{"ً":{"ٌ":151177,"ٍ":"آراء الصاوي في العقيدة والسلوك","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/arsqs/arsqs.pdf"]},"ّ":"الكتاب: آراء الصاوي في العقيدة والسلوك\nالمؤلف: أسماء بنت محمد توفيق بن بركات مُلا حسين\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير - جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، قسم العقيدة، العام الجامعي (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م) - إشراف: د محمود بن محمد بن محمود مزروعة\nالناشر: مكتبة النافذة، الجيزة - جمهورية مصر العربية\nالطبعة: (بدون)\nعدد الصفحات: ٨٥٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1253,"ٕ":1,"ٖ":1770155559,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":3},{"title":"تقديم","level":1,"page":7},{"title":"بقلم د عبد الله بن محمد القرني","level":2,"page":7},{"title":"بقلم د أحمد عبد الرحيم السايح والمستشار توفيق على وهبه","level":2,"page":9},{"title":"الباب الأول: حياة الشيخ الصاوى","level":1,"page":12},{"title":"الفصل الأول: عصر الصاوي","level":2,"page":13},{"title":"(المبحث الأول): الحالة السياسية","level":3,"page":14},{"title":"الاضطرابات والقلاقل السياسية","level":4,"page":18},{"title":"- مذبحة المماليك بالقلعة سنة ١٨١١ م","level":4,"page":22},{"title":"محاربة الدعوة السلفية","level":4,"page":23},{"title":"- القضاء على الزعامة الشعبية والدينية بنفى عمر مكرم","level":4,"page":25},{"title":"(المبحث الثاني): الحالة الاجتماعية","level":3,"page":27},{"title":"(المبحث الثالث): الحالة العلمية والدينية","level":3,"page":34},{"title":"الفصل الثاني: حياة الصاوى","level":2,"page":50},{"title":"(المبحث الأول): سيرته الذاتية","level":3,"page":51},{"title":"١ - اسمه ونشأته","level":4,"page":51},{"title":"٢ - صفاته وأخلاقه","level":4,"page":52},{"title":"٣ - شيوخه وتلاميذه","level":4,"page":53},{"title":"شيوخه","level":5,"page":53},{"title":"تلاميذه","level":5,"page":56},{"title":"(المبحث الثاني): مكانته العلمية ومؤلفاته","level":3,"page":58},{"title":"مكانتها العلمية","level":4,"page":64},{"title":"الحواشى العقدية","level":4,"page":70},{"title":"الفصل الثالث: منهجه في تحري مسائل الاعتقاد","level":2,"page":76},{"title":"(المبحث الأول): مصادره في العقيدة","level":3,"page":77},{"title":"أولا: مكانة العقل في التلقى","level":4,"page":77},{"title":"ثانيا: حجية الإلهام","level":4,"page":79},{"title":"المناقشة","level":5,"page":82},{"title":"أولا: مصادر التلقى","level":6,"page":82},{"title":"ثانيا: نقض دعاويهم في تقديم العقل","level":6,"page":84},{"title":"ثالثا: التناقض لازم لهذا المسلك","level":6,"page":86},{"title":"رابعا: حجية الإلهام","level":6,"page":87},{"title":"(المبحث الثاني): منهجه في الاستدلال","level":3,"page":88},{"title":"أولا: الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد","level":4,"page":88},{"title":"مناقشة","level":5,"page":89},{"title":"ثانيا: الاستدلال بالسبر والتقسيم","level":4,"page":91},{"title":"ثالثا: الاستدلال بالقياس المنطقي","level":4,"page":93},{"title":"المناقشة","level":5,"page":96},{"title":"ثالثا: منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة","level":4,"page":99},{"title":"أولا: الاستدلال بالنص","level":5,"page":101},{"title":"ثانيا: الاستدلال بالظاهر","level":5,"page":104},{"title":"المناقشة","level":6,"page":105},{"title":"مسلك التأويل والتفويض","level":6,"page":108},{"title":"- أولا المراد بالمتشابه","level":7,"page":111},{"title":"- ثانيا: المراد بالتأويل","level":7,"page":113},{"title":"الباب الثاني: (آراؤه في العقيدة)","level":1,"page":116},{"title":"الفصل الأول: (آراؤه في معرفة الله والاستدلال على وجوده)","level":2,"page":117},{"title":"(المبحث الأول): معرفة الله تعالى","level":3,"page":118},{"title":"(تمهيد)","level":4,"page":118},{"title":"طرق المعرفة","level":4,"page":121},{"title":"رأى الشيخ الصاوى","level":4,"page":123},{"title":"المناقشة","level":4,"page":125},{"title":"التقليد وحكم المقلد","level":4,"page":137},{"title":"رأى الشيخ الصاوى","level":4,"page":138},{"title":"المناقشة","level":4,"page":140},{"title":"(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى","level":3,"page":143},{"title":"دليل حدوث الأجسام","level":4,"page":145},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":148},{"title":"المناقشة","level":4,"page":150},{"title":"دليل الإمكان","level":4,"page":156},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":158},{"title":"المناقشة","level":4,"page":159},{"title":"الفصل الثاني: (آراؤه في التوحيد)","level":2,"page":164},{"title":"تمهيد","level":3,"page":165},{"title":"(المبحث الأول): تعريف التوحيد","level":3,"page":169},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":172},{"title":"المناقشة","level":4,"page":173},{"title":"(المبحث الثاني): دليل التوحيد","level":3,"page":177},{"title":"رأي الشيخ الصاوى","level":4,"page":178},{"title":"المناقشة","level":4,"page":179},{"title":"(المبحث الثالث): شهادة التوحيد ونواقضها","level":3,"page":184},{"title":"رأى الشيخ الصاوى","level":4,"page":185},{"title":"المناقشة","level":4,"page":189},{"title":"الفصل الثالث: (آراؤه في الأسماء والصفات)","level":2,"page":201},{"title":"تمهيد","level":3,"page":202},{"title":"(المبحث الأول): المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى","level":3,"page":207},{"title":"أسماء الله تعالى كلها حسنى","level":4,"page":207},{"title":"أسماء الله تعالى توقيفية","level":4,"page":207},{"title":"أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد","level":4,"page":207},{"title":"أسماء الله تعالى غير مخلوقة","level":4,"page":208},{"title":"رأى الشيخ الصاوي","level":4,"page":209},{"title":"المناقشة","level":4,"page":210},{"title":"(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى","level":3,"page":217},{"title":"أولا: الصفات السلبية","level":4,"page":221},{"title":"ثانيا: صفات المعاني","level":4,"page":232},{"title":"ثالثا: الصفة النفسية","level":4,"page":250},{"title":"رابعا: الصفات المعنوية","level":4,"page":252},{"title":"خامسا: موقفه من الصفات الأخرى","level":4,"page":255},{"title":"- أولا: صفة الرحمة والغضب والمحبة","level":5,"page":260},{"title":"- ثانيا الصفات الخبرية الذاتية","level":5,"page":268},{"title":"الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان","level":2,"page":273},{"title":"تمهيد","level":3,"page":274},{"title":"(المبحث الأول): حقيقة الإيمان","level":3,"page":277},{"title":"رأى الشيخ الصاوي","level":4,"page":280},{"title":"المناقشة","level":4,"page":283},{"title":"(المبحث الثاني): العلاقة بين الإسلام والإيمان","level":3,"page":289},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":292},{"title":"المناقشة","level":4,"page":294},{"title":"(المبحث الثالث): الأسماء والأحكام","level":3,"page":300},{"title":"أولا: حقيقة الإيمان، وبيان ما يناقضه","level":4,"page":303},{"title":"ثانيا: تحقيق الوعد مع وجود مسببه من الإيمان","level":4,"page":306},{"title":"ثالثا: تحقق الوعيد مع وجود المقتضى من الكفر","level":4,"page":306},{"title":"رابعا: موانع إنفاذ الوعيد لأصحاب الكبائر من المسلمين","level":4,"page":307},{"title":"خامسا: الرد على شبه الوعيدية","level":4,"page":307},{"title":"سادسا: موقفه من مخالفيه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀)","level":4,"page":309},{"title":"الفصل الخامس: (آراؤه في الإيمان بالملائكة)","level":2,"page":330},{"title":"(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار","level":3,"page":331},{"title":"(المبحث الثاني) عالم الجن والشياطين","level":3,"page":346},{"title":"الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب","level":2,"page":355},{"title":"تمهيد","level":3,"page":356},{"title":"(المبحث الأول): تعريف الوحي","level":3,"page":359},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":361},{"title":"تعليق","level":4,"page":362},{"title":"(المبحث الثاني): الإيمان بالكتب السابقة","level":3,"page":365},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":368},{"title":"كلامه في التوراة","level":4,"page":368},{"title":"كلامه في الإنجيل","level":4,"page":369},{"title":"كلامه في الزبور","level":4,"page":370},{"title":"مناقشة","level":4,"page":373},{"title":"(المبحث الثالث): الإيمان بالقرآن الكريم","level":3,"page":382},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":384},{"title":"المناقشة","level":4,"page":387},{"title":"الفصل السابع: آراؤه في الإيمان بالنبوات","level":2,"page":397},{"title":"تمهيد","level":3,"page":398},{"title":"(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة","level":3,"page":402},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":405},{"title":"تعليق","level":4,"page":406},{"title":"(المبحث الثاني): الإيمان بالرسل والأنبياء","level":3,"page":417},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":420},{"title":"التعليق","level":4,"page":424},{"title":"أولا: المفاضلة بين البشر والملائكة","level":5,"page":424},{"title":"ثانيًا: عصمة الأنبياء","level":5,"page":425},{"title":"ثالثا: ما يتعلق بالأحوال البشرية","level":5,"page":427},{"title":"(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته","level":3,"page":429},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":433},{"title":"أسماؤه الشريفة","level":4,"page":433},{"title":"مكانته بين الرسل","level":4,"page":434},{"title":"خصائصه - ﷺ -","level":4,"page":436},{"title":"مظاهر الغلو فيه - ﷺ -","level":4,"page":436},{"title":"المناقشة","level":4,"page":440},{"title":"أولا: أسماؤه الشريفة","level":5,"page":440},{"title":"ثانيا: قضية التفضيل","level":5,"page":441},{"title":"ثالثا: الغلو فيه - ﷺ -","level":5,"page":443},{"title":"(المبحث الرابع): دلائل النبوة","level":3,"page":453},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":455},{"title":"تعليق","level":4,"page":458},{"title":"الفصل الثامن: (آراؤه في الإيمان باليوم الآخر)","level":2,"page":469},{"title":"تمهيد","level":3,"page":470},{"title":"(المبحث الأول): تعريف اليوم الآخر، وأدلته","level":3,"page":473},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":475},{"title":"تعليق","level":4,"page":478},{"title":"(المبحث الثاني): الإيمان بأشراط الساعة","level":3,"page":486},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":487},{"title":"تعليق","level":4,"page":490},{"title":"(المبحث الثالث): الموت، وحياة البرزخ","level":3,"page":500},{"title":"الروح والموت","level":4,"page":501},{"title":"حياة البرزخ","level":4,"page":518},{"title":"(المبحث الرابع): حقائق يوم القيامة","level":3,"page":525},{"title":"المحشر وعرضات يوم القيامة","level":4,"page":527},{"title":"الجنة والنار","level":4,"page":550},{"title":"الفصل التاسع: (آراؤه في الإيمان بالقضاء والقدر)","level":2,"page":560},{"title":"(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه)","level":3,"page":561},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":564},{"title":"أولا: تعريف القدر","level":5,"page":564},{"title":"ثانيا: تعريف القضاء","level":5,"page":565},{"title":"ثالثا: مراتب القدر","level":5,"page":566},{"title":"مرتبة العلم","level":6,"page":566},{"title":"مرتبة الكتابة","level":6,"page":567},{"title":"مرتبة المشيئة","level":6,"page":568},{"title":"مرتبة الخلق","level":6,"page":569},{"title":"المناقشة","level":4,"page":570},{"title":"(المبحث الثاني): الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى","level":3,"page":578},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":581},{"title":"موقفه من الظلم","level":4,"page":582},{"title":"المناقشة","level":4,"page":583},{"title":"حقيقة الظلم","level":4,"page":591},{"title":"(المبحث الثالث): أفعال العباد","level":3,"page":594},{"title":"أدلة القدرية والجبرية","level":4,"page":596},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":598},{"title":"أولا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية","level":5,"page":598},{"title":"ثانيا: الأسباب، وموقف الناس منها","level":5,"page":599},{"title":"ثالثا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري، ورد بها على مخالفيه","level":5,"page":600},{"title":"الأدلة السمعية","level":6,"page":600},{"title":"الأدلة العقلية","level":6,"page":600},{"title":"رابعا: حقيقة القدر في الفكر الصوفي","level":5,"page":601},{"title":"المناقشة","level":4,"page":602},{"title":"نظرية الكسب في الفكر الأشعري","level":4,"page":604},{"title":"الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة والإمامة","level":2,"page":611},{"title":"تمهيد","level":3,"page":612},{"title":"(المبحث الأول): الصحابة الكرام","level":3,"page":615},{"title":"أولا: تعريف الصحابة","level":4,"page":615},{"title":"ثانيا: فضائل الصحابة","level":4,"page":615},{"title":"ثالثا الدفاع عن الصحابة","level":4,"page":620},{"title":"التعليق","level":5,"page":621},{"title":"تعريف الصحابة","level":6,"page":621},{"title":"فضل الصحابة","level":6,"page":625},{"title":"الدفاع عن الصحابة","level":6,"page":633},{"title":"(المبحث الثاني): الإمامة","level":3,"page":641},{"title":"تعليق","level":4,"page":642},{"title":"أولا: حكم تنصيب الوالي","level":5,"page":642},{"title":"ثانيا: ما تنعقد به البيعة","level":5,"page":643},{"title":"صفات الوالي","level":4,"page":644},{"title":"تعدد الولاة","level":4,"page":645},{"title":"حق الإمام","level":4,"page":646},{"title":"الباب الثالث: (آراؤه في باب السلوك)","level":1,"page":649},{"title":"الفصل الأول: (التصوف وآدابه)","level":2,"page":650},{"title":"تمهيد","level":3,"page":651},{"title":"(المبحث الأول): مفهوم التصوف","level":3,"page":654},{"title":"(المبحث الثاني): آداب التصوف","level":3,"page":668},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":672},{"title":"أهمية اختيار الشيخ","level":4,"page":672},{"title":"صفات الشيخ","level":4,"page":673},{"title":"آداب السلوك","level":4,"page":674},{"title":"أولا: ما يتعلق بآداب اختيار العلم","level":5,"page":674},{"title":"ثانيا: الآداب المتعلقة بحق الشيخ","level":5,"page":674},{"title":"الآداب المتعلقة بجماعة الطلاب","level":4,"page":676},{"title":"المناقشة","level":4,"page":678},{"title":"أولا: مكانة علم التصوف بين العلوم","level":5,"page":678},{"title":"ثانيا: صفات الشيخ","level":5,"page":679},{"title":"آداب التلقي","level":4,"page":681},{"title":"احترازات في التلقي","level":4,"page":684},{"title":"أولا: طاعة الشيخ","level":5,"page":684},{"title":"ثانيا: التبرك بالشيخ","level":5,"page":690},{"title":"ثالثا: ملاحظة الشيخ","level":5,"page":692},{"title":"رابعا: الاستغناء بالشيخ","level":5,"page":694},{"title":"الفصل الثاني: (المقامات والأحوال)","level":2,"page":696},{"title":"تمهيد","level":3,"page":697},{"title":"تعريف المقام","level":4,"page":697},{"title":"تعريف الحال","level":4,"page":698},{"title":"(المبحث الأول): أقسام المقامات (عند الصوفية)","level":3,"page":700},{"title":"الفناء والبقاء","level":4,"page":701},{"title":"الجمع والفرق","level":4,"page":702},{"title":"أحكام البقاء","level":4,"page":716},{"title":"مقام الجمع","level":4,"page":720},{"title":"مقام الفرق","level":4,"page":721},{"title":"(المبحث الثاني): منهج الصوفية في التأصيل للمقامات","level":3,"page":723},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":726},{"title":"المناقشة","level":4,"page":728},{"title":"(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود","level":3,"page":737},{"title":"أولا: وحدة الوجود","level":4,"page":737},{"title":"ثانيا: وحدة الشهود","level":4,"page":739},{"title":"المناقشة","level":4,"page":745},{"title":"أولا: نقض وحدة الوجود","level":5,"page":746},{"title":"موقف الصاوي","level":6,"page":750},{"title":"ثانيا: حقيقة وحدة الشهود","level":5,"page":752},{"title":"(المبحث الرابع): الترقي في المقامات","level":3,"page":755},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":759},{"title":"أولا: عقبات الترقي","level":5,"page":759},{"title":"ثانيا: طريق الخلاص","level":5,"page":760},{"title":"المناقشة","level":4,"page":763},{"title":"الفصل الثالث: (الولاية والكرامة)","level":2,"page":774},{"title":"تمهيد","level":3,"page":775},{"title":"(المبحث الأول): حقيقة الولاية","level":3,"page":778},{"title":"تعريف الولاية","level":4,"page":778},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":5,"page":783},{"title":"حقيقة الولي","level":6,"page":783},{"title":"صفات الولي","level":6,"page":784},{"title":"شرط الولاية","level":6,"page":785},{"title":"الفرق بين الولي والدعي","level":6,"page":786},{"title":"جزاء الأولياء","level":6,"page":787},{"title":"طرق الولاية","level":6,"page":788},{"title":"فضائل الأولياء","level":6,"page":789},{"title":"زمن الولاية","level":6,"page":790},{"title":"المناقشة","level":5,"page":790},{"title":"حقيقة الولاية","level":6,"page":790},{"title":"معرفة الولي","level":4,"page":795},{"title":"طرق الولاية","level":5,"page":796},{"title":"فضائل الأولياء","level":5,"page":798},{"title":"مدة الولاية","level":5,"page":801},{"title":"المبحث الثاني: حقيقة الكرامة","level":3,"page":803},{"title":"رأي الشيخ الصاوي","level":4,"page":805},{"title":"المناقشة","level":4,"page":808},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":821},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":825}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565,"1,566":566,"1,567":567,"1,568":568,"1,569":569,"1,570":570,"1,571":571,"1,572":572,"1,573":573,"1,574":574,"1,575":575,"1,576":576,"1,577":577,"1,578":578,"1,579":579,"1,580":580,"1,581":581,"1,582":582,"1,583":583,"1,584":584,"1,585":585,"1,586":586,"1,587":587,"1,588":588,"1,589":589,"1,590":590,"1,591":591,"1,592":592,"1,593":593,"1,594":594,"1,595":595,"1,596":596,"1,597":597,"1,598":598,"1,599":599,"1,600":600,"1,601":601,"1,602":602,"1,603":603,"1,604":604,"1,605":605,"1,606":606,"1,607":607,"1,608":608,"1,609":609,"1,610":610,"1,611":611,"1,612":612,"1,613":613,"1,614":614,"1,615":615,"1,616":616,"1,617":617,"1,618":618,"1,619":619,"1,620":620,"1,621":621,"1,622":622,"1,623":623,"1,624":624,"1,625":625,"1,626":626,"1,627":627,"1,628":628,"1,629":629,"1,630":630,"1,631":631,"1,632":632,"1,633":633,"1,634":634,"1,635":635,"1,636":636,"1,637":637,"1,638":638,"1,639":639,"1,640":640,"1,641":641,"1,642":642,"1,643":643,"1,644":644,"1,645":645,"1,646":646,"1,647":647,"1,648":648,"1,649":649,"1,650":650,"1,651":651,"1,652":652,"1,653":653,"1,654":654,"1,655":655,"1,656":656,"1,657":657,"1,658":658,"1,659":659,"1,660":660,"1,661":661,"1,662":662,"1,663":663,"1,664":664,"1,665":665,"1,666":666,"1,667":667,"1,668":668,"1,669":669,"1,670":670,"1,671":671,"1,672":672,"1,673":673,"1,674":674,"1,675":675,"1,676":676,"1,677":677,"1,678":678,"1,679":679,"1,680":680,"1,681":681,"1,682":682,"1,683":683,"1,684":684,"1,685":685,"1,686":686,"1,687":687,"1,688":688,"1,689":689,"1,690":690,"1,691":691,"1,692":692,"1,693":693,"1,694":694,"1,695":695,"1,696":696,"1,697":697,"1,698":698,"1,699":699,"1,700":700,"1,701":701,"1,702":702,"1,703":703,"1,704":704,"1,705":705,"1,706":706,"1,707":707,"1,708":708,"1,709":709,"1,710":710,"1,711":711,"1,712":712,"1,713":713,"1,714":714,"1,715":715,"1,716":716,"1,717":717,"1,718":718,"1,719":719,"1,720":720,"1,721":721,"1,722":722,"1,723":723,"1,724":724,"1,725":725,"1,726":726,"1,727":727,"1,728":728,"1,729":729,"1,730":730,"1,731":731,"1,732":732,"1,733":733,"1,734":734,"1,735":735,"1,736":736,"1,737":737,"1,738":738,"1,739":739,"1,740":740,"1,741":741,"1,742":742,"1,743":743,"1,744":744,"1,745":745,"1,746":746,"1,747":747,"1,748":748,"1,749":749,"1,750":750,"1,751":751,"1,752":752,"1,753":753,"1,754":754,"1,755":755,"1,756":756,"1,757":757,"1,758":758,"1,759":759,"1,760":760,"1,761":761,"1,762":762,"1,763":763,"1,764":764,"1,765":765,"1,766":766,"1,767":767,"1,768":768,"1,769":769,"1,770":770,"1,771":771,"1,772":772,"1,773":773,"1,774":774,"1,775":775,"1,776":776,"1,777":777,"1,778":778,"1,779":779,"1,780":780,"1,781":781,"1,782":782,"1,783":783,"1,784":784,"1,785":785,"1,786":786,"1,787":787,"1,788":788,"1,789":789,"1,790":790,"1,791":791,"1,792":792,"1,793":793,"1,794":794,"1,795":795,"1,796":796,"1,797":797,"1,798":798,"1,799":799,"1,800":800,"1,801":801,"1,802":802,"1,803":803,"1,804":804,"1,805":805,"1,806":806,"1,807":807,"1,808":808,"1,809":809,"1,810":810,"1,811":811,"1,812":812,"1,813":813,"1,814":814,"1,815":815,"1,816":816,"1,817":817,"1,818":818,"1,819":819,"1,820":820,"1,821":821,"1,822":822,"1,823":823,"1,824":824,"1,825":825,"1,826":826,"1,827":827,"1,828":828,"1,829":829,"1,830":830,"1,831":831,"1,832":832,"1,833":833,"1,834":834,"1,835":835,"1,836":836,"1,837":837,"1,838":838,"1,839":839,"1,840":840,"1,841":841,"1,842":842,"1,843":843,"1,844":844,"1,845":845,"1,846":846,"1,847":847,"1,848":848,"1,849":849,"1,850":850,"1,851":851,"1,852":852,"1,853":853,"1,854":854},"ٜ":{"1":[1,854]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854"],"ٞ":{"3":[1],"7":[2,3],"9":[4],"12":[5],"13":[6],"14":[7],"18":[8],"22":[9],"23":[10],"25":[11],"27":[12],"34":[13],"50":[14],"51":[15,16],"52":[17],"53":[18,19],"56":[20],"58":[21],"64":[22],"70":[23],"76":[24],"77":[25,26],"79":[27],"82":[28,29],"84":[30],"86":[31],"87":[32],"88":[33,34],"89":[35],"91":[36],"93":[37],"96":[38],"99":[39],"101":[40],"104":[41],"105":[42],"108":[43],"111":[44],"113":[45],"116":[46],"117":[47],"118":[48,49],"121":[50],"123":[51],"125":[52],"137":[53],"138":[54],"140":[55],"143":[56],"145":[57],"148":[58],"150":[59],"156":[60],"158":[61],"159":[62],"164":[63],"165":[64],"169":[65],"172":[66],"173":[67],"177":[68],"178":[69],"179":[70],"184":[71],"185":[72],"189":[73],"201":[74],"202":[75],"207":[76,77,78,79],"208":[80],"209":[81],"210":[82],"217":[83],"221":[84],"232":[85],"250":[86],"252":[87],"255":[88],"260":[89],"268":[90],"273":[91],"274":[92],"277":[93],"280":[94],"283":[95],"289":[96],"292":[97],"294":[98],"300":[99],"303":[100],"306":[101,102],"307":[103,104],"309":[105],"330":[106],"331":[107],"346":[108],"355":[109],"356":[110],"359":[111],"361":[112],"362":[113],"365":[114],"368":[115,116],"369":[117],"370":[118],"373":[119],"382":[120],"384":[121],"387":[122],"397":[123],"398":[124],"402":[125],"405":[126],"406":[127],"417":[128],"420":[129],"424":[130,131],"425":[132],"427":[133],"429":[134],"433":[135,136],"434":[137],"436":[138,139],"440":[140,141],"441":[142],"443":[143],"453":[144],"455":[145],"458":[146],"469":[147],"470":[148],"473":[149],"475":[150],"478":[151],"486":[152],"487":[153],"490":[154],"500":[155],"501":[156],"518":[157],"525":[158],"527":[159],"550":[160],"560":[161],"561":[162],"564":[163,164],"565":[165],"566":[166,167],"567":[168],"568":[169],"569":[170],"570":[171],"578":[172],"581":[173],"582":[174],"583":[175],"591":[176],"594":[177],"596":[178],"598":[179,180],"599":[181],"600":[182,183,184],"601":[185],"602":[186],"604":[187],"611":[188],"612":[189],"615":[190,191,192],"620":[193],"621":[194,195],"625":[196],"633":[197],"641":[198],"642":[199,200],"643":[201],"644":[202],"645":[203],"646":[204],"649":[205],"650":[206],"651":[207],"654":[208],"668":[209],"672":[210,211],"673":[212],"674":[213,214,215],"676":[216],"678":[217,218],"679":[219],"681":[220],"684":[221,222],"690":[223],"692":[224],"694":[225],"696":[226],"697":[227,228],"698":[229],"700":[230],"701":[231],"702":[232],"716":[233],"720":[234],"721":[235],"723":[236],"726":[237],"728":[238],"737":[239,240],"739":[241],"745":[242],"746":[243],"750":[244],"752":[245],"755":[246],"759":[247,248],"760":[249],"763":[250],"774":[251],"775":[252],"778":[253,254],"783":[255,256],"784":[257],"785":[258],"786":[259],"787":[260],"788":[261],"789":[262],"790":[263,264,265],"795":[266],"796":[267],"798":[268],"801":[269],"803":[270],"805":[271],"808":[272],"821":[273],"825":[274]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"آراء الصاوي في العقيدة والسلوك\n\nإعداد\nأسماء بنت محمد توفيق بن بركات مُلا حسين","vol":"1","page":1},{"text":"كل الحقوق محفوظة\nولا يجوز إقتباس أو تقليد أو إعادة طبع أي جزء من هذا الكتاب أو تخزينه، في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي طريقة دون إذن خطي مسبق من الناشر\n\nالناشر: مكتبة النافذة\nالمدير المسئول: سعيد عثمان\n\nالجيزة: ٢ شارع الشهيد أحمد حمدي - الثلاثيني - فيصل\nتليفون وفاكس: ٧٢٤١٨٠٣\nE-mail: alnafezah@hotmail.com","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد: فإن العلم بالله تعالى ومعرفة ما ينبنى عليه الإيمان به ﷿ من توحيده بأفعاله وأسمائه وصفاته، وما يستحقه من أنواع العبادة الخالصة لمن أجل العلوم والمعاوف التي تتسامى الآمال للاستزادة منها، لذا فقد حرص أهل العلم الشرعي في القديم والحديث على الاستزادة منه، ومعرفة أركانه وقواعده؛ ومن ثم كتابة المصنفات المتعددة فيه، فلا تكاد ترى عالمًا مبرزًا إلا وله في هذه الأصول مقالات وآراء.\nولظهور الانحراف في منهج التفكير عند علماء الأمة تأثرًا بالتيارات المبتدعة والاهواء المضللة؛ تباينت تلك المصنفات والاتجاهات أشد التباين، واختلفت المفاهيم وتغايرث حول تلك الأصول والمبادئ، التي كان العلم بها كما فهمها السلف الصالح محل اتفاق وإجماع في العصور المباركة.","vol":"1","page":3},{"text":"وقد تعددت مظاهر ذلك الانحراف ما بين سلوك واعتقاد وفكر وطريقة في الفهم والاستنباط، كنتيجة حتمية وثمرة لازمة لانحرافهم في مصادر التلقى ومناهج الاستدلال.\nفتأكد الدفاع عن الحق نتيجة لذلك، إذ معرفته فقط لم تعد كافية، حيث عمت البلوى بانتشار البدع العقدية في أرجاء البلاد الإسلامية، وذلك تحت مسميات المذاهب المختلفة، كالفرق التي استجدت في واقع الأمة المسلمة، بعد وفاة النبي - ﷺ -، وأصبح من الواجب التصدى لهؤلاء المبتدعة بما يحصل به إظهار الحق ورد الباطل، وذلك بالعودة إلى منابع الصدق واليقين: الكتاب والسنة، دون تعسف أو جور، وإنما بتحرى العدل والإنصاف تأسيًا بمنهج الكتاب والسنة وهدى علماء السلف ﵃، فليس الهدف هو الانتصار للنفس وما تقرر فيها، وإنما إحقاق الحق والعدل الذي قامت به السموات والأرض، كل ذلك مقرونًا بتحرى الحكمة والجدال بالتى هي أحسن، كما أمرنا المولى ﵎؛ تأسيًا بهدى المصطفى - ﷺ - في دعوته، حيث قال آمرًا نبيه - ﷺ - في محكم التنزيل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].\nولما كان البحث في هذه القضايا العقدية بهذه الأهمية حيث أنيط بتحرى العدل والانتصار للحق فيه: الدفاع عن عقيدة السلف الصالح ومنهجهم في تقريرها؛ وجدت أنه من المفيد النافع اختيار شخصية شعرية يكون لها بروز وأثر علمى في تقرير المسائل العقدية؛ خصوصًا وقد علم ما للمذهب الأشعري من هيمنة على كثير من المؤسسات العلمية في كثير من الدول الإسلامية في وقتنا الحاضر.\nإذ تأتى الأشعرية؛ كأبرز مذهب فكرى ينتسب إلى الإسلام على أنه من خالص التعاليم وحقيقة الدين، مع ما فيه من المحدثات العقدية مقننة بشبه عقلية وفلسفية، ومع ما فيه من بدع سلوكية، روج لها المتصوفة الذين انتسبوا إلى ذلك المذهب، تحت مصطلحات بدعية، وأفكار مستوحاة من أديان وضعية ومحرفة، أثرت كثيرًا","vol":"1","page":4},{"text":"في أوساط عامة المسلمين بل وحتى علمائهم؛ مما أدى إلى ضمور دائرة الوعى العقدى عتد كثير من العلماء والمحدثين والمفسرين في تلك المجتمعات.\nوهنا تظهر أهمية دراسة هذه الفرقة، للأسباب التالية:\nالأول: سعة انتشارها بين أفراد الأمة المسلمة.\nثانيا: وقوع الكثير في الالتباس بحقيقة أمرها، إذ يعتقد فيها موافقة لحقيقة الدين الموحى به من عند الله جملة وتفصيلًا.\nثالثا: تأثر الكثير من العلماء بأفكارها ومناهجها من مفسرين ومحدثين، إذ لا يكاد طالب علم ينجو من مطالعة آرائها، وتحقيقات علمائها في كتب التفسير، وشروح الحديث والفقه والأصول، مما يستدعى إلمامًا بردود السلف على مثل تلك الشبه المقننة بمناهج مفكرى ذلك المذهب.\nرابعًا: انتساب الكثير من أكابر الصوفية المتأخرين للمذهب الأشعرى، حتى لا تكاد تقف على علم من أعلام الصوفية المتأخرين وإلا وهو يذهب مذهب الأشاعرة في أصول الاعتقاد، فمن الملاحظ على علماء الأشاعرة خصوصًا المتأخرين منهم ارتباط مذهبهم بالاتجاه الصوفى، حيث يمثل المنحى الأخلاقى السلوكى المنظر لأصول العقائد في واقع المريد، ودون أن يكون هناك أي تعارض بين أفكار الصوفية المغرقين في ركام الجهل بما يجب لله تعالى من تعظيم وإجلال، وبين ما انبنى عليه المذهب الأشعري في مسائل المعرفة والتوحيد (١).\nهذا وقد وجدت أن في اختيار آراء الشيخ الصاوى - ﵀ - محلا للدراسة والنقد ما يخدم ذلك الهدف المرجو؛ خصوصا والدراسات العقدية حول آراء المتأخرين من علماء الأشاعرة قليلة ولا تزال محل اهتمام الباحثين، مع العلم بأنها تمثل الواقع العلمى لأفكار كثير من المنتسبين للمذهب الأشعري في العصر الحديث.\nولإرادة الوقوف على أقوال السلف في مهمات العقائد المستنبطة من أدلة الكتاب\n_________\n(١) وسيأتي الحديث مفصلًا في بيان أسباب هذا التناقض.","vol":"1","page":5},{"text":"والسنة فقد وجدت من نفسى انشراحًا وإقبالًا لدراسة آراء هذا العلم البارز في الفكر الأشعري على جهة الاستقصاء والتحرى، فكانت هذه الأسباب الآنفة الذكر، يسبقها ابتغاء ما عند الله والدار الآخرة، والنصح لدين الله، وإنصاف هذا العالم؛ هي ما دعانى لاختيار موضوع هذا البحث سائلة المولى ﷿ أن يتقبله في موازين الحسنات، وأن يتجاوز عن النقص والتقصير، إنه ولى ذلك والقادر عليه.\n* * *","vol":"1","page":6},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإن الله قد أرسل رسوله - ﷺ - بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد بلغ الرسول - ﷺ - الرسالة وأدى الأمانه ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فجزاه الله خير ما يجزى نبيًا عن أمته.\nثم إن الصحابة - رضوان الله عليهم - قد سلكوا من بعده طريقه وبينوا الحق وعملوا به وردوا الباطل وجاهدوا في سبيل الله جهدهم وتتابعت على ذلك الهدى الأمة خلفًا عن سلف، وسيبقى الحق ظاهرًا إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك النبي - ﷺ -.\nومع ذلك فقد عرضت للأمة فترات نشأ فيها الجهل بالسنة، وغلب عليها التأثر بمناهج مخالفة ومناوئة للحق وأهله، فتحقق ما أخبر به النبي - ﷺ - من تفرق الأمة واختلافها، وأصبحت المناهج الكلامية والصوفية هي الرائجة في بعض الفترات وأصبح الإسلام الحق غريبًا بين أهله في بعض الأماكن، وبلغ الأمر إلى الجمود على هذه المناهج، وكان ذلك من أهم أسباب ضعف الأمة وتخلفها، ولا سبيل هنا إلى شرح مظاهر ذلك التخلف في الجوانب العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها من الجوانب؛ إذ للحديث عن هذا مجالات أخرى.\nوفي مرحلة من مراحل الجمود العلمى هذه كان الشيخ أحمد الصاوى - ﵀ -، وقد أشارت الباحثة الفاضلة في توطئة البحث إلى شيء من مظاهر الضعف العلمى والسياسى وغيرها.\nوكانت غالب جهوده العلمية كغالب أهل عصره تعبيرًا عن هذه المرحلة، حيث اتخذ المنهج الكلامى وبخاصة الاتجاه الأشعري طريقة في الاستدلال والنظر، كما اتخذ المنهج الصوفى طريقة في السلوك والعبادة، وهذه سمة من سمات تلك","vol":"1","page":7},{"text":"الفترات، حيث تجد المتمذهب بأحد المذاهب الفقهية المعروفة متبعًا طريقة المتكلمين في الاعتقاد سالكًا طريقة من طرق التصوف في العبادة والسلوك.\nوقد كان للشيخ الصاوى - ﵀ - مؤلفات كثيرة شملت جوانب متعددة وغالبها شروح وتعليقات على متون في العقائد الكلامية والتفسير والتصوف والفقه.\nوقد أحسنت الأستاذة الفاضلة أسماء بنت محمد توفيق بركات، حين اختارت البحث في آراء الصاوى في العقيدة والسلوك، حيث بينت المنهج الذي سلكه وأثر ذلك عليه، وبيان موقفه من مسائل الاعتقاد والسلوك ومناقشة ذلك كله بالأدلة من الكتاب والسنة وفق منهج السلف الصالح.\nوقد وفقت في ذلك كله، زادها الله توفيقًا وسدادًا، وهذه الدراسة مثال ينبغى أن يحتذى في نقد الآراء والكتب المخالفة لأهل السنة، كما ينبغى أن تتكاتف الجهود لإظهار عقيدة أهل السنة بتقريرها وبيان دلائها ونقد كل ما يخالفها.\nوالذي أعلمه من الطالبة أنها كانت أثناء كتابتها للبحث شديدة الحرص تبين الحق بدليله، حريصة على ألا تنسب للصاوى - ﵀ - ما لم يقله بمجرد احتمال قوله لذلك، وكانت أشد حرصًا على أن يكون نقدها مستندًا إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد ظهر هذا في كتابتها فجزاها الله عن ذلك خير الجزاء.\nوحيث أعلم أن في نية الباحثة الفاضلة إكمال هذا الجهد العلمى الموفق بنقد تفصيلى لحاشية الصاوى على الجلالين فإنى أرى هذا من تمام توفيقها؛ إذ علمنا ما لتفسير الجلالين وحواشيه من انتشار وشهرة.\nوالله أسأل أن يوفق الباحثة الفاضلة إلى كل خير، وأن ينفع بها، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنه سميع مجيب.\n\nبقلم فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الله بن محمد القرني\nكلية الدعوة وأصول الدين\nقسم العقيدة\n٢٢/ ٢/ ١٤٢٦ هـ","vol":"1","page":8},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nمقدمة\nالحمد لله رب العالمين. نحمده - ﷾ - حمدًا كثيرًا طيبًا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، والمبعوث رحمة وهداية للناس أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تمسك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.\nأما بعد ..\nفقد يكون واضحًا: أن علماء الأمة الإسلامية الذين اغترفوا من بحار العلوم الإسلامية، قد قدموا للأمة انطلاقات علمية كانت رائدة، ومعالم مضيئة في طريق السائرين. ومن هؤلاء العلماء الأعلام الإمام الشيخ الصاوى الذي برز في التفسير، وعلم الكلام، والتصوف. وكان كأهل زمانه متأثرًا بالتصوف ومذاهب علم الكلام خاصة الأشاعرة، \"أهل السنة\" في ذلك العصر.\nومما يحسن أن نشير إليه. أن علم الكلام عنى به علماء الأمة ومفكروها الأوائل باعتباره: علم الفقه الأكبر. لأنه متعلق بأصول الدين والإلهيات وقضايا الإيمان، ولكن هذا العلم الأصيل. قد اختلط بالفلسفة والمنطق. مما جعله يتعرض لنقود علماء لا يرتضون الفلسفة ولا المنطق.\nكذلك التصوف الإسلامى. قد اقتحمت عليه الأبواب المذاهب الغنوصية الباطنية فكان لا بد من محاولة رد الزيوف، وتصحيح المواقف، وبيان ما خرج عن المنهج السنى الصحيح.\nويبدو أن الباحثة: أسماء محمد توفيق في دراستها. التي قدمتها عن آراء الصاوى تميزت بالحكمة في العرض، وحسن الاستنتاج والاستنباط. وقد ساعدها على ذلك ما يلى:\nأولًا: سعة اطلاع الباحثة على مسائل علم الكلام، وفهمها لقضاياه ومشاكله في","vol":"1","page":9},{"text":"وعى ودقة. ومما هو واضح أن الذي يتعرض لدراسة علم الكلام يكون أقدر على نقده، والتنبيه على ما فيه.\nثانيًا: قدرة الباحثة على الوقوف على المصادر والمراجع ببصيرة وبصر. وقد أمدها هذا الوقوف بتفوق وحسن تدبر.\nثالثًا: مرونة الباحثة في تناول المفردات المعرفية. لذا لم تتعرض للإسقاطات، ولا النقائض التي قد تبعد في كثير من الأحوال البحوث العلمية عن الإفادة.\nرابعًا: الباحثة: ذات آفاق عقلانية، وتطلعات علمية. مكناها من التطلع إلى ما هو أقدر على الاستنباط.\nولا يخفى. أن الباحثة أسماء محمد توفيق. قد استطاعت أن ترتاد طريق التأليف بعمق وموضوعية. فأخرجت للمكتبة العربية والإسلامية عملًا رائدًا في موضوعه.\nوإذا كان الإمام الصاوى لم يتعرض كثيرًا لنقود العلماء فيما اشتملت عليه رؤاه، فإن الباحثة استطاعت أن تصحح كثيرًا من أفكاره. خاصة فيما يتصل بعلم الكلام والتصوف.\nوالنقد والتصحيح علامة صحة وعافية، ودليل علم ومعرفة، ومعلم من معالم يقظة الأمة.\nوقديمًا حينما ترجمت الفلسفة الإغريقية - في عصر الترجمة - وافتتن بها كثير من المثقفين المسلمين وجهت إلى الفلسفة نقود هائلة وكبيرة. نذكر منها:\n١ - تهافت الفلاسفة للإمام أبي حامد الغزالي.\n٢ - تهافت الفلاسفة للعالم علاء الدين الطوسى.\n٣ - تهافت الفلاسفة للشيخ قطب الدين أبي الحسين.\n٤ - تهافت الفلاسفة للخواجه زاده مصلح الدين.\n٥ - تهافت التهافت. للفيلسوف ابن رشد.","vol":"1","page":10},{"text":"هذه النقود التي جاءت على ما أدخل على المسلمين من قضايا فلسفية تخالف ما جاء به القرآن الكريم، مكنت المسلمين من الرد على ما يثار من الشبهات.\nومما هو يقينى. أن النقود التي وجهتها الباحثة العالمة: أسماء محمد توفيق لها في وعى الأمة ضرورة حياتية، وتقدير، لأن كثيرًا من المفاهيم والمصطلحات لا تنتشر بين الناس إلا عن طريق التقلب، والأخذ، والرد.\nوإذا كان علم الكلام يعتبر فلسفة المسلمين، والتصوف هو علم السلوك - كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - فإن الباحثة استطاعت أن تعرض لقضايا تناولتها من خلال المنظور العقدى.\nوالعقيدة الإسلامية هي النافذة التي يطل منها المسلمون على كافة حقائق العلوم، والوجود، والأفكار، والمذاهب، والاتجاهات.\nوإذا كان المتأثرون بعلم الكلام والتصوف أنطلقوا من العقيدة لعمل إطار فلسفى فكرى فإن ما قامت به الباحثة من محرض ونقد وتقرير. يمثل إضافة حية. لأن المواقف تحكم بحركة الإنسان وتواجداته.\n\nأ. د: أحمد عبد الرحيم السايح\nالأستاذ في جامعة الأزهر وقطر وأم القرى\n\nالمستشار: توفيق على وهبة\nالمستشار الأسبق في وزارة الداخلية السعودية\n(الأمن العام)","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الباب الأول: حياة الشيخ الصاوى</span>\nويتضمن ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: عصر الصاوى\nالفصل الثاني: حياة الصاوى\nالفصل الثالث: منهج الصاوى","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الأول: عصر الصاوي</span>\nفيه ثلاثة مباحث\nالمبحث الأول: الحالة السياسية\nالمبحث الثاني: الحالة الاجتماعية\nالمبحث الثالث: الحالة العلمية والدينية","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>(المبحث الأول): الحالة السياسية</span>\nلقد كان مولد الشيخ الصاوى سنة: خمس وسبعين ومائة وألف من الهجرة النبوية ١١٧٥ هـ، وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف من الهجرة: ١٢٤١ هـ، الموافق سنة ١٨٢٥ م. ويعنى ذلك أنه عاصر نهاية الدولة العثمانية حيث عاش في ظل حكمها نيفًا وخمسين عامًا، ونحو عشرين عاما في ولاية محمد على باشا الذي تولى حكم مصر سنة: ١٨٠٥ م إلى سنة: ١٨٤٩ م.\nولما كان الصاوى من جملة الأفراد الذين لم يكن لهم أثر يذكر في الحياة السياسية؛ فسأكتفى ببيان الخطوط العريضة التي يمكن من خلالها فهم الأوضاع في تلك الآونة.\nففى هذه الفترة كان العالم الإسلامى ممزقًا إلى عدد من الدول، ففى المشرق كانت تتزعمه ثلاث دول إسلامية؛ الدولة العثمانية في تركيا والجزيرة العربية، والدولة الصفوية في فارس، والدولة المغولية في الهند.\nوكانت الدولة العثمانية هي أضخم الولايات الإسلامية وأهمها من حيث الموقع الدولى؛ حيث توسطت بين القارات الثلاث، فهى المشرفة على أهم الممرات التي تصل بين أقطار العالم، والمكانة الدينية؛ لما نالته من شرف حماية الاماكن المقدسة؛ مكة المكرمة، والمدينة النبوية، والقدس.\nكما كانت تحتل جزءًا كبيرًا في شرق وجنوب شرق أوربا، إلى جانب ممتلكاتها في الشام وشمال إفريقيا والجزيرة العربية، فكانت تحكم مقاطعات أوربية مهمة كالمورة والبوسنة ومولوفا، أي على الخريطة الحالية اليونان وبلغاريا وصربيا وألبانيا والبوسنة والهرسك وبحر إيجه بالكامل، وقد وصل حجم هذه الممتلكات إلى قرابة (٢٣٨٠٠٠) ميل مربع من الأراضى الأوربية، بينما يبلغ حجم رعاياها الأوربيين ثمانية ملايين نسمة (١).\n_________\n(١) المواجهة المصرية الأوربية، محمد عبد الستار بدوى: ٣٠.","vol":"1","page":14},{"text":"ولما كانت الحقبة الزمنية الأخيرة من الحكم العثمانى هي محل الاهتمام والتحرى في هذا البحث فسأقتصر عليها لتوضيح هذا المبحث.\nلقد كان في سيطرة العثمانيين، ومد زعامتهم على الأقطار الإسلامية توحيد لها بعد أن كانت كيانات متنافرة منذ أن سقطت الوحدة الإسلامية بسقوط الخلافة العباسية، وبصفة خاصة بعد أن تعرضت بغداد للتدمير المغولى الشامل في منتصف القرن الثالث عشر الميلادى الموافق منتصف القرن السابع الهجرى (١).\nوهذه الوحدة الإسلامية التي حظيت بها الدول المسلمة تحت سيطرة الخلافة العثمانية كانت سببًا في حمايتها من أطماع الكثير، فقد حالت دون الصفويين الشيعة ودون السيطرة على العالم العربى، عندما اتجهت أطماعهم لضم العراق - أعادها الله لحوزة الإسلام والمسلمين - بحجة ضم مزارات الشيعة في النجف وكربلاء.\nكما استطاع العثمانيون إيقاف توغل الاستعمار البرتغالى في البحار الإسلامية من البحر الأحمر والخليج العربى، بعد أن عجز المماليك وحلفاؤهم العرب من المغاربة وغيرهم من الوقوف أمام تهديدات البرتغال للأقطار المسلمة، حتى أنها أصدرت أمرًا بمنع المراكب المسيحية من دخول البحر الأحمر بحجة أنه يطل على الأماكن المقدسة، وقد كان لهذا العمل الجليل أهميته حيث حال دون الغزاة وتحقيق أطماعهم من الدولة المسلمة دهرًا من الزمن، إلى غير ذلك من الأعمال التي تمكنت بها الدولة العثمانية من فوض حمايتها على سائر الأقطار الإسلامية، وبقى الأمر على هذا إلى أن دب الضعف في كيان الدولة (٢).\nفمنذ أوائل القرن الثاني عشر الهجرى صارت الدولة العثمانية رهينة للزوال والانهيار وذلك بعد أن بلغت ذروة مجدها في القرن العاشر الذي بلغت فيه أقصى فتوحاتها في دولة أوربا، ولكن بعد أن تمكنت منها عوامل الضعف ونخرت فيها\n_________\n(١) في تاريخ العرب الحديث، الدكتور/ رأفت الشيخ: ٣٤.\n(٢) انظر: الدولة العثمانية والشرق العربى، د. محمد أنيس: ١٢٨، نقلًا عن المصدر السابق.","vol":"1","page":15},{"text":"مقتضيات الانهزام حيث انهمك غالب الأمراء والأجناد في جمع الأموال والانغماس في الشهوات وضعف التمسك بهدى الإسلام وتعاليمه الوضاءة، طمع الأوربيون المستعمرون بإزالتها واتفقوا على اقتسام ثرواتها، وأطلقوا عليها مسمى: الرجل المريض (١).\nوفى تلك الأثناء وقبل أن يتحقق حلم المستعمرين استبد كثير من الولاة والأمراء وبعض الوجهاء بالحكم في مناطق نفوذهم، وذلك نتيجة لانشغال الدولة العثمانية بالحروب التي انهكتها ضد أعدائها من الروس، وعلى صعيد مصر ظهر على بك الكبير كصاحب السلطان الأكبر، وقد استطاع الانفراد بالسلطة في ظل تلك الأجواء التي كانت تعيشها الدولة العثمانية، وقد كان على بك أحد المماليك، ولكنه تفوق على جميع منافسيه بما أوتى من شجاعة وقوة وطموح وقسوة، حتى تقلد عددًا من الإمارات إلى أن عين أميرًا للحجيج وكبيرًا للمماليك عام: ١١٧٧ هـ.\nولما أرد على بك أن يصطفى مصر لنفسه قتل منافسيه من الرؤساء والأقران، وباقى الأعيان، وفرق جمعهم في القرى والبلدان، وتتبعهم خنقًا وقتلًا، وأبادهم فرعًا وأصلًا وأفنى باقيهم بالتشريد، وجلوا عن أوطانهم إلى كل مكان بعيد، واستأصل كبار خشداشينة وقبيلته، وأقصى صغارهم عن ساحته وسدته، وأخرب البيوت القديمة، وأخرم القوانين الجسيمة والعوائد المرتبة والرواتب التي من سالف الدهر كانت منظمة، وقتل الرجال واستصفى الأموال وحارب كبار العربان والبوادى وعرب الجزيرة والهنادى وأعاظم الشجعان ومقادم البلدان، وشتت شملهم وفرق جمعهم واستكثر من شراء المماليك وجمع العسكر من سائر الأجناس، واستخلص بلاد الصعيد وقهر رجالها الصناديد ولم يزل يمهد لنفسه حتى خلص له ولأتباعه الإقليم من الإسكندرية إلى أسوان (٢).\nولما علمت الدولة العثمانية بهذا الاستقلال أزعجها ذلك فأرسلت إلى رجالها\n_________\n(١) انظر: حاضر العالم الإسلامى، لوثروب: (١/ ٢٢).\n(٢) عجائب الآثار: (١/ ٤٣٢).","vol":"1","page":16},{"text":"بمصر أمرًا بقتل على بك، إلا أن على بك كان مترقبًا لتحركات الدولة حيث علم بما تكنه من عداء لشخصه الطموح، لذلك فقد علم بحال الرسول وما أرسل به، فكلف رجاله بقتله، وأعلن أمام المماليك أن الدولة تأمر بقتلهم جميعًا، ولما تمتع به من فصاحة وقدرة على التأثير فقد استطاع أن يجلب المماليك لصفه، حينها أعلن استقلال مصر عن الدولة العثمانية وكان هذا أول انفراد حكمى يحظى به حاكم في مصر (١).\nوعاشت مصر في ذلك الوقت في شبه استقلال من سيطرة العثمانيين، ولكن طموحات على بك لم تتوقف عند هذا الحد، فقد حملته أطماعه في احتلال عدد أكبر من الولايات على خوض عدد من المعارك والحروب كان لها أثر سيئ في إرهاق اقتصاد البلد، ولدفع هذه الاحتياجات عمد إلى فرض الضرائب الباهظة على قرى مصر فوق ما كانت تنوء به من نفقات الخراج، ولكل هذا فقد كان من الطبيعى أن تتصاعد صيحات الجماهير وتكثر شكاواها من ظلم النظام الحاكم (٢).\nوفى سبيل تحقيق أطماعه التوسعية \"فقد تخابر على بك مع قائد الدونانمة الروسية بالبحر المتوسط ليمده بالذخائر والأسلحة حتى يتم له استقلال مصر، فساعده القائد الروسى رغبة في وجود الحروب الداخلية في الدولة، وبذلك أمكن على بك فتح مدائن غزة ونابلس وأورشليم ويافا ودمشق\" (٣).\nولكن تلك الأطماع لم تتوقف عند هذا القدر بل أخذ بالاستعداد للسير إلى حدود بلاد الأناضول وهناك أفل نجمه، إذ ثار عليه أحد بيكاوات المماليك وهو محمد بيك الشهير بأبى الذهب، فعاد على بك إلى مصر لمحاربته فانهزم، حيث وقع في الأسر مع أربعة من ضباط الروس، ثم لقى حتفه إثر ما أصابه من الجراح، وقطع رأسه وسلم مع الأربعة الضباط إلى الوالى العثمانى: خليل باشا (٤).\n_________\n(١) انظر في تاريخ العرب الحديث: ١٦٨.\n(٢) انظر موسوعة تاريخ مصر، أحمد حسين: (٣/ ٨٦٠).\n(٣) تاريخ الدولة العلية العثمانية، محمد فريد بك: ١٥٩.\n(٤) انظر المرجع السابق: ١٥٩.","vol":"1","page":17},{"text":"وبعد سقوط على بك الكبير تولى مكانه محمد أبو الدهب زمام السلطة، وقد عم الأمن والرخاء بلاد مصر في حكمه، وعاش الناس في هدوء واستقرار، وذلك بالرغم من قصر مدة حكمه، وقد بنى مسجده ومدرسته أمام الجامع الأزهر، ورتب لها وقفًا كبيرًا، كما وقع اختياره على الشيخ الدردير ليكون فقيه المالكية في تلك الآونة.\nوبعد وفاة محمد أبو الدهب سنة: ١١٨٩ هـ صارت قبضة الحكم في مصر لإبراهيم ومراد بالتساوى بينهما، وكانا من مماليك أبي الدهب، وقد استمر حكمهما لمصر أكثر من عشرين عامًا، قاست في خلاله أشد أنواع الظلم والجهل والعدوان، فقد كانت حياة المصريين في تلك الآونة سلسلة من مآسى الظلم والفقر والنكبات، حيث فرضت الضرائب الفظيعة التي لم يعهد لها الناس مثيلًا من قبل.\nكما انعدم الأمن في البلاد، فكان المسافر يستأجر الأعراب لحراسته كى ينقل من بلد إلى بلد، وهاجر الفلاحون إلى القاهرة بنسائهم وأولادهم يضجون من الجوع ويأكلون قشر البطيخ وأوراق الشجر، حتى استباحوا أكل الميتة من شدة ما حل بالناس من الفقر المدقع (١).\nولكل هذا مع ما كان من إهمال الولاة والعثمانيين أمر الرى وتوزيع المياه، فقد وصلت الحالة الاقتصادية في مصر لأسوأ ما يمكن الوصول إليه حيث أصيبت الأرض بالتلف وتعرضت الترع للجفاف، وتعطلت من أجل ذلك الزراعة.\nوقد أدى هذا التدهور في شتى مجالات الحياة إلى ضعف الناحية العسكرية فقد أهملوا في تحصين البلاد التي تسلموا زمامها، واضمحلت في عهدهم الإسكندرية حتى اشرأبت إليها أعناق الطامعين من الغزاة الأوربيين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الاضطرابات والقلاقل السياسية:</span>\nلقد شهد العصر الذي عاش فيه الصاوى عددًا من الاضطرابات السياسية، فعندما\n_________\n(١) انظر: مصر في القرن الثامن عشر: (٢/ ٨٢).\n(٢) في تاريخ العرب الحديث: ١٨٩.","vol":"1","page":18},{"text":"استبان الأوربيون ضعف الدولة الإسلامية وعدم قدرتها على الصمود أمام الحملات الشرسة التي كانت تشنها على عدد من أطرافها تجدد طمعهم في شن حملات صليبية، فكانت رحلات المكتشفين إرهاصات كشفت عن تلك النوايا الخبيثة، ومن تلك الرحلات التي أمت بلاد المسلمين: رحلة فولنى الذي أرسل إليها من قبل فرنسا، فقد مكث أربع سنوات في مصر والشام، لاستكشاف الأوضاع هناك، ثم عاد إلى وطنه مقدمًا لها تقارير عن حال بلاد الإسلام، وما أصيبت به من ضعف واضطراب، مما يؤكد عمالة هذا الرجل أنه في أثناء الحملة الفرنسية عين عضوًا في المجمع الفرنسى، وكان قبل ذلك أستاذًا للتاريخ في مدرسة المعلمين بباريس.\nانتهزت حكومة الإدارة تلك الفرصة وعجلت بتنفيذ الحملة الفرنسية موجهة إياها إلى مصر، في يوليه: سنة ١٧٩٨ م، وقد ظنت لسوء أحوال الشعب هناك وما ذاقوه من ظلم المماليك أنهم سيقفون في صفها ويلقونها بالتهليل والترحيب إلا أنه وقع ما لم يكن بالحسبان، فالشعب المصرى المسلم لم يتقبل هذا النوع من الانقلاب العسكرى لأنه كان على علم بأنه لا يخرج عن الاحتلال الصليبى الذي يأنفه المسلم الأبى، ويبذل من أجل رفعه النفس والنفيس، فكرهوا أمر هذه الحملة ومقتوها مقتًا شديدًا.\nوفى أثناء بقاء هذه الحملة في مصر حدث في أوربا ما أضر بفرنسا وذلك أن نابليون تسلل خفية إلى فرنسا في سنة ١٧٩٩ م، وبقى الجيش الفرنسى في مصر دون أن يبلغ أطماعه بعد، إلى أن تم انسحابه منها في نهاية المطاف بالاتفاق مع بريطانيا (١).\nومع عدم تحقق أحلام الطامعين في الانتصار إلا أن هذه الحملة قد مثلت طورًا انتقاليًا في خطوط التدافع بين الدولة العثمانية والعالم الغربى، فقد شكلت الحملة الفرنسية نقلة نوعية في مسار الصراع بين قوى الغرب الصاعد وبين دورة الاجتماع العثمانى. وتتمثل الخاصية الأساسية لهذه النقلة فيما انطوت عليه هذه الحملة من\n_________\n(١) انظر: الشرق الإسلامى في العصر الحديث للأستاذ/ حسين مؤنس: ٧٣ - ٧٦.","vol":"1","page":19},{"text":"إرساء لخطوط صراع جديدة تستجيب لاحتياجات أهداف استراتيجية، الغرض منها تفكيك توازنات الدولة العثمانية (١).\nوهذا التحول في السياسة الخارجية الأوربية قد أدى بدوره إلى انقلاب وضعى خطير، تحولت به الدولة العثمانية من خط الهجوم إلى خط الدفاع كما انتقل العالم الأوربى إلى موقع الهجوم. وقد حدثت أثناء الدفاع تحولات كبيرة في الواقع المصرى كان من أهمها:\nولاية محمد على: فعلى أثر تلك الحملة الفرنسية التي استهدفت تقويض أمن البلاد حضرت قوة ألبانية تم تجميعها في إطار الجيش العثمانى لمعاونة الجيش المقاوم، وقد كان في مقدمتها الشاب الألبانى محمد على الذي استطاع في خلال فترة زمنية قصيرة أن يحوز على إعجاب قائده، والذي قام بترقيته إلى أن صار الرجل الثاني في هذه القوة، ولما كان يتمتع به من طموح وقوة وشجاعة ودراية فقد دخل في سلسلة من التحالفات والحروب مع العثمانيين والمماليك.\nفقد أظهر محمد على منذ بداية حضوره على مسرح السياسة في مصر قدرة عالية على استيعاب دهادارة الصراع مع كافة القوى التي تحتل خارطة السلطة، مظهرًا بذلك ما يمتلكه من خبرة كبيرة في استخدام أساليب وتقنيات العمل السياسى السلطوى.\nولكن هذه الميزة الأساسية في شخصية محمد على لم تكن كافية في تمكينه من السيطرة على الحكم لولا توفر مقتضيات أساسية ساهمت مساهمة كبيرة في تمكينه من ذلك - بعد مشيئة الله - وقد تمثلت في الكتلة الشعبية التي كان يقودها السيد عمر مكرم، وإليها يعود الفضل - بعد الله - في توفير الشروط الأساسية التي أمنت لمحمد على مصادر القوة السياسية والشرعية التي تمكنه من التغلب على كافة القوى المناوئة له بحلول عام: ١٨٠٨ م (٢).\n_________\n(١) دولة محمد على والغرب، حسن الضيقة: ١٠٥.\n(٢) دولة محمد على: ١٤٢.","vol":"1","page":20},{"text":"ويحكى الجبرتى (١) قصة توليه الحكم، وكيف أنه كان بتأهيل الرعية له، وركب الجميع - الأهلى - وذهبوا إلى محمد على وقالوا له: إنا لا نريد هذا الباشا حاكمًا علينا، ولا بد من عزله من الولاية، فقال: ومن تزيدونه يكون واليًا؟ قالوا له: لا نرضى إلا بك، وتكون واليًا بشروطنا لما نتوسمه فيك من العدالة والخير، فامتنع أولًا ثم رضى، وأحضروا له كركًا وعليه قفطان، وقام إليه السيد عمر، والشيخ الشرقاوى فألبساه له، وذلك وقت العصر، ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة (٢).\nهذا وقد قادت تلك الحملة الفرنسية حملة أخرى من بلد أوربى آخر، فكانت: الحملة الإنجليزية على مصر في فبراير سنة: ١٨٠٧ م، فقد توجهت حملة شرسة من قبل انجلترا بقيادة الجنرال \"فريزر\" وتعود أسباب هذه الحملة إلى انتقاض المعاهدات السياسية بين انجلترا وتركيا، فقد استاءت أشد الاستياء لانحياز تركيا إلى جانب فرنسا، فساءت العلاقات بين الدولتين حتى انتهت بإعلان الحرب بينهما.\nوصلت مصر أنباء هذه الحملة الإنجليزية قبل مقدمها إليها، وذلك عبر الرسائل الواردة من الأستانة، فأخذ الشعب المصرى بالاستعداد لمقاومتها، وتولى القيام بشؤون هذه المقاومة السيد عمر مكرم، فكان نعم الزعيم الشجاع الحازم.\nومن جهة أخرى فقد أخذ محمد على يعد العدة للزحف على الاسكندرية وتخليصها من الإنجليز؛ حتى مقدم رسول الجنرال الإنجليزى الذي حمل له رسالة من أميره يطلب فيها المفاوضة في الصلح على أن يجلو الجيش عن الإسكندرية، وأبرمت على أثر ذلك معاهدة تقضى بخروج الجنود الإنجليز عن الإسكندرية في مقابل إعادة أسراهم وجرحاهم، وذلك بعد عدد من المعارك والحروب الضارية التي\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن الحسن بن إبراهيم بن حسين بن على بن محمد بن عبد الرحمن الجبرتى الزيلعي العقيلى المصرى الحنفى المؤرخ، ولد بالقاهرة وتعلم بالجامع الأزهر، كان من كتبة الديران في عهد نابليون، توفى مخنوقًا في رمضان: ١٢٣٧ هـ.\n(٢) عجائب الآثار: (٣/ ٦٣).","vol":"1","page":21},{"text":"دارت بين المقاتلين الإنجليز وبين المصريين المجاهدين في رشيد، وحماد. وكانت هذه نهاية الاحتلال البريطانى الذي استمرت مدته ستة أشهر (١).\nوكان لهذه المعاهدة أثر واضح في بقاء محمد على حاكمًا على البلاد، فقد حولت هذه الاتفاقية الانتباه الأوربى والعثمانى بعيدًا عن مصر لفترة زمنية لا بأس بها، وهو ما مهد الطريق أمام محمد على لتثبيت سلطانه، وإدارة شؤون البلاد بلا أية تدخلات عثمانية، أو أوربية تذكر، فلقد غيرت المعاهدة الأبعاد الجغرافية المهمة للعبة الأوربية، فوضعت مصر في أولوية متأخرة، على عكس الحملة الفرنسية، فبات من الواضح أن المعركة الكبرى كانت ستدور في القارة الأوربية وليس خارجها، وهو ما أبعد عن مصر بلاء لا يعلم مساوئه إلا الله (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-9> مذبحة المماليك بالقلعة سنة ١٨١١ م:</span>\nلقد عزم محمد علي على تجهيز حملة لمحاربة دعاة التوحيد في نجد؛ وذلك تلبية لأوامر الأستانة، ولكنه خشى من انقلاب عسكرى يقوم به أعداؤه من المماليك إذا غادر مصر مما قد يؤدى إلى نزع السلطة من يده، فرأى أن السبيل الأمثل للاحتفاظ بسلطانه وإبقاء حكمه هو التخلص ممن تبقى من المماليك، فأعد خطة لتحقيق هذه الفكرة الخطيرة، حيث دعا وجهاء الناس لحضور مهرجان فخم بالقلعة في أول مارس ١٨١١ م، وذلك للاحتفال بإلباس ابنه طوسون خلعة قيادة الجيش المزمع بعثه إلى الأراضى الحجازية، فحضر جميع الأمراء، والباشوات، والمماليك وأتباعهم.\nوبعد خروج موكب الاحتفال وعلى رأسه ابنه طوسون باشا وكبار الموظفين بالدولة أقفل باب القلعة من الخارج إقفالًا محكمًا في وجه المماليك، وانهال الرصاص عليهم دفعة واحدة، وقد استمر الفتك فيهم من ضحى ذلك النهار إلى هزيع من الليل حتى امتلأ فناء القلعة بالجثث الممزقة.\n_________\n(١) انظر: عصر محمد على، عبد الرحمن الرافعى: ٧٢.\n(٢) المواجهة المصرية الأوربية، محمد البدرى: ٥٧.","vol":"1","page":22},{"text":"لقد أفنت تلك المذبحة أربعمائة وسبعين من المماليك وأتباعهم في يوم واحد، وفى الوقت نفسه نهبت جنود محمد على باشا منازلهم بالمدينة، وقتلت من تخلف منهم عن الحضور، ثم أرسل إلى عماله في الأقاليم بقتل جميع المماليك القاطنين خارج العاصمة، فقتلوهم وصاروا يتنافسون في إرسال رءوسهم إليه (١).\nوكان لهذه المذبحة أثر سيئ على حالة الشعب النفسية، فقد أدخل الرعب على قلوبهم، وفقد الشعب بالتالى روح الشجاعة التي كان يتمتع بها، مما أدى إلى تدهور الحياة القومية في مصر إلى أمد طويل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>محاربة الدعوة السلفية:</span>\nلقد قام الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوة إصلاحية تهدف إلى التمسك بما كان عليه سلف الأمة من إقامة الوحى بتطبيق تعاليم الكتاب والسنة، بعيدًا عن البدع والخرافات التي عمت البلاد في تلك الآونة؛ مما أثار ضده الكثير من المغرضين الذين لم يطب لهم مخالفة معهودهم من البدع والمخالفات التي كانوا عليها في الكثير من شؤون حياتهم وعبادتهم، إلا أن العثمانيين لم يلتفتوا لهذه الدعوة، ولا لمن حمل لواءها، حتى عم خبرها أرجاء البلاد، وتعدى إلى مصر والشام، وذلك حين منع الأمير سعود - ﵀ - مواكب الحجاج من إظهار بدعهم من المزامير والطبول؛ أثناء مجيئهم لأداء مناسك الحج، حيث قام أولئك الحجيج بدورهم بإشاعة الأكاذيب والفتن واتهموا الأمير بمنعهم من أداء الحج، فقد أثار هذا الأمر حفيظة العثمانيين، حيث خافوا على سمعتهم لما وجه إليهم من اتهامات بعدم قدرتهم على حماية مواكب الحجيج، مما يؤدى بدوره إلى زعزعة الثقة بسيادتهم على الحجاز، أضف إلى ذلك ما أدركته الدولة العثمانية من أن الدعوة الوهابية تؤذن بقيام دولة عربية تناوئ الخلافة التركية.\nولكل هذه الأسباب؛ فقد عزمت الدولة العثمانية على محاربة هذه الدعوة\n_________\n(١) تاريخ الدولة العلية، محمد فريد: ٢٠٤.\n(٢) انظر: عصر محمد على لعبد الرحمن الرافعي: ١١١ - ١٢١.","vol":"1","page":23},{"text":"بالقضاء على الحكم السعودى، حيث انتهز السلطان العثمانى فرصة الغضب الذي حل بالمسلمين، وثورة أهل تركيا ومصر والشام والعراق؛ بسبب تلك الشائعات المغرضة، فوضعت الخطط، وعبأت علماء الدين الذين هبوا بأقلامهم وألسنتهم يرمون أتباع هذه الدعوة بالزندقة والكفر والخروج عن الإسلام؛ وذلك تمهيدًا لإعلان محاربتها، وإعداد العدة للقضاء عليها.\nولتحقيق هذه المرامى السياسية؛ فقد عهد الخليفة العثمانى إلى محمد على بمحاربة هذه الدعوة، ولتنفيذ هذه المهمة فقد أرسل محمد على حملة بقيادة ابنه طوسون إلى الحجاز عام: ١٢٢٦ هـ - ١٨١١ م، واستطاعت الجيوش العثمانية التوغل في أراضى الحجاز حتى تم لها الاستيلاء على مكة والمدينة.\nوقد قامت عدد من المعارك بين الطرفين، وكانت الحرب فيها سجالًا، إلى أن غادر طوسون البلاد، وقد ضم الحجار إلى أملاك الدولة العثمانية، وقام بالانسحاب من باقي المناطق (١).\nوتحكى المصادر التاريخية أنه بعد رجوعه إلى مصر أصيب بألم شديد في رأسه وحمى لم يعش بعدها إلا قليلًا، واختلفت الروايات في أسباب موته وكيفيته ومكانه، ولكنهم اتفقوا أن موته كان شديد الوطأة على أبيه، ولكن ذلك الحزن الذي أذهله وآلمه لم يثنه عن المضى في استكمال هذه المهمة الظالمة (٢).\nولتعزيز هذه الأعمال الحربية؛ فقد أرسل محمد على حملة أخرى بقيادة ابنه إبراهيم، استهدفت القضاء على الحكم السعودى في نجد، حيث حاصر الدرعية طويلًا حتى سقطت في يده، وقبض على أميرها، وأرسله إلى مصر، وبقى مع من تبقى من جيشه في نجد حتى صيف: ١٨١٩ م فسلم البلاد خربة إلى بعض قوات الجيش العثمانى التي وصلت إلى شبه الجزيرة العربية، وقد شهد هذا الدور نهاية الدولة السعودية الأولى وانهيارها على يد إبراهيم باشا (٣).\n_________\n(١) انظر: تاريخ الدولة العلية: ٢٠٤.\n(٢) انظر: تاريخ مصر الحديث: جرجى زيدان: ١٦٤.\n(٣) في تاريخ العرب الحديث: ٢٤٠.","vol":"1","page":24},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-11> القضاء على الزعامة الشعبية والدينية بنفى عمر مكرم:</span>\nعلى الرغم من أن الزعامة الشعبية هي التي مدت يد المساعدة لمحمد على حتى تم له الاستقرار في الحكم، إلا أن أول ما فكر به بعد استقلاله بالسلطة هو التخلص من تلك الجهة؛ وذلك لطمعه بالاستبداد التام بشؤون الحكم، بحيث يمتنع على أي أحد - كائن من كان - أن يتدخل في شأن من شؤونه.\nولم يكن لهذا أن يتم لولا تسبب الزعامة في ذلك - بعد مشيئة الله -، فقد دب الحسد والبغضاء في قلوب الكثيرين منهم؛ لما ناله السيد عمر مكرم من المنزلة العلية والرياسة، فقد جمعت شخصية نقيب الأشراف عمر مكرم بين ثلاث محطات تاريخية هامة، ولكل منها خصائصها المميزة، وهى ما تمتع به من حضور سياسى إلى حد غدا فيه صاحب الموقع الأساسى في إعادة توازنات السلطة السياسية في مصر بعد رحيل المحتل.\nودور اجتماعى خطير أسهم في الخروج على السلطة القائمة، وذلك بهدف تعديل وتقويم سياستها المتصلة بحقوق الجمهور.\nودور دينى تمثل القيام به في مواجهة الإصلاح الداخلى والخارجى، فقد تمثل القدرة على الربط بين ضرورة صلاح السلطة، كشرط أساس من شروط قيام الدولة، وحفظ كيانها السياسى، وبين ضرورة التصدى لغزو الخارج باعتباره ثابتة لما يترتب عليه من ضياع شروط أساسية تتعلق بحفظ كيان الدولة الحاضنة لمصالح الأمة (١).\nولكل هذه المقومات الأساسية في تكوين الشخصية الفعالة على الصعيد السياسى والاجتماعى، والتى تم لها الاجتماع في شخصية مكرم فقد أخذ أعداؤه بالكيد ودس الدسائس له من أجل إضعاف مركزه، وتشويه سمعته، فأخذوا بالتزلف لمحمد على من أجل تحقيق هذا الغرض، وكان لهم ذلك حيث تمت لهم الوقعية بين محمد\n_________\n(١) دولة محمد على: ١٢٢.","vol":"1","page":25},{"text":"على وبين عمر مكرم، ولما كان يضمره محمد على في نفسه لهذا الرجل الذي ضاق به ذرعًا وبتدخلاته الكثيرة في شؤون الدولة؛ فقد عزم على عزله من نقابة الأشراف، ونفيه في أغسطس سنة ١٨٠٩ إلى دمياط؛ ليبعده عن القاهرة وأهلها الذين هم مكمن قوته ورهن إشارته.\nوكان هذا عقابًا متفقًا في رأى محمد على مع الأوضاع الشرعية المألوفة في ذلك الوقت.\nوبهذه المؤامرة التي دبرت لعمر مكرم؛ قضى على هيبة الزعامة الشعبية، فسقطت بأيدى أصحابها، ولم يعذ لها تلك المكانة العظمى التي استقرت لها زمنًا، وكل ذلك كان بسبب داء التحاسد والتخاذل الذي دب بينهم (١).\n* * *\n_________\n(١) عصر محمد على: ٨٠ وانظر: دولة محمد على، حسن الضيقة: ١٢١.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>(المبحث الثاني): الحالة الاجتماعية</span>\nإن الفصل بين الحالة السياسية والحالة الاجتماعية لعصر ما مما يعسر على الباحث تصوره؛ وذلك لأن الحالة الاجتماعية ما هي إلا صورة تنعكس عليها آيات سياسة الحكم في تلك الآونة، فإذا صلحت السياسة وسارت في نهج موفق في تلبية احتياجات الرعية، وإقامة العدل بينهم فإن الحالة الاجتماعية تكون خير بينة تشهد بحسن السياسة، ومن هنا فقد كانت للمثالب السياسية في هذه الآونة نتائج مزرية في الحياة الاجتماعية في شتى مجالاتها.\nلقد خلف استبداد الحكام من قبل العثمانيين المتأخربن بجمع الأموال وتحصيل الضرائب على تنوعها ثم توزيعها على وجوهها المختلفة، دون مراعاة لميزان العدل، ودون مراقبة لما كان يصدر عن الكثير من العمال القائمين بهذه المهمة صورًا من الظلم المؤلم، أنَّت به الرعايا وأوجعت، فالفقر والجوع والعرى أحد مظاهر ذلك الظلم.\nومن صور ذلك الظلم ما كان يعانيه الفلاح الذي يرتدى الملابس الخشنة والرخيصة، ويعيش على خبز الذرة، ويسكن بيوتًا من الطين بالاشتراك مع البهائم، وكان يعيش على حد الكفاف؛ إذ أن المحصول كان يوضع بمجرد جمعه ودرسه تحت تصرف الصراف وشيخ البلد، ممثلى سلطة الكاشف، أو سلطة الملتزم على المنطقة، فلم يكن في وسع الفلاح أن يجادل أو يناقش مع السلطة التي كانت تستولى على المال الميرى نقدًا وعينًا (١).\nولهذا مع غيره من ألوان الطغيان قاسى الناس كثيرًا من ظلم الحكام وفسادهم، خصوصًا في الأرياف، حيث أخذ الناس يهربون من قراهم ويلتجئون إلى المدن،\n_________\n(١) انظر: مصر الحديثة: جلال يحيى: ١٨٤.","vol":"1","page":27},{"text":"فتضاءل عدد السكان الريفيين وتقهقرت الزراعة، ورافق التدهور الاقتصادى وسوء الحكم إهمال طرق المواصلات؛ فأدت هذه الأسباب مجتمعة إلى انعدام الأمن والاستقرار (١).\nويحكى الجبرتى المعاصر ما كانت تقوم به بعض القبائل في أحداث سنة: ١٢١٤ هـ، فيقول: \"ومنها وقوف العرب وقطاع الطريق بجميع الجهات القبلية والبحرية والشرقية والغربية والمنوفية والدقهلية وسائر النواحى، فمنعوا السبيل لو بالخفارة، وقطعوا طريق السفار، ونهبوا المارين من أبناء السبيل والتجار، وتسلطوا على القرى والفلاحين وأهل البلاد بالعرى والخطف للمتاع والمواشى من البقر والغنم والجمال والحمير، وإفساد المزارع ورعيها؛ حتى كان أهل البلاد لا يمكنهم الخروج يمواشيهم إلى المزارع للرعى أو للسقى، لترصد العرب لذلك\" (٢).\nكما كان للسياسة المتجهة نحو الحفاظ على الحكم دون الالتفات إلى متطلبات الشعوب، كالتعليم والصحة والتنمية الاقتصادية والرعاية الاجتماعية، التي هي من أهم دعائم الحياة الاجتماعية السليمة؛ أثر سيئ في تلك المجالات، فقد أدى ذلك إلى حدوث انهيار اقتصادى وفوضوى وتأخر اجتماعى ملموس.\nومن جهة أخرى فإن العناية التي وجهتها الدولة للمدن والبلدان، التي تقع على سواحل البحار والطرق الرئيسية من أجل الحفاظ على سيادتها؛ قد شغلتها عن الكثير من المناطق التي ليس لها تلك الأهمية، فقد تركتها في يد رؤساء القبائل والعائلات، يدبرون أمرها وفق ما تعودوه من وسائل الحرب؛ مما أدى إلى ظهور نوع عنيف من التخلف الاجتماعى في تلك المناطق.\nولم تكن الأوضاع إلا إلى الأسوأ، وذلك عند استقلال بعض البلاد عن الدولة الأم، فقد لاقى الشعب المصرى في عهد محمد على ألوانًا من الاضطهاد والظلم ما\n_________\n(١) العالم العربى، نجلاء عز الدين: ٩٣.\n(٢) مظهر التقديس: ٦٢.","vol":"1","page":28},{"text":"فاق العصور التي قبله؛ فقد فرض على الفلاحين السخرة أو دفع الضريبة، وحرم عليهم أن يأكلوا شيئًا من كد أيديهم، كما أبطل التجارة، ورفع أسعار المعيشة أضعافًا مضاعفة، وهيمن على جميع الأنشطة الاقتصادية، فزاول بذلك أشد أنواع الاشتراكية ضراوة وتحكمًا؛ حتى يصف الجبرتى المعاصر ما آل إليه الوضع عندما كلف محمد على سكان القاهرة بتعميرها بقوله: فاجتمع على الناس عشرة أشياء من الرذالة وهى: السخرة، والمعونة، وأجرة الفعلة، والذل، ومهنة العمل، وتقطيع الثياب، ودفع الدراهم، وشماتة الأعداء من النصارى، وتعطيل معاشهم، وعاشرها أجرة الحمام (١).\nولم يكن هذا الطور الإنشائى ليغفر لمحمد على ما لاقاه الشعب في ذلك الأوان من أنواع المذلة والمهانة؛ وذلك لأنه ما كادت تنتهى هذه المرحلة التعميرية إلا وقد فتحت مصر أبوابها للتجار الأوروبيين، حتى صار اعتماد الطبقة الناشئة في مصر اعتمادًا كليًا على الأسواق الأجنبية، إلى جانب ما واكب هذا الاتجاه الاستعمارى الاقتصادى من السيطرة على الحياة الفكرية بعد أن شل دعاة الاتجاه الإسلامى، وأوقف مناهج التعليم القائمة على الدين؛ تنفيذًا لسياسة نابليون الماسونية، وهو أمر أكده المؤرخ الإنجليزى أرنولد توينبى في قوله: وكان محمد على ديكتاتورًا أمكنه تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعالة في مصر (٢).\nهذا وقد أفرز البعد عن تعاليم الدين وضعف آصرته في قلوب المسلمين ظهور النزعات العصبية؛ فقد آل الأمر بالمجتمع المسلم إلى تقسيمه بالتمايز الطبقى، فالطبقة الحاكمة تعيش حياة استقراطية منعزلة عن بقية أجزاء المجتمع؛ بحكم وظيفتها وتقييمها لذاتيتها، وقد أحدث هذا التمايز الطبقى آثارًا سلبية على المجتمعات، فقد حالت دون الشعور بالولاء للطبقة الحاكمة؛ مما أدى إلى اشتداد النقمة عليها.\n_________\n(١) عجائب الآثار، للجبرتى: (٢/ ٥٣٧)، وانظر: في تاريخ العثمانيين، الدكتور/ زكريا بيومى: ١٨٠.\n(٢) في تاريخ العثمانيين: ١٨٢.","vol":"1","page":29},{"text":"ومع استماتة الحكام في الحفاظ على قبضة الحكم ضد المستعمرين الأجانب، إلا أن في تقديم الكثير من الامتيازات الاقتصادية والثقافية والدينية للأوربيين، أثرًا بالغ الخطر، فقد أدى بدوره في النهاية إلى تحقيق المطامع الاستعمارية الأوربية، عندما سننحت الفرصة بضعف الدولة العثمانية (١).\nومع ذلك فقد كان المجتمع المسلم في تلك الآونة يتمتع بنوع من الاندماج لم يحظ به منذ غياب الدولة العباسية، فقد كانت حرية الانتقال والسفر أمامهم مكفولة ومحترمة في جميع الأوقات، وكانت فرص العمل متاحة لهم كذلك، وكان في مقدور العربى في دمشق أن ينتقل إلى بغداد أو مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو القاهرة أو القيروان أو غيرها من المدن الإسلامية، ويعيش فيها ويمارس ألوانًا من النشاط الاقتصادى أو الثقافى، دون أن يحصل على إذن بالخروج أو إقامة (٢).\nكما كان المجتمع آنذاك تشده آصرة الدين بالرغم من وجود الطبقية المخالفة لهذا المبدأ فقد كانت هذه الوشيجة من أقوى الأواصر التي ربطت الجماهير العربية بالدولة العثمانية، حيث أخلصوا في مشاركتها الحروب والمعارك ضد الحملات الصليبية التي استهدفتها في تلك الآونة، ولعل من أبرز الدلائل على ذلك الترابط الدينى ما حدث في مصر عندما هاجمت الحملة الفرنسية أرض مصر بقيادة نابليون، حيث أعلن السلطان العثمانى الجهاد الدينى ضد المعتدين الفرنسيين، فاستجاب لهذه الدعوة بعض سكان الحجاز والشام فهبوا لنجدة إخوانهم في أرض الكنانة، وبكل عزم وصدق استطاعوا أن يهزموا ذلك الكيد الخائن، وقد سبقت الإشارة إليه (٣).\nإن ذلك التآخى الذي عاشته المجتمعات الإسلامية في تلك الآونة إنما يظهر نقاؤه إذا ما قورن بالتفتت السياسى الذي أحدثته الدول الصناعية إبان غزوها الاستعمارى للدول المسلمة فقد عملت تلك الدول على تفرقة الشعوب المسلمة، حيث بقى ذلك التفرق قامعًا على جثمانها إلى يومنا هذا.\n_________\n(١) انظر: في تاريخ العرب الحديث، رأفت الشيخ: ٤٤.\n(٢) الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامى الحديث، الدكتور/ أسامة ياغى: ٢٣٨.\n(٣) انظر المبحث السابق.","vol":"1","page":30},{"text":"هذا وقد كان لعلماء الدين دور كبير في حفظ الأمن واستقرار الحياة الاجتماعية، ولعل أول من نبغ من هؤلاء الوعاظ هو الشيخ الحفنى، الذي كان يعاصر على بك الكبير، حتى قيل عنه: إن الشيخ الحفنى سقف على أهل مصر، يمنع عنهم نزول البلاء، وقد وصفه الجبرتى بانه: قطب رحى الديار المصرية، ولا يتم أمر من أمور الدولة وغيرها إلا باطلاعه وإذنه (١).\nومن ذلك ما حكاه الجبرتى عن الشيخ أحمد الدردير مفتى المالكية في تأييده للثورة الشعبية التي قادها سكان القاهرة ردًا على عدوان أحد المماليك من اليهود، حين قام بالاعتداء على بيت من بيوت أكابر البلد، فقد اجتمع لذلك جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية، وبأيديهم نبابيت ومساوق، وذهبوا إلى الشيخ الدردير فوافقهم وساعدهم بالكلام، وقال لهم: إنا معكم، فخرجوا من نواحى الجامع وقفلوا أبوابه، وطلع منهم طائفة على أعلى المنارات، يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالأسواق في حالة منكرة، وأغلقوا الحوانيت، وقال لهم الشيخ الدردير: في غدٍ نجمع أهالى الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم، وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء، أو ينصرنا الله عليهم، فلما كان بعد المغرب حضر. سليم أغا مستحفظان، ومحمد كتخدا أرنؤد الجلفى كتخدا إبراهيم بك، وجلسوا في الغورية، ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير، وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال، وقالوا للشيخ: اكتب لنا قائمة بالمنهوبات، ونأتى بها من محل ما تكون، واتفقوا على ذلك، وقرءوا الفاتحة وانصرفوا (٢).\n* * *\n\nهذا ومن أبرز المواضيع التي يتجه إليها الحديث عند تناول الحياة الاجتماعية هي\n_________\n(١) ولا شك أن هذا غلو، وكان من آثار التلف العقدى الذي عانت من الأمة الإسلامية في تلك الآونة: عجائب الآثار: (١/ ٣٥٤). وانظر: تاريخ مصر الحديث، الدكتور/ عمر عبد العزيز عمر: ١٥٩.\n(٢) عجائب الآثار: (١/ ٦١٠).","vol":"1","page":31},{"text":"الأسرة وما يتعلق بها من أنظمة ومتطلبات؛ فالأسرة هي نواة المجتمع، فقد كانت الأسرة في الدولة العثمانية بطبيعة الأمر متدينة بالإسلام، ولكن الجهل الذي عم أرجاء البلاد كان له أسوأة الأثر في ظهور بعض العادات السيئة، التي برزت في المجتمع.\nفالمرأة في ذلك العهد غالبًا لم تكن تحظى بأى اهتمام لتقويم سلوكها سوى ما كان يملى عليها من بعض التوجيهات التربوية، والتى مع مرور الوقت لم تعد تملك مواجهة التحديات السافرة؛ لأنها أضحت من جملة العادات والتقاليد، فهى بذلك رهينة لأى تعديل يمكن أن تتعرض له إذا تهيأت له الظروف المواتية من الداخل أو الخارج؛ لذا فإن المتأمل في حال المرأة التي هي من أهم العناصر الفعالة في التأثير على الأسرة، يجد أنها كانت تعيش في حالة من الظلم الاجتماعى المؤلم - خصوصًا في المجتمعات الريفية - حيث تحيط بها الخرافات والأوهام من كل جانب، وحيث تتملكها الاضطرابات والقلاقل النفسية، فلا تلبث أن تلقى بنفسها أمام ما يمليه عليها الساحر الذي حظى بجمهرة كبيرة من النساء السذج، والذي كثيرًا ما يلبس عليهن باسم السيد أو الولى، لقاء ما تجود به أيديهن المرتبكة، كما كانت زيارة القبور والتعلق بأصحابها والاستغاثة بهم من أجل حصول المراد ودفع المخاوف والبلايا مما يكثر فعله من النساء ربات البيوت.\nيقول الشيخ محمد قطب في وصف حالة النساء آنذاك: إن المرأة كانت مظلومة بالفعل، وكانت تعامل معاملة سيئة بالفعل، وكانت تعير بأنها جاهلة، وبأن مهمتها هي أن تحمل وتلد ولا شأن لها بشيء آخر، وكانت هذه نظرة جاهلية تسربت إلى المجتمع المسلم حين تخلف عقديًا، وفسد كثير من مفاهيمه الإسلامية، والجاهليات تجنح غالبًا إلى تحقير المرأة وازدرائها، إلا أن تجنح كالجاهلية الإغريقية الرومانية ووريثتها الجاهلية المعاصرة إلى تدليل المرأة وإفسادها خلقيًا لتصبح مسرحًا لشهوة الرجل.","vol":"1","page":32},{"text":"وكان وضع المرأة في مصر وفى العالم الإسلامى كله في حاجة إلى تصحيح لرد الكرامة الإنسانية إليها، ووضعها في المكانة اللائقة بها بوصفها إنسانة كرمها الله حين قرر الكرامة لكل بنى آم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وساواها في الإنسانية بالرجل حين قرر أنه: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] (١).\nلقد كان في غياب العمل التوعوى والتوجيه البناء أسوأ الأثر في انطماس أبرز معالم المعتقد السليم على أفراد الأسرة.\n* * *\n_________\n(١) واقعنا المعاصر: ٢٨٢.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>(المبحث الثالث): الحالة العلمية والدينية</span>\nإن المطلع على السجل التاريخى للأمة الإسلامية في عصورها الأخيرة، ليرمق بعين الأسى أحداثًا جسامًا نخرت في عضدها وأوهنت من قوتها، فجعلت منها أشلاء ممزقة صارت بها عرضة للتيارات الفكرية الوافدة بالإلحاد وألوان الكفر والفساد من شرق الدنيا وغربها.\nوعند البحث عن أسباب ذلك الوهن والتفتت الذي حل بالأمة يجد أن له أسبابًا عديدة؛ كان من أعظمها خطرًا وأشدها ضررًا ضعف العقيدة الإسلامية في قلوب كثير من المسلمين، وقد كان لذلك الضعف مظاهر عدة، فبروز الأضرحة، والتوسل بالصالحين، كل ذلك كان من أهم أسباب انطماس معالم التوحيد الحق الذي جاء به الرسل والأنبياء.\nولم يكن ذلك هو المظهر الأوحد لضعف العقيدة، فانحلال عرى الولاء والبراء مما عمت به البلوى وإن كان في حقيقته فرع استمد بقاءه من الغبش الذي سيطر على نفوس المسلمين؛ بسبب انطماس حقيقة التوحيد في ذلك الوقت.\nلقد كانت دعوة الرسل والأنبياء هي عبادة الله وحده لا شريك له، بكل ما تعنيه كلمة العبادة من شمولية في المنهج المستمد من الوحى المطهر، والذي يحمل العبد على إفراد الله تعالى بأفعال العباد، كما يحمله على إفراده بأفعال الربوبية التي لا تنبغى إلا لجلاله وعظيم سلطانه، فيجعل من أعماله دليلًا على صدق توجهه لربه، وعليه فأى خلل في الأفعال ينم عن اضطراب في المعتقد التوحيدى يعد من ألوان الشرك التي يخرج بها العبد من الملة.\nوسأعرض لكل من هذه المظاهر صورًا عمت بها البلوى في تلك الآونة، مبتدئة بتفريط الحكام في هذا الباب، ففى عهد إبراهيم بك أحد زعماء المماليك وشيخ","vol":"1","page":34},{"text":"البلد في عصره كان أحد المسؤولين الكبار رجل نصرانى يدعى إبراهيم الجوهري، فإنه لما ترأس إيراهيم بك قلده جميع الأمور، فكان هو المشار إليه في الكليات والجزئيات حتى دفاتر الروزنامة والميرى وجميع الإيراد والمنصرف وجميع الكتبة من تحت يده.\nولا يخفى ما في هذا الفعل من إعلاء لشأن الكفرة ومخالفة لأمر الله تعالى في البراء منهم وعدم اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، يصدق هذا ما أحدثه هذا النصرانى لبنى عقيدته، حيث: عمرت في أيامه الكنائس وديور النصارى، وأوقفت عليها الأوقاف الجلية والأطيان، ورتب لها المرتبات العظيمة والأرزاق والأغلال (١).\nومن صور ذلك الولاء لمثل أولئك الكفرة ما تمتع به المعلم نقولا النصرانى الأرمنى، فقد كان رئيسًا لمراكب مراد بك الحربية، وقد نال من الحفاوة والاهتمام ما مكنه من ركوب الخيل ولبس الملابس الفاخرة والمشى في الأسواق على هيئة المتبختر، فالجنود يوسعون له الطريق، ويحتفون به كما يحتفى بالأمراء (٢).\nومع كل هذا الاهتمام الذي ناله أولئك الكفرة من أمراء المسلمين، إلا أنه لم يكن دافعًا لهم لحفظ عهدهم وقت محنتهم أيام الاحتلال الاجنبى، فقد تقدم الحديث عن الحملة الفرنسية التي وجهت إلى مصر طمعًا في خيراتها، لقد كشفت هذه الحملة عن عداء متأصل امتلأت به نفوس أولئك الكفرة، يقول الجبرتى في ذلك عند وصفه أحداث تلك السنة: ومنها ترفع أسافل النصارى من القبط والشوام والأروام واليهود، وركوبهم الخيول وتقلدهم بالسيوف؛ بسبب خدمتهم للفرنسيس ومشيهم الخيلاء، وتجاهرهم بفاحش القول، واستذلالهم المسلمين، كل ذلك بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد والحال والمركوز في الطبع ما زال (٣).\nأما في زمن سلطة محمد على باشا، فقد حصل لأولئك الكفرة من التمكن ما آلم الكثير من المسلمين، لقد نالوا في عهده أرفع المناصب وأرقى الدرجات حتى\n_________\n(١) عجائب الآثار: (٢/ ١٧٣).\n(٢) المصدر السابق: (٢/ ٢٧٠).\n(٣) المصدر السابق: (٢/ ٢٥٠). وانظر: مظهر التقديس، للجبرتى: ٨١.","vol":"1","page":35},{"text":"تسلطوا على شرفاء المسلمين وضعافهم، يقول الجبرتى: \"واشتد في هذا التاريخ أمر المساكن بالمدينة، وضاقت بأهلها لشمول الخراب وكثرة الأغراب، وخصوصًا المخالفين للملة فهم الآن أعيان الناس، يتقلدون المناصب، ويلبسون ثياب الأكابر، ويركبون البغال والخيول المسومة، والرهوانات وأمامهم وخلفهم العبيد والخدم، وبأيديهم العصى، يطردون الناس، ويفرجون لهم الطرق، ويتسرون بالجوارى بيضاء وحبوشًا، ويسكنون المساكن العالية الجليلة، يشترونها بأغلى الأثمان، ومنهم من له دار بالمدينة ودار مطلة على البحر للنزاهة، ومنهم من عمر له دارًا وصرف عليها ألوفًا من الأكياس، وكذلك أكابر الدولة لاستيلاء كل من كان في خطه على جميع دورها أخذها من أربابها بأى وجه، وتوصلوا بتقليدهم مناصب البدع إلى إذلال المسلمين أنهم يحتاجون إلى كتبة وخدم وأعوان والتحكم في أهل الحرفة بالضرب والشتم والحبس من غير إنكار، ويقف الشريف والعامى بين يدى الكافر ذليلًا\" (١).\nوقد سبق الحديث عن المذبحة التي جارى بها محمد على المماليك في مصر ونفيه لنقيب الأشراف عمر مكرم؛ من أجل القضاء على الزعامة الدينية والشعبية، إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد استعان محمد على بهؤلاء الكفرة الذين نالوا أعلى المناصب من أجل القضاء على عموم المشيخة، أو الاستحواذ عليها على الأقل، حيث كان أهم عمل قام به في سبيل ضرب الاتجاه الإسلامى الممثل في الزعامة الدينية هو ضمه للأوقاف التي كانت موقوفة على الأزهر؛ لينفق منها على التعليم والمشايخ إلى ملكية الدولة، فقد مكنه هذا من تحقيق هدفه في تقويض دور التعليم الدينى، وإحكام السيطرة على المشايخ والقائمين على التعليم من رجال الأزهر، بعد أن فقدوا قدرتهم على معارضته (٢).\nأما عن موقف الشعب من عقيدة الولاء والبراء، فإن الحديث عن الحالة الدينية وما أصاب المسلمين من وهن عقدى، والتفات نحو الغرب، لا يصح عزله أبدًا عن\n_________\n(١) المرجع السابق: (٣/ ٦٢٣).\n(٢) في تاريخ العثمانيين، الدكتور/ زكريا بيومى: ١٧٩.","vol":"1","page":36},{"text":"المؤثرات والعوامل التي ساعدت في اتساع زاوية الانحراف، ذلك أن الضرر لم يقتصر على سوء تصرف الحكام فقط، أو على أولئك النفر الذين ارتادوا أماكن. الرياسة من المخالفين للملة، لقد كان الخطر في حقيقة الأمر أشد تفاقمًا من هذا كله، إن مواجهة المسلم بالعداء في الغالب يحدث رد فعل عكسى يقضى بمواجهة ذلك الظلم بكره الظالم والحنق عليه، إن لم يكن له سبيل آخر يواجه فيه ذلك الضيم بالفعل، ومن هنا فقد تفطن الأعداء لذلك المنزلق الخطير، وراموا هدم بلاد المسلمين بدسائس الغزو الفكرى، فاتجهوا إلى سياسة المكر والخديعة، مع محاولاتهم المتتالية في مد سيطرتهم بالقوة على أرجاء البلاد الإسلامية، فلم يكن من السهل تفتيت قوة المجتمع الإسلامى، إلا بهذا النوع من التآمر المحكم الذي كاد به أعداء الإسلام لبلاد المسلمين.\nبيان ذلك أن الحملة الفرنسية التي قادها نابليون على مصر، والتى استهدفت القضاء على الشريعة الإسلامية واحتلال بلاد المسلمين لنهب خيراتها لصالح الكتلة الغربية، قد صاحبها مستشرقون ومنصرون كأصرح صورة من الأطماع الأوربية في العصر الحديث في الشرق، حيث استعان الفرنسيون بعدد كبير من المستشرقين الذين تخصصوا في كثير من فروع العلم والمعرفة، كالطب، والهندسة، والترجمة، وذلك من أجل تحقيق أطماعهم الاستعمارية، وليس بخفى ما تبع فتح مطبعة بولاق الشهيرة من ترجمة علوم الغرب وآدابه، كما حرصت هذه البعثة أشد الحرص على نبش الأرض الإسلامية لاستخراج حضارات ما قبل التاريخ؛ لذبذبة ولاء المسلمين بين الإسلام وبين تلك الحضارات، تمهيدًا لاقتلاعهم نهائيًا من الولاء الإسلامى، يؤكد هذا ما قاله أحد المستشرقين الصرحاء: إننا في كل بلد إسلامى دخلناه نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات (١).\nإن نابليون لم يأتِ إلى البلاد المسلمة كاشحًا عن أنيابه، مظهرًا أطماعه\n_________\n(١) واقعنا المعاصر، محمد قطب: ٢٠٢.","vol":"1","page":37},{"text":"الاستعمارية، لقد ظهر نابليون أمام المصريين بصورة المستشرق، فتظاهر بالإسلام وشارك المصريين في احتفالاتهم الدينية، وارتدى العمامة والجبة، وزار علماء الأزهر في بيوتهم، كما أنشأ مجتمعًا علميًا، وأصدر ثلاث صحف، واحدة منها باللغة العربية، وأنشأ متحفًا ومكتبة ومصنعًا ومختبرًا ومسرحًا، وفتح أبوابها أمام المصريين؛ كل ذلك من أجل أن يخاع الناس، ولكن سرعان ما انكشف أمره لمشايخ الأزهر، حتى اضطر أحدهم لمواجهته بذلك قائلًا: لو كنت تدعى الإسلام حقًا، فلماذا لا تطبق الشريعة في بلادك، بدلًا من تبديل الشريعة هنا بالقوانين الوضعية؟ ! (١).\nولعل المنشور الأول الذي قام نابليون بتوزيعه إبان الحملة الفرنسية، ليعد من أكبر الدلائل على ما يحاول الوصول إليه من تشويش العقيدة، وضرب المبادئ والأصول الإسلامية، وهذا نصه: \"بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه. من طرف الفرنساوية المبنى على أساس الحرية والتسوية السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته يعرف أهلى مصر جميعهم أننى أكثر من المماليك أعبد الله ﷾، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضًا لهم: إن جميع الناس متساوون عند الله، وأن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط\" (٢).\nوليس بخفى ما تضمنه هذا النص من الدعوة إلى أسس المذهب الماسونى، الذي صرح نابليون بالولاء له عندما وضع طيلسانة موشاة بعلم الثورة الفرنسية المثلث (حرية، إخاء، مساواة) على كتف الشيخ الشرقاوى، ولكنه ألقى بها على الأرض رافضًا ارتداءها.\nوقد وقع بعض المشايخ في فخاخ هذه الدعوة الملحدة، حيث نجح الفرنسيون في ضم بعض المصريين من المشايخ والعلماء من بينهم حسن العطار إلى المحفل الماسونى الذي أسسه كليبر سنة ١٨٠٠ م (٣).\n_________\n(١) انظر: الدولة العثمانية والغزو الفكرى، الدكتور/ خلف الوذينانى: ١٨٤.\n(٢) عجائب الآثار: (١/ ١٨٣).\n(٣) انظر: في تاريخ العثمانيين، الدكتور/ زكريا بيومى: ١٦٨.","vol":"1","page":38},{"text":"ومع هذه الجهود المستميتة في تدمير عقيدة الشعب، إلا أن عقيدة الولاء والبراء ما زالت قائمة في قلوب كثير من المسلمين، فقد سجل التاريخ لجماعة مسلمة في أرض الحجاز نصرتهم لإخوانهم في مصر في أثناء تلك الحملة الصليبية، التي شنتها فرنسا، يقول الجبرتى: \"تواتر الأخبار من ابتداء شهر رجب، بأن رجلًا مغربيًا يقال له: الشيخ الكيلانى، كان مجاورًا بمكة والمدينة والطائف، فلما وردت أخبار الفرنسيس إلى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية، انزعج أهل الحجاز، فأخذ يدعوهم إلى الجهاد، ويحرضهم على نصرة الحق والدين، وقرأ بالحرم كتابًا مؤلفًا في معنى ذلك، فاتعظ جملة من الناس وبذلوا أموالهم وأنفسهم، واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين، وركبوا البحر إلى القصير مع ما انضم إليهم من أهل ينبع وخلافه، فورد الخبر في أواخره أنه انضم إليهم جملة من أهل الصعيد وبعض أتراك ومغاربة ممن كان خرج معهم مع غز مصر عند وقعة أنبابة، وركب الغز معهم أيضًا وحاربوا الفرنسيس، فلم تثبت الغز كعادتهم، وانهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعة من القرى، وثبت الحجازيون ثم انكفوا لقلتهم، وذلك بناحية جرجا وهرب الغز والمماليك إلى ناحية آسنا\" (١).\n* * *\n\nأما عن الانحرافات العقدية الأخرى، فقد كانت الطرق الصوفية المنتشرة في ذلك الوقت من أعظم مظاهر انتشارها في البلاد الإسلامية، وقد ساعد على ذلك ارتباط هذه الطرق بأسماء بعض الأولياء الذين يعتقدون فيهم وفى صلاحهم، فيقودهم ذلك إلى التوسع والاستغاثة بهم وقت الشدائد.\nوهنا يحسن الحديث عن أشهر تلك الطرق وأوسعها انتشارًا في البلاد الإسلامية.\nأولًا: الطريقة القادرية:\nمؤسس هذه الطريقة هو الشيخ عبد القادر الجيلانى: ٤٧٠ - ٥٦١ هـ المتوفى في بغداد، صاحب قبر مشهود فيها، يزوره الكثير من الأتباع والمريدين كل عام من\n_________\n(١) عجائب الآثار: (٢/ ٢٥٠).","vol":"1","page":39},{"text":"سائر بلاد المسلمين، ويعود سبب انتشار هذه الفرقة لاجتهاد أبناء الشيخ في نشر تعاليمها بين مختلف الأقطار والدول المسلمة.\nثانيًا: الرفاعية: وتنسب هذه الطريقة إلى أحمد الرفاعى، المتوفى سنة: ٥٨٠ هـ من بنى رفاعة قبيلة من العرب، وقد اشتهر عنهم حديث الكرامات بادعاء خوارق العادات من ضرب بالسيوف والحراب، إلى استخدام الأفاعى والحيات وغير ذلك، وكان لطريقته انتشار في غرب آسيا.\nثالثًا: الأحمدية: وتنسب إلى أحمد البدوى من أشهر أولياء مصر: ٥٩٦ - ٦٣٤ هـ ولد بفاس، حج ورحل إلى العراق، واستقر في طنطا حتى وفاته، له ضريح مقصود فيها، انتشر أتباعه في جميع أنحاء مصر، حتى صارت لهم فروع متعددة، كالبيومية والشناوية وأولاد نوح، والشعبية.\nرابعًا: الدسوقية: تنسب إلى إبراهيم الدسوقى: ٦٣٣ - ٦٧٦ هـ، أهم ما يميزها التآلف والمحبة بين أتباعها، كما أنها تحرم الخلوة إلا بإذن الشيخ.\nخامسًا: الشاذلية: نسبة إلى أبي الحسن الشاذلى: ٥٩٣ - ٦٥٦ هـ من المغرب العربى، ولد بقرية قرب مرسية، وانتقل إلى تونس وحج عدة مرات، ثم دخل العراق ومات أخيرًا في صحراء عيذاب في طريقه إلى الحج، انتشرت طريقته لما اتسمت به من سهولة، وحب للعلم في الكثير من أقطار الدول الإسلامية.\nسادسًا: النقشبندية: تنسب إلى بهاء الدين البخاري الملقب بشاه نقشبند: ٦١٨ - ٧٩١ هـ وهى طريقة سهلة كالشاذلية، انتشرت في فارس وبلاد الهند وآسيا الغربية.\nسابعًا: الملامتية: مؤسسها أبو صالح حمدون المعروف بالقصار: ٢٧١ هـ، أباح بعضهم مخالفة النفس بغية جهادها ومحاربة نقائصها، وقد ظهر الغلاة منهم في تركيا وغيرها بمظهر الإباحيهة والاستهتار، وفعل كل أمر دون مراعاة للأوامر والنواهى الشرعية.","vol":"1","page":40},{"text":"ثامنًا: البكداشية: وهذه طريقة انتشرت بين الأتراك العثمانيين، ولا تزال منتشرة في ألبانيا، وهى أقرب إلى التصوف الشيعى منها إلى التصوف السنى.\nتاسعًا: الخلوتية: - وهى الطريقة التي ينتمى إليه الصاوى - نسبة إلى شيخها محمد الخلوتى، حيث اشتهرت الطريقة بهذا الاسم بعده، وهى طريقة تركية ازدهرت بمصر إبان القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجرى، وقد انتشرت في مصر على يد الشيخ مصطفى كمال الدين البكرى المتوفى سنة: ١١٦٢\nواشتهرت الطريقة قبل الشيخ محمد الخلوتى بأسماء شتى مثل الزاهدية، نسبة إلى الشيخ إبراهيم الزاهد الكيلانى، والأبهرية نسبة إلى الشيخ قطب الدين الأبهرى، والسهروردية نسبة إلى الشيخ أبي النجيب السهروردى، فالطريقة إذن قديمة قدم رجالها عبر العصور المختلفة، ومما تجدر الإشارة إليه أن الخلوة من لوازم هذه الطريقة، وهى الخلوة السرية للمنفرد بالله في الذكر بمكان طاهر، والأفضل أن يكون مسجد الجامعة، وأن ينوى الفرد الاعتكاف والصوم، والأولى أن يتجرد عن كثرة الأكل والشرب.\nوللطريقة الخلوتية مقدم يساعد شيخها في إقامة الأذكار وتسليك المريدين.\nأما عن آداب الطريقة الخلوتية فلم تكن بمغايرة لما اشتهر من الطرق الأخرى الصوفية، وكانت في معظمها شكلية تتعلق بمجاهدة النفس، وقهر الجسد، وتحديد نوع من الطعام وكمية ماء الشرب، ثم الانقطاع عن الأهل والولد والزوجة وسائر الناس، وكانت لهم طريقة في الأذكار يرددون في خلوتهم كلمة لا إله إلا الله آلاف المرات، فلا تخرج تلك العبارة بعد كثرة الترديد إلا على شكل: هو هو هو، وينشدون كلام السادة الصوفية، ويرددون ذلك سويًا في مجالسهم، ويكثرون من الاستغفار والتسبيح والصلاة على النبي - ﷺ -.\nوكانت لهم عادت مميزة في الخلوة، فلا تزيد خلوة الجماعة على ثلاثة أيام، أما الفرد الواحد فيخلو لنفسه حسبما شاء من ثلاثة أو سبعة أو خمسة عشر أو ثلاثين يومًا أو سبعين يومًا في العام، أو العمر كله، وهى الخلوة الكلية بالسر المطلق،","vol":"1","page":41},{"text":"ويرى بعضهم أن الإنسان يتخلص من أحكام نفسه إلا إذا توالت مجاهدته لها وتتابعت خلوته حولًا كاملًا، بحيث يسيطر على نفسه كليًا ولا تعود لتستولى عليه (١).\nوبهذا الذي سبق مع غيره مما لا مجال لحصره الآن أصبحت الطرق الصوفية مرتعًا نشأت فيه الأفكار الخرافية، ومن أهم الأسباب التي ساعدت على ذلك: التخلف والجهل الذي خيم آنذاك على الناس، ولقد استغل كثير من الدجالين والمشعوذين تلك الأوضاع لصالحهم، بعد أن أضفوا عليها الصبغة الدينية، واتخذوا منها وسيلة للتحايل على عقول الفلاحين (٢).\nولم يقتصر ظهور ذلك التخلف العقدى على السذج من أهل القرى، بل أصبح أمرًا مألوفًا تشهده أكبر الأماكن الدينية المعروفة، وهذا الجبرتى يصف ما كان يحدث في مشهد الحسين من ألوان الباع في يوم المولد وغيره مبينًا مبدأ الابتداع فيه: \"وكان السبب في ذلك والأصل فيه، أن هذا المولد ابتدعه السيد بدوى بن فتيح، مباشر وقف المشهد، فكان قد اعتراه مرض الحب الإفرنجي، فنذر على نفسه هذا المولد إن شفاه الله تعالى، فحصلت له بعض إفاقة، فابتدأ به وأوقد في المسجد والقبة قناديل وبعض شموع، ورتب فقهاء يقرأون القرآن بالنهار مدارسة، وآخرون بالمسجد يقرأون بالليل دلائل الخيرات للجذولى، ثم زاد الحال وانضم إليهم كثير من أهل البدع، كجماعة العفيفى، والسمان، والعربى، والعيسوية، فمنهم من يتحلق ويذكر الجلالة ويحرفها وينشد له المنشدون القصائد والموالات، ومنهم من يقول أبياتًا من بردة المديح للبوصيرى، ويجاوبهم آخرون مقابلون لهم بصيغة صلاة على النبي - ﷺ -، وأما العيسوية فهم جماعة من المغاربة وما دخل فيهم من أهل الأهواء ينسبون إلى شيخ من أهل المغرب يقال له: سيدى محمد بن عيسى، وطريقتهم أنهم\n_________\n(١) انظر الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية، للدكتورة: فاطمة محجوب: (١٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦ - ٢٨٧)، طبعة دار الغد - القاهرة. وانظر: الموسوعة الميسرة في الأديان: ٣٤٨.\n(٢) صعيد مصر، نبيل الطوخى: ٧٦.","vol":"1","page":42},{"text":"يجلسون قبالة بعضهم صفين، ويقولون كلامًا معوجًا بلغتهم بنغم وطريقة مشوا عليها، وبين أيديهم طبول ودفوف يضربون عليها (١).\nوما هذا إلا غيض من فيض تلك الصور البدعية التي عمت بها أرجاء البلاد جملة وتفصيلًا.\nويذكر أنه تجاوز عدد الأضرحة التي يقصدها عامة الناس على الألف، من أشهرها ما يسمى بضريح السيد البدوى في طنطا، وضريح السيدة سكينة، وضريح السيدة نفيسة، وضريح السيدة زينب، وضريح الإمام الشافعي، وكل هذه الأضرحة قد بنى عليها جوامع ومساجد.\nهذا وقد شهدت تلك الآونة إقبالًا كبيرًا من الملوك والأمراء على عمارة تلك المشاهد والمزارات، فقد كان الكثير منهم يسارع في القيام بهذه الأعمال لما فيه من إرضاء مشاعر الناس واكتساب مودتهم وولائهم، حيث صار التوسل بها من آكد العقائد في قلوب الشعب، ومن هنا فإن في تشييدها ما يضفى على سيطرتهم صبغة دينية تعزز مشروعية قيامهم بأعباء الحكم والولاية، حتى صار هذه الفعل علامة لا يكاد يشك في صدق دلالتها على صلاح وعدل فاعله.\nومع أن حماية البلاد الإسلامية من المد الشيعى كان من أبرز إيجابيات الدولة العثمانية ومواقفها المحمودة، إلا أن ذلك لم يكن مانعًا لها من الإبقاء على مودة الشيعة بتعمير مناطق العتبات المقدسة في النجف وكربلاء في العراق، وتيسير زيارتها أمام شيعة العراق وفارس والهند وأفغانستان (٢).\nولم يقتصر بناء الأضرحة والمساجد على من عرف بالصلاح أو الشهرة، بل تعدى ذلك إلى عامة الناس حتى صار من قبيل السنن المعهودة، وقد صرح بذلك الجبرتى حين وصف ما قام به أحدهم عند وفاة قريبه، يقول: \"وبنى لأخيه ضريحًا بداخل ذلك المسجد ونقله إليه وذلك سنة\" (٣).\n_________\n(١) عجائب الآثار: (٢/ ٢٤٢). وانظر: الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، الدكتور: على الزهرانى (١/ ٢٩٨).\n(٢) انظر: الدولة العثمانية في التاريخ الحديث، الدكتور/ إسماعيل ياغى: ٢٤٦.\n(٣) عجائب الآثار: (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":43},{"text":"كما نجد في سجلات المحاكم الشرعية الكثير من الوثائق المتعلقة بالوقف على الأضرحة الأخرى، مثل ضريح \"جلال الدين\"، وضريح الشيخ إبراهيم، كما كانت وظيفة النظر والتحدث على المساجد والأضرحة تنتقل من الآباء إلى الأبناء، كما تذكر المصادر المعاصرة (١).\nأما عن الاستغاثة بأصحاب الأضرحة والتوسل بهم، فهذا أشهر من أن تقيده النصوص التاريخية، فلم يزل الأمر باعتقاد الضر والنفع بأولئك الموتى؛ حتى صار التوسل بهم مما تعج به تلك المساجد، التي أقيم صرحها فوق رفاتهم؛ مؤكدًا حقيقة التأله الذي قام في أفئدة الناس وضمائرهم نحوهم، فلا تكاد تخلو قرية من إله صغير يقدم الناس له ولأتباعه الذبائح، ويقسم به الأطفال، وتقام له الموالد، وهناك آلهة أكبر يمكن أن تعتبر آلهة مناطق، ومقرها المدن، وتلك يهرع لها إذا تعذر على الإله الصغير أن يحقق الآمال، ويمضى الزمن ولا يحقق هذا ولا ذاك أملًا، ولكن الناس في غيهم سادرون (٢).\nوهذا الجبرتى يحكى قصة أحد الموالد، الذي سمح الفرنسيس بإقامته بعد انشغال الناس عنه بسبب الحملة، يقول: \"وقد تقدم ذكر بعض خبر هذا السيد وأنه كان رجلًا من البله، وكان يمشى بالأسواق عريانًا مكشوف الرأس والسوءتين غالبًا، وله أخ صاحب دهاء ومكر، لا يلتئم به، واستمر على ذلك مدة سنين، ثم بدا لأخيه في أمر لما رأى من ميل الناس لأخيه، واعتقادهم فيه، كما هي عادة أهل مصر في أمثاله، فحجر عليه ومنعه من الخروج من البيت، وألبسه ثيابًا وأظهر للناس أنه أذن له بذلك، وأنه تولى القطبانية ونحو ذلك، فأقبلت الرجال والنساء على زيارته والتبرك به وسماع ألفاظه، والإنصات إلى تخليطاته، وتأويلها بما في نفوسهم، وطفق أخوه المذكور يرغبهم ويبث لهم في كراماته، وأنه يطلع على خطرات القلوب\n_________\n(١) سجلات محكمة منفلوط: سجل: ١، وثيقة رقم: ٣٢. ص ٣٥ نقلًا عن صعيد مصر، نبيل الطوخى: ٧٨.\n(٢) المجتمع الإسلامى، الدكتور/ أحمد شلبى: ٢٣٨.","vol":"1","page":44},{"text":"والمغيبات، وينطق بما في النفوس، فانهمكوا على الترداد إليه، وقلد بعضهم بعضًا، وأقبلوا عليه بالهدايا والنذور والإمدادات الواسعة من كل شيء، وخصوصًا من نساء الأمراء والأكابر، وراج حال أخيه، واتسعت أمواله، ونفقت سلعته، وصادت شبكته، وسمن الشيخ من كثرة الأكل والدسومة والفراغ والراحة، حتى صار مثل البو العظيم، فلم يزل على ذلك إلى أن مات في سنة سبع بعد المائتين، فدفنوه بمعرفة أخيه في قطعة حجر عليها من هذا المسجد من غير مبالاة ولا مانع، وعمل عليه مقصورة ومقامًا، وواظب عنده بالمقرئين والمداحين والمنشدين بذكر كراماته وأوصافه في قصائدهم ومدحهم، ونحو ذلك، ويتواجدون ويتصارخون ويمرغون وجوههم على شباكه وأعتابه، ويغرفون بأيديهم من الهواء المحيط به ويضعونه في أعبابهم، وصار ذلك المسجد مجمعًا وموعدًا (١).\nوقد تعددت مظاهر الضعف الدينى في تلك الآونة، كنوع امتداد للتحلل العقدى الذي أصيب به المسلمون، فضعف عقيدة الولاء والبراء وغياب الدافع العقدى للقيام بالشعائر التعبدية والتى أصبحت عند الكثير بمثابة العادات والتقاليد الموروثة؛ قد أنتج صورًا مؤسفة من الخروج عن التعاليم والشعائر التعبدية كالحجاب مثلًا، وكما اشرت سابقًا عن حياة المرأة في تلك الآونة، وما كانت تعيشه من إهمال كان له أكبر الأثر في تخليها عن هذه الأحكام وسرعة انجرافها وراء تيار الغرب السافر.\nيقول الجبرتى في وصف نساء المسلمين أيام الحملة الفرنسية: \"لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة. . . فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل، فتداخلن مع الفرنسيس لخضوعهم للنساء، وبذل الأموال لهن .. حتى كثرت الفواحش من النساء لما حل بالمسلمين من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع خيرات الدنيا في حوز الفرنسيس، وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهم لهن\" حتى آل الأمر بهن أن قبلن الزواج بالفرنسيس لمجرد\n_________\n(١) عجائب الآثار: (٢/ ٣٠٥). وانظر: الحملة الفرنسية، محمد فؤاد شكرى: ٥٦٤.","vol":"1","page":45},{"text":"نطقه بالشهادتين، وهنا يظهر التأثر بالفكر الإرجانى الذي عم البلاد، يقول: \"وخطب الكثير منهم بنات الأعيان وتزوجوهن، رغبة في سلطانهم ونوالهم، فيظهر حالة العقد الإسلام وينطق بالشهادتين، لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها\" (١).\n* * *\n\nوقد أفرز هذا الضعف الذي مس الحالة الدينية للبلاد ضعفًا آخر، يعد امتدادًا لذلك الانحراف العقدى، وهو التقصير في جانب العلوم النافعة، وذلك في عدد من المجالات الحيوية المهمة، فإن ضيق الأفق الذي أحدثه سيطرة الفكر الصوفى على البلاد الإسلامية؛ جعل الاهتمام بإصلاح الحياة وعمارة الأرض محل إهمال من الحكام والمحكومين، مما أدى بدوره إلى ضعف الإنتاج وتهالك القوة العسكرية التي هي حصان للأمة من أطماع المستعمرين.\nإن الدين الإسلامى الذي جاء ليحقق الهدف من إيجاد الله تعالى للثقلين بتطبيق مفهوم العبادة بالمعنى الذي أنزلت له الكتب، وبعثت من أجله الرسل، ليدعو إلى إعمال العقل، تلك الغريزة التي ميز الله بها المكلفين عن غيرهم في كل ما هو نافع ومفيد، يتأتى بتحصيله أسباب عمارة المدارين.\nإذ المفهوم الشامل لحقيقة العبادة بكونها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة، ليقضى بأن كل علم يتعلمه الإنسان يتحصل به مرضاة الرب من نفع العباد وتكميل مصالحهم هو من العبادات التي تقصد لذاتها.\nومن هنا فإن غياب هذه الحقيقة الخالدة عن المسلمين آنذاك، وانحصار مفهوم العبادة في الشعائر الظاهرة، بل وانتشار مذهب الإرجاء الذي يحكم على كل من صدق بالإيمان المنجى؛ كان سببًا أساسيًا في كل أنواع التخلف الفكرى والعلمى.\nيقول الشيخ محمد قطب في بيان حقيقة ذلك التدهور الفكرى الذي عاشته الأمة المسلمة في تلك الآونة: \"لقد قاد ذلك التخلف العقدى التدريجى، والذي حصر\n_________\n(١) مظهر التقديس، للجبرتى: (٢/ ١٢٩).","vol":"1","page":46},{"text":"العبادة في الشعائر التعبدية وحدها، وأخرج منها بقية التكاليف، إلى حدوث ضمور تدريجى في جميع التكاليف التي كانت من قبل مرتبطة بالعقيدة، ومرتبطة بالمعنى الشامل للعبادة، وأصبحت أمورًا كمالية، إن شاء الإنسان قام بها، وإن شاء تركها بلا ضير. وكان طلب العلم والقراءة والتفكير من بين هذه التكاليف التي خرجت من حيز العبادة فأصابها الضمور، ثم جاء الفكر الإرجائى فربت على هذا التخلف ومنحه الشريعة القائمة على أنه لا يضر مع الإيمان شيء، وجاءت الصوفية فحصرت عمل العقل كله في أضيق نطاق ممكن، لتفسح المجال - في وهمها - لعمل الروح، وساعد الاستبداد السياسى على إحداث جمود شامل في جميع المجالات\" (١).\nومن جهة أخرى، فإن الإهمال الذي لاقته الشعوب من الدولة العثمانية تجاه النواحى التعليمية أيضًا؛ مما أسهم في تدهور الحياة العلمية في تلك الآونة، فقد قامت السياسة العثمانية على عدم التدخل في شؤون خدمات المرافق مثل الصحة والتعليم والمواصلات، فكانت تتركها للجهود الفردية، والتى تمحور اهتمامها بدورها في تعليم الناس العلوم الدينية على ما آلت إليه من تفريط واضطراب في المناحى العقدية، كما كان للاقتصار على التعليم الدينى - تلك النظرة القاصرة التي أفرزها التخلف العقدى - دون التعليم الدنيوى الذي ينفع الناس في أمور معيشتهم كالطب والفيزياء والحساب، أسوء الأثر في تخلف الحياة العلمية من موكب الترقى الذي آل إليه الأوربيون في تلك المناحى (٢).\nودون إغفال للفضل الكبير الذي أسداه الأزهر الشريف لطلاب العلم في تلك الآونة، فقد كان الأزهر هو المعهد الوحيد الذي تدرس فيه العلوم، ولولاه - بعد فضل الله تعالى - لانطفأت آخر شعلة للعلم في مصر ومن بعدها العالم العربى. . .\nفقد استطاع الأزهر بفضل الأوقاف العديدة التي وقفها عليه أغنياء المسلمين خلال عصره الطويل، وبفضل ما كان يتمتع به علماؤه من هيبة ومكانة، أن يحمى العلوم\n_________\n(١) واقعنا المعاصر: ١٨٦.\n(٢) انظر: صعيد مصر، نبيل الطوخى: ٩٠.","vol":"1","page":47},{"text":"الإسلامية والعربية بعيدة عن أن تمتد إليها يد الملوك والحكام بالتغيير والتبديل؛ فقد كان فيه رجال يلتهبون غيرة على الإسلام ويجابهون أعداءه في الداخل والخارج بكل جرأة (١).\nإذ يرى المؤرخون أن الأزهر أسدى للعالم الإسلامى في تلك الحقبة أجل الخدمات، إذ لولاه لانهار الفكر الإسلامى انهيارًا كان يمكن أن يهدد بالخطر، يقول أحد الباحثين مصورًا فضل الأرهر في تلك الحقبة: \"استطاع الأزهر في تلك الأحقاب المظلمة أن يسدى إلى اللغة العربية والعلوم الإسلامية أجل الخدمات، وإذا كانت مصر قد لبثت خلال العصر التركى ملاذًا لطالب العلوم الإسلامية واللغة العربية، فكبر الفضل في ذلك عائدًا إلى الأزهر.\nوقد استطاعت مصر لحسن الطالع بفضل أزهرها أن تحمى هذا التراث نحو ثلاثة قرون حتى انتهى العصر التركى بمحنه وظلماته، وربما كانت هذه المهمة السامية التي ألقى زمامها إلى الجامع الأزهر في تلك الأوقات العصيبة من حياة الأمة العربية والعالم الإسلامى بأسره، هي أعظم ما أدى الأزهر من رسالة وأعظم ما وفق لإسدائه لعلوم الدين واللغة خلال تاريخه الطويل الحافل\" (٢).\nوعلى الرغم من تضاؤل نفوذ الأزهر والعلماء في عصر محمد على بسبب اهتمام الحاكم والحكومة بالعلوم الحديثة التي ينشأ عنها الإصلاح والتقدم المادى في المجتمع، وما لاقاه الأزهريون بعد سقوط زعيمهم الكبير عمر مكرم - كما تقدم بيانه - وما وجه إليه من ضربات حاقدة من المستعمر بدءً بالمحاولات الجادة في استمالة علمائه ومشايخه؛ وانتهاءً بضربه بالقنابل من القلعة واتخاذ بعض أروقته اصطبلًا للخيل؛ فقد ظل للأزهر بنوابغ رجاله دور هام في الحياة التعليمية والاجتماعية، فقد أفادت الحكومة من الأزهر بعمل نوابغ رجاله في المدارس\n_________\n(١) حاضر العالم الإسلامى، د/ جميل المصرى: ١٨٣.\n(٢) تاريخ الجامع الأزهر، محمد عبد الله عنان: ١٤٦ - ١٤٧.","vol":"1","page":48},{"text":"الحكومية، وإرسال بعضهم في البعثات التعليمية، وبمساهمة بعضهم في حركة الترجمة والإشراف على تصحيح المطبوعات.\nوالحق أن الأزهر في ذلك العصر الملئ بالاضطرابات والقلاقل السياسية ظل شامخًا بنوابغ أبنائه، فكان يدرس فيه الشيخ الدردير، والشيخ الأمير، والشيخ على الصعيدى، وغيرهم من جهابذة علماء الأزهر الذين تتلمذ وتخرج عليهم الشيخ أحمد الصاوى وغيره من علماء المسلمين (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر: عصر محمد على، تأليف/ عبد الرحمن الرافعى: ٤٢٣ - ٤٦٤ وما بعدها: ٥٧٢ - ٦٠٦ - ٦٤٤.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الثاني: حياة الصاوى</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: سيرته الذاتية.\nالمبحث الثاني: مكانته العلمية ومؤلفاته.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>(المبحث الأول): سيرته الذاتية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١ - اسمه ونشأته:</span>\nاسمه: أحمد بن محمد الصاوى، يتصل نسبه بمحمد ابن الحنفية بن الإمام على ﵁، وهو من قبيلة بنى حنيفة، يسكنون بذى الحليفة: الميقات المشهور، بأرض الحجاز.\nوقد انتقل جده محمد الحنفى إلى مصر، ونزل بقرية من قرى النيل تسمى: صالحجر، وذلك في سنة ثمانمائة وخمس من هجرته - ﷺ -.\n\nمولده ونشأته:\nولد الشيخ أحمد الصاوى سنة خمس وسبعين بعد المائة والألف (١١٧٥ هـ) بصالحجر، البلدة التي عاشت فيها أسرته بضعة قرون، وهى من أقاليم المنطقة الغربية المشتهرة في مصر.\nكان والده من أهل العلم والزهد، وممن يشهد له بالمحافظة على الصلاة في المسجد مع الجماعة، وقد توفى - ﵀ - وابنه أحمد يحفظ القرآن الكريم.\nواستمر الصاوى بعد وفاة أبيه في حفظه للقرآن الكريم حتى أتمه قبل أن يتم العاشرة من عمره، وكان الشيخ ممن يحرص على تحصيل العلم أشد الحرص، فعزم وهو في سن مبكرة على الذهاب إلى الجامع الأزهر في القاهرة حتى يتم له ما يقصده من التعلم والاستفادة، فحال دون رغبته تلك أخوته، حيث منعوه من ذلك إلا أنه أصر وسافر خفية عنهم، ولكنهم عندما علموا بسفره وعزمه على تحصيل العلم بعد خوفهم الشديد عليه بعد فقدهم إياه، ساعدوه وأرسلوا له ما يكفيه من المؤونة والزاد طوال رحلته في سبيل العلم.\nوقد التحق بالأزهر في عام (١١٨٧ هـ) وأقام فيه لطلب العلم، وسنه إذ ذاك سن المراهقة، وبعد أن تم له ما يريد اشتغل بالتدريس والتأليف، وبعد رحلة طويلة","vol":"1","page":51},{"text":"مع العلم والتعليم توفى سنة: ١٢٤١ هـ بالمدينة المنورة، وعمره (٥٤) سنة، وذلك في رحلته إلى الحج حيث بقى فيها مريضًا بضعة من الأيام، رحمه الله تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٢ - صفاته وأخلاقه</span>\nيصف أحد تلاميذ الصاوى شيخه، بأنه كان على خلق رفيع، حسن المعاملة، عطوفًا على عباد الله، رفيقًا بمن يربيهم من التلاميذ والأتباع، شديد الرأفة بهم، حتى كثر طلابه، وعلا ذكره على سائر أقرانه.\nومع هذا فقد كان مجدًا في العلم والعبادة يحمل نفسه دائمًا على المثابرة والاجتهاد، كما يربى تلاميذه على ذلك، يحدث بهذا تلميذه الكتبى، حيث يقول: \"اعلم أن الذي حصل لأستاذنا من اشتهار ذكره، وجذب القلوب إليه، وهيبته في قلوب الخلق، وتعلق الأتباع بأذياله، والتئامهم في ذكر الله، وكثرتهم ولهجهم بذكره في غيبته وحضوره، والثناء عليه بين يديه، لم يقع لغيره في عصره لأحد من إخوانه، بل ولا لأشياخه الذين شاهدناهم، مع أنه ليس له مجلس مؤانسة وحديث دنيوى مما يستدعى جذب القلوب، بل كان في غاية الكد والطاعة، شاهدته مرة في خلوة يقول: اللهم إن كان فيَّ بقية لغيرك، فانزعها، إلى آخر ما ذكر\" (٢).\n_________\n(١) انظر: معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة: (٢/ ١١١)، هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدداى: (١/ ٨٤)، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، للشيخ محمد مخلوف: ٣٦٤. والأعلام للزركلى: (١/ ٢٤٦). وانظر في ترجمته الرسائل المقدمة لنيل درجة الدكتوراه والصادرة من جامعة الأزهر في دراسة الحاشية على الجلالين، وهذه الرسائل هي: الأولى: الإمام الصاوى وحاشيته على تفسير الجلالين، دراسة وتعليق من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة المائدة لـ: الدكتور: محمد محمد السيد عوض، الثانية: الإمام الصاوى وحاشيته على تفسير الجلالين، دراسة وتعليق، من أول الجزء الثامن، يبدأ من سورة الأنعام إلى آخر سورة الاسراء عطية طه الزلمة، والثالثة: الإمام الصاوى وحاشيته على الجلالين دراسة وتعليق على الجزء الثالث من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الزمر للدكتور: عبد النبي الشمندى عبد الله العوارى ..\n(٢) مناقب الصاوى مخطوطة: (١٢/ ب) نقلًا عن كتاب شرح الصاوى على جوهرة التوحيد، تحقيق الدكتور: عبد الفتاح البزم: ١٥.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-19> شيوخه </span>وتلاميذه</span>\nشيوخه:\nتتلمذ الصاوى على عدد من كبار المشايخ وعلماء الأزهر آنذاك، فنهل منهم مختلف العلوم والفنون، ومن أشهرهم:\n١ - الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي المالكى الأزهري الشهير بالدردير، ولد في صعيد مصر ببنى عدى، وحفظ كامل القرآن الكريم، دخل الجامع الأزهر حبًا في العلم وطلبه، حضر دروس العلماء، وقد أخذ التصوف على الطريقة الخلوتية بواسطة الشيخ الحفنى، وصار من أكبر مريديه.\nكما نال حظًا وفيرًا من الفقه، على يد الشيخ على الصعيدى، حيث تعين الدردير بعد شيخه في منصب الإفتاء على المذهب المالكى.\nهذا وقد حاز عددًا من المناصب في وقته، فقد عين ناظرًا على وقف الصعايدة، وشيخًا على طائفة الوراق، حتى غدت منزلته في المشيخة عالية على سائر مشايخ وقته.\nاتصف بالزهد والورع والقيام بشأن الحسبة، فقد كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر.\nكان مولده في عام: ١١٢٧ هـ، وتوفى عام: ١٧١٥ هـ ﵀.\nمن مؤلفاته:\n- أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك.\n- تحفة الأخوان في علم البيان.\n- الصلوات الدرديرية.\n- الخريدة البهية في العقائد التوحيدية .. (١)\n_________\n(١) انظر: ترجمته في شجرة النور الزكية: ٣٥٩، ومعجم المؤلفين: (٢/ ٦٧). والأعلام: (١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":53},{"text":"٢ - الشيخ سليمان بن عمر بن منصور العجيلى الشافعي الأزهري المصرى، المعروف بالجمل، ولد بمنية عجيل، إحدى قرى الغربية، وورد مصر ولازم الشيخ الحفنى، وأخد عنه الطريقة الخلوتية، وتفقه عليه وعلى غيره من فقهاء العصر، مثل الشيخ عطية الأجهورى.\nاشتهر بالصلاح وعفة النفس، ونوه الشيخ الحفنى بشأنه، وجعله إمامًا وخطيبًا بالمسجد الملاصق لمنزله على الخليج، ودرس بالأشرفية والمشهد الحسينى في الفقه والحديث والتفسير، وكثرت عليه الطلبة، وقرأ المواهب والشمائل وصحيح البخاري وتفسير الجلالين بالمشهد الحسينى، بين المغرب والعشاء، وحضره كثير من الطلبة.\nتوفى سنة: ١٢٠٤ هـ.\nمن مؤلفاته:\n- تقريرات للشيخ الجمل.\n- الفتوحات الأحمدية على الهمزية.\n- الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين. (١)\n٣ - الشيخ أبو عبد الله محمد عبادة بن برى، قدم مصر، وتلقى ألوان العلوم على كثير من الأعلام في ذلك الزمن، كالطحلاوى، والدرديرى، والصعيدى، حتى صار من أكبر تلامذته فقد درس الكتب المهمة في الفقه وغيرها.\nومن مؤلفاته:\n- حاشية على جذور الذهب.\n- وحاشية على مولده - ﷺ - للغيطى، وللهدهدى.\nتوفى آخر جمادى الثانية: ١١٩٣ هـ. (٢)\n_________\n(١) هداية العارفين للبغدادى: (٥/ ٤٠٦)، تاريخ الجبرتى: (٢/ ١٨٣) .. ومعجم المؤلفين (٤/ ٢٧١).\n(٢) انظر ترجمته: شجرة النور الزكية، للشيخ محمد مخلوف: ٣٤٢.","vol":"1","page":54},{"text":"٤ - الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقى الأزهري، ولد بدسوق، وكان - ﵀ - ملمًا بجل العلوم وشتاتها، حضر مصر، وحفظ القرآن الكريم وأتقن تجويده على يد الشيخ محمد المنير، وقد لازم أجلة العلماء في عصره كالصعيدى والدرديرى، وغيرهم.\nمن مؤلفاته:\n- حاشية على مختصر السعد.\n- حاشية على الدردير على المختصر.\nاشتغل بالتدريس والإفتاء حتى وافته المنية في ربيع الثاني سنة: ١٢٣٠ هـ. (١)\n٥ - الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد من عبد القادر السنباوى الأزهري الشهير بالأمير، وهو لقب جده الأدنى: أحمد، وسببه أن أحمد وأباه عبد القادر كان لهما إمرة بالصعيد وأصلهم من المغرب، نزلوا بمصر ثم بناحية سنبو، فهو عالم فاضل صاحب تحقيقات واضحة، تفقه في العلوم وحاز قصب السبق في ميادينها المختلفة، فقد انتهت إليه الرياسة فيها.\nأخذ عنه الكثير من طلاب العلم، منهم الصاوى، والدسوقى، وصالح عبد الجبار، والعقباوى وغيرهم.\nمؤلفاته:\nله مؤلفات غاية في الإتقان، منها: المجموع وشرحه وحاشيته عليه، وكان شيخه الصعيدى إذا توقف في موضع يقول: هاتوا مختصر الأمير، وهى منقبة شريفة له.\nوله حاشية على شرح الشيخ عبد الباقى الزرقاني على المختصر، إلى غير ذلك من المؤلفات العديدة.\nاتصف بالسماحة والرقة وفصاحة اللسان، وكان ينظم الشعر، ولد - رحمه الله تعالى - سنة: ١١٥٤ هـ، وتوفي في ذى القعدة سنة: ١٢٣٢ هـ (٢).\n_________\n(١) تاريخ الجبرتى: (٧/ ٣٢٢). وانظر شجرة النور الزكية: ٣٦١.\n(٢) شجرة النور الزكية: ٣٦٢، وانظر: تاريخ الجبرتى: (٤/ ٣٠٥).","vol":"1","page":55},{"text":"٦ - الشيخ عبد الله بن حجازى بن إبراهيم الشافعي الأزهري الشهير بالشرقاوى، ولد ببلدة تسمى الطويلة بشرقية بلبيس، ونشأ على حفظ القرآن، وبعد أن أتمه قدم إلى الجامع الأزهر، وسمع من الملوى، والجوهرى، والدمنهورى، ومن الشيخ يوسف الحفنى، وغيرهم.\nمن مؤلفاته:\nله تآليف كثيرة في مختلف العلوم، منها:\n- تحفة الناظرين فيما ولى مصر من الولاة والسلاطين.\nولد سنة: ١١٥٠ هـ، توفى سنة: ١٢٢٧ هـ. (١)\n٧ - الشيخ أحمد بن شهاب الدين أحمد بن محمد السجاعى الشافعي الأزهري، ولد بمصر ونشأ بها، وقرأ على والده وعلى الكثير من مشايخ الوقت، وتصدر للتدريس في حياة أبيه وبعد موته، وصار من أعيان العلماء.\nمن مؤلفاته:\n- بلوغ الإرب بشرح قصيدة من كلام العرب.\n- الجواهر المنتظمات في عقود المقولات.\n- حاشية السجاعى شرح القطر لابن هشام.\nتوفى بالقاهرة سنة: ١١٩٧ هـ (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>تلاميذه:</span>\nأخذ عن الشيخ الصاوى الكثيرون من طلاب العلم، منهم:\n١ - السيد أحمد الششتى المتوفى سنة: ١٢٣٥ هـ، وقد ألف كتابًا في مناقب شيخه الصاوى، ومات في حياة شيخه قبل أن يتمه، حيث ارتحل لأداء الحج، وكان أن توفي في المدينة ودفن في البقيع.\n_________\n(١) هداية العارفين: (٥/ ٤٨٨). وتاريخ الجبرتى (٤/ ١٧٠).\n(٢) هداية العارفين: (٥/ ١٧٩)، تاريخ الجبرتى: (٢/ ٧٩).","vol":"1","page":56},{"text":"٢ - الشيخ الهاشمى الرتبى المتوفى سنة: ١٢٤٠ هـ، أجاز له الصاوى بجميع ما له من المرويات.\n٣ - الشيخ يوسف بن محمد بن يحيى البطاح الأهدل الزبيدى، توفى سنة: ١٢٤٦ هـ.\n٤ - الشيخ أبو حامد العربى بن محمد الدفتى الفاسى المتوفى سنة: ١٢٥٣ هـ.\n٥ - الشيخ محمد بن على السنوسى الخطابى المتوفى سنة: ١٢٧٦ هـ.\n٦ - محمد بن حسين الكتبى الحنفى الذي أتم كتاب صاحبه الششتى في مناقب شيخهما الصاوى.\nوكان من تلاميذه أيضًا: السيد محمد الكفراوى، وأحمد محمد نصير، والسيد محمد البنا الحنفى مفتى السادة الحنفية، وسليمان أفندى البلانى، والسيد قاسم الششتى، والشيخ على مطر الغريانى. (١)\n* * *\n_________\n(١) انظر: مناقب الصاوى نقلًا عن كتاب شرح الصاوى على جوهرة التوحيد: ١٥.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>(المبحث الثاني): مكانته العلمية ومؤلفاته</span>\nالشيخ أحمد الصاوى فقيه مالكى معروف، تتلمذ على يد الشيخ أحمد الدردير، وهو إمام المالكية في عصره، ألف الصاوى شروحًا وحواشى على بعض الكتب الشهيرة في المذهب المالكى، والتى قرر تدريسها في الأزهر الشريف، وكانت لها الصدارة بين كتب المالكية عند كل طلاب الشريعة في البلاد الإسلامية.\nوكما تمت له الإمامة في الفقه؛ فقد برز في مجال التفسير، حيث أثرت في موهبته العلمية تلك الدروس التي كان يحضرها لمشايخه، وعلى رأسهم شيخه الجمل، حتى تم له وضع حاشية على تفسير الجلالين، اتسمت بالعبارة المختصرة والتركيز في توضيح معنى الآية.\nومع تمكنه من تلك العلوم فقد كانت له مكانة معروفة في جانب العقائد، حيث عمل بعض الحواشى والشروح على كتب المتأخرين من الأشاعرة، كالدردير واللقانى، وقد اعتمد فيها أصول المذهب الأشعري، إلا أنه قد يخرج بعض الشيء عن تقارير المتكلمين تبعًا لشخصيته المتميزة في الفقه، والتى جعلت منه مجتهدًا متمكنًا لا يأبه لكلام من سبقه، إذا لم يكن له اقتناع كامل به، ونتيجة لهذا فقد يقع في نوع من التناقض والذي كثيرًا ما يحمله على عدم الترجيح البين، وهذا ما سيتضح في المبحث الثاني، بإذن الله.\nأما عن موقفه من الحديث الشريف، فقد كان له اهتمام واضح به، يصدق هذا كثرة الأدلة التي يوردها في الاستدلال على المسائل الفقهية أو العقدية، إلا أن التدقيق من جهة السند يتسم عنده بالضعف، إذ يقتصر في الغالب على ذكر المتن، ولا يذكر المرجع الحديثى له إلا فيما ندر، كما أنه لا يشترط الصحة لما يستدل به، فقد يذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة.","vol":"1","page":58},{"text":"ولما كان طريق التصوف باتباع الشيخ هو المسلك المعروف لترقيق القلوب في ذلك الوقت، فقد سار الصاوى على نهج شيخه الدردير في انتهاج طريقة الصوفية، وقد تعمق بها الصاوي حتى تم له وضع شرح على كتاب الدردير، هو أشبه ما يكون بخلاصة مركزة لعلوم التصوف؛ حيث وضح فيه المقامات والآداب، وعمد إلى تأصيلها من جهة العلوم الشرعية، وقد نقل في ذلك الكثير من أقوال أئمة التصوف، حتى الغلاة منهم، مما يشير إلى سعة اطلاعه في كتب القوم، ولكنه كان ينهج منهج المتأخرين من الأشاعرة في تأويل كلام أولئك الغلاة وحمله على محمل معتدل.\nولميله الشديد نحو المتصوفة ومحبته لهم؛ حيث يبعد ذكر واحد من كبارهم دون أن يعقبه بالترضى عنهم، فقد يقع في نوع من الغموض والتحيير، كما هو حال من وقع في الابتداع والخروج عن منهج السلف - رضوان الله عليهم -. وللحديث تتمة في المبحث القادم بإذن الله.\nوكما تم له التمكن في العلوم الشرعية، كان له ذلك أيضًا في علوم الآلة، فقد برع في علم النحو، وعلم البلاغة والبيان، وتعد حاشيته على التفسير برهانًا يشهد له بهذه البراعة والتمكن، فالمتأمل لشروحاته على الآيات يلحظ هذا بوضوح، ولعلى أنقل بعض تلك النصوص في حديثى عن هذه الحاشية مفصلة القول، وذلك لأهميتها العلمية بين طلبة العلم.\nوكان له في علم اللغة حواشى وضعها على بعض كتب الدردير.\nوحتى يتم الحديث في حياة الصاوى العلمية؛ يحسن تناول أشهر مؤلفاته العلمية، بنوع من العرض والتحليل، كى يتسنى لنا الإحاطة الكافية لإدراك المكانة العلمية التي حازها الصاوى من جهة ما قدم من مؤلفات.\n* * *\n\nمؤلفاته:\nتعددت مؤلفات الصاوى، كما تعددت الفنون التي برع فيها، فقد فاق أقرانه","vol":"1","page":59},{"text":"بسعة علمه وحدة ذكائه، حيث ألف في التفسير والفقه وعلم الكلام والنحو والصرف والبلاغة وغيرها.\nولما كان هذا البحث مستندًا في بيان آراء الصاوى إلى الكتب التي اشتملت على المسائل العقدية دون غيرها، فقد عمدت عند عرضى لها إلى إعطاء صورة موجزة للقارئ عن أهم ما تتميز به ويدور عليه محور مواضيعها، مبرزة من ذلك الجانب العقدى؛ لأهميته المتعينة.\n١ - حاشية الصاوى على تفسير الجلالين: وقبل أن أتحدث عن ما حوته هذه الحاشية من المعارف والعلوم المتعددة، يحسن بى أن أعرف بهذا المؤلف العلمى ذى المكانة المتميزة بين كتب التفسير.\nفتفسير الجلالين. هو التفسير الذي قام بتأليفه عالمان جليلان هما: جلال الدين السيوطي (١)، وجلال الدين المحلى (٢)، حيث ابتدأ التفسير جلال الدين المحلى من سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بسورة الفاتحة، فوافته المنية ولما يكمل التفسير بعد، فقام الحافظ السيوطي بإكمال ما شرع به المحلى، فكان تفسيره من أول سورة البقرة إلى سورة الإسراء.\n_________\n(١) هو الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي، المسند المحقق، ولد في رجب سنة: ٨٤٩ هـ، وتوفى والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وأسند وصايته إلى جماعة من أهل العلم، ختم القرآن في الثامنة من عمره، حفظ كثيرًا من المتون، وتلقى العلم على يد علماء كثر، كما أخذ عنه الكثير من طلاب العلم، برع في الكثير من العلوم والفنون خصوصًا علم الحديث، حتى صار أعلم أهل زمانه به، له مؤلفات كثيرة نالت شهرة كبيرة بين المسلمين في شتى البلاد، كان عابدًا ورعًا انقطع للعبادة عندما بلغ الأربعين من عمره، توفى - ﵀ - ليلة الجمعة في التاسع عشر من جمادى الأولى سنة: ٩١١ هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب: (٨/ ٥١).\n(٢) هو جلال الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم المحلى الشافعي، ولد بمصر سنة: ٧٩٧ هـ، برع في الفنون: فقهًا وكلامًا وأصولًا، ونحوًا ومنطقًا، وغيرها، أخذ عن البدر محمود الأقصرائى، والبرهان البيجورى، والشمس البساطى، وغيرهم بلغ مبلغًا عظيمًا من الصلاح والورع، ألف كتبًا كثيرة هي في غاية الدقة والاختصار وسلامة العبارة، ومنها: شرح جمع الجوامع في الأصول، وشرح المنهاج في فقه الشافعية، وشرح الورقات في الأصول، ومنها هذا التفسير، توفى - ﵀ - سنة: ٨٦٤ هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب: (٧/ ٣٠٣).","vol":"1","page":60},{"text":"وهذا التفسير من المؤلفات العلمية، التي حازت شهرة واسعة في البلاد الإسلامية، فقد تميزت عبارته بالدقة والاختصار غير المخل، كما اشتمل على أهم العلوم التي يستعان بها في فهم كلام الله تعالى، من أسباب النزول والإعراب، وأيضًا التنبيه على بعض القراءات المختلفة المشهورة.\nومع دقة عباراته وقوتها العلمية؛ فقد استخدم في تأليفه الأسلوب الدمجى، وهذا النوع من الشروح يعد في الحقيقة من أصعب المناهج المتبعة في توضيح النصوص وتفسير ما أغلق منها، لذلك فقد حاز هذا التفسير إعجاب الكثير من أهل العلم فاشرأبت الأعناق إلى خدمته، فقامت عليه الكثير من الحواشى العلمية، وكان من أشهرها حاشية الشيخ الجمل وحاشية الشيخ الصاوى، والتى نحن الآن بصدد الحديث عليها.\nهذا وقد طبع الكتاب مرات عديدة، وكان يطبع في هامش القرآن الكريم (١).\nأما عن حاشية الصاوى فتقع هذه الحاشية في أربعة مجلدات من القطع الكبير، وقد طبعت عددًا من المرات، وكانت هذه الحاشية اختصارًا اختصره المؤلف لحاشية شيخه الجمل، وقد ذكر سبب اختصاره لها في أول التفسير، يقول: \"لما كان علم التفسير أعظم العلوم مقدارًا وأرفعها شأنًا ومنارًا، إذ هو رئيس العلوم الدينية، ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، وكان كتاب الجلالين من أجل كتب التفسير، وقد أجمع على الاعتناء به الجم الغفير من أهل البصائر والتنوير، جاءنى الداعى الإلهى بقراءته، فاشتغلت به على حسب عجزى، ووضعت كتابة مخلصة من حاشية شيخنا العلامة المحقق المدقق الورع الشيخ سليمان الجمل، مع زوائد فتح بها مولانا من نور كتابه.\nوإنما اقتصرت على تلخيص تلك الحاشية؛ لكونى وجدتها ملخصة من جميع كتب التفسير التي بأيدينا، تنسب لنحو عشرين كتابًا منها البيضاوي وحواشيه، ومنها الخازن والخطيب والسمين وأبو السعود والكواشى والبحر والنهر والساقية والقرطبى\n_________\n(١) انظر: كشف الظنون: (١/ ٤٤٥)، والتفسير والمفسرون، للذهبى: (١/ ٢٣٣).","vol":"1","page":61},{"text":"والكشاف وابن عطية والتحبير والإتقان، ولم أنسب العبارات لأصحابها غالبًا اكتفاءً بنسبة الأصل، والله على ما أقول وكيل، وهو حسبى وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.\nوقد تلقيت هذا الكتاب من أوله إلى آخره مرتين على العلامة الصوفية سيدى الشيخ سليمان الجمل، وعن الإمام أبى البركات العارف بالله تعالى، أستاذنا الشيخ أحمد الدرديرى، وعن أستاذنا العلامة الشيخ الأمير، وكل من هؤلاء الأئمة تلقاه عن تاج العارفين شمس الدين سيدى محمد بن سالم الحفناوى، وعن الإمام أبى الحسن سيدى الشيخ على الصعيدى العدوى\" (١)\nومع كون هذا النص يوحى بأن هذه الحاشية مجرد اختصار، لم يخرج به المؤلف عن الأصل، إلا أن الحقيقة العلمية تكشف عن تحرر الصاوى في الكثير من المواضع، بذكر فوائد وتعليقات تفرد بها عن شيخه الجمل.\nأما عن منهجه في التفسير فقد اعتمد في الغالب منهج التفسير بالمأثور، يؤيد هذا كثرة الأحاديث التي يستدل بها في تفسيره الآية الكريمة، مما يدل على اهتمامه بالحديث الشريف، كما اهتم بذكر أسباب النزول وفضائل السور، إلا أنه لم يكن يتحرى الصحة فيها، ولم يعتمد المنهج الصحيح في الاستدلال بها، وذلك من حيث العزو والتوثيق، فمثلًا قد يذكر الحديث دون أن يذكر مرجعه وهذا هو الغالب، ثم كثيرًا ما يذكره بصيغة لا تفرق بينه وبين الأثر؛ فلا يدرى القارئ من أيهما يكون، فيقول في بدايته: كما ورد؛ ويذكر الحديث أو الأثر.\nولى أن أورد بعض الأمثلة لإبراز هذا الجانب، فعند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، يقول السيوطي شارحًا الآية: أي استبدلوها به، ويعلق الصاوى على ذلك، فيقول: \"أشار بذلك إلى أن المراد بالشراء مطلق الاستبدال، والباء داخلة على الثمن، والمراد بالضلالة الكفر، وبالهدى الإيمان.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢).","vol":"1","page":62},{"text":"وكلامه يقتضى أن الهدى كان موجودًا عندهم ثم دفعوه وأخذوا الضلالة، وهو كذلك، لقوله - ﷺ -: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء) (١) \" (٢)\nوهذا نموذج يدل على استدلال الصاوى بالحديث الصحيح وابتدائه بما يدل على ذلك.\nومن أمثلة استدلاله بالحديث الضعيف، ما ذكره في فضل سورة الإخلاص، حيث يقول: \"قال - ﷺ -: (من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ: سورة الصمد مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب ﷿: يا عبدى أدخل بيمينك الجنة) (٣) \" (٤)\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأن في رجاله حاتم بن ميمون الكلابى، فقد قال عنه ابن حجر: \"ضعيف، من الثامنة\" (٥)\nكما يكثر استدلاله بالأخبار الإسرائيلية، والآثار الغريبة دون أن يذكر لها مرجعًا، ومن ذلك ما ذكره في أول سورة الأنعام بيانًا لفضلها، يقول: \"ورد أنها فاتحة التوراة، وخاتمتها قبل آخر هود، وقبل آخر الإسراء\" (٦).\nوكان هذا الأثر من جملة الآثار الضعيفة، فقد أخرجه الطبري في تفسيره عن كعب بن الأحبار، وفى سنده: سفيان بن وكيع بن الجراح: ذكر علماء الجرح في ترجمته أنه كان صدوقًا، إلا أنه ابتلى بوراقة فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل فسقط حديثه. (٧)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز - باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم الحديث: ١٣٨٥.\n(٢) حاشية الصاوى: (١/ ١١).\n(٣) أخرجه الترمذي: كتاب فضائل القرآن - باب ما جاء في سورة الإخلاص: (٥/ ١٦٨)، رقم الحديث: ٢٨٩٨.\n(٤) الحاشية: (٤/ ٣٤٦).\n(٥) تقريب التهذيب: ٢٠٨، ترجمة رقم: ١٠٠٧.\n(٦) الحاشية: (٢/ ٢).\n(٧) تقريب التهذيب، لابن حجر: ٣٩٥، ترجمة رقم: ٢٤٦٩ وميزان الاعتدال: (٢/ ٣٦٣)، ترجمة رقم: ٣٣٣٤.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>مكانتها العلمية:</span>\nإن هذه الحاشية لتعد من أضخم مؤلفات الصاوى، وأبرزها مكانة، وذلك لاشتمالها على عدد من العلوم والفنون؛ مما يدل على تمكنه منها، وذلك في الكثير من الآيات التي قام بتفسيرها.\nوسأبدأ بالحديث عن مجال الفقه على اعتبار ما تميز به الصاوى من تمكن في هذا الجانب.\nفالصاوى مجتهد مشهود بإمامته في هذا الباب؛ ولكنه غالبًا لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبى حنيفة، وذلك لأنه يرى في الخروج عليهم مخالفة للجماعة، وأضرب لذلك مثالًا، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].\nيقول الصاوى عند تفسيره لها: \"قال جمهور العلماء: الخطبة فريضة في صلاة الجمعة، وقال داود الظاهرى: هي مستحبة، ويجب أن يخطب الإمام قائمًا خطبتين يفصل بينهما بجلوس. وقال أبو حنيفة، وأحمد: لا يشترط المام ولا القعود، ويشترط الطهارة في الخطبة عند الشافعي في أحد القولين، وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة أن يحمد الله تعالى، ويصلى على النبي - ﷺ -، ويوصى بتقوى الله، وهذه الثلاث شروط في الخطبتين جميعًا، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن، ويدعو للمؤمنين في الثانية، ولو ترك واحدة من هذه الخمس لم تصح خطبته، ولا جمعته عند الشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه، وذهب مالك إلى أن ما يقع عليه عند العرب اسم الخطبة هو كلام مسجع مشتمل على تحذير وتبشير\" اهـ (١).\n_________\n(١) حاشية الصاوى: (٤/ ١٩٦).","vol":"1","page":64},{"text":"هذا وكثيرًا ما تتوج تلك الأقوال برأى الإمام مالك، كما هو واضح على اعتبار تمذهبه بمذهبه - ﵁ - ولكن مما يؤخذ عليه في هذا الجانب ما يسلكه من مذهب التشديد في عدم الخروج عن الأئمة الأربعة، ولو مع وجود الموجب الشرعي، كالأدلة الصريحة من الكتاب والسنة.\nوقد اعتنى الصاوى أيضًا بعلم القراءات في حاشيته على الجلالين، فأى موضع ذكر فيه السيوطي أو المحلى قراءة، فرنه يقوم ببيان نوعها، سبعية أو عشرية أو شاذة، كما يعتنى بتوجيهها وذلك من حيث اللغة والإعراب، وقد ينبه على أثر تلك القراءة في المعنى، وإذا لم يكن قد استوعب ذكر جميع القراءات، إلا أن اهتمامه بها واضح في حاشيته، وقد يذكر بعض القراءات التي لم يذكرها الجمل في الأصل.\nمثال ذلك: يفسر السيوطى قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]: أي تحط عنا خطايانا، يقول الصاوى معلقًا: \"وفى قراءة شاذة بنصب حطة، إما مفعول مطلق، أي حط عنا الذنوب حطة، أو مفعول لمحذوف أي نسألك حطة\" (١)\nكما تتسم حاشية الصاوى بالإكثار من المسائل اللغوية والنحوية والبلاغية، مما يدل على تمكن صاحبها من هذه العلوم المهمة، والأمثلة على ذلك كثيرة.\nففى بيان معانى الكلمات القرآنية من جهة اللغة، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].\nأزًّا: مفعول مطلق لتؤزهم، والأز يطلق على الغليان، وعلى الحركة الشديدة وعلى التهيج والإزعاج، وهو المراد هنا\" (٢).\nويظهر اهتمامه بالمسائل البلاغية في، كثير. من المواضع، يقول عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\n_________\n(١) انظر: حاشية الجمل: (١/ ٥٦)، وحاشية الصاوى: (١/ ٣٠).\n(٢) حاشية الصاوى: (٣/ ٤٤).","vol":"1","page":65},{"text":": \"صراطى مستقيمًا، أي دين لا اعوجاج فيه، فشبه الدين القويم بالصراط بمعنى الطريق، بجامع أن كلِّ يوصل للمقصود، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية\" (١).\nأما عن المسائل النحوية، فلا تكاد تخلو شروحه على أي آية منها، وهو فيها بين اختصار لإفادة المعنى فقط، وبين إسهاب وتفصيل يرى فيه زيادة في الوضوح والإفهام، وأضرب لكلٍّ مثال، يقول عند قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]\n: \"انظر، بمعنى انتظر؛ فماذا بمعنى الذي، ويرجعون صلته والعائد محذوف، ويكون ما مفعول يرجعون، والمعنى انتظر الذي يرجعونه\" (٢).\nيقول عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام: ١٥، ١٦].\n: \"عذاب يوم عظيم: مفعول لأخاف، وجملة إن عصيت ربى: شرطية، وجوابها محذوف دل عليه أخاف، وهى معترضة بين الفعل، وهو أخاف ومعموله وهو عذاب.\nقوله: من يصرف عنه، من: اسم شرط، ويصرف: فعل الشرط، ونائب الفاعل: مستتر يعود على العذاب على القراءة الأولى.\nوالفاعل الله على القراءة الثانية، وعنه جار ومجرور متعلق بيصرف.\nوقوله: (فقد رحمه)، جواب الشرط، والمفعول محذوف تقديره العذاب، والمعنى: من يصرف الله العذاب عنه يوم القيامة فقد رحمه، وفى ذلك تعريض بأن الكفار لا يرحمون، لأنه يصرف عنهم العذاب\" (٣).\nواهتمامه باللغة لم يقتصر على الإعراب والنحو فقط، بل ظهر أيضًا في حديثه\n_________\n(١) حاشية الصاوي: (٢/ ٥٣).\n(٢) حاشية الجلالين: (٣/ ١٨٢).\n(٣) المرجع السابق: (٢/ ٦).","vol":"1","page":66},{"text":"عن مبانى الكلمات من الناحية الصرفية، مثال ذلك في قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].\nيقول المحلى في هذه الآية: \"قوله ترين: حذفت منه لام الفعل وعينه، وألقيت حركتها على الراء، وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين\".\nيقول الصاوى موضحًا: \"قوله: (حذفت منه لام الفعل) أي، وأصله: تترأيين، بهمزة هي عين الكلمة، وياء مكسورة، هي لامها، وأخرى ساكنة، هي ياء الضمير، والنون علامة الرفع، نقلت حركة الهمزة إلى الراء، فسقطت الهمزة، فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا فالتقى ساكنان حذفت لالتقائهما، ثم أكد بالنون وحرك بالكسر، ففيه ستة إعمالات نقل الحركة، وسكون الهمزة، وقلب الياء ألفًا، وحذفها، وتأكيده بالنون، وتحريكه بالكسر، وإن نظرت لحذف نون الرفع للجازم، كانت سبعة، أفاد المفسر منها خمسًا، ولم يرتبها كما يعلم بالتأمل\" (١).\nهذا والمآخذ على هذه الحاشية كثيرة، وليس في هذا منعًا من الاعتراف بمكانتها العلمية، من حيث اشتمالها على كثير من العلوم الشرعية، التي هي المستند الصحيح في تفسير القرآن الكريم (٢).\nوإذا كنت قد تناولت في هذا البحث - الذي أسأل الله الكريم أن ينفع به - جميع المآخذ العقدية التي احتواها التفسير، وحرصت على مناقشتها في ضوء عقيدة السلف الصالح، فقد أردت أن أنبه هنا على بعض تلك المآخذ؛ حتى يتكون لدى القارئ تصور سليم، وفكرة متكاملة، عن هذا المؤلف المهم، قبل الشروع في الدراسة التفصيلية لهذه المآخذ، عبر مناقشة آرائه العقدية في جميع كتبه.\nفإن ما يؤخذ على الصاوى في هذه الحاشية من المآخذ العقدية له جانبان أحدهما لا ينفك عن الآخر، جانب يتعلق بالمنهج وجانب آخر يتعلق بالنتيجة المترتبة على\n_________\n(١) المرجع السابق: (٣/ ٣٤).\n(٢) سيأتي الحديث عن هذا في مبحث القرآن الكريم بإذن الله: ٣٨٢.","vol":"1","page":67},{"text":"سلوك هذا المنهج، وهى المسائل الواردة فيه، فمع أن الصاوى قد انتهج المنهج السديد في تفسير القرآن الكريم، وهو التفسير بالمأثور في الغالب، إلا أنه كان يخرج عنه بين الفينة والأخرى، فنراه يعمد في بعض الأحيان إلى تفسير القرآن بالرأى المجرد متبعًا مسلك الصوفية في تفسير القرآن بالإشارة والمواجيد، فمثلًا يفسر قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦].\nقائلًا: \"وفي الآية معنى إشارى للصوفية، وهو أن العباد لو حصلت منهم الاستقامة على الطريقة بالانهماك في مرضات الله تعالى لملأ الله قلوبهم بالأسرار والمعارف والمحبة الشبيهة بالماء في كونها حياة الأرواح كما أن الماء حياة الأجسام، فيحصل لهم بذلك الفتنة فيه بأن يسكروا ويطربوا ويدهشوا، ويخرجوا عن الأهل والأوطان، فالاستقامة سبب للرزق، الظاهرى والباطنى\" (١).\nكما لا يخفى أن عقيدة الصاوى الأشعرية كانت تحمله على تفسير آيات العقيدة وفق المنهج الأشعري، فيقع بسبب ذلك في التأويل المذموم، خصوصًا في الآيات المتعلقة بالصفات الإلهية، وقد عمد من أجل ذلك إلى استخدام عبارات المتكلمين المبتدعة، والتى كان لها أثر خطير على التنظير المنهجى لتلقى العقيدة من القرآن الكريم، كالقول بأن: \"الأخذ بظواهر الكتاب والسنة كفر\" (٢)، وعبارات أسلافه التي شنع عليها أئمة السلف من قبل (٣).\nكما أنه أورد بعض الاتهامات الجائرة في أئمة فضلاء، كانوا ممن حمى حمى التوحيد دهرًا، وكان لهم الفضل في الدعوة إليه أبدًا، ﵃ وأرضاهم وذلك مثل الإمام التقى الفاضل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث وصمه بأنه ضال مضل (٤)، ومثل دعاة التوحيد في أرض نجد، والذين أطلق عليهم الاسم المعروف: بالوهابية.\n_________\n(١) حاشية الصاوى: (٤/ ٢٤٢).\n(٢) حاشية الصاوى: (١/ ٥٣).\n(٣) سيأتي الحديث في هذا مفصلًا بإذن الله في المبحث الثاني.\n(٤) حاشية الجلالين: (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":68},{"text":"هذا وقد اتهمهم بتهمة محاكاة الخوارج، مما يوحى بانحراف منهجه عن المسلك القويم.\nوالحاشية مليئة بالترضى على كبار ملاحدة التصوف كابن عربى، وابن الفارض (١).\nومليئة بنقل كلامهم الضال المبتدع، ومليئة بالأوهام الصوفية المنافية للتوحيد من التشريع للتوسل بالصالحين بعد موتهم، وغير ذلك، ولعلى أذكر هنا طرفًا من تلك الانحرافات وسأترك مناقشتها إلى مكانها في هذا البحث، ومن ذلك نقله عن ابن الفارض في معرض كلامه عن مقاصد عباد الله الصالحين، يقول: \"بل بعض العبيد من أهل المحبة في الله لا ينتظر بعمله الجنة، بل يقول: عبدناك لذاتك لا لشيء آخر. قال العارف ابن الفارض حين كشف له عن الجنة وما أعد الله له فيها في مرض موته:\nإن كان منزلى في الحب عندكم ... ما قد رأيت ضيعت أيامى\" (٢)\nوالكثير من مثل هذه الأقوال التي فيها مخالفة صريحة لمنهج الرسل - ﵈ - والسلف الصالح - رضوان الله عليهم -، وقد أدى في مجموع هذه المواقف المبتدعة إلى وسم هذه الحاشية بسمة الابتداع والضلال، ومما لا شك فيه أن تحذير النبي - ﷺ - جاء مصرحًا به في باب الابتداع، فقد صح في الحديث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) (٣).\nوسيأتي الكلام عن هذا مفصلًا في موضعه بإذن الله من هذا البحث.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ١٣٨).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٢٣٢).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجمعة - باب رفع الصوت عند الخطبة، رقم الحديث: . . .","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الحواشى العقدية:</span>\n٢ - شرح جوهرة التوحيد للقاني (١): وجوهرة التوحيد هي منظومة شعرية، احتوت خلاصة مذهب الأشاعرة في علم التوحيد والعقائد، عدد أبياتها: (١٤٤) بيتًا.\nولما اتسمت به هذه المنظومة من سهولة الألفاظ والبعد عن التعقيد الفلسفى، فقد اعتنى بها جمع من علماء الأشاعرة؛ فعملوا عليها الحواشى والشروح، منها هذه الحاشية التي كتبها الصاوى.\nويحكى أنه قام بقراءتها في رمضان، وألف عليها هذه الحاشية، وقد تميزت عن غيرها من الحواشى في موافقة النظم من حيث اختيار العبارات السهلة ومحاولة البعد عن التعقيد الفلسفى، وقد سار فيها الصاوى على النهج الأشعري في تحرير المسائل العقدية، فلم يخرج عنه إلا في بعض المسائل اليسيرة.\nوقد طبعت هذه الحاشية عدة مرات في مصر وخرجت الطبعة الثالثة منها محققة على يد الدكتور: عبد الفتاح البزم.\n٣ - حاشية الصاوى على الخريدة البهية: للشيخ أحمد الدرديرى، وهو كتاب يبين العقيدة على مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعري، ويتسم باختصار العبارة ودقة الألفاظ، يتناسب في أسلوبه مع متن الدردير، له شهرة واسعة، وقد طبع عدد من المرات، كان آخرها طبعة مصطفى الحلبى وأولاده.\n_________\n(١) هو الشيخ إبراهيم بن إبراهيم بن حسن بن على بن محمد بن هارون، الملقب ببرهان الدين اللقانى المالكى، كان له سعة إطلاع وتبحر في علم الكلام، وعلم الحديث، والفقه، أخذ العلم عن عدد من المشايخ منهم الشيخ محمد البكرى الصديقى، والشيخ على بن غانم المقدسى، كما أخذ عنه الكثير من طلاب العلم، برز في علم الكلام وألف كتابه المسمى بجوهرة التوحيد والتى صارت عمدة الأشاعرة المتأخرين في العقيدة، وألف عليها عدد من الشروح، ولا تزال مخطوطة، اعتنى بهذه المنظومة عدد من علماء الأشاعرة المتأخرين فعملوا عليها شروحًا، وحواشى، ومن أشهرها: تحفة المريد على جوهرة التوحيد لإبراهيم الباجورى، وغيرها وقد بلغ عددها حوالى خمس عشرة حاشية ما بين كبيرة الحجم ومتوسطة وصغيرة، وكان منها حاشية الصاوى التي نحن بصدد الحديث عنها، توفى وهو راجع من الحج، ست إحدى وأربعين وألف للهجرة، انظر في ترجمته: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: ٢٩١. وهداية العارفين للبغدادى: (١/ ٣٠).","vol":"1","page":70},{"text":"٤ - الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية على الصلوات الدرديرية: وهذا الكتاب يشرح فيه الصاوى مجموعة من الصلوات على النبي - ﷺ -، التي جمعها الشيخ الدرديرى، ورتبها على حروف المعجم، وقد قام بشرحها الصاوى، وقد طبع عدة مرات في مصر.\nوالمتأمل في هذه الصلوات التي اعتنى بشأنها الصاوى، يجد أنها مجموعة من الأوراد المبتدعة، إذ ليس لها مستند من الشرع المطهر، فليس ثمة صلاة منها صحيحة دل عليها الشارع الحكيم؛ سوى الصلاة الإبراهيمية التي أوردها في بدء حديثه عنها، ولم تقف هذه الصلوات عند حد الابتداع فقط، فقد تجاوز الكثير منها هذه المرحلة، ودخل فيما هو أعظم خطرًا على الدين وأجل ضررًا، حيث الشرك الذي هو أعظم الذنوب وأشدها قدحًا في جناب التوحيد.\nودون أن يكون كلامى في هذا المقام مجرد دعاوى تفتقر إلى الدليل، فإنى أعمد إلى إيراد بعض نصوص تلك الصلوات فأعرضه بحرفه، حتى تتجلى الحقيقة لكل متجرد لا يلوى إلا على معرفتها، فهذه صلاة عبد السلام بن بشيش، التي يقول فيها: \"اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم، فأعجز جميع الخلائق، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله موفقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا لشيء إلا وهو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله.\nاللهم إنه سرك الجامع الدال عليك، وحجابك الأعظم، والقائم لك بين يديك.\nاللهم ألحقنى بنسبه وحققنى بحسبه، وعرفنى إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل، وأكرع بها من موارد الفضل، واحملنى على سبيله إلى حضرتك حملًا محفوفًا بنصرتك، واقذف بى على الباطل فأدمغه، وزج بى في بحار الأحدية، وانشلنى من أوحال التوحيد، وأغرقنى في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها\" (١).\n_________\n(١): ٣٢.","vol":"1","page":71},{"text":"إن هذه الصلاة هي إحدى الصلوات التي امتلأ بها ذلك المؤلف الخطير، والتى نالت حيزًا من اهتمام الصاوى فيه، حيث قام بشرح ألفاظها كلمة كلمة.\nولعلة من الواضح مخالفة هذا العبارات لحقيقة التوحيد الذي هو الغاية العظمى من خلق الثقلين وإرسال الرسل والأنبياء، ومع ذلك فعند إرادة الحكم عليها فإنه يحسن بيان حقيقة التوحيد أولًا؛ حتى يفهم مدى مطابقة ما أراده ذلك المبتدع أم لا، إن معنى التوحيد هو الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق المستحق لكل صفات الكمال؛ وبالتالى فهو المستحق للعبادة دون من سواه، ولا يمكن لهذا التصور أن يتجلى في قلب العبد، إلا إذا استشعر الفرق بين الخالق والمخلوق، فكلما ازداد يقين العبد بعظمة باريه وكمال صفاته، واختلاف ذاته سبحانه تمام الاختلاف عن ذات عبده؛ كلما تحققت عبوديته وصح توحيده؛ فيؤمن بربوبيته المستغرقة لكل أوصاف الكمال، وتنصرف إرادته له فلا يبقى في قلبه مراد للعبادة سواه، والذي يؤكد حقيقة هذا المعنى ما كان يدعو إليه رسول الله - ﷺ -، فقد كان يذكر اتباعه دومًا بهذه الحقيقة، وهى أن كل ما سوى الله فهو عبد لا يخرج عن دائرة عبوديته ولا بحال، حتى ولو كان رسولًا من أشرف الرسل وأرفعهم منزلة عند الله، فقد قال حرصًا على صفاء عقيدة أصحابه من الزيغ والضلال: (لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) (١).\nإن هذه الكلمات التي نطقت بها رسالة المصطفى - ﷺ -؛ لترد كل هذا البغى الذي سطرته أقلام هؤلاء المبتدعة، في عقيدة وحدة الوجود والغلو في المصطفى - ﷺ -؛ مما يخرج به عن طور البشر، والتى أعلنتها عبارات هذه الصلاة المبتدعة.\nوإذا كان من الواجب بيان حكم هذا الكلام فليست تخرج كلماته عن دائرة الكفر بحال، أما القائل فمن غير الممكن في هذا المجال أن أحكم على شخصه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قوله: (واذكر في الكتاب مريم) - رقم الحديث: ٣٤٤٥.","vol":"1","page":72},{"text":"هذا وكل ما تقدم هو في الكشف عن حقيقة هذه الصلوات المبتدعة، والتى هي موضوع الكتاب، أما عن تعليقات الصاوى، فقد تجلى لي بعد الفحص والتأمل والدعاء والتوكل أنها محاولات جادة في تأويل صريح ما أتت به هذه العبارات من الكفر الصراح، وليس هذا هو مجال التوضيح والإسهاب، وإنما أردت أن أعطى للقارئ نوع تصور عن هذا الكتاب الذي شغل حيزًا كبيرًا من هذا البحث خصوصًا في مجال التصوف.\nأما عن مكانة حاشية الصاوى على تلك الصلوات في كتب التصوف، فمن المقرر عند تلك الطائفة أن هذا المؤلف له مكانة مهمة وذلك من جهتين، الأولى: أن هذه الحاشية مع اختصار عباراتها قد اشتملت على زبدة ما يهم أهل التصوف حيث بين فيها الآداب والشروط، وأوضح فيها المقامات على جهة التفصيل، مؤيدًا ذلك بكلام كبار المذهب، كابن عربى وابن الفارض.\nأما الثانية: فلما بذله الصاوى من جهد في تأويل عبارات غلاة الصوفية، التي تدل صراحة على مناقضة المعتقد السليم، مع محاولة تأصيلها بالدليل الشرعي من الكتاب أو السنة، فاستعمل في سبيل ذلك أسلوب الإشارة ليقوم بتأويل تلك النصوص وفق ما يريد تأصيله من تلك الأقوال المبتدعة.\nولكل ما تقدم مع ما يتمتع به أسلوب المؤلف من سلاسة التعبير ووضوح العبارة مع اختصاره؛ فقد نال هذا المؤلف مكانة معروفة بين كتب الصوفية.\n٣ - شرح منظومة أسماء الله الحسنى: وهذا الكتاب يشرح فيه الصاوى قصيدة الدرديرى في شرح أسماء الله الحسنى، المكونة من ثمان وستين بيتًا، حيث قام بنظمها على صورة دعاء يدعو الله به بكل اسم من أسمائه الحسنى، وقد طبع عدة مرات في مصر.\nويشاكل هذا الشرح الحاشية التي قبله من حيث الموضوع، فكلامها يصب في مجرى واحد وهو الكشف عن المواجيد الصوفية، المعبر عنها بمصطلحات محددة، ذات دلالة علمية عند أهل التصوف.","vol":"1","page":73},{"text":"كما أنه يقرب منه كثيرًا من جهة الأسلوب، وطريقة تحليله للأبيات حتى لا يكاد يفرق بينه وبين الذي قبله، لذا كثيرًا ما يقرن به ويطبع في مجلد واحد بترقيم واجد.\nوهو لا يقل عن الذي قبله؛ من حيث اشتماله على أنواع البدع والضلالات، التي ما أنزل الله بها من سلطان، وعلى سبيل المثال فمن تلك المغالطات البدعية الخطيرة التي عج بها هذا المؤلف، قوله في خواص الإكثار من ذكر المولى باسمه: الله مجردًا: \"من دوام على ذكره في خلوة مجردًا، بأن يقول: الله الله حتى يغلب عليه منه حال؛ شاهد عجائب الملكوت، ويقول بإذن الله للشيء: كن فيكون، وهو ذكبر الأكابر من المولهين وأرباب المقامات وأهل الكشف التام، قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] \" (١).\n٦ - حاشية الصاوى على الشرح الصغير لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك: للشيخ أحمد الدرديرى، ويقع في ست مجلدات من القطع المتوسط، ويعد من المراجع المهمة في المذهب المالكى، وقد اعتمد تدريس هذا الكتاب في الجامع الأزهر، وقد طبع عدة طبعات في عدد من الدول العربية.\n٧ - بلغة السالك لأقرب المسالك: ويقع في مجلدين كبيرين، وهو من المراجع المهمة في الفقه المالكى، وقد طبع عدد من المرات.\n٨ - حاشية الصاوى على رسالة تحفة الإخوان في علم البيان: للشيخ الدردير، وتقع في كتيب واحد، وقد طبع عدد من المرات.\nكما تذكر المصادر التي اعتنت بترجمته أن له تآليف أخر لعلها بقيت مخطوطة لم يكتب لها الطبع والنشر منها:\n- حاشية على مختصر البخاري.\n_________\n(١) صفحة: ١١٠ وسيأتي الرد على هذا الكلام الخطير في عدد من فصول هذا البحث بإذن الله.","vol":"1","page":74},{"text":"- رسالة في الجهاد: جمع فيها كل آية في القرآن تتعلق بالجهاد على الترتيب.\n- رسالة في الرد على المعاند لوجود الأولياء وثبوت الكرامات: وهى من أول تآليفه، قرأها في مجلس شيخه الدردير.\n- له شرح على دعاء سورة (يس).\n- حاشية على تفسير البيضاوي (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر: في مؤلفاته مصادر ترجمته السالفة الذكر: ٥١.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الفصل الثالث: منهجه في تحري مسائل الاعتقاد</span>\nوفيه مبحثان:\nالأول: مصادره في العقيدة.\nالثاني: منهجه في الاستدلال.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>(المبحث الأول): مصادره في العقيدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>أولًا: مكانة العقل في التلقى:</span>\nالصاوى كأحد كبار متكلمى عصره؛ المتبعين للمذهب الأشعري، يرى موافقة الأشاعرة في أن للعقل دورًا أساسيًا في تلقى أصول العقيدة، إلى جانب الكتاب والسنة، مصدر الوحى المعصوم.\nوكان ذلك بناء على التقسيم المشهور الذي عليه غالبهم؛ حيث التمييز بين ما يدرك بالعقل عندهم، وبين ما يمكن فيه الاعتماد على العقل والسمع، وبين ما لا يمكن إلا بطريق السمع، وتبقى دلالة العقل عليه بالإمكان، فمعرفة الله تعالى والإيمان بصفاته ﷿، وتصديق الرسول بالمعجز مما لا يمكن إدراكه إلا بالعقل، ويأتى النقل في ذلك تبعًا لما تقرر بدليل العقل.\nأما ما يجوز فيه المسلكان، فهو كل ما لا يتوقف التوحيد والنبوة على العلم به، كرؤية الباري تعالى للمؤمنين، وجواز المغفرة للمذنبين.\nأما ما يستقل السمع بالدلالة عليه، فهو كل ما جوز العقل وقوعه، كاليوم الآخر وما يقع فيه، ومجمل مسائل الشرع، كقضايا التكليف؛ من الوجوب والإباحة والحظر والمنع (١).\nويستند وجوب الاستدلال العقلى عند المتكلمين في إثبات ما يجب في حق الله تعالى من الوجود، وغيره من مسائل الإلهيات، إلى أصلين لا يكاد يخالف فيها أحد منهم:\nالأول: أن أصول الاعتقاد يتوقف على معرفتها النقل، وما توقف عليه النقل لا يمكن إثباته بدليل النقل، لما يلزم من الدور الباطل، يقول الإيجى (٢) عند حصره\n_________\n(١) انظر: الإرشاد للجوينى: ٣٥٨.\n(٢) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل الإيجى، من كبار الأشاعرة ومحررى مذهبهم، تأثر كثيرًا بالفلسفة وعلم الكلام. توفى سنة: ٧٥٦ هـ. انظر: طبقات الشافعية للسبكي: (٦/ ١٠٨).","vol":"1","page":77},{"text":"لأقسام الدليل: \"الثاني: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل إذ لو أثبت بالنقل لزم الدور\" (١).\nالثاني: أن إفادة الدليل العقلى قطعية، وإفادة الدليل السمعى ظنية، ولا يمكن أن يستدل على الأصول بدليل ظنى، لأنه لا يمنع وجود المعارض العقلى، الذي يستحيل معه تقديم الدليل السمعى، لانه الأصل الذي دل على ثبوت الشرع، ويذكر الرازي (٢) ذلك من ضمن الشروط التي أوجب توفرها؛ حتى تصبح إفادة الدليل يقينية، فيقول: \"وعدم المعارض العقلى الذي لو كان لرجح، إذ ترجيح النقل على العقل؛ يقتضى القدح في العقل المستلزم للقدح في النقل؛ لافتقاره إليه، وإذا كان المنتج ظنيًا؛ فما ظنك بالنتيجة\" (٣).\nفكانت القاعدة التي تأسست بناء على ما تقدم: أن الاستدلال للأصول لا يمكن إلا بطريق العقل، لانه أصل السمع، فيجب استقلاله بالاستدلال عليها، حتى ولو ترتب على ذلك لوازم فاسدة، ونتائج يقطع الشرع ببطلانها.\n* * *\n\nومتابعة لما عليه المتكلمون من اعتقاد استقلال العقل في الدلالة على توحيد الرب، يقول الصاوى معللًا مذهبه: \"لأن ما توقفت المعجزة عليه وهى الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والحياة وكونه قادرًا عالمًا وحيًا دليلها عقلى، والذي أوجبها هو الشرع؛ بمعنى أنه إذا جاءنا رسول وقال لنا: أنا مرسل من عند الله؛ وآية صدقى انشقاق القمر مثلًا، يحتاج إلى استفادة هذه الصفات من العقل أولًا، وإلا بأن استفيدت من الرسل لزم الدور؛\n_________\n(١) المواقف: ٣٩. والإرشاد للجوينى: ٣٥٨، ٣٥٩.\n(٢) هو محمد بن عمر بن الحسن البكرى، يعرف بابن الخطيب، يلقب بفخر الدين الرازي، من كبار الأشاعرة وقد خلط المذهب بالتقعيد للفلسفة حيث تأثر بها كثيرًا توفى سنة: ٦٠٦ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٥٠٠، ٥٠١).\n(٣) المحصل للرازي: ١٤٢، انظر: المواقف: ٤٠.","vol":"1","page":78},{"text":"لأن بهذه الصفات ثبتت المعجزة، والمعجزة ثبتت هذه الصفات، فصار كل متوقفًا على الآخر\" (١).\nومقصوده من هذا أن الرسول إذا جاء بدليل، يصدق كونه مرسلًا من عند الله، فلا بد أولًا من الإيمان بوجود الرب تعالى، والإيمان بكونه ربًا خالقًا قادرًا أراد إرسال هذا الرسول، أي أنه متصف بصفات الربوبية.\nبمعنى أن الإيمان بصدق الرسول؛ يستلزم الإيمان أولًا بوجود الرب المرسل، وهذا مما لا يمكن استفادته على حد رأيه من كلام الرسول؛ لأنه يلزم أن يكون الدليل هو المدلول، وهذا دور كما تقرر عنده.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>ثانيًا: حجية الإلهام:</span>\nلقد كان لهذا الانحراف الخطير، الذي استقر عليه المنهج الأشعري، في الاعتماد على العقل والإعلاء من شأنه؛ أثر معاكس يمكن تصنيفه في جملة ردود الأفعال، التي تنتج عن عدم الاعتدال وانتهاج التوسط، والتزام الحجة الواضحة، فهؤلاء المتكلمون لما أغرقوا في اعتماد العقل، وقصروا تقييم النصوص من حيث القبول أو الرد على ما تقرر بطريقه؛ أدى بهم ذلك إلى إحداث مصدر آخر، يكون في مقابل العقل، وبنفس الأهمية من حيث المرجعية في تقرير الحقائق الدينية، دون أن تحكمه تلك القوانين أو الأصول الوضعية، التي أعملوا دلالتها في المسلك العقلى، فكان ذلك هو مصدر الإلهام، الذي استلهم الصوفية تحكيمه في أجواء الهيمنة العقلية الجافة، التي كان يعيشها المتكلمون، ومن هنا نجد الغزالي بعد أن مر بالتجربة الصوفية، يقول: \"ولا تنكرن درجات الكشف، فإن البصيرة الباطنة كالبصر الظاهر، وفرق بين ما يتضح في وقت الإسفار، وبين ما يتضح ضحوة النهار\" (٢).\n_________\n(١) حاشية جوهرة التوحيد: ١٢. وسيأتي تفصيل مراده في مبحث: الاستدلال على وجود الله تعالى.\n(٢) المقصد الأسنى: ٨٧.","vol":"1","page":79},{"text":"وفى إعمال الإلهام والكشف؛ لاستنباط أصول الاعتقاد من الأدلة الشرعية، عند معارضتها للأصول الكلامية، التي لا يتم التسليم بصحتها، حيث خالفت صحيح الفطرة والشريعة، يقول الغزالي (١) في تقرير مسألة زيادة الإيمان ونقصانه: \"فإن قلت: فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص، وهو خصلة واحدة؟ فأقول: إذا تركنا المداهنة، ولم نكترث بتشغيب من تشغب، وكشفنا الغطاء؛ ارتفع الإشكال، . . . . . . .، فلذلك ترى علوم المكاشفة تتسلق كل ساعة على علوم المعاملة، إلى أن تنكشف عنها بالتكليف، فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة\" (٢).\n* * *\n\n- وسيرًا على هذا المنوال الذي خطه الغزالي، في الجمع بين مصدر العقل والإلهام في فهم نصوص الكتاب والسنة، نجد الصاوى يقرر أصول الاعتقاد به، ولعلى أشير هنا إلى أبراز ما يلحظ فيه التأثر في الاستدلال لقضايا العقيدة بالمنهج الصوفى:\nأولًا: موقفه من معرفة الباري تعالى، فالصاوى يرى أن معرفة الله تعالى قد تقع اضطرارًا في قلب العبد، بالإلهام أو الإشراق المعرفى، وعليه فإنه يعد الإلهام مصدرًا من مصادر التلقى في أصول العقائد، وتأكيدًا لهذا فإنه يرى أن حال العبد في هذه المعرفة الإلهامية الإشراقية؛ أعظم قدرًا من صاحب المعرفة العقلية المقننة بمناهج الاستدلال العقلى، يقول: \"فمعرفة العبد ربه نور من الله يقذفه في قلبه فيدرك أسرار ملكه ويشاهد غيب ملكوته ويلاحظ صفاته\" (٣).\nويقول: \"واعلم أن المعرفة على قسمين خاصة وعامة، فالعامة معرفة الله\n_________\n(١) هو محمد بن أحمد الطوسى المعروف بالغزالى ولد سنة: وقد تتلمذ على كبار أهل العلم في عصره منهم إمام الحرمين الجويني. فقيه أصولى متكلم صوفى، برع في هذه العلوم حتى صنف فيها عددًا من المؤلفات، من أشهرها كتاب إحياء علوم الدين، توفى الغزالي سنة: ٥٠٥ انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ٢١٦)، وشذرات الذهب: (٤/ ١٠).\n(٢) قواعد العقائد: ٢٦٥.\n(٣) المرجع السابق/ ٤١، ٤٢، والحاشية على جوهرة التوحيد: ١٤.","vol":"1","page":80},{"text":"بالدليل، والخاصة على ثلاثة أقسام: شهود أفعال وهى للأبرار، وشهود أسماء وصفات، وهى للأخيار، وشهود ذات، وهى لخيار الخيار (١) \" (٢).\nولتشدد المذهب الأشعرى في قصر معرفة الله تعالى على العقل؛ فقد حاول الصاوى التوسط بين المسلكين، حيث حكم على من ترك الاستدلال بالعقل مع القدرة عليه بالعصيان، يقول: \"والحق الذي عليه المعول، أنه مؤمن عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية\" (٣)، وقد يشعر هذا الموقف منه بالتناقض؛ إذ كيف يعلى من شأن أهل المعرفة الإشراقية على غيرهم من أهل الدليل، ويجعلهم من جملة الخواص، ثم يحكم على من ترك الاستدلال بالمعصية؟ وعلى كل فهذا هو حال كل من اعتمد العقل كمصدر يقدم على غيره من مصادر التلقى المعتبرة (٤).\nثانيًا: يرى الصاوى أن حجية الاستدلال بالإلهام عنده لا تقتصر على اعتماده في مثل ما تقدم مما لا جدال في أحقيته، بل إنه لينص على صحة الاستناد إليه في تفسير النصوص الشرعية، بعيدًا عن قواعد المفسرين المعتمدة عند سلف الأمة، ومن هنا ظهر تفسيره لبعض الآيات الكريمة بطريقة التفسير الإشارى، ولتقرير منهجه في ذلك، يقول في تأويل النهى الوارد بخصوص من تصدى للتفسير دون علم، حيث رأى توجيهه للعوام دون الخواص في اصطلاح الصوفية: \"فالمراد بالعوام علماء الظاهر، ليس لهم خوض في القرآن إلا بالمنطوق، وتكلمهم بالعلوم الإشارية، التي هي للخواص فضول منهم؛ فالتكلم في اللطائف لغير الأولياء فضول منهم\" (٥).\n* * *\n_________\n(١) انظر: مناقشة آرائه في وحدة الشهود: ٧٣٧.\n(٢) الحاشيه على الصلوات الدرديرية: ٦٩.\n(٣) حاشية جوهرة التوحيد: ١١.\n(٤) انظر: مبحث المعرفة: ٨٩.\n(٥) انظر: مبحث آراؤه في القرآن: ٣٨٢.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المناقشة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>أولًا: مصادر التلقى:</span>\nوبعد هذا البيان المجمل لمصادر العقيدة عند الصاوي؛ سأبدأ بالنقد الموجه لمسلك التلقى من العقل لتقديمه على النقل في معرفته تعالى بأسمائه وصفاته الحسنى، إذ أساس هذا المسلك هو ما درج على الاحتجاج به المتكلمون، من أن العقل هو الوسيلة الأولى التي يدرك بها صدق الرسول بمعرفة المعجز، وما كان بهذه المرتبة من الحجية فلا يمكن بحال تجاهله وإغفال مكانته، وعليه فإن أي مخالفة لما تقرر بطريقه فإنه يتعين رده بالتأويل أو التفويض.\nومن هنا فليس يقتصر الأمر عند الصاوى ومن تقدمه من المتكلمين، على عد العقل أحد مصادر التلقى الأساسية في العقيدة، بل إن حجية الاستدلال به تقضى بتقديمه على غيره من مسالك الاستدلال، في المسائل التي يحجر الاستدلال به عليها.\nوعليه فإن ثمة انحراف ظاهر في المذهب الأشعري؛ نتج عن هذا المعتقد الخطير، يقطع بعدم اعتباره من المسالك الشرعية السنية، ويوجب رد كثير مما تأكد بطريقه؛ لكونه من البدع التي أحدثها المهتدون بغير هدى السلف الصالح، من الصحابة والتابعين، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين.\nوفى بيان بطلان هذه الشبهة وردها؛ تكفى الإشارة إلى كمال الدين، وأنه كافٍ في الدلالة على أصوله وفروعه، فإن اعتقاد عدم اشتمال الدين على أدلة هذه المسائل العظام، يعد طعنًا في كماله وتمام بيانه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nويرجع ذلك إلى أن الأصل في تلقى أصول الدين، والاستدلال عليها الكتاب والسنة فبهما تحصل الهداية والكفاية.\nوأدلة هذا الباب عظيمة وكثيرة، كلها تؤكد وحدة مصدر التلقى، وأنه العمدة في الأخذ والرد، حيث تبنى الأصول، وتقعد القواعد بناء عليه، ويرد النزاع الحاصل","vol":"1","page":82},{"text":"والشبه العارضة إليه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nوكان هذا هو هدى صحابة رسول الله - ﷺ - ورضى عنهم فهم أصحاب الفرقة الناجية الذين \"لا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول - ﷺ -، بل يجعلون ما بعث به الرسول - ﷺ - من الكتاب والحكمة هو الأصل، الذي يعتقدونه ويعتمدونه، وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. يردونه إلى الله ورسوله\" (١).\nوبهذا يظهر ضلال من اعتقد أن ثمة حق ورشاد لم يرد دليله في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك يلزم الطعن في مصدر الوحى، والمبلغ عنه، وفي حملة هذا الدين من بعده، وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه.\nأما عن المصدر، فقد قال المولى ﷿: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١].\nواعتقاد بيانه يعني حصول أسباب الهدى والفلاح لمن تمسك به فلا يحتاج بعده أحدًا.\nوقال عن المبلغ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وبيان الرسول - ﷺ - للقرآن؛ يقتضى أن يكون كلامه دالًا على أصول الشريعة كالدلالة على فروعها، وأن يكون مشتملًا على الأدلة العقلية التي بها يحصل برد اليقين، فما سكت عنه لا يمكن الحاجة إليه، ولو مع موافقته لما بين، فكيف يكون الحال مع ما يقتضى معارضة بعض ما جاء به، بل ورده تأويلًا أو تفويضًا، كما هو حال هؤلاء المتكلمين مع أصولهم الفاسدة، يقول شيخ الإسلام: \"والرسول - ﷺ - بين الأدلة العقلية والسمعية التي يهتدى بها الناس إلى دينهم، وما فيه نجاتهم وسعادتهم\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٣/ ٣٤٧).","vol":"1","page":83},{"text":"في الدنيا والآخرة، وأن الذين ابتدعوا أصولًا تخالف بعض ما جاء به هي أصول دينهم، لا أصول دينه، وهى باطلة عقلًا وسمعًا\" (١).\nوقال عن حملة هذا الدين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nفقد وصفهم الله تعالى بالخيرية، وبين أنها تقتضى القيام بأشرف مهمة ميزها الله بها، وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولنا أن نتساءل هل هناك معروف يؤمر به أعظم في الدين من الأمر بأصوله؟\nفسكوت الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - عن الأدلة التي ابتدعها هؤلاء يعني عدم الحاجة إليها فضلًا عن اعتقاد تأصيلها لمسائل الدين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثانيًا: نقض دعاويهم في تقديم العقل:</span>\nأما ما ادعوه من أن العقل أصل في معرفة الشرع؛ فلا بد من تقديمه في الدلالة على ما علم بطريقه، وأن ادعاء كفاية الشرع في الدلالة على أصوله يؤدى إلى الدور، الذي يعني توقف معرفة الأدلة على صحة السمع بالسمع نفسه، هو باطل لوجوه منها:\nالأول: أن معرفة الله تعالى ربًا مستحقًا للكمال، أهلًا للعبادة، أمر قد فطر الناس عليه، وأدلته قد سبقت الإشارة إليها، ويحصل ذلك بالفطرة كما يحصل أيضًا بالإلهام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]. فينتفى بذلك القول بأن أصل السمع هو العقل.\nالثاني: أن ادعاء حصول الدور، يعني نفى اشتمال السمع على البراهين العقلية، التي تعمل الذهن للوصول إلى الحقائق الشرعية، بمعنى أنهم يجعلون دلالة السمع\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١٦/ ١٢٤).\n(٢) لمزيد من التوسع، انظر مبحث العلاقة بين العقل والنقل في كتاب المعرفة في الإسلام، د. عبد الله القرنى: ١٧٥.","vol":"1","page":84},{"text":"خبرية محضة، يجب تصديقها لأن العقل دل على صدقها، ولا يخفى ما في هذة المقولة من ضلال؛ فإن الله تعالى قد بين اشتمال الكتاب على البرهان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].\nيقول شيخ الإسلام: \"وكثير من أهل الكتاب يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه، ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: العقليات والسمعيات، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة.\nوهذا غلط منهم، بل القرآن دل على الأدلة العقلية، وبينها ونبه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] (١).\nوبذلك يعلم الخطأ في مقابلة الدليل الشرعي بالعقلى؛ فإن الدليل العقلى قد يكون شرعيًا إذا دل عليه الشرع وأثبته أو أباحه وسكت عنه، مع عدم وجود ما يعارضه بطريقه \"وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز، من الأمثلة المضروبة وغيرها، الدالة على توحيده وصدق رسله\" (٢).\nوبهذا يعلم أن ما قابل الدليل الشرعي هو البدعى وليس العقلى؛ لأن في ذلك تعميمًا لا يصدق، والبدعة مردها إلى الهوى، سواء توصل إليها بالعقل أم بغيره من آفات النفس بعيدًا عن الشرع \"وإذا ثبت هذا، وأن الأمر دائر بين الشرع والهوى؛ تزلزلت قاعدة حكم العقل المجرد، فكأنه ليس للعقل في هذا الميدان مجال، إلا من تحت نظر الهوى، فهو إذًا اتباع الهوى بعينه\" (٣).\nيقول الإمام ابن القيم:\n_________\n(١) الدرء: (١/ ١٧٥).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ١٩٨).\n(٣) الاعتصام للشاطبى: (١/ ٦٧).","vol":"1","page":85},{"text":"لا يستقل العقل دون هداية ... بالوحى تأصيلًا ولا تفصيلًا (١).\nومن أظهر الأدلة التي يتبين بها بطلان هذا المسلك؛ ما نتج عنه من رد لنصوص الكتاب والسنة، وذلك بطريق التأويل الذي يعني صرف اللفظ عن معناه الظاهر لقرينة، أو التفويض الذي يعني رد المعنى الظاهر، دون إثبات معنى مقابل له، وسيأتي الحديث عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>ثالثًا: التناقض لازم لهذا المسلك:</span>\nلقد وقع الصاوى كغيره في عدد من التناقضات، التي تدل صراحة على بدعية هذا المسلك، وعدم حجيته في الاستدلال، ومن ذلك:\nيرى الصاوى أن الاستدلال على صفة السمع والبصر والكلام، إنما يحصل بطريق السمع، ويؤكد هذا باعتراضه على المسلك العقلى بالاستدلال لها بدليل التقابل بين العدم والملكة أو طريق الكمال (٢)، حيث اعتقد أن في انتهاجه ما يؤدى إلى جواز وصف المولى بكل صفة كمال في حق المخلوق، مع أنها قد تكون صفة نقص في حقيقتها، كصفة الولد مثلًا، ومع ذلك فإنه يثبت هذه الصفات على حقيقتها، ولا يعتقد أن في إثباتها ما يوجب مماثلة للحوادث.\nأقول: إذا صح الاستدلال بالسمع والاكتفاء به على هذه الصفات، فلمَ لا يعمم هذا على سائر الصفات التي ثبتت بطريق السمع، دون أن يكون في إثباتها مماثلة للحوادث؟ وهذا سؤال يرد عليه في كل ما تأوله منها، ولازم يوجب عليه الرجوع إلى منهج واحد، في كل ما يجب في حق الله تعالى.\n- ومنها موقفه من اتصافه ﷿ بصفة الحكمة: يرى الأشاعرة تأويل جميع النصوص التي ورد فيها إثبات الحكمة لله تعالى، بأن المراد بها الإتقان والإحكام في الخلق، وذلك بحجة نفى الأغراض عن الله تعالى، ويتابع الصاوى أسلافه في هذا\n_________\n(١) الصواعق المرسلة: (٣/ ٩٧٨).\n(٢) انظر: مناقشه في هذه المسألة في الصفات الذاتية (المعانى): ٢٣٢.","vol":"1","page":86},{"text":"بنفس الحجة، ولكنه في المقابل كثيرًا ما يفسر صفة الحكمة بالمعنى الصحيح، فيقول: الحكمة هي وضع الشيء في محله، بل ويقول سبحانك ما خلقت هذا عبثًا، وحتى يخرج من هذا التناقض؛ فإنه يفرق بين العلة الباعثة وبين الغائية، ويرى أن الغائية هي التي يصح وصفه تعالى بها، أما الباعثة فهى مراد الأشاعرة، ومعلوم ببداهة العقول أن هذا تقسيم باطل لا أساس له؛ إذ العلة الغائية هي الباعثة ولا فرق، ولكنه كأنموذج لما يقع فيه أهل الابتداع من الاضطراب والتناقض (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>رابعًا: حجية الإلهام:</span>\nإن من أبين أنواع التناقض التي ظهرت في مسلك الاستدلال بالعقل عند الصاوى، تقديم حجية الإلهام على حجية العقل، كما قرر ذلك في طرق معرفة الباري تعالى، ولا يخفى أن هذا كان منه نتيجة؛ لمتابعة الأسلاف دون اقتناع كافٍ فيما تقرر لديهم؛ لكونه مجانبًا لحقيقة الإيمان الفطرى، الذي جبلت عليه النفوس.\nولا بد هنا من بيان أن اعتقاد حصول البيان التام بالشرع، لا يمنع إلاستئناس بما يدل عليه ويوافقه من طريق النظر أو الكشف، وإنما يقع المحظور في اعتقاد أن ثمة هدى ونور، يستقل ببيانه دليل سوى دليل الشرع (٢).\nوإذا تقرر هذا الأصل العظيم في معرفة ما يأخذ بطريق الإلهام وما يرد؛ فإنه يظهر الضلال الذي وقع فيه الصاوى، عندما اعتمد الإلهام في الكشف عن معانى الآيات الكريمة، دون أن يكون لذلك التفسير مستندًا من الأصول التي سار عليها السلف، في فهمهم لنصوص الكتاب الكريم، وسيأتي في ذلك مزيد بيان بإذن الله (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر: مبحث الحكمة والتعليل: ٤١٧.\n(٢) انظر: مبحث المعرفة: ١٢١.\n(٣) انظر: مبحث القرآن الكريم: ٣٨٢.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>(المبحث الثاني): منهجه في الاستدلال</span>\nمنهجه في الاستدلال بالعقل:\nلقد تابع الصاوى أسلافه من المتكلمين، في استخدام عدد من الأوجه الاستدلالية؛ حتى يتم بها تقرير مبدئه في اعتماد العقل، كمسلك مستقل في الدلالة على مسائل الإلهيات، ويمكن عدها فيما يلى:\n١ - الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد.\n٢ - الاستدلال بالسبر والتقسيم.\n٣ - الاستدلال بالقياس المنطقى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>أولًا: الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد:</span>\nويراد به معرفة ما غاب عن الحس، بطريقة البناء على المشاهد (٢).\nأما عن مكانته في الاستدلال، فكثيرًا ما يعول المتكلمون لتنظير أصولهم العقلية في تقرير القضايا الإلهية عليه؛ حتى قطع شيخ الإسلام بأن هذا معتمدهم في تقرير ما ذهبوا إليه فيها، يقول - ﵀ -: \"إن مبنى كلامهم في الإلهيات، إنما هو القياس على ما وجدوه في المشهودات، لا طريق لهم غير ذلك أصلًا\". (٣)\nوقد استدل به المتكلمون لإثبات ما أثبتوه من الصفات، كما استدلوا به أيضًا في نفى ما نفوه منها؛ فأولوه أو فوضوا معناه، ويلزم لصحة هذا المسلك وجود الجامع العقلى، الذي بموجبه يصح القياس، وقد يكون علة أو شرطًا، مثال ذلك ما أورده\n_________\n(١) انظر: مسالك المتكلمين في الاستدلال بالعقل كتاب: منهج إمام الحرمين، لشيخنا الفاضل: د/ أحمد آل عبد اللطيف: ١٣٩.\n(٢) انظر: المحيط بالتكليف، للقاضى عد الجبار: ١٦٧.\n(٣) بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٤٩٨).","vol":"1","page":88},{"text":"شارح المواقف في بيان أن العالم هو من قامت به صفة العلم، فقد اعتمد ما عليه القدماء من الأشاعرة وهو قياس الغائب على الشاهد؛ فإن العلة واحدة والشرط لا يختلف غائبًا وشاهدًا، ولا شك أن علة كون الشيء عالمًا في الشاهد هو العلم، فكذا في الغائب، وحد العالم ههنا من قام به العلم، فكذا حده هناك، وقس على ذلك سائر الصفات (١).\nويتابع الصاوى أسلافه في ذلك، حيث استخدم هذا النوع من مسالك الاستدلال العقلى، في إثبات صفات المعانى، وهى الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة، فيقول على سبيل المثال في دليل صفة الحياة: \"أن تقول: الله تعالى متصف بالقدرة والإرادة والعلم؛ وكل من كان كذلك تجب له الحياة، فينتج الله تجب له الحياة\".\nكما يتابعهم في نفى ما سواها بالتأويل أو التفويض، فيقول في صفة الحياء، منتهجًا نفس المنهج السابق: \"الحياء في حق الحوادث تغيير وانكسار، يعترى الإنسان من فعل ما يعاب، ولازمه الترك، فأطلق في حق الله، وأريد لازمه وهو الترك\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>مناقشة:</span>\nيعترض على هذا النوع من الاستدلال؛ بأنه لا يصح طرده في جميع الوجوه، وذلك لعدم استواء طبيعة الشاهد والغائب، وهذا ما أنكره ابن رشد على المتكلمين في استخدامهم هذا النوع من الاستدلال، في الحكم على جميع الأعراض بالحدوث، يقول: \"فتؤول أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابى إلا من حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد على الغائب\" (٣).\n_________\n(١) المواقف للإيجى: (٣/ ٦٩).\n(٢) انظر: مبحث الأسماء والصفات: ٢٠١.\n(٣) الكشف عن مناهج الأدلة: ١٠٩.","vol":"1","page":89},{"text":"وقد أبطل الشيخ أبو الحسن الأشعري (١) مقولتهم في نفى اليدين، وتأويلها بالنعمة استدلالًا بقياس الغائب على الشاهد ببيان أنه لا يصح اعتماده في صفات الله لما يؤول إليه من نفى الكثير منها بالرغم من تسليمهم باتصافه ﷿ بها، يقول: \"ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله بيدى يدين ليستا نعمتين؟ فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة. قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجونا إلى شاهدنا أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق، فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.\nقيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى، فكذلك لم نجد حيًا من الخلق إلا جسمًا لحمًا ودمًا فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك -، وإلا كنتم لقولكم تاركين، ولاعتلالكم ناقضين، وإن أثبتم حيًا لا كالأحياء منا؛ فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين، ولا جارحتين، ولا كالأيدى\". (٢)\n* * *\n\nوشيخ الإسلام - ﵀ - لبيان ضلال هؤلاء المتكلمين في استدلالهم بهذا الدليل يذكر ما وقعوا من تناقض واضطراب نتيجة لاتباعهم مسلك الابتداع، ويقول: \"المتكلمون والفلاسفة كلهم على اختلاف مقالاتهم هم في قياس الغائب على الشاهد مضطربين، كل منهم يستعمله فيما يثبته ويرد على منازعه ما استعمله في ذلك، وإن كان قد استعمل هو في موضع آخر ما هو دونه، وسبب ذلك أنهم\n_________\n(١) علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن قيس الأشعرى اليماني، تنسب إليه الطائفة الأشعرية ولد بالبصرة سنة: ٢٧٠، كان على مذهب الاعتزال تتلمذ على يد أبى على الجبائى وبعد ذلك فارقه إلى الاشعرية ومنه إلى مذهب السلف وله مؤلفات كثيرة رد فيها على المعتزلة والخوارج شذرات الذهب: (٢/ ٣٠٣) ومعجم المؤلفين: (٧/ ٣٥).\n(٢) الإبانة: ١٣٦.","vol":"1","page":90},{"text":"لم يمشوا على صراط مستقيم، بل صار قبوله ورده هو بحسب القول، لا بحسب ما يستحقه القياس العقلى\" (١).\nوبهذا فهو يظهر أن أساس ما وقع فيه المتكلمون من الاضطراب والتناقض، حيث اتباع المذهب هو الأساس الذي يحملهم على الاستدلال به في الإثبات أو النفى لا حجة لهم في ذلك، يقول - ﵀ -: \"فإن قيل: هذه الحجة مبناها على قياس الغائب على الشاهد وهو باطل، قيل: قياس الغائب على الشاهد باتفاق الأمم ينقسم إلى حق وباطل فإن لم يتبين أن هذا من الباطل لم يصلح رده بمجرد ذلك\" (٢).\nوالمعلوم أن القياس المعتمد في حق الباري تعالى هو قياس الأولى الذي دل عليه الكتاب العزيز، حيث قال المولى تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثانيًا: الاستدلال بالسبر والتقسيم:</span>\nالسبر في اللغة: التجربة والاختبار، يقال: سبر الشيء سبرًا حزره وخبره، والسبر: استخراج كنه الأمر. (٣)\nوالتقسيم: حصر الأوصاف الممكنة للمحل. (٤)\nفالسبر والتقسيم في الاصطلاح: حصر الأوصاف في الأصل وإبطال ما لا يصلح ليتعين ما بقى، وهو إيراد أوصاف الأصل أي المقيس عليه، وإبطال بعضها ليتعين الباقى للعلية. (٥)\nوقد استخدم هذا النوع من الاستدلال العقلى في كثير من قضايا الفقه والأصول وذلك لمعرفة العلة الصحيحة التي ترتب عليها الحكم.\n_________\n(١) بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٣٢٦).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ٤٩٥).\n(٣) لسان العرب: (٤/ ١٩١٩).\n(٤) التعاريف: (١٩٨). وانظر: التعريفات: ١٥٥.\n(٥) المرجع السابق: (١٩٨).","vol":"1","page":91},{"text":"كما استخدمه المتكلمون أيضًا في إثبات مسائل الاعتقاد، يقول الإيجى: \"وثانيها أي ثانى الأمور التي هي أشهر الطرق المثبتة للعلة المشتركة السبر، كأن يقال مثلًا علة كون السواد مرئيًا: إما وجوده، أو كونه عرضًا، أو محدثًا، أو لونًا، أو كونه سوادًا، والكل باطل سوى الوجود، والله سبحانه موجود فيصح رؤيته\". (١)\nوقد تتعدد الغاية من استعمال السبر والتقسيم في الحكم، فقد يراد به إبطال جميع الأقسام الواردة، وقد يراد به إبطال بعضها أو تصحيح الجميع. (٢)\nوالصاوى متابعة لمنهج المتكلمين نراه يستخدم هذا النوع من الاستدلال العقلى للوصول إلى ما يرمى تقريره من المسائل العقدية، ومن ذلك تقريره لدليل التمانع في إثبات الوحدانية، يقول: \"لو فرض إلهان وأرادا معًا إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معًا وهو باطل؛ للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معًا وهو باطل أيضًا للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضًا؛ لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية.\nوإذا فرض اتفاقهما فهو باطل أيضًا لوجود التوارد، وتقريره أيضًا أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء فإما أن يحصل بإرادتهما معًا، وذلك باطل لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق إلى إيجاده فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول لوجود المماثلة بينهما\" (٣)\nفأبطل جميع الاحتمالات الممكنة من وجود إلهين قادرين.\n* * *\n\nهذا وليس في استخدام هذا الضرب من الاستدلال ما يخالف الحق فقد وجد في القرآن الكريم بعض صور منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]\n_________\n(١) المواقف: ١٩٣.\n(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ٩٩.\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٩٢)، وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٦٣، وحاشية جوهرة التوحيد: ٢١.","vol":"1","page":92},{"text":"فقد بينت الآية الكريمة أن جميع الأقسام الممكنة من المتسبب في الخلق سوى الله تعالى باطلة، فإما ألَّا يكون ثمة خالق لهم، وهذا باطل وإما أن يكون الخالق هو نفس المخلوق وهذا باطل، فتعين أن يكون الخالق هو الرب تعالى، وقد حذف هذا القسم لظهوره. (١).\nوقد درج العلماء على استخدام هذا النوع من الاستدلال لتقرير الحق وهذا كثير في كلام شيخ الإسلام - ﵀ -، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في بيان دليل القدرة، يقول: \"والدليل على قدرته إيجاد الأشياء وهى إما بالذات وهو محال وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديمًا وهو باطل فتعين أن يكون فاعلًا بالاختيار وهو المطلوب\" (٢).\nومع صحة الدليل إلا أن خطأ الأشاعرة هنا يتجه إلى استخدامهم الدليل، ويتضح هذا من خلال الدليل الذي ذكره الإيجى، فإنه جعل لعلة المصححة للرؤية هي الوجود، ولا شك أن في هذا الاختيار ضعف، لأنه إذا صح وجب سحب الحكم بصحة الرؤية لكل موجود وهذا مما لا يسلم لهم، إذ لأمكن رؤية الروائح والأصوات لكونها موجودة، وقد علم بطلان هذا بالضرورة، وكان السبب في اختيارهم هذا المصحح هو محاولة التفلت من إلزامهم بإثبات الجهة لله تعالى، وهذا ما ألزمهم به شيخ الإسلام - ﵀ - وأبان به فساد مذهبهم في نفى الجهة عن الله تعالى، والصحيح أن الرؤية تثبت عند سلامة البصر، وكون المرئى في جهة، وقيامه بالنفس (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثالثًا: الاستدلال بالقياس المنطقي:</span>\n\" القياس قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، كقولنا\n_________\n(١) أضواء البيان، للشنقيطى: (٤/ ٣٨٩).\n(٢) شرح العقيدة الأصفهانية: ٥٤.\n(٣) انظر: الدرء: (١/ ٢٤٧)، (٧/ ٢٣٩)، ومجموع الفتاوى: (١٦/ ٨٤)، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة: (٣/ ١٣٧٨).","vol":"1","page":93},{"text":"العالم متغير وكل متغير حادث، فإنه قول مركب من قضيتين، إذا سلمتا لزم عنهما لذاتهما: العالم حادث\" (١).\nويعد هذا المسلك من المسالك العقلية الدخيلة على الفكر الإسلامى، فلم يكن استعماله في إثبات العقائد مما ألفه الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين، بل كان من العلوم المردودة التي كثر ذم أهل العلم لها، ولكن مع تأثر الغزالي به وانتشار تقعيده لعلم الأصول بالأسس التي بنى عليها صار له تعلق كبير بإثبات العقائد الإلهية عند المتكلمين من بعده (٢). يقول الغزالي - ﵀ -: \"فكل قياس لم يكن بنظم مقدمات ضرورية، أو بنظم مقدمات مستنتجة من ضرورية، فلا حجة فيه فهذا هو القياس المعقول، وإنما ينتظم أبدًا من مقدمتين: إما مطلقة (٣)، وإما تقسيمية (٤)، وقد تسمى حملية وشرطية (٥)، أما المطلقة، فكقولنا: العالم حادث، وكل حادث فله سبب، فهاتان مقدمتان: الأولى حسية (٦)، والثانية ضرورية عقلية، ونتيجته أن لحوادث العالم إذًا سببًا\" (٧). ويطبق الإيجى (٨) القياس المنطقى بصورته الاقترانية (٩) ليستنتج نفس القضية.\n_________\n(١) التعريفات للجرجانى: ٢٣١.\n(٢) انظر: الرد على المنطقيين، لشيخ الإسلام: ٣٣٧.\n(٣) يعني بها الحملية وسميت بذلك لان الحكم فيها أطلق بلا شرط أو قيد.\n(٤) يعني بها القضية الشرطية التي قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة بحسب الأداة التي تربط بين جزئيها. انظر: العجم الفلسفى: (٢/ ١٩٥).\n(٥) القضية الحملية هي المكونة من محمول وموضوع، أو سند ومسند إليه كقول القائل: محمد ناجح، فمحمد هنا هو الموضوع، وناجح هو المحمول، وتعرف بأنها: التي يحكم فيها بإثبات شيء بشيء أو نفى شيء عن شيء.\nأما الشرطية فهى التي تتكون من قضيتين حمليتين يربط بينهما أداة شرطية تسمى القضية الأولى: مقدم، والثانية: تالى، كقول القائل: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. انظر: تسهيل المنطق، عبد الكريم الأثرى: ٣٧.\n(٦) المعارف الحسية هي التي يكون مسند التصديق بها أحد الحواس الخمس كالسمع أو البصر، فالطعن بها طعن في صدق ما تمليه الحواس.\n(٧) فضائح الباطنية: ٨٥.\n(٨) عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجى الشيرازي الشافعي، فقيه أصولى لغوى، من مؤلفاته: الرسالة العضدية في الوضع، شرح منتهى السول والأمل في علمى الأصول والجدل، المواقف في علم الكلام، توفى سنة ٧٥٣ انظر: شذرات الذهب: (٦/ ١٧٤)، ومعجم المؤلفين: ١١٩.\n(٩) القياس الاقترانى سمى بذلك لأن عناصره فيها اقتران ونتيجته في مقدمتيه بالقوة لا بالفعل، يعني بالمادة لا بالصورة والهيئة، يقول الجرجانى: \"هو ما لا يكون عين النتيجة ولا نقبضها مذكورًا فيه بالفعل، كقولنا: الجسم مؤلف، وكل مؤلف محدث، ينتج الجسم محدث، فليس هو ولا نقيضه مذكورًا في القياس بالفعل. التعريفات: ٢٣١.","vol":"1","page":94},{"text":"فيقول: \"قد علمت أن العالم إما جوهر أو عرض، وقد يستدل بكل واحد منهما إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه وجوه أربعة:\nالأول: الاستدلال بحدوث الجواهر، وهو أن العالم حادث، وكل حادث فله محدث.\nالثاني: بإمكانها وهو أن العالم ممكن، لأنه مركب وكثير، وكل ممكن فله علة مؤثرة\". (١)\nومن هنا نجد تأثر الصاوى به واضحًا، وذلك في تطبيقه لبعض صوره عند إثبات عدد من قضايا الإلهية، فمثلًا إثبات وجود الله تعالى، يرى الصاوى أن دليل الحدوث أو الإمكان الذي ابتدعه المتكلمون على طريقتهم من أهم الأدلة التي يصح بها إثبات وجود الباري تعالى، فيقول مستدلًا به على هيئة القياس الاقترانى: العالم ممكن، وكل ممكن له صانع، فالعالم له صانع أو العالم حادث، وكل حادث له صانع، فالعالم له صانع\".\nويذكر موضحًا طريقة الاستدلال للقضية الصغرى وهى العالم حادث مستخدمًا نفس الدليل ولكن بأكثر من مقدمتين، فيقول: \"العالم الحادث، أما المقدمة الأولى التي ينبنى عليها دليل حدوث العالم: إثبات أن العالم متغير؛ حيث علمت بالمشاهدة.\nأما المقدمة الثانية: كل متغير حادث، فإن كان موجودًا بعد عدم فحدوثه ظاهر، وإن كان معدومًا بعد وجود، فكل ما جاز عليه العدم قطعًا يستحيل عليه القدم.\nثم يبين وجه التلازم بين التغير والحدوث بتقسيم العالم إلى أجرام وأعراض \"فحدوث الأعراض بمشاهدة التغير والأجرام لملازمتها لها، وملازمة الحادث حادث بالضرورة\".\n_________\n(١) المواقف للإيجى: (٣/ ٧).","vol":"1","page":95},{"text":"فيصل بذلك إلى صحة المقدمة الأولى: \"فينتج العالم حادث\". (١)\nوأما دليل القضية الكبرى: \"كل حادث له محدث \"فيستند إلى وجوب إثبات المرجح الذي كان به ترجيح الوجود على العدم، يقول: \"وإلا لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال، فينتج العالم لا بد له من محدث\" (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المناقشة:</span>\nلقد وجه شيخ الإسلام عددًا من النقوض لمسلك الاستدلال الأرسطى كشف فيها عن الكثير من ضلالات معتقدهم في الإلهيات، والتى بنى على أساسها قواعد المنطق ونظرياته، ولعلى أشير إلى أهمها على ما يسمح به الحال مع التأكيد أننى هنا لست بصدد مناقشة هذه القضية بذاتها لأن النقاش سيأتي بها لاحقًا بإذن الله (٣)، وإنما يهمنى إعطاء فكرة نقدية لهذا المنهج الذي تأثر بها المتكلمون كثيرًا في المسائل الأصولية.\nلقد كان من أهم النقود التي وجهها شيخ الإسلام - ﵀ - للمنطق الأرسطى، ما أسندوه إلى القياس المنطقي من مصداقية في تقرير الحقائق، حتى جزموا بأنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس، إذ لا مستند لهم في هذا الحصر إلا ادعاء لا بينة لهم عليه، ومع عدم موافقة المتكلمينن لهم على هذا الادعاء بالكلية، إلا أن اعتمادهم عليه في تقرير أصول الدين يعد دليلًا على موافقتهم في كونه دليلًا يتوصل به إلى تقرير الحقائق، وهذا ما يرد عليهم.\nبيان ذلك أن الأساس في القياس وجود القضية الكلية كقول المتكلمين كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فإن استنادهم في هذا التعميم إنما يتحقق بالاستقراء الذي لا تكون نتائجه قطعية الدلالة لتطرق الاستثناء إليها؛ بسبب نقصانه وعدم\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ١٥.\n(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ١٥، ١٦. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٤٨، ٤٩.\n(٣) انظر: مبحث الاستدلال علي وجود الله: ١٤٣.","vol":"1","page":96},{"text":"الجزم بشموله مما يقضى بظنية تعميمه على المجموع، ومن هنا فإن الأساس الذي أقاموا عليه برهان القياس المنطقى مهدد بالنقض من أساسه عند وجود المعارض المقتضى لذلك.\nإذ الاستقراء ينقسم إلى نوعين بحسب ما يستند إليه من مرجعية الحكم، فقد يكون استقراءً تامًا بحيث تصدق لفظة (كل) على جميع أفراد الموضوع: المحكوم عليه، كقول النبي - ﷺ -: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) (١)، وقد حكم عليه بأنه استقراء تام لأنه وحى معصوم، فتصديقه من تصديق المرسل ﷾.\nأما الاستقراء الناقص فهو كل حكم على الموضوع كان أساسه التجربة، ومن المعلوم أن التجربة الحسية دلالة تعميمها ظنية، إذ الحكم على الأفراد إنما يتحقق صدقه على من وقعت عليه التجربة حقًا، أما ما خلا ذلك فهو قياس ذهنى قد يتعرض لنقض من فرد واحد، ققول القائل: كل نار محرقة، إنما توصل إليه بما شاهده من النيران التي جربها بحواسه، أما ما خلا ذلك فهو قياس توصل إليه بالأفراد الذين تحقق من صدق الحكم عليهم، لذا فإن هذا الحكم قد يتطرق إليه النقصان بمخالفة فرد من أفراد النيران لهذا التعميم، كالنار التي ألقى فيها إبراهيم - ﵇ - فإنه تخلف إحراقها بأمر الله تعالى، والذي أريد أن أتوصل إليه هنا أن كل تعميم بنى على الاستقراء التجريبى فهو استقراء ناقص، إذ أساس تحكيمه إعمال قياس الغائب على الشاهد وقد علم إمكان تطرق المنع إليه والذي يقضى بانتقاضه من أصله.\n- ومن جهة أخرى فإذا كان العلم بصدق هذه القضية الكلية ضروريًا أو كما يعبر عنه بالبدهى امتنع وجود الحاجة إليها، ومثال ذلك قول المتكلمين كل حادث له محدث فإن هذه القضية الكبرى التي هي مقدمة البرهان يمكن الاستغناء عنها\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأشربة - باب بيان أن كل مسكر خمر، رقم الحديث: ٥١٨٩.","vol":"1","page":97},{"text":"لبداهتها، فلا يكون هناك حاجة لذكرها ويكتفى بالنتيجة لظهور هذه المقدمات وبداهتها وهى: العالم له محدث، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان هذا: \"فما من قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان، إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان، بل هو الواقع كثيرًا.\nفإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين، وأن كل اثنين نصفهم واحد فإنه يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين، وهلم جرًا في سائر القضايا المعينة من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية. . .\nوكذلك إذا قيل: هذا محدث، فلا بد له من محدث، فتلك القضية الكلية وهى قولنا: كل محدث لا بد له من مُحْدِث، وكل ممكن لا بد له من مرجح يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهانى عندهم، بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها، فيعلم أن هذا المحدَث لا بد له من محدِث، وهذا الممكن لا بد له من مرجح\" (١).\n- ثم إن ما اشترطوه لصحة القياس من وجود مقدمتين، وإذا زاد الأمر لحاجة الاستدلال سموه مركبًا وردوه مع تعدده لبيان المقدمتين، لحصول النتيجة المطلوبة لا يصح لهم، وذلك لأن \"الدليل قد يكون مقدمة واحدة، وقد يكون مقدمتين، وقد يكون مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل، إذ حاجة الناس تختلف، فقد يصل المستدل إلى المطلوب بمقدمة واحدة وقد يحتاج لأكثر، إذ المقصود هنا أن وجه الدليل: العلم بلزوم المدلول له - أي العلم بوجه دلالة الدليل على ما يدل عليه -، سواء سمى استحضارًا أو تفطنًا أو غير ذلك، فمتى استحضر في ذهنه لزوم المدلول له علم أنه دال عليه. وهذا اللزوم إن كان بينًا له، وإلا فقد يحتاج في بيانه إلى مقدمة أو ثنتين أو ثلاثة أو أكثر (٢)\nدل على ذلك نهج من وجب اتباعهم والتزام سبيلهم من المهاجرين والأنصار\n_________\n(١) الرد على المنطقيين: (١/ ١٢١).\n(٢) الرد على المنطقيين: (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":98},{"text":"والتابعين لهم بإحسان، فإنه لم يكن أحد منهم يلتزم هذا النوع من الاستدلال وإنما يكون بحسب ما يقتضيه المقام من المقال. (١)\nلذا فإن الكثير من \"نظار المسلمين يعيبون طريقة أهل المنطق، ويبينون ما فيها من العى واللكنة وقصور العقل وعجز النطق. ويبينون أنها إلى إفساد المنطق العقلى واللسانى أقرب منها إلى تقويم ذلك. ولا يرضون أن يسلكوها في نظرهم ومناظراتهم، لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه\" (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>ثالثًا: منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة:</span>\nلقد واجه المتكلمون في تثبيت أصولهم القائمة على اعتماد العقل أساسًا في العقائد الأصولية الكثير من المعارضات الشرعية؛ إذ تقتضى حقيقة الإيمان المنجى الإقرار بها بل والتصديق بها جزمًا، فحين بنى المتكلمون أصل اعتقادهم في إثبات وجود الله تعالى على دليل الحدوث المعروف، التزموا للإبقاء على سلامته من المعارضة عددًا من الثوابت العقلية - عندهم - اعتقدوا أنها من اليقينيات، ومع ذلك فقد كان في هذه الأصول العقلية المبتدعة ما يخالف الكثير من الأدلة الشرعية التي مبنى التصديق بها الإيمان بما جاء به النبي - ﷺ - من القرآن والسنة.\nوتماديًا في التمسك بهذه الأصول المبتدعة، وإلحاحًا في التأصيل لها، فقد قام المتكلمون بالطعن في الأدلة الشرعية التي تخالف ما ظنوه قواطع عقلية، ولكن على هيئة يبقى بها الإيمان على ظاهره من التصديق الشامل لكل ما جاء به الكتاب والسنة، وكان لهم في ذلك سبيلان؛ الطعن في الثبوت والطعن في الدلالة، أما الطعن في الثبوت فقد راموا به إبطال المعارض الشرعي الذي لم يثبت بالطريق المتواتر، فكان حجتهم في عدم اعتماده في رد مسلماتهم العقلية كونه ظنى الثبوت، فحكموا بعدم جواز الأخذ به في العقائد.\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ١٩٠ - ١٩٥) بتصرف.\n(٢) المرجع السابق: (١/ ١٩٦) وقد أشار بذلك شيخ الإسلام إلى حال المتكلمين قبل زمن الغزالي الذي أدخل هذا الفن الدخيل في تقنين الأصول.","vol":"1","page":99},{"text":"وأما الطعن في الدلالة، فقد اعتقدوا أن دلالة النصوص الشرعية ظنية حتى يردوا منهما بالتأويل أو التفويض ما عارض منهما مسلماتهم العقلية؛ إذ لا سبيل لهم إلى الطعن في ثبوتهما قطعًا، وكان حجتهم في ذلك ما اعتمدوه أساسًا في تقرير العقائد من القطع بدلالة العقل وتقديمه على دلالة النقل، وإمعانًا في إعمال هذا الأصل المبتدع؛ فقد طعنوا حتى في مسالك البعض منهم حين انتهجوا مسلك الاستدلال بالشرع في تقرير بعض ما قد أقروا بوجوبه بطريق العقل من المسائل العقدية كوجوب النظر مثلًا، يقول الإيجى: \"أما أصحابنا فلهم في إثبات وجوب النظر المؤدى إلى المعرفة مسلكان: الأول: الاستدلال بالظواهر من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب النظر في المعرفة، نحو قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].\nوقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].\nفقد أمر بالنظر في دليل الصانع وصفاته والأمر للوجوب كما هو الظاهر المتبادر منه.\nولما نزل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].\nقال ﵊: (ويل لمن لاكها أي مضغها بين لحييه أي جانبى فمه ولم يتفكر فيها) (١) فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة فهو واجب، إذ لا وعيد على ترك غير الواجب، وهذا المسلك لا يخرج عن كونه ظنيًا غير قطعى الدلالة، لاحتمال الأمر غير الوجوب، وكون الخبر المنقول من قبيل الآحاد\". (٢)\nبل قد أدى بهم هذا الزعم إلى الجزم بأن جميع المسائل التي يرجع فيها إلى النقل عندهم - لعدم إمكان الاستدلال عليها بالعقل - دلالتها ظنية، حيث يستقل النقل\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان بنحوه في صحيحه عن عائشة، وفيه: (ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها): كتاب الرقائق - باب التوبة، رقم الحديث: ٦٢٠: (٢/ ٣٨٦).\n(٢) المواقف: (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":100},{"text":"بالدلالة عليها دون العقل، يقول الإيجى: \"واعلم أن مسألة الأفضلية لا مطمع فيها في الجزم اليقين؛ إذ لا دلالة للعقل بطريق الاستقلال على الأفضلية بمعنى الأكثرية في الثواب، بل مستندها النقل، وليست هذه المسألة مسألة يتعلق بها علمية فيكتفى فيها بالظن الذي هو كافٍ في الأحكام العملية، بل هي مسألة عملية يطلب فيها اليقين، والنصوص المذكورة من الطرفين بعد تعارضها لا تفيد القطع على ما لا يخفى على منصف، لأنها بأسرها إما آحاد، أو ظنية الدلالة مع كونها متعارضة أيضًا\". (١)\nومن هذا النص المتقدم يتبين أنه لا سبيل عند المتكلمين إلى اعتقاد اليقين في المسائل الشرعية إلا بما يستدل له بطريق العقل، إما بالأصالة كمعرفة الله تعالى بصفاته، أو بالاعتضاد كأخبار اليوم الآخر، حيث علم بالعقل إمكانها، أما خلا ذلك فتبقى دلالتها ظنية؛ إذ لا سبيل إلى العقل في إثباتها أو ردها.\nوببيان هذا الأصل الفاسد الذي اعتمده المتكلمون في الاستدلال بالأدلة الشرعية يمكن فهم موقفهم من الألفاظ الشرعية من حيث دلالتها على المعانى العقدية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>أولًا: الاستدلال بالنص:</span>\nالنص في اللغة مأخوذ من الارتفاع، يقال: نص الحديث ينصه نصًا رفعه، وكل ما أظهر فقد نص، ونصت الظبية جيدها رفعته، والمنصة ما تظهر عليه العروس لترى. (٢)\nوفى الاصطلاح: ما ازداد وضوحًا على الظاهر لمعنى في المتكلم، وهو سوق الكلام لأجل ذلك المعنى، فهو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وبالتالى: فهو مما لا يحتمل التأويل. (٣)\nكما يعرف بأنه: \"ما لا يتطرق إليه احتمال يعضده دليل، فإن تطرق إليه احتمال لا دليل عليه؛ فلا يخرج عن كونه نصًا\" (٤).\n_________\n(١) المواقف: (٣/ ٩٣٦) ولإبطال ما اشتبه عليه في أمر الأفضلية انظر: مبحث الإمامة: ٦٤١.\n(٢) لسان العرب: (٧/ ٤٤٤١).\n(٣) التعريفات: ٢٦٩، وانظر: التعاريف: ٦٩٩.\n(٤) روضة الناظر وجنة المناظر: (٢/ ٥٦١).","vol":"1","page":101},{"text":"ولما كان التأويل عند المتكلمين مما يعم جميع النصوص الشرعية التي تدل على مخالفة ما ذهب إليه المتكلمون في القضايا الإلهية؛ إذ المعول عليه في تلك المسائل هو العقل وليس النقل، فإن أي آيٍ من القرآن الكريم أو الحديث النبوى لا يستدل به على جهة القطع في الدلالة على مقتضى إعماله؛ ما لم يدل على مقتضاه بدليل العقل.\nومن هنا فإن الصاوى كأسلافه من المتكلمين لم يعملوا الدلالة النصية للكتاب الكريم، والحديث الشريف على الأحكام العقدية إلا في السمعيات فقط، أو أجازوه فيه، فليس للتفريق أساس بين الظاهر والنص من الأدلة الشرعية إلا ذلك التقسيم الآنف الذكر، ومع ما يتشدق به المتكلمون من وجود القرائن والتى يرجعونها إلى قطعية الدلالة العقلية فإن الصحيح فيها أنها ليست بدليل يمكن بها رد النص وتقديمه عليه، وهذا يرجع إلى ما تقدم إجمال القول فيه من العلاقة بين النص الصحيح والعقل الصريح، ولعلى أذكر بعضًا من الأمثلة التي تدل على استدلال الأشاعرة بقطعية الدلالة عند عدم وجود المعارض العقلى على مذهبهم، يقول الباقلانى (١) في حكم مرتكب الكبيرة في الآخر: \"فإن قال: فما تقولون في مذنبى أهل ملة الإسلام، هل يجوز العفو عنهم حتى لا يعاقب الفاسق بما كان من ظلمه لنفسه أو غيره؟ قيل له: نعم. فإن قال: فما الدليل على ذلك؟ قيل له: ما قدمناه من حسن العفو من الله ومن غيره، ومع أن الله تعالى قد بين ذلك في نص كتابه فقال: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nفاستثنى من المعاصى التي يجوز أن يغفرها الشرك فألحقت الأمة به ما كان بمثابته من ضروب الكفر والشرك (٢).\n_________\n(١) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري المالكى الأصولى المتكلم، صنف الباقلانى تصانيف واسعة في الرد على الفرق المختلفة توفى سنة: ٤٠٣، انظر: في ترجمته: وفيات الأعيان: (٤/ ٢٦٩). وشذرات الذهب: (٣/ ١٦٨).\n(٢) التمهيد: ٤٠٣.","vol":"1","page":102},{"text":"وكذلك سائر مسائل الاعتقاد التي يستدل لها بنصوص الكتاب أو السنة كالإيمان باليوم الآخر والجنة والنار، وغير ذلك.\nومن هنا كانت متابعة الصاوى للمتكلمين من قبله في الاحتجاج بنصوص الكتاب والسنة؛ فيما يرى صحة الاكتفاء بدلالتهما، ومن ذلك استدلاله على عدم خلود مرتكب الكبيرة في النار بالآية السابقة كغيرة من الأشاعرة، يقول: \"أما المعاصى فلا تبطل ثواب الأعمال الصالحة خلافًا للمعتزلة القائلين بان الكبائر تحبط الأعمال كالردة، ورد كلامهم بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] \" (١).\nويقول مستدلًا لوزن الأعمال: \"يجب الإيمان بأن العباد توزن أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا، وبالميزان أي الآلة الحسية التي يوزن بها، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] \" (٢).\nوكما ظهر استدلال الصاوى جليًا في هذه المسائل العقدية بنص الكتاب فقد ظهر أيضًا في السنة المباركة، إلا أن تجوزه ملحوظًا في الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات في قضايا العقيدة، وهذا مما يرد عليه، مع أن موقفه من قبول حديث الآحاد وعدم الطعن في ثبوته مما يحمد له.\nومن استدلاله بالصحيح منها الإيمان بما أخبر به النبي - ﷺ -، من أمور الآخرة، يقول: \"يجب علينا الإيمان بحوض نبينا - ﷺ - من أنكره فسق وبدع، وهو كبير متسع طوله شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك. .) (٣)\nأما الاستدلال بالحديث الضعيف، أو ما لا يعلم سنده فكثير، ومن ذلك؛\n_________\n(١) وانظر: مبحث الأسماء والأحكام: ٣٠٠.\n(٢) انظر: مبحث حقائق يوم القيامة: ٥٢٥.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل - باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته، رقم الحديث: ٥٩٢٨.","vol":"1","page":103},{"text":"إخباره عن تفاصيل الدابة، ويأجوج ومأجوج وغير ذلك، فقد استدل بأحاديث بعضها منقطع، والبعض الآخر غير معروف السند. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثانيًا: الاستدلال بالظاهر:</span>\n\" الظاهر هو اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بنفس الصيغة ويكون محتملًا للتأويل والتخصيص، وما ظهر المراد منه للسامع بنفس الكلام، كقوله وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nوقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] \". (٢)\nويرى الأشاعرة بناء على ما تقدم أن كل دليل احتمل التأويل لوجود القرينة العقلية التي تقضى بمعارضة الأخذ بالظاهر عندهم وجب تأويله بما يدفع ذلك التعارض، مع محاولة عدم الخروج عن اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.\nويظهر هذا جليًا في تأويلهم لظواهر الكتاب والسنة التي دلت على اتصاف المولى تعالى بالصفات سوى ما أثبتوه منها بدليل العقل، وهى الصفات السبع المعروفة، وكانت القرينة العقلية التي اعتمدوها لصرف الدليل عن ظاهره؛ هي اعتقاد أن في الأخذ بظواهر هذه الأدلة ما يقدح في أصل تنزيه المولى تعالى عن مشابهة الحوادث.\nوقد أدى هذا الاعتقاد الغالى في تقديم العقل على أدلة الشرع في معرفة الحقائق على جهة القطع؛ إلى أن حكم بعض المتكلمين على عموم أدلة الكتاب والسنة بأنها ظواهر، وليس فيها نصوص تفيد اليقين، كل ذلك لإمكان معارضتها بالدليل العقلى الذي اعتقدوا فيه اليقين، يقول الآمدي (٣): \"وعلى الجملة فلسنا نعتمد في\n_________\n(١) انظر: مبحث أشراط الساعة: ٤٨٦.\n(٢) التعريفات: ١٨٦.\n(٣) هو سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي على الحنبلى الشافعي المتكلم برع في الفقه وعلم الكلام والمنطق قال عنه سبط بن الجوزى: لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام توفي سنة: ٦٣١: شذرات الذهب: (٥/ ١٤٤).","vol":"1","page":104},{"text":"هذه المسألة على غير المسلك العقلى الذي أوضحناه، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية، والاستبصارات العقلية، وهى مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين، فلا يذكر إلا على سبيل التقريب، واستدراج قانع بها إلى الاعتقاد الحقيقى\". (١)\nومن هنا فقد وقف الصاوى من ظواهر نصوص الكتاب والسنة موقفًا متعسفًا للغاية، حيث رمى من أخذ بظاهرهما بالكفر؛ وكان هذا نتيجة لما تقرر عنده من إمكان وجود المعارض العقلى الذي يقضى بتقديمه على النقل في مسائل المعرفة والتوحيد، وأن في عدم تأويل الدليل بما يدفع ذلك المعارض العقلى ما يؤدى إلى اعتقاد مماثلة الرب تعالى للحوادث.\nيقول في عد أصول الكفر: \"والتمسك في عقائد الإيمان بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية، والقواطع الشرعية، فالتمسك بظاهر الكتاب والسنة أصل ضلال الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة، عملًا بظاهر: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المناقشة:</span>\nوحتى يتم بيان أصل الضلال الذي حمل الصاوى وسابقيه من المتكلمين على عد الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من الكفر لا بد من الكشف عن أمرين:\nالأول: حكم الأخذ بظواهر الكتاب والسنة.\nالثاني: متى يصار إلى التأويل.\nأما عن حكم الأخذ بالظاهر فإنه مما تقرر عند علماء الأصول وجوب الأخذ به،\n_________\n(١) غاية المرام في علم الكلام، الآمدي: ١٧٤.\n(٢) حاشية الجوهرة: ٢٥٢. وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٣١).","vol":"1","page":105},{"text":"فإنه لا يسمى بذلك إلا لكون ظاهره مما يتبادر إلى الذهن في الدلالة على المعنى المراد حتى ظهر معناه للمخاطب، ولا يصار إلى ما يمكن أن يحتمله الدليل من المعنى المرجوح إلا لقرينة.\nيقول الإمام الشنقيطى (١) - ﵀ -: \"اعملوا أن المقرر في الأصول أن الكلام إن دل على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى نصًا، كقوله مثلًا: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nفإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر، وإما أن يتساوى بينهما.\nفإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح المجمل، وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلا بدليل على التفصيل.\nأما إذا كان نصًا صريحًا فالنص يعمل به، ولا يعدل عنه إلا بثبوت النسخ.\nفإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمى بالظاهر، ومقابله يسمى محتملًا مرجوحًا، والظاهر يجب الحمل عليه إلا لدليل صارف عنه.\" (٢)\nإذًا فالأصل في حكم الأخذ بالظاهر هو الوجوب، فأين منه هذه المقولة الظالمة التي جعلت الأصل في الأخذ به المنع الذي يقتضى الخروج من الدين بالكلية؟ لا شك أن هذا إجحاف وضلال يطعن في أصل الإيمان بالأدلة الشرعية كتابًا وسنة.\nومن العجب أن الصاوى عند بيان الآداب التي يجب التمسك بها في الأخذ عن الشيخ؛ أوجب على التلميذ أن يحمل كلام الشيخ على ظاهره، ولا يعمد إلى\n_________\n(١) هو الإمام الفقيه المفسر الأصولى محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح المختار الجكنى الشنقيطى، من علماء موريتانيا، ولد ﵀ سنة: ٣٢٥ هـ في شنقيط، انتقل إلى الحجاز ودرس في المسجد النبوى وفى الجامعة الإسلامية حتى وفاته تخرج على يديه الكثير من خيرة العلماء، واذكر منهم: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عطية محمد سالم، اعتنى بالتأليف والتصنيف ومن أشهر مؤلفاته: أضواء البيان في تفسير القرآن، وآيات الأسماء والصفات. توفى سنة: ٣٩٣ هـ. انظر: ترجمته كتاب خصص في ذلك للشيخ عبد الرحمن السديس، والأعلام: (٦/ ٤٥).\n(٢) الأسماء والصفات: ٤١.","vol":"1","page":106},{"text":"تأويله، معللًا ذلك بأنه أعلم بمراده من كلامه، لقد كان هذا الأدب أولى مع كلام رب العالمين، الذي وصفه المولى ﵎ بالحكمة، والبيان، والشفاء، والتمام، وأمر بتدبره، وإقامة. أمره، وتصديق خبره قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\nوقد رد عليه الإمام الشنقيطى - ﵀ - مقولته تلك مبينًا ضلاله فيها، كما نبه إلى ما نتج عنها من انحراف الكثير ممن تأثر بالصاوى، كل ذلك بأسلوب شديد وحجة قوية رام بها هدم هذا الأصل المبتدع، الذي مؤداه الطعن فىٍ كلام رب العالمين، الذي قال فيه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢].\nوفيما يلى نص كلامه - ﵀ - الذي شدد فيه محرجًا على الصاوى مقولته تلك: \"أما قوله إن الاخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضًا من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكًا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، سبحانك هذا بهتان عظيم.\nوالتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعى صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح.\nوالقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلًا، لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرًا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس\" إلى آخر ما ذكر ﵀. (١)\n_________\n(١) انظر الإقليد للأسماء والصفات والاجتهاد والتقليد، محمد الأمين المختار الشنقيطى: ٢٥. وانظر: أضواء البيان: (٧/ ٤٣٨).","vol":"1","page":107},{"text":"والصاوى لدفع هذا التعارض الذي يراه بين ظاهر النص وما يجب أن يفسر بها اتباعًا للعقل فإنه يقرر مذهب التأويل أو التفويض، فمرة يوجب تأويل النص بما يوافق مذهبه الأشعري، ومرة يوجب التفويض بحيث يمتنع تعيين المعنى لمعارضته العقل المحكم في فهم النصوص المتعلقة بتوحيد الرب تعالى عنده. ولبيان هذا فإنه يتعين الحديث عن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>مسلك التأويل والتفويض:</span>\nوأصله المعتمد في انتهاج مسلك التأويل أو التفويض - كما سبقت الإشارة إليه - هو الوصول إلى معنى لا يعارض الأساس العقلى الذي تم به معرفة الله تعالى وهو تنزيهه عن مماثلة الحوادث الذي هو محصلة أصلهم المبتدع الذي اعتمدوه في إثبات وجود الباري تعالى وهو قولهم بأن: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nوعليه فإنه ما من دليل من كتاب أو سنة يفيد إثبات صفة لله تعالى فيها ما يوهم - عنده - مخالفة لهذا الأصل المبتدع إلا ورام إبطالها وتنزيه المولى عنها.\nيقول شارحًا قول اللقانى:\nوكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها\n\"وحاصل ما في هذا المقام أنه لما قدم - أي: اللقانى - أنه سبحانه وجبت له المخالفة للحوادث عقلًا وسمعًا، وورد في القرآن والسنة الصحيحة والحسنة ما يوهم إثبات الجهة والجسمية، وكان مذهب أهل الحق من السلف والخلف تأويل الظواهر لوجوب تنزيهه تعالى عنه، أشار إلى ذلك مقدمًا طريق الخلف لأرجحيته لقول أهل الفن: طريق الخلف أعلم وأحكم؛ لما فيه من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وطريقة السلف ومنهم الأئمة الأربعة أسلم للسلامة من تعيين معنى يكون غير مراد له تعالى، والخلاف إنما هو في الأولوية وإلا فارتكاب كل كافٍ\". (١)\n_________\n(١) حاشية جوهرة التوحيد: ٣١.","vol":"1","page":108},{"text":"\"فظهر مما قررنا اتفاق السلف والخلف على تنزيهه تعالى عن معنى المحال، وعلى الإيمان بأنه من عند الله جاء به رسول الله، لكنهم اختلفوا في تعيين معنى صحيح وعدم تعيينه بناء على أن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أو على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. (١) \"وهذه هي طريقة السلف، وأما طريقة الخلف فهى أحكم؛ فالوقف على أولى الألباب. فالراسخون معطوف على لفظ الجلالة\". (٢)\n* * *\n\nومما تقدم تبين أنه جعل تنزيه المولى عن ظاهر النص مجمعًا عليه بين السلف والخلف ولكن اختلفت طريقتهم في ذلك، يقول مقررًا هذا المبدأ: فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة\". (٣)\nولكنه في تحليله السابق لمنهج السلف لم يصب الحقيقة، لأنه جعل مذهبهم - ومنهم الأئمة الأربعة - قائمًا على اعتقاد أن ظاهر النصوص يجب تنزيه المولى تعالى عنه لأن فيه مماثلة للحوادث - وهو ما عبر عنه بالمعنى المحال - وما كان كذلك وجب تفويضه للسلامة من تعيين ما لا يليق به سبحانه.\nوهذا الذي توصل إلى فهمه من مذهب السلف لا يسلم له، فلم يؤثر عنهم اعتقاد كون النصوص يقتضى ظاهرها ما يخالف التمثيل الذي توهمه، كما تقدم بيانه؛ إذ هو مخالف لما هو معلوم من الدين بالضرورة من التسليم لدلالة النصوص واعتقاد ظاهرها دون ميل عن التوسط والاعتدال، وهذا الأصل دل عليه قول المولى تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فهذا إثبات للظاهر المعلوم من اللفظ، مع التحذير من التعمق الذي يؤدي إلى التكييف والتمثيل، يقول شيخ الإسلام: \"ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرًا\n_________\n(١) وانظر: المرجع السابق.\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٣١).\n(٣) حاشية الجلالين: (١/ ١٣١).","vol":"1","page":109},{"text":"ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن كفرًا وباطلًا والله ﷾ أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال\". (١)\nوالحق أن السلف - رضوان الله تعالى عليهم - إنما كانوا يفوضون في الكيف فقط، والعمدة في ذلك قول الإمام مالك - ﵀ -: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" (٢)\nوالتفويض في الكيف كما هو صريح في كلام الإمام مالك لا يعني تفويض المعنى، بل المعنى مفهوم كما أقر به - ﵁ - ولكن الكيف هو الذي تفوض حقيقته لله تعالى؛ لأنه سبحانه كما أن له ذاتًا لا تماثل حقيقتها الذوات كذلك له صفات لا تماثلها الصفات. (٣)\nوقد تطرق الصاوى أثناء عرضه للقضية إلى مسألة هامة وهى بيان السبب الذي دعا إلى اختلاف المنهج بين المتقدمين والمتأخرين وجعل محل النزاع فيها مرتبطًا بالوقف في الآية الكريمة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.\nومناقشته ترجع:\nأولًا: إلى بيان المراد بالمتشابه المذكور في الآية الكريمة، وهل يدخل فيه آيات الصفات كما ذكر؟\nثانيًا: بيان المراد بالتأويل الذي ورد فيها، وهل كان الوقف هو سبب لنشوء الخلاف؟\nثالثًا: ما مدى سلامة ما توصل إليه الصاوى من أنه على القول بجواز الوقف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يصحح ما ذهب إليه المتكلمون من تعيين المعنى المراد بمثل ما ذهبوا إليه؟\n_________\n(١) التدمرية: ٦٩.\n(٢) أخرجه اللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: برقم: ٦٦٤: (٣/ ٣٩٨).\n(٣) (التدمرية: ٤٣).","vol":"1","page":110},{"text":"فأقول مستعينة بالله تعالى:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-44> أولًا المراد بالمتشابه:</span>\n- المتشابه في اللغة: \"أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان كقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] \" (١):\nللسلف الصالح أقوال في بيان المراد بالمتشابه في هذه الآية الكريمة وكلها لا تخرج عن هذين القولين:\nالأول: تحديد أمور معينة مما ورد في الشرع قصر السلف وقوع التشابه عليها، لكثرة الاختلاف الواقع بين الناس في المراد بها. وضربوا لذلك أمثلة منها الحروف المقطعة في أوائل السور. (٢) وحقيقة ما أخبر الله تعالى به من أمور الغيب كالجنة والنار والميزان وما اتصف به من صفات، يشهد لهذا قول الإمام مالك - ﵀ -: [الكيف مجهول].\nوهذا مما اتفق السلف على أنه من المتشابه. (٣)\nالثاني: القول بنسبية التشابه، بمعنى أنه قد يشتبه أمر على شخص دون آخر فكل من وقع في أمر التبس عليه فهو مشتبه بالنسبة له، وبهذا المعنى تكون آيات القرآن كلها من المحكم وإنما يقع الناس في الاشتباه نتيجة لاختلاف قدراتهم وما وصل إليهم من بيان المعنى المراد بالآيات الكريمة، من ذلك قول المصطفى - ﵊ -: (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) (٤). حيث لم يقطع بامتناع علمها لكل الناس فتحصل من ذلك أنها عدت من المتشابه لكونها مما لا يتأتى علمه لكل الناس. (٥)\n_________\n(١) انظر: تاويل مشكل القرآن، لابن قتيبة: ١٠٢.\n(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير: (١/ ٤٥٠).\n(٣) مجموع الفتاوى: (١٧/ ٣٧٩).\n(٤) أخرجه البخاري في الصحيح - كتاب الإيمان - باب فضل من استبرأ لدينه، برقم: ٥٢. ورواه مسلم - كتاب المساقاة - باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم: ١٥٩٩.\n(٥) انظر: فتاوى شيخ الإسلام: (١٧/ ٣٨٠).","vol":"1","page":111},{"text":"وبناء على ما تقدم اختلفت مواقف السلف في مكان الوقف في الآية الكريمة. فمن اعتقد أن التشابه أمر نسبى ولا يلزم من وقوعه لبعض الناس أن يعمم حكمه فلا يعلم لأحد، قالوا بجواز الوقف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وكان هذا قول لابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس - ﵃ أجمعين -.\nومن قال بتعيينه: أوجب الوقف على لفظ الجلالة: [الله] وقد قال به ابن عباس - في أحد قوليه - وعائشة وابن مسعود وأبى بن كعب - رضى الله تعالى عنهم -. (١)\nوعند تحليل الموقفين السابقين نصل إلى أن من أوجب الوقف على لفظ الجلالة فمنع بذلك علم المتشابه لأحد إلا الله تعالى حمل التشابه المذكور إلى المتعين على جهة بيان حقيقته كأخبار الغيب من الجنة والنار وغير ذلك.\nأما من رأى الوقف على الراسخين في العلم فنسب بذلك العلم بالمتشابه إليهم، فإنه قصد به المتشابه النسبى الذي يلتبس فهمه على بعض الناس دون البعض. وبهذا يتضح موقف حبر الأمة في كلا القولين. (٢)\nوبهذا يعلم أن آيات الصفات لا تدخل في المتشابه - كما اعتقد الصاوى وبنى عليه مذهبه في التأويل - إلا من حيث الكيفية والحقيقة أما من حيث المفهوم والمعنى فهى من المحكم الذي لا يلتبس فهمه على الراسخين في العلم وهذا ما قرره الإمام مالك - ﵀ -، حيث قال: [الاستواء معلوم] ولا يمكن بحال حمل الصفات على المتشابه المطلق الذي ذهب البعض إلى اشتمال القرآن عليه كالحروف المقطعة في أوائل السور.\nيقول شيخ الإسلام مؤيدًا ما سبق حاكيا: \"اتفاق الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسمائه وآياته\". (٣)\n_________\n(١) جامع البيان في تفسير القرآن، للطبرى: (٣/ ١٨٥).\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى: (٥/ ٣٤٧).\n(٣) مجموع الفتاوى: (١٣/ ٢٩٦).","vol":"1","page":112},{"text":"دل على هذه الحقيقة أمر الله تعالى عباده بتدبر آياته حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nومقتضى الأمر من الشارع الحكيم - كما هو معلوم - أن يكون الامتثال في مقدور المكلف، وعليه فإنه لا يمكن القول بأن صفاته تعالى مما لا يفهم له معنى وهذا ما كان عليه سلف الأمة الذين فسروا القرآن كله ولم يتوقفوا عند خبر من أخباره. (١)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-45> ثانيًا: المراد بالتأويل:</span>\nيرجع التأويل في اللغة إلى: التفسير والبيان، والمرجع والمآل والحقيقة، والسياسة والإصلاح (٢)\nيرجع معنى التأويل في هذه الآية الكريمة إلى ما سبق بيانه من المراد بالمتشابه، فعلى القول بأن المراد به هو التشابه النسبى يكون معنى التأويل هنا هو: التفسير والبيان.\nأما على القول بأن المتشابه المذكور في الآية هو ما يرجع إليه الأمر في حقيقته ومآله فيكون المراد بالتأويل هنا: الحقيقة والمآل (٣).\nومن هذا العرض المختصر لمعتقد أهل السنة والجماعة في قضية الوقف في الآية الكريمة يتبين لنا ما هو أساس الخطأ في تصور الصاوى للقضية والذي كان دافعًا له لتبرير ما ذهب إليه سلفه من المتكلمين، حيث أعاد اختلاف المنهج بين السلف والخلف من المتكلمين إلى مسألة الوقف، فجعل طريقة السلف هي الوقف على لفظ الجلالة، مع أن هذه المسألة قد اختلف فيها منذ عهد الصحابة الكرام - رضوان الله تعالى عليهم - وكان منهم من رأى العطف - كما سبق بيانه - ومع ذلك لم يحمله هذا القول على انتهاج مسلك التأويل وفقًا لما ذهب إليه المتكلمون.\n_________\n(١) المرجع السابق: (٧/ ٤٢٥).\n(٢) انظر: تاج العروس للزبيدى: (٧/ ٢١٤). والمفردات للأصفهانى: ٣١.\n(٣) انظر: جامع البيان في تفسير القرآن، للطبرى: (٣/ ١٨٤).","vol":"1","page":113},{"text":"ومن جهة أخرى فإنه جعل علم الراسخين منطبقًا على ما ذهب إليه المتكلمون، فخالف بذلك الحقيقة الشرعية واللغوية للتأويل الذي ثبت حصوله لاهل العلم، إذ ينحصر مفهومه - عند السلف - في معرفة النصوص الشرعية، لانه قد أجمع - كما تقدم - على أن الحقيقة والمآل مما استأثر الله تعالى بعلمه فلا يدخل في علم الراسخين بحال.\nويكون بهذا قد حمل التأويل المذكور في الآية الكريمة على ما هو معهود عند المتأخرين وهو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله لقرينة. (١)\nومعلوم أن هذا المفهوم مستحدث، ليس بعمدة في المسائل المتعلقة بأصل الاعتقاد، بل الواجب في مثل هذه المهمات هو الرجوع إلى أقوال الأئمة من السلف - رضوان الله تعالى عليهم - والاكتفاء بما ذهبوا إليه، وذلك لاعتمادهم على ما أثر عن النبي - ﷺ -، وأقوال الصحابة والتابعين، واللغة العربية، فلا يجوز الخروج عن أقوالهم قدر أنملة في هذه المسائل؛ لأنها مبنية على الاتباع، فلا اجتهاد فيها بحال، وكل خروج عن ذلك هو في عداد البدع التي ذمها الشرع وحذر منها أيما تحذير.\nهذا من حيث الجملة، وإلا فإنه ليس فيما أوردوه من النصوص ما يدل على وجوب صرفها عن ظاهرها على القول بالمجاز (٢) - لأنهم اشترطوا وجود القرينة وليس ثمة قرينة إلا ما رأوه هم مما لا أصل له في الشرع يعتمد عليه في مثل هذه المهمات.\nوقد أجمل شيخ الإسلام - ﵀ - الشروط التي يجب توفرها حتى يصح تأويل النص وفقًا لما ذهب إليه المتأول في ما يلى:\n_________\n(١) انظر: التعريفات للجرجانى: ٧٧.\n(٢) المجاز والتأويل عند المتأخرين وجهان لعملة واحدة فكل منهما إنما نشأ في أحضان الفكر الاعتزالى نتيجة لاعتقاد تعارض النقل مع العقل حيث وجدوا فيهما ما يسوغ لهم التمسك بما اعتقدوه من اليقينيات العقلية مع محاولة التخفى بستار اللغة تحت هذه المسميات المحدثة، على الرغم من بعدها كل البعد عن صميم المبادئ والمسلمات العقدية التي صورها لنا سلف الأمة رضوان الله عليهم بتسليمهم للنصوص الشرعية وإعمالها دون محاولة ايجاد مبررات للخروج عنها بلا أصل يرتكز على أساس من الشرع الحكيم وعليه فلا يمكن بحال الاستناد إلى مثل هذه المحدثات إلا بدليل قاطع يرجع الاعتماد عليه للتسليم بكل ما ورد في الكتاب والسنة فقط.","vol":"1","page":114},{"text":"-: \"بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه.\n- وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر\". (١)\nولما كانت أدلة الأشاعرة لا تقوى على إثبات هذه الدعوى وتطرق إليها المنع لضعفها عن ذلك صارت مناقشتهم فيها من حيث التفصيل تتأتى من عدة اتجاهات، وهذا سيتضح عند مناقشة الصاوى فيما أورده من شبه في صفات الله تعالى (٢).\nويبقى هنا التأكيد على وجوب ملازمة النهج السوى في التمسك بالكتاب والسنة المطهرة؛ اقتداء بما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه الأطهار، إذ كل خروج عن طريقهم في هذا المسلك يؤدى إلى هدم الحقائق العقلية والدينية، لانه إذا ثبت انتفاء المعارضة بينهما فقد تأكد وجود التلازم والارتباط، بحيث يصير مؤدى أي طعن في الدليل الشرعي طعنا بطريق أولى في الدليل العقلى الذي سلم له القياد عند استسلام الفؤاد لرب العباد، وفى بيان مآل المتكلمين في هذه المسالك البدعية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"فهؤلاء يخالفون أقوال الأنبياء، إما بالتكذيب وإما بالتحريف من التأويل وإما بالإعراض عنها وكتمانها، فإما ألَّا يذكروها أو يذكروا ألفاظها ويقولون ليس لها معنى يعرفه مخلوق. . .\nوكذلك هم مخالفون للأدلة العقلية فالأنبياء كملوا الفطرة، وبصروا الخلق، ومخالفوهم يفسدون الحس. والعقل كما أفسدوا الأدلة السمعية والحس والعقل الذين بهما تعرف الأدلة، والطرق ثلاثة: الحس، والعقل، والخبر، فمخالفوا الأنبياء أفسدوا هذا وهذا وهذا وأما إفسادهم لما جاء عن الأنبياء فظاهر، وإما إفسادهم للحس والعقل، فإنهم قسمان: قسم أصحاب خوارق حسية كالسحرة والكهان وضلال العباد، وقسم أصحاب كلام واستدلال بالقياس والمعقول، وكل منهما يفسد الحس والعقل\". (٣)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (٦/ ٣٦٠).\n(٢) انظر: مبحث الإيمان بالأسماء والصفات: ٢٠١.\n(٣) النبوات: ٤٤٨.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الباب الثاني: (آراؤه في العقيدة)</span>\nويتضمن عشر فصول:\nالفصل الأول: معرفة الله والاستدلال على وجوده.\nالفصل الثاني: آراؤه في التوحيد.\nالفصل الثالث: آراؤه في الأسماء، والصفات.\nالفصل الرابع: آراؤه في الإيمان.\nالفصل الخامس: آراؤه في الملائكة، والجن.\nالفصل السادس: آراؤه في الكتب.\nالفصل السابع: آراؤه في النبوات.\nالفصل الثامن: آراؤه في اليوم الآخر.\nالفصل التاسع: آراؤه في القضاء، والقدر.\nالفصل العاشر: آراؤه في الصحابة، والإمامة.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الفصل الأول: (آراؤه في معرفة الله والاستدلال على وجوده)</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: معرفة الله.\nالمبحث الثاني: الاستدلال على وجود الله.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>(المبحث الأول): معرفة الله تعالى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>(تمهيد)</span>\nلما كانت معرفة الله تعالى هي أساس الإيمان به؛ كان من رحمته ﷿ أن فطر الناس على تلك المعرفة وجبلهم على الإقرار بها، ولمكانة هذا الأصل وما له من أهمية، وجدت أدلته كثيرة، ومتنوعة الدلالة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ -، وفى أقوال السلف المتقدمين، بل وفي حال الأمم السابقة واللاحقة؛ لذلك كان معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مقتضى تلك الأدلة وهو الإقرار بفطرية معرفته سبحانه.\nومن تلك الأدلة التي تقرر هذه الحقيقة، قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]\nحيث فسرت الفطرة هنا بالإسلام وكان هذا هو قول كبار السلف من الصحابة والتابعين فقد روى عن: أبي هريرة، ومعاذ بن جبل، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، (١) وهذا \"هو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل\" (٢)\nويستند تأويل الفطرة المذكورة في الآية الكريمة بالإسلام إلى وجود الأمر بالالتزام به؛ وبيان أن الله تعالى قد فطر الناس عليه وجبلهم على التمسك به، فيصبح الأمر بالإيمان هو أمر بمقتضى تلك الخلقة التي جبلوا عليها، فيتحقق بذلك التلازم بين الأمر بالإسلام دين الله، وكونه فطرة قد جبل الناس على الإقرار بها، يدل على هذا حذف العامل فإنه لا يحذف في لغة العرب إلا إذا كان معلومًا من سياق الكلام.\n_________\n(١) جامع البيان في تأويل آى القرآن: (٢١/ ٤٠ - ٤١).\n(٢) التمهيد: (١٨/ ٧٢).","vol":"1","page":118},{"text":"يقول الشيخ السعدى - (١) - ﵀ -: \"وهذا الأمر الذي أمرناك به. هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها\". (٢) فينتفى بذلك وجود الموانع من داخل النفس البشرية. ولكن مع ذلك إذا تمكنت الشبهات من النفس البشرية، واستطاعت أن تحجب تلك الحقيقة لوجود الموانع الصارفة من الخارج؛ أمكن حينئذ تدخل طرق المعرفة الأخرى من النظر أو الكشف، فقط لتزيل ذلك الحجاب، وتنبه النفس من تلك الغفلة التي عرضت لها.\nومما يشهد لذلك حال الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - الذين هم أعلم الناس بالله تعالى وما يجب في حقه - في دعوتهم للأمم، حيث افتتحوا تلك الدعوة بالأمر بالتوحيد الذي يعني حقيقته إخلاص العبادة لله وحده، مما يدل على أن تلك الأمم كانت مقرة بربوبية الله تعالى على خلقه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nومع وضوح هذا الأصل وبعده عن الغموض والتعقيد، إلا أن الافتراق الذي حدث للأمة المسلمة قد أثر على صفاء ذلك المعتقد، حيث داخله خلط كبير منذ اتساع رقعة بلاد الإسلام واختلاط عدد كبير من أصحاب الديانات السابقة والنحل المختلفة بأبناء المسلمين، ونتيجة لذلك تصدى عدد من المتكلمين للرد على شبهات المخالفين بغية الدفاع عن عقيدة المسلمين. ومع الابتعاد عن منهج السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها، وتعظيم العقل والاغترار به، حدث الابتداع المنهى عنه وأدخل في الدين ما ليس منه. وبذلك احتل منهج الرد على المخالف مكان تقرير العقيدة الحقة، وأصبحت هذه المسألة من أهم مسائل علم الكلام.\n_________\n(١) هو العلامة الورع الزاهد الفقيه الأصولى المحقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى علامة القصيم، ولد سنة: ١٣٠٧ وتوفى سنة: ١٣٧٦ هـ ﵀ اهتم ﵀ بعقيدة السلف وظهر تأثره جليًا بشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في تحرير المسائل كان له عدد من المؤلفات القيمة على رأسها كتاب التفسير المسمى: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. انظر في ترجمته: مآثر علماء نجد: (١/ ٢٣٩)، والأعلام: (٣/ ٣٤٠) ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة: (٥/ ١٥٠).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ٦٩٩.","vol":"1","page":119},{"text":"والمعتزلة هم أول من عرف عنهم تزعم هذا الفكر والذب عنه، حيث بنت معتقدها في قضية المعرفة على أساس المنهج العقلى الذي وضعته في تقرير العقائد والذي يعتمد في أساسه على قضية التحسين والتقبيح العقليين، وبذلك صار الإيمان بالعدل والتكليف ضرورة تقتضى عدم إمكان تحقق المعرفة بغير النظر، فنفوا بذلك إمكان تحققها بالضرورة؛ إذ لو أمكن معرفة \"الله ضرورة أو بالمشاهدة لسقط التكليف، أو لو عرف بالطبع سقط أيضًا التكليف، فالتكليف عندهم أساس تتفرع عليه آراؤهم في مشكلة المعرفة\" (١).\nوانتقل هذا التصور الذي نشأ في أحضان المعتزلة للفكر الأشعري، حيث يبرهن أبو الحسن الأشعري على نظرية المعرفة بأنه لو كانت معرفته تعالى تحصل ضرورة لما أمر بها ولما ترتب المدح والذم عليها، يقول: \"إن معرفة الله تعالى مأمور بها. . .\" إلى أن يقول: \"وإذا كان ذلك كذلك دل أنها اكتساب لأن الأمر لا يتعلق بنوع الضرورة، ولا الذم على تركه، والمدح على فعله\". (٢)\nونتيجة لما تقدم ذهب الجم الغفير منهم إلى القول بأن معرفة الله تعالى نظرية فقصروا حصولها على الاستدلال العقلى فقط، وأوجبوا بذلك النظر وجوب الوسائل المفضية إلى المقاصد، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٣)\nومع ذلك فقد ذهب عدد منهم إلى إمكان معرفته سبحانه بمقتضى الفطرة. (٤)\nونتيجة لما سبق تفرع الخلاف في هذه القضية، حيث تدور محاوره حول المطالب التالية:\nأولًا: طرق المعرفة.\nثانيًا: حكم المقلد في باب الإيمان. (٥)\n_________\n(١) الاتجاه العقلى في مشكلة المعرفة: ١٥٩. د. عاطف عراقى. وانظر: شرح الأصول الخمسة: (٣٩).\n(٢) مجرد مقالات الأشعري: (٢٤٩).\n(٣) انظر: الإرشاد، للجوينى: ١١.\n(٤) انظر: كلام الشهرستانى: نهاية الإقدام في علم الكلام (١٢٤). تحقيق ألفرد جيوم.\n(٥) وهذا ما سأتناول بحثه في الآتى.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>طرق المعرفة</span>\nكثيرًا ما يبتدئ المتكلمون الكلام في معرفة الله تعالى بالحديث عن أول واجب على المكلف، وذلك بعرض الآراء المتعددة في المسألة، ومن ثم ترجيح الرأى الذي يناسب معتقدهم في طريق الوصول إلى معرفة الله تعالى، فالذين ذهبوا إلى أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا بالنظر اختلفوا في أول واجب على المكلف (١)، فقال بعضهم: إن أول واجب هو الشك (٢).\nوهذا القول منسوب إلى أبى هاشم الجبائى المعتزلى (٣)، وهو الذي يسمى بالشك المنهجى كما هو معروف في الفلسفة، حيث يلتزم به من أراد الوصول إلى العلم المنافى للشك بأن يشك في ما لديه من علوم، ثم يقوم بتفنيد الشبهات التي أدت إلى شكه حتى يصل إلى الجزم بحقيقة تلك العلوم، (٤) وهذا بعينه الذي تحدث عنه الغزالي (٥) في كتابه: المنقذ من الضلال. (٦)\nأما القول بأن أول الواجبات النظر، أو القصد إلى النظر فهذا في حقيقته يرجع إلى اعتقاد عدم تحقيق المعرفة إلا بالنظر، وهذا رأى المعتزلة على جهة الإجماع (٧).\nوقد وافق عامة الأشاعرة المعتزلة في مكانة النظر، يقول الرازي: \"المشهور في\n_________\n(١) المواقف للإيجى: ٣٣.\n(٢) الشك هو: التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك. التعريفات للجرجانى: ١٦٨.\n(٣) هو عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد الجبائى، أبو هاشم بن أبي على الجبائى، المتكلم المعتزلى، واليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال توفى سنة: ٣٣١ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٣/ ١٨٣)، والبداية والنهاية: (١١/ ١٨٨).\n(٤) انظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة: ٦٦.\n(٥) هو عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد الجبانى، أبو هاشم ابن أبي على الجبانى، المتكلم، المعتزلى، واليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال، توفى سنة: ٣٢١ هـ. انظر: وفيات الاعيان: (٣/ ١٨٣)، والبداية والنهاية: (١١/ ١٨٨).\n(٦) انظر: حكاية ذلك عن نفسه في كتاب المنقذ من الضلال: (٨٤).\n(٧) شرح الأصول الخمسة: ١٢٥.","vol":"1","page":121},{"text":"بيان وجوب النظر أن معرفة الله تعالى واجبة ولا يمكن تحصيلها إلا بالنظر وما يتوقف الواجب المطلق عليه وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب\". (١)\nومنهم من ذهب إلى أن أول واجب هو معرفة الله تعالى. (٢)\nوشيخ الإسلام يرى أن الخلاف الذي وقع بين الأشاعرة في أول واجب خلاف لفظى؛ لأن من قال بأن أول واجب هو النظر أوجبه وجوب الوسائل، ومن قال بان أول واجب معرفة الله تعالى فقد أوجبه وجوب المقاصد، يقول - ﵀ -: \"فإن النظر واجب وجوب الوسيلة من باب ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب. والمعرفة واجبة وجوب المقاصد، فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول واجب وجوب المقاصد هو المعرفة، ومن هؤلاء من يقول: أول واجب هو القصد إلى النظر، وهو أيضًا نزاع لفظى، فإن العمل الاختيارى مطلقًا مشروط بالإدارة\". (٣)\nمع ما تقدم فقد يشعر قول من يقول بان أول واجب هو النظر، حصر إمكان الوصول إلى المعرفة إلا بطريقه، بمعنى أنه استحق هذه المكانة لكونه الوسيلة الوحيدة التي توصل إلى المعرفة، وأما من يقول: إن المعرفة هي أول واجب، فإنه قد لا يسلم بعدم إمكان تحققها الا به، حتى ولو قال بوجوبه وجوب الوسيلة المفضية إلى المقصد (٤).\nولا شك أن مناقضة المتكلمين لمسلك التلقى بالضرورة والفطرة بادعائهم وجوب النظر وقصر المعرفة بطريقه؛ كان سببًا لوقوعهم في التناقض والاضطراب، حيث أقر بعضهم بأن جميع المعارف لا يصح الاحتجاج بها ما لم تستند إلى دعائم ضرورية تكون بمثابة الأصول والقواعد. (٥)\n_________\n(١) المحصل: ٤٤ وانظر: مجرد مقالات الاشعرى: ٢٤٨.\n(٢) انظر: حكاية هذه الآراء في المحصل: ٤٧.\n(٣) درء التعارض: (٧/ ٣٥٣). وانظر: شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار: ٩٥.\n(٤) ولعل هذه الملاحظة التي تبادرت إلى ذهنى كانت حصيلة اطلاعى على آراء الصاوى المتعلقة بالقضية وسيأتي بيان ذلك.\n(٥) انظر: ما ذكره شيخ الاسلام عن الرازي في درء التعارض: (٧/ ٤٢١).","vol":"1","page":122},{"text":"ومن هنا دخل الانحراف في الفكر الاشعرى وظهر التناقض ممثلًا بشخصية الغزالي الذي أغرق في الاحتجاج بالضروريات حتى عد منها ما ليس منها في الحقيقة وواقع الأمر، وخرج عن قوانين المتكلمين إلى مجاهيل الصوفية، حيث أغرق في اعتماد الإلهام وعده مصدرًا معتمدًا في تلقى العقائد والأحكام بلا ضابط أو حد. (١)\nويكشف لنا الغزالي بذلك سبب ميل الصوفية إلى العلوم الإلهامية، وإعراضهم عن تلقى العلم بطريق التحصيل والكسب، يقول: \"اعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون، والبحث عن الأقاويل بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. . . . وإذا تولى الله أمر القلب، فاضت عليه الرحمة، وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن القلب حجاب العزة بلطف الرحمة، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية\". (٢)\nوهذا بعينه ما قرره وهو يحكى قصة هدايته في كتابه المنقذ من الضلال، حيث قام بتصوير حاله أثناء تورطه بالشك الذي أوقعه فيه شبهات عرضت عليه في التسليم بالأوليات وكيف أن الهداية حصلت له لا بسبب واجتهاد، بل بنور قذفه الله تعالى في صدوره، يقول: \"ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف. . . فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة؛ فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة\". (٣)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>رأى الشيخ الصاوى:</span>\nمما سبق اتضح لنا أن الصاوى عاش في عصر متأخر؛ وكان قد تتلمذ على عدد\n_________\n(١) انظر: إحياء علوم الدين، للغزالى: (١/ ٢٥٣).\n(٢) المرجع السابق: (٨/ ٤٥٢).\n(٣) المنقذ من الضلال: ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":123},{"text":"كبير من مشايخ الأشاعرة في عصره، على رأسهم شيخه: الدردير والجمل. لذا نجد أنه غالبًا ما يقرر مذهب أشياخه في المسائل التي يعرضها، ولعلو مكانته ورسوخ قدمه في المذهب الأشعرى لا يقتصر على ذلك، بل يرجح القول الذي يراه صوابًا وكثيرًا ما يدعم ذلك الترجيح بادلة واضحة الدلالة، بأسلوب معبر، وعبارة سلسة، وقد يظهر عليه خلال عرضه لمسائل العقيدة تأثره بنزعته الصوفية، فيذكر أقوال أهل التصوف إما على سبيل التقرير، أو عرض الرأى الآخر.\nوتتلخص آراؤه في معرفة الله تعالى - بناء على ما تقدم - أن معرفة الله تعالى هي أول واجب على المكلف. وبما أنها كذلك فلا بد أن يكون الدليل الموصل إليها واجبًا بوجوبها، حيث يمثل النظر عنده وسيلة للمعرفة المقصودة أو المعتمدة، وبهذا الاعتبار كان حكمه واجبًا.\nيقول: \"ولما كان أول الواجبات المعرفة على الأصح، وكان النظر وسيلة لها كان واجبًا\". (١)\nومع ذلك فإنه يرى أن أساس ذلك الوجوب هو الشرع. حيث إن الله تعالى لم يدع المكلفين موكولين إلى عقولهم في معرفته سبحانه، بل أرسل الرسل، وبين أن الحجة لا تقام، والعذاب لا ينزل بمن يستحقه، إلا بعد إرسالهم، يقول: فإن قلت: كيف يكون للناس حجة قبل الرسل، مع قيام الأدلة التي تدل على معرفة الله ووحدانيته، كما قيل:\nوفى كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد.\nأجيب بأن الله لم يكلفنا بذلك بمجرد العقل، بل لا بد من ضميمة الرسل التي تنبه على الأدلة، وشاهده هذه الآية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فلذلك قال أهل السنة: إن معرفة الله لا تثبت إلا بالشرع. خلافًا للمعتزلة\". (٢)\n_________\n(١) حاشية جوهرة التوحيد: ١٥.\n(٢) حاشية تفسير الجلالين: (٢/ ٢٤٤).","vol":"1","page":124},{"text":"وتظهر نزعة التصوف جلية في هذه المسألة، حيث يقرر الصاوى أن معرفة الله تعالى قد تحصل للعبد بلا دليل، بل هي محض فضل ونور يقذفه الله تعالى في قلب عبده فيعرفه ويؤمن به. يقول: \"فمعرفة الله تعالى تكون ضرورية لأهل الكشف والبصيرة النيرة، ونظرية لأهل الدليل\" (١)\nوفي موضع آخر يوضح حقيقة هذه الضرورة ووجه كونها كذلك. يقول: \"فمعرفة العبد ربه نور من الله يقذفه في قلبه؛ فيدرك أسرار ملكه ويشاهد غيب ملكوته ويلاحظ صفاته\" (٢).\nولا يكتفى بذلك بل إنه يضفى على هذه المعرفة نوعًا من الخصوصية، ليست لتلك التي تحصل بطريق النظر، حيث يقول: \"واعلم أن المعرفة على قسمين خاصة وعامة. فالعامة معرفة الله بالدليل، والخاصة على ثلاثة أقسام: شهود أفعال وهى للأبرار، وشهود أسماء وصفات، وهى للأخيار، وشهود ذات، وهى لخيار الخيار\". (٣)\nهذا ويوافق الصاوى الحق بأن معرفة الله أمر فطرى وذلك في معرض تقريره لكلام المحلى، إلا أنه لا يذكر هذا الرأى في تحريره لمسائل الاعتقاد.\nومع ما تقدم فإنه حين يعرض أقوال العلماء في المسألة، فإنه يرجح أهمية النظر ولا يخرجه عن كونه واجبًا يقع في العصيان من حاد عنه، وكانت لديه أهلية النظر (٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المناقشة:</span>\nتبين مما تقدم أن الصاوى يوافق جمهور الأشاعرة في أهمية النظر وكونه طريقًا لمعرفة الله تعالى. ولكنه يخالفهم في قصر المعرفة عليه، وامتناع حصولها إلا\n_________\n(١) حاشية الخريدة البهية: ٣٩.\n(٢) المرجع السابق: ٤١، ٤٢، والحاشية على جوهرة التوحيد: ١٤.\n(٣) الحاشية على الصلوات الدرديرية: ٦.\n(٤) انظر: حاشية الجلالين: (١/ ١١) حاشية جوهرة التوحيد: ١٣.","vol":"1","page":125},{"text":"بطريقه، يقول الأشعري: \"إن أول الواجبات على شرط تقدم النظر والاستدلال، لأنه لا يصح وقوع تلك المعرفة إلا عن النظر والاستدلال\". (١) وتظهر المخالفة جلية عند عرضه لأقوال المتصوفة على جهة التقرير، وفي موقفه من التقليد في باب التوحيد.\n- أما القول بأن أول الواجبات على المكلف: الشك وهو قول بعض المعتزلة كما سبق، فهذا المعتقد كما قرر شيخ الإسلام مبنى على أصلين: \"أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضى إلى العلم، والثانى: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالمًا\".\nوهو ما يسمى عند شيخ الإسلام بالنظر الطلبى؛ لأن صاحبه يطلب الاستدلال على المبادئ التي لا يمكن طلبها بدليل، يقول شيخ الإسلام: \"لكن النظر الذي يستلزم العلم غير النظر الذي يضاده. فالنظر الذي يستلزم العلم هو النظر الاستلالى وهو النظر في الدليل: فإذا تصور الدليل وتصور استلزامه للحكم علم الحكم، والنظر الذي يضاد العلم هو النظر الطلبى، وهو نظر في المطلوب حكمه؛ هل يظفر بدليل يدله على حكمه أو لا يظفر، كطالب الضالة والمقصود قد يجده وقد لا يجده، وقد يعرض عنهما، فإن الأول انتقال من المبادئ إلى المطالب، والآخر انتقال من المطالب إلى المبادئ\". (٢)\nولا شك أن الانتقال من المطالب إلى المبادئ يجعل تحصيلها بعيدًا، وهذا الذي قرره الغزالي في حكاية حاله مع الشك فبين أن الذي أدى به إلى هذا الطريق هو شكه في المبادئ المسلمة التي يستدل بها ولا يستدل لها، يقول: \"والمقصود من الحكاية أن يعلم أن كمال الجد في الطلب حتى ينتهى إلى طلب ما لا يطلب؛ لأن الأوليات ليست مطلوبة فإنها حاضرة والحاضر إذا طلب فقد واختفى\". (٣)\n_________\n(١) مجرد مقالات الأشعري: ٢٥٠.\n(٢) الرد على المنطقيين: ٣٥٢، ٣٥٣.\n(٣) المنقذ من الضلال: ٢٣.","vol":"1","page":126},{"text":"لذا سمى الغزالي ما حل به مرضًا، وكانت الهداية التي حصلت له من الله تعالى شفاء لهذا الداء الذي أصابه (١).\n- أما القول بأن أول الواجبات هو: النظر، أو القصد إليه أو معرفة الله تعالى، فغير صحيح، بل الذي يراه المحققون من أهل السنة والجماعة استنباطًا من أدلة الكتاب والسنة، والتى هي بحق العمدة في المسائل التي تعد من أصول الدين، أن أول واجب على المكلف هو توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، وإن حصل منه ذلك قبل التكليف لم يطالب بالتجديد وإنما بالاستمرار والمثابرة.\nوهذا الأصل هو مقتضى التسليم بدلالة النصوص الشرعية، التي تقرر مكانة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، وأنه منهج الرسل جميعًا - عليهم الصلاة والسلام - في مبدأ دعوتهم أقوامهم إلى الله، فكل نبى يبدأ دعوته بالتوحيد قائلًا: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (٢): \"والنبى لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه، كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل - ﵁ - لما بعثه إلى اليمن: إنك تأتى قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم\". (٣)\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق: ٢٣.\n(٢) الدرء: (٨/ ٦، ٧).\n(٣) البخاري: كتاب الزكاة باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة: ١٤٥٨، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء: ١٤٩٦.","vol":"1","page":127},{"text":"وكان هذا معتقد الأئمة الهداة. ومن ذلك ما جمعه الإمام ابن عبد الهادى (١) في كتابه: \"التمهيد في الكلام على التوحيد\"، من آيات وأحاديث صحاح مؤكدًا هذه الحقيقة، حيث قال: فإن أول واجب على العبد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وابتدأ الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]\nوكل الأدلة التي أردفها هذه الآية الكريمة تبين أهمية التوحيد الذي أرسلت به الرسل، وأن هذا هو أول وآخر ما يطلب تحققه من العبد، وتكون به النجاة يوم القيامة. (٢)\nوهذا مما تظهر فيه سماحة الإسلام، حيث يقع التكليف على كل فرد بما يقتضيه حاله، فالكافر يؤمر بالشهادتين، والمسلم يؤمر بالطهارة إن لم يكن متطهرًا، وإن كان متطهرًا أمر بالصلاة، يقول شيخ الإسلام: \"وفى الجملة فينبغى أن يعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحدًا بعد واحد، ليس هو أمرًا يستوى فيه جميع الناس، بل هم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد يؤمر هذا ابتداءً بما لا يؤمر به هذا، فكما أن الزكاة يؤمر بها بعض الناس دون بعض، وكلهم يؤمر بالصلاة فهم مختلفون فيما يؤمر به ابتداءً من واجبات الصلاة، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداءً، ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من أمور الصلاة هو أول ما يؤمر به هذا. . .\". (٣)\nوينبنى هذا الأصل عند جمهور السلف على اعتقاد فطرية معرفة الله تعالى - كما\n_________\n(١) هو أبو المحاسن، جمال الدين، يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادى القرشي والدمشقى، الصالحى، من فقهاء الحنابلة، ومن أكابر المحدثين، له تصانيف كثيرة في شتى العلوم، منها: التمهيد في الكلام على التوحيد، رسالة في التوحيد وفضل لا إله إلا الله، عظم المنة بنزل الجنة. توفى سنة ٩٠٩ هـ. انظر: شذرات الذهب: (٨/ ٤٣).\n(٢) انظر الكتاب: تحقيق د. محمد عبد الله السمهري.\n(٣) الدرء (٨/ ١٦).","vol":"1","page":128},{"text":"بينت سابقًا - وتظهر هذه الحقيقة ماثلة للعيان والأذهان، حين يخبر الله تعالى، عن حال من كذب وأعرض بأنه مكابر معاند يجحد ما توقن به نفسه. - واليقين كما هو معلوم من أعلى درجات المعرفة - وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤].\nوهذا اليقين الذي داخل نفوس الخلق بحيث لو أعرض عنه الكافر كان إعراضه نتيجة للكبر الذي من تلبس به لم يفلح أبدًا. أقول هذا اليقين هو من لوازم خلقتهم التي خلقهم الله تعالى عليها، فقد أخبر تعالى أنه أخذ العهد والميثاق على بنى آدم، وهم في عهد الذر بأن يقروا بربوبيته وأن لا يشركوا معه أحدًا من خلقه فأقروا وشهدوا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].\nوبذلك يكون الإيمان بالله تعالى وتوحيده أمرًا فطريًا، لا يمكن للنفس البشرية جحده ولا إنكاره إلا ظلمًا وعلوًا، كما أخبر بذلك المولى سبحانه، ولا ينبئك مثل خبير. يقول شيخ الإسلام في بيان هذه الحقيقة المشرقة: \"ولهذا جميع بنى آدم مقرون بهذا شاهدون به على أنفسهم. وهذا أمر ضرورى لهم لا ينفك عنه مخلوق، وهو مما خلقوا عليه وجبلوا عليه، وجعل علمًا ضروريًا لهم لا يمكن أحدًا جحده\". (١)\nومع ما تقدم من بيان منهج السلف، فإن الصاوى قد وافق وجهًا من الصواب، حيث أقر بأن معرفة الله تعالى قد تقع بغير النظر، كوقوعها فطرة كما يوحى إقراره لكلام المحلى في ذلك، أو اضطرارًا في قلب العبد. وعبر عن ذلك بالكشف والإلهام. وبذلك خالف الأشاعرة في قصرهم الطريق إلى معرفة الله تعالى على النظر، وكان أكثر اعتدالًا، حين أوجب النظر ولو بعيدًا عن التزامات المتكلمين في\n_________\n(١) المرجع السابق: (٨/ ٤٨٨).","vol":"1","page":129},{"text":"الاستدلال على من له أهلية مع تحقق المعرفة عنده؛ امتثالًا لأمر الشارع الحكيم، حيث أمر في كثير من الآيات الكريمة بالتدبر والتفكر، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصل متفق عليه بينهم، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والاعتبار وغير ذلك، ولكن وقع الاشتراك في لفظ النظر والاستدلال، ولفظ الكلام، فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم واستدلالهم، فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال\". (١)\nوللإمام الحافظ ابن حجر (٢) كلام نفيس في هذه المسألة حيث قام بعرض الأقوال المختلفة ومناقشتها، وذلك بتفنيد الأقوال الباطلة وتقرير الحقائق المستمدة من الكتاب والسنة، فبعد أن ذكر الأقوال المتعددة حول النظر وجوبًا وتحريمًا، مال - ﵀ - إلى الاعتدال - شيمة أهل الحديث - ونقل كلامًا مهمًا يعد من الأقوال الحاسمة للخلاف في المسألة، يقول: \"ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائى: يمكن أن يفصل فيقال: من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلًا، وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك، أو لنور يقذفه الله في قلبه؛ فإنه يكتفى منه بذلك. ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه، وتكفى الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه\". (٣)\n_________\n(١) نقض المنطق: ٤٧، ٤٨.\n(٢) هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن على بن محمد بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني الأصل المصرى المولد والنشأة ولد سنة: ٧٧٣، وتوفى سنة: ٨٥٢، اشتغل بالفقه والعربية وصار حافظ الإسلام، انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم، له مؤلفات عميمة النفع من أشهرها شرحه على صحيح البخاري. انظر: شذرات الذهب: (٧/ ٢٧٠).\n(٣) فتح الباري: (١٣/ ٣٥٤).","vol":"1","page":130},{"text":"وقد حكى إجماع عامة المسلمين على أن النظر لا يجب في حق من آمن إيمانًا جازمًا، الإمام ابن حزم (١) حيث قال: \"وقال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا لا يشك فيه، وقال بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن كل ما جاء به حق، وبرئ من كل دين سوى دين محمد - ﷺ -، فإنه مسلم مؤمن، ليس عليه غير ذلك\" (٢).\nوالحق الذي عليه المعول، أن النظر قد يجب في بعض الأحيان، وعلى بعض الأعيان، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٧، ٨]، وقد استدل شيخ الإسلام بهذه الآيات الكريمة على ما ذكرته، وبين أن الشاهد من الآية هو عود الضمير في قوله: [يتفكروا] على الكفار الذين وصفهم المولى بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣)\nولا شك أن الآيات التي تحث القلب على النظر والتدبر والتفكر كثيرة في كتاب الله تعالى ولكن المراد منها بعيد كل البعد عما يقصده المتكلمون، فهذه أدلة القرآن الكريم تخاطب الفطرة البشرية التي شهدت بربوبية خالقها منذ أن عرفت الوجود وذاقت طعم الحياة بالتفكر والتدبر في هذا الخلق المحكم حتى تصل بذلك إلى اليقين والاطمئنان، فيظهر أثر ذلك عليها علمًا بما يجب في حق الله تعالى، وعملًا بما يرضى الله تعالى.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي\n_________\n(١) هو أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأموى ولد بقرطبة سنة: ٣٨٤ هـ كان حافظًا عالمًا مستنبطًا للأحكام على المذهب الشافعي ثم انتقل إلى المذهب الظاهرى، أتقن علومًا جمة وألف تواليف كثيرة، منها: الإحكام في أصول الأحكام، والفصل في الملل والأهواء. والنحل وغيرها، توفى سنة: ٤٥٦: انظر: وفيات الأعيان: (٣/ ٣٢٥)، شذرات الذهب: (٣/ ٢٩٩).\n(٢) الفصل في الملل والنحل (٣/ ٣٥).\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٨).","vol":"1","page":131},{"text":"الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثم يبين تعالى من هم أولوا الألباب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]\nيقول الإمام ابن كثير في تفسيره: \"أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث: قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم\" (١)\nهذا إلى جانب التناقض الحاصل من اعتقاد وجوب النظر مع تحقق الإيمان، والقول بأن معرفة الله لا تثبت إلا بالشرع، كما هو قول الأشاعرة، وكان هذا نتيجة لاضطراب المنهج الذي سلكه هؤلاء المتكلمون في الاستدلال على المعتقد بين الرد والتقرير، ففى مواجهة أقوال المعتزلة يرجعون الأمر كله للشرع، ويقولون لا واجب إلا بالشرع. (٢)\nيقول الإيجى: \"النظر في معرفة الله واجب إجماعًا، واختلف في طريق ثبوته: عند أصحابنا السمع، وعند المعتزلة العقل\"\nمع ذلك كانوا أكثر الناس تأثرًا بأقوال المعتزلة ويظهر هذا التأثر جليًا في هذه المسألة، حيث نقل الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - قول أحد كبار الأشاعرة الذين خالفوا ما عليه جمهورهم من إيجاب النظر، يقول: \"وقد وافق أبو جعفر السمنانى (٣)\n- وهو من رءوس الأشاعرة على هذا وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفى التقليد في ذلك\" (٤).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: (١/ ٥٧٢).\n(٢) انظر: الملل والنحل، الشهرستانى: (١/ ٥٣).\n(٣) محمد بن أحمد السمنانى وأبو جعفر، القاضي، الحنفى وأحد المتكلمين ولازم القاضي أبا بكر الباقلانى حتى برع بالكلام، وكان مقدم الأشعرية في وقته، وكان عالمًا صدوقًا، له تصانيف عدة، توفي سنة: ٤٤٤ هـ انظر: سير أعلام النبلاء، والبداية والنهاية: ١٢/ ٦٨، ٦٩.\n(٤) فتح الباري: (١٣/ ٣٤٩).","vol":"1","page":132},{"text":"هذا إلى جانب الاضطراب الذي وقع فيه آحادهم من القول بوجوب الصلاة على من هو دون البلوغ مع القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر، يقول شيخ الإسلام: \"ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشى على من يقول: لا واجب إلا بالشرع كما هو قول الأشعرية، وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا\". (١)\n* * *\n\nوإذا كانت معرفة الله تعالى متحققة بالفطرة، التي تعنى ملازمة الجبلة البشرية للإقرار بربوبية الله تعالى، وانفراده باستحقاق العبادة، كذلك أمكن تحقق حصولها بغير هذا الطريق، ويكون ذلك عند انطماس معالم الهداية في قلب العبد؛ بسبب وجود الموانع الصارفة من تحقق مقتضى تلك الهداية الفطرية اللازمة للجبلة البشرية، فكانت عناية الله بهذا الخلق الضعيف أن جعل الطرق الدالة عليه أعظم الطرق وأوسعها، فالإلهام (٢) أو الكشف (٣) طريق إلى معرفة الله تعالى وهو هداية من المولى يختص بها من يشاء من عباده، وقد يحصل بسبب المجاهدة وترك العلائق كما يقول الصوفية - مع الاحتراز -، وقد يحصل بمحض فضل من الله ﷿؛\n_________\n(١) درء التعارض: (٨/ ١٢، ١٣)\n(٢) الإلهام في اللغة: التلقين، يقال: ألهمه الله الخير: لقنه إياه قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] قال الراغب الأصفهانى: (إلقاء الشيء في الروع، ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى وجهة الملأ الأعلى) المفردات: ٤٥٥.\nيقول الإمام ابن القيم في الإلهام أنه: \"موهبة مجردة لا تنال بكسب البتة\"، مدارج السالكين: (١/ ٦٩).\n(٣) الكشف داخل ضمن دائرة الإلهام ويعرف بأنه: (الإطلاع على ما وراء الحجاب من المعانى الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا وعدمًا) التعريفات للجرجانى: ١٨٤.","vol":"1","page":133},{"text":"فينير قلب عبده للإيمان به والتزام هديه وهذا ما حكاه القرآن الكريم لنا، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وتفسير الوحى المذكور في الآية بالإلهام هو قول طائفة من السلف. قال الحسن البصري: \"ألهمهم الله ﷿ ذلك\". وقال السدي: \"قذف في قلوبهم ذلك\"\nيقول شيخ الإسلام: \"وليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهامًا. فدعوى المدعى امتناع ذلك يفتقر إلى دليل، فطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرقها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيًا عامًا لما سوى تلك الطريق؛ لم يقبل منه، فإن النافى عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل\".\n* * *\n\nأما ما يؤخذ على الصاوى في هذا الجانب، فإنه يتلخص في تقسيمه المعرفة إلى قسمين، بحسب الطريق الموصل إليها، وإضفاء نوع من الخصوصية على تلك التي تحصل للعبد بطريق الكشف - كما يعبر عنه الصوفية - أو بالإلهام كما تعارف عليه أهل السنة والجماعة. وهذا في حقيقته مبنى على اعتقاد شائع عند المتصوفة، إذ يعدون الإلهام مصدرًا من مصادر التلقى، والذي يسامى منزلة الوحى عندهم.\nوالأصل في حجية الإلهام واعتباره من المسالك الشرعية في الدين أن يستند في دلالته إلى نصوص الكتاب والسنة وألَّا يستقل بحكم شرعى لا أصل له فيهما، ولذلك كان الإلهام في هذا الباب قد استوفى شرط تحكيمه والعمل بمقتضاه؛ حيث استند اعتباره لما قام عليه الدين جملة وتفصيلًا فوافق أمرًا فطريًا ضروريًا قد جبل الله تعالى خلقه عليه، وأمرهم به، وهو معرفته سبحانه ربًا، خالقًا، رازقًا، مدبرًا، أحدًا، ومن ثم التوجه له بالعبادة وحده. (١)\n_________\n(١) انظر: بحث الإلهام في كتاب: المعرفة في الإسلام د/ عبد الله القرنى: ٨٠، ٨١.","vol":"1","page":134},{"text":"ويبين الإمام ابن القيم الضابط الذي يعتمد في هذا الباب، حيث يقول: \"والرؤيا كالكشف، منها رحمانى، ومنها نفسانى، ومنها شيطانى. . .\" إلى أن قال: \"ورؤيا الأنبياء وحى، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة؛ ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل - ﵉ - بالرؤيا.\nوأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحى الصريح، فإن وافقته وإلا فلا\". (١)\nوبنفس الضوابط والشروط يقرر الإمام الشاطبى هذه الحقيقة، يقول: \". . . لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن نعرضها على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها\". (٢)\nلهذا فإن الإمام ابن القيم يرى أن الكشف الصحيح هو ما كان دليلًا للعبد يعينه في معرفة الحق الذي بعث الله تعالى به رسله، يقول: \"فالكشف الصحيح: أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه معاينة لقلبه، ويجرد إرادة القلب له فيدور معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التحقيق الصحيح وما خالفه فغرور قبيح\". (٣)\nويرجع هذا الأصل إلى اعتقاد كفاية الطرق والمسالك التي شرعها الدين للاستدلال على مسائله وأحكامه: علمًا وعملًا، جملة وتفصيلًا، وهو مقتضى التسليم والإيمان بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]\nواعتقاد حصول البيان التام بالشرع، لا يمنع الاستئناس بما يدل عليه ويوافقه من طريق النظر أو الكشف، وإنما يقع المحظور في اعتقاد أن ثمة هدى ونور يستقل ببيانه دليل سوى دليل الشرع، ولهذا المعنى أشار العلامة عبد الرحمن المعلمى (٤)\n_________\n(١) مدارج السالكين: (١/ ٧٥).\n(٢) الاعتصام: (٢/ ٧٨).\n(٣) مدارج السالكين: (٣/ ٢١٤).\n(٤) هو عبد الرحمن بن يحيى بن على بن محمد المعلمى العتمى، فقيه من العلماء ولد سنة: ١٣١٣ هـ - تولى رئاسة القضاء في عسير ولقب بشيخ الإسلام، له تصانيف كثيرة، منها: التنكيل، والأنوار الكاشفة، ومحاضرة في كتب الرجال وغيرها، توفي ﵀: ١٣٨٦ هـ: الأعلام: (٣/ ٣٤٢).","vol":"1","page":135},{"text":"بعد عرضه للمسالك الشرعية السلفية وبيان حصول الكفاية والاستغناء بها عما سواها، ومن ثم للمسالك الخلفية التي خلط سالكوها الحق بالباطل وبيان ما اشتملت عليه منهما، حيث قال - رحمه الله تعالى -: \"مهما يكن في المأخذين الخلفيين من الوهن فإننا لا نمنع أن يستند إليهما فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين، بل لا ندفع أن يكون فيهما ما يوصل في كثير من ذلك إلى اليقين، فإن الشرع لم يتكفل ببيان ما ليس من الدين. وكذلك لا نرى كبير حرج في الاستئناس بما يوافق المأخذين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان، إذ لا يلزم من كفايتهما ألّا يبقى في غيرهما ما يمكن أن يستدل به على الحق، وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيين ببيان الحق في الدين\". (١)\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التفاضل في المعرفة من جهة الطريق الموصل إليها أمر يحتاج إلى دليل؛ إذ العبرة في حقيقة هذه المعرفة وما يترتب عليها من نقاء ويقين، يخلص صاحبها من درن الشرك والكفر والذي تعلقت النجاة بصفاء الإيمان من درنه.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].\nوفى آية أخرى ينفى الله تعالى تحقق الإيمان لكثير من الناس إلا مع تلبسهم بالشرك، يقول سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].\nوكيف أن إبليس لعنه الله، قد عرف الله ﷿، عظيمًا، قادرًا عزيزًا، حتى أقسم بعزته، ولم تنفعه تلك المعرفة ولا ذلك الإقرار؛ لأن العبرة بالانقياد والتسليم، الذي يتبع تلك المعرفة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]\n_________\n(١) التنكيل: (٢/ ٢٦٠).","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>التقليد وحكم المقلد</span>\nمن خلال عرض آراء المتكلمين السابقة في قضية المعرفة يمكن لنا تحديد مواقفهم المتباينة من قضية التقليد في العقائد، حيث تنبنى هذه القضية كسابقتها على الضرورة العقلية المتمثلة في إيجابهم للنظر، وأنه السبيل الوحيد للمعرفة، ومن خالفهم في هذه الحتمية لا بد أن يتحدد اتجاهه من التقليد وفق ما يقتضيه موقفه من النظر ابتداءً.\nونتيجة لما سبق يصبح موقف المعتزلة المتمثل بالرفض التام للتقليد ضرورة حتمية يقتضيها منهجهم العقلى الذي يذهب إلى أن المعارف لا تنال إلا بالنظر والاستدلال. يقول القاضي: \"إن القول به - التقليد - يؤدى إلى جحد الضرورة؛ لأن تقليد من يقول بقدم الأجسام ليس بأولى من تقليد من يقول بحدوثها\". (١) حيث يعرفه بأنه: \"قبول قول الغير من غير أن يطالبه بحجة وبينة حتى يجعله كالقلادة في عنقه، وما هذا حاله لا يجوز أن يكون طريقًا للعلم\". (٢)\nومع مخالفة الأشاعرة للمعتزلة في قضية التكفير إلا أنهم يتفقون معهم في ذم التقليد، وكان هذا نتيجة حتمية لإيجابهم النظر كما تقدم. (٣)\nويبرهن المتكلمون على فساد التقليد وعدم جدواه في الوصول إلى المعرفة الحقة؛ أنه يجوز على المقلد الوقوع في الخطأ والصواب دونما تميز، وما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون حجة لصاحبه، وأنه لو أمكن الاستناد إلى التقليد لما أرسل الله الرسل بالمعجزات والبراهين حتى يصل الناس إلى الإيمان بطريق التدبر والنظر في المعجزة الموجب للعلم بها، ولعذر الناس بكفرهم، يقول القاضي عبد الجبار: \"لو كان ضروريًا، لوجب أن يكون من يعدم هذا العلم معذورًا في ذلك؛ لأن ذلك\n_________\n(١) المغنى: (١٢/ ١٢٣).\n(٢) شرح الأصول الخمسة: ٦١.\n(٣) غاية المرام: ٣٢٣، وانظر: قواعد العقائد للغزالى: ٧٦، والتبصير في الدين للإسفرايينى: ١٨١.","vol":"1","page":137},{"text":"ليس بإرادته، وهذا يوجب في الكفار أن يكونوا معذورين في تركهم معرفة الله تعالى وغير ذلك من المعارف\" (١). وبما أن النظر والاستدلال هو سبيل العلم الوحيد، فإثبات العلم بغير طريقه جهل وضلال، والتقليد لا يخرج عن كونه دعوى لا برهان لها فثبت عدم إمكان الاحتجاج به في باب العقائد.\nيقول الحافظ ابن حجر في حكاية حجتهم على ذم التقليد: \"واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلًا لمن قلد في قدم العالم، ولمن قلد في حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين\". (٢)\nومن هنا أطلقوا الأحكام الجائرة التي هي محض افتراء؛ إذ لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، حيث تذهب المعتزلة إلى تكفير المقلد بينما يعتقد تفسيقه جمهور الأشاعرة (٣)، فيخرقون بذلك إجماع الأمة في قبول إيمان من أعلن كلمة التوحيد والتزم شعائر الإسلام.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>رأى الشيخ الصاوى:</span>\nبناءً على ما تقدم من عرض أقوال الشيخ الصاوى في قضية المعرفة وما لمسناه من اعتدال ظاهر فيها؛ نجده يصحح إيمان المقلد الذي امتلأ قلبه إيمانًا وعجز عن قيام الأدلة، بل يجزم بإيمانه؛ معللًا ذلك أنه ليس عنده ظن في حقيقة الإيمان، وفى المقابل يرى الصاوى أن التقليد الذي يضر بصاحبه ويوقعه في المهالك هو تقليد أهل الكفر، إذ لا عذر لهم في ذلك، وقد قامت الحجة عليهم.\nيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. \"المراد بالظن خلاف التحقيق فيشمل الشك والوهم. وهذا الكلام في حق الكفار الذين اتبعوا غيرهم في الكفر وقلدوهم فيه، فلا عذر لهم في التقليد دنيا\n_________\n(١) شرح الأصول الخمسة: (٥٢).\n(٢) فتح الباري: (١٣/ ٣٥٤).\n(٣) تقدم كلام الصاوى في حاشية الجوهرة، وانظر: تحفة المريد للبيجورى: (١٩).","vol":"1","page":138},{"text":"ولا أخرى. وأما المؤمن الذي امتلأ قلبه بالإيمان، حيث عجز عن قيام الأدلة على التوحيد، وقلد العارف فيه فليس من هذا القبيل، بل هو مؤمن جزمًا لأنه ليس عنده ظن بل جزم مطابق للواقع. وربما إن دام على الصدق ومتابعة من يقلده يرتقى في التوحيد إلى مقام أعلى وأجل من مقام من قلده. وأما القول بأنه كافر فإنما يعرف لأبى هاشم الجبائى من المعتزلة فلا يعول عليه\". (١)\nومع هذا فإنه يرى أن من ترك النظر مع القدرة عليه يكون آثمًا، يقول: \"وحاصل ما انحط عليه كلام الأشياخ أن من عرف الله بالدليل ولو جمليًا، ولو لم يكن باصطلاح أهل الكلام، فهو مؤمن اتفاقًا، ومن عرفه بلا دليل أصلًا بل بالتقليد، ففيه ستة أقوال:\n- الأول لأبى هاشم الجبائى، رئيس المعتزلة. ونقله عن أهل السنة كذب. إذ إيمانه غير صحيح في الآخرة، وأما في الدنيا فاتفقوا على إيمانه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤].\n- الثاني هو صحيح، إلا أنه عاصٍ لترك النظر مطلقًا، كان فيه أهلية للنظر أم لا.\n- الثالث هو صحيح إلا أنه عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية للنظر وكان متمكنًا من المعرفة\"، إلى أن قال: \"والحق الذي عليه المعول أنه مؤمن عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية\". (٢)\n- ويبين الصاوى مراتب العلم وما هي المرتبة التي لا بد من تحققها حتى تتم المعرفة لدى المؤمن، لينجو بها من التقليد الذي كثر الكلام في التحذير منه، يقول: \"واعلم أن العلم مراتب: الأولى العلم بالدليل ولو جمليًا، ويسمى علم يقين وهذا هو المطلوب في التوحيد الذي يخرج به المكلف من ورطة التقليد وهو الجزم من غير دليل وفيه خلاف.\n_________\n(١) الحاشية على الجلالين: (٢/ ١٧٦).\n(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ١٣.","vol":"1","page":139},{"text":"الثانية: العلم مع مراقبة الله، ويسمى عين يقين.\nالثالثة: العلم مع المشاهدة، ويسمى حق يقين\" (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المناقشة:</span>\nلقد سلك الإمام ابن حزم مسالك عدة في دحض شبه المتكلمين حول مسألة التقليد، وكان من أبرازها بيانًا: الاستدلال بوجوب اتباع النبي - ﷺ -، وأن من وجبت متابعته لا يعد تقليده ذمًا، بل لا يطلق عليه مسمى التقليد، يقول: \"التقليد أخذ المرء قول. من هو دون الرسول - ﷺ - ممن لم يأمرنا باتباعه وأخذ قوله، بل حرم علينا ذلك، وأما أخذ قول الرسول - ﷺ - الذي فرض الله تصديقه وطاعته فليس تقليدًا، بل إيمان وتصديق، واتباع للحق، وطاعة الله ورسوله. . . . .\" (٢) إلى أن قال: \"والقرآن إنما ذم فيه تقليد الآباء والكبراء والسادة في خلاف ما جاءت به الرسل، وأما اتباع الرسل فهو الذي أوجبه، لم يذم من اتبعه أصلًا\". (٣)\nوأما كلامه في دحض حجتهم بأن العلم لا يأتى إلا بطريق البرهان. والتقليد ادعاء لا دليل معه، فإنه يرجع إلى بيان طرق تحصيل العلم، وعدم اقتصاره على طريق النظر والبرهان حيث بين - رحمه الله تعالى - أن العلم هو \"اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئًا على ما هو به ولم يتخالجه فيه شك فهو سالم به، وسواء كان عن ضرورة حس، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال، أو عن تيسير الله ﷿ له، وخلقه لذلك المعتقد في قلبه\" (٤). فمن كان دليله على معرفة الله فطرته أو إلهام وهداية لم يطالب بالبرهان.\n_________\n(١) المرجع السابق: (٤/ ٨٥).\n(٢) الفصل: (٣/ ٣٦).\n(٣) انظر: المرجع السابق: (٣/ ٣٧).\n(٤) المرجع السابق: (٣/ ٤٠).","vol":"1","page":140},{"text":"وقد استدل - رحمه الله تعالى - بحال جمهرة المسلمين الذين لا يعرفون علم الكلام، ومنهم أئمة أعلام وأصحاب حديث، وكيف أن الله تعالى قد حبب إليهم الأيمان وزينه في قلوبهم، حيث يرجع ذلك الميل وتلك المحبة إلى الفطرة التي جبلهم الله تعالى عليها ابتداءً، يقول: \"قد سمى الله ﷿ راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم، وكره إليهم الكفر والمعاصى، فضلًا منه ونعمة.\nوهذا هو خلق الله تعالى الإيمان في قلوبهم ابتداءً، وعلى ألسنتهم، ولم يذكر الله في ذلك استدلالًا أصلًا، وبالله التوفيق\" ويؤكد هذه الحقيقة الإيمانية التي امتزجت بها أرواحهم، \"وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم، لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم، محققون في قلوبهم، أن آباءهم لو كفروا لما كفروا هم، بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم\". (١)\nومع ذلك فإنه - ﵀ - لم يغفل جانب النظر وأهميته، بل أكد على وجوبه لمن يحتاج إلى ذلك؛ إما بسبب شبهات عرضت له لا يمكن ردها إلا بطريق النظر، أو لكونه من الكفار الذين خالفوا أمر النبي - ﷺ - فأمروا بالإتيان بالبرهان وقد سبق لي عرض هذه المسألة بشيء من التفصيل، وبذلك يتبين وهن الأساس الذي بنى عليه المتكلمون رأيهم في مسألة التقليد.\nوبهذا الذي تقدم من بيان الموقف الحق تجاه التقليد في باب الإيمان تظهر مخالفة الشيخ الصاوى لعقيدة السلف في إيجابه النظر وتأثيمه من تركه والحكم عليه بالعصيان، وقد سبق أن النظر لا يجب إلا على بعض الأعيان وفى بعض الأحيان ولكنه مع تأثيمه إياه فقد أصاب في إقراره بصحة إيمان المقلد الذي امتلأ قلبه إيمانًا.\nكما حاد عن الصواب حين أقر أدلة المتكلمين، وجعلها طريقًا ثابتًا لمعرفة الله تعالى كما يجب (٢)، يقول الإمام الشوكانى: \"ومن أمعن النظر في أحوال العوام\n_________\n(١) الفصل: (٣/ ٣٨).\n(٢) وهذه المسألة يزيد وضوحها عند عرضها في المبحث التالى.","vol":"1","page":141},{"text":"وجدها صحيحة، فإن كثيرًا منهم نجد الإيمان في صدره كالجبال الرواسى، ونجد بعض المتعلقين بعلم الكلام، المشتغلين به الخائضين في معقولاته، التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقص إيمانه وينقص منه عروة، فإن أدركته الألطاف الربانية نجا، وإلا هلك، ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم المتبحرين في أنواعها في آخر أمره أن يكون على دين العجائز، ولهم في ذلك من الكلمات المنظومة والمنثورة ما لا يخفى على من له اطلاع على أخبار الناس\". (١)\n* * *\n_________\n(١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: ٢٦٦.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى</span>\nتبين مما سبق أن اعتقاد السلف في فطرية معرفة الله تعالى، هو مقتضى التسليم بنصوص الكتاب والسنة والإجماع، وأن ذلك الاعتقاد حقيقة في النفس البشرية لا يمكن دفعها، حيث يستند في مبدئه إلى الإذعان بالضرورة الفطرية التي تحتم التسليم بالمبادئ الأولية (١) والمسلمات اليقينية التي هي أساس التفكير البشرى والاستدلال العقلى.\nوتمثل هذه الحقيقة في التصور السليم، المحور الأساس الذي تدور حوله الطرق الشرعية في الاستدلال على وجود الله تعالى، حيث تعتمد هذه الطرق العقلية على مبدأ السببية، الذي يقوم عليه دليل الخلق والإيجاد، ودليل الإحكام والإتقان. وبذلك فقد مثل هذا المبدأ أسمى مبادئ التفكير البشرى، الذي ميز الله تعالى به الإنسان، ليكون دليلًا هاديًا إلى معرفته تعالى إذا ضلت بصاحبها الأهواء.\nويتعين الاستدلال بالعقل على وجود الله تعالى؛ عند انطماس معالم الفطرة الكامنة في النفس البشرية، وذلك حين تحول الموانع الصارفة دون الوصول إلى هذه الحقيقة الفطرية، فيأتى هنا دور العقل البشرى ليكون هو الهادى بإذن الله تعالى إلى معرفته، حيث تنحصر وظيفته في إعمال المبدأ الفطرى، والركيزة اليقينية، وهى دلالة الأسباب على مسببها.\nوقد نبه القرآن الكريم العقل البشرى إلى إدراك هذه الحقيقة حين خاطب المشركين، بطريق التقسيم الحاصر، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].\n_________\n(١) المبادئ الأولية هي: التي لا تفتقر إلى شيء أصلًا بعد توجه العقل إليها، يقول الجرجانى: \"هي التي لا تحتاج إلى البرهان بخلاف المسائل فإنها تثبت بالبرهان القاطع\": تعريفات الجرجانى: ٢٥٠.","vol":"1","page":143},{"text":"فالمعنى: \"أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع في بدائه العقول. أم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا. فعلم أن لهم خالقًا خلقهم، هو الله سبحانه. وقد ذكر سبحانه الدليل بصيغة الاستفهام الإنكارى ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن لأحدٍ إنكارها، فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: إنه أحدث نفسه\". (١)\nوقد تبين بذلك أن القرآن الكريم في خطابه للنفس البشرية، من أجل تقرير هذه الحقيقة، يأمر بإعمال التفكير والتدبر، حتى يصل إلى تلك المبادئ الفطرية، والمسلمات اليقينية، التي لا يمكن ردها، ولا الاستدلال عليها، فيرتفع بذلك الغطاء الذي حال دون الشعور بها.\nفمعرفة الله تعالى فطرية في النفس، سواء حصل العلم بها ضرورة، أو بالتفات النفس إلى ذلك؛ لشعورها بطلبه والحاجة إليه، ويمكن أن يتمثل ذلك الالتفات بصورة دليل تكون مقدماته فطرية؛ لأن الاستدلال على وجود الله تعالى في أصل الأمر يرتكز على مبدأ فطرى لا يمكن الاستدلال له، يقول شيخ الإسلام: \"والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان، لأن غاية البرهان أن ينتهى إليها، فإذا وقع الشك فيه انقطع طريق النظر والبحث\". (٢) وهذا ما حكاه الغزالي عن نفسه حين حالت الشبهات بينه وبين هذه الأوليات الفطرية، حيث سمى ذلك الشك في تلك المسلمات مرضًا، وبين أن طريق اهتدائه ونجاته منه لم يكن بنظم دليل، وإنما بنور قذفه الله تعالى في صدره. (٣)\nوفى بيان فطرية الأوليات التي يقوم عليها الاستدلال على وجود الله تعالى، يقول شيخ الإسلام: \"وإن كان فيها قوة تقتضى المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة، سواء\n_________\n(١) الرد على المنطقيين: ٢٥٣.\n(٢) الدرء: (٣/ ٣١٠).\n(٣) المنقذ من الضلال: ٢٣.","vol":"1","page":144},{"text":"قيل: إن المعرفة الضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كل مولود يولد على هذه الفطرة؛ لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلًا لكل مولود، وهو المطلوب\". (١)\nوبذلك يتضح المنهج الربانى، في الاستدلال على وجوده سبحانه، بعيدًا عن التعقيد والغموض، صريحًا واضحًا قريبًا من النفس البشرية، حيث يخاطب فيها تلك الحقائق التي غرست بداخلها، فما إن تتنبه لها إلا وتدرك ببديهة فطرتها ذلك الشعور الذي يدلها على الخالق سبحانه: ربًا خالقًا، لا أحد يستحق العبادة سواه.\nوبسبب بعد المتكلمين عن تصور هذه الحقيقة، ولما التزموه من أصول فاسدة في وجوب الاستناد إلى العقل للدلالة على أصول الإيمان، واعتقاد عدم كفاية الأدلة الشرعية في ذلك؛ نجد أن الطرق التي سلكوها في الاستدلال على وجود الله تعالى قد بنيت على تصورات فلسفية لا حقيقة لها، يكتنفها الكثير من الغموض والتعقيد، حتى خرجت بها في كثير من الأحيان عن المقصود، هذا إلى جانب ما انبنى عليها من أمور مبتدعة، أثرت على صفاء المعتقد فيما يجب في حق لله تعالى، أو يمتنع عليه فصارت عمدة المتكلمين في هذا الباب عددًا من الأدلة المبتدعة لا أساس لها من الشرع وهى كالتالى:\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-57> دليل حدوث الأجسام</span>.\n٢ - دليل الوجوب والإمكان.\n\nدليل حدوث الأجسام\nيعد هذا الدليل عند عامة المتكلمين من الأصول اليقينية التي لا يتم إيمان المرء إلا باعتقاد دلالته على وجود الباري جل وعلا؛ إذ لا يتمكن - عندهم - من إثبات الصانع إلا به، وكان أول من ابتدع هذا الطريق المعتزلة، وقد صرح بذلك شيخ\n_________\n(١) الدرء: (٨/ ٤٤٦، ٤٤٧).","vol":"1","page":145},{"text":"الإسلام حيث قال: \"والمعتزلة كانوا هم أئمة الكلام في وجوب النظر والاستدلال بطريقة الأعراض والأجسام وما يتبع ذلك\" (١) ولشيخ الإسلام كلام يرجع فيه هذا الدليل إلى الجهم بن صفوان (٢). (٣)\nوقد أرجع القاضي أولية الاستدلال به لأبي الهذيل من شيوخ المعتزلة. (٤)\nويقوم هذا الدليل على أربع دعائم تجتمع في اعتقاد أن الأجسام لا تخلو من الحوادث وهى: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، وعدم انفصال الجسم عنها، يعني أنه حادث مثلها. (٥) وتكون كالتالى على جهة التفصيل:\n١ - أن في الأجسام معانٍ هي: الاجتماع، والافتراق، والحركة والسكون، وبيان ذلك: أن اجتماع الجسم بعد أن كان متفرقًا يحتاج إلى مخصص؛ وما كان كذلك فهو محدث، وأيضا يقال ذلك في السكون بعد الحركة، ومثله يقال في الافتراق، ودلالته أقرب، فإن الذي نراه من الأجسام إنما يكون بعد اجتماعها، والافتراق يكون بعد الاجتماع، إذًا فالافتراق دلالته على حدوث الأجسام من أقوى الأدلة.\n٢ - أن هذه المعانى محدثة. وتحرير هذه الدعوى إثبات أن هذه أعراض (٦) والأعراض حادثة والدليل على حدوثها أنه يجوز عليها العدم فيمتنع عنها القدم ولا توسط في ذلك.\n٣ - أن أي جسم من الأجسام لا يخلو من الأعراض، فالجسم إما متحرك وإما\n_________\n(١) الدرء: (٨/ ٩٨، ٩٩).\n(٢) هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبى الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الإيمان معرفة الله فقط، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان: الفرق بين الفرق: ٢٢١.\n(٣) انظر: منهاج السنة النبوية: (٨/ ٥).\n(٤) شرح الأصول الخمسة: (٩٥).\n(٥) مذاهب الإسلاميين، عبد الرحمن بدوى: (١/ ٣٩٨).\n(٦) العرض: [هو الموجود في شيء غير متقوم به لا كجزء منه، بل ولا يصح قوامة دون ما هو فيه]: المباحث المشرقية، [أو ما لا يقوم بنفسه وإنما يحتاج إلى جسم يقوم به، مثل الطعومات والمشمومات والمبصرات والألوان والحركات] الرازي: (١/ ١٣٨). وانظر: المواقف للإيجى: ٩٦.","vol":"1","page":146},{"text":"ساكن، والحركة والسكون أعراض، والدليل على عرضيتها كما سبق، أنه يجوز فناؤها، فتذهب الحركة مثلًا ويحل السكون، والعكس بالعكس، فإثبات حلول هذه المعانى في الجسم يعتمد على مبدأ الإدراك الحسى، الذي يميز الأجسام المتحركة من الساكنة، والمجتمعة من المتفرقة.\n٤ - أنها إذا لم يخلو الجسم منها، وجب حدوثه مثلها؛ لأن حظ هذه المعانى في الوجود الحدوث، وارتباط الجسم بها يعني عدم إمكان انفكاكه عنها؛ لذلك وجب أن يكون حادثًا مثلها. (١)\nوبهذا يرى القاضي عبد الجبار أنه تمكن من إثبات حدوث العالم، ليثبت بذلك احتياجه لمحدث أحدثه، ويستخدم طريق السبر والتقسيم لإثبات ذلك، فيقول: \"لا يخلو: إما أن تكون قد أحدثت نفسها، أو أحدثها غيرها\"، ويبرهن على فساد الفرض الأول، بأن الفاعل يجب أن يكون متقدمًا على فعله، فاستحال بذلك أن تحدث الأجسام نفسها؛ لأنه يلزم من ذلك اتصافها بالقدرة حال عدمها.\nبقى الفرض الثاني وهو إثبات محدث لها، وجب أن يكون مخالفًا لها، لاستحالة إيجاد الحادث للحادث، يقول: \"فلم يبق إلا الفرض الثاني: وهو أن يكون الذي أحدثها فاعل مخالف لها، وهو الله تعالى الذي ليس كمثله شيء\". (٢)\nوقد تابع الأشعرية من تقدمهم من الفرق في ابتداع هذا الأصل، وجعله سبيلًا إلى معرفة الله تعالى، كما هو مقرر في الكثير من كتب الأشاعرة. (٣)\nومع إجماعهم على أهمية الدليل وحصول المطلوب به، إلا أن طرق عرضهم لهذا الدليل تختلف، ولكن لا يخرجها هذا الاختلاف عن المقصود، وحيث ينبنى هذا الدليل على مقدمتين هما:\n١ - العالم حادث.\n٢ - وكل حادث له محدث.\n_________\n(١) شرح الأصول الخمسة: ٩٥، ٩٧، ٩٩، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٧، ١١١.\n(٢) المرجع السابق: ١١٩.\n(٣) انظر: المواقف للإيجى: ٢٤٥.","vol":"1","page":147},{"text":"النتيجة هذا العالم لا بد له من محدث.\nوتستند المقدمة الأولى في إثبات حدوث العالم، إلى تقسيمه لجواهر (١) وأعراض، وأن العرض حادث، ولا يمكن انفصال الجوهر عنه، فصار بذلك حادثًا مثله. (٢)\nأما المقدمة الثانية فتستند إلى امتناع التسلسل في الحوادث، وأنه لا بد من رجوع إلى واجب الوجود، يستحيل عليه العدم. (٣)\nوهذا الرازي يعرض الدليل كأسلافه من المعتزلة، ويقول: والأكوان حادثة؛ لأن كل كون فإنه يصح عليه العدم، وكل ما صح عليه العدم امتنع عليه القدم، ومما امتنع عليه القدم فهو حادث، فثبت أن الجسم لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، إذن الجسم حادث\". (٤)\nويصل بذلك إلى إثبات احتياج هذه الحوادث لمحدث أحدثها، هو واجب الوجود؛ لامتناع التسلسل بين الحوادث، فيقول: \"إنه لما ثبت أن العالم ما كان موجودًا ثم كان موجودًا، فحقيقة العالم قابلة للعدم وقابلة للوجود وكلما كان كذلك فرجحان وجوده على عدمه؛ لأجل ترجيح مرجح، فثبت أن وجود العالم محتاج إلى الموجد المؤثر\". (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nتتعدد عبارات الصاوى في الاستدلال بدليل الحدوث على إثبات الباري تعالى، وكلها تدور في إطار المعانى السابقة، حيث يقول: \"العالم حادث، وكل حادث له محدث\".\n_________\n(١) الجوهر هو: [الموجود لا في موضوع بمعنى أن ماهيته إذا وجدت كانت لا في موضوع] المباحث المشرقية: (١/ ١٣٨).\n(٢) المواقف للإيجى: ٢٤٥.\n(٣) انظر: المرجع السابق: ٢٦٦، والإرشاد للجوينى: ٢٨، ٢٩.\n(٤) نهاية العقول: ٢٣/ أ.\n(٥) المطالب العالية: (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":148},{"text":"ثم يقرر دليل القضيتين، ويبدأ بالصغرى: \"حدوث العالم\"، ويستدل على صحتها ببيان المقدمات التي تنبنى عليها، مع الاستدلال لكل مقدمة منها.\nأما المقدمة الأولى، التي ينبنى عليها دليل حدوث العالم، إثبات أن \"العالم متغير\"، ودليلها يستند إلى الإدراك الحسى، حيث علمت \"بالمشاهدة\".\nوأما المقدمة الثانية \"كل متغير حادث\" فيقرر الاستدلال عليها بوجود التلازم بين التغير والحدوث، حيث يقول: \"فإن كان موجودًا بعد عدم فحدوثه ظاهر وإن كان معدومًا بعد وجود، فكل ما جاز عليه العدم قطعًا يستحيل عليه القدم\".\nثم يبين وجه التلازم بين التغير والحدوث، بتقسيم العالم إلى أجرام وأعراض، \"فحدوث الأعراض بمشاهدة التغير، والأجرام لملازمتها لها، وملازم الحادث حادث بالضرورة\".\nفيصل بذلك إلى صحة المقدمة الأولى: \"فينتج العالم حادث\". (١)\nوأما دليل القضية الكبرى \"كل حادث له محدث\"، فيستند إلى وجوب إثبات المرجح، الذي كان به ترجيح الوجود على العدم، يقول: \"وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وهو محال، فينتج العالم لا بد له من محدث\".\nولإثبات أن المحدث هو الباري تعالى؛ يستدل بما يجب أن يتصف به القادر على الإيجاد من وجوب الوجود؛ منعًا للتسلسل والقدرة السابقة للفعل، وغير ذلك، يقول: \"وهذا المحدث واجب الوجود إلى آخر الصفات التي يتوقف عليها الإيجاد، وإلا لما وجد العالم\". (٢)\nويذكر عبارة أخرى في تقرير الدليل، هي أقرب للفطرة: \"أن تقول العالم جائز عليه العدم، وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم، أنتج: العالم استحاله عليه القدم\". (٣)\n_________\n(١) المرجع السابق: ١٥.\n(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ١٥، ١٦. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٤٨، ٤٩.\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المناقشة:</span>\nيشترط في الدليل حتى يتم به الوصول إلى المطلوب، أن يكون واضحًا بينًا، حتى لا يصعب فهم مقدماته، وبالتالى يتحقق المراد منه، وأن لا يستند في إحدى مقدماته إلى تقارير وضعية (١)، لا يستقيم المعنى المراد منها لعاقل، فيرد عليها المنع - طلب الدليل - ولا قوة فيها لدفعه، وإذا تيقن ذلك، وعلم احتياج الدليل للوضوح والبرهان، بأن ضعف دليل الحدوث وعدم كفايته في الاستدلال على وجود الله تعالى؛ حيث تعتمد مقدمتاه في إثبات حدوث العالم على مقدمات هي أكثر خفاء منها، وقد عبر عنها بمصطلحات فلسفية دخيلة، أكثرها من المجمل الذي يشمل حقًا وباطلًا، وهذه المقدمات هي: تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض، وأن العرض حادث، وهو قائم بالجوهر، وما قام به الحادث فهو حادث، يقول شيخ الإسلام في بيان خفائها: \"طريقة أثبتوا فيها الجلى بالخفى، وأرادوا إيضاح الواضح\". (٢)\nوتفصيل القول فيها كالتالى:\n- أما تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض، وأن الجوهر هو الجزء الذي لا يتجزأ، فهذا افتراض لم يثبت له دليل، وقد أثبت العلم الحديث بطلانه بإمكان انقسام الذرة وهى أصغر جزء في الأجسام، وأنها بهذا الانقسام تتحول إلى طاقة هائلة تسمى عند المتكلمين بالعرض.\nوقد توصل شيخ الإسلام إلى مفهوم التحول عند التناهى قبل مئات السنين، وإن كان في المثال الذي قام بضربه قصور؛ أظهره العلم الحديث، حيث علم أن تحول الماء إلى الهواء من العمليات الفيزيائية التي لا تؤثر في تركيب المادة الكيميائى وهذه العملية تسمى بالتبخر، فالماء المكون من معادلة H ٢ O: ذرتان هيدروجين وذرة أكسجين، لا يغيرها تغير مادته بإحدى العمليات الفيزيائية المعروفة وهى\n_________\n(١) أي اصطلاحية تكلفية.\n(٢) الدرء: (١/ ٨).","vol":"1","page":150},{"text":"التبخر، والتكثف، والتجمد، والانصهار (١)، ولكن لا يمنع ذلك من صحة ما توصل إليه به في ذلك الزمن، يقول في معرض نقضه لهذه النظرية: \"لأن الموجود إن قيل: إنه لا يقبل القسمة بالفعل لم تكن فيه أجزاء لا تتناهى، وإن قيل: إنه يقبلها بالفعل، فإذا صغرت أجزاؤه فإنها تستحيل وتفسد وتفنى، كما تستحيل أجزاء الماء الصغار هواء، وإذا استحالت عند تناهى صغرها، لم يلزم أن تكون باقية قابلة لانقسامات لا تتناهى، ولا يلزم وجود أجزاء لا تتناهى\". (٢)\nوأما كلامهم في أن الجواهر الفردة لا تخلو من الأعراض فغير مسلم؛ لان الجوهر الفرد لا يرى بالعين المجردة، فثبت أنها دعوى لا برهان عليها.\nوالصحيح أن الأجسام لا تخلو من الأعراض وهى الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ولكن اختلاف المتكلمين في قابلية جميع الاجسام للحركة والسكون جعل الاستدلال بهما محل نظر، مع أن الاستدلال بهما بدهى؛ لانه لا يخلو أي جسم من سكون أو حركة؛ لعدم إمكان اجتماعهما أو ارتفاعهما في آنٍ واحد، فصار الاستدلال المجمع عليه ما كان مثبتًا بحصول الاجتماع والافتراق، لكن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بإثبات أن الجسم مركب من أجزاء تنتهى بالجوهر الفرد، فعاد نقض الدليل إلى إبطال هذه النظرية، وقد تقدم. (٣)\n- وأما الحكم على الأعراض بالحدوث، فإنهم يستدلون لذلك بالمشاهد منها، فقد ثبت تعاقب الأعراض على الجواهر ومما يدل على حدوثها، وينفى عنها القدم (٤) ثم يقيسون ما غاب منها على المشاهد، حتى يصلوا إلى تعميم الحكم بحدوث الأعراض.\n_________\n(١) انظر: المرجع في الكيمياء، سعيد بالبيد: ١٠. وانظر: سلسلة المساعد الكيميائية، سعيد بالبيد: ٧.\n(٢) الدرء: (٩/ ٧٨): انظر: النبوات: ٨٦.\n(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٢٨١). والدرء: (٢/ ١٩١).\n(٤) انظر: الإرشاد للجوينى: ٢٤.","vol":"1","page":151},{"text":"- وقد ضعف ابن رشد (١) هذا القياس بأنه لو صح الحكم على الغائب استدلالًا بحال الشاهد، لما احتيج إلى إثبات حدوث الأجسام بطريق الأعراض، إذ المشاهد من الأجسام بين الحدوث، ولكان إثبات حدوث ما غاب عنا منها بقياسه على المشاهد أصح، ولأمكن الاستغناء عن الاستدلال بحدوث الأعراض، والصحيح أنه لا يصح الاستناد إليه إلا عند التيقن من استواء طبيعة الشاهد بالغائب، يقول: \"فتؤول أدلتهم على حدوث. جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابى إلا حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب\" (٢)\n- وأما الحكم على ما لا يخلو من الحوادث بالحدوث، فهو العمدة في إثبات حدوث العالم، والأصل الذي أعتمد عليه أهل الكلام في ترجيح تأويلاتهم المبتدعة، حيث نزهوا الله تعالى عن حلول الحوادث فيه، فنفوا بذلك الكثير من الصفات المثبتة في القرآن والسنة.\nوللسلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - توجيهات لهذا الأصل، حيث يعد من الأمور المشبهة التي تشتمل على حق وباطل، لذلك احتاج الكلام فيه إلى تفصيل وإيضاح؛ ليستبن المراد منه فيؤخذ بذلك الحكم الذي يناسبه.\nفقد يراد بما لا يخلو من الحوادث: أنه لا يخلو من حادث بعينه، فهذا معلوم ببداهة العقول أنه حادث مثله.\nوبيانه أن ما لا يخلو من الحوادث لا يمكن له سبقها؛ لأنه إن كان سابقًا لها كان\n_________\n(١) هو محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكى أبو الوليد، فقيه أصولى، اشتغل بالفلسفة وحاول التلفيق بينها ولبين الشريعة حتى كان ذلك سببًا لتكفير العلماء له واتهامهم له بالزندقة، له عدد من المصنفات في الفقه والأصول وعلم الكلام والفلسفة، توفى بقرطبة في ذى القعدة سنة: ٥٢٠. انظر: شذرات الذهب: (٤/ ٦٢) وشجرة النور الزكية: ١٢٩، ومعجم المؤلفين: (٧/ ٢٢٨).\n(٢) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد: ١٠٩. وتجدر هنا الإشارة إلى أن طعن ابن رشد في منهج قياس الغائب على الشاهد في إثبات حدوث الأجسام الفلكية باطل، لأنه قد ثبت بالبرهان استواء طبيعة سائر الأجسام في كونها حادثة، وسيأتي تفصيل ذلك.","vol":"1","page":152},{"text":"خاليًا منها، ولامتنع الحكم عليه بعدم خلوه من الحوادث، وإذا علم امتناع سبقه لها مع عدم خلوه منها، بقى أن يكون وجوده مقارنًا لها أو بعدها، وحدوثه في كلا الحالتين ظاهر لا يحتاج إلى بيان.\nوأما الاحتمال الثاني الذي يرد عليه: أن الذي لا يخلو من جنس الحوادث حادث - أي الحوادث المتعاقبة التي لا ابتداء لها - فهذا هو محل النزاع، والذي لا يسلم أهل السنة والجماعة للمتكلمين به، وعليه مدار إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة بالإرادة كالكلام والغضب والضحك وغير ذلك، يقول شيخ الإسلام: \"وأما ما لا يسبق جنس الحوادث، وهو ما قدر أنه لم يزل يقارنه حادث بعد حادث وهلم جرًا، كما أنه يقارنه حادث بعد حادث، وفانٍ بعد فانٍ في الأبد، فيقدر ليس متقدمًا على جنس الحوادث، ولا متأخرًا عن جنس الحوادث والفانيات؛ فهذا محل نزاع نازعهم فيه جمهور الناس من أهل الملل والفلاسفة القائلين بحدوث العالم\". (١)\nولما علم بطلان تعميم الحكم بالحدوث على كل ما لا تخلو منه الحوادث استنادًا إلى وجود حوادث لا أول لها، أقدم متأخروا المتكلمين على نفى إمكان حوادث لا ابتداء لها، ووضعوا برهان التطبيق؛ ليحتجوا به على هذه المقولة. (٢)\nلكن هذه المحاولة باءت بالفشل، ولم تتمكن من إثبات حوادث لا أول لها؛ لأن ما تستند إليه من دليل التطبيق باطل ممتنع \"وملخص ذلك أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان، وفرض حد بعد ذلك كزمن الهجرة، وقدر امتداد هذين إلى ما لا نهاية، فإن تساويا لزم أن يكون الزائد مثل الناقص، وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى\" (٣)\nوقد بين شيخ الإسلام امتناعه من عدة أوجه:\n١ - أنه لا يمكن التطبيق مع وجود التفاضل، كما في المثال.\n_________\n(١) الدرء: (٨/ ٢٣٨).\n(٢) انظر: المرجع السابق: (١/ ٨) و(٩/ ٨٧).\n(٣) المرجع السابق: (١/ ٣٠٤). وانظر على سبيل المثال: لمع الأدلة للجوينى: ٩٠، والمواقف للإيجى: ٢٤٦.","vol":"1","page":153},{"text":"٢ - أن التفاضل حاصل من الجهة المتناهية لا الثانية.\n٣ - أن التطبيق يصح في الموجود لا المعدوم.\nثم إن هذه المقدمة تلزمهم بلوازم ممتنعة مما يدل على فسادها؛ إذ بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، ومن ذلك أن المقدمة الثانية \"كل حادث لا بد له محدث\" التي تعد من المسلمات المعلوم صدقها بالضرورة لم يسلم للمتكلمين إثباتها وفق هذا الأصل المبتدع الذي استندوا إليه في إثبات أن العالم حادث، حيث لزمهم في إثبات هذا المحدث أن لا يكون حادثًا ولا قديمًا، أما الحادث فلا يمكن لامتناع التسلسل. (١) أو الدور القبلى (٢) بين الفاعلين، وقد أقروا بذلك.\nوأما القديم فلا يصح إثباتهم له؛ لأنه إما أن يكون فعله قديمًا، ويمتنع عدم فعله لأن في ذلك نقصًا ينافى الكمال، وعلى ذلك لا بد أن تكون المفعولات هي أيضًا أزلية؛ لأن كل فعل أنتج مفعولًا لا بد أن يتعلق به مفعوله، وهذا ما يبطله مشاهدة حدوث المفعولات. فلم يبق إلا أن يكون الفعل الذي تعلقت به الحوادث حادثًا، فنتج بذلك فعل حادث عن فاعل قديم، وهذا ما لا يقرون به وفقًا لأصلهم الفاسد.\nومن جهة أخرى فإن كون الفاعل يفعل مرة دون مرة، دل على اتصافه بصفة رجحت الفعل على الترك، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وهو محال؛ لأن المقدر تساويهما بالنسبة للفاعل، فترجيح إحداهما على الأخرى دل على وجود علة رجحت الحدوث على العدم، ولا يصح نسبة هذا الترجيح للإرادة القديمة، كما يدعى المتكلمون.\nوقد كان هذا القول منهم مدعاة للفلاسفة للتبجح بمذهبهم الباطل في قدم\n_________\n(١) والمقصود من التسلسل هنا أن يفتقر المحدث إلى محدث ويمر الأمر إلى غير نهاية.\n(٢) الدور القبلى هنا: أن يتوقف وجود المحدث على محدث وبالعكس، يكون كل منهما باعتباره علة متقدمًا وباعتباره معلولًا متأخرًا.، فيلزم اجتماع النقيضين انظر: ابن تيمية السلفى: ٧، د. محمد خليل هراس.","vol":"1","page":154},{"text":"المفعولات؛ معللين ذلك بأن حدوثها يلزم منه حدوث فاعلها، لاحتياجها إلى مرجح حادث يقوم به، كما أدى ذلك إلى الطعن في أصل إثبات المتكلمين القدم للمحدث - كما بينت - والزامهم بلوازم أصلهم الفاسد.\nوقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - بطلان مذهبهم، يقول: \"وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم، يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث.\nولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع، وقال لهم الناس: هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع، وأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة، لم يتجدد فيه شيء أزلًا وأبدًا ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه كان ذلك ترجيحًا بلا مرجح\". (١)\nثم بين - ﵀ - أن الطريق الأسلم في هذا ما كان مستمدًا من الكتاب والسنة، وهو إثبات إرادة حادثة تقوم بالقديم يكون بها الترجيح، ولا يلزم منها حدوث ما قامت به. وبذلك تنتقى حجة الفلاسفة في إبطال مسلك المتكلمين في إثبات محدث قديم مفعولاته حادثة. (٢)\n- ويبقى الرد على أولئك المعارضين من الفلاسفة (٣) بأنه إذا أمكن تعاقب حوادث لا أول لها بالأفلاك مع وصفها بالقدم؛ فلم لا يمكن قيام أفعال اختيارية بالقديم يكون بها حدوث الحوادث، ولا تمنع وصفه بالقدم؟ (٤).\nهذا إلى جانب ما يلزمهم في نفى قيام الحوادث بالقديم من إثبات حدوث كل الحوادث بلا سبب ولا ذات متصفة بصفات كمال. (٥)\nوبكل ما تقدم بان ضعف الدليل حيث بنى على مقدمات واهية، نتج عنها انحراف خطير التزمه المتكلمون في اعتقاد ما يجب في حق الله تعالى.\n_________\n(١) الدرء: (٨/ ١٠٧).\n(٢) منهاج السنة النبوية: (١/ ٤٢٥، ٤٢٦).\n(٣) كابن رشد وأمثاله.\n(٤) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية: ٧١.\n(٥) انظر: الدرء: (١/ ٣٧١).","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>دليل الإمكان</span>\nيستند اعتقاد الفلاسفة في وحدانية الله تعالى إلى نفى شبهة التركيب، إذ الواحد يمتنع عليه التعدد، واعتقدوا أن في إثبات الصفات ما يخالف ذلك الأصل الذي بنو عليه توحيد الله وتنزيهه، حيث وصفوه بأنه عاقل لا يعقل إلا نفسه، ليس له إرادة ولا قدرة ولا أي صفة سوى العقل.\nوعند التساؤل عن وجود هذه المفعولات الكثيرة المشاهدة، فإنهم يرجعون الإجابة إلى نظرية الفيض والصدور، فأبطلوا دلالة العالم على وجود فاعله من جهة الحدوث؛ لأن في إثبات حدوث المخلوقات استلزامًا لقيام صفة حادثة بالرب، يتعلق بها وجود الحوادث، وهذا ما يمتنع - عندهم - بناء على شبهة التركيب التي ينبنى عليها التفريق بين الواجب والممكن؛ وبذلك ينتفى إمكان الاستدلال على واجب الوجود - عندهم - إلا بطريق التصور المحض للوجود. (١)\nويعتمد هذا الاستدلال على تضمن الوجود المطلق للوجود الواجب والممكن، يقول ابن سينا: \"لا شك أن هناك وجودًا، وكل وجود إما واجب وإما ممكن؛ فإن كان واجبًا فقد صح وجود الواجب وهو المطلوب، وإن كان ممكنًا فإنا نوضح أن الممكن ينتهى وجوده إلى واجب الوجود\". (٢)\nوتستند دلالة الوجود الممكن على الوجود الواجب إلى استحالة ترجح وجود الممكن على عدمه بلا مرجح (٣)؛ فإن واجب الوجود هو من يرجح الوجود على العدم، وإلا لزم الدور أو التسلسل الممتنعين (٤).\n_________\n(١) انظر: الإشارات والتنبيهات: (٣/ ٥٤).\n(٢) النجاة: ٣٨٣.\n(٣) انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام، الشهرستانى: ٩٩.\n(٤) انظر المواقف: ٢٦٦. ولزيادة التوسع انظر: الأصول التي بنا عليها المبتدعة مذبهم في الصفات، ومبحث دلالة العقل على وجود الله في كتاب المعرفة في الإسلام.","vol":"1","page":156},{"text":"وقد تأثرت المعتزلة بهذا المسلك الذي سلكه الفلاسفة والتزموا بلوازمه؛ فقاموا بنفى الصفات موافقة لهم في اعتقاد أن إثباتها يوجب التعدد وينفى الوحدانية؛ لأن انتفاء التركيب يعد في حق الواجب من أخص ما يميز به عن الممكن، وأقاموا على ذلك أصلهم المبتدع في إثبات التوحيد. (١)\nوانتقلت هذه الشبهة لأكابر الأشاعرة ممن تأثروا بالفلسفة، وأصبح الاستدلال بهذا الدليل أمرًا مستساغًا عندهم (٢)، بل وجد بعضهم في الدليل ما يفى بالمقصود، بعيدًا عن التكلف واصطناع المقدمات، حيث كثرت اعتراضات المخالفين عليها، وقام بدمجه مع دليل الحدوث، كتطوير أو دعم لهذا الدليل، فخالفوا بذلك مسلك الفلاسفة في الاستدلال به، وجعلوه مما يدل على سبق الممكنات بالعدم، مما يقضى بإثبات حدوثها. (٣)\nويشكك البعض في نسبة هذا الاستدلال إلى الفلاسفة؛ للمخالفة الظاهرة في طريقة الاستدلال به، حتى حكم البعض بخلافه، وزعم أن هذا الدليل قد عرف عن الباقلانى الذي توفى قبل ابن سينا بربع قرن، (٤) ولكن لا يزال الاعتراض قائمًا؛ لأن ابن سينا لم يكن هو الذي أحدث الطريقة، بل استفاد منها وعدل عنها إلى طريقة أحدثها، على غرار طريقة المتكلمين في دليل الحدوث. (٥).\nويمكن التوفيق بين الرأيين، فيقال: إن الدليل قد انتقل من الإمكان الذهنى الافتراضى إلى الإمكان الحقيقى على يد المتكلمين، كالباقلانى، والجوينى؛ بمعنى: أنه انتقل من التصور المحض للوجود، والاستدلال به على وجود الواجب والممكن إلى تعيين الممكنات، والاستدلال على وجود واجب أبدعها؛ لما كانت عليه من العدم، وما آلت إليه من الوجود.\n_________\n(١) انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام: ٩٠.\n(٢) انظر: المحصل للرازي: ٦٦.\n(٣) انظر: المواقف للإيجى: ٢٦٦.\n(٤) ابن رشد وفلسفته الدينية، محمود قاسم: ٩٢، ٩٤.\n(٥) انظر: الدرء: (٣/ ٣٣٤).","vol":"1","page":157},{"text":"وقد اشتهر الاستدلال به عند كافة المتكلمين؛ لما وجدوا فيه من واقعية الاستدلال، دون أن يكون التصور العقلى هو المستند الوحيد له، إلا أن الفكرة التي يقوم عليها وهى الجواز وتساوى الممكنات \"فكرة اعتزالية تسربت إلى الفلسفة، وظهرت لدى الأشاعرة منذ الباقلاني\". (١) مما يحكم بعدم استقلاله عن الأصل الفلسفى البعيد؛ لأنه قد سبق بيان تسرب هذه الفكرة إلى الاعتزال من الفلسفة القديمة، كما شهد بذلك الشهرستانى والغزالى. (٢)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيتابع الشيخ أسلافه من المتكلمين بالاستدلال بدليل الإمكان من حيث ما يقتضيه من معنى الحدوث، ودلالته على وجود الصانع، يقول: \"واعلم أنهم اختلفوا في كيفية الاستدلال بالعالم على أربعة أقوال:\nالأول: من جهة الإمكان أي استواء الوجود والعدم، ونظم الدليل أن تقول: العالم ممكن، وكل ممكن له صانع، فالعالم له صانع.\nالثاني: من جهة الحدوث، أي الوجود بعد العدم، ونظم الدليل عليه أن تقول: العالم حادث، وكل حادث له صانع، فالعالم له صانع.\nالثالث: من جهتهما معًا، ونظمه العالم ممكن حادث، وكل ما كان كذلك فله صانع.\nالرابع: من جهة الإمكان بشرط الحدوث، ونظمه كالذى قبله وإنما الفرق بينهما أن الحدوث أخذ جزأ في الأول، وشرطًا في الثاني\". (٣)\n* * *\n_________\n(١) الآمدي وآراؤه الكلامية، د. حسن الشافعي: ٤١١.\n(٢) نهاية الإقدام، للشهرستانى: ٩٠، والمنقذ من الضلال، للغزالى: ١٠٧.\n(٣) حاشية جوهرة التوحيد: ٨.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المناقشة:</span>\nيستند هذا الدليل في مبدأ الاستدلال به عند الفلاسفة إلى التصور المطلق للوجود، والذي ليس له حقيقة خارجة عن الذهن، مما يحكم بعدم كفايته في الاستدلال على وجود الله تعالى، فكل ما يقتضيه: تقسيم الوجود إلى واجب وممكن، أما من حيث التعين فلا يدل عليه، وهذا ما يدحض حجيته في الاستدلال على وجود الله تعالى، ويقرر عدم كفايته في هذا الأصل العظيم.\nبيان ذلك: أن الدليل الصحيح الدال على وجود الله تعالى لا بد أن يدل على تعينه متصفًا بما لا يشاركه فيه أحد من صفات الكمال، مع دلالته على إثبات وجوده، وإلا لأدى ذلك الاستدلال إلى نقيض المراد منه، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"حقيقة قول هؤلاء نفى الوجود الواجب المباين للوجود الممكن، ونفى وجود الخالق المباين للمخلوقات، ونفى وجود القديم المباين للمحدثات\". (١)\nوهذا يرجع إلى أنه استدلال بالكلى، الذي لا وجود له إلا في الأذهان وهو مطلق الوجود على المتعين وهو الوجود الواجب المتحقق في الخارج، وهذا غير ممكن بطريقه؛ لأن دلالة الكلى على المتعين قد تفيد إثباته في العقل، ولكنها تقصر عن المراد الأسمى، وهو تعيينه بصفاته التي يحصل بها التمييز بين الواجب والممكن في الخارج، يقول شيخ الإسلام في بيان عدم جدواه: \"فإن هذه الطريقة، وإن كانت صحيحة بلا ريب، لكن نتيجتها إثبات وجود واجب، وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء المعتبرين، ولا هو من المطالب العالية، ولا فيه إثبات الخالق، ولا إثبات وجود واجب أبدع السموات والأرض\". (٢)\n- وقد أعرض الفلاسفة عن الاستدلال بالحدوث - مع أنه يستند إلى مبدأ الإدراك الحسى إلى الاستدلال بهذا الدليل - حتى لا يخالفوا اعتقادهم بقدم بعض الموجودات كالأفلاك السماوية، فحصروا دلالة الممكن على الواجب بافتقاره إليه افتقار العلة إلى معلولها دون سبق زمان. (٣)\n_________\n(١) الصفدية: (٢/ ١٩).\n(٢) شرح العقيدة الأصفهانية: ٤٢.\n(٣) انظر: الدرء: (٣/ ٣٣٤) بدون إلزامات الأشاعرة في المقدمة التالية، لأنها فطرية، وسيأتي بيانه.","vol":"1","page":159},{"text":"وهذا ما رده عليهم شيخ الإسلام - ﵀ - وبين عدم صحته لمخالفته ما قد أجمع العقلاء عليه، يقول: \"أما كون الممكن بنفسه له ذات يعتقب عليه الوجود والعدم، وأنها مع ذلك قد تكون قديمة أزلية واجبة بغيرها، كما يقوله ابن سينا وموافقوه، فهذا باطل عند العقلاء قاطبة من الأولين والآخرين، حتى عند ابن سينا مع تناقضه\". (١)\n- ومع مخالفة المتكلمين للفلاسفة في هذا، واستدلالهم بالإمكان على الحدوث، لاقتضائه سبق الممكنات بالعدم، كما بين الصاوى، إلا أن شيخ الإسلام يخطئهم في استخدام مصطلح الإمكان من حيث امتناع دلالته على المراد، ببيان أن الممكن ما كان معدومًا أما ما وجد فقد خرج عن الإمكان إلى الوجوب بالغير، فالمعروف في فطر الناس أن ما مضى من وجود وعدم لا يسمونه ممكنًا، وإنما يسمون بالممكن شيئًا يمكن وجوده في المستقبل وعدمه في المستقبل\". (٢)\nهذا وقد سبقت الإشارة إلى أن الدليل حتى يتم به المقصود لا بد أن يتسم بالبيان والوضوح، وإلا خالف المراد منه، وهذا مما انتقده شيخ الإسلام - ﵀ - على المتكلمين، حيث خالفوا السبيل المستبين إلى سبيل تتسم مقدماته بالطول والخفاء، واستخدام المصطلحات الفلسفية المبتدعة، مما جعل فهمه متعسرًا على الكثير، يقول: \"فإن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن الممكن لا بد له من واجب فتكون تلك الطريق أبين وأقصر، وهذه أخفى وأطول\". إلى أن قال: \"ومن استدل على الجلى بالخفى فإنه وإن تكلم حقًا فلم يسلك طريق الاستدلال. . . فإثبات الصانع بمثل هذه المقدمات لو كانت صحيحة كان الدليل باطلًا\". (٣)\nوبعد التنبيه على وعورة هذه المسالك، وانقطاعها بأصحابها في الوصول للمراد الأسمى، يجدر التنبيه إلى بيان الطرق الشرعية، التي ذكرت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، باعتبار كفايتهما في الاستدلال على أصول الدين جملة وتفصيلًا -\n_________\n(١) الدرء: (٣/ ٣٣٧).\n(٢) الدرء: (٣/ ٣٥٠).\n(٣) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية: ٤٣.","vol":"1","page":160},{"text":"كما بينت سابقًا - فإن طريقة القرآن الكريم في بيان هذا الأصل، تتفق وروح السماحة وإرادة الخير بالبشرية، التي تعد من أبرز سماته التي خصه الله بها.\nفإن حديث القرآن عن معرفة الله تعالى، والاستدلال على وجوده، يتسم بأنه خطاب موجه للفطرة المغروسة في النفس البشرية، فجل ما يفيده في هذا المجال هو تنبيه العقل لإدراك هذه الحقيقة الكامنة فيه إن غفل عنها، وغابت معالمها في نفسه، ومن ثم إلزامها بما يقتضيه هذا الإقرار من التزام بأوامر الشرع المطهر، فدليل الخلق والإيجاد، يعتمد على مقدمتين، دلالة كل منهما تستند إلى اليقين، وهما: أن ما يشاهد من الموجودات مخلوق، وأنه لا بد لكل مخلوق من خالق.\nحيث ترتكز المقدمة الأولى على مبدأ الإدراك الحسى، وذلك أن العلم بحدوث المخلوقات، تقتضيه مشاهدة ما يطرأ عليها من وجود بعد عدم، ومن فناء بعد وجود، وقد دل القرآن الكريم على هذه الضرورة، بأحسن بيان وأوجزه، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾.\nوقال: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤].\nوغيرها من آيات الذكر الحكيم، التي نبهت إلى حقيقة الخلق في هذه الموجودات المشاهدة، وإقرار الكافرين بها، فاستدلت بها دون أن تستدل لها على ضرورة وجود خالق مبدع لتلك المخلوقات.\n- أما المقدمة الثانية لهذا الدليل، وهى ضرورة أن يكون لهذه المخلوقات خالقًا مبدعًا، فتعتمد على مبدأ السببية، الذي يعد من أسمى مبادئ التفكير البشرى الهادى إلى معرفة الله تعالى، وقد اعتمد القرآن الكريم في الاستدلال على هذا الأصل العظيم إلزام المخاطبين به، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل: ٦٤].\nحيث تدل هذه الآية الكريمة على وجوب أن يكون لهم خالق خلقهم من غير أنفسهم، ومن ثم إلزامهم بوجوب أن يكون هو الخالق الذي لا إله إلا هو.","vol":"1","page":161},{"text":"وقد أتى هذا الإلزام بصيغة الاستفهام الإنكارى ليدل على فطرية هذه القضية واستقرارها في نفوسهم، بحيث يمتنع مخالجة الشك لها. (١)\nيقول العلامة الشنقيطي - ﵀ -: \"لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح والأولى: أن يكونوا خلقوا من غير شيء، أي بدون خالق أصلًا.\nوالثانية: أن يكونوا خلقوا أنفسهم.\nوالثالثة: أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم.\nولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضرورى كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه، والثالث هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا\". (٢)\nوعلى نفس مبدأ السببية يقوم دليل آخر، له ارتباط وثيق بدليل الخلق، وذلك من جهة اشتمال المخلوقات على ما هي عليه من الإحكام والإتقان، ومن ثم الاستدلال بذلك على وجود مبدع لها، أحكم وأتقن صنعها، يقوم هذا الدليل كسابقه على مقدمتين دلالتهما يقينية: أما المقدمة الأولى: وهى أن كل ما هو مشاهد من المخلوقات قد أحكم خلقه وأتقن، فتستند إلى الإدراك الحسى الذي يدرك هذه الحقيقة ويشاهدها دون أدنى شك.\nوأما المقدمة الثانية، وهى أن كل ما أحكم صنعه وأتقن فإنه يدل على وجود بديع أبدعه، فتستند إلى مبدأ السببية، الذي يمنع أن يكون هذا الإحكام والإتقان قد وجد اتفاقًا بلا مسبب له، ومن ثم يلزم بوجود مسبب قادر على إبداع هذا الخلق وإحكامه.\nوالآيات التي تشهد لهذا الأصل كثيرة حتى عدها بعضهم في أكثر من ثمانين\n_________\n(١) انظر: الرد على المنطقيين، لابن تيمية (٢٥٣).\n(٢) أضواء البيان للشنقيطى (٤/ ٣٩٨).","vol":"1","page":162},{"text":"موضعًا، كلها تحث العقل على تدبر ما في هذا الخلق من عناية وحسن تدبير وتقدير ونظام، ففى بيان العناية وحسن التدبير، يقول الشيخ السعدى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] \"فالنفس آية كبيرة من آياته التي يحق الإقسام بها، فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل والحركة، والتغيير، والتأثر، والانفعالات النفسية من الهمة والإرادة والقصد والحب والبغض، وهى التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على ما هي عليه آية من آيات الله العظيمة\". (١)\n* * *\n_________\n(١) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن: (١٠١٢). ولمزيد من التفصيل انظر مبحث الاستدلال على وجود الله في كتاب المعرفة في الإسلام، فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الله القرنى.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الفصل الثاني: (آراؤه في التوحيد)</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التوحيد.\nالمبحث الثاني: أدلة التوحيد.\nالمبحث الثالث: شهادة التوحيد ونواقضها.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>تمهيد</span>\nيقسم التوحيد باعتبارين: أولًا: باعتبار متعلقه؛ إلى توحيد ربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد أسماء وصفات.\nالثاني: باعتباره ما يجب على العبد، إلى توحيد علمى وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد عملى وهو توحيد الألوهية.\nويعنى توحيد الربوبية: توحيد الله تعالى بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nأما توحيد الألوهية: فهو توحيد الرب تعالى بأفعال العباد، فهو بهذا المعنى لازم من لوازم الإيمان بربوبيته تعالى، فهو حقيقة يقتضى الالتزام بها ذلك الإقرار الفطرى، ولهذا كان يأتى تقريره في الكتاب والسنة بطريق الإلزام بتوحيد الربوبية قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].\nوأما توحيد الأسماء والصفات فهو توحيده تعالى بماله من أسماء وصفات خص بها نفسه في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه - ﷺ -، يكون بإثباتها له على جهة تنتفى فيها كل موجبات النقص المنافى لتمام كماله وجلاله، من التمثيل والتعطيل والتحريف والتكييف، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nومن أدلة التوحيد العلمي (الربوبية والأسماء والصفات): سورة الإخلاص، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، وغيرها من الآيات الكريمة؛ فقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: دلت على نفى الشريك من كل وجه؛ في الذات وفى الصفات وفى الأفعال، كما دلت على تفرده سبحانه بالعظمة والكمال والمجد والكبرياء.","vol":"1","page":165},{"text":"وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قد فسرها ابن عباس - ﵄ - بقوله: \"السيد الذي كمل سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله ﷿، هذه صفته ولا تنبغى إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء\" (١)، فإثبات الأحدية لله تضمن نفى المشاركة والمماثلة، وهذا هو توحيد التنزيه، وإثبات الصمدية بكل معانيها المتقدمة؛ تتضمن إثبات جميع تفاصيل الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا هو توحيد الإثبات (٢).\nأما القسم الثاني من التوحيد؛ فقد تضمنته سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وكثير من آيات الكتاب الكريم.\n\"وغالب سور القرآن متضمنة لنوعى التوحيد، بل كل سورة في القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمى الخبرى، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادى الطلبي\" (٣).\nولما كانت العلاقة بين هذه الأقسام علاقة استلزام وتضمن؛ فقد مثل التوحيد - بأقسامه الثلاث - المقصد الأسمى والغاية العظمى من خلق الله تعالى للثقلين، ومن إنزاله الكتب إليهم على أيدى الرسل والأنبياء، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] إذ هو سبحانه المنفرد بالخلق، فلا يصح أن يعبد غيره، وهو المنفرد بالأمر وغاية الأمر أن يعبد وحده.\nوقد بين سبحانه أن الغاية من خلق الثقلين هي: إفراده وحده بالعبادة، حيث قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] بل نزه نفسه\n_________\n(١) رواه ابن جرير في تفسير سورة الإخلاص بإسناده: (٣٠/ ٣٤٦).\n(٢) شرح العقيدة الواسطية، العلامة محمد خليل هراس: ٨٢.\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية: ٨٩.","vol":"1","page":166},{"text":"عن إرادة العبث من خلق السموات والأرض وبين أن ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] أما المؤمنون فحالهم ينطق ولسانهم يلهج بـ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١].\nوكما بين سبحانه الحكمة من خلقه؛ فقد بين الحكمة من أمره في كثير من آيات الذكر الحكيم، فقصص الأنبياء تترى وأخبارهم تروى في بيان هذه الحقيقة وتأكيد: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].\nوسار السلف الصالح - رضوان الله عليهم - على نهج الأنبياء - ﵈ - في الدعوة للتوحيد والذب عن حماه معتقدين اعتقادًا جازمًا مستمدًا من الهدى الكريم، أنه لا نجاة إلا به، هكذا دونما تفريق بين لوازمه ومعانيه، لا لغموض في فهمه ولبس، وإنما لوضوح هذه الحقيقة وبعدها عن الكدر والشوائب.\nوظل الأمر على هذا؛ حتى خلف منٍ بعدهم خلف انحرافوا عن المسير فضلوا السبيل و﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] حيث أرادوا الدفاع عن الدين من أقوال الكفرة الباغين، فحصروا جل اهتمامهم في الدعوة إلى بعض معانيه، فكان إثبات وجود الله تعالى والاستدلال على ربوبيته، هو المقصد الأسمى من تلك المطالب العالية، ونسوا أو تناسوا أنهم بذلوا الكثير في تقرير ما هو مقرر لدى الكثير، وأعرضوا بما وهبوا من أفهام وألباب عن معرفة أن المراد غير المراد: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وأن الناجى يوم ﴿تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] هو ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩].\nوقد نتج عن هذا الانحراف الذي حصل في مفهوم التوحيد عند هؤلاء المتكلمين أن حرفوا معناه إلى ما يوافق ما ابتدعوا من أصول فاسدة، فأهملوا المراد الأسمى منه وهو الدعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة.\nهذا مع ما امتد إليه ذلك الانحراف من اضطراب وتضليل لمقتضيات الأدلة الشرعية فيما ينبنى على معرفة حقيقة التوحيد المنجى، فقد امتدت مخالفتهم إلى","vol":"1","page":167},{"text":"زعزعة الثوابت في قضايا التكفير المعلومة من الضرورة بدين الإسلام، وبهذا ظهر مفهومهم الخاص في تحديد معنى الشهادة ونواقضها بناء على ما تأسس لديهم من فهم لحقيقة التوحيد المنجى.\n* * *","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>(المبحث الأول): تعريف التوحيد</span>\nمع تأثر المتكلمين البين في قضايا الإلهيات بالرد على المناهج الكفرية في توحيد الباري تعالى، سواء فيها عقيدة اليهود أو النصارى أو الفلاسفة الإغريق؛ يتوجه الحديث عن حقيقة الإله في ضوء تلك المناهج الضالة التي انحرفت عن مسالك الأنبياء والمرسلين في الإيمان بهذه الحقيقة الفطرية.\nأما عن معتقد الفلاسفة في الذات الإلهية، فإن تنزيه الإله عن التركيب عندهم يعد حجر أساس في تصورهم لمعنى التوحيد، فالتوحيد هو نفى التركيب وإثباته عكسه، (١) بمعنى أن منهجهم في إثبات الإله إنما تحقق بناء على اعتقاد بساطة الإله ونفى الصفات عنه؛ فإنهم لما اعتقدوا أن في إثبات الإرادة وسائر الصفات ما يغاير تلك الوحدانية المزعومة باعتقاد اقتضائها للتركيب؛ فقد امتنعوا عن إثباتها، وخلصوا في الإقرار بحدوث العالم المتغير عن ذلك الإله بالوجود الضرورى الحتمى، الذي تبلورت فكرته في نظرية الفيض والصدور.\nأما عن عقيدة اليهود والنصارى في الذات الإلهية، فلا يخفى ما فيها من إلحاد وخروج عن مقتضى التوحيد الذي أقرته رسالات الأنبياء، إذ يتلخص انحرافهم في اعتقاد الشريك في الربوبية، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].\nوقد بين القرآن الكريم في كثير من الآيات بطلان تلك العقائد الكفرية، ببيان ما تستلزمه من إلحاق النقص والخروج عن مقتضى التنزيه والتقديس الذي يستحقه الرب تعالى لتمام كماله وقيوميته، ومن ذلك قوله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا\n_________\n(١) انظر: المبحث السابق في بيان الخطأ في تصورهم لمعنى التركيب حيث قاموا بنفى الصفات اعتمادًا على هذه الحجة الباطلة، واعتقادًا أن في إثباتهم ما يؤدى إلى التركيب، حتى لم يعد هناك ما يميز إلههم عن العدم سوى تصور الوجود التصور الذهنى المجرد: ١٤٥.","vol":"1","page":169},{"text":"فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١].\nولكن المتكلمين لما حرصوا على انتهاج الأدلة العقلية في الاستدلال للعقائد؛ خاضوا مع أولئك اليهود والنصارى معارك ضارية، افترض عليهم مسلكهم القائم على التحسين والتقبيح العقلى أن يتنازلوا عن كثير من الضروريات التي اقتضاها مبدأ التسليم بالأدلة الشرعية كتابًا وسنة.\nولكل ما تقدم فقد ظهر أثر تبرير النصارى لعقيدة التثليث باعتقاد أن الثالوث ما هو إلا مجموعة أقانيم، أي صفات لذات واحدة أو أعراض لجوهر واحد في اقتناع المعتزلة بوجوب تنزيه الباري تعالى عن الصفات؛ حتى لا يلزمهم ما لزم النصارى من الوقوع في الشرك الأكبر (١).\nوقد كان للرد على عقيدة الفلاسفة في الذات الإلهية دور كبير أيضًا في تحديد درجة الانحراف في الفكر الاعتزالى اتجاه توحيد الباري تعالى، وهذا ما أشار إليه الشهرستاني عند بيانه أصول معتقد شيخ الطائفة أبى الهذيل (٢): \"وإنما اقتبس هذا الرأى من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معانى قائمة بذاته، بل هي ذاته وترجع إلى السلوب أو اللوازم\".\nبل ويزيد في توضيح أصل معتقده جامعًا بين المؤثرات المنظرة لحقيقة ما ذهب إليه، قائلًا: وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات فهى بعينها أقانيم النصارى أو أحوال أبى هاشم\" (٣) وهذا كثير في عرضه آراء الفرق النصرانية.\n_________\n(١) انظر: الملل والنحل للشهرستاني: (٢/ ٦٤). ونشأة الفكر الفلسفى في الإسلام، سامى النشار: (١/ ٩٧).\n(٢) هو أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدى المعروف بالعلاف المتكلم شيخ البصريين في الاعتزال، كان كثير الجدل، توفي سنة ٢٣٥ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ٢٦٥).\n(٣) الملل والنحل: (١/ ٦٣). انظر: نشأة الفكر الفلسفى في الإسلام، سامى النشار: (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":170},{"text":"- ومن هنا كان موقف المعتزلة الجافى إزاء التوحيد حيث أقاموه على ثلاثة أصول:\nالأول: بمعنى أنه لا يتجزأ ولا يتبعض.\nالثاني: أنه منفرد بالقدم لا ثانى له.\nالثالث: أنه منفرد بسائر ما يستحق من الصفات النفسية، من كونه قادرًا حيًا (١) ويقول القاضي عبد الجبار في تعريفه: \"هو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به، ولا بد من اعتبار هذين الشرطين: العلم والإقرار جميعًا؛ لأنه لو علم ولم يقر، أو أقر ولم يعلم لم يكن موحدًا\" (٢)\nومع تضليل الأشاعرة للمعتزلة في مقتضى نفى التركيب - عندهم - لنفيهم سائر الصفات؛ فقد انتهجوا أيضًا نفس المنهج في بيان الأسس التي ينبنى عليها مفهوم التوحيد، مع نوع من المغايرة التي يوجبها منهجهم القائم على اعتماد العقل إلى جانب الالتفات إلى النصوص الشرعية، وبيانها كالتالى:\n١ - أن الله تعالى واحد في ذاته، وهذا يشمل نفى التركيب عنها، ونفى أن يماثله فيها أحد، يقول الجويني: \"والرب ﷾ موجود فرد متقدس عن قبول التبعيض والانقسام، وقد يراد بتسميته واحدًا أنه لا مثل له ولا نظير\". (٣)\n٢ - أن الله تعالى واحد في صفاته فلا يشابهه فيها أحد، ولا تنوع فيها أي لا يوصف بأن له علمين أو إرادتين. (٤)\n٣ - أن الله تعالى واحد في أفعاله، وفيه إثبات لمعنى الربوبية والانفراد\n_________\n(١) المغنى في أبواب التوحيد والعدل: (٤/ ٢٤١).\n(٢) شرح الأصول الخمسة: ١٢٨.\n(٣) الإرشاد: ٥٢، وانظر: المواقف للإيجى: ٢٧٨. والمحصل للرازي: ١٩٣.\n(٤) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد: ٥٩.","vol":"1","page":171},{"text":"بالتصرف، ويحكى هذه المعانى ابن فورك عن شيخه الاشعرى: \"الواحد والأحد بمعنى التوحد، الذي هو التفرد النافى للاشتراك والازدواج في النفس والفعل والحكم والصفة؛ لأنه في نفسه غير منقسم، وفى نعته لا مثل له، وفى تدبيره لا شريك له، فهو واحد من هذه الوجوه، ولا فرق بين الأحد والواحد عنده\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيوافق الصاوى من تقدمه من الأشاعرة في معنى التوحيد؛ حيث يقرر ما ذهبوا إليه من أن المعبود متصف بالوحدة في الذات، والصفات، والأفعال، (٢) وذلك بـ: \"نفى الكموم الخمسة، وتوضيحه: أنه لا نظير له في ذاته، أي أن ذاته ليست مركبة من أجزاء، وليس لأحد ذات كذاته، ولا في صفاته، أي ليست صفاته معددة من جنس واحد، بمعنى أنه ليس له علمان ولا سمعان، وليس لأحد صفة كصفات مولانا، فهذه أربعة كموم: متصلان في الذات والصفات، ومنفصلان بينهما، والخاص المنفصل في الأفعال، بمعنى أنه ليس لأحد فعل مع الله، وأما المتصل فهو ثابت لا ينفى؛ لأن أفعاله على حسب شؤونه\". (٣)\nومع ما تقدم فقد يظهر عليه التأثر باعتقاد السلف، كما هو معلوم من حال متأخرى الأشاعرة أمثال الدردير والجمل، وذلك في مثل تفسير الآية الكريمة: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] حيث بين أن النبي - ﵊ - قد ابتدأ بالدعوة إلى التوحيد: عبادة الله وحده، ثم علل توجهه إليه أولًا بأنه الأصل وما بعده فرع، يقول: \"أمرهم بالتوحيد أولًا؛ لأنه أهم الأشياء وأصلها وغيره فرع، فإذا صلح الأصل صلح الفرع\". (٤)\n_________\n(١) مجرد مقالات الأشعري: ٥٥.\n(٢) انظر: حاشية الجلالين: (٢/ ٢٨٦)، (٤/ ٤٦).\n(٣) المرجع السابق: (٣/ ٧٠). وانظر: (١/ ٧٠) والحاشية على الخريدة البهية ١٩.\n(٤) المرجع السابق: (٢/ ٢١٠).","vol":"1","page":172},{"text":"وقد يأتى في موضع آخر فيميل إلى آراء أسلافه، فيقصر التوحيد على مفهومه العلمى دون العملى، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. يقول: \"الخطاب للمكلفين لأن العبادة تتوقف على معرفة المعبود والنية، ولكن المراد ما يشمل القربة التي هي ما تتوقف على معرفة المتقرب إليه والطاعة التي لا تتوقف على شيء\".\nويرى أن تفسير العبادة بالتوحيد، كما هو قول المحلى يجعل النهى عن الإشراك مؤكدًا للأمر السابق، وهذا خلاف الأولى، بل الأولى - عنده - أن يكون قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ هو الأساس وما بعده أمر بلازمه. (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المناقشة:</span>\nمن خلال عرض أقوال الصاوى ومن قبله الأشاعرة؛ تبين أن مفهوم التوحيد - عندهم - قد داخله انحراف خطير وذلك من عدة أبواب:\nالأول: اعتقاد الوحدانية في الذات، وذلك بنفى التركيب، ونفى المثيل والنظير.\n- أما التركيب ففيه إجمال، حيث أرادوا به حقًا وباطلًا: فنفى تركيب الذات من أجزاء متعددة، حق لا مرية فيه؛ فالله تعالى صمد غنى عما سواه. أما إذا أرادوا به نفى ما يلزم منه التركيب - عندهم - كالصفات الخبرية مثل الوجه واليدين؛ فهذا باطل مخالف لما هو مقرر في الكتاب والسنة، وليس في إثباته ما يلزم منه التركيب كما زعموا. (٢)\n- وأما إثبات وحدانية الذات بنفى النظير والمثل، فهذا حق، ولكنهم غلوا في هذا الجانب حتى زعموا أن هذا هو المراد الأسمى من التوحيد، إلى أن قصروا الاستدلال على إثباته.\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ٢٠٥).\n(٢) سيأتي بأنه في الفصل التالى بإذن الله: ١٢١.","vol":"1","page":173},{"text":"الثاني: اعتقاد الوحدانية في الأفعال: وأرادوا به إثبات ربوبية الله تعالى ووحدانيته في التصرف، لكنهم مع ذلك أرادوا به نفى التأثير عن فعل غير الله تعالى، وهو ما يعرف بإبطال الأسباب، وقد أدخلهم هذا الاعتقاد في نطاق الجبر. (١)\nالثالث: اعتقاد الوحدانية في الصفات؛ واشتمل هذا الاعتقاد على حق وباطل، حيث أرادوا به تنزيه الله تعالى عن مشابهة صفات المخلوقين؛ فوقعوا في شر مما فروا منه، حيث عطلوه عما ورد به وصفه في الكتاب والسنة.\nوهذا المعنى الذي ذهبوا إليه قد ثبت بطلانه من جهات متعددة، منها مخالفته للغة العربية (٢) - لغة القرآن الكريم - كباقى مصطلحات المتكلمين التي قال فيها شيخ الإسلام: \"إن عامة ألفاظهم الاصطلاحية لا يريدون بها ما هو المعروف في اللغة من معناها، بل معانى اختصوا بالكلام فيها نفيًا وإثباتًا؛ ولهذا قال الإمام أحمد فيهم: \"يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم\". (٣)\nفعارضوا بذلك ما ورد في الكتاب والسنة، ومما يدل عليه أنه قد ورد لفظ الواحد والوحيد في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - ﵊ - بخلاف ما زعموا من نفى التركيب والتبعيض، فقد روى عن الإمام أحمد أنه حاج أحد المتكلمين في ذلك المعنى، حيث قال: \"قد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومى، فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه وحيدًا بجميع صفاته، فالله - وله المثل الأعلى - هو بجميع صفاته إله واحد\". (٤)\n_________\n(١) سيتم بحثه في باب القدر بإذن الله: ٥٦٠.\n(٢) جميع المعاجم اللغوية القديمة لا يوجد فيها هذا المعنى الذي ذهبوا إليه، وإنما وجد في بعض المتأخر منها كالمفردات ولسان العرب تأثرًا بآراء المتكلمين في هذا الباب.\n(٣) بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٤٧٤).\n(٤) الرد على الجهمية والزنادقة: ١٣٤.","vol":"1","page":174},{"text":"ثم إن في تفسير ما ورد في القرآن من لفظ الواحد أو الأحد، وفقًا لما ذهب إليه المتكلمون؛ إثبات للتناقض في كتاب الله تعالى، ويضرب شيخ الإسلام - ﵀ - مثالًا لذلك بسورة الإخلاص، التي ورد فيها نفى مكافأة أحد لله تعالى مهما كان، فلو طبق هذا المعنى الذي ذهب إليه المتكلمون على الأحد المنفى هنا في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، للزم منه مكافأة جميع الأجسام لله تعالى، وهذا محال، (١) وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه.\nومما يدل على بطلان هذا المعنى، قصوره - عند الصاوى ومن سبقه من المتكلمين - عن تحقيق المراد الأسمى من التوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة، ودلالة هذا الأصل مستمدة من الكتاب والسنة، حيث دلت نصوص القرآن الكريم على تقسيم التوحيد إلى أقسام ثلاث: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات (٢)، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في بدء الحديث عن التوحيد، فمن تلك النصوص، ما يثبت ربوبية الله تعالى على خلقه، وذلك ببيان انفراده في التدبير والتصريف، ومنها ما يدعو إلى إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا هو توحيد الألوهية، ومنها ما يدل على إثبات صفات الكمال لله تعالى تعظيمًا وتنزيهًا، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.\nوكل هذه الاقسام ترتبط؛ لتدل على معنى التوحيد كما هو مستمد من الكتاب والسنة، فتوحيد الألوهية يدل على الربوبية بالتضمن؛ فما من محقق له إلا وهو محقق لتوحيد الربوبية من باب أولى، ومن ادعى خلافه فقد ادعى الجمع بين النقيضين.\nأما توحيد الربوبية؛ فإنه يدل على الألوهية بالالتزام، بمعنى أن من أقر بأنه لا يستحق صفات الربوبية إلا الله تعالى؛ لزم ألا يعبد أحدًا سواه، وأى مخالفة لذلك\n_________\n(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٤٩٤).\n(٢) والذي ينبغى أن يعلم أن هذا التقسيم قد عرف منذ القدم عن السلف الصالح منهم الإمام الطحارى حيث ذكره في متنه المشهور، حيث قال: لا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، انظر: أصول العقيدة الإسلامية التي قررها الإمام أبو جعفر الطحاوي: ٢٣ - ٢٦، تحقيق عبد المنعم العزى.","vol":"1","page":175},{"text":"تدل على خلل في الإقرار بتوحيد الربوبية، وقد روى الإمام ابن جرير الطبري هذا المعنى عن ابن عباس - ﵄ - حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] \"أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول - ﷺ - من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه\". (١)\nأما توحيد الأسماء والصفات؛ فإنه يدل على الربوبية بالتضمن؛ لدلالة أسمائه الحسنى على ذلك، وعلى الألوهية بالالتزام. (٢)\nوبهذا يدرك أن المراد من التقسيم الذي ذكره العلماء هو توضيح المعتقد؛ وفقًا لما جاء في الكتاب والسنة، ومن ثم التأكيد على توحيد الألوهية الذي جحده الكثير ممن أقر بربوبية الله على خلقه، فمعرفة الله ربًا منعمًا متصفًا بصفات الكمال والعظمة، مما قد فطرت النفوس على الإقرار به، وإنما وقع الخلل فيما يجب اتجاه من وصف بذلك واستحقه، حيث عبدت الأصنام وصرفت الصالحات لغير الله تعالى؛ إما جهلًا أو عنادًا واستكبارًا، وأدلة الشرع في هذا المعنى كثيرة متضافرة، لا يعرض عنها إلا جاهل أو صاحب هوى.\nقال شيخ الإسلام: \"التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، بأن يعبد الله وحده لا يشركون به شيئًا؛ يكون الدين كله لله. . كما قد بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن\". (٣)\n* * *\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: (١/ ١٦٤).\n(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد الله: ٣٣. وانظر دعوة التوحيد للشيخ محمد خليل هراس: ٨٣، ٨٥.\n(٣) منهاج السنة النبوية: (٣/ ٢٩٠).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>(المبحث الثاني): دليل التوحيد</span>\nلما انحصر المراد بالتوحيد عند المتكلمين على توحيد الربوبية؛ فقد اعتنوا بالاستدلال له عقلًا، وأجازوا ذلك بطريق النقل، وقد استندوا في ذلك إلى عدم توقف معرفة السمع عليه، يقول الإيجى: \"والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل، إذ يمتنع خلافه عقلًا بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه\". (١)\nودليلهم الذي اعتمدوا عليه في إثبات الوحدانية هو ما يسمى بدليل التمانع.\nويستند هذا الدليل في أساسه إلى مقدمتين ضروريتين، الأولى: وجود هذا العالم بما هو عليه من انتظام وإتقان.\nالثانية: أن هذا الانتظام لا بد أن يكون مدبره واحدًا.\nوالدليل على استحالة تعدد المدبرين هو امتناع تعدد الإرادات على المخلوقات؛ إذ يلزم من تعددها إما اتفاق الآلهة أو اختلافهم، وكلاهما باطل.\nأما الاتفاق فلما يلزمه من اجتماع مؤثرين على فعل واحد، ومحله إذا اتفقا على إيجاده في وقت واحد.\nومع حصوله مرتبًا فيبطل، لما يلزم من عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل.\nأما الاختلاف بأن يريد أحدهما إيجاد شيء، والآخر إعدامه، فلا يخلو إما أن ينفذ مرادهما معًا، فهذا باطل، لاستحالة اجتماع النقيضين: الوجود والعدم.\nأو لا ينفذ مراد واحد منهما فباطل أيضًا لاستحالة ارتفاع النقيضين: الوجود والعدم، وللزوم عجزهما معًا.\nفلم يبق من هذه القسمة العقلية إلا الفرض الأخير: أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، فثبتت بذلك الوحدانية، وانتفى إمكان التعدد. (٢)\n_________\n(١) المواقف: ٤٠.\n(٢) انظر الدليل: لمع الأدلة للجوينى: ٨٦ - ٨٧. والإرشاد له: ٥٣ - ٥٧. والمحصل للرازي: ١٩٣. والإنصاف للباقلانى: ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>رأي الشيخ الصاوى:</span>\nيتبع الصاوى رأى أسلافه في إمكان إثبات دليل الوحدانية بالعقل والنقل، يقول: \"واعلم أن الدليل على الوحدانية لله النقل والعقل، أما النقل فآيات كثيرة جدًا منها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]\nوأما العقل فقد علمنا الله كيفيته بقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وكهذه الآية يعني: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] \". (١)\nوفى تقريره لهذا الدليل، يقول: \"لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معًا، وهو باطل للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معًا، وهو باطل أيضًا؛ للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضًا؛ لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية.\nوإذا فرض اتفاقهما فهو باطل أيضًا، لوجود التوارد.\nوتقريره أيضًا أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء فإما أن يحصل بإرادتهما معًا، وذلك باطل؛ لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق أحدهما إلى إيجاده فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول لوجود المماثلة بينهما\". (٢)\nومما استدل به أيضًا لإثبات الوحدانية بدليل التمانع، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٦٩).\n(٢) المرجع السابق، وانظر (٢/ ٢٩٢) وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٦٣.","vol":"1","page":178},{"text":"يقول: \"المعنى: لو فرض له شريك في الملك لنازعه وقاتله واستعلى عليه لكنه لم يوجد من هو بهذه المثابة، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية\". (١)\nكما أنه يستدل للوحدانية بدليل النفس وما فيها من بديع الإتقان، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: \"أي لأنه المالك المتصرف. وهذا أعظم دليل على انفراده بالوحدانية\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المناقشة:</span>\nيعد هذا الدليل من البراهين المسلمة التي يجزم بصدقها، بل هو مقتضى الضرورة العقلية، إذ كل ما يمكن حدوثه من افتراض تعدد الآلهة قد علم امتناعه بما فطرت عليه النفوس، ومن ذلك: استحالة اجتماع النقيضين، واستحالة ارتفاعهما، وكذلك استحالة اجتماع مؤثرين على فعل واحد، واستحالة أن يكون الرب عاجزًا.\nفكل ما تقدم هو من المبادئ الأولية، التي يستدل بها، ولا يستدل لها.\nيقول شيخ الإسلام بعد تقريره للدليل على طريقة المتكلمين: \"وهذا أمر مستقر في فطر بنى آدم وعقولهم، وإن تنوعت العبارات عنه، وإن كان قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعانى إلى بسط وإيضاح\" (٣)، وقد رد - ﵀ - على من انتقد دلالته على إثبات الوحدانية من الفلاسفة، كابن رشد وغيره (٤)، فقال: \"ليس الأمر كما ظنه هؤلاء؛ بل هو برهان صحيح عقلى، كما قدره فحول النظار\". (٥)\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٢٧).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ١٠٤).\n(٣) الدرء: (٩/ ٣٦٤).\n(٤) وكان محل اعتراضهم أن متقدمى الأشاعرة لم يوردوا في الدليل إمكان اتفاق الآلهة، بل اكتفوا بما يلزم من اختلافهم، ولكن متأخرى الأشاعرة فطنوا إلى هذا وأوردوا بطلان الاتفاق كما ذكر الصاوى، انظر الصفحة السابقة، ولشيخ الإسلام كلام أبطل فيه هذا الاعتراض بين فيه أن امتناع اختلاف الآلهة أبلغ في بيان عجزها [فإنه إذا لم يجز أن يريد أحدهما ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله لزم أن لا يكون واحد منهما قادرًا]. الدرء: (٩/ ٣٥٦) وانظر: منهاج السنة النبوية: (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(٥) الدرء: (٩/ ٣٥٤).","vol":"1","page":179},{"text":"يبقى التنبيه هنا إلى أن شيخ الإسلام - ﵀ - مع كونه أقر بصحة استدلال المتكلمين به إلا أنه لا يوافقهم في دلالة القرآن عليه، وذلك لبداهته واستقراره في الفطر ولكون الخصومة الواقعة من الأمم لم تكن في أحقيته، يقول بعد تقريره لدليل التمانع: \"وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة، وإن كان من الناس من يزعم أن دليل ذلك هو السمع، لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء.\nومقصود القرآن توحيد الإلهية، وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس\" (١)\nوقد ذهب إلى القول بدلالة السمع عليه الكثير من علماء السلف كما سيأتي بإذن الله؛ وعليه فإن ما استدل به الصاوى من الآيات الكريمة - كغيره من المتكلمين - لتقرير هذا الدليل صحيح في الجملة، فالقرآن الكريم قد اشتمل على كافة الأدلة التي ينبنى عليها الاعتقاد السليم، وقد يكون ذلك إما على سبيل التقرير، أو الرد على المخالف، فمن المعلوم ما وقعت به النصارى من شرك في ربوبية الله تعالى، حيث أثبتوا له الولد والصاحبة تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وللقرآن الكريم أساليب متعددة كلها تبين بطلان هذا الزعم، وما ينبنى على تصوره من فساد محال، يجزم باستحالة ذلك المعتقد، في كثير من الآيات، ومن تلك الأدلة قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].\nفقد دلت الآية الكريمة على إبطال ما يلزم من إثبات الشركة لله تعالى، وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه.\nيقول الإمام ابن كثير (٢) في تفسير الآية: \"لو قدر تعدد الآلهة لا نفرد كل منهم\n_________\n(١) المرجع السابق: (٩/ ٣٦٩). وانظر: ابن تيمية السلفى، للشيخ محمد خليل هراس: ٨٢.\n(٢) هو الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقى الفقيه المحدث المفسر المؤرخ انتهت إليه رياسة العلم في هذه الفنون أخذ عن الشيخ تقى الدين ابن تيمية فأكثر عنه من أشهر مصنفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وجمع المسانيد العشرة، توفى سنة: ٧٧٤. انظر: شذرات الذهب: (٦/ ٢٣١).","vol":"1","page":180},{"text":"بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوى والسفلى مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه. فيعلو بعضهم على بعض\". (١)\nأما اللازم الأول وهو انفراد كل إله بما خلق، فباطل؛ لأنه يتنافى مع ما يجب أن يتصف به الرب الحق من القدرة التامة لخلق كافة المخلوقات، مع القيام بشؤونها وتدبيرها، فتكون بذلك تحت تصرفه وقهره، أما ما خلا ذلك، فليس برب على وجه الحقيقة.\nوأما اللازم الثاني لوجود التعدد؛ فهو علو بعض الأرباب على بعض، بحيث يطلب كل منهما العلو على الثاني حتى تتحقق له الربوبية؛ لان مقتضى الربوبية لا يتحقق إلا بانفراد الرب في تصريف شؤون الخلق، إيجادًا وتدبيرًا.\nيقول شيخ الاسلام: \"وبيان التلازم أنه إذا كان معه إله، امتنع أن يكون مستقلًا بخلق العالم، مع أن الله تعالى مستقل بخلق العالم\". (٢)\nولما علم بطلان هذين اللازمين لما هو ملاحظ من انتظام المخلوقات، وسيرها وفق سنن ثابتة، بطل ملزومهما، وهو إمكان تعدد الأرباب، ولم يبق إلا أن يكون الرب هو الله تعالى لا شريك له (٣)، يقول الشيخ السعدى: \"واعتبر ذلك بالشمس والقمر، والكواكب الثابتة، والسيارة، فإنها منذ خلقت وهى تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على أحد دون أحد، ولن ترى فيها خللًا ولا تناقضًا ولا معارضة في أدنى تصرف، فهل يتصور أن يكون ذلك تقدير إلهين ربين\". (٤)\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: (٣/ ٣٣٨).\n(٢) منهاج السنة النبوية: (٣/ ٣١٥).\n(٣) انظر: منهاج السنة: (٣/ ٣١٥).\n(٤) تيسير الكريم الرحمن: ٦٠٢.","vol":"1","page":181},{"text":"وبمثل هذا تفسر الآيات التي تحمل نفس المعنى من الدلالة على وحدانية الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]\nيقول الإمام ابن كثير: \"لفسدتا، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ \". (١)\nويقول الشيخ السعدى: \"وبيان ذلك أن العالم العلوى والسفلى على ما يرى في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب ولا ممانعة ولا معارضة؛ فدل ذلك على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك؛ لاختل نظامه وتقوضت أركانه\". (٢)\nويبين الإمام الشوكانى (٣) وجه التلازم بين التعدد والفساد، بقوله: \"ووجه الفساد أن كون مع الله إلهًا آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرًا على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد\". (٤)\nومما يحمل نفس المعنى، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].\nوالمقصود منها كما ذكر الصاوى نفى الشريك؛ لانه لو وجد لطلب العلو والمغالبة، ومع بيان انتفاء وجود من هو بهذه المثابة؛ انتفت الشركة، وثبتت الوحدانية.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: (٣/ ٢٣٥).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٥٥٨.\n(٣) هو محمد بن على بن محمد بن عبد الله الشوكانى ثم الصنعانى، الفقيه المفسر المحدث الأصولى والأديب المؤرخ، صنف في أنواع العلوم عددًا كبيرًا من الكتب النافعة تصدر للإفتاء والتدريس، كما تولى القضاء العام في مدينة صنعاء، من مؤلفاته: فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية في علم التفسير، ونيل الأوطار شرح المنتقى الأخبار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من الأصول. انظر ترجمته: معجم المؤلفين: (١١/ ٥٣). الأعلام للزركلى: (٦/ ٢٩٨). وانظر لمزيد من التوسع: منهج الإمام الشوكانى في العقيدة: عبد الله نومسوك.\n(٤) فتح القدير: (٣/ ٥٦٩).","vol":"1","page":182},{"text":"وقد بين الشيخ الشنقيطى - ﵀ - \"أن معنى الآية الكريمة. لو كان مع الله آلهة كما يزعم الكفار؛ لابتغوا، أي الآلهة المزعومة، أي لطلبوا إلى ذى العرش سبيلًا أي إلى مغالبته وإزالة ملكه؛ لأنهم إذًا يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض\". (١)\nومما ينبغى الإشارة إليه بعد هذا العرض العام لبيان كفاية الأدلة الشرعية في الاستدلال لما ينبنى عليه الدين أن هؤلاء المتكلمين فرقوا بين أمرين بينهما تلازم بين: إثبات وجود الله تعالى، وإثبات وحدانيته، وأقروا بكفاية الأدلة الشرعية على الاستدلال للوحدانية دون الوجود، مع أن هذا تفريق لا يقبله التصور السليم، إذ تضمن الوحدانية للوجود أمر بيِّن لا يلزمه دليل، ولكن ما يهم هنا أن غالب المسائل الكلامية يعتريها تناقض بيِّن، يدل على ضعف ما استندت إليه من أصول.\n* * *\n_________\n(١) أضواء البيان: (٣/ ٥٤٠).","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>(المبحث الثالث): شهادة التوحيد ونواقضها</span>\nلشهادة التوحيد مكانة عظيمة في دين الله تعالى، فهى أول أركان الإسلام، وأعلى شعب الإيمان، وأول ما يؤمر العبد به، وآخر ما يطلب منه، وفضائلها في الدين كثيرة لا مجال لحصرها الآن، وتعنى هذه الشهادة التزامًا تامًا بأصول الدين وفروعه من حيث المعتقد والتطبيق، وتستند في فضلها إلى كونها دليلًا يثبت الإقرار بالتوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله.\nولما كان اعتقاد المتكلمين في معنى التوحيد ينحصر في إثبات ربوبية الله تعالى، قاموا بتفسير الشهادة التي يعلن بها الدخول في الإسلام بما يوافق ذلك، حيث فسروا الإله بأنه القادر على الاختراع. وهذا ما حكاه ابن فورك والبغدادى عن الأشعري، يقول ابن فورك: \"واختار - أي الأشعري - ان معنى وصفنا له أنه إله: أن له الإلهية، وفسر الإلهية بأنها هي قدرته على اختراع الجواهر والأعراض، وذكر أن ذلك أحد الأقاويل المقولة في معنى الإله\". (١)\nوبهذا صار مفهوم التوحيد ينحصر في تقرير الاعتقاد العلمى: توحيد المعرفة والإثبات (٢)، وأغفلوا الجانب الأعظم منه وهو توحيد الإرادة والطلب (٣).\nوكان لهذا الاعتقاد عند المتكلمين أثر واضح فيما يتعلق بالعبادة، وذلك أنهم حين قاموا بإبعاد العبادة عن صميم التوحيد؛ أدى ذلك إلى وجود فراغ كبير عمد أهل التصوف إلى شغله بالكلام عن الإرادة والسلوك، بما هو خارج عن هدى الكتاب والسنة، فكل ما عندهم في هذا المجال خلط بيِّن، يظهر فيه تأثر واضح بمفاهيم دخيلة تتحدث بلغة غير مفهومة (٤).\n_________\n(١) مجرد مقالات الأشعري: ٤٧. وانظر: كلام البغدادي بنفس المعنى في أصول الدين: ١٢٣.\n(٢) توحيد الله تعالى بأفعاله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة.\n(٣) إفراد الله تعالى بالعبادة.\n(٤) وهذا ما سنعرفه في الحديث عن نشأة التصوف: ٦٥٤.","vol":"1","page":184},{"text":"وأصبحت بذلك كتب العقائد عند المتأخرين لا تكاد تخلو من الحديث في التصوف باعتباره متممًا للكلام عن المعتقد لا داخلًا في حقيقته، ومن جراء ذلك الخلط الذي سببه إغفال المراد الأسمى من التوحيد؛ حصل اضطراب كبير في المفاهيم حول قضية التكفير، حيث انحصرت نواقض التوحيد في الجانب الاعتقادى دون العملى، مما هيأ لأصحاب التصوف والسلوك منفذًا واسعًا يلجون منه باسم الدين، يبررون به ما ابتدعوا من أمور ما أنزل الله بها من سلطان، كالتوسل بالصالحين وشد الرحال إلى قبورهم، ودعاء النبي والاستغاثة به، ولم يكتفوا بذلك بل وجهوا سهامهم إلى صميم المعتقد؛ فذهبوا إلى تفسير التوحيد بما يخدم أغراضهم في تمييع المبادئ حول المعتقد، حيث فسروه بما يسمى بوحدة الشهود، التي أرادوا بها الخلط بين مفهوم الربوبية وعقيدة الجبر؛ حتى يبرروا كل ما اشتهروا به من مخالفة للشرع والمعتقد والتى صارت بدورها مدخلًا لأهل الحلول يستندون إليه فيما سمى بوحدة الوجود، كل هذا لا يعارض انتسابهم إلى المذهب الأشعري، حتى عد الكثير من الصوفية ضمن من انتسبوا إلى الأشعري وأخذوا عنه كأمثال: القشيرى (١) والغزالى. وصار معهودًا أن يكون من ينتسب إلى الأشعرية صوفى بل من كبار الصوفية وعلى طريقة من أشهر طرقهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>رأى الشيخ الصاوى:</span>\nيذهب الصاوى إلى ما ذهب إليه المتكلمون في معنى الشهادة، حيث يفسر الإله بما يفهم منه إثبات الربوبية، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] والمقصود من ذلك التشنيع والرد عليهم في دعواهم التثليث؛ لأن حقيقة الإله هو المستغنى عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه\". (٢)\n_________\n(١) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيرى النيسابورى الشافعي الصوفى صاحب الرسالة في التصوف، توفى سنة: ٤٦٥ هـ انظر: سير أعلام النبلاء: (١٨/ ٢٢٧).\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٨٠).","vol":"1","page":185},{"text":"ومرة يفسره بأنه \"الخالق لكل شيء\". (١)\nويؤكد ذلك المعنى حين يفسر الشهادة على جهة الإجمال، يقول: \"لا إله إلا الله: أي فالمراد بها الوصف بالوحدانية ولوازمها من كل كمال، والتنزيه عن كل نقص\". (٢) وهذا ما فسر به قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] يقول: \"هذا مرتب على ما قبله، كأنه قال: إذا علمت أنه لا ينفع التذكر إذا حضرت الساعة فدم على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية؛ فإنه النافع يوم القيامة\". (٣)\nومع ما تقدم نجده في بعض المواضع يفسر الشهادة بإثبات العبودية لله تعالى، فيوافق السلف بذلك، يقول: \"لا إله إلا الله تفيد ثبوت الألوهية لله أي: العبودية بحق. . . . فمعنى لا إله إلا الله المطابقى: لا معبود بحق إلا الله، ومعناها الالتزامى لا مستغن عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه إلا الله، فأولها تخلية، وآخر تحلية، والمنفى هو المعبود بحق غير الله في ذهن المؤمن وفى نفس الأمر، لا في ذهن الكافر\" (٤)\nلكن هذا المفهوم المطابقى لمعنى الشهادة لا يخرج عن كونه اعتقادًا علميًا يتعلق بإثبات العبادة لله تعالى على جهة الإجمال؛ إذ ينقصه الامتداد الشامل لكل أنواع العبادة، يقرب هذا موقفه من نواقض التوحيد، حيث يحصر إمكان وقوعها في الجانب الاعتقادى دون العملى إلا في بعض المواطن؛ لهذا نجده يمنع وقوع الشرك المضاد للتوحيد الا ممن اعتقد إثبات الشريك مع الله تعالى في ربوبيته، أو استحقاقه للعبادة (٥)، مؤصلًا بذلك لمذهبه الأشعري ونزعته الصوفية، يقول: \"وهذه الصفة أي الوحدانية أهم الصفات؛ ولذا سمى علم التوحيد بها، ولم يكفر بضدها\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ٣٤).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٢٣٢).\n(٣) المرجع السابق: (٤/ ٨٥). وانظر: (١/ ٢٣٢).\n(٤) حاشية الجوهرة: ٤٤. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ١٢٤. وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ٢٣٢).\n(٥) انظر الحاشية على الجلالين: (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":186},{"text":"إلا بعض الإنس، أما الجن برمتهم فلا يعتقدون الشرك لله سبحانه، وإنما الكافر منهم بغير الشرك\" (١)\nوبهذا يعتقد الصاوى أن الشرك المخرج من الملة هو ما يكون متعلقًا بجانب الاعتقاد في الربوبية، بحيث تنسب أفعال الربوبية على جهة الإطلاق لغير الله تعالى، فإذا فعل ذلك العبد استحق وصفه بالإشراك أما ما خلا ذلك فلا، ويظهر ذلك جليًا في تقريره لما يعتقده الصوفية من الغلو بالنبى - ﷺ -، فحين يستغرق في وصفه - ﷺ - نجده يخرج بتلك الأوصاف والمنزلة عن رتبة البشر، حيث يرى أن النبي قد خلق من نور الذات العلية هكذا بلا واسطة مادة، يقول: \"اعلم أن الله كان في أزله لم يعرف لعدم وجود من يعرفه فأحب أن يعرف، فقبض قبضة من نوره أي بذاته والمراد أبرزه من غير واسطة مادة، وهذا المقبوض هو المسمى بالنور المحمدى وبروح الأرواح. . إلى آخر الأوصاف\". (٢)\nكما يثبت له منزلة الوساطة العظمى بين الله وخلقه، يقول: \"فهو حجاب بين الله وبين خلقه فلا يمكن أحدًا الوصول لله الا بواسطته أو مانع المضار الدنيوية والأخروية عن أمته، ووصفه بالأعظم لأن الأنبياء حجب أيضًا لأممهم؛ فهو أعظمهم، وكذا الشيخ حجاب لتلميذه فتلك حجب خاصة، والمصطفى هو الحجاب الكلى ويسمى بالبرزخ الكلى لكونه حجابًا وبرزخًا بين الخلق وربهم\". (٣)\nومن الخصائص التي يضفيها على النبي - ﵊ - علم ليس لأحد من البشر سواه، يقول: \"الملقن كل العلوم الغيبية التي نشأت عن ذى القدم ﷾، ومحل نبع علوم الأولين والآخرين\". (٤)\nومما يصف به النبي أنه أصل كل خير، يقول: \"وما من نعمة لله علينا سابقة ولاحقة من نعمة الإيجاد والإمداد في الدنيا والآخرة إلا وهو السبب في وصولها\n_________\n(١) حاشية الخريدة: ٦٢.\n(٢) حاشية الصلوات الدرديرية: ٣١.\n(٣) المرجع السابق: ٣٥.\n(٤) المرجع السابق: ٢٧.","vol":"1","page":187},{"text":"إلينا وإجرائها علينا\" (١)، ويقول: \"فجميع خيرات الدنيا والآخرة تغترف من النبي كما يغترف من البحر\". (٢) إلى أن يصف ذات النبي - ﵊ - بالأحدية: \"أي العديمة المثيل والنظير والشبيه في الذات والصفات من سائر المخلوقين\" (٣).\nأما عن الصالحين؛ فهو يرى مشروعية التوسل بهم أحياءً وأمواتًا إما بطريق الدعاء والاستغاثة بهم، أو بزيارتهم للتبرك بذواتهم وآثارهم وفعل الطاعات عندهم، شريطة ألَّا يعتقد في أحدهم إمكان التصرف على جهة الاستقلال، وأن ما يحصل من النفع عند وصلهم كان نتيجة لإدامتهم فعل الطاعات والذكر، فيرتقوا في المقامات حتى يصلوا إلى رتبة التصريف الكونى بأمر الله فيقول أحدهم للشيء: كن فيكون (٤)، وبذلك يبرر ما يفعله الصوفية اتجاه الأولياء لنيل البركة وقضاء الحوائج، يقول: \"وأما الالتجاء إلى المخلوق من حيث إنه مهبط الرحمات كمواصلة آل البيت والأولياء والصالحين فهو مطلوب وهو في الحقيقة التجاء للخالق، يقرب ذلك أن الله أمرنا بالجلوس في المساجد والطواف بالبيت وقيام ليلة القدر ونحوها، وما ذاك إلا للتعرض للرحمة النازلة في تلك الأماكن والأزمان فلا فرق بين الاشخاص وغيرهم، فهم مهبط الرحمات لا منشؤها\". (٥)\nومع إقراره بمكانة الدعاء من العبادة حيث يقول: \"الدعاء جزء من أجزاء العبادة، وسميت العبادة دعاء لأنه أعظم أجزائها كما في الحديث: (الدعاء مخ العبادة) (٦) \" (٧)، إلا أنه لا يرى بأسًا من دعاء الصالحين والاستغاثة بهم (٨) عند الحاجة؛ بحجة أنهم مهبط للرحمات، كما تقدم.\n_________\n(١) المرجع السابق: ٢٣.\n(٢) المرجع السابق: ٨٩.\n(٣) المرجع السابق: ٣٩.\n(٤) انظر المرجع السابق: ١١٠.\n(٥) حاشية الجلالين: (٣/ ٩٠). وانظر: (٣/ ٢٢٢).\n(٦) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات - باب ما جاء في فضل الدعاء، ورقمه: ٣٣٧١: قال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من طريق ابن لهيعة: (٥/ ٣٣٧١) وقد ضعفه الألبانى في ضعيف الجامع: (٣/ ١٥٨) ورقمه: ٣٠٠٣. وله شواهد صحيحة.\n(٧) المرجع السابق: (١/ ٢٣١).\n(٨) انظر: المرجع السابق: ٦٤.","vol":"1","page":188},{"text":"وفى المقابل نجده يحرج كثيرًا على من اعتقد في الأولياء الضر أو النفع على جهة الاستقلال، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]\n\"هذه الآية وإن كانت خطابًا لليهود والنصارى، إلا أنها تجر بذيلها على من يشرك بالله غيره من المسلمين، كضعفاء الإيمان الذين يعتقدون في الأولياء أنهم يضرون وينفعون بذواتهم ويحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، ومع ذلك يحدثون بدعًا عظيمة ما أنزل الله بها من سلطان، ويجعلون تلك البدع طرقًا لهؤلاء الأولياء، ويزعمون أنها منجية وإن كانت مخالفة للشرع، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون\". (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المناقشة:</span>\nلا شك أن في تفسير المتكلمين للشهادة على النحو الذي ذهبوا إليه مخالفة جلية لحقيقة التوحيد الذي دعا إليه الرسل بقولهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، إذ يلزم من كون الشهادة مفتاح الدين، وأساسه المتين أن تدل على المعتقد الذي تكون النجاة به بالمطابقة، وهو: إفراد الله تعالى بالعبادة، لذلك كان تفسير الشهادة الصحيح هو: لا معبود بحق إلا الله. ويستند هذا التفسير إلى دلالة اللغة العربية التي نزل بها القرآن، فإن كلمة إله مأخوذة من التأله، والتأله في لغة العرب معناه: التنسك والتعبد. (٢) يشهد له قراءة ابن عباس - ﵄ -: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، قال: \"وعبادتك\". (٣)\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ١٥٠).\n(٢) انظر: لسان العرب: ١٣/ ٤٦٩.\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان: (١/ ٥٤).","vol":"1","page":189},{"text":"كما أن هذا المعنى يسنده فهم المشركين لهذه الكلمة الذين أنزل القرآن بلغتهم فإنهم حين أمروا بالإقرار بها لم يفعلوا، ولو كان معناها: لا خالق ورازق إلا الله -كما يعتقد المتكلمون - لما توانى المشركون عن التزامها، فإنهم حين ألزموا بها قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (١) كل هذا يؤكد صحة ما ذهب إليه السلف في معنى شهادة التوحيد.\nوكان هذا ما ذهب إليه الصاوى في حاشيته على الجوهرة وإن كان قد خالفه في الكثير من مؤلفاته خصوصًا حاشيته على الجلالين.\nولا شك أن في مخالفته التي تعددت منه متابعة للمتكلمين ما يلزم منه معارضة نصوص الكتاب والسنة والتى تدل صراحة على أهمية إفراد الله تعالى بالعبادة، وأنه المقصد الأسمى من التوحيد.\nوإذا علم هذا بقى معرفة ما ينبنى على ذلك التصور من فساد يهدد المعتقد؛ إذ يؤدى إلى تضييق دائرة الشرك - ضد التوحيد - كما هو ظاهر من كلام الصاوى، حيث حكم على كافة الجن بأن كفرهم لم يكن بالشرك، وأن من وقع بالشرك من الإنس هم القليل، فخالف بذلك صريح النص من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.\n- ويستند هذا التصور لحقيقة الشرك واتساع دائرته - كما هو واضح في الأدلة الشرعية - إلى مكانة العبادة ومنزلتها من الدين، فإذا كانت العبادة مما يدخل في صميم التوحيد باعتبارها قسم من أقسامه؛ فلا بد أن يمثل صرفها لغير الله تعالى شركًا أكبر ينافى التوحيد.\nهذا ومن أعظم دواعى الشرك، الغلو في الأنبياء والصالحين؛ فالغلو هو السبب في أول شرك ظهر على وجه الأرض، روى البخاري عن ابن عباس - ﵄ - أن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون\n_________\n(١) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٧٦.","vol":"1","page":190},{"text":"أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. (١)\nلهذا كان تحذير النبي - ﵊ - شديدًا من مجاورة الحد في مدحه، حيث قال: (لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله). (٢).\nومن ذلك ما ورد في الصحيحين عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: \"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" قالت: لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشى أو خشى أن يتخذ مسجدًا\" (٣).\nوللغلو المنهى عنه مظهران عند الصاوى، الأول: الغلو في النبي، ويتمثل بما يصفه به من أوصاف تخرج به عن حدود البشر.\nالثاني: غلو في الصالحين، ويتمثل بما يشرعه في حقهم من التبرك بذواتهم، وإباحة التعلق بأذيالهم والاستغاثة بهم.\nأما ما يتعلق في حق النبي - ﵊ - من حكاية قصة خلقه من نور الذات العلية بلا واسطة - تعالى الله عن ذلك - كما هو مشهور من أقوال المتصوفة (٤) فبطلانها أظهر من أن يستدل له؛ إذ فيه مخالفة صريحة لما هو معلوم عن قصة خلق الإنسان الأول: آدم - ﵇ - كما وردت في كثير من الآيات الكريمة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨].\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾، رقم الحديث: ٤٩٢٠.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، رقم الحديث ٣٤٤٥.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز - باب ما جاء في قبر النبي - ﷺ - وأبى بكر وعمر ﵄، برقم: ٣٩٠.\n(٤) انظر: مجموع الأوراد والأدعية والاستغاثات للبكرى.","vol":"1","page":191},{"text":"هذا إلى جانب ما يلمس في حكاية القصة من تأثر بأقوال النصارى في المسيح - ﵇ -، ولا عجب؛ فالدارس لأدوار التصوف الأخيرة يلحظ بتمام تأثرًا واضحًا بالأديان المحرفة والفلسفات القديمة، يقول أحد الباحثين في علم التصوف (١): \"والواقع أن الحقيقة المحمدية أسطورة من الأساطير وهى في رأينا مأخوذة من النظرية النصرانية كما أن النظرية النصرانية مأخوذة من الفلسفة اليونانية. . . خصوصًا إذا علمنا أن ابن عربى وهو من القائلين بهذه النظرية، يقول: إنه هضم ما درس من الفلسفة اليونانية ومن أصول الديانة اليهودية والديانة النصرانية والديانة الإسلامية، ثم أحال ذلك كله إلى مزاج من الفكر الفلسفى الدقيق يعز على من رامه ويطول\" (٢)\nكما أن اعتقاد الأصل النورى للنبي - ﵊ -، وأنه يعلم الغيب، وأنه واسطة بين الخلق والرب، وأنه لولاه لما وجدت الدنيا والآخرة، كل هذا مما يجزم بدخوله على المعتقد الصحيح؛ إذ فيه مناقضة صريحة لكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، بل فيه إقرار لما ذهب إليه المشركون من استحالة إرسال البشر، وكم من الآيات تلك التي ترد على زعم أولئك الكفرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وحين كانت قريش تطلب منه المعجزات لإثبات نبوته أمر أن يقول: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].\nكل هذا يؤكد بطلان تلك المزاعم وعلى رأسها ادعاء علم الغيب للنبي - ﵊ -؛ إذ يعد علم الغيب من أخص ما يوصف به الرب سبحانه ولا ينبغى لأحد سواه، وقد ثبت هذا في كثير من آى الذكر الحكيم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].\nوقال آمرًا سيد الأنام أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ\n_________\n(١) زكى مبارك دكتور في الفلسفة.\n(٢) التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق: (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":192},{"text":"وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\nوبهذا يعلم أن في تقرير الصوفية لما يسمى بالحقيقة المحمدية خروجًا على مبادئ التصور السليم لحقيقة الأنبياء المرسلين، كما بينها القرآن والسنة المطهرة: من كونهم بشر قد خصهم الله تعالى بكلامه، قدراتهم محدودة، ليس لهم من الأمر من شيء، لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله. هذا والمتأمل لآيات الذكر الحكيم يجدها تبدى وتعيد في تقرير هذه الحقيقة؛ حتى لا يخرج الناس عن هذا التصور السليم إلى الشرك بالله، كما وقع ذلك من اليهود والنصارى لعنهم الله. وقد سبق بيان تحذير النبي - ﵊ - من فعلهم.\nأما عن التوسل بالصالحين، فلا بد من بيان الوجه المشروع، حيث دلت النصوص الشرعية أنه يحصل الانتفاع بالاقتداء بهم ومحبتهم، قال - ﵊ -: (المرء مع من أحب) (١).\nكما يحصل من دعائهم ومجالس علمهم، فقد روى الصحابى الجليل أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﵊ - أنه قال: (إن لله ﵎ ملائكة سيارة فضلًا، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله ﷿ وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألونى؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتى؟ قالوا: لا يا رب، قال: فكيف لو رأوا جنتى؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيروننى؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا نارى؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا نارى؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب - باب علامة حب الله ﷿، رقم الحديث: ٦١٦٨، =","vol":"1","page":193},{"text":"قد غفرت لهم، فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) (١).\nوهذا هو محل الشاهد من الحديث، قال الإمام الشوكانى - ﵀ -: \"جعل جليس أولئك القوم مثلهم مع أنه ليس منهم، وإنما عادت عليه بركتهم فصار كواحد منهم\" (٢).\nوكل ما خرج عن هذا المعنى للتوسل المشروع، فإما أن يدخل بصاحبه في دائرة الشرك، أو في الابتداع المنهى عنه.\nإذ التوسل بذوات الصالحين بريد لاعتقاد قدرتهم على التصرف بدفع الضر أو جلب النفع؛ لذلك حذر العلماء من ذلك ببيان ما يؤدى إليه من مفاسد جسيمة - كما أقر بذلك الصاوى في إنكاره لحال الكثير من المتصوفة - وليس بمخرج لهم اعتقاد أنهم عبيد ليس لهم استقلال في التصرف؛ فقد بينت النصوص الشرعية أن هذه هي حجة المشركين الذين أقروا بربوبية الله تعالى، وأرادوا التوسل إليه بعبادة الأصنام، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧].\nيقول الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: \"فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأن لا يرزق إلا هو، ولا يحيى ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن، كلهم عبيده وتحت تصرفه .. وأن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة\" (٣).\nقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا\n_________\n= وصحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب المرء مع من أحب.\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر - بابا فضل مجالس الذكر: (١٧/ ١٤).\n(٢) تحفة الذاكرين: ٤٤.\n(٣) كشف الشبهات: ٧١.","vol":"1","page":194},{"text":"لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].\nوقد أبطل سبحانه حجة المشركين في التوسل بهم، حيث قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧].\nوبهذا يعلم أن من توسل بالصالحين فصرف شيئًا من العبادة التي لا يستحقها أحد إلا الله لأحدهم؛ بحجة أن له جاه عنده سبحانه، فقد أتى بما هو من جنس فعل المشركين الذين قاتلهم رسول الله - ﷺ - سواء كان هذا التوسل بالدعاء الذي أقر الصاوى أنه جزء من أهم أجزاء العبادة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه النعمان بن بشير - ﵄ - قال سمعت رسول الله يخطب ويقول: (إن الدعاء هو العبادة) (١) أو بأى نوع آخر منها.\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن الإقرار بأن من يلتجئ لأحد عند الشدة لا يعتقد فيه القدرة على التصرف، بل لوضوح هذه الحقيقة استدل بها القرآن على استحقاق الله تعالى للعبادة؛ إذ هو الملاذ عند اشتداد الكرب بإقرار المشركين أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].\nوللخروج من هذا الإلزام يتشبث الكثير منهم بوجوب إرجاع تلك القدرة الكونية إلى الله تعالى، ولكن هذا ليس بمخرج لهم؛ إذ يلزمهم إحضار البرهان، وأنى لهم ذلك، والبرهان يحكم ضدهم، فإذا كان سيد الخلق يؤمر بالجهر في تقرير بشريته، وأنه عبد وليس للعبد أن يتعدى حدود البشر: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب التفسير - باب ومن سورة المؤمن، رقم الحديث: ٣٢٤٧ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح: (٥/ ٣٤٩)، وقال الحافظ ابن حجر إسناده جيد: الفتح: (١/ ٤٩)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ٢٥٩٠: (٣/ ١٠١).","vol":"1","page":195},{"text":"وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فما حال أولئك الأولياء الذين يعتقد فيهم القدرة على التصريف الكونى الذي اختص الله تعالى به، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فكيف يصح نسبة هذه المقدرة - التي اختص الله بها نفسه وأكد على ذلك بأداة الحصر إنما - لأحد سواه مع أنها من أخص ما يوصف به الرب سبحانه لتمام اتصافه تعالى بأوصاف الربوبية التي لا تنبغى لأحد سواه (١).\nومن العجب أن يشبه الصاوى حال الذاهبين إلى أولئك الأولياء أحياءً وأمواتًا للتبرك بهم والتعلق بأذيالهم لنيل الرحمة والبركة بحال الذاهب إلى البيت العتيق للطواف بالكعبة المشرفة؛ فهذا قياس باطل، وذلك من عدة وجوه:\nالأول: أن الطواف حول الكعبة والذهاب إلى المساجد أمر قد تعبدنا الله تعالى به بنص الكتاب والسنة، فلا ينبغى الخروج عما كان عليه النبي - ﷺ -؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعه، حيث قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وهذا الأصل يرجع إلى كمال الدين المنزل من عند الله تعالى، فأى ابتداع فيه دل على اتهام الشارع بالتقصير وعدم البيان، لذلك حذر النبي - ﵊ - منه أيما تحذير، قال رسول الله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢) \"، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقف، كما في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قبل الحجر الأسود، وقال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك) (٣) \" (٤).\n_________\n(١) يشم من هذا الكلام رائحة الاعتقاد بوحدة الوجود والتى سيتم بحثها على جهة الاستفاضة في مبحث وحدة الوجود، بإذن الله: ٧٣٧.\n(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم: ٢٦٩٧. ومسلم، ٣٠ - كتاب الأقضية، حديث: ١٧.\n(٣) أخرجه البخاري: كتاب الحج ٦٠ - باب تقبيل الحجر، حديث: ١٦١٠ ولفظه: (لولا أنى رأيت رسول الله - ﷺ - قبلك ما قبلتك) ومسلم: ١٥ - الحج ٤١ - باب استحباب تقبيل الحجر: ٢٤٨.\n(٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: ٢٧٠.","vol":"1","page":196},{"text":"الثاني: أن هذا قياس باطل؛ لأنه قد بنى على غير أصل، وهذا حال جميع البدع \"فإن جميع البدع إنما هي رأى على غير أصل، ولذلك وصف بوصف الضلال\" (١)، قال الإمام ابن عبد البر: \"هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالتخرص والظن\" (٢).\nالثالث: أنه ورد النص الصريح بالنهى عن تخصيص بعض الأماكن بالعبادة ومنها القبور، حيث قال - ﵊ -: (اللهم لا تجعل قبرى وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (٣) وعلة النهى وردت هنا صريحة؛ حيث ابتدأ النبي النهى بدعاء الله تعالى أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، فدل ذلك على علة تحريم اتخاذ القبور مساجد، يقول شيخ الإسلام: \"فهذه المفسدة - التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره - هي التي حسم النبي - ﷺ - مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا\" (٤). وقال: (لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها) (٥) كل هذا مخافة الفتنة على الناس، وحماية لجناب التوحيد، قال الإمام الشافعي: \"وأكره أن يعظم مخلوق؛ حتى يجعل قبره مسجدًا\" (٦).\nالرابع: أن اعتقاد حلول البركة والرحمة في مكان أو زمان لا يكون إلا بدليل يدل عليه، فالله تعالى هو وحده المتصرف في الخلق يخص بعضه بما شاء من البركة واليمن، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]؛ فليس لأحد أن يملك هذا الاختيار بل هو إلى الخالق جل شأنه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، يقول الإمام ابن القيم: \"فذوات ما\n_________\n(١) الاعتصام للشاطبى: (١/ ١٦٦).\n(٢) جامع بيان العلم وأهله: (٢/ ١٠٣٩).\n(٣) أخرجه الإمام مالك الحديث مرسلًا في الموطأ - كتاب قصر الصلاة في السفر - باب جامع الصلاة: ٨٥: (١٧٢) وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - رقمه: ٧٣٥٢، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (٧/ ١٧٣).\n(٤) اقتضاء الصراط المستقيم: (٢/ ٨٠).\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز - باب النهى عن الجلوس على القبر والصلاة عليه: (٧/ ٣٨).\n(٦) كتاب الأم: (١/ ٢٧٨).","vol":"1","page":197},{"text":"اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات وخصها بالاختيار، فهذا خلقه وهذا اختياره\" (١).\nوكما وردت الأدلة ببيان بركة المسجد الحرام؛ فقد وردت ببيان تعديها إلى غيره. وذلك بالثواب المضاعف والدعاء المستجاب والأمن من المكروه وغير ذلك مما ورد في بيان فضله، قال - ﵊ -: (صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) (٢) يقول الإمام القرطبي: \"جعله مباركًا لتضاعف العمل فيه، فالبركة كثرة الخير\" (٣).\nوإذا علم هذا تبين أن الأمر تعبدى محض، لا مجال لقياس أمر خارج عنه بلا دليل.\nأما الاستغاثة بالصالحين والتوجه إليهم عند الشدائد فهذا مما لا يحل؛ إذ الدعاء من أخص ما يجب صرفه لله تعالى، وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في الأمر بالإخلاص لله تعالى فيه، والتحذير من صرفه لغيره، فمرة يتجه الخطاب إلى النبي في التحذير من ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ومرة يتجه الخطاب في ذلك إلى كافة الثقلين كما في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\nإلى غيرها من الآيات التي تقرر مكانة الدعاء، ولزوم صرفه لله تعالى، ودحض جميع الشبه التي يستند إليها المشركون في صرفهم الدعاء لغيره سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي\n_________\n(١) زاد المعاد: (١/ ٥٣).\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدية، رقم الحديث: ١١٩٠، وأخرجه مسلم في كتاب الحج - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن: (٤/ ١٣٩).","vol":"1","page":198},{"text":"الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].\nفهاتان الآيتان الكريمتان تدلان على النفى التام لكل ما يسوغ دعاء غير الله تعالى، حيث نفى عنهم: الملك والشركة والشفاعة والمعونة، فأى عقل بعد ذلك يسمح بالالتجاء إلى من هذه صفته، يقول الإمام ابن القيم (١) معلقًا على هذه الآية الكريمة: \"فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها\" (٢).\nوقد دلت السنة المطهرة على أهمية الدعاء وحذرت أيما تحذير من مغبة صرفه لغير الله تعالى، قال - ﵊ -: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) (٣).\nوقال في حديث ابن مسعود عندما سئل أي الذنب أكبر عند الله؟: (أن تدعو لله ندًا وهو خلقك) (٤) كما حذر من الاستغاثة بغيره سبحانه فقال: (إنه لا يستغاث بى، إنما يستغاث بالله تعالى) (٥).\nوكان - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - يربى أصحابه - وضوان الله تعالى عليهم - على التوجه إلى الله تعالى في كل شأن، ومن ذلك حديث ابن عمر -\n_________\n(١) هو الإمام الهمام العالم الربانى أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن ايوب بن سعد الزرعى ثم الدمشقى الحنبلى الشهير بابن قيم الجوزية، ولد ﵀ سنة: ٦٩١ هـ تفقه في المذهب الحنبلى وبرع فيه وأفتى كما برع في شتى العلوم الإسلامية من التفسير والحديث والفقه والعقيدة، كان من أشد تلامذة شيخ الإسلام ملازمة له وأخذًا عنه، كان عالمًا بمذاهب أهل التصوف وإشاراتهم ومواردهم، صنف في جميع ما برع فيه من العلوم، توفي ﵀ سنة: ٧٥١ هـ. انظر: الدرر الكامنة، لابن حجر: (٤/ ٢١)، شذرات الذهب: (٦/ ١٦٨).\n(٢) مدارج السالكين: (١/ ٣٥١).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ برقم: ٤٤٩٧. ومسلم برقم: ٩٢.\n(٤) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الديات - باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ برقم: ٦٨٦١، ومسلم برقم: ٨٦.\n(٥) قال الهيثمي: [رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث] مجمع الزوائد: (١٠/ ١٥٩).","vol":"1","page":199},{"text":"﵄ - قال: كنت خلف رسول الله - ﷺ - يومًا، فقال: (يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم: أن الأمة إذا اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اتجمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام، وجفت الصحف) (١).\nبل \"كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام\" (٢) والحق أن كلام الصاوى نفسه قد دل على هذا، حيث أقر بأن الكثير ممن ينتمون إلى الطرق الصوفية قد استحوذ عليهم الشيطان، فصيرهم إلى اعتقاد حصول النفع والضر من أولئك الأولياء على جهة الاستقلال، فصار شركهم أعظم ممن اعتقد التوسل بها كحال مشركى قريش، يقول شيخ الإسلام: \"وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم، لما كانوا من جنس عباد الأوثان؛ صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأصنام ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان\" (٣).\n* * *\n_________\n(١) رواه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق، برقم: ٢٥١٦، وقال: حديث حسن صحيح: (٤/ ٥٧٥)، وأحمد: (١/ ٢٩٣، ٣٠٣، ٣٠٧) وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن الترمذي برقم: ٢٠٤٣: (٢/ ٣٠٩)، وظلال الجنة: ٢١٦ - ٣١٨.\n(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: ٣٠٠.\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفصل الثالث: (آراؤه في الأسماء والصفات)</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى.\nالمبحث الثاني: المسائل المتعلقة بالصفات العلا.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>تمهيد</span>\nيعد الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، كما وردت في الكتاب والسنة، من غير تمثيل، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، من أهم الأصول التي ينبنى عليها معتقد أهل السنة والجماعة، فيما يجب في حق الله ﷿.\nفالإيمان بها يقتضى الإثبات، وهذا الإثبات لا بد فيه من التزام عدم الخروج عن مراد الرب تعالى فيما أثبته لنفسه من الصفات الحسنى، كما أنه يقتضى التنزيه الواجب في حق الباري تعالى الذي عز عن المثيل والنظير، يقول الإمام الشنقيطى - ﵀ - في بيان أسس الإيمان بأسماء المولى جل وعلا: أحد هذه الأسس: - هو تنزيه الله جل وعلا على أن يشبه بشيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين، وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\n- الثاني من هذه الأسس هو الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].\nوالإيمان بما وصف به رسول الله - ﷺ - الذي قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].\nفيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسول الله - ﷺ -، وينزه ربه تعالى عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين\" (١).\nومن هنا فإنه يجدر بيان كل ما يقدح بأصلى الإثبات والتنزيه اللذين يقتضيهما الإيمان بأسمائه وصفاته: فالذى يقدح في التنزيه هو التمثيل والتكييف، والذي يقدح في الإثبات هو التعطيل والتحريف، وبيانها كالتالى:\n_________\n(١) وكان الأولى أن يوصف بالضلال لأن المجنون قد رفع عنه القلم فلا يعلق به تكليف يقتضى المنع أو الجواز: الأسماء والصفات: ٧.","vol":"1","page":202},{"text":"- أما التمثيل الذي يقدح في التنزيه؛ فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين.\nوهذا الاعتقاد مما تبطله دلالة السمع والفطرة والعقل:\nأما السمع فقد أتى بما يدل على امتناع التمثيل ضرورة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [الشورى: ١١].\nأما الفطرة فلما استقر فيها من إثبات الكمال لله تعالى على جهة ينتفى منها كل ما يدل على النقص، إما من جهة التضمن أو الاستلزام، وقد علم تطرق النقص المضاد للكمال في كل صفات المخلوقين، إما لطرو الأعراض المضادة للصفة المحمودة، أو لما تستلزمه من أنواع النقص، كما هو مشاهد ومعلوم ببداهة العقول.\nأما العقل فلأنه قد علم بالضرورة بدلالة المخلوقات على وجود من أبدعها، مخالفة ذات الباري تعالى لذوات الخلق، فاقتضى ذلك الاختلاف في الذات أن يكون أيضًا فيما تتصف فيه الذات من الصفات، فالقول في الصفات، كالقول في الذات.\n- أما التكييف، الذي يقدح في أصل التنزيه فهو أن يقيد إثبات الصفة بمعرفة الكيف، فلا يثبت شيئًا من الصفات إلا بتكييفها، ومن هنا فإن الفرق بينه وبين التمثل أن يقيد المثبت الممثل كيفية الصفة بماثل، أما التكييف فلا يشترط فيه ذلك.\nوبطلان هذا الاعتقاد مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام كسابقه، فقد دل العقل والشرع على امتناعه.\nأما دلالة السمع؛ فلقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].\nأما العقل فلما سبق بيانه من وجود التلازم بين الذات وصفاتها في الأحكام، فكل ما جاز على الذات جاز على ما اتصفت به، والعكس بالعكس، ومن هنا فإنه لما امتنع معرفة كيفية الذات امتنع معرفة كيفية ما تتصف به من الصفات.","vol":"1","page":203},{"text":"وهذا أصل عظيم يعلم به ضلال كل من منع أو أثبت بلا دليل من الكتاب والسنة، وهذا أصل امتناع الإمام مالك عن ذكر الكيفية، حيث قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (١).\n- أما التعطيل فهو أن يثبت الصفة من جهة اللفظ مع نفى المعنى.\n- وأما التحريف فهو أن ينفى المثبت للصفة المعنى الحق ويثبت آخر باطلًا، ليس له أساس يعتمد عليه في ذلك الإثبات بعد النفى (٢).\nوكان الإيمان بالأسماء والصفات الحسنى بعيدًا عن هذه الانحرافات أمرًا مستقرًا في نفوس سلف هذه الأمة، ثابتًا في المبادئ والقيم، دون أن تؤثر في صفاته البدع، مستمدًا ذلك الثبات من مقتضى الإيمان الذي اطمأنت قلوب أصحابه به.\nوتستند أهمية الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، إلى كونها من صميم الإيمان به سبحانه، لذا كان التوسل بها من أعظم ما شرعه الله تعالى، وتعبدنا به، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nكما أن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، هي أساس ما يقوم بقلب العبد من عبودية لله تعالى، تقتضى إفراده سبحانه بالعبادة، ولعل هذا من أسرار ختم غالب آيات الكتاب الحكيم بذكر أسمائه جل شأنه.\nفإن العبد عند توجه الخطاب له بالتكليف، فالذي يحمله على الامتثال لمقتضى الخطاب من الترك إذا كان نهيًا، أو الفعل إذا كان أمرًا إنما يتحصل منه لما استقر في فطرته من كونه تعالى عالمًا محصيًا سميعًا بصيرًا بكل ما يصدر منه من صغير أو كبير، ومن هنا كانت أهمية الإيمان بهذه الأسماء وترتب الثواب الجزيل على إحصائها بدخول الجنة.\n_________\n(١) الأثر سبق تخريجه: ٨٠ وانظر: التدمرية لشيخ الإسلام: ٤٣، والقواعد المثلى، للشيخ العثيمين: ٣٦.\n(٢) الصواعق المرسلة: (١/ ٢٩٦) وانظر: القواعد المثلى، للشيخ العثيمين: ٣٦.","vol":"1","page":204},{"text":"وبقى الأمر على ما كان عليه، إلى أن ظهرت البدع، فخرج ممن ينتسب إلى الإسلام بما يخالف منهج السلف في ذلك الاعتقاد، وكان هذا على يد الجعد بن درهم، الذي تأثر كثيرًا بأقوال الكفرة من الفلاسفة (١) وغيرهم، حتى قام بتعطيل الرب عن الصفات الثبوتية، وزعم أن فيها ما ينافى عقيدة التوحيد (٢) وقام تلميذه الجهم بن صفوان بنشر هذه البدع، حتى كان سببًا في ضلال كثير من الخلق، وسمى أتباعه بالجهمية، وصارت بذلك أصلًا لكل انحراف فيما يجب في حق الله تعالى، أو يمتنع عنه (٣).\nوقد انتقل هذا الانحراف العقدي الخطير إلى المعتزلة، حيث منع مؤسسها: واصل بن عطاء من وصف الله تعالى بصفات قديمة، بحجة أن في اعتقادها إثباتًا لتعدد القدماء (٤)، وقد تأثروا في هذه المقولة بردهم على ما ادعته النصارى في التثليث، حيث زعمت أن معتقدها فيه يقوم على إثبات ثلاثة أقانيم لواحد قديم (٥)، ولا شك أن هذه الدعوى باطلة شرعًا وعقلًا، ولا مجال لإفحامهم هنا، ولكن المقصود أن هذا ليس بملزم لهؤلاء المعتزلة أن يقوموا بنفى الصفات للرد على أولئك الكفرة، بل جل ما هنالك أنهم انحرفوا عن منهج السلف في بيان الحق والرد على المخالف، وتأثروا بما وصل إليهم من كت الفلاسفة (٦). وقد تقدم أن مادة هذا الفكر مستقاة من شبهة الفلاسفة في التركيب، حيث اعتمدوا في إثبات التوحيد على نفيه.\n_________\n(١) سبقت الإشارة إلى بيان معتقدهم في الأساس الذي بنى عليه معقدهم في التوحيد: ١٦٩.\n(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية لشيخ الإسلام (١/ ٢٧٧)، مجموع الفتاوى: (٥/ ٢٢).\n(٣) انظر: الفتاوى: (١٢/ ٥٢٤) وانظر: مقالات الإسلاميين: (١/ ١٨١) والفرق بين الفرق للبغدادى: ٢١٣.\n(٤) انظر: الملل والنحل للشهرستانى: (١/ ٤٥).\n(٥) قد سبقت الإشارة على هذا التأثر عند الكلام في معتقد المتكلمين في التوحيد: ١٦٥.\n(٦) انظر: مقالات الإسلاميين: ١٥٦. الملل والنحل للشهرستانى: (١/ ٥٠).","vol":"1","page":205},{"text":"وتحصل بهذا أن اعتقاد المعتزلة في باب الصفات يستند إلى أمرين؛ اعتقاد التوحيد بنفى التركيب، الثاني: وجوب مخالفته سبحانه لباقى الحوادث بحجة تنزيهه عن مشابهتها (١).\nفصارت هاتان الشبهتان أساسًا لنفيهم الصفات الثبوتية عن الله تعالى، حيث قاموا بإثبات الأسماء الحسنى على أساس أنها أعلام محضة، لا دلالة لها في نفسها على معنى معين، فأرجعوها إلى ذات الله تعالى؛ تنزيهًا له - عندهم - عن مشابهة الخلق، واكتفوا في هذا الباب بسلب النقائص، حيث وصفوه بالسلوب (٢).\nوقد تأثرت الأشاعرة على جهة العموم بذلك الانحراف، الذي نتج عن الابتعاد عن منهج السلف - رضوان الله عليهم - في تلقيهم لأسس اعتقاد ما يجب في حق الله تعالى ويمتنع عنه، ويظهر ذلك الانحراف جليًا في عدد من المسائل التي تتعلق بصفات الله تعالى، أما ما يتعلق بمسائل الأسماء فلا يظهر فيها خلاف إلا في بعض التفرعات المتعلقة بمسائل الصفات، وسيأتي الحديث عنها مفصلًا بإذن الله.\n* * *\n_________\n(١) انظر: مقالات الإسلاميين: ١٥٦.\n(٢) انظر: الملل والنحل: (١/ ٦٥).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>(المبحث الأول): المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى </span>(١)\nيرتكز مذهب الأشاعرة في أسماء الله تعالى على عدة قواعد من أهمها ما يلى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>أسماء الله تعالى كلها حسنى:</span>\nيقر الأشاعرة بأن أسماء الله تعالى بالغة في الحسن أعلى مراتبه، ويستند هذا الإقرار إلى دلالتها على معانى الكمال والجمال (٢)، لكن هذا الإقرار منهم إنما هو على جهة العموم والإجمال، حيث يعدون بعضها أعلامًا محضة بحجة إيهامها للتشبيه، فيبطلون دلالتها على المعنى إما تأويلًا أو تفويضًا، ويظهر هنا التأثر بأقوال المعتزلة واضحًا جليًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>أسماء الله تعالى توقيفية:</span>\nإذ يجمع جمهورهم على اعتقاد وجوب تلقيها عن الشارع الحكيم؛ فلا مجال لتسمية المولى بغير ما ورد في الكتاب والسنة، منعًا للوقوع في المحظور (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد:</span>\nفهم لا يعتقدون أن العدد في الحديث دليل على الحصر؛ استدلالًا بما ورد في الحديث الذي ورد فيه: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) (٤).\n_________\n(١) الاسم في اللغة: مشتق من السمو، حذفت لامه وألحقت همزة الوصل بدلًا منها، يقول الزجاج: [معنى قولنا اسم: هو مشتق من السمو وهو الرفعة، والأصل فيه سمو مثل: قنو وأقناء]، لسان العرب، لابن منظور: (٤/ ٢١٠٩): مادة (سما). رهذا هو الراجح في التعريف كما أن شيخ الإسلام قد وافق هذا الترجيح. انظر: مجموع الفتاوى: (٦/ ٢٠٨) ولمعرفة باقي الأقوال وأدلتها يرجع إلى: اشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجى: ٢٥٦، ولسان العرب لابن منظور: (٤/ ٢١٠٧)، وقد عرفه الجرجانى بأنه: [ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة] التعريفات: ٤٦.\n(٢) انظر: شرح أسماء الله الحسنى للرازي: ٣٥٨.\n(٣) انظر: المواقف في علم الكلام، للإيجى: ٣٣٣.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود، برقم: ٣٧١٢، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (٣/ ٥٥٨). وأخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقائق - باب الأدعية، رقم الحديث: ٩٧٢: (٣/ ٢٥٣).","vol":"1","page":207},{"text":"وفى الجمع بين ما وردت به الأحاديث: الحديث الصحيح: أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة) (١) والحديث السابق، يرجح الغزالي. أن هذا كان في معرض الترغيب للجماهير في الإحصاء، لا لدلالة الحصر\" (٢).\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-80> أسماء الله تعالى غير مخلوقة:</span>\nوهذا محل إجماع عندهم، يقول اللقانى في جوهرة التوحيد:\nوعندنا أسماؤه العظيمة ... كذا صفات ذاته قديمة\nومن جملة ما تعلق بهذه القواعد: المراد بالإحصاء الذي ذكر في الحديث، فالأشاعرة يؤكدون على وجوب تدبر تلك الأسماء وفهم معانيها والتعبد بمقتضاها، وإن وجد اختلاف بينهم وبين السلف في مقتضى ذلك الفهم، حيث يوجبون تأويل بعضها لما تقرر عندهم من أن المعول عليه في ما يجب الإيمان به من الصفات هو ما دل عليه الدليل العقلى، أو انعدم فيه المعارض من جهته (٣).\nومع هذا التوجه الذي يحصر حصول اليقين في إعمال مسلك العقل يجد التصوف لنفسه منفذًا واسعًا في المذهب الأشعري يلج فيه باسم الكشف والذوق، فيفسر النصوص بعيدًا عن كل تلك القواعد التي غلا المتكلمون في إعمالها، ولما كان التدرج في طريق التصوف يعتمد كثيرًا على التجارب الوجدانية التي ترتكز على مبدأ التأمل والإشارة تأثرًا بالمذاهب الإشراقية، صار لأهل التصوف من الأشاعرة مفهومًا خاصًا لمعنى الإحصاء الوارد في الحديث، يرجع إلى اعتقاد الصوفية بما اشتهر - عندهم - من وجوب التخلق بأخلاق الله\" (٤).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الشروط - باب ما يجوز في الاشتراط، رقم الحديث: ٢٧٣٦.\n(٢) المقصد الأسنى: ١٣٦ - ١٣٧. وانظر: شرح المقاصد، للتفتزانى: (٤/ ٣٤٨).\n(٣) سيأتي تفصل ذلك في مبحث الصفات: ٢٥٥.\n(٤) المقصد الأسنى: ١٥٠ - ١٥١ ولم أعثر على تخريج - لهذا الحديث وإنما اطلعت على بعض أقوال العلم في كونه مختلقًا لا أصل له.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>رأى الشيخ الصاوي:</span>\nيعرف الصاوي الأسماء بأنها: \"جمع اسم، وهو اللفظ الدال على ذات المسمى\" (١).\nكما أنه يتابع أسلافه في الإقرار بحسنها على جهة العموم، يقول: \"ومعلوم أنها كلها حسنى، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.\nوفى تعليل وصفها بالحسن، يقول: \"وحسن أسمائه تعالى لدلالتها على معانٍ شريفة هي أحسن المعانى (٢) ومن ذلك: \"أن الدال يشرف بشرف مدلوله\" (٣). وهذا التعميم لا يمنع عنده - كاعتقاد عامة الأشاعرة - من وجود أسماء يجب تأويلها؛ لأن ظاهرها موهم للتشبيه (٤).\nوفي حديثه عن اعتقاد التوقف فيها والاقتصار على ما ورد في الشرع، يقول: \"أسماء الله توقيفية، أي: تعليمية، بمعنى أنه لا يجوز لنا أن نسميه باسم غير وارد لنا (٥) \"، \"فيجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخى، ويقال: يا عالم دون عاقل، وحكيم دون طبيب\". (٦)\nلذا كان الانحراف في التسمية بما لم يرد به النص مما فسر به الإلحاد الذي نهى الله تعالى. (٧)\nأما ما يتعلق بالعدد الذي ذكر في حديث المصطفى - ﷺ - فهو يرى أنه ليس للحصر، يقول: \"والإخبار بأنها تسع وتسعون ليس حصرًا وإنما ذلك إخبارًا عن دخول الجنة بإحصائها واستجابة الدعاء بها\" (٨) وإلا فـ \"أسماؤه تعالى كثيرة، قيل: ثلاثمائة، وقيل: ألف. . . وقيل: ليس لها حد، ولا نهاية لها\". (٩)\n_________\n(١) شرح منظومة أسماء الله الحسنى: ١١٣، وانظر: حاشية الجلالين: (٤/ ١٥٧).\n(٢) شرح منظومة أسماء الله الحسنى: ١١٣.\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٠٢)\n(٤) انظر: ٣٠.\n(٥) حاشية جوهرة التوحيد ٣٠.\n(٦) حاشية الجلالين: (٢/ ١٠٢).\n(٧) المرجع السابق.\n(٨) حاشية الجلالين: (٢/ ١٠٢).\n(٩) شرح المنظومة: ١١٣.","vol":"1","page":209},{"text":"ويفسر الإحصاء المأمور به في الحديث بأنه \"معرفة ألفاظها ومعانيها\".\nويظهر هنا تصوفه حيث يجعل للإحصاء معنى آخر للخواص، حيث يقول: وأما معناه \"عند أهل الله فهو الاتصاف بها، والظهور بحقائقها، والوقوف على مدارك نتائجها، وأسرارها، أي نتائج علومها الغيبية، التي يخص الله بها من يشاء ومنها سر القدر .. \" ويمثل لذلك بمقام المصنف \"أي الدردير\" يقول: \"فإنه ما ترجم لنا في هذا الكتاب إلا بأوصافه\". (١)\nكما أنه يرى أن الاسم الأعظم الجامع لمعانى الأسماء والصفات هو لفظ الجلالة: \"لأن حقائق المؤمنين ممزوجة به\". (٢)\nوفى بيان عظمة هذه الأسماء وأنها قديمة، يقول: \"إنه يجب على الإنسان أن يعتقد أن أسماء الله عظيمة قديمة\"؛ فإنه \"كما يجب تعظيم الذات وتنزيهها عن النقائص، كذلك يجب تعظيم الاسم وتنزيهه عن النقائص، ولذا قال الفقهاء: من وجد اسم الله مكتوبًا في ورقة وموضوعًا في قذر وتركه فقد كفر، وذلك لأن التهاون بأسماء الله كالتهاون بذاته؛ لأن الاسم دال على المسمى\". (٣)\nويقسم الصاوى الأسماء على حسب علاقتها بالمسمى، فيقول: \"وهى إما ذاتية: كالله والرحمن، أو صفاتية: كالحى والعليم، أو أفعالية: كالمحى والمميت.\nوالصفاتية على أقسام: أسماء صفات جمال: كالرحيم والكريم، وأسماء صفات جلال: كالكبير والعظيم، وأسماء صفات كمال: كالسميع والبصير\". (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المناقشة:</span>\nلا شك أن هذه القواعد المستنبطة من كلام الأشاعرة في الأسماء الحسنى، هي معتقد أهل السنة والجماعة. ولا ينفى ذلك وجود الخلاف في بعض الفروع المتعلقة\n_________\n(١) المرجع السابق: ١١٣، ١١٤.\n(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ٣٠.\n(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ١٥٧).\n(٤) شرح المنظومة: ١١٣. وانظر: حاشية جوهرة التوحيد: ٣٠، حاشية الجلالين: (٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":210},{"text":"بدلالة الأسماء على الصفات، حيث أوجبوا تأويل بعضها بما لم يرد فيه نص يعول عليه في مثل هذه المهمات، وهذا ما رده سلف الأمة، ودللوا على بطلانه بمخالفته صريح الكتاب والسنة، ولما كان عليه الصحابة والتابعين من التسليم والإذعان لكل ما ورد فيهما.\nوكان للسلف الصالح إلى جانب ما تقدم مزيد بيان في المسائل المتعلقة بأسمائه تعالى، كلها تؤكد خطأ ما اعتقده الصاوي في أن منها ما يقتضى ظاهره مخالفة للكمال فلا بد إذًا من تأويله، وهذا ما تقتضيه حقيقة وصفه تعالى لأسمائه بأنها حسنى، حيث يرجع هذا الوصف إلى عدة مسائل من أهمها:\nدلالة أسماء الله تعالى على الصفة والعلمية، يوضحه أن كل اسم منها علم يدل على الذات، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] يقول الإمام الدارمي (١): \"فهذه كلها أسماء لم تزل له كما لم يزل، بأيها دعوت فإنما تدعو الله نفسه\". (٢)\nومع دلالتها العلمية على الذات، فإن كل واحد منها يدل على صفة كمال لله تعالى، دل عليها اتصافها بالحسن على جهة التفضيل المطلق، إذ يقتضى ذلك كمال ما تضمنته من معانٍ، وهذا من جهتين:\nالأولى: دلالتها على كل معنى يليق بجلال الله تعالى، وعظيم سلطانه.\nالثانية: تنوع تلك المعانى الكاملة وتعددها، فالغفور يدل على معنى مغاير للسميع، وما يدل عليه العظيم ليس هو ما يدل عليه البصير. (٣)\nكل هذا يؤكده اشتقاق الأسماء من معانٍ، إذ موجب الاشتقاق وجود ما اشتق منه، وإلا كان ذلك الاشتقاق محال، قال في المراقى:\n_________\n(١) هو الإمام العلامة الحافظ أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمى السجستانى، له مسند كبير وجهود في دحض شبه المبتدعة، توفى سنة: ٢٨٠ هـ، انظر: شذرات الذهب: (٢/ ١٧٦)، وتذكرة الحفاظ: (٢/ ٦٢٢).\n(٢) نقض الإمام أبى سعيد عثمان بن سعيد على المريسى: (١/ ١٨٣).\n(٣) انظر: الدرء: (٥/ ٥٢، ٥٣).","vol":"1","page":211},{"text":"وعند فقد الوصف لا يشتق ... وأعوز المعتزلى الحق. (١)\nومما يقتضيه وصف الله تعالى لأسمائه بأنها حسنى، أن تكون هذه الأسماء حقيقة في الخالق - جل في علاه - فلا يشاركه في معانيها أحد، فإن الصفة إذا أضيفت للمولى تعالى علم تنزهها عن المماثلة بصفات غيره، فإن القدر المشترك من صفة السمع مثلًا ليس له وجود إلا في الذهن أما في الحقيقة فإنه لا يكون إلا مضافًا ومتعلقًا بموصوفه وحينها يأخذ حكمه من حيث وجود المماثل أو عدمه، ولما كانت ذاته تعالى ليس لها مثيل ولا نظير وقد أقر بذلك كافة أهل التنزيه كانت صفاته لها نفس الحكم، فالقول في الذات كالقول في الصفات.\nوهذا ما يقتضيه وصفها بالحسن، إذ يعنى تنزيهها عن خصائص البشر، وبهذا يعلم خطأ الصاوي الذي أوقعه فيه ما كان عليه من تصوف، حيث جعل الإحصاء في حق أهل الله هو: الاتصاف بها، والظهور بحقائقها. . . إلى آخر ما ذكر.\nفإن أسماء الله تعالى وصفاته لا تنبغي لأحد سواه، ولم يأمر أحد من خلقه أن يقتدى به في ذلك، وإنما جعل الاقتداء فيما اتصف به النبي - ﷺ - من صفات حميدة بلغ بها ذروة الكمال البشرى، حتى امتدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] لذا أمر المولى تعالى عباده بالاقتداء به، حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]\nيوضح هذا أن الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته إنما يستفاد من جهة الشارع الحكيم، فالله تعالى أعلم بما يجب في حقه، ونبيه أعلم بمراد ربه، ولم يرد نص من كتاب ولا سنة تفيد ما ذهب إليه الصاوي من أن الإحصاء في حق الخواص هو الظهور بحقائق الأسماء والتجلى بها، بل كل ما ورد في معنى إحصائها - غير الحفظ - من أقوال السلف فإنه يرجع إلى حقيقة التعبد المأمور به.\n_________\n(١) مراقى الصعود: (١/ ١١٠).","vol":"1","page":212},{"text":"يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: \"وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله. وهى طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. والدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها\". (١)\nوالله تعالى يحب أن يتصف العباد ببعض موجب أسمائه وصفاته، فهو حيى يحب الحياء، ستير يحب الستر، كريم يحب الكرم، جميل يحب الجمال، ولكن عند اتصاف العبد بهذه الصفة فإنها تصبح حقيقة فيه يختص بها لا علاقة لها بما اتصف به الرب، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: فـ \"العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق، ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره\". (٢)\nوبهذا يعلم أن ما فسر الصاوي به الإحصاء المندوب إليه قد خرج عن الوجه الشرعي إلى ما يسمى عند أهل التصوف بالفناء عن شهود السوى، فيتدرج في هذا المقام إلى أن يصل إلى درجة البقاء، فلا يشهد سوى الذات متصفة بالصفات، وهذه هي بوابة القول بالحلول والاتحاد، فمنهم من وقف عند هذا الحد، ومنهم من شطحت به هذه المعانى إلى أن وصل إلى درجة الفناء عن وجود السوى (٣)، فبات لا يرى فارقًا بينه وبين الرب. (٤) \"فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التأمل؛ فإنه مزلة أقدام، ومضلة أفهام\". (٥)\nوالأمر على كل حال يعد من الإلحاد الذي حذر منه المولى سبحانه، فبعد أن بين تعالى الوجه المشروع تجاه أسمائه وصفاته الحسنى وهو دعاءه بها وفق ما أخبر\n_________\n(١) مدارج السالكين: (١/ ٤٢٠، ٤٢١).\n(٢) العبودية: ١٥٥.\n(٣) كحال ابن عربى وأمثاله.\n(٤) انظر: المرجع السابق ١٥٧، ١٥٨. وهذا ما سيزداد إيضاحه في باب التصوف إن شاء الله: ٧٠٠.\n(٥) مدارج السالكين: (١/ ٤٢١).","vol":"1","page":213},{"text":"سبحانه، نهى سبحانه عن كل انحراف يخرج عن هذه الدائرة، وسمى ذلك الانحراف إلحادًا (١) وتوعد من وقع به بالجزاء التام وفق ما عمل: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوبهذا يعلم أن الأسماء المتواطئة حقيقة في الخالق والمخلوق، فعند الإطلاق تدل على القدر المشترك وهو حكم كلى لا وجود له إلا في الذهن، أما عند التقييد فإنها تدل على ما يناسب موصوفها من الكمال أو النقص.\nهذا من جهة الاسم المتواطئ، كالسميع والعليم، فإنه عند إضافته للمولى تعالى علم اختصاصه به فلا يشاركه فيه أحد لكمال موصوفه وتنزهه عن مقتضيات النقص.\nأما ما ثبت انفراد تسمية المولى به عند إطلاقه بما عرف تقييده به: كالله والرحمن، فهذا مما لا ينبغى لأحد سواه.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، ومنها ما دل عليه بالإضافة والتخصيص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه\". (٢)\nوإذا تحققت دلالة الأسماء الحسنى على الذات العلية والصفة، كما يليق بجلال الله تعالى وعظيم سلطانه، بقى معرفة طرق دلالتها على ما سبق، إذ دلالة الاسم على الذات تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام، ومثاله: اسم (الخالق) فإنه يدل على الذات وعلى صفة الخلق بالمطابقة، وهذه دلالة على تمام المعنى.\nأما دلالتها على ذات الرب وحده أو على صفة الخلق وحدها، فتكون بالتضمن وهى دلالة على جزء المعنى.\nوتكون دلالتها على صفة العلم والحياة والقدرة بالالتزام؛ لأن هذه الصفات لا بد من توفرها فيمن له القدرة على الخلق، وهذه تسمى: دلالة اللفظ على معنى خارج عنه. (٣)\n_________\n(١) الإلحاد: هو الميل بأسمائه وصفاته عما يجب في حقها.\n(٢) الرسالة التدمرية: ٢٢.\n(٣) انظر: الفتاوى: (١٠/ ٢٥٤). وانظر: مدارج السالكين: (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":214},{"text":"وفى تقسيم الصاوي للأسماء على الوجه الذي ذكر مخالفة لدلالة الأسماء على الذات مع الصفات، كما تبين سابقًا؛ إذ تنقصه الدقة المطلوبة في التقسيم الصحيح، حيث قام بالفصل بين ما هو دال على الذات، وما هو دال على الصفة، وما هو دال على الفعل، والصحيح في التقسيم أن \"كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة؛ فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل إما لازم، وإما متعدٍ\" (١) واللازم لا تعلق له. بغير الذات، أما المتعدى فتعلقه يتعدى إلى غير الذات من المخلوقات، إما على جهة الشمول، أو خصوص ما يناسب ذلك الاسم من معنى، ومثال الاسم الذي يتضمن وصفًا لازمًا: (الحى) حيث دل على ذات موصوفة بالحياة فلا تعلق لها بغير الذات.\nأما مثال ما يتضمن وصفًا متعديًا له تعلق كلى: (العليم)، فإنه يدل على ذات موصوفة بالعلم متعدية لكل شيء، فالعلم يتحقق بكل شيء ممكن الوجود، وقد يدل الاسم على وصف له تعلق بما يناسبه كاسم (السميع) الذي يتعلق بالمسموعات (٢)\nوكل هذه من المسائل التي لها تعلق وثيق بالصفات، لذا سيتضح الكثير منها أثناء الحديث عن الصفات على ضوء منهج السلف الكرام.\n* * *\n\nبقى بعد بيان ما وقع فيه الصاوي من خطأ أن نبرهن على صحة ما ذهب إليه من أن أسماء الله تعالى توقيفية وأنها لا تحد بعدد.\n- أما عن كونها توقيفية، فذلك لما ورد من النهى والتشديد في القول على الله بغير علم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\n_________\n(١) مدارج السالكين: (١/ ٤١٨).\n(٢) انظر: الفتاوى: (٥/ ٤٩٤).","vol":"1","page":215},{"text":"ولا بد هنا من بيان الفرق بين تسمية المولى تعالى، والإخبار عنه، إذ يمنع من تسميته بغير ما ورد على جهة التحريم، أما عن الإخبار فيتوسع فيه بقدر الحاجة شريطة أن لا يخرج عن المعنى الصحيح الذي ورد به نص الكتاب والسنة.\n\"ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيئ لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم شيء وذات وموجود إذا أريد به الثابت، وأما إذا أريد به الموجود عند الشدائد؛ فهو من الأسماء الحسنى، وكذلك المريد والمتكلم؛ فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم، فليس ذلك من الأسماء الحسنى بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك، فإن ذلك لا يكون إلا محمودًا\". (١)\n- أما عن كونها لا تحد بعدد، فقد ذكر جمع من العلماء على ما ذهب إليه الصاوى من أن العدد المذكور في الحديث ليس للحصر؛ استدلالًا بحديث ابن مسعود - ﵁ - عن رسول الله أنه قال: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك).\nيقول الإمام النووي (٢): \"مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) \" (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر: الفتاوى: (٦/ ١٤٢).\n(٢) الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام محى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الحورانى الشافعي ولد سنة: ٦٣١ هـ برع في علوم الشريعة واللغة وبرز في الحديث والفقه، ومن أعظم تصانيفه شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين والأذكار وغيرها، توفى سنة: ٦٧٦ هـ انظر: تذكرة الحفاظ: (٤/ ١٤٧٠) وشذرات الذهب: (٥/ ٣٥٤).\n(٣) سبق تخريجه: ١٤٩. وقد استدل أيضًا بهذا الحديث على ما سبق شيخ الإسلام: الدرء: (٣/ ٣٣٣).","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى</span>\nيعد هذا المبحث عند المتكلمين من أعمق المباحث الإلهية وأطولها، ومع ذلك يمكن تحديد الخطوط العريضة التي لا يكاد يوجد خلاف فيها بينهم، حيث يجمع الأشاعرة على إثبات سبع صفات (١) من الصفات الوجودية، وهى ما تسمى بالمعانى، وبيانها كالتالى: العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر.\nأما في باب النفى فيثبتون خمس صفات سلبية يتم بها تنزيه المولى - عندهم - عن كل نقص، وهى إثبات: القدم والبقاء والوحدانية ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس. (٢)\nوهناك صفة نفسية، يعنون بها الوجود مع اختلاف وقع بينهم في تسمية المراد منها بذلك الاسم، يقول الجويني: \"والوجه المرضى أن لا يعد الوجود من الصفات، فإن الوجود نفس الذات\" (٣).\nولكن هذا التقسيم إنما تم بيانه على يد متأخرى الأشاعرة، كاللقانى والدردير.\nوما خلا ذلك من الصفات، فإنهم يرجعونه إلى الأفعال والاختيارات، فلا يعتقدون فيها إثبات صفة علي جهة الحقيقة؛ لذا يعمد أكثرهم إلى تأويلها بما يعتقدون فيه تنزيه المولى عن صفات الحوادث. (٤)\nوقد فصل الغزالي حجتهم في نفى ما عدا هذه الصفات السبع بإرجاع ما أثبت فيه حقه تعالى إليها، فقال: \"لعلك تقول: هذه أسماء كثيرة، وقد منعت الترادف\n_________\n(١) الصفة في اللغة تعنى [الحالة التي عليها الشيء من حليته ونعته]: المفردات للأصفهاني: ٥٢٥. وعرفها الجرجاني بأنها: [الصفة: هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل وقصير .. وهى الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها]، التعريفات: ١٧٣.\n(٢) الإرشاد للجوينى: ٣١ - ٣٣ - ٣٤ - ٥٢.\n(٣) المرجع السابق: ٣١.\n(٤) انظر: شرح المقاصد للتفتزانى: (٤/ ٦٩).","vol":"1","page":217},{"text":"فيها وأوجبت أن يتضمن كل واحد معنى آخر، فكيف يرجع جميعها إلى سبع صفات؟ فاعلم أن الصفات إن كانت سبعًا، فالأفعال كثيرة، والإضافات كثيرة، والسلوب كثيرة، ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر، ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب وإضافة، ويوضع بإزائه اسم، فتكثر الأسامى بذلك، وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات، أو على الذات مع سلب، أو على الذات مع إضافة، أو على الذات مع سلب وإضافة، أو على واحد من الصفات السبع، أو على صفة وسلب، أو صفة وإضافة، أو على صفة فعل، أو على صفة فعل وإضافة أو سلب، فهذه عشرة أقسام\" (١) إلى آخر ما ذكر.\nوقد يقسم بعضهم الصفات المثبتة إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، فتكون الصفات الذاتية هنا هي الصفات السبع، وما أرجعوه بالتأويل إليها كالرحمة والغضب، أما الصفات الفعلية فهى التي يرجعون متعلقها إلى الصفات الذاتية.\nويفرق بين متقدمى الأشاعرة وبين متأخريهم في إثبات صفات الخبرية، فالمتقدمون منهم يثبتون الصفات الذاتية الخبرية دون الفعلية، ويردون الفعلية إلى الصفات السبع، يقول الباقلانى وهو من متقدمى الأشاعرة في بيان ذلك: \"فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته، من صفات أفعاله؛ لأعرف ذلك.\nقيل له: صفات ذاته: هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا وهما الإرادة على ما وصفناه وهى الرحمة والسخط والولاية والعداوة والحب والإيثار والمشيئة وإدراكه تعالى لكل جنس يدركه الخلق.\nوصفات فعله: هي الخلق والرزق والعدل، . .، وكل صفة كان موجودًا قبل فعله لها\" (٢)\n_________\n(١) المقصد الأسنى: ١٥٧.\n(٢) التمهيد: ٢٩٩.","vol":"1","page":218},{"text":"أما المتأخرون فلا يثبتون شيئًا من صفات الإخبار لا الذاتية ولا الفعلية على الحقيقة ويردونها إلى الصفات السبع التي قام دليلهم العقلى على إثباتها ورد ما عداها، يقول الآمدي في بيان هذا الأصل المعتمد عندهم في الرد والإثبات مقننًا بالشبه العقلية: \"وأما ما قيل بثبوته من باقي الصفات؛ فالمستند فيها ليس إلا المسموع المنقول دون قضيات العقول، . . .، واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها، بحيث يقال بمدلولاتها، ظاهر من جهة الوضع اللغوى، والعرف الاصطلاحى، فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم، ودخول في طرف دائرة التشبيه، وسنبين ما في ذلك من الضلال وفى طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nفإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا، ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا، بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا، وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم، فهذا وإن كان في نفسه جائزًا، لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلًا قطعيًا، وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات فقد أمكن حملها على غيرها أيضًا، ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع، وما لا قطع عليه من الصفات، لا يصح إثباته للذات\" (١)\nفهذا النص يبين منهجهم في سبيل إرجاع جميع الصفات الخبرية إلى ما تقدم من الصفات الذاتية، ولهم في ذلك حجج سبقت الإشارة إليها عند الحديث عن منهج الصاوى في مسائل الاعتقاد ولعلى أشير إلى أهمها هنا؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة، حيث اعتقدوا في أن في إثباتها اعتقاد التمثيل الذي قام الدليل العقلى على منعه، فاعتمدوا منهج التأويل، أو التفويض لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية التي تضمنت تلك الصفات.\n_________\n(١) غاية المرام: ١٣٦ - ١٣٧ - ١٣٨.","vol":"1","page":219},{"text":"رأي الشيخ الصاوى:\nلقد فصل الصاوى القول في باب الصفات محررًا للمذهب الأشعرى فبدأ بتعريف الصفة أولًا:\nفالصفة هي: \"ما يحكم به عليه سواء كان عين الحقيقة أو قائمًا بها أو خارجًا عنها\".\nوفى بيان أقسامها، يقول: فـ \"الصفات إما عين الذات وهى النفسية.\nأو غير الذات وهى السلبية؛ لكون مدلولها عدميًا، والفعلية لحدوثها.\nأو لا عين الذات ولا غيرها، وهى وجودية، وتسمى المعانى.\nأو لا عين الذات ولا غيرها، وهى اعتبارية، وتسمى معنوية.\nأو صفات جامعة؛ وهى العزة، والجلال، والجمال، والغنى\". (١)\nولم يقصد بنفيه التغاير مطلق المغايرة، وإنما قصد نفى الانفكاك.\nوأما نفيه للعينية فقد قصد به أن يفهم مغايرة إلذات للصفات وفى هذا رد على المعتزلة الذين أرجعوا الصفات للذات وأرادوا بذلك نفى الصفات. (٢)\nولتشعب المسائل المتعلقة بهذا المبحث وعمق مادتها العلمية عند الصاوى؛ سأقوم بتفصيل القول فيها وذلك تحت عدد من المطالب، مثبتة لما تقرر عنده بكلام الأشاعرة المتقدمين، مبتدئة بالصفات السلبية التي يعني بها تنزيهه تعالى عن كل نقص.\n* * *\n_________\n(١) حاشية جوهرة التوحيد: ٢٧. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٨٥.\n(٢) انظر: حاشية جوهرة التوحيد: ٢٧.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>أولًا: الصفات السلبية</span>\nيقصد بالصفات السلبية عند المتكلمين: كل صفة يعتقد في إثباتها سلب نقص عن الذات العلية، وتكون ملازمة لها بحيث لا يتصور انفكاك موصوفها عنها (١): وهى القدم والبقاء ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس والوحدانية.\nإذًا فأساس وصفها بالسلب يرجع إلى أمرين:\nالأول: لما تضمنته من سلب النقص عن الذات.\nالثاني: عدم إثبات معنى قائم بالذات يكون زائدًا عنها، فيصح به أن يكون وصفًا وجوديًا.\nيقول الآمدي في بيان الأمر الأول: \"وليس يلزم من تعدد مفهوم اسم القدم تكثر في مدلول اسم الباري تعالى إلا أن يقدر نعتًا وجوديًا ووصفًا حقيقيًا وليس كذلك بل حاصله إنما يرجع إلى سلب الأولية لا غير\". (٢)\nويقول الإيجى في بيان الأمر الثاني وهو امتناع كون هذه الصفات زائدة على الذات: \"البقاء هو نفس الوجود - أي الذات - لوجهين:\nالأول: لو كان زائدًا لكان له بقاء، ويتسلسل.\nالثاني: لو احتاج إلى الذات لزم الدور، وإلا لكان الذات محتاجًا إليه وكان هو مستغنيًا عن الذات، فكان هو الواجب دون الذات\" (٣).\nويقول الغزالي في نفس المعنى: \"ولقد أبعد من قال البقاء صفة زائدة على ذات الباقى وأبعد منه من قال القدم وصف زائد على ذات القديم وناهيك برهانًا على فساده ما لزمه من الخبط في بقاء البقاء وبقاء الصفات وقدم القدم وقدم الصفات\" (٤).\n_________\n(١) المواقف: ٣٣٢.\n(٢) غاية المرام: ٤٤ مع تصرف يسير.\n(٣) المواقف: ٢٩٧.\n(٤) المقصد الأسنى: ١٤٨.","vol":"1","page":221},{"text":"أما عن المراد بهذه الصفات فمما يعلم من الوضع الاصطلاحى عن المتكلمين، إذ القدم يعني نفى الأولية، والبقاء نفى الآخرية، والوحدانية إثبات كونه تعالى واحدًا في صفات الربوبية فلا رب سواه، والقيام بالنفس نفى الحاجة إلى الغير، ومخالفة الحوادث نفى كل ما اعتقد في إثباثه قيام الحوادث به كالعرضية والجرمية. (١)\n\nرأى الشيخ الصاوي:\nالصفات السلبية عند الصاوى متابعة لما عليه متأخرو الأشاعرة، هي: القدم، والبقاء، ومخالفة الحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية.\nويفسر الصاوي المراد بتسمية هذه الصفات بالسلبية، فيقول: \"ليس المراد بكونها سلبية أنها مسلوبة عن الله، ومنفية عنه، وإلا لزم أن يثبت له الحدوث والمماثلة للحوادث، بل المراد بكونها - سلبية - أن كل واحدة منها سلبت أمرًا لا يليق به\". (٢)\nثم يشرع في بداية الحديث عنها ببيان أهميتها، حيث يسميها بمهمات الأمهات، معللًا ذلك بـ \"أنه يلزم من نفى ضد هذه الخمسة، تنزيهه تعالى عن جميع النقائص\".\nوحين يقوم بتعدادها فإنه يوضح المراد من كل واحدة على جهة التحديد مع بيان الدليل عليها، ويبدأ بصفة القدم، يقول: إن \"معنى القدم في حقه تعالى عدم الأولية، أو عدم افتتاح الوجود، فالقديم هو الذي لا أول له، أو الذي لا افتتاح لوجوده\".\nثم يذكر الدليل عليها، يقول: فـ \"لو لم يكن قديمًا لكان حادثًا، ولو كان حادثًا لافتقر إلى محدث، ولو افتقر إلى محدث لافتقر محدثه إلى محدث، وهكذا فيلزم إما الدور أو التسلسل\". (٣)\n- وتليها صفة البقاء التي تعنى \"في حقه تعالى عدم الآخرية أو عدم افتتاح الوجود\"\n_________\n(١) انظر: المواقف للإيجى: ٢٩٧، الإرشاد للجوينى: ٣١ - ٣٣ - ٣٤.\n(٢) حاشية الخريدة البهية: ٧٣.\n(٣) المرجع السابق. وقد تقدم بيان المراد منهما في بحث الاستدلال على وجود الله تعالى: ١٤٣.","vol":"1","page":222},{"text":"والدليل عليها: \"أنه لو جاز عليه طور العدم؛ لاستحال عليه القدم؛ لأن من جاز عدمه استحال قدمه\".\n- ثم يذكر الصفة الثالثة من صفات السلوب وهى: \"مخالفته تعالى لكل حادث\" والمخالفة عنده: \"عبارة عن سلب الجرمية والعرضية والكلية والجزئية ولوازمها عنه تعالى لما ثبت لها من الحدوث واستحالة القدم عليها\".\nوفى تقريره للدليل عليها، يقول: \"الله تعالى مخالف للحوادث؛ إذ لو لم يكن مخالفًا لها لكان مماثلًا لها؛ لعدم الواسطة، لكن مماثلته للحوادث باطلة؛ إذ لو ماثل شيئًا منها لكان حادثًا مثلها، لكن كونه حادثًا باطل؛ إذ لو كان حادثًا لافتقر إلى محدث لكن افتقاره باطل. . .\".\n- أما عن الصفة الرابعة وهى القيام بالنفس، فيرى أن المراد منها \"أنه تعالى مستغنٍ في نفسه ليس باعتبار شيء آخر، وعنى باستغنائه المذكور عدم افتقاره إلى محل، أي: ذات يقوم بها، إلى مخصص أي: مؤثر\".\nويتابع الاستدلال ببيان استغنائه عن المحل، يقول: فإنه \"لو احتاج إلى محل لكان صفة ولو كان صفة لم يكن متصفًا بصفات المعانى والمعنوية، والفرض أنه متصف بهما؛ وإلا لما وجد العالم، فبطل كونه صفة وثبت كونه ذاتًا\".\nثم يذكر الدليل على استغنائه عن المخصص بأنه \"لو احتاج إلى مخصص لكان حادثًا؛ ولو كان حدثًا لافتقر إلى محدث، كيف وقد سبق وجوب وجوده وقدمه وبقائه ومخالفته للحوادث\".\n- وينتهى في حديثه عن الصفات السلبية إلى ذكر الصفة الخامسة والأخيرة، وهى: الوحدانية. وقد سبق بيان مراده منها في مبحث التوحيد، وما يهمنا منها هنا هو بيان الاستدلال بنفى التركيب لإثباتها، حيث يرجع نفيه للتركيب إلى وجوب مخالفته للحوادث. (١)\n_________\n(١) المرجع السابق: ٢٠، ٢١. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٥٩.","vol":"1","page":223},{"text":"ومن كل ما سبق نجد أن الصفة التي يرجع إليها أدلته في التنزيه هي: المخالفة للحوادث فعليها مدار تعطيم المولى وتنزيهه عند الأشاعرة.\n* * *\n\nالمناقشة:\nإن أساس ما اعتمده في عد هذه الصفات من الصفات السلبية لا يسلم له، وذلك لوجوه ترجع إلى ما يجب للمولى تعالى من الكمال في صفاته وأسمائه:\nالأول: امتناع قصر نفى النقائص عن الله تعالى بإثبات هذه الصفات دون غيرها، إذ جميع ما يوصف به المولى تعالى من الصفات إلى جانب إثباته للصفة الوجودية من الكمال فإنه ينفى عنه صفة نقص لا تليق به، فصفة العلم تنفى عنه الجهل، والحياة تنفى عنه الموت، والسمع والبصر إلى آخر ما اتصف به المولى ﵎.\nثانيًا: أن أي صفة نفى سلبت عن الباري تعالى أمرًا لا يليق به، فإنها في المقابل تثبت له صفة كمال؛ فالمولى ﵎ أحد أي ليس له مثيل أو شريك، فهذه الصفة وإن كانت في الأصل لنفى المماثل والشريك، فإنها أثبتت في المقابل اتصافه تعالى بكل صفات الكمال والجلال التي لا تليق إلا لجلاله.\nثالثًا: أن هذه الصفات على جهة الخصوص فيها من إثبات إفراد الكمال لله تعالى ما لا ينكره ذو فطرة سليمة، فالقديم مع التجاوز في التسليم لهم بهذا الاسم يقابل الأول، وليس يغيب ما في إثبات أوليته من معانى العظمة والكمال؛ إذ كل ما في هذا الوجود إنما هو مفتقر في وجوده وبقائه إليه ﷾، وهكذا يقال في باقي الصفات.\nهذا ومما يلاحظ عند عرض أقوال الصاوى في قضية التنزيه، أو سلب النقائص عن الله ﷿ عددًا من الأمور منها:\nأولًا: استناده إلى طريقة التفصيل في النفى، معتمدًا في ذلك على ما يراه العقل","vol":"1","page":224},{"text":"قبيحًا في حق الله تعالى، وهذا ما يخالف مقتضى تعظيم الله تعالى وإجلاله، كما دل عليه الكتاب والسنة؛ إذ يعتمد تنزيه الله تعالى وتعظيمه فيهما على النفى المجمل، الذي يستوعب جميع أفراد النقص التي ينزه المولى عن الاتصاف بها، ومع ذلك يتعدى إلى إثبات ما يقابل هذه الصفات من كمال؛ إذ السلب المحض لا يعد كمالًا في حق من وصف به إلا أن يؤدى إلى إثبات ما يقابله من كمال (١)، وهذه هي طريقة القرآن الكريم التي نبه اليها وأمر بها في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.\nثانيًا: مما استند إليه الصاوى في قضية التنزيه، استخدام المصطلحات الكلامية في نفى ما اعتقد أن في إثباته ما يوهم مماثلة الحوادث، حتى جعل هذه المصطلحات: كالجرم، والعرض، والجهة، والمحل، مقياسًا ومرجعًا في كل ما يجب أن يمتنع المولى سبحانه من الاتصاف به؛ فكل معنى يستلزم وصفه تعالى بإحدى هذه المصطلحات وجب نفيه وإبطاله، فإن كان مما ورد به نص الكتاب والسنة عطل بطريق التأويل أو التفويض.\nومن ذلك أنه حين التزم نفى الجرم والعرض عن الله تعالى، قام بتعطيل الباري تعالى عن بعض صفات الذات الخبرية، كالوجه والساق واليد، وكذلك صفات الأفعال الخبرية كالنزول والاستواء، إلى غير ذلك حيث اعتقد أن في إثباتها ما ينفى مخالفته للحوادث.\nولا شك أن في ذلك انحرافًا عن منهج التلقى الذي يعتمد في كل ما يجب أن يتصف به المولى على ما ورد به نص الكتاب والسنة، فالله تعالى أعلم بما يجب أن يتصف به، أو يمتنع عنه، وكذا نبيه - ﵊ - الذي أتم في ذلك البيان.\nوقد وقع الصاوى بهذا المسلك في الابتداع المنهي عنه، حيث اعتمد في مثل هذه المهمات على ما اصطلح عليه المتكلمون؛ دون وقوف عند حدود ما أنزل الله على\n_________\n(١) انظر: التدمرية، لشيخ الإسلام: ٥٧.","vol":"1","page":225},{"text":"رسوله، هذا إلى جانب أن هذه المصطلحات لما كانت من البدع؛ لم تكن حجة في الرد على شبه المخالفين، وهذا ما أوقع المتكلمين في الاضطراب بين جانب النفى والإثبات؛ مما جعل للمخالفين من المعتزلة وغيرهم سبيلًا للتطاول عليهم فيما أثبتوه من الصفات. (١)\nثالثًا: قد سبقت الإشارة إلى أن التنزيه عند المتكلمين يقوم على أساس مخالفة الله تعالى للحوادث، فكل واحدة من الصفات السلبية عندهم ترجع إلى هذا المعنى، وقد أوضح الصاوي المراد من ذلك حين أتى إلى هذه الصفة، وبين أنها تعنى سلب الجرمية والعرضية، فإنه حين أثبت حدوثهما عند استدلاله على حدوث العالم، جعل أساس ما يقوم عليه التنزيه هو نفى هذه المعاني عن الله، ونفى كل وصف يستلزم اتصافه تعالى بها.\nفالعرضية التي تعنى إثبات الأعراض وهى الصفات الاختيارية المتجددة يوجب الصاوي نفيها عن الله تعالى، وسيأتي بيان موقفه من هذه الصفات مفصلة، فقد نفى الإرادة الحادثة المتعلقة بالإرادة القديمة، والتى ثبت اتصافه تعالى بها عقلًا (٢) وشرعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ونفى جميع الصفات الفعلية المتجددة التي تتعلق بها، وأرجع إثباتها إلى محض الاعتبار، الذي يجعلها تتأرجح بين الوجود والعدم، فتشبه بذلك الأحوال عند المعتزلة، والصاوي لنفس الشبهة مع غيرها من الشبه التي سيأتي بيانها في موضعها المحدد بإذن الله؛ يؤول الكلام المستقبلي لله تعالى، الذي أخبرت به النصوص ويرجعه إلى الكلام النفسي القديم المعبر عنه بلفظ حادث مخلوق، وكذلك الغضب والرحمة والنزول والضحك والمجئ وكل صفة اعتقد في إثباتها على ظاهرها ما يوهم إثبات الأعراض للذات العلية.\n_________\n(١) انظر: التدميرية: ١٣٣.\n(٢) وقد بينت هذا في مبحث الاستدلال على وجود الله، فقدمت أن في نفى هذه الصفة عن الله تعالى ما يلزم منه منع إثبات حدوث المخلوقات وقدم خالقها، كما هو معتقد الأشاعرة النافين لهذه الصفات الاختيارية انظر: ١١١.","vol":"1","page":226},{"text":"وفى نقض هذا الأساس الذي اعتمد عليه الصاوي في التنزيه نرجع إلى ما سبق بيانه من أن هذا مسلكًا باطلًا، وليس فيه ما يثبت الحدوث، فليس كل ما لم يخل من الحوادث حادثًا؛ لوجود الفرق بين ما لا يخلو من جنس الحوادث، أو ما لا يخلو من بعضها - كما بينت سابقًا - (١).\nهذا إلى جانب أن هذه الصفات التي نفوها لأنها من الأعراض والحوادث هي من صفات الكمال التي يعد نفيها نقصًا ينزه المولى تعالى عنه، يقول شيخ الإسلام: \"وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح، وتسمية هذه - أي الصفات الاختيارية - أعراضًا وحوادث لا يخرجها عن أنها من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها، أو يمكنه ذلك ولا يتصف بها\". (٢)\nوبهذا يكون الاستدلال على نفى الصفة عن الله تعالى؛ اعتمادًا على أنها توجب اتصافه تعالى بما هو من خصائص الحوادث، كالعرضية، باطلًا ليس له أصل من نقل ولا عقل ولا لغة، وكل ما لم يثبت له أصل، بطل الاعتماد عليه في أصول العقائد.\n- ومن جملة ما اعتمد الصاوي رده تأويلًا أو تعطيلًا بناء على شبهة الحدوث كل صفة توهم الجرمية كإثبات المحل والجهة، والصفات الخبرية الفعلية؛ كالاستواء والنزول، والصفات الخبرية الذاتية؛ كاليد والوجه والقدم.\nولا شك أن ردهم لهذه الصفات خوفًا من إيهام الجرمية والتجسيم، لا يصح؛ لأنه تعالى أثبتها لنفسه وأثبتها له نبيه؛ فهو أعلم بما يتصف به، ونبيه أعلم بمراد ربه، ولو كان في إثبات هذه الصفات على ظاهرها ما يخل بمقتضى التعظيم والتنزيه الواجب لله تعالى لكان النبي - ﷺ - هو أول من بين لنا هذا، ولما علم انتفاء ذلك البيان؛ دل ذلك على انتفاء ملزومه من التنزيه عن إثباتها على ظاهرها، ولهذا السبب فصل علماء الأمة في نفى الجسم وإثباته، فامتنعوا عن نفيه بالمعنى الذي فهمه المتكلمون، والذي حملهم على رد الكثير من نصوص الكتاب والسنة لأجله.\n_________\n(١) انظر: بحث الاستدلال على وجود الله تعالى: ١٤٣.\n(٢) مجموع الفتاوى: (٦/ ٩٤). ويأتي النقد مفصلًا في كل صفة بعينها بإذن الله.","vol":"1","page":227},{"text":"كما امتنعوا عن إثباته مطلقًا لعدم الدليل المقتضى لإثباته، فصاروا على ذلك التفصيل في كل ما أحدثه المتكلمون في نفى الصفات وإثباتها، يقول الإمام ابن القيم في رد شبهتهم بنفى الجهة منعًا للتجسيم: \"والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية ونحن نقول إن إثبات هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهى ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقًا وأسفل ويمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذى الجهات الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلًا وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهى له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضًا مكان للهواء\". (١)\nوقال - ﵀ - في نفى اليدين والوجه بحجة التجسيم: \"وسموا الموصوف بالصفات جسمًا، وسموا من له وجه ويدان جسمًا، ثم نفوا الجسم عن الصانع، وأوهموا أنهم ينفون معناه لغة وقصدهم نفى معناه اصطلاحًا؛ فسموه بخلاف اسمه في اللغة، ونفوا به ما أثبته الرب لنفسه من صفات الكمال، وكذلك سموا صفاته أعراضًا؛ ثم نفوا عنه الأعراض بالمعنى الذي اصطلحوا عليه، لا بالمعنى الذي وضعت له ألفاظ الأعراض في اللغة، وكذلك سموا أفعاله حوادث ثم نفوها عنه بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بمعناه في اللغة\". (٢)\n- وهذا ما يقال في الكلية والجزئية، فالمراد بها عند المتكلمين كل ما يوهم التقسيم والتجزئ عندهم من الصفات، فقد بين الصاوي قيام التنزيه على نفيها، وهذا ما لا يسلم لهم مطلقًا، فالصحيح أنه لا يلزم من إثباتها ما ذكروه من التقسيم والتجزئ.\nوقد بين ضلالهم في هذه الشبهة التي اعتمدوا في إعمالها لرد هذه الصفات قياس\n_________\n(١) الصواعق المرسلة: (٢/ ٤٠٧). وانظر: مناهج السنة لشيخ الإسلام: (٢/ ٦١٤).\n(٢) الصواعق المرسلة: (٢/ ٦٧٣).","vol":"1","page":228},{"text":"الغائب على الشاهد، شيخ الإسلام - ﵀ -؛ فنبه إلى أن هذه الصفات لا يمكن ردها لإيهام التجزئ والتركيب فإن هذا إنما يصح في حق المخلوقات المكونة من الجواهر والأجرام، ومع ذلك فلا يصح تأويلهم لها لتدل على الذات كالوجه مثلًا، وذلك لدلالة اللغة التي خاطبنا القرآن بها، فقد علم ضرورة أن هذه التسميات يراد بها صفة مخصوصة تكون دالة عليها، يقول - ﵀ -: \"قالوا إذا حملتم الأمر على هذا الظاهر، وبطل أن يراد بها إلا الوجه الذي هو صفة يستحقها الحى، فالوجه الذي يستحقه الحى وجه هو عضو وجارحة، يشتمل على كمية تدل على الجزئية، وصورة تثبت الكيفية، فإن كان ظاهر الأوصاف عندكم إثبات صفة تفارق في الماهية، وتقارب فيما يستحق بمثله الاشتراك في الوصف، فهذا هو التشبيه بعينه، وقد ثبت بالدليل الجلى إبطال قول المجسمة والمشبهة، وما يؤدى إلى مثل قولهم فهو باطل.\nقلنا: الظاهر ما كان متلقى في اللفظ على طريق المقتضى، وذلك مما يتداوله أهل الخطاب بينهم حتى ينصرف مطلقه عند الخطاب إلى ذلك عند من له أدنى ذوق ومعرفة بالخطاب العربي واللغة العربية، وهذا كما نقول: في ألفاظ الجموع وأمثالهم إن ظاهر اللفظ يقتضى العموم والاستغراق وكما نقوله: في الأمر إن ظاهره الاستدعاء من الأعلى للأدنى يقتضى الوجوب إلى أمثال ذلك مما يرجع فيه إلى الظاهر في المتعارف، فإذا ثبت هذا فلا شك ولا مرية على ما بينا أن الظاهر في إثبات صفة هو إذا أضيف إلى مكان أريد به الحقيقة أو أريد بها المجاز، فإنه لا ينصرف إلى وهم السامع أن المراد بها جميع الذات التي هي مقولة عليها، وهذا مما لا نزاع فيه والمقصود بهذا إبطال التأويل الذي يدعيه الخصم، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون صفة خاصة بمعنى لا يجوز أن يعبر بها عن الذات ولا وضعت لها إلا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز، فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحى ولم يعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوًا وجارحة ذات كمية، وكيفية فهذا لا يلزم من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث","vol":"1","page":229},{"text":"لا من خصيصة صفة الوجه، ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات فيما يثبت للذات من الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها، وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات فكانت الصفة مساوية للذات في موضعها بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية وتتسلط عليه الكيفية ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية، ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجسامًا والله يتنزه عن ذلك، ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع والوجه والبصر وأمثال ذلك في صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات لكان في الحياة والعلم والقدرة أيضًا كذلك فإن العلم في الشاهد عرض قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية غير مشارك في إثبات ماهية ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية وهذا الكلام واضح جلى\". (١)\nوهذا ما بينه الإمام ابن القيم - ﵀ - على جهة الإجمال حيث يقول: فاعتقد نظار المتكلمين على تعدد شبههم بأن من وصف بهذه الصفات الخبرية\" لم يكن إلهًا واحدًا، وكان هناك آلهة متعددة، وقدماء متغايرة، وأعراضًا، وأبعاضًا، وحدودًا، وجهات، وتكثر، وتغير، وتحدد، وتجرد، وتجسم، وتشبيه، وتركيب، وأكثر الناس إذا سمعوا هذه الألفاظ نفرت عقولهم من مسماها، ونبت أسماعهم عنها، وقد علم المؤمنون المصدقون للرسول العارفون بالله وصفاته وأسمائه أنكم توسلتم بها إلى نفى صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه؛ فلم ترفعوا بها رأسًا، ولم تروا لها حرمة، ولم ترقبوا فيها ذمة، وغرت ضعاف العقول الجاهلين بحقائق الإيمان فضلوا بها وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل.\n_________\n(١) بيان تلبيس الجهمية: ٣٧ - ٣٨.","vol":"1","page":230},{"text":"فلفظ الجسم لم ينطق به الوحى إثباتًا؛ فتكون له حرمة الإثبات، ولا نفيًا، فيكون له إلغاء النفى، فمن أطلقه نفيًا أو إثباتًا سئل عما أراد به، فإن قال: أردت الجسم معناه في لغة العرب، وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء، فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفى عن الله عقلًا وسمعًا، وإن أردتم به المركب من المادة والصورة أو المركب من الجواهر الفردة؛ فهذا منفى عن الله قطعًا، والصواب نفيه عن الممكنات أيضًا فليس الجسم المخلوق مركبًا من هذا ولا من هذا.\nوإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات، ويرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم، ويسمع ويبصر، ويرضى ويغضب؛ فهذه المعانى ثابتة للرب تعالى، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسمًا؛ كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب، ولا ننفى قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريًا، ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية، ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه؛ لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسمًا مشبهًا، فإن كان تجسيمًا ثبوت استوائه على عرشه إني إذًا لمجسم، وإن كان تشبيها ثبوت صفاته فمن ذلك التشبيه لا أتكتم، وإن كان تنزيهًا جحود استوائه وأوصافه، أو كونه يتكلم؛ فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا بتوفيقه، والله أعلى وأعلم\". (١)\nولا شك أن هذا هو حال ما أدخل في الدين من البدع والمحدثات؛ لأنها كما سبق وأن ذكرت لا تشتمل على البرهان الذي يتم به العلم اليقينى، فغالب ما عليه أهل البدع ألفاظ مجملة، لا يجزم فيها بقول على جهة التحقيق؛ لذا نبه علماء السلف على وجوب الحذر منها وتفصيل القول فيها؛ حتى لا يرد حق ويقبل باطل بسببها.\n_________\n(١) الصواعق المرسلة: (٣/ ٩٣٩ - ٩٤٣). وسيأتي نقد كل تأويل لهذه الصفات مفصلًا بحول الله تعالى في المباحث التالية.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>ثانيًا: صفات المعاني</span>\nسبقت الإشارة إلى بيان مذهب الأشاعرة فيما أثبتوه من الصفات التي أطلقوا عليها صفات المعاني، حيث اعتقدوا فيها إثبات معنى قائم بالذات على خلاف غيرها من الصفات.\nوفى تحقيق قيامها بالبارى تعالى على جهة يصح إثبات اتصافه بها، يقول الباقلانى: \"فإن قال قائل: ولم قلتم إن للقديم تعالى حياة وعلمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وكلامًا وإرادة؟\nقيل له: من قبل أن الحى العالم القادر منا إنما كان حيًا عالمًا قادرًا متكلمًا مريدًا؛ من أجل أن له حياة وعلمًا وقدرة وكلامًا وسمعًا وبصرًا وإرادة، وأن هذه فائدة وصفه بأنه حى عالم قادر مريد.\nيدل على ذلك أن الحى منا لا يجوز أن يكون حيًا عالمًا قادرًا مريدًا، مع عدم الحياة والعلم والقدرة، ولا توجد به هذه الصفات إلا وجب بوجودها به أن يكون حيًا عالمًا قادرًا، فوجب أنها علة في كونه كذلك، كما وجب أن تكون علة كون الفاعل فاعلًا، والمريد مريدًا: وجود فعله وإرادته، التي يجب كونه فاعلًا مريدًا لوجودها، وغير فاعل مريد بعدمها، فوجب أن يكون الباري سبحانه ذا حياة وعلم وقدرة وإرادة وكلام وسمع وبصر، وأنه لو لم يكن له شيء من هذه الصفات، لم يكن حيًا ولا عالمًا ولا قادرًا ولا مريدًا ولا متكلمًا ولا سميعًا ولا بصيرًا يتعالى عن ذلك\" (١).\nوفى بيان ذلك، يقول الشهرستانى مقررًا ما قام عليه مذهب الأشعري: \"قال أبو الحسن: الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حى بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع يسمع، بصير يبصر، وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا هو، ولا غيره.\n_________\n(١) التمهيد: ٢٢٧.","vol":"1","page":232},{"text":"وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات: المستحيل، والجائز، والواجب، والموجود، والمعدوم، وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح وجوده من الجائزات، وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص.\nوكلامه واحد هو أمر، ونهى، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام، والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء - ﵈ -: دلالات على الكلام الأزلى والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلى.\nوالكلام عند الأشعري: معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان فالمتكلم عنده من قام به الكلام، وإرادته واحدة قديمة أزلية متعلقة بجميع المرادات من أفعاله الخاصة وأفعال عباده من حيث إنها مخلوقة له لا من حيث إنها مكتسبة لهم، وأن السمع والبصر للبارى تعالى صفتان أزليتان هما إدراكان وراء العلم يتعلقان بالمدركات الخاصة بكل واحد بشرط الوجود\" (١)\n\nرأى الشيخ الصاوي:\nيبدأ الصاوي أولًا ببيان ما تسمى به هذه الصفات، يقول: \"صفات المعانى تسمى: الصفات الذاتية؛ لأنها لا تنفك عن الذات.\nوالصفات الوجودية؛ لأنها متحققة باعتبار نفسها\".\nوفى بيان المراد بها، يرى أن معناها \"في اللغة: ما قابل الذات فشمل النفسية والسلبية\".\nأما في الاصطلاح، فهى: \"كل صفة قائمة بموصوف، زائدة على الذات، موجبة له حكمًا\".\nويسير على نفس المنوال الذي سار عليه في الصفات السلبية، حيث يفصل القول في كل صفة على حدة، مبتدئًا ببيان المراد منها، متممًا بالاستدلال لها، منتهيًا بذكر\n_________\n(١) الملل والنحل: ٩٦ - ١٠١. بتصرف يسير.","vol":"1","page":233},{"text":"تعلقاتها، ويعتمد في الاستدلال لصفة القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة على العقل؛ بحجة أن العالم لا بد لوجوده منها، وإلا لما وجد العالم، أما الكلام والسمع والبصر، فإنه يرى أن دليلها سمعى، إذ لا يتوقف على إثباتها وجود العالم، ومع ذلك فإنه يذكر طريق من أثبتها بالعقل بناءً على قضية التقابل بين العدم والملكة؛ فلو لم يتصف بها لاتصف بضدها، والنقص عليه محال، إلا أنه يشكك في صحة هذا الطريق لأنه مبنى عنده على قياس القديم على الحادث، فـ \"كل كمال في حق الحادث لا يلزم أن يكون كمالًا في حق الله؛ ألا ترى الزوجة والولد فإنها كمال في حق الحادث لا القديم\". (١)\nويبدأ الحديث أولًا عن صفة: القدرة، فيقول: \"معناها في اللغة ما قابل الذات فشمل النفسية والسلبية\".\nاصطلاحًا: \"صفة أزلية قائمة بذاته، زائدة عليها، يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه وفق الإرادة\".\nثم يستدل لها بالعقل، فيقول: \"الله صانع قديم، له مصنوع حادث، وكل ما كان كذلك لا بد له من قدرة يوجد بها الأشياء ويعدمها، فينتج الله لا بد له من قدرة\".\nفتعلق الإرادة عنده مقصور على الممكن؛ إذ الواجب والمستحيل مما لا تعلق للقدرة بهما \"لأنها إن تعلقت بالواجب فإما أن تعدمه وهو محال، وأما أن توجده وهو تحصيل الحاصل، وإن تعلقت بالمستحيل إما أن تتعلق بإعدامه وهو تحصيل الحاصل، أو بإيجاده وهو محال، فتخلف قدرة الله عن تعلقها بالواجب والمستحيل ليس بعجز\".\n* * *\n\nثانيًا: الإرادة وهى \"لغة: القصد، اصطلاحًا: صفة أزلية زائدة قائمة بذاته تعالى شأنها التخصيص للممكن ببعض ما يجوز عليه\".\n_________\n(١) حاشية جوهرة التوحيد: ٢٥. وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٧٩.","vol":"1","page":234},{"text":"ثم يبين أقسام الممكن بهذه الأبيات:\nالممكنات المتقابلات ... وجودنا والعدم والصفات\nأزمنة أمكنة جهات ... كذا المقادير روى الثقاة.\nوفى الاستدلال لها، يقول: \"الله صانع للعالم بالاختيار، وكل ما كان كذلك يجب له الإرادة، فينتج الله تجب له الإرادة\".\n* * *\n\nثالثًا: العلم، يقول في بيانها: \"هي صفة أولية قائمة بذاته تعالى، تتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق إحاطة وانكشاف\".\nوالدليل: \"أن تقول الله صانع للعالم صنعًا متقنًا بالإرادة والاختيار وكل ما كان كذلك يجب له العلم، فينتج الله يجب له العلم\".\n* * *\n\nرابعًا: الحياة، \"وهى صفة أزلية قائمة بذاته تقتضى صحة العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر\" وهذه هي الصفة الوحيدة التي لا يرى لها متعلقًا؛ إذ لا يقتضى الاتصاف بها \"أمرًا زائدًا على قيامها بمحلها\".\nدليلها: \"أن تقول: الله تعالى متصف بالقدرة والإرادة والعلم، وكل من كان كذلك تجب له الحياة، فينتج الله تجب له الحياة\" (١).\n* * *\n\nخامسًا: الكلام، وهذه هي الصفة الخامسة من صفات المعانى، وهى\" صفة أزلية قائمة بذاته ليست بحرف ولا صوت، منافية للسكوت والآفة، تتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق دلالة\".\nويستند في نفى الصوت والحرف إلى أن هذا يقتضى إنشاءه تعالى للكلام في\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٢٥. وحاشية الخريدة: ٨٥.","vol":"1","page":235},{"text":"ذلك الوقت؛ مما يؤدى إلى تجويز السكوت عليه قبل إنشائه له، وقيام الحوادث به ومعلوم أن هذا عنده من المحال، كما أنه حتى يقرر ما عليه مذهب الأشاعرة من أن الكلام معنى واحدًا؛ يقول في وصف سماع موسى - ﵇ - لكلامه تعالى: أي \"أزال الحجاب عنه حتى سمع كلامه بجميع أجزائه من جميع جهاته لا أن الله أنشأ له الكلام؛ لأن الله ﷾ دائمًا متكلم يستحيل عليه السكوت والآفة\". (١)\nولإزالة ما يحصل بالنفس من استبعاد لمثل هذا السماع الذي يحصل بلا صوت ولا حرف على حد قوله، فإنه يرجع الأمر لقدرة الله تعالى فـ \"كما يكون لنا في الآخرة عند رؤية ذاته جل شأنه بلا كيف ولا انحصار\" جاز سماعه - ﵇ - له بهذه الكيفية. (٢)\nثم لما تعارف الناس على أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى مع أنه بحرف كما هو معلوم بين أن هذا من حيث المجاز لا الحقيقة الشرعية، يقول: \"واعلم أن كلام الله يطلق بالاشتراك على الحسي وعلى النفسي، الذي هو الصفة القديمة، فهو حقيقة عرفية في كل، فالحسي ما كان بحرف وصوت مدلوله بعض مدلول الكلام النفسي القديم القائم بذاته تعالى، والنفسى ما ليس بحرف ولا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا تقسيم ولا بداية ولا نهاية\". (٣)\nودليله في ذلك بيت الأخطل المشهور عند الأشاعرة:\nإن الكلام لفى الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلًا (٤).\" (٥)\nوهو مع هذا ينسب لفظه ومعناه إلى الله تعالى، فالمعنى هو كلامه النفسى القديم، ولفظه هو الذي أوجده فتلقه عنه جبريل ومن ثم محمد - ﷺ -: \"والحاصل\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٨٩).\n(٢) المرجع السابق: (٣/ ٢٠٣).\n(٣) حاشية جوهرة التوحيد: ٢٥.\n(٤) البيت لا يوجد في ديوان الأخطل المطبوع: انظر: ديوان الأخطل، شرح راجى الأسمر، دار الكتاب العربي.\n(٥) حاشية الخريدة البهية: ٨٥.","vol":"1","page":236},{"text":"أنه ينسب لله من حيث إيجاده ولجبريل من حيث تلقيه عن الله، ولمحمد من حيث تلقيه عن جبريل\" (١).\n* * *\n\nسادسًا: السمع والبصر، وكل واحدة منهما \"صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بجميع الموجودات تعلق إحاطة وانكشاف\"، \"فيسمع الأصوات ولو خفية جدًا كدبيب النملة السوداء في الليل المظلم، ويبصر الأشياء ولو دقيقة، ولكن سمع الله ليس بصماخ وآذان، وبصره ليس بحدقة وأجفان، ليس كمثله شيء\".\nثم يجمل الاستدلال على هذه الثلاث، بالنقل والإجماع واللغة، يقول: \"ودليل هذه الصفات الثلاثة نقلى من الكتاب والسنة والإجماع والتواتر، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وأجمع أهل الأديان والعقلاء على أنه سميع بصير متكلم،، والمشتق يدل على المشتق منه خلافًا للمعتزلة النافين للمعانى، حيث قالوا: سميع بلا سمع بل بذاته\". (٢)\nوالصاوى يثبت ما أثبته شيخه الدردير من وجود صفات حادثة لله تعالى عبر عنها بالتعلق التنجيزى الحادث لصفات المعاني، يقول: \"اعلم أن صفات الله كلها عظيمة قديمة إلا صفات الأفعال؛ فإنها وإن كانت عظيمة إلا أنها ليست قديمة\". (٣)\nولكنه مع ذلك لا يثبتها على جهة الحقيقة تخلصًا من إلزامه بتجويز قيام الحوادث في ذات الرب تعالى، بل يرجعها إلى أمور اعتبارية لا تخرجها عن العدم، يقول: \"ولا يلزم قيام الحوادث بذاته إلا إذا كانت تلك الصفات الحادثة المتصف بها وجودية كالبياض والسواد ونحوهما، وأما إذا كانت الصفات الحادثة المتصف بها اعتبارية لا\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٣٢).\n(٢) حاشية جوهرة التوحيد: ٢٦. وحاشية الخريدة البهية: ٧٩. وانظر: في صفة الكلام حاشية الجلالين: (٣/ ١٥٨ - ٢٠/ ٣٤٢ - ٢٤٣).\n(٣) المرجع السابق، وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٨).","vol":"1","page":237},{"text":"وجود لها في الخارج ولا ثبوت، فلا يلزم قيام الحوادث بذاته لأن الأمر العدمى الاعتبارى لا يقوم بشيء\". (١)\n* * *\n\nالمناقشة:\nمما يلحظ أن في تقسيم الصاوي للصفات الذاتية من حيث الدليل إلى عقلية وسمعية، وأن العقلية هي ما يتوقف العالم على وجودها، والسمعية هي التي لا توقف لوجود العالم عليها، تقديم لمنزلة الدليل العقلى على السمعى، وقد سبقت الإشارة إلى أن السبب في ذلك يرجع إلى اعتقاد المتكلمين في أنه لا يمكن إثبات وجود الله تعالى متصفًا بالصفات التي يمكن بها وجود العالم إلا بالعقل، فنفى غالبهم إمكان معرفته سبحانه بغير ذلك، ولما كان الدليل السمعى لا يخرج عن الدلالة الخبرية المحضة - عندهم - استحال أن يستدل به على جهة الاستقلال في مثل هذه المهمات.\nوقد تقدم الرد عليهم، ويمكن إجماله هنا للأهمية بأن معرفة الله تعالى متصفًا بصفات الكمال مما قد فطرت النفوس عليه، فدليلها معلوم ببداهة الفطرة، ولا اقتصار على دلالة العقل هنا، ثم إن دليل السمع الصادق دليل يشتمل على البراهين العقلية التي تجزم بصدق دلالتها على كل ما أمر الشرع بالإيمان به استنادًا إلى تمام الدين وكماله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].\nكما أن ما احتج به الصاوي على عدم صحة الاستدلال بالقياس لباقى صفات المعانى غير صحيح؛ حبث اعتمد في تضعيفه لهذا المسلك بأنه يجعل من الحادث مقياسًا للكمال الذي يجب أن يتصف به القديم، والحال الذي يقطع به المشاهد أنه ليس كل ما كان كمال في حق الحادث صح أن يتصف به الرب تعالى.\n_________\n(١) حاشية الخريدة البهية: ٨٩.","vol":"1","page":238},{"text":"ولبيان وجه الصواب هنا لا بد أولًا من معرفة القياس الذي يصح استعماله في حق المولى تعالى، وذلك أنه قد دلت آيات القرآن الكريم على أن الذي يصح في حقه تعالى هو قياس الأولى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وعليه فإن كل كمال في حق المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه هو كمال في حق الخالق تعالى، وبهذا تنتفى الشبهة التي ذكرها؛ إذ الولد في حق المخلوق يستلزم من أنواع النقص ما يجزم بامتناع اتصاف المولى به ﷾. (١)\nكما أن في منعه للقياس بشتى صوره، مناقضة للأصل الذي بنى عليه ما أثبته من الصفات بالعقل؛ فإنه حين استدل على وجوب اتصافه تعالى بالعلم والإرادة والقدرة والحياة استند في ذلك على القياس، وأخص منه قياس الغائب على الشاهد.\nوالذي نخلص إليه هنا أن صفات الله تعالى مع كون الأصل الذي يدلنا عليها هو الكتاب والسنة، إلا أنه يمكن الاستدلال لها بالعقل بناء على أنها من الكمال الذي يجب في حق الله تعالى؛ فلو لم يتصف بها لاتصف بضدها والنقص عليه محال.\nولكفاية الطرق الشرعية في الدلالة على مسائلها؛ فإن هذا الأصل يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي \"الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعانى الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل، كان أعلى من غيره\" (٢)\nهذا من حيث الاستدلال، أما على جهة التفصيل، فإن إثباته للصفات بالطريقة التي ذكرها، مع تفسيره للتعلق بأنه أمر اعتبارى يرجع إلى العدم، لا حقيقة له في الذهن فرارًا من إثبات حوادث يتصف بها المولى على جهة الحقيقة، فإن مناقشته في هذه تتأتى من جهتين:\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: (٦/ ٨٧).\n(٢) الصواعق المرسلة لابن القيم: (٣/ ١٠٣١)، وانظر: شرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام: ١٥١.","vol":"1","page":239},{"text":"الأولى: إذا كان الأمر بهذه الصورة فما معنى إثبات أفعال اختيارية حادثة لله تعالى؟ فمن غير المستساغ عقلًا ولا لغةً إثبات أمر لا حقيقة له، يرجع مفهومه إلى العدم؛ \"لأن العقل الصحيح حكم حكمًا لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة، فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود فإنه معدوم قطعًا، وكل ما هو غير معدوم فإنه موجود قطعًا\". (١)\nأما من الجهة الثانية فإن هذا المفهوم لحقيقة التعلق كما صرح به الصاوي يؤدى إلى إثبات صفات ذاتية قديمة، تعلقها بما تتعدى إليه على جهة الحدوث والتجدد لا حقيقة له، \"لأن حدوث النسب بدون حدوث ما يوجبها ممتنع، فلا تكون نسبة وإضافة إلا تابعة لصفة ثبوتية: كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية والتيامن والتياسر؛ فإنها لا بد أن تستلزم أمورًا ثبوتية\". (٢)\n* * *\n\n- وبالتالى فإن حقيقة ما يؤول إليه إثباته لصفة الإرادة على هذا الوجه الذي ذكره أمر محدث مخالف للأدلة الشرعية والعقلية، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فإن كلمة إذا \"ظرف لما يستقبل من الزمان. فقوله: (إذا أراد) ونحو ذلك يقتضى حصول إرادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة\" (٣)\nفإن اعتقاد قدم الباري تعالى وحدوث كل هذه الموجودات على جهة الاختيار والإرادة؛ ملزم باعتقاد اتصافه تعالى بإرادة حادثة، ينتج عنها فعل حادث مخصص لحدوث هذه المخلوقات وقت خروجها من العدم إلى الوجود، وهذا لا ينافى اتصافه تعالى بإرادة قديمة \"فإن إرادته للمستقبلات هي مسبوقة بإرادته للماضى\" (٤)\n_________\n(١) أضواء البيان للشيخ الشنقيطى: (٢/ ٢٧٧).\n(٢) جامع الرسائل لشيخ الإسلام: (٢/ ١٨).\n(٣) المرجع السابق: (٢/ ١٤).\n(٤) انظر: جامع الرسائل: (٢/ ٣٩).","vol":"1","page":240},{"text":"واعتقاد خلاف يلزمه أحد أمرين: اما حدوث المخلوقات بلا سبب يخصص أحد الأوقات وهذا مما لا يقبله العقل، وإما أن يمتنع القول بحدوث الموجودات ويحكم لها بالقدم مماثلة لقول الفلاسفة الملحدين، ولما علم أن هذا ليس هو اعتقاد المتكلمين من الأشاعرة حيث كانوا من أشد الناس عداء لهم، لزم عليهم اعتقاد الأول، وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول من الأشاعرة كان سببًا لهجوم عنيف شنه عليهم المخالفون في حدوث العالم، وهذا ما كان من ابن رشد الذي تحدث على لسان الفلاسفة حيث ألزم المتكلمين بلوازم مذهبهم الباطل، وبين أن هذا الاعتقاد لا يسلم لهم القضية الكبرى التي لا ينازع فيها أحد، وهى اعتقاد أن كل حادث له محدث.\n- أما عن صفة الكلام فقد أثبت الصاوي لله تعالى كلامًا قائمًا بالنفس، ليس بحرف ولا صوت، لا تعلق له بالإرادة، على معنى واحد لا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا بداية ولا نهاية.\nوكل هذا مخالف لما عليه سلف الأمة، ويقطع ببطلانه ما ثبت باللغة والعقل والشرع.\nأما اللغة فمن المسلم أن الأبكم الذي لا يستطيع الكلام، مع ما يجول في نفسه من معانٍ قد يعبر عنها بالإشارة لا يعد متكلمًا عند أحد من الناس، فإنه قد اصطلح على أن المراد بالكلام: \"النطق المفهم\" ما لم توجد قرينة تدل على تعيين أحد الأمرين. (١)\nأما عن بيت الأخطل الذي اعتمده المتكلمون في هذه المسألة، فقد ثبت بطلان الاستدلال به من عدة وجوه:\nأولًا: يقال لهم: ثبت العرش ثم انقش. فأين ما يثبت أن هذا من شعر الأخطل أصالة؟ وقد تبين للكثير أنه لا دليل لهم في ذلك. (٢)\n_________\n(١) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: (٥/ ١٣١).\n(٢) انظر: العلو للذهبي: ١٩٤.","vol":"1","page":241},{"text":"ثانيًا: من المعلوم أن هذا الشاعر نصرانى المعتقد، فمن العجب أن يحتج بكلامه ويكون العمدة في مثل هذه المهمات، ثم ترد دلالة الأحاديث والآيات لاعتقاد أنها مما يوهم التشبيه بالحادثات (١)\nويكفى هذا لإبطال احتجاجهم به على فرض صحة النقل، فقد اعترض شيخ الإسلام على استدلالهم به وبين أنهم قد حرفوه عن الأصل وهو:\nإن البيان لفى الفؤاد وإنما\nومعلوم الفرق بين اللفظين.\nومما يثبت مخالفتهم للغة ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به). (٢)\nيقول الإمام ابن أبي العز: \"ففرق بين حديث النفس والكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب\". (٣)\nوقد استدل الإمام البخاري (٤) على أن كلام الباري تعالى بحرف وصوت بحديث النبي - ﵊ -: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال: الحق وهو العلى الكبير). (٥)\nوعود الضمير في اللغة يكون إلى أقرب مذكور وهو [قوله]. فعلم من هذا أن حقيقة الكلام ما كان من حرف وصوت كلما دل عليه النقل والعقل، وليس هو مما تعارف الناس عليه كما ذكر الصاوي.\n_________\n(١) انظر: الإيمان لشيخ الإسلام: ١٣٢.\n(٢) متفق عليه، صحح البخاري - كتاب العتق - باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق - رقمه: ٢٥٢٨. واللفظ لمسلم: كتاب الأيمان - باب تجاوز الله تعالى عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر: (٢/ ١٤٧).\n(٣) شرح الطحاوية: ١٨٥.\n(٤) انظر: خلق أفعال العباد: ١٣٧.\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب قوله: (إلا من استرق السمع)، رقم الحديث: ٤٧٠١.","vol":"1","page":242},{"text":"وقد تحصل من عرض أدلته التي ذكرها أنه يستند في منعه أن يكون الكلام بصوت وحرف إلى أنه يلزم منه إنشاء الكلام حال الإسماع، وفى ذلك تجويز السكوت عليه قبله، وهذا ما ينافى اتصافه تعالى بالكلام على جهة الأزل. وأصل هذه الشبهة تعود عنده إلى اعتقاد استحالة اتصاف الله تعالى بالحوادث، وأن في إثبات حدوث الآحاد حدوث الأصل، فلا تكون صفة الكلام فيه قديمة كالصفات السبعة الأخرى.\nويكفى في إبطال هذه الشبهة ما عليه مذهب السلف - رضوان الله تعالى عليهم - حيث أثبتوا اتصافه تعالى بالصفات الاختيارية، وأنه لا تعارض بين إثبات آحاد الصفة والصفة نفسها. فأصل الصفة قديمة قد اتصف الله تعالى بها، فهى ملازمة لذاته سبحانه جل وعلا أما آحادها فهى حادثة، لها ارتباط بمشيئته تعالى، فمتى شاء تكلم بما شاء سبحانه من الكلام الدال على عظمته، فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، دل على ذلك الكثير من أدلة الكتاب والسنة ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].\nوليس في اعتقاد أنه تعالى يتكلم متى شاء بما شاء ما يلزم منه اتصافه بالسكوت في وقت ما أو نفيه عنه، فإن النافى عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل، والحق أنه يجب في مثل هذه الألفاظ التوقف فيها لعدم ورود الدليل الذي يقطع بتعيين الحكم. هذا وقد استدل بعض العلماء بحديث المصطفى - ﷺ -: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو). (١) ولكن ليس في هذا الحديث ما يثبت صفة السكوت مطلقًا، وإنما هو من باب السكوت المضاف، وهذا مما عهد في لغة العرب؛ فقد يكون الإنسان متكلمًا بحديث يتعلق بأمر ما ولم\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب اللباس - باب ما جاء في لبس الفراء، رقم الحديث: ١٧٢٦: وقال الترمذي حديث غريب: (٤/ ١٩٢) وأخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأطعمة - باب ما يذكر تحريمه، رقم الحديث: ٣٧٩٤: (٤/ ٢٩٨)، والحاكم في المستدرك: كتاب التفسير - باب سورة مريم، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي على صحته، (٢/ ٣٧٥). وقد روى من طرق أخرى كلها ضعيفة لا تقوى أن تكون شاهدة لهذا الحديث الحسن قد ضعفها الإمام ابن رجب في جامع العلوم والحكم: ٢٦١، وتعقبه الإمام النووى وبين أسباب ضعفه.","vol":"1","page":243},{"text":"يستوعب في ذلك الحديث جميع ما يتعلق بالأمر الذي تكلم به، حينها يمكن أن يوصف بالسكوت عن ذلك المعنى الذي أعرض عنه وهو ما زال في حال كلامه فلا يعني إن كان متصفًا بالسكوت في ذلك الوقت.\nولهذا الذي ذكرت شواهد مما وصف به الرب تعالى فالحياء صفة للرحمن تعالى وهى لازمة له من جملة صفات الكمال التي اتصف بها كما دلت على ذلك الأحاديث الشريفة (١)، ومع ذلك فقد ورد في سورة البقرة أنه تعالى لا يستحيى من ضرب الأمثال، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].\nوقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الوقف على قوله: (يستحيى)؛ لأن هذا من الأوصاف النسبية كالمكر والخداع والاستهزاء، فلا يوصف به تعالى إلا مقيدًا بمن يستحقها، وكذلك يكون الحديث عن السكوت؛ فلم يرد نص من كتاب ولا سنة تفيد وصفه تعالى بالسكوت على جهة الإطلاق، أما الحديث الشريف فكلمة [عنه] قيدت الحكم بالأمر المذكور، فلا يتعدى إلى غيره ولا يلزم منه وصفه تعالى بالسكوت على جهة الحقيقة، إلا بدليل صريح الدلالة؛ إذ الحديث لم يرد في بيان ما يتصف به الرب تعالى، وإنما في بيان أقسام الحكم التكليفى فلا أرى فيه لكل ما سبق دلالة واضحة على وصفه تعالى بالسكوت.\nومن جهة أخرى؛ فإن السكوت المطلق نفى، والنفى المطلق عدم محض، والله تعالى منزه عنه، إذ هو موصوف بالكمال الثابت في كل ما أثبته لمسه أو نفاه عنها، فما من نفى لصفة ما إلا وهو يثبت كمالًا مقابلًا لذلك النفى، وهذا من عظمة الله تعالى وتمام كماله وصمديته، هذا والله تعالى أعلم.\nفكلماته تعالى لا انقضاء لها، ولا تعد ولا تحصى.\n_________\n(١) قال - ﷺ -: (إن ربكم كريم يستحيى من عبده إذا رفع إليه يده يدعوه أن يردهما إليه صفرًا). أخرجه أبو داود: باب الدعاء، برقم: ١٤٨٣: (٢/ ٢٨٢)، والترمذي: كتاب الدعوات، وقال: حسن غريب (٥/ ٥٢٠)، وقد حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح: (١١/ ١٤٣). وله شواهد حسنة متعددة.","vol":"1","page":244},{"text":"قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].\nوقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].\nثم إن ما ذهب إليه الصاوي في بيان كيفية سماع موسى - ﵇ - للكلام بلا صوت ولا حرف غير معقول؛ حيث فسره برفع الحجاب فعارض بذلك صريح النص في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ومعلوم أنه أتى بالمفعول المطلق هنا تأكيدًا لهذه الحقيقة فلا محيد له عنها بمثل هذا التأويل.\nوليس في قياسه للكلام على الرؤية ما يدفع حقيقة الإسماع المعلومة بل كان من الأفضل أن يؤيد بذلك هذه الحقيقة، فكما جازت رؤية الحادث للقديم بلا تمثيل ولا تكييف؛ جاز سماع كلامه أيضًا كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه، بلا تمثيل ولا تكييف. (١)\nوأما زعمه بأن الكلام يطلق مجازًا على القرآن وليس على جهة الحقيقة؛ فهو يرجع إلى اعتقاد أن معناه من الكلام القديم أما لفظه فحادث مخلوق، أنزل من عند الله إعجازًا. وهذا فيه مجانبة للحقيقة؛ لأن القرآن الكريم كلام الله تعالى لفظًا ومعنى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وفى هذا دليل بيِّن \"على أن ما نتلوه ونسمعه هو حقيقة كلام الله تعالى، وليس بعبارة عنه\" (٢)\nوإن كان الصاوي لم يلتزم ما التزمه بعض الأشاعرة من نسبة الألفاظ للنبي - ﷺ -، أو لجبريل - ﵇ - ابتداءً؛ حيث أقر بأن قولهما به إنما كان على جهة التبليغ لا\n_________\n(١) لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د/ عبد الرحمن المحمود: (١٢٥٣/ ١٣٠٧). وكتاب: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة د/ خالد بن محمد نور: (٢/ ٥٢٤ - ٥٣).\n(٢) الحجة في بيان المحجة، لأبي القاسم التيمى: ٢٦٨.","vol":"1","page":245},{"text":"الإنشاء والابتداء، (١) إلا أن التصريح بإيجاده يوافق قول المعتزلة بخلقه من جهة اللفظ، فالقرآن لفظ ومعنى، ولا بد لمن تابع السلف في منع القول بخلقه أن يعمم هذا على لفظه ومعناه، وقد أنكر الإمام أحمد على من قال بهذه المقولة، وحكم عليه بالابتداع واتباع المعطلة الجهمية، وكثيرًا ما كان يستدل بهذه الآية الكريمة في هذا الصدد. (٢)\nوهنا يجدر التنبيه إلى الأصل الذي حمله على اعتقاد أن الله متكلم بكلام معناه واحد، فإن هذا من جملة ما ابتدع في الدين ولم يسبق إليه أحد قبل الأشاعرة، وقد استندوا في مذهبهم هذا إلى أربعة أصول متتالية:\nالأول: أن الله متكلم؛ وذلك لاستحالة السكوت أو الخرس عليه، فالكلام صفة كمال بدليل المقابلة ويمتنع نفيه؛ لأن نفيه يثبت ما يناقضه من النقص، فعلم وجوب اتصافه به.\nالثاني: أن الله متكلم حقيقة، ولا يثبت كونه متكلمًا إلا إذا قام الكلام بنفسه؛ لأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم حتى يصح نسبته إليه، وهذا هو الأصل الذي أثبتوه ردًا على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، فقد بينوا أن القول بخلافه يؤدى إلى منع نسبته لله تعالى على جهة الكلام، إذ يلزم منه لوازم باطلة قد علم بطلانها بالضرورة، فإن القول بخلقه مع إثبات كونه كلامًا لله تعالى يتناقض تمامًا للأمور التالية: فإما أن يخلقه في محل، وحينئذ يكون كلامًا لذلك المحل.\nوإما لا يخلقه في محل، وحينها يلزم أن تقوم الصفة والعرض بنفسها، وهذا محال وإما أن يخلقه في نفسه، وهذا باطل؛ لأن يلزم منه أن تكون نفسه محلًا للمخلوقات، وقد علم امتناعه بالضرورة الشرعية والعقلية.\nالثالث: أن كلام الله قديم، وأنه تعالى متكلم منذ الأزل، حيث منعوا قيام الحوادث به تعالى، فقد اعتقدوا أن في إثبات قيام الحوادث به سبحانه مخالفة لأصل\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى: (٢/ ٥٠).\n(٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: ٣٦.","vol":"1","page":246},{"text":"إثباتهم وجود الباري تعالى بدليل الحدوث، فإن أصلهم في إثبات حدوث العالم قام على ركائز متتالية كلها تدعم الركيزة الرابعة وهى أصلهم المعتمد المشهور في إثبات الحدوث بأن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nولأجل ذلك منعوا إثبات الكلام الحادث لله تعالى، واعتقدوا في إثباته قيام الحوادث به، وهذا ما قام دليلهم على خلافه، وقد سبقت الإشارة إلى وهن هذا الدليل ومخالفته لصريح المنقول والمعقول.\nالرابع: أن كلامه بلا صوت وحرف، وهو يرجع إلى الأصل الثالث، فلحرصهم على نفى الحدوث منعوا أن يكون كلام الله بصوت، لأن قدم الصوت ممتنع عندهم، إذ علم بالضرورة أن الصوت لا يبقى زمانين، فثبت بهذا حدوثه، وهذا ما لا يمكن عندهم قيامه بالله تعالى.\nولكل ما تقدم من هذه الأصول، والتى ترجع إلى وجوب قيام الكلام بالله تعالى وإستحالة حدوثه، تعين عندهم أن يكون الكلام معنى، ليس بصوت ولا حرف.\nأما كونه واحدًا فـ \"لأنه لو راد على واحد؛ لم يكن له حد محدود، ويمتنع وجود معانٍ لا نهاية لها\" (١).\nوفى نقض مقولتهم بأنه معنى واحد، يتوجب بيان فساد اعتقادهم في أمرين:\nالأول: منعهم أن يكون كلامه تعالى بالفاظ لها صوت وحرف، لإيهام الحدوث الممتنع عندهم.\nالثاني: كونه معنى واحدًا.\nأما الأول فيكون بنقض أساس حجتهم في منع الكلام بصوت وحرف، وذلك بإثبات صحة قيام جنس الحوادث به تعالى، وهى الصفات الاختيارية، وأنه ليس في ذلك ما يمتنع معه قدم نوع الصفة، فالله تعالى متكلم منذ الأزل، ولا يزال متكلمًا بما شاء كما شاء، ويسند هذا إلى الكثير من أدلة الكتاب والسنة \"فكيف يكون أزليًا\n_________\n(١) منهاج السنة: (٣/ ٣٥٦).","vol":"1","page":247},{"text":"أبديًا ما زال ولا يزال، وكيف يكون لم يزل ولا يزال قائلًا: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨].\n﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\n﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] \" (١)\nومن هنا امتنع وصف القرآن بالقدم، فالصحيح أن يقال فيه كما أثر عن السلف أنه كلام الله غير مخلوق.\nأما كونه معنى واحدًا فـ \"مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، فإنا نعلم بالاضطرار أن معنى آية الكرسي؛ ليس هو معنى آية الدين، ولا معنى قل هو الله أحد، هو معنى تبت يدا أبى لهب، وقد عرب الناس التوراة فوجدوا فيها معانى ليست هي المعاني التي في القرآن، ونحن نعلم قطعًا أن المعاني التي أخبر الله بها في القرآن في قصة بدر وأحد والخندق ونحو ذلك لم ينزلها الله على موسى ابن عمران كما لم ينزل على محمد تحريم السبت، ولا الأمر بقتال عباد العجل فكيف يكون كل كلام الله معنى واحدًا؟ ونحن نعلم بالاضطرار أن الكلام معانيه وحروفه تنقسم إلى خبر وإنشاء، والإنشاء منه الطلب، والطلب ينقسم إلى أمر ونهى، وحقيقة الطلب غير حقيقة الخبر، فكيف لا تكون هذه أقسام الكلام وأنواعه بل هو موصوف بها كلها\" (٢)\nكما أن \"اشتراكها من حيث النوع لا يعني انتفاء المغايرة بينها، كما هو مشاهد في الموجودات التي تقع تحت نوع واحد، وقد ألزمهم شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - بلازم مذهبهم في باقي الصفات، فقال: \"هلا جعلتم هذه الصفات حقيقة واحدة، وهذه الخصائص عوارض نسبة لها؟ \" (٣) وبطلان اللازم دليل بطلان ملزومه.\n_________\n(١) منهاج السنة: (٥/ ٤١٨).\n(٢) المرجع السابق. وانظر: النبوات: ١٤٦.\n(٣) التسعينية: ٧٠٦.","vol":"1","page":248},{"text":"ومما يدل على مناقضة هذا الأصل المبتدع للمعقول والمنقول، ما يستلزمه من لوازم؛ إما مناقضة لأصلهم، أو فاسدة معلوم فسادها بالضرورة من دين الله، فقد أورد شيخ الإسلام - ﵀ - رد السلف في إفحامهم شبه المتكلمين هنا، وذلك بسماع موسى لكلام الله، فإنه على القول بأنه معنى واحد سيكون ما فهمه موسى مطابقًا لكل ما يعلمه الله، وهذا بين البطلان، ومن العجب أن يصرح الصاوي به ويلزم نفسه بلازمه.\nوإن قالوا ببعضه امتنع عليهم أصل حجتهم وثبت مناقضتها لبداهة المعقول (١) حتى سمع كلامه بجميع أجزائه من جميع جهاته.\n_________\n(١) انظر منهاج السنة: (٥/ ٤١٩).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>ثالثًا: الصفة النفسية</span>\nيراد بالصفة النفسية عند المتكلمين: \"كل صفة إثبات للنفس، لازمة ما بقيت النفس، غير معللة بعلل قائمة بالموصوف\".\nمثال ذلك: أن كون الجوهر متحيزًا هو: صفة إثبات لازمة للجوهر ما استمرت نفسه، وهى غير معللة بزائد على الجوهر، فكانت من صفات النفس.\nإذًا فالصفة النفسية هي التي لا تقدر الذات موجودة ألا بها بحيث يمتنع تصورها بدون اعتبارها.\nوقد أراد المتكلمون بهذه الصفة صفة الوجود لله تعالى، ولكن على اختلاف بينهم في عدها من الصفات، يقول الجويني: \"والوجه المرضى أن لا يعد الوجود من الصفات فإن الوجود نفس الذات\" (١).\nوللمتكلمين في منع كونها من الصفات أدلة عقلية منها ما ذكره الجويني في أن عدها من الصفات يؤدى إلى التسلسل الممتنع، يقول: \"قيام الصفة الثبوتية بالشيء فرع وجوده في نفسه ضرورة، فلو كان الوجود صفة قائمة بالماهية؛ لزم أن يكون قبل الوجود لها وجود، ويلزم تقدم الشيء على نفسه، ويعود في ذلك الوجود ويتسلسل\" (٢).\n* * *\n\nرأي الشيخ الصاوي:\nيرى الصاوي أن الصفة النفسية من الصفات الثبوتية؛ لأنها تعنى اتصافه تعالى بالوجود، ولكنها مع ذلك \"أمر اعتبارى يعتبره الشخص ذهنًا فقط\" فهى لا تثبت معنى خارجًا عن الذات، بل كل ما تثبته معنى في الذهن واللفظ فقط؛ إذ لا يمكن تقدير ذات ألا وهى متصفة بالوجود، ولا دلالة لها على غير ذلك. (٣)\n_________\n(١) الإرشاد: ٣١.\n(٢) المواقف للجوينى: ٤٨.\n(٣) انظر: حاشية الخريدة البهية: ٥٨ - ٥٩. وحاشية جوهرة التوحيد: ١٨.","vol":"1","page":250},{"text":"وهو بذلك يزيل إشكالًا قد يتبادر إلى الذهن، إذ كيف يطلق على هذا المعنى صفة مع كونه لا يثبت وصفًا قائمًا بالذات؟ يقول: \"ليس المراد بالصفة المعنى القائم بالشيء، بل ما يحكم به عليه\" فعاد إلى ما سبق أن عرف به الصفة. (١)\n\nالمناقشة:\nإن الأساس الذي اعتمده الصاوى في التفريق بين الصفة النفسية وصفات المعانى يرجع إلى أمر اعتبارى لا حقيقة له في نفس الأمر؛ لأنه حاول التفريق بين الصفات الثبوتية [النفسية والمعانى] بتقدير ذات فما استحال تقديرها بدونه من الصفات سماه نفسيًا، وما أمكن التقدير بدونه سماه معانى ومعنوية؛ لذلك جعل النفسية مما يثبت معنى في الذهن واللفظ على عكس المعانى؛ إذ يرى أنها تثبت معنى في اللفظ والذهن والخارج.\nوالحق أن هذا تقسيم لا يصح\" لأن جميع صفات الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية، فهو عالم بنفسه وذاته، وهو عالم بالعلم، وهو قادر بنفسه وذاته وهو قادر بالقدرة، فله علم لازم لنفسه وقدرة لازمة لنفسه\". (٢)\nكما أن هذه التسمية لوجود الله تعالى مما لم يرد به الشرع؛ لذا وجب الإعراض عنها، ويرى الشيخ الشنقيطى - صاحب أضواء البيان ﵀ - أن فيها إضافة لما سبق سوء أدب مع الله تعالى؛ لأن الصفة النفسية لا تكون إلا جنسًا أو فصلًا، وهذا مما لا يجوز في حق المولى ﵎؛ لأنه تعالى لا يدخل في عداد الكليات إذ لا شريك له ولا ند ولا نظير حتى يميز بالفصل أو الجنس؛ \"لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة؛ والفصل هو الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض. سبحان رب السموات والأرض وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا\". (٣)\n_________\n(١) المرجع السابق: ١٩.\n(٢) الدرء: لشيخ الإسلام: (٣/ ٢١).\n(٣) تفسير أضواء البيان: (٢/ ٢٧٤).","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>رابعًا: الصفات المعنوية</span>\nالكثير من محققى الأشاعرة يرجع المعنوية إلى المعانى؛ فلا يرى ثمة فرقًا بينهما، فمعنى [قادر]- عندهم - من قامت به القدرة، فيكون بذلك أمرًا اعتباريًا متحققًا بذاته. (١)\nيقول الإيجى في بيان مذاهب المتكلمين في إثبات الصفات المعنوية: \"المعنوية ما يصح توهم ارتفاعه عن الذات مع بقائها.\nوهؤلاء قد قسموا الصفة المعنوية إلى: معللة كالعالمية والقادرية ونحوهما، وإلى غير معللة كالعلم والقدرة وشبههما، ومن أنكر الأحوال منا أنكر الصفات المعللة، وقال: لا معنى لكونه عالمًا قادرًا سوى قيام العلم والقدرة بذاته\". (٢)\n* * *\n\nرأي الشيخ الصاوي:\nيرى الصاوى أن المراد بالمعنوية، كون الله تعالى قادرًا عالمًا حيًا سميعًا بصيرًا. (٣)\nوهو في هذه المسألة يذكر رأى من قال بها على هذه الصورة السابقة، ويذكر في المقابل رأى من أثبتها معتقدًا مباينتها للمعانى من مثبتى الأحوال، يقول: \"فكونه - تعالى - قادرًا صفة قائمة بالذات، لازمة للقدرة، ثابتة في الخارج ولا ترى، وعلى كلام الأشعري صفة اعتبارية، لها ثبوت في الذهن فقط\".\nوعده لها عند بيانه لأقسام الصفات؛ يدل على أنه من مثبتى الأحوال (٤) وهذا واضح، حيث لم يرجح رأى الأشعري على غيره.\n_________\n(١) انظر: الإرشاد للجوينى: ٦٣. وقد ذكر الباجورى في حاشيته على جوهرة التوحيد أقسام الأمور الاعتبارية بأنها تنقسم إلى: أمور اعتبارية انتزاعية كقيام زيد وأمور اعتبارية من اختراع الشخص لا حقيقة لها في الواقع كبحر من زئبق: ٤٨.\n(٢) المواقف: ٤٧٨.\n(٣) حاشية الخريدة: ٨٠ وجوهرة التوحيد: ٢٦.\n(٤) وهذا ما يذكره الباجورى في حاشيته معلقًا على اللقانى الذي قال: حى، ولم يقل: حال كونه حيًا: [لأن عد الصفات المعنوية إنما يتمشى ملى قول مثبت الأحوال]. فكان عده لها على أنها من الأسماء: ٤٨.","vol":"1","page":252},{"text":"وهو يؤكد مع ما تقدم على وجوب عدها من الصفات، معتقدًا\" أن تركها ربما يوقع العوام في نفى نسبتها إلى الله تعالى، وهو كفر\".\nومع ذلك فإنه لا يرى لهذه الصفات تعلقًا - ولو على إثبات الأحوال - كالمعانى \"لأن التعلق حال؛ وحينئذ يلزم وصف الحال بالحال\". (١)\n\nالمناقشة:\nالصفات المعنوية عند متأخرى الأشاعرة في الحقيقة فرع عن إثبات الأحوال، لذا كان الدردير ممن لم يعتقدوا صحة إثباتها؛ موافقة لأبي الحسن الأشعري؛ إذ لا واسطة بين الوجود والعدم، ولكن الصاوى رأى إمكان عدها من الصفات، التي تثبت معنى في الخارج والذهن معًا، وبين أن عدم إمكان رؤيتها ووجود متعلقًا لها، لا يعني عدم وجودها على جهة الحقيقة.\nوهذا ما احتج به مثبتو الأحوال، حيث نفوا أن يكون عدم إمكان رؤيتها مخرجًا لها من الوجود، ولكن هذا مما يرد عليهم قولهم؛ إذ عدم رؤيتها أيضًا لا يخرجها من العدم، فتصبح بهذا في حال متأرجح بين الوجود والعدم.\nولا شك أن في إثباتها على النهج الذي سلكه الصاوى تكلفًا واضحًا؛ إذ اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما مما يحيله العقل، والوجود والعدم من المتناقضات، فلا يمكن إثبات وصف في الخارج يجمع بينهما.\nيقول الشيخ الشنقيطى - ﵀ -: ثم نذهب إلى الصفات السبع التي يسمونها المعنوية، والتحقيق أن عدد الصفات السبع المعنوية، التي هي كونه تعالى قادرًا ومريدًا وعالمًا وحيًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا، أنها في الحقيقة إنما هي كيفية الاتصاف بالمعانى السبع التي ذكرنا، ومن عدها من المتكلمين عدها بناء على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية، التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة، والتحقيق أن هذه خرافة وخيال، وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه\n_________\n(١) المرجع السابق: ٨١.","vol":"1","page":253},{"text":"واسطة البتة؛ فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعًا، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا، ولا واسطة البتة، كما هو معروف عند العقلاء\" (١).\nأما عن كلامه في وجوب نسبتها لله تعالى، فإن هذا حق لا مرية فيه، ولكن ليس على النهج الذي سلكه مثبتو الأحوال، وإنما تثبت لكونها من الأسماء الحسنى التي تسمى بها المولى سبحانه، وقد علم أن أسماءه تعالى أعلام وأوصاف، فهى بهذا تدل على الذات العلية، وعلى الوصف الذي اشتقت منه، فثبت اتصاف المولى تعالى بها على جهة الحقيقة؛ لكونها من الأسماء الحسنى (٢) التي تدل على صفاته بطريق المطابقة. وعليه فإن جحد أي اسم من الأسماء الحسنى، واعتقاد عدم نسبتها إلى الله تعالى؛ مع ورد النص القاطع بذلك، هو كفر مخرج من الملة.\n* * *\n_________\n(١) الأسماء والصفات: ١٧.\n(٢) باستثناء صفة الكلام والإرادة لأنه وإن ثبت له الاتصاف بهما تعالى إلا أنه لم ترد تسميته بهما لأن الأسماء مبناها على السماع كما سبقت الإشارة إليه، انظر: العقيدة الأصفهانية: ٢٨.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>خامسًا: موقفه من الصفات الأخرى</span>\nيرجع الأشاعرة جميع الصفات الأخرى، التي ثبتت بالدليل القطعى من الكتاب والسنة إلى الصفات السبع المجمع على اعتمادها، وفى سبيل إرجاع تلك الصفات كاليد والوجه والاستواء والنزول إلى ما تقدم من صفات المعانى، فإنهم يعمدون إلى التأويل؛ حتى يتم لهم مرادهم في ذلك، ولهم في منع إثباتها على الحقيقة شبه، لعلى أشير إلى أهمها هنا؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة:\n- انعدام الدليل العقلى - عندهم - الذي يحصل به اليقين في اعتماد إثباتها، وقد اتفقوا على أن أصول الاعتقاد مما يستقل العقل بالدلالة عليه.\n- قيام الدليل العقلى - عندهم - على اعتقاد أن في اعتماد النصوص التي دلت عليها على ظاهرها ما يقدح في الأصل الذي قام عليه إثبات وجود الباري تعالى، وهو تنزيه المولى عن مماثلة المخلوقين.\nولكل ما تقدم فقد اعتمدوا منهج التأويل أو التفويض؛ لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية، التي تضمنت تلك الصفات.\nيقول الآمدي في بيان هذه الحجج، وذلك بعد أن أورد الأدلة القرآنية التي تضمنت إثبات هذه الصفات: \"واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها، بحيث يقال بمدلولاتها، ظاهر من جهة الوضع اللغوى، والعرف الاصطلاحى، فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم، ودخول في طرف دائرة التشبيه، وسنبين ما في ذلك من الضلال وفى طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nفإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا، ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا، بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا، وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم،","vol":"1","page":255},{"text":"فهذا وإن كان في نفسه جائزًا، لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلًا قطعيًا، وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات، فقد أمكن حملها على غيرها أيضًا، ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع، وما لا قطع عليه من الصفات، لا يصح إثباته للذات\" (١).\n* * *\n\nرأي الشيخ الصاوي:\nيرى الصاوى أن الصفات الأخرى التي وصف الله تعالى بها نفسه، إنما ترجع في الحقيقة إلى تلك الصفات السابقة، لذا فهو لا يرى تقريرها في كتب العقائد التي قام بالتعليق عليها، وهذا ما صرح به في تعليقه على كلام الدردير حول هذا المعنى، حيث قال: فـ \"سائر أسمائه وصفاته الواردة، نتائج تلك الصفات\". (٢)\nولاعتماده على الأصل الذي ذكره فيما يجب في حق الله تعالى، وهو تنزيهه تعالى عن مماثلة الحوادث، فإنه ما من نص من كتاب ولا سنة يفيد إثبات صفة لله تعالى فيها ما يوهم - عنده - مخالفة لهذا الأصل المبتدع، إلا ورام إبطالها وتنزيه المولى عنها، وله في ذلك مسلكان: مسلك التأويل، ومسلك التفويض.\nيقول شارحًا قول اللقانى -:\nوكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها\nوعليه فإن موقفه من التأويل يختلف بحسب الصفة، فما اعتقد أن في ظاهرها مماثلة للحوادث، وكان لها تعلق بالإرادة، أرجعها إليها أو فسرها بلازمها (٣) ويذكر لذلك قاعدة تمثل منهجه في إثباتها، يقول: كل ما استحال على الله باعتبار مبدئه وورد، يطلق ويراد لازمه وغايته\" (٤)\n_________\n(١) غاية المرام: ١٣٨.\n(٢) حاشية الخريدة البهية: ٤٢.\n(٣) حاشية الخريدة: ٧٠.\n(٤) حاشية الجلالين: (١/ ١٤٠).","vol":"1","page":256},{"text":"وأذكر هنا مجموعة من تأويلاته لبعض الصفات، تمثل تطبيقًا لهذه القاعدة:\n* المحبة: فسرها بالإثابة، يقول: \"فسر المحبة في حق الله بالإثابة، لأن حقيقتها وهى ميل القلب للمحبوب مستحيلة في حق الله تعالى، والإثابة لازمة لذلك\" (١)\n* الرحمة والرضا: فسرها بإرادة الإنعام أو الإنعام: ارحمنا أي أنعم علينا\" (٢)\n* الحياء: فسره بالترك، يقول: \"الحياء في حق الحوادث تغيير وانكسار يعترى الإنسان من فعل ما يعاب. ولازمه الترك، فأطلق في حق الله وأريد لازمه وهو الترك\" (٣)\n* المقت والغضب: فسرهما بلازمهما وهو الانتقام. (٤)\nويستمر في هذا المسلك مع كل صفة اعتقد فيها مماثلة للحوادث.\n- فصفة العلو لله تعالى التي وردت في كثير من النصوص، يرى أنها من صفات السلوب، والذي تفيده هو ارتفاع رتبة المولى تعالى، فينزه بذلك عن مماثلة المخلوقين، وليست مما يثبت صفة العلو الذاتى لله تعالى على الخلق، كل هذا فرارًا من إثبات الجهة التي يعتقد أنها من الصفات الملازمة للأجسام. (٥)\nأما الصفات التي ترجع دلالتها إلى السمع فقط وهى: \"الخبرية الذاتية والفعلية\" والتى يعتقد فيها مماثلة للحوادث من حيث الاتصاف بالجرمية أو العرضية، فله مسالك عدة في إبطال دلالة النصوص عليها، كلها ترجع إلى التأويل أو التفويض:\nوهاك جملة من أقواله فيها:\n- الاستواء: يذكر طريق السلف والخلف فيها، حيث علق على تفسير السيوطي:\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) المرجع السابق: (١/ ١٢٩). وانظر: شرح المنظومة: ١١٥ - ١٢٥.\n(٣) حاشية الجلالين: (١/ ١٦).\n(٤) المرجع السابق: (٤/ ٥).\n(٥) انظر: المرجع السابق: (١/ ١١٣)، (٢/ ٢٩٢)، (٤/ ٢١٧)، وانظر: شرح المنظومة: ١٢٣.","vol":"1","page":257},{"text":"بأنه استواء يليق به، فقال: \"هذه إشارة لطريق السلف الذين يؤمنون بالمتشابه ويفوضون علمه لله تعالى وهو أسلم ولذا سلكه المفسر، وطريقة الخلف يؤولون الاستواء بالاستيلاء، إذ هو أحد معنى الاستواء. ومنه قول الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\" (١)\n- الإتيان والمجيء والنزول: كل هذه الصفات يرى أنها مما لا يمكن إثباتها على ظاهرها بحال، لأن فيها وصف له تعالى بالانتقال، وهذا عنده من صفات الحوادث التي لا تجوز للقديم أبدًا، لذا فهو يؤولها بمجيء أمره أو نزول رحمته تعالى على حسب الأحوال التي وردت فيها هذه الصفات. (٢)\n- الوجه: فسره بالرضا عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].\n\"فليس المراد بوجهه ذاته، بل المراد أينما تولوا وجوهكم في جهة أمركم الله بها تجدوا جهة رضاه\". (٣)\n- أما في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] فهو يقر تفسير الجلالين بأن المراد منه الذات، ويظهر ذلك من امتناع تعليقه على كلامه. (٤)\n- اليد: يفصل القول في طريق إثباتها، فيقول: \"طريقة السلف أن اليد صفة من صفاته أزليه كالسمع والبصر، ينشأ عنها الخير لا الشر، فهى أخص من القدرة، لأن القدرة ينشأ عنها جميع الممكنات إيجادًا وإعدامًا، خيرًا أو شرًا ولا يعلمها إلا هو، ويشهد لما قلناه قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥].\nأي: اصطفيته ولم يقل بقدرتى.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٤٦ - ٢٤٥).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٨٩)، (٢/ ٥٤)، وانظر: حاشية جوهرة التوحيد: ٣١.\n(٣) حاشية الجلالين: (١/ ٥١).\n(٤) انظر: حاشية الجلالين: (٤/ ١٤٧).","vol":"1","page":258},{"text":"وطريقة الخلف أن اليد تطلق بمعنى الجارحة وهى مستحيلة على الله، وتطلق على القدرة والنعمة والملك، ويصح إرادة كل منهما في حق الله \"وفى الإجابة عن اعتراض التثنية، يقول: \"التثنية بحسب الجنس، لأن النعم جنسان مثل نعمة الدنيا ونعمة الدين .. وما قلناه عقائد المؤمنين\" (١)\n- القدم: يقول: \"السلف ينزهونه عن الجارحة ويفوضون علمه إلى الله تعالى، والخلف لهم فيها تأويل منها أن المراد بالقدم والرجل قوم من أهل النار في علم الله؛ لأن القدم والرجل يطلقان في اللغة على العدد الكثير من الناس، فكأنه قال: حتى يضع رب العزة فيها العدد الكثير من الناس المودعين فيها\". (٢)\n- الساق: يقول في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]: \"كناية عن الشدة\" واستدل بقول ابن عباس - ﵄ - بأن الساق هنا هو الشدة، وفى الإجابة عن الإشكال الذي يورده الاستدلال بحديث أبى سعيد الخدري - ﵁ - الذي يمتنع فيه إرادة المجاز، ويتحتم القول بالحقيقة، يرى أنه يؤول بالكشف عن الحجاب، فيرون الله تعالى، فيكون الساق عائدًا إلى الذات العلية. (٣)\n* * *\n\nالمناقشة:\nقبل المناقشة التفصيلة لما تناوله الصاوى من الصفات بالتأويل، لا بد أولًا من وقفة يسيرة لبيان ضلال منهجه في اتباع التأويل، فمع تقدم الحديث عن هذه القضية بما فيه الكفاية؛ إلا أنه لمحل التلازم تجدر الإشارة إلى بعض ما يترتب على ذلك المسلك البدعى من لوازم فاسدة؛ تقضى بفساد ملزومها، وأدع الكلام في هذا للعلامة الشنقيطى - ﵀ -: \"واعلموا أن هنا قاعدة أصولية أطبق عليها من يعتد به\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٧٦).\n(٢) المرجع السابق: (٤/ ١١٤ - ٢٢٥).\n(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٢٤).","vol":"1","page":259},{"text":"من أهل العلم، وهى أن النبي - ﷺ - لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا سيما في العقائد، ولو مشينا على فرضهم الباطل أن ظاهر آيات الصفات الكفر؛ فالنبى - ﷺ - لم يؤول الاستواء بالاستيلاء ولم يؤول شيئًا من هذه التأويلات ولو كان المراد بها هذه التأويلات لبادر النبي - ﷺ - إلى بيانها؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فالحاصل أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد، الذي يحل جميع الشبه، ويجيب عن جميع الأسئلة، وهو أن الإنسان إذا سمع وصفًا وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ -، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون القلب منزهًا معظمًا له جل وعلا، غير متنجس بأقذار التشبيه، فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدح بها\". (١)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-89> أولًا: صفة الرحمة والغضب والمحبة:</span>\nيرى الصاوى كما تقدم، أن هذه الصفات مما يوهم ظاهرها مماثلة الحوادث، لذا التزم بصرفها عن ظاهرها وتأويلها بما يمنع تلك المماثلة، ولما كان لها تعلق بالإرادة فسرها بها أو بما يلزم منها، فالرحمة إرادة الإنعام أو الإنعام وهكذا ..\nوحجته في ذلك تنزيه الله تعالى عن مماثلة الحوادث.\nولنقض هذه الشبهة التي كانت سببًا لتحريف الكثير من نصوص الصفات، أقول: ليس في إثبات صفة الرحمة والمحبة والغضب ما يوجب مماثلته تعالى لخلقه، فقد أجمعت الأشاعرة ومنهم الصاوى على إثبات صفة الإرادة إلى غيرها من صفات المعانى، ولم يحملهم هذا الإثبات على اعتقاد مماثلتها لصفات المخلوقين، فكما تأتى لهم إثباتها على هذا الوجه، كان لازمًا لهم إثبات كل ما ثبت من صفات الله ﵎ دون تمثيل ولا تعطيل؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في الآخر (٢).\n_________\n(١) الأسماء والصفات: ٣٨.\n(٢) انظر: التدمرية: ٣٢.","vol":"1","page":260},{"text":"وتتضح المسألة أكثر عند بيان الأساس الذي بنى عليه الصاوى وجود المماثلة في هذه الصفات، فإن الشبهة التي اعتمدها الصاوى، وهى مماثلة الحوادث، قد استندت في الأساس إلى قياس القديم على الحادث، وهذا مما لا يجوز تعميم أحكامه في حق الباري تعالى (١)، لما يترتب عليه من نتائج باطلة، وذلك أنه حين أخذ يفصل طريقته في التأويل ابتدأ أولًا بالمراد من الصفة، فقال مثلًا: المحبة ميل القلب للمحبوب، وهذا مستحيل في حق المولى تعالى.\nوقال عن الحياء: هو انكسار وتغير، يعترى صاحبه مما يستحيى منه، والله تعالى منزه عن ذلك.\nفكانت طريقته مبنية على بيان حال العبد المتصف بهذه الصفة، وما يلحقه حال اتصافه بها، مما يدل على نقصه وحاجته، ومن ثم تنزيه المولى تعالى عنها.\nولا شك أن هذا مما لا أساس له من الصحة يسنده، فلا يجوز تمثيل صفة المولى تعالى بصفات المخلوقين، ثم الاستدلال على وجوب تأويلها بما يعترى المخلوق حال اتصافه بها؛ لأنه ﵎ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وعقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على إثبات ما أثبته تعالى لنفسه من غير تمثيل، دل على هذا الأصل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فما أوقع المتكلمين في هذا الاضطراب؛ إلا بعدهم عن المنهج الربانى الذي أمرنا المولى باتباعه في كتابه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالصفة يفهم معناها؛ لأن الله تعالى إنما خاطبنا بلسان نفهمه، وأمرنا بتدبر آياته ومعانيه، ولكنه مع ذلك نبهنا إلى أمر مهم، وهو أنه ﵎ ليس كمثله شيء، ولا في شأن من شؤونه. (٢)\nوبهذا تكون صفة الرحمة والمحبة والحياء والغضب والانتقام، كلها مما يثبت لله\n_________\n(١) وهذا في الحقيقة يرجع إلى قياس الشمول [المعروف عند المناطقة بأنه الاستدلال بكلى على جزئى بواسطة اندراج ذلك الجزئى غيره تحت هذا الكلى. فهذا القياس مبني على أصول الأفراد المندرجة تحت هذا الكلى ولذلك يحكم على كل منهما بما حكم به عليه ومعلوم أنه لا مساواة بين الله ﷿ وبين خلقه]. شرح العقيدة الواسطية، الشيخ/ محمد خليل هراس: ٧٤.\n(٢) انظر: إبطال التأويلات: (٢/ ٤١٣).","vol":"1","page":261},{"text":"تعالى على جهة الحقيقة، كما هو عليه مذهب أهل السنة والجماعة، فتثبت النصوص الدالة عليها بلا أدني تحريف يحيل معناها.\nوكما استند هذا المعتقد في الأصل إلى الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تقرر إثبات هذه الصفات، فإنه أيضًا يستدل لها بالدليل العقلى المستمد من الأدلة الشرعية، وهو دليل الكمال الذي يحتم إثبات كل صفة هي من الكمال المطلق لله تعالى، كما أشرت إلى هذا من قبل.\nوتأتى تبعًا لهذه الصفات التي تأولها، والتى تعد عند المتكلمين من الصفات الخبرية المحضة التي لا يتأتى الاستدلال عليها إلا بالعقل:\n- صفة العلو، حيث عمد الصاوى كغيره من المتكلمين إلى إثبات هذه الصفة على الوجه الذي اعتقد فيه تنزيه المولى تعالى، فتأولها ولم يثبتها على جهة الحقيقة، بالرغم من تضافر الأدلة: عقلية، وسمعية، وفطرية على إثباتها وفق ما يقتضيه ظاهر اللفظ.\nوكانت حجته، كحاله في كل ما تأوله من الصفات: مماثلة الحوادث، ويحدد وجه المماثلة بأن في إثباتها على الحقيقة ما يستلزم اتصافه تعالى بالجسمية والتحيز؛ لأن العلو جهة، ولا يوصف أحد أنه في جهة؛ إلا إذا كان جسمًا يمكن له التحيز.\n- وقد تصدى علماء الأمة من السلف الكرام لدحض مثل هذه الشبه، فقد بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - أن في هذه الألفاظ التي يطلقها المتكلمون من أنواع المحدثات في الدين، والواجب على من عرضت له أن يفصل القول فيها؛ لأنها من الأمور المجملة التي يشمل ردها أو إثباتها على حق وباطل، لذا تحتم تفصيل القول فيها.\nوقد سبق لي عرض هذه المسألة بشيء من الإيجاز، ولى أن أعرض الآن كلام شيخ الإسلام الذي تناول فيه الرد على هذه الشبهة بموضوعية لا يردها إلا صاحب هوى، قال - ﵀ -: يقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود","vol":"1","page":262},{"text":"مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات.\nوكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ . فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل\". (١)\nونصل من هذا إلى أن وصف الله تعالى بأنه فوق العالم مباين للمخلوقات، مما قد استقر في العقول والفطر، وليس في إثباته ما يلزم منه مماثلته تعالى للحوادث.\nوهذا مما لا يداخله شك في قلب كل من سلمت فطرته من مثل هذه الشبه التي أثارها المتكلمون، ولم تكن لتقوى على دفع هذه الحقيقة المستقرة في النفوس. (٢) فالموحدون أجمعون من العرب والعجم، إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم\". (٣)\nولما كان الاستناد إلى النصوص الشرعية، هو الأصل الذي اعتمده أهل السنة والجماعة في إثبات صفاته تعالى؛ اهتم علماء السلف - ﵏ - بإبراز الأدلة الشرعية مع بيان وجه دلالتها على إثبات هذه الصفة، كما ينبغى لجلال الله تعالى وعظمته. ومع صعوبة حصرها إلا أنه يمكن الإشارة إلى أبرزها دلالة: فوصفه تعالى بالعلو، والاستواء، وعروج الملائكة، وعروج العمل الصالح إليه، وأنه تعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل؛ لإجابة الدعاء، وكشف البلاء، وأنه سبحانه في السماء، كل ذلك مما يؤكد حقيقة اتصافه تعالى بهذه الصفة، التي تدل على كمال من اتصف بها، وعظمته، وسلطانه.\n_________\n(١) التدمرية: ٦٦.\n(٢) انظر: درء التعارض: (٧/ ١٣٢)، ومجموع الفتاوى: (١٦/ ٤٠٧).\n(٣) التمهيد للإمام ابن عبد البر: (٧/ ١٣٤).","vol":"1","page":263},{"text":"فتحصل من كل ما سبق أنه لا يمكن حصر الصفة على معنى التنزيه، أي: \"إثبات العلو المعنوى\" فقط، بل لا بد من الإيمان بأنها تثبت صفة العلو الذاتى أيضًا، كما ينبغى لجلاله ﷾:\nالأحد الفرد القدير الأزلى ... الصمد البر المهيمن العلى\nعلو قهر وعلو شان ... جل عن الأضاد والأعوان\nكذا له العلو والفوقية ... على عباده بلا كيفية (١)\n* * *\n\nوالآن مع الصفات التي يتأتى إثباتها من جهة الخبر فقط، فلا يمكن الاستدلال عليها بغيره من الأدلة العقلية أو الفطرية:\n\nأولًا: الصفات الخبرية الفعلية:\n* الاستواء:\nيعرض الصاوى في هذه الصفة، كمنهجه فى بعض الصفات الخبرية، طريقة السلف والخلف في معناها، ويرى أن معتقد السلف فيها هو التفويض، وينعته بالسلامة؛ لعدم تعيين معنى مراد، أما الطريقة التي اعتقد فيها الحكمة، فهى التأويل الذي يعني تحديد معنى معين، ورأى أن الاستيلاء هو أحد معانى الاستواء الذي يقتضى تنزيه المولى تعالى من تلك المعانى التي يحتملها لفظ الاستواء.\nوقد سبق لي بيان خطأ الصاوى في فهمه لمنهج السلف - رضوان الله تعالى عليهم - إذ حقيقة التفويض فيه إنما ينحصر في معرفة الكيفية، وهذا ما دل عليه الإمام مالك - ﵀ - حيث قال: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\". (٢)\n_________\n(١) منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمى - ﵀ - من مختصر معارج القبول للقحطانى: ٦٢.\n(٢) رواه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد: (٣/ ٣٩٨). رقمه: ٦٤٤. والبغوى في: شرح السنة: (١/ ١٧١).","vol":"1","page":264},{"text":"وعليه فإن معنى الاستواء مفهوم؛ إذ القرآن إنما أتى ليخاطب الناس بما فهموه من لغة العرب، فلا تفويض في المعنى، يقول الإمام ابن عبد البر - ﵀ -: \"الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ حيث قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] \". (١)\nوعلى هذا المعنى الذي فهمه السلف من الاستواء، لا مكان لما ادعاه الصاوى من حصول المماثلة للحوادث، بل المعنى الذي رأى أن في حمل الاستواء عليه ما يخرج به من هذا اللازم عنده، ما هو ملزم لما فر منه. وذلك أنه لا يكون الاستيلاء إلا إذا وجد المنازع، فهل يجوز وصف الرب تعالى المنفرد بالربوبية والإلهية بهذا المعنى الذي يلزم منه وجود منازع له تعالى؟ وهذا ما أنكره ابن الأعرابى - أحد أئمة اللغة من السلف بالكوفة (٢) - حين اعترض عليه لتفسيره لمعانى الاستواء، وفق ما ورد، فقال: \"هو على عرشه كما أخبر، فقيل - أي السائل - يا أبا عبد الله: ليس هذا معناه، إنما معناه: استولى، فقال: أسكت ما أنت وهذا؟ لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى\". (٣)\nوبهذا يعلم أن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، لأنها موافقة لمقتضى الإيمان والتسليم بما ورد في الكتاب والسنة، وليس فيها ما يلزم منه معارضتهما ولو بوجه من الوجوه، وفى وصفها بالسلامة دون الحكمة جمع بين النقيضين، يقول الشيخ العثيمين (٤) - ﵀ -: إن مما يلزم وصفهم لطريقة السلف بالسلامة أن تكون\n_________\n(١) التمهيد: (٧/ ١٣١). وانظر: كلام الإمام ابن خزيمة في نفس المعنى: كتاب التوحيد: (١/ ٢٣٣).\n(٢) هو محمد بن زياد أبو عبد الله ابن راوية، المعروف بابن الأعرابى. صاحب اللغة كان إليه المنتهى في معرفة لسان العرب توفى سنة: ٢٣١. انظر: ترجمته في: شذرات الذهب: (٢/ ٧٠).\n(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائى: (٢/ ٣٩٩). وانظر: مختصر العلو للذهبى في مناقشة هذه الشبهة: ٢٨.\n(٤) هو العلامة الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين المقبل الوهيبي التميمي ولد عام: ١٣٤٧ هـ في عنيزة إحدى مدن القصيم طلب العلم على كبار مشايخ عصره منهم: الشيخ عبد الرحمن السعدى، والشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكنى الشنقيطى، والشيخ عبد العزيز بن باز، =","vol":"1","page":265},{"text":"الحكمة ثابتة لها\" إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة: العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب\". (١)\n\n* صفة النزول، والمجيء، والإتيان:\nكانت هذه الصفات أيضًا مما اعتقد الصاوى وجوب تنزيه المولى تعالى عن ظاهرها؛ لذا قام بتأويلها وفقًا لهذا الأصل الذي اعتمده في سائر الصفات الخبرية، حيث أوَّل النزول الذي وصف به المولى تعالى بنزول أمره أو رحمته، كذلك الآيات الكريمة التي أخبرت عن مجيء الله ﵎ إلى الحساب، فحمل النصوص أمرًا لم ترد بإثباته، وخرج بذلك عن المسلك السديد فيها.\nأما تأويل النزول - الذي ورد في الحديث الشريف الذي قال فيه المصطفى - ﷺ -: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: من يدعونى فاستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟). (٢) - بنزول الرحمة، فهذا مما يعارضه نص الحديث، وذلك لأن رحمه الله تعالى لم يرد تخصيص إنزالها في وقت دون وقت (٣)، بل قد دلت النصوص الشرعية على أن الرحمة مما يتوالى نزوله على العباد، فنزول المطر الذي لا يخصص نزوله بوقت هو من رحمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].\nكما أن في تأويل النزول بالرحمة مناقضة لأصل منعه صفة العلو الذاتى لله ﵎، فإثبات إنزاله تعالى للرحمة دليل واضح على كونه تعالى في علو.\n_________\n= عم نفعه بلاد الحرمين فاستقى من علمه الكثير من طلبة العلم، صنف الكثير من المؤلفات العلمية منها: شرح العقيدة الواسطية، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، والقواعد المثلى في الأسماء والصفات وغير ذلك، توفى - ﵀ رحمة واسعة -: انظر: في ترجمته مقدمة كتابه شرح العقيدة الواسطية بقلم تلميذه: وليد بن أحمد الحسين الزبيرى: ١٥.\n(١) فتح رب البرية بتلخيص الحموية: ١٩.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التهجد - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، رقمه: ١١٤٥، وأخرجه الإمام مسلم في: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.\n(٣) انظر: شرح حديث النزول لشيخ الإسلام: ٢٣٣.","vol":"1","page":266},{"text":"ثم كيف يصح نسبة الكلام إلى صفة من صفات الذات العلية، فإن طلب الدعاء الوارد في الحديث الشريف مما يؤكد وجوب نسبة النزول للرب تعالى، كما يليق بجلاله لا إلى صفة هي من آحاد صفاته الذاتية.\nهذا مع أن الرحمة مما لا يتوقف نزوله إلى السماء الدنيا، بل هي مما ينزل إلى الأرض ويعم من فيها في كل وقت بإذن الله (١)، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\nهذا والإمام ابن القيم - ﵀ - يشنع كثيرًا على من اعتقد في إثبات النزول للمولى تعالى ما يوهم مماثلته لنزول المخلوقين، وقد استدل على ذلك بالحديث السابق والتصريح فيه بنسبة النزول إلى الرب تعالى، مما يدل على إرادة الحقيقة، ويدفع توهم المجاز بحال، هذا وفى كثرة رواته من الصحابة الذين بلغ عددهم قرابة الثلاثين دليل أيضًا على تكرر ذلك من المصطفى في كل مكان، دون أن يكون ثمة حرج وقع منه أو منهم في الإخبار عن الرب بذلك، كل هذا يؤكد المصداقية التي التزمها السلف في فهم مثل هذه النصوص، التي تدل على مدى التسليم بكل ما أخبر به المصطفى - ﷺ -. (٢)\n- وكذلك تأويل المجيء والإتيان لله تعالى، كما ينبغى له سبحانه بمجيء الأمر، مما لا تؤيده تلك النصوص التي ورد فيها، بل كل ذلك هو من قبيل التأويل الذي لا يستند إلى قرينة لا من داخل النص ولا من خارجه؛ فكله في الحقيقة إنما يرجع إلى تحكم محض، لا تقبله قواعد اللغة العربية التي بها نزل القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨].\n- فالنصوص الشرعية إنما تدل حقيقة على مجيء المولى للفصل يوم القيامة، وبهذا فسر أئمة السلف هذه الصفات، بلا تكييف ولا تحريف. (٣)\n_________\n(١) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى: (١/ ٢٦٤).\n(٢) انظر: مختصر الصواعق المرسلة: ٤٢٤.\n(٣) انظر: جامع البيان في تأويل آي القرآن: (٣٠/ ١٨٥).","vol":"1","page":267},{"text":"ثم إن في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ما يؤكد هذا ويدل عليه، يقول الإمام ابن القيم: \"ففرق بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات ربك، فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدًا فتأمله\". (١)\n* * *\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-90> ثانيًا الصفات الخبرية الذاتية:</span>\n* صفة الوجه:\nيلتزم الصاوى حيال هذه الصفة منهج التأويل، ولكن على ما يراه مناسبًا، فهو يؤولها بحسب النص الذي وردت فيه، فتارة يرى أنها تأول برضاه، وفي حين يمتنع عليه مثل هذا التأويل، كما هو في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] يتوقف فلا يعلق بشيء، مما يشعر بإقراره تفسير الجلالين من قبله، حيث فسر الوجه بالذات، كما هو عند عامة المتكلمين.\nوفى كلتا الحالتين هو مجانب للصواب؛ لأنه خالف ما عليه السلف من وجوب الإيمان بها، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية، بلا تكيف ولا تمثيل. وهذا ما حكى الإجماع عليه الإمام ابن خزيمة (٢) حيث قال: \"فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أن نثبت لله تعالى ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا\". (٣)\n\n* صفة اليد:\nهنا يذكر الصاوى على جهة التفصيل مذهب السلف والخلف من المتكلمين، ولكنه يمل إلى رأى المتكلمين في المسألة، يوضح هذا رده على من احتج\n_________\n(١) مختصر الصواعق المرسلة: ٣٣٩.\n(٢) هو الحافظ المحدث المسند الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمى النيسابورى ولد سنة: ٢٢٣ هـ قال عنه الدارقطني: كان ابن خزيمة إمام ثبتًا معدوم النظير توفى سنة: ٣١١ هـ، انظر تذكرة الحفاظ: (٢/ ٧٢٠).\n(٣) كتاب التوحيد: (١/ ٢٥).","vol":"1","page":268},{"text":"من السلف بدلالة التثنية على إرادة الحقيقة، بأن هذه التثنية قد يراد بها الجنس مثل نعمة الدنيا والآخرة.\nوالحق أنه قد أصاب عند عرضه لرأى السلف في هذه الصفة ولكنه أخطأ عند إقراره لما عليه المتكلمون. نعم هناك نصوص فسرت فيها اليد بالذات كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. أيضًا فسرت هنا اليد بالقوة، كما هو عليه عامة المفسرين، وهذا التأويل مما يقتضيه السياق، وتحدده القرينة، فلا تحكم فيه بمجرد الرأى. (١)\nفاليد هنا أتت بصيغة الجمع، وقد علم من لغة العرب أن اليد إذا جمعت قد يراد بها الذات أو القدرة أو القوة أو الكرم، ومن جهة أخرى فإن اليد في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ إضافة للعمل إليها، دون تعدية بالباء، وفى هذا دلالة صريحة على أن المراد بها هو ما يفهم من قوله خلقنا وعملنا، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.\nوكذلك اليد في قوله تعالى: ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، فإنها أتت بصيغة الجمع مع عدم إضافتها له تعالى، وهذا ما يحمل المراد بها على القوة أو القدرة. (٢)\nأما الآية الكريمة التي بين الله تعالى فيها امتنانه على آدم - ﵇ - بخلقه له بيديه الكريمتين، فلا يمكن بحال أن تؤول بالقدرة؛ لأنه يمتنع ذلك التأويل من عدة وجوه:\n- التثنية في قوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]: فإرادة التثنية في اللغة مانعة من احتمال المجاز، وبهذا يكون التأويل الذي ذكره الصاوى لا يستقيم له في نقض حجة السلف؛ لأن ما خرج به تأويل اليدين بالنعمتين ليس من لغة العرب، ولا هو معهود من كلامهم، وهذا ما روى عن الإمام أحمد في إنكاره على\n_________\n(١) انظر: نقض الإمام الدارمي على المريسى: (١/ ٢٨٩).\n(٢) انظر: الصواعق المرسلة: ٢٦٩.","vol":"1","page":269},{"text":"من قال بذلك، حيث قال: \"من زعم أن يداه نعمتاه كيف يصنع بقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مشددة\". (١)\n- دخول الباء التي تفيد تعديت الفعل إليها.\n- أنه تعالى إنما قال ذلك بصيغة الامتنان على آدم موبخًا بذلك إبليس الذي امتنع عن السجود له، يقول الشيخ السعدى: \"أي شرفته وكرمته واختصصته بهذه الخصيصة، التي اختص بها عن سائر الخلق\" (٢)\nوعلى القول بتأويل اليد بالقدرة أو النعمة، امتنع هذا الاختصاص الذي كان لآدم - ﵇ - والذي يقتضى عدم إعراض إبليس عن السجود له عند الأمر به، فثبت بهذا امتناع التأويل وإرادة الحقيقة، وهى اليدين، كما ينبغى لجلال الله تعالى وعظيم سلطانه.\n- تضافر الأدلة التي تؤكد اتصاف المولى تعالى بهذه الصفة، فإلى جانب الآيات والأحاديث التي نصت على اتصاف المولى تعالى باليد، هناك أدلة أو صفات تؤكد ذلك، كاتصافه تعالى باليمين والكف والإصبع والقبضة، مما لا يباع مجالًا للشك في نسبة هذه الصفة للمولى تعالى، كما يليق بجلاله وعلو شانه، وإرادة تأويل كل هذه النصوص للخروج من هذا الإلزام، فيه تعنت واضح، لا تسىنده دلالة النصوص السابقة، وإعمالها على ظاهرها هو ما كان عليه أئمة السلف - رضوان تعالى عليهم أجمعين -. (٣)\n\n* صفة القدم:\nيجمل الصاوى رأى السلف هنا بإرادة التفويض، وتنزيه المولى عن المعنى الظاهر، كما قد عهد منه؛ استنادًا إلى أن في ذلك إثبات الجارحة لله تعالى - كما يرى - ثم يرجح تأويل القدم بالقوم الكثر من أهل النار، الذين يوضعون فيها فتقول\n_________\n(١) إيطال التأويلات لأبي يعلى: (١/ ١٦٩).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٧٨٢. وانظر: شرح العقيدة الواسطية للشيخ العثيمين: (١/ ٢٩١).\n(٣) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: (٦/ ٣٧٢).","vol":"1","page":270},{"text":"قط قط. ولكن هذا الذي ذهب إليه لا يقره الحديث الذي وردت فيه هذه الصفة، وذلك أن قول النبي - ﷺ -: (إن جهنم لن تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول: قط قط). (١) يمنع من إرادة المجاز، فنسبة القدم للرب تعالى صراحة (٢)، مع عدم وجود القرينة الصارفة، تدل على استحالة ما ذكره الصاوى من أن القدم هنا هي القوم الكافرين من أهل النار؛ إذ لا سند له في ذلك، بل القرائن تحف إرادة الحقيقة، وذلك أنه يستحيل إضافة الكفار إلى الله تعالى هكذا مباشرة؛ لأن \"إضافة الشيء إلى الله تكريم وتشريف\". (٣)\nهذا وقد علم أن طلب النار للمزيد يكون بعد أن يلقى فيها جميع أهلها من الكفار، فكيف يقال بأن القدم هنا هم قوم من الكفار؟ (٤)\nفيتحتم بعد العلم بامتناع ما ذهبوا إليه أن تجرى هذه الصفة \"مجرى بقية الصفات، فتثبت لله على الوجه اللائق بعظمته سبحانه\". (٥)\n\n* الساق:\nهذه الصفة الكريمة وردت في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، وفي السنة المطهرة في الحديث الشريف، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا. . . إلخ). (٦)\nولكن بعض المفسرين من السلف ذهب إلى تفسير الساق في الآية الكريمة بمعنى الشدة، وهذا المعنى مما عهد عند العرب ومما أثر عن ابن عباس - رضي الله تعالى\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، رقمه ٤٨٤٨.\n(٢) انظر: إبطال التأويلات: (١/ ١٩٩).\n(٣) شرح العقيدة الواسطية للشيخ العثيمين: (٢/ ٣٣).\n(٤) انظر: نقض الإمام الدارمي على المريسى: (١/ ٤٠١).\n(٥) شرحه العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس: ١٧٢.\n(٦) أخرج البخاري في صحيحه بنحوه: كتاب التفسير - باب يوم يكشف عن ساق، رقمه: ٤٩١٩.","vol":"1","page":271},{"text":"عنهما -. (١) وقد أيد الصاوى هذا التأويل؛ مستدلًا بتأويل حبر الأمة، ولكنه لوقوفه على الحديث الشريف حيث رواه مطولًا في التفسير، رأى أنه لا يمكن تأويل الساق بشدة الموقف، وذلك لتصريح الخبر بنسبة الساق إلى الرب تعالى (٢)، فاختار أن يكون الكشف هنا عن الحجاب، ولكن هذا التأويل لا تسنده لغة العرب، وليس هو مما عهد عنهم، وإنما كان محاولة من الصاوى للخروج من الإلزام الذي وجد نفسه لا يستطيع التخلص منه بتأويل الساق في الحديث بالشدة، كما فسرت الآية الكريمة من بعض العلماء.\nوالحق أن الساق في الآية الكريمة إنما هو صفة من صفات الرحمن، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فيحمل المتشابه على المحكم؛ لأن الحديث قد أوضح المراد على جهة لا تدع لإرادة المجاز سبيلًا إلى النص.\nوذلك أنه مما قد تقرر في الأصول أن السنة المطهرة هي المرتبة الثانية من مراتب التشريع بعد القرآن الكريم، فهى مفسرة لما أبهم، مبينة لما أجمل؛ لهذا فإن الكثير من السلف قد فسر الساق في الآية الكريمة بإثبات الصفة للمولى تعالى بما يليق بجلاله وعظمته؛ استدلالًا بالحديث الشريف، ولا بد من بيان أمر مهم نبه إليه الإمام ابن القيم - ﵀ - أنه لم يحدث النزاع بين الصحابة على إثبات الصفة نفسها، وإنما في دلالة الآية القرآنية على إثباتها، أما من بلغه الحديث من الصحابة الكرام - رضوان الله تعالى عليهم - فلم يثبت عن أحد منهم أنه أراد حمله على غير ظاهره، هذا وقد حكى الإمام حجة من أثبت الصفة من الآية الكريمة من لغة العرب أنفسهم ورد قول من فسرها بكشف الشدة، فقال: \"فإن لغة القوم أن يقال: كشفت الشدة عن القوم لا كشفت عنها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الزخرف: ٥٠] \" (٣)\n_________\n(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري: (٢٩/ ٣٩).\n(٢) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى: (١/ ١٥٩).\n(٣) مختصر الصواعق المرسلة: (١/ ٣٨).","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: حقيقة الإيمان الشرعية.\nالمبحث الثاني: الفرق بين الإسلام والإيمان.\nالمبحث الثالث: مسائل الأسماء والأحكام.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>تمهيد</span>\nمن أهم ما اختص به منهج السلف - رضوان الله تعالى عليهم - عن مناهج غيرهم من أهل الأهواء والبدع: [الوسطية]، ذلكم المعلم البارز الذي يمثل أقوى الدعائم التي يرتكز عليها مذهب السلف الصالح، ولعل القضايا المتعلقة بالإيمان جملة وتفصيلًا، تعد من أهم المسائل التي تظهر فيها شيمة الاعتدال والوسطية، فالإيمان عند السلف: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.\nفبإدخالهم العمل في مسمى الإيمان؛ خالفوا أهل التفريط من المرجئة الذين أخرجوا العمل من الإيمان، وباعتقادهم حصول الزيادة والنقصان فيه دون إزالته بالكلية إذا لم يؤد النقص إلى القدح في أصل الإيمان؛ خالفوا أهل الغلو من الخوارج الذين قاموا بتكفير مرتكب الكبيرة، وكل هذه الحقائق المتعلقة بمفهوم الإيمان الشرعي إنما استقاها السلف الصالح من معين الكتاب والسنة، ذلكم أنه قد استقر في أفئدتهم وعقولهم التلقى منهما والرد إليهما في كل أصل وفرع، وعليه فإن جميع المسائل التي تندرج في قضايا الإيمان إنما يعلم حقيقة رأى السلف فيها من خلال تعريفهم للإيمان، حقيقة مستوحاة من الهدى النبوى الكريم.\nولمكانة هذا الأصل: [الإيمان] حيث تقوم عليه ركائز الدين، وتبنى عليه أحكام الدنيا والآخرة (١)، ظهر النزاع فيه مع أول افتراق حدث في الأمة الإسلامية فالخوارج إنما تفرع خروجهم وانشقاقهم عن الفهم السقيم لهذا الأصل، حيث اعتقدوا أن الإيمان قول وعمل، وأنه لا يزيد ولا ينقص؛ لأن نقصانه يعني زواله بالكلية، فإنهم لما أقروا بدخول العمل في مسمى الإيمان، وظنوا أن العمل بمنزلة واحدة فسووا بين العمل الذي لا يصح إيمان المرء إلا به بسائر أنواع العمل من\n_________\n(١) انظر: الفتاوى: (٧/ ٣٩٥).","vol":"1","page":274},{"text":"الفروض والواجبات، وشددوا في هذا الأمر؛ حملهم هذا الغلو على اعتقاد تكفير مرتكب الكبيرة، واعتقاد تخليده في النار.\nوفي مقابل هذه الفرقة، وكرد فعل لها ظهر الإرجاء، كفكر أخذ يغزو معتقد المسلمين، منددًا بمعتقد الخوارج، مضللًا إياهم، تتبناه طائفة [المرجئة] تعلن بصراحة موقفها المغاير لما التزمه الخوارج من تكفير مرتكب الكبيرة، دون معارضة لها في كون الإيمان حقيقة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وأن نقصانه يعني زواله بالكلية، وإنما من جهة تعريفه، وما يقتضيه ذلك المفهوم الجديد للإيمان، الذي ظهر في معتقد هؤلاء، حيث قصروا حقيقة الإيمان على خلاف بينهم في الإقرار أو التصديق، فأخرجوا بذلك العمل من مسمى الإيمان وغايروا المعنى الصحيح له، والذي عليه السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم -.\nفالإيمان عندهم لا يمكن أن يدخل فيه العمل؛ لأنه لو دخل لأدى ذلك إلى نقصانه بحجة عدم إمكان الإتيان بكافة أفراد العمل، وحتى لا يحكم بكفر مرتكب الكبيرة.\nولما كان نقصان الإيمان ممتنع، لأنه يعني - عندهم - زوال الإيمان بالكلية، التزموا لذلك إخراج العمل عن حقيقة الإيمان، واعتقاد وجوب قصره على الإقرار أو التصديق دون العمل.\nقد أدت هذه المفاهيم الدخلية إلى الخروج عن الحقيقة الشرعية في المسائل المتعلقة بالكفر، ذلكم أن الذين اعتقدوا حصر الإيمان في الاعتقاد قصروا ما يضاده من الكفر أيضًا على الاعتقاد دون العمل، وخالفوا بذلك صريح النص في وقوع الكفر لبعض أنواع المخالفات التي قد ترتكب بالجوارح، تمامًا كوقوعه عند مناقضة أصل الإيمان بالتكذيب أو الشك.\nوهذا ما سيتضح أكثر في مناقشة المسائل المتعلقة بالإيمان والكفر عند الأشاعرة، على ضوء الكتاب والسنة بمشيئة الله تعالى.","vol":"1","page":275},{"text":"وقبل البدء بذكر التفاصيل، لا بد من إدراك أمر مهم هنا، وهو أنه لم يتبلور هذا الاتجاه وتتحدد معالمه دفعة واحدة؛ لأنه - كما سبق - إنما ظهر في بداية الأمر على شكل ردود أفعال، ومر بمراحل عدة حتى صار معلمًا بارزًا للفكر الأشعري المنتشر في جهات العالم الإسلامي.\nوفيما يلى مناقشة تفصيلية لمعتقدات طائفة المرجئة: وذلك ضمن مناقشتى لآراء الصاوى، تلك الشخصية التي يعد مذهبها في الحقيقة امتداد لهذه الطائفة، فالصاوى كما هو واضح أشعرى المذهب لا يكاد يخالف سلفه إلا في النزر القليل، ومن خلال المناقشة سيتم بيان ضلال معتقد الخوارج في الإيمان، وبعده كل البعد عن الحقيقة التي كان عليها سلف هذه الأمة، والتى تنبع من مصدر الهدى والنور: الكتاب والسنة.\nهذا ويتمحور النقاش في المسائل المتعلقة بالإيمان حول القضايا العقدية التالية:\n- حقيقة الإيمان الشرعية.\n- الفرق بين الإسلام والإيمان.\n- مسائل الأسماء والأحكام.\n* * *","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>(المبحث الأول): حقيقة الإيمان</span>\nيمثل المذهب الأشعري في القضايا المتعلقة بالإيمان امتدادًا لفكر الإرجاء الذي ظهر في المجتمع المسلم؛ كرد فعل لما ذهب إليه الخوارج في مرتكب الكبيرة (١)، ولشيغ الإسلام - ﵀ - تقسيم يبين فيه أصناف المرجئة، وهم كالتالى:\n١ - طائفة تزعم أن الإيمان مجرد ما في القلب، فمنهم من يدخل فيه أعمال القلوب، ومنهم من لا يدخلها كالأشاعرة والجهمية.\n٢ - وطائفة تقول هو مجرد النطق باللسان، وهم الكرامية.\n٣ - وأخرى تعتقد أن الإيمان هو تصديق القلب واللسان، وهؤلاء هم مرجئة الفقهاء (٢).\nومن خلال هذا العرض الموجز لمعتقد طوائف المرجئة في الإيمان، يمكن لنا تحديد الصنف الذين يندرج تحته الأشاعرة، وذلك أنه مما اشتهر عنهم حتى لا يكاد يخالف فيه أحد منهم أن الإيمان هو التصديق، وبالتالى فإنهم يدخلون في الصنف الأول: القائلين بأن الإيمان مجرد ما في القلب.\nوعند تتبع المراحل التي مر بها الإرجاء عبر التاريخ، نجد أن إرجاء الفقهاء كان سابقًا لإرجاء الأشاعرة أو الجهمية، فقد كان في بداية الأمر محاولات فردية ظهرت للرد على الخوارج، وبالتالى لم تحمل طابع التأصيل والتنظير لذلك المعتقد، وهذا ما حمل شيخ الإسلام على التفريق بين إرجاء الفقهاء وغيرهم، فعد الأول من قبيل الخلافات اللفظية التي لا يترتب عليها بدع تتعلق بالاعتقاد، على العكس من موقفه\n_________\n(١) انظر: كتاب ظاهرة الإرجاء للشيخ سفر الحوالى: (٢/ ٣٧١).\n(٢) انظر الفتاوى: (٧/ ١٩٥). وانظر: المواقف للإيجى: ٣٨٤ - ٣٨٥.","vol":"1","page":277},{"text":"اتجاه الأشاعرة وغيرهم، فقد شدد في أمرهم وبين مكمن الخطورة التي تتأتى من تقعيد المبدأ والتنظير له، حتى كتبت المؤلفات وفندت أقوال المخالفين كل ذلك في سبيل التأصيل لهذه البدعة التي عمت أرجاء الأمة المسلمة.\nوقد اختلف في أول من عرف عنه الإرجاء من الفقهاء، فقيل إن أول من تحدث به: حماد بن أبي سليمان (١) شيخ أبي حنيفة - ﵃ - (٢).\nهذا والتعريف الذي يجمع عليه أهل الفقه من المرجئة هو أن الإيمان: ما وقر في القلب من التصديق، وأقر به اللسان. (٣)\nوقبل البدء بعرض أقوال الأشاعرة في تعريف الإيمان، لا بد من الوقوف على الداعى الذي حدى بهم إلى مثل هذا القول، وذلك أنه مما تفاقم شره في بلاد الإسلام إبان ترجمة كتب اليونان التأثر الواضح بأقوال الفلاسفة في تعريف الأشياء وفهمها، وقد كان مقرر لديهم أنه لا تنال التصورات، الغير بدهية إلا بالحد، وتبعهم بذلك طوائف أهل الإسلام، فرأوا إن يضعوا حدًا يميز لهم الإيمان على طريقة أولئك القوم، بعيدًا عن أقوال الخوارج المتعصبين.\nولما كان الحد هو ما تكون من الذاتيات المشتركة والمخصصة، أي: الجنس والفصل، وجدوا أن التصديق هو خير من يقوم بهذه المهمة؛ إذ العمل لا يمكن أن يكون من الذاتيات - عندهم - لتفاوت أهل الإيمان في الاتصاف به، فأجمعوا على أن يكون التصديق هو الحد الذي يميز الإيمان ويعرفه، يقول إمام الحرمين الجويني: \"المرضى عندنا أن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى فالمؤمن بالله من صدقه\". (٤)\n_________\n(١) هو حماد بن مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري الكوفي الفقيه، فقيه محدث وثقة ابن حبان وقال عنه الذهبي: ثقة إمام مجتهد كريم جواد، مات سنة: ١٢٠. انظر: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للذهبي: (١/ ٣٥١). والثقات لابن حبان: (٤/ ١٥٩).\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء: (٥/ ٢٣٥).\n(٣) انظر: شرح الطحاوية للإمام ابن أبي العز: ٣٣٣. وانظر: الإيمان: ١٨٣ - ٣٧٧.\n(٤) الإرشاد: ٣٩٧. وانظر: الإنصاف للباقلانى: ٥٥.","vol":"1","page":278},{"text":"ولما كانت الشهادة من الدين بمنزلة لا يمكن بحال تجاهل أهميتها وكونها أساسًا لدخول المرء في الإسلام، وتحريم دمه وماله، ذهب أهل التحقيق من الأشاعرة - كما حكى التفتزانى ذلك عنهم - إلى أن الشهادة شرط ليس في حقيقة الإيمان، وإنما لإجراء الأحكام الدنيوية، وخالفوا بذلك ما عليه فقهاء المرجئة من كونها شطر وليست بشرط. (١)\nولبيان السبب الذي حملهم على هذا التصور، فقد أشرت منذ البدء إلى أن الفهم الخاطئ الذي حمله فكر الخوارج إلى المجتمع المسلم، والذي تمثل في اعتقاد أن الإيمان حقيقة واحدة لا يمكن أن تتجزأ، وأن زوال البعض مؤذن بزوال الكل (٢)، دعا المرجئة إلى أن قصروا الإيمان على التصديق؛ حتى لا يؤثر ارتكاب الكبائر والتقصير في الواجبات على مسمى الإيمان، وبالتالى يخرج صاحبها عن دائرته، كما فعل الخوارج، إذا الارتباط واضح بين تعريفهم للإيمان بأنه التصديق؛ وأنه حقيقة واحدة تزول بزوال بعضها. (٣) فمنعوا بذلك إمكان الزيادة والنقصان. (٤)\nويحكى الرازي شبهة الأشاعرة، قائلًا: \"الإيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لما كان اسمًا لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيؤه به، وهذا لا يقبل التفاوت؛ فكان مسمى الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان\". (٥)\nوبعد حكايته لأقوال الخوارج والسلف في الإيمان رأى أن التوفيق ممكن بجعل العمل ثمرة من ثمرات التصديق، وخلص بذلك إلى أن \"كل ما دل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفًا إلى أصل الإيمان، وما دل على أنه قابل لهما فهو مصروف إلى الإيمان الكامل\".\n_________\n(١) انظر: شرح النسفية للتفتزاني: ٤٢٨، وانظر: تحفة المريد: ٢٨.\n(٢) انظر: الفتاوى: (١٣/ ٤٨).\n(٣) المرجع السابق: (٧/ ٤٠٤ - ٥١١)، وشرح العقيدة الأصفهانية: ١٤٣.\n(٤) انظر: ما قاله الطوسي موضحًا هذه القضية في تلخيصه لمحصل الرازي: ٢٣٩.\n(٥) المحصل: ٢٣٩. وانظر: الإنصاف للباقلاني: ٥٧.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>رأى الشيخ الصاوي:</span>\nيعرف الصاوي الإيمان، لغة بأنه: [التصديق].\nأما في الاصطلاح، فيرى أنه: [تصديق النبي - ﷺ - فيما جاء به مما علم من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والزكاة والحج]. (١)\nثم يعرض - كما هو ديدنه في كثير من القضايا المهمة - أهم الأقوال التي ذكرت في تعريف الإيمان بين مؤيد ومفند:\n- فتعريف الإيمان بأنه المعرفة - كما يقول الجهمية - يرى أنه تعريف مجانب للصواب، حيث اعترض عليه بحال كثير من الكفار الذين \"يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلو كانت المعرفة تستلزم الإيمان؛ لكان كل من عرف أن الله واحد ومحمدًا رسوله مؤمنًا\".\n- ويذكر بعد ذلك التعريف الذي عليه الأشاعرة و\"هو حديث النفس التابع للمعرفة، أي قول النفس: آمنت وصدقت بعد المعرفة التي هي الجزم المطابق للحق عن دليل\"، ويعقب هذا التعريف ببيان أنه الإيمان الكامل حتى لا يظن عدم إيمان المقلد. (٢)\n- ثم يعقب تلك الأقوال بذكر رأى من ذهب إلى أن الإيمان \"مركب من تصديق ونطق وعمل\"، ويرى أن هذا هو مذهب المعتزلة الذي حملهم على اعتقاد أن من ترك واجبًا كالصلاة، أو فعل حرامًا كالزنا فهو كافر\".\nولما كان اعتقاد دخول النطق بالشهادة في مفهوم الإيمان، مما أجمع عليه عند المرجئة الأوائل؛ تحتم على الصاوي أن يعرض الأقوال فيها، بدءً بما استقر عليه مذهب المحققين من الأشاعرة.\nوقبل البدء بذكر الأقوال في المسألة، نراه يعمد إلى تحرير محل النزاع فيها،\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ١٦.\n(٢) المرجع السابق: ١٣.","vol":"1","page":280},{"text":"وذلك وفق مذهبه الأشعري، حيث يرى أن الخلاف \"مقيد بالكافر الأصلى، أما أولاد المسلمين فمسلمون، ولو لم ينطقوا طول عمرهم، غير أنهم خالفوا في الواجب الفرعى، فالكافر الأصلى القادر على النطق وتركه كافر في الداريين، وإن تركه لعذر كخرس أو مات فورًا وقامت قرائن على دخوله في الإسلام بغير النطق كإشارة مفهمة، فمسلم عندنا وعند الله. وإلا فهو مؤمن عند الله فقط\".\n- وبعد ذلك يقرر ما عليه مذهب الأشاعرة من أن \"النطق بالشهادة شرط لإجراء الأحكام الدنيوية\" مؤيدًا ذلك بأدلة نقلية من الكتاب، منها:\n* قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (المجادلة: من الآية ٢٢)\nوبناء على ما سبق فإنه يخرج إلى أن من ترك العمل على غير جهة الاستحلال أو العناد أو الشك، فهو مؤمن ولكنه فوت على نفسه كمال الإيمان. (١)\nفالعمل الصالح - عنده - ثمرة للإيمان الكامل (٢)، لذا نجده يعرف الإيمان الكامل بأنه: \"التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان\". (٣)\n- ثم يذكر القول الثاني في مكانة الإقرار من الإيمان، والذي عليه مرجئة الفقهاء وهو أن الإقرار شطر \"أي جزء من الإيمان، فالإيمان عندهم اسم لعملى القلب واللسان جميعًا وهذا في غير المعذور، وإلا فيكفى التصديق للمعذور اتفاقًا\" (٤)\nوعند تتبع أقوال الصاوي في تفسير الإيمان الذي ورد في الآيات الكريمة، نجد أنه يتردد ما بين هذين القولين، فتارة يعرف المؤمن بأنه: \"من صدق بقلبه، ونطق بلسانه\". (٥) وتارة يقصر المراد من الإيمان على التصديق فقط، وذلك في كثير من المواضع. (٦).\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ١٦٧ - ٢٥٥).\n(٢) حاشية الجوهرة: ١٣.\n(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ١٠٤).\n(٤) حاشية الجوهرة: ١٧. وانظر: حاشية الخريدة: ٧٣.\n(٥) حاشية الجلالين: (١/ ٧٤ - ١٤٦).\n(٦) المرجع السابق: (١/ ١٦٤ - ١٨٥)، (٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":281},{"text":"- أما عن مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فإنه يرى صحة نسبتهما للإيمان، وأن الزيادة تحصل بالعمل والنقص بتركه، وقد استدل لهذا بالأدلة العقلية والنقلية. (١)\nأما النقلية:\n- فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].\n- كما يستدل أيضًا بإجماع الجمهور، كالإمام مالك والشافعي وأحمد [وجمهور الأشاعرة].\nوأما العقلية: فقد استدل بالمشاهد من حال المكثر من الأعمال الصالحة وما يشهده من رقة ونور.\n- كما استدل على فساد هذا القول بفساد لازمه، إذ القول بعدم الزيادة والنقصان يجوز أن يكون إيمان الأنبياء كإيمان الفساق من الأمة. (٢)\nوالصاوي هنا يذهب في مفهوم الزيادة والنقصان مذهب السلف الصالح، مخالفًا للكثير من الأشاعرة (٣)، حيث يستدل بالنصوص الواردة في إثبات زيادة الإيمان على زيادته وأن ما قبل الزيادة كان قابلًا للنقص، هذا ومفهوم الزيادة عنده هي ما عبر عنها بحصول النور والرقة لمن أكثر من ذكر الله تعالى، ولا يكتفى، بل يصرح بحصول الزيادة لأصل الإيمان، ويرد بذلك على من منع حصولها في التصديق، يقول: \"فالأوجه قول الجماعة أن الزيادة والنقص للتصديق نفسه لوجود هذه الأدلة العقلية والنقلية، وغير ذلك تأويل لا يحتاج له\". (٤)\n* * *\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ١٧.\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٣٦)، (٢/ ١٠٩). وانظر: حاشية الجوهرة: ١٨.\n(٣) انظر: شرح العقائد النسفية للتفتزاني: ١٢٥.\n(٤) حاشية الجوهرة: ١٨. وانظر: حاشية الخريدة: ١٢٢.","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المناقشة:</span>\nعند سبر أبعاد قضية الإيمان، والأقوال المتعددة فيها، نجد أن الاضطراب الذي حصل في المفهومات، والذي أوقع الخوإرج في قضية تكفير مرتكب الكبيرة كان له أسوء الأثر على الوسط الإسلامى، فإنه لما انعدم الفهم الصحيح للسبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة، ظن المرجئة أن فهم الخوارج لحقيقة الإيمان خاطئ من حيث إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، واعتقدوا أن مخالفتهم في هذا تكفى في رد حجتهم وإبطالها، فراموا إبطال بدعتهم بأخرى لا تقل عنها سوءً وبعدًا عن الحقيقة، ولم يفطنوا إلى أن مكمن الضلال إنما تحصل من التصور السقيم للإيمان؛ حيث اعتقد الخوارج أنه جملة واحدة وأن ذهاب البعض يؤذن بذهاب الكل.\nهنا ولهذه الحقيقة التي استرعت انتباه كثير من الباحثين من سلف هذه الأمة، صار محور النقاش من المسألة يدور حول أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر:\n١ - حقيقة الإيمان الشرعية التي نطقت بها آيات الكتاب الكريم وسنة المصطفى - ﷺ - أنه قول وعمل.\n٢ - إن الإيمان شعب، ثم إنه يزيد بزيادة شعبه وينقص بنقصانها، وليست هذه الشعب بمنزلة واحدة، فمنها ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنها ما هو فرض أو واجب أو سنة. وزوال ما هو في الرتبة العليا ليس كزوال ما هو دونها.\nوأدلة هذين الأصلين في الكتاب والسنة كثيرة تجل عن الحصر، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ..","vol":"1","page":283},{"text":"وقد أجمع السلف لدلالة هذه النصوص القطعية على فهمهم لحقيقة الإيمان بأنه قول وعمل، حيث قال: \"اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من أهل السنة على أن الأعمال من الإيمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فجعل الأعمال كلها إيمانًا\". (١)\n- ومن السنة المطهرة حديث المصطفى - ﷺ -: (الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). (٢)\n\"فجعل الإيمان شعبًا: بعضها باللسان، والشفتين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح\". (٣)\nوهذا الذي ذكرته إنما هو بعض ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال السلف - رضوان الله تعالى عليهم - وبهذا يعلم أن ما ذهب إليه الصاوي في تعريف الإيمان موافقة للأشعرية غير صحيح؛ إذ الإيمان كغيره من المصطلحات الشرعية التي صار لها حقيقة شرعية مقيدة لأصلها اللغوى كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها، (٤) لذا كان الواجب على كل من أراد أن يعرف معنى الألفاظ القرآنية أن يرجع إلى تفسيرها عند النبي - ﷺ - وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم -.\nوفى بيان هذا يقول شيخ الإسلام: \"مما ينبغى أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي - ﷺ - يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، . . . . إلى أن قال: واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله، فالنبي - ﷺ - قد بين المراد\n_________\n(١) شرح السنة: (١/ ٧٨).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب أمور الإيمان، حديث رقم: ٩.\n(٣) الإيمان لابن مندة: (١/ ٢٣٢).\n(٤) الإيمان لشيخ الإسلام: ٢٨٣.","vol":"1","page":284},{"text":"بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق، وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معانى هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة\". (١)\nكما أنه - ﵀ - أشار إلى قضية مهمة تتعلق بكل ما خاطب الشارع به العباد وهى المسألة التي تعرف في الأصول بـ هل يجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة؟ وخلص إلى أن هذا غير واقع في الشريعة أصلًا، وأن الإيمان من أبين الألفاظ التي عرف مقصود الشارع منها. (٢)\nوبهذا تعلم حقيقة الإيمان الذي ورد مطلقًا في القرآن الكريم \"فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق\". (٣)\n* * *\n\nوبناء على ما تقدم، فإنه من الخطأ البين أن تعد الأعمال الصالحة ثمرة للإيمان، بل هي ركنه الذي لا يكون إلا به. فأصل الإيمان في القلب، والعمل الصالح لازم له، إذا وجد دل على ما في القلب وإذا انتفى دل على انتفائه. (٤)\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]\nأما ما ذهب إليه الصاوي من أن الأعمال أنما تدخل في مسمى الإيمان الكامل فليس بصحيح على جهة الإطلاق، إذ الأعمال الواجبة المفروضة من الأصول والفروع إنما تدخل في الإيمان الواجب، أما المستحبات التي لا يعد تاركها آثمًا فهذه التي تدخل في ما أطلق عليه بالإيمان الكامل. (٥)\n_________\n(١) المرجع السابق: ٢٧١.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام: (٧/ ١٠٤).\n(٣) المرجع السابق: ١٢٢.\n(٤) المرجع السابق: ١٨٦.\n(٥) المرجع السابق.","vol":"1","page":285},{"text":"كما أن في القول بأن العمل يدخل في مسمى الإيمان الكامل مناقضة لأصل مذهبه في تعريف الإيمان بأنه التصديق فقط. وهذا معلوم من حال أهل الابتداع حيث يظهر التناقض كثيرًا في تقريرهم لمسائل الاعتقاد.\nومن خلال اعتراض الصاوي على تعريف الخوارج للإيمان بأنه مركب من قول وعمل، نخلص إلى الشبهة التي اعتمدها - كغيره من الأشاعرة - في قصر الإيمان على التصديق دون العمل؛ فإنه جعل دمج المعتزلة العمل في مسمى الإيمان سببًا لاعتقادهم تكفير مرتكب الكبيرة.\nوالحقيقة أن هذه الشبهة التي اعتمدها في رده لإدخال العمل في صميم الإيمان لا تسلم له؛ بل الذي حمل الخوارج ومنهم المعتزلة على تكفير مرتكب الكبيرة هو اعتقاد كون الإيمان حقيقة واحدة، وأصل واحد، وأن شعبه بمنزلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وأن نقصان أي شعبة منه يعني زواله بالكلية، فلم يفرقوا بين ما هو أصل منها بحيث ينتفى الإيمان بانتفائه، كالصلاة مثلًا، وما هو من عداد الفروض والواجبات التي لا تقدح في أصل الإيمان، وإنما في كماله الواجب كالجهاد مثلًا.\nوهذا ما يمنع الفصل في فهم السلف لحقيقة الإيمان الشرعية، فهو: قول وعمل يزيد وينقص فلا يذهب بالكلية.\nيقول الإمام الطبري: \"الصواب فيه - أي الإيمان - قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وعليه مضى أهل الدين والفضل\". (١)\nإيماننا قول وقصد وعمل ... تزيده التقوى وينقص بالزلل (٢)\n* * *\n_________\n(١) صريح السنة: ٢٥.\n(٢) القصيدة للإمام: محمد بن أحمد السفاريني، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود: ٦٨.","vol":"1","page":286},{"text":"ولكن الصاوي في هذه المسألة قد خالف قول الأشاعرة في منع الزيادة والنقصان، واتفق مع السلف في هذه القضية المهمة، وقد كان حرى بمثله أن يوافق السلف في أصل تعريفهم للإيمان واعتقاد كونه قول وعمل، وألَّا يحمله تكفير الخوارج لمرتكب الكبيرة؛ على اعتقاد أن سبب ذلك هو إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، وكان عليه أن يدرك أساس ضلالهم، وأنه يرجع في الحقيقة إلى منعهم الزيادة والنقصان في الإيمان.\nولهذا فإن مناقشته في هذه القضية، تعود إلى بيان مكانة العمل ومنزلته من الدين، وما ورد في بيان أهمية إقامة شعائر الإسلام وعلى رأسها الصلاة (١)، وأنه مع موافقته السلف في إمكان الزيادة والنقص إلا أنه يخالفهم في اعتقاد صحة إيمان من تخلى عن العمل بالكلية، وأن ذلك لا يترتب عليه شيء سوى ضعف للإيمان دون زواله بالكلية، وهذا ما يمتنع؛ استدلالًا بما ورد في الكتاب والسنة من بيان مكانة العمل (٢).\nوتجدر الإشارة إلى أن الأدلة التي استدل بها الصاوي على زيادة الإيمان ونقصانه هي نفسها أدلة السلف على ذلك. (٣) هذا والأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف في تقرير هذه الحقيقة. أذكر منها زيادة على ما تقدم:\n- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].\n- ومن السنة في إثبات النقص، ما رواه ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذى لب منكن. قالت\n_________\n(١) وهذا ما سيتضح في مبحث التكفير الأسماء والأحكام: ٣٠٠.\n(٢) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام: ٣٤٧.\n(٣) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام: ٢١٩ - ٢٢٤.","vol":"1","page":287},{"text":": وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين شهادة رجل وأما نقصان الدين: فإن إحداكن تفطر رمضان، وتقيم أيامًا لا تصلى). (١)\nوقد حكى إجماع السلف على ما تقدم الإمام ابن عبد البر، يقول: \"أما سائر الفقهاء من أهل الرأى والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل: قول باللسان والإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، قالوا: وكل ما يطاع الله ﷿ به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصى\". (٢)\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب الحيض - باب ترك الحائض الصوم، رقم الحديث: ٣٠٤.\n(٢) التمهيد: (٩/ ٢٤٨).","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>(المبحث الثاني): العلاقة بين الإسلام والإيمان</span>\nيعرف الإسلام بأنه: الاستسلام لله تعالى، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، والبراءة من أهله (١).\nأما الإيمان فقد سبق بيان معناه عند السلف من كونه مركبًا في حقيقته من قول وعمل واعتقاد (٢).\nومن خلال هذين التعريفين لهذين المصطلحين يمكن لنا الوقوف على أقوال العلماء في تحديد العلاقة بينهما، فمن رأى أن بينهما ترادفًا فذلك لدلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه تعالى لعباده والذي امتدح من اتصف به.\nويرى الإمام ابن عبد البر - ﵀ - أن هذا هو مذهب الكثير من أهل العلم، يقول: \"وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين، وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر\". (٣)\nومن ذهب إلى اختلافهما استمد ذلك المفهوم من إشارة كل منهما على معنى يظهر منه خصوصيته في الدلالة عليه، دون غيره من الأسماء، فيكون معنى الإسلام: الانقياد الناشئ عن الإذعان والاستسلام، كما هو ظاهر من التعريف، والإيمان: التصديق القلبى الذي يلزم الإتيان بفعل الطاعات وترك المحظورات.\n_________\n(١) شرح كتاب التوحيد: سليمان بن عبد الوهاب: ١١٠.\n(٢) الإيمان: ٧٤.\n(٣) التمهيد: (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":289},{"text":"وقد قال بهذا بعض كبار السلف كابن عباس - ﵄ - والحسن البصري، وابن سيرين (١) - رحمهما الله -. (٢)\nهذا وقد توسطت طائفة من العلماء في تحديد العلاقة بينهما؛ نظرًا لوجود التلازم الواضح، كما يظهر ذلك من خلال تعريفهما، فذهبت إلى أن العلاقة بينهما تتمحور في إمكان ترادفهما حين الافتراق، وتغايرهما عند الاجتماع، لدلالة كل منهما على خصوصية معنى ليست في الآخر.\n* * *\n\nأما عن: رأي المتكلمين:\nلقد اختلفت عبارات المتكلمين في بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، فيرى الباقلانى أن الإيمان هو التصديق، والإسلام الانقياد، وعليه فكل مؤمن مسلم وليس العكس، ويبرهن على ذلك بأنه من المستحيل على المؤمن تركه للانقياد، أما المسلم فقد يكون منه انقياد بلا إيمان. (٣)\nولا يخفى ما في هذا من مناقضة لأصلهم في جعلهم العمل ثمرة للإيمان، وليس بلازم له.\nهذا وتذهب غالبيتهم إلى عدم التفريق بينهما، حتى لا يعارض الأصل المجمع عليه عندهم من أن تارك العمل لا يكفر، مع وجود التصديق بما جاء عن رسول الله - ﷺ -، فحقيقة مذهبهم أن: \"الإيمان والإسلام واحد، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد، بمعنى قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق\". (٤)\n_________\n(١) هو أبو بكر محمد بن سيرين البصري، كان أبوه عبدًا لأنس بن مالك - ﵁ -، وكانت أمه صفية مولاة أبي بكر الصديق - ﵁ -، أحد الفقهاء من أهل البصرة عرف بالورع والتقوى في وقته، توفى سنة: ١١٠ هـ انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ١٨٢).\n(٢) انظر: الإيمان لابن مندة: ٣١١. وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائى: (٤/ ٨١٢).\n(٣) انظر: الإنصاف: ٥٩.\n(٤) العقائد النسفية: ١٥٩.","vol":"1","page":290},{"text":"ويمتد هذا المفهوم حتى لا يفرق بين المسلم والمؤمن فـ: \"الإيمان هو تصديق الله تعالى فيما أخبر من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وهذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهى، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فلا يتغايران\". (١)\n* * *\n\nوعند سبر أقوال المتأخرين منهم نجد أنه في الغالب لا تخرج عن هذا المعنى وإن خالف بعضهم وفسر الإسلام بالانقياد الظاهرى.\nيقول السنوسى في مكانة شهادة التوحيد: \"جعلها الشارع ترجمة على ما في القلب من الإسلام\".\nويعلق على ذلك الدسوقى، فيقول: \"واعلم أن الإيمان والإسلام، قيل: إنهما مترادفان معناهما واحد، وهو التصديق بما جاء به النبي - ﷺ - مما علم من الدين بالضرورة. وعليه مشى المصنف.\nوقيل: وهو المعتمد أنهما متغايران، فالإيمان هو التصديق بما جاء به النبي - ﷺ -، والإسلام هو الامتثال الظاهرى\". (٢)\nوعلى هذا فالمسألة محل اختلاف بين المتقدمين والمتأخرين وإن كان الغالب في كلام الأشاعرة عدم المغايرة بينهما؛ لاتفاقهم على عدم إدخال العمل في صميم المعتقد (٣)، ومن خالف منهم فقد وقع في التناقض.\nوستتم مناقشة هذه الأقوال والترجيح بينها عند عرض كلام الصاوي ومناقشته في ضوء منهج السلف الكرام.\n_________\n(١) المرجع السابق: ١٦١.\n(٢) حاشية أم البراهين: ٢٢٢.\n(٣) انظر: تحفة المريد للباجورى: ٧٤.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيفرق الصاوي بين تعريف الإسلام والإيمان، فيرى أن الإسلام في اللغة: هو \"مطلق الانقياد. يقال: أسلمت الدابة واستسلمت يعني انقادت\". (١)\nوفى الاصطلاح: \"الانقياد إلى ما جاء به النبي - ﷺ -؛ مما علم ضرورة\".\nوحتى لا يناقض نفسه في قضية الإيمان، وأن العمل شرط كمال وليس داخلًا في حقيقته، يفسر المراد بقول اللقانى: \"والإسلام اشرحن بالعمل\":\nيقول: \"أي وضحه بالعمل الصالح، وهو امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمراد: الإذعان لتلك الأحكام، وعدم ردها سواء عملها أم لا\".\nأما عن موقفه من الشهادتين بالنسبة للإسلام، فيرى أنه \"لا بد منهما في ثبوت الإسلام، والحاصل أن النطق بالشهادتين من الإسلام\". (٢)\nأما الإيمان فقد سبق بيان معناه عنده من أنه: \"تصديق النبي فيما جاء به مما علم من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والزكاة والحج\".\nوفى تحديد العلاقة بينهما يرى \"أنهما مختلفان مفهومًا، متحدان ما صدق، متلازمان شرعًا\" (٣) فـ \"الإسلام انقياد ظاهرى ناشئ عن تصديق باطنى، والإيمان تصديق باطنى ينشأ عنه انقياد ظاهرى\".\nوحتى لا يظن أن التغاير في المفهوم الذي دل عليه العطف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، يقضى بتغاير الذات، يؤكد على قضية التلازم بين الإسلام والإيمان، يقول: \"لأن تغاير مفهوم المسلم والمؤمن كافٍ في العطف، فلا يلزم منه مغايرة ذات المؤمن لذات المسلم\".\n_________\n(١) انظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٥٧).\n(٢) حاشية الخريدة البهية: ١٧.\n(٣) حاشية الخريدة البهية: ١٢٤.","vol":"1","page":292},{"text":"ومن ثم فهو يحدد وجه المغايرة التي اقتضت العطف، يقول: \"الإسلام التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي - ﷺ -، والإيمان الإذعان القلبى بشرط النطق باللسان، ويكفى في العطف أدنى تغاير\". (١)\nومع ذلك؛ هو لا يقر بوجود التلازم في جميع الأحوال، بل يرى أن محله إذا اجتمع التصديق والانقياد الظاهرى في المكلف، \"وإلا فلا تلازم بينهما، بل قد يكون مؤمنًا وليس بمسلم إن كان معه تصديق، ولم يثبت منه نطق.\nوقد يكون مسلمًا وليس بمؤمن إن كان معه انقياد ظاهرى دون تصديق.\nوهو معنى قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] \". (٢)\nولإزالة إشكال قد يرد من تغاير موقف الصاوي إزاء التلازم الذي أكد على وجوده بين الإسلام والإيمان؛ حتى حكم باتحادهما ما صدق، يبين أن الإسلام الذي ورد في الآية إنما هو المعنى باللغة وإلا فـ \"الإسلام والإيمان الشرعيان المعتبران هما متحدان ما صدق، وإن كان مفهومهما مختلفًا: إذ الإيمان هو التصديق القلبى بشرط النطق بالشهادتين، والإسلام الانقياد الظاهرى الناشئ عن التصديق القلبى\". (٣)\nولكن الإشكال لا يزال قائمًا في حالة وجود التصديق القلبى مع انتفاء الإقرار، فإنه مما سبق يرى أن الشهادتين أصل في ثبوت الإسلام، ولا يصح الحكم على أحد بالإسلام إلا عند إقراره بهما، ومع ذلك فهو يقر شرعية مثل هذا التصديق، وأنه كافٍ في الحكم على صاحبه بالإيمان الشرعي الذي يخرجه من عداد الكافرين، حتى حكم على من صدق بلا إقرار بأنه مؤمن وليس بمسلم، كما هو واضح من كلامه السابق، ومع المناقشة سيزداد الأمر وضوحًا.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٦٠).\n(٢) حاشية الجوهرة: ١٦ - ١٧.\n(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ١٠٨).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المناقشة:</span>\nإن تفريق الصاوي بين الإيمان والإسلام مطلقًا من حيث المفهوم لا يسلم له في جميع الأحوال، وإنما فقط في حالة اجتماعهما معًا، وأنه في حالة الانفراد فإن العلاقة بينهما هي الترادف، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، منها حديث المصطفى - ﷺ - لوفد عبد قيس، حيث فسر الإيمان بأعمال الظاهر، فقال في معناه: (شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وتعطوا الخمس من المغنم). (١)\nوهذا التفصيل في بيان علاقة الإسلام بالإيمان يستند إلى الأمور التالية:\n- أولًا: التسليم بوجود مطلق التغاير بين الإيمان والإسلام؛ لعموم الأدلة التالية:\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nوقوله عز من قائل: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦].\nوكذلك ما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه قال: أعطى رسول الله - ﷺ - رهطًا وأنا جالس فيهم، فترك رسول الله - ﷺ - منهم رجلًا لم يعطه - وهو أعجبهم إلى - فقمت إلى رسول الله - ﷺ - فساررته فقلت: مالك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، قال: (أو مسلمًا).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب العلم - باب تحريض النبي وفد عبد قيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم، رقمه: ٨٧.","vol":"1","page":294},{"text":"قال: فسكت قليلًا، ثم غلبنى ما أعلم فيه فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ والله إنى لأراه مؤمنًا. قال: (أو مسلمًا. . .). إلى آخر الرواية. (١)\nوقد روى عن عبد الله بن الإمام أحمد أنه قال: [سئل أبى عن الإسلام والإيمان، فقال: الإسلام غير الإيمان] (٢)\nكما دل على ذلك حديث رسول الله - ﷺ -: (لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). (٣)\nقال: [يخرج من الإيمان إلى الإسلام، فالإيمان مقصور في الإسلام، فإذا زنا خرج من الإيمان إلى الإسلام] (٤).\n- ثانيًا: إن التغاير لا يكون ألا في حالة ما إذا ذكر الإسلام والإيمان في موضع واحد.\n- إن هذا التغاير مع التسليم بوجوده في حالات معينة؛ إلا أنه لا يمنع وجود تلازم بينهما، بحيث:\n- ثالثًا: إنه في حالة انفراد أحدهما عن الآخر يكون مرادفًا له للأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول؛ من دلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده. وذلك لعدة اعتبارات:\n- دلالة كل منهما على مسمى الدين، وذلك من حديث جبريل - ﵇ - حيث نبه المصطفى - ﷺ - أصحابه الكرام - رضوان الله عليهم - بعد ذهاب جبريل إلى\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الزكاة - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ حديث رقم: ١٤٧٨.\n(٢) رواه أبو بكر بن الخلال في السنة: ٦٠٤.\n(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأشربة - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾، حديث رقم: ٥٥٧٨.\n(٤) رواه أبو بكر الخلال في السنة: ٦٠٣. والإمام ابن منده في الإيمان لابن منده: (١/ ٣١١). وانظر: المسائل والرسائل للإمام أحمد: (١/ ١١٠).","vol":"1","page":295},{"text":"أن اختلاف تفسير الإيمان عن الإسلام لا يقضى بالتغاير، بل كل هذا من الدين الذي أتى جبريل - ﵇ - من أجل بيانه وتعليمه إياه لكم. وكان هذا هو استنباط الإمام البخاري - ﵀ -، حيث قال: [فجعل ذلك كله دينًا] (١).\nمما تقرر عند السلف أنه لا إيمان إلا بالعمل وكذلك لا إسلام إلا بالتصديق؛ فقد دلت نصوص الشرع على أن المؤمن، أو المسلم هو من استكمل فعل ما افترضه الله تعالى عليه. (٢)\n- اجتماع كل منهما في الدلالة على الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده وامتدح من اتصف به، ورتب السعادة في الدارين على الالتزام به. (٣)\nمما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nوقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nوفي بيان وجه الاستدلال يقول شيخ الإسلام: \"فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان، وجعله اسم ثناء وتزكية\". (٤)\nوفيما يلى كلام للإمام ابن رجب يوضح فيه بجلاء تام معنى قولهم: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، يقول: \"من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالًا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دالًا على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوى الحاجات والآخر على باقيها\". (٥)\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع الفتح: كتاب الإيمان - باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي، رقم الحديث: ٣٧، وانظر: تعليق الإمام ابن حجر على كلام البخاري في نفس المعنى: (١/ ١١٥).\n(٢) انظر: فتاوى شيخ إلاسلام: (٧/ ٣٥٩).\n(٣) انظر: تعظيم قدر الصلاة للإمام المروزي: (١/ ٣٤٥). والمرجع السابق: (٧/ ٣٦٤).\n(٤) مجموع الفتاوى: (٧/ ٣٦٤).\n(٥) جامع العلوم والحكم: ١٠٩.","vol":"1","page":296},{"text":"أما عن تطابق (الماصدق) عليهما، أي: أن المسلم هو المؤمن والمؤمن هو المسلم، فهذا أيضًا مما يلزم فيه التفصيل، فقد اتفق العلماء على إن كل مؤمن مسلم، أما الثانية وهى: أن كل مسلم مؤمن، فمحل اختلاف، فإن كل مسلم مؤمن من حيث وجود مطلق الإيمان معه، لا الإيمان المطلق، الذي يستوجب المدح؛ كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فإن الإيمان قد يطلق ويراد به المدح، وقد يطلق ويراد به فعل لازمه، فهؤلاء الذين منعوا من إطلاق الإيمان عليهم؛ كان ذلك لوجود المانع من إطلاق مسمى المدح، والذي لا يتأتى إلا عند فعل الواجبات وترك المحرمات.\nأما مطلق الإيمان فإنه لا يزول عنهم لارتكابهم بعض المخالفات التي تعد من المعاصى؛ فإن \"نفى الإيمان المطلق لا يستلزم أن يكونوا منافقين\"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].\nفكل من قصر في شيء مما ذكر؛ بحيث لا يخرجه فعله عن أصل الإيمان، لا يعد \"منافقًا من أهل الدرك الأسفل من النار، بل لا يكون قد أتى بالإيمان الواجب\". (١)\nأما مطلق الإيمان فثابت له، ولكنه غير مستحق للاسم لوقوعه في مخالفة ما يقتضيه الإيمان الكامل الموجب للمدح.\nويستدل شيخ الإسلام - ﵀ - لثبوت مطلق الإيمان لكل مسلم؛ بدخول كل من [المطيع والعاصي] من آحاد المسلمين في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦].\nكما يستدل على نفى المسمى الإيمان الموجب للمدح بقوله - ﷺ -: (أو مسلمًا. . .)، كما ذكرت ذلك سابقًا. (٢)\n_________\n(١) الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان: ٢٥٤ - ٢٥٧.\n(٢) صحيح البخاري: كتاب الزكاة - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ حديث رقم: ١٤٧٨.","vol":"1","page":297},{"text":"وقد أشرت من خلال عرضي لرأى الشيخ الصاوي أنه في علاقة المسلم بالمؤمن قد وقع في نوع من التناقض؛ حيث أثبت وجود التلازم بين الإيمان والإسلام الشرعيان - وهذا التلازم في الأصل مسلم له - ولكنه مع ذلك أقر بإيمان من حصل منه التصديق ولم يتبعه بإقرار مع قدرته على الإتيان به، وخالف بذلك ما أوجبه في ثبوت الإسلام، وبإقراره لمثل هذا الإيمان جوز أمرًا قد أجمع السلف على بطلانه، وهو إثبات الإيمان للمعين مع انتفاء الإسلام عنه، فيكون بذلك مؤمنًا غير مسلم. فإنه مع تفسيره للإسلام بالإذعان القلبى، إلا أنه حكم بفرضية الإقرار لثبوت الإسلام للمذعن فلا يكون مسلمًا - عنده - إلا من ثبت عنه الإقرار، بخلاف باقي الأركان الخمس.\nهذا مع أن القاعدة المجمع عليها، تقول: كل مؤمن مسلم، وإنما وقع الخلاف في العكس.\nيقول شيخ الإسلام في بيان هذه الحقيقة: \"وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنة هو تناقض. . . أما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا غيرهن من الإيمان، وقد تقدم ما بينه الله ورسوله من أن الإسلام داخل في الإيمان، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يكون مسلمًا، كما أن الإيمان داخل في الإحسان، فلا يكون محسنًا حتى يكون مؤمنًا\". (١)\nوقال - ﵀ - أيضًا في معرض تفنيده لمثل هذه الأقوال التي تعارض ما هو معلوم من الدين بالضرورة: \"ثم قولكم كل مؤمن مسلم، إن كنتم تريدون بالإيمان تصديق القلب فقط؛ فيلزم أن يكون الرجل مسلمًا ولو لم يتكلم بالشهادتين وما أتى بشيء من الأعمال المأمور بها، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام\".\n_________\n(١) الإيمان: ١٤٨.","vol":"1","page":298},{"text":"ثم بين - رحمه الله تعالى - بعد تمحيصه لحقيقة الفرق بين كلام السلف والمرجئة في العلاقة بين الإسلام والإيمان، مدى بعد ما أرادوا بقولهم كل مؤمن مسلم عن مراد السلف - رحمهم الله تعالى -، حتى قال: \"فقولهم في غاية المباينة لقول السلف، ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه\". (١)\nوحقيقة كلام المرجئة الجهمية مردود بكل حال؛ إذ التلازم بين الإيمان والإسلام يحتم أن يتبع التصديق العمل، وألَّا يحكم بإيمان من امتنع عن الإتيان به ما دام قادرًا على ذلك؛ لأن القاعدة تقول: الإرادة الجازمة مع القدرة التامة تنتج العمل (٢)، فما دام أنه قد صدق؛ فالواجب أن يظهر عليه لازم ذلك التصديق من العمل الواجب؛ وإلا امتنع الحكم عليه بالإيمان.\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ما ذهب إليه الصاوي في تفسير آية الأعراب بأن المراد من الإسلام فيها هو المعنى اللغوى وهو مطلق الانقياد، مؤكدًا بذلك على قضية التلازم بينهما هو أحد الأقوال فيها، والراجح أن المراد به - كما ذهب إلى ذلك جمع من أهل العلم - هو الإسلام الشرعي وأن ذلك لا يؤدى إلى منع التلازم بينهما بل يرجع إلى ما سبق بيانه من منع التسمية الموجبة للمدح، مع الإقرار بأصل الإيمان عندهم، وإلا لخرجوا من دائرة الإسلام بالكلية، وهذا ما يخالف معتقد أهل السنة والجماعة.\n* * *\n_________\n(١) الإيمان: ١٥١.\n(٢) انظر: الفتاوى: (٧/ ٥٢٥).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>(المبحث الثالث): الأسماء والأحكام</span>\nمن أهم القضايا التي تستند في مبدئها إلى إدراك حقيقة الإيمان والإسلام مسائل الأسماء والأحكام، والتى تعنى ثبوت وصف الإيمان والإسلام أو الكفر للمعين وما يترتب على ذلك من أحكام الوعد أو الوعيد.\nفإن موقف الخوارج من مرتكب الكبيرة ونعته بالكفر، ومن ثم الحكم عليه بالخلود في النار؛ كان في الحقيقة ناتجًا عن فهمهم لحقيقة الإيمان الشرعية، فمع موافقتهم للسلف الصالح - رضوان الله عليهم - في كونه مركبًا من قول وعمل، إلا أنهم بمنعهم للزيادة والنقصان فيه؛ حكموا على كل من قصر بالعمل الواجب بالكفر، والخلود في النار.\nهذا وقد تبعتهم المعتزلة في تعريف الإيمان الشرعي، وما يتبع ذلك من الحكم بالخلود في النار لمرتكب الكبائر (١)، إلا أنها امتنعت عن نعته بالكفر أو الإيمان لعدم توفر ما يقتضى التسمية بأحدهما من جهة الشرع، فعدلت عنهما إلى وصفه بالفسق في الدنيا (٢)، وحكمت عليه بالخلود في النار لتحقق موجبه عندهم من الذم واللعن، الذي إذا اجتمع مقتضيه من العصيان مع الطاعة لغلب عليه؛ إذ النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. (٣)\nولغلوهم في مكانة العمل من الإيمان، واعتقادهم أن الواجب منه بجميع أنواعه بمرتبة الأصل منه، لم يدركوا حقيقة الفرق بين الإسلام والإيمان؛ فظنوا أنهما بمنزلة واحدة من الدين، بحيث لا يمكن الانتقال من مسمى الإيمان إلا إلى الكفر\n_________\n(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ٧٠٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق: ٦٩٧ - ٧٠١ - ٧٠٢ - والفرق بين الفرق، للبغدادي: ١١٥، والنبوات لابن تيمية: ١٣٤.\n(٣) انظر: الحق الدامغ، للخليلى: ٢٠٧. وشرح الأصول الخمسة: ٦٠٦ - ٧٠٧.","vol":"1","page":300},{"text":"الصراح. (١)، وخالفوا بهذا صريح ما ثبت من النصوص الدالة على انتفاء الوصف بالإيمان لمرتكب الكبائر مع ثبوت الإسلام له، وأنه لا يخرج من كليهما إلا الكفر بالله تعالى. (٢)\nولما استقر هذا الأمر في اعتقادهم وتمكنت هذه الشبهة العقلية حتى غدت أصلًا من أصولهم؛ بنوا على أساسها فهمهم لنصوص الشارع الحكيم، فأخذوا بعمومات الوعيد وأغرقوا في إعمالها على ظاهرها، وقصروا في الجهة المقابلة بما يتعلق بنصوص الوعد وأعملوا فيها بالتأويل والرد، ولهم في ذلك شبه، كلها ترجع إلى ما سبق بيانه من تغليب جانب الوعيد على الوعد.\nهذا وقد أشرت سابقًا إلى الفرقة التي تبنت التيار المواجه لفكر الخوارج من أجل دحض ما خالفوا به إجماع الأمة، والثابت من النصوص الشرعية من عدم تكفير مرتكب الكبيرة، فقد حملهم هذا التوجه المندفع إلى عدم الفهم الصحيح لحقيقة النزاع أو ما يسمى بتحرير محل النزاع، فقاموا بشن هجوم عنيف على الحقيقة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة من كون الإيمان قول وعمل، ولم يدركوا أن السبب في الضلال أولئك هو القول بعدم الزيادة والنقصان، فأرادوا أن يدرؤوا باطلًا بآخر؛ فقصروا الإيمان على التصديق، ومنعوا إدخال العمل في مسماه حتى لا يؤدى التقصير فيه إلى ذهابه بالكلية. (٣)\n* * *\n\nوقد التزمت الأشاعرة نفس الأصل المعتمد لدى الخوارج في منعهم من اعتقاد تشعب الإيمان لإمكان حصول التناقض باجتماع النقيضين عند زوال بعض الشعب\n_________\n(١) انظر: شرح الأصول الخمسة: ٧٠٥.\n(٢) الشرح والإبانة على أصول الديانة، للإمام: ابن بطة العكبرى: ٢٠١.\n(٣) انظر: الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان، لشيخ الإسلام: ٢٤٢. وقد سبق مناقشتهم في مبحث حقيقة الإيمان الشرعية.","vol":"1","page":301},{"text":"دون بعضها، فإنه بزوال بعضه يجتمع مع نقيضه الكفر وهذا محال (١) ومن أجل التخلص من هذا الذي ظنته لازمًا لاعتقاد تشعب الإيمان، جعلته أصل واحدًا وهو التصديق، ومنعت زواله إلا بما يعرضه مباشرة من أنواع الكفر (٢): كالتكذيب، والشك والنفاق، فأخرجت بذلك العمل بشتى أنواعه من حقيقة الإيمان، ولم يعد للتقصير في جانبه أثر في نقض الإيمان وهذا بحد ذاته تفريط مخالف في مقابل إفراط الخوارج وغلوهم. (٣)\nوقصروا في المقابل بقضايا الأسماء والأحكام. فنعتوا من استقر في قلبه التصديق بالإيمان، ولو فرط بالتقصير في الأركان، وحكموا له برضا الرحمن؛ فخالفوا بذلك المنزل من القرآن على من وصف بالبيان - ﷺ - تسليمًا كثيرًا.\nفمن أهم ما نتج عن هذا الفهم السقيم لحقيقة الإيمان بإبعاد العمل عن مسماه، ما ذهب إليه المرجئة في تفسير الإسلام، حيث فسروه بما يوافق معتقدهم في إبعاد العمل حتى لا يكفر تاركه عندهم، فقالوا حقيقة الإسلام هي: الإذعان، سواء أتبع ذلك بالعمل أو لا، وخالفوا بهذا ما هو معلوم من الدين بالضرورة. (٤)\nوبناء على ما تأصل اعتقاده عند الأشاعرة من الجزم بإنفاذ الوعد لكل من أتى منه التصديق، فقد اعتمدوا منهج الأخذ بعموم نصوص الوعد التي وجدوا في ظاهرها ما يؤيد مذهبهم وتقديمها على نصوص الوعيد في ذلك؛ وكثيرًا ما يكون إعمال هذا الأساس لتدعيم الشبه العقلية بالدليل الشرعي.\nولا يخفى ما في هذا الفهم من تفريط قابل إفراط الخوارج باقبح منه، فلم يعد لديهم ضابط للتكفير سوى الإقرار بما يخالف التصديق من الشك أو التكذيب، وصارت حقيقة التوحيد مقصورة على من أتى بالتصديق، ولو أتى بما علم مناقضته للدين بالضرورة. (٥)\n_________\n(١) انظر: الإرشاد للجوينى: ٣٩٩. انظر: الإيمان لشيخ الإسلام: ٣٨٧.\n(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني: ٥٧.\n(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام: (٧/ ٥١٠).\n(٤) انظر: شرح العقائد النسفية: ١٥٩. والمبحث السابق في علاقة الإسلام بالإيمان.\n(٥) المواقف: ٣٨٨. وانظر: العقائد النسفية: ١٤٢. وانظر: مبحث التوحيد ونواقضه: ١٨٤.","vol":"1","page":302},{"text":"رأي الشيخ الصاوي:\nيمكن تحديد موقف الصاوي من هذه القضية باتجاهين، كلاهما يدور في محور واحد ولتقرير مبدأ واحد، أما الاتجاه الأول: فهو التأكيد على حقيقة الإيمان عند المرجئة، وأنه لا يخرج منه إلى دائرة الشرك إلا عند فساد أصل التصديق.\nأما الاتجاه الثاني فيتمثل في إبطال حجة الخوارج وأتباعهم من المعتزلة في تكفير مرتكب الكبيرة، والحكم عليه بالخلود في النار، مع تقرير المنهج المتبع عند الأشاعرة في هذه القضية، ومن ثم التشنيع على كل من حكم بالكفر على تارك العمل أو التقصير فيه وعده في جملتهم.\nوكثيرًا ما يعالج هذه القضايا المتشعبة دون فصل بينها؛ مؤكدًا على الهدف الرئيس منها وهو تقرير مذهبه في الإيمان، مع بيان ما يدعم ذلك من موقفه من نواقض الإيمان وحقيقة الكفر.\nوفيما يلى عرض لأهم ما قرره وذهب إليه، أشرت إليه تحت خطوط عريضة؛ حتى يتمكن من خلالها فهم ما توصل إليه في هذا الباب، ومن ثم عرضه على مذهب السلف الكرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>أولًا: حقيقة الإيمان، وبيان ما يناقضه:</span>\nيؤكد الصاوي - كما بينت سابقًا - على حقيقة الإيمان في كثير من المواضع مقررًا ما ذهب إليه الأشاعرة من قصره على التصديق دون العمل، مع بيان أن السبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة؛ عد العمل داخلًا في صميم الإيمان. (١)\nوعند تتبع أقوال الصاوي في نواقض الإيمان نجد أنه يقرر ما يؤكد به القضية السالفة، وذلك بحصرها في الاتجاه المعاكس للتصديق، أو ما يمثل الجانب الاعتقادى دون العملى.\n_________\n(١) انظر: المبحث السابق في معنى الإيمان: ٢٧٧.","vol":"1","page":303},{"text":"فالإنكار والاستحلال والنفاق هي أسس الكفر، والمعول عليه في استحقاق الخلود في النار؛ لأنها تعنى مناقضة الإيمان بالتكذيب.\n- يقول في بيان حقيقة الكفر الذي استحق لأجله من تلبس به الخلود في النار: \"إنما كان جزاء الكفار الخلود في النار؛ لأن الكفر إنكار لكمالات الله، وهى لا تتناهى، فكان جزاؤه عذابًا لا يتناهى، وذلك يتحقق بالخلود بخلاف معصية المؤمن\". (١)\n- أما عن الشرك؛ فيرى أن نسبة الشريك لله تعالى في ربوبيته كما فعل كفار مكة والنصارى كفر، وذلك لأن \"نسبة الشريك له - تعالى - يلزم منها التكذيب بآيات الله تعالى\". (٢)\nوقد سبقت الإشارة إلى أنه يرى قلة من كان كفره بسبب الشرك وأن غالب الكفر الواقع بسبب نواقض الإيمان التالية من الجحود والإنكار والنفاق والشك. (٣)\n- وكذلك الاستحلال، فيرى أن كل ما علم تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع فاعتقاد حله كفر مخرج من الملة. (٤)\n- كما أنه يقسم النفاق إلى قسمين: \"عملى واعتقادى، فالعملى أشار إليه - ﷺ - بقوله: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). (٥)\nوالاعتقاد هو إظهار الإسلام، وإخفاء الكفر\". (٦)\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ١٦٢).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ٦٧) وانظر: حاشية الصلوات الدرديرية: ٢٢.\n(٣) انظر: حاشية الخريدة: ٦٢، وحاشية الجوهرة.\n(٤) المرجع السابق: (١/ ١٢٢).\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة في كتاب الإيمان - باب علامة المنافق، حديث رقم: ٣٣. وفى كتاب: الشهادات - باب من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن ..، حديث رقم: ٢٥٣٦. وفى كتاب: الوصايا - باب قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، حديث رقم: ٢٥٩٨.\n(٦) حاشية الجلالين: (١/ ٢٣٧). وانظر: حاشية الصلوات الدرديرية: ٩٣.","vol":"1","page":304},{"text":"- وكل ما يتضمن التكذيب، كالشك، والعناد، والإنكار، كفر مخرج من الملة، يقول: \"المختار عند أهل السنة أن الأعمال الصالحة شرط كمال، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن فوت على نفسه كمال الإيمان\". (١)\n- ويعرف الشك بأنه: التردد بين شيئين على حد سواء، \"فإن العبد إذا تشكك في عقائده كفر\". (٢)\n- ويقول في حكم من جحد شيئًا من الأحكام: كل من جحد حكمًا علم من الدين بالضرورة، بمعنى أنه اشترك في معرفته الخاص والعام، فهو كافر، كجحد وجوب الصلاة أو شيء من أركانها المجمع عليها، كالسجود، وحرمة الزنا، والخمر ونحوهما\". (٣)\n- أما عن الأعمال فلم أجد نصًا عنده على تكفيو شيء منها لمرتكبها سوى السجود لغير الله تعالى، أو سب أي من الملائكة أو الكتب أو الرسل، والذبح بإقران اسم الله تعالى مع غيره، لما في الإتيان بها من علامة على التكذيب والجحود، يقول: \"السجود لغير الله كفر، محله إن كان من هوى النفس لا بأمر الله - يعني سجود الملائكة لآدم ﵇ -\". (٤)\nويقول في الإنكار والسب: \"من أنكر صفة من صفات الله، أو سب ملائكته أو أنكر الكتب السماوية أو سب رسله أو أنكر رسالتهم، فالكفر بواحد من هذه المذكورات كافٍ في استحقاق الوعيد؛ لأن الإيمان بكل واحد أصل من أصول الدين\". (٥)\nأما عن الذبح المذكور فسياق الكلام يوضح أن المراد مصاحبة ذلك الذبح اعتقاد\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ١٧.\n(٢) حاشية الصلوات الدرديرية: ٩٣.\n(٣) حاشية الجوهرة: ٦٧.\n(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ٦٠ - ٢٧٥).\n(٥) المرجع السابق: (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":305},{"text":"الإشراك في استحقاق المقرون ذكره العبادة مع الله تعالى، يقول: \"وأما المسلم إن جمع بينهما على وجه التشريك في العبودية فهو مرتد لا تؤكل ذبيحته\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>ثانيًا: تحقيق الوعد مع وجود مسببه من الإيمان:</span>\nيقول: \"المتقون هم الذين اتقوا الشرك وهم المؤمنون ولو عصاه؛ لأن المتقى هو الآتى بالتقوى ولو مرة واحدة. . . . .\nوالذي يجب الإيمان به أن الجنة تملك بالموت على كلمة التوحيد، ولو صحبها أمثال الجبال من المعاصى. غير أن أهل الجنة مراتب\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثالثًا: تحقق الوعيد مع وجود المقتضى من الكفر:</span>\nيؤكد الصاوي على وجوب أن ينال الكافر ما يستحقه من العذاب المؤبد؛ استدلالًا بنصوص الكتاب والسنة الدالة على هذا الأصل، وقد يعلل ذلك الجزاء العادل من الله تعالى بوجود مقتضيه من الكفر والشرك، الدال على الوقوع في أقبح الظلم وأشنعه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\nهذا ويجمع إلى ما تقدم الاستدلال بالدليل العقلى المستنبط من تلك الأدلة الشرعية على القطع بمقتضى السمع بإنفاذ الوعد في أهل الإيمان والوعيد في أهل الكفر، يقول: \"فتحصل أن وعد الله للطائفتين لا يتخلف جزمًا لتعلق علم الله به، والدليل السمعى.\nفلو جاز تخلفه لانقلب علم الله جهلًا، وللزم الكذب في خبره تعالى، وكذا وعيده للكفار.\nأما وعيده للعصاة فتحت المشيئة\". (٣)\nولبيان هذا الأصل يتأتى الكلام في القضايا التالية:\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ٤٠).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ٢٧٦). وانظر: (١/ ٢١٠).\n(٣) حاشية الجوهرة: ٣٥.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>رابعًا: موانع إنفاذ الوعيد لأصحاب الكبائر من المسلمين:</span>\nيعتقد الصاوي وجود مكفرات للذنوب سوى التوبة، وقد يذكر ذلك إما على سبيل إبطال حجة الخصم أو على سبيل تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، ويمكن تحديدها وفق هذا الحصر التالى من حواشيه المتعددة:\n١ - التوبة، يقول: \"فالصدقات لا تكفر جميع السيئات بخلاف التوبة فتكفر جميعها\". (١)\n٢ - الأعمال الصالحة، فالنص السابق يدل مفهومه على أن الصدقة تكفر الذنوب.\n٣ - المصائب، يقول في حال من مات من المسلمين متلبسًا بذنب بلا توبة: \"الغالب المغفرة؛ لأن فضل الله واسع، ورحمته تغلب غضبه، وكل ذلك ما لم يمت هديمًا أو غريقًا أو مقتولًا ظلمًا مثلًا، وإلا فيقوم ما ذكر مقام التوبة\". (٢)\n٤ - الحدود، يقول: \"وأما حدود المسلمين فالمعتد أنها جوابر\". (٣) \"فمتى قتل ولو من غير توبة فقد سقطت الحقوق كلها؛ لأن السيف يجب ما قبله\". (٤)\n٥ - الشفاعة، يقول: فـ \"العاصى إذا مات مصرًا على المعاصى تحت المشيئة إن شاء عذبه مدة ثم يعفو عنه؛ بشفاعة النبي - ﷺ -، وإن شاء لم يعذبه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة\". (٥)\n٦ - العفو، كما دل عليه النص السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>خامسًا: الرد على شبه الوعيدية:</span>\nيقول في الرد على كل من جزم بإنفاذ الوعيد لأهل الكبائر على جهة المكث الأبدى:\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ١٢١).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٢١٠).\n(٣) المرجع السابق: (١/ ٢٦٥).\n(٤) المرجع السابق: (١/ ٢٦٩).\n(٥) المرجع السابق: (٢/ ٢٧٦).","vol":"1","page":307},{"text":"\"وقال أبو هاشم الجبائى وجمهور المعتزلة: إن المتقين هم الذين اتقوا جميع إلمعاصى، فلا يثبت دخول الجنة إلا لمن ترك جميع المعاصى، وهذا مذهب باطل؛ لمخالفته النصوص القرآنية والأحاديث النبوية\". (١)\nوفي معرض آخر يصرح بالأدلة التي يبطل بها مذهبهم من النصوص الشرعية، يقول: \"أما المعاصى فلا تبطل ثواب الأعمال الصالحة خلافًا للمعتزلة القائلين بأن الكبائر تحبط الأعمال كالردة، ورد كلامهم بقوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] \" (٢).\nوكان هذا ردًا منه بالدليل الشرعي الذي يقطع ببطلان مذهبهم القائم على وجوب إنفاذ الوعيد للعصاة، حيث دل على أن الأمر راجع إلى مشيئته سبحانه، فقد يجازي بالعقاب المتوعد به، وقد يعفو فلا معقب لحكمه سبحانه.\nوهذا من حيث الأصل في إنفاذ الوعيد لأهل الكبائر، أما في وقوعه على جهة التأبيد لهم، كما يعتمدونه في جانب الذم الموجب لمماثلة حكم أهل الكفر ويستدلون له بالشبه العقلية والنقلية، فللرد عليهم في هذا الباب يوجه أجوبة متعددة، كلها من القوة بمكان، مصوبًا بها أقوى الأدلة النقلية التي يستندون إليها في دعم مذهبهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].\nفأجاب أولًا بـ:\n- سبب نزول هذه الآية، فبعد أن أورد القصة التي اشتهرت في سبب النزول وهى أن من قام بالقتل رجع إلى الكفر؛ معلنًا بذلك ارتداده عن دين الإسلام، وأن الوعيد في الآية قد توجه إليه بناء على ما آل إليه فعله، قال: \"فعلى هذا الخلود في الآية على ظاهره\" أي أنه استحق ذلك لأنه ارتد عن دينه بعد وقوع القتل منه.\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢٧٦/ ٢).\n(٢) المرجع السابق: (٤/ ٨٩).","vol":"1","page":308},{"text":"ثانيًا:\nفي الرد على من اعترض بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال إنه يجاب عن ذلك بعدة أجوبة:\n- \"أنه محمول على المستحل لذلك.\n- أن هذا جزاؤه إن جوزى، أي إن عامله الله بعدله جازاه بذلك، وإن عامله بفضله فجائز أن لا يدخله النار\".\nهنا يورد ما قد يضعف الاحتجاج به، فيقول: \"ولكن في هذا الجواب شيئًا؛ لأن فيه تسليمًا أنه إذا جوزى يخلد في النار، وهو غير سديد للقواطع الدالة على أنه لا يخلد في النار إلا من مات على الكفر.\n- أنه يحمل الخلود على طول المكث\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>سادسًا: موقفه من مخالفيه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀):</span>\nمما سبق تبين كيف أن الصاوي رد كلام الخوارج والمعتزلة في تكفير مرتكب الكبيرة، وقارعهم في سبيل ذلك بالحجة والبرهان، ولكنه في المقابل لم يكن على استبصار بحقيقة ما حملهم على التكفير، فكل ما قام به في تحليل موقفهم والداعى لما ذهبوا إليه هو تفسيرهم الإيمان بالعمل والطاعة.\nأقول: إن هذا التصور الخاطئ لحقيقة مذهب الخوارج، حمله على تعميم الحكم في كل من جعل العمل داخلًا في حقيقة الإيمان، وكفر لأجل ذلك من أخل بأصول الإيمان منه، إما بترك الإتيان به كتارك الصلاة بالكلية مثلًا، أو بالتوجه به لغير الله تعالى على جهة الإشراك في توحيد الإرادة والقصد، كما سبق وأن أشرت إلى هذه القضية في مبحث نواقض التوحيد.\nولما كانت الحركة الإصلاحية بقيادة الإمام محمد بن عبد الوهاب هي من تتزعم هذه القضايا - في ذلك الوقت (٢) - مستضيئة بهدى الكتاب والسنة، وقد انتشر صيتها\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ٢٢٤).\n(٢) انظر مبحث: الحالة السياسية في عصر الصاوي: ١٤.","vol":"1","page":309},{"text":"بين البلاد، وذاع خبرها في الدعوة إلى ما كان عليه سلف الأمة من تعظيم جانب العمل والإخلاص في التوجه به لله تعالى، بعيدًا كل البعد عن معتقد الخوارج الذي حدى بهم إلى تكفير مرتكب الكبيرة، كثر مناوؤها من مختلف البقاع الإسلامية وقاموا بتشويه معالمها، وتحريف بعض ما أتت به من خالص الحق والبيان، فاستجاب لهم الكثير إما تعصبًا وحمية؛ لما كان عليه آباؤهم وكبار علمائهم من تعظيم القبور والتوجه لساكنيها بالدعاء والاستغاثة إلى غير ذلك.\nوإما جهلًا بحقيقة الدعوة والأسس التي تقوم عليها، كل هذا كان له أسوء الأثر في تحديد موقف الصاوي من هذه الدعوة المباركة، التي كانت قد اشتهرت بالوهابية، نسبة إلى مؤسسها الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -، وفيما يلى نص يصرح فيه بذلك، يقول في تفسير الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].\nوقيل: هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنة ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم، كما هو مشاهد الآن في نظائرهم، وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم: الوهابية، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون - نسأل الله الكريم أن يقطع دابرهم -\". (١)\n\nالمناقشة:\nالخلاف مع الأشاعرة في حقيقة الإيمان مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالخلاف معهم في حقيقة الكفر، فلا يمكن بحال الفصل بينهما في تقرير منهج السلف الكرام في هذه القضية.\n_________\n(١) المرجع السابق: (٣/ ٢٨٨). هذا وإنى لأعجب من بعض طلبة العلم من حملة الشهادات العالية كيف يتأتى لهم نقل مثل هذه النصوص على جهة القبول والرضا لما جاء فيها، دون أدنى تبصر وطلب للحقيقة، مع تيسر هذا في العصر الذي نعيشه! .","vol":"1","page":310},{"text":"ومع سبر أقوال الصاوي في مسائل الأسماء والأحكام يمكن الخلوص إلى النقاط الرئيسة التي يجب أن يدور حول محورها النقاش التفصيلى الموصل للحقيقة المستهدفة، وهى كالتالى:\n\nأولًا: الإيمان وحقيقة الكفر:\nمع ما سبق من بيان مكانة العمل من الإيمان عند السلف، إلا أن التأكيد على هذا الأصل متحتم في هذه القضية على جهة الخصوص، إذ الفرق الشاسع بين معتقد المرجئة في العمل من أنه ثمرة للإيمان ومعتقد السلف من أنه لازم له لا يتصور انتفاؤه مع وجود ملزومه؛ جعل هذا أساس في كل اختلاف تفرع عنه من مسائل الأسماء والأحكام، فالتكفير بترك العمل بالكلية ولو مع غير استحلال وإنكار أصل في المعتقد الصحيح المستمد من نصوص الكتاب والسنة، فكما أن التوحيد منه ما هو عملى، وهو توحيد الإرادة والقصد، ومن أخل به وقع في الشرك المناقض لأصل التوحيد المنجى، كذلك الإيمان منه ما هو عمل والعمل منه ما هو أصل فيه، بحيث لو أخل المكلف بالإتيان به وقع في الكفر المناقض للإيمان.\nوالحقيقة التي لا مراء فيها أن الإيمان الشرعي يدخل فيه التوحيد بإقرار الأشاعرة أنفسهم، كما سبق بيانه ولكن الخلاف معهم في نوع هذا التوحيد، وما هو المنجى منه، فهم يقرون بأن من صدق بالله تعالى واعتقد مشاركًا له في ربوبيته لم ينجه ذلك الإيمان، لأنه خالف الإيمان الشرعي الذي يحكم لمن أتى به بالنجاة في الدارين، يؤكد هذا عدهم الإشراك في توحيد الربوبية من نواقض الإيمان الكفرية، إذ الكفر أنواع والشرك واحد منها، كما هو واضح من كلام الصاوي، وإن اعتقد بقلة من كفر من الثقلين بسببه. (١)\nفهذا الأصل المجمع عليه بين الأشاعرة والسلف يعد نقطة مهمة في تحديد محور الخلاف، الذي به يمكن التوصل إلى نتيجة تقنع المتجرد لمعرفة الحقيقة، فإذا ثبت أن\n_________\n(١) انظر مبحث نواقض التوحيد: ١٨٤.","vol":"1","page":311},{"text":"توحيد الإرادة والقصد والذي يعني إفراده تعالى بأنواع العبادة الفعلية والاعتقادية من صميم التوحيد الذي يحصل به النجاة؛ ثبت في المقابل أن الإيمان المنجى ما كان مشتملًا على الأركان الأساسية من العمل، كالإقرار والصلاة والتحاكم لشرع الله تعالى في كل صغيرة وكبيرة مع الإتيان بشرط قبوله من الإخلاص والمتابعة؛ لأنه لا يقبل منه إلا ما تحقق فيه ركنى توحيد الإرادة والقصد.\nوإذا تبين مدى الارتباط الوثيق بين مكانة العمل من الإيمان بحقيقة التوحيد المنجى في المعتقد الصحيح النابع من مقتضى التسليم بنصوص الوحى المنزل من عند الله تعالى؛ ثبت أنه لا انفكاك في الاعتقاد الجازم بأن الإخلال بأى منهما هو من الكفر المخرج من الملة بالكلية.\nوفي ما يلى نصوص من الكتاب والسنة، تثبت هذه الحقيقة المجمع عليها عند السلف:\n- قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].\nروى الخلال عن الإمام أحمد ما نصه: \"قال الحميدي: وأخبرت أن قومًا يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت فهو مؤمن؛ ما لم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وفعل المؤمنين، قال الله ﷿: ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.\nقال حنبل: قال أبو عبد الله: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به\". (١)\n_________\n(١) السنة: ٥٨٦ - ٥٨٧.","vol":"1","page":312},{"text":"- وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].\n- وقال عز من قائل: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١].\nفهذا نص على أن النجاة المناطة بدخول الدين المرتضى من عند الله سبحانه لا تكون إلا بالإتيان بهذه الفروض المذكورة، ومن المعلوم أن الدين مراتب: إسلام فإيمان فإحسان، كما دل على ذلك حديث جبريل - ﵇ -، فتعليق حصول الأخوة الدينية على شرط الإتيان بالعمل دليل على انتفاء موجبها من التدين عمن لم يتأتى منه ذلك العمل.\nيقول الصحابى الجليل أنس - رضي الله تعالى عنه -: \"هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، قال: توبتهم: خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ \" (١)\n- وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧].\nففى هذه الآية دليل بيَّن على أن ترك الانقياد والإعراض عن الطاعة لازم لانتفاء الإيمان بالله تعالى من قلب العبد، يقول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: \"ففى القرآن والسنة من نفى الإيمان عمن لم يات بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق\" (٢)\n_________\n(١) (٦/ ٣١٩).\n(٢) الإيمان: ١٣٧.","vol":"1","page":313},{"text":"وقد استدل - ﵀ - بهذه الآية الكريمة، وبغيرها من الأدلة الكافية في بيان هذا الأصل المجمع عليه عند السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -.\nومن كل ما سبق نصل إلى أن حقيقة الكفر، كما دلت عليها نصوص الكتاب والسنة إنما تكون بمناقضة الإيمان الشرعي المركب من الاعتقاد والقول والعمل، فكل ما ناقض هذه الأصول هو كفر صراح مخرج من الملة بالكلية.\nفأنواع الكفر الأكبر المنافى للإيمان إضافة إلى ما ذكره الصاوي، كما بينها العلماء هي:\n\n- كفر الشرك:\nفقد تقدم أنه لا يتحقق التصديق بالله تعالى إلا بتوحيده عن مماثلة الغير ذاتًا وأفعالًا، وصفاتًا، كما أنه لا يتحقق لازم التصديق من العمل إلا بتوفر شرطى القبول: الإخلاص والمتابعة، ركنى توحيد الإرادة والقصد.\nفالارتباط إذًا واضح، بين حقيقة الإيمان المنجى، والتوحيد المعتمد الذي يجعل تحقق كل واحد منهما لازمًا لوجود الآخر، وانتفاء أحدهما دليلًا على انتفاء الثاني، فالتصديق الذي هو أصل الإيمان مرادف لقرار بربوبيته تعالى، ولازمه من العمل الصالح مرادف لتوحيد الألوهية.\nوعليه، فأى إخلال يقدح في التوحيد من ناحية الاعتقاد أو العمل يعد كفرًا مناقضًا للإيمان مخرجًا لصاحبه من الملة.\nوالأدلة على هذا الأصل كثيرة متضافرة:\nقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].\nيقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في بيان هذا الشرك الذي صدق على أصحابه وصفهم بالكفر: \"وهذه التسوية إنما كانت في الحب والتأليه واتباع ما شرعوا، لا في الخلق والقدرة والربوبية، وهى العدل الذي أخبر به عن الكفار.","vol":"1","page":314},{"text":"وأصح القولين أن معنى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، فيجعلون له عدلًا يحبونه ويقدسونه ويعبدونه، كما يعبدون الله\". (١)\n\n- كفر الإعراض والتولى:\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].\nوقال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨].\nوالنصوص الثابتة من جهة الشرع في الدلالة على أن الإعراض بالقلب أو العمل عن مقتضى الإيمان من الانقياد بالقلب واللسان لما يرضى الرحمن كثيرة ومتضافرة، وقد أشرت إلى هذا عند بدء الحديث عن حقيقة الكفر المناقض للإيمان.\nولى أن أقف مع عمل من الأعمال الظاهرة، قد استفاضت الأدلة الشرعية في بيان مكانته من الإيمان، بحيث لو انتفى الإتيان به كان دالًا على وجود موجبه من الكفر المخرج من الملة: الصلاة، ذلكم المعلم البارز الدال على حقيقة التدين، حتى استحق أن يكون الحد والمانع بين النقيضين: الكفر والإيمان.\nفمن تلك الأدلة قول المصطفى - ﷺ -: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). (٢)\nولا شك في أن مجى الكفر معرفًا في الحديث؛ دليلًا على تحديده بالكفر المعهود الذي صار علمًا على مناقضة الإيمان بالكلية.\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة لابن القيم: (٢/ ١٣٢).\n(٢) أخرجه الترمذي: كتاب الإيمان - باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم الحديث: ٢٦٢١. وقال: حديث حسن صحيح غريب: (٥/ ١٥). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: ٢١١٣: (٢/ ٣٢٩). وأخرجه ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، رقم الحديث: ١٠٧٩: (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":315},{"text":"يوضح هذا المعنى شيخ الإسلام - ﵀ - حين قارن بين الكفر المتعلق ببعض الكبائر، الذي وردت به الأحاديث منكرًا، وبين هذا الكفر الذي أتى معرفًا في سياق ما ورد في بيان مكانة الصلاة والتحذير من التهاون فيها، يقول: \"ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر، يصير بها كافرًا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها مؤمنًا، حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته\".\nوفرق بين الكفر المعرف باللام، كما في قوله - ﷺ -: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة). (١)\nوبين كفر منكر في الإثبات. (٢)\nوقد أجمع الصحابة على ذلك فـ: \"لم يكن أصحاب النبي يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة\". (٣)\nوقال أبو عيسى (الترمذي): سمعت أبا مصعب المدنى، يقول: من قال: الإيمان قول يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٤)\nومع التوصل إلى محل النزاع بين الفرق المختلفة في هذه الحقيقة الكبرى، أعنى الإيمان والكفر، كان كل اختلاف بعدها في مسائل الأسماء والأحكام من الوعد والوعيد يعد تفرعًا عن هذا الأساس.\nويفهم حقيقة الخلاف فيه تتجلى كل التصورات الفاسدة فيما انبنى عليه من المسائل التالية:\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (٢/ ٧٠).\n(٢) اقضاء الصراط المستقيم: ١٠٨.\n(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان - باب ما جاء في ترك الصلاة، حديث رقم: ٢٦٢٢. (٥/ ١٥). وأخرجه المروزي في الصلاة: رقمه: ٩٤٨. وصححه الألباني، في صحيح الترمذي برقم: ٢١١٤: (٢/ ٣٢٩).\n(٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":316},{"text":"ثانيًا: تحقق الوعد مع وجود مقتضيه من الإيمان:\nوهنا سيدور النقاش مع الصاوي في هذه القضية حول بعدين من أبعادها:\nأولًا: تسمية من أتى بالتصديق المجرد عن العمل، أو من أتى بالتصديق مقترنًا بالإقرار بالمؤمن.\n- وإطلاق التقوى على كل من وحد الله تعالى التوحيد المعتبر عند الأشاعرة، أو من أتي بالتقوى ولو مرة واحدة في عمره!\nثانيًا: الحكم على من صدق ولو مع انعدام العمل باستحقاق الجنة.\nوهذا في الحقيقة مناقض للصريح من النصوص الشرعية كما بين ذلك العلماء.\nأذكر منها: حديث المصطفى - ﷺ - لوفد عبد القيس حين عرف الإيمان بالأعمال الظاهرة، فقد دل هذا الحديث على أنه لا يحكم لأحد بالإيمان حتى يكون منه العمل الصالح، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه\". (١)\nأما الأحاديث التي وردت في بيان فضل كلمة التوحيد، وأنها مفتاح الجنة فصحيحة، ولكن لا دليل فيها على ما يذهب إليه المرجئة من استحقاق الجنة بالتلفظ بها دون تصديقها بالعمل، فقد اتفق العلماء على أن هذه الكلمة تمثل الميثاق والعهد الذي أنيط به الالتزام بكافة الأحكام الشرعية، وهذه بدورها منها ما هو أصل في قبولها، بحيث يعد التخلي عن الالتزام به ناقضًا من نواقض كلمة التوحيد، لذا فقد عد العلماء لهذه الكلمة سبعة شروط، انتفاء أي واحد منها يعد ناقضًا لها:\nالعلم واليقين والقبول ... والانقياد فادر ما أقول\nوالصدق والإخلاص والمحبة ... وفقك الله لما أحبه (٢)\n_________\n(١) الإيمان: ٣١٩.\n(٢) للحافظ الحكمي من معارج القبول.","vol":"1","page":317},{"text":"وهذا الذي ذكره العلماء في بيان شروط كلمة التوحيد إنما هو حصيلة الجمع بين نصوص الكتاب والسنة، والذي يحتمه التسليم والرضا بكافة ما ورد فيهما دون تغليب لجانب على آخر، فلا إفراط ولا تفريط.\nوإذا ثبت هذا الأصل، علم أساس الضلال فيما انبنى على مسائل الإيمان والكفر من أحكام الوعد والوعيد عند الفرق المختلفة، فعلاوة على ما سبق بيانه من الأسس التي انبنى عليها فهم كل منهم لهذه المسائل العظام التي ترتكز عليها أحكام الدنيا والآخرة، فإن ذلك الفهم القاصر لحقيقة ما جاء به الدين المنزل من عند الله تعالى؛ حمل كل فرقة منهم على تغليب جانب منه على الجانب الآخر، مما يدل على ضعف البصيرة التي امتدح الله تعالى عباده المتصفين بها.\nفالخوارج غلبوا جانب الوعيد على الوعد، والمرجئة في المقابل غلبوا جانب الوعد على الوعيد؛ فضلت الفئتان عن سلوك الصراط المستقيم الموجب للإيمان بـ (كل من عند ربنا) وكان السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - هم من مثل منهج التوسط في هذا الباب كما أسلفت سابقًا.\nفالارتباط بين الظاهر والباطن، حقيقة لا ينكرها إلا جاحد معاند، فإن من اطمأن قلبه بالإيمان والتسليم لا بد أن يظهر أثر ذلك على ظاهره يالامتثال للمأمور والترك للمحظور، والعكس بالعكس فإن من انطوى على خبث نية حتى مع إظهار ما يخالفها لا بد أن يتبين حقيقة ما أسره ولو من فلتات لسانه.\nفمن غير المعقول أن يمتنع المكلف عن الامتثال مع توفر المقتضى من الإيمان والتصديق، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام ابن القيم - ﵀ - حيث قال: \"مبدأ كل علم نظرى، وعمل اختيارى هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضى وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطى العادة\". (١)\n_________\n(١) الفوائد: ١٧٣.","vol":"1","page":318},{"text":"دل على هذا الأصل حديث المصطفى - ﷺ -: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). (١)\nيقول الإمام ابن رجب (٢): \"فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه:\nفإن كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبة الله تعالى، ومحبة ما يحبه .. صلحت حركات الجوارح كلها.\nوإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه .. فسدت حركات الجوارح كلها\". (٣)\nوهذا لازم لمن نطق بكلمة التوحيد على جهة الإخلاص والتسليم، فإن لهذه الكلمة العظيمة نورًا تتفاوت درجات قائليها بقدر قوته وضعفه.\nفكلما عظم نورها أحرق ما صادفه من الشهوات والشبهات، وقد يضعف فلا يحول بين قائلها وبين الوقوع في المحرمات. (٤)\nوأما في حال انتفائه، فهذا هو النفاق الذي كان عليه المنافقون، فإنه لشدة ضعف نورها في قلوبهم مع ذهاب موجبها من التصديق التام، ينطفئ فيحصل لهم التيه في ظلمات الكفر والضلال، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠].\nوبعد هذا التفصيل في حقيقة الإيمان الموجب للفوز وتحقق الوعد بالنجاة، تتحتم المناقشة في قضية مهمة سبقت الإشارة إليها، وهي: تعريف التقوى بأنها الإقرار\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان - باب فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم: ٥٢.\n(٢) هو الحافظ المحدث زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن البغدادي الدمشقي الحنبلي الشهير بابن رجب اشتغل بالحديث والسماع والوعظ له مؤلفات عميمة النفع منها: شرح جامع أبي عيسى الترمذي، وشرح الأربعين النووية توفي سنة: ٧٩٥. انظر شذرات الذهب: (٦/ ٣٣٧).\n(٣) جامع العلوم والحكم: ٢١٠.\n(٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٣٣٤.","vol":"1","page":319},{"text":"بالتوحيد - كما فهمه الأشاعرة - وأن هذا كافٍ في نيل ما وعد به المتقون من الأمن التام، وتحقق السعادة في الدارين.\nإن حقيقة ما ذهب إليه الصاوي في هذا الجانب غلو في باب الوعد لا يقره مستبصر بأقوال السلف وفهمهم لحقيقة التقوى التي استفاضت الأدلة بالأمر بالتمسك بها وتعليق النجاة على تحقيقها.\nقال عبد الله بن مسعود الصحابى الجليل - ﵁ - في معنى التقوى: \"أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر\". (١)\nوقال الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز: \"تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير\".\nوقال الصحابى الجليل معاذ بن جبل - ﵁ -: المتقون هم قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله بالعبادة. (٢)\nوقد أفاض الإمام ابن رجب في عرضه لأقوال السلف في تعريفها، وبيان المراد منها، وبناء على ما اشتملت عليه تلك الأقوال من نكت مهمة ومعانٍ عظيمة يمكن الخلوص إلى ما مفاده: أن التقوى منها الكاملة، ومنها الواجبة، ومنها ما هو أصل في الدين فلا يتأتى القبول إلا بتحققه.\nفالكاملة هي التي تعنى بلوغ مرتبة الإحسان، فاجتناب المعاصى والمكروهات وفعل الواجبات والمستحبات هو السبيل إلى الاتصاف بها، وهذا كتفسير ابن مسعود وتفسير علي - ﵄ - لها وغيرهما من كبار الصحابة والتابعين وهذه هي التي يتحقق الفوز الكامل والنجاة في الدارين على الأتيان بها، وبها تنال ولاية الله تعالى التامة التي تستوجب تمام رضاه عن العبد فينتفى عنه الخوف والحزن في الدارين، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب التفسير - باب تفسير سورة آل عمران، وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي: (٢/ ٢٩٤).\n(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب: (١/ ٤٠٠).","vol":"1","page":320},{"text":"قال الإمام الثوري - ﵀ -: إنما سموا متقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يتقى.\nوكلما قل الالتزام بالتقوى؛ قل ما أنيط بها من حصول الأمن وانتفاء الحزن.\nأما التقوى الواجبة فهى التي أرادها الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز - ﵁ - وهى التي تحمل صاحبها على فعل المامور وترك المحظور، وكم من الآيات التي تأمر المؤمنين بالتمسك بها، ومن المعلوم أن الأمر مقتضاه الوجوب، كما هو معلوم في أصول الفقه على القول الراجح في المسألة؛ لذلك قال الإمام ابن رجب: \"وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات، كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى\" (١)\nوأصل التقوى هو ما ذكره الصحابى الجليل معاذ بن جبل - ﵁ - من أنها: نبذ الشرك وإخلاص العبادة لله تعالى. فالمراد إذًا تحقيق توحيد الألوهية الذي يعني الإتيان بركنى القبول، فالمقصود: أن تكون من العبد عبادة، ولا يسمى العمل عبادة لله إلا إذا كان مما تعبدنا الله تعالى به على لسان نبيه، وأن يراد بها وجه الله تعالى.\nوهذا ما فسر به قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قال: أخلصه وأصوبه\" (٢).\nوعليه فإن ما ذهب إليه الصاوي في أن المتقى هو من أتى بالتقوى ولو مرة واحدة، مخالف للتقسيم السابق الذي دل عليه فهم علماء الامة لحقيقة التقوى المأمور بها، حتى صارت علمًا عند الكثير على ترك المعاصى والحذر منها؛ خوفًا من عقاب الله تعالى، وحذرًا من عذابه.\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ٤٠٢).\n(٢) الفتاوى: (٧/ ٤٩٥).","vol":"1","page":321},{"text":"فالتقى هو من أخذ بأسباب السلامة من موجبات الغضب والعقاب؛ فاستحق بذلك خالص الثناء الدال على عظيم الجزاء والثواب، أما قبول العمل الذي اشترط بالتقوى فهو الذي بينه شيخ الإسلام بأن يكون ذلك العمل قد اتقى الله تعالى فيه، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث.\nوهذا ما التبس على الصاوي حيث لم يفرق بين التسمية التي تضافرت الأدلة على أنها لا تكون إلا لمن اتصف بالامتثال للمأمور واجتناب المحظور، حتى صارت علمًا على ذلك، كما هو ظاهر من أقوال السلف، وبين أصل التقوى التي هي شرط في قبول العمل، وعليه فإن المفرط لا يستحق هذا الوصف على جهة التسمية، كما فرق بين وصف الإيمان المطلق الموجب للفوز والنجاة من العذاب، وبين مطلق الإيمان المانع من الخلود في النار.\nففرق بين التقوى المناطة بقبول آحاد العمل، وبين التقوى المطلقة المقتضية لنيل الدرجات العلى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].\n\nثالثًا: القطع بإنفاذ الوعيد مع تحقق المقتضى وانتفاء المانع:\nفالصاوي يقطع بإنفاذ الوعيد لكل من استحقه بوقوعه في الكفر المناقض للإيمان بأنواعه المعتبرة عند الأشاعرة؛ كالإشراك في الربوبية، والتكذيب، والشك، والنفاق، ومناقشته في هذه القضية ترجع إلى بيان حقيقة الكفر المعتبر شرعًا، والذي عليه يترتب الوعيد بالخلود في النار، وقد تقدم ذلك.\nأما عن موانع إنفاذ الوعيد التي أوردها في حق من آمن ووحد، فلا خلاف في أحقيتها مع تحقق الإيمان الشرعي الذي دلت عليه النصوص الشرعية التي قضت باعتباره لثبوت حكم الإيمان للمعين.\nهذا وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - إضافة إلى ما ذكر - أن من الموانع:","vol":"1","page":322},{"text":"- دعاء المؤمنين، قال رسول الله - ﷺ -: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه). (١)\n- ويدخل فيه كل ما يصل إلى الميت من بر وصلة، كما دل عليه حديث المصطفى - ﷺ -: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية. وعلم ينتفع به. وولد صالح يدعو له). (٢)\n- وكل ما يلقاه المسلم بعد موته من ضمة القبر أو عذابه وأهوال يوم القيامة، فهو من المكفرات إذ لا تخرج عن جملة البلايا المكفرة للذنوب. (٣)\nوفي رده على الشبه النقلية للوعيدية، نجده قد وافق الحق الذي عليه سلف الأمة، ومع ذلك لا يخلو الأمر من بعض التوجيهات في هذه القضية الشائكة والتي قام بعرض أقوال السلف فيها دون ترجيح لراجح منها، بحيث لا يرد عليه اعتراض من صاحب هوى، وذلك أن القول الأول الذي أورده كجواب على المعترض باعتبار السبب دون عموم اللفظ وهو الاستحلال، لا يقوى في الرد على شبههم، لأنه من الثابت في أصول الفقه أن ترتب الحكم على الوصف المناسب يدل على كونه علة له، وهو ما يسمى بدوران الحكم مع العلة وجودًا وعدمًا (٤)، كما أن منشأ استحقاق الوعيد هو قتل العمد لا الكفر لأنه ليس بعد الكفر ذنب، فدل على أن ارتكاب جريمة القتل في حق المؤمن هو المراد بالوعيد الوارد في الآية.\nأما الجواب الثاني وهو: هذا جزاؤه إن جازاه، فقد أجاد في بيان عدم كفايته، ولكن الأقوى أن يقال: إن هذا القول يفضي إلى اعتقاد أن كلامه سبحانه منه ما هو محض خبر، لأنه إما أن يتحقق وقوعه أو لا يتحقق.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس - ﵄ - في: كتاب الجنائز - باب: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه: (٧/ ١٨).\n(٢) رواه الترمذي في: كتاب الأحكام - باب في الوقف، رقم الحديث: ١٣٧٦، وقال: حديث حسن صحيح: (٣/ ٦٦٠).\n(٣) انظر: الفتاوى: (٧/ ٤٨٧، ٥٠١).\n(٤) انظر: روضة الناظر وجنة المناظر، لابن قدامة المقدسي: (١/ ٢٤٥).","vol":"1","page":323},{"text":"فالفرض الأول: وهو إمكان وقوعه لبعض أهل الكبائر يقضي بخلودهم في النار، وهذا مخالف لصريح النصوص الشرعية الحاكمة بعدم خلودهم فيها.\nأما الفرض الثاني: وهو القطع بعدم تحققه، فإنه يفضي إلى ما سبق بيانه من اعتقاد أن كلامه سبحانه منه ما هو محض أخبار لا يلزم من الإخبار بها أن تتحقق، وهذا باطل. وقد يفتح بابًا للتأويل الغير معتبر شرعًا، المبني على غير أساس من الصحة.\nوكان جوابه الثالث الذي أورده وهو تأويل الخلود في حق مرتكبي الكبائر بطول المكث موافقًا للكثير من أهل السنة وقد احتجوا باستعماله في اللغة، وذلك أن استعمال الخلود لطول المكث مما عهد في لغة العرب، قال الشاعر:\nفوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صمًا خوالد ما يبين كلامها (١)\nيقول الإمام ابن كثير - ﵀ -: \"وبتقدير دخول القاتل في النار إما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به فليس بمخلد بها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل\" (٢)\nوقد اعترض عليه بأنه يفتح باب التأويل لجميع النصوص التي ورد فيها الخلود بأنه المكث الطويل بما في ذلك الخلود في الجنة للمؤمنين والخلود في النار للكافرين. (٣)\nيقول الحافظ ابن حجر: \"وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام كأنه يقول: يخلد مدة معينة، وهذا أبعدها\". (٤)\nوالقول الفصل في الجمع بين نصوص الوعد التي قضت بخلود المؤمنين إما على سبيل النجاة الكاملة أو مع وقوع العذاب واندفاعه بعد ذلك لتحقق موجب الوعد\n_________\n(١) ديوان لبيد بن ربيعة ضمن شرح المعلقات العشر، أحمد الأمين الشنقيطي: ٧٥.\n(٢) تفسير القرآن العظيم: (١/ ٧٠٢).\n(٣) انظر: الوعد الأخروي، د/ عيسى السعدي: (٢/ ٥٦٨).\n(٤) الفتح: (٣/ ٢٢٨).","vol":"1","page":324},{"text":"من الإيمان، وبين نصوص الوعيد التي دلت على استحقاق مرتكبي الكبائر للخلود في النار هو ما ذكره الإمام ابن القيم - ﵀ - حيث بين أن هذه النصوص كل الذي دلت عليه هو \"المقتضى للعقوبة\" بمعنى السبب الموجب لترتب الحكم عليه.\nوهذا المقتضى في الحقيقة الشرعية لا يلزم من وجوده وجود ما يقتضيه من أحكام العقوبة على الإطلاق، لأنه سبب، والسبب حتى يعمل لا بد من وجود مقتضيه أن تنتفى موانع إنفاذه، وقد ثبت أن لإنفاذ الوعيد موانع تحول دون وقوعه على من أتى بها، وعلى رأس تلك الموانع: التوحيد، الذي دلت النصوص القاطعة على اعتباره مانعًا من وقوع الوعيد إما قطعًا، أو على جهة التأبيد، فقد ثبت عن المصطفى - ﷺ - أنه قال: (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة: قلت: وإن سرق وإن زنا؟ قال: وإن سرق وإن زنا). (١)\nوالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، والشفاعة وغير ذلك مما تقدم، كلها تؤكد هذه الحقيقة.\n\"ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات؛ اعتبارًا بمقتضى العقاب ومانعه، وإعمالًا لأرجحها\". (٢)\nوهذا هو مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ حيث \"جعل ما دون ذلك الشرك معلقًا بمشيئته\" (٣) وقد أحسن الصاوي في استدلاله بهذه الآية لبيان بطلان مذهب الوعيدية في هذا الباب.\nوتبقى مناقشته في حقيقة هذا الشرك الذي توعد الله تعالى من وقع فيه بعدم المغفرة الموجبة للقطع بالخلود في النار.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد - باب كلام الرب مع جبريل، رقم الحديث: ٧٤٨٧.\n(٢) مدارج السالكين: (١/ ٤٠٠).\n(٣) فتاوى شيخ الإسلام: (٧/ ٤٨٤). ولمزيد من التوسع في هذا الباب يوصي بالرجوع إلى كتاب الوعد الأخروي، للشيخ الدكتور/ عيسى السعدي.","vol":"1","page":325},{"text":"رابعًا: موقفه من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -:\nومن هنا نصل إلى أساس الخطأ الذي حمل الصاوي وأمثاله على مناوأة الدعوة السلفية بقيادة الإمام محمد بن عبد الوهاب، فقد كانت القضايا المتعلقة بإخلاص التوحيد لله تعالى علمًا وعملًا، مع إقامة شرائع الدين، كما دلت عليها نصوص الوحي، هي الدعائم التي تمثل الركيزة الأولى التي قامت على أساسها هذه الدعوة المباركة.\nومع عدم وضوح الحق للبعض، التبس على الكثير الأمر، فظنوا أنها ذنب من أذناب الخوارج المكفرين بغير سلطان أتاهم. وشتان بين من كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، وبين من كان في حمأة الضلال يرجع الرد والأخذ إلى هواه، فلا هو مستنير بهدى الكتاب، ولا سنة المصطفى - ﷺ -، وقد كان فيهما الهدى والكتاب المنير لمن أراد الحق والرشاد.\nوالنزاع الحاصل في الحقيقة يرجع إلى القضايا التالية:\n- ارتكاب ما ينافي حقيقة الإيمان من النواقض المكفرة.\n- مسألة تكفير المعين.\nولي وقفة مع كل واحدة منها أبين فيها كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب حتى يظهر لطالب الحق البون الشاسع بين مذهب الخوارج، وحقيقة ما دعا إليه الإمام - عليه رحمة الله تعالى -.\nوقد سبق لي بيان حقيقة الإيمان الشرعي، وما يناقضه من أنواع الكفر المخرج من الملة. وهنا فقط التزم بعرض أقوال للإمام التي صرح فيها ببيان أهمية الحفاظ على سلامة العقيدة من النواقض السالفة الذكر، والتأكيد على مكانة التوحيد وأنه الركن الذي عليه المعول في قبول العمل، وكيف أنه حرص أشد الحرص - ﵀ - على أن يعيد لكلمة التوحيد حقيقتها المستمدة من الوحى.\nفقد دلت نصوص الوحي على أن كلمة التوحيد تمثل التزامًا تكليفيًا فعليًا من","vol":"1","page":326},{"text":"القائل يتوجب عليه بمجرد التلفظ بها القيام بحقوقها وحمايتها من فعل ما يناقض حقيقة الإقرار والتسليم لمقتضاها.\nفمع انتشار الجهل، وعموم البلوى بظهور ضعاف العلم؛ وقع الكثير في اعتقاد أن التلفظ بها كافٍ في الحماية من الكفر بأنواعه. هنا أتت كلماته الصادقة - ﵀ - تلفت الانتباه وتوقظ الغافلين من سبات الجهل والضلال إلى \"أن مراد النبي - ﷺ - بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه\". (١)\nوحرصًا منه - ﵀ - على جلاء هذه الحقيقة التي شوهت معالمها عند الكثير، عمل جاهدا على إبراز معالم الدين المنزل من عند الله تعالى على الرسول - ﷺ -، وحقيقة ما كان يدعو إليه من الدعوة إلى توحيد الألوهية ومحاربة ألوان الشرك التي أفرزها البعد عن هدى الرسل والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -، وقد استدعى هذا أن يبين حقيقة الشرك الذي وقع فيه كفار قريش وكيف أنه لم يكن الداعي إليه اعتقاد مصرف غيره في الكون وإنما أتي القوم من قبل أنفسهم باعتقاد أن ثمة ما يقربهم إليه سبحانه بأنواع الوسائط والشفاعات الشركية، التي تقدح في حقيقة ما دعا إليه الرسل بقولهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، كما بين ذلك القرآن الكريم، ودل عليه صراحة.\nكل هذا كان محل أولى اهتمامات الشيخ - ﵀ - في دعوته الناس في سائر الأقطار، فقد أهاله أن تقال هذه الكلمة، ثم لا يكون ذلك رادعًا من الوقوع فيما يناقضها رأسًا، بأن تنتهك حرمات هذا الدين من قبل الدجالين تحت شعارات زائفة باسم الولاية والكرامة إلى غير ذلك. (٢)\nفأتت دعوته المباركة واضحة المقصد نبيلة الغاية، ترنو إلى إعادة التصور السليم لحقيقة التوحيد، كما أنزل به القرآن غضًا طريًا على محمد - ﷺ -.\n_________\n(١) مجموعة التوحيد: ١٠٢.\n(٢) وسيأتي الحديث عنها بمشيئة الله تعالى في باب التصوف مع بيان حقيقتها الشرعية وما داخلها من أكاذيب وافتراءات: ٧٧٨.","vol":"1","page":327},{"text":"يقول: \"اعلم - رحمك الله -: أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده.\nفأولهم نوح - ﵇ - أرسله الله إلى قومه لما غلو في الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.\nوآخر الرسل محمد - ﷺ -، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون، ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين، بعث الله إليهم محمدًا - ﷺ - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم - ﵇ - ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا نبى مرسل، فضلًا عن غيرهما\" (١)\nوبناء على هذا العرض المجمل لأهم ما دعا إليه الإمام - ﵀ -، يتبين ضلال من قام باتهام الشيخ بأنه مكفر للمسلمين مضلل لهم بغير سلطان ولا بينة، ومع هذا فقد كان الشيخ - ﵀ - رجل علم وصاحب حق على ورع وتقوى متبع لمنهج السلف الكرام في هذه المسائل العظام قد فرق بين كفر المعاند الضال، وبين الجاهل من عامة المسلمين.\nوبهذا يكون الإمام قد فارق الخوارج من كل جانب، أولها: أنه لم يكفر أحدًا لارتكاب الكبيرة، كما فعل الخوارج من قبل، بل الكافر شرعًا - عنده - هو من أتى بناقض من نواقض الإيمان القولية أو الفعلية أو الاعتقادية، كما اتضح سابقًا عند عرض منهج السلف الكرام في هذه القضية.\nيقول - ﵀ -: \"ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام\" (٢)\n_________\n(١) مجموعة التوحيد: ٩٩.\n(٢) مجموعة مؤلفات الشيخ: (٥/ ١١).","vol":"1","page":328},{"text":"ويوضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حقيقة هذه الدعوة المباركة وبعدها كل البعد عن معتقد الخوارج، يقول: \"فإنا نعتقد أن من فعل أنواعًا من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، إنه لا يخرج بفعله من دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة\". (١)\nأما الجانب الثاني: فهو أنه - ﵀ - لم يكفر أحدًا من المسلمين قد ارتكب ناقضًا من نواقض التوحيد المعهودة شرعًا إلا عند تحقق الشروط وانتفاء الموانع.\nومن هنا أتى تفنيد الشيخ - رحمه الله تعالى - لكل الأباطيل التي افتريت عليه من قبل من لم يفهم حقيقة ما دعا إليه، يقول: \"وأما القول بإنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم\".\nويبين الشيخ منهجه في الحكم بالكفر على المعين، يقول: \"إنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها\". (٢)\nوبهذا يبطل كل ما افترى عليه بغير ذلك، يقول: \"وأما ما ذكر الأعداء عنى أنى أكفر بالظن والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله\". (٣)\nويبقى بعد هذا العرض المجمل للقضية أن أسأل الله تعالى الهداية لكل من التبس عليه الأمر في حقيقة هذه الدعوة المباركة، إنه ولى ذلك والقادر عليه.\n_________\n(١) الهدية السنية: ٤٠.\n(٢) المرجع السابق: (٥/ ٦٠).\n(٣) المرجع السابق (٥/ ٢٥). ولمزيد من التوسع في هذا الباب يوصى بالرجوع إلى: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد العزيز على العبد اللطيف. وضوابط التفكير عند أهل السنة والجماعة، لفضيلة شيخنا الدكتور/ عبد الله القرني.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الفصل الخامس: (آراؤه في الإيمان بالملائكة)</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الإيمان بالملائكة الأطهار.\nالمبحث الثاني: عالم الجن، والشياطين.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار</span>\nتعريف الملائكة -:\nالملائكة جمع ملاك، وملك، ولفظه بدون همز أشهر في لغة العرب، وقد يهمز فيقال: ملاك، فعلى هذا يكون أصل الاشتقاق من الألوكة، وهي الرسالة، فيكون سبب التسمية ما أنيط بهم من مهام الإرسال وقد سماهم المولى بذلك فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧].\nوقيل: أصله من الملك وهو الأخذ بقوة، وقيل: مخفف من مالك، لتوليهم ما أمرهم الله به من شؤون الناس، كما يسمى من تولى أمر الناس ملكًا.\nوالقول الأول أقرب وأصح من جهة المعنى، واللغة.\nوالتاء في ملائكة تأكيدًا لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة؛ الخيل الشداد. (١)\nوقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسابة، والأول أصح. (٢)\n- ويعرف الملك في الاصطلاح؛ \"بأنه جسم لطيف نوراني يتشكل بأشكال مختلفة\" (٣)\n- وحقيقة الملائكة، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية: خلق من خلق الله ﵎، عقلاء، نورانيون، أحياء، ناطقون، أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، منزهون عن الشهوات الحسية، لا تدركهم الحواس المجردة، إلا لمن أراد الله له رؤيتهم كالأنبياء مثلًا.\n_________\n(١) انظر: اللسان: (٧/ ٤٢٦٩)، والقاموس: (٣/ ٣٢٠).\n(٢) انظر: فتح الباري: (٦/ ٣٠٦).\n(٣) التعريفات للجرجاني: ٢٨٤، والتعارف للمناوى: ٦٧٥.","vol":"1","page":331},{"text":"قال المصطفى - ﷺ - في بيان أصل خلقهم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم). (١)\nوقال تعالى في بيان ما جبلوا عليه من صفات حميدة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].\nوالإيمان بالملائكة الأطهار من الحقائق الغيبية، التي نوه القرآن بشأن من حقق التصديق بها، وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nولم يكتف الشارع الحكيم بأن أوجب الإيمان بها، بل جعل هذا الإيمان مقتضيًا لمحبتها وموالاتها، والاقتداء بها، والمهابة منها.\nأما عن محبتها وموالاتها، فقد جعل معاداة ملك من الملائكة سبيلًا لمعاداته تعالى قال تعالى في شأن اليهود: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧].\nثم أتبع ذلك ببيان أن من عادى ملائكة الله تعالى، فقد استحق الوصم بالكفر الموجب لغضب الله ولعنته: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨].\nأما عن الاقتداء بها، فقد نوه المولى تعالى بعظيم عبادتها لله وحسن إخباتها لربها وإدامتها لأنواع العبادة والذكر بما يجعلها أسوة للعابدين الذاكرين، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد والرقائق - باب في أحاديث متفرقة: (١٨/ ١٢٣).","vol":"1","page":332},{"text":"تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥، ٢٠٦].\nأما عن مهابتها، فقد بين المولى تعالى ما جبل عليه ملائكته الموكلين بالعذاب من عظم الهيئة والغلظة وتمام الطاعة لأمر ربهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.\n- هذا والحديث عن ثمار الإيمان بهم، وما يستلزمه حقيقة التصديق بما ورد في حقهم حديث عظيم، فإن العبد إذا استشعر معية الملائكة له في حال عبادته لربه، كالذكر والدعاء والصلاة والعلم والجهاد، فإنه لا يخفى ما يضفيه ذلك الشعور النابع من حقيقة التسليم على ممارسته لتلك العبادات من جد واجتهاد، وزيادة في الإخلاص، وكلما كان إيمانه بهذه الحقائق الغيبية أقوى، كلما ازداد أثرها، وآتت ثمرها بإذن ربها.\nثم إن في استشعار معيتها، وما تقوم به من أنواع التكاليف المتعلقة بإثابة العبد المؤمن، كالحفظ والاستغفار وحضور مجال الذكر وإنزال السكينة، ما يعينه على الثبات في الطاعة، ويملأ عليه أجواء تلك العبادة بالأنس والطمأنينة، يقول الشيخ محمد قطب: \"ويزيد أنس الإنسان بالملائكة حين يعلم أنهم قريبون منه وأن بعضهم يسير معه حيث سار، وبعضهم يتنزلون عليه بالسكينة والطمأنينة؛ كلما أقبل على الله وتوجه إليه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١] \" (١).\nإلى جانب ما يضفيه التصديق بهيئتها، وما جبلت عليه من عظيم القدرة على\n_________\n(١) ركائز الإيمان: ١٨١.","vol":"1","page":333},{"text":"القيام بعظيم المهام، من استشعار قدرة الله تعالى المعجزة، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال في وصف أحدهم: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) (١).\n\nرأي الشيخ الصاوي:\nأولًا: عالم الملائكة:\nيعرف الصاوي الملائكة من جهة اللغة، فيقول: التاء في ملائكة لتأنيث الجمع، وإذا حذفت امتنع صرفه لصيغة منتهى الجموع، جمع ملك وأصله ملأك، ووزنه فعأل فالهمزة زائدة، ومادته تدل على الملك، والقوة، والسلطنة، وقيل: وزنه مفعل فالميم زائدة، وقيل: هو مقلوب وأصله مألك من الألوكة، وهي الرسالة، قلب قلبًا مكانيًا فصار ملاك، وفى وزنه القولان المتقدمان، وعلى كل فيقال: سقطت الهمزة فصار ملك\" (٢).\n- أما من جهة الشرع، فيقول في تعريفهم: \"الملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكلات بالصور الغير الحسية، ولا تحكم عليهم الصورة\" (٣).\nيوضح الصاوي كيفية الإيمان بالملائكة، فيقول: \"يجب الإيمان إجمالًا بجميع الملائكة، وتفصيلًا بمن اشتهر منهم، وهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ورضوان، ومالك.\nوأما منكر، ونكير، فلا يكفر منكرهما؛ لأنه اختلف في أصل سؤال القبر\" (٤)\nوهذه الشهرة لا تعنى عنده أنهم بمنزلة واحدة، بل الصحيح أن \"رؤساءهم أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة - باب في الجهمية، رقم الحديث: ٤٦٩٤: (٥/ ٢٣٨). وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: ٣٩٥٣: (٣/ ٨٩٥)، وفي السلسلة الصحيحة ١٥١.\n(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ٣٢١)، وشرح المنظومة: ١٤٢.\n(٣) حاشية الجوهرة ٤٦، وانظر: شرح المنظومة.\n(٤) حاشية الجوهرة: ٤٦.","vol":"1","page":334},{"text":"ثم يفصل القول في بيان مهام هؤلاء الرؤساء من الملائكة: \"فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل موكل بالأرزاق، وإسرافيل موكل بالصور، وعزرائيل موكل بالأرواح\" (١).\nوهذا الإيمان لا يكون إلا وفق ما أتت به الأخبار الصادقة عن صفاتهم، مقرونًا بالاحترام والإكرام، يقول: \"يجب الإيمان بالملائكة، أي بأنهم عباد مكرمون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة\".\nوتأكيدًا لهذا المعنى، وإبعادًا لكل ما يناقضه فإنه يحكم على \"من نقص واحد منهم بالكفر، ومن التنقيص قول بعض العامة في حق أعوان الظلمة: إنهم كزبانية جهنم، وقولهم في حق رجل عبوس: إنه كعزرائيل\". (٢)\nولما كانت الملائكة، كما أتت بذلك الآيات والأحاديث، على هيئة مغايرة للمعهود من المخلوقات، فإنه ينبه إلى بعض ما يمتازون به عن البشر؛ استنباطًا من تلك الآيات والأحاديث الصحيحة، يقول: \"ومن خصائصهم أن لهم قدرة على الأفعال العظيمة، كقلع الجبل مثلًا، ولا يموتون إلا بين النفختين، يسكنون العالم العلوي، وينزلون الأرض لتدبير العالم على حسب مناصبهم، وهم أكثر المخلوقات عددًا، فعوالم البر والبحر بالنسبة لهم، كشعرة بيضاء في ثور أسود، وما يعلم جنود ربك إلا هو\" (٣)\nولكل ما تقدم فلم يكن من مقدور البشر رؤيتهم على صورتهم الحقيقية، فإنه \"لم يرى الملك على صورته الأصلية أحد من البشر إلا رسول الله ﷺ مرتين مرة في الأرض عند غار حراء، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء\" (٤).\n_________\n(١) شرح المنظومة: ١٤٢، حاشية الجلالين: (٣/ ٢٤٥).\n(٢) حاشية الجوهرة: ٤٦.\n(٣) حاشية الصلوات: ٤١. وانظر: حاشية الجلالين: (٢/ ٣١٤).\n(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ٥).","vol":"1","page":335},{"text":"ويتعرض الصاوي لوصف بعض طوائف الملائكة، وذلك عند تفسيره للآيات الواردة فيها، يقول في صفة حملة العرش: \"اعلم أن حملة العرش أعلى طبقات الملائكة، وأولهم وجودًا وهم في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة ثمانية\".\nويسترسل في وصفهم على ما يراه ثابتًا فيهم، يقول: \"ورد أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، وكل وجه من الأربعة يسأل الله الرزق لذلك الجنس، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، جناحان على وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيتصدع، وجناحان يصفق بهما في الهواء، يروى أن أقدامهم في تخوم الأرض السفلي، والأرضون والسموات إلى حجزهم، ورءوسهم خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون أطرافهم، وهم أشد خوفًا من أهل السابعة، وأهلها أشد خوفًا من أهل السادسة وهكذا\". (١)\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ [الرعد: ١١]، يقول: هي \"ملائكة تحصي الأعمال لما ورد: إن كل إنسان له ملكان ملك عن يمينه وملك عن شماله، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين حالًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: اصبر لعله يتوب منها، فإن لم يتب منها كتبها صاحب الشمال.\nوقيل المراد بالحفظة: الملائكة الموكلون بحفظ ذوات العبيد من الحوادث والآفات، وهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وقيل المراد ما هو أعم، وهو الأتم\".\nويبين بعد ذلك جواب ما قد يرد من استفسار حول الحكمة من تواجد مثل هذه الأنواع من الملائكة، يقول: فـ \"إن قلت إن الله هو الحافظ فلم وكلت الملائكة بحفظ الشخص، أجيب بأن ذلك تكرمة لبني آدم وإظهار لفضلهم، والحكمة في كون الملائكة تكتب على الشخص ما صدر منه؛ أنه إذا علم ذلك ربما كان ذلك داعيًا للخوف والإنزجار عن فعل القبائح والمعاصى\" (٢).\n_________\n(١) المرجع السابق: (٤/ ٣).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ١٩).","vol":"1","page":336},{"text":"ويفصل القول في بعض المهام التي أنيطت بالملائكة، كقتالها مثلًا، يقول: \"اعلم أن قتال الملائكة من خصائص هذه الأمة، وليس مخصوصًا بواقعة بدر، بل ورد أن جبريل وميكائيل قاتلا مع النبي في أحد، حين فرت أصحابه\" (١).\nومع هذا الإقرار منه بعدم تخصيص قتال الملائكة في بدر، فإنه يذهب إلى ما يناقضه في موضع آخر، يقول: \"ورد أن جبريل نزل بخمسمائة وقاتل بها في يمين العسكر، ونزل ميكائيل بخمسمائة وقاتل بها في يسار الجيش، ولم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل\". (٢)\n* * *\n\nتعليق:\nيستند تعريف الملائكة بأنهم أجسام نورانية إلى ما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم). (٣)\nوهذا النور الذي خلق منه الملائكة من مخلوقات الله تعالى، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: (أخذ رسول الله - ﷺ - بيدى فقال: خلق الله - ﷿ - التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم، - ﵇ -، بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل) (٤).\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ١٦٧).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ١١٠).\n(٣) تقدم تخريجه: ٣٣٢.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: ابتداء الخلق: (١٧/ ١٣٣).","vol":"1","page":337},{"text":"- أما عن مكانة الإيمان بها، فقد تقدم فرضيتها، وتكفير من أنكر واحد منها، إلا أن ما ذهب إليه الصاوي من استثناء إنكار منكر ونكير من موجبات الكفر، وتعليله ذلك بالاختلاف الواقع في أصل سؤال القبر مما لا سند له، بل الحق أنه: \"قد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به\" (١).\nوليس في وجود من اعتقد خلاف ذلك ما يمنع من سحب مسمى الكفر عليه على جهة الإجمال؛ لأن إنكار أو رد أي أمر من الأمور التي تواتر الإخبار بها مما يلحق الكفر بصاحبه، ومع ذلك فقد وضع العلماء شروطًا مفصلة لتكفير المعين، وقد سبق الكلام في هذه المسألة. (٢)\nولعله قصد بالخلاف في هذه المسألة ما كان من بعض طوائف المعتزلة والخوارج، الذين حكى مذهبهم في ذلك ابن حزم - ﵀ -، قائلًا: \"ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وسائر المعتزلة إلى القول به\" (٣).\nوعلى أي حال فإن مثل هذا الخلاف من هؤلاء الطوائف لا يعتد به لمعارضته ما تواتر خبره عن رسول الله - ﷺ -.\nأما ذكره من أعمال كبار الملائكة فصحيح مشهور، وقبل بيان مستنده في ذلك يحسن الإشارة إلى الأصول التي يقوم عليها الإيمان بما اتصفت به الملائكة من أعمال:\nأما الأصل الأول: فهو الإيمان المجمل بأنه تعالى قد كلفهم بمهام عظيمة وكثيرة، وأنهم قد قاموا بها على أتم ما يكون به الامتثال، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا\n_________\n(١) شرح الطحاوية: ٣٩٩.\n(٢) راجع مبحث الأسماء والأحكام في فصل: آراؤه في الإيمان: ٣٠٠.\n(٣) الفصل: (٤/ ٦٦).","vol":"1","page":338},{"text":"أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] كقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾.\nأما الثاني: فالإيمان بما ورد على جهة التفصيل من أعمالهم، كالعبادة والتسبيح وتبليغ الوحى، وكتابة الأعمال، وحفظ الناس، وقبض الأرواح، وإنزال القطر، وخزانة الجنة والنار، إلى غير ذلك من الأعمال التي نص الكتاب والسنة بقيامهم بها، وأعظمها على الإطلاق ما يتعلق بتسبيح الله تعالى وتنزيهه، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].\nوقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].\nيليها ما يتعلق بإرسال الرسل من تبليغ الوحى، فمن المعلوم أن جبريل - ﵇ -، أعظم الملائكة مكانة عند الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].\nأما ما يلى ذلك من الأعمال، فقد نص الشارع على الكثير منها، ومن ذلك كتابة الأعمال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١].\nومنها قبض الأرواح، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].\nومنها النفخ في الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].","vol":"1","page":339},{"text":"ومنها تعذيب الكفار، والترحيب بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١].\nوفي ترحيبهم بالمؤمنين: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\nومنها قتال الكافرين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].\nومنها أعمال لم يرد تفصيل قيامهم بها في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾\nوالأدلة في هذا الباب كثيرة عظيمة:\n- وينطبق ذلك التفصيل في الإيمان بأسمائهم وأعيانهم، فنحن نؤمن بمن ورد تسميتهم أو صفتهم في الكتاب والسنة، كجبريل وميكال ومالك على جهة التفصيل، ونؤمن بكل الملائكة سواء عرفنا أعيانهم بالأسماء أم لا، وذلك على جهة الإجمال، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].\n* * *\n\nأما من أورد الصاوي أعمالهم على جهة التفصيل مقرونًا بأسمائهم، فيفصل","vol":"1","page":340},{"text":"القول فيه، فجبريل - ﵇ - وكل بالوحى، وهذا مما تثبته نصوص الكتاب والسنة، وقد ورد ذكره صريحًا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا مستفيض معلوم بأدلة الكتاب والسنة.\nوكذلك ميكائيل - ﵇ - فهو من وكل بالقطر كما ذكر، حيث وردت الأحاديث ببيان ذلك، فقد روى ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - سأل جبريل: (على أي شيء ميكائيل؟)، فقال: على النبات والقطر\" (١)\nأما إسرافيل - ﵇ -، فقد ثبتت تسميته بهذا الاسم في الأحاديث الصحيحة، فقد كان من دعاء النبي - ﷺ - إذا قام من الليل: (اللهم! رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم). (٢)\nولكن إضافة النفخ إليه مما لم يثبت فيه دليل معتمد إذ لا تخلو أسانيدها من مقال، منها ما ذكره الطبري في التفسير دون ذكر السند، حيث قال \"والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ). (٣)\n_________\n(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير، عن عبد الله بن عباس - ﵄ -، رقم الحديث: ١٢٠٦١: (١١/ ٣٧٩). وأخرج بنحوه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس، برقم: ٢٤٨٣، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح: (٣/ ١٢٨).\n(٢) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب: باب الدعاء في صلاة الليل، رقم الحديث: ١٨٠٨: (٢٩٨: ٦).\n(٣) (٧/ ٢٤١)، ومنها ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وحكم بضعفه، فقال: \"روينا في حديث آخر بإسناد ضعيف عن ابن عباس في صفة القيامة فذكر في صفة الصور وعظمه وعظم إسرافيل ثم قال: فإذا بلغ الوقت الذي يريد الله أمر إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى، فتهبط النفخة من الصور إلى السموات فيصعق سكان الموات بحذافيرها وسكان البحر بحذافيرها ثم تهبط النفخة إلى الأرض، فيصعق سكان الأرض بحذافيرها، وجميع عالم الله وبريته فيهن من الجن والإنس والهوام والأنعام. قال وفي الصور من =","vol":"1","page":341},{"text":"فقد ضعف الإمام ابن حجر - ﵀ - جميع الروايات التي ورد فيها نسبة النفخ إليه (١).\nوإن كان القول به مما اشتهر عند أهل العلم حتى ذكر القرطبي - ﵀ - إجماع الأمة عليه (٢)، وكذلك نقل عن الحليمى كما ذكر الحافظ في الفتح. (٣)\n_________\n= الكوي بعدد من يذوق الموت من جميع الخلائق فإذا صعقوا جميعًا، كتاب: الثامن من شعب الإيمان - باب في حشر الناس بعد ما يبعثون من قبورهم إلى الموقف الذي بين لهم من الأرض، رقم الحديث: ٣٥٣: (١/ ٣١٢). ومنها ما أخرجه الطبراني الأوسط عن عائشة، وعندها كعب الحبر فذكر إسرافيل، فقالت عائشة: يا كعب أخبرني عن إسرافيل، فقال كعب: عندكم العلم؟ فقالت: أجل فأخبرني قال: له أربعة أجنحة، جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والعرش على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم، ثم درست الملائكة وملك الصور، جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محني ظهره، شاخص بصره، قد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور، فقالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"رقم الحديث: ٩٢٨٣: (٩/ ٢١٠) وقد حسنه الهيثمي، فقال: \"رواه الطبراني بإسناد حسن: الترغيب والترهيب: (٤/ ٣٨١)، ولكن العيني في العمدة قدح في صحته لضعف أحد الرواة ويدعى: زيد بن جدعان: (٢٣/ ٩٩).\nومنها ما أورده السيوطي في تفسيره، عن أبي سعيد - ﵁ - أنه قال، قال رسول الله - ﷺ -: (إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره\" في الدر المنثور وعزاه لسعيد وأحمد وابن أبي داود في المصاحف: (١/ ٩٤)، وانظر: الحبائك في أخبار الملائك: ٣٣.\n(١) يقول: \"اشتهرت أن صاحب الصور إسرافيل - ﵇ -. ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب بن منبه المذكور وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه وكذا في حديث الصور الطويل الذي أخرجه عبد بن حميد والطبري وأبو يعلى في الكبير والطبراني في الطوالات وعلى بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية والبيهقي في البعث من حديث أبي هريرة، ومداره على إسماعيل بن رافع، واضطرب في سنده مع ضعفه فرواه عن محمد بن كعب القرظي تارة بلا واسطة وتارة بواسطة رجل من الأنصار مبهم أيضًا، وأخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء أيضًا في تفسيره عن محمد بن عجلان عن محمد بن كعب القرظي، واعترض مغلطاوي على عبد الحق في تضعيفه الحديث بإسماعيل بن رافع وخفى عليه أن الشامي أضعف منه ولعله سرقه منه فألصقه بابن عجلان، وقد قال الدارقطني: إنه متروك يضع الحديث، وقال الخليلي: شيخ ضعيف شخن تفسيره بما لا يتابع عليه. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في حديث الصور: جمعه إسماعيل بن رافع من عدة آثار وأصله عنده أبي هريرة، فساقه كل مساقًا واحدًا. وقد صحح الحديث من طريق إسماعيل بن رافع القاضي أبو بكر بن العربي في سراجه وتبعه القرطبي في التذكرة، وقول عبد الحق في تضعيفه أولى وضعفه قبله البيهقي فوقع في هذا الحديث عند على بن معبد \"إن الله خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش\" الحديث، وقد ذكرت ما جاء عن وهب بن منبه في ذلك فلعله أصله\": (١١/ ٣٦٨).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن: (٧/ ٢٠).\n(٣) الفتح: (١١/ ٣٦٨).","vol":"1","page":342},{"text":"أما عن ملك الموت فقد كانت تسميته بعزرائيل، مما لم يرد فيه أي دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، ولكنه مما اشتهر بين العلماء، يقول الحافظ ابن كثير - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] \"وقد سمى في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور\". (١)\nولكن لم يثبت من هذه الآثار حديثًا مرفوعًا، فكل ما ورد في ذلك من الموقوف وهذا ما ذكره السيوطي في عدد من مؤلفاته، فقال: وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في العظمة عن أشعث بن أسلم (٢). قال: سأل إبراهيم - ﵇ - ملك الموت واسمه عزرائيل وله عينان في وجهه وعين في قفاه، فقال: (يا ملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب، ووضع الوباء بأرض والتقى الزحفان، كيف تصنع؟ قال: أدعو الأرواح بإذن فتكون بين أصبعي هاتين) \". (٣)\nوقد نص - ﵀ - في شرحه على النسائي بعدم وجود ما يحكم برفعه للنبي - ﷺ -، فقال: \"لم يرد تسميته في حديث مرفوع، وورد عن وهب بن منبه (٤) أن اسمه عزرائيل، رواه أبو الشيخ في العظمة\" ووافقه السندي في حاشيته على النسائي، فنقل كلامه بنصه. (٥).\nوقد علم أن وهب بن منبه أحد خيار التابعين إلا أنه كان يكثر من رواية أخبار أهل الكتاب حتى عد أحد أكبر أسباب انتشارها في كتب التفسير، لذا صح التوقف فيما يخبر به خصوصًا مع عدم وجود الخبر الثابت عن المعصوم - ﷺ -. (٦)\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: (٣/ ٥٩٩). أضواء البيان: (٦/ ٥٠٤).\n(٢) أشعث بن أسلم العجلي البصري يروي عن أبي أبيه عن موسى روى عنه سعيد بن أبي عروبة: ثقات لابن حبان: (٦/ ٦٣).\n(٣) الدر المنثور: (٥/ ١٨٨). والحبائك في أخبار الملائك: ٤٢.\n(٤) وهب بن منبه بن حزن الأنصاري من أهل المدينة يروى عن عبد الله بن أنيس وله صحبة روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار: الثقات لابن حبان (٥/ ٤٨٨).\n(٥) شرح السيوطي، مع حاشية السندى: (٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥).\n(٦) الإسرائيليات والموضوعات، للشيخ أبو شهبة: ١٠٥.","vol":"1","page":343},{"text":"- وفي حديثه عن حملة العرش، وصفهم بعدد من الأوصاف، فقد تناول بيان عددهم فاختار أنهم أربع ويوم القيامة، يزيدون فيصير عددهم ثمانية، وكانت حجة من ذهب إلى هذا حديث رواه الطبري، أن رسول الله - ﷺ - قال: (يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية) (١)، وغيره مما يفيد نفس المعنى إلا أن الاحتجاج بها لا يصح لضعفها الشديد (٢).\n- والأصح في هذا التوقف بالنسبة لحال الدنيا؛ لعدم المستند الصحيح في ذلك، أما في الآخرة فإن الآية الكريمة نص في إثبات العدد، أما الكيف فلا يعلم حقيقته إلا الله، قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].\nأما ما ذكره من وصف أولئك الأربعة، فهذا ما روى عن أبي عباس (٣) - ﵄ - ولكن الاحتجاج به لا يسلم لضعف إسناده.\nوالصحيح المسألة ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، وإن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) (٤).\n- وكان موقف الصاوي من جهاد الملائكة موقفًا يظهر فيه الاضطراب والتناقض، ولكن الصحيح فيما ذهب إليه أولًا من أن الملائكة لا يختص جهادها مع المؤمنين في غزوة بدر، ويسند هذا القول الكثير من الأحاديث وأقوال الصحابة، بل والأخبار والقصص عن المجاهدين الصادقين، ومن ذلك الحديث الصحيح، فعن عائشة\n_________\n(١) رواه الطبري وإسناده منقطع: (٢٩/ ٥٩).\n(٢) منها حديث قال فيه رسول الله صدق يقصد به بيتًا لأمية بن أبي الصلت، انظر: تضعيف الألباني له في السنة: (٢٥٦).\n(٣) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة: ٣٥، وانظر: الدر المنثور وعزاه السيوطي لأبي الشيخ عن مكحول ﵁: (٥/ ٣٤٦).\n(٤) سبق تخريجه: ٣٣٤.","vol":"1","page":344},{"text":"- ﵂ -: أن رسول الله لما رجع يوم الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: (وضعت السلاح، فوالله ما وضعته، فقال رسول الله: (فأين). قال: ها هنا، وأومأ إلى بنى قريظة. قالت: فخرج إليهم رسول الله - ﷺ -). (١)\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب الغسل بعد الحرب والغبار، رقم الحديث: ٢٨١٣ ولمزيد من التوسع فيما صح من أخبار الملائكة، يوصى بالرجوع إلى كتاب الملائكة المقربين، للدكتور/ محمد العقيل.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>(المبحث الثاني) عالم الجن والشياطين</span>\nالإيمان بالجن:\nولم يكن عالم الملائكة هو العالم الغيبي الوحيد من ذوات الأرواح؛ فقد ورد أيضًا حديث آخر عن عالم الجن والشياطين، يفترق في الكثير من خصائصه عن عالم الملائكة، وإن كان يجتمع معه من حيث الخفاء والغيبية، كما يقرب كثيرًا من عالمنا، وذلك من حيث التكليف والمخاطبة بالأمر والنهي. وحتى يتم التمييز بينهما؛ فلا بد من إلقاء الضوء على أهم ما يصح به إدراك الفرق بين هذين العالمين.\n- وعند التعريف بهم فإنه يقال: الجن اسم جنس جمعى، مفرده جنى، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء عن الأبصار، وسبب تسميتهم بذلك؛ اجتنانهم عن الناس فلا يرون، ومنه سمي الجنين جنينًا لاستتاره في بطن أمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢].\n- وقد عرفهم ابن حزم بأنهم: \"أجسام رقاق صافية هوائية، لا ألوان لهم، وعنصرهم النار كما أن عنصرنا التراب، قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧].\nوالنار والهواء عنصران لا ألوان لهما، ولو كانت لهم ألوان لرأيناهم بحاسة البصر، ولو لم يكونوا أجسامًا صافية رقاقًا هوائية؛ لأدركناهم بحاسة اللمس\" (١)\nهذا وحقيقة الجن في ضوء النصوص الشرعية، يمكن إجمالها بأنهم خلق من خلق الله ﵎، خلقوا من نار، قد حجبوا عن الأعين فلا يرون إلا في النادر، لا يدرك كنههم إلا خالقهم، عقلاء مكلفون، لهم أهواء وشهوات، منهم\n_________\n(١) الفصل: (٥/ ١٣).","vol":"1","page":346},{"text":"المؤمن ومنهم الكافر، قال تعالى في بيان خلقهم: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥].\nوفي تفسير مادة خلقهم بالسموم قال ابن عباس - ﵄ -: إنها الريح الحارة التي تقتل، وقال أيضًا: إنها نارًا لا دخان لها. (١)\nوقال الإمام الطبري في تفسير المارج: \"أنه ما اختلط بعضه ببعض، بين أحمر وأصفر وأخضر، وهو كلهب النار ولسانه\". (٢)\nومما يدل على كونهم مكلفين؛ ما ورد بشأن الجزاء المعد لمطيعهم وعاصيهم، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nأما الآيات في دخول عموم النعيم المعد للطائعين فكثيرة، منها ما ورد في سورة الرحمن، حيث عم الخطاب سائر الثقلين، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].\nأما عن أهمية الإيمان بهم، فقد تحدث القرآن الكريم عن الجن في عدد من المواضع، وكذلك السنة الصحيحة، مما يلزم المومن بالإيمان به، ويدرجه تحت الغيب الذي امتدح الله تعالى المصدقين به.\nوقد سميت سورة في القرآن باسمهم، أتى في مطلعها قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١].\nوعليه فإن كل من جحد الإقرار بوجودهم، أو تأوله تأويلًا فاسدًا يخرجهم عن الحقيقة الواردة بشأنهم؛ فإنه لا اعتداد بمذهبه ذلك، بل هو مردود عليه؛ لدلالة\n_________\n(١) القرطبي: (١٠/ ٢٣).\n(٢) الطبري: (٢٧/ ١٢٥).","vol":"1","page":347},{"text":"النصوص الصريحة على وجودهم، يقول ابن حزم: \"فمن أنكر الجن، أو تأول فيهم تأويلًا يخرجهم عن ظاهرهم، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال\" (١).\nوغاية ما يحتج به من أنكر حقيقة الجن، كونهم من عالم الغيب، حيث انعدم الشاهد من الحس، بمعنى أنه انتفى البرهان الحسي على إثباتهم، والذي اعتمدوه في قبول الحقائق أو ردها، ولا شك أن هذا مبدأ باطل لأن التسليم بالنصوص الشرعية؛ يقضي بالإيمان على جهة التفصيل لكل ما أتت به، هذا إذا أردت إبطال شبه المسلمين، كالمعتزلة ومن نحا نحوهم من المحدثين العقلانيين.\nأما من خالف أهل الملة من الفلاسفة والمشركين، فإنه يقال في الرد عليهم: إن انعدام الدليل الحسي على وجود ذلك العالم عندهم، لا يعني انعدامه؛ لأن انتفاء العلم ليس دليلًا على انعدامه.\nومن هنا فإن الرد على كل من أنكر ذلك العالم الغيبي، يكون بحسب حاله، فإن كان ممن أقر بصدق الدليل الشرعي، يبين له أهمية التسليم لكل ما جاء به الشرع، وأن أي رد لما علم منه بالضرورة؛ فإنه يعد من ألوان الكفر المخرج من الملة، كما صرح بذلك ابن حزم.\nأما إن كان ممن لم يسلم بدلالة الشرع، فيكفي في الرد عليه منع أن يكون العلم مقصورة على الحس والعقل، فكل ما أتى به الوحي لا بد من التسليم له، ولو انعدم الدليل الحسي على وجوده؛ لأن عدم العلم ليس علمًا بالعدم. (٢)\n\nرأي الشيخ الصاوي:\nأما عن رأيه في الحقيقة الغيبية الأخرى، وهي عالم الجن، فإنه يعرف الجن في اللغة، فيقول: \"الجن اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالبًا يفرق بالتاء، كتمر وتمرة.\n_________\n(١) الفصل: (٥/ ١٢)، وانظر: مجموع الفتاوى: (١٩/ ١٠).\n(٢) انظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":348},{"text":"وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم: أي استتارهم عن العيون\" (١).\nوفي الشرع فيرى أنهم: \"أجسام نارية هوائية، لها قدرة على التشكلات بالصورة الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة\".\nيقول منبهًا \"وبهذا ظهر الفرق بينهم وبين الملائكة لأن الملائكة أجسام نورانية لها قدرة على التشكلات بالصور غير الخسيسة ولا تحكم عليهم الصورة\" (٢).\nولهذا فإنه يوجه الاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤] ببيان نوعه، حيث يرجح كونه استثناء منقطعًا، يقول: \"وعليه فالجن نوع آخر غير الملائكة، فالجن من نار والملائكة من نور\" (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]؛ يذكر ما قيل فيها دون ترجيح، يقول: \"قيل: المراد بهم الشياطين، وقيل: المراد بهم نوع من الملائكة، كانوا يعبدونهم؛ لاعتقادهم أنهم بنات الله\" (٤)\nأما عن علاقة الشياطين بالجن؛ فيذكر ما قيل فيها من آراء عند تعريفه إبليس، يقول: \"إبليس هو أبو الجن وهذا أحد قولين، وقيل: هو أبو الشياطين: فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد، والجان هو أبو الجن، وعلى هذا تكون الأصول ثلاثة: آدم وهو أبو البشر، وإبليس وهو أبو الشياطين، والجان وهو أبو الجن\" (٥)\nوفي موضع آخر، يشير إلى هذه الأقوال مع الترجيح، يقول: \"اختلف في الجن: فقيل: هم ذرية إبليس، غير أن المتمرد منهم يسمى شيطانًا، كما أن الإنس أولاد آدم، وقيل: إن الجن ولد الجان، والشياطين ولد إبليس، يموتون مع إبليس عند النفخة. والراجح الأول\" (٦)\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٤/ ٣٥١).\n(٢) المرجع السابق: (٤/ ٢٤٠)، (٢/ ٣٣).\n(٣) حاشية الجلالين: (٣/ ١٦).\n(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٣).\n(٥) المرجع السابق: (٢/ ٢٧٥).\n(٦) المرجع السابق: (٤/ ٢٤٠).","vol":"1","page":349},{"text":"وفي إضافة الشياطين إلى الإنس في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. قولان يرى أنهما في الصحة سواء، يقول: الشياطين \"جمع مارد وهو المتمرد المستعد للشر، وقدم شياطين الإنس؛ لأنهم أقوى في الإيذاء، فإن شيطان الإنس أشد على شيطان الجن، وذلك إذا تعوذت بالله ذهب عنى شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي.\nوقيل: إن الشياطين كلهم من إبليس، وذلك أنه فرق أولاده فرقتين توسوس للإنس؛ وتسمى شياطين الإنس، وفرقة توسوس لصلحاء الجن؛ وتسمى شياطين الجن، وكل صحيح\". (١)\n* * *\n\nتعليق:\nلا شك في صحة ما ذهب إليه الصاوي عند تعريفه للجن، ومن ثم التفريق بينهم وبين الملائكة الأبرار، ولكن أوجه المفارقة بينهم وبين الملائكة لا تقتصر على ما أورده الصاوي، بل هناك العديد من الفروق التي دلت عليها الكتاب والسنة، فالملائكة علاوة على أنهم خلق من النور، وأنهم لا تحكمهم الصورة التي يتشكلون بها، فهم خلق طاهر كريم خلقوا للعبادة ليس لهم شهوات ولا أهواء، أما الجن فلهم أهواء وشهوات، ومنهم الكافر ومنهم المؤمن، كما أنهم مكلفون بالطاعة والاتباع وما يترتب عليه الوعد والوعيد فهم في الأحكام يقربون من عالم الإنس، ولكن من جهة الغيبية والخفاء يقربون من عالم الملائكة، واستقصاء الفروق مما يطول الحديث فيه، ولكن حاولت التنبيه إلى أهمها؛ استنادًا لما ورد في حديث الكتاب والسنة عنهم.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":350},{"text":"واذكر بعض ما ورد في ذلك:\n- قال تعالى في بيان أصل الخلقة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٧].\n- وقال حكاية عن النفر الذين استمعوا القرآن، فولوا إلى أهلهم منذرين، مبينًا تفاوتهم من حيث الكفر والإيمان: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١].\n- وقد بينت السنة أنهم خلق لهم شهوات يأكلون ويشربون، فعن أبي هريرة - ﵁ -: أنه كان يحمل مع النبي - ﷺ - إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال - ﵊ -: (من هذا). فقال: أنا أبو هريرة، فقال: (ابغني أحجارًا استنفض بها، ولا تأتنى بعظم ولا بروثة). فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: (هما من طعام الجن، وإنه أتانى وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا). (١)\nوالأحاديث الصحيحة في القطع بذلك كثيرة.\n- أما ما ذكره الصاوي من أن الجن تحكمهم الصورة على عكس الملائكة، فبيانه يرجع إلى أمرين: الأول ما حباه الله تعالى للجن من القدرة على التشكل.\nالثاني ما ثبت من الأدلة في كون الصورة تحكمهم، فقد ورد من السنة ما يدل عليه، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب مناقب الأنصار - باب ذكر الجن، رقم الحديث: ٣٨٦٠.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب قتل الحيات ونحوها - باب استحباب قتل الوزغ: (١٤/ ٢٣٦).","vol":"1","page":351},{"text":"وقد تناول الصاوي في حديثه عن الجن بيان أصلهم الذي يرجعون إليه، والذي يظهر - والله أعلم - أن إبليس واحد منهم، وليس بأصل لهم، كما رجح الصاوي، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].\nأما ما أورده الصاوي من أقوال أخرى، ككونه من قبيلة يقال لها الجن من جنس الملائكة، فهذا ما روى عن ابن عباس - ﵄ - (١) وعن غيره من التابعين، ولكنه في الحقيقة مما لم يدل عليه دليل، بل الأدلة تدل على أن الجن جنس آخر، يختلف اختلافًا جذريًا عن الملائكة، وقد سبق وأن أوردت الحديث الشريف الذي يبين أصل الاختلاف في الخلقة، بأن الملائكة خلقت من النور وأن الجن خلقوا من النار.\nأما عن قوله بأن المارد منهم يسمى شيطانًا، فالصحيح في ذلك أن الجن أنواع، يفترقون بحسب الخلقة والامتثال، فالخارجون عن الطاعة يسمون بالشياطين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوعن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم، شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول) (٢)\nومنهم من يوصف بالمارد، والمريد، أما المارد فكقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٦، ٧] والمارد: العاتي الشديد من الجن والشياطين.\n_________\n(١) ابن جرير الطبري: (١٥/ ٢٥٩). ومن المعلوم أن أبى عباس - ﵄ - حبر هذه الأمة كان ممن يروي الإسرائيليات ويحدث بها بعد أن أذن المصطفى - ﵊ - بذلك فلعل هذه الرواية منها والله أعلم.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي ذر، رقمه: ٢١٤٣٧: (١٦/ ١٧). وقال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزار في الأوسط وعند النسائي طرف منه وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط\": (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":352},{"text":"أما المريد، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧].\nوغير ذلك من الأوصاف التي تدل على اختلافهم وتباينهم، مع اتحادهم في أصل الخلقة، فليس لأحد أن يذكر نسبة الشياطين إلى الجن وإبليس لهم، فقد ورد في الآية الكريمة حديث أحدهم بأنه قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤].\n- وبناء على ما تقدم فإن علاقة الشيطان بالجن علاقة واضحة حيث يسمى الكافر من الجن شيطانًا وهذا يظهر من الحديث الصحيح الذي أوردته آنفا، والذي ورد فيه النهي عن قتل الحيات، والشاهد منه أنه - ﵊ - سمى الحية العامرة التي تستأذن بالشيطان.\nوهذا المعنى بين واضح في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١١].\n- بقيت مسألة تتعلق بمفهوم هذه الآية الكريمة، وهي هل هناك شياطين من جنس الإنس كما هو ظاهر الآية؟ أم أن الشياطين هي مردة الجن، وإنما أضيفت إلى الإنس باعتبار مهمة الوسوسة، كما تقدم بيانه من آراء الصاوي؟\nأولًا: لا بد من العلم بأن القول بكلا المعنيين مما أثر عن السلف - رضوان الله عليهم - وقد روى الإمام ابن جرير الطبري هذه الأقوال في تفسيره، إلا أنه بعد عرضها ونسبتها إلى القائلين بها رجح - ﵀ - أن القول الأول هو الراجح منها، يقول: \"وليس لهذا التأويل وجه مفهوم - يعني به المعنى الثاني -، لأن الله جعل إبليس وولده أعداء ابن آدم، فكل ولده لكل ولده عدو، وقد حصر الله في هذه الآية الخبر عن الأنبياء أنه جعل لهم من الشياطين أعداءً، فلو كان معنيًا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي، الذين هم ولد إبليس، لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبر عنهم، وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله - ﷺ -\" عن أبي ذر","vol":"1","page":353},{"text":"أن رسول الله - ﷺ - قال: يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت: يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: نعم\" (١).\nوعليه فإن الشيطان هو المارد الكافر، سواء كان من الجن أم الإنس؛ لذا فإنه يبعد ما استحسنه الصاوي عند تفسيره لهذه الآية، حيث صحح القول بكلا المعنيين في تفسير الآية الكريمة.\n* * *\n_________\n(١) جامع البيان: (٨/ ٤)، وأخرجه النسائي في المجتبى: كتاب الاستعاذة - رقم الحديث: ٥٥٢٢: (٨/ ٦٦٩). وضعفه الألباني، في ضعيف النسائي، برقم ٤٢٤: (٢٤٢).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الوحي وطرقه.\nالمبحث الثاني: الإيمان بالكتب السابقة.\nالمبحث الثالث: الإيمان بالقرآن الكريم.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>تمهيد</span>\nالإيمان بالكتب المنزلة على الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - حقيقة دعا إليها الدين الحنيف معظمًا شأنها قد أناط بتحقيقها ثبوت الإيمان الشرعي، فلا يتأتى لمعرض عنها نجاة من الكفر الموجب للخلود في النار، ويأتي الأمر بالإيمان بها تبعًا للإيمان بالمرسلين - عليهم الصلاة والسلام -، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦].\nيقول الشيخ السعدي - ﵀ - منبهًا إلى هذه الحقيقة: \"ويدخل في الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب، فالإيمان بمحمد يقتضي الإيمان بكل ما جاء به من الكتاب والسنة ألفاظها ومعانيها، فلا يتم الإيمان إلا بذلك\" (١)\nوالأدلة في وجوب الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء جميعًا كثيرة كلها تؤكد وجوب عدم التفريق في الإيمان بما أنزل على المصطفى - ﷺ - وما أنزل على الأنبياء، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦].\nومع وجوب التزام هذا الأصل الإيماني العظيم في حق الكتب المنزلة على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، إلا أنه يتفاوت من حيث ما يقتضيه ذلك الالتزام، فليس الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء السابقين مماثلًا للإيمان بما أنزل على المصطفى - ﷺ -، إذ يكفي في الإيمان بها الإيمان الجملى الذي يقضي بتصديق كونها من عند الله تعالى على جهة الإجمال لا التفاصيل، وذلك لأسباب سيأتي\n_________\n(١) الفتاوى السعدية: ١٥.","vol":"1","page":356},{"text":"بيانها، أما الإيمان بالكتاب المنزل على نبينا - ﷺ -؛ فإنه يوجب الإيمان بكل ما ورد فيه حتى أنه من أنكر حرفًا منه قد أجمع عليه فقد كفر.\nومن هنا شرع التفصيل في كيفية الإيمان بالكتب بتقسيمه على نوعين: الإيمان المجمل، والإيمان المفصل.\nأما الإيمان المجمل؛ فهو الإيمان الذي يتعلق بالكتب السابقة، وحقيقته؛ أنه إيمان يقوم على التصديق بأن هذه الكتب بأسمائها قد أنزلها المولى ﵎ على أنبياء معينين بأسمائهم، وأنها قد احتوت على أصول الإيمان المعروفة، كالإيمان بالله، وأسمائه وصفاته، وتوحيده، والإيمان بالرسل، والملائكة، وأن كل ما فيها فهو خير، أنزله المولى تعالى رحمة وهداية للمرسل إليهم.\nوفي الدلالة على ما احتوته تلك الكتب من توحيد الله تعالى من أصول الإيمان، ثبوت ذلك بالدليل القطعي من القرآن والسنة، قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].\nوعليه فإن أي أمر لم يثبت وجوده في الكتب السابقة بطريق الوحي المعصوم فلا يلزم الإيمان به؛ ولو مع عدم مخالفته لما تقرر من الشريعة المحفوظة، دل على ذلك الحديث الصحيح، فعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾) (١).\nوأساس ذلك التفريق في كيفية الإيمان بتلك الكتب ما دلت عليه النصوص الشرعية في إثبات حصول التحريف لتلك الكتب، حيث داخلها الكثير من\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاعتصام بالسنة - باب قول النبي: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)، رقم الحديث: ٧٣٦٢.","vol":"1","page":357},{"text":"النصوص البشرية الصادرة عن أيد مغرضة، تبغى الحياة الدنيا بالآخرة، فكان هذا الإجمال حتى لا يداخل المعتقد ما ليس بحق.\nقال تعالى في بيان ما أصيبت به الكتب السابقة من تحريف: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].\nأما الإيمان المفصل؛ فهو الذي يتعلق بالقرآن الكريم لفظًا ومعنى، فقد تعبدنا المولى ﵎ بالإيمان بكل حرف في هذا القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nفالحديث عن القرآن، حديث عظيم يتصل بالحديث عن عظمة المولى ﵎، إذ حقيقة الإيمان به نابعة من التصديق بصفة من صفاته ﷿؛ وهي صفة الكلام، مع تكفل المولى بحفظه من مشوبات التغيير والتحريف كما دلت على ذلك الآية الكريمة.\nولكل هذا فإنه مما علم من الدين بالضرورة أن من أنكر حرفًا من القرآن العظيم فقد كفر.\nوليس يقف الأمر عند التصديق بألفاظه ومبانيه؛ بل لا بد من إتمام مقتضيات الإيمان به على جهة التفصيل، فيتحتم التسليم لكل ما أتى به من الأخبار والأحكام، وفقًا لما فهمه الصحابة الكرام، إذ الأخذ عنهم لا يتوقف على اللفظ فقط، وإنما ينسحب حكمه أيضًا على كل ما يتعلق به من الفهم والاستنباط حتى تبقى حقيقة الحفظ التي أخبر عنها المولى ﵎ حية يعمل بها كل مؤمن يعلم صدق ما أخبر به ﷿.\nوعلى هذه الحقائق الإيمانية المتعلقة بالكتاب العظيم دلت السنة المطهرة مؤكدة مفسرة مبينة، مفصلة ما أجمل، مصدقة بما أخبر، تقضي بوجوب العمل به والإنكار على من تأوله بالباطل قولًا أو عملًا.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>(المبحث الأول): تعريف الوحي</span>\nيطلق الوحي في اللغة فيراد به أحد المعاني التالية: الإلهام، والكتابة، والرسالة، والإشارة، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته لغيرك، وفي لسان العرب: \"أوحى إليه ألهمه وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].\nكما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ قال بعضهم: ألهمتهم، كما قال ﷿: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وقال بعضهم: أوحيت إلى الحواريين أمرتهم.\nووحى في البيت بمعنى كتب.\nووحى إليه وأوحى كلمه بكلام يخفيه من غيره، قال الله ﷿: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، معناه: يسر بعضهم إلى بعض.\nووحى إليه، وأوحى؛ أومأ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ \" [مريم: ١١].\nوكلها ترجع إلى معنى الإعلام الخفي السريع مهما تعددت أسبابه (١)\nوهذا هو الوحي بمعناه العام الذي يشترك في إمكان حصوله الأنبياء وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: \"وليس كل ما أوحى إليه الوحي العام يكون نبيًا، فإنه قد يوحي إلى غير الناس، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢].\nوقال تعالى عن يوسف وهو صغير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾ [يوسف: ١٥].\n_________\n(١) فتح الباري: ١/ ٩.","vol":"1","page":359},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١]، يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين (١)\nأما الوحي بمعناه الخاص، أو بمعناه الشرعي فهو ما يتعلق بالأنبياء - ﵈ - لإيصال الشرع إليهم، فلا يشاركهم أحد في هذه الخصيصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩].\nفهذا الوحي يراد به؛ إعلام الله تعالى من اصطفاه من عباده بالأحكام الشرعية.\nهذا وقد بين العلماء الهيئة التي كان يأتي بها الوحي؛ استنادًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.\nيقول السيوطي - ﵀ -: \"قد ذكر العلماء للوحي كيفيات:\nأحدها: أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس كما في الصحيح (٢).\nقال الخطابي: والمراد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد.\nوقيل: هو صوت خفق أجنحة الملك، والحكمة في تقدمه أن يفرغ سمعه للوحي فلا يبقى فيه مكانًا لغيره.\nالثانية: أن ينفث في روعه الكلام نفثًا، كما قال - ﷺ -: (إن روح القدس نفث في روعي، وأخبرني أنها لا تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، وإن أبطأ عنها، فيا أيها الناس! اتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء رزقه أن يخرج إلى ما حرم الله عليه، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته) (٣).\n_________\n(١) النبوات: ١٧٨.\n(٢) فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ -، أن الحارث بن هشام، سأل النبي - ﷺ -: كيف يأتيك الوحي؟ قال: (كل ذاك، يأتي الملك أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وهو أشده عليه، ويتمثل لي الملك أحيانًا رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول): كتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة، رقم الحديث: ٣٢١٥.\n(٣) مصنف عبد الرزاق: كتاب الجامع - باب القدر، رقم الحديث: ٢٠١٠٠: (١١/ ١٢٥).","vol":"1","page":360},{"text":"الثالثة: أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه (١).\nالرابعة: أن يأتيه الملك في النوم.\nالخامسة: أن يكلمه الله إما في اليقظة، كما في ليلة الإسراء، أو في النوم، كما في الحديث: (أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى) (٢) الحديث، وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم\" (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].\nويبين معنى الوحي في اللغة، فيقول:\n\"الوحي: الإشارة، والرسالة، والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه، ثم غلب استعماله فيما يلقى إلى الأنبياء\" (٤)\n- ويعرفه في الاصطلاح بأنه: \"الإرسال من الله لعبده بالأحكام\".\nثم يذكر أقسامه بعد ذلك، قائلًا: \"وهو أقسام: فيكون تارة بواسطة ملك، كجبريل - ﵇ -.\nوتارة من الله تعالى بغير واسطة، كما وقع لموسى - ﵇ -.\nوتارة بإلهام يقع في القلب.\n_________\n(١) كما في الحديث المشار إليه في الصفحة السابقة.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -: كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - من سورة ص، رقم الحديث: ٣٢٣٥: وقال الترمذي: حديث حسن صحيح: (٥/ ٣٤٣).\n(٣) الإتقان في علوم القرآن، بتصرف يسير: (١/ ٥٩ - ٦٠).\n(٤) حاشية الجلالين: (٤/ ٤٢). وانظر في تعريف الوحي بهذا المعنى المذكور من كتب اللغة: لسان العرب، لابن منظور: (١٥/ ٣٧٩ - ٣٨٠). وكتاب الصحاح للجوهرى: (٦/ ٢٥١٦).","vol":"1","page":361},{"text":"وتارة بالمنام\". (١)\nويفصل القول في النوعين الأخيرين، فيضرب مثالًا لما يقع للأنبياء من الوحي عن طريق المنام، مؤيدًا ذلك بما ورد، يقول: \"فـ (رؤيا الأنبياء وحي) (٢)، وذلك لما وقع للخليل حين أمر بذبح ولده في المنام (٣)، ولرسول الله - ﷺ - حين رأى أنه يدخل مكة فصدق الله رؤياه (٤) \".\nأما الإلهام، فيعرفه بأنه \"الإلقاء في القلوب، لا بواسطة ملك\".\nوفي بيان مجالاته بالنسبة للمكلفين، يرى أنه مما لا يختص بالرسل، فـ \"قد يقع الإلهام - أيضًا - لغير الأنبياء، كالأولياء\".\nوهذا التعميم لا يعني - عنده - أنه من جنس واحد، بل إلهام الأنبياء مغاير لإلهام الأولياء، يقول: \"غير أن إلهام الأولياء لا مانع من اختلاط الشيطان به؛ لأنهم غير معصومين بخلاف الأنبياء، فإلهامهم محفوظ منه\" (٥)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>تعليق:</span>\nإن هذه الآية الكريمة لتعد نصًا جامعًا لكل أقسام الوحي الذي يتعلق بالبشر، حيث بينت أن الوحي ما يكون بلا واسطة ملك ومن وراء حجاب.\nومنه ما يكون بالإلهام، فيكون الوحي هنا مستعملًا بمعناه اللغوي.\nومنه ما يكون بواسطة ملك يبلغ الكلام إلى المرسل إليه، فلا يخرج عن هذه الأقسام نوع من الوحي (٦)\n_________\n(١) حاشية الخريدة: ٢٠.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ -: كتاب الوضوء - باب التخفيف من الوضوء، رقم الحديث: ١٣٨.\n(٣) وذلك في قوله تعالى حاكيًا مقولة إبراهيم - ﵇ -: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾.\n(٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.\n(٥) حاشية الجلالين: (٤/ ٤٢).\n(٦) انظر: ما نقله الإمام ابن تيمية عن الإمام الزهري في الفتاوى: (١٢/ ٣٩٧).","vol":"1","page":362},{"text":"وعليه فإن هذه الآية الكريمة شملت حتى غير الأنبياء ممن أوحى إليهم وحي إلهام، كأم موسى - ﵉ - (١)، والحواريين، وغيرهم من أهل الصلاح، فتكون بذلك مبينة لأقسام الوحي المتعلق بالبشر بمعناه الكلي العام وقد أشار الإمام ابن تيمية لهذا كما تقدم.\nأما المعنى الخاص أو ما يسمى بالمعنى الشرعي، وهو الذي يغلب استعمال الوحي فيه فهو ما يلقى إلى الأنبياء خاصة، وقد عرفه الصاوي بأنه: الإرسال من الله لعبده بالأحكام.\nومن أجمع ما عرف الوحي به في الاصطلاح تعريف الإمام ابن حجر - ﵀ - والذي قاربه فيه الصاوي، حيث قال: \"الوحي شرعًا: الإعلام بالشرع، وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه؛ أي الموحى، وهو كلام الله المنزل على النبي - ﷺ -\" (٢)\nفكانت كلمة الشرع قيدًا، خرج بها ما يلقى لغير الأنبياء بطريق الإلهام، لأنه لا تشريع فيه ولا أحكام.\nومع إمكان اشتمال الإلهام على الحكم التشريعي (٣) إلا أنه لا يصح استقلاله بالدلالة عليه، بمعنى: أن لا يكون أصلًا له من حيث التشريع والحجية، ويجوز أن يكون موافقًا لما ورد مسبقًا من الأحكام التشريعية في الكتاب والسنة، فيفيد بذلك التأكيد والثبات، دون التأصيل والاستقلال.\n_________\n(١) هذا على القول الراجح، وانظر: مبحث العلاقة بين الرسول والنبي: ٤٠٢.\n(٢) فتح الباري: (١/ ٩).\n(٣) وذلك في مثل ما وقع للصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - من سماع الأذان في المنام قبل تشريعه، فقد أخرج أبو داود في سننه عن أبي عبد الله بن زيد أن رسول الله قد أمره بالضرب في الناقوس للإعلام بالصلاة فرأى في المنام من يعلمه كلمات الأذان مرشدًا إياه أن هذا خير مما كان يفعل ليؤذن الناس بالصلاة، فذهب ذلك الصحابي إلى رسول الله ليعلمه بالرؤيا فمعه عمر بن الخطاب وأخبر بحصول ذلك له فأقر المصطفى - ﷺ - ما كان في رؤيتهما وشرع الأذان لإعلان الناس بوقت الصلاة، انظر: كتاب الصلاة - باب كيف الأذان، رقم الحديث: ٥٠٠: (١/ ٣٨٧). صححه الألباني في صحيح أبي داود وقال: حسن صحيح، برقم: ٤٦٩: (١/ ٩٨) وغيرها من الأحداث ولكن لم يكن لذلك المنام أن يستفاد منه حكمًا شرعيًا لولا إقرار النبي له وإعلامه إياهم أنها رؤيا صالحة.","vol":"1","page":363},{"text":"يقول الشيخ الشنقيطي - ﵀ - مبينًا هذا الأصل في حجية الإلهام من غير الأنبياء: \"المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به\".\nوبهذا يتبين الفرق بين الإلهام الذي يكون للأنبياء، وبين ما يمكن أن يقع لغيرهم، حيث بين الصاوي أن إلهام الأنبياء معصوم فلا يمكن أن يداخله وهم أو وسوسة، أما إلهام غيرهم فليس له عصمة من ذلك بل يجوز عليه تلك الأحوال.\nيقول الإمام الشاطبي - ﵀ -: \"هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط ألا تخرم حكمًا شرعيًا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال ووهم، وإما من إلقاء الشيطان\" (١)\nوذلك لأن المولى تعالى إنما تعبدنا بكلام النبي المرسل، وجعل لذلك المعجزات والأدلة النيرات، وحماه بالعصمة من المضلات، فلو احتج بالإلهام لانفتح باب ليس له مرصاد، ولخالف ما تعبدنا به المولى من اتباع النبي والتأسي به في كل حال، وتحريم التقديم بين يديه.\nفكانت هذه الشروط التي استفيدت من أدلة الكتاب والسنة حتى تتحقق حقيقة الحفظ للدين المنزل، والتي نص عليها الكتاب العزيز بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\n* * *\n_________\n(١) الموافقات، للشاطبي: (٢/ ٢٦٦). وقد قدمت الحديث عن هذه المسألة في مبحث المعرفة فليطالع، كما أنصح بالرجوع إلى كتاب المعرفة في الإسلام لشيخنا الفاضل: عبد الله القرني: ٧٢.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>(المبحث الثاني): الإيمان بالكتب السابقة</span>\nلقد سبق الحديث عما يجب أن يقوم عليه الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء - ﵈ -، إلا أن الحديث هنا يتوجه إلى الكتب السابقة على وجه الخصوص، فمع وجوب الإيمان بإنزالها على الأنبياء والتصديق بأنها من عند الله تعالى، وأنها قد اشتملت على أصول الإيمان كما تقدم بيانه إلا أن ما أصيبت به من التحريف والتغيير على أيدي من أنيط بهم القيام بحفظها، قصر الإيمان على التسليم بما جاء فيها على جهة الإجمال دون ما ورد فيها من تفاصيل الأحكام، فهي بهذا منسوخة التشريع لا يؤخذ بما ورد فيها من تشريعات لم يرد الدلالة عليها في الإسلام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.\nولبيان هذا الأصل القائم على التفصيل بين الإيمان المطلق الممنوع في حقها؛ والذي يعني التسليم بكل ما وجدناه في تلك الكتب، ومطلق الإيمان المساوي للإيمان الجملي، والذي أنيط بتحقيقه مقتضى الأمر للإيمان بها، يتجه الحديث إلى أنواع التحريف الذي أصيبت به تلك الكتب، فعند تتبع الآيات والأحاديث التي ورد فيها تبديل أهل الكتاب لما أنزل إليهم من ربهم وجدنا أنها تشير إلى ثلاثة أنواع من التحريف:\n١ - تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ما هو عليه.\n٢ - التحريف بالتغيير والتبديل.\n٣ - التحريف بالكتمان.\n- ومن أمثلة النوع الأول؛ والذي يعني التحريف بلازم الحكم وما يقتضيه إثبات","vol":"1","page":365},{"text":"اللفظ المنزل، تأويل النواهي التي في التوراة بكونها مخصصة في حق اليهود من بعضهم البعض دون غيرهم، فقد ورد في الإصحاح الثالث والعشرين، من سفر الخروج: \"لا تقبل خبرًا كاذبًا، ولا تضع يدك مع المنافق لتكون شاهد ظلم، لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر، . . .، لا تقتل البرئ والبار، لأني لا أبرر المذنب. ولا تأخذ رشوة. لأن الرشوة تعمي المبصرين\" إلى غير ذلك من الأحكام التي أطلقت ولم تقيد، وهذا ما شهده عليهم كتابنا العزيز، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥].\nأما التحريف بالتغيير سواء بالزيادة أو النقصان أو التبديل، فالأمثلة في الدلالة عليه كثيرة، ومن ذلك قصة الذبيح إسماعيل - ﵇ -، فإن أهل الكتاب حرفوا القصة ونسبوها إلى إسحاق من ولد إبراهيم - ﵇ -، وهذا مما علم مناقضته بالضرورة للحقيقة التي نزل بها القرآن الكريم من أن الذبيح هو إسماعيل، ومع ذلك فإن في نفس التوراة ما يدل على هذا التحريف بالتبديل، فقد ورد في الإصحاح الثاني والعشرين ما نصه: \"وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له: يا إبراهيم. فقال: هاأنذا. فقال: خذ ابنك ووحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك\" الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين. إلى آخر القصة التي نعرفها من أمره بذبح أبنه ومن ثم فديته بالكبش.\nوالشاهد من النص أنه يقول خذ ابنك ووحيدك، وقد كرر هذا الوصف في نفس القصة إذ ورد فيها بعد افتدائه بالكبش: \"ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء. وقال بذاتي أقسمت يقول الرب. إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة\"\nومعلوم أن إسماعيل هو الابن الأكبر، فقد ولد له وكان عمره: ستًا وثمانين سنة، بنص التوراة: في الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين.","vol":"1","page":366},{"text":"أما إسحاق فقد ولد له وهو ابن مائة سنة: الإصحاح الحادي والعشرون، من سفر التكوين.\nوهذا يفيد أن الابن الذي كان وحيدًا لإبراهيم مدة أربعة عشر عامًا كان إسماعيل ولم يكن إسحاق بنص التوراة المحرفة.\nومن أعظم التحريف بالزيادة والتبديل، ما أحدثه النصارى في عيسى - ﵇ - حيث ادعوا أنه ابن الله - تعالى الله عن قولهم -، فقد ورد في إنجيل لوقا في الإصحاح الأول ما نصه: \"الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله. وهوذا إليصابات نسيبتك - أراد بها زوجة زكريا ﵍ - هي أيضًا حبلى بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرًا. لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله\"\nفالنص مع أنه ظاهر التحريف لأن هذه المقولة مناقضة لعقيدة التوحيد التي بعث بها الأنبياء من لدن آدم - ﵇ - إلى محمد - ﷺ -، إلا أن في النص ذاته ما يبين كذبهم وافتراءهم بالقول ببنوة عيسى لكونه أتى من غير أب، فقد نبهها الملك عند تعجبها وخوفها بمقارنة حالها بحال المرأة التي عرفت بالعاقر، وذكرها بأن كل ذلك يرجع إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء، فأي افتراء وكذب في دعوى النصارى بالبنوة.\nوقد رد المولى دعواهم وأبطلها وبين مناقضتها للحق الذي قامت به السموات والأرض: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣].\nأما التحريف بالكتمان فقد أخبرنا القرآن الكريم عن بعض صوره، حيث كتم أهل الكتاب تصديق بعثة النبي - ﷺ - فعصوا أمر الله بذلك، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ","vol":"1","page":367},{"text":"آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيقول الصاوي مؤكدًا على أهمية الإيمان بالكتب دون تحريف وتغيير، مبينًا جرم من أعرض عن هذا الالتزام، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ما نصه: \"المعنى داوموا على الإيمان بفعل الطاعات لأن فعلها يزيد في الإيمان ولا تكونوا ممن بدل وغير، فإنه ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي بشيء من ذلك بأن أنكر صفة من صفات الله، أو سب ملائكته أو أنكر الكتب السماوية، أو سب رسله، أو أنكر رسالتهم، أو لم يصدق باليوم الآخر، فالكفر بواحد من هذه المذكورات كافٍ في استحقاق الوعيد، لأن الإيمان بكل واحد أصل من أصول الدين\" (١)\n- وقد تناول في تفسيره عددًا من الكتب السماوية؛ وذلك لبيان ما اشتملت عليه من النور والهدى، وما لاقته من صنوف التحريف والتغيير على أيدى الكافرين من أهلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>كلامه في التوراة:</span>\nيقول مبينًا عظمة هذا الكتاب المنزل على موسى - ﵇ - وما احتواه من أنواع الهداية عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]:\n\"قوله: إنا أنزلنا التوراة: كلام مستأنف مسوق لبيان فضل التوراة، وأنها كتاب عظيم كله هدى ونور.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":368},{"text":"وقوله: فيها هدى: أيي لمن أراد الله هدايته، وأما من أراد الله شقوته فلا تنفعه التوراة ولا غيرها.\nقوله: ونور: في الكلام استعارة مصرحة حيث شبهت الأحكام بالنور بجامع الاهتداء في كل واستعير اسم المشبه به للمشبه، وحيث أريد بالنور الأحكام، فالمراد بالهدى التوحيد فالعطف مغاير.\nقوله: يحكم بها النبيون: كلام مستأنف لبيان المنتفع بالتوراة وهم الأنبياء والعلماء، والمراد بالأنبياء ما يشمل المرسلين، فحكم المرسلين ظاهر، وحكم الأنبياء بالقضاء بها لا على أنها شرع لهم (١).\nقوله: الذين أسلموا: أي كمل إسلامهم، وهو وصف كاشف؛ لأن كل نبي منقاد لله، وحكمة الوصف بذلك التعريض باليهود حيث افتخروا بأصولهم ولم يسلموا، بل حرفوا التوراة وبدلوها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>كلامه في الإنجيل:</span>\n- يقول في وصف ما احتواه هذا الكتاب العظيم الذي أنزل على عيسى - ﵇ - من الهدى والنور عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٤٦): \"وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور: المراد بالهدى التوحيد وبالنور الأحكام فالعطف مغاير.\nقوله: مصدقًا بين يديه: أي معترفًا بأنها من عند الله وإن نسخت أحكامها؛ لأن الله ﷾ كلف كل عصر بأحكام تناسبها، فالنسخ في الأحكام الفرعية لا الأصول كالتوحيد فلا نسخ فيه، بل ما كان عليه آدم من التوحيد هو ما عليه باقي الأنبياء.\n_________\n(١) قد تقدم بيان الحق في هذه المسألة، بأن النبي مأمور بالشرع ظاهرًا وباطنًا كما أنه مأمور بتبليغه، انظر: مبحث العلاقة بين النبي والرسول: ٤٠٢.","vol":"1","page":369},{"text":"قوله وموعظة: أي أحكامًا يتعظون بها، والحكمة في زيادة الموعظة في الإنجيل دون التوراة، لأن التوراة فيها الأحكام الشرعية فقط، وإنما المواعظ كانت في الألواح وقد تكسرت، وأما الإنجيل فهو مشتمل على الأحكام والمواعظ\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>كلامه في الزبور:</span>\nيقول في وصفه الزبور: \"اسم للكتاب المؤتى - لداود ﵇ - وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، بل هو تسبيح وتقديس وتحميد وثناء ومواعظ\".\nثم يشرع في بيان كيفية تلاوة داود لهذا الكتاب العظيم، يقول: \"وكان داود - ﵇ - يخرج إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور، وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، والشياطين خلف الجن، وتجئ الدواب التي في الجبال، فيقمن بين يديه، وترفرف الطيور على رءوس الناس وهم يستمعون لقراءة داود ويتعجبون منها، لأن الله أعطاه صوتًا حسنًا\" (٢).\nويستدل لوصف تلاوة داود - ﵇ - للزبور بالحسن الذي يأخذ بالأسماع، يقول: \"وقد ورد أن أبا موسى كان يقرأ القرآن ليلًا بصوت حسن، فلما أصبح قال له رسول الله - ﷺ -: (قد أعجبتني قراءتك الليلة كأنك أعطيت مزمارًا من مزامير داود) (٣)، فقال أبو موسى: لو علمت بك لحبرته لك تحبيرًا\" (٤)\n* * *\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٦٩).\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٤٣).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن - باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، رقم الحديث: ٥٠٤٨. ولفظه: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود)، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، وليس في أحد من روايات الحديث قوله: (قد أعجبتني قراءتك) ولعله قد روى الحديث بما معناه.\n(٤) المرجع السابق: (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":370},{"text":"وكان حديثه عن التحريف والتبديل الذي وقع في الكتب السابقة متفرقًا؛ بحسب الآيات التي اشتملت على ذكر الأفعال الشنيعة الصادرة من كفرة أهل الكتاب في تحريفهم ما أنزل إليهم من ربهم، وكان ذلك التغيير والتحريف منهم على ضربين، فمرة يحرفونها بالتأويل الباطل فلا يقيمون حدودها، ومرة يحرفونها بالنص فيعبثون بآياتها طمسًا، وتزويرًا، وإضافة.\nوأما الضرب الأول فقد أشار إليهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، يقول: \" (نزلت في قريظة وبني النضير فكان الواحد من بني النضير إذا قتل واحدًا من قريظة أدى إليهم نصف الدية وإذا قتل الواحد من قريظة واحدًا من بني النضير أدى إليهم الدية كاملة) (١) فغيروا حكم الله الذي أنزل في التوراة وكل آية وردت في الكفار تجر بذيلها على عصاة المؤمنين (٢).\n- وأما الضرب الثاني، فهو التحريف النصي لما هو مكتوب عندهم، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] \" الحق أي نعت محمد وأصحابه المذكور في التوراة والإنجيل، لبس الحق بالباطل: \"أي التغير لتلك النعوت، والكذب في تلك الصفات\" (٣)\nويفصل القول في هذا التحريف والتزوير وذلك بضرب الأمثلة من واقع أفعالهم الشنيعة، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]: \"الكلم أي الكلام، من نعت محمد أي من كونه أبيض مشربًا بحمرة، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير مثلًا، فقد حرفوه وقالوا:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عباس - ﵄ -: كتاب الأقضية - باب الحكم بين أهل الذمة، رقم الحديث: ٣٥٨٦: (٤/ ٢١٣). وصححه الألباني في صحيح ابن داود، برقم: ٣٠٦١: (٢/ ٦٨٥).\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٦٨).\n(٣) المرجع السابق: (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":371},{"text":"أسود اللون طويل جدًا؛ حرصًا على الرياسة وعلى ما يأخذونه من سفلتهم، ومن جملة ما غيروه آية الرجم بالجلد (١)، ومن ذلك أنه في كتبهم من خالف محمدًا خلد في النار فغيروه، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين يومًا مدة عبادة العجل\" (٢)\nوفي تلك المقولات التي داخلها التحريف على فرض تحققها ما ورد في الآية الكريمة على لسان اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] فقد \"قيل: إن تلك المقالة لم تقع أصلًا، فهي كذب محض.\nوقيل: إنها موجودة في التوراة، إلا في حق المسيح ومحمد، وأما هما فمعجزاتهما غير ذلك فهم قد كذبوا على التوراة في كل حال\" (٣)\n- هذا وقد كان لذلك التحريف والتبديل أسبابًا عدة، أشار إلى أهمها عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، يقول: \"الباطل هو تخفيف الشرائع والتساهل فيها لسفلتهم.\nوقيل: هو تغيير صفات المصطفى - ﷺ - الكائنة في التوراة والإنجيل.\n_________\n(١) أخرج البخاري في صحيحه هذه القصة في عدد من الأبواب، وفيها كما يروى عبد الله بن عمر - ﵄ -: \"أن نفرًا من اليهود جاءوا إلى رسول الله - ﷺ -، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله: (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك: فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله فرجما\": كتاب المناقب - باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾، رقم الحديث: ٣٦٣.\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٢٠٩).\n(٣) المرجع السابق: (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":372},{"text":"وقيل: ما هو أعم، وهو الأحسن.\nوالباعث لهم على ذلك: حب الرياسة، وأخذ الأموال\" (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>مناقشة:</span>\nيلحظ على الصاوي اعتماده على بعض الإسرائيليات في بيان ما اشتملت عليه الكتب المنزلة وكذلك في طريقة تلاوة الزبور، ومن المعلوم أن مثل هذه الإسرائيليات ليست مستندًا صحيحًا في العلم بهذه الغيبيات، تفصيل ذلك أن الصاوي قد ذهب إلى أن زيادة الموعظة في الإنجيل كانت بسبب خلو التوراة منها لما تعرضت له الألواح من الكسر.\nوحتى يتبين الحق في المسألة لا بد من الوقوف على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] لمعرفة مدى صحة ما توصل إليه الصاوي في حكمه بخلو التوراة من الموعظة.\nفقد تعددت الروايات في بيان صفة الألواح وعلاقتها بالتوراة وما تعرضت له حين ألقاها موسى - ﵇ - غضبان أسفًا مما ارتكبه قومه.\nأما عن علاقة التوراة بالألواح والتي دل كلام الصاوي على أنهما شيء واحد؛ فإنه لم يرد دليل يستند إليه في الجزم بذلك، فهناك من المفسرين من ذهب إلى أن التوراة هي بعينها الألواح، ومنهم من ذهب إلى أن الألواح مغايرة لها، ومنهم من\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":373},{"text":"ذهب إلى أن الألواح مشتملة على التوراة مع زيادة عليها، ولكنه لما انعدم ما يستند إليه في القطع بأحد هذه الأقوال حسن التوقف وعدم الجزم بأحدها والإيمان بأن الألواح التي اشتملت على الموعظة والبيان قد أوتيت لموسى - ﵇ - كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذا ما دل عليه كلام الإمام ابن كثير - ﵀ - إذ يقول: \"قيل: كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكامًا مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣].\nوقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم\" (١)\nوهذا ما يتوجه أيضًا لما ورد فيما أصيبت به الألواح من الإلقاء، فقد أخرج الطبري روايتين (٢) لا تخلو أسانيدها من مقال فلا يصح اعتمادها في مثل هذه الأمور الغيبية؛ الأولى عن ابن عباس، وفيها حجاج بن محمد ثقة ولكنه اختلط عند نزوله بغداد (٣)، ومفادها أن موسى - ﵇ - ألقى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها.\nأما الرواية الثانية التي أخرجها الطبري عن مجاهد فتفيد أن الألواح لما تكسرت بقى الهدى والرحمة، وذهب التفصيل، وهي ضعيفة أيضًا لضعف خصيف بن عبد الرحمن فهو صدوق سيئ الحفظ (٤).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: (٢/ ٣٢٩).\n(٢) جامع البيان: (٩/ ٦٦).\n(٣) حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد ترمذي الأصل نزل بغداد ثم المصيصة ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته من التاسعة مات ببغداد سنة ست ومائتين: تقريب التهذيب: ١٥٣.\n(٤) خصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون مولى بني أمية، عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعنه سفيان، وابن فضيل، صدوق، سيئ الحفظ، ضعفه أحمد، توفى سنة ١٣٦، الكاشف للذهبي: ٢٨٠.","vol":"1","page":374},{"text":"ومن هنا يتبين بطلان ما ذهب إليه الصاوي؛ فإنه لم يثبت أصلًا تكسر الألواح لما ألقاها موسى - ﵇ -، بل أنه على فرض رواية المصيصي لها قبل اختلاطه ليس فيها ما يدل على أنها عين التوراة ولا على أن الموعظة هي التي رفعت بسبب تكسرها.\nومن العجيب أن الروايات التي ذكرت ما ذهب من الألواح بسبب الكسر على فرضه دلت صراحة على أن الموعظة هي التي بقيت وأن التبيان والتفصيل هو الذي رفع.\nوعلى كل فليس هناك ما يستند إليه في مثل هذه الحقائق الغيبية؛ بل إن الآيات الكريمة نفسها لتدل على نفي التغيير عنها لأنها أتت معرفة بأل العهدية، وهي ما سبق لمصحوبها ذكر في الكلام، فتدل على أنه بعينه المراد، ما لم تدل قرينة على خلاف الظاهر فتصرفه وقد علم انتفاؤها لما تقدم (١)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].\nولو كان الأمر خلاف ذلك فإن الآية تنفي تمامًا زوال الموعظة منها، يقول الإمام ابن كثير - ﵀ - في تفسير الآية ذاكرًا ما قيل فيها: \"يقول كثير من المفسرين إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك، ولهذا قال بعض السلف فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب، وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودًا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية، والله أعلم بصحة هذا\" (٢).\nوالذي نخلص إليه هنا أنه لم يرد ما يدل من أقوال المعصوم على أي أمر خارج عن دلالة الآيات الكريمة نفسها، لا في حقيقة الألواح ولا في علاقتها بالتوراة ولا فيما أصابها بعد إلقائه لها، يقول الشيخ أبو شبهة - ﵀ -: \"فكل هذه\n_________\n(١) جامع الدروس العربية، للغلايينى: ١٤٩.\n(٢) تفسير القرآن العظيم: (٢/ ٣٣٢).","vol":"1","page":375},{"text":"الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم - ﷺ -، وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية، وليس تفسير الآية متوقفًا على كل هذا الذي رووه، والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى، . . .، أما هذه الألواح مم صنعت؟ وما طولها وما عرضها؟ وكيف كتبت؟ فهذا لا يجب علينا الإيمان به\" (١).\nأما وقد انتفت حجة قوله بانتفاء الموعظة من الألواح بعد إلقاء موسى لها، فإنه يحسن الاستدلال بالآية الكريمة التي بينت ما اشتملت عليه التوراة من أنواع الهداية، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، فقد وصفها المولى تعالى بالهدى والنور، وفيه ما يدل على احتوائها كل ما يحصل به الاهتداء والنجاة، يقول البقاعي - ﵀ - في معنى الهدى: \"أي كلام يهدى بما يدعو إليه إلى طريق الجنة، ونور أي بيان لا يدع لبسًا\" (٢)\nويقول الشيخ سيد قطب - ﵀ -: \"فالتوراة كما أنزلها الله كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل، وإنارة طريقهم إلى الله وطريقهم في الحياة وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد، وتحمل شعائر تعبدية شتى، وتحمل كذلك شريعة: \"يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء\" (٣).\nوقد علم بالضرورة أن مقومات الهداية الدلالية هي البيان والتذكير والإرشاد والوعظ، فلا يمكن أن تتحقق الهداية إلا بهذه الأصول، وهذا معلوم من دعوة الأنبياء - ﵈ - لأممهم، فالإنذار والتبشير بالحكمة والموعظة الحسنة هي مهمة الأنبياء الأولى في دعوة الأمم إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.\n_________\n(١) الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: ٢٠٢.\n(٢) نظم الدرر: (٦/ ١٤٤).\n(٣) في ظلال القرآن: (٢/ ٨٩٦).","vol":"1","page":376},{"text":"أما عن الهيئة التي أوردها في استماع المخلوقات لقراءة داود - ﵇ -؛ فإن المعتمد ألَّا تثبت صفة بعينها لقراءته الزبور وإنصات المخلوقات له لعدم وجود ما يدعم هذه الهيئة، وكان الثابت في هذه المسألة ما دلت عليه الآيات الكريمة من استماع المخلوقات لتسبيح داود - ﵇ - وترجيعها معه امتثالًا لأمر ربها ﵎، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨].\nوقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠].\nيقول الإمام ابن جرير - ﵀ - في بيان معنى التأويب للجبال والطير: \"يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا داود منا فضلًا، وقلنا للجبال \"أوبي معه\": سبحي معه إذا سبح\" وقد عزا هذا التفسير لكثير من أئمة السلف كابن عباس، ومجاهد وقتادة والضحاك\" (١).\nوكان حديثه عن التحريف مستندًا إلى نصوص الكتاب والسنة كما هو ظاهر، فقد شاء الله تعالى لحكمته أن تتعرض هذه الكتب التي أنزلت على الرسل السابقين للتحريف والتزوير، وكان لذلك حكمة قدرها في كل ما يقضيه من أمر، وقد تجلت في إرادته تعالى البقاء والهيمنة والرفعة للقرآن الكريم، دستور الإسلام، وكتابه العظيم.\nهذا وأسباب ذلك التحريف والتزوير في تلك الكتب كثيرة أشير إلى أهمها في النقاط التالية:\nأولًا: أن الله تعالى أوكل حفظها إلى القدرات البشرية مع علمه سبحانه بضعفها ومحدوديتها، يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ\n_________\n(١) جامع البيان: (٢٢/ ٦٥).","vol":"1","page":377},{"text":"الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] بينما نجد أن حفظ القرآن قد أوكله تعالى إلى نفسه، حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\nثانيًا: ما لحق ببني إسرائيل من الاضطهادات المتعددة والمتلاحقة، فقد كان لهذا أثر بالغ في ضياع كتبهم، سيما وأنهم لم يؤمروا باستظهارها غيبًا؛ مما أدى إلى وقوع الاضطراب بسبب انقطاع السند.\nيقول الإمام ابن القيم في ذلك: \"ولم يكن حفظ التوراة فرضًا عليهم ولا سنة، بل كان كل واحد منهم يحفظ فصلًا من التوراة، فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة، ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيديهم. ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة، فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح العراق لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم\" (١)\nوإلى هذا المعنى يشير ابن تيمية في حديثه عن تحريف الأناجيل، وانقطاع سندها، يقول: وأما الإنجيل الذي بأيديهم فإنهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح - ﵇ - ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملاه بعد رفع المسيح: متى ويوحنا وكانا قد صحبا المسيح، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر\" (٢).\nثالثًا: صفات علمائهم الذميمة، فإن آيات الكتاب الكريم كثيرًا ما تتحدث عن أخلاقهم السيئة فتسمهم بأشنع الصفات وأبغضها، فمحبة الدنيا والتفاني في اكتسابها وجمع حطامها من أبرز الصفات التي تخلقوا بها، قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦].\n_________\n(١) إغاثة اللهفان: (٢/ ٣٥٩). مع تصرف يسير.\n(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":378},{"text":"ويصور تحريفهم وتحريهم الكذب والإصرار عليه، يقول عز من قائل: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤].\nوقد قادهم تعلقهم بالفانية إلى البخل والحسد، يقول شيخ الإسلام: \"ذم الله اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم ..\nفوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم، والبخل بالمال ..\nوكذلك وصفهم بكتمان العلم في غير آية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾.\nوقال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦].\nفكانت هذه الصفات الذميمة هي حقيقة الدافع لهم إلى تزوير الحق ورده، يقول - ﵀ - متممًا كلامه: \"فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارة بخلًا به، وتارة اعتياضًا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفًا أن يحتج عليهم بما أظهروه منه\" (١)\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم: (١/ ٧١ - ٧٢ - ٧٣).","vol":"1","page":379},{"text":"ولكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال؛ وهو إذا كان التحريف حقيقة لا شك في وجودها، فلا يمكن بحال تنزيه تلك الكتب عنها، فلماذا أتى الأمر بإقامتها وإعمال ما فيها؟ وليس ذلك فحسب بل قد أنيطت النجاة بهذا التمسك، كما أتى ذلك صريحًا في غير ما آية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦].\nإن الإجابة عن هذا السؤال تكون ببيان حقيقتين لهما علاقة وثيقة بحقيقة التحريف:\nالأولى: أن التحريف لم يكن على ضرب واحد وقد أشرت إلى ذلك مسبقًا عند عرضي لأقوال الصاوي في هذا المجال، فلم تكن جميع ألفاظ الوحي قد حرفت، بل هناك حقائق غيبية كثيرة لا تزال في تلك الكتب كالتوراة والإنجيل ولكن البخل والحسد الذي أعمل في قلوب كثير من أهل الكتاب حملهم على تحريف النصوص بالتأويل الباطل، فلا يصرحون إلا بما يوافق نفوسهم المريضة، وأي أمر خالفها كالأمر باتباع الرسول فإنهم يقومون بإخفائه أو طمسه أو تأويله التأويل الباطل، كما أشار إلى ذلك الصاوي في عدد من المواضع، كحادثة الرجم وغيرها مما هو من شأن أهل الكفر والإلحاد في كل زمان ووقت.\nأما الحقيقة الثانية: فقد نبهت إليها وهي أن جل الحكمة من الأمر بإقامة التوراة والإنجيل والعمل بمقتضى أخبارها هو الإيمان بمحمد - ﷺ - وطاعته والدخول في دينه، فقد نبه القرآن الكريم إلى وضوح معالم شخصية النبي المنتظر وانطباقها تمامًا على شخصية الرسول - ﷺ - في كتبهم حتى قال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. يقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا حقيقة الأمر بإقامة الكتاب: \"فإن إقامة الكتاب: العمل بما أمر الله به في الكتاب، من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول.","vol":"1","page":380},{"text":"وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ليس هو مما أنزله الله على الرسول ولا مما أمر به ولا أخبر به وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة، يصنف الشخص كتابًا فيذكر ناسخه في آخره: عمر المصنف، ونسبه، وسنه، ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن، وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن، فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس\". (١)\n* * *\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١٣/ ١٠٥).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>(المبحث الثالث): الإيمان بالقرآن الكريم</span>\nيرجع معنى القرآن في اللغة إلى القرء وهو الجمع، فقد سمى قرآنًا لأنه يجمع السور فيضم بعضها إلى البعض، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧].\nوجاء في لسان العرب؛ \"الأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمى القرآن لأنه جمع القصص، والأمر، والنهى، والوعد، والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض؛ وهو مصدر كالغفران، والكفران\" (١)\nوالقرآن هو الكلام المعجز المنزل على النبي - ﷺ - للتحدي، المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.\nوالقرآن مكتوب، ومسموع، ومحفوظ هو كلام الله، قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.\nوقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].\nقد أنزله المولى ﵎ على قلب النبي بواسطة الملك جبريل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].\nأما عن كيفية ذلك النزول فقد ورد أنه أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء، وهذا ما روى عن ابن عباس - ﵄ - حيث قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل - ﵇ - ينزله على النبي - ﷺ - ويرتله ترتيلًا) (٢)\n_________\n(١) لسان العرب: (١/ ١٢٨).\n(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب التفسير، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي: (٢/ ٢٢٣). وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، برقم: ١٢٣٨١: (١٢/ ٣٢). وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف: (٧/ ١٤٠) .. وذكره السيوطي في كيفية النزول: التحبير في علم التفسير: ١١٦.","vol":"1","page":382},{"text":"وكان وقت نزوله جملة في رمضان ليلة القدر، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. (١)\nوعند نزوله على قلب النبي فقد كان ينزل منجمًا بحسب ما تقتضيه حكمة المولى، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].\nوقد بين الشارع جانبًا من حكمة ذلك التنجيم، حيث قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].\n- ولعظمة هذا الكتاب واشتماله على أنواع الهداية التي احتوتها كل الكتب السابقة، فقد تمت له الهيمنة عليها، فكان خاتمها والباقي إلى يوم القيامة، فعلاقته بها علاقة تصديق وهيمنة، ولبيان هذه العلاقة فإن شيخ الإسلام - ﵀ - يعقد مقارنة بين الكتب المنزلة، وذلك في ضوء الآيات المتتالية في سورة المائدة من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]، يقول: \"فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر، يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل والإنجيل تبع لها في كثير من الأحكام وإن كان مغايرًا لبعضها، فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن، في مثل قوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]، فيذكر الثلاثة تارة، ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لسر، وهو أن الإنجيل من وجه أصل، ومن وجه تبع، بخلاف القرآن مع التوراة، فإنه أصل من كل وجه، بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، وإن كان موافقًا للتوراة في أصول الدين\" (٢).\n_________\n(١) ذكره السيوطي في: كيفية النزول: من كتاب التحرير من علم التفسير: ١١٦.\n(٢) مجموع الفتاوى: (١٦/ ٤٥).","vol":"1","page":383},{"text":"فقد بين - ﵀ - أن وجه المغايرة بينهما هو اختلاف الأحكام الشرعية على جهة التفصيل، كما أشار إلى أن مكمن الاتفاق بينهما هو اتحادهما في الدلالة على أصول الدين.\nوهذا الاعتقاد مبني في حقيقته على أن النسخ في الأخبار ممنوع تمامًا في حق المولى تعالى؛ لأنه خبر، والخبر: إما صدق وإما كذب، والله ﷿ منزه عن الكذب بأي صورة منه، بل وموصوف بأتم صفات الصدق وأكملها، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، قال المفسرون: \"صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام\".\nأما نسخ الأحكام، فجائز لما يقتضيه كمال عدله سبحانه، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيعرف الصاوي القرآن الكريم، فيقول: \"القرآن لغة من القرء وهو الجمع\" أما في الاصطلاح فإن: \"المراد به: اللفظ المنزل على قلب النبي - ﷺ - المتعبد بتلاوته المقرون بدعوى التحدى\". (١)\nويقول واصفًا هذا الكتاب العظيم مفحصًا عن حقيقته عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]: \"أي صيرناه مقروءًا، أي مجموعًا سورًا موصوفة بكونها عربية، رحمة منا وتنزلًا لعبادنا لعجزهم عن شهود الوصف القائم بنا.\nفحدوثه من حيث قيامه بالمخلوقات، وقدمه من حيث وصف الله به، وقد تنزه وصفه عن الحروف، والأصوات، والجمع والتفرق، فتدبر\".\nفكان هذا التحرير منه دفعًا لما قد يورده المعتزلة من شبه للاستدلال على خلق القرآن\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٩ - ٣٠٥)، وجوهرة التوحيد: ٤٧.","vol":"1","page":384},{"text":"بهذه الآية الكريمة، يقول: \"ودفع بذلك ما قيل: إن ظاهر الآية يدل على حدوث القرآن من وجوه ثلاثة:\nالأول: أنها تدل على أن القرآن مجعول، والمجعول هو المصنوع والمخلوق.\nوالثاني: أنه وصفه بكونه قرآنًا، والمجموع بعضه لبعض مصنوع.\nوالثالث: وصفه بكونه عربيًا، والعربي ما كان بلغة العرب، وذلك يدل على أنه مجعول\".\nومع إجابته المسبقة لهذه الشبه؛ فإنه يعتضد بما أجاب به أسلافه من الأشاعرة على هذا الاشتباه، يقول: \"وأجاب الرازي أيضًا عن ذلك أن الذي ذكرتموه حق؛ لأنكم استدللتم بهذه الوجوه على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبات محدثة، وذلك معلوم بالضرورة وليس لكم منازع فيه\" (١)\nوفي بيان صفة نزوله يقول: \"وأجيب بأن القرآن نزل جملة في بيت العزة في سماء الدنيا، وصار ينزل بعد ذلك مفرقًا فحين نزول هذه كأن الله تعالى يقول: \"لا تنتظروا بعد ذلك حكمًا فقد أتممت لكم ما قدرته لكم وادخرته عندي\" (٢)\nوقد تحدث عن عظمة القرآن الكريم واشتماله على أنواع الهداية والحق، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، يقول: \"فشبه القرآن بالروح من حيث إن كلَّ به الحياة، فالقرآن به حياة الأرواح، والروح بها حياة الأشباح\" (٣)\nوفي بيان أوجه الإعجاز في هذا الكتاب العظيم، يقول: \"ووجه إعجازه أن كلماته مائة ألف كلمة وأربعة وعشرون ألف كلمة، وكل كلمة لها مطلع وغاية وظهر وبطن، فتكون علومه أربعمائة ألف وستة وتسعين ألف علم وعلم يخلف الآخر، وأن ألفاظه في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة التي لا يصل إليه أحد\" (٤).\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٤/ ٤٤). وانظر: (٣/ ٦٦).\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٢٥١).\n(٣) المرجع السابق: (٤/ ٤٣).\n(٤) حاشية الجوهرة: (٤٧ - ٤٨).","vol":"1","page":385},{"text":"ويسترسل في الحديث عن أوجه عظمة هذا الكتاب المبين، يقول عند قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] \" أي ميزت لفظًا ومعنى:\nفاللفظ في أعلى طبقات البلاغة، معجز لجميع الخلق.\nوالمعنى: كالوعد والوعيد، والقصص والأحكام، وغير ذلك من المعاني المختلفة.\nفإذا تأملت القرآن تجد بعض آياته متعلقًا بذات الله وصفاته، وبعضها متعلقًا بعجائب خلقه من السموات والأرض وما فيهما، وبعضها متعلقًا بالمواعظ والنصائح وغير ذلك، قال البوصيرى:\nفلا تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم (١) \" (٢)\nوقد اشتمل حديثه عن عظمة هذا الكتاب على بيان مكانة القرآن الكريم بين الكتب المنزلة، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، يقول: \"أل في الكتاب للجنس فيشمل جميع الكتب السماوية، المهيمن: معناه الحاضر الرقيب، فالقرآن شاهد على سائر الكتب وعلى من آمن من أصحابها وكفر\" (٣)\nولتأثره الملموس في كثير من مسائل الاعتقاد بآراء الصوفية نجد أنه يفرق بين الظاهر والباطن في التفسير من حيث الجواز والمنع على مختلف طبقات أهل العلم، يقول: \"فالمراد بالعوام علماء الظاهر، ليس لهم خوض في القرآن إلا بالمنطوق، وتكلمهم بالعلوم الإشارية التي هي للخواص فضول منهم فالتكلم في اللطائف لغير الأولياء فضول منهم، ويدخلون في الوعيد الوارد: (من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار)، ما لم يمن الله عليه بعلم لدني فحاله لا ينكر\" (٤)\n_________\n(١) ديوان البوصيرى: ١٧٠.\n(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ١٧).\n(٣) المرجع السابق: (١/ ٢٧٠).\n(٤) الحديث أخرجه الترمذي بنحوه؛ في كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يُفسِّر القرآن برأيه (٢٩٥٠)، وقال: حديث حسن صحيح: (٥/ ١٨٣)، وانظر: حاشية الصلوات: ٦٣.","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المناقشة:</span>\nلقد تقدم الحديث عن القرآن العظيم من حيث إنه كلام الباري تعالى منه خرج وإليه يعود، وأنه غير مخلوق وأنه بلفظه منزل من عند الله تعالى، مسموع الحروف والأصوات، وكيف أن الأشاعرة قد ضلوا في معتقدهم بالكلام النفسي، والذي زعموا فيه أن الحروف والأصوات من سمات المخلوقين؛ التي لا يجوز نسبتها إلى الباري تعالى على جهة الوصف.\nوهنا في هذا المبحث نجد كيف أن ذلك المعتقد كان ذريعة للوقوع في وصف القرآن بالخلق من جهة حروفه وأصواته، فكان هذا من الأشاعرة جهلًا بحقيقته المنزلة، ومتابعة لشبه المعتزلة في اعتقاد خلق القرآن.\nوالعجيب في هذا أن الصاوي يظن بتحريره المسبق في تفصيل القول في حقيقة القرآن وتقسيمه من حيث الحدوث والقدم؛ بأن القدم من جهة كونه معنى قائمًا بذات الله تعالى، وأن الحدوث من جهة كونه حروفًا وكلمات، قد رد على ما اعتقده المعتزلة في خلق القرآن الكريم، وأنه مع الرازي قد أصاب الهدف في دحض الشبهة.\nوالصحيح في المسألة كما هو معتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن الكريم غير مخلوق، وأن اعتقاد كونه مكونًا من الحروف والكلمات لا يطعن في حقيقة اتصاف الله تعالى به على جهة الكلام، وذلك للأمور التالية:\nأولًا: أن الله ﷿ كلم موسى - ﵇ - بصوت مسموع: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.\nوفي الحديث عن رسول الله - ﷺ -: (يحشر الله العباد عراة غرلًا، بهما، قلنا: ما بهما؟","vol":"1","page":387},{"text":"قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: (أنا الملك أنا الديان). (١)\nوفي هذا دلالة صريحة على أن كلامه تعالى بحرف، لأنه لا يكون بصوت مسموع إلا لكونه من حروف، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في اعتماد هذا المعتقد عن سائر السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان: \"واستفاضت الآثار عن النبي - ﷺ - والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة؛ أنه سبحانه ينادي بصوت، نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت، أو بحرف\" (٢).\nوكان ما ذكر الرازي الإجماع عليه من كون الحروف والكلمات مخلوقة غير صحيح، وعدم علمه بالمخالف لا يعني عدمه، بل الصحيح أنه نقل عن الأئمة التوقف في هذا لعدم ورود النص الذي يقطع بكونها مخلوقة، أو غير مخلوقة؛ وذلك لأن في القطع بأحدها لوازم باطلة، تدل على بطلان ملزومها، فالقول: بأنها مخلوقة يجر إلى القول بخلق القرآن، والقول: بأنها غير مخلوقة يجر إلى اعتقاد أن كلام الناس بشتى أنواعه مبني على ما هو غير مخلوق، ولا يخفى ما في هذا من البطلان الذي يتشدق به أهل الحلول والاتحاد (٣).\nوالذي يظهر لي أن القول الفصل في المسألة هو ما توصل إليه الدكتور الجديع، حيث قال: \"إن الحرف المجرد الذي هو جزء من اللفظ، مثل: (ز) من كلمة:\n_________\n(١) ذكره البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أنيس: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾: (١٣/ ٤٥٣). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، من حديث عبد الله بن أنيس: (٤/ ٥٥١). حديث حسن: انظر: تخريج الدكتور عبد الله الجديع له في رسالته: العقيدة السلفية في كلام رب البرية: ١١١.\n(٢) مجموع الفتاوى: (١٢/ ٣٠٤).\n(٣) ومن ذلك قول ابن عربي الطائي:\nوكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه","vol":"1","page":388},{"text":"(زيد) لا يقال فيه مخلوق، ولا غير مخلوق؛ لأن الحرف المجرد ليس كلامًا، وإنما يقع الكلام فيما ألف من الحروف فأفاد معنى، ككلمة (زيد) اسم علم معروف.\nوالكلام المؤلف من الحروف الذي يفيد معنى يفصل فيه: فإن كان كلامًا لله تعالى، كان غير مخلوق.\nوإن كان كلامًا للعبد ينشئه من تلقاء نفسه، لا يريد به قراءة كلام الله فهو مخلوق، فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ غير مخلوق، وقولك: (جاءني زيد فأكرمته) مخلوق، لأن الأول كلام الله تعالى نظمه وحروفه، والثاني كلامك نظمه وحروفه\" (١)\n* * *\n\n- هذا والحديث في عظمة القرآن وأنواع الإعجاز فيه حديث ذو شجون، ويمكن إيجاز القول فيه بأن الإعجاز في القرآن الكريم - كما ذكر الصاوي - على ضربين فقد أعجز لفظًا ومعنى، ولكن الكلام فيما اشتمل عليه ذلك اللفظ والمعنى من أنواع الإعجاز، فقد أحار الأولين والآخرين في الإحاطة به، وقد تناول الزركشي أقوال العلماء في بيان أنواعه: حيث البلاغة من جهة تفاوتها واستمرارها في كل ألفاظه، وعدم إمكان التعبير عنه بنفس المراد مهما بذل من جهد، ومن جهة نظمه وتأليفه، ومن جهة سلامته مع غرابة أسلوبه، ومن جهة ما تضمنه من أخبار الأولين والآخرين، ومن جهة حديثه عن الغيب، وغير ذلك مما يعجز المقام عن التفصيل فيما أشار إليه - ﵀ - حتى قال في الوجه الثاني عشر: \"قول أهل التحقيق: إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال (٢)، لا بكل واحد على انفراده، فإنه جميع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق، فمنها الروعة التي في قلوب السامعين وأسماعهم.\n_________\n(١) العقيدة السلفية من كلام رب البرية: ١٧١ - ١٧٢.\n(٢) سيأتي كلامه فيها.","vol":"1","page":389},{"text":"ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضًا طريًا في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين. ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر\" (١)، إلى غير ذلك من المعاني التي استرسل في بيانها - ﵀ -.\nهذا وقد جد في العصر الحاضر حديث آخر عن أوجه إعجاز هذا الكتاب العظيم، ألا وهو الإعجاز العلمي، فقد أقيمت الكثير من الأبحاث والدراسات لتكشف عن شيء من عظمة إعجازه في هذه الجوانب الحسية التجريبية، وهذا كله فيه مصداق لقول الحق جلا في علاه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].\n- وكان من ضمن حديث الصاوي عن الإعجاز ذكر عدد كلمات القرآن الكريم، واعتقاد أن لها ظهرًا وبطنًا، أما عددها فقد ذكر أنها: مائة ألف وأربع وعشرون ألف كلمة، والحقيقة أن هذا من المسائل المختلف في ضبطها، وقد أورد السيوطي أقوال العلماء المتعددة في ذلك، وقد أرجع الاختلاف الواقع في عدها إلى أن كل كلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز.\nثم عقب كلامه في هذه المسألة؛ حيث قال: \"لا أعلم لعدد الكلمات، والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك\" (٢)\n* * *\n\nومن جملة ما تناول الصاوي من المسائل المتعلقة بالقرآن: تفسيره وبيانه، وقد فرق في هذه المسألة بين نوعين من التفسير: التفسير بالظاهر، والتفسير الإشاري، وأشار\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن: (٢/ ١٠٦).\n(٢) الإتقان في علوم القرآن: (١/ ٩٣). وقد عزاه للإمام السخاوي.","vol":"1","page":390},{"text":"في خلال حديثه عنه إلى بعض القواعد المعتمدة عند المتصوفة فيه، حيث قصر استعماله على طائفة معينة يطلق عليها عند الصوفية بالخواص، ومنع مع ذلك أهل العلم بالظاهر - ويعنى بهم أهل العلم بالشريعة - من التفسير بهذا النوع من التفاسير الصوفية، وقد استند الصاوي فيما ذهب إليه إلى عدد من الأمور المعتبرة عند هذه الطائفة:\nأولها: اعتقاد أن للقرآن الكريم ظاهرًا وباطنًا، وأنه لا دلالة واضحة من ظاهره لباطنه؛ بل قد يخالفه تمامًا، بحيث يتأتى للمقتصر على فهم القرآن بظاهر ألفاظه الوقوع في الخطأ المبين إذا أراد أن يستوحي باطن اللفظ كما يعتقد الصاوي، فيقع في الإثم المبين.\nثانيها: تقسيم العلم إلى علم مكتسب وعلم لدني، وأن من كان علمه مكتسبًا لا يتصور منه استنباط الإشارات الباطنية، لأنها لا تتأتى بطريق الاكتساب، بل هي محض فضل من الله تعالى، قد ينال بنوع اجتهاد، ولكنه لا يرجع إلى نحو الأسباب التي يتأتى بها العلم المكتسب.\nثالثها: تفريقه بين العوام والخواص، وجعل طبقة علماء الظاهر من جملة العوام الذين ليس لهم اجتهاد في فهم الإشارات اللدنية، وإرجاع فهم الحقائق إلى أهل الولاية وهم من يسميهم بالخواص.\n- أما المسألة الأولى؛ وهي اعتقاد أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، فهذا ما عليه غالب أهل التصوف، وقد نشأ من هذا الاعتقاد ما يسمى بالتفسير الإشاري عند الصوفية، حيث يتوسط في مكانته بين التفسير بالمأثور وبين التفسير الباطني المعتمد عند أهل الباطن، فنجد هذا النوع من التفسير عند بعض المتصوفة يأخذ طابع العمق حتى يخرج به عن التفسير المعهود.\nوقد يقع في التأويل الباطني المنحرف بأقصى درجات الانحراف، وقد ينحو به نحو الاعتدال، وهذا ما عليه الغالب، إلا أنه قد يقع في كثير من التخليط فيبعد عن النص بتأويلات بعيدة، لا يدل عليها من قريب، أو بعيد.","vol":"1","page":391},{"text":"وقد يقرب ببعضهم حتى لا يكاد يبعد عن تفسير أهل السنة المعتاد (١).\nولعل هذا هو سبب ولاء الصاوي لابن عربي الطائي، فكثيرًا ما يطلق عليه مسمى: (سيدى) (٢)، وقد كان هذا الاعتقاد منه مدعاة إلى التوقف عن الاستدلال بالظاهر على العقائد، حيث اشتهر بالمقولة الباطلة: \"الأخذ بظاهر القرآن كفر\" (٣).\nوالحق في هذه المسألة أن التفريق بين الظاهر والباطن من محدثات الأهواء والبدع، فإن علاقة الباطن بالظاهر علاقة ملازمة، لا يمكن بحال الفصل بينهما، فلا يستدل بالنص على أمر لا يدل ظاهره عليه مفهومًا أو منطوقًا، ولعلي أشير إلى بعض المعاني التي قد تكون صحيحة في نفس الأمر إلا أن علاقتها بالنص تكاد توسم بالبتر، حيث يضرب الإمام الشاطبى مثلًا لذلك الانحراف في الفهم.\nفيقول: \"لو فسر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]: \"بأن السكر هو سكر الغفلة والشهوة وحب الدنيا المانع من قبول العبادة في اعتبار التقوى، كما منع سكر الشراب من الجواز في صلب الفقه، وأن الجنابة المراد بها التضمخ بدنس الذنوب، والاغتسال هو التوبة، لكان هذا التفسير غير معتبر، لأن العرب لم تستعمل مثله في مثل هذا الموضع، ولا عهد لها به، لأنها لا تفهم من الجنابة، والاغتسال إلا الحقيقة\".\nكما يشير إلى ضرب آخر لا حقيقة له في الأصل ولا علاقة له بالنص على الإطلاق، فصلته بالمعنى المراد مبتورة تمامًا\" ومثله قول من زعم أن النعلين في قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] إشارة إلى خلع الكونين، فهذا على ظاهره لا تعرفه العرب لا في حقائقها المستعملة ولا في مجازاتها\".\n_________\n(١) انظر: التفسير والمفسرون للذهبي، بحث: أهم كتب التفسير الإشاري: ٣٧٩.\n(٢) سيأتي الحديث عنه بإذن الله في باب التصوف.\n(٣) راجع مبحث الأسماء والصفات: ٢٠٧.","vol":"1","page":392},{"text":"ثم يبين وجه القطع بعدم إرادة مثل هذه المعاني، يقول: \"فلا يصح استعمال الأدلة الشرعية في مثله، وأول قاطع فيه أن القرآن أنزل عربيًا وبلسان العرب، وكذلك السنة إنما جاءت على ما هو معهود لهم، وهذا الاستعمال خرج عنه\". (١)\nإذًا حقيقة الفصل بين الظاهر والباطن وَهْمٌ لا أساس له، بل هو أساس لكل باطل من التفسير بالرأي الذي يحرم اعتماده في حق من تصدى لتفسير القرآن الكريم.\nوهنا تجدر الإشارة إلى الطريقة المثلى التي سار عليها أئمة السلف في تفسير القرآن الكريم، إذ الأصل المعتمد الذي تقوم عليه الطريقة الصحيحة هو: التفسير إما بنقل ثابت، أو رأي صائب، وما سواهما فباطل.\nويرجع هذا الأصل من حيث المستند إلى ما تواتر من دلائل الكتاب والسنة وأقوال السلف.\nهذا ويندرج تحت ذلك الأصل عدد من القواعد المتعلقة بأنواع النقل وترتيبها حسب الأهمية، فلا تصح مجاوزة قول النبي إلى قول غيره مع التيقن من صحته، كما لا يعدل عن قول الصحابي إلى من هو دونه مع وجوده، وإذا اختلف في المسألة على قولين ينظر في أدلة كل منهما وثبوتها من حيث السند، إلى غير ذلك.\nومع عدم وجود تفسير للنص من الأحاديث والأخبار والآثار؛ فإنه يرجع إلى تفسير القرآن باللغة التي نزل بها، ومن هنا يكون مدخل الرأي الصائب؛ حيث يعمل دلالة اللغة إلى أقرب معنى، وأصحه، وأفصحه من معاني اللغة العربية في ضوء ما يرتبط به من نصوص فسرت بالنقل الصحيح. فلا يخرج عن معهود الشارع في مراده من النصوص في الغالب.\n_________\n(١) الموافقات: (٣/ ٢٥٠). لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب: قواعد التفسير، للدكتور: خالد عثمان السبت، وبحوث في أصول التفسير، للدكتور: محمد لطفي الصباغ.","vol":"1","page":393},{"text":"يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في وجوب إعمال الأصل السابق، وذلك في حديثه عن حقيقة الرأي الصائب: \"أن يكون - أي الرأي المحمود - بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها في القرآن، ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة، فبما قضى به الخلفاء الراشدون، أو اثنان منهم، أو واحد، فإن لم يجده، فبما قاله واحد من الصحابة - ﵃ - فإن لم يجده، اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة، واستعملوه، وأقر بعضهم بعضًا عليه\" (١).\nإذًا فالرأي المذموم الذي أتى فيه الوعيد؛ هو \"رأي مجرد لا دليل عليه، بل هو خرص وتخمين\".\nأما الرأي المحمود، والذي لا مندوحة عنه للمفسر العالم في كثير من الأحيان؛ فهو الذي يستند \"إلى استدلال، واستنباط من النص وحده، أو من نص آخر معه\" (٢).\nومن هنا نعلم حقيقة ما أثر عن أبي بكر الصديق - ﵁ - في التوقف عن التقول في كتاب الله برأيه، فإنه - ﵁ - سئل عن معنى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾، فقال: (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأي) (٣).\nفالدافع إلى توقفه - ﵁ - هو عدم علمه بما يستند إليه في تفسيره لهذه الكلمة.\n- وإذا تبين هذا، وعلم أن الرأي لا يكون صائبًا إلا إذا استند إلى حقائق شرعية لغوية، وأنه قد أثر توقف كبار الصحابة عن تفسير القرآن بالرأي المحض؛ علم ضلال القائل باختصاص أهل الولاية في فهم المعاني الإشارية دون غيرهم من أهل العلم بالشريعة التي يطلق عليه الصوفية \"علم الظاهر\".\nوعلم أيضًا ضلال من قدم أهل الولاية كما يسمون عند المتصوفة على أهل العلم بالحقائق الشرعية المكتسبة من الطرق اليقينية.\n_________\n(١) إعلام الموقعين: (١/ ٨٥).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٨٣).\n(٣) الجامع لشعب الإيمان: فصل في ترك التفسير بالظن، رقم الحديث: ٢٠٨٢: (٥/ ٢٢٨). وانظر إعلام الموقعين: (١/ ٥٤).","vol":"1","page":394},{"text":"وعلم أيضًا ضلال من خرج عن هدى الصحابة الكرام في توقفهم عن تفسير كتاب الله بغير مستند شرعي؛ مع ثبوت الرفعة لمكانتهم عند الله، وخيريتهم على سائر القرون.\nبل وعلم ضلال الصوفية أيضًا في تقديم خواصهم على ما أثر عن الصحابة لمعرفة ما يسمى بعلم الإشارات، الذي كثيرًا ما يخرج بصاحبه إلى التقول على الله بغير علم، وإلى الابتداع المنهي عنه، وقد يقع به أيضًا في الكفر والعياذ بالله.\nونقل عن ابن الصلاح (١) أنه قال في فتاويه عن تفاسير هؤلاء: \"الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئًا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم ذكر لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، فمن ذلك قول بعضهم في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]: إن المراد النفس، فأمرنا بقتال من يلينا، لأنها أقرب شيء إلينا.\nوأقرب شيء إلى الإنسان نفسه.\nفكأنه قال: أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك، لما فيه من الإبهام والالتباس. انتهى من كلامه - ﵀ -. (٢)\nفهل بعد هذا التقول على كتاب الله بغير علم من ضلال؟\n_________\n(١) هو أبو عمر عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهر زوري المعروف بابن الصلاح، ألفية الشافعي، برز في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وكانت له مشاركات في فنون عديدة، صنف في علوم الحديث كتابًا نافعًا، وكذلك في مناسك الحج، وجمعت له فتاوى في مؤلف، وغير ذلك من المصنفات توفي ﵀ سنة: ٦٤٣ هـ بدمشق. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان: (٣/ ٢٤٣)، وطبقات السبكي: (٨/ ٣٢٧).\n(٢) البرهان في علوم القرآن، للزركشي، بتصرف يسير: (٢/ ١٧٠).","vol":"1","page":395},{"text":"- وعليه فإن تقسيمه السابق للعلوم من حيث طرق تحصيلها إلى مكتسب ولدني، وأن معرفة الإشارات لا تتأتى لأحد من أهل العلم المكتسب، لا حقيقة له، بل هو محض وهم.\nومبنى هذا التصور أن الإلهام مصدر من مصادر التلقي التي يستند إليها في فهم الكتاب العظيم، وقد تقدم بطلان هذا وبيان أن الإلهامات لا يستند إليها فيما يتعلق بفهم نصوص الشرع، إذ ليس لأهل الولاية عصمة من وساوس الشيطان وتضليله، وإنما ترجع في حجيتها إلى موافقتها لمصدر التلقي اليقيني: الكتاب والسنة، فما وافقهما قبل، وإلا فلا اعتداد به البتة في أي استنباط لا استناد له إلى قواعد التفسير المسبقة.\nومن العجب أن يخالف الصاوي نفسه في هذا الباب ويدخل في ضرب من التناقض المخل، حيث يفرق عند حديثه عن الوحي بين إلهام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وغيرهم من الأولياء: بأنه لا عصمة لهؤلاء بخلاف أولئك الذين عصمهم الله من وساوس الشيطان وغيرها.\nوليس في هذا ما يناقض اعتقاد أن للتوفيق والهداية والولاية دور كبير في فهم القرآن الكريم والوقوف على معانيه وإدراك مغازيه، في ضوء التزام القواعد المسبقة، فـ \"إن هذا الكتاب هدى للمؤمنين وشفاء، فقلوب المؤمنين هي التي تدرك طبيعته وحقيقته، فتهتدي به وتشتفي.\nفأما الذين لا يؤمنون فقلوبهم مطموسة، لا تخالطها بشاشة هذا الكتاب، فهو وقر في آذانهم، وعمى في قلوبهم، وهم لا يتبينون شيئًا لأنهم بعيدون جدًا عن طبيعة هذا الكتاب وهواتفه ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].\nويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان وفي كل بيئة.\nفناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم، ولا يزيدها إلا صممًا وعمى، وما تغير القرآن، ولكن تغيرت القلوب وصدق الله العظيم\" (١)\n_________\n(١) في ظلال القرآن: (٥/ ٣١٢٨).","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>الفصل السابع: آراؤه في الإيمان بالنبوات</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: مفهوم النبوة والرسالة.\nالمبحث الثاني: الإيمان بالرسل والأنبياء.\nالمبحث الثالث: خاتم الأنبياء وعموم رسالته.\nالمبحث الرابع: دلائل النبوة.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>تمهيد</span>\nاقتضت حكمة المولى تعالى وعظيم منته؛ أن يختص بفضله من يشاء من عباده؛ ليتم بذلك أداء رسالة التبليغ، والتي بها يخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر إلى نور اليقين والإيمان، فالرسالة نعمة سابغة بها يتأتى الرضا بالله ربًا وبشرعه دينًا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] ومن هنا علمت الضرورة الملحة إلى إرسال الرسل، والاقتداء بهديهم، فـ \"بمتابعتهم يتميز أهل الهدى من الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها\" (١).\nوقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، يقول الإمام السعدي - ﵀ -: \"يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة، إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له\" (٢)\nوقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، يقول الإمام ابن كثير - ﵀ -: \"أي بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاءوا به هو الحق، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، أي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوأوا غرف الجنات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا\n_________\n(١) زاد المعاد، لابن القيم: (١/ ٦٩).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٤٦٨.","vol":"1","page":398},{"text":"لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] \" (١)\nولما كانت للرسالة هذه المنزلة العظيمة؛ بحيث تعلق بها المقصد الأسمى والغاية العظمى من إيجاد الثقلين الجن والأنس، وأنيط بها تحقيق العدل الذي قامت به السموات والأرض؛ تولى المولى تعالى اختيار من هو أهل للقيام بأداء واجباتها من البشر، قد اصطفاهم ربنا تعالى لعلمه الذي وسع كل شيء، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧].\nولكل ما تقدم صار الإيمان بهم ركنًا عظيمًا من أركان الإيمان؛ لا يقبل الله تعالى بدونه من أحد صرفًا ولا عدلًا، وأتى الأمر بذلك مؤكدًا موثقًا بعدم التفريق في الإيمان بين أحد منهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].\nهذا وقد وقف أتباع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أمام ذلك الصرح الإيماني العظيم، موقفًا يتغاير بين الإفراط والتفريط، بين الغلو والتقصير، والقليل هم الذين التزموا منهج الوسطية، الذي يمثل صورة الاعتدال المأمور بها في الإيمان بهم - صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين - فالإيمان بأنهم رسل من عند الله تعالى، قد اصطفاهم المولى ﵎، وخصهم بالعصمة، وما انبنى عليها من وجوب الاتباع التام، حمل البعض من ضعاف البصيرة على الغلو في شأنهم؛ حتى رفعوهم عن مرتبة البشر، ولعل النصارى ومن شابههم من غلاة الصوفية، هم من مثلوا هذا الاتجاه المنحرف، والذي دفعهم إلى الوقوع في الشرك عند نهاية المطاف، قال تعالى مخبرًا عن هذه الحقيقة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم بتصريف يسير: (٤/ ٤٠١).","vol":"1","page":399},{"text":"عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] أما الذين مثلوا صورة التقصير المخل فهم اليهود لعائن الله عليهم، حيث كذبوا الرسل - صلوات ربي وسلامه عليهم - حتى حملهم ذلك التكذيب والعداء على أن قاموا بقتلهم أو رميهم بأنواع التهم والقبائح والفواحش التي يترفع عنها أوساط الناس وأشرفهم (١)، وهذا ما حدثتنا به آيات الكتاب العظيم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥].\nولكل ما تقدم صار إيمان كثير ممن اتبعوا الأنبياء مشوبًا بالنواقض القادحة في أصله، وفي هذا يقول الإمام الشوكاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾: \"الغلو: هو التجاوز في الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاءً، وغلا الرجل في الأمر غلوًا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها، والمراد بالآية نهيهم عن الإفراط تارة، والتفريط أخرى، فمن الإفراط غلو النصارى في عيسى؛ حتى جعلوه ربًا، ومن التفريط غلو اليهود فيه - ﵇ - حتى جعلوه لغير رشدة\" (٢).\nلذا أتى نهي النبي شديدًا عن الاقتداء بأهل الكتاب؛ فقد قال - ﵊ -: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله). (٣)\n_________\n(١) انظر على سبيل المثال: العهد القديم: صموئيل الثاني، الإصحاح الثالث عشر في كلامهم عن سيدنا داود - ﵇ - في التوراة المحرفة.\n(٢) فتح القدير: (١/ ٨٠٧) بتصرف يسير.\n(٣) تقدم تخريجه: ٧٢.","vol":"1","page":400},{"text":"فكان منهج التوسط والاعتدال هو خير الأمور، فالإيمان بهم وطاعتهم لا يخرج بالعبد عن اعتقاد بشريتهم، وأنهم رسل من عند الله؛ طاعتهم لطاعة الله، ومحبتهم لمحبته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوسيأتي مزيد بيان في المباحث التالية بإذن الله.\n* * *","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة</span>\nتعددت أقوال العلماء في تعريف النبوة والرسالة والتفريق بينهما، وكان هذا المبحث مما شاع الحديث عنه بين العلماء، وهناك ما نقلته من كلام الصاوي، معلقة عليه بكلام السلف - الصالح رضوان الله عليهم -:\nتعرف النبوة في اللغة بأنها مشتقة من النبأ؛ فيكون معناها الإخبار، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢].\nكما تشتق من النبوة بمعنى الارتفاع؛ فيكون معناها العلو والمكانة الرفيعة، (١) وكل هذه المعانى مما يصح إرادتها في حق النبي؛ فالنبى مخبر من المولى ﵎، وهو ذو مكانة ورفعة، ويحصل بطريقته الاهتداء لأمر الله تعالى.\nأما الرسول لغة فمشتق من الإرسال، ويقصد به التوجيه والبعث (٢)، قال تعالى في قصة ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].\nوقد أطلق هذا المسمى على الرسل؛ لأنهم موجهون من عند الله تعالى لهداية الناس، ودلالتهم على مسالك الخير.\nأما في تحديد المصطلح الشرعي لكل منهما، فللعلماء في ذلك أقوال متعددة، يرجع بيانها إلى تحديد العلاقة بين الرسول والنبى، فهناك من نفى وجود أي فارق بين النبي والرسول، وبالتالى فقد جعل التعدد في المسمى إما بالنبى أو الرسول ليس من قبيل تغاير الذوات، وإنما من قبيل تعدد الأوصاف التي تقضى بتعدد\n_________\n(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور: مادة نبأ: (٧/ ٤٣١٥).\n(٢) المرجع السابق: مادة رسل (٣/ ١٦٤٣). وانظر: الشفا للقاضى عياض في معنى النبي والرسول في اللغة: (٢/ ٧٢٦ - ٧٢٨).","vol":"1","page":402},{"text":"الأسماء الدالة عليها، وبالتالى فتكون العلاقة بينهما هي التغاير في المفهوم، والاتحاد فيما صدق، فالنبى هو وصف من اصطفاه المولى للقيام بمهمة الرسالة بما يؤهله لها، حيث نبئ بالوحى؛ فهو مأمور بإبلاغه لذلك.\nأما الرسول فهو وصف لذلك المصطفى بمقتضى المهمة التي كلف بها، وهى القيام بشؤون الإبلاغ وتكاليف الرسالة.\nوعليه فإن العطف الذي ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] ليس فيه دلالة على التباين بين المعطوف والمعطوف عليه، لأن التغاير مع التسليم بثبوته عند العطف لا يقضى بانتفاء العلاقة بينهما، فقد ينصرف إلى تغاير الصفات دون الذوات، فيفرق بين مطلق المغايرة والمغايرة المطلقة؛ لأن لفظ التغاير إذا أطلق يحتمل كلا المعنيين، وهذا معروف في أدلة الشرع، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]، فإنه ليس لأحد أن يحتج لمخالفة شخص النذير للبشير؛ بوجود العطف الذي يقضى بالتغاير؛ لأن التغاير كما سبق وأن أشرت لفظ مجمل يصدق فيه أدنى تغاير، ولو من جهة الأوصاف. (١)\nوهذا القول الذي يقرر ترادفهما، مما ذكره القاضي عياض (٢) عند عرضه للأقوال في هذه المسألة، وحكم بضعفه لمخالفته ما عليه عامة أهل العلم من وجود الفرق بينهما.\nوهناك من جعل العلاقة بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ فكل رسول نبى، وليس كل نبى رسولًا؛ فكان بذلك عدد الأنبياء أكثر من الرسول، وقد استدلوا لهذا\n_________\n(١) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام في بيان التغاير الذي وردت به ألفاظ الكتاب والسنة: ١٦٣.\n(٢) هو القاضي العلامة عياض بن موسى اليحصبى السبتى، ولد بسبتة سنة: ٤٧٦ هـ قال عنه ابن بشكوال: هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم استقضى بسبتة مدة طويلة، له كتاب الشفاء في شرف المصطفى، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك، وغير ذلك، توفى سنة: ٥٤٤ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ١٣٠٤).","vol":"1","page":403},{"text":"بالحديث الشريف الذي أخبر فيه النبي أن عدة: (مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألفًا، والرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر، جمًا غفيرًا) (١)\nوكذلك استدلوا بالعطف الذي يدل على التغاير الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾. وفي مفهوم هذا التغاير الذي ميز الرسول عن النبي فقلت له أعداد الرسل تعددت أقوال هذه الطائفة من العلماء:\n- فمنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أرسل بشرع جديد، أما النبي فهو الذي أرسل بشرع من قبله، وقد اعترض عليه بأن بعضًا من الرسل كانوا على شريعة من قبلهم كـ داود وسليمان؛ فقد كانا على شريعة التوراة، وكذلك يوسف فقد كان على شريعة إبراهيم - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣].\n- ومنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أمر بالتبليغ، حيث وصف بالإرسال، الذي يدل على هذا المعنى، أما النبي فهو من لم يؤمر بالتبليغ؛ حيث انتفى عنه التكليف لانعدام الوصف بالإرسال (٢).\nوهذا المذهب لم يسلم من اعتراضات أوردها العلماء عليه؛ وذلك لمخالفته صريح النص الدال على أن النبي والرسول كلاهما قد توجه إليه الإرسال، الذي يقضى بالتبليغ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] (٣).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده، من حديث أبى أمامة الباهلى، رقم الحديث: ٢١٧٨٥: (٦/ ٣٥٥).\n(٢) وانظر في هذه الأقوال المتعددة كتاب شرح الشفا للقاضى عياض: (٢/ ٧٢٩ - ٧٣١).\n(٣) سيأتي مزيد بيان في مناقشة هذا المذهب.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيعرف الصاوي النبي لغة بأنه: \"المرتفع أو الرافع\". (١)\nأما الرسول في الاصطلاح فهو \"إنسان ذكر حر أوحى إليه بشرع، وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر به فنبى فقط\" (٢)\nويحدد العلاقة بينهما مفصلًا، مع ذكر الأقوال في ذلك، فيقول: \"النبي أعم من الرسول؛ فيلزم من كونه رسولًا أن يكون نبيًا ولا عكس، ولا يلزم أن يكون له كتاب وهذا هو المشهور.\nوقيل: النبي والرسول مترادفان، وقيل: الرسول من كان له شرع جديد وكتاب\".\nثم يورد اعتراض من اعترض على حصر الرسالة في البشر، فيقول: \"فإن قلت: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] يفيد أن الرسل يكونون من الملائكة أيضًا، وهو خلاف التعريف.\nأجيب بأن الرسول المعرف هنا هو الذي يبلغ الأمم وأما رسل الملائكة فهم لتبليغ بعضهم بعضًا ولتبليغ رسل البشر، فالموضوع مختلف. (٣)\nكما أنه يرد على من قال بنبوة النساء؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾، فيقول: \"المراد الإلهام لا وحى النبوة\" وكل من اعتقد فيها ذلك من النساء الصالحات\" فولية على المعتمد\" (٤)\nأما الحرية، فيؤكد على وجوب توفرها في الرسول، ويرد على من منع اشتراطها؛ استدلالًا بنبوة لقمان - ﵇ - حيث يرى الصاوي تضعيف القول بعبوديته، ويرد حكاية ذلك إلى ما اتصف به من سمار اللون فشابه العبيد بذلك، دون أن يكون منهم.\n_________\n(١) حاشية الخريدة: ٢١.\n(٢) شرح المنظومة: ١٤٣.\n(٣) حاشية الخريدة: ٢١.\n(٤) حاشية الجوهرة: ٤٥.","vol":"1","page":405},{"text":"وكل ما قيد به التعريف زيادة على ما ذكر، كاشتراط البلوغ، فمحل اختلاف، يقول: \"واختلف في البلوغ، فقيل بعدم اشتراطه؛ ودليل ذلك آية عيسى ويحيى، وقيل باشتراطه، ويؤول ما ورد في حق عيسى ويحيى؛ بأنه إخبار بما سيحصل لتحقيق الوقوع كـ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ \" (١)\nويظهر من خلال أقواله المتعددة في أحوال الرسل والأنبياء أن ثمة فرقًا آخر يراه بين الرسول والنبى، قد يمثل نوع امتداد لما ذكره من حصر مهمة التبليغ في الرسل دون الأنبياء، أو كنتيجة لهذا التعريف، يقول في دحض شبه من احتج بمخالفة الخضر والأسباط - ﵈ - للظاهر المعمول به: \"أجيب بأنهم لو كانوا أنبياء إلا أنهم ليسوا برسل مشرعين، فللنبى أن يفعل بمقتضى الحقيقة وباطن الأمر، كما في خرق السفينة وقتل الغلام الواقع من الخضر - ﵇ -، فهو بحسب الظاهر حرام، وبحسب الباطن مصلحة\" (٢)\nومما تقدم يتبين أن حقيقة النبوة كما يؤكد على ذلك الصاوي اجتباء واصطفاء، لا تنال بالاكتساب، يقول: \"النبوة ليست مكتسبة لأحد\" (٣) ويستدل ذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ويرى أن القول باكتسابها مردود وذلك \"بطرد إبليس مع كونه أكثر الخلق عبادة\" (٤)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>تعليق:</span>\nإن ما ذكره الصاوي بصيغة الترجيح على أن الرسول هو من أوحى إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه، وأن النبي من لم يؤمر بتبليغه، فدلالة النصوص صريحة في رده، وذلك أن منها ما يدل صراحة على أن الأنبياء كانت لهم مشاركة واسعة في\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) حاشية الخريدة: ٩٨.\n(٣) حاشية الجلالين: (٣/ ٢١٤).\n(٤) حاشية الجوهرة: ٤٥. وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٤٠).","vol":"1","page":406},{"text":"ميادين التبليغ، وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وغيره من ميادين التبليغ، كالحكم وإعمال شريعة الله تعالى بين الناس، يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤].\nوكذلك قول المصطفى - ﷺ -: (عرضت على الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبى معه الرجلان، والنبى معه الرهط، والنبى ليس معه أحد) (١) ففى هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان من الأنبياء تبليغ لأقوامهم، أشار إليه الإتباع الوارد في الحديث.\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فالتبليغ الذي حقيقته الدعوة إلى الله تعالى أمر قد أنيطت به الخيرية الموجبة لفلاح المؤمنين، وتقديمهم على سائر الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nحتى أن تخلى بني إسرائيل عن هذه المسؤولية العظيمة؛ أدى إلى نزع التفضيل عنهم، ورفع الاصطفاء منهم، قال تعالى في بيان سبب استحقاقهم للعن والإبعاد عن رحمة الله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].\nوكان ما ذهب إليه في بيان الفرق بينهما مدعاة له - كما ذكرت من أقواله - إلى\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب الطب - باب من لم يرق، رقم الحديث: ٥٧٥٢.","vol":"1","page":407},{"text":"الاعتذار عن ما فعله الأسباط والخضر - ﵇ - من مخالفة ظاهرة لما هو مأمور أو معهود في الظاهر من الشرع؛ بكونهم أنبياء لم يؤمروا بالتبليغ، فجاز لهم العمل بمقتضى الحقيقة، والحقيقة أن تخريج فعلهم على نحو ما ذهب إليه، من التفريق بين الرسول والنبى في شأن التبليغ المقتضى للإتباع بعيد ولا يصح؛ إذ ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، بل الأدلة السابقة كلها تحكم بضعفه وعدم حجيته، والجواب على ما ذكر من مخالفهم الظاهر يصح من وجوه أخرى؛ تستند إلى نصوص الكتاب والسنة بعيدًا عن مثل هذه الآراء التقريرية التي مال إليها، فالصواب أن الخضر نبى كما عليه غالب أهل العلم (١)، وليس في الآيات التي في سورة الكهف ما يدل على مخالفته الشرع في حقيقة الأمر، فكل ما هنالك أن الله تعالى أطلعه على أمور لم يظهرها لموسى - ﵇ - ولو ظهرت له لعمل عمله فيها، فالقاعدة الفقهية تقول: إذا تعارض مفسدتان روعى أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما (٢)، وهذا ما كان من الخضر - ﵇ - فخرقه للسفينة كان لدفع مفسدة أعظم مما قام بفعله، ولا شك أن هذا سائغ شرعًا كما تقدم، وتسند هذه القاعدة إلى الأصل القائم على دفع المضار [لا ضرر ولا ضرار]، ودليلها من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nأما إصلاحه الجدار من أجل اليتيمين فمشروعيته من البيان بمحل؛ إذ الوصية بالأيتام ورعاية مصالحهم مما قد اتفقت الشرائع على الأمر بالتحلى به، ويزداد الأمر خصوصية في حال الصالحين وذوى الفضل، وكان ما علمه الخضر من شأنهم وحى أوحاه الله إليه، وأخفاه على موسى - ﵇ - ولو علمه لما توانى عن فعله.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري: (٦/ ٤٣٤).\n(٢) انظر: الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ٨٩. وانظر شرح صحيح مسلم للنووى في حديث الأعرابى الذي بال في المسجد: (٣/ ١٩١). وانظر كتاب: القواعد الفقهية الكبرى لـ د/ صالح بن غانم السدلان.","vol":"1","page":408},{"text":"وأما قصة قتل الغلام، فالراجح فيها أن الخضر إنما حصل منه القتل بعد تحقق موجبه من كفر الغلام، دل على ذلك قراءة ابن عباس - ﵄ -: \"قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غضبًا. وكان يقرأ: [وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين] \" (١).\nففى هذه القراءة دلالة صريحة على تحقق الكفر منه؛ حتى استحق إطلاق مسماه عليه فعلًا وقت قتل الخضر له، وبهذا جزم قتادة - ﵀ - فقد روى عنه أنه قال: \"لعمرى ما قتله إلا على كفر\" (٢)\nوالكفر الواقع من الغلام لم يكن موسى - ﵇ - على علم به، فجهله به هو الذي حمله على استنكار ما فعله الخضر، وعليه فإن ما علمه الخضر بوحى من الله كما نص عليه حديث البخاري كان من الغيب المقيد النسبى، دليله ما أخبر به المصطفى - ﷺ -: [يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمكه الله لا أعلمه] (٣).\nبقى اعتراض من اعترض على عدم مشروعية قتله بالظاهر من الشريعة لكونه ما زال في سن الأحداث؛ حتى وصف بأنه غلام، ويجيب شيخ الإسلام على هذا بكون: \"الغلام الذي قتله الخضر إما أن يكون كافرًا بالغًا كفر بعد البلوغ؛ فيجوز قتله، وإما أن يكون كافرًا قبل البلوغ؛ وجاز قتله في تلك الشريعة، وقتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، كما يقتل الصبى الكافر في ديننا؛ إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل. . . وقد يقال: بل في السنة ما يدل عليه، ومنه قول ابن عباس لنجدة الحرورى لما سأله عن قتل الغلمان: [إن علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتله وإلا فلا]. (٤)، (٥)\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير - باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾، رقم الحديث: ٤٧٢٥.\n(٢) التمهيد، لابن عبد البر: (١٨/ ١٠٨).\n(٣) الحديث السابق.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب النساء الغازيات والنهى عن قتل صبيان أهل الحرب: (١٢/ ١٩٤).\n(٥) درء التعارض: (٨/ ٤٢٨).","vol":"1","page":409},{"text":"أما عن الأسباط؛ فالصحيح أن هذه تسمية أطلقت على القبائل الكبيرة من نسل يعقوب - ﵇ -، وكان منهم أنبياء، يقول ابن جرير: \"وأما (الأسباط) الذين ذكرهم، فهم اثنا عشر رجلًا من ولد يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا أسباطًا، كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأسباط: يوسف وأخوته، بنو يعقوب، ولد اثنى عشر رجلًا، فولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا: أسباطًا\" (١)\nوعليه فلا حجة فيه للتفريق بين ما يفعله الأنبياء والرسل؛ فكلهم محكوم فعله بالشرع، وهم في ذلك قدوة تقتفى آثارهم.\n* * *\n\nفإذا ثبت ضعف هذا القول واستبعاده عن جهة الصواب، فإن الراجح في المسألة هو ما نبه إليه شيخ الإسلام من أن ثمة زيادة في التكليف والإبلاغ يختص بها الرسول، وهو ما عبر عنه بالإرسال إلى القوم المخالفين، يقول - ﵀ -: \"النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبى وليس برسول\" (٢)\nفدائرة النبوة أكبر من دائرة الرسالة، وذلك من جهة أهلها، إذ يمكن تحديد العلاقة بينهما بالعموم والخصوص المطلق، فـ \"الرسول أخص من النبي، فكل رسول نبى وليس كل نبى رسول، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها\" (٣)\n_________\n(١) تفسير ابن جرير: (١/ ٥٦٨).\n(٢) كتاب النبوات: ٢٥٥.\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية: ١٥٨.","vol":"1","page":410},{"text":"وما أورده الصاوي من قيود أخرى في التعريف، كالبشرية، والذكورة والحرية فصحيحة؛ قد دل على اعتبارها الكتاب والسنة.\n- فبشرية الرسل كانت لحكمة عظيمة قدرها المولى تعالى، حيث يتأتى الإتساء بهم، وتسهل بذلك معاشرتهم، وتلقى التكاليف البشرية عنهم، هذا إلى جانب أنه من نوع الابتلاء بهم.\nففى الحديث القدسى فيما يخبر - ﷺ - عن ربه أنه قال: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك (١)\nقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤، ٩٥].\nويندرج تحت مفهوم البشرية مفاهيم عدة، فالبشرية تعنى العبودية وتعنى الافتقار؛ وتعنى انتفاء الألوهية بشتى معالمها، وكثيرًا ما يستدل القرآن الكريم على عبودية الرسل؛ لإبطال المعتقدات الفاسدة المتعلقة بهم؛ ببيان بشريتهم، وما تقتضيه من ضعف، وحاجة، وجهل بأمور الغيب، مما يبعد تلك المعتقدات عن التصور السليم غاية البعد، ويصحح المقاييس، ويضع كل شيء في محله، فالرسول بشر وعمله هداية البشر وإخراجهم من ظلمات الكفر، ومعجزاتهم ما هي إلا دليل على صدق ما أتوا به.\nقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم في: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار: (١٧/ ١٩٨).","vol":"1","page":411},{"text":"- أما القيد الثاني في التعريف وهو ما عبر عنه بالذكورة؛ فهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩]\nواختصاص النبوة بجنس الرجال هو مقتضى القيومية التي خصهم الله تعالى بها دون النساء، ولا يخفى أن الرجل أقدر على أداء هذه المهمة العظيمة، وأجدر بالقيام بواجباتها وحقوقها من الجهاد والرئاسة والحكم، وغير ذلك كما لا يخفى. (١)\nوكانت هذه المسألة مما تعددت فيها الأقوال، فالذين ذهبوا إلى نبوة النساء قالوا: لا حجة في الآية على منع النبوة، وإنما هي خاصة بالرسالة فقط.\nهذا ويستند القائلون بنبوة النساء، كما يقرر ذلك الإمام ابن حزم - ﵀ - إلى ما ورد في حق مريم - ﵍ - من إرسال الملك، وإعلامها بما سيكون من ولدها، وأمرها بالصلاة والإكثار من القربات، وكذلك ما ورد في حق أم موسى حتى بادرت بإلقاء ولدها في اليم لما أوحى لها بذلك، يقول: \"فأما أم موسى وأم عيسى وأم إسحاق فالقرآن قد جاء بمخاطبة الملائكة لبعضهن بالوحى، وإلى بعض منهن عن الله ﷿ بالإنباء بما يكون قبل أن يكون، وهذه النبوة نفسها التي لا نبوة غيرها؛ فصحت نبوتهن بنص القرآن\" (٢)\nوكان هذا قول البعض من أهل العلم عد منهم الحافظ ابن حجر - ﵀ -: الأشعري والقرطبى (٣) إلى جانب ابن حزم - ﵏ -، وقد ذكر أدلة أخرى استدل بها القائلون بجواز نبوة النساء منها ما أخبر به المصطفى - ﷺ - من حصول الكمال للبعض منهن، وما ورد في القرآن الكريم من اصطفاء مريم - ﵍ - على نساء العالمين (٤)\n_________\n(١) انظر: لوامع الأنوار للسفارينى: (٢/ ٢٦٦).\n(٢) الفصل في الملل: (٤/ ١١).\n(٣) هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجى الأندلسى، من كبار المفسرين، صالح متعبد من أهل قرطبة، من كتبه الجامع في أحكام القرآن، والأسنى في أسماء الله الحسنى، والتذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة، توفى سنة: ٦٧١ هـ انظر: شذرات الذهب: (٥/ ٣٣٥)، والأعلام: (٥/ ٣٢٢).\n(٤) انظر فتح الباري: (٦/ ٤٤٧ - ٤٤٨ - ٤٧٠ - ٤٧١).","vol":"1","page":412},{"text":"يقول القرطبي - ﵀ - في الاستدلال بالكمال على ثبوت النبوة: \"الكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة؛ فيلزم عليه أن تكون مريم - ﵍ - وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم، ويأتى بيانه أيضًا في مريم، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها\" (١)\nوالصحيح في المسألة أن الوحى قد يستعمل بمعناه العام؛ فلا يكون الاحتجاج به كافيًا في إثبات النبوة، فالوحى - كما سبقت الإشارة إليه - يعني: الإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفى وكل ما ألقيته إلى غيرك\" (٢)، وجاء في تهذيب اللغة أن أصل الوحى في اللغة: إعلام في خفاء ومنه سمى الإلهام وحيًا\". كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] وما ورد في سورة النحل أيضًا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا حقيقة الوحى: \"الوحى هو الإعلام السريع الخفى، إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحى، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - في الصحاح.\nوقال عبادة بن الصامت - ﵁ - ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتى فعمر) (٣)، (٤)\n_________\n(١) تفسير القرطبي: (٤/ ٨٣).\n(٢) لسان العرب لابن منظور: (٨/ ٤٧٨٧).\n(٣) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة - مناقب عمر بن الخطاب، حديث رقم: ٣٦٨٩. وأخرجه مسلم في: كتاب فضائل الصحابة.\n(٤) مجموع الفتاوى: (١٢/ ٣٩٨).","vol":"1","page":413},{"text":"وبهذا المعنى فسر الإيحاء في حق أم موسى - ﵇ -، والذي ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، ذكر تفسيره به الإمام ابن جرير عن قتادة، حيث قال: \"وحيًا جاءها من الله فقذف في قلبها، وليس بوحى نبوة\" (١)\nلذا فإن شيخ الإسلام قد ضعف القول بنبوة أم عيسى وموسى؛ مستندًا إلى أن الوحى لا يكفى في الدلالة على النبوة، يقول: \"وليس كل من أوحى إليه الوحى العام يكون نبيًا؛ فإنه قد يوحى إلى غبر الناس، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾، وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] \" (٢).\nوكل ما استدل به القائلون بنبوة النساء ليس فيه مستند قوى يعتمد عليه في إثبات ذلك، فتكليف أم موسى بإلقاء ولدها - ﵇ - في اليم ليس بكافٍ في إثبات نبوتها؛ لأن حقيقة النبوة إرسال من الله يقتضى التكليف بالإبلاغ، كما سبق بيانه، فمن تمعن في حقيقة الإرسال الذي يعم الأنبياء والرسل وجده محصورًا في الرجال فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] وهذا كما هو معلوم على القول الراجح في أن الإرسال المقتضى للتبليغ يعم الأنبياء والرسل أجمعين.\nأما وصف بعض النساء بالكمال والاصطفاء فليس فيه ما يثبت لهن النبوة؛ لأن الله تعالى أثبت الاصطفاء لبعض خلقه دون أن يكون في ذلك دلالة على إثبات النبوة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].\nأما عن الكمال المثبت لمن ورد ذكرهن في حديث المصطفى - ﷺ -: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وخديجة بنت\n_________\n(١) تفسير الطبري: (٢٠/ ٢٩).\n(٢) النبوات: ٢٧٢.","vol":"1","page":414},{"text":"خويلد) (١) \" فإن الحافظ ابن حجر يورد اعتراضًا يمنع الاستدلال به في حق من رأى نبوة النساء اعتمادًا عليه، حاصله أنه قد يراد بالكمال كمال غير الأنبياء، يقول \"فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك\".\n\"وقد ذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في شرح المهذب لجماعة، وجاء عن الحسن البصري ليس في النساء نبية ولا في الجن\" (٢)\nولكل ما تقدم؛ فإن شيخ الإسلام - ﵀ - يرى شدة ضعف هذا القول حتى نعته بالشذوذ. (٣)\nويكون الصاوي في هذه المسألة قد وافق القول المعتمد، كما ذكر.\n* * *\n\nوكان ما ذهب إليه من أن النبوة محض اصطفاء من الله هو المعتمد عند سلف الأمة، خلافًا لمن ادعى غير ذلك من الفلاسفة وغيرهم، يقول الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \"النبوة نعمة يمن الله بها على من يشاء، ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه، ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقى شرعًا: من حصلت له النبوة. وليست راجعة إلى جسم النبي ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه يكون نبيًا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك، أو جعلتك نبيًا\". (٤)\nوهذا الاصطفاء إنما يتأتى وفق حكمة الله تعالى وعلمه بخلقه.\nيقول شيخ الإسلام في بيان هذا الأصل عند أهل السنة: \"وإذا عرفت حكمة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب فضائل الصحابة - باب فضل عائشة - ﵂ - رقم الحديث: ٣٧٦٩، ومسلم في فضائل الصحابة.\n(٢) فتح الباري: (٦/ ٤٧٠).\n(٣) انظر: الفتاوى: (٤/ ٣٩٦).\n(٤) فتح الباري: (٦/ ٣٦١).","vol":"1","page":415},{"text":"الرب وعدله؛ تبين أنه إنما يرسل من اصطفاه لرسالته واختاره له، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] \" (١)\nوقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].\nوكان هذا الاعتقاد مبنى على تعظيم الأنبياء والنبوة؛ فالقول بخلافه يقلل من شأنهم، ويطعن في تمام منزلتهم، وما يترتب على ذلك من الاتباع المأمور به نحوهم، وكان هذا المعلم البارز في حقيقة النبوة من أهم ما يميزها عن باقي الأحوال البشرية التي يحصل بها خوارق العادات، يقول شيخ الإسلام: \"فالنبوة لا تنال بكسب العبيد ولا آياتها تحصل بكسب العباد، وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبين السحر والكهانة\" (٢)\n* * *\n_________\n(١) النبوات: ٣٨٧.\n(٢) النبوات: ٤٣٩.","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>(المبحث الثاني): الإيمان بالرسل والأنبياء</span>\nإنه مما يجب الإيمان به الإيمان بالرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقد ذكرت في بدء الحديث عددًا من الأدلة التي يرتكز عليها هذا الأصل الإيمانى العظيم، ومع ذلك فإنه يفصل في كيفية الإيمان بهم؛ تمامًا كصفة الإيمان بالكتب والملائكة، فثبوت مبدأ الإيمان في حقهم جميعًا يقضى بعدم التفريق بينهم، لأن الكفر بواحد منهم يعني الكفر بالجميع؛ فالكل رسل من عند المولى تعالى، قد ثبتت أدلة نبوتهم بالدليل القاطع الذي لا يمكن رده أو تأويله.\nأما ما يقتضيه الإيمان بهم أو ما يستلزمه هو ما يصح فيه التفصيل والبيان، فليس الإيمان بالرسل السابقين كالإيمان بمحمد - ﷺ -؛ وذلك لأن الله ﵎ إنما تعبدنا بالاقتداء به في مبانى العبادات دون غيره من الرسل؛ حيث كانت شريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع المنزلة على الأنبياء من قبل.\nومن جهة أخرى، فإنه لا بد من التزام عدد من القواعد التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، فإنه يجب اعتقاد حصول التفاضل بينهم، فليس اتفاقهم في الرسالة يعني تساويهم في الرتبة من حيث الأفضلية، فلا بد من اعتقاد أن محمد - ﷺ - هو خير الأنبياء والمرسلين صلى الله عليهم وسلم، ويليه أولو العزم من الرسل، وفى مقدمتهم الخليل إبراهيم - ﵇ -، وبعد ذلك سائر الرسل والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -:\nقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]\nهذا ويقوم الإيمان بهم جميعًا على أسس وقواعد لا يصح الإيمان إلا بتحققها","vol":"1","page":417},{"text":"في معتقد العبد، ومن تلك القواعد التي قام عليها الإيمان بهم: اعتقاد أن نبوتهم هي محض فضل من الله ﵎ وإصطفاء.\nكما أن معرفتهم بما اتصفوا به من جميل الفعال، وكريم الخلال، في إطار المقدور البشرى، وما اختصوا به من مهام الدعوة كالبشارة والنذارة والتبليغ، وما يقتضيه ذلك من اتصافهم بالعصمة في التشريع، لتندرج في ضمن تلك الأسس التي يجب العلم بها، وحديث القرآن في هذا الباب واسع، والأدلة على هذا كثيرة:\nففى اعتقاد قيامهم بشؤون الدعوة من النذارة والبشارة، قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩].\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nأما عن الأدلة التي تضمنت بيان ما اتصفوا به فهى على نوعين، منها ما يبين صفاتهم البشرية التي لا تخرجهم عن كونهم من جنس البشر؛ حتى لا يؤدى الانبهار بعظيم ما اتخصوا به إلى اعتقاد مغايرتهم لجنس البشر، ومنها ما يظهر تميزهم عن سائر البشر، دون أن يؤثر في أصل انتمائهم إليهم (١)، وهذا مما يقتضيه قيامهم بشؤون الرسالة.\nففى تقرير بشريتهم، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧، ٨]).\n_________\n(١) وهذا ما يسمى بالمقسم في علم المنطق، يعني أنه يفيد إظهار قسم من أقسام الأفراد الذين يندرجون تحت نوع واحد ببيان ما اختصوا به من صفات.","vol":"1","page":418},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].\nأما الأدلة في بيان عظيم ما تصفوا من الصدق والأمانة والصبر والحلم فكثيرة جدًا، وغالبًا ما تأتى في بيان ما تصف به آحادهم، كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليهم أجمعين -، منها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤].\nوقوله تعالى في وصف موسى - ﵇ -: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].\nوكل ذلك مما تضافرت النصوص الشرعية في الدلالة عليه، يقول العلامة السعدى مجملًا تلك الأسس العظيمة: \"وهذا الأصل - أي الإيمان بالأنبياء ﵈ - مبناه على أن يعترف ويعتقد بأن جميع الأنبياء قد اختصهم الله بوحيه وإرساله، وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه ودينه، وأن الله أيدهم بالبراهين الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به، وأنهم أكمل الخلق علمًا وعملًا، وأصدقهم وأبرهم، وأكملهم أخلاقًا وأعمالًا، وأن الله خصهم بخصائص، وفضلهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد.\nوأن الله برأهم من كل خلق دنئ، وأنهم معصومون في كل ما يبلغونه عن الله، وأنه لا يستقر في خبرهم وتبليغهم إلا الحق والصواب، وأنه يجب الإيمان بهم وبكل ما أتوه من الله، ومحبتهم وتعظيمهم\" (١)\nولكل ما تقدم فالكلام في هذا المبحث سيدور في بيان صفاتهم ووظائفهم وما يجب في حقهم، والآن مع:\n* * *\n_________\n(١) الفتاوى السعدية: ١٤.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيقسم الصاوي ما يجب في حق الأنبياء من الإيمان على جهة بيان الكيفية، يقول: \"يجب الإيمان بالنبيين عمومًا: إجمالًا في الإجمالى، وتفصيلًا في التفصيلى\"\nويفصل القول في ذلك \"فيجب الإيمان تفصيلًا بخمسة وعشرين نبيًا: ثمانية عشر في سورة الأنعام، ومحمد وآدم وهود وصالح وشعيب وإدريس وذا الكفل\".\nومن ثم فهو يؤكد على هذه الحقيقة الإيمانية بالحكم على من جحد واحدًا منهم بالكفر الصراح: \"ومن أنكر أي واحد منهم بعد علمه فقد كفر\".\nأما الجانب الإجمالى في الإيمان بالرسل فيتعلق \"بما عدا هؤلاء، ولا يعلم عدتهم إلا الله\" (١).\nومع هذا فهو يفرق بين من أجمع على نبوته، ومن هو بخلاف ذلك ممن ورد ذكره في القرآن الكريم: كلقمان، وذى القرنين، وعزير، فهؤلاء الحكم فيهم أن \"من أنكر وجودهم كفر، ومن أنكر نبوتهم لا يكفر\" (٢).\nوالإيمان بهم جميعًا مرتبط بحقيقة أخرى وهى اعتقاد تفاضلهم، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يقول في بيان ذلك: \"تحقيق هذه الطريقة أن تقول: نبينا أفضل الخلق على الإطلاق، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم نوح، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء غير الرسل، وهم متفاضلون فيما بينهم، لكن لا يعلم تفضيلهم إلا الله تعالى، ثم جبريل، ثم إسرافيل، ثم ميكائيل، ثم عزرائيل، ثم عامة البشر، ثم عامة الملائكة\" (٣)\nوفى بيان صفاتهم وعظيم خلالهم يفصل الصاوي القول، فيذكر الصفة معرفًا إياها أولًا، مفندًا ما يعرض من الشبه في نقضها، مستدلًا لها بالدليل السمعى، متممًا لذلك بما يوافقه من الدليل العقلى:\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ١٥٧). وانظر: حاشية الجوهرة: ١٦. وانظر: شرح الصلوات الدرديرية: ٢٧.\n(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٧).\n(٣) حاشية الجوهرة: ٤٦. وحاشية الخريدة: ١١١.","vol":"1","page":420},{"text":"أولًا: صفة الأمانة: يعرف الصاوي الأمانة بما يساوى مفهوم العصمة للأنبياء، يقول: \"هي حفظ ظواهرهم وبواطنهم في حالة الصغر والكبر، قبل النبوة وبعدها عن التلبيس بمنهى عنه، ولو خلاف الأولى\".\nوفي رد ما يحاك حولها من شبه، يقول: \"وقد يقع منهم المكروه وخلاف الأولى لا على وجهها، بل على وجه التشريع، كالبول من قيام والشرب، أما المحرمات فلم تقع منهم إجماعًا (١) \". (٢)\nكما يبطل من احتج على خلاف ما تقدم في إثبات عصمة الأنبياء؛ بما وقع لآدم - ﵇ - من وسوسة الشيطان، المنافية لمقتضى العصمة الربانية - كما يرى - يقول: \"إن قلت: إن الأنبياء معصومون من وسوسة الشيطان وظاهر الآية - يعني قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]- يقتضى أن الشيطان وسوس لآدم. أجيب؛ بأنه لم يباشر آدم بالوسوسة، وإنما باشر حواء وهى باشرت آدم بذلك\" (٣)\nويستدل لذلك بالدليل العقلى إذ \"لو كان خائنًا بفعل منهى عنه؛ لكان ذلك المنهى عنه طاعة وهو محال؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء والحال أنه أمرنا بالاقتداء بهم\" (٤)\nثانيًا: الصدق: ويعنى به: \"مطابقة خبرهم للواقع ولو في حال المزح\". وفيما يعرض عليه من الشبه، يقول: \"ويؤول ما ظاهره الكذب في حق الأنبياء، كما في واقعة إبراهيم الخليل مع الأصنام، فإنه خارج مخرج التقريع والتهديد والتبكيت\".\nودليل ذلك من العقل الصريح، أنه \"لو كان كاذبًا للزم الكذب في خبره\n_________\n(١) وانظر: في منع ارتكابهم المحرمات صغيرة وكبيرة: (١/ ١٤٣ - ١٤٩ - ١٧٧).\n(٢) حاشية الجوهرة: ١٢.\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٦٢).\n(٤) حاشية الجوهرة: ١٢. والخريدة البهية: ٩٧. انظر: شرح الصلوات الدرديرية: ٩٧.","vol":"1","page":421},{"text":"تعالى؛ لتصديقه لهم بالمعجزات، وتصديق الكاذب كذب، والكذب عليه محال\" (١)\nثالثًا: \"الفطانة: وهى ذكاوة العقل، ومعرفة طرق الدعاوى الباطلة من الصحيحة\".\nرابعًا: الأخلاق الحميدة بمفهومها الواسع، وأضرب مثالًا لذلك بصفة الحلم فهو يؤكد على اتصاف الرسل بالحلم على جهة الكمال، كما يرد على من طعن في حلم موسى - ﵇ -، فيقول: \"وما قيل إن موسى لما كان قليل الحلم أمره الله بإلانة الكلام لفرعون، حيث قال له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ومحمد - ﵇ - لما كان كامل الحلم أمره الله بالإغلاظ على الكفار، حيث قال: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فهو باطل لا أصل له، وإنما الذي يقال إن كلِّ كامل في الحلم وكلِّ مأمور بالإلانة أولًا، فإذا تقرر الدين وثبت وأمروا بالجهاد، أمروا بالإغلاظ\"\nولا يكتفى بإثبات الحلم لكافة الأنبياء على جهة الكمال، بل يشدد في هذا ويحكم على المخالف بالكفر، يقول: \"ومن نفى عن أحد منهم الحلم فقد كفر\" (٢).\n* * *\n\n- وكل ما تقدم لا يخالف ما تقتضيه بشريتهم من حصول بعض \"الأعراض البشرية التي لا تؤدى إلى نقص مراتبهم العلية، كالنوم ونحوه، ولكن أكلهم ونومهم لا عن شهوة بل للتقوى\".\nوهذا القيد الذي أثبته في حقيقة الأعراض البشرية - وهو امتناع النقص منهم - قد أخصج به كل: \"الأعراض المنفردة، كالجنون والجذام والبرص والعمى والفقر وسوء الخلق وخسة الأصل؛ فإنها محالة في حقهم\".\nوبعد ذلك يعرض بالتفنيد لكل ما روى في حقهم - صلوات ربى عليهم - مما\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ١٢.\n(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٩٣).","vol":"1","page":422},{"text":"يخالف بلوغهم للكمال البشرى، فإنه \"لم يثبت أن شعيبًا كان ضريرًا، وما كان بيعقوب فهو حجاب على العين من تواصل الدموع، فلذلك لما جاء البشير ارتد بصيرًا لانقطاع دمع العين، وما كان بأيوب من البلاء إن كان عظيمًا فالحق أنه كان بين الجلد والعظم فلم يكن منفرًا، وما اشتهر في القصة من الحكايات المنفرة فهى باطلة\".\nأما ما عدى ذلك من الأعراض التي لا تقدح في كمالهم فتجوز عليهم، ويفصل القول في المحتمل منها كالسهو، حيث يقوم بالتفريق بين السهو في الأقوال والأفعال \"فالسهو ممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، مثل عذاب القبر ونعيمه وغيرهما\".\nويجيب على من اعترض بما حصل للنبي من رجوعه عن الأمر بترك التلقيح، واعترافه بصواب من فعله، أن هذا ليس من قبيل الخبر المعرض للصدق والكذب\" وإنما هو من باب الرأى والاستشارة في أمر دنيوى لا أمر دينى\".\nثم يأتى إلى القسم الثاني من سنته - ﷺ - وهى السنة الفعلية، فيجوز وقوع السهو فيها؛ وأن ذلك لحكمة يريدها الرب سبحانه، يقول: \"وأما في الأفعال البلاغية وغيرها فيجوز كالسهو في الصلاة للتشريع\".\nوتفصيله السابق فيما يتعلق بالسهو في الأفعال والأقوال محله إذا كان قد سبق وأن قام بتبليغها، وأما قبل التبليغ فلا يجوز السهو والنسيان عليه البتة يقول: \"وأما النسيان فممتنع في البلاغيات قبل تبليغها، قولية كانت أو فعلية، وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر عليهم؛ لحفظه بعد التبليغ ووجوب ضبطه على المكلف ليعمل به، ويصحح عليهم نسيان المنسوخ لفظًا ومعنى قبل التبليغ وبعده\" (١).\nفي بيان وظائفهم يبدأ بـ:\n- التبليغ لما جاءوا به من عند الله \"ثم يفصل القول في أنواع المبلغ، يقول: \"والحاصل أن ما جاءوا به أقسام ثلاثة: قسم أمروا بتبليغه، فلم يكتموا منه حرف، وقسم خيروا بين كتمانه وتبليغه، فبلغوا البعض وكتموا البعض\".\n_________\n(١) المرجع السابق: ٤٣.","vol":"1","page":423},{"text":"ثم يبين الدليل على انتفاء كتمان المأمور بتبليغه للنبي - ﷺ -، إذ \"لو جاز على الأنبياء الكتمان؛ لكتم نبينا - ﷺ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ \" (١)\nوحقيقة التبليغ المأمور به الدلالة إلى طريق الحق، أما هداية الناس \"بمعنى إيصال الخير للقلب، فلم يكلف به أحد؛ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] \" (٢)\n- التبشير والإنذار، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]: \"هذا بيان لوظائف المرسلين، والمعنى أن المرسلين منصبهم البشارة لمن آمن، والنذارة لمن كفر\" ويؤكد بهذا عبوديتهم لله تعالى فهم: \"ليسوا قادرين على إيجاد نفع أو ضر إنما جعلهم الله سببًا لذلك\" (٣)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>التعليق:</span>\nمن خلال عرض كلام الصاوي في الإيمان بالرسل؛ نجد أنه قد تناول عددًا من المسائل المهمة، والتى تتعلق بالإيمان بهم، وسأتناول البعض منها بمزيد من التوضيح أو المناقشة، وسأبدأ بالحديث عن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>أولًا: المفاضلة بين البشر والملائكة:</span>\nتعد هذه من المسائل المختلف فيها، والتى لم يجزم فيها بقول قاطع؛ لعدم وجود مستند للجزم به من أدلة الكتاب والسنة، ولكن ما ذكره الصاوي من أن البشر أفضل من الملائكة دون أن يقيد ذلك بالصالحين منهم بعيد كل البعد عن الصواب، ولم يقل به أحد من طوائف المسلمين، ولعلها زلة قلم، فيبعد عن مثله تعنى ذلك والله أعلم.\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٢١).\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٥).","vol":"1","page":424},{"text":"وذلك لأن أصل الاختلاف الواقع في المفاضلة، إنما ينحصر بين الملائكة وصالحى البشر، وإلا فجنس البشر لا يمكن بحال تفضيله على جنس الملائكة؛ لأن البشر قد وقع منهم الكفر والجحود، أما الملائكة فقد عصمهم الله تعالى عن ذلك، واستحقوا بتمام امتثالهم الثناء من الله، قال تعالى عنهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في بيان فضلهم.\nأما جنس البشر فقد وردت الآيات بذمه قال تعالى عن الأمانة: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ واستثنى بعد ذلك أهل الطاعة منهم والحقيقة أن هذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم، أما عن المفاضلة بين الملائكة وصالحى البشر؛ فالصحيح في المسألة هو التوقف والتزام المأمور به نصًا، فإنه \"ليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصًا، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].\nولا يقال إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة: (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>ثانيًا: عصمة الأنبياء:</span>\nلا شك أن الأنبياء قد بلغوا ذروة الكمال البشرى من حيث امتثالهم لأوامر الله تعالى، وإعمالهم للوحى المنزل عليهم، وانهم موصوفون بالعصمة التي تقضى بالتزامهم أوامر الله تعالى والابتعاد عن مناهيه، ولكن هذا لا يمنع من وقوعهم في بعض الصغائر التي تدل على بشريتهم، وليس فيه ما ينقص من كمالهم الواجب لهم، فالعصمة في حقهم تكون ملازمة لهم على جهة الكمال فيما يتعلق بتبليغ\n_________\n(١) شرح الطحاوية، لابن أبي العز: ٣٠٢، تحقيق الشيخ الألباني.","vol":"1","page":425},{"text":"الوحى والرسالة، أما ما خلا ذلك فلا يمتنع عنهم الوقوع في بعض الصغائر، التي يظهر لهم مخالفتها؛ فيرجعون عنها على جهة الفور، وبهذا تنتفى حجة الصاوي في كون جواز وقوعهم في الذنب تشريعًا له، والله تعالى لا يأمر بالفحشاء، فقد جاءت الأدلة على استغفارهم من الذنب بعد ارتكابهم إياه، كما حصل لآدم - ﵇ -، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١].\nوموسى - ﵇ - حين وكز الرجل القبطى؛ نصرة للذى من شيعته فوقع ميتًا: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥، ١٦]\nوكذلك ما كان من نوح - ﵇ - حين سأل الله تعالى وعده بنجاة أهله بعد غرق ولده: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وغيره مما لا مجال لحصره الآن.\nومن كل ما سبق علم أن الخطأ ولو حصل وقوعه منهم فإنه يبين ولا يقر عليه بحال، ومن المعلوم أن الاتباع يكون فيما حصل عليه الإقرار، أو تأتى له الثبات دون المنسوخ أو المبين خطؤه بالاستغفار منه، وعليه فإن العصمة التي تكون للأنبياء في حال تبليغهم عن الله تعالى تقتضى أن لا يقر أحدهم على خطأ مهما كان، لا أن يمتنع عن أحدهم الخطأ؛ لأن هذا مما لا يمكن في أحوال البشر، \"فإن من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا - ﷺ - مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل\" (١)\nيقول شيخ الإسلام في هذا الجانب: \"والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين\" (٢)\n_________\n(١) الشفا للقاضى عياض: (٤/ ٢٤١).\n(٢) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٢٩٠).","vol":"1","page":426},{"text":"فإن \"اليقين التام وانتفاء الوساوس هو الغالب على أنبياء الله سبحانه، وحصوله موهبة من الله تعالى، ويندر خلاف ذلك منهم؛ لحكمة الله تعالى، لو لم يكن إلا لتأسى المؤمنين بهم، وعدم انكسار نفوسهم\" (١).\nأما امتناع مواقعة الكبائر في حقهم؛ فهذا مما أجمعت عليه طوائف المسلمين، يقول في ذلك شيخ الإسلام: \"هذا والقول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى أنه قول أكثر أهل العلم وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول\" (٢)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>ثالثًا: ما يتعلق بالأحوال البشرية:</span>\nإن ما ذكره الصاوي في هذه المسألة يعد من أمثل الأقوال التي ذكرت فيها، فقد وافق قول الجمهور في جواز النسيان والسهو على الرسل وأنه ليس في ذلك ما يلزم منه النقص المحال في حقهم، بل قد يراد لحكمة تشريعية، كـ \"إفادة علم وتقرير شرع\" (٣)، كما قال - ﵊ -: (إني لأنسى أو أنسى لأسن). (٤)\nوذلك كالسهو الذي حصل له - ﵊ - في الصلاة حيث صلى ركعتين في رباعية، فقد كان ذلك النسيان منه - عليه أفضل الصلاة والتسليم - سببًا لمشروعية سجود السهو، كما وردت بذلك الروايات الصحيحة المتفق عليها (٥).\nوفى أحد ما روى عنه إقرار منه - ﵊ - بجواز السهو عليه، قال - ﵊ -: (إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت\n_________\n(١) العواصم والقواصم، لابن الوزير: (١/ ٢١٣). بتصرف يسير\n(٢) مجموع الفتاوى: (٤/ ٣١٩). وانظر: الشفا للقاضي عياض: (٤/ ٢٣٠).\n(٣) الشفا للقاض عياض: (٤/ ٢٦٣) وانظر: فتاوى شيخ الإسلام: (٣٥/ ١٠١).\n(٤) أخرجه الإمام مالك في الموطأ: كتاب السهو - باب العمل في السهو، وقال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث روى عن النبي مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه، ومعناه صحيح في الأصول: (١/ ١٠٠).\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الآذان - باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس، رقم الحديث: ٧١٤ ..","vol":"1","page":427},{"text":"فذكرونى، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين) (١).\nوكان ما ذهب إليه في التفريق بين الأقوال والأفعال التبليغية بمنع النسيان في الأقوال دون الأفعال مسددًا موافقًا للصواب؛ فقد نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم كما نقله القاضي عياض، يقول: \"وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوًا وعن غير قصد جائز عليه كما تقرر في أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية؛ لقيام المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك تناقضها، وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة\". (٢)\nوأما حصره لوقوع السهو بما بعد التبليغ، فقد يسلم له ولكن لا يمتنع مع هذا وقوعه قبله؛ لأن من قال بجوازه فإنه يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور\" (٣)؛ وذلك لوجوب اتصافهم بالعصمة، كما تقدم، وأنها تتأكد عند ذلك على جهة الكمال.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب الصلاة - باب التوجه نحو القبة، رقم الحديث: ٤٠١.\n(٢) الشفا للقاضى عياض: (٤/ ٢٦٣).\n(٣) المرجع السابق: (٤/ ٢٦٥).","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته</span>\nالإيمان بالمصطفى - ﷺ - أصل عظيم من أصول الإيمان، فقد قرنت الشهادة بنبوته بشهادة توحيد الباري تعالى، فلا يعبد الرب تعالى إلا بما جاء به، وفى ذلك إشارة إلى أن الإيمان بالله تعالى لا يتوجه له القبول الشرعي إلا إذا اقترن باتباعه - ﷺ -، وقد جاء هذا الأصل مبينًا في الإرشاد إلى الطريق الموصل لنيل محبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].\nوحقيقة هذا الاتباع الذي أنيط به تحقيق المقصد الأسمي من رضا الله ومغفرة الذنوب قد بين في الآية التالية: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].\nفطاعته - ﷺ - بما جاء به هي اتباعه المأمور به، يقول الشيخ السعدى: \"فمن فعل ذلك - أي اتباعه ﵊ - أحبه الله وجازاه جزاء المحبين وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه، فكأنه قيل: ومع ذلك فما حقيقة أتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ بامتثال الأمر، واجتناب النهى، وتصديق الخبر\" (١).\nوالأدلة في هذا كثيرة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nيقول الإمام ابن كثير - ﵀ - في بيان دلالة هذه الآية على وجوب طاعة النبي - ﷺ - \"يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن: ١١٨.","vol":"1","page":429},{"text":"- ﷺ - في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة\" (١)\nومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]\nفقد دلت الآية على أن الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة النبي - ﷺ - يقتضى وجوب الالتزام؛ وذلك لأمرين:\nالأول: نفى التخيير المعارض لمقتضى الأمر.\nالثاني: ترتب الضلال المبين على معارضة الامتثال بالمعصية.\nيقول الإمام القرطبي في معنى ذلك: \"توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ضل، وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين، من أن صيغة أفعل للوجوب في أصل وضعها؛ لأن الله ﵎ نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله - ﷺ -، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب\". (٢)\nوعليه فإن هذا الأصل العظيم يحتمد على أربعة أركان، لا يتم له القيام إلا بحصولها منه وهي: \"طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع\" (٣)، وتمثل هذه الأركان البراهين التي بها يتم اعتماد صدق الإيمان به - ﵊ -.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (١/ ٦٨٠).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن: (١٤/ ١٨٧).\n(٣) شرح ثلاثة أصول للإمام محمد بن عد الوهاب لفضيلة الثيخ محمد العثيمين - ﵀ -: ٧١.","vol":"1","page":430},{"text":"هذا واعتقاد أفضليته وحصوله على درجة الكمال البشرى التي لم تتأت لأحد من الخلق سواه، وما تحلى به - ﵊ - من جميل الأخلاق الخلقية والخلقية، كل ذلك مما يزيد في تأكيد هذه الحقيقة الإيمانية، وتوثيقها في قلب العبد المؤمن، فمعرفته حق المعرفة تستوجب من تمام الإيمان به والثبات عليه والزيادة منه؛ ما يؤكد على أهمية تقصى أسبابها، وذلك بالنهل من كل ما يقرب العبد من معرفة نبيه - ﷺ -، لذا كانت معرفته - ﵊ - المعرفة المقتضية لتمام اتباعه وتصديقه من الأصول التي يقوم عليها الدين.\nأما عن حقيقة هذه المعرفة الموجبة لتحقيق الهدف من بعثة الرسول وهى الاتباع والطاعة، فهى معرفته - ﷺ - بما يحصل به تمام العلم بنبوته ورسالته الموجبة لاتباعه والسير على خطاه، وهذه بدورها تقوم على ثلاثة ركائز:\nأولًا: التأمل في دلائل نبوته - ﷺ -، وعلى رأسها القرآن الكريم.\nثانيًا: مطالعة سيرته وأحواله بين صحبه - ﵊ -، فإنها وإن كانت مما يمكن إدراجه تحت الركيزة الأولى، إلا أن في تخصيصها للإشادة بها زيادة في إرادة معنى التوسع والتفصيل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياته، حيث أنيط تحقق المبتغى من رضوان الله تعالى في الاقتداء به والتأسى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\nثالثًا: معرفة ما ورد من نصوص الشرع كتابًا وسنة؛ إذ مصدر العلم بهما إنما تحصل بطريقه - ﵊ -، فإن من أعظم ما توجبه معرفته معرفة ما أتى به المعرفة التي يتحقق مقتضاها من الالتزام التام والرضا والقبول.\nومع ظهور الإرجاء في المجتمع المسلم، وتفشيه في الأوساط المختلفة، وانحلال عرى التمسك بدين الله تعالى، والبحث عن الحد الأدنى لإثبات وصف الإسلام على الفرد، تغيرت المفاهيم المرتبطة بهذه الحقيقة الإيمانية، وصار دليل محبة","vol":"1","page":431},{"text":"الرسول - ﵊ - والإيمان به هو التغنى بصفاته وأخلاقه - ﵊ -، والإشادة بفضائله عن طريق اجتماعات معروفة تعقد في يوم ولادته، وليتها تتوقف على ذلك بل ويصاحبها الكثير من مظاهر الغلو المنهى عنها شرعًا، والتى قد تتعدى في كثير من الأحيان لتعبر عن شرك صريح ومبالغة ممقوتة، قد عظم تحذير النبي - ﷺ - منها.\nوقد أصبحت محبته بهذه الصورة هي الحقيقة المزعومة التي يبرهن بها ضعاف العزيمة على الإيمان به وإجلاله وتعظيمه، وبالتالى فكل من يظهر خلاف ذلك يرمى بأقبح التهم كباغض الرسول وشاتمه، إلى غير ذلك من ألوان التعدى ظلمًا وعدوانًا بلا أدنى دليل وبرهان.\nوهذا التيار المخالف لهدى السلف في الواجب نحو الرسول - ﵊ - وما ينبغى لتحقيق الإيمان به، كان منشؤه منذ المبدأ الأوساط الصوفية التي حادت بما ظهر فيها من بدع، وتوجه منحرف في مصادر التلقى عن التصور السليم لحقيقة الإيمان بالنبى - ﷺ -، فظنوا أن محبته لا تتأتى إلا عن طريق هذه المبتدعات في القول والاعتقاد والسلوك، وظهر هذا في الكثير من أقوالهم وأشعارهم، وما زالت هذه الأفكار في رواج مع ما يصب فيها من روافد فاسدة لأديان سابقة، حتى تبلورت أخيرًا بما يعرف بالحقيقة المحمدية (١) والتى صارت علمًا يدل على مدى الانحراف الخطير الذي داخل تيار التصوف في الفكر الإسلامى، ولكل ما تقدم نجد أن هذا الاتجاه الغالى قد أخذ طريقًا وعرًا في آراء الصاوي، فمع علمه بالكتاب والسنة وتأصيله للفكر الأشعري، إلا أن ذلك لم يكن مانعًا له من الخوض في مثل هذه الأمور المخالفة لصريح ما أنزل الله على رسوله والتحدث على لسان القوم بمثل حديثهم، وفى هذا المبحث سأتناول الخطوط العريضة لعقيدته في نبوة المصطفى - ﷺ -، ومناقشة ما يستوجب منها ذلك.\n_________\n(١) قد سبق لي الحديث عنها بصورة موجزة في بحث التوحيد، فليراجع: ١٦٥.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nحقيقة الإيمان به - ﷺ -:\n- إن الإيمان برسالة النبي - ﵊ - من أعظم العقود التي أمر الله تعالى عباده بالوفاء بها، لذا فإن الصاوي يؤكد على وجوب تحقيق الوفاء بهذا العهد من العبد بالتزام ما يقتضيه من الإيمان والانقياد والطاعة، يقول: \"فيجب على الإنسان الوفاء به ويصدق ما جاء به، ويعظمه ويحترمه ولا يخالف ما أمره به أصلًا\" (١).\nويستند في وجوب طاعته والتزام أمره إلى كون \"جميع أحواله - ﵊ - بالوحى حتى اجتهاده، فالكل مأمور به من حضرة الغيب، ولذا كانت أحواله دائرة بين الواجب والمندوب\" (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>أسماؤه الشريفة:</span>\n- أما عن أسمائه التي ورد تسميته بها، فيقول فيه - ﷺ -: \"محمد هو أشرف أسمائه - ﷺ - وله أسماء كثيرة فقد ورد أن له ألف اسم كما أن الله له ألف اسم، ولكن هذا الاسم أشرفها وأعلاها لاقترانه مع اإسم الله في كلمة التوحيد، ولما ورد أنه خلق النور المحمدى وسماه محمدًا، أو لأنه مكتوب على أوراق أشجار الجنة وعلى دائرة العرش، ولا يدخل أحد الجنة إلا بذكره ولو من الأمم السابقة\".\nوقد وردت تسميته \"بالخاتم الذي أتى ختامًا لرسل الله وأنبيائه، وفى الحديث: (أنا العاقب) (٣) \" (٤)\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٤٨).\n(٢) حاشية الصلوات الدرديرية: ٩٧.\n(٣) أخرجه البخارى: في كتاب المناقب - باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٣٥٣٢.\n(٤) حاشية الجوهرة: ٧.","vol":"1","page":433},{"text":"ومع هذا فإنه يرى التوقف في أسمائه - ﵊ - وذلك على جهة الاتفاق، فلا يجوز تسميته بما لم يرد ولو كان متضمنًا تعظيمًا، ويعلل ذلك بقوله: \"النبي بشر يتطرق إليه النقص بخلافه سبحانه؛ ولئلا يطرونه كما أطرت النصارى عيسى\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>مكانته بين الرسل:</span>\nوفى بيان مكانته بين الرسل فإنه يحكى الإجماع بتفضيله على سائر الخلق ويذكر مع ذلك حجة من خرق هذا الإجماع والرد المناسب لها، يقول: \"وهذا التفضيل بإجماع المسلمين سنيين ومعتزلة، إلا البعض ممن خرق الإجماع، وقال بتفضيل جبريل على محمد - ﷺ -؛ مستدلًا بما في سورة التكوير من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] حيث وصف جبريل بأنه رسول كريم إلى قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢].\nفرد عليه بأن القرآن في أعلى طبقات البلاغة، وهى مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإن كلام الكفار كان في الواسطة الذي كان يأخذ عنه النبي - ﷺ - حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقالوا: إن به جنة، أي يأخذ عن الجن، فرد المولى عليهم بمدح الواسطة وبرأ المصطفى مما يقولون، فإنه كان معروفًا بينهم بالصادق الأمين\" (٢)\nويزيد في بيان عدم إرادة تفضيل جبريل على الرسول - ﵊ - بأن العكس هو المقصود، حيث يقول: \"بل إذا أمعنت النظر؛ وجدت إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام دالًا على بلوغ الغاية في تعظيم محمد، حيث جعل السفير بينه وبين الله هذا الملك الموصوف بتلك الصفات، وفضل المصطفى مصرح به في هذا الكتاب، وفى سائر الكتب السماوية كالشمس في رابعة النهار\" (٣)\n* * *\n_________\n(١) المرجع السابق: ٣٠.\n(٢) حاشية الجوهرة: ٤٥.\n(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٨٠).","vol":"1","page":434},{"text":"وفى الإجابة على الإشكال الذي قد يرد من نهى المصطفى - ﵊ - في قوله: (لا تخيرونى على موسى) (١) وقوله: (ولا تفضلوا بين الأنبياء) (٢) فمعناه لا تخيرونى تخييرًا يقتضى نقص موسى عن مرتبته، كأن تقولوا مثلًا: محمد نبى ورسول وحبيب وخليل دون موسى.\nأما قوله: (لا تفضلونى على يونس بن متى) (٣)، فقيل معناه: لا تعتقدوا أنى أقرب إلى الله في الحس منه، حيث ناجيت ربى فوق السموات السبع، وناجى ربه في بطن الحوت\" (٤)\nويعضد قوله بأفضلية المصطفى - ﷺ - على سائر الخلق، بذكر صفاته الجامعة لمكارم أخلاق الأنبياء - عليهم جميعًا الصلاة والسلام -، وذلك عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، يقول موجهًا هذا الاستدلال: \"وبيانه أن جميع خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم، فكان نوح صاحب احتمال أذى على قومه، وإبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في سبيل الله ﷿، وإسحق ويعقوب وأيوب أصحاب صبر على البلاء والمحن، وداود وسليمان أصحاب شكر على النعم، ويوسف جمع بين الصبر والشكر، وموسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وإسماعيل صاحب صدق الوعد، ويونس صاحب تضرع وإخبات، ثم إن الله أمر نبيه أن يقتدى بهم في جميع تلك الخصال المحمودة المتفرقة فيهم، فثبت بهذا أنه أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال والله أعلم\". (٥)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب الخصومات - باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهود، رقم الحديث: ٢٤١١.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء - باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، رقم الحديث ٣٤١٤.\n(٣) ونص الحديث هو: (ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متى ﵇) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء - باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، رقم الحديث: ٣٤١٦ ..\n(٤) حاشية الجوهرة: ٤٥.\n(٥) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٨).","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>خصائصه - ﷺ </span>-:\nويتبع بيان فضله بذكر ما اختص به - ﵊ - على سائر الرسل والأنبياء من قبله:\n- عموم الرسالة له - ﷺ -، يقول في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]: \"ففى الآية دليل على عموم رسالته للعالمين إلى يوم القيامة، وقد احتج بهذه الآية على أن رسول الله أفضل من جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -\" (١).\nوفى توضيح حقيقة هذا العموم، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فـ \"إرساله للإنس والجن إرسال تكليف، وللملائكة قيل إرسال تكليف، وقيل تشريف، وللحيوانات غير العاقلة والجمادات إرسال تشريف\" (٢)\n- أيضًا ومن جملة ما اختص به - ﵊ - وسطية أمته وتفضيلها على سائر الأمم، يقول: \"وبالجملة فهو - ﷺ - أفضل الخلق على الإطلاق، وأمته أفضل الأمم على الإطلاق\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>مظاهر الغلو فيه - ﷺ </span>-:\n- هذا ويكثر الصاوي من ذكر الخصائص والمزايا، حتى مع عدم وجود مستند شرعى لما يذكر، ومن ذلك اعتقاد أنه - ﵊ - واسطة في كل نعمة من الدنيا والآخرة، يقول عند حكايته لقصة خلق حواء من ضلع آدم - ﵇ - وكيف أنه حين أراد أن يتزوج بها منع من ذلك حتى يقوم بأداء مهرها، فلما سأل عنه قيل له بأنه عدد من الصلوات على الرسول - ﷺ -، ويعلق على هذه القصة التي لا مستند لها بقوله: فـ \"من خصائص الرسول - ﷺ - أن يزوج بلا مهر\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) المرجع السابق: (٣/ ١٤١ - ٢٨١). وحاشية الخريدة: ١٠٠.\n(٣) المرجع السابق: (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":436},{"text":"أصلًا، فلما كان هو الواسطة في ذلك عد كأنه العاقد لهما، وإنما كان خصوص الصلاة على النبي - ﷺ - إشارة إلى أنه - ﷺ - هو الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لكل أحد حتى أبيه آدم\" (١).\n- وقد سبق لي وأن أشرت إلى ظاهرة الغلو الملحوظة في آراء الصاوي حول الإيمان بالرسول (٢)، ولكن لي هنا أن أنبه مع بعض الاختصار إلى أهم المعالم البارزة لهذه الظاهرة؛ حتى تبدو أكثر وضوحًا لمناقشتها فيما بعد.\n- فإن من أهم تلك المعالم البارزة لظاهرة الغلو نسبة علم الغيب له - ﵊ -، يقول: \"والذي يجب الإيمان به أن رسول الله لم ينتقل من الدنيا حتى أعلمه الله بجميع المغيبات التي تحصل في الدنيا والآخرة، ومن جملتها علم الساعة (٣) فهو يعلمها كما هي عين يقين، لما ورد: رفعت لي الدنيا فأنا أنظر فيها كما أنظر إلى كفى هذه و[قوله ولو كنت أعلم الغيب] إن قلت إن هذا يشكل على ما تقدم لنا أنه اطلع على جميع مغيبات الدنيا والآخرة، والجواب أنه قال ذلك تواضعًا أو أن علمه بالغيب كلِّ علم من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر الله وقوعه، فيكون المعنى لو كان لي علم حقيقى بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت\" (٤).\nوحتى الروح كان علمها مما لا يخفى - عند الصاوي - على رسول الله، يقول: \" الروح واختلف فيها على ثلاثمائة قول، والحق لا يعلمها غير الله ورسوله: قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] \" (٥)\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ٦٢). وانظر: حاشية الخريدة: ١٩.\n(٢) انظر: مبحث التوحيد: ١٦٩.\n(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٧).\n(٤) المرجع السابق (٢/ ١٠٤). وانظر: حاشية الصلوات الدرديرية عند شرحه لقول البوصيرى: ومن علومك علم اللوح والقلم: ٢٧.\n(٥) حاشية الصلوات الدرديرية: ١٠٢.","vol":"1","page":437},{"text":"- ولشكره على توسطه - ﵊ - في كل نعمة تصل إلينا - كما يعتقد الصاوي - تتوجب ملاحظته في كل عمل نقوم به، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ صلوات الرسول: \"أي دعواته لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة فتجب ملاحظته في كل عمل؛ لأن الله تعبدنا يالتوسل به، قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فمن زعم أنه يصل إلى رضا الله بدون اتخاذه - ﷺ - واسطة ووسيلة بينه وبين الله تعالى ضل سعيه وخاب رأيه، فهو باب الله الأعظم والوصول إليه وصول إلى الله لأن الحضرتين واحدة، ومن فرق لم يذق للمعرفة طمعًا\" (١)\n- ولكل ما تقدم ذهب إلى مشروعية التوسل بالرسول، يقول: \"وقد ورد أنه لا يجوز القسم على الله تعالى إلا بأسمائه العلية أو بسيدنا محمد - ﷺ -، كما في الحديث الشريف (من كان له حاجة عند الله فليقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بحبيبك المصطفى عندك يا سيدنا يا محمد أتوسل بك إلى ربى في قضاء حاجتى هذه لتقضى لي) (٢) \" (٣)\n- وكانت الحقيقة النورانية المحمدية مما طال كلامه في تقريرها، يقول: محمد النور الذاتى: أي نور ذات الله، أي الذي خلقه الله بلا مادة لأنه مفتاح الوجود، ومادة لكل موجود فهو ممد لجميع ذوات الخلق وصفاتهم دنيا وأخرى بواسطة أنه مهبط التجلى لأسماء الله تعالى وصفاته\" (٤)\n- هذا والصاوى يطيل النفس كثيرًا في ذكر ما اختص به من صفات - ﵊ - بين خلقية، وخلقية حتى يصل إلى درجة الغلو البين.\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ١٥٤)، وانظر: حاشية الصلوات: ٧٣.\n(٢) أخرجه الترمذي في: كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٣٥٧٨ وقال حديث صحيح حسن غريب: (٥/ ٥٣١). وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه: كتاب الصلاة - باب صلاة الترغيب والترهيب، رقم الحديث: ١٢١٩ (٢/ ٢٢٥). وفى سنن ابن ماجه: باب ما جاء في صلاة الحاجة، برقم: ١٣٨٤: (١/ ٤٤٢) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم: ١١٣٧: (١/ ٢٣٢).\n(٣) حاشية الصلوات الدرديرية: ٩٤.\n(٤) المرجع السابق: ٤٧.","vol":"1","page":438},{"text":"- يقول: \"إنه - ﷺ - احتوى على صفات جمالية ظاهرية وباطنية لا تدخل تحت حصر، وصفات جلالية كذلك، وقد كبر في ذلك العارفون قديمًا وحديثًا، كحسان بن ثابت وكعب من الصحابة - ﵃ - والبوصيرى (١) وغيره، ولم يقفوا على حد.\nوبالجملة فيكفينا في جماله وجلاله قول الله ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقوله أيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] \" (٢)\nولو اكتفى بهذا لكان حسن ولكنه جعل التغنى بهذه الصفات والتأمل فيها ليس فقط على وجهها الحقيقى ولكن مع ما أسبل عليها من مظاهر الغلو السابقة هو المقصد الأسمى من الإيمان بالرسول وأعظم الطرق التي ينال بها القرب من المولى تعالى، يقول: \"ومعلوم أن من ذاق لذة وصال المصطفى ذاق لذة وصال ربه، لأن الحضرة واحدة، ومن بلغ الوسيلة شهد المقصد ومن فرق بين الوصالين لم يذق للمعرفة طعمًا، وإنما العارفون تنافسوا في محبة الله ورسوله، فمنهم من طلب الوصال بالتغزل في الوسيلة كالبوصيرى، ومنهم من طلبه بالتغزل في المقصد كابن الفارض وأمثاله، ولما كان من أعظم أسباب الوصل التعلق بصفات الحبيب وبكثرة الصلاة عليه حتى يصير خياله بين عينيه أينما كان وضع صاحب دلائل الخيرات صورة الروضة الشريفة لينظر فيها عند صلاته على الحبيب، فينتقل مما فيها إلى تصور ما فيها، فإذا كرر ذلك مع كثرة الصلاة صار المخيل محسوسًا\".\n- وكان من جملة ما حمله عليه غلوه أن جعل إرادة الثواب من الصلاة عليه ليست هي مطلوب العارفين، يقول: \"وليس مقصود العارفين بكثرة الصلاة على\n_________\n(١) هو محمد بن سعيد بن حماد بن محسن الصنهاجى، ولد في بهشيم من أعمال البهنساوية من أعلام التصوف كان صاحب علم وأدب ولكن حاد به ميله إلى التصوف عن جادة الصواب له ديوان يسمى البردة في مدح الرسول خرج به تصوفه في الكثير منه عن جادة الاعتدال توفى سنة: ٦٩٦ في الإسكندرية. انظر ترجمته في: شذرات الذهب: (٥/ ٤٣٢) والأعلام للزركلى: (٦/ ١٣٩).\n(٢) حاشية الصلوات الدرديرية: ٤٩.","vol":"1","page":439},{"text":"النبي حصول الثواب لهم أو نفعه بذلك، وإن كان حاصلًا في نفس الأمر\" ويستشهد بما قاله ابن الفارض في مثل هذا المعنى، يقول: \"وقال سيدى عمر ابن الفارض نفعنا الله به حين كشف له عن الجنة وما أعد له فيها:\nإن كان منزلتى في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيعت أيامى\". (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>المناقشة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>أولًا: أسماؤه الشريفة:</span>\nإن ما قرره الصاوي في أمر أسمائه - ﷺ - لمما يظهر فيه التناقض البين إذ كيف يلزم المسلم بعدم تسميته - ﵊ - إلا بما ورد حتى يصفها لتأكيد ذلك بالتوقيفية، ثم يذكر أن عدد أسمائه يقارب الألف؟ ومن المعلوم أن أسماءه - ﵊ - لا تصل إطلاقًا إلى ما ذكر، وقد وردت عدة روايات في الصحيح تضمنت ما سمى به نفسه - ﵊ - (لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحى الذي يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب). (٢)\nفصلى الله عليه وسلم ما أعظم تواضعه ووقوفه عند حدود ما أنزل الله، فلم يسم نفسه إلا بما هو متصف به حقيقة، وقد ورد في القرآن تسميته بالرءوف الرحيم وكان معروف بالصادق الأمين قبل البعثة إلى غير هذه الأسماء التي وردت، وإن كانت الحجة التي أوردها في وجوب التوقف في الأسماء وهى خشية الغلو والوقوع فيما نهى عنه النبي من التكلف في الإطراء والمدح صحيحة معتمدة، ولكن عدم التزامه بها في الكثير مما قرره في شأن المصطفى - ﵊ -؛ ليحكم بوقوعه في الاضطراب، وعدم الثبات على المبدأ.\n_________\n(١) المرجع السابق: ٥١.\n(٢) سبق تخريجه: ٤٣٣.","vol":"1","page":440},{"text":"وهذا الذي كان منه في أمر الأسماء إنما يصح أن يكون صورة واحدة من الصور المتعددة التي يظهر فيها خروجه عن التزام ذلك المبدأ، وهو التوقف في كل ما يعد من شؤونه - ﵊ -، خشية الوقوع في الغلو المذموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>ثانيًا: قضية التفضيل:</span>\nومن القضايا المهمة التي تتعلق بشأن نبوة المصطفى - ﵊ - قضية التفضيل وقد أشار الصاوي إلى بعض ما قيل في الجمع بين ما تواترت الأخبار في تفضيله على سائر الرسل، وبين ما ورد من نهيه - ﵊ - وتحذيره من تفضيله على موسى - ﵇ -، أو تفضيل أحد على يونس بن متى (١) وإن كان ما ذكره من أن النهى يقصد به ما أدى إلى التنقيص من شأن موسى ويونس - ﵉ - يعد من أقوى الأقوال في الجمع بين تلك النصوص.\nومما قيل في الجمع بينهما أن النهى عن المفاضلة كان قبل أن يوحى إليه - ﵊ - بالتفضيل أما وقد أوحى إليه فلا يبعد أن يكون النهى في باب المنسوخ من الأحكام ومن المعلوم أن النسخ جائز فيها.\nويرى الإمام ابن قتيبة أن هذا النهى الوارد منه - ﵊ - كان من باب التواضع مع علمه السابق بتفضيله على سائر الأنبياء، كما ورد في الحديث: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) (٢).\nيقول ابن قتيبة في ذلك: \"وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذ، والشهيد، وله لواء الحمد والحوض، وهو أول من تنشق عنه الأرض، وأراد بقوله: (لا تفضلوني على يونس) من طريق التواضع\". (٣)\nوكان لبعضهم توجيهًا آخر للنهى الوارد وذلك ما ذكره الإمام القرطبي في\n_________\n(١) تقدم تخريج هذه الأحاديث: ٤٣٥.\n(٢) أخرجه مسلم في: كتاب الفضائل - باب تفضيل نينا - ﷺ -: (١٥/ ٣٧).\n(٣) تأويل مختلف الحديث: ١٣٢.","vol":"1","page":441},{"text":"التفسير، يقول بعد عرضه الأقوال السابقة الذكر\" قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلًا، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوفي المسألة أقوال متعددة أوردها الحافظ ابن حجر في كتابه وفى كل منها ما له وجه يقتضى إمكان إرادته وكان من أفضلها في اعتقادى ما ذكره الصاوي لأن النهى مراد لعدم التنقص والوقوع في المنهى عنه من قلة احترام الأنبياء والتقليل من شأنهم فكان الواجب التزام الأدب في تعظيمهم وهذا لا يمنع - كما ذكر أهل العلم - من اعتقاد تفضيل الرسول - ﵊ -، كما لا يخفى من الأدلة الصحيحة. (١)\nوكان استدلال الصاوي على هذه الأفضلية بما اختص به - ﵊ - من مزايا كعموم رسالته لا مراء فيه وقد ذكر الاحتجاج به دون أن يعزو ذلك والصحيح أن هذا كان مستند ابن عباس - ﵄ - في تفضيله - ﵊ - على غير من الأنبياء، فقد روى عن ابن عباس أنه قال: \"إن الله فضل محمدًا - ﷺ - على الأنبياء وعلى أهل السماء. فقالوا: يا ابن عباس، بم فضل على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].\nوقال الله لمحمد - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢].\n_________\n(١) التفسير: (٣/ ٢٤٩). وانظر: ما ذكره الحافظ من هذه الأقوال في الفتح: (٦/ ٥١٤). وانظر: كتاب الشفا للقاضى عياض في ذكر هذه الأقوال: (٢/ ٦١٨).","vol":"1","page":442},{"text":"قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال الله ﷿ لمحمد - ﷺ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الجن والإنس (١).\nيقول القاضي عياض: \"قال أهل التفسير أراد بقوله - تعالى- \" ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] محمدًا - ﷺ -، لأنه بعث إلى الأحمر والأسود وأحلت له الغنائم وظهرت على يديه المعجزات وليس أحد من الأنبياء أعطى فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطى محمد - ﷺ - مثلها -. . . .\" (٢)\nقال - ﷺ -: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون) (٣).\nوخصائصه - ﵊ - كثيرة عظيمة وكلها \"تدل على علو مرتبته، إذ لا معنى للتفضيل إلا التخصيص بالمناقب والمراتب\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>ثالثًا: الغلو فيه - ﷺ </span>-:\nلقد كان الرجوع بما ورد في فضله - ﵊ - إلى الكتاب والسنة كافٍ في بيان عظيم ما حباه الله تعالى من منزلة علية ورفيعة على جميع بنى آدم، ولما تأتت الحاجة إلى مثل هذه الروايات الواهية التي أكثر من الاستشهاد بها الصاوي على ما ذكر من خصائص لا أساس لها صحيح من كتاب ولا سنة، بل جل ما تحمله غلو صريح نهى عنه المصطفى وحذو منه أمته أيما تحذير.\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في مسنده - باب ما أعطى النبي من الفضل، رقمه: ٤٦: (١/ ٢٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الثقات غير الحكم بن أبان وهو ثقة: (٨/ ٢٥٥).\n(٢) الشفا للقاضي عياض: (١/ ٢٦٤).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (٥/ ٥).\n(٤) بداية السول في تفضيل الرسول، للعلامة العز بن عبد السلام السلمى، تحقيق: العلامة محمد ناصر الدين الألباني: ٣٥. وانظر: في بيان خصائصه على جهة التوسع: غاية السول في خصائص الرسول لابن الملقن، تحقيق: عبد الله بحر الدين.","vol":"1","page":443},{"text":"وقد سبق لي في مبحث متقدم أن أشرت إلى الكثير مما وقع به الصاوي في مسألة الغلو مع تقديم الأدلة والبراهين على انحرات مسلكه في تقرير ذلك عن المنهج الصحيح القويم. ولى مع هذا أن أضيف بعض التعليقات الهادفة هنا وذلك من خلال إبراز مواطن الغلو في تقرير نبوة المصطفى - ﵊ -، والعمل على مناقشتها مناقشة علمية هادفة؛ حتى تتم الفائدة من عقد هذا المبحث، وهى بيان حقيقة الإيمان بنبوة المصطفى - ﷺ -، وما يقتضيه ذلك الإيمان وفق ما شرع الله على لسان رسوله، ورد الشبهات القادحة في هذه الحقيقة الإيمانية إفراطًا وتفريطًا.\nأولًا: علم الغيب له - ﵊ - ونسبة ذلك إليه دون استثناء حتى للأمور الخمسة التي اختص الله تعالى بعلمها دون خلقه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].\nوقد ذكر هذا القول السيوطي بصيغة التمريض (١) وأتى تعليق العلامة الهراس عليه شديدًا فقال: \"ولا دليل لهذا البعض - أي الذين ذهبوا إلى القول بعلم النبي لها - وهو مكذوب بصريح القرآن، نعوذ بالله من الغلو الذي يخرج من الإيمان\". (٢)\nثانيًا: وكان من جملة ما خرج به الصاوي عن المسلك الصحيح في تعظيم النبي - ﵊ - تجويز القسم به والتوسل بمنزلته بعد وفاته واستخدام بعض الألفاظ الموهمة مما لا أصل لها في الشرع لتوجيه مثل هذه الآراء البعيدة، كقوله باتحاد الحضرة في عدة مواضع من كتبه.\nوالصواب هنا أن استخدام مثل هذه الألفاظ يعد من ذرائع الشرك بالله تعالى لأنها:\n_________\n(١) انظر: كلامه في ذلك في كتاب الخصائص الكبرى: (٢/ ٣٣٥)، وأنموذج اللبيب في خصائص الحبيب: ٢٣.\n(٢) الخصائص الكبرى للسيوطي: تعليق الشيخ الهراس نقلًا عن مقدمة الألباني في تحقيقه لكتاب بداية السول.","vol":"1","page":444},{"text":"أولًا: من البدع المحدثة التي حذر منها النبي أمته حيث كان يقول في الخطبة: (شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) (١)\nثانيًا: هذه الألفاظ تعد من الغلو المنهى عنه قال - ﵊ -: (لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم) (٢)\nفحقيقة الإطراء المنهى عنه، كما بين ذلك أهل العلم هو الخروج عما شرع الله تعالى في حقه من الإجلال والأدب، إلى ما هو من خصائص الربوبية التي لا تكون إلا لله تعالى، يقول الإمام البغوي: \"الإطراء مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح عيسى وإطرائه بالباطل وجعلوه ولدًا، فمنعهم النبي - ﷺ - من أن يطروه بالباطل\" (٣)\nمع ما فيها من مقاربة لألفاظ الشرك المحرمة فهذا النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - ينهى بعض أصحابه وبشدة فحين قيل له ما شاء الله وشئت رد تلك المقولة وأظهر بهتانها وقال: (أجعلتنى والله عدلًا؟ ما شاء الله وحده) (٤)\n- أما عن القسم به - ﵊ - فقد وردت الأحاديث الصحيحة ببيان أن القسم حق لله تعالى فلا يجوز أن يتعداه العبد إلى غيره وأن من فعل ذلك فقد أشرك، قال - ﵊ -: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) (٥)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجمعة - باب رفع الصوت في الخطبة.\n(٢) سبق تخريجه: ٧٢.\n(٣) شرح السنة: (١٣/ ٢٤٦).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسند ابن عباس - ﵄ -: رقم الحديث: ١٩٦٤، وصححه أحمد شاكر: (٢/ ٤٦٥)، ورواه ابن ماجه في سننه: كتاب الكفارات - باب النهى أن يقال ما شاء الله وشئت، رقم الحديث: ٢١١٧، وصححه الألباني في السلسلة: ١٣٩.\n(٥) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأيمان والنذور - باب في كراهية الحلف بالآباء، رقم الحديث: ٣٢٤٦: (٤/ ٧٦). وصححه الألباني في صحيح ابن داود برقم: ٢٧٨٧: (٢/ ٦٢٧). وأخرجه الترمدى: كتاب النذور والأيمان - باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، رقم الحديث: ١٥٣٥، وقال الترمذي: حديث حسن: (٤/ ٩٣).","vol":"1","page":445},{"text":"هذا وتعد قضية التوسل بذاته الشريفة من أهم مباحث هذا الباب لوقوع الكثير في اللبس والخلط فالحديث الذي ذكره الصاوي مستدلًا به على مشروعية التوسل به - ﷺ - ودعاء الله بمنزلته كان قى حياته، إذ من المسلم مشروعية التوسل به - ﵊ -، فقد أثر عن الشيخ العز بن عبد السلام أنه علق على الحديث الذي أورده الصاوي بقوله: \"فإن صح فينبغى أن يكون مخصوصًا به فإنه سيد ولد آدم\" (١)\nأما بعد مماته - عليه صلوات ربي - فلم يثبت عن أحد من الصحابة الكرام أنه قام بهذا الفعل بل صح الخبر عن عمررضي الله عنه - أنه دعا الناس في عهده حين أقحطوا إلى التوسل بالعباس فكان يقول: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، وكان يتم لهم ذلك بفضل الله كما في تمام الرواية: (قال: فيسقون) (٢).\nوهذا الحديث فيه دلالة قطعية على توقف الصحابة الكرام - ﵃ - عن التوسل بالرسول بعد موته، كما هو ظاهر من كلام عمر - ﵁ - وفيه أيضًا مشروعية التوسل بدعاء الصالحين عند اشتداد الكرب.\nيقول الإمام الشوكاني بعد تفصيل القول في التفريق بين التوسل المشروع والتوسل المنهى عنه: \"والحاصل أن طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها، ومن ذلك الدعاء، فإنه يجوز استمداده من كل مسلم، بل يحسن ذلك. . ولكن ينبغى أن يعلم أن دعاء من يدعو له لا ينفع إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته، كما ورد بذلك القرآن العظيم، فهذه تقييد للمطلق لا ينبغى عنه العدول بحال\" (٣).\n_________\n(١) غاية السول في خصائص الرسول، للإمام ابن الملقن: ٢٩٧.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، رقم الحديث: ١٠١٠.\n(٣) الرسائل السلفية: ١٧٠.","vol":"1","page":446},{"text":"ثالثًا: وما ذكره الصاوي من أنه يجب ملاحظة الرسول - ﵊ - في كل عمل لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] حقيقته من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقًا وباطلًا، فإن كان يقصد بالملاحظة التوجه إليه - ﵊ - بالقلب فهذا مما لا يجوز قطعًا ودلالته على الشرك واضحة، لأن توحيد الإرادة والقصد قد أنيط به قبول الأعمال فلا يصح شيء من العبد مع الإخلال به، حتى أن العبد إذا وفق للإخلاص وإرادة الله في جميع أعماله ووقع عنده خلل في عمل واحد أحبط ذلك العمل، كما قال تعالى في الحديث القدسى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه) (١).\nوإن كان يقصد بالملاحظة المتابعة، فلا يعبد الله تعالى إلا وفق ما شرع لنا على يد المصطفى - ﵊ - فهذا حق لا مراء فيه بل هو عين ما يقتضيه الإيمان برسالة الرسول - ﵊ -، والشهادة العظمى على محبة الله ورسوله.\nوبهذا المعنى يصح التعبير عن الرسول - ﷺ - بأنه واسطة ووسيلة أما بما سبق بيانه من اعتقاد نفعه، أو ضره بغير اتباعه، أو التوجه إليه بالدعاء بعد مماته فلا، وهذا هو عين الإفراط الذي حذر منه المصطفى - ﷺ - أمته.\nرابعًا: وكان من جملة الخلط الذي وقع فيه الصاوي أن عطف شعر اللاحقين من أهل الغلو في مدحه - ﵊ - بشعر الصحابة الكرام الذين فاض قريظهم فيه عذوبة وطهارة، فلم يحيدوا عما أخبر الله تعالى عنه قيد أنملة، وكان جمعه بينهم محض وهم وضلال، فالبوصيرى الذي نطقت قصيدته بالغلو في كثير من أبياتها، لتحكم بعظيم البون وبعد المسافة، فمن نسبة علم الغيب له إلى تفريج الكرب إلى غير ذلك، مما يطول بى المقام في استقصاء ما أتى بها من غلو بصريح العبارة، كل هذا مما لا يدع مجالًا للشك في تغاير المفاهيم، وتباعد الحقائق المعتقدة حول ما تقتضيه محبة المصطفى - ﵊ -.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد والرقائق - باب من أشرك في عمله غير الله.","vol":"1","page":447},{"text":"وهاك بعض ما نقلة الصاوي عنه من بردته:\nيا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم (١)\nفعلى ضوء ما سبق بيانه يبدو الغلو صريحًا واضحًا، فإن كل بيت من الأبيات السابقة ينطق بلون من ألوان الغلو المنهى عنه، يقول الشوكانى بعد أن بين حقيقة ما يقتضيه الإيمان برسالته - ﵊ -: \"فانظر - رحمك الله تعالى - ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهى عنه، المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كما يقول صاحب البردة - رحمه الله تعالى - وذكر الأبيات السابقة - فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله - ﷺ -، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله - ﷺ - إنا لله وإنا إليه راجعون\" (٢)\nومن العجيب أن يجمع هذا مع مخالفته لصريح ما أنزل الله على رسوله إلى شعر حسان - ﵁ - الذي دعا له الرسول بتأييد جبريل - ﵇ -، يقول - ﵁ -:\nأغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد\nوضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد\nوشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد\nنبى أتانا بعد يأس وفترة ... من الرسل والأثان في الأرض تعبد\nفأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا ... يلوح كما لاح الصقيل المهند\nوأنذرنا نارًا وبشر جنة ... وعلمنا الإسلام فالله نحمد\nوأنت إله الخلق ربي وخالقي ... بذلك ما عمرت في الناس أشهد\n_________\n(١) استشهد الصاوي بها في أماكن متعددة في حاشيته على الصلوات الدرديرية: انظر: ديوان البوصيرى: ١٦٦ - ١٧٠، تحقيق أحمد بسج.\n(٢) الرسائل السلفية: كتاب الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد: ١٧١.","vol":"1","page":448},{"text":"تعاليت إله الناس عن قول من دعا ... سواك إلهًا أنت أعلى وأمجد\nلك الخلق والنعماء والأمر كله ... فإياك نستهدى وإياك نعبد (١)\n* * *\n\nخامسًا: كما أن لا يخفى ما وقع فيه من انحراف بين عندما عبر عن المولى تعالى بالمقصد وعن النبي بالوسيلة، ثم وحد بينهما وجعل أعظم الطرق الموصلة إلى هذه الحضرة على - حد تعبيره - هي المحبة التي عبر عنها بالغزل، فمن أين له أن التغزل هو أعظم طرق الوصل؟ ومن أين له أن التغنى بالأوصاف والتعلق بها هو من أعظم دلائل المحبة؟\n- ثم إن في تعبيره عن المحبة الصادقة بالغزل ما يخل بمقتضى التعظيم والإجلال الواجبين في حق الله تعالى وحق رسوله - ﵊ -، فالطريق إلى الله تعالى واحد لا سبيل إليه سواه، وهو عبادته بإخلاص ومتابعة، قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وإنما عرف تعالى عباده بأسمائه وصفاته حتى يعرفوه فيعبدوه حق عبادته.\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] وإلا فإن معرفة الله تعالى بماله من الكمال المطلق مما فطر العباد عليه وإنما أتى العبد من جانب ما تقتضيه هذه المعرفه. (٢)\nوكذلك الطريق إلى المحبة المصطفى - ﷺ - لا تسلك إلا بصدق المتابعة والتقرب إلى الله تعالى، قال الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود: (لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله) فإن \"من أحب شيئًا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقًا في حبه وكان مدعيًا، فالصادق في حب النبي - ﷺ - من\n_________\n(١) ديوان حسان بن ثابت - ﵁ -: ٤٧.\n(٢) انظر: المبحث المتعلق بالتوحيد: ١٦٩.","vol":"1","page":449},{"text":"تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ \" (١)\nويقول الإمام ابن القيم في بيان حقيقة محبته - ﵊ -: \"إن تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته تابع لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة والطاعة والتعظيم والإجلال للرسول - ﷺ - دون مرسله، بل إنما يثبت ذلك له تبعًا لمحبة الله وتعظيمه وإجلاله، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومحبته محبة لله. .\" (٢)\nكما أن تقديم العمل بسنته على هوى النفس وآراء الرجال من براهين صدق مدعى محبته - ﵊ -، لذا علق المولى تعالى صدق الإيمان بالتحاكم لشرعه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].\nفإن صدق الاتباع أعدل الشهود، وأقواهم بينة على محبة من اتصف به، وقد كان القرآن الكريم يتعهد دومًا من تربى في مدرسة النبوة بغرس فضيلة الأدب معه - ﵊ -، فمرة يوجههم إلى وجوب اتباعه، ومرة يخصص من هذا الاتباع أولوية التحاكم لشرعه المطهر، والتسليم لما يقضى به بينهم، ومرة يحذرهم من مغبة الالتفات عن أمره، كما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\nإن النداء الربانى لأهل الإيمان حقيقة باقية تهيب بكل من دخل في عموم هذا الجمع بأن يحسنوا اتباعهم له، وأن لا يقدموا شيئًا على سنته مهما حسنته العقول والأهواء أو ارتأت أولويته.\n_________\n(١) الشفا للقاضي عياض (٣/ ٥٦١).\n(٢) جلاء الأفهام: ٣٠٤.","vol":"1","page":450},{"text":"وقد كان حال الصحابة - ﵃ - مع عظيم محبتهم له - ﵊ -، لأعظم شاهد يشهد بمخالفة ما ذكر الصاوي، فهذا الصحابى الجليل الذي يطلب مصاحبة الرسول في الجنة، يحثه - ﵊ - على كثرة السجود، ففى الحديث الصحيح أن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله - ﷺ -، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعنى على نفسك بكثرة السجود) (١)\nوكانت الصلاة عليه من جملة الأعمال الموجبة لنيل القرب منه - ﵊ -، فقد ورد في الحديث الشريف أنه قال: (أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على الصلاة) (٢)\n- وما ذكره من أن الكمل هم الذين لا يبتغون بصلاتهم عليه - ﷺ - الأجر والمثوبة، فحقيقته متابعة للصوفية في ادعاءاتهم الباطلة، وتظهر مخالفته للمعلوم من كلام الله ورسوله من عدة وجوه؛ كان منها ما دل عليه حديث المصطفى - ﵊ - الذي أخبر فيه عن شكره لله تعالى بأداء السجود على ما جعل من ثواب الصلاة عليه، فعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: (خرج رسول الله - ﷺ - فأتبعته حتى دخل نخلًا فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه قال: فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: مالك يا عبد الرحمن؟ قال فذكرت ذلك له. قال: فقال: (إن جبريل قال لي ألا أبشرك؟ إن الله ﷿ يقول: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه). (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في: كتاب الصلاة - باب فضل السجود والحث عليه: (٤/ ٢٠٦).\n(٢) أخرجه الترمذي في: كتاب الوتر - باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، رقم الحديث: ٤٨٤ وقال: حديث حسن غريب: (٢/ ٣٥٤).\n(٣) أخرجه أحمد في المسند من حديث عبد الرحمن بن عوف، رقمه: ١٦٦٢. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (٢/ ٣٠٨).","vol":"1","page":451},{"text":"ومنها أن كان - ﵊ - كثيرًا ما يحض أصحابه على الإكثار من الصلاة عليه بمالهم من الأجر، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. (١)\n- ثم إن في استشهاده ببيت الفارض على عدم إرادة الثواب في حق العارفين محض وهم وضلال؛ فما هذا هدى الأنبياء وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، بل رجاء ما عند الله تعالى والخوف من عقابه هو دين الرسل وأتباعهم.\nقال تعالى بعد حكاية فضله على أنبيائه ورسله - عليهم الصلاة والسلام -: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\n* * *\n_________\n(١) منها ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رض الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من صلى على واحدة صلى الله عليه عشرًا): كتاب الصلاة - باب استحباب القول مثل قول المؤذن: (٤/ ٨٥).","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>(المبحث الرابع): دلائل النبوة</span>\nتبين مما سبق أن من أعظم أهداف الرسالة السعى إلى تحقيق الغاية من خلق الثقلين، ألا وهى عبادة الله وحده لا شريك له، فإنه لا يمكن أن يعرف طريقها المرضى إلا عن طريق ما جاءت به الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام -، الذين قاموا بأداء الرسالة إلى البشرية، فحملوا على عاتقهم مهمة التبليغ بالنذارة والبشارة إلى الصراط المستقيم.\nومع وضوح هذه الحقيقة الربانية المتمثلة باصطفاء الرسل والتى قد اختارها المولى تعالى طريقًا لهداية العباد والتى تتجلى في الكثير مما يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا كتحقيق الأهداف ووضوح المبادئ وثبات النتائج، إلا أن حكمة المولى ﷿ اقتضت أن يؤيد رسله بالبينات والأدلة والبراهين التي لا يملك من أوتى سلامة الأدوات إلا الإقرار برسالة من هيئت له تصديقًا وتأييدًا.\nولم تكن هذه الآيات بمعزل عن الغاية التي هيئت لها، وإنما كانت تتفق مع حقيقة الرسالة قلبًا وقالبًا، كمعلم من أبرز معالم الهداية إلى الإيمان بالرسالة ومرسلها، ومن هنا تبدو المعجزة كأعظم دلائل النبوة دون أن تكون هي المنفردة بهذه المهمة، وهذا هو المعتمد في عقيدة أهل السنة والجماعة حول أهمية المعجزة ومكانتها من الدلالة على صدق الرسالة.\nومع نشوء الخلاف بين الفرق الإسلامية؛ تعددت الآراء حول هذه القضية وكان المعتمد عند غالب المتكلمين أن المعجزة هي البرهان الأوحد على صدق الرسول، وحجتهم في ذلك أن ما سواها غير متعذر معارضته، والمعتزلة هم أول من تبنى هذا المعتقد ووصفوا المعجز بأنه الدليل الأوحد على صدق النبوة، يعرف القاضي عبد الجبار المعجز بأنه: \"الفعل الذي يدل على صدق المدعى للنبوة\" (١).\n_________\n(١) شرح الأصول الخمسة: ٥٦٨.","vol":"1","page":453},{"text":"وامتدادًا لذلك الفكر فقد صار الاستدلال بالمعجز على صدق الرسول هو المسلك المعتمد عند غالب الأشاعرة، يقول الإيجى في إثبات نبوة محمد - ﷺ -:\n\"المسلك الأول - وهو العمدة - أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده\" (١)\nوهذا إمام الحرمين الجويني يعقد فصلًا في تقرير أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة، ويبرهن لذلك بأنه الدليل الوحيد الذي يتحقق فيه الإعجاز والتحدى وما سواه فقد \"يستوى فيه البر والفاجر، فيستحيل لذلك كونه دليلًا\" (٢).\nوكذلك الآمدي المتكلم المعروف يسير على خطا سابقيه في تقرير الدليل، يقول: \"والذي يدل على كونه رسولًا من عند الله تعالى أن نقول: إن محمدًا كان موجودًا، وأنه ادعى الرسالة عن الله ﷿، وأنه ظهرت المعجزات على يده، وأنه تحدى بها ولم يوجد لها معارض؛ فكان رسولًا\" (٣).\nولم يكن هذا القول مع الصدارة الفكرية التي كانت له في المذهب الأشعري محل إجماع، بل خالف فيه بعض كبار منظرى المذهب الأشعري كالغزالى والرازى؛ إتباعًا للمنهج القويم المستمد من الكتاب والسنة، فهذا الغزالي يطيل النفس في تقرير دليل النبوة بعيدًا عن منهج المتكلمين، يقول: \"ومن نظر في أقوال رسول الله - ﷺ - وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق وتلطفه في حق الناس بأنواع اللين واللطف إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم؛ حصل له علم ضرورى بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده، وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال وإلى عجائب الغيب التي أخبر عنها في القرآن على لسانه وفى الاخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان وظهر ذلك كما ذكره؛ علم علمًا ضروريًا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب، والخواص والأمور التي لا يدركها العقل، وهذا هو منهاج يحصل به العلم الضرورى بصدق النبي - ﷺ -\" (٤).\n_________\n(١) المواقف: ٣٤٩.\n(٢) الإرشاد: ٣٣١.\n(٣) أبكار الأفكار في أصول الدين: (٤/ ٦٨).\n(٤) الأصفهانية: ١٩٩.","vol":"1","page":454},{"text":"وممن تأثر بما ذهب إليه الغزالي الرازي، فعند الاستدلال على نبوة المصطفى - ﵊ - يذكر إلى جانب الاستدلال بالمعجز: \"إثبات نبوته - ﵇ - بالاستدلال بأخلاقه وأفعاله وأحكامه وسيره، فإن كل واحد منها وإن كان لا يدل على النبوة لكن مجموعها مما يعلم قطعًا أنه لا يحصل إلا للأنبياء\" (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيقف الصاوي موقفًا مغايرًا لما هو معهود من كلام الأشاعرة في الاستدلال على نبوة الرسل ويظهر بذلك تأثره بموقف الغزالي من قبل.\nفهو أولًا يوضح المراد بدلائل النبوة بقوله: \"أي - الأدلة - الدالة على صدقه - ﷺ -\"\nويرى أن دلائل صدق الرسول - ﵊ -\" ثلاثة أمور:\nأحدها: المعجزات الظاهرات.\nثانيها: القرآن العظيم.\nثالثها: كون دينه الذي أمر باتباعه وهو دين الإسلام ليس فيه شيء سوى تعظيم الله والانقياد لأمره ونهيه والتبرى من كل معبود سواه، فهذه أمور نيرة واضحة في صحة نبوته - ﷺ -\" (٢)\nوتأكيدًا لهذا المعنى السابق فإنه في تفسيره للآيات التي تنكر على المشركين إعراضهم عن الانقياد لدعوة المصطفى - ﵊ -، يرجع ما حصل منهم إلى عدم إدراك ما يتحصل به اليقين بصدق الرسول - ﵊ -.\nففي بيان معنى قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨، ٦٩]\n_________\n(١) المحصل: ٢٠٨.\n(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":455},{"text":"يقول: \"وهذا شروع في بيان أن إقدامهم على هذه الضلالات لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة:\nأحدها: أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز.\nثانيها: أن يعتقدوا أن بعثة الرسول أمر غريب لم تسمع ولم ترد عن الأمم السابقة.\nثالثها: ألَّا يكونوا عالمين بأمانته وصدقه قبل ادعاء النبوة.\nرابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون\". (١)\nوفي كل مرة يوضح أنه ليس هذا هو سبب إعراضهم بل الكبر عن قبول الحق والانقياد له.\nأما عن المراد بالمعجزة فيعرف الصاوي أصلها في اللغة، بقوله: \"المعجزة في الأصل مشتقة من الإعجاز وهو إثبات العجز في الغير ثم استعمل في لازمه وهو إظهاره، ثم نقلت للأمر الخارق\" (٢)\nأما تعريفها كما هو عليه كلام الأشاعرة، فيقول في الخارق: \"هو الأمر الخارق للعادة، الواقع على يد مدعى النبوة المقرون بالتحدى (٣) مع عدم المعارضة\" (٤)\nثم يشرع بعد ذلك ببيان مفردات التعريف واحدة واحدة، يقول: \"وقد اشتمل التعريف على سبعة أمور:\nأولًا: أن تكون فعلًا لله أو تركًا، فالأول: كنبع الماء من بين الأصابع.\nوالثاني: كعدم الإحراق لإبراهيم - ﵇ -.\nثانيًا: أن تكون خارقًا للعادة لا أن يكون معتادًا.\n_________\n(١) المرجع السابق: (٣/ ١١٤).\n(٢) حاشية الخريدة: ٩٩.\n(٣) حاشية الخريدة: ٤. وحاشية الصلوات: ٥٥.\n(٤) حاشية الجوهرة: ٤٦.","vol":"1","page":456},{"text":"ثالثًا: أن تكون على يد مدعى النبوة؛ لأنها إن كانت على يد غيره فلا تسمى معجزة\".\nويبدأ بتفصيل ما يسمى به الخارق على يد غير مدعى النبوة ف \" إما أن تسمى إرهاصًا وهو الخارق للعادة على يد نبى قبل ادعائها.\nأو كرامة: وهى الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح.\nأو معونة: وهى ما كان على يد مستور الحال.\nأو استدراجًا: وهو ما كان على يد فاسق على طبق مراده.\nأو إهانة: وهو ما كان على غير مراده\".\nرابعًا: أن تكون مقارنة للدعوى حقيقة أو حكمًا.\nخامسًا: أن تكون موافقة للدعوى، فالمخالفة كفلق الجبل عند قول مدعى النبوة: آيتى فلق البحر، فلا تعد معجزة.\nسادسًا: أن لا تكون مكذبة إن كان ممن يعتبر تكذيبه، كقوله: آيتى نطق الجماد فنطق بأنه كذاب، فلا تعد معجزة، وأما إن كان مما لا يعتبر تكذيبه، كما إذا قال: آيتى إحياء هذا الميت مثلًا، فأحيى ونطق بأنه كذاب فإحياؤه كافٍ في المعجزة ولا يلتفت لتكذيبه لاتهامه بعد ذلك بالأغراض.\nسابعًا: أن تتعذر معارضته إلا من نبى مثله، فالسحر ونحوه لا يعد معجزة.\nثامنًا: أن لا يكون الخارق في زمن خرق العادات، كقرب الساعة\". (١)\nوفى بيان الحكمة من اختيار نوع المعجزة لكل نبى فإنه يوضح مدى العلاقة الوثيقة بين نوعها وبين ما برع فيه أهل زمان ذلك النبي؛ حتى يتحقق الإعجاز ويظهر كأقوى ما يكون، فيعلل الصاوي ما أيد به عيسى - ﵇ - من إحياء الموتى وإبراء المرضى بقوله: \"فإن معجزة كل نبى على شكل أهل زمانه، كموسى - ﵇ - فإنه بعث في زمن كثرت فيه السحرة؛ فأعياهم بالعصا واليد البيضاء، وسيدنا محمد - ﷺ - فإنه بعث في زمن العرب البلغاء؛ فأعياهم بالقرآن\" (٢)\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":457},{"text":"ويشرع في بيان معجزاته - ﵊ -: \"مما يجب علينا اعتقاده أن الله أعطى نبيه - ﷺ - معجزات أي خوارق للعادات كثيرة لا نهاية لها، قيل: أعطاه الله مائة ألف وسبعين ألف معجزة منها مائة ألف في القرآن، والسبعون في غيره\" (١)\nويرى أن حادثة الإسراء والمعراج من جملة معجزاته، يقول: \"ومن جملة معجزاته - ﷺ - أنه أسرى به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على ظهر البراق، وجبريل على يمينه، وميكائيل عن يساره\".\nومن تلك المعجزات \"انشقاق القمر فلقتين في السماء متباعدتين، بحيث كانت كل واحدة فوق جبل.\nومنها تسبيح الجماد في كفه - ﷺ -؛ لما ورد أنه قبض على حصيات في كفه فسبحن حتى سمع لهن حنينًا كحنين النحل، ثم ناولهن أبا بكر فسبحن ثم ناولهن عثمان فسبحن، ثم وضعهن على الأرض فخرسن، ففى ذلك كرامة للصحابة أيضًا. (٢)\nومنها نطق الحيوانات كالضب والظبية والبعير\" (٣).\nويؤكد على أهمية الإيمان بآحاد المعجزات الواردة، حيث يقول: \"فمن أنكر الإسراء كفر لتكذيبه القرآن\". (٤)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>تعليق:</span>\nلا ريب في أن كلام الصاوي المتعلق بالاستدلال على النبوة قد وافق الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ولى أن أضيف بعض ما يحسن إضافته إلى ما ذكر مع شيء من التفصيل وذلك ضمن النقاط التالية:\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٤٧.\n(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط - باب تسبيح الحصى: مجمع البحرين في زوائد المعجمين للهيثمى، برقم ٣٥٢٠ - ٣٥٢١: (٦/ ١٥٢)، وذكره في المجمع وقال: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات، وفى بعضهم ضعف، وسكت عن رواية الطبراني: (٨/ ٢٩٩).\n(٣) حاشية الصلوات: ٥٥.\n(٤) المرجع السابق: ٤٨.","vol":"1","page":458},{"text":"أولًا: طريق الاستدلال بالمعجزات والبراهين:\nلا شك أن هذا الطريق فيه تمام الكفاية على إثبات صدق الرسول في دعوته، فإن في سنة الله تعالى الجارية بتأييده لأنبيائه ورسله بالمعجزات؛ لأكبر شاهد على أهمية المعجزة وكونها من أوضح البراهين الهادية للإيمان بالرسل.\nوتحقيق هذا أن المعجزة خرق للعادات الجارية بالسنن الكونية بما يحصل التحدى به بحيث يخرج موجبها المقتضى لتحققها عن مقدور البشر فتصبح بذلك آية واضحة تستند في وضوحها إلى المسلمات الفطرية من وسائل الإدراك الحسية التي لا يمكن بحال التردد في مصداقية ما تتوصل إليه من نتائج دالة على كونها مرادة لتأييد من أجريت على يديه.\nيقول ابن الوزير (١) في هذه الحقيقة: \"فالنظر في المعجزات الواضحات والخوارق الباهرات كان به إيمان عامة أهل الإسلام في زمن الرسول - ﵇ -، وبه كان إيمان السحرة في زمن موسى - ﵇ -\" (٢).\nوهذا الأصل في إثبات الرسالة لا يمكن التشكيك في أهميته، ومع هذا فالغلو في حصر الدلالة به غير مسلم، فأمر الرسالة من العظم بمكان؛ بحيث لا يمكن أن يكون طريق العلم بها محصورًا في دليل بعينه، وهذا ما نبه إليه شيخ الإسلام في كثير من مؤلفاته القيمة.\nثانيًا: الاستدلال بحال الرسول - ﵊ - فيما اتصف به من صدق ورجاحة عقل وعدالة مشهود لها في قومه، وتقوم هذه الدلالة على استقراء مجموع أحواله قبل البعثة وبعدها مما يصل بالمستبين إلى درجة اليقين من استحالة\n_________\n(١) هو الإمام العلامة محمد بن إبراهيم بن على المرتضى الحسنى القاسمى، من أعيان اليمن قال عنه الحافظ ابن حجر: كان مقبلًا على الاشتغال بالحديث شديد الميل إلى السنة، له مصنفات نفيسة منها: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبى القاسم، وتنقيح الأنظار في علوم الآثار، والروض الباسم في الذب عن سنة أبى القاسم، توفى سنة: ٨٤٠ هـ: الأعلام للزركلى: (٥/ ٣٠٠). ومقدمة كتاب العواصم: (١/ ٥).\n(٢) العواصم والقواصم: (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":459},{"text":"كذب من استقامت أحواله بالصدق التام والعقل الراجح والخلق العظيم، فالصدق وهو أعظم ما يبحث عنه من أحوال مدعى النبوة تتأتى طرق معرفته من جهات متعددة بحيث يسهل التمييز في شأن من ادعاه كذبًا وزورًا ممن قامت أحواله به حتى استحق الاتصاف به على جهة العلمية كما كان شأن المصطفى - ﵊ -.\nهذا والقرآن الكريم في كثير من المواضع يلفت أنظار الممترين إلى كثير من الحقائق المعهودة في أحوال الرسل والتى امتزجت بها شخصيته - ﵊ -، مما لا يدع لهم مجالًا للشك والتمادى في طرق الغواية بعيدًا عن الاعتراف بهذه الحقيقة الإيمانية، وفى ذلك كان قول حسان بن ثابت - ﵁ -:\nلو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر (١)\nثم إن في صفات الرسول الأخرى، كالخلق الرفيع والأمانة والنزاهة وإرادة الخير والبعد عن مواقع الريبة ما يجزم بصدقه فيما ادعاه، وبهذا استدلت السيدة خديجة - ﵂ - على نبوته - ﵊ - وردت عنه ما خالجه من ريبة في أمره، حيث قالت: \"فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق\" (٢)\nيقول شيخ الإسلام في تعليقه على هذه المقولة العظيمة: \"وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة، ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه، وأيضًا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم - ﵇ - فإنه كان نبيًا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار، وقد علم جنس ما يدعو إليه الرسل وجنس أحوالهم، فالمدعى للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته\n_________\n(١) ديوان حسان بن ثابت: ١/ ٤٨٢.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدأ الوحي - باب كيف كان بدأ الوحي، رقم الحديث: ٣.","vol":"1","page":460},{"text":"للرسل علم أنه ليس منهم، وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد من رسول منتظر، وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه، فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضرورى بأن هذا هو الرسول المنتظر، لهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] \" (١)\nوهذا هو مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فإنه ﷿ قد هيأ لأمر الرسالة من علت أحوالهم البشرية حتى وصلوا إلى ذروة الكمال الممكن لها؛ وذلك بما اتصفوا به من عظيم الخلق وجمال الخلق، وقد قال تعالى في معرض امتنانه على أشرف خلقه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nومعلوم أن في انفضاض الناس عن المرسل ما يقضى بانتفاء الغاية التي من أجلها كانت الرسالة؛ إذًا فانتفاء هذا الحال عنه فيه إشارة إلى أن أحوال الرسل محض عناية من الله تعالى، إذ يتوقف عليها القيام بأمر الرسالة من حيث التحمل والأداء، وعليه فإن انتظام هذه المقامات العالية في شخص ما مع ادعائه للنبوة في وقت إمكانها ليقضى بصدقه فيما ادعاه كما تقرر ذلك من دلائل نبوته - ﵊ -. (٢)\nولا شك أن في انضمام هذا المسلك إلى المسلك الذي قبله ما يصل بالمتأمل فيهما إلى درجة اليقين، يقول الإمام ابن الوزير: \"إن سيرة النبي - ﷺ - ومعرفة أوصافه، وقرائن أحواله لتفيد العلم الضرورى العادى وحدها، فإذا انضمت إلى المعجز محت الوسواس وأطفأته، كما يطفئ الماء النار\" (٣).\nثالثًا: الاستدلال بحال الدعوة نفسها وهو في الحقيقة استدلال بالركائز التي يقوم عليها أمر الدعوة وما يترتب عليها من نتائج فعالة على الفرد والمجتمع، فإنه مما علم\n_________\n(١) الأصفهانية: ١٦٢.\n(٢) انظر: منهاج السنة: (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n(٣) العواصم والقواصم، لابن الوزير: (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":461},{"text":"ضرورة من حال الأنبياء في دعوتهم الأمم العناية بأمر التوحيد ونبذ الشرك وأهله، وأيضًا الاهتمام بمصالح الأفراد وذلك بالحث على التمسك بفضائل الأعمال والأقوال، وكان هذا المسلك في تقرير النبوة هو حقيقة ما استند إليه النجاشي في التصديق برسالة النبي - ﷺ -، حيث قال: [إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة]. (١)\nوفى هذا المعنى يقول شيخ الإسلام \"وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون إليه ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند الناس من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل\" (٢)\nوإن مما يتعلق بشأن الدعوة ما يترتب عليها من نتائج تظهر محكمة في حال المدعين فإنه من أصدق ما يستدل به على صدق مدعى الرسالة استمرار شأنها بعلو أتباعها ونصرتهم وخذلان أعدائها وضعتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩].\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ -؛ استدلالًا بهذه الآية الكريمة على هذا المسلك: \"ومثل هذا في القرآن متعدد، ففى غير موضع يذكر الله تعالى قصص رسله ومن آمن بهم وما حصل لهم من النصر والسعادة وحسن العاقبة، وقصص من كفر بهم وكذبهم وما حصل لهم من البلاء والعذاب وسوء العاقبة، وهذا من أعظم الأدلة والبراهين على صدق الرسل وبرهم، وكذب من خالفهم وفجوره. كمن شاهد أصحاب الفيل وما أحاط بهم ومن شاهد آثارهم بأرض الشام واليمن والحجاز وغير ذلك\" (٣)\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند من حديث جعفر بن أبي طالب، رقمه: ١٧٤٠، قال عنه الشيخ أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\": (٢/ ٣٥٤).\n(٢) الأصفهانية: ١٥٩.\n(٣) الأصفهانية: ١٧٦. وانظر: النبوات: ٣٧.","vol":"1","page":462},{"text":"وقد جمع الاستدلال بهذين المسلكين: حال المرسل والمرسل به هرقل ملك الروم، وذلك حين أرسل إليه رسول الله - ﵊ - يدعوه إلى الإسلام وأبو سفيان في بعض أسفاره في الشام مع بعض أصحابه فاستدعاه هرقل وسأله عن بعض ما يمكنه من معرفة مدى صدق الرسول فيما دعاه إليه، فجعل يسأله وأمر من معه أن يصدقوه أو يكذبوه فيما يجيب به سؤاله، قال أبو سفيان حاكيًا قصة الحوار الذي دار بينهما: \"ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ - قلت: هو فينا ذو نسب.\nقال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ - قلت: لا.\nقال: فهل كان من آبائه من ملك؟ - قلت: لا.\nقال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ - فقلت: بل ضعفاؤهم.\nقال: أيزيدون أم ينقصون؟ - قلت: بل يزيدون.\nقال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ - قلت: لا.\nقال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ - قلت: لا.\nقال: فهل يغدر؟ - قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنى كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذا الكلمة.\nقال: فهل قاتلتموه؟ - قلت: نعم.\nقال فكيف كان قتالكم إياه؟ - قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه.\nقال: ماذا يأمركم؟ - قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.\nفقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.\nوسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت رجل يأتسى بقول قيل قبله.","vol":"1","page":463},{"text":"وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه.\nوسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف عنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.\nوسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.\nوسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.\nوسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.\nوسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.\nوسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمى هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أنى أعلم أنى أخلص إليه، لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه\" (١).\nهذا وقد أفرد الصاوي القرآن الكريم بالذكر، كدليل صادق في إثبات نبوة المصطفى - ﵊ -، والحق أن مسلك الاستدلال بالقرآن يرجع إلى الجمع بين الاستدلال بالمعجز وبين الاستدلال بحال الدعوة، أي بما تضمنه من أخبار وعلوم حوت مبادئ الدين الذي أنزل ليكون دستورًا له حافظًا لمقومات بقائه من الأصول والمبانى التي لا قوام له إلا بها، مع كونه قد حصل به الإعجاز التام وذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي - كيف كان بدأ الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٧.","vol":"1","page":464},{"text":"من عدة جهات، أولها النظم فقد تحدى المولى به على أقصر سورة منه، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\nكما أن القرآن العظيم يحوى من الأخبار والعلوم الشاهدة والغائبة ما يحيل إمكان نسبته لبشر مهما بلغ من العلم والعقل، وقد شهد بهذا أعتى من استنكف عن الاستسلام لمقتضى الإقرار بإعجازه ودلالته على صدق من أتى على يده، ويحكى لنا القرآن في ذلك موقف الوليد وكيف أنه تبين له الحق ولكن كفره وبغيه حال دون الإيمان برسالة المصطفى - ﵇ -.\nومن هذا المنطلق في الفهم لحقيقة الاستدلال بالقرآن العظيم على نبوة المصطفى - ﷺ - يتبين لنا أن الإعجاز الحاصل بطريقه حاله ليس كحال باقي المعجزات الحاصلة على أيدى الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، إذ أن اتحاد عدد من الأدلة في دليل واحد يقضى بقوته واستعلائه على غيره.\nهذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن استقلال المدعو له بالدلالة على صدقه ليقضى باستحقاقه الكافى في الاستغناء عما سواه؛ مما يشهد بصدقه كدليل خارج عنه، فدلالته عندئذ تكون مرتبطة به بحيث لا يمكن بحال الفصل بين حقيقة الدليل والمستدل له، مما يحمل على الجزم بتصديقه دون أدنى ارتياب في أمره، فـ \"القرآن هو بنفسه الوحى المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحى، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه\". (١)\nوهذا ما وصفه به الرب تعالى إذ قال في محكم التنزيل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n_________\n(١) مقدمة ابن خلدون: ٩٥، ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى: مبحث الأدلة العقلية للنبوة، من رسالة: المعرفة في الإسلام، لفضيلة الشيخ د/ عبد الله القرني: ١٢٠.","vol":"1","page":465},{"text":"والحديث في أوجه إعجار القرآن الكريم حديث متصل العظمة، مستجمع أقطاب الكمال، إذ تقصى مكامن علوه وهيمنته ليعد في حقيقة الأمر ضربًا من المحال، ويكفى في الإشارة إلى ذلك بيان حقيقة القرآن من حيث إنه كلام الله تعالى خرج منه وإليه يعود، ففضل كلامه تعالى على كلام خلقه كفضله هو سبحانه على سائر خلقه، ومن هنا أتى معجز الألفاظ، تقاصرت عن محاكاته همم البلغاء من أهل الفصاحة والبيان، فالتحدى به باقٍ إلى قيام الساعة.\n\nحقيقة المعجزة:\nأما ما ذهب إليه الصاوي في بيان حقيقة المعجزة بأنها الخارق للعادة وجعل هذا القيد في التعريف قدر مشترك بينها وبين غيرها، كالسحر والكرامة فلا يحصل - عنده - به التمييز إلا بإضافة قيود أخرى تمنع من دخول غير أفراد المعرف فيه، فهذا غير صحيح؛ لأنه يقضى باتحاد الماهية وأعنى بها الجنس الذي يشمل المعرف وغيره لاتفاقه معه من جهة الذاتيات المشتركة، ولو مع إثبات تغايرهما من جهة الذاتيات المميزة، كما ذكر الصاوي في القيود الأخرى للتعريف.\nوذلك لأنه لا يمكن بحال الجمع بين هذه الحقائق المختلفة تحت جنس واحد؛ لوجود المغايرة التامة في جميع أجزاء الماهية.\nيقرب هذا أن حقيقة الخرق للعادة في كل ما ذكر مما سوى المعجز عند التحقق لا يعد خارقًا في الأصل من كل الجهات، فالسحر والكهانة وهما أشد ما يكون غرابة ومخالفة للمعهود عند عامة الناس \"أمور معتادة معروفة لأصحابها ليست خارقة لعاداتهم، وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن تبعهم\" كما أن \"الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه، وهذا مجرب عند الناس، بخلاف النبوة؛ فإنه لا ينالها أحد باكتسابه\" (١)\n\"أما كرامات الصالحين فهى من آيات الأنبياء، ولكن ليست من آياتهم الكبرى ولا يتوقف إثبات النبوة عليها، وليست خارقة لعادة الصالحين، بل هي معتادة في الصالحين من أهل الملل في أهل الكتاب والمسلمين\" (٢)\n_________\n(١) النبوات، لشيخ الإسلام: ٢١٥.\n(٢) المرجع السابق: ٤٤٣.","vol":"1","page":466},{"text":"كما أنها مما يتأتى بطرق الاكتساب الشرعية فليست في معنى المعجزة من حيث إنها محض فضل من الله يؤيد به من أرسلهم هداية للعالمين.\nومن كل ما سبق يتبين أن خرق العادة حقيقة لا تكون إلا للمعجزة، أما غيرها وإن شوهد مخالفته للمعهود إلا أن هذه المخالفة لا تخرج عن كونها نسبية إضافية لا تستحق إطلاق لفظ الخارق عليها، والذي يوحى بمجانسته لجنس المعجزات من هذا الوجه وهذا المعنى هو مصداق قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\nوكان ما ذكره الصاوي من قيود أخرى في التعريف تفرق بين المعجز وغيره صحيحة لا جدال فيها. وقد أشار شيخ الإسلام - ﵀ - في معرض بيان ما يفرق به بين السحر والمعجزة إلى كثير من الفروق الأخرى المهمة والتى تمثل في الحقيقة أسس الاختلاف بينهما، فكان الاستدلال بحال الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وما يدعون إليه أكبر ما يفرق به بين ما يدعيه أولئك الدجاجلة وبين ما يؤيد الله تعالى به رسله من المعجزات، وكان ما ذكرته في حقيقة المعجزة من عدم إمكان اكتسابها ومن كونها خارجة عن مقدور جميع الجن والإنس هو الفارق الجوهري الذي يخرج المعجزة عما يمكن أن يلتبس بها على بعض ضعاف العقول. (١)\nوما ذكره عن كثرة معجزات الرسول - ﵊ - فصحيح ومع هذا فلم يرد دليل يعتمد عليه في حدها بعدد معين (٢) وكان ما أشار إليه من أعظم معجزاته: كحادثة انشقاق القمر، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: (قد كان ذلك على عهد رسول الله - ﷺ -، انشق القمر فلقتين، فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل، فقال رسول الله: (اللهم اشهد) \" (٣)\n_________\n(١) انظر: النبوات: ٤٣٩.\n(٢) انظر: في هذا الباب كتاب: دلائل النبوة للإمام إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني، تحقيق: مساعد الراشد الحمديد.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار - باب انشقاق القمر: (١٧/ ١٤٤).","vol":"1","page":467},{"text":"كذلك حادثة الإسراء والمعراج فقد نطق الكتاب العزيز بهذا كما تواترت به الأحاديث بما لا يشك فيه وعليه فلا ينكر هذا إلا زنديق لا يعول على كلامه.\nوكانت حادثة نبع الماء من بين أصابعه - ﵊ - من معجزاته، فقد ورد في الصحيحين عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - دعا بإناء من ماء، فأتى بقدح رحراح، فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس: فحزرت من توضأ، ما بين السبعين إلى الثمانين) (١)\nومعجزاته كما وردت في الصحاح كثيرة لا مجال لحصرها هنا ويكفى العلم بأن الله تعالى قد خص نبينا بالكثير من المعجزات الدالة على تأييد الله تعالى له وكان أعظمها المعجزة الخالدة معجزة القرآن العظيم التي تحدى الله تعالى بها الأمم إلى قيام الساعة.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء - باب الوضوء من التور، رقم الحديث: ٢٠٠.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الفصل الثامن: (آراؤه في الإيمان باليوم الآخر)</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: اليوم الآخر.\nالمبحث الثاني: الإيمان بأشراط الساعة.\nالمبحث الثالث: حياة البرزخ.\nالمبحث الرابع: حقائق الساعة.","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>تمهيد</span>\nإن الإيمان باليوم الآخر أحد الركائز الأساسية، التي يقوم عليها الإيمان بالغيب، إذ يمثل الإيمان به حقيقة الإقرار بالجزاء الموعود به من الله تعالى، والذي يحمل صاحبه على الامتثال لكل ما يأمر به الرب ﷿؛ فتتحقق بذلك الغاية التي من أجلها كان الخلق والأمر، وهى عبادة الله وحده بكل ما تعنيه هذه الكلمة من شمولية المنهج تنظيرًا وتطبيقًا.\nلذا كان الإيمان باليوم الآخر حقيقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بالله تعالى، فهذا المجازى وذلك هو الجزاء، ولعل هذا أحد ما يترجح به تفسير الاقتران الذي كثيرًا ما يتكرر بين هذين الركنين من الإيمان في القرآن الكريم؛ الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر.\nيقول تعالى في بيان حال المنتفع بأوامر الله تعالى ونواهيه: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].\nوقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بالإيمان به في كثير من المواضع، يقول عز من قائل: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].\nأما عن منزلته من أركان الإيمان؛ فهو الركن السادس منها، والأدلة على ركنيته كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾.\nوهذا ما أخبر به المصطفى - ﷺ - في حديث جبريل المشهور، قال - ﵊ - في بيان معنى الإيمان بذكر ما يقوم عليه من أركان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره). (١)\n_________\n(١) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":470},{"text":"والقرآن في تقرير البراهين على تحققه؛ يؤكد على أن ذلك هو ما يقتضيه عدل الله تعالى، وحكمته البالغة؛ لهذا أتى الوعيد شديدًا في حق من أنكره وتجرأ على الله تعالى بنفى إمكانه، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].\nوقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٧، ٢٨]. وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥].\nولمكانة هذا الأصل وماله من عظيم الثمرة والنفع، في إصلاح الفرد والمجتمع؛ فقد توالت الآيات الكريمة واستفاضت الأحاديث النبوية في ذكر تفاصيله وحكاية ما سيكون فيه من أحداث ومهام، وما سينتهى به من خلود في الجنة أو النار، مع وصف كامل لتلك المراحل الأخروية، واستفاضة في بيان مآل المؤمنين والكافرين.\nهذا والحديث في بيان ثمرة الإيمان باليوم الآخر؛ حديث عظيم ذو شجون، ولا يخفى للمتفكر فيما يجنيه التفصيل الآنف من تأكيد للإيمان بذلك اليوم، ومن ثم الاستعداد المنبغى له بفعل الخيرات، والبعد عن المعاصى الموبقات.\nيقول الشيخ السعدى - ﵀ - موجهًا الأنظار إلى هذه الفوائد العظام: \"إن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، التي لا يصح الإيمان بدونها، وكلما ازدادت معرفته بتفاصيله؛ ازداد إيمان العبد به، ثم إن في \"معرفة ذلك حقيقة المعرفة ما يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء، اللذين إن خلا القلب منهما خرب كل الخراب، وإن عمر بهما أوجب له الخوف والانكفاف عن المعاصى، والرجاء تيسير","vol":"1","page":471},{"text":"الطاعة وتسهيلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفاصيل الأمور التي يخاف منها وتحذر، كأهوال القبر وشدته، وأهوال الموقف، وصفات النار المفظعة، وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم والحبرة والسرور، ونعيم القلب والروح والبدن، فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعى للاجتهاد في السعى للمحبوب المطلوب بكل ما يقدر عليه\" (١)\nويقول - ﵀ -: \"إن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلوب، وأصل الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، اللذين هما أساس الخيرات\".\nولكل ما تقدم؛ فإنى سأعرض في هذا الفصل بحول الله تعالى للأمور التالية بالبيان والتفصيل:\n- أولًا: تعريف اليوم الآخر وبيان أدلته.\n- ثانيًا: الإيمان بأشراط الساعة.\n- ثالثًا: الموت والقبر عذابه ونعيمه.\n- رابعًا: حقائق الساعة وما ورد فيها.\n* * *\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن: (١/ ٢٨ - ٢٩).","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>(المبحث الأول): تعريف اليوم الآخر، وأدلته</span>\nإن حقيقة الإيمان باليوم الآخر؛ هي التصديق الجازم بأن الله تعالى سيعيد العباد مرة أخرى إلى الحياة بعد موتهم؛ وذلك لمحاسبتهم، وإقامة العدل في شأنهم، وهذا يستلزم الإيمان بكل تفاصيل الإعادة والجزاء، التي أخبر بها المولى تعالى في كتابه، والتى دلت عليها السنة المطهرة، كالحساب والصحف والميزان والصراط والجنة والنار وغير ذلك.\nولا بد لمعرفة هذا الأصل العظيم من أصول الدين؛ أن نقف على أهم الأسس التي ينبنى عليها الإيمان الحق به، وذلك أن وقوع اليوم الآخر كما أخبر به المولى تعالى هو الحقيقة التي يقتضيها ما يتصف به ﷿ من صفات الكمال والعظمة، حيث يعتمد في حجية تحققه كما سبقت الإشارة إليه على الحكمة الثابتة في كل ما يكون منه سبحانه، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].\nفقد أناط المولى تعالى في هذه الآية الكريمة إرادته للبعث وإرجاع الناس إليه يوم القيامة؛ بنفى إرادة العبث منه سبحانه، وتعليقه هذا يقضى بأن تصرفه في جميع مخلوقاته إنما يتأتى من جهة إرادته لتمام الحكمة، الدائرة بين العدل والفضل.\nوإذا تقرر هذا الأصل وهو الإيمان بحكمة الله تعالى، المقتضية لإحقاق الجزاء العادل منه سبحانه في اليوم الآخر، فلا بد من معرفة أن تحقق الجزاء في الآخرة متوقف لإثباته على حقيقة أخرى، تمثل في مكانتها الوسيلة التي يرتكز عليها إثبات ذلك الأصل، وهذه الحقيقة هي التي كثر إنكار الجاحدين لها من أهل الكفر والمراء؛ إذ في إنكارهم لها هدف لجحد ما يترتب عليها من إثبات الجزاء العادل المرتبط","vol":"1","page":473},{"text":"بحقيقة الحكمة، فلا يمكن بحال انفصالها عنه، تلكم هي حقيقة البعث بعد الموت، وإعادة الحياة إلى الأجساد بعد مفارقتها لها، والتى تستند في إثباتها إلى اتصاف الله تعالى بالقدرة التامة المتعلقة بكل ما هو من شأنه الإمكان.\nوإلى هذا المعنى يشير قول المولى تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].\nوقد كانت العناية بشأن هذه الحقيقة تأصيلًا ودفاعًا؛ بإبطال شبه المنكرين لها ظاهرة في كتاب الله تعالى، هذا وقد تنوعت دلالته في إثباته لها؛ فمرة يتجه في تأصيلها إلى تنبيه وازع الإيمان، الذي يقضى بالتسليم لكل ما أخبر به المولى تعالى من أمور الغيب، ومرة يتجه إلى الغريزة الفطربة بما هو مغروس فيها من مبادئ أولية مسلمة، لا يمكن بحال أن يقف المتجرد أمامها موقف الإنكار، فتحمله بما غرس فيه على التسليم لها، والإذعان التام بوجوب تحققها (١).\nومع وضوح هذا المراد في كتاب الله تعالى، إلا أن الكثير من المتكلمين وقف أمامه موقف المنكر، وأحال أن يكون مستند إثبات البعث والجزاء الاستدلال العقلى النابع من التسليم للمسلمات الفطرية، وأرجعه على جهة الجزم إلى مقتضى التسليم بالغيب الموحى به من الله تعالى، والذي يسنده في كل ما أخبر به من حقائق محجوبة عدم خروجه عن الممكنات، التي تعلقت بها قدرة الباري تعالى.\nيقول الإيجى في ذلك: \"وهى جائزة عندنا، خلافًا للفلاسفة، والتناسخية، لأنه لا يمتنع وجوده الثاني لذاته ولا للوازمه، وإلا لم يوجد ابتداءً\" (٢).\nويذكر هذا القسم من أصول العقائد الجويني فيما لا يدرك إلا بالسمع، يقول: \"وأما ما لا يدرك إلا سمعًا؛ فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بالسمع\" (٣).\n_________\n(١) وسيأتي الحديث عنه مع مناقشة آراء الصاوي في هذا الباب إن شاء الله.\n(٢) المواقف: ٣٧١.\n(٣) الإرشاد للجوينى: ٣٥٨ - ٣٧١.","vol":"1","page":474},{"text":"وحقيقة هذا التصور لأصول ما يجب اعتقاده هو ما ذكرته آنفًا؛ من أنهم جعلوا السمع مجرد خبر يجب تصديقه، لا يحتوى على براهين عقلية تحمل بدورها الذهن على التفكير والتدبر، ضمن دائرة الخبر الموحى به من عند الله تعالى.\nوإذا اتضح موقف المتكلمين من قضية الإيمان باليوم الآخر، بقى معرفة مدى صحة مسلكهم في الاستدلال عليه، وذلك من خلال عرض أقوال الصاوي في هذه القضية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nأولًا: يقرر الصاوي وجوب الإيمان باليوم الآخر، بقوله: \"مما يجب اعتقاده أن الله يبعث العباد، ويحييهم بجميع أجزائهم، ويسوقهم إلى المحشر لفصل القضاء، ومن نفخت فيه الروح بعث ولو نزل ميتًا\".\nوفى بيان حقيقة الإيمان باليوم الآخر، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]: \"أي يصدقون بأن الله متصف بكل كمال مستحيل عليه كل نقص وقوله واليوم الآخر أي وما فيه من النعيم والعقاب فيصدقون بأنه حق\" (١)\nثانيًا: أما عن أسماء اليوم الآخر، فيذكر منها، قائلًا: \"ومما يجب اعتقاده وإنكاره كفر؛ اليوم الآخر، ويسمى يوم الدين، ويوم الجزاء، ويوم القيامة\".\nثم يعلل تسميته باليوم الآخر قائلًا: \"وسمى بذلك لأنه آخر الأيام فلا ليل بعد، بل إما نور محض على من آمن، أو ظلام محض على من طغى وكفر، وأوله من قيام الناس من القبور، ولا نهاية لآخره، وقيل: استقرار أهل الدارين فيها\".\nثالثًا: وفي حديثه عن حجية الإيمان باليوم الآخر، فإنه يتابع المتكلمين قبله في إرجاع ذلك إلى النقل، يقول: \"ويجب الإيمان به لوروده كتابًا وسنة وإجماعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] \". (٢)\n_________\n(١) حاشية الجلالين (١/ ١٦٤).\n(٢) حاشية الجوهرة: ٦٠ - ٦١.","vol":"1","page":475},{"text":"رابعًا: وإذا كان الصاوي في مجال تقرير أصول العقائد، كما هو شأنه في جوهرة التوحيد والخريدة البهية يعتمد في الغالب كلام أهل الفن، فإنه لا يلتزم ذلك على جهة التأصيل في تفسيره للقرآن الكريم، إذ نجده يقرر أدلة أخرى على وجوب الإيمان باليوم الآخر، سالكًا لها مسلك الاستدلال الشرعي العقلى، الذي أرشد إليه المولى تعالى في رد شبه المنكرين للبعث.\nوذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥].\nيقول: \"مناسبة هذه الآية لما قبلها؛ أنه لما ذكر من يجادل في قدرة الله بغير علم، وكان جدالهم في البعث، ذكر دليلين على ذلك: الأول في نفس الإنسان وابتداء خلقه.\nالثاني: في الأرض وما يخرج منها، فإذا تأمل الإنسان فيهما ثبت عنده البعث وأنه واقع لا محالة\". (١)\nكما انتهج نفس المسلك السابق في تفسير قوله تعالى: \" ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢].\nيقول: \"هذا بحسب العادة الجارية بأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة بالأولى؛ وإلا فالكل في قبضة قدرته سواء، لا مزية للإعادة على الابتداء؛ لأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون\" (٢)\nوأيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١].\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٨٨).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ٣).","vol":"1","page":476},{"text":"يقول: \"المقصود من هذا الكلام الرد على منكرى البعث؛ حيث ادعو أنه مستحيل.\nوحاصل الرد أن يقال لهم: إن استحالته التي تدعونها؛ إما لعدم مادة وهو مردود بأن غاية الأمر تصير الأجزاء ترابًا، وهو قادر على أن ينزل عليه ماء فيصير طينًا؛ وقد خلق أباهم آدم من طين.\nأو لعدم القدرة؛ وهو مردود بأن القادر على هذه الأشياء العظام من السموات والأرض وغيرهما؛ قادر على إعادتهم ثانيًا، وقدرته ذاتية لا تتغير، فهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] \" (١)\nخامسًا: ولا يغفل الصاوي - كما هو معهود منه؛ وهو الفقيه المجتهد - جانب بيان الحكمة من إرادة الله تعالى لذلك اليوم (٢)، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦].\nيقول: \"هذا دليل على صحة الحشر ووقوعه، وذلك أن الله تعالى خلق النوع الإنساني، وخلق له ما في الأرض جميعًا، وكلفه الإيمان والطاعة؛ فآمن البعض وكفر البعض، وختم الله في سابق أزله أن النعيم للمؤمن، والعقاب للكافر، وذلك لا يكون في الدنيا لعدم الاعتداد بها؛ فحينئذ لا بد منه لتجزى كل نفس بما كسبت\". (٣)\n\"وهذا كله لإظهار العدل؛ فحيث لم يترك غير العقلاء، فكيف بالعقلاء؟ فلا بد من الحشر والحساب والجزاء، إما بالعدل وإما بالفضل\" (٤)\n* * *\n_________\n(١) المرجع السابق: (٣/ ٣١٣).\n(٢) وسيأتي بيان موقفه من الحكمة وأن غالب آرائه فيه تدل على تأرجحه بين النفى والإثبات مع ميل ملحوظ إلى إثباتها: ٥٧٨.\n(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ٦١).\n(٤) المرجع السابق: (٢/ ١٣).","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>تعليق:</span>\nإن ما انتهجه الأشاعرة في الاستدلال للمعاد؛ ليعد من المناهج غير البرهانية، وبالتالى فكل ما يتوصل إليه من نتائج، فإنه لا يحمل طابع الحجية المقنعة.\nوذلك لأن الاستدلال بالإمكان الذهنى، حقيقته أن الذهن لا يمنع حصول ما يراه ممكنًا؛ فتصبح الحقيقة المبنية عليه مجرد توقعات ذاتية لا مستند لها من أرض الواقع، وهذا ما نقضه عليهم شيخ الإسلام - ﵀ -، يقول: إن \"الإمكان الذهنى حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجى، بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع، ولا معلوم الإمكان الخارجى\" (١)\nوحاصل ما ذكر أن الأمر يصبح مجرد دعوى، تفتقر إلى دليل يعضد ما يقوم بالذهن من احتمالات، لا يجد ما يدفع إمكان وجودها، ومن هذه الحيثية فإن هذا المسلك يفقد طابع البرهانية؛ ويبقى في جملة الدعاوى التقريرية، التي يضعف الاستدلال بها، ولو توقفوا عن القول به وتابعوا الصاوي في حصر حجيته بطريق النقل والإجماع لكان أفضل.\nومع ذلك فإن في غياب هذا الأصل - وهو إثبات حجية البعث بالمسلك العقلى - مخالفة لصريح ما أنزل الله تعالى في كتابه، فقد أتى به التصريح في كثير من الآيات الكريمة على إمكان الاستدلال للمعاد استدلالًا ذهنيًا برهانيًا؛ يستند في حجيته إلى القياس، بحيث يخرج الاستدلال له عن دائرة الإمكان الذهنى إلى دائرة الإمكان الخارجى، والذي يجعل من الوقائع المشاهدة على أرض الواقع مسلكًا يصل منها إلى إمكان حصوله مرة أخرى.\nوكل ما ذكره الصاوي من طرق في الاستنباط العقلى؛ لا تخرج في حقيقتها عن مسلك القياس المذكور أعلاه، وعند تحقيق الأمر في هذه المهمة نجد أن طرق القياس\n_________\n(١) الفتاوى: (٣/ ٢٩٨).","vol":"1","page":478},{"text":"التي دار حولها حديث القرآن الكريم لإثبات قضية المعاد، لا تخرج عن أحد مسلكين اثنين: هما قياس الشاهد على الغائب، وقياس الأولى.\n- أما قياس الأولى؛ فقد ورد الاستدلال به كثيرًا في كتاب الله تعالى، وهو كما قال الصاوي: خطاب للفطرة بما استقر فيها أن من قدر على إيجاد الشيء ابتداءً؛ قدر على إعادته من باب أولى، فحقيقة المعاد إعادة للخلق الأول الذي كانت نسبة إيجاده للبارى تعالى من الحقائق الفطرية التي يعدم الشك إليها سبيلًا، مع سلامة الفطرة وبعدها عن شبهات الهوى، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ. . .﴾.\nيقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في الاستدلال بهذه الآية على ما سبق بيانه: \"فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت والبعث، الذي وعدتم به نظير النشأة الأولى، فهما نظيران في الإمكان والوقوع؛ فإعادتكم بعد الموت خلقًا جديدًا، كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها، فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها\" (١).\nوكذلك قوله تعالى ردًا على منكرى البعث: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥١].\nوكان استفسارهم عن موعد البعث بعد إقامة الحجة عليهم في إمكان وجوده؛ دليلًا على إقرارهم بإمكانه، وإن لم يصرحوا بذلك؛ نتيجة لما أعمل في قلوبهم من أدواء الكبر والبغى بغير الحق، وإنما أعرضوا عن الإذعان لهذه الحقيقة، كما أعرضوا عن الإيمان بصدق المصطفى - ﵊ - مع كونهم قد أطبقوا على أحقية ذلك في قرارة أنفسهم.\n_________\n(١) إعلام الموقعين، لابن القيم، (١/ ١٤٠).","vol":"1","page":479},{"text":"ومن هنا تتجلى واحدة من أهم أسباب الجمع بين ذكر الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر في كثير من آيات الكتاب العزيز؛ فإن حقيقة التكذيب باليوم الآخر تكذيب بربوبية الله تعالى، وقدح في كمال قدرته، وتمام عدله في تصرفه، وقد جاء هذا المعنى في الحديث القدسى: (كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياى فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته. وأما شتمه إياى فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد). (١)\nوكانت هذه الحقيقة وهى فطرية الإيمان بربوبية الله تعالى، وتسليمهم لها في قرارة أنفسهم؛ مستند الاحتجاج عليهم في إنكارهم مبدأ البعث، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧].\nيقول الإمام ابن القيم - ﵀ - موضحًا المراد من هذا التحدى وانهزامهم السافر في المقابل، كل ذلك من أجل إقامة الحجة عليهم بوجود البعث والجزاء: \"أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مدبورين ولا مقهورين ولا مجزيين، وهذه الآية تحتاج إلى تفسير؛ فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب، ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء؛ فقد كفروا بربهم وأنكروا قدرته وربوبيته وحكمته، فإما أن يقروا بأن لهم ربًا قاهرًا متصرفًا فيهم، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم، ويعاقب مسيئهم، وإما ألَّا يقروا برب هذا شأنه، فإن أقروا آمنوا بالبعث والنشور، والدين الأمرى والجزائى، وإن أنكروه وكفروا فقد زعموا أنهم غير مربوبين، ولا محكوم عليه، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد، . . . . .، وهذه غاية التعجيز لهم؛ إذا تبين عجزهم عن رد نفس واحدة إلى مكانها ولو اجتمع على ذلك الثقلان، فيالها من آية دالة على وحدانيته وربوبيته سبحانه، وتصرفه في عباده، ونفوذ أحكامه\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، رقم الحديث: ٤٩٧٤.","vol":"1","page":480},{"text":"فيهم، وجريانها عليهم، والدين دينان؛ دين شرعى أمرى، ودين حسابى جزائى، وكلاهما لله وحده\" (١)\nوكان من جملة مسالك قياس الأولى: الاستدلال بخلق السموات والأرض على إمكان البعث، ومستند هذه الدلالة كما تقدم هو الاستدلال على العظيم الممكن بوجود ما هو أعظم منه؛ مع تحقق وجوده على أرض الواقع، وهذا الاستدلال كما ذكر الصاوي استدلال بعين قدرة الباري تعالى، والتى ينسب إليها الإبداع؛ فإذا دخل ما هو أعظم مما يجحده الكافرون في إمكانها مع إقرارهم بذلك؛ فمن باب أولى أن تدخل إعادتهم يوم البعث في مقدورها، مع وجود المقتضى لذلك من إحقاق الجزاء العادل الذي توجبه حكمة المولى تعالى، وانتفاء الموانع لتمام قدرة الرب ﵎ كما تقدم.\nومما ورد في ذلك، قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩].\nوكذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\nيقول شيخ الإسلام مبينًا أهمية هذا المسلك لتحقق البعث: \"فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بنى آدم والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك\" (٢).\n- أما قياس الغائب على الشاهد في الاستدلال على البعث فهو على ضربين:\n_________\n(١) الجواب الكافى، لابن القيم: (١/ ١٤٦).\n(٢) مجموع الفتاوى: (٣/ ٢٩٩).","vol":"1","page":481},{"text":"إما بقياس ما غاب عنا من البعث العام على المشاهد من البعث الخاص، فهو استدلال بحصول المثيل المشاهد على حصول مثيله الغائب.\nوإما استدلال بما غاب عنا من البعث على المشاهد في حصول نظيره.\nوكلا هذين الضربين ورد الاستدلال بهما في كتاب الله العزيز في عدد من المواضع.\nوترجح حجية هذا الضرب من القياس في الاستدلال للبعث؛ لوجود القاسم المشترك، وهو ما يسمى بجامع الحقيقة عند المتكلمين (١) والذي أرشد إليه ابن رشد وأوقف عليه حجية الاستدلال بهذا الضرب من القياس: \"التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب\" (٢)\nفإن حقيقة ما غاب عنا من بعث الأجساد يتفق في طبيعته مع ما يشاهد من بدء الخلق، أو ما يماثله مما وقع للأمم قبلنا، أو نظيره من إحياء موات الأرض بعد فنائها.\nوترجع أهمية قياس ما غاب عنا من البعث بالمشاهد منه؛ إلى كونه مما يحيل العقل امتناعه بعد وجوده على أرض الواقع؛ إذ يصبح لمن شاهده أمرًا محسوسًا، القدح فيه قدح بالمسلمات الضرورية التي لا يمكن بحال الشك فيها أو ردها.\nأما من غابت هذه الوقائع عنه، فيكون مستند هذه الدلالة حينئذ هو الوحى الصادق؛ حيث أخبر عنه بعثة جميع الأموات: آحاد ومتفرقين، كما يرجع إلى الخبر المقطوع به من جهة تواتر مقتضاه، فقد كانت هذه القصص مما تواتر سماعها في جهات الأرض، وكان لأهل الكتاب في هذا المضمار حكايات معروفة، يقصونها على العرب قبل البعثة؛ حتى حمل بعضهم التعنت وطلب التعجيز على سؤال النبي - ﵊ - عن قصة أصحاب الكهف، كما هو معلوم في كتب التفسير المشهورة. (٣)\n_________\n(١) انظر: الإرشاد للجوينى: ١٥٤.\n(٢) الكشف عن مناهج الأدلة: ١٠٩.\n(٣) انظر: تفسير البغوي: (٥/ ١٤٦ - ١٤٧).","vol":"1","page":482},{"text":"ومن ذلك قصة الرجل الذي مر على قرية وهى خاوية على عروشها: أي خربة قد تهدمت، فلم يبق من معالمها سوى أسقف منازلها، التي عبر عنها بالعروش؛ فاستبعد حين رأى ذلك المنظر الموحى بالفناء والزوال أن تعود الحياة لها مرة أخرى، فأتته الإجابة على استبعاده بما لا يملك له ردًا، حيث توفاه الله مائة عام ثم بعثه، قال تعالى في حكاية ذلك: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩].\nوكان أيضًا مما ورد في الاستدلال على البعث بوقوعه في هذه الدنيا ما ورد في حكاية خبر إبراهيم - ﵇ - عند سؤاله المولى ﷿ مشاهدة بعث الأموات؛ فأراه الله ذلك بأن أمره أن يقطع أربعة من الطير قطعًا متفرقة، ثم يضع كل مجموعة منها على رأس جبل، ثم يعلن نداءه لهن فيجبن لذلك النداء بأمر الباري تعالى، وكان هذا المشهد الحسى لإبراهيم - ﵇ - نقلة ابتغاها من علم اليقين الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه، إلى عين اليقين بحيث يصبح مستند الدلالة إيمانًا بالشهادة مع الإيمان بالغيب.\n- أما الاستدلال على البعث بوجود نظيره فتتجلى صورته في إحياء موات الأرض بإنزال الغيث من السماء بإذن الله، فإن مقتضى إعادة الحياة إلى ما اندثرت فيه معالمها كما هو الحال في إحياء الأرض بعد موتها أن ينسحب حكم الإمكان على كل ما يماثلها من هذه الحيثية، وهذا ما دل عليه قول المولى تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].\nوالحديث في استقصاء ما ورد في ذلك من القرآن والسنة يطول، ومستند هذه","vol":"1","page":483},{"text":"الدلالة كما تقدم الإشارة إليه أن \"حكم الشيء حكم نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادرًا على شيء؛ فكيف تعجز قدرته عن نظيره ومثله\".\nوورود هذا المسلك كثيرًا في الآيات الكريمة، مما يدل على \"إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد\" (١)\nوالصاوى في هذا المبحث يظهر اعترافه جليًا بحكمة الباري تعالى وإرادته العدل بين العباد، كما هو واضح من خلال كلامه المنصوص عليه سابقًا وكان هذا منه بمثابة الاعتراف بصحة مذهب السلف - رضوان الله تعالى عليهم - في إثباتهم الحكمة، وأن نفيها عنه يقضى بنسبة الظلم له تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nولعل هذا من جملة ما وقع فيه من تناقض؛ نتيجة لموقفه المتميز في تحرير المذهب الأشعري بالجملة.\nوعلى كل فإن الارتباط بين واضح بين إرادة البعث؛ وبين إثبات حكمة المولى تعالى، التي تتجلى في إلحاق الجزاء العادل بكل المكلفين، فقد أشرت سابقًا إلى أن إرادة المولى تعالى للبعث إنما تأكدت لأن به يكون إحقاق الحق، الذي قامت به السموات والأرض، وهذا مقتضى اتصاف الباري تعالى بالكمال المطلق، ثم إن دلالة الكتاب والسنة في إثبات ذلك ظاهرة صرحت بها الآيات في عدد من المواضع، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن في تكذيب الكافرين لحقيقة البعث دلالة أخرى على هذا الارتباط؛ ذلك أن الكافرين ما أنكروا البعث حقيقة لشكهم في قدرة الباري تعالى على ذلك مع إقرارهم بأنه خالق السموات والأرض وخالق أنفسهم، وإنما كان منهم ذلك لعلمهم بالتلازم الذي بين البعث، وبين الجزاء\n_________\n(١) مدارج السالكين، لابن القيم: (٣/ ٦٨١) بتصرف بسيط. ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى رسالة المعرفة في الإسلام لشيخنا الفاضل الدكتور: عبد الله القرنى، مبحث: دلالة العقل على البعث والجزاء.","vol":"1","page":484},{"text":"العادل، الذي تقتضيه حكمة الباري تعالى، أو بعبارة أخرى لعلمهم بأن ذلك البعث لم يكن إلا لمجازاتهم على ما قدموه في الحياة الدنيا، وإلى هذا المعنى دل قوله تعالى آمرًا نبيه - ﵊ - أن يتحدى اليهود على محبتهم الآخرة بتمنى الموت؛ فإنهم لما أيقنوا بالبعث ضرورة يعلمها أهل الكتب السماوية؛ علموا أنهم مجازون على أعمالهم الشريرة، والتى من أعظمها جرمًا عداء المصطفى - ﵊ -، وتكذيبهم إياه، بل ومحاولة قتله - صلوات ربي وسلامه عليه -، فكرهوا من أجل ذلك الموت، وكانوا أحرص الناس على حياة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦].\nبل وأظهر من هذا دلالة ما ذكرته سابقًا، من إبطال الباري تعالى لزعم الذين كفروا، بقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].\nوكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n* * *","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>(المبحث الثاني): الإيمان بأشراط الساعة</span>\nلقد كانت حكمة المولى تعالى في إخفاء وقت الساعة جلية واضحة؛ إذ الجهل بذلك مدعاة للعمل والأخذ بأسباب السلامة قبل أن يحل موعدها، وكان السؤال عن وقتها مما استكثر به الكافرون على رسول الله - ﷺ -، ودومًا كان يأتى الرد من المولى تعالى بأنه ليس في مقدور أحد الإحاطة بعلمها، وأن ذلك مما يختص بعلمه سبحانه، ولكن مع ذلك فقد دلت الأحاديث والآيات الكريمة على أن لها وقتًا محددًا، ويمكن معرفة اقترابه بتحقق بعض الدلائل، والتى تسمى بالأشراط (١)، فبها يعرف أن زمن قيام الساعة قد اقترب.\nوهذه الأشراط تتفاوت فيما بينها؛ من حيث دلالتها على قرب قيام الساعة، فمنها ما يدل على دنو الموعد دون الوقوع، ويكون ذلك قبل مدة زمنية، وهى التي تسمى بأشراط الساعة الصغرى.\nومنها ما يدل على أنه قد حان وقت قيامها، حتى لا يكون هناك فاصل زمنى يذكر، وهذه التي تسمى بأشراط الساعة الكبرى، ولما كانت هذه المسائل من عظيم مسائل الإيمان؛ اعتنى السلف بذكرها، وجمعوا لذلك الأدلة من الكتاب والسنة، كما قاموا بتمييز الصحيح الذي ورد فيها من الضعيف، ولا يخفى مدى النفع الذي تحقق بمعرفتها، لذا تم إخبار المولى تعالى بها نبيه - ﵊ -، بل وأمر جبريل - ﵇ - أن يسأل عنها حتى يعم العلم بها كل من سمع ذلك الحديث المشهور.\nوحتى يتم النفع؛ سأتناول كل واحدة من هذه الأشراط بالتفصيل والتبيان بإذن المولى تعالى، وذلك من خلال عرض آراء الصاوي في هذا المبحث:\n_________\n(١) الأشراط هي العلامات، والواحدة تدعى: شرط، والمراد بها العلامات التي يعقبها قيام الساعة، انظر: لسان العرب لابن منظور: مادة: شرط: (٧/ ٣٢٩) وانظر: كلام ابن رجب في جامع العلوم والحكم، حيث قال: \"علاماتها - أي -. التي تدل على اقترابها\": ١٣٦.","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيقول الصاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]: \"ورد عن حذيفة والبراء بن عازب (كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله - ﷺ -، فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة. قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات الدخان، ودابة الأرض، وخسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن) (١).\nوإن من علاماتها الصغرى بعثة النبي - ﷺ -\" (٢).\nوعن ترتيب هذه الآيات من حيث الظهور، يقول: \"وروى أن أول الآيات ظهورًا الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، وهو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوى، وذلك أن الكفار يسلمون في زمن عيسى، فإذا قبض ومن معه من المسلمين رجع أكثرهم إلى الكفر فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها\" (٣).\n* * *\n\nوفى تفسير آيات سورة الكهف يصف يأجوج ومأجوج، فيقول: \"روى أن كلِّ من الجيلين اشتمل على أربعة آلاف، لا يموت الواحد منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح، وهم أصناف منهم طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، والجميع كفار دعاهم النبي - ﷺ - ليلة الإسراء فلم يجيبوا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة: (١٨/ ٢٧).\n(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ٨٥).\n(٣) المرجع السابق: (٢/ ٥٥).\n(٤) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٥).","vol":"1","page":487},{"text":"أما عن نزول المسيح - ﵇ -، فإنه يرى إمكان تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] بنزول عيسى وإيمان الناس به أو بفتنة آحاد أهل الكتاب به عند الموت، يقول: \"روى أن اليهودى إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالوا له: يا عدو الله أتاك عيسى نبيًا فكذبت به، فيقول: آمنت بأنه عبد الله ورسوله، ويقال للنصرانى: أتاك عيسى نبيًا فزعمت أنه الله وابن الله، فيقول: آمنت بأنه عبد الله، فأهل الكتاب يؤمنون به ولكن لا ينفعهم إيمانهم؛ لحصوله وقت معاينة العذاب.\nأما التفسير الثاني؛ فيقول وهناك \"تفسير آخر وهو صحيح المعنى أن عيسى حين ينزل إلى الأرض ما من أحد يكون من اليهود أو النصارى أو ممن يعبد غير الله إلا آمن بعيسى حتى تصير الملة كلها إسلامية\" (١)\nوكان تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] بأن المراد بها طلوع الشمس من مغربها هو الصحيح الذي عليه غالب أهل العلم.\nيقول: \"ورد أن رسول الله قال يومًا: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس إذا غربت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعى فارجعى من حيث شئت، فتصبح طالعة من مطلعها، وهكذا كل يوم، فإذا أراد الله أن يطلعها من مغربها حبسها، فتقول: يا رب إن مسيرى بعيد، فيقول لها: اطلعى من حيث غربت، فقال الناس: هل لذلك من آية، فقال: آية تلك الليلة أن تطول قدر ثلاث ليالٍ، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقص، ثم يأتون مضاجعهم حتى إذا استيقظوا والليل مكانه؛ خافوا أن يكون ذلك بين يدى أمر عظيم، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب\" (٢).\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ٢٤٢).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ٥٤).","vol":"1","page":488},{"text":"وفي حديثه عن وصف الدابة الوارد ذكرها في سورة النمل نجده يروى الكثير من الأخبار في بيان صفتها، يقول: هي الجساسة، ورد في الحديث: \"أن طولها ستون ذراعًا بذراع آدم - ﵇ - لا يدركها طالب لا يفوتها هارب، وروى: أن لها أربع قوائم ولها زغب وريش وجناحان.\nوأن لها: \"رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إبل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرة، وذنب كبش، وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعًا بذراع آدم - ﵇ -.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: فيها كل لون ما بين قرنيها فرسخ للراكب.\nوفى تحدد مكان خروجها وكيفيته يذكر عددًا من الروايات، يقول: \"وعن على - ﵁ -: أنها تخرج بعد ثلاثة أيام، ينظرون فلا يخرج كل يوم إلا ثلثها، وعن النبي - ﷺ - أنه سئل من أين تخرج الدابة؟ فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى.\nوروى: أنها تخرج ثلاث خرجات: تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن، ثم تخرج بالبادية ثم تكمن دهرًا طويلًا، فبينما الناس في أعظم المساجد حرمة على الله تعالى وأكرمها فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن، حذاء دار بنى مخزوم عن يمين الخارج من المسجد\".\nوقيل: تخرج من الصفا لما روى: بينما عيسى - ﵇ - يطوف بالبيت ومعه المسلمون؛ إذ تضطرب الأرض تحتهم حتى تتحرك تحرك القنديل، وتنشق الصفا مما يلى المسعى؛ فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان - عليهما الصلاة والسلام -، فتضرب المؤمن في مسجده بالعصا فتنكت نكتة بيضاء فتفشو حتى يضئ بها وجهه، وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسود بها وجهه، وتكتب بين عينيه كافر، ثم تقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة، وأنت يا فلان من أهل النار\".","vol":"1","page":489},{"text":"ويزيد في تحديد هويتها، حيث يقول: \"واختلف في تعيين هذه الدابة، فقيل: هي فصيل ناقة صالح وهو أصح الأقوال، فإنه لما عقرت أمه هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه ثم انطبق محليه الحجر فهو فيه حتى يخرج بإذن الله ﷿\" (١).\nوكان اجتماع الناس على الكفر كأحد علامات الساعة الكبرى مما تطرق له الصاوي بالبيان، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]: \"لا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة الأبنية، وتذهيب السقوف وغيرها من مبادئ الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة؛ حتى لا تقوم الساعة على من يقول الله، أو في زمن الدجال لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث أنه لا عداد له في جانب الكفرة\" (٢)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>تعليق:</span>\nمن الملاحظ أن الصاوي لم يقف من هذا المبحث موقف المستقصى والمفصل؛ بل يعد كلامه في هذه الجزئية من مسائل اليوم الآخر مما يظهر فيه الاختصار الشديد، ولى أن أفصل القول فيما أجمل؛ حتى لا تبقى هناك ثغرة في هذا الفصل بحول الله تعالى، وذلك كما قدمت الحديث عن علامات الساعة أن منها الصغرى ومنها الكبرى، فالصغرى هي التي أشار إليها النبي - ﵊ - في حديث جبريل - ﵇ - المشهور، حيث قال: (أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان) (٣)\nيقول الإمام ابن رجب في الحقيقة التي أخبر عنها الحديث من أشراط الساعة: \"ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد\n_________\n(١) المرجع السابق: (٣/ ١٩٢).\n(٢) المرجع السابق: (٤/ ٤٩).\n(٣) تقدم تخريجه فيما سبق: ٤٧٠.","vol":"1","page":490},{"text":"إلى غير أهلها، كما قال النبي - ﷺ - لمن سأله عن الساعة: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (١)\nوالأحاديث في بيانها كثيرة، منها: حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به. وحتى يتطاول الناس في البنيان. وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتنى مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس - يعني - آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] \" (٢)\nفكل ما ورد في الحديث يعد من أشراط الساعة الصغرى، إلا طلوع الشمس من مغربها، فقد عدها العلماء من الأشراط الكبرى التي تؤذن بقيام الساعة، وكان ما ذكره الصاوي من بعثة النبي - ﷺ - صحيحًا؛ إذ يستند إلى إخبار الرسول - ﷺ - بذلك، فقد ورد في الحديث الصحيح عن سهل - ﵁ - قال: قال رسول - ﷺ -: (بعثت أنا والساعة كهاتين). ويشير بإصبعيه فيمدهما\" (٣)\nوكانت حادثة انشقاق القمر في عهده - ﷺ - من العلامات على اقتراب الساعة منذ بعثته - ﵊ - فقد قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب العلم - باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه، رقم الحديث: ٥٩.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - باب خروج النار، رقم الحديث: ٧١٢١.\n(٣) أخرجه البخاري في: كتاب الرقاق - باب قول النبي - ﷺ - (بعثت أنا والساعة كهاتين)، رقم الحديث: ٦٥٠٣.","vol":"1","page":491},{"text":"أما أشراط الساعة الكبرى فهي كالتالي:\n١ - المهدي: مما ثبت في الصحاح أن خليفة من آل بيت رسول الله - ﷺ - يلى أمر هذه الأمة، فيملأ الأرض عدلًا، كما ملئت جورًا، قال - ﷺ -: (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلمًا وجورًا وعدوانًا، ثم يخرج من أهل بيتى من يملأها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا) (١)\nوالأحاديث في بيان صفته كثيرة منها الصحيح ومنها الضعيف، وفى الصحيح منها ما يكفى ثبوت هذا الأمر العظيم.\n٢ - المسيح الدجال: وقد ورد ذكره في حديث حذيفة الذي استدل به الصاوي آنفًا، هذا والكلام في استقصاء ما ورد حوله مما يصعب لضيق المقام، فقد ثبت في الصحاح عنه - ﷺ - أنه كان كثيرًا ما يحذر أصحابه منه، فعن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: قولوا: (اللهم! إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) (٢).\nوقد يحمله نصحه لأمته وشفقته العظيمة عليهم أن يصفه لهم خشية أن يفتنوا به، قال - ﵊ -: (إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكنى سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبى لقومه، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور) (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المهدى - رقمه: ٤٢٨١: (٥/ ٣٠)، وأخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة، برقم: ٧٧٣: (١/ ٥٠٠) وأخرج بنحوه الترمذي في سننه: كتاب الفتن عن رسول الله - باب ما جاء في المهدى - رقم الحديث: ٢٢٣٠، وقال: حديث حسن صحيح: (٤/ ٤٣٨) .. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (١/ ٣٩ - ٤٠).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب التعوذ من عذاب القبر: (٥/ ٨٧).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - باب ذكر الدجال، رقم الحديث: ٧١٢٧.","vol":"1","page":492},{"text":"وقد وردت الأحاديث الصحاح بقيام خوارق العادات على يديه مما يلبس به كثيرًا على أصحاب القلوب الضعيفة، ومن أعظم ذلك أنه يأتى ومعه جنة ونار، فعن حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في الدجال: (إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار) (١)\n٣ - نزول عيسى - ﵇ -: إن من أعظم أمارات الساعة نزول عيسى - ﵇ -، حيث يقوم بنصرة الحق؛ فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم في الأرض بالعدل، ويؤمن أهل الكتاب؛ فيدخلون في دين الله أفواجًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩].\nوقد ورد في ذلك الكثير من الأحاديث، منها قول النبي - ﷺ -: (والذي نفسى بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (٢).\n٤ - خروج يأجوج ومأجوج: وكذلك من علامات الساعة الكبرى خروج يأجوج ومأجوج، وقد ورد خبرهم في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧].\nوفي قصة إهلاكهم وهلاكهم يروى أبو عمرو الدانى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (يخرج يأجوج ومأجوج يمرحون في الأرض فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، ثم يبعث الله ﷿ عليهم دابة مثل النغف، فتلج أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها، قال: فتنتن الأرض منهم؛ فتجأر إلى الله تعالى، فيرسل الله ﷿ ماء، فيطهر الأرض منهم) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - باب ذكر الدجال، رقم الحديث: ٧١٣٠.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع - باب قتل الخنزير، رقم الحديث: ٢٢٢٢.\n(٣) السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، أبو عمرو عثمان بن سعيد الدانى: (٦/ ١٢٠٧ - ١٢) تحقيق: المباركفورى.","vol":"1","page":493},{"text":"أما عن الرواية التي أوردها الصاوي في بيان صفاتهم، فلم يصح منها شيء، فقد أخرجها ابن الجوزى في الموضوعات بسنده عن محمد بن إسحاق عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة، . . . .، ثم قال: \"هذا حديث موضوع، كما قال ابن عدى، ومحمد بن إسحاق العكاشى (١)، قال عنه يحيى بن معين: كذاب، وقال الدارقطني: يضع الحديث\" (٢).\nوالصحيح في هذا الباب: \"أنه قد اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصح في ذلك شيء\" (٣)\nوكان ما حكاه الصاوي من دعوته - ﵊ - لهم في ليلة الإسراء والمعراج وردهم ذلك بالكفر مما يرد سنده، فقد ضعفه السيوطي في الدر المنثور، حيث قال عن سند روايته: \"واه\" (٤).\n٤ - الخسوفات الثلاث: اختلف العلماء في أمر هذه الخسوفات، التي أخبر عنها حديث المصطفى - ﷺ -؛ فقال البعض إنها وقعت، وقال البعض إنها لم تقع بعد، وأن أمرها من العظم بمكان؛ حتى يكون وقوعها دلالة على قرب قيام الساعة، يقول الإمام ابن الحجر: \"وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا\" (٥).\n٥ - طلوع الشمس من مغربها: أحد العلامات العظام الدالة على اقتراب قيام الساعة، وقد ورد ذكرها في عدد من الأحاديث الصحيحة.\nوهذه هي الساعة التي يقفل فيها باب التوبة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].\n_________\n(١) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدى: (٦/ ١٦٧ - ١٦٩). ترجمة محمد بن إسحاق العكاشى.\n(٢) الموضوعات، لابن الجوزى: (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(٣) روح المعانى للألوسى: (١٦/ ٤٤).\n(٤) الدر المنثور للسيوطي: (٤/ ٢٧٥).\n(٥) فتح الباري: (١٣/ ٨٤).","vol":"1","page":494},{"text":"ويستند تفسير بعض الآيات الواردة في الآية بطلوع الشمس من مغربها إلى ما أخبر به المصطفى ﷺ، حيث قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها﴾ (١)\n: يقول الإمام البغوي - ﵀ - عند تفسيره لهذه الآية: \" أو يأتي بعض آيات ربك \": يعني طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا (٢) (٣)\n\n٦ - خروج الدابة: ومما يدل على قرب قيام الساعة؛ خروج الدابة في آخر الزمان تثبيتا للمؤمن وتبكيتا للكافر، حيث تكثر الشرور والآثام، وقد ثبت هذا الخبر بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]\nومما ورد في صفتها حديث أبي هريرة ﵁ الذي أورده الصاوي حيث قال: أن رسول الله ﷺ قال: (تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن، وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول: هاها يا مؤمن، ويقال هاها يا كافر، ويقول: هذا يا كافر وهذا يا مؤمن) (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب التفسير - باب: لا ينفع نفسا إيمانها، رقم الحديث: (٤٦٣٦)\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (أو يأتي بعض آيات ربك قال: (طلوع الشمس من مغربها): كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - باب ومن سورة الأنعام، رقم الحديث: ٣٠٧١، وقال الترمذي: حسن غريب: (٥/ ٢٤٧)\n(٣) معالم التنزيل، للبغوي: (٣/ ٢٠٧)\n(٤) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير في سورة النمل رقمه: ٣١٨٧، وقال حديث حسن غريب: (٥/ ٣١٧)","vol":"1","page":495},{"text":"أما قوله في تحديد ماهيتها بأنها الجساسة أولًا، وفصيل ناقة صالح ثانيًا، ثم اعتماده القول الثاني، فمحل نظر.\nحيث أوقف الإمام النووي خبر تفسير الدابة بالجساسة على عبد الرحمن بن عمرو بن العاص (١)، وهذا الصحابي الجليل كان يحدث عن أهل الكتاب وذلك بعد أن أصاب زاملتين يوم اليرموك، فلا يبعد أن تكونا مصدر ذلك القول، فلا يعول عليه عندئذ، أو يكون مما اجتهد فيه برأيه استنباطا من حديث الجساسة المعروف في صحيح مسلم وما كان كذلك مع عدم الموافق له من الصحابة الكرام وعدم ما يسنده من صحيح المنقول، فلا يعطى له حكم المرفوع؛ لأن ما قاله فيه مدخل للرأي.\nأما القول الذي اعتمده الصاوي من أن الدابة هي فصيل الناقة، فليس له مستند من الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فقد ذكره القرطبي (٢) معتمدًا إياه من رواية لا يصح الاستدلال بها سندًا ولا متنًا، أما من جهة المتن فحاصلها أنه قد ذكر فيها وصف الدابة بالرغاء الذي هو صوت الإبل (٣)، واعتقد القرطبي أن هذا فيه دلالة على كونها فصيل الناقة، مع أن حقيقة النص ليس فيها ما يدعم هذا الفهم للمتأمل.\nأما من جهة السند؛ فقد ذكر هذه الرواية الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: \"هذا الحديث رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو: متروك\" (٤)\nورواها الحاكم في مستدركه، وقال: \"صحيح الإسناد، وهو أبين حديث في ذكر الدابة ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي، فقال: طلحة يعني: ابن عمرو الحضرمي ضعفوه وتركه أحمد\" (٥)\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي: (١٨/ ٧٨).\n(٢) انظر تفسير القرطبي: (١٣/ ٢٣٥).\n(٣) الرواية رواها أبو داود الطيالسي في مسنده، عن طلحة بن عمرو قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة، فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر فتخرج في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية، يعني: مكة، ثم تكمن زمنا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيطو نكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية، يعني: مكة قال رسول الله ﷺ ثم بينما الناس في أعظم المساجد حرمة، خيرها وأكرمها\nالمسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تتفض عن رأسها التراب ... إلى آخر الرواية: باب خروج الدابة والخسف الذي يكون في آخر الزمان، برقم: ٢٧٨٩: (٢/ ٢٢٠).\n(٤) كتاب الفتن - باب خروج الدابة: (٨/ ٧)\n(٥) انظر: تهذيب التهذيب: (٥/ ٢٣) ترجمة: ٣٨. وقد استفدت مطالعة هذه الأقوال من عدد من الدراسات المتعلقة بأشراط الساعة، منها: اتحاف الجماعة بما جاء في الفتن وأشراط الساعة، للشيخ: حمود التويجري","vol":"1","page":496},{"text":"أما ما حكاه بشأن بيان صفتها، فمما لم يرد فيه حديث عن المعصوم ﷺ  (١)، لذا كان الحق في هذه القضية ما ذكره الشيخ السعدي ﵀ في أمر هذه الدابة العجيبة، يقول: \"وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة، كما تكاثرت بتلك الأحاديث، لم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة، وإنما أثرها والمقصود منها وأنها من آيات الله، تكلم الناس كلاما خارقا للعادة، حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله، فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين، وحجة على المعاندين\"  (٢)\n\n٧ - اندراس الإسلام، واجتماع الناس على الكفر: فقد دلت الأحاديث الثابتة أن الإسلام في آخر الزمان يدرس، فعن حذيفة ﵁ قال: \" قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام، ولاصلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليُسري على كتاب الله ﷿ في ليلة لا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آبانا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها)، فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؛ وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تتجيهم من النار ثلاثًا\".  (٣)\nوقد دلت بعض الأحاديث على أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وذلك بعد أن يرسل الله ريحا طيبة، تقبض أرواح المؤمنين، فعن أبي هريرة رضي اللهعنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله يبعث ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته)  (٤)\n_________\n(١)  انظر تفسير ابن كثير: (٣/ ٤٩٦).\n(٢)  تيسير الكريم الرحمن: ٦٦٢.\n(٣)  أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الفتن - باب ذهاب القرآن والعلم، رقم الحديث: ٤٠٤٩: (٢/ ١٣٤٤) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، برقم: ٣٢٧٣: (٢/ ٣٧٨).\n(٤)  أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب الريح التي تكون قرب القيامة: (٢/ ١٣٢).","vol":"1","page":497},{"text":"وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير، أو التمر، لا يباليهم الله بالة). قال عبد الله: يقال: حفالة وحثالة.  (١) .\nوعند ذلك يتحقق اجتماع الناس على الكفر؛ كما في الحديث الصحيح: (فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغي ليتا ورفع ليتا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس ...).  (٢)\n\n٨ - خروج نار تحشر الناس إلى محشرهم: آخر الآيات الكبرى الدالة على قيام الساعة؛ هي ما أخبر عنها المصطفى ﷺ في الحديث الذي ذكره الصاوي في حاشيته على التفسير، فقد بين الحديث بمجموع رواياته أن النار تخرج من اليمن، وتحديدًا من منطقة عدن، تحيط بالناس موجهة إياهم إلى أرض الشام، حيث المحشر.\nأما عن بيان كيفية الحشر؛ فيخبرنا به النبي ﷺ، حيث قال: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا: وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا)  (٣) .\nوفي تحديد أرض المحشر ببلاد الشام وردت الأحاديث الصحيحة، منها حديث\n_________\n(١)  أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب ذهاب الصالحين، رقم الحديث: ٦٤٣٤، قال الحافظ ابن حجر: \"والحفالة بالمهملة والفاء بمعنى الحثالة بالمثلثة، والفاء قد تقع موضع الثاء، والمراد بها الرديء من كل شيء، وقال الخطابي: أي لا يرفع لهم قدرا ولا يقيم لهم وزنا، يقال باليت بفلان وما بليت به مبالاة وبالية وبالة\". انظر؛ فتح الباري: (١١/ ٢٥٢).\n(٢)  أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب ذكر الدجال: وقال النووي في معنى الليت\"والليت بكسر اللام وأخره مشاة فوق، وهي صفحة العنق وهي جانبه\" (١٨/ ٧٦).\n(٣)  أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب كيف الحشر، رقم الحديث: ٦٥٢٢.","vol":"1","page":498},{"text":"عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام) (١).\nوروى الإمام أحمد أن رسول الله - ﷺ - قال: (ها هنا تحشرون ها هنا تحشرون - ثلاثًا - ركبانًا ومشاةً وعلى وجوهكم، توفون يوم القيامة سبعين أمة أنتم آخر الأمم وأكرمها على الله ﵎. . قال: ابن أبي بكير فأشار بيده إلى الشام، فقال: إلى ها هنا تحشرون) (٢).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الفتن عن رسول الله - ﷺ - باب ما جاء: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز، رقم الحديث: ٢٢١٧. وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح: (٤/ ٤٣١).\n(٢) رواه أحمد في مسنده من حديث حكيم بن معاوية البهزى، رقم الحديث: ١٩٨٩٦: (١٥/ ٩٩)، وقال الإمام ابن حجر عن هذه الرواية والتى قبلها: أخرجه الترمذي والنسائي وسنده قوى: فتح الباري: (١١/).","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>(المبحث الثالث): الموت، وحياة البرزخ</span>\nلقد تقدم الحديث عن أهمية الإيمان باليوم الآخر في حياة المسلم، وكيف أن التصديق به يقتضى الاستعداد له، فيتحقق بذلك الدافع الموجب لأداء ما افترض عليه، حيث الجزاء المعد لكل موفق ومقصر أو معرض بالكلية.\nهذا والحديث عن اليوم الآخر، وما يتحقق فيه من مقتضى قيومية الله تعالى على خلقه واتصافه بالحكمة التامة، حيث الحساب العادل، والجزاء المستحق لكل بحسب ما قدم من عمل، يبتدئ على التحقيق بأول منزل من منازله وهى القبر أو البرزخ، كما أتت تسميته بذلك في القرآن الكريم، وإلى هذه الحقيقة الإيمانية الجزائية دلت الآيات والأحاديث الصحيحة المتظاهرة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].\nوقال عز من قائل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] يقول الشيخ السعدى - عليه رحمة الله -: \"وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه؛ فإن هذا الخطاب والعذاب الموجه إليهم إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده\" (١)\nوقال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦] يقول الإمام الشوكاني: \"وذهب الجمهور أن هذا العرض هو في البرزخ، وقيل هو في الآخرة، ولا ملجئ إلى هذا التكلف فإن قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن: ٢٦٤.","vol":"1","page":500},{"text":"فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾؛ يدل دلالة واضحة على أن ذلك العرض هو في البرزخ\". (١)\nوأدلة السنة في هذا الباب كثيرة، منها حديث عائشة - ﵂ -: أن رسول الله قال: (أنكم تفتنون في قبوركم كفتنة المسيح الدجال) (٢)\nوحديث عائشة - ﵂ -: (أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رسول الله - ﷺ - عن عذاب القبر فقال: (نعم، عذاب القبر حق)، قالت عائشة - ﵂ -: فما رأيت رسول الله - ﷺ - بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الروح والموت</span>\nأولًا: الروح:\nيعرف الصاوي الأرواح بأنها: \"أجسام لطيفة، تبقى بعد فناء جسدها، وتذهب وتجئ، فإما في عليين، وإما في سجين\". (٤)\nما ذكره هو \"قول جمهور المتكلمين\" ويرى أنه \"هو الأصح\" فيما قيل في تعريفها، ولا يكتفى بهذا بل يعرض الآراء المتعددة فيها، فيقول: \"وقيل: إن الروح عرض وهى الحياة التي صار الجسم بها حيًا، وقيل: إنها ليست بجسم ولا عرض، بل هي جوهر مجرد قائم بنفسه له تعلق بالبدن للتدبير والتحريك غير داخل فيه ولا خارج عنه، وهو قول الفلاسفة\" (٥)\n_________\n(١) فتح القدير للشوكاني: (٤/ ٦٩٤).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم - باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، رقم الحديث: ٨٦.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز - باب ما جاء في عذاب القبر، رقم الحديث: ١٣٧٢.\n(٤) حاشية الخريدة: ٣٥.\n(٥) حاشية الجلالين: (٣/ ٣٤٠).","vol":"1","page":501},{"text":"\"وقال السادة الشافعية: إنها جسم لطيف شفاف، حى لذاته، مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر على هيئة جسد صاحبها، واحتجوا لهذا بوصفها بالهبوط، والعروج، والتردد في البرزخ\" (١).\nوقال العز بن عبد السلام (٢): إن في كل جسد روحين:\nأحدهما: روح الحياة؛ التي أجرى الله العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان حيًا، فإذا فارقته مات، فإذا رجعت إليه حيى، ولا يعلم مقرها إلا من أطلعه الله على ذلك.\nوالأخرى روح اليقظة؛ التي أجرى الله العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان متيقظًا، فإذا خرجت منه نام الإنسان، ورأت الروح المنامات\" (٣).\n\"ويشهد له آية الزمر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، ويقرب هذا أحوال الأولياء لأن لهم حالة تسرح فيها أرواحهم وترى العجائب كالنائم\".\nوالمشهور أنها روح واحدة، ويكون معنى يتوفاكم؛ يذهب شعوركم، لأنهم عرفوا النوم؛ بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص قهرًا عليه، تمنع حواسه الحركة، وعقله الإدراك\" (٤).\nوهو بهذا يرجح عدم تقسيم الروح، فيقول في موضع آخر \"والروح شيء واحد\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ٣٣٨).\n(٢) هو عز الدين شيخ الإسلام وسلطان العلماء أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن الحسن الدمشقي المصري الشافعي، ولد سنة: ٥٧٨ هـ تفقه على ابن عساكر وقرأ الأصول على الآمدي وبرع في هذين العلمين كما جمع بين علم التفسير والحديث، حتى بلغ رتبة الاجتهاد وقصده طلاب العلم من أقطار البلاد، صنف كتبًا عديدة في مختلف الفنون، منها: الإلمام بأدلة الأحكام، وقواعد الشريعة، وبداية السول في تفضيل الرسول، توفى - ﵀ - سنة: ٦٦٠ هـ، انظر: شذرات الذهب: (٥/ ٣٠١)، وطبقات الشافعية لابن الصلاح: (١/ ٥٤٩). والأعلام: (٤/ ٢١).\n(٣) حاشية الجوهرة: ٥٨.\n(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ١٩).","vol":"1","page":502},{"text":"على التحقيق، وذلك القبض ظاهرًا بحيث ينعدم التمييز والإحساس، وباطنًا بحيث تنعدم الحياة والنفس والحركة\" (١).\nوفي بيان حقيقتها نراه يتوقف مستدلًا بما ورد في القرآن الكريم، يقول: \"اعلم أنه اختلف في الروح، فقال قوم: إنها سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليها أحدًا، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وهذا القول هو الحق، فيكره الخوض في الروح\" (٢)\nوعند تفسير هذه الآية الكريمة، يقول: \"أي مما استأثر الله بعلمه وهذا هو الصحيح، وقيل: الروح هي الدم، وقيل: النفس، ونقل عن بعض أصحاب مالك أنها صورة كجسد صاحبها، وفي الآية اقتصار على وصف الروح كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون: وما رب العالمين؟ على ذكر صفاته، فإن إدراكه بالكنه على ما هو عليه لا يعلمه إلا الله\" (٣)\nوإذا كان الراجح لديه كما هو واضح من أقواله رد علمها حقيقة إلى الله تعالى في الأصل، فإنه يرى أن ذلك مما يدخل أيضًا في علم رسوله - ﵊ -، يقول: \"واختلف فيها على ثلاثمائة قول، والحق لا يعلمها غير الله ورسوله\" (٤)\nأما عن مكانها في الجسم فقد يوافق ما قيل: في أن \"مقرها القلب، وشعاعها مقوم للجسد كالشمعة الكائنة وسط آنية من زجاج، فأصلها في وسطه، ونورها سار في جميع أجزائه\" (٥)\nوكان قبض الروح من المسائل التي اعتنى بها الصاوي، فيبين معنى القبض ومن المتكفل بهذا، فيقول: \"ويقبض الروح أي يخرجها عزرائيل - ﵇ -،\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٣٥١).\n(٢) المرجع السابق: (٣/ ٣٥١).\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٣٨).\n(٤) حاشية الصلوات: ٦٠.\n(٥) المرجع السابق: (٣/ ٣٥١).","vol":"1","page":503},{"text":"ومعناه: عبد الجبار (١)، ملك عظيم هائل المنظر، مفزع جدًا، رأسه في السماء العليا، ورجلاه في تخوم الأرض السفلى\". (٢)\nأما عن المقر الذي تستقر فيه الروح بعد مفارقتها الجسد فيذكر ما ورد في ذلك، يقول: \"وورد أن ملك الموت يقبض الروح من الجسد، ويسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنًا، أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرًا، ويقال: معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب، فإذا قبض نفسًا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة، فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء.\nوإذا قبض نفسًا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب، فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى عليين\" (٣).\nيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]: \"كما قال رسول الله - ﷺ - في قبض روح الكافر: (ويخرج معها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي يسمى بها في الدنيا إليه، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾) \". (٤)\n_________\n(١) هذه الأسماء التي ورد تسمية الملائكة بها أعجمية في الأصل، وقد فسرها بعض العلماء بأنها تعنى العبودية لله تعالى، ولكنهم اختلفوا في تعيين المعنى، وكان تفسير عزرائيل بعبد الجبار أحد الأقوال التي ذكرت في معنى أسمائهم، ذكر ذلك العينى في العمدة وعزاه لبعض الكتب ولم يسمها: (١/ ٧٢).\n(٢) حاشية الجوهرة: قد سبق التنبيه في مبحث الملائكة على عدم ورود ما يقطع بتسمية ملك الموت بعزرائيل ووصفه بهذه الأوصاف، بل الغالب فيها أنها من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، أما بالنسبة لوصف ملك الموت بهذه الصفة فهذا مما ورد بشأن إسرافيل وليس عزرائيل على فرض تسميته به، فقد ورد به الخبر عن ابن عباس - ﵄ -، فعن شهر عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - خرج على أصحابه فقال: ما جمعكم؟ فقالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته، فقال: ألا أخبركم ببعض عظمته؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إن ملكًا من حملة العرش يقال له إسرافيل راوية من روايا العرش على كاهله، قد مرقت قدماه في الأرض السفلى ومرق رأسه من السماء السابعة العليا: حلية الأولياء، أبو نعيم: (٦/ ٦٦). وانظر: كنز العمال: (٦/ ١٣٧).\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٠).\n(٤) المرجع السابق: (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":504},{"text":"ويقول في موضع آخر: \"أما بعد الموت فأرواح الأنبياء في الجنة، وأرواح الشهداء في حواصل طيور خضر في الجنة، وأرواح المطيعين غير الشهداء بأفنية القبور في البرزخ، وحده من أفنية القبور إلى باب الجنة، وأرواح الكفار ببئر برهوت بحضرموت\" (١)\nوفى بيان علاقة الروح في الجسد بعد مفارقتها إياه، يقول: \"وأما أجسادهم فمحلها القبور، غير أن الأرواح لها تعلق بها، فلذلك لا يحصل لأجسادهم بلاء، فأرواحهم لها جولان عظيم من البرزخ إلى أعلى السموات إلى داخل الجنان والطيور الخضر لها كالهوادج مع كونها متصلة بجسم صاحبها وما وصل للروح من النعيم يحصل للجسم أيضًا، وذلك نظير النائم، فإن النائم يرى أن روحه في المشرق أو في المغرب مع كونها متصلة بجسمه، وكالأولياء الذين أعطاهم الله التصريف، فإن الواحد منهم يكون جالسًا في مكان، وروحه تسرح في أمكنة متعددة، وربك على كل شيء قدير\" (٢)\n* * *\n\nثانيًا: الموت:\nكان قبض الروح ومفارقتها الجسد هو حقيقة الموت الذي أخبر المولى تعالى عنه بالخلق، لذا فإن الصاوي يفصل القول في بيان معناه، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] يعرض الصاوي ما قيل في تعريفه على جهة التحقيق، يقول: اختلف في الموت والحياة، فحكى عن ابن عباس، والكلبى، ومقاتل أن الموت والحياة جسمان، فالموت على هيئة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهى التي كان جبريل - ﵇ - والأنبياء - ﵈ - يركبونها، خطوتها مد البصر\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٥٨.\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٧٩). وقد تقدم بيان بطلان هذا الذي وصف به أرواح الأولياء من حيث التصريف في مبحث التوحيد، انظر: ١٦٩، كما أنه سيأتي القول فيه أيضًا في مبحث الولاية بإذن الله: ٧٧٨.","vol":"1","page":505},{"text":"فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيى، وهى التي أخذ السامرى من أثرها ترابًا فألقاه على العجل فحيى، فعلى هذا الحياة والموت أمران وجوديان وتقابلهما من تقابل الضدين، وقيل: الموت عدم الحياة، فتقابلهما من تقابل العدم والملكة\" (١).\nوكان هذا منه عند سبر ما قيل فيه من أقوال، أما عند تعريفه فيرى أن الموت: \"عرض يضاد الحياة ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من دار إلى دار، فكل من مات فقد انتقل من عالم الدنيا إلى عالم البرزخ\" (٢).\nولما كان الحديث عن الموت من جملة ما ورد خبره في الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقرر الصاوي أن \"التصديق بالموت واجب\" مستدلًا بقوله تعالى: \" ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].\nوقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] \" (٣)\nويبقى معرفة مكانه وما يقع عليه، فإذا تقرر وجوب حكمه فعلى أي الأجزاء يقع؟ أعلى الروح؟ أم الجسم؟ وللإجابة على هذا السؤال المتبادر إلى الأفهام: \"يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ المعنى كل روح ذائقة الموت لجسمها، وإلا فالروح لا تموت، وعموم الآية يشمل حتى الشهداء والأنبياء والملائكة\".\nوتأكيدًا لما سبق بيانه فإنه يورد اعتراضًا مع الإجابة عليه، قد يفهم من نفى حكم الموت على من مات شهيدًا، كما صرحت بذلك الآيات الكريمة، يقول: \"وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فمعناه ترد بعد خروجها لهم وكذلك الأنبياء والملائكة، وأما ما عداهم فلا ترد لهم إلا عند النفخة الثانية\". (٤)\n_________\n(١) المرجع السابق: (٤/ ٢١٤).\n(٢) حاشية الجوهرة: ٥٦.\n(٣) المرجع السابق: ٥٦.\n(٤) حاشية الجلالين: (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":506},{"text":"ولكن في تعميمه هذا نظر؛ حيث يرى أن الخضر - ﵇ - حى ولا يزال حيًا إلى يوم القيامة، يقول في ذلك: \"والجمهور على أنه حى إلى يوم القيامة - لشربه من ماء الحياة - يجتمع به خواص الأولياء ويأخذون عنه\" (١)\nوعودًا إلى ما سبق بيانه من تأكيد الحياة البرزخية وإحقاقها لكل نفس، يقول: وإذا ثبت عود الروح إلى الجسد بعد مفارقتها إياه فإن \"الأموات لا تعود أجسامهم في الدنيا بأرواحهم كما كانوا أبدًا، وإنما يبعثون يوم القيامة لا فرق بين الأنبياء وغيرهم، وما ورد عن بعض الصالحين من أنهم يجتمعون بالنبي - ﷺ - يقظة، فالمراد أن روحه الشريفة تشكلت بصورة جسده الشريف، وكذا يقال في الأولياء والشهداء، لان أرواح المطيعين مطلقة غير محبوسة، وأما الكفار فأرواحهم محبوسة لا تسعى في الملكوت\" (٢)\nويذكر حال الكافر عند نزع روحه، فيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] إشارة إلى أنهم يعلمون كفرهم قبل موتهم ويشاهدون الأماكن التي أعدت لهم في نظيره، فمن حيث تلك المشاهدة تزهق أرواحهم وهم كافرون كارهون، بخلاف المؤمن فإنه يشاهد مقعده من الجنة، ولا تخرج روحه إلا وهو كاره للدنيا محب للآخرة\". (٣)\n* * *\n\nتعليق:\nأولًا: حقيقة الروح:\nلقد كانت معرفة الروح معرفة حقيقية تجلو ما يحيط حول حقيقتها من استفسار، مما قد استأثر الله تعالى بعلمه، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقول الإمام ابن كثير\n_________\n(١) المرجع السابق: (٣/ ١٩).\n(٢) المرجع السابق: (٣/ ١١٧).\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٥١).","vol":"1","page":507},{"text":"- ﵀ - في معنى الآية الكريمة: \"أي من شأنه ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎، والمعنى أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه - أمر الروح - مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى\" (١).\nوهذا الاستئثار الذي تكلم عنه الإمام ابن كثير يعني أن علمها مما انفرد الله تعالى به، فليس باستطاعة أحد من البشر الإحاطة به، وعليه فلا يصح بحال نسبة هذا العلم إلى الرسول - ﷺ -، وليس في هذا ما يخل بمنزلته، بل هو وقوف عند حدود الشرع، وإعمال لنهى المصطفى - ﵊ - عن الغلو والإطراء المنهى عنه.\nوحقيقة ذلك أن ما أخفاه المولى تعالى من العلوم التي انفرد بها تختلف علة ذلك الإخفاء، إذ من المعلوم أن كل ما يقدره المولى فهو لحكمة بالغة، وكانت الروح من جملة ما أخفاه المولى لحكمة يعلمها، قد تكون لانعدام المستقبل لإدراكها في المقدور البشرى، ويلفت الانتباه شيخ الإسلام - ﵀ - إلى هذه الحقيقة، وذلك في تعليقه على سبب نزولها (٢)، يقول - ﵀ -: \"فبين بذلك أن ملك الرب عظيم، وجنوده وصفة ذلك وقدرته أعظم من أن يحيط به الآدميون، وهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا، فلا يظن من يدعى العلم أنه يمكنه أن يعلم كل ما سئل عنه، ولا كل ما في الوجود، فما يعلم جنود ربك إلا هو\". (٣)\nومع كل ما تقدم، فليس الخبر معناه أن كل ما يتعلق بالروح مما لا يمكن إدراكه، ولكن الخبر هنا متجه إلى ما أخفاه الشارع الحكيم، أما ما دلت عليه نصوص\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (٣/ ٨٥).\n(٢) وذلك أنه كما ورد في الصحيح أنه - ﵊ - مر بنفر من اليهود فسألوه عن الروح فنزلت عليه هذه الآية. انظر: الحديث في صحيح البخاري: كتاب العلم - باب قوله الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، رقم الحديث: ١٢٥.\n(٣) مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٣١).","vol":"1","page":508},{"text":"الكتاب والسنة فحقيق أن يفهم ما أتت به في معرفة حقيقة الروح، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة، لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء\" (١).\nوبناء على ما تقدم، فيصح تعريف الروح بما ورد فيها من الأخبار الصحيحة. يقول الإمام ابن القيم في كتابه الروح بعد عرض أبرز ما قيل في تعريفها: \"إنها جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نورانى علوى خفيف حى متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء ويسرى فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقى ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة\" (٢).\nوكان هذا من جملة ما ذكره الصاوي من الأقوال وعزاه لأئمة الشافعية.\nأما ما أورده من بقية الأقوال في معنى الروح، فغاية ما هنالك أنه جمع لآراء متعددة بل ومتباينة، دون نقد أو توجيه كافٍ لها، فقد أورد كلام الفلاسفة في أن الروح جوهر قائم بنفسه، وحقيقة هذا القول أن الروح قديمة وليست بمربوبة، وهذا ما رده عليهم أهل الإسلام قاطبة.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ - حين سئل عن الروح: \"الحمد لله رب العالمين روح الآدمى مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين\" (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) الروح لابن القيم: (٢/ ١٧٩).\n(٣) المرجع السابق: (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":509},{"text":"أما عن تسمية الروح بالنفس، فالحق في هذا ما بينه شيخ الإسلام بوجود نوع اشتراك بينهما؛ يؤيده إطلاق النفس على الروح في عدد من المواضع التي وردت في حديث المصطفى - ﷺ -، \"ودلائل هذا الأصل، وبيان مسمى الروح، والنفس، وما فيه من الاشتراك كثير\" (١) في القرآن والسنة، وقد أوضح هذه المسألة الإمام ابن كثير؛ من أنها \"ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهى إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء، كما أن الماء هو حياة الشجر ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًا، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارًا أو خمرًا، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه، فحاصل ما نقول: إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهى هي من وجه لا من كل وجه وهذا معنى حسن، والله أعلم\" (٢).\nأما عن علاقة الروح بالجسد بعد الموت، فالعلماء على أن لها اتصالًا به بعد مفارقتها إياه؛ فالنعيم والعذاب يقع على الروح مع الجسد بيان ذلك \"أن الله سبحانه جعل الدور ثلاثًا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعًا لها، لهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح؛ وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبعًا لها؛ فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا؛ فتألمت بألمها والتذت براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب، تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٣٠).\n(٢) عزاه ابن كثير إلى السهلي، انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (٣/ ٨٥).","vol":"1","page":510},{"text":"والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها، والارواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها تجرى أحكام البرزخ على الأرواح، فتسرى إلى أبدانها نعيمًا أو عذابًا؛ كما تجرى أحكام الدنيا على الأبدان، فتسرى إلى أرواحها نعيمًا أو عذابًا\"\nفالصاوى هنا يوافق القول الراجح في المسألة، وقد ضرب لذلك الاتصال الغيبى مثالًا باتصال مشاهد حسى، \"فقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجًا في الدنيا من حال النائم؛ فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجرى على روحه أصلًا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر الروح على البدن تأثيرًا مشاهدًا؛ فيرى النائم في نومه أنه ضرب؛ فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب؛ فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ.\nوأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس؛ فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع، فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى، وهى متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع\". (١)\nومع ذلك فقد وقع الصاوي في خطأ جسيم؛ حين مثل لتلك العلاقة أيضًا بحال الولى الذي يكون في مكان فتجوب روحه في الكون تصريفًا وتدبيرًا، فإن هذا محض وهم لا حقيقة له أفرزه غلو المتصوفة في مشايخهم، وهو أساس انحرافهم في مقتضيات الولاية، حيث بنوا على مثل هذه الأوهام صرف أنواع من العبادة التي لا تجوز إلا لله تعالى كالتوسل والدعاء والملاحظة، وقد أسلفت الحديث في مبحث التوحيد، وللأهمية هنا؛ فإنه يحسن التأكيد على ما سبق من أن اعتقاد التصريف لغير الله تعالى فيه قدح في الإيمان بربوبية الله تعالى، فالله ﷿ وحده الذي يدبر أمر العباد ويصرف شؤونهم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فهو الرب القيوم،\n_________\n(١) الروح: ٦٣ - ٦٤.","vol":"1","page":511},{"text":"\"القيوم بنفسه القيم لغيره؛ فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غنى عنها ولا قوام لها إلا به ولا قوام لها بدون أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِه﴾ وهو القائم على كل شيء والقائم بجميع أمور عباده والقائم على كل نفس بما كسبت\" (١).\nولو اعترض على هذا بأنه قد أرجع تصريفهم لأمر الله تعالى وإذنه، فحينها يطالب بالدليل على هذا الأذن، ومن أين له أن الله تعالى أوكل تصريف بعض شؤون العباد لبعضهم من الأولياء في حالة يعلم بالضرورة أنه من غير المقدور الكونى للبشر أن يكون لهم أثر في حقيقة الأمر، ولا شك أن هذه الأوهام مماثلة لأوهام المشركين من قبل في آلهتهم التي اعتقدوا أنها تنفع وتضر فتشفع بما لها من منزلة أعطاها الله إياها.\nفيقال هنا أن كل أمر لم يثبت في نفعه أو ضره أو تصريفه كما ذكر الصاوي هنا سبب كونى أو شرعى يعد اعتقاد نفعه وضره واتخاذه سببًا شركًا بالله تعالى، يقول الشيخ العثيمين - ﵀ - في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: \"الشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر، فليست أسبابًا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعى أو قدرى، فيعتبر اتخاذه سببًا إشراكًا بالله\". (٢).\n* * *\n\nثانيًا: مستقر الروح:\nلقد فصل الصاوي القول في هذه القضية بما لا مزيد عليه، ولكن كان ينقصه الاستدلال الكافي بما ورد من الأحاديث الشريفة في هذا الباب، ومع وجود بعض الملاحظات على ما ذكر كان يظهر فيها تأثره بنزعته الصوفية، التي كانت تخرج به في بعض الأحيان عن حد الاعتدال.\n_________\n(١) معارج القبول: (١/ ٢٠٨).\n(٢) القول المفيد: (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":512},{"text":"أما عن مستقر أرواح المؤمنين، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال في الشهداء: (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل) (١).\nكما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده يوم يبعث) (٢).\nوما أخبر به من أن أرواح الكفار ببئر برهوت بحضرموت؛ فهذا ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عمرو، حيث قال: \"أرواح المؤمنين تجمع بالجابيتين، وأرواح الكفار تجمع ببرهوت: سبخة بحضرموت\" (٣).\nوالكلام في هذه الجزئية من مسائل الروح لا يخرج عن وصف مستقر روح المؤمن بالثواب والنعيم، ومستقر روح الكافر بالعذاب والجحيم، أما على جهة التفصيل فـ \"الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهى أرواح الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي - ﷺ - ليلة الإسراء.\nومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهى أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، أو غيره، كما في الحديث الشريف أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله: مالى إن قتلت في سبيل الله؟ قال: (الجنة فلما ولى، قال: إلا الدين! سارنى به جبريل آنفًا). (٤)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة - باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة: (١٣/ ٣١).\n(٢) سنن ابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر القبر والبلى، رقم الحديث: ٤٢٧١: (٢/ ١٤٢٨). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: برقم: ٣٤٤٦: (٢/ ٤٢٣).\n(٣) صحيح ابن حبان: كتاب الجنائز - فصل في الموت وما يتعلق به، رقم الحديث: ٣٠١٣: (٧/ ٢٨٣). وصححه الألباني في السلسلة، برقم: ٩٩٥: (٢/ ٧٢٩).\n(٤) أخرجه النسائي في المجتبى: كتاب الجهاد - باب من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين، رقم الحديث: ٣١٥٥: (٦/ ٣٣). وصححه الألباني في صحيح النسائي برقم: ٢٩٥٧، وقال: حسن صحيح: (٢/ ٦٦٣).","vol":"1","page":513},{"text":"ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة؛ كما في الحديث الآخر رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنة.\nومنهم من يكون محبوسًا في قبره، كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال النبي - ﷺ -: والذي نفسى بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارًا في قبره. (١)\nوالنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والأنس به والتقرب إليه، بل هي أرضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك\" (٢)\n* * *\n\nالموت:\nلقد تناول الصاوي في تحريره للمسائل المتعلقة بالموت مسألتين هما:\n\nالأولى: حقيقة الموت:\nفالكلام عن حقيقة الموت مما كثر الحديث فيه. والصحيح فيه كما ذكر الصاوي أنه أمر وجودى لدلالة الحديث الصحيح قال رسول الله - ﷺ -: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادى منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادى: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة - وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا - وهم لا يؤمنون) (٣).\nولا يمنع من كونه عرضًا كما عرفه الصاوي متابعة لأسلافه من المتكلمين أن\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي - باب غزوة خيبر، رقم الحديث: ٤٢٣٤.\n(٢) الروح: لابن القيم: ١١٥.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب وأنذرهم يوم الحسرة، رقم الحديث: ٤٧٣٠.","vol":"1","page":514},{"text":"يصير له وجودًا مجسدًا يوم القيامة (١)، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن البقرة، وآل عمران يجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان\". (٢)\nوشيخ الإسلام - ﵀ - عند عرضه لحقيقة العلاقة بين الموت والحياة لم يرجح أحد القولين على الآخر؛ في كون الموت وجوديًا، أو عدميًا، واكتفى بإثبات أنه مقابل للحياة، حيث أرجع النزاع الوارد إلى نوع من النزاع اللفظي الذي لا ثمرة له حقيقية، وذلك لأنه يمكن القول بأن الموت أمر وجودى لتعلق صفة الخلق به، ويمكن أن يكون أمرًا عدميًا فيكون خلقه بمعنى خلق الأعراض المضادة للحياة، يقول: \"فإنا نعلم بالحس أن الحركة أمر وجودى، كما نعلم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر أمر وجودى، وأما كون ما يقابل ذلك هو ضد ما ينافيها أو عدمها من محلها فهذا فيه نظر، ولهذا تنازع العقلاء في هذا دون الأول، وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظيًا، فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزمًا لأمر وجودى، مثل الحياة مثلًا، فإن عدم حياة البدن مثلًا مستلزمًا لأعراض وجودية.\nوالناس تنازعوا في الموت: هل هو عدمى أو وجودى؟ ومن قال: إنه وجودى، احتج بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] فاخبر أنه خلق الموت، كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ فالنزاع لفظي\" (٣)\n* * *\n\nالثانية: حكم الموت:\nفقد أفاد تقريره بوجوب الإيمان بالموت أنه لا يستثنى من عمومه أحد، حتى\n_________\n(١) انظر: شرح الحديث السابق لابن حجر في فتح الباري: (١١/ ٤٢١).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة: (٦/ ٩٠).\n(٣) درء التعارض: (١/ ٤١١).","vol":"1","page":515},{"text":"الأنبياء والمرسلين، ولكنه عند حكايته لقصة موسى مع الخضر - ﵉ - خالف ما ذهب إليه آنفًا، وحكى إجماع الجمهور على بقاء الخضر حيًا، بل واجتماع الأولياء معه، وقد اعتمد في سبب خلوده أنه شرب من ماء الحياة، والصحيح في هذه المسألة أنه لم يثبت في شربه خبرًا صحيحًا يسلم له (١).\nأما عن اجتماعه بالأولياء فهذا من ترهات الصوفية، وقد سئل شيخ الإسلام - ﵀ - عن ذلك فقال لا يبعد أن يكون شيطانًا، وسيأتي بيانه.\nوعليه فلا حجة للقائلين ببقائه، بل هناك نصوص كثيرة تناقض ما ذهبوا إليه، منها ما أورده البخاري في الصحيح أنه - ﷺ - قال: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد) (٢)\nوعند شرح الحافظ ابن حجر - ﵀ - للحديث، أورد كلام من احتج به، وشبهة المخالف لذلك، حيث قال: \"قال النووي وغيره: احتج البخاري ومن قال بقوله بهذا الحديث على موت الخضر، والجمهور على خلافه، وأجابوا عنه بأن الخضر كان حينئذ من ساكنى البحر، فلم يدخل في الحديث\" (٣)\nوهذه الشبهة التي يستند إليها من ذهب إلى بقائه لا أصل لها من عقل ولا نقل، إذ البحر كما هو معلوم لا يخرج عن كونه فوق ظهر الأرض لذا فإن \"الذي عليه أهل التحقيق أن الخضر قد مات قبل بعثة النبي - ﷺ -، لأدلة كثيرة معروفة في محلها، ولو كان حيًا في حياة نبينا لدخل في هذا الحديث، وكان ممن أتى عليه الموت قبل رأس المائة\" (٤)\nوهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام - ﵀ - حيث قال: \"الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل ملك الموت\" (٥)\n_________\n(١) انظر: ما أورده الحافظ ابن حجر، وعزاه إلى خيثمة بن سليمان من طريق جعفر الصادق عن أبيه، وقد عرف بانقطاعه: (٦/ ٤٣٤).\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء، رقم الحديث: ٦٠١.\n(٣) فتح الباري: (٢/ ٧٥).\n(٤) المرجع السابق: تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز على الحديث في فتح الباري.\n(٥) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٩). وانظر: الجواب الصحيح: (٢/ ٣٣٥). وانظر: منهاج السنة: (٤/ ٦٤).","vol":"1","page":516},{"text":"أما عن اجتماع الخضر بالأولياء؛ فهذا مما لا شيء يسنده سوى ترهات الصوفية، وإن كان مما اشتهر عنه الحديث بين العوام وكثير من العباد، (١) وقد قال الإمام أحمد - ﵀ - حين سئل: عن تعمير الخضر وإلياس وأنهما باقيان يريان ويروى عنهما: من أحال على غائب لم ينصف منه، وما ألقى هذا إلا شيطان\" (٢)\nوهذا ما رده أيضًا ابن حزم - ﵀ - وبين مخالفته للثابت من نصوص الكتاب والسنة، يقول: \"وسلك هذا السبيل بعض الصوفية فزعموا أن الخضر وإلياس - ﵉ - حيان إلى اليوم، وادعى بعضهم أنه يلقى إلياس في الفلوات والخضر في المروج والرياض، وأنه متى ذكر حضر على ذكراه\".\nقال أبو محمد: فإن ذكر في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها وفي ألف موضع في دقيقة واحدة كيف يصنع؟\nولقد لقينا من يذهب إلى هذا خلقًا وكلمناهم منهم المعروف بابن شق الليل المحدث بطلبيره، وهو مع ذلك من أهل العناية وسعة الرواية، ومنهم محمد بن عبد الله الكاتب، وأخبرني أنه جالس الخضر وكلمه مرارًا، أو غيره كثير.\nهذا مع سماعهم قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].\nوقول رسول الله - ﷺ - (لا نبى بعدى) (٣) فكيف يستجيزه مسلم أن يثبت بعده - ﵇ - نبيًا في الأرض حاشا ما استثناه رسول الله - ﷺ - في الآثار المسندة الثابتة في نزول عيسى بن مريم - ﵇ - في آخر الزمان (٤).\n_________\n(١) انظر: ما رواه اللالكائي في كرامات الأولياء، حيث ذكر في: \"سياق ما روى في كرامات أبي حفص عمر بن عبد العزيز - ﵁ - رؤيته للخضر - ﵇ -، يقول: عن رياح بن عبيدة قال: رأيت رجلًا ماشى عمر بن عبد العزيز معتمدًا على يديه فقلت في نفسي: إن هذا الرجل جافٍ قال: فلما انصرف من الصلاة قلت: من الرجل الذي كان معتمدًا على يدك آنفًا قال: فهل رأيته يا رياح قلت: نعم قال: ما أحسبك إلا رجلًا صالحًا ذاك أخى الخضر بشرني أنى سألى وأعدل\": ١٦٨ - ١٦٩.\n(٢) مجموع الفتاوى: (٤/ ٣٣٧).\n(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء - باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم الحديث: ٣٢٦٨.\n(٤) الفصل في الملل: (٤/ ١٣٨).","vol":"1","page":517},{"text":"وعليه فلا احتجاج بما روى في حقهما من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، لأنه ثبت ما يعارضها من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة:\nفقد سئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؟ وقد قال النبي - ﷺ -: (لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد) (١)\nوقال أبو الفرج ابن الجوزى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وليس هما في الأحياء والله أعلم. (٢)\nوكما يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"القول الفصل في الخضر - ﵇ - والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا في زمن النبي - ﵌ - لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم، ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي - ﷺ -\" (٣)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>حياة البرزخ</span>\nيعرف الصاوي البرزخ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] بقوله: \"البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين.\nوعرفًا: الحاجز بين الدنيا والآخرة\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب العلم - باب السمر في العلم، رقم الحديث: ١١٦.\n(٢) مجموع الفتاوى: (٤/ ٣٣٧).\n(٣) زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: ٧٠.","vol":"1","page":518},{"text":"ويزيد في بيان حده فيقول: \"وله زمان ومآل ومكان، فزمانه: من الموت إلى يوم القيامة. ومآله: الأرواح، ومكانه: من القبر إلى الجنة لأرواح السعداء، وإلى النار لأرواح الأشقياء\". (١)\nكما \"يطلق البرزخ على حالة الشخص بعد موته إلى يوم القيامة، فيقال: في البرزخ؛ أي في العالم المتوسط بين الدنيا والآخرة\". (٢)\nوهذه الحالة التي تمر بكل المكلفين تكون على مراحل، ويحدث في كل مرحلة منها ما يؤدى إلى التي تليها، فإنه \"مما يجب اعتقاده سؤال منكر ونكير لنا، فهو مختص بهذه الأمة، أي أمة الدعوة: المؤمنين والمنافقين والكافرين، ومحله بعد تمام الدفن وانصراف الناس، فيعيد الله الروح إلى الميت والحواس، فيترفقان بالمؤمن وينهران الكافر والمنافق، ويسأل كل إنسان بلغته يجمع من تفرقت أجزاؤه أو أكلته السباع، والسؤال مخصوص بمن كان مكلفًا ولو جنيًا لا ملكًا، ويستثنى من المكلفين الأنبياء والصديقون والمرابطون والشهداء\". (٣)\nويفصل القول في كيفية سؤالهما، وإجابة المكلف لهما بذكر ما ورد في ذلك، يقول: \"حين يحيى الله الميت حتى يسمع قرع نعال من كان ماشيًا في جنازته، يقعدانه ويقولان له: ما ربك وما دينك وما نبيك؟، فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -، فيقولان له: نم نومة العروس، قد علمنا أن كنت لموقنًا، وأما الكافر والمنافق، فيقول: لا أدرى كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فقلت مثل ما يقولون، فيضربانه بمطارق من نار، فيصيح صيحة يسمعه من في الأرض غير الثقلين، ويقولان له: لا دريت ولا تليت (٤) \" (٥)\n_________\n(١) حاشية الخريدة: ١٠٥. وانظر: حاشية الجلالين: (٣/ ١١٧).\n(٢) حاشية الصلوات: ٧٣.\n(٣) حاشية الجوهرة: ٥٨.\n(٤) جزء من حديث أخرجه أبو داود في سننه بلفظ متقارب: أول كتاب السنة - باب المسألة في القبر وعذاب القبر، رقم الحديث: ٤٧٢٨: (٥/ ٤٧١٨) صححه الألباني في صحيح أبي داود برقم: ٣٩٧٧: (٣/ ٩٠٠). وأخرجه بلفظ متقارب البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز - باب الميت يسمع خفق النعال، رقم الحديث: ١٢٧٣: (١/ ٤٤٨).\n(٥) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٦٥).","vol":"1","page":519},{"text":"ولما كان نعيم القبر وعذابه مما ورد الخبر به كتابًا وسنة، يرى الصاوي أنه: \"مما يجب الإيمان به التصديق بعذاب القبر، ونعيمه للمكلفين بحسبهم\".\nوفي تأكيد هذه الحقيقة الإيمانية يوضح أن كل من فارق الحياة فهو مقبور ولو لم تحصل له المواراة، كالغريق مثلًا، منبهًا إلى أن \"المراد بالقبر\" على جهة الحقيقة: \"البرزخ\".\nمؤكدًا ذلك بقوله: \"وإنما أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه عذب قبر أو لم يقبر\" (١).\nوفى بيان ما يقع عليه الجزاء الموعود، يرى أن: \"محله الروح والبدن على المعتمد\".\nوعن كيفية العذاب المتوعد به من حيث الدوام، يقول: \"ويدوم على الكفار والمنافقين وبعض العصاة، وينقطع عمن خفت ذنوبهم، ومن لم يسأل فيه لا يعذب\" ويسترسل في الحديث عما ورد في وعيده، فيقول: \"ومن جملة عذابه ضغطته وهى التقاء حافتيه.\nومن جملته أيضًا ما في الحديث: يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينًا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن تنينًا منها نفخ على الأرض ما أنبتت خضراء.\nومنها تشكل عمله بصورة قرد، أو خنزير يضاجعه في قبره، وفتح طاقة فيه من جهنم، ويسمع صياحه من العذاب ما عدا الثقلين\" (٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، يقول: \"والمعنى تعرض أرواحهم من حين موتهم إلى قيام الساعة على النار لما روى: (إن أرواح الكفار في جوف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها). (٣)\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٥٨.\n(٢) حاشية الجوهرة: ٥٨ - ٥٩.\n(٣) حاشية الجلالين: (٤/ ١٠).","vol":"1","page":520},{"text":"أما الشق الثاني من الجزاء وهو النعيم: فيبين أولًا كيفيته، فيقول: \"أي وصول النعيم للمؤمنين في القبور\".\nولما كان النعيم محض فضل المولى تعالى، وكان فضله تعالى سابغًا فليس يقتصر على المكلفين، كالعذاب، فإن الصحيح فيه كما يرى الصاوي أنه: \"لا يختص بهذه الأمة ولا بالمكلفين\".\nوالحديث في بيان هيئته يطول، لذا فإنه تكفى الإشارة إلى بعض صوره فـ \"من جملته: توسيعه، وفتح طاقة فيه من الجنة، وجعله روضة من رياضها، وتصوير عمله بصورة حسنة تؤانسه\". (١)\nولعظيم ما يراه المؤمن والكافر كليهما في حياة البرزخ \"فإن من مات على الإيمان تمنى عدم العود إلى الدنيا، لأن عالم البرزخ في اتساعه بالنسبة للدنيا، كالدنيا بالنسبة لبطن الأم.\nأما إن مات على الكفر والعياذ بالله، تمنى العود إلى الدنيا، لما يرى من ضيق برزخه وعذابه\". (٢)\n\nتعليق:\nتقدم الحديث عن مكانة الإيمان بالبرزخ في عقيدة المؤمن، أما ما يتبع ذلك من التفاصيل، فقد كان كلام الصاوي في هذا المجال مستوعبًا لأهم ما يجب الحديث فيه من المسائل المتعلقة بالبرزخ، وما فيه من نعيم وعذاب، ومع هذا فقد كان ينقصه الاستدلال على بعض ما ذكر، والعزو لما يستدل به من الأخبار في البعض الآخر. وسأتناول أهم النقاط في ذلك:\nأولًا: الإيمان بفتنة القبر وسؤال الملكين، فقد دلت عليه أحاديث كثيرة صحيحة وقد أوردت بعضها فيما سبق، ولكن تسمية الملكين اللذين ورد ذكرهما في الحديث\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٥٩.\n(٢) حاشية الجوهرة: ٥٦.","vol":"1","page":521},{"text":"بمنكر ونكير، لم تثبت في جميع الروايات، وإنما وردت في بعضها، فقد روى الترمذي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر، والآخر النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ثم ينور له فيه. ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله. لا أدرى. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. فيقال للأرض: التئمى عليه. فتلتئم عليه. فتختلف فيها أضلاعه. فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك). (١)\n- وقد تقدم أن هذه الفتنة مما يعم حكمه على كل المكلفين بعد موتهم، ومع ذلك فقد وردت الأحاديث في استثناء بعض أولئك المكلفين من أهل الإيمان، ذكر منهم الصاوي المرابط والشهيد.\nفمما ورد في استثناء المرابط من فتنة القبر حديث رسول الله - ﷺ -، حيث قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر). (٢)\nأما الشهيد فقد روى النسائي في سننه أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة). (٣)\n_________\n(١) كتاب الجنائز - باب ما جاء في عذاب القبر، رقم الحديث: ١٠٧١: قال الترمذي: حديث حسن غريب: (٣/ ٣٨٣). وابن جان في صحيحه: كتاب الجنائز - فصل في أحوال الميت في قبره، رقم الحديث: ٣١١٧: (٧/ ٣٨٦) وصححه الألباني في تخريج المشكاة: (١/ ١٣١).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب فضائل الجهاد - باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا، رقم الحديث: ١٦٢١: وفال الترمذي: حسن صحيح: (٤/ ١٤٢) ورواه ابن حبان في صحيحه: كتاب السير - باب فضل الجهاد، رقم الحديث: ٤٦٢٤: (١٠/ ٤٨٤).\n(٣) كتاب الجنائز - باب الشهيد، رقم الحديث: ٢٠٥٣: (٤/ ٩٩). وصححه الألباني في صحيح النسائي، برقم: ١٩٤٠: (٢/ ٤١٤).","vol":"1","page":522},{"text":"وقد ورد - زيادة على ما ذكر - أن من يموت يوم الجمعة فإنه يأمن الفتنة، فعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر). (١)\n- أما ما أورده من ألوان العذاب الحاصل في القبر، فكله مقتبس من حديث رواه الترمذي قد يصل إلى مرتبة الحسن، فعن أبي سعيد قال: \"دخل رسول الله - ﷺ - مصلاه فرأى ناسًا كأنهم يكتشرون قال: (أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى الموت، فأكثروا من ذكر هادم اللذات الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإن دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلًا، أما ان كنت لأحب من يمشى على ظهرف إلى، فإذ وليتك اليوم وصرت إلى فسترى صنيعى بك، قال: فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة.\nوإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر، قال له القبر: لا مرحبًا ولا أهلًا، أما إن كنت لأبغض من يمشى على ظهري إلى، فإذا وليتك اليوم وصرت إلى فسترى صنيعى بك، قال: فيلتئم عليه حتى تلتقى عليه وتختلف أضلاعه، قال: قال رسول الله - ﷺ - بأصابعه، فأدخل بعضها في جوف بعض قال: ويقبض الله له سبعين تنينًا لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئًا ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه حتى يفضى به الحساب قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار). (٢)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الجنائز - باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة، رقم الحديث: ١٠٧٤ وقال الترمذي: حديث غريب: (٣/ ٣٨٦). وصححه الألباني في صحيح الترمذي وقال: حسن، رقمه: ٨٥٨: (١/ ٣١٢).\n(٢) كتاب صفة القيامة، رقم الحديث: ٢٤٦٠، وقال الترمذي: حديت غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه: (٤/ ٥٥١). وبنحو منه أخرج ابن حبان في صحيحه: كتاب الجنائز - فصل في أحوال الميت في قبره، رقم الحديث: ٣١٢١: (٧/ ٣٩١). وقال الهيثمي: \"رواه أحمد وأبو يعلى موقوفًا وفيه دراج وفيه كلام وقد وثق\": (٣/ ٥٥).","vol":"1","page":523},{"text":"أما عن تشكل العمل بحسبه إن خيرًا فعلى صورة رجل حسن وإن شرًا على صورة رجل قبيح في القبر مصاحبًا المقبور إلى يوم القيامة، فهذا مما وردت به الأحاديث الصحيحة. (١)\nولكن تحديد الهيئة بالقرد والخنزير مما لم أعثر فيه على دليل وفى هذا القدر كفاية، وإلى المبحث التالى بعون الله.\n* * *\n_________\n(١) انظر ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب - ﵁ - في حديث طويل منه في وصف حال المؤمن بعد سؤال الملكين: \"ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول أبشر بالذى يسرك هذا يومك الذي توعد، فيقول له من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح. . . إلى أن يصف حال الكافر بعد سؤال الملكين له، فيقول: \"ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث\": قال الشيخ حمزة أحمد الزين: إسناده صحيح (١٤/ ٢٠٢)، وصححه الحاكم في مستدركه: (١/ ٩٣).","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>(المبحث الرابع): حقائق يوم القيامة</span>\nحين يأذن الله تعالى لتلك الأرواح أن تعود لأجسادها بعد انقضاء فترة البرزخ، تتحقق أهوال يوم القيامة، وتبدل الأرض غير الأرض، وينفخ في الصور، فتجمع الأشتات، ويخلق الله منها البشر تارة أخرى، فيجتمعون لفصل القضاء، وتكون تلك بداية النهاية، حيث توزن الأعمال، وتحل الشفاعة، ويرضى الرب على من شاء من عباده، ويسخط على من استحق السخط منهم، ثم يساق المؤمنون إلى منازلهم في الجنان، حيث الدرجات العلى والنعيم المقيم، ويكب الكافرون على وجوههم في جهنم، ويطهر عصاة المؤمنين بالنار، ممن لم تحملهم أعمالهم على سلوك الصراط دونما انكباب، وكانت لهذه الأحداث الجسام المتتالية أدلة كثيرة عظيمة من الكتاب والسنة:\nقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\nيقول الشيخ السعدى في تفسير هذه: \"يحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض فلا يغادر منهم أحدًا بل يجمع الأولين والآخرين من بطون الفلوات، وفغور البحار ويجمعهم بعدما تفرقوا ويعيدهم بعدما تمزقوا خلقًا جديدًا.\nفيعرضون عليه صفًا ليستعرضهم، وينظر في أعمالهم ويحكم فيهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤].\nأي بلا مال ولا أهل ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال والمكاسب في الخير والشر التي كسبوها\" (١)\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن: ٥١٠.","vol":"1","page":525},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤].\nولي في هذا المبحث المتشعب الأطراف أن ألقى الضوء على آراء الصاوي مع شيء من التوجيه والتعليق، مبتدئة بالحديث عن المحشر وعرضات يوم القيامة، متممة بالكلام عن الجنة والنار.\n* * *","vol":"1","page":526},{"text":"(المطلب الأول):<span data-type=\"title\" id=toc-159> المحشر وعرضات يوم القيامة</span>\nتظهر عبارات المتكلمين في هذه المسائل الغيبية موافقة لما عليه السلف - رضوان الله عليهم -، حيث يقتصر مستند دلالتها عندهم على الوحى الصادق، ومع ذلك فقد تظهر بعض المخالفات التي تسربت إلى المعتقد، بسبب التصدى للرد على الفلاسفة؛ واعتمادهم في ذلك على المنهج العقلى، الذي قد يحيد بهم أحيانًا عن معين الوحى، كانت مسألة الإعادة وكيفيتها مما يظهر فيه اتباعهم ذلك المنهج؛ حيث تصدوا للرد على منكرى البعث من الفلاسفة، كما أن لهذه القضية ارتباطًا وثيقًا بمسألة الحدوث، وإن صح التعبير هي الوجه الثاني لها، وقد اشتهرت مخالفتهم فيها للمنهج الصحيح، وعند سبر أقوالهم فيها نجد أنها لا تخرج عن أحد قولين؛ يقول الرازي: \"أما القائلون بالمعاد البدنى؛ منهم من زعم أن الله تعالى يعدم البدن ثم يعيده، ومنهم من زعم أنه يفرق الأجزاء ثم يجمعها\". (١).\nوكان لكلا الفريقين جمع من الأدلة، التي استند إليها في تقرير دعواه، والآن مع عرض أقوال الصاوي في هذه المسائل المتتالية.\n* * *\n\nرأي الشيخ الصاوي:\nلقد تناول الصاوي في بيان حقائق الساعة في تفسيره، أو في حواشيه العقدية عددًا من المواضيع المرتبطة بها، وتظهر إرادته الترتيب جلية في عرضه لها، ويمكن ترتيبها كالتالى:\n\nأولًا: ما يتعلق بالنفخ:\nلقد كان النفخ أول ما تناول بحثه من تلك المواضيع المتعددة، فعند تعريفه للصور المعد للنفخ فيه، يقول: هو \"القرن المستطيل\".\n_________\n(١) المحصل: للرازي: ٢٢٣.","vol":"1","page":527},{"text":"ويعرض ما ورد في بيانه عن السلف، يقول: \"قال مجاهد: الصور كهيئة البوق وفيه جميع الأرواح، وفيه ثقب بعددها، فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبة ووصلت لجسدها فتحله الحياة\".\nثم يوضح حقيقة الإحياء الحاصل عند النفخ، يقول: \"فالإحياء يحصل بإيجاد الله عند النفخ لا بالنفخ فهو سبب عادى\" (١).\nولما كانت النفخات متعددة في ذلك اليوم المهيب؛ نبه إلى أن هذه هي النفخة الثانية، و\"أما الأولى؛ فعندها يموت كل ذى روح، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] \" (٢)\nأما عن متولى النفخ فيرى أن \"النافخ هو إسرافيل (٣) - حيث - يضع الصور على فيه، ويقف على صخرة بيت المقدس، ويقول: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، فيقبلون عليه.\nوقيل: المنادى جبريل، والنافخ إسرافيل\" (٤)\n\nثانيًا: كيفية البعث:\nوفي حديثه عن كيفية هذا البعث، يقول: \"ومما يجب اعتقاده أن الجسم يعاد بعينه عن عدم؛ فيصير الجسم معدومًا بالكلية كما كان قبل وجوده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] \".\nويعرض مع ذلك رأى المخالف مرجحًا: \"وقيل عن تفريق محضين؛ أي فلا يبقى جوهر مع جوهر أصلًا، والأول هو الحق\".\n_________\n(١) سيأتي الحديث عن الأسباب وموقف السلف منها فليراجع في فصل آراؤه في القدر: ٥٩٤.\n(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٣).\n(٣) تقدم بحث تسمية الملك النافخ للصور بإسرافيل في فصل الملائكة والذي يظهر والله أعلم أنه لم يثبت في ذلك دليل يستند إليه: ٣٤١.\n(٤) حاشية الجلالين: (٣/ ٦٠) (٣/ ٣٠٧) وهناك خبر طويل ذكر ضعفه الإمام البيهقي ورد فيه نداءه بهذه الكلمات التي ذكرها الصاوي، انظر: شعب الإيمان: الثامن من شعب الإيمان وهو باب في حشر الناس، رقم الحديث: ٣٥٣: (١/ ٣١٢)، ولم أقف على خبر يفيد مكان النفخ لإسرافيل عليه.","vol":"1","page":528},{"text":"ولكنه يرى استثناء بعض من لا يجوز عليهم الإعادة من العدم؛ لورود الأدلة الثابتة بذلك، يقول في موضع آخر عن مفهوم الإعادة: \"يصير الجسم معدومًا بالكلية، كما كان قبل وجوده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.\nوهذا القول هو المعتمد \"أما من لا تأكل الأرض أجسامهم؛ فيصح فيهم اجتماع المتفرق:\nلا تأكل الأرض جسمًا للنبي ولا ... لعالم وشهيد قتل معترك (١)\nولا يعني - عنده - أن الخلق من العدم يتحصل به المغايرة في الأجساد أو الأرواح؛ لأن قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ يؤكد عدم اختلاف الماهية مع الإعادة، يقول في تفسير الآية: \"يعيدكم أحياء بالأرواح والأجساد بعينها\" (٢).\n\nثالثًا: هيئات الناس عند البعث:\nومع مساواة الناس في تحقق الوعد عليهم بالحشر، إلا أنهم يختلفون في صفته أشد الاختلاف، يقول في تفسير: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]: \"ورد أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحًا، فيقول هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح، فاركبنى؛ فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ يعني ركبانًا، وأما الكافر، فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث، طالما ركبتنى في الدنيا؛ فأنا أركبك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] \" (٣).\nوتكون هيئة الناس عند حشرهم \"حفاة عراة وذلك عند الحساب\".\n_________\n(١) حاشية الجرهرة: ٦٠. وحاشية الخريدة: ١٠٥. وانظر: حاشية الجلالين: (٣/ ٨٥).\n(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٦٦).\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٠).","vol":"1","page":529},{"text":"ويعرف هذه الألفاظ التي أتت بها الأحاديث (١)، فيقول: \"غرلًا: جمع أغرل كحمر جمع أحمر، أي غير مقطوعين القلفة\" (٢)\n* * *\n\nرابعًا: ما يتعلق بالحساب:\nثم يشرع ببيان الحساب وما يتعلق به، يقول: \"الحساب ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ فمن أنكره كفر، ودليله من القرآن: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، وأجمع المسلمون عليه\". (٣)\nوعن مدة الحساب، يقول: \"ورد أنه يحاسب الخلق في نصف يوم من أيام الدنيا\" (٤)، وفي رواية أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة\". (٥)\n- ويتناول بعد ذلك مجمل ما يحدث في يوم الحساب، يقول: \"مما يجب اعتقاده ومن أنكره أو شك فيه فقد كفر؛ لوروده كتابًا وسنة وإجماعًا: تناول العباد الصحف أي الكتب التي كتب الملائكة فيها ما فعلوه في الدنيا، وكل العباد يأخذون صحائفهم إلا الأنبياء والسبعين ألفًا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ومقدمهم ورئيسهم أبو بكر الصديق - ﵁ -\" (٦).\n- كما \"يجب الإيمان بأن العباد توزن أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا، وبالميزان أي الآلة الحسية التي يوزن بها، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n_________\n(١) حديث عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (تحشررن حفاة عراة غرلًا) أخرجه البخاري في صحيحه في عدد من المواضع منها: كتاب الأنبياء - باب قول الله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، رقم الحديث: ٣٣٤٩.\n(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٠).\n(٣) حاشية الجوهرة: ٦٤.\n(٤) حاشية الجلالين: (١/ ١٢٧).\n(٥) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٠).\n(٦) حاشية الجوهرة: ٦٤.","vol":"1","page":530},{"text":"وهذا الوزن \"لا يكون في حق كل واحد، لما ورد يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن\".\nموضحًا العلة في ذلك: \"فهو - الوزن - فرع الحساب، فكل من حوسب وزنت أعماله\" (١).\nويؤقت للوزن زمانًا، فيقول: \"الوزن بعد أخذ الصحف والحساب، ثم بعد الوزن يكون المرور على الصراط، وهو مختلف باختلاف أحوال العباد\".\nأما عن كيفية الوزن وماهية الموزون، فيقول: \"والوزن يكون إما للأعمال أو لصحائفها، فعلى الأول تصور الأعمال الصالحة بصورة نيرة حسنة، وتوضع في كفة الحسنات، وتصور الأعمال السيئة بصورة مظلمة قبيحة، وتوضع في كفة السيئات\" (٢).\n\"وبقى قول ثالث وهو؛ أن الوزن للذوات لما في الحديث: \"إنه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة\" (٣)\nويبعد عن الذهن استحالة هيئات الوزن، يقول: \"لا يقال أن فيه قلبًا للحقائق، لأنه مثال ولأن قدرته تعالى صالحة لذلك؛ فإنه من جملة الممكنات\" (٤)\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ يفصل القول في حال الناس مع الميزان، يقول: \"اعلم أن الناس في القيامة ثلاث فرق؛ متقون لا كبائر لهم، ومخلطون، وكفار؛ فأما المتقون؛ فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم إن كانت لهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتكفر صغائرهم باجتنابهم الكبائر، ويؤمر بهم إلى الجنة، وينعم كل حسب أعماله.\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) المرجع السابق. وانظر: حاشية الخريدة: ١٠٦.\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٩٥).\n(٤) حاشية الخريدة: ١٠٧.","vol":"1","page":531},{"text":"وأما الكفار؛ فإنه يوضع كفرهم في الكفة المظلمة، ولا توجد لهم حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى فارغة فيأمر الله بهم إلى النار.\nوهذان الصنفان هما المذكوران في القرآن صراحة في آيات الوزن.\nوأما الذين خلطوا، فقد ثبت في السنة أن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بأقل قليل، أو ساوت أدخلوا الجنة.\nوإن كانت السيئات أثقل ولو بأقل قليل أدخلوا النار إلا أن يعفو الله، هذا إن كانت كبائرهم فيما بينهم وبين الله، وأما إن كانت عليهم تبعات وكانت لهم حسنات كثيرة، فإنه يؤخذ من حسناتهم فيرد على المظلوم، وإن لم يكن لهم حسنات أخذ من سيئات المظلوم؛ فتحمل على الظالم من أوزار من ظلمه، ثم يعذب إلا أن يرضي الله عنه خصماءه\" (١).\n* * *\n\nخامسًا: الحوض:\nومن جملة ما أخبرت به الشريعة من أمور الغيب الحوض، يقول: \"يجب علينا الإيمان بحوض نبينا - ﷺ -، من أنكره فسق وبدع، وهو كبير متسع طوله شهر وعرضه كذلك، وزواياه سواء، ففى الحديث: (حوضى مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدًا) (٢) \"\nوعن زمان الشرب منه، يقول: \"واختلف هل هو قبل الصراط أو بعده\".\nوفى بيان هيئته، يقول: \"وقيل له حوضان\".\nوكل هذا في رأيه لا يؤثر جهله في الاعتقاد، يقول: \"وفى الحقيقة الواجب علينا اعتقاد ثبوته وجهل تقدمه على الصراط، أو تأخره لا يضر في الاعتقاد\".\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٥٩).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل - باب حوض نبينا - ﷺ - وصفاته: (١٥/ ٥٥).","vol":"1","page":532},{"text":"أما عن رواده، فيقول: \"ويشرب منه من آمن وصدق باليوم الآخر، واتبع سنة رسول الله - ﷺ - ومات على ذلك، ولم يغير ولم يبدل، ولم يتخذ عقيدة غير ما عليه النبي وأصحابه، ويطرد عنه من غير وبدل في عقيدته، فالكافر بعقيدته لا يشرب منه، والمبتدع يشرب منه بعد الرد\". (١)\n\nخامسًا الشفاعة:\nوكان الحديث عن الشفاعة من أهم ما تناوله من المسائل المتعلقة بأخبار يوم القيامة، يقول: \"مما يجب اعتقاده أن النبي - ﷺ - شافع مشفع\".\nويعرف الشفاعة بأنها \"لغة: الوسيلة والطلب، وشرعًا سؤال الخير للغير\"\nوعن مكانة الرسول بين الشافعين، يقول: \"ومما يجب اعتقاده أن النبي مع كونه شافعًا ومقبول الشفاعة، مقدم على غيره من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين\".\nويستطرد في الحديث عن أنواع شفاعته - ﵊ -، وما يختص به منها، يقول: \"وله شفاعات أعظمها الشفاعة في فصل القضاء، وهى مختصة به قطعًا؛ لأن الناس في ذلك الوقت يذهبون إلى الرسل من آدم إلى عيسى فردًا فردًا؛ فيسألونهم الشفاعة في الانصراف من ذلك الموقف، فكل يبدى حجة إلى أن يذهبوا إليه - ﷺ - يسألونه الشفاعة، فيقول: أنا لها أنا لها، فيسجد تحت العرش، فيقول الله له: ارفع رأسك واشفع تشفع، فيرفع رأسه وهذا هو المقام المحمود؛ لأنه من حينها يكثر حمد الناس له، فينصب له لواء له ثلاث زاويات، زاوية بالمشرق، وأخرى بالمغرب، وأخرى بالوسط، والأنبياء ومن دونهم تحت ذلك اللواء. (٢)\nوثانى الشفاعات في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهى مختصة به أيضًا. (٣)\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٦٤.\n(٢) وقد صح هذا الخبر بروايات عدة في كتب الصحاح منه ما أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: برقم: ٣١٦٢: (٣/ ١٢١٥).\n(٣) وهذا ما دلت عليه الأحاديث الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، فقد أخرج البخاري في صحيحه ما ورد في (يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب): كتاب التفسير - باب ذرية من حملنا مع نوح، رقم الحديث: ٤٤٣٥.","vol":"1","page":533},{"text":"ثالثها: فيمن استحق دخول النار؛ أن لا يدخلها وليست مختصة به - ﷺ - (١).\nرابعها: في إخراج الموحدين من النار وليست مختصة به أيضًا (٢).\nخامسها: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها (٣).\nسادسها: في جماعة من صلحاء أمته؛ ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات (٤).\nسابعها: فيمن خلد في النار من الكفار؛ أن يخفف عنهم العذاب في أوقات مخصوصة (٥).\nثامنها: في أطفال المشركين أن لا يعذبوا (٦).\n_________\n(١) وهذا مما يندرج في شفاعته لأهل الكبائر من أمته، أخرج البخاري في صحيحه أنه - ﵊ - قال: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه، أو نفسه): كتاب العلم - باب الحرص على الحديث، رقم الحديث: ٩٩.\nوقد صرحت أحاديث بشفاعته لمن استحق النار أن لا يدخلها ولكنها لم تثبت من حيث الإسناد، انظر: الشفاعة، لأبي عبد الرحمن مقبل الوادعى: ١١٠. وقد صرح الإمام ابن القيم - ﵀ - بالتوقف فيها، فقال في حاشيته على سنن أبي داود ما نصه: \"ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس: أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع قبل الدخول، فلا يدخلون، فلم أظفر فيه بنص\" انتهى كلامه، ولعله أراد بعدم الوقف على نص صحيح يعتمد إليه في مثل هذه المسائل العظيمة: (١٣/ ٧٨).\n(٢) وهذا ما ورد في عدد من الأحاديث الصحيحة، أخرج البخاري في صحيحه: عن النبي - ﷺ - أنه قال: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - ﷺ - فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين): كتاب الرقاق - باب صفة الجنة والنار، رقم الحديث: ٦١٩٨.\n(٣) ومما يدل على ذلك دعاؤه - ﷺ - لأحد الصحابة برفعة الدرجات فقد أخرج البخاري في حديث مطول أنه - ﷺ - قال يدعو لصحابى جليل يدعى أبو عامر (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس): كتاب المغازى - باب: غزوة أوطاس، رقم الحديث: ٤٠٦٨.\n(٤) وهذه مما يندرج في التي قبلها.\n(٥) وذلك كشفاعة النبي في عمه أبى طالب، أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله - ﷺ - لمن سأله قائلًا: ما أغنيت من عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟: (هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار): كتاب فضائل الصحابة - باب قصة أبى طالب، رقم الحديث: ٣٦٧٠.\n(٦) المعلوم أن أولاد المشركين وكل من مات على الفطرة مع إبراهيم - ﵇ - كما هو معلوم من حديث البخاري الذي حكى يه النبي - ﷺ - رؤية رآها ففيها أن إبراهيم - ﵇ - في أصل الشجرة والصبيان حوله: كتاب الجنائز - باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم الحديث: ١٣٢٠.","vol":"1","page":534},{"text":"وبالجملة فالمختص به قطعًا الشفاعة العظمى، وأما ما عداها ففيه خلاف ويشفع غيره، كالأنبياء، والملائكة، والصحابة، والشهداء، والأولياء، والأطفال، والمولى يشفع فيمن قال لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرًا قط\" (١).\n* * *\n\nتعليق:\nأولًا: حقيقة البعث:\nمن جملة المسائل المهمة، التي تطرق الصاوي للحديث فيها: مسألة كيفية البعث وإعادة الحياة إلى أصحاب القبور، فإن ما ذكره فيها من أقوال لتعد زبدة أقوال المتكلمين في كيفية البعث، فجمع المتفرق، والإعادة من العدم، هما ما أجمع عليه أهل الفن من الأشاعرة.\nوالحقيقة المستمدة من معين الوحى المطهر أن الإعادة من العدم المحض، كما يعتقد الأشاعرة لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، بل قد دلت الأحاديث النبوية على أن جزء من الإنسان حتى غير ما ذكر من الذين لا تبلى أجسادهم يبقى وهو عجب الذنب، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - (ما بين النفختين أربعون). قال: أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة) (٢).\nقال الحافظ - ﵀ -؛ في بيان معنى العجب: \"هو عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع\" (٣).\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٦٤.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، رقم الحديث: ٤٦٥١.\n(٣) فتح الباري: (٨/ ٥٥٢).","vol":"1","page":535},{"text":"وليس في استدلاله بقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ دليل على ما ذهب إليه من الإعادة من العدم؛ لأن الله تعالى إنما خلق الإنسان مما ذكر في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢].\nبل الإنسان الأول؛ وهو آدم - ﵇ -، قد ذكر الباري تعالى لنا قصة خلقه في عدد من مواضع كتابه العزيز، وكيف أنه تعالى خلقه من: ﴿صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"والإنسان إذا مات وصار ترابًا؛ فنى وعدم، وكذلك سائر ما على الأرض، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداءً من التراب، ويخلقه خلقًا جديدًا. ولكن للنشأة الثانية أحكامًا وصفات ليست للأولى، والمشهود المعلوم للناس إنما هو إحداثه لما يحدثه من غيره، لا إحداثًا من غير مادة.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، ولم يقل خلقتك لا من شيء، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، ولم يقل خلق كل دابة لا من شيء، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وهذا هو القدرة التي تبهر العقول، وهو أن يقلب حقائق الموجودات، فيحيل الأول ويفنيه ويلاشيه، ويحدث شيئًا آخر، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥] \" (١).\nوقد أطال الإمام ابن القيم - ﵀ - النفس في دحض هذا المعتقد، الذي أثار افتراءات الفلاسفة المنكرين للبعث الجسدى (٢)، يقول: \"فإن القرآن والسنة إنما دلا على تغيير العالم وتحويله وتبديله، لا جعله عدمًا محضًا وإعدامه بالكلية، فدل\n_________\n(١) النبوات: ١٠٨ - ١٠٩.\n(٢) انظر: تهافت الفلاسفة للغزالى: ٣٠٢.","vol":"1","page":536},{"text":"على تبديل الأرض غير الأرض والسموات، وعلى تشقق السماء وانفطارها، وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، ويسجر البحار، وإنزال المطر على أجزاء بنى آدم المختلطة بالتراب؛ فينبتون كما ينبت النبات، وترد تلك الأرواح بعينها إلى تلك الأجساد، التي أحيلت ثم، أنشئت نشاة أخرى \"إلى أن يقول: فهذا الذي أخبر به القرآن والسنة، ولا سبيل لأحد من الملاحدة الفلاسفة وغيرهم إلى الاعتراض على هذا المعاد، الذي جاءت به الرسل بحرف واحد، وإنما اعتراضهم على المعاد الذي عليه طائفة من المتكلمين؛ أن الرسل جاءوا به وهو أن الله يعدم أجزاء العالم العلوى والسفلى كلها، فيجعلها عدمًا محضًا، ثم يعيد ذلك العدم وجودًا (١).\nأما الذي عليه المتكلمون في إدراك حقيقة البعث بأنه الجمع للمتفرق؛ إنما تحصل نتيجة لموقفهم من الخلق ابتداءً \"فإن معرفة المعاد مبنية على معرفة المبدأ، والبعث مبنى على الخلق\" (٢).\nفإنهم لما أرادوا أن يستدلوا لحدوث الخلق في مقابل اعتقاد الفلاسفة بقدمه قسموا العالم إلى جواهر وأعراض، وعرفوا الجوهر بأنه القائم بنفسه، والعرض ما قام بغيره، ثم أثبتوا حدوث الأعراض لملازمة التغيير لها، وحتى يصلوا إلى إثبات حدوث الجواهر قالوا بأصلهم الفاسد كل ما لا يخلو من الأعراض فهو حادث، فإن حقيقة اعتقادهم بالخلق المتجدد يؤول إلى إحداث الأعراض وإزالتها، أما الجواهر فهى باقية لم يحدث فيها إيجاد وإعدام بعد خلقه لها أول مرة من العدم، كما هو معلوم من اعتقادهم بامتناع حوادث لا أول لها، وهذا أصل قولهم بأن المعاد: هو تفريق تلك الأجزاء ثم جمعها، وهى باقية بأعيانها.\nأما من قال بالإعادة من العدم فإنه يقول: \"بل يعدمها ويعدم الأعراض القائمة بها ثم يعيدها\".\nوقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - فساد كلا القولين، فأبطل أصل معتقدهم ببقاء الجواهر، وأظهر ما فيه من سوء اعتقاد وقلة علم بما يجب لله تعالى من تعظيم\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة: (٢/ ٣٥). وانظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي: ٤٦٤.\n(٢) النبوات: ١٠٤.","vol":"1","page":537},{"text":"وإجلال وقدرة على الخلق والإيجاد، يقول - ﵀ -: \"وهؤلاء - يريد المتكلمين - يريدون بالمادة جوهر باقٍ وهو محل للصورة الجوهرية، فلم يخلق عندهم الإنسان من مادة، بل المادة باقية، وأحدث صورته فيها؛ كما أن الصور الصناعية كصورة الخاتم والسرير والثياب والبيوت وغير ذلك، إنما أحدث الصانع صورته العرضية في مادة لم تزل موجودة لم تفسد، لكن حولت من صفة إلى صفة، فهكذا تقول الجهمية المتكلمة المبتدعة أن الله أحدث صورة عرضية في مادة باقية لم تفسد، فيجعلون خلق الإنسان بمنزلة عمل الخاتم والسرير والثوب، . . . . .، وهم لا يشهدون للرحمن إحداثًا ولا إفناءً، بل إنما يحدث عندهم الأعراض، وهى تفنى بأنفسها لا بإفنائه، وهى تفنى عقب إحداثها\" (١).\nويفصل القول في مناقضة قولهم لما هو معلوم بالضرورة والبرهان، فيقول: \"الإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أعيدت تلك الجواهر من الأول نقصت من الثاني وبالعكس.\nأما على قول من يقول أنها تفرق، ثم تجمع فقيل له: تلك الجواهر إن جمعت للآكل نقصت من المأكول، وإن أعيدت للمأكول نقصت من الآكل\". (٢)\n- أما عن استثناء من لا يجوز عليهم العدم والفناء؛ كالأنبياء - ﵈ -، فقد أشار الصاوي إلى عدد منهم، حيث ورد في الحديث الشريف أن رسول الله قال: (إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء). (٣)\n\"أما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة\".\nوأما العلماء فقد يكون مستنده في القول بمنع العدم عليهم أيضًا هو المشاهدة\n_________\n(١) النبوات: ١٠٦ - ١٠٧.\n(٢) النبوات: ١٠٤.\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الوتر - باب في الاستغفار، رقم الحديث: ١٥٢٦: (٢/ ٢٩٩). وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم: ١٣٥٥: (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":538},{"text":"بالعادة، فقد شوهد إلى هذا اليوم من تفتح قبورهم من العلماء ولم تتغير أجسادهم؛ كالشهيد تمامًا.\nوقد استند الإمام ابن عبد البر في استثناء الشهيد تبعًا للأنبياء إلى ما وقع للصحابة الكرام وشوهد حين نقلت أجسادهم بعد ست وأربعين سنة، فاعتبر أن تعميم الحكم الوارد في حديث عجب الذنب مما يدخله الخصوص، بدلالة خروج الأنبياء من عمومه، ومن جهة أخرى فإنه استدل لذلك بدليل الإمكان العقلي فإنه إذا جاز أن يمتنع على الأرض أكل العجب كان الشهداء في ذلك من باب أولى لما شوهد من خبرهم، يقول: \"وظاهر هذا الحديث وعمومه يوجب أن يكون بنو آدم كلهم في ذلك سواء، إلا أنه قد روى في أجساد الأنبياء والشهداء أن الأرض لا تأكلهم، وحسبك ما جاء في شهداء أحد وغيرهم، وهذا يدل على أن هذا لفظ عموم، ويدخله الخصوص من الوجوه التي ذكرنا، فكأنه قال: كل من تأكله الأرض فإنه لا تأكل منه عجب الذنب وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب، جاز أن لا تأكل الشهداء، وذلك كله حكم الله وحكمته\" (١) انتهى كلامه - ﵀ -.\nوبناء على ما ذهب إليه - ﵀ - من جواز التخصيص بطريق المشاهدة فقد زاد غيره الصديقين والعلماء العاملين والمؤذن المحتسب وحامل القرآن العامل به والمرابط والميت بالطاعون صابرًا محتسبًا والمكثر من ذكر الله والمحبين لله فتلك عشرة كاملة\" (٢). والله تعالى أعلم.\n\nثانيًا: النفخ في الصور:\nصح عن رسول الله - ﷺ - أنه عرف الصور عندما سأله الأعرابى عنه بأنه: (قرن ينفخ فيه) (٣) وكان تعريف الصاوي له مقاربًا لهذا الحديث أما عن متولى النفخ فيه؛\n_________\n(١) التمهيد: (١٨/ ١٧٨).\n(٢) شرح الزرقاني على الموطأ: (٢/ ٨٤). وانظر: عمدة القارى: (١٩/ ١٤٦).\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة - باب في ذكر البعث والصور، رقم الحديث: ٤٧٠٩: (٥/ ٢٤٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: ٣٩٦٨: (٣/ ٨٩٨) .. وأخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق - باب ما جاء في شأن الصور، رقم الحديث: ٢٤٣٠، وقال الترمذي: حديث حسن: (٤/ ٥٣٦).","vol":"1","page":539},{"text":"فقد حكى الحافظ ابن حجر - ﵀ - الإجماع على أن النافخ في الصور هو إسرافيل - ﵇ -، ومع ذلك فقد ضعف جميع الروايات التي ذكر فيها تسميته. (١)\nوهذا ما رجحه الإمام الطبري عند عرضه ما قيل فيه من أقوال؛ وكان مستنده في ذلك الحديث السابق عن رسول الله - ﷺ -. (٢)\nوقد بينت الأحاديث الشريفة هيئة ذلك الملك الكريم، في تأهبه التام لتلقى الأمر بالنفخ فيه، قال رسول الله - ﷺ -: (كيف أنعم؛ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ! قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله ربنا) (٣)\nأما عن عدد النفخات، فالواضح من كلام الصاوي اعتقاد أنها نفختان، لا ثالث لهما: نفخة الصعق، ونفخة البعث والنشور.\nوقد اختلفت العلماء في عددها على وجه التحقيق؛ فالقائلون بأنها ثلاث فرقوا بين الفزع والصعق، وفسروا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]؛ بأنها نفخة الفزع التي تليها نفخة الصعق، أما من ذهب إلى أنها نفختان؛ جعلوا الصعق والفزع واحدة وبعدها نفخة البعث والنشور.\nولعل القول بأنها نفختان آكد الدلالة لحديث المصطفى - ﷺ -: (ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال ينزل الله\n_________\n(١) انظر: فتح الباري: (١١/ ٣٦٨). وانظر: ما تقدم من مبحث الملائكة: ٣٤١.\n(٢) انظر: جامع البيان: (٧/ ٢٤١).\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب التفسير من سورة الزمر، برقم: ٣٢٤٣ وقال: حديث حسن: (٥/ ٣٧٤). وصححه الألباني في صحيح الترمذى برقم: ٢٥٨٥: (٣/ ١٠٠).","vol":"1","page":540},{"text":"مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (الزمر: ٦٨» (١).\nوحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما بين النفختين أربعون). قال: أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة). (٢)\nوالذي يظهر من أقوال المفسرين والعلماء أن سبب الاختلاف في عدد النفخات يرجع إلى اختلاف الأفهام، في استنباط الفوائد من الادلة المتعددة، ولتوقف الصاوي عن الخوض فيها، ولأنى لم أجد من الخوض فيها كبير نفع؛ أدع للقارئ مرجعًا يستفيد منه فهم تلك الأقوال (٣).\n\nالحساب:\nلقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله تعالى يحاسب عباده حسابًا سريعًا، يسيرًا عليه ﷾.\nأما عن تحديد مدة ذلك الحساب فقد اختلف العلماء في ذلك حيث ظهرت أقوال عدة للمفسرين من السلف الصالح عند بيان قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فذهب البعض إلى أن مدة الحساب: خمسين ألف سنة على المسلم والكافر، وهذا قول الحسن.\nدل على ذلك قوله - ﷺ -: (ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدى منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار\n_________\n(١) أخرجه مسلم: كتاب الفتن - باب خروج الدجال، رقم الحديث: ٣٨٩.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير - باب يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا، رقم الحديث: ٤٩٣٥.\n(٣) لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب الحياة الآخرة لـ د/ غالب عواجى: (١/ ١٨٩).","vol":"1","page":541},{"text":"جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار). (١)\nوقال ابن عباس يكون كذلك على الكافرين فقط دون المؤمنين، بينما ذهب البعضى إلى أن شعور المؤمن به يختلف عن الكافر حيث يخفف على المؤمنين، فلا يشعرون بطوله، وهذا ما دل عليه قوله - ﷺ -: (يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة يهون ذلك على المؤمنين، كتدلى الشمس للغروب إلى أن تغرب) (٢).\nوالبعض ذهب إلى أن العدد غير مراد لذاته، وإنما لبيان عظيم قدرة الله وتصريفه لشؤون عباده بحيث: \"لو ولى محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله لم يفرغ منه خمسين ألف سنة\".\nلذا ورد عن بعض السلف منهم عطاء عن ابن عباس ومقاتل أن الله يفرغ منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.\nوقد روى ما يؤيده عن محمد بن الفضل عن الكلبي قال: \"يقول - أي المولى تعالى - لو وليت حساب ذلك اليوم الملائكة والجن والإنس وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه إلا بعد خمسين ألف سنة، وأنا أفرغ منها في ساعة واحدة من النهار\". (٣)\nوهذا ما ذهب إليه الصاوي هنا، أما عن تحديد المدة بمقدار حلب شاة فهذا ما ذكرته بعض كتب التفسير وترجع من حيث المفهوم إلا ما ذكرته من أن المدة غير محددة وإنما أريد سرعة الحساب المعجزة، يقول القرطبي: \"قال الحسن: حسابه\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة - باب إثم مانع الزكاة، رقم الحديث: ٢٢٨٧.\n(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه: باب إخباره - ﷺ - عن البعث وأحوال الناس في ذلك اليوم، برقم: ٧٣٣٣. وصححه شعيب الأرنؤوط وقال: إسناده صحيح على شرط البخاري: (١٦/ ٣٢٨).\n(٣) تفسير البغوي: (٨/ ٢٢١).","vol":"1","page":542},{"text":"أسرع من لمح البصر، وفى الخبر: إن الله يحاسب في قدر حلب شاة، وقيل: هو أنه إذا حاسب واحدًا فقد حاسب جميع الخلق، وقيل لعلي بن أبي طالب - ﵁ -: كيف يحاسب الله العباد في اليوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم\" (١)\nأما عن تفاصيل الحساب، فقد بينت آيات الكتاب الكريم الهيئات، التي يتأتى بها تناول العباد لصحفهم، فمنهم من يعطى كتابه بيمينه، وهؤلاء هم أهل السعادة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩].\nومنهم من يؤتى كتابه من وراء ظهره أو بشماله، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، وهؤلاء هم أهل الشقاء والتعاسة أعاذنا الله من حالهم.\nوكان ما ذهب إليه الصاوي من استثناء السبعين ألفًا من تناول الصحف، الذين ورد ذكرهم في حديث النبي - ﷺ - الذي قال فيه: (ليدخلن من أمتى سبعون ألفًا، أو سبعمائة ألف، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر) (٢) فرعًا لنفى الحساب عنهم، وكان الذي ذهب إليه في ذلك فهمًا استنبطه من قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، ومن قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩، ٢٠].\nوبناء على ما ثبت \"في عدة أخبار عن النبي المختار - ﷺ - ما كر الليل على النهار: أن طائفة من هذه الأمة بلا ارتياب يدخلون الجنة بغير حساب، فيدخلون جنات النعيم قبل وضع الموازين، وأخذ الصحف بالشمال واليمين\" (٣).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن: (٢/ ٤٣٥). وهذا الخبر مما لم يذكر المفسرين سنده، وقد وجدته في عدد منها بلا سند كتفسير النسفي والصاوي وأبي السعود، وفي موسوعة أطراف الحديث النبوي، عزاه السعيد زغلول لتفسير القرطبي كما هو ثبت أعلاه: (٣/ ٢١٤).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق - باب ما جاء في صفة الجنة، رقم الحديث: ٣٢٤٧.\n(٣) لوامع الأنوار: ١٧٦.","vol":"1","page":543},{"text":"وأما الحساب؛ ففى استثناء الأنبياء منه مع هؤلاء السبعين ألفًا خلاف بين العلماء، فالذين ذهبوا إلى أن الحساب لا يستثنى منه أحد؛ احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]؛ على عموم الحساب في حق كل أحد، والحق أنه مع ثبوت السؤال، فليس فيه ما يثبت الحساب؛ لأنه تعالى إنما يسألهم ليحق الحق، ويظهر تمام براءة الرسل، وعظيم جرم الكافرين، يقول الرازي: \"فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير البتة؟، قلنا: لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير البتة، التحق التقصير بكليته بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل؛ لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزى والإهانة في حق الكفار؛ لما ثبت أن كل التقصير كان منهم\" (١).\nوفي توجيه رأى من ذهب إلى عدم استثناء أحد من المسألة بموجب هذه الآية الكريمة؛ يكون الحساب المنفى عن الأنبياء ما كان على هيئته المعلومة، حيث يكون جهة المناقشة والتقريع\".\nلأن \"الأنبياء لا حساب عليهم، وكذلك أطفال المؤمنين، وكذلك العشرة المبشرون بالجنة\" (٢).\n- ومما يتفرع عن الحساب الوزن وزمانه، يرى الصاوي أنه يكون بعد الحساب، يقول القرطبي: \"قال العلماء إذا انقضى الحساب كان بعده الوزن؛ لأن الوزن للجزاء فينبغى أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها\" (٣).\nهذا \"وإثبات ميزان الآخرة مذهب الفرقة الناجية القاهرة، ومن خالفهم رمى بمخالفة الشريعة، ونبز بالبدعة الشنيعة\" (٤).\n_________\n(١) التفسير الكبير: (١٤/ ٢٣).\n(٢) لوامع الأنوار: (٢/ ١٧٥).\n(٣) التذكرة: (٢/ ١٠).\n(٤) منهاج السلامة في ميزان القيامة، للحافط محمد بن أبي بكر القيسي: ١٣٠.","vol":"1","page":544},{"text":"أما عن حقيقة الميزان؛ فقد وردت أقوال عدة في بيان ماهيته، فالراجح عند السلف أنه ميزان حقيقي حسى توزن به الأعمال، والبعض من أهل العلم فسره بالعدل، وقال: هو كناية عن إرادته، وقد عزا القرطبي هذا القول إلى مجاهد، والضحاك، والأعمش، والصحيح ما عليه الجمهور، كما أشار إلى ذلك القرطبي، وقد استدل شيخ الإسلام - ﵀ - على أنه ميزان حقيقى حسي بالأخبار التي وردت في وزنه الأعمال، يقول: \"الميزان هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ وقوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nوفي الصحيحين عن النبي - ﷺ -: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده) (١)، وقال عن ساقى عبد الله بن مسعود: (لهما في الميزان أثقل من أحد)، وهذا وأمثاله مما يبين أن الاعمال توزن بموازين؛ تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس، فهو ما به تبين العدل، والمقصود بالوزن العدل، كموازين الدنيا\".\nوبعد ذلك بين - ﵀ - أن كيفية وزن الأعمال به مما لا علم بحقيقته، يقول: \"أما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب\" (٢).\nوهذا البيان منه - ﵀ - كافٍ في الإجابة على اعتراض من اعترض باستحالة وزن الأعراض، إلى غير ذلك مما ذكره الصاوي؛ نقلًا عن القرطبي في كتابه التذكرة (٣).\nأما ما ذكره الصاوي متابعًا القرطبي في كون كفة الحسنات من نور والأخرى من ظلام؛ فلم أقف على عزو هذه الأقوال، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الدعوات - باب فضل التسبيح، رقم الحديث: ٦٠٤٦.\n(٢) مجموع الفتاوى: (٤/ ٣٠٢).\n(٣) (٢/ ١٦).","vol":"1","page":545},{"text":"الحوض والصراط:\nوردت أدلة كثيرة عن الرسول - ﵊ - في بيان صفة الحوض (١) منها ما أورده الصاوي، وكلها تفيد أنه من نعم الله الجليلة على نبيه - ﷺ -، وعلى أمته من بعده قد اختصت به، وأنه لا يشرب منه من خرج على اتباع المصطفى، وانساق وراء الأهواء والشبه، وقد أورد الصاوي في تقرير ما ورد فيه مسألتين، وهما: ومن وروده للشرب منه، الثانية: حال رواده.\nفقد ذكر الصاوي اختلاف العلماء في زمن الشرب من الحوض، ورأى أن ذلك مما لا يضر الجهل به وهذا صحيح، وقد أورد القرطبي وابن حجر أقوال العلماء في ذلك (٢) والذي يظهر أن ما ذهب إليه القرطبي أصح ما قيل في ذلك، فقد ذهب - ﵀ - إلى أن الحوض يكون قبل الصراط، واستدل بحديث البخاري أن النبي - ﷺ - قال: (بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم، فقال: هلم، قلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) (٣) يقول في وجه الاستدلال به: \"فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عليه، فمن جازه سلم من النار\" (٤)\nبقيت مسألة مهمة؛ وهي حال الناس مع الحوض في ورودهم إياه؛ فقد وردت أدلة كثيرة تفيد أن الحوض ترده أمة محمد - ﷺ -، وأنه يرد عنه أهل الابتداع منهم، قال النبي - ﷺ -: (إني فرطكم على الحوض، من مر على شرب، ومن شرب لم يظمأ\n_________\n(١) انظر: مرويات الصحابة - ﵃ - في الحوض والكوثر. جمع عبد القادر بن محمد عطا صوفي.\n(٢) انظر: التذكرة: (١/ ٤٥٧). وفتح الباري: (١١/ ٤٦٦).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب في الحوض، رقم الحديث: ٦٥٨٧.\n(٤) التذكرة: (١/ ٤٥٨).","vol":"1","page":546},{"text":"أبدًا، ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بينى وبينهم، فأقول: إنهم منى، فيقال: لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدى) (١)\nأما ما ذهب إليه الصاوي في إثبات الرد لأهل الابتداع في الدين بعد ذودهم عنه فقد قارب فيه كلام الحافظ ابن حجر في بعض توجيهاته للحديث، حيث قال: \"وقيل هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار لجواز أن يذادوا عن الحوض أولًا عقوبة لهم ثم يرحموا\" (٢) ولكن الدليل السابق صريح في ذهابهم إلى النار، وعلى كل فليس لرجوعهم مرة أخرى إلى الحوض بعد ذودهم عنه دليل ولا حتى من كلام الحافظ لأنه لم ينص على رجوعهم وإنما على إمكان حلول رحمة الله بهم فلا يصار بهم إلى النار. وفيه بيان ما للمبتدع من الوعيد الشديد.\n- أما عن الصراط فهو: \"جسر ممدود على متن جهنم، يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة بين الجنة والنار\" (٣).\nوفي بيان صفته يقول أبو سعيد الخدري - ﵁ -: (بلغنى أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف) (٤).\nويروى في ذلك حديث آخر مطول فيه أن رسول الله - ﷺ - قال: (ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهرى جهنم). قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة، عليه خطاطيف، وكلاليبا، وحسكة مفلطحة؛ لها شوكة عقيفة تكون بنجد، يقال له: السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا) (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب في الحوض، رقم الحديث: ٦٥٨٣ - ٦٥٨٤.\n(٢) فتح الباري: (١١/ ٣٨٦).\n(٣) لوامع الأنوار، للسفاريني: (٢/ ١٨٩).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب رؤية الله سبحانه في الآخرة: (٣/ ٣٤).\n(٥) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، رقم الحديث: ٧٤٣٩. وانظر: البدور السافرة في أخبار الآخرة، للسيوطي: باب ما ورد في الصراط: ٣٣٠.","vol":"1","page":547},{"text":"مسألة الشفاعة:\nكانت هذه القضية من أعظم ما تطرق إليه الصاوي في حديثه عن حقائق يوم القيامة، وقد فصلت القول في أنواع شفاعة الرسول - ﷺ - الثابتة في الصحاح، ومع ذلك فكلامه في هذه المسألة ينقصه بيان أنواع الشفاعة من حيث الاعتقاد، فالتسليم بأن شفاعة الرسول - ﷺ - مقبولة قطعًا؛ لا يعني أن يعتقد إمكانها على كل حال، وفي حق كل أحد، كما يظن البعض، فقد يتوهم بعض الغلاة أنه إذا طلب الشفاعة من الرسول أو من بعض الصالحين فإن ما يرجوه من النجاة والفوز متحقق على جهة التأكيد، وألحق الذي لا مراء فيه أن الشفاعة المثبتة التي أتت الآيات والأحاديث بإثباتها لا تكون إلا بتحقق شرطين وهما: الإذن من المولى تعالى، ورضاه سبحانه عن المشفوع له، فإذا وجدت هذه الشروط حلت الشفاعة وأذن للشافع، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].\nوإذنه تعالى مرتبط بتحقق رضاه، بمعنى أنه ثمرة له، ورضاه تعالى عن المشفوع له إنما يتحصل إذا كان من أهل الإخلاص والتوحيد، لحديث المصطفى - ﷺ -: (أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه) (١).\nإذًا فاعتقاد قبول شفاعة النبي - ﷺ - لا ينافى ما تقدم؛ لأنه - ﵊ - لا يشفع إلا عند تحقق هذين الشرطين.\nوهذه الشفاعة المثبتة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة؛ تعنى أن الأمر كله لله وحده، فهى إذًا مستمدة من حقيقة التوحيد، الذي دعا الرسل إلى التمسك به، ومن المعلوم أن المشركين حين اعتقدوا استقلال آلهتهم في القيام بالشفاعة؛ صرفوا أنواع التقرب إليها من دون الله، فوقعوا في الشرك المخرج من التوحيد، وهذا ما نفسر به نفى الشفاعة في بعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم - باب الحرص على الحديث، رقم الحديث: ٩٩.","vol":"1","page":548},{"text":"عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] (١)\nوهذه هي المسماة بالشفاعة المنفية الشركية، التي ليس لها حقيقة إلا في أذهان معتقديها؛ كلما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. (٢)\nوالأدلة على ثبوت الشفاعة للنبي - ﷺ - كثيرة مستفيضة، سبق وأن أوردت بعضها، وقد بلغت حد التواتر المعنوى، فإن: \"شفاعة النبي - ﷺ - نوع من السمعيات، وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوى، وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح\".\nوأعظم أنواعها الشفاعة لفصل القضاء كما بين الصاوي، فإن هذه الشفاعة \"مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر، إذ هي للإراحة من طول الوقوف حين يتمنون الانصراف من موقفهم ذلك ولو إلى النار\" (٣)\nوقد ثبتت الشفاعة أيضًا للأنبياء الآخرين، وكذلك للملائكة والشهداء والصالحين، قال رسول الله - ﷺ - في حديث مطول ذكر فيه بعض ما يكون من أهوال يوم القيامة: (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض من النار، فيخرج أقوامًا قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافته كما تنبت الحبة في حميل السيل) (٤).\n* * *\n_________\n(١) تقدم الحديث عن حقيقة التوحيد الذي أتى به الرسل - ﵈ - في مبحث التوحيد: ١٦٥.\n(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٢٨٨.\n(٣) لوامع الأنوار: (٢/ ٢٠٨). ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى الشفاعة للشيخ/ مقبل الوادعي.\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد - باب قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، رقم الحديث: ٧٤٣٩.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>الجنة والنار</span>\nأراد الله بحكمته وتمام عدله أن يجزى كل إنسان بما قدم من عمل؛ إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا، وحتى تقام الحجة على الخلق؛ فلا يدانى هذه الحقيقة الكونية الشرعية شك وارتياب أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب هداية وإرشادًا تبشيرًا وإنذارًا، وكانت جميع الرسالات تأتى يصدق بعضها بعضًا في الدعوة للتصديق بهذه الحقيقة؛ حتى أنيطت النجاة بالإيمان بها.\nوالمتأمل في آيات الكتاب الكريم، يجد أن تقرير هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان؛ قد عنى بشأنه عناية عظيمة، ولا شك أن في ذلك دلالة واضحة على بروز أهميته من بين مسائل العقيدة، إذ يحقق بدوره مدعاة عظيمة لاتباع الأمر واجتناب النهى، حتى لا يكاد يغيب عن المكلف المتأمل كتاب ربه ذلك المصير الجزائي العظيم.\nهذا ولم يقتصر الحديث عنهما على الكتاب فقط، بل تناولت السنة المطهرة الكثير من المسائل المتعلقة بهما، إما من حيث التأصيل أو من حيث البناء، أما ما ورد منها في تأصيل المعتقد، فمثل قوله - ﷺ -: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) (١).\nوأما ما ورد من جهة البناء وزيادة البيان فكثير جدًا، فمنها ما يصف نعيم الجنة وما أعد الله تعالى للمتقين من ألوان النعيم المقيم، ومنها ما يبين أسباب دخولها والأعمال الموجبة لها إلى غير ذلك (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، رقم الحديث: ٣٤٣٥.\n(٢) انظر: كتاب حادى إلارواح للإمام ابن القيم في ذلك.","vol":"1","page":550},{"text":"رأي الشيخ الصاوي:\nالمراد بالجنة:\nيعرف الصاوي الجنة لغة بأنها: \"البستان\"، ويعبر عن معناها الشرعي بقوله: \"والمراد منها دار الثواب\".\nوعن عدد أبوابها، يقول: \"أبوابها الكبار ثمانية (١)، باب الشهادتين، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الزكاة، وباب الحج، وباب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وباب الصلة، وباب الجهاد في سبيل الله\".\nويصف داخل الجنة، بقوله: \"ومن داخلها عشرة أبواب صغار، وهى سبع جنات متجاورة أوسطها وأفضلها الفردوس، وسقف الجميع عرش الرحمن، ويليها جنة المأوى وجنة الخلد وجنة النعيم وجنة عدن ودار السلام ودار الجلال، وقيل: أربع، وقيل: واحدة؛ وإنما التعدد في الاسم لشرفها، ولتحقق معانى تلك الأسماء فيها، ترابها المسك والزعفران، وفى كل قصر منها فرع من شجرة طوبى، وأصلها في بيت النبي - ﷺ -، تطرح ما تشتهيه الأنفس، وبالجملة ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\".\nأما مكان الجنة فيرى أنه: \"فوق السموات السبع\" (٢).\n\nالمراد بالنار:\n- وعند حديثه عن النار؛ يبدأ ببيان منزلة الإيمان بها، يقول: \"يجب الإيمان بها كغيرها في وجوب التصديق بوجودها شرعًا\".\n_________\n(١) ورد ذلك في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون)، أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق - باب صفة أبواب الجنة، رقم الحديث: ٣٢٥٧. أما أسماء الأبواب فقد وردت في حديث آخر فيه أن رسول الله قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودى من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة): أخرجه البخاري في كتاب الصوم - باب الريان للصائمين، رقم الحديث: ١٨٩٧.\n(٢) حاشية الجلالين: ٦٣، وحاشية الخريدة: ١٠٩.","vol":"1","page":551},{"text":"ويعرف النار شرعًا بأنها: \"دار العذاب بجميع طبقاتها السبع\".\nويسترسل في الحديث عن هيئتها المريعة، فيقول: \"أرضها من رصاص وسقفها من نحاس وحيطانها من كبريت وقودها الناس والحجارة\".\nويذكر من شدة ما ورد في وصفها \"الحديث: (أن نار الدنيا أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى اسودت؛ فهى سوداء مظلمة) (١) \" (٢).\nكما يرى تقسيم النار إلى طبقات، فـ \"أعلاها جهنم وهى لعصاة المؤمنين وتحتها لظى هي لليهود، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦].\nثم الحطمة قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٥، ٦]؛ وهي النصارى.\nثم السعير قال تعالى: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] وهى للصابئين فرقة من اليهود، ازدادوا ضلالًا لعبادتهم العجل.\nثم سقر وهي للمجوس عباد النار، قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦].\nثم الجحيم وهي لعبدة الأصنام، قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠، ٣١].\nثم الهاوية وهي للمنافقين، وكل من اشتد كفره كفرعون وهامان وقارون\".\nويعلل تقسيمه السابق؛ بقوله: هكذا ذكر الأشياخ تبعًا لبعض الأحاديث في النار.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب صفة جهنم عن رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٢٥٩١، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى بن أبي بكر عن شريك: (٤/ ٦١٢).\n(٢) حاشية الخريدة: ١٠٩.","vol":"1","page":552},{"text":"ومع ذلك فهو يستدرك ذلك التقسيم؛ لوجود ما يعارضه بنص الكتاب، يقول: \"ولكن آيات القرآن شاهدة بأن كل اسم من تلك الأسماء يطلق على ما يعم الجميع؛ لأنه يذكر صفات الكفار بأى وجه، ويعبر عن وعيدهم بأى اسم من هذه الأسماء\".\nأما عن مكان النار فيرى أنه: \"لم يصح في محل النار خبر\" (١). (٢)\n\nخلود الجنة والنار:\nلقد كان من أهم ما تناوله في الحديث عن الجنة والنار مسألة الخلود، فيرى أنهما \"يبقيان بإبقاء الله، خلافًا للجهمية القائلين بفنائهما وفناء أهليهما\".\nولما كان رأيه في هذه المسألة قد يظن أنه معارض للاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] فسره بأنه \"مدة البرزخ والموقف\". (٣)\nوعند تفسير لهذه الآية الكريمة أجمل ما ورد فيها من أقوال تبين عدم حجية القول بفناء النار أو الجنة استدلالًا بها، فقد استند القائلون بفنائهما إلى تعليق الخلود على دوام السموات والأرض، وكان من المعلوم أنهما إلى فناء وزوال، كما استندوا إلى الاستثناء الوارد، الذي يعلق الخلود على مشيئة الرب تعالى، وكل هذا مما يمكن رده بدلالة الآيات الكريمة نفسها، يقول مفندًا كل هذه الاستدلالات: إنه قد ذكر لها \"نحو عشرين وجهًا في التفسير:\n- منها أن المراد بالسموات والأرض سقف الجنة والنار وأرضهما.\n- ويحتمل الاستثناء في جاب أهل الشقاوة على عصاة الأمة؛ فيكون المعنى خالدين فيها أبدًا إلا عصاة المؤمنين، الذين نفذ فيهم الوعيد، فلا يخلدون أبدًا، بل يخرجون بشفاعة النبي - ﷺ -.\nوالاستثناء حينئذ؛ إما منقطع لعدم دخول هؤلاء في الأشقياء، أو متصل بجعل هؤلاء أشقياء باعتبار، وسعداء باعتبار آخر.\n_________\n(١) انظر: البدور السافرة في أمور الآخرة حيث ذكر السيوطي عددًا من الأخبار في ذلك: ٤٠٢.\n(٢) المرجع السابق: ٦٣. وانظر: حاشية الخريدة: ١٠٩.\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":553},{"text":"وفى جانب أهل السعادة على عصاة المؤمنين أيضًا لكن باعتبار تعذيبهم أولًا فيتأخرون في الدخول مع السابقين، فتحصل أن الاستثناء في كل محمول على العصاة، لكن في جانب أهل الشقاوة مستثنون من الخلود، وفي جانب أهل السعادة مستثنون من المبدأ، كأنه قال: فأما الذين سعدوا ففى الجنة من أول الأمر إلا ما شاء ربك من العصاة، فليسوا في الجنة من أول الأمر، بل هم في النار يعذبون ثم يخرجون.\n- ومنها أن المراد بالذين شقوا الكفار، وبالذين سعدوا المؤمنون، والاستثناء باعتبار أن بعض الكفار قد يثقل من النار إلى غيرها، كالزمهرير.\nوبعض المؤمنين قد ينقل من النعيم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين إلى أعلى منه، وهو رؤية وجه الله الكريم ومخاطبته.\n- ومنها أن الاستثناء راجع لمدة تأخرهم عن دخول الجنة والنار؛ كمدة الدنيا والبرزخ؛ لأنهم لم يدخلوهما حين خلقوا سعداء وأشقياء\" وكان هذا موافقًا لما ذكر في حاشية الخريدة.\n\"ومنها غير ذلك\".\nثم يتبع هذه التأويلات بتقرير خلودهما، وإبطال كل ما يخالف ذلك، يقول: \"وما تقدم من أن نعيم الجنان وعذاب النار دائم، هو ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها، والأخذ بظاهرها كفر\" (١).\n* * *\n\nتعليق:\nيقوم مذهب السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - فيما يختص بدار الجزاء على اعتقاد أن الجنة والنار كليهما مخلوقتان لا يفنيان، باقيتان بإبقاء الله تعالى لهما، قال الطحاوي في العقيدة السلفية: \"والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٢١٤).","vol":"1","page":554},{"text":"شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد\" (١)\nويستند هذا الاعتقاد الصحيح إلى ما ورد من النصوص الشرعية الدالة على ذلك الأصل، فهناك آيات كثيرة وأحاديث صحيحة تدل دلالة صريحة إلى ما تقدم من كون الجنة والنار قد تم لهما الوجود، فهما موجودتان باقيتان بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥].\nوفى الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعدة بالغداة والعشى، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة). (٢)\nوفي الصحيح أيضًا عن أنس - ﵁ -، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس! إني إمامكم، فلا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإنى أراكم أمامى ومن خلفى، ثم قال: والذي نفس محمد بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) (٣).\nوالأدلة في ذلك كثيرة، وكلها كما تقدم تفيد يقينًا وجود الجنة والنار.\nأما عن خلودهما بحيث لا يتعرضان للفناء بإذن الله، فهذا مما أجمع عليه سلف الأمة، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية؛ كالجنة والنار\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية: ٤٢٠.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كاب الجنائز - باب الميت يعرض عليه بالغداة والعشى، رقم الحديث: ١٣٧٩.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما: (٤/ ١٥١).","vol":"1","page":555},{"text":"والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين، كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع سلف الأمة وأئمتها\". (١)\nوهذا ما ذكره ابن حزم - ﵀ - في الفصل، حيث يقول: \"اتفقت فرق الأمة كلها على ألَّا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان\" (٢).\nوقد ناقش - ﵀ - أدلة الجهم فيما ذهب إليه، يقول: \"وأما جهم بن صفوان فإنه احتج بقول الله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].\nوقال: كما لا يجوز أن يوجد شيء لم يزل غير الله تعالى، فكذلك لا يجوز أن يوجد شيء لا يزال غير الله تعالى\"\nثم شرع - ﵀ - في الرد عليه قائلًا: \"ما نعلم له حجة غير هذا أصلًا، وكل هذا لا حجة له فيه، أما قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإنما عنى تعالى الاستحالة من شيء إلى شيء ومن حال إلى حال، وهذا عام لجميع المخلوقات دون الله تعالى، وكذلك مدد النعيم في الجنة والعذاب في النار، كلما فنيت مدة أحدث الله ﷿ أخرى، وهكذا أبدًا بلا نهاية.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ فإن اسم الشيء لا يقع إلا على موجود، والإحصاء لا يقع على ما ذكرنا إلا على ما خرج إلى الفعل ووجد بعد، وإذا لم يخرج من الفعل فهو لا شيء بعد، ولا يجوز أن يعد لا شيء، وكل ما خرج إلى الفعل من مدة بقاء الجنة والنار، وأهلهما فمحصى بلا شك، ثم يحدث الله تعالى لهم مددًا آخر، وهكذا أبدًا بلا نهاية ولا آخر\" (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١٨/ ٣٠٧).\n(٢) الفصل: (٤/ ٨٣).\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":556},{"text":"والأدلة على هذا كثيرة واضحة الدلالة، وقد استدل الإمام القرطبي على خلودهما بحديث ذبح الموت، وذلك أنه ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادى منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادى: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] (١).\nوبعد أن ذكره مستدلًا به، قال: \"هذه الأحاديث - يعني أحاديث ذبح الموت - مع صحتها نص في خلود أهل النار فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من عُير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة، بل كما قال في كتابه الكريم وأوضح فيه عن عذاب الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦].\nوقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].\nوقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] (٢).\nوقد يستند من شكك في بقائهما إلى الاستثناء الوارد في الآيات من سورة الزمر، وقد أجاب الصاوي على هذا الاشتباه بعدد من الأجوبة التي أجاب بها\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير - باب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، رقم الحديث: ٤٧٣٠.\n(٢) التذكرة: (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":557},{"text":"السلف على ذلك الاشتباه وقد أوردها الإمام ابن أبي العز (١) في بيان إجماع أهل العلم على أبدية الجنة، فقال: \"واختلف السلف في هذا الاستثناء، فقيل:\n- معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها.\n- وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف.\n- وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف.\n- وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. . إلى آخر ما ذكر من أقوال، ثم قال: \"وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. محكم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] (٢).\nوكان هذا التوجيه منه - ﵀ - من أحسن ما قيل في تفسير الاستثناء، حيث كان الإعراض عن الخوض في المتشابه، والرد إلى المحكم؛ مما امتدح الله تعالى عباده به؛ لأنه سيمة التسليم والإذعان، الذي يقتضيه الإيمان بالله تعالى والرضا بدينه.\nومع أن هذا القول هو المجمع عليه عند أهل العلم، إلا أن هناك من خالف ذلك الإجماع فيما يتعلق بخلود النار، مستندًا إلى عدد من الأدلة السمعية والعقلية، وقد أورد الإمام ابن القيم - ﵀ - (٣) أدلة القائلين بذلك، مع ميله الواضح إلى\n_________\n(١) هو الشيخ صدر الدين محمد بن علاء الدين على بن محمد بن أبي العز الحنفى الصالحى، اشتغل بالعلوم وكان ماهرًا في دروسه متقنًا تعليمها ولى قضاء دمشق، ثم رحل إلى مصر وولى قضاءها ثم عاد إلى دمشق توفي ﵀ سنة: ٧٩٢ هـ انظر: شذرات الذهب: (٦/ ٣٢٦).\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية: ٤٢٦.\n(٣) (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب الروضة الشريفة - ﷺ -) كما قال الإمام مالك - ﵁ - (كشف الخفاء، للعجلونى: ٢/ ١٧٣)، وكفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه.","vol":"1","page":558},{"text":"ترجيح ما ذهبوا إليه، ولم يكن هذا هو قوله الوحيد، بل له قول آخر انتصر له في عدد من مؤلفاته وهو القول بالتوقف، حيث استند في ذلك إلى الاستثناء الوارد في الآية، إذ إرجاع الأمر إلى مشيئة الله وحده يقضى بعدم التقديم بين يديه بغير دليل، ولكن الصحيح في المسألة أن الأدلة على بقاء النار من المحكم البين، الذي لا يرد عليه أدنى اعتراض، وليس في الجزم به ما يعارض أدب التلقى بالقبول عن الله ورسوله، بل القول به هو حقيقة ثمرة الرد إليهما (١).\n- أما عن تكفير من خالف في اعتقاد فناء النار فلا يجوز؛ لأن من قال به مجتهدًا وسعه في الفهم واستنباط الحكم فلا وزر عليه، قال - ﵊ -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (٢).\n\"فالخلاف المذموم حقًا إنما هو من أولئك المقلدين، الذين يصرون على التدين بالتقليد، والإعراض عن الاهتداء بهدى رسول الله - ﷺ - مباشرة، والإخلاص له في اتباعه وحده دون سواه الذي هو من لوازم الشهادة بأنه رسول الله، وقد أمرنا بطاعته استقلالًا، لا يشاركه في ذلك أحد من البشر في غير آية من آيات الله ﵎، فأى خلاف شر من هذا الذي عليه المقلد هذا الذي يظل: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: ٨] (٣).\nأما عن قوله بأن الأخذ بظاهر القرآن كفر، فقد سبقت الإشارة إلى إبطاله وعده من كلام أهل البدع المحرم في دين الله، والذي لم يثبت القول به عن أحد من السلف الكرام (٤).\n_________\n(١) لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى الرسالة المذكورة أعلاه بتحقيق فضيلة الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني عليه رحمة الله.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب أجر الحاكم إذا اجتهد - رقم الحديث: ٧٣٥٢.\n(٣) مقدمة الشيخ الألباني لكتاب: رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، للصنعانى.\n(٤) راجع مبحث منهجه في الاستدلال: ٨٨.","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>الفصل التاسع: (آراؤه في الإيمان بالقضاء والقدر)</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: القضاء والقدر.\nالمبحث الثاني: الحكمة والتعليل.\nالمبحث الثالث: خلق أفعال العباد.","vol":"1","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه)</span>\nأصل معنى القضاء في اللغة هو: إحكام الشيء وإتقانه، وإلى هذا أشار ابن فارس (١) حيث قال: \"القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح، يدل على إحكام أمره وإتقانه وإنفاذه لجهته\" (٢).\nأما القدر فله معانٍ متعددة؛ كلها ترجع إلى مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، يقول ابن فارس: \"القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته\" (٣).\nوفي الاصطلاح فإن مغنى القضاء والقدر هو تعلق علم الله تعالى بالكائنات، وإرادته لها أزلًا قبل وجودها، فلا حادث إلا وقد قدره، أي سبق علمه به، وتعلقت به إرادته (٤).\nأما عن مكانة الإيمان بقضاء الله وقدره: خيره وشره، فإنه ركن من أركان الإيمان، حيث إن حقيقة الإيمان به هي الإيمان بالله تعالى، فإن الباعث الحق على الإيمان بهما هو الموجب لذلك من الرضا بربوبيته تعالى متصفًا بأسمائه وصفاته الحسنى (٥).\n_________\n(١) هو أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزوينى الشافعي المالكى، ولد سنة: ٣٢٩ هـ، لغوى من مصنفاته: المجمل في اللغة، مقاييس اللغة، جامع التأويل في تفسير القرآن، توفى سنة: ٣٩٥ هـ انظر: معجم المؤلفين: (٢/ ٤٠).\n(٢) معجم مقاييس اللغة: (٥/ ٩٩). وانظر: لسان العرب: (٦/ ٣٦٦٥). وللتوسع يوصى بالرجوع إلى: القضاء والقدر ل د/ عبد الرحمن المحمود.\n(٣) معجم مقاييس اللغة: (٥/ ٦٢).\n(٤) انظر: شرح العقيدة الواسطية، للشيخ صالح الفوزان: ١٦٢. وانظر: القضاء والقدر د/ عبد الرحمن المحمود.\n(٥) انظر: مدارج السالكين: (٢/ ١٨١).","vol":"1","page":561},{"text":"- والأصل في عد الإيمان بالقضاء والقدر ركنًا من أركان الإيمان، لا يقبل الله تعالى إيمان عبد إلا بتحققه منه: الأدلة التي ردت في الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فهذا نص من المولى تعالى على أن جميع المخلوقات إنما تحقق وجودها وفقًا لما قدره تعالى بشأنها (١).\nأما الأدلة من السنة فأعظمها دلالة حديث جبريل - ﵇ - المشهور الذي قال فيه المصطفى - ﷺ - حين سئل عن الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) (٢).\nوقبل التطرق بالحديث عن الفرق التي ظهر عندها الانحراف في معتقد القدر داخل المجتمع المسلم؛ أود أن ألقى الضوء على بعض الحوادث، التي قد لا تكون يداية لخط الانحراف الذي داخل عقيدة المجتمع الإسلامى آنذاك، وإنما هي بمثابة الإرهاصات، أو بوادر الفتنة، التي ألمت بالمسلمين تجاه عقيدة القدر، وقد تعبر بشكل أو آخر عن شفافية هذا الموضوع، وارتباطه الوثيق بحقيقة الإيمان، الذي يعني التسليم التام لكل ما جاء به الشرع.\nفقد وقعت أحداث متعددة، تمثل صورًا أو حالات فردية، لم تتبلور بعد من الانحراف العقدى في القدر، منها ما وقع في عهد عمر - ﵁ -: فيحكى أن رجلًا سرق فقال له عمر: لم سرقت؟ فقال: سرقت بقضاء الله وقدره، فأجابه عمر - ﵁ - بما يقطع عليه هذه الحجة، ويحسم مادة استشرائها في الأمة قائلًا: ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره (٣).\nوإذا كانت الحادثة السابقة تمثل صورة من صور الغلو في الإيمان بالقدر، فهناك ما يمثل الجانب الآخر من الجفاء والتفريط في هذا الأصل الإيمانى، فعن أبي يحيى مولى ابن عفراء، قال: أتيت ابن عباس ومعى رجلان من الذين يذكرون القدر أو\n_________\n(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (٤/ ٣٣٩).\n(٢) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب الإيمان والإسلام والإحسان: (١/ ١٥٧).\n(٣) انظر: منهاج السنة: (٣/ ٢٣٤).","vol":"1","page":562},{"text":"ينكرونه، فقلت: يا ابن عباس، ما تقول في القدر، لو أن هؤلاء أتوك يسألونك، وقال مرة يسألونك عن القدر، إن زنا وإن سرق أو شرب؟ فحسر عن قميصه حتى أخرج منكبيه، وقال: يا أبا يحيى لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به، والله لو أعلم أنك منهم، أو هذين معك لجاهدتهم، إن زنا فبقدر، وإن سرق فبقدر، وإن شرب الخمر فبقدر\" (١).\n- أما عن أرباب الفتنة، ومن قام بوضع بذورها واحتوائها؛ فيحكى المؤرخون (٢) أن غيلان الدمشقى (٣) ومعبد الجهني (٤) هما أول من عرف عنه الخوض في القدر، وذلك في عهد المتأخرين من الصحابة الكرام، وقد أخذ عن معبد الجعد بن درهم الذي تولى كبر نشر هذه الفتنة بين المسلمين، وكان أن تصدى لهم جمع من الصحب الكرام يعلنون التبرؤ منهم، وتحذير الناس من ضلال ما أتوا به، حتى روى أن ذلك هو السبب في إخبار الصحابى الجليل عبد الله بن عمر بحديث جبريل - ﵇ - (٥).\nهذا وتنقسم القدرية؛ بحسب موقفهم من القدر إلى: قدرية غلاة، وأخرى متوسطة:\n- أما الغلاة منهم، فهم الذين أنكروا علم الله تعالى وكتابته ومشيئته وخلقه لأفعال العباد: \"حتى قال فيهم الأئمة، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون\" (٦).\n_________\n(١) رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: (٢/ ٤٢٥).\n(٢) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادى: ٣٩ والملل والنحل للشهرستانى: (١/ ٣٠).\n(٣) هو: غيلان بن مسلم، أبو مروان، أخذ القول عن معبد الجهني كما دلت على ذلك بعض النصوص التاريخية قتل صلبًا بفتوى من الإمام الأوزاعي على باب دمشق في عهد الخليفة الأموى: عبد الملك بن مروان انظر الملل والنحل للشهرستانى: (١/ ٣٠)، الأعلام للزركلى: (٥/ ١٢٤).\n(٤) هو معبد بن خالد الجهني البصري أول من أظهر خبث المقالة في القدر، قال أبو حاتم: \"قدم المدينة فأفسد فيها ناسًا\" يقال أنه أخذ مذهبه عن رجل نصرانى يدعى سوسن أسلم ثم عاد إلى الكفر مرة أخرى، قيل في موته أن الحجاج قتله بعد خروجه عليه مع ابن الأشعث سنة: ٨٠ هـ. انظر: تهذيب التهذيب: (١٠/ ٢٢٥)، والأعلام (٨/ ١٧٧). وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائى: (٤/ ٨٢٧).\n(٥) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب: (١/ ٩٤).\n(٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (٨/ ٤٥٠). وانظر: في حكاية تكفيرهم.","vol":"1","page":563},{"text":"أما القدرية المتوسطة فهم الذين أنكروا المشيئة والخلق المتعلق بأفعال العباد، ولهم في ذلك شبه سيأتي بيانها ومناقشتها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، وتتزعم المعتزلة هذا الاتجاه ويظهر كمعتقد يتضمنه أصل من أصولها الخمس التي لا يعد معتزليًا إلا من بنى معتقده على أساسها (١).\nوفي مقابل هذا الاتجاه الغالى لنفى القدر ظهر الجبر كمعتقد يتزعمه الجهم بن صفوان مرددًا أقوال الكفرة الذين نزل بشأنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، ولما كان الغلو في هذا الاتجاه بارز المعالم، مناقضًا للكثير مما هو معلوم بالضرورة من الدين، وكان قد لقى رواجًا في أوساط بعض المسلمين؛ لما فيه من مناقضة لمذهب القدرية، الذين شاع تكفير الأئمة لهم، ظهر له امتداد على يد الأشاعرة، ولكن دونه من ناحية الغلو.\nيقول شيخ الإسلام: \"فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف؛ فأثبتوا القدر، وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء ومليكه، وهذا حسن وصواب لكنهم قصروا في الأمر والنهى والوعد والوعيد، وأفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد، فصارِوا من جنس المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] \" (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>رأي الشيخ الصاوي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>أولًا: تعريف القدر:</span>\nيذكر الصاوي آراء من سبقه في تعريف القدر، فيقول: قالت الأشاعرة: هو إيجاد الله الأشياء على طبق ما سبق به علمه وإرادته.\n_________\n(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ٢٩٩. ومجموع الفتاوى: (٨/ ٤٥٠).\n(٢) مجموع الفتاوى: (٨/ ٩٨).","vol":"1","page":564},{"text":"فعليه هو صفة فعل؛ وهى حادثة.\nوقالت الماتريدية: هو تحديده أزلًا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح غير ذلك فهو تعلق العلم والإرادة، وعليه فهو قديم، وقد يقال الخلاف لفظى، فمن نظر لمظهر الإيجاد قال: هو حادث، ومن نظر لتعلق العلم والإرادة التنجيزى الأزلى، قال: هو قديم.\nوللجمع بينهما، يعرفه بأنه \"إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والإرادة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>ثانيًا: تعريف القضاء:</span>\nعرفه في اللغة بأنه: \"الحكم\" (١).\nأما في الاصطلاح فذكر أيضًا أقوال الماتريدية، والأشعرية، فعند الماتريدية يعرف بأنه: \"الفعل بزيادة أحكام فعلية، فهو حادث\".\nويذكر تعريفًا آخر لهم، هو: \"العلم المتعلق بالأشياء أزلًا\" (٢).\nأما تعريفه عند الأشاعرة فهو: \"إرادة الله المتعلقة بالأشياء أزلًا\" \"فالقضاء قديم على كليهما\" (٣).\nوالذي يبدو أن هذا هو الراجح لديه، لذكره إياه في تفسير قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].\nوينقل عن البعض أنه قال: القضاء والقدر هو شيء واحد، وهو إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والقدرة.\nثم يعلق على هذه التعاريف المتعددة بقوله: \"وفي الحقيقة الأشاعرة والماتريدية تعاكسا فما قالت الأشاعرة: إنه قضاء؛ قالت الماتريدية: إنه قدر، وبالعكس\" (٤).\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٣١٦).\n(٢) حاشية الخريدة: ١٣٨.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) حاشية جوهرة التوحيد: ٣٨. وانظر: أيضًا جمعه لهذه الأقوال في: حاشية الجلالين: (٤/ ١٤٤).","vol":"1","page":565},{"text":"- وفي بيان العلاقة بينهما يقول: \"فالتصرف الذي يظهر في الخلق من حيث وجوده على طبق العلم والإرادة قدر، ومن حيث تعلق علم الله وإرادته به قضاء، فكل شيء بقضاء وقدر\" (١).\nولتحديد هذه العلاقة؛ نجده يعلق على تفسير السيوطي عند اقتصاره على تعريف القدر بقوله: \"إما لأن بينهما تلازمًا أو لترادفهما\" (٢).\nوبهذا التعليق يخرج الصاوي من تلك الأقوال المتعددة، وليس له تعريف جامع لهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>ثالثًا: مراتب القدر:</span>\nأما عن مراتب القدر، فكلامه فيها كلام المؤمنين بالقدر المثبتين له على مراتبه الأربعة، وهذا لا ينفى ما وقوع فيه من المخالفات المتعلقة بأفعال العباد؛ كما هو عليه مذهب الأشاعرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>مرتبة العلم:</span>\nقد سبق لي بيان مذهبه في الصفات السبعة المثبتة، وكانت صفة العلم واحدة من تلك الصفات، فالصاوى يرى أن العلم التام الكامل المحيط بكل ما هو موجد لا يكون إلا لله تعالى، وبهذا يحرج كثيرًا على من اعتقد أن علم الرسول - ﷺ - أو علم أحد من الأنبياء كعلمه تعالى، يقول: \"وأما من قال إن نبينا أو غيره أحاط بالمغيبات علمًا كما أحاط علم الله بها فقد كفر\".\nولكن هذا لا يمنعه من اعتقاد أن رسول الله لم يخرج من الدنيا: \"حتى أعلمه الله بجميع المغيبات التي تحصل في الدنيا والآخرة؛ فهو يعلمها كما هي عين يقين، ولكن أمر بكتمان البعض.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٤٥).\n(٢) المرجع السابق: (٤/ ١٤٤).\n(٣) سيأتي بيانه في مكانه إن شاء الله.","vol":"1","page":566},{"text":"وفي تخريج ما قد يعارض به هذا الاعتقاد من إقراره - ﷺ - بأنه لا يعلم الغيب يرى الصاوي: \"أنه قال ذلك تواضعًا، أو أن علمه بالمغيب كلِّ علم؛ من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر الله وقوعه.\nفيكون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]: \"لو كان لي علم حقيقى بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت. .\" (١).\nوتأسيسًا لمكانة العلم فإنه يقول: \"من سبق في علم الله خسرانه فلا يتأتى له الإيمان في الدنيا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>مرتبة الكتابة:</span>\nفي تفسير قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يذكر الصاوي على جهة التدليل لمرتبة الكتابة حديث رسول الله - ﷺ -: (أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما كان، وما يكون إلى يوم القيامة) (٣).\nوفي بيان مراتب الكتابة ينقل كلام القرطبي في ذلك، فيقول: \"الأقلام ثلاثة في الأصل:\nالقلم الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده وأمره أن يكتب في اللوح المحفوظ.\nوالثاني: قلم الملائكة الذين يكتبون به المقادير، والكوائن من اللوح المحفوظ.\nوالثالث: أقلام الناس يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها إلى مآربهم\" (٤).\nومما يتعلق بهذه المرتبة: مسألة المحو، فقد دل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] على أن بعض ما يقدره الله تعالى كتابة قد\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ١٠٤).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ٨).\n(٣) المرجع السابق: (٤/ ٢٢٠).\n(٤) المرجع السابق: (٤/ ٣١٧).","vol":"1","page":567},{"text":"يرفع فلا يتحقق له الوقوع كما كتب أولًا، وهذا المعنى مما ثبت به الخبر عن المصطفى - ﷺ - حيث قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) (١).\nوالصاوى عند تفسير هذه الآية الكريمة يعرض ما ورد فيها من أقوال، فقد ذهب البعض إلى أن المحو قد يقع في اللوح المحفوظ، وفي الصحف معًا، وبهذا المعنى يكون المراد بأم الكتاب؛ علم الله تعالى المتعلق بالأشياء أزلًا.\nأما القول الثاني فيما يقع فيه التغير أن المحو والإثبات يقعان في صحف الملائكة فقط.\nوعلى هذا يكون المراد بأم الكتاب؛ اللوح المحفوظ، وهو لا يقبل التغيير، ولا التبديل.\nوبهذا العرض المجمل يصل الصاوي إلى الفائدة المستخلصة من جملة الآراء، فيقول: \"والحاصل أن ما في علم الله لا يقبل التغيير جزمًا، والخلاف في اللوح المحفوظ، والآية محتملة\" (٢).\n- وفي بيان الفرق بين العلم والكتابة؛ فإنه يقوم بعقد مقارنة بينهما؛ يبين فيها أن العلم دائرته أوسع من اللوح، ودليله في ذلك أن \"ذات الله وصفاته أحاط بها العلم لا اللوح والكائنات، وما يتعلق بها أحاط بها اللوح والعلم\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>مرتبة المشيئة:</span>\nيعرف الصاوي المشيئة بالإرادة، فلا يرى ثمة فرقًا بينهما، ويبين بعد ذلك ما تتعلق به الإرادة؛ حيث يقصر تعلقها على الممكن دون المستحيل، أو الواجب كما سبق بيانه.\nفالأسماء والصفات الحسنى لا تعلق للمشيئة بها، والمستحيل كذلك (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: كتاب القدر - باب من تعوذ بالله، رقم الحديث: ٧٣٠٧.\n(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٥٨).\n(٣) المرجع السابق: (٢/ ١٨).\n(٤) وقد سبق تعليله لما ذهب إليه، فليراجع في مبحث الأسماء والصفات: ٢٣٢.","vol":"1","page":568},{"text":"يؤكد هذا أنه في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ أول الإرادة بالمحبة، يقول: \"وليست الإرادة على حقيقتها؛ لأنه يقتضى أن إرادة المده متعلقة بتوبة كل عاصٍ، مع أنه ليس كذلك فالمعنى؛ الله يحب توبة العبد فيتوب عليه\" (١).\nومع عدم تفريقه بين المشيئة والإرادة؛ إلا أنه يرى ثمة تغايرًا بين الإرادة والأمر، يقول: \"القسمة رباعية، لأنه:\n- إما أن يأمر ويريد؛ كإيمان المؤمنين والأنبياء: أمرهم به، وأراده منهم، بدليل وقوعه.\n- وإما ألَّا يأمر ولا يريد؛ ككفر من ذكر، لم يأمرهم به، ولم يرده منهم؛ إذ لو أراده لوقع.\n- وإما أن يأمر ولا يريد؛ كإيمان أبى جهل وإبليس وأضرابهم، أمرهم بالإيمان، ولم يرده منهم؛ إذ لو أراده لوقع.\n- وإما أن يريد ولا يأمر، ككفر من ذكر أراده منهم؛ بدليل وقوعه منهم.\nفبين الأمر والإرادة عموم وخصوص من وجه؛ يجتمعان في إيمان المؤمنين؛ وينفرد الأمر دون الإرادة في إيمان الكافر، وتنفرد الإرادة دون الأمر في كفرهم\".\nأما عن علاقة الأمر بالرضا، فيقول: \"وبين الأمر والرضا تلازم؛ لأنه لا يأمر إلا بما يرضاه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>مرتبة الخلق:</span>\nيعتقد الصاوي بأن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والإيجاد، ولكنه لتقرير هذا يمنع فعل العباد على الحقيقة فيبطل الأثر ويرد السبب، وله في ذلك كلام طويل، وشبه عديدة، وردود على غيره ممن خالفه في ذلك، وسأرجئ الكلام فيها لمبحث خاص؛\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ٢٠٢).\n(٢) حاشية الجوهرة: ٢٤. وحاشية الجلالين: (٣/ ٢٤٤).","vol":"1","page":569},{"text":"حتى يتم بحول الله تعالى الوقوف على كل النقاط، ومن ثم مناقشتها في ضوء منهج السلف الكرام.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المناقشة:</span>\nلما كان التفريق بين القضاء والقدر مما لم يرد فيه قول ثابت بنص الكتاب والسنة؛ فقد اختلف العلماء في تحديد ذلك على أقوال عدة؛ فالأول: أنه لا فرق بينهما حيث صح إطلاق أحدهما على الآخر، مما يدل على عدم وجود مسوغ للتفريق.\nالثاني: القول بالتوقف حيث امتنع التفريق بصريح الأدلة من الكتاب والسنة وعليهما المعول فيما شأنه التوقف (١).\nالثالث: أنه يفرق بينهما، ولهم في توجيه ذلك الفرق عدد من الأقوال:\n١ - منها ما أورده الحافظ ابن حجر - ﵀ - بقوله: \"القضاء هو الحكم الكلى الإجمالى في الأزل، والقدر جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله\" (٢).\n٢ - ومنها ما ذكره بعض العلماء؛ من أن القضاء هو ما يتحقق وقوعه، أما القدر فهو مما يمكن توقف إنفاذه، فيكون القدر بمثابة العلم الأزلى، والقضاء المشيئة النافذة (٣)، وهذا التفريق تبطله الأدلة التي دلت على أن كلا الأمرين قد يتغير فلا يقع، فعن عائشة - ﵂ - أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يغنى حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) (٤).\nوكما ورد ما يفيد رفع القدر وتغييره فقد ورد أيضًا في القضاء فعن النبي - ﷺ - أنه قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري: (١١/ ٤٧٧).\n(٢) فتح الباري: (١١/ ٤٧٧).\n(٣) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني: ٤٠٧.\n(٤) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب الدعاء، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه: (١/ ٤٩٢).\n(٥) أخرجه البخاري: كتاب القدر - باب من تعوذ بالله من درك الشقاء، رقم الحديث: ٦٦١٦.","vol":"1","page":570},{"text":"٣ - وقد ذهب الأشاعرة إلى توجيه آخر لذلك الفرق، يقول الإيجى: \"واعلم أن قضاء الله عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال.\nوقدره: إيجاده إياها على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها\" (١).\n٤ - أما الماتريدية؛ فيعرف القضاء على مذهبهم؛ بأنه انقطاع الشيء وتمامه، وعليه فإن الطاعات والمعاصى كلها بقضاء الله، أي بخلقه وتكوينه.\nوأما القدر؛ فهو عندهم على وجهين:\nأحدهما: الحد الذي يخرج عليه الشيء، وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر، من حسن أو قبح، من حكمة أو سفه.\nوالثانى: بيان ما يقع عليه كل شيء من زمان ومكان، وما له من الثواب والعقاب\" (٢).\nومع كل ما تقدم من آراء الصاوي وغيره من العلماء يمكن الخلوص إلى الجادة الوسط، وهى أن العلاقة بينهما شبيهة بالعلاقة بين الإسلام والإيمان، وهذا ما ذكره الصاوي على غير جهة الجزم.\nوعليه فلا انفكاك لأحدهما عن الآخر، حتى إذا أفرد أحدهما بالذكر دخل فيه الثاني على جهة التضمن أو التلازم، ولا مشاحة في الإصطلاح.\nلذا فإن \"جماع القول في هذا الباب؛ أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه\" (٣).\n* * *\n_________\n(١) المواقف: (٣/ ٢٦١).\n(٢) تبصرة الأدلة، أبو المعين النسفى: (٢/ ٧١٦).\n(٣) معالم السنن للخطابي: (٥/ ٧٧).","vol":"1","page":571},{"text":"مراتب القدر:\nأما عن مراتب القدر فمن الملاحظ عند تتبعى لآرائه في هذا الباب أنه لم يتعمد جمعها ولا الترتيب فيها؛ إذ كل ما نقلته عنه إنما هي أقوال متناثرة جمعتها ورتبتها وفق المنهج المتبع عند السلف الكرام، وهذا ما يدعونى للوقوف عليها مرة أخرى ومن ثم تدارك ما فاته منها، ومناقشته في بعض القضايا المتعلقة بها:\nأولًا: مرتبة العلم، فالله تعالى قد وسع علمه كل شيء، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nوفي الحديث أن رسول الله - ﷺ - سئل عن أولاد المشركين، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (١).\nومن ذلك ما ورد عن علي - ﵁ -، حيث قال: كان رسول الله - ﷺ - ذات يوم جالسًا وفي يده عود ينكث به، فرفع رأسه فقال: (ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار)، قالوا: يا رسول الله؛ فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: (لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٢).\nفإنه مما لا شك أن هذا أصل عظيم من أصول الإيمان بالقدر، حتى كان المعول عليه في إبطال حجج الخصم من القدرية النافين.\nولا ريب في أن الصاوي كان موافقًا للحق حين أقر بأن العلم التام المحيط بكل شيء لا يعلمه إلا الله تعالى، وأن من اعتقد مماثلة علم النبي - ﷺ - لعلم الله تعالى فقد كفر، ولكن هذا الاعتقاد ليس بكافٍ في إخراجه من دائرة الغلو الذي أوقعه فيه ميله إلى التصوف؛ إذ الآية صريحة في أن هذه الأمور مما اختص الله تعالى بعلمها\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب القدر - باب الله أعلم بما كانوا عاملين، رقم الحديث:\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القدر - باب كيفية خلق الآدمى: (١٦/ ١٩٧).","vol":"1","page":572},{"text":"وأنه - ﵊ - لا يعلم منها إلا ما كشف له، ومع هذا فلا يعد عالمًا بها على جهة التمام، فمن اعتقد أن النبي يعلم وقت الساعة فقد كفر، ومن اعتقد أنه - ﵊ - يعلم ما تكسب كل نفس فقد كفر لأنه خالف ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، قال تعالى آمرًا نبيه: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠].\nوبهذا يعلم أن ما ذكره الصاوي من كونه - ﷺ - لم يخرج من الدنيا حتى علم مغيبات الدنيا والآخرة؛ مما لا مستند له في الشرع؛ بل الأدلة تضافرت على إثبات خلافه، أما ما خرج به قوله - ﷺ -: ﴿لَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ بأنه على سبيل التواضع، أو العلم الذي لا أثر له في القدر؛ فغير مسلم، لأن الآية قد اشتملت على أمر متضمن لخبر، والخبر لا يصح فيه النسخ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد دل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]؛ على أن غيب الدنيا والآخرة مما اختص المولى تعالى بالإحاطة به، فلا يكون لغيره أبدًا، فكيف يصح نسبته لمن أمر بتبليغ هذا الخبر إلى الناس كافة؟\nوالذي نخلص إليه أن كل هذه التخريجات؛ هي من قبيل المغالطات التي لا أساس لها من الصحة، لذا فإن اعتقاد ما قصد بها يعد قدحًا في جناب التوحيد؛ لأن فيها نسبة الكمال الذي لا ينبغى إلا لله تعالى لأحد من البشر.\nثانيًا: مرتبة الكتابة؛ وتعنى أن الله تعالى قد كتب مقادير المخلوقات، وأصل الكتابة ما كتب في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nومن السنة قول المصطفى - ﷺ -: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) (١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القدر - باب حجاج آدم موسى: (١٦/ ٢٠٣).","vol":"1","page":573},{"text":"ويحسن بى من باب إتمام الكلام فيها أن أذكر ما يتعلق بها من مراتب مع مرتبة العلم، استنادًا لما ورد في ذلك من أدلة ثابتة:\n- التقدير الأول: هو ما كان سابق لخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ استنادًا للحديث الثابت عن رسول الله - ﷺ -.\n- التقدير الثاني: عند أخذ الميثاق من بنى آدم - ﵇ - وهم في عهد الذر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].\n- التقدير الثالث: وهو التقدير العمرى للإنسان (١) ويكون عند حمل أمه به، بعد مضى أربعة أشهر؛ على الراجح من أقوال العلماء، وهذا ما دل عليه حديث المصطفى - ﷺ -، حيث قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، . .، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع: برزقه، وأجله، وشقى، أو سعيد. . .) (٢).\n- التقدير الرابع: وهو الحولى، ويكون في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].\n- التقدير الخامس: وهو التقدير اليومى الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقال - ﷺ -: (من شأنه أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويخفض آخرين) (٣).\nثالثًا: مرتبة المشيئة؛ وتعنى الإيمان الجازم بأن كل ما يجرى في هذا الكون فهو بمشيئة الله تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٢٦٨.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب القدر - باب في القدر، رقم الحديث: ٦٥٩٤.\n(٣) رواه ابن ماجه: في تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه - باب فيما أنكرت الجهمية، رقم الحديث: ٢٠٢: (١/ ١١٦). وصححه الألباني في ظلال الجنة تخريج السنة لابن أبي عاصم، رقم الحديث: ٣٠١، وانظر: كتاب القضاء والقدر للشيخ عبد الرحمن المحمود.","vol":"1","page":574},{"text":"رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].\nومن السنة المطهرة قول النبي - ﷺ - للرجل الذي قال له: ما شاء الله وشئت: (أجعلتنى والله عدلًا، بل ما شاء الله وحده) (١).\nفهذا الحديث واضح في الاستدلال لهذه المرتبة، وحجة قاطعة في إثبات أن الأمر كله راجع لمشيئته تعالى، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه.\nويقوم مذهب السلف في الإيمان بهذه المرتبة على أساس التفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فليس كل ما أراده الله تعالى شرعًا يتحقق له النفاذ القدرى، وليس كل ما أراده قدرًا يكون مرادًا له في الشرع.\nوبهذا يصح تقسيم الإرادة إلى: كونية وأخرى شرعية.\nفالكونية في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوالشرعية في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوبذلك تكون الإرادة الكونية هي المرادفة للمشيئة القدرية النافذة المتحققة الوقوع، ولا يشترط فيها أن تكون مرادة لله تعالى شرعًا أي محبوبة مرضية له تعالى (٢)، وعلى هذا الأساس يمكن تحديد علاقة الإرادة بالمشيئة بأن بينهما العموم والخصوص المطلق، فكل مشيئة إرادة، وليست كل إرادة مشيئة؛ لأن منها ما هو شرعى وليس شرعى وليس بقدرى، كما سبق بيانه.\nوعليه يكون كلام الصاوي السابق في العلاقة بين الإرادة والأمر مخرجًا على هذا النحو؛ لأن في هذا التقسيم إعمالًا للنصوص الشرعية الدالة على أن الإرادة قد تطلق على ما هو مراد لله تعالى شرعًا لا قدرًا، كالآية التي ذكرتها من قبل: ﴿يُرِيدُ\n_________\n(١) سبق تخريجه: ٤٤٥.\n(٢) انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام: (٨/ ١٨٨).","vol":"1","page":575},{"text":"اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ولا داعى لما ذهب إليه من إخراج الإرادة هنا عن حقيقتها، ويكون الصواب فيها أن تبقى على ظاهرها، ويراد بها الإرادة الشرعية المقدرة وقوعًا في المؤمن دون الكافر (١).\nوهذا ما يلزمه أيضًا في الأمر، فالذى يكون بينه وبين الرضا تلازم؛ هو الأمر الشرعي لا الكونى القدرى، فقد قسم العلماء الأمر على ضوء الآيات التي ورد فيها؛ إلى أمر شرعى: وهو المحبوب المراد لله تعالى شرعًا، إلى أمر قدرى: وهو ما نفذ منه دون اشتراط الرضا فيه.\nوالقدرى في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].\nأما الشرعي ففى مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وهذا ما يرد أيضًا في القضاء، \"فإن القضاء يكون كونيًا وشرعيًا، وكذلك الإرادة، والأمر، والإذن، والكتاب، والحكم، والتحريم، والكلمات ونحو ذلك\" (٢) بدليل الكتاب والسنة.\nرابعًا: مرتبة الخلق؛ وهي الاعتقاد الجازم بأنه ما من موجود بعد الواحد الأحد، إلا وهو خلق من خلق الله تعالى، ويدخل في ذلك أفعال العباد، فهى مخلوقة له ﷾ (٣).\nقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]\nووجه الاستدلال بهذه الآية هو التقسيم الوارد في معنى (ما): فإما أن تكون ما\n_________\n(١) المرجع السابق: (٨/ ٣٤١)، والتسعينية لشيخ الإسلام أيضًا: (٢/ ٦٣٢).\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفى: ٤٤٧.\n(٣) سيأتي الحديث عنها مفصلًا في مبحث مستقل.","vol":"1","page":576},{"text":"هنا مصدرية فيصير المعنى: والله خلقكم وعملكم، أو موصولة فيكون المعنى: والله خلقكم والذي تعملونه من أصنام، وكلا المعنيين بينهما تلازم، إذ يلزم من كونه تعالى خالقًا للصنعة؛ أن يكون خالقًا للفعل الذي أنتجها، وكذلك إذا كان خالقًا للعمل؛ أن يكون ما ينتج عنه مخلوقًا له (١).\nومن السنة أقوال المصطفى - ﷺ -، والتى تدل على إرجاع الأمر لله وحداه، وأن كل خير منه، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، قال - ﵊ - لأبي موسى الأشعري: (يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله) (٢)؛ فلا تحول للعبد من حال إلى حال إلا بحول الله وقوته.\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول عند حفر الخندق: (لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن السكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الأولى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا) (٣)؛ فنسب التوفيق لفعل الخير إلى الله، فلولا توفيقه، وتقديره الخير لنا لما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا.\nوثبت أيضًا عن النبي - ﷺ - قوله: (إن الله يصنع كل صانع، وصنعته). وقال الإمام البخاري في خلق أفعال العباد: \"فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة\" (٤).\nوقد أفردت الحديث عنها لعظيم ما تعلق بها من مسائل الشرع والتوحيد.\n* * *\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: (٤/ ١٩).\n(٢) أخرجه البخاري في: كتاب القدر - باب لا حول ولا قوة إلا بالله، رقم الحديث: ٦٦١٠.\n(٣) أخرجه البخاري في: كتاب الجهاد - باب حفر الخندق، رقم الحديث: ٢٨٣٧.\n(٤) خلق أفعال العباد: ٢٥.","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>(المبحث الثاني): الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى</span>\nينبنى الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره في مذهب السلف الصالح على أسس، لا يصح الإيمان إلا بها:\nأولًا: التسليم المقتضى للرضا بكل ما قدره الله تعالى، وذلك من حيث المؤثر في وجوده من صفاته تعالى، لا من حيث متعلقه من أفعال العباد وغيرها، مما لا يصح الرضا به لعدم تحقق الإرادة الشرعية له من عند الله تعالى.\nثانيًا: اعتقاد أن الله تعالى حكيم في فعله وخلقه وأمره، إذ كل ما يقضيه سبحانه ويقدره فهو دائر بين العدل والفضل، صادر عن إرادته الحكمة البالغة في كل ما يكون منه تعالى، كما في الآية الكريمة: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].\nومما يدل على أن كل ما هو منه تعالى فلحكمة يراها سبحانه، قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] إذ الخير منه تعالى وإليه، والشر ليس إليه، فقد ثبت في الحديث الشريف أنه - ﷺ - كان يقول في دعائه: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك) (١).\nأما كون أفعاله تعالى دائرة بين العدل والفضل؛ فهذا مما تواترت الأدلة على إثباته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]. وحتى يرتبط مفهوم الإيمان بالقدر، وأن كل شيء متعلق بقدرته تعالى مع مفهوم الحكمة والعدل؛ توجه المعنى المراد بالظلم المنفى عن الله تعالى؛\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل: (٦/ ٥٩).","vol":"1","page":578},{"text":"بأنه وضع الشيء في غير محله؛ فكان تفسير الظلم بهذا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بإثبات الحكمة له، وأنه سبحانه عدل مريد لكل ما هو محمود، وأسماؤه الحسنى تعالى كلها دالة على هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].\nوكثيرًا ما تأتى التكاليف الشرعية متوجة ببيان الحكمة منها، فيصبح الدافع للعمل من الإيمان مصحوبًا بمعرفة مكمن الخير والنفع المراد منه، ومع هذا فقد تخفى، بل ويكون في خفائها منفعة أخرى أعظم يراها سبحانه، فيكون الدافع للامتثال حينئذ هو الإيمان والتسليم، كما قال في محكم التنزيل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فكل ما هو من عند الله تعالى لحكمة يعلمها، وانتفاء العلم بها لا يعني انعدامها، كما يقال: عدم العلم ليس علما بالعدم، وعلى هذا درج اعتقاد السلف من الأئمة والفقهاء في هذه المسألة التي تعد \"من أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر، بالشرع والقدر\" (١)\nولما كانت المسألة بهذه الأهمية البالغة من حيث ما تعلقت به من عظيم مسائل الشرع والقدر، اختلفت مذاهب الناس فيها اختلافًا كبيرًا، وانبنى على ذلك أساس التباين في موقفهم من القدر، خصوصًا ما تعلق منه بأفعال العباد.\nفقد ذهبت الأشاعرة إلى القول بعدم جواز تعليل أفعال الله تعالى بشيء من الأغراض والعلل الغائية، وكان هذا قول \"كثير ممن يثبت القدر، وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم، وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهو قول الأشعري وأصحابه، وقول كثير من نفاة القياس الظاهرية\". (٢)\nوحجتهم في ذلك أن الغاية والحكمة تعنى الغرض، والغرض لا يجوز على الله\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة، لابن القيم: (٢/ ٤٢). وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: (٨/ ٨١).\n(٢) الفتاوى: (٨/ ٨٣).","vol":"1","page":579},{"text":"تعالى تنزيهًا له - عندهم - لاعتقادهم أن من يفعل لغرض فقد استكمل به، \"والمستكمل بغيره ناقص لذاته\". (١)\nولما انتفى مفهوم الحكمة عند الأشاعرة لهذه الحجة ظهر امتداد له في قضية الظلم المنفى عن الله فإنهم لما غلو في نفى تعليل أفعال الله تعالى؛ جعلوا الظلم أمرًا لا يمكن تصوره بالعقل لانتفائه في الإمكان الذهنى، يقول الآمدي: وأما \"قولهم: يلزم منه الظلم، فإنما يتصور أن لو كان قابلًا لاتصافه بالظلم وليس كذلك، فإن الظلم إنما يتصور في حق من تصرفه في ملك غيره من غير حق، أو بمخالفة من المتصرف فيما هو داخل تحت أمره وحكمه، وذلك كله مما لا يمكن في حق الله تعالى\". (٢)\nأما المعتزلة فقد ذهبت إلى النقيض من ذلك حيث غلت في تعليل أفعال الله تعالى بالغايات والعلل الحميدة، فلا يصدر عنه إلا ما تقتضيه تلك الحكمة من فعل وخلق وأمر، ولكن الخلاف معهم يدور حول مفهوم تلك الحكمة، فقد قاسوا أفعاله تعالى على أفعال العباد وبالتالى نفوا أن يكون مريدًا وخالقًا لأى فعل ظاهره الشر، وكان أن التزموا لتقرير هذا الأصل تعريف بأنه \"كل ضرر لا نفع فيه، ولا دفع ضرر، ولا استحقاق\". (٣)\nفكان هذا أصل في اعتقادهم تنزيه الله تعالى عن الظلم؛ ومنع نسبة أفعال العباد له على جهة الخلق والإيجاد (٤)، والغلو في تعليل أفعال الله تعالى إثباتًا للحكمة بالمقياس البشرى:\nومع كل ما تقدم، فلا يرجعون حكمها إلى الله تعالى؛ إذ يمتنعون عن وصفه بها، كما يوصف بصفة القدم مثلًا. (٥)\n_________\n(١) المحصل للرازي: ٢٠٥. وانظر: المواقف، للإيجى: ٣٣٢.\n(٢) أبكار الأفكار في أصول الدين: (٢/ ١٦٦).\n(٣) شرح الأصول الخمسة: ٣٤٥، وما يليها.\n(٤) شرح الأصول الخمسة: ٣٠٢. المحيط بالتكليف: ٢٦٠. تحقيق د/ الأهوانى المغنى في أبواب العدل والتوحيد: (٦/ ٤٨)، تحقيق د/ الأهوانى.\n(٥) انظر: فتاوى شيخ الإسلام: (٨/ ٢١١).","vol":"1","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيسير الصاوي على نفس نهج أشياخه في منع تعليل أفعال الله تعالى، ويحتج لذلك بنفس الشبهة التي احتج بها من قبله، وهى شبهة الاستكمال بالغير، ومع ذلك فهو يقر بوجود الحكمة الغائية في الفعل والتى يشهد بوجودها الإتقان والإحكام في كل ما خلقه تعالى في هذا الوجود، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣]. \"ليمكروا فيها: اللام إما لام العاقبة والصيرورة، نظير: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، أو لام العلة بمعنى الحكمة.\nوأما قولهم: تنزه الله عن العلة، فمعناه: العلة الباعثة على الفعل ليتكمل به، وأما الحكم فلا تخلو أفعال الله عنها، سبحانك ما خلقت هذا عبثًا\". (١)\nويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢]: \"للام للعلة الغائية؛ وهى المترتبة على آخر الفعل، وليست علة باعثة؛ لاستحالة الأغراض على الله تعالى في الأفعال، والأحكام\". (٢)\nوعلى هذا الأساس يفسر الحكمة، كصفة في حق المولى تعالى، يقول:\n- \"ذو الحكمة: أي: الإتقان، فالحكيم ذو الصنع المتقن\". (٣)\n- \"ذو الحكمة: أي: العلم التام، فالحكيم بمعنى العالم\". (٤)\nولكن له تفسير آخر لهذه الصفة العظيمة يناقض مذهبه في إثبات الحكمة بمعنى العلة الغائية دون الباعثة - على فرض التفريق بينهما -، يقول: \"ذو حكمة، وهى وضع الشيء في محله\". (٥)\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ٤١).\n(٢) المرجع السابق: (٤/ ٩١).\n(٣) حاشية الجلالين: (١/ ٢٠ - ١٠١)، شرح المنظومة: ١٢٦.\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) حاشية الجلالين: (١/ ١٣٠ - ٢٤٤).","vol":"1","page":581},{"text":"وتأكيدًا لما ذهب إليه أولًا؛ فإنه يرى أن في نفى الحكمة مخرجًا من إيهام التناقض بين الشرع والقدر، فقد سبق وأن ذكرت تفريقه بين ما يريده تعالى، وما يأمر به، وكيف أنه أثبت لله تعالى إرادته لبعض ما قضى به دون أن يكون ذلك مرضيًا له، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] \"إن الإرادة لا تستلزم الرضا، بل قد يريد شيئًا، ولا يرضى به لتنزهه عن الأغراض في الأحكام، والأفعال، فلا تقاس أفعال الله على أفعال العباد؛ وذلك لأن ما يغضب الله لا يصل له منه ضرر، وما يرضيه لا يصل له منه نفع، بل معنى ذلك؛ أنه يعاقب على ما يغضبه، ويثيب على ما يرضيه، بخلاف العباد؛ فرضاهم لازم لإرادتهم؛ لأن ما يرضيهم يحصل لهم به النفع، فهو واقع منهم بإرادتهم، وما يغضبهم يحصل لهم به الضرر، فهو غير واقع بإرادتهم.\nوالكفار قد سووا بين الخالق والمخلوق، فقالوا ما قالوا، والمقصود من الشبهة إبطال إرسال الرسل وجعله عبثًا تعالى الله عن ذلك\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>موقفه من الظلم:</span>\nوكان هذا أصل اعتمده في فهمه لمعنى الظلم تنزيهًا للمولى عنه، فقد أوَّل الظلم المنفى عن الله تعالى بالمراد الشرعي دون العقلى، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]؛ \"سمى الأخذ من غير ذنب ظلمًا تكرمًا منه، وإلا فحقيقة الظلم التصرف في ملك الغير من غير إذنه، ولا ملك لأحد معه، وهو بهذا المعنى مستحيل عقلًا على الله، وأما أخذه بغير ذنب؛ فهو وإن كان جائزًا عقلًا فمستحيل شرعًا؛ لأنه سماه ظلمًا تفضلًا منه، ونزه نفسه سبحانه عنه، كما ألزم نفسه بالرحمة تفضلًا منه\". (٢)\nويرد بذلك على المعتزلة، ويرى أن اعتقادهم وجود التلازم بين الإرادة والأمر\n_________\n(١) المرجع السابق: (٢/ ٢٨٩).\n(٢) المرجع السابق: (٢/ ١٢١/ ٢١٦) (٤/ ٢٧).","vol":"1","page":582},{"text":"هي التي أدت بهم إلى ما ذهبوا إليه في القدر؛ \"خلافًا للمعتزلة؛ القائلين بالتلازم بين الرضا والإرادة، وبنوا على ذلك أمور فاسدة.\nوحكى أن رجلًا من المعتزلة تناظر مع رجل من أهل السنة، فقال المعتزلى: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال السنى: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.\nفقال المعتزلى: أيريد ربك أن يعصى؟\nفقال السنى: أيعصى ربنا قهرًا؟ .\nفقال المعتزلى: أرأيت إن منعنى الهدى، أأحسن إلىَّ، أم أساء؟\nفقال: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فالمالك يفعل في ملكه كيف يشاء، فبهت المعتزلى\". (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>المناقشة:</span>\nإن تعليل أفعال الله تعالى بالغايات المطلوبة، والحكم الحميدة، أمر يقتضيه إثبات \"كمال الرب تعالى، وجلاله، وحكمته، وعدله، ورحمته، وقدرته وإحسانه، وحمده، ومجده، وحقائق أسمائه الحسنى\". (٢)\nلذا كان هذا هو اعتقاد أكثر الناس من المسلمين، وغير المسلمين، وقول طوائف من أصحاب أبى حنيفة، ومالك، وأحمد وغيرهم، وقول أكثر أهل الحديث، والتصوف، وأهل التفسير\" (٣)\nأما عن الشبهة التي ذكرها الأشاعرة في منع التعليل: بأن من يفعل لغاية مقصودة فقد استكمل بغيره، والمستكمل بغيره ناقص، وهذا محال في حق الباري\n_________\n(١) المرجع السابق: (٣/ ٣٤٤).\n(٢) شفاء العليل، لابن القيم: ٣٤٣.\n(٣) مجموع الفتاوى: (٨/ ٨٩).","vol":"1","page":583},{"text":"تعالى، فإن أساس ما قامت عليه اعتقاد بطلان الفروض الممكنة على فرض تحقق الحكمة في أفعال الله تعالى، يقول شيخ الإسلام في إيضاح حجة القوم: \"فإنه:\n- إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء.\n- أو يكون وجودها أولى به.\nفإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها.\nوإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به، فيكون مستكملًا بها، فيكون قبلها ناقصًا\". (١)\nوقد أطال الإمام ابن القيم - ﵀ - الكلام في إبطال شبه القوم وذلك من جانبين:\nالأول: جانب تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الحكمة، حيث أورد ما يقارب اثنين وعشرين نوعًا من الأدلة مأصَّلة بالعديد من النصوص الشرعية الثابتة، مع حسن الاستدلال بها، والذب عنها بإبطال ما وجه إليها من الشبه المبتدعة باسم اللغة، والشرع. (٢)\nالثاني: جانب الرد، وفيه أورد حجج النافين للتعليل، وقام بتفنيذها على جهة السلب، والإيجاب.\nأما السلبى؛ فقد طالب الخصم بالدليل من العقل، أو الشرع، أو الإجماع، ولا دليل.\nوأما الإيجابى، فقد أورد الحجج في إبطال شبههم التي ليس لها أساس تعتمده سوى مجرد افتراضات ذهنية، لا تتمالك أمام ما قدم - ﵀ - من براهين وثوابت، شرعية وفطرية، يتعين على كل متجرد للحق التسليم لها.\nولكثرة الأدلة التي أوردها في هذا المقام، سأتخير منها ما يفى بالمقصود بإذن الله تعالى:\n_________\n(١) المرجع السابق: (٨/ ٨٣)\n(٢) شفاء العليل: ٣١٩ - ٣٤٥.","vol":"1","page":584},{"text":"أولًا: إبطال حجتهم المعتمدة في نفى الحكمة، وهى أن كل من فعل لغرض فهو ناقص بذاته، ومستكمل بغيره.\nأما الشق الأول من هذه الشبهة وهو قولهم: \"ناقص بذاته\"؛ فعند البحث عن الفروض المحتمل إرادتها بهذا النقص المشار إليه يمكن إرجاعها إلى أحد المعانى التالية:\n- الأول: أن النقص هنا؛ هو انعدام الكمال الغير واجب حصوله قبل حدوث المطلوب.\n- والثانى: أن النقص هنا؛ يعني انعدام ما ليس كمالًا قبل وجوده.\nوالذي يتحصل عند سبر هذه الفروض؛ أنها ساقطة، وغير كافية في إثبات النقص الذاتى بحال:\nفالفرض الأول؛ دعوى باطلة، فإنه قد ثبت أن ما كان في حيز العدم مع كون حصوله ليس بكمال في ذلك الوقت، فإنه يمتنع وصفه بالكمال قبل حصوله في الوقت المراد.\nأما الفرض الثاني؛ فظاهر السقوط، فما ليس بكمال قبل وجوده لا يعد انعدامه نقصًا، والمعنى الأول يرجع إلى الثاني.\nوعليه \"فما كان قبل وجوده عدمُه أولى من وجوده، وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه، لم يكن عدمه قبل وجوده نقصًا، ولا وجوده بعد عدمه نقصًا، بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده، ووجوده وقت وجوده.\nوإذا كان كذلك فالحكم المطلوبة والغايات من هذا النوع وجودها وقت وجودها هو الكمال، وعدمها حينئذ نقص، وعدمها وقت عدمها كمال، ووجودها حينئذ نقص.\nوعلى هذا فالنافى؛ هو الذي نسب النقص إلى الله - تعالى - لا المثبت\".\nأما الشطر الثاني من الشبهة؛ والتى تلى ما تقدم في الحكم، وهو قولهم: \"بأن من فعل لأجل غاية فقد استكمل بغيره\"؛ فإن إبطال هذه الشبهة يكون؛ ببيان المراد بذلك الغير الذي حصل به الكمال، فيقال: إما أن يكون المراد بالغير شيئًا خارجًا عنه قد استفاد منه تلك الحكمة.","vol":"1","page":585},{"text":"أو أن يراد به مغايرة الحكمة له، واستكماله بها، عند اتصافه بها.\nأما المراد الأول فممتنع؛ لأنه \"لا رب غيره، ولا خالق سواه، ولم يستفد سبحانه من غيره كمالًا بوجه من الوجوه\".\nوكذلك الثاني؛ فإنه لا يسلم مراده؛ لأن \"الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرًا له\".\nفكما أنه تعالى متصف بالعلم، والقدرة، والإرادة مع كونها قائمة به، ليست مغايرة له، فكذلك الحكمة فهى صفته تعالى، ولا يقال في وصفه بها: إنه مستكمل بغيره. (١)\nثم إن منعهم التعليل بحجة الاستكمال \"منقوض بنفس ما يفعله - تعالى - من المفعولات\" (٢)، فإذا ثبت أنه تعالى يفعل المفعولات، كما يقر بذلك الأشاعرة دون أن يلزمه الاستكمال بها؛ فكذلك ما يفعله تعالى لعلة محمودة.\n- وإذا ثبت بطلان أصلهم في منع تعليل أفعال الرب تعالى، بقى أن أبين من جانب التقرير المستند إلى دلالة العقل في فهم نصوص الشرع ما يكفى في إثبات تعليل أفعاله تعالى بالحكمة.\nفمن الأمور المستقرة في الفطر والألباب اتصافه تعالى بكل كمال، كما أن أسماءه الحسنى دالة على هذا الأصل العظيم في العلم بما يجب في حقه تعالى، ولما كان في إثبات الحكمة كمال؛ لأن النقل الصحيح والعقل الصريح يقضيان؛ بأن من يفعل الفعل لغاية محمودة أكمل ممن يخلو مراده عن ذلك، وفي نفيها عنه - تعالى - نقص، \"والأمة مجمعة على انتفاء النقص عن الله، بل العلم بانتفائه عن الله تعالى من أعلى العلوم الضرورية المستقرة في فطر الخلق\" (٣)؛ وجب إثباتها لله تعالى.\n_________\n(١) المرجع السابق: ٣٤٨. ومجموع الفتاوى: (٨/ ١٤٦).\n(٢) مجموع الفتاوى: (٨/ ١٤٦).\n(٣) المرجع السابق: ٣٤٩. ومجموع الفتاوى: (٨/ ١٤٧).","vol":"1","page":586},{"text":"وإثبات الحكمة على هذا الوجه الذي دل عليه المنطوق الصحيح والمعقول الصريح؛ \"به يثبت أن الله حكيم؛ فإنه من لم يفعل شيئًا لحكمة لم يكن حكيمًا\" (١).\n* * *\n\nأما ما ذهب إليه الأشاعرة من أن المراد بصفة الحكمة؛ الإحكام، والإتقان في الصنعة، وأن معنى الحكيم من اتصف بذلك، فيكون من باب التفسير بجزء المعنى فقط، ولا كفاية فيه لدلالة على المراد من هذه الصفة العظيمة، ثم إن في تفسير الحكمة بالإحكام إلزام لهم بإثبات الحكمة له تعالى في كل أفعاله وخلقه وأمره، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، إذ لا مفهوم للإحكام إلا أن يكون لكل جزء في المخلوق من حيث تركيبه على هيئة معينة، ووفق سنة ربانية معهودة وغاية محمودة؛ لأجلها تم إحداثه، وإناطة الوظيفة به على الصورة التي ركب عليها. والأدلة الشرعية نقلية وعقلية تفيد هذا، وتدل عليه بأوضح حجة، وأكمل برهان.\nوالحق أن الصاوي في هذا الباب قد وقع في التناقض؛ إذ كيف ينفى عن أفعال الله تعالى تعليلها بالعلل والأغراض، ويذكر حجة الأشاعرة في ذلك، ثم يفسر الحكيم على أحد أقواله؛ بأنه واضع الشيء في محله!، مع أنه يدرك ببداهة العقل أن من كانت هذه صفته وجب اتصافه بالحكمة على مراد السلف منها.\nبل ويثبت الحكمة في أفعاله، ويستنكر على من نفى هذا بقوله: \"سبحانك ما خلقت هذا عبثًا\"!\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ كيف يثبت الحكمة في أفعاله بمعنى العلة الغائية، ويرى في ذلك مخرجًا من إلزامات الأشاعرة السابقة!، ثم يفرق بينها وبين العلة الباعثة؟، مع أنه عند التحقيق لا فرق بينهما البته؛ وذلك أن الغاية ما لم تكن\n_________\n(١) الفتاوى لشيخ الإسلام: (٨/ ٣٧٨).","vol":"1","page":587},{"text":"باعثة لا تسمى غاية، إذ الغاية هي التي يتغيها الإنسان بمعنى أنه يقصد فعله لأجل تحقيقها، وبالتالى تكون هي الباعثة له على فعله؛ ولذا صح تسميتها بالغاية، فأى تفريق بينهما لا اعتداد به لمخالفته صريح العقل والفطرة.\nوهذا ما رد به شيخ الإسلام على الفلاسفة النافين للحكمة، حيث ألزمهم بالإقرار بها لإثباتهم العلة الغائية، يقول: \"إما أن تثبتوا لمبدع العالم حكمة وغاية مطلوبة، وإما ألَّا تثبتوا، فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات العلة الغائية، وبطل ما تذكرونه من حكمة الباري تعالى في خلق الحيوان، وغير ذلك من المخلوقات\" (١) إلى آخر كلامه - ﵀ - في إثبات الحكمة على الوجه المراد منها.\nويكون الصاوي بإثباته وجود اللام الغائية في القرآن؛ قد خالف أصل المذهب في هذه القضية، يقول شيخ الإسلام: \"وأما نفاة الحكمة كالأشعرى وأتباعه، كالقاضى أبى بكر، وأبى يعلى وغيرهم، فهؤلاء أصلهم أن الله لا يخلق شيئًا لشيء، فلم يخلق أحدًا لعبادة، ولا لغيرها، وعندهم ليس في القرآن لام كى، لكن قد يقولون: في القرآن لام العاقبة\". (٢)\nولكن تفريقه بين العلة الغائية وبين العلة الباعثة يعد انتكاسًا، ورجوعًا إلى مذهب الأشاعرة، كما أنه ليس بخفى ما وقع فيه من تناقض بسبب هذه الآراء المتعددة، فقد حاول التوسط بين قولين، كل منهما على نقيض الآخر، وهذا من المحال، فيعود بذلك إلى مذهب نفاة الحكمة والتعليل.\nومما يؤكد هذا أنه وجد في نفى الحكمة والغرض بغيته في الرد على المخالفين في القدر من المعتزلة، أو الجبرية الغلاة، فإنه حين منع التلازم بين الرضا والإرادة؛ برر بنفى التعليل، والغرض ما قدر له الوقوع من الكفر الذي انتفى عنه الرضا.\nوكان هذا الاعتقاد حاملًا له على تفسير الظلم؛ بأنه التصرف في ملك الغير حتى ينزه أفعاله تعالى التي اعقد فيها الخلو من العلل والأغراض عن الظلم.\n_________\n(١) الفتاوى: (٨/ ٨٨).\n(٢) الفتاوى: (٨/ ٤٤).","vol":"1","page":588},{"text":"والذي عليه مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، أنه مع صحة التفريق الذي ذكره الصاوي بين ما يرضاه تعالى وما يريده، أو كما يعبر عنه باللغة المطابقة لما ورد بلسان الشرع؛ بين ما يريده شرعيًا، وما يريده كونًا؛ إلا أن ذلك ليس فيه ما يعني نفى الحكمة عن مراداته تعالى، فالخير منه وإليه، والشر ليس إليه، يوضحه أن المراد قد يكون مرادًا لذاته، أو مرادًا لغيره، والأول كإيمان المؤمنين وتعريضهم للثواب والأجر، وأما الثاني فكإيجاده لإبليس، \"فإن في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله، فالله سبحانه لم يخلقه عبثًا، ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم\" (١)\nفالشر في حقيقته نوعان: شر محض، وشر نسبى، والأول لا مكان له في الوجود، لأنه تعالى لا يخلق شيئًا عبثًا، وأما الشر النسبي الذي قد يكون في حقيقته شرًا مؤكدًا ولكنه بالإضافة إلى ما يترتب عليه من المصالح العميمة يصبح شره نسبيًا بحيث يراد للخير الذي يتأتى بسببه؛ فهذا ما يتوجه له القول في خلق إبليس، فقد كان وجوده سببًا لظهور حقائق الإيمان من القلوب، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].\nوهذا هو الحال في الكثير مما يريده تعالى من الأمور التي ظاهرها الشر، كسائر المصائب والابتلاءات؛ فإنه بالنظر إلى حقيقتها من حيث هي، فلا يشك في كونها شر، ولكنها بالنسبة لما يترتب عليها من أنواع العبادات القلبية والبدنية، كالصبر، والرضا، واليقين، والإنابة إلى الله تعالى، تكون مرادة محمودة، فكل \"مخلوق باعتبار الحكمة التي خلق لأجلها خير وحكمة، وإن كان فيه شر من جهة أخرى، فذلك أمر عارضى جزئى ليس شرًا محضًا\". (٢)\n_________\n(١) شفاء العليل: ٣١٠.\n(٢) مجموع الفتاوى: (٨/ ٥١٢).","vol":"1","page":589},{"text":"فأفعال المولى تعالى كلها دائرة بين العدل، والفضل، والحكمة، والمصلحة لا محيد فيها عن ذلك.\nوأما ما يلزم الصاوي لمنعه التعليل من؛ أنه تعالى \"يخلق الشر الذي لا خير فيه، ولا منفعة لأحد، ولا له فيه حكمة، ولا رحمة، ويعذب الناس بلا ذنب لم يكن مدحًا له بل العكس؛ والحق أن هذا هو مذهب الجهم بن صفوان الذي يقول فيه: \"إن الله خلق الشر المحض الذي لا خير فيه لأحد؛ لا لحكمة ولا لرحمة\" (١)\nو\"الكتاب، والسنة، والاعتبار يبطل هذا\" (٢)\nولا بد في بيان هذا الأصل من التنبيه إلى أن عدم العلم بالحكمة لا يعني انتفاءها، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"ما من ذرة في السموات والأرض ولا معنى من المعانى؛ إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة، وكمال القدرة والحكمة، وما خلق الخلق باطلًا، ولا فعل شيئًا عبثًا، بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله ﷾، ثم إن من حكمته ما أطلع بعض خلقه عليها، ومنها ما استأثر سبحانه بعلمه\" (٣)\nلهذا كان الجواب بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كافيًا في الإجابة على سؤال الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nفإنه ليس من مقدور البشر الإحاطة بحكمة الرب تعالى في فعله وخلقه وأمره، فالأصل أن حكمته تعالى \"صادرة من علمه، وحكمته، وقدرته\" (٤) وما يعلمه لا يقدر على الإحاطة به إلا هو؛ لذا قرن الملائكة بين هذين الوصفين عندما أمروا بذكر أسماء المسميات؛ فـ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].\n_________\n(١) شفاء العليل: ٣٠١.\n(٢) الفتاوى: (٨/ ٢٠٧).\n(٣) المرجع السابق: (٨/ ١٩٧).\n(٤) المرجع السابق: (٨/ ٤٦٥). وانظر: (٨/ ٣٩٨).","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>حقيقة الظلم:</span>\nوبناء على ما تقدم يعلم بطلان تعريف الظلم؛ بأنه التصرف في ملك الغير، ومن ثم تنزيه المولى تعالى عنه - كما ذكر الصاوي - بل حقيقة الظلم التي يجب نفيها عن المولى تعالى كما بينها السلف؛ هي وضع الشيء في غير محله (١).\nوعليه فوضعه تعالى للأشياء في محلها هو عين الحكمة، وتمام العدل والرحمة.\nوكان هذا مما فسر به الصاوي (الحكيم) على أحد قوليه، ولو تفطن لما يقتضيه هذا الوصف؛ لأثبت به عدل الله تعالى وحكمته، وبذلك ينتفى عنه الظلم.\nوعليه فإن تفسير الظلم - الذي تواترت الأخبار بتنزيهه تعالى عنه - بإنه التصرف في ملك الغير؛ هو عين الجهل؛ إذ لا مستند له من اللغة، أو الشرع، تقول العرب: (من شابه أباه فما ظلم)، كما يقال: (هو أظلم من حية)؛ لأنها تدخل حفرًا لم تحفرها، فهذا المعنى للظلم مما هو معروف في اللغة، والأمثلة على ذلك كثيرة (٢).\nأما في الشرع؛ فمن مقتضى استحقاق المولى تعالى للحمد والثناء تركه تعالى للظلم مع قدرته على فعله. \"ومعلوم أن المحال الذي لا يمكن، ولا يكون مقدورًا أصلًا لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته ولا فعله، ولا يحمد على ذلك، وإنما يكون المدح بترك الأفعاله لمن هو قادر عليها، وأن يتنزه عنها لكماله، وغناه، وحمده\" (٣).\nهذا ويستدل الإمام ابن القيم على بطلان ما ذهب إليه الأشاعرة في تفسيرهم للظلم، بقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] يقول: \"فنفى أن يكون تعذيبه لهم ظلمًا، ثم أخبر أنهم هم الظالمون بكفرهم، ولو\n_________\n(١) انظر: جامع الرسائل: ١٢٤.\n(٢) انظر: لسان العرب مادة ظلم: (٥/ ٢٧٥٦)، وانظر: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة: ٤٦٧: تحقيق: أحمد صقر.\n(٣) مفتاح دار السعادة: (٢/ ١٠٨).","vol":"1","page":591},{"text":"كان الظلم المنفى هو المحال، لم يحسن مقابلة قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، بقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾، بل يقتضى الكلام أن يقال: ما ظلمناهم؛ ولكن تصرفنا في ملكنا وعبيدنا، فلما نفى الظلم عن نفسه، وأثبته لهم؛ دل على أن الظلم المنفى؛ أن يعذبهم بغير جرم، وأنه إنما عذبهم بجرمهم وظلمهم\" (١).\nمع ما يلزمهم من نسبة القبيح لفعله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (٢).\nأما ما اعتقده الصاوي من أن نفى التعليل والغرض فيه رد على المعتزلة؛ فهذا باطل لا يصح؛ لأن شبهتهم في تلازم الأمر والإرادة لا تبطل بمثل هذا التقرير المباعد للحقيقة الشرعية الفطرية في إثبات الغرض المحمود في أفعاله تعالى، بل الرد عليها يكون بما تقدم من أن حكمته تعالى قد تخفى في ظاهر المراد مع وجودها؛ لتعلق حكمته، وعدله، ورحمته بكل ما يكون منه، وما يتصرف فيه من خلق وأمر.\nكما يكون أيضًا بالتأكيد على قضية التلازم بين الرضا؛ والمراد شرعًا، لا قدرًا، وذلك ببيان الأدلة الثابتة الدالة على أنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر، معِ تمام ملكه وقدرته، وأنه لا يكون إلا ما يشاء سبحانه، كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].\nثم إن الأساس الذي قام عليه مذهبهم في تنزيه المولى تعالى عن الظلم؛ هو إثبات الحكمة على المعنى المشاهد عند البشر، وذلك بقياس الشاهد على الغائب، فما وجدوه قبحًا وظلمًا من أفعال العباد نزهوا الله عن إرادته، وحكموا بنسبته لفعل العبد على جهة الاستقلال، وقد سبق بيان فساد هذا المسلك في الاستدلال على صفات الله تعالى؛ لأنه لا يستقيم الاستدلال به إلا مع التيقن من استواء طبيعة الشاهد والغائب، أما وقد دل برهان الفطرة والشرع على أنه تعالى ليس كمثله شيء؛ فلا اعتداد بمثل هذه الأقيسة الدخيلة على المعتقد، ويبقى الاستغناء بما دل\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة: (٢/ ١٠٧).\n(٢) انظر: الفتاوى: (٨/ ٥٠٩).","vol":"1","page":592},{"text":"عليه الشرع؛ من أنه تعالى لا يظلم، بمعنى أنه لا يعذب أهل طاعته، ومن استحق بوعده الثواب والأجر. والحق أن مكمن الضلال الذي وقع فيه هؤلاء؛ هو عدم التمييز بين الفعل وبين الخلق، فالله تعالى خالق أفعال العباد وليس بفاعل لها، فالفاعل؛ هو من يقوم به الفعل، ويوصف به، وترجع إليه أحكامه أما الخالق تعالى فلا يوصف بتلك الأفعال، ولا ترجع أحكامها إليه إطلاقًا.\nفهو خالق أفعال العباد بما فيها الصلاة والصيام، ومع ذلك لا يوصف بأنه مصلٍ، أو صائم، وكذا ما في أفعالهم من جور وظلم، يقول شيخ الإسلام في رده عليهم: \"فكونكم أخذتم في حد الظالم؛ أنه من فعل الظلم، وعنيتم بذلك من فعله في غيره، فهذا تلبيس، وإفساد للشرع، والعقل، واللغة؛ . . .\" (١).\n* * *\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١٨/ ١٥٣)، وسأفصل ما يتعلق بأفعال العباد في المبحث التالى إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>(المبحث الثالث): أفعال العباد</span>\nتمثل هذه القضية محور النزاع في المسائل المتعلقة بالقدر، بين الفرق الإسلامية على اختلاف مذاهبها؛ فكل اختلاف وقع في مسائل القدر كانت قضية أفعال العباد هي أساسه من حيث المبدأ، ونتيجة له من حيث تنظير المقدمات، وتقعيد الأصول.\nوحقيقة الخلاف في كل ذلك؛ ترجع إلى اعتقاد التناقض بين الشرع والقدر، وإلى هذه المهمة يلفت شيخ الإسلام أنظار الباحثين عن الحق، يقول - ﵀ -: \"ومسألة القدر يحتاج فيها إلى الإيمان بقدر الله، وإلى الإيمان بشرع الله، فطائفة غلب عليهم التصديق بالأمر والنهى، والوعد والوعيد، فظنوا أن هذا لا يتم إلا بالتكذيب بالقدر؛ فأخطئوا في التكذيب به، وطائفة ظنت أن الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأن يقول: إن الرب تعالى يخلق ويأمر لا لحكمة ولا لرحمة\" (١).\nفالمعتزلة كما هو واضح من النص، غلبت جانب الشرع على القدر، وغلت في الإيمان بالتكليف؛ حتى طعنت في القدر، وأنه تعالى خالق لكل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، وقدمت لهذه النتيجة مقدمات متعددة من تعليل أفعال الله تعالى بالحكمة، واستحالة الظلم عليه، وتحسين الأشياء وتقبيحها بالعقل، كل ذلك كان بمثابة الأدلة التي أرادت بها أن تدعم موقفها من نفى هذه المرتبة من مراتب القدر المتعلقة بأفعال العباد، وقد سبق بيان مكمن ضلالها في تلك المسائل، وأنها بإرجاعها كل شيء للعقل؛ ابتعدت عن هدى الإيمان الذي يقضى بالتسليم التام لقضاء الله تعالى وقدره كما في الحديث الشريف: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) (٢).\n_________\n(١) درء التعارض: (٨/ ٤٠٥).\n(٢) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان - باب سؤال جبريل - ﵇ -.","vol":"1","page":594},{"text":"ولا شك أن المسلك الخاطئ الذي التزمته في الاستدلال على ما يجب في حق الله تعالى وما يمتنع عنه؛ كان له أكبر الأثر فيما وقعت فيه من مخالفة النهج القويم المستمد من الكتاب والسنة، فقياس الشاهد على الغائب حملها على رد كل ما استقبحته من الأفعال المشاهدة من العباد وقاست عليها أفعال الرب تعالى دون أدنى تفريق أو إعمال لداعى القطرة الذي يهتف بأنه الرب سبحانه ليس كمثله أحد، وبهذا طعنت في أعظم حقيقة عرفها الوجود وهى انفراد الرب تعالى بالخلق والتدبير.\nوفي مقابل هذه الفئة ظهرت الجبرية معظمة لجانب القدر، ملتزمة للإقرار بربوبية الله تعالى، ولكنها أجحفت في الجانب الآخر: جانب الشرع، فالجبرية الغلاة أتباع الجهم ذهبوا إلى نفى الاختيار تمامًا عن العبد، وعدم التفريق بين ما يضطر إليه من الأفعال وما يريده، ونفت بذلك قدرة العبد تمامًا، وردت الشرع، وجوزت على الله تعالى أن يعذب من قضى ساعات عمره في طاعة الله تعالى، وليس هذا هو مجال عرض أثر هذا المعتقد الضال عليها، وكان ممن تأثر بمنهجها فرقة الأشاعرة؛ حيث عدلت فيه بعض التعديلات؛ نتيجة اعتبارها للتكليف وجانب الشرع، فأثبتت قدرة العبد الحادثة، ونسبت له الكسب؛ حتى يصح تكليفه بذلك، ولكن مفهوم الكسب عندها داخله اضطراب كبير، لم يعد يملك نتيجة له أحقية مفارقة مذهب الجبر، مع اختلاف في أثر المعتقد على الإيمان بالشرع، وسيأتي الحديث عنه فيما يلى إن شاء الله.\nوقد توسط السلف الصالح بين هذين التيارين المتعاكسين، فلم يغلبوا جانبًا على آخر، وعليه فإن معتقدهم فيما يتعلق بأفعال العباد يقوم على أصلين:\nالأول: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، فالمعتقد الصحيح في كل ما هو موجود يستند إلى مبدأ الثنائية، تلك الحقيقة التي أشارت إليها الفاتحة في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأثبتت الرب الواحد، والمربوب وهو العالم بأسره، ولا تخرج أفعال العباد عن أن تكون مربوبة لله تعالى؛ لعموم ربوبيته،","vol":"1","page":595},{"text":"وتدبيره لشؤون خلقه، وهذا ما دل عليه صراحة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ثم إن أفعال العباد متعلقة بقدرة الله تعالى النافذة في كل ما هو ممكن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nالثاني: الإيمان التام بحقيقة الشرع الذي أثبته المولى تعالى لنفسه في محكم التنزيل، والإيمان بما يقتضيه الإقرار به من التكليف، وما يستلزمه من صحة نسبة القدرة على الفعل للعبد، بل وتأثيرها فيه على جهة الحقيقة، وذلك ضمن دائرة السببية، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>أدلة القدرية والجبرية:</span>\nوتجدر الإشارة إلى أن الشبهة التي اعتمدها كلا الفريقين: القدرية والجبرية واحدة، وهى عدم إمكان وجود فعل بقدرتين، فالتزمته المعتزلة، وأرجعت الفعل إلى قدرة العبد على جهة الاستقلال؛ استنادًا إلى الضرورة العقلية، التي تشهد بأن الفعل صادر عن إرادة الإنسان، يقول القاضي عبد الجبار: \"إن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا، ويجب انتفاؤها بحسب كراهتنا وصارفنا مع سلامة الأحوال إما محققًا وإما مقدرًا، فلولا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا وإلا لما وجب ذلك فيها؛ لأن هذه الطريقة تثبت احتياج الشيء إلى غيره، كما يعلم احتياج المتحرك إلى الحركة والساكن إلى السكون، وهذه هي الدلالة المعتمدة\" (١).\nوهذا كما هو صريح من جانب الرد التقعيدى الإيجابى، أما من جهة السلب أو الإلزام؛ كما يعبر عنه، فيعتقد أن في نسبة الفعل إلى الرب تعالى ما ينسب إليه القبيح من الظلم المنافى لإرادة الحكمة والعدل (٢).\nويعتقد إلى جانب هذا أن في القول بخلق الأفعال طعنًا في جانب التكليف، المتمثل بإرسال الرسل، وإنزال الكتب بما فيها من أوامر ونواهٍ؛ حتى يؤدى ذلك إلى نسبة العبث المنافى لتمام الحكمة والعدل للرب تعالى (٣).\n_________\n(١) شرح الأصول الخمسة: ٣٣٧. وانظر: المحيط بالتكليف: ٣٤٠.\n(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار: ٣٤٥. وقد شق مناقشة قضية الظلم فلتراجع: ٥٧٨.\n(٣) مذاهب الإسلاميين، عبد الرحمن بدوى: ٣٣٤. وانظر: المحيط بالتكليف: ٣٤٨.","vol":"1","page":596},{"text":"وكذلك الأشعرية التزمت نفس الشبهة في منع صدور الفعل بقدرتين وقادرين، ولكن مع اختلاف في النتيجة؛ حيث أثبتت وجود القدرة الحادثة في العبد، ولكن دون أن يكون لها أدنى أثر في إحداث الفعل، فالفعل فعل الله تعالى، وقدرة العبد ما هي إلا سبب اقترانى يوجد الفعل عنده لا به، وكان هذا هو مذهب الأشعري وعليه بنى النظرية المعروفة بالكسب\nهذا والمذهب الأشعري الممثل بكبار منظريه؛ قد حصل فيه اضطراب في حقيقة الكسب، وذلك أن القاعدة التي أسسها الأشعري لتصور علاقة الإنسان بأفعاله لم تكن مستساغة لدى جميع من سار على نهجه (١).\nوعلى الرغم من هذه المحاولات العديدة من الأشاعرة في رفض الجبر عقيدة ومذهبًا، وإضفاء نوع من الواقعية لفكرة الكسب؛ حتى تبعده عن مذهب الجبر، إلا أن الرازي وهو العالم بخفايا المذهب، الواقف على أغوار مراميه، يتفطن إلى أن المراد بالكسب تقرير مذهب الجبر، ويدعم موقفه هذا بالأدلة التي يرى فيها تأييدًا لما ذهب إليه؛ فيستدل على أمرين ليصل بنتيجتيهما إلى ما يريد من تقرير الجبر: خلق أفعال العباد بدليل الإمكان؛ إذ لا تخرج عن كونها إما ممكنة، أو واجبة. ولما استحال وجوبها؛ إذ لا يرجح وجودها على عدمه إلا بمرجح، لم يبق إلا كونها ممكنة؛ بمعنى مخلوقة\" (٢).\nوقد يعارض موقف الرازي من حقيقة الكسب بموقف آخر لواحد من كبار منظرى المذهب الأشعري، ذلكم هو الإمام الجويني؛ حيث رد على من نفى التأثير مطلقًا من جهة الجد، وأرجع حقيقة الكسب إلى السببية؛ فأثبت بهذا لقدرة العبد أثرًا في الفعل على جهة السببية، ودون الاستقلال (٣).\n* * *\n_________\n(١) الإنصاف للباقلاني: ٤٦.\n(٢) المباحث المشرقية للرازي: (٢/ ٥٤٤).\n(٣) شفاء العليل: ٢١٢.","vol":"1","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيلتزم الصاوي مسلك سابقيه في تقرير نظرية الكسب، مع ميل واضح إلى تقرير عقيدة الجبر؛ متأثرًا بذلك بالفكر الصوفي، الذي يجعل من القدر حقيقة مرادة، ولو عارضت الشرع في الظاهر، وعند سبر أقواله في هذا المجال؛ يمكن إرجاعها إلى عدة نقاط كلها تهدف إلى ما سبق بيانه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>أولًا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية:</span>\nيرجع الصاوي الأمر كله لله تعالى؛ فهو الخالق وهو الفاعل، ولا يثبت للعبد إلا ميلًا يحدثه حال اختياره، يقول: \"إن الله خالق لعبيده، وما عملوه من خير أو شر اختيارًا أو اضطرارًا، وليس للعبد إلا مجرد الميل حالة الاختيار؛ ولذا طولب بالتوبة والإقلاع والندم، واستحق التعزير والحدود والثواب والعقاب\" (١).\nكما يلحظ منه تصريح بالجبر، ولا يرى في ذلك بأسًا، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]: \" (وما تشاءون)؛ رجوع للحقيقة، وإعلام بأن العبد مختار في الظاهر، مجبور في الباطن على ما يريده الله منه\" (٢).\nويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]: \"المراد بالخلق؛ الإيجاد، وبالأمر؛ التصرف، فهو منفرد بالإيجاد والتصرف فلا شريك له فيهما، وتصرف الحادث إنما هو بتصرف الله له، وليس لمخلوق استقلال بتصرف أبدًا، وإنما العبيد مظاهر التصريف\" (٣).\nوحتى يخرج نفسه من دائرة الجبر المحض؛ يقرر معتقد الأشاعرة في الكسب، سالكًا مذهب الأشعرى في ذلك، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]: \"الإنصاف في التوحيد؛ اعتقاد أن الله متصف بكل\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٣٤.\n(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٩١).\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٧٣).","vol":"1","page":598},{"text":"كمال، منزه عن كل نقص، والإنصاف في الاعتقاد؛ نسبة الأفعال كلها لله، ونسبة الكسب للعبيد؛ خلافًا للجبرية والمعتزلة، فالفرقة الأولى نفت الكسب أصلًا، وقالوا: العبد كالخيط المعلق في الهواء، لا فعل له أصلًا، وتعذيب الله له ظلم، وهؤلاء كفار، والفرقة الثانية، قالوا: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وهؤلاء فساق، وكلا المذهبين جور، والإنصاف نسبة الأفعال كلها لله خيرها وشرها، ظاهرها وباطنها، ولكن من الأفعال ما هو جبرى، وهذه لا كسب للعبد فيها، ولذا لا يثاب عليها ولا يعاقب، ومنها ما هو اختيارى، وهذه للعبد فيها نوع كسب ولذا يثاب عليه إن كان خيرًا ويعاقب عليه إن كان شرًا\" (١).\nأما عن المراد بالكسب؛ فيوضح ذلك بقوله: \"الكسب هو تعلق قدرة العبد وإرادته بالفعل، فإذا تعلقت قدرة العبد وإرادته بالفعل؛ فمن عظيم قدرة الله تعالى إيجاد الفعل عند قدرة العبد لا بقدرته وإرادته\" ويضرب لذلك مثالًا: \"كقطع السكين مثلًا؛ فإن القطع عند مرور السكين لا بالسكين؛ فإنه يمكن تخلفه، فمقارنة قدرة العبد وإرادته لإيجاد الله هو المسمى بالكسب\" (٢).\nوهذا ما يدعو إلى معرفة رأيه في:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>ثانيًا: الأسباب، وموقف الناس منها:</span>\nيجمل الصاوي رأيه في موقف الناس من الأسباب، فيقول: \"من قال: إن الأسباب العادية تؤثر بذاتها من غير جعل من الله تعالى؛ كفر بالإجماع، ومن قال: بقوة خلقها الله فيها فمبتدع، ومن قال: إنها تؤثر بإذن الله لكون بينها وبين ما قارنها ملازمة عقلية؛ فلا يصح التخلف، فهو جاهل واعتقاده يؤول به إلى الكفر\" (٣).\nويستدل على صحة مذهبه في أن الأسباب لا تؤثر إطلاقًا؛ بحادثة الفداء كما في قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل - ﵉ -، يقول: \"استدل أهل السنة على\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٣٠١).\n(٢) حاشية الجوهرة: ٣٥.\n(٣) حاشية الخريدة: ٦٨. وانظر: حاشية الجلالين: (٣/ ١٥٢).","vol":"1","page":599},{"text":"أن الأمور العادية لا تؤثر شيئًا لا بنفسها ولا بقوة أودعها الله فيها، وإنما المؤثر هو الله تعالى، ولو لم يكن ذلك كذلك لما تخلف القطع في ولد إبراهيم، وتخلف الإحراق في إبراهيم\" (١).\nومع هذا فهو لا ينكر الأخذ بالأسباب، بل يسم من تركها بالضلال والخسران، أما عن علاقة حصول الأمر بالسبب؛ فهو يرجع ذلك إلى مجرد الاقتران؛ متبعًا مذهب الأشعري في الأسباب، يقول: \"فينبغى للإنسان أن يفوض أمر الرزق له تعالى، ولا ينافى هذا أخذه في الأسباب؛ لأن الله تعالى أوجد الأشياء عند أسبابها لا بها، فالأسباب لا تنكر ومن أنكرها فقد ضل وخسر\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>ثالثًا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري، ورد بها على مخالفيه:</span>\nيستدل الصاوي لموقفه من أفعال العباد بعدد من الأدلة بين سمعية، وأخرى عقلية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>الأدلة السمعية:</span>\n- قال تعالى: ﴿وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].\n- وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].\n- وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nيقول: \"استدلال على انفراده تعالى بالإيجاد سواء كانت ما مصدرية، أو موصولة بمعنى الذي، فالآية حجة لنا على انفراده تعالى بالإيجاد، ورد على المعتزلة القائلين: أن يخلق أفعال نفسه الاختيارية\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الأدلة العقلية:</span>\nيبرهن الصاوي على أن أفعال العباد مخلوقة بطريق السبر والتقسيم، فيقول: \"لا يخلو إما أن يكون حصول هذا الفعل بقدرة الله تعالى وقدرة العبد، فإن قالوا:\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٣٢١).\n(٢) المرجع السابق: (٣/ ٢٢٦).\n(٣) حاشية الخريدة: ٦٤.","vol":"1","page":600},{"text":"نعم، قلنا: لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن قالوا بقدرة العبد فقط؛ لزم وقوع شيء في الكون قهرًا عن الله ﷾، ولزم أن لا يكون ﷾ واحد في الأفعال وهو كفر\".\nفلم يبق من هذه الأقسام إلا فرض واحد؛ وهو أن تكون الأفعال بقدرة الله تعالى، كما يستدل بجهل الإنسان على عجزه وعدم إمكان نسبة الأفعال إليه، يقول: \"لو كان الفعل له لكان عالمًا بحركات نفسه وسكناتها مدى الأيام، فجهله بها دليل عجزه\" (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>رابعًا: حقيقة القدر في الفكر الصوفي:</span>\nيستخدم الصاوي عبارات الصوفية في المفارقة بين الشرع والقدر، وإطلاق مسمى الحقيقة على القدر الحاصل بما فيه من خير وشر؛ ويقع في التجاوزات نتيجة لذلك، فيورد كلام كبار الصوفية في عذر الخلق عند النظر إلى الحقيقة، ولا شك أن فيه مناقضة لتشديده على الجبرية، ونعتهم بالكفر، ولكن هذا مما أوقعه فيه ميله إلى التصوف، يقول: \"من نظر للخلق بعين الحقيقة عذرهم، ومن نظر لهم بعين الشريعة مقتهم، فعذرهم بالنظر لخلق الله الضلال والهدى في قلوبهم، فالخالق للضلال والهدى والأفعال جميعها هو الله وحده؛ فمن نظر لذلك لم يستقبح فعل أحد؛ لأنه فعل الله في الحقيقة، قال الشاعر:\nإذا ما رأيت الله في الكل فاعلًا ... رأيت جميع الكائنات ملاحًا\nوإن لم تر إلا مظاهر صنعه ... حجبت فصيرت الحسان قباحًا\" (٢)\n* * *\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٣٤ - وحاشية الخريدة: ٦٧.\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ١٢١)، (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المناقشة:</span>\nسبق وأن أشرت إلى أن أساس الضلال الحاصل في المسائل المتعلقة بالقدر؛ اعتقاد ثمة تناقض بين الشرع والقدر، وعليه فالواجب أولًا بيان انتفاء التناقض بينهما، وأنه لا يلزم لإثبات القدر القدح في الشرع؛ كما فعلت الجبرية، ولا يلزم لإثبات الشرع القدح في القدر؛ كما فعلت القدرية، وأن التسليم بكليهما يقتضى عدم الميل بأحدهما عما يجب فيه، لذا كان المنهج الصحيح هو التوسط وعدم ضرب نصوص الشرع بعضها ببعض، بل الإيمان بأن: كلا من عند ربنا، \"فأدلة الجبرية متضافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب على شيء من الأعيان والأفعال، وعموم مشيئته وخلقه لكل موجود، وأثبت في الوجود شيئًا بدون مشيئته وخلقه.\nوأدلة القدرية متضافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره، وقال: إنه ليس بفاعل شيئًا، والله يعاقبه على ما لم يفعله، ولا له قدرة عليه بل هو مضطر إليه مجبور عليه\" (١).\nوالحقيقة أن الخروج عن نهج الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح أساس لكل ضلال وبلاء، فالتسليم بالقدر دون جدال ومراء من أعظم أسس الإيمان بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان ذلكم أنه قد نهى عن الجدال في القدر والخوض فيه بلا علم فالله تعالى لم يأمر عباده ولم يتعبدهم بكيفية القدر؛ ولكن تعبدهم بالتسليم له، مع عدم ضرب نصوص الدين بعضها ببعض، يقول الإمام الطحاوي (٢) \"وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبى مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن\n_________\n(١) شفاء العليل: ٩٤.\n(٢) هو الإمام العلامة الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن الملك بن سلمة بن سليم الأزدى الطحاوي الحنفى ولد سنة: ٢٣٧ هـ، قال عنه الشيرازي: انتهت إلى أبى جعفر رياسة أصحاب أبى حنيفة بمصر، صنف في اختلاف العلماء وفي الشروط وفي أحكام القرآن العظيم ومعانى الآثار، توفى سنة: ٣٢١. انظر: تذكرة الحفاظ: (٣/ ٨٠٨).","vol":"1","page":602},{"text":"الأنام، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين\" (١).\nوعند سبر أقوال المخالفين لمنهج السلف؛ نجد أن الانحراف داخلهم من رد نصوص بعض الكتاب، أو استخدام بعض الألفاظ التي لم ترد في الشرع، فهؤلاء القدرية ردوا صريح الكتاب بأن الله تعالى خالق لكل شيء، وأنه لا أحد يملك الخروج عن مشيئته؛ كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، فدلالة هذه النصوص على إثبات خلق الله تعالى لأفعال العباد صريحة صحيحة، لا يجادل فيها إلا مكابر، قد قدم هواه على الشرع الحكيم، وليس في ذلك ما يبطل الشرع وحكمة المولى تعالى؛ كما فعل غلاة الجبرية، ومتوسطوهم، فالله حكيم يضع كل شيء في محله، وقد تقدم هذا كما أنه ﷿ لا يجبر أحدًا على فعله، فالجبر مما لم يرد لأفعال العباد؛ فلا يقال جبر وإنما خلق وجبل، فالله تعالى أعظم من أن يجبر أحدًا على شيء، وإنما يخلق ويجبل عبده على ما يريد؛ حتى يجعل العبد مريدًا لأفعاله عن اختيار ومشيئة (٢).\nلذا كان هذا من الألفاظ التي كرهها الإمام أحمد - ﵀ -، فقد رد على من قال: إن الله جبر العباد، فقال: هكذا لا تقول وأنكر هذا وقال: يضل من يشاء ويهدى من يشاء، وفي رواية أخرى أنه في رده قال: بئس ما قال، ولم يقل شيئًا غير هذا (٣).\nوجماع هذين الأمرين، أعنى: إثبات مشيئة العبد وإرجاعها أولًا وأخيرًا إلى مشيئة الرب تعالى، قوله عز من قائل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، يقول شيخ الإسلام: \"وهذه الآية رد على الطائفتين: المجبرة\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية: ٢٤٩.\n(٢) انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام: (٨/ ٤٦١).\n(٣) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد: (١/ ١٥٨).","vol":"1","page":603},{"text":"الجهمية، والمعتزلة القدرية، فإنه تعالى قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] فأثبت للعبد مشيئة وفعلًا، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فبين أن مشيئة العبد معلقة بمشيئة الله، والأولى رد على الجبرية، وهذه رد على القدرية الذين يقولون: قد يشاء العبد ما لا يشاؤه الله\" (١).\nوكل ما يستدل به الجبرية على مناقضة هذا الأصل، وهو إثبات فعل العبد على الحقيقة وإرجاعه إلى جملة الأسباب، التي أوجدها الله تعالى ورتب على وجودها ما أراد سبحانه، فيه ما يثبت بطلان قولهم، فقد استدل الصاوي بهذه الآية الكريمة على الجبر ولا مستند له فيما ذهب إليه كما تقدم ويستدل غيره أيضًا من أهل الجبر بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فأثبت المولى تعالى رمى العبد ولكنه نفى عنه الاستقلال بالرمى وهذه هي حقيقة الأسباب التي أثبتها أهل السنة وأرجعوا إليها فعل العبد وقدرته على إنجاز ما يريد، ومن هنا نأتى إلى مناقشة<span data-type=\"title\" id=toc-187> نظرية الكسب في الفكر الأشعري</span>.\n\nنظرية الكسب في الفكر الأشعري:\nمن خلال عرض أقوال طائفة من كبار منظرى المذهب الأشعري تبين وبوضوح أن نظرية الكسب كانت محل اختلاف واضطراب عند أصحاب المذهب وأن هذا الاضطراب كان نتيجة لعدم اقتناع بحقيقة الكسب، يقول عبد الرحمن البدوى: \"يظهر أن موقف أبى الحسن الأشعري لا يمكن قبوله ولا بد من تعديله: فعدله الباقلانى؛ بأن أثبت للقدرة الإنسانية تأثيرًا، هو حال به يتصف صاحب القدرة بكسبه لهذا الفعل، وجعل هذه الحال هي التي ينالها العقاب والثواب، لكن الجويني رأى أن هذا غير معقول، ويساوى نفى التأثير الذي قال به الأشعري، ولهذا خطا خطوة أبعد فأقر قيام نسبة حقيقية بين فعل العبد وبين قدرته، لكن في غير أمور الإحداث والخلق، وهذه النسبة تطرد من فعل إلى سببه، باستمرار حتى نصل إلى مسبب الأسباب؛ أي الله تعالى\" (٢).\n_________\n(١) المرجع السابق: (٨/ ٤٨٨).\n(٢) مذاهب الإسلاميين: ٥٦١.","vol":"1","page":604},{"text":"ومما سبق يظهر وجه الاستحالة في نظرية الكسب؛ لأنها محاولة في التوسط بين الاختيار والجبر، والحقيقة أنه لا توسط بينهما، ولا بد من القول بأحدهما في نهاية المطاف، وهذه هي حقيقة الكسب؛ تنظير للجبر بقالب الاختيار؛ فإن نزع التأثير من فعل العبد تمامًا وإرجاع حصول الفعل عند قدرته إلى مجرد الاقتران ينفى تمامًا صورة الاختيار عن فعل العبد، ويقضى بالجبر الذي كثيرًا ما صرح به الصاوي في حواشيه، ومن العجب أن يحكم الصاوي على من قال بالجبر بالكفر المخرج من الملة، ثم يعلن بصراحة أن العبد مجبور في قالب مختار، فأى مفهوم للجبر إن لم يكن هذا هو المراد منه!\nثم إن في جعله من العباد مظاهر للتصريف الإلهى، وفى نسبته أفعال العباد له تعالى ليس فقط على جهة الخلق كما هو الصحيح، بل حتى على جهة الفعل حيث يصف الله تعالى بأنه فاعل لأفعال العباد، وفي تقسيمه أيضًا للحقيقة والشريعة وذكر أقوال كبار مذهب التصوف في حكاية العذر عن أهل الكفر والقبائح، مناقضة صريحة لمهاجمته مذهب الجبرية، والحكم عليه بما حاول الفرار منه، وصريح كلام الشهرستانى وهو أحد كبار منظرى المذهب الأشعري في نسبة الجبر لمن نفى التأثير تمامًا عن فعل العبد بالجبر، ومع ذلك فإن العدل يقضى ببيان وجه مخالفة الأشعرية لمذهب جهم؛ وذلك أن الصاوي متبعًا رأى الأشعري يفرق - كما هو ظاهر من كلامه - بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، كما أنه ينسب للعبد قدرة حادثة وهذا ما لا يقول به جهم وأتباعه (١).\nوعليه فمناقشته في هذه القضية ترجع إلى أمرين:\nأولًا: إثبات أن لقدرة العبد الحادثة أثرًا في وجود الفعل على جهة السببية لا الإحداث والخلق.\nثانيًا: أن الله ﷿ لا يوصف بأنه فاعل لأفعال العباد؛ بل خالق لها.\n_________\n(١) انظر: درء التعارض لشيخ الإسلام: (٩/ ١٦٧).","vol":"1","page":605},{"text":"وحقيقة ما تقدم في إثبات الأثر أنه لا يمكن بحال التفريق بين أفعال العبد الاختيارية والاضطرارية؛ إلا مع إثبات تأثير لقدرة العبد في وجود الفعل، وهذا ما عليه مذهب أهل السنة والجماعة، ومع ذلك فإن هذا التأثير ليس على جهة الخلق والإيجاد، التي تقضى بالاستقلال في وجود الفعل وإخراجه من حيز العدم، وإنما على جهة السببية التي ترجع إلى مسبب الأسباب وحده جل في علاه، وليس في هذا أي تناقض كما يتصور الأشاعرة، بل المناقضة في مخالفة ذلك، يقربه أنه كما أثبتم للعبد قدرة حادثة ليس في إثباتها منازعة للقدرة القديمة؛ فليس بممتنع أن يثبت لهذه القدرة تأثيرًا حادثًا في وجود الفعل، ليس له استقلال في ذلك، أما نفى التأثير عن القدرة فهو حكم بعدمها، فالمعقول من القدرة معنى به يفعل الفاعل، ولا تثبت قدرة لغير فاعل، ولا قدرة يكون وجودها وعدمها بالنسبة إلى الفاعل سواء\" (١).\nوأساس هذا إثبات السببية على جهة الحقيقة، وأن في الأسباب قوة أوجدها الله تعالى فيها، تستمد منها وجودها وفاعليتها، والمذهب الأشعري في نفيه للأسباب يغالط مبدأ من أسمى مبادئ التفكير الإنسانى، الذي وهبه الله تعالى للعقل البشرى، والذي يعد الدليل الأول، والمقدمة الأولى، التي لا نزاع في التسليم لها؛ للاستدلال على وجوده سبحانه.\nوهذا ما قدمته سابقًا في الحديث عن أدلة إثبات وجود الله تعالى؛ لذا كان التشكيك في هذه المسلمة؛ من أهم ما يرمى إليه أعداء الدين من الملاحدة، وحتى لا يخرج بى الكلام عن المقام؛ أقول أن الطعن في هذا الأساس والركيزة الفطرية المسلمة ليس له أساس من الصحة يعتمد عليه، وكل ما هنالك أن هذا التصرف من الشيغ الأشعري - عليه رحمة الله تعالى -؛ كان من قبيل ردود الأفعال ضد الغلاة في مطالعة الأسباب من القدرية أو الفلاسفة المنتسبين؛ حتى أدى بهم ذلك إلى أن أثبتوا لها الإحداث على جهة الاستقلال، وهذا ما لا يقول به السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم -، وكثيرًا ما يؤكد الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن\n_________\n(١) الفتاوى: (٨٤٦٨).","vol":"1","page":606},{"text":"القيم على حقيقة السبب في المنظور الشرعي، وأنه غير كافٍ في ترتب مقتضاه على وجوده حتى تتحقق له الشروط وتنتفى الموانع، وكل ذلك لا يكون إلا بإرادة المولى ومشيئته النافذة.\nوهذا ما يفسر به الأئمة ما حدث عند إلقاء الخليل - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم - في النار؛ فإن النار سبب للإحراق، ولكن لما أن أراد المولى تعالى إبطال السبب لعدم توفر شرط إعماله من مشيئة الله تعالى النافذة، كان ما كان من تحويل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم - ﵇ -، وهذا ما يقال أيضًا في قصة الخليل مع ابنه إسماعيل - ﵇ -، ولا داعى لمعارضة الأحكام الكونية بمثل هذه التأويلات المخالفة للعقل والشرع.\nوبذلك تنتفى حجة الأشاعرة في نفى التأثير عن قدرة العبد؛ فمع الأخذ بمفهوم السببية كما قرره السلف - رضوان الله عليهم -، وما يترتب عليه من نسبة التأثير على جهة الحقيقة الحادثة لا على جهة الخلق والإحداث؛ لم يعد للأشعرية حجة في نفى السبب عقلًا ولا شرعًا.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ - مفصلًا منهج السلف الكرام في قضية السبب: \"الذي عليه السلف وأتباعهم، وأئمة أهل السنة وجمهور الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة. .\" (١).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (٨/ ٤٨٧).","vol":"1","page":607},{"text":"أما المحور الثاني في مناقشتهم؛ وهو عدم تفريقهم بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول؛ فهذا أيضًا مما لبس عليهم فيه، وخلطوا نتيجة لذلك بين حق وباطل، فالله تعالى خالق لأفعال العباد، موجد لها من العدم؛ فتنسب إلى أفعاله من جهة الخلق كباقى المخلوقات، ولا تنسب إلى أفعاله من حيث قيام الوصف به.\nولذا كان الصحيح في المسألة ما ذكره شيخ الإسلام في التفريق بين الفعل والمفعول، فالفعل للعبد وهو الانفعال في المراد، والمفعول بمعنى المخلوق هو لله تعالى، يقول: \"وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا، فيقولون هذه مخلوقة لله مفعولة لله ليست هي نفس فعله، وأما العبد فهى فعله القائم به، وهى أيضًا مفعولة له إذا أريد بالفعل المفعول\" (١) وهذا \"إجماع من أهل السنة حكاه الحسين بن مسعود البغوي (٢) وغيره، فالعبد فعله حقيقة، والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته\" (٣).\nوبهذا يتضح معنى الكسب المذكور في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ويكون المعنى الذي أراده الأشعرية للكسب من جملة المستحيلات، لأنه لا يعقل فرق بين الفعل الذي نفاه والكسب الذي أثبته\" لذا قال الناس: \"عجائب الكلام ثلاثة: طفرة النظام، وأحوال أبى هاشم، وكسب الاشعرى\" (٤).\nوكان هذا الضلال الذي وقع في الأشعرية نتيجة لهذا الخلط المشين بين فعل الله تعالى وفعل العبد أساسًا اعتمده المتصوفة في التفريق بين الحقيقة والشريعة، والذي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (٨/ ١٢٢).\n(٢) هو الإمام الهمام أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الفقيه الشافعي المحدث المفسر، صنف في التفسير وروى الحديث وأبان المشكلات ومن كتبه: معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم، وشرح السنة وغيرهما، توفى سنة: ٥١٠ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٢/ ١٣٦)، وسير أعلام النبلاء: (١٩/ ٤٣٩).\n(٣) شفاء العليل: ٢٢٣.\n(٤) النبوات لشيخ الإسلام: ١٩٩.","vol":"1","page":608},{"text":"سوغ لغلاتهم التشدق بمذهب الجبر دون تورع ووجل، ويظهر من خلال ما ذكرت من كلام الصاوي في نقله لعباراتهم شناعة ما توصلوا إليه نتيجة لذلك: فنسبة القبيح إلى الله تعالى واستحسانه لذلك، والجهر بعذر الخلق طائعهم وفاجرهم؛ لأنهم مظاهر لأفعال الله، كل هذا كان محصلة تلك الأهواء الفاسدة هي نفى الفعل عن العبد حقيقة.\nومهما تستروا بستار الكسب؛ فإن ألفاظهم تدل صراحة على اعتناق الجبر، والمتأمل لكلام الرازي يجد صراحة الإقرار بهذا، وعليه فلا سبيل بين الجبر والاختيار، فمن أثبت الاختيار بحال لا يمكن أن يقر بمذهب الجبر إطلاقًا والعكس صحيح، ومن رام خلافه وقع في التناقض؛ كما هو واضح في موقف الصاوي من التشديد في الحكم على الجبرية، ثم حكاية كلام المتصوفة الصريح في اعتناق مذهب الجبر.\nوحقيقة ما تكلم فيه هؤلاء المتصوفة من عذر الخلق بفعل الرب، والتفريق بين الشريعة والحقيقة؛ هو الاحتجاج بالقدر على معصيته تعالى، وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - ضلالهم، فقال: وهولاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية وهى ربوبيته تعالى لكل شيء، ويجعلون ذلك مانعًا من اتباع أمره الدينى الشرعي على مراتب في الضلال.\nفغلاتهم يجعلون ذلك مطلقًا عامًا؛ فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].\nوهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضًا، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض، فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمى على ما فعل إلى أن قال: \"فيقال له إن كان القدر حجة؛ فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكون حجة بطل أصل قولك حجة.","vol":"1","page":609},{"text":"ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة؛ فيزعمون أن الأمر والنهى لازم لمن شهد لنفسه فعلًا، وأثبت له صنعًا، أما من شهد أن أفعاله مخلوقة، أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله متصرف فيه كما تحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهى والوعد والوعيد. . .\" إلى أن قال - ﵀ -: \"وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله، ومعاداة له، وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه\" (١).\nومن خلال النص السابق يظهر أن أقوى دليل في إبطال الاحتجاج بالقدر هو ما لا يمكن دفعه من إرادة العبد وقدرته على الاختيار، وهذا ما يقتضيه التكليف الشرعي، فالله تعالى قد كلف عباده ما في وسعهم وتحت تصرفهم، وفى ذلك مقولة أهل العلم: إذا سلب ما وهب؛ أسقط ما أوجب، وعليه فلا تناقض بين الشرع والقدر حتى يحتج هؤلاء على معارضة الشرع بالقدر، فأساس ما يبطل به الاحتجاج بالقدر على المعصية إثبات التكليف، وقد علم أن المكلف لا تقام عليه الحجة بالتكليف حتى تقام عليه الحجة من إرسال الرسل وإبلاغه بذلك، وتحقق الشروط فيه من البلوغ والعقل، وانتفاء الموانع؛ فأى عذر بعد هذا للمحتج بالقدر على معصية الله تعالى!\nومن كل ما سبق؛ نرجع إلى التأكيد على الحقيقة السابقة الذكر، من أن أساس الضلال في كل المسائل المتعلقة بالقدر، ومن جملتها مسألة الاحتجاج به، هو اعتقاد التناقض بين الشرع والقدر، وكانت هذه الألفاظ كلفظ الحقيقة والشريعة والظاهر والباطن من المتصوفة تعبيرًا ناطقًا عن هذا التناقض، الذي لا أساس له صحيح من عقل ولا نقل.\n* * *\n_________\n(١) الفتاوى: (١٠/ ١٦٦).","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة والإمامة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الصحابة الكرام.\nالمبحث الثاني: مسائل الإمامة.","vol":"1","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>تمهيد</span>\nسبق وأن أشرت إلى عظم مكانة القرآن الكريم من بين الكتب المنزلة، وكيف أن المولى تعالى قد اجتباه واختاره ليكون المهيمن عليها، والحافظ لأصول الإيمان فيها حتى أوكل المولى تعالى حفظه إليه، لتبقى له هذه المكانة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nولما اقتضت حكمة العزيز أن كل ما في الكون إنما يسير وفق سنن مطردة ثابتة، فليس ثمة أمر يقع من مقدور الله إلا وقد هيأ المولى له أسبابًا، يتأتى بها وقوعه وفق مشيئته سبحانه، وأن هذه السنن لا تخرق إلا لأمر عظيم، يرشد به المولى عباده لصدق نبيه، أما سوى ذلك فلا يخرج عن هذه السنن، التي يكمن بتسخيرها المطرد عظمة الخالق ﷿، وإحكامه في خلقه، ومن ذلك حفظه لهذا الدين القويم، بحفظ دستوره العظيم، وهو القرآن الكريم.\nفإن المولى تعالى لما قدر له البقاء والاستمرار، واختاره ليكون خاتم الدين المنزل، والمهيمن عليه، وفق لحفظه أسبابًا، هي محض كرمه تعالى وتوفيقه، يرفع بها من يشاء من عباده، فسخر له رجالًا كان لهم الفضل والسابقة في حفظه وتبليغه، بل والتفانى في الدفاع عنه، حتى اشتمل ذلك الاحتفاء البالغ به على فهم تفسيره بحفظ السنة المطهرة - المصدر الثاني من مصادر التشريع - فبذلوا في سبيل القيام بهذه الأمور العظيمة النفس والنفيس، فكان لهم شرف الهجرة والجهاد، إعلاءً لراية الدين عقيدة ومنهاجًا، حتى وجب لهم بذلك الحق الأرفع في توليهم، وتعظيمهم، وإظهار مكانتهم، والاعتراف بجميل فضلهم، والدعاء لهم بالترضى والاستغفار، وحفظ أعراضهم والذب عنهم، إلى غير ذلك مما يمليه واجب شكرهم، كما أتى الأمر بذلك في صريح الكتاب قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]","vol":"1","page":612},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].\nكما جاءت الأحاديث عن المصطفى - ﷺ -؛ تنوه بشرفهم وسابقتهم، ووجوب أداء حقهم، وتتوعد كل من حاد عن ولائهم وتلبس بعدائهم، وسيأتي بيانها - بإذن الله - عند عرض أقوال الشيخ الصاوي.\nومع ظهور الفتن في المجتمع المسلم إبان الخلافة الراشدة، تغير موقف الكثير من أهل الأغراض الفاسدة حيال ما ينبغى أن يكون من محبتهم وحفظ أعراضهم، فخاض من خاض فيها، إما جهلًا وإما عداءً وحنقًا على الإسلام وأهله، حتى تصدى بعضهم إلى إظهار ذلك، وجعله من الدين الذي لا ينعقد الاعتقاد إلا به، وتظهر الرافضة كأكبر فرقة تتزعم هذا المعتقد الخطير، وتحاول بشتى الطرق والوسائل أن تجعل لما تعتقده من عداء بعض الصحابة، بل وشتمهم بأقبح الشتائم، والذي يصل بهم في الكثير من الأحيان إلى تكفيرهم؛ مبررًا سوغ لها مثل هذه الشناعات في حقهم.\nولست الآن بصدد استقصاء الأسباب التي أدت بهم إلى هذا الانحراف العقدى الخطير، والذي حمل الكثير من أهل العلم على تكفيرهم وتضليلهم، ولكن الذي أود أن أبينه هنا بطلان ما ذهبوا إليه فيما ادعوه بصورة مجملة، ترتكز على ما ورد في شأن الصحابة الكرام من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.\nهذا ولم يكن من الأشاعرة مخالفة للمعتقد الصحيح في حق الصحابة الكرام، بل كان لهم في ذلك شأن في ادحاض شبه الخصوم ومفترياتهم، وعليه فلا حاجة في تقديم آرائهم على رأى الشيخ الصاوي؛ لعدم وجود المعارض في هذا الباب.\nولما كان أساس الخلاف الواقع في حق الصحابة منذ البداية قد نشأ في أجواء الخلاف في أحقية الإمامة، حيث احتدم الصراع بين أهل السنة والجماعة والرافضة في شرعية إمامة الصديق - ﵁ -، وخالف في ذلك الرافضة، بل وشنوا","vol":"1","page":613},{"text":"حربًا على العقيدة والأخلاق في سبيل الانتصار لمذهبهم، كما استمرأ الباغون من الخوارج الخروج على الإمام علي - ﵁ -؛ لوجود ما يسوغ لهم ذلك في معتقدهم الباغى، كان للحديث عن الإمامة ومعتقد أهل السنة والجماعة فيها ارتباط وثيق بالحديث عن الصحابة الكرم - رضوان الله عليهم -، وبيان ما يجب في حقهم، لذا فقد ارتأيت الجمع في حديثى عن هذين المبحثين تحت فصل واحد، مبتدئة ببيان رأى الصاوي في كل منهما، متممة بذكر أهم ما يقوم عليه الاعتقاد الصحيح فيهما.\n* * *","vol":"1","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>(المبحث الأول): الصحابة الكرام</span>\nلقد تناول الصاوي عددًا من المسائل المتعلقة بالصحابة الكرام، كلها تدور في محور واحد، وهو بيان فضل الصحابة وواجب المسلم نحوهم، ويمكن توضيح ذلك بإبراز آرائه الموجزة في هذا المبحث تحت عناوين موضحة للفكرة التي يريد عرضها في كلامه، ومن ثم التعليق عليها وفق ما ذهب إلى تقريره فيها، وهى كالتالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>أولًا: تعريف الصحابة:</span>\n- يضع الصاوي حدًا في تمييز الصحابة الكرام عن غيرهم، فيقول في تعريف الصحابى: \"هو كل من اجتمع بالنبى - ﷺ - بعد البعثة مؤمنًا، ولو لم تطل صحبته، - ولو كان غير مميز - فشمل الصبيان الذين حنكهم النبي - ﷺ - ومات على ذلك\".\nوبهذا يصل إلى أنه لا اختصاص لجنس بعينه في هذا المسمى، يقول: \"ولو من الجن والملائكة والأنبياء في حال الحياة، فعيسى والخضر وإلياس والملائكة الذين اجتمعوا به في الأرض صحابة باقون\" (١).\n- في تحديد زمن الصحابة يقول: \"وقرن الصحابة مائة وعشرون سنة، مبدؤها البعثة\".\nوعليه فإن \"أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يعلم عددهم إلا الله تعالى\" (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>ثانيًا: فضائل الصحابة:</span>\nيوضح الصاوي ما يجب أن يكون عليه المعتقد الصحيح في حقهم؛ حيث يقول: \"مما يجب اعتقاده: أن أصحاب رسول الله - ﷺ - خير الخلق بعد الأنبياء، ورؤساء الملائكة (٣) \" (٤).\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٧ - ٤٩.\n(٢) شرح المنظومة: ١٤٣.\n(٣) تقدم الحديث عن مسألة المفاضلة في بحث الإيمان بالأنبياء ﵈: ٤١٧.\n(٤) حاشية الجوهرة: ٤٩.","vol":"1","page":615},{"text":"- ويستدل لهذا الفضل بما ورد في شأنهم من قوله - ﷺ -: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (١).\nوقال: (الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدى، فمن أحبهم فبحبى أحبهم، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) (٢). (٣)\n- مع وجوب اعتقاد أفضليتهم على سائر قرون الأمة؛ إلا أنهم في ذلك الفضل على درجات متفاوتة، يقول: \"ولا يخفى ترجيح رتبة من لازمه وقاتل تحت رايته على من لم يكن كذلك\".\n- ثم يفصل القول في هذا التفضيل، مبينًا: أن \"أفضل الصحابة من تولى الخلافة عنه - ﷺ -، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي\".\nوعليه فإنه \"ينبغي حبهم، والتوسل بهم على هذا الترتيب\".\nفـ \"الذين بشروا بالجنة يلوون عليًا في الفضل، وأهل بدر رتبتهم تلى رتبة الستة من العشرة.\nوأهل أحد رتبتهم تلى رتبة بقية أهل بدر الذين لم يحضروا أحد، وأهل بيعة الرضوان تلى رتبتهم رتبة أهل أحد\". (٤)\n- وقد كان هذا الاصطفاء والتفضيل من الله تعالى؛ جزاء لما قدموه من جليل العمل للإسلام وأهله، فقد \"كانوا يحبون الرسول - ﷺ - أكثر من أنفسهم وأولادهم وأموالهم، ولذلك قتلوا من أجله آباءهم وأبناءهم وعشيرتهم، وكان الواحد منهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي: لو كنت متخذًا خليلًا، رقم الحديث: ٣٦٧٣.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب المناقب عن رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث: ٣٨٦٢: وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥/ ٦٥٣). وأخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب مناقب الصحابة - فضل الصحابة، رقم الحديث: ٧٢٥٦: وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لوجود عبد الرحمن بن زياد فلم يؤثر عنه جرحًا ولا تعديلًا: (١٦/ ٢٤٤).\n(٣) حاشية الجوهرة: ٤٩.\n(٤) حاشية الجوهرة: ٥٠.","vol":"1","page":616},{"text":"يعذبه الأعداء بأنواع العذاب؛ لأجل سبة يسبها لرسول الله - ﷺ - فيختار العذاب، كما وقع لبلال وغيره. (١)\nفـ \"هم الملازمون للنبي - ﷺ - في أشغاله، وحروبه، وهجرته، وصلاته للقبلتين، وقد عاشروه الزمن الطويل، ومازوا بخطاب القرآن لهم مشافهة، وحلول جبريل - ﵇ - بينهم في غالب الأوقات\" (٢)\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] يبين أن الصحابة الكرام هم أصحاب السبق في ميدان الخيرية والتفضيل؛ لاكتمال صفات المدح فيهم، يقول: \"هذا مدح عظيم وتفضيل من الله لهذه الأمة المحمدية وفيه إعلام بتثبيتهم على تلك الأوصاف العظيمة، واعلم أن المخاطب مشافهة الصحابة، وثبتت لهم هذه الأوصاف المرضية فمدحهم الله على ذلك، ومن تمسك بأوصافهم وأخلاقهم كان ممدوحًا مثلهم، وهذا المدح يدل على أن أوصافهم مرضية لله، فشرفهم الله بشرف نبيهم، قال صاحب البردة:\nلما دعا الله داعينا لطاعته ... بأشرف الرسل كنا أكرم الأمم (٣)\n- وقد استحقوا لعظيم ما تخلقوا به من مقتضيات الإيمان الأجر العظيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤]، يقول عند تفسيرها: \"يؤخذ من هذه الآية أن جميع المهاجرين والأنصار مبشرون بالجنة من غير سابقة عذاب، وأما ما ورد من أن المبشرين بالجنة عشرة فلأنهم جمعوا في حديث واحد\". (٤)\n- ويفصل القول في مزايا المهاجرين والأنصار منهم على جهة الخصوص،\n_________\n(١) حاشية الصلوات: ٨٦.\n(٢) حاشية الجوهرة: ٧.\n(٣) حاشية الجلالين: (١/ ١٦٢).\n(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":617},{"text":"وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، يقول: \"الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: اعجبوا؛ أي تعجبوا من حال المهاجرين حيث تنزهوا عن الديار والأموال، وتركوا ذلك ابتغاء وجه الله تعالى، وعبر فيه بالخروج؛ لأن المال لما كان يستر صاحبه، كان كأنه ظرف له\".\nوهم في ذلك: \"طالبين الرزق من الله لإعراضهم عن أملاكهم الدنيوية، ومرضاة الله تعالى في الآخرة\".\nوالذي حملهم على ذلك ما وصفهم به المولى، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ \"أي الخالصون في إيمانهم، حيث اختاروا الإسلام، وخرجوا عن الديار والأموال والعشائر، حتى روى أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله من دثار غيرها\".\nويذكر ما ورد في شأن المهاجرين عن النبي - ﷺ -، يقول: وفي الحديث: \"أن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا\" (١)\nثم يشرع في بيان ما للأنصار من منزلة علية في ضوء الآية الكريمة، يقول: \"والذين تبوءوا الدار، أي؛ اتخذوها منزلًا بإسلامهم من قبل قدوم النبي - ﷺ - بسنتين، فعصموها، وحفظوها بالإسلام، فكأنهم استحدثوا بناءها، والمعنى: لزموا الدار والإيمان، أو شبه تمكنهم في الإيمان باتخاذهم منزلًا فيه، جمع بين الحقيقة والمجاز.\nولا يجدون في ذلك كله: \"حسدًا ولا منًا ولا غيظًا ولا حزازة\".\nومن جميل ما تصفوا به أنهم \"يؤثرون على أنفسهم في كل شيء من أسباب\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص: كتاب الزهد: (١٨/ ١١٠).","vol":"1","page":618},{"text":"المعاش؛ حتى إن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما، ويزوجها واحدًا من المهاجرين\". (١)\nهذا وحقيقة الإيثار التي اتصفوا بها: \"تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، رغبة في الحظوظ الدينية.\nوذلك ينشأ عن قوة اليقين، وغاية المحبة، والصبر على المشقة\".\nثم يختم حديثه ببيان أن هذا الوصف لا يخص الأنصار دون غيرهم من الصحابة، فقد روى عن ابن عمر أنه قال: (أهدى لرجل من أصحاب النبي - ﷺ - رأس شاة، فقال: أخى فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات ثم عادت إلى الأول؛ فنزلت هذه الآية) (٢).\nوروى أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى عبيدة بن الجراح، ثم امكث عنده في البيت حتى ننظر وما يصنع بها فذهب بها الغلام إليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالى يا جارية، اذهبى بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى فقدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره ووجده قد ربط مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إليه، وامكث في البيت ساعة حتى ننظر ما يصنع فذهب بها إليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: ﵀ ووصله، وقال يا جارية:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس - ﵁ - ما حكاه من قصة مقدم عبد الرحمن بن عوف الصحابى الجليل ومآخاة رسول الله له مع سعد بن الربيع وكيف أنه عرض عليه الاقتسام في أهله وماله ولكن عبد الرحمن - رضي الله عن الجميع - رفض ودعا له بالبركة ثم توجه إلى السوق ففتح الله عليه من خير الدنيا الكثير: كتاب البيوع - باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾، رقم الحديث: ٢٠٤٩.\n(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحشر، وقال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢/ ٤٨٤).","vol":"1","page":619},{"text":"اذهبي إلى بيت فلان بكذا، واذهبى إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، وسر بذلك وقال: إنهم أخوة\". (١)\n- وفي التنويه بما اختص به أبو بكر الصديق﵁ - من الفضائل والمزايا، يقول في حديثه عن الردة والمرتدين: \"فكفى الله أمرهم على يد أبى بكر الصديق حين خرج لقتالهم، حيث منعوا الزكاة، فكره ذلك الصحابة وقالوا: هم أهل القبلة فكيف نقاتلهم، فتقلد أبو بكر بسيفه، وخرج وحده، فلم يجدوا بدًا من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء وحمدناه في الانتهاء، وقال بعض الصحابة: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبى بكر لقد قام مقام نبى من الأنبياء في قتال أهل الردة\" (٢)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>ثالثًا الدفاع عن الصحابة:</span>\n- يقول موضحًا ما يجب على المسلم اعتقاده في الخلاف الذي وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم -: \"أصرف التخاصم عن ظاهره وجوبًا للذى ورد عنهم بالسند المتصل، متواترًا كان أو مشهورًا كان أولًا، حين كان سنده صحيحًا، وإلا فهو مردود لذاته، لا يحتاج إلى تأويل\".\nثم يبين مراده بالصرف عن الظاهر، فيقول: \"المراد أن تصرفه إلى محمل حسن حيث كان ممكنًا، فإن لم يكن تأويله وقفنا، لاعتقادنا حفظهم مما يوجب الفسق، لأنهم مجتهدون، وقد قال العلماء: المصيب بأجرين والمخطئ بأجر\".\nويبرهن على حجية هذا الموقف بشهادة الله تعالى لهم بالعدالة، يقول: فـ \"قد شهد الله ورسوله لهم بالعدالة\".\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: معاذ بن جبل - ﵁ -، رقم الحديث: ٤٦ (٢٠/ ٣٣). وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني في الكبير وعمرو بن حيان لم أعرفه\": (٣/ ١٢٥).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":620},{"text":"هذا من جهة ومن جهة أخرى: \"لأن التفتيش عما جرى بينهم ليس من العقائد الدينية، ولا مما ينتفع به في الدين، بل ربما ضر في اليقين\".\nوبهذا الطرح المسبق يصل إلى بيان حكم الخوض فيما وقع بين الصحابة الكرام من الخلاف، يقول مفصلًا رأيه: وعليه فإنه؛ \"لا يباح الخوض فيه إلا للتعليم، أو الرد على المعتصبين.\nأما العوام؛ فلا يجوز لهم الخوض فيه؛ لفرط جهلهم وعدم معرفتهم للتأويل\".\nومع الإقرار بجواز الخوض فيه في بعض الحالات؛ كما تقتضيه الضرورة، إلا أنه يلفت الانتباه إلى وجوب التمسك بالأدب في الحديث عنهم، كما يقتضيه الاعتراف بفضلهم، يقول: \"ويجب عليك حال خوضك فيما شجر بينهم لأمر مما تقدم أن تتجنب الحسد حال خوضك، لقوله - ﷺ -: (الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدى، فمن أحبهم فبحبى أحبهم، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) (١). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>التعليق:</span>\nأولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-195> تعريف الصحابة:</span>\nجاء في لسان العرب: \"صحبه يصحبه صحبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحبه عاشره، والصحب جمع الصاحب، مثل راكب وركب، والأصحاب جماعة الصحب، مثل: فرخ وأفراخ، والصاحب المعاشر\" (٣)\nوقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"الأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحبة وكثيرها\" (٤)\n_________\n(١) سبق تخريجه: ٦١٦.\n(٢) المرجع السابق: ٥١. وحاشية الخريدة: ١١٢. وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٦٩).\n(٣) لسان العرب: (٤/ ٢٤٠٠).\n(٤) الصارم المسلول: ٥٧٥.","vol":"1","page":621},{"text":"أما تعريف الصحابة في الاصطلاح الشرعي، فقد تعددت أقوال العلماء في وضع حد له، يكون جامعًا لأفراده، مانعًا من دخول غيره فيه، من هؤلاء الإمام البخاري - ﵀ -، فقد قال في تعريفهم: (من صحب النبي - ﷺ -، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه) (١)\nوأدق ما قيل في هذا الباب وأضبطه ما قرره الحافظ ابن حجر - ﵀ -، حيث قال: \"الصحابى من لقى النبي مؤمنًا ومات على الإسلام\" (٢)\nوكان تعرف الصاوي للصحابة موافقًا لما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، وإن صحت العبارة يكاد يكون شارحًا له، مفسرًا لمفرداته، وذلك لأن جميع الألفاظ التي زادها فيما ذكر إنما تدخل في القيود التي اشتمل عليها تعريف ابن حجر المذكور.\n- فاشتراطه لزمن الرؤية أن يكون بعد البعثة، داخل في مفهوم كلمة \"مؤمنًا به\"؛ لأنه قد علم بالضرورة عدم التكليف بالإيمان به قبل البعثة.\n- ثم إن عدم اشتراط التمييز، الذي قيد به الصاوي تعريفه أيضًا مما يندرج في تعريف الحافظ، وذلك لأن الأطفال الغير مميزين لهم حكم البالغين من جهة ثبوت وصف الإسلام لهم، وهذا على القول المعتمد في تفسير الفطرة.\nومع وجود المخالف في هذه المسألة من العلماء (٣)، حيث قيد بعضهم التعريف باشتراط التمييز والإدراك، إلا أنه لا اعتداد بقوله هنا، وذلك لرجحان الأدلة في تعريف الفطرة التي ذكرت في الأدلة الشرعية بالإسلام (٤).\n- وأما ما ذهب إليه الصاوي من عدم اشتراط الجنس لثبوت حكم الصحبة،\n_________\n(١) ذكره البخاري في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: (٧/ ٣).\n(٢) الإصابة في تميز الصحابة: (١/ ١٠). وانظر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر: ١٤٩.\n(٣) انظر: أسد الغابة لابن الأثير حيث أورد اشتراط الإدراك والفهم في ثبوت الصحبة نقلًا عن الواقدى الذي عزى القول بهذا إلى بعض أهل العلم دون ذكر أسمائهم: (١/ ١٩). كما صرح بهذا ابن حزم - ﵀ - فقد اشترط الوعى حال الصحبة. انظر: الإحكام في أصول الأحكام: (٥/ ٨٩).\n(٤) راجع مبحث آراؤه في معرفة الله: ١١٨.","vol":"1","page":622},{"text":"فإنه مما لا يسلم له على جهة التعميم، وذلك لأنه قد علم توجه الأمر بالإيمان بالنبى - ﷺ - للمخاطب بالتكاليف الشرعية، ممن يتأتى منهم القبول أو الرفض، وهم الثقلين: الإنس والجن.\nوقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ ابن حجر حين شرح مفردات التعريف، حيث قال: \"ويدخل في قولنا مؤمنًا به كل مكلف من الجن والإنس\" (١).\nأما الملائكة، فلا يصح إدخالهم في هذا، لأن المولى ﷿ قد جبلهم على الإيمان به وعلى طاعته فلا تعمهم أحكام المكلفين من الثقلين.\n- وكان في إدخاله عيسى والخضر - على القول بنبوته - وإلياس - ﵈ - في حكم الصحبة، مما لا يصح، وذلك لأنه - ﵊ - لم يثبت أنه التقى بهم في حياته إلا ليلة الإسراء، وهم في حال البرزخ، وقد علم أن حياة البرزخ مما لا ينسحب عليها أحكام الحياة الدنيا، ومع ثبوت الخير كتابًا وسنة بأن عيسى - ﵇ - سينزل إلى الأرض، وسيحكم بشريعة الإسلام، إلا أنه ليس في ذلك دلالة على ثبوت الصحبة له.\nأما ما ذهب إليه من إثبات وصف الصحبة للخضر وإلياس - ﵉ -، فإنه مبنى على أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر:\nأولًا: اعتقاد أن الخضر وإلياس أحياء على الدوام، وأنه لم ولن يتعرضا للموت أبدًا.\nثانيًا: أن الخضر وإلياس قد ثبتت لهما رؤية النبي - ﵊ - والاجتماع به.\nوالحقيقة أن كلا الأمرين مما لا مستند له من الصحة.\nوتفصيل ذلك: أن اعتقاد دوام حياة الخضر وإلياس؛ مما تنقضه أدلة الكتاب والسنة، وذلك لأنها نصت على أنه لا نجاة لأحد من الموت أبدًا، منها قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.\n_________\n(١) الإصابة: (١/ ١٢).","vol":"1","page":623},{"text":"كما أنه لا يوجد دليل معتمد يستثنى الخضر وإلياس من هذا الحكم الكلى، الذي لم ينج منه أحد، ولا حتى أشرف الثقلين: محمد - ﷺ -. ولعل الصاوي في نفس حديثه عن الفاصل الزمنى الذي يمكن أن ينتسب إليه الصحابة ما يكفى في إبطال ما ادعاه من بقائهما، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) (١).\nأما حكاية التقائه - ﵊ - بالخضر وإلياس - ﵉ -، فهذا مما ترويه المسانيد الواهية، التي يجمع على تلقيها بالقبول كافة المتصوفة، وكثير من العوام وقد تلتبس على بعض أهل العلم (٢).\nوقد تصدى الحافظ - ﵀ - لبيان شدة ضعف هذه الروايات، التي تدل على بقاء الخضر، ومن ثم التقائه بالنبي - ﷺ -، وذلك في عدد من مواضع الفتح (٣)، كما أورد حجج أهل العلم في دحض هذه الادعاءات ضمن شرحه للأحاديث التي استندوا إلى دلالتها، كحديث النبي - ﷺ - الذي قال فيه: (يرحم الله موسى، لو كان صبر يقص علينا من أمرهما) (٤).\nيقول الحافظ حاكيًا حجتهم \"فلو كان الخضر موجودًا لما حسن هذا التمنى، ولأحضره بين يديه وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة، لا سيما أهل الكتاب\" (٥).\nهذا وقد أفرد الحافظ في توضيح ذلك مصنفًا أسماه: (الزهر النضر في نبأ الخضر) (٦)، جزم فيه بضعف جميع ما روى في هذا المعنى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم - باب السمر في العلم، رقم الحديث: ١١٦. وقد سبق تفصيل ذلك في الحياة البرزخية.\n(٢) حكى ذلك الحافظ في الفتح: (٦/ ٤٣٤).\n(٣) انظر: (٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب حديث الخضر مع موسى - ﵉ -، رقم الحديث: ٣٤٠١.\n(٥) الفتح: (٦/ ٤٣٤).\n(٦) انظر: ١١٤.","vol":"1","page":624},{"text":"أما عن تعمير إلياس - ﵇ -، وحكاية اجتماعه بالنبي - ﷺ -، فهذا مما وضع على النبي خبره، فقد روى الحاكم في مستدركه (١) حديث يطول في هذا المعنى، ولكن الحافظ الذهبي بين بطلانه عند ترجمة يزيد البلوى (٢).\nكما نقل الحافظ ابن حجر - ﵀ - كلامًا للذهبى من كتابه: (تلخيص المستدرك) حكم فيه على الحديث بالوضع ورد على الحاكم تصحيحه لهذا الخبر. (٣)\n- أما ما ذكره الصاوي من عدم معرفة عدد الصحابة - ﵃ -؛ فصحيح دل عليه حديث كعب بن مالك في غزوة تبوك، حيث قال فيه: (والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ). (٤)\n- فالذى يفهم من الحديث أنه لم يقيد عددهم بحد معين، وذلك لكثرتهم، وقد علم أن هناك الكثير أيضًا ممن تخلف من أصحاب العذر رجالًا ونساءً وأطفالًا، وعليه فكل من قيدهم بعدد احتاج ضبطه لمستند صحيح، وقد علم عدمه، أما من ذكر عددًا مقاربًا فلا بأس بذلك، قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى -: \"وللحاكم في الإكليل من حديث معاذ خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى غزوة تبوك زيادة على الثلاثين ألفًا، وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقدى بسند آخر موصول وزاد أنه كان معهم عشرة آلاف فرس\" (٥)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>فضل الصحابة:</span>\nإن الأدلة في استحقاق الصحابة الفضل على سائر الأمة مما استفاضت به الأدلة\n_________\n(١) كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، رقم الحديث: ٤٢٣١: (٢/ ٦٧٤).\n(٢) انظر: ميزان الاعتدال للذهبى: (٤/ ٤٤١).\n(٣) لسان الميزان، للحافظ ابن حجر: (٦/ ٢٩٦) وانظر الفتح: (٦/ ٣٧٥) .. ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب: منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري: (٣/ ١٢٣٨ - ١٢٥٠).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازى، باب حديث كعب بن مالك، رقم الحديث: ٤٤١٨.\n(٥) الفتح: (٨/ ١١٧ - ١١٨). ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، للدكتور: ناصر الشيخ.","vol":"1","page":625},{"text":"قال - ﵊ -: (خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). (١)\nوكما تقدم من كلام الصاوي لم يكن استحقاقهم لهذا الفضل العظيم مجردًا عن الحكمة، وإنما كان ذلك جزاء لما اتصفوا به من عظيم الأخلاق، ولما قدموه للإسلام وللمسلمين.\nهذا والحديث عن فضل الصحابة؛ مما يطول المقام في استقصائه، ولعلى أشير إلى الآية التي استدل بها الصاوي على خيرية الصحابة وعدالتهم، وهى آية آل عمران، يقول السفارينى - ﵀ -: \"معتمد القول عند أئمة السنة أن الصحابة - رضوان الله عليهم كلهم - عدول بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق المعتبرين، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قيل: اتفق المفسرون على أن ذلك في الصحابة، لكن الخلاف في التفاسير مشهور، ورجح كثير عمومها في أمة محمد - ﷺ -\" (٢)\nوقد أجاد القول الإمام ابن كثير - ﵀ - في توجيه ما قيل فيها من أقوال، يقول: \"والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله - ﷺ - ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] \" (٣)\nولكن ما يؤخذ على الصاوي هنا استدلاله بالأحاديث الضعيفة على ما يجب في حقهم مع وجود الصحيح الثابت الذي يحصل به الكفاية واليقين.\n- كما أن استدلاله بما يثبت فضلهم ويقطع بالنعيم المعد لهم لإثبات تساويهم في دخول الجنة بلا سابقة عذاب مما لا يسلم له بإطلاقه، فإنه قد ثبت في السنة المطهرة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب ما يحذر من زهرة الدنيا، رقم الحديث: ٦٤٢٩.\n(٢) لوامع الأنوار: (٢/ ٣٧٧).\n(٣) تفسير القرآن العظيم: (١/ ٥١٠).","vol":"1","page":626},{"text":"تفاوت الصحابة في مسائل الحساب والمغفرة، مما يدل على ذلك حديث الصحيحين الذي بشر فيه النبي - ﷺ - بدخول طائفة من أمته الجنة بلا حساب أو عقاب، فعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال في حديث عرض الأمم عليه: (فإذا سواد عظيم. فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.\nثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله - ﷺ -. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله. وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن. فقال: ادع الله أن يجعلنى منهم. فقال: أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلنى منهم. فقال: سبقك بها عكاشة)\nفدلالة الحديث على تفاوت الصحابة في هذه المسائل واضحة جلية من جهتين الأولى، أنه سمع اجتهادهم في معرفة هذه الطائفة؛ وقد كان من جملة ما ظهر لهم، أنهم الذين صحبوا رسول الله - ﷺ -، ومع ذلك لم يقرهم على شيء مما ظنوه، وبين ﵊ الصفات التي أكرمهم بها المولى تعالى وجازاهم لاتصافهم بها دخول الجنة بلا حساب أو عقاب (١)، فإن النبي - ﷺ - جعل الوصف الذي يستحق به هؤلاء دخول الجنة بغير حساب هو تحقيق التوحيد وتجريده فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون والطيرة نوع من الشرك ويتوكلون على الله وحده لا على غيره (٢).\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب: كتاب الطب: باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو رقم الحديث: ٥٣٧٨، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، رقم الحديث: ٥٢٦. واللفظ لمسلم.\n(٢) حادى الأرواح، لابن القيم: ٨٩.","vol":"1","page":627},{"text":"أما الثانية؛ فقد شهد النبي - ﵊ - لعكاشة بكونه منهم مع أنه توقف فيمن طلب أن يدعو له بذلك (١).\nوالذي يظهر تفاوت الصحابة في هذه المسائل لتوقف النبي - ﷺ - في الشهادة لأحد سوى من أوحى إليه أنه توفرت فيه ما ذكر من الصفات.\nويحسن هنا بعد بيان المسألة إجمالًا أن ينبه إلى أنه قد يكون ممن يحاسب ويبقى مدة بعد دخول هؤلاء الجنة في عرضات القيامة من هو خيرًا منهم وأن هذا التفضيل لهذه الخصلة وليس تفضيلًا شاملًا عامًا، يقول شيخ الإسلام - رحمة الله -: \"فالفقراء متقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم، والأغنياء مؤخرون لأجل الحساب، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه، وإن تأخر في الدخول.\nكما أن السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم عكاشة بن محصن، وقد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل منهم\".\nومما تقدم يتبين أن نفى العذاب عن أجمعهم مطلقًا مما يحتاج لدليل، لأن في إثبات أصل الحساب ودخولهم في عمومه ما ينافى ذلك، فالحساب على درجات وقد ثبت من حديث النبي - ﷺ - أنه قال: (من نوقش الحساب عذب) (٢) وهذا من حيث الإجمال، أما وقد ثبت بالأدلة الصحيحة استحقاق العذاب على بعضهم ممن ثبتت له عموم الصحبة ممن هو دون المشهورين أصحاب الفضل والسابقة؛ فلا حجة\n_________\n(١) وقد كان للعلماء في سبب توقفه - ﵊ - عددًا من الأجوبة، منها أن السائل كان أحد المنافقين، أو أنه سأله ولم يكن صادقًا بقلبه، أو أنه لم يوح إلى النبي - ﵊ - إلا بشأن عكاشة، أو أنها كانت ساعة إجابة وانتهت بدعائه - ﵊ - له، أو أن النبي - ﷺ - أراد بذلك حسم المادة حتى لا يطلبها من ليس أهلًا لها.\nوقد ضعف الحافظ ابن حجر القول بأنه كان أحد المنافقين؛ \"لوجهين: أحدهما: أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح.\nالثاني: أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح ويقين بتصديق الرسول، وكيف يصدر ذلك من منافق: فتح الباري: (١١/ ٤١٢ - ٤١٣).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب من نوقش الحساب عذب، رقم الحديث: ٦١٧١.","vol":"1","page":628},{"text":"إذًا لمن منعه مطلقًا عن كل من أطلق عليه مسمى صحابى، فعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (ليردن على ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دونى، فأقول: أصحابي؟ فيقول: لا تدرى ما أحدثوا بعدك).\nوفي حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، فأقول: يا رب أصحابي. . الحديث (١)، وعن أبي بكرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (ليردن على الحوض رجال ممن صحبنى ورآنى، حتى إذا رفعوا إلى ورأيتهم اختلجوا دونى، فلأقولن: رب، أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك). (٢)\nوكان للعلماء عددًا من التوجيهات التي فسروا بها الصحبة المثبتة هنا لهؤلاء المذادين ذكرها الحافظ - ﵀ - منها أن المقصود بهؤلاء \"الذين ارتدوا على عهد أبى بكر فقاتلهم أبو بكر، يعني حتى قتلوا وماتوا على الكفر. .\"\nوهذا إنما يتوجه لغير المشهورين من الصحابة فإنه \"لم يرتد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدنيا، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين\"\nوقال بعضهم: يحتمل أن يكونوا منافقين أو من مرتكبى الكبائر، كما لا يمتنع دخول أصحاب البدع في ذلك، ولكن رد وصمهم بالابتداع لأن البدع إنما حدثت من غير القرن الذين صحبوا رسول الله.\nوبهذا يكون المراد هنا الصحبة العامة التي تثبت بالرؤية والدخول في الإسلام وهذا ما أثبته سابقًا، فليس المراد المشهورين من الصحابة ولا من كانت له سابقة في الإسلام، يقول الحافظ: \"وأجيب بحمل الصحابة على المعنى الأعم\"\nكما أن في رواية أصيحابى بالتصغير ما يدل \"على قلة عددهم\" (٣)\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الرقاق - باب في الحوض، رقم الحديث: ٦٥٧٦ - ٦٥٨٢.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث بكرة: (٦/ ٣٣)، وحسنه الحافظ في الفتح: (١١/ ٣٨٥).\n(٣) فتح الباري: (١١/ ٣٨٥ - ٣٨٦).","vol":"1","page":629},{"text":"ومع إنه ليس في هذه الأحاديث ما يقطع بدخولهم في النار إلا أن مجرد ذبهم عن الحوض فيه معنى العقوبة، ويدخل في عموم العذاب، يقول الإمام النووي: \"لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله سبحانه فيدخلهم الجنة بغير عذاب\" (١)\nوبهذا يتبين أن الآية التي استدل بها الصاوي وهى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤]، تفيد قاعدة كلية وحكمًا عامًا، قد يستثنى منه البعض لوجود مانع أو انتفاء شرط، وهذا كصاحب الغلة التي غلها في غزوة مع رسول الله - ﷺ - عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهبًا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله - ﷺ - إلى وادى القرى، ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بنى الضباب (٢)، فبينما هو يحط رحل رسول الله - ﷺ - إذ جاءه سهم عائر، حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة، فقال رسول الله - ﷺ -: (بل، والذي نفسى بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا) (٣)\nكما أنه مما اشتهر أن الجنة لا يشهد لأحد بدخولها إلا من ورد تبشيره بها على جهة التعيين، فمع صحة ما ذهب إليه الصاوي من أن حديث العشرة لا يفيد حصر البشارة على هؤلاء، فإنه لا يسلم أن تعم على أحد حتى مع عدم ورود الدليل على تعيينه بالبشارة، والصحيح أن الحديث لا يفيد الحصر ولا ينفى الزيادة المثبتة بالأحاديث الأخرى المتفرقة، يقول العينى في تعليقه على حديث النبي - ﷺ - الذي فيه\n_________\n(١) شرح مسلم: (٣/ ١٣٧).\n(٢) أهداه رفاعة بن زيد الجذامى لرسول الله - ﷺ -، فأعتقه رسول الله، وقيل لم يعتقه: أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير: (٥/ ١٣١).\n(٣) أخرج البخاري في صحيحه: فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي - ﷺ - بشراك أو بشراكين، فقال هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله - ﷺ -: (شراك - أو شراكان - من نار) كتاب المغازى - باب: غزوة خيبر، رقم الحديث: ٣٩٩٣.","vol":"1","page":630},{"text":": من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا: \"فإن قيل المبشرون بالجنة معدودون بالعشرة، وبهذا يزاد عليهم، لأنه - ﷺ - نص عليه أنه من أهل الجنة وأجيب بأن التنصيص على العدد لا ينافى الزيادة، وقد ورد أيضًا في حق كثير مثل ذلك، كما قال - ﷺ - في الحسن والحسين وأزواجه\" (١) وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم.\n* * *\n\n- أما تفاوت الصحابة في درجات ذلك الفضل فقد تقدمت الإشارة إليه في كلام الصاوي، ويستند هذا التفاوت إلى الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك منها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]\nيقول الإمام ابن جرير في معنى الآية الكريمة: \"يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية، وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا\". (٢)\nوقال - ﵊ - ناهيًا خالد بن الوليد - ﵁ - في سبة سبها عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه). (٣)\nفعلم منه تقدم السابقين في الإسلام والهجرة على من بعدهم.\nوقال - ﵊ - في فضل الخلفاء الراشدين: (فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (٤).\n_________\n(١) عمدة القارئ: (٨/ ٢٤٢).\n(٢) جامع البيان: (٢٧/ ٢٢١).\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب العلم عن رسول الله - ﷺ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة، رقم الحديث: ٢٦٧٦، وقال الترمذي عنه: حديث صحيح: (٥/ ٤٣).","vol":"1","page":631},{"text":"وقال - ﵊ - في فضل أهل بدر من حديث حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ -: (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). (١)\nوقال أيضًا في حديث آخر، عندما جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال له: (ما تعدون أهل بدر فيكم؟، قال: من أفضل المسلمين، فقال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) (٢).\nإلى غير ذلك من الأحاديث، التي دلت على تفاوتهم - ﵃ - في الرتبة والفضل، وقد كانت هذه المسألة مما استرعى اهتمام العلماء، حتى قاموا بتصنيف الصحابة إلى درجات استنادًا للأدلة المستفيضة في ذلك، ولكنهم اختلفوا في وضع عدد ثابت لها، وأشهر التقسيم الذي عليه أهل العلم، كالتالى:\nالأولى: قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة.\nالثانية: أصحاب دار الندوة.\nالثالثة: مهاجرة الحبشة.\nالرابعة: أصحاب العقبة الأولى.\nالخامسة: أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.\nالسادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه إلى قباء قبل أن يدخل المدينة.\nالسابعة: أهل بدر.\nالثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.\nالتاسعة: أهل بيعة الرضوان.\nالعاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة.\nالحادية عشر: مسلمة الفتح.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب الجاسوس، رقم الحديث: ٣٠٠٧.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازى - باب شهود الملائكة بدر، رقم الحديث: ٣٩٩٢.","vol":"1","page":632},{"text":"الثانية عشر: صبيان وأطفال رأوا رسول الله - ﷺ - يوم الفتح وفي حجة الوداع\" (١).\nهذا وقد تعرض الصاوي إلى مسألة مهمة بعد بيان تدرجهم - رضي الله تعالى عليهم بالفضل -، وهى قضية التوسل بهم، حيث بنى على ذلك التدرج أن التوسل بهم أيضًا يكون وفق ذلك الترتيب.\nوالحقيقة أن هذه المسألة من مهام المسائل العقدية، لوقوع الكثير في الضلال بسبب اختلاف التوسل المذموم عليهم بالممدوح منه.\nفمع التسليم بمشروعية التوسل بهم - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، إلا أن الصاوي لم يوضح مراده من ذلك التوسل، ولا كيفيته المشروعة، فالتوسل المشروع في حقهم هو التوسل إلى بمحبتهم وإجلالهم، والاقتداء بهم، وحفظ أعراضهم، أو بطلب الدعاء منهم في حياتهم، كما فعل عمر- رضى الله تعالى عنه - مع عم النبي - ﷺ -: العباس - رضي الله تعالى عنه - (٢). وما خلا ذلك من التوجه لهم بالدعاء واعتقاد حصول الضر أو النفع من جهتهم فلا صحة له، بل هو عين الشرك الذي حذر النبي - ﷺ - أمته منه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>الدفاع عن الصحابة:</span>\nتقدم الحديث عن فضل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، واستفاضة الأدلة في ذلك، مما يعني أنه لا يجوز بحال القدح أو الطعن فيهم، مهما كان السبب، لأنه كما قال شيخ الإسلام - ﵀ - بعد ذكر الأحاديث الواردة في فضلهم: \"هذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، والقدح فيهم قدح في القرآن والسنة\" (٣).\n_________\n(١) العواصم والقواصم لابن الوزير: (١/ ٤١٢). وانظر: أحكام القرآن لابن العربى: (٢/ ١٠٠٢).\n(٢) قد سبق توضيح هذا على جهة التفصيل والاستدلال في مبحث التوحيد ونواقضه: ١٨٤.\n(٣) مجموع الفتاوى: (٤/ ٤٣٠).","vol":"1","page":633},{"text":"وقد تفطن أهل الافتراق والأهواء لهذه الحقيقة التي لا مراء فيها، فاتجهوا إلى ذلك المعين الصافى، وراموا بغيًا تكدير صفوه، وأنى لهم، فطعن الشيعة في حفظ القرآن الكريم، وزعموا تحريفه بأنواع الأكاذيب، كما أعرضت الخوارج عن تحكيم السنة فأخذت تعمل رأيها في قبول ما تشاء ورد ما تريد، وهكذا حتى خرج زعماء هذه الفرق على جماعة المسلمين بتكفير كبار الصحابة ممن شهد لهم رسول الله بالجنة، فعلم من ذلك أن الطعن في الصحابة هو ديدن الخارجين عن منهج الكتاب والسنة، فالرد عليهم إذًا يكون أولًا: ببيان مكانة التلقى عنهما، وأنه لا نجاة بغير الاهتداء بهديهما.\nوعليه فإن الطعن في عدالة الصحابة الكرام بما يوجب الفسق أو الكفر بحجة ما وقع بينهم من خصام ليس له مسوغ شرعى مهما كانت حجة الخصم، لأنه قد ثبتت عدالتهم بما يوجب لهم الترضى ودخول الجنة بالخبر اليقينى المتواتر كتابًا وسنة.\nهذا والحديث في بيان حقيقة الخصام الذي حدث في صفوف الصحابة - ﵃ -، مما امتلأت بمروياته كتب التاريخ، فقد جمعت بين دفتيها عددًا ضخمًا منها، ولكنه مع الأسف كان غالبه مما وضعه أصحاب الأهواء والبدع المارقين من جماعة المسلمين، لذا كان تنبيه الصاوي السابق من هذه المرويات، متبعًا بذلك منهج أكابر العلماء.\nفتحرى الصحيح منها، ونبذ ما خالف ذلك، مما لا مستند له من الصحة سندًا أو متنًا مما يدل على التمسك بمنهج الكتاب والسنة في اعتقاد عدالة الصحابة وحفظهم عن موجبات الفسق وما شاكله.\nوقبل الحديث في الاستدلال لهذا الموقف السديد من الصاوي، أتوجه بالبيان:\nأولًا: لما حدث بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، لعلى أعطى للقارئ فكرة موجزة عن حقيقة التخاصم الذي حدث من جهة أسبابه ودوافعه، أقول: لقد كان لأعداء المسلمين من اليهود، دور كبير في غرس بذور الفتنة، ومن ثم تعهد نموها واشتدادها، فقد رصد التاريخ بما لا يدع مجالًا للشك، تحركات ابن سبأ","vol":"1","page":634},{"text":"اليهودى، الذي تظاهر بالإسلام في أثناء خلافة عثمان - ﵁ -، حيث قام بإيغار قلوب عماله عليه، وذلك بمساعدة أتباعه الذين أطلق عليهم مسمى السبئية، حتى تمخض عن ذلك الحشد النفسى على الخليفة الراشد حشدًا حقيقيًا مجندًا، أدى إلى مقتله على حين غرة، غدرًا في منزله - رضى الله تعالى عنه وأرضاه -.\nأقول لقد كان لهذا الحادث الأليم أثر بالغ، بل هو الدافع الأول لحدوث التخاصم بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -، حيث اختلفت الآراء وتباينت في كيفية معالجة الوضع الراهن.\nفقد طالب الصحابة الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب - ﵁ وأرضاه - بأخذ القود لعثمان - ﵁ -، المقتول ظلمًا وغدرًا.\nولكن علي - ﵁ -، وهو الفطن الحكيم، تريث في الأمر وطلب المهلة ريثما تحين الفرصة المناسبة فيتمكن من القبض على هذه العصابة الآثمة دون إحداث أمر يؤدى بدوره إلى بث الفرقة، خصوصًا والخلافة لم تحكم قبضتها بعد على أطراف الدولة المترامية (١).\nومع هذا الموقف المتأنى منه - ﵁ -، لم يطق بعض الصحابة الصبر لما حدث للخليفة المقتول غدرًا - ﵁ -، فامتنعوا عن المبايعة حتى يتم الأخذ بالثأر خوفًا من أن يهدر دمه ويصعب معرفة قاتليه (٢).\nوهكذا أخذ الخلاف بالتبلور متجهًا نحو الشدة والسيطرة، حتى استقر الأمر على انشقاق الصف إلى فرقتين: واحدة يتزعمها الصحابى الجليل على، وواحدة يتزعمها معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -، واستمر الخلاف إلى أن نشبت بين صفوف هاتين الفئتين حروبًا عظيمة، قيل: إن عدد الذين قتلوا فيها فاق عدد شهداء معارك الفتوح الإسلامية بأسرها إبان الخلافة الراشدة.\n_________\n(١) البداية والنهاية، لابن كثير: (٧/ ٢٤٨ - ٢٤٩).\n(٢) تاريخ الطبري (٤/ ٤٤٤). وانظر: البداية والنهاية: (٧/ ٢٨٣).","vol":"1","page":635},{"text":"ومن خلال تلك الاحداث الجسام، التي فتت في عضد الأمة الإسلامية سنح للمغرضين فرص كثيرة، يدسون فيها الأقاويل الكاذبة، والافتراءات المحضة على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فأظهروهم في كثير من المواقف الحرجة بمظهر لا يليق بهم، وهم الذين اصطفاهم المولى تعالى؛ ليكونوا أصحاب رسوله - ﷺ -، ورافعى لواء الإسلام من بعده.\nودون خوض في آحاد تلك الحوادث الجسام، التي هتكت أمن الأمة الإسلامية دهرًا من الزمن، يمكن التخلص إلى أن حقيقة الخلاف إنما نشأ عن اجتهاد وإعمال الرأى، وعليه فلا تثريب على أحد من الفئتين، لأنه كما قال الصاوي مستدلًا بالحديث الشريف: ليس على المجتهد المخطئ ذنب، فقد قال المصطفى - ﷺ -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (١).\nوكان هذا المبدأ هو أحد الأصول التي قام عليها معتقد السنة والجماعة في تعظيم الصحابة وإجلالهم وعدم الوقوع في أعراضهم؛ بسبب ذلك التخاصم الذي حدث بينهم، وليس لأحد أن يعترض، فيقول أن أمر الدماء ليس كغيرها، فإن المولى تعالى لم ينزع عن الفئتين المتقاتلتين وصف الإيمان بل أمر بالإصلاح بينهما، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].\nوهذا ما شهد به الخليفة الراشد علي - ﵁ - للقتلى من الفريقين، حيث قال حين سئل عن قتلى معركة صفين: \"قتلانا وقتلاهم في الجنة\" (٢).\nوعليه فإن إعمال الأصل الأول في الحكم على الصحابة وهو اعتقاد فضلهم وما ترتب على ذلك من شهادة المولى تعالى لهم بالرضوان الموجب لدخول الجنة، هو أهم المبادئ التي يستند إليها في التغاضى عما بدر منهم في عهد الفتن.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاعتصام بالسنة - باب أجر الحاكم إذا اجتهد، رقم الحديث: ٧٣٥٢.\n(٢) سير أعلام النبلاء: (٣/ ١٤٤).","vol":"1","page":636},{"text":"كما أن الأحاديث التي وردت في تحريم الوقوع في أعراضهم، والنهى عن كل ما ينقص من قدرهم؛ لتدل دلالة صريحة لا يمكن معها إلا التوقف والإمساك عن الخوض في التخاصم، الذي حدث بين الصحابة - رضوان الله عليهم -، هذا وقد جاء الأمر بالإمساك مصرحًا به في الحديث الشريف، قال - ﷺ -: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) (١).\nومن هنا شرع الإمساك عن الخوض فيما حدث بين الصحابة الكرام، والتورع عن تتبع تفاصيل الخصام بينهم، ويعد هذا الموقف معلمًا بارزًا من أهم المعالم، التي يتميز بها معتقد الفرقة الناجية، فقد سئل الحسن البصري - رحمه الله تعالى - عن قتال الصحابة فيما بينهم، فقال: \"قتال شهده أصحاب محمد - ﷺ - وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا\" (٢).\nوأجاب بنحو ذلك عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، حيث قال: \"تلك دماء طهر الله يدى منها أفلا أطهر لسانى، مثل أصحاب رسول الله - ﷺ - مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها\" (٣).\nوقد فصل القول في ذلك شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا أن الكثير مما روى في التخاصم الذي حصل: مكذوب عليهم، وإنما أريد به تشويه سمعتهم والطعن فيهم، يقول حاكيًا موقف السنة والجماعة في ذلك: \"ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.\nويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم\n_________\n(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود، برقم: ١٠٤٤٨: (١٠/ ٢٤٣) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه مسهر بن عبد الملك وثقة ابن حبان وغيره، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح (٢٠٢/ ٧): \"وصححه الألباني في السلسلة، رقم: ٣٤.\n(٢) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: (١٦/ ٣٢٢).\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":637},{"text":"منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.\nوهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة.\nولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم: (١).\nوقد أشار الإمام الذهبي (٢) في معرض حديثه عن موقف أهل السنة والجماعة من الخصام الذي حدث بين الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى الشروط التي يجب أن يلتزمها من أراد أن يطالع تلك الروايات التي تحدثت عن ذلك التخاصم، موضحًا الهدف من إعمالها وضبط النفس عليها؛ حيث قال: \"تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم - ﵃ أجمعين -، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب.\nوهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغى طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوافر على حب الصحابة والترضى عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العرى من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى، حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).\n_________\n(١) العقيدة الواسطية شرح العلامة: محمد خليل هراس: ٢٤٩. وانظر: الفتاوى: (٤/ ٤٣٤).\n(٢) هو الإمام العلامة الحافظ المؤرخ شيخ المحدثين أبو عبد الله بن أحمد بن عثمان التركمانى المعروف بالذهبى ولد سنة: ٦٧٣ هـ له مصنفات عظيمة منها: ميزان الاعتدال في نقد الرجال وسير أعلام النبلاء وغيرها، توفى سنة: ٧٤٨ هـ انظر: ذيل تذكرة الحفاظ: (٥/ ٣٤).\n(٣) سير أعلام النبلاء: (١٠/ ٩٢).","vol":"1","page":638},{"text":"ومع إجماع أهل العلم على هذا الذي بينه الإمام الذهبي من وجوب الإمساك عن التخاصم الذي حدث بينهم، إلا أنه قد يستحب على المتمكن المنصف العالم دراسة تلك الروايات، ومعرفة أغوارها، وتنقيتها من الكثير مما داخلها من الأغلوطات الوهمية، التي سجلتها كتب التاريخ، كل ذلك بقصد الذب، عنهم، وإجلاء حقيقة ما أثير ضدهم - ﵃ أجمعين -، فلا يشك حينئذ من موافقة هذا العمل للمقاصد الشرعية المعتبرة عند أهل العلم.\nفإنه لا يخفى على المتبصر بأمر هذا الدين الحنيف ما للصحابة الكرام من الفضل في حفظه، وفي نشر تعاليمه، وهداية الناس له، إذًا فحقيقة الدفاع عنهم - رضوان الله عليهم -، دفاع عن الدين نفسه، كما أن الطعن فيهم طعن في الدين، ليس من جهة اشتماله على مدحهم والأمر بحفظ أعراضهم والترضى عنهم فحسب، بل من جهة كونهم القاعدة الرصينة التي أريمى عليها دعائم الإسلام، ولا يخفى على المتأمل ما تحمله كلمات الرسول - ﷺ - وهو يناجى ربه في أول غزوة في الإسلام، في معركة بدر:\nتلك المعركة التي احتدم فيها الصراع بين النور والظلام مؤذنًا بغلبة النور واستعلائه، حيث قال - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -: (اللهم! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) (١).\nوأما إذا خلت المطالعة من اقتضاء هذه المصلحة المعتبرة، فمن المسلم عدم اعتبار شرعيته، وأن الأولى والأصوب هو التوقف عن مثل هذا العمل الذي لا نفع فيه، بل قد يلحق بصاحبه من المضار ما لا طاقة له بدفعه، فيتأثر بتلك الروايات والأكاذيب مما يؤدى به في نهاية المطاف إلى الطعن فيهم، والقدح في أعراضهم، فيخرج بذلك عن المنهج الذي خطه الشارع الحكيم لاتباع هذا الدين، حيال حملة أمانته، وحفظة كتابه وسنته؛ الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين -، وجمعنا بهم في مستقر رحمته، آمين.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة: (١٢/ ٨٤).","vol":"1","page":639},{"text":"ومصداقًا لهذا المعنى يقول العالم الجليل: العوام بن حوشب (١): \"أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة، بعضهم يقول لبعض: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله - ﷺ - لتأتلف عليه القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم، فتحرضوا الناس عليهم\" (٢).\n* * *\n_________\n(١) عوام بن حوشب بن يزيد الشيباني أبو عيسى الواسطي: ثقة ثبت فاضل مات سنة ١٤٨: (١/ ٢٦٧).\n(٢) الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة، للإمام ابن بطة الحنبلى: (١٨١).","vol":"1","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>(المبحث الثاني): الإمامة</span>\nلقد تناول الصاوي في حديثه عن الإمامة عددًا من المسائل المهمة المتعلقة بهذا الموضوع، ولكنه اتسم في طريقة تحريرها بالإيجاز والاختصار الشديدين، ولعل لهذا الموقف منه أسبابًا ودوافع اجتماعية، حدت به عن التفصيل والاستيعاب.\nأولًا: يبين الصاوي حكم تنصيب الإمام بالشروط المعتبرة شرعًا، فيقول: \"يجب على الأمة وجوبًا كفائيًا إقامة خليفة عدل، لا يميل به الهوى فيجور في الحكم\".\nوالمراد به عدل الشهادة، وهو من استكمل شروطًا ستة: الإسلام، والبلوغ والعقل، والحرية، والذكورة، وعدم الفسق بجارحة؛ أو اعتقاد.\n- وليتم إعمال هذه الشروط عند اكتمالها وتوظيفها فيمن تأتى له الاتصاف بها لا بد من الإقرار بمشروعية إمامته من الجهات المسؤولة، وعلى الترتيب المعتبر شرعًا، يقول: \"وليس كل من يصلح للإمامة يصير إمامًا، بل لا بد من النص على إمامته إما من الله تعالى أو رسوله - ﷺ - أو من السابق أو إجماع الأمة\"\nثم ينبه على أن البحث عن توفر هذه الشروط إنما يكون منذ البدء لا في نهاية المطاف، يقول: \"وهذه الشروط في حالة الابتداء والاختيار ولذلك يعزل إن أزيل وصفه أو تغلب علينا في الابتداء وهو معدوم الأوصاف\".\nأما عن أهمية تنصيب الإمام، فيرى أنه مما يقدم على غيره من الواجبات الشرعية المعتبرة التي يمكن تأجيلها، وذلك لما يترتب عليه من انتظام الأمور وإحكام الأمن، يقول: \"وجوب نصبه حكم شرعى فهو أهم الواجبات ولذا اشتغل الصحابة بذلك عن دفن رسول الله - ﷺ - فتأخر دفنه يومين، لأنه ورد أنه توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء\".","vol":"1","page":641},{"text":"وحتى ينتظم أمر الأمة ويتحقق المطلوب من الإمامة، يرى أنه: لا يجوز تعدد الخليفة\".\nوعليه فإن الواجب اتجاه كل من سولت له نفسه الخروج على الإمام هو القتال، يقول: \"ومن خرج وجب قتاله\".\nويستثنى من هذا الحكم وجود الحاجة لتعدد الإمام، كاتساع الأقطار، مثلًا، يقول: \"إلا إذا اتسعت الأقطار، وبعدت جدًا فيجوز التعدد، لوجوب طاعته على سائر الرعايا ظاهرًا وباطنًا، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]\nولقوله - ﷺ -: (من أطاع أميرى؛ فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى؛ فقد عصانى).\nومع تقريريه لوجوب طاعة وامتثال أمر الوالى إلا أنه يرى عدم إطلاق الحكم بذلك عند وجود الموانع، يقول: \"إلا إذا وقع منه الكفر، وأمر به فلا تجوز طاعته\". وبهذا يرى أنه \"إذا ولى مستكملًا للشروط فزال وصف العدالة منه بأن طرأ عليه الفسق؛ فلا يعزل، وأما طروء الكفر؛ فيعزل\". (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>تعليق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>أولًا: حكم تنصيب الوالي:</span>\nبين الصاوي أن حكم تنصيب الإمام واجب على الأمة وجوبًا كفائيًا بالشرع، وقد وافق بذلك ما أجمع عليه أهل العلم، ومستند هذا الوجوب المجمع عليه من جهة الشرع ما يترتب على تنصيبه من مصالح عميمة، يستقر بها أمر الأمة في الدين والدنيا، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في هذا المعنى: \"اعلم أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٦٨.","vol":"1","page":642},{"text":"ووجه ذلك الوجوب أنه أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش للجهاد، وحفظ بيضة الإسلام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به إن كان مقدورًا فهو واجب، ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى، ودفع مضار لا تستقصى، وكل ما كان كذلك يكون واجبًا\" (١)\nأما انعقاد البيعة باستخلاف الخليفة السابق، أو بجعله الأمر شورى بين أهل الحل والعقد، أو بالقوة والغلبة، فقد حكى الحافظ ابن حجر - ﵀ - عن الإمام النووي وغيره إجماع أهل العلم على انعقاد الخلافة بمثل هذه الأمور\". (٢)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>ثانيًا: ما تنعقد به البيعة:</span>\nأما حديثه عما تنعقد به الإمامة، فقد كان القول بالنص: أي الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة محل اختلاف لين العلماء، وقد اشتهر القول به عند الشيعة، حتى ادعى أحدهم أنه لم يقل أحد بالتنصيص على خلافة أحد من الصحابة بعد رسول الله، إلا علي - ﵁ -، وقد أبطل شيخ الإسلام حجته في ذلك ببيان أن من الصحابة والسلف وأهل العلم، من ذهب إلى التنصيص على خلافة أبى بكر الصديق - ﵁ - (٣).\nوإلى هذا المعنى يشير الإمام ابن القيم، مستدلًا بما روى عن علي - ﵁ - أنه قال: \"لقد أمر النبي أبا بكر أن يصلى بالناس، وإنى لشاهد وما أنا غائب، وما بى مرض، فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي لديننا\".\n\"ووجه ما تقرر من أن الأمر بتقديمه للصلاة؛ كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته بالخلافة إذ القصد الذاتى من نصب الإمام العالم إقامة الشعائر\". (٤)\n_________\n(١) الصواعق المحرقة: (١/ ٢٥). وانظر: مقدمة ابن خلدون في نفس المعنى: ٣٠٣.\n(٢) انظر: فتح الباري: (١٣/ ٢٠٨).\n(٣) انظر: منهاج السنة: (٦/ ٤٤٣).\n(٤) الصواعق المحرقة: (١/ ٦١).","vol":"1","page":643},{"text":"ولكن هل يعد هذا من قبيل القياس والإشارة - كما تقدم من كلام ابن القيم -، أم هو من قبيل النص الصريح؟ كان هذا مجال اجتهاد بين العلماء.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ - مفصلًا القول في هذه المسألة: \"ذهبت طوائف من أهل السنة إلى أن إمامة أبى بكر ثبتت بالنص، والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره من الأئمة.\nوقد وردت روايتين عن الإمام أحمد في ذلك:\nأحدهما: أنها ثبتت بالاختيار، وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية.\nالثانية: أنها ثبتت بالنص الخفى والإشارة، وبهذا قال الحسن البصري، وجماعة من أهل الحديث\" (١).\nوأخذ بإيراد الأدلة التي استند إليها القائلون بالنص، حيث أورد كلام ابن حزم الصريح في اعتقاد ذلك، مما يطول المقام باستقصائه ولكنه في الجملة لا يخرج عن مثل ما روى عن علي - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>صفات الوالي:</span>\n- وما ذكره الصاوي من الشروط التي يتم بها اختيار الخليفة فصحيحة مع القدرة على ذلك، يقول شيخ الإسلام: \"أهل السنة يقولون: ينبغى أن يولى الأصلح للولاية إذا أمكن: إما وجوبًا عند أكثرهم، وإما استحبابًا عند بعضهم، وأن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهو ظالم، ومن كان عاجزًا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو معذور\" (٢).\n- وينبنى القول بوجوب تقديم الفاضل بالخلافة على الاستنان بما سنه لنا أصحاب رسول الله، وهم من هم في الصدق والورع، فلا ريب في أن اختيار الصحابة لأبي بكر وعمر من بعده ثم عثمان وعلي ﵃ أجمعين -\n_________\n(١) منهاج السنة: (١/ ٤٨٦).\n(٢) منهاج السنة: (١/ ٥٥١).","vol":"1","page":644},{"text":"وتقديمهم على غيرهم إنما كان لاستحقاقهم الإمامة باكتمال الشروط التي يحبها الله ورسوله فيهم - ﵃ أجمعين -، والأدلة في ذلك كثيرة متضافرة (١).\nكما يستند التقديم بالأولية في الفضل إلى أن مهمة الإمام الأولى هي الحكم بشريعة الله ورسوله، والقيام برعاية مصالح المسلمين، فلما انعدم المماثل للرسول - ﷺ - في حكمه بشريعة الله كان؛ \"أحق الناس بخلافة نبوته أقربهم إلى الأمر بما يأمر به، والنهى عما نهى عنه\" (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>تعدد الولاة:</span>\n- ومن المسائل المتعلقة بالإمامة والتى أشار إليها الصاوي مبينًا رأيه: قضية تعدد الإمام، حيث حكم بتحريم تعدد الإمام ما لم تكن هناك مصلحة متحققة من تعدده، كاتساع الدولة الإسلامية وتعدد أقطارها مثلًا.\nوكان هذا الذي ذهب إليه الصاوي مما حكى الإجماع عليه من أهل العلم، يقول ابن حزم - ﵀ -: \"اتفق من ذكرنا ممن يرى فرض الإمامة على أنه لا يجوز كون إمامين في وقت واحد في العالم، ولا يجوز إلا إمام واحد\".\nوقد استدل لهذا بعدد من الأدلة: نقلية، وأخرى عقلية مستنبطة من النقلية، إذ لا تعارض بين الصحيح منهما، يقول: \"قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].\nوقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].\nفحرم الله ﷿ التفرق والتنارع، وإذا كان إمامان فقد حصل التفرق المحرم؛ فوجد التنازع، ووقعت المعصية لله تعالى، وقلنا ما لا يحل لنا.\nوأما من طريق النظر والمصلحة، فلو جاز أن يكون في العالم إمامان لجاز أن\n_________\n(١) المرجع السابق: (١/ ٥٣٠).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٨٤).","vol":"1","page":645},{"text":"يكون فيه ثلاثة وأربعة وأكثر، فإن منع من ذلك مانع كان متحكمًا بلا برهان ومدعيًا بلا دليل.\nوإن جاز ذلك زاد الأمر حتى يكون في كل عالم إمام، وفي كل مدينة إمام، أو في كل قرية إمام، أو يكون كل أحد إمامًا وخليفة في منزله، وهذا هو الفساد المحض، وهلاك الدين والدنيا\" (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>حق الإمام:</span>\nالواجب عند انعقاد البيعة: السمع والطاعة في غير معصية، وقد عد الإمام البيهقي (٢) طاعة ولى الأمر من شعب الإيمان مستدلًا بالآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. (٣)\nوقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله كلها تأمر بالامتثال لأمر الإمام، قال رسول الله - ﷺ -: (اسمعوا وأطيعوا، وان استعمل عليكم عبد حبشى، كأن رأسه زبيبة). (٤)\nومع ذلك فليست طاعة الإمام طاعة مطلقة، إذ الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ولرسوله، أما طاعة الإمام فهى مقيدة بطاعنه فيما يرضى الله تعالى، أما في معصيته فلا يجوز ذلك في حق أحد كائنًا من كان، قال - ﷺ -: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، ويصلون عليكم، وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله! أفلا\n_________\n(١) الفصل: (٤/ ٨٨).\n(٢) هو العلامة الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي ولد سنة: ٣٨٤ هـ عمل كتبًا لم يسبق إلى تحرير مثلها، منها الأسماء والصفات، والسنن الكبير، والسنن والآثار، وشعب الإيمان، ودلائل النبوة، توفى سنة: ٤٥٨ هـ: تذكرة الحفاظ: (٣/ ١١٣٢).\n(٣) مختصر شعب الإيمان، للشيخ أبى جعفر القزينى: ١٧٣.\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأحكام - باب السمع والطاعة للإمام، رقم الحديث: ٧١٤٢.","vol":"1","page":646},{"text":"ننابذهم بالسيف؟، فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه؛ فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة). (١)\nوعليه فلا يجوز الخروج على الإمام؛ بحجة عدم استكمال الشروط فيه، لظهور ما يحكم عليه بالفسق مثلًا، كالأمر بما يغضب الله تعالى من المعاصى، بعد انعقاد الإمامة له، وذلك لدلالة النصوص الشرعية صراحة بوجوب السمع والطاعة في غير معصية، وتحريم الخروج عليه مع عدم الدافع من الأمر بالكفر الصريح.\nإذًا يفرق بين طاعة الإمام المسلم الطاعة إلى تستلزم امتثال أمره مهما كان، وبين طاعته التي تعنى عدم الخروج عليه:\nأما الأولى؛ فقد دلت الأحاديث على تقييدها بالمعروف؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nوأما الثانية؛ فقد جاءت الأحاديث بإطلاقها، فحرمت الخروج عليه، بل وشددت في ذلك، مادام الإمام على التزام بإقامة شعائر الإسلام، قال رسول الله - ﷺ -: (ستكون أمراء؛ فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟، قال: لا، ما صلوا) (٢).\nيقول شيخ الإسلام في تعليقه على الحديث السابق: \"وهذا يبين أن الأئمة هم الأمراء وولاة الأمور، وأنه يكره ينكر ما يأتونه من معصية الله، ولا تنزع اليد من طاعتهم، بل يطاعون في طاعة الله، وأن منهم خيارًا وشرارًا\". (٣)\nوهذا إنما يلتزم به في حال عدم خروج الإمام عن التزام شعائر الإسلام وتحقيقها في الرعية، ولو بالحد الأدنى منها، كما بين ذلك المصطفى - ﷺ - حيث علق أحقية الوالى في الإمامة بإقامة الصلاة في رعيته.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة - باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع: (١٢/ ٢٤٤).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة - باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع: (١٢/ ٢٤٣).\n(٣) منهاج السنة: (١/ ١١٧). وانظر: مجموع الفتاوى: (٣/ ٢٤٩).","vol":"1","page":647},{"text":"فإنه مع وجود ما يقتضى خروج الإمام من دائرة الإسلام إلى الكفر الصريح؛ فلا أحقية له حينئذ في الخلافة الشرعية، دل على ذلك الحديث الصحيح، فقد روى عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه قال: (دعانا النبي - ﷺ - فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن ترو كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان). (١)\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - باب قول النبي - ﷺ -: (سترون بعدى أمورًا تنكرونها)، رقم الحديث: ٧٠٥٦.\nقال الحافظ: \"البواح\" بموحدة ومهملة، معنى قوله: (بواحًا)؛ يريد ظاهرًا باديًا، من قولهم: باح بالشيء؛ يبوح به؛ بوحًا، وبواحًا؛ إذا أذاعه وأظهره، وفي رواية \"براحا\" بالراء؛ وهو قريب من هذا المعنى، وأصل البراح الأرض القفراء التي لا أنيىس فيها ولا بناء، وقيل: البراح البيان؛ يقال: برح الخفاه إذا ظهر. الفتح: (١٣/ ٨).","vol":"1","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>الباب الثالث: (آراؤه في باب السلوك)</span>\nويتضمن ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: التصوف وآدابه.\nالفصل الثاني: الأحوال والمقامات.\nالفصل الثالث: الولاية والكرامة.","vol":"1","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الفصل الأول: (التصوف وآدابه)</span>\nفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التعريف بالتصوف.\nالمبحث الثاني: آداب التصوف.","vol":"1","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>تمهيد</span>\nإن تعريف التصوف تعريفًا جامعًا مانعًا دالًا على ما يعالجه من مسائل وقضايا لمما يتعذر الوقوف عليه في كتب أهله العارفين به، فإذا أراد الباحث معرفة معنى التصوف كمصطلح له دلالته، يجد نفسه أمام كم كبير من العبارات المتعددة، بل والمتباينة، وهذه العبارات تتعدد اتجاهاتها بالنسبة للدلالة على هوية هذا العلم، فمنها ما يتجه الي توضيح الثمرة والهدف، ومنها ما ينصب على كشف الوسيلة التي يكون بها تلقى هذا العلم.\nوهكذا يجد الباحث نفسه أمام عبارات كثيرة متعددة الاتجاهات، أقرب ما تكون إلى التقريب والوصف دون إصابة الهدف، وهاك بعضًا مما قيل في تعريفه:\n- وقال ابن خلدون (١): التصوف هو \"العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد في الخلوة للعبادة\". (٢)\n- وقال الشعرانى (٣): ليس علم التصوف إلا معرفة طريق الوصول إلى العمل بالإخلاص لا غير\". (٤)\n- وقال الجنيد: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية،\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم الأشبيلى، المالكى، المعروف بابن خلدون، عالم فقيه أدب مؤرخ اجتماعي ولد سنة: ٧٣٢ هـ تولى القضاء على المذهب المالكى بالقاهرة مرارًا، تقدم في الفنون ومهر في الكتابة، من مؤلفاته: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر. توفى سنة: ٨٠٨ هـ. انظر: شذرات الذهب: (٧/ ٧٦). ومعجم المؤلفين: (٥/ ١٨٨).\n(٢) مقدمة ابن خلدون ٣٣٣.\n(٣) هو عبد الوهاب بن أحمد بن على الحنفى نسبة إلى محمد ابن الحنفية الشعرانى، من علماء المتصوفين، ولد في قلقشندة بمصر سنة: ٨٩٨ هـ له عدد من التصانيف في العلوم والمعارف التي تمثل الاتجاه الصوفى المتأخر، منها: الأنوار القدسية في معرفة آداب العبودية - والطبقات الكبرى والقواعد الكشفية في الصفات الإلهية وغيرها كثير، توفي سنة: ٩٧٣ هـ. شذرات الذهب: (٨/ ٣٧٢)، والأعلام: (٤/ ١٨٠).\n(٤) الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية، للشعراني: ٢٦٠.","vol":"1","page":651},{"text":"وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوى النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة، واستعمال ما هو أولى على السرمدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتباع رسول الله - ﷺ - في الشريعة\nوقال دلف الشبلى: التصوف الجلوس مع الله تعالى بلا هم\". (١)\nوعرفه ابن عربى بأنه: \"الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا وهى الخلق الإلهية، وقد يقال بإزاء إتيان مكارم الأخلاق، وتجنب سفاسفها\". (٢)\nويقول الكاشانى (٣): \"التصوف هو التخلق بالأخلاق الإلهية\". (٤)\nولعل في اختلاف وجهات النظر حول التعريف، ما يكشف عن حقيقة هذا العلم، فالغموض والمعانى الوجدانية من الأمور التي لا يكاد يفارق الباحث ملاحظتها في الكثير من المسائل التي تمحور اهتمام التصوف حولها، وقد يرجع هذا لأسباب عدة، من أهمها:\n- أولًا: مراحل التصوف، ويدخل في هذا نشأته والعوامل المؤثرة فيه، فقد مر التصوف بمراحل مختلفة ومتعددة، ففى بداية نشأته كان يتسم بالبساطة والبعد عن التعقيد الفلسفى، ينحو في معظم اهتماماته إلى تقويم الجانب السلوكى، فالزهد والعزوف عن الدنيا هو الطابع الذي يميزه في هذه المرحلة.\nأما في المراحل المتأخرة منه، وذلك حين أخذت الروافد الغريبة المتأثرة بالفلسفات والأديان القديمة تؤثر على مجرى الفكر، أصبحت قضاياه الأساسية المنصبة على الاتجاه النظرى التقعيدى الفلسفى أساسًا للترقى بالسلوك نحو الهدف، وهو التخلق بالخلق الإلهى، كما هو ملاحظ من تعريف ابن عربى: الفيلسوف الصوفى.\n_________\n(١) الرسالة القشيرية: ٢٨٢ - والتعريفات للجرجانى: ٨٨.\n(٢) رسائل ابن عربي: ٥٤١.\n(٣) هو عبد الرزاق الكاشانى بن أحمد بن الكاشانى اشتغل بالتصوف وألف فيه عددًا من المصنفات، من أشهرها: شرح منازل السائرين للهروى، شرح فصوص الحكم لابن عربى، شرح تائبة ابن الفارض، الإفهام في اصطلاحات الصوفية، مات سنة: ٧٣٠ هـ. معجم المؤلفين: (٥/ ٢١٥).\n(٤) اصطلاحات الصوفية: ١٦٤.","vol":"1","page":652},{"text":"ثانيًا: مع تبلور الفكر الصوفى كانت النزعة الوجدانية ذات صبغة عالية التأثير على المفاهيم والأسس، ولهذا أسباب سيرد ذكرها فيما بعد - بإذن الله تعالى -، فأصبح مصدر التلقى المعتمد هو الوجدان أو التجربة الشعورية، فليس ثمة معيار ثابت ذى قيم مستقيمة، ينبنى على أساسه استيعاب المصطلحات الصوفية، أو التعبير عنها، بدأ من مصطلح التصوف (١).\nويمعن بعضهم في تقرير هذا السلوك لتلقى المعارف عندهم، ومن ذلك ما حكاه الشعرانى في ترجمة على ولده (٢)، حيث قال عنه: \"الضروريات والبديهيات إنما هي أمور وجدانيات وهى أصول النظريات، فالوجد أصل أصول هذا الباب فافهم، وإنما احتيج إلى الحجج والأدلة لتوقع المطالب في النفس موقع الوجدان أو ما يقاربه، متى وجدت المطلوب لم تحتج إلى شيء من ذلك، فيا واجد الحق تحقيقًا أو تصديقًا حسبك وجدك، . . .،: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فالأمر عندهم وجدانى فافهم ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] \". (٣)\n- وقد التزم أهل التصوف في سيرهم على هذا المنهج المتضارب العجيب آدابًا يتمسكون بها أشد التمسك، وكان في مقدمتها تعظيم الشيخ والتلقى عنه بلا أدنى جدال أو اعتراض، حتى غدا هذا الضرب من الالتزام الأخلاقي سببًا كبيرًا وأساسًا صلبًا لاتساع دائرة التصوف ودخول عدد كبير من الناس فيه، حيث عمل على سد باب الاعتراض الذي يفرضه التضارب الحاصل في الفكر الصوفى، والذي يعمل جاهدًا في محاولة الانتماء إلى الإسلام وعدم الخروج عنه، ولو ظاهرًا.\n* * *\n_________\n(١) انظر: الرسالة القشيرية: ٢٧٩.\n(٢) هو الصوفى المتعمق على ولده ولد ليلة الأحد حادى عشر محرم سنة إحدى وستين وسبعمائة، توفى عام أحد وثمانمائة، وله عدد من المؤلفات في فنون التصوف. انظر: الطبقات الكبرى للشعرانى: (٣٩٤).\n(٣) المرجع السابق: ٤٣١.","vol":"1","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>(المبحث الأول): مفهوم التصوف</span>\n- يعرف الصاوي التصوف، كما هو في اصطلاح الصوفية بأنه \"علم بأصول، يعرف به إصلاح القلب وسائر الحواس، فبذلك تصلح الأعضاء لما في الحديث (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب) (١) \".\nوفي بيان أصله اللغوى، يقول: \"والتصوف مأخوذ من الصفا، أي خلص باطنه من الشهوات، وصفاه، فعومل بالصفا، فمن أجل ذلك سمى الصوفى\" (٢).\nهذا ويعضد الصاوي ما تقرر لديه من كون التصوف علم: بذكر المبادئ التي يقوم عليها، كأى علم آخر معتد به، يقول:\n\"وغاية هذا العلم: صلاح القلب.\nوموضوعه: الأخلاق المحمدية، وهى أوامر القرآن ونواهيه، لما ورد عن عائشة أنها حين سئلت عن أخلاقه - ﷺ -، قالت: (كان خلقه القرآن).\nواضعه: هم العارفون الآخذون عن النبي بالسند المتصل.\nنسبته: أنه فرع علم التوحيد.\nاستمداده: من الكتاب والسنة.\nاسمه: علم التصوف.\nحكمه: الوجوب.\nمسائله: قضاياه التي يبحث فيها عن عوارضه الذاتية: كالفناء والبقاء والمراقبة والمشاهدة والجلال والجمال\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب فضل من استبرأ لدينه، رقم الحديث: ٥٢.\n(٢) حاشية الجوهرة: ٦٩.\n(٣) حاشية الخريدة: ٧٦.","vol":"1","page":654},{"text":"- وبناءً على ما سبق فإنه يعرف الصوفية: بأنهم \"هم أهل الباطن الذين اشتغلوا بعلم السر والتصوف\".\nويضرب لذلك مثالًا، فيقول: \"كاشتغال الجنيد (١) وأضرابه بعلم السر والتصوف، ومعرفة شروطه وآدابه\".\nويسند مشروعيته إلى التأسي بما كان عليه النبي - ﷺ - كما هو واضح في بيانه لمبادئ هذا العلم -، فيقول: \"لأنه نقل عن النبي - ﷺ - علم الظاهر والباطن\". (٢)\n* * *\n\nالمناقشة:\nأولًا: حقيقة التعريف:\nمن الملاحظ في تعريف الصاوي للتصوف أنه يحكم عليه بكونه علم من العلوم المستمدة من الكتاب والسنة، ويؤكد ذلك بتأصيله من مصادر الإسلام الأساسية، حيث يستند في تقرير مشروعية الالتزام بآداب التصوف وعلومه إلى كونها طريق يتحقق بسلوكه صلاح القلب، ومعلوم أن إرادة صلاحه من الأسس المعتبرة التي جاء الإسلام لتحقيقها، إذ فيها صلاح الفرد وهو لبنة صلاح المجتمع بأسره، فيورد لذلك حديث المصطفى - ﷺ -: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله).\nومع التسليم له بأن هذا من مرادات الشارع الحكيم الكبرى، والتي أناط بها النجاة يوم القيامة، حيث قال عز من قال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ\n_________\n(١) هو الشيخ الحافظ إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، السامراني البغدادي، ولد عام: ١٩٥، أخذ العلم عن يحيى بن معين، قال الحافظ الذهبي: له سؤالات نافعة عنه، ثقة زاهد ورع اشتهر بالرقائق وتهذيب النفس، وجد عليه بعض المآخذات إلا أن شيخ الإسلام - ﵀ - كان كثيرًا ما ينفي نسبتها له ويعتذر له ويترضى عنه، وذلك مثل ما نقله عنه الكلاباذي حيث روى عنه أنه قال للشبلي: نحن حبرنا هذا العلم تحبيرًا ثم خبأناه في السراديب فجئت أنت فأظهرته على رءوس الملأ: الترف، ١٤٥، وانظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء: (١٢/ ٦٣١)، وطبقات الحنابلة لأبي يعلى: ٧٥.\n(٢) حاشية الجوهرة: ٩.","vol":"1","page":655},{"text":"أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، إلا أنه لا يمكن أن نسلم له بأن التصوف هو السبيل إلى تحقيق هذه الأهداف السامية، ولعل في الحديث عن أصل التصوف والمراحل التي مر بها ما يكشف ولو يسيرًا عن هذه الحقائق التي يحاول التملص منها كل من نسب التصوف إلى نفسه. فقد تناول الصاوي عند بدء حديثه عن التصوف بيان اشتقاقه وأصله اللغوى، ولا شك أن معرفة هذه المسألة أصل يستدل به على حقيقة التصوف من حيث النشأة، وهذا ما يتأكد عند سبر الأقوال المختلفة في أصل هذه الكلمة، فقد اختلف الباحثون في ذلك تبعًا لبيان حقيقة التصوف ومنشئه الأصلى على عدة مذاهب:\n\nالمذهب الأول:\nنرى الكلاباذى (١) صاحب كتاب التعرف يجمع الأقوال التي ترجع في نهاية الأمر إلى التأكيد على أن الصوفية إنما نشأت في تعاليم الإسلام، ويستمد للاستدلال لذلك بحياة الصحابة، بل وهدى الرسول - ﷺ - أيضًا ما يؤكد به ما ذهب إليه، حيث يرجع الأقوال في حقيقة نسبة التصوف إلى ثلاثة أقوال لا يرى ثمة تعارض بينها البتة، يقول مفصلًا القول في ذلك:\nقال قوم: إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة، الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ -.\nوقال قوم: إنما سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدى الله جل وعز بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم بقلوبهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.\nوقالت طائفة: إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها، قال بشر بن الحارث الصوفى: من صفا قلبه لله، وقال بعضهم: الصوفي من صفت لله معاملته، فصفت له من الله ﷿ كرامته.\n_________\n(١) هو محمد بن إبراهيم الكلاباذى البخاري أبو بكر، من المحدثين، له عدد من المصنفات منها: التعرف لمذهب أهل التصوف، بحر الفوائد المشهور بمعانى الأخيار، توفى سنة: ٣٨٠ هـ: معجم المؤلفين: (٨/ ٢١٢).","vol":"1","page":656},{"text":"وقال قوم: إنما سموا صوفية للبسهم الصوف.\nوللجمع بين هذه الأقوال يرى الكلاباذى أن جميعها مستنبط من حال أهل الصفة، يقول: \"ثم هذه كلها أحوال أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - فإنهم كانوا غرباء فقراء مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد، فقالا يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين، وكان لباسهم الصوف حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر.\nوقال الحسن البصري: كان عيسى - ﵇ - يلبس الشعر ويأكل من الشجرة ويبيت حيث أمسى.\nوقال أبو موسى: كان النبي - ﷺ - يلبس الصوف، ويركب الحمار ويأتى مدعاة الضعيف.\nوقال الحسن البصري: لقد أدركت سبعين بدريا ما كان لباسهم إلا الصوف ثم الصوف لباس الأنبياء وزى الأولياء\". (١)\n\n- المذهب الثاني:\nويتلخص هذا الاتجاه في بيان أصل التصوف بأن مبدأه إنما يرجع في الحقيقة إلى تاريخ العرب الجاهليين؛ حيث تنتسب كلمة صوفى إلى رجل يقال له صوفة، واسمه الغوث بن مر، فانتسب إليه الصوفية لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله ﷾.\nوهذا ما رجحه ابن الجوزى - ﵀ -، ولم يكتف بذلك بل رد الأقوال الأخرى حيث نقض القول بنسبتهم إلى الصفة لمخالفة الاشتقاق اللغوى، يقول \"ونسبة الصوفى إلى أهل الصفة غلط، لأنه لو كان كذلك، لقيل: صفى\". (٢)\n_________\n(١) التعرف لمذهب أهل التصوف: ٢١ - ٢٣، بتصرف.\n(٢) تلبيس إبليس: ٢٠٨.","vol":"1","page":657},{"text":"ويتبين من هذا الموقف لابن الجوزى أن أصل التصوف يرجع إلى الجاهلية وأنه ليس له ما يستند إليه في عصر الرسول والصحابة من حيث النسبة والنشأة، مما يؤكد به غرابته وابتداعه وبالتالى خروجه عن نهج النبي - ﷺ - وأتباعه، يقول:\n\"كانت النسبة في زمن الرسول - ﷺ - إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مسلم، ومؤمن، ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقًا تخلقوا بها، ورأوا أن أول من أفرد بخدمة الله ﷾ عند بيته الحرام رجل، يقال له: صوفة\". (١)\n\nالمذهب الثالث:\nأما هذا المذهب فيبعد كل البعد عن هذه الأقوال المتقدمة، حيث جعل أصل التصوف مشتقًا من سوفيا وتعنى الحكمة، وهذا ما رجحه البيرونى مؤكدًا ذلك بتوثيق الصلة بين الصوفية وحكماء الهند؛ حيث التشابه الكبير بين الفكر الصوفى والفكر الهندوسى الفلسفى، وبهذا فهو يبعد تمامًا فكرة التأصيل الإسلامى له (٢).\n\nالمذهب الرابع:\nتبقى الإشارة إلى أن هناك من مال إلى القول بعدم الاشتقاق وأن هذا الاسم كاللقب اشتهرت به طائفة معينة ليس له أصل اشتق منه، وكان القشيرى هو من اشتهر عنه هذا الرأى، وتأكيدًا على ذلك فإنه يبين بطلان جميع الاشتقاقات التي قال بها غيره، يقول: \"وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، وإلا ظهر فيه أنه كاللقب، فأما قول من قال: إنه من الصوف، وتصوف إذا لبس الصوف، فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف.\nومن قال: إنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله - ﷺ - فالنسبة إلى الصفة لا تجئ على نحو الصوفى.\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) انظر: نشأة الفكر الفلسفى في الإسلام، للدكتور: على النشار: (٣/ ٤٢).","vol":"1","page":658},{"text":"ومن قال: إنه من الصفاء - كقول الصاوي - فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد عن مقتضى اللغة.\nوكذلك النسبة إلى الصف فإن اللغة لا تقتضى هذه النسبة\" (١).\nوعليه فإن هذا القول ليس فيه تمييز واضح لبيان نشأة التصوف.\n\nالمذهب الراجح:\nمن كل هذه الأقوال يمكن معرفة نسبة التصوف ببيان أنها مشتقة من لباس الصوف، ولكن ليس على جهة تجعل في لبسه اقتداء بالنبى وأصحابه الكرام مما يضفى على نشأته صورة مستمدة من خالص التعاليم الشرعية، بل على جهة تبين الاشتقاق الصحيح لهذه الكلمة وتدع لتأصيلها الدينى مجالًا تكثر فيه الأقوال بل وتتضارب، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام - ﵀ -، حيث يقول بعد بيانه مناقضة الأقوال السابقة لأصل الكلمة من حيث اللغة: \"وقيل وهو المعروف إنه نسبة إلى لبس الصوف، فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن.\nوقد كان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر الأمصار، ولهذا كان يقال: فقه كوفى، وعبادة بصرية، وقد روى عن محمد بن سيرين: أنه بلغه أن قومًا يفضلون لباس الصوف، فقال: إن قومًا يتخيرون الصوف، يقولون: إنهم متشبهون بالمسيح ابن مريم، وهدى نبينا أحب إلينا، وكان النبي - ﷺ - يلبس القطن وغيره\". (٢)\nوالذي يظهر من كلام الشيخ أن في لباس الصوف اقتداء بالنصارى دون النبي - ﷺ - مما يدل على النقيض من كلام الكاشاني السابق، وهذا ابن الجوزى يحكم على جميع الأحاديث التي ورد فيها نسبة لبس الصوف إلى الرسول - ﷺ - على جهة\n_________\n(١) الرسالة القشيرية: ٢٧٩.\n(٢) مجموع الفتاوى: (١١/ ٥). بتصرف.","vol":"1","page":659},{"text":"التفضيل والتحسين بالوضع، فيقول: \"ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي - ﷺ - لبس الصوف.\nفأما لبس رسول الله - ﷺ - الصوف، فقد كان يلبسه في بعض الأوقات، لم يكن لبسه شهرة عند العرب.\nوأما ما يروى في فضل لبسه، فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء\" (١).\nوقد أورد - ﵀ - من الروايات ما يثبت بها مخالفة هذا المعتقد، وأن جذور هذا اللباس مستمدة من أصول ديانة سابقة، وهى المسيحية كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، فيروى بسنده أثرًا مفاده أن رجلًا يدعى عبد الكريم جاء إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: (إنما هذه ثياب الرهبان إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا) (٢).\nوقد روى أن: \"عيسى - ﵇ - كان يلبس الصوف، ويأكل من الشجرة، ويبيت حيث أمسى\" (٣).\n- وشيخ الإسلام إذ يقرر هذا، فإنه لا يرى صحة نسبة الصوفية أيضًا إلى ذلك الرجل الجاهلى المسمى بصوفة، مع صحة الاشتقاق من حيث اللغة، ويرجع ذلك لعدم اشتهار تلك القيلة من جهة، ومن جهة أخرى لأن الصوفية الأوائل كانوا من التدين والتمسك بمكان لا يقبلون فيه النسبة لأمر لا صلة له بالإسلام البتة.\nولعل في هذا ما يكفى لإبطال القول بنسبة الصوفية إلى سوفيا من حيث الأصل، لأن هذا بعيد من جهة اللغة والواقع الذي عرفت فيه الصوفية.\n* * *\n_________\n(١) تلبيس إبليس: ٢٥٤.\n(٢) تلبيس إبليس: ٢٥٧، أخرجه البخاري في الأدب المفرد؛ كتاب من زار قومًا فطعم عندهم، رقم الحديث: ٣٤٨ (١/ ٤٤١). وصححه الألباني في صحيح الأدب: ١٤٠.\n(٣) عوارف المعارف: ٥٩.","vol":"1","page":660},{"text":"مراحل التصوف:\nمن ذلك البيان المسبق يمكن القول بأن التصوف ظهر في بيئة محافظة، عرفت بالعبادة والزهد، ولكن هذا لا يعني صحة ما ذهب إليه الصاوي من الحكم على التصوف بأنه فرع علم التوحيد، وأن استمداده من الكتاب والسنة، وأن واضعه هو النبي وأصحابه الكرام، بل يعد هذا في الحقيقة من قبيل التقارير الذاتية، التي لا تستند إلى الموضوعية البتة، وذلك لأن الحديث عن نشأة التصوف يعد حديثًا عن المرحلة الأولى من مراحل التصوف، الذي كان يميل في تلك الآونة إلى معالجة السلوك وتهذيبه بأنواع التبتل والانقطاع عن الدنيا، وذلك نتيجة لإقبال الناس على الدنيا والتفاخر بها، فكان هذا منهم كردة فعل اتجاه ذلك الانحراف الخلقي الذي ساد المجتمع في القرن آنذاك.\nومع وجود بعض المخالفات من أولئك الصوفية والتي حملت بعض الصحابة الكرام على إنكار تلك الأحوال إذ خرجت في مجملها على ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام - رضوان الله عليهم -، إلا أنه لا يمكن أن يقال: إن التصوف بقى على تلك الحالة التي كان عليها أولئك الزهاد والعباد، بل يعد هذا القول من الصاوي محاولة متعذرة النجاح في الجمع بين فترات متباينة مختلفة أشد الاختلاف، ومن ثم الحكم عليها بحكم واحد دون تمييز، أو تنبيه.\nوالصواب في هذا أن التصوف قد مر بمرحلة بعد هذه المرحلة خرج فيها التصوف عن شعار الزهد والانقطاع عن الدنيا، فقد تحول التصوف من الجانب العملي إلى جانب التنظير والتقعيد، حيث ألفت التآليف وخرج القوم بأفعال خالفوا فيها السنة بوضوح، فبدلًا من المحبة استحدثت كلمة العشق كتعبير عنها، وصار الحب الإلهي هو عنوان السائرين إلى الله، فليس للخوف أو الرجاء مكانًا عليًا عندهم، وظهرت المصطلحات الغامضة كالفناء والبقاء والجمع، لتضيف نوعًا من التميز والخصوصية لأهل التصوف، ومع أنها في بادئ الأمر لم تصل إلى القدح في المعتقد، إلا أنه قد ردها الكثير من العلماء، وتكلموا في بيان ما تحمله من الاشتباه المخل بصفاء الإيمان وبرد اليقين (١).\n_________\n(١) وسيأتي الحديث عنها فيما بعد بإذن الله: ٧٠٠.","vol":"1","page":661},{"text":"ولكل ما تقدم فقد توسعت في هذه المرحلة دائرة الابتداع، فلم يعد التكلف مقصورًا على السلوك فقط، بل تعداه إلى الاعتقاد، وهذا ما كان سببًا لظهور ألوان أخرى من البدع فتحت بابًا كبيرًا من الشر، حتى داخل الاعتقاد من أنواع الكفر والإلحاد ما الله به عليم، وكل ذلك كان خلف ستار مصطلح التصوف.\nوكان مالك بن دينار (١)، ورابعة العدوية (٢)، من كبار رواد التصوف في هذه المرحلة. (٣)\nوهذا ما نبه إليه الكثير ممن اعتنوا بدراسة التصوف والمراحل التي تطور بها، ففي كتاب الحياة الروحية في الإسلام، ذكر أن أول من نقل الزهد إلى التصوف بمعناه الخاص هي رابعة العدوية (٤).\nولعل المتأمل لكلام ابن الجوزي السابق يلحظ هذا بوضوح، فالتدرج في الألفاظ على فترات متتالية يوحي إلى هذا التطور الذي حصل للتصوف.\nوكما سبق وأن أشرت كانت هذه المرحلة المتوسطة بوابة للمراحل الخطيرة والتي دخلت فيها النظريات الفلسفية التي تناقض الإسلام تمامًا بل وتعارض أسس العقيدة\n_________\n(١) هو أبو يحيى مالك بن دينار البصري، كان من الزهاد وعباد الصوفية الذين ظهر منهم بعض البدع، فقد ذكر في ترجمته أنه كان يأخذ الوعظ من التوراة وهذا مما لا ينبغي مع وجود الهدى المعصوم. توفي سنة: ١٣١ هـ. انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ١٣٩).\n(٢) هي رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية ولدت عام: ٩٥، وعاشت ثمانين سنة، كانت زاهدة عابدة، إلا أنها أول من خرجت ببدعة العشق الإلهي في الإسلام، فقد نقل عنها أنه كانت تقول:\nأحبك حبين: حب الهوى ... وحبًا لأنك أهل لذاك\nفأما الذي هو حب الهوى ... فذكر شغلت به عن سواك\nأما الذي هو أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراك\nولا يخفى ما في هذه الأبيات من سوء استعمال الألفاظ في مناجاة المولى ﵎ وكانت دائمًا تقول أنها لا تعبد الله خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته بل فقط من أجل حبه، وهذا كله ما ترده الآيات والسنن وأحوال الرسل قبل عامة الناس، قال تعالى في حال صفوة رسله وأنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. انظر في ترجمتها في وفيات الأعيان: (٢/ ٢٨٥)، سير أعلام النبلاء: (٨/ ٢٤١).\n(٣) انظر: الصوفية نشأتها وتطورها، للشيخ: محمد العبدة وآخرون: ١٩.\n(٤) رابعة العدوية: ١٠٥.","vol":"1","page":662},{"text":"فيه من الأصل، وكان من أقطاب هذه المرحلة: الفيلسوف ابن عربى الطائى، وابن الفارض.\nفقد تأثر الاتجاه الفكرى في المجتمع المسلم بالمترجمات الفلسفية على مختلف أنواعها، فإذا كان علم الكلام مع ما فيه من المصطلحات الفلسفية كالجوهر والعرض وغيرها نتاجًا لاحتدام الصراع بين الفلسفة والمتأثرين بها من المسلمين، كان في المقابل علم التصوف وجهًا آخر ظهر فيه أثر ذلك الانحراف الفكرى الناتج عن التأثر بالفلسفة، ولكن خطورته فاقت جميع صور التأثر الفلسفى بأجمعها، حيث خرج التصوف في هذه المرحلة بأفكار كفرية ترتدى ثوب الإسلام لتقتلع جذور العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة من قلوب بعض المسلمين، ولعل تفسير ابن عربى لكلمة التصوف يعد أكبر دليل على ذلك حيث عرفه بأنه: الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا وهى الخلق الإلهية، فهذا التعريف في الحقيقة مستمد من معنى الفلسفة التي عرفت بأنها: التشبه بالإله على قدر الطاقة.\nومن هنا نشأت العقيدة الضالة وهى القول بوحدة الوجود، والتى ترمى إلى عدم التفريق بين الخالق والمخلوق، وتدعى أن عين الوجود واحدة، وتأتى كتب ابن عربى الضال في الدرجة الأولى لتأصيل هذا الفكر المنحرف البعيد، المستمد من بطون كتب الفلسفة الإشراقية على الخصوص.\nولم تكن الفلسفة هي المؤثر الوحيد في الفكر الصوفى، فقد تأثر بروافد غريبة أخرى لا تقل خطرًا عن الفلسفة من حيث ما نتج عنها من انحراف خطير لا يمت إلى الإسلام بصلة: \"منها نزعة الزهد عند فقراء الهندوس (١)، وغنوصية (٢) مصر\n_________\n(١) الهندوسية ديانة الهنود الوثنية، يعتنقها معظم أهل الهند، وقد تشكلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر، وتقوم هذه الديانة على معتقد التثليت الذي يعد من أبرز سمات المعتقدات الوثنية، فبراهما وفشنو وسيفا آلهة ثلاثة في إله واحد، ومع ذلك فليس يمنع حصر الألوهية عندهم في تلك الآلهة الثلاثة من امتداد ذلك المفهوم ليعم جميع رجال الدين الهندوس الذين يعتقد فيهم القداسة لكونهم خلقوا من رأس براهما الإله الأب، ومع إخلاص الهندوس في التأله والعبادة والتأمل، فإن الأمل يبقى في إمكان تخلصه من رسوم البشرية ليحيى في عالم الإلهية بعد الموت، وبهذا تجد عقيدة وحدة الوجود عند الهندوس منزلة ثابتة تحمل الهندوس على تحريم قتل الحيوانات ذات الأرواح مهما كانت أنواعها. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ٥٣١، وانظر: المعجم الموسوعي للديانات والعقائد: (٣/ ٩١٢).\n(٢) الغنوصية مذهب قائم على أن المعرفة هي الطريق إلى الخلاص، حيث أن الأرواح لا بد لها حتى تعود إلى عالمها الخير النوراني أن تتخلص من عالم الظلمة والحس بتلقي المعارف الإشراقية من مخلص يكون له القدرة على تلقيها من عالم الخير. انظر: المعجم الموسوعى: (٢/ ٦٢٠).","vol":"1","page":663},{"text":"والشام، وبحوث الأفلاطونية الجديدة (١) عند اليونان المتأخرين، وتأثير الرهبان المسيحيين المنتشرين في جميع بلاد المسلمين. . .\nوقد ازدهرت حركة التصوف في بلاد الفرس بنوع خاص، ولعل سبب ازدهارها فيها قربها من بلاد الهند، كما ازدهرت في جنديسابور بتأثير الديانة المسيحية، وتقاليد الافلاطونية الجديدة التي وضعها فلاسفة اليونان بعد أن فروا من أثينة إلى فارس عام ٥٢٩ م\". (٢)\nوقد ساق الباحثون في هذه المجال عددًا من الشواهد والأدلة، التي تؤكد حقيقة هذا التأثر، فبالنسبة للتأثر بالمسيحية، يعد استعمال الصوف الذي كان سببًا في نسبة الصوفية إليه أحد تلك الدلائل، ولعل في استعمال الخرقة كدلالة على التمسك بالطريقة، والتسبيح بالمسابح وما تخلق به الصوفية من العزوف عن الزواج والانقطاع في الخلوات ما يوثق القول بذلك التأثر.\nأما عن التأثر بأديان الهند: الهندوسية والبوذية (٣)، فأظهر ما يمكن أن يكون\n_________\n(١) نسخة من الفلسفة الأفلاطونية التي تقوم على أساس اعتقاد أن كل هذه الموجودات ما هي إلا ظل خادع لحقائقها الثابتة في عالم المثل، وأنه حتى تتمكن الروح من الصعود إلى النموذج الأصلي لا بد لها من الحب المطهر الذي يكون بالتخلي عن جميع الشهوات الصارفة، انظر: المعجم الموسوعي، الدكتور سهيل زكار: (١/ ١٠١).\n(٢) قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة: محمد بدران: (١٣/ ٢١٤).\n(٣) ديانة ظهرت في الهند بعد الديانة البرهمية في القرن الخامس قبل الميلاد، تقوم على اعتقاد أن بوذا هو ابن الله وأنه هو المخلص للبشرية من كل مآسيها وأتعابها، فقد نظر بوذا إلى الحياة نظرة متشائمة وازدرى كل ما فيها من الملذات لأنها فانية ومشوبة بالكدر واعتقد أن الخلاص الحقيقي يكون بتطير الذات من إرادة الملذات الدنيوية، وإذا تم له ذلك فإنه يستحق الخلاص، وحتي يتم له ذلك فإنه يدعو إلى الخير والبذل والتسامح والقناعة والتأمل. انظر الموسوعة الميسرة: ١٠٧.","vol":"1","page":664},{"text":"دليلًا صادقًا على ذلك: المقامات في الفكر الصوفي خصوصًا ما يتعلق منها بمعرفة الله إن صح التعبير كالفناء والبقاء حيث يجتهد الهندوسي من أجل الخلاص من كل ما يمكن أن يعيق تحرره للوصول إلى النرفانا.\nوتعني النرفانا تصفية النفس من كل متعلقاتها الشهوانية حتى تصل إلى مرتبة الاتحاد، فلا تعود مرة أخرى بعد الموت ملبسة بعقاب التناسخ الذي يحكم عليها بالحياة مرة أخرى في قيود الأجسام والشهوات (١)، وقد لا تتفق تمامًا حقيقة المعتقد، إلا أن التشابه واضح جدًا في جعل إشباع الحاجات البشرية من الطعام والشهوات ولو بصورة مباحة عائقًا من الخلاص، كما أن الغاية التي يرنو إليها الصوفي - الغالي - وهي الوصول إلى الفناء الوجودي، كبيرة الشبه بأمنية الهندوسي في الاتحاد.\nوكان التأثر بالفكر اليوناني الأفلاطوني أحد العوامل التي لعبت دورًا خطيرًا في التنظير لفكرة الفيض والإشراق، والتي تبلورت عند السهروردى المقتول وابن عربي الطائي. (٢)\nومهما قيل عن التأثير الفارسي في مذهب الإشراق، إلا أن رواسب الفكر الأفلاطوني في ذلك المذهب لتؤكد وبطريقة حاسمة أن هذا المذهب هو استمرار للفلسفة اليونانية بالصورة الأفلاطونية المتأثرة بتيارات الفكر الفلسفي التلفيقي، الذي راجت تعاليمه عند السريان، وانتقلت على هذه الصورة إلى المسلمين في عصر الترجمة.\nيؤكد هذا أن \"نظرية المتصوفين في الكشف والشهود إنما هي أفلاطونية حديثة في صميمها، وكذلك نظريتهم في المعرفة التي هي ترجمة لكلمة غنوص اليونانية، وفي النفس وهبوطها إلى هذا العالم، وفي العقل الأول والنفس الكلية، بل إن الفيوضات كلها مستمدة من مصادر أفلاطونية حديثة مع قليل أو كثير من التحوير\"\n_________\n(١) انظر: أديان الهند، محمد ضياء الرحمن الأعظمي: ١٢٤.\n(٢) انظر: تاريخ التصوف الإسلامي، عبد الرحمن بدوي: ٤٢.","vol":"1","page":665},{"text":"\"ولتوثيق هذه الحقائق تجدر الإشارة إلى أهم المؤلفات الأفلاطونية التي تم لها الترجمة فعرفها المسلمون في أواخر القرن الثالث الهجري، وكانت ملأى بهذه الأوهام الفلسفية، وهي: كتاب أثولوجيا أرسطاطاليس بمعنى: قول في الربوبية. وكتاب الإيضاح في الخير المحض، وكتب أحد القساوسة الذين تنصروا على يد بولس بعنوان: الله المقدس. (١)\nولما انحرف مصدر التلقي عند الصوفية، وصار سبيل المعرفة عندهم هو ما يتوصل إليه بالوجد والذوق والكشوف، اضطربت لديهم المفاهيم حول أصول العقيدة وقد \"تجلى ذلك واضحًا في تفسير الولاية والنبوة والوحي ومعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء\" حتى لا يكاد \"يختلف في ذلك الصوفية المسمون بصوفية أهل السنة عن الصوفية الإشراقيين، أو ممن سموا بالصوفية المتفلسفين\" (٢)\nولعلي أفصل الحديث في هذه المهمات فيما بعد، ويكفيني هنا أن أشرت إلى بطلان القول بأن ما انتهى إليه التصوف مستمد من الكتاب والسنة، كما قرر ذلك الصاوي.\nفإذا اتضح هذا فإنه من العجب أن يدعى الصاوي نقل علم الباطن والذي يقصد به التصوف عن النبي - ﷺ -، فأي باطن هذا الذي نقل عنه، وإذا كان حقًا ما يقول فلماذا لم يظهر أثره على الصحابة الكرام؟ مع ما عرف عنهم من شدة المحبة له - ﵊ - والتمسك بسنته واقتفاء أثره، حتى روى عن بعضهم أنه كان يقلده في مشيه وأكله وجلسته، كل ذلك رجاء الثواب الموعود به في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.\nوهذا ما يقال أيضًا في الوجه الآخر من محاولته تأصيل علم التصوف من جانب الشرع، حيث ادعى أن واضعوه هم الآخذون عن النبي بالسند المتصل، فأي سند\n_________\n(١) انظر: أضواء على التصوف، لطلعت غنام: ١٠٤.\n(٢) التصوف الإسلامي، إبراهيم هلال: ٣٣.","vol":"1","page":666},{"text":"هذا الذي نقل لنا ما اعتمده المتصوفة من بدعهم المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا في الحقيقة يرجع إلى اعتقاده استمداده من الكتاب والسنة الصحيحة. ولمخالفة كلام الصاوي في هذا صريح المأثور عن النبي فإنه يحاول أن يستخرج من معاني القرآن والحديث، ما يؤيد به موقفه التأصيلي للتصوف، فنراه يستخدم الإشارة والتأويل المنافي للتفسير بالمأثور من أجل تقرير تلك المعتقدات الصوفية، وسيأتي بيانها تبعًا للمباحث المتعلقة بآرائه السلوكية، فالطريقة وميثاق الشيخ مع المريد، كلها مما حاول تأصيله بهذا السبيل المبتدع.\n* * *","vol":"1","page":667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>(المبحث الثاني): آداب التصوف</span>\nإن تحقيق كمال التعلم إنما يكمن بحسن التلقي، إذ الحاجة إلى الاقتداء في تحصيل العلم من الضروريات المتفق عليها، ولهذا كان اتباع النبي - ﷺ - بالتأسي به من أعظم مقتضيات الإيمان برسالته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\nوقد شرع ذلك التأسي؛ لأن الغاية من البعثة وهي تحقيق العبودية بالتزام مراضي الرب، واجتناب مساخطه، يصعب إمكان تحققها دون وجود الأسوة، التي تقوم بترجمة هذه الشرائع الربانية إلى واقع حي، يمثل الأنموذج الصادق الذي يتطلع إليه بعين الاقتداء والاتباع.\nومن هنا أنيط صدق الرجاء في نيل الثواب؛ بحسن اتباع النبي - ﷺ -، والتأسي به في جميع الأقوال والأفعال، وكان هذا الأصل في الدين أحد الدعائم التي قامت عليها الشريعة جملة وتفصيلًا.\nفصار اتباعه - ﵊ -، هو دليل محبة الله تعالى، التي هي أساس العبودية وخالص لبها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.\nولما كان النبي - ﷺ - هو المتكفل بالتبليغ عن الله تعالى بتلقيه الوحي، وكان قد تكفل الله تعالى له بالعصمة، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، كان - ﵊ - هو المنفرد بتمام الاقتداء، وكمال الاتباع وليست هذه المنزلة في الاتباع إلا للنبي - ﷺ -، وحقيقة هذا طاعة لله تعالى والتزام مراضيه، حتى أناط الحق تعالى حقيقة الإيمان به بالتزام شرعة نبيه - ﷺ -، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا","vol":"1","page":668},{"text":"يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nوهذه الحقيقة باقية ببقاء الدين وحفظه، ومع الحاجة للأسوة في تلقى علوم الشريعة والتأدب بآدابها بعد وفاة النبي - ﷺ -، فإن القيام بهذه المهمة هو من دأب ورثته، وهم العلماء العاملون، ربانيوا هذه الأمة، وكلما تحقق صدق الاتباع منهم للنبي في أقواله وأفعاله؛ كلما تأكد قيامهم بهذه المهمة، ومن ثم وجبت لهم حقوق التأدب من آحاد المسلمين.\nوتوضيحه أن مشيئة المولى ﵎ قد قضت أن بقاء هذا الدين منوط بحفظ أتباعه له، حيث كان الحفظ في الصدور هو المصدر المعول عليه في تلقى علوم الشريعة بدأً بالقرآن الكريم، وانتهاءً بسنة النبي - ﷺ -، ومع كتابة الصحابة للقرآن في وقت متقدم، إلا أن الحاجة لتلقيه بطريق المشافهة ما زالت قائمة إلى يومنا هذا.\nومن جهة أخرى، فإن من أهم مقومات التربية السليمة توفر المربى المحافظ الملتزم أمر نبيه؛ مما يؤدى إلى تحقيق مبادئ الإسلام وقيمه، وذلك بغرسها في نفوس المؤمنين، وقد فطن أوائل المسلمين إلى أهمية هذا الأصل فاجتهدوا في تحرى المشايخ للتلقى عنهم، ومن ثم القيام بحقوقهم من التأدب والاحترام، وحكاية ذلك من أخبارهم مما يطول المقام باستقصائها.\nومن ذلك ما حكى عن ابن عباس - ﵄ - من اجتهاد في تحصيل العلم واحترام أهله، فقد: \"أمسك ابن عباس - ﵄ - بركاب زيد بن ثابت - ﵁ -، فقال: تمسك ركابى وأنت ابن عم رسول الله - ﷺ -؟، قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء\" (١)\nولم يكن يحملهم تيقنهم بأهمية الشيخ، وارتباط تلقى العلم بشخصه؛ على\n_________\n(١) طبقات الفقهاء للشيرازي: ٤٦.","vol":"1","page":669},{"text":"الوقوع في الغلو المنهي عنه، بل كانوا على يقين بأن العصمة لا تكون لأحد بعد الأنبياء والرسل، فالعلاقة إذًا وثيقة بين محبة الشيخ وتعظيمه، وبين الاعتراف ببشريته ومحدودية قدراته، ولهذا فلم يؤثر عنهم هذه المزاعم التي يدعيها الصوفية.\nفعند مطالعة أقوال الصوفية في آداب تلقى العلم؛ نجد البون شاسعًا بين ما كان عليه السلف الصالح، وما وصل إليه غلاتهم، ومرجع هذا الانحراف هو المنهج الخاطئ في التلقي، حيث اعتقدوا في مشايخهم الكمال فأخذوا عنهم دون رد إلى النصوص، فأدى بهم ذلك إلى الوقوع في الاضطراب، ويحتج البعض لمشروعية التأسي بهم بما كان عليه الصحابة الكرام مع رسول الله - ﷺ - من تمام المتابعة، فلا يرون فرقًا بين مقام النبي ومقام الشيخ. (١)\nولعلي أذكر طرفًا من أقوالهم، حتى يتبين مجمل أصول اعتقادهم في هذا الباب:\n١ - حصر التلقي: يرى الصوفية أن الطالب إذا عقد عهدًا مع شيخ رأى فيه ما يطلبه من العلوم والآداب؛ أن ذلك العهد يقضي بوجوب التزامه، ومن أهم ما يستلزمه الاكتفاء به في التلقي، فيمتنع عليه أن يجالس غير شيخه (٢)، يقول ابن عربي: \"اعلم أنه لا يجوز لمريد أن يتخذ له شيخًا إلا واحدًا، فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين، ولا المكلف بين رسولين، . . .، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين\" (٣)\n٢ - الطاعة التامة: من أهم آداب التصوف المتعلقة بالطالب، وأبرزها مكانة: طاعة الشيخ، والتزام أمره التزامًا تامًا، بحيث يقبح من الطالب الاعتراض ولو بسؤال الكيف، يحكى المناوي في طبقاته عن أحد كبارهم؛ أنه عرف التصوف بهذا الأدب، فقال: \"التصوف الإعراض عن الاعتراض، فمن قال لشيخه: لمَ؟ لم يفلح أبدًا\" (٤)\n_________\n(١) انظر: مقدمة تحقيق كتاب الآداب المرضية لسالك الصوفية، للشيخ البوزيدى: ١٧.\n(٢) انظر: الأنوار القدسية في القواعد الصوفية: ٩٣.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) الكواكب الدرية: (١/ ٥٨٩).","vol":"1","page":670},{"text":"ويحذر الشعراني كل من سولت له نفسه الاعتراض على الشيخ من الوعيد الذي ينتظره في الدنيا قبل الآخرة، فيقول: \"من أضر شيء على المريد الصادق اعتراضه على أحوال الرجال، ومن ابتلاه الله تعالى بذلك فلا بد أن يموت قبل أجله ثلاث موتات: موت بالذل، وموت بالفقر، وموت بالحاجة إلى الناس، ثم لا يجد من يرحمه منهم\" (١)\nومبالغة في تأصيل هذا الالتزام، فإنهم يرون في البيعة المنعقدة بين الطالب والشيخ ما يحمل على اتحاد متعلق إرادته بإرادة شيخه، فـ \"من شروط المريد أن لا تكون له إرادة، بل يكون مع الشيخ على ما يريده الشيخ، فهو مريد لما يريده الشيخ وتارك لإرادة ما سواه\" (٢)\nوفي الاستدلال لهذا الرضوخ والانطراح بين يدي الشيخ، يقول الغزالي في أدب المتعلم: \"ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم فليقلده وليدع رأيه، فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه. .\nوقد نبه الله تعالى بقصة الخضر وموسى - ﵉ -، حيث قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]، فشرط عليه السكوت والتسليم، حيث قال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] \" (٣). فـ \"المريد مع الشيخ كالميت مع الغاسل، وكذلك كان الصحابة - ﵃ - مع النبي - ﷺ -\" (٤).\n٣ - المبالغة في تعظيم الشيخ وإجلاله؛ وهذا كثير في كلام الصوفية، فمن الآداب التي يجب على الطالب التزامها ألا يكثر الجلوس مع الشيخ، وأن لا يكثر الضحك معه، وأن لا يكثر النظر في وجهه، وأن لا يجلس في موضع الشيخ،\n_________\n(١) الأنوار القدسية: ١٧٥.\n(٢) السمط المجيد في شأن البيعة والذكر، للشيخ أحمد الأنصاري القشاشي: ٤٤.\n(٣) إحياء علوم الدين: (١/ ٥١٣). وانظر: الرسالة القشيرية: ٣٣٣.\n(٤) الآداب المرضية: ٢٩٧.","vol":"1","page":671},{"text":"وبالجملة فإن لهم في هذا المقام من التفاصيل ما يصعب استقصاؤه، ومرد هذا إلى غلوهم في اعتقاد كمال الشيخ، حتى قام كثير منهم بإضفاء هالة من القداسة عليه وذلك باعتقاد أنه الواسطة بين العبد وبين الرب، فلا يمكن للعبد الوصول إلى الله إلا بطريق شيخه ورضاه عنه.\nفالشيخ عند السالك من الصوفية: \"واسطة بينه وبين الله، ولا يصير واسطة حتى يكون ظاهره عبودية محضة، وباطنه حرية يقابل العبيد بظاهره، ويمدهم بباطنه، فيأخذهم، ولولا ظاهره ما عرف باطنه، ولولا باطنه ما عرف ظاهره، ولكان مثل عامة الناس\". (١)\nوتتنوع ألفاظ الصوفية في التعبير عن هذه المسلمات، وقد يميل بعضها إلى الغلو المصرح به كما هو في النص السابق، وقد يلمس فيه نوع من الاعتدال ولكن دون أن يخرج عن هذه الأسس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيعرض الصاوي لبيان آداب التصوف، متبعًا بذلك ما تعارف عليه أصحاب هذا المسلك من وجوب الالتزام بآداب وتعاليم معينة، لا يمكن بدونها للسالك أن ينخرط في مسلك التصوف، إذ يعد الإخلال بها خروج عن مقتضى الانضمام إلى أصحاب هذه الطريقة، بل ومما يقدح في العدالة على أقل درجات العقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>أهمية اختيار الشيخ:</span>\nلما كان من المقرر المعهود عند الصوفية أن هذا العلم لا يتأتى تعلمه والتحلي به إلا بطريق الشيخ؛ بين الصاوي العلاقة بين موضوع هذا العلم وهو الأخلاق والسلوك؛ وبين المتلقى عنهم من مشايخ الصوفية، وذلك من حيث كونهم القدوة الحية التي يحسن بها الوصول إلى ثمرة العلم، وهي صلاح الأعمال والسلوك،\n_________\n(١) المرجع السابق: ٢٨٢.","vol":"1","page":672},{"text":"يقول: \"ولا يدل على الأخلاق المحمدية إلا الأشياخ العارفون بربهم، فمن أراد السلوك والوصول، فليلزم عارفًا كاملًا على الكتاب والسنة، فيوزنه قبل الأخذ عنه، فإن وجده كاملًا على القدم المحمدي فليطلب رضا الله في رضاه، ويعتقد أنه أكمل أهل عصره، ولذلك قال العارفون: حال رجل في ألف رجل، أنفع من وعظ ألف رجل في رجل.\nومن هنا تأكدت أهمية اختيار الشيخ، وفقًا لما يتأتى به الاتساء بالأخلاق المحمدية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>صفات الشيخ:</span>\nويعرض بعد ذلك أهم ما يجب أن يتصف به الشيخ من الجانب السلوكي، حيث يعلل وجوب اتصافه بالحلم، كصفة من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المربي، قائلًا: \"لأنه جامع لأوصاف الخير\"، وذلك حتى يكون منه \"التحمل لمشاق عباد الله، والصبر على آذاهم، فلا يستفزه الغضب مع التكثير بالإخوان، إلا فيما يغضب الله\".\nومع تحقق اتصاف الشيخ بهذا الخلق الفاضل؛ فإنه يرى وجوب التزامه بالسير على منهج صحيح، يتفق مع ما كان عليه النبي - ﷺ -، يقول: ويجب مع هذا أن يكون: \"تابعًا للحق: أي للدين القويم، مستمسكًا بأوامره، مجتنبًا لنواهيه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (١) \".\nأما عند انعدام من يستحق الاتباع والاقتداء؛ فإن الصاوي يوصي بالإكثار من الصلاة على النبي - ﷺ -، يقول بعد بيان قضايا التصوف الأساسية: \"هذا الذي أبديته لك لا يؤخذ إلا عن سالك الطريق، البالغ الكمال، الآخذ عن الرجال، بالجد والاجتهاد، فإن لم تجد كاملًا، فالزم الصلاة على الحبيب المصطفى، فإنها شيخ من لا شيخ له\". (٢)\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٦٩.\n(٢) حاشية الصلوات: ٨٦.","vol":"1","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>آداب السلوك:</span>\nعند انخراط الطالب في سلك التصوف على يد شيخ معتمد؛ فإنه يؤكد على وجوب التزامه بآداب معينة، اشتهر كلام الصوفية فيها، يقول: أما الآداب \"فهي كثيرة جدًا فنقتصر منها على المهمات:\nبعضها يتعلق بحق الشيخ، وبعضها يتعلق بحق الإخوان الذين معه في الطريق، وبعضها يتعلق بحق العامة، وبعضها يتعلق بحق نفسه\".\n- وهو إذ يؤكد على وجوب الالتزام بهذه الآداب؛ فإنه يرجع حقيقة استمدادها إلى آيات الكتاب الحكيم، مستندًا إلى التفسير الإشاري، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]: \"هذه السورة جمعت آدابًا ظاهرية وباطنية، وأوامر ونواهي ظاهرية وباطنية عامة وخاصة، فهي متضمنة لطريقة الصوفية التي من تمسك بها وصل\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>أولًا: ما يتعلق بآداب اختيار العلم:</span>\nيرى الصاوي وجوب مراعاة الأولوية في طلب العلوم، حيث يعتقد أن هذا العلم مما يتحلى به، فلا يصح قصده إلا بعد الإلمام بالعلوم الأساسية من الدين الإسلامي، يقول في ذلك: وهذا العلم \"لا يكون إلا بعد معرفة الأحكام الفقهية التي بها تصح عبادته، ولذا قيل: من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف وتفقه فقد تحقق\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>ثانيًا: الآداب المتعلقة بحق الشيخ:</span>\n١ - تعظيمه وتوقيره ظاهرًا وباطنًا، وعدم الاعتراض عليه في شيء فعله، ولو كان ظاهره أنه حرام، ويؤول ما أنبههم عليه.\nويؤصل لهذه الركيزة في المعتقد الصوفي من أدلة الكتاب والسنة، حيث يستخدم في ذلك طريقة التفسير الإشارى للوصول إلى تحقيق هذه المعاني المرادة عند\n_________\n(١) المرجع السابق: (٤/ ١٠١).","vol":"1","page":674},{"text":"الصوفية، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣] عهد الله هو: الامتثال بالمأمورات واجتناب المنهيات، والدال على ذلك تجب مطاوعته، فالشيخ المتمسك بشرع رسول الله القائم بحقوق الله وحقوق عباده إذا أخذ العهد بذلك على إنسان وجب عليه اتباعه، ونقض عهده إما كفر، إذا قصد نقض ما هو عليه من التوحيد وغيره، أو ضلال مبين إذا قصد عدم الالتزام بأوراده\".\nوقد يقع في نوع من التناقض حين يرى أن في مخالفة الشرع ما يوجب نقض عهده، يقول: \"وأما من خالف الشرع واتبع هوى نفسه فالواجب نقض عهده، لأن من لا عهد له مع الله لا عهد له مع خالقه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] \" (١).\nوقد أشار إلى هذا المعنى أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، يقول: \"وهذه الآية وإن كان سبب نزولها بيعة الرضوان، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، فيشمل مبايعة الإمام على الطاعة والوفاء بالعهد، ومبايعة الشيخ العارف على محبة الله ورسوله والتزام شروطه وآدابه، ومن هنا استعمل مشايخ الصوفية هذه الآية عند أخذ العهد على المريد\" (٢)\n٢ - ولا يلتجئ لغيره من الصالحين.\n٣ - ولا يزور صالحًا إلا بإذنه.\n٤ - ولا يحضر مجلس غيره.\n٥ - لا يستمع ممن سواه حتى يتم سقيه من ماء سر شيخه.\n٦ - ولا يقعد وشيخه واقف.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ٢٥٦).\n(٢) المرجع السابق: (٤/ ٩٣).","vol":"1","page":675},{"text":"٧ - ولا ينام بحضرته، إلا بإذنه في محل الضرورات.\n٨ - ولا يكثر للكلام بحضرته، ولو باسطه.\n٩ - ولا يجلس على سجادته، ولا يسبح بسبحته، ولا يجلس في المكان المعد له.\n١٠ - ولا يفعل فعلًا من الأمور المهمة، إلا بإذنه.\n١١ - ولا يمسك يده للسلام وهى مشغولة بشيء، بل يسلم عليه بلسانه، ولا يمشى أمامه، ولا يساويه في مشيه، إلا بليل مظلم، ليكون مشيه أمامه صونًا له.\n١٢ - وأن لا يذكره عند أعدائه.\n١٣ - وأن يحفظه في غيبته كحفظه في حضوره، وأن يلاحظه بقلبه في جميع أحواله، \"إن ملاحظته ترد الشيطان عنه\".\n١٤ - ويرى كل نعمة وصلت إليه من بركته.\n١٥ - وأن لا يعاشر من كان الشيخ يكرهه.\n١٦ - وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه.\n١٧ - وأن يحمل كلامه على ظاهره؛ فيمتثله إلا بقرينة صارفة عن إرادة الظاهر.\n١٨ - وأن يلازم الورد الذي رتبه، فإن مدد الشيخ في ورده؛ فمن تخلف عنه حرم المدد.\n١٩ - وأن يقدم محبته على محبة غيره، ما عدا الله ورسوله، فإنها مقصودة بالذات، ومحبة الشيخ وسيلة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>الآداب المتعلقة بجماعة الطلاب:</span>\n١ - فأن يكون محبًا لهم.\n٢ - ولا يخص نفسه بشيء دونهم، ويحب لهم ما يحب لنفسه.\n_________\n(١) حاشية الخريدة: ٧٦.","vol":"1","page":676},{"text":"٣ - ويعودهم إذا مرضوا، ويسأل عنهم إذا غابوا.\n٤ - ويبتدرهم بالسلام وطلاقة الوجه.\n٥ - وأن يراهم خيرًا منه، ويطلب منهم الرضا.\n٦ - ولا يزاحمهم في أمر دنيوى، بل يبذل لهم ما فتح عليه به، وأن يوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويتعاون معهم على حب الله، وليجعل رأس ماله مسامحة إخوانه، يخدمهم ولو بتقديم النعال لهم.\nوأما الآداب التي تتعلق بالعامة:\nفالتواضع، وبذل الطعام، وإفشاء السلام، والصدق معهم في جميع الأحوال.\nوأما الآداب التي تتعلق بالطالب:\n١ - أن يكون مشغولًا بالله، زاهدًا فيما سواه.\n٢ - غاضًا عن المحارم، ليس للدنيا عنده قيمة، تاركًا لفضول الحلال، كالتوسعة في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب، مقتصرًا على قدر الكفاية.\n٣ - مديمًا الطهارة، لا ينام على جنابة.\n٤ - ولا يفضى بيده إلى عورته، إلا في ضرورته، ولا يكشف عورته ولو بخلوة.\n٥ - ولا يطمع فيما في أيدى الناس.\n٦ - يحاسب نفسه على الدوام.\n٧ - لا يأكل إلا حلالًا وهو ما جهل أصله.\n٨ - يكابد نفسه عن النظر إلى الصور الجميلة: من النساء والأحداث، فإن تلك قواطع عن الله تسد باب الفتح أجارنا الله من ارتكابه.\n٩ - ويطالع كتب القوم: ككتب سيدى عبد الوهاب الشعرانى \"فإنها تعلم الآداب\". (١)\n_________\n(١) حاشية الخريدة: ٧٦ - ٧٧.","vol":"1","page":677},{"text":"- أما عن نتيجة التزام هذه الآداب، والحرص على الإتيان بمقتضاها؛ فإنه يرى أن الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] تفيد \"معنى إشارى للصوفية، وهو: أن العباد لو حصلت منهم استقامة على الطريقة، بالانهماك في مرضات الله تعالى، لملأ الله قلوبهم بالأسرار والمعارف والمحبة الشبيهة بالماء، في كونها حياة الأرواح، كما أن الماء حياة الأجسام، فيحصل لهم بسبب ذلك الفتنة فيه بأن يسكروا ويطربوا ويدهشوا، ويخرجوا عن الأهل والأوطان، فالاستقامة سبب للرزق الظاهر والباطني\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>المناقشة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>أولًا: مكانة علم التصوف بين العلوم:</span>\nلقد حاول الصاوي التوسط في مكانة التحلي بالآداب الصوفية، حيث أكد على أهمية تعلم العلوم الشرعية قبل الآداب، ولكنه وقع في نوع من التحكم حين جزم بأن من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، وذلك لأن مؤدى هذا طعن في السلف الصالح من الصحابة - رضوان الله عليهم - وكبار الأئمة والعلماء، الذين لم يكن الهم علاقة بالصوفية من قريب أو بعيد.\nوإذا كان قد سبق بيان ما جزم به من أن التصوف هو علم أحوال القلوب، وأن واضعه هو النبي - ﷺ -، فلا عجب إذا من هذا الذي ذهب إليه هنا، وتبقى مناقشته في حقيقة هذا الادعاء؛ هل التصوف حقًا مما دل عليه الكتاب والسنة، أم لا؟ . وقد تقدم تفصيل هذا في المبحث السابق، ويكفي هنا أن أؤكد على أن وجود الانحراف الخطير في الفكر الصوفي خصوصًا عند المتأخرين منهم، يقطع بتأثره بل واندماجه في كثير من علومه بالفلسفات الخارجة، وبقايا الديانات المنحرفة، ومن كل هذا فلا سبيل أبدا إلى موافقته على تلك المقولة، بل الحق أحق أن يتبع، وما دام أن المولى ﵎ قد حفظ لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل الخير\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٤/ ٢٤٢).","vol":"1","page":678},{"text":"معقودًا فيما أثر عن النبي - ﷺ -، فلسنا بحاجة لهذه العلوم الدخيلة التي تحمل من الضرر ما يربوا على المصلحة منها.\nومن جهة أخرى فما حقيقة هذا العلم الذي إذا أخذ قبل التعمق في الدين كان مؤداه إلى الزندقة؟ إن هذا إقرار من الصاوي على خطورة هذا العلم الذي قد يصل بصاحبه إلى مدارج الكفر، ولعل في هذا ما يجزم ببطلان دعوى استمداده من الكتاب والسنة، كيف والمولى تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].\nفليس في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يفضي بأي وجه إلى ما يخالف شرائعه المطهرة، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: \"فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله، فهو يقول الحق ويأمر بالعدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ \" (١).\nوعليه فإن في هذه المقولة من التناقض ما لا يخفى، وكفى بها بيان للاضطراب الذي وقع فيه فقهاء الصوفية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>ثانيًا: صفات الشيخ:</span>\nهذا وقد أكد الصاوي على وجوب اختيار الشيخ الكامل، وعمدته في استحقاق وصف الكمال اتباعه لمنهج الكتاب والسنة، واقتفاؤه أثر النبي - ﷺ - ولا شك أن هذا أصل عظيم في صحة التلقي والتربية الصحيحة، فقد أمر النبي - ﷺ - أصحابه بالاقتداء به، وحذر أيما تحذير من مخالفة أمره، فعن العرباض بن سارية قال: \"وعظنا رسول الله - ﷺ - يومًا بعد صلاة الغداة؛ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا\n_________\n(١) مدارج السالكين: (٣/ ٤٢٥).","vol":"1","page":679},{"text":"رسول الله؟ قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بري اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة؛ فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (١)\nوفي حديث ثوبان - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) (٢)، والضلال مخالفة ما أتى به النبي - ﷺ - اتباعًا للهوى.\nويقول الإمام النووي في وجوب استواء حال الشيخ في دينه وتقواه: \"ولا يتعلم إلا ممن تكملت أهليته، وظهرت ديانته وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين، ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم\" (٣).\nكما أكد الصاوي أيضًا على وجوب تخلق الشيخ بالخلق الفاضل من الحلم والرفق، وهذا أيضًا من عظيم أصول التعليم، فقد كان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رءوفًا، قال فيه من أدبه فأحسن تأديبه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال في معرض امتنانه عليه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nوقد تابع الصحابة رضوان الله عليهم - نهج نبيهم في حسن تربية أتباعهم بالصبر والرفق واللين فـ \"عن ابن عباس - ﵄ -، قال: أكرم الناس على جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلى، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت، وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني\" (٤)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب العلم عن رسول الله - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، رقم الحديث: ٢٦٧٦. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح: (٥/ ٤٣). وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ٢١٥٧: (٢/ ٣٤٢).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الفتن عن رسول الله - باب ما جاء في الأئمة المضلين، رقم الحديث: ٢٢٢٩. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح: (٤/ ٤٣٧). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: ١٨١٧: (٢/ ٢٤٦).\n(٣) آداب حملة القرآن: ٣٧.\n(٤) آداب حملة القرآن: ٣٢.","vol":"1","page":680},{"text":"فعن أبي سعيد الخدري أنه كان يقول لمن يأتيه طالبًا العلم: \"مرحبًا بوصية رسول الله - ﷺ -، إن النبي - ﷺ - قال: (إن الناس لكم تبع وإن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا) (١) \".\nوقد تمثل أهل العلم العاملين به بهذا الخلق الكريم، فقد روى الخطيب البغدادي عن الربيع بن سليمان، أنه قال: \"كتب إلى أبو يعقوب البويطى أن اصبر نفسك للغرباء، وأحسن خلقك لأهل حلقتك، فإني لم أزل أسمع الشافعي - ﵀ - يكثر أن يتمثل بهذا البيت:\nأهين لهم نفسي لكي يكرموها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها (٢) \" (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>آداب التلقي:</span>\nأما عن حديثه في بيان الآداب على جهة التفصيل، فقد ذكر عددًا من الآداب الصحيحة، التي درج على اعتمادها أهل العلم منذ القرون المفضلة، فاحترام الشيخ وتعظيمه والتأدب معه من الأمور التي دلت عليها الآيات والأحاديث، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].\nويقول الإمام النووي في بيان آداب المتعلم مع شيخه: \"وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه، وإن كان أصغر منه سنًا، وأقل شهرة ونسبًا وصلاحًا، وغير ذلك ويتواضع للعلم فبتواضعه يدركهـ وقد قالوا نظمًا:\nالعلم حرب للفتى والمتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي\nوينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويقبل قوله كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق. وهذا أولى\" (٤)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في كتاب العلم - باب ما جاء في الاستيصاء بمن يطلب العلم، رقم الحديث: ٢٦٥٠: (٥/ ٣٠). وأخرجه ابن ماجه في صحيحه: كتاب تعظيم حديث رسول الله - باب الوصاية بطلبة العلم، رقم الحديث: ٢٤٩: (١/ ٩١). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم: ٢٠١: (١/ ٤٧).\n(٢) ديوان الشافعي: ١١٨. تحقيق يوسف البقاعي.\n(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (١/ ٣٤٩).\n(٤) آداب حملة القرآن: ٣٧.","vol":"1","page":681},{"text":"وعليه أن ينظر معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى انتفاعه به، وكان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني.\nوروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تشاور جليسك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تعرض أي تشبع من طول صحبته، وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي - كرم الله وجهه -، وأن يرد غيبة شيخه إن قدر فإن تعذر عليه ردها فارق ذلك المجلس\" (١).\nوقال الحسين بن علي - ﵄ -، لابنه: \"يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا وإن طال حتى يمسك\" (٢).\nوكان هذا هو ديدن أهل العلم في العصور المفضلة، يروى الخطيب البغدادي عن أحد الذين حضروا مجالس الإمام مالك - ﵁ -، حيث يقول: \"رأيت مالك بن أنس غير مرة، وكان بأصحابه من الإعظام له والتوقير له. وإذا رفع أحد صوته صاحوا به. وكان إلى الأدمة ما هو\" (٣)\n* * *\n\nأما آداب الإخوان فقد وردت فيها نصوص شرعية كثيرة، كلها تفيد الحث على التآخي، ونبذ أسباب الفرقة والخلاف، والقيام بحق الإخوان باطنًا وظاهرًا، ولهذه الحقوق أشكال متعددة، فمنها ما يستند إلى الكف عن الأذى؛ كترك الحسد والحقد\n_________\n(١) آداب حملة القرآن: ٣٧ - ٣٨.\n(٢) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر: (١/ ٥٢١). وانظر: كتاب الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي: ١٠٠.\n(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":682},{"text":"والظلم، ومنها ما يستند إلى بذل المعروف، كالإحسان إليهم بتقديم العون، وتفريج الكربة، وطلاقة الوجه إلى غير ذلك مما لا مجال لحصره الآن.\nوقد أمر المولى باستشعار نعمة الأخوة والحفاظ عليها من كل ما يقتضي الإخلال بحقوقها، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\nيقول الإمام الشوكاني في معنى الآية: \"أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين\" (١).\nوالأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nومن ذلك قوله - ﷺ -: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله! إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا)، ويشير إلى صدره ثلاث مرات: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه). (٢).\nويتأكد هذا الخلق في حق من تآخوا في تلقي العلم؛ فعليهم أن يحذروا من الحسد والتشاحن والتباغض والعجب المؤدي إلى احتقار الغير، يقول الإمام النووي: \"ومما يجب عليه ويتأكد الوصية به أن لا يحسد أحدًا من رفقته أو غيرهم على فضيلة رزقه الله إياها، وأن لا يعجب بنفسه بما خصه الله.\nوطريقه في نفي العجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما حصله بحوله وقوته، وإنما هو فضل من الله، ولا ينبغي أن يعجب بشيء لم يخترعه بل أودعه الله تعالى فيه.\n_________\n(١) فتح القدير: (١/ ٥٤٧).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر - باب تحريم ظلم المسلم: (١٨/ ١٢١).","vol":"1","page":683},{"text":"وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذه الفضيلة في هذا، فينبغي أن لا يعترض عليها، ولا يكره حكمة أرادها الله تعالى\" (١)\nهذا والنصوص الدالة على حق الأخوة في الدين كثيرة، منها قوله - ﷺ -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى) (٢)\nومنها قوله - ﷺ -: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٣)\nومنها قوله - ﷺ -: (حق المسلم على المسلم ست. قيل ما هن؟ يا رسول الله! قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) (٤)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>احترازات في التلقي:</span>\nولمتابعة الصاوي نهج أسلافه من الصوفية؛ فقد وقع في عدد من المخالفات فيما يتعلق بالآداب المتعينة في حق الشيخ، ومناقشتها على النحو التالي:\nفمع سلامة مبدئه في اختيار الشيخ، وذلك وفقًا لعرضه على منهج الكتاب والسنة، إلا أن في بعض ما ذكره الصاوي من الآداب المتعلقة به يكاد يكون على النقيض من هذا الذي ذهب إليه أولًا، وبيانه كالتالي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>أولًا: طاعة الشيخ:</span>\nإن أول ما يحسن مناقشة الصاوي فيه، هو محاولة استدلاله على الآداب المتعلقة بحق الشيخ على الطريقة الصوفية من الكتاب والسنة. والحق أن آيات الكتاب ليس\n_________\n(١) آداب حملة القرآن: ٤٢.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأدب - باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم: (١٨/ ١٤٠).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم الحديث: ١٣.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام - باب من حق المسلم للمسلم رد السلام: (١٤/ ١٤٣).","vol":"1","page":684},{"text":"فيها دلالة إلا للطريقة النبوية السنية، وما خلا ذلك فيقبل منه ما وافق المنهج، ويرد ما خالفه، ففي الاستناد إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. استدلالًا لآداب الصوفية خصوصًا صوفية المتأخرين مخالفة صريحة لكثير من الأسس الصحيحة.\nولعل في هذا متابعة لما درج عليه الكثير من الصوفية، حيث اعتمدوا حال الصحابة - رضوان الله عليهم - مع نبيهم - ﷺ - في الاستدلال لما يجب أن يكون عليه حال الطالب مع الشيخ، ولا شك أن هذا اشتباه وإجمال يؤخذ منه ويرد، فعقد مقارنة بين النبي - ﷺ - وبين آحاد المسلمين مما لا دليل عليه يسنده في كل الأحوال، وذلك لأن المولى تعالى لم يتعبدنا باتباع أحد بعد النبي - ﷺ - متابعة كاملة، يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.\nيقول الإمام الشوكاني في تفسير الآية: \"لما أمر سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق؛ أمر الناس بطاعتهم ها هنا، وطاعة الله ﷿ هي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسول الله - ﷺ - هي فيما أمر به ونهى عنه. وأولي الأمر: هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: إن أولي الأمر: (هم أهل القرآن والعلم)، وبه قال مالك والضحاك. وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد - ﷺ -. وقال ابن كيسان هم أهل العقل والرأي، والراجح القول الأول\" (١).\nوبناء على ما تقدم فإن اعتماد هذه الآية في تحريم الاعتراض على الشيخ، والتزام عهده وميثاقه مهما كان من الباطل الذي ترده الآيات والأحاديث، وما\n_________\n(١) فتح القدير: (١/ ٧٢٠).","vol":"1","page":685},{"text":"يقوله الصوفية من أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وأن العالم هو المبلغ عن النبي ليس بحجة في الاقتداء الكامل التام إذا ورد منه ما يخالف هدي النبي - ﷺ -.\nفإن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ورسوله مبلغًا عن ربه، أما الشيخ فطاعته تكون مقيدة بما يوافق أصل الطاعة المطلقة لله ولرسوله، لذا كانت طاعته الطاعة المطلقة حتى فيما خالف أمر الله وأمر رسوله نوعًا من أنواع الشرك الأكبر، وهو شرك الطاعة، ومما يدل على هذا الأصل الإيماني العظيم في وجوب صرف الطاعة المطلقة لله تعالى توحيدًا وتجريدًا، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، ففي هذه الآية دليل على أن من أحل شيئًا مما حرم الله، أو حرم ما أحل الله فهو مشرك (١).\nوهذا ما فسر به قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، يقول الإمام ابن كثير: \"إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ\" (٢).\n\"ومن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا؛ طاعة العلماء علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياد الموالد والطرق الصوفية والتوسل بالأموات ودعائهم من دون الله\" (٣) وغير ذلك مما يناقض أصل الانقياد للشارع الحكيم في كل صغيرة وكبيرة كما يقتضيه حقيقة الإذعان والتسليم بنبوته - ﷺ -.\n_________\n(١) تفسير البغوي: (٣/ ١٨٤). وانظر: تفسير القرطبي: (٧/ ٧٧).\n(٢) تفسير ابن كثير: (٢/ ٤٥٩).\n(٣) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، د/ صالح الفوزان: ٧١.","vol":"1","page":686},{"text":"ولا شك أن مناقضة هذا الأصل بصرف الطاعة لغير الله من أعظم ما يفسد معيشة الناس في الدنيا والآخرة، يقول الإمام ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها، ببعث الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره، والشرك به؛ هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به، ومخالفة أمره. . . .\nوبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله - ﷺ - هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله\" (١).\nومن هنا علم أن تحريم الصاوي التقدم على الشيخ وتصريحه بمنع الاعتراض عليه؛ ولو ظهر منه ما هو حرام في الشرع، فيه مخالفة صريحة جريئة للحق الذي دلت عليه شرائع الدين، ومناقضة لما ذهب إليه أولًا من وجب التزام الشيخ بأوامر الشريعة، كما أن فيه إجحافًا بحق الشيخ، لأن النصح له المأمور به في حق كل مسلم، يقتضي نهيه عن المنكر إذا بدر منه، قال - ﷺ -: (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (٢).\nقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في معنى النصيحة: \"النصيحة كلمة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا\".\nوالنصح للعالم ليس يقتصر نفعه عليه فقط كآحاد المسلمين، بل هو من حقيقة النصح لله تعالى وكتابه ورسوله، فـ \"رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على\n_________\n(١) بدائع الفوائد: (٣/ ٥٢٥).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب بيان أن الدين النصيحة: (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":687},{"text":"مواردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها\" (١) من أوجب أنواع النصح لهذا الدين.\nثم إن التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لحلول اللعنة وغضب الرب، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].\nيقول الإمام السعدي - ﵀ - في السكوت عن المنكر، وذلك في تفسيره لهذه الآية الكريمة: \"فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجبًا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة:\nمنها: أن مجرد السكوت، فعل معصية وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية، فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.\nومنها: أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.\nومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة، على الإكثار من المعاصي\nومنها: أنه بترك الإنكار للمنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها، يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظنها الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا وانقلاب الحقائق في نفوس الناس.\nومنها: أن بالسكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء.\nفلما كان السكوت على الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم، لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم\" (٢).\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم: ١٢٩.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ٢٣٧.","vol":"1","page":688},{"text":"وعليه فإن منهجه في الاستدلال على وجوب التزام عهد الشيخ بالآيات الكريمة مما لا يسلم له، ومع أنه قد سبقت الإشارة إلى بيان عدم مشروعية هذا الضرب من التفسير (١)، وذلك لعدم استناده إلى الأسس الصحيحة التي يجب على المفسر اعتمادها في تفسير كلام المولى تعالى، إلا أن المقام هنا يستوجب مزيدًا من المقال، فإذا كان كلامه في الجملة في هذا الباب باطلًا، لأنه من التقول على الله تعالى بغير علم، فإنه يتأكد بطلانه عند وصفه لمن عارض الشيخ في ترديد أوراده بالضلال المبين، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فمن المعلوم أن أوراد مشايخ الصوفية يغلب عليها في الجملة الابتداع إن لم يكن مما يعمها من جهة الحكم، وهذا في حالة خلوها من الشرك، أما مع احتوائها عليه، فإن اتباع الشيخ عندئذ ليس من الضلال فقط، بل هو في الحقيقة من الكفر المخرج من الملة.\nولعل للاختلاف الواقع بين السلف الصالح وبين الأشاعرة في فهم حقيقة التوحيد أثرًا كبيرًا في استساغة مثل هذه البدع الشركية، التي تحوى على الاستغاثات والابتهالات المحرمة، ويؤكد هذا أنه لم ير في هذه الأوراد ما ينافي ذلك القيد الذي اشترطه في اتباع الشيخ، وهو التزامه بالمنهج الصحيح المستمد من الكتاب والسنة.\nهذا ولم يكن حكمي على تلك الأوراد بالابتداع وعلى كثير منها بالشرك محض افتراء وتوهم، بل هذه حقيقة يشهد بها كل متجرد يتأمل تلك الأوراد، ولعل حاشيته على الصلوات الدرديرية أكبر شاهد على هذا، وسأنقل منها بعض الأوراد لكبار الصوفية حتى يزداد الأمر وضوحًا، فهذه إحدى الصلوات الدرديرية، يقول فيها الدردير؛ ناقلًا صلاة إبراهيم الدسوقي: \"اللهم صل على الذات المحمدية اللطيفة الأحدية، شمس سماء الأسرار، ومظهر الأنوار، ومركز مدار الجلال، وقطب فلك الجلال، بسره لديك، وبسيره إليك، آمن خوفي وأقل عثرتي\".\nفهذه الصلاة تشتمل على أنواع الضلالات من الغلو بالنبي إلى درجة تقدح في اعتقاد عبوديته، وكذلك التوسل به بعد مماته وغير ذلك مما يجزم ببدعيتها، بل\n_________\n(١) انظر: آراءه في القرآن: ٢٧٥.","vol":"1","page":689},{"text":"واعتبارها من الصلوات الشركية المحرمة، وسأكتفي بهذا القدر لضيق المقام، ولأن ما ذكرته فيه الكفاية للدلالة على المراد.\nفهل بعد الذي بينته من المحاذير، التي تحملها مثل هذه الأوراد، يمكن القول: بأن الآية الكريمة التي نزلت في تنبيه بني إسرائيل على القيام بالعهد المأخوذ عليهم بطاعة الله، والإيمان بمحمد - ﷺ - فيها إشارة إلى التمسك بمثل هذه الأوراد، وأن من خالف شيخه فيها يعد من أهل الضلال؟ إن هذا الذي ذهب إليه بعيد كل البعد عن الصواب، بل يعد في الحقيقة هو ضرب من الضلال المذموم، والذي يحمل صاحبه على التقول في كتاب الله بغير علم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>ثانيًا: التبرك بالشيخ:</span>\n- ومن جملة ما يناقش فيه الصاوي ما أمر به المريد من اعتقاد أن حصول النعم إنما هي ببركة الشيخ، وإذا كان هذا الحديث مما سبقت مناقشته إلا أنه يتوجب هنا مزيد بيان، وذلك لأن لفظ التبرك من الألفاظ المجملة التي تشتمل على معنى حق وآخر باطل، \"فأما الصحيح فأن يراد به أنه هدانا وعلمنا وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فببركة اتباعه وطاعته حصل لنا من الخير ما حصل\" (١).\nوعليه فإن مرد النعمة هنا إلى الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، يقول الإمام ابن جرير في هذه الآية: \"وتأويل الكلام: ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة، وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره؛ لأن ذلك إليه وبيده\" (٢).\nكذلك إذا اعتقد حصول البركة بدعائه لاستقامته وصلاحه، كما قال النبي - ﷺ -: (هل تنصرون إلا بضعفائكم). (٣)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١١/ ١١٤).\n(٢) جامع البيان: (٧/ ٥٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير، باب: من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، رقم الحديث: ٢٨٩٧.","vol":"1","page":690},{"text":"أما المعنى الباطل وهو اعتقاد حصول البركة بذاته، ففيه تفصيل، فإذا اعتقد أن ذاته مباركة بمعنى أن الله خلق فيها البركة، وهو يرجع حصولها منه فشرك أصغر، لأنه من أنواع التوسل الشركي المحرم؛ إذ فيه اعتقاد حصول الخير، أو دفع الضر، بلا سبب شرعي أو كوني، فيؤدي إلى اعتقاد الوساطة البدعية، ولا شك أن هذا الاعتقاد بريد للوقوع في الشرك الأكبر؛ فإنه أحد أصول عقائد مشركي قريش، التي استندوا إليها في صرف أنواع العبادة من التوسل والدعاء والاستغاثة بغير الله تعالى.\nأما إذا اعتقد أن ذاته تحدث البركة لمن حوله استقلالًا عن فعل الله؛ فهذا شرك أكبر في الخلق.\nوهذا ما يعلم بضرورة التعبد لأسماء الله تعالى وصفاته، إذ \"أن البركة كلها له تعالى ومنه؛ فهو المبارك، ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك، ولهذا كان كتابه مباركًا، وبيته مباركًا، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة، فليلة القدر مباركة، وما حول الأقصى مبارك، وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة، وتدبر قول النبي - ﷺ - في حديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافة من الصلاة: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام). (١)\nفتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعى الثناء؛ أعني ثناء التنزيه والتسبيح، وثناء الحمد والتمجيد، بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمه معنى، فأخبر أنه السلام ومنه السلام؛ فالسلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام، وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام، وكذا الحمد كله له وصفًا وملكًا؛ فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه، ومن عز من عباده فبإعزازه له.\n_________\n(١) كتاب: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، رقم الحديث: ١٣٣٣: (٥/ ٩٢).","vol":"1","page":691},{"text":"وكذلك الرحمة كلها له ووصفًا وملكًا.\nوكذلك البركة؛ فهو المتبارك في ذاته، والذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه، فيصير بذلك مباركًا، فـ ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] \" (١)\nومن هذا يعلم أن البركة أمر توقيفى لا يصح نسبتها لشيء لم يرد فيه دليل شرعي، عقلي أو خبري، إذ مرد البركة لله تعالى أمرًا وكونًا، فأسباب البركة والخير تعلم إما بالضرورة العقلية الشرعية مما أراده تعالى كونًا وخلقًا، أو الخبرية الشرعية التي أتى الرسل الكرام ببيانها تبليغًا ودعوة وإرشادًا من المولى ﵎، وبهذا المعنى يكون الرسل مباركين لأنهم ينفعون من يرسلون إليه بما علمهم الله وأوحى إليهم، وكذلك يكون أتباعهم بتبليغهم دعوة الرسل ونشرها بين الناس، قال تعالى مخبرًا عن المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].\n\"قال غير واحد من السلف معلمًا للخير أينما كنت وهذا جزء المسمى فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يحصله لغيره تعليمًا وإقدارًا ونصحًا وإرادة واجتهادًا ولهذا يكون العبد مباركًا لأن الله بارك فيه وجعله كذلك والله تعالى متبارك لأن البركة كلها منه فعبده مبارك وهو المتبارك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] \" (٢)\nولعل ما ذهب إليه من مشروعية الاستغاثة بالأولياء يدني اعتقاده في التبرك من المعنى الممنوع؛ لأن فيه ذريعة لاعتقاد حصول النفع أو الضر منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>ثالثًا: ملاحظة الشيخ:</span>\nومن جملة الغلو الذي قرره الصاوي في الآداب المتعلقة بالشيخ: وجوب ملاحظته في كل الأوقات، وأن في هذا العمل القلبي ما يدفع به شر الشيطان الرجيم، ولعل في هذا ما يؤكد انحرافه في قضية التبرك بالشيخ، حيث بنى على\n_________\n(١) بدائع الفوائد: (٢/ ٤١٢).\n(٢) جلاء الأفهام، لابن القيم: ١٦٨.","vol":"1","page":692},{"text":"اعتقاد حلول البركة فيه بالمفهوم الصوفي وجوب صرف عبادة قلبية لا تجوز إلا لله تعالى، فليس لأحد أن يستغرق تمام الاستحضار القلبي إلا المولى تعالى.\nبل إن مداومة العبد على ملاحظة المولى تعالى في كل الأحوال طريقه إلى بلوغ مقام الإحسان الذي قال فيه - ﵊ -: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). (١)\nيقول الحافظ ابن رجب - ﵀ - في بيان هذا المعنى: \"يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة، وهو استحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم. . .\nوقوله - ﷺ - (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قيل: إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يشق ذلك عليه فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا تحقق هذا المقام، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحقيق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه\" (٢)\nوعليه فكيف يوصى الطالب بإحلال عبد في مقام هو أعلى مراتب الدين؟ كما دل الحديث السابق عليه.\nثم إن طرد الشيطان لا يكون إلا بذكر المولى تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].\nفهذا هو السبيل الأوحد لإبعاد الشيطان، وقد علمنا رسول الله - ﷺ - عددًا من الأوراد التي يتقى بها كيده: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان - باب سؤال جبريل النبي ﵊.\n(٢) جامع العلوم والحكم: ٧٢.","vol":"1","page":693},{"text":": (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>رابعًا: الاستغناء بالشيخ:</span>\n- أما ما قرره من وجوب التلقي عن شيخ واحد؛ بحيث يمتنع على الطالب حضور مجلس غيره، أو الاستفادة منه، فليس من الآداب المستحبة في شيء، بل هو مما حذر منه أهل العلم، وقد عقد الإمام النووي فصلًا في بيان ضرره على العالم والمتعلم، وسأنقله بنصه لتتم به الفائدة وليعلم ضلال الصوفية في هذا المسلك:\n(فصل) وليحذر كل الحذر من قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه، وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه، وقد حصلت، وقد قصد بقراءته على غيري زيادة علم، فلا عتب عليه.\nوقد روينا في مسند الإمام المجمع على إمامته وحفظه وأمانته أبي محمد الدارمي - رحمة الله عليه - عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: يا حملة القرآن أو قال: (يا حملة العلم اعملوا به؛ فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى) (٢) \" (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الدعوات - باب فضل التهليل، رقم الحديث: ٦٤٠٣.\n(٢) كتاب العلم - باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله، رقم الحديث: ٤٠٢: (٣/ ١٣٦).\n(٣) آداب حملة القرآن: ٢٨.","vol":"1","page":694},{"text":"وقد صح عن الإمام الشافعي - ﵁ - أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إلى حرف منه\" (١)\nوهذه التوجيه والتفصيل والتصحيح إنما يصح عند حمل كلامه على أحسن المحامل، ومعاملته بظاهرية مطلقة، أما وقد عرفنا حقيقة التصوف وما خالطه من ألوان الشرك وما تسرب إليه من أنواع المعتقدات المارقة، فإن هذه الشروط تؤول جملة إلى تأليه الشيخ وعبادته من دون الله، وهذا هو واقع الصوفية المشاهد، فإنهم من أكثر الناس شركًا في الألوهية، حيث التوجه إلى القبور والتعلق بأذيال ساكنيها والتوسل بهم ودعائهم الاستعانة والاستغاثة بهم وقت الشدائد وقد صرح بذلك الصاوي كما بينت ذلك في مبحث التوحيد وكما سيأتي في الحديث عن الولاية.\n* * *\n_________\n(١) تذكرة السامع والمتكلم، ابن جماعة الكنانى: ٤٨.","vol":"1","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>الفصل الثاني: (المقامات والأحوال)</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: التعريف بالمقامات.\nالمبحث الثاني: التأصيل للمقامات.\nالمبحث الثالث: وحدة الوجود ووحدة الشهود.\nالمبحث الرابع: الترقي في المقامات.","vol":"1","page":696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>تعريف المقام:</span>\nالمقامات جمع مقام، وإما أن يراد به أمر حسي أو أمر معنوي، والحسي كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] إذ \"المقام في اللغة: موضع القيام\" (١)، فقد يكون بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام\" (٢) أما استعماله في الأمر المعنوي، قد ورد في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] عن ابن عباس - ﵄ -: (المقام المحمود: مقام الشفاعة). (٣)\nومما يصح حمله على كلا الوجهين المقام في قوله ﷿: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، يقول البغوي: \"يقول جبرائيل للنبي - ﷺ -: وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم يعبد الله فيه (٤) \".\nومما قيل في معناه: \" (إلا له مقام معلوم): في القربة والمشاهدة\" (٥)\nوللصوفية في تعريف المقام أقوال، ويرجع هذا إلى عدم انضباط معارفهم، حيث تستند إلى الذوق والوجدان؛ مما يؤدي بدوره إلى صعوبة تحديد مصطلحاتهم، ويمكن القول بأن المقامات - عندهم - هي مدارج العبودية التي يترقى في سلوكها العبد، يقول أبو نصر السراج فيه: \"مقام العبد بين يدي الله ﷿ فيما يقام فيه من العبادات. . قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] \" (٦)\n_________\n(١) فتح القدير: (١/ ٢٠٥).\n(٢) مختار الصحاح: (٢٥٦).\n(٣) جامع البيان: (١٥/ ١٤٤).\n(٤) أخرج الترمذي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أطت السماء، وحق لها أن تئط، والذي نفسى بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدًا): كتاب الزهد - باب في قول النبي: (لو تعلمون ما أعلم)، رقم الحديث: ٢٣١٢، وقال حديث حسن: (٤/ ٤٨١) وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ١٨٨٢: (٢/ ٢٦٨).\n(٥) تفسير البغوى: (٧/ ٦٣).\n(٦) اللمع: ٦٥. وانظر: موقف الإمام ابن تيمية من التصوف، لشيخنا الدكتور الفاضل: أحمد بنانى: ١٠٨.","vol":"1","page":697},{"text":"ويعرف الجرجاني، فيقول: \"المقام في اصطلاح أهل الحقيقة، عبارة عما يتوصل إليه بنوع تصرف، ويتحقق به بضرب تطلب ومقاساة وتكلف\". (١)\nأما عن كيفية الترقي من مقام إلى مقام؛ فإن القشيرى يشترط لصحة الانتقال استيفاء أحكام المقام السابق، فإن من لا قناعة له لا يصح له التوكل\" (٢).\nوتأكيدًا على أنه لا يمكن للعبد أن يكون من أهل الترقي في المقامات؛ حتى يستوفي لكل مقام ما ينبني عليه في الأصل من القيام ببعض المهمات السلوكية على المنهج الصوفي؛ نرى ابن عربي يفسر المقام ليس فقط بالطريق المؤدي إليه، كما فعل الجرجاني، وإنما بالتأكيد على وجوب استيفاء تلك التكاليف السلوكية، يقول: \"المقام: عبارة عن استيفاء حقوق المراسم على التمام\" (٣)\nوحتى لا يكون هذا الشرط لحصول الترقي مانعًا منه، فقد ذهب بعض محققيهم إلى أن للمريد أن يحقق الترقي؛ إذا كان منه الاستيفاء الجملي، فليس يشترط فيه التقصي، وإنما يكتفي منه بالقدر الذي يفيده معنى الرسوخ والثبات. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>تعريف الحال:</span>\nيعرف الصوفية الحال بأنه: \"ما يرد على القلب بمحض الموهبة، من غير تعمل ولا اجتلاب، كحزن أو خوف أو بسط أو قبض أو شوق أو ذوق، ويزول بظهور صفات النفس\" (٥).\nوبناء على ما سبق؛ يتحدد الفرق مجملًا بينهما، إلا أنه من الممكن عندهم أن ينقلب الحال مقامًا، إذا اكتسب صفة الديمومة والبقاء.\nومع ذلك فقد يتجاوز بعضهم فيعبر عن المقام بالحال أو العكس، يقول القشيري: \"وأشار قوم إلى بقاء الأحوال ودوامها، فقالوا: إنها إذا لم تتوال فهى لوائح\n_________\n(١) التعريفات: ٢٨٢.\n(٢) الرسالة القشيرية: ٥٦.\n(٣) رسائل ابن عربي: ٥٣٠.\n(٤) انظر: المصطلحات الصوفية، للكاشاني: ١٠٣.\n(٥) التعريفات: ١١٤.","vol":"1","page":698},{"text":"وبواده، ولا يصل صاحبها إلى الأحوال، فإذا دامت تلك الصفة فعند ذلك تسمى حالًا\" (١). والسبب: \"وجود الاشتباه لمكان تشابههما في نفسهما، وتداخلهما، فتراءى للبعض الشيء حالًا وتراءى للبعض مقامًا\" (٢).\nومع ذلك فإنه يمكن القول بأن الأحوال تبقى في هذه المنزلة ولا تنتقل منها إلى درجة المقام إلا عند الثبات عليها، فإن وجود التداخل بينهما؛ قد يصح معه أن يكون نفس الأمر عند البعض حالًا والبعض مقامًا (٣).\nأما عن حقيقة هذه المقامات، فإنه قد سبق الحديث عن المراحل التي مر بها التصوف، وذلك عندما تبلورت مواضيع التصرف وفق المذاهب والفلسفات التي تأثرت بها، فلم يكن التصوف ثمرة لاتجاه معين؛ بل هو فكر متعدد المصادر، فإن الحكم على المقامات في الحقيقة يتبع الحكم على التصوف نفسه؛ إذ هي المحور الذي تدور حوله موضوعات التصوف، فليس حديث المتقدمين عن المقامات، التي هي عندهم عدد من العبادات المشروعة؛ كالرضا والطمأنينة، وإن وجد فيها نوع من الغلو؛ كالحديث عن المقامات التي استقر عليها خط الانحراف.\nفإن من أظهر \"أوجه الشبه الموجودة بين البوذية، وبين طرق التصوف: مسألة المقامات، التي يرتقي فيها السالك بالترتيب والتدريج من مقام إلى آخر؛ حتى يصل إلى مقام الفناء\"، فوجهة الفناء الأخلاقية هي: \"إخماد كل الميول والأهواء، ومحو الصفات الذميمة؛ بممارسة الأخلاق الفاضلة، والنيرفانا هي: كبح جماح النفس، التي هي تلك الناحية الحيوانية المثيرة للمعاصي، الموجودة في جبلة البشر؛ بحكم عملنا لإرادة الحياة، وهي تجعل الإنسان قعيدًا لا يأتي بشيء\". (٤)\n* * *\n_________\n(١) الرسالة القشيرية: ٥٧.\n(٢) عوارف المعارف: ٣٢٦.\n(٣) انظر: مقدمة ابن خلدون: ٤٦٨.\n(٤) تاريخ التصوف في الإسلام، للدكتور/ قاسم غنى: ٢٣١ - ٢٣٦.","vol":"1","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>(المبحث الأول): أقسام المقامات (عند الصوفية)</span>\nلقد سبقت الإشارة إلى أن الحديث عن المقامات والأحوال في الفكر الصوفي؛ حديث عن أهم الموضوعات التي يدور محور اهتمامه حولها، فالتوبة، والشكر، والرضا، والإخلاص، ومن ثم الفناء والبقاء والصحو والفرق والجمع، هي أهم ما يعتنى الصوفية للحديث عنه، واتجاهات القوم في تقرير هذه المقامات تختلف تبعًا الموقفهم من مصادر التصوف المختلفة، فحديث أوائل الصوفية في المقامات يختلف عن حديث المتأخرين، ولعل كتاب (مدارج السالكين) أقرب ما يكون في بيان حقيقة المقامات عند المتقدمين، ومع التسليم بوجود بعض المخالفات في تحرير مدارج العبودية؛ من حيث التعمق الغير معهود، أو استخدام عبارات لم يكن لها وجود عند السلف، إلا أنها تخالف ما عليه متأخرو الصوفية، حيث شابهوا العقائد الوثنية عند الهنود والفلاسفة؛ فظهرت مخالفتهم جلية في حقائق التوحيد.\nوكما وقع الاختلاف في تعريف المقام بين محققى الصوفية، فقد وقع في تعداد المقامات وبيانها، فنجد أن الطوسي قد قسم المقامات إلى سبعة: التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والتوكل، والرضا، ومع ذلك فلم يصدر حكمًا باقتصار المقامات عليها، قائلًا: (وغير ذلك) (١)، أما في عوارف المعارف؛ فقد عدت بعشرة: التوبة، والورع، والزهد، والصبر، والفقر، والشكر، والخوف والرجاء، والتوكل، والرضا. (٢)\nهذا وقد عد بعض الصوفية الفناء والبقاء، والجمع والفرق من الأحوال، وعدها البعض من المقامات، والبعض جوز كليهما، فيكون الفناء في مبدأ الأمر حالًا؛ فإذا\n_________\n(١) اللمع: ٦٥.\n(٢) عوارف المعارف، للسهروردى: ٢٣٨.","vol":"1","page":700},{"text":"استقر العبد عليه صار مقامًا، فحين يعرض الكلاباذي لأقوالهم في الفناء يكشف عن هذا الاضطراب، وذلك في مسألة دوام الفناء للعبد، حيث يذهب البعض إلى أن \"حالة الفناء لا تكون على الدوام، لأن دوامها يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات وعن حركتها في أمور معيشتها\".\nبينما يذهب البعض الآخر؛ كالجنيد، والخراز إلى أنه لا يمكن رد الفاني إلى البقاء، وحجتهم \"أن مقام الفناء لا يدرك بالاكتساب فيجوز أن يكتسب ضده\" (١).\nوقد يرى البعض عدم التمييز؛ فيجعلها حالًا واحدة (٢).\nولا عجب؛ إذا علم أن مستند القوم في كل ما ذهبوا إليه هو الذوق والتجربة الشعورية، فكل منهم يعبر ويحكم بحسب ما وقع له، لذا كان من الصعب الوصول إلى حكم يصح طرده في ما آل إليه المقام والحال، وهذا يرجع إلى انعدام الأسس العلمية عندهم. والآن مع عرض أقوال المتصوفة في هذه المقامات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>الفناء والبقاء:</span>\nيقول الجرجاني معرفا الفناء بأنه \"سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء: وجود الأوصاف المحمودة، والفناء فناءان، أحدهما ما ذكر، وهو بكثرة الرياضة والثاني؛ عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق (٣).\nويقول الكلاباذي: \"الفناء هو أن يفنى عنه الحظوظ؛ فلا يكون له في شيء من ذلك حظ، ويسقط عنه التمييز فناء عن الأشياء كلها وشغلًا بما فنى به.\nوالبقاء الذي يعقبه هو أن يفنى عما له ويبقى بما لله\".\nوهو إذ يعرف الفناء بما يوهم استواء الأمور لدى الفاني حتى يسقط عنه التمييز، فإنه يبين أن من محترزات التعريف: \"أن تصير المخالفات له موافقات - بل - ألَّا يجرى عليه إلا ما أمر به وما يرضاه الله تعالى دون ما يكرهه\". (٤)\n_________\n(١) التعرف: ١٢٨.\n(٢) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي: ١٢٧.\n(٣) التعريفات: ٢١٧.\n(٤) التعرف: ١٢٥.","vol":"1","page":701},{"text":"ويقول ابن عربي الغالي: \"الفناء: رؤية العبد للعلة بقيام الله على ذلك، والبقاء: رؤية العبد قيام الله على كل شيء\". (١)\nولمقام الفناء أحوال، حيث يكون الصوفي فيه عرضة للشطح، ويعرف الشطح بأنه: \"عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى\" (٢).\nوالصوفية إزاء هذه الشطحات على صنفين، فصنف لا يرى موافقة قائلها، ويقوم بتبرير فعله، حيث سلب منه الشعور، ونطق به لسان حاله؛ فلا يمكن الوقوف على كنه ما ينطق به، إلا بالترقى إلى ما وصل إليه. (٣)\nوصنف آخر؛ يرون أنها عين الحقيقة، فلا يجدون فيها ما يشين، وهم في التصريح بهذا على درجات، فقد يقرون بها ولكن مع تأويل لظاهرها، بحيث يخفف من حدة خروجها على الشرع.\nهذا والعناصر الضرورية لوجود ظاهرة الشطح؛ كالتالي: \"شدة الوجد، أن تكون التجربة تجربة اتحاد، أن يكون الصوفي في حال سكر، أن يتم هذا كله والصوفي في حال من عدم الشعور\". (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>الجمع والفرق:</span>\nأما عن بقية المقامات، كالجمع والفرق وجمع الجمع، والفرق الثاني فقد تتداخل معانيها مع مقام الفناء والبقاء؛ إلا أنه قد يعبر عنها بصورة أكثر عمقًا، يقول الكاشاني في معنى الجمع: \"شهود الحق بلا خلق.\nوجمع الجمع: شهود الخلق قائمًا بالحق، ويسمى الفرق بعد الجمع\" (٥).\nيقول ابن عربي في الجمع: هو الاستهلاك بالكلية في الله.\n_________\n(١) رسائل ابن عربي: ٥٣٢.\n(٢) رسائل ابن عربي: ٥٣٠.\n(٣) انظر: الرسالة القشيرية: ٧١.\n(٤) شطحات الصوفية، عبد الرحمن بدوي: (١١).\n(٥) اصطلاحات الصوفية: ٦٢.","vol":"1","page":702},{"text":"أما الفرق الأول: فهو الاحتجاب بالخلق عن الحق، وبقاء الرسوم الخلقية بحالها، ويقول ابن عربى: هو إشارة إلى خلق بلا حق، وقيل مشاهدة العبودية. (١)\nالفرق الثاني: هو شهود قيام الخلق بالحق، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة من غير احتجاب صاحبه بأحدهما عن الآخر. (٢)\nوهو بهذا المعنى يصرح بوحدة الوجود، التي تبلورت فكرتها على يده.\nويعرف المناوي هذه المقامات، فيقول: الجمع \"إشارة إلى حق بلا خلق، وقيل: لمشاهدة العبودية، وقيل: الفرق ما نسب لك والجمع ما سلب عنك. . . .\n- وجمع الجمع: مقام أتم وأعلى من الجمع، فالجمع شهود الأشياء بالله، والتبرى من الحول والقوة، وجمع الجمع: الاستهلاك بالكلية والفناء عما سوى الله، وهو المرتبة الأحدية\". (٣)\nوفي بيان هذه المرتبة، يقول الجرجاني: \"الأحدية إذا أخذت حقيقة الوجود بشرط ألا يكون معها شيء، فهي المرتبة المستهلكة جميع الأسماء والصفات، فهي تسمى جمع الجمع\" (٤).\nومن هنا فإن غاية هذه المقامات المتتالية؛ الوصول إلى مرتبة الفناء التام، بحيث لا تبقى حقيقة إلا حقيقة الوجود، وهذا تصريح بأن غاية الفكر الصوفي: وحدة الوجود، والصوفية في تحقيق هذه الرتبة على اختلاف؛ فمنهم من يرجعها إلى ما فسرها به ابن عربي، ومنهم من يرى التخفيف، فيبقى الشهود أقصى ما يراد.\nويأتي التعبير عن بلوغ السالك أقصى هذه المقامات بالوصل، أو وصل الوصل، فـ: \"الواصل - عندهم - من اتصل بمحبوبه دون كل شيء سواه، وغاب عن كل شيء سواه\". (٥)\n_________\n(١) رسائل ابن عربي: ٥٣٢.\n(٢) اصطلاحات الصوفية: ١٤٦.\n(٣) التعاريف: ٢٥٢.\n(٤) التعريفات: ١٠٩ - ١١٠.\n(٥) انظر: طبقات الصوفية للسلمي: ٤٦٢.","vol":"1","page":703},{"text":"وكأنه أعمق ما يراد من معاني الفناء، الذي به تتحقق الولاية عندهم.\nويرى الصوفية أن السالك قد يتعرض في مقامه لأنواع من الأحوال، منها السكر والصحو وغير ذلك، ومع إمكان التجوز، إلا أن غالب الصوفية على عدها من الأحوال، يقول القشيري: \"الصحو: رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة، والسكر غيبة بوارد قوي\" ويرى الفرق بينهما في أن صاحب السكر قد يكون فيه نوع من الإحساس؛ بخلاف الغيبة، وذلك في حال عدم استيفاء الوارد، وقد يفوق حال صاحب السكر الغيبة مع قوة الوارد.\nوأن السكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد، فعندما يكاشف العبد يحصل له السكر والطرب. (١)\n\n- رأي الشيخ الصاوي:\nعند تتبع أقوال الصاوي في مسألة المقامات من خلال مؤلفاته المتعددة؛ يجد الباحث إعراضًا عن كثير من المقامات، التي كانت محل اهتمام الصوفية بل وإجماعهم، فالصاوى عند بيانه لأقسام المقامات لم يذكر التوبة والشكر والرضا والصبر وغير ذلك، وقد اقتصر في حديثه عنها على ما يتعلق بمعرفة الله وتوحيده بالمفهوم الصوفي، فالفناء والبقاء والجمع والفرق ونحو ذلك كان محل اهتمامه، حيث اعتمدها مفصلًا ما يتعلق بها من أحكام بالشرح والتوضيح، ولعل لهذا المسلك من الصاوي أسبابًا نبه إليها في بدء حديثه عن التصوف، وذلك لأنه عند ذكر مبادئ هذا العلم عمد إلى القول بأن نسبته فرع علم التوحيد، وقد سبقت الإشارة إلى أن مفهوم التوحيد عند الأشاعرة والصوفية يعني؛ معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.\nومن هنا كان اهتمامه جليًا في تفصيل هذه المقامات، وتوضيحها للمريد، بل والذب عنها، والتأصيل لها، وسيأتي تفصيل كلٍّ فيما خصص له.\n_________\n(١) انظر: الرسالة القشيرية: ٧١.","vol":"1","page":704},{"text":"وإذا كانت الإشارة قد سبقت إلى أن المصطلحات الصوفية بعامة؛ تستند في التعبير عنها إلى مفاهيم ذوقية، تبعد كل البعد عن المقاييس والاعتبارات العلمية، لذا فهي تميل إلى وصف حالة شعورية أكثر من أن تحدد ماهيتها أو تفصح عن حقيقتها، فإن هذا ما يؤكده الصاوي، حيث يقول: \"البقاء بالله، والفناء في الله، أخلاق ذوقية، لا تعلم إلا بالذوق، والعبارة عنهما لا تفيد شيئًا\".\nومع هذا فإننا نجد عبارات كثيرة من الصاوي؛ تحاول تقريب هذه المصطلحات إلى ذهن القارئ، ولعل كتابه المسمى بشرح الصلوات الدرديرية هو الذي نعتمده في هذا المقام، حيث التفصيل والتوضيح للكثير من هذه المصطلحات ولكن دون أن يشير إلى الفرق بين المقام والحال، وهو بهذا قد يتجوز في العبارة؛ فيتكلم عن المقام بلفظ الحال أو العكس.\nيقول مفصلًا القول في عدد المقامات والمراد من كل واحد منها؛ حسب الفهم الصوفي، وذلك في شرحه لواحدة من الصلوات المبتدعة:\n\n\" المقامات ثلاثة:\n- مقام المحجوبين السائرين إلى الله، المستدلين بالصنعة على الصانع.\n- مقام أهل الفناء المحض، الذين غرقوا في توحيد الأحدية، فلم يشهدوا سوى ذات الله تعالى.\nولما كان هذا المقام مقام سكر، وخروج عن طور البشرية، وعن حدة التكليف، قال - في صلاته -: وانشلنى من أوحال التوحيد.\n- \"مقام أهل البقاء بعد الفناء: وهم الذين يشهدون الصنعة بوجود الصانع؛ لكونهم شهدوا قبل كل شيء ذات مولاهم وصفاته وأسمائه\".\nويسمى هذه المرتبة بالوحدة، ويرى أن من بلغها فقد بلغ منابع الصدق مع الله في عبادته، يقول: \"فالعارف يرى الله قبل الآثار، ويستدل بالله على ثبوت الآثار، والمحجوب يرى الآثار قبل شهود الله؛ فيستدل بالآثار على الله.","vol":"1","page":705},{"text":"وقد علمت أن من غرق في عين بحر الوحدة؛ يكون باقيًا بالله ولا بد، لا بنفسه ولا بشيء سوى الله، لأنه يرى الأكوان كظل الشخص\" (١).\nوبهذا المعنى الذي فسر به المقام المسمى بالبقاء، والذي عبر عنه بشهود الذات متصفة بالأسماء والصفات؛ فإنه يفسر المعتقد الصوفي الفلسفي المسمى بوحدة الوجود:\nيقول: \"وهذا المقام يسمى: بوحدة الوجود، ولا يدركه الشخص إلا بعد الفناء في الأحدية، ووحدة الوجود هذه يسمى صاحبها: في مقام البقاء، ويسمى غرقان في بحر الوحدة، التي هي شهود المولى من حيث قيام الأسماء والصفات به (٢).\nوكان لهذا المقام تسمية خاصة عند الصوفية، تكشف عن حقيقة الأحكام المتعلقة بهذه المرتبة، هي: حضرة الإطلاق، فليس بمخفى ما تنطوى عليه هذه التسمية من إباحة الخروج عن كل القيود، يقول في شرح إحدى الصيغ المبتدعة: [وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تدخلنا بها حضرة الإطلاق]: \"أي حضرة هي الإطلاق، أي من قيد الأقفاص، أي من الطبائع الجسمانية؛ بأن يخرج العبد من أسر الطبيعة، ومن سائر الحجب الظلمانية والنورانية؛ فيصير حرًا لخروجه عن شوائب الرقية، وهذا معنى قول صاحب السحر: \"اللهم إنك فتحت أقفال قلوب أهل الاختصاص، وخلصتهم من قيد الأقفاص، فخلص سرائرنا من التعلق بملاحظة سواك، وافننا عن شهود أنفسنا؛ حتى لا نشهد إلا إياك\"، لأن مراده بالأقفاص الأجسام، وقيدها طبائعها، وهي الحجب النفسانية: ظلمانية أو نورانية.\nوقد أشار لهذا المعنى محمد بن وفا (٣)، بقوله:\nوبعد الفنا في الله كن كيفما تشا ... فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر\".\n_________\n(١) المرجع السابق: ٦٧.\n(٢) المرجع السابق: ٦٧. وسيأتي موقفه من هذا المعتقد في مبحث مستقل: ٧٣٧.\n(٣) هو محمد وفا، أحد كبار الصوفية نقل عنه كلام إن صح عزوه له فهر في غاية التجنى وسوء الأدب مع الله تعالى، له كتاب العروس وكتاب الشعائر، من مواليد القرن الثامن: طبقات الشعراني: (٢/ ٣١٤).","vol":"1","page":706},{"text":"فصاحب هذا الوصف يقال له في اصطلاح القوم: في \"حضرة الإطلاق\" ويقال له: من الأحرار؛ \"لكونه طلوقًا من طبائعه، ومن كل ما سوى مولاه، باقٍ بربه لا يشهد إلا علاه\" (١).\nومرة أخرى يعرض لبيان هذه المقامات؛ ولكن في حالة خاصة، وهي حالة الاستغراق مع الذكر، يقول: \"الله الله الله كرره ثلاثًا، إشارة إلى أن المراتب ثلاثة: توحيد الأفعال، والصفات، والذات، فإذا قال: الله، شاهد أفعاله في خلقه، وإذا قالها ثانيًا: شاهد الصفات، فيشاهد أن الله متصف بكل كمال، وإذا قالها ثلاثًا: ارتقى لمشاهدة الذات، فيشهدها بدون الصفات، وهي مرتبة أهل الفناء، أو مع الصفات والأفعال، وهذه مرتبة أهل البقاء\" (٢).\nويقول في حال الاستغراق مع الذكر الصوفي المعروف (الله): \"إن من داوم على ذكره في خلوة مجردًا، بأن يقول: الله الله؛ حتى يغلب عليه منه حال، شاهد عجائب الملكوت، يقول بإذن الله للشيء كن فيكون، وهو ذكر الأكابر من المولهين وأرباب المقامات، وأهل الكشف التام\" (٣).\n* * *\n\nولم تكن هذه المقامات الثلاثة؛ هي منتهى المقامات المعروفة عند الصوفية، وهذا ما فصل الصاوي القول به عند شرحه لبيت الدردير في منظومته:\nوجد لي بجمع الجمع فضلًا ومنة ... وداوى بوصل الوصل روحي من الضنا.\nيقول معربًا القول في معاني هذه الكلمات، التي سألها الدردير في دعائه:\n\"اعلم أن لهم مقامًا يقال له: الفناء.\nومقامًا يقال له: البقاء، والجمع والفرق.\n_________\n(١) حاشية الصلوات: ٩١.\n(٢) المرجع السابق: ٣٨.\n(٣) المرجع السابق: ١١٠.","vol":"1","page":707},{"text":"ومقامًا يقال له: جمع الجمع.\nومقامًا يقال له: الفرق الثاني.\nومقامًا يقال له: الوصل.\nومقامًا يقال له: وصل الوصل\".\nوبعد هذا التقسيم المجمل يشرع في بيان حقيقة هذه المقامات بما يماثل ما تقدم من أقواله، وبذلك في المقامين الأولين، ولكنه يزيد في إيضاح سبب تسمية مقام البقاء بالجمع والفرق، فيقول: \"ومشاهد الوحدة مشاهد للذات متصفة بالأسماء والصفات مثبتًا للآثار، جامعًا بين الحق والخلق، وهذا هو الكمال بعينه، فلذلك قالوا: لا بد لكل فناء من بقاء، ومقام البقاء هذا هو المسمى بالجمع والفرق، فجمعه شهود لربه، وفرقه شهود لصنعه.\nأما عن المقامات التالية لهذا المقام؛ فكلامه في توضيحها وبيان ما يختص بها من أحكام هو التالى:\n\"أما الجمع: فهو مقام أعلى من البقاء، وهو أن يأخذه الحق بعد بقائه، فيسكره في شهود ذاته تعالى، فيصير مستهلكًا بالكلية عما سوى الله تعالى، فمنهم من يبقى بهذه السكرة إلى الموت كالسيد البدوي (١)، ولذلك قال العارفون: إنه جذب جذبة استغرقه إلى الأبد، ومنهم من يرد إلى الصحو عند أوقات الفرائض، والقيام بأمور الخلق، كالسيد الدسوقي (٢) وأضرابه والمؤلف؛ فيكون رجوعًا لله بالله، لا للعبد بالعبد\".\n_________\n(١) هو أبو العباس أحمد البدوي ولد بمدينة فاس بالمغرب، انتقلت أسرته إلى مكة المكرمة وعاش فيها زمنًا ثم انتقل إلى العراق ومصر واستقر في طنطا، نسب إلى الصوفية الكثير من الغرائب والعجائب، حكى عنه أنه أصيب بحالة وله فاضطربت لذلك أحواله ولم يستقر له أمر حتى مات سنة ستمائة للهجرة وقبره من أكبر المزارات التي يقصدها الكثير من الناس بأنواع البدع والشركيات، انظر: طبقات الشعراني: (١/ ٣١٠).\n(٢) هو إبراهيم الدسوقي القرشي، أحد كبار الصوفية وصاحب طريقة معروفة، نسب إليه الكثير من أوهام الصوفية وخرافاتهم، قيل عنه أنه كان يدعى التحكم في أبواب الجنة والنار بأمر من رسول الله - ﷺ -، كما نسبت له أبيات في غاية الخطورة لما تحمله من معاني الفناء الوجودي، منها: =","vol":"1","page":708},{"text":"ومن هذا الرجوع يأتي بيان المقام الذي يليه وهو الفرق الثاني، يقول: \"وهذا الرجوع يسمى بالفرق الثاني.\nوأما الوصل؛ فهو تلذذ القلب بشهود الحق بعد زوال الحجب الظلمانية والنورانية. فإن دام له الشهود يقال له: وصل الوصل، أي الوصل الكامل، كقولهم: سر السر، وعين العين، مبالغة في كمال الشيء\". (١)\n* * *\n\nالمناقشة:\nإن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته الحسنى، وبكماله المنزه عن المثيل والشريك؛ حقيقة فطرية أقامها المولى في قلب كل العباد، يوم أخذ الميثاق عليهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾\nفالفطرة السليمة لا تدل على مجرد معرفة الله تعالى، أو الإقرار بوجوده؛ بل إن ذلك الإقرار ليتضمن من الإيمان بحقائق الكمال ما يعجز المنصف عن إنكاره؛ إذ حقيقة الإقرار بوجود الله تعالى تعني الإيمان بربوبيته، والربوبية هي اعتقاد تفرد الرب تعالى بكل صفات الغنى والقوة والكمال والإحاطة والصمدية، وكل ما يقتضى قيامه تعالى بأفعال الربوبية، ولم تكن هذه الحقيقة بمكان ينازع فيه العقلاء؛ حتى أن كفار قريش عندما أنكر عليهم الباري عبادتهم غير الله بالسؤال عن خالقهم؛ لم يملكوا سوى الإقرار بربوبيته تعالى.\nكما أن الالتجاء إلى الله تعالى في البأساء والضراء مما غرس إرادته في النفس\n_________\n= أنا ذلك القطب المبارك أمره ... فإن مدار الكل من حول ذروتي\nأنا شمس إشراق العقول ولم أفل ... ولا غبت إلا عن قلوب عمية\nبذاتي تقوم الذات في كل ذروة ... أجدد فيها حلة بعد حلة\nتوفى سنة: ٦٧٦ هـ. انظر: طبقات الشعراني: (١/ ٣٠٨).\n(١) شرح المنظومة: ١٤١.","vol":"1","page":709},{"text":"البشرية، حتى إذا خلصت من الأهواء والشهوات لمكان نزول الضر، الذي استقر في صميمها أن دفعه لا يكون إلا من جهة الرب، سكنت بكليتها لهذا النداء الفطري، واتجهت برفع الأيدي؛ لتترجم مقتضى هذه الفطرة، بكلمات تضم صراحة أعلى درجات الإيمان بالله تعالى، والإقرار بكمال ربوبيته وجلاله وعظمته، ولهذا أشار الحق بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].\nومن هنا كان الاستدلال بالخلق على الخالق تعالى؛ هو من قبيل الكشف عن هذه الحقيقة الفطرية المغروسة في النفس البشرية، ومن ثم تنبيهها إذا أصابتها الغفلة أو علاها النسيان، ولهذا امتدح المولى تعالى عباده الذين يتفكرون في عظيم مخلوقاته؛ إذ يتحقق بذلك استشعار عظمة الله تعالى، ومن ثم إخلاص العبادة له على وجه يتم به تحقيق مقتضى الإيمان من التسليم لمراضى الرب تعالى، وعلى هذا فليس الاستدلال بالخلق على الحق سبحانه هو مقام المحجوبين؛ كما يدعي الصاوي، بل حقيقة هذا الاستدلال إن صح إطلاق ذلك المسمى عليه؛ ترتيب مقدمات ضرورية فطرية، تسلم أيضًا إلى نتيجة فطرية، فكون هذه الموجودات مخلوقة؛ فمن الأمور الفطرية، التي لم يمارى فيها من لم تدنسه أوهام الفلسفات، وكونها مخلوقة لله تعالى فهي أيضًا من الأمور الفطرية، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].\n* * *\n\n- وقبل الخوض في مسألة المقامات التي اعتمدها الصاوي، لا بد أولًا من توجيه الألباب إلى أن كل هذه المصطلحات من البدع الحادثة، التي لم تصل إلينا بطريق معتمد، يتحقق به التشريع والتعبد، ولكن لما اشتهر الحديث عنها بين الصوفية على طبقاتهم المختلفة؛ فكان منهم أهل تقوى وورع وعلم، وكان منهم من هو بخلاف ذلك، ممن تستر بهذه التسمية ليدخل على الإسلام والمسلمين أشد أنواع الفتن في الدين، عمد أهل التحقيق بدافع الورع والإنصاف إلى تحليل هذه المفاهيم الذوقية،","vol":"1","page":710},{"text":"وعرضها على منهج السلف الكرام، فقبلوا ما كان موافقًا لذلك منها، وردوا ما خالف وخرج عن النهج القويم، تمامًا كما اجتهدوا في النصح لدين الله تعالى في مواجهة ما أحدثه المتكلمون من استخدام ألفاظ مبتدعة، كالجوهر والعرض والتحيز والجهة، إلى غير ذلك مما أقاموا عليه صرح مواقفهم الكلامية في بناء العقيدة على أسس ليس لها من الإسلام مستمد، فكانوا كمن رفع بنيانه على شفا جرف هار لم يتمالك أمام معاول النصح الصادق لدين الله تعالى، فانهار على أم رأسه، وبقى الحق موقوفًا على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.\nومن هنا قام أهل العلم؛ بدافع الإنصاف والتحقيق إلى سبر أغوار هذه المصطلحات، وعرضها على النهج القويم، فقبلوا منها ما استقام معناه وردوا ما أجحف وضل وغاب عن الحق، ليس من باب التسليم بصحة ما ذهب إليه أولئك، وإنما من باب إقامة الحجة، ورد الباطل، والدفاع عن العقيدة الصحيحة، مع الالتزام بآداب الجدال الصحيح، الذي تقوم أركانه على الاعتدال والتوسط مع رد المتشابه إلى المحكم؛ تمسكًا بحقيقة الحكمة التي أنيط بتحقيقها صدق الدعوة إلى الله تعالى.\nفالفناء والبقاء والجمع والفرق والصحو والمحو والسكر والوجد، كلها مصطلحات غريبة المبنى والمعنى، لا يمكن أن تعتمد في بناء العقيدة، وهي معرفة الله تعالى وتوحيده والإيمان به، ويتضح هذا إذا علم على جهة اليقين بأن أعظم رسالة للأنبياء والرسل كانت في بناء هذه العقيدة في قلوب الناس، فكيف يغفل خيرة خلق الله تعالى وأبرهم قلوبًا وأصدقهم إيمانًا، أولئك الذين اختارهم الله ليكونوا ترجمانًا حيًا لما أوحاه الله إليهم يصدق بكل ما جاءوا به من عند الله تعالى، كيف يغفل أولئك الأخيار عن هداية الناس لمثل هذه المقامات، التي أناط الصوفية بتحقيقها نيل درجة الولاية: أسمى أماني العبد، الذي يريد أن يكون من أهل هذه البشرى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].\nولكل الذي تقدم؛ فإن كل ما سيأتي بيانه وتفصيله في ثنايا دراسة هذه المقامات","vol":"1","page":711},{"text":"تحليلًا وعرضًا ونقدًا، فإنما يستمد من طريقة أولئك العلماء؛ نصحًا لدين الله تعالى، واستجابة لداعى الإنصاف والعدل.\n* * *\n\nأولًا: تعريف الفناء:\nلما كان الفناء هو أول المقامات الآنفة الذكر، وكان بمثابة البوابة التي دخل منها أهل التصوف إلى درجات الترقى في سلم الوصول إلى الولاية؛ كما اعتقدوا بغير سلطان آتاهم، صح أن أبدأ الحديث به.\nفإن ما ادعاه الصاوي من أن مقام الكمل في التوحيد هو مقام الفناء، حيث لا يشهد العبد سوى ذات الله تعالى، فليس بمسلم له، فإن تفصيل القول فيه كما يلي: أن للفناء أقسام بعضه مقبول، بل عليه مدار التوحيد، وهو الفناء عن عبادة السوى.\nوبعضه مردود؛ باعتبار ما فيه من الابتداع، الذي قد يؤدى بصاحبه إلى بوابة الإلحاد، وهو الفناء عن شهود السوى، وغايته تعمق في توحيد الربوبية، وشهود للقدر.\nوبعضه كفر بواح، مناقض للدين بالكلية، وهو الفناء عن وجود السوى، فليس ثمة موجود إلا الله، وهذا ما حكاه ابن عربي وأمثاله من الملاحدة.\nولكن لما كانت هذه المصطلحات؛ كما هو واضح من التقسيم السابق، محل اشتباه وإيهام؛ فقد حذر من الاغترار بها العلماء، \"فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية، دخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق، وأراد قدماء الصوفية بالفناء نسيان المخلوقات، وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله، ولا يسلم إليهم هذا أيضًا، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات، ورؤيتها والإقبال عليها، وتعظيم خالقها\" (١).\nوأدع تفصيل القول فيما يقبل منه وما يرد - إنصافًا وتحقيقًا - لشيخ الإسلام\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء: (١٥/ ٣٩٣).","vol":"1","page":712},{"text":"- ﵀ -؛ فقد أتم بيان ذلك، حيث يقول: \"الفناء ثلاثة أقسام: فناء عن وجود \"السوى\"، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة \"السوى\":\nفالأول؛ هو فناء أهل الوحدة الملاحدة؛ كما فسروا به كلام الحلاج، وهو أن يجعل الوجود وجودًا واحدًا.\nوأما الثاني؛ هو الفناء عن شهود السوى، فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين؛ كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله، وهو مقام الاصطلام، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته، وبمذكوره عن ذكره، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وهذا كما يحكى أن رجلًا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في الماء؛ فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟، فقال: غبت بك عنى، فظننت أنك أنى، فهذا حال من عجز عن شهود شيء من المخلوقات؛ إذا شهد قلبه وجود الخالق، وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين، ومن الناس من يجعل هذا من السلوك، ومنهم من يجعله غاية السلوك، حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية، فلا يفرقون بين المأمور والمحظور، والمحبوب والمكروه، وهذا غلط عظيم، غلطوا فيه بشهود القدر وأحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهي وعبادة الله وحده وطاعة رسوله، فمن طلب رفع بهذا الاعتبار لم يكن محمودًا على هذا، ولكن قد يكون معذورًا.\nوأما النوع الثالث؛ وهو الفناء عن عبادة السوى، فهذا حال النبيين وأتباعهم وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وطاعته عن طاعة ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة إبراهيم، ويدخل في هذا أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطى إلا لله، ولا يمنع إلا لله فهذا هو الفناء الديني الشرعي، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه\". (١)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (٢/ ٣١٣ - ٣١٤).","vol":"1","page":713},{"text":"وعليه فإن كل ما أتى الصوفية به في مقام الفناء عن شهود السوى؛ إنما هو من قبيل تقرير المسلمات، والاستدلال لليقينيات، وجعل غاية الطلب في تقرير أمر قد سلم له الكثير من المشركين، والكفرة المارقين، \"وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين، الذين كانوا يعبدون الأصنام، الذين قال الله عنهم: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] \" (١)\n\nأحكام الفناء:\nأما عن الأحوال التي قد تعترض صاحب هذا المقام من الذهول والخروج عن طور التكليف؛ كما بين الصاوي، حتى سوغ لصاحبه هذا المقال الشنيع، وهو قوله: انشلنى من أوحال التوحيد، الذي صار ذكر أكابر المولهين من أصحاب الطرق الصوفية المتأخرة، لمن الأمور التي يعلم بطلانها بالضرورة من دين الإسلام، وهذه المقولة وأمثالها من شطحات الصوفية قد فصل العلماء في بيان حكم قائلها بما يقطع عدم إرادتها من جهة الشرع، فليس يخرج قائلها عن قولها: إما بعمد، أو غلبة حال.\nفإن كان الأول؛ فهو كافر مارق، وهذا من ألفاظ الردة؛ لأن فيها استهزاء بالدين، ووصفًا للب الدين، وحقيقة العبودية؛ بما يستقذر منه.\nوأما إن قالها عن غلبة حال؛ فهو معذور لزوال عقله، ومن هنا فليس حاله حال كمال، بل هو حال نقص، لأن زوال العقل مما لا مدح فيه.\nوإن كان زوال عقله بقصد وتعمد فهو آثم؛ لأنه سلك غير سبيل المؤمنين، التي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (٨/ ١٠١).","vol":"1","page":714},{"text":"كان عليها الصحابة - رضوان الله عليهم - في طلب القرب من المولى تعالى، وإن كان قد وصل إلى ما وصل بلا تعمد؛ كحال بعض المجانين، الذين عظم شأنهم الصوفية فهؤلاء معذورون، والإثم يلحق بمن عظم كلامهم حال اصطلامهم، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"فمثل هذه الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور، ليست علمًا ولا حقًا، بل غايته أنه نقص عقله، الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر، لا أن يكون قوله تحقيقًا\". (١)\nولا شك أن هذا كله من كيد الشيطان، يقول الإمام ابن القيم في بيان ما لبس عليهم من وحيه وكذبه: \"ومن كيده: ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن، فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق، والتجافي عما عليه أهل الدنيا وأهل الرياسة والفقهاء وأرباب العلوم، والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول؛ نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له، فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات\". (٢)\n\nثانيًا: تعريف البقاء:\nأما عن حقيقة البقاء الشرعية، فإذا كان الفناء عن إرادة السوى هو حقيقة التوحيد، وغاية الإخلاص لله تعالى، وهو المراد من أنواع الفناء، الذي اجتهد في تحصيلها العباد؛ فما هو البقاء الشرعي المقابل لذلك الفناء، الذي يدعيه أهل البدع والضلالات؟ إن البقاء المحمود؛ كما يقول شيخ الإسلام - ﵀ -، هو ما كان عليه سلف الأمة، وهو البقاء في مراضى الرب تعالى، كما قال - عليه الصلاة\n_________\n(١) المرجع السابق: (٨/ ٣١٣).\n(٢) إغاثة اللهفان: ١١٩.","vol":"1","page":715},{"text":"والسلام - في الحديث القدسي: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشى عليها، ويده التي يبطش بها) (١).\nوهذا البقاء لا ينافي الفناء الشرعي، حيث يصير العبد فانيًا \"عن تأله ما سوى الله؛ بتأله الله تحقيقًا لقوله: (لا إله إلا الله)، فينفى ويفنى من قلبه تأله ما سواه، ويثبت ويبقى في قلبه تأله الله وحده\" (٢).\nوكل معنى للبقاء سوى هذا؛ فهو مردود: إما أن يدخل صاحبه في دائرة الابتداع، أو دائرة الكفر بالقول بوحدة الوجود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>أحكام البقاء:</span>\nيرى الصاوي أن للبقاء أحكامًا تكون علمًا على بلوغ هذه المرتبة للسالك، فالاستدلال بالصنعة على الصانع عنده هو طريق السالكين الذين لما يصلوا بعد، أما الاستدلال بالله على خلقه فهذا هو صفة الواصلين من أهل البقاء، وغاية ما فيه استغراق في توحيد الربوبية، ولكنه غير كافٍ في بلوغ منازل الكمل من الناجين\" فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية، الذي يقر به النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين، . . .، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده، ويتبرأ من عبادة ما سواه، كان مشركًا من جنس أمثاله من المشركين\" (٣).\nومع ذلك فإنه لا يسلم له أن طريق الاستدلال بالخلق على الخالق طريق السائرين الذين لم يصلوا بعد، بل قد أمر المولى عباده به، ووصف من انتهجه منهم بالعقل والفكر، قال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وسيأتي تفصيله في المبحث التالي بإذن الله.\nأما ما ادعاه الصاوي من أن البقاء الذي يتبع الفناء، يطلق العبد من التكاليف، فتخرج أفعاله عن مقتضى الحساب من العقوبة والذنب، فهذا عين التقول الباطل،\n_________\n(١) سيأتي مزيد بيان عن هذا في المبحث التالي بعون الله تعالى: ٧٢٣.\n(٢) مجموع الفتاوى: (٨/ ٣٧٠).\n(٣) شرح الطحاوية: ٣٦.","vol":"1","page":716},{"text":"قد اعتقد أن العبد إذا استغرق في مقام الفناء؛ فإنه يصل إلى البقاء بربه، حتى يتمكن من شهود ذاته تعالى متصفة بالأسماء والصفات، وبالتالي فإن أفعاله تصير مرادة للحق تعالى مهما كانت على اعتبار موافقتها لأفعال الله القدرية، حيث شهد ذاته تعالى متصفة بصفات الربوبية، فهذا نوع من التعمق في شهود القدر بما لم يشرع، بل هو عين مخالفة أمر النبي - ﷺ -، كما أن فيه مماثلة لأفعال المشركين الذين احتجوا بالقدر، وليس لهم حجة في ذلك؛ لقيام الحجة عليهم بالتكليف وإرسال الرسل، وقد سماهم شيخ الإسلام بالإبليسية؛ لموافقتهم إبليس في فعله، والذي يترجح عندي أن هذا الحال مخالف للشطحات التي قد تصدر من الفاني بلا إرادة، لأن البيت الذي استدل به على ما قدم من أحكام وهو: \"وبعد الفنا في الله كن كيفما تشا\"، فيه إثبات لمشيئة المريد، فليست تخرج أفعاله عن مقتضى إرادته. وهذا هو حقيقة وصفه بالبقاء، ومن ثم فلا حجة له في زوال التمييز؛ لأنه في حالة صحو كما هو ظاهر، وهذا ما يسمى بإسقاط التكاليف.\nوعليه فإن في هذا الكلام من إبطال الشرائع، وهدم العقائد ما لا يخفى خطره، ومن ثم فليس يحتاج لهدمه كبير معول، وتكفي الإشارة إلى ما كان عليه النبي - ﷺ - وهو أكمل العابدين، وأيضًا ما كان عليه الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - من التمسك بشرائع الدين حتى لقوا الله على ذلك، ولا شك أن هذا من الأوهام الصوفية المتأثرة بغثاء الأمم الكافرة من الفلسفة والبوذية وغيرها.\nومن جملة ما ادعاه الصاوي لهذه المرتبة من الأحكام أن يقول صاحب المقام المستغرق في الذكر للشيء كن فيكون بإذن الله، فإن هذا في حقيقة الأمر من أوهام الصوفية التي لا تستند إلى شرع أو عقل، وقد تقدم الحديث عنها في مبحث شهادة التوحيد ونواقضها؛ فإن هذه الكلمة هي مما اختص الله تعالى به لتمام ربوبيته وقيوميته واستغنائه عن كل ما سواه، وقد أتت بما يفيد الحصر، فلا مثيل له ولا رب سواه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]","vol":"1","page":717},{"text":"يقول الإمام ابن جرير في تفسير الآية: \"يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائنا لهم، ولا في غير ذلك مما نخلق ونكون ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له: كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كلفة علينا.\nواختلفت القراء في قراءة قوله: يكون، فقرأه أكثر قراء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كلام تام مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: فيكون، كما قال الشاعر: يريد أن يعربه فيعجبه\" (١).\nولا شك أن هذا لا يكون إلا لله تعالى، واعتقاد أنه يحصل لغيره من خلقه بإذنه يحتاج إلى دليل يدل عليه، فإن عيسى - ﵇ - وهو رسول أيده الله بالمعجزات إثباتًا لنبوته وتأييدًا له فأعجز قومه بإذن الله في إبراء الأكمه والأبرص وخلق الطيور من الطين والنفخ فيها، إلى غير ذلك لم يثبت أنه كان ينطق بهذه الكلمة: (كن فيكون) عند فعل هذه الأمور وإنما الذي ثبت أنه كان يدعو الله فيرقي المرضى فيشفيهم الله بحوله وقوته، وهي معجزة قد ثبتت حتى لنبينا - ﷺ -.\nومن جهة أخرى فإن حقيقة المعجزات أفعال لله تعالى أيد بها عباده المرسلين؛ فلا تصح لأحد غيرهم.\nفلما انعدم الدليل المؤيد لهذه المقولة واستبان خواؤها وبعدها عن الحجج البرهانية علم أنها من أوهام الصوفية، والتي تعد من وسائل الشرك الصريح، فإن اعتقاد الإذن لا يكفي في نسبة هذه الأمور التي علم بالضرورة اختصاص المولى بها لغير الله؛ ما لم يدل دليل صريح على إمكانها وحصولها، بل إن هذه المقولات وما يشابهها هي عين ما كان يشتبه على كفار قريش في آلهتهم التي كانوا يعتقدون عبوديتها لله ولكنهم ظنوا أن لها قدرة بإذن ربها على التصريف والعطاء والمنع لمكانتها عنده، فصرفوا لها الآلهة، وكانوا يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى زلفى.\n_________\n(١) جامع البيان: (١٤/ ١٠٦).","vol":"1","page":718},{"text":"وهذه المرتبة أشد نكارة من التي قبلها؛ لأن فيها من معاني وحدة الوجود الشيء الكثير، ومع أن الصاوي قد أقر بأن هذا مراد الصوفية من وحدة الوجود إلا أن هذا مما لا يسلم له بإطلاق، لأن وحدة الوجود بالمعنى الصوفي الفلسفي تعني أن عين وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nولأهمية هذه القضية فسيأتي تفصيلها في مبحث مستقل بإذن الله تعالى.\n* * *\n\nوقد كان حديثه في باقي المقامات من الجمع والفرق، وجمع الجمع وغير ذلك مما كثر فيه خوض أرباب السلوك والأحوال، من الأمور التي لا يسلم إرادتها من جهة الشرع، وذلك لأنها من البدع المحدثة، التي لم ترد ألفاظها في الكتاب أو السنة، وعليه فمن غير المسلم أن تكون نهاية إرب أهل التوحيد وأولى الاستقامة، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.\nثم أن ما تحويه هذه المصطلحات من ألفاظ غريبة، يصعب فهمها، ومعرفة معانيها لكثير من الناس، لما يقطع بعدم اعتمادها في هذه المرادات العظيمة، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - بعد أن سبر أغوار مذهبهم ومحصه على ضوء الهدى النبوي: \"فلا تجد هذا التكلف الشديد، والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة أصلًا، وإنما يوجد عند من عدل عن طريقهم، وإذا تأمله العارف وجده كلحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فيطول عليك الطريق، ويوسع لك العبارة، ويأتى بكل لفظ غريب، ومعنى أغرب من اللفظ، فإذا وصلت لم تجد معك حاصلًا طائلًا، ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنًا\" (١).\nومن جهة أخرى؛ فإنه لا يخفى ما في هذه الألفاظ والمعاني من التنطع الذي أتى بذمه الكتاب والسنة، وكما يقول ابن القيم - ﵀ -: \"فإن لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي نجدها في كثير من كلام هؤلاء تنطعًا؛ فليس للتنطع حقيقة\" (٢).\n_________\n(١) مدارج السالكين: (٣/ ٤٠٥).\n(٢) المرجع السابق: (٣/ ٤٠٧).","vol":"1","page":719},{"text":"والذي أدى بهم إلى هذا المسلك الضال؛ ما اعتمدوه من إعمال الرأي في دين الله، فضلوا عن المنهج النبوي إلى مثل هذه المحدثات، التي كانت مدخلًا للكثير من أوهام الملحدين والزنادقة والمارقين: أمثال ابن عربي وغيره.\nولما كانت هذه الاصطلاحات المبتدعة من الألفاظ المجملة، التي هي محل اشتباه في مرادها من حيث المعنى، فقد فصل الأئمة في الكلام عنها؛ كما فصلوا في مقام الفناء والبقاء؛ ببيان الوجه المراد منهما، وبيانه كالتالي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>مقام الجمع:</span>\nإن حقيقة الجمع في اصطلاح القوم: \"شخوص البصيرة إلى من كانت منه المتفرقات كلها\" بمعنى أن يقبل العبد بكليته إلى مولاه؛ فلا يبقى لأحد منه التفات، فحقيقته، امتداد لمقام الفناء مع زيادة في المعنى، ولهذا الجمع أنواع: فمنه جمع الوجود، ومنه جمع الشهود، ومنه جمع الإرادة والقصد:\nفأما جمع الوجود؛ فهذا هو المعنى الباطل، الذي عليه أهل الإلحاد والزندقة، كما عرفه ابن عربي: هو الاستهلاك بالكلية في الله.\nوأما جمع الشهود، فهو كما عبر عنه الصاوي بقوله: أن يسكره في شهود ذاته تعالى، فيصير مستهلكًا بالكلية عما سوى الله تعالى، ومع أنه قد يقرب من المراد إلا أن ما وقع فيه أربابه من مقاربة لأوهام الملاحدة؛ جعل القول به خطرًا محدقًا يكاد أن يكون بوابة لجمع الوجود، يصدق هذا استدلاله بحال البدوي، الذي نسب إليه الكثير من أوهام الصوفية في معرفة الغيوب والتصرف في الكون؛ حتى صار قبره وثنًا يعبد من دون الله، حيث تشد الرحال إليه لطلب الحاجات ورفع البلايا النازلات.\nوكان جمع القصود مرادفًا لمعنى الفناء عن عبادة السوى، وهذا هو \"الجمع الصحيح الذي عليه الاستقامة، وهو جمع توحيد الربوبية والإلهية، فيشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه، يدبر أمر عباده وحده.","vol":"1","page":720},{"text":"وأما جمع توحيد الإلهية، فهو أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على الله، وإرادته، وحركاته على أداء حق الله تعالى، والقيام بعبوديته سبحانه، فتجتمع شؤون إرادته على مراده الديني الشرعي\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>مقام الفرق:</span>\nوأما مقام الفرق؛ فهو أيضًا في مقابل مقام البقاء بعد الفناء، لذلك يسمى بالفرق الثاني، حيث يصير العبد في حال من الصحو يتمكن بها من التمييز ومشاهدة الفروق، وقد قسم الإمام ابن القيم الفرق إلى الثلاثة أنواع: فرق حيواني، وفرق إسلامي، وفرق إيماني، وجعل الفرق الحيواني ما يحصل بمجرد الطبع والميل، حيث يكون موجب تفريقه ومعياره ما يمليه عليه طبعه وهواه، وهذا فرق المشركين وغيرهم من أهل الأهواء.\nأما الفرق الإسلامي؛ فهو تفريق العبد بين ما شرعه الله وأمر به وأحبه ورضيه، وبين ما نهى عنه وكرهه ومقته، وكل من فقد التفريق بين هذه الأمور المتضادة؛ فقد خرج عن دائرة الإسلام.\nوأما الفرق الإيماني؛ فهو ما يتوصل إليه بتحقيق مقتضى الإيمان بصفات الله تعالى؛ فيحصل للعبد بذلك التفريق بين أفعال الله تعالى وبين أفعال العباد، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين بهم، فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق، ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره\" (٢).\n\"وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفى عن قلبه ألوهية ما سوى الله، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شيء من المخلوقات،\n_________\n(١) مدارج السالكين: (٣/ ٤٧١).\n(٢) العبودية: ١٥٥.","vol":"1","page":721},{"text":"مثبتًا لألوهية رب العالمين، ورب الأرض والسماوات، وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله، وعلى مفارقة ما سواه، فيكون مفرقًا في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته: بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالمًا بالله تعالى، ذاكرًا له، عارفًا به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وانفراده عنهم، وتوحيده دونهم\" (١) وكان فرق الصاوي مغايرًا لهذه الحقيقة الإيمانية، يكشف هذا أنه استدل بحال الدسوقي في تحقيق هذا المقام مع ما حكى عنه من أقوال تخرج بقائلها عن دائرة الإسلام، والذي يظهر أن ما اعتمده الصاوي من حاله حتى حكم عليه أنه من أهل هذا الضرب من المقامات؛ تمسكه بأحكام الشريعة الظاهرة من الصلاة والصيام وغيرها مع ما ادعاه من اطلاع على الغيب وتحكم في المخلوقات، وغير ذلك من ترهات الصوفية وخرافاتهم.\nأما عن مقام الوصل؛ فهو أحد المواجيد التي يعبر بها عن مقام الفناء التام عندهم، لذا فإنه يقال فيه ما يقال في مقام الفناء من حيث التفصيل، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) المرجع السابق: ١٦٥.","vol":"1","page":722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>(المبحث الثاني): منهج الصوفية في التأصيل للمقامات</span>\nلقد اجتهد أهل التصوف في التأصيل لمذهبهم من الكتاب والسنة؛ إمعانًا منهم في التبرير لكل ما أتوا به من أمور لم يكن لها مستند من الشرع، وحتى يتم لهم المراد؛ اعتمدوا التأويل كوسيلة أساسية يتمكنون بها من لي أعناق النصوص؛ وفقًا لما أملته عليهم أهواءهم، بعيدًا عن حقائق الدين والعقل، فقد \"استطاع الصوفية - متبعين في ذلك الشيعة - أن يبرهنوا بطريقة تأويل نصوص الكتاب والسنة تأويلًا يلائم أغراضهم، على أن كل آية، بل كل كلمة في القرآن، تخفى وراءها معنى باطنًا لا يكشفه الله إلا للخاصة من عباده\" (١).\nوكانت المقامات والأحوال؛ هي أهم ما يجتهد الصوفي المربى من تأصيلها؛ ومن هذا المبدأ ظهر التفسير الإشاري؛ كأبرز معلم يدل على تبنى هذا الفكر وتبلوره عندهم، حتى غدى هذا النوع من التفاسير مشتهرًا بين العامة، لا يكاد يفطن للخلط الذي حواه إلا أولو العلم المحققون.\nولم تقتصر جهود أولئك المبتدعة على تحريف آيات الكتاب الكريم لتقرير مبادئهم وأصولهم، بل تعدى فعلهم ذلك إلى السنة المطهرة على صاحبها - أتم الصلاة وأزكى التسليم -، فأخذوا يحرفون الكلم؛ ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين، فامتدت أيديهم إلى عدد من الأحاديث، على مختلف درجاتها من الصحة إلى الضعف، وراموا هدم حقائقها الإيمانية بمعاول التأويل؛ فضلوا وأضلوا، ولكن أنا لهم؛ وقد قام العلماء المحققون، الذين نالوا شرف النصح لدين الله، للذود عن حماه المقدسة\n_________\n(١) تاريخ التصوف، لنيكلسون: ٧٦.","vol":"1","page":723},{"text":"من أيدي العابثين، فبينوا فساد أقوال أولئك المبتدعة في تحميل النصوص ما لم تحمله من تلك الأوهام، وكانت لهم شروحات وتفاسير جليلة، عمدوا فيها إلى تمييز ما قيل في معناها، ووضعوا لذلك قواعد في فهمها؛ تبعًا لاستقراء النصوص، وفهم أقوال الصحابة، وإعمالًا للغة الدين: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥].\nوغالب ما اعتمده الصوفية من النصوص لتقرير مقاماتهم المتشابه منها، حيث قاموا بالتلبيس على العامة من أتباعهم، وهذا هو الغالب فيهم، وإن كانت قد سبقت الإشارة إلى أنواع من التأويل الصوفي في تأصيل بعض مبادئ التصوف كالعهد والبيعة والطريقة، فسأكتفي هنا بعرض نماذج من تأويلاتهم الباطلة فيما يتعلق بالفناء والبقاء؛ الموضوع الذي دار حوله البحث في هذا الفصل.\nوقد تتفق بعض تأويلاتهم مع المعنى المراد؛ وذلك عند حملها على الفناء، أو البقاء المشروع كما مر سابقًا، أما عند توجيهها إلى تقرير البدع؛ فهنا يكون ردها مما يستلزمه حقيقة النصح لدين الله تعالى.\nومما يستند إليه الصوفية في تقرير الفناء باعتباره سبيلًا لتحقيق التوحيد قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ومرادهم بهذا أنه لا يصل السالك إلى تحقيق التوحيد إلا إذا انتفت عنه الأغيار؛ فيشهد التوحيد بهذه الصورة، حيث لا تكون شهادته نطقًا باللسان، وإنما عن تجربة يشاهد ربه فيها بالذوق والوجدان، يقول أبو سعيد الخراز: \"أول مقام لمن وجد علم التوحيد وحقق بذلك فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده بالله ﷿\" (١). وقد يغرق بعضهم فيرى أنه: \"ليس في التوحيد حلق (٢) وما وحد الله غير الله، والتوحيد للحق من الخلق طفيلى\" (٣).\n_________\n(١) اللمع: ٥٢.\n(٢) أراد به التحليق بالإصبع للدلالة على التوحيد، والله أعلم.\n(٣) اللمع: ٥٢.","vol":"1","page":724},{"text":"وفيما يلي نص من كلام أحد المتأخرين في عرض صورة الفناء: \"إن فناء الصوفي ليس فناء جسد في جسد، ولا فناء روح في روح، إنه فناء إرادة في إرادة، وفناء أخلاق في أخلاق، أو كما يقول الصوفية فانيًا عن أوصافه؛ باقيًا بأوصاف الحق، . . .، وهذا الفناء هو الذي عبر عنه الحديث النبوي: (تخلقوا بأخلاق الله)، والحديث القدسي (فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه). (١)\nوقد كان الحديث الأول بلفظ تخلقوا بأخلاق الله مما لا أصل له، وقد بنى عليه الصوفية الكثير من أوهامهم، وهذا الغزالي يعقد فصلًا يبين فيه أهمية التخلق بالأخلاق الإلهية بأنه لا سعادة للعبد ما لم يكن له نصيب من ذلك (٢).\nأما الحديث الثاني فهو المعول عليه عندهم في مقام الفناء والبقاء، يقول الكاشاني في تعريف المحو: \"هو إزالة العلل والآفات، ويقابله إثبات المواصلات، وذلك برفع أوصاف العبد، ورسوم أخلاقه وأفعاله بتجليات صفات الحق وأفعاله، كما قال: (كنت سمعه الذي يسمع به) \" (٣)\nيوضح هذا المعنى العطار (٤)، فيقول: \"إن معنى كنت سمعه. . إلخ أن ذلك الكون الشهودي - الفناء عن الشهود - مرتب على ذلك الشرط الذي هو حصول المحبة، فمن حيث الترتيب الشهودي جاء الحدوث المشار إليه بقوله: كنت سمعه، لا من حيث التقرير الوجودي\". (٥) ولكن الكثير من الصوفية من يستدل به على الكون الوجودي كحال ابن عربي وغيره.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق - باب التواضع، رقم الحديث: ٦٥٠٢: انظر: التعرف لمذهب التصوف: ٥.\n(٢) انظر: المقصد الأسنى: ٤٥.\n(٣) اصطلاحات الصوفية للكاشاني: ٩٥.\n(٤) هو حسن بن محمد بن محمود العطار من علماء مصر، أصله من المغرب، ولد سنة: ١١٩٠ هـ تولى إنشاء جريدة الوقائع المصرية في بدء صدورها، ثم مشيخة الأزهر، له ديوان شعر وعدد من الحواشي في العربية والمنطق والأصول، توفى سنة: ١٢٥٠ هـ. انظر: الأعلام: (٢/ ٢٢٠).\n(٥) حاشية العطار على جمع الجوامع: (٢/ ٥١٣).","vol":"1","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nلما كان بلوغ هذه المقامات من أسمى مقاصد الصوفية في تحقيق التوحيد، وكان الصاوي من تابعي التأصيل لهذه المراتب من جهة الشرع، أخذ في الاستدلال لتلك المقامات بالحديث القدسي المعروف، يقول: \"فأشار في الحديث إلى مقام السائرين بقوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل).\nوإلى مقام الفناء المحض بقوله: (حتى أحبه).\nوإلى مقام البقاء بقوله: (فإذا أحببته كنت سمعه)، ومعناه كنت مشهودًا قبل سمعه ومسموعه، وبصره ومبصره، ويده وبطشها، ورجله ومشيها، لكونه يشهدني قبل كل شيء، وهذه آثارى لا ترى له إلا بعد شهودي، وهو معنى قول بعض العارفين:\nتلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار\nويسترسل في توضيح هذه المفاهيم من هذا البيت، فيقول: \"فقوله: تلك آثارنا، أمرنا بالسير لمن يستدل بالصنعة على الصانع.\nوقوله: فانظروا بعدنا، أي؛ بعد الفناء فينا بسيركم إلينا إلى الآثار، أي؛ فاشهدوا آثارنا بعد شهودنا، وهذا مقام البقاء\". (١)\nوهو مع استناده إلى الأحاديث في التأصيل لهذه المقامات؛ فإنه أيضًا يستمد لتشريعها من حياة الأبرار بدءً بسيدهم محمد - ﷺ -، والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرًا -، وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين -، يقول: \"وتارة تضاف حضرة الإطلاق إلى الله تعالى، يقال: حضرة الله حضرة الإطلاق، معناه الفناء المطلق، والكمال المطلق، والتعزز المطلق، وهذا أيضًا يشهده العارفون، فإذا شهده العارف ذاب من خشية الله، وخاف حتى من أعماله الصالحة،\n_________\n(١) حاشية الصلوات: ٣٦ - ٣٧.","vol":"1","page":726},{"text":"وهو الذي قال فيه صاحب ورد السحر: إلهي إني أخاف أن تعذبني بأفضل أعمالي، فكيف لا أخاف من عقابك بأسوأ أعمالي.\nوقال عمر بن الخطاب: ليت أم عمر لم تلد عمر، ليتني كبشًا فسمنني أهلي وأكلوني. (١)\nومن شهودها: جثو الأنبياء على الركب يوم القيامة، وقول النبي - ﷺ -: شيبتني هود وأخواتها (٢) \" (٣)\nكما يستدل لمقام الفناء والبقاء بحال إبراهيم - ﵇ - على جهة الخصوص، فيقول عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]: \"قول إبراهيم رب اجعل هذا البلد. . . إلخ يقتضى أن دأبه الدعاء، وما ورد من قوله حين ألقى في النار: حسبي من سؤالي علمه بحالي، يقتضي أنه لم يكن دأبه الدعاء، فما السر في ذلك؟ .\nأجيب؛ بأنه كان في زمن إلقائه في النار في مقام الفناء والسكر، وهو الغيبة عن شهود الخلق بشهود الحق، فلا يشهد أثرًا، وفي زمن دعائه في مقام البقاء وجمع الجمع وهو البقاء بالله بمعنى شهود الآثار بعد شهود مؤثرها، فمقامه في حال دعائه أعلى وأجل من مقامه في حال تركه له، ولا يقاس بمقامات الأنبياء مقام، بل بدايتهم أعلى وأجل من نهاية غيرهم، فالأولياء وإن عظموا لا يصلون لأدنى رتب الأنبياء، وأما قول أبي الحسن الشاذلي: وأقرب مني بقدرتك قربًا تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك، فمعناه قربًا يليق بى؛ لا كقرب الخليل، فقد طلب من الله أن يذيقه قطرة من بحار تجلياته، التي تجلى بها على الخليل فأسكره، فلم يشهد شيئًا سواه\" (٤)\n_________\n(١) أخرج بنحوه ابن أبي شيبة في مصنفه: كلام عمر - ﵁ -، رقم الحديث: ٤٠: (٨/ ١٥٣).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرآن، باب من سورة الواقعة، رقم الحديث: ٣٢٩٧، وقال حديث حسن: (٥/ ٣٧٥). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: ٢٦٢٧: (٣/ ١١٣).\n(٣) المرجع السابق: ٩١.\n(٤) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٧٦).","vol":"1","page":727},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>المناقشة:</span>\nإن ما اعتمده الصاوي في تحرير المقامات؛ كما فهمها من حديث رسول الله - ﷺ - متابعًا بذلك أسلافه من الصوفية لا يسلم له، وذلك لعدم دلالته على ما ذهب إليه، فإنه أوَّل الحديث إلى حيث يستدل به على مقامات الصوفية في الفناء والبقاء، فجعل التقرب إلى الله تعالى بالنوافل، هو سبيل السائرين المستدلين بالصنعة على الصانع.\nوجعل مقام الفناء في استحقاق المحبة، وذلك في قوله: حتى أحبه.\nومقام البقاء في قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، كما عبر عنه بأن العبد في هذه المرحلة يشهد الله قبل سمعه ومسموعه. . . .\nوحتى يتم التنبيه إلى المراد لا بد من بيان معنى هذا الحديث العظيم، الذي دندن حوله الكثير من المتصوفة في الاستدلال؛ لما أتوا به من محدثات لا تمت إلى الدين بصلة.\nوبادئ ذي بدء؛ فإنه قد سبقت الإشارة إلى أن الله تعالى قد ابتلى عباده بالإيمان بالمتشابه من الأدلة الشرعية، وبين أن الإيمان بها يقتضي التسليم، وعدم اعتقاد التضارب والتناقض في دين الله تعالى، حيث قال في محكم التنزيل على لسان المؤمنين: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ومن هنا قرر العلماء حتى يتحقق التسليم الموجب لدفع التناقض؛ وجوب رد المتشابه إلى المحكم، الذي لا يختلف في معرفة المراد منه، وكان هذا الحديث أحد نصوص المتشابه، الذي يتعين رده إلى ما أحكم من النصوص؛ حتى يتبين المراد منه، دون وقوع فيما نهى المولى تعالى عنه.\nوكما بينت سابقًا فقد يقع التشابه في النصوص؛ تبعًا للاختلاف في فهم النص على العامة، بحيث يغلب عدم إدراك المراد منه على الظاهر؛ مما يؤدي إلى وقوع البعض في اللبس، مع أن الحقيقة المقررة من قبل أهل العلم، تؤكد أن التشابه التام لا يكون إلا فيما يتعلق بالأمور الغيبية، من حيث إدراك الكنه، أما ما يتعلق بفهم","vol":"1","page":728},{"text":"النصوص والإيمان بها؛ فقد بين المولى تعالى أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين، لهذا جاء أمره بتدبر القرآن، حتى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ويقال هذا أيضًا في السنة المطهرة التي وصفها بالبيان، حيث قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾، وإنما كان الأمر برد المتشابه لعلمه سبحانه باختلاف أفهام الناس، وأن منهم من ليست له أهلية كافية في فهم النصوص، فعليه إذا لم يتمكن من إدراك معناها أن يردها إلى المحكم، الذي لا يلتبس معناه على أحد، هذا في حال تمكنه من الاستنباط، أما مع عدم ذلك فيكون الرد لمن أتاه الله علمًا وفهمًا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].\nفالحديث وهو قوله - ﷺ -: (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته). بيان لمراتب القرب من المولى تعالى بحسب ما يتقرب به العبد من المولى تعالى، فقد نص الحديث على أن الفرائض هي أحب ما يتقرب به إليه، وإذا تابعها العبد بمزيد من النوافل والطاعات؛ كان ذلك زيادة في معنى القرب، وهذا القرب هو قرب الرحمة، والكلاءة، والمعونة، والمحبة، لذلك رتب المولى تعالى تحقق ما يطلبه العبد من السؤال، والاستعاذة على ذلك.\nوأما قوله: (كنت سمعه الذي يسمع. . إلخ)؛ فمراده تحقق مرتبة الولاية بموافقة مرادات الرب تعالى، فلا يعمل إلا في محابه، ومرضاته.\nفهذا الحديث الذي قيل فيه: \"إنه أشرف حديث في ذكر الأولياء\" (١)، نص في بيان السبيل المؤدى إلى تحقق العبد من مرتبة الولاية، فليس ثمة طريق إلى مرضاة الله تعالى إلا بما شرعه من القربات والطاعات، بدأً بالفرائض التي أوجب المولى\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب: ٥١٨.","vol":"1","page":729},{"text":"تعالى القيام بها على عباده المؤمنين، وأناط النجاة بها، كما في الحديث الذي فيه أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - يسأله عن الإسلام فذكر له ما افترض عليه وكان في كل مرة يقول له: هل على غيرها؟\nفيقول له النبي: (لا، إلا أن تطوع)، فأدبر الرجل؛ وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا، وأنقص، قال رسول الله - ﷺ -: (أفلح إن صدق). (١)\nفدل ذلك على أن أصل القرب، وهو حقيقة الولاء؛ ينال بالقيام بما افترضه المولى تعالى، أما تمامه وكماله؛ فمتعلق بزيادة التقرب بالنوافل والطاعات.\nوهنا يأتي الحديث عن أثر الحسنات، الذي به يدرك مراد المصطفى بإذن الله، فإن للطاعة بركة وثمرة تتأتى للعبد من جهتين، الأولى: أنها تفتح له باب الزيادة والاسترسال مع مراضى الرب تعالى، وقد قال العلماء: إن دليل قبول العمل الصالح إتباعه بمثله، فالحسنة تجر الحسنة، وهكذا. . . حتى يصير العبد منهمكًا في مراضى الرب تعالى؛ فيتحقق مقتضى الولاية من تمام الموافقة في المرادات الشرعية؛ فلا يمشى ولا يسمع ولا يبصر إلا فيما هو مراد لله تعالى.\nومن جهة أخرى فإن الطاعة محبوبة لله تعالى؛ فإذا استرسل العبد في التقرب إلى المحبوب بما يحبه، واستأثر مراضيه عند غلبة الهوى؛ جازاه المولى تعالى بمحبته له، فالله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيًا مرصوص، وإذا نال العبد محبة الله تعالى حفظه واصطنعه لنفسه، فما يزال سبحانه في كلاءته لعبده، وحفظه له من أنواع المعاصي والذنوب، حتى يصح وصفه بأنه لا يسمع إلا بالله، ولا يبصر إلا به، ولا يمشي إلا به.\nيقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في معنى الحديث: \"والمراد به حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل.\nوأن المحب لا يزال يكثر من النوافل؛ حتى يصير محبوبًا لله؛ فإذا صار محبوبًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب الزكاة من الإسلام، رقم الحديث: ٤٦.","vol":"1","page":730},{"text":"لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى، فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة، فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى، مالكًا لزمام قلبه، مستوليًا على روحه استيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته، التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له، ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع لمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به، فهو في في قلبه ومعه ومؤنسه وصاحبه، فالباء ها هنا باء المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك أنزل الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة، وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق، التي لم يخلق لها، ولم يفطر عليها، كما قال بعض المحبين:\nخيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب\nوقال الآخر:\nوتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي\nومن عجب أني أحن إليهم ... فأسأل عنهم من لقيت وهم معي\" (١)\nوعليه فلا حجة في هذا الحديث لمن استدل به على مقام الفناء والبقاء بالمعنى المنحرف، فقد ذهب غلاة الصوفية إلى أن المراد من قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، اتحاد العبد بربه؛ حتى يصير هذا عين هذا؛ كما قال بذلك ابن عربي وغيره، وهذا يبطله النص ذاته قبل أن يستدل على بطلانه بغيره من النصوص، التي تعلم بالضرورة من دين الإسلام، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان ذلك: فـ \"قد بين في هذا الحديث أن المتقرب ليس هو المتقرب إليه بل هو غيره، وأنه ما تقرب إليه بمثل أداء المفروض، وأنه لا يزال بعد ذلك يتقرب بالنوافل؛ حتى يصير محبوبًا لله، فيسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشي به، ثم قال: (ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)، ففرق بين السائل والمسؤول، والمستعيذ والمستعاذ به وجعل العبد سائلًا لربه مستعيذًا به\" (٢).\n_________\n(١) الجواب الكافي لمن سأل الدواء الشافي: (١/ ١٣٠).\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (١٧/ ١٣٤).","vol":"1","page":731},{"text":"وإذا استحال إرادة ذلك المعنى الباطل من الحديث، فإنه يرد كل معنى لا يدل عليه، ومن ذلك ما ذكره الصاوي في هذا الشأن، فقد أغرب حين استدل به على ما ذكر من المقامات وأبعد، وحقيقة كلامه أنه جعل المتقربين إلى مرضاة الله تعالى، الراجين بذلك عفوه، الراغبين في ثوابه بالنوافل، هم في مقام السائرين، ولما يصلوا بعد إلى مقام الكمل، وأما الذين فنوا في نيل مبتغاهم من أهل محبته، فهم في مقام الفناء.\nويأتي في المرتبة التالية لهم من غرقوا في هذه الحقيقة، حتى صارت معرفتهم بكل شيء سوى الله تالية لمعرفتهم به.\nومع تقدم بيان بطلان أن يكون هذا مقام الكاملين؛ لأن غايته فناء في توحيد الربوبية، الذي لم يكن محل نزاع بين الرسل وأقوامهم، فمعرفة الله تعالى فطرية لم يمار فيها إلا القليل؛ ممن انتكست فطرتهم، وغابوا عما جبلت عليه قلوبهم؛ بما أصابها من رين الشهوات والشبهات، إلا أن المقام هنا يستدعي مزيدًا من البيان؛ لعدم دلالة الحديث على ما ذهب إليه فيها.\nفليس مقام السائرين إلى الله تعالى بالقيام بأنواع النوافل مقام العوام، كما تقدم من كلامه، بل هو مقام الكمل من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال تعال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، يقول الشيخ السعدي - ﵀ -: \"أي يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها\" (١). وهم في كل ذلك راغبين راهبين خاشعين.\nفإن محبة الله تعالى لم تكمل لأحد كما كملت للأنبياء، وعلى جهة الخصوص: إبراهيم ومحمد - عليهم جميعًا أفضل الصلاة والتسليم -، ومع ذلك\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن: ٥٦٩.","vol":"1","page":732},{"text":"كانوا على أتم ما يكون من طلب مرضاة الله تعالى بالنوافل؛ خوفًا ورجاء ومحبة وخشوعًا.\nوعليه فلا مفارقة بين بلوغ المحبة، وبين السير إلى الله تعالى بأنواع القربات؛ إذ العلاقة بينهما علاقة تلازم واقتضاء، فكلما ازداد العبد في طلب القرب من الله تعالى؛ كلما ازدادت محبة المولى تعالى له، والعكس بالعكس، حتى يتم له الثبات على الاسترسال في مراضى المولى؛ بتوفيق منه سبحانه، فلا يسمع إلا بالله، ولا يبصر إلا بالله وهكذا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n* * *\n\nأما ما ذكره من مقام حضرة الله حضرة الإطلاق، فإن هذا المصطلح لم يرد عن أحد من السلف أو ممن تبعهم بإحسان، كما أن فيه من الغموض ما لا يخفى، ولعله أراد بهذه التسمية أن تفنى إرادة العبد عن كل ما يلحظ سوى الله؛ فيصبح طليقًا من المرادات الأخرى، ويفنى في مرادات الله، وتعظيمه، وإجلاله؛ فيتملكه الخوف حتى لا يبقى في إرادته ما يتمكن به من ملاحظة أعماله الصالحة.\nوعند إرادة هذا المعنى، فإنه يبقى التأكد على أن الطريق إلى الله ﷿ لا يكون إلا بثلاثة مسالك، من انقطع به السير في أحدها لا يمكن له البلوغ، وهي الخوف والرجاء والمحبة (١)، كما كان عليه حال الأولين السابقين، ومن الأنبياء والمرسلين.\nوأما ما اعتمده الصاوي لنسبة الفناء إلى إبراهيم - ﵇ - مما اشتهر عند الصوفية من إعراض إبراهيم - ﵇ - عن الدعاء عند إرادة إحراقه بالنار فغير مسلم، بل هو من الأقاويل المختلقة، والصحيح في هذا ما رواه حبر الأمة عبد الله بن عباس - ﵄ -، حيث قال: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل) (٢).\n_________\n(١) سيأتي الحديث عنها مفصلًا: ٧٥٥.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب إن الناس قد جمعوا لكم، رقم الحديث: ٤٥٦٤.","vol":"1","page":733},{"text":"ومن المعلوم أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكل منهما متضمن للآخر، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦].\nيقول الإمام ابن القيم في بيان هذا التقسيم: \"هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان؛ فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقًا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضرر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا.\nوذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر القاصر والمتعدى، فلا يملكونه لأنفسهم ولا لعابديهم، بيد أن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر؛ فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاءً دعاء العبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان، فدعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة\". (١)\nوعليه فكل عبادة لله تعالى باللسان أو القلب أو الجوارح؛ فهي دعاء لله تعالى، ولهذا فسر النبي - ﷺ - الدعاء بالعبادة، ففي الحديث الصحيح أن النبي قال: (الدعاء هو العبادة)، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢).\n_________\n(١) بدائع الفوائد، لابن القيم: (٣/ ١٥٣ - ١٥٤).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرآن - باب من سورة المؤمن، رقم الحديث: ٣٢٤٧، قال الترمذي: حسن صحيح: (٥/ ٣٤٩). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: ٢٥٩٠: (٣/ ١٠١).","vol":"1","page":734},{"text":"وإذا تبين هذا علم أن التوكل دعاء، والاستعانة دعاء، والرجاء دعاء، والذكر دعاء، ومع هذا فلا يصح ترك الأخذ بالأسباب اعتمادًا على هذه العبادات في تحصيل النفع، أو دفع الضر الدنيوى، لذلك ورد أن النبي - ﷺ - قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: (حسبي الله ونعم الوكيل)، فقال النبي - ﷺ -: (إن الله تعالى يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل). (١)\n\"فلو فعل الأسباب التي يكون بها كيسًا، ثم غلب فقال: حسبي الله ونعم الوكيل؛ لكانت الكلمة قد وقعت موقعها، كما أن إبراهيم الخليل لما فعل الأسباب المأمور بها ولم يعجز بتركها، ولا بترك شيء منها، ثم غلبه عدوه، وألقوه في النار، قال في تلك الحال: (حسبي الله ونعم الوكيل)، فوقعت الكلمة موقعها، واستقرت في مظانها؛ فأثرت أثرها، وترتب عليها مقتضاها، وكذلك رسول الله - ﷺ - وأصحابه يوم أحد، لما قيل لهم بعد انصرافهم من أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فتجهزوا وخرجوا للقاء عدوهم أعطوهم الكيس من نفوسهم، ثم قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. (٢)\nومن هنا نجزم بأن إبراهيم - ﵇ - لم يدع الدعاء وقت إلقائه في النار، بل كان في حالة تلك متوسلًا إلى الله تعالى بالتوكل إليه، وتفويض الأمر له، وهذا من أعلى درجات العبادة، لذلك أتى معطوفًا عليها من باب عطف الخاص على العام لبيان أهميته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nوعليه فكل ما بنى على هذه الحكايات الباطلة؛ فلا اعتداد به، كما أن نسبة السكر والغياب إلى الأنبياء مما لا يجوز في حقهم، لأنه حال نقص، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أحوالهم في عبادة الله في أعلى المقامات الكاملة التامة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأقضية - باب الرجل يحلف على حقه، رقم الحديث: ٣٦٢٢: (٤/ ٢٣٠).\n(٢) زاد المعاد: (٢/ ٣٦٢).","vol":"1","page":735},{"text":"وليس بمخلص له ما ذكره من أن أحوالهم أكمل من أحوال غيرهم من الأولياء، وإن كان هذا مما يحمد له ويذكر فقد خالف ما عليه الكثير من المتصوفة في تفضيل الأولياء على الأنبياء، بل يجب اعتقاد كمال عبادتهم لله تعالى حتى صح تعليق كمال الاهتداء بمتابعتهم؛ فأمر النبي - ﵊ - باقتفاء هديهم - صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرًا -، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.\nهذا وقد نسب الصاوي مقام البقاء إلى إبراهيم - ﵇ - عند سؤاله المولى ﷿، ويكون حقًا إذا أريد بالبقاء المعنى الذي ليس فيه ما ينافي الفناء الصحيح، وهو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وأول المقامات وآخرها ذلك هو \"تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فيفنى من قلب العبد التأله لغير الله ويبقى في قلبه تأله الله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، \"وقد جعله الله لنا ومن معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر\" (١).\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه وتعليق النجاة والفلاح واقتضاء السعادة في الآخرة به، ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص الدين كلة لله، والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء، وحقيقته أن تفنى بعبادته عما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه\". (٢)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١٣/ ٢٠٠).\n(٢) منهاج السنة: (٥/ ٣٤٧).","vol":"1","page":736},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>أولًا: وحدة الوجود:</span>\nعند تتبع خط الانحراف الذي داخل الفكر الصوفي نجد أنه يصل إلى نقطة الهاوية عند وحدة الوجود، ذلك الفكر الذي يترجم عن انطماس معالم العقيدة الإسلامية في فكر مؤيديه، فوحدة الوجود تعني أنه ليس في الوجود كله إلا الله - ﷾ - وأن الوجود كله عبارة عن ذات واحدة هي ذات الله تعالى، أما عن كيفية تفسير هذه الكثرة المشاهدة مع هذه الوحدة المزعومة فيذهب هؤلاء إلى أن كل هذه الموجودات الكثيرة ما هي إلا تجليات ليست تغاير حقيقة الذات الإلهية.\nفهي إذا تقوم على الأحدية بمعنى نفى الإثنينية، فلا مغايرة بين الموجودات من حيث هي حقيقة واحدة تمثل الذات الإلهية وتعبر عنها.\nوليس بخفى ما يحمل هذا الفكر من هدم لأصول الاعتقاد، ولكن الغريب حقًا أن يختلط الأمر على بعض من ينتسب إلى الإسلام ويحاول التأصيل لهذه العقيدة الضالة من الكتاب والسنة.\nوقبل الخوض في هذه العقيدة الضالة أود الكشف بصورة أوضح عن بعض المعتقدات الفاسدة التي قد تتحد مع معتقد وحدة الوجود من حيث المبدأ، كما أنها يمكن أن تعد من قبيل البوادر التي مهدت للقول بهذه العقيدة الفاجرة، كالحلول، والاتحاد (١) الذي اشتهر على لسان الحلاج، وابن الفارض، وفي شطحات أبي يزيد البسطامي (٢)، وذلك أن الحلول يعني أن تحل الذات الإلهية - تعالى الله عن قولهم - في بعض مخلوقاته، أو فيها كلها.\n_________\n(١) الحلول في اللغة: النزول، مصدر يحل: إذا نزل بالمكان، والاتحاد في اللغة: أن يصير المتعدد واحدًا، يقال: اتحد الشيئان، أي صارا شيئًا واحدًا. انظر القاموس المحيط: (١/ ٣٤٣).\n(٢) فقد نقل عنه أنه كان يقول: \"سبحاني ما أعظم شاني، وكان يفتح جبته مشيرًا إلى نفسه، قائلًا: ما في الجبة إلا الله\": طبقات المناوي: (١/ ٤٤٢).","vol":"1","page":737},{"text":"فإن لهذا الحلول نوعين، النوع الأول: أن تحل الذات العلية - تعالى الله عن قولهم - في الإنسان، ولكن دون أن يحصل بينهما امتزاج.\nأما الصورة الثانية فهي أن تحل الذات بالذات حلولًا اتحاديًا سريانيًا بحيث تنتفي المغايرة بينهما، فيصبحان شيئًا واحدًا، فتكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر. (١) وهذا هو الاتحاد الذي يكون بمعنى \"جعل الشيئين واحدًا\" (٢)\nومن هنا اتضح عين المبدأ الذي تقوم عليه عقيدة وحدة الوجود، مع شيء من التوسع، بحيث يندرج في هذا الاتحاد جميع من يوصف بالوجود دون تميز لبعض الموجودات عن البعض الآخر.\nوهذه بعض النقول عن القائلين بالاتحاد والحلول تفسر حقيقة مذهبهم، وما ينبني عليه من أحكام تهدم المعتقد:\n- يقول ابن الفارض:\nلها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت\nويقول في التنظير لوحدة الأديان الذي انبنى على كل هذه الانحرافات:\nوإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار في ألف حجة\nفما قصدوا غيري وإن كان قصدهم ... سواي وإن لم يظهروا عقدية. (٣)\nأما عن وحدة الوجود بالمفهوم الذي تقرر عرضه في بدء الحديث فإن ظهورها كفر منظر مقعد إنما تم على يد الضال ابن عربي، يقول في بيت الشاعر:\nوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد\nوهذه الآية التي في كل شيء التي تدل على وحدانية الله هي وحدانية الشيء لا أمر آخر. . . فإذن المعبود بكل لسان وفي كل حال وزمان إنما هو الواحد، والعابد من كل عابد إنما هو الواحد، فما ثم إلا الواحد، والاثنان إنما هو واحد وكذلك الثلاثة والأربعة والعشرة والمائة\". (٤)\n_________\n(١) انظر التعاريف، للمناوي: (١/ ٢٩٥). والتعريفات للجرجاني: (١/ ١٢٦).\n(٢) التعاريف: (١/ ٣١).\n(٣) التائية الكبرى، لابن الفارض، انظر: الفلسفة الدينية والصوفية، عبد القادر محمود: ١٦٣.\n(٤) رسائل ابن عربي، كتاب الأحدية: ٤٨.","vol":"1","page":738},{"text":"ولبيان مصادر هذا الانحراف الخطير في الفكر الصوفي فإن الحديث يرجع بنا إلى الكلام عن مصادر التصوف ومشاربه المتعددة، فقد سبقت الإشارة إلى أن الفكر اليوناني المتمثل بمذهبه الأفلاطوني الإشراقي هو أبرز العناصر التي أثرت في الفكر الصوفي عبر مراحله المتأخرة التي سادت فيها النزعة الفلسفية حتى وصلت إلى قمة الإغراق في الاتجاه الغالي نحو الفلسفة عند ابن عربي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>ثانيًا: وحدة الشهود:</span>\nوبعد هذا التوضيح المجمل لمعتقد وحدة الوجود بقي أن نعرف ما المراد بوحدة الشهود التي كثر حديث الصوفية عنها؟ وهل هي كما يظن بعضهم أنها عين وحدة الوجود؟ وما العلاقة بينهما مع وجود الفرق؟\nإن وحدة الشهود بالمفهوم الصوفي تغاير في حقيقتها المعتقد السابق، فهي عندهم عبارة عن حالة نفسية وجدانية يصل فيها العبد بالمجاهدة إلى القرب من الرب تعالى حتى يتم له الاتصال به - سبحانه - فيتمكن الصوفي من رؤية ربه، ومشاهدته مشاهدة قلبية، على إثر فنائه عن مشاهدة الأغيار، وقد يصل الأمر بالصوفي إلى حال يفقد فيه القدرة على التمييز بينه وبين الرب، فكأن الصوفي هو الله، والله هو الصوفي - تعالى الله عن قولهم -، فوحدة الشهود إذًا \"تعني اتحاد العبد مع الله اتحاد عيان ومكاشفة، لا اتحاد جواهر وأعيان\". (٢)\nبيان ذلك أنه قد سبقت الإشارة إلى أن للحلول نوعين: أحدهما الحلول الثنائي الذي يمتاز فيه الحال عن المحل، حيث تظل ذات الله - سبحانه - متميزة عن ذات الإنسان ولا تمتزج به، فيكون شخص الإنسان محلًا للذاتين معًا: ذات الله - تعالى عن قولهم - وذات الإنسان مع تمايز كل ذات عن الأخرى. فهذا هو المراد بالشهود عندهم. (٣)\n_________\n(١) انظر الجانب الإلهي في التفكير الفلسفي، محمد البهي: ٣٣٧. وانظر: الفلسفة اليونانية، ليوسف كرم: ٢٩٠. وانظر: الفلسفة العربية عبر التاريخ، رمزي نجار: ٥٨ والفتوحات: (١/ ٢٣٢)، وانظر: أضواء على التصوف، لطلعت غنام: ٢٦٨. ونظرات في معتقدات ابن عربي. للدكتور/ كمال عيسى: ٧٥.\n(٢) نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها، عرفان عبد الحميد: ١٦٠.\n(٣) انظر: التيارات الوافدة، لشيخنا الفاضل الدكتور/ محمود مزروعة.","vol":"1","page":739},{"text":"وهذا هو حقيقة توحيد الخواص عندهم، فمن لم تتسام نفسه لتقف على حقيقة التوحيد مجردًا فليس له نصيب من التوحيد الذي شهد به الحق تعالى لنفسه، ولتأصيل هذا المعتقد يلجأ الجنيد - بحسب ما نقل عنه - إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، قائلًا: \"فمن أين كان، وكيف كان قبل أن يكون؟ وهل أجابت إلا الأرواح الظاهرة بإقامة القدرة وإنفاذ المشيئة؟ فهو الآن في الحقيقة كما كان قبل أن يكون، وهذا غاية حقيقة التوحيد للواحد: أن يكون العبد كما لم يكن، ويبقى الله تعالى كما لم يزل\". (١)\nويقول الشبلي: \"ما شم رائحة التوحيد من تصور عنده التوحيد\". (٢)\nويقول الهروي: \"وأما التوحيد الثالث: فهو توحيد اختصه الحق لنفسه، واستحقه لقدره، وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته، وأخرسهم عن نعته وأعجزهم عن بثه\" (٣)\nوكما بينت سابقًا إن هذه الحالة أو المقام قد تحمل صاحبها على النطق بالشطحات المعروفة والتي كان مصدرها ذهول الصوفي وعجزه عن التمييز، كما يدعون. (٤)\nولم يقف الأمر عند حد الشطحات بل تعداه إلى ادعاء سقوط التكاليف في حال المشاهدة لمحل السكر والاصطلام، فيستوى المحظور والمأمور عند السالك، حيث تفنى إرادته عن مشاهدة الإرادة الشرعية، وتبقى الإرادة الكونية ماثلة لتأملاته الوجدانية، ليربط بمشاهدتها تخليه عن الامتثال للأحكام الشرعية. (٥)\nومن هنا فإن وحدة الشهود تعني أن يقف الصوفي على عين التوحيد بتجربة نفسية تخضع لعدد من المجاهدات والشروط، فيفقد فيها نتيجة لما يصاب به من\n_________\n(١) اللمع لأبي نصر الطوسي: ٥٠.\n(٢) الرسالة القشيرية: ٣٠٢.\n(٣) مدارج السالكين: (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٧).\n(٤) انظر: تلبيس إبليس: ٤١٧.\n(٥) انظر: التعرف: للكلاباذي: ١٢٧، وانظر: الرسالة القشيرية: ١٢٨.","vol":"1","page":740},{"text":"السكر القدرة على التمييز، قد تكون متعمدة وقد تكون طارئة لشدة ما يجده من قوة الوارد، يؤكد ذلك أقوال بعضهم في حقيقة التوحيد المعتبر، يقول أبو سعيد الخراز: \"أول مقام لمن وجد علم التوحيد وتحقق بذلك فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده بالله ﷿\" (١)\nفمن هذا النص يتبين أنه لا يمكن لتحقيق هذه الوحدة إلا بسلوك طريق المجاهدة ومحو الأغيار، فهي إذًا حالة لا تنفك عن الوجدان الذي هو من أخص سمات المنهج الصوفي، بخلاف وحدة الوجود التي ليس لها اتصال بالتجربة النفسية إلا بالقدر الذي يتبناه أهل الاتحاد من وحدة الشهود، وإنما هي نظرية فلسفية بحتة النشأة، يشترك فيها الصوفي وغيره.\nوبهذا الذي تقدم يمكن تحديد الفرق بين وحدة الشهود ووحدة الوجود وذلك بالتأكيد على أن الشهود يقوم على الإثنينية، بمعنى أنه لا يتأتى الشهود إلا بشاهد ومشهود، وإن حصل اللبس على الصوفي الغارق فإنه لا ينتهي به إلى الاتحاد الذي يتحدث عنه أصحاب الوحدة، ومع وجود بعض الألفاظ في ثنايا التقارير الصوفية التي توحي بخلاف ذلك، كقول القشيري: \"وتوهم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف التفرقة، لأن باب المفاعلة إنما يحدث بين اثنين، وهذا تخيل من صاحبه، فإن في ظهور الحق - سبحانه - إهلاك الخلق\" (٢)، إلا أنها لا تصل إلى تقرير معتقد وحدة الوجود القائم على أساس الأحدية الذي يحكم بأن جميع الموجودات إنما هي مظاهر وتجليات للذات الإلهية، إذ تبقى حقيقة المشاهدة قائمة على أساس من الثنوية التي لا ينكرها واحد منهم (٣).\nأما الشطح وأحكامه فقد سبق الحديث عنه في أقسام المقامات.\nويصرح بعضهم تأكيدًا لهذا الفارق بنفي الاتحاد، يقول الطوسي: \"فإن صح عن\n_________\n(١) المرجع السابق: ٣٠٢.\n(٢) الرسالة: ٧٦.\n(٣) انظر: نشأة الفلسفة الصوفية: ١٦١.","vol":"1","page":741},{"text":"أحد أنه قال هذه المقالة - يعني الاتحاد - وظن أن التوحيد أبدى له صفحته بما أشار إليه، فقد غلط في ذلك، وذهب عليه أن الشيء مجانس للشيء الذي حل فيه، والله تعالى بائن من الأشياء، والأشياء بائنة منه بصفاتها، والذي أظهر في الأشياء: فذلك آثار صنعته ودليل ربوبيته. . فمن صح عنه شيء من هذه المقالات فهو ضال بإجماع الأمة، كافر يلزمه الكفر فيما أشار إليه\" (١).\nوعليه فإني أخالف بعض الباحثين فيما ذهبوا إليه من اتحاد مفهوم وحدة الوجود بالشهود. ويجدر بي التنبيه إلى أن ما ذكرته لا يعني أن وحدة الشهود ليس فيها ما قد يصل بصاحبها إلى ما يناقض التوحيد، لأنها كما مر من تعريفها باب لمزلة عظيمة قد تهوى بالمستهلك الغارق إلى دائرة العدم فيسقط الفرائض ويدعي الاتحاد مع الله (٢)، ولكن هو من باب ذكر الفروق حتى يتم تمييز هذه المصطلحات وما ينبني عليها من أحكام.\nوفي مقابل هذا التفسير لوحدة الشهود بأنها مماثلة لوحدة الوجود فقد ذهب بعض الصوفية إلى العكس من ذلك، حيث فسروا بما يلزم وحدة الوجود من الاتحاد بوحدة الشهود، يقول الجرجاني في تعريف الاتحاد: \"وهو شهود الوجود الحق الواحد المطلق، الذي الكل موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به، معدومًا بنفسه ولا من حيث إن له وجودًا خاصًا اتحد به فإنه محال\" (٣)\n\nرأي الشيخ الصاوي:\nيمنع الصاوي وهو الأشعري المتمسك بأشعريته من اعتقاد الحلول أثناء الترقي في هذه المقامات؛ لما في ذلك من مناقضة أصل معرفة الله تعالى مما هو معلوم من أدلة المتكلمين، يقول في أقسام الناس الذين عرفوا الله بالمعرفة الخاصة، كما هي عليه في عرف الصوفية: \"المعرفة الخاصة: شهود أفعال: وهي للأبرار، وشهود أسماء\n_________\n(١) اللمع للطوسي: ٥٤١.\n(٢) انظر: نشأة الفلسفة: ١٦٣.\n(٣) التعريفات: ٢٩.","vol":"1","page":742},{"text":"وصفات: وهي للأخيار، وشهود ذات: وهي لخيار الخيار، والمراد شهود الذات من غير وقوف على كنه؛ إذ الكنه لا يدرك حتى للمصطفى، لأن الحادث لا يحيط بالقديم، وقال شيخنا المؤلف: اختلف، هل تجلى الذات يكون لغير الأنبياء؟ أو لا يكون إلا للأنبياء؟\nوالصحيح أنه يكون لغير الأنبياء أيضًا لكن لا كتجلي الأنبياء، وكذلك شهود الأنبياء يتفاوت، فشهود نبينا أعلى لا يساويه شهود أحد\" (١).\nوتأكيدًا لهذا المعنى يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]: \"فإني قريب: أي بعلمي وسمعي وبصري وقدرتي وإرادتي، ولم يقل بذاته وإن كانت الصفات لا تفارق الذات؛ لأنه ربما يتوهم للقاصر الحلول فيقع في الحيرة، وأما من فنى عن وجوده فلم يشهد إلا الله فقد زال عنه الحجاب فلا حيرة عنده، إذ لم يشهد غيره وإنما خص المفسر العلم بذلك لأنه من صفات الإحاطة\". (٢)\n- ولكن هناك ما يدعو إلى الشعور بالتناقض وعدم الانضباط، حيث يثبت معتقد وحدة الوجود ولكنه مع ذلك يحاول تخريج القول به دون اعتقاد الحلول، التأصيل وهذا المقام يسمى: بوحدة \"لاعتقاد وحدة الوجود من آيات الكتاب الكريم: \"يقول: الوجود، ولا يدركه الشخص إلا بعد الفناء في الأحدية، وحدة الوجود هذه يسمى صاحبها: في مقام البقاء، ويسمى غرقان في بحر الوحدة التي هي شهود المولى من حيث قيام الأسماء والصفات به\" (٣)\nويقول مؤصلًا لها مبينًا المراد منها عنده: \"شاع على ألسنة العوام: الله موجود في كل الوجود، وهو كلام صحيح في نفسه، لأن مفاده وحدة الوجود، لكنه غير لائق منهم لإيهام الحلول، وتأويله أن تقول: معناه أنه مع كل موجود، أي لا يغيب\n_________\n(١) المرجع السابق: ٦٩.\n(٢) حاشية الجلالين: (١/ ٧٩).\n(٣) حاشية الصلوات: ٦٧.","vol":"1","page":743},{"text":"عنه موجود أصلًا، ومعيته معه معناها تصرفه فيه، وتدبيره له معية معنوية لا يعلمها إلا هو، كما أن ذاته لا يعلمها إلا هو، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن كلام ابن وفا أن من أعظم إشارات وحدة الوجود: قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] \". (١)\nوتأكيدًا لكونه لا يرى اعتقاد الحلول أو وحدة الوجود على ما عناه الغلاة من الصوفية، يقول في تفسيره: \"وأشار للحقيقة بقوله: وهدى ورحمة للمؤمنين، لأن بالحقيقة التحلي بالأنوار الساطعة في القلوب، التي يرى بها الأشياء، على ما هي عليه عيانًا، فعند ذلك يرى الله في كل شيء، وأقرب إليه من كل شيء، علمًا ذوقيًا لا علمًا يقينيًا\" (٢).\nوهو لا يكتفي بهذا بل ينزه الله عن هذا الفهم، يقول في وصف التاج الذي يضعه أصحاب الطريقة الخلواتية: \"مما يسمى بالتاج بين الصوفية الذي يوضع على الرأس وقرصه صوف أبيض وهو الخرقة المشهورة للسادة الخلواتية التي هي شعارهم، وفيه إشارة، كما قال أستاذنا المؤلف إلى سلوك طريق التصوف وبياض القلب، وهو مضرب على وجه مخصوص محيط به أربع جلالات أي من كل جهة اثنا عشر ضلعًا، عدة حروف لا إله إلا الله إشارة إلى شهود إحاطة الرب به من جميع جهاته إحاطة قيومية لا حسية تنزه الله عن ذلك، وبعضهم يجعل وسطه زارا إشارة للوحدة، وبعضهم يجعله خاليًا إشارة للفناء، وبعضهم يجعل في وسطه هاء هكذا إشارة إلى الهوية الدائرة بالعلم، دوران علم وقدرة وقيومية لا دوران حس\" (٣).\nوهو بهذا المعنى الذي يفسر فيه مراد الصوفية من وحدة الوجود نجده أيضًا يؤول\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ١٩.\n(٢) حاشية الجلالين: (١٢١: ٢).\n(٣) حاشية الصلوات: ٧١. ولا شك أن هذا من البدع الحادثة التي ذكر المحققون أنها من تأثر الصوفية بالنصارى، وإنما الهدف من هذا النص بيان معتقد الصاوي في وحدة الوجود.","vol":"1","page":744},{"text":"فيه كلام كبار الصوفية القائلين صراحة بهذه الوحدة، يقول في شرحه لإحدى الصلوات: [وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وأدخلنا حظيرة القدس]: \"تطلق على مكان عن يمين العرش من نور، يقال فيه: حظيرة، من الحظر، وهو المنع، لمنعه من غير الخواص، وهو مكان في أعلى الجنة يشاهد المقربون فيه ربهم، كما يقتضي ذلك.\nوتطلق على عالم الجبروت وهو عالم الأسرار وشهود الواحد القهار، وهذا لا يناله إلا من تخلى عن الشهوات النفسانية وخرج من الطبائع الحيوانية، حتى يمزق السبعين حجابًا الظلمانية التي حجبت بها النفس الأمارة بالسوء، وبمعنى هذا قول السيد البكري في ورد السحر: اجعل أرواحنا سابحات في عالم الجبروت أي عالم الأسرار كما علمت، واكشف لنا عن حضائر اللاهوت أي عن الحضرة الإلهية، فيشهدون سر المعية التي في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ومن التحقيق بهذا المقام قول ابن الفارض:\nومتى غبت ظاهرًا عن عياني ... ألقه نحو باطني ألقاك\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>المناقشة:</span>\nظهر تمامًا في خلال عرضي لرأى الصاوي أنه لا يريد بوحدة الوجود التي صرح بها ما يريده الملاحدة منها، وأنه إنما عبر بها عن وحدة الشهود، لذا فإن مناقشتي هنا ستدور حول محورين، أولهما أبين به حقيقة وحدة الوجود الكفرية التي عرفت عن غلاة الصوفية والفلاسفة ونقضها وبيان بطلانها وعدم إمكان إرادتها من جهة الشرع، لأصل إلى أنه لا يمكن حملها على ما أراده الصاوي بها وفسر بها ألفاظ الغلاة من الصوفية الكفرية الصريحة.\nأما الثاني: فهو بيان حقيقة وحدة الشهود وما يحويه هذا المصطلح المبتدع من موافقة ومخالفة، في ضوء أقوال السلف وفهمهم لهذه البدع الحادثة.\n_________\n(١) المرجع السابق: ٦٤.","vol":"1","page":745},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>أولًا: نقض وحدة الوجود:</span>\nإن نظرية وحدة الوجود التي تسربت إلى أوساط المسلمين من حطام العقائد الهندية واليونانية مما لا يخفى معارضته لأصول الدين الإسلامي، فكفر القائلين بها مما يعلم بالضرورة من الدين الإسلامي، إذ فيها مناقضة لحقيقة الإيمان بوجود الله تعالى ربًا متصفًا بصفات العظمة والكمال، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - بعد أن بين بطلان ما يقوم عليه معتقد الفلاسفة في إثبات وجود الرب تعالى: \"وهكذا أقوال من نسج على منوالهم وأخذ معانيهم فأخرجها في قالب المكاشفة والمشاهدة والتحقيق والعرفان كابن عربي وأمثاله. . فإن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وأنه ليس وراء الأفلاك شيء، فلو عدمت السموات والأرض لم يكن شيء موجود، ولهذا كان يصرح بذلك التلمساني (١)، وهو كان أعرفهم بقولهم وأكملهم تحقيقًا له، ولهذا خرج إلى الإباحة والفجور، وكان لا يحرم الفواحش ولا المنكرات\" (٢).\nوبيان ذلك أن الإيمان بالله تعالى يقوم على ثلاثة أسس وهي توحيده بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وذلك الاعتقاد الضال وهو القول بوحدة الوجود ينقض هذا الأصل العظيم من أصول العقيدة الحقة، فالتوحيد بأقسامه الثلاث والذي يعني اعتقاد تفرد الرب تعالى بكل صفات الربوبية والعظمة والكمال ومن ثم صرف العبادة لمن قامت به هذه الصفات وحده لا شريك له ليس له مكانة عند القائلين بهذه الوحدة، إذ مؤدى هذه العقيدة الباطلة مساواة الرب تعالى بجميع خلقه في الاتصاف بهذه الصفات بمعنى تعطيله تعالى عن أي صفة لا يشاركه فيها الموجودات فلو عدمت السموات والأرض لم يكن ثمة موجود وراءها (٣)، وهذا المراد بأحادية الوجود، فيبطل بالتالي حقيقة الإيمان بربوبية المولى القائم على اعتقاد الإثنينية في\n_________\n(١) هو سليمان بن علي العفيف التلمساني، (٦١٠ - ٦٩٠ هـ) كان أحد كبار غلاة الصوفية فقد امتلأت مؤلفاته النثرية والشعرية بالتنظير لهذا المعتقد المارق، انظر في ترجمته: البداية والنهاية: (١٣/ ٣٢٦)، والأعلام: (٣/ ١٣٠).\n(٢) الرسالة الصفدية: ٢٤٦.\n(٣) انظر: الرسالة الصفدية: لشيخ الإسلام: ٢٤٦.","vol":"1","page":746},{"text":"الوجود: وجود الأول الآخر الظاهر الباطن، ووجود المخلوقات الفانية الحادثة من العدم والآيلة إلى عدم، وجميع رسالات الأنبياء إنما أتت لتدل على هذه الحقيقة إذ عبادة الله وحده لا شريك له تتضمن إفراده تعالى بما هو أهل له، وما من دليل يستدل به على وجوب توحيده تعالى بالعبادة إلا وهو يدل بالتضمن على هذا الأصل العظيم، ولكونه من الأمور المقررة في الفطرة السليمة فقد استدل به ولم يستدل له، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فإنه لبداهة امتناع القضيتين سكت عن بيان جوابهما.\nوآيات الكتاب الحكيم في الدلالة على هذا كثيرة، وسورة الفاتحة التي تضمنت أصول الاعتقاد الذي تعبد الله تعالى به الخلق لتدل صراحة على نقض هذا المعتقد وإبطاله، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nيقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في بيان رد هذه الآية على القائلين بهذا المعتقد الباطل: \"العالم كل ما سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب مخلوق بالضرورة، وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن، فإذًا ربوبيته تعالى لكل ما سواه: تستلزم تقدمه عليه، وحدوث المربوب، ولا يتصور أن يكون العالم قديمًا وهو مربوب أبدًا، فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له، وكل مربوب فهو فقير بالذات فلا شيء من المربوب بغني ولا قديم\" (١).\n* * *\n\nولما كانت هذه العقيدة مناقضة للأصل الذي قام عليه توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بأفعال الربوبية، فقد أدت إلى معارضة حقائق العبودية وهدم مسلماتها، فقد اقتضى هذا الاعتقاد المارق كثيرًا من أسس الإلحاد في ألوهية المولى تعالى، والتي كان له قدم السبق في إرسائها عند من عمى عليهم فلم يعرفوا الحق من\n_________\n(١) مدارج السالكين: (١/ ٩٢).","vol":"1","page":747},{"text":"الباطل، فوحدة الأديان التي لا تفرق بين كافر ومسلم كانت إحدى المسلمات التي تمخضت عنها هذه العقيدة المارقة، يقول ابن عربي:\nلقد صار قلبي قابلًا كل صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان\nوبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن\nأدين بدين الحب أنى توجهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني\" (١)\nوكذلك إسقاط التكاليف، فليس ثمة فرق بين الرب والعبد حتى يجهد العبد نفسه بالتزام الأوامر والنواهي مع ذلك الاتحاد الموهوم، يقول ابن عربي:\nالرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف\nإن قلت عبد فذاك ميت ... أو قلت رب أنى يكلف\" (٢).\nوإذا تبين ما في هذا المعتقد من نقض لأصول الإيمان وحقائق التوحيد فإن فيه أيضًا مناقضة لصريح المعقول ولا غرابة إذ لا معارضة بين النص الصحيح والعقل الصريح. وذلك لأن الوجود من الكليات التي ليس لها واقع إلا في جزئياتها المتحققة في الخارج، فمن غير الممكن إثبات المتعين في الواقع الخارجي بالكلي، لأن الكلي لا وجود له في الأعيان، وإنما وجوده في الأذهان، ولا يكون الشيء موجودًا في الخارج إلا مع تحققه بالصفات التي يتحقق بها وجوده وتميزه عن غيره من الموجودات، أما ما يذهب إليه هؤلاء من إثبات إله لا صفات له تباينه عن غيره من الموجودات فهذا من الأوهام الذاتية الباطلة التي مؤداها نفي الخالق، تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا.\nومن هنا فإنه لا يصح إثباتهم لوجود الله تعالى بهذه العقيدة الضالة.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ - في محاجاة القائلين بهذه الأوهام أذناب الفلاسفة المجحفين: \"فإذا ثبت له أن العقل الصريح يمنع أن يكون في الخارج\n_________\n(١) ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأسواق، لابن عربي. نقلًا عن كتاب وحدة الوجود الخفية: ٤١٩.\n(٢) الفتوحات المكية: (١/ ١٥).","vol":"1","page":748},{"text":"وجود كلي مطلق بشرط الإطلاق، وأن الكليات بشرط إطلاقها أو عمومها إنما وجودها في الأذهان، لا في الخارج، وكان عارفًا بهذه العلوم، وبينت له ما تستلزم أقوالهم الكثيرة من الجمع بين المتناقضات التي هي معلوم استحالتها ببداهة العقول، وما كان كذلك، فإذا ادعى أنه عرفه كشفًا وشهودًا أو ذوقًا علم أنه خيالات فاسدة، وأذواق فاسدة، وذلك أنه لا بد من أحد الأمرين:\nإما أن يكون قد شهد ما وجوده في الأذهان، فاعتقد وجوده في الأعيان، كما يقع لكثير من الناس، ومعلوم أن شهود الشيء غير العلم بكونه في النفس أو الخارج، وهؤلاء قد يحصل لهم مجرد الشهود من غير تمييز بين الموجود في النفس أو الخارج، وكثيرًا ما يضلهم الشيطان بتخيلات لا حقيقة لها في الخارج.\nوإما أن يكون قد شهد ما وجوده في الخارج، فظن أنه الخالق، وإنما هو مخلوق ليس هو الخالق، فكل شهود وذوق وكشف يدعى فيه أن المشهود بالقلب هو الله تعالى فذلك مما يناقض المعلوم بصريح العقل، ويخالف الكتاب والسنة والإجماع، فإنه يكون المشهود به إما في الذهن وإما في الخارج ولكن ليس هو الله ولا هو ما يقال هو وجوده ولا ذاته\". (١)\nولهذا فقد كان كفر هؤلاء الاتحادية أشد من اليهود والنصارى وعباد الأصنام، \"فإن هؤلاء يقولون بالحلول المقيد الخاص، وأولئك يقولون بالإطلاق والتعميم، ولهذا يقولون إن النصارى إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون بعض، وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقًا على وجه الإطلاق والعموم\" (٢).\nويقول الإمام الشوكاني بعد أن ذكر أقوال العلماء في تكفير هؤلاء أمثال ابن تيمية وابن القيم وعبد السلام وابن حجر وابن خلدون ما نصه: \"فأنا لا أرضى لهم بمطلق الكفر، بل أقول: لا أعلم أحدًا من مردة الكفرة: النمرود وفرعون وإبليس والباطنية والفلاسفة بل نفاة الصانع، فإن هؤلاء نفوا الصنع فانتفى الصانع، فما\n_________\n(١) بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٣٣٤).\n(٢) مجموع الفتاوى: (٣/ ٣٩٦).","vol":"1","page":749},{"text":"أعلم أحدًا بلغ هذا المبلغ في جميع الكفريات الماضية، وإحداث ما هو شر منها. . إلى أن قال - ﵀ -: اللهم العنهم لعنًا كثيرًا واقطع دابرهم وامح أثرهم، اللهم أمتنا على هذا واحشرنا عليه، واكتبنا من الشاهدين عليهم آمين\" (١).\n* * *\n\nومع وضوح بطلان هذا المعتقد، ومناقضته لحقيقة الدين المرتضى جملة وتفصيلًا، ومع وضوح سذاجة الفكر الذي لم يقنع بمخالفة مثل هذه الأوهام لصريح المعقول والمنقول، إلا أنه يحسن بيان الخلط الذي وقع فيه أمثال هؤلاء، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: وقد لحظ ملاحدة الاتحادية أمرًا اشتبه عليهم:\nمن وحدة الموجد بوحدة الوجود.\nوتوحيد الذات والصفات والأفعال بتوحيد الوجود.\nوفيضان جوده بفيضان وجوده.\nفوحدوا الوجود وزعموا أنه المعبود\".\nولا شك أن إيجاده تعالى هو الذي فاض على الموجودات فوجدت وهو الذي اكتسته، أما وجوده: فمختص به لا يشاركه فيه غيره، كما هو مختص بماهيته وصفاته، فهو بائن عن خلقه والخلق بائنون عنه، فوجود ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، حاصل بإيجاده له، فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى\" (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>موقف الصاوي:</span>\nوبناء على ما تقدم من بيان حقيقة ذلك الاعتقاد الضال، وما ينبني عليه من أحكام، فإنه يستحيل إثبات وحدة الوجود دون اعتقاد للحلول والاتحاد، وذلك لأن وحدة الوجود بمعناها الكفري المعروف تتفق تمام الاتفاق مع الحلول والاتحاد من\n_________\n(١) الصوارم الحداد القاطعة لأرباب الاتحاد: ٧٥.\n(٢) مدارج السالكين: (٣/ ٣٨٢).","vol":"1","page":750},{"text":"حيث المبدأ الذي يقضي بعدم التفريق بين الله - ﷾ عن قولهم - وبين النفس البشرية، ومن هنا يظهر الخطأ الذي وقع فيه الصاوي من اعتقاد صحة القول بالوحدة مع التنزيه عن الحلول المزجى، والذي يقضي بالوقوف على الكنه، لأن هذا في حقيقة الأمر جمع بين النقيضين: الوجود والعدم، فمنع الاتحاد يعني عدم الوحدة، وإثباته يعني إثباتها، لذلك فإن ما خرج به الصاوي وحدة الوجود مع التنزيه عن الحلول والإحاطة مغالطة ليس لها أساس من الصحة.\nوقد يفسر موقف الصاوي المتناقض في إثبات الوحدة مع التنزيه عن الحلول وتفسيرها بالمعية والإحاطة والعلم بما يكشف عن وجهة نظره في معنى وحدة الوجود عنده، فإنه قد نص على تعريف وحدة الوجود بما يفسر به وحدة الشهود كما أن تأويله لوحدة الوجود بمشاهدة أفعال الله تعالى من المعية والقدرة والإحاطة ليدل على أن مراده بها وحدة الشهود، ومن هنا فإن إبطال إثباته لوحدة الوجود يكون ببيان مخالفة نظرية وحدة الشهود لوحدة الوجود، فوحدة الشهود كما سبق وأن بينت المراد منها أن يرى السالك الله تعالى رؤية قلبية فلا يشهد شيئًا مع شهوده إياه، كما أن أساس استشعارها قائم على مبدأ الثنوية، وقد يغرق الصوفي في هذا المعنى حتى يصل إلى ما يقارب وحدة الوجود من اعتقاد الحلول والاستغراق في الذات الإلهية - تعالى الله عن قولهم - فمع التسليم بأن وحدة الشهود قد تكون سبيلًا لوحدة الوجود وذريعة للإلحاد، إلا أن كلام الصاوي في منع الحلول والوقوف على الكنه والتأكيد على أن المراد بها عنده قيومية الله قيومية إحاطة وعلم وقدرة يقطع بعدم إرادته للمعنى الكفري من وحدة الشهود.\nوإذا ثبت بطلان إثبات وحدة الوجود على معنى لا يكون فيه اتحاد بين الخالق والمخلوق للاعتبارات السابقة، فإن أي تفسير لنصوص الكتاب والسنة في سبيل التأصيل لها، يعد من التقول على الله بغير علم، فهو إذًا تأويل باطل لا اعتداد به. وعليه فإن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى","vol":"1","page":751},{"text":"يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ على ما تقدم من كلام الصاوي تأويل باطل ترده دلالة النص صراحة، إذ معنى الآية: العلامة الدالة على صدق المستدل له، فالتأويل الصحيح لها أن هذا وعد من المولى تعالى بتحقيق الأدلة التي تقطع بصدق ما جاء به النبي - ﷺ -.\nيقول الإمام ابن كثير - ﵀ - في معنى الآية: \"أي سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًا منزلًا من عند الله على رسول الله - ﷺ - بدلائل خارجية: من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان، قال مجاهد والحسن والسدي: ودلائل في أنفسهم قالوا: وقعة بدر وفتح مكة ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم، نصر الله فيها محمدًا - ﷺ - وصحبه، وخذل فيها الباطل وحزبه.\nويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع ﵎، وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة من حسن وقبح، وغير ذلك\" (١).\n- بقى هنا معرفة وجه استدلال الصاوي بكلام ابن الوفا على وحدة الوجود، أو ما الدافع الذي حمل الصاوي على نقل استدلال ابن الوفا لتقرير وحدة الوجود؟، مع اختلاف وجهات النظر اختلافًا جذريًا في المراد بهذه الوحدة، إذ المطالع لأقوال ابن الوفا لا يتردد في الحكم عليه أنه من الاتحادية الغلاة. ثم إن هذا الاستفسار ينسحب أيضًا على استشهاده ببيت ابن الفارض، الحق أن هذا دفاع عن الصوفية الغلاة وتأويل لكلامهم بما يخالفه، وهذا مما لا يسلم له أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>ثانيًا: حقيقة وحدة الشهود:</span>\n- ودون إغفال لحقيقة الشهود عند الصوفية وما جر إليه الاستغراق به من\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: (٤/ ١٣١).","vol":"1","page":752},{"text":"مخاطر أوهت بالثوابت وأردت بالقيم، حيث حملهم على عدم التفريق بين المحظور والمأمور، فصارت الطاعة مماثلة للمعصية حتى قال قائلهم: فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر، وهذا هو عين الكفر والخروج من الدين، وقد يكون هذا من شدة الوارد وقد يكون متعمدًا وأيًا كان فإن هذا من الأوهام التي يستند إليها الجهلة في ارتكاب المحاذير، يقول شيخ الإسلام حاكيًا شبهتهم في شهود الأفعال والاستغراق في مطالعة القدر: \"وأما شهود القدر، فيقال: لا ريب أن الله تعالى خالق كل شيء ومليكه، والقدر هو قدرة الله - كما قال الإمام أحمد - وهو المقدر لكل ما هو كائن، لكن هذا لا ينفي حقيقة الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأن من الأفعال ما ينفع صاحبه فيحصل له به النعيم، ومنها ما يضر صاحبه فيحصل به عذاب، فنحن لا ننكر اشتراك الجميع من جهة المشيئة والربوبية وابتداء الأمور، لكن نثبت فرقًا آخر من جهة الحكمة والأوامر الإلهية ونهاية الأمور، فإن العاقبة للتقوى، لا لغير المتقين، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (١)\nومن هنا كان \"الفناء الذي يفضي بصاحبه إلى مثل هذا حال ناقص، وإن كان صاحبه غير مكلف، ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة الكرام الذين هم أفضل هذه الأمة، ولا عن نبينا محمد - ﷺ - وهو أفضل الرسل\" (٢)\nولما كانت البدعة بريدًا إلى الكفر ومفتاحًا لبابه، لم يتوقف الأمر عند هذا الخلط والاضطراب في حقيقة الطاعة والمعصية، بل تعداه إلى الكفر الصراح بتسوية الخالق بالمخلوق، يقول شيخ الإسلام: \"فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية، سوى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوى بين الله وبين الأصنام، كما قال تعالى:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (٨/ ٣٠٨).\n(٢) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٦٠).","vol":"1","page":753},{"text":"﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨].\nبل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود، إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد\" (١)\nولكل ما تقدم أتى تحذير الشارع الحكيم من البدع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\n* * *\n_________\n(١) العبودية: ٤٨.","vol":"1","page":754},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>(المبحث الرابع): الترقي في المقامات</span>\nلما كان الهدف الأسمى - عند الصوفية - من العروج في هذه المقامات تحقق مقتضى الخلاص بتجلى المعارف النورانية حيث تنكشف الغيوب وتتحد الإرادة إلى غير ذلك من أوهامهم، فقد وضعوا للمريد عددًا من المجاهدات، التي يتم بها قطع عقبات النفس، وذلك بمحو أي خصلة فيها قد تحول دون صاحبها والتلذذ بأعلى هذه المقامات (١).\nوبيان ذلك أن النفس عند المتصوفة يراد بها كل \"ما كان معلولًا من أوصاف العبد، ومذمومًا من أخلاقة وأفعاله\" (٢).\nوإذا كان قد سبق الحديث عن أقسام المقامات من جهة ما يتعلق بها من أحكام، فإن الحديث هنا يختص ببيان حال النفس عند محاولة العروج والترقى في تلك المقامات، وأثرها على نجاح تلك المحاولة أو إخفاقها، ومن ثم بيان السبل التي ينصح بها المريد من أجل الخلوص من كل ما يمكن أن يحول دون تذليل تلك القواطع والصوارف.\nوعند إرادة الكشف عن حقيقة هذه المجاهدات التي أجمع الصوفية على تأصيلها والدفاع عنها، فإن الحديث يرتبط بما سبقت الإشارة إليه من وجود تأثر واضح بالديانة البوذية، فإن الصوفى يعتقد \"كما يعتقد الهندوسى أن نظامًا من التطهير لا بد منه لكى ينكشف عنه الغطاء، ويرقى إلى عالم الفيض والإلهام، والتطهير يكون بضروب من التفانى في الطاعات والتأمل والنظر والتدبر. . . . . . فالصوفى الكامل يحب الله لذاته لا رغبة في ثواب ولا خوف من عقاب\" (٣).\n_________\n(١) انظر: في التصوف والأخلاق، للدكتور/ عبد الفتاح بركة: ١٥٦.\n(٢) الرسالة القشيرية: ٨٧.\n(٣) قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة/ محمد بدران: (١٣/ ٢١٦).","vol":"1","page":755},{"text":"وهذا منهج معروف عند الصوفية، وقد قامت بوضع أساسه رابعة العدوية التي أثر عنها أقوال عدة في تقرير هذا المبدأ، ومن ذلك أنه حين سئلت عن حقيقة إيمانها، \"قالت: ما عبدته خوفًا من ناره ولا طمعًا لجنته كالأجير السوء، عبدته حبًا له وشوقًا إليه\" (١).\nويقول القشيرى عن أحدهم: حقيقة المحبة أن ينسى العبد حظه من الله ﷿، وينسى حوائجه إليه.\nوقيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى - ﵇ - أنى إذا اطلعت على قلب عبد، فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبى\" (٢).\nومن جملة الأسباب التي يتوصل بها إلى تذليل عوائق الطريق النفسية تجلى الأسماء الحسنى، حيث يعتقد الصوفى أن فناءه عن شهود السوى الذي حقيقته فناء عن شهود جميع الأفعال غير فعل الرب الذي هو الحقيقة الكونية القدرية يضفى عليه تجليات من صفات مشهوده الذي استغرق في مشاهدته، وبحسب استغراقه في استشعار الأسماء والصفات يكون حظه من تلك الصفات، وقد يغرق بعضهم في هذا حتى يدعى لنفسه منها ما يضفى عليه بعضًا من خصائص الربوبية، كالتصرف في الأكوان إلى غير ذلك (٣).\nوهذا بلا شك تأثر واضح بالمعتقد الكفرى الفلسفى الإشراقى، الذي يقوم على مبدأ الفيض والصدور، فالعقل الفعال هو العقل العاشق وإذا اقترب منه الناسك تجلى عليه بالعلوم والمعارف وأحرز تقدمًا كبيرًا في الاقتراب من الإله أو التشبه به على قدر الطاقة (٤) وقد يصرح بعضهم (٥) بمماثلة هذا الكفر لعالم المثل الذي\n_________\n(١) الكواكب الدرية، للمناوى: (١/ ٢٠٢). وانظر: نساء في محراب الحب الإلهى، رغداء الحمصى: ٢٠٥.\n(٢) الرسالة: ٣٢٥.\n(٣) انظر: الإنسان الكامل، عبد الرحمن بدوى: ٢٠٦.\n(٤) انظر: الفلسفة العربية عبر التاريخ، رمزى نجار: الفارابى: ٩٤.\n(٥) هو عبد الرحمن الأنصارى المعروف بابن الدباغ، توفى سنة: ٦٩٦ هـ انظر: مقدمة كتابه مشارق الأنوار تحقيق: ريتر.","vol":"1","page":756},{"text":"ابتدعه أفلاطون ليصل إلى النفس إنما تتحصل على الكمال إذا شابهت مثالها في العالم العلوى، فيقول: \"فالنفوس إذا صفت ورقت تبهت بالملأ الأعلى وانتقشت فيها أمثلة الكائنات، واطلعت على المغيبات، وأثرت في السفليات، كما أن الحديدة المحماة إذا تشبثت بالنار وتكيفت بها صارت تؤثر في الأجسام أثرها، لأجل التشبه بها، فمن أجل ذلك كان تأثير النفوس في هذا العالم على قدر تشبهها بالعالم الأعلى\". (١)\nويخضع هذا الاتجاه الفكرى إلى قضية الرمز والتأمل، فالأسماء الحسنى التي تدل على ما يتصف به الرب ﷿ إذا ذكرها العبد مستغرقًا تجلت له معارف وعلوم تناسب حاله في الاستغراق، حيث يفتح له بابًا من الفيض والإشراق يتمكن به من الوقوف على حقائقها المجردة، وحالهم في هذا الزعم مشابه تمامًا لحال أسلافهم من الفلاسفة الأفلاطونية \"فكما أن رجال الأفلاطونية لم يروا في الألفاظ إلا ظلالًا شاحبة للحقيقة المجردة، وقالوا: إن المعرفة الحقة اليقينية لا تدرك إلا بالتأمل الباطنى العميق والمجاهدة النفسية في درجات الكشف العليا حين تتضح خلالها للمتأمل الحقائق على ما هي عليه، كذلك اعتمد فلاسفة الصوفية هذه الدعوى، وزعموا أن الوقوف على ظاهر نصوص الشرع حجاب يمنع من الوصول إلى حقائق الأمور\" (٢)\nوفي تقرير مبدأ الوصول إلى أعلى الأحوال بالذكر المعروف الذي يكون بترديد اسم من الأسماء الحسنى: كقولهم: الله الله، أو حى حى يقول الحكيم الترمذي (٣) في رسالته المسماة بختم الأنبياء: مكر النفس بما يعبر عن مسلك معتدل في\n_________\n(١) مشارق أنوار القلوب: ١٠٠.\n(٢) نشأة الفلسفة الصوفية: ٦٧.\n(٣) هو أبو عبد الله محمد بن على الحكيم الترمذى عرف بالصلاح وهذا ما شهد به شيخ الإسلام - ﵀ -، وكان أول من قال بختم الولاية حيث ادعى أنه في آخر الزمان سيكون ولى هو أفضل من الصحابة الكرام وقد أثار بذلك حنق العلماء عليه فطرد من بلده، واتبعه أهل الابتداع على هذه المقولة الضالة، وقد ضمنها كتابه المسمى بختم الأنبياء، توفى سنة: ٢٥٥ هـ انظر: مجموع الفتاوى: (١٣/ ٢٦٧)، (١٧/ ٢١٨)، وانظر: كشف الظنون: (١/ ٧٠٠).","vol":"1","page":757},{"text":"الفكر الصوفى اتجاه استشعار الأسماء الحسنى: \"إنا وجدنا مكر النفس في الكليتين، وكياسة المعرفة في الفؤاد، فبكياسة المعرفة يعرف مكر النفس:\nوكياسة المعرفة من اسمه الحى، ومكر النفس من حدة الهوى الذي يصير إلى النفس من معدنه، فتلتقط لطائف الشهوات، وعذوبة الأفراح، وبهاء الزينة، فتحمله إلى الصدر حتى يشبه على عين الفؤاد، ويطفئ نور الكياسة، ويخمد وقود حياتها، فيكون كالحى المسبوت (١).\nفمن شأن القائم ببرهان ذلك بالعناية والبال العظيم، أن يراقب أحوال النفس في هذا المكر الذي يعامل به، فيلقى كل حال وكل شأن بمثلها من الكياسة حتى يردعها عن وجهتها التي قصدت إليها، فترجع النفس بمكرها منقمعة خاسئة بما لقيت من زجرة الكياسة\". (٢)\nأما غلاة الصوفية فيجعلون من ذكر الله تعالى بالأسماء الحسنى سبيلًا إلى الاتصاف بها حتى يخرج بهم الأمر إلى ادعاء مشاركة الرب تعالى في مقتضى هذا الاسم الذي لا ينبغى إلا لذاته سبحانه، يقول الكاشانى في تعريف العبادلة: \"هم أرباب التجليات الأسمائية إذا تحققوا بحقيقة اسم من أسمائه تعالى، واتصفوا بالصفة التي هي حقيقة ذلك الاسم\"\nومن أمثلة ذلك، يقول في معنى عبد القهار: هو الذي وفقه الله بتأييده لقهر قوى نفسه، فتجلى له باسمه القهار، فيقهر كل من نوأه، ويهزم كل من بارزه وعاداه، ويؤثر في أكوان ولا يتأثر منها\" (٣)\nويقول: \"عبد الحى: من تجلى له الحق بحياته السرمدية، فحى بحياته الديمومية.\nعبد القيوم: هو الذي شاهد قيام الأشياء بالحق، فتجلت قيوميته فصار قائمًا بمصالح الخلق قيمًا بالله، مقيمًا لأوامر الله تعالى في خلقه بقيوميته، ممدًا لهم فيما يقومون به من معايشهم ومصالحهم وحياتهم\" (٤)\n_________\n(١) المسبوت النائم والساكن.\n(٢) نص الرسالة محقق في آخر كتاب: التصوف والأخلاق، للدكتور/ عبد الفتاح بركة: ٢٩٧.\n(٣) اصطلاحات الصوفية: ١٢٥.\n(٤) المرجع السابق: ١٣٤.","vol":"1","page":758},{"text":"ومن هنا كانت عناية الطائفة بالذكر، فقد قدموه على جميع الوسائل المقومة للسلوك من الصلاة وغيرها، يقول الشعرانى: \"ومن شأنه مكايدة خواطره، ومعالجة أخلاقه، ونفى الغفلة عن قلبه بمداومة الذكر، وأما كثرة تلاوة القرآن والصلاة، فلا يعول المريد الصادق عليه، لأن القرآن إنما هو ورد الكمل، وكذلك الصلاة. وأما المريد فإنما عمله الدائم في تنظيف ظاهره وباطنه عن الصفات التي تمنعه من دخول حضرة الله ﷿، كالغضب وعزة النفس والكبر والحسد ونحو ذلك\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيرى الصاوي أن طريق الوصول إلى هذه المقامات يكون بالتزام الطريقة الصوفية على يد شيخ عارف، وعليه فإنه يرى أن هذه المقامات مما ينال بطريق المجاهدة وبذل الأسباب، يقول: \"ولما ذكر مقام البقاء ولا يكون صاحبه إلا كامل الإيمان لتخليه عن الأغيار، طلب تحليته بالعطايا\" وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وانشر علينا نعمتك المخصوصة بأهل العنايات، وهم الصديقون الذين أخذهم الله لنفسه، على حد قوله تعالى \" ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] وهذا من التحلية بعد التخلية، لأنه طالب الفتح الأكبر ولا يكون بالمجاهدة، بل بالمواهب الربانية، بخلاف التخلية من الأغيار حتى يكون من أهل البقاء، فبن له سببًا عاديًا وهو المجاهدة على يد شيخ عارف التزم معه الشروط والآداب\" (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>أولًا: عقبات الترقي:</span>\nوفي بيان العقبات التي يجب على المريد تذليلها من أجل الترقى إلى هذه المقامات فإنه يقول في شرحه لإحدى الصلوات: (وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وانزع من قلوبنا حب الشهوات والأغراض) \"المبعدة عن الحضرة الإلهية، وهي حجب النفس الظلمانية والنورانية\"\n_________\n(١) الأنوار القدسية، للشعرانى: ١٠١.\n(٢) حاشية الصلوات: ٦٨.","vol":"1","page":759},{"text":"ثم يشرع في بيات هذه الحجب، يقول: \"فالظلمانية: شهوات المعاصى الباطنية والظاهرية.\nوالنورانية: طلب غير الله من الأمور الأخروية، كالعبادة لأجل حصول العلم.\nأو لأجل الكرامات: كالكشف والطيران والجنة والخلاص من النار والقبر ونعيمه وعذابه وسعة الدنيا وإقبال الناس بقصد نفعهم، أو قصد الولاية أو الاجتماع بالنبى أو الأنبياء أو الأولياء والحاذق يقيس، كما قال بعض العارفين:\nأحبك لا لي بل لانك أهله ... وما لى في شيء سواك مطامع\nوقال سيدى عمر بن الفارض (﵁):\nقال لي حسن كل شيء تجلى ... بى تمل فقلت قصدى وراكا\nوحد القلب حبه فالتفاني ... لك شرك ولا أرى إلا شراكا\nوقال صاحب الحكم (﵁): ما أردت همة سألك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]\nولذلك ورد أن من عبد الله بهذا الوجه: تزفه الملائكة إلى الجنة مسحوبًا من سلاسل من ذهب، ومن هنا قال العارف:\nتركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلًا بحبك يا دينى ودنياى.\nوقال ابن الفارض:\nتعلق بأذيال الهوى واخلع الحيا ... وخل سبيل الناسكين وإن جلوا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>ثانيًا: طريق الخلاص:</span>\nوبعد أن بين العقبات فإنه يصف السبيل إلى تذليلها - كما يرى - وذلك بالإكثار من ذكر بعض أسماء الله الحسنى بقصد الاستدواء، وفقًا للطريقة الخلواتية،","vol":"1","page":760},{"text":"يقول: \"ولما كان الخلاص من تلك الحجب واجبًا عينيًا على كل مريد لله، وضعت أهل الطريقة الخلواتية أسماء سبعة، لأن كمال النفس وخلاصها من تلك الحجب لا يحصل إلا بتجليات تلك الأسماء على الترتيب المعلوم عندهم، لأنهم قسموا النفس إلى سبعة أقسام: أمارة، ولوامة، وملهمة، ومطمئنة، وراضية، ومرضية، وكاملة:\nثم يأخذ بتوضيح سبب تسمية النفوس بهذه الأسماء مع وقفة يسيرة للنفس الرفيعة وذلك لبيان ترقيها بالمقامات بحسب ما اتصفت به من صفات علت بها عن غيرها، يقول:\nفأخذوا الأمارة: من قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وهي نفوس الفساق لا تأمر صاحبها بخير أصلًا.\nواللوامة: من قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] وهي تأمر بالمعاصى، لكن تلوم صاحبها وتتوب.\nوالملهمة: من قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] وهى التي ألهمت عيوبها فلا ترى لها تقوى ولا عملًا وصاحبها فانٍ في مقام السكر.\nوالمطمئنة والراضية والمرضية: من قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] والكاملة: من قوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠].\nويسترسل في بيان استحقاق هذه النفس لكل تلك الصفات على الترتيب وملاحظة الترقى في المقامات، يقول:\nوسميت مطمئنة لرجوعها لمقام البقاء بربها، وسكونها للمقادير لشهودها الحق في الآثار فترى كل شيء جميلًا.\nفلذلك كان أول قدم يضعه المريد في الطريق - هو الوصول إلى مقام البقاء - وقبله كان مريدًا ولم يكن من أهل الطريق.","vol":"1","page":761},{"text":"فإذا استمرت تلك الطمأنينة واستمر بالباب، كانت راضية، فتكون مرضيًا عليها من الله، لأن من رضى له الرضا.\nفإذا استمرت على الباب تجلى عليه الحق بشهِود الذات فضلًا منه وإحسانًا وهي الكاملة، وهذا إشارة لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي جنة مشهودى في الدنيا (١)\n\"وهذا مقام الواصلين وقبل ذلك يسمى مقام السائرين\" (٢)\nويعلل تفسيره للجنة بهذا المقام، فيقول: \"فإنه تقدم لنا أن مشهود الذات نعيم معجل للأولياء أعظم من نعيم الجنان\".\nوبعد ذلك يبين - الصاوي كما يرى - أثر تجلى أسماء الله الحسنى السبعة على هذه النفوس في ترقيها إلى المقامات الصوفية، يقول: \"فوضعوا للمقام الأول - يعني النفس الأمارة -: لا اله الا الله لنفى الأغيار من كل حجاب ظلمانى.\nووضعوا الاسم الأعظم وهو الله في المقام الثاني: للخلاص من النفس اللوامة فإن تجليه يفنيها.\nووضعوا للمقام الثالث - النفس الملهمة - هو بالسكون والمد موضوع لحقيقة الحق فذكره يناسب الفانى في ذات الله.\nفإذا صحا من سكوه وضعوا له حق، لأن تجليه يحصل به دوامًا الطمأنينة، لكون معنى الحق الثابت الذي لا يقبل الزوال أزلًا ولا أبدًا.\nفإذا استمر ثابتًا بعد صحوه من الفناء وضعوا له في المقام الخامس: حى لتليه عليه بالحياة السرمدية، فإذا خلعت عليه خلعته صارت نفسه مرضية للرب، وناسبه قيوم لأن به قوام العالم فتخلع عليه خلعة القيومية، وهو التصرف في العالم، فيصلح للخلافة.\nفينتقل للكمال وهو شهود الذات، فيناسبه قهار ليخلع عليه خلعة يقهر بها المعاندين والمعارضين، لأنه صار داعيًا من دعاة الحق\" (٣).\n_________\n(١) حاشية الصلوات: ٨٥.\n(٢) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٣٠).\n(٣) حاشية الصلوات: ٨٥.","vol":"1","page":762},{"text":"أمر المشايخ المريدين بتلاوة القرآن والتعبد به بعد كمالهم ونظافة قلوبهم، وما داموا لم يكملوا يأمرونهم بالمجاهدة بالذكر ونحوه لتخلص قلوبهم، والحكمة في ذلك أن الغفلة في الذكر أخف منها في القرآن لما في الأثر: رب قارئ والقرآن يلعنه، فجعل العارفون للتوصل للقرآن طرقًا يجاهدون أنفسهم بها ليزدادوا بقراءتهم القرآن علومًا ومعارف وأخلاقًا\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>المناقشة:</span>\nإن موقف الصاوي من أساليب التطهير والذي يتحدد في أن إرادة النجاة من النار والفوز من الجنة إحدى الحجب التي تحول دون إخلاص العمل لله تعالى يعد امتدادًا لما ادعاه أسلافه من الصوفية الذين تأثروا بالمذاهب الملحدة، فحقيقته مستوحاة من غير هدى الرسالات المنزلة التي تتفق مع القيم والمبادئ الفطرية على هيئة تتكامل فيها الفطرة بما جبلت عليه مع الهدى الذي أتى لتقويمها وسدادها في مسيرة متوازنة بعيدًا عن التناقض واختلاق العقبات.\nإن نصوص الكتاب والسنة أتت صريحة بخلاف هذا الذي ذهب إليه بل بعده من الأباطيل التي ينقضها العقل والنقل، إذ الترغيب والترهيب من أهم المقومات التي ارتكزت عليها دعوة الأنبياء والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -.\nقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\nيقول الإمام ابن جرير: \"أرسلهم الله مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم، بالسعادة الدنيوية والأخروية، ومنذرين من عصى الله وخالفهم بشقاوة الدارين\" (٢)\nوعليه فإن إغفال هذا الجانب الجزائى العظيم من عملية التربية الدينية يعد خطأ جسيمًا، وذلك لما يترتب عليه من أخطار عقدية وسلوكية يتحتم وجودها عند\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٣/ ٦٢).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٢٠٧.","vol":"1","page":763},{"text":"الإخفاق في هذه المهمة، إذ النفس مجبولة على محبة الثواب وإرادته، ولما كان الالتفات إليه في الدنيا مخل بحقيقة الإخلاص انعقد الخلاص بتوجيهه نحو الجزاء الأخروى الذي تعلقت آمال المخلصين بالحصول عليه.\nومن هنا أتى مدح المولى تعالى لخيرة عباده المؤمنين من المصطفين الأخيار، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، يقول الإمام ابن جرير - ﵀ - في بيان هذا الركن العظيم من أركان العبادة: \"عنى بالدعاء في هذا الموضع: العبادة، كما قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] ويعنى بقوله: (رغبًا)؛: أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله (ورهبًا): يعني رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته، وركوبهم معصيته\" (١)\nبقى التنبيه على حقيقة المحبة التي أنيط الفوز ببلوغ العبد إياها، إن محبة الله تعالى أمر قد فطرت النفوس عليه إذ جبلها الله على محبة من أحسن إليها ولا أحد نعمه لا تحصى إلا إياه ومن هنا كانت محبته مخالطة لبشاشة قلوب الخلق، حتى كان هذا الأصل مما لم ينازع فيه أحد وإنما كان النزاع في حقيقة المحبة المرادة الشرعية، والتي أنيط تحقيق الأمل برضا الله عند تحقيقها في قلب العبد، يتجلى هذا المعنى وضوحًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ هنا علق المولى حقيقة المحبة المرادة بشرط تحققها وهو متابعة النبي - ﷺ -.\nوكما قيل لما كثر المدعون طولبوا بالبينة.\nفالمحبة أصل التوحيد ولب العبادة ولكنها لا يمكن أن تتحقق بما يحفظ لها نقاءها مع امتناع الضابط والقائد، فالضابط هو الخوف من عذاب الله تعالى، فحتى\n_________\n(١) جامع البيان: (١٧/ ٨٣).","vol":"1","page":764},{"text":"لا يخرج الهوى صاحبه عن طريق العبادة المتمثل بالمحبة إلى الهوى فيضل عن سبيل الله كان الخوف رادعًا وزاجرًا يهيب بالعبد من مغبة الإعراض عن أمره ونهيه.\nوكان القائد هو الرجاء، فإذا استعدى الخوف بصاحبه أتى الرجاء قائدًا له حاديًا إلى مرضاة الله بعيدًا عن القنوط من رحمته وجنته.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان هذه القاعدة الجليلة: \"إن محركات القلوب إلى الله ﷿ ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء.\nوأقواها: المحبة وهى مقصودة تراد لذاتها، لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف، فإنه يزول في الآخرة، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nوالخوف المقصود منه الزجر والمنع عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه.\nفالخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه\" (١).\nومما يظهر به ضلال معتقدهم في تهميش جانب الرجاء، وجعله من عوائق الخلاص والترقى في مقامات العبادة والسلوك، أن غاية ما يرجوه العبد هو دخول الجنة، والتنعم بما فيها، وقد علم أن أعظم نعيم الجنة هو رؤية الله، قال - ﵊ -: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿) (٢).\nوبهذا يكون موقفهم من ترك عبادة الله بالرجاء مناقضًا لأصل ادعائهم المحبة،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١/ ٩٥).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾، رقم الحديث: ٤٤٨.","vol":"1","page":765},{"text":"فإن المحب مشتاق لرؤية محبوبه لا يزال يمنى نفسه بها ويعمل لأجلها، لذا كان من عذاب الكافرين أن الله لا ينظر إليهم يوم القيامة وأنهم يحجبون عن رؤيته، فلا يكلمهم ولا يزكيهم، وكان من أعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجهه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.\nوإذا تم بيان مكانة المحبة في تحقيق العبودية، وجب أن يبين ما يجب أن يعبر عنها من الألفاظ حتى تبقى هذه الحقيقة الإيمانية في صفاء بعيدًا عن درن الضلال والزيغ الذي يمليه الهوى، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: \"ولما كانت المحبة جنسًا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى: ما يختص به ويليق به كالعبادة والإنابة والإخبات ولهذا لا يذكر فيها لفظ العشق والغرام والصبابة والشغف والهوى، وقد يذكر المحبة كقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].\nوقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (١).\nومن هنا ظهر ضلال من سمى محبة الله هوى وعشقًا كابن الفارض وغيره ممن تاهوا بإرادة هذه المعانى ولم يصلوا، وقد سبقت الإشارة إلى أنواع الإلحاد التي ارتادها ابن الفارض بهذا الحب المزعوم الذي سولت له نفسه أن يجعله مسوغًا له فيما ادعاه من أوهام الاتحاد، ومع موقف الصاوي التأويلى لهذا الإلحاد الذي عجت به أشعاره إلا أن الحق أحق أن يتبع، وعليه فما ذكره في البيت من أمر للناسكين بالتعلق بأذيال الهوى وخلع الحياء في ذلك محض ضلال وتيه وبعد عن مقتضيات المحبة الشرعية، التي لا سبيل إليها إلا بالتزام آداب الشرع ظاهرًا وباطنًا، ولو علم هذا المحجوب: ابن الفارض، وأمثاله، أن قرة عين المحب في رضا محبوبه عنه لما\n_________\n(١) إغاثة اللهفان: (٢/ ١٣٣).","vol":"1","page":766},{"text":"تاه به المراد عن السبيل مع التلازم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\nهذا وقد أصاب الصاوي في منعه إرادة المناصب أو الكرامات أو النعم المؤجلة أيًا كانت لذاتها، وجعلها من معوقات الوصول إلى الإخلاص. أما مع وقوعها دون تشوق قلب فذلك فضل الله وهو كما قال النبي - ﷺ -: (عاجل بشرى المؤمن) (١).\nوكان حديث الصاوي عن النفس مع أثر تجليات الأسماء عليها في الترقى للوصول إلى أعلى المقامات محل نقاش في بعض ما ذكر، ويمكن إجمال ما يلحظ إليه في النقاط التالية:\nأولًا: أنه جعل صاحب النفس الملهمة التي وردت في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ في مقام الفناء الذي هو محل سكر واصطلام، فكان هذا من باب تحميل النص ما لا يدل عليه، فإن الفناء الذي يحمل صاحبه على السكر مقام نقص، فمن غير الممكن أن تجبل النفس على إرادته، وليس فيه مراعاة للتقوى والوجل - كما ذكر - بل كثيرًا ما يدعى أصحابه سقوط التكاليف واستواء المأمور بالمحظور لمشاهدة المشيئة الكونية، يصدق هذا من كلام الصاوي ما نقله عن أحدهم في مقام الفناء: فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر.\nوعليه فإن استدلاله بهذه الآية الكريمة على بلوغ النفس هذا المقام مما يرد عليه، ثم إن في نفس الآية ما يدل على مناقضة ما ذهب إليه لأن المراد بهذه الآية الكريمة بيان حقيقة النفس التي جبلها الله تعالى على معرفة الخير من الشر، حتى تقوم الحجة عليها ويصح تكليفها فلا حجة لها حينئذ في معصية الأوامر الشرعية وقد جبلت على تمييز الخير من الشر.\nثانيًا: أما تسمية النفس التي في مقام البقاء بالمطمئنة ففيه تفصيل، ويرجع إلى ما\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأدب البر والصلة والآداب - باب إذا أثنى على الصالح فهى بشري ولا تضره، رقم الحديث: ٦٦٦٣.","vol":"1","page":767},{"text":"سبق بيانه في الحديث عن مقام البقاء، فبن البقاء الذي لا ينافى الفناء هو ما يكون العبد فيه بحيث لا تحجب مشاهدة أفعاله تعالى عن إدراك الفرق بين ما يحبه تعالى وما يسخطه يصل بصاحبه حقيقة إلى مقام الطمأنينة والرضا، أما إذا أراد به المعنى الذي عليه عامة الصوفية والذي يظهر أنه المقصود من كلامه وهو مشاهدة الأفعال في الآثار حتى لا يرى معصية ولا يشهد كفرًا أو ضلالًا، فمعنى باطل ترده نصوص الكتاب والسنة وحقيقته غياب عن مقتضى العبودية الذي يلزم العبد باتباع المحاب واجتناب المساخط، وقد سبق تفصيل ذلك.\n- وبناء على هذا الذي تقرر عنده في معنى المطمئنة فقد أوَّل دخول الجنة بتحقق وحدة الشهود، متبعًا بذلك مسلك الاستبطان في الاستدلال للأحكام الصوفية، وبطلان هذا الذي ذهب إليه أبين من أن يستدل له، ويكفى في رده أن القرآن أنزل بلغة العرب وليس هذا مما يراد بلفظ الجنة.\nومع أن الصاوي أشعرى المعتقد ولا يقول بالمعاد الروحى قطعًا، إلا أنه في تحريره لهذه الترقيات بوجهة نظر صوفية، كشف عن تأثر التصوف في مراحله الأخيرة بعقائد الفلاسفة في إثبات المعاد الروحانى دون الجسمانى، إذ غاية النعيم - عندهم - هو معرفة الروحانيات والتلذذ بها.\n* * *\n\nثالثًا: لقد تابع الصاوي أسلافه المتصوفة في مفهوم تجلى الأسماء الحسنى على ذاكرها والمتعبد باستشعار معانيها، ولا يخفى ما في هذا من غلو مقيت يخلط الحقائق ويطوى المرادات الشرعية على خلاف ما يقتضيه إثبات آثار الأسماء والصفات لله ﵎.\nفإذا كان الهدف الأسمى من العبادة السنية تحقيق الذل والافتقار إلى الله تعالى بالقيام بكل مأمور وترك كل محظور والازدياد من النوافل والقربات، فإن هدف العبادة الصوفية الترقى إلى مراقى الربوبية، وأنى لهم؟ بل هي مهاوى الإلحاد والمروق من الدين بالكلية، وبيان ذلك ما يلى:","vol":"1","page":768},{"text":"إن توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته يقوم على نفى التمثيل والتشبيه والتحريف والتعطيل، وكلامهم في هذا التجلى المزعوم ادعاء لمشاركة العبد ربه في مقتضى الصفة، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، فإنه متى قامت الصفة بالموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان، وأمران معنويان:\nفاللفظيان: ثبوتى، وسلبى، فالثبوتى: أن يشتق للموصوف منها اسم.\nوالسلبى: أن يمتنع الاشتقاق لغيره.\nوالمعنويان: ثبوتى، وسلبى، فالثبوتى: أن يعود حكمها إلى الموصوف، ويخبر بها عنه.\nوالسلبى: أن لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبرًا عنه\" (١).\nوهذه قاعدة تتوجه إلى جميع من اتصف بصفة فعلم قيامه بها، وحقيقة هذا الحكم امتناع اتحاد الأفراد في الخارج لاشتراكها في أمر كلى، مثال ذلك صفة السمع فإن السمع إذا أفرد صار معنى كلى يشترك فيه كل من اتصف بهذه الصفة وليس يعني ذلك اتحاد المحل القابل للسمع فإن كل من له سمع في الخارج يختلف عن الآخر فسمع الإنسان ليس كسمع الحيوان وهكذا.\nوهذه هي القاعدة التي قال عنها الإمام ابن القيم - ﵀ -: أنها أصل أهل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية وهو من أصح الأصول طردًا وعكسًا (٢).\nفإذا كانت هذه القاعدة يصح طردها في كل من اتصف بصفة أن يمتنع اتصاف غيره بنفس الصفة التي اتصف بها، فإنه يتعين مزيد بيان بالنسبة لصفات الخالق في مقابل صفات المخلوق، فكما أنه تعالى له ذات ليست؛ كالذوات فكذلك له صفات ليست كالصفات، \"فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات\".\n_________\n(١) بدائع الفوائد، لابن القيم: (١/ ١٧٤).\n(٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":769},{"text":"وهذا الأصل مستفاد من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nومثال ذلك اتصافه تعالى بالسمع والعلم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، معنى ذلك أنه \"هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرًا مما يعملون\" (١).\n- وبهذا يتحقق إيمان العبد بصفاته تعالى؛ فكلما ازداد العبد استشعارًا وعلمًا للفرق الذي بينه وبين خالقه؛ كلما تحققت عبوديته له وتأكدت، إذ العبودية التامة هي غاية الحب مع غاية الذل والافتقار، لذلك قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، إذًا فمقتضى العلم بمعرفة أسمائه وصفاته تعالى هو الالتجاء بها إليه تعالى بالدعاء الذي هو حقيقة العبادة.\nوبيان ذلك أن الدعاء - كما سبق ذكره - ينقسم إلى قسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ودعاء العبادة هو العمل بمقتضى تعظيم أسمائه فكل عمل ظاهر أو باطن صدر من العبد نتيجة لإيمانه بأسمائه وصفاته كالعلم والسمع والبصر والرحمة فهو من الدعاء بالأسماء، وكل سؤال توجه به العبد لربه سائلًا إياه بأسمائه فهو من الدعاء بها، وهكذا.\nوبناء على ما تقدم فإن ما تقرر عند الصاوي متبعًا بذلك طريقة الصوفية من آثار بعض ما ذكر من الأسماء مردود عليه، فقد ذكر أن ترديد الضمير (هو) يكون للنفس الملهمة، وهذا مما لا أساس له، أولًا؛ لبدعية هذا الذكر، فذكر المولى تعالى المعتبر شرعًا لا بد أن يكون مقرونًا بتعظيم المولى وتبجيله، كقول: لا إله إلا الله، الحمد لله، سبحان الله، وقد ورد في أفضل ما يذكر به المولى تعالى حديث النبي - ﷺ -، حيث يقول: (أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله).\nوحقيقة هذا؛ أن الكلام لا يضاف إليه مدحًا أو ذمًا حتى يظهر به المراد، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما الذكر بالاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا بدعة في\n_________\n(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم: (١/ ٩٧).","vol":"1","page":770},{"text":"الشرع وخطأ في القول واللغة، فإن الاسم المجرد ليس هو كلامًا لا إيمانًا ولا كفرًا\" (١).\nفكيف يكون مثل هذا الكلام عمدة لأهل التحقيق والعبادة؟\nومن هنا فقد حكم العلماء ببدعية هذا الذكر ووجوب رده على محدثه، استنادًا لقوله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢).\nهذا وقد شرع ذكر الحق لمن صحا من سكره لأنه يفيد معنى الثبات والبقاء، وكأنه يريد بذلك أن هذه الصفة مع كثرة ترديدها تنعكس معانيها على قائله فتكسبه الثبات بعد سكره وغيابه، ونقض هذا يرجع إلى ما سبق وأن بينته من أسماء الله تعالى حقيقة فيه ليس لأحد أن يشاركه فيها كما أنها لا تستفاد أحكامها ومعانيها اللازمة لأحد مهما كثر ترديده لها فالله سبحانه فرد أحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فكل ما يناله العبد منها من آثار الإيمان بها، والتعبد بمقتضاها، إنما يتوقف على الأحكام المتعدية منها والتى ينالها أهل الإيمان بإيمانهم بها والعمل بما يلزم من ذلك الإيمان.\nفإن الإيمان بأن الله هو الحق كما دلت على ذلك النصوص الشرعية يثمر الاعتقاد الجازم بأن الله هو الموجود الباقى إذا الحق من صفات الله تعالى التي تفيد الثبات وتفيد البقاء والوجود الذي لم يزل ولا يزال متصفًا بالجلال والجمال والكمال، فقوله حق وفعله حق ولقاؤه حق، وهو الحق الذي لا يعبد غيره، فكل ما عبد من دونه باطل زائل: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] (٣).\nفآثاره في قلب العبد يقينًا بوجود الله الذي لا يعتريه زوال فهو الأول والآخر،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٣٩٧).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الدعوات عن رسول الله - باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، رقم الحديث: ٣٣٨٣: (٥/ ٤٣١).\n(٣) انظر: النهج الأسمى: (٢/ ١٢ - ١٣).","vol":"1","page":771},{"text":"وإيمانًا باستحقاقه لصفات الربوبية والألوهية، وكل ما خلا ذلك من أوهام الصوفية، فلا حجة فيه ولا معتمد.\nأما ما ذكره من أن اسمه الحى إذا ردده العبد بعد الصحو من الفناء فإنه يخلع عليه صفة الحياة السرمدية، فهذا باطل ليس له أساس من الصحة، فصفة الحياة لله تعالى من الصفات الذاتية اللازمة، التي تعنى اتصافه بالحياة على جهة لا يماثله فيها أحد، كما في آية الكرسى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فقد نفى تعالى عنه السنة وهى النعاس ليثبت في مقابلها كمال حياته وقيوميته، فأين هذا مما يدعيه أولئك؟ وقد دلت النصوص على جهة لا تحتمل الشك أن كل مخلوق فهو إلى فناء وأن البقاء لله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].\nوهذا أيضًا ما يقال في صفة القيومية، فإنه تعالى لما وصف نفسه بالحياة الذاتية التامة، بين أن كل موجود سواه إنما كان بإيجاده له وقيوميته عليه فهو القائم على كل نفس خلقًا ومشيئة إحياء وإماتة، وعلى كل موجود حفظًا ورعاية وإبقاء وإفناء، فهو الحى القيوم الذي قامت به السموات والأرض.\nوبهذا يعلم أن الأثر التعبدى للإيمان بهاتين الصفتين إنما يكون باستشعار الذل والافتقار لكمال الواحد القهار الذي بيده ملكوت كل شيء ومن ثم إفراده تعالى بالعبادة دعاء واستغاثة وتوسلًا ومحبة، لا كما يدعى هؤلاء من مزاعم التجلى التي هي صورة من صور الفيض الكفرى الإشراقى الذي جاء به فلاسفة اليونان.\nيقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في وصف حال من ظهر عليه آثار التعبد بهذين الاسمين العظيمين: أن من شهد وصفه تعالى بالحى القيوم فإنه يلمس \"في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرًا تامًا إليه، من جهة كونه ربًا ومن وجهة كونه إلهًا معبودًا لا غنى له عنه، كما لا وجود له بغيره، فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم، بل هو قطب تلك الرحى، وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية، ومعرفة حقيقة النفس والعبودية، فهنالك تتم","vol":"1","page":772},{"text":"له معرفة هذا الفقر. فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية، اتصف بهذا الفقر حالًا، فما أغناه حينئذ من فقير، وما أعزه من ذليل، وما أقواه من ضعيف، وما آنسه من وحيد، فهو الغنى بلا مال، القوى بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفى بلا عتاد، قد قرت عينه بالله، فافتقر إليه الأغنياء\" (١).\nوكذلك صفة القهار لله ﷿ فإن العبد إذا علم ما اتصف به تعالى من القوة والغلبة والقهر كان ذلك دافعًا له للخوف والعمل، كما أن من أثر الإيمان بهذه الصفة أن يزداد توكلًا عليه وتوجهًا فلا يخاف في الله أحدًا، وبهذا تظهر عزة المؤمن وكبريائه أمام أعداء الله؛ فالحكم لله العلى الكبير.\n* * *\n_________\n(١) طريق الهجرتين: ٥١.","vol":"1","page":773},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>الفصل الثالث: (الولاية والكرامة)</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حقيقة الولاية.\nالمبحث الثاني: حقيقة الكرامة.","vol":"1","page":774},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>تمهيد</span>\nيقوم المعتقد الصحيح في استحقاق قبول العمل كما تقتضيه حقيقة الإيمان الشرعية على أمرين أساسين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر وهما: صحة القصد وسلامة المنهج، فإخلاص العمل لله تعالى، مع موافقته لشرعه المطهر، أساس القبول من المولى ﵎.\nوعلى هذا الأساس قام بناء الدين متكاملًا، يدعو لتحقيق السعادة في الدارين، فإذا كانت دعوة الرسل الأولى هي الدعوة إلى التوحيد، والتجرد من كل ألوان الشرك المخلة بهذا الأصل العظيم، فقد بينت أيضًا وجوب الاستقامة على الشرع، وأناطت قبول ذلك الإخلاص المجرد لله تعالى بالتزام هدى الأنبياء والرسل، الذين هم ترجمان الوحى، والقدوة الحية، التي يستنير بها طلاب الهداية والخير.\nقال تعالى موجهًا الأمر لنبيه - ﷺ - بالاستقامة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].\nوقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] إن هذه الآية قال فيها ابن عباس - ﵄ -: (ما نزل على رسول الله - ﷺ - آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه) (١) لتكشف عن حقيقة الاتباع المأمور به، والذي يقتضيه صدق الإيمان بالله تعالى وبرسوله، وإخلاص التوبة له.\nفالأمر بالاستقامة على دين الله هو حقيقة إقامة شرائع الدين المنزلة على المصطفى - ﷺ -؛ لذلك كان تفسير سفيان له بقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: استقم على القرآن (٢).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: (٩/ ١٠٧).\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":775},{"text":"ثم إن في هذه الكلمة وهى الأمر بالاستقامة في قوله: (فاستقم) دلالة على وجوب انتهاج الصراط المستقيم، الذي هو مطلب العبد، ومبتغاه الأسمى؛ للوصول إلى رضوان الله تعالى، وعليه فإن أي انحراف عن النهج السوى في امتثال شرع الله تعالى، يعد مسلكًا عوجًا ينأى بصاحبه عن سلوك الصراط المستقيم؛ ليوقعه في متاهات الهوى، فليس الأمر بالاستقامة على ما يشاؤه العبد، وإنما هو أمر اختص بما تصح به وجهته، أنه أمر بالاستقامة كما أمر المولى تعالى، لذلك أتى التحذير بعده من اتباع الهوى، حيث قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وهنا يأتى الأمر مرة أخرى بالاعتدال، وأخذ الحيطة في رسوخ القدم على الصراط المستقيم، فليس ثمة طريق للنجاة سواه، إنه التحذير من الطغيان؛ وهو مجاوزة الحد بعد النهى عن التفريط والإهمال، هكذا حتى يتم الثبات على الاستقامة المطلوبة، بلا إفراط أو تفريط.\nوكلما تحققت مقومات الاستقامة من الإتيان بالعمل الصالح الناجم عن التصور السليم، المنبعث من صدق النية وصفاء الإرادة؛ كلما أتت ثمارها بإذن ربها، فتحقق بتحققها مقام الولاية الذي تعلقت به آمال الكثير، وأنيط به مقام الأمن والسعادة: ركنا النجاة ومقوماتها الأساسية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].\nومن هذا المنطلق أتى فهم السلف الصالح لحقيقة الولاية الشرعية، إن الولاية عند أهل السنة والجماعة؛ تعنى ثمرة الالتزام بطاعة الله تعالى وحسن التوجه له ظاهرًا وباطنًا، هكذا دون تشدق بالألفاظ المنمقة، التي ليس لها مستند من الشرع المطهر، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].\nفالإيمان والتقوى قرينان يستلزم أحدهما الآخر، وهذا في الآية الكريمة من باب بيان الصفات التي تتأتى بها الولاية الموجبة للأمن في الدارين، أمن يورثه تحقق معية المولى في الدنيا بالنصرة والمحبة، وأمن يوم الفزع الأكبر، يوم تتلقاهم الملائكة بالتبشير.","vol":"1","page":776},{"text":"فالولاية عند أهل السنة والجماعة لها جانبان: أحدهما من جهة العبد؛ قيامًا بأمر الله تعالى؛ طاعة وامتثالًا لما جاء به؛ واجتنابًا لما نهى عنه، ثم يكون التدرج في مراقى التقرب إلى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، كما جاء في الحديث: (ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) (١).\nوالجانب الآخر هو الذى يكون من جهة الرب ﵎؛ جزاء لما كان من العبد، فيتولاه المولى بالقرب والرحمة.\nومع وضوح مفهوم الولاية عند سلف الأمة، فقد خالف في ذلك الكثير من الطوائف المبتدعة، وكان على رأسها طائفة الصوفية، التي نحن الآن بصدد الحديث عنها، فقد غلت في هذا المقام غلوًا أبعد بها عن مقتضى الأمر بالاستقامة، الذي هو أساس الدين، حتى أنه حين سئل النبي عن قول في الإسلام يكون جامعًا لأسسه، قال - ﵊ -: (قل آمنت بالله ثم استقم) (٢).\nفصارت الولاية عند أكثرهم مرتبة لا ينالها إلا أهل الكرامات وخرق العادات، فليس صلاح الظاهر والاستقامة على الشريعة الغراء هو دليل تحققها للعبد، بل الترقى في مقامات الفناء والبقاء هو السبيل الأوحد إليها، والذي به تحصل الكرامات المنشودة، فتنكشف الأسرار وتتخطى النفس حجب المادة؛ لتسبح في عالم الملكوت، وتشارك في تصريف الكون، وكل هذا بإذن الله! .\n* * *\n_________\n(١) كتاب التوحيد - باب ويحذركم الله نفسه، رقم الحديث: ٦٩٧٠.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان - باب جامع أوصاف الإسلام، رقم الحديث: (٢/ ٩).","vol":"1","page":777},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>(المبحث الأول): حقيقة الولاية</span>\nأولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-254> تعريف الولاية:</span>\n\" الولى من الولاء والتوالى، وهو أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة، والنصرة، والاعتقاد. .\nوالولى والمولى يستعملان في ذلك كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل، أي الموالى، وفي معنى المفعول أي المولى، يقال للمؤمن: هو ولى الله ﷿ ولم يرد مولاه، وقد يقال: الله تعالى ولى المؤمنين ومولاهم، فمن الأول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nومن الثاني: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١] (١).\nولبيان آراء الصوفية على مختلف توجهاتهم بين الاعتدال والغلو في معنى الولاية وتعريف الولى؛ سأذكر بعض أقوالهم فيها حتى يتسنى تصنيف أقوال الصاوي وتوجيهها وفق هذه الآراء المتعددة:\nيقول: عماد الدين الأموى: \"الولى: من توالت طاعته لله تعالى من غير تخلل معصية، وقيل الولى: هوالذى تولى الحق ﷾ حفظه وحراسته عن المعاصى والمخالفات، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].\nوعلى هذين التفسيرين، فالولى محفوظ من المعاصى، لا على سبيل الوجوب، لأن الحفظ منها على سبيل الوجوب عصمة، وذلك مخصوص بالأنبياء ﵈\" (٢).\n_________\n(١) المفردات للراغب: (٥٣٣) بتصرف يسير.\n(٢) حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبوب، بهامش قوت القلوب، لعماد الدين الأموى: ٢٨٦.","vol":"1","page":778},{"text":"ويقول الكاشاني: \"الولى من تولى الحق أمره، وحفظه من العصيان، ولم يخله ونفسه بالخذلان، حتى يبلغه في الكمال مبلغ الرجال، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.\nوالولاية: هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه، وذلك بتولى الحق إياه حتى يبلغه غاية مقام التمكين\" (١).\nكما تعرف بأنها \"التصرف في الخلق بالحق\" (٢).\nويقول ابن عربى الضال في تفسير قوله تعالى: \" ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾: المستغرقين في عين الهوية الأحدية بفناء الآنية.\n﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: إذ لم يبق منهم بقية خافوا بسببها حرمان، ولا غاية وراء ما بلغوا.\n﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: لامتناع فوات شيء من الكمالات واللذات منهم فيحزنوا عليه.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: إن جعل صفة لأولياء الله، فمعناه الذين آمنوا الإيمان الحقى، وكانوا يتقون بقاياهم وظهور تلويناتهم\" (٣).\n* * *\n\nوتكشف هذه الأقوال عن حقيقة الولى في منظور الفكر الصوفى، فالولاية عندهم منزلة قد تسمو بصاحبها حتى ترتفع به فوق منازل العباد، فيتمكنون من التصرف في الكون، وقد تنكشف لهم الحجب فيشهدون ما خفى من العلوم الغيبية بحكم هذه الولاية.\nولتأصيل هذه الأوهام والانحرافات العقدية، فالصوفية يعتقدون بالإلهام أو\n_________\n(١) اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق الكاشاني: ٧٦.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) تفسير ابن عربي: (١/ ٢٤١).","vol":"1","page":779},{"text":"بالوجدان النفسى، كمصدر معتمد من مصادر المعرفة، فيسلمون بالتلقى منه في الحكم على كثير من الأمور المتعلقة بالغيب والتشريع؛ مما يؤدى في حقيقة الأمر إلى التقريب بين مقام النبوة والولاية، أو إلى الدمج بينهما، ويفصح عن هذا المعنى أبو حامد الغزالي وهو يحاول تقريب حقيقة النبوة للأفهام، يقول: \"ووراء العقل طور آخر تتفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل. .\nوإنما ذكرناها لأن معك أنموذجًا منها وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم، وهى معجزات الأنبياء، ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلًا.\nوأما ما عدا هذا من خواص النبوة؛ إنما يدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف\" (١).\nوقد يعتقد بعضهم ارتفاعها على مرتبة النبوة، كما هو عند الغلاة منهم، يقول ابن عربي: \"وهذا المقام دائرته أتم وأكبر من دائرة النبوة؛ لذلك انختمت النبوة والولاية دائمة، وجعل الولى اسم من أسماء الله دون النبي\" (٢).\nوحجته في ذلك أن الولى يأخذ العلم بلا واسطة أما الرسول فلا بد له من واسطة ملك، ولا شك أن في هذا من الكفر والجحود ما ليس يخفى على أحد، يقول شيخ الإسلام بعد ذكر هذه الأوهام الصوفية: \"فتدبر ما فيه من الكفر، الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًّا، وما فيه من جحد خلق الله وأمره وجحود ربوبيته وألوهيته وشتمه وسبه، وما فيه من الإزراء برسله وصديقيه والتقدم عليهم\" (٣).\nوحتى يتم لهم هذا التقريب المزعوم بين الولاية والنبوة؛ فقد ادعوا العصمة للأولياء، فلا يجوز الاعتراض على حالهم، حتى ولو عارض الشرع في الظاهر،\n_________\n(١) المنقذ من الضلال: ٥٤.\n(٢) فصوص الحكم: ١٢٥، وانظر الواسطة بين الله وخلقه، الدكتور: المرابط الشنقيطي: ٤٨٤.\n(٣) فتاوى شيخ الإسلام: (٢/ ٢٠٩).","vol":"1","page":780},{"text":"وقد لا يصرحون باعتقاد العصمة؛ لمخالفتها مقتضى دلائل الشرع التي تقطع باختصاص الأنبياء في هذا الوصف، فيعبرون لأجل ذلك بالحفظ بدلًا عن العصمة وهذا كثير في مؤلفاتهم.\nوالحقيقة أنهم لا يريدون به المعنى المراد في الشرع من التزام أوامر الشارع دون درجة الامتناع التام عن المعاصى، ولكنهم يعنون به المعنى الأول وهو العصمة كحال الأنبياء، وكتب القوم وتراجمهم أكبر شاهد على هذا، وقد يقرنون بين حال الأنبياء والأولياء لدلالة الموافقة في معنى العصمة.\nيقول الكلاباذى في ذلك: \"وقول من قال إن الفانى يرد إلى أوصافه محال، لان القائل إذ أقر بأن الله تعالى اختص عبدًا، واصطنعه لنفسه، ثم قال: إنه يرده، فكأنه قال: يختص ما لا يختص، ويصطنع ما لا يصطنع، وهذا محال، وجوازه من جهة التربية والحفظ عن الفتنة لا يصح أيضًا؛ لأن الله تعالى لا يحفظ على العبد ما آتاه من جهة السلب، ولا بأن يرده إلى الأوضع عن الأرفع، ولو جاز هذا جاز أن لا يحفظ مواضع الفتن من الأنبياء بأن يردهم من رتبة النبوة إلى رتبة الولاية، أو ما دونها وهذا غير جائز، ولطائف الله تعالى في عصمة أنبيائه، وحفظ أوليائه من الفتنة أكثر من أن تقع تحت الإحصاء والعد\" (١).\n* * *\n\n- وهذا والصوفية في وجوب التخلق بآداب الشريعة لتحقق الولاية على مذاهب مختلفة، فأوائل القوم كانوا يؤمنون بوجوب استقامة حال الولى على أصول الشرع، أما المتأخرون منهم وهم أكثر فلا يرون ذلك شرطًا، بل يجوزون مخالفته ظاهر الشرع؛ ما دام الباطن قد عمر بالإخلاص، الذي هو أساس الولاية كما زعموا، ولهم في ذلك حكايات عجيبة تعج بها المؤلفات التي عنت بترجمتهم.\nوممن رأى أن الاستقامة شرط الولاية، موافقًا بذلك المعتد الصحيح، سهل بن عبد الله، يقول: \"الولى هو الذى توالت أفعاله على الموافقة\" (٢).\n_________\n(١) التعرف لمذهب أهل التصوف: ١٣٠.\n(٢) الرسالة القشيرية: ٢٦٢.","vol":"1","page":781},{"text":"- أما من تخطى هذا القيد فهم الكثير من أهل التصوف، روى عن بعضهم أنه قال: \"الوقوف مع الظاهر حجاب ظاهر، والترقي عن المظاهر كشف ظاهر\" (١).\nوفي ترجمة واحد منهم عد المناوى (٢) الأكل في نهار رمضان من دلائل كراماته وسمو أحواله، يقول عنه: \"كان من أرباب الأحوال والمكاشفات الخارقة، وكان يحلق رأسه ولحيته وحواجبه، وكان أصحاب النوبة يعظمونه، وكان يأكل في نهار رمضان ويقول: أنا معتوق، أعتقني ربي، وكان من أنكر عليه يعطبه في الحال\" (٣).\nويصل ابن عربي إلى قمة الإغراق في الانحراف الفكري عند الصوفية، حتى ذهب إلى أن الكافرين هم الأولياء وقد صدق لأنهم أولياء الشيطان، يقول في تجلى نعت الولى: \"هم المجهولون في الدنيا والآخرة المسودة وجوههم عند العالمين لشدة القرب وإسقاط التكليف، لا في الدنيا يحكمون، ولا في الآخرة يشفعون، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] \" (٤).\nومن هنا ارتبط مقام الولاية بالخفاء والسرية؛ فليس من الممكن الاطلاع على السرائر، وهي أهم ما يجب أن يصلحه العبد بالإخلاص، لذلك فقد أبعد كثير من الصوفية في هذا الجانب، وهو عدم إمكان معرفة الولي، نقل عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: \"أولياء الله عرائس الله تعالى، ولا يرى العرائس إلا المحرمون، فهم مخدرون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة\" (٥).\n_________\n(١) الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، عبد الرءوف المناوي: (٣/ ٨٦).\n(٢) هو عبد الرءوف بن تاج العارفين بن على بن زين العابدين الحدادي المنادى القاهري الشافعي، شارك في علوم شتي بالتدريس والتصنيف من تصانيفه: غاية الإرشاد في معرفة الحيوان والنبات والجماد، الروض الباسم في شمائل المصطفى أبي القاسم، شرح التحرير في فروع الفقه الشافعي، الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، توفي سنة: ١٠٣١ هـ. معجم المؤلفين: (٥/ ٢٢٠).\n(٣) المصدر السابق: (٣/ ١٣١).\n(٤) انظر: رسائل ابن عربي، كتاب التجليات: ٤٤٧.\n(٥) الرسالة القشيرية: ٢٦١.","vol":"1","page":782},{"text":"وعليه فإن \"الأولياء يعيشون مغمورين غالبًا ويموتون وهم مجهولون، ويوجد منهم أربعة آلاف لا يعرف أحدهم الآخر، كما لا يتبينون جمال حالهم، وهم مستورون في كل الأحوال عن أنفسهم وعن الخلق أجمعين\" (١).\nولهذا فحين سئل أحدهم عن الله تعالى، وعن الولى، أيهما معرفته أصعب؟ قال: معرفة الولى أصعب من معرفة الله تعالى.\nحتى بلغ ببعضهم أنه قال: \"من ادعى إنه ولي يموت كافرًا؟ .\nوقال: إن الولي لو كشف للناس لعبدوه؛ لأن<span data-type=\"title\" id=toc-256> حقيقة الولي </span>أنه يسلب من جميع البشرية، ويتحلى بالأخلاق الإلهية ظاهرًا وباطنًا (٢).\n- وتعظيمًا لشأن الولاية وإغراقًا في الانحراف الغالى اتجاهها، فإن بعض الصوفية أمثال الحكيم الترمذي، وابن عربى، يرون ختمها بما يسمى: خاتم الأولياء، ولابن عربي كلام خطير في هذا المنحى، يفصل فيه وجهة نظره في تفضيل خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء، وكان هذا الاعتقاد منه برهانًا اعتمده العلماء في تكفيره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nحقيقة الولي:\nيعرف الصاوي الولي في اللغة، فيقول: \"الولى من الولاء وهو العز والقرب والنصرة.\nأما في الاصطلاح، فيقول في معنى الأولياء: \"جمع ولي وهو المواظب على الطاعات، التارك للمنهيات، المعرض عن اللذات والشهوات، فلا يفعل شهوة من حيث هي شهوة، بل أفعاله دائرة بين واجب ومندوب، مثل: يأكل بقصد التقوى\n_________\n(١) تاريخ التصوف في الإسلام، الدكتور: قاسم غني: ٣٣٧.\n(٢) انظر: إلى التصوف يا عباد الله، للشيخ الجزائري: ٣٧. مع تصرف يسير.\n(٣) انظر: فصوص الحكم: ١٦١ - ١٦٤. وانظر: مجموع الفتاوي: (٣/ ٢٢٣).","vol":"1","page":783},{"text":"على الطاعات، وينكح بقصد عفة الزوجة والنسل، وبالجملة فأفعاله ليست بشهوات\" (١).\nويعلل سبب تسميته بذلك، فيقول وسموا بذلك لأنهم هم المنصورون بالله المعززون به لا يطمعون في شيء سوى القرب منه\".\nوذلك لأن أصل كلمة ولى: \"فعيل: إما بمعنى فاعل أي متولى خدمة ربه بكل ما أمكنه بروحه وجسمه ودنياه.\nأو بمعنى مفعول، أي تولى الله إكرامه وعطاياه ونفحاته، فلم يكله لشيء سواه، فحيث تولى الخدمة تولاه الله بالنعمة والنفحة\".\nولكل ما سبق فإن معنى الولي: هو \"المنهمك في طاعة ربه الذي أفيضت عليه الأنوار والأسرار، لما ورد في الحديث: (من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>صفات الولي:</span>\nولهذا الذي سبق بيانه من تعريف الولي يمكن معرفة العلامات التي يتأتى بها معرفته وتمييزه عن غيره، يقول: \"وعلامة الولى كما في الحديث: سئل رسول الله عن علامة الأولياء، فقال: (هم الذين إذا رؤوا ذكر الله) (٣).\nوسبب ذلك ظهور أنوار المعرفة الكائنة في قلوبهم على ظواهرهم، وذلك سر قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].\n- وكانت هذه العلامة للولى - كما بين الصاوي - دليلًا على اتصافه بأكرم الصفات من معرفة الله وتقواه، وهذا ما فصل القول به عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٥٤.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، رقم الحديث: ٧٤٠٥.\n(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب قول الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، رقم الحديث: ١١٢٣٥: (٦/ ٣٦٢).","vol":"1","page":784},{"text":"يقول: \"هذه الجملة مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره ما صفات أولياء الله؟ .\nفأجاب: بأنهم الذين اتصفوا بالإيمان والتقوى، والمعنى: أن أولياء الله هم الذين اتصفوا بالإيمان، وهو: الاعتقاد الصحيح المبني على الدلائل القطعية.\nوالتقوى وهي: الامتثال بالمأمورات، واجتناب المنهيات على طبق الشرع.\nولكن اتصاف الولى بالتقوى - في نظره - لا يمنع من وقوعه في المعصية؛ لعدم العصمة، يقول في قصة أخوة يوسف - ﵇ -: \"إنه على القول بعدم نبوتهم ففعلهم باقٍ على ظاهره ولا تأويل فيه، لأن الولي تجوز عليه المعصية، ولكن لا يصر عليها بل يتوب، وهؤلاء آل أمرهم لحسن التوبة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>شرط الولاية:</span>\nولما تقدم فإنه يرى أن للولاية شروطًا لا يمكن لأحد أن يتصف بها دون أن تقوم به هذه الشروط، يقول: \"إن شرط الولاية المعرفة بالله ﷾، وظهور نور الإيمان له حتى يكون مراقبًا لله في جميع أحواله، فينتج ذلك أنه يستدل بالحق على الخلق، عكس العوام (٢).\n\"فشرط الولي أن يكون محفوظًا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصومًا، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرر مخادع.\nقال الإمام الشافعي وأبو حنيفة: إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، وذلك في العالم العامل بعلمه\" (٣).\nوإذا كان الصاوي يرى وجوب الالتزام بالشرع في حق الولى وأنه من ظهر منه خلاف ذلك فليس له ولاية في حقيقة الأمر، إلا أنه في موضع آخر يخالف هذا عند حديثه عن آداب المريد مع الشيخ، حيث يوجب احترامه وتوقيره \"وعدم\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (٢/ ٢١٩ - ١٨٢).\n(٢) حاشية الجوهرة: ١٠.\n(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ١٨٢).","vol":"1","page":785},{"text":"الاعتراض عليه في شيء فعله، ولو كان ظاهره أنه حرام، ويؤول ما أنبههم عليه\" (١).\nومما لا يرى اشتراطه لنيل الولاية التمكن من أنواع العلوم، عدم التعمق في العلوم الشرعية ليس مانعًا من الولاية، يقول: \"أما العلم بالأحكام الشرعية كالأنكحة والبياعات، وغير ذلك فإن هذا ليس شرطًا بإجماع العارفين\" (٢).\nوبناء على ما سبق فإن كل عالم عامل ولي، وليس كل ولي عالم عامل، فقد يكفيه الحد المتوسط من العلم الذي يحمله على الإخلاص، فهو أساس الولاية وسرها الأوحد.\n- وهذا ما أشار إليه، في قوله: \"وقال العارفون: معرفة الولي أصعب من معرفة الله تعالى، فإن الله معروف بكماله وجلاله، لأن ولايته متوقفة على إخلاصه في العمل لربه، والإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده، فإذا علمت ذلك فالخلق لا تعرف من بعضها إلا الظاهر، ويجب عليهم تحسين الظن، حيث حسن الظاهر، والله متولى السرائر\" (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>الفرق بين الولي والدعي:</span>\nوهو بهذه التنبيهات والقيود والشروط للاتصاف بالولاية؛ يؤكد على أن هناك الكثير ممن يدعي الولاية، وليس لهم منها في الحقيقة سوى الاسم، حيث خالفوا طريق السلامة في الاستقامة على الشريعة، يقول: \"أما المشتبهون بلبس الخرق، المنهمكون في الشهوات، وأنواع الجهالات، ولا يعرفون من طريقة شيخهم إلا اسمها، وينكبون على الدنيا انكباب الأسد على الفريسة، ويخترعون أمورًا لا تحل في الشرع، كالطبول والزمور والكاسات، خصوصًا في مساجد الله، ويكثرون من\n_________\n(١) حاشية الخريدة: ٧٦.\n(٢) المرجع السابق: ١٠.\n(٣) حاشية الصلوات: ٥٩.","vol":"1","page":786},{"text":"وقيد الزيت والشموع، ويزعمون أنها طريقة الرحمن، كلا والله، بل طريقة الشيطان\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>جزاء الأولياء:</span>\n- وكان حديثه في جزاء الأولياء وما أعد الله لهم، مما فصل القول به وذلك عند قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فقد ذكر في ذلك الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقد روى عنه أنه قال: قال النبي - ﷺ -: (إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى.\nقالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور: لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾) (٢).\nأما في بيان الشق الثاني من الجزاء وهو البشرى، فيفسرها بما فسرها به النبي - ﷺ -، حيث قال: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات). قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) (٣).\nفإن الرؤيا الصالحة، كما قال النبي - ﷺ -: (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) (٤)\nولا يكتفي بهذا التفسير بل يورد ما قيل في معنى البشرى من أقوال: \"قيل: المراد بالبشرى في الحياة الدنيا: نزول الملائكة بالبشارة من عند الله عند الموت، ويدل\n_________\n(١) حاشية الصلوات: ٧٧ - ٧٨.\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة - باب في الرهن، رقم الحديث: ٣٥٢١: (٤/ ١٩٠). صححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: ٣٠١٢: (٢/ ٦٧٣).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التعبير - باب المبشرات، رقم الحديث: ٦٩٩٠.\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التعبير - باب الرؤيا الصالحة، رقم الحديث: ٦٩٨٧.","vol":"1","page":787},{"text":"عليه قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.\nوقيل: البشرى في الحياة الدنيا: الثناء الحسن، ومحبة الخلق لهم، لما ورد عن أبي ذر - ﵁ -: قيل لرسول الله - ﷺ -: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: (تلك عاجل بشرى للمؤمن) (١).\nوورد أيضًا: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادى جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) (٢).\nقال بعض المحققين: إذا اشتغل العبد بالله ﷿ استنار قلبه، وامتلأ نورًا فيفيض من ذلك النور الذي في قلبه على وجهه، فيظهر عليه آثار الخشوع والخضوع، فيحبه الناس ويثنون عليه، فتلك عاجل بشراه بمحبة الله له ورضوانه عليه.\nوقيل: البشرى في الحياة الدنيا ظهور الكرامات، وقضاء الحوائج بسهولة، فكلما توجه العبد المحبوب لشيء من أموره قضى عاجلًا.\nوالأحسن: أن يراد بالبشرى في الدنيا جميع ما تقدم، وأعظمها: التوفيق لخدمة الله، وراحة الجسد في طاعة الله، وانشراح الصدر لذلك.\nوأما البشرى في الآخرة، فالجنة وما فيها من النعيم الدائم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>طرق الولاية:</span>\n- وقد تعرض الصاوي لمسألة مهمة مما يتعلق بالولاية، وكان رأيه فيها يعتبر نوع\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة - باب المرء مع من أحب: (١٦/ ١٨٩).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق - رقم الحديث: ٣٢٠٩.","vol":"1","page":788},{"text":"امتداد لتعريفه للولى، وبيان صفاته، وما يشترط فيه، وهي: هل الولاية مكتسبة؟ أم هي محض عناية من الله تعالى؟ يقول على جهة التفصيل: \"قال بعضهم: الولاية مكتسبة.\nوقال بعضهم: كالنبوة ليست مكتسبة.\nفمن قال: مكتسبة وأراد بها التخلي عن الأغيار، وشهود الواحد القهار، فإنها مكتسبة بالمجاهدة، كما علمت.\nوأما الولاية بمعنى العطايا التي خصت بها العنايات كالعلوم اللدنية، والكشف على المغيبات والاجتماع بسيد العالمين، والكرامات: فليست مكتسبة، بل قد يكمل الشخص ولا يحصل له شيء من ذلك\" (١).\nوهو بهذا يقرر استقلال الإلهام في اعتماد معرفة العلوم الغيبية، إلا أنه في موضع الحكم على الإلهام يرى مفارقته للوحي من حيث انعدام العصمة لهم، يقول: \"غير أن إلهام الأولياء لا مانع من اختلاط الشيطان به؛ لأنهم غير معصومين بخلاف الأنبياء، فإلهامهم محفوظ منه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>فضائل الأولياء:</span>\n- ولكل هذه الخصائص التي قد تتحصل للأولياء فإن الصاوي يرى مشروعية التبرك بهم على نحو لا يكون لغيرهم من عامة المسلمين، يقول عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١]: \"حمل المفسر - السيوطي - الأولياء على الأصنام مخرج للأولياء، بمعنى المتولين في خدمة ربهم، فإن اتخاذهم بمعنى التبرك بهم والالتجاء لهم والتعلق بأذيالهم مأمور به، وهم أسباب عادية: تنزل الرحمات والبركات عندهم، لا بهم، خلافًا لمن جهل وعاند، وزعم أن التبرك بهم شرك\" (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق: ٦٨.\n(٢) حاشية الجلالين: (٤/ ٤٢).\n(٣) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٢٢).","vol":"1","page":789},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>زمن الولاية:</span>\n- ومما أتم به الحديث عن الولاية: فترتها الزمنية الممكنة، حيث بين أن الولاية باقية ببقاء القرآن وتختتم برفعة وبموت عيسى، ويعلل ذلك بقوله: \"لأنه ما دام المتذكرون للقرآن المعتبرون به فهو باقٍ، فعلامة انعدام الأولياء رفع القرآن\".\nوبهذا تبين أن كل ما يحدث في خلال هذه المدة، مما قد يظن في ظاهره انعدام وجود الولي، كنزول البلايا وحلول الفتن، فلا يعد في حقيقته مانعًا لوجود الأولياء، يقول: \"ونزول البلايا ليس دليلًا على عدم وجود الأولياء، فإن البلايا كانت تنزل في زمن الأنبياء، وفي الحديث: \"يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث) (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>المناقشة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>حقيقة الولاية:</span>\nعند سبر أقوال الصاوي في هذا المبحث، يظهر جليًا موقفه المعتدل مقارنة بما سبق بيانه من الاتجاهات الصوفية الغالية، فالصاوي يرى وجوب التمسك بالشرع، ببيان أن الاستقامة هي طريق الولاية الأوحد، فالتقوى والإيمان هي من أهم صفات الولي كما أشار إلى ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nفحقيقة الولاية؛ كما تقدم هي متابعة المولى تعالى في أمره ونهيه، حتى يكون موافقًا له في مراده المحبوب، وهذا هو مقتضى الإيمان الشرعي الذي يحمل على التزام التقوى ومجانبة الهوي، وعليه فإن المقياس الصحيح في ثبوت وصف الولاية للمعين هو المتابعة التامة للمأمور الشرعي \"إذ الولي لا يكون وليًا لله إلا بمتابعة الرسول باطنًا وظاهرًا فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم الحديث: ٣٣٤٦.\n(٢) حاشية الجوهرة: ٤٥.\n(٣) فتاوى شيخ الإسلام: (٢/ ٢٢٥).","vol":"1","page":790},{"text":"فـ \"أصل الولاية الحب، وهذا لأن حقيقة التوحيد ألَّا يحب إلا الله، ويحب ما يحبه الله الله، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله\" (١).\nفإذا تحقق هذا الأصل في قلب العبد فإنه \"يصير محبًا لما أحب الرب مبغضًا لما أُبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديًا لمن يعادي، \"فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه، وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده، فإن الولاية ضد العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض والمخالفة\" (٢).\nويعرف الحافظ ابن حجر - ﵀ - الولي وفق هذا المفهوم السلفى، فيقول: \"المراد بولى الله العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته المخلص في عبادته\".\nولهذا فقد استحق الولي موالاة الله له بإتمام نعمته عليه وهدايته إلى الصراط المستقيم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. ومن هنا فإن كل من ثبت له وصف الإيمان فإنه ولي لله تعالى، يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في بيان هذه الحقيقة: \"فإن الله قد وصف الولى بصفة المؤمن فقال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن، ولأنه إنما يكون وليًا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن - و- لأن الولاية هي القرب من الله ﷿؛ فولي الله هوالقريب منه المختص به، والولاء هو في اللغة القرب، ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات، وله موانع وآفات وقواطع\".\nومع هذا إلا أن المؤمنين في ثبوت الولاية لهم على مراتب، فكما أن أهل الإيمان على درجات متفاوتة فيه؛ فكذلك حالهم مع الولاية، فإنه بحسب التزام العبد بمقتضيات الإيمان يكون حظه من ولاية الله تعالى له، وكأن منزلة الولاية التامة - بمعناها الخاص - مقارنة لمرتبة الإحسان من حيث ملازمة أسباب القرب،\n_________\n(١) المرجع السابق: (١٠/ ٤٦٥).\n(٢) المرجع السابق: (٥/ ٥١٠).","vol":"1","page":791},{"text":"واكتمال أوصاف العبودية، يقول ابن القيم متممًا حديثه في هذه الحقائق: فـ \"ولاية الله تعالى نوعان: عامة وخاصة، فالعامة: ولاية كل مؤمن، فمن كان مؤمنًا لله تقيًا كان له وليًا، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه. .\nوالولاية الخاصة: إن من علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه، مؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته، قد صارت مراضي الله ومحابه هي همه، ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه، وإن سخط الخلق؛ فهذا إذا قال: أنا ولي الله، كان صادقًا\" (١).\nوإذا علمت حقيقة الولاية أدركت درجات التفاضل بين الأولياء فيكون \"أفضل أولياء الله هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل الرسل هم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ومحمد - ﷺ -، وأفضل أولي العزم نبينا محمد - ﷺ -، وهو الذي أنزل سبحانه عليه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل سبحانه صدق محبة الله ﷿ متوقفة على اتباعه، وجعل اتباعه سبب حصول المحبة من الله سبحانه\" (٢).\nفبتحقق الاتباع من العبد وفق الطريقة النبوية؛ يتحقق البرهان الأوحد على صدق المحبة التي هي أصل الولاية وغايتها، فعلاقة الاتباع بالولاية حينئذ علاقة تلازم واقتضاء لا يصلح انفكاكها عنه، وإلا فسد الإدعاء وصار كحال اليهود والنصارى حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه﴾، فجاء الرد عليهم بما يدل على عدم إتيانهم بمقتضى المحبة من الاتباع والتزام أسباب النجاة: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨].\nوقد أكد الصاوي على أن هذه هي حقيقة الولي في مقابل الدعي الذي لم يلتزم طريق الولاية الحقة من اتباع الطريقة النبوية، فخالفها إلى الابتداع بارتكاب أمور ما\n_________\n(١) بدائع الفوائد: (٣/ ٦٢١).\n(٢) قطر الولى على حديث الولى، للشوكاني: ٢٣٨.","vol":"1","page":792},{"text":"أنزل الله بها من سلطان، كاستخدام الطبول والزمور والكاسات خصوصًا في مساجد الله، فقد أجاد - ﵀ - ببيان بطلان هذه المحدثات وأن من ادعى ولايته على أساسها فهو موافق لطريقة الشيطان لا طريقة الرحمن.\nوبهذا فالصاوي قد وافق منهج السلف الصالح في تحديد الطريق إلى الولاية، ومع ذلك فلم تمنعه هذه البداية المسددة من الانحراف في بقية مقتضيات الولاية ومستلزماتها، وسأقوم بتناول هذه الملاحظات على جهة الترتيب، كما أوردتها في أقواله:\n١ - شروط الولي: إن ما ذكره الصاوي من أن الولى يشترط لصحة ولايته أن يتعمق في تقوى الله ومراقبته؛ حتى يستدل بالحق على الخلق، فحقيقته اعتقاد أن معرفة الله تعالى من أعرف المعارف أي من الضروريات، التي يستدل بها ولا يستدل لها، ومع التسليم له بهذه الحقيقة إلا أن هذا لا يخرج عن كونه فناء في ربوبية المولى، ولم يكن هذا هو المقصد الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب، بل حقيقة التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء هو إفراد الله تعالى بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.\nوهذا يرجع إلى ما أسلفت الحديث عنه، من أن معرفة الله تعالى فطرية في النفوس، وإنما كانت الخصومة فيما تقتضيه هذه المعرفة، من وجوب إفراد الله بالعبادة على الطريقة التي شرعها، وأنزلها على أنبيائه ورسله.\nبقى معرفة حقيقة الاستدلال على وجود الله بالخلق هل هو - كما يدعي الصاوي - من مسالك العوام في معرفة الله، دون الخواص من الأولياء؟\nإن مصادر التلقي الشرعية، التي هي محور الاستدلال الديني، لتدل في الكثير من مواضعها على شرعية هذا المسلك، بل وعلى بيان فضله ومنزلة سالكيه، فالآيات والأحاديث في هذا كثيرة، مما يصعب استقصاؤه هنا، ولعلى اكتفى منها بقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ","vol":"1","page":793},{"text":"وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].\nإن هذا القرآن الذي جاء ليخاطب الفطرة الإنسانية بما أودع فيها من ركائز، ليسمو بالمخاطب في درجات العبودية بحثه على إعمال تلك الركائز المودعة فيه، فيجعل منها طريقًا يصل به إلى إدراك أسمى المعارف والعلوم الدينية، فليس ثمة تناقض بينها، وليس في اعتمادها ما يشين العبد، كما يظن أمثال هؤلاء المتصوفة، إن السبيل الأوحد لمرضاة الله تعالى هو موافقة المنهج القرآني، الذي يرسم الطريق الأمثل في إدراك حقائق العبودية، ذلك السبيل الذي يتسم بتحقيق التوازن بين القدرات البشرية، وبين متطلبات العبودية، دون إفراط أو تفريط.\n- ومما اشترطه الصاوي لأجل الولاية الحفظ، وعلل ذلك بأنه من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرر مخادع، ومع ما قدمت من بيان أصل هذا المعتقد عند الصوفية، وأن مقصودهم بذلك هو اعتقاد العصمة للولى، بحيث لا يمكن أن يتردى عن هذه المنزلة التي وصل إليها، واعتمدت من كلامهم الكثير في هذا مما أورده الكلاباذي، حيث عمد إلى عقد مقارنة بين النبي والولي، ببيان أنه كما لا يجوز سلب مقام النبوة عن النبي بعد اختياره لها، فكذلك لا يجوز هذا في حال الولي.\nفإذا كنت قد أشرت إلى أن مرادهم بهذا الحفظ هو عدم الاعتراض على الولي؛ حتى ولو أتى بما يخالف الشرع، فإن ما وقع به الصاوي من التناقض في هذا المجال، ليدل صراحة على هذا المعنى، حيث أوجب على المريد تعظيم الشيخ، وعدم الاعتراض عليه، حتى ولو أتى بما يخالف ظاهر الشرع، وأن على المريد تأويل تلك المخالفة بما لا يخلع عن الولي مهابة الحفظ، التي توجب الاتباع والتقدير.\nيقول شيخ الإسلام في بيان حقيقة الحفظ: \"وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك، ويقولون: الشيخ محفوظ، ويأمرون باتباع الشيخ في","vol":"1","page":794},{"text":"كل ما يفعل، لا يخالف في شيء أصلًا، وهذا من جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية: تدعى في أئمتها أنهم كانوا معصومين\" (١).\nوإذا علم هذا تبين أن ما يدعيه الصوفية في حفظ الولي مخالف لمقتضى البشرية، وهذا ما ظهر من موقف الصاوي المتناقض حيث حصر أفعال الأولياء في دائرة الواجب والمندوب فلا تخرج عنها، ومع ذلك جوز المعصية عليهم في حديثه عن الأسباط وما قيل في حقيقتهم، ومن ثم فهو محاولة منهم في تزكية المشايخ؛ حتى لا يعترض عليهم معترض، وكل هذا مما لا أصل له من الشرع المطهر، فها هو أبو بكر الصديق - ﵁ -، وهو خير من طلعة عليه الشمس بعد الأنبياء والرسل، يقول في خطبة توليه الحكم: \"يا أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن ضعفت فقوموني، وإن أحسنت فأعينوني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، الضعيف فيكم القوي عندى حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم الضعيف عندى حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالفقر، ولأظهرت - أو قال: شاعت - الفاحشة في قوم إلا عمهم البلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم\" (٢).\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-266> معرفة الولي:</span>\nوما ذكره الصاوي من أن معرفة الولي أصعب من معرفة الله؛ لأن أساس الولاية الإخلاص وهو سر بين العبد وربه، فيه مقارنة لا وجه لها إذ أن معرفة الله تعالى فطرية في الخليقة، فليس ثمة مجال للمقارنة بينهما، ثم إن في هذا رفع لمقام الولاية، بما لا يليق؛ فلا وجه لمقارنة الرب تعالى بخلقه.\nكما أن فيه نوعًا من المبالغة في سرية الولاية وتضيقًا لدائرتها، مع أن المولى تعالى قد أثبتها لكل من سلك سبيل الإيمان، معتصمًا فيه بتقواه وملاحظته.\n_________\n(١) منهاج السنة: (٦/ ١٨٩).\n(٢) مصنف عبد الرزاق - كتاب العلم - باب لا طاعة في معصية، رقم الحديث: ٢٠٧٠٢: (١١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":795},{"text":"٣ - آثار الولاية، وهذا ما عبر عنه بفيض الأنوار والأسرار، وإن كنت قد أفردت الحديث عنه لاحقًا في مبحث الكرامة، فيحسن أن أبين ما في هذا الكلام من غموض قد يدل على انحراف في مقتضيات الولاية، فمع أن الصاوي لم يوضح مراده من الأنوار والأسرار هنا، إلا أنه يمكن فهم مراده منها من خلال تتبع آرائه في مختلف مؤلفاته العقدية، فإن الصاوي قد قصر علم الإشارة الذي يدرك به أسرار التنزيل على الأولياء كما قدمت الحديث عنه في مبحث القرآن، وجعله من العلوم الخاصة التي لا تكشف لأهل الظاهر، كما يرى، ولا شك أن هذا اعتقاد ليس يسنده شيء من أدلة الشرع والدين، فلا أسرار ولا باطن بل العلم هو ما جاء به النبي المرسل لكل الناس، فلا يختص إدراكه لأحد منهم بلا سبب كوني أو شرعي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>طرق الولاية:</span>\nيعرض الصاوي لمسألة مهمة وهي هل الولاية مكتسبة أم لا؟ واستنادًا إلى ما ذهب إليه من وجوب التمسك والاستقامة؛ فإنه يرى أنها مكتسبة، ولكن في تعبيره عن هذا بالشهود والتخلي مما يقضي بأن وصول العبد إلى مقام الفناء هو مفتاح الولاية، وغاية التزام التقوى، وهذا مما سيرد تفصيله في مبحث مستقل، حتى يتسنى معرفة حقيقته في الميزان الشرعي، وفق ما أريد به على لسان القوم.\nوتكفي الإشارة هنا إلى بدعية هذه المفاهيم، لانعدام مستندها من فعل النبي - ﷺ - وصحابته الكرام.\nوهو بهذا يرى أن مقتضيات الولاية الأخرى، والتي تعني في المفهوم الصوفي: الكرامات والعطايا المترتبة على التزام مقام الولاية، ليست مما يمكن تحصيله بالاكتساب؛ فهي محض فضل يختص المولي به من يشاء من عباده، فقد يكمل الشخص ولا يتحقق له شيء من ذلك. وهذا المعتقد في بادئ الأمر دون الخوض\n_________\n(١) وسيأتي تفصيله لاحقًا في مبحث الكرامة بإذن الله: ٨٠٣.","vol":"1","page":796},{"text":"في تفاصيل هذه المواهب مما يسلم له، فليست الكرامة هي دليل الولاية وبرهانها، بحيث لا يمكن ثبوت الاتصاف بها إلا مع التحلي بتلك العطايا والكرامات. وأعني بها: الكرامة في معناها الخاص، وهي ما يتحصل به خرق العادات، كالسير على المياه ومعرفة ما قد يقع في المستقبل، عن طريق الإلهام الكشفي أو المنامي مثلًا.\nولكن هنا ما يجب التنبيه إليه: فكما أن هذه المواهب مما لا يتوقف ثبوت الولاية عليها، فليست مانعًا من قيامها بالعبد، فكذلك الحال مع وجودها؛ أعني أن تحققها في المكلف لا يدل على ولايته، وهذا ما لم يفطن إليه الصاوي.\nوعليه فالكرامة بهذا المفهوم الخاص قد فقدت مقومات الدلالة، فمن المقرر أنه إذا وجد الدليل وجد المدلول \"فإن الدليل ملزوم للمدلول عليه، وإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فإذا ثبت الدليل ثبت المدلول عليه، وإذا فسد المدلول عليه لزم فساد الدليل\" (١).\nيقول العلامة الألوسي: \"وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولاية اتباع الشريعة الغراء، وسلوك المحجة البيضاء، فمن خرج عنها قيد شبر بعد عن الولاية بمراحل، فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم ولي، ولو أتى بألف ألف خارق، فالولى الشرعي اليوم أعز من الكبريت الأحمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله:\nأما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها\" (٢)\nأما ما ذكر إمكان حصوله من الأمور الغير مكتسبة للولى كالعلم بالمغيبات، والعلوم اللدنية والاجتماع بسيد العالمين، فهذا فيه تفصيل، لأن العلم بالغيب وإن وقع بطريق الكشف والإلهام المقرر شرعًا، إلا أنه لا يستند إليه في أمر أخروي على جهة الإطلاق.\nإن مهمة الرؤيا الصادقة كواحدة من أهم مسالك الإلهام للعبد لتقف عند حد التبشير، كما بين ذلك المولى بقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا\n_________\n(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (٢/ ٤٢).\n(٢) روح المعاني: (١١/ ١٤٩).","vol":"1","page":797},{"text":"تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤]، أما ما عدا ذلك من وظائف الوحي، كالبلاغ كمثلًا، فليس لها أي تأثير فيها، لأن هذه المهمة متعلقة بالرسالة لتكفل المولى تعالى بالعصمة لأنبيائه من اختلاط الشياطين ومضلاتهم.\nأما ما ذكره من الاجتماع بسيد العالمين النبي - ﷺ -، فإنه لم يحدد مراده بهذا الاجتماع، متى يكون وكيف وأين؟ وما هي عمدته في تحققه؟ ولكن يكفي فيه أنه باطل لا حقيقة له شرعًا؛ فلا يجتمع أحد برسول الله - ﷺ - بعد مماته أبدًا إلا في المنام فإنه - ﷺ - قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) (١)، أما في اليقظة فالنبي بشر قد توفاه الله، وعلم ذلك بالضرورة الشرعية والعقلية والعرفية، وهذا الاعتقاد مشهور عن الصوفية، فإنهم يعتقدون بالحضرة ويقيمون من أجلها الموالد والحفلات، ويقرؤون الأشعار والابتهالات، حتى إذا لبس عليهم الشيطان وأنساهم ذكر الله ظنوا أن النبي حاضر بينهم، وما هو إلا شيطان أغواهم لما صرفوا أنواع العبادة لغير الله تعالى من التوسل والاستغاثة والدعاء والذكر.\nوفي المبحث التالي مزيد بيان لارتباط هذه المفاهيم بحقيقة الكرامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>فضائل الأولياء:</span>\nيرى الصاوي مشروعية التبرك بالأولياء؛ موافقة لمذهب الصوفية في هذا الاعتقاد، ولأن هذا المبحث من مفردات توحيد الإرادة؛ فقد قدمت الحديث عنه في مبحث التوحيد، مبينة أن لفظ التبرك من الألفاظ المجملة، التي تشتمل على معنى حق مراد من جهة الشرع، وآخر بدعي شركي كثر خوض الناس فيه بالباطل، وقطعًا فإن هذا المعنى الباطل من قوادح التوحيد التي أتى فيها الوعيد مفصلًا.\nوليس هذا مجال تفصيل ما تقدم، ويكفى التنبيه إلى أن التبرك بذوات الأولياء مما ليس له مستند شرعي، فحقيقته ابتداع لا حجة له من الكتاب أو السنة.\nأما التبرك بدعاء الأولياء، وحضور مجالس ذكرهم ومحبتهم، فهذا من التوسل\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب التعبير - باب: من رأى النبي - ﷺ - في المنام، رقم الحديث: ٦٥٩٣.","vol":"1","page":798},{"text":"المشروع، الذي لا يخرج العبد من دائرة التوحيد فحقيقته أخذ بالأسباب المشروعة الممدوحة، التي جاء بها الوحي المظهر.\nويظهر من كلام الصاوي هنا تشبثه بنفي السببية حتى أنه يرجع حصول البركة من المشايخ بالاقتران العادي لا بالسبب المقتضى، ولا شك أن هذا يظهر تمسكه بأشعريته حتى في تحرير كلام الصوفية واعتقادهم في أوليائهم، وإن كان الحديث هنا منصبًا على بيان حقيقة البركة المشروعة ورد ما عداها من المبتدعة، فإن القول بأن البركة التي تحصل شرعًا من المشايخ ترجع إلى مجرد العادة لا السبب القدري فهذا غير صحيح، لأن الله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها فكونه تعالى يخلق السبب سواء كان شرعيًا أم كونيًا في أمر من الأمور فإن هذا يؤكد على حقيقة تأثيره بمشيئة الله وتقديره، فلو شاء لأبطل الأسباب ولو شاء لتحقق مقتضاها مع توفر شروطها وانتفاء موانعها.\nأما عن التبرك الغير مشروع، نعود إلى التأكيد على أهمية التوحيد، فإن من أسمى مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الدين، وأساس الدين توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له، فهو حق الله الأعظم الذي أنيط بتحققه قبول العمل الموجب لدخول الجنة والنجاة من النار.\nفلا غرو إذًا أن يأتي الشارع الحكيم بسد ذرائع الشرك التي كانت سببًا في وقوع أمم من الجن والإنس في الشرك الأكبر المخرج من الملة، ولعلي أذكر أمثلة لحرص المصطفى - ﷺ - على صفاء المعتقد وخلوصه من أدران الشرك، فـ \"عن عبد الله بن الشخير قال انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي - ﷺ - فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله تعالى)، قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) (١).\nوهذا كله من حماية النبي - ﷺ - جناب التوحيد، وكما قال لمن قال تعالوا بنا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأدب - باب في كراهية التمادح، رقم الحديث: ٤٧٧٣: (٥/ ٢٧٨) وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: ٤٠٢١: (٣/ ٩١٢).","vol":"1","page":799},{"text":"نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق قال: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) \" (١).\nومن هنا كان التوسل بذوات الأولياء، من أعظم ذرائع الشرك، فقد تسبب هذا المعتقد في ضلال قوم نوح.\nكما أن أساس الشرك الذي وقع فيه كفار مكة؛ مرده إلى هذا التوسل الشركي، حيث ظن مشركو قريش أن لهذه الآلهة منزلة عند الله، تقربهم بعبادتها، والتبرك بها، والتعلق بأذيالها من المولى تعالى.\nولما كانت العبادة توقيفية، فليس للعقل فيها استقلال عن الشرع؛ فقد حرم التبرك بذوات الصالحين، وعد الوقوع به من ألوان الابتداع الذي يقدح في جناب التوحيد، وبحسب درجة الاعتقاد في ذلك التبرك؛ يقرب هذا الابتداع من دائرة الشرك أو يدخل فيها.\nفمن ظن أن لهؤلاء الأولياء نوع نفع أو ضر، ولو على غير جهة الاستقلال - وهذا هو حال من يعتقد البركة فيهم، إذ حقيقة التبرك هو طلب البركة بالزيادة والنفع - كما ظن أولئك المشركون في آلهتهم، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، إذ العلة في دخول أولئك في الشرك مع فعل هؤلاء واحدة، فلم يكن الدافع لأولئك في توسلهم بالآلهة اعتقاد انفرادهم بالضر أو النفع، فقد كانوا يعلمون بأنهم عبيد الله، يصدق ذلك قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.\nوأساس هذا المنع: أعني به التبرك بالذوات من جهتين: الأولى من جهة وجوب إفراد الله تعالى بأفعال الربوبية، فإن في نسبة نوع من الضر أو النفع لأحد لم يرد في استحقاقه ذلك دليل كوني أو شرعي، محض تحكم على المولى تعالى، كيف وقد أمر المصطفى وهو خير من طلعت عليه الشمس أن يعلن افتقاره إلى ربه بقوله:\n_________\n(١) تقدم تخريجه، معارج القبول: (٢/ ٥٣٢).","vol":"1","page":800},{"text":"وقد أمر المصطفى وهو خير من طلعت عليه الشمس أن يعلن افتقاره إلى ربه بقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.\nأما الجهة الأخرى وهي في الحقيقة مستلزمة للأولى: حفظ لإرادة العبد من التعلق بغير الله تعالى، فينصرف لأجله نوع من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله، كالخوف أو الرجاء أو المحبة لذلك الولى، مما يؤدي إلى الوقوع في الشرك المخرج من الملة، فمن المعلوم أن أساس التوحيد هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، وفي الحديث الصحيح: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) (١).\nوهذا التوحيد هوالذي حصلت فيه الخصومة بين الأنبياء والأمم، فكان أساس دعوتهم لأقوامهم يستند إلى تحقيقه، وتخليص العقائد من معوقاته وموانعه، وأكتفى بهذا البيان هنا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>مدة الولاية:</span>\nلقد وافق الصاوي في هذه المسألة معتقد أهل السنة والجماعة؛ فظهر اعتداله في التفكير الصوفي جليًا هنا، فمن المسلم به أن الولاية ليست مقيدة بزمن معين، فهي باقية ببقاء أهل الإيمان وقراءة القرآن، فمع وجود المقتضى من الإيمان والتقوى، وانتفاء المانع من الإفراط أو التفريط؛ يتحقق مقام الولاية لمن اكتملت فيه هذه المقومات الموجبة لاتصافه بها.\nوعليه فلا أساس لدعوى القائلين بختم الولاية من الصوفية، يقول شيخ الإسلام في هذه الحقيقة: \"ولفظ خاتم الأولياء لا يوجد في كلام أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله، وموجب هذا اللفظ أنه آخر مؤمن تقي فإن الله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فكل من كان مؤمنًا تقيًا كان الله وليًا، وهم على درجتين: السابقون المقربون،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب اسم الفرس والحمار، رقم الحديث:\n(٢) انظر: مبحث التوحيد: ١٦٥.","vol":"1","page":801},{"text":"وأصحاب اليمين المقتصدون، كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر وسورة الواقعة والإنسان والمطففين\" (١).\nأما الشق الثاني من هذه الدعوى الباطلة، وهو اعتقاد أفضلية خاتم الأولياء، فليس ثمة ما يستند إليه في ذلك، بل الأدلة تقطع بأفضلية القرون الأولى، وهذا في حال أهل الإيمان عامة، فما بال المقارنة بخاتم الرسل - عليه أفضل الصلاة والتسليم - إن العلم بتفضيله على سائر الأمة، مما يعلم من الدين بالضرورة.\nوشيخ الإسلام إذ يقطع بكفر من اعتقد هذا، فإنه أيضًا يبطل حجة من اعتقد أفضلية خاتم الأولياء على غيره من المؤمنين على افتراض وجوده، وهو بهذا يسلك مسلك التنزل مع المخالف للوصول إلى الهدف المنشود، يقول - ﵀ -: \"وإذا كان خاتم الأولياء آخر مؤمن تقي في الدنيا؛ فليس ذلك الرجل أفضل الأولياء ولا أكملهم، بل أفضلهم وأكملهم سابقوهم، الذين هم أخص بأفضل الرسل من غيرهم.\nفإنه كلما كان الولى أعظم اختصاصًا بالرسول وأخذًا عنه، وموافقة له كان أفضل، إذ الولي لا يكون وليًا لله إلا بمتابعة الرسول باطنًا وظاهرًا، فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية\" (٢).\n* * *\n_________\n(١) فتاوى شيخ الإسلام: (٢/ ٢٢٤).\n(٢) مجموع الفتاوى: (٢/ ٢٢٥).","vol":"1","page":802},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المبحث الثاني: حقيقة الكرامة</span>\nمما يقوم عليه معتقد أهل السنة والجماعة في جانب الولاية، الإيمان بإمكان وقوع الكرامة في حق الأولياء، وأنها من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء من أهل تقواه والاستقامة على دينه القويم.\nوالكرامة في اللغة مشتقة من الإكرام، و\"الكرام بالضم مثل الكريم فإذا أفرط في الكرم قلت كرام بالتشديد، والتكريم والإكرام بمعنى والاسم منه: الكرامة\" (١).\nأما في الاصطلاح، فالكرامة لها معنيان، معنى عام، وآخر خاص، أما العام فتكون اسمًا جامعًا لكل ما يكرم الله به عبده من النعم الظاهرة والباطنة، كالعلم والطاعة والرزق.\nوأما في معناها الخاص؛ فهى الأمر الخارق العادة الإنس والجن، يقع على يد ظاهر الصلاح ملتزم لمتابعة نبيه.\nفكان أهل السنة بهذا الاعتقاد وسطًا بين الغلو والتفريط، فقد جفت المعتزلة في هذا الباب، فأنكروا الكرامة، وكان مستندهم في ذلك مسلماتهم العقلية، إذ الخوف من اختلاط الكرامة بالمعجزة حجتهم في المنع؛ حتى لا يحصل اللبس بين الولي والنبي.\nولا شك أن في هذا مخالفة لصريح المنقول من الشرع المطهر، فقد دلت آيات الكتاب وأحاديث المصطفى - ﷺ - على إثبات الكرامة في حق من استقام حاله ظاهرًا وباطنًا.\nوفي مقابل هذا الاتجاه الجافي؛ يأتي مذهب أهل الغلو والإفراط وهم الصوفية، فقد غلو في إثبات الكرامة إلى حد بعيد، فحادوا بذلك عن الطريق المستقيم، حيث\n_________\n(١) لسان العرب: (٧/ ٣٨٦١).","vol":"1","page":803},{"text":"أدخلوا في مسمى الكرامة الكثير من الأمور، التي لا يصح وقوعها لأحد من البشر كائنًا من كان، وقد ساقهم هذا المنحى المضطرب في فهم حقيقة الكرامة إلى ابتذالها، حتى غدت علمًا عندهم على الإتيان بالعجائب من الأفعال والأقوال، ولو كانت مما يخل بالمروءة والقيم الأصيلة، وحتى غدا المارستان موطنًا للكثير من الكرامات.\n- ولعلي أذكر بعض ما عجت به تصانيف الصوفية في هذا المقام، يقول المناوي في ذي النون المصرى: ومن مقاماته العلية الفائقة وأحواله المدهشة الخارقة أن روحه الشريفة كانت تدبر أجسامًا متعددة\" (١) فهل هذا من الكرامة أم من الأوهام الخيالية؟\nويقول في عبد القادر الجيلاني: ومن كراماته أنه كان أيام رضاعته لا يرضع في رمضان، فكان الناس إذا شكوا في الهلال رجعوا إليه\" (٢).\nويقول في أحدهم: \"وله كرامات كثيرة، فلما قدم السهروردي إلى دمشق أراد زيارته فقالوا له: لا تفعل الرجل لا يصوم ولا يصلي ويمشي مكشوف العورة غالبًا، فركب السهروردي بغلته وحوله الجمع الجم، فلما وصل إلى قرب مكانه رآه الرجل فكشف عورته\" (٣) وهناك الكثير من القصص التي يستحيي من ذكرها (٤)، ولعل في هذا القدر كفاية، ولكل هذا الانحراف؛ فقد صارت حقيقة الكرامة عندهم مخالفة تمامًا للحقيقة الشرعية، التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة.\nأما عن منزلة الكرامة عندهم؛ فتعد الدليل الأوحد الذي يمكن بتحققه الوصول إلى مرتبة الولاية عندهم، بل يرى البعض أن معرفة الولاية لا يكون إلا بمعرفة حد الكرامة، كما أن النبوة لا تعرف إلا بمعرفة حد المعجزة، فإذا كان من غير الممكن تكذيب النبي بعد ثبات نبوته بدليل المعجز كدليل برهاني، فكذلك لا يمكن بعد معرفة الكرامة وثبوت الوصف المعين الذي يميزها عن غيرها إنكار ولاية من قامت\n_________\n(١) الكواكب الدرية: (١/ ٤٠١).\n(٢) المرجع السابق: (١/ ٦٧٨): هذا وكثير مما حكى عنهم اختراعات لا أصل لها.\n(٣) المرجع السابق: (١/ ٦٩٠).\n(٤) انظر: الطبقات الكبرى للشعراني، ترجمة عبد القادر السبكي: ٦٦٤.","vol":"1","page":804},{"text":"به دون غيره، ومن جهة أخرى فالكرامة مما جاء الشرع بوجوب التصديق به، فإذا ثبتت لأحد فلا يجوز أن يقدح في ولايته.\nيقول القشيرى في بيان ذلك: \"ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة الوقوف على حد المعجزة، ويدخل في جملته العلم بحقيقة الكرامات، فإذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن ألّا يميز بينها وبين غيرها، فإذا رأى شيئًا من ذلك علم أنه في الحال على الحق\" (١).\nويقول: \"وظهور الكرامات علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله، فمن لم يكن صادقًا فظهور مثلها عليه لا يجوز\" (٢).\nويعد التصرف في الكون ومعرفة الغيوب من أهم الكرامات، يعرف الزركشي الولى في ضوء مفهوم الكرامة عند الصوفية، فيقول: \"وسمى الولى وليًا لأنه تولى الله بطاعته، وقيل لأن الله تولاه بلطفه، فهو فعيل، إما بمعنى فاعل أو مفعول، وحينئذ يصير مجاب الدعاء مكاشفًا بغيب الأرض والسماء، مخاطبًا بسائر الأسماع فلا يدع إلا إياه إليه، ولا يستدل بغيره عليه\" (٣).\nوهذا أصل اعتقادهم في الأقطاب فـ \"القطب هو أعظم صوفية الزمان، والحاكم على أولياء الله، ومتى أراد فيجتمع حوله كل أولياء الله بطى الأرض من أطراف الدنيا، وأكنافها في طرفة عين، ويأتى عدد من الأولياء بعد القطب، يعدون من أهل الحل والعقد، وهم القادة في ساحة الله ﷻ\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>رأي الشيخ الصاوي:</span>\nيعرف الصاوي الكرامة، فيقول: \"الكرامة هي: أمر خارق للعادة، غير مقرون\n_________\n(١) الرسالة القشيرية: ٢٦١.\n(٢) المرجع السابق: ٣٥٣.\n(٣) تشنيف المسامع، بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي، للشيخ بدر الدين الزركشي: (٤/ ٩٣٢) انظر: الطبقات الكبرى للشعراني في ترجمة على البرلسي: ٦٠٨.\n(٤) تاريخ التصوف، قاسم غنى: ٣٣٧.","vol":"1","page":805},{"text":"بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة لها، يظهر على يد شخص ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبيه\".\nثم يذكر قيود التعريف وذلك لتوضيح محترزاته، يقول: \"فخرج بالخارق للعادة: السحر ونحوه.\nوبقوله: غير مقرون بدعوى النبوة: المعجزة.\nوبقوله: ولا هو مقدمة لها: الإرهاص.\nوبقوله: ظاهر الصلاح: المعونة والاستدراج والإهانة.\nوفي بيان حكم اعتقاد ثبوتها وما يستند إليه، يقول: \"مما يجب اعتقاده ثبوت الكرامات للأولياء، فهى واقعة شرعًا جائزة عقلًا.\nدليل ذلك: ما ورد في القرآن من قصة مريم وولادتها عيسى من غير زوج مع كفالة زكريا لها، وحفظها.\nوقصة آصف بالمد وفتح الصاد، ومجيئه بالعرش قبل أن يرتد طرف سليمان - ﵇ - إليه، حيث كان يعرف الاسم الأعظم ودعا الله به.\nوما وقع من كرامات الصحابة والتابعين إلى وقتنا هذا\" (١).\n- وتأكيدًا لاشتراط الصلاح والمتابعة؛ فإن الصاوي يقوم بتعريفها تبعًا للأسباب الموجبة لها، يقول في ذلك: \"تطلق على الأمر الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح، ولكن المراد هنا - أي في لفظ الصلاة الدرديرية - ما أكرم به العبد من العطايا الإلهية، كانت خارق للعادة أم لا.\nمعنوية، كالمعرفة بالله، والخشية ودوام المراقبة له، والمسارعة لامتثال أمره ونهيه، والرسوخ في اليقين ودوام المتابعة لله، والفهم عنه وغير ذلك.\nأو حسية، كالأرزاق الدنيوية من الحلال، وصحة البدن، والزوجة الصالحة، وحسن المنزل والمركب والفوز بالجنة من غير سابقة حساب ولا عذاب، والسلامة من\n_________\n(١) حاشية الجوهرة: ٥٤.","vol":"1","page":806},{"text":"عذاب القبر، والتنعم بنعيمه، إلى غير ذلك من نعم الله التي قال فيها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١).\n* * *\n\nومما يراه الصاوي خارقًا للعادة من الكرامات: انكشاف يتأتى به الإطلاع على المغيبات، إذًا الصاوي ينسب علم الغيب للأولياء، ولكن ليس على جهة الاستقلال بل على جهة العناية والفضل، وهذا ما صرح به عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، يقول: \"أي من حيث ذاتها، أما بإعلام الله للعبد، فلا مانع منه كالأنبياء وبعض الأولياء، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.\nقال العلماء: وكذلك ولى، فلا مانع من كون الله يطلع بعض عباده الصالحين على بعض هذه المغيبات، فتكون معجزة للنبي، وكرامة للولى\" (٢).\nويقول عند آية الميثاق: \"وكان علي - كرم الله وجهه - يقول: إني لأذكر العهد الذي عهد إلى ربى، وكان سهل التسترى يقول: إني لأعرف تلامذتى من ذلك اليوم ولم أزل أربيهم\" (٣).\nويقول أيضًا في بيان هذه العطايا الخاصة بالأولياء عند قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾: أما أجسادهم - الشهداء - فمحلها القبور، غير أن الأرواح لها تعلق بها، فلذلك لا يحصل لأجسادهم بلاء، فأرواحهم لها جولان عظيم من البرزخ إلى أعلى السموات إلى داخل الجنان، والطيور الخضر لها كالهودج مع كونها\n_________\n(١) حاشية الصلوات: ٦٥.\n(٢) حاشية الجلالين: (٣/ ٢٤٤).\n(٣) المرجع السابق: (٢/ ١٠٠).","vol":"1","page":807},{"text":"متصلة بجسم صاحبها، وما وصل للروح من النعيم يحصل للجسم أيضًا، وذلك نظير النائم، فإن النائم يرى أن روحه في المشرق أو في المغرب مع كونها متصلة بجسمه، وكالأولياء الذين أعطاهم الله التصريف، فالواحد منهم يكون جالسًا في مكان، وروحه تسرح في أمكنة متعددة، وربك على كل شيء قدير\" (١).\nولهذا التصريف الذي يعتقده الصاوي لأهل المراتب العالية في الولاية، فإنه يرى مشروعية الاستغاثة بهم، يقول: \"وتطلق الأنجاب في عرف الصوفية على طائفة فوق الأبدال، ويقال لهم النجباء.\nفأول المراتب الأولياء، ثم الأبدال، ثم النجباء، ثم النقباء، ثم العرفاء، ثم الأقطاب، ثم الغوث، فيستغاث بهم في النوازل على هذا الترتيب: (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>المناقشة:</span>\nأولًا: حقيقة الكرامة:\nإن مفهوم الكرامة عند أهل السنة والجماعة؛ يعد في الحقيقة نوع امتداد لمفهوم الولاية عندهم، وكذلك الحال عند الصوفية، فلما كانت حقيقة الولاية في ضوء ما ورد من نصوص الكتاب والسنة؛ تعنى تولى مراضى الرب تعالى بالاستقامة على شرعه ومتابعة نبيه محمد - ﷺ -، الموجبة لمولاة الرب تعالى بأنواع المنن، وأعظمها دخول الجنة، والأمن من عذاب النار، كانت حقيقة الكرامة أيضًا هي ثمرة التزام الاستقامة من خوارق العادات، والعلم النافع وطاعة الباري تعالى.\nوكما أن مفهوم الولاية عند الصوفية يقوم على اعتقاد خرق العادات والتصوف في الكون وعلم المغيبات، فكذلك الكرامة عندهم، إنها هي بعينها مقومات الولاية في الفكر الصوفى، فليست تخرج عن هذه الأمور، التي هي مطمح القوم، ومحط آمالهم في الولاية، ولو مع مخالفة ظاهرة لأوامر الشرع.\n_________\n(١) حاشية الجلالين: (١/ ١٧٩).\n(٢) حاشية الصلوات: ٦٤.","vol":"1","page":808},{"text":"يقول شيخ الإسلام - ﵀ - معرفًا الكرامة بما لا يمكن أن تتأتى إلا به: \"إن الكرامة لزوم الاستقامة، وإن الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ \" (١).\n\nحجية الكرامة:\nلقد ثبت في الأدلة الشرعية ومن حياة أصدق الأولياء من الصحابة والتابعين - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -: إجراء أحكام خارجة عن مقتضى العادة على يد بعض عباد الله الصالحين، يتأتى بها تحقيق مطلب دينى أو دنيوى لهم، تكون من الله تعالى إكرامًا للعبد، وتبشيرًا له؛ لثبوته على مقومات الولاية.\nفالكرامة من حيث هي أمر خارق للعادة، يستند في تحققه إلى محض تصرف الباري تعالى، قد ثبت وقوعها على وجوه كثيرة، جماعها كما بين شيخ الإسلام: القدرة والعلم والغنى، يقول شيخ الإسلام: \"المعجزة للنبي والكرامة للولى وجماعها الأمر الخارق للعادة، فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ثلاث: العلم والقدرة والغنى، وإن شئت أن تقول: العلم والقدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك وهو الغنى. والأول أجود.\nوهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء قدير وهو غني عن العالمين\" (٢).\nومن الأمثله الدالة على ذلك: ما وقع لعمر - ﵁ - من انكشاف الغيب؛ فطابق الوحي قبل نزوله على قلب النبي - ﷺ -، فعن أنس قال: قال عمر - ﵄ -: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٢٩).\n(٢) مجموع الفتاوى: (١١/ ٣١٢).","vol":"1","page":809},{"text":"وآية الحجاب، قلت يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب.\nواجتمع نساء النبي - ﷺ - في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١).\nفكان هذا دليلًا على حصول الانكشاف، الذي به يتحصل علم الغيب، لكن هو دون رتبة الأنبياء.\nومن ذلك ما أورده الصاوي من قصة مريم - ﵍ -، وذلك الذي أتى بالعرش لسليمان - ﵇ -، وتسميته بآصف قد وردت بها روايات ضعيفة (٢) لا يصح اعتمادها في التسمية.\nومن ذلك ما أخبر به الصادق المصدوق - ﷺ -: (بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله! لم تسألنى عن اسمى؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإنى أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وأكل أنا وعيالى ثلثًا، وأرد فيها ثلثه) (٣).\nفـ \"إذا ثبت ما ذكرت من الدلائل على جواز ظهورها بخرق العادة على يد الأولياء على سبيل الكرامة، فماذا تتميز الكرامة عن المعجزة؟ اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أن شرط الكرامة: أن تكون من غير إيثار واختيار من الولى، والمعجزة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الصلاة - باب ما جاء في القبلة، رقم الحديث: ٤٠٢.\n(٢) انظر: كرامات أولياء الله لـ الإمام اللالكائى، تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان الغامدى، فقد بين انقطاع هذه الرواية: ٨٠.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد - باب الإنفاق على المساكين: (١٨/ ١١٥).","vol":"1","page":810},{"text":"يكون بالإيثار والاختيار فيفترقان، وقوم قالوا: يجوز ظهور الكرامة على يد الولى مع الاختيار، ولكن لا يجوز ظهورها مع دعوى الولاية، حتى لو ادعى الولاية وأراد إثباتها بالكرامة لم يخرق المعجزة فظهر مع دعوى النبوة.\nوالفرق الصحيح أن الكرامة لا تقع موافقًا لدعوى الولى، والمعجزة شرطها أن تكون موافقة لدعوى مدع النبوة، فيظهر به الفرق\" (١).\nوهذا إنما يكون على التسليم بإمكان الالتباس، وذلك لأن الكرامة في الحقيقة تعد نوع امتداد للمعجزة، التي تدل على صدق النبي، فلا يحصل منها معارضة تقتضى التباسها بالمعجز، وذلك لأنها لا تكون إلا لمن قامت به شروط الولاية من الاستقامة على متابعة النبي وإلا لم تقع، فهى من هذه الحيثية آية على صدق النبي ومعجزة له، فأى اختلال في صدق متابعة الولى؛ يعد نقضًا لحقيقة الكرامة.\nثم إن ما يحصل للأولياء من خوارق العادات، لا يماثل المعجزة من حيث القدر، وهذا ما نبه إليه شيخ الإسلام - ﵀ -: \"وأما كرامات الأولياء فهى أيضًا من آيات الأنبياء، فإنها إنما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة، فهى دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة، وأيضًا فإن كرامات الأولياء معتادة من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ذلك، فانشقاق القمو والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حية، وخروج الدابة من صخرة، لم يكن مثله للأولياء، وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياته صغار وكبار، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٢٠]، فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيه محمد - ﷺ -: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، فالآيات الكبرى مختصة بهم، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين، مثل تكثير الطعام\" (٢).\nوعليه فإن ما يقع لبعض الناس، مما يظن فيه خرق للعادة مع عدم الاستقامة\n_________\n(١) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر: (١/ ٩٩).\n(٢) النبوات: ٣٢٣.","vol":"1","page":811},{"text":"والمتابعة، فإنه من الأحوال الشيطانية، التي يتوهم خرقها للعادة مع كونها من مقدور الثقلين: الجن والإنس: \"ولهذا قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، أو يمشى على الماء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهى، ولهذا يوجد كثير من الناس يطير في الهواء، وتكون الشياطين هي التي تحمله لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين، ومن هؤلاء من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام والوقوف بعرفة، ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمى الجمار، ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات، وأمثاله يقع كثيرًا، وهى أحوال شيطانية، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] (١).\nوإذا علم هذا فإنه ليس بمستقيم أن تكون خرق العادات هي دليل الولاية والعلامة عليها - كما بين الصاوي - لأنه لم يتحقق حصولها لكثير ممن عرف بالصلاح والتقوى من أهل القرون الأولى، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن اعتمادها قد يؤدى إلى حصول اللبس عند كثير من غير المحققين، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان خطر هذا المعتقد على آحاد المسلمين: \"فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه، ويعتقد فيمن لا يصلى بل ولا يؤمن بالرسل بل يسب الرسل ويتنقص بهم أنه من أعظم أولياء الله المتقين، ومنهم من يبقى حائرًا مترددًا شاكًا مرتابًا، يقدم إلى الكفر رجلًا وإلى الإسلام أخرى، وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وسبب ذلك: أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها، فإن الكفار والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١/ ٨٣).","vol":"1","page":812},{"text":"ذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢].\nفامتنع أن تكون دليلًا عليه، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم، لا ثمرة الشرك والبدعة والفسق.\nوالمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان، كإخبار عن غائب، أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق وخرج منه شيخ بهى عانقه أو كلمه؛ ظن أن ذلك هو النبي المقبور أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق، وإنما الشيطان مثل له ذلك (١).\nولما كانت هذه الخوارق بمثابة الثواب المعجل للعبد الصالح، فمن الممكن أن ألَّا يتم تحققها في الدنيا وأن تدخر له في آخرته، وكان هذا هو معتقد عباد الله الصالحين، فلم يكن همهم حصول هذه الخوارق من المكاشفات ونحوها، بل كان هدفهم الأسمى هو الثبات على مقامات الإيمان والعمل الصالح، وإذا وقع لهم منها شيء كانوا على وجل وخوف فلا يطمئنون به؛ لخوفهم من الاستدراج وتعجيل الطيبات.\nوعلى العكس من هذا حال أهل البدع والمنكرات، فهمهم الأكبر من العبادة والمجاهدة هو حصول مثل هذه الخوارق، أو ما يظن بأنه خارق من أحوال الشياطين، فإذا حصل لهم منها شيء تشدقوا بذكرها، واحتالوا على الناس بألوان الحيل؛ حتى يتم لهم التوجه بالهمم، فيستغاث بهم ويتقرب لهم من دون الله، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"وغاية من يعبد الله يطلب خوارق العادات يكون له نصيب من هذا، ولهذا كان منهم من يرى طائرًا، ومنهم يرى ماشيًا، ومنهم وفيهم جهال ضلال.\nوالحق المبين أن كمال الإنسان أن يعبد الله علمًا وعملًا، كما أمره ربه\" (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: (١/ ١٧٦).\n(٢) مجموع الفتاوى: (٢/ ٩٦).","vol":"1","page":813},{"text":"شبهات حول الكرامة:\nمن كل ما تقدم تبين أن اعتقاد السلف في ثبوت الكرامة يقوم على أمرين:\n١ - أن الكرامة تشمل كل ما يمن به الرب تعالى على عبده المؤمن المتبع شريعة نبيه، فهى ثمرة الإيمان والتقوى، يتقدمها الثبات على الإيمان، وانشراح الصدر لذلك، ويدخل فيها ما يكون خارقًا للعادة.\n٢ - أن الكرامة التي هي خرق للعادات ليست دليلًا على الولاية، لأنه قد تتحقق مقومات الولاية في العبد دون أن يحصل له شيء من هذه الخوارق، وهذا كثير في القرون المفضلة.\nومع موافقة الصاوي اعتقاد السلف في هذين الأمرين، إلا أن مخالفته ظاهرة في تفاصيل اعتقاد خرق العادات، وما ينبنى عليها من أحكام.\nوبيان هذا: أنه قد ثبت التصديق بإمكان حصول الانكشاف ومعرفة الغيب عن طريق الإلهام أو الرؤيا الصالحة، وأنه مع اكتمال شروط الولاية فيمن حصل له ذلك فإنها تكون له من قبيل الكرامة، ولكن لا يصح الاستدلال بها واعتمادها في الأحكام الشرعية.\nفإذا كانت (الرؤيا الحسنة، من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) (١) كما ورد في الحديث فقد بين حديث آخر أن هذا إنما يختص بمهمة التبشير وهى واحدة من وظائف النبوة، قال رسول الله - ﷺ -: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات). قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) (٢).\nولهذا دلائل كثيرة مردها إلى اكتمال الدين وتمامه بشرعة المصطفى - ﷺ -؛ فليس لأحد أن يتقدمه بزيادة أو نقصان، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التعبير - باب رؤيا الصالحين، رقم الحديث: ٦٥٨٢.\n(٢) أخرجه البخاري أيضًا في كتاب التعبير - باب رؤيا الصالحين، رقم الحديث: ٦٥٨٩.","vol":"1","page":814},{"text":"وقال عز من قائل في النهى عن التقدمة المخلة بتمام الالتزام وشكر المولى على تمام المنة باكتمال النعمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nهذا والأحاديث في النهي عن الابتداع، ووجوب التمسك بالاتباع كثيرة، وقد دلت على أن كل ما فيه مخالفة للشرعة المطهرة فهو مردود على صاحبه مهما ادعى من حصول الكشف والعرفان، فلا يسلم له؛ لامتناع العصمة والدلالة القطعية بعدم الحاجة إلى مثل هذه الأوهام.\nيقول شيخ الإسلام في ذلك: فكل من اتبع ما يرد عليه من الخطاب، أو ما يراه من الأنوار والأشخاص الغيبية، ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة، فإنما يتبع ظنًا لا يغنى من الحق شيئًا.\nفليس من المحدثين الملهمين أفضل من عمر، كما قال - ﷺ -: (إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتى هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب) (١)، وقد وافق عمر ربه في عدة أشياء (٢)، ومع هذا فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول، ولا يقبل ما يرد عليه حتى يعرضه على الرسول، ولا يتقدم بين يدى الله ورسوله، بل يجعل ما ورد عليه تبعًا، وكان إذا تبين له من ذلك أشياء خلاف ما وقع له فيرجع إلى السنة، وكان أبو بكر يبين له أشياء خفيت عليه فيرجع إلى بيان الصديق وإرشاده وتعليمه، كما جرى يوم الحديبية، ويوم مات الرسول (٣)، ويوم ناظره من مانع الزكاة (٤) وغير ذلك، وكانت المرأة ترد عليه ما يقوله\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب حديث الغار، رقم الحديث: ٣٤٦٩.\n(٢) تقدم بيانها.\n(٣) أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله مات وأبو بكر بالسنح فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله، وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسى إذ ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدى رجالًا وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن الرسول فقبله، قال: بأبى أنت وأمى طبت حيًا وميتًا، والذي نفسى بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، قال: ألا من كان يعبد محمدًا - ﷺ - فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: (إنك ميت وإنهم ميتون): كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي: (لو كنت متخذًا خليلًا)، رقم الحديث: ٣٦٦٧ - ٣٦٦٨. وفي رواية أن عمر - ﵁ - قال: (والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتى ما تقلنى رجلاى، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي - ﷺ - قد مات): كتاب المغازى - باب مرض النبي ووفاته، رقم الحديث: ٤٤٥٤.\n(٤) أخرج الإمام أحمد في مسند عمر بن الخطاب - ﵁ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا هريرة قال: \"لما توفي رسول الله وكان أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى) قال أبو بكر - ﵁ -: والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعونى عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها، قال عمر - ﵁ -: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر - ﵁ - للقتال فعرفت أنه الحق)، رقم الحديث: ١١٧: قال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":815},{"text":"وتذكر الحجة من القرآن، فيرجع إليها كما جرى في مهور النساء (١) ومثل هذا كثير\" (٢).\nوعليه فلا يصح الاستدلال بهذا الكشف في المسائل الشرعية؛ كما جوز الصاوي اعتماده في التفسير الإشارى الذي سبق مناقشته فيه (٣).\nومن جهة أخرى، فإنه لا يقطع بحصول مقتضى هذا الكشف من المعارف الغيبية، إلا عند تحققه على أرض الواقع، وهذا يرجع إلى أن دلالته على مقتضاه ظنية وليست بيقينية، فلا شيء دلالته يقينية في معرفة الغيب إلا ما كان مستنده الوحي المعصوم: الكتاب والسنة.\nومن هنا امتنع استقلالها باكتساب العلم الذي يقضى جزمًا بمطابقة الواقع في علوم الغيب، وأدلة هذا في الكتاب والسنة كثيرة متضافرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، وهذه هي\n_________\n(١) ومن ذلك أن عمر - ﵁ - خرج وخطب في الناس ينهاهم عن كثرة المهور فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب﴾، قال وكذلك هي في قراءة عبد الله، فلا يحل لكم فلا تأخذوا منه شيئًا، فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته: مصنف عبد الرزاق: كتاب النكاح - باب غلاء الصداق، رقم الحديث: ١٠٤٢٠: (٦/ ١٨٠).\n(٢) الفرقان بين الحق والباطل: ٤٨ - ٤٩.\n(٣) انظر: مبحث آراؤه في القرآن: ٣٨٢.","vol":"1","page":816},{"text":"مفاتيح الغيب التي وردت في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nوقد فسرها بهذا الصادق المصدوق ففي الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: (مفاتيح الغيب خمس: \"إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير\") (١).\nوعليه فإن ما ادعاه الصاوي من أنه لا يمتنع أن ينكشف شيء من العلوم الغيبية للأولياء، بتعليم الله لهم على جهة يتيقن منها حصول مقتضى هذا الكشف، أمر لا حقيقة له، بل هو من الأوهام التي تردها آيات الكتاب وسنة النبي - ﵊ -، وكم من الآيات تلك التي يأمر بها المولى تعالى نبيه محمد - ﷺ - بالتبرؤ من علم الغيب، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠].\nوهذا الاعتقاد باستقلال الكشوفات والرؤى في معرفة الغيب؛ أدى إلى وقوع الصوفية في الغلو المحرم، الذي قد يكون شركًا أو ذريعة إلى الشرك، ومن هنا ظهر بطلان ما حكاه عن التسترى أنه كان يعرف تلامذته منذ الميثاق، وأنه كان يربيهم وما ذكره عن على - ﵁ - من أنه كان يتذكر ذلك اليوم الذي أخذ عليه الميثاق فيه، إن كل هذه الأخبار مما لا حقيقة لها تستند إليه كونًا ولا شرعًا، فليس من المقدور البشرى تذكر ذلك اليوم ولا معرفة ما كان فيه؛ لأن البشر كانوا في عهد الذر، ولم يكونوا على هذه الهيئة التي صاروا إليها، ثم إن هذا الإشهاد غايته معرفة الله وتوحيده، ولو كان لأحد تذكر هذا اليوم لكان ذلك للمصطفى - ﷺ - خير ولد آدم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب وعنده مفاتح الغيب، رقم الحديث: ٤٦٢٧.","vol":"1","page":817},{"text":"وليس يخفى ما في تخصيص علي - ﵁ - بالعلم من التأثر بأقوال الغلاة فيه، ومما يؤكد عدم ورود ما يخصصه، بعلم عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ما أخرجه البخاري في صحيحه، فعن أبي جحيفة - ﵁ - قال: \"قلت لعلي - ﵁ -: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة). قلت: وما في الصحيفة؟ قال: (العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر) (١).\n- وهذا وقد أثبت للأولياء من خوارق العادات التأثير بالتصرف في الكون، ولا بد للحكم على هذا المقال من وزنه بميزان الشريعة، فنعرف هل لهذا مستند من الكتاب أو السنة؟\nلقد دل الحديث القدسي الذي توعد الله فيه من أقدم على إيذاء ولي من الأولياء بالحرب؛ على أن المولى ﵎ قد يتصرف في هذا الكون موافقة لغرض الولي لنصرته وحاجته، إذًا فمرد هذا التأثير إلى الله تعالى، وقد يكون للعبد فيه نوع تأثير كالدعوة المستجابة (٢) ولكن ليس في هذا ما يقضى بتصرفه في المخلوقات فإن إجابة الدعاء هي محض فضل المولى، كما أنها من التوسل المشروع الذي يتحقق به تمام العبودية.\nومن هنا علم أن ما يدعيه الصوفية في كرامات الأولياء، التي تقضي بأحقية تصرفهم في الكون حتى يكون لأحدهم أن يقول للشيء كن فيكون، ليس بصحيح أبدًا ولو ادعى أنه على غير جهة الاستقلال، بل هو من الضلالات القادحة في جناب التوحيد.\nبيان ذلك أن مرد هذه الادعاءات إلى الكتاب والسنة، ولم يرد فيهما ما يسند مثل هذه الأقوال الباطلة، بل دلالتهما في هذه الأمور على النقيض من ذلك، فما زالت\n_________\n(١) كتاب الجهاد والسير - باب فكاك الأسير، رقم الحديث: ٣٠٤٧.\n(٢) انظر: الفتاوى: (١١/ ٣١٤).","vol":"1","page":818},{"text":"الآيات الكريمة تبدى وتعيد في وجوب إفراد الله تعالى بأفعاله، ومن ثم إفراده بأفعال العباد من الاستغاثة والاستعانة والدعاء، فكم من الآيات تلك التي تؤكد على أنه ليس لأحد تصرف يملك فيه كشف ضر لحق به، فضلًا عن إمكان دفعه.\nوقد أمر المصطفى بإعلان هذه الكلمات التي تدفع كل الأوهام المتعلقة بغير الله تعالى، كلمات تنبض بحقائق العبودية والإقرار التام بكمال ربوبية المولى ﵎، ورد الأمر إليه ظاهرًا وباطنا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\nولهذا المبحث علاقة وثيقة بحقيقة التبرك، فالانحراف في فهمه هو أساس الانحراف الحاصل في حقيقة التبرك، فحين وقع غلاة الصوفية في الغلو المنهي عنه، وادعوا للأولياء القدرة على التصرف؛ توجهوا إليهم بالدعاء، واعتقدوا حلول البركة بذواتهم فأشركوهم مع الله أحياء وأمواتًا، ونسبوا لهم ما لا يليق إلا لذات الرب ﵎ (١).\nومن هنا علم أن الكرامة لا تكون إلا للولى المستقيم على دين نبيه، فلا ينسب حصول ما يقع له من خوارق العادات إلى ذاته، بل هو على يقين من أنها محض قدرة الله تعالى، تفضل بها عليه منًّا وكرمًا، فلا يؤدى به ذلك إلى الاغترار والأمن، بل يخاف دومًا من العاقبة والاستدراج، ولنا في عمر - ﵁ - صاحب الكشوف والموافقات أصدق أسوة، فمع شهادة النبي له بالجنة إلا أنه عند موته كان على خوف ووجل، فعن ابن عمر قال: (كان رأس عمر - ﵄ - على حجري فقال: ضعه لا أم لك، ثم قال: ويلي ويل أم عمر إن لم يغفر لي ربي) (٢).\n_________\n(١) لمزيد من التوسع انظر: مبحث التوحيد: ١٨٤.\n(٢) مصنف ابن أبي شيبة - كتاب الزهد - باب كلام عمر - ﵁ -، رقم الحديث: ٤٠: (٨/ ١٥٣).","vol":"1","page":819},{"text":"وقال خوفًا على اغترار المسلمين بكثرة الفتوحات التي حصلت في عصره: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) (١).\nولشدة حرصه على صفاء عقيدة الصحابة، وصدق توجهه إلى الله تعالى؛ قام بعزل خالد - ﵁ - من قيادة المعارك، بعد إحرازه النصر في الكثير منها.\nولو أردت استقصاء هذه المواقف الإيمانية في حرص النبي وصحابته الكرام على سلامة الاعتقاد وصفائه من أدران الشرك؛ لطال بي المقام، وما هي إلا لفتات وودت فيها أن أبين مكانة الكرامة في الصدر الأول، بعيدًا عن غلو هؤلاء الأدعياء.\nبقى بيان حقيقة من نسب إليهم الصاوي مشروعية الاستغاثة بهم، وهم النجباء والأقطاب والغوث، فقد فصل شيخ الإسلام ما يمكن به رد وجودهم بما يتحقق به إبطال ما علق بهم الصوفية من أوهام لا أساس لها من الشرع، وذلك ببيان أن كل ما استند إليه الصوفية من الأحاديث في ذكرهم فهي موضوعة لا يحتج بها (٢).\nوعليه فإن \"الإيمان بوجود هؤلاء ليس واجبًا عند أحد من علماء المسلمين وطوائفهم المعروفين. . إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي - ﷺ - لم يشرع لأمته التصديق بوجود هؤلاء ولا أصحابه كانوا يجعلون ذلك من الدين\"، كما أن بطلان الدعوى تدل على بطلان تحققها للمدعى عليه، فـ \"القائلون بهذه الأمور منهم من ينسب إلى أحد هؤلاء ما لا تجوز نسبته إلى أحد من البشر، مثل دعوى بعضهم أن الغوث أو القطب هو الذي يمد أهل الأرض في هداهم ونصرهم ورزقهم، فإن هذا لا يصل إلى أحد من أهل الأرض إلا بواسطة نزوله على ذلك الشخص، وهذا باطل بإجماع المسلمين، وهو من جنس قول النصارى في الباب\" (٣).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب الإيمان، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين لاحتجاجهما جميعًا بأيوب بن عائد الطائي وسائر رواته وإن لم يخرجاه: (١/ ٦١).\n(٢) مجموع الفتاوى: (١١/ ١٦٧).\n(٣) منهاج السنة: (١/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"1","page":820},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للكائنات وعلى صحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإني بعد إتمامى بفضل الله تعالى لهذا البحث، أود أن أوجز أهم ما توصلت إليه من نتائج، وبيانها كالتالى:\n١ - الصاوي كواحد من علماء المذهب الأشعري تظهر موافقته جلية لمذهب السلف الصالح في قضايا متنوعة من قضايا العقيدة، منها: الإيمان بالملائكة والجن واليوم الآخر، والصحابة والإمامة، وغالب مسائل النبوات، والكتب المنزلة.\n٢ - كما وافق الصاوي مذهب السلف مخالفًا بذلك ما استقر عليه المذهب الأشعري في بعض قضايا الإلهيات، كالقول بزيادة الإيمان ونقصانه للتصديق، مصرحًا بذلك في حاشيته على الجوهرة مانعًا التأويل استنادًا للأدلة التي تثبت الزيادة والنقصان حقيقة في الكتاب والسنة، ومثل القول بصحة إيمان المقلد، والاكتفاء بالدليل الجملى لصحة إيمان المكلف، والقول بفطرية المعرفة وعدم حصر طريق الإيمان على المسلك العقلي لإثباتها.\n٣ - هذا وقد خالف الصاوي مذهب السلف متمسكًا بمذهبه الأشعري في الكثير من قضايا الإلهيات، كتقرير أدلة المتكلمين العقلية في الاستدلال على وجود الله، وكتأويل الصفات الخبرية الذاتية منها والفعلية، ووقوعه في مذهب الإرجاء في مسائل الإيمان والكفر، وتمذهبه مسلك سلفه في مسائل القدر مما أوقعه في الجبر حتى صرح به مرارًا، كما نفى الأسباب وتأثيرها، وأنكر على من خالف مذهبه إما تبديعًا وإما تفسيقًا وتكفيرًا.\n٤ - نتيجة لموقف الصاوي المتميز عامة في تحرير مسائل العقيدة عن سلفه؛ حيث تحرر في بعض منها، نجده يقع في الاضطراب والحيرة في بعض المسائل المخالفة","vol":"1","page":821},{"text":"لمذهب السلف، فمرة يحزر المسألة بمنطق أشعرى وأخرى سلفى، وذلك كمسألة إثبات الحكمة لله تعالى، فقد وقع في التناقض حين أولها كتأويل الأشاعرة إياها بما يثبت مقتضاها في المصنوعات فتكون عندهم بمعنى الإتقان والإحكام، ومرة تظهر موافقته للسلف جلية في بيان معناها إذ يعرفها بما أثر عنهم من أنها وضع للشيء في محله، وبذلك فهو يعمم حكمها على كل أفعال الله تعالى مثبتًا الغايات والمقاصد، مقرًا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.\nوأيضًا كتفسيره للإله، فإنه في عدد من المرات يفسر الإله بإنه القادر على الاختراع بما يفيد معنى الربوبية، إلا أنه فسره في موضع واحد بما يوافق مذهب السلف من أنه المعبود، ولكنه في كلا الحالتين لا يخرج في نهاية المطاف عن مذهب الأشاعرة، ففي موقفه من الحكمة نجده يؤكد تأويله لها ونفيها عن أفعال الله في مقابل الرد على المعتزلة الذين ينفون أن يخلق الرب تعالى أفعال العباد بما فيها من شر بحجة منافاة ذلك لحكمته تعالى، فهو يرى في تأويلها ما يفى بالرد عليهم، وقد أبطلت مذهبه تمامًا في محله.\nوكذلك في تفسير الإله بهذا الموقف المتباين فإنه يستقر على مذهب أسلافه حيث لا يرى أن أحدًا كفر بسبب الشرك، فالشرك عنده هو ما قدح في جانب الربوبية ومنكرو هذا قليل في بني آدم، ولو أنه استقر على ما عرف الإله به من أنه المستحق للعبادة لعلم أن كفر مشركي قريش وغيرهم كثير إنما كان بسبب الشرك، كما لا يخفى، لأنهم لم يقروا بهذه الكلمة: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله.\nوهذه بعض أمثلة لتناقضه.\n٥ - عرف الصاوي بتبنى بعض الأقوال التي تمثل انحرافًا خطيرًا في المنهج، كالقول بأن ظاهر الكتاب والسنة كفر، فهى وإن كانت قد عرفت عن سابقيه من المتكلمين، إلا أنه أظهر اعتناؤه بها، فضمنها تفسيره لكتاب الله العزيز مؤكدًا على منهجه في تأويل الصفات حسبما يقره مذهبه الأشعرى، مما استدعى ردود العلماء عليه كالإمام الشنقيطي - ﵀ - في أضواء البيان.","vol":"1","page":822},{"text":"٦ - تأثر الصاوي بالعصر الذي عاش فيه، فتابع أكثر علماء زمانه في محاربة الدعوة السلفية بقيادة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ورميها بأنواع التهم الجائرة، حيث أطلق عليهم مسمى الخوارج.\n٧ - تابع الصاوي ما عليه متكلمو زمانه من سلوك مذهب الصوفية، فوقع في الكثير من ألوان الغلو المذموم، والذي يظهر جليلًا في اعتقاده بالنبي - ﷺ -، حيث أثبت له الأصل النورى وكشف المغيبات وإثبات الواسطة له، وشرع في حقه الكثير من الصلوات المبتدعة مقرًا ما عليه الصوفية من ألوان البدع والمحدثات العقدية، كما ظهر انحرافه في الكثير من المسائل؛ كادعاء علم الغيب للأولياء، وجواز التوسل بهم، والتبرك بذواتهم، وأوجب متابعة الشيخ ولو ظهر منه ما يخالف ظاهر الشرع.\nكما تأثر بمنهجهم المنحرف في تفسير القرآن العظيم بالتفسير الإشارى الاستبطانى، وإن لم ينهج هذا المنهج كثيرًا في تفسيره: الحاشية على الجلالين.\n٨ - وكما ظهر تميزه مجملًا في تحرير مذهب الأشاعرة، فكذلك كان حاله مع الصوفية، حيث حاول التوسط والاعتدال في متابعة القوم، فخالفهم في الكثير مما اشتهر عنهم، فقد أكد الصاوي على تفضيل الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - على سائر الأولياء، كما أبطل عقيدة وحدة الوجود بمعناها الكفرى، وأكد على أن الولاية لا تنال إلا بمتابعة السنة وطريق القرآن، وأكد في اختيار الشيخ وفق الكتاب والسنة.\n٩ - ومع ذلك ولإصراره على موافقة الصوفية في تقرير مسلكهم والاستدلال له بالمسالك الشرعية، فقد خرج بأقوال عرف بها؛ حاول أن يؤول موقف الصوفية الغلاة وأقوالهم المارقة، فأقر وحدة الوجود ولكنه حملها على ما يعرف بوحدة الشهود، وأقر المقامات على ما فيها من مخالفات جلية؛ كإبطال التكاليف مع أنه يصر على وجوب الاستقامة لنيل الولاية، فظهر بهذه المواقف المتعددة متناقضًا يغرب كثيرًا في تقرير المسائل العقدية.","vol":"1","page":823},{"text":"١٠ - كانت له مواقف مشكورة في إنكار ما عليه غالب الصوفية من قرع الطبول والتغنى بالمزامير والتمايل والرقص مؤكدًا أن هذه من البدع المحدثة.\nأما عن توصياتى التي أتوجه بها للباحثين في ختام هذا العمل الذي أسأل المولى ﵎ أن يتقبله، فهى؛ الاهتمام بكتب التفسير وشروح الحديث دراسة ونقدًا على ضوء منهج السلف الصالح، لأنها من أهم موارد العلم الشرعي الذي يرجع إليه في معرفة أصول الدين.\n* * *","vol":"1","page":824},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المصادر والمراجع</span>\n- إبطال التأويلات لأخبار الصفات، أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء - تحقيق: أبو عبد الله محمد بن الحمود النجدى - الطبعة الأولى: ١٤١٠.\n- أبكار الأفكار في أصول الدين، سيف الدين الآمدي - تحقيق: د/ أحمد المهدى - ١٤٢٣ - مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة.\n- ابن رشد وفلسفته الدينية، محمود قاسم - ١٩٦٤ - الأنجلو المصرية.\n- الاتجاه العقلى في مشكلة المعرفة، د/ عاطف عراقى.\n- إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، حمود التويجرى - الطبعة الأولى: ١٤١٤ - دار الصميعى، الرياض.\n- إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للغزالى، للسيد محمد بن محمد الحسينى الزبيدى - الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ - دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.\n- الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي - الطبعة الرابعة: ١٣٩٨ - مطبعة مصطفى البابى الحلبى، مصر.\n- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان - علاء الدين الفارسى - تحقيق: شعيب الأرنؤوط - الطبعة الأولى: ١٤١٢ - مؤسسة الرسالة بيروت.\n- أحكام القرآن، أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن العربى - تحقيق: على محمد البجاوى - دار الفكر.\n- إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي - الطبعة الأولى: ١٤٠٩ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية، محمد بن أحمد البوزيدى - تحقيق: بسام محمد بارود - دار الفتح.","vol":"1","page":825},{"text":"- الأدب المفرد للبخاري بشرح فضل الله الصمد لفضل الله الجيلانى - تحقيق: محب الدين الخطيب - الطبعة الثالثة: ١٤٠٧ - دار المطبعة السلفية.\n- آراء ابن فورك الاعتقادية، د/ عائشة روزى - رسالة مصورة.\n- الإرشاد للجوينى - تحقيق: محمد يوسف موسى - مكتبة الخانجى، بمصر.\n- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، الشوكانى - دار المعرفة.\n- الإسرائيليات والموضوعات، محمد أبو شهبة - مكتبة السنة.\n- الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا - محمد الأمين - تحقيق: شريف هزاع - مكتبة التوعية الإسلامية.\n- الإشاعة لأشراط الساعة، محمد بن رسول الحسينى - الطبعة الأولى: ١٤١٧ - دار المنهاج للنشر، جدة.\n- الأشباه والنظائر، لابن نجيم تاج الدين السبكي - الطبعة الأولى - دار الكتب العلمية، لبنان.\n- اشتقاق أسماء الله الحسنى، أبو القاسم الزجاجى - تحقيق: المبارك - الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - مؤسسة الرسالة، بيروت.\n- أشراط الساعة، يوسف الوابل - الطبعة الثالثة: ١٤١١ - دار ابن الجوزى الدمام.\n- اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق الكاشانى، تحقيق: عبد الخالق محمود - الطبعة الثانية: ١٤٠٤ هـ - دار المعارف.\n- أضواء التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات، د/ عبد القادر عطا - الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ - مكتبة الفراء الأثرية.\n-أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطى - ١٣٨٦ - مطبعة المدنى.\n- الاعتصام، للشاطبى - تحقيق: أبو عبيدة مشهور آل سلمان - الطبعة الأولى: ١٤١٢ - مكتبة التوحيد.","vol":"1","page":826},{"text":"- الإعلام (قاموس تراجم) خير الدين الزركلي - الطبعة العاشرة - دار العلم للملايين، بيروت.\n- إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم - تحقيق: طه عبد الرءوف سعد - ١٩٧٣ - دار الجيل، بيروت.\n- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان - المحقق: محمد الفقى - الطبعة الثانية: ١٣٩٥ - دار المعرفة بيروت.\n- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، ابن تيمية - تحقيق: ناصر العقل - الطبعة الثانية: ١٤١١ - مكتبة الرشد، الرياض.\n- الإقليد للأسماء والصفات والاجتهاد والتقليد - محمد المختار الشنقيطى - تحقيق: شريف هزاع - مكتبة ابن تيمية القاهرة.\n- الأم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي - الطبعة الثانية: ١٣٩٣ - دار المعرفة للطباعة.\n- الإمام الصاوي وحاشيته على تفسير الجلالين (دراسة وتعليق) من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة المائدة، محمد السيد عوض - رسالة مصورة.\n- الإمام الصاوي وحاشيته على تفسير الجلالين (دراسة وتعليق) من أول الجزء الثامن يبدأ من سورة الأنعام إلى آخر سورة الإسراء، عطية طه الزلمة - رسالة مصورة.\n- الإمام الصاوي وحاشيته على تفسير الجلالين (دراسة وتعليق) على الجزء الثالث - من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الزمر، عبد النبي الشمندى - رسالة مصورة.\n- الآمدي وآراؤه الكلامية، د/ حسن الشافعي - الطبعة الأولى: ١٤١٨ - دار السلام للطباعة والنشر.\n- الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين: الثالث عشر والرابع عشر، الدكتور/ على الزهرانى - الطبعة الثانية: ١٤١٨ هـ - دار طيبة مكة المكرمة.","vol":"1","page":827},{"text":"- الإنسان الكامل في الإسلام، عبد الرحمن بدوى - الطبعة الثانية: ١٩٧٦ - وكالة المطبوعات، الكويت.\n- الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف، الأمير محمد بن إسماعيل الصنعانى - تحقيق: عبد الرزاق البدر - الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ - دار ابن عفان للنشر والتوزيع المملكة السعودية.\n- الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، الباقلانى - تحقيق: عماد الدين حيدر - الطبعة الأولى: ١٤٠٧ - عالم الكتب بيروت.\n- الإنصاف أيضًا - تحقيق: الكوثرى - مؤسسة الخانجى.\n- أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب، جلال الدين السيوطي - تحقيق: السيد عباس الحسينى - الطبعة الأولى: ١٤١٨ - دار المدينة المنورة.\n- الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية، عبد الوهاب الشعرانى، الطبعة الأولى: ١٩٩٩ م - دار البشائر للطباعة دمشق.\n- الإيمان - أحمد بن تيمية - تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني - الطبعة الخامسة: ١٤١٦ - المكتب الإسلامى.\n- الإيمان، محمد بن إسحاق بن مندة - تحقيق: على الفقيهى - الطبعة الأولى - إحياء التراث الإسلامى.\n* * *\n\n- بحوث في أصول التفسير، محمد بن لطفى الصباغ - الطبعة الأولى: ١٤٠٨ - المكتب الإسلامى، بيروت.\n- بدائع الفوائد، ابن القيم - تحقيق: هشام عطا - الطبعة الأولى: ١٤١٦ - مكتبة الباز، مكة المكرمة.\n- بداية السول في تفضيل الرسول، العز بن عبد السلام - تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني - الطبعة الرابعة: ١٤٠٦ هـ - المكتب الإسلامى.","vol":"1","page":828},{"text":"- البداية والنهاية، ابن كثير - دار الفكر العربى، بيروت.\n- البدور السافرة في أمور الآخرة أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: أبو محمد المصرى - الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - مؤسسة الكتب الثقافية.\n- البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد عبد الله الزركشي - تحقيق: محمد أبو الفضل - دار التراث، القاهرة.\n- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، أحمد عبد الرحيم بن تيمية الحرانى - تحقيق: محمد بن قاسم - الطبعة الأولى - مطبعة الحكومة، مكة المكرمة.\n* * *\n\n- تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الزبيدى - دار مكتبة الحياة.\n- تاريخ التصوف الإسلامى، عبد الرحمن بدوى - الطبعة الأولى: ١٩٧٥ - وكالة المطبوعات، الكويت.\n- تاريخ التصوف في الإسلام، د/ قاسم غنى، ترجمة: صادق نشأت - مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.\n- تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، عبد الرحمن الرافعى - مطبعة النهضة، مصر.\n- تاريخ الدولة العلية العثمانية، محمد فريد بك - ١٩٧٧ م - دار الجيل، بيروت.\n- تاريخ عجائب الآثار قى التراجم والأخبار، عبد الرحمن الجبرتى - دار الجيل، بيروت.\n- تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم.\n- تاريخ مصر الحديث، جرجى زيدان - الطبعة الثالثة: ١٩٢٥ - مطبعة الهلال، مصر.","vol":"1","page":829},{"text":"- تاريخ مصر الحديث، الدكتور/ عمر عبد العزيز عمر - الطبعة: ١٩٨٣ هـ - دار المعرفة الجامعية.\n- تأويل مختلف الحديث، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة - تحقيق: محمد محى الدين الأصفر - الطبعة الأولى: ١٤٠٩ - المكتب الإسلامى، دار الإشراق، بيروت.\n- تأويل مشكل القرآن، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى - السيد أحمد صقر - المكتبة العلمية.\n- التبرك أنواعه وأحكامه، ناصر عبد الرحمن الجديع - مكتبة الرشد، الرياض.\n- التبيان في آداب حملة القرآن، الإمام النووي - تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - الطبعة الأولى: ١٤٠٣ هـ - مكتبة دار البيان.\n- التجانية، على محمد الدخيل الله - دار طيبة، الرياض.\n- التحبير في علم التفسير، جلال الدين السيوطي - تحقيق: فتحى عبد القادر فريد - ١٤٠٦ - دار المنار للنشر.\n- تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، محمد على الشوكانى - دار الكتاب العربى.\n- تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، إبراهيم الباجورى - الطبعة الأولى ١٤٠٣ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- التدمرية، ابن تيمية - تحقيق: محمد السعوى - الطبعة الأولى: ١٤٠٥.\n- تذكرة الحفاظ، للذهبى - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- تذكرة السامع والمتكلم في آدب العالم والمتعلم، ابن جماعة الكنانى - تحقيق: محمد هاشم الندوى - الطبعة الثالثة ١٤١٩ هـ - دار المعالى، عمان، الأردن.\n- التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، محمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري القرطبي - الطبعة الأولى.","vol":"1","page":830},{"text":"- الترغيب والترهيب، عبد العظيم المنذري، تحقيق: مصطفى عمارة - دار الحديث القاهرة.\n- التسعينية، أحمد بن عبد الحليم الحرانى - تحقيق: محمد العجلان - الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - مكتبة المعارف.\n- التنكيل بما في تأنيب الكوثرى من الأباطيل، عبد الرحمن المعلمى - تحقيق: عبد الرزاق حمزة، محمد ناصر الدين الألباني الطبعة الثانية: ١٤٠٦ - المكتب الإسلامى، بيروت.\n- التصوف الإسلامى ومدارسه، د/ جلال شرف - دار المطبوعات الجامعية.\n- التصوف الإسلامى في الأدب والأخلاق، زكى مبارك - الطبعة الأولى: ١٣٥٧ - مطبعة الرسالة.\n- التعرف لمذهب أهل التصوف، محمد الكلاباذى أبو بكر، ١٤٠٠ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- التعريفات - السيد الشريف الجرجانى - تحقيق: عبد الرحمن عميرة - الطبعة الأولى: ١٤٠٧ - عالم الكتب، بيروت.\n- تعظيم قدر الصلاة - محمد بن نصر المروزي - تحقيق: عبد الرحمن الفريوائى - الطبعة الأولى: ١٤٠٦ - مكتبة الدار، المدينة المنورة.\n- التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي - الطبعة الثانية: ١٣٩٦.\n- تفسير ابن عربى، محى الدين بن عربى - الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ دار صادر، بيروت.\n- تفسير البغوي (معالم التنزيل - الحسين بن مسعود البغوي - تحقيق: عثمان ضميرية وآخرون - ١٤١٢ - دار طيبة للنشر.\n- تفسير السعدى (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) - عبد الرحمن السعدى - الطبعة الأولى: ١٤١٩ - دار المغنى للنشر، الرياض.","vol":"1","page":831},{"text":"- تفسير السيوطي (الدر المنثور بالتأويل بالمأثور) - مطبعة الأنوار المحمدية.\n- تفسير الشنقيطى (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) - محمد الأمين ابن محمد المختار - مكتبة ابن تيمية: القاهرة.\n- طبعة ثانية مركز صالح بن صالح الثقافى: عنيزة المملكة ١٤٠٧.\n- تفسير الشوكانى (فتح القدير) - محمد بن على الشوكانى - تحقيق: سيد إبراهيم - الطبعة الأولى: ١٤١٣ دار الحديث القاهرة.\n- تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل آى القرآن) - محمد بن جرير الطبري - الفيصلية: مكة المكرمة.\n- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير - الطبعة الرابعة: ١٤١٨ - مؤسسة الريان، لبنان.\n- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) - محمد بن أحمد الأنصاري - تحقيق: أحمد البردونى - دار إحياء التراث \"طبعة معادة\".\n- تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني - تحقيق: صغير أحمد شاغف - الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - دار العاصمة المملكة.\n- التصوف المنشأ والمصادر، إحسان إلهى ظهير - إدارة ترجمان السنة، باكستان.\n- تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، أبو بكر محمد بن الطيب الباقلانى، تحقيق: عماد الدين حيدر - الطبعة الأولى: ١٩٨٧ - مؤسسة الكتب الثقافية بيروت.\n- التمهيد لما في الموطأ من المعانى والأسانيد - لابن عبد البر - طبعة وزارة الأوقاف في المغرب.\n- تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، أبو طاهر بن يعقوب الفيروز أبادى - طبعة دار الفكر.\n- تهافت الفلاسفة، الغزالي - تحقيق: سليمان دنيا - الطبعة السابعة - دار المعارف.","vol":"1","page":832},{"text":"- تهذيب التهذيب - ابن حجر - دار المعارف النظامية بالهند.\n- التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة - تحقيق: على الفقيهى - مطابع الجامعة الإسلامية.\n- التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبد الرءوف المناوى - المحقق/ د. محمد رضوان الداية - الطبعة الأولى: ١٤١٠ - دار الفكر المعاصر، بيروت.\n- تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - الطبعة الخامسة: ١٤٠٢ المكتب الإسلامى، بيروت.\n* * *\n\n- جامع البيان في تأويل آى القرآن، ابن جرير الطبري.\n- جامع بيان العلم وفضله، يوسف بن عبد البر - تحقيق: أبو الأشبال الزهيرى - الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - دار ابن الجوزى، الدمام، المملكة السعودية.\n- جامع الرسائل، لابن تيمية - تحقيق: محمد رشاد سالم - الطبعة الأولى: ١٤٠٥ - مكتبة الخانجى.\n- جامع العلوم والحكم، لابن رجب - تحقيق: شعيب الأرنؤوط - الطبعة الرابعة: ١٣٩٣ - مصطفى البابى الحلبى.\n- جامع كرامات الأولياء، للنبهانى - الطبعة الأولى ١٣٨١ - مطبعة مصطفى حلبى، مصر.\n- الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي - دار إحياء التراث العربى، بيروت.\n- الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع، الخطيب البغدادي - تحقيق: الدكتور/ محمود الطحان - الطبعة ١٤٠٣ هـ - مكتبة المعارف، الرياض.\n- الجامع لشعب الإيمان للبيهقي - تحقيق: عبد العلى حامد - الطبعة الأولى: ١٤٠٨ - الدار السلفية بالهند.","vol":"1","page":833},{"text":"- جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام - تحقيق: محى الدين مستو - الطبعة الثانية: ١٤١٣ هـ - مكتبة دار التراث.\n- جلاء البصائر في الرد على كتابى: شفاء الفؤاد والذخائر، سمير مالكى - الطبعة الأولى: ١٤٢١ - دار سبيل الهدى المكية.\n- جهود الإمامين ابن تيمية وابن القيم في دحض مفتريات اليهود - سميرة بنانى - مطابعه الجامعة: ١٤١٨.\n- جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، شمس الدين الأفغانى - الطبعة الأولى: ١٤١٦ - دار الصميعى، الرياض.\n- الجواب الكافى لمن سأل عن الدواء الشافى، ابن القيم - دار الكتب العلمية، بيروت.\n* * *\n\n- حادى الأرواح لابن القيم - تخريج عبد الحميد أحمد - الطبعة الأولى: ١٤١٠ - دار المرابطين للنشر، مصر.\n- حاشية أم البراهين، محمد بن أحمد الدسوقى - الطبعة الأخيرة - مطبعة مصطفى الحلبى.\n- حاشية جوهرة التوحيد، أحمد الصاوي - الطبعة الأولى - مطبعة الحلمية، وكالة الركشى.\n- حاشية الخريدة البهية - أحمد الصاوي - الطبعة الأولى - مطبعة الحلمية وكالة الركشى.\n- حاشية الصاوي على الجلالين - أحمد الصاوي.\n- حاشية العطار على جمع الجوامع، الشيخ حسن العطار على شرح الجلال المحلى - دار الكتب العلمية بيروت.","vol":"1","page":834},{"text":"- الحاشية على الصلوات الدرديرية، أحمد الصاوي - تحقيق: محمد يوسف - الطبعة الثانية: ١٤٢٢ - مكتبة القاهرة.\n- الحبائك في أخبار الملائك، جلال الدين السيوطي - تحقيق: محمد زغلول - الطبعة الأولى: ١٤٠٥ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- الحجة في بيان المحجة، أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمى - تحقيق: محمد بن ربيع المدخلى - مطبعة الجامعة.\n- حلية الأولياء، لأبي نعيم - دار أم القرى للطباعة - مكتبة ابن تيمية.\n- الحملة الفرنسية وخروج الفرنسيين من مصر، د/ محمد فؤاد شكرى - دار الفكر العربى.\n- الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار د/ غالب العواجى - الطبعة الأولى: ١٤١٧ - دار لينة.\n* * *\n\n- الخصائص الكبرى، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التفضيل، للإمام البخاري - تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد البسيونى - ١٤٠٨ - مكتبة التراث الإسلامى بالقاهرة.\n* * *\n\n- درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن تيمية الحرانى - تحقيق: محمد رشاد سالم - مكتبة ابن تيمية.\n- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، عبد الرحمن السيوطي.\n- الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية، أبو عبد الرحمن جيلان العروسى - الطبعة الأولى: ١٤١٧ - مكتبة الرشد، الرياض.","vol":"1","page":835},{"text":"- دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عبد العزيز عبد اللطيف - الطبعة الأولى: ١٤١٢ - دار الوطن.\n- دعوة التوحيد، محمد خليل هراس - مكتبة الصحابة بالقاهرة.\n- دلائل النبوة، الحافظ موفق الدين أبى القاسم الأصبهانى - تحقيق: مساعد الحميد - الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ - دار العاصمة بيروت.\n- الدولة العثمانية دولة مفترى عليها، الدكتور/ عبد العزيز الشناوى - مطبعة الأنجلو المصرية.\n- الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامى الحديث د/ إسماعيل أحمد ياغى - الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - مكتبة العبيكان، الرياض.\n- الدولة العثمانية والغزو الفكرى حتى عام: ١٣٢٧ هـ، د/ خلف الوذينانى - ١٤١٧ هـ - سلسلة رسائل جامعية موصى بطبعها.\n- دولة محمد على والغرب الاستحواذ والاستقلال، حسن الضيقة - الطبعة الأولى: ٢٠٠٢ م - المركز الثقافى العربى، الدر البيضاء، المغرب.\n- ديوان البوصيرى - تحقيق: أحمد بسج - الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- ديوان حسان بن ثابت - تحقيق: وليد عرفات - دار صادر، بيروت.\n- ديوان حسان بن ثابت - ١٤٠٣ هـ - دار بيروت للطباعة.\n- ديوان لبيد بن ربيعة، تحقيق، إحسان عباس - ١٩٦٢ م - مطبعة الكويت.\n* * *\n\n- الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بن حنبل - تحقيق: د/ عبد الرحمن عميرة - الطبعة الثانية: ١٤٠٢.\n- الرد على المنطقيين، ابن تيمية - ضبط: رفيق العجم - الطبعة الأولى: ١٩٩٣ - دار الفكر اللبنانى، بيروت.","vol":"1","page":836},{"text":"- الرد على المنطقيين، ابن تيمية - إدارة ترجمان السنة، لاهور - دار المعرفة بيروت.\n- رسائل ابن عربى، تحقيق: محمد شهاب الدين العربى، الطبعة الأولى: ١٩٩٧ م - دار صادر بيروت.\n- الرسائل السلفية في إحياء سنة خير البرية، محمد على الشوكانى - تحقيق: خالد عبد الطيف العلمى - الطبعة الأولى: ١٤١١ - دار الكتاب العربى، بيروت.\n- الرسالة الصفدية، شيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق: سيد بن عباس الحليمى وأيمن بن عارف الدمشقى - الطبعة الأولى: ١٤٢٣ هـ - دار ابن حزم، بيروت لبنان.\n- رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، محمد بن إسماعيل الأمير الصنعانى - تحقيق: الشيخ ناصر الدين الألباني - الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ.\n- الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء - ١٣٩٥ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- روح المعانى وتفسير السبع المثانى، للألوسى، طبعة: ١٣٩٨ هـ - دار الفكر العربى، بيروت.\n- روضة الناظر وجنة المناظر، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسى، تحقيق: د/ عبد الكريم النملة - الطبعة الأولى - مكتبة الرشد.\n- الرسالة القشيرية في علم التصوف، عبد الكريم بن هوازن القشيرى النيسابورى - تحقيق: معروف زريق - الطبعة الثانية: ١٤١٦ هـ - دار الخير، بيروت لبنان.\n* * *\n\n- زاد المعاد في هدى خير العباد، ابن القيم - تحقيق: شعيب الأرنؤوط - الطبعة الثانية: ١٤٠١ - مؤسسة الرسالة للطباعة.\n- الزهر النضر في نبأ الخضر، ابن حجر العسقلاني - تحقيق: سمير حلبى - الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n* * *","vol":"1","page":837},{"text":"- سلسلة المساعد الكيميائية، سعيد بالبيد - الطبعة الأولى - مكتبة الملك فهد.\n- السمط المجيد، لصفى الدين أحمد الأنصاري القشاشى - الطبعة الأولى - مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند.\n- السنة، أبو بكر أحمد بن محمد بن يزيد الخلال - تحقيق: عطية الزهرانى - الطبعة الأولى - دار الراية للنشر.\n- السنة، عبد الله بن أحمد بن حنبل - تحقيق: محمد سعيد قحطانى - دار رمادى للنشر.\n- سنن ابن ماجه - تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقى - دار الكتب العلمية بيروت.\n- سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستانى - تحقيق: محمد عوامة - الطبعة الأولى: ١٤١٩ هـ - مؤسسة الريان بيروت.\n- سنن الترمذي، للإمام أبى عيسى بن سورة الترمذي - تحقيق: أحمد محمد شاكر - دار الحديث القاهرة.\n- سنن الدارمي - تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدى - الطبعة الأولى: ١٤١٧ - دار الكتب العلمية بيروت.\n- السنن الكبرى للبيهقي - تحقيق: الجوهر النقى - ١٤١٣ هـ - دار المعرفة بيروت.\n- السنن الكبرى للنسائي - تحقيق: الدكتور عبد الغفار البندارى، الدكتور: سيد كسروى حسن - الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - دار الكتب العلمية بيروت.\n- سنن النسائي بشرح الحافظ السيوطي - تحقيق عبد الفتاح أبو غدة - الطبعة الثانية: ١٤٠٩ هـ - دار البشائر الإسلامية: بيروت.\n- السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، أبو عمرو المقرى الدانى - تحقيق: رضا الله المباركفورى - الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - دار العاصمة، الرياض.\n- سير أعلام النبلاء، الذهبي - تحقيق: شعيب الأرنؤوط - الطبعة السادسة: ١٤٠٩ هـ - مؤسسة الرسالة بيروت.","vol":"1","page":838},{"text":"- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد مخلوف - دار الفكر، بيروت.\n- شذرات الذهب من أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلى - طبعة جديدة - دار إحياء التراث العربى، بيروت.\n- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام هبة الله اللالكائى - تحقيق: د/ أحمد سعد الغامدى- دار طيبة.\n- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار - تحقيق: عبد الكريم عثمان - الطبعة الأولى - مكتبة وهبة، القاهرة.\n- شرح حديث جبريل، أحمد بن تيمية الحرانى - تحقيق: على الزهرانى - الطبعة الأولى: ١٤٢٣ - دار ابن الجوزى، الدمام.\n- شرح حديث النزول أحمد عبد الحليم ين تيمية - تحقيق: محد خميس - الطبعة الأولى: ١٤١٤ - دار العاصمة، الرياض.\n- شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - ١٤٠٧ هـ - دار المعرفة.\n- شرح السنة لأبي الحسين محمد بن مسعود البغوي - تحقيق: على معوض - الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ - دار الكتب العلمية.\n- شرح الصاوي على جوهرة التوحيد، أحمد الصاوي - تحقيق: عبد الفتاح بزم - الطبعة الثالثة: ١٤٢٤ هـ - دار ابن كثير دمشق.\n- شرح العقائد النسفية، التفتزانى.\n- شرح العقيدة الأصفهانية، أحمد عبد الحليم بن تيمية - تحقيق: سعيد بن نصر - الطبعة الأولى: ١٤٢٢ - مكتبة الرشد، الرياض.\n- شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق جماعة من العلماء وتخريج الألباني - الطبعة الثامنة: ١٤٠٤ هـ - المكتب الإسلامى.\n- شرح العقيدة الواسطية، محمد خليل هراس - تحقيق: علوى السقاف - الطبعة الثالثة: ١٤١٥ هـ - دار الهجرة للنشر.","vol":"1","page":839},{"text":"- شرح العقيدة الواسطية، الشيخ صالح العثيمين - تخريج: سعيد الصميل - الطبعة الثانية: ١٤١٥ هـ دار ابن الجوزى.\n- شرح العقيدة الواسطية، صالح الفوزان - الطبعة الخامسة: ١٤١٠ - مكتبة المعارف.\n- شرح المعلقات العشر، أحمد الشنقيطى - دار الكتاب العربى، بيروت.\n- شرح المقاصد، مسعود سعد الدين التفتزانى - تحقيق: عبد الرحمن عميرة - الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ عالم الكتب، بيروت.\n- الشرح والإبانة على أصول الديانة، أبو عبد الله بن بطة العكبرى - تحقيق: رضا نعسان - الطبعة الثانية.\n- شطحات الصوفية، عبد الرحمن بدوى - الطبعة الثانية: ١٩٧٦ - وكالة المطبوعات، الكويت.\n- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل، ابن قيم الجوزية - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- الشفاعة، أبو عبد الرحمن مقبل بن هادى الوادعى - الطبعة الثانية: ١٤٠٣ - دار الأرقم، الكويت.\n- الشيخ عبد الرحمن السعدى وجهوده في توضيح العقيدة، عبد الرزاق العباد - الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - الرشد، الرياض.\n- الصارم المسلول على شاتم الرسول، ابن تيمية - تحقيق: محمد محى الدين عبد الحميد - ١٤١١ هـ - المكتبة العصرية، بيروت.\n- صحيح الأدب المفرد - ناصر الدين الألباني - الطبعة الأولى: ١٤١٤ - دار الصديق، الجبيل.\n- صحيح أشراط الساعة، مصطفى الشلبى - الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ - مكتبة السوادى، جدة.","vol":"1","page":840},{"text":"- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، المطبوع مع فتح الباري، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقى - مكتبة الرياض الحديثة.\n- صحيح الجامع الصغير، للألبانى - الطبعة الثانية: ١٣٩٩ هـ المكتب الإسلامى.\n- صحيح سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني: الطبعة الثالثة: ١٤٠٨ - المكتب الإسلامى بيروت.\n- صحيح سنن أبي داود: محمد ناصر الدين الألباني: الطبعة الأولى: ١٤٠٩ - المكتب الإسلامى بيروت.\n- صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني - الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ - المكتب الإسلامى بيروت.\n- صحيح سنن النسائي، محمد ناصر الدين الألباني - الطبعة الأولى: ١٤٠٩ - المكتب الإسلامى بيروت.\n- صحيح مسلم بشرح النووي - ١٤٠١ هـ دار الفكر.\n- صريح السنة، للإمام أبى جعفر الطبري - تحقيق: بدر معتوق - الطبعة الأولى - دار الحلف للكتاب الإسلامى.\n- الصفدية، أحمد بن تيمية الحرانى - تحقيق: محمد رشاد سالم - الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n- الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد، محمد على الشوكانى، تحقيق: محمد صبحى حسن الحلاق - الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ دار الهجرة صنعاء.\n- الصواعق المرسلة، لابن القيم - تحقيق: د/ على بن محمد دخيل الله - الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ - دار العاصمة، الرياض.\n- الصوفية ونشأتها وتطورها، محمد العبدة، طارق عبد الحليم - الطبعة الثانية: ١٤١٢ هـ - مكتبة الكوثر للنشر والتوزيع الرياض.","vol":"1","page":841},{"text":"- صعيد مصر في عهد الحملة الفرنسية، نبيل السيد الطوخى - الطبعة الأولى: ١٩٩٧ م - الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n* * *\n\n- ضعيف الجامع الصغير وزيادته، ناصر الدين الألباني - المكتب الإسلامى: ١٣٩٩ - ضوابط التكفير، د/ عبد الله القرنى - الطبعة الأولى - مؤسسة الرسالة.\n- طبقات الشافعية، السبكي - تحقيق: عبد الفتاح الحلو - دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n- طبقات الشافعية الكبرى، ابن الصلاح - تحقيق: محى الدين نجيب - دار البشائر الإسلامية.\n- طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمى، تحقيق: نور الدين شربينة - الطبعة الثالثة: ١٤١٨ هـ - مكتبة الخانجى بالقاهرة.\n- الطبقات الكبرى، عبد الوهاب الشعرانى - بدون - المكتبة التوفيقية.\n* * *\n\n- ظاهرة الإرجاء، سفر الحوالى - الطبعة الأولى - مكتب الطيب.\n* * *\n\n- عالم الجن والشياطين، عمر الأشقر - الطبعة الخامسة: ١٤٠٩ هـ - مكتبة الفلاح، الكويت.\n- عالم الملائكة الأبرار - عمر الأشقر - الطبعة الخامسة - مكتبة الفلاح، الكويت.\n- العالم العربى، نجلاء عز الدين - الطبعة: الثانية: ١٩٦٢ م - دار إحياء الكتب العربية: عيسى البابى الحلبى.\n- العبودية، لشيخ الإسلام - تحقيق: على حسن عبد الحميد - الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ - دار الأصالة، الأردن.","vol":"1","page":842},{"text":"- عصر محمد على، عبد الرحمن الرافعى - مكتبة النهضة المصرية.\n- عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، د/ ناصر بن على حسن الشيخ - الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ - مكتبة الرشد، الرياض.\n- العقيدة السلفية في كلام رب البرية، عبد الله الجديع - الطبعة الثانية: ١٤١٦ هـ دار الإمام مالك، الرياض.\n- عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية، الدكتور/ أحمد القصير - الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - مكتبة الرشد الرياض.\n- عمدة القارى شرح صحيح البخاري، العينى على البخاري - دار الفكر.\n- عمر مكرم بطل المقاومة الشعبية، عبد العزيز الشناوى - المؤسسة المصرية العامة.\n- عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق مع شرح الحافظ ابن القيم، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان - مؤسسة قرطبة.\n* * *\n\n- غاية السول في خصائص الرسول، لأبي حفص الأنصاري الشهير بابن الملقن - تحقيق: عبد الله بحر الدين عبد الله - الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - دار البشائر، بيروت.\n* * *\n\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، - محمد فؤاد عبد الباقى - مكتبة الرياض الحديثة.\n- فتح رب البرية بتلخيص الحموية، محمد صالح العثيمين - الطبعة الرابعة: ١٤١٠ هـ - مطابع جامعة الإمام سعود.\n- فتح القدير، الشوكانى - دار المعارف، بيروت.\n- الفتاوى السعدية - مطبعة الكيلانى، السعدية، الرياض.","vol":"1","page":843},{"text":"- الفرقان بين الحق والباطل، شيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق/ عبد القادر أرنؤوط - الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ - مكتبة دار البيان، دمشق.\n- الفرق بين الفرق، عبد القاهر البغدادي - تحقيق: محمد محى الدين عبد الحميد - الطبعة: ١٤١١ هـ - المطبعة المصرية، بيروت.\n- الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الظاهرى، وبهامشه الملل والنحل للشهرستانى - ١٤٠٦ هـ - دار المعرفة، بيروت.\n- فصوص الحكم، ابن عربى - شرح القيصرى - الطبعة الأولى - دار الاعتصام.\n- فصول في أديان الهند، محمد ضياء الرحمن الأعظمى - الطبعة الأولى: ١٤١٧ هـ - دار البخاري للنشر.\n- فضائح الباطنية، محمد بن محمد الغزالي - تحقيق: عبد الرحمن بدوى - مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت.\n- الفقيه والمتفقه، أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي - الطبعة الثانية: ١٤٠٠ هـ - دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.\n- الفلسفة الحديثة، الدكتور/ أحمد السيد رمضان - مكتبة الإيمان، المنصورة.\n- الفلسفة العربية عبر التاريخ، رمزى نجار - الطبعة الأولى: ١٩٧٧ م- دار الآفاق بيروت.\n- الفوائد، ابن القيم - تحقيق: بشييرعون - الطبعة الثانية - مكتبة المؤيد، بيروت.\n- الفوائد، الطبعة الثانية: ١٣٩٣ هـ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- في تاريخ العرب الحديث، الدكتور/ رأفت الشيخ - ١٩٧٧ م - دار الثقافة للطباعة والنشر بالقاهرة.\n- في تاريخ العثمانيين/ الدكتور/ زكريا بيومى - الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - عالم المعرفة للنشر، جدة.","vol":"1","page":844},{"text":"- في التصوف والأخلاق، عبد الفتاح عبد الله بركة - الطبعة الأولى: ١٤٠٣ هـ - دار القلم، الكويت.\n* * *\n\n- قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ابن تيمية - تحقيق: ربيع المدخلى - الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ - مكتبة لينة، دمنهور، مصر.\n- القاموس المحيط - محمد يعقوب الفيروز أبادى - دار الفكر بيروت.\n- قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة: محمد بدران - دار الجيل، بيروت.\n- القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود - الطبعة الثانية: ١٤١٨ هـ - دار الوطن.\n- قطر الولى على حديث الولى، للإمام الشوكانى - الدكتور: إبراهيم هلال - دار الكتب الحديثة القاهرة، مصر.\n- قواعد التفسير، خالد السبت - الطبعة الأولى: ١٤١٧ هـ - دار ابن عفان للنشر، الخبر.\n- قواعد العقائد، أبو حامد محمد الغزالي - تحقيق: موسى بن نصر - الطبعة الثانية: ١٩٨٥ - عالم الكتب، بيروت.\n- القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع منها، د/ صالح السدلان - الطبعة الثانية: ١٤٢٠ هـ - دار بلنسية للنشر، الرياض.\n- قوت القلوب في معاملة المحبوب، للشيخ أبى طالب المكي، وبهامشه: سراج القلوب وعلاج الذنوب، للشيخ على زين الدين المعيرى - دار الفكر بيروت.\n- القول المفيد على كتاب التوحيد، شرح الشيخ العثيمين، تحقيق: سليمان أبا الخيل، خالد المشيقح - الطبعة الأولى - دار العاصمة.\n* * *\n\n- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للذهبى - تحقيق: أحمد الخطيب - الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ - دار القبلة للثقافة الإسلامية.","vol":"1","page":845},{"text":"- الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدى.\n- كتاب السنة، للحافظ ابن أبي عاصم، الشيخ ناصر الدين الألباني - الطبعة الثانية: ١٤٠٥ هـ - المكتب الإسلامى.\n- كرامات أولياء الله، أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائى - تحقيق: الدكتور/ أحمد سعد حمدان الغامدى - الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ - دار طيبة الرياض.\n- كشف الشبهات، محمد بن عبد الوهاب مع التوضيحات الكاشفات على كشف الشبهات، محمد بن عبد الله بن صالح - الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ.\n- كشف الظنون عن أسام الكتب والفنون، الحاجى خليفة - مكتبة ابن تيمية.\n- الكشف عن مناهج الأدلة، لابن رشد - تحقيق: محمد عابد الجابرى - الطبعة الثانية: ١٣٥٣ هـ - دار العلم للجميع، دمشق سوريا.\n- الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان، أحمد بن تيمية الحرافى - تحقيق: د/ محمود حسن الشيبانى - الطبعة الأولى - شركة العبيكان.\n- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين الهندي - ١٤٠٩ هـ - مؤسسة الرسالة.\n- الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، أو طبقات المناوى الكبرى، عبد الرءوف المناوى - تحقيق: عبد الحميد حمدان - المكتبة الأزهرية للتراث.\n* * *\n\n- لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور - تحقيق: عبد الله الكبير وآخرون - دار المعارف، بيروت.\n- لسان الميزان، لابن حجر - طبعة دائرة المعارف النظامية، حيدر أباد الهند.\n- لمع الأدلة، للجوينى - تحقيق: فوقية حسين محمود - الطبعة الثانية: ١٤٠٧ هـ - عالم الكتب، بيروت.","vol":"1","page":846},{"text":"- اللمع، لأبى نصر السراج الطوسى - تحقيق: عبد الحليم محمود وآخرون - الطبعة ١٣٨٠ هـ: دار الكتب الحديثة بمصر.\n* * *\n\n- المباحث المشرقية، الرازي - تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي - الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ - دار الكتاب العربى.\n- مجرد مقالات الأشعري، لابن فورك - تحقيق: دانيال جمارية - دار المشرق بيروت.\n- مجمع البحرين بزوائد العجمين، للهيثمى - تحقيق: عبد القدوس نذير - الطبعة الأولى - مكتبة الرشد، الرياض.\n- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الهيثمي - الطبعة الثالثة: ١٤٠٢ هـ - دار الكتاب العربى، بيروت.\n- مجموع الأوراد الكبير والأحزاب - مكتبة النصر، القاهرة.\n- مجموع فتاوى شيخ الإسلام، تحقيق: عبد الرحمن قاسم وابنه محمد - الطبعة الأولى: ١٣٨١ - مطابع الرياض.\n- مجموعة التوحيد - المكتبة السلفية.\n- مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - تصنيف عبد العزيز الرومى - مطابع الرياض.\n- المحبة لله سبحانه، إبراهيم بن عبد الله الجنيد - تحقيق: عبد إله بدران - الطبعة الأولى: ١٤٢٣ هـ - دار المكتبى، دمشق، سوريا.\n- محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، فخر الدين محمد عمر الخطيب الرازي - مكتبة الكليات الأزهرية.\n- المحيط بالتكليف، القاضي عبد الجبار - تحقيق: أحمد فؤاد - الدار المصرية للتأليف.","vol":"1","page":847},{"text":"- مختار الصحاح، محمد عبد القادر الرازي، تحقيق: عبد الفتاح البركاوى - طبعة جديدة - المكتبة التجارية مصطفى أحمد الباز، دار المنار.\n- مختصر العلو للعلى الغفار، شمس الدين الذهبي - تحقيق: الألباني - الطبعة الثانية: ١٤١٢ هـ - المكتب الإسلامى.\n- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم - تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي - الطبعة الرابعة: ١٤١٧ هـ - دار الكتاب العربى.\n- مذاهب الإسلاميين، عبد الرحمن بدوى - الطبعة الثالثة: ١٩٨٣ هـ - دار العلم للملايين، بيروت.\n- مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات، أحمد القاضي - الطبعة الأولى: ١٤١٦ - دار العاصمة، الرياض.\n- مراقى الصعود مع شرحه نشر البنود، عبد الله الشنقيطى - الطبعة الأولى: ١٤٠٩ - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- المرجع في الكيمياء، سعيد بالبيد، الطبعة الأولى - مكتبة الملك فهد.\n- مرويات الصحابة في الحوض والكوثر، عبد القادر عطا صوفى - الطبعة الأولى: ١٣١٣ - مكتبة العلوم والحكم، المدينة.\n- المستدرك على الصحيحين، الحاكم وبذيله التلخيص للذهبى - إشراف د/ يوسف المرعشى - دار المعرفة بيروت.\n- المسند للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: أحمد شاكر، أحمد حمزة الزين - الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - دار الحديث القاهرة.\n- مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب، عبد الرحمن الأنصاري، المعروف بابن الدباغ - تحقيق: هـ. ريتر - دار صادر بيروت.\n- مصادر المعرفة في الفكر الدينى والفلسفى.\n- مصر الحديثة، الدكتور/ جلال يحيى - منشأة المعارف بالإسكندرية.","vol":"1","page":848},{"text":"- مصر في القرن الثامن عشر، محمود شرقاوى.\n- المصنف للحافظ عبد الرزاق الصنعانى - تحقيق: حبيب الأعظمى - الطبعة الثانية: ١٤٠٣ هـ - المكتب الإسلامى بيروت.\n- المطالب العالية من العلم الإلهى، للرازي - تحقيق: أحمد حجازى سقا - الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ - دار الكتاب العربى، بيروت.\n- مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية، إدريس محمود إدريس - الطبعة الأولى: ١٤١٩ - مكتبة الرشد، الرياض.\n- مظهر التقديس، عبد الرحمن الجبرتى - تحقيق: أحمد عطية وآخرون - ١٣٨٠ هـ - القاهرة الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية.\n- معارج القبول بشرح سلم الوصول، حافظ بن أحمد الحكمى - الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ - دار ابن القيم، الدمام.\n- مختصر معارج القبول، سعد القحطانى - الطبعة الثانية - دار إشبيليا.\n- معالم الاستقامة في القرآن والسنة، الشيخ/ محمد عبد الكريم الشيخ. رسالة ماجستير.\n- معتقد فرق المسلمين واليهود والنصارى والفلاسفة في الملائكة المقربين، د/ محمد بن عبد الوهاب عقيل - الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ - مكتبة الإمام البخاري، مصر.\n- المعجم الكبير للطبراني - تحقيق: حمدى السلفى - مكتبة ابن تيمية القاهرة.\n- معجم المطبوعات العربية، ليوسف إلياس سركيس، مطبعة سركيس، مصر.\n- معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس - تحقيق عبد السلام هارون - الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - دار الجيل، بيروت.\n- المعجم الموسوعى للديانات والعقائد والمذاهب، سهيل زكار - الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ - دار الكتاب العربى - دمشق، القاهرة.","vol":"1","page":849},{"text":"- معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة - دار إحياء التراث العربى، بيروت.\n- المعرفة في الإسلام، د/ عبد الله القرنى - الطبعة الأولى: ١٤١٩ هـ - دار عالم الفوائد.\n- المغنى في أبواب التوحيد والعدل - القاضي عبد الجبار - تحقيق: عبد الحليم محمود - الدار المصرية، القاهرة.\n- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن القيم - دار الكتب العلمية، بيروت.\n- المفردات في غريب القرآن، أبى القاسم الحسين بن راغب الأصفهانى - تحقيق: محمد سيد كيلانى - دار المعرفة بيروت.\n- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، أبو حسن الأشعري - تحقيق: هلموت رتير - الطبعة الثالثة - دار إحياء التراث العربى، بيروت.\n- مقدمة ابن خلدون - ١٤٠٨ هـ - دار إحياء التراث العربى، بيروت.\n- الملل والنحل، الشهرستانى - تحقيق: محمد كيلانى - دار المعرفة، بيروت.\n- المنتقى النفيس من تلبيس إبليس، ابن الجوزى، على حسن عبد الحميد - الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ - دار ابن الجوزى، المملكة السعودية.\n- منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود - أحمد البنا - الطبعة الثانية: ١٤٠٠ هـ - المكتبة الإسلامية بيروت.\n- المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي، تحقيق: على بو ملحم - الطبعة الأولى: ١٩٩٣ م - مكتبة الهلال، بيروت.\n- منهاج السلامة في ميزان القيامة، محمد بن أبي بكر القيس الشهير بابن ناصر الدين الدمشقى - تحقيق: مشعل بن باقي الجبرين - الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - دار ابن حزم للطباعة، بيروت.\n- منهاج السنة النبوية، ابن تيمية - تحقيق: محمد رشاد سالم - الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ - مؤسسة قرطبة، القاهرة.","vol":"1","page":850},{"text":"- منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد، عثمان بن على بن حسن - الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ - مكتبة الرشد، الرياض.\n- منهج إمام الحرمين في دراسة العقيدة، د/ أحمد عبد اللطيف - الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - مركز الملك فيصل للبحوث.\n- منهج الإمام الشوكانى في العقيدة، عبد الله نومسوك - الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - مكتبة دار القلم، الرياض.\n- منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة، خالد عبد اللطيف بن محمد نور.\n- منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة، محمد إسحاق كندور - الطبعة الأولى: ١٤١٩ هـ - مكتبة الرشد، الرياض.\n- المواجهة المصرية الأوربية في عهد محمد على، محمد عبد الستار البدرى - الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ - دار الشروق، القاهرة.\n- الموافقات، أبو إسحاق الشاطبى - تحقيق: أبو عبيدة مشهور آل سلمان - الطبعة الأولى: ١٤١٧ - دار ابن عفان للنشر، الخبر.\n- المواقف، عضد الدين الإيجى - تحقيق: عبد الرحمن عميرة - الطبعة الأولى: ١٩٩٧ م - دار الجيل، بيروت.\n- المواقف عضد الدين الإيجى - عالم الكتب، بيروت.\n- الموجز في الأديان والمذاهب، ناصر القفارى - الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ - دار الصميعى للنشر، الرياض.\n- موسوعة تاريخ مصر، أحمد حسين، مطبعة دار الشعب، مصر.\n- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامى - الطبعة الثانية: ١٤٠٩ هـ.\n- موسوعة النظم والحضارة الإسلامية، أحمد شلبى - مطبعة النهضة، مصر.","vol":"1","page":851},{"text":"- الموضوعات، لابن الجوزى - الطبعة الأولى: ١٣٨٦ هـ - المكتبة السلفية، المدينة المنورة.\n- الموطأ، الإمام مالك بن أنس - تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقى - دار الحديث.\n- موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د/ عبد الرحمن المحمود - الطبعة الأولى: ١٤١٥ هـ - مكتبة الرشد، الرياض.\n- موقف ابن تيمية من النصرانية، مريم عبد الرحمن الزامل، مطابع الجامعة: ١٤١٧ هـ.\n- موقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية، الدكتور/ أحمد البنانى - الطبعة الثانية: ١٤١٣ هـ - جامعة أم القرى.\n- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، الذهبي - تحقيق: على البجاوى وآخرون - دار الفكر العربى.\n* * *\n\n- النبوات، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحرانى - طبعة دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.\n- النجاة، لابن سينا - الطبعة الأولى: ١٩٥٨ - مطبعة السعادة، مصر.\n- نساء في محراب الحب الإلهى، رغداء الحمصى، الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - دار المكتبى، سوريا دمشق.\n- نشأة الفكر الفلسفى في الإسلام، على النشار - الطبعة السابعة: ١٩٧٨ م - دار المعارف، القاهرة.\n- نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها، عرفان عبد الحميد - الطبعة: ١٣٩٤ هـ - المكتب الإسلامى.\n- نظرات في معتقد ابن عربى، الدكتور: كمال عيسى - الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - دار المجتمع للنشر، جدة.","vol":"1","page":852},{"text":"- نظم الدرة المضيئة في عقد أهل الفرقة المرضية، أحمد السفارينى - تحقيق: أبو محمد أشرف عبد المقصود.\n- نقض الإمام أبى سعيد الدارمي على المريسى العنيد - تحقيق: رشيد الألمعى - الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ - مكتبة الرشد، الرياض.\n- نقض المنطق، ابن تيمية - تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة - الطبعة الأولى: ١٣٧٠ - مكتبة السنة المحمدية، القاهرة.\n- نهاية الإقدام في علم الكلام، الشهرستانى - تحقيق: ألفرد جيوم - مكتبة الثقافية الدينية.\n- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد النجدى - الطبعة الثانية: ١٤١٧ هـ - مكتبة الإمام الذهبي، الكويت.\n- نواقض الإيمان الاعتقادية، محمد الوهبى - الطبعة الأولى: ١٤١٦ - دار المسلم، الرياض.\n- نواقض الإيمان القولية والفعلية، عبد العزيز عبد اللطيف - الطبعة الثانية: ١٤١٥ هـ - دار الوطن، الرياض.\n- النور الوضاء في مناقب وكرامة عمدة الأولياء، إسماعيل عبد الله المغربى - مطبعة الخيرية، القاهرة.\n* * *\n\nهذه هي الصوفية، عبد الرحمن الوكيل - الطبعة الثالثة: ١٣٩٩ - دار الكتب العلمية.\n* * *\n\n- الواسطة بين الله وخلقه عند أهل السنة ومخالفيهم، الدكتور/ المرابط الشنقيطى - الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - دار الفضيلة للنشر والتوزيع الرياض.","vol":"1","page":853},{"text":"- واقعنا المعاصر، محمد قطب - الطبعة الثالثة ١٩٩٠ م - مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر.\n- الوعد الأخروى، الدكتور/ عيسى السعدى - الطبعة الأولى: ١٤٢٢ - دار عالم الفوائد، مكة المكرمة.\n- وفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان، أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان - تحقيق: إحسان عباس: ١٣٩٨ هـ - دار صادر، بيروت.\n- اليوم الآخر القيامة الصغرى، عمر الأشقر - الطبعة الثانية: ١٤٠٨ هـ - مكتبة الفلاح الكويت.\n* * *","vol":"1","page":854}]}