٣٧) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":195},{"text":"قَالَتْ: \"لَقَدْ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ الله وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ\" (١). وهذا لا ينفي جواز الصَّلاة عليه، لقول النَّبِيِّ - ﷺ -: \"وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ\" (٢)، وقوله - ﷺ -: \"وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ\" (٣) ولكن ليس على الوجوب.\nوالشَّهيد لا تجب الصَّلاة عليه، لأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لم يصل على شهداء أحد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قال: \"أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا\" (٤).\nوهذا لا يمنع من الصّلاة على الشَّهيد، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِحَمْزَةَ، وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ\" (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>أين يقوم الإمام من الميت في صلاة الجنازة</span>؟\nيقوم الإمام في صلاة الجنازة عند رأس الرَّجل ووسط المرأة، عَنْ ... أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: \" صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَاؤوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ عَلَى الجَنَازَةِ مُقَامَكَ مِنْهَا\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤٣/ص ٣٣٠/رقم ٢٦٣٠٥) إسناده حسن.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٩٧/رقم ١٨١٦٢) حديث صحيح.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ١١٠/رقم ١٨١٧٤) حديث صحيح.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ١٠٢/رقم ٤٠٧٩) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٥) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ٥٧) وحسّنه الألباني في \"الأحكام\" (ص ٧٩).","vol":"1","page":196},{"text":"وَمِنَ الرَّجُلِ مُقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: احْفَظُوا\" (١).\nوعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ -، قَالَ: \"صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَصَلَّى عَلَى ... أُمِّ كَعْبٍ، مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَسَطَهَا\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>صفة الصّلاة على الميت</span>\nيُكَبِّرُ الإمام ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الكتاب مُخَافَتَةً، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: \"السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ\" (٣).\nثم يكبّر التّكبيرة الثّانية ويصلِّي على النَّبيِّ - ﷺ -، عن أبي أُمَامَةَ بْن سَهْلِ - ﵁ -، وَكَانَ مِنْ كُبَرَاءِ الْأَنْصَارِ وَعُلَمَائِهِمْ، وَأَبْنَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: \"أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَيُخْلِصَ الصَّلَاةَ (٤) فِي التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا خَفِيًّا حِينَ يَنْصَرِفُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْعَلَ مَنْ وَرَاءَهُ مِثْلَ مَا فَعَلَ إِمَامُهُ\" (٥).\n_________\n(١) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٤٥/رقم ١٠٣٤) وقال أبو عيسى: حَدِيثٌ حَسَنٌ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٤) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) النّسائي \"سنن النّسائي\" (ص ٣١٨/رقم ١٩٨٩) صحيح، وقال الحافظ في \"الفتح\" (ج ٣/ص ٢٠٣): إسناده صحيح، وسبقه النّووي في\" المجموع\" (ج ٥/ص ٢٣٣)، وقال: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ.\n(٤) المراد بالصّلاة الدّعاء، وفيه أنّ الميّت ينتفع بالدّعاء إذا اقترن بالإخلاص.\n(٥) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٥١٢/رقم ١٣٣١) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذّهبي.","vol":"1","page":197},{"text":"ثمّ يكبر التَّكبيرة الثَّالثة ويدعو للميِّت بما ثبت من الدُّعاء المأثور، عَنْ ... أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، قَالَ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ\" (١).\nفإذا كان طفلًا فيدعو الله لِوَالِدَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُما فَرَطًا وَأَجْرًا، قال الحَسَنُ: ... \" يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا\" (٢).\nيكبِّر الرَّابعة (٣) ويُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عن يمينه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً\" (٤)، وفيه جواز الاقتصار على التّسليمة الأولى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>اجتماع جنائز الرّجال والنّساء والصّلاة عليها</span>\nإذا اجتمعت جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، فمن السُّنَّة جَعْل الرِّجَال مِمَّا يلي الإمام، وَالنِّسَاء مِمَّا يَلِي الْقِبْلَة، والصَّلاة عليها صلاة واحدة، عن مَوْلَى الْحَارِثِ: \"أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَابْنِهَا، فَجُعِلَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، وَفِي الْقَوْمِ\n_________\n(١) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٥١١/رقم ١٣٢٦) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذّهبي.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٩) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) وله أن يكبّر خمسًا، إلى تسع تكبيرات، كلّ ذلك ثابت، وقد كبر - ﷺ - على حمزة تسع تكبيرات.\n(٤) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٥١٣/رقم ١٣٣٢) وقال: قَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ، عَنْ ... عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. وحسّنه الألباني في \"الأحكام\" (ص ١٢٨).","vol":"1","page":198},{"text":"ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالُوا: هَذِهِ السُّنَّةُ\" (١).\nفإن اجتمعت جنازة رجل، وصبيّ، وأنثى، وخنثى (٢)، صلّي عليها صلاة واحدة، وجُعِل الرّجل مِمَّا يلي الإمام، ثم الصبيّ، ثم الخنثى، ثم الأنثى. عن نَافِع: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ جَمِيعًا فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَ الْإِمَامَ وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ فَصَفَّهُنَّ صَفًّا وَاحِدًا ... \" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>مَا يُرْتجَى لِلْمَيِّتِ فِي كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ</span>\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ\" (٤)، قَالَ: فَقُمْنَا فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ.\nهذا ومَنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ شُفِّعُوا فِيهِ، قال - ﷺ -: \"مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِالله شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ\" (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الأمر لمن صلى على ميت بإخلاص الدّعاء له</span>\nعلى الّذين يصلّون على جنازة أن يدعوا لصاحبها بإخلاص وحضور قلب،\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ١٠٢/رقم ٣١٩٣) وإسناده صحيح، وصحّحه الألباني في \"الأحكام\" (ص ١٠٤).\n(٢) الخُنْثَى: الَّذِي لَهُ مَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا.\n(٣) النّسائيّ \"السّنن الكبرى\" (ج ٢/ص ٤٤٤) وإسناده صحيح كذا قال الألباني في \"الأحكام\" (ص ١٠٣).\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥٧) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٥) المرجع السّابق.","vol":"1","page":199},{"text":"إذ المقصد من هذه الصَّلاة الدُّعاء والاستغفار للميِّت؛ لعلَّ الله تعالى أن يطِّلع على قلوبهم فيجد الإخلاص فيشفّعهم فيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ\" (١)، والحديث حجّة جليّة على أنّ الميّت ينتفع بدعاء الحيّ، ولو لم يكن من سعيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>دعَاء النَّبِيّ - ﷺ - للميت فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ</span>\nمَقْصُودُ الصَّلَاةِ عَلَى المَيِّتِ الدُّعَاءُ له والشَّفاعة فيه، والدُّعَاءُ ممَّا يَلْحَقُ المَيِّتَ مِنَ بَعْدَ مَوْتِهِ. فممَّا يقوله المصلِّي على الجنازة من دعائه - ﷺ - ما أخرجه مسلم عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - - وَصَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ - يَقُولُ: \"اللهُمَّ، اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ\" (٢). قَالَ عَوْفٌ: فَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَوْ كُنْتُ أَنَا المَيِّتَ، لِدُعَاءِ رَسُولِ الله - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ المَيِّتِ.\nوكَانَ - ﷺ - إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ، قَالَ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ\" (٣).\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ١٠٩/رقم ٣١٩٩) إسناده حسن.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٣) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ١٤/ص ٤٠٦/رقم ٨٨٠٩) حديث صحيح بطرقه وشواهده.","vol":"1","page":200},{"text":"وكان من دعائه - ﷺ - إذا صلَّى على رجل، قال: \"أَلَا إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ، وحَبْلِ جِوَارِكَ فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ، أَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ، وَالْحَقِّ، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١).\nوكَانَ - ﷺ - إِذَا قَامَ لِلْجِنَازَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، قَالَ: \"اللَّهُمَّ عَبْدُكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ احْتَاجَ إِلَى رَحْمَتِكَ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزَ عَنْهُ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الدُّعَاءُ لِلْفَرَطِ فِي الصَّلاةِ عَلَيْهِ</span>\nعنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ ... أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>أجر الصّلاة على الجنازة واتّباعها</span>\nعن أَبَي هُرَيْرَة - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ، قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ\" (٤)، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -، يُصَلِّي عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٥/ص ٤٠٠/رقم ١٦٠١٨) إسناده حسن.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٥١١/رقم ١٣٢٨) وقال: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذّهبي.\n(٣) مالك \"الموطأ\" (ج ١/ص ٤٠١/رقم ١٠١٧)، وصحّحه الألبانيّ في \"المشكاة\" (ج ١/ص ٥٣١/رقم ١٦٨٩).\n(٤) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٧/رقم ١٣٢٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":201},{"text":"فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: \"لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً\" (١).\nاستحباب الإسراع بالجنازة وَالْعلَّة فِي ذَلِك\nإذا وضعت الجنازة على الأكتاف، وحملها الرِّجال، فَإِنَّهُ يُسَنُّ الإسراع بها، لحديث أَبِي هُرَيْرَة - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ\" (٢).\nوالمراد الإسراع في المشي بالجنازة، ويدخل ضمنًا الإسراع في تجهيزها والصَّلاة عليها، فظاهر الحديث يعمُّ كلَّ ذلك.\nوصفة الإسراع في السّير فوق المشي المعتاد ودون الرَّمَل (الْهَرْوَلَة)، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن جَوْشَن، قال: \"خرَجْتُ فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِهِ يَسْتَقْبِلُونَ الْجِنَازَةَ فَيَمْشُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَيَقُولُونَ: رُوَيْدًا بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ، قَالَ: فَلَحِقَنَا أَبُو بَكَرَةَ مِنْ طَرِيقِ المِرْبَدِ، فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ، وَمَا يَصْنَعُونَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَغْلَتِهِ، وَأَهْوَى لَهُمْ بِالسَّوْطِ، وَقَالَ: \"خَلُّوا، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -، لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَإِنَّا لَنَكَادُ أَنْ نَرْمُلَ بِهَا\" (٣).\nوالمراد من الإسراع بالجنازة التَّعجيل بصاحبها إلى الخير، أو ليستراح منه، فالإنسان إذا كَانَ صَالِحًا يبشّر بالجنّة، فيشتاق إليها ويرغب أن يقدّم إلى الدّفن، ليقدم عَلَى مَا أَعَدَّ الله تعالى له وينعم بما أنعم عليه، ولذلك فإنَّ الإسراع في تَقْدِيمه\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥٢) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٦/رقم ١٣١٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٤/ص ٤١/رقم ٢٠٤٠٠) إسناده صحيح.","vol":"1","page":202},{"text":"خَيْرٌ لَهُ، وإن كان غير صالح وضعوا شرًّا عن رقابهم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>أين يكون الماشي والراكب من الجنازة</span>؟\nيباح للمسلم المشي أمام الجنازة وَخَلْفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَنْ شِمَالِهَا قريبًا منها، أمَّا الرَّاكب فيسير خلفها، أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قال: \"الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا، وَأَمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا\" (٢)، وفي رواية أحمد عن المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>القول بكراهية الرّكوب خلف الجنازة</span>\nرَوَى التِّرْمِذِيُّ موقوفًا عن ثوبان - ﵁ -، قالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: \"أَلَا تَسْتَحْيُونَ إِنَّ مَلَائِكَةَ الله عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ\" (٤). وبوَّب عليه أبو عيسى (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الرُّكُوبِ خَلْفَ الجَنَازَةِ).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥٢) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ٩٠/رقم ٣١٨٠) إسناده صحيح، وصحّحه الألبانيّ في \"المشكاة\" (ج ١/ص ٥٢٥).\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ١٤٨/رقم ١٨٢٠٧) حديث صحيح.\n(٤) التّرمذيّ \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٢٤٠/رقم ١٠١٢) ضعيف، وضعّفه الألباني في \"المشكاة\" (ج ١/ص ٥٢٦/رقم ١٦٧٢).","vol":"1","page":203},{"text":"فذهب بعضهم إلى القول بكراهة الرّكوب في الذَّهاب مع الجنازة من غير عذر، مع أنَّ الحديث ضعيف، فيه أَبُو بَكْر بْن أَبِي مريم. وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَ ... أَبُو دَاوُد عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قال: \"الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ\" (١).\nفإذا تقرَّر ذلك، فالقول بكراهة الرُّكُوبِ عند الذّهاب على الإطلاق، فيه نظر؛ لأنَّ القول بالكراهة حكم، والضّعيف لا تقام به الأحكام، والنَّبيُّ - ﷺ - رخّص بالرّكوب خلف الجنازة، كما تقدَّم، فالأمر واسع، وهناك من وجَّه الحديث ولا حاجة لتوجيهه لضعفه.\nولعلّ في هذه الأيّام يكون الرّكوب ضروريًّا فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ؛ لبعد المقابر، والنّاس فيهم الْكَبِير وَالصَّغِير والسّقيم، ولأنّ الجنائز تكون غالبًا في سيّارة نقل الموتى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المشي خلف الجنازة أفضل من الركوب</span>\nلكن نقول المشي خلف الجنازة أفضل من الرُّكُوبِ، والرُّكُوب بعد الفراغ منها لا بأس به، لما روي عَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - بسند صحيح، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، أُتِيَ بِدَابَّةٍ وَهُوَ مَعَ الْجَنَازَةِ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: \"إِنَّ المَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي، فَلَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ\" (٢).\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ٩٠/رقم ٣١٨٠) إسناده صحيح.\n(٢) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ٨٧/رقم ٣١٧٧) وصحّحه الألباني في \"الأحكام\" (ص ٧٥). وأخرجه الحاكم في\" المستدرك\" (ج ١/ص ٥٠٧) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذّهبي، وهو كما قالا.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>القيام للجنازة وتركه</span>\nندب النَّبيُّ - ﷺ - أوّل الأمر إلى القيام للجنازة، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا، فَلْيَقُمْ حَتَّى يَخْلُفَهَا أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ\" (١).\nوعن جَابِر بْن عَبْد الله - ﵄ -، قَالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَقُمْنَا بِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، قَالَ: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ، فَقُومُوا\" (٢).\nثمّ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ آخر الأمر تَرْكُ القيام، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ عن عَلِيٍّ - ﵁ -، قَالَ: ... \"رَأَيْنَا رَسُولَ الله - ﷺ - قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا يَعْنِي فِي الْجَنَازَةِ\" (٣)، وبوّب عليه (بَاب نَسْخِ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ).\nوقال عَلِيٌّ - ﵁ - فِي شَأْنِ الْجَنَائِزِ: \"إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَامَ، ثُمَّ قَعَدَ\" (٤)، وعَنْ ... أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ فَمَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامُوا لَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: أَمْرُ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: \"إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِجَنَازَةِ يَهُودِيَّةٍ وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ\" (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>العلّة من وراء القيام للجنازة</span>\nتعددت الرِّوايات في علّة القيام للجنازة، فقد سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله تَمُرُّ بِنَا جَنَازَةُ الْكَافِرِ أَفَنَقُومُ لَهَا؟ قَالَ: \" نَعَمْ فَقُومُوا لَهَا، فَإِنَّكُمْ\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٥/رقم ١٣٠٨) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٢) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٤) المرجع السّابق.\n(٥) النّسائي \"سنن النّسائي\" (ص ٣٠٩/رقم ١٩٢٣) صحيح.","vol":"1","page":205},{"text":"لَسْتُمْ تَقُومُونَ لَهَا، إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ\" (١).\nوفي الصَّحيح أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: \"أَلَيْسَتْ نَفْسًا\" (٢).\nوعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّ جِنَازَةَ يَهُودِيٍّ مَرَّتْ بِرَسُولِ الله - ﷺ - فَقَامَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: \"إِنَّمَا قُمْتُ لِلْمَلَائِكَةِ\" (٣).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَامَ: فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: \"إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا\" (٤).\nوجمع الحافظ ابن حجر بينها، فقال: \"لِأَنَّ الْقِيَامَ لِلْفَزَعِ مِنَ المَوْتِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِأَمْرِ الله، وَتَعْظِيمٌ لِلْقَائِمِينَ بِأَمْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَهُمُ المَلَائِكَةُ\" (٥).\nنهي النَّبيّ - ﷺ - النّساء عن اتّباع الجنائز\nجاءَ النّهْي عَنِ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ للْجَنَائِزِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا\" (٦)، أي لمْ يُؤَكَّدْ عَلَيْنَا فِي المَنْعِ، ولَمْ يُشدَّد في النَّهي كَمَا يُشدَّدُ في المُحَرَّمَات، فالنَّبيُّ - ﷺ - كَرِهَ للنِّساء اتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ، فهو نهي\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٢٤/رقم ٣٠٥٣) إسناده قويّ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٥/رقم ١٣١٢) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٥٠٩/رقم ١٣٢١) وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ١٤/ص ٢١١/رقم ٨٥٢٧) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٥) ابن حجر \"الفتح\" (ج ٣/ص ١٨٠).\n(٦) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٨/رقم ١٢٧٨) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":206},{"text":"كَرَاهَة تَنْزِيه لا تحريم؛ لقولها: \"وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا\". على كلّ حال المرأة لا تخرج مع النّاس حتّى لو كان الميِّت من خاصّة أهلها؛ وذلك لقلَّة صبرها، فذلك أسلم لها.\nأمّا الحديث: خَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، فقَالَ: \"مَا يُجْلِسُكُنَّ؟ قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ، قَالَ: هَلْ تَغْسِلْنَ؟ قُلْنَ: لَا، قَالَ: هَلْ تَحْمِلْنَ؟ قُلْنَ: لَا، قَالَ: هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي؟ قُلْنَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ\" (١)، فهو ضعيف. ومثله قوله لفاطمة -﵍-: \"لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى (المقابر)؟ قَالَتْ: مَعَاذَ الله أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا مَعَهُمْ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ قَالَ: لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ\" (٢)، فالحديث ضعيف بجميع طرقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>معرفة الميت ما يحل به من ثواب أو عقاب قبل أن يدخل حفرته</span>\nقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>حمل الرّجال للجنازة دون النّساء</span>\nقوله - ﷺ -: \"فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ\" دليل أنَّ النِّساء سقط عَنْهُنَّ حملها كما سقط عنهنَّ كثير مِن الأحكام، فقد عذرهنَّ الله تعالى بضعفهنَّ، قال تعالى: ... ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ... ... (٩٨)﴾ [النّساء].\n_________\n(١) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٢/ص ٥١٦/رقم ١٥٧٨) إسناده ضعيف.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ١٣٧/رقم ٦٥٧٤) إسناده ضعيف.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٠/رقم ١٣٨٠) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>التزاحم عَلَى النّعْشِ</span>\nلا يجوز التَّزَاحُمُ عَلَى النَّعْشِ، عن عَطَاء، قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ - ﵂ - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِسَرِفَ (مكان قرب مكّة)، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: \"هَذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا، فَلَا تُزَعْزِعُوا، وَلَا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا\" (١). وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: \"شَهِدْت جِنَازَةً فِيهَا أَبُو السِّوَارِ (حُرَيْثُ بْنُ حَسَّانَ) فَازْدَحَمُوا عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ أَبُو السِّوَارِ: أَتَرَوْنَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلَ أَوْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -؟ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إذَا رَأَى مَحْمَلًا حَمَلَ، وَإِلَّا اعْتَزَلَ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>كراهية رفع الصّوت في الجنازة</span>\nإذا تبع المسلم جنازة عليه بالصَّمت والسّكون والوقار في حال السَّير معها؛ فذلك أدعى لأن يعتبر ويتَّعظ ويتفكَّر في حاله ومآله، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: \"كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله - ﷺ - يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الْقِتَالِ، وَعِنْدَ الذِّكْرِ\" (٣). فلا ترفع عند الجنازة الصَّوت؛ تعظيمًا لهول الموت، وفي الموت ما يشغل الإنسان عن الكلام والأنام، ويزهِّد في الدُّنيا ويرغِّب في الآخرة.\nوعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ -، قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي جِنَازَةٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِنَا الطَّيْرَ\" (٤)، كِنَايَة عَن السُّكُونِ،\nفلا تغترّ بكثرة الَّذِينَ يسيرون خلف الجنائز يُهَلِّلُونَ.\n_________\n(١) ابن حزم \"المحلّى\" (ج ٣/ص ٤٠٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ١٠٨٦) كِتَابُ الرِّضَاعِ.\n(٣) البيهقي \"السّنن الكبرى\" (ج ٤/ص ١٢٤/رقم ٧١٨٢) رجاله ثقات.\n(٤) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٢/ص ٤٩٨/رقم ١٥٤٩) حديث صحيح، إسناد قويّ.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>القسم الثاني عشر\nأحكام الدفن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>دفن الميت</span>\nتفضَّل الله تعالى على عباده أن جَعَلَ لهم مَنْ يقبرهم، ولم يجعلهم ممَّن يُلَقى بوجه الأرض كالحيوان البهيم، فيستقذر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات].\nودفن الميِّت فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ. وأخصّ النّاس بتجهيزه ودفنه وأولاهم بِهِ الْأَقْرَبُونَ، ثمّ جيرانه وأَهْل مَحَلَّتِهِ، ثمّ سائر المسلمين. ويجب دفن الميّت ولو كان كافرًا، لأمر النَّبيِّ - ﷺ - بذلك: عَنْ أَبِي طَلْحَةَ - ﵁ -: \"أَنَّ نَبِيَّ الله - ﷺ - أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>ما يُقال عند دخول المقابر والدعاء لأهلها</span>\nإذا جئت المقبرة، فعليك بالسَّلام على أهلها، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ\" (٢).\nوعنها - ﵂ -، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: \"قُولِي:\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ٧٦/رقم ٣٩٧٦) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":209},{"text":"السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ\" (١)، وعن بُرَيْدَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>كراهية دخول المقابر بالنّعال</span>\nزَجَرَ النَّبيُّ - ﷺ - عن المشي بَيْنَ الْقُبُورِ بالنِّعالِ، فمن أراد دخول المقابر فإنَّه يستحبُّ له أن يخلع نعليه، لحديث بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ - ﵁ -، قَالَ: فَبَصُرَ بِرَجُلٍ يَمْشِي بَيْنَ المَقَابِرِ فِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ - ﷺ -: \"وَيْحَكَ يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَنَظَرَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ الله - ﷺ - خَلَعَ نَعْلَيْهِ\" (٣).\nوكان الإمام أحمد يعمل بهذا الحديث، قال أبو داود: \"رَأَيْتُ أَحْمَدَ إِذَا تَبِعَ جِنَازَةً فَقَرِبَ مِنَ المَقَابِرِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ\" (٤).\nلكن إذا كان يُخْشَى مِنَ الأذى كالشَّوك والطِّين والرَّمضاء ونحو ذلك فلا بأس من الانتعال لِلْعُذْرِ وتوقّي الأذى، فمن العلماء من لا يرى بأسًا بدليل قول النَّبيِّ - ﷺ -: \"إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا\" (٥).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٤/ص ٣٨٢/رقم ٢٠٧٨٧) إسناده صحيح.\n(٤) أبو داود \"مسائل الإمام أحمد\" (ص ٢٢٤).\n(٥) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٠١) كِتَابُ الْجَنَّةِ.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>النّهي عن الجلوس على القبور</span>\nعندما يخرج النَّاس إلى المقبرة لدفن ميِّت، ترى منهم مَنْ يجلس عَلَى الْقَبْرِ، وقد نهى النَّبيُّ - ﷺ - عن الْجُلُوسِ، وَممَّا وَرَدَ فِيه مِنْ صَحِيحِ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ\" (١).\nوعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا\" (٢). وأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ - ﵁ -، ... قَالَ: رَآنِي رَسُولُ الله - ﷺ - مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: \"لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ - أَوْ لَا تُؤْذِهِ - \" (٣).\nوَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ، وَبَحْثُهُ طَوِيلُ الذَّيْلِ سَهْلُ النَّيْلِ، ومَحَلُّهُ كُتُبُ أصول الفقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>جَوَاز الْجُلُوسِ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ عِنْدَ الدَّفْنِ</span>\nأَمَّا الْجُلُوسُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ عِنْدَ الدَّفْنِ إِلَى أَنْ يُفْرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ فجائز، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: \"شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: وَرَسُولُ الله - ﷺ -\nجَالِسٌ عَلَى القَبْرِ\" (٤).\nوعَنِ الْبَرَاءِ - ﵁ -، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٧) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٤٧٦) إسناده صحيح.\n(٤) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٩/رقم ١٢٨٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":211},{"text":"الْقَبْرِ، فَبَكَى، حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: \"يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>استحباب توسيع القبر وإعماقه</span>\nجَلَسَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى حُفَيْرَةِ قَبْر رَجُل مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ يُوصِي الْحَافِرَ وَيَقُولُ: \"أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ الرَّأْسِ، وَأَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ، لَرُبَّ عَذْقٍ (نخلة) لَهُ فِي الْجَنَّةِ\" (٢)، وقَالَ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ: \"احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَحْسِنُوا\" (٣)، وفي رواية: \"وَأَعْمِقُوا\" (٤) والتَّوسيع والإعماق كرامة للميّت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>جواز اللّحد والشقّ</span>\nيجوز اللّحد (٥) والشَّقُّ في القبر، واللّحد أفضل، قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: \"الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ الله - ﷺ - \" (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الأمر بالتّسمية لمن وضع ميّتا في قبره</span>\nتُسَنُّ التَّسمية لمن يُدْخِل الميّت القبر لثبوت ذلك عن النَّبِيِّ - ﷺ - قولًا وفعلًا،\n_________\n(١) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٥/ص ٢٨٦/رقم ٤١٩٥) إسناده ضعيف، كذا قال شعيب الأرنؤوط، وحسّنه الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٤/ص ٣٤٤/رقم ١٧٥١).\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٨/ص ٤٥١/رقم ٢٣٤٦٥) وإسناده قويّ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٢٦/ص ١٨٧/رقم ١٦٢٥٦) حديث صحيح.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٢٦/ص ١٩٤/رقم ١٦٢٦٤) إسناده صحيح على شرط الشَّيخين.\n(٥) اللَّحد: هو الشَّقُّ تَحْتَ الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ من القبر قَدْر مَا يَسَعُ المَيِّتَ، أو الَّذِي يُحْفر فِي عُرْضه. وَالشَّقُّ: أَنْ يُحْفَرَ وَسَطَ أَرْضِ الْقَبْرِ وَتُبْنَى حَافَتَاهُ بِلَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيُوضَعُ المَيِّتُ بَيْنَهُمَا وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ.\n(٦) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٥) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":212},{"text":"قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ، فَقُولُوا: بِسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله - ﷺ - \" (١)، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَضَعَ المَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: \"بِسْمِ الله وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>إدخال الميت القبر من قبل رجليه</span>\nومن السُّنَّة إدخال الميّت من مؤخَّر القبر من قبل رجليه، عَنْ أَبِي إِسْحَاق، قَالَ: \"أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ القَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ القَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ\" (٣).\nفَالسُّنَّةُ أَنْ يُدْخَل المَيِّتُ في قَبْرِه مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، عَنْ مُحَمَّد بن سيرين، قَالَ: \"كُنْتُ مَعَ أَنَسٍ فِي جِنَازَةٍ فَأَمَرَ بِالمَيِّتِ فَسُلَّ، مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>كم يدخل القبر؟ ومن أولى بإنزاله</span>؟\nيدخل قبر الميِّت مَنْ يُحتاج إليه، وليس لذلك حدّ مِنْ شفْع أو وتر، فقد يدخل اثنان أو ثلاثة أو أربعة، على مَا تَقْتَضِيه الحاجة، وتستدعيه المصلحة.\nويُقَدَّم في دفن الرَّجُل وإنزاله حفرته مَنْ يُقَدَّم في غسله، وأولياء الميّت\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٨/ص ٤٣٠/رقم ٤٨١٢) رجاله ثقات رجال الشّيخين.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٧٥/رقم ٣١٠٩) إسناده صحيح، رجال ثقات رجال الصّحيح.\n(٣) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ١١٩/رقم ٣٢١١) إسناده صحيح، وصحّح إسناده البيهقي في \"السّنن الكبرى\" (ج ٤/ص ٨٩) وقال: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ قَالَ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ فَصَارَ كَالمُسْنَدِ، وصحّح إسناده ابن حزم في \"المحلّى\" (ج ٣/ص ٤٠٩/رقم ٦٢١).\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٧/ص ١٦٢/رقم ٤٠٨١) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.","vol":"1","page":213},{"text":"أولى النّاس بذلك إنْ تيسَّر، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: \"غَسَّلَ رَسُولَ الله - ﷺ - عَلِيٌّ، ... وَالْفَضْلُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُرَحَّبٌ أَوْ أَبُو مُرَحَّبٍ، أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَهُمْ أَدْخَلُوهُ قَبْرَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ قَالَ: إِنَّمَا يَلي الرَّجُلَ أَهْلُهُ\" (١)، وقَالَ عَلِيّ - ﵁ -: \"وَلِيَ دَفْنَهُ، وَإِجْنَانَهُ (وسَتْرَه) دُونَ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ، وَصَالِحٌ مَوْلَى رَسُولِ الله - ﷺ - \" (٢).\nويستحبُّ أن يقدَّم في دفن المرأة محارمها الرِّجال وزوجها إن أمكن، لعموم قوله تعالى: ﴿... وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ... (٧٥)﴾ [الأنفال].<span data-type=\"title\" id=toc-192> هل يَدْخُل قَبْرَ الْمَرْأَةِ غير محارمها وزوجها</span>؟\nلا يشترط فيمن ينزل المرأة في قبرها أن يكون محرمًا لها، بل يجوز للأجنبي ممّن حضر من المسلمين أن يتولّى إنزال المرأة للّحد، فإنَّ أبا طلحة - ﵁ - نزل في قبر بنت رسول الله - ﷺ - وَقَبَرَها وليس مَحْرمًا، وإنّما أجنبيّ على بنت رسول الله - ﷺ -.\nعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَرَسُولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: \"هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا\" (٣).\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ١١٨/رقم ٣٢٠٩) صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٥١٥/رقم ١٣٣٩) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وصحّح إسناده ابن المُلَقِّنِ في \"البدر المنير\" (ج ٥/ص ٢٠٠).\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩١/رقم ١٣٤٢) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":214},{"text":"وقوله: \"لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ\" فهموا أنَّ مراده - ﷺ - لم يقترف ذنبًا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ولذلك زَاد ابن مُبَارَكٍ عَنْ فُلَيْحٍ، قَالَ: \"أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ\" (١)، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (البخاريّ): ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ... (١١٣)﴾ [الأنعام]: أَيْ لِيَكْتَسِبُوا. ويلاحظ أنّ البخاريّ أتى بالمفردة القرآنية ليؤيّد كلام ابن المبارك، والله أعلم.\nوفهم آخرون من قوله - ﷺ -: \"لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ\" أنّ مراده - ﷺ - أن يكون ممّن لم يَقْرَبْ أَهْلَهُ اللّيلة، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ اللَّيْلَ، وهذا الفعل يقع غالبًا ليلًا، ويشهد لذلك قول النَّبِيِّ - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ أَهْلَهُ اللَّيْلَةَ\" (٢)، وعلى ذلك فلا ينبغي لمن وطئ أهله تلك اللّيلة أن يتولَّى الدَّفن.\nعلى كلّ هذا الحديث يُحْتَجُّ به في كون الرِّجال هم الذين يتولّون الدَّفن دون النِّساء، وإن كان الميِّت امرأة، وأنَّه يتولَّى دفن المرأة من كان أعرف بطريقة الدَّفن سواء كان من محارمها أو لم يكن، وأنَّ نزول مَنْ لم يقارف القبر سنَّة غائبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>توجيه الميت في قبره إلى القبلة</span>\nيوجَّه الميّت على جهته اليمنى، ويستقبل به القبلة، أي يوضع على جنبه الأيمن، ووجهه نحو القبلة، قال - ﷺ - في البَيْتِ الْحَرَامِ: \"قِبْلَتكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا\" (٣).\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩١) كِتَابُ الجَنَائِزِ. ذكره البخاريّ تعليقًا.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٤/ص ٥١/رقم ٦٨٥٢) وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وأخرجه أحمد في \"المسند\" (ج ٢١/ص ٣٤١/رقم ١٣٨٥٣) وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٣) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٤/ص ٤٩٩/رقم ٢٨٧٥)، وحسّنه الألباني في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ١٥٤/رقم ٦٩٠)، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (ج ٤/ص ٢٨٨) وصحّح إسناده.","vol":"1","page":215},{"text":"فالبيت قِبْلَة أحيائنا وَوجهة أمواتنا، وتعظيم القبلة بتوجيه الميّت نحوها من مقاصد الشّريعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>دَفْن الرَّجُلَيْن وَالثَّلَاثَة في قبر واحد من ضرورة وتقديم الأكثر قرآنا</span>\nلَا ضَرَرَ عَلَى المَيِّتِ فِي دَفْنِ مَيِّتٍ آخَرَ مَعَهُ، فَيَوْم أُحُدٍ اشْتَدَّ عَلَى المُسْلِمِينَ حَفْرُ الْقُبُورِ لِكَثْرَةِ الْقَتْلَى، واستبدَّ بهم التَّعَبُ، فقَالَ لهم النَّبيُّ - ﷺ -: \"احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا\" (١).\nوَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى تقديم الأَكْثَر أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فِي اللَّحْدِ، فيجعل مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ،\nوَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا، فَيَكُونُ الأكثر جَمْعًا لِلْقُرْآنِ إِمَامًا وَأَمَامًا حَيًّا وَمَيِّتًا، عَنْ ... جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>لا يدفن مسلم مع كافر</span>\nلا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، لحديث عَنْ بَشِير - ﵁ -، قَالَ: \"كُنْتُ أُمَاشِي رَسُولَ الله - ﷺ - آخِذًا بِيَدِهِ ... قَالَ: فَأَتَيْنَا عَلَى قُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَتَيْنَا عَلَى قُبُورِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُهَا\" (٣).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٦/ص ١٩٢/رقم ١٦٢٦٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٣/رقم ١٣٥٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٤/ص ٣٨٢/رقم ٢٠٧٨٧) إسناده صحيح.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>تَبْشِير الْكَافِر باِلنَّار عِندَ الْمُرُورِ عَلَى قَبْرِهِ</span>\nقال النَّبيُّ - ﷺ -: \"حَيْثُ مَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ\" (١)، فطوبى لمن هدى الله تعالى به نفسًا وأَنْقَذَها من النَّار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>تسوية القبر</span>\nالسُّنَّةُ أَنَّ الْقَبْرَ لَا يُرْفَعُ عَلَى الْأَرْضِ عاليًا، لحديث ثُمَامَةَ بْنِ شَفِيٍّ، قَالَ: كُنَّا\nمَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -: \"يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا\" (٢).\nوتعلية القبور بالبناء عليها خلاف السُّنَّة، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - لأَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ -؟ \"أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ\" (٣).\nوظاهر الحديث أنْ يسوَّى القبر بالأرض، بحيث لا يرفع أبدًا، وليس ذلك مقصودًا، بدليل أنَّ السُّنَّة أن يرفع قدر شبر، والظَّاهر أنَّ كلامه - ﷺ - خرج على\nوجه التّغليظ، فإنّ الوثنيين كانوا يتَّخذون من القبور والتّماثيل الماثلة ذكرى لأهل\n_________\n(١) الطّبرانيّ \"المعجم الكبير\" (ج ١/ص ١٤٥/رقم ٣٢٦). وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ١/ص ١١٨/رقم ٤٦١): رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. ... وصحّحه الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ١/ص ٥٥/رقم ١٨)، و\"صحيح الجامع\" (ج ١/ص ٦٠٤/رقم ٣١٦٥).\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٦) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) المرجع السّابق.","vol":"1","page":217},{"text":"الصّلاح من رجالهم، ويجعلونهم أولياء لهم ويدعونهم من دون الله تعالى، فجاء الأمر بطمسها وتسويتها بصيغة التَّغليظ قطعًا لِلذَّرَائِعِ الموصلة إلى الشِّرك.\nوكم نشأ عن رفع سمك القبور من مفاسد في كلِّ مصر وعصر! فالجهلة في كلِّ زمان ومكان يعتقدون ما اعتقده الجاهليّون في أنَّ أصحاب القبور أولياء يملكون جلب النَّفع وكشف الضُّرِّ، فاتّخذوا على هذه القبور المساجد، وجعلوها قبلتهم، وشدُّوا الرِّحال إليها، واستغاثوا بها ودعوا أهلها من دون الله تعالى ...\nوالسُّنَّة أن يُرْفَعَ القبر نَحْوَ شِبْرٍ ليَتَمَيَّز مِنْ سَائِرِ الأرض، ويُعْلَم أنّه قبر فيزار ويصان ولا يهجر ويهان، فَعَنْ ثُمَامَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ، وَكَانَ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ عَلَى الدَّرْبِ، فَأُصِيبَ ابْنُ عَمٍّ لَنَا فَصَلَّى عَلَيْهِ فَضَالَةُ، وَقَامَ عَلَى حُفْرَتِهِ حَتَّى وَارَاهُ، فَلَمَّا سَوَّيْنَا عَلَيْهِ حُفْرَتَهُ قَالَ: أَخِفُّوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ \"يَأْمُرُنَا بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ\" (١).\nفمن قول فضالة \"أَخِفُّوا عَنْهُ\" يفهم أنَّ المراد تخفيف التّراب عن قبره وكراهية رفعه، وليس إزالته بالكليَّة، ويؤيّده حديث جَابِر: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - \"رُفِعَ قَبْرُهُ\nمِنَ الْأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ\" (٢).\nأمَّا مَنْ ذَهَبَ إلى أنَّ أمر النَّبيِّ - ﷺ - بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ المراد منه أن تسوَّى القبور بالأرض بحيث تَدْرس ولا يبقى لها أَثَرٌ بعد عَيْنٍ، بدليل الحديث: \"خَيْرُ\n_________\n(١) احمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٣٥٩/رقم ٢٣٩٣٤) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ١٤/ص ٦٠٢/رقم ٦٦٣٥) إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":218},{"text":"القُبُور الدَّوارِس\" فهذا ليس حديثًا وإن اشتهر على الألسن، وَيَرُدُّهُ ما أخرجه ... أبو داود من حديث المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ - ﵁ - من أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - وضع حجرًا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَان بْن مَظْعُون - ﵁ -، وَقَالَ: \"أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي\" (١). فظاهر حديث الدّوارس خِلَافُ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ يسنُّ أن يجعل على القبر علامة ليعرف، فيزار، لا أن يدرس القبر ويندثر.\nومثله حديث \"إِنَّ الله تَعَالَى يَطَّلِعُ عَلَى الْقُبُورِ الدَّوَارِسِ، فيقول - ﷿ -: امَّحَتْ آثَارُهُمْ وَاضْمَحَلَّتْ صُوَرُهُمْ وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ وَأَنَا اللَّطِيفُ وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ خَفِّفُوا عَنْهُمُ الْعَذَابَ، فَيُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ\" (٢)، قلت: ذكره القرطبيّ في تفسيره دون سند، ولا أعلم لَهُ أَصْلًا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>تسنيم القبر</span>\nوَيُسْتَحَبُّ تسنيم القبر، أي على صورة سنام البعير؛ حتى يعرف وَيُعْلَم أنَّه قبر، وحتّى لا يستقرّ عليه الماء، وهو مذهب الجماهير أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالمُزَنِيِّ وغيرهم، لحديث سُفْيَانَ التَّمَّارِ، قال: \"أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُسَنَّمًا\" (٣).\nواستحبّ غيرهم تسطيح (تسوية) القبر لا تسنيمه، وَهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، ويشهد لهم مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَبْر\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ١١٥/رقم ٣٢٠٦) إسناده حسن، وحسّنه الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٧/ص ١٦١/رقم ٣٠٦٠)، والحافظ في \"التّلخيص الحبير\" (ج ٢/ص ٣٠٧).\n(٢) القرطبي \"تفسير القرطبيّ\" (ج ١٦/ص ١٧) سورة الشّورى.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":219},{"text":"فَسُوِّي، ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -: \"يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا\" (١)، والتّسوية خِلافُ التَّسْنِيمِ، فالمسألة لا تخلو من خلاف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>رفع القبر من الأرض قدر شبر</span>\nروى ابن حبّان في صحيحه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ - \": أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُلحِدَ ونُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا، ورُفِعَ قبرُهُ مِنَ الأرض نحوًا مِنْ شِبْرٍ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>استحباب حثو التّراب على القبر من قبل رأس الميّت</span>\nويستحب لمن عند القبر أن يَحْثُوَ بِيَدَيْهِ من التّراب ثَلَاثَ حَثَوَاتٍ بعد الفراغ من سَدِّ اللَّحْدِ عَلَى المَيِّتِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -: \"صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ المَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا\" (٣).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ١٤/ص ٦٠٢/رقم ٦٦٣٥) إسناده صحيح على شرط مسلم. وحسّنه الألبانيّ في \"التّعليقات الحسان\" (ج ٩/ص ٣٣٥/رقم ٦٦٠١). وروى أبو داود في \"المراسيل\" (ج ١/ص ٣٠٣/رقم ٤٢١) من حديث صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر، قَالَ: \"رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - شِبْرًا أَوْ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ\" وصالح رتبته عند الحافظ ضعيف يعتبر به.\n(٣) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٢/ص ٥٠٨/رقم ١٥٦٥) إسناده حسن، وصحّحه الألباني في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ٢٠٠)، وقال البوصيري في \"زوائد ابن ماجة\" (ج ٢/ص ٤١): هَذَا إِسْنَاد صَحِيح رِجَاله ثِقَات. وقال ابن الملقّن في \"البدر المنير\" (ج ٥/ص ٣١٨): إِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ. وخالف أبو حاتم في \"العلل\" (ج ٢/ص ٤١٧)، وقال: هَذَا حديثٌ باطلٌ، ونقل الحافظ قول أبي حاتم في \" التّلخيص\" (ج ٢/ص ٣٠٤)، ثمّ قال: إسْنَادُهُ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>رش الماء على القبر</span>\nويُرَشُّ الماءُ على تراب القبر بَعْدَ الدَّفْنِ ويوضع عليه الْحَصْبَاءُ (صغَار الْحِجَارَة) ليشتَدَّ ويتماسك، فذلك أثبت له وأبعد لِدُرُوسِهِ، وأمنع من أن تذروه الرِّيح وتزيل أثره، عنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه: \"أَنَّ الرَّشَّ عَلَى الْقَبْرِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - \" (١).\nوعَنْ عَائِشَة - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: \"رَشَّ (الماء) عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ\" (٢). وعَنْ جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رُشَّ عَلَى قَبْرِهِ المَاءُ، وَوُضِعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءُ مِنْ حَصْبَاءِ الْعَرْصَةِ (٣)، وَرُفِعَ قَبْرُهُ قَدْرَ شِبْرٍ\" (٤)، وفيه حجَّة لمن استحبَّ تسطيح القبر لا تسنيمه؛ قال الشَّافِعِيُّ: \"وَالْحَصْبَاءُ لَا تَثْبُتُ إلَّا عَلَى قَبْرٍ مُسَطَّحٍ\" (٥).\n_________\n(١) البيهقي \"السّنن الكبرى\" (ج ٣/ص ٥٧٦) وهذا سند صحيح مرسل، كذا قال الألباني في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ٢٠٦).\n(٢) الطّبراني \"الأوسط\" (ج ٦/ص ١٨٧/رقم ٦١٤٦) وقال الهيثميّ في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٥/رقم ٤٢٥٠): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ خَلَا شَيْخَ الطَّبَرَانِيِّ. وضعّفه الألباني في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ٢٠٥)، ثمّ تراجع وصحّحه في \"الصّحيحة\" ... (ج ٧/ص ٩٩/رقم ٣٠٤٥)، وأخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (ص ٣٠٤/رقم ٤٢٤) ومن طريقه: البيهقي في \"السّنن\" (ج ٣/ص ٥٧٧/رقم ٦٧٤١).\n(٣) موضع يجمع السّيل فيها الحصى الصّغار.\n(٤) البيهقي \"السّنن الكبرى\" (ج ٣/ص ٥٧٦)، وقال: وَهَذَا مُرْسَلٌ. وصحّحه الألبانيّ في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ٢٠٦).\n(٥) الشّافعيّ \"الأمّ\" (ج ١/ص ٣١١)، و\"مسند الشّافعيّ\" (ص ٣٦٠).","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>الإقامة حول القبر مقدار ما تنحر جزور ويقسم لحمها</span>\nقال عمرو بن العاص - ﵁ - لِابْنِهِ وَهُوَ فِي سِيَاقِ المَوْتِ: \"إِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا (١) عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي\" (٢). وهو اجتهاد منه - ﵁ -، ولم ينسبه إلى النَّبيِّ - ﷺ -، ولم يُحِلْه عَلَى السُّنَّةِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>ثواب من حفر لميّت قبرًا ودفنه</span>\nقال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وَمَنْ حَفَرَ لِمَيِّتٍ قَبْرًا فَأَجَنَّهُ فِيهِ أُجْرِيَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ مَسْكَنٍ أُسْكِنَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (٣)، وعن أبي رَافِعٍ - ﵁ -، قال: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"وَمَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ قَبْرًا حَتَّى يَجُنَّهُ فَكَأَنَّمَا أَسْكَنَهُ مَسْكَنًا مَرَّةً حَتَّى يُبْعَثَ\" (٤).\nأي أنَّ مَنْ حفر لميِّت قبرًا، ودفنه فيه وستره، كأنّه أَجَّرَ له منزلًا إلى يوم القيامة، ووقع أجره على الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>السّاعات الّتي نهي عن دفن الموتى فيهنّ إلّا لضرورة</span>\nهناك ثلاثة أوقات لا يجوز الدَّفن فيها إلا لضرورة: عند شروق الشَّمس،\n_________\n(١) الشَّنُّ: الصَّبُّ المُتَقَطِّع بِسُهُولَةٍ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ١١٢) كِتَابُ الْإِيمَان.\n(٣) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٥٠٥) وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الّذهبي. وصحّحه محقّقو \"المطالب العالية\" (ج ٥/ص ٢٥١).\n(٤) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ١/ص ٣١٥/رقم ٩٢٩) وقال المنذري في \"التّرغيب\" (ج ٤/ص ١٧٤): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح، وتبعه الهيثمي في \"المجمع\" (ج ٣/ص ٢١/رقم ٤٠٦٨) وقال: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.","vol":"1","page":222},{"text":"وعند استوائها، وعندما تميل للغروب، قال عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ - ﵁ -: \"ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>جواز الدفن ليلا</span>\nيجوز الدَّفن ليلًا إذا دعت إليه الحال، على أن لا يفوت بالدَّفن ليلًا شيء من حقوق الميِّت، مثل: تحسين الكفن والصَّلاة عليه. ولعلَّ الدَّفن بالنَّهار أفضل لما يلتمس فيه من كثرة المصلِّين، وحُضُور مَنْ يُرْجَى دُعَاؤُهُ، عَنْ جَابِر - ﵁ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ\" (٢).\nوالخلاصة لا مانع أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ ليلًا إذا لم يحصل تقصير في حقِّ الميِّت، وقد دُفِنَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيْلًا عنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ الله - ﷺ - حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ المَسَاحِي (٣) مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ\" (٤).\nوممّن دُفِنَ لَيْلًا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - ﵁ -، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِن حَدِيث\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٥٦٨) كِتَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِينَ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) المَسَاحِي: جمعُ مِسْحاةٍ وَهِيَ المِجْرَفَة مِنَ الْحَدِيدِ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٤٠/ص ٣٩١/رقم ٢٤٣٣٣) حديث محتمل للتّحسين.","vol":"1","page":223},{"text":"أمّ المؤمنين عائشة - ﵂ -: \"فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ\" (١).\nوممّن دُفِنَ لَيْلًا عائشة - ﵂ -، ففي المسند بإسناد صحيح: \"فَمَاتَ (أبو بكر) لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ لَيْلًا وَمَاتَتْ عَائِشَةُ، فَدَفَنَهَا عَبْدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ لَيْلًا\" (٢).\nوممّن دُفِنَ لَيْلًا فاطمة - ﵂ -، فعن عائشة - ﵂ - أنَّ فاطمة \"عَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>إخراج الميت من القبر بعد أن يدفن فيه لعلّة</span>\nيجوز إخراج الميِّت بعد ما يدفن إذا كان لذلك سبب ومعنى، عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَالَ: \"دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ\" (٤). وكان جابر - ﵁ - أَخْرَجَ أَبَاهُ - ﵁ - مِنْ قَبْرِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ من دفنه، ليَكُونَ فِي قَبْرِهِ وَاحِدًا، فوجده كَيَوْمِ دَفَنهُ، عنْ جَابِرٍ، قَالَ: \"لمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٢/رقم ١٣٨٧) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٤١/ص ٤٦٥/رقم ٢٥٠٠٥) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٣٨٠) كِتَابُ الْجِهَادِ.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٣/رقم ١٣٥٢) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":224},{"text":"هُنَيَّةً غَيْرَ (١) أُذُنِهِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>الِاسْتِغْفَار لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ وَسُؤَال التَّثْبِيت لَهُ</span>\nويشرع بعد الفراغ من دفن الميّت أن يقف أحد النَّاس على قبره يستغفر له، ويدعو له بالتَّثبيت، ويأمر الحاضرين بذلك، عنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ -، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ\" (٣). فينبغي الاستغفار والدّعاء له بعد الفراغ من الدّفن مباشرة، كَأَنْ يُقَالَ: (اللَّهُمَّ اغفر له، اللَّهُمَّ ثبّته بالقول الثّابت) ثلاث مرّات؛ لأنّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>الدعاء جماعة عند القبر والتأمين</span>\nوليس من هدي النَّبِيِّ - ﷺ - أن يقوم أحدهم على القبر يدعو وَيُؤَمِّن الجميع، ولا من سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ من بَعْده، وإنَّما كان - ﷺ - يأمرهم بالاستغفار للميِّت والدُّعاء له بالتّثبيت كلٌّ وحده، وليس جماعة كما تقدَّم في الحديث آنفًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>موعظة المحدّث عند الدّفن وقعود أصحابه عنده</span>\nويجوز للمحدِّث أن يعظ النَّاس أثناء الدَّفن، فيجلس مستقبلًا القبلةَ، ويجلس أصحابه معه، ويذكِّرهم بالموت وما بعده؛ لحديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ -، قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمْ\n_________\n(١) أي غَيْرَ أَثَر يَسِير في أذنه.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٣/رقم ١٣٥١) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) أبو داود \"سنن أبي داود\" (م ٥/ص ١٢٧/رقم ٣٢٢١) إسناده حسن.","vol":"1","page":225},{"text":"يُلْحَدْ بَعْدُ فَجَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ\" (١)، وبوّب عليه أبو داود (باب الجلوس عند القبر) يعني للواعظ والموعوظ.\nوعند أحمد عَنِ الْبَرَاءِ - ﵁ -، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: \"اسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ ... \" (٢) الحديث.\nوعند البخاريّ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، قَالَ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الّليل] \" (٣) الآيَةَ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ (بَابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ).\nفالموعظة للأحياء عند الدَّفن جائزة، لكن ما جاء عنه - ﷺ - من مشروعيَّة\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ١٢٠/رقم ٣٢١٢) إسناده صحيح.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٤٩٩/رقم ١٨٥٣٤) إسناده صحيح، رجاله رجال الصّحيح.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٦/رقم ١٣٦٢) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":226},{"text":"الموعظة عند الدَّفن لم يثبت أنَّه فعلها في كلِّ جنازة شهدها، فلم تكن سنَّة مطَّردة، وحديثه - ﷺ - من باب التَّعْلِيم منه - ﷺ - لِأَصْحَابِهِ؟ .\nأمّا أن يقوم المحدِّث خطيبًا بعد الدَّفن ويُطِيلُ بِالنَّاسِ حديثه، فَالسُّنَّةُ خلافه، فالنَّبِيُّ - ﷺ - كان إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وأمر بالاستغفار له، وسؤال الله تعالى له بالتّثبيت، فالميّت إذا سُوِّي عليه التّراب، فهو أحوج إلى الاستغفار وسؤال الله تعالى له بالتّثبيت؛ لأنّه في هذه اللَّحظة يُسْأَل، وليس بحاجة إلى الخطب والمواعظ، أمّا النّاس فكفى بما هم فيه واعظًا!\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>حكم تلقين الميت بعد الفراغ من دفنه</span>\nأمَّا تلقين الميّت بعد الفراغ من دفنه كما يفعله بعض النَّاس اليوم فلا يصحُّ، وحديث أبي أُمَامَة - ﵁ - في التَّلقين ضعيف، أخرجه الطَّبراني في \"الكبير\" بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلَفْظُهُ عَنْ سَعِيد، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - أَنْ نصْنَعَ بِمَوْتَانَا، أَمَرَنَا رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَالَ: \"إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُم التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَة، فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَة، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَة، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِالله رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا. فَقَالَ رَجُلٌ:","vol":"1","page":227},{"text":"يَا رَسُولَ الله، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَيَنْسُبُهُ إِلَى حَوَّاءَ، يَا فُلَانَ بْنَ حَوَّاءَ\" (١).\nويدلّك على ضعفه مخالفة متنه لما ثبت في الصَّحيح، من أنَّ الميِّت لا يسمع إلّا بعد أن يتولَّى عنه أصحابه يسمع قَرْعَ نِعَالِهِمْ، وما ثبت من أنَّ النَّاس يدعون بآبائهم لا بأمَّهاتهم، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ... (٥)﴾ [الأحزاب]، وهذا عام في الحياة وبعد الممات، وفي الصَّحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ الغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ\" (٢). وبوّب عليه البخاريّ: (بَاب مَا يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ).\nومن النّاس من يعمل بهذا الحديث مع علمه بضعفه وعدم ثبوته. واستمرار الْعَمَل بِهِ فِي الْأَمْصَار والأعصار لا يجيز العمل به؛ فالحديث لم يثبت، فَلَا تَغْتَرَّ بما جرى عليه عمل كثير من النَّاس، والثّابت بعد الفراغ من الدّفن سؤال الله تعالى له بالمغفرة والتّثبيت، فقد كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ\n_________\n(١) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ٨/ص ٢٤٩/رقم ٧٩٧٩) وَفِي إِسْنَادِهِ جَمَاعَةٌ لَمْ أَعْرِفْهُمْ، كذا قال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٥/رقم ٤٢٤٨)، وقال العراقي في \"المغني عن حمل الأسفار\" (ص ١٨٧٥)، والنّووي في \"المجموع\" (ج ٥/ص ٣٠٤): إِسْنَاده ضَعِيف. وضعّفه ابن القيّم في \"الرّوح\" (ص ١٣)، وقال في \"زاد المعاد\" (ج ١/ص ٥٠٣): حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ... رَفْعُهُ. وضعّفه الألباني في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ٢٠٣/ص ٧٥٣)، وقال في \"الضّعيفة\" (ج ٢/ص ٦٤/رقم ٥٩٩): منكر. وقال السّيوطي في \"الحاوي\" (ج ٢/ص ٢٣١): التَّلْقِينَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ، بَلْ حَدِيثُهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٤١/رقم ٦١٧٧) كِتَابُ الأَدَبِ.","vol":"1","page":228},{"text":"عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ\" (١)\nهذا ولا يُنْكَر على مَنْ عمل به أمام الملأ؛ لما يترتَّب على ذلك مِنْ شرور، وَدَرْءُ المَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصْلَحَةِ، وإنّما يُعَرَّف في الزَّمان والمكان المناسبين ... ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... (١٢٥)﴾ [النّحل].\nوالتّلقين المشروع يكون لمَنْ حَضَرَهُ المَوْتُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" (٢)، وَالمُرَادُ ذَكِّرُوهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله عِنْدَ المَوْتِ لَا بعد الدَّفن، لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: \"مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>علامة القبر وجمع الرّجل موتاه في موضع</span>\nيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا فَيُزار، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْمَعَ الْأَقَارِبُ الموتى فِي مَوْضِعٍ، فذلك أسهل لزيارتهم، قَالَ المُطَّلِبُ - ﵁ -: \"لمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ الله - ﷺ -، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ المُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ: عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ الله - ﷺ -، حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (م ٥/ص ١٢٧/رقم ٣٢٢١) إسناده حسن.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٦/ص ٣٦٣/رقم ٢٢٠٣٤) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":229},{"text":"أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>كَرَاهِيَّة تَجصِيص الْقَبْر وَالكتابة عليه</span>\nيَتَسَاءلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، هل يجوز تجصيص (بناء) القبر؟ وهل يجوز كتابة اسم الميِّت وتاريخ وفاته على القبر أو على حجر يثبَّت فوق القبر أو بجواره؛ لضرورة معرفة القبر عِنْدَ تَطَاوُلِ السِّنِينَ وكثرة القبور؟\nوالجواب يُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَكَذَا تُكْرَهُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْقَبْرِ، وَقَدْ وَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى قَبْرِ ابْنِ مَظْعُونٍ - ﵁ - حَجَرًا لِيُعْرَفَ فَيُزَارَ ويدفن إليه مَنْ مَاتَ مِنْ أهله. وقد ورد النَّهي صريحًا عن تجصيص القبور والكتابة عليها، عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَالَ: \"نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ\" (٢).\nوروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عَنْ مُحَمَّد بن سيرين، أَنَّهُ: \"كَرِهَ أَنْ يُعَلَّمَ الْقَبْرُ\" (٣). ولعلّ الكراهة كَرَاهَة تَنْزِيه، فبعد أن أخرج الحاكم النَّهي من طرائق، قال: \"هَذِهِ الْأَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ أَئِمَّةَ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرْقِ\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٥/ص ١١٥/رقم ٣٢٠٦) إسناده حسن، وحسّنه الحافظ في \"التّلخيص\" (ج ٢/ص ٣٠٧)، والألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٧/ص ١٦١/رقم ٣٠٦٠).\n(٢) التّرمذيّ \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٢٤٩/رقم ١٠٥٢) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ. وصحّحه الألباني في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ٢٠٧/رقم ٧٥٧).\n(٣) ابن أبي شيبة \"مصنّف ابن أبي شيبة\" (ج ٣/ص ٢٣/رقم ١١٧٣٨) وصحّح إسناده الألباني في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ٢٠٨).","vol":"1","page":230},{"text":"إِلَى الْغَرْبِ مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ، وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَ بِهِ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ\" (١). لكن تعقّبه الذّهبي في \"التّلخيص\" بأنَّه محدث ولم يبلغهم النَّهي، فقال: \"ما قلتَ طائلًا، ولا نعلم صحابيًّا فعل ذلك، وإنّما هو شيء أحدثه بعض التَّابعين فمن بعدهم، ولم يبلغهم النّهي\".\nوكراهة الكتابة تشمل الكتابة على القبر عينه وكذا الأحجار المنصوبة علامة عليه، قَالَ النّووي: \"قال أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ كَانَ المَكْتُوبُ عَلَى الْقَبْرِ فِي لَوْحٍ عِنْدَ رَأْسِهِ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ أَمْ فِي غَيْرِهِ فَكُلُّهُ مَكْرُوهٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ\" (٢). قلت: ويضاف إلى هذه العلَّة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان بمقدوره أن يفعل ذلك ولم يفعله، ولعلَّ ذلك يرجع إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من كتابة الأشعار والأخبار الّتي تعظّم صاحب القبر، وتجعل منه فتنة للنَّاس.\nوذهب الألباني إلى جواز الكتابة بتقييد، فقال: \"إذا كان الحجر لا يحقِّق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله - ﷺ - الحجر، ألا وهي التَّعرف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلًا وكثرة الأحجار المعرفة، فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقَّق به الغاية المذكورة، والله أعلم\" (٣).\nأي أنَّه يرى أنَّ كتابة شطر من الاسم أدعى لمعرفة صاحب القبر، وأقرب إلى تحقّق الغاية الَّتي يتعلَّم القبر لأجلها.\n_________\n(١) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٤٧٩/رقم ١٤٠١) كتاب الجنائز.\n(٢) النّووي \"المجموع\" (ج ٥/ص ٢٩٨).\n(٣) الألباني \"الأحكام\" (ص ٢٠٦).","vol":"1","page":231},{"text":"مشروعية التّعزية وثواب من عزّى مصابًا\nالتَّعزية سُنَّةٌ سَنِيَّةٌ، عن عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلَّا كَسَاهُ الله سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ\" (١).\nوعن قُرَّة المُزَنِيّ - ﵁ -: \"قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، بُنَيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ\" (٢).\nوالجمهور على أنَّ التَّعزية تكون بعد الدَّفن لانشغال أهل الميت بتجهيزه، وتكون قبله كذلك إن ظهر منهم شدَّة حزن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>استحباب صنع الطّعام لأهل الميّت وَكَرَاهَته مِنْهُمْ لِلنَّاسِ</span>\nيسنُّ ويُسْتَحَبُّ لأقارب الميِّت وجيرانه وأصدقائه أن يصنعوا لِأَهْلِ المَيِّتِ طعامًا؛ وأن يحملوهم على أكله، لاشتغالهم بالمصيبة عن إعداده لأنفسهم، ولأنَّ نفوسهم تعاف صنع الطَّعام ويشقّ عليها أكله، وليس السُّنَّة أن يصنع أهل الميِّت الطّعام إلى غيرهم، فَلَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ - ﵁ - حِينَ قُتِلَ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ أمْرٌ يَشْغَلُهُمْ - أَوْ أتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ\" (٣).\nفَالسُّنَّةُ أنَّ الطَّعام يصنعه النَّاس لأهل الميِّت، والأصل أن يقدَّم لهم ويبعث\n_________\n(١) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٢/ص ٥٣٢/رقم ١٦٠١) إسناده ضعيف، كذا قال الأرنؤوط، وقال النّوويّ في \"خلاصة الأحكام\" (ج ٢/ص ١٠٤٦): رَوَاهُ ابْن مَاجَة، وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن، وقال الألباني في \"صحيح التّرغيب\" (ج ٣/ص ٣٧٤/رقم ٣٥٠٨): حسن لغيره.\n(٢) النّسائي \"سنن النّسائي\" (ص ٣٣٢/رقم ٢٠٨٨) صحيح.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ٢٨٠/رقم ١٧٥١) إسناده حسن.","vol":"1","page":232},{"text":"به إليهم لا أن يدعو إليه.\nويكره لأهل الميِّت صنع الطَّعام للنَّاس؛ لأنَّه خلاف السُّنَّة، ولأن الضّيافة حقُّها أن تكون للسُّرور لا للأحزان والشُّرُورِ، ولأنَّ صنع الطَّعام مشغلة لهم ويضاعف عليهم مصيبتهم، والأصل أن نخفِّف عنهم، لا أن نزيد عليهم.\nفلا يجوز لهم أن يجمعوا النَّاس على وليمة، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ... الْبَجَلِيِّ - ﵁ -، قَالَ: \"كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ\nالنِّيَاحَةِ\" (١)، لكن إن نزل بهم ضيف من خارج البلد ودعت الحاجة جاز إطعامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>لا تخص التعزية في مكان ولا تحد بزمان</span>\nالاجتماع للتَّعزية في مكان مخصوص خلاف السُّنَّة، لحديث جَرِيرِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: \"كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ\" (٢).\nوَلَا تُحَدُّ التَّعزية بثلاث ليال لا يتعدَّاها، فقد عزَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بعد ثلاث، حيث تَرَكَ أَهْلَ جَعْفَرٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ يَبْكُونَ وَيَحْزَنُونَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، ثمّ أتاهم مُسَلِّيًا لَهُمْ، ففي حديث عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ - ﵄ - أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: \"أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ - ثَلاثًا - أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ ... \" (٣) الحديث.\nأمّا حديث: \"لا عزاء بعد ثلاثة\" فليس حديثًا مرويًّا، وإنَّما هو مِنْ كَلَامِ العَامَّةِ.\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٥٠٥/رقم ٦٩٠٥) حديث صحيح.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ٢٧٨/رقم ١٧٥٠) إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":233},{"text":"صيغة التّعزية\nلعلّ أفضل ألفاظ التَّعزية ما قاله النَّبِيُّ - ﷺ - معزّيًا ابنته لما مات ولدها: \"إِنَّ\nلله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ\" (١).\nولك أن تقول: اتَّق الله واصبر؛ فلمّا مَاتَ ابْنٌ لامْرَأَة مِنَ الْأَنْصَارِ لَيْسَ لَهَا\nغَيْرُهُ وحَزِنَتْ عَلَيْهِ دخل عَلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - يُعَزِّيهَا: \"فَأَمَرَهَا بِتَقْوَى الله وَبِالصَّبْرِ\" (٢).\nولك أن تدعو بما دعا به النَّبِيُّ - ﷺ -، فلمَّا دَخَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ عَقِبَ مَوْتِهِ - ﵁ -، ذكرت أمّ سلمة - ﵂ - أنَّه قال: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ\" (٣).\nوقال النَّبِيُّ - ﷺ - في تعزية عبد الله بن جعفر - ﵄ - في أبيه: \"اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ الله فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ\" (٤) قَالَهَا ثَلاثَ مِرَارٍ.\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٧/رقم ١٢٨٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٤٩٢/رقم ١٤٤٧) وقال الحاكم: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، ووافقه الذّهبيّ، وحسّنه الألباني في \"الأحكام\" (ص ١٦٤).\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣٤) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٣/ص ٢٧٩/رقم ١٧٥٠) إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>القسم الثالث عشر\nالقبر: ضمته فتنته نعيمه وعذابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>القبر أوَّل منازل الآخرة</span>\nكَانَ عُثْمَانُ - ﵁ - إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ، فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>البرزخ</span>\nمَا بَيْنَ المَوْتِ وَالْبَعْثِ فترة سمِّيت في القرآن الكريم بالبرزخ، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، أي حاجز وحاجب بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فكلّ شَيْء يحجز بَين شَيْئَيْنِ يسمَّى برزخًا، وَمِنْه قوله تعالى: ... ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ [الرّحمن]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان]. والبرزخ مقدّمة الآخرة، وفيه ضغطة، وفتنة، ونعيم أو عذاب، وهو عالم بين الدُّنيا والآخرة، وله تعلّق بهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>ضغطة القبر</span>\nقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ\" (٢). وَسَعْدٌ - ﵁ - ممَّن شهد بدرًا، والخندق ورمي ذلك اليوم بسهم فعاش بعد\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١/ص ٥٠٣/رقم ٤٥٤) إسناده صحيح.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٤١/ص ٢٠٤/رقم ٢٤٦٦٣) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.","vol":"1","page":235},{"text":"ذلك شهرًا، حتى حكم في بني قريظة، ومناقبه في الصِّحاح سائرة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ -، أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ، قَالَ - ﷺ -: \"قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ، أَوْ سَيِّدِكُمْ. فَقَالَ: ... يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ ... \" (١) الحديث، وفيه منقبة واضحة لسعد.\nومن مناقبه - ﵁ - ما أخرجه مسلم وغيره عن البَرَاء - ﵁ -، يَقُولُ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ الله - ﷺ - حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: \"أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ\" (٢).\nولمّا مات سعد - ﵁ - اهتزَّ له العرش فرحًا، وما علمنا عرْشَ الرَّحمنِ اهتزَّ لموت أحد إلا لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ! عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يَقُولُ: \"اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ\" (٣).\nولمَّا حُمِلَ سعد عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ ليقبر طعن المنافقون في جنازته لخفَّتها، وما علموا أنَّ الملائكة اشتركت في حملها، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ ... - وَجِنَازَةُ سَعْدٍ مَوْضُوعَةٌ -: \"اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ\" فَطَفِقَ المُنَافِقُونَ فِي جِنَازَتِهِ، وَقَالُوا: مَا أَخَفَّهَا! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: \"إِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ المَلَائِكَةُ مَعَهُمْ\" (٤).\nومِن شمائله - ﵁ - ما أخرجه ابنُ حبَّان عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَنْ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٥/ص ٣٥/رقم ٣٨٠٤) كتاب مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٩١٦) كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ؟ .\n(٣) البخاري \"صحيح البخاريّ\" (ج ٥/ص ٣٥/رقم ٣٨٠٣) كتاب مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ.\n(٤) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ١٥/ص ٥٠٥/رقم ٧٠٣٢) حديث صحيح.","vol":"1","page":236},{"text":"رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: \"هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ المَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ\" (١).\nوقد يَتَعَجَّبُ مُتَعَجِّبٌ، ويقول: لِمَ لَمْ يَنْجُ سعد من ضمَّة القبر، وهو مَنْ ... هو؟ ! وهل له سَبْقُ ذَنْب استحقَّ عليه تلك الضَّمَّة؟ وكيف لم تشفع له سوابقه؟ !\nوالجواب أنَّ ضمَّة القبر لا ينجو منها أحد بعمل، ولا تستدعي سبق ذنب، ولا يُعْفَى منها أحد، ولا يفلت منها كبير ولا صغير، ولا مؤمن ولا كافر، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ -، عَنْ أَبِي أَيُّوب - ﵁ -، أَنَّ صَبِيًّا دُفِنَ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَأَفْلَتَ هَذَا الصَّبِيُّ\" (٢).\nولو انفلت منها أحدٌ لصلاحه لانفلت منها سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - ﵁ -، قال النَّبيُّ - ﷺ - حِينَ دُفِنَ سعد: \"سُبْحَانَ الله! لَوِ انْفَلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لانْفَلَتَ منها سَعْدٌ\" (٣).\nوعَنْ جَابِر - ﵁ -، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - يَوْمًا إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ\n_________\n(١) النّسائيّ \"سنن النّسائيّ\" (ص ٣٢٨/رقم ٢٠٥٥) وصحّحه الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ٤/ص ٢٦٨/رقم ١٦٩٥)، و\"صحيح الجامع\" (ج ٢/ص ١١٧٢/رقم ٦٩٨٧).\n(٢) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ٤/ص ١٢١/رقم ٣٨٥٨)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٧/رقم ٤٢٥٩): روَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.\n(٣) البزّار \"مسند البزّار\" (ج ١٢/ص ١٥٢/رقم ٥٧٤٧) رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادَيْنِ، وَرِجَالُ أَحَدِهِمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ، كذا قال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٩/ص ٣٠٨/رقم ١٥٦٩١). وَجَوَّدَ إسناده الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٧/ص ١٠٤٠/ رقم ٣٣٤٥).","vol":"1","page":237},{"text":"حِينَ تُوُفِّيَ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، لِمَ سَبَّحْتَ؟ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: \"لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللهُ عَنْهُ\" (١).\nلكن الّذي لا ريب فيه أنَّ المسيئين والمحسنين لا يَسْتَوُونَ محيًا ولا مماتًا، لا\nفي ضمَّة القبر ولا في غيرها، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية].\nوَقد أنكر الله تَعَالَى على من نَسَبَ إِلَى حكمته التَّسْوِيَة بَيْنَ المسلمين والمجرمين، والمصلحين والمفسدين، والمتَّقين والفجَّار، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ [القصص].\nومعيَّة الله تعالى للمتَّقين والمحسنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النّحل]، فمن يتق الله فإنَّ الله تعالى معه في يومه وغده، وأُولَاهُ وَأُخْرَاهُ.\nبقي أن ننبّه إلى ما أخرجه ابن سعد مرسلًا من حديث سَعِيدٍ المقْبُرِيِّ بزيادة\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٣/ص ١٥٨/رقم ١٤٨٧٣) إسناده حسن.","vol":"1","page":238},{"text":"له منكرة، قَالَ: لمَّا دَفَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - سَعْدًا قَالَ: \"لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ\nلَنَجَا سَعْدٌ. وَلَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً اخْتَلَفَتْ مِنْهَا أَضْلاعُهُ مِنْ أَثَرِ الْبَوْلِ\" (١)، فجملة اخْتَلَفَتْ مِنْهَا أَضْلاعُهُ مِنْ أَثَرِ الْبَوْلِ لَا تَصِحُّ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>أحاديث واهية في ضمّة القبر</span>\nوهناك أحاديث أخرى معلولة في ضمّة القبر سِوَى مَا تَقَدَّمَ، منها ما أخرجه هنّاد عن الحسن أنّ النَّبيَّ - ﷺ - قال - حين دفن سعد -: \"إِنَّهُ ضُمَّ فِي الْقَبْرِ ضَمَّةً حَتَّى صَارَ مِثْلَ الشَّعْرَةِ، فَدَعَوْتُ الله أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ\" (٢).\nومنها ما روي عَنْ مُعَاذ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الضَّمَّةُ فِي الْقَبْرِ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، لِكُلِّ ذَنْبٍ بَقِيَ عَلَيْهِ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ \" (٣).\nومنها حديث: \"مَنْ قَرَأَ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ، وَأَمِنَ مِنْ ضَغْطَة الْقَبْرِ، وَحَمَلَتْهُ المَلَائِكَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَكُفّهَا حَتَّى تُجِيزَهُ الصِّرَاطَ إِلَى الْجَنَّةِ\" (٤).\n_________\n(١) ابن سعد \"الطبقات الكبرى\" (ج ٣/ص ٤٣٠) منكر، كذا قال الألبانيّ في \"الضّعيفة\" (ج ٧/ص ٣١٩/رقم ٣٣١٥).\n(٢) هنّاد \"الزّهد\" (ج ١/ص ٢١٥) وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (ج ٣/ص ٢٣٤).\n(٣) الرّافعي \"التّدوين في أخبار قزوين\" (ج ٢/ص ٣٥٢) موضوع كذا قال الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ٧/ص ٢٨١/رقم ٣٢٨١).\n(٤) الطّبراني \"المعجم الأوسط\" (ج ٦/ص ٥٧/رقم ٥٧٨٥) موضوع، كذا قال الألبانيّ في \"الضّعيفة\" (ج ١/ص ٤٧٣/رقم ٣٠١).","vol":"1","page":239},{"text":"ومنها حديث: \"ذَكَرْتُ ضَعْفَ ابْنَتِي (زينب - ﵂ -) وَشِدَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ فَأُتِيتُ فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدْ خُفِّفَ عَنْهَا، وَلَقَدْ ضُغِطَتْ ضَغْطَةً سَمِعَ صَوتهَا مَا بَين الْخَافِقين\" (١).\nومنها حديث: \"يُضْغَطُ المُؤْمِنُ فِيهِ ضَغْطَةً تَزُولُ مِنْهَا حَمَائِلُهُ، وَيُمْلَأُ عَلَى الْكَافِرِ نَارًا\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>هل ضغطة القبر على المؤمن كضمّة الأمّ الشَّفِيقَةِ</span>؟\nاشتهر عند كثير من الخلق أنَّ ضمَّة القبر على المؤمن تكون برفق كضمَّة الأُمِّ الشَّفِيقَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا؛ وذلك لما رواه البيهقيّ بسند فيه ضعيفان، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ مُنْذُ يَوْمِ حَدَّثْتَنِي بِصَوْتِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَيْسَ يَنْفَعُنِي شَيْءٌ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ أَصْوَاتَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي أَسْمَاعِ المُؤْمِنِينَ كَالْإِثْمِدِ فِي الْعَيْنِ وَإِنَّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ عَلَى المُؤْمِنِ كَالْأُمِّ الشَّفِيقَةِ يَشْكُو إِلَيْهَا ابْنُهَا الصُّدَاعَ؛ فَتَغْمِزُ رَأْسَهُ غَمْزًا رَفِيقًا، وَلَكِنْ يَا عَائِشَةُ وَيْلٌ لِلشَّاكِّينَ فِي الله، كَيْفَ يُضْغَطُونَ فِي\n_________\n(١) ابن الجوزي \"الموضوعات\" (ج ٣/ص ٢٣٢) وقال: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ طرقه، وكذا قال في \"العلل المتناهية في الأحاديث الواهية\" (ج ٢/ص ٤٢٧)، وتبعه السّيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (ج ٢/ص ٣٦١).\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٨/ص ٤٤٤/رقم ٢٣٤٥٧) إسناده ضعيف، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٦/رقم ٤٢٥٣): رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وأخرجه ... ابن الجوزيّ في \"الموضوعات\" (ج ٣/ص ٢٣١) وقال: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ.","vol":"1","page":240},{"text":"قُبُورِهِمْ كَضَغْطَةِ الْبَيْضَةِ عَلَى الصَّخْرَةِ\" (١).\nلكن الَّذي لا شكَّ فيه أنَّ العبد المحسن لا يستوي مع المسيء: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف].\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>أيهما يسبق ضمة القبر أم فتنة القبر (سؤال الملكين)</span>؟\nالظّاهر أنَّ ضمَّةَ القبرِ أوَّلُ ما يلاقيه الميِّتُ في عالم البرزخ؛ بدليل أنَّ العبد المؤمن إذا أجاب عن سؤال الملكين، فإنَّه يفسح له في قبره كما ثبت في الأحاديث الشَّريفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>صحوة الميّت</span>\nعَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِذَا دَخَلَ المَيِّتُ الْقَبْرَ مُثِّلَتْ له الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: دَعُونِي أُصَلِّي\" (٢)، وهذا فِي حَقِّ المُؤْمِنِ قسرًا، وطلبه الصَّلاة يدلُّ على حضورها في ذهنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>اجتماع أعمال الميت عليه ودفاعها عنه إن كان مؤمنًا</span>\nإذا أُدْخِل المؤمن القبر وتولّى عنه أصحابه أَحَفَّ بِهِ عَمَلُهُ: الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ\nوالزَّكَاةُ والصَّدَقَةُ وَالصِّلَةُ وَالمَعْرُوفُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، وأحاط به عمله وذاد عنه، فإذا أتى المَلَكُ مِنْ نَحْوِ واحِدٍ منها ردَّه عنه.\n_________\n(١) البيهقي \"إثبات عذاب القبر\" (ج ١/ص ٨٥/رقم ١١٦) وفي سنده الحسن بن أبي جعفر الجفري، ضعيف \"تقريب التّهذيب\" (ص ١٥٩/رقم ١٢٢٢)، وفي إسناده عَلِيّ بْنِ زَيْد بن جُدْعان، ضعيف \"تقريب التّهذيب\" (ص ٤٠١/رقم ٤٧٣٤).\n(٢) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٥/ص ٣٣٧/رقم ٤٢٧٢) إسناده حسن.","vol":"1","page":241},{"text":"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ، فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَتَقُولُ فعلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُقَالُ لَهُ: اجْلِسْ فَيَجْلِسُ ... \" (١) الحديث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>أتعاد إلينا أرواحنا وتردّ إلينا عقولنا قبل أن نُسأل</span>؟\nهل تُعَادُ روح الميّت إِلَى جسده فِي الْقَبْرِ عند السُّؤال؟ وهل يُسْأَلُ فِي قبره وعقله ثابت مَعَهُ، أم يَرْغَبُ عَنْهُ عقله؟\nروح الميِّت تُعَادُ إليه في جسده عند السُّؤال في القبر، فقد ثبت في حديث الْبَرَاءِ - ﵁ - الَّذي رواه أحمد وغيره وفيه أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: \"فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ ... \" (٢) الحديث.\nوعقله يُردّ إليه قبل أن يُسْأَل، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، ذَكَرَ فَتَّانَيِ الْقَبْرِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -: \"أَتُرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولُنَا يَا رَسُولَ\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٨٠/رقم ٣١١٣) وإسناده حسن.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٥٠٠/رقم ١٨٥٣٤) إسناده صحيح، رجاله رجال الصَّحيح.","vol":"1","page":242},{"text":"الله؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَهَيْئَتِكُمُ الْيَوْمَ، قَالَ: فَبِفِيهِ الْحَجَرُ\" (١)، أي أنّه جدير بأن يجيب الملكين - إن شاء الله تعالى - طالما أنَّ عقله يُرَدُّ إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>فتنة القبر</span>\nالمراد بفتنة القبر سؤال الملكين، قالت أَسْمَاءُ بِنْت أَبِي بَكْرٍ - ﵄ -: \"قَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً\" (٢)، وقال - ﷺ -: \" فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ\" (٣).\nوقد أَخْبَرَنا النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَيْفِيَّةِ امْتِحَانِنا فِي الْقُبُورِ، قال - ﷺ -: \"فَأَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ:\nفَبِي تُفْتَنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ (٤)، وَلَا مَشْعُوفٍ (٥)، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: فِي الْإِسْلَامِ؟ فَيُقَالُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله - ﷺ -، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ الله - ﷿ -، فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٨٤/رقم ٣١١٥) إسناده حسن. ورواه ... أحمد في \"المسند\" (ج ١١/ص ١٧٦/رقم ٦٦٠٣)، والطّبرانيّ في \"المعجم الكبير\" (ج ١٣/ص ٤٤/رقم ١٠٦) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٧/رقم ٤٢٦٢): رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُ الطَّبَرَانِيِّ رِجَالُ الصَّحِيحِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٨/رقم ١٣٧٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ١/ص ٢٨/رقم ٨٦) كِتَابُ العِلْمِ.\n(٤) المراد نفي شدّة الفزع.\n(٥) المَشْعُوفُ: الذّاهِبُ الْقَلْبِ من شدّة الذّعر والفزع.","vol":"1","page":243},{"text":"إِلَى مَا وَقَاكَ اللهُ - ﷿ -، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا، وَيُقَالُ: عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>الاستعاذة من فتنة القبر</span>\nكان النَّبيُّ - ﷺ - يتعوَّذ من فتنة القبر وهو المعصوم تعليمًا لأمَّته، عنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالهَرَمِ، وَالمَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَعَذَابِ القَبْرِ\" (٢). فجدير بمن علم أنَّه غير معصوم، وأنَّه سوَّدَ صفحاتِ الأعمال، أن يَتَعَوَّذَ ممَّا استعاذ منه النَّبيُّ - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>اسم الملكين اللذين يفتنان الناس في قبورهم وصفتهما ثبّتنا الله تعالى</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا قُبِرَ أَحَدُكُمْ أَوِ الْإِنْسَانُ، أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: المُنْكَرُ وَالْآخَرُ النَّكِيرُ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>ثبات المؤمن بعد الممات وعذاب المنافق والكافر</span>\nاعلم أَنَّ المُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ جَمِيعًا يُسْأَلَانِ، ثُمَّ يُثَبِّتُ الله تعالى المُؤْمِنَ وَيُعَذَّبُ المنافق والكَافِر. فإذا تولّى عن الميِّت الأهل والأصحاب، جاءه مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، وإنَّه ليسمع قرع نعال دَافِنِيهِ، فيسألانه عن نبيِّه ...\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ العَبْدَ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤٢/ص ١٢/رقم ٢٥٠٨٩) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٩٧/رقم ٦٣٦٨) كِتَابُ الدَّعَوَاتِ.\n(٣) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٨٦/رقم ٣١١٧) إسناده قويّ.","vol":"1","page":244},{"text":"إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ - لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - ـ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ الله بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ - قَالَ: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْر الثَّقَلَيْنِ\" (١).\nوعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ: يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ... (٢٧)﴾ [إبراهيم] \" (٢).\nكيف يجيب عن السّؤال من قام على رأسه ملك بمطراق من حديد؟ !\nوَلَرُبَّ قائل يقول: كيف يجيب عن السُّؤال مَنْ قام على رأسه مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ من حديد؟ ! ألا يذهل عن الإجابة؟ قلنا: قد سَأَل هذا السُّؤال بعضُ القوم رسولَ الله - ﷺ -، وبيّن أنَّ العبد المؤمن يثبِّته الله تعالى بالقول الثَّابت.\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - جِنَازَةً،\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٨/رقم ١٣٧٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ٨٠/رقم ٤٦٩٩) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.","vol":"1","page":245},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الْإِنْسَانُ دُفِنَ فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ فَأَقْعَدَهُ، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ، فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ فَهَذَا مَنْزِلُكَ، فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ: اسْكُنْ وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ.\nوَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا يَقُولُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولَ: لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَيَقُولُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ، وَلَا اهْتَدَيْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ، فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ بِهِ فَإِنَّ اللهَ - ﷿ - أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ يَقْمَعُهُ قَمْعَةً بِالْمِطْرَاقِ يَسْمَعُهَا خَلْقُ الله كُلُّهُمْ غَيْر الثَّقَلَيْنِ.\nفَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ الله، مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ ... إِلَّا هِيِلَ (١) عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ... (٢٧)﴾ [إبراهيم] \" (٢).\n_________\n(١) هيل: ذُهِل ووقع في الهول والفزع.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٧/ص ٣٤/رقم ١١٠٠٠) حديث صحيح، وقال الهيثميّ في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٨/رقم ٤٢٦٣): رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وقال المنذري في \"التّرغيب\" (ج ٤/ص ١٩٤) رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح، وقال الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٧/ص ١١٦٩/رقم ٣٣٩٤): وهذا إسناد صحيح كما قال المنذري.","vol":"1","page":246},{"text":"ولا شكَّ أنَّ الْجَزَاء بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يترتَّب على الْأَسْبَابِ وَالْأَعْمَالِ، ولذلك كلَّما كان العبد أقوم فِعْلًا كَانَ أَعْظَمَ تَثْبِيتًا، فانظر كيف جعل الله تعالى الْعَمَل سَببًا للتّثبيت: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [النّساء].\nفرؤية المؤمن للملائكة لا تفزعه، ولا تمنعه من الإجابة، كما لم تمنعه من طلب الصَّلاة قبل السُّؤال، ولا من تبشير أهله بعده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>عَرْض مَقْعَد الميّت مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ بعد السّؤال</span>\nوبَعْدَ السُّؤَالِ يُعْرَضُ عَلَى الميّت مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ، غُدْوَةً وَعَشِيًّا، إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الجَنَّةُ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>سؤال الميّت بعد سؤال الملك أن يرجع فيبشر أهله</span>\nأخرج أحمد من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ، فَسَأَلَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَإِنِ اللهُ هَدَاهُ، قَالَ: كُنْتُ أَعْبُدُ اللهَ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهَا، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى بَيْتٍ كَانَ لَهُ فِي النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بَيْتُكَ كَانَ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ اللهَ عَصَمَكَ ... وَرَحِمَكَ، فَأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرَ أَهْلِي، فَيُقَالُ لَهُ:\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٠٧/رقم ٦٥١٥) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":247},{"text":"اسْكُنْ\" (١). وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: \"ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>مَن يأمن مِن فتنة القبر</span>\nاعلم أنَّ الشَّهيد لا يفتن في قبره، قَالَ رجلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: \"كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً\" (٣). فأغناه الله تعالى بذلك عن أنْ يُسْأَلَ في قبره؛ لظهور صدق إيمانه بجهاده.\nكذلك من مات مرابطًا يرجى له الأمان من فتنة القبر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَأُومِنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَغُدِيَ عَلَيْهِ، وَرِيحَ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكُتِبَ لَهُ أَجْرُ المُرَابِطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (٤).\nوعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - ﵁ -، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، قال: \"كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى\nعَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢١/ص ١١٩/رقم ١٣٤٤٧) حديث صحيح، وهذا إسناد قويّ.\n(٢) التّرمذيّ \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٥٣/رقم ١٠٧١) وقال أبو عيسى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وقال الألباني في \"الصَّحيحة\" (ج ٣/ص ٣٨٠/رقم ١٣٩١): إسناده جيّد، رجاله كلّهم ثقات رجال مسلم.\n(٣) النّسائيّ \"سنن النّسائيّ\" (ص ٣٢٧/رقم ٢٠٥٣) صحيح، وصحّحه الألباني في \"الأحكام\" (ص ٣٦)، وفي \"صحيح الجامع\" (ج ٢/ص ٨٢٧/رقم ٤٤٨٣).\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ١٥/ص ١٣٧/رقم ٩٢٤٤) حديث صحيح بطرقه وشواهده.","vol":"1","page":248},{"text":"فِتْنَةَ الْقَبْرِ\" (١).\nوعَنْ سَلْمَانَ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ (٢)، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ\" (٣).\nهذا والأنبياء وَالصِّدِّيقُونَ لا تشملهم الفتنة ولا يسألون في قبورهم؛ لأنّهم أفضل من الشُّهداء والمرابطين، ويدلّك على أنَّ الأنبياء لا يُسْأَلون، أنّنا نُسأَل عنهم، قال - ﷺ -: \"فَبِي تُفْتَنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ\" (٤).\nويدلّك على أنَّ الصِّدِّيقِينَ أفضل من الشُّهداء والمرابطين، أنَّ منزلة الصِّدِّيقِينَ تالية لمنزلة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النّساء].\nوهناك أحاديث ضعيفة فيمن يأمن من فتنة القبر، منها حديث: \"مَنْ مَاتَ\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ١٠/ص ٤٨٤/رقم ٤٦٢٤) إسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (ج ٢/ص ٢٠٨/رقم ٢٤٦٤) من طريق ابن وهب، عن أبي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيّ، به. وصحَّحه الحاكم على شرطِ مُسلمٍ، وأيّده الذّهبي.\n(٢) موافق لقوله تعالى في الشّهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران].\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥٢٠) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٤٢/ص ١٢/رقم ٢٥٠٨٩) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.","vol":"1","page":249},{"text":"يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ\" (١).\nومنها: \"مَنْ قَرَأَ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ، وَأَمِنَ مِنْ ضَغْطَة الْقَبْرِ ... \" (٢).\nومنها ما روي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ الله فِتْنَةَ القَبْرِ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>صفة نعيم القبر</span>\nمن صور نعيم القبر للعبد المؤمن أنَّه إذا أجاب الملكين فإنَّه: يفرش له مِنَ الْجَنَّةِ، ويُلْبس من لباس الْجَنَّةِ، ويُفْتَح له بابٌ إلى الجنَّة فيأتيه من نسيمها وطيبها، كما يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثمَّ يقال له: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ ... ويشهد لذلك ما أخرجه أحمد من حديث البراء بن عازب - ﵁ - في قصَّة فتنة القبر أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: \"فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ\" (٤).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٢٢٦/رقم ٦٦٤٦) إسناده ضعيف.\n(٢) الطّبرانيّ \"المعجم الأوسط\" (ج ٦/ص ٥٧/رقم ٥٧٨٥) موضوع، كذا قال الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ١/ص ٤٧٣/رقم ٣٠١).\n(٣) التّرمذيّ \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٥٤/رقم ١٠٧٤) وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٤٩٩/رقم ١٨٥٣٤) إسناده صحيح، رجاله رجال الصَّحيح.","vol":"1","page":250},{"text":"وما أخرجه التِّرمذيُّ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ\" (١).\nهذه بعض صور النَّعيم الذي ينعم به المؤمن في قبره، واللهَ نسأل أن نكون\nأهلًا لذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>رزق الشهداء أين يكون</span>؟\nقوله تعالى في الشُّهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]، من قوله: (عِنْدَ) يفهم أنَّ رزق الشُّهداء المذكور في الآية لا يكون في القبر، وإنَّما في الجنّة، وَجَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حديث مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ الله عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ... ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ... [آل عمران]، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ - ﷺ -:\n\"أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ\n_________\n(١) التّرمذيّ \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٥٣/رقم ١٠٧١) وقال أبو عيسى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وقال الألباني في \"الصَّحيحة\" (ج ٣/ص ٣٨٠/رقم ١٣٩١): إسناده جيّد، رجاله كلّهم ثقات رجال مسلم.","vol":"1","page":251},{"text":"ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا\" (١).\nوالحياة، والرِّزق، ودخول الأرواح الجنَّة لا ينفرد به الشَّهيد وحده دُونَ النَّاسِ، فقد دلَّت الأحاديث على أنَّ المؤمن تدخل روحه الجنَّة، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: ... \"إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ\" (٢).\nوهذا الحديث فيه بشارة لكلِّ مؤمن بأنَّ روحه تُنَعَّمُ فِي الْجَنَّةِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>إثبات عذاب القبر من الكتاب والسّنّة</span>\nعَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ والإيمان به واجب، ولذلك بوَّب أبو عبد الله (البخاريّ) في صحيحه (بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ) وذكر قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التّوبة]، وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر]؛ لِيُنَبِّهَ عَلَى ثُبُوتِ ذكر عَذَابِ القَبْرِ فِي الْقُرْآنِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ إِلَّا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ.\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥٠٢) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٥/ص ٦٥/رقم ١٥٧٨٧) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.","vol":"1","page":252},{"text":"فقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ العرض على النَّار يَكُونُ فِي الْبَرْزَخِ؛ لأنّه لا غدوة ولا عشيّ في الآخرة، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: ... ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ فدلّ على أنَّ النَّار الَّتي يعرضون عليها تكون قبل قيام السَّاعة.\nوقد تواترت الأحاديث عن النَّبيِّ - ﷺ - في عذاب القبر والتَّعوذ منه، ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ... (١٢٤)﴾ [طه]، قال: \"عذاب القبر\" (١).\nوعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: \"أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه] أَتَدْرُونَ مَا المَعِيشَةُ الضَّنْكَةُ؟ قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ\" (٢).\nوعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \" ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ... (٢٧)﴾ [إبراهيم]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ ... \" (٣) الحديث.\nوحديث عَائِشَة - ﵂ - أنّها سألت رَسُولَ الله - ﷺ - عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: \"نَعَمْ، عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يُصَلِّي صَلَاةً بَعْدُ إِلَّا\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٨٨/رقم ٣١١٩) إسناده حسن.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٩٢/رقم ٣١٢٢) إسناده حسن.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٠١) كتاب الْجَنَّةِ.","vol":"1","page":253},{"text":"تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ\" (١).\nوعنها - ﵂ - أنَّها قالت: يا رَسُولَ الله إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: \"صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ\" (٢). قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتُهُ، بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.\nفَيُسْتَحَبُّ الدُّعاء والتَّعَوُّذ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وتلك سنَّة غائبة عند الكثير، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَدْعُو وَيَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ\" (٣). وعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالَتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَتَعَوَّذُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ\" (٤).\nويكفي في إثبات نعيم القبر وعذابه، قوله - ﷺ -: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ\" (٥).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤٢/ص ٢٥٨/رقم ٢٥٤١٩) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٤١١) كِتَابُ المَسَاجِدِ.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٩/رقم ١٣٧٧) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٨٠/رقم ٦٣٧٦) كِتَابُ الدَّعَوَاتِ.\n(٥) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٩/رقم ١٣٧٩) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":254},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ\" جاء عَلَى صيغة الْعُمُومِ فِي المُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فالمؤمن يرى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي سَيَصِيرُ إِلَيْهَا بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، والكافر يرى مكانه من النَّار، فمن مات كُشِفَ له بعض ما له عند الله تعالى.\nفالْأَخْبَارُ عَن النَّبيِّ - ﷺ - فِي ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ متواترة، ولذلك نؤمن بضمة القبر وفتنته ونعيمه وعذابه، وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي كَيْفِيَّتِهِ، لأنّه مَحْجُوبٌ عنَّا الآن، ومن مات رأى ما لم ير: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق]. وإخبار الله تعالى لنا عن عذاب القبر وعذاب الآخرة من أجلِّ النِّعم؛ فمن حذَّرك من العذاب قبل وقوعه فقد أنعم عليك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>سماع النّبيّ - ﷺ - عذاب القبر</span>\nعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ الله - ﷺ - فِي نَخْلٍ لَنَا - نَخْل لِأَبِي طَلْحَةَ - يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، قَالَ: وَبِلَالٌ يَمْشِي وَرَاءَهُ، يُكَرِّمُ نَبِيَّ الله - ﷺ - أَنْ يَمْشِيَ إِلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ نَبِيُّ الله - ﷺ - بِقَبْرٍ، فَقَامَ حَتَّى تَمَّ إِلَيْهِ بِلَالٌ، فَقَالَ: \"وَيْحَكَ يَا بِلَالُ هَلْ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ شَيْئًا. قَالَ: صَاحِبُ الْقَبْرِ يُعَذَّبُ. قَالَ: فَسُئِلَ عَنْهُ، فَوُجِدَ يَهُودِيًّا\" (١).\nوقال جَابِر بْن عَبْد الله - ﵄ -: \"دخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ،\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٠/ص ١١/رقم ١٢٥٣٠) إسناده صحيح على شرط الشَّيخين. وأخرجه البيهقيّ في \"إثبات عذاب القبر\" (ج ١/ص ٧٥/رقم ٩٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (ج ١/ص ٩٨/رقم ١١٨)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وقال الذهبيّ في التّلخيص: على شرطهما.","vol":"1","page":255},{"text":"فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رِجَالٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَزِعًا، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ\" (١).\nوعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - مَرَّ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ بِحَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَ قَوْمٍ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَحَاصَتِ الْبَغْلَةُ ... \" (٢).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: مَرَّ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: \"إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ... \" (٣)، فما بالك بعذاب من يعذب في كبير! اللَّهُمَّ إنّا نَرْغَبُ إليك أَنْ تُجِيرَنَا من عذاب القبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>العلّة الّتي من أجلها لم يَدْعُ المصطفى - ﷺ - ربّه أن يُسمع أمّته عذاب القبر</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>هل العذاب على الرّوح أم على الرّوح والجسد معًا</span>؟\nبوَّب البخاريُّ في كتاب الجنائز (بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ)، وفهم الحافظ ابن حجر من تَبْوِيبِهِ أنَّ البخاريَّ ترك مسألة أنَّ عَذَاب الْقَبْرِ يَقَعُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهَا وَعَلَى الْجَسَدِ مُجْتَمعين، فَلَمْ يَتَقَلَّدِ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ.\nوالّذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ النَّعيم والعذاب على الرّوح والجسد؛ عن\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٢/ص ٥٨/رقم ١٤١٥٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٠/ص ١٨٦/رقم ١٢٧٩١) إسناده صحيح.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٧/رقم ٦٠٥٢) كِتَابُ الأَدَبِ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٢٠/ص ١٩٨/رقم ١٢٨٠٨) إسناده صحيح على شرط الشَّيخين.","vol":"1","page":256},{"text":"سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - ﵁ -، قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ الله فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ (١)،\nفَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ - أَوْ صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ - قَالَ يَزِيدُ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ - وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ ... \" (٢).\n_________\n(١) عِنْدَ أَحْمَدَ: إِلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ، أَوْ أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ \"المسند\" (ج ٣٣/ص ٣٣٥/رقم ٢٠١٦٥) وإسناده صحيح على شرط الشّيخين ..\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٠/رقم ١٣٨٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":257},{"text":"وفي آخر الحديث: \"قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ الله القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا ... \" (١).\nوقوله: \"يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ\" دليل على أنّه عذاب القبر، لا عذاب جهنَّم وأنّه إلى يوم القيامة في حقِّ هؤلاء، وقوله: \"يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ\"، وقوله: \"فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ\" يفهم منه أنَّ العذاب يقع أيضًا على الجسد.\nفالنَّعيم والعذاب يقع على الرّوح والجسد معًا في القبر، وقد تنفرد الرّوح بهذا أحيانًا. ودليل أنَّ البدنَ ينالُه شيءٌ ابتداءً ما جَاءَ في ضمَّة القبر الَّتي لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ، وليس بمنأى عنها الجسد.\nودليل وقوع النَّعيم أو العذاب على الرّوح والجسد أيضًا، ما جاء في حديث البراء الطَّويل: \"فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ ... \" الحديث، وفيه أنّه إذا أجاب الملكين فإنّه يُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: \"أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ\". وفيه وأمَّا العبد الكافر: \"فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٠/رقم ١٣٨٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":258},{"text":"الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ\" (١).\nفالحديث فيه ألفاظ وعبارات تدلُّ على وقوع النَّعيم والعذاب على الرّوح والجسد جميعًا، مثل: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَأَفْرِشُوهُ، وَأَلْبِسُوهُ، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ... وهناك أحاديث أخرى فيها ألفاظ تؤكِّد ذلك.\nهذا وقد جاء ما يفيد أنَّ الرّوح قد تنفرد بالنَّعيم أو العذاب في بعض الأحوال، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لمّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللهُ - ﷿ - أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>وقوع العذاب على الميّت ولو لم يدفن</span>\nلا شكَّ أنَّ العذاب يقع على الميِّت إن كان مستحقًّا له ولو لم يُدْفَنْ، فهناك مَنْ يموت ويتأخَّر دفنه، وهذا لا يمنع من وقوع العذاب عليه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام]، فهذا العذاب يقع على الظَّالمين ويبدأ من\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٥٠٠/رقم ١٨٥٣٤) إسناده صحيح، رجاله رجال الصَّحيح.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٤/ص ٢١٨/رقم ٢٣٨٨) إسناده حسن.","vol":"1","page":259},{"text":"سكرات الموت، ولذلك فهو بعد الموت من باب أولى؛ فمن مات قَامَتْ عَلَيْهِ قِيَامَتُهُ.\nوَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال]، وَهَذَا العذاب قَبْلَ الدَّفْنِ، وهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَذَابِ الْوَاقِعِ قَبْلَ يوم القيامة.\nوالْعَذَابُ يضاف إِلَى الْقَبْرِ من باب التَّغليب لأنَّ جلَّه يَقَعُ فِيهِ، ولأنَّ الْغَالِبَ عَلَى المَوْتَى أَنْ يُقْبَرُوا وَإِلَّا فمن استحقَّ العذابَ عُذِّب دُفِنَ أو لم يُدْفَنْ، ولكن ذلك مَحْجُوبٌ عَنِ الْخَلْقِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله تعالى أن يطلعه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>التّنّين الّذي يسلّط على الكافر في قبره</span>\nأعدَّ الله تعالى للكافر في قبره حيَّات تلسعه وتخدشه إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: \"أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه]، أَتَدْرُونَ مَا المَعِيشَةُ الضَّنْكَةُ؟ قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: عَذَابُ الكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ يُسَلَّطَ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ سَبْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعُ رُؤوسٍ يِلْسَعُونَهُ، وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (١).\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٩٢/رقم ٣١٢٢) إسناده حسن. وحسّنه الألبانيّ في \"التّعليقات الحسان\" (ج ٥/ص ١٠٢). ورواه أبو يعلى في \"مسند أبي يعلى\" (ج ١١/ص ٥٢١)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٥٥/رقم ٤٢٨٦): رَوَاهُ ... أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ دَرَّاجٌ، وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ. وحسّنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق \"المسند\" (ج ١٧/ص ٤٣٥/رقم ١١٣٣٤) من حديث أبي هريرة عند أبي يعلى، وابن حبّان.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>حديث مركّب في عقوبة من تهاون بصلاته</span>\nشَاعَ عِنْد كَثِير مِن الْعَامَّة حديث ظاهر البطلان في عقوبة من تهاون بصلاته، ففي كتاب \"الكبائر\" المنسوب للذّهبي و\"الزّواجر\" للهيثميّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ:\n\"وَمَنْ تَهَاوَنَ عَن الصَّلَاةِ عَاقَبَهُ الله بِخَمْسَ عَشْرَةَ عُقُوبَةً: خَمْس فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاث عِنْدَ المَوْتِ، وَثَلَاث فِي قَبْرِهِ، وَثَلَاث عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن الْقَبْرِ ... وَأَمَّا الَّتِي تُصِيبُهُ فِي قَبْرِهِ: فَالْأُولَى يَضِيقُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَالثَّانِيَةُ يُوقَدُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ نَارًا فيتقلب عَلَى الْجَمْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالثَّالِثَةُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ ثُعْبَانٌ اسْمُهُ الشُّجَاعُ الْأَقْرَعُ، عَيْنَاهُ مِنْ نَارٍ وَأَظْفَارُهُ مِنْ حَدِيدٍ طُولُ كُلِّ ظُفْرٍ مَسِيرَةُ يَوْمٍ يُكَلِّمُ المَيِّتَ فَيَقُولُ: أَنَا الشُّجَاعُ الْأَقْرَعُ، وَصَوْتُهُ مِثْلُ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ يَقُولُ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى المَغْرِبِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ المَغْرِبِ إلَى الْعِشَاءِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى الصُّبْح، فَكُلَّمَا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً يَغُوصُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فَلَا يَزَالُ فِي الْقَبْرِ مُعَذَّبًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (١).\nوهذا الحديث باطل، قال الحافظ في \"اللّسان\" والذَّهبيُّ في \"الميزان\" - هو من تركيب: \"مُحَمَّد بن عَليّ بن الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ الْعَطَّار - ركَّب على أبي بكر بن زياد النَّيْسَابُورِي حديثًا باطلًا في تارك الصَّلاة، روى عنه محمَّد بن علي الموازيني\n_________\n(١) الذّهبيّ \"الكبائر\" (ص ٢٣)، وابن حجر الهيثمي \"الزّواجر\" (ج ١/ص ٢٢٦).","vol":"1","page":261},{"text":"شيخ لأبي زعم المذكور أنَّ ابن زياد أخذه عن الرَّبيع عن الشَّافعي عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه من تهاون بصلاته عاقبه الله بخمس\nعشرة خصلة ... الحديث، وهو ظاهر البطلان من أحاديث الطُّرُقِيَّة\" (١).\nومن نظر في الحديث علم أنّه تحدّث عن خَمْسَ عَشْرَةَ عُقُوبَةً، والمُفَصَّل في الحديث أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فهو لا يطابق جملة ما ذكر!\nوأورد الخلّال في الأمالي من حديث عليّ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ تَهَاوَنَ بِصَلَاتِهِ، فَإِنَّ الله - ﷿ - يُعَاقِبْهُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً: سِتٌّ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاثٌ عِنْدَ المَوْتِ، وَثَلَاثٌ فِي الْقَبْرِ وَثَلَاثٌ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْقَبْرِ ... وَالثَّلَاثُ الَّتِي فِي الْقَبْرِ فَأَوَّلُهَا: يُظْلِمُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ، وَالثَّانِيَةُ: يَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، وَالثَّالِثَةُ: تَسِيلُ عَيْنَاهُ بِمَاءٍ كِرَاءٍ ... \" (٢). وكُتُبُ الأمالي ليست ممّا يُؤَلَّف ليتعبَّد به النَّاس؛ فقد غَضَّ المؤلِّفُ الطَّرف عن انتقاء النُّصوص الثَّابتة؛ لأنَّها ليست المقصودة بالتّأليف.\nوفي سنده عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ (ابن شاهين)، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: ... \"كان ابن شاهين شيخًا ثقة يشبه الشّيوخ إلّا أنّه كان لحّانًا وكان لا يعرف من الفقه قليلًا ولا كثيرًا، وقال: ورأيته يومًا اجتمع مع أبي الحسن الدّارقطنيّ فلم ينطق بكلمة واحدة خوفًا أن يخطئ بحضرة أبي الحسن\" (٣)، فلعلَّ ابن شاهين أخطأ به.\n_________\n(١) ابن حجر \"لسان الميزان\" (ج ٥/ص ٢٩٦/رقم ١٠٠٤)، والذّهبيّ \"ميزان الاعتدال\" (ج ٣/ص ٦٥٣/رقم ٧٩٦٩).\n(٢) الحسن الخلال \"المجالس العشرة الأمالي\" (ص ٧١/رقم ٧٧).\n(٣) ابن حجر \"لسان الميزان\" (ج ٤/ص ٢٨٨٤/رقم ٨٠٩).","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>الْبَهَائِم تَسْمَع أَصْوَاتَ مَنْ عُذِّبَ فِي قَبْرِهِ مِنَ النَّاسِ</span>\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: \"صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا\" (١)، تقول عائشة - ﵂ -: فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.\nوعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيْهَا يَهُودِيَّةٌ اسْتَوْهَبَتْهَا طِيبًا، فَوَهَبَتْ لَهَا عَائِشَةُ - ﵂ -، فَقَالَتْ: أَجَارَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ - ﵂ -: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ -، قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لِلْقَبْرِ عَذَابًا؟ قَالَ: \" نَعَمْ، إِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ\" (٢).\nوعَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ - ﵂ -، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَأَنَا فِي حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ بَنِي النَّجَّارِ، فِيهِ قُبُورٌ مِنْهُمْ، قَدْ مُوِّتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَسَمِعَهُمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: \"اسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وَإِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>سماع الميّت قرع النّعال</span>\nوقد ثبت أنَّ الله تعالى يُسْمِعُ المَيِّت خَفْقَ نعال أصحابه إِذَا انْصَرَفُوا، عَنْ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ٧٨/رقم ٦٣٦٦) كِتَابُ الدَّعَوَاتِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٤٠/ص ٢٠٩/رقم ٢٤١٧٨) وإسناده صحيح على شرط الشّيخين.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٤٤/ص ٥٩٢/رقم ٢٧٠٤٤) حديث صحيح.","vol":"1","page":263},{"text":"أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ\" (١).\nوالسّمع مقيَّد بأوَّل دخول الميِّت القبر، وتولِّي الأصحاب عنه، لأنَّ الرّوح تعود إليه للسّؤال، وليس المراد أنّه يظلُّ يسمع قرع نعال من تولّى عنه إلى يوم القيامة، وليس في الحديث حجَّة لمن ذهب إلى مطلق السَّماع، لأنَّ السَّماع مقيَّد ومخصوص في وقت مخصوص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>من أسباب عذاب القبر</span>\nثبت أنَّ أكثر عَذَاب القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ أَكْثَرَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ\" (٢).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: مَرَّ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: \"إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا: فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ (٣)، وَأَمَّا هَذَا: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا\" (٤).\nوالْعِلَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّخْفِيفِ من عذاب القبر لم تكن بسبب الغصنين، وإنَّما كانت بسبب شفاعته - ﷺ -، ويؤيِّد ذلك قوله - ﷺ -: \"إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ،\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٠/رقم ١٣٣٨) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٥/ص ٢٥/رقم ٩٠٥٩) إسناده قويّ، رجاله ثقات.\n(٣) أي لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ بَولِهِ، وهذا يترتّب عليه بُطْلَانُ الصَّلَاةِ.\n(٤) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٧/رقم ٦٠٥٢) كِتَابُ الأَدَبِ.","vol":"1","page":264},{"text":"فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ\" (١). فجعل مدَّة بقاء الغصنين رطبين حدًّا للتَّخفيف عنهما، وليس سببًا لِلتَّخْفِيفِ.\nولذلك لا يكون لأحد أنْ يأتي بعسيب فيغرسه على قبر؛ لأنّه لم يُكشف له أن هذا الميِّت يُعذَّب، بخلاف النَّبيِّ - ﷺ - الّذي كُشِفَ له، فالاطّلاع على عذاب القبر من الغيب الَّذي لا يظهره الله تعالى إلَّا على رسول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... (٢٧)﴾ [الجنّ]، فَفِعْل ذلك يفهم منه أنَّه يعذب في قبره، وهذا فيه ادِّعاء بمعرفة الغيب، واتِّهام لصاحب القبر أنَّه يعذَّب، ثمّ إنّ النَّبيَّ - ﷺ - لم يداوم على فعل ذلك، ولم يجعله على كلِّ قبر، ولم يتابعه أحد من الصّحابة؟ .\nومن العلماء من يرى جواز وضع الجريد، وأنّ الحديث عَلَى عُمُومِهِ، واستدلّوا بالأثر عند البخاريّ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ: «أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ» (٢). ولا حجّة فيه؛ لأنّه رأي، ولا نعلم أحدًا من الصحابة - ﵃ - وافقه، ولذلك فإنّ البخاري -﵀- عقَّبه قول ابن عمر - ﵄ -: «انْزِعْهُ يَا غُلامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ» وذلك لمّا رأى فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فكأنّه يرى أنّ ما ينتفع به الميّت عمله الصّالح. ويدلّك على رجحان المنع أنّ النَّبيَّ - ﷺ - وضع الجريد بسبب أنّهما يعذبان، وهذا السّبب مجهول بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا ولا يمكن معرفته، فمن أراد أن يحمل الحديث على العموم، يلزمه أن يفعل ذلك لِلسَّبَبِ نَفْسِهِ.\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٣٠٦) كِتَابُ الزُّهْدِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":265},{"text":"كذلك يُعَذَّبُ الميِّت في قبره بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إذا أمر به في حياته، أو إذا لم يوص أهله بتركه، وهو يعلم أنّه سيقع منهم بعد موته نياحة، وضَرْب خدود، وَشَقّ جيوب، ودعوى جاهِلِيَّة ورضي بذلك، عَن عمر - ﵁ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\" (١). أمّا إذا نهاهم في حياته، ولم يرض منهم ذلك، ووقع منهم شيء بعد وفاته، لم يكن عليه شيء إنْ شاء الله تعالى.\nومن الأمور الَّتي تقتضي عذاب القبر ما وقع في الرّؤيا الَّتي رآها النَّبيُّ - ﷺ - - ورؤيا الأنبياء وحيٌ - رأى أنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُونَ فِي الْبَرْزَخِ على ذنوب وقعت منهم: كرفض القرآن، والنّوم عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، والكذب، والزِّنا، وأكل الرِّبَا، ففي حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ - ذَاتَ غَدَاةٍ:\n\"إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالا لِي انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا ... قَالَ: قُلْتُ لَهُما: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ، الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٨٠/رقم ١٢٩٢) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":266},{"text":"وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ - ﷺ -، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ الله، وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ، وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ\" (١).\nومن أسباب عذاب القبر الكفر والنِّفاق، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \" ... وَأَمَّا الكَافِرُ - أَوِ المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ\" (٢).\nوعند أحمد وغيره من حديث البراء - ﵁ -، قال النَّبيُّ - ﷺ - في حقِّ الكافر: \" ... فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ\" (٣).\nكذلك يُخَافُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الدَّيْنِ، لقول النَّبيِّ - ﷺ - لأبي قَتَادَة بعد أن\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٩/ص ٤٤/رقم ٧٠٤٧) كِتَابُ التَّعْبِيرِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٠/رقم ١٣٣٨) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٥٠٠/رقم ١٨٥٣٤) إسناده صحيح، رجاله رجال الصَّحيح.","vol":"1","page":267},{"text":"قضى الدِّينارين عن رجل: \"الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ \" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>ما ينجي من عذاب القبر</span>\nمن الأسباب المنجيَّة من عذاب القبر: الشّهادة، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ ... \" (٢) الحديث.\nومن الأسباب المنجيَّة: الموت فِي حَال الرِّبَاط، عَنْ سَلْمَانَ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ:\n\"رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ\" (٣).\nوعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ: \"كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ\" (٤).\nومن الأسباب المنجيَّة من عذاب القبر: الإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الملك، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، قال: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"سُورَةُ تَبَارَكَ هِيَ المَانِعَةُ مِنْ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٢/ص ٤٠٦/رقم ١٤٥٣٦) إسناده حسن.\n(٢) التّرمذيّ \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٣٩٠/رقم ١٦٦٣) وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وصحّحه الألبانيّ في \"المشكاة\" (ج ٢/ص ١١٢٧/رقم ٣٨٣٤).\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥٢٠) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٣٧٤/رقم ٢٣٩٥١) إسناده صحيح.","vol":"1","page":268},{"text":"عَذَابِ الْقَبْرِ\" (١)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (١)﴾ [الملك] \" (٢).\nومن الأسباب المنجية: الأعمالُ الصّالحةُ: الصَّلاةُ والصِّيامُ والزَّكاةُ، وفعل الخيرات: الصَّدَقَة وَالصِّلَة وَالمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاسِ، عن أَسْمَاء - ﵂ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ:\n\"إِذَا دَخَلَ الإِنْسَانُ قَبْرَهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا أَحَفَّ بِهِ عَمَلُهُ الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ المَلَكُ مِنْ نَحْوِ الصَّلاةِ، فَتَرُدُّهُ، وَمِنْ نَحْوِ الصِّيَامِ فَيَرُدُّهُ\" (٣).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ، فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، ... فَتَقُولُ فعلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي\n_________\n(١) أبو الشّيخ الأصبهاني \"طبقات المحدّثين\" (ج ٤/ص ١٠/رقم ٥٢٦) وسنده حسن؛ حسّنه الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٣/ص ١٣١/رقم ١١٤٠). وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (ج ٣/ص ١٠١/رقم ٣٨٨٩)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذّهبي.\n(٢) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٤/ص ٧٠٣/رقم ٣٧٨٦) حسن بمجموع الطّرق.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ١/ص ٣٧٩/رقم ١٢٥١) رجاله ثقات رجال الصّحيح.","vol":"1","page":269},{"text":"مَدْخَلٌ ... \" (١).\nومن الأسباب المنجيّة: الموت في البطن، فقد نَفَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَذَابَ الْقَبْرِ عَمَّنْ قتله بطنه، روى أحمد وغيره عَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ وَهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَتْبَعَا جِنَازَةَ مَبْطُونٍ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ يَقْتُلُهُ بَطْنُهُ، فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ\" (٢)؟ فَقَالَ: بَلَى.\nذلك أنَّ المبطون شهيد، وهو الَّذي يموت بسبب علَّة تصيبه في بطنه، عَنْأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ\" (٣).\nوعَنْه - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله\" (٤).\nوالمبطون: مَنْ مات بداء بَطْنه، ومنه المرأة تموت فِي نِفَاسِهَا، لحديث ... سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ -: \"أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ -، ... فَقَامَ وَسَطَهَا\" (٥). وترْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ (بَاب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَساء)، والمرأة هي\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٨٠/رقم ٣١١٣) وإسناده حسن.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٢٤٣/رقم ١٨٣١٠) إسناده صحيح.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥٢١) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.\n(٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ٢٤/رقم ٢٨٢٩) كِتَابُ الجِهَادِ.\n(٥) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ١/ص ٧٣/رقم ٣٣٢) كِتَابُ الحيض.","vol":"1","page":270},{"text":"أُمُّ كَعْبٍ - ﵂ - كما صرَّح مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>عذاب القبر دائم أم منقطع</span>؟\nعذاب القبر: دائم، ومنقطع. فالدّائم عذاب الكافرين والمنافقين، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر]، وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، فلعلّ المراد من قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ... أنَّ العذاب يستمرّ بهؤلاء إلى يوم البعث، كما في الحديث: \"فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ\" (١).\nويشهد للعذاب الدّائم حديث سمرة الذي رواه البخاريّ في رؤيا النَّبيِّ - ﷺ -، وفيه: \"فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ\" (٢).\nوقصّة الَّذي أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ بِمَا أُوتِيَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَتَبَخْتُره الَّتي رواها مسلم وغيره من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (٣).\n_________\n(١) التّرمذي \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٥٤/رقم ١٠٧١) وقال أبو عيسى: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وحسّنه الألباني في \"المشكاة\" (ج ١/ص ٤٦/رقم ١٣٠).\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٠/رقم ١٣٨٦) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٦٥٤) كتاب اللِّبَاسِ.","vol":"1","page":271},{"text":"وما أخرجه التّرمذي من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" ... وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ، فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: التَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ\" (١).\nوالحديث المتّفق عليه، الَّذي فيه أَنَّ الميِّت يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ الّذي يَسْكُنُه بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، عن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ\" (٢).\nفإن قيل: يَحْتَمِلُ أَنَّ المراد بالعرض غَدَاة وَاحِدَة وَعَشِيَّة وَاحِدَة، قلنا: ويَحْتَمِلُ كُلّ غَدَاةٍ وَكُلّ عَشِيٍّ ما دامت الدُّنيا. فإن قيل: هل هَذَا الْعَرْضُ عَلَى الرُّوحِ، أم على الرُّوحِ وجزء من البدن، أم غير ذلك؟ قلنا: ليس هذا محلّ البحث، وهو مبسوط في كتب الشُّروح.\nأمّا العذاب المنقطع فهو عذاب بعض العصاة من المؤمنين، فيعذَّب بذنبه،\nثمَّ يُخَفّف عنه، فمقتضى عدله - ﷻ - يقضي بأن يعذب العبد بقدر ذنبه، وقد يمنُّ الله\n_________\n(١) التّرمذيّ \"سنن التّرمذي\" (ص ٢٥٣/رقم ١٠٧١) وقال أبو عيسى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وحسّنه الألباني في \"المشكاة\" (ج ١/ص ٤٦/رقم ١٣٠).\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٩/رقم ١٣٧٩) كِتَابُ الجَنَائِزِ. ومسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢١٩٩) كتاب الْجَنَّةِ.","vol":"1","page":272},{"text":"تعالى عليه فيَنْقَطِع عَنْهُ الْعَذَاب تفضّلًا، أو يرتفع بِدُعَاء صالح أَو صَدَقَة أَو اسْتِغْفَار أَو حجّ أو خير تركه يجري عليه أجره.\nوقد سمعت خلقًا كثيرًا يسألون: هل من العدل أن يكون العذاب مستمرًّا على إنسان مات من مئات السِّنين، بينما يموت إنسان قبل قيام السَّاعة بساعة، فكيف يستويان؟ !\nوَالْجَوَابُ أَنَّ الله تعالى قال فِي كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... (٤٠)﴾ [النّساء]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ... (٤٤)﴾ [يونس]، وقال: ... ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصّلت]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فمن عذَّبه الله تعالى فبعدله، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود]. والله تعالى قَادر لَا يعجزه شيء وَلَا يفوتهُ أمر أزلًا وأبدًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر]، وعِلْمُهُ ﵎ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ ... [آل عمران]، ولله درّ القحطاني إذ يقول:\nوَالقَبرُ صَحَّ نَعيمُهُ وَعَذابُهُ ... وَكِلاهُما لِلنّاسِ مُدَّخَران\nوَالبَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ وَعْدٌ صادِقٌ ... بِإِعادةِ الأَرْواحِ في الأَبْدانِ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>ما يطفئ من حرّ القبور</span>\nعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ\n_________\n(١) القحطاني \"نونيّة القحطاني\" (ص ٢٣).","vol":"1","page":273},{"text":"عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ الْقُبُورِ\" (١). والحديث فيه تحريض على صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وأنّها هديّة من الحيِّ إلى الميِّت تصل إليه وينتفع بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>ما يلحق الميت وما يبقى معه بعد أن يلج قبره</span>\nقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ \" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>ما المقابر إلا زيارة</span>!\nقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التّكاثر]، هذه الآية تشعرك بقصر الحياة وطول لهو الإنسان فيها، فحياة الإنسان تبدأ بالتَّكاثر وسرعان ما تنتهي به إلى المقابر، فالأمر قصير.\nوالآية فيها مجاز استعاريّ حيث شبَّه قصر مدَّة لبثهم في القبور بالزِّيارة،\nفالمقابر لن يلبث الإنسان فيها آمادًا لا تنتهي وآبادًا لا تنقضي، وإنَّما هي زيارة، والزّائر سرعان ما يظعن ويرتحل.\nوالمستقرّ والمقام: الجنَّة أو النَّار، ربَّنا اجعلنا من أصحاب الجنَّة: ... ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان]، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان].\n_________\n(١) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ١٧/ص ٢٨٦/رقم ٧٨٨) إسناد الطّبراني جيّد بالمتابعات، كذا قال الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٧/ص ١٤١٢/رقم ٣٤٨٤).\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٠٧/رقم ٦٥١٤) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>مشروعيّة زيارة المقابر والعلّة الّتي من أجلها شرعت هذه الزّيارة</span>\nتشرع زيارة القبور للعبرة والاتِّعاظ بها، ولأنَّها ترقُّ القلب، وتذكِّر الموت،\nوتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، شريطة ألَّا يُقَال سُوءٌ أو فحش أو باطل من ندب ونحوه، أو ما يُسْخِط الله - ﷿ - كدعاء المقبور والاستغاثة به، فهذا كلُّه من الهجر الَّذي نهى عنه - ﷺ -.\nوقد روي فِي الْإِبَاحَة في زيارتها وبيان العلَّة الَّتي من أجلها شرعت هذه الزّيارة أَحَادِيث كَثِيرَة، عَنْ أَنَس - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: \"كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا، فَإِنَّهُ يُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا\" (١). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً\" (٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: \"اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ\" (٣). والحديث فيه جواز زِيَارَة قَبْر مَنْ لَمْ يُدْرِك الْإِسْلَامَ، والنَّهي عَنِ الِاسْتِغْفَارِ له، وأنَّ الزِّيارة تعود بالنَّفع على الحيِّ بِتَذكّر المَوْت وَالْبِلَى.\n_________\n(١) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٤٨٥/رقم ١٤٢٤) سكت عنه الذّهبيّ في التّلخيص، وحسّنه الألباني في \"الأحكام\" (ص ١٨٠).\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١٧/ص ٤٢٩/رقم ١١٣٢٩) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٧١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":275},{"text":"أمّا زيارة قبر المسلم فتعود بالنَّفع على الحيّ والميّت؛ وذلك بالسَّلام عليه والدُّعاء والاستغفار له، فقد أُمِرَ النَّبيُّ - ﷺ - أن يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم، فقد أتاه جبريل - ﵇ -، وقال له: \"إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ\" (١).\nوقَالَتْ عَائِشَة - ﵂ -: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ\" (٢)، وكان من دعائه - ﷺ - لهم: \"أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>حكم زيارة المقابر للنّساء وحكم زيارتها للجنب والحائض والنّفساء</span>\nاخْتُلِفَ فِي زيارة النِّسَاءِ، فجوَّزها الجمهور ومنعها آخرون سدًّا للذَّرائع، لما يترتَّب على خُرُوجِهنّ من فِتْنَة لَهُنَّ وَلِغَيْرِهِنَّ، والأكثر على دخولهنَّ في عُمُومِ الْإِذْنِ بالزِّيَارَةِ، فالنِّسَاء كَالرِّجَالِ فِي حُكْمِ الزِّيَارَةِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَت الْفِتْنَةُ وَالمَفْسَدَةُ، لعموم قول النَّبيِّ - ﷺ -: \"فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ\" (٤)، فصيغة الأمر في الخطاب تعمُّ النِّساء والرِّجال.\nويؤيِّد أنَّ الْإِذْنَ عَلَى عُمُومِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أنَّ عائشة - ﵂ - سألت النَّبيَّ - ﷺ - كيف تقول عِنْدَ دُخُولِ الْقُبُورِ، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ الله؟\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) المرجع السّابق.\n(٤) المرجع السّابق.","vol":"1","page":276},{"text":"قَالَ: \"قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ\" (١)، وترجم عليه مسلم: (بَاب مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْقُبُورِ وَالدُّعَاء لِأَهْلِهَا).\nوقد زَارَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ ... أَبِي مُلَيْكَةَ: \"أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ المَقَابِرِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ قَدْ نَهَى، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا\" (٢).\nويؤيِّد رجحان الجواز حديث أَنَس - ﵁ -، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: \"اتَّقِي الله وَاصْبِرِي\" (٣).\nوموضع الدَّلالة أنَّه - ﷺ - أمرها بتقوى الله - ﷿ - والصَّبر، ولم ينكر عليها قعودها عند القبر، ولم ينهها عن الزِّيارة، وإنّما نهاها عن الجزع. وَتَقْرِيرُهُ - ﷺ - بَيِّنة وحجَّة، ولذلك ترجم عليه البخاريّ (بَاب زِيَارَةِ القُبُورِ).\nثمّ إنَّ العلَّة الَّتي من أجلها شرعت الزِّيارة - وهي التَّذكير بالآخرة -تشترك فيها النِّساء مع الرِّجال.\nوأمّا الإكثار من الزّيارة فهو المنهيُّ عنه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٤٨٥/رقم ١٤٢٣) سكت عليه الحاكم، وصحّحه الذّهبي في التّلخيص، والألبانيّ في \"الإرواء\" (ج ٣/ص ٢٣٤/رقم ٧٧٥).\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٧٣/رقم ١٢٥٢) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":277},{"text":"الله - ﷺ -: \"لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ\" (١)، فاللَّعن محمول على مَنْ تكثر الزِّيارة كما هو واضح من صيغة المبالغة زَوَّارَاتِ.\nأما الحائض والجنب فلا يختلف حكمهما عن غيرهما، فلا فرق بين أن تكون المرأة على طهر أو على غير طهر في شأن زيارة القبور عند من يقول بجواز الزّيارة لأنَّه لم يرد دليل للتَّفرقة.\nوالَّذي نعلمه أنَّ مَنْ بها عذر لا تدخل المسجد للمكث فيه، أمَّا العبور فلا حرج فيه، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ... (٤٣)﴾ [النّساء]، هذا ولا تمنع من دخول شيء إلَّا بدليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>حكم تخصيص يوم الجمعة أو يوم العيد لزيارة القبور</span>\nزيارة القبور لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ، قال النَّبيُّ - ﷺ -: \"نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا\" (٢)، فقوله - ﷺ -: \"فَزُورُوهَا\" ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ، فالنَّبيُّ - ﷺ - أطلق الزِّيارة وَلَمْ يُقَيِّدْها بِوَقْتٍ ولا زمان، وَحُكم المُطلق أَن يجْرِي على إِطْلَاقه وَعُمُومِهِ حَتَّى يظهر نَصٌّ يقيِّده، ولذلك فإنَّ تخصيص يوم الخميس أو الجمعة أو العيدين بزيارة القبور واعتقاد فضلها على سائر الأيّام، يكون مِنْ تَقْيِيدِ المُطْلَقِ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١٤/ص ١٦٤/رقم ٨٤٤٩) إسناده حسن.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٧٢) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":278},{"text":"أمَّا ما روي في الحديث: \"مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ، وَكُتِبَ بَرًّا\" (١)، فهو موضوع. ومثله: \"مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَرَأَ عِنْدَهُمَا، أَوْ عِنْدَهُ يس، غُفِرَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ أَوْ حَرْفٍ\" (٢).\nويوم العيد على المسلم أن يُظْهر الفرح والجَذَل، ويدخل على أهله السّرور والحبور، وزيارة القبور في هذا اليوم مدعاة للحزن والأسف على فراق مَنْ سَلَف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>حكم قراءة القرآن عند القبور</span>\nقراءة القرآن عند زيارة المقابر غير مشروعة، فلم يفعل ذلك النَّبيُّ - ﷺ - ولم يأمر بها أصحابه - ﵃ -، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا، وقد قال الله تعالى: ... ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا (٧٠)﴾ [يس].\nويؤكِّد عدم مشروعيَّة القراءة قَوْلُ النَّبيِّ - ﷺ -: \"لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ\" (٣)، وقوله - ﷺ -: \"اجْعَلُوا فِي\n_________\n(١) الطّبرانيّ \"المعجم الأوسط\" (ج ٦/ص ١٧٥/رقم ٦١١٤) موضوع، كذا قال الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ١/ص ١٢٥/رقم ٤٩) وقال العراقي في \"المغني عن حمل الأسفار\" (ص ١٨٧٣): أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الْقُبُور من رِوَايَة مُحَمَّد بن النُّعْمَان يرفعهُ وَهُوَ معضل، وَمُحَمّد بن النُّعْمَان مَجْهُول، وَشَيْخه عِنْد الطَّبَرَانِيّ ... يَحْيَى بن الْعَلَاء البَجلِيّ مَتْرُوك.\n(٢) أبو نعيم الأصبهاني \"أخبار أصبهان\" (ج ٢/ص ٣٢٣) موضوع، كذا قال الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ١/ص ١٢٦/رقم ٥٠).\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٥٣٩) كِتَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِينَ.","vol":"1","page":279},{"text":"بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا\" (١)، فالقبور ليست موضعًا للقراءة ولا للصَّلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>عدم استقبال القبر عند الدّعاء لصاحبه</span>\nلا يستقبل القبر عند الدُّعاء لصاحبه وتستدبر القبلة؛ فلا يستقبل بالدُّعاء إلا ما يستقبل بالصَّلاة، وقد سمَّى الله تعالى الدُّعَاءَ صَلَاةً، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ... (١٠٣)﴾ [التّوبة]، فالمراد الدُّعاء لهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب].\nفإذا سلَّمت على ميّت فسلِّمْ عليه من تلقاء وجهه، أي أقبل عليه بوجهك، وإذا أردت الدُّعاء فاستقبل قِبْلَةَ الله تعالى في وقت الدُّعاء.\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ١/ص ٤٩/رقم ٤٣٢) كِتَابُ الصَّلاةِ.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>القسم الرابع عشر\nذكر بعض أحوال الموتى وما يلقونه في قبورهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>تمثيل غروب الشمس للميت</span>\nيجلس المؤمن في قبره عِنْدَ السُّؤَالِ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، فيتصوَّر أنَّ الشَّمس قد دنت للغروب، فيطلب أداء الصَّلاة قبل خروج وقتها؛ لحضورها في ذهنه، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"إِذَا دَخَلَ المَيِّتُ الْقَبْرَ، مُثِّلَتِ الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: دَعُونِي أُصَلِّي\" (١).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"فَيُقَالُ لَهُ: اجْلِسْ فَيَجْلِسُ، وَقَدْ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ وَقَدْ أُدْنِيَتْ لِلْغُرُوبِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>التعبّد في القبر وسؤال الميّت الصّلاة</span>\nفَهِمَ بعضهم من قول النَّبيِّ - ﷺ -: \"لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ\" (٣) أنَّ الموتى لا يُصَلُّونَ إطلاقًا، وليس بصحيح، ولعلَّ المراد بقوله - ﷺ - أنَّ المقبرة ليست موضعًا للصَّلاة.\nفهناك صلاة في حياة البرزخ ليست على وجه التَّكليف، صلاة غيبيَّة لا نعرف كيفيتها ولا ماهيّتها، ولكن نسلك سبيل الورع فنثبت ما أثبته النَّبيُّ - ﷺ -، ونؤمِن به، سواء أدركته عقولنا أم لا، فقد ثبت أنَّ الأنبياءَ؟ يُصَلُّونَ، وثبت\n_________\n(١) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٥/ص ٣٣٧/رقم ٤٢٧٢) إسناده حسن.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٨٠/رقم ٣١١٣) إسناده حسن.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٥٣٩) كِتَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِينَ.","vol":"1","page":281},{"text":"أنَّهم صلُّوا مقتدين به - ﷺ - لَيْلَةَ الإسراء، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ\" (١).\nوفي لَيْلَةِ الإسراء رأى النَّبيُّ - ﷺ - مُوسَى - ﵇ - وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ\" (٢).\nوهذا لَيْسَ خَاصًّا بِمُوسَى - ﵇ - وحده، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الله بْنِ الفَضْلِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - رَفَعَهُ: \"لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ\" الْحَدِيث، وفيه: \"وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ، جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ... ابْنُ مَرْيَمَ - ﵇ - قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ\" (٣).\n_________\n(١) أبو يعلى \"مسند أبي يعلى\" (ج ٦/ص ١٤٧/رقم ٣٤٢٥)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٨/ص ٢١١/رقم ١٣٨١٢): رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ، وَرِجَالُ أَبِي يَعْلَى ثِقَاتٌ. وقال الألبانيّ في \"الأحكام\" (ص ٢١٣): أخرجه أبو يعلى بإسناد جيّد، وهو مخرّج في \"الصّحيحة\" (ج ٢/ص ١٨٧/رقم ٦٢١).\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٨٤٥) كِتَابُ الْفَضَائِلِ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ١٥٦) كِتَابُ الْإِيمَان.","vol":"1","page":282},{"text":"وجاء عن النَّبيِّ - ﷺ - ما هو أعمُّ من ذلك، قَالَ - ﷺ - في المَيِّت إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ: \"فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ\" (١).\nولعلّ سؤال الميِّت الصَّلاة يكون أثناء فتنة القبر، ويفهم ذلك من سَابِقِ الْحَدِيثِ وَلَاحِقِهِ: \"فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ، أَخْبِرْنِي عَمَّا نَسْأَلُكُ عَنْهُ، أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ الله، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ الله، فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ وَعَلَى ذَلِكَ مِتَّ، وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ الله، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا، وَمَا أَعَدَّ الله لَكَ فِيهَا، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ... \" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>المؤمن في قبره في روضة خضراء ينوّر له فيها</span>\nإذا أجاب العبد المؤمن عن سؤال الملكين، فإنَّه في قبره في روضة خضراء، وإِنّه لَفِي غَضْراءِ عَيْشٍ وخير، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:\n\"إِنَّ المُؤْمِنَ فِي قَبْرِهِ لَفِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ\" (٣).\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٨٠/رقم ٣١١٣) إسناده حسن.\n(٢) المرجع السّابق.\n(٣) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٩٢/رقم ٣١٢٢) إسناده حسن.","vol":"1","page":283},{"text":"أمّا حديث: \"إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ\" (١). للتِّرْمِذِيّ والطَّبراني فَسَنَد كل مِنْهُمَا ضَعِيف جدًّا، لكن معنى الحديث صحيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>ما ينير ظلمة القبر</span>\nأخبر النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ القبر مملوء ظلمة، وأنَّ الله تعالى ينوِّره بصلاته، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ - ﷿ - يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ\" (٢).\nوأرشدنا إلى الدُّعاء للميِّت أن ينوِّر له الله تعالى في قبره، فقال - ﷺ - في دعائه: \"وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ\" (٣). فالدُّعاء المستجاب قد يعود على الميِّت بالنُّور التَّام في قبره.\nكما ثبت أنّ الله تعالى ينير ظلمة القبر إذا أجاب العبد عن سؤال الملكين، فالمَيِّتُ إِذَا قُبِرَ جاءه ملكان (مُنْكَر ونَكِير) فَيَقُولَانِ لَهُ: \"مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ؟ فَهُوَ قَائِلٌ مَا كَانَ يَقُولُ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، قَالَ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: إِنْ كُنَّا لنَعْلَمُ إِنَّكَ\n_________\n(١) التّرمذيّ \"سنن التّرمذي\" (ص ٥٥٤/رقم ٢٤٦٠) وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وضعّفه الألبانيّ في \"الضّعيفة\" (ج ١٠/ص ٧٤٧/رقم ٤٩٩٠). ورواه الطّبرانيّ في \"المعجم الأوسط\" (ج ٨/ص ٢٧٣/رقم ٨٦١٣)، وقال الهيثميّ في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٦/رقم ٤٢٥٢): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٥٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٣٤) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.","vol":"1","page":284},{"text":"لَتَقُولُ ذَلِكَ ثم يفسح له في قبره سبعون ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا ويُنَوَّر لَهُ فِيهِ\" (١).\nهذا والله تعالى هو من أمر بسؤاله، وهو من يثبّته بفضله ورضوانه، وينير قبره بإحسانه، اللَّهُمَّ نوِّر قبورنا وألحقنا بنبيِّنا - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>هل الأموات على علم بحال الأحياء؟ وهل تعرض أعمال الأحياء على الأموات</span>؟\nأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نوادره أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: \"تعرض الْأَعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس على الله تَعَالَى وَتعرض على الْأَنْبِيَاء وعَلى الْآبَاء والأمهات يَوْم الْجُمُعَة فيفرحون بحسناتهم ... \" (٢)، وهذا الحديث موضوع.\nوهناك أحاديث أخرى في عرض أَعمال الْأَحْيَاء على المَوْتَى لا يحتجُّ بشيء منها، مثل الحديث الَّذي تفرَّد به أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ، حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا\" (٣).\nوما أخرجه ابن أبي الدّنيا في المنامات بسند ضعيف عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -،\n_________\n(١) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٣٨٦/رقم ٣١١٧) إسناده قويّ.\n(٢) الحكيم التّرمذيّ \"نوادر الأصول\" (ج ٢/ص ٢٦٠) موضوع، كذا قال الألبانيّ في \"الضّعيفة\" (ج ٣/ص ٦٧٢/رقم ١٤٨٠).\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٢٠/ص ١١٤/رقم ١٢٦٨٣) إسناده ضعيف لإبهام الواسطة بين سفيان وأنس. وأعلّه الهيثميّ في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٢/ص ٣٢٨/رقم ٣٩٣٣) وقال: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ.","vol":"1","page":285},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا تَفْضَحُوا مَوْتَاكُمْ بِسَيِّئَاتِ أَعْمَالِكُمْ فَإِنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ\" (١).\nونحو ذلك روى الطَّيَالِسِيُّ في مسنده من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى عَشَائِرِكُمْ وَأَقْرِبَائِكُمْ فِي قُبُورِهِمْ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ\" (٢)، قلت: وفي سنده الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ وهو متروك.\nوما أخرجه الحاكم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - أنّه سَمِع رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \" ... فَالله الله فِي إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ\" (٣).\nوممّا يشير إلى عدم عرض الأعمال عليهم، ما أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح من حديث أبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قال في روح المؤمن: \"حَتَّى\n_________\n(١) ابن أبي الدّنيا \"المنامات\" (ص ٦)، وقال العراقي في \"المغني\" (ص ١٨٨١): أخرجه ... ابْن أبي الدُّنْيَا والمَحَامِلِيُّ بِإِسْنَاد ضَعِيف. وضعّفه السّخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ... (ج ١/ص ٧٢١/رقم ١٢٩٦)، والْفَتَّنِيُّ في \"تذكرة الموضوعات\" (ص ٢١٦).\n(٢) الطَّيَالِسِيُّ \"مسند أبي داود الطَّيَالِسِيّ\" (ج ٣/ص ٣٤٠/رقم ١٩٠٣) وفي سنده الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، أَبُو شُعَيْبٍ المَجْنُونُ، رتبته عند الحافظ: متروك ناصبيّ \"تقريب التّهذيب\" (ص ٢٧٧/رقم ٢٩٤٧).\n(٣) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٤/ص ٣٤٢/رقم ٧٨٤٩)، وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وتعقّبه الذّهبي فقال: فيه مجهولان، وهو قول ابن المُلَقِّنِ. وضعّفه العراقي في \"المغني\" (ص ١٨٨١)، والألبانيّ في \"الضّعيفة\" (ج ١/ص ٦٣٦/رقم ٤٤٣) ورواه ابن أبي الدّنيا في \"المنامات\" (ج ١/ص ٥) كذا الحكيم في \"النوادر\" (ج ٢/ص ٢٥٩) كلاهما عن النّعمان.","vol":"1","page":286},{"text":"يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَلَهُمْ أَفْرَحُ بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَيَسْأَلُونَهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ ... \" (١)، فلو كانوا على علم بالأعمال ما سألوا عنها؟\nوما أخرجه البخاريّ في صحيحه عن ابن عبَّاس - ﵄ -، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَالَ: \" ... أَلا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة] \" (٢)، فلو كان الميِّت يعلم وتعرض عليه الأعمال لكان النَّبيُّ - ﷺ - أولى بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>هل يعرف الميّت الحيّ إذا سلّم عليه ويسمعه ويأنس به</span>؟\nهناك أحاديث واهية رواها مجروحون وضعفاء ومتروكون يتداولها عامَّة النَّاس في احتجاجهم ومناظراتهم، وساعد في انتشار هذه الأحاديث المشكلة أنَّها مَبْثُوثَةٌ في ثنايا بعض كتب التَّفسير وكتب التّاريخ وكتب العقائد وغيرها، وهناك من صحَّحها بغير علم، وتناقل المشتغلون في تحقيق هذه الكتب واختصارها ذلك، دون نقدها، فذاعت وشاعت، منها أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: \"مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ رَجُلٍ\n_________\n(١) الحاكم \"المستدرك\" (ج ١/ص ٤٦٣/رقم ١٣٣٣)، وصحّحه الألبانيّ في \"الصّحيحة\" (ج ٣/ص ٢٩٣/رقم ١٣٠٩).\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ٥٥/رقم ٤٦٢٥) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.","vol":"1","page":287},{"text":"كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلا عَرَفَهُ وَرَدَّ ﵇\" (١). ومنها ما رواه الحاكم وصحَّحه عنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ... أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - حِينَ انْصَرَفَ مِنْ أُحُدٍ مَرَّ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ - ﵁ - وَهُوَ مَقْتُولٌ عَلَى طَرِيقِهِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - وَدَعَا لَهُ ... ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا ردُّوا عَلَيْهِ\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن حبّان في كتاب \"المجروحين\" (ج ٢/ص ٥٨) وقال ابن القيسراني في \"تذكرة الحفّاظ\" (ج ١/ص ٢٨١/رقم ٦٩٩): رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْحَدِيثِ. وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (ج ٢/ص ٤٢٩/رقم ١٥٢٣) وقال: هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ وقد أجمعوا على تضعيف عَبْد الرحمن. وضعّفه الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ٩/ص ٤٧٣/رقم ٤٤٩٣)، و\"ضعيف الجامع الصّغير\" (ص ٧٥٢/رقم ٥٢٠٨).\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٢/ص ٩١٧/رقم ٣٠٢٧) وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وردَّه الذّهبي في التّلخيص، بقوله: كذا قال، وأنا أحسبه ... موضوعًا، وقَطَن لم يرو له البخاريّ، وعَبْدِ الْأَعْلَى لم يخرجا له. وضعّفه الألبانيّ في ... \"الضّعيفة\" (ج ١١/ص ٣٦٥/رقم ٥٢٢١) .. ورواه الطّبراني في \"المعجم الأوسط\" (ج ٤/ص ٩١/رقم ٣٧٠٠)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٦/ص ١٢٣/رقم ١٠١٢٠): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. ورواه الطّبراني في \"المعجم الكبير\" (ج ٢٠/ص ٣٦٤/رقم ٨٥٠)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٦٠/رقم ٤٣١٦) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ أَبُو بِلَالٍ الْأَشْعَرِيُّ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.","vol":"1","page":288},{"text":"ومنها ما روي عن مُحَمَّد بن عون، عن يحيى بن يمَان، عَن عبد الله بن سمْعَان، عَن زيد بن أسلم عَن عَائِشَة حي على الفلاح، قَالَت: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"مَا من رجل يزور قبر أَخِيه وَيجْلس عِنْده إِلَّا استأنس بِهِ ورد عَلَيْهِ حَتَّى يقوم\" (١).\nقلت: وقد تظاهرت الأدلَّة على عدم سماع الأموات كلام الأحياء، وأظهرها قوله تعالى خطابًا لنبيِّه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ... (٨٠)﴾ [النّمل]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ [فاطر].\nوعنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ لله - ﷿ - مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ\" (٢)، فالنَّبيُّ - ﷺ - لا يسمع السّلام، وإنَّما تبلِّغه إيَّاه ملائكة سيَّارون في الأرض، فإذا كان النَّبيُّ - ﷺ - لا يسمع سلام مَنْ سَلَّمَ عليه مِنْ أمَّته، فغيره من الموتى أحرى بعدم السَّماع، وهذا يبيّن لك ضلال مَنْ يستغيث بالموتى ليس لأنَّهم لا يسمعون فحسب، وإنَّما لأنَّهم لا يملكون\n_________\n(١) ابن قيّم الجوزيّة \"الرّوح\" (ص ٥) وذكر أنّه رواه ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ \" الْقُبُورِ\". قلت: ولم أجده في كتاب القبور، وإنّما وجدته في كثير من المصنّفات معزوّا لابن أبي الدّنيا كما في الرّوح، والحديث ضعيف جدًّا؛ في سنده يحيى بن يمان العجلي صدوق عابد يخطئ كثيرًا وقد تغيّر، كذا قال الحافظ في \"تقريب التّهذيب\" (ص ٥٩٨/رقم ٧٦٧٩)، وفي سنده عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان [ينسب إلى جده كثيرًا] متروك اتّهمه بالكذب أبو داود وغيره \"تقريب التّهذيب\" (ص ٣٠٣/رقم ٣٣٢٦). وقال الحافظ ابن رجب في \"أهوال القبور\" (ص ٨٦): رواه عبد الله عن ابن سمعان وهو متروك.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٧/ص ٣٤٣/رقم ٤٣٢٠) إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":289},{"text":"ضرًّا ولا نفعًا وهم أحياء فكيف وهم أموات؟ !\nفهناك من يشدُّ الرِّحال إلى أصحاب القبور هُنَا وَهُنَاكَ يدعونهم من دون الله تعالى، وقد أخبر الله أكبر أنَّ المدعوَّ من دونه من أصنام وأموات ليس من شأنهم السَّماع، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ... (١٤)﴾ [فاطر].\nوقد يعترض معترض، فيقول: إنَّ المراد بالَّذين لا يسمعون الأصنام، فالله تعالى نفى السَّمع عن الجمادات، ولم ينفِ السَّمع عن الأموات؟ ! والجواب: أنَّ كلمة من دونه تحتمل الجمادات والأموات وكلّ ما يُدْعَى من دونه الله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ... (١٤)﴾ [فاطر]، فالّذي يقع منه الكفر بهذا الشِّرك يوم القيامة هم العقلاء من الأموات الَّذين كانوا يدعونهم من دون الله تعالى، وصدق الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف].\nويدلك أنَّ الموتى لا يسمعون ولا يستجيبون، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام]، فقد شبَّه الله تعالى الكفَّار بالموتى في عدم السَّماع، وهذا فيه أنَّ المشبَّه به - وهم الموتى- لا يسمعون؛ ولذلك وضعت علامة الوقف اللَّازم على كلمة (يسمعون)، ولم توضع على كلمة (الموتى)، فَافْهَم هَذَا.","vol":"1","page":290},{"text":"ومن أظهر الأدلَّة قوله - ﷺ -: \"فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ\" (١)، فالنَّبيُّ - ﷺ - لا يدري ما أحدث رجال من أمَّته بعد موته - ﷺ -، فلو كان الميِّت يسمع أو يرى أو يعلم لكان النَّبيُّ - ﷺ - أولى بذلك.\nومع أنَّ الموتى ليس من شأنهم السَّماع، لكن إذا شَاءَ الله تعالى أن يسمعهم لم يمتنع، فالله تعالى يسمع مَنْ يشاء، كما أسمع أَهْلَ الْقَلِيبِ مِنْ بَدْرٍ كَلَامَ النَّبيِّ - ﷺ -: \"فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ - ﷺ -: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ\" (٢).\nوهذه حادثة أو وَاقِعَةُ عَيْنٍ، وحوادث الأعيان لا يستدلّ بها على عموم الأحكام، فهي لا تشمل غيرهم من الموتى، ليس لها حكم العموم، ولا تدلُّ على أنَّهم يسمعون دائمًا وأبدًا، فسماعهم خاص بذلك الوقت وبما قاله لهم النَّبيُّ - ﷺ -، ويدلّك على ذلك قول قتادة في آخر الحديث: \"أَحْيَاهُمُ الله حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ؛ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا\".\nويدلّك على ذلك فهم عائشة - ﵂ -، قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ... (٨٠)﴾ [النّمل] \" (٣)، فعائشة - ﵂ - تنكر سماع الموتى إلَّا ما ثبت لهم، مثل: حديث القليب هذا، لكنَّها تشير إلى أنَّ سماعهم مقيَّد بالسَّماع له - ﷺ -، وفي\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ٥٥/رقم ٤٦٢٥) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٥/ص ٧٦/رقم ٣٩٧٦) كِتَابُ المَغَازِي.\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٨/رقم ١٣٧١) كِتَابُ الجَنَائِزِ.","vol":"1","page":291},{"text":"الوقت الَّذي ناجاهم فيه، وكما في حديث خفق النِّعال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>هل كلام الْقَبْر للْمَيت حقّ</span>؟\nوردت أحاديث معلولة في خطاب القبر للميِّت، منها ما أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: \"لَمْ يَأْتِ عَلَى القَبْرِ يَوْمٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، فَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ المُؤْمِنُ قَالَ لَهُ القَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ، قَالَ: فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الجَنَّةِ. وَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ الفَاجِرُ أَوِ الكَافِرُ قَالَ لَهُ القَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ\" (١)، وردَّه التِّرْمِذِيُّ، فقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. أي ضعيف، لأنّ في سنده الْوَصَّافِيُّ وعَطِيَّة الْعَوْفِيّ وكلاهما ضعيف.\nومنها حديث: \"مَا يَأْتِي عَلَى هَذَا الْقَبْرِ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ نَسِيتَنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَبَيْتُ الْوَحْشَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ، وَبَيْتُ الضِّيقِ، إِلَّا مَنْ وَسَّعَنِي الله عَلَيْهِ\" (٢).\n_________\n(١) التّرمذيّ \"سنن التّرمذيّ\" (ص ٥٥٤/رقم ٢٤٦٠) ضعيف جدًّا، كذا قال الألبانيّ في \"الضّعيفة\" (ج ١٠/ص ٧٤٧/رقم ٤٩٩٠) وضعّفه السّخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (ص ١٣٩).\n(٢) الطّبراني \"المعجم الأوسط\" (ج ٨/ص ٢٧٢/رقم ٨٦١٣)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٦/رقم ٤٢٥٢): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبِ بْنِ سُوَيْدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وقال الألبانيّ في \"الضّعيفة\" (ج ١٠/ص ٧٤٧/رقم ٤٩٩٠): موضوع.","vol":"1","page":292},{"text":"ومنها حديث: \"يَقُولُ الْقَبْرُ لِلْمَيِّتِ حِينَ يُوضَعُ فِيهِ: وَيْحَكَ ابْنَ آدَمَ، مَا غَرَّكَ بِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْفِتْنَةِ وَبَيْتُ الظُّلْمَةِ وَبَيْتُ الْوَحْدَةِ وَبَيْتُ الدُّودِ؟ \" (١)، وهناك أحاديث أخرى في هذا الباب لا يَصِحُّ منها شيء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>هل الموتى يتزاورون في أكفانهم</span>؟\nوردت أحاديث معلولة تنصُّ على تزاور المَوْتَى فِي أكفانهم، والأمر بتحسين الكفن لأجل هذا، منها عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهْ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ، فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ وَيَتَزَاوَرُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ\" (٢) وهذا الحديث اخْتُلِفَ عَلَيْهِ، لكن صدره صحيح كما في صحيح مسلم وغيره.\nويدلّك على ضعفه، مخالفة متنه لما ثبت من أنّنا نبعث حفاة عراة، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"يَبْعَثُ اللهُ - ﷿ - النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا\" (٣). قلت: والكفن\n_________\n(١) الطّبراني \"المعجم الكبير\" (ج ٢٢/ص ٣٧٧/رقم ٩٤٢) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٤٥/رقم ٤٢٥١): رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ لِاخْتِلَاطِهِ. وضعّفه العراقي في \"المغني عن حمل الأسفار\" (ص ١٨٨٢).\n(٢) أخرجه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (ج ١٠/ص ١١٣) بإسناد هالك، وذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (ج ٣/ص ٢٤٠) وقال: هَذَا حَدِيث لَا يَصحّ عَن رَسُول الله - ﷺ -. وقال الفتني في \"التّذكرة\" (ج ١/ص ٢١٩): عَن أنس وَفِيه كَذَّاب، وَعَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه من لَيْسَ بِشَيْء. وخرّجه العقيلي في \"الضّعفاء الكبير\" (ج ٢/ص ٥٥) وأعلّه، وأورده الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ٣/ص ٤١١/رقم ١٤٢٥) وقال: يرتقي الحديث إلى مرتبة الصّحيح لغيره. وقال لي الشّيخ عادل مرشد: أخطأ الألباني -﵀- في تصحيح هذه الزّيادة؛ فهي شاذّة أو منكرة.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٤١/ص ١٣٥/رقم ٢٤٥٨٨) حديث صحيح.","vol":"1","page":293},{"text":"\"لِلْمُهْلَةِ\" كما قال أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -، وسرعان ما يُسْلَبُ، فينال خيرًا منه أو شرًّا منه.\nومنها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"حَسِّنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِي أكفانهم\" (١)، وأعلَّه ابن الجوزيّ وغيره.\nوروى البيهقيّ بإسناد فيه نظر، عن مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم الْوَرَّاق، عن ... عِكْرِمَة بْن عَمَّارٍ، عن هِشَام بْن حَسَّان، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"مَنْ وَلِيَ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ، فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَ\" (٢)، ومُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَرَّاقُ ضعّفه الحافظ.\nوَعَلَى كُلِّ حَالٍ هذه ليست مسألة نتعبَّد الله تعالى بها حتَّى يتعيَّن علينا معرفتها، لكن الَّذي لا ريب فيه أنَّ البرزخ فيه حياة يعلمها الله تعالى، فحياة الشُّهداء ثابتة بِنَصِّ القُرْآنِ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران].\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مِتْنَا وَيَرَى بَعْضُنا بَعْضًا</span>؟\nعَنْ أُمِّ هَانِئٍ - ﵂ -، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ الله - ﷺ - أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مِتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"تَكُونُ النَّسَمُ طَيْرًا تَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ\n_________\n(١) ابن الجوزي \"الموضوعات\" (ج ٣/ص ٢٤٠).\n(٢) البيهقي \"شعب الإيمان\" (ج ١١/ص ٤٥٨/رقم ٨٨٣٠) وابن إبراهيم الْوَرَّاق ضعّفه الحافظ في \"تقريب التّهذيب\" (ص ٢٤٥/رقم ٢٤٦٢) وكذَّبه ابن معين \"الضّعفاء والمتروكون\" (ج ٢/ص ٨/رقم ١٤٦٨) ابن الجوزي.","vol":"1","page":294},{"text":"الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا\" (١).\nويشهد لمعناه ما رواه أحمد بسند صحيح من حديث كَعْب بن مَالِك الْأَنْصَارِيّ - ﵁ - وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ - ﵃ - كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ\" (٢).\nوقوله: \"نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ\" تَعُمُّ الشَّهِيدَ وَغَيْرَهُ؛ فالحديث فيه كرامة لعموم المؤمنين، لأنَّ اللَّفظ جاء مطلقًا بصيغة العموم، ويحتمل أنَّ هذه الكرامة للشُّهداء خاصَّة دون غيرهم، لأن الكتاب والسُّنَّة ينصَّان على ذلك، فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ.\nولعلَّ المعنى أنَّ روح المؤمن كهيئة طائر، وأنّها فِي نَعِيمٍ مقيم. ولا نستطيع الجزم بأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أجاب عن سؤال أُمِّ هَانِئٍ - ﵂ - بالنَّفي أو الإثبات، فقد اختلف الشُّرَّاح في ذلك.\nولمّا اشتكى كعب بن مالك - ﵁ - مَرَضَ الموْتِ وحضرته الْوَفَاةُ، دَخَلَتْ عَلَيْهِ أُمُّ مُبَشِّرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وطلبت منه إنْ لَقِي ابنها بعد موته أن يقرئه مِنها السَّلَامَ، أخرج أحمد من طريق مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ... كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ مُبَشِّرٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ شَاكٍ: اقْرَأْ عَلَى ابْنِي\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٤٥/ص ٣٨٣/رقم ٢٧٣٨٧) حديث صحيح لغيره، وصحّحه الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ٢/ص ٢٨٩/رقم ٦٧٩) و\"صحيح الجامع\" (ج ١/ص ٥٧٤/رقم ٢٩٨٩).\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٥/ص ٦٥/رقم ١٥٧٨٧) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.","vol":"1","page":295},{"text":"السَّلَامَ، تَعْنِي مُبَشِّرًا، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللهُ لَكِ يَا أُمَّ مُبَشِّرٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّمَا نَسَمَةُ المُسْلِمِ طَيْرٌ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ - ﷿ - إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (١) قَالَتْ: صَدَقْتَ، فَأَسْتَغْفِرُ اللهَ. قلت: وظاهر الحديث أنَّ كعب بن مالك - ﵁ - أقام الحجَّة عليها، ولعلَّ المعنى أنَّ روح المسلم في شغل عن ذلك بنعيم الجنَّة، وما طلبته أُمُّ مُبَشِّرٍ ليس العمل عليه. لكنَّنا نجزم باجتماع الموتى إلى الميِّت وسؤالهم إياه أوَّل ما يُصْعَدُ بِرُوحِه إِلَى السَّمَاءِ، فَالمُعْتَمَدُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صَرِيحًا.\nهل تتلاقى أرواح الأموات وتتذاكر؟\nثبت أنّ أَرْوَاح المؤمنين تتلاقى وتتحادث وتتذاكر في البرزخ أوَّل ما يُصْعَدُ بِرُوحِ المؤمن إِلَى السَّمَاءِ، وثبت أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ وَيَتَلَقَّوْنَ المَيِّتَ ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَعَارِفِهِمْ، أخرج البزَّار من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مرفوعًا: \"وَإِنَّ المُؤْمِنَ يُصْعَدُ بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَأْتِيهِ أَرْوَاحُ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَخْبِرُونَهُ عَنْ مَعَارِفِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ: تَرَكْتُ فُلانًا فِي الدُّنْيَا، أَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، وَإِذَا قَالَ: إِنَّ فُلانًا قَدْ مَاتَ، قَالُوا: مَا جِيءَ بِهِ إِلَيْنَا\" (٢).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٥/ص ٥٥/رقم ١٥٧٧٦) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.\n(٢) البزّار \"مسند البزّار\" (ج ١٧/ص ١٥٤/رقم ٩٧٦٠) قال السّيوطي في \"شرح الصّدور\" (ص ٩٧): أخرجه الْبَزَّار بِسَنَد صَحِيح. وصحّحه الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ٦/ص ٢٦٢/رقم ٢٦٢٨) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ٣/ص ٥٣/رقم ٤٢٧١): رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ خَلَا سَعِيدَ بْنَ بَحْرٍ، فَإِنِّي لَمْ أَعْرِفْهُ. قلت: وهذا الّذي لم يعرفه -﵀- وثَّقه الخطيب في \"تاريخ بغداد \" (ج ١٠/ص ١٣١/رقم ٤٦٢٦).","vol":"1","page":296},{"text":"وقد خرّج النّسائي الحديث بسنده عن أبي هريرة - ﵁ -، وفيه: \" ... فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ\" (١).\nفأرواح المؤمنين تلتقي بالجملة، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو - ﵄ -، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ تَلْتَقِي عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ، مَا رَأَى أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ قَطُّ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>نَتن الميّت وبلاء جسده إلا الأنبياء وَمن ألحق بهم</span>\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ\" (٣).\nلكن أجساد الأنبياء لا تصبح رميمًا كسائر النَّاس، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: ... \"مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ تُعْرَضُ عَلَيْكَ صَلَاتُنَا وَقَدْ أَرِمْتَ؟ - يَعْنِي: وَقَدْ بَلِيتَ - قَالَ: إِنَّ اللهَ - ﷿ - حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ\" (٤).\n_________\n(١) النّسائي \"سنن النّسائي\" (ص ٢٩٦/رقم ١٨٣٣) صحيح.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٢١٢/رقم ٦٦٣٦) إسناده حسن.\n(٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٩/ص ٦٤/رقم ٧١٥٢) كِتَابُ الأَحْكَامِ.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٢٦/ص ٨٤/رقم ١٦١٦٢) إسناده صحيح.","vol":"1","page":297},{"text":"ويلحق بهم من يتفضَّل الله تعالى عليه، عَنْ عُرْوَة، لمّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ، فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: \"لا والله مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ - ﵁ - \" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ: \"وَاسْتَخْرِجُوا عِظَامَ يُوسُفَ - ﵇ </span>- \"\nكيف الجمع بين قول النَّبِيِّ - ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ - ﷿ - حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ\" (٢)، ومَا رُوِيَ: \"وَاسْتَخْرِجُوا عِظَامَ يُوسُفَ - ﵇ - \" ففي الحديث، قال النَّبِيُّ - ﷺ -:\n\"عَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: إِنَّ مُوسَى لمَّا سَارَ ... بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ ضَلُّوا الطَّرِيقَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: إِنَّ يُوسُفَ لمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ الله أَنْ لَا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ عِظَامَهُ مَعَنَا، قَالَ: فَمَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ؟ قَالَ: عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَأَتَتْهُ، فَقَالَ: دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ، قَالَتْ: حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قَالَ: مَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ: أَكُونُ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَكَرِهَ أَنْ يُعْطِيَهَا ذَلِكَ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ: أَنْ أَعْطِهَا حُكْمَهَا، فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ إِلَى بُحَيْرَةٍ: مَوْضِعِ مُسْتَنْقَعِ مَاءٍ، فَقَالَتْ: أَنْضِبُوا هَذَا المَاءَ، فَأَنْضَبُوا، قَالَتِ: احْتَفِرُوا وَاسْتَخْرِجُوا عِظَامَ يُوسُفَ، فَلَمَّا أَقَلُّوهَا إِلَى الْأَرْضِ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٣) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٦/ص ٨٤/رقم ١٦١٦٢) إسناده صحيح.","vol":"1","page":298},{"text":"إِذَا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ\" (١).\nفقد يبدو تعارض بين جملة: \"عظام يوسف - ﵇ - \"، و\"أنّ الله حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ\". ويزول الإشكال إذا عرفت أن المراد بكلمة عظام الجسد كلّه، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، ويؤكِّد هذا ما روي عَنِ ... ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لمَّا بَدَّنَ قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ - ﵁ -: \"أَلَا أَتَّخِذُ لَكَ مِنْبَرًا يَا رَسُولَ الله، يَجْمَعُ -أَوْ يَحْمِلُ- عِظَامَكَ؟ قَالَ: بَلَى، فَاتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا مِرْقَاتَيْنِ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>النَّاس يبْلوْنَ فِي قُبُورِهُمْ إِلَّا عَجْب الذَّنَبِ مِنْهُمْ</span>\nالإنسان إذا مات بلي منه كل شيء إِلَّا عَجْب الذَّنَبِ وهُوَ رَأْسُ الْعُصْعُصِ مثل حَبَّة الْخَرْدَل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ\" (٣). وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: ... \"إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: عَجْبُ الذَّنَبِ\" (٤). وهذا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ:\n_________\n(١) أبو يعلى \"مسند أبي يعلى\" (ج ١٣/ص ٢٣٦/رقم ٧٢٥٤) رِجَالُ أَبِي يَعْلَى رِجَالُ الصَّحِيحِ، كذا قال الهيثمي \"في مجمع الزّوائد\" (ج ١٠/ص ١٧٠/رقم ١٧٣٤٨). وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (ج ٢/ص ٤٣٩/رقم ٣٥٢٣) وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ووافقه الذّهبي، وإنّما هو على شرط مسلم كما قال الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ١/ص ٦٢٣/رقم ٣١٣).\n(٢) أبو داود \"سنن أبي داود\" (ج ٢/ص ٣٠٩/رقم ١٠٨١) إسناده صحيح.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٧١) كتاب الْفِتَنِ.\n(٤) المرجع السّابق.","vol":"1","page":299},{"text":"\"لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ\" (١).\nوظاهر اللَّفظ في الأحاديث العموم، أيّ أنَّ كلَّ ابن آدم أجسادهم تبلى وتأكلهم الأرض خلا عَجْب الذَّنَب منهم، وأنّهم سواء في ذلك، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ ثبت أنَّ أَجْسَاد الْأَنْبِيَاءِ لَا تَبْلَى كما تقدّم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>هل يشعر الميّت ببلاء جسده؟ وكيف ينعم بعد ذلك</span>؟\nهل يشعر الميّت ببلاء جسده؟ وهل يؤلمه ذلك إن كان عبدًا تقيًّا؟ وكيف يفرش له من الجنَّة ويلبس منها، وقد بلي وأضحى في التّراب رميمًا؟\nالمؤمن ليس يضرُّه بلاء جسده شيئًا، قال ابن عُمَرَ - ﵄ - يومًا لأَسْمَاء بنت أبي بكر - ﵄ - (ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ) وهي فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ - حِيْنَ بلغه قتل ابْنُ الزُّبَيْرِ - ﵁ -: \"إِنَّ هَذِهِ الجُثَثَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا الأَرْوَاحُ عِنْدَ الله؛ فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي\" (٢).\nقلت: ونعيم القبر حقّ بلي الجسد أم لم يبل، ورُؤْيَتُنَا لأجساد بالية لا يعني انتفاء النَّعيم أو العذاب عن أصحابها، ولو رأينا شيئًا من النَّعيم أو العذاب الَّذي أخبر الله تعالى ورسوله - ﷺ - عنه لَارْتَفَعَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ.\nهذا وعالم الغيب لا يقاس على عالم الشّهادة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٦٥/رقم ٤٩٣٥) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.\n(٢) الذّهبي \"سير أعلام النبلاء\" (ج ٢/ص ٢٩٤) رجاله ثقات، كذا قال شعيب الأرنؤوط.","vol":"1","page":300},{"text":"شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر].\nفإن قيل: كم من ميّت شاهده النَّاس على حاله بعد نبش قبره بفترة وجيزة من دفنه، فَكَيْفَ يضمّه القبر، أو ينعّم، أو يعذّب ويضرب بمطارق من حديد، ولا يظهر لَهُ أَثَرٌ؟ !\nفَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ولا مستَنْكَر كالنَّائِم أو الْيَقْظَان فإنّه يجد لَذَّةً أو أَلَمًا لما يراه ويسمعه، ولا يشاهد ذلك جليسه ولا يحسُّ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ ولا يعرفه.\nومن رحمة الله تعالى بالنَّاس أَنْ سَتَرَ عنهم عذاب القبر ولم يكشفه لهم، وصرف أبصارهم وأسماعهم عَنْ مُشَاهَدَته وسماعه؛ فلو رأى النّاس بعض العذاب أو سمعوه لانخلعت له قلوبهم، ولتركوا التَّدَافُن حذر العذاب، وخشية الفضيحة في الأحباب، لئلا يطّلع على أحوالهم، قَالَ - ﷺ -: \"لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>هل أجساد الشّهداء تبلى</span>؟\nيظنُّ كثير من النَّاس أنَّ أجساد الشُّهداء لا تبلى كأجساد الأنبياء، وهذا لا دليل عليه، والثَّابت أنّ الله تعالى \"حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ\"، ولا نعلم أنَّه حرّم عليها غير أجسادهم، فغير الأنبياء لم يأت دليل يدلُّ على أن الأرض لا تأكل أجسادهم.\nفإن قيل: فقد ثبت أنَّ بعض أجساد الشُّهداء والصَّالحين لم تأكلها الأرض\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٠/ص ١٩٨/رقم ١٢٨٠٨) إسناده صحيح على شرط الشَّيخين.","vol":"1","page":301},{"text":"ولم تتغيّر ولم تبدّل؟ قلنا نعم، وَلَكِنْ هَذَا لَيْسَ دَلِيلًا على أنَّ كلَّ شهيد لا يبلى، وإنّما هي كرامة من الله تعالى لذلك الإنسان شهيدًا كان أو صالحًا، وعلى ذلك إذا بلي جسد الشَّهيد وتغيَّر فهذا لا ينفي عنه الشّهادة، ولله الحمد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>الرّوح لا تفنى بفناء الجسد</span>\nالمَيِّتُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ حَتَّى يَبْعَثَه الله إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ\" (١)، أي هذا مكانك الذي تبعث إليه وتصله يوم القيامة. والْحَدِيثُ فيه أَنَّ الرُّوحَ لَا تَفْنَى بِفِنَاءِ الْجَسَدِ، وأنّها تنعَّم أو تعذَّب.\nوَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"إِنَّمَا نَسَمَةُ (روح) المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ\" (٢).\nأمّا ما خرّجه ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْجَبَّانَةَ يَقُولُ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ الْفَانِيَةُ ... \" (٣)، فالحديث\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ٩٩/رقم ١٣٧٩) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢٥/ص ٥٧/رقم ١٥٧٧٨) إسناده صحيح.\n(٣) ابن السّنّي \"عمل اليوم واللّيلة\" (ص ٥٤٥/رقم ٥٩٣) ضعيف، كذا قال الألباني في \"الضّعيفة\" (ج ٩/ص ٢٠١/رقم ٤١٨٦).","vol":"1","page":302},{"text":"ضعيف، والرّوح لا تفنى وإنَّما تَبْلَى وتفنى أجسادها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>دخول الرّوح الجنّة قبل يوم القيامة</span>\nمِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي دُخُولِ الرُّوحِ الْجَنَّة قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر]، وقولُ النَّبيِّ - ﷺ -: \"إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ... \" الحديث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>الأرواح فِي الْبَرْزَخِ أَيْنَ تَكُون</span>؟\nالْكَلَامُ فِي الرُّوحِ مِمَّا يخفى ويَغْمُضُ، فالرّوح مِمَّا اسْتَأْثَرَ الله تعالى بِعِلْمِهِ، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء].\nوما نعلمه أنَّ الرّوح لها أَنْوَاع مختلفة من التّعَلُّقَات بِالبَدَن، فالنُّطْفَة بعد أن تقع فِي الرَّحِمِ وتمكث أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يُنْفَخُ فِيهَا الرُّوحُ، ثمّ تتعلّق الرّوح بالبدن يوم يخرج الإنسان من رحم أمّه إلى هذه الدَّار، وتتعلَّق به يوم يخرج منها إلى دار البرزخ، وتتعلّق به يوم البعث، فهي باقية لا تموت كما تموت الأجساد.\nوالَّذي يعنينا مستقرّ الأرواح بعد مفارقتها البدن إلى يوم القيامة، وفي مستقرِّها خِلَافٌ كَبِيرٌ لأهل العلم، وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ قَائِمٌ عَلَى مَا سنذكر، وإن كانت المسألة لا تقف عنده.\nفالظَّاهر أنَّ أرواح الأنبياء في خير المنازل في أَعْلَى عَلِيِّينَ، فلمّا مَرِضَ ... النَّبِيُّ - ﷺ - المَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قال - ﷺ -: \"اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ","vol":"1","page":303},{"text":"الْأَعْلَى\" (١)، وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: \"وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ... (٦٩)﴾ [النّساء] \" (٢)، وعَنْها - ﵂ -، قَالَتْ: \"أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُهُ وَأَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ - ﷺ -: \"لَا بَلْ أَسْأَلُ الله الرَّفِيقَ الْأَعْلَى مَعَ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وإِسْرَافِيلَ\" (٣).\nأمّا أَرْوَاح الشُّهَدَاءِ ففِي الْجَنَّةِ، وهم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا\" (٤).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ١٧٢١) كتاب السَّلَامِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ٤٦/رقم ٤٥٨٦) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.\n(٣) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ١٤/ص ٥٥٥/رقم ٦٥٩١) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٥٠٢) كِتَابُ الْإِمَارَةِ.","vol":"1","page":304},{"text":"والظَّاهر أنَّ هذا ليس لكلِّ الشُّهداء، عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَالَ: \"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاهَدْتُ فِي سَبِيلِ الله بِنَفْسِي وَمَالِي حَتَّى أُقْتَلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ، لَيْسَ لَهُ عِنْدَكَ وَفَاءٌ \" (١).\nومن الشُّهداء من يبلغ الفردوس الأعلى، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: \"أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ - ﵂ - أَتَتْ رَسُولَ الله - ﷺ -، وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي، فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ؟ فَقَالَ لَهَا: هَبِلْتِ، أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى\" (٢).\nأمَّا أرواح المسلمين فتكون طيورًا تعلق في شجر الجنَّة، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّمَا\nنَسَمَةُ المُسْلِمِ طَيْرٌ يَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ \" (٣).\nوهذا ليس لكلِّ المسلمين، فهناك من هو مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ لدين عليه، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ -، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الصُّبْحَ، فَقَالَ: \"هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ\" (٤).\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٣/ص ١٠٧/رقم ١٤٧٩٦) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١١٦/رقم ٦٥٦٧) كِتَابُ الرِّقَاقِ.\n(٣) أحمد \"المسند\" (ج ٢٥/ص ٥٨/رقم ١٥٧٨٠) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٣٣/ص ٣١٠/رقم ٢٠١٢٤) إسناده صحيح.","vol":"1","page":305},{"text":"أمّا أرواح العصاة فتلقى من العذاب ما شَاءَ الله تعالى، وأمَّا مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُه فقد يَتَجَاوَز الله تعالى عنهم، فهناك نصوص تبيِّن ما يلاقيه العصاة من العذاب، على رفض القرآن والنَّوم عن الصَّلاة المفروضة، وتعمّد الكذب، والزِّنا، والرِّبا ... ففي حديث الرّؤيا الَّتي رآها النَّبيُّ - ﷺ - - ورؤيا الأنبياء وحيّ وحقّ ـ، قَالَ - ﷺ -:\n\"قُلْتُ لَهُما: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ، الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ - ﷺ -، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ. قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ الله، وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ، وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ\" (١).\nفهذا الحديث صريح أَنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُونَ فِي الْبَرْزَخ، وأَنَّ مَنِ اسْتَوَتْ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٩/ص ٤٤/رقم ٧٠٤٧) كِتَابُ التَّعْبِيرِ.","vol":"1","page":306},{"text":"حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُه يَتَجَاوَز الله تعالى عَنْهُمْ بفضله، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لَنَا: \" أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَابْتَعَثَانِي، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا، قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالا: أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ\" (١).\nأمّا أرواح الكفّار فلا تفتح لها أبواب السّماء، والظَّاهر أنَّها فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فهناك أحاديث تبيّن ما يعمل بروح الكافر إذا قبض، ففي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ -، قال: قَالَ - ﷺ -: \"وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ المُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ الله وَغَضَبٍ. قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ المُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ٦٩/رقم ٤٦٧٤) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.","vol":"1","page":307},{"text":"رَسُولُ الله - ﷺ -: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ... (٤٠)﴾ [الأعراف]. فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا.\nثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحجّ] ... \" (١) الحديث.\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قال: \" ... وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِذَا قُبِضَتْ نَفْسُهُ وَذُهِبَ بِهَا إِلَى بَابِ الْأَرْضِ يَقُولُ خَزَنَةُ الْأَرْضِ: مَا وَجَدْنَا رِيحًا أَنْتَنَ مِنْ هَذِهِ، فَتَبْلُغُ بِهَا إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى\" (٢).\nوفي سورة الواقعة ذكر الله أكبر مصائر الأرواح - عقب ذكر خروج الرّوح من البدن بالموت - وجعلها على منازل ثلاث، فالإنسان إذا حضر: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ [الواقعة].\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>هل يشعر الميّت بتطاول الزّمن في قبره</span>؟\nهل يحسُّ الميِّت بالزَّمن وهو في قبره؟ هل يشعر بامتداد الزَّمن وتطاوله؟ هذا الزّمن الّذي قد يمتدُّ آلاف السّنين!\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٣٠/ص ٥٠٢/رقم ١٨٥٣٤) إسناده صحيح، رجاله رجال الصّحيح.\n(٢) ابن حبّان \"صحيح ابن حبّان\" (ج ٧/ص ٢٨٣/رقم ٣٠١٣) إسناده صحيح.","vol":"1","page":308},{"text":"لا نملك إجابة، ولكن في القرآن الكريم ما يشير إلى أنَّ الميِّت لا يشعر بالزَّمن إلَّا ما شاء الله تعالى له، مثل الَّذي مَرَّ على قرية وهي خاوية، فتعجَّب من قدرة الله تعالى على الإحياء، فأماته الله تعالى مائة عام ثم بعثه، فلما سئل كم لبثت؟ ظنَّ أنَّه لم يلبث إلا يومًا أو بعض يوم، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ... (٢٥٩)﴾ [البقرة].\nوأهل الكهف لم يحسّوا بالزَّمن إلَّا ما شاء الله تعالى لهم، قال تعالى: ... ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ... (١٩)﴾ [الكهف].\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>تغبيط أهل القبور آخر الزّمان خشية ذهاب الدّين من اشتداد الفتن</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ\" (١).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٣١) كتابُ الْفِتَنِ.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>القسم الخامس عشر\nما ينتفع به الميت</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>ما ينتفع به الميت من عمله وسعيه</span>\nعمل الميِّت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثَّواب له، ولا يلحقه من الثَّواب بعد وفاته من عمله وكسبه إلَّا ما ثَبَتَ، ومن ذلك ثلاثة نصَّ عليها الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\" (١).\nوالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ محمولة عَلَى الْوَقْف في وجوه الخير إن أوقف شيئًا في حياته، أمّا العلم الَّذي يُنْتَفَعُ بِهِ، فهو ما خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيمٍ أَوْ تأليف وتَصْنِيفٍ، قال تعالى: ... ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ... (١٢)﴾ [يس]، وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: ... \"مَنْ عَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ الله - ﷿ - كَانَ لَهُ ثَوَابُهَا مَا تُلِيَتْ\" (٢)، وقال - ﷺ -: \"خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ\" (٣).\nأمّا الولد فهو من كسب أبيه؛ ولذلك ينتفع به، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ\" (٤). وَقُيِّد الولد بالصَّالح؛ لأنَّ الله تعالى يتقبَّل من المتَّقين الصَّالحين، والدّعاء ليس\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٢٥٥) كِتَابُ الْوَصِيَّةِ.\n(٢) أخرجه أبو سهل القطان في \"حديثه عن شيوخه\" وهذا إسناد جيّد عزيز، رجاله ثقات، كذا قال الألباني في \"الصّحيحة\" (ج ٣/ص ٣٢٣/رقم ١٣٣٥).\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٩٢/رقم ٥٠٢٧) كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ.\n(٤) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ٣/ص ٢٦٩/رقم ٢١٣٧) إسناده صحيح.","vol":"1","page":310},{"text":"مقيّدًا، فالثَّواب يقع للوالد من دعاء ولده ومن غيره من أعماله الصَّالحة، وكذلك الأمّ، وإنّما ذكر الدّعاء تحريضًا للولد على الدُّعاء لوالديه؛ لأنَّ الدُّعاء لهما بالرَّحمة والمغفرة أعظم أَنْوَاعِ الْبِرِّ بهما، ولذلك تجد في القرآن الكريم الأمر به: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم].\nهذا ولا يلحق الوالد من سَيِّئِ عمل ولده لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٦٤)﴾ [الأنعام].\nفهذه الثّلاثة يجري أجرها بعد الموت، ويلحق ثوابها الميّت، ويبقى الثّواب ما بقيت، ولعلّ أدومها وأطولها مكثًا العلم الَّذي ينتفع به.\nولمّا كان الولد من سعي أبيه وأمِّه، فإنَّ له أنْ يتصدَّق ويصوم ويحجّ ويقضي الدَّين عن والديه، ويلحق ثواب ذلك والديه، فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجم]، والولد من سعي والديه.\nومن الأدلَّة على أنَّ الصَّدقة والصَّوم تلحق الوالدين من الولد الصَّالح بعد موتهما إذا كانا موحّدين، قول النَّبيِّ - ﷺ -: \"أَمَّا أَبُوكَ، فَلَوْ كَانَ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، فَصُمْتَ، وَتَصَدَّقْتَ عَنْهُ، نَفَعَهُ ذَلِكَ\" (١).\nوعن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - ﵁ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١١/ص ٣٠٧/رقم ٦٧٠٤) إسناده حسن.","vol":"1","page":311},{"text":"تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ (١) صَدَقَةٌ عَلَيْهَا\" (٢). وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: \"أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ\" (٣).\nوحجّ الولد عن والديه ينفعهما، كذلك الصّوم عنهما، لحديث عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ -، قَالَ: \"بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ -، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا\" (٤).\nولذلك مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاء أو نَذْر، فإنَّه يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ قَضَاء الصِّيَامِ عَنْهُ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ\" (٥).\nوكذلك قضاء الدَّين، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: \"جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى\n_________\n(١) الحائط: الْبُسْتَان، والمِخْرَاف: اسْم حَائِط سعد الَّذِي تصدَّق بِهِ عَن أمّه بِالمَدِينَةِ.\n(٢) الطّبراني \"مسند الشّاميين\" (ج ٣/ص ٢٣٤/رقم ٢١٥٥) وقال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ١٠/ص ٢١٠/رقم ١٧٥٩٨): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وحسّنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (ج ٢/ص ١٠٤٢/رقم ٦٠٢٦).\n(٣) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٢/ص ١٠٢/رقم ١٣٨٨) كِتَابُ الجَنَائِزِ.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٨٠٥) كِتَاب الصِّيَامِ.\n(٥) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ٣٥/رقم ١٩٥٢) كِتَابُ الصَّوْمِ.","vol":"1","page":312},{"text":"رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ\" (١).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى\" (٢). والحديث فيه دليل على أنَّ دين الله تعالى مقدَّم في القضاء على دين ابن آدم إذا ضاق ماله.\nوزِيدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الّتي تلحق بالميِّت من عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ ويجري أجرها عليه ويتجدَّد ثوابها، ما جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عند ابن ماجة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا نَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ\" (٣).\nولا تنافي هذه الخصال السّبع الحصر في الحديث السّابق \"إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ\"\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٨٠٤) كِتَاب الصِّيَامِ.\n(٢) البخاريّ \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ٣٥/رقم ١٩٥٣) كِتَابُ الصَّوْمِ.\n(٣) ابن ماجة \"سنن ابن ماجة\" (ج ١/ص ١٦٣/رقم ٢٤٢) إسناده ضعيف لضعف مرزوق بن أبي الهذيل، كذا قال شعيب الأرنؤوط، قلت: ولعلّه لخلاف فيه من مرزوق حسّن إسناده ... ابن الملقّن في \"البدر المنير\" (ج ٧/ص ١٠٢)، والألبانيّ في \"الأحكام\" (ص ١٧٦)، و\"المشكاة\" (ج ١/ص ٨٤/رقم ٢٥٤)، و\"الإرواء\" (ج ٦/ص ٢٩)، و\"صحيح التّرغيب والتّرهيب\" (ج ١/ص ١٤٣/رقم ٧٧)، و\"صحيح الجامع الصّغير\" (ج ١/ص ٤٤٣/رقم ٢٢٣١).","vol":"1","page":313},{"text":"لأنّها ترجع إليه؛ فالصَّدَقَة الْجَارِيَة تَشْمَل وَقْف المُصْحَف وَالمَسْجِد والبيت وَالنّهر.\nوعَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ (١) أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ\" (٢).\nومن كرم الله تعالى أنَّ الثَّواب يقع لصاحب الغرس في حياته وبعد مماته حتّى فيما عجز عن جمعه أو حمايته وفيما لم ينو التَّصدُّق به، دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ... أُمِّ مَعْبَدٍ - ﵂ - حَائِطًا، فَقَالَ: \"يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَلَا يَغْرِسُ المُسْلِمُ غَرْسًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا طَيْرٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (٣).\nويجري أجر العبد وينمو ثوابه إلى يوم القيامة إذا مات مرابطًا فِي سَبِيلِ الله؛ لقول النَّبِيِّ - ﷺ -: \"كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ\" (٤).\nكذلك إذا سَنَّ في حياته سُنَّةً حَسَنَةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ وَيُتَّبَع عَلَيْهَا، فإنَّه يصله ثوابها، ولَهُ مِثْلُ أُجُورِ من تبعه، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵁ -، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - عَلَيْهِمِ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ\n_________\n(١) يصيب مِنْهُ خَيْرًا وينقصه.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١١٨٨) كِتَابُ المُسَاقَاةِ.\n(٣) المرجع السّابق.\n(٤) أحمد \"المسند\" (ج ٣٩/ص ٣٧٤/رقم ٢٣٩٥١) إسناده صحيح.","vol":"1","page":314},{"text":"حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَؤوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ... \" (١).\nوالسُّنَّة المذكورة المراد بها سُنَّة السَّبق إلى الصَّدقة الَّتي حثَّ عليها النَّبيُّ - ﷺ -، فالرَّجل الأنصاريّ أَوَّل مَنْ سَنَّ هذه السُّنَّة الصَّالحة، وهي المبادرة إلى الصَّدقة والاستجابة إلى الرَّسول - ﷺ -، ثمَّ تتابع النَّاس واقتدوا به، فكان له مثل أجورهم.\nفمن ابتدأ فعل طاعة واقتدى به غيره وتابعه عليها فقد سَنَّ سُنَّة حسنة، ولذلك فإنَّ خديجة - ﵂ - لمّا سَبْقَت نِسَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى الْإِيمَانِ سَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ آمَنَتْ بَعْدَهَا، فتكون قد سَنَّتْ سنّة حسنة لَهَا بها مِثْلُ أَجْرِهِنَّ، وَقَدْ شَارَكَهَا فِي ذَلِكَ الصِّدِّيقُ - ﵁ - بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ. وَجَمْعُ أبي بكر - ﵁ - للقرآن الكريم الّذي كان مكتوبًا سنّة حسنة تعدُّ في مناقبه ...\nومَنْ دَعَا إِلَى هُدىً فله مِثْلُ أجر مَنْ تَبِعَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا\" (٢).\nوما ورد في الأحاديث هو مضمون ومدلول قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ... (١٢)﴾ [يس].\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٠٥٩) كتاب الْعِلْمِ.\n(٢) المرجع السّابق.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>ما ينتفع به الميت من سعي غيره</span>\nالمَيِّتُ لَا يَلْحَقُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ثَوَابٌ من عمل غيره إلّا ما جاء مخصِّصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجم]، وقوله تعالى: ... ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزّلزلة]، وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه]، وما لم يُخَصَّص يبقى حكم العموم مهيمنًا عليه شاملًا له.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجم] ليس فيه نفي لانتفاع الميِّت بسعي غيره، وإنَّما فيه نفي ملكه لِغَيْرِ سَعْيِهِ، فمن شاء مِن الأحياء أن يبذل سعيه لميِّت في حدود ما ورد الشَّرع به، فإنَّه يصل إليه إن شاء الله تعالى.\nومثل ذلك قول النَّبيِّ - ﷺ -: \"إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ ... \" (١) فلم يقل - ﷺ -: انقطع انتفاعه، وإنّما أخبر عن انقطاع عمله، أمَّا عمل غيره، فهو لعامله إنْ شَاءَ بذله.\nفَلَيْسَ كُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ المَيِّتُ ويُرْحَمُ بِهِ يشترط أن يكون من سعيه، فقد قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الميّت يَنْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ سَعْيِهِ، وممّا ينتفع به دُعَاءُ المُؤْمِنِينَ له بالمغفرة والرّحمة، إذا توفرت شروط قَبُول الدُّعاء، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]. وَدُعَاء المسلمين للميِّت في الصَّلاة على الجنازة يشهد لذلك، وَكَذَا دعاء\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٢٥٥) كِتَابُ الْوَصِيَّةِ.","vol":"1","page":316},{"text":"الحيّ للميّت بعد الدّفن، أخرج أبو داود من حديث عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ -، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ\" (١)، وَكَذَا الدّعاء للميِّت عند زيارة القبور، أخرج مسلم من حديث عائشة قوله - ﷺ -: \"اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ\" (٢). ولذلك فإنّ مَشْرُوعِيَّة دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ دليل على أنَّ الميِّت ينتفع بدعاء الحيّ.\nوالدُّعاء للمؤمنين والاستغفار لهم من مقتضيات الأخوَّة الإيمانيّة الصَّادقة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... (١٩)﴾ [محمّد]، ولذلك تجد من دعاء إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم]، ومن دعاء نوح - ﵇ -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... (٢٨)﴾ [نوح].\nوعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ الله لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً\" (٣).\nومن الأمور الّتي ينتفع بها الميِّت من عمل غيره قضاء الدَّين، فقضاء الدَّين\n_________\n(١) أبو داود \"سنن أبي داود\" (م ٥/ص ١٢٧/رقم ٣٢٢١) إسناده حسن.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٢/ص ٦٦٩) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.\n(٣) الطّبراني \"مسند الشّاميين\" (ج ٣/ص ٢٣٤/رقم ٢١٥٥)، قال الهيثمي في \"مجمع الزّوائد\" (ج ١٠/ص ٢١٠/رقم ١٧٥٩٨) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وحسَّنه الألباني في \"صحيح الجامع الصّغير\" (ج ٢/ص ١٠٤٢ /رقم ٦٠٢٦).","vol":"1","page":317},{"text":"عن الميِّت يجوز من أيّ أحد من وليّ وغير وليّ ويرفع الله تعالى به العذاب؛ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أبي قتادة - ﵁ -، حيث ضمن الدِّينارين عن رجل هَلَكَ، فَلَمَّا قَضَاهُمَا قَالَ له النَّبِيُّ - ﷺ -: \"الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ\" (١)، فهذا من السَّعي الَّذي ينفع به المؤمن أخاه المؤمن.\nهذا وقضاء الدَّين عن الميِّت ولو من غير ولده شيء، وَالتَّصَدُّق عنه شيء آخر؛ فالأحاديث الَّتي وردت في التَّصَدُّقِ عنه مردّها إلى صدقة الولد عن والديه؛ وهو من كسبهما كما ثبت، فما ينتفع به الميّت من غير ولده يجب أن يثبت بنصّ.\nعلى كلّ، قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجم]، ظَاهِرُهُ لَيْسَ للإنسان إِلَّا أَجْرُ سَعْيِهِ وَجَزَاءُ عَمَلِهِ، وليس له شَيْءٌ بغير سَعْيِهِ، لكن لا يفهم من الآية أنّه لَا يَنْفَعُ أَحَدًا عَمَلُ أَحَدٍ، فهَذَا الْعُمُومُ في الآية مَخْصُوصٌ بمثل ما ورد من شفاعة النَّبيِّ - ﷺ - للعباد، ومشروعيَّة الدُّعاء للأموات، وقضاء الدَّين عنهم ونحو ذلك، فمَا خُصَّ بِدَلِيلٍ كان مخصّصًا لما في الآية من عموم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>دخول الأبناء الجنّة بصلاح الآباء دليل على انتفاع الإنسان بسعي غيره</span>\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ... (٢١)﴾ [الطّور]، دليل على أنَّ الإنسان يستفيد بصلاح غيره، فالآية فيها أنَّ الله تعالى يلحق الأبناء إذا كانوا على الإيمان بالآباء تفضّلًا على الأبناء وإكرامًا للآباء، فكما أنَّ الآباء يستفيدون من صلاح الأبناء، فكذلك الأبناء\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ٢٢/ص ٤٠٦/رقم ١٤٥٣٦) إسناده حسن.","vol":"1","page":318},{"text":"يستفيدون من صلاح الآباء، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ... (٨٢)﴾ [الكهف].\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>هل يعرف الميّت من تصدّق عنه أو استغفر له</span>؟\nهناك من يستدلّ على معرفة الميِّت بمن تصدَّق عنه أو استغفر له بما أخرجه أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ - ﷿ - لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ\" (١).\nقلنا: الحديث حسن، لكن لا يَنْهَضُ دَلِيلًا على معرفة الميّت بمن تصدّق عنه أو استغفر له، فليس فيه ما يدلّ على ذلك، وإنّما المعنى أنَّ الله تعالى يرفع منزلة الوالد يوم القيامة في الجنّة بدعاء ولده الصَّالح مِنْ بَعْدِهِ واستغفاره له، وهو مصداق لقول النَّبيِّ - ﷺ -: \"إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\" (٢). فالحديث يبيِّن فضل الله تعالى على الآباء يوم القيامة حيث يدخلهم الجنَّة، فيرفع لهم الدَّرجات بدعاء واستغفار من صلح من الأبناء.\nوعلى هذا المعنى يحمل ما أخرجه البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: \"تُرْفَعُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَرَجَتُهُ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ؟ فيقال:\n_________\n(١) أحمد \"المسند\" (ج ١٦/ص ٣٥٧/رقم ١٠٦١٠) إسناده حسن.\n(٢) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٣/ص ١٢٥٥) كِتَابُ الْوَصِيَّةِ.","vol":"1","page":319},{"text":"ولدك استغفر لك\" (١)، فالله تعالى يرفع درجة الآباء بدعاء الأبناء، والحديث فيه فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بعد موتهما.\nهذا ولا نعلم دليلًا في الكتاب أو السُّنَّة على أنَّ الله تعالى يُعْلِم الميّت بمن دعا له أو تصدَّق عنه، والله تعالى قادر على كلِّ شيء.\n_________\n(١) البخاريّ \"صحيح الأدب المفرد\" (ج ١/ص ٤٥) حسن الإسناد.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>القسم السادس عشر\nالبعث والنّشور </span><span data-type=\"title\" id=toc-284>الإيمان بالبعث والنّشور</span>\nبَعْثُ النّاس وإخراجهم من قبورهم أَخْبَرَ الله تعالى بِهِ مِنْ حِينِ أُهْبِطَ آدَمُ - ﵇ -، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف].\nوالْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، الّذي هو أحد أركان الإيمان السِّتَّة، والمعاد يكون للأجسام والأرواح معًا، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس].\nفنحن نؤمن بالبعث والجزاء: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزّلزلة].\nوالنّاس في غفلة عن لقاء ربِّهم، صحَّت أبدانهم وسقمت قلوبهم، فأكثرهم يضرب في غمرة اللَّهْو واللَّعب، شُغِلوا بالنَّظر إلى الدُّنيا الَّتي ليس لهم بدار عن النَّظر إلى دار القرار، قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ [المؤمنون].\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>إنكار المشركين البعث</span>\nمن أهمِّ ما يجب أن نؤمن به من أمر الآخرة الإيمان بالبعث والنُّشور، لأنَّ البعث هو ما أنكره المنكرون من عهود، وقد نقل لنا القرآن الكريم إنكارهم من","vol":"1","page":321},{"text":"قبل للبعث، وتكذيبهم للحشر، وكفرهم بلقاء الله تعالى، فمن ذلك قوله تعالى: ... ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ [هود]، ... وقوله: ... ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ... (٥)﴾ [الرّعد]، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ... (٣٨)﴾ [النّحل]، وقوله: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ [الإسراء]، وقوله: ... ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ [مريم]، وقوله: ... ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [النّمل]، وقوله: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ...\n(١٠)﴾ [السّجدة]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾ [سبأ]، وقوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ [الصّافات]، وقوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ... (٢٤)﴾ [الجاثية]، ... وقوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق]، وقوله: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾ [النّازعات].","vol":"1","page":322},{"text":"وقد أخبر الله تعالى عن كفّار قريش كيف أنّهم أنكروا البعث والنّشور وطلبوا من النَّبيِّ - ﷺ - أن يأتيهم بآبائهم الموتى أحياء كآية لهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ [الدّخان].\nوصدق الله تعالى القائل: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام].\nوما زال كثير من الخلق حتَّى يومنا هذا ينكرون البعث، ويقولون ما قال أسلافهم من قبل: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ [المؤمنون].\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>الرد على منكري البعث</span>\nوفي مواضع كثيرة جاء تقرير أمر البعث بما يزيل الشَّك، فمن ذلك الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق]، أي أنّهم يخرجون من القبور كما يخرج النَّبات من الأرض.\nوهذا المعنى تجده في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى ... (٣٩)﴾ [فصّلت]،","vol":"1","page":323},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الرّوم]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحجّ].\nومن ذلك الاستدلال عَلَيْهِم بالنَّشأة الأولى (خلق الإنسان أوَّلَ مرَّة) والَّتي فيها تقرير على النَّشأة الأخرى، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [الواقعة]، والآية فيها عجب من المنكر للنَّشْأَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ [النّجم]، وهي البعث بعد الموت، وهذا المعنى تجده في قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ... (٥)﴾ [الحجّ]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة].","vol":"1","page":324},{"text":"ومن ذلك التَّذكير بخلق السَّموات والأرض وهو أعظم من خلق النَّاس، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف]، وقال تعالى: ... ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر]، ومن ذلك الاستدلال بما وقع من إحياء الموتى من قَبْل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>أمر الله تعالى للنبي - ﷺ - بأن يقسم على البعث</span>\nوقد أمر الله تعالى النَّبيَّ - ﷺ - أن يقسم على البعث في مواضع ثلاثة، ... قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ... (٣)﴾ [سبأ]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التّغابن].\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>نفخة الصّعق</span>\nسيأتي يوم يهلك فيه كلُّ شيء، ولا يبقى إلَّا الحيّ الَّذي لا يموت، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرّحمن]، وقوله تعالى: ﴿... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ... (٨٨)﴾ [القصص]؛ فالله تعالى حكم على خلقه حِينَ خَلَقَهُمُ بالمَوْت والفناء، وَجَعَلَ مَصِيرَهُمْ إِلَيْهِ، ووصف نفسه بالبقاء.\nوفي هذا اليوم الرَّهيب يُنْفَخُ في الصّور نفخة الصَّعق، فيصعق ويموت كلُّ","vol":"1","page":325},{"text":"مَنْ في السَّموات ومَنْ في الأرض إلّا مَنْ شاء رَبُّكَ، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ... (٦٨)﴾ [الزّمر].\nعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا (١) وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ (٢) حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ\" (٣).\nوقد دلَّت الأحاديث أنَّ النَّفخةَ الأولى الَّتي هي مُقَدِّمَةُ السَّاعَةِ تأتي النَّاس بغتة وهم لا يشعرون، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً (١٨٧)﴾ [الأعراف].\nفهي تقوم والنَّاس في انشغالهم، تقوم وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُمَا ليتبايعاه فلا يُكْمِلَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، تقوم وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ ناقته الَّذِي حَلَبَهُ فلا يَشْرَبه وهو في يده، وهكذا النُّصوص في مجيء السَّاعة بغتة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: \"وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ (٤) وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلا يَطْعَمُهَا\" (٥).\n_________\n(١) أصغى: أَمَالَ، واللِّيتُ: صفحة الْعُنُق وجانبه.\n(٢) يُطَيِّنُ وَيُصْلِحُ.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٥٨) كتاب الْفِتَنِ.\n(٤) النّفْخَةُ الْأُولَى (مُقَدِّمَةُ السَّاعَةِ).\n(٥) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١٠٦/رقم ٦٥٠٦) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":326},{"text":"وهذا كما قال تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ [يس].\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>نفخة البعث</span>\nثمّ تأتي نفخة البعث، فيقوم النَّاس من قبورهم لربِّ العالمين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزّمر]، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ [ق]. فنفخة الصَّعق يموت فيها كلُّ حيّ إلّا ما شاء الله تعالى، ونفخة البعث يحيا بِهَا كُلُّ مَيِّتٍ.\nوقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾ [العاديات]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار]، وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ [الانشقاق].\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>ما بين النّفختين</span>؟\nورد أنَّ بين النَّفختين أَرْبَعِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ (١) أَرْبَعُونَ، قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ\" (٢).\n_________\n(١) نَفْخَة الصَّعْقِ (الْإِمَاتَة)، وَنَفْخَة النُّشُورِ (الْإِحْيَاء).\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٦٥/رقم ٤٩٣٥) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>أول من تنشق عنه الأرض</span>\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>صفة البعث (كيفية بعث من في القبور)</span>\nمِنْ عَجْب الذَّنَبِ يُرَكَّب الخلق يوم القيامة وتنبت أجسادهم، فإذا أراد الله تعالى إِخْرَاج الورى وبعث مَنْ في القبور أمطر عَلَيْهِم مَطَرًا فَيَنْبُتُونَ كَمَا ينْبت الزَّرْع من المَاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"ثُمَّ يُنْزِلُ الله مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ، لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ\" (٢).\nوذلك بعد نفخة الصَّعق بأربعين، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزّمر].\nفالله تعالى إذا أراد أن يبعث من في القبور، بعد أن بليت الأجساد ولم يبق منها إلّا عجب الذَّنب، أرسل عليها مطرًا من السَّماء كأنّه الطَّلُّ (أخفّ المطر) لا يمنع منه شيء، فإذا نزل المطر نبتت أجسادهم مثلما ينبت الحبُّ، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الرّوم].\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٣/ص ١٢١/رقم ٢٤١٢) كِتَاب الخُصُومَاتِ.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٦/ص ١٦٥/رقم ٤٩٣٥) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.","vol":"1","page":328},{"text":"عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولُونَ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ\" (١).\nوعن أَنَس بْن مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِشُّ عَلَيْهِمْ\" (٢)، أي تمطر مطرًا خفيفًا.\nوهناك مماثلة بين إعادة الأجسام بإنباتها من التّراب بعد إنزال المطر، وبين إنبات النَّبات بعد نزول المطر؛ ولذلك تجد في القرآن الكريم كثيرًا ما يضرب الله تعالى المثل للبعث والنُّشور بإحياء الأرض بعد موتها لوضوح دلالته، قال تعالى: ... ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢٢٥٨) كتاب الْفِتَنِ.\n(٢) أحمد \"المسند\" (ج ٢١/ص ٣٢١/رقم ١٣٨١٤) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":329},{"text":"كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحجّ]، فجعل الله تعالى الماء للأرض بمقام الرّوح للجسد.\nفإذا ما نبتت الأجساد وأعاد الله تعالى الأرواح إليها وحشر النَّاس، وبدأ الجزاء - إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ - فلا موت بعد ذلك أبدًا، قال تعالى: ... ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ [إبراهيم]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"يُقَالُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتَ، وَلِأَهْلِ النَّارِ: يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لا مَوْتَ \" (١).\nنعم، في هذا اليوم تَشَقَّقُ الْأَرْضُ، فيخرج النَّاس من قبورهم سراعًا إلى المحشر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ [ق]، ولا يتخلَّف أحد، قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ... (٤)﴾ [ق]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر].\nويخرج النّاس يخوض بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ كَغَوْغَاءِ الجَرَادِ، قال تعالى: ... ﴿... يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾ [القمر]، وهذا كقوله تعالى: ... ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة].\nويخرج الكفّار من قبورهم سراعًا، كَأَنَّهُمْ نصب لَهُمْ شَيْء، فَهُمْ يسرعون\n_________\n(١) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٨/ص ١١٣/رقم ٦٥٤٥) كِتَابُ الرِّقَاقِ.","vol":"1","page":330},{"text":"إِلَيْهِ، ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾ [المعارج]، وقال تعالى في شأنهم: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر]، وإسناد هذا القول للكافرين فيه إشارة وبشارة إلى أنَّ المؤمنين ليس هذا حالهم، وبقدر الإيمان يكون اليسر، ويؤكّد ذلك ... قوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المُدَّثِّر]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان].\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>صفة الحشر</span>\nالنّاس ليسوا سواء في الحشر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم]، ويلاحظ أنّ الله تعالى خصّ المؤمنين بالفعل (نحشر) ولا يخفى ما به من تلطُّف، فهم يحشرون في وفود إلى الله تعالى مُكْرَمِين كما يُكرَم الوافدون على الملوك، وخصَّ المجرمين بالفعل (نسوق) ولا يخفى ما به من إشعار بهوانهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>الأرض الّتي يحشر النّاس عليها</span>\nالأرض الّتي يُحْشَرُ النَّاسُ عليها يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضُرِبَ لها المثلُ بالخُبْزَة في استدارتها وبياضها واستوائها، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ (١)، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ (٢)، لَيْسَ\n_________\n(١) إلى حمرة.\n(٢) الدَّقِيق النَّظِيف الْأَبْيَض.","vol":"1","page":331},{"text":"فِيهَا عَلَمٌ (أثر) لِأَحَدٍ\" (١)، فهي أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ لَا ترى فيها عِوَجًا وَلَا أَمْتًا.\nوعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُون، عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود - ﵁ -، فِي قَوْلِهِ - ﷿ -: ... ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ... (٤٨)﴾ [إبراهيم]، قَالَ: \"أَرْضٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ وَلَمْ يُعْمَلْ فِيهَا بِخَطِيئَةٍ\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>أين يكون النّاس يوم تبدّل الأرض</span>؟\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - عَنْ قَوْلِهِ - ﷿ -: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ... (٤٨)﴾ [إبراهيم]، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ ... يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: \"عَلَى الصِّرَاطِ\" (٣).\nوروى مُسلم وَغَيره من حَدِيث ثَوْبَان - ﵁ -، قَالَ كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - فَجَاءَ حبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ\" (٤)، والجسر هو الصّراط.\nوَحَاصِله تبدَّل الأرض وَالسَّمَوَات وتزال، ويخلق الله تعالى أرضًا يحشر النَّاس عَلَيْهَا بعد كَونهم على الجسر (الصِّرَاط).\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢١٥٠) كتاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ.\n(٢) الحاكم \"المستدرك\" (ج ٤/ص ٦١٤/رقم ٨٧٠٠) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وقال الذّهبي في التّلخيص: صحيح على شرط البخاري ومسلم.\n(٣) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ٤/ص ٢١٥٠) كتاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ.\n(٤) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٢٥٢) كِتَابُ الْحَيْضِ.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>الخاتمة</span>\nيا ويح نفسي كيف ترقد أعينٌ يُقَاس عليها اللّحد والكفن، وكيف يهنأ بعيش مَنْ تسلمه أيدي الأحبّة للدِّيدانِ تقتسم، يَا رَبِّي يا ثقتي إنْ أتتْ منيَّتي، فنجّ بعفوك الرّوح والبدن.\nاللَّهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ أَنْ تُبْقِيَنَا مَا أَبْقَيتنا مُطِيعِينَ لَأَمْرِك، مُتَّبِعِينَ لِنَبِيِّكَ - ﷺ -، وأن ترزقنا مِيتَةً سَوِيَّةً، ومنقلبًا كَرِيمًا وَمَرَدًّا عظيمًا ومُرْتَجَعًا غَيْرَ مُخْزٍ وَلَا فَاضِحٍ.\nاللَّهُمَّ إنّي مقبل عليك \"لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ\" (١).\n\"اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ\" (٢)، رَبَّنَا لا تَحْرِمْنَا خَيْرَ مَا عِنْدَكَ بشرِّ ما عندنا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم]، وَاغفر لِمَنِ دعا واسْتَغْفَرَ لنا بعد انقطاعنا عن الأهل والخُلْصانِ والأحباب!\n* * *\n_________\n(١) مسلم \"صحيح مسلم\" (ج ١/ص ٥٣٤) كتَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا.\n(٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (ج ٤/ص ٥٠/رقم ٢٩٦١) كِتَابُ الجِهَادِ.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>المصادر والمراجع</span>\n١ - الآيات البيّنات في عدم سماع الأموات: نعمان بن محمود الألوسي، تحقيق محمّد ناصر الدّين الألباني. المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٤.\n٢ - إثبات عذاب القبر: البيهقي، تحقيق شرف القضاة. دار الفرقان، عمّان، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٣ - الإجابة لما استدركت عائشة - ﵂ - على الصّحابة: محمّد بن عبد الله الزّركشي، تحقيق رفعت فوزي. مكتبة الخانجي - القاهرة، ط ١، ١٤٢١ هـ- ٢٠٠١ م.\n٤ - أحكام الجنائز: محمّد ناصر الدّين الألباني. المكتب الإسلامي، ط ٤، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٥ - الأحكام الشّرعية الكبرى: ابن الخراط، تحقيق حسين بن عكاشة. مكتبة الرّشد- الرّياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n٦ - أخبار أصبهان: أبو نعيم الأصبهاني، تحقيق سيد كسروي. دار الكتب العلميَّة، بيروت ط ١، ١٤١٠ هـ -١٩٩٠ م.\n٧ - إرواء الغليل: الألباني. المكتب الإسلاميّ - بيروت، ط ٢، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n٨ - الإصابة في تمييز الصّحابة: ابن حجر العسقلاني. دار الكتب العلميّة، بيروت.\n٩ - الأمالي: الأصمعي. دار الكتب المصريّة، ط ٢، ١٣٤٤ هـ - ١٩٢٦ م.\n١٠ - الأمثال في القرآن: ابن قيّم الجوزيّة. مكتبة الصّحابة - طنطا، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n١١ - الأمّ: الشّافعي. دار المعرفة - بيروت، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n١٢ - إنباه الرواة على أنباه النّحاة: علي القفطي. دار الفكر العربي - القاهرة، ومؤسّسة الكتب الثّقافيّة - بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٢ م.\n١٣ - الأهوال: ابن أبي الدّنيا، تحقيق مجدي فتحي. مكتبة آل ياسر - مصر، ١٤١٣ هـ.\n١٤ - أهوال القبور: ابن رجب الحنبلي، تحقيق عاطف. دار الغد - المنصورة، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n١٥ - الأوراق قسم أخبار الشعراء: محمّد بن يحيى الصولي. شركة أمل، القاهرة،١٤٢٥ هـ.\n١٦ - الأوسط في السّنن: محمّد بن إبراهيم النَّيْسَابُورِيّ. دار طيبة - الرّياض، ط ١، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":334},{"text":"١٧ - الإيجاز في شرح سنن أبي داود: يحيى بن شرف النّووي، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان. الدّار الأثريّة، عمان - الأردن، ط ١، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n١٨ - أيسر التّفاسير: أبو بكر الجزائري. مكتبة العلوم - المدينة المنوّرة، ط ٥، ١٤٢٤ هـ.\n١٩ - الإيمان للعدني: محمّد بن يحيى، تحقيق حمد حمدي. الدّار السّلفية - الكويت، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\n٢٠ - البدر المنير: ابن المُلَقِّن، دار الهجرة - الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n٢١ - بحر الدّموع: ابن الجوزي، تحقيق جمال محمود. دار الفجر، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٢٢ - بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادى، تحقيق محمّد علي. لجنة إحياء التّراث، القاهرة.\n٢٣ - البصائر والذّخائر: أبو حيان التّوحيدي. تحقيق وداد القاضي. دار صادر - بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n٢٤ - بلاغات النّساء: ابن طيفور، شرحه: أحمد الألفي. مطبعة مدرسة والدة عبّاس الأول، القاهرة، ١٣٢٦ هـ - ١٩٠٨ م.\n٢٥ - التّاريخ الأوسط: البخاري، تحقيق محمود إبراهيم. دار الوعي - حلب، القاهرة، ط ١، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.\n٢٦ - تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، تحقيق بشار عوّاد. دار الغرب الإسلاميّ- بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n٢٧ - تاريخ الثّقات: أحمد بن عبد الله العجلي. دار الباز، ط ٢، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٤ م.\n٢٨ - تاريخ دمشق: ابن عساكر، تحقيق عمرو العمروي. دار الفكر، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n٢٩ - تاريخ المدينة: عمر بن شبّة، تحقيق فهيم محمّد. جدة، ١٣٩٩ هـ.\n٣٠ - التّبصرة: ابن الجوزي، دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٣١ - تحذير السَّاجد من اتخاذ القبور مساجد: الألباني. المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٤.\n٣٢ - التّحرير والتّنوير: محمّد الطّاهر بن عاشور، الدّار التّونسية - تونس، ١٩٨٤ هـ.","vol":"1","page":335},{"text":"٣٣ - تحفة الأحوذي: المباركفورى، دار الكتب العلميّة - بيروت.\n٣٤ - تحفة المودود: ابن قيّم الجوزيّة، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط. مكتبة دار البيان - دمشق، ط ١، ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م.\n٣٥ - التّحقيق في أحاديث الخلاف: ابن الجوزي. دار الكتب العلميّة - بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٦ - تخريج أحاديث الإحياء: العراقي. دار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n٣٧ - التّدوين في أخبار قزوين: الرّافعي، تحقيق عزيز الله العطاردي. دار الكتب العلميّة، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٧ م\n٣٨ - تذكرة الحفّاظ: ابن القيسراني، تحقيق حمدي عبد المجيد. دار الصّميعي - الرّياض، ط ١، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n٣٩ - تذكرة الموضوعات: محمّد طاهر الفَتَّنِي. إدارة الطّباعة المنيرية، ط ١، ١٣٤٣ هـ.\n٤٠ - التّرغيب: المنذري، تحقيق إبراهيم شمس الدّين. دار الكتب العلميّة - بيروت، ١٤١٧ هـ.\n٤١ - التّعازي: المدائني، تحقيق إبراهيم صالح. دار البشائر، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٤٢ - التّعازي والمراثي: المبرد، تحقيق إبراهيم محمّد. النّاشر نهضة مصر.\n٤٣ - التّعليقات الحسان: محمّد ناصر الدّين الألباني. دار باوزير - جدّة، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٤٤ - تفسير القرطبي: القرطبي، تحقيق أحمد البردوني. دار الكتب المصريّة - القاهرة، ط ٢، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n٤٥ - تقريب التّهذيب: ابن حجر العسقلاني. دار القلم دمشق، ط ٤، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n٤٦ - التّكميل: صالح بن عبد العزيز. دار العاصمة - الرّياض، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n٤٧ - التّلخيص الحبير: ابن حجر العسقلاني. دار الكتب العلميّة، ط ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n٤٨ - التَّنوير شَرْح الجَامِع الصَّغِيرِ: محمّد بن إسماعيل المعروف بالأمير، تحقيق محمَّد إسحاق. دار السّلام - الرّياض، ط ١، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م.","vol":"1","page":336},{"text":"٤٩ - تهذيب التّهذيب: ابن حجر العسقلاني. دائرة المعارف - الهند، ط ١، ١٣٢٦ هـ.\n٥٠ - التّوضيح لشرح الجامع الصّحيح: ابن المُلَقِّنِ. تحقيق دار الفلاح - دمشق، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٥١ - الثّقات: ابن حبان. وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية، ط ١، ١٣٩٣ هــ ١٩٧٣ م.\n٥٢ - الجامع لأحكام القرآن: القرطبي. دار الكتب المصريّة - القاهرة، ط ٢، ١٣٨٤ هـ.\n٥٣ - الجرح والتّعديل: ابن أبي حاتم. دار إحياء التّراث العربي - بيروت، ط ١، ١٢٧١ هـ.\n٥٤ - الجليس الصالح: أبو الفرج المعافى بن زكريا، تحقيق عبد الكريم سامي. دار الكتب العلميّة - بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n٥٥ - الجنّة والنّار: عمر سليمان الأشقر. دار النفائس- الأردن، ط ٧، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n٥٦ - جواهر الأدب: أحمد الهاشمي. مؤسسة التّاريخ العربيّ- بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٧ - الحاوي للفتاوي: السّيوطي. دار الفكر - بيروت، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n٥٨ - حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد الأصبهاني. دار السّعادة - مصر، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.\n٥٩ - خلاصة الأحكام: النّووي. مؤسّسة الرّسالة - بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٦٠ - درّة الغوّاص في أوهام الخواص: القاسم بن علي، تحقيق عرفات مطرجي. مؤسّسة الكتب الثّقافيّة - بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n٦١ - ديوان حسّان بن ثابت - ﵁ -: تحقيق عبد الله سنده. دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n٦٢ - الذّكر الجماعي بين الاتّباع والابتداع: محمّد بن عبد الرّحمن الخميس. دار الهدي النّبويّ، مصر - المنصورة، ودار الفضيلة - الرّياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n٦٣ - ربيع الأبرار: جار الله الزّمخشري. مؤسّسة الأعلمي، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٦٤ - الرّضا عن الله بقضائه: ابن أبي الدّنيا. الدّار السّلفيّة - بومباي، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٦٥ - روح المعاني: الألوسي، تحقيق علي عبد الباري. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":337},{"text":"٦٦ - زاد المعاد: ابن قيم الجوزيّة. مؤسّسة الرّسالة - بيروت، ط ٢٧، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n٦٧ - الزّهد: هَنَّاد بن السَّرِي. دار الخلفاء - الكويت، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٦٨ - الزّواجر عن اقتراف الكبائر: ابن حجر الهيثمي. دار الفكر، ط ١، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n٦٩ - سلسلة الأحاديث الصّحيحة: الألبانيّ. مكتبة المعارف - الرّياض، ط ١،\n٧٠ - سلسلة الأحاديث الضّعيفة: مكتبة المعارف - الرّياض، ط ١، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n٧١ - سنن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث، تحقيق شعَيب الأرنؤوط. دار الرّسالة، ط ١، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n٧٢ - سنن ابن ماجة: ابن ماجة، تحقيق شعيب الأرنؤوط. دار الرّسالة، ط ١، ١٤٣٠ هـ.\n٧٣ - سنن التّرمذي: محمّد بن عيسى التّرمذي، تحقيق محمّد ناصر الدّين الألباني. مكتبة المعارف، الرّياض، ط ٢، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n٧٤ - سنن الدَّارَقُطْنِيّ: علي بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ، تحقيق شعيب الأرنؤوط. مؤسّسة الرّسالة - لبنان، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n٧٥ - سنن سعيد بن منصور: سعيد بن منصور، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. الدار السلفية - الهند، ط ١، ١٤٠٣ هـ -١٩٨٢ م.\n٧٦ - السّنن الكبرى: أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمّد عبد القادر. دار الكتب العلميّة - لبنان، ط ٣، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٧٧ - سنن النّسائي: أحمد بن شعيب النّسائي، تحقيق محمّد ناصر الدّين الألباني. مكتبة المعارف، الرّياض، ط ٢، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n٧٨ - سير أعلام النبلاء: الذّهبي، تحقيق مجموعة بإشراف شعيب الأرنؤوط. مؤسّسة الرّسالة، ط ٣، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n٧٩ - السّيرة النّبوية: ابن كثير، تحقيق مصطفى عبد الواحد. دار المعرفة - بيروت، ١٣٩٥ هـ.","vol":"1","page":338},{"text":"٨٠ - شرح رياض الصالحين: محمّد بن صالح بن العثيمين. دار الوطن - الرّياض، ١٤٢٦ هـ.\n٨١ - شرح الزّرقاني على موطأ الإمام مالك: محمّد بن عبد الباقي الزّرقاني، تحقيق طه عبدالرّؤوف. مكتبة الثّقافة - القاهرة، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٨٢ - شرح السنة: البغوي، تحقيق شعيب الأرنؤوط- محمّد زهير الشّاويش. المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n٨٣ - شرح الصّدور: السّيوطي، تحقيق عبد المجيد طعمة، دار المعرفة - لبنان، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٨٤ - شرح العقيدة الواسطيّة لشيخ الإسلام ابن تيميّة: محمّد بن صالح العثيمين. دار ابن الجوزي - السّعوديّة، ط ٤، ١٤٢٧ هـ.\n٨٥ - شرح مشكل الآثار: أحمد بن محمّد الطّحاوي، تحقيق شعيب الأرنؤوط. مؤسّسة الرّسالة، ط ١، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٤ م.\n٨٦ - شرح المعلّقات العشر: أحمد الشّنقيطي. دار المعرفة - بيروت، ط ٢، ١٤٢٥ هـ.\n٨٧ - شعب الإيمان: البيهقي. مكتبة الرّشد - بالرياض، ط ١، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٨٨ - صبح الأعشى في صناعة الإنشاء: أحمد القلقشندي. دار الكتب العلميّة - بيروت.\n٨٩ - صحيح الأدب المفرد: البخاري، تحقيق: الألباني. دار الصديق، ط ٤، ١٤١٨ هـ.\n٩٠ - صحيح ابن حبّان: محمّد بن حبّان، تحقيق شعيب الأرنؤوط. مؤسّسة الرّسالة - بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n٩١ - صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل، تحقيق محمّد زهير. دار طوق النّجاة، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٩٢ - صحيح التّرغيب والتّرهيب: الألباني. مكتَبة المَعارف، الرّياض، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٩٣ - صحيح الجامع الصغير: محمّد ناصر الدّين الألباني. المكتب الإسلاميّ.\n٩٤ - صحيح أبي داود (الأمّ): الألباني. مؤسسة غراس- الكويت، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n٩٥ - صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج النَّيْسَابُورِيّ، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التّراث العربي - بيروت.","vol":"1","page":339},{"text":"٩٦ - صحيح مسلم بشرح النّوويّ: يحيى بن شرف. دار الكتاب العربي - بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٩٧ - الضّعفاء الكبير: العقيلي، تحقيق عبد المعطي. المكتبة العلميّة - بيروت، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n٩٨ - الضّعفاء والمتروكون: ابن الجوزي، تحقيق عبد الله القاضي. دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٩٩ - ضعيف الجامع الصغير: محمد ناصر الدّين الألباني - المكتب الإسلامي.\n١٠٠ - الطّبقات الكبرى: ابن سعد، تحقيق إحسان عبّاس. دار صادر - بيروت، ط ١، ١٩٦٨ م.\n١٠١ - طبقات المحدّثين: أبو الشيخ الأصبهاني، تحقيق عبد الغفور البلوشي. مؤسّسة الرّسالة - بيروت، ط ٢، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n١٠٢ - عدّة الصابرين: ابن قيم الجوزية. دار ابن كثير - دمشق، ط ٣، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n١٠٣ - العلل: ابن أبي حاتم، تحقيق فريق من الباحثين. مطابع الحميضي، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n١٠٤ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: ابن الجوزي، تحقيق إرشاد الحقّ. إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد - باكستان، ط ٢، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n١٠٥ - عمدة الفقه: ابن قدامة، تحقيق أحمد محمّد. المكتبة العصريّة، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n١٠٦ - عمل اليوم واللّيلة: أحمد بن شعيب النّسائي، تحقيق فاروق حمادة. مؤسّسة الرّسالة - بيروت، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.\n١٠٧ - عمل اليوم واللّيلة: ابن السُّنِّي، تحقيق كوثر البرني. دار القبلة - جدّة، ومؤسّسة علوم القرآن - بيروت.\n١٠٨ - عون المعبود: محمّد أشرف بن أمير. دار الكتب العلميّة - بيروت، ط ٢، ١٤١٥ هـ.\n١٠٩ - عيار الشّعر: محمّد بن أحمد، تحقيق عبد العزيز بن ناصر. مكتبة الخانجي - القاهرة.\n١١٠ - عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري. دار الكتب العلميّة - بيروت، ١٤١٨ هـ.\n١١١ - الفتاوى الحديثية: ابن حجر الهيثمي. دار الفكر.\n١١٢ - الفتاوى الكبرى: ابن تيمية. دار الكتب العلميّة، ط ١، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":340},{"text":"١١٣ - فتح الباري: ابن حجر العسقلاني. دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ.\n١١٤ - فتح القدير: الشّوكاني. دار ابن كثير - دمشق، دار الكلم الطّيب - بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n١١٥ - فيض القدير: عبد الرؤوف بن تاج المناوي. المكتبة التّجارية- مصر، ط ١، ١٣٥٦ هـ.\n١١٦ - القبور: ابن أبي الدنيا، تحقيق طارق محمّد. مكتبة الغرباء، ط ١، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n١١٧ - الكبائر: الذّهبي. دار النّدوة الجديدة - بيروت.\n١١٨ - كتاب المحتضرين: ابن أبي الدّنيا، تحقيق محمّد خير. دار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١١٩ - كشف الأستار عن زوائد البزار: الهيثمي، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي. مؤسّسة الرّسالة - بيروت، ط ١، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n١٢٠ - كوثَر المَعَاني: محمَّد الخَضِر الشنقيطي. مؤسسة الرِّسالة - بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n١٢١ - اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: السّيوطي، تحقيق صلاح بن محمّد. دار الكتب العلميّة - بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n١٢٢ - لسان العرب: ابن منظور. دار إحياء التّراث العربي- بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n١٢٣ - لسان الميزان: ابن حجر العسقلاني، تحقيق دائرة المعرف النّظاميّة - الهند. مؤسّسة الأعلمي - بيروت، ط ٢، ١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م.\n١٢٤ - المجالس العشرة الأمالي: الحسن الخَلَّال، تحقيق مجدي فتحي. دار الصّحابة، طنطا، ط ١، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n١٢٥ - المجروحين من المحدّثين: ابن حبّان، تحقيق محمّد إبراهيم. دار الوعي- حلب، ط ١، ١٣٩٦ هـ.\n١٢٦ - مجمع الأمثال: أحمد النَّيْسَابُورِيّ، تحقيق: محمّد محيى الدّين. دار المعرفة - بيروت.\n١٢٧ - مجمع الزّوائد: الهيثمي، تحقيق حسام الدّين القدسي. مكتبة القدسي- القاهرة، ١٤١٤ هـ.\n١٢٨ - المجموع شرح المهذّب: يحيى بن شرف النّووي. دار الفكر.","vol":"1","page":341},{"text":"١٢٩ - محاضرات الأدباء: الرّاغب الأصفهاني. دار الأرقم- بيروت، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n١٣٠ - المحاضرات والمحاورات: السّيوطي. دار الغرب الإسلاميّ - بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٣١ - المحلّى بالآثار: ابن حزم الظّاهري. دار الفكر - بيروت.\n١٣٢ - مختصر الشّمائل المحمديّة: التّرمذي، تحقيق الألباني. المكتبة الإسلاميّة - عمّان.\n١٣٣ - المخلّصيات: المخَلِّص، تحقيق نبيل سعد الدّين. وزارة الأوقاف - قطر، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n١٣٤ - المدخل: ابن الحاج. دار التّراث.\n١٣٥ - المدهش: ابن الجوزي، تحقيق مروان قباني. دار الكتب العلميّة - بيروت، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n١٣٦ - المراسيل: أبو داود، تحقيق شعيب الأرنؤوط. مؤسّسة الرّسالة - بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٣٧ - مرقاة المفاتيح: علي بن سلطان. دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n١٣٨ - مسائل الإمام أحمد: أبو داود السِّجِسْتاني، تحقيق طارق بن عوض الله. مكتبة ابن تيمية - مصر، ط ١، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n١٣٩ - المستدرك: الحاكم النيسابوري. دار الكتب العلميّة - بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.\n١٤٠ - المسند: الشّافعي. دار الكتب العلميّة - بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n١٤١ - مسند أبي داود الطيالسي: أبو داود الطيالسي، تحقيق محمّد بن عبد المحسن. دار هجر - مصر، ط ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n١٤٢ - مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي. دار المأمون - دمشق، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n١٤٣ - مسند الإمام أحمد: ابن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط. مؤسّسة الرّسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n١٤٤ - مسند البزّار: البزّار، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنوّرة.\n١٤٥ - مسند الشاميين: الطّبراني، تحقيق حمدي عبدالمجيد. مؤسّسة الرّسالة، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n١٤٦ - مشكاة المصابيح: محمد بن عبد الله الخطيب، تحقيق: الألباني. المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٣، ١٩٨٥ م.","vol":"1","page":342},{"text":"١٤٧ - مشكل الحديث: محمّد بن الحسن بن فورك. عالم الكتب - بيروت، ط ٢، ١٩٨٥ م.\n١٤٨ - مصباح الزّجاجة في زوائد ابن ماجه: البوصيري، تحقيق محمّد المنتقى. دار العربيّة - بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\n١٤٩ - مصنّف عبد الرّزاق: الصّنعاني، تحقيق الأعظمي. المجلس العلمي- الهند، ط ٢، ١٤٠٣ هـ\n١٥٠ - المصنّف في الأحاديث والآثار: ابن أبي شيبة. تحقيق كمال يوسف. مكتبة الرّشد - الرّياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\n١٥١ - المطَالب العَاليَة: ابن حجر العسقلاني. دار العاصمة، ودار الغيث، ط ١.\n١٥٢ - معارج القبول: حافظ بن أحمد بن علي. دار ابن القيم - الدّمام، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n١٥٣ - المعجم الأوسط: الطّبراني، تحقيق طارق بن عوض الله. دار الحرمين - القاهرة.\n١٥٤ - المعجم الصّغير (الرّوض الدّاني): الطّبراني، تحقيق محمّد شكور. المكتب الإسلامي - بيروت، دار عمّار - عمّان، ط ١، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n١٥٥ - المعجم الكبير: الطّبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد. مكتبة ابن تيمية - القاهرة، ط ٢.\n١٥٦ - المغني: ابن قدامة المقدسي. مكتبة القاهرة، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.\n١٥٧ - المغني عن حمل الأسفار: العراقي. دار ابن حزم، بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ- ٢٠٠٥ م.\n١٥٨ - المفضّليات: المفضل بن محمّد الضبي. دار المعارف - القاهرة، ط ٦.\n١٥٩ - مفيد العلوم ومبيد الهموم: أبو بكر الخوارزمي. المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n١٦٠ - المقاصد الحسنة: محمّد بن عبد الرحمن السّخاوي، تحقيق محمّد عثمان. دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n١٦١ - مقامات الزمخشري: الزمخشري. المطبعة العباسيّة، مصر، ط ١.\n١٦٢ - منار القاري: حمزة محمّد قاسم، راجعه عبد القادر الأرنؤوط. مكتبة دار البيان - دمشق، ومكتبة المؤيد - الطّائف، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.","vol":"1","page":343},{"text":"١٦٣ - المنامات: ابن أبي الدّنيا. مؤسّسة الكتب الثّقافيّة - بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١٦٤ - المنتقى شرح الموطأ: أبو الوليد الباجي. مطبعة السّعادة - مصر، ط ١، ١٣٣٢ هـ.\n١٦٥ - موسوعة الألباني في العقيدة: محمّد ناصر الدّين الألباني، وضعه: شادي آل نعمان. مركز النّعمان للبحوث - صنعاء، ط ١، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n١٦٦ - الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة: وزارة الأوقاف - الكويت.\n١٦٧ - الموضوعات: ابن الجوزي. المكتبة السّلفيّة - المدينة المنوّرة، ط ١، ١٣٨٦ هـ.\n١٦٨ - موطأ مالك: مالك بن أنس، تحقيق محمّد مصطفى الأعظمي. مؤسسة زايد بن سلطان - أبو ظبي، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n١٦٩ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: الذّهبي، تحقيق علي محمّد البجاوي. دار المعرفة - بيروت - لبنان، ط ١، ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م.\n١٧٠ - نثر الدّر في المحاضرات: منصور بن الحسين الرّازي، تحقيق خالد عبد الغني. دار الكتب العلميّة - بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n١٧١ - نجعة الرائد: إبراهيم بن ناصف. مطبعة المعارف - مصر، ١٩٠٥ م.\n١٧٢ - نسيم الصبا: الحسن بن عمر. مطبعة الجوائب - قسطنطينية، ١٣٠٢ هـ.\n١٧٣ - النّكت الدّالة على البيان: أحمد محمّد القصَّاب. دار القيّم ودار ابن عفّان، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٧٤ - نوادر الأصول: الحكيم التّرمذي، تحقيق عبد الرحمن عميرة. دار الجيل - بيروت.\n١٧٥ - نونية القحطاني: محمّد بن صالح، تحقيق: عبد العزيز بن محمّد. دار الذّكرى، ط ١.\n١٧٦ - نيل الأوطار: الشّوكاني. دار الحديث - مصر، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١٧٧ - هدية الأحياء للأموات: عَلِيّ الهَكَّارِي، تحقيق شوكت رفقي. الدّار الأثريّة، ط ١، ١٤٣٠ هـ.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>ترجمة المؤلف</span>\nأَحمد بن محمود بن خليل بن سلامة الشَّوابكة، وُلِدَ بِمَدِينَةِ أريحا عام ألف وتسعمائة واثنين وستين للميلاد، يحمل درجة الماجستير في اللّغة العربيّة (نحو) من جامعة اليرموك، عَمِلَ معلمًا في المملكتين الأردنيّة والسّعوديّة قرابة ثلاثة عقود، صاحب تصانيف، حظي بلقاء العديد من علماءِ الحديث وَقَرَأَ لهم وتأثَّر بهم، منهم: محمَّد ... ناصر الدِّين الألبانيّ، وشعيب الأرنؤوط، زكّى كتبه وقرّظها له جماعة مِنْ عُلَماءِ عَصْرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>صدر للمؤلف</span>\n١ - اكتساح السّحر: تقديم ومراجعة أ. د. راجح الكردي، دار الفرقان - عمّان، ط ١، ١٩٩٠ م.\n٢ - قصّة يوسف - ﵇ - في القرآن الكريم: تقديم ومراجعة: أ. د. أحمد نوفل، أ. د. محمود السّرطاوي، أ. د. أحمد شكري. دار عمّار - عمّان، ط ١، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.\n٣ - شهيد الدّار عثمان بن عفّان - ﵁ -: تقديم ومراجعة أ. د. محمود السَّرطاوي. دار عمّار - عمّان، ودار البيارق - بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n٤ - وأد الفتنة: دراسة نقديّة لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفِّين على منهج المحدِّثين. تقديم ومراجعة: أ. د. محمود السَّرطاوي، أ. د. أحمد نوفل، أ. د محمّد العمري. دار عمّار - عمّان، ط ١، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n٥ - غرر البيان من سورة يوسف - ﵇ - في القرآن: تقديم ومراجعة: أ. د. أحمد نوفل، أ. د. محمود السّرطاوي، أ. د. صلاح الخالدي. دار الفاروق - عمّان، ط ١، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n٦ - الأثر الثّمين في نصرة عائشة - ﵂ - أمّ المؤمنين: تقديم: أ. د. عبد النّاصر أبو البصل، أ. د. محمود السّرطاوي، أ. د. أحمد نوفل، أ. د. محمّد ملكاوي، أ. د. عبد المقصود حامد. دار الفاروق - عمّان، ودار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n٧ - الصّحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور: تقديم ومراجعة: العلّامة المحدّث شعيب الأرنؤوط، أ. د. محمود السّرطاوي، أ. د. محمّد ملكاوي، أ. د. سمير استيتية. دار الفاروق.","vol":"1","page":360}]}