{"ً":{"ٌ":151178,"ٍ":"الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["151178/140077.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا «جمعًا ودراسة»\nالمؤلف: الدکتور حميد بن أحمد نعيجات\nأصل الكتاب: رسالة دكتوراة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كلية الدعوة أصول الدين، بإشراف محمد بن ربيع بن هادي المدخلي، وحصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى\nالناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م\nعدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا - حميد بن أحمد نعيجات]\n\nقسم الباحث الرسالة إلى مقدمة وتمهيد وخمسة أبواب وخاتمة:\n• المقدمة: اتشملت على التعريف بالبحث وأهميته وأسباب اختياره.\n• التمهيد: في ترجمة موجزة لابن أبي الدنيا من خلال حياته الشخصية والعلمية\n• الباب الأول: الآثار الواردة في الاتباع والابتداع وألحكام المتعلقة بها\n• الباب الثاني: الآثار الواردة في التوحيد بأنواعه الثلاثة.\n• الباب الثالث: الآثار الواردة في مباحث الإيمان والأحكام المتعلقة به.\n• الباب الرابع: الآثار الواردة في الصحابة والإمامة، من خلال بيان فضائل الصحابة والصحابيات وأهل البيت، والخلفاء الراشدون وما يتعلق بهم من أحكام. وكذلك أحكام الإمامة في وجوب طاعتهم وتحريم الخروج عليهم، والقيام بما فيه صلاح الأمة من خلال لزوم الجماعة ونبذ التفرق.\n• الباب الخامس: الآثار الواردة في اليوم الآخر وما يتعلق به.\n• الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث ومنها:\n١ - أن الإمام ابن أبي الدنيا ﵀ من أئمة السنة الكبار، مشهود له بالتميز والتقدم في ذلك.\n٢ - أن كتبه من أهم مصادر العقيدة السلفية بكل فصولها وأبوابها.\n٣ - أنها كذلك من أهم مصادر من جاء بعده في عدة علوم وللعقيدة من ذلك النصيب المعتبر.\n٤ - أن كتب ابن أبي الدنيا من أهم المصادر المعتبرة عند أهل السنة في المسائل التاريخية لا سيما الشائكة منها كالفتن والحروب في القرون الأولى، ومسائل الصحابة والإمامة.\n٥ - ٨ - أن القرون الأولى المفضلة كان توحيد العبادة فيهم هو السائد الغالب على الناس","ٓ":"2.0","ٔ":3050,"ٕ":1,"ٖ":1770156257,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمات","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة معالي مدير الجامعة الإسلامية","level":2,"page":4},{"title":"شكر وتقدير","level":2,"page":6},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":10},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":12},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":15},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":17},{"title":"تمهيد: في ترجمة موجزة لابن أبي الدنيا","level":1,"page":35},{"title":"الفصل الأول: دراسة جوانبه الشخصية.","level":2,"page":35},{"title":"المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.","level":3,"page":36},{"title":"المبحث الثاني: مولده ونشأته.","level":3,"page":37},{"title":"المبحث الثالث: وفاته.","level":3,"page":40},{"title":"الفصل الثاني: دراسة جوانبه العلمية.","level":2,"page":43},{"title":"المبحث الأول: طلبه للعلم ورحلاته.","level":3,"page":44},{"title":"المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه","level":3,"page":45},{"title":"أولا: شيوخه.","level":4,"page":45},{"title":"ثانيا: تلاميذه.","level":4,"page":48},{"title":"المبحث الثالث: عقيدته ومذهبه في الفروع.","level":3,"page":49},{"title":"أولا: عقيدته.","level":4,"page":49},{"title":"أولا: مسألة حياة الخضر.","level":5,"page":54},{"title":"ثانيا: بعض المسائل في توحيد العبادة.","level":5,"page":55},{"title":"ثالثا: الرواية عن أهل الكتاب عموما، وسؤال الرهبان ونحوهم خصوصا.","level":5,"page":57},{"title":"رابعا: الكلام في الأنبياء.","level":5,"page":59},{"title":"ثانيا: مذهبه في الفروع.","level":4,"page":61},{"title":"المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.","level":3,"page":62},{"title":"المبحث الخامس: آثاره العلمية.","level":3,"page":70},{"title":"الباب الأول: الآثار الواردة في الاتباع والابتداع.","level":1,"page":74},{"title":"الفصل الأول: الآثار الواردة في الاتباع.","level":2,"page":75},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في تعظيم السلف للكتاب والسنة","level":3,"page":76},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":86},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف.","level":3,"page":90},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":93},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الكلام في العلماء.","level":3,"page":98},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":98},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك.","level":3,"page":105},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":111},{"title":"الفصل الثاني: الآثار الواردة في الابتداع.","level":2,"page":116},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع.","level":3,"page":117},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في نهي السلف عن الأهواء وتعوذهم منها","level":4,"page":119},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":122},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في تمني الموت قبل وقوع البدع.","level":4,"page":126},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":126},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في سرعة وقوع البدع في الناس.","level":4,"page":129},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":129},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن البدع سبب هلاك من هلك من هذه الأمة.","level":4,"page":132},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":133},{"title":"المطلب الخامس: الآثار الواردة في تألم السلف من ظهور البدع وترك السنن","level":4,"page":138},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":138},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع.","level":3,"page":141},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد.","level":4,"page":144},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":152},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين.","level":4,"page":155},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":159},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الاستماع لأهل البدع.","level":4,"page":162},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":162},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهل البدع من الكلام فيها.","level":4,"page":165},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":166},{"title":"المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع.","level":4,"page":169},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":170},{"title":"المطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع.","level":4,"page":173},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":173},{"title":"المطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة.","level":4,"page":179},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":180},{"title":"المطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعال خشية أن تكون بدعة.","level":4,"page":181},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":182},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الوادة في أحكام المبتدعة في الدنيا والآخرة.","level":3,"page":185},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا.","level":4,"page":186},{"title":"المسألة الأولى: الآثار الواردة في حكم غيبتهم.","level":5,"page":187},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":193},{"title":"المسألة الثانية: الآثار الواردة في حكم لعنهم.","level":5,"page":196},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":197},{"title":"المسألة الثالثة: الآثار الواردة في حكم تزويجهم.","level":5,"page":201},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":201},{"title":"المسألة الرابعة: الآثار الواردة في حكم من خالطهم.","level":5,"page":205},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":205},{"title":"المسألة الخامسة: الآثار الواردة في حكم مجالستهم.","level":5,"page":208},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":209},{"title":"المسألة السادسة: الآثار الواردة في حكم مغفرة ذنوبهم في شعبان.","level":5,"page":211},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":211},{"title":"المسألة السابعة: الآثار الواردة في حكم قتلهم.","level":5,"page":213},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":213},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الآخرة.","level":4,"page":218},{"title":"المسألة الأولى: الآثار الواردة في تسليط بعض الحيات عليهم بعد موتهم.","level":5,"page":219},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":219},{"title":"المسألة الثانية: الآثار الواردة في عذاب أهل البدع في قبورهم.","level":5,"page":220},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":221},{"title":"المسألة الثالثة: الآثار الواردة في تحويل وجوههم عن القبلة في قبورهم.","level":5,"page":222},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":222},{"title":"الباب الثاني: الآثار الواردة في التوحيد.","level":1,"page":224},{"title":"الفصل الأول: الآثار الواردة في توحيد الربوبية.","level":2,"page":225},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في فضل معرفة الله.","level":3,"page":226},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":231},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في استلزام التفكر والمعرفة للعبادة.","level":3,"page":234},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":240},{"title":"الفصل الثاني: الآثار الواردة في توحيد الألوهية.","level":2,"page":242},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في أنواع العبادة.","level":3,"page":243},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في فضل التوحيد.","level":4,"page":244},{"title":"أولا: الآثار الواردة في أنه سبب تفاضل الأعمال.","level":5,"page":244},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في أنه أفضل نعمة على العبد.","level":5,"page":244},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في أن الله وصفه بالإحسان.","level":5,"page":246},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في أنه مكفر للذنوب.","level":5,"page":247},{"title":"خامسا: الآثار الواردة في أنه مطهر من الشرك والذنوب.","level":5,"page":248},{"title":"سادسا: الآثار الواردة في أنه عدة أصحاب الكبائر.","level":5,"page":249},{"title":"سابعا: الآثار الواردة في أنه أعظم ما حورب به إبليس.","level":5,"page":252},{"title":"ثامنا: الآثار الواردة في الجزاء العظيم الذي أعد لصاحبه.","level":5,"page":253},{"title":"تاسعا: الآثار الواردة في أنه جالب لمحبة الناس للعبد، ودافع لبغضهم.","level":5,"page":255},{"title":"عاشرا: الآثار الواردة في أنه سبب إجابة الدعاء.","level":5,"page":258},{"title":"حادي عشر: الآثار الواردة في مشروعية تلقين الميت كلمة التوحيد.","level":5,"page":259},{"title":"ثاني عشر: الآثار الواردة في أنها شعار الناس إذا خرجوا من قبورهم.","level":5,"page":262},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":263},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في الإخلاص وصلاح العمل.","level":4,"page":268},{"title":"أولا: الآثار الواردة في الإخلاص وأهميته.","level":5,"page":268},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في صلاح العمل.","level":5,"page":279},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":282},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في الدعاء.","level":4,"page":285},{"title":"أولا: الآثار الواردة في أسباب الإجابة.","level":5,"page":285},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في إنزال كل الحوائج بالله -﷿- وحده.","level":5,"page":286},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في الدعاء وكرامات الصالحين.","level":5,"page":295},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في دعاء الله في السراء والضراء.","level":5,"page":297},{"title":"خامسا: الآثار الواردة في بعض آداب الدعاء.","level":5,"page":297},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":298},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الواردة في التوكل.","level":4,"page":305},{"title":"أولا: الآثار الواردة في فضله.","level":5,"page":305},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في تعريفه.","level":5,"page":311},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في التوكل واتخاذ الأسباب.","level":5,"page":314},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":317},{"title":"المطلب الخامس: الآثار الواردة في اليقين.","level":4,"page":324},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":328},{"title":"المطلب السادس: الآثار الواردة في حسن الظن بالله.","level":4,"page":330},{"title":"أولا: الآثار الواردة في فضل حسن الظن بالله ومعناه.","level":5,"page":330},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في حسن الظن والعمل.","level":5,"page":334},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في إحسان الظن بالله عند الموت.","level":5,"page":334},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":339},{"title":"المطلب السابع: الآثار الواردة في الرجاء.","level":4,"page":342},{"title":"أولا: الآثار الواردة في رجاء ثواب الطاعة.","level":5,"page":342},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في رجاء مغفرة الذنب.","level":5,"page":343},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في رجاء لقاء الله.","level":5,"page":348},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في رجاء دفع الضر وجلب النفع.","level":5,"page":355},{"title":"خامسا: الآثار الواردة في الرجاء والعمل.","level":5,"page":356},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":366},{"title":"المطلب الثامن: الآثار الواردة في الخوف.","level":4,"page":373},{"title":"أولا: الآثار الواردة في تعريفه.","level":5,"page":373},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في الخوف والعمل.","level":5,"page":374},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في الخوف عند الموت.","level":5,"page":377},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في الخوف وتمني الموت.","level":5,"page":385},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":395},{"title":"المطلب التاسع: الآثار الواردة في الجمع بين الخوف والرجاء.","level":4,"page":399},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":408},{"title":"المطلب العاشر: الآثار الواردة في الشكر.","level":4,"page":412},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":412},{"title":"المطلب الحادي عشر: الآثار الواردة في التوسل.","level":4,"page":413},{"title":"أولا: الآثار الواردة في التوسل بالطاعات.","level":5,"page":413},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في التوسل بأسماء الله وصفاته.","level":5,"page":416},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في التوسل بدعاء الصالحين.","level":5,"page":418},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":419},{"title":"المطلب الثاني عشر: الآثار الواردة في حقوق المصطفى -ﷺ-.","level":4,"page":421},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":423},{"title":"المطلب الثالث عشر: الآثار الواردة في التبرك.","level":4,"page":425},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":427},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في نواقض وقوادح التوحيد","level":3,"page":429},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في نواقض التوحيد.","level":4,"page":430},{"title":"المسألة الأولى: الآثار الواردة في النهي عن الشرك.","level":5,"page":431},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":431},{"title":"المسألة الثانية: الآثار الواردة في ذم الشرك.","level":5,"page":432},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":433},{"title":"المسألة الثالثة: الآثار الواردة في التحذير من الشرك.","level":5,"page":435},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":436},{"title":"المسألة الرابعة: الآثار الواردة في السحر.","level":5,"page":439},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":442},{"title":"المسألة الخامسة: الآثار الواردة في سد ذرائع الشرك.","level":5,"page":445},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":446},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في قوادح التوحيد.","level":4,"page":449},{"title":"المسألة الأولى: الآثار الواردة في الرياء.","level":5,"page":450},{"title":"أولا: الآثار الواردة في تعريفه.","level":6,"page":450},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في خطورته.","level":6,"page":451},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في خوف السلف وتحذيرهم منه.","level":6,"page":452},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في الفرق بينه وبين حب الذكر الحسن.","level":6,"page":454},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":456},{"title":"المسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير الله.","level":5,"page":460},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":461},{"title":"المسألة الثالثة: الآثار الواردة في قول الرجل: لولا الله وأنت.","level":5,"page":463},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":463},{"title":"المسألة الرابعة: الآثار الواردة في التمائم.","level":5,"page":465},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":467},{"title":"المسألة الخامسة: الآثار الواردة في الطيرة.","level":5,"page":473},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":473},{"title":"المسألة السادسة: الآثار الواردة في النهي عن بناء القبور بالآجر.","level":5,"page":475},{"title":"التحليل والتعليق","level":6,"page":475},{"title":"الفصل الثالث: الآثار الواردة في توحيد الأسماء والصفات.","level":2,"page":477},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في أن أسماء الله حسنى.","level":3,"page":478},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":478},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في فهم معاني الصفات.","level":3,"page":480},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":482},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في قطع الطمع عن إدراك الكيفية","level":3,"page":484},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":485},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في العلو والفوقية.","level":3,"page":487},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":491},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول.","level":3,"page":493},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":497},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في اليد.","level":3,"page":500},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":500},{"title":"المبحث السابع: الآثار الواردة في الساق.","level":3,"page":502},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":503},{"title":"المبحث الثامن: الآثار الواردة في النظر إلى الله ورؤيته.","level":3,"page":505},{"title":"أولا: الآثار الواردة في تفسير الزيادة بالنظر إلى الله -﷿-.","level":4,"page":506},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في أن رؤية الله أعظم نعيم في الجنة.","level":4,"page":508},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في زيارة المؤمنين ربهم يوم الجمعة.","level":4,"page":509},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في تجلي الله -﷿- لعباده.","level":4,"page":510},{"title":"خامسا: الآثار الواردة في بروز الله -﷿- لعباده.","level":4,"page":510},{"title":"سادسا: الآثار الواردة في الفرق بين نظر المؤمنين لربهم ونضارة وجوههم.","level":4,"page":511},{"title":"سابعا: الآثار الواردة في كون رؤية الله جزاءا لأعمال معينة.","level":4,"page":513},{"title":"ثامنا: الآثار الواردة في يقين السلف بهذه العقيدة.","level":4,"page":513},{"title":"تاسعا: الآثار الواردة في الحجب، واحتجابه تعالى عن الكفار.","level":4,"page":515},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":516},{"title":"المبحث التاسع: الآثار الواردة في المكر.","level":3,"page":520},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":520},{"title":"المبحث العاشر: الآثار الواردة في الاستهزاء.","level":3,"page":522},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":523},{"title":"المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في الخداع.","level":3,"page":524},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":525},{"title":"المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف.","level":3,"page":528},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":529},{"title":"المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في السخط","level":3,"page":531},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":531},{"title":"المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في الغيرة.","level":3,"page":532},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":532},{"title":"الفصل الرابع: الآثار الواردة في القدر.","level":2,"page":537},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه.","level":3,"page":538},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":548},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار.","level":3,"page":550},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":550},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر.","level":3,"page":552},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":552},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر.","level":3,"page":554},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم.","level":4,"page":555},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":557},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة.","level":4,"page":559},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":562},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة.","level":4,"page":567},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":569},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق.","level":4,"page":572},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":574},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال.","level":3,"page":576},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":584},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن الله (العدل الإلهي).","level":3,"page":587},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":588},{"title":"المبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر","level":3,"page":594},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه.","level":4,"page":595},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":597},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله.","level":4,"page":599},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":605},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالأسباب.","level":4,"page":606},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":618},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة.","level":4,"page":622},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":634},{"title":"المطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة.","level":4,"page":641},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":645},{"title":"المطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر والصبر عليه، وبين العزم على ذلك.","level":4,"page":649},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":650},{"title":"المبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم.","level":3,"page":655},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":655},{"title":"المبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر","level":3,"page":657},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":658},{"title":"الباب الثالث: الآثار الواردة في مباحث الإيمان.","level":1,"page":662},{"title":"الفصل الأول: الآثار الواردة في تعريف الإيمان.","level":2,"page":663},{"title":"التحليل والتعليق","level":3,"page":672},{"title":"الفصل الثاني: الآثار الواردة في الزيادة والنقصان.","level":2,"page":677},{"title":"التحليل والتعليق","level":3,"page":681},{"title":"الفصل الثالث: الآثار الواردة في الاستثناء.","level":2,"page":685},{"title":"التحليل والتعليق","level":3,"page":685},{"title":"الفصل الرابع: الآثار الواردة في الإسلام والإيمان.","level":2,"page":689},{"title":"التحليل والتعليق","level":3,"page":690},{"title":"القول الأول: من قال بالترادف بينهما.","level":3,"page":691},{"title":"القول الثاني: قول من قال بالتغاير.","level":3,"page":692},{"title":"القول الثالث: قول من قال بالتلازم بينهما.","level":3,"page":693},{"title":"الفصل الخامس: الآثار الواردة في الأسماء والأحكام.","level":2,"page":695},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في الأسماء.","level":3,"page":696},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في أنواع الكفر.","level":4,"page":697},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":697},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في الحجاج بن يوسف","level":4,"page":700},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":701},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في الولاء والبراء.","level":4,"page":708},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":710},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في الأحكام.","level":3,"page":714},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في حكم عصاة الموحدين.","level":4,"page":715},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":718},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في أطفال المشركين.","level":4,"page":721},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":721},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في توبة القاتل.","level":4,"page":730},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":732},{"title":"الباب الرابع: الآثار الواردة في الصحابة والإمامة","level":1,"page":735},{"title":"الفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة.","level":2,"page":736},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما.","level":3,"page":737},{"title":"أولا: الآثار الواردة في أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم.","level":4,"page":737},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في جهادهم ودفاعهم عن رسول الله -ﷺ-، وحبهم له.","level":4,"page":744},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في الألفة والتحاب فيما بينهم.","level":4,"page":747},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في كريم أفعالهم، ومحاسن أخلاقهم.","level":4,"page":749},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":750},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم.","level":3,"page":757},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":764},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق -﵁-","level":3,"page":768},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":776},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب -﵁-.","level":3,"page":778},{"title":"أولا: الآثار الواردة في زهده وورعه.","level":4,"page":778},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في عدله وخوفه في خلافته.","level":4,"page":784},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه.","level":4,"page":796},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في بعض كراماته.","level":4,"page":803},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":804},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في في فضائل عثمان بن عفان -﵁-.","level":3,"page":809},{"title":"أولا: الآثار الواردة في بعض مناقبه.","level":4,"page":809},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في صبره في محنته.","level":4,"page":813},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه.","level":4,"page":814},{"title":"رابعا: بعض كراماته.","level":4,"page":814},{"title":"خامسا: براءة الصحابة من دمه.","level":4,"page":817},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":819},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب -﵁-.","level":3,"page":823},{"title":"أولا: الآثار الواردة في تقدم إسلامه.","level":4,"page":823},{"title":"ثانيا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه.","level":4,"page":824},{"title":"ثالثا: الآثار الواردة في بعض كراماته.","level":4,"page":830},{"title":"رابعا: الآثار الواردة في زهده وورعه وعبادته.","level":4,"page":833},{"title":"خامسا: الآثار الواردة في جهاده وشجاعته.","level":4,"page":841},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":846},{"title":"الفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة ﵃.","level":2,"page":853},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص -﵁-.","level":3,"page":854},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص -﵁-.","level":3,"page":857},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل عبد الرحمن بن عوف -﵁-.","level":3,"page":864},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة -﵁-.","level":3,"page":866},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح -﵁-.","level":3,"page":869},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير -﵁-.","level":3,"page":870},{"title":"الفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت ﵃.","level":2,"page":875},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس -﵁-.","level":3,"page":876},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي -﵁-.","level":3,"page":877},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل الحسين بن علي -﵁-.","level":3,"page":884},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عبد الله بن جعفر -﵁-.","level":3,"page":889},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عبد الله بن عباس -﵁-.","level":3,"page":895},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل عبيد الله بن العباس -﵁-.","level":3,"page":896},{"title":"المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل عائشة ﵂.","level":3,"page":897},{"title":"المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل زينب بنت جحش ﵂.","level":3,"page":899},{"title":"الفصل الرابع: الآثار الواردة في فضائل بقية الصحابة ﵃.","level":2,"page":903},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل عبد الله بن سعيد بن العاص -﵁-.","level":3,"page":905},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل مصعب بن عمير -﵁-.","level":3,"page":906},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل ذي البجادين -﵁-.","level":3,"page":907},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عكرمة بن أبي جهل -﵁-.","level":3,"page":909},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل بلال بن رباح -﵁-.","level":3,"page":910},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل أبي بن كعب -﵁-.","level":3,"page":911},{"title":"المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل البراء -﵁-.","level":3,"page":912},{"title":"المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل خالد بن الوليد -﵁-.","level":3,"page":913},{"title":"المبحث التاسع: الآثار الواردة في فضائل سعد بن عبادة -﵁-.","level":3,"page":916},{"title":"المبحث العاشر: الآثار الواردة في فضائل أبي الدرداء -﵁-.","level":3,"page":919},{"title":"المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في فضائل سلمان -﵁-.","level":3,"page":920},{"title":"المبحث الثاني عشر: الواردة في فضائل الأشعث بن قيس -﵁-.","level":3,"page":923},{"title":"المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في فضائل لبيد بن ربيعة -﵁-.","level":3,"page":924},{"title":"المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي موسى -﵁-.","level":3,"page":926},{"title":"المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في فضائل حجر بن عدي -﵁-.","level":3,"page":929},{"title":"المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في فضائل أسامة بن زيد -﵁-.","level":3,"page":930},{"title":"المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في فضائل حسان بن ثابت -﵁-.","level":3,"page":931},{"title":"المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في فضائل حكيم بن حزام -﵁-.","level":3,"page":933},{"title":"المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي هريرة -﵁-.","level":3,"page":935},{"title":"المبحث العشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد الله بن عامر ابن كريز -﵁-.","level":3,"page":937},{"title":"المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في فضائل معاوية -﵁-.","level":3,"page":939},{"title":"المبحث الثاني والعشرون: الآثار الواردة في فضائل قيس بن سعد -﵁-.","level":3,"page":941},{"title":"المبحث الثالث والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد الله ابن عمرو -﵁-.","level":3,"page":944},{"title":"المبحث الرابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد الله ابن الزبير -﵁-.","level":3,"page":945},{"title":"المبحث الخامس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد الله ابن عمر -﵁-.","level":3,"page":948},{"title":"المبحث السادس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل طلحة ابن البراء -﵁-.","level":3,"page":952},{"title":"المبحث السابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل سهل بن سعد -﵁-.","level":3,"page":953},{"title":"المبحث الثامن والعشرون: الآثار الواردة في فضائل زيد بن عمر بن الخطاب -﵁-.","level":3,"page":954},{"title":"المبحث التاسع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل صعصعة -﵁-.","level":3,"page":955},{"title":"المبحث الثلاثون: الآثار الواردة في فضائل علبة بن زيد -﵁-.","level":3,"page":956},{"title":"المبحث الحادي والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل النعمان ابن قوقل -﵁-.","level":3,"page":957},{"title":"المبحث الثاني والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أبي معلق -﵁-.","level":3,"page":958},{"title":"المبحث الثالث والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أسماء ﵂.","level":3,"page":960},{"title":"الفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن.","level":2,"page":964},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة.","level":3,"page":965},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام.","level":4,"page":966},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عنه العجز.","level":4,"page":967},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":970},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء.","level":4,"page":974},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الواردة في النهي عن منازعة الملوك الأمر.","level":4,"page":976},{"title":"المطلب الخامس: تحريم الخروج على الحكام.","level":4,"page":977},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":978},{"title":"المطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام.","level":4,"page":983},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":986},{"title":"المطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب.","level":4,"page":989},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":990},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج.","level":3,"page":994},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها.","level":4,"page":996},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":998},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة.","level":4,"page":1002},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1003},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج.","level":4,"page":1005},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1005},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف.","level":4,"page":1007},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1007},{"title":"المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج.","level":4,"page":1009},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1012},{"title":"المطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج.","level":4,"page":1013},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1014},{"title":"المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج.","level":4,"page":1016},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1018},{"title":"المطلب الثامن: الآثار الواردة في ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع.","level":4,"page":1019},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1026},{"title":"المطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام.","level":4,"page":1030},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1033},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في موقف المسلم من الفتنة.","level":3,"page":1038},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن.","level":4,"page":1039},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1045},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة.","level":4,"page":1048},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1050},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة.","level":4,"page":1052},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1052},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها.","level":4,"page":1054},{"title":"التحليل والتعليق","level":5,"page":1055},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة.","level":3,"page":1057},{"title":"المطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين.","level":4,"page":1058},{"title":"المطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى الله -بزعمهم- بقتل المسلمين.","level":4,"page":1059},{"title":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة.","level":4,"page":1062},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1064},{"title":"الباب الخامس: الآثار الواردة في اليوم الآخر وما يتعلق به.","level":1,"page":1070},{"title":"الفصل الأول: الآثار الواردة في أشراط الساعة.","level":2,"page":1071},{"title":"التحليل والتعليق","level":3,"page":1075},{"title":"الفصل الثاني: الآثار الواردة في القبر.","level":2,"page":1079},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في إثبات عذاب القبر.","level":3,"page":1080},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1088},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في استمرارية عذاب القبر.","level":3,"page":1091},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1092},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في إثبات وجود الملكين في القبر.","level":3,"page":1094},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1096},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في تلاقي الأرواح بعد الموت.","level":3,"page":1097},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1101},{"title":"الفصل الثالث: الآثار الواردة في القيامة.","level":2,"page":1105},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في الصور.","level":3,"page":1106},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1106},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في النفخ في الصور.","level":3,"page":1108},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1115},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان.","level":3,"page":1122},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1123},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في هول الموقف.","level":3,"page":1127},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1131},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في هوان الموقف على المؤمن.","level":3,"page":1134},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1135},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في أرض المحشر وصفتها.","level":3,"page":1138},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1139},{"title":"المبحث السابع: الآثار الواردة في الشفاعة.","level":3,"page":1142},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1143},{"title":"المبحث الثامن: الآثار الواردة في المقام المحمود.","level":3,"page":1147},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1148},{"title":"المبحث التاسع: الآثار الواردة في البعث وصفته.","level":3,"page":1151},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1153},{"title":"المبحث العاشر: الآثار الواردة في الصراط.","level":3,"page":1156},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1157},{"title":"الفصل الرابع: الآثار الواردة في الجنة.","level":2,"page":1158},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في أن العرش سقف الجنة.","level":3,"page":1160},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1161},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في أدنى أهل الجنة نعيما.","level":3,"page":1162},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1163},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في معنى الظل الممدود.","level":3,"page":1164},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1164},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في نخل الجنة وأشجارها.","level":3,"page":1165},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1171},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في أرض الجنة.","level":3,"page":1172},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1174},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في شراب أهل الجنة وأكلهم.","level":3,"page":1176},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1183},{"title":"المبحث السابع: الآثار الواردة في لباسهم.","level":3,"page":1185},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1186},{"title":"المبحث الثامن: الآثار الواردة في فراشهم.","level":3,"page":1187},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1190},{"title":"المبحث التاسع: الآثار الواردة في حليهم.","level":3,"page":1192},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1193},{"title":"المبحث العاشر: الآثار الواردة في صفة أهلها وخدمهم.","level":3,"page":1194},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1197},{"title":"المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في لسانهم.","level":3,"page":1199},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1199},{"title":"المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في تزاور أهلها.","level":3,"page":1201},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1202},{"title":"المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في سوقها.","level":3,"page":1203},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1203},{"title":"المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في غنائهم.","level":3,"page":1204},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1208},{"title":"المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في الحور العين.","level":3,"page":1210},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1218},{"title":"المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في الجماع وما يتعلق به من الولد وغيره.","level":3,"page":1220},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1221},{"title":"المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في قصور الجنة وخيامها.","level":3,"page":1222},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1228},{"title":"المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في أبواب الجنة.","level":3,"page":1230},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1230},{"title":"المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في موضع الجنة.","level":3,"page":1231},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1231},{"title":"المبحث العشرون: الآثار الواردة في وجود الجنة الآن.","level":3,"page":1233},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1234},{"title":"المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في ذكر بعض عيون الجنة وأنهارها.","level":3,"page":1235},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1239},{"title":"الفصل الخامس: الآثار الواردة في النار.","level":2,"page":1242},{"title":"المبحث الأول: الآثار الواردة في أبواب جهنم.","level":3,"page":1243},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1244},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في عمقها.","level":3,"page":1245},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1245},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الواردة في جبالها وأوديتها وحجارتها وبيوتها وسجونها.","level":3,"page":1247},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1253},{"title":"المبحث الرابع: الآثار الواردة في مقامعها وسلاسلها وأغلالها وأزمتها.","level":3,"page":1254},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1262},{"title":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في شراب أهلها وطعامهم.","level":3,"page":1264},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1267},{"title":"المبحث السادس: الآثار الواردة في حياتها وعقاربها.","level":3,"page":1269},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1271},{"title":"المبحث السابع: الآثار الواردة في ذكر بعض أنواع العذاب.","level":3,"page":1273},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1287},{"title":"المبحث الثامن: الآثار الواردة في بكاء أهلها.","level":3,"page":1288},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1288},{"title":"المبحث التاسع: الآثار الواردة في موضع النار.","level":3,"page":1289},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1290},{"title":"المبحث العاشر: الآثار الواردة في نارها ودركاتها.","level":3,"page":1291},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1292},{"title":"المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في أبديتها.","level":3,"page":1294},{"title":"التحليل والتعليق","level":4,"page":1303},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1307},{"title":"أولا: نتائج البحث","level":2,"page":1307},{"title":"ثانيا: التوصيات والاقتراحات","level":2,"page":1310},{"title":"فهرس المصادر","level":1,"page":1312},{"title":"أولًا: المخطوطات","level":2,"page":1312},{"title":"ثانيًا: المطبوعات","level":2,"page":1315},{"title":"ثالثًا: المجلات والدوريات","level":2,"page":1390}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,37":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,229":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,424":418,"1,425":419,"1,426":420,"1,427":421,"1,428":422,"1,429":423,"1,430":424,"1,431":425,"1,432":426,"1,433":427,"1,434":428,"1,435":429,"1,436":430,"1,437":431,"1,438":432,"1,439":433,"1,440":434,"1,441":435,"1,442":436,"1,443":437,"1,444":438,"1,445":439,"1,446":440,"1,447":441,"1,448":442,"1,449":443,"1,450":444,"1,451":445,"1,452":446,"1,453":447,"1,454":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,472":466,"1,473":467,"1,474":468,"1,475":469,"1,476":470,"1,477":471,"1,478":472,"1,479":473,"1,480":474,"1,481":475,"1,482":476,"1,483":477,"1,484":478,"1,485":479,"1,486":480,"1,487":481,"1,488":482,"1,489":483,"1,490":484,"1,491":485,"1,492":486,"1,493":487,"1,494":488,"1,495":489,"1,496":490,"1,497":491,"1,498":492,"1,499":493,"1,500":494,"1,501":495,"1,502":496,"1,503":497,"1,504":498,"1,505":499,"1,506":500,"1,507":501,"1,508":502,"1,509":503,"1,510":504,"1,511":505,"1,512":506,"1,513":507,"1,514":508,"1,515":509,"1,516":510,"1,517":511,"1,518":512,"1,519":513,"1,520":514,"1,521":515,"1,522":516,"1,523":517,"1,524":518,"1,525":519,"1,526":520,"1,527":521,"1,528":522,"1,529":523,"1,530":524,"1,531":525,"1,532":526,"1,533":527,"1,534":528,"1,535":529,"1,536":530,"1,537":531,"1,538":532,"1,539":533,"2,557":537,"2,558":538,"2,559":539,"2,560":540,"2,561":541,"2,562":542,"2,563":543,"2,564":544,"2,565":545,"2,566":546,"2,567":547,"2,568":548,"2,569":549,"2,570":550,"2,571":551,"2,572":552,"2,573":553,"2,574":554,"2,575":555,"2,576":556,"2,577":557,"2,578":558,"2,579":559,"2,580":560,"2,581":561,"2,582":562,"2,583":563,"2,584":564,"2,585":565,"2,586":566,"2,587":567,"2,588":568,"2,589":569,"2,590":570,"2,591":571,"2,592":572,"2,593":573,"2,594":574,"2,595":575,"2,596":576,"2,597":577,"2,598":578,"2,599":579,"2,600":580,"2,601":581,"2,602":582,"2,603":583,"2,604":584,"2,605":585,"2,606":586,"2,607":587,"2,608":588,"2,609":589,"2,610":590,"2,611":591,"2,612":592,"2,613":593,"2,614":594,"2,615":595,"2,616":596,"2,617":597,"2,618":598,"2,619":599,"2,620":600,"2,621":601,"2,622":602,"2,623":603,"2,624":604,"2,625":605,"2,626":606,"2,627":607,"2,628":608,"2,629":609,"2,630":610,"2,631":611,"2,632":612,"2,633":613,"2,634":614,"2,635":615,"2,636":616,"2,637":617,"2,638":618,"2,639":619,"2,640":620,"2,641":621,"2,642":622,"2,643":623,"2,644":624,"2,645":625,"2,646":626,"2,647":627,"2,648":628,"2,649":629,"2,650":630,"2,651":631,"2,652":632,"2,653":633,"2,654":634,"2,655":635,"2,656":636,"2,657":637,"2,658":638,"2,659":639,"2,660":640,"2,661":641,"2,662":642,"2,663":643,"2,664":644,"2,665":645,"2,666":646,"2,667":647,"2,668":648,"2,669":649,"2,670":650,"2,671":651,"2,672":652,"2,673":653,"2,674":654,"2,675":655,"2,676":656,"2,677":657,"2,678":658,"2,679":659,"2,680":660,"2,681":661,"2,683":662,"2,685":663,"2,686":664,"2,687":665,"2,688":666,"2,689":667,"2,690":668,"2,691":669,"2,692":670,"2,693":671,"2,694":672,"2,695":673,"2,696":674,"2,697":675,"2,698":676,"2,699":677,"2,700":678,"2,701":679,"2,702":680,"2,703":681,"2,704":682,"2,705":683,"2,706":684,"2,707":685,"2,708":686,"2,709":687,"2,710":688,"2,711":689,"2,712":690,"2,713":691,"2,714":692,"2,715":693,"2,716":694,"2,717":695,"2,718":696,"2,719":697,"2,720":698,"2,721":699,"2,722":700,"2,723":701,"2,724":702,"2,725":703,"2,726":704,"2,727":705,"2,728":706,"2,729":707,"2,730":708,"2,731":709,"2,732":710,"2,733":711,"2,734":712,"2,735":713,"2,736":714,"2,737":715,"2,738":716,"2,739":717,"2,740":718,"2,741":719,"2,742":720,"2,743":721,"2,744":722,"2,745":723,"2,746":724,"2,747":725,"2,748":726,"2,749":727,"2,750":728,"2,751":729,"2,752":730,"2,753":731,"2,754":732,"2,755":733,"2,756":734,"2,757":735,"2,759":736,"2,760":737,"2,761":738,"2,762":739,"2,763":740,"2,764":741,"2,765":742,"2,766":743,"2,767":744,"2,768":745,"2,769":746,"2,770":747,"2,771":748,"2,772":749,"2,773":750,"2,774":751,"2,775":752,"2,776":753,"2,777":754,"2,778":755,"2,779":756,"2,780":757,"2,781":758,"2,782":759,"2,783":760,"2,784":761,"2,785":762,"2,786":763,"2,787":764,"2,788":765,"2,789":766,"2,790":767,"2,791":768,"2,792":769,"2,793":770,"2,794":771,"2,795":772,"2,796":773,"2,797":774,"2,798":775,"2,799":776,"2,800":777,"2,801":778,"2,802":779,"2,803":780,"2,804":781,"2,805":782,"2,806":783,"2,807":784,"2,808":785,"2,809":786,"2,810":787,"2,811":788,"2,812":789,"2,813":790,"2,814":791,"2,815":792,"2,816":793,"2,817":794,"2,818":795,"2,819":796,"2,820":797,"2,821":798,"2,822":799,"2,823":800,"2,824":801,"2,825":802,"2,826":803,"2,827":804,"2,828":805,"2,829":806,"2,830":807,"2,831":808,"2,832":809,"2,833":810,"2,834":811,"2,835":812,"2,836":813,"2,837":814,"2,838":815,"2,839":816,"2,840":817,"2,841":818,"2,842":819,"2,843":820,"2,844":821,"2,845":822,"2,846":823,"2,847":824,"2,848":825,"2,849":826,"2,850":827,"2,851":828,"2,852":829,"2,853":830,"2,854":831,"2,855":832,"2,856":833,"2,857":834,"2,858":835,"2,859":836,"2,860":837,"2,861":838,"2,862":839,"2,863":840,"2,864":841,"2,865":842,"2,866":843,"2,867":844,"2,868":845,"2,869":846,"2,870":847,"2,871":848,"2,872":849,"2,873":850,"2,874":851,"2,875":852,"2,876":853,"2,877":854,"2,878":855,"2,879":856,"2,880":857,"2,881":858,"2,882":859,"2,883":860,"2,884":861,"2,885":862,"2,886":863,"2,887":864,"2,888":865,"2,889":866,"2,890":867,"2,891":868,"2,892":869,"2,893":870,"2,894":871,"2,895":872,"2,896":873,"2,897":874,"2,898":875,"2,899":876,"2,900":877,"2,901":878,"2,902":879,"2,903":880,"2,904":881,"2,905":882,"2,906":883,"2,907":884,"2,908":885,"2,909":886,"2,910":887,"2,911":888,"2,912":889,"2,913":890,"2,914":891,"2,915":892,"2,916":893,"2,917":894,"2,918":895,"2,919":896,"2,920":897,"2,921":898,"2,922":899,"2,923":900,"2,924":901,"2,925":902,"2,926":903,"2,927":904,"2,928":905,"2,929":906,"2,930":907,"2,931":908,"2,932":909,"2,933":910,"2,934":911,"2,935":912,"2,936":913,"2,937":914,"2,938":915,"2,939":916,"2,940":917,"2,941":918,"2,942":919,"2,943":920,"2,944":921,"2,945":922,"2,946":923,"2,947":924,"2,948":925,"2,949":926,"2,950":927,"2,951":928,"2,952":929,"2,953":930,"2,954":931,"2,955":932,"2,956":933,"2,957":934,"2,958":935,"2,959":936,"2,960":937,"2,961":938,"2,962":939,"2,963":940,"2,964":941,"2,965":942,"2,966":943,"2,967":944,"2,968":945,"2,969":946,"2,970":947,"2,971":948,"2,972":949,"2,973":950,"2,974":951,"2,975":952,"2,976":953,"2,977":954,"2,978":955,"2,979":956,"2,980":957,"2,981":958,"2,982":959,"2,983":960,"2,984":961,"2,985":962,"2,986":963,"2,987":964,"2,988":965,"2,989":966,"2,990":967,"2,991":968,"2,992":969,"2,993":970,"2,994":971,"2,995":972,"2,996":973,"2,997":974,"2,998":975,"2,999":976,"2,1000":977,"2,1001":978,"2,1002":979,"2,1003":980,"2,1004":981,"2,1005":982,"2,1006":983,"2,1007":984,"2,1008":985,"2,1009":986,"2,1010":987,"2,1011":988,"2,1012":989,"2,1013":990,"2,1014":991,"2,1015":992,"2,1016":993,"2,1017":994,"2,1018":995,"2,1019":996,"2,1020":997,"2,1021":998,"2,1022":999,"2,1023":1000,"2,1024":1001,"2,1025":1002,"2,1026":1003,"2,1027":1004,"2,1028":1005,"2,1029":1006,"2,1030":1007,"2,1031":1008,"2,1032":1009,"2,1033":1010,"2,1034":1011,"2,1035":1012,"2,1036":1013,"2,1037":1014,"2,1038":1015,"2,1039":1016,"2,1040":1017,"2,1041":1018,"2,1042":1019,"2,1043":1020,"2,1044":1021,"2,1045":1022,"2,1046":1023,"2,1047":1024,"2,1048":1025,"2,1049":1026,"2,1050":1027,"2,1051":1028,"2,1052":1029,"2,1053":1030,"2,1054":1031,"2,1055":1032,"2,1056":1033,"2,1057":1034,"2,1058":1035,"2,1059":1036,"2,1060":1037,"2,1061":1038,"2,1062":1039,"2,1063":1040,"2,1064":1041,"2,1065":1042,"2,1066":1043,"2,1067":1044,"2,1068":1045,"2,1069":1046,"2,1070":1047,"2,1071":1048,"2,1072":1049,"2,1073":1050,"2,1074":1051,"2,1075":1052,"2,1076":1053,"2,1077":1054,"2,1078":1055,"2,1079":1056,"2,1080":1057,"2,1081":1058,"2,1082":1059,"2,1083":1060,"2,1084":1061,"2,1085":1062,"2,1086":1063,"2,1087":1064,"2,1088":1065,"2,1089":1066,"3,1105":1070,"3,1107":1071,"3,1108":1072,"3,1109":1073,"3,1110":1074,"3,1111":1075,"3,1112":1076,"3,1113":1077,"3,1114":1078,"3,1115":1079,"3,1116":1080,"3,1117":1081,"3,1118":1082,"3,1119":1083,"3,1120":1084,"3,1121":1085,"3,1122":1086,"3,1123":1087,"3,1124":1088,"3,1125":1089,"3,1126":1090,"3,1127":1091,"3,1128":1092,"3,1129":1093,"3,1130":1094,"3,1131":1095,"3,1132":1096,"3,1133":1097,"3,1134":1098,"3,1135":1099,"3,1136":1100,"3,1137":1101,"3,1138":1102,"3,1139":1103,"3,1140":1104,"3,1141":1105,"3,1142":1106,"3,1143":1107,"3,1144":1108,"3,1145":1109,"3,1146":1110,"3,1147":1111,"3,1148":1112,"3,1149":1113,"3,1150":1114,"3,1151":1115,"3,1152":1116,"3,1153":1117,"3,1154":1118,"3,1155":1119,"3,1156":1120,"3,1157":1121,"3,1158":1122,"3,1159":1123,"3,1160":1124,"3,1161":1125,"3,1162":1126,"3,1163":1127,"3,1164":1128,"3,1165":1129,"3,1166":1130,"3,1167":1131,"3,1168":1132,"3,1169":1133,"3,1170":1134,"3,1171":1135,"3,1172":1136,"3,1173":1137,"3,1174":1138,"3,1175":1139,"3,1176":1140,"3,1177":1141,"3,1178":1142,"3,1179":1143,"3,1180":1144,"3,1181":1145,"3,1182":1146,"3,1183":1147,"3,1184":1148,"3,1185":1149,"3,1186":1150,"3,1187":1151,"3,1188":1152,"3,1189":1153,"3,1190":1154,"3,1191":1155,"3,1192":1156,"3,1193":1157,"3,1194":1158,"3,1195":1159,"3,1196":1160,"3,1197":1161,"3,1198":1162,"3,1199":1163,"3,1200":1164,"3,1201":1165,"3,1202":1166,"3,1203":1167,"3,1204":1168,"3,1205":1169,"3,1206":1170,"3,1207":1171,"3,1208":1172,"3,1209":1173,"3,1210":1174,"3,1211":1175,"3,1212":1176,"3,1213":1177,"3,1214":1178,"3,1215":1179,"3,1216":1180,"3,1217":1181,"3,1218":1182,"3,1219":1183,"3,1220":1184,"3,1221":1185,"3,1222":1186,"3,1223":1187,"3,1224":1188,"3,1225":1189,"3,1226":1190,"3,1227":1191,"3,1228":1192,"3,1229":1193,"3,1230":1194,"3,1231":1195,"3,1232":1196,"3,1233":1197,"3,1234":1198,"3,1235":1199,"3,1236":1200,"3,1237":1201,"3,1238":1202,"3,1239":1203,"3,1240":1204,"3,1241":1205,"3,1242":1206,"3,1243":1207,"3,1244":1208,"3,1245":1209,"3,1246":1210,"3,1247":1211,"3,1248":1212,"3,1249":1213,"3,1250":1214,"3,1251":1215,"3,1252":1216,"3,1253":1217,"3,1254":1218,"3,1255":1219,"3,1256":1220,"3,1257":1221,"3,1258":1222,"3,1259":1223,"3,1260":1224,"3,1261":1225,"3,1262":1226,"3,1263":1227,"3,1264":1228,"3,1265":1229,"3,1266":1230,"3,1267":1231,"3,1268":1232,"3,1269":1233,"3,1270":1234,"3,1271":1235,"3,1272":1236,"3,1273":1237,"3,1274":1238,"3,1275":1239,"3,1276":1240,"3,1277":1241,"3,1278":1242,"3,1279":1243,"3,1280":1244,"3,1281":1245,"3,1282":1246,"3,1283":1247,"3,1284":1248,"3,1285":1249,"3,1286":1250,"3,1287":1251,"3,1288":1252,"3,1289":1253,"3,1290":1254,"3,1291":1255,"3,1292":1256,"3,1293":1257,"3,1294":1258,"3,1295":1259,"3,1296":1260,"3,1297":1261,"3,1298":1262,"3,1299":1263,"3,1300":1264,"3,1301":1265,"3,1302":1266,"3,1303":1267,"3,1304":1268,"3,1305":1269,"3,1306":1270,"3,1307":1271,"3,1308":1272,"3,1309":1273,"3,1310":1274,"3,1311":1275,"3,1312":1276,"3,1313":1277,"3,1314":1278,"3,1315":1279,"3,1316":1280,"3,1317":1281,"3,1318":1282,"3,1319":1283,"3,1320":1284,"3,1321":1285,"3,1322":1286,"3,1323":1287,"3,1324":1288,"3,1325":1289,"3,1326":1290,"3,1327":1291,"3,1328":1292,"3,1329":1293,"3,1330":1294,"3,1331":1295,"3,1332":1296,"3,1333":1297,"3,1334":1298,"3,1335":1299,"3,1336":1300,"3,1337":1301,"3,1338":1302,"3,1339":1303,"3,1340":1304,"3,1341":1305,"3,1342":1306,"3,1343":1307,"3,1344":1308,"3,1345":1309,"3,1346":1310,"3,1347":1311,"3,1470":1312,"3,1471":1313,"3,1472":1314,"3,1473":1315,"3,1474":1316,"3,1475":1317,"3,1476":1318,"3,1477":1319,"3,1478":1320,"3,1479":1321,"3,1480":1322,"3,1481":1323,"3,1482":1324,"3,1483":1325,"3,1484":1326,"3,1485":1327,"3,1486":1328,"3,1487":1329,"3,1488":1330,"3,1489":1331,"3,1490":1332,"3,1491":1333,"3,1492":1334,"3,1493":1335,"3,1494":1336,"3,1495":1337,"3,1496":1338,"3,1497":1339,"3,1498":1340,"3,1499":1341,"3,1500":1342,"3,1501":1343,"3,1502":1344,"3,1503":1345,"3,1504":1346,"3,1505":1347,"3,1506":1348,"3,1507":1349,"3,1508":1350,"3,1509":1351,"3,1510":1352,"3,1511":1353,"3,1512":1354,"3,1513":1355,"3,1514":1356,"3,1515":1357,"3,1516":1358,"3,1517":1359,"3,1518":1360,"3,1519":1361,"3,1520":1362,"3,1521":1363,"3,1522":1364,"3,1523":1365,"3,1524":1366,"3,1525":1367,"3,1526":1368,"3,1527":1369,"3,1528":1370,"3,1529":1371,"3,1530":1372,"3,1531":1373,"3,1532":1374,"3,1533":1375,"3,1534":1376,"3,1535":1377,"3,1536":1378,"3,1537":1379,"3,1538":1380,"3,1539":1381,"3,1540":1382,"3,1541":1383,"3,1542":1384,"3,1543":1385,"3,1544":1386,"3,1545":1387,"3,1546":1388,"3,1547":1389,"3,1548":1390},"ٜ":{"1":[2,539],"2":[557,1089],"3":[1105,1548]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,37","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,229","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539",null,null,null,"2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,683","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1086","2,1087","2,1088","2,1089",null,null,null,"3,1105","3,1107","3,1108","3,1109","3,1110","3,1111","3,1112","3,1113","3,1114","3,1115","3,1116","3,1117","3,1118","3,1119","3,1120","3,1121","3,1122","3,1123","3,1124","3,1125","3,1126","3,1127","3,1128","3,1129","3,1130","3,1131","3,1132","3,1133","3,1134","3,1135","3,1136","3,1137","3,1138","3,1139","3,1140","3,1141","3,1142","3,1143","3,1144","3,1145","3,1146","3,1147","3,1148","3,1149","3,1150","3,1151","3,1152","3,1153","3,1154","3,1155","3,1156","3,1157","3,1158","3,1159","3,1160","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1180","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1188","3,1189","3,1190","3,1191","3,1192","3,1193","3,1194","3,1195","3,1196","3,1197","3,1198","3,1199","3,1200","3,1201","3,1202","3,1203","3,1204","3,1205","3,1206","3,1207","3,1208","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1216","3,1217","3,1218","3,1219","3,1220","3,1221","3,1222","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1234","3,1235","3,1236","3,1237","3,1238","3,1239","3,1240","3,1241","3,1242","3,1243","3,1244","3,1245","3,1246","3,1247","3,1248","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1258","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1264","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1278","3,1279","3,1280","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1308","3,1309","3,1310","3,1311","3,1312","3,1313","3,1314","3,1315","3,1316","3,1317","3,1318","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1326","3,1327","3,1328","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1336","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1470","3,1471","3,1472","3,1473","3,1474","3,1475","3,1476","3,1477","3,1478","3,1479","3,1480","3,1481","3,1482","3,1483","3,1484","3,1485","3,1486","3,1487","3,1488","3,1489","3,1490","3,1491","3,1492","3,1493","3,1494","3,1495","3,1496","3,1497","3,1498","3,1499","3,1500","3,1501","3,1502","3,1503","3,1504","3,1505","3,1506","3,1507","3,1508","3,1509","3,1510","3,1511","3,1512","3,1513","3,1514","3,1515","3,1516","3,1517","3,1518","3,1519","3,1520","3,1521","3,1522","3,1523","3,1524","3,1525","3,1526","3,1527","3,1528","3,1529","3,1530","3,1531","3,1532","3,1533","3,1534","3,1535","3,1536","3,1537","3,1538","3,1539","3,1540","3,1541","3,1542","3,1543","3,1544","3,1545","3,1546","3,1547","3,1548"],"ٞ":{"4":[1,2],"6":[3],"10":[4],"12":[5],"15":[6],"17":[7],"35":[8,9],"36":[10],"37":[11],"40":[12],"43":[13],"44":[14],"45":[15,16],"48":[17],"49":[18,19],"54":[20],"55":[21],"57":[22],"59":[23],"61":[24],"62":[25],"70":[26],"74":[27],"75":[28],"76":[29],"86":[30],"90":[31],"93":[32],"98":[33,34],"105":[35],"111":[36],"116":[37],"117":[38],"119":[39],"122":[40],"126":[41,42],"129":[43,44],"132":[45],"133":[46],"138":[47,48],"141":[49],"144":[50],"152":[51],"155":[52],"159":[53],"162":[54,55],"165":[56],"166":[57],"169":[58],"170":[59],"173":[60,61],"179":[62],"180":[63],"181":[64],"182":[65],"185":[66],"186":[67],"187":[68],"193":[69],"196":[70],"197":[71],"201":[72,73],"205":[74,75],"208":[76],"209":[77],"211":[78,79],"213":[80,81],"218":[82],"219":[83,84],"220":[85],"221":[86],"222":[87,88],"224":[89],"225":[90],"226":[91],"231":[92],"234":[93],"240":[94],"242":[95],"243":[96],"244":[97,98,99],"246":[100],"247":[101],"248":[102],"249":[103],"252":[104],"253":[105],"255":[106],"258":[107],"259":[108],"262":[109],"263":[110],"268":[111,112],"279":[113],"282":[114],"285":[115,116],"286":[117],"295":[118],"297":[119,120],"298":[121],"305":[122,123],"311":[124],"314":[125],"317":[126],"324":[127],"328":[128],"330":[129,130],"334":[131,132],"339":[133],"342":[134,135],"343":[136],"348":[137],"355":[138],"356":[139],"366":[140],"373":[141,142],"374":[143],"377":[144],"385":[145],"395":[146],"399":[147],"408":[148],"412":[149,150],"413":[151,152],"416":[153],"418":[154],"419":[155],"421":[156],"423":[157],"425":[158],"427":[159],"429":[160],"430":[161],"431":[162,163],"432":[164],"433":[165],"435":[166],"436":[167],"439":[168],"442":[169],"445":[170],"446":[171],"449":[172],"450":[173,174],"451":[175],"452":[176],"454":[177],"456":[178],"460":[179],"461":[180],"463":[181,182],"465":[183],"467":[184],"473":[185,186],"475":[187,188],"477":[189],"478":[190,191],"480":[192],"482":[193],"484":[194],"485":[195],"487":[196],"491":[197],"493":[198],"497":[199],"500":[200,201],"502":[202],"503":[203],"505":[204],"506":[205],"508":[206],"509":[207],"510":[208,209],"511":[210],"513":[211,212],"515":[213],"516":[214],"520":[215,216],"522":[217],"523":[218],"524":[219],"525":[220],"528":[221],"529":[222],"531":[223,224],"532":[225,226],"537":[227],"538":[228],"548":[229],"550":[230,231],"552":[232,233],"554":[234],"555":[235],"557":[236],"559":[237],"562":[238],"567":[239],"569":[240],"572":[241],"574":[242],"576":[243],"584":[244],"587":[245],"588":[246],"594":[247],"595":[248],"597":[249],"599":[250],"605":[251],"606":[252],"618":[253],"622":[254],"634":[255],"641":[256],"645":[257],"649":[258],"650":[259],"655":[260,261],"657":[262],"658":[263],"662":[264],"663":[265],"672":[266],"677":[267],"681":[268],"685":[269,270],"689":[271],"690":[272],"691":[273],"692":[274],"693":[275],"695":[276],"696":[277],"697":[278,279],"700":[280],"701":[281],"708":[282],"710":[283],"714":[284],"715":[285],"718":[286],"721":[287,288],"730":[289],"732":[290],"735":[291],"736":[292],"737":[293,294],"744":[295],"747":[296],"749":[297],"750":[298],"757":[299],"764":[300],"768":[301],"776":[302],"778":[303,304],"784":[305],"796":[306],"803":[307],"804":[308],"809":[309,310],"813":[311],"814":[312,313],"817":[314],"819":[315],"823":[316,317],"824":[318],"830":[319],"833":[320],"841":[321],"846":[322],"853":[323],"854":[324],"857":[325],"864":[326],"866":[327],"869":[328],"870":[329],"875":[330],"876":[331],"877":[332],"884":[333],"889":[334],"895":[335],"896":[336],"897":[337],"899":[338],"903":[339],"905":[340],"906":[341],"907":[342],"909":[343],"910":[344],"911":[345],"912":[346],"913":[347],"916":[348],"919":[349],"920":[350],"923":[351],"924":[352],"926":[353],"929":[354],"930":[355],"931":[356],"933":[357],"935":[358],"937":[359],"939":[360],"941":[361],"944":[362],"945":[363],"948":[364],"952":[365],"953":[366],"954":[367],"955":[368],"956":[369],"957":[370],"958":[371],"960":[372],"964":[373],"965":[374],"966":[375],"967":[376],"970":[377],"974":[378],"976":[379],"977":[380],"978":[381],"983":[382],"986":[383],"989":[384],"990":[385],"994":[386],"996":[387],"998":[388],"1002":[389],"1003":[390],"1005":[391,392],"1007":[393,394],"1009":[395],"1012":[396],"1013":[397],"1014":[398],"1016":[399],"1018":[400],"1019":[401],"1026":[402],"1030":[403],"1033":[404],"1038":[405],"1039":[406],"1045":[407],"1048":[408],"1050":[409],"1052":[410,411],"1054":[412],"1055":[413],"1057":[414],"1058":[415],"1059":[416],"1062":[417],"1064":[418],"1070":[419],"1071":[420],"1075":[421],"1079":[422],"1080":[423],"1088":[424],"1091":[425],"1092":[426],"1094":[427],"1096":[428],"1097":[429],"1101":[430],"1105":[431],"1106":[432,433],"1108":[434],"1115":[435],"1122":[436],"1123":[437],"1127":[438],"1131":[439],"1134":[440],"1135":[441],"1138":[442],"1139":[443],"1142":[444],"1143":[445],"1147":[446],"1148":[447],"1151":[448],"1153":[449],"1156":[450],"1157":[451],"1158":[452],"1160":[453],"1161":[454],"1162":[455],"1163":[456],"1164":[457,458],"1165":[459],"1171":[460],"1172":[461],"1174":[462],"1176":[463],"1183":[464],"1185":[465],"1186":[466],"1187":[467],"1190":[468],"1192":[469],"1193":[470],"1194":[471],"1197":[472],"1199":[473,474],"1201":[475],"1202":[476],"1203":[477,478],"1204":[479],"1208":[480],"1210":[481],"1218":[482],"1220":[483],"1221":[484],"1222":[485],"1228":[486],"1230":[487,488],"1231":[489,490],"1233":[491],"1234":[492],"1235":[493],"1239":[494],"1242":[495],"1243":[496],"1244":[497],"1245":[498,499],"1247":[500],"1253":[501],"1254":[502],"1262":[503],"1264":[504],"1267":[505],"1269":[506],"1271":[507],"1273":[508],"1287":[509],"1288":[510,511],"1289":[512],"1290":[513],"1291":[514],"1292":[515],"1294":[516],"1303":[517],"1307":[518,519],"1310":[520],"1312":[521,522],"1315":[523],"1390":[524]},"ٟ":[],"numbers":{"3":77,"4":77,"5":77,"6":77,"7":77,"8":77,"9":77,"10":77,"11":77,"12":77,"13":77,"1":76,"2":77,"14":85,"15":86,"16":90,"17":91,"18":92,"19":92,"20":98,"21":105,"22":106,"23":107,"24":109,"25":109,"26":110,"27":110,"28":119,"29":119,"30":120,"31":121,"32":121,"33":126,"34":129,"35":132,"36":133,"37":138,"38":144,"39":145,"40":147,"41":148,"42":149,"43":150,"44":150,"45":151,"46":151,"47":155,"48":155,"49":156,"50":156,"51":157,"52":157,"53":158,"54":158,"55":162,"56":165,"57":169,"58":169,"59":173,"60":179,"61":181,"62":181,"63":182,"64":187,"65":187,"66":187,"67":188,"68":188,"69":189,"70":190,"71":191,"72":192,"73":192,"74":196,"75":201,"76":205,"77":208,"78":208,"79":211,"80":213,"81":219,"82":220,"83":220,"84":220,"85":222,"86":226,"87":226,"88":226,"89":227,"90":227,"91":228,"92":228,"93":229,"94":234,"95":234,"96":235,"97":235,"98":236,"99":237,"100":238,"101":238,"102":239,"103":244,"104":244,"105":245,"106":246,"107":246,"108":247,"109":247,"110":248,"111":248,"112":248,"113":249,"114":250,"115":250,"116":251,"117":251,"118":252,"119":253,"120":254,"121":255,"122":255,"123":256,"124":257,"125":257,"126":258,"127":258,"128":258,"129":259,"130":259,"131":260,"132":261,"133":261,"134":261,"135":262,"136":268,"137":268,"138":269,"139":269,"140":270,"141":271,"142":271,"143":271,"144":272,"145":272,"146":273,"147":273,"148":274,"149":274,"150":274,"151":275,"152":276,"153":276,"154":277,"155":278,"156":279,"157":279,"158":280,"159":281,"160":285,"161":285,"162":286,"163":287,"164":288,"165":288,"166":289,"167":290,"168":291,"169":291,"170":292,"171":293,"172":294,"173":294,"174":295,"175":296,"176":297,"177":297,"178":298,"179":305,"180":306,"181":306,"182":307,"183":308,"184":308,"185":309,"186":309,"187":310,"188":311,"189":312,"190":313,"191":313,"192":313,"193":314,"194":314,"195":314,"196":315,"197":315,"198":316,"199":324,"200":324,"201":325,"202":326,"203":326,"204":327,"205":330,"206":330,"207":330,"208":331,"209":332,"210":332,"211":332,"212":333,"213":333,"214":334,"215":334,"216":334,"217":335,"218":336,"219":336,"220":337,"221":338,"222":338,"223":339,"224":342,"225":342,"226":343,"227":343,"228":344,"229":345,"230":345,"231":346,"232":346,"233":347,"234":347,"235":348,"236":348,"237":349,"238":349,"239":350,"240":350,"241":350,"242":351,"243":352,"244":353,"245":353,"246":354,"247":355,"248":355,"249":356,"250":356,"251":357,"252":357,"253":358,"254":359,"255":359,"256":360,"257":360,"258":360,"259":361,"260":362,"261":363,"262":363,"263":363,"264":364,"265":364,"266":364,"267":365,"268":365,"269":366,"270":366,"271":373,"272":373,"273":374,"274":374,"275":374,"276":375,"277":375,"278":376,"279":376,"280":377,"281":377,"282":378,"283":379,"284":379,"285":380,"286":380,"287":381,"288":381,"289":382,"290":382,"291":383,"292":383,"293":384,"294":384,"295":385,"296":385,"297":386,"298":386,"299":386,"300":387,"301":387,"302":388,"303":388,"304":389,"305":389,"306":390,"307":391,"308":391,"309":392,"310":392,"311":393,"312":393,"313":393,"314":394,"315":394,"316":399,"317":399,"318":399,"319":400,"320":401,"321":401,"322":402,"323":403,"324":403,"325":403,"326":404,"327":404,"328":405,"329":405,"330":406,"331":406,"332":407,"333":408,"334":412,"335":412,"336":413,"337":414,"338":414,"339":414,"340":415,"341":416,"342":416,"343":417,"344":417,"345":418,"346":421,"347":422,"348":422,"349":425,"350":425,"351":426,"352":431,"353":432,"354":432,"355":435,"356":435,"357":435,"358":436,"359":439,"360":439,"361":445,"362":445,"363":450,"364":450,"365":451,"366":451,"367":452,"368":452,"369":453,"370":453,"371":454,"372":454,"373":455,"374":455,"375":460,"376":460,"377":461,"378":463,"379":465,"380":465,"381":466,"382":466,"383":466,"384":467,"385":473,"386":475,"387":478,"388":480,"389":480,"390":481,"391":481,"392":481,"393":484,"394":487,"395":487,"396":488,"397":488,"398":489,"399":489,"400":490,"401":493,"402":493,"403":495,"404":495,"405":496,"406":500,"407":502,"408":502,"409":506,"410":506,"411":508,"412":508,"413":509,"414":510,"415":510,"416":511,"417":513,"418":513,"419":513,"420":514,"421":515,"422":515,"423":520,"424":520,"425":522,"426":524,"427":528,"428":528,"429":528,"430":529,"431":529,"432":531,"433":532,"434":538,"435":538,"436":538,"437":539,"438":539,"439":540,"440":540,"441":541,"442":541,"443":541,"444":542,"445":542,"446":543,"447":543,"448":544,"449":545,"450":546,"451":547,"452":550,"453":552,"454":555,"455":555,"456":555,"457":556,"458":557,"459":559,"460":559,"461":560,"462":561,"463":561,"464":562,"465":562,"466":567,"467":567,"468":568,"469":568,"470":572,"471":572,"472":573,"473":576,"474":576,"475":576,"476":577,"477":578,"478":578,"479":579,"480":579,"481":580,"482":581,"483":581,"484":582,"485":582,"486":583,"487":584,"488":587,"489":587,"490":588,"491":588,"492":595,"493":595,"494":595,"495":596,"496":596,"497":599,"498":599,"499":599,"500":600,"501":600,"502":600,"503":601,"504":601,"505":601,"506":602,"507":602,"508":602,"509":603,"510":604,"511":604,"512":606,"513":608,"514":609,"515":609,"516":610,"517":611,"518":611,"519":612,"520":613,"521":613,"522":614,"523":615,"524":615,"525":615,"526":616,"527":616,"528":616,"529":617,"530":622,"531":622,"532":623,"533":623,"534":624,"535":624,"536":625,"537":625,"538":626,"539":626,"540":627,"541":628,"542":628,"543":629,"544":629,"545":630,"546":630,"547":630,"548":631,"549":631,"550":632,"551":632,"552":633,"553":633,"554":634,"555":641,"556":641,"557":641,"558":641,"559":642,"560":643,"561":643,"562":644,"563":649,"564":649,"565":650,"566":655,"567":655,"568":657,"569":663,"570":663,"571":664,"572":664,"573":665,"574":665,"575":666,"576":666,"577":667,"578":667,"579":668,"580":669,"581":669,"582":669,"583":670,"584":670,"585":670,"586":671,"587":671,"588":677,"589":677,"590":678,"591":678,"592":679,"593":679,"594":680,"595":680,"596":685,"597":689,"598":689,"599":689,"600":689,"601":690,"602":697,"603":697,"604":700,"605":700,"606":701,"607":708,"608":708,"609":709,"610":710,"611":715,"612":716,"613":716,"614":717,"615":717,"616":718,"617":721,"618":730,"619":731,"620":731,"621":737,"622":737,"623":738,"624":739,"625":739,"626":740,"627":741,"628":741,"629":742,"630":742,"631":742,"632":743,"633":744,"634":744,"635":745,"636":746,"637":747,"638":747,"639":748,"640":748,"641":749,"642":757,"643":757,"644":758,"645":759,"646":759,"647":760,"648":761,"649":762,"650":762,"651":763,"652":768,"653":768,"654":769,"655":769,"656":770,"657":771,"658":771,"659":772,"660":772,"661":773,"662":773,"663":775,"664":775,"665":778,"666":778,"667":778,"668":779,"669":781,"670":782,"671":782,"672":782,"673":783,"674":783,"675":783,"676":784,"677":784,"678":785,"679":785,"680":786,"681":786,"682":787,"683":787,"684":788,"685":789,"686":790,"687":791,"688":791,"689":792,"690":792,"691":793,"692":793,"693":794,"694":795,"695":795,"696":796,"697":796,"698":797,"699":798,"700":798,"701":799,"702":799,"703":800,"704":800,"705":802,"706":803,"707":809,"708":809,"709":809,"710":810,"711":811,"712":812,"713":812,"714":813,"715":814,"716":814,"717":814,"718":815,"719":815,"720":816,"721":816,"722":817,"723":817,"724":818,"725":818,"726":823,"727":824,"728":824,"729":825,"730":826,"731":826,"732":827,"733":827,"734":827,"735":828,"736":828,"737":829,"738":830,"739":831,"740":831,"741":832,"742":833,"743":833,"744":834,"745":834,"746":835,"747":836,"748":836,"749":837,"750":837,"751":839,"752":839,"753":840,"754":841,"755":841,"756":844,"757":844,"758":844,"759":845,"760":845,"761":846,"762":854,"763":854,"764":855,"765":856,"766":856,"767":857,"768":857,"769":858,"770":859,"771":860,"772":861,"773":861,"774":862,"775":862,"776":864,"777":864,"778":866,"779":866,"780":867,"781":868,"782":869,"783":870,"784":870,"785":871,"786":871,"787":872,"788":872,"789":876,"790":877,"791":877,"792":878,"793":878,"794":880,"795":881,"796":881,"797":883,"798":884,"799":884,"800":885,"801":885,"802":886,"803":887,"804":889,"805":890,"806":891,"807":891,"808":892,"809":892,"810":893,"811":893,"812":894,"813":895,"814":896,"815":897,"816":897,"817":897,"818":898,"819":899,"820":905,"821":906,"822":906,"823":907,"824":909,"825":910,"826":911,"827":912,"828":913,"829":913,"830":914,"831":914,"832":915,"833":916,"834":916,"835":917,"836":918,"837":919,"838":920,"839":920,"840":921,"841":921,"842":923,"843":924,"844":924,"845":926,"846":926,"847":927,"848":929,"849":930,"850":931,"851":931,"852":933,"853":933,"854":934,"855":934,"856":935,"857":935,"858":936,"859":936,"860":937,"861":938,"862":939,"863":939,"864":940,"865":941,"866":941,"867":942,"868":942,"869":943,"870":944,"871":945,"872":945,"873":946,"874":947,"875":947,"876":948,"877":948,"878":949,"879":949,"880":950,"881":950,"882":950,"883":951,"884":952,"885":953,"886":954,"887":955,"888":956,"889":957,"890":958,"891":960,"892":966,"893":967,"894":967,"895":968,"896":969,"897":970,"898":970,"899":974,"900":974,"901":975,"902":976,"903":977,"904":983,"905":983,"906":983,"907":984,"908":985,"909":989,"910":996,"911":997,"912":997,"913":1002,"914":1002,"915":1002,"916":1003,"917":1005,"918":1005,"919":1007,"920":1009,"921":1013,"922":1013,"923":1016,"924":1016,"925":1017,"926":1019,"927":1019,"928":1019,"929":1020,"930":1020,"931":1020,"932":1021,"933":1021,"934":1022,"935":1022,"936":1023,"937":1023,"938":1025,"939":1030,"940":1032,"941":1039,"942":1039,"943":1040,"944":1040,"945":1041,"946":1041,"947":1042,"948":1042,"949":1043,"950":1043,"951":1044,"952":1048,"953":1048,"954":1049,"955":1049,"956":1052,"957":1054,"958":1054,"959":1058,"960":1059,"961":1060,"962":1061,"963":1062,"964":1062,"965":1063,"966":1071,"967":1071,"968":1072,"969":1072,"970":1073,"971":1073,"972":1074,"973":1080,"974":1080,"975":1081,"976":1082,"977":1083,"978":1085,"979":1086,"980":1086,"981":1087,"982":1087,"983":1088,"984":1091,"985":1091,"986":1092,"987":1094,"988":1094,"989":1095,"990":1097,"991":1097,"992":1098,"993":1098,"994":1099,"995":1099,"996":1099,"997":1100,"998":1100,"999":1100,"1000":1101,"1001":1106,"1002":1106,"1003":1108,"1004":1108,"1005":1108,"1006":1109,"1007":1110,"1008":1110,"1009":1112,"1010":1113,"1011":1114,"1012":1114,"1013":1115,"1014":1122,"1015":1122,"1016":1123,"1017":1127,"1018":1127,"1019":1127,"1020":1128,"1021":1128,"1022":1128,"1023":1129,"1024":1130,"1025":1130,"1026":1130,"1027":1130,"1028":1131,"1029":1131,"1030":1134,"1031":1134,"1032":1138,"1033":1138,"1034":1142,"1035":1142,"1036":1143,"1037":1147,"1038":1148,"1039":1151,"1040":1151,"1041":1152,"1042":1152,"1043":1156,"1044":1156,"1045":1160,"1046":1160,"1047":1160,"1048":1162,"1049":1162,"1050":1164,"1051":1165,"1052":1165,"1053":1166,"1054":1166,"1055":1166,"1056":1167,"1057":1167,"1058":1167,"1059":1168,"1060":1169,"1061":1169,"1062":1169,"1063":1170,"1064":1172,"1065":1172,"1066":1173,"1067":1173,"1068":1176,"1069":1176,"1070":1176,"1071":1177,"1072":1177,"1073":1177,"1074":1178,"1075":1178,"1076":1178,"1077":1179,"1078":1179,"1079":1180,"1080":1180,"1081":1181,"1082":1181,"1083":1181,"1084":1182,"1085":1182,"1086":1183,"1087":1185,"1088":1185,"1089":1187,"1090":1187,"1091":1187,"1092":1187,"1093":1188,"1094":1189,"1095":1189,"1096":1189,"1097":1190,"1098":1190,"1099":1190,"1100":1192,"1101":1192,"1102":1192,"1103":1194,"1104":1194,"1105":1195,"1106":1195,"1107":1195,"1108":1196,"1109":1196,"1110":1197,"1111":1199,"1112":1199,"1113":1201,"1114":1201,"1115":1201,"1116":1203,"1117":1204,"1118":1204,"1119":1204,"1120":1205,"1121":1205,"1122":1206,"1123":1207,"1124":1207,"1125":1210,"1126":1210,"1127":1211,"1128":1211,"1129":1212,"1130":1212,"1131":1212,"1132":1213,"1133":1213,"1134":1214,"1135":1214,"1136":1214,"1137":1215,"1138":1215,"1139":1216,"1140":1216,"1141":1217,"1142":1217,"1143":1220,"1144":1220,"1145":1220,"1146":1222,"1147":1222,"1148":1222,"1149":1223,"1150":1223,"1151":1224,"1152":1224,"1153":1225,"1154":1225,"1155":1226,"1156":1227,"1157":1227,"1158":1230,"1159":1231,"1160":1231,"1161":1231,"1162":1233,"1163":1233,"1164":1235,"1165":1235,"1166":1236,"1167":1237,"1168":1237,"1169":1238,"1170":1238,"1171":1243,"1172":1243,"1173":1244,"1174":1245,"1175":1247,"1176":1247,"1177":1248,"1178":1248,"1179":1249,"1180":1249,"1181":1250,"1182":1250,"1183":1252,"1184":1252,"1185":1254,"1186":1254,"1187":1255,"1188":1255,"1189":1256,"1190":1257,"1191":1257,"1192":1257,"1193":1258,"1194":1258,"1195":1259,"1196":1259,"1197":1260,"1198":1261,"1199":1262,"1200":1264,"1201":1264,"1202":1264,"1203":1265,"1204":1266,"1205":1266,"1206":1266,"1207":1267,"1208":1269,"1209":1269,"1210":1269,"1211":1270,"1212":1271,"1213":1273,"1214":1273,"1215":1273,"1216":1274,"1217":1274,"1218":1274,"1219":1276,"1220":1276,"1221":1277,"1222":1277,"1223":1278,"1224":1278,"1225":1279,"1226":1279,"1227":1279,"1228":1280,"1229":1280,"1230":1280,"1231":1281,"1232":1281,"1233":1281,"1234":1282,"1235":1282,"1236":1282,"1237":1283,"1238":1284,"1239":1284,"1240":1285,"1241":1285,"1242":1286,"1243":1288,"1244":1289,"1245":1289,"1246":1289,"1247":1291,"1248":1291,"1249":1292,"1250":1292,"1251":1294,"1252":1297,"1253":1299,"1254":1300,"1255":1301,"1256":1302,"1257":1302,"1258":1303,"1259":1303,"1260":1303,"1261":1303,"1262":1303,"1263":1303,"1264":1303,"1265":1303,"1266":1303,"1267":1303,"1268":1303,"1269":1303,"1270":1303,"1271":1303,"1272":1303,"1273":1303,"1274":1303,"1275":1303,"1276":1303,"1277":1303,"1278":1303,"1279":1303,"1280":1303,"1281":1303,"1282":1303,"1283":1303,"1284":1303,"1285":1303,"1286":1303,"1287":1303,"1288":1303,"1289":1303,"1290":1303,"1291":1303,"1292":1303,"1293":1303,"1294":1303,"1295":1303,"1296":1303,"1297":1303,"1298":1303,"1299":1303,"1300":1303,"1301":1303,"1302":1303,"1303":1303,"1304":1303,"1305":1303,"1306":1303,"1307":1303,"1308":1303,"1309":1303,"1310":1303,"1311":1303,"1312":1303,"1313":1303,"1314":1303,"1315":1303,"1316":1303,"1317":1303,"1318":1303,"1319":1303,"1320":1303,"1321":1303,"1322":1303,"1323":1303,"1324":1303,"1325":1303,"1326":1303,"1327":1303,"1328":1303,"1329":1303,"1330":1303,"1331":1303,"1332":1303,"1333":1303,"1334":1303,"1335":1303,"1336":1303,"1337":1303,"1338":1303,"1339":1303,"1340":1303,"1341":1303,"1342":1303,"1343":1303,"1344":1303,"1345":1303,"1346":1303,"1347":1303,"1348":1303,"1349":1303,"1350":1303,"1351":1303,"1352":1303,"1353":1303,"1354":1303,"1355":1303,"1356":1303,"1357":1303,"1358":1303,"1359":1303,"1360":1303,"1361":1303,"1362":1303,"1363":1303,"1364":1303,"1365":1303,"1366":1303,"1367":1303,"1368":1303,"1369":1303,"1370":1303,"1371":1303,"1372":1303,"1373":1303,"1374":1303,"1375":1303,"1376":1303,"1377":1303,"1378":1303,"1379":1303,"1380":1303,"1381":1303,"1382":1303,"1383":1303,"1384":1303,"1385":1303,"1386":1303,"1387":1303,"1388":1303,"1389":1303,"1390":1303,"1391":1303,"1392":1303,"1393":1303,"1394":1303,"1395":1303,"1396":1303,"1397":1303,"1398":1303,"1399":1303,"1400":1303,"1401":1303,"1402":1303,"1403":1303,"1404":1350,"1405":1350,"1406":1350,"1407":1364},"number_max":1407,"number_pages":{"77":2,"76":1,"85":14,"86":15,"90":16,"91":17,"92":19,"98":20,"105":21,"106":22,"107":23,"109":25,"110":27,"119":29,"120":30,"121":32,"126":33,"129":34,"132":35,"133":36,"138":37,"144":38,"145":39,"147":40,"148":41,"149":42,"150":44,"151":46,"155":48,"156":50,"157":52,"158":54,"162":55,"165":56,"169":58,"173":59,"179":60,"181":62,"182":63,"187":66,"188":68,"189":69,"190":70,"191":71,"192":73,"196":74,"201":75,"205":76,"208":78,"211":79,"213":80,"219":81,"220":84,"222":85,"226":88,"227":90,"228":92,"229":93,"234":95,"235":97,"236":98,"237":99,"238":101,"239":102,"244":104,"245":105,"246":107,"247":109,"248":112,"249":113,"250":115,"251":117,"252":118,"253":119,"254":120,"255":122,"256":123,"257":125,"258":128,"259":130,"260":131,"261":134,"262":135,"268":137,"269":139,"270":140,"271":143,"272":145,"273":147,"274":150,"275":151,"276":153,"277":154,"278":155,"279":157,"280":158,"281":159,"285":161,"286":162,"287":163,"288":165,"289":166,"290":167,"291":169,"292":170,"293":171,"294":173,"295":174,"296":175,"297":177,"298":178,"305":179,"306":181,"307":182,"308":184,"309":186,"310":187,"311":188,"312":189,"313":192,"314":195,"315":197,"316":198,"324":200,"325":201,"326":203,"327":204,"330":207,"331":208,"332":211,"333":213,"334":216,"335":217,"336":219,"337":220,"338":222,"339":223,"342":225,"343":227,"344":228,"345":230,"346":232,"347":234,"348":236,"349":238,"350":241,"351":242,"352":243,"353":245,"354":246,"355":248,"356":250,"357":252,"358":253,"359":255,"360":258,"361":259,"362":260,"363":263,"364":266,"365":268,"366":270,"373":272,"374":275,"375":277,"376":279,"377":281,"378":282,"379":284,"380":286,"381":288,"382":290,"383":292,"384":294,"385":296,"386":299,"387":301,"388":303,"389":305,"390":306,"391":308,"392":310,"393":313,"394":315,"399":318,"400":319,"401":321,"402":322,"403":325,"404":327,"405":329,"406":331,"407":332,"408":333,"412":335,"413":336,"414":339,"415":340,"416":342,"417":344,"418":345,"421":346,"422":348,"425":350,"426":351,"431":352,"432":354,"435":357,"436":358,"439":360,"445":362,"450":364,"451":366,"452":368,"453":370,"454":372,"455":374,"460":376,"461":377,"463":378,"465":380,"466":383,"467":384,"473":385,"475":386,"478":387,"480":389,"481":392,"484":393,"487":395,"488":397,"489":399,"490":400,"493":402,"495":404,"496":405,"500":406,"502":408,"506":410,"508":412,"509":413,"510":415,"511":416,"513":419,"514":420,"515":422,"520":424,"522":425,"524":426,"528":429,"529":431,"531":432,"532":433,"538":436,"539":438,"540":440,"541":443,"542":445,"543":447,"544":448,"545":449,"546":450,"547":451,"550":452,"552":453,"555":456,"556":457,"557":458,"559":460,"560":461,"561":463,"562":465,"567":467,"568":469,"572":471,"573":472,"576":475,"577":476,"578":478,"579":480,"580":481,"581":483,"582":485,"583":486,"584":487,"587":489,"588":491,"595":494,"596":496,"599":499,"600":502,"601":505,"602":508,"603":509,"604":511,"606":512,"608":513,"609":515,"610":516,"611":518,"612":519,"613":521,"614":522,"615":525,"616":528,"617":529,"622":531,"623":533,"624":535,"625":537,"626":539,"627":540,"628":542,"629":544,"630":547,"631":549,"632":551,"633":553,"634":554,"641":558,"642":559,"643":561,"644":562,"649":564,"650":565,"655":567,"657":568,"663":570,"664":572,"665":574,"666":576,"667":578,"668":579,"669":582,"670":585,"671":587,"677":589,"678":591,"679":593,"680":595,"685":596,"689":600,"690":601,"697":603,"700":605,"701":606,"708":608,"709":609,"710":610,"715":611,"716":613,"717":615,"718":616,"721":617,"730":618,"731":620,"737":622,"738":623,"739":625,"740":626,"741":628,"742":631,"743":632,"744":634,"745":635,"746":636,"747":638,"748":640,"749":641,"757":643,"758":644,"759":646,"760":647,"761":648,"762":650,"763":651,"768":653,"769":655,"770":656,"771":658,"772":660,"773":662,"775":664,"778":667,"779":668,"781":669,"782":672,"783":675,"784":677,"785":679,"786":681,"787":683,"788":684,"789":685,"790":686,"791":688,"792":690,"793":692,"794":693,"795":695,"796":697,"797":698,"798":700,"799":702,"800":704,"802":705,"803":706,"809":709,"810":710,"811":711,"812":713,"813":714,"814":717,"815":719,"816":721,"817":723,"818":725,"823":726,"824":728,"825":729,"826":731,"827":734,"828":736,"829":737,"830":738,"831":740,"832":741,"833":743,"834":745,"835":746,"836":748,"837":750,"839":752,"840":753,"841":755,"844":758,"845":760,"846":761,"854":763,"855":764,"856":766,"857":768,"858":769,"859":770,"860":771,"861":773,"862":775,"864":777,"866":779,"867":780,"868":781,"869":782,"870":784,"871":786,"872":788,"876":789,"877":791,"878":793,"880":794,"881":796,"883":797,"884":799,"885":801,"886":802,"887":803,"889":804,"890":805,"891":807,"892":809,"893":811,"894":812,"895":813,"896":814,"897":817,"898":818,"899":819,"905":820,"906":822,"907":823,"909":824,"910":825,"911":826,"912":827,"913":829,"914":831,"915":832,"916":834,"917":835,"918":836,"919":837,"920":839,"921":841,"923":842,"924":844,"926":846,"927":847,"929":848,"930":849,"931":851,"933":853,"934":855,"935":857,"936":859,"937":860,"938":861,"939":863,"940":864,"941":866,"942":868,"943":869,"944":870,"945":872,"946":873,"947":875,"948":877,"949":879,"950":882,"951":883,"952":884,"953":885,"954":886,"955":887,"956":888,"957":889,"958":890,"960":891,"966":892,"967":894,"968":895,"969":896,"970":898,"974":900,"975":901,"976":902,"977":903,"983":906,"984":907,"985":908,"989":909,"996":910,"997":912,"1002":915,"1003":916,"1005":918,"1007":919,"1009":920,"1013":922,"1016":924,"1017":925,"1019":928,"1020":931,"1021":933,"1022":935,"1023":937,"1025":938,"1030":939,"1032":940,"1039":942,"1040":944,"1041":946,"1042":948,"1043":950,"1044":951,"1048":953,"1049":955,"1052":956,"1054":958,"1058":959,"1059":960,"1060":961,"1061":962,"1062":964,"1063":965,"1071":967,"1072":969,"1073":971,"1074":972,"1080":974,"1081":975,"1082":976,"1083":977,"1085":978,"1086":980,"1087":982,"1088":983,"1091":985,"1092":986,"1094":988,"1095":989,"1097":991,"1098":993,"1099":996,"1100":999,"1101":1000,"1106":1002,"1108":1005,"1109":1006,"1110":1008,"1112":1009,"1113":1010,"1114":1012,"1115":1013,"1122":1015,"1123":1016,"1127":1019,"1128":1022,"1129":1023,"1130":1027,"1131":1029,"1134":1031,"1138":1033,"1142":1035,"1143":1036,"1147":1037,"1148":1038,"1151":1040,"1152":1042,"1156":1044,"1160":1047,"1162":1049,"1164":1050,"1165":1052,"1166":1055,"1167":1058,"1168":1059,"1169":1062,"1170":1063,"1172":1065,"1173":1067,"1176":1070,"1177":1073,"1178":1076,"1179":1078,"1180":1080,"1181":1083,"1182":1085,"1183":1086,"1185":1088,"1187":1092,"1188":1093,"1189":1096,"1190":1099,"1192":1102,"1194":1104,"1195":1107,"1196":1109,"1197":1110,"1199":1112,"1201":1115,"1203":1116,"1204":1119,"1205":1121,"1206":1122,"1207":1124,"1210":1126,"1211":1128,"1212":1131,"1213":1133,"1214":1136,"1215":1138,"1216":1140,"1217":1142,"1220":1145,"1222":1148,"1223":1150,"1224":1152,"1225":1154,"1226":1155,"1227":1157,"1230":1158,"1231":1161,"1233":1163,"1235":1165,"1236":1166,"1237":1168,"1238":1170,"1243":1172,"1244":1173,"1245":1174,"1247":1176,"1248":1178,"1249":1180,"1250":1182,"1252":1184,"1254":1186,"1255":1188,"1256":1189,"1257":1192,"1258":1194,"1259":1196,"1260":1197,"1261":1198,"1262":1199,"1264":1202,"1265":1203,"1266":1206,"1267":1207,"1269":1210,"1270":1211,"1271":1212,"1273":1215,"1274":1218,"1276":1220,"1277":1222,"1278":1224,"1279":1227,"1280":1230,"1281":1233,"1282":1236,"1283":1237,"1284":1239,"1285":1241,"1286":1242,"1288":1243,"1289":1246,"1291":1248,"1292":1250,"1294":1251,"1297":1252,"1299":1253,"1300":1254,"1301":1255,"1302":1257,"1303":1403,"1350":1406,"1364":1407}},"pages":[{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nعمادة البحث العلمي - رقم: (١٣٠)\n\nالآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة\nمن خلال كتب ابن أبي الدنيا «جمعًا ودراسة»\n\nتأليف\nالدكتور حميد بن أحمد نعيجات\n\n[الجزء الأول]","vol":"1","page":null},{"text":"(ح) الجامعة الإسلامية ١٤٣١ هـ\nفهرس مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nنعيجات، حميد بن أحمد\nالآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا جمعًا ودراسة / حميد أحمد نعيجات. - المدينة المنورة، ١٤٣١ هـ.\n٣ مج.\nردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٢ - ٦٢٨ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١)\n\n١ - ابن أبي الدنيا، عبد اللَّه بن محمد، ت ٢٨١\n٢ - العقيدة الإسلامية\n\nأ. العنوان\nديوي: ٢٤٠ ... ٤٠٢٠/ ١٤٣١\nرقم الإيداع: ٤٠٢٠/ ١٤٣١\nردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n\n٢ - ٦٢٨ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١)\n\nأصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.\n\nالآراء الواردة في هذا الكتاب تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجامعة\n\nجميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدِّمة معالي مدير الجامعة الإسلاميَّة</span>\nالحمد للَّه الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، والصَّلاة والسَّلام على رسول الهدى الذي أمر بالعلم قبل العمل، فبه ارتفع وتقدّم، وعلى آله وأصحابه ومَنْ بأثره اقتفى والتزم، وبعد:\nفإن الاشتغال بطلب العلم والتفقّه في الدّين من أجلّ المقاصد وأعظم الغايات وأولى المهمّات؛ لذلك ندب إليه الشَّارع الحكيم في كثير من نصوص كتابه، وأمَرَ نبيّه -ﷺ- بالزيادة منه؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].\nوقال جلّ وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\nوقد رتّب النبي -ﷺ- الخير كلّه على التفقّه في الدّين فقال -ﷺ-: \"من يرد اللَّه به خيرًا يفقّهه في الدين\" متّفق عليه وقال -ﷺ-: \"النَّاس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا\" متّفق عليه، وهذا مما يدلّ على أهميته وعظم شأنه.\nلذلك كان الاهتمام بالعلم الشّرعيّ المستمّد من الكتاب والسنّة وفهمِ السَّلف الصَّالح هو الهدف الأسمى لمؤسس هذه الدّولة المباركة الملك عبد العزيز يرحمه اللَّه وكذلك أبناؤه من بعده الذين كانت لهم اليد الطولى وقَدَمُ السبقِ. في الاهتمام بالعلم وأهله؛ فأولوه عنايةً فائقةً، وخصّوه بجهود مباركة، ظهرت آثارها على البلاد والعباد.","vol":"1","page":5},{"text":"وكان لخادم الحرمين الشَّريفين الملك عبد اللَّه بن عبد العزيز -حفظه اللَّه- جهودٌ واضحةٌ استوتْ على سوقها ووفّقتْ لمقصودها، ومن ذلك أمره بزيادة عدد الجامعات، وفتح جميع الوسائل ذات العلاقة بالتطوير والتنقيح والتأليف والنَّشر كعمادات ومراكز البحث العلميّ في شتّى الجامعات وعلى رأسها الجامعة الإسلاميَّة -العالمية- بالمدينة المنوّرة التي أولت البحث العلميّ اهتمامًا بالغًا وجعلته غاية من غاياتها وهدفًا من أهدافها.\nومن هنا فعمادة البحث العلميّ بالجامعة تهتم بالبحوث العلميَّة نشرًا وجمعًا وترحمة وتحكيمًا في داخل الجامعة وخارجها؛ من أجل النُّهوض بالبحث العلميّ، والتشجيع على التَّأليف والنّشر، ومن ذلك كتاب: [الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا جمعا ودراسة] تأليف الدّكتور/ حميد بن أحمد نعيجات.\nأسأل اللَّه أنْ يوفّقنا جميعًا لما يحبّ ويرضى ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلّى اللَّه وسلّم وبارك على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه ربِّ العالمين.\n\nمدير الجامعة الإسلاميَّة\nأ. د/ محمد بن علي العقلا","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>شكر وتقدير</span>\nبادئ ذي بدء لا يسعني إلا أن أقدم بين يدي هذه الرسالة العلمية، وأتوج جبين هذه الآثار السلفية، وأزين جيدها بحلل الشكر البهية، التي أتوجه بها إلى الخالق رب البرية، المنعم على عباده بالنعم الخفية والجلية، فله خالص الشكر، وطيب الذكر، فالعجز عن موافاة نعمه من طبيعة البشر.\nكما أهتبلها فرصة مناسبة لتسطير أسمى مشاعر الفضل والعرفان، لأهل هذه البلاد الطيبة الأركان، التي أقمتُ في رحابها برحابة صدور الأهل والإخوان، وجاورت بمدينة سيد ولد عدنان، متعلما ومتربيا وناهلا من علوم أهل الإيمان.\nوأخص بالذكر فضيلة شيخي ومشرفي الشيخ الدكتور محمد بن ربيع بن هادي المدخلي، الذي تفضل بالإشراف على هذه الرسالة، إلى أن اكتملت وخرجت في هذه الصورة، وكان نعم الموجه والمشجع في رحابة صدر، ودقة ملاحظة ولين جانب، وحرص على الرقيِّ بمستوى الرسالة إلى أعلى درجاتها فجزاه اللَّه عني خيرًا.\nوكلًّا من أصحاب الفضيلة المشايخ: الشيخ الدكتور إبراهيم بن محمد نور سيف، والشيخ الدكتور عبد الرحمن الرشيدان، والشيخ الدكتور صالح العقيل، الذين استفدت من ملاحظاتهم العلمية وفوائدهم الحديثية، لا سيما في التخريج والتراجم.\nوقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية وأخص بالذكر مديره فضيلة","vol":"1","page":7},{"text":"الأستاذ أحمد الرحيلي الذي تعاون معي في تصوير كل مخطوطات ابن أبي الدنيا المتوفرة.\nكما أتوجه بالشكر الجزيل للمناقشين الفاضلين اللذين تفضلا بقبول مناقشة هذه الرسالة وتفريغ جزء من وقتهما الثمين لتقويم هذا البحث، صاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عطية الغامدي. وفضيلة الدكتور عبد اللَّه دمفو، الذي عايش هذا البحث منذ بداياته الأولى، وتعاون معى بكل ما يمكنه، فتفضَّل بتزويدي بالمخطوطات النادرة لمصنفات ابن أبي الدنيا، وكذلك طبعات كتبه المختلفة، مع بحثه القيم في تلك الطبعات وتقويمها.","vol":"1","page":8},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nإن الحمد للَّه نحمده ونستيعنه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (^١)، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (^٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (^٣)، أما بعد:\nفإن من أهم ما يجب على أهل الحق، أتباع الأنبياء والمرسلين -بعد العمل به- بيانه وتوضيحه، والدعوة إليه، والصبر والثبات على ما ينالهم في سبيل ذلك.\nهذا وإن الدعوة إلى منهج السلف وسلوك طريقهم في العمل بهذا الدين وأحكامه، والاهتداء بهديه والالتزام بنصوصه، يتطلب تصوّر هذا الأمر وتقريب واقع تعاملهم مع ما ورثوه عن سيد المرسلين إلى الأنظار والأفهام، وذلك موقوف على تقليب صفحات كتبهم التي ألفوها في تلك\n_________\n(^١) سورة آل عمران، من الآية (١٠٢).\n(^٢) سورة النساء، الآية (١).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية (٧٠).","vol":"1","page":9},{"text":"القرون المشرقة، والأزمان الفاضلة، وبحمد اللَّه وفضله أنهم نهضوا بهذا الواجب، وسدّوا هذا الجانب، ولم يتركوا ذريعة للمُجانب، يتذرّع بها إلى بدعة ويعاند.\nولا شكّ أن التأليف في كل عصر له ميزاته، ومن أهم ميزات تلك الفترة أن كلام السلف كان قليلا كثير البركة، وعلى قِلَّتِه فإنه مبثوث مفرّق في عدّة أنواع من الكتب، فمنهم من ألف كتبا حسب مواضيع معيّنة كالفقه والأخلاق والاعتقاد، ومنهم من ألف موسوعات كبيرة ضَمَّنَها كثيرًا من الآثار في مختلف العلوم، ككتب التراجم والتواريخ والجرح والتعديل وغير ذلك.\nوإن من أولئك السلف الذين اهتموا بالآثار جمعا ودراسة وتصنيفا، الإمام العلامة الذي ذاع صيته وطبَّقَت شهرته وانتشرت كتبه، حتى إنه ليعرفه القاصى والداني، ذلك هو الإمام الهمام ابن أبي الدنيا -﵀-، وهو اسم على مسمّى فقد ملأت الدنيا كتب ابن أبي الدنيا، حيث صنّف كتبا عديدة اشتملت على ثروة أثرية وأقوال سلفية قلّما توجد عند غيره، مع جودة التصنيف وتنوع التأليف، فألف في عدّة أبواب من أبواب العلوم الشرعية، اشتهرت -عند الناس- بأنها كتب زهدية وتآليف وعظية، لكن نظرة عابرة في هذه الكتب تعطي فكرة جديدة وانطباعا مغايرا، دفعاني -مع غيرهما من الأسباب- لأن أجعل موضوع بحثى لمرحلة الدكتوراة -إن شاء اللَّه- في جمع الآثار العقدية الواردة في كتب ابن أبي الدنيا، وذلك لما يلي:","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أسباب اختيار الموضوع</span>\n\n١ - غزارة المادة العلمية المتوفرة في كتبه، لا سيما في بعض الأبواب كأحكام الإمامة والفتن والاتِّباع والتوحيد.\n\n٢ - تألفيه كتبا مفردة في بعض مسائل الاعتقاد على طريقة السلف بذكر النصوص من الكتاب والسنة والآثار، لكنها تحتاج إلى تبويب وترتيب وتحقيق وتعليق، وفق المناهج العلمية وكتب الاعتقاد المشهورة، لتكمل الاستفادة منها ويحصل المقصود.\n\n٣ - جمع المتناثر وضم المتشابه وصياغته في موضع واحد، فيكون هذا البحث كالمنتقى والمنتخب من هذه الكتب المتفرّقة، فيغطي هذا الجانب ويقرّب المتباعد، وهذه الطريقة في التأليف كانت مشهورة ومنتشرة.\n\n٤ - قد تبيَّن لي بعد مطالعة ما يقارب أربعين كتابًا من كتبه ﵀ أنه كان يقصد من تأليفه معالجة قضايا عصره، ومواجهة الانحراف العقدي الطارئ في وقته، ولم يكن مجرّد ناقل للآثار وسارد للأخبار، ويظهر ذلك في العناوين المميزة لكتبه الكثيرة، وحسن تبويبه للآثار، وبيانه أحيانا المشكل منها وتوجيهه.\n\n٥ - حرصه على نقل آثار السلف الأئمة، كالحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وأيوب السختياني وأمثالهم، وابتعاده -إلى حدّ كبير- عن أخبار الصوفية وشطحاتهم، رغم أنه كان يؤلّف في مواضيع كَثُر كلامهم","vol":"1","page":11},{"text":"فيها، فتعتبر كتبه تأصيلا سلفيا لهذه المسائل الكبيرة المتعلقة بالاعتقاد والهدي العام.\n\n٦ - كون كتبه من مظان الغريب والأفراد، مما يفيد وجود آثار لا توجد عند غيره، وقد نص على ذلك من له عناية ببعضها، مثل: د: نجم خلف، د: مصلح الحارثي.\n\n٧ - كونه في مجال تخصّصي، ويشتمل على غالب أبواب الاعتقاد، إن لم تكن كلها.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>أهمية الموضوع</span>\nتكمن أهمية البحث في هذا الموضوع في عدة أمور، أختصرها فيما يلى:\n\n١ - مكانة ابن أبي الدنيا العلمية البارزة بين علماء عصره ومن أتى بعدهم ممن اهتم بكتبه، كأبي نعيم والخطيب البغدادي وابن عساكر، فهو أصل لهم في كتبهم جميعا، ولا شك أنهم ينتقون ولا يوردون كل ما ورد عنده، وقد وقفت على آثار كثيرة يغلب على ظني أنها من أفراده، لا سيما وأنه من مظان الأفراد والغريب، كما نص على ذلك علماء الحديث، وكما أشار محققو كتبه -وبعضها رسائل علمية- أنهم لم يقفوا عليها إلا عند المصنف.\n\n٢ - مكانته التوجيهية والإصلاحية حيث كان مؤدبا لأبناء الخلفاء، وكان من نتائجه الميمونة عليهم أن الخليفة المعتضد باللَّه إضافة إلى مآثره الكثيرة -أقتصر على ما يخص جانب الاعتقاد-، ذكر عنه الذهبي أنه منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها، ومنع القُصاص والمنجمين من الجلوس في الطريق، وأخمد فتنًا كثيرة كان يسير إليها بنفسه، وأبطل وقد النيران وشعار النيروز، وهكذا المكتفي باللَّه الذي حارب القرامطة وكان حسن السيرة محبوبا عنده الرعية، كما أنه كان مشاركا في عملية الإصلاح الدعوي بكتبه التي تناولت مواضيع هادفة.\n\n٣ - مكانته عند المؤلفين في الاعتقاد حيث اعتمد من سار بعده على طريقة السلف في العقيدة على مروياته والآثار التي أوردها في كتبه،","vol":"1","page":13},{"text":"كاللالكائي في كرامات الأولياء (١٣٠) رقم (٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٩)، والأسماء والصفات في مواضع.\n\n٤ - كثرة شيوخه الذين روى عنهم مما يفيد كثرة الآثار وتنوعها.\n\n٥ - شيوخه الذين كانوا من أئمة السنة كأحمد بن حنبل حيث ذكره ابن الجوزي في أعيان أصحابه وأتباعه، وكان يسأل الإمام أحمد وعمره عشر سنين، ولازم أبا عبيد القاسم بن سلام وكان من قدماء شيوخه، وصحب -مُبَكِّرًا- الإمام ابن سعد صاحب الطبقات الكبرى.\n\n٦ - تفرق الآثار التى رواها في كتب كثيرة قلما تجتمع عند أحد إلا بجهد وتتبع، إضافة إلى وجودها في غير مظانها، وفي كتب لا توحى عناوينها إلى مضمون تلك الآثار، ككتاب الصمت وذم الدنيا وغيرهما.\n\n٧ - كون الآثار المروية لا تتجاوز القرون المفضلة حيث كانت وفاته سنة (٢٨١ هـ)، فكانت غالب الآثار من القرنين الأولين الفاضلين مما يزيد من أهمية البحث فيها وجمعها، فقد صورت منهج السلف الأوائل لا سيما وأنها مشتملة لعامة أبواب الاعتقاد.\n\n٨ - كونه ﵀ ألف كتبا عديدة في مسائل الاعتقاد، كالإخلاص، والقبور، وأعلام النبوة، وإنزال الحاجة باللَّه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأهوال، والأولياء، والبعث، والنشور، والتوكل، وحسن الظن باللَّه، والرضا عن اللَّه، واليقين، والرقى، وسدرة المنتهى، والسنة (ولا شك أن المقصود به في تلك","vol":"1","page":14},{"text":"العصور: العقيدة السلفية الأثرية) والشكر، وصفة الجنة، وصفة الصراط، وصفة الميزان، والمجوس، وفضائل كثير من الصحابة كالخلفاء الأربعة، واعتنى بالتأليف في مسائل الفتنة فألف في مقتل على والحسين والزبير وابنه وطلحة وعثمان وعمر ﵃، وسعيد بن جبير، وغير ذلك.\n\n٩ - منهجه المتميّز -﵀- بتوجيه بعض الآثار المشكلة، حيث يذكر آثارا في التسليم بالقدر مثلا ظاهرها قد يكون فيه لمذهب التصوف متمسك في التسليم بالقدر دون معارضته باتخاذ الأسباب، ثم يذكر آثارا توجه ذلك بأنه بعد وقوع القدر يجب التسليم به أما قبله فيجب اتخاذ الأسباب، ومثل ذلك في ما ورد عن بعض السلف من تمني الموت، وتمني أن لا يكونوا خلقوا وهكذا، وهذا يظهر قيمة الآثار التي يوردها في كونها نوعية منتقاة وليس مجرد ناقل ل هو مدقِّق وفاحص وقاصد لما يورد.\n\n١٠ - احتواؤه على ثروة شعرية كبيرة تتعلق بالعقيدة الصحيحة وتدافع عنها.\n\n١١ - إبراز جانب هام من جوانب هذا الإمام وتصحيح النظرة العامة إليه وإلى كتبه وأنها ليست مجرد آثار زهدية وعظية، بل هي آثار عظيمة في بيان منهج السلف عامة وفيما طرقه من موضوعات خاصة.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>منهج البحث</span>\n\n١ - جمع الآثار العقدية من خلال كتب ابن أبي الدنيا المطبوعة والمخطوطة.\n\n٢ - ترتيبها على أبواب العقيدة المعروفة.\n\n٣ - إذا ناسب إيراد الأثر في أكثر من باب، أكرِّره وأنبه على ذلك، مع العناية بالباب الأكثر مناسبة.\n\n٤ - إذا طال الأثر أبرز -بخط عريض أو مغاير- موضع الشاهد منه.\n\n٥ - تخريج الآثار بذكر مواضعها، مع الحكم عليها، من خلال أقوال العلماء أو دراسة أسانيدها؛ إذا لم أسبق إلى الحكم عليها.\n\n٦ - دراسة الآثار دراسة عقدية بذكر تعليق ختامي في نهاية كل مسألة، مع عدم إغفال التعليقات الهامشية التي تثري البحث وتنبه على بعض الفوائد المهمة.\n\n٧ - أترجم لصاحب الأثر من رجال الإسناد فقط، إلا إذا اقتضت الدراسة الحديثية بيان حال أحد الرواة للحكم على الأثر.\n\n٨ - عزو الآيات إلى مواضعها في المصحف.\n\n٩ - شرح ما يحتاج إلى شرحه من الغريب.\n\n١٠ - التعريف بالمواضع والأماكن والفِرَق.\n\n١١ - ترتيب الآثار حسب الأهمية فأبدأ بالأكثر وضوحا، وإذا كان فيها مشكل أبدأ به ثم أختم بالآثار الموجهة له أو المبيّنة للمراد منه.","vol":"1","page":16},{"text":"١٢ - ذكر الأثر مسندا كما ورد عند ابن أبي الدنيا، وأكتفي من المكرر بذكر أحد مواضعه مع الإحالة على غيرها، والاهتمام بها عند التخريج.\n\n١٣ - العناية بتصحيح النص سندا ومتنا، وذلك باعتماد أحسن الطبعات والمقابلة على المخطوط إذا دعت الحاجة.\n\n١٤ - ترقيم الآثار ترقيما تسلسليا.\n\n١٥ - الاكتفاء بترجمة موجزة لابن أبي الدنيا.\n\n١٦ - تذييل الرسالة بفهارس علمية تسهل الاستفادة منها، وتشمل:\n- فهرس الآيات القرآنية.\n- فهرس الأحاديث النبوية.\n- فهرس الآثار.\n- فهرس الأبيات الشعرية.\n- فهرس الأعلام.\n- فهرس الفرق والطوائف.\n- فهرس المصادر والمراجع.\n- فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>خطة البحث</span>\nهذا وقد قسمت البحث في هذا الموضوع وفق الخطة التالية:\nالمقدمة: وتشمل التعريف بالبحث وأهميته وأسباب اختياره.\nتمهيد: في ترجمة موجزة لابن أبي الدنيا (^١).\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: دراسة جوانبه الشخصية.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.\nالمبحث الثاني: مولده ونشأته.\nالمبحث الثالث: وفاته.\nالفصل الثاني: دراسة جوانبه العلمية.\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: طلبه للعلم ورحلاته.\nالمبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه.\nالمبحث الثالث: عقيدته ومذهبه في الفروع.\n_________\n(^١) أعتني فيها ببسط وإبراز ما يتعلق بمجال تخصصي، وأكتفي في المجالات الأخرى بمختصر للتراجم الموسعة إلى ذكرها من ترجم له في رسائل علمية؛ حيث حققت بعض مخطوطات المصنف في رسائل علمية توسع فيها أصحابها في ترجمته كالدكتور نجم عبد الرحمن خلف والدكتور مصلح الحارثي.","vol":"1","page":18},{"text":"المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.\nالمبحث الخامس: آثاره العلمية.\nالباب الأول: الآثار الواردة في الاتباع والابتداع.\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في الاتباع.\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في تعظيم السلف للكتاب والسنة.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في النهى عن الكلام في العلماء.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في الابتداع.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع.\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في نهي السلف عن الأهواء وتعوذهم منها.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في تمني الموت قبل وقوع البدع.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في سرعة وقوع البدع في الناس.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في أن البدع سبب هلاك مَن هلك مِن هذه الأمة.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في تألم السلف من ظهور البدع وترك السنن.","vol":"1","page":19},{"text":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع.\nوفيه ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في النهى عن الاستماع لأهل البدع.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهلَ البدع من الكلام فيها.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع.\nالمطب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة.\nالمطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعالٍ خشية أن تكون بدعة.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا والآخرة.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا.\nوفيه سبع مسائل:\nالمسألة الأولى: الآثار الواردة في حكم غيبتهم.\nالمسألة الثانية: الآثار الواردة في حكم لعنهم.\nالمسألة الثالثة: الآثار الواردة في حكم تزويجهم.\nالمسألة الرابعة: الآثار الواردة في حكم من خالطهم.\nالمسألة الخامسة: الآثار الواردة في حكم مجالستهم.","vol":"1","page":20},{"text":"المسألة السادسة: الآثار الواردة في حكم مغفرة ذنوبهم في شعبان.\nالمسألة السابعة: الآثار الواردة في حكم قتلهم.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الآخرة.\nوفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: الآثار الواردة في تسليط بعض الحيات عليهم بعد موتهم.\nالمسألة الثانية: الآثار الواردة في عذاب أهل البدع في قبورهم.\nالمسألة الثالثة: الآثار الواردة في تحويل وجوههم عن القبلة في قبورهم.\nالباب الثاني: الآثار الواردة في التوحيد.\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في توحيد الربوبية.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضل معرفة اللَّه.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في استلزام التفكر والمعرفة للعبادة.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في توحيد الألوهية.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في أنواع العبادة.\nوفيه ثلاثة عشر مطلبا:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في فضل التوحيد.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في الإخلاص وصلاح العمل.","vol":"1","page":21},{"text":"المطلب الثالث: الآثار الواردة في الدعاء.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في التوكل.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في اليقين.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في حسن الظن باللَّه.\nالمطلب السابع: الآثار الواردة في الرجاء.\nالمطلب الثامن: الآثار الواردة في الخوف.\nالمطلب التاسع: الآثار الواردة في الجمع بين الخوف والرجاء.\nالمطلب العاشر: الآثار الواردة في الشكر.\nالمطلب الحادي عشر: الآثار الواردة في التوسل.\nالمطلب الثاني عشر: الآثار الواردة في حقوق المصطفى -ﷺ-.\nالمطلب الثالث عشر: الآثار الواردة في التبرك.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في نواقض وقوادح التوحيد.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في نواقض التوحيد.\nوفيه خمس مسائل:\nالمسألة الأولى: الآثار الواردة في النهي عن الشرك.\nالمسألة الثانية: الآثار الواردة في ذم الشرك.\nالمسألة الثالثة: الآثار الواردة في التحذير من الشرك.\nالمسألة الرابعة: الآثار الواردة في السحر.","vol":"1","page":22},{"text":"المسألة الخامسة: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى الشرك.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في قوادح التوحيد.\nوفيه ست مسائل:\nالمسألة الأولى: الآثار الواردة في الرياء.\nالمسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير اللَّه.\nالمسألة الثالثة: الآثار الواردة في قول الرجل: لولا اللَّه وأنت.\nالمسألة الرابعة: الآثار الواردة في التمائم.\nالمسألة الخامسة: الآثار الواردة في الطيرة.\nالمسألة السادسة: الآثار الواردة في النهى عن بناء القبور بالآجر.\nالفصل الثالث: الآثار الواردة في توحيد الأسماء والصفات.\nوفيه أربعة عشر مبحثا:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في أن أسماء اللَّه حسنى.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في فهم معاني الصفات.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في قطع الطمع عن إدراك الكيفية.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في العلو والفوقية.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في اليد.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في الساق.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في النظر إلى اللَّه ورؤيته.","vol":"1","page":23},{"text":"المبحث التاسع: الآثار الواردة في المكر.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في الاستهزاء.\nالمبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في الخداع.\nالمبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف.\nالمبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في السخط.\nالمبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في المغيرة.\nالفصل الرابع: الآثار الواردة في القدر.\nوفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن اللَّه (العدل الإلهي).","vol":"1","page":24},{"text":"المبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر.\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالسباب.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر والصبر عليه، وبين العزم على ذلك.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر.\nالباب الثالث: الآثار الواردة في مباحث الإيمان.\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في تعريف الإيمان.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في الزيادة والنقصان.\nالفصل الثالث: الآثار الواردة في الاستثناء.\nالفصل الرابع: الآثار الواردة في الإسلام والإيمان.\nالفصل الخامس: الآثار الواردة في الأسماء والأحكام.","vol":"1","page":25},{"text":"وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في الأسماء:\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في أنواع الكفر.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في الحجاج بن يوسف.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في الولاء والبراء.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في الأحكام.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في حكم عصاة الموحدين.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في أطفال المشركين.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في توبة القاتل.\nالباب الرابع: الآثار الواردة في الصحابة والإمامة.\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصةً.\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق -﵁-.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب -﵁-.","vol":"1","page":26},{"text":"المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عثمان بن عفان -﵁-.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب -﵁-.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة ﵃.\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص -﵁-.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص -﵁-.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل عبد الرحمن بن عوف -﵁-.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة -﵁-.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح -﵁-.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير -﵁-.\nالفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت ﵃.\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس -﵁-.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي -﵁-.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل الحسين بن علي -﵁-.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن جعفر -﵁-.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عباس -﵁-.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل عبيد اللَّه بن العباس -﵁-.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل عائشة -﵂-.","vol":"1","page":27},{"text":"المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل زينب بنت جحش -﵂-.\nالفصل الرابع: الآثار الواردة في فضائل بقية الصحابة.\nوفيه ثلاثة وثلاثون مبحثا:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن سعيد بن العاص -﵁-.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل مصعب بن عمير -﵁-.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل ذي البجادين -﵁-.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عكرمة بن أبي جهل -﵁-.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل بلال بن رباح -﵁-.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل أبي بن كعب -﵁-.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل البراء -﵁-.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل خالد بن الوليد -﵁-.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في فضائل سعد بن عبادة -﵁-.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في فضائل أبي الدرداء -﵁-.\nالمبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في فضائل سلمان -﵁-.\nالمبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في فضائل الأشعث بن قيس -﵁-.\nالمبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في فضائل لبيد بن ربيعة -﵁-.\nالمبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي موسى -﵁-.\nالبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في فضائل حجر بن عدي -﵁-.\nالمبحث السادس عشر: الآثار الواردة في فضائل أسامة بن زيد -﵁-.","vol":"1","page":28},{"text":"المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في فضائل حسان بن ثابت -﵁-.\nالمبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في فضائل حكيم بن حزام -﵁-.\nالمبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي هريرة -﵁-.\nالمبحث العشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عامر بن كريز -﵁- ..\nالمبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في فضائل معاوية -﵁-.\nالمبحث الثاني والعشرون: الآثار الواردة في فضائل قيس بن سعد -﵁-.\nالمبحث الثالث والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عمرو -﵁-.\nالمبحث الرابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن الزبير -﵁-.\nالمبحث الخامس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عمر -﵁-.\nالمبحث السادس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل طلحة بن البراء -﵁-.\nالمبحث السابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل سهل بن سعد -﵁-.\nالمبحث الثامن والعشرون: الآثار الواردة في فضائل زيد بن عمر بن الخطاب -﵁-.\nالمبحث التاسع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل صعصعة -﵁-.\nالمبحث الثلاثون: الآثار الواردة في فضائل علبة بن زيد -﵁-.\nالمبحث الحادي والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل النعمان بن قوقل -﵁-.\nالمبحث الثاني والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أبي معلق -﵁-.\nالمبحث الثالث والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أسماء ﵂.\nالفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن.\nوفيه أربعة مباحث:","vol":"1","page":29},{"text":"المبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة.\nوفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عند العجز.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في النهى عن منازعة الملوك الأمر.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في تحريم الخروج على الحكام.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام.\nالمطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج.\nوفيه تسعة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في أن مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج.","vol":"1","page":30},{"text":"المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج.\nالمطلب الثامن: الآثار الواردة في أن ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع.\nالمطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في مواقف المسلم من الفتنة.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى اللَّه -بزعمهم- بقتل المسلمين.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة.\nالباب الخامس: الآثار الواردة في اليوم الآخر وما يتعلق به.\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في أشراط الساعة.","vol":"1","page":31},{"text":"الفصل الثاني: الآثار الواردة في القبر.\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في إثبات عذاب القبر.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في استمرارية عذاب القبر.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في إثبات وجود الملكين في القبر.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في تلاقي الأرواح.\nالفصل الثالث: الآثار الواردة في القيامة.\nوفيه عشرة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في الصور.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في النفخ في الصور.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في هول الموقف.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في هوان الموقف على المؤمن.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في أرض المحشر وصفتها.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في الشفاعة.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في المقام المحمود.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في البعث وصفته.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في الصراط.\nالفصل الرابع: الآثار الواردة في الجنة.","vol":"1","page":32},{"text":"وفيه واحد وعشرون مبحثا:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في كون العرش سقف الجنة.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في أدنى أهل الجنة نعيما.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في معنى الظل المدود.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في نخل الجنة وأشجارها.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في أرض الجنة.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في شراب أهل الجنة وأكلهم.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في لباسهم.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في فراشهم.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في حُلِيِّهم.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في صفة أهلها وخدمهم.\nالمبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في لسانهم.\nالمبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في تزاور أهلها.\nالمبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في سوقها.\nالمبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في غنائهم.\nالمبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في الحور العين.\nالمبحث السادس عشر: الآثار الواردة في الجماع وما يتعلق به من الولد وغيره.\nالمبحث السابع عشر: الآثار الواردة في قصور الجنة وخيامها.\nالمبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في أبواب الجنة.","vol":"1","page":33},{"text":"المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في موضع الجنة.\nالمبحث العشرون: الآثار الواردة في وجود الجنة الآن.\nالمبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في ذكر بعض عيونها وأنهارها.\nالفصل الخامس: الآثار الواردة في النار.\nوفيه أحد عشر مبحثا:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في أبواب جهنم.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في عمقها.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في جبالها وأوديتها وحجارتها وبيوتها وسجونها.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في مقامعها وسلاسلها وأغلالها وأزِمَّتها.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في شراب أهلها وطعامهم.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في حَيَّاتِها وعقاربها.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في ذكر بعض أنواع العذاب.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في بكاء أهلها.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في موضع النار.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في نارها ودركاتها.\nالمبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في أبَدِيَّتِها.\nهذا وقد بذلت قصارى جهدي في خدمة تراث هذا العالم الجليل، وحاولت الإلمام بالموضوع من جميع جوانبه ومواجهة صعوباته بالتذليل","vol":"1","page":34},{"text":"والتسهيل، ليخرج في ثوب قشيب جميل، فإن وفقت في قصدي وجهدي فلله الحمد والمنة والثناء الجميل، وإن أصابني ما هو من طبيعة البشر من الخلل والتقصير، فهو مني ومن الشيطان فأستغفر اللَّه العظيم وأسأله التوفيق والسداد، والعفو والستر في الدنيا ويوم المعاد، والعلم رحم بين أهله فرحم اللَّه عبدا أبدى نصحا يكمل نقصا، فيثاب عليه المفيد ومن استفاد.\nوالحمد للَّه أولا وآخرا، والشكر له باطنًا وظاهرًا، وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان دابرا وغابرا.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>تمهيد: في ترجمة موجزة لابن أبي الدنيا</span>\nوفيه فصلان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الأول: دراسة جوانبه الشخصية</span>.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.\nالمبحث الثاني: مولده ونسبه.\nالمبحث الثالث: وفاته.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه</span>.\nهو عبد اللَّه بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس، أبو بكر القرشي الأموي مولاهم، الحنبلي البغدادي، المشهور بـ (ابن أبي الدنيا).\nومع شهرته الواسعة ﵀ بهذا الاسم إلا أنه قد يرد باسم أو نسبة غير ما اشتهر به، وقد اعتنى ببيان هذه الفائدة الخطيب البغدادي فقال: \"ذكر عبد اللَّه بن محمد بن أبي الدنيا المصنف. . .\nوهو عبد اللَّه بن عبيد الذي روى عنه الحارث بن أبي أسامة. . .\nوهو عبد اللَّه بن سفيان الأموي. . .\nوهو أبو بكر بن عبيد الذي روى عنه وكيع القاضي. . .\nوهو أبو بكر بن سفيان الكوفي. . .\nوهو أبو بكر الأموي\" (^١).\n_________\n(^١) موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٢٠٩ - ٢١١)، وانظر الكفاية في علوم الحديث (٣٦٩)، وفي فتح المغيث (١/ ١٩٠) ذكره في أنواع التدليس وبيّن أن سبب تدليس الحارث بن أبي أسامة له هو أنه أكبر من ابن أبي الدنيا سنًا، وما ذكره الخطيب ﵀ في غاية الأهمية لمعرفة نسبة مرويات ابن أبي الدنيا إليه، ومعرفة تلاميذه، وتصرفات بعضهم عند الرواية عنه، ولم أجد من نبه على هذه الفائدة ممن درس ابن أبي الدنيا أو حقق بعض كتبه.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثاني: مولده ونشأته</span>.\nلقد توجه عدد من التراجم المعاصرة - التي ترجمت لابن أبي الدنيا (^١) إلى القول بأنه ولد ببغداد سنة (٢٠٨ هـ)، وليس في تحديد سنة ولادته خلاف، أما تحديد مكان الولادة بأنه (بغداد) فبعد البحث لم أقف له على مستند يؤيده، مع أنه لا خلاف في كونه بغداديا: مسكنا، واستقرارا، وشهرة.\nوقد وقفت على قول الخطيب يصفه بأن: \"أصله من الكوفة، ومسكنه بغداد\" (^٢) فلا أستبعد أن يكون مولده بالكوفة، حيث ذكر أن\n_________\n(^١) انظر ترجمته في المصادر التالية:\nالجرح والتعديل (٥/ ١٦٣)، الفهرست لابن النديم، (٢٦٢)، تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩)، طبقات الحنابلة (١/ ١٩٢)، مروج الذهب (١/ ١٣) (١٥/ ٥٠، ١٧٤)، الكامل لابن الأثير (٦/ ٧٨)، الأنساب للسمعاني (٤/ ٤٧١)، المنتظم (٥/ ١٤٨)، التمييز والفصل لابن باطيش (٣٢٢)، تهذيب الكمال (١٦/ ٧٢)، السير (١٣/ ٣٩٧)، تذهيب التهذيب (٥/ ٢٩٧)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٧٧)، العبر (١/ ٤٠٤)، مختصر دول الإسلام (١/ ١٣٣) للذهبي، البداية والنهاية (١١/ ٧١)، النجوم الزاهرة (٣/ ٩٨)، فوات الوفيات (٣/ ٣٨٣)، تهذيب التهذيب (٦/ ١٢)، المنهج الأحمد (١/ ٢٧٣)، هدية العارفين (١/ ٤٤١ - ٤٤٢)، أبجد العلوم (٣/ ١٠٠).\nوانظر ما كتبه كل من أصحاب الفضيلة: د. نجم خلف في مقدمة الصمت، د. مصلح الحارثي في مقدمة التهجد، الأستاذ ياسين السواس في مقدمة الشكر، وما أورده عدد من محققي كتبه في ذلك.\n(^٢) موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":40},{"text":"أصله من الكوفة، ومسكنه بغداد، ولفقدان مستند القول بولادته في بغداد -فيما وقفت عليه- فلا يحسن الجزم به ولا ترجيحه (^١)، وذلك لما في مقولة الخطيب السابقة -في أصله ومسكنه- ما لعله يشير لكون ولادته بالكوفة واللَّه أعلم.\nوقد نشأ في بيت علم وفضل، فقد كان والده من أهل العلم والحديث، روى عنه في عدة مواطن من كتبه، في موضوعات متعددة، حديثا وأثرا وشعرا وأخبارا وتاريخا.\nوكان والده حريصا على توجيهه لطلب العلم على بعض المحدثين والسماع منهم وهو في مقتبل شبابه، فقد ذكر الذهبي أن أقدم شيخ له هو سعيد بن سليمان الواسطي وهو المشهور بسعدوية، وقد توفي سنة (٢٢٥ هـ)، وكان حينئذ في سن السابعة عشرة، ولهذا لم يتهيأ له السماع من عفان بن مسلم -كما ذكره إبراهيم بن إسحاق الحربي-، لأن عفان بن مسلم توفي في عام (٢٢٠ هـ) وكان ابن أبي الدنيا في الثانية عشرة من عمره، وكأنه في هذا الوقت توجَّه -ولعله بتوجيه والده- لأدب الحديث وللتهذيب، فكان يصحب البرجلاني (ت: ٢٣٨ هـ) وهو صاحب التآليف في الزهد والرقائق (^٢).\n_________\n(^١) كما رآه محقق مقتل أمير المؤمنين علي -﵁-، ولم يفصح عن وجه الترجيح.\n(^٢) وقد كانت هذه عادة المحدثين أنهم لا يبدؤون بسماع الحديث قبل الأدب، ولهم في ذلك أقوال شهيرة ومباحث كثيرة في كتب المصطح، ومن أقوالهم في ذلك: \"كان الرجل إذا أراد أن يطب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة\"، انظر مقدمة ابن الصلاح (٧٣)، المنهل الروي لابن جماعة (١٠٥)، تدريب الراوي (٢/ ٥).","vol":"1","page":41},{"text":"كما نشأ ﵀ في كنف أئمة علماء السنة، من محدثين ولغويين وأهل سير وتاريخ وزهاد وعباد، حيث إن الباحث حين يقرأ سيرته ويبصر ما في كتبه ويتتبع شيوخه، يلفت انتباهه الانتقاء والتميز والتخصص، ناهيك عن الإمامة في الدين والعلم.\nوتتلمذ على أئمة كبار ونهل من معينهم، وروى عنهم، وكان الغالب على كل واحد منهم حيازة السبق في ميدانه وميادين أخرى كثيرة، بحيث استطاع ﵀ تكوين شخصيته العلمية الفذة المتميزة، التي مكنته من تبوّأ مكانة علمية مرموقة، علمًا وعملا وتأليفا.\nفقد لازم الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة، وروى عن الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث (^١)، والذي قال عنه ابن حجر: \"جبل الحفظ، وإمام الدنيا في فقه الحديث\" (^٢)، ولازم أبا عبيد القاسم بن سلام، وابن سعد صاحب الطبقات، وابن الجعد صاحب المسند، وخلف ابن هشام أحد القراء العشرة، وجميع هؤلاء متقدمو الوفاة، وهم جميعا أصحاب علم متنوّع، وأدب، وزهد، وبصيرة، وإمامة، فلا عجب أن يكون ابن أبي الدنيا بعد هذه التنشئة المميزة موسوعة جامعة كما قال العلامة ابن القيم: \"كان يقال: ملأ ابن أبي الدنيا الدنيا علما\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث (٢٤).\n(^٢) تقريب التهذيب رقم (٥٧٦٤).\n(^٣) طريق الهجرتين (١٩٥)، وانظر ما ذكره الدكتور نجم خلف في كتابه العيال (٧٩ - ٩٨) فقد نبه على فوائد علمية قيّمة تتعلق بصاحب الترجمة.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثالث: وفاته</span>.\nتوفي ﵀ يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة (٢٨١ هـ) (^١) -ويقال: في جمادى الأولى (^٢) -، هذا على أولى الأقوال بالصواب، وهناك قول وهّمه الخطيب يجعلها قبل ذلك بسنة (^٣)، وقول مرّضه الصفدي (^٤) يجعلها بعد ذلك بسنة يعني (٢٨٢ هـ).\nوهناك قول آخر يبتعد بها إلى سنة (٢٩٠ هـ)، فقد ذكر الذهبي (^٥)، والديار بكري (^٦) أن عُمْره حين وفاته كان نيفا وثمانين سنة، وهذا يفيد أنه عاش إلى حدود سنة (٢٩٠ هـ)، وقد ذكر محقق كتاب مقتل أمير المؤمنين علي ﵁ ما يؤيد هذا الاحتمال (^٧) وهو قصة إرسال ابن أبي الدنيا للمكتفي لما تولى الخلافة ببيتين من الشعر يذكره فيهما بحق التأديب وأنه كحق الأبوه الذي يتعنِ مراعاته من أهل الفضل، فبعث إليه\n_________\n(^١) الفهرست لابن النديم (٢٦٢)، وقد وَهَّم الخطيب من قال إنه توفي سنة ثمانين، انظر تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).\n(^٢) تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).\n(^٣) تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).\n(^٤) فوات الوفيات (١/ ٤٩٤)، وانظر الوافي بالوفيات (١/ ٢٤٢٨).\n(^٥) العبر (١/ ٤٠٤)، دول الإسلام (١/ ٢٥٢).\n(^٦) تاريخ الخميس (١/ ٣٤٤).\n(^٧) (١١ - ١٢).","vol":"1","page":43},{"text":"بعشرة آلاف درهم (^١)، ولذلك قال السيوطي: \"هذا يدل على تأخر ابن أبي الدنيا إلى أيام المكتفي\" (^٢)، ويجاب عن هذا بما يلى:\nالأول: أن القصة مروية من طريق أبي سليمان الخطابي، وسُمِّي فيها شيخه والراوي عنه؛ ولم أقف لهما على ترجمة، إضافة لروايتها بطريق الإجازة وهى مضعّفة عند التعارض.\nالثاني: أنه قد ورد أثر بسند حسن رواه ابن المرزبان عن ابن أبي الدنيا فقال: \"أنشدني ابن أبي الدنيا، وكتب به إلى المعتضد أمير المؤمنين (^٣)، وكان يؤدب ابن أمير المؤمنين علي المكتفي\" (^٤)، فهذه الرواية تفيد أن البيتين مرسلان لوالد المكتفي وهو المعتضد، وأنه لما أرسل له البيتين كان يؤدب ابنه المكتفي، وأما سياق القصة القائل بالإرسال للمكتفي فلم يضبط فيه المرسل إليه فجُعِل المكتفي، ولو صح القول الذي ذكره الصفدي وابن شاكر أنه أرسله إلى كليهما، فإرساله إلى المكتفي في\n_________\n(^١) المنتخب من السياق (٦٧).\n(^٢) تاريخ الخلفاء (٣٢٦).\n(^٣) هو الخليفة العباسى المعتضد باللَّه أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم، كان ملكا شجاعا، مهيبا، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس، جدَّدَ ملك بني العباس بعد أن خَلِقَ، فكان يدعى السفاح الثاني، مات سنة (٨٩ هـ)، تاريخ الخلفاء (٣٢٠).\n(^٤) وهذا سند حسن؛ فإن المرزبان وصفه الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٣٧)، بقوله: \"كان إخباريا مصنفا حسن التصنيف\"، ونقل الذهبي في الميزان (٣/ ٥٣٧) عن الدارقطني تليينه وقال ابن الجوزي في المنتظم (٦/ ١٦٥): \"وكان صدوقا ثبتا\"، وكذا الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ٢٣٤٥)، ذم الثقلاء (١٣).","vol":"1","page":44},{"text":"عهد ولاية أبيه لا في عهده هو واللَّه أعلم.\nالثالث: أنه يستبعد جدا أن يكون قد بقي إلى حدود سنة (٢٩٠ هـ)؛ لأن القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي الذي حضر وفاته، وتأسف على العلم الذي مات معه (^١)، لم يعمِّر إلى هذه السنة، بل توفي فجاة سنة (٢٨٢ هـ) (^٢).\nالرابع: أما ما سبق ذكره عن السيوطي فقد ذكر هو نفسه ما هو بخلافه، حيث جزم في نهاية ترجمة المعتضد (^٣)، بأن ابن أبي الدنيا ممن مات في عهده من الأعلام.\nهذا وقد تأثر لوفاته ﵀ العلماء، وتأسفوا على موته، كما روى الخطيب البغدادي -بسند حسن- (^٤) في تاريخه عن القاضي أبي الحسن قال: بكّرت إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي يوم مات ابن أبي الدنيا، فقلت له: أعزّ اللَّه القاضي مات ابن أبي الدنيا، فقال: رحم اللَّه أبا بكر مات معه علم كثير، يا غلام امض إلى يوسف حتى يصلي عليه، فحضر يوسف بن يعقوب فصلى عليه في الشونيزية (^٥)، ودفن بها\" (^٦).\n_________\n(^١) كما سيأتي نقله قريبا في قصة وفاته والصلاة عليه.\n(^٢) تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٩).\n(^٣) تاريخ الخلفاء (٣٢٠).\n(^٤) فإن القاضي أبا الحسن وهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن هارون بن الصلت، كان صدوقا صالحًا، وفيه كلام لا ينزل الأثر عن درجة الحسن، انظر تاريخ بغداد (٥/ ٩٤)، ولسان الميزان (١/ ٢٥٥).\n(^٥) هي مقبرة في الجانب الغربى من بغداد، دفن فيها جماعة كثيرة من الصالحين، ولهذا يطلق عليها مقبرة الصالحين، انظر القاموس المحيط (١/ ٦٦١)، معجم البلدان (٣/ ٣٧٤).\n(^٦) تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الثاني: دراسة جوانبه العلمية</span>.\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: طلبه للعلم ورحلاته.\nالمبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه.\nالمبحث الثالث: عقيدته ومذهبه في الفروع.\nالمبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.\nالمبحث الخامس: آثاره العلمية.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الأول: طلبه للعلم ورحلاته</span>.\nسبق في المبحث الثاني الفصل السابق -عند الكلام على نشأته- الكلام على أن ابن أبي الدنيا ﵀ اعتنى بطلب العلم من صغره، وأنه تتلمذ على جِلَّة علماء عصره وأفاضلهم بل وأئمتهم.\nأما رحلاته فلم يشتهر ابن أبي الدنيا ﵀ بالرحلة في الطلب، بل كان كما قال الذهبي: \"قليل الرحلة\" (^١)، وفي هذا يقول الدكور نجم عبد الرحمن خلف -بعد تتبع لمشايخه، والنُّتَف المنثورة في سيرته-: \"لم يرحل خارج العراق إلا لأداء فريضة الحج، فكان معظم سماعه ببغداد، سواء من شيوخها النازلين بها، أو من الشيوخ الوافدين عليها من البلاد الأخرى، فتكون رحلاته ضمن حدود العراق كالبصرة والكوفة والموصل\" (^٢).\nقلت: ولعل الأولى من هذا القول بأنه اكتفى بمن في بلده (بغداد) من أئمة كبار ومحدثين إضافة إلى من زارها ونزل بها من غيرهم، كان استغناؤه بهم عن الرحلة أمرا لا يقدح في اجتهاده في العلم وحرصه عليه، والدليل على ذلك هو واقع مروياته الواسعة المنوعة المودعة في تآليفه الكثيرة جدًّا.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٩٩).\n(^٢) العيال (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>أولا: شيوخه</span>.\nلقد تتلمذ ابن أبي الدنيا وسمع من شيوخ كثيرين يعدون بالمئات، عدّ منهم المزي -على عادته في تتبع شيوخ المترجم لهم في تهذيب الكمال- أكثر من مائة وعشرين شيخا (^١)، وقد استفتح الذهبي سرد أسمائهم بقوله: \"وهم خلق كثير\" ثم سرد (٥٢) شيخا لم يذكرهم المزي (^٢)، وختم ذلك بقوله: ويروي عن خلق كثير لا يعرفون\" (^٣).\nوقد ذكروا من مشاهير شيوخه: أبا عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ)، وخلف بن هشام القارئ المشهور الذي تنسب رواية خلف في القراءة إليه (ت: ٢٢٩ هـ)، وابن سعد صاحب الطبقات (ت: ٢٣٥ هـ)، وعلي بن الجعد صاحب المسند (ت: ٢٣٥ هـ)، وأبا خيثمة زهير بن حرب (ت: ٢٣٤ هـ)، ومحمد بن الحسين البرجلاني صاحب التآليف في الزهد والرقائق (ت: ٢٣٨ هـ)، والإمام أحمد بن حنبل الشيباني (ت: ٢٤١ هـ)، وعمرو بن علي الفلاس\n_________\n(^١) وقد وقع تفاوت في العد بين الدكتور مصلح الحارثي والدكتور نجم خلف؛ فعدهم الدكتور مصلح الحارثي ١٢٠ شيخا، وعدهم الدكتور نجم خلف ١٢٩ شيخا، مع اعتمادهما على نفس المصدر، وإن كانت الطبعة مختلفة، ولما أجريت العد وجدته (١٢٤) شيخا.\n(^٢) السير (١٣/ ٣٩٧).\n(^٣) السير (١٣/ ٣٩٩).","vol":"1","page":48},{"text":"(ت: ٢٤٩ هـ) (^١)، والإمام البخاري صاحب الصحيح (ت: ٢٥٦ هـ)، وقاضي بغداد إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت: ٢٨٢ هـ).\nوكثيرا ما يُعْزى عدم الوقوف على ترجمة لبعض شيوخه إلى ما سبق من كونه روى عن أناس لا يُعرفون، وهذا وإن كان له نسبة من الصحة (^٢)، فله كذلك أسباب أخرى توصلت إليها خلال بحثي في تخريج الآثار الواردة في هذه الرسالة، أبرز منها في هذه المقدمة سببين هما:\nالسبب الأول: وهو أنه ﵀ ينسب كثيرا من شيوخه إلى نسب غير مشهورة عنهم، وهذا ما حدا بالخطيب البغدادي إلى ذكره في كتابه المختص بهذا الفن من فنون علوم الحديث وهو موضح أوهام الجمع والتفريق، حيث ذكر في حرف الياء يحيى بن أبي طالب، وذكر أن ابن أبي الدنيا سماه: أبا بكر بن جعفر، وأن اسمه الكامل هو أبو بكر يحيى بن أبي طالب واسم أبي طالب: جعفر بن عبد اللَّه بن الزبرقان مولى بني هاشم (^٣)، ولهذا لم يتعرف عليه محقق كتاب المرض والكفارات الباحث عبد الوكيل الندوي فقال: \"إسناده: فيه شيخ المؤلف لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات\" (^٤)،\n_________\n(^١) انظر الفلاس منهجه وأقواله في الرواة (٢٨٣).\n(^٢) حددها الدكتور نجم خلف في تحقيقه لكتاب العيال (١/ ١٠٩) بأنها لا تتجاوز ٥ %.\n(^٣) موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧)، وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠).\n(^٤) انظر المرض والكفارات حكمه على الأثر رقم (٤٥)، وليس هذا أمرا خاصا بشيوخه بل تجده في غيرهم كأبي المنذر الكوفي وهو الكلبي المتروك يروي عنه والد ابن أبي الدنيا ولا يسميه باسمه المعروف.","vol":"1","page":49},{"text":"وذكر أيضًا في الكفاية (^١) إبراهيم بن سعيد الجوهري وأنه يروي عنه ابن أبي الدنيا فيسميه إبراهيم بن أبي عثمان، وأحيانا أبا إسحاق الجزري.\nولهذا الكلام أمثلة عندي كذلك، منها أنه سمى شيخه الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبا مسلم الحراني، فلم يهتد إليه المحقق الدكتور نجم خلف فعرَّفه بأنه المغيرة بن عبد الرحمن الأسدي (^٢)، وكذلك سمى شيخه عمرو بن علي الفلاس أبا حفص الصيرفي، وشيخه أبو عبد اللَّه المروزي يشتبه فيه أحمد بن نصر الخزاعي المروزي بمحمد بن نصر المروزي، وهذا ما أوقع ارتباكا لدى محققي كتبه تجده مفصلا في تعليقاتي في أثناء هذه الرسالة، ومحمد بن عبد الملك القرشي، سماه في عدة مواطن من كتبه هكذا، وهو معروف بمحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، والقاضي إسماعيل ابن إسحاق المالكي سماه أبا إسحاق الأزدي.\nالسبب الثاني: كثرة التصحيف في كتبه المطبوعة، بل لم تسلم المخطوطة أيضًا من هذه الآفة؛ ولذلك يتعب الباحث كثيرا في تحقيق أسماء الرواة في الأسانيد لا سيما في بعض الطبعات السقيمة، وتجد تفاصيل هذا في بحث فضيلة الدكتور عبد اللَّه دمفو فقد تناول كتبه المطبوعة وقارن بين\n_________\n(^١) حيث ذكر في باب الكلام في التدليس (٣٧٠) عنوانا في ذكر شيء من أخبار بعض المدلسين أورد فيه ما ذكرته في المتن.\n(^٢) انظر كتاب الصمت رقم (٣٦٦)، وانظر تحقيق ذلك فيما سيأتي من هذه الرسالة الأثر رقم (١١٢٥).","vol":"1","page":50},{"text":"طبعاتها المختلفة، كما قام بالرجوع إلى بعض الأصول الخطية، وقابلها أو بعضها بالمطبوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>ثانيا: تلاميذه</span>.\nلقد كان طلاب ابن أبي الدنيا كثرة كشيوخه، قال ابن تغري بردي: \"روى عنه خلق كثيرا\" (^١)، عدَّ منهم المزي في تهذيب الكمال أكثر من خمسين تلميذا (^٢).\nومن مشاهير تلاميذه: الفاكهي صاحب أخبار مكة (ت: ٢٧١ هـ تقريبا) (^٣)، والإمام ابن ماجه صاحب السنن (ت: ٢٧٣ هـ)، وشيخه الحارث بن أبي أسامة (ت: ٢٨٢ هـ)، ووكيع صاحب كتاب أخبار القضاة (ت: ٣٠٨ هـ) (^٤)، وابن خزيمة صاحب الصحيح (ت: ٣١١ هـ)، وابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل (ت: ٣٢٧ هـ)، ومحدث الأندلس القاسم بن أصبغ المالكي (ت ٣٤٠ هـ)، وغيرهم.\n_________\n(^١) النجوم الزاهرة (٣/ ٨٦).\n(^٢) تهذيب الكمال (٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، وانظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٩٩ - ٣٤٠).\n(^٣) وقد ذكر محقق الكتاب (١/ ٢٤) أنه روى عنه في هذا الكتاب أثرا واحدا فقط هو رقم (١٦٠).\n(^٤) انظر أخبار القضاة (٣/ ٣٥٥) فقد أحال المحقق على مواضع روايته عنه.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثالث: عقيدته ومذهبه في الفروع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>أولا: عقيدته</span>.\nلم أجد أثناء بحثى من نص على عقيدة ابن أبي الدنيا -﵀-، إلا أنه من الواضح جدا أنه كان سلفي المعتقد، على طريقة الصحابة والتابعين، متبعا لهم، معظما لآثارهم، جامعا لأقوالهم، وناصرا لمذهبهم، وهذا يدرك بالنظر أولا إلى شيوخه الذين تتلمذ عليهم، فهم ليسوا فقط على مذهبهم، بل أئمة فيه، أصحاب القدم الراسخة والقدح المعلَّى، ولو لم يكن إلا إمامهم الإمام أحمد الذي يلقب بإمام أهل السنة والجماعة، والبخاري صاحب الصحيح، إضافة إلى العدد الكبير الذي ألفه من الكتب سواء المطبوع والمخطوط منها أو المفقود، أما المطبوع والمخطوط فيوجد فيها مخبآت وأقوال فريدة وفوائد عديدة في عقيدة السلف، وأما المفقود فيلحظ من عناوينها اهتمام هذا الإمام بعقيدة السلف وحرصه على تدوينها ونشرها.\nفالإخلاص، وأعلام النبوة، وآخر الزمان، وأخبار معاوية، وحلم معاوية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنزال الحاجة باللَّه، والأنواء، والأهوال، والأولياء، والبعث والنشور، والتقوى، والتوبة، والتوكل، وحسن الظن باللَّه، والخائفين، والدعاء، ودلائل النبوة، وذكر الموت، وذم الرياء، والرضا عن اللَّه، والرقى، وسدرة المنتهى، والسنة، وشجرة طوبى، والشكر، والصبر، وصفة الجنة، وصفة الصراط، وصفة الميزان، وصفة النار، وفضائل علي، وفضائل لا إله إلا اللَّه، والقبور، وكرامات الأولياء،","vol":"1","page":52},{"text":"والمجوس، والمحتضرين، ومقتل عثمان، ومقتل علي، ومقتل الزبير، ومقتل الحسين، ومن عاش بعد الموت، والموقف.\nكل هذه الكتب الموجود منها والمفقود تسفر عن توجه عقدي سليم، ونصرة لمذهب السلف وبيان له في مثل هذه القضايا العقدية الخطيرة، فلا تكاد تجد مفردا من مفردات مقرر العقيدة إلا وله تأليف مستقل فيه، وعنوان بارز عليه، وإذا عرفت أن تآليفه ﵀ كلها نقولات عن السلف وذكر لتقريراتهم وأقوالهم في الباب المفرد، ناهيك عن جمعه لما ورد في كل باب من الآيات والأحاديث المسندة، ظهر ما ذكرته.\nأضف إلى ذلك ما نالته كتبه من الثناء العطر من علماء السلف، والاعتماد عليها في مسائل هامة من مسائل الاعتقاد.\nقال عنه ابن كثير: \"المصنف في كل فن، المشهور بالتصانيف الكثيرة النافعة الشائعة الذائعة في الرقاق وغيرها\" (^١)، وخصَّ ﵀ كتاب مكائد الشيطان (^٢) بأن فيه فوائد جمة (^٣)، وقال الذهبي: \"تصانيفه كثيرة جدا، فيها مخبآت وعجائب\" (^٤)، وقال ابن تغري بردي: \"الناس بعده عيال عليه في الفنون التي جمعها\" (^٥).\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١١/ ٧١).\n(^٢) وهو من كتب المصنف التي لم يعثر عليها، وقد جمع مجدي السيد ما وقف عليه من مروياته.\n(^٣) البداية والنهاية (١/ ٦٤).\n(^٤) السير (١٣/ ٣٩٩).\n(^٥) النجوم الزاهرة (٣/ ٨٦).","vol":"1","page":53},{"text":"بل إن من النصوص العزيزة التي وقفت عليها أثناء البحث أن قوام السنة جعل ابن أبي الدنيا هو العمدة في بعض المسائل العقدية الخطيرة المتعلقة بالصحابة والفتن التي جرت لهم كقتل الحسين ونحوه، وموقف يزيد بن معاوية -وأهل بيت معاوية -﵁- المنكر لفعل ابن زياد وشهادة علي بن الحسين وبنته فاطمة بذلك فقال: \"هذا ما نقله الثقات من أهل الحديث، فأما ما رواه أبو مخنف وغيره من الروافض فلا اعتماد بروايتهم، وإنما الاعتماد على نقل ابن أبي الدنيا وغيره ممن نقل هذه القصة على الصحة\" (^١).\nوفي نفس السياق وافقه شيخ الإسلام على هذا التحقيق، بل زاده شرحا وتعليلا فقال: \"والمصنفون من أهل الحديث في ذلك كالبغوي وابن أبي الدنيا ونحوهما، كالمصنفين من أهل الحديث في سائر المنقولات، هم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم؛ لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقات، أو يرسلونه عمن يكون مرسله يقارب الصحة، بخلاف الأخباريين\" (^٢)، وهذه شهادة وتزكية وأي شهادة وتزكية، من هذين الإمامين الكبيرين في السنة.\nوقد اشتهر عن ابن أبي الدنيا ﵀ أن كتبه وعظية زهدية، يغلب عليها طابع التصوف (^٣)، وربما تراه باديا لدى كثير من طلبة العلم.\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٢٦)، وهو توثيق عزيز لم يذكره أحد ممن سبقني إلى دراسة ابن أبي الدنيا.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٧٩)، وانظر منهاج السنة (٤/ ٥٥٦).\n(^٣) سمعت هذا من كثير من طلبة العلم أثناء تحضير خطة البحث، بل إني كنت عرضت هذا الموضوع أثناء مرحلة الماجستر على عدة طلاب فكنت أرى علامة الاستغراب =","vol":"1","page":54},{"text":"لكن الذي وجدته أثناء البحث والدراسة لشيوخه، والآثار التي رواها عنهم، أنه على صورة مغايرة تماما -في غالبها- لهذا، فابن أبي الدنيا كان في بغداد في القرن الثالث، وهي الفترة التي برز فيها عدد من أئمة أهل السنة واحتوت على كثير من أعلامها، ومع كل هذا بل ومع حرص ابن أبي الدنيا على التأليف وجمع المادة العلمية التي يثري بها مؤلفاته، لا سيما في مثل هذه المواضيع التي لها صلة بالزهد والرقائق، وتربية النفس، فإننا نجده لا يتوجه إلى هذه الطائفة التي عرفت بتوسعها في هذا المجال، بل على العكس تماما فرغم وجود كثير من المشايخ في بلده بغداد، ومعاصرته لهم، فقد عزف عنهم ولم يرو لهم في كتبه شيئا، وهذا يفيد فائدة علمية مهمة، وهى أن ابن أبي الدنيا ليس مجرد جَمَّاعَة، وإنما هو مؤلف ينتقي مادته العلمية ويقصد إلى بيان منهج السلف في مثل هذه المسائل التي تناولها هؤلاء، فكأن لسان حاله يقول: هذا الزهد الصحيح، وهذا هو المنهج القويم فيه، وعلى هذا كان السلف، حاله في هذا حال من سبقه من مشايخه ومن سبقهم كالإمام أحمد والبرجلاني وابن المبارك وغيرهم، ولهذا تجد كثيرا من مادته العلمية تدور على هؤلاء كما سيتبين أثناء تخريج الآثار في هذه الرسالة، إضافة إلى أن أصحاب الآثار الذين روى أقوالهم هم أئمة السلف الكبار كالحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وأيوب السختياني ونحوهم، فضلا عمن سبقهم من الصحابة.\nويؤكد هذا الكلام أنك لو ألقيت نظرة عابرة على كتاب طبقات الصوفية للسلمي، لا تكاد تجد ذكرا لأصحاب الطبقتين الأولى والثانية،\n_________\n= والتعجب من كثيرهم، وكانت تعليقاتهم تدور حول جدواه، بل شك كثير منهم في وجود مادة علمية تغطي بحثا أكاديميا متخصصا في العقيدة.","vol":"1","page":55},{"text":"وهم من يمكن روايته عنهم أو عمن فوقهم في كتبه، إلا الفضيل بن عياض ﵀، وتلميذه إبراهيم بن أدهم، وصاحبه أبا عبد اللَّه النباجي، ثم الداراني شيئا يسيرا، من طريق أحمد بن أبي الحواري، ومنصور بن عمار، وعبد اللَّه بن خبيق الأنطاكى، ورويم بن أحمد البغدادي (ت: ٣٠٣ هـ)، فهؤلاء إما أن تجد مروياتهم قليلة جدا بالنسبة لحجم الآثار الواردة في كتبه، أو أن أقوالهم فيها رد صريح على ما اشتهر من مذهب التصوف في تلك العصور، أو لغرض آخر كأن يكون أحدهم أخباريا ونحو ذلك.\nولا تجد ذكرا لبشر الحافي رغم أنه سكن بغداد ومات بها، ولا للسري السقطي وهو إمام البغداديين وشيخهم في وقته وهو متأخر توفي سنة (٢٥١ هـ)، ولا الحارث المحاسبي (ت: ٢٤٣ هـ) وهو أستاذ أكثر البغداديين، وقرينه أحمد بن عاصم الأنطاكي، ولا معروف الكرخي (ت: ٢٠٠ هـ) وهو بغدادي، ولا الجنيد وهو عراقي مولدا ومنشأً وتأخرت وفاته إلى سنة (٢٩٧ هـ)، وسمنون بن عمر المحب وهو من كبار مشايخ بغداد مات بعد الجنيد، وكذا أبو الحسين النوري وهو بغدادي المنشأ والمولد، وكان من أجلِّ القوم وعلمائهم، لم يكن في وقته أحسن طريقة منه، ولا ألطف كلاما، وتأخرت وفاته إلى سنة (٢٩٥ هـ)، وأبو العباس بن مسروق سكن بغداد ومات بها سنة (٢٩٩ هـ)، وغير هؤلاء كثير يمكن تتبعهم في طبقات الصوفية للسلمي أو غيره من الكتب التي اهتمت بتراجم الصوفية، مع أن هؤلاء كان لهم شأن كبير وسمعة أكبر، وأكثر من ذلك كانوا بلديّيه -ولم أتعرض لذكر غير بلدييه وهم كذلك كُثُر-، ورغم كثرة مشايخه، بل وروايته عمن لا يُعرف كما ذكر عنه فتركه لأمثال من سبق دليل واضح أنه كان صاحب","vol":"1","page":56},{"text":"توجه مستقل تماما عن هذه الطائفة كطائفة، بل إن المتأمل لما أورده من أقوال السلف في المسائل التي تناولها بالتأليف فيها، يلحظ بكل وضوح أنه كان يقصد إبراز منهج السلف فيها، والرواية عن أئمتهم، فهي في الحقيقة رد على كل باطل اشتهر في وقته، بإرجاع الناس إلى ما كان عليه السلف، وإذا عرفت أنه بقى للتدريس إلى العام الذي توفي فيه يدرس كتبه ويملى ما ورد فيها، تبينت لك هذه الحقيقة أكثر.\nيضاف إلى هذا تأليفاته الصريحة في الرد على هذه الطائفة ككتاب التوكل الذي عالج فيه قضية عقدية مهمة وهي علاقة الأسباب بالتوكل وحكم التكسب، وذم الملاهي، والرضا عن اللَّه بقضائه وقدره، والتواضع والخمول، وكتاب الأولياء وغيرها من الكتب الهامة التي عالج فيها قضايا عقدية اشتهرت بها هذه الطائفة فبيّن منهج السلف فيها بتلك الكتب وروى آثارهم كما ستجده مفصلا في محله من أبواب هذه الرسالة ومباحثها التفصيلية.\nلكن هذا التقرير والتحقيق لا يمنع من ذكر بعض الملاحظات والإشارة إلى بعض الانتقادات التي لاحظتها أثناء إعداد هذه الرسالة العلمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>أولا: مسألة حياة الخضر</span>.\n\n١ - الخضر صاحب نبي اللَّه موسى ﵇؛ فقد وردت آثار كثيرة في حياته وبعض الحكايات التي تفيد بقاءه، بل روى أحاديث مرفوعة في مقابلته للنبي -ﷺ-؛ فإنك تجد كثيرا من المرويات التي ذكرها الحافظ في الإصابة وفتح الباري عن الخضر من طريق ابن أبي الدنيا (^١)، لكن هذا\n_________\n(^١) انظر فتح الباري (٦/ ٤٣٥، ٤٤٣)، والإصابة (٢/ ٢٩٥ - فما بعدها)، وقد روى ﵀ كثيرا منها في كتابه الهواتف انظر مثلا الأرقام: (٢٩، ٣٠، ٦٢، ٧١، =","vol":"1","page":57},{"text":"الأمر لا يمكن اعتباره استدراكا بالنظر إلى الفترة التي عاش فيها المؤلف وطريقة التأليف فيها؛ إذ كان يغلب على تلك الفترة رواية الآثار بالأسانيد، وكان صاحب الكتاب إذا ذكر السند يعتقد أنه قد برأت ذمته، ولهذا تعقب ابن دحية الكلبي ما ذكره ابن أبي الدنيا وغيره في أخبار الخضر بقوله: \"جميع ما ورد في حياته لا يصح منه شيء باتفاق أهل النقل، وإنما يذكر ذلك من يروي الخبر ولا يذكر علته؛ إما لكونه لا يعرفها، وإما لوضوحها عند أهل الحديث\" (^١)، وقال ابن حجر: \"الاكتفاء بالحوالة على النظر في الإسناد طريقة معروفة لكثير من المحدثين، وعليها يحمل ما صدر من كثير منهم من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحا، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة، وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ثانيا: بعض المسائل في توحيد العبادة</span>.\n\n٢ - عن الربيع بن ثعلب قال رجل: \"بينما أنا أطوف بالبيت إذ أعرابي يدعو فسمعته يقول: يا معين المخذولين لا تقطعن بي زور نبيك محمد، ضيفك حل بفنائك فاجعل قراه منك الجنة\" (^٣).\n_________\n= ٧٢، ١٠٨)، والأولياء رقم: (٥٦).\n(^١) الإصابة (٢/ ٢٩٦).\n(^٢) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٦٣)، وهذا تخريج لصنيعهم وهو لا يخلو من نوع لوم وعتاب واللَّه أعلم، أما في هذه الأعصار المتأخرة فلا تبرأ العهدة بذكر السند، بل يتعين ذكر الحكم على الحديث الموضوع صراحة، انظر فتح المغيث (١/ ٢٥٤)، والوضع في الحديث للدكتور عمر حسن فلاتة (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(^٣) الإشراف في منازل الأشراف رقم (٢٥٣).","vol":"1","page":58},{"text":"٣ - أثر دعوة الأربعة: عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن الزبير ومصعب ابن الزبير وعبد الملك بن مروان الذين اجتمعوا بفناء الكعبة وقام كل واحد منهم فدعا اللَّه بما يتمنَّى تحقُّقَه، فدعا كل واحد منهم وكان من دعاء عبد اللَّه بن الزبير أن قال: \"اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك، وحرمة عرشك، وحرمة نبيك -ﷺ-\" (^١).\n\n٤ - عن كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة قال: \"جاء رجل إلى عبد الملك ابن حيان بن سعيد بن الحسن بن أبجر فجس بطنه فقال: بك داء لا يبرأ، قال: ما هو؟ قال: هو الدبيلة، فتحول الرجل فقال: \"اللَّه اللَّه ربي لا أشرك به أحدا، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد -ﷺ- نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي أن يرحمني مما بي، رحمة يغنيني بها عن رحمة من سواه، ثلاث مرات\"، ثم دعا إلى ابن أبجر فجس بطنه فقال: برأت ما بك علة\" (^٢).\n\n٥ - عن المنكدر بن محمد: \"أن رجلا من أهل اليمن أودع أباه ثمانين دينارا وخرج يريد الجهاد وقال له: إن احتجت فأنفقها إلى أن آتي إن شاء اللَّه، قال: وخرج الرجل وأصاب أهل المدينة سنة وجهد، قال: فأخرجها أبي فقسمها، فلم يلبث الرجل أن قدم فطلب ماله، فقال له أبي: عد إلي غدا، قال: وثاب في المسجد متلوذا بقبر رسول اللَّه -ﷺ- مرة، وبمنبره مرة، حتى كاد يصبح، فإذا شخص في السواد يقول له: دونكها يا محمد، قال: فمد يده فإذا\n_________\n(^١) مجابو الدعوة رقم (٨٢).\n(^٢) مجابو الدعوة رقم (١٢٧).","vol":"1","page":59},{"text":"صرة فيها ثمانون دينارا قال: وغدا عليه الرجل فدفعها إليه\" (^١).\n\n٦ - عن سعيد بن عمرو قال: \"قحط الناس في زمن بشر بن مروان فخرجوا فاستسقوا وبشر معهم، فرجعوا وقد مطروا، ووافق ذلك سيلا من الليل، فغرقت ناحية بارق وبني سليم، فخرج بشر من الغد ينظر إلى آثار المطر حتى انتهى إلى بارق، فإذا الماء في دار سراقة بن مرداس البارقي، وسراقة قائم في الماء، فقال: أصلح اللَّه الأمير، إنك دعوت أمس ولم ترفع يديك فجاء ما ترى، ولو كنت رفعت يديك لجاء الطوفان، فضحك بشر، فأنشأ سراقة يقول:\nدعا الرحمن بشر فاستجابا ... لدعوته فأسقانا السحابا\nوكان دعاء بشر صوب غيث ... يعاش به ويحيى ما أصابا\nأغر بوجهه نسقى ونحيا ... ونستجلي بغرته الضبابا (^٢)\nوهذه الآثار تتضمن مخالفات عقدية في توحيد الألوهية من سؤال اللَّه زيارة النبي -ﷺ-، مع شد الرحل لأنه كان بمكة، وسؤاله بالمخلوق إما بعرشه أو بنبينا محمد -ﷺ-، أو بحرمته، أو التلوذ مرة بقبره ومرة بمنبره، أو الغلو في الأشخاص بأن يقال في أحدهم: أغرّ بوجهه نسقى ونحيا، ونستجلى بغرته الضبابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>ثالثا: الرواية عن أهل الكتاب عموما، وسؤال الرهبان ونحوهم خصوصا</span>.\n\n٧ - عن عقبة بن أبي زينب قال: \"مكتوب في التوراة:\n_________\n(^١) مجابو الدعوة رقم (١٢٦).\n(^٢) مكارم الأخلاق رقم (٤٦٢).","vol":"1","page":60},{"text":"لا توكل على ابن آدم؛ فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على اللَّه الحي الذي لا يموت\" (^١).\nوقد وجه ذلك بقوله: \"قال أبو بكر بن أبي الدنيا ثم إنا وجدنا فيما وضع الأولون من حكمهم وضربوا من أمثالهم كتابا فيه حكم وأمثال تحذو ذا اللب على رفض العاجلة وتحثه على الأخذ بالوثيقة في العمل للآجلة وهو الكتاب الذي ينسب إلى أنطونس السائح فقالوا فيما يذكرون\" (^٢).\n\n٨ - عن سالم بن عبد اللَّه قال: \"أبطأ خبر عمر على أبي موسى فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه فقالت حتى يجيء إلي الشيطان فجاء فسألته عنه فقال تركته مؤتزرا بكساء يهنأ إبل الصدقة وذاك لا يراه شيطان إلا خر لمنخره، الملك بين يديه وروح القدس ينطق بلسانه\".\n\n٩ - عن محمد بن المبارك الصوري قال: \"قلت لراهب ما علامة الورع؟ \" (^٣).\n\n١٠ - عن أبي طاهر زرارة بن عمارة الدارمي قال: \"بينا نحن في طريق الشام إذ أتينا على راهب في صومعة فقلنا له: أوصنا، قال: نعم رفيق المرء ورعه. . . \" (^٤).\n\n١١ - عن زيد بن موسى قال: \"سألت راهبا فقلت: إلام ينتهي\n_________\n(^١) التوكل رقم (٦٠).\n(^٢) الوجل والتوثق بالعمل رقم (٧).\n(^٣) الورع رقم (٥٨).\n(^٤) الورع رقم (٢١٧).","vol":"1","page":61},{"text":"الحزن؟ فقال: إلى الكمد. . . \" (^١).\nولا شك أن فتح باب النقل عن الرهبان وسؤالهم والأخذ عنهم كان من أسباب هلاك كثير من العُبَّاد والصوفية، فليسوا أهلا لأن يأخذ عنهم المسلم أمور الدين، وما كان عندهم من حق ففي ديننا ما يغني عنه، وكذا الأمر بالنسبة للرواية من كتبهم (^٢)، ولعل أحسن ما يعتذر به للمصنف في هذا المقام ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية لما اعترض عليه البكري استدلالة بحديث مضعف فأجابه بقوله: \"هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره، ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذكر ما يوافقه من الآثار، والمراسيل، وأقوال العلماء، وغير ذلك؛ لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي، ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة، من الأخبار التى تكلم في بعض رواتها، لسوء حفظ أو نحو ذلك، وبآثار الصحابة والتابعين، بل بأقوال المشايخ، والإسرائيليات، والمنامات، مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع، وما يصلح للاعتماد نوع\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>رابعا: الكلام في الأنبياء</span>.\n\n١٢ - فمن ذلك ما ورد من قول مالك بن عوف ﵁ في النبي ﷺ لما أعطاه كما أعطى المؤلفة في غزوة الطائف،\n_________\n(^١) الهم والحزن رقم (٦٩).\n(^٢) انظر كتاب أضواء على التصوف (٨٥ - ١٠٠).\n(^٣) الرد على البكري (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":62},{"text":"وردَّ عليه أهله وماله، فأثنى عليه بأبيات:\nأوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد (^١)\n\n١٣ - عن سعيد بن جبير قال: \"كانت فتنة داود ﵇ في النظر\" (^٢).\nفهذان الأثران تضمنا أمرين عظيمين نسبا إلى نبيّين كريمين من أنبياء اللَّه تعالى، الأولى: دعوى أن النبي محمد -ﷺ- يعلم ما في غد، والثاني: نسبة الخيانة إلى نبي اللَّه داود ﵇، فأما دعوى علم ما في الغد لنبينا فقد ثبت أنه لا يعلم ما في غد من وجوه كثيرة لعل من أبرزها إنكاره ﷺ على من نسب ذلك إليه وردّه بأنه لا يعلم الغيب إلا اللَّه (^٣)، وأما قصة نبي اللَّه داود فقد أنكرها جمع من العلماء، وذكروا براءة نبي اللَّه داود ﵇ مما يشير إليه هذا الأثر، وأن تفاصيل هذه القصة مأخوذة عن أهل الكتاب، ولهذا قال ابن كثير ﵀: \"وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات، ومنها ما هو مكذوب لا محالة، تركنا إيرادها في كتابنا قصدا، اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم، واللَّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم\" (^٤).\n_________\n(^١) مكارم الأخلاق رقم (٤٠٩).\n(^٢) الورع رقم (٦٣).\n(^٣) انظر فتح الباري (٨/ ٥١٤)، (٩/ ٢٠٣)، (١٣/ ٣٦٣).\n(^٤) قصص الأنبياء (٢/ ٢٧٢)، وانظر لمناقشة المسألة كتاب عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم للدكتور محمد الحديدي (٣٥٢ فما بعدها).","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثانيا: مذهبه في الفروع</span>.\nأما مذهبه فهو حنبلي من تلاميذ الإمام أحمد وله سؤالات فقهية للإمام، كما أنه مترجم له في كتب طبقات الذهب، كطبقات الحنابلة لأبي يعلى، والمنهج الأحمد للعليمي، والمقصد الأرشد لابن مفلح، انظر طبقات الحنابلة (١٩٢: ١)، والمنهج الأحمد (٢٧٣: ١)، وقد اعتنى الحنابلة بهذه النسبة فهذا ابن الجوزي ﵀ أورد ابن أبي الدنيا تحت عنوانين بارزين في كتابه مناقب الإمام أحمد في الباب الثاني عشر: في ذكر من حدث عن أحمد على الإطلاق من الشيوخ والأصحاب، ثم في الباب المائة: في ذكر أعيان أصحابه وأتباعه من زمانه إلى زماننا وقد خصه كما قال بكبار الأعيان المشتهرين بالذكر، وجعلهم تسع طبقات، ثم أورده في: \"الطبقة الأولى: وهم الذين صحبوا أحمد ونقلوا عنه\" (^١).\nووقع في هدية العارفين (^٢) أنه شافعى، ولا يظهر إلا أنه خطأ واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) انظر مناقب الإمام أحمد (١٣١، ٦٧٣، ٦٧٩).\n(^٢) (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه</span>.\nلقد احتل ابن أبي الدنيا ﵀ مكانة علمية مرموقة بين علماء عصره، ومن بعدهم إلى عصرنا هذا، فقد أثنى عليه كل من ترجم له، وذكره بما ينبئ عن مكانة علمية متميزة بين علماء عصره، ومن أتى بعدهم.\nفقد أثنى عليه العلماء بأوصاف عديدة تفيد اعتماده في الرواية؛ فمنهم من وصفه بالثقة، ومنهم من وصفه بالصدوق، ومنهم وصفه بالحافظ، وغير ذلك من الأوصاف.\nفمن التنصيص على أنه ثقة، ما قال ابن الجوزي: \"كان ذا مروءة ثقة صدوقا\" (^١)، وقال ابن شاكر الكتبي: \"هو أحد الثقات المصنفين للأخبار والسير\" (^٢)، وقال ابن تغري بردي: \"روى عنه خلق كثير، واتفقوا على ثقته وصدقه أمانته\" (^٣)، وقال ابن باطيش: \"كان ثقة صدوقا\" (^٤).\nومن التنصيص على أنه صدوق ما قال ابن أبي حاتم: \"كتبت عنه\n_________\n(^١) المنتظم (٥/ ١٤٨).\n(^٢) فوات الوفيات (١/ ٤٩٤).\n(^٣) النجوم الزاهرة (٣/ ٨٦).\n(^٤) التمييز والفصل (١/ ٣٢٢).","vol":"1","page":65},{"text":"مع أبي، قال: وسئل أبي عنه فقال: بغدادي صدوق\" (^١)، وقال صالح جزرة: \"صدوق\" (^٢)، وقال الذهبي: \"كان صدوقا أخباريا كثير العلم\" (^٣).\nوممن نص على وصفه بالحافظ المزي (^٤)، وابن حجر (^٥)، والسخاوي (^٦)، بل قال: \"الحافظ الشهير\" (^٧)، وأعلا منه قول مرتضى الزبيدي: \"حافظ الدنيا ابن أبي الدنيا\" (^٨).\nووصفه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي بالعلم الكثير فقال: \"رحم اللَّه ابن أبي الدنيا، مات معه علم كثير\" (^٩).\nولقد عرف قدر هذه المنزلة من أتى بعده فذكروه بها وأبرزوها له، فعند ذكر المصنفين في التاريخ والسير نصوا على اعتنائه وتأليفه في ذلك، كالكتبي وقوام السنة وابن تغري بردي.\nكما عُدَّ ابن أبي الدنيا في العلوم التي أفردها بالتأليف مرجعا فيها،\n_________\n(^١) الجرح والتعديل (٥/ ١٦٣).\n(^٢) تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).\n(^٣) العبر (١/ ٤٠٤).\n(^٤) تهذيب الكمال (٤/ ٢٧٢).\n(^٥) تقريب التهذيب ترجمة رقم (٣٦١٦).\n(^٦) الإعلان بالتوبيخ (٤٢٦).\n(^٧) فتح المغيث (١/ ١٩٠).\n(^٨) إتحاف السادة المتقين (٧/ ٨٨).\n(^٩) المصدر السابق.","vol":"1","page":66},{"text":"وكل من أتى بعده فهم عيال عليه، كما قال ابن تغري بردي: \"الناس بعده عيال عليه في الفنون التي جمعها\" (^١).\nونص عدد منهم على أنها مصنفات مفيدة، وفيها نوادر، كما سبق النقل عن ابن كثير وغيره قريبا، بل إن الحافظ السخاوي ﵀ لا سئل سؤالا عقديا رجع إلى مظانّه فبدأ أولا بكتاب القبور لابن أبي الدنيا، فقد ورد في الأجوبة المرضية (^٢) ما يلي: \"سئل الحافظ السخاوي عن سؤال الملكين للميت، هل هو عام لجميع الأمم الماضية، أم خاص بالأمة المحمدية؟ فأجاب:\nقد راجعت أهوال القبور لابن أبي الدنيا، ثم لابن رجب، وكتاب البعث للبيهقي وغيره، وغير ذلك من مظان هذا السؤال كالتذكرة ونحوها، فلم أقف على شيء صريح في ذلك\"، وهذا يدل على المكانة المميزة التي يتمتع بها ابن أبي الدنيا، ويؤكد ما قاله ابن تغري بردي بأن الناس بعده عيال عليه في الفنون التي جمعها.\nبل كثيرا ما تجد في كتب التراجم الاهتمام بأجزاء ابن أبي الدنيا والحرص على سماعها، وذكر ذلك في أعمال المترجم له، فهذا الخطيب البغدادي بلغ به الحرص على مصنفاته أن جمع منها (٣٩) جزءا، قال\n_________\n(^١) النجوم الزاهرة (٣/ ٨٦).\n(^٢) (٢/ ٧٧٩ - ٧٨٠)، وانظر الروح لابن القيم (١/ ٣٢٥) وإحالته على كتاب المنامات لابن أبي الدنيا.","vol":"1","page":67},{"text":"الدكتور يوسف العش -بعد إيراده لهذ الإحصاء-: \"لعل القارئ الكريم انتبه إلى مكانة ابن أبي الدنيا عند الخطيب\" (^١)، وابن الطيوري حاز منها (٨٤) مصنفا (^٢)، وهكذا كثيرا ما تجد في كتب التراجم والمشيخات والبرامج أن فلانا سمع كذا من كتب ابن أبي الدنيا أو أجازه بها فلان ونحو ذلك.\nأما قول السيوطي ﵀ عند كلامه على النوع الحادي عشر -وهو المعضل-: \"من مظان المعضل والمنقطع والمرسل: كتاب السنن لسعيد بن منصور، ومؤلفات ابن أبي الدنيا\" (^٣)، فلا يعني كثرة هذه الأنواع في مؤلفاته، فضلا عن أن تكون هي الأغلب على مروياته، وقد قام فضيلة الدكتور مصلح الحارثي بإحصاء مرويات ابن أبي الدنيا في كتابه التهجد الذي قام بتحقيقه فبلغ المجموع (٥١٨) نصا، الصحيح منها (٢٢)، والحسن أو الضعيف المنجبر (٦٧)، أما الضعيف غير المنجبر (٢٦)، هذا في المرفوع ويبقى الموقوف فما دونه من المقطوعات والأقوال الأخرى، وكما أن الآثار التي قمت بتخريجها في هذه الرسالة العلمية ووجدت أنها منقطعة أو معضلة أو مرسلة، لم تصل مائة أثر كان الأغلب منها المنقطع بلغ (٥٢)، يليه المرسل (٢٨)، ثم أخيرا المعضل (٧)، هذا في حصيلة تبلغ\n_________\n(^١) الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها (١٤٧)، وانظر مشيخة ابن الحطاب (٢٦٩، ٢٧٥).\n(^٢) تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ٣٥٠٦)، وانظر كذلك (١/ ٢١١٠، ٤٢٧٧).\n(^٣) تدريب الراوي (١/ ٢١٤).","vol":"1","page":68},{"text":"أكثر من (١١٠٠)، ومجمل الأعداد لا تصل نسبته ٨ %.\nوقرين ما جاء في كلام السيوطي كتاب سنن سعيد بن منصور، وقد تعقبه فضيلة الدكتور سعد الحميّد فبيّن أن الجزء الذي قام بتحقيقه يبلغ (٨٦٩) حديثا، لا يتجاوز نسبة المرسل فيه ٨ % وهو أكثر الأنواع الثلاثة وجودا، أما المعضل فلا يتجاوز سبعة أحاديث، فقال: \"وجه تخطئة السيوطي في كلامه هذا تخصيصه سنن سعيد بن منصور دون سواها بوجود هذه الأنواع (المعضل والمنقطع والمرسل) بما يفيد كثرتها فيها، وهذا ليس بصحيح\" (^١).\nقلت: والذي يظهر لي واللَّه أعلم أن ذكر مصنفات ابن أبي الدنيا في النوع الثامن من أنواع علوم الحديث وهو المقطوع أولى من هذا المكان؛ حيث ذكر في نهاية هذا النوع فائدة فقال: \"ومن مظان الموقوف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وتفاسير: ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم\" (^٢)، فهذا الموضع أولى بكتب ابن أبي الدنيا لأنها مليئة بالآثار من موقوفات ومقطوعات وما دونها من أقوال الأئمة والسلف عموما فضلا عما احتوته من الأحاديث المرفوعة.\nومما يتصل بمكانته العلمية ما عرف عنه من تأديبه أولاد الخلفاء، وهذا أمر اشتهر عنه وعدَّه المترجمون من أهم مناقبه فلم يغفل هذه المعلومة\n_________\n(^١) سنن سعيد بن منصور (١/ ٢٠٣/ ق).\n(^٢) تدريب الراوي (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":69},{"text":"أحد منهم، إلا أن تفاصيل ذلك لا يعرف عنها إلا الشيء اليسير، ومن ذلك الشيء اليسير أنه لم يذكر ممن أدبهم إلا الخليفة العباسى المعتضد باللَّه أحمد بن طلحة، وابنه المكتفي باللَّه علي بن المعتضد.\nوالذي أريد إبرازه مما ذكرت هنا هو الجانب المتعلق بتخصصي وهو أثر ابن أبي الدنيا على عقيدة هذين الخليفتين (^١).\nفأما الخليفة المعتضد باللَّه فقد ظهر أثر التربية العقدية عليه واضحا فيما قام به من أفعال أثناء فترة حكمه، فمن أهم ذلك موقفه من الفلسفة والإلحاد، حيث قتل أحمد بن الطيب واستعظم دعوته له للإلحاد والكفر بقوله: \"أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه\" (^٢)، وأحمد ابن الطيب هذا قال عنه ابن حجر: \"معلم المعتضد. . .، قال ابن النجار: كان يرى رأي الفلاسفة، قتل سكران، قلت: وهو تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي، فيلسوف العرب. . . وكان موضعه من الفلسفة لا يجهل، وله مصنفات في الفلسفة وغيرها\" (^٣)، وقال الذهبي: \"إن المعتضد قتل السرخسي -يعني أحمد هذا- لفلسفته وسوء اعتقاده\" (^٤).\nكما استعظم الرخص والتحايل على الشريعة بتتبع زلات العلماء،\n_________\n(^١) ولهما رحمهما اللَّه جوانب عديدة مشرقة في حياتهما أغفلت الكلام عليها لأنني التزمت بأن تكون المقدمة مختصرة.\n(^٢) البداية والنهاية (١١/ ٨٦).\n(^٣) لسان الميزان (١/ ١٨٩ - ١٩٠).\n(^٤) تاريخ الإسلام (١/ ٢٢٣٠)، وانظر الوافي بالوفيات فقد ذكر قصة مطولة في ذلك (١/ ٨٧١).","vol":"1","page":70},{"text":"وذلك لما جمع له بعض الناس كتابا فيه إباحة نكاح المتعة وآلات اللهو والغناء، فعرضه على القاضي إسماعيل فنصحه بأنه لا يفعل هذا إلا زنديق، وأن العلماء لا يجتمع في أحدهم كل هذه الأقوال الشاذة، بل من قال ببعضها لم يقل ببعضها الآخر، فمن أخذ بجميعها ذهب دينه، فعند ذلك أمر بتحريق الكتاب (^١)، وكان شديد الحرص على القضاء على الفتن في البلاد وقضى بالفعل على كثير منها، وقال السيوطي: \"في أول سنة -استخلف فيها- منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها، ومنع القصاص، والمنجمين من القعود في الطريق. . . وفي سنة اثنتين وثمانين أبطل ما يفعل في النيروز: من وقيد النيران، وصب الماء على الناس، وأزال سنة المجوس\" (^٢).\nوقد شهد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بهذا الأثر العقدي الذي حصل في الناس فقال: \"كان في أيام المتوكل قد عزَّ الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم، وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء، الذين كانوا أحمد سيرة، وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز، وكانت السنة بحسب ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١١/ ٨٧).\n(^٢) تاريخ الخلفاء (٣٢٠)، وانظر تاريخ الطبري (٥/ ٦١٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢١ - ٢٢).","vol":"1","page":71},{"text":"وأما ابنه المكتفي باللَّه فقد سار بنفسه للقضاء على القرامطة (^١)، وأسلم على يديه قدامة بن جعفر بن قدامة وكان نصرانيا (^٢).\nوإذا كان أثر التأديب ظاهرا هذا الظهور، كان قول ابن الجوزي (^٣): \"جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه، وقلَّ الصبر فدخلوا مداخل شانتهم، وإن تأولوا فيها إلا أن غيرها كان أحسن لهم، فالزهري مع عبد الملك، وأبو عبيدة مع طاهر بن الحسين، وابن أبي الدنيا مؤدب المعتضد، وابن قتيبة صدر كتابه بمدح الوزير، وما زال خلف من العلماء والزهاد يعيشون في ظل جماعة من المعروفين بالظلم، وهؤلاء وإن كانوا سلكوا طريقا من التأويل، فإنهم فقدوا من قلوبهم وكمال دينهم أكثر مما نالوا من الدنيا\"، ليس على إطلاقه؛ فإنه ليس كل من دخل على السلطان دخل لأجل الدنيا، ولا كل من دخل عليهم ضعف إيمانه وغيّرته الدنيا، ولا تفضل حالة على أخرى مطلقا، بل يختلف ذلك باختلاف الداخل والمدخول عليه واللَّه أعلم (^٤).\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام (١/ ٢١٦٦).\n(^٢) تاريخ الإسلام (١/ ٢٣٥٨).\n(^٣) صيد الخاطر (٧٠).\n(^٤) انظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٧٧).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الخامس: آثاره العلمية</span>.\nلقد سبق في المبحث المنصرم بيان شيء من منزلة ابن أبي الدنيا العلمية واهتمام العلماء بتراثه، ومن هذا الاهتمام البالغ أن وضع له بعضهم فهرسا لكتبه، كابن النديم في الفهرست (١٨٥: ١)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٤٠١: ١٣ - ٤٠٤)، وابن خير في الفهرست (٢٨٢ - ٢٨٤)، وحاجي خليفة في كشف الظنون، والبغدادي في هدية العارفين (٤٤١: ٥ - ٤٤٢)، والكتاني في الرسالة المستطرفة (٥٠)، ووضع أحد المحدثين معجما لمصنفاته (^١)، ودائرة المعارف الإسلامية (١٩٨: ١ - ٢٠٠)، وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي ذيل (٢٤٧: ١ - ٢٤٨).\nكما صنع محققو كتبه ﵀ مباحث خاصة بعدد مؤلفاته وأسمائها كالدكتور نجم خلف (^٢)، والدكتور مصلح الحارثي (^٣)، وياسين السواس (^٤)، ومشهور حسن (^٥)، وغيرهم ولعل الثلاثة الأوائل هم أحسن\n_________\n(^١) معجم مصنفات ابن أبي الدنيا لمؤلف مجهول، محفوظ بمكتبة الأسد بدمشق، وقد أخرجه الدكتور صلاح الدين المنجد في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مجلد ٤٩، سنة ١٩٧٤ م، (٥٧٩ - ٥٩٤).\n(^٢) كتاب الصمت (٢٥)، واكتفيت بالإحالة على عملهم لأنني ترجمت للمصنف ترجمة مختصرة.\n(^٣) كتاب التهجد (٢٧ - ٤٩).\n(^٤) الشكر (٢٤ - ٤٦).\n(^٥) الوجل والتوثق بالعمل (١٥ - ٢٠).","vol":"1","page":73},{"text":"من اعتنى بذكر مؤلفاته وتوثيقها، وفي جمع السواس زيادة توثيق لأماكن وجود المخطوط منها واللَّه أعلم.\nوالذي يلاحظ في هذه الفهارس الاختلاف والتباين في التعداد، والاستدراك من بعضهم على بعض، واختلاف وجهات النظر في تحديد هل الكتاب مكرر أم أنه واحد، كل ذلك بسبب فقدان معظم كتب ابن أبي الدنيا فيبقى المجال للاجتهاد واللَّه أعلم.\nلكن الذي يقتضى التنبيه مما لا مجال للاجتهاد فيه ما ورد في قائمة ياسين السواس محقق كتاب الشكر عند كلامه على كتاب الجيران حيث أحال في الهامش على الظاهرية مجموع (٨٩) ورقة (١ - ١٦) (^١)، فأوهم أن الكتاب موجود وبالرجوع إلى مكتبة الأسد الوطنية قسم المخطوطات على الإحالة المذكورة وجدت المخطوط هو الكتاب الذي يسبق هذا وهو الجوع، ثم انتبهت أن الإحالة المذكورة في كتاب الجيران هي نفس الإحالة المذكورة في كتاب الجوع في كل تفاصيلها ورغم أن الكتابين متتاليان في ترتيب المصنفات لم يتنبه لهما المحققان.\nكما أن المحقق بسام الجابي ذكر أيضًا كتابا آخر هو كتاب الإشراف في منازل الأشراف ثلاث مرات للاختلاف في العنوان حيث وردت تسميته أيضًا في إحدى الطبعات الإشراف على مناقب الأشراف، وفي أخرى الأشراف، موهما أنه ثلاثة كتب وهو كتاب واحد اختلف محققوه،\n_________\n(^١) وورد نفس الخطأ عند بسام الجابي في تحقيقه لكتاب الورع (٣٢ - ٣٣).","vol":"1","page":74},{"text":"وهذا خطأ واضح لأن الكتاب مطبوع، والمحقق وثق معلوماته الببلوغرافية مما يوحى باطلاعه عليه بطبعاته المختلفة، وقد استدرك الأستاذ الدكتور عبد اللَّه دمفو على عنوان \"الإشراف على مناقب الأشراف\" الذي طبع بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا بأنه خطأ، وأن الصواب الموافق لما في النسختين الخطيتين للكتاب هو كتاب الإشراف في منازل الأشراف (^١)، وكذلك يقال في طبعة وليد قصاب التي عنون لها \"الأشراف\" (^٢).\nوكما ذكر السواس في مقدمة كتابي: الشكر والفرج بعد الشدة، كتابا سماه المختصر قال عنه: \"يظهر أنه كتاب في الحديث\"، ووصف النسخة وعدد أوراقها وأنها مخرومة الأول، لكن الإحالة التى ذكرها هي نفس الإحالة التي قبلها لكتاب المحتضرين، وهو موهم ومشكل واللَّه المستعان، وبالرجوع إليه تبيّن أنه نفس الكتاب السابق واللَّه أعلم.\nوإتماما للفائدة أذكر أنواع كتب ابن أبي الدنيا المطبوعة وأقسامها وهي:\nأولا: ما هو موافق لما وضعه مؤلفه، وهذا النوع هو أغلب مؤلفاته المطبوعة.\nثانيا: ما هو مختصر من أصل؛ سواء كان الاختصار في المخطوط\n_________\n(^١) انظر المصنفات المطبوعة للإمام ابن أبي الدنيا عرض ونقد (٢٣٦ - ٢٣٧)، مجلة جامعة الملك عبد العزيز (المجلد ١٠) (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).\n(^٢) ولم يطلع على هذه الطبعة الدكتور عبد اللَّه دمفو.","vol":"1","page":75},{"text":"نفسه كذم الملاهي بتحقيق محمد عبد القادر عطا، أو أن المحقق نفسه قام باختصاره، ككتاب ذم الكذب وأهله الذي حققه محمد غسان عزقول فهو المستل من كتاب الصمت.\nثالثا: ما هو جمع للأحاديث والآثار من كتب فرعية نقلت عن المصنف، ككتاب مصايد الشيطان، وكتاب ذكر الموت.\nرابعا: محاولة جمع كل كتب ابن أبي الدنيا في مجموعة شاملة، وكان أول هذا العمل ما قام به محمد عبد القادر عطا في موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا، بمؤسسة الكتب الثقافية، اشتملت على واحد وعشرون مصنفا في خمس مجلدات، ثم قام أبو بكر السعداوي بعمل مماثل كان أكثر استيعابا حيث ضمّ سبعا وخمسين رسالة، إلا أنه أضاع فوائد كثيرة بتجريد موسوعته من أسانيد المصنف، وأخيرا صدر عن المكتبة العصرية موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا في ثمان مجلدات جمعت تسعة وخمسين مصنفا جمعوا فيها ما طبع مستقلا.\nخامسا: نوع آخر ظهر مؤخرا يقوم المحقق فيه بشرح الكتاب الذي طبعه، مثل كتاب: ضوء الشموع شرح كتاب الجوع، وتنبيه الساهي شرح كتاب ذم الملاهي.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الباب الأول: الآثار الواردة في الاتباع والابتداع</span>.\n[وفيه فصلان:]\nالفصل الأولى: الآثار الواردة في الاتباع.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في الابتداع.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الفصل الأول: الآثار الواردة في الاتباع</span>.\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في تعظيم السلف للكتاب والسنة.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الكلام في العلماء.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الأول: الآثار الواردة في تعظيم السلف للكتاب والسنة</span>\nلقد بعث اللَّه أنبياءه ورسله ليعلموا الناس أمور دينهم، ويدعوهم إلى عبادة ربهم وخالقهم، وأرسل معهم الكتاب بالحق ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وفرض على أتباعهم طاعتهم وتعظيم ما جاؤوا به، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ (^١)، وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي، قالوا: يا رسول اللَّه ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى\" (^٢).\nوللسلف أقوال كثيرة في بيان هذا الأصل العظيم، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلي:\n\n١ - حدثني إبراهيم بن محمد، عن قتيبة بن سعيد، عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد (^٣): \"أن أبا بكر -﵁- جاء بأبيه أبي قحافة إلى النبي -ﷺ- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"فلولا تركت الشيخ حتى كنت آتيه\" فقال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لَإِسلام أبي طالب كان أقرّ لعيني من إسلامه، وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقرّ لعينك\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية (١٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه كما في فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) رقم (٧٢٨٠).\n(^٣) هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، ثقة ثبت، (ت: ١٤٤ هـ) التقريب (٧٥٥٩).\n(^٤) إسناده صحيح وهو مرسل، الإشراف (٣٣٦ - ٣٣٧) رقم (٥١٠)، والحاكم في =","vol":"1","page":80},{"text":"٢ - حدثنا إبراهيم بن عبد الملك، حدثنا عبيدة بن حميد، حدثنا أبو مريم، عن عطاء (^١) قال: \"سئلت عائشة عن العقيقة، قيل لها: أرأيت إن نحر إنسان جزورا؟ فقالت عائشة: السنة أفضل\" (^٢).\n\n٣ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة (^٣) قال: \"قيل لعائشة -وولد لابن أختها غلام- فقالوا: عقّي عن ابن أختك جزورتين، قالت: معاذ اللَّه، ولكن ما قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"شاتان مكافئتان\" (^٤).\n_________\n= المستدرك (٣/ ٢٤٤)، وصحح الحافظ في الإصابة (٤/ ١١٦) سند القصة من حديث أنس متصلا في إسلام أبي قحافة ونسبها لابن شبة في كتاب مكة وأبي يعلى وأبي بشر سموية، وأصلها في صحيح مسلم انظر شرح مسلم (١٤/ ٧٩).\n(^١) هو عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال (ت: ١١٤ هـ) التقريب (٤٥٩١).\n(^٢) فيه شيخ المصنف لم أجده، وكذا أبو مريم لم أعرفه، والأثر حسن، العيال (١٩٦) رقم (٥٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٨) وصححه ووافقه الذهبي، ولم يتعقب العراقي في طرح التثريب (٥/ ١٨١) تصحيح الحاكم، وذكره ابن حزم في المحلى (٧/ ٥٢٨) وضعفه بعبد الملك بن أبي سليمان، وهو صدوق له أوهام التقريب (٤٢١٢).\n(^٣) هو عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مليكة، أدرك ثلاثين من أصحاب النبي -ﷺ-، ثقة فقيه (ت: ١١٧ هـ) التقريب (٣٤٥٤).\n(^٤) إسناده حسن، مداره على عبد الجبار بن الورد وهو صدوق يهم التقريب (٣٧٦٩)، لكن قال الذهبي في الكاشف (١/ ٣٦٧): \"ثقة، قال البخاري يخالف في بعض حديثه\"، ووثقه أيضًا أبو حاتم، انظر: الجرح والتعديل (٦/ ٣١)، تهذيب الكمال (٤/ ٣٤٤)، العيال (٢٠١) =","vol":"1","page":81},{"text":"٤ - حدثني الحسن بن. . . عبد اللَّه. . . . . . عن أبي رجاء، عمن سمع أبا جحيفة، عن أبي جحيفة (^١): \"أنه تجشّأ في مجلس رسول اللَّه -ﷺ- فقال له: \"أقصر من جشائك؛ فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا\"، قال أبو جحيفة: فما شبعت منذ ثلاثين سنة\" (^٢).\n_________\n= رقم (٥٩)، وقد ورد ما يدل على جوازه فانظر رقم (٦٤)، ولكن الشاهد هنا هو تعظيم السنة، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٩٢)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٠٠) رقم (١٩٠٦٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٤٥٧)، وانظر تخريج الحديث بتوسع في الإرواء (٤/ ٣٨٩) رقم (١١٦٦).\n(^١) هو وهب بن عبد اللَّه السُّوائي، مشهور بكنيته، ويقال له: وهب الخير، صحابي معروف، وصحب عليا (ت: ٧٤ هـ)، الإصابة (٣/ ٦٤٢)، التقريب (٧٤٧٩).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ لإبهام شيخ أبي رجاء، ولعله عون بن أبي جحيفة -كما في السند الآخر عند المصنف-، وهو ضعيف أيضًا فيه الوليد بن عمرو بن ساج الحراني ضعيف، انظر لسان الميزان (٦/ ٢٢٤)، والأثر حسن لغيره بمتابعاته وشواهده، الجوع (٢٧) رقم (٤)، ورقم (١٩)، وابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٧١٧)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٧٨) رقم (٨٩٢٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٦) رقم (٥٦٤٤)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٦٢٠)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (١/ ٣٢٨)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٩٩) بعد إيراده لفظ الحديث: \"رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، قال الحافظ: بل واه جدا فيه فهد بن عوف وعمر بن موسى، لكن رواه البزار بإسنادين رواة أحدهما ثقات، ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي، وزادوا: \"فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا، كان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى\"، وفي رواية لابن أبي الدنيا: \"قال أبو جحيفة: فما ملأت =","vol":"1","page":82},{"text":"٥ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية، عن أبي إسحاق، عن رجل من أهل المدينة، عن محمد بن المنكدر (^١) قال: \"لما كان يوم أحد صعد المشركون على أحد فقال رسول اللَّه -ﷺ- لسعد: \"احتتَّهم يا سعد\" -يقول: ارددهم- قال: وكيف أحتتّهم يا رسول اللَّه وحدي؟ قال: ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال سعد ذلك، ثم قال سعد: يقول رسول اللَّه -ﷺ- احتتَّهم وأنا أقول ما أقول، لئن أعاد الثالثة لأفعلنّ، فقال: \"احتتَّهم يا سعد فداك أبي وأمي\" قال: فأخذت سهما من كنانتي فرميت به رجلا منهم فقتلته، فرُميت بسهمي فأخذته أعرفه، ثم رميت به رجلا آخر فقتلته، ثم رُميت بسهمي أخذته أعرفه، ثم رميت آخر فقتلته، ورُميت بسهمي فأخذته أعرفه، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك بدمي (^٢)، فحملته في كنانتي، فكان عند سعد حتى مات، ثم عند بنيه ثم هلك بعد\" (^٣).\n_________\n= بطني منذ ثلاثين سنة\"، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ٦٠٦ - ٦١١) رقم (٣٤٣) فقد استقصى ﵀ طرقه وبيَّن عللها.\n(^١) هو محمد بن المنكدر بن عبد اللَّه بن الهدير التيمي المدني الحافظ، إمام بكاء متَأَلِّه، ثقة فاضل التقريب (٦٣٢٧) والكاشف (٢/ ٢٢٤).\n(^٢) كذا ولعله: يُدمي.\n(^٣) إسناده ضعيف لإبهام شيخ أبي إسحاق، مكارم الأخلاق (٤١) رقم (١٨١)، ونسبه ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ١٨٤) لمغازي الأموي، هذا بالنسبة للسياق وذكر قصة سهم سعد، أما تفدية النبي لسعد بأبيه وأمه، فقد جاء في الصحيحين متفقا عليه، =","vol":"1","page":83},{"text":"٦ - حدثنا أبو خيثمة، نا يزيد بن هارون، أنا خالد بن رباح، عن السوّار، عن عمران بن حصين (^١) أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"الحياء خير كله\"، قال: فقال رجل: إن منه ضعفا وإن منه عجزا، فقال عمران: \"أحدثك عن رسول اللَّه ﷺ وتحدثني عن الصحف؟ \" (^٢).\n\n٧ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ليث، عن أبي حصين، أن رجلا أتى ابن مسعود (^٣) -﵁- فقال: علمني كلمات نوافع\n_________\n= البخاري (٧/ ٨٣ فتح)، شرح مسلم (١٥/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^١) هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلا، وقضى بالكوفة، (ت: ٥٢ هـ) بالبصرة، وكان قد بعثه عمر -﵁- إليها ليفقههم، انظر: الإصابة (٤/ ٧٠٥)، والتقريب (٥١٥٠) والكاشف (٢/ ٩٢).\n(^٢) إسناده حسن؛ والأثر صحيح، خالد بن رباح في منزلة الصدوق وتكلم فيه للقدر، انظر لسان الميزان (٢/ ٣٧٥)، مكارم الأخلاق (١٦ - ١٧) رقم (٧٦)، ورقم (٨٥)، وفيه أن السائل العلاء بن زياد، ورقم (٨٨)، وفيه أن السائل بشير بن كعب وزيادة: \"إنه طيب الهوى وإنه وإنه\"، فلم يزالوا به حتى سكن، ورقم (٩٩)، وفيه التصريح بأن الصحف هي التوراة، وهو في أبي داود (٥/ ١٤٧) رقم (٤٧٩٦)، وفيه أن السائل بشير بن كعب، وهو في صحيح البخاري كما في الفتح (١٠/ ٥٢١) رقم (٦١١٧)، ومسلم (٢/ ٦ - ٧).\n(^٣) هو عبد اللَّه بن مسعود بن غافل الهذلي أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبة جمة، وأمَّره عمر على الكوفة (ت: ٣٢ هـ) أو =","vol":"1","page":84},{"text":"جوامع، فقال: \"تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئا، وتزول مع القرآن أين ما زال، ومن جاءك بالصدق من صغير أو كبير، وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه، ومن أتاك بكذب من صغير أو كبير، وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه\" (^١).\n\n٨ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا عبد المؤمن المفلوج البصري قال: قال الحسن (^٢): \"كان واللَّه من أدركت من صدر هذه الأمة ما قالوا بألسنتهم فكذلك في قلوبهم، كانوا واللَّه موافقين لكتاب ربهم ولسنة نبيهم -ﷺ-، فإذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يرغبون إلى ربهم في فكاك رقابهم؛ إذا أشرف لهم\n_________\n= التي بعدها بالمدينة لما وفد، التقريب (٦٣١٣) والكاشف (١/ ٥٩٧).\n(^١) إسناده ضعيف؛ لأن أبا حصين عثمان بن عاصم الأسدي، لم يدرك عبد اللَّه بن مسعود، روى عن عدد من الصحابة ليس منهم ابن مسعود فيما وقفت عليه، بل شكك بعضهم في سماعه من ابن عباس، واللَّه أعلم.\nانظر: تهذيب الكمال (٥/ ١١٦) رقم (٤٤١٧).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٢٨ - ٢٢٩) رقم (٤٥١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٤)، بسند رجاله ثقات غير شريك فإنه ساء حفظه بعد أن ولي القضاء، انظر كتاب المختلطين للعلائي (٥٧) رقم حاشية (٤٦).\n(^٢) هو الحسن بن أبي الحسن -يسار- البصري، مولى زيد بن ثابت، ثقة، فقيه، فاضل، مشهور، وكان يرسل كثيرا ويدلس، كبير الشأن، رفيع الذكر، رأسا في العلم والعمل، (ت: ١١٠ هـ) وقد قارب التسعين، التقريب (١٢٢٨) والكاشف (١/ ٣٢٢).","vol":"1","page":85},{"text":"من الدنيا شيء أخذوا منه قوتهم، ووضعوا الفضل في معادهم، وأدوا إلى اللَّه فيه الشكر، وإن زوي عنهم استبشروا وقالوا: هذا (نظر) من اللَّه واختبار منه لنا، إن عملوا بالحسنى سرتهم ودعوا اللَّه أن يتقبلها منهم، وإن عملوا بالسيئة ساءتهم واستغفروا اللَّه منها\" (^١).\n\n٩ - حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم العنزي الكوفي، عن جابر بن عون الأسدي قال: أول كلام تكلم به سليمان بن عبد الملك (^٢) أن قال: \"الحمد للَّه الذي ما شاء صنع، وما شاء رفع، وما شاء وضع، ومن شاء أعطى، ومن شاء منع، إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، وزينة تتقلب، تضحك باكيا، وتبكي ضاحكا، وتخيف آمنا، وتؤمّن خائفا، وتفقر مثريها، وتثري مفقرها، ميالة لاعبة بأهلها، يا عباد اللَّه اتخذوا كتاب اللَّه إماما، وارضوا به، واجعلوه لكم قائدا؛ فإنه ناسخ لما قبله، ولن ينسخه كتاب بعده، اعلموا عباد اللَّه أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه،\n_________\n(^١) إسناده صحيح، التهجد (٤٤٣) رقم (٤١٢)، تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٧٥ - ٦٧٧) رقم (٧٤١) مطولا جدا، وفيه قصة لطيفة للحسن مع النضر بن عمرو قاص أهل الشام، وتوضيحٌ أكثر لمحل الشاهد، والزهد لأحمد (١/ ٢٨٥) لكن دون محل الشاهد.\n(^٢) هو سليمان بن عبد الملك بن مروان، من خيار ملوك بني أمية، ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الآخرة سنة (٩٦ هـ)، كان فصيحا مفوها، مؤثرا للعدل، محبا للغزو، توفي سنة (٩٩ هـ)، تاريخ الخلفاء (١٩٩).","vol":"1","page":86},{"text":"كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفّس إدبار الليل إذا عسعس\" (^١).\n\n١٠ - حدثنا عبد الرحمن بن واقد قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب قال: \"كان أيوب السختياني (^٢) يؤم أهل مسجده في شهر رمضان. . . وكان من آخر يقول: يصلي على النبي -ﷺ-، ويقول: اللهم استعملنا بسنته، وأوزعنا بهديه، واجعلنا للمتقين إماما. . . \" (^٣).\n\n١١ - حدثنا أبو حفص الصفر أحمد بن حميد، ثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار (^٤) يقول: \"رحم اللَّه عبدا قال لنفسه النفيسة: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها،\n_________\n(^١) شيخ المصنف لعله المعروف أبوه بابن علية وهو ثقة التقريب (٥٧٦٥)، والمشهور عن ابن علية أنه بصري أسدي وليس كوفيا عنزيا واللَّه أعلم، وجابر بن عون لعله جابر بن طارق بن عون انظر تهذيب التهذيب (٢/ ٣٧)، ذم الدنيا (٣٢) رقم (٦٧)، ومن طريقه البيهقي في الزهد الكبير رقم (٥٤٦)، وكذا ابن كثير في البداية النهاية (٩/ ١٧٩).\n(^٢) هو أيوب بن أبي تميمة -كيسان- السختياني البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، (ت: ١٣١ هـ) وله خمس وستون، التقريب (٦٠٥) والكاشف (١/ ٢٦٠).\n(^٣) إسناده حسن؛ ضمرة وابن شوذب سيأتيان (٣٨٧، ٨٧٩) رمضان (٨١) رقم (٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٧٨) رقم (٣٢٧٥)، وذكره الذهبي في السير (٦/ ٢١).\n(^٤) هو مالك بن دينار البصري أبو يحيى، الزاهد، صدوق عابد، (ت: ١٣٠ هـ) أو نحوها، حلية الأولياء (٢/ ٣٥٧)، والتقريب (٦٤٣٥)، الكاشف (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":87},{"text":"ثم ألزمها كتاب اللَّه فكان لها قائدا\" (^١).\n\n١٢ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون (^٢) قال: \"كان محمد بن سيرين ينشد الشعر، ويضحك حتى يميل، فإذا جاء الحديث من السنة كلح\" (^٣).\n\n١٣ - كتب إليّ أبو سعيد الأشجّ، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس (^٤) قال: \"إذا سمعت الخبر فاعمل به ولو مرّة واحدة\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سيأتي (١٠٨٦)، محاسبة النفس (٢٦) رقم (٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٢٠).\n(^٢) هو مهدي بن ميمون الأزدي المِعْوَلي، أبو يحيى البصري، ثقة (ت: ١٧٢ هـ)، الكاشف (٢/ ٣٠٠)، التقريب (٦٩٣٢).\n(^٣) إسناده حسن، خالد بن خداش صدوق يخطئ. التقريب (١٦٣٣)، مداراة الناس (٦٧) رقم (٧٢)، والذي بعده فيه ذكر أنه يبكى في الليل، وقد ينبسط في النهار، وأبو نعيم في الحلية (٢٧٤/ ٢) وتتمته: \"وانضم بعضه إلى بعض\"، ومعنى كلح: تكشر في عبوس، مختار الصحاح (ص ٥٧٦).\n(^٤) هو عمرو بن قيس المُلائي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة متقن عابد، كان ورعا عابدا حافظا لحديثه، مات سنة بضع وأربعين، تاريخ الإسلام (١/ ١٠٨٥)، الكاشف (٢/ ٨٦)، التقريب (٥١٠٠).\n(^٥) إسناده حسن، أبو خالد الأحمر صدوق يخطئ التقريب (٢٥٦٢)، وعمرو بن قيس هو الملائي ثقة متقن عابد التقريب (٥١٣٥) كما في مصادر التخريج تصريحا، إضافة إلى أن الملائي هو المذكور في شيوخ أبي خالد الأحمر وليس ابن الماصر كما رجحه د/ عبد الرحمن نجم خلف محقق الإشراف واللَّه أعلم، الإشراف (٢٧٨) رقم=","vol":"1","page":88},{"text":"١٤ - حدثنا محمد بن الحسين، حدثني مطرف أبو مصعب، حدثني أبو عبد اللَّه مولى الليثيين وكان خيارا: \"رأيت كأن النبي -ﷺ- قاعد في المسجد، والناس حوله، ومالك بن أنس قائم بين يديه، وبين يدي النبي -ﷺ- مسك، وهو يأخذ منه قبضة قبضة، فيدفعها إلى مالك، ومالك ينثرها على الناس، قال أبو مصعب (^١): فأُوِّلَ ذلك العلم واتباع السنة\" (^٢).\n_________\n= (٣٧٣)، وأحمد في الزهد (٢٧٦) ولفظه: \"إذا سمعت شيئا من الخير فاعمل به تكن من أهله ولو مرة\"، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٠٢) وفيه (الخير) بدل (الخبر)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٣) وفي الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ١٤٤) رقم (١٨٢)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٢٤)، وورد كذلك من فعل بعض السلف منهم سفيان الثوري ففي السير (٧/ ٢٤٢) عنه: (ما بلغني عن رسول اللَّه -ﷺ- حديث قط إلا عملت به ولو مرة)، والإمام أحمد ففي أدب الإملاء والاستملاء (١٠٩) عنه قال: (ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به ولو مرة؛ لأن لا يكون عليّ حجة، حتى الركعتان بين الأذان الإقامة في المغرب).\n(^١) هو مطرف بن عبد اللَّه بن مطرف اليساري، أبو مصعب المدني، ابن أخت مالك، ومولى أم المؤمنين ميمونة، ثقة فقيه لم يصب ابن عبدي في تضعيفه، مات سنة (٢٢٠ هـ) على الصحيح، وله ثلاث وثمانون سنة، تاريخ الإسلام (١/ ١٦٦٣)، والتقريب (٦٧٠٧).\n(^٢) إسناده حسن؛ وصاحب القصة قد زُكِّي في السند، المنامات (١٢١) رقم (٢٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٧)، وذكره الذهبي في السير (٨/ ٦٢) بلفظ مقارب، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٧٨)، وصديق حسن خان في الحطة في ذكر الصحاح الستة (٢٣٥).","vol":"1","page":89},{"text":"١٥ - ثنا عبد اللَّه بن محمد بن سورة البجلي قال: قال سفيان بن عيينة (^١): \"ليس العاقل الذي يعرف الخير والشر، ولكن العاقل يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>التحليل والتعليق</span>\nاشتملت الآثار السابق ذكرها، على أقوال هامة للسلف فيها تعظيم القرآن والسنة، أوحدهما، وهي متنوعة الدلالة على ذلك:\nفمن جهة نجد هذا التعظيم غير مقتصر على طبقة اجتماعية خاصة، بل كل طبقات المجتمع المسلم تعيش هذا المعنى الإيماني، فالحاكم المسلم وهو هنا سليمان بن عبد الملك كان أول ما تكلم به أن أمر رعيته باتخاذ كتاب اللَّه إماما، وأن يرضوا به قائدا.\nوكان ذلك نصيحة الصحابة رضوان اللَّه عليهم لمن بعدهم من التابعين بأن يزولوا مع القرآن حيث زال، كما جاء عن ابن مسعود.\n_________\n(^١) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران -ميمون- الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه، إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، مات سنة (٢٩٨ هـ) وله إحدى وتسعون سنة، الكاشف (١/ ٤٤٩)، التقريب (٢٤٥١).\n(^٢) إسناده صحيح، العقل وفضله (٢٨) رقم (٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٦٢) رقم (٤٦٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ١٨٦)، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٧٤) كلاهما عن سفيان قال عمرو بن العاص، والمصنف في الإشراف برقم (٣٤١) عن عمرو ابن العاص نحوه، والمزي في تهذيب الكمال (٣/ ٢٢٧).","vol":"1","page":90},{"text":"وكانوا ألزم لما نصحوا به غيرهم، كما ذكر ذلك التابعون عنهم، حيث وصفوهم بأنهم كانوا موافقين لكتاب ربهم وسنة نبيهم، ومواقفهم في ذلك مشهورة أكثر من أن تحصر ومن ذلك:\nتفضيل عائشة ﵂ للشاتين على الجزورين في العقيقة، مع أن الجزورين أعظم إنفاقا وتصدقا وإهداءا، لأن السنة أفضل كما قالت.\nوتعظيم امتثال الأمر أو النهي فإن أبا جحيفة بعد ما أمره النبي -ﷺ- أمر مخاطب، من الكف بمعنى الصرف والدفع (^١) - بالكف عن التجشأ، لم يشبع ثلاثين سنة، ولو كان المأمور به مما لا تدركه عقولهم أو يظن فوق مقدورهم، ويلومون أنفسهم في التأخر عن تنفيذه كما قال سعد يوم أحد.\nبل إن أحدهم ليغضب إذا عورض قول رسول اللَّه -ﷺ- بشيء مهما كان السبب كما فعل عمران بن حصين.\nولعل أعظم ذلك كله ما حصل من الصديق -﵁- من كون إيمان أبي طالب كان أقر لعينه من إيمان أبيه، لأن ذلك كان أقر لعين رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا ذورة التعظيم وقمة الحب والمتابعة الظاهرة والباطنة، كيف لا وهو الصديق، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.\nوقد سار التابعون وتابعوهم على خطا هذا المنهج الرباني، فكان ذلك من دعائهم في الصلوات، وحديثا يذكر في مواعظهم، بل كان من أدبهم في طلب العلم أن أحدهم إذا جاء الحديث كلح تعبيرا عن هيبة\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي (٧/ ١٥٣).","vol":"1","page":91},{"text":"الحديث في نفوسهم، وكانوا يوصون بالعمل بالحديث ولو مرة.\nومن ذلك التعظيم ما رؤي لبعض الأئمة من الرؤى الطيبة، كما وقع لإمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ المعروف بشدة اتباعه للأثر، ومن هنا كان المقصود من العلم هو العمل بفعل الخير وترك الشر، وليس مجرد المعرفة المجردة.\nونظرا لأهمية هذه المسألة اعتنى بها علماء الإسلام، ودونوها في مؤلفاتهم، فهذه كتب السنة ودواوين الإسلام، لا يكاد يخلو كتاب منها، من باب في الأمر بالاتباع، والحث على التمسك بالكتاب والسنة، وما من علم من العلوم الإسلامية، إلا وتجد فيه شيئا من ذلك، في التفسير والحديث والعقيدة والفقه والأصول وغير ذلك، ناهيك عما أُلِّف فيه استقلالا، كيف لا وهما الأساس الذي بني عليه هذا الدين.\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه مدارج السالكين أن من منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التعظيم، وشرح قول المصنف أن أول درجاته: \"تعظيم الأمر والنهي، وهو أن لا يُعارضا بترخص جاف، ولا يعرَّضا لتشدد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد\" (^١).\nفقال عن الغلو: \"والغلو نوعان: نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة. . . وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار، كقيام الليل كله\".\nوأما العلة التي توهن الانقياد فقال: \"أن لا يتأول في الأمر والنهي\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٥١٦ - ٥٢٣).","vol":"1","page":92},{"text":"علة تعود عليهما بالإبطال\"، ذكر من ذلك حمل تحريم الخمر بما كان منه موقعا للعداوة والبغضاء وتجويز غيره، وكذا عدم الامتثال حتى يعلم العلة، ومن اهتم بحكم العبادات ومقصودها عن الإتيان بها بزعم اشتغاله بالمقصود عن الوسيلة، حتى عطل الأمر والنهي.\nثم قال: \"وكل هذا ترك تعظيم الأمر والنهي، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا اللَّه: فما يدرى ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا اللَّه، فكم عطلت من أمر، وأباحت من نهي، وحرمت من مباح وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها\" (^١).\n_________\n(^١) (٢/ ٥٢٠).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف</span>.\nإن مبنى الدين على التسليم والانقياد، لا على المعارضة والابتداع، ولا يتم ذلك للمسلم، حتى يكون متبعا في كل أموره، مقتديا بصالح سلفه، لا يأتي بشيء من عنده لا سلف له فيه، فضلا عن مخالفة صريح ما كانوا عليه، وذلك لأن اللَّه أمر باتباع سبيل المؤمنين، ونهى عن مخالفتهم فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^١).\nوقد وردت آثار كثيرة في هذا المعنى، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلي:\n\n١٦ - ثنا محمد بن يزيد الأدمي أبو جعفر، ثنا سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال: \"كنت مع ابن أبي راشد (^٢) في جبانة؛ فقرأ رجل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ. . .﴾ (^٣) الآية، فقال الربيع بن أبي راشد: حال ذكر الموت بيني وبين كثير مما أريد من التجارة، ولو فارق ذكر الموت قبي ساعة، لخشيت أن يفسد علي قلبي، ولولا أن أخالف من\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية (١١٥).\n(^٢) هو الربيع بن أبي راشد الكوفي العباد، كان قانتا خاشعا، ذاكرا للآخرة، قال الذهبي: (ما روى هذا شيئا) وذكره أبو نعيم في الحلية (٥/ ٧٥) وسرد أخباره في الزهد والعبادة، وكانت جنازته مشهودة، تاريخ الإسلام (١/ ٩٩٦).\n(^٣) سورة الحج، من الآية (٥).","vol":"1","page":94},{"text":"كان قبلي، لكانت الجبانة مسكني حتى أموت\" (^١).\n\n١٧ - حدثني محمد بن العباس، ثنا أبو عبد الرحمن ابن عائشة، ثنا الليثي (^٢): قالت امرأة هشام الاستوائي (^٣): \"كان إذا أطفئ السراج غشيه من ذلك أمر عظيم، فقلت له: إنه ليغشاك عند هذا المصباح إذا طفئ؟ قال: إني أذكر ظلمة القبر، ثم قال: لو كان سبقني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا متّ أن أجعل في ناحية من داري، قال: فما مكث إلا يسيرا حتى مات، قال: فمرّ بعض إخوانه بقبره، فقال: يا أبا بكر قد صرت واللَّه إلى المحذور\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، العزلة والانفراد (١٢٤) رقم (١٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٧٧)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢١٢) رقم (٥٣٥)، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٣١٦)، وذكره في صفة الصفوة (٣/ ١٠٩).\n(^٢) الظاهر أنه مصحف من \"أبي\"؛ فإن ابن عائشة مشهور بالرواية عن أبيه، وليس في شيوخه ليثيُّ النسبة واللَّه أعلم، ثم هذا أولى من احتمال التصحيف في شيخ المصنف، وهو محمد العباس بن اليزيدي النحوي -سيأتي (ص ٢٦) - من محمد بن الحسين البرجلاني، كما فعله محقق الكتاب.\n(^٣) هو هشام بن أبي عبد اللَّه -سَنْبَر-، أبو بكر البصري الدَسْتوائي، ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، ولُقِّب بأمير المؤمنين في الحديث، (ت: ١٥٤ هـ) وله ثمان وسبعون سنة، الكاشف (٢/ ٣٣٧)، التقريب (٧٢٩٩).\n(^٤) إسناده لين؛ فيه والد أبي عبد الرحمن وهو محمد بن حفص ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٦٢)، ولم يذكر فيه البخاري وابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (١/ ٦٥)، والجرح والتعديل (٧/ ٢٣٦)، وامرأة هشام الدستوائي لم =","vol":"1","page":95},{"text":"١٨ - حدثني أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم المكي، ثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا عمارة بن زاذان: أن مالك بن دينار لما حضره الموت قال: \"لولا أني أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي، لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن تقيدوني وأن تجمعوا يدي إلى عنقي، فينطلق بي على تلك الحال حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق، وقال غير أحمد بن محمد: فإذا سألني ربي قلت: أي رب لم أرض لك نفسي طرفة عين قط\" (^١).\n\n١٩ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم (^٢) ﵀ قال: \"كانوا يكرهون أن يتكلموا في القرآن\" (^٣).\n_________\n= أعرفها، القبور (٩٢) رقم (٩٠)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٢٧٩) مختصرا، وابن معين في تاريخه رواية الدوري (٤/ ١٣٩)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٤٠٦) عن ابن سعد، وكذا الذهبي في السير (٧/ ١٥٢)، وبمعناه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٧٨).\n(^١) إسناده لين؛ فيه مؤمل بن إسماعيل وهو صدوق سيء الحفظ التقريب (٧٠٧٨)، محاسبة النفس (١٢٣) رقم (١١٢)، والأثر سيأتي تخريجه (٦٣) بلفظ مقارب.\n(^٢) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة إلا أنه يرسل كثيرا، (ت: ١٩٦ هـ) وهو ابن خمسين أو نحوها، وكان عجبا في الورع والخير، متوقيا للشهرة رأسا في العلم، الكاشف (٢٧٠)، التقريب (١/ ٢٧).\n(^٣) إسناده صحيح، كتاب الصمت (٢٩٣) رقم (٦٧٢)، وقد ذكر هذا المعنى الدارمي في الرد على الجهمية (٢٣)، وفي نقضه على بشر (٥٢٥)، حيث قال بعد نقله عن بشر دعواه أن السلف كانوا يكرهون الخوض في القرآن: \"صدقت وأنت المخالف لهم\".","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة تورع السلف عن فعل أشياء، فالدستوائي والربيع ومالك بن دينار جميعيم تركوا أفعالا لا يوجد نهي صريح خاص عنها، كبناء القبر في البيت، أو تقييد الميت بقيود كهيئة العبد الآبق، أو السكن في الجبانة (^١)، ولم يمنعهم من ذلك إلا أنهم لا يعرفونه عمن سبقهم، وهذا المسلك من أهم المسالك التي يجب العناية بتحقيقها؛ فإنه يمنع المسلم من الوقوع في البدع المنهي عنها، ومن مخالفة الشرع من حيث لا يشعر، وقد اشتهر عن الإمام أحمد ﵀ قوله: \"إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام\" (^٢)، وقال البربهاري ﵀: \"انظر رحمك اللَّه كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر، هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي -ﷺ-، أو أحد من العلماء؛ فإن أصبت فيه أثرا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء،\n_________\n(^١) وانظر الاعتصام (٣٩٩)، حيث قال: \"ثبت في الأصول أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد. . . فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه، صح دخوله في العاديات كالعباديات، وإلا فلا\"، قلت: ولعل هذا ملحظ أصحاب هذه الآثار في تركهم ما تركوا، حيث كانوا سيفعلونه على وجه التعبد، ولم يجدوا من تعبد اللَّه بتلك الأساليب فتورعوا عنها واللَّه أعلم.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٩١) (٣٢/ ٢٩٧)، إعلام الموقعين (١/ ٣٢) (٤/ ٢٢٢، ٢٦٦)، صفة الفتوى لابن حمدان (٣٠، ١٠٥)، المدخل لابن بدران (١١٩).","vol":"1","page":97},{"text":"ولا تختر عليه شيئا فتسقط في النار\" (^١)، واعتنى الشاطبي ﵀ ببيان أهمية عمل السلف الصالح وفهمهم للدين، فقال: \"فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، ثم بيّن بعض التفريعات العقدية على هذا التأصيل فقال: \"ومن هنالك لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي -ﷺ- نص على عليٍّ أنه الخليفة بعده، لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه أو عدم اعتباره؛ لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ، وكثيرا ما تجد أهل البدع يستدلون بالكتاب والسنة، يحملونهما مذاهبهم، ويغبّرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء. . . وكثير من فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب والسنة في تصحيح ما ذهبوا إليه، مما لم يجر له ذكر ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين، وحاش للَّه من ذلك .. فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل\" (^٢).\nوقد طبق علماء السلف هذه القاعدة الهامة في بعض المسائل المتعلقة\n_________\n(^١) شرح السنة (٢٣).\n(^٢) ثم ذكر عدة أمثلة لاستدلالات أهل البدع بل والفساق بل حتى أهل الملل بظواهر من القرآن لتصحيح مذاهبهم، الموافقات (٣/ ٥٣ - ٥٧) بتصرف، ولا يعني هذا أن الفتوى فيما لم يقع محرمة وإنما تحتاج إلى تأنٍّ وتثبت كبير، وفيها تفصيل فقهي وأصولي انظره في إعلام الموقعين (٤/ ٢٢٢)، وصفة الفتوى لابن حمدان (٣٠، ١٠٥).","vol":"1","page":98},{"text":"بالعقيدة، فعن إبراهيم الحربي: \"وكان وعدنا أن يملي علينا مسألة في الاسم والمسمى، وكان يجتمع في مجلسه ثلاثون ألف محبرة، وكان إبراهيم مقلا، وكانت له غرفة يصعد فيشرف منها على الناس فيها كوة إلى الشارع، فلما اجتمع الناس أشرف عليها فقال لهم: قد كنت وعدتكم أن أملي عليكم في الاسم والمسمى، ثم نظرت فإذا لم يتقدمني في الكلام فيها إمام يقتدى به، فرأيت الكلام فيه بدعة، فقام الناس وانصرفوا، فلما كان يوم الجمعة أتاه رجل، وكان إبراهيم لا يقعد إلا وحده، فسأله عن هذه المسألة فقال ألم تحضر مجلسنا بالأمس؟ قال بلى، فقال: أتعرف العلم كله؟ قال: لا، قال: فاجعل هذا مما لم تعرف\" (^١)، وكان الإمام أحمد ﵀ في المحنة كثيرا يجيب بقوله: \"كيف أقول ما لم يقل\" (^٢)، ولهذا أنكر الإمام أحمد على أحمد بن علي قوله: إن اللَّه جبر العباد، ردا على القدري الذي نفى الجبر، ووضع كتابا في ذلك ومراده إثبات القدر، وعلل ذلك بأنه كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام؛ إذا لم يكن لم فيها إمام مقدم (^٣)، قال شيخ الإسلام: \"لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا، مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه\" (^٤).\nوأخيرا فإن إبراهيم النخعي كما في الأثر الأخير بين أنهم كانوا\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٦١)، وانظر تعليق شيخ الإسلام على ذلك في المجموع (٦/ ١٨٦ - ١٨٧).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٣٥٢ - ٣٥٣).\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٦).\n(^٤) المجموع (٢٠/ ٢٤٧)، وانظر (٥/ ٢٦٥) و(٥/ ٥٧٧) عند كلامه على نسبة الحركة إلى اللَّه.","vol":"1","page":99},{"text":"يكرهون الكلام في القرآن، وقد أوردت هذا الأثر هنا لزيادة توضيح وهي أن هذا الأصل لا يعني أن أهل السنة يسكتون عن بيان باطل أهل البدع، إذا ظهرت وفشت، وهذا ما وقع للإمام عثمان بن سعيد الدارمي لما استدل له المخالف بهذا الأثر فقال: \"فأما قولك: إن السلف كانوا يكرهون الخوض في القرآن، فقد صدقت وأنت المخالف لهم؛ لما أنك قد أكثرت فيه الخوض وجمعت على نفسك كثيرا من النقض، فمثلك فيما ادعيت من كراهية الخوض فيه كما قال علي بن أبي طالب -﵁-، للخوارج حين قالوا: لا حكم إلا للَّه، فقال: كلمة حق يبتغى بها باطل، فقد خضت فيها أيها المعارض بأقبح خوض وضربت له أمثال السوء وصرحت بأنه مفعول، كما قال إمامك المريسي: مجعول، وكل مجعول عندك مخلوق لا شك فيه، ويحك إنما كره السلف الخوض فيه مخافة أن يتأول أهل البدع والضلال وأغمار الجهال ما تأولت فيه أنت وإمامك المريسي، فحين تأولتم فيه خلاف ما أراد اللَّه وعطلتم صفات اللَّه وجب على كل مسلم عنده بيان أن ينقض عليكم دعواكم فيه، ولم يكره السلف الخوض في القرآن جهالة بأن كلام الخالق غير مخلوق، ولا جهالة أنه صفة من صفاته\" (^١).\n_________\n(^١) نقض الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي (٥٢٥)، وانظر بقية كلامه فإنه هام جدا في بيان أن الرد على أهل البدع من الأمور المتعينة إذا ظهرت بدعتهم وراجت حتى لا يلتبس الدين على العامة، وانظر مقدمة د/ محمد خليفة التميمي في تحقيقه كتاب العرش للذهبي (١/ ١٩٩ - ٢٢٢) الفصل الثالث، فقد تناول بعض=","vol":"1","page":100},{"text":"ومن ذلك كلام الإمام أحمد في مسألة اللفظ وبيان الحق فيها كما نقل الطبري في صريح السنة: \"وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن، فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى، ولا تابعي قضى، إلا عمن في قوله الغِنَاءُ والشِّفَاءُ، رحمة اللَّه عليه ورضوانه، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله لدينا مقام قول الأئمة الأولى، أبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل -﵁-. . . ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله؛ إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمنع، وهو الإمام المتبع رحمة اللَّه عليه ورضوانه\" (^١).\nقال الإمام مالك -﵀ -: \"والتسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم في ما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو في تأويله\" (^٢).\n_________\n= الألفاظ يختلف موقف السلف منها نفيا وإثباتا وبيان وجه ذلك، كلفظ الجهة والحيز والمماسة ونحوها.\n(^١) (٢٦ - ٢٧).\n(^٢) منهج الإمام مالك في العقيدة (٩٢).","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الكلام في العلماء</span>.\nرفع اللَّه شأن العلماء، وعظم منزلتهم، وقد ورد في الكتاب والسنة كثير من النصوص مختلفة الدلالة على هذا الفضل والمنزلة، حيث قرن شهادتهم بشهادته سبحانه وشهادة ملائكته على توحيده، وأمر بطاعتهم، وسؤالهم، فهم ورثة علم الأنبياء، وحملة كتاب اللَّه، المبلغين عنه (^١)، ومن تمام حفظ هذه المنزلة لهم، ذكر محاسنهم ونشرها، وعدم نبزهم وتنقيص قدرهم، وللسلف أقوال كثيرة في هذا، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا هذا الأثر:\n\n٢٠ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا مخلد، حدثنا بعض أصحابنا قال: \"ذكرت يوما عند الحسن بن ذكوان (^٢) رجلا بشيء، فقال: مه، لا تذكر العلماء بشيء، فيميت اللَّه قلبك\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثر السابق خطورة الكلام في العلماء، وأن عاقبة ذلك سيئة\n_________\n(^١) انظر تفصيل أدلة هذه الجمل في كتاب قواعد في التعامل مع العلماء (٤٣ - ٧٢).\n(^٢) هو الحسن بن ذكوان، أبو سلمة البصري، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس، أخرج له البخاري حديثا واحدا، وهو من الطبقة السادسة أي توفي بعد المائة، الكاشف (١/ ٣٢٣)، تاريخ الإسلام (١/ ١٠٥٨)، التقريب (١٢٤٠).\n(^٣) الصمت (٢٦٧ - ٢٦٨) رقم (٥٨٢)، وللدكتور نجم خلف توجيه ملفت في جهالة صاحب القصة فراجعه.","vol":"1","page":102},{"text":"جدا، وهى إماتتة القلب، وإذا مات القلب فكيف تصل إليه الهداية نسأل اللَّه العافية والسلامة، ولذلك عده بعض العلماء من الكبائر (^١)، وذلك لعظيم ضرره المتعدي؛ فإن الكلام في العلماء قطع للناس عن الأخذ عنهم، والاستفادة من علمهم، وفي هذا إضعاف للدين، وتشجيع للبدعة والكفر والفسوق، قال الشيخ صالح الفوزان حفظه: \"نسمع في زماننا هذا من يتكلم في أعراض العلماء، ويتهمهم بالغباوة، والجهل، وعدم إدراك الأمور، وعدم فقه الواقع -كما- يقولون، وهذا أمر خطير؛ فإنه إذا فقدت الثقة في علماء المسلمين فمن يقود الأمة الإسلامية؟ ومن يرجع إليه في الفتاوى والأحكام؟ وأعتقد أن هذا دسٌّ من أعدائنا، وأنه انطلى على كثير من الذين لا يدركون الأمور، أو الذين فيهم غيرة شديدة وحماس لكنه على جهل. . . والعلماء يخطئون، ولكن ليس العلاج أننا نشهر بهم، وأننا نتخذهم أغراضا في المجالس، أو ربما على بعض المنابر أو بعض الدروس لا يجوز هذا أبدا\" (^٢).\nولهذا أحجم أبو داود عن بيان بعض العلل في كتابه معللا ذلك بقوله: \"وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل. . . وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٤٨٨)، وعمدة القاري (٢٢/ ٨٤)، والكبائر للشيخ محمد ابن عبد الوهاب (١٧٧).\n(^٢) رسالة وجوب التثبت في الأخبار واحترام العلماء وبيان مكانتهم في الأمة (٤٤ - ٤٦) بتصرف.","vol":"1","page":103},{"text":"ذلك علي فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته، وربما لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه؛ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب، فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا\" (^١)، ومثله الإمام أحمد فقد كان يكره أن يروي عن الكوفيين والمدنيين المسائل المستقبحة إذا حكيت لمن يخاف أن ينتقصهم بسببها، قال شيخ الإسلام: \"إن كثيرا ممن يسمع كلمات العلماء الغليظة، قد لا يعرف مخرجها، وكثيرا من الناس يروونها رواية مُتَشَفٍّ متعصب. . . ولو علم السبب في ذلك الكلام، وهوى (^٢) رشده، لكان اعتباره بمن سلف يكفه عن أن يقع في أقبح مما وقع فيه أولئك (^٣)، ولكان شغله بصلاح نفسه استغفارا وشكرا، شغله عن ذكر عيوب الناس على سبيل الاشتفاء والاعتصاب\" (^٤).\nوفي الكلام السائر أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة اللَّه في هتك أستارهم معلومة (^٥)، وقد اعتنى علماء الجرح والتعديل بذكر هذا في جملة\n_________\n(^١) رسالة أبي داود لأهل مكة (٣٢ - ٣٣).\n(^٢) كذا ولعلها: وهُدي.\n(^٣) حيث أنكر عليهم مسائل ووقع فيما هو أقبح مما عابه.\n(^٤) الفتاوى الكبرى (٣/ ١٧٣، ١٧٧) وهذا المبحث مهم جدا في بيان فضل العلماء وبيان خطورة الوقيعة فيهم، هذا إذا صدر منهم خطأ واضح، أما إن كان الكلام رجما بالغيب وتقولا عليهم ما لم يقولوا أو يفعلوا فالأمر أخطر وأشد واللَّه المستعان.\n(^٥) انظر الصارم المسلول (٢/ ٣١٧)، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر (٢٨).","vol":"1","page":104},{"text":"ما ينتقد على الراوي فمن عبارتهم في ذلك أنه: \"كثير الوقيعة في الأئمة، وفي السلف من العلماء، خبيث اللسان\" (^١).\nومن هنا كان الكلام في العلماء وذكر مثالبهم من شعار أهل البدع، كما قال ابن أبي حاتم: \"علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر\" (^٢)، وقد ورد في عقائد كثير من السلف المروية عنهم ذكر هذا، وأنك إذا رأيت الرجل يذكر فلانا وفلانا من علماء أهل السنة، فاعلم أنه على ضلالة (^٣)، أحيانا ينصون على الصحابة (^٤)، وأحيانا على بعض أفرادهم (^٥)، وأحيانا على من اشتهر بالسنة في بلد غلب على أهلها البدعة (^٦)، وأحيانا على من كان إماما في السنة حيث يفرق به بين السنة والبدعة (^٧)، بل شمل ذلك الخلفاء والحكام لم اشتهروا بنصر السنة وإقامة الحق\n_________\n(^١) لسان الميزان (٤/ ٢٩٦) (٥/ ٢٩)، وانظر فتح المغيث (٣/ ٣٤٩)، والضابطين الثالث والرابع في كتاب شيخنا الفاضل ﵀ عبد العزيز العبد اللطيف ضوابط الجرح والتعديل (٥١ - ٥٢).\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٢٠٠ - ٢٠١) رقم (٣٢١).\n(^٣) انظر المصدر السابق (١/ ١٩١ - ١٩٢)، شعار أصحاب الحديث للحاكم (٣٢ - ٣٣).\n(^٤) شرح السنة (١/ ٥٠).\n(^٥) شرح أصول اعتماد أهل السنة (١/ ١٩١).\n(^٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦٩) رقم (٤١)، وانظر بيان ارتباط هذا الثناء أو الطعن فيهم بسبب المعتقد ونصر السنة بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٧٥).\n(^٧) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤)، الجرح والتعديل (١/ ٣٠٨) وبوب باب استحقاق الرجل السنة بمحبة أحمد بن حنبل، وفي عقيدة السلف للصابوني (٣٠٧) قوله: =","vol":"1","page":105},{"text":"كعمر بن عبد العزيز (^١) والقادر باللَّه (^٢) وابن سبكتكين (^٣)، وهكذا (^٤).\nوفِي عقيدة الطحاوي الشهيرة كلمة جامعة في ذلك حيث يقول: \"وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء\n_________\n= \"ومن علامات أهل السنة: حبهم لأئمة السنة وعلمائها، وأنصارها وأوليائها. . \".\n(^١) هو الخليفة الأموي الصالح أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان، بويع بالخلافة بعهد من سليمان سنة (٩٩ هـ) فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر، كان منعما قبل الخلافة، فلما تولى الخلافة تزهَّد، وملأ الأرض عدلا، ورد المظالم، وسن السنن الحسنة، تاريخ الخلفاء (٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٢) هو الخليفة العباسي القادر باللَّه أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر، بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع، وكان من الستر، والديانة، والسيادة، وإدامة التهجد بالليل، وكثرة البر والصدقات، وحسن الطريقة، على صفة اشتهرت عنه، وعرفه بها كل أحد، مع حسن المذهب، وصحة الاعتقاد، وهو الذي ينسب إليه الاعتقاد المشهور باعتقاد القادري، تاريخ الخلفاء (٣٥٦)، تاريخ ابن خلدون (٤/ ٤٣٤).\n(^٣) هو محمود بن سبكتكين، السلطان الكبير، صاحب غزنة، أبو القاسم، يمين الدولة، ابن الأمير ناصر الدولة أبي منصور، وقد كان قبل السلطنة يلقب بسيف الدولة، له أخبار مشهورة في الهند وغزوات وحروب، وكان ذا دين وعقل وشجاعة، توفي (٤٢١ هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة، ملك منها ثلاثا وثلاثين سنة، المنتظم (٨/ ٥٢)، البداية والنهاية (١/ ٢٨٦).\n(^٤) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٩٢)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٢)، درء التعارض (٦/ ٢٥٣)، مجموع الفتاوى (٤/ ١٥، ٢٢).","vol":"1","page":106},{"text":"فهو على غير السبيل\" (^١).\nوكان لأهل الحديث من هذا المعنى النصيب الأوفر فهم الذين كثر الكلام فيهم من أهل البدع، وهم المحك في معرفة السني من غيره، ولذلك وضعوا ضوابط كثيرة، وشروطا هامة للكلام في الرواة، بحيث يميزون بين ما يجوز من الكلام في ذلك، وما لا يجوز، ومتى يشرع ومتى ينهى عنه، وفي هذا يقول الإمام الذهبي ﵀ عند تحليله لبعض الآثار المروية في الكلام في حماد ونحوه \"هذا محمول على الوقوع فيهما بهوى وحيف في وزنهما، أما من نقل ما قيل في جرحهما وتعديلهما على الإنصاف فقد أصاب\" (^٢).\nوقد أوضح ابن رجب ﵀ الفرق بين كلام أهل السنة في الرواة، وكلام أهل البدعة فيهم فقال: \"وقد تسلط كثير ممن يطعن في أهل الحديث عليهم بذكر شيء من هذه العلل وكان مقصوده بذلك الطعن في أهل الحديث جملة والتشكيك فيه. . . كما فعله حسين الكرابيسي (^٣) في كتابه الذي سماه بكتاب المدلسين. . . وكان في الكتاب الطعن علي الأعمش والنصرة للحسن بن صالح (^٤)، وكان في الكتاب: إن قلتم إن\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٤٩١).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٥/ ٣١).\n(^٣) هو الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي، الفقيه البغدادي، سمع الحديث الكثير، وصنف في الفقه والأصول، معدود في كبار أصحاب الشافعي، وكان نظارا جدليا، تكلم فيه الإمام أحمد بسبب مسألة اللفظ فسقط، تهذيب التهذيب (١/ ٤٣٢).\n(^٤) هو الحسن بن صالح بن صالح ابن حي، وهو حيان بن شُفي الثوري، فقيه الكوفة وعابدها، رمي بالتشيع، قال الذهبي: \"مع جلالة الحسن وإمامته، كان فيه خارجية، =","vol":"1","page":107},{"text":"الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج، فهذا ابن الزبير قد خرج، فلما قرئ على أبي عبد اللَّه قال: هذا جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به، حذِّروا عن هذا ونهي عنه، وقد تسلط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في الطعن على أهل الحديث. . . وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين، وحفظًا لسنة النبي -ﷺ-، وصيانة لها وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا في غير الأحاديث المعلنة (^١)، بل تقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم؛ لبراءتها من العلل، وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول اللَّه -ﷺ- حقًا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به\" (^٢).\n_________\n= فقال الخريبي: ترك الجمعة، وجاء فلان فناظره ليلة فذهب الحسن إلى ترك الجمعة معهم، والخروج عليهم بالسيف، يعني الظلمة\" (ت: ١٦٩ هـ)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢١٦ - ٢١٧)، التقريب (١٢٥٠).\n(^١) قال الذهبي ﵀ في السير (٨/ ٤٤٨): \"وإنما الكلام في العلماء يحتاج إلى وزن بالعدل والورع\".\n(^٢) شرح علل الترمذي (٢/ ٨٩٢ - ٨٩٤) بتصرف، وانظر قواعد في التعامل مع العلماء (١٠١)، وبراءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة (٢٦٩) من كتاب الردود للشيخ بكر أبو زيد، والفقه في الدين لناصر العقل (٤٥)، لحوم العلماء مسمومة لناصر بن سليمان العمر.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك</span>.\nتقدم في المباحث الثلاثة الماضية، بيان تعظيم الكتاب والسنة، والتحذير من الكلام فيما ليس للمرء فيه سلف، ثم النهي عن الطعن في العلماء، وهذا المبحث كالنتيجة الحتمية لما سبق، وهو باكورته التي بدا صلاحها، وثمرته التي اكتمل نضجها؛ فإن اتباع سلف الأمة في هديهم العام، واقتفاء أثرهم في فهم هذا الدين والعمل به، لمن أوجب الواجبات المتحتمة على المسلم، حتى يعبد ربه على بصيرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (^١).\nوقد جاء عن السلف آثار كثيرة في بيان هذا المعنى، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلى:\n\n٢١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني موسى بن عيسى، حدثني الوليد بن مسلم (^٢): \"أنه رأى رجلا دنس الهيئة، دسم الثياب، قال الوليد: فقلت له: ما لي لا أرى عليك زِيَّ أهل الإسلام؟ قال: وما أنكرت من\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية (١١٥).\n(^٢) هو الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، عالم أهل الشام، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية (ت: ١٩٥ هـ)، الكاشف (٢/ ٢٧٧) تقريب التهذيب (٧٤٥٦).","vol":"1","page":109},{"text":"ذلك؟ لعلك تريد حسن الخضاب، ونقاء الثوب؟ قال: نعم، فبكى وقال: كيف يستبين حزني على مصيبتي فيما سلفت من ذنوبي، والشاهد اللَّه، قال: وغشي عليه\" (^١).\n\n٢٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سهل الأزدي قال: حدثني عباد أبو عتبة الخواص (^٢) قال: \"رأيت شيخا في بيت المقدس كأنه قد احترق بالنار، عليه مدرعة سوداء، وعمامة سوداء، طويل الصمت، كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الكآبة، فقلت: رحمك اللَّه، لو غيّرت لباسك هذا، فقد علمت ما جاء في البياض، فبكى وقال: هذا أشبه بلباس أهل المصيبة، فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد، وكأني بي وبك قد دعينا، فقال: فما تمّ كلامه حتى غشي عليه\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ موسى بن عيسى هو الليثي الخياط صدوق التقريب (٧٠٤٨)، الهم والحزن (٥٢) رقم (٥٢)، المرض والكفارات رقم (٢٦٠) بنفس السند والمتن، وجواب هذا الشيخ للوليد بن مسلم يظهر تأصل شبهة عنده وإلا فإن الحزن على الذنوب لا يلزم منه ما ذكر لا سيما وأنه مخالف للشرع كما أنكر عليه، فالعين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وكذلك لا نفعل إلا ما يرضيه وهذه فائدة العلم الشرعي.\n(^٢) وعباد بن عباد الرملي الأرسوفي، أبو عتبة الخواص، من فضلاء أهل الشام وعبادهم، صدوق يهم، أفحش ابن حبان فقال: يستحق الترك، توفي بعد المائتين، الثقات لابن حبان (٨/ ٤٣٥)، تهذيب التهذيب (٥/ ٨٥)، التقريب (٣١٣٤).\n(^٣) إسناده لين؛ فيه محمد بن سهل الأزدي وهو المعروف بمحمد بن أبي السري كما نبه عليه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٤٢٨)، وانظر تاريخ بغداد =","vol":"1","page":110},{"text":"٢٣ - نا الحسن بن عبد العزيز، نا أيوب بن سويد، أنا أبو الهيثم، عن عبد اللَّه بن غالب (^١)، أنه حدث قال: \"خرجت إلى الجزيرة، قال: فركبنا السفينة فأرفت بنا إلى جانب قرية عاجية في سفح جبل خراب ليس فيها أحد، قال: فخرجت فطفت في ذلك الخراب أتأمل آثارهم وما كانوا فيه، قال: إذ دخلت بيتا يشبه أن يكون مأهولا، قال: قلت: إن لهذا شأنا، قال: فرجعت إلى أصحابي فقلت: إن لي إليكم حاجة فقالوا: ما هي؟ قلت: تقيمون على ليلة؟ قالوا: نعم، قال: فدخلت ذلك البيت، فقلت: إن يكن له أهل فسيؤوب إليه إذا جنّ الليل، فلما أظلم الليل سمعت صوتا قد انحط من رأس الجبل يسبح اللَّه ﷿ ويكبره ويحمده، فلم يزل الصوت يدنو بذلك حتى دخل البيت، قال: ولم أر في ذلك البيت شيئا إلا جرّة ليس فيها شيء، ووعاء ليس فيه طعام، فصلى ما شاء اللَّه أن يصلي ثم انصرف إلى ذلك الوعاء فأكل منه طعاما ثم حمد اللَّه، ثم أتى الجرة فشرب منها، ثم قام فصلى حتى أصبح الصبح، فلما أصبح أقام الصلاة فصليت خلفه، فقال: يرحمك اللَّه دخلت بيتي بغير إذني، قال: قلت\n_________\n= (٥/ ٣١٤)، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٧٠)، ولم يُذكر فيه جرح ولا تعديل إلا أن ابن حجر ذكر ما يفيد أنه كان إخباريا، الهم والحزن (٥٣) رقم (٥٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢١٧).\n(^١) هو عبد اللَّه بن غالب الحُدَّاني البصري العابد، صدوق قليل الحديث، قتل مع ابن الأشعث، قال الذهبي: \"واعظ، قانت، متبتل، صادق، قتل يوم الجماجم سنة (٨٣ هـ) \"، الكاشف (١/ ٥٨٣)، التقريب (٣٥٢٦).","vol":"1","page":111},{"text":"يرحمك اللَّه لم أرد إلا الخير، قلت: رأيتك أتيت هذا الوعاء فأكلت منه طعاما وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيه شيئا، قال: أجل ما من طعام أريد من طعام الناس إلا أكلته من هذا الوعاء، ولا شرابا أريده من شراب الناس إلا شربته من هذه الشجرة، قال: قلت: وإن أردت السمك الطري؟ قال: وإن أردت السمك الطري، قال فقلت: \"يرحمك اللَّه، إن هذه الأمة لم تؤمر بالذي صنعت، أمرت بالجماعة والمساجد وتفضل الصلوات في الجماعة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، قال: هاهنا قرية فيها كل ما ذكرت، وأنا صائر إليها، قال: فكاتبني حينا، ثم انقطع كتابه فظننت أنه مات، قال: وكان عبد اللَّه بن غالب لما مات وجد من قبره ريح المسك\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ أيوب بن سويد صدوق يخطئ (٦٢٠)، لكن قال عنه ابن حبان في الثقات (٨/ ١٢٥): \"وكان رديء الحفظ، يتقى حديثه من رواية ابنه محمد بن أيوب عنه؛ لأن أخباره إذا سُبرت من غير رواية ابنه عنه وجد أكثرها مستقيمة\"، الأولياء (٣٤) رقم (٨٠)، العزلة والانفراد (٩٠) رقم (٧٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٣٦٣)، وتروى هذه من وجه آخر مرفوعًا عن النبي -ﷺ- يرويها عمن كان قبلنا، أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٨١) رقم (٧٥٠٠)، وفيها المفضل بن فضالة وهو مقبول التقريب (٦٩٠٧)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٠٦): \"رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات على ضعف في بعضهم يسير\"، والمعافى النهرواني في الجليس الصالح (١/ ٢٩٢ - ٢٩٤).","vol":"1","page":112},{"text":"٢٤ - حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا غسّان بن عبيد، عن سفيان (^١) قال: \"كانوا يكرهون الشهرتين، الثياب الجياد التي يشتهر فيها، ويرفع الناس فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذلّ فيها\" (^٢).\n\n٢٥ - حدثت عن مصعب بن سلام، ثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عثمان بن أبي العاص (^٣) قال: \"لولا الجمعة وصلاة الجميع، لبنيت في أعلى داري هذه بيتا، ثم دخلته فلم أخرج منه، حتى أخرج إلى قبري\" (^٤).\n_________\n(^١) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة حافظ، فقيه عابد، إمام حجة، وكان ربما دلس (ت: ١٦١ هـ) وله أربع وستون سنة، التقريب (٢٤٤٥).\n(^٢) إسناده صحيح، إصلاح المال (٣٣٤) رقم (٤٠٠)، وانظر (٤٠٤)، والتواضع والخمول رقم (٦٤)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٤٩)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢٣٩)، وانظر مجموع الفتاوى (١١/ ٥٥٥) (٢٢/ ١٣٨)، وزاد المعاد (١/ ١٣٧).\n(^٣) هو عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي، أبو عبد اللَّه، صحابي شهير، أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي -ﷺ- على الطائف، ومات في خلافة معاوية بالبصرة، الإصابة (٤/ ٤٥١)، التقريب (٤٤٨٥).\n(^٤) إسناده منقطع، بين المصنف وشيخه، والأثر حسن من طرقه الأخرى، العزلة والانفراد (٩٥) رقم (٨٣)، وأحمد في الزهد (١٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٩٤) رقم (١٥٣٤)، وأبو داود في الزهد رقم (٤٠١).","vol":"1","page":113},{"text":"٢٦ - حدثني محمد بن العباس قال: حدثنا وكيع، عن سفيان (^١) قال: \"الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء\" (^٢).\n\n٢٧ - حدثني المفصل بن غسان، حدثنا أبي، عن عمر بن علي، قال سفيان بن حسين (^٣): \"تدري ما السمت الصالح؟ واللَّه ما هو بحلق الشارب، ولا تشمير الثوب، إنما هو أن يكون قد لزم الطريق، فيقال له:\n_________\n(^١) هو الثوري كما جاء مصرحا به في مصادر التخريج.\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف هو محمد بن العباس بن محمد اليزيدي، كان راوية للأخبار والآداب، مصدقا في حديثه، رأسا في نقل النوادر وكلام العرب، إمامٌ في النحو، ففي ترجمته من تاريخ بغداد (٣/ ١١٣) أنه يروي عن أبي العباس ثعلب، وفي ترجمة ثعلب من نفس الكتاب (٥/ ٢٠٤) أنه يروي عنه محمد بن العباس اليزيدي، وبهذا يزول الإشكال والاحتمال الذي ذكره أستاذنا د/ مصلح الحارثي حيث لم يستطع تمييزه وذكره احتمالا هو وأبو جعفر، انظر حاشية (١) التهجد (١١٥)، قصر الأمل (٤٢) رقم (٣٢)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ١٠١)، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٨٦)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ١٩٤) رقم (٤٦٦)، وذكره الذهبي في السير (٧/ ٢٤٣)، والحسيني في البرهان المؤيد منسوبا لبعض العارفين (٤٢)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٩١)، وانظر مدارج السالكين (٢/ ١٠).\n(^٣) هو سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد أو أبو الحسن الواسطي، ثقة في غير الزهري باتفاقهم، كان معلم المهدي -وغيره- ومؤدبه، مات بالري مع المهدي، وقيل في أول خلافة الرشيد، تاريخ بغداد (٩/ ١٤٩)، التقريب (٢٤٣٧).","vol":"1","page":114},{"text":"قد أصاب السمت، أتدرون ما الاقتصاد؟ هو الشيء الذي ليس فيه غلو ولا تقصير\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة حرص علماء الأمة على بيان طريق السلف وهديهم، وأن سلوكه هو الذي ينجي صاحبه، والعمل مهما كانت نية صاحبه حسنة، يجب أن يكون على وفق هدي السلف ومنهجهم، فمتى كان مخالفا لذلك فهو مبتدَع مرفوض، فالوليد وعباد الخواص وابن غالب جميعهم أنكروا الهيئة المنكرة التي رأوا بعض العُبَّاد عليها، لما فيها من مخالفة منهج المسلمين واتباع غير سبيلهم، ولذلك كان أثر سفيان ﵀ معيارا في معرفة الزهد، وأنه ليس بأكل الغليظ، ولبس العباءة، وما حكاه عن السلف أنهم كانوا يكرهون الشهرتين، كل ذلك يؤكد أهمية اتباع سبيل السلف كي لا يقع المرء في البدعة، ويكون فعله وقوله ونياته جميعا على السنة؛ فإنه كما قال الإمام مالك ﵀: \"ما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا\" (^٢).\nوفي قول سفيان بن حسين فائدة مهمة، وهي: أن ما كان مشروعا، فليس الاهتمام به وحده وإهمال باقي أحكام الدين من طريقة السلف، بل\n_________\n(^١) إسناده لين، عمر بن علي هو المقدمي ثقة وكان يدلس شديدا التقريب (٤٩٨٦)، إصلاح المال (٣٠٢) رقم (٣٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٦٨) من طريق المفضل به.\n(^٢) الاحكام لابن حزم (٦/ ٢٢٥)، ومنهج الإمام مالك في إثبات العقيدة (٩٩) ونسبه للشاطبي فقط، وهو فيه غير مسند وعند ابن حزم مسندا.","vol":"1","page":115},{"text":"طريقة السلف هي الوسط بين الغلو والتقصير، وذلك في كل أمور الدين، وهذا مقتضى العبودية للَّه وهو طاعته اللَّه في كل ما شرع أمرا ونهيا، ولهذا كان من سمات أهل السنة أنهم جردوا المتابعة فلا يخصون عملا دون آخر بشيء لم يأت في الكتاب والسنة؛ فإن ذلك من آفة العبودية وهو عبودية مقيدة، قال ابن القيم ﵀: \"أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها، فمن الناس من يتقيد بلباس لا يلبس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها، وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى اللَّه ورسوله منه، فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه قد قيّدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل، فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة، وتفريغ القلب، ويعد العلم قاطعا له عن الطريق، فإذا ذكر له الموالاة في اللَّه والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، عَدَّ ذلك فضولا وشرا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدوه غيرًا عليهم، فهؤلاء أبعد الناس عن اللَّه وإن كانوا أكتر إشارة واللَّه أعلم\" (^١).\nومن هنا كان سبيل المؤمنين، وهديهم العام في أصول الدين وفروعه، من أهم ما يجب تحصيله، للتلازم بينه وبين اتباع الكتاب والسنة،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ١٧٦)، وانظر قبلها (٣/ ١٧٤).","vol":"1","page":116},{"text":"قال شيخ الإسلام: \"طاعة اللَّه والرسول فإنهما متلازمان؛ فمن يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، ومن أطاع اللَّه فقد أطاع الرسول، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (^١)؛ فإنهما متلازمان: فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين، فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ\" (^٢).\nوقد بين ابن القيم ﵀ أن أصل البدع في الدين ينشأ من أحد أمرين، إما جهل بتفاصيل سبيل المؤمنين، أو جهل بتفاصيل سبيل المجرمين، ومن هنا كان الصحابة أكمل الناس دينا وعلما، لأنهم عرفوا السبيلين معرفة تفصيلية، وبضدها تتبين الأشياء، ومن لم يعرف تفاصيل السبيلين يوشك أن يخلط بينهما (^٣).\nوهذه الآثار اشتملت على أمرين مهمين الأول: هو إنكار هذه الأفعال المبتدعة، والثاني: بيان أنها ليست من سبيل المؤمنين.\nولأهمية بيان سبيل المؤمنين، وسبيل أهل البدع، ذكره جماعة من علماء السلف في جملة معتقداتهم، كما علق الشيخ صالح الفوزان في شرحه للعقيدة\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية (١١٥).\n(^٢) المجموع (٧/ ٣٨).\n(^٣) الفوائد (١٠٨)، ثم ذكر أقسام الناس في ذلك.","vol":"1","page":117},{"text":"الواسطية بقوله: \"لما ذكر الشيخ طريقة أهل السنة في مسائل العقيدة، ذكر في هذا الفصل والذي بعده (^١)، طريقتهم في عموم الدين أصوله وفروعه، وأوصافهم التي تميزوا بها عن أهل البدع\" (^٢)، ثم علق على ما ذكره شيخ الإسلام من أوصافهم وأخلاقهم فقال: \"هذا الفصل كالمتمم للفصل الذي قبله فيه بيان لصفات أهل السنة التي هي من مكملات العقيدة\" (^٣).\nبل الأمر تعدى إلى أبعد من هذا حيث أوردوا كثيرا من الفروع في معتقداتهم لأنها صارت شعارا لبعض أهل البدع، فعلا أو تركا، وذلك حرصا منهم أن لا يلتبس طريق الحق بغيره، قال شيخ الإسلام: \"يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري، أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك لأن هذا من شعار الرافضة\" (^٤).\nبل وجد في بعض كتب المعتقد مسائل اشتهر القول الراجح فيها وصار قول المخالف ظاهر الضعف كتحريم المسكر من غير العنب ونحو ذلك واللَّه أعلم (^٥).\n_________\n(^١) وهما آخر فصلين في العقيدة الواسطية.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية (٢١٠).\n(^٣) المصدر السابق (٢١٥)، وانظر شرح خليل هراس (١٧٩ - ١٨٢).\n(^٤) المجموع (٢٢/ ٤٢٣)، وانظر فروعا أخرى ذكرها في المنهاج (٤/ ١٥١) كما أنه ﵀ بين أن ذلك ليس حجة في ترك السنة مطلقا وذكر من وافق بعض أهل البدع في قولهم في مسائل الفروع لأن السنة وردت بذلك، ولم يمنعه قولهم به أن يخالف السنة.\n(^٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٩٧)، انظر المجموع (٣٤/ ١٨٧).","vol":"1","page":118},{"text":"ولا تكلم الإمام أبو سعيد الدارمي ﵀ عن هدي السلف وآثارهم، وبيّن أنها المرجع في فهم الدين، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة، ومراد اللَّه ورسوله، واضطراب الآراء والمعقول في ذلك، قال: \"فالمعقول عندنا ما وافق هديهم، والمجهول عندنا ما خالفهم، ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقتهم إلا هذه الآثار، وقد انسلختم منها، وانتفيتم منها بزعمكم، فأنى تهتدون؟ \" (^١).\nومن هنا كان أفضل هذه الأمة هم الصحابة، وأفضلها بعدهم من سار على هديهم واتبع منهجهم، من أئمة الهدى وعلماء السنة، كما قال شيخ الإسلام: \"كل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم. . . ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي. . . وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية، وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقهم المتبعون لها، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر، فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين\" (^٢).\n_________\n(^١) الرد على الجهمية (١٢٧).\n(^٢) شرح العقيدة الأصفهانية (١٦٤).","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الثاني: الآثار الواردة في الابتداع</span>.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع</span>.\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في نهي السلف عن الأهواء وتعوذهم منها.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في تمني الموت قبل وقوع البدع.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في سرعة وقوع البدع في الناس.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في أن البدع سبب هلاك من هلك من هذه الأمة.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في تألم السلف من ظهور البدع وترك السنن.","vol":"1","page":121},{"text":"المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع.\nلما كان أمر الدين قائما على الاتباع، وسلوك سبيل السلف السابقين، والاستسلام لما جاء به النبي -ﷺ- من ربه، والحذر من إحداث شيء لم يكن عليه الصدر الأول من هذه الأمة، كما سبق بيانه في الفصل الأول، كان عكس ذلك وهو الإحداث في الدين، والابتداع فيه، من أخطر الأمور، وقد وردت نصوص كثيرة تحذر منه كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١)، وقال النبي -ﷺ-: \"خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (^٢)، وقد جاءت آثار كثيرة عن السلف بيّنوا فيها خطورة البدع والإحداث في الدين، ورد العديد منها في كتب ابن أبي الدنيا، ونظرا لكثرتها، فقد قسمتها على مطالب، أظهرت في كل مطلب معنى من المعاني التي لوحظت في بيان خطورة البدع.\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية (١٥٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢/ ٥٩٢) رقم (٨٦٧).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المطلب الأول: الآثار الواردة في نهي السلف عن الأهواء وتعوذهم منها</span>\n\n٢٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، أن عمر -﵁- (^١) كتب إلى أبي موسى -﵁-: \"أن لا تؤخِّر عمل اليوم لغد فتتوالى عليكم الأعمال فتضيع، وإن للناس نفرة عن سلطانهم، أعوذ باللَّه أن تدركني ضغائن محمولة، ودنيا مؤثرة، وأهواء متّبعة\" (^٢).\n\n٢٩ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي، أنا إسحاق بن عبد المؤمن\n_________\n(^١) هو أمير المؤمنين الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أسلم في السنة السادسة من النبوة، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وثاني الخلفاء الراشدين، وصهر رسول اللَّه -ﷺ-، له عدة موافقات للقرآن الكريم، ولي الخلافة بعهد من أبي بكر الصديق -﵁- سنة (١٣ هـ)، قتل شهيدا سنة (٢٣ هـ) طعنه أبو لؤلؤة المجوسى، الإصابة (٤/ ٥٨٨)، تاريخ الخلفاء (٩٩).\n(^٢) إسناده منقطع؛ فإن أبا البختري لم يسمع من عمر ويرسل عنه كثيرا كما في تحفة التحصيل (١٢٦)، والأثر حسن لغيره في المتابعات؛ فإنه قد تابعه الحسن البصري ويزيد بن رومان عن عمر، وجميعهم روايتهم عن عمر مرسلة، ذم الدنيا (٨٨ - ٨٩) رقم (٢٣٠)، وأبو عبيدة في الأموال رقم (١٠) عن الحسن به، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٥٥) رقم (٣٧١٨١) عن أبي البختري به، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٤٠٩) عن الحسن به، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٣٥) عن يزيد بن رومان به.","vol":"1","page":123},{"text":"الدمشقي قال: كتب إليّ أحمد بن عاصم الأنطاكي (^١) فكان في كتابه: \". . . وإياك والميل إلى هواك؛ فإنه يصدّك عن الحق. . . \" (^٢).\n\n٣٠ - حدثنا يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن زبيد الإيامي، عن مهاجر العامري قال: قال علي بن أبي طالب (^٣) -﵁-: \"إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: اتباع الهوى، وطول الأمل: فأما اتباع الهوى: فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل: فينسي الآخرة\" (^٤).\n_________\n(^١) هو أحمد بن عاصم الأنطاكي أبو عبد اللَّه، من متقدمي مشايخ الثغور وعبادهم، كان يقال له جاسوس القلوب، أورده ابن حبان في الثقات، ليس له كبير حديث مسند، وله في الزهد، انظر الثقات لابن حبان (٨/ ٢٠)، وله ترجمة إضافية في الحلية (٩/ ٢٨٠).\n(^٢) إسناده حسن؛ إسحاق بن عبد المؤمن صدوق كما في الجرح والتعديل (٢/ ٢٢٩)، ذم الدنيا (١٤٨) رقم (٤٥٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٢٦٠ - ٢٦١).\n(^٣) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، من أول الناس إسلاما، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، بايعه جميع من كان بالمدينة من الصحابة بالخلافة بعد مقتل عثمان، قال ابن حجر: \"وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السنة\"، قتله ابن ملجم الخارجى سنة (٤٠ هـ)، الإصابة (٤/ ٥٦٤)، التقريب (٤٧٥٣)، تاريخ الخلفاء (١٤٩).\n(^٤) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (١٧٦)، أما مهاجر العامري فهو مهاجر بن شماس ثقة كما في الجرح والتعديل (٨/ ٢٦١)، قصر الأمل (٥٠) رقم =","vol":"1","page":124},{"text":"٣١ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: \"لا خير فيما دون الصدق من الحديث، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، قد أفلح من حُفظ من ثلاث: الطمع، والهوى، والغضب\" (^١).\n\n٣٢ - حدثنا ابن جميل، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن أيهم، عن النعمان بن بشير (^٢)، أنه كان يقول:\n_________\n= (٤٩)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٣٥٠) رقم (٨٨١)، وفي الزهد (١٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٦٩) رقم (١٠٦١٣)، وابن حجر في تغليق التعليق (٥/ ١٥٩)، وفتح الباري (١١/ ٢٣٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥)، ويروى هذا الأثر مرفوعا إلى النبي -ﷺ- ولا يصح رفعه، انظر الإحالة على تغليق التعليق حيث قال ابن حجر: \"والصواب الموقوف\"، والعلل المتناهية لابن الجوزي (٢/ ٣٢٩).\n(^١) إسناده منقطع، فإن أبا بكر بن عياش لم يدرك عمر، فهو من السابعة كما في التقريب (٨٠٤٢)، والأثر حسن من طريق البيهقي الآتية، وهي نفس طريق ابن أبي الدنيا برقم (٤٨٨) إلا أنها عنده دون محل الشاهد وعند البيهقي أكمل سياقا.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٤٤) رقم (٤٩٦)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢١٥) رقم (٥٥٩٤) في أنه كان يقول ذلك في خطبته، وفي شعب الإيمان (٧/ ٣٦٨) رقم (١٠٦١٠)، عن أبي هريرة: أن عمر: إلخ.\n(^٢) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة، أول أنصاري ولد بعد الهجرة، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة (٦٥ هـ) وله أربع وستون سنة، الإصابة (٦/ ٤٤٠)، التقريب (٧١٥٢).","vol":"1","page":125},{"text":"\"إن للشيطان مناصب وفخوخا، ومن مناصب الشيطان وفخوخه: البطر بأنعم اللَّه ﷿، والفخر بعطاء اللَّه ﷿، والكبرياء على عباد اللَّه ﷿، واتباع الهوى في غير ذات اللَّه ﷿\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة تحذير السلف من الأهواء؛ حيث تضمنت أن اتباع الأهواء يصد عن الحق، وأن من عصم منها فقد أفلح، وأنه من مصائد الشيطان وفخوخه؛ وتعوذ السلف من ذلك، ولا شك أن اتباع الهوى من أهم أسباب البدع، قال الشاطبي ﵀: \"اتباع الهوى أصل الابتداع\" (^٢)، و\"الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا للَّه\" (^٣)، ويلاحظ أنه من شدة خطورته تعوّذ عمر الفاروق -﵁- من إدراكه أي أن يدركه أصحاب الأهواء المتبعة، فضلا أن يكون هو صاحب هوى متبع، وذلك لشدة خطورته وعظيم ضرره، قال ابن القيم\n_________\n(^١) إسناده لين، ابن أيهم مقبول التقريب (٧٧٤٣)، إصلاح المال (٣٠٨) رقم (٣٤٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١٩٤) رقم (٥٥٣)، والتاريخ الكبير (٨/ ٣٢١)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٦٠)، والخرائطي في فضيلة الشكر رقم (٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ١٢٤)، ويروى مرفوعا وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (١٩٦٤) والضعيفة (٢٤٦٣)، وفي مصادر التخريج ما يفيد سقوط الهيثم بن مالك الطائي شيخ ابن أيهم من طبعة ابن أبي الدنيا.\n(^٢) الاعتصام (٤١٢).\n(^٣) الاعتصام (٣٧٦)، وانظر تفصيلها في الموافقات (٢/ ١٦٨).","vol":"1","page":126},{"text":"﵀: \"الفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما، ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيء القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث اللَّه به رسوله، فهو من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ (^١)، وقد أخبر اللَّه سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل اللَّه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ (^٢)، وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال، ولا ينجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دق الدين وجله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه\" (^٣).\nولما كان اتباع الهوى بريد البدعة والموصل إليها، كان ذلك صفة\n_________\n(^١) سورة النجم، من الآية (٢٣).\n(^٢) سورة ص، الآية (٢٦).\n(^٣) إغاثة اللهفان (٢/ ١٦٥).","vol":"1","page":127},{"text":"ملازمة لأهلها، كما قال شيخ الإسلام: \"المؤمنون أهل السنة. . . أعمالهم خالصة للَّه تعالى، موافقة للسنة، وأعمال مخالفيهم لا خالصة ولا صواب، بل بدعة، واتباع الهوى، ولهذا يسمون أهل البدع وأهل الأهواء\" (^١).\nوقد مثل شيخ الإسلام تأثير الهوى على اتباع الحق وصده عنه، بالآفات والعاهات الحسية التي تمنع البصر أو أي عضو من الإدراك فقال: \"الإرادة الفاسدة هي: الهوى الذي يصد عن معرفة الحق، وهو مرض في القلب يمنعه ما فطر عليه من صحة الإدراك والحركة، كما يمنع مرض العين ما فطرت عليه من صحة الإدراك والحركة، وكذلك المرض في سائر الأعضاء، فهؤلاء الذين لا يجدون في أنفسهم علما ضروريا، وقصدا ضروريا لمن هو فوق العالم، قد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم، ففسد إحساسهم الباطن كما يفسد الإحساس الظاهر، مثل المُرَّة التي تفسد الذوق، والحول والعشى الذي يفسد البصر وغير ذلك، ولهذا إنما يكون الاعتبار في هذا بذوي الفطر السليمة من الفساد والإحالة\" (^٢).\nولما كان اتباع الهوى هو الميل بالنفس لرغباتها، والانسياق وراء ما تميل إليه، ورد في السنة المطهرة الاستعاذة من شر النفس حيث أوصى النبي -ﷺ- أبا بكر الصديق أن يقول في دعاء الصباح والمساء: \"أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو\n_________\n(^١) الرد على البكري (٢/ ٤٩١)، وانظر رسالة في الزهد (٩).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٧٠)، وانظر النبوات (١٦٨).","vol":"1","page":128},{"text":"أجره إلى مسلم\"، قال ابن القيم ﵀: \"تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته؛ فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايته إما تعود على العامل، أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر للذين يصدر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهم\"، وكان من هديه -ﷺ- في خطبة الحاجة أن يقول: \"ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: رسالة خطبة الحاجة للشيخ الألباني ﵀.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المطلب الثاني: الآثار الواردة في تمني الموت قبل وقوع البدع</span>.\n\n٣٣ - حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: \"قال أبو بكر الصديق -﵁- (^١) يبكي رسول اللَّه:\nأَعُيَيشُ ويحك إن حِبِّي قد ثوى ... فأبوك مهيوض الجناح كسير\nيا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غُيِّبت في جَدَثٍ عليَّ الصخور\nفلتحدثنَّ بدائع من بعده ... تغلي لهنّ جوانح وصدور\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثر السابق خوف الصديق مما سيحدث من البدع، وتمنيه الموت قبل وقوعها، وهذا التمني جائز لأنه متعلق بأمر ديني وأخروي؛ فإذا خشي المسلم على دينه في الفتن جاز له تمني الموت، قال ابن حجر ﵀: \"قوله \"لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه\" الخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموما، وقوله: \"من ضر أصابه\"\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن عثمان بن عامر القرشي التميمي، أبو بكر بن أبي قحافة، الصدِّيق الأكبر، خليفة رسول اللَّه -ﷺ-، ثاني اثنين في الغار، مات في جمادى الأولى سنة (١٣ هـ) وله ثلاث وستون سنة، الإصابة (٤/ ١٦٩)، التقريب (٣٤٦٧)، تاريخ الخلفاء (٣١).\n(^٢) إسناده معضل؛ فإن محمد بن إسحاق بينه وبين أبي بكر الصدِّيق مفاوز، انظر تحفة التحصيل (٢٧٤)، المتمنين (٤٥) رقم (٥٦)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٢٠) من طريق الواقدي معضلا أيضا.","vol":"1","page":130},{"text":"حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي؛ فإن وجد الضر الأخروي: بأن خشي فتنة في دينه، لم يدخل في النهي. . . وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة، ففي الموطأ عن عمر أنه قال: \"اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط\" (^١) وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر، وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال: يا طاعون خذني، فقال له عليم الكندي: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يتمنين أحدكم الموت\"، فقال إني سمعته يقول: \"بادروا بالموت ستا إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم\" (^٢) الحديث، . . . وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه: \"وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون\" (^٣) \" (^٤).\nوقد اعتنى ابن رجب ﵀ بشرح هذه المسألة في كتابه الجليل اختيار الأولى فقال: \"وهذا من أهم الأدعية؛ فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن، ثم قبضه اللَّه تعالى إليه، قبل وقوعها وحصول الناس فيها،\n_________\n(^١) سيأتي (٦٩٤) تخريجه في باب الآثار الواردة في الصحابة والإمامة.\n(^٢) مسند الإمام أحمد (٢٥/ ٤٢٧) رقم (١٦٠٤٠)، وقال محققوه: \"حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف\" ثم توسعوا في تخريجه.\n(^٣) انظر السنة لابن أبي عاصم (١٦٩ - ١٧٠) فقد صححه الشيخ الألباني ﵀.\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ١٢٨)، وانظر الاستذكار (٣/ ١١٨)، وسبل السلام (٢/ ٨٩).","vol":"1","page":131},{"text":"كان في ذلك نجاة له من الشر كله. . . والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم. . . -ثم بيّن أنه لا بد للمرء من فتن عموما كفتنة المال والأولاد والأهل. . . وبيّن أنه لا يشرع تمني الموت وطلبه في كل نوع منها- وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهى التي يستعاذ منها، ويسأل الموت قبلها، فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه اللَّه تعالى وحماه\" (^١).\n_________\n(^١) وهو بحث نفيس جدا جمع فيه شتات الموضوع واعتنى ببيان جوانبه المختلفة، (١١٨ - فما بعدها).","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المطلب الثالث: الآثار الواردة في سرعة وقوع البدع في الناس</span>.\n\n٣٤ - حدثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه الباهلي قال: أخبرنا سفيان ابن عيينة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن صفية (^١) قالت: \"زلزلت المدينة على عهد عمر -﵁-، فقال: أيها الناس، ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم؟ لئن عادت لا أساكنكم فيها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁- بيان سرعة وقوع المحدثات في الناس، وجعل ذلك سبب الزلزلة التي وقعت في المدينة النبوية في عهده -﵁-، ولا ريب أن البدع والمحدثات سريعة الوقوع؛ لأن دافعها الهوى، وتزيين الشيطان، وهما مصدرا الشر كما سبق عن ابن القيم، وقد ورد ما يؤيد فراسة عمر -﵁- سرعة الإحداث من قول عبد اللَّه بن مسعود -﵁- لما تحلق أولئك القوم في المسجد وجعل أحدهم يقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة ثم يطلب منهم مثله في التهليل والتحميد،\n_________\n(^١) هي صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفية، زوج ابن عمر، قيل لها إدراك، وأنكره الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، توفيت في إمارة الزبير، الإصابة (٤/ ٣٥١) القسم الثاني، التقريب (٨٦٢٣).\n(^٢) العقوبات (٣١) رقم (٢٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٢٢١) رقم (٨٣٣٥)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٤١٨)، والتمهيد (٣/ ٣١٨)، وذكره العيني في عمدة القاري (٤/ ٥٧).","vol":"1","page":133},{"text":"فأنكر أبو موسى الأشعري ما رآه منهم في المسجد، وذهب ليخبره بذلك، فأتاهم وقال مستنكرا: \"فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم -ﷺ- متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة، قالوا: واللَّه يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول اللَّه ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم اللَّه ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج\" (^١).\nولعل الذي جعل عمر -﵁- يقول ما قال علمه بأنه سيكون إحداث في الدين بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ- ويقينه بذلك حيث ورد عنه أنه قال: \"إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب اللَّه\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٧٩) رقم (٢٠٤) بسند حسن، ومن طريقه ذكره أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث (٦٤ - ٦٥)، وبحشل في تاريخ واسط (١/ ١٩٩)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها ذكر له عدة طرق وألفاظ.\n(^٢) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٦٢) رقم (١١٩) بسند حسن وغيره، وهناك بعض المخالفات في أمور عملية ظهرت في عصر الخلفاء الراشدين تصدى لها الصحابة وعاملوها معاملة البدعة لبيان أنها ليست من الدين، حتى لا يلتبس الدين بغيره، انظر =","vol":"1","page":134},{"text":"وينبغي هنا الإشارة إلى أن البدع الكبيرة لم تقع في أوائل عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، ولا في مدينة الخلافة النبوية، فإنه كما قال شيخ الإسلام: \"كان القرن الأول من كمال العلم والإيمان على حال لم يصل إليها القرن الثاني، وكذلك الثالث، وكان ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن والإيمان، وكلما كانت البدعة أشد تأخر ظهورها، وكلما كانت أخف كانت إلى الحدوث أقرب\" (^١)، وقال ﵀: \"فأما الأعصار الثلاثة المفضلة، فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة، كما خرج من سائر الأمصار. . . -ثم ذكر البدع الكبيرة التي حدثت في كل مصر- وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك، فكان عندهم مهانا مذمومًا؛ إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مذمومين مقهورين، بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام؛ فإنه كان ظاهرا. . . ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرا، إلى زمن أصحاب مالك، وهم أهل القرن الرابع (^٢) حيث أخذ القرن عن مالك وأهل طبقته\" (^٣).\n_________\n= مثلا الباعث على إنكار البدع والحوادث (٦٨).\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية (٨٤)، والمجموع (٢٠/ ٣٠١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٠٠ - ٣٠٢) بتصرف.\n(^٣) أصحاب مالك -﵀- هم أهل القرن الثالث وليس الرابع؛ لأنه توفي سنة =","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن البدع سبب هلاك مَن هلك مِن هذه الأمة</span>.\n\n٣٥ - حدثني محمد بن هارون، ثنا الحسن بن موسى، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا واصل مولى أبي عيينة قال: دفع إلي يحيى بن عقيل (^١) صحيفة قال: أنبئت أن عبد اللَّه بن مسعود كان يقول: \"الذنوب أربعة: ذنبان مغفوران، وذنبان لا يغفران، رجل عمل ذنبا خطأ فاللَّه يمنّ ولا يعذّبه عليها، وقد قال فيما أنزل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (^٢)، ورجل عمل ذنبا قد علم ما فيه فتاب إلى اللَّه منه، وندم على ما فعل، وقد جزى اللَّه أهل هذا الذنب أفضل الجزاء، فقال في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (^٣)، إلى آخر الآية، وذنبان لا يغفر لأهلهما: رجل قد عمل ذنبا قد علم ما فيه، فأصرّ عليه ولم يتب إلى اللَّه منه، ولن يتوب اللَّه على عبد حتى يتوب، ولن يغفر اللَّه لمذنب حتى يستغفر، ورجل زيّن له سوء عمله فرآه حسنا؛ فإن هذه التي يهلك فيها\n_________\n= (١٧٩ هـ) واللَّه أعلم.\n(^١) هو يحيى بن عُقَيل الحذاء البصري نزيل مرو، صدوق من الثالثة، مشاهير علماء الأمصار (١٢٦)، التقريب (٧٦١٠).\n(^٢) سورة الأحزاب، من الآية (٥).\n(^٣) سورة آل عمران، من الآية (١٣٥).","vol":"1","page":136},{"text":"عامة من يهلك من هذه الأمة\" (^١).\n\n٣٦ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، ثنا ابن أبي غَنِيَّة، عن داود بن أبي السوداء (^٢) قال: قال كعب لعلي -﵁-: \"ألا أخبرك بثلاث منجيات جاء بهن موسى -ﷺ-؟ لزومك بيتك، وبكاؤك على خطيئتك، وكفّك لسانك، قال: فعارضه عليّ -﵁- فقال: ألا أخبرك ثلاث مهلكات؟ نكث الصفقة، وترك السنة، ومفارقة الجماعة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة أن البدع من أسباب الهلاك في الأمة، وذلك أن البدع من جملة المعاصي (^٤)، بل هي أشد أنواع المعاصي، وقد عدها ابن القيم ﵀ عند تقسيمه للذنوب وأنواعها، من الذنوب الشيطانية، فقال: \"الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية وشيطانية وسبعية وبهيمية، لا تخرج عن ذلك؛ فإن الذنوب الملكية: أن من يتعاطا ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر\n_________\n(^١) إسناده حسن إلى يحيى، وقد ذكر بالرواية عن أنس وعمران بن حصين، وروايته هنا عن عبد اللَّه ليست سماعا، التوبة (٥٥ - ٥٦) رقم (٣٢).\n(^٢) لم أقف له على ترجمة.\n(^٣) إسناده ضعيف، داود بن أبي السوداء لم يذكره إلا المزي في تهذيب الكمال (٨/ ٦٧) ضمن شيوخ ابن أبي غنية، العزلة والانفراد (١٤٣ - ١٤٤) رقم (١٦١).\n(^٤) انظر كتاب الاعتصام للشاطبي (٢١٤)، وذكر فيه تفاوتها وانقسامها إلى كبيرة وصغيرة كانقسام الذنوب.","vol":"1","page":137},{"text":"والعلو والظلم واستعباد الخلق ونحو ذلك ويدخل في هذا الشرك بالرب تعالى. . . وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب. . . وأما الشيطانية: فالتشبه بالشيطان في الحسد والبغى. . . والأمر بمعاصي اللَّه وتحسينها والنهي عن طاعة اللَّه وتهجينها، والابتداع في دينه والدعوة إلى البدع والضلال، وهذا النوع يلى النوع الأول في المفسدة\" (^١)، وعند شرحه لقول مالك بن مغول: \"الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة\" قال ﵀: \"يريد أن البدعة من الكبائر، وأنها أكبر من كبائر أهل السنة، فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع، وهذا معنى قول بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها\" (^٢).\nوهذا ما أشار إليه ابن مسعود -﵁- في الأثر السابق من كونه زين له سوء عمله، وأنه عامة الذي يهلك فيه من هلك من هذه الأمة، وبيّن علي -﵁- أن من المهلكات: ترك السنة، مفارقة الجماعة، قال شيخ الإسلام: \"كان السلف يحذرون من هذين النوعين: من المبتدع في دينه، والفاجر في دنياه،\n_________\n(^١) الجواب الكافي (٨٦)، وانظر (١٠٠) في أن هذا الترتيب عام وإلا فقد تكون البدعة أشد من الشرك، ومقارنته بين المشرك والملحد والمعطل، وجعل هذا الكلام مقدمة لما سيذكره من ترتب العقوبات على المعاصي والذنوب من العقوبات في الدنيا والآخرة، وانظر كتاب تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار (١٠٢).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":138},{"text":"كل من هذين النوعين وإن لم يكن كفرا محضا، فهذا من الذنوب والسيئات التي تقع من أهل القبلة. . . فمن خلص من الشهوات المحرمة، والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة، وهذه هي الثلاثة: الكلام المنهى عنه، والطعام المنهي عنه، والنكاح المنهي عنه، فإذا اقترن بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرا، فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقلا ودينا، وهؤلاء هم الذين يستحقون عقوبة أمثالهم من الأمم (^١)، كما ثبت في الصحيح أنه يكون في هذه الأمة من يمسخ قردة وخنازير، وكما روى أنه سيكون فيها خسف وقذف ومسخ\" (^٢)، وقد فصّل الإمام الشاطبي ﵀ هذه الجملة تفصيلا بديعا حيث بيّن في كل نوع من أنواع العقوبات التي وردت عن النبي -ﷺ- في آخر الزمان، كيف دخلتها البدعة ولو كانت من باب العادات وعموم المعاصي، فقال بعد نقله لعدة أحاديث فيما سيقع من عقوبات في هذه الأمة كالمسخ والخسف والقذف وغير ذلك: \"فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبي -ﷺ- أنه يكون في هذه الأمة بعده، إنما هو -في الحقيقة- تبديل الأعمال التي كانوا أحق بالعمل بها، فلما عوضوا منها غيرها، وفشا فيها كأنه من المعمول به تشريعًا، كان من جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين في العبادات\"، فالمعصية قد تكون مخالفة شرعية فقط، وقد يضاف إليها وجه آخر للنهي، وهى اتخاذها سنة تخالف\n_________\n(^١) وانظر كذلك المجموع (٨/ ٤١٦).\n(^٢) الاستقامة (١/ ٤٥٧).","vol":"1","page":139},{"text":"بها الطريقة الشرعية، أو قد تستباح ونحو ذلك، وعلى هذا تكون العقوبة والهلاك الذي يحصل في الأمة في آخر الزمان، قال الشاطبي: \"إن مدارك تلك الأحاديث على بضع عشرة خصلة، يمكن ردها إلى أصول هي كلها أو غالبها بدع، وهي قلة العلم وظهور الجهل، والشح وقبض الأمانة، وتحليل الدماء والزنا والحرير والغناء والربا والخمر، وكون المغنم دولًا، والزكاة مغرمًا، وارتفاع الأصوات في المساجد، وتقديم الأحداث ولعن آخر الأمة أولها، وخروج الدجالين، ومفارقة الجماعة\" (^١)، ثم قال: \"فالحاصل أن أكثر الحوادث التي أخبر بها النبي -ﷺ- من أنها تقع وتظهر وتنتشر، أمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة التعبد، لا من جهة كونها عادية، وهو الفرق بين المعصية التي هي بدعة، والمعصية التي هي ليست ببدعة، وأن العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة\" (^٢).\nومن هنا قال الإمام مالك مقالته المشهورة: \"السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق\" (^٣)، قال شيخ الإسلام: \"سبب ظهور\n_________\n(^١) الاعتصام (٤٠١)، وانظر هذه وما ورد في ذلك من النصوص الشرعية كتب الفتن، ككتاب الفتن لنعيم، وكتاب السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني، ورسالة المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع.\n(^٢) الاعتصام (٤١٦).\n(^٣) انظر منهج الإمام مالك في العقيدة (٩٠)، وأخرجه كذلك الخطيب في تاريخه (٧/ ٣٣٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٩)، وذكره السيوطي في مفتاح الجنة =","vol":"1","page":140},{"text":"البدع في كل أمة. . . وهو خفاء سنن المرسلين فيهم، وبذلك يقع الهلاك، ولهذا كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، قال مالك ﵀: السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك\" (^١).\nوقال المناوي -﵀- لما تكلم عن موت المبتدع: \"لأن موته راحة للعباد لإفتانه لهم، وللبلاد والشجر والدواب لأن ظهور البدع سبب للقحط\" (^٢).\n_________\n= (١/ ٧٦).\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية (١٨٤).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٤٣٩)، وانظر (٦/ ٢٩٧).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المطلب الخامس: الآثار الواردة في تألم السلف من ظهور البدع وترك السنن</span>\n\n٣٧ - حدثني أبو عثمان الفارسى قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الفرات بن سليمان قال: قال الحسن: \"إن الناس كانوا مرة والعُسْرُ لا يزيدُ الرجلَ إلا خيرا، ليس من جرب كمن لم يجرب، فالناس اليوم يذهبون سفالا سفالا، قلّت الأمانة، واشتدّ الشح، وفشت القطيعة، وظهرت البدع، وتركت السنن، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه ما من رجل اليوم بصير بهذا الدين يضع بصره إلا وهو مغموم محزون مما يراعى من الناس، ومما يراعى من نفسه، ذهبت الوجوه والمعارف، وظهرت النكر، فلا تكاد تعرف شيئا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر الحسن البصري ﵀ ما كان عليه السلف من الحرص على السنن، والتألم من ظهور البدع والمخالفات، وتغير حال الزمان مما يدخل الغم والحزن على المسلم البصير بدينه، ولهم في ذلك أسوة بنبيهم -ﷺ- حيث كان يتألم من عدم إيمان من آمن من قومه، ويتحسر على ذلك، وهو يراهم في ضلالهم وغيهم، حتى أرشده ربه ﷿\n_________\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف هو إسماعيل بن تاشاف أبو عثمان الفارسي أورده الصيداوي في معجم الشيوخ (٢٢٤) ولم يذكر فيه شيئا، الهم والحزن (٩٩) رقم (١٧٤)، وابن المبارك بسياق مغاير في الزهد رقم (٣٥).","vol":"1","page":142},{"text":"إلى التخفيف من كثرة التأسف والأسى على ضلال الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (^١)، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ (^٢).\nومن هنا يظهر أن هذا الحزن على ظهور البدع وتألم السلف من ذلك، هو من باب التألم من المصائب، ومقابلتها بالاسترجاع المشروع (^٣)، قال ابن القيم عند كلامه على منازل السائرين: \"منزلة الحزن وليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها، وإن كان لا بد للسالك من نزولها، ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا. . . وسر ذلك أن الحزن موقف غير مسير (^٤). . . ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (^٥)، فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم. . . وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ\n_________\n(^١) سورة فاطر، من الآية (٨).\n(^٢) سورة الكهف، الآية (٦).\n(^٣) انظر اقتضاء الصراط المستقيم (٣٠٠).\n(^٤) أي إنه شيء يحصل للمسلم أثناء سيره في منازل العبودية، وليس هو مسيرا بنفسه يسلك ويقصد.\n(^٥) سورة فاطر، من الآية (٣٤).","vol":"1","page":143},{"text":"حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ (^١)، فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن: من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول اللَّه لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به\" (^٢)، قلت: وهكذا حال السلف فإنهم تألموا وحزنوا، لما كان عندهم من تعظيم السنة، وبغض البدعة، وحب المعروف والإيمان، وكراهية الكفر والفسوق والعصيان، وهذا ما شرحه الإمام عبد اللَّه بن المبارك رحمة اللَّه عليه حيث قال: \"اعلم أي أخي! إن الموت كرامةً لكل مسلم لقي اللَّه على السنة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، فإلى اللَّه نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى اللَّه نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة وظهور البدع\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية (٩٢).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٥٠٥ - ٥٠٧) بتصرف.\n(^٣) الاعتصام (٤٠).","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع</span>.\nوفيه ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الاستماع لأهل البدع.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهل البدع من الكلام فيها.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع.\nالمطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة.\nالمطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعالٍ خشية أن تكون بدعة.","vol":"1","page":145},{"text":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع.\nإن من قواعد الشرع العظيم قاعدة سد الذرائع، وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، والشارع حرم الذرائع وإن لم يُقصد بها المحرَّم لإفضائها إليه، فكيف إذا قُصد بها المحرم نفسه؟ (^١)، فإذا حرم الرب تعالى شيئا، وله طرق ووسائل تفضي إليه؛ فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له، ومنعا أن تقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمتُه تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء (^٢)، وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (^٣).\nوأدلة هذه القاعدة الشريفة كثيرة جدا من الكتاب والسنة، أشهرها قوله ﷿: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا\n_________\n(^١) انظر إغاثة اللهفان (١/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(^٢) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٥).\n(^٣) إعلام الموقعين (٣/ ١٥٩).","vol":"1","page":146},{"text":"كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ (^١).\nوقوله -ﷺ-: \"إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول اللَّه وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه\" (^٢)، قال ابن بطال: \"هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم، يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .﴾ (^٣) الآية\" (^٤).\nولما كانت البدع من جملة المعاصي كما سبق بيانه، بل هي شرها وأخطرها؛ فإن سد الذرائع إليها كان أعظم وأحكم، وكان للسلف الصالح في ذلك عدة آثار، وقفت في كتب ابن أبي الدنيا على كثير منها، ووزعتها على عدة مطالب، أبرزت فيها الجوانب التي لاحظها السلف في ذلك، وهى:\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية (١٠٨).\n(^٢) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠/ ٤٠٣ فتح) رقم (٥٦٢٨)، ومسلم (١/ ٩٢) رقم (٩٠).\n(^٣) سورة الأنعام، من الآية (١٠٨).\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ٤٠٤)، وانظر باقي الأدلة في إعلام الموقعين (٣/ ١٣٧ - ١٥٩) حيث أوصلها إلى تسعة وتسعين مثالا ودليلا.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد</span>.\n\n٣٨ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي، حدثني عبد الوهاب بن يزيد الكندي (^١) قال: \"رأيت أبا عمر الضرير (^٢) في النوم فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي ورحمني، قلت: فأي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أنتم عليه من السنة والعلم، قلت: فأي الأعمال وجدت شرًّا؟ قال: \"احذر الأسماء، قلت: وما الأسماء؟ قال: قدري (^٣)، معتزلي (^٤)، مرجئ (^٥)،\n_________\n(^١) لم أجد له ترجمة.\n(^٢) هو حفص بن عمر أبو عمر الضرير الأكبر البصري، صدوق عالم، مات سنة (٢٢٠ هـ) وقد جاز السبعين، وممن يقال له: أبو عمر الضرير، ويسمى حفصا، غير هذا كما نص عليه الحافظ في التقريب (١٤٣٠).\n(^٣) هي فرقة ظهرت في أواخر عهد الصحابة، أظهرها معبد الجهني بالبصرة، زعم أن الأمر أُنُف، لم يسبق به قدر ولا علم اللَّه به قبل وقوعه، وقد تبرأ منهم الصحابة الذين عاصروهم، ويذكر أن أصل قولهم من رجل نصراني يقال له سيسويه، أو سوسن، أخذها عنه معبد، وعن معبد غيلان الدمشقي، انظر مقالات الإسلاميين (٢/ ١٨١)، الفرق بين الفرق (١٨/ ١٩)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٠).\n(^٤) هي فرقة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري، بزعامة رجل يسمى واصل بن عطاء الغزال، لما اعتزل مجلس الحسن البصري ﵀، ثم تجمع بعض الناس حوله وصار له حلقة، أشهر أقوالهم المنزلة بين المنزلتين في حكم مرتكب الكبيرة أي إنه ليس بكافر ولا مسلم بل بينهما، انظر فرق معاصرة للدكتور غالب العواجي (٣/ ١١٦٦).\n(^٥) المرجئة فرقة من الفرق المشهورة، واسمها مشتق من الإرجاء، وهو يأتي لمعنيين: =","vol":"1","page":148},{"text":"فجعل يعد أصحاب الأهواء\" (^١).\n\n٣٩ - ذكر محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي، نا داود بن المحبر، نا عباد بن كثير وحماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة (^٢) قال: \"كنت مع\n_________\n= أحدهما التأخير والآخر إعطاء الرجاء، كما نص على ذلك الشهرستاني، وأوضح أن كلا المعنيين ينطق عليهم، فهم يؤخرون الأعمال عن الإيمان، كما يعطون الرجاء لصاحب الكبيرة؛ لأنه عندهم لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم على التفصيل اثنتا عشرة فرقة كما عدهم أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، وعلى الإجمال ثلاثة أصناف كما قسمهم ابن تيمية:\nأولا: الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب، ومنهم من يدخل أعمال القلوب وهم أكثر المرجئة.\nثانيا: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف عن أحد قبل الكرامية.\nثالثا: من يقول الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان، وهو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم.\nوقسّمهم الشهرستاني تقسيما آخر حسب انتماءاتهم فجعلهم أربعة أقسام مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة، ثم اعتنى بذكر أقوال المرجئة الخالصة.\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٣٧)، الفرق بين الفرق (٢٠٢)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (١٠٧)، مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٥).\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف والكندي لم أجدهما، المنامات (١٠٧) رقم (٢١٧)، وذكره السيوطي في شرح الصدور (ص ٢٧٣) بلفظ: \"فجعل يعدد أسماء الأهواء\".\n(^٢) هو واصل مولى أبي عُيَيْنة، صدوق عابد، من السادسة، التقريب (٧٣٨٦).","vol":"1","page":149},{"text":"محمد بن واسع (^١) بمرو فأتاه عطاء بن مسلم ومعه ابنه عثمان فقال عطاء لمحمد: أي عمل في الدنيا أفضل؟ قال: صحبة الأصحاب، ومحادثة الإخوان، إذا اصطحبوا على البر والتقوى، فحينئذ يذهب اللَّه بالخلاف من بينهم فواصلوا وتواصلوا، ولا خير في صحبة الأصحاب ومحادثة الإخوان إذا كانوا عبيد بطونهم، لأنهم إذا كانوا كذلك ثَبَّط بعضهم بعضا عن الآخرة، قال عطاء: يا أبا عبد اللَّه، بينا أنا قائم أصلي وأنا غلام، إذ أتاني رجل على فرس فقال: يا غلام عليك بالبر والتقوى؛ فإن البر والتقوى يهديان إلى الإيمان، وإياك والكذب والفجور، فإن الكذب والفجور يهديان إلى النار، ثم قال: يا ابن أخي اصحب أولياء اللَّه، فقلت: بأي شيء أعرف أولياء اللَّه؟ قال: إن أولياء اللَّه هم الألبّاء العقلاء الحذرون المسارعون في رضوان اللَّه ﷿ المراقبون اللَّه، فإذا رأيت أهل هذه الصفة فاقترب منهم فهم أولياء اللَّه، فقلت: فكيف أعرف أهل النفاق والكذب والفجور؟ قال: أولئك قوم إذا رأيتهم يأباهم قلبك ولا يقبلهم عقلك؛ إذا سمعت كلامهم سمعت كلاما حلوا له لذاذة ولا منفعة له، وإياك أن تصحب أهل الخلاف، قلت: ومن أهل الخلاف؟ قال: المفارقون للسنة والكتاب، أولئك عبيد أهوائهم، تراهم مضطجعين وقلوبهم يلعن بعضهم بعضا، فاحذر هؤلاء واجتنبهم، وعليك بالصلاة وانته\n_________\n(^١) هو محمد بن واسع بن جابر بن الأخنس الأزدي، أبو بكر أو أبو عبد اللَّه البصري، ثقة عابد، كثير المناقب، مات سنة (١٢٣ هـ)، التقريب (٦٣٦٨).","vol":"1","page":150},{"text":"عن محارم اللَّه وتقرب إلى اللَّه بالنوافل\" (^١).\n\n٤٠ - حدثنا أبو نصر المؤدّب، عن أبي عبد الرحمن الفاسي، أنا قال أبو سعيد البقال (^٢): \"كنت محبوسا في ديماس (^٣) الحجاج، ومعنا إبراهيم التيمي، فبات في السجن، فقلت: يا أبا أسماء في أي شيء حبست؟ قال: جاء العريف فتبرّأ مني، وقال: إن هذا يكثر الصلاة والصوم، فأخاف أن يكون يرى رأي الخوارج، قال: واللَّه إنا لنتحدّث عند مغيب الشمس، ومعنا إبراهيم التيمي، إذا نحن برجل قد دخل علينا السجن، فقلنا: يا عبد اللَّه ما قصّتك وما أمرك؟ قال: لا واللَّه ما أدري، ولكني أظن أخذت في رأي الخوارج (^٤)، فباللَّه إنه لرأي ما رأيته ولا هويته ولا أحببت أهله، يا هؤلاء ادعوا إليّ بوضوء، قال: فدعونا له بماء، فتوضّأ، ثم قام فصلّى أربع ركعات، فقال: اللهم إنك تعلم أني على إساءتي وظلمي وإسرافي،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر وسيأتي (٨٠٨)، الأولياء (٢٣ - ٢٤) رقم (٤٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٦٢).\n(^٢) هو سعيد بن المرزبان العبسي مولاهم، أبو سعد البقال، الكوفي الأعور، ضعيف مدلس، مات بعد سنة (١٤٠ هـ)، التقريب (٢٣٨٩).\n(^٣) الديماس سجن الحجاج لظلمته، القاموس المحيط (١/ ٧٠٤).\n(^٤) هي الفرقة المشهورة التي خرجت على علي -﵁- وسيأتي (١٩٦) التعريف بأحد ألقابهم وهو الحرورية، وأشهر أقوالهم تكفير مرتكب الكبيرة والحكم بتخليده في النار، والخروج على الحاكم المسلم بالسيف، انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٢٧)، الخوارج للدكتور غالب العواجي (ص ١٧).","vol":"1","page":151},{"text":"أني لم أجعل لك ولدًا ولا ندًّا ولا صاحبة ولا كفرًا، فإن تعذّب فعبدك، وإن تغفر فإنك أنت العزيز الحكيم، اللهم إني أسألك يا من لا يبرمه إلحاح الملحّين، أن تجعل لي في ساعتي هذه فرجا ومخرجا، من حيث أحتسب، ومن حيث لا أحتسب، ومن حيث أعلم، ومن حيث لا أعلم، ومن حيث أرجو ومن حيث لا أرجو، وخذ لي بقلب عبدك الحجاج، وسمعه وبصره ولسانه ويده ورجله، حتى تخرجني في ساعتي هذه؛ فإن قلبه وناصيته في يدك، أي رب أي رب أي رب، قال: فأكثر، قال: فواللَّه الذي لا إله غيره ما قطع إذ ضرب باب السجن ابن فلان، فقام صاحبنا، فقال هؤلاء: إن يكن العافية فواللَّه لا أدع الدعاء، وإن يكن الأخرى فجمع اللَّه بيننا وبينكم في رحمته، فبلغنا من غد أنه خلّي عنه\" (^١).\n\n٤١ - حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا أبو عوانة، عن صالح بن مسلم قال: قال عامر (^٢): \"لقد تركتني هذه الصعافقة (^٣)،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه أبو عبد الرحمن الطائي أخباري علَّامة لكنه متهم بالكذب انظر ميزان الاعتدال (٦/ ٢٠٩)، الفرج بعد الشدة (٨٤ - ٨٥) رقم (٥٩)، ونقلها التنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٢) هو عامر بن شراحيل الشعبي، ثقة مشهور، فقيه فاضل، ولد زمن عمر -﵁-، وأدرك خمسمائة من الصحابة، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين، التقريب (٣٠٩٢).\n(^٣) هم أرذال الناس وضعفاؤهم والتجار الذين ليس لهم رأس مال، كما في كتب غريب الحديث المحال عليها في التخريج.","vol":"1","page":152},{"text":"وللمسجد أبغض إلي من كناسة (^١) داري -يعني أصحاب القياس-\" (^٢).\n\n٤٢ - حدثني ابن إسحاق قال: حدثنا جعفر بن عون، عن عيسى الحنّاط قال: \"سأل رجل الشعبي عن شيء؟ فقال: قال ابن مسعود: كذا كذا، فقال: أخبرني برأيك، فقال: ألا ترون إلى هذا؟ أخبره عن ابن مسعود ويسألني رأيي، اللَّه ﵎ آثر عندي وديني من أن أقول فيها برأيي، واللَّه لأن أتغنّى بغنية أحب إليّ من أن أقول فيها برأيي\" (^٣).\n_________\n(^١) الكناسة هي القمامة، وهو مكان تجمع الزبالة، وكأنه يشير إلى أنهم أنتنوا المسجد بكلامهم وجهلهم، كما أفسدت الأوساخ والزبالة مكان رميها وهو الكناسة، وإلا فالمسجد محترم محبوب مُعَلَّقٌ به قلب المؤمن مهما كانت أحواله الطارئة عليه، ويوضح هذا لفظه الآخر: \"ما جاءَك عن أصحاب محمد -ﷺ- فخُذه، ودعْ ما يقول هؤلاء الصَّعافِقة\" واللَّه أعلم، مختار الصحاح (٥٨٦).\n(^٢) إسناده حسن؛ فإن شيخ المصنف هو ابن أبي الشوارب صدوق التقريب (٦١٣٨) والباقى ثقات، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٤) رقم (١٥٦)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢٠)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٥١) ترجمة الشعبي وفيه أن المراد هو حماد وأصحابه وكانت لهم ضوضاة في المسجد، وكان يذمهم وينهى عن أخذ العلم عنهم يشير إلى أنهم لا علم لهم، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (١/ ١٩٨)، وابن حزم في الإحكام (٨/ ٥١٢)، وذكره أبو عبيدة في غريب الحديث (٤/ ٤٤٣)، وابن الأثير في النهاية (٣/ ٣١)، وابن الجوزي في غريب الحديث (١/ ٥٩٠).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، مداره على عيسى الحناط وهو متروك التقريب (٥٣٥٢)، الإشراف (٣٠٩ - ٣١٠) رقم (٤٤١)، والدارمي في سننه (١/ ٤٥) رقم (١٠٩)، وابن عساكر في تاريخه (٢٥/ ٣٧٠) من طريق المصنف، وضبطت عنده: \"أتغيا تغيية\" وهي عند ابن أبي الدنيا بضبط الناسخ كما ذكرت وهو من أهل العلم على =","vol":"1","page":153},{"text":"٤٣ - حدثني سعيد بن سليمان قال حدثنا زافر بن سليمان عن بشير أبي إسماعيل عن الضحاك (^١) قال: \"أدركت الناس وهم يتعلمون الورع، وهم اليوم يتعلمون الكلام\" (^٢).\n\n٤٤ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: \"سألت مالك بن أنس (^٣) عن القدري والمخنث، أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: \"إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة\" (^٤).\n_________\n= ما يبدو كما قال محققه نجم الخلف.\n(^١) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم أو أبو محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة، التقريب (٢٩٧٨).\n(^٢) إسناده صحيح، كتاب الورع (٥٠) رقم (٢٦)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- (ص ١١) رقم (٤٠)، بسنده عن الضحاك، وابن المقرئ في أحاديث في ذم الكلام رقم (١١٤).\n(^٣) هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد اللَّه المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المتثبتين، وإمام أحد مذاهب أهل السنة الأربعة في الفقه، مات سنة (١٧٩ هـ)، التقريب (٦٤٢٥)، الديباج المذهب لابن فرحون (١٧).\n(^٤) إسناده حسن؛ شيخ المصنف هو إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي كما نص الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٤٣٠)، وانظر تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢٥)، وابن أبي أويس صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه كما سيأتي (٦١٨)، ذم الملاهي (١١٥) رقم (١٦٩)، ولم أجده عند غيره، ولم يذكره الدكتور سعود =","vol":"1","page":154},{"text":"٤٥ - حدثني أحمد بن محمد بن سليمان، أنه حدث عن حليسي الضبعي (^١)، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (^٢) قال: قال لي عمران بن حطان: \"إني لأعلم خِلَافَكَ (^٣)، ولكن على ذلك احفظ، ثم أخذ بيدي فقال:\nحتى متى تُسقى النفوس بكأسها ... ريب المنون وأنت لاهٍ ترتع\nأحلام نوم أو ظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع\nفتزوّدنّ من قبل يومك زادا ... أم هل لغيرٍ لا أبا لك تجمع (^٤)\n\n٤٦ - ثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن بعض أشياخه، عن أبي الزناد قال: قال بعض الحكماء: \"لا ينبغي لعاقل أن يعرض عقله للنظر في كل\n_________\n= الدعجان في منهج الإمام مالك في العقيدة، ولا الدكتور إبراهيم التهامي في جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة.\n(^١) هكذا ورد في طبعتي السواس والسيد، وهو خطأ صوابه: حلبس الكلبي.\n(^٢) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، الأعمى الحافظ المفسر، ثقة ثبت، مات سنة بضع عشرة ومائة، الكاشف (١/ ١٣٤)، التقريب (٥٥١٨).\n(^٣) أي مخالفتك لي، ووقفك ضدا لرأيي.\n(^٤) إسناده ضعيف جدا؛ مداره على حلبس الكلبي وهو متهم انظر الكشف الحثيث (١٠٣)، ذم الدنيا (١٤٢) رقم (٤٢٩)، وابن حبان في روضة العقلاء (٢٨٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٤٩٨)، وذكرها المزي في تهذيب الكمال (٥/ ٤٨٢)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":155},{"text":"شيء، كما لا ينبغي أن يضرب بسيفه كل شيء\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة تحذير السلف من أهل البدع، وذم طريقتهم، وبغضهم لها ولأهلها، وأن السلامة للمسلم أن ينأى بنفسه عن هؤلاء وبدعهم، ويقطع كل الطرق الممدودة بينه وبينهم، فأثر أبي عمر الضرير فيه التحذير من الأسماء أي الانتساب لبدعة من البدع كالقدر والاعتزال والإرجاء، والسبب في ذلك هو ما سبق أن من صفات أهل السنة العبودية المطلقة للَّه، وتجريد المتابعة لرسوله، ولذلك كانوا: \"بمنزلة الذخائر المخبوءة، وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات؛ فإن الآفات كلها تحت الرسوم، والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة، هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن اللَّه وهم لا يشعرون، والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة (^٢)، والسير إلى اللَّه وهم إلا الواحد بعد الواحد المقطوعون عن اللَّه بتلك الرسوم والقيود\" (^٣).\n_________\n(^١) فيه إبهام شيوخ الحسين بن عبد الرحمن، العقل وفضله (٢٥) رقم (٤٢).\n(^٢) هذا في الزمن الماضي، فما بالك الآن، وقد صار ضعف الدين، وقلة العلم، والانغماس في المخالفات الصريحة للنصوص الشرعية، بحجة عصرنة الإسلام، أو التماشي مع الواقع وفقهه، هي سمة بارزة في أهل هذه الرسوم من الأحزاب والجماعات واللَّه المستعان.\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ١٧٦).","vol":"1","page":156},{"text":"كما أن التحذير من مصاحبة أهل البدع لأنهم أهل خلاف وفرقة، فارقوا الكتاب والسنة، ولم يجتعموا على قول، بل يلعن بعضهم بعضا ولو كانوا في الظاهر متآلفين، كما في أثر عطاء، ولا شك أن الفرقة والاختلاف هي سمة أهل البدع، كما أن الاجتماع والسنة هي سمة الفرقة الناجية، قال شيخ الإسلام: \"وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل اللَّه جميعا وأن لا يتفرقوا، هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية اللَّه تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي في مواطن عامة وخاصة\" (^١)، وقال: \"البدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة\" (^٢).\nكما حذر السلف من كل ما يعيق الاتباع، ويقف في طريقه، فهم يبغضون الآراء المحدثة كرأي الخوارج ويبغضون أهله كما قال إبراهيم التيمي، كما أنهم يحذرون من القياس الفاسد، الذي يضرب لمعارضة النصوص، والقول في الدين بالرأي كما فعل الشعبي، ولم يكن الكلام من علومهم التي يدرسونها ويتعلمونها، كما قال الضحاك، قال ابن عبد البر المالكي: \"أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار: أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في الأمصار في جميع طبقات العلماء، وإنما العلماء\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٥٨).\n(^٢) الاستقامة (١/ ٤٢).","vol":"1","page":157},{"text":"أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالاتفاق والميز والفهم\" (^١)، بل بلغت مفاصلتهم لأهل البدع أنهم أفتوا بعدم اتخاذه سترة في الصلاة، حتى علم ذلك عنهم واشتهر موقفهم؛ فتجد أهل البدع يعلمون هذه المخالفة والمفاصلة لهم، كما صرح بذلك عمران بن حطان وهو أحد رؤوس الخوارج لقتادة، وبهذا يعلم أن هذه الطريقة كانت سدا لذريعة البدع؛ فإنه كما جاء في آخر أثر عن بعض الحكماء، من أنه لا ينبغي للعاقل أن ينظر بعقله في كل شيء، لأن ذلك سد لذريعة الوقوع في البدع والضلالات، وذلك أن اتباع القياس الفاسد، والقول بالرأي في الدين، هو من باب تحسين الظن بالعقل، وأنه يوصل إلى ما لم يوصل إليه النقل، وذلك أحد أسباب الإحداث في الدين كما قال الشاطبي ﵀: \"الإحداث في الشريعة إنما يقع: من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق، وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة\" (^٢).\n_________\n(^١) الاعتصام للشاطبي (٣٧٤).\n(^٢) الاعتصام (٣٥١).","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين</span>.\n\n٤٧ - حدثنا علي بن الحسين العامري، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، عن الأشجعي، حدثنا الربيع بن المُلاح قال: سمعت أبا جعفر (^١) يقول: \"إياكم والخصومة فإنها تمحق الدين\"، وحدثني من سمعه يقول: \"وتورث الشنآن وتذهب الاجتهاد\" (^٢).\n\n٤٨ - حدثني أبي، وأحمد بن منيع قالا: حدثنا مروان بن شجاع، عن عبد الكريم أبي أمية (^٣) قال: \"ما خاصم ورع قط -يعني في الدين-\" (^٤).\n_________\n(^١) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من الرابعة مات سنة بضع عشرة ومائة، التقريب (٦١٥١).\n(^٢) إسناده حسن، الربيع بن الملاح صدوق، ضُعِّف بسبب روايته عن نوفل بن عبد الملك، قال أبو أحمد الحاكم: الحمل على نوفل التقريب (١٨٩٥)، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٣ - ١١٤) رقم (١٥٤)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٩٤) وورد فيه \"النسيان\"، بدل \"الشنآن\"، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) رقم (٦٣٥ - ٦٣٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٥) رقم (٢١٩)، وأبو نعيم في موضعين من حلية الأولياء (٣/ ١٨٤، ١٩٨)، كلاهما من غير طريق المصنف وحكم عليه محقق الإبانة رضا نعسان بالصحة، وذكره الغزالي في الإحياء (٣/ ١١٦).\n(^٣) هو عبد الكريم بن مالك الجزري، أبو سعيد مولى بني أمية، ثقة متقن، مات سنة (١٢٧ هـ)، التقريب (٣٤٣٠).\n(^٤) إسناده حسن لأن مروان بن شجاع صدوق له أوهام، وعبد الكريم هو الجزري كما في الورع للمصنف، وليس ابن أبي المخارق كما رجحه محمد عاشور في تحقيق =","vol":"1","page":159},{"text":"٤٩ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن الحكم، عن محمد بن علي قال: \"لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإنهم يخوضون في آيات اللَّه\" (^١).\n\n٥٠ - حدثني محمد بن أبي حاتم، حدثنا عبد اللَّه بن داود قال: سمعت سفيان، عن الحسن بن عمرو، عن فضيل قال: قال إبراهيم: \"ما\n_________\n= كتاب الصمت، وذلك لأن مروان بن شجاع لم يذكروا من شيوخه ابن أبي المخارق وإنما الجزري، وهو جزري أيضا كشيخه، إضافة إلى هذا فقد ورد منسوبا عند البيهقي فقال: \"عبد الكريم الجزري\"، وعليه فيكون في الكتاب أو المخطوط تصحيف لأن الجزري مولى لبني أمية، لا سيما وأن المحقق عاشور ذكر أنه ورد في المخطوط: \"ابن أبي أمية\" فلعله تصحيف من: \"مولى بني أمية\" وهذا أولى من حذف: \"بني\" رأسا، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٤) رقم (١٥٥)، وفي الورع (٥٩) رقم (٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٢٩) رقم (٨٤٨٩)، وذكره الغزالي في الإحياء (٣/ ١١٦).\n(^١) مدار طرقه على ليث بن أبي سليم وهو صدوق اختلط جدا لم يتميز حديثه فترك، كما سيأتي (٦٢٨)، لكنه ﵀ كان صاحب سنة ورأي حسن كما في ميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٠)، لذلك كان ممن يكتب حديثه كما قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٧٨ - ١٧٩)، وحدث الناس عنه كما قال أحمد، ولعل اجتماع ثلاثة رواة على هذه الرواية مما يقويها واللَّه أعلم، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٥) رقم (١٥٩)، وأخرجه الدارمي (١/ ٦٣) من طريق حفص بن غياث عن ليث به، ومن طريق فضيل عن ليث به (١/ ٩١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ١٨٤) عن أبي شهاب عن ليث به.","vol":"1","page":160},{"text":"خاصَمتَ؟ قلت: لا، قال: قط؟ قلت: قط\" قال ابن داود: كذا يعني (^١).\n\n٥١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: \"من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل\" (^٢).\n\n٥٢ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أبو إسماعيل شيخ له قال: سمعت الحسن ﵁ يقول: \"إنما يخاصم الشاك في دينه\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٥) رقم (١٦٠)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٨)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٧٣)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٥٢٥) رقم (٦٣١ - ٦٣٢)، من طرق عن الحسن بن عمرو عن إبراهيم به، مع اختلاف يسير في الألفاظ.\n(^٢) إسناده صحيح، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٦) رقم (١٦١)، ورقم (٦٧٠)، وأخرجه ابن سعد (٥/ ٣٧١)، وأحمد في الزهد (٣٠٢)، والدارمي في السنن (١/ ١٠٢)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٤) رقم (٢١٦) وفيه: \"أكثر الشك، أو قال: يكثر التحول\"، والفريابي في القدر (١/ ٢١٨) من طريقين رقم (٣٨٤ - ٣٨٥)، ومن طريقه الآجري في الشريعة (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨) رقم (١١٦ - ١١٧).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه أبو إسماعيل شيخ حماد والراوي عن الحسن وهو مبهم، لكن الأثر حسن لأن المبهم هو حوشب كما ورد ذكره في طرق أخرى ستأتي في التخريج.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٩٣) رقم (٦٧١)، والراوي المبهم أبو إسماعيل ورد التصريح به عند البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٤٤) رقم (٧٧٣)، فهو =","vol":"1","page":161},{"text":"٥٣ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثني عصمة بن غرزة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﵁ قال: \"كانوا يكرهون التَّلَوُّنَ في الدين\" (^١).\n\n٥٤ - حدثنا أبو كريب الهمداني، نا عبد اللَّه بن نمير، عن مالك بن مغول، عن الشعبي، حدثني شيخ قال: قال علي ﵁: \"تهادوا تحابوا، ولا تماروا فتباغضوا\" (^٢).\n_________\n= حوشب وهو من كبار أصحاب الحسن، كما في تهذيب الكمال (٢/ ٣٢٣) وقال الحافظ في التقريب (١٦٠٢): \"صدوق\"، وله طريقان هما: من رواية محمد بن مغيرة (صاحب الترجمة عند البخاري في تاريخه) وهو مقبول كما في التقريب (٦٣٥٧) عن حوشب عن الحسن، وعن محمد بن عاصم الحذاء عن حوشب مثله، والحذاء هو: \"شيخ بصري معروف صدوق\" كما في الجرح والتعديل (٨/ ٤٥)، وورد بمعناه عن الحسن في القدر للفريابي (٢١٦) رقم (٣٨٠).\n(^١) إسناده لين، والأثر حسن، رجاله ثقات، غير عصمة بن غرزة، وصوابه عصمة بن عروة على المشهور عند من ترجم له، وقد نبه ابن حجر أن ابن حبان أورد اسم أبيه عزرة، وهو مجهول كما قال الذهبي، وقال أحمد: لا يكتبون عنه، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥١٩) رقم (١٤٧٨٩)، انظر: الجرح والتعديل (٧/ ٢٠) رقم (١٠١)، لسان الميزان (٤/ ١٦٩)، إلا أن له متابعا عند أبي نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٣) هو جرير بن عبد الحميد الضبي وهو كوفي ثقة كما في التقريب (٩٢٤).\nكتاب الصمت (٢٩٣) رقم (٦٧٣)، وأبو نعيم كما سبق في الحكم على السند.\n(^٢) الأثر ضعيف فيه رجل مبهم، والجزء الأول منه ورد في حديث حسن انظر إرواء الغليل (٦/ ٤٤)، مكارم الأخلاق (٨٨) رقم (٣٦٠).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة نهي السلف عن الخصومة في الدين، ولهم في ذلك ملاحظ لاحظوها، فعللوا ذلك بأنها تورث الشنآن والبغضاء، وتنافي الورع، وتورث الشك والتنقل والتلون في الدين، وهي طريقة أهل البدع الذين يخوضون في آيات اللَّه، ولذلك لم تكن من طريقة أهل السنة كما قال الإمام أحمد في رسالته لأبي عبد الرحيم الجوزجاني من خراسان يذكر احتجاجات المرجئة فقال له أحمد: \"اعلم رحمك اللَّه: أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة\" (^١)، وقال البربهاري: \"الكلام والخصومة والجدال والمراء محدَث، يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة\" (^٢)، وعن أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهم اللَّه تعالى قال: \"مذهب أهل الجماعة عندنا، وما أدركنا عليه جماعة أهل الفقه، ممن لم يأخذ من البدع والأهواء: ولا يخاصم في الدين؛ فإنها من أعظم البدع. . . والخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة، لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- وأتباعهم فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر\"، وعلق شيخ الإسلام على كلامه بقوله: \"ما ذكر أبو يوسف في أمر الجدال هو يشبه كلام كثير من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٠).\n(^٢) شرح السنة (٢٤).","vol":"1","page":163},{"text":"أئمة السنة يشبه كلام الإمام أحمد وغيره\" (^١)، ومن هنا \"جعل العلماء من عقائد الإسلام ترك المراء والجدال في الدين، وهو الكلام فيما لم يؤذن في الكلام فيه: كالكلام في المتشابهات من الصفات والأفعال (^٢) وغيرهما، وكمتشابهات القرآن\" (^٣)، بل يؤمن بكل ما في القرآن والسنة فهم معناه أم لم يفهم، وقد بين الشاطبي ﵀ علاقة الخصومة بأهل البدع فقال: \"لما كان اتباع الهوى أصل الابتداع، لم يعدم صاحب الجدال أن يماري ويطلب الغلبة\" (^٤).\nفحال أهل الجدل والخصومات شك في المعتقد، يتبعه تنقل وكثرة التلون، ثم ينتج عن ذلك تشاحن وتباغض وتنافر، قال شيخ الإسلام: \"أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين. . . أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة\" (^٥)، ثم بين ﵀ علاقة هذه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٧٥ - ٣٧٦) بتصرف.\n(^٢) الصواب أن معاني الصفات ليست من المتشابه، ولعله يريد الكلام في الكيفيات التي خاض فيها أهل البدع.\n(^٣) الاعتصام (٢٤٥).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) المجموع (٤/ ٥٠).","vol":"1","page":164},{"text":"الصفات طردا وعكسا بقرب الفرق من الكتاب والسنة واتباع السلف، فقال: \"المتفلسف أعظم اضطرابا وحيرة في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف، ولهذا تجد مثل أبي الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل ابن سينا وأمثاله، وأيضا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقا واختلافا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به، قام عليه البرهان، وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقا وائتلافا وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب، فالمعتزلة أكثر اتفاقا وائتلافا من المتفلسفة. . . وأهل الإثبات من المتكلمين مثل الكلابية والكرامية والأشعرية، أكثر اتفاقا وائتلافا من المعتزلة؛ فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا، حتى ليكفر التلميذ أستاذه، من جنس ما بين الخوارج. . . ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث، وما يتبع ذلك ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ذلك، وقدم غيره عليه. . . ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن اتباع الأنبياء كانوا أعظم اختلافا، والخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضا أبعد عن السنة والحديث، كانوا أعظم افتراقا في هذه، لا سيما الرافضة فإنه يقال إنهم أعظم الطوائف اختلافا، وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة بخلاف المعتزلة فإنهم أقرب إلى ذلك منهم\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٥١ - ٥٢) بتصرف، وانظر طريق الهجرتين (٥٩٥ فما بعدها).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الاستماع لأهل البدع</span>.\n\n٥٥ - حدثني أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري قال: بلغني أن يونس بن عبيد (^١) قال لرجل: \"آمرك بثلاث: بالتودّد إلى الناس فإنه نصف العقل، والاقتصاد في النفقة فإنه ثلث الكسب، وحسن المسألة فإنه نصف العلم، وقال لرجل: أنهاك عن ثلاث: إيّاك والأمراء وإن قرؤوا عليك القرآن وقرأت عليهم، ولا تخلونّ بامرأة لست منها بسبيل، ولا تمكّن أذنيك من صاحب بدعة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر يونس بن عبيد ﵀ التحذير من السماع لأهل البدع، وقد كان ذلك منهج السلف عموما، يذكرونه في عقائدهم، كما قال أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: \"ويبغضون\n_________\n(^١) هو يونس بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، مات سنة (١٣٩ هـ)، التقريب (٧٩٠٩).\n(^٢) رجاله ثقات وفيه انقطاع، فالمقري يرويه بلاغا، وهو حسن لغيره بطرقه، الإشراف (١٨٢) رقم (١٦٩)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠/ ٣٢٦) رقم (٢٠٦٦٦)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٦٠) رقم (٩٤٥٩)، عن معمر عمن سمع الحسن، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٣٧)، عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: \"لا يمكن أحدكم أذنه من صاحب بدعة\"، والظاهر أن يونس رواه عن الحسن، وقاله من عنده.","vol":"1","page":166},{"text":"أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان، وقرَّت في القلوب، ضرَّت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت\" (^١)، وقال الذهبي: \"أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة والشبه خطافة\" (^٢)، وقد أوضح الإمام الشاطبي ﵀ وجه النهي عن الاستماع إليهم فقال: \"قد يكون المرء على يقين من أمر من أمور السنة، فيلقي له صاحب الهوى فيه هوى مما يحتمله اللفظ لا أصل له، أو يزيد له فيه قيدًا من رأيه، فيقبَله قلبُه، فإذا رجع إلى ما كان يعرفه وجده مظلمًا؛، فإما أن يشعر به فيرده بالعلم، أو لا يقدر على رده، وإما أن لا يشعر به فيمضي مع من هلك\" (^٣)، وهذا الاشتباه الذي يقع للمرء إنما هو عقوبة من اللَّه له على سماعه لصاحب البدعة كما قال سفيان الثوري: \"من أصغى بأُذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة اللَّه وَوُكِل إليها يعني إلى البدع\" (^٤).\nولما كان صاحب البدعة يتجارى به الهوى كما يتجارى الكَلَب\n_________\n(^١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٩٨ - ٢٩٩)، ولا تكاد تجد كتابا جامعا من كتب الاعتقاد المسندة إلا وفيه باب في هجر المبتدع والنهي عن الاستماع إليه ونحو ذلك.\n(^٢) السير (٧/ ٢٦١).\n(^٣) الاعتصام (٦٦).\n(^٤) شرح السنة (٦٠)، وانظر هجر المبتدع للشيخ بكر أبو زيد (٣٥ - ٣٨).","vol":"1","page":167},{"text":"بصاحبه، بيّن الشاطبي ﵀ الربط بين الأمرين فقال: \"داء الكَلَب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكَلب واقع بالكَلْب، ثم إذا عض ذلك الكَلْب أحدًا صار مثلَه، ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله، فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته، وإما أن يثبت في قلبه شكا يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر. . . وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا المعنى؛ فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ومكالمتهم وكلام مُكَالِمِهِم، وأغلظوا في ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) الاعتصام (٣٤٣).","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهل البدع من الكلام فيها</span>.\n\n٥٦ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم أنه سمع رجلا من قريش من بني زهرة قال: \"سألت أمير المؤمنين المهدي أبا عبيد اللَّه (^١) ينظر رجلا من بقايا أهل المدينة من مشيختهم، فأخبر محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف (^٢) فكتب إليه: اكتب إليّ بما أدركت عليه المشايخ في أصحاب الأهواء؟ فإني سمعت من عمرو بن عبيد (^٣) كلاما كثيرا، فكتب إليه: أما بعد؛ فإني أحذّرك أهواء متَّبعة، أُحدثت لضُلَّالٍ مبتدعة، لم\n_________\n(^١) هو الخليفة العباسي المهدي محمد بن عبد اللَّه -أبي جعفر المنصور- الهاشمي، بويع بالخلافة بعد وفاة والده المنصور وكان وليا للعهد، كان جوادا مُمَدَّحا، مليح الشكل، محببا إلى الرعية، حسن الاعتقاد، تتبع الزنادقة، وأفنى منهم خلقا كثيرا، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين، مات سنة (١٦٩ هـ).\n(^٢) هو محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من أهل مدينة رسول اللَّه -ﷺ-، كان على قضاء المدينة، وعلى بيت مالها في زمن أبي جعفر المنصور، كان من أهل الفضل موصوفا بالسخاء والبذل، ويقال إن مالكا جلد بمشورته، وكان ضعيفا في الحديث، انظر تاريخ بغداد (٢/ ٣٤٩)، ولسان الميزان (٥/ ٢٥٩).\n(^٣) هو عمرو بن عبيد بن باب التميمي مولاهم، أبو عثمان البصري، المعتزلي المشهور، كان داعية إلى بدعته، اتهمه جماعة مع أنه كان عابدا، كان مصاحبا للحسن البصري ثم أفسده واصل بن عطاء فقال بالقدر، ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحسن، مات سنة (١٤٣ هـ)، تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٦)، التقريب (٥٠٧١).","vol":"1","page":169},{"text":"يكن من عند اللَّه أصلها، وليس معها من قول اللَّه ما يصدّقها، النظر فيها هلكة، والجهالة بها عصمة، فاحذر على نفسك مشبَّهاتها، فإنها تدعو إلى موبقاتها، وحسبي اللَّه ونعم الوكيل، فقال المهدي لما وردت عليه الرسالة: ما سمعت كلمات أشهى إلى القلب، ولا أبلغ ولا أوجز منها، ثم كتب إلى جميع الأمصار ينهى أن يتكلّم أحد من أهل الأهواء في شيء منها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثر السابق منع الإمام المهدي أهل الأهواء أن يتكلموا فيها، وبعثه بذلك كتابا إلى الأمصار، وقد كانت هذه سيرة أئمة الإسلام وحكامهم مع أهل البدع، ولهم في ذلك مواقف مشهودة ومشهورة ﵏، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي والرشيد ونحوهما، ممن كان يعظم الإسلام والإيمان، ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين، كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذلّ وأقلّ؛ فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا اللَّه. . . وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانا وعدلا وجودا، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك. . . كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة، وكانت الشريعة أعز وأظهر وكان القيام بجهاد أعداء الدين من\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، لجهالة الرجل القرشي المبهم، الإشراف (١٧١ - ١٧٢) رقم (١٤٦).","vol":"1","page":170},{"text":"الكافرين والمنافقين أعظم. . .. وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم، وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز وكانت السنة بحسب ذلك، وفي دولة بني بويه ونحوهم الأمر بالعكس؛ فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة، قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة، ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك، وجرت حوادث كثيرة، ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه كان الإسلام والسنة في مملكته أعز؛ فإنه غزا المشركين من أهل الهند، ونشر من العدل ما لم ينشره مثله، فكانت السنة في أيامه ظاهرة والبدع في أيامه مقموعة، وكذلك السلطان نور الدين محمود الذي كان بالشام عز أهل الإسلام والسنة في زمنه، وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافضة والجهمية ونحوهم، وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس ووزارة ابن هبيرة لهم؛ فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام، ولهذا كان له من العناية بالإسلام","vol":"1","page":171},{"text":"والحديث ما ليس لغيره\" (^١).\nقال الشيخ الإمام ابن باز ﵀: \"وقد ثبت عن عثمان بن عفان -﵁-، الخليفة الراشد أنه قال: \"إن اللَّه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن\"، ويروي عن عمر -﵁- أيضا، وهذا صحيح، كثير من الناس لو جئته بكل آية لم يمتثل، لكن إذا جاءه وازع السلطان بالضرب والسجن ونحو ذلك أذعن، وترك باطله (^٢)، لماذا؟ ! لأن قلبه مريض؛ ولأنه ضعيف الإيمان، أو معدوم الإيمان. . . فلهذا لا يتأثر بالآيات والأحاديث. . لكن إذا خاف من السلطان ارتدع ووقف عند حده، ووازع السلطان له شأن عظيم، ولهذا شرع اللَّه لعباده القصاص والحدود والتعزيرات لأنها تردع عن الباطل، وأنواع الظلم، ولأن اللَّه يقيم بها الحق، فوجب على ولاة الأمور أن يقيموها، وأن يعينوا من يقيمها، وأن يلاحظوا الناس، ويلزموهم بالحق، ويوقفوهم عند حدهم حتى لا يهلكوا، وينقادوا مع تيار الباطل، ويكونوا عونا للشيطان وجنده علينا\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٠ - ٢٤) بتصرف.\n(^٢) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٦٠): \"وهذا هو الواقع\".\n(^٣) رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مجموع فتاوى الشيخ (٢٧/ ٣٩٣).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع</span>.\n\n٥٧ - ثنا عاصم بن عمر بن علي بن مقدم قال: ثنا أبي قال: ثنا (^١) أبو العباس الهلالي قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: \"ما بلغني عن رجل صلاح فاعتددت بصلاحه حتى أسأل عن خلال ثلاث؛ فإن تمّت تمّ صلاحه، وإن نقصت منه خصله كانت وصمة عليه في صلاحه: أسأل عن عقله؛ فإن الأحمق يفعل يقصد صلاح غيره (^٢) إنما هلك وأهلك فئاما من الناس، يمر بالمجلس فلا يسلم فإذا قيل له، قال: من أهل الدنيا!، ويترك عيادة الرجل من جيرانه، فإذا قيل له: قال: من أهل الدنيا، ويدع الجنازة لا يتبعها لمثل ذلك، ويدع أم أبيه يبرد فإذا هو قد صار عاقًّا، وأسأل عن النعمة العظيمة التي لا نعمه أعظم منها ولا أوضح وهي الإسلام (^٣)، إن كان أحسن احتمال النعمة ولم يدخلها بدعة ولا زيغ، وإلا لم أعتد به فيما سوى ذلك، وأسأل عن وجه معاشه؛ فإن لم يكن له وجه معاش لم آمن عليه، وأظل بخلافه أقرب ما يكون من أجله\" (^٤).\n\n٥٨ - حدثني الفضل بن إسحاق بن حيّان قال: حدثنا الأشجعي،\n_________\n(^١) زيادة صيغة التحديث من المخطوطتين.\n(^٢) تصحيح العبارة من المخطوتين الظاهرية والتركية.\n(^٣) تصحيح العبارة من المخطوتين الظاهرية والتركية.\n(^٤) فيه أبو العباس الهلالي، له ذكر في أخبار القضاة (١/ ٣٥٨)، العقل وفضله (٢٤) رقم (٣٧)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٣/ ٤١١).","vol":"1","page":173},{"text":"عن أبي عمر الخراساني، عن مقاتل بن حيّان (^١) قال: \"ليس لملوك صديق، ولا لحسود غنى، وطول النظر في الحكمة تلقيح للعقل، وأهل هذه الأهواء آفة [أمة (^٢) محمد -ﷺ-؛ إنهم يذكرون النبي -ﷺ- وأهل بيته فيَتصيَّدُونَ بهذا الذّكرِ الحسنِ الجهّال من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقي الصَّبِر باسم العسل، ومن يسقي السمّ القاتل باسم التِّرياق، فأبصِرهم فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء فإنك قد أصبحت في بحر الأهواء، الذي هو أعمق غورا وأشدّ اضطرابا وأكثر عواصفا وأبعد مذهبا من البحر وما فيه، فلتكن مطيّتك التي تقطع بها سفر الضلال اتّباع السنة، فإنهم هم السيّارة الذين إلى اللَّه يعمدون\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان منهج السلف في تقويم الرجال، وهو أن صلاح الرجل لا يعتد به إذا خالطته بدعة، وأن على المسلم أن لا يغتر بصلاح من ظاهره الصلاح من أهل البدع؛ لأنهم يستغلون ذلك لدسّ السم من خلاله في الأمة، قال شيخ الإسلام: \"كان الشيوخ العارفون\n_________\n(^١) هو مقاتل بن حيان النَبَطي، صدوق فاضل، مات قبيل الخمسين، التقريب (٦٨٦٧).\n(^٢) زيادة من تاريخ دمشق.\n(^٣) فيه أبو عمر الخراساني لم أجد له ترجمة، وقد ورد عند ابن عساكر قبل هذا الأثر وقال فيه تلميذه عبد اللَّه الأشجعي: شيخ من أهل خراسان، الإشراف (٢١٤ - ٢١٥) رقم (٢٤١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ١٠٨).","vol":"1","page":174},{"text":"المستقيمون من مشايخ التصوف وغيرهم يأمرون أهل القلوب، أرباب الزهد والعبادة والمعرفة والمكاشفة بلزوم الكتاب والسنة، قال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. . . . قال غير واحد من الشيوخ والعلماء: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء، فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي، ومثل هذا كثير في كلام المشائخ والعارفين وأئمة الهدى، وأفضل أولياء اللَّه عندهم أكملهم متابعة للأنبياء\" (^١).\nوقال ﵀: \"كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، ويذمونهم بذلك ويأمرون بألا يغتربهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال مثل المكاشفات وخرق العادات\" (^٢).\nوأصل هذا القول الأحاديث الكثيرة المشهورة الواردة في الخوارج وصفاتهم ومع ذلك لم تشفع لهم تلك الصفات، بل أمر النبي -ﷺ- بقتلهم فقاتلهم الإمام علي بن أبي طالب -﵁- قال شيخ الإسلام: \"فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي -ﷺ- بقتْلهم، وقَتَلَهُم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي -ﷺ- (^٣).\nبل إن من عدم الاعتداد بصلاحهم، ما وقع من الخلاف بين أهل العلم\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين (٥١٥).\n(^٢) الاستقامة (١/ ٢٥٤).\n(^٣) المجموع (١/ ٤٧٣).","vol":"1","page":175},{"text":"في قبول شهادتهم وإجازتها، وهو مذهب مالك وأحمد رحمهما اللَّه (^١).\nوأما استغلال صلاحهم أو ما يظهرونه من ذلك في تمرير بدعهم وترويجها كما قال مقاتل، فقد ذكر ابن القيم ﵀ في القسم الخامس من الحيل المحرمة في الشرع: \"أن يقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه؛ بأن يأتي بسبب نصبه الشارع سببا إلى أمر مباح مقصود، فيجعله المحتال المخادع سببا إلى أمر محرم مقصود اجتنابه\"، ثم ذكر أنواعا من البدع وكيف خرجها أصحابها في صور الطاعات والمشروعات فقال: \"كما أخرجت الجهمية التعطيل في قالب التنزيه. . . وأخرج الروافض الإلحاد والكفر والقدح في سادات الصحابة وحزب رسول اللَّه وأوليائه وأنصاره في قالب محبة أهل البيت والتعصب لهم وموالاتهم، وأخرجت الإباحية وفسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم في قالب الفقر والزهد والأحوال والمعارف ومحبة اللَّه ونحو ذلك\" (^٢).\nوقد وقع في هذه الحيل كثير من المسلمين، ومن ذلك ما ذكره الذهبي ﵀ عن الخليفة العباسي المنصور الذي كان يعظم عمرو بن عبيد وينشد فيه:\nكلكم يمشي رويدا، كلكم يطلب صيدا، غير عمرو بن عبيد، قال الذهبي: \"اغتر بزهده وإخلاصه وأغفل بدعته\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر الاستذكار لابن عبد البر (٨/ ٢٦٨)، والمغني (١٠/ ١٦٨)، وانظر إعلام الموقعين (٤/ ٢٢٠).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٨١)، وانظر المجموع (٣٥/ ١٤٩).\n(^٣) السير (٦/ ١٠٥).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع</span>.\n\n٥٩ - حدثني أبو صالح قال: سمعت رافع بن أشرس (^١) قال: كان يقال: إن من عقوبة الكذاب، ألا يقبل صدقه، قال: وأنا أقول: \"ومن عقوبة الفاسق المبتدع، أن لا تذكر محاسنه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر رافع بن أشرس ﵀، بيان بعض ما يستحقه الفاسق المبتدع من العقوبة، وهو أن تذكر محاسنه، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل:\n_________\n(^١) انظر الكلام عليه في التخريج الآتي.\n(^٢) إسناده حسن؛ رجاله ثقات سوى رافع بن أشرس، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٤٨٢) رقم (٢١٧٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكر أنه يروي عنه أحمد بن منصور بن راشد المروزي، قلت: وهو شيخ المصنف هذا أي أبو صالح المروزي، ووردت نسبته في المستدرك (٣/ ١٩٥) بقوله: \"المروزي\"، ثم قال عن الحديث: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وتعقبه الذهبي بقوله: \"الصفار لا يدرى من هو\" أي شيخ رافع في هذا السند، قلت: وهذا يفيد تقويتهما لرافع بن أشرس واللَّه أعلم، والذي يظهر أنه كان له اهتمام بالجرح والتعديل فانظر ميزان الاعتدال (٢/ ٣٧٢)، الكامل في الضعفاء (٦/ ٤٣٦)، وتهذيب الكمال (٧/ ٢١٢). الصمت (٢٦٠) رقم (٥٤٩)، وأخرجه من طريقه الخطيب البغدادي في الكفاية (١١٧)، وابن رجب في شرح علل الترمذي (١/ ٣٥٣)، وذكره السخاوي في فتح المغيث (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":177},{"text":"الحالة الأولى: أن لا يذكر أصلا، لا بسوء ولا بخير، بل يُعزف عنه كُلِّيَةً ما دام حيًّا وإذا مات ماتت معه بدعته، وسلم منه الناس، ولا يلفت نظرهم إليه؛ لأنهم غافلون عنه، وغير منتبهين له، وقد علل ابن دقيق العيد ﵀ ذلك بقوله: \"إخمادا لبدعته وإطفاء لناره\" (^١)، وهذا مُعْتَمَدُ من منع الرواية عن المبتدع مطلقا -داعية أو غيره-، لأن فيه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، قال السخاوي: \"وعلى هذا ينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء شاركه فيه غيره\" (^٢)، وهذا معنى أثر أبي بكر بن عياش: \"صاحب السنة إذا مات أحيا اللَّه ذكره، والمبتدع لا يذكر\" (^٣)، وقد كان ذلك منهجا عاما للسلف كما قال اللالكائى ﵀: \"لم يكن لهم -أهل البدع- قهرٌ ولا ذلٌّ أعظمَ مما تركهم السلف على تلك الجملة، يموتون من الغيظ كمدا ودَرَدًا (^٤)، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا\" (^٥).\nالحالة الثانية: أن يكون المقام مقام تحذير، وفي هذه الحالة يجب ويتعين أن تُبيَّن بدعة المبتدع، والرَدّ عليه، وكشف عواره، ونشر مثالبه، وكفِّ\n_________\n(^١) انظر فتح المغيث (١/ ٣٢٨)، وتوضيح الأفكار (١/ ٢٣٤).\n(^٢) فتح المغيث (١/ ٣٢٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي في العلل، انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (١/ ٣٥٣).\n(^٤) يقال: رجل أَدْرَد بين الدَّرَد أي ليس في فمه سِنّ، وكأن المراد أنهم يموتون عِيًّا لا يمكنهم إيصال بدعتهم إلى غيرهم للدَّرَد الذي أصاب أسنانهم، وفاقد الأسنان لا يمكنه الكلام إلا بتكلف وبِعِيِّ ومشقة، ولا يكاد يفهم عنه شيء واللَّه أعلم.\n(^٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٩).","vol":"1","page":178},{"text":"العامة عن الرجوع إليه، دفاعا عن الدين، وصونا لعقائد عموم المسلمين، من التبديل والتحريف والتأويل.\nوذلك أن المقصود بالرد عليه بيان بدعته وخطورتها على الدين، وقمعها ودفنها في مهدها؛ فإن البدع إذا تمكنت من القلوب استشرت وعمت، وحينئذ يتسع الخرق على الراقع كما يقال، ومن هنا لم يناسب حكاية ما له من حسنات في هذا المقام؛ لأنه يعود على المقصود بالإبطال، أو الإضعاف على أقل تقدير، وبهذا تعلم أن من أوجب ذكر حسنات المبتدع عند الرد فقد جانب الصواب واللَّه أعلم، وقد أفتى بذلك سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ لما سئل: \"فيه أناس يوجبون الموازنة: أنك إذا انتقدت مبتدعا ببدعته لتحذر الناس منه يجب أن تذكر حسناته حتى لا تظلمه؟ فأجاب الشيخ رعاه اللَّه: \"لا، ما هو بلازم، ما هو بلازم، ولهذا إذا قرأت كتب أهل السنة، وجدت أن المراد التحذير، اقرأ في كتب البخاري \"خلق أفعال العباد\"، في كتاب الأدب في \"الصحيح\"، كتاب \"السنة\" لعبد اللَّه بن أحمد، كتاب \"التوحيد\" لابن خزيمة، \"رد عثمان بن سعيد الدارمي على أهل البدع\". . . إلى غير ذلك.\nيوردونه للتحذير من باطلهم، ما هو المقصود تعديد محاسنهم. . . المقصود التحذير من باطلهم، ومحاسنهم لا قيمة لها بالنسبة لمن كفر، إذا كانت بدعته تكفره، بطلت حسناته، وإذا كانت لا تكفره، فهو على خطر، فالمقصود هو بيان الأخطاء والأغلاط التي يجب الحذر","vol":"1","page":179},{"text":"منها\" (^١).\nوأما الحالة الثالثة: أن يكون المقام يتعلق يحانب أعم من التحذير والرد على المبتدع، وإنما يتعلق بتقويم رجل أو جماعة، أو الترجمة التاريخية، والبحث العلمي، فقد جرت عادة العلماء في مثل هذه المواطن ذكر كل ما يروى عن المترجم له، من حسنات وسيئات، فكتب التاريخ تجد فيها كل ما يتعلق بالمترجم له، ولو كان صاحب بدعة، وتجد في تقويم شيخ الإسلام ابن تيمية لكثير من الطوائف، ذكر بعض حسناتهم، وأحيانا كثيرة يقارن بين جماعة وأخرى، وبيان أيها أفضل مع اجتماعهم في البدعة عموما، كمقارنته بين الخوارج والروافض، والمعتزلة والأشاعرة، وهكذا (^٢)، بل إنك لتجد له كلاما عاما في هذا الموضوع، كقوله ﵀: \"معلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم\" (^٣)، وقال ﵀ في معرض كلامه عن الأشعري وموقف بعض الحنابلة منه ومن توبته: \"الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات، وما يذم به من السيئات، وما لا يحمد به ولا يذم من المباحث، والعفو عنه من الخطأ والنسيان، بحيث يستحق الثواب على حسناته، ويستحق العقاب\n_________\n(^١) منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال (٧)، وانظر بقية نقولات الشيخ عن الألباني والفوزان وغيرهما.\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٧).\n(^٣) المجموع (٣/ ٢٢٨)، وانظر منهاج السنة (٧/ ٣٦).","vol":"1","page":180},{"text":"على سيئاته، بحيث لا يكون محمودا ولا مذموما على المباحات والمعفوات، وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم. . . ولهذا يكثر في الأمة من أئمة الأمراء وغيرهم من يجتمع فيه الأمران فبعض الناس يقتصر على ذكر محاسنه ومدحه غلوا وهوى، وبعضهم يقتصر على ذكر مساويه غلوا وهوى، ودين اللَّه بين الغالي فيه والجافي عنه، وخيار الأمور أوسطها، ولا ريب أن للأشعري في الرد على أهل البدع كلاما حسنا، هو من الكلام المقبول الذي يحمد قائله إذا أخلص فيه النية، وله أيضا كلام خالف به بعض السنة هو من الكلام المردود الذي يذم به قائله إذا أصرَّ عليه بعد قيام الحجة، وإن كان الكلام الحسن لم يخلص فيه النية والكلام السيء كان صاحبه مجتهدا مخطئا مغفورا له خطأه لم يكن في واحد منهما مدح ولا ذم، بل يحمد نفس الكلام المقبول الموافق للسنة، ويذم الكلام المخالف للسنة، وإنما المقصود أن الأئمة المرجوع إليهم في الدين مخالفون للأشعري في مسألة الكلام، وإن كانوا مع ذلك معظمين له في أمور أخرى، وناهين عن لعنه وتكفيره، ومادحين له بما له من المحاسن\" (^١).\nوقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ السؤال التالي: \"ما رأيكم فيمن إذا أراد أن يقوِّم شخصًا، لا يذكر ما لديه من خير بل يذكر مساوئه فقط؟، فقال ﵀ جوابًا على ذلك: \"هذا من الإجحاف والجور؛ لأن اللَّه -﷿- يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٤٣).","vol":"1","page":181},{"text":"لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (^١)، فنهانا اللَّه ﷾ أن يحملنا بغض قوم على عدم العدل، بل أمرنا أن نقول العدل، وقد أقر اللَّه تعالى الحق الذي صدر من المشركين، وأقر النبي -ﷺ- الحق الذي صدر من اليهود، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (^٢)، فكان الجواب: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فأبطل قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ لأنها باطل، وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ لأنها حق. . . والواجب على من أراد أن يقوِّم شخصًا تقويمًا كاملًا (^٣)، إذا دعت الحاجة أن يذكر مساوئه ومحاسنه، وإذا كان ممن عرف بالنصح للمسلمين أن يعتذر عما صدر من المساوئ، مثلًا نحن نرى العلماء كابن حجر والنووي وغيرهما ممن لهم أخطاء في العقيدة لكنها أخطاء نعلم علم اليقين فيما تعرف من أحوالهم أنها حدثت عن اجتهاد\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة المائدة، من الآية (٨).\n(^٢) سورة الأعراف، من الآية (٢٨).\n(^٣) وهذا ألصق بمقام التراجم، والسيرة الذاتية، والمرويات التاريخية.\n(^٤) جريدة المسلمون عدد (٤٧٣٠).","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة</span>.\n\n٦٠ - حدثني بشار بن موسى قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة: \"دخلت على عثمان وهو محصور -أنا ورجل من قومي- نستأذنه في الحج، فأذن لنا، فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه، فدخل فوقف بين يدي عثمان وقال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له عثمان: يا ابن أخي، وَصَلَتْك، حم، إن القوم ما يريدون غيري، وواللَّه لا أتوقّى بالمؤمنين، ولكن أوقى المؤمنين بنفسي (^١)، فلما سمعت ذلك منه قلت له: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كونٌ، فما تأمر؟ قال: انظروا ما أجمعت عليه أمة محمد؛ فإن اللَّه لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت، قال بشّار: فحدّث حماد بن زيد (^٢)، فرقَّ ودمعت عينه وقال: رحم اللَّه أمير المؤمنين، حوصر نيّفا وأربعين ليلة، لم تبد منة كلمة يكون لمبتدع فيها حجّة\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر رحمك اللَّه إلى الفقه العظيم من هذا الخليفة الراشد، وقارن بما يفعله سفهاء الأحلام الذين لا يترددون في إلحاق الأذى بالمسلمين، بتفجير يذهب ضحيته كثير من المسلمين، بزعم أنهم يقصدون إلى بعض الكفار أو الظلمة زعموا، وحجتهم أنهم يبعثون على نياتهم!؟ .\n(^٢) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، مات سنة (١٧٩ هـ) وله إحدى وثمانون سنة، قال فيه ابن مهدي: \"ما رأيت أحدا لم يكتب أحفظ منه، وما رأيت بالبصراة أفقه منه، ولم أر أعلم بالسنة منه\"، الكاشف (١/ ٣٤٩)، التقريب (١٤٩٨).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف ضعيف كثير الغلط كثير الحديث (٦٨٠)، لكن قال ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٤): \"وبشار بن موسى رجل مشهور بالحديث، ويروي عن قوم ثقات، وأرجو أن لم بأس به، وأنه قد كتب الحديث الكثير، وقد حدث =","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر حماد بن زيد السابق، اعتناء السلف بكلامهم وحرصهم على حفظه، حيث أثنى حماد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- في وصيته بالجماعة، وحثه على اتباع ما أجمعت عليه الأمة، والكون مع الجماعة حيث كانت، وبيّن أن وجه ذلك كونه يسد أي منفذ يحاول مبتدع النفوذ من خلاله ليبتدع في الدين، وهذه عادة السلف ﵏ أنهم لا يذكرون بعض الكلام ولو كان حقا، حتى لا يتخذ ذريعة للبدع، لا سيما في بعض الأوقات كأوقات الفتن ونحوها، فهذا سفيان الثوري عليه رحمة اللَّه يصفه عمرو بن حسان بقوله: \"كان سفيان الثوري نِعْمَ المداوي؛ إذا دخل البصرة حدث بفضائل علي، وإذا دخل الكوفة حدث بفضائل عثمان\" (^١)، وهذا داخل في السياسة الشرعية، ورعاية المفاسد والمصالح، قال شيخ الإسلام: \"ومن العلم ما يضر بعض النفوس؛ لاستعانتها به على أغراضها الفاسدة، فيكون بمنزلة السلاح للمحارب، والمال للفاجر\" (^٢).\n_________\n= عنه الناس، ولم أر في حديثه شيئا منكرا، وقول من وثقه أقرب إلى الصواب ممن ضعفه\"، قلت: فلعل هذا الأثر لا سيما محل الشاهد منه حسن؛ فإن فيه زيادة اهتمام بالخبر وإعادته على حماد بن زيد واللَّه أعلم، المحتضرين (٥٨ - ٥٩) رقم (٥٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٤٠٠).\n(^١) الحلية (٧/ ٢٧).\n(^٢) الاستقامة (٢/ ١٦٠)، وانظر المجموع (٣/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعالٍ خشية أن تكون بدعة</span>.\n\n٦١ - حدثني محمد، ثنا مالك بن إسماعيل قال: حدثني عبد السلام ابن حرب، عن خلف بن حوشب قال: قال الربيع بن أبي راشد: \"اقرأ عليّ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (^١)، قال: فقرأتها عليه، فبكى ثم قال: \"واللَّه لولا أن تكون بدعة، لسحت -أو قال: لهِمت- في الجبال\" (^٢).\n\n٦٢ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثني علي بن عياش، عن إسماعيل بن عياش، ثنا أبو بكر بن عبد اللَّه، عن حبيب بن عبيد، عن العرباض بن سارية (^٣) أنه كان يقول: \"ولا أن يقال: فعل أبو نجيح، لألحقت مالي سُبُلَه، ثم لحقت واديا من أودية لبنان، فعبدت اللَّه -﷿- حتى أموت\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الحج، من الآية (٥).\n(^٢) إسناده صحيح، العزلة والانفراد (٦٩) رقم (٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٧٧)، ومن طريق المصنف ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٢١٨).\n(^٣) هو عِرْبَاض بن سارية السلمي، أبو نجيح، صحابي من السابقين الأولين، كان من البكائين ومن أهل الصفة ونزل حمص، مات بعد السبعين، الإصابة (٤/ ٤٨٢)، التقريب (٤٥٥٠).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ مداره على أبي بكر بن عبد اللَّه وهو ابن أبي مريم الغساني ضعيف =","vol":"1","page":185},{"text":"٦٣ - قال أحمد: حدثني عمرو بن محمد بن أبي رزين قال: \"ذكر بعض أصحابنا أن مالك بن دينار قال عند الموت: \"لولا أني أخاف أن يكون بدعة لأمرتكم إذا أنا متّ فشُدَّت يدي بشريط، فإذا أنا قدمت على اللَّه فسألني وهو أعلم: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: يا رب لم أرض لك نفسى قط\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة تورع السلف وإحجامهم عن بعض الأفعال\n_________\n= وكان قد سرق بيته فاختلط، التقريب (٨٠٣١)، لكن الأثر أصله حسن، العزلة والانفراد (١٢٠) رقم (١١٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٣٨) رقم (١٣٢٥)، وبعضه أحمد في الأسامي والكنى رقم (٣٦)، وكذا ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٧٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ١٨٥، ١٩٠)، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٤٢٢)، وابن حجر في الإصابة (٤/ ١٩٦)، والسخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢/ ٢٥٧)، وأخرجه أبو داود في الزهد رقم (٣٧٧) ورقم (٣٧٦) بسند حسن، عن أبي نجيح عن عمرو بن عبسة السلمي وليس العرباض بن سارية، وانظر في تاريخ دمشق الموضع السابق الكلام فيهما هل هما واحد أم اثنان.\n(^١) إسناده ضعيف، لإبهام شيوخ عمرو، والأثر حسن من طريق أبي نعيم، المحتضرين (١٤٤) رقم (١٨٨)، ومحاسبة النفس رقم (١١٢) بسند ضعيف فيه مؤمل بن إسماعيل بلفظ ابن الجوزي الآتي، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٦١) بلفظ آخر: \"لقد هممت أن آمر إذا مت فَأُغَلّ، فأُدفع إلى ربي مغلولا كما يدفع العبد الآبق إلى مولاه\"، وذكره به ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٣٦١) بلفظ: \"لولا أنى أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي، لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن يقيدوني، وأن يجمعوا يدي إلى عنقي فينطلقوا بي على تلك الحال، حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق\".","vol":"1","page":186},{"text":"خشية أن تكون داخلة في البدعة، وذلك أن مسؤولية العالم عظيمة أمام اللَّه، لأنه محل القدوة، والناس ينظرون إليه ليأخذوا عنه، وقد عقد الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀ بابا بعنوان: اجتناب العالم ما يتورّط بسببه العامة فقال: \"هذا باب من أبواب الدين، موضوعه إصلاح المعتقدات في العبادات، وتنبيه العامة، حكم ما ألفوه من العادات\" (^١)، قال الطرطوشي -﵀- لا تكلم عن التعريف (^٢): \"اعلموا -رحمكم اللَّه- أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة، لا في غيرها، ولا منعوا من خلا بنفسه، فحضرته نية صادقة أن يدعو اللَّه تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظنّ العوام أن من سنة يوم عرفة لسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه\" (^٣)، وقال أبو شامة ﵀: \"إن الرجل العالم المقتدى به، والمرموق بعين الصلاح، إذا فعلها أي صلاة الرغائب كان موهما للعامة أنها من السنن، كما هو الواقع، فيكون كاذبا على رسول اللَّه -ﷺ- بلسان الحال، ولسان الحال قد يقوم مقام لسان القال وأكثر ما أوتي الناس في البدع بهذا السبب، يظن في شخص أنه من أهل العلم والتقوى، وليس في نفس الأمر كذلك، فيرمقون أقواله وأفعاله، فيتبعونه في ذلك فتفسد أمورهم. . . فلا ينبغي للعالم أن يفعل ما يتورط العوام\n_________\n(^١) الباعث على إنكار البدع والحوادث (٢١).\n(^٢) وهو اجتماع الآفاقيين عشية عرفة في المسجد والدعاء كما يفعله بعض الحجاج عشية عرفة.\n(^٣) الحوادث والبدع (٢٥٩)، وانظر الباعث على إنكار الحوادث والبدع (١٢٠).","vol":"1","page":187},{"text":"بسبب فعله، في اعتقاد أمر على مخالفة الشرع\" (^١)، ولما تكلم الشاطبي ﵀ عن ترك السلف لبعض الأمور الجائزة أو المستحبة وجَّه ذلك بقوله: \"فهذه أمور جائزة، أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة، وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك\" (^٢).\nوعدّ ﵀ هذا من أسبالب نشأة البدع فقال: \"فالبدعة تنشأ عن أربعة أوجه:\nأحدها: -وهو أظهر الأقسام- أن يخترعها المبتدع.\nوالثاني: أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة، فيفهمها الجاهل مشروعة.\nوالثالث: أن يعمل بها الجاهل مع سكودت العالم عن الإنكار، وهو قادر عليه، فيفهم الجاهل أبها ليست بمخالفة.\nوالرابع: من باب الذرائع، وهي أن يكون العمل في أصله معروفًا، إلا أنه يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى.\nإلا أن هذه الأقسام ليست على وزان واحد، ولا يقع اسم البدعة عليها بالتواطؤ، بل هي في القرب والبعد على تفاوت، فالأول هو الحقيق باسم البدعة. . . ويليه القسم الثاني. . . ويليه القسم الثالث. . . ويليه القسم الرابع\" (^٣).\n_________\n(^١) الباعث (١٧٨ - ١٨١) بتصرف.\n(^٢) الاعتصام (٢٨٠).\n(^٣) الاعتصام (٣٩٠).","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثالث: الآثار الوادة في أحكام المبتدعة في الدنيا والآخرة</span>.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الآخرة.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المطلب الأول: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا</span>.\nوفيه سبع مسائل:\nالمسألة الأولى: الآثار الواردة في حكم غيبتهم.\nالمسألة الثانية: الآثار الواردة في حكم لعنهم.\nالمسألة الثالثة: الآثار الواردة في حكم تزويجهم.\nالمسألة الرابعة: الآثار الواردة في حكم من خالطهم.\nالمسألة الخامسة: الآثار الواردة في حكم مجالستهم.\nالمسألة السادسة: الآثار الواردة في حكم مغفرة ذنوبهم في رمضان.\nالمسألة السابعة: الآثار الواردة في حكم قتلهم.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسألة الأولى: الآثار الواردة في حكم غيبتهم</span>.\n\n٦٤ - حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مَغراء، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: \"ثلاث كانوا لا يعدوهن من الغيبة: الإمام الجائر، والمبتدع، والفاسق المجاهر بفسقه\" (^١).\n\n٦٥ - بلغني عن أحمد بن عمران الأخنسي، حدثنا سليمان بن حيان، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: \"ثلاثة ليس لهم غيبة: الظالم، والفاسق، وصاحب البدعة\" (^٢)\n\n٦٦ - حدثني محمد، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن عقيل، عن الحسن ﵁ قال: \"ثلاثة ليس لهم غيبة: صاحب\n_________\n(^١) إسناده ضعيف فيه عبد الرحمن بن مغراء صدوق تكلم في حديثه عن الأعمش التقريب (٤٠٣٩)، وانظر الكامل في الضعفاء (٤/ ٢٨٩)، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٢) رقم (٢٢٢)، الغيبة والنميمة (٨٩) رقم (٨٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٥٨) رقم (٢٧٦) مختصرا بلفظ: \"ليس لصاحب البدعة غيبة\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩٧) إلى البيهقي من قول الحسن وسفيان بن عيينة، وذكره الزبيدي في الإتحاف وعزاه لابن أبي الدنيا والبيهقي، وسيأتي في الرقم التالي بلفظ مقارب.\n(^٢) إسناده لين، فيه كلام في شيخ المصنف انظر اللسان (١/ ٢٣٤) والإكمال (١/ ١٣٥) مع انقطاع بينهما؛ أنه بلاغ.\nأخرجه في موضعين كسابقه، في كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٢) رقم (٢٢٦)، والغيبة والنميمة (١٥٢) رقم (٩٥)، وانظر ما سبق برقم (١٨).","vol":"1","page":191},{"text":"هوى، والفاسق المعلن بالفسق، والإمام الجائر\" (^١).\n\n٦٧ - حدثني أبي، أنبأنا علي بن شقيق، أنبأنا خارجة، حدثنا ابن جابان، عن الحسن رفعه قال: \"ثلاثة لا تحرم عليك أعراضهم: المجاهر بالفسق، والإمام الجائر، والمبتدع\" (^٢).\n\n٦٨ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا الربيع بن صَبيح، عن الحسن -﵁-\n_________\n(^١) الأثر حسن بطرقه، وإسناد المصنف فيه كلام في شيخه واختلاط شريك، وكلاهما توبع في سنده، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٥) رقم (٢٣٤)، الغيبة والنميمة (٩٤ - ٩٥) رقم (٩٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٥٨) رقم (٢٧٨) من طريقين آخرين عن الحسن، ومن لطيف صنعه أنه اختصره واقتصر على المبتدع فقط فكأنه يشير إلى أن مسالة غيبة الحاكم ليست على هذا الإطلاق واللَّه أعلم، وابن العطار من طريق آخر غير ما سبق، في رسالة فتيا في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف (٦٢) رقم (١٤) وفيه زيادة أن صاحب الهوى الذي يدعو إلى هواه، وسيأتي مختصرا رقم (٦٨)، كما سبق مثله عن إبراهيم رقم (٦٤).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه خارجة بن مصعب بن خارجة، أبو الحجاج السرخسي، متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه، وابن جابان لم أعرفه، واستظهر الدكتور نجم خلف أنه تصحيف من ابن جدعان وهو علي بن زيد بن جدعان التيمي وهو ضعيف كما سيأتي (٤٠٢)، لأنه من الرواة عن الحسن، قلت: وقد ورد في كتاب الجوع للمصنف (١٠٦) (١٦٤) الرواية عنه وسماه علي بن زيد، وهو في طبقة ابن جابان هذا، وهذا يؤكد ما استظهره الدكتور واللَّه أعلم.\nانظر التقريب (١٦٢٢)، تهذيب الكمال (٢/ ٣٣٣) رقم (١٥٧٦).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٦) رقم (٢٣٨)، الغيبة والنميمة (٩٦) رقم (١٠١). وليست في كتاب الصمت كلمة \"رفعه\".","vol":"1","page":192},{"text":"قال: \"ليس لمبتدع غيبة\" (^١).\n\n٦٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام عن قتادة قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: \"ليس لفاجر حرمة، وكان رجل قد خرج مع يزيد بن المهلب (^٢)، فكان الحسن إذا ذكره هرته (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده لين، مداره على الربيع بن صبيح عن الحسن وهو صدوق سيء الحفظ، وكان عابدا مجاهدا التقريب (١٩٠٥)، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٢) رقم (٢٢٤)، الغيبة والنميمة (٩٠) رقم (٨٨)، واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٥٨) رقم (٢٨٠)، والبيهقي شعب الإيمان (٥/ ٣٣٩) رقم (٦٧٩٣)، (٧/ ١١١) رقم (٩٦٧٥)، وأورده العجلوني في كشف الخفاء وقال: \"أخرج البيهقي في الشعب بسند جيد عن الحسن. . \".\n(^٢) يزيد بن المهلب بن أبي صفرة أبو خالد الأزدي، ولي المشرق بعد أبيه، ثم ولي البصرة، لسليمان بن عبد الملك، ثم عزله عمر بن عبد العزيز، له أخبار في السخاء والشجاعة، خرج على يزيد بن عبد الملك وغلب على البصرة، وتسمّى بالقحطاني، فسار لحربه مسلمة بن عبد الملك فقتله سنة (١٠٢ هـ)، كان الحسن البصري -﵀- من أشد الناس معارضة لخروجه، وله في ذلك مواقف وأخبار، وذلك لأنه رأى ما حصل قبله من القتل الشديد في وقعة ابن الأشعث كما قال ابن كثير، انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٧٩)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٠٤ - ٥٠٦)، البداية والنهاية (٩/ ٢٢٠).\n(^٣) أي طعن فيه، انظر لسان العرب (٢/ ١٠٣).\n(^٤) إسناده منقطع؛ لأن قتادة لم يسمع من عمر -﵁-، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٤) رقم (٢٣٢)، ذم الغيبة والنميمة (٩٤) رقم (٩٦)، وأورده الغزالي في =","vol":"1","page":193},{"text":"٧٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا حسين الجعفي، عن هانئ بن أيوب قال: سألت محارب بن دثار (^١) عن غيبة الرافضة (^٢)؟، قال:\n_________\n= الإحياء (٣/ ١٣٣)، والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٥٨) وعزاه للمصنف.\n(^١) هو مُحَارِب بن دثار السدوسي، قاضي الكوفة، ثقة إمام زاهد، مات (١١٦ هـ)، الكاشف (٢/ ٢٤٣)، التقريب (٦٤٩٢).\n(^٢) الرافضة هي إحدى فرق الشيعة الإمامية وفي سبب تسميتهم بهذا الاسم أقوال؛ فقيل: لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي بن الحسين في أوائل القرن الثاني الهجري إبان خلافة هشام بن عبد الملك، واتبعه الشيعة وناصروه وبينما كانت المعارك دائرة بين زيد وجيوش الخلافة، سأله الشيعة عن رأيه في أبي بكر وعمر -﵄-، فقال زيد: غفر اللَّه لهما ما سمعت أحدا من أهلي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم نقاتل إذن؟، فقال زيد: إن هؤلاء ليسوا كأولئك إن هؤلاء -أي الأمويين- ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا خيرا لكم، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته، فقال: رفضتموني، فسمّوا رافضة، وأطلق على أتباعه الزيدية، وقيل: لرفضهم أكثر الصحابة ورفضهم إمامة الشيخين، وقيل لرفضهم الدين، انظر مقالات الإسلاميين (١/ ٨٩) مع تعليق الشيخ محيي الدين عبد الحميد، الملل والنحل (١/ ١٥٥)، مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥ - ٣٦)، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين \"الخوارج والشيعة\" (١٧٩ - ١٨١)، فرق معاصرة لشيخنا د/ غالب العواجي (١/ ١٦٣)، وانظر في تفننهم في سب الصحابة الكرام ما نقله عبد اللَّه الجميلي في كتابه بذل المجهود في مشابهة الرافضة لليهود (٢/ ٤٦٩ - ٤٨٥) فقد اعتنى بتوثيق هذا الأمر من كتبهم المعتمدة القديمة والمعاصرة فجزاه اللَّه خيرا.","vol":"1","page":194},{"text":"\"إنهم إذًا لقومٌ صُدُق (^١) \" (^٢).\n\n٧١ - حدثني محمد، حدثنا مروان بن معاوية، عن زائدة بن قدامة قال: قلت لمنصور بن المعتمر (^٣): \"إذا كنت صائما أنال من السلطان؟ قال: لا، قلت: فأنال من أصحاب الأهواء؟ قال: نعم\" (^٤).\n_________\n(^١) كذا ضبطها المحقق، ويمكن ضبطها هكذا على الاضافة: \"لقومُ صدقٍ\"، والمعنى المراد أنهم ليسوا قوما عدولا وإنما هم قوم سوء أو كذب أو أوصاف مذمومة أخرى واللَّه أعلم، انظر لسان العرب (٧/ ٣٠٧ - ٣٠٩).\n(^٢) أخرجه المصنف في موضعين: كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٢) رقم (٢٢٥)، وذم الغيبة (١٤٨) رقم (٨٨) بالسند نفسه، وفيه هانئ بن أيوب الحنفي، ذكره ابن حبان في الثقات، إلا أن ابن سعد قال فيه: \"كان عنده أحاديث وفيه ضعف\"، كما اختلف فيه قول الذهبي نفسه فقال مرة: \"صدوق\"، ومرة: \"ثقة\"، رغم ذكره لتضعيف ابن سعد، وأما ابن حجر فقال: \"مقبول\"، والظاهر أن الإسناد حسن لا سيما وأنه صاحب القصة وهو السائل، وفي ذلك زيادة عناية وتثبت فيها، وهي من مقويات السند، واللَّه أعلم، انظر: تهذيب الكمال (٧/ ٣٨٧) رقم (٧١٣٨)، الكاشف (٢/ ٣٣٣)، ميزان الاعتدال (٤/ ٢٩٠)، والتقريب (٧٣٠٩).\n(^٣) هو منصور بن المعتمر بن عبد اللَّه السلمي، أبو عتَّاب من أئمة الكوفة، ثقة ثبت، ومناقبه جمة، مات سنة (١٣٢ هـ)، الكاشف (٢/ ٢٩٧)، التقريب (٦٩٠٨).\n(^٤) رجاله ثقات عدا شيخ المصنف وهو العكلي فقد أورده ابن حبان في الثقات (٩/ ١١٤) ثم قال: \"يخطئ أحيانا\"، وقال عنه الحافظ في التقريب (٦٠٣٣): \"صدوق يخطئ\"، والأثر ورد من طرق أخرى، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٥) رقم (٢٣٥)، ذم الغيبة والنميمة (١٥٣ - ١٥٤) رقم (٩٨)، وابن الجعد في مسنده (١/ ١٥١) رقم (٨١٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة =","vol":"1","page":195},{"text":"٧٢ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا المبارك، عن الحسن ﵁ قال: \"إذا ظهر فجوره فلا غيبة له، قال: نحو المخنث، ونحو الحرورية (^١) \" (^٢).\n\n٧٣ - حدثني عبيد اللَّه، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا الصلت ابن طريف المغولي قال: سمعت الحسن ﵁ قلت: رجل قد علمتُ عنه الفجور، وقتلتُه علما، أفذكري له غيبة؟ قال: \"لا، ولا نعمت عين للفاجر\" (^٣).\n_________\n= (٨/ ١٣٤٢) رقم (٢٣٩١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٤١)، وقبله بقليل بلفظ: \"فأقع فيمن يتناول أبا بكر وعمر؟ . . \"، والخطيب في تاريخه (١٠/ ١٧٩)، وابن عساكر في تاريخه (٤٤/ ٣٨٨)، وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٥٧ - ٥٥٨) وعزاه للمصنف.\n(^١) هو أحد ألقاب الخوارج التي اشتهروا به، نسبة إلى موضع قريب من الكوفة يسمى حروراء خرج فيه أسلافهم على جيش علي -﵁- بعد اصطلاحه مع أهل الشام، انظر مقالات الإسلاميين (١/ ١٢٧)، وكتاب الخوارج (٣٢ - ٣٣) لفضيلة الدكتور غالب العواجي.\n(^٢) إسناده ضعيف فيه المبارك بن فضالة وسيأتي (٩٣)، أنه يدلس ويسوي وقد عنعن، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٥ - ١٤٦) رقم (٢٣٦)، و(١٥٤) رقم (١٠٠)، وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٥٧) وعزاه للمصنف.\n(^٣) في سنده الصلت بن طريف البصري، أورده الذهبي في الميزان (٢/ ٣١٨) وقال: \"مستور، خرج له الدارقطني، -وذكر له حديثا مضطربا-. . . قال ابن القطان: والصلت لا يعرف حاله\"، واستدرك عليه الحافظ في اللسان (٣/ ١٩٦) بقوله: =","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة جواز غيبة المبتدع، وأن ذلك ليس من الغيبة المحرمة التي في الشرع عنها، وقد تضمنت الآثار أن الغيبة تشرع لمن أظهر بدعته، أو أصرَّ عليها مع بيان الحق له كما في أثر الحسن مع الصلت بن طريف وهذا يرجع إلى الأول فإنه نوع من الإظهار، أو كانت بدعته تخرجه عن العدالة كبدعة الرفض كما في أثر محارب بن دثار، وقد بيّن العلماء متى تجوز غيبة المسلم فلم يختلفوا على إيراد المبتدع في جملة ذلك، وقد حصرت في أسباب أوردها النووي فقال: \"اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب: -ثم ذكرها ومنها-\nالرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه: . . . منها إذا رأى متفقه يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر التفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك. . .\nالخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته. . . فيجوز ذكره بما يجاهر\n_________\n= \"وذكره ابن حبان في الثقات\".\nكتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٦) رقم (٢٣٧)، الغيبة والنميمة (٩٦) رقم (١٠٢). وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٥٧) وعزاه للمصنف.","vol":"1","page":197},{"text":"به ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه\" (^١).\nوقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأسباب فقال: \"الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع. . . ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم. . . وإذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون. . . ومثل أئمة البدع: من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل، فبَيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل اللَّه؛ إذ تطهير سبيل اللَّه ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه اللَّه لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين\" (^٢).\nوقد نبّه العيني ﵀ إلى فائدة مهمة في غيبة أهل البدع بعد موتهم، حيث ناقش الأسباب الستة التي أوردها النووي وغيره، ثم علق\n_________\n(^١) رياض الصالحين (٤٥٠ - ٤٥٢) بتصرف.\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٢).","vol":"1","page":198},{"text":"عليها بقوله: \"ذكر الغزالي والنووي إباحة العلماء الغيبة في ستة مواضع، فهل تباح في حق الميت أيضا؟ وأن ما جاز غيبة الحي به جازت غيبة الميت به؟ أم يختص جواز الغيبة في هذه المواضع المستثناة بالأحياء؟ ينبغي أن ينظر في السبب المبيح للغيبة: إن كان قد انقطع بالموت كالمصاهرة والمعاملة، فهذا لا يذكر في حق الميت؛ لأنه قد انقطع ذلك بموته، وإن لم ينقطع ذلك بموته كجرح الرواة، وكونه يؤخذ عنه اعتقاد أو نحوه، فلا بأس بذكره به ليحذر ويتجنب\" (^١).\n_________\n(^١) عمدة القاري (٨/ ١٩٨).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة الثانية: الآثار الواردة في حكم لعنهم</span>.\n\n٧٤ - حدثني هارون بن عبد اللَّه، حدثني محمد بن أبي كبشة (^١) قال: \"سمعت هاتفا في البحر ليلا، فقال: كذب المريسي (^٢) على اللَّه -﷿-، ثم هتف ثانية فقال: لا إله إلا اللَّه، على ثمامة (^٣) والمريسي لعنة اللَّه، قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب بشر المريسي فخر ميتا\" (^٤).\n_________\n(^١) في طبعتي مصطفى عطا، ومجدي السيد (لبشة) وقال مجدي: \"غير واضحة نهائيا في المخطوط\"، والتصويب من مصادر التخريج، وهو محمد بن أبي كبشة الأنماري، يروي عن أبيه -وله صحبة-، ذكره ابن حبان وقال: \"قدم الكوفة، فكتب عنه ختناه: أوسط البجلي، وسالم بن أبي الجعد، الثقات لابن حبان (٥/ ٣٧٢)، تعجيل المنفعة (٣٧٥)، كما فيهما (لعنه) بدل (لعنة) والمثبت أولى.\n(^٢) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المريسي، مبتدع ضال، تفقه على أبي يوسف فبرع، وأتقن علم الكلام، ثم جَرَّد القول بخلق القرآن، وناظر عليه، ولم يدرك الجهم بن صفوان، وإنما أخذ مقالته، واحتج لها، ودعا إليها، مات سنة (١١٨ هـ) أو التي بعدها، تاريخ بغداد (٧/ ٥٦)، لسان الميزان (٢/ ٢٩).\n(^٣) هو ثمامة بن أشرس، أبو معن النميري البصري، من كبار المعتزلة، ومن رؤوس الضلالة، كان له اتصال بالرشيد، ثم بالمأمون، مات سنة (١١٣ هـ)، تاريخ بغداد (١/ ١٤٥)، لسان الميزان (٢/ ٨٣).\n(^٤) إسناده صحيح، كتاب الهواتف (٩٢) رقم (١٣٠)، شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/ ٤٢٧) رقم (٦٤٥)، والسنة لعبد اللَّه (١/ ١٦٩) رقم (١٩٥)، ومن طريقه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، تاريخ بغداد (٧/ ٦٩ - ٧٠) و(١٠/ ١٥٨) في ترجمة الرجلين بإسنادين كأنه يشير إلى صحة القصة =","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر ابن أبي كبشة ﵀ جواز لعن المبتدع المعين، وقد أتى ما يؤيد فعل هذا الهاتف عن بعض السلف فقد أورد الشاطبي ﵀ أثرا عن أبي داود فيه أنه ما: \"لعن أحدًا قط إلا رجلين: أحدهما: رجلٌ ذكر له أنه لعن مالكًا، والآخر: بشر المريسي\" (^١)، وكذا جاء عن وكيع لعنة المريسي (^٢)، والإمام مالك لعن بشرا كذلك (^٣).\nولا شك أن الأصل أن ينزه المسلم لسانه عن اللعن والسب بأنواعه، فقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لا ينبغي للصديق أن يكون لعانا\" (^٤)، قال ابن ناصر الدين الدمشقي فيما نقله عن النووي: \"اتفق العلماء على تحريم اللعن، فإنه في اللغة: الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة اللَّه، فلا يجوز أن يبعد من رحمة اللَّه من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية؛ فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه مسلما كان، أو كافرا، أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر، أو يموت عليه، كأبي جهل،\n_________\n= واشتهارها، وذكره الذهبي في السير (١٠/ ٢٠٦) من طريق شيخ المصنف، ومحمد ابن أبي كبشة وثقه ابن حبان! انظر الثقات (٥/ ٣٧١)، وتعجيل المنفعة (٣٧٥)، والإكمال للحسيني (٣٨٤).\n(^١) الاعتصام (٢٦٨).\n(^٢) الصواعق المرسلة (٤/ ١٤٠٢).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٦٧).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- (٤/ ٢٠٠٥) رقم (٢٥٩٧).","vol":"1","page":201},{"text":"وإبليس، وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن الواصلة\" (^١)، ومن منهج السلف أنهم لا يعيِّنون في نصوص الوعيد، وإنما يطلقون الكلام على النوع دون الأعيان، قال شيخ الإسلام: \"إن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا ملعون ومغضوب عليه، أو مستحق للنار، لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات. . . لما تقدم أن موجب الذنب يتخلف عنه بتوبة، أو استغفار، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة، أو لمحض مشيئته ورحمته. . . فإذا قلنا بموجب -وذكر بعض نصوص الوعيد- إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد لم يجز أن نعين شخصا ممن فعل بعض هذه الأفعال، ونقول: هذا المعين قد أصابه هذا الوعيد\" (^٢).\nهذه القاعدة العامة التي بنى أهل السنة عليها منهجهم، ولهذا فإن ما صدر عن بعضهم من لعن بعض أعيان أهل البدع؛ عده بعض العلماء نزاعا في المسألة ثم ذكروا له توجيها، قال شيخ الإسلام: \"في لعنة المعين إذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاع\" (^٣)، وقال في توجيه ذلك: \"من\n_________\n(^١) الرد الوافر (١١)، وانظر تفسير القرطبي (٢/ ١٨٨ - ١٨٩)، وتفسير ابن كثير (١/ ٢٠٢)، عمدة القاري (١/ ٢٠٣)، فيض القدير (١/ ٥٤)، الزواجر (٢/ ٦٠)، الكبائر للذهبي (١٦٦).\n(^٢) المجموع (٢٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(^٣) المجموع (٦/ ٥١١).","vol":"1","page":202},{"text":"جوَّز من أهل السنة والجماعة لعنة الفاسق المعين؛ فإنه يقول: يجوز أن أصلي عليه وأن ألعنه؛ فإنه مستحق للثواب مستحق للعقاب؛ فالصلاة عليه لاستحقاقه الثواب، واللعنة له لاستحقاقه العقاب، واللعنة البعد عن الرحمة، والصلاة عليه سبب للرحمة، فيرحم من وجه ويبعد عنها من وجه\" (^١)، كما ذكر ابن حجر ﵀ بعض التوجيهات الأخرى فقال: \"قيل إن المنع -أي من لعن المعين- خاص بما يقع في حضرة النبي -ﷺ- لئلا يتوّهم الشارب عند عدم الإنكار -أي إنكار النبي -ﷺ- على من لعنه- أنه مستحق لذلك -أي اللعن- فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنه، وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث أبي هريرة: \"لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم\"، وقيل المنع مطلقا في حق من أقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد كفر عنه الذنب المذكور، وقيل المنع مطلقا في حق ذي الزلة، والجواز مطلقا في حق المجاهرين، وصوَّب ابن المنير أن المنع مطلقا في حق المعين، والجواز في حق غير المعين. . . واحتج شيخنا الإمام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح وهو في الصحيح (^٢)، وقد توقف فيه بعض من يقيناه بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم، وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها، والذي قاله شيخنا أقوى؛ فإن\n_________\n(^١) منهاج السنة (٥٦٩ - ٥٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٧٨١) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":203},{"text":"الملك معصوم، والتأسي بالمعصوم مشروع، والبحث في جواز لعن المعين وهو الموجود\" (^١).\nوقال ﵀: \"الحق أن من منع اللعن -لعن الفاسق المعين- أراد به معناه اللغوي، وهو الإبعاد من الرحمة، وهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم، بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذي أجازه أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب، ولا يخفي أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر، وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق\" (^٢)، وزاد ابن عابدين معنى آخر وهو أن المراد باللعن في حق المسلم الفاسق الطرد عن منازل الأبرار وليس الطرد من رحمة اللَّه فجاز بهذا الاعتبار (^٣).\nوالذي يظهر لي من خلال هذه النقولات أن من ثبت عنه لعن المبتدع المعين فإما أن يكون ذلك من باب مطلق السب والحط عليه والإذلال والصغار، أو أنه ترجح له كفره، فإن السلف مطبقون على كفر الجهمية عموما (^٤)، ونقل عن بعضهم تكفير بعض أعيانهم واللَّه أعلم (^٥).\n_________\n(^١) فتح الباري (١٢/ ٧٦).\n(^٢) فتح الباري (٩/ ٢٩٥).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (٣/ ٤١٦).\n(^٤) وهذا لا يستلزم تكفير جميع أعيانهم، انظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٨٥).\n(^٥) انظر در التعارض (٥/ ٢٥٧، ٣٠٩)، المجموع (١٢/ ٤٨٥).","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة الثالثة: الآثار الواردة في حكم تزويجهم</span>.\n\n٧٥ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني أبو مسلمة (^١) المنقري قال: سمعت سلّام بن أبي مطيع (^٢) يقول: \"لا أعلمه يحلّ لرجل أن يزوِّج صاحب بدعة، ولا صاحب الشراب، أما صاحب البدعة فيدخل ولده النار، وأما صاحب الشراب فيطلق ولده (^٣) ولا يعلم، ويفعل ويفعل\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر سلام بن أبي مطيع تحريم تزويج الرجل موليته رجلا مبتدعا، معللا ذلك بأنه يدخل ابنه النار، وقد سبق بيان أن البدع من جملة المعاصي، كما سبق بيان ن بعضها يكون كفرا، وبعضها يكون من الكبائر، فلا شك أن صاحب البدعة معرض للوعيد، وهذه المسألة بحثها\n_________\n(^١) الصواب أبو سلمة المنقري، وهو موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة ثبت التقريب (٦٩٩٢).\n(^٢) هو سلام بن أبي مطيع، أبو سعيد الخزاعي مولاهم البصري، ثقة صاحب سنة، من خطباء أهل البصرة وعقلائهم، في روايته عن قتادة ضعف، مات بطريق مكة، مات سنة (١٦٤ هـ) وقيل بعدها، الكاشف (١/ ٤٧٤)، التقريب (٢٧١١).\n(^٣) أفاد د. نجم خلف محقق كتاب العيال أن الجملة هكذا في المخطوط، ولعل فيها سقطا من الناسخ تقديره: \"فيطلق أم ولده\"، فسقطت كلمة \"أم\"، على أنه يمكن أن تكون صوابا، والمعنى أنه يطلق العنان لولده فلا يهتم بتربيته وعيالته ونحو ذلك، واستظهر المعنى الأول واللَّه أعلم.\n(^٤) إسناده صحيح، العيال (٢٧١) رقم (١٢٣).","vol":"1","page":205},{"text":"الفقهاء في مباحث الكفاءة في النكاح، حيث ذكروا أن المبتدع لا يكون كفؤا للسنية (^١)، وقال ابن قدامة في المغني: \"فصل فأما أهل البدع؛ فإن أحمد قال في الرجل يزوج الجهمي: يفرق بينهما، وكذلك إذا زوّج الوَاقِفِيّ إذا كان يخاصم ويدعو، وإذا زوَّج أخته من هؤلاء اللقطة، وقد كتب الحديث فهذا شر من جهمي يفرق بينهما\" (^٢)، وهذا الأمر راجع إلى هجر المبتدع والابتعاد عنه ومفاصلته، قال الشاطبي في تعداد الأحكام التي تلحق بالمبتدع: \"الحادي عشر: الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم المواصلة\" (^٣).\nولما كان هذا الأمر من باب الهجر ينظر إلى أحوال المبتدع وحال بدعته، فمن كانت بدعته مكفرة فهو أشد نهيا؛ لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، قال شيخ الإسلام عند كلامه على كفر الجهمية والرافضة، وما نقل عن السلف في ذلك وفي فيهم عن تزويجهم وعيادتهم وغير ذلك: \"فإن هاتين الفرقتين هما أعظم الفرق فسادا في الدين، وأصلهما من الزنادقة المنافقين، ليستا من ابتداع المتأولين، مثل: قول الخوارج والمرجئة والقدرية؛ فإن هذه الآراء ابتدعها قوم مسلمون بجهلهم، قصدوا بها طاعة اللَّه فوقعوا في معصيته، ولم يقصدوا بها مخالفة الرسول ولا محادته، بخلاف\n_________\n(^١) انظر زاد المعاد (٥/ ١٦١).\n(^٢) المغني (٧/ ٣٠).\n(^٣) الاعتصام (٩٠).","vol":"1","page":206},{"text":"الرفض والتجهم فإن مبدأهما من قوم منافقين، مكذبين لما جاء به الرسول، مبغضين له، لكن التبس أمر كثير منهم على كثير من المسلمين الذين ليسوا بمنافقين ولا زنادقة، فدخلوا في أشياء من الأقوال والأفعال التي ابتدعها الزنادقة والمنافقون، ولبسوا الحق بالباطل وفي المسلمين سماعون للمنافقين\" (^١)، ومن كانت بدعته غير مكفرة فهو على أحوال أيضًا: \"التعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات: كتارك الصلاة والزكاة، والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع، وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ العلم، ولا يناكحون فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الذاعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم فإنه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي -ﷺ- يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى اللَّه مع علمه بحال كثير منهم\" (^٢)، ولما تكلم ﵀ عن بعض أنواع الهجر الذي شرع تعزيرا للمبتدع كرد شهادته وروايته وعدم الصلاة خلفه قال: \"تنازع الفقهاء في الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور؛ منهم من أطلق الإذن، ومنهم من أطلق المنع، والتحقيق: أن الصلاة خلفهم لا ينهى عنها لبطلان صلاتهم في\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٤/ ١٤٠٤)، وانظر تلبيس الجهمية (٢/ ٧٩).\n(^٢) المجموع (٢٨/ ٢٠٥).","vol":"1","page":207},{"text":"نفسها، لكن لأنهم إذا أظهروا المنكر استحقوا أن يهجروا، وأن لا يقدموا في الصلاة على المسلمين، ومن هذا الباب ترك عيادتهم، وتشييع جنائزهم، كل هذا من باب الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهي عنه، وإذا عرف أن هذا هو من باب العقوبات الشرعية علم أنه يختلف باختلاف الأحوال، من قلة البدعة وكثرتها، وظهور السنة وخفائها، وأن المشروع قد يكون هو التأليف تارة والهجران أخرى\" (^١).\n_________\n(^١) منهاج السنة (١/ ٦٣ - ٦٤) بتصرف.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المسألة الرابعة: الآثار الواردة في حكم من خالطهم</span>.\n\n٧٦ - حدثنا أحمد بن إسماعيل البتي، حدثني عبد اللَّه بن قريش البخاري، عن أبي توبة، عبد اللَّه بن المبارك قال: قال الأوزاعي (^١): \"من خفيت علينا بدعته فلن تخفي علينا أُلفته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر الأوزاعي ﵀ أن من خالط المبتدع فهو منهم، وقد بين القرطبي ﵀ الاستدلال على هذه المسألة من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ (^٣) فقال: \"ومضى في النساء\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، شيخ الإسلام، ثقة جليل زاهد، كان رأسا في العلم والعبادة، مات سنة (١٥٧ هـ)، التقريب (٣٩٩٢).\n(^٢) إسناده حسن، فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة، إلا أن المزي ذكره في تهذيب الكمال (٤/ ٢٤٢) في الرواة عن عبد اللَّه بن قريش وقال: \"شيخ لابن أبي الدنيا\"، وكذا ابن حجر في تهذيب التهذيب (٢/ ٤٠٥)، قلت: ولعله أحمد بن إسماعيل السني ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٢) وقال: \"مستقيم الحديث\"، الإخوان (١٢٢) رقم (٤٠).\n(^٣) سورة النساء، الآية (١٤٠)، وموضع كلامه المنقول في سورة الأنعام.","vol":"1","page":209},{"text":"وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم. . . فألحق -أي اللَّه ﷿ في الآيتين- من جالسهم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات في مُجَالِسِ أهلِ البدع على المعاشرة والمخالطة، منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: ينهى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا ألحق بهم يعنون في الحكم\" (^١)، ولما تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على بعض المبتدعة الباطنية قال: \"من كان محسنا للظن بهم، وادَّعى أنه لم يعرف حالهم، عُرِّف حالهم؛ فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار، وإلا أُلحق بهم، وجُعل منهم\" (^٢).\nوعليه فيجوز التحذير منه ومنابذته ليحذره الناس، وقد سئل شيخ الإسلام عن: \"الشهادة على العاصي والمبتدع، هل تجوز بالاستفاضة والشهرة، أم لا بد من السماع والمعاينة؟ وإن كانت الاستفاضة في ذلك كافية، فمن ذهب إليه من الأئمة وما وجه حجته؟ \" فأجاب ﵀: \"ما يجرح به الشاهد وغيره، مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد به بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحا شرعيا كما صرح بذلك طوائف الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية. . . هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته، وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٤٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ١٣٣).","vol":"1","page":210},{"text":"شره فيكتفي بما دون ذلك، كما قال عبد اللَّه بن مسعود: \"اعتبروا الناس بأخدانهم\"، وبلغ عمر بن الخطاب -﵁- أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته، فإذا كان الرجل مخالطا في السير لأهل الشر يحذر عنه\" (^١).\nوذلك أن من خالط أهل البدع وباسطهم، إما أن يكون منهم متخف ببدعته لحاجة في نفسه، وإما أنه داخله شيء من أهوائهم، ومن كان كذلك وجب الحذر منه ولو لم نتيقن أنه منهم، وباب الحذر غير باب الحكم على الشخص كما بيّنه شيخ الإسلام في النقل السابق، وقال القرطبي ﵀ مبينا خطورة المخالَطَة على المخالِط: \"نهى اللَّه ﷿ المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وَوُلَجَاء يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أموالهم، ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه\" (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٨ - ٢٩)، وأثر ابن مسعود في الإخوان للمصنف رقم (٣٨)، والطبراني الكبير رقم (١٨٩١٩)، وتتمته: \"فإن الرجل يخادن من يعجبه\".\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٧٨ - ١٧٩) بتصرف.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المسألة الخامسة: الآثار الواردة في حكم مجالستهم</span>.\n\n٧٧ - حدثني أبو بكر بن أبي النضر، حدثنا سعيد بن عامر، عن حزم، عن غالب القطان قال: \"رأيت مالك بن دينار في المنام وعليه نحو من ثيابه في مسجده، وهو يقول: صنفان من الناس لا تجالسوهما: صاحب دنيا مترف فيها، وصاحب بدعة قد غلا فيها، ثم قال: حدثني بهذا الحديث حكيم، وكان رجلا من جلسائه يقال له: حكيم، قال: وكان معنا في الحلقة، قال: قلت: يا حكيم أنت حدثت مالكا بهذا الحديث؟ قال: نعم، قلت: عن من؟ قال: عن المقامع (^١) من المسلمين\" (^٢).\n\n٧٨ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألت مالك بن أنس عن القدري والمخنث؛ أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: \"إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة\" (^٣).\n_________\n(^١) أي عن الحديد، فكانه يشير إلى أن هذا الكلام مأخوذ عن أئمة كبار، لهم صلابة في الدين واللَّه أعلم.\n(^٢) إسناده حسن؛ فيه حزم وهو القطعي صدوق يهم كما سيأتي (ص ١٠٣)، المنامات (٩٠) رقم (١٦٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٢ - ١٦٣) رقم (٢٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٤٣).\n(^٣) سبق الأثر مخرجا (٤٤).","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان في السلف عن مجالسة أهل البدع، وتحذيرهم من ذلك، حتى إن الإمام مالكا ﵀ نهي أن يتخذ القدري سترة في الصلاة، وهذا أمر مشهور عن السلف، كما قال ابن القيم ﵀ في بيان موقف السلف من البدع التي ظهرت في زمانهم: \"فصاح بهم من أدركهم من الصحابة، وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرأوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة وهو أكثر من أن يذكر هاهنا\" (^١).\nونقل ابن العربي عن ابن خويز منداد المالكي: \"من خاض في آيات اللَّه تركت مجالسته، وهجر مؤمنا كان أم كافرا، قال: وكذلك منع أصحابنا. . . مجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم\"، وقد ذكر البربهاري ﵀ بعض ما يصيب المسلم من مجالسة المبتدع فقال: \"أدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم: أن يشك في دينه، أو يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنهم على حق أو على باطل، فصار شاكا فهلك\" (^٢).\nكما أن من مقاصد النهي عن مجالستهم ولو كان العبد قادرا على\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧٠).\n(^٢) شرح السنة (٤٤).","vol":"1","page":213},{"text":"مناقشتهم ورد باطلهم، محاصرة بدعتهم وعدم نشرها، قال شيخ الإسلام: \"يوجد في كلام كثير منهم -أي السلف- من النهي عن مجالسة أهل البدع، ومناظرتهم ومخاطبتهم، والأمر بهجرانهم، وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم؛ فإن الحق إذا كان ظاهرا قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته، فإنه يجب منعه من ذلك فإذا هُجر وعُزِّر. . . أو قُتِل، كان ذلك هو المصلحة\" (^١).\n_________\n(^١) درء التعارض (٧/ ١٧٢ - ١٧٣) بتصرف.","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المسألة السادسة: الآثار الواردة في حكم مغفرة ذنوبهم في شعبان</span>.\n\n٧٩ - حدثنا إبراهيم قال: نا ابن المبارك قال: أنا الحجاج، عن مكحول، عن كثير بن مرّة (^١) قال: \"يغفر اللَّه فيه (أي: شهر شعبان) من الذنوب إلا لمشرك أو مشاحن، قال عبد اللَّه: سمعت الأوزاعي يفسر المشاحن فقال: \"كل صاحب بدعة فارق عليها أمّته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر الأوزاعي ﵀ بيان خطورة البدع وأن أهلها مستثنون\n_________\n(^١) هو كثير بن مرة الحضرمي، الفقيه، عالم أهل حمص، كان إماما عالما، طلَّابة للعلم، أدرك سبعين بدريا، ثقة من الثانية ووهم من عده في الصحابة، تذكرة الحفاظ (١/ ٥١)، التقريب (٥٦٣١).\n(^٢) إسناد الحديث ضعيف؛ فيه حجاج وهو ابن أرطأة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، التقريب (١١٢٧)؛ والأثر صحيح لأنه من رواية عبد اللَّه عن الأوزاعي، فضائل رمضان (٢٩) رقم (٥)، وإسحاق في مسنده (٣/ ٩٨١) رقم (١٧٠٢)، والدراقطني في النزول رقم (٨٣) عن ابن المبارك به، وابن حجر في الأمالي المطلقة (١٢٥) ونقل عن أحمد مثل قول الأوزاعي هنا ثم قال: \"وقد فسره الأوزاعي بأخصر من هذا التفسير. . . قال: . . . ليس المشاحن في هذا الحديث من لا يكلم الرجل بل الذي في قلبه شحناء لأصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم\"، وذكره ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٩)، وانظر تخريجا موسعا للحديث في الصحيحة رقم (١١٤٤).","vol":"1","page":215},{"text":"من بعض الفضل الذي يناله المؤمنون في الدنيا، وفسّر المشاحن الذي يستثني من المغفرة في شهر شعبان، بأنه المبتدع الفارق للجماعة، وقد بيّن الإمام أحمد وجه ذلك بقوله: \"المراد بالمشاحن في حديث عائشة: أهل البدع، لأنهم يشاحنون أهل السنة ويعادونهم\" (^١)، ولا جرم أن هذا حال أهل البدع فإنهم يدخلون دخولا أوليا في المشاحن؛ كما تقدم ذكر بعض صفاتهم من كونهم أصحاب خصومات في الدين، وصعافقة وغير ذلك من الصفات السيئة التي يشملها لفظ المشاحن واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) الدعاء للطبراني (١٩٥)، والأمالي المطلقة لابن حجر (١٢٥).","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المسألة السابعة: الآثار الواردة في حكم قتلهم</span>.\n\n٨٠ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا قيس بن الربيع قال: أخبرنا أبو حصين، عن قبيصة قال: \"أتي عليّ بزنادقة فقتلهم، ثم حفر لهم حفرتين فأحرقهم فيها، فقال قبيصة شعرا:\nلِتَرمِ بي الحوادث حيث شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين\nإذا ما حُشَّتَا حطبا ونارا ... فذاك الغيّ نقدا غير دين\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر قبيصة جواز قتل أصحاب البدع لبدعتهم، وتعزير المبتدع بالقتل أمر مشهور وسنة متبعة من أئمة الإسلام، فكم إمام عزّر مبتدعا زنديقا وعُدّ ذلك من حسناته، قال شيخ الإسلام عن خالد بن عبد اللَّه القسري وهو قاتل الجعد بن درهم يوم الأضحى: \"على رؤوس من حضره من المسلمين، لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعلم وصوبوه\" (^٢)، \"الداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه، كما\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه قيس بن الربيع وسيأتي (٧١٣)، الإشراف (٢٢٩) رقم (٢٧٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٢٤٨)، وأورد الحافظ في الفتح (٦/ ١٥١) عدة طرق للأثر، وأصل قصة تحريق علي -﵁- ثابت في الصحيح، وقد اعتني الحافظ بتخريج طرقها وتوجيهها انظر الفتح الموضع السابق و(١٢/ ٢٧٠ - ٢٧٢).\n(^٢) درء التعارض (٥/ ٣٠٤).","vol":"1","page":217},{"text":"قتل السلف جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري وغيرهم\" (^١).\nومسألة قتل المبتدع فيها تفصيل طويل في كتب الفقه، وذلك أنها من باب التعزير ولهذا ينظر إلى حال البدعة وحال المبتدع، هل هي مكفرة أو مفسقة؟، وهل يستتاب صاحبها أم لا، وهل يقتل حدا أم كفرا، قال شيخ الإسلام: \"قتل هؤلاء له مأخذان؛ أحدهما: كون ذلك كفرا، كقتل المرتد، أو جحودا أو تغليظا، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد، والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم، يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي، في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه، في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة، وعلى هذا المأخذ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين؛ لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد وهجره ولهذا ترك\" (^٢).\nوقد لخّص الإمام الشاطبي -﵀- أحكام المبتدعة تلخيصا دقيقا حمع فيه كل أنواع العقوبات التي تنزل بهم، مع بيان حال البدعة والمبتدع المستحق لذلك على وجه الإجمال فقال: \"إن القيام عليهم\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٩).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٤/ ٦٠٢ - ٦٠٣).","vol":"1","page":218},{"text":"بالتثريب، أو التنكيل، أو الطرد، أو الإبعاد، أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها: من كونها عظيمة المفسدة في الدين، أم لا، وكون صاحبها مشتهرًا بها أو لا، وداعيًا إليها أو لا، ومستطيرًا بالأتباع وخارجًا عن الناس أو لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أو لا.\nوكل من هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه؛ إذ لم يات في الشرع في البدعة حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من المعاصي، كالسرقة، والحرابة، والقتل، والقذف، والجراح، والخمر وغير ذلك. لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل، وحكموا باجتهاد الرأي، تفريعًا على ما تقدم لهم في بعضها من النص، كما جاء في الخوارج من الأثر بقتلهم، إما جاء عن عمر بن الخطاب -﵁- في صبيغ العراقي.\nفخرج من مجموع ما تكلم فيه العلماء أنواع.\nإحداهما: الإرشاد والتعليم وإقامة الحجة، كمسألة ابن عباس -﵁- حين ذهب إلى الخوارج فكلمهم حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف.\nوالثاني: الهجران، وترك لكلام والسلام، حسبما تقدم عن جملة من السلف في هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر -﵁- من قصة صبيغ العراقي.\nوالثالث: كما غرب عمر صبيغًا، ويجري مجراه السجن وهو:\nالرابع: كما سجنوا الحلاج قبل قتله سنين عديدة.","vol":"1","page":219},{"text":"والخامس: ذكرهم بما هم عليه، وإشاعة بدعتهم كي يحذروا، ولئلا يغتر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف في ذلك.\nالسادس: القتل إذا ناصبوا المسلمين، وخرجوا عليهم، كما قاتل علي -﵁ - الخوارج، وغيره من خلفاء السنة.\nوالسابع: القتل إن لم يرجعوا من الاستتابة، وهو قد أظهر بدعته، وأما من أسرها وكانت كفرًا، أو ما يرجع إليه فالقتل بلا استتابة وهو:\nالثامن: لأنه من باب النفاق كالزنادقة.\nوالتاسع: تكفير من دل الدليل على كفره، كما إذا كانت البدعة صريحة في الكفر كالإباحية، والقائلين بالحلول كالباطنية، أو كانت المسألة في باب التكفير بالمال، فذهب المجتهد إلى تكفيره كابن الطيب في تكفيره جملةً من الفرق، وينبني على ذلك:\nوالعاشر: وذلك أنه لا يرثهم ورثتهم من المسلمين ولا يرثون أحدًا منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا، ولا يصلون عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين، ما لم يكن المستتر، فإن المستتر يحكم له بحكم الظاهر، وورثته أعرف بالنسبة إلى الميراث.\nوالحادي عشر: الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم المواصلة.\nوالثاني عشر: تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم ولا روايتهم، ولا يكونون ولاةً ولا قضاةً، ولا ينصبون في مناصب العدالة من إمامة أو","vol":"1","page":220},{"text":"خطابة، إلا أنه قد ثبت عن جملة من السلف رواية جماعة منهم، واختلفوا في الصلاة خلفهم من باب الأدب ليرجعوا عما هم عليه.\nوالثالث عشر: ترك عيادة مرضاهم، وهو من باب الزجر والعقوبة.\nوالرابع عشر: ترك شهود جنائزهم كذلك.\nوالخامس عشر: الضرب كما ضرب عمر -﵁- صبيغًا\" (^١).\n_________\n(^١) الاعتصام (٩٠ - ٩١).","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المطلب الثاني: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الآخرة</span>.\nوفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: الآثار الواردة في تسليط بعض الحيات عليهم بعد موتهم.\nالمسألة الثانية: الآثار الواردة في عذاب أهل البدع في قبورهم.\nالمسألة الثالثة: الآثار الواردة في تحويل وجوههم عن القبلة في قبورهم.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المسألة الأولى: الآثار الواردة في تسليط بعض الحيات عليهم بعد موتهم</span>.\n\n٨١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو إسحاق صاحب الشاة (^١) قال: \"دعيت إلى ميت لأغسله، فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحيّة قد تطوّقت على حلقه، فذكر من عظمها قال: فخرجت ولم أغسله، قال: ذكروا أنه كان يشتم السلف\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر أبي إسحاق إثبات بعض ما يناله صاحب البدعة بعد موته من أنواع العذاب، وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذا الأثر في كتابه الروح في معرض بيانه إمكانية إطلاع اللَّه لعباده على بعض أنواع عذاب القبر، وهو أحد أوجه الرد على الملاحدة منكري عذاب القبر، وذكر أنه: \"يقع أحيانا لمن شاء اللَّه أن يريه ذلك\" (^٣)، قلت: وله ﷾ في ذلك الحكمة البالغة، والآيات الباهرة، ولو لم يكن إلا اتعاظ أهل البدع وترهيبهم من وخيم أفعالهم، وسوء منقلبهم، ولذلك فإنك تجد أن كثيرا من هذه العقوبات التي حصيت لهؤلاء كانت عبرة لغيرهم، أو عبرة لهم أنفسهم إن حصلت في الدنيا.\n_________\n(^١) ووقع عند ابن القيم في الروح \"الشاط\"، والذي يظهر لي أنه السلعة، وهو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، أبو إسحاق البزاز، صاحب السلعة، صدوق مات سنة (٢٥٠ هـ)، التقريب (٨).\n(^٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (١٥١)، القبور (١٢٠) رقم (١٢٩)، وابن القيم عن المصنف في الروم (٧٠) وفيه أنه كان يسب الصحابة، والسيوطي في شرح الصدور (١٨٤).\n(^٣) الروح (١/ ٣٢٣).","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة الثانية: الآثار الواردة في عذاب أهل البدع في قبورهم</span>.\n\n٨٢ - حدثنا أبو بكر الصيرفي قال: \"مات رجل كان يشتم أبا بكر وعمر ﵄ ويرى رأي جهم (^١)، فأريه رجل في النوم، كأنه عريان على رأسه خرق سوداء، وعلى عورته أخرى، فقال: ما فعل اللَّه بك؟ قال: جعلني مع بكر القيسي، وعون بن الأعسر، وهما نصرانيان\" (^٢).\n\n٨٣ - حدثنا أبو بكر (^٣)، حدثنا شيخ قال: \"مات رجل لي، وبيني وبينه نسب، وكان ممن يخوض في هذه الأمور، فأريته في النوم كأنه أعور، فقلت: يا فلان ما هذا الذي أرى عليك؟ قال: تنقصت أصحاب محمد -ﷺ- فنقصني هذا، ووضع يده على عينه الواهية\" (^٤).\n\n٨٤ - حدثني الحسين بن يحيى قال: حدثنا مكي بن إبراهيم البلخي قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن داود بن بكر (^٥): \"أن رجلا مرض، فلما حضرته الوفاة قال: هذه الملائكة يضربون وجهه ودبره، يقول ذلك\n_________\n(^١) هو جهم بن صفوان، أبو محرز الراسبي، مولاهم السمرقندي، الكاتب المتكلم، رأس الضلالة، ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء وجدل، قيل إن سلم بن أحوز قتله لإنكاره أن اللَّه كلم موسى ﵇، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦).\n(^٢) فيه شيخ المصنف، لم أجد له ترجمة، المنامات (١٠٩) رقم (٢٢١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٠٣).\n(^٣) الصيرفي الذي سبق قبله.\n(^٤) إسناده ضعيف الإبهام الشيخ، المنامات (١٠٩) رقم (٢٢٢).\n(^٥) كذا، وأظنه مصحفا فإن داود بن بكر لم يذكر من الرواه عنه موسى بن عبيدة، ولا ذكر هو في شيوخ موسى، ولعله داود بن مدرك فهو من شيوخ موسى، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":224},{"text":"لأهله: فقلت لداود: ما هو؟ قال: كان رجلا يقول بالتكذيب بالقدر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر بعض أنواع عذاب القبر الذي يحل بأهل البدع، ولا شك أن المبتدع مستحق للذم والعقوبة، في الدنيا والآخرة، وما ورد في ذلك من الرؤى المنامية، ليس فيها حكم شرعي حتى يتوقف في قبوله، وإنما هي تفاصيل لأحكام ثبتت بالأدلة الشرعية؛ فإن البدعة على أقسام كما سبق، منها الكبيرة والصغيرة، ومنها المكفرة وغير المكفرة، وهي عموما من جملة المعاصي، بل شرٌّ منها، فلذلك فإن هذه الرؤى وكذلك ما يطلع اللَّه بعض عباده على شيء من عذاب القبر يستأنس به، وقد اعتنى علماء المسلمين بذكرها وإيرادها في كتبهم، بل إنهم ألفوا فيها استقلالا كما قال ابن القيم: \"وهذه الأخبار وأضعافها، وأضعاف أضعافها، مما لا يتسع لها الكتاب، مما أراه اللَّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا، وأما رؤية المنام فلو ذكرناها لجاءت عدة أسفار، ومن أراد الوقوف عليها فعليه بكتاب \"المنامات\" لابن أبي الدنيا، وكتاب \"البستان\" للقيرواني، وغيرهما من الكتب المتضمنة لذلك، وليس عند الملاحدة والزنادقة إلا التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه موسى بن عبيدة وهو الربذي ضعيف ولا سيما في عبد اللَّه بن دينار، وكان عابدا التقريب (٧٠٣٨)، المحتضرين (٢٣٤) رقم (٣٥١).\n(^٢) الروح (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة الثالثة: الآثار الواردة في تحويل وجوههم عن القبلة في قبورهم</span>.\n\n٨٥ - حدثني أبو عبد اللَّه بن بحير، حدثني الحسن بن فرات -شيخ من أهل الثغر ذكر من فضله-: \"أنه شهد الفزاري يعني أبا إسحاق ذات يوم وأتاه رجل، فسأله عن توبة النباش: هل له من توبة؟ قال: نعم، إن صحّت نيّته، وعلم اللَّه الصدق منه، فقال الرجل: كنت أنبش القبور، وكنت أجد قوما وجوههم لغير القبلة، فلم يكن عند الفزاري في ذلك شيء، فكتب إلى الأوزاعي يخبره بأمر النباش، فكتب الأوزاعي: تقبل توبته إذا صحّت نيته، وعلم اللَّه الصدق من قوله، وأما قوله إنه كان يجد قوما وجوههم لغير القبلة، فأولئك قوم ماتوا على غير السنة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر الأوزاعي ﵀ ما سبق ذكره من إثبات بعض أنواع عذاب القبر الذي يصيب المبتدع، وهو كالتي سبقت في المبحث المنصرم، لكن أفردته لبيان شناعة مخالفة السنة، وإبراز خطورة الاستهانة بذلك،\n_________\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف لم أجده، واستظهر د. مصلح الحارثي، ود. نجم خلف أنه أحمد بن بحر العسكري، لكن يشكل أنهما ذكرا أن الأصول الخطية فيها بحير واللَّه أعلم، والحسن بن فرات لا أدري هل هو القزاز فإنه كوفي وهذا شيخ من أهل الثغر، القبور (١٠١) رقم (٩٩)، وذكره ابن القيم عن المصنف في الروح (٦٨)، والسيوطي مختصرا في شرح الصدور (١٨٤)، وابن رجب في الأهوال (١١٦).","vol":"1","page":226},{"text":"كما قصدت بذلك بيان كيفية تعامل العلماء مع هذه الرؤى حيث لم يتحرج الأوزاعي -﵀- في بيان سبب ما رآه النباش وتفسيره وتوجيهه، وهذا عكس ما ذكره ابن القيم عن الملاحدة من أنهم ليس عندهم إلا التكذيب بما لم يحيطوا به علما، فأهل السنة ينزلون الشرع على الواقع، ومن لم يكن عنده علم أحاله على من له علم، ولا يصادمون بينهما (^١).\n_________\n(^١) انظر إعلام الموقعين (٤/ ٣٧٣) ففيه بحث مهم في ذلك وإن كان أوسع من جانب المعتقد بل يتضمن أمور الشريعة كلها.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الباب الثاني: الآثار الواردة في التوحيد</span>.\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في توحيد الربوبية.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في توحيد الأولوهية.\nالفصل الثالث: الآثار الواردة في توحيد الأسماء والصفات.\nالفصل الرابع: الآثار الواردة في القدر.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الفصل الأول: الآثار الواردة في توحيد الربوبية</span>.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضل معرفة اللَّه.\nالمبحث الثاني: الآثار الوارد في استلزام التفكر والمعرفة للعبادة.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المبحث الأول: الآثار الواردة في فضل معرفة اللَّه</span>.\n\n٨٦ - قال أحمد: وسمعت أبا الفرج القاص يقول: قال علي بن أبي طالب: \"ما يسرني أن متّ طفلا وأني لم أكبر فأعرف ربي\" (^١).\n\n٨٧ - حُدثت عن عبد الحميد بن عمر، قال: حدثنا شيخ من أهل البصرة (^٢)، قال: سمعت مالك بن دينار يحدث عن الحسن قال: \"لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل، ولا عبادة كالتفكّر، ولا حَسَب كحسن الخلق، ولا ورع كالكَفِّ\" (^٣).\n\n٨٨ - حدثنا علي بن الجعد قال أخبرنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال: \"أفضل العبادة التفكر والورع\" (^٤).\n_________\n(^١) فيه أبو الفرج القاص لم أجده، العمر والشيب (٥٩) رقم (٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٤)، وذكره المناوي في فيض القدير (٢/ ١٨).\n(^٢) البصرة هي القرية المشهورة في العراق، انظر تفاصيلها في معجم البلدان (١/ ٤٣٠) وتسمى البصرة العظمى، في مقابل البصرة الصغرى التي في المغرب.\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه بهام الشيخ البصري، الورع (١٢٢) رقم (٢١٦)، وهو أثر مشهور في محاورة بين عليٍّ وابنه الحسن -﵁-، ثم يرفعه علي للنبي -ﷺ-، لكنه من رواية الحبطي وهو يروي عن شعبة ما ليس من حديثه، ومثل ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٦) لذلك بهذا الحديث، وذكر المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٤٧ - ١٤٨) له طريقين آخرين لكن مدارهما على الحبطي هذا، ولا يعرف من غير طريقه واللَّه أعلم.\n(^٤) إسناده حسن؛ فيه الربيع بن صبيح صدوق سيء الحفظ التقريب (١٩٠٥)، وقال =","vol":"1","page":232},{"text":"٨٩ - دثني أبي، دثنا أبو خالد القرشي، عن حُر بن جرموز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر قال: \"كان يقال: يا عجبا لمن يكذّب بالنشأة الآخرة، وهو يرى النشاة الأولى، يا عجبا كل العجب لمن يكذب بالنشر بعد الموت، وهو ينشر في كل يوم وليلة\" (^١).\n\n٩٠ - حدثني علي بن الجعد، عن علي بن عاصم، ثنا المستلم بن سعيد (^٢) قال: \"كان رجل بأرض طبرستان (^٣)، قال: وصل أرضا شبه كثيرة الشجر، قال: فبينما هو يسير إذ نظر إلى ورق الشجر قد خفَّ\n_________\n= ابن عبدي في الكامل (٣/ ١٣١): \"وللربيع أحاديث صالحة مستقيمة، ولم أر له حديثا منكرا جدا، وأرجو أنه لا بأس به وبرواياته\"، كتاب الورع (٥٣) رقم (٣٧)، وانظر ما ذكره الباحث الدكتور محمد بن علي من الآثار في التفكّر في رسالته الآثار المروية عن أئمة السلف في مسائل الاعتقاد من كتاب حلية الأولياء (١٧٥) بعضها عن الحسن بغير لفظ المصنف، وبعضها عن غيره بلفظ مقارب.\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه أبو خالد القرشي متروك وكذبه ابن معين وغيره التقريب (٤١١١)، الأهوال (٢٢٠) رقم (٢١١)، وأورده ابن كثير في النهاية (١/ ٢٠٠) ونسبه للمؤلف.\n(^٢) هو مستلم بن سعيد الثقفي الوسطي، صدوق عابد، ربما وهم، توفي بعد المائتين، التقريب (٦٥٩٠).\n(^٣) هي بلدان واسعة كتيرة يشملها هذا الاسم، وهي البلاد المعروفة بمزندران، ومن أعيان مدنها: دهستان وجرجان وأسترأباذ، خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم، والأدب، والفقه، والغالب على هذه النواحي الجبال، معجم البلدان (٤/ ١٢ - ١٣) وقد استقصى أخبارها وأخبار فتوحها، معجم ما استعجم (٣/ ٨٨٦).","vol":"1","page":233},{"text":"فتساقط، وتراكم بعضه على بعض، فجعل يفكر في نفسه وهو يسير: أترى اللَّه ﷿ يحصي هذا كله؟ فسمع مناديا ينادي: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (^١) \" (^٢).\n\n٩١ - حدثنا محمد بن يزيد، نا وكيع، نا همام بن يحيى، عن سلم العلوي قال: \"كنا عند أنس فقال رجل: إنها لَمَخِيلَة (^٣) المطر، فقال أنس (^٤): إنها لربها لمطيعة\" (^٥).\n\n٩٢ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه، عن هشام بن الحكم الثقفي قال:\n_________\n(^١) سورة الملك، الآية (١٤).\n(^٢) الأثر حسن، علي بن عاصم صدوق يخطئ ويصر كما في التقريب (٤٧٩٥)، وانظر في الميزان (٣/ ١٣٥ - ١٣٨) قول وكيع: \"خذوا الصحاح من حديثه ودعوا الغلط\"، وشيخه المستلم بن سعيد صدوق عابد ربما وهم التقريب (٦٦٣٤)، أما شيخ المصنف فهو ثقة معروف.\nكتاب الهواتف (٣١) رقم (٢٨).\n(^٣) المخيلة: موضع الخيل، وهو الظن، كالمظنة وهي السحابة الخليقة بالمطر، النهاية (٢/ ٩٣)، مختار الصحاح (١٩٦).\n(^٤) هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول اللَّه -ﷺ-، خدمه عشر سنين، وأحد المكثرين من الرواية عنه، وهو آخر الصحابة موتا، مات بالبصرة سنة (٩٢ هـ) وقيل: التي بعدها، وقد جاوز المائة، الإصابة (١/ ١٢٦)، التقريب (٥٦٥).\n(^٥) إسناده ضعيف، فيه سلم العلوي ضعيف التقريب (٢٤٨٦)، وانظر كلام ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٢٠٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٣٨)، في أن نسبه ليس لعلي بن أبي طالب الصحابي الجليل -﵁-، كتاب المطر (٦٦) رقم (٢١).","vol":"1","page":234},{"text":"أخبرني أبو طفيلة الحرمازي (^١) قال: \"كنت جالسا مع أبي، وكان شيخا كبيرا من أولاد الجاهلية، فرأيت بقلة (^٢) فحفرت عن أصلها، فإذا في الوعاء الذي تنبت فيه ثلاث حبات، نبتت واحدة، وثنتان صلبتان جدا، فجلست أتعجّب منه، فقال أبي: من أي شيء تعجب؟ قلت: من ثلاث حبات تنبت حبة، وثنتان صلبتان معها في وعاء، قال: يا بني إن اللَّه ﷿ خلق هذه الثلاث حبات لثلاث سنين، تنبت كل سنة واحدة، ولو نبت جميعا ثم أجدبت الأرض، ذهب حبّ النبات كلّه\" (^٣).\n\n٩٣ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، نا عفان بن مسلم، عن مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: \"كانوا يقولون -يعني أصحاب النبي -ﷺ- الحمد للَّه الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرّف لقال\n_________\n(^١) لم أقف له على ترجمة.\n(^٢) قال ابن مطرز: \"البَقْل: ما يُنبِت الرّبيعُ من العُشب، وعن الليث: هو من النبات ما ليس بشجرٍ دِقٍّ ولا جِلٍّ، وفَرْقُ ما بين البقل ودِقِّ الشجر، أن البقل إذا رُعي لم يبق له ساقٌ، والشجر تبقَى له سُوق وإن دَقّتْ\" المغرب في ترتيب المغرب (١/ ٨٣).\n(^٣) فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة سوى أن المزي ذكره في ترجمة صفوان بن هبيرة في جملة الرواة عنه، وهشام بن الحكم ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٠٣)، ولم يذكر فيه البخاري ولا ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا انظر التاريخ الكبير (٨/ ٢٠٠)، والجرح والتعديل (٩/ ٥٧)، أما أبو طفيلة فلم أجد له ترجمة اللهم إلا كلاما لابن حجر في الإصابة في ترجمة مساور بن هند ذكره دون نسبة فلعله هو، كتاب المطر (١٠٩) رقم (٨٩)، ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٢٦٩ - ١٢٧٠).","vol":"1","page":235},{"text":"الشاكّ في اللَّه: لو كان لهذا الخلق ربّ يحادثه (^١)، وإن ﷿ قد حادث بما ترون من الآيات: إنه جاء بضوء طبّق ما بين الخافقين (^٢)، وجعل فيها معاشا، وسراجا وهّاجا، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيها سكنا ونجوما وقمرا منيرا، وإذا شاء نباتا جعل منه المطر والبرق والرعد، والصواعق ما شاء، وإذا شاء صرف ذلك الخلق، وإذا شاء جاء ببرد يقرقف (^٣) الناس، وإذا شاء ذهب بذلك، وجاء بِحَرٍّ يأخذ بأنفاس الناس؛ ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربًّا هو يحادثه بما ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة\" (^٤).\n_________\n(^١) بمعنى يحدث فيه حوادث، كما قال شيخ الإسلام: \"ذكر الحسن عن الصحابة الاستدلال بهذه الحوادث المشهودة على وجود الرب سبحانه، المحدث الفاعل بمشيئته وقدرته، وبطلان أن يكون موجِبًا يقارنه موجَبَه؛ فإن ذلك يمتنع محادثته؛ أي إحداث الحوادث فيه\"، وله تعليقات جيدة على هذا الأثر فلتراجع في رسالة في معنى كون الرب عادلا (١/ ١٣٩) من جامع الرسائل والمسائل.\n(^٢) الخَافِقانِ أُفُقا المشرق والمغرب؛ لأن الليل والنهار يخفقان فيهما، مختار الصحاح (١٩٦).\n(^٣) أي: يرعدون من شدة البرد، النهاية (٤/ ٤٩)، وتاج العروس (١/ ٦٠٦٩).\n(^٤) إسناده حسن، مبارك بن فضالة صدوق يدلس ويسوي التقريب (٦٥٠٦)، لكنه صرح بالسماع، كتاب المطر (٨٠ - ٨١) رقم (٤١)، وأبو الشيخ في العظمة (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤) رقم (٦٢)، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في جامع الرسائل والمسائل: رسالة في معنى كون الرب عادلا (١/ ١٣٩)، وزاد نسبته لابن الجوزي في التفسير.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة فضل معرفة اللَّه؛ وفضل الوسيلة الموصلة إليها وهي التفكر، واعتناء السلف بالتفكر والتدبر، واستعماله في الاستدلال على مسائل الإيمان، وذلك أن معرفة اللَّه هي أشرف وأفضل معلوم، ولذلك فضل علي -﵁- الحياة على الموت صغيرا، وعلَّلَها بتحصيل هذه المعرفة العظيمة؛ لأنه \"على قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيما وإجلالا، وقد ذم اللَّه تعالى من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته\" (^١)، والمراد بها كما ذكره ابن القيم: \"نوعان: معرفة إقرار: وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر، والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته والإنابة إليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه. . . ولهذه المعرفة بابان واسعان: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن اللَّه ورسوله، والباب الثاني التفكر في آياته المشهودة، وتأمل حكمته فيها وقدرته. . .\" (^٢).\nولما كانت هذه منزلة المعرفة، كانت منزلة وسيلتها بالمكان الأسمى، فكانت أفضل العبادة، وقد بيّن ابن القيم -﵀- وجه كونها كذلك\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).\n(^٢) الفوائد (١٧٠).","vol":"1","page":237},{"text":"بقوله: \"لأن الفكرة عمل القلب، والعبادة عمل الجوارح، والقلب أشرف من الجوارح، فكان عمله أشرف من عمل الجوارح، وأيضا فالتفكر يوقع صاحبَه من الإيمان على ما لا يوقعه العمل المجرد\" (^١)، كما بيّن التدرج الذي يسير فيه المتفكر ليصل إلى أرفع الغايات فقال: \"الخير والسعادة في خزانة مفتاحها التفكر؛ فإنه لا بد من تفكّرٍ، وعلم يكون نتيجة للتفكر، وحالٍ يحدث للقلب من ذلك العلم. . . وتلك الحال توجب له إرادة، وتلك الإرادة توجب وقوع العمل. . . فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا يكشف لك عن فضل التفكر وشرفه، وأنه من أفضل أعمال القلب وأنفعها\" (^٢).\nولما كان هذا فضل التفكر كان للسلف منه النصيب الأوفر كما جاء في بعض الآثار هنا من الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى، وعلى البعث بالبعث بعد النوم، والتفكر في صفات اللَّه، في تساقط أوراق الشجر وهل يحصي اللَّه كل تلك الأوراق الكثيرة، والمطر والحبة في الأرض، وهذه الإشارات في مجرى التفكر ومتعلقة، جمعها ابن القيم وسبر طرقها فقال: \"مجرى الفكر ومتعلقة أربعة أمور:\nأحدها: غاية محبوبة مرادة الحصول، الثاني: طريق موصلة إلى تلك الغاية، الثالث: مضرة مطلوبة الإعدام، مكروهة الحصول، الرابع: الطريق\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٤٠).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٥٤٥).","vol":"1","page":238},{"text":"المفضي إليها، الموقع عليها، فلا تتجاوز أفكار العقلاء هذه الأمور الأربعة. . . وإذا كان الفكر النافع لا يخرج عن الأقسام الأربعة التي ذكرناها، فله أيضًا محلان ومنزلان: أحدهما: هذه الدار، والآخر: دار القرار\"، والفكر في المحبوب لذاته وهو اللَّه ﷿ له حالان: \"إحداهما: فكرته في جماله وأوصافه، الثانية: فكرته في أفعاله وإحسانه وبره ولطفه الدالة على كمال صفاته، وإن تعلق فكره بنفسه لم يخرج أيضًا عن حالتين: إما أن يفكر في أوصافه المسخوطة، التي يبغضها محبوبُه ويمقتُه عليها ويسقطه من عينه، فهو دائما يتوقع بفكره عليها ليتجنبها ويبعد منها، والثانية: أن يفكر في الصفات والأخلاق والأفعال إلى تقرِّبه منه وتحببه إليه حتى يتصف بها، فالفكرتان الأوليان توجب له زيادة محبته وقوتها وتضاعفها، والفكرتان الأخريان توجب محبة محبوبه له وإقباله عليه وقربه منه وعطفه عليه وإيثاره على غيره، فالمحبة التامة مستلزمة لهذه الأفكار الأربعة فالفكرة الأولى والثانية تتعلق بعلم التوحيد وصفات الإله المعبود سبحانه وأفعاله، الثالثة والرابعة تتعلق بالطريق الموصلة إليها وقواطعها وآفاتها وما يمنع من السير فيها إليه\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٥٤٨ - ٥٤٩).","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الثاني: الآثار الواردة في استلزام التفكر والمعرفة للعبادة</span>.\n\n٩٤ - ثنا أبو عبد اللَّه المديني، عن شجاع بن الوليد، عن يزيد بن توبة، عن الحسن قال: \"من عرف ربّه أحبّه، ومن أبصر الدنيا زهد فيها، والمؤمن لا يلهو حتى يغفل، وإذا تفكّر حزن\" (^١).\n\n٩٥ - حدثنا محمد بن علي قال: قال أبو إسحاق وسمعت الفضيل (^٢) يقول: \"رهبة العبد من اللَّه على قدر علمه باللَّه. . .\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف هو المسيبي محمد بن إسحاق صدوق التقريب (٥٧٦٠)، فقد ورد أنه يروي عنه ابن أبي الدنيا في ترجمته من تهذيب الكمال، ويزيد بن توبة لم أعرفه، الهم والحزن (٦٩ - ٧٠) رقم (٩٣)، وعبد اللَّه بن أحمد في زياداته على الزهد عن شجاع به، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ١٦٦) من طريق المصنف قال حدثنا محمد بن سعدان وغيره، ويروى هذا الأثر عن بديل في الزهد لابن المبارك رقم (٢٠٩)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٠٨)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ١٧٠)، والذهبي في السير (٩/ ٨٦).\n(^٢) هو فضيل بن عياض بن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقة عابد إمام رفيع الذكر، مات سنة (١٨٧ هـ) وقيل قبلها، الكاشف (٢/ ١٢٤)، التقريب (٥٤٣١).\n(^٣) إسناده حسن؛ فيه أبو إسحاق وهو إبراهيم بن الأشعث وسيأتي (٢٣٣)، وقد تابعه غير واحد كما سيأتي، ذم الدنيا (١١٤) رقم (٣٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٨٩، ١١٠) عن محمد بن زنبور عن الفضيل به، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥١٢) رقم (٨٨٢) عن إبراهيم بن نصر عن الفضيل، وفي الزهد الكبير (٢/ ٧٤) رقم (٥٣) عن بشر بن الحارث عن الفضيل، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٤١٣) =","vol":"1","page":240},{"text":"٩٦ - قرأت في كتاب داود (^١) حدثني أبو عبد اللَّه قال: كتب عمر ابن عبد العزيز إلى الحسن: أن عظني وأوجز فكتب إليه الحسن: \"أما بعد: فإن رأس ما هو مصلحك ومصلح به على يديك: الزهد في الدنيا، وإنما الزهد باليقين، واليقين بالتفكّر، والتفكّر بالاعتبار، فإذا أنت فكّرت في الدنيا لم تجدها أهلا أن تبيع بها نفسك، ووجدت نفسك أهلا أن تكرمها بهوان الدنيا، فإنما الدنيا دار بلاد ومنزل غفلة\" (^٢).\n\n٩٧ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، نا إسماعيل بن عياش الحمصي، حدثني أبو راشد التنوخي، عن يزيد بن ميسرة (^٣) قال: \"كان\n_________\n= من طريق البيهقي في الشعب.\n(^١) هو داود بن رشيد كما في السند الذي قبله من الكتاب (ص ١١٨).\n(^٢) أبو عبد اللَّه هو الصوري كما في الإسناد السابق ووقع في المطبوع \"الصوفي\"، لم أعرفه وذكر السواس أنه محمد بن المبارك بن يعلى ثقة، ولا أدري كيف جزم به فإن في طبقته محمد بن محمد بن مصعب المعروف بوحشي وهو صدوق ثقة كما في تهذيب التهذيب (٣/ ٦٩٠)؛ كما أني لم أجده في شيوخ داود، ذم الدنيا (١١٨) رقم (٣٤١)، ومن طريقه ابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (٣)، وكذا البيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٦٨) رقم (٢٧)، كلاهما عن المصنف عن الحسين بن عبد الرحمن عن محمد بن معاوية الأزرق، وذكره في عيون الأنباء في طبقات الأطباء من قول أرسطوطاليس.\n(^٣) هو يزيد بن ميسرة بن حلبس الجبيرى الدمشقي، يكنى أبا ميسرة، ويقال: أبو حلبس، ويقال: أبو يوسف، سكن حمص وكان واعظا زاهدا عارفا، تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ٨٩٨)، تعجيل المنفعة (١/ ٤٥٤).","vol":"1","page":241},{"text":"أشياخنا يسمون الدنيا خنزيرة، ولو وجدوا لها اسما شرا منه سموها به، وكانوا إذا أقبلت إلى أحدهم دنيا قالوا: إليك إليك يا خنزيرة، لا حاجة لنا بك، إنا نعرف إلهنا\" (^١).\n\n٩٨ - ثنا علي بن أبي مريم، عن موسى بن عيسى قال: \"اجتمع حذيفة المرعشي (^٢) وسليمان الخواص (^٣) ويوسف بن أسباط (^٤) فتذاكروا\n_________\n(^١) إسناده لين؛ فيه أبو راشد التنوخي لم أعرفه، ووقع عند أبي نعيم قبل هذا الأثر في حلية الأولياء (٥/ ٢٣٥) بإسناده عن إسماعيل بن أبي عياش عن راشد بن أبي راشد عن يزيد بن ميسرة فذكر أثرا غير هذا وأعقبه بالذي معنا، فلعل أبا راشد هو راشد ابن أبي راشد؛ وراشد هذا لم أجد له ترجمة إلا عند البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٧) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ذم الدنيا (١١٩) رقم (٣٤٧)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ١٣٩) رقم (٢٦٧)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٢٣٥).\n(^٢) هو حذيفة بن قتادة المرعشي الزاهد، صاحب سفيان الثوري، كان موته سنة (٢٠٧ هـ)، له قدم في العبادة وكلام نافع، تاريخ الإسلام (١/ ١٥٢٩).\n(^٣) هو سليمان الخواص، من عباد أهل الثغر، كان لا يأكل إلا الحلال المحض، فإن وجده وإلا استف الرمل، من أقران إبراهيم بن أدهم، حكاياته في تعبده أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في ذكره، ما له حديث مستقيم يرجع إليه، الثقات لابن حبان (٨/ ٢٧٧)، وانظر أخباره في الحلية (٨/ ٢٧٦)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٧٣).\n(^٤) هو يوسف بن أسباط، أبو يعقوب أصله من العراق، من خيار أهل زمانه من عباد أهل الشام وقرائهم، من متقشفي العُبَّاد، والمتجردين من الزهاد، أعدم كتبه فاعتمد على حفظه فخَلَّط فَتُرِك، مات سنة (١٩٥ هـ)، الثقات لابن حبان (٧/ ٦٣٨)، مشاهير علماء الأمصار (١٨٦)، لسان الميزان (٦/ ٣١٧).","vol":"1","page":242},{"text":"الفقر والغنى، وسليمان ساكت فقال بعضهم: الغني من كان له بيت يُكِنُّه، وثوب يستره، وسداد من عيش يَكُفُّه عن فضول الدنيا، وقال بعضهم: الغني من لم يحتج إلى الناس، فقيل لسليمان ما تقول أنت يا أبا أيوب؟ فبكى ثم قال: رأيت جوامع الغنى في التوكل، ورأيت جوامع الشر من القنوط، والغني حق الغنى، من أسكن اللَّه قلبه من غناه يقينا، ومن معرفته توكلا، ومن عطاياه وقسمه رضى، فذاك الغني حق الغنى، وإن أمسى طاويا وأصبح مُعْوِزًا (^١)، فبكى القوم جميعا من كلامه\" (^٢).\n\n٩٩ - حدثني ابن إدريس، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أحمد بن الهرماس أبو علي الحنفي، حدثنا إبراهيم بن إسحاق العكّاشي الأسدي قال: سمعت إبراهيم بن أدهم (^٣) يقول للأوزاعي: يا أبا عمرو وكان مالك بن دينار كثيرا ما يقول: \"من عرف اللَّه فهو في شغل شاغل، ويل لمن ذهب عمره باطلا\" (^٤)\n_________\n(^١) الطَّوَى: الجوع، والإعواز: الفقر والحاجة، مختار الصحاح (٤٠٣، ٤٦٧).\n(^٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سيأتي (١٥٤)، وموسى بن عيسى لعله الليثي الكوفي صدوق من التاسعة التقريب (٧٠٤٨)، اليقين (٥٥) رقم (١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٠٥) رقم (١٢٩٦)، وذكره المناوي في فيض القدير (٥/ ٣).\n(^٣) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور العجلي، وقيل: التميمي: أبو إسحاق البلخي الزاهد: صدوق، مات سنة (١٦٢)، الكاشف (١/ ٢٠٧)، التقريب (١٤٤)، وانظر أخباره في الحلية (٧/ ٣٦٧).\n(^٤) فيه أحمد بن الهرماس لم أجد له ترجمة، العمر والشيب (٥٦) رقم (٢٤)، وأبو =","vol":"1","page":243},{"text":"١٠٠ - حدثني أحمد بن جميل، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عروة بن محمد قال: \"لما استعملت على اليمن قال لي أبي (^١): أوُلِّيت اليمن؟ قلت: نعم، قال: إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك، وإلى الأرض أسفل منك، ثم أعظم خالقهما\" (^٢).\n\n١٠١ - حدثنا سعيد بن سليمان، وهارون بن عبد اللَّه قالا: ثنا محمد ابن يزيد بن خنيس قال: قال وهيب بن الورد: قال رجل: \"بينا أسير في أرض الروم ذات يوم سمعت هاتفا فوق رأس الجبل، وهو يقول: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو أحدا غيرك، ثم دعا الثانية فقال: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يستعين على أمره غيرك، ثم دعا الثالثة فقال: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يتعرض لشيء من غضبك يرضى غيرك، قال: فناديته فقلت: أجنِّيٌ أنت أم إنسِيٌّ قال: بل إنسِيٌّ، اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك\" (^٣).\n_________\n= الشيخ في العظمة (١/ ٣٢٩) رقم (٦٦)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٣).\n(^١) هو محمد بن عطية بن عروة السعدي، صدوق، مات على رأس المائة، ووهم من زعم أن له صحبة، الإصابة (٦/ ٢٥١)، التقريب (٦١٤٠).\n(^٢) إسناده حسن إلى عروة، شيخ المصنف سيأتي برقم (٨٣٢) أنه لا ينزل عن درجة الصدوق، وعروة نفسه وهو عامل عمر بن عبد العزيز على اليمن مقبول التقريب (٤٥٩٩)، الإشراف (٢١٨) رقم (٢٤٩)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٥٩).\n(^٣) فيه محمد يزيد بن خنيس مقبول وكان من العباد كما في التقريب (٦٤٣٦)، وباقي =","vol":"1","page":244},{"text":"١٠٢ - حدثني محمد بن عبد المجيد التميمي، ثنا سفيان بن عيينة، عن وهيب بن الورد (^١) قال: \"بينما أنا في السوق إذ أخذ أحد بقفاي فقال: يا وهيب خف اللَّه على قدرته عليك، واستح من اللَّه في قربه منك، فالتفت فلم أر أحدا\" (^٢).\n_________\n= رجاله ثقات ما عدا إبهام صاحب القصة، كتاب الهواتف (٢٩) رقم (٢٢) وورد فيه: \"اشغل بنفسك بما يعنيك بما لا يعنيك\"، والتصحيح من الحلية، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٨٢) من طريق المصنف، وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١٩٣) منسوبا لبعض السلف.\n(^١) هو وهيب بن الوَرْد القرشي مولاهم المكي، أبو عثمان أو أبو أمية، يقال: اسمه عبد الوهاب، ثقة عابد، مات سنة (١٥٣)، الكاشف (٢/ ٣٥٨)، التقريب (٧٤٨٩).\n(^٢) الأثر حسن، شيخ المصنف غير واحد انظر: تاريخ بغداد (٣/ ١٩٦)، الميزان (٣/ ٦٣٠) وغيرهما، لكن له متابعان عند أبي نعيم والمروزي، هما: الحسن بن عبد الرحمن يعرف بالاحتياطي وهو متهم كما في الكامل لابن عدي (٢/ ٣٣٤)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (١/ ٢٠٤)، وغسان بن المفضل وهو ثقة كما في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٢٥)، كتاب الهواتف (٣٠) رقم (٢٣)، والحلية (٨/ ١٤٠)، تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٨٣٥) (٨٣٩)، والمزي في تهذيب الكمال (٧/ ٥٠٦) في ترجمة وهيب، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢١٨)، وعند المروزي برقم (٨٤٠) من طريق ثان عن محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي قال حدثني أبو عبد اللَّه النوا وكان من العابدين. . .، ورجاله ثقات غير النوا فلم أجده، وفيه قصة أنه كان تاجرا وأن ذلك كان سبب تزهده.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان أثر التفكر والنظر والاعتبار على العبادة، فمعرفة اللَّه والعلم به، والتفكر في ذلك يورث حبة، والرهبة منه، والزهد في الدنيا، والاشتغال بطاعته، والامتناع من معصيته وظلم خلقه، وقد سبق بيان طرق التفكر ومجاريه وفضله، والمراد هنا بيان أنه يورث العمل ويقتضي العبادة، ولهذا كانت الأعمال من علامات المعرفة الحقة، قال ابن القيم: \"من علامات المعرفة: الهيبة؛ فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه. . . ومن عرف اللَّه صفا له العيش، وطابت له الحياة. . . وأورثته المعرفة: الحياء من اللَّه، والتعظيم له والإجلال، والمراقبة والمحبة، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به، والتسليم لأمره\" (^١).\nوهذا ما يعرف عند العلماء بأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد العبودية، فإن السلف وإن لم يتلفظوا بهذه العبارة فإنها مقتضى قولهم، ومؤدى عباراتهم، ولهذا نجد في عباراتهم أنه كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت عبادته، ويذكرون أنواعا من العبادات القلبية وغيرها، ولشدة الترابط والتلازم بين هذين الأمرين، فإنه ينعكس ومن هنا كان الخلل في توحيد العبادة، ناتج عن خلل في توحيد الربوبية، قال شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب: \"أما توحيد الربوبية فهو الأصل، ولا يغلط في الإلهية\n_________\n(^١) روضة المحبين (١٠٦).","vol":"1","page":246},{"text":"إلا من لم يعطه حقه\" ثم ذكر ﵀ مثالا توضيحيا لهذه القاعدة فقال: \"قد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن، بسبب معرفته بالربوبية. . . أما عبادته سبحانه بالإخلاص دائما في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية\" (^١).\n_________\n(^١) الدرر السنية (٢/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الفصل الثاني: الآثار الواردة في توحيد الألوهية</span>.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في أنواع العبادة.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في نواقض وقوادح التوحيد.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الأول: الآثار الواردة في أنواع العبادة</span>.\nفيه ثلاثة عشر مطلبا:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في فضل التوحيد.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في الإخلاص وصلاح العمل.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في الدعاء.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في التوكل.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في اليقين.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في حسن الظن باللَّه.\nالمطلب السابع: الآثار الواردة في الرجاء.\nالمطلب الثامن: الآثار الواردة في الخوف.\nالمطلب التاسع: الآثار الواردة في الجمع بين الخوف والرجاء.\nالمطلب العاشر: الآثار الواردة في الشكر.\nالمطلب الحادي عشر: الآثار الواردة في التوسل.\nالمطلب الثاني عشر: الآثار الواردة في حقوق المصطفى -ﷺ-.\nالمطلب الثالث عشر: الآثار الواردة في التبرك.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المطلب الأول: الآثار الواردة في فضل التوحيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>أولا: الآثار الواردة في أنه سبب تفاضل الأعمال</span>.\n\n١٠٣ - حدثنا عبد الملك بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن عامر، عن حزم القطعي، عن عبد الملك بن عتاب اللتي (^١) قال: \"رأيت عامر بن عبد قيس (^٢) في النوم فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أريد به وجه اللَّه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ثانيا: الآثار الواردة في أنه أفضل نعمة على العبد</span>.\n\n١٠٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت سفيان بن عيينة قال:\n_________\n(^١) لعل صوابه عبد الملك بن عَقَّاب، كما ورد عند البيهقي، وهو مذكور في الإكمال (٦/ ٢٤٧) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.\n(^٢) هو عامر بن عبد قيس بن قيس، ويقال: عامر بن عبد قيس بن ناشب التميمي العنبري، أبو عبد اللَّه أو أبو عمرو النصرى، الزاهد المشهور، يقال: أدرك الجاهلية، شهد فتح المدائن، من كبار التابعين وعبادهم، قال فيه كعب الأحبار: \"هذا راهب هذه الأمة\"، الإصابة (٥/ ٧٦).\n(^٣) إسناده حسن، حزم القطعي هو ابن أبي حزم وهو صدوق يهم التقريب (١٢٠٠)، وشيخ المصنف هو الجدي صدوق التقريب (٤١٩١)، الإخلاص والنية (٤٢) رقم (١٣)، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين (٣٧) رقم (٤٩)، ومن طريق المصنف البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠) رقم (٦٨٩٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٤٢) ووقع في هذين الأخيرين سقط عبد الملك بن إبراهيم وشيخه وشيخ شيخه، وصار الأثر من رواية المصنف عن عبد الملك بن عقاب، والصواب المثبت هنا وهو موافق لما في الزهد لابن بشر.","vol":"1","page":250},{"text":"\"ما أنعم اللَّه ﷿ على العباد نعمة أفضل من أن عرّفهم أن لا إله إلا اللَّه، قال: وإنَّ لا إله إلا اللَّه لهم في الآخرة كالماء في الدنيا\" (^١).\n\n١٠٥ - حدثنا الفضل بن جعفر قال: حدثنا أبو عاصم النبيل قال: أخبرنا حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة قال: \"حضرنا عمرو بن العاص (^٢) وهو في سياقة الموت، فجعل يبكى، وولَّى وجهه الجدار، وجعل ابنه يقول: ما يبكيك؟ أما بشَّرك رسول اللَّه -ﷺ- بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما تعدّ عليّ شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه (^٣)، فإذا أنا متُّ فلا تتبعني نائحة ولا نار، وإذا دفنتموني فسُنُّوا عليّ التراب سنّا (^٤)، وأقيموا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه، حتى آنس بكم وأنظر ما أراجع به رسل ربي\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناد حسن، وإسحاق بن إبراهيم هو ابن أبي إسرائيل كما صرح به المزي، وهو صدوق تكلم فيه لوقفه في القرآن التقريب (٣٤٠)، الشكر (١٠٩) رقم (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١١٩) رقم (٤٥٠٠)، وذكره المزى في تهذيب الكمال (٣/ ٢٢٧).\n(^٢) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي، الصحابي المشهور، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرتين، وهو الذي فتحها، مات بمصر سنة نيف وأربعين، وقيل بعد الخمسين، الإصابة (٤/ ٦٥٠).\n(^٣) وانظر كذلك رقم (٣٠٢).\n(^٤) قال الزبيدي في تاج العروس (١/ ٨٠٧٤): \"سن التراب إذا صبه على وجه الأرض صبا سهلا\".\n(^٥) إسناده صحيح، المحتضرين (٩٥) رقم (١٠٧)، وفي معناه رقم (١٠٨)، والأثر في =","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>ثالثا: الآثار الواردة في أن اللَّه وصفه بالإحسان</span>.\n\n١٠٦ - نا أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي (^١)، ذكر محمد بن عمرو، ذكر عبيدة بن بكار بن النضر بن عبيد الأزدي، ذكر محمد بن جابر قال: سمعت محمد بن المنكدر في قول اللَّه تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ (^٢) قال: \"هل جزاء من أنعمت عليه بالإسلام إلا الجنة، هل جزاء من قال: لا إله إلا اللَّه إلا الجنة\" (^٣).\n\n١٠٧ - نا علي بن الجعد قال: سمعت مقاتل بن سليمان (^٤) يقول في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ (^٥) قال: \"هل جزاء\n_________\n= صحيح مسلم (١/ ١١٢) رقم (١٢١).\n(^١) ترجمته في الجرح والتعديل (٢/ ٧٣) وهو صدوق.\n(^٢) سورة الرحمن، الآية (٦٠).\n(^٣) في إسناده عبيدة بن بكار لم أعرفه، حسن الظن باللَّه (٨٨ - ٨٩) رقم (١٤٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٥٣) عن شيخ المصنف به، والطبراني في الدعاء عن ابن عباس -﵁- ومجاهد وعكرمة، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٧١٤) عن عكرمة ونسبه لعبد بن حميد، ويروى مرفوعا كما في شعب الإيمان (١/ ٣٧٢) وضعفه بالاختلاف على الراوي.\n(^٤) هو مقاتل بن سليمان البلخي، المفسر صاحب الضحاك، متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم، مع أنه كان من أوعية العلم بحرا في التفسير، تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٤)، الكاشف (٢/ ٢٩٠)، التقريب (٦٨٦٨).\n(^٥) سورة الرحمن، الآية (٦٠).","vol":"1","page":252},{"text":"من قال: لا إله إلا اللَّه إلا الجنة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>رابعا: الآثار الواردة في أنه مكفر للذنوب</span>.\n\n١٠٨ - حدثنا محمد بن بشير، حدثنا عبد الرحمن بن جرير (^٢) قال: سمعت أبا حازم (^٣) يقول: \"عند تصحيح الضمائر اغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته الفتوح\" (^٤).\n\n١٠٩ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن، نا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: \"أبطأ عن علي بن الحسين (^٥) أخ له كان يأنس به، فسأله عن إبطائه، فأخبر أنه مشغول بموت ابن له كان من المسرفين على نفسه، فقال له علي ابن الحسين: \"إن من وراء ابنك ثلاث خلال: أما أولها: فشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأما الثانية: فشفاعة رسول اللَّه -ﷺ-، وأما الثالثة: فرحمة اللَّه\n_________\n(^١) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٨٩) رقم (١٤٨)، وسبق (١٠٦) تخريج مثله.\n(^٢) كذا والصواب: \"عبد الرحمن بن حريز الليثي\"، قال فيه العقيلى: \"مجهول بالنقل لا يتابع على حديثه\"، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٣٢٧)، ولسان الميزان (٣/ ٤١٠).\n(^٣) هو سلمة بن دينار، أبو حازم التمار، المدني القاص، ثقة عابد، مات في خلافة المنصور، التقريب (٢٤٨٩).\n(^٤) إسناده ضعيف، فيه ابن حريز وهو ضعيف كما في لسان الميزان (٥/ ٩٤)، وشيخ المصنف هو أبو جعفر الكندي الواعظ الدعاء القاص، غير ثقة. انظر ميزان الاعتدال (٦/ ٨١)، الإخلاص والنية (٤٣) رقم (١٤)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٦٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٦٤).\n(^٥) هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، زين العابدين، ثقة ثبت، عابد فقيه، فاضل مشهور، مات سنة (٩٣ هـ) وقيل غير ذلك، التقريب (٤٧١٥).","vol":"1","page":253},{"text":"﷿ التي وسعت كل شيء\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>خامسا: الآثار الواردة في أنه مطهر من الشرك والذنوب</span>.\n\n١١٠ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا سفيان بن سعيد، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة (^٢) قال: \"من وضع وجهه للَّه -﷿- فقد برئ من الشرك\" (^٣).\n\n١١١ - حدثني علي بن نصر بن بجير، عن شيخ من قريش قال: قال الحسن: \"السجود يذهب بالكبر، والتوحيد يذهب بالرياء\" (^٤).\n\n١١٢ - حدثني بشر بن معاذ العقدي، حدثني محمد بن عبد اللَّه القرشي، حدثني أبي قال: قال يونس بن عبيد: \"لا كبر مع السجود، ولا نفاق مع التوحيد\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناده لين، شيخ المصنف مقبول وسيأتي (٤٨٤)، حسن الظن باللَّه (٨٦) رقم (١٠٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤١/ ٣٩٧)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ١٠٧).\n(^٢) هو يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثقة، توفي بعد المائة، التقريب (٧٥٢٠).\n(^٣) إسناده لين؛ فيه حبيب بن أبي ثابت وهو ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس التقريب (١٠٩٢)، التواضع والخمول (٢٠٦) رقم (٢١٧)، وابن الجعد في مسنده (٢٦٤) رقم (١٧٣٧)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٢٥) رقم (٨٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٦١) من قول حبيب نفسه، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٢٩١).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ لإبهام الشيخ القرشي، التواضع والخمول (٢١١) رقم (٢٢٧).\n(^٥) إسناده حسن؛ وعبد اللَّه هو المطرف ثقة التقريب (٣٥٢٥)، وابنه صدوق وهو =","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>سادسا: الآثار الواردة في أنه عُدَّة أصحاب الكبائر</span>.\n\n١١٣ - ذكر أزهر بن مروان الرقاشي، نا شملة بن هزال (^١) أبو الحتروش البختري قال: \"سمعت الحسن في جنازة فيها الفرزدق (^٢) والقوم حافين بالفتى يتذاكرون الموت فقال الحسن: يا أبا فراس ما أعددت لهذا اليوم، قال: لا واللَّه ما أعددت له إلا شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ ثمانين سنة، فقال الحسن: أثبت عليها وأبشر، ونحو هذا، وفي غير حديث قال: فقال الحسن: نعمت العدة، نعمت العدة\" (^٣).\n_________\n= الملقب بالديباج، التقريب (٦٠٧٦)، التواضع والخمول (٢١١) رقم (٢٣١)، وذكره ابن كثير في التفسير (٣/ ٤٥١).\n(^١) هو أخو محمد بن عمر الواقدي كما في الأسماء المفردة (١٩٦)، وهو ضعيف انظر لسان الميزان (٣/ ١٥٣).\n(^٢) هو الشاعر المشهور، أبو فراس همام بن غالب، ضعفه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٤)، من جهة عدالته، وقال ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٤٣٣) بعد نقله كلام ابن حبان: \"قلّ ما روى\" ثم ذكر قول المرزباني فيه (٦/ ١٩٨): \"كان سيدا جوادا فاضلا وجيها\".\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه شملة، والأثر حسن بمجموع طرقه، فقد روي عن شملة وعن أبي بكر بن عياش وأبي موسى التميمي، حسن الظن باللَّه (٦٨) رقم (١٠٢)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٤٠)، وبحشل في تاريخ واسط (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٤٦) رقم (٣٥٧٣٢) عن أبي موسى التميمي، وابن حجر في لسان الميزان (٦/ ١٩٨)، وذكره في تكملة الإكمال (١/ ٣٣٤) وذكر أنها كانت زوجته النوار، وذكرها الذهبي في السير (٤/ ٥٨٤)، وابن رجب في كلمة الإخلاص =","vol":"1","page":255},{"text":"١١٤ - حدثني أبي، عن الأصمعي، عن أبيه، عن لبطة بن الفرزدق (^١) قال: \"رأيت أبي في النوم فقال: أي بني نفعتني الكلمة التي راجعت بها الحسن عند القبر\" (^٢).\n\n١١٥ - حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي قال: حدثني أبي، ثنا سفيان بن حسين قال: \"ماتت نوّارة بنت أعين بن ضبيعة النجاشي امرأة الفرزدق، فخرج الحسن في جنازتها، فلما سوّي عليها التراب قام الفرزدق فأنشأ يقول:\n_________\n= (٢٠)، وفيه أنها كانت جنازة أبي رجاء، ولفظها أوضح حيث قال الفرزدق: \"قد استشرفنا الناس يقولون: خير الناس وشر الناس، قال: يا أبا فراس كم من أشعث أغبر ذي طمرين خير مني، وكم من شيخ مشرك أنت خير منه، ما أعددت للموت؟ قال شهادة أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: إن معها شروطا؛ فإياك وقذف المحصنة، قال: هل من توبة؟ قال: نعم\"، وذكره المناوي في فيض القدير (٣/ ١٦٣) (٦/ ١٨٩)، وورد هذا الكلام من قول الشافعي لأبي نواس في تاريخ بغداد (٧/ ٤٤٧)، وتاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٥٨).\n(^١) هو لبطة بن همام بن غالب بن صعصعة، المعروف بابن الفرزدق، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٦١)، ولم يذكر فيه البخاري وأبو حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٧/ ٢٥١)، والجرح والتعديل (٧/ ١٨٣)، ونقل ابن حجر في لسان الميزان توثيق ابن حبان دون تعليق (٤/ ٤٣٣)، وفي سؤالات أبي داود للإمام أحمد نقل قول سفيان بن عيينة فيه: \"لبطة له هيئة شيخ\".\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه والد الأصمعي قال الأزدي: منكر الحديث كما في لسان الميزان (٤/ ٤٧٣)، حسن الظن (٨٦) رقم (١٠٤).","vol":"1","page":256},{"text":"أخاف وراء القبر إن لم تعافني ... أشدّ من القبر التهابا وأضيقا\nإذا جاءني يوم القيامة قائد عنيف ... وسواق يسوق الفرزدقا\nلقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القيادة أزرقا\nقال: وكان واللَّه يبكي الناس يومئذ، قال: فقال الحسن: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: أنت خير الناس، وأنا شر الناس، قال: لست بخير الناس، ولا أنت بشر الناس، قال: ما أعددت لذلك اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ سبعين سنة، قال الحسن: خذها من غير فقيه (^١) \" (^٢).\n\n١١٦ - حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، ثنا شملة بن هزال قال: سمعت الحسن في جنازة فيها الفرزق والقوم حافّين بالقبر يتذاكرون الموت، فقال الحسن: \"يا أبا فراس ما أعددت لذلك اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ ثمانين سنة، فقال الحسن: اثبت عليها وأبشر، قال أبو محمد: وزاد بعض أصحابنا إن الفرزدق قال: فذكر الثلاثة الأبيات، قال: فبكى الحسن\" (^٣).\n\n١١٧ - ذكر محمد بن الحسين، ذكر عبد اللَّه بن محمد القرشي، نا عمرو بن الزبير قال: \"مات سلمة بن عباد بن منصور (^٤) قال: فاجتمعنا\n_________\n(^١) وفي رقم (١١٣) قول الحسن للفرزدق: \"فقيه واللَّه\".\n(^٢) إسناده ضعيف، والد محمد بن عباد مجهول التقريب (٣١٦١)، القبور (١٠٧) رقم (١٠٩).\n(^٣) إسناده ضعيف، سبق (١١٣) أن فيه شملة، القبور (١٠٧) رقم (١١٠).\n(^٤) هو عباد بن منصور الناجي، أبو سلمة البصري القاضي بها، صدوق رمي بالقدر، =","vol":"1","page":257},{"text":"عند أبيه قال: وحزن عليه أبوه حزنا شديدا فقال له أصحابه: يا أبا سلمة إن كنت حريا أن لا يظهر منك هذا الجزع، فقال: إني واللَّه ما أبكي على ألفه، ولا على فراقه، ولكنه مات على حال كنت أحب أن يموت على حال أحسن منها، قال: فلما وضعه في قبره قال: أما واللَّه يا بني لقد صرت إلى أرحم الراحمين، قال: فاجتمعنا عنده من الغد، قال له رجل: يا أبا سلمة أُريت سلمة البارحة فيما يرى النائم فقلت له: ما صنعت؟ قال: غفر لي، فقلت: بماذا؟ قال: مررت بمؤذّن آل فلان يوما وهو يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فتشهدت معه، فكأنه خفف عنه حزنه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>سابعا: الآثار الواردة في أنه أعظم ما حورب به إبليس</span>.\n\n١١٨ - حدثنا داود بن عمرو، حدثنا عباد بن العوام، أنبأنا حصين قال: سمعت مجاهدا (^٢) يقول: \"قلَّ ما ذَكَر الشيطان قوم إلا حضرهم، فإذا\n_________\n= وكان يدلس، وتغير بأخرة، مات سنة (١٥٢ هـ)، التقريب (٣١٤٢).\n(^١) فيه القرشي لم أتبين من هو، ولعله أبو جراب المذكور في تاريخ دمشق (٥٣/ ٤٠٥ - ٤٠٨)، أو القرشي السابق برقم (١١٢) حصل تقديم وتأخير في اسمه، وعمرو بن الزبير هو أخو عبد اللَّه بن الزبير لا تعرف له رواية انظر تاريخ دمشق (٤٦/ ٥)، حسن الظن باللَّه (٣٣) رقم (٤٢).\n(^٢) هو مجاهد بن جَبْر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، مات سنة (١٠٣ هـ) وله ثلاث وثمانون سنة، الكاشف (٢/ ٢٤٠)، التقريب (٦٤٨١).","vol":"1","page":258},{"text":"سمع أحدا يلعنه قال: لقد لَعَنتَ مُلَعَّنًا، ولا شيء أقطع لظهره من: لا إله إلا اللَّه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>ثامنا: الآثار الواردة في الجزاء العظيم الذي أُعَدَّ لصاحبه</span>.\n\n١١٩ - حدثني محمد بن المغيرة التميمي قال: وجدت في كتاب جدي علي بن طالب بن يزيد الحنفي، ثنا الثمالي (^٢): \"أن رجلا خرج بالمدينة يتنزّه، فإذا بصوت من قبر ينادي شعرا:\nهذا أبونا قد أتانا زائرا ... أحبب به زورا إلينا باكرا\nوخير ميّت ضمن المقابر ... جُدَّ إلينا يا عبيد سائرا\nقد وحّد اللَّه زمانا صابرا ... عُوِّض من توحيده أساورا\nفي جنّة الفردوس نزلا فاخرًا\nفقلت: لا أبرح اليوم حتى أعلم ما هذا الصوت الذي سمعت، ومن هذا الميّت، فجيء يحنازة رجل، فسألتهم عنه، فقيل لي: هذا رجل من الأنصار من بني سلمة، وهذا ابنه عبيد، وهذه ابنته عبيدة، فدفنوه بينهما،\n_________\n(^١) إسناده صحيح، ولا يضر الكلام في حصين وهو ابن عبد الرحمن السلمي، انظر المختلطين للعلائي (٢١).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٠٥) رقم (٣٧٩)، ولم أقف عليه عند غيره، وأورد معناه الدارقطني في العلل ورجح وقفه على أبي هريرة -﵁- (١٠/ ١٤٧)، ونسبه في كنز العمال (١/ ٢٤٦) لمسند الفردوس.\n(^٢) هو ثابت بن أبي صفية الثُّمالي، أبو حمزة، كوفي ضعيف رافضي، مات في خلافة أبي جعفر المنصور، التقريب (٨١٨).","vol":"1","page":259},{"text":"فانصرفوا\" (^١).\n\n١٢٠ - حدثني محمد بن المثنى قال: ومن كتاب جدي: ثنا الكلبي: \"أن رجلا مات بالمدينة فَوَلِهَ (^٢) به أبوه وَلَهًا شديدا، وإن أباه أري في منامه أن ائت قبر ابنك فودّعه، فخرج يمشي حتى أتى قبره، وهو رجل لا يقول الشعر، فألقي على لسانه أن قال:\nيا صاحب القبر الذي قد استوى ... هجت لي حزنا على طول البلى\nحزنا طويلا يأتي ما انقضى ... مر غصص الموت وغم قد برى\nوضغطة القبر التي فيها الأذى\nإن الرجل انصرف فنودي من خلفه:\nاسمع أحدثك بأمر قد أصابنا ... بخبر أوضح من ضوء الضحى\nعن غصص الموت وهم قد جلى ... وفرج نفسه بعد الرضى\nللقول بالتوحيد فيما قد خلا ... أثبت من ذاك جزيلا وعى\nجنان فردوس رضى للفتى ... يدعو فيها بائعها بما اشتهى\nثم إن الصوت خمد وانصرف الرجل فما خطر له ابنه على باله حتى مات\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه الثمالي وهو ضعيف كما سبق (ص ٢٥٩)، وانظر الميزان (١/ ٣٦٣)، وجدُّ العنزي لم أجده، كتاب الهواتف (٤٧) رقم (٥٦)، القبور (١٥٤ - ١٥٥) رقم (١٩٠).\n(^٢) الوَلَهُ ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، مختار الصحاح (٧٤٠).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه الكلبي إن كان الأخباري فهو كذاب كما في الميزان =","vol":"1","page":260},{"text":"١٢١ - نا أبو جعفر محمد بن حميد الصفار، نا جعفر بن سليمان الضبعي، نا عبد اللَّه بن المبارك، عن شريك بن عبد اللَّه، عن هلال بن عبد اللَّه بن حكيم، عن ابن مسعود قال: \"يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط، فمن كسا للَّه كساه اللَّه، ومن أطعم للَّه أطعمه اللَّه، ومن سقى للَّه سقاه اللَّه، ومن عمل للَّه أغناه اللَّه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>تاسعا: الآثار الواردة في أنه جالب لمحبة الناس للعبد، ودافع لبغضهم</span>.\n\n١٢٢ - حدثنا داود بن عمرو الضبي قال: حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن محمد بن واسع قال: \"إذا أقبل العبد إلى اللَّه أقبل اللَّه بقلوب العباد إليه\" (^٢).\n_________\n= (٣/ ٥٥٦ - ٥٥٩)، وجد العنزي، الهواتف (٤٧ - ٤٨) رقم (٥٧)، والقبور رقم (١٩١).\n(^١) إسناده حسن، قضاء الحوائج (٤١ - ٤٢) رقم (٣٠)، وذكره ابن حبان في الثقات من طريق شيخ المصنف به، وسماه أحمد بن محمد الصفار وقال عنه: \"شيخ\"، قلت: وكذلك أورده ابن سعد في الطبقات ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا (٧/ ٣٦٠)، ثم وقفت له على ترجمة في تاريخ بغداد (٥/ ١٢٧) أورد فيها قول يحيى بن معين فيه: \"لا بأس به\"، وهو الصواب ولعله يوجد في النسخة خطأ أو تصحيف في اسمه، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٤٩) ونسبه إلى ابن أبي الدنيا فقط.\n(^٢) إسناده لين، فيه أبو شهاب وهو عبد ربه بن نافع الحناط صدوق يهم التقريب (٣٨١٤)، وليث بن أبي سليم وقد سبق (٤٩)، والأثر قابل للتحسين بطرقه لا =","vol":"1","page":261},{"text":"١٢٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا الحسين بن عليّ الجعفي، عن معقل بن عبيد اللَّه الجزري (^١) قال: \"كانت العلماء إذا التقوا تواصوا بهذه الكلمات، وإذا غابوا كتب بها بعضهم إلى بعض: أنه من أصلح سريرته أصلح اللَّه علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين اللَّه كفاه اللَّه ما بينه وبين الناس، ومن اهتمّ بأمر آخرته كفاه اللَّه أمر دنياه\" (^٢).\n_________\n= سيما عند ابن عساكر، الإخلاص والنية (٤١) رقم (١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٥)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢٩٩) رقم (٧٩٨)، وابن عساكر من طرق في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٥٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٦٩).\nوهذا الكلام مشهور عن هرم بن حيان أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ١٣٣) قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ عن قتادة وهرم، والبيهقي في الزهد الكبير برقم (٧٩٩)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٤٠)، والذهبي في السير (٤/ ٤٩).\n(^١) هو معقل بن عبيد اللَّه الجزري، أبو عبد اللَّه العبسي مولاهم، صدوق يخطئ، مات سنة (١٦٦ هـ)، التقريب (٦٧٩٧).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، الإخلاص والنية (٥٤) رقم (٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٦٢، ٢١٧) رقم (٣٤٩٨٨، ٣٥٤٧٢)، وهناد في الزهد (١/ ٣٠٠) رقم (٥٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٤٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٠٤) جميعهم من طرق عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة من قوله، وذكره أيضًا ابن كتير في تفسيره (٤/ ٢٠٥) منسوبا إلى عمر -﵁-، ونسبه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٧/ ٩) إلى سفيان بن عيينة وعزاه لكتاب الاخلاص، فلا أدري هل هناك سقط =","vol":"1","page":262},{"text":"١٢٤ - نا يحيى بن سليمان المحاربي، نا مسعر بن كدام، حدثني عون ابن عبد اللَّه قال: نا ابن عتبة (^١) قال: \"كانوا يتواصون فيما بينهم بثلاثة أحرف، يكتب بها بعضهم إلى بعض: \"من عمل للَّه كفاه اللَّه الناس، ومن عمل لآخرته كفاه اللَّه دنياه، ومن أصلح سريرته أصلح اللَّه له علانيته\" (^٢).\n\n١٢٥ - حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: \"إن الرجل ليعمل العمل الحسن في أعين الناس، أو العمل لا يريد به وجه اللَّه، فيقع له المقت والعيب عند الناس حتى يكون عيبا، وإنه ليعمل العمل أو الأمر يكرهه الناس، يريد به وجه اللَّه فيقع له المقة (^٣) والحسن عند الناس\" (^٤).\n_________\n= -وهو الظاهر- أم تداخل في الأسانيد والمتون.\n(^١) هو عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، ابن أخى عبد اللَّه بن مسعود، وُلد في عهد النبي -ﷺ-، من أبناء المهاجرين، وثقه العجلي وجماعة، مات بعد السبعين، الكاشف (١/ ٥٧٢)، التقريب (٣٤٦١).\n(^٢) إسناده ضعيف، يحيى بن سليمان المحاربي لا يصح حديثه كما في الضعفاء للعقيلي (٤/ ٤٠٨)، وكذا في لسان الميزان (٦/ ٢٦١)، ذم الدنيا (١٢٤) رقم (٣٦٣).\n(^٣) المِقَةُ المحبة، وقد وَمِقَه يمِقه أحَبَّه فهو وَامِقٌ، مختار الصحاح (٧٤٠).\n(^٤) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق طعنوا فيه للرأي، التقريب (٤٠٧٥)، الإخلاص والنية (٤٠) رقم (١١)، وهناد في الزهد بلفظ آخر (٢/ ٤٣٨) رقم (٨٦٤)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٩)، ولفظهما أوضح وهو: \"إن الرجل ليتكلم بالكلام على كلامه المقت، ينوي فيه الخير فيلقى اللَّه -﷿- له العذر في قلوب الناس، حتى يقولوا: ما أراد بكلامه هذا إلا الخير، وإن الرجل ليتكلم بالكلام =","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>عاشرا: الآثار الواردة في أنه سبب إجابة الدعاء</span>.\n\n١٢٦ - حدثني أبو خزيمة قال: حدثني يونس بن محمد المكّي قال: قال فضيل بن عياض لرجل: \"لأعلّمنّك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها، واللَّه لئن علم اللَّه منك إخراج الآدميين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره، لم تسأله شيئا إلا أعطاك\" (^١).\n\n١٢٧ - نا ابن أبي مريم عن محمد بن سلام الجمحي قال: جاء رجل إلى الربيع بن عبد الرحمن (^٢) فسأله أن يكلم الأمير في حاجة له، فبكى الربيع ثم قال: \"أي أخي، اقصد إلى اللَّه -﷿- في أمرك تجده سريعا قريبا، فإني ما ظاهرت أحدا في أمر أريده إلا اللَّه، فأجده كريما قريبا لمن قصده وأراده وتوكّل عليه\" (^٣).\n\n١٢٨ - حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني سهل بن محمود، عن عبد اللَّه بن إدريس (^٤) قال: \"لو أن رجلا انقطع إلى رجل لعرف ذلك له،\n_________\n= الحسن لا يريد به الخير، فيلقى اللَّه -﷿- له في قلوب الناس حتى يقولوا: ما أراد بكلامه هذا الخير\".\n(^١) فيه أبو خزيمة وشيخه لم أعرفهما، الإشراف (٣٢٦) رقم (٤٨٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٤١).\n(^٢) هو الربيع بن عبد الرحمن بن وبرة الكوفي، قال عنه أبو حاتم: ما بحديثه بأس، الجرح والتعديل (٣/ ٤٦٧).\n(^٣) فيه شيخ المصنف، كتاب التوكل (٩٢) رقم (٥٧).\n(^٤) هو عبد اللَّه بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه =","vol":"1","page":264},{"text":"فكيف بمن له السماوات والأرضون\" (^١).\n\n١٢٩ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني إسماعيل بن زياد، قال: \"قدم علينا عبد العزيز بن سليمان (^٢) عبّادان في بعض قدماته فأتيناه نسلّم عليه فقال لنا: صَفُّوا للمنعم قلوبكم يكفكم المؤن عند همّكم، قال: ثم قال: أرأيت لو خدمت مخلوقا فأطلت خدمته، ألم يكن يرعى لخدمتك حرمة، فكيف بمن ينعم عليك، وأنت تسيء إلى نفسك، تتقلب في نعمه، وتتعرض لغضبه، هيهات همّتك همّة البطالين، ليس لهذا خلقتم، ولا بهذا أمرتم، الكيس الكيس رحمكم للَّه تعالى\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>حادي عشر: الآثار الواردة في مشروعية تلقين الميت كلمة التوحيد</span>.\n\n١٣٠ - حدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن بسطام قال: حدثنا جعفر\n_________\n= عابد، مات سنة (١٩٢ هـ) وله بضع وسبعون سنة، التقريب (٣٢٠٧).\n(^١) إسناده صحيح، وسهل بن محمود هو أبو السري ثقة كما في تاريخ بغداد (٩/ ١١٥)، القناعة والتعفف (٥٠) رقم (٩٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٦٩).\n(^٢) هو عبد العزيز بن سليمان العابد، من أهل البصرة، ممن له حكايات كثيرة مروية في الرقائق والعبادات، قال الخطيب: \"ليس له حديث مستند يرجع إليه، وإنما ذكرته لشهرته في المتعبدين، ولما كان فيه من استجابة الدعاء\"، تاريخ بغداد (٨/ ٣٩٤).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، إسماعيل بن زياد هو السكوني متروك كذبوه التقريب (٤٥٠)، القناعة والتعفف (٥٠) رقم (٩١).","vol":"1","page":265},{"text":"ابن سليمان قال: سمعت شميط بن عجلان قال: \"لما نزل بأبي الدرداء (^١) الموت جزع جزعا شديدا، فقالت له أم الدرداء: يا أبا الدرداء لم تكن تخبرنا أنك تحب الموت، قال: بلى وعزّة ربي، ولكن نفسي لما استيقنت الموت كرهته، قال: ثم بكى فقال: هذه آخر ساعاتي من الدنيا، لقِّنوني لا إله إلا اللَّه، فلم يزل يردّدها حتى مات\" (^٢).\n\n١٣١ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول قال: قال عمر بن الخطاب: \"احضروا موتاكم وذكِّروهم؛ فإنهم يرون ما لا ترون، ولقِّنوهم شهادة أن لا إله إلا اللَّه\" (^٣).\n_________\n(^١) هو عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، أبو الدرداء، مختلف في اسم أبيه، وأما هو فمشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقب، صحابي جليل، أول مشاهده أُحُد، وكان عابدا، مات في أواخر خلافة عثمان، وقيل عاش بعد ذلك، الإصابة (٤/ ٧٤٧).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه يحيى بن بسطام، ضعف بسبب البدعة والمناكير في رواياته، انظر لسان الميزان (٦/ ٢٤٣)، المحتضرين (١٣٥ - ١٣٦) رقم (١٧٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٦).\n(^٣) إسناده لين، وهو مرسل، عبد الرحمن بن ثابت صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وتغير بآخره، التقريب (٣٨٤٤)، وانظر تحفة التحصيل (٣١٤)، المحتضرين (٢٢) رقم (٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٨٦) رقم (٦٠٤٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٤٦) رقم (١٠٨٥٨)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٢٩)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٥١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٦٩)، ونسبه السيوطي =","vol":"1","page":266},{"text":"١٣٢ - حدثني محمد قال: حدثنا فهد بن حيان قال: حدثنا حفص ابن عبد الملك قال: سمعت أنس بن سيرين يقول: \"شهدت أنس بن مالك وحضره الموت، فجعل يقول: لقِّنوني لا إله إلا اللَّه، فلم يزل يقولها حتى قبض ﵀\" (^١).\n\n١٣٣ - حدثني محمد قال: حدثنا داود بن المحبر قال: حدثنا صالح المرّي قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: \"أوصاني أبو الجلد (^٢) أن ألقنه لا إله إلا اللَّه، فكنت عند رأسه وقد أخذه كرب الموت، فجعلت أقول: يا أبا الجلد قل لا إله إلا اللَّه، فقال: لا إله إلا اللَّه، بها أرجو نجاة نفسي، لا إله إلا اللَّه، ثم قبض\" (^٣).\n\n١٣٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون قال: حدثني أبي، عن زيد بن أسلم قال: قال عثمان بن\n_________\n= في الدر (٨/ ٣٢) للمصنف، ويروى هذا الأثر مرفوعا إلى النبي -ﷺ-، انظر المراسيل لأبي داود (٢٩٦)، ونصب الراية (٢/ ٢٥٤).\n(^١) إسناده ضعيف، فيه فهد بن حيان، ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٣/ ١٠)، وانظر لسان الميزان (/٤٥٤)، المحتضرين (٢٣) رقم (١١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٣٧٨)، وكذا ابن الجوزي في الثبات عند الممات (١٣٣)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٩٢).\n(^٢) هو جيلان بن أبي فروة الأسدي، كان ممن يقرأ كتب الأوائل، وكان من العباد، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٢)، مشاهير علماء الأمصار (٩٣).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر وسيأتي (٨٠٨)، المحتضرين (٢٣ - ٢٤) رقم (١٢).","vol":"1","page":267},{"text":"عفان (^١): \"إذا احتضر الميت فلقنّوه لا إله إلا اللَّه؛ فإنه ما من عبد يُختم له بها عند موته إلا كانت زاده إلى الجنة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>ثاني عشر: الآثار الواردة في أنها شعار الناس إذا خرجوا من قبورهم</span>.\n\n١٣٥ - دثنا هارون بن سفيان، دثنا ابن فضيل (^٣)، عن النضر بن عربي (^٤) قال: \"بلغني أن الناس إذا خرجوا من قبورهم كان شعارهم لا إله إلا اللَّه، وكانت أول كلمة تغنى بها برهم وفاجرهم: ربنا ارحمنا\" (^٥).\n_________\n(^١) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد السابقين الأولين، والخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرة، استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة خمس وثلاثين، وعمره ثمانون وقيل أكثر وقيل أقلّ، الإصابة (٤/ ٤٥٦)، التقريب (٤٥٠٣).\n(^٢) إسناده حسن إلى زيد بن أسلم، ولكنه منقطع بينه وبين عثمان، فقد كان يرسل التقريب (٢١٢٩)، وعبد الملك بن عبد العزيز صدوق له أغلاط في الحديث التقريب (٤٢٢٣)، وانظر جامع التحصيل (١٧٨)، المحتضرين (٢٠) رقم (٥)، وذكره الغزالي في الإحياء (٤/ ٦٧٦).\n(^٣) الصواب ابن نفيل فهو الراوي عن النضر بن عربي، وقد ورد صوابا في طبعة المباركفوري.\n(^٤) هو النضر بن عربي الباهلي مولاهم، أبو روح، ويقال أبو عمر الحراني، لا بأس به، مات سنة (١٦٨)، الكاشف (٢/ ٣٢١)، التقريب (٧١٤٥).\n(^٥) إسناده حسن، وسيأتي (١٥٥) الكلام على شيخ المصنف، الأهوال (٢٢٤) رقم (٢١٨)، وذكره ابن رجب في كلمة الإخلاص (٦٥)، وابن كثير في النهاية (١/ ٢١٣) عن المؤلف.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان فضل التوحيد، وعظيم منزلة شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وقد تنوعت دلالتها على ذلك، حتى انتظمت تحت أنواع من النصوص كل نوع تحته مجموعة غير يسيرة من الآثار، وهى فضائل كثيرة لا يمكن استقصاؤها (^١)، وإنما الغرض التنبيه بتنويعها على أهمية ما دلت عليه وفضله، كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ \"ليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة، والفضائل المتنوعة مثل التوحيد؛ فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله\" (^٢).\nفتفاضل الأعمال يكون بحسب التوحيد الذي في القلب، قال ابن القيم: \"الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة، والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، حتى لتكون صورة العملين واحدة وبينهما في الفضل ما لا يحصيه إلا اللَّه تعالى\" (^٣).\nوهو أعظم نِعَمِ اللَّه على العبد قال ابن القيم: \"ما مُنِح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما\n_________\n(^١) انظر كلمة الإخلاص لابن رجب (٥٦).\n(^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (٣/ ١١) ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ.\n(^٣) المنار المنيف (٣٣).","vol":"1","page":269},{"text":"يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم\" (^١).\nوقد وصفه اللَّه بالإحسان كما فسر ابن المنكدر ومقاتل الآية (^٢)، ورتب عليه الجنة والجزاء من جنس العمل و\"أعظم الإحسان الإيمان، والتوحيد، والإنابة إلى اللَّه، والإقبال عليه، والتوكل عليه، وأن يعبد اللَّه كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية. . . فإن اللَّه إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به\" (^٣).\nوهو كذلك مكفر للذنوب كما في أثر أبي حازم أن الذنوب تغفر عند تصحيح الضمائر، وهذه الفضيلة هي من بعض فضائله وآثاره (^٤)، وقد ترجم لها الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد بقوله: \"باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب\"، ولا شك أن التوحيد من جملة الأسباب لمغفرة الذنوب عموما، لكن في تكفيره كل الذنوب تفصيل ذكره ابن رجب الحنبلي فقال: \"السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة. . . فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها خطايا- لقيه اللَّه بقرابها مغفرة، لكن هذا مع\n_________\n(^١) الأمثال في القرآن (٤٢).\n(^٢) وهى قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾.\n(^٣) بدائع الفوائد (٣/ ١٨).\n(^٤) القول السديد (١٢).","vol":"1","page":270},{"text":"مشيئة اللَّه -﷿-؛ فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة. . . فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه للَّه فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية\" (^١).\nكما أنه مطهر من الذنوب أيضًا بمعنى أن من حقق التوحيد فقد برئ من أنواع المخالفات وهي الشرك والمعاصي والبدع، كالشرك والنفاق والرياء التي وردت في الآثار السابقة، ولا شك أن التوحيد يقاوم المخالفات ويذهبها بحسبه، وفي تمام النص السابق لابن رجب يقول: \"فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى اللَّه محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها، ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات. . . فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات\".\nوهو عُدَّةٌ لأهل الكبائر فقد تواترت النصوص على خروج أهل الكبائر من النار، وعدم خلودهم فيها، وهم تحت المشيئة إما أن لا يدخلوها أصلا وإن\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٨)، وراجع شروح كتاب التوحيد فقد ذكروا جميعا هذه المسألة وفصلوا القول فيها، وهداية الحيارى (١/ ١٣٠)، والمجموع (١٠/ ٣١٧).","vol":"1","page":271},{"text":"دخلوها لم يخلدوا فيها، وسيأتي بيان ذلك في الأسماء والأحكام.\nوهو أيضًا أعظم ما حورب به إبليس كما في توجيه مجاهد لمن لعن إبليس بأنه لا شيء أقطع لظهره من لا إله إلا اللَّه، قال شيخ الإسلام: \"أهل الإخلاص والإيمان لا سلطان له عليهم، ولهذا يهربون من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، ويهربون من قراءة آية الكرسي، وآخر سورة البقرة، وغير ذلك من قوارع القرآن. . . والكهانة كانت ظاهرة كثيرة بأرض العرب، فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين، وبطلت أو قَلَّت ثم إنها تظهر في المواضع التي يختفي فيها أثر التوحيد\" (^١)، قال ابن القيم: \"التوحيد حصن اللَّه الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين\" (^٢).\nولذلك كان أجره عظيما في الآخرة حيث يجزى به العبد أحسن الجزاء كما في سبق في ثالثا، بل حتى في الدنيا كما جاء في أثر ابن واسع من إقبال القلوب عليه، بل الأمر أعم من ذلك كما قال ابن سعدي: \"ومن فضائل التوحيد أن اللَّه تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال\" (^٣).\nوهو كذلك من أعظم أسباب استجابة الدعاء كما في أثر الربيع\n_________\n(^١) النبوات (٢٨٠).\n(^٢) وذلك في معرض بيانه لأسباب الوقاية من الجن والعين والسحر، فعددها عشرة أسباب ثم ختمها بأعظمها وأهمها، بدائع الفوائد (٢/ ٤٧٠).\n(^٣) القول السديد (١٣).","vol":"1","page":272},{"text":"والفضيل وابن إدريس وعبد العزيز بن سليمان، وقد قال شيخ الإسلام: \"لو سأل اللَّه بإيمانه بمحمد، ومحبته له، وطاعته له واتباعه، لكان قد سأله بسبب عظيم، يقتضى إجابة الدعاء، بل هذا أعظم الأسباب والوسائل والنبي بيَّن أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك\" (^١).\nومن هنا كان آخر ما يقوله العبد في الدنيا ويلقن به من أشرف على الموت، هو لا إله إلا اللَّه، كما ورد في النصوص الدالة على التلقين والحث على أن تكون آخر كلمة يقولها المسلم وبيان الأجر العظيم على ذلك.\nأما أثر النضر بن عربي من كون كلمة التوحيد شعار من يبعث من قبره، فهو وإن كان فيه فضل هذه الكلمة لكنه بلاغ ولم أجد ما يعضده، إلا في حديث ضعيف لم يثبت (^٢)، وبقية الفضائل كما قال الشيخ ابن سعدي -بعد تعداد لبعض فضائل التوحيد-: \"وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة\" (^٣) واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٢١٢).\n(^٢) انظر: ضعفاء العقيلي (٤/ ١٩٣)، الكامل في الضعفاء (٦/ ٣٩٥)، مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٩)، وفيض القدير (٤/ ١٦١)، التخويف من النار لابن رجب (١٧٠)، وضعيف الجامع (ص ٤٩٧).\n(^٣) القول السديد (١٣).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المطلب الثاني: الآثار الواردة في الإخلاص وصلاح العمل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>أولا: الآثار الواردة في الإخلاص وأهميته</span>.\n\n١٣٦ - حدثني محمد بن العباس، نا محمد بن عمر بن الكميت الكلاعي، نا أبو إسحاق المقري قال: كان ابن الحنفية (^١) يقول: \"إني واصف لك أخا لي كان أعظم الناس في عيني، وكان الذي عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يضع فيها ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم على الأمر إلا بنيّة\" (^٢).\n\n١٣٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: ثنا سفيان، عن هلال الوزان، قثنا عبد اللَّه بن عكيم قال: كان عمر بن الخطاب -﵁- يقول إذا دخل شهر رمضان: \". . . ليتق أحدكم أن يقول: أصوم إن صام فلان، وأقوم إن قام فلان، من صام أو قام فليجعل ذلك للَّه. . . \" (^٣).\n_________\n(^١) هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم ابن الحنفية المدني، ثقة عالم، مات بعد الثمانين، التقريب (٦١٥٧).\n(^٢) ابن الكميت وشيخه لم أعرفهما، ذم الدنيا (١٠٠) رقم (٢٧٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣١٥) عن الحسن بن علي نحوه بسياق أطول وفي آخره: \"كان إذا ابتداه أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق، نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه\"، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥٣ - ٢٥٤).\n(^٣) إسناده صحيح، فضائل رمضان (٥٩) رقم (٣١)، وعبد الرزاق في المصنف (٤/ ٢٦٦) رقم (٧٧٤٨)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٢٠٨)، وفي فضائل الأوقات =","vol":"1","page":274},{"text":"١٣٨ - حدثني محمد بن بشير، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه (^١) قال: \"أدركتهم يجتهدون في الأعمال، فإذا بلغوها ألقي عليهم الهم والحزن، لا يدرون قبلت منهم أو ردّت عليهم\" (^٢).\n\n١٣٩ - حدثني محمد بن الحسن، حدثني محمد (^٣) بن مالك بن ضيغم، حدثني مولانا أبو أيوب (^٤) قال: قال لي أبو مالك (^٥) يوما: \"يا أبا أيوب، احذر نفسك على نفسك؛ أني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقضي، وأيم اللَّه لئن لم تأت الآخرة والمؤمن بالسرور، لقد اجتمع عليه الأمران: هم الدنيا وشقاء الآخرة، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، وكيف لا تأتيته الآخرة بالسرور؟ وهو ينصب للَّه في دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا أبا أيوب،\n_________\n= (ص ١٨٥) عن علي ثم عن عمر وقال: \"وهذا الذي كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي ﵄ يخطبان به في تنزيه الصيام عن الكذب والباطل واللغو قد روينا معناه عن النبي ﷺ\".\n(^١) هو عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، صدوق عابد ربما وهم، ورمي بالإرجاء، مات سنة (١٥٩ هـ)، التقريب (٣٣٨٧).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٠٨)، محاسبة النفس (١٠٨) رقم (٨٢).\n(^٣) لم أعرفه وأخشى أن يكون مقحما أو مكررا واللَّه أعلم.\n(^٤) أبو أيوب هو مولى ضيغم بن مالك، لم أجد له ترجمة لكنه يذكر في ترجمة ضيغم بالرواية عنه.\n(^٥) هو ضيغم بن مالك العابد، قال ابن مهدى: \"ما رأيت عيناي مثل ضيغم\" الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٠) ولم يذكر في ابنه مالك شيئا (٨/ ٢١١)، وانظر السير (٨/ ٤٢١).","vol":"1","page":275},{"text":"فكيف بالقبول؟ وكيف بالسلامة؟ قال: ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه، قد أصلح همته، قد أصلح عمله، يجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به على وجهه\" (^١).\n\n١٤٠ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن نعيم الموصلي، عن المعافى قال: سمعت سفيان الثوري يقول: \"لوددت أن كلَّ حديث في صدري نُسخ من صدري، فقلت يا أبا عبد اللَّه، هذا العلم الصحيح، وهذه السنة الواضحة، تتمنّى أن ينسخ من صدرك؟ قال: اسكت، أتريد أن أوقف يوم القيامة حتى أسأل عن كل مجلس جلسته، وعن كل حديث حدثته: أي شيء أردت به؟ \" (^٢).\n_________\n(^١) فيه من لم أعرفه؛ محاسبة النفس (١٠٨) رقم (٨١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٣٦٠).\n(^٢) فيه محمد بن نعيم الموصلي لم أجد له ترجمة، ولعله محمد بن علي صُحِّف إلى نعيم، وهو ابن أبي خداش فهو يروي عن المعافى بن عمران وكان من أهل الفضل والجهاد والصلاح انظر خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (١/ ٣٥٢)، المتمنين (٦٦) رقم (١٠٥)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (١١٩)، وقال: \"فقد بين سفيان في هذا الحديث المعنى الذي لأجله خاف على نفسه، وقد قيل: إنما خاف سفيان على نفسه من الحديث وتمنى أنه لم يكن دخل فيه؛ لأن حب الإسناد وشهوة الرواية غالبا على قلبه حتى كان يحدث عن الضعفاء ومن لا يحتج بروايته، فمن اشتهر منهم باسمه ذكر كنيته تدليسا للرواية عنه، فخاف على نفسه من هذا الفعل، وقد كره التدليس والرواية عن الضعفاء جماعة من أئمة العلماء\"، وذكره الذهبي في السير (٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦) وقال: \"قال يحيى القطان: كان الثوري قد غلبت عليه =","vol":"1","page":276},{"text":"١٤١ - حدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن كردوس، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أبي بكر بن الفضل قال: سمعت أيوب (^١) يقول: \"ما صدق اللَّه عبدٌ إلا سرّه أن لا يشعر بمكانه\" (^٢).\n\n١٤٢ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث، عن فضيل بن عياض قال: سمعته يقول: \"خير العمل أخفاه، أمنعه من الشيطان، وأبعده من الرياء\" (^٣).\n\n١٤٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم قال: \"كان أبو وائل (^٤) إذا خلا بكى، فسمعته يقول: رب ارحمني،\n_________\n= شهوة الحديث ما أخاف عليه إلا من حبة للحديث، قلت (الذهبي): حُبٌّ ذات الحديث والعملُ به للَّه مطلوبٌ، من زاد المعاد، وحب روايته وعواليه والتكثّر بمعرفته مذمومٌ مخوفٌ فهو الذي خاف منه سفيان والقطان وأهل المراقبة؛ فإن كثيرا من ذلك وبال على المحدث\"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^١) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السَّختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، مات سنة (١٣١ هـ) وله خمس وستون، التقريب (٦٠٥).\n(^٢) إسناده لين، أحمد بن كردوس لم أعرفه، التواضع والخمول (١١٨) رقم (٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦) من قول إبراهيم بن أدهم، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٤٩).\n(^٣) إسناده حسن، وقد سبق (٢٣٣) بيان حكم رواية إبراهيم بن الأشعث عن شيخه الفضيل ابن عياض، الإخلاص والنية (٥٦) رقم (٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٥١) رقم (٦٨٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٤٠٤)، والسلمي في طبقات الصوفية (١/ ٢٦) جميعهم عن إبراهيم بن الأشعث به.\n(^٤) هو شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن =","vol":"1","page":277},{"text":"رب اعف عني، رب إن تعف عني تعف طَوْلًا (^١) من قِبَلِك، وإن تعذبني تعذبني غير ظالم ولا مسبوق، قال: ثم يجيش بالبكاء كأشدّ نشيج الثكلى، ولو جعلت له الدنيا على أن يبكي، وأحد يراه، لم يفعل\" (^٢).\n\n١٤٤ - حدثنا أبو محمد القاسم بن هشام السمسار، حدثنا الحسن ابن قتيبة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عليّ قال: قال عليّ بن أبي طالب: \"من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه يوم القيامة، ومن كان باطنه خير من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة\" (^٣).\n\n١٤٥ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني المحاربي، عن سفيان، عن زبيد (^٤) قال: \"من كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل،\n_________\n= عبد العزيز، وله مائة سنة، التقريب (٢٨١٦).\n(^١) الطَّوْلُ بالفتح المَنُّ، يقال: طالَ عليه من باب قال، وتَطَوَّلَ عليه أي: امتن عليه، مختار الصحاح (٤٠٣).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يتشيع كما سيأتي (٨٩٥)، الإخلاص والنية (٥٨) رقم (٣٢)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٧٠)، والذهبي في السير (٤/ ١٦٥)، بألفاظ متقاربة.\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه الحسن بن قتيبة، ذكره العقيلي في الضعفاء وقال: \"كثير الوهم\" (١/ ٢٤١)، وانظر لسان الميزان (٢/ ٢٤٦)، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن، الإخلاص والنية (٥٢) رقم (٢٣)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٤١٩) ونسبه للمصنف.\n(^٤) هو زُبَيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة ثبت عابد، مات سنة (١٢٢ هـ) أو بعده، التقريب (١٩٨٩).","vol":"1","page":278},{"text":"ومن كانت سريرته مثل علانيته فذلك النَّصَف (^١)، ومن كانت سريرته دون علانيته فذلك الجور\" (^٢).\n\n١٤٦ - حدثنا أبو جعفر الكندي، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي واقد، عن أبيه قال: قال عليّ بن أبي طالب: \"كونوا لقبول العمل أشدَّ هما منكم بالعمل، ألم تسمعوا اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٣) \" (^٤).\n\n١٤٧ - حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس (^٥) قال: \"علامة الدين الإخلاص للَّه،\n_________\n(^١) أي الوسط، انظر القاموس المحيط (١/ ١١٠٧).\n(^٢) إسناده حسن، والمحاربي لا بأس به ويدلس كما سيأتي (١٧٩)، لكن تابعه أبو سفيان -وهو ثقة التقريب (٥٨٧٢) - من طريق البيهقي، الإخلاص والنية (٥٣) رقم (٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٠) عن سفيان كان يقال، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦٧) رقم (٦٩٨٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٧٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) سورة المائدة، من الآية (٢٧).\n(^٤) فيه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي واقد وأبوه، لم أجدهما، ولعل في الإسناد تصحيفا من رواد إلى واقد كما استظهره المحقق واللَّه أعلم، وطريق أبي نعيم فيها يوسف بن أبي زياد وهو منكر الحديث كما في الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٢)، الكنى والأسماء لمسلم (١/ ٤٩٤)، الإخلاص والنية (٣٩) رقم (١٠)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣٨٨).\n(^٥) هو الربيع بن أنس البكري أو الحنفي، بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام، =","vol":"1","page":279},{"text":"وعلامة العلم خشية اللَّه\" (^١).\n\n١٤٨ - حدثني سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عطاء بن السائب قال: بلغني أن عليّ بن أبي طالب قال: \"العمل الصالح: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا اللَّه\" (^٢).\n\n١٤٩ - حدثني يعقوب بن إسماعيل، أخبرنا حبّان بن موسى، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني ابن غُزيّة، عن حمزة من بعض ولد ابن مسعود (^٣) قال: \"طوبى لمن أخلص عبادته ودعاءه للَّه، ولم يُشغل قلبَه ما تراه عيناه، ولم ينسه ذكرَه ما تسمع أذناه، ولم يحزن نفسَه ما أُعطِي غيرُه\" (^٤).\n\n١٥٠ - حدثنا ابن جميل، أنا عبد اللَّه، نا حيوة بن شريح، أخبرني\n_________\n= ورمي بالتشيع، مات سنة (١٤٠ هـ) أو قبلها، التقريب (١٨٨٢).\n(^١) إسناده لين، فيه أبو جعفر الرازي صدوق سيء الحفظ التقريب (٨٠٧٧)، الإخلاص والنية (٣٣) رقم (٣).\n(^٢) إسناده منقطع، الإخلاص والنية (٣٥) رقم (٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٨٢).\n(^٣) هو حمزة بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، وثقه بن حبان، من متقني أهل الكوفة، وكان من أفاضل الكوفيين، وخيار مشايخهم، مشاهير علماء الأمصار (١١٠)، تعجيل المنفعة (١/ ١٠٤).\n(^٤) إسناده حسن، ابن لهيعة روايته من طريق ابن المبارك وهي أعدل من غيرهما وابن غزية لا بأس به، التقريب (٣٥٨٧)، (٤٨٩٢)، الإخلاص والنية (٣٦) رقم (٧)، وابن المبارك في الزهد برقم (١٩).","vol":"1","page":280},{"text":"عقيل، عن ابن شهاب: أن أم سلمة (^١) زوج النبي -ﷺ- قالت: \"إني لأهدي الهدية على ثلاث، هدية مكافأة؛ فإنا لا نحب أن يفضلنا أحد، ومن أهدى بقدر ما يجد فقد كافأ، وهدية أريد بها وجه اللَّه -﷿-، لا أريد بها جزاءً ولا شكورا، وهدية أريد بها اتقاءً؛ فإني لا أحب أن يقال فيَّ إلا خير\" (^٢).\n\n١٥١ - حدثني محمد بن الحسين، قال: أنشدني إبراهيم بن داود بن شداد (^٣) قوله:\nالمرء يزري بِلُبِّه طمعه ... والدهر قَدَرٌ كثيرةٌ خِدعه\nوالناس إخوانُ كلّ ذي نشد ... قد خاب عبدٌ إليهم ضرعه\nوالمرء إن كان عاقلا ورعا ... أخرسه عن عيوبهم ورعه\n_________\n(^١) هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم المخزومية، أم سلمة أم المؤمنين، تزوجها النبي -ﷺ- بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاثٍ، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، وهي آخر أمهات المؤمنين موتا، ماتت في إمارة يزيد سنة (٦٢ هـ) وقيل غير ذلك، الكاشف (٢/ ٥١٩)، الإصابة (٨/ ١٥٠)، التقريب (٨٦٩٤).\n(^٢) إسناده حسن إلى الزهري، وعقيل هو بن خالد ثقة ثبت، التقريب (٤٦٩٩)، وهو من أثبت الناس في الزهري كما في تهذيب الكمال (٥/ ٢٠٥)، مكارم الأخلاق (٨٨) رقم (٣٦٣)، وأورده الديلمي في مسند الفردوس (٤/ ٣٤٩) من قول عائشة ﵂.\n(^٣) لم أجد له ترجمة، وشيخ المصنف هو البرجلاني في درجة الصدوق انظر لسان الميزان (٥/ ١٣٧).","vol":"1","page":281},{"text":"كما المريض السقيم يشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه (^١)\n\n١٥٢ - حدثنا أبو عبد اللَّه العجلي حسين بن علي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا يزيد بن سنان عن من حدثه قال: قال عمر بن الخطاب لجلسائه: \"ما الذي نقيم به وجوهنا عند اللَّه يوم القيامة؟ فقال بعض القوم: الصلاة، فقال عمر: قد يصلي البر والفاجر، قالوا: الصيام، قال عمر: قد يصوم البر والفاجر، قالوا: الصدقة، قال عمر: قد يتصدق البر والفاجر، قالوا: الحج، قال عمر: قد يحج البر والفاجر، قال عمر: الذي نقيم به وجوهنا عند اللَّه أداء ما افترض علينا، وتحريم ما حرم علينا، وحسن النية فيما عند اللَّه\" (^٢).\n\n١٥٣ - حدثنا أبو كريب، حدثنا خالد بن حيان، حدثنا عيسى بن كثير الأسدي الرَّقِّي قال: مشيت مع ميمون بن مهران (^٣)، حتى أتى باب داره، ومعه ابنه عمرو، فلما أردت الانصراف قال له عمرو: يا أبت ألا\n_________\n(^١) إسناده إلى صاحب الأبيات حسن، ولم أجد له ترجمة، الورع (١٢٣) رقم (٢١٨)، والبيتين الأخيرين منها في ديوان الشافعي (٩٠).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه إبهام شيخ يزيد وكلام في يزيد وشيخ المصنف، الورع (١٠٩) رقم (١٧٥) ونحوه رقم (١٨)، رقم (٢١٤)، وانظر جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٥).\n(^٣) هو ميمون بن مهران الجزري، أبو أيوب أصله كوفي نزل الرقة وكان عالمها، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل، مات سنة (١١٧ هـ)، الكاشف (٢/ ٣١٢)، التقريب (٧٠٤٩).","vol":"1","page":282},{"text":"تعرض عليه العشاء؟ قال: \"ليس ذلك من نيتي\" (^١).\n\n١٥٤ - حدثني علي بن أبي مريم، عن الحميدي قال: سمعت سفيان قال: قال الأعمش (^٢): \"لقد أدركت قوما لو لم يتركوا الكذب إلا حياء لتركوه\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده لين؛ فيه عيسى بن كثير الأسدي، لم أجد له ترجمة، إلا أنه ورد ضمن شيوخ خالد بن حيان، انظر تهذيب الكمال (٢/ ٣٣٩).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٤٧) رقم (٥٠٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٩٤ - ١٩٥)، وانظر في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ٣١٥) فقد ذكر آثارا في معالجة السلف لنيتهم واهتمامهم بها.\n(^٢) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءات، ورع لكنه يدلس، مات سنة (١٤٧ هـ) أو التي بعدها، الكاشف (١/ ١٤٦)، التقريب (٢٦١٥).\n(^٣) فيه علي بن الحسن بن أبي مريم، روى عنه المصنف في عدة مواضع من كتبه منها الأمر بالمعروف على سبيل المثال رقم (٤٦)، والورع رقم (١٨٥)، وقد استظهر الدكتور نجم عبد الرحمن خلف كونه (علي بن الحسن بن أبي مريم: والد الحكيم الترمذي) بناء على أن المزي ذكره باسم علي بن الحسن بن أبي مريم فيما رواه من طريق ابن أبي الدنيا، ثم عرفه في موضع آخر في ترجمة عثمان بن زفر التيمي وترجمة مطرف بن عبد اللَّه بأنه علي بن الحسن بن أبي مريم والد الحكيم الترمذي، قلت: وهذا الذي توصل إليه يشكل عليه أن المزي نفسه في ترجمة ثابت بن محمد الشيباني من تهذيب الكمال فرّق بينهما فقال: روى عنه: . . . علي بن الحسن والد الحكيم الترمذي، وعلي بن الحسن ابن أبي مريم، وكذا في ترجمة عبد بن نافع بن ثابت، وعمرو بن حماد، وهناك شخص في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ١٣٨) في طبقة شيوخ ابن أبي الدنيا =","vol":"1","page":283},{"text":"١٥٥ - حدثنا هارون بن سفيان، حدثنا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: سمعت ابن السَّمَّاك (^١) يقول: \"ما أراني أُوجَر على تركي الكذب؛ لأني إنما أدعه أَنَفَةً\" (^٢).\n_________\n= اسمه: علي بن بشر بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مريم الأموي توفي سنة (٢٣١ هـ)، وقد ذكروا من شيوخه زيد بن الحباب، وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت رقم (٥١) عن ابن أبي مريم عن زيد بن الحباب، فاللَّه أعلم هل يمكن أن يكون هو ولم ينسب إلى أبيه بل إلى جدّه، وإن كان الغالب في التراجم ذكر النسبة كاملة، لكن علي بن الحسن هذا قد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات رقم (٣٠٦) ما يشعر بتقوية أمره حيث قال: سمعت محمد بن الحسين يحدث بهذا الحديث، فلم أحفظه، فحدثني علي بن أبي مريم عنه. . . \"، كما أن الدكتور نجم خلف، درس جملة من شيوخه فوجد الغالب عليهم أنهم ثقات فلعل مجموع هذا يجعل الرجل ممن تقبل رواياته.\nالصمت وآداب اللسان (٢٥٨ - ٥٥٩) رقم (٥٤٤)، وعزاه الزبيدي (٧/ ٥٢٢) إلى المصنف.\n(^١) هو محمد بن صبيح بن السماك الواعظ المشهور، قدم بغداد زمن الرشيد، وكان صدوقا، وذكر له الخطيب حكايات مع الرشيد، مات سنة (١٨٣ هـ)، تعجيل المنفعة (٣٦٤).\n(^٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف هارون بن سفيان هو ابن بشير أبو سفيان المستملي، كان مستملي يزيد بن هارون، ويعرف بالديك، ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٢٥)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، والذهبي في المقتنى (٢/ ١٠٥)، وابن مفلح في المقصد الأرشد (٣/ ٧٢) وقال عنه: \"نقل عن إمامنا أشياء\"، والبغدادي في تكملة الإكمال (٢/ ٥٨٤)، ونقل الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٣٣) عن الدارقطني =","vol":"1","page":284},{"text":"١٥٦ - نا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن ليث، عن أبي العالية (^١) قال: اجتمع إليّ أصحاب محمد فقالوا: \"يا أبا العالية لا تعمل عملا تريد به غير اللَّه فيجعل اللَّه ثوابك على ما أردت، قال: واجتمع إلى أصحاب محمد فقالوا: يا أبا العالية لا تتكِّلنَّ على غير اللَّه فيكلك اللَّه إلى من اتَّكلتَ عليه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>ثانيا: الآثار الواردة في صلاح العمل</span>.\n\n١٥٧ - حدثنا محمد بن علي بن شقيق، حدثنا إبراهيم بن الأشعث،\n_________\n= في سند فيه هارون بن سفيان هذا: \"ورجاله كلهم ثقات\"، وفات الهيثمي ذلك فقال في مجمع الزوائد (٢/ ٨٦): \"لم أجد من ذكره\"، وباقى رجاله ثقات.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٥٩) رقم (٥٤٥)، ونسبه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٢١) إلى المصنف، وأبي نعيم في الحلية، ولم أجده فيها إلا عن إبراهيم بن أدهم مثله في تركه لبعض الطيبات لأنه لا يشتهيها فخشي أن لا يؤجر على تركها (٨/ ٢٢)، وانظر السير (١٠/ ٢٧٩).\n(^١) هو رُفَيْع بن مهران أبو العالية الرِّياحي، ثقة كثير الإرسال، مات (٩٠ هـ) وقيل غير ذلك، الكاشف (١/ ٣٩٧)، التقريب (١٩٥٣).\n(^٢) إسناده لين، مداره على ليث قد سبق الكلام فيه (٤٩)، كتاب التوكل (٧٢) رقم (٣٨)، وأحمد في الزهد (٤٤)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٦) رقم (٨٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٢٠) مختصرا من طريق ليث عن عثمان عن أبي العالية بذكر الواسطة، وعثمان هذا هو الطويل قال فيه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١٧٣): \"شيخ\"، وأورده ابن حبان في الثقات (٥/ ١٥٧) وقال: \"ربما أخطأ\".","vol":"1","page":285},{"text":"عن فضيل بن عياض: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^١) قال: \"أخلصه وأصوبه، قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: إذا كان للَّه، والصواب: إذا كان على السنة\" (^٢).\n\n١٥٨ - حدثنا داود بن محمد: أنه سمع أبا عبد (^٣) النِّباحي (^٤) يقول: \"خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة اللَّه، ومعرفةُ الحق، وإخلاص العمل للَّه، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل؛ وذلك أنك إذا عرفت اللَّه ولم تعرف الحق لم تنتفع، وإذا عرفت الحق ولم تعرف اللَّه لم تنتفع، وإن عرفت اللَّه وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت اللَّه وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمّت الأربعة\n_________\n(^١) سورة الملك، من الآية (٢).\n(^٢) إسناده حسن، الإخلاص والنية (٥٠) رقم (٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٩٥)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٣).\n(^٣) كذا وهو أبو عبد اللَّه النباجي الزاهد، وقد ورد كاملا في تاريخ دمشق من طريق المصنف كما سيأتي.\n(^٤) هو سعيد بن بريد التميمي الصوفي، أبو عبد اللَّه النباجي الزاهد، توفي في حدود (٢٢٠ هـ)، تاريخ الإسلام (١/ ١٦١٩)، الوافي بالوفيات (١/ ٢٠٦٢)، وله ترجمة مطولة في حلية الأولياء (٩/ ٣١٠).","vol":"1","page":286},{"text":"ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع (^١) \" (^٢).\n\n١٥٩ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، أنبأنا سفيان، عن أبي حيان، عن أبي الزِّنباع، عن أبي الدهقان قال: صحب الأحنفَ بن قيس (^٣) ﵀ رجلٌ فقال: ألا تميل فنحملك ونفعل؟ قال: لعلك من العَرَّاضين؟ قال: وما العَرَّاضون؟ قال: الذين يحبون أن يحمدوا ولا يفعلوا، قال: يا أبا بحر ما عرَّضت عليك حتى قال: \"يا ابن أخي إذا عرض لك الحق فاقصد له، والْهُ عما سواه\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر تعليق ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٠ - ١٠٧) على اشتراط الأكل من الحلال لقبول الأعمال.\n(^٢) فيه شيخ المصنف، لم أقف له على ترجمة، الإخلاص والنية (٣٢) رقم (٢)، ومن طريقه الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ١٦١٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٨)، وكذلك ابن أبي جرادة في بغية الطلب (٩/ ٤٢٨٧)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٠١).\n(^٣) هو الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي السعدي، مخضرم ثقة، وكان سيدا نبيلا، قيل مات سنة (٦٥٧ هـ)، وقيل سنة (٧٢ هـ)، الكاشف (١/ ٢٢٩)، التقريب (٢٨٨).\n(^٤) إسناده صحيح إلى أبي الدهقان.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٤٧) رقم (٥٠٤)، أخرجه ابن المبارك (١٤٠١)، وأحمد (٢٣٥) كلاهما في الزهد لهما، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٦١) رقم (٣٤٩٨١)، ولم يذكر أحمد أبا الدهقان في روايته، وأبو الزنباع هو صدقة بن صالح روى البخاري في التاريخ (٤/ ٤٢٨) رقم (١٨٨٧) عن ابن معين أنه قال: =","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان أهمية أمرين اثنين هما شرطا قبول العمل، وهما تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فإن الآثار السابقة تفيد أهمية الإخلاص في العبادة وهو الشطر الأول من الشهادة، وأهمية الاتباع في صلاح العمل وهو الشطر الثاني منها، وحرص السلف على ذلك، وعلى هذا مدار الإسلام كما قال شيخ الإسلام: \"الإسلام مبني على أصلين: أن لا تعبد إلا اللَّه، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع؛ فالنصارى خرجوا عن الأصلين، وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم\" (^١)، وقال: \"وهو حقيقة قول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه؛ فإن الإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة، ومحبة وتعظيما، وخوفا ورجاء، وإجلالا وإكراما، وهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا اللَّه، ولا يدعى إلا اللَّه، ولا يخاف إلا اللَّه، ولا يطاع إلا اللَّه، والرسول هو المبلغ عن اللَّه طاعته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، فهو واسطة بين اللَّه وبين\n_________\n= \"كوفي ثقة\"، أما أبو الدهقان فقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٦٨)، وكذلك البخاري في التاريخ جزء الكنى (٨/ ٢٨) رقم (٢٤٤) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وإنما ذكرا أنه يروي عنه أبو الزنباع.\n(^١) منهاج السنة (١/ ٤٨١).","vol":"1","page":288},{"text":"خلقه في تبليغ أمره وفيه ووعده ووعيده\" (^١).\nولذلك حرص السلف كما ورد في الآثار السابقة على جعل الأعمال كلها خالصة للَّه مرادا بها وجهه، ولا يقدمون على عمل حتى يستحضروا النية فيه، ومن هنا كان همهم شديدا لقبول أعمالهم، ولما كان ظهور العمل مظنة الرياء حرصوا على إخفائه، وفضلوا عمل السر على عمل العلانية، واهتموا بإصلاح البواطن والسرائر؛ لأن ذلك يثمر صلاح الظاهر والعلنية، ويرجح الميزان يوم القيامة، قال شيخ الإسلام: \"من صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس\" (^٢)، حتى إن بعض الأعمال التي يتركونها أنفة وحياء يخافون من عدم قبولها؛ لكان الإخلاص وأهميته، ويتركون أعمالا أخرى حتى يستحضروا النية فيها، ولا يفعلونها لمجرد جريان العادة، قال شيخ الإسلام: \"العمل المجرد عن النية لا يثاب عليه؛ فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة أن من عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص للَّه لم يقبل منه\" (^٣).\nثم الآثار التي وردت في أهمية التابعة مع الإخلاص فيها بيان واضح أن هذين الأمرين لا بد من اجتماعهما ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، فإن أثر الفضيل المشهور في بيان اشتراط الاتباع والإخلاص في العمل،\n_________\n(^١) الرد على البكري (١/ ١٤١)، وانظر المجموع (١/ ٨٠).\n(^٢) المجموع (٧/ ٩).\n(^٣) المجموع (٢٢/ ٢٤٣).","vol":"1","page":289},{"text":"وأثر النباحي في بيان ما يرتفع به العمل إلى اللَّه، وأنه إذا اختل شرط الإخلاص أو المتابعة، لم يرتفع العمل، وقد بيّن ابن القيم ﵀ التلازم الوارد بين كلمة التوحيد والأعمال الصالحة وارتفاعها إلى اللَّه ومن ثَمَّ قبولها فقال: \"الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا اللَّه، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي للَّه -﷿- ثمرة هذا الكلمة. . . وهذه الكلمة الطيبة تثمر كثيرا طيبا كلما يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^١)، فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها كل وقت عملا صالحا\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة فاطر، من الآية (١٠).\n(^٢) الأمثال في القرآن الكريم (٣٦).","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الثالث: الآثار الواردة في الدعاء</span>.\nإن الدعاء من أهم مباحث التوحيد، كيف لا وقد حصر النبي -ﷺ- العبادة فيه فقال: \"الدعاء هو العبادة\"، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (^١) فسماه ﷾ عبادة (^٢)، ولما كان هذا شأن الدعاء فقد وردت عدة آثار في كتب ابن أبي الدنيا تتحدث عن مسألة من المسائل المتعلقة به، وقد قسمتها في العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>أولا: الآثار الواردة في أسباب الإجابة</span>.\n\n١٦٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان الحلبي، حدثنا سرّار العنزي قال: سمعت عبد الواحد بن زيد (^٣) قال: \"الإجابة مقرونة بالإخلاص، لا فرقة بينهما\" (^٤).\n\n١٦١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية (٦٠).\n(^٢) انظر تخريجه في أحكام الجنائز (ص ١٩٤) رقم (١٢٤).\n(^٣) هو عبد الواحد بن زيد البصري الزاهد شيخ الصوفية، له أخبار كثيرة في الزهد والوعظ، لكنه كان ضعيف الحديث ورمي بالقدر، تعجيل المنفعة (١/ ٢٦٦).\n(^٤) إسناده حسن، وقد سبق الكلام في شيخ المصنف (١٥١)، الإخلاص والنية (٣٧) رقم (٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٦٢).","vol":"1","page":291},{"text":"ابن جرير قال: \"حُبس ابن أخٍ لمطرف بن عبد اللَّه (^١)، فلبس خُلقان ثيابه، وأخذ عكّازة بيده، فقيل: ما هذا؟ قال: أستكين لربي، لعله أن يشفّعني في ابن أخي\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>ثانيا: الآثار الواردة في إنزال كل الحوائج باللَّه -﷿- وحده</span>.\n\n١٦٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا الحجاج بن نصير، حدثني سهيل أخو حزم القُطَعي، حدثنا رجاء بن مسلم العبدي قال: \"كنا نكون مع عَجَرَّدَة العمية (^٣) في الدار، قال: فكانت تحيي الليل صلاة، قال: وربما\n_________\n(^١) هو مطرف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير العامري الحَرَشي، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة عابد فاضل، مات سنة (١٩٥)، التقريب (٦٧٠٦).\n(^٢) إسناده حسن، وشيخ المصنف تابعه عفان بن مسلم وهو ثقة، التقريب (٤٦٥٩)، مجابو الدعوة (١١٦) رقم (٩١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٣٢٥) وذكر له طرقا أخرى أيضًا، وذكره الذهبي في السير (٤/ ١٩٥)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٥).\n(^٣) ترجمتها في طبقات الصوفية (١/ ٣٩٨)، وقال عنها: \"من أهل البصرة من أرباب المجاهدات، ذكر سيار عن جعفر بن سليمان قال: سمعت نساءنا أمي أو غيرها تقول: لم تفطر عجردة العمية ستين سنة، ولم تنم بالليل إلا هدوه، وكانت إذا صحت (لعلها أصبحت) قالت: أوه قطع بنا النهار عن مناجاة سيدنا وردنا إلى ما نستحقه من كلام المخلوقين سماعا وقولا\"، وذكرها ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٦)، وعبد الحق الإشبيلي في كتاب التهجد (ص ٢١٧) بقوله: \"وكانت عجردة من العابدات، وكانت تحيي الليل كله، وكانت عمياء\"، قلت: ولذلك فقد تذكر بلقب العابدة بدل العمياء أو العمية كما عند الإشبيلي (ص ٢٤٨) رقم =","vol":"1","page":292},{"text":"كانت تقوم من أول الليل إلى السحر، فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالي بتبكير الدُّلج إلى ظلم الأسحار، يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أكرم الكرماء وأرحم الرحماء وأعظم العظماء، ثم تخر ساجدة يُسمع وجبة سقوطها، فلا تزال تبكي وتدعو في سجودها حتى يطلع الفجر، وكان ذلك دأبها ثلاثين سنة\" (^١).\n\n١٦٣ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا أبو الوليد الكلبي، حدثني سعيد بن صدقة أبو مهلهل قال: قال لي سفيان الثوري: \"عليك بالاستغناء عن جميع الناس، وارغب إلى اللَّه -﷿- في حوائجك، وافزع إليه فيما ينوبك، وليكن همُّك مرمةَ جهازك\" (^٢).\n_________\n= (١٢٥٥) وليس ذلك تصحيفا كما قد يتبادر إلى الذهن.\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه الحجاج بن نصير ضعيف كان يقبل التلقين التقريب (١١٤٨)، التهجد (١٥١) رقم (٤٥)، والمروزي في قيام الليل (المختصر ص ٨٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٦)، وعبد الحق الإشبيلي في كتاب التهجد (ص ٢١٧) رقم (١٠٨٩).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، وأبو الوليد الكلبي ثقة أفحش ابن حبان القول فيه ولم يأت بدليل التقريب (٢٧٠٩)، إصلاح المال (١٣١) رقم (٥٠٢)، وأحمد في الورع (١٩٥) وفيه قصة طويلة في سبب هذا القول، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٧) من طريق المصنف مطولا كذلك.","vol":"1","page":293},{"text":"١٦٤ - حدثني محمد بن الحسن قال: حدثني أبو الوليد عيّاش بن عاصم الكلبي قال: حدثني سعيد بن صدقة أبو مهلهل قال: \"أخذ بيدي سفيان الثوري ﵀، فأخرجني إلى الجبّان، فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس، فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل، فليكن همّك مرمّة جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى اللَّه -﷿- في حوائجك لديه، وافرغ إليه فيما ينوء بك، وعليك بالاستغناء عن جميع الناس، فارفع حوائجك إلى من لا تعظم الحوائج عنده، فواللَّه ما أعلم اليوم بالكوفة أحدا لو فزعت إليه في قرض عشرة دراهم فأقرضني لم يكتمها حتى يذهب ويجيء ويقول: جاءني سفيان فاستقرضني فأقرضته\" (^١).\n\n١٦٥ - حدثني قاسم بن هاشم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبيد اللَّه بن سهل (^٢) العدني (^٣)، حدثني عقبة بن أبي جسرة، عن محمد بن\n_________\n(^١) إسناده لين؛ أبو المهلهل لم أجده إلا عند ابن حبان (٢٦٢) وقال: \"يروى عن سفيان الثوري أنه قال: يا أبا مهلهل إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل\"، وقد وقع تصحيف في اسم عاصم بن عياش في مصادر التخريج فاللَّه أعلم، العزلة والانفراد (٦٧ - ٦٨) رقم (٣١)، وأحمد في الورع (١٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٧)، وأورده الذهبي في مناقب الإمام الأعظم سفيان الثوري (ص ٤٠).\n(^٢) كذا ورد في المطبوع وهو كذلك في المخطوط وهو تصحيف والصواب \"سهيل\" كما في مصادر ترجمته.\n(^٣) كذا أورده المحقق محمد خير رمضان، وذكر أنها في المخطوط، \"العداني\" وأن الناسخ =","vol":"1","page":294},{"text":"سيرين (^١) قال: \"ما تمنّيت شيئا قط، قلنا له: وكيف ذلك؟ قال: إذا عرض لي شيء من ذاك سألته ربي\" (^٢).\n\n١٦٦ - حدثني العلاء بن مسلمة التميمي، حدثني عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد (^٣): \"أن أخا له ركب في البحر، فقام في بعض الليل ليتوضّأ، فزلّت رجله، فوقع في البحر، فجاءت موجة،\n_________\n= شطب على الألف، ثم استظهر أنها \"الحداني\"؛ فإن اثنين بهذه النسبة يرويان عن مسلم بن يسار كما قال، قلت: والذي يظهر لي أنه الغداني، أورده ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٠٤) وقال عنه: \"ربما أخطأ\"، ولم يذكر فيه البخاري جرحا ولا تعديلا (٥/ ٣٨٤)، ولا ابن أبي حاتم (٥/ ٣١٨)، وهو من شيوخ ابن أبي شيبة روي عنه في المصنف انظر (٢/ ٢٩٦) رقم (٩١٧١)، بل هو مشهور بهذه النسبة انظر التاريخ الكبير (٦/ ٤٤٠) حيث ذكره بنسبته فقط فيمن روى عن عقبة بن أبي جسرة ولم يسمه، أما الشطب الذي ذكره في المخطوط \"١٢٦ أ\" فليس بشطب بل هو فتحة على الدال، وقبلها شرطة على العين إشارة إلى إعجامها لتكون غينا، فإن من عادة الناسخ أن يفعل ذلك، كما فعل بعدها في ابن سيرين وأبي جسرة وغيرهما واللَّه أعلم.\n(^١) هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، مات (١١٧ هـ)، التقريب (٥٩٤٧).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق تاريخ بغداد (١٢/ ٤٢٩)، وعقبة بن أبي جسرة أورده ابن شاهين في الثقات (١٧٣)، ووثقه ابن معين كما في الجرح والتعديل (٦/ ٣٠٩)، المتمنين (٤٧) رقم (٦٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٠٢).\n(^٣) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، مات سنة (١٧٥ هـ) التقريب (٥٦٨٤).","vol":"1","page":295},{"text":"فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته، فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فجاءت موجة فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فجاءت موجة فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فأجيب: لبيك وسعديك، ها أنا ذا قد جئتك، فإذا آت قد جاء، فاحتمله حتى وضعه في المركب\" (^١).\n\n١٦٧ - حدثني سويد بن سعيد، حدثني خالد بن عبد اللَّه اليمامي قال: \"استودع محمد بن المنكدر وديعة، فاحتاج إليها، فأنفقها، فجاء صاحبها يطلبها فقام فتوضّأ وصلى، ثم دعا فقال: يا سادّ الهواء بالسماء، ويا كابس الأرض على الماء، ويا واحدا قبل كل أحد كان، ويا واحدا بعد كل أحد يكون، أدِّ عني أمانتي، فسمع قائلا يقول: خذ هذه، فأدِّها عن أمانتك، وأقصر في الخطبة، فإنك لن تراني\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، شيخ المصنف متروك ورماه ابن حبان بالوضع، التقريب (٥٢٩١)، مجابو الدعوة (١٣٠ - ١٣١) رقم (١١٤).\n(^٢) إسناده ضعيف، شيخ المصنف صدوق في نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه فأفحش فيه ابن معين القول، التقريب (٢٧٠٥)، والقصة صحيحة بطرقها، مجابو الدعوة (٩٨) رقم (٦٦)، الهواتف رقم (١٢٢)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٨٩) رقم (١٢٤) وسنده ممسوح كما أفاد المحقق، وابن عساكر في تاريخ دمشق من عدة طرق (٥٦/ ٥٩ - ٦١)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٣٦٠) ثم نقل قول الواقدي: \"فأصحابنا يتحدثون أن الذي وضعها عامر بن عبد اللَّه بن =","vol":"1","page":296},{"text":"١٦٨ - قال رجل من قريش:\nحلبنا الدهر أشطره ومرت ... بنا عقب الشدائد والرخاء\nفلم نأسف على دنيا تولت ... ولم نفزع إلى غير الدعاء\nهي الأيام تكلمنا وتأسو ... وتأتيتا السعادة والشقاء (^١)\n\n١٦٩ - حدثنا عمر بن شبَّة، حدثني محدِّث، عن أمية، عن خالد، عن وضاح بن خيثمة قال: \"أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، قال: فواللَّه إني لبإفريقية قيل لي: قدم يزيد بن أبي مسلم، فهربت منه، فأرسل في طلبي فأخذت، فأتي بي فقال لي وضاح؟ قلت: وضاح، قال: أما واللَّه لطالما سألت اللَّه أن يمكنني منك، قلت: أنا واللَّه لطالما استعذت باللَّه من شَرِّك، قال: فواللَّه ما أعاذك اللَّه، واللَّه لأقتلنّك، ثم واللَّه لأقتلنّك، ثم واللَّه لأقتلنّك، لو سابقني ملك الموت إلى قبض روحك لسبقته، عليّ بالسيف والنطع، فجيء\n_________\n= الزبير كان كثيرا ما يفعل مثل هذا\"، وساق ابن عساكر روايات تؤكد ذلك حيث وفي إحداها فائدة عظيمة تفيد حرص السلف على سلامة المعتقد وخشية الافتتان؛ حيث قال عامر: \"فسمع عامر دعاءه فانصرف إلى منزله فصرَّ خمسمائة دينار، ثم جاء بها فوضعها بين يدي محمد بن المنكدر، ومحمد مشغول بالصلاة والدعاء لا يشعر، فانصرف محمد من صلاته فرآها بين يديه فأخذها، قال عامر: فخشيت أن يفتتن بها، فذكرت له أني وضعتها، وأخبرته بما خفت عليه من الفتنة\".\n(^١) الفرج بعد الشدة (٩٠) رقم (٩٦).","vol":"1","page":297},{"text":"بالنِّطْع (^١) فأقعدت فيه، وكتفت وقام قائم على رأسي بسيف مشهور، وأقيمت الصلاة فخرج إلى الصلاة، فلما خرّ ساجدا أخذته سيوف الجند فقتل، فجاءني رجل فقطع كتافي بسيفه ثم قال: انطلق\" (^٢).\n\n١٧٠ - حدثنا يعقوب بن إسحاق بن زياد، ثنا أبو همام الصلت بن محمد الخاذكي، أخبرنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي محمد، حدثني محمد بن يزيد (^٣): \"لما قدم سليمان بن عبد الملك بعثني إلى العراق إلى الميسرين إلى أهل الديماس الذين حبسهم الحجاج، فأخرجتهم منهم يزيد الرقاشي ويزيد الضبي وعابدة من أهل البصرة، فأخرجتهم في عمل ابن أبي مسلم وعنفت على أبي مسلم بضيعة، وكسوت كل رجل منهم ثوبين، فلما مات سليمان ومات عمي كنت مستعملا على إفريقية فقدم عليّ يزيد بن أبي مسلم أميرا في عمل يزيد بن عبد الملك، فعذّبني عذابا شديدا حتى كسر عظامي، فأتي بي يوما أحمل في كساء عند المغرب، فقلت: ارحمني، فقال: التمس الرحمة عند غيري، لو رأيت ملك الموت عند\n_________\n(^١) هو بساط من الأديم، القاموس المحيط (١/ ٩٩١).\n(^٢) إسناده منقطع، ولا تصح القصة عن وضاح بن خيثمة كما سيأتي قريبا، الفرج بعد الشدة (١٠١ - ١٠٢) رقم (٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٧٨ - ٢٨٠) من عدة طرق.\n(^٣) هو محمد بن يزيد الأنصاري مولاهم البصري، قدم دمشق واستكتبه عبد الملك بن مروان، كان في صحابة سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وولي إفريقيا، تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٧٨).","vol":"1","page":298},{"text":"رأسك لبادرته نفسك، اذهب حتى أصبح لك، قال: فدعوت اللَّه فقلت: اللهم اذكرني ما كان مني في أهل ديماس، اذكرني يزيد الرقاشي وفلانا فلانا، واكفني شرّ ابن أبي مسلم، وسلّط عليه من لا يرحمه، واجعل ذلك من قبل أن يرتدّ إليّ طرفي، وجعلت أحبس طرفي رجاء الإجابة، فدخل عليّ ناس من البريد فقتلوه، ثم أتوني فأطلقوني، فقلت: اذهبوا ودعوني؛ فإني أخاف إن فعلتم أن يروا أن ذلك بسببى، فذهبوا وتركوني\" (^١).\n\n١٧١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سعيد، ثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان المزني: انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلدة، وقفه للناس يوما، ولا أراني إلا قاتله، فبعث إليه فجيء به والخصوم بين يديه، قال: فقام إليه علي بن حسين فقال: يا أخي تكلم بكلمات الفرج يفرج اللَّه عنك: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد للَّه رب العالمين، قال: فقالها فانفرجت فرجة من الخصوم فرآه، فقال: أرى وجه رجل قد قرفت عليه كذبة، خلُّوا سبيله، أنا كاتب إلى أمير المؤمنين بعذره، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب\" (^٢).\n_________\n(^١) الصواب أن القصة حصلت لمحمد بن يزيد كما في هذا الإسناد، وليس لوضاح بن خيثمة كما في السند السابق؛ لأن فيه إسقاط رجلين هما داود ومحمد بن يزيد، كما رجح ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ٤١)، الفرج بعد الشدة (١٠٢ - ١٠٤) رقم (٧٦).\n(^٢) إسناده حسن، ومحمد بن سعيد أظنه الأصبهاني ثقة ثبت التقريب (٥٩٤٨)، الفرج بعد الشدة (٩٤ - ٩٥) رقم (٦٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق =","vol":"1","page":299},{"text":"١٧٢ - حدثنا هارون بن سفيان، حدثني رجل من أهل العلم: أن رجلا حدثه قال: \"نزل علينا رجل من ولد أنس بن مالك فخدمته فلما أراد أن يفارقني أمر لي بشيء فلم أقبله فقال: ألا أعلمك دعاء كان جدي يدعو به، وما دعوت به إلا فرّج اللَّه عني؟ قلت: بلى، قال: قل: اللهم إن ذنوبي لم تبق لي إلا رجاء عفوك، وقد قدمت آلة الحرمان بين يديّ؟، فأنا أسألك بما لا أستحقّه، وأدعوك بما لا أستوجبه، وأتضرّع إليك بما لا أستأهله، فلن يخفى عليك حالي، وإن خفي على الناس كنه معرفة أمري، اللهم إن كان رزقي في السماء فأهبطه، وإن كان رزقي في الأرض فأظهره، وإن كان بعيدا فقرّبه، وإن كان قريبا فيسّره، وإن كان قليلا فكثّره، وبارك لي فيه\" (^١).\n\n١٧٣ - حدثني القاسم بن هاشم، ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: \"أن حبيب بن مسلمة (^٢) كان يستحب إذا لقي عدوا أو ناهض حصنا قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وأنه ناهض يوما\n_________\n= (١٣/ ٦٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٢/ ١١٣) عن البرجلاني به، وفيه بيان سبب هذا الاستدعاء وهو أنه اتهم بمراسلة أهل العراق للخروج على عبد الملك.\n(^١) إسناده منقطع، الفرج بعد الشدة (٩٧) رقم (٧١).\n(^٢) هو حبيب بن مسلمة بن مالك بن وهب، القرشي الفهري المكي، نزيل الشام، وكان يسمى حبيب الروم، لكثرة دخوله عليهم مجاهدا، مختلف في صحبته والراجح ثبوتها، لكنه كان صغيرا، مات بأرمينية أميرا عليها لمعاوية سنة (٤٢ هـ)، الإصابة (٢/ ٢٥)، التقريب (١١٠٦).","vol":"1","page":300},{"text":"حصنا، فانهزم الروم، فقالها المسلمون فانصدع الحصن\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>ثالثًا: الآثار الواردة في الدعاء وكرامات الصالحين</span>.\n\n١٧٤ - حدثنا خالد بن خداش بن العجلان، وإسماعيل بن إبراهيم قالا: حدثنا صالح المري، عن ثابت، عن أنس قال: \"دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض، فلم نبرح حتى قضى، فبسطنا عليه ثوبه، وأمٌّ له عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا فقال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند اللَّه، قالت: وما ذاك، أمات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: أحقّ ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدّت يدها إلى اللَّه، فقالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدّة ورخاء، فلا تحملني على هذه المصيبة اليوم، قال: فكشفنا عن وجهه، فما برحنا حتى طعمنا معه\" (^٢).\n_________\n(^١) فيه جهالة الأشياخ، الفرج بعد الشدة (٦٠) رقم (١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٧٧).\n(^٢) إسناده ضعيف، مداره على صالح المري وهو ضعيف، التقريب (٢٨٦١)، مجابو الدعوة (٨٢) رقم (٤٦)، من عاش بعد الموت (١٤ - ١٥) رقم (١) سندا ومتنا، والطبراني في الدعاء رقم (١٠٤٠، ١٠٦٦)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ١٥٤) وذكر له طريقين آخرين عند البيهقي مرسلين في أحدهما متابعة عبد اللَّه بن عون لصالح المري وقال في موضع آخر (٦/ ٢٩٢): \"وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه قال: . . . \"، وقال: \"وهذا إسناد -أي الذي فيه متابعة عبد اللَّه لصالح المري- رجاله ثقات ولكن فيه انقطاع بين عبد اللَّه بن عون وأنس واللَّه أعلم\"، =","vol":"1","page":301},{"text":"١٧٥ - حدثنا أحمد بن بجير وإسحاق بن إسماعيل وغيرهما قالوا: أخبرنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: \"أن قوما من المهاجرين، خرجوا متطوّعين في سبيل اللَّه، فنفق حمار رجل منهم، فأرادوه على أن ينطلق معهم فأبى، فانطلق أصحابه مترحّلين وتركوه، فقام فتوضّأ وصلّى، ثم رفع يديه فقال: اللهم إني خرجت من الدفينة (^١)، مجاهدا في سبيلك، وابتغاء مرضاتك، وأشهد أنك تحيي الموتى، وتبعث من في القبور، اللهم فأحي لي حماري، ثم قام إلى الحمار فضربه، فقام الحمار ينفض أذنيه، فأسرجه وألجمه، ثم ركبه، فأجراه حتى لحق بأصحابه، فقالوا له: ما شأنك قال: شأني أن اللَّه بعث لي حماري، قال إسماعيل: قال الشعبي: أنا رأيت الحمار بيع أو يباع بالكناسة\" (^٢).\n_________\n= وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٧٣)، وابن تيمية في الرد على البكري (١٢٩)، وانظر مجموع الفتاوى (١/ ٣٤٣).\n(^١) مكان لبني سليم بين مكة والبصرة، معجم البلدان (٢/ ٢٢٩).\n(^٢) إسناده صحيح، مجابو الدعوة (٨٥) رقم (٤٩)، من عاش بعد الموت رقم (٢٩)، وابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ١٥٣) عن المصنف وعن البيهقي بسند آخر ومتن نحوه ونقل قول البيهقي: \"هذا إسناد صحيح، ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة، قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل واللَّه أعلم\"، والذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٢٨٤)، وذكره الدميري في حياة الحيوان (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>رابعا: الآثار الواردة في دعاء اللَّه في السراء والضراء</span>.\n\n١٧٦ - حدثني يعقوب بن عبيد ومحمد بن عباد قالا: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا حريز بن عثمان الدجى، ثنا راشد بن سعد قال: \"جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: أوصني فقال: اذكر اللَّه في السراء يذكرك في الضراء، وإذا ذكرت الموتى فاجعل نفسك كأحدهم، وإذا أشرفت نفسك على شيء من الدنيا فانظر إلى ما يصير\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>خامسا: الآثار الواردة في بعض آداب الدعاء</span>.\n\n١٧٧ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو عمران الجوني (^٢) قال: \"أدركت أربعة من أفضل من أدركت، فكانوا يكرهون أن يقولوا: اللهم أعتقنا من النار، ويقولون: إنما يعتق منها من دخلها، كانوا يقولون: نستجير باللَّه من النار، ونعوذ باللَّه من النار\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق انظر الجرح والتعديل (٩/ ٢١٠)، الفرج بعد الشدة (١٠٤) رقم (٧٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٩) من طريق آخر، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٦٦)، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٣٥٠)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٢٩).\n(^٢) هو عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي، أبو عمران الجوني، مشهور بكنيته، ثقة من علماء البصرة، مات سنة (١٢٨ هـ) وقيل بعدها، الكاشف (١/ ٦٦٤)، التقريب (٤١٧٢).\n(^٣) إسناده حسن، فيه سيار وهو ابن حاتم صدوق له أوهام كما سيأتي (٣١٠) و(٨٩٦). =","vol":"1","page":303},{"text":"١٧٨ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد اللَّه، عن سليمان بن المغيرة عن ثابت، عن مطرف قال: \"لِيُعَظَّم جلال اللَّه في صدوركم، فلا تذكروه عند مثل هذا، قول أحدكم للكلب: اللهم اخزِه، وللحمار وللشاة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة الموزعة على ما يناسبها من عناصر بيان مسائل هامة متعلقة بالدعاء.\nفشمل العنصر الأول أثرين فيهما بيان بعض أسباب الإجابة وهي الإخلاص والاستكانة للَّه، وهما من جملة أسباب إجابة الدعاء وقد ذكرهما وغيرهما ابن رجب ﵀ فقال: \"من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:\nأحدها: إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء.\nوالثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار.\nالثالث: مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته.\nالرابع: الإلحاح على اللَّه ﷿ بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما\n_________\n= كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٤) رقم (٣٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣١٤).\n(^١) إسناده صحيح.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٨١) رقم (٦٣٠)، وابن المبارك في الزهد (٧١) رقم (٢١٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٧٩) رقم (٣٥١٣٦).","vol":"1","page":304},{"text":"يطلب به إجابة الدعاء\" (^١).\nوشمل العنصر الثاني إنزل الحوائج كلها باللَّه، والمراد هذا العنصر بيان أن سؤال اللَّه وإنزال حاجات الناس به تعالى كان هو السائد بين هذه القرون الفاضلة، فلا نجد في أدعيتهم على اختلاف أسبابها وتنوع حاجاتهم، وتغاير عباراتهم وأساليب خطابهم، رغم كل ذلك نجدها تصب في كوثر واحد هو الرجوع إلى اللَّه والالتجاء إليه (^٢)، وقد صرح بعضهم بهذا الأمر فإن أثر عجردة العابدة فيه: \"فبك إلهي لا بغيرك أسألك\"، ووصايا كثير من السلف لغيرهم أن ينزل حاجته باللَّه لا بغيره كأثر الثوري، وفي أثر الليث بيان أن دعاء اللَّه لم يقتصر على حال الرخاء بل حتى حال الشدَّة وهي الغرق لم يتوجهوا لغيره تعالى، وهكذا كان دعاء اللَّه حتى في ما ليس محبوبا إليه كالانتقام والقتل كانوا يدعونه أن يمكنهم من ذلك، وعند وقوعهم في الأسر، وفتح الحصون، كل ذلك لا يرجعون إلى غيره ولا يدعون سواه، هذا منهجهم وسبيلهم، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١٠٥ - ١٠٦) وقد ذكر في كل سبب ما يشهد له من الأحاديث والآثار، وانظر سلاح المؤمن في الدعاء (٩٧)، وتحفة الذاكرين للشوكاني (٤٦ - ٤٧).\n(^٢) ولو تتبعت كتب الأدب الكبيرة فإنها عقدت أبوابا في بعض أدعية الأعراب وأهل البادية تجد فيها العجب من سؤال اللَّه والتضرع بين يديه ولا تجد إشارة إلى الشرك والتوسل بالمخلوقين واللَّه أعلم.","vol":"1","page":305},{"text":"جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (^١)، وما هذا إلا لعلمهم اليقيني أن الدعاء من أعظم العبادات وأن الشرك فيه من أعظم أنواع الشرك، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"إن لم يكن الإشراك فيه -أي الدعاء- شركا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول اللَّه -ﷺ-\" (^٢).\nأما العنصر الثالث فقد شمل أمرا مهما من أمور الدعاء عند أهل السنة والجماعة وهو علاقة الدعاء بكرامات الأولياء والصالحين، حيث تضمن الأثران أثر أنس بن مالك -﵁- وأثر الشعبي ﵀ جواز إحياء اللَّه الموتى بدعاء بعض الصالحين، ففي أثر أنس أن الميت من البشر وهو ابن العجوز الأنصارية، وفي أثر الشعبي أنه من الحيوانات وهو حمار، وقد عد العلماء هذا الأمر من التوسل إلى اللَّه بالأعمال الصالحة، ولذلك أدرج شيخ الإسلام أثر أنس -﵁- مع أثر الثلاثة الذين انغلق عليهم الغار فدعوا بصالح أعمالهم (^٣).\nومسألة إحياء الموتى بدعاء الصالحين مسألة شائكة ودقيقة جدا؛ وذلك أن: \"المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثم كرامات الصالحين، ثم خوارق\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية (١١٥).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (٢١٩).\n(^٣) لاشتراك الجميع في الدعاء بصالح الأعمال.","vol":"1","page":306},{"text":"الكفار والفجار، كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، والضلال من المسلمين.\nأما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء، فإنهم يقولون: نحن إنما حصل لنا هذا باتباع الأنبياء، ولو لم نتبعهم لم يحصل لنا هذا، فهؤلاء إذا قدر أنه جرى على يد أحدهم ما هم من جنس ما جرى للأنبياء، كما صارت النار بردا وسلاما على أبي مسلم، كما صارت على إبراهيم، وكما يكثر اللَّه الطعام والشراب لكثير من الصالحين، كما جرى في بعض المواطن للنبي -ﷺ-، أو إحياء اللَّه ميتا لبعض الصالحين كما أحياه للأنبياء، وهي أيضًا من معجزاتهم بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاص، ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط مثل معجزات المرسلين كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم، ولكنهم قد يشاركونهم في بعضها كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم، وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول\" (^١).\nولما تكلم عما ينقله أهل الكتاب من كرامات صالحيهم ومعجزات أنبيائهم قال: \"أصحاب محمد -ﷺ- وتابعوهم صالحون، ولهم من الآيات أعظم مما للحواريين وغيرهم من الأمم، وفيهم من كان يحمل العسكر على الماء، ومن كان يشرب السموم القاتلة، ومن يحيي اللَّه الموتى\n_________\n(^١) النبوات (٥ - ٦).","vol":"1","page":307},{"text":"بدعوته، ومن يكثر الطعام والشراب، وكتب كرامات الأولياء فيها من ذلك أعظم مما عند أهل الكتاب\" (^١).\nوقال: \"الآيات التي يبعث اللَّه بها أنبياء قد يكون مثلها لأنبياء أخر مثل: إحياء الموتى، فقد كان لغير واحد من الأنبياء، وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء كما قد وقع لطائفة من هذه الأمة ومن أتباع عيسى؛ فإن هؤلاء يقولون: نحن إنما أحيى اللَّه الموتى على أيدينا لاتباع محمد أو المسيح، فبإيماننا بهم وتصديقنا لهم أحيى اللَّه الموتى على أيدينا، فكان إحياء الموتى مستلزما لتصديقه عيسى ومحمدا، لم يكن قط مع تكذيبهما، فصار آية لنبوتهم، وهو أيضًا آية لنبوة موسى وغيره من أنبياء بني اسرائيل الذين أحيى اللَّه الموتى على أيديهم\" (^٢).\nفتلخص من هذا أن الأنبياء لهم من الآيات ما يختصون به عن غيرهم من سائر البشر كالنبوة، سواء من أتباعهم أو من غيرهم، وقد يختص النبي المعين بآية عن سائر إخوانه من الأنبياء فضلا عن غيرهم كناقة صالح وعصا موسى، وقد يشاركه فيها غيره من الأنبياء، كما قد يشاركه فيها بعض أتباعه، كإحياء الموتى فقد كان لغير واحد من الأنبياء، وكان لبعض الصالحين من أتباعهم واللَّه أعلم (^٣).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٦/ ٣٥٥).\n(^٢) النبوات (٢١٣).\n(^٣) انظر كتاب النبوات (٢١٨ - ٢١٩).","vol":"1","page":308},{"text":"واشتمل العنصر الرابع على بيان أهمية ذكر اللَّه في السراء وأنه عدة يدخرها المؤمن ليذكره اللَّه بها في الضراء، وفي ذلك إشارة إلى تحذير المؤمن من ذكر اللَّه ودعائه في الضراء والشدائد، ونسيانه في السراء والسمعة، لأن ذلك من أخلاق المشركين كما قال اللَّه عنهم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^١)، قال الإمام القصاب ﵀: \"تقريع لمن يهمل الدعاء في الرخاء، ويفزع إليه في الشدة، وليس ذلك من أخلاق المؤمنين، إذ من أخلاقهم إكثار الدعاء في الرخاء عدة للشدة. . . فلا ينبغي للمؤمن أن يستن بالكافر، ولا يفزع إلى الدعاء إلا عند الشدائد\" (^٢).\nوإذا كان هذا كذلك فما بالك بمن يخص الشدائد والكرب بالفزع إلى غير اللَّه، وسؤاله ودعائه، لا شك أنه أسوأ من المشركين الذين نهينا عن اتباع سننهم، فإنهم يخلصون الدعاء للَّه في الشدائد دون الرخاء، وهؤلاء يخلصون الشرك في الشدائد فضلا عن الرخاء واللَّه المستعان (^٣).\n_________\n(^١) سورة الزمر، من الآية (٨).\n(^٢) نكت البيان (١٥٠ ب - ١٥١ أ).\n(^٣) انظر تيسير العزيز الحميد (٣٢٠)، رسالة الشرك ومظاهره لمبارك الميلي (١٩٦) فقد ذكر قصة مفادها أن الشيخ الصوفي أمر أتباعه بأن يسألوه كي لا تغرق السفينة وهو يتوسط لهم عند اللَّه، وعلى مثل هذه القصص تسكب عبرات التوحيد وإلى اللَّه المشتكى.","vol":"1","page":309},{"text":"واشتمل العنصر الخامس بعض آداب الدعاء حيث فضّل الجوني الاستجارة والتعوذ من النار على العتق منها؛ لأن العتق يتضمن دخولها، وذكر مطرف أن من تعظيم اللَّه عدم سؤاله خزي الكلب والحمار والشاة (^١)، أما عدم سؤال اللَّه العتق من النار وتفضيل سؤال الإجارة والتعوذ منها، بسبب أن السؤال يتضمن دخولها، فالذي يظهر واللَّه أعلم أن هذه المسألة نظير ما ورد من تحفّظ بعض السلف من سؤال شفاعة نبينا محمد -ﷺ- بحجة أن ذلك يتضمن دخول النار، وقد ناقشت ذلك في موضعه وبيّنت وجه جوازه بل استحبابه واللَّه يعصمنا من الخطأ والزلل (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مثل هذه الآداب آداب الدعاء للطبراني (١/ ٥٥٨).\n(^٢) انظر هذه الرسالة (٨٨٩ - ٨٩١).","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المطلب الرابع: الآثار الواردة في التوكل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>أولا: الآثار الواردة في فضله</span>.\n\n١٧٩ - حدثني محمد بن إدريس، نا موسى بن محمد، نا زافر بن سليمان، عن المحاربي، عن عمر بن حسان -وسمعه موسى من المحاربي- قال: قال علي: \"يا أيها الناس، توكلوا على اللَّه وثقوا به، فإنه يكفى ممن سواه\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده يحتمل التحسين إلى عمر بن حسان مرسلا، وعمر بن حسان هو البرمجي: قال فيه أحمد \"كوفي حدث عنه أبو معاوية، ما أرى به بأسا\" العلل (٢/ ٥٣٧، ١٨٩)، وكذا في أسماء الثقات لابن شاهين (١/ ١٣٥)، أما في الجرح والتعديل (٦/ ١٠٥) فسقط شيوخه تلاميذه حيث وقع بياض بعد \"روى عن\" و\"روى عنه\"، أما المحاربي فهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد كما صُرح به في سند الحارث وهو لا بأس به لكنه يدلس قاله أحمد، كما في التقريب (٤٠٢٥)، إلا أنه صرح بالتحديث من طريق الحارث في سنده، وزافر بن سليمان صدوق كثير الأوهام كما في التقريب (١٩٩٠)، لكنه تابعه كما في سند الحارث إبراهيم أبو إسحاق وهو صدوق حافظ كما في التقريب (٢٣٤)، وأما موسى بن محمد وهو الشامي مقبول كما في التقريب (٧٠٥٧)، لكن تابعه عصمة بن المتوكل كما في العظمة لأبي الشيخ (٤/ ١٢٣٠) وهو الحنفي أورده ابن حبان في الثقات وقال: \"مستقيم الحديث\"، وضعفه غيره بقلة الضبط انظر ميزان الاعتدال (٤/ ١٧٠) وغيره، لكن الظاهر أن رواية عمر بن حسان عن علي مرسلة فتلميذه أبو معاوية مات سنة (١٩٥ هـ) وتوفي علي سنة (٤٠ هـ) ولذلك ذكر في سند الحارث الواسطة وهي: \"عن يوسف بن زيد، عن عبد اللَّه بن عوف بن الأحمر: أن مسافر بن عوف بن =","vol":"1","page":311},{"text":"١٨٠ - نا علي، عن محمد بن الحسين، حدثني إبراهيم بن زكريا القرشي قال: سمعت هدابا البصري (^١) يقول: قال لي قائل في منامي: \"يا هذا توكل على من توكل المتوكلون قبلك، فإنه جل ثناؤه لا يكل متوكلا عليه إلى غيره\" (^٢).\n\n١٨١ - نا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن\n_________\n= الأحمر قال لعليّ. . . \".\nكتاب التوكل (٤٢) رقم (٧)، الهيثمي في بغية الباحث بزوائد مسند الحارث (٢/ ٦٠١) رقم (٥٦٤)، وأبو الشيخ في كتاب العظمة (٤/ ١٢٣٠) رقم (٧٠٧٢٨)، وهي قصة طويلة فيها أن علي بن أبي طالب قال له منجم حين انصرف إلى أهل النهروان: لا تسر في هذه الساعة. . . .، فخالفه علي وانتصر فقال: \"إنما أردت أن أبين للناس خطأه، وخشيت أن يقول جاهل إنما ظفر لكونه وافقه\"، وانظر البداية والنهاية (٧/ ٢٨٨).\n(^١) هو هُدْبَة بن خالد بن الأسود القيسي، أبو خالد البصري، ويقال له: هَدَّاب، ثقة عابد، تفرد النسائي بتليينه، مات سنة بضع وثلاثين ومائتين، الكاشف (٢/ ٣٣٤)، التقريب (٧٢٦٩).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه إبراهيم بن زكريا القرشي لم أقف له على ترجمة سوى أن المزي ذكره في تهذيب الكمال (٤/ ٣٥٩) في الرواة عن عبد ربه بن بارق الحنفي، وأستبعد أن يكون هو أبو إسحاق العجلي كما احتمله عبد اللَّه بدران في تحقيق التوكل؛ فإن الذهبي في الميزان (١/ ٣١) ذكر ما يعرف به فقال: \"أبو إسحاق العجلي البصري الضرير المعلم. . . وهو العبدسي، وهو الواسطي\" ولم يذكر أنه قرشي، كتاب التوكل (٧٨ - ٧٩) رقم (٥٤)، طبعة بدران، وهو ساقط من طبعة الدوسري.","vol":"1","page":312},{"text":"سعيد بن المسيب قال: التقى عبد اللَّه بن سلام (^١) وسلمان (^٢) فقال أحدهما لصاحبه: \"إن مُتَّ قبلي فالقني، فأخبرني ما لقيت من ربك، وإن أنا مِتُّ قبلك لقيتك فأخبرتك، فقال أحدهما للآخر: أَوَ يلقى الأمواتُ الأحياءَ؟ قال: نعم، أرواحهم تذهب في الجنة حيث شاءت، قال: فمات فلان (^٣) فلقيه في المنام فقال: توكَّل وأبشر، فلم أر مثل التوكُّل قط، توكَّل وأبشر، فلم أر مثل التوكّل قط\" (^٤).\n\n١٨٢ - حدثني أبو العباس البصري الأزدي، عن شيخ من الأزد قال:\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن سلَام -بالتخفيف- الإسرائيلى، أبو يوسف حليف بني الخزرج، قيل: كان اسمه الحصين فسماه النبي -ﷺ- عبد اللَّه، مشهور له أحاديث وفضل، مات بالمدينة سنة (٤٣ هـ)، التقريب (٣٣٧١).\n(^٢) هو سلمان الفارسي، أبو عبد اللَّه، ويقال له: سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٣٤ هـ)، يقال: بلغ ثلاثمائة سنة، ورجح الذهبي أنه لم يبلغ المائة، الكاشف (١/ ٤٥١)، التقريب (٢٤٧٧).\n(^٣) أي سلمان -﵁- كما في الزهد لابن المبارك.\n(^٤) إسناده صحيح.\nكتاب التوكل (٤٨) رقم (١٢)، وابن المبارك في الزهد (١٤٣) رقم (٤٢٨) (٤٢٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٢٠) رقم (٣٤٦٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٢١) رقم (١٣٥٥)، وعلق الذهبي في السير (١/ ٥٥٧) بعد ذكره بقوله: \"سلمان مات قبل عبد اللَّه بسنوات\"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٥) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي به بلفظ: \"وجدت التوكل شيئا عجيبا\".","vol":"1","page":313},{"text":"جاء رجل إلى وهب بن منبه (^١) فقال: علمني شيئا ينفعني اللَّه به، قال: \"أكثر من ذكر الموت، وأقصر أملك، وخصلة ثالثة، إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى وظفرت بالعبادة، قال: ما هي؟ قال: هي التوكل\" (^٢).\n\n١٨٣ - نا محمد بن الحسين قال: نا عبد اللَّه بن غالب مولى الربيع بن صبيح قال: نا الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: \"العِزُّ والغِنَى يجولان في طلب التوكل، فإذا أُظفِرَ أوطنا\" (^٣).\n\n١٨٤ - نا محمد بن الحسين، حدثني مخول الكوفي قال: حدثني بهيم أبو بكر العجلي، عن رجل من أهل الكوفة قال: \"بينما أنا في بستان لي إذ خُيِّل لي رؤية شخص أسود، ففزعت منه، فقلت: حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فساخ في الأرض، وأنا أنظر إليه، وسمعت صوتا من ورائي يقرأ\n_________\n(^١) هو وهب بن منبه بن كامل اليماني، أبو عبد اللَّه الأبناوي، أخباري علامة قاصٌّ صدوق ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، التقريب (٧٤٨٥).\n(^٢) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، كتاب التوكل (٩٣) رقم (٥٨).\n(^٣) إسناده ضعيف فيه عبد اللَّه بن غالب العباداني مستور كما في التقريب (٣٥٥١)، وشيخه الربيع بن صبيح صدوق سيء الحفظ كما في التقريب (١٩٠٥)، ومعناه أن العز والغنى يبحثان عن المتوكل فإذا كان الرجل متوكلا حصل له العز والغنى، واستطوطناه.\nكتاب التوكل (٥٠) رقم (١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٥)، وهو أتم منه وفيه أبيات، وأخرجه أبو نعيم في موضع آخر (٣/ ١٨١) عن محمد بن علي بن الحسين بن علي، وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٠٨) مختصرا.","vol":"1","page":314},{"text":"هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (^١) فالتفتُّ فلم أر شيئا\" (^٢).\n\n١٨٥ - نا إسحاق بن إبراهيم قال: نا محمد بن منيب العدني قال: حدثني السري بن يحيى، عن وهيب بن الورد: \"أن رجلين كسر بهما في البحر فوقعا إلى الأرض، فأتيا بيتا مبنيا من شجر، فكانا فيه، فبينما هما ذات ليلة، أحدهما نائم، والآخر يقظان، إذ جاءت امرأتان فوقفتا على الباب، بهما من قبح الهيئة شيء لا يعلمه إلا اللَّه، فقالت إحداهما للأخرى: ادخلي، فقالت: ويحك إني لا أستطيع، قالت: ويحك، لِمَه؟ قالت: أَوَ مَا ترين ما في البيت؟ فإذا لوح فيه كتاب: حسبي اللَّه وكفى، وسمع اللَّه لمن دعا، لي وراء اللَّه مرمى\" (^٣).\n\n١٨٦ - قال محمد بن الحسين: حدثني أحمد بن سهل الأردني قال: حدثني أبو قدامة الرملي قال: قرأ رجل هذه الآية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ\n_________\n(^١) سورة الطلاق، الآية (٣).\n(^٢) إسناده إلى صاحب القصة حسن، بهيم ذكره ابن حبان في الثقات (١/ ٢٨٣) وأفاد أنه صاحب حكايات، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٦) جرحا ولا تعديلا، كتاب التوكل (٦٧) رقم (٣٢).\n(^٣) إسناده حسن، محمد بن منيب لا بأس به التقريب (٦٣٧٠)، كتاب التوكل (٦٨) رقم (٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٥٧) وفيه: \"ليس وراء اللَّه منتهى\".","vol":"1","page":315},{"text":"الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ (^١)، فأقبل عليه سليمان الخواص فقال: \"يا أبا قدامة ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير اللَّه في أمره، ثم قال: انظر كيف قال اللَّه ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (^٢) فأعلمك أنه لا يموت، وأن جميع الخلق يموتون، ثم أمر بعبادته فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ثم أخبرك أنه خبير بصير، ثم قال: واللَّه يا أبا قدامة لو عامل عبدٌ اللَّه بحسن التوكل وصدق النية له بطاعته، لاحتاجت إليه الأمراء فمن دونهم، فكيف يكون هذا محتاجا، وموئله وملجأه إلى الغني الحميد\" (^٣).\n\n١٨٧ - نا أبو خيثمة زهير بن حرب قال: نا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم الأسدي، عن زر، عن عبد اللَّه عن النبي قال: \"الطيرة شرك، الطيرة شرك\" وما منا إلا، ولكن اللَّه يذهبه\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية (٥٢).\n(^٢) سورة الفرقان، من الآية (٥٨).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه أحمد بن سهل الأردني ذكره ابن ماكولا في الإكمال (١/ ١٣٨ - ١٣٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وشيخه الرملي مجهول كما في ميزان الاعتدال (٤/ ٥٦٤).\nكتاب التوكل (٧٠) رقم (٣٦)، والقناعة والتعفف (٧١ - ٧٢) رقم (١٧٥).","vol":"1","page":316},{"text":"بالتوكّل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>ثانيا: الآثار الواردة في تعريفه</span>.\n\n١٨٨ - نا الحسن بن محبوب، نا الفيض بن إسحاق قال: قلت\n_________\n(^١) حديث صحيح، والزيادة موقوفة على ابن مسعود -﵁-.\nقال الهيثمي في موارد الظمآن (٣٤٥): \"قول (وما منا) إلخ: من قول ابن مسعود\"، ونقل الترمذي في السنن (٤/ ١٣٨) عن البخاري قول شيخه سليمان بن حرب: \"هذا عندي قول عبد اللَّه بن مسعود\"، وانظر ترتيب علل الترمذي الكبير للقاضي (٢٦٦) ورواية كلام البخاري فيه أطول، ونقل البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٢) عن أحمد مثل كلام شيخ البخاري، وصوّب المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٦٥) ما نقله البخاري عن شيخه، كما جزم الحافظ في الفتح (١٠/ ٢١٣) بأنه مدرج من كلام ابن مسعود، وابن القيم في مدارج السالكين (٢/ ٥١٣) قال: \"مدرجة في الحديث من قول ابن مسعود وجاء ذلك مبيّنا\"، وعلل ذلك في مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١) بقوله: \"فإن الطيرة نوع من الشرك\"، قلت: ولعله يقصد بقوله: \"وجاء ذلك مبينا\" ما نقله من حديث معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم أنه قال: \"يا رسول اللَّه، ومنا أناس يتطيرون فقال: \"ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدّنه\"، قلت: فكأن فيه إشارة إلى أن الذي وقع منه ذلك هو بعض الصحابة، وانظر في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (١٨٥) ما يفيد أنه لا يسلم من الطيرة أحد، واللَّه أعلم بالصواب.\nوهناك من العلماء من صحح الحديث كاملا بدليل أنه لا دليل على الإدراج، كما نقل المناوي في فيض القدير (٤/ ٢٩٤) عن ابن القطان، ونصره الألباني في الصحيحة (١/ ٧٩١) رقم (٤٢٩)، وفي غاية المرام (١٨٥).\nكتاب التوكل (٧٩) رقم (٤٢).","vol":"1","page":317},{"text":"للفضيل: \"تحدُّ لي التوكّل؟ فقال: آه، كيف تتوكّل عليه وأنت يُختار لك فتسخط قضاءه؟ أرأيت لو دخلت بيتك فوجدت امرأتك قد عَمِيَت، وابنتك قد أُقعِدَت، وأنت قد أصابك الفالج، فكيف كان رضاك بقضائه؟ قلت: كنت أخاف ألا أصبر، قال: فكيف؟ لا حتى يكون عندك واحدا، ترضى بكل ما صنع في العافية والبلاء، لا تسخط على ما زُوِي عنك، وتثق بما آتاك، قال: ثم ذكر رجلا -قد سماه- قال: إني لا (^١) أكره أن أقول في سجودي: عليك توكلت\" (^٢).\n\n١٨٩ - نا أحمد بن إبراهيم، نا أبو إسحاق الطالقاني، أنا زافر عن أبي رجاء، عن عباد بن منصور قال: سئل الحسن عن التوكل فقال: \"الرضا عن اللَّه\" (^٣).\n_________\n(^١) كذا وهو خطأ، والصواب كما في المخطوط (٦/ ب): \"لأكره\" بالإثبات والتوكيد لا بالنفي.\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف لا بأس به كما قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٨)، والفيض بن إسحاق سيأتي (٢٠٤)، وانظر: التاريخ الكبير (٤/ ١/ ١٣٩)، والجرح والتعديل (٧/ ٨٨)، وتاريخ بغداد (٧/ ٤٣١)، والمراد أنه خوفا من النفاق أن لا يكون حقق التوكل فإنه يكره قول هذه العبارة واللَّه أعلم.\nكتاب التوكل (٥١) رقم (١٥).\n(^٣) إسناده ضعيف، زافر القهستاني صدوق كثير الأوهام التقريب (١٩٩٠)، كتاب التوكل (٥٣) رقم (١٧) تحقيق جاسم الدوسري، وهو ساقط من تحقيق بدران في هذا الموضع مذكور في آخر الكتاب وأشار المحقق إلى سقوطه من نسخة (أ)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٤ - ٨٥) رقم (٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٩٨) رقم (١٢٧٥) من طريق المصنف.","vol":"1","page":318},{"text":"١٩٠ - نا سويد بن سعيد، نا معتمر بن سليمان، عن عبد الجليل قال: سمعت الحسن يقول: \"إن من توكل العبد، أن يكون اللَّه ﷿ هو ثقته\" (^١).\n\n١٩١ - نا محمد بن يحيى بن أبي حاتم قال: سألت عبد اللَّه بن داود (^٢) عن التوكّل فقال: \"أرى التوكل حسن الظَّنِّ\" (^٣).\n\n١٩٢ - نا محمد بن إدريس، أنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني (^٤) يقول: \"إذا بلغ غاية من الزهد أخرجه ذلك إلى\n_________\n(^١) إسناده حسن، رجاله ثقات ما عدا الكلام في سويد بن سعيد من جهة كونه كبر فصار يتلقن ما ليس من حديث، وقد أخرج له مسلم في الصحيح كما في كتاب المختلطين للعلائي (٥١)، لكن تابعه صالح بن حاتم عند الخلال.\nكتاب التوكل (٥٤) رقم (١٨)، واليقين برقم (٩٩)، الحث على التجارة للخلال (١٣٨) من طريق صالح بن حاتم به.\n(^٢) هو عبد اللَّه بن داود بن عامر الهمداني، أبو عبد الرحمن الخُرَيْبي، كوفي الأصل، ثقة عابد، مات سنة (٢١٣ هـ) وله سبع وثمانون سنة، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري، التقريب (٣٢٩٧).\n(^٣) إسناده صحيح، كتاب التوكل (٦٥) رقم (٣٠)، وحسن الظن باللَّه (٢٦) رقم (٢٧)، واليبهقى في شعب الإيمان (٢/ ٩٧) رقم (١٢٣٧)، وذُكر في تهذيب كمال (١٤/ ٤٦٤)، والسير (٩/ ٣٤٩).\n(^٤) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عطة العنسي، من أفاضل أهل زمانه وعبادهم، وخيار أهل الشام وزهادهم، ثقة لم يرو مسندا إلا واحدا، وله حكايات في الزهد، توفي سنة (٢١٢ هـ)، الثقات لابن حبان (٨/ ٣٧٦)، الحلية (٩/ ٢٥٤)، صفة الصفوة (٤/ ٢٢٣)، التقريب (٣٨٨٦).","vol":"1","page":319},{"text":"التوكّل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>ثالثا: الآثار الواردة في التوكل واتخاذ الأسباب</span>.\n\n١٩٣ - نا علي بن الحسين العامري قال: نا يزيد بن هارون قال: أنا عون بن موسى، عن معاوية بن قرة: \"أن عمر بن الخطاب لقي ناسا من أهل اليمن، فقال: \"من أنتم؟ \"، قالوا: نحن المتوكِّلون، قال: بل أنتم المتَّكِلون، إن المتوكِّلَ الذي يُلقِي حبَّةً في الأرض، ويتوكَّل على اللَّه\" (^٢).\n\n١٩٤ - حدثني علي بن الحسين، حدثني ابن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: \"لو توكلنا على اللَّه ﷿ حق توكله، ما بنينا حائطا على لبنتين ولا جعلنا على بابنا غلقا\" (^٣).\n\n١٩٥ - قال ابن أبي الدنيا: وقال زهير البابي (^٤): \"ما أقدر أن أقول:\n_________\n(^١) إسناده صحيح، كتاب التوكل (٦٣) رقم (٢٧)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٦)، وفِي طبقات الصوفية (٨٠) رقم (١٨) عن أبي سليمان الداراني قوله: \"آخر أقدام الزاهدين، أول أقدام المتوكلين\".\n(^٢) إسناده صحيح إلى معاوية بن قرة، لكنه منقطع بين معاوية وعمر، فإنه لم يدركه، انظر المراسيل لابن أبي حاتم (٢٠١) فقد ذكر أنه عن علي -﵁- مرسل، وكذا عن عثمان وابن عمر كما في التهذيب (٤/ ١١٢)، قلت: فعمر من باب أولى.\nكتاب التوكل (٤٥) رقم (١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٨١) رقم (١٢١٥) مختصر السند.\n(^٣) إسناده صحيح، كتاب التوكل (٨٦) رقم (٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٦)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٦١٢).\n(^٤) هو زهير بن نعيم البابي السلولي، أبو عبد الرحمن السجستاني، نزيل البصرة، كان =","vol":"1","page":320},{"text":"توكلت على اللَّه\" (^١).\n\n١٩٦ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: سمعت أبا جعفر -عابدا رأيته بمكة عند قادم الديلمي- كان يقول: \"توكل تساق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف\" (^٢).\n\n١٩٧ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين، عن حكيم ابن جعفر قال: سمعت أبا عبد اللَّه البراثي (^٣) يقول: قال لي رجل من العباد: \"إنك أيها الرجل إن فوضت أمرك إليه، اجتمع لك في ذلك أمران، قلت: ما هما؟ قال: قلة الاكتراث بما قد ضمن لك، وراحة البدن من تطلب ذلك، فأي حال أكبر من حال المطيع له والمتوكل عليه؟ كفاه اللَّه بتوكله عليه الهم، وأعقبه الراحة\" (^٤).\n_________\n= أحد الزهاد والعباد المتقشفين، مات بعد المائتين، التقريب (٢٠٥٢)، تهذيب التهذيب (١/ ٦٤١)، وله ترجمة في الحلية (١٠/ ١٤٧).\n(^١) كتاب التوكل (٨٦) رقم (٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٤٧ - ١٤٨) بلفظ: \"لا أعلم أني توكلت على اللَّه ساعة قط\"، وهو يوضح المراد أكثر.\n(^٢) فيه ابن أبي مريم وقد سبق (١٥٤)، كتاب التوكل (٧٧ - ٧٨) رقم (٥٢)، وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٤٣٩).\n(^٣) هو محمد بن خالد بن يزيد بن غزوان، أبو عبد اللَّه البراثي، والد أبي العباس، كان من أهل الدين والفضل، والجلالة والنبل، ذا حال من الدنيا حسنة، معروفا بالبر واصطناع الخير، وكان صديقا لبشر بن الحارث يأنس إليه في أموره، أسند، تاريخ بغداد (٥/ ٢٤٠).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ حكيم بن جعفر لعله المذكور في الجرح والتعديل (٣/ ٢٠٢)، ثم =","vol":"1","page":321},{"text":"١٩٨ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن سهل الأردني قال: سمعت أبا فروة الزاهد (^١) يقول: \"قال لي رجل في منامي: أما علمت أن المتوكلين هم المستريحون؟ قلت: رحمك اللَّه مماذا؟ قال: من هموم الدنيا وعسر الحساب غدا، قال أبو فروة: فواللَّه ما اكترثت بعد ذلك بإبطاء رزق ولا سرعته، وذلك من أنه من أجمع التوكل عليه كفاه ما همّه، وساق الرزق والخير له، وقد قال اللَّه ﷿ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٢) \" (^٣).\n_________\n= وقفت على أنه حكيم بن جعفر السعدي في الرواة عن عصام بن طليق شيخه في الأثر (٥٤) التوكل، ونص على هذه النسبة المصنف في الأولياء رقم (١٠٣)، ولم أجد من ذكره إلا المزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٦٤)، والبراثي ذكر في الحلية (١٠/ ١٣٧)، ووصفه بأنه من مشاهير المتعبدين معدود في جماهير المعتبرين، وابن ماكولا في الإكمال (١/ ٥٣٥)، وله ترجمة في تاريخ بغداد (٥/ ٢٤٠)، كتاب التوكل (٩٠) رقم (٥٢)، ووقع في طبعة الدوسري (علي بن محمد بن أبي مريم)، وأخرجه الخطيب من طريق المصنف (١٤/ ٤٠٣) ووقع عنده كما في طبعة الدوسري؟ واللَّه أعلم.\n(^١) هو يزيد بن سنان، أبو فروة الرهاوي، محله الصدق، والغالب عليه الغفلة، يكتب حديثه ولا يحتج به، الجرح والتعديل (٩/ ٢٦٦).\n(^٢) سورة الطلاق، الآية (٣).\n(^٣) فيه ابن أبي مريم، وأحمد بن سهل الأردني لم يُذكر فيه جرح ولا تعديل كما سبق (٢٤٠)، كتاب التوكل (٧٨) رقم (٥٣)، طبعة بدران، وهو ساقط والذي بعده في طبعة الدوسري، والبيهقي من طريقه في شعب الايمان (٢/ ١٠٧) رقم (١٣٠٤).","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة في هذا المطلب بيان بعض المسائل المتعلقة بنوع مهم من أنواع توحيد العبادة ألا وهو التوكل، حيث اشتملت العناصر الثلاثة على فضله وتعريفه وعلاقته باتخاذ الأسباب:\nفأما فضله فقد تضمنت الآثار بيان فضله من أوجه عديدة؛ فمنها: أن اللَّه يكفى المتوكِّلَ عليه كما في أثر علي -﵁- وهدَّاب البصري، وبيان ذلك أن التوكل على اللَّه من أهم الأسباب لحصول النفع ودفع الضر، وليس التوكل مجرد عبادة محضة لا تأثير لها في حصول المقصود، بل هو سبب يحصل به ما يرجوه العبد من ربه، وقد ذكره اللَّه في معرض الترغيب فيه فقال تعالى ﷿ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ (^١)، فرتب الجزاء على العمل وعلق الحسب على التوكل تعليق الشرط بالمشروط، فعلم أن توكله هو سبب كونه حسبا له، وهذا ما فهمه الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي -﵁- في الأثر السابق حيث ورد كما في التخريج أنه قال له منجِّم حين انصرف إلى أهل النهروان: لا تسر في هذه الساعة. . . .، فخالفه عليٌّ وانتصر فقال: \"إنما أردت أن أبين للناس خطأه، وخشيت أن يقول جاهل إنما ظفر لكونه وافقه، ومنها: أنه لم يُرَ عمل مثله كما في رؤيا ابن سلام -﵁-، وأيده أثر وهب بن منبه من أنه الغاية القصوى، التي من ظفر بها فقد ظفر بالعبادة،\n_________\n(^١) سورة الطلاق، الآية (٣).","vol":"1","page":323},{"text":"وهذا فقه عظيم يبيّن فضل التوكل ومنزلته، وأنه مقام عالٍ من مقامات الدين، وليس منزلة من منازل العوام، وقد شرح هذا المعنى ابن القيم ﵀ شرحا جميلا فقال: \"العبد لا بد له من غاية مطلوبة، ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية؛ فأشرف غاياته التي لا غاية له أجلُّ منها عبادة ربه والإنابة إليه، وأعظم وسائله التي لا وسيلة له غيرها ألبتة التوكل على اللَّه والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة، فهذه أشرف الغايات وتلك أشرف الوسائل\" (^١)، وقال: \"التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل واللَّه أعلم\" (^٢)، ومنها: ما ورد من حصول بعض المقاصد في الدنيا للمتوكَّل؛ فإن المتوكِّل يحصل له الغنى والعز كما في أثر الحسن، ومنه احتياج الأمراء للمتوكل دون العكس كما في أثر سليمان الخواص، واندفاع المكروه عنه لا سيما ما كان من أذى الجن كما في أثر بعيم العجلي، وابن الورد، وكل هذا تأكيد لما سبق من أن التوكل سبب لكفاية اللَّه للعبد (^٣)، ومنها: أنه يذهب الطيرة التي يجدها ولا\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (٣٨٧).\n(^٢) المصدر السابق (٣٨٧)، وانظر رسالة في تحقيق التوكل (٩١)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٣٢٥).\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٦).","vol":"1","page":324},{"text":"بد كل أحد من نفسه، كما في أثر ابن مسعود -﵁-، ووجه ذلك أن: \"الطيرة إنما تصيب المتطير لشركه، والخوف دائما مع الشرك، والأمن دائما مع التوحيد. . . فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف، والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف، ولذلك من خاف شيئا غير اللَّه سُلِّط عليه، وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه، ولو خاف اللَّه دونه ولم يخفه لكان عدم خوفه منه وتوكله على اللَّه من أعظم أسباب نجاته منه\" (^١).\nوأما تعريفه فقد وردت آثار مختلفة العبارة فمنها: أنه الثقة باللَّه، أو الرضا عنه، وعدم التسخط، أو حسن الظن به، أو أنه يأتي بعد بلوغ غاية الزهد، قال ابن القيم ﵀: \"وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها، وكلٌّ أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر\" (^٢)، ثم ذكر الأمور التي يتركب منها التوكل وهي: \"فأول ذلك معرفة بالرب وصفاته. . . فكل من كان باللَّه وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى، الدرجة الثانية: إثبات في الأسباب والمسببات فإن من نفاها فتوكله مدخول. . . ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه باللَّه لا بها، وحال بدنه قيامه بها، فالأسباب محل حكمة اللَّه وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٨٧).\n(^٢) مدارج السالكين (٢٥/ ١٢٣).","vol":"1","page":325},{"text":"على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية، الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل؛ فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل: توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل. . . الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على اللَّه واستناده إليه وسكونه إليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها، بل يخلع السكون إليها من قلبه ويلبسه السكون إلى مسببها. . . الدرجة الخامسة: حسن الظن باللَّه ﷿ فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن باللَّه، والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه. . . الدرجة السادسة: استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعاته، وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك، لا فيما أمرك بفعله، فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده، وانقياده له، وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده. . . الدرجة السابعة: التفويض، وهو روح التوكل ولُبُّه وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى اللَّه، وإنزالها به طلبا واختيارا، لا كرها واضطرارا، بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره، كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته، وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له. . . فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة،","vol":"1","page":326},{"text":"انتقل منها إلى درجة الرضى، وهي ثمرة التوكل، ومن فسر التوكل بها فإنما فسره بأجل نمراته وأعظم فوائده. . . فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه\" (^١).\nوأما التوكل واتخاذ الأسباب فهي من أجل العلاقات وأمتن التلازمات، فقد سبق ذكره في درجات التوكل التي لا يتم إلا بها مجتمعة، وأن من نفاها فإن توكله مدخول، وقد تضمن أثر عمر بن الخطاب -﵁- بيانا شافيا للفرق بين التوكل والاتكال حيث بيّن أن التوكل مقارن للأسباب وضرب لذلك مثلا بأن المتوكل هو الذي يلقي الحبة ويتوكل، أما الجالس فهو متَّكِل لا متَوَكِّل، وهذا هو الأصل الذي لا شك فيه، وأما ما ورد من الآثار التي قد تدل على ترك الأسباب، كأثر أبي سليمان لو حققنا التوكل ما بنينا حائطا. . .، وأثر أبي جعفر في سوق الرزق للمتوكل بلا تعب ولا تكلف، ونصيحة العابد للبراثي في أن المتوكل يريح جسده من طلب الرزق، ويقل همه، وعدم اكتراث أبي فروة الزاهد بإبطاء الرزق ولا بسرعته، فإن هذه الآثار ليس فيها ترك اتخاذ الأسباب فضلا عن استحبابه، لكن في بعضها إيهام لشيء من ذلك، وكلما تأخر العهد عن زمن النبوة قلَّ الصواب فعلا وقولا، قال ابن القيم: \"أجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب؛ فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٢٣ - ١٢٩)، وانظر جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٦).","vol":"1","page":327},{"text":"وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد\" (^١)، وإنما تفيد هذه الآثار: \"أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومساكنتهم لها؛ فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على اللَّه بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق الطير إلى أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير\" (^٢).\nوقد عقد ابن القيم فصلا في كتابه الروح في الفرق بين التوكل والعجز، ردّ فيه على من عطل السبب واعتمد على التوكل بزعم أن: \"الرزق يطلب صاحبه كما يطلبه أجله، وسيأتيني ما قدر لي على ضعفي، ولن أنال ما لم يقدر لي مع قوتي، ولو أني هربت من رزقي كما أهرب من الموت للحقني\" فقال -﵀-: \"فيقال له: نعم هذا كله حق، وقد علمت أن الرزق مقدر، فما يدريك كيف قُدِّر لك؟ بسعيك أم بسعي غيرك؟ وإذا كان بسعيك، فبأي سبب؟ ومن أي وجه؟ وإذا خفى عليك هذا كله، فمن أين علمت أنه يقدر لك إتيانه عفوا بلا سعي ولا كدٍّ؟ فكم من شيء سعيت فيه فقُدِّر لغيرك، وكم من شيء سعى فيه غيرك فقُدِّر لك رزقا؟ فإذا رأيت هذا عيانا، فكيف علمت أن رزقك كله بسعي غيرك؟ وأيضا فهذا الذي أوردته عليك النفس يجب عليك طرده في جميع الأسباب مع مسبباتها، حتى في أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار، فهل تعطلها اعتمادا على التوكل؟ ! أم تقوم بها مع التوكل؟ بل لن\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٢١).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":328},{"text":"تخلو الأرض من متوكل صبر نفسه للَّه، وملأ قلبه من الثقة به، ورجائه وحسن الظن به، فضاق قلبه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب فسكن قلبه إلى اللَّه، واطمأن إليه ووثق به، وكان هذا من أقوى أسباب حصول رزقه، فلم يعطل السبب، وإنما رغب عن سبب إلى سبب أقوى منه، فكان توكله أوثق الأسباب عنده (^١)، فكان اشتغال قلبه باللَّه، وسكونه إليه، وتضرعه إليه، أحب إليه من اشتغاله بسبب يمنعه من ذلك، أو من كماله، فلم يتسع قلبه للأمرين، فأعرض أحدهما إلى الآخر، ولا ريب أن هذا أكمل حالا ممن امتلأ قلبه بالسبب، واشتغل به عن ربه، وأكمل منهما من جمع الأمرين، وهي حال الرسل والصحابة؛ فقد كان زكريا نجارا، وقد أمر اللَّه نوحا أن يصنع السفينة، ولم يكن في الصحابة من يعطل السبب اعتمادا على التوكل، بل كانوا أقوم الناس بالأمرين، ألا ترى أنهم بذلوا جهدهم في محاربة أعداء الدِّين بأيديهم وألسنتهم، وقاموا في ذلك بحقيقة التوكل، وعمروا أموالهم وأصلحوها وأعدوا لأهليهم كفايتهم من القوت اقتداء بسيد المتوكلين صلوات اللَّه وسلامه عليه وآله\" (^٢).\n_________\n(^١) ولعل هذا أحسن ما تحمل عليه الآثار الواردة عن بعض السلف في ترك التكسب اعتمادا على التوكل، أي اتخذوا التوكل سببا ولم يعطلوا الأسباب بالكلية كما هو حال الصوفية واللَّه أعلم.\n(^٢) الروح (٢/ ٧٤٨ - ٧٤٩).","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المطلب الخامس: الآثار الواردة في اليقين</span>.\n\n١٩٩ - حدثنا أبو عبد اللَّه الأزدي، عن الحسن بن محمد الخزاعي، عن رجل من ولد عثمان بن عفان -﵁-: أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه: \"إن لكل سفر زادًا لا محالة، فتزوّدوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ اللَّه من ثوابه وعقابه، ترغبون وترهبون. . . \" (^١).\n\n٢٠٠ - حدثنا أبو زكريا البلخي (^٢)، حدثنا مُعَمَّر بن سليمان (يعني) الرقي، عن الفرات بن سلمان، أن الحسن كان يقول: \"إن للَّه عبادا هم\n_________\n(^١) إسناده ضعيف لجهالة الرجل المبهم، قصر الأمل (٥٠) رقم (٥٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٠/ ٩١) بسياق أطول وقصة وأبيات في مدح عمر من كثير عزة ونصيب، وكذلك الأصبهاني في الأغاني (٩/ ٢٩٦)، بسند ضعيف جدا فيه حماد الراوية وهو مشهور بالكذب في الرواية وعمل الشعر انظر لسان الميزان (٢/ ٣٥٢)، وأوردها ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٢٥٢)، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٣٩)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١٠/ ٢٤١)، وانظر جمهرة خطب العرب (٢/ ٢٠٩) لأحمد زكي صفوت.\n(^٢) لعله يحيى بن أيوب المقابري، أبو زكريا البغدادي العابد، وهو ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٣٤ هـ)، انظر: التهذيب (٨/ ١٨)، والتقريب (٧٥٦٢)، لأنه من شيوخه كما في التهذيب، وقد روى عنه في قصر الأمل (٨٩) رقم (١١٣) وغيره من كتبه باسم يحيى بن أيوب، وهذا أولى مما استظهره الدكتور مصلح الحارثي في تحقيق التهجد بأنه يحيى بن موسى الحداني، للقرينتين السابقتين، وكلا الرجلين ثقة على كل حال واللَّه أعلم.","vol":"1","page":330},{"text":"والجنة كمن رآها؛ فهم فيها متكئون، وهم والنار كمن رآها؛ فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وحاجاتهم خفية، وأنفسهم عفيفة، أما الليل فصافِّي أقدامهم، مفترشي جباههم، يناجون ربهم في فكاك رقابهم، وأما النهار فحكماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف، فهم أمثال القداح، فينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بهم من مرض، ويقول: قد خولطوا، وقد خالط القوم أمر عظيم\" (^١).\n\n٢٠١ - حدثنا أحمد بن حاتم (^٢)، سمعت شعيب بن حرب (^٣) عن أبي عوانة (^٤) قال: \"لو قيل لمنصور بن زادان (^٥): إنك تموت غدا أو بعد غد ما\n_________\n(^١) إسناده صحيح إن كان شيخ المصنف هو البغدادي العابد.\nالتهجد (٣٤٢) رقم (٢٨٢)، الهم والحزن (٦٩١) رقم (٩١)، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥١)، وذكره الإشبيلي في التهجد (٢٣٥) رقم (١١٩٦).\n(^٢) هو ابن يزيد الطويل، أبو جعفر الحناط البغدادي، وثقه ابن معين والدارقطني وغيرهما، انظر: الجرح والتعديل (٢/ ٤٨)، تاريخ بغداد (٤/ ١١٢)، تعجيل المنفعة (ص ٢٤)، وقد ورد ملقبا بالطويل في كتابه الورع (ص ٩٦) رقم (١٤٤).\n(^٣) المدائني، أبو صالح البغدادي نزيل مكة، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة (١٩٧ هـ)، انظر: التهذيب (٤/ ٣٥٠)، التقريب (ص ٢٦٧).\n(^٤) هو الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطي البزار، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس أو ست وسبعين، انظر التقريب رقم (٧٤٥٧).\n(^٥) الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة، مات سنة (١٢٩ هـ) على الصحيح، انظر: التهذيب (١٠/ ٣٠٦)، التقريب (٦٩٤٦).","vol":"1","page":331},{"text":"كان عنده من مزيد\" (^١).\n\n٢٠٢ - أنشدني أحمد بن العباس النمري (^٢):\nوإني لأرجو اللَّه حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما اللَّه صانع (^٣)\n\n٢٠٣ - حدثني أبي، قال أخبرنا عبد العزيز القرشي، عن سفيان، عن زياد المصفر قال: سمعت الحسن يقول: \"يا ابن آدم خف مما خوّفك اللَّه تعالى يكفيك ما خوّفك الناس،\n_________\n(^١) إسناده صحيح؛ التهجد (٢٤٠) رقم (١٦٣).\nوالأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٥٨)، من طريق المصنف، وبحشل في تاريخ واسط (ص ٨١)، ولم يذكر فيه أبا عوانة، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٢)، وذكر برنامجه اليومي المليء بالعبادات والأوراد طوال اليوم، وبعد العشاء يتفرّغ للتدريس والتحديث، وهذا الوصف والثناء مشهور عن حماد بن سلمة ﵀، انظر: طبقات الحفاظ (١/ ٩٥)، حلية الأولياء بسنده (٦/ ٢٥٠)، شذرات الذهب (١/ ٢٦٢)، السير (٧/ ٤٤٧)، العبر (١/ ٢٤٨)، صفة الصفوة (٣/ ٣٦١)، المنتظم (٨/ ٢٩٥) كلهم ذكر هذا الوصف والثناء عن حماد، ويذكر أيضًا عن صفوان بن سليم كما في صفة الصفوة (٢/ ١٥٣).\n(^٢) لم أجد له ترجمة، ولعله أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن العباس المعروف بابن النيري، وهو صدوق، تاريخ الإسلام (١/ ٢٤١٦)، والإكمال (٧/ ٢٩٣).\n(^٣) إسناده لين، وشيخ المصنف لم أجد له ترجمة إلا أن المزي ذكره في تهذيب الكمال (٦/ ٣٥٥) ضمن الرواة عن محمد بن الطفيل، حسن الظن باللَّه (٨٤) رقم (٩٨) والبيت من نسخة مخلص والظاهرية والمحمودية، وأخرج ابن عساكر في تاريخ =","vol":"1","page":332},{"text":"وإن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق بما في يد اللَّه تعالى\" (^١).\n\n٢٠٤ - حدثنا الحسن بن محبوب، ثنا الفيض بن إسحاق قال: قال فضيل بن عياض قال إبراهيم التيمي (^٢): \"إن حبسني فهو أهون عليّ، ولكن أخاف أن يبتليني فلا أدري على ما أكون عليه؟، قال فضيل: يخاف أن يفتنه، قال إبراهيم: فحبسني فدخلت على اثنين في قيد واحد بمكان ضيّق لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، فيه يأكلون وفيه يتغوّطون، وفيه يصلّون، قال: فحبسني برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا فلم نجد مكانا، فجعلوا يترامون به، فقال: اصبروا فإنما هي الليلة، فلما كان الليل قام يصلي فقال: يا رب، مننت عليّ بدينك، وعلمتني كتابك، ثم سللت عليّ أشرّ خلقك، يا رب: الليلة الليلة لا أصبح فيه، فما أصبحنا حتى ضرب أبواب السجن أين البحراني، فقلنا: ما دعا له الساعة إلا ليقتل، فخلّا سبيله، فجاء فقام\n_________\n= دمشق (٣٦/ ٤٤٠) أبياتا كثيرة قالها أبو الفضائل في جده أبي المجد القاضي بحماة: ومنها:\nوإني لأرجو اللَّه حتى لكأنما ... ظنوني في إحسانه كعيان\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه القرشي وهو عبد العزيز بن عبد اللَّه القرشي يروي عن سفيان الثوري، منكر الحديث كما في التقريب (٤١٣٥)، القناعة والتعفف (٥٠) رقم (٩٨)، واليقين برقم (٣٤)، وابن كثير في البداية والنهاية عن المصنف (٩/ ٢٧٠)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٩٠).\n(^٢) هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، أبو أسماء الكوفي العابد، ثقة إلا أنه يرسل ويدلس، مات سنة (١٩٢ هـ) وله أربعون سنة، التقريب (٢٦٩).","vol":"1","page":333},{"text":"على الباب، فسلّم علينا، وقال: أطيعوا اللَّه لا يعصكم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان منزلة اليقين والحث على أعلى مراتبها كما في أثر عمر بن عبد العزيز والحسن، أن يكون المؤمن كمن عاين ما أعد اللَّه لعباده من الثواب والعقاب، وذلك أن اليقين درجات يرتقي فيها العبد في هذه الدنيا ليصل إلى كمالها بإذن اللَّه، وقد ذكرها أبو بكر الوراق فقال: \"اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر، ويقين دلالة، ويقين مشاهدة\"، قال ابن القيم شارحا لذلك: \"يريد بيقين الخبر: سكون القلب إلى خبر المخبر، وتوثقه به، وبيقين الدلالة: ما هو فوقه، وهو: أن يقيم له مع وثوقه بصدقه الأدلة الدالة على ما أخبر به، وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن؛ فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره، فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر، ومن جهة الدليل، فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة وهي: يقين المكاشفة؛ بحيث يصير المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين،\n_________\n(^١) إسناده حسن، الفيض بن إسحاق ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٢) وقال: \"كان ممن يخطئ\"، وقال عنه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٨٦): \"كان صاحب حديث وخير وغزو\"، الفرج بعد الشدة (٨٣ - ٨٤) رقم (٥٨)، وأورده التنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":334},{"text":"وهذا أعلى أنواع المكاشفة. . . قال بعضهم: رأيت الجنة والنار حقيقة، قيل له: وكيف؟ قال: رأيتهما بعيني رسول اللَّه، ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني؛ فإن بصري قد يطغى ويزيغ، بخلاف بصره\" (^١)، ولذلك ورد عن بعض السلف أنه لو أخبر أنه سيموت لم يكن عنده مزيد؛ لأنه وصل إلى أعلا درجة اليقين، وفي أبيات النمري من يقينه في حسن ظنه باللَّه أنه كأنه يرى ما اللَّه صانع به، وفي أثر الحسن والتيمي بيان علاقة التوكل باليقين، وذلك أنه إذا قوي اليقين قوي التوكل، وإذا ضعف ضعف، فإذا ضعف اليقين صارت ثقة العبد بما في يده أكثر مما في يد اللَّه، وإذا قوي اليقين، انقلب الأمر كما في قصة البحراني الذي دعا اللَّه أن يخرجه من السجن، فخرج كما دعا وتيقن، قال ابن القيم: \"اليقين قرين التوكل، ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين، والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته. . . ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهمٍّ وغمٍّ، فامتلأ محبة للَّه وخوفا منه، ورضي به، وشكرا له، وتوكلا عليه، وإنابة إليه، فهو مادة جميع المقامات والحامل لها\" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٤١٧).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٤١٤).","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>المطلب السادس: الآثار الواردة في حسن الظن باللَّه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>أولا: الآثار الواردة في فضل حسن الظن باللَّه ومعناه</span>.\n\n٢٠٥ - نا محمد بن بشير، نا عبد اللَّه بن المبارك قال: \"كنت آتي سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه، وعيناه تهملان، فبكيت، فالتفت إليّ فقال: ما شأنك؟ فقلت: من أسوأ أهل الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن اللَّه لا يغفر لهم\" (^١).\n\n٢٠٦ - ذكر عليّ بن يزيد بن عيسى، نا خلف بن تميم قال: \"قلت لعليّ بن بكار (^٢): ما حسن الظن باللَّه؟ قال: لا يجمعك والفجار في دار واحدة\" (^٣).\n\n٢٠٧ - نا محمد بن عباد المكي، عن سفيان بن عيينة قال: صلى\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، شيخ المصنف هو أبو جعفر الكاتب أورده ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٣/ ٤٤)، حسن الظن باللَّه (٧٢) رقم (٧٨).\n(^٢) هو علي بن بكار أبو الحسن المصيصي، صدوق مات في حدود (٢٤٠ هـ)، التقريب (٤٦٩٤)، وفي طبقته علي بن بكار الزاهد نزيل الثغر، لكن هذا مصيصي وخلف بن تميم مصيصي كذلك، ولم أجدهما في شيوخه ولا ذكر هو في الرواة عن أحدهما واللَّه أعلم.\n(^٣) حسن الظن باللَّه (١٩) رقم (١١)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٤٦٣) وفيه زيادة مهمة وهي أن خلف بن تميم سأل علي بن بكار عن حديث النبي -ﷺ-: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه\"، ونقله عنه المزي في تهذيب الكمال (٥/ ٢٢٥)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (١٩٠) عن المصنف.","vol":"1","page":336},{"text":"محمد بن المنكدر على رجل من أهل المدينة كان يؤمن (^١) بشر وقال: \"إني لأستحيي من اللَّه أن يعلم من قلبي أني ظننت أن رحمته عجزت عنه\" (^٢).\n\n٢٠٨ - نا أبو حفص الصيرفي قال: بلغني أن عمر بن ذر (^٣) كان إذا تلا ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (^٤)، قال: \"ونحن نقسم باللَّه جهد أيماننا ليبعث (^٥) اللَّه من يموت، أتراك تجمع بين المرأين المُقْسِمَين في دار واحدة، قال أبو بكر: وبكى أبو حفص بكاءًا شديدا\" (^٦).\n_________\n(^١) كذا في نسخة شاحونة والسيد وذكر السيد أنها كذلك في الأصل، وفي الظاهرية والمحمودية وطبعة مخلص \"يؤبن\"، وهو الصحيح ومعناه يذكر بقبيح كما في مختار الصحاح (٣).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يهم، التقريب (٦٠٣١)، لكن ترجمته في الجرح والتعديل (٨/ ١٣) وغيره تفيد حسن حديثه وهو كذلك قول أحمد وابن معين، بل هناك من وثقه، حسن الظن باللَّه (٦٧) رقم (٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٤٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق بلفظ مقارب (٥٦/ ٥٨)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٣٥٩).\n(^٣) هو عمر بن ذر بن عبد اللَّه بن زرارة الهمداني المرهبي، أبو ذر الكوفي، ثقة بليغ واعظ، رمي بالإرجاء، مات سنة (١٥٣ هـ)، وقيل غير ذلك، الكاشف (٢/ ٦٠)، التقريب (٤٨٩٣).\n(^٤) سورة النحل، من الآية (٣٨).\n(^٥) في المخطوط: \"ليبعثن\" بالتوكيد، وهي كذلك في طبعة مخلص محمد، لكن أوردها شاحونة ومجدي السيد هكذا.\n(^٦) إسناده منقطع، حسن الظن باللَّه (٢٧ - ٢٨) رقم (١٥)، وعنه ابن رجب في التخويف من النار (١٩٠ - ١٩١).","vol":"1","page":337},{"text":"٢٠٩ - نا محمد بن صالح القرشي، عن عامر بن حفص (^١) قال: وقف الحسن على وكيع بن أبي الأسود فقال: \"اللهم ارحم وكيعا؛ فإن رحمتك لن تعجز عن وكيع\" (^٢).\n\n٢١٠ - حدثني محمد بن الحسين، عن محمد بن جعفر بن عون (^٣) قال: قال داود الطائي (^٤): \"ما نعوِّل إلا على حسن الظن باللَّه تعالى، فأما التفريط فهو المستولي على الأبدان\" (^٥).\n\n٢١١ - نا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض، عن سليمان، عن خيثمة قال: قال عبد اللَّه: \"والذي لا\n_________\n(^١) هو أبو اليقظان سحيم بن حفص، شيخ المدائني وقد دلسه بأسماء كثيرة، وهو كما قال ابن النديم: \"وكان عالما بالأخبار والأنساب والمآثر والمثالب، ثقة فيما يرويه، وتوفي سنة تسعين ومائة وله من الكتب: كتاب حلق تميم بعضها بعضا، كتاب أخبار تميم. . . \" الفهرست (١/ ١٣).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف أبو التياح صدوق أخباري، التقريب (٦٠٠١)، حسن الظن باللَّه (٦٧) رقم (١٠٠).\n(^٣) في المطبوع: \"عن محمد بن جعفر عن عون\" وهو خطأ صوبته من الحلية.\n(^٤) هو داود بن نُصَيْر أبو سليمان الطائي الكوفي، ثقة فقيه زاهد، سمع الحديث، وفَقُهَ، وعرف النحو، وعَلِمَ أيام الناس وأمورهم، ثم تعبد فلم يكن يتكلم في ذلك بشيء، مات سنة (١٦٥ هـ) وقيل إلى بعدها، طبقات ابن سعد (٦/ ٣٦٧)، التقريب (١٨١٦)، وانظر أخباره في الحلية (٧/ ٣٦١).\n(^٥) إسناده لين؛ محمد بن جعفر لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في الثقات (٩/ ١٠١)، محاسبة النفس (٨٥) رقم (٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٥٧).","vol":"1","page":338},{"text":"إله غيره ما أعطي عبد شيئا خير من حسن الظن باللَّه، والذي لا إله غيره ما يحسن عبد الظن باللَّه إلا أعطاه اللَّه ظنه ذلك؛ فإن الخير في يده\" (^١).\n\n٢١٢ - نا محمد بن الحسيم، نا أبو عمر الضرير، نا سهيل أخو حزم القطعي قال: \"رأيت مالك بن دينار في منامي فقلت: يا أبا يحيى بماذا قدمت على اللَّه ﷿؟ فقال: قدمت بذنوب كثيرة محاها عني حسن الظن باللَّه\" (^٢).\n\n٢١٣ - ذكر محمد بن الحسين، نا عمار بن عثمان الحلبي، ذكر حصين بن القاسم الوزان، عن عبد الواحد بن زيد رحمه اللَّه تعالى قال: \"رأيت حوشبا في منامي فقلت: يا أبا بشر كيف حالكم؟ قال: نجونا بعفو اللَّه، فقلت: ما تأمر به؟ قال: عليك بمجالس الذكر، وحسن الظن بمولاك\n_________\n(^١) إسناده منقطع، حسن الظن باللَّه (٥٩ - ٦٠) رقم (٨٢)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٤) رقم (٨٧٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨): \"رواه الطبراني موقوفا، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الأعمش لم يدرك ابن مسعود\"، وكذا في الترغيب والترهيب (٤/ ١٣٦)، قلت: لعل في الأمر تصحيفا فإن السند عن الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود، وخيثمة لم يسمع من ابن مسعود كما نص على ذلك العراقي في تحفة التحصيل (٩٨)، والعلائي في جامع التحصيل (١٧٣)، أما الأعمش فأمره أوضح فقد نص على أنه لم يسمع من أحد من الصحابة واللَّه أعلم، انظر جامع التحصيل (١١٨).\n(^٢) إسناده حسن إلى سهيل، حسن الظن باللَّه (٢٢) رقم (٧)، والمنامات برقم (٣٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٤١ - ٤٤٢).","vol":"1","page":339},{"text":"﷿ فكفى بهما خيرا\" (^١).\n\n٢١٤ - نا محمد بن الحسين، نا عبيد اللَّه بن موسى، نا عمار بن سيف قال: \"رأيت الحسن بن صالح في منامي فقلت: قد كنت متمنيا لقاءك، فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر فلم أر مثل حسن الظن باللَّه شيئا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>ثانيا: الآثار الواردة في حسن الظن والعمل</span>.\n\n٢١٥ - ثنا أبو عبد اللَّه أحمد بن إبراهيم، عن هاشم بن القاسم، عن أبي محمد بن الكوفي قال: قال الحسن: \"إن قوما ألهتهم أمانيّ المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة، يقول: إني أحسن الظن بربّي، كذب، ولو أحسن الظن بربّه لأحسن العمل\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>ثالثا: الآثار الواردة في إحسان الظن باللَّه عند الموت</span>.\n\n٢١٦ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثنا سعدان بن\n_________\n(^١) إسناده حسن إلى عبد الواحد، حسن الظن باللَّه (٢٢ - ٢٣) رقم (٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٩٩) أطول من هذا.\n(^٢) إسناده حسن إلى عمار، حسن الظن باللَّه (٢٣) رقم (٩)، والمنامات برقم (٤٨)، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ٢٢٠).\n(^٣) فيه أبو محمد الكوفي لم أجد له ترجمة، وهاشم بن القاسم هو أبو النضر لقبه قيصر ثقة، التقريب (٧٣٠٥) وليس الحراني، الوجل والتوثّق بالعمل (٢٨) رقم (٢)، وذكره المناوي في فيض القدير (٥/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"1","page":340},{"text":"مسلم (^١) قال: \"دخلت على أخي يحيى وهو يجود بنفسه، فقال: اذكر لي شيئا مما يحسن به ظني، فحضرني هذا الشعر، فقلت له:\nيا كبير الذنب عفو اللّـ ... ـه من ذنبك أكبرْ\nأكبر الأشياء في أصـ ... ـغر عفو اللَّه يصغرْ (^٢)\n\n٢١٧ - ذكر أبو عبد اللَّه النقري، ذكر سوار بن عبد اللَّه (^٣)، نا المعتمر قال: \"قال أبي (^٤) حين حضرته الوفاة: حدثني بالرخص لعلِّي ألقى اللَّه ﷿ وأنا حسن الظن به\" (^٥).\n_________\n(^١) لم أجد له ترجمة، سوى أن ابن حجر في لسان الميزان (٢/ ١٤٣) نقل عن الطوسي -في رجال الشيعة- أن ابنه يري عن ابن أبي جهيمة.\n(^٢) سعدان بن مسلم لم أجده، المحتضرين (٢٣٢ - ٢٣٣) رقم (٣٤٨)، وابن حجر في الأمالي المطلقة (١٤٠) وفيه أن الأبيات لأبي نواس وتمنى أبو العتاهية الذي عمل عشرين ألف بيت في الزهد أن له بها ثلاث أبيات منها هذا، وكذا في تاريخ دمشق (١٣/ ٤٢٠، ٤٦٠) وذكرها غيرهما لأبي نواس.\n(^٣) الصواب في الإسناد هو: أبو عبد اللَّه البصري سوار بن عبد اللَّه كما هو في المخطوط \"ل ١٨٦ ب\"، والإسناد متصل عن شيخ المصنف وليس فيه \"ذكر\"، وكذا في المحتضرين، وورد على الصواب في نسخة مخلص محمد.\n(^٤) هو سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، مات سنة (١٤٣ هـ) وهو ابن سبع وتسعين، التقريب (٢٥٧٥).\n(^٥) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٣٧) رقم (٢٩)، المحتضرين (٣٩) رقم (٢٦)، وابن الجعد في مسنده (١٩٩) رقم (١٣١١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٧) رقم (١٠٠٨)، وذكره كل من المزي في تهذيب =","vol":"1","page":341},{"text":"٢١٨ - نا عمرو بن محمد الناقد، نا خلف بن خليفة، عن حصين، عن إبراهيم قال: \"كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته، لكي يحسن ظنه بربه\" (^١).\n\n٢١٩ - نا أبو عبد الرحمن الكوفي، ثنا سيار، نا جعفر قال: سمعت ثابتا (^٢) قال: \"كان شاب قد رهق، وكانت أمه تعظه تقول: أي بنيّ إن لك يوما فاذكر يومك، يا بني إن لك يوما فاذكر يومك، فلما نزل به الموت قالت: أي بنيّ قد كنت أحذّرك مصرعك هذا وأقول لك: إن لك يوما فاذكر يومك، فقال: يا أم إن لي ربا كثير المعروف، فأنا أرجو أن لا يعدمني ربي بعض معروف أن يرحمني، قال ثابت: فرحمه اللَّه بحسن ظنه بربّه في حاله تلك\" (^٣).\n_________\n= الكمال (٣/ ٢٨٦)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١٠٤)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٩٩).\n(^١) إسناده حسن، فإن سماع عمرو من خلف قديم بحسب تاريخ وفاتهيما واللَّه أعلم، وخلف صدوق اختلط في الآخر، التقريب (١٧٤١)، حسن الظن باللَّه (٢٧) رقم (٣٠)، المحتضرين (٣٩ - ٤٠) رقم (٢٧)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٧) رقم (١٠٠٧)، وابن الجوزي في الثبات عند الممات (٧٠)، وذكره عنه ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١٠٤)، وكذا الصنعاني في سبل السلام (٢/ ٩٠).\n(^٢) هو ثابت بن أسلم البُناني، أبو محمد البصري، ثقة عابد، مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله ست وثمانون، التقريب (٨١٠).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، التقريب (٣٢٩٨)، حسن الظن باللَّه (٤٠ - ٤١) رقم (٣٤)، المحتضرين برقم (١٨)، وعبد اللَّه في زيادات الزهد (٣٠٨)، =","vol":"1","page":342},{"text":"٢٢٠ - نا زهير بن حرب، نا شبابة بن سوار، نا هشام بن الغاز، ذكر حيان أبو النضر قال: قال لي واثلة بن الأسقع (^١): \"قدني إلى يزيد بن الأسود (^٢)، فإنه قد بلغني أنه لِما به، قال: فقدته فدخل عليه وهو ثقيل، وقد وُجّه، وقد ذهب عقله، قال: فنادوه، فقلت: إن هذا واثلة أخوك، قال: فأبقى اللَّه من عقله ما سمع أن واثلة قد جاء، قال: فمدّ يده فجعل يلمس بها، فعرفت ما يريد، فأخذت كفّ واثلة فجعلتها في كفّه، وإنما أراد أن يضع يده في يد واثلة، ذاك لموضع يد واثلة من رسول اللَّه -ﷺ-، فجعل يضعها مرّة على صدره، ومرة على وجهه، ومرّة على فيه، فقال واثلة: أما تخبرني عن شيء أسألك عنه؟ كيف ظنّك باللَّه؟ قال: أغرقتني ذنوب، وأشفيت على هلكة، ولكن أرجو رحمة اللَّه، قال: فكبّر واثلة وكبّر أهل البيت تكبيرة، وقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"يقول اللَّه:\n_________\n= وابن الجعد في المسند (٢١١) رقم (١٣١٥)، والربعي في وصايا العلماء (١٠١)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٢٦)، ومن طريق المصنف البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤١٧) رقم (٧١١٤).\n(^١) هو واثلة بن الأسقع بن كعب الليثي، صحابي مشهور، أسلم قبل تبوك وشهدها، نزل الشام، وعاش إلى سنة (٨٥ هـ)، وله مائة وخمس سنين، الإصابة (٦/ ٥٩١)، التقريب (٧٣٧٩).\n(^٢) هو يزيد بن الأسود أو بن أبي الأسود الخزاعي، ويقال: العامري، صحابي نزل الطائف، وفد به أبوه على النبي -ﷺ- وهو غلام فدعا له، الإصابة (٦/ ٦٤٨)، التقريب (٧٦٨٥).","vol":"1","page":343},{"text":"أنا عند ظن عبدي، فليظنّ بي ما شاء\" (^١).\n\n٢٢١ - حدثني محمد قال: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي قال: حدثني أبو سلمة التيمي قال: سمعت عبد الأعلى التيمي (^٢) يقول لجارٍ له وقد حضره الموت: \"أكثر من جزعك من الموت، وأَعِدَّ لعظيم الأمور حسن الظن باللَّه\" (^٣).\n\n٢٢٢ - حدثني محمد قال: حدثنا حاتم بن سليمان قال: \"دخلنا على عبد العزيز بن سليمان وهو يجود بنفسه، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجدني أموت، فقال له بعض إخوانه: على أية حال رحمك اللَّه؟ فبكى، ثم قال: ما نعوِّل إلا على حسن الظن باللَّه، قال: فما خرجنا\n_________\n(^١) إسناده حسن، حيان أبو النضر وثقه ابن معين وقال أبو حاتم: (صالح) انظر الجرح والتعديل (٣/ ٢٤٤)، حسن الظن باللَّه (١٦ - ١٧) رقم (٢)، والمحتضرين (٣١ - ٣٣) رقم (١٦) وهو فيه أوضح سياقا، ومن طريقه البيهقي في الأربعون الصغرى برقم (١٢٤)، وابن قدامة في المتحابين في اللَّه برقم (١٣٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ١١٥) من طريق المصنف، وذكره ابن حجر في الإصابة (٣/ ٦٧٣) ونسبه للمصنف، وأخرجه أيضًا غيرهم انظر بعض من خرجه في المسند (٢٥/ ٣٩٨).\n(^٢) عبد الأعلى التيمي، رجل صالح، قال ابن حجر: \"معروف روى عنه أبو حنيفة في الآثار، ومسعر، وذكره البخاري في تاريخه، فلم يذكر فيه جرحا، وذكره ابن حبان في الثقات\"، تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين (١٦٩)، تعجيل المنفعة (٢٤٣).\n(^٣) إسناده صحيح، وأبو سلمة التيمي هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون وثقه ابن معين وأبو داود انظر السير (٨/ ٣٧١)، المحتضرين (١٥٤) رقم (٢٠٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٧) رقم (١٠٠٩).","vol":"1","page":344},{"text":"من عنده حتى مات\" (^١).\n\n٢٢٣ - حدثت عن بكر بن سليمان الصواف قال: \"دخلنا على مالك بن أنس العشية التي قبض فيها فقلنا: يا أبا عبد اللَّه كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم، إلا أنكم ستعاينون غدا عن عفو اللَّه ما لم يكن في حساب، قال: ثم ما برحنا حتى أغمضناه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان أمور مهمة تتعلق بحسن الظن باللَّه، فقد اشتمل العنصر الأول على بيان معنى حسن الظن، والثاني على علاقته بالعمل، والثالث على استحضاره عند الموت، بل واستحضار ما يرغب فيه ويحث عليه.\nأما تعريفه: فالآثار تدور على أن معناه متعلق بأسماء اللَّه وصفاته وفهمها؛ فلا يجوز الاعتقاد بأن اللَّه لا يغفر لعباده، أو يجمع بين الفجار والأبرار في دار واحدة، أو أن رحمته تعجز عن أهل التفريط والكبائر، وهذا كله من فقه الأسماء والصفات، لكن هذا الفقه يجب أن يكون شاملا لكل أسمائه سبحانه وصفاته، ولا يقتصر على نوع دون غيره، أو يُغَلَّب\n_________\n(^١) فيه حاتم لم أعرفه وسيأتي (٢٣٧)، المحتضرين (١٥٤) رقم (٢٠٩).\n(^٢) إسناده فيه إبهام شيخ المصنف، حسن الظن باللَّه (٧٨) رقم (٨٦)، وذكره ابن فرحون في الديباج المذهب (١/ ٢٨).","vol":"1","page":345},{"text":"جانب على آخر، كي لا يكون غِرَةً، فإن اللَّه ﷿ \"فوق ذلك (^١)، وأجلُّ وأكرم، وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة، والانتقام وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة\" (^٢)، وهذا ما يتضح بعلاقة حسن الظن بالعمل.\nوأما علاقته بالعمل: فهي علاقة وطيدة، علاقة الشرط بالمشروط \"فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته، وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، وأوقع في محارمه، وانتهك حرماته، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم أحسن الظن فهذا حسن ظن، والأول غرور واللَّه المستعان\" (^٣)، ومن هنا كان حسن الظن مع اتباع الهوى عجزٌ، ولا يكون إلا مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن (^٤)، ولذلك كان أثر الحسن معيارا دقيقا في هذا الموضوع حيث بيّن أن العبد لو أحسن الظن بربّه لأحسن العمل، وعكس ذلك غرور وأماني (^٥).\nأما إحسان الظن باللَّه عند الموت: فإن الآثار الواردة فيه تدل على\n_________\n(^١) أي ما يستدل به الفجار على تماديهم فيما هم فيه من عفو اللَّه ورحمته ومغفرته و. . .\n(^٢) الجواب الكافي (١٥).\n(^٣) الجواب الكافي (١٥).\n(^٤) انظر الجواب الكافي (١٥).\n(^٥) انظر فصل الفرق بين حسن الظن والغرور في الجواب الكافي (٢٤)، وتحفة الأحوذي (١٠/ ٥٠).","vol":"1","page":346},{"text":"أهمية حسن الظن عند حضور الموت، وأنه إما أن يكون من مسيء فيحسن تذكيره بسعة عفو اللَّه ومغفرته، لصدق توبته في ذلك الوقف، وإما من محسن أو مخلط فيذكر بمحاسن عمله، كل ذلك ليقوى رجاؤه في اللَّه، ولا يقع فريسة لإبليس فيوقعه في القنوط واليأس من رحمة اللَّه، وسيأتي مزيد بسط وتوضيح للمسألة حسن الظن عند الموت في المبحث التالي عند الكلام على الخوف والرجاء عند الموت وأيهما أولى في تلك الحال.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المطلب السابع: الآثار الواردة في الرجاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>أولا: الآثار الواردة في رجاء ثواب الطاعة</span>.\n\n٢٢٤ - حدثنا أبو عبد الرحمن الخزاعي، عن عبد اللَّه بن أحمد قال: حدثنا محمد بن نصر قال: حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن المفضل بن فضالة، عن أبيه قال: \"استأذن قومٌ على عبد الملك بن مروان (^١) وهو شديد المرض، فقالوا: إنه لِما به، فقالوا: إنما ندخل فنسلِّم قياما ثم نخرج، فدخلوا عليه وقد أسنده خصيٌّ إلى صدره، وقد اربدَّ لونه، وجرى منخراه، وشخصت عيناه، فقال: دخلتم عليّ في حال إقبال آخرتي وإدبار دنياي، وإني تذكّرت أرجى عمل فوجدته غزوةً غزوتها في سبيل اللَّه وأنا خِلو من هذه الأشياء، فإياكم وإيَّا أبو ابِنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها\" (^٢).\n\n٢٢٥ - حدثني أبو جعفر مولى بني هاشم، حدثني أبو بكر المديني\n_________\n(^١) هو الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو الوليد، بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير، فلم تصح خلافته، وبقي متغلبا على مصر والشام، ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة (٧٣ هـ) فصحت خلافته من يومئذ، واستوثق له الأمر، توفي سنة (٨٦ هـ)، تاريخ الخلفاء (١٩٠).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه المفضل بن فضالة وهو القرشي ضعيف، التقريب (٦٩٠٥)، وفي طبقته مفضل بن فضالة بن عبيد القتباني وهو ثقة، التقريب (٦٩٠٦)، لكن الأول نص المزي في ترجمته من تهذيب الكمال أنه يروي عن أبيه ولم يذكر ذلك في القتباني واللَّه أعلم، المحتضرين (٧٥) رقم (٧٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٧ - ١٥٧)، وذكره ابن الأثير في الكامل (٤/ ٢٣٩).","vol":"1","page":348},{"text":"قال: قال سعيد بن العاص (^١): \"يا بني، إن المكارم لو كانت سهلة يسيرة لسابقكم إليها اللئام، ولكنها كريهة مرة، لا يصبر عليها إلا من عرف فضلها ورجا ثوابها\" (^٢).\n\n٢٢٦ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا الحميدي، عن سفيان قال: \"سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يقول: عَدَلَ واللَّه عمر بن عبد العزيز في الأمة، قال: فبكى عمر وقال: وددت واللَّه أنه كما قلت، ومن لِعُمَرَ بالذي قُلْتَ رحمك اللَّه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>ثانيا: الآثار الواردة في رجاء مغفرة الذنب</span>.\n\n٢٢٧ - حدثنا أبو عقيل الأسدي قال: حدثنا عبيد اللَّه بن موسى قال: حدثنا إسرائيل، عن عبد اللَّه بن المختار، عن محمد بن سيرين قال:\n_________\n(^١) هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، قتل أبوه ببدر، وكان لسعيد عند موت النبي -ﷺ- تسع سنين، وذكر في الصحابة، وولي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، مات سنة (٥٨ هـ) وقيل غير ذلك، الإصابة (٣/ ١٠٧)، التقريب (٢٣٣٧).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه شيخ المصنف قال ابن حبان: \"لا يجوز الاحتجاج به\" المجروحين لابن حبان (٢/ ٣٠٨)، مكارم الأخلاق (١٢) رقم (٥٢)، البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٦٥) رقم (٨٥٤٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٣٦ - ١٣٧)، المراد أن الرجاء فضله من جهة المعرفة لأن من قوي رجاؤه فلا بد أن يكون قد قوي إيمانه ومعرفته باللَّه، ولعل هذا من أوجه تفضيل الرغبة والرهبة، وليس كما يدعى الصوفية أنها عبادة التجار، بل هي عبادة العارفين واللَّه أعلم.\n(^٣) إسناده صحيح، المتمنين (٥٠) رقم (٦٩).","vol":"1","page":349},{"text":"\"مرض معاوية (^١) مرضا شديدا، فترل عن السرير، وكشف ما بينه وبين الأرض، وجعل يلزق ذا الخدَّ مرةً بالأرض ويبكى ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢)، اجعلني ممن تشاء أن تغفر لي\" (^٣).\n\n٢٢٨ - ذكر أبي، عن أبي المنذر الكوفي (^٤): \"أن معاوية ﵀ يقول وهو في الموت:\nإن تناقش يكن نقاشك يا رب ... عذابا لا طوق لي بالعذاب\n_________\n(^١) هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، أبو عبد الرحمن، الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة (٦٠ هـ)، وقد قارب الثمانين، الإصابة (٦/ ١٥١)، التقريب (٦٧٥٨).\n(^٢) سورة النساء، من الآية (٤٨).\n(^٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق ربما وهم التقريب (٧٥٧٥)، المحتضرين (٢٢٩) رقم (٣٤٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٢٦)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٤٢).\n(^٤) أبو المنذر الكوفي الذي يروي عنه والد ابن أبي الدنيا هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي، نص على ذلك الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٥٣١)، وصرح باسمه كاملا المصنف في المحتضرين برقم (٧٠) من طريق شيخه العكلي.","vol":"1","page":350},{"text":"أو تجاوز فأنت رب رحيم ... عن مسيء ذنوبه كالتراب (^١)\n\n٢٢٩ - ذكر الحسين بن يحيى بن كثير العنبري، عن خزيمة أبي محمد العابد قال: كان عمر بن ذر يقول: \"اللهم ارحم قوما أطاعوك في أحب طاعتك إليك، الإيمان بك والتوكل عليك، وارحم قوما أطاعوك في ترك أبغض العاصى إليك الشرك بك والافتراء عليك، قال: وكان بعضهم يقول: إن كان كل ما عصي اللَّه به عظيما؛ فإنه في سعة رحمته صغيرا\" (^٢).\n\n٢٣٠ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: \"لما جَدَّ بعمرو بن\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه الكلبي وسيأتي (٧٥٩)، حسن الظن باللَّه (٧٣) رقم (١١١) المحتضرين برقم (٧٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٢٤) من طريق آخر بسند ضعيف، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٤٢)، وابن الأثير في الكامل (٣/ ٣٧٠).\nوقد رويت هذه الأبيات كذلك من قول عبد الملك بن مروان ومن قول الحجاج بن يوسف.\nانظر: وصايا العلماء (٨٣)، وتهذيب الكمال (٤/ ٥٧٥)، والبداية والنهاية (٩/ ٦٨)، وتاريخ ابن عساكر (٣٧ - ١٥٩)، والكامل (٤/ ٢٤٠)، جميعهم نسبها لعبد الملك ونبه بعضهم أنها تروى عن معاوية.\nونسبها للحجاج ابن الأعرابي كما قال الزمخشري في الفائق (٤/ ١٦) ونبه أنها تروى عن معاوية.\n(^٢) إسناده حسن، وخزيمة العابد ترجم له أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٢) وذكر صلاحه وزهده ولم يذكر له رواية سوى بعض الزهديات والقصص، حسن الظن باللَّه (٨١ - ٨٢) رقم (٩٣).","vol":"1","page":351},{"text":"العاص، وضع يده موضع الغلال من رقبته فقال: اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك، فكانت تلك هِجِّيراه (^١) حتى مات\" (^٢).\n\n٢٣١ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد، عن محمد بن قيس الأسدي: \"أن عمرو بن العاص قال وهو في الموت: اللهم لا ذو قوّة فأنتصر، ولا ذو براءة فأعتذر، اللهم إني مقرّ، مذنب، مستغفر\" (^٣).\n\n٢٣٢ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: قال ابن السماك عند وفاته: \"اللهم إنك تعلم أني كنت إذ كنت أعصيك، أني أحبّ من يطيعك\" (^٤).\n_________\n(^١) أي دأبه وشأنه وديدنه وعادته، تاج العروس (١/ ٣٦٢٥).\n(^٢) إسناده صحيح، المحتضرين (٩٣ - ٩٤) رقم (١٠٤)، ثم برقم (٢٧٩)، وفيه أنه قال: \"لا إله إلا أنت، ثم أخذ بإبهامه فلم يزل يهلِّل حتى فاض\"، ثم رقم (٢٩٣): \"اللهم منك العفو والتجاوز\"، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٣٩)، وأحمد في المسند (٢٩/ ٣١٩ - ٣٢١) رقم (١٧٧٨١)، وعنه الذهبي في السير (٣/ ٧٥) وقال الهيثمي في المجمع: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\".\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، فيه هشام بن محمد وهو الكلبي فهو الذي يروي عنه والد المصنف، وقد سبق مرارا، المحتضرين (٩٤) رقم (١٠٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ١٩١، ١٩٩)، وابن سعد في الطبقات (٢٦٠)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١١٨٩)، والنووي في تهذيب الأسماء (٢/ ٣٤٧)، والذهبي في السير (٣/ ٧٦، ٧٧).\n(^٤) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٤٨٤)، المحتضرين (٢٣٢) رقم (٣٤٧)، =","vol":"1","page":352},{"text":"٢٣٣ - نا محمد بن الحسين، نا إبراهيم بن أشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: \"لو أدخلني اللَّه النار فصرت فيها ما أيسته\" (^١).\n\n٢٣٤ - نا أبو الحسن (^٢) البصري أحمد بن عبد اللَّه، نا سليمان بن نوح (^٣)، عن يونس، عن الحسن قال: \"أتى أعرابي إلى النبي -ﷺ- فقال: يا\n_________\n= وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٧٧)، والمناوي في فيض القدير (٣/ ٢٦٤).\n(^١) إسناده حسن، إبراهيم بن الأشعث تلميذ الفضيل، أورده ابن حبان في الثقات (٨/ ٦٦) وقال: \"وكان صاحب الفضيل بن عياض، يروى عنه الرقائق، روى عنه عبد بن حميد الكشي، يغرب ويتفرد ويخطئ ويخالف\"، ولهذا قال ابن أبي حاتم كما في الجرح والتعديل: \"سألت أبي: عن إبراهيم بن الأشعث وذكرت له حديثا رواه عن معن عن بن أخي الزهري عن الزهري، فقال: هذا حديث باطل موضوع، كنا نظن بإبراهيم بن الأشعث الخير فقد جاء بمثل هذا\"، وأورده بسببها ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢٣)، وكذا الذهبي في المغني (١/ ١٠)، ووثقه غيره كذلك كما في لسان الميزان (١/ ٣٦)، فالظاهر أن رواياته عن شيخه الفضيل الذي لازمه وعرف به لا سيما في الزهديات ونحوها لها حكم الحسن، وقد تابعه أيضًا في هذا الأثر إسحاق ابن إبراهيم عند أبي نعيم كما سيأتي، حسن الظن باللَّه (٥٨) رقم (٨٠)، المتمنين برقم (٨٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٨٨، ٩٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٤٢٠)، وذكره الذهبي في السير (٨/ ٤٣٢).\n(^٢) الصواب أنه أبو الحسين وهو ثقة التقريب (٥٦).\n(^٣) سليمان الظاهر أنه مصحف من سالم فهو المعروف بالرواية عن يونس ويروي عنه أحمد بن عبد اللَّه ابن الكردي كما في تهذيب الكمال (٣/ ١٠١)، وقد صحف في المخطوط اسم أبيه فصححه الناسخ وترك اسمه فاللَّه أعلم هل اكتفى بشهرته.","vol":"1","page":353},{"text":"رسول اللَّه من يحاسب الخلق يوم القيامة؟ قال: \"اللَّه -﷿-\"، قال: أفلحت ورب الكعبة، إذًا يترك حقه، وربما قال إذا لا يأخذ حقّه\" (^١).\n\n٢٣٥ - نا أبو جعفر المؤدّب أحمد بن بشير بن حبارة بشير بن الحارس، نا عطاء بن المبارك قال: قال بعض العباد: \"لما علمت أن اللَّه -﷿- يلي محاسبتي زال عني حزني؛ لأن الكريم إذا حاسب عبده تفضّل\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>ثالثا: الآثار الواردة في رجاء لقاء اللَّه</span>.\n\n٢٣٦ - قال أبو محمد أزهر: دخلنا على جعفر بن سليمان (^٣) نعوده\n_________\n(^١) إسناده حسن إلى الحسن وهو مرسل، حسن الظن باللَّه (٣٥) رقم (٢٥)، والبيهقي بلفظ آخر في شعب الايمان (١/ ٢٤٧) رقم (٢٦٢) وقال: \"تفرد به محمد بن زكريا الغلابي عن عبيد اللَّه بن محمد بن عائشة والغلابي متروك\"، وقبل هذا قوله: \"وقد روي معناه في حديث مسند لكنه يشبه أن يكون موضوعا فلم أجسر على نقله ثم إني نقلته لشهرته بين المذكورين وأنا أبرأ من عهده\"، وذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ١٤٣) وشرح قول البيهقي بقوله: \"ويشبه أن يكون موضوعا، ولكنه مشهور -يعني بين الزهاد ونحوهم- وأنا أبرأ من عهدته؛ يعني: لا أقول بوضعه ولا بثبوته\".\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، أحمد بن بشير شيخ المصنف متروك انظر تاريخ بغداد (٤/ ٤٨)، ولسان الميزان (١/ ١٤٠)، حسن الظن باللَّه (٣٥ - ٣٦) رقم (٢٦)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٤/ ٤٨)، المزي في تهذيب الكمال (١/ ٣٢).\n(^٣) هو جعفر بن سليمان الضُّبَعي، أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، مات سنة (١٧٨ هـ)، التقريب (٩٤٢).","vol":"1","page":354},{"text":"في مرضه فقال: \"ما أكره لقاء ربي -﷿-\" (^١).\n\n٢٣٧ - حدثني محمد قال: حدثنا حاتم بن سليمان الأسواري قال: حدثنا غاضرة بن قرهد قال: \"دخلنا على حسان بن أبي سنان (^٢) وقد حضره الموت، وقال له بعض إخوانه: كيف تجدك؟ قال: أجدني بحال الموت، قالوا: أفتجد له أبا عبد اللَّه كربا شديدا، فبكى ثم قال: إن ذاك، ثم قال: ينبغي للمؤمن أن يسلِّيه عن كرب الموت وألمه ما يرجو من السرور في لقاء اللَّه\" (^٣).\n\n٢٣٨ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سريّة الربيع قالت: \"لما احتضر الربيع (^٤) بكت ابنته فقال: يا بنيّة لا تبكي، ولكن قولي: يا بشرى، اليوم لقي أبي الخير\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (٢٥١)، حسن الظن باللَّه (٧٩) رقم (١٢٧)، المحتضرين برقم (٢٩١).\n(^٢) هو حسان بن أبي سنان البصري صدوق عابد، أحد زهاد التابعين، مشهور، الإصابة (٢/ ٢١٠)، التقريب (١٢٠٠).\n(^٣) فيه حاتم الأسواري لم أجد له ترجمة، ولعله حاتم بن أبي صغيرة؛ فإن اسم أبي صغيرة مسلم وهو بصري قشيري واللَّه أعلم، المحتضرين (١٥٢) رقم (٢٠٤).\n(^٤) هو الربيع بن خيثم، أبو يزيد الثوري الكوفي، أحد أصحاب ابن مسعود، قال ابن معين: لا يسأل عن مثله، وله مناقب كثيرة جدا، البداية والنهاية (٨/ ٢١٧).\n(^٥) إسناده حسن، سرية الربيع وثقها ابن حبان في الثقات (٢/ ٤٦١)، وفي المعرفة والتاريخ (٣/ ١٨٥) لا بأس بها، المحتضرين (١٢٠) رقم (١٤٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٤٧) رقم (٣٤٨٦٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠٧)، =","vol":"1","page":355},{"text":"٢٣٩ - نا سلمة بن شبيب، نا الحسن بن محمد بن أعين قال: سمعت زهير بن معاوية يقول: سمعت أبا عيينة الزبيدي (^١) يقول: \"خفت نفسي ورجوت ربي -﷿-، فأنا أحب أن أفارق من أخاف إلى من أرجو\" (^٢).\n\n٢٤٠ - حدثني أبو بكر محمد بن خلف، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقبة، سمعت عبد اللَّه بن داود قال: \"لما حضرت سفيان الثوري الوفاة قال لرجل: أدخل عليّ رجلين، فأدخل عليه أبا الأشهب وحماد بن سلمة، فقال له حماد (^٣): يا أبا عبد اللَّه أبشر، فقد أمنت ممن كنت تخافه، وتقدم على من ترجوه، قال: إي واللَّه إني لأرجو ذلك\" (^٤).\n\n٢٤١ - نا عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل المعمر (^٥) قال: \"لما احتضر\n_________\n= وكذا المزي في تهذيب الكمال (٢/ ٤٥٩)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (٨/ ٣٥٨٩)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (١/ ٩٩).\n(^١) لم أعرفه، اللهم إلا أن يكون عبد الرحمن بن جَوْشَن الغَطَفَاني، بصري ثقة، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٨)، التقريب (٣٨٣٠).\n(^٢) إسناده حسن، ابن أعين صدوق التقريب (١٢٩٠)، حسن الظن باللَّه (٨٣ - ٨٤) رقم (٩٧).\n(^٣) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، لزم العبادة والعلم والورع، ونصرة السنة، والطبق على البدع، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه باخرة، من كبار الثامنة، مات سنة (١٦٧ هـ)، مشاهير علماء الأمصار (١٥٧)، التقريب (١٤٩٩).\n(^٤) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٣٦٢) أنه صدوق، محاسبة النفس (٧٦) رقم (٣٠).\n(^٥) كذا في طبعة شاحونة وفي طبعة السيد: \"المعري\"، وكلاهما خطأ، وفي مخطوطة =","vol":"1","page":356},{"text":"بشر بن منصور السليمي (^١) ضحك وقال: أخرج من بين ظهراني من أخاف فتنته، وأقدم على من لا أشك في رحمته\" (^٢).\n\n٢٤٢ - نا أبو عمرو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المروزي، أنا علي بن شقيق، أنا الحسين بن واقد، عن أبي غالب (^٣) قال: \"كنت أختلف إلى الشام في تجارة ومعظم ما كنت أختلف من أجل أبي أمامة، فإذا رجل من قيس من خيار المسلمين، فكنت أنزل عليه، ومعنا ابن أخ له مخالف، يأمره وينهاه ويضربه، ولا يطيعه، فمرض الفتى فبعث إلى عمه فأبى أن يأتيه، فأتيته أنا به حتى أدخلته عليه، وأقبل عليه يسبّه ويقول: يا عدو اللَّه الخبيث، ألم تفعل كذا، ألم تفعل كذا، قال: أفرغت؟ قال: نعم،\n_________\n= الظاهرية وعارف حكمت: \"عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل المقري\"، وهو عبد اللَّه ابن أبي عبد اللَّه وثقه الخطيب تاريخ بغداد (١٠/ ٨٤)، وقد وقع سقط فاحش في طبعة دار الكتب العلمية حيث ذكر وفاته سنة \"ثنتين ومائتين\"، مما يعني أن بين وفاته وولادة المصنف ست سنوات فأنى له لقاءه فضلا عن الأخذ عنه، والصواب: \"ثنتين وسبعين وماتين\" كما في مولد العلماء ووفياتهم (٢/ ٥٩١) للربعي، والحمد للَّه رب العالمين، وهو كذلك في مخطوطة تاريخ بغداد النسخة التركية.\n(^١) هو بشر بن منصور السَّلِيمي، أبو محمد الأزدي البصري، صدوق عابد زاهد، مات سنة (١٨٠ هـ)، التقريب (٧٠٤).\n(^٢) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٦٦) رقم (٩٦).\n(^٣) هو أبو غالب صاحب أبي أمامة، بصري نزل أصبهان، قيل: اسمه حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع، صدوق يخطئ، التقريب (٨٢٩٨).","vol":"1","page":357},{"text":"قال: أرأيت لو أن اللَّه -﷿- دفعني إلى والدتي، ما كانت صانعة بي؟ قال: إذًا واللَّه كانت تدخدك الجنة، قال: فوالله لَلَّهُ أرحم بي من والدتي، فقبض الفتى فخرج عليه عبد الملك بن مروان، فدخلت القبر مع عمه، قال: فخطوا له خطا، ولم يلحدوا له، قال: فقلنا باللبن فسويناه، قال: فسقطت منها لبنة، فوثب عمه وتأخر، فقلت: ما شأنك؟ قال: ملئ قبره نورا، وفسح فيه مَدَّ البصر\" (^١).\n\n٢٤٣ - ذكر الحسين بن عمرو بن محمد القرشي (^٢)، عن الحسين بن علي، عن محمد بن أبان، عن حميد (^٣) قال: \"كان لي ابن أخت مُرَهَّق (^٤)، فمرض فأرسلت إليّ أمه فأتيتها فإذا هي عند رأسه تبكي فقال: يا خالي\n_________\n(^١) إسناده صحيح إلى أبي غالب، حسن الظن باللَّه (٣٠) رقم (٣٥)، المحتضرين (٣٤ - ٣٥) رقم (١٩)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤١٧) رقم (٧١١٥)، ومثل هذا الكلام رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٥١)، والذهبي في السير (٧/ ٤٤٩) عن حماد بن سلمة قاله للثوري لما عاده، والمزي في ترجمته من تهذيب الكمال.\n(^٢) صححها مجدي السيد إلى \"العنقزي\"؟، مع أنها في المخطوطة المصرية \"القرشي\" كما قال، قلت: وهي كذلك في الظاهرية، وهذا تسرع منه فقد ورد في ترجمة والد الحسين وهو عمرو بن محمد القرشي في تهذيب الكمال (٥/ ٤٦٩) قوله: \"عمرو بن محمد العنقزي، القرشي مولاهم، أبو سعيد الكوفي، والعنقز هو المرزنجوش، قال ابن حبان: كان يبيع العنقز فنسب إليه\"، فهما نسبتان صحيحتان، وقد وردت (ص ٨٥٥): \"الحسين بن محمد العنقزي\" واللَّه أعلم.\n(^٣) لم أعرفه.\n(^٤) رجل مرهق: يظن به السوء، مختار الصحاح (٢٦).","vol":"1","page":358},{"text":"ما يبكيها؟ قلت: ما تعلم منك، قال: أليس إنما ترحمني؟ فقلت: بلى، قال: فإن اللَّه أرحم بي منها، فلما مات أنزلته القبر مع غيري، فذهبت أسوّي لبنة فاطّلعت إلى اللحد، فإذا هو مد البصر، فقلت لصاجي: رأيت ما رأيت؟ قال: نعم فليهنئك ذلك فيننت أنه بالكلمة التي قالها\" (^١).\n\n٢٤٤ - ذكر الحسين بن عمرو عن يحيى بن بيان قال: قال لي سفيان الثوري: \"ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي، رب خير لي من والدي\" (^٢).\n\n٢٤٥ - ذكر الحسين بن جهور (^٣)، عن إدريس عن عبد اللَّه\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف أورده ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢١٦)، وانظر الجرح والتعديل (١/ ٦٣)، حسن الظن باللَّه (٣١) رقم (٣٦)، المحتضرين (٣٦) رقم (٢٠)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤١٧) رقم (٧١١٦).\n(^٢) إسناده ضعيف، لضعف شيخ المصنف كما سبق (٢٤٣)، حسن الظن باللَّه (٤٢) رقم (٣٧)، المحتضرين (٣٦ - ٣٧) (٢١)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٤٦) رقم (٢٦١)، وقد سبق (٢٧٢) في الهامش من طريق البخاري عن بعض أصحابه أن حماد بن سلمة قال هذا القول لسفيان الثوري لما عاده.\n(^٣) الصواب أنه الحسن كما في نسخة الظاهرية، واسم أبيه جهور ورد كذلك في النسخة الظاهرية، لكن الظاهر أنه مصحف من جمهور، فقد ورد كذلك في بعض كتبه الأخرى والكتب التي نقلت عنه، مثل الإخوان برقم (٩٥)، والهواتف برقم (١٣٢، ١٥٨)، وتاريخ دمشق (٤٥/ ٢٣) (٦١/ ٢٩٩)، وهو القمي، من رواة أهل البيت وحامل الأثر عنهم، من طبقة شيوخ ابن أبي الدنيا واللَّه أعلم، انظر لسان =","vol":"1","page":359},{"text":"المروزي (^١) قال: \"مرض أعرابي، فقيل له: إنك تموت قال: وأين أذهب؟ قالوا: إلى اللَّه، قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه\" (^٢).\n\n٢٤٦ - ذكر مفضل بن غسان، عن أبيه قال: \"احتضر النضر بن عبد اللَّه بن حازم، فقيل له: أبشر، فقال: ما أبالي أَمِتُّ أم ذُهب بي إلى الأيلة (^٣)، واللَّه ما أخرج من سلطان ربي إلى غيره، ولا نقلني ربي من حال قط إلى حال إلا كان ما نقلني إليه خيرا مما نقلني عنه\" (^٤).\n_________\n= الميزان (٢/ ١٩٨)، وفي مقالات الإسلاميين للأشعري (٢/ ١٨٣) كلمة تفيد أنه كان رافضيا يرى عقيدة البداءة على اللَّه، وانظر الفهرست (١/ ٣١٢)، وفي الإخوان رقم (٩٥) ذكر المصنف شرحا لبعض الغريب عن ابن جمهور.\n(^١) ورد في المخطوط: \"إدريس بن عبد اللَّه المروزي\"، وصححت \"بن\" إلى \"عن\"، لكن ورد في نسخة مخلص محمد -الذي اعتمد المصرية-: \"بن\" بدل \"عن\"، ولعله المترجم في لسان الميزان (١/ ٣٣٣) وهو المرهبي الزيات، كان حافظا خبيرا بالحديث واللَّه أعلم.\n(^٢) إسناده ضعيف، لحال شيخ المصنف، حسن الظن باللَّه (٤٤) رقم (٤٠)، المحتضرين (٣٨) رقم (٢٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤١٨) رقم (٧١١٩).\n(^٣) الأَيْلَة: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، وذكر أنها مدينة اليهود الذين حرم اللَّه عليهم صيد السمك، انظر بقية أخبارها في معجم البلدان (١/ ٢٩٢).\n(^٤) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٣٣) رقم (٤١)، المحتضرين (٣٧ - ٣٨) رقم (٢٣)، ومن طريقه البيهقي في شعب الايمان (٥/ ٤١٨) رقم (٧١١٨).","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>رابعا: الآثار الواردة في رجاء دفع الضر وجلب النفع</span>.\n\n٢٤٧ - أخبرني محمد بن أبي معاذ البصري، عن محمد بن يحيى الكناني، عن عبد العزيز بن عمران الزهري، عن محرَّر بن جعفر، عن أبيه (^١) قال: \"دخلت على عبد اللَّه بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (^٢) وهو يموت، فبكى ثم قال: أما واللَّه ما يبكيني إلا نُسَيَّات خلف هذا الستر، لولاهنّ لهان عليّ الموت، إني مؤمن باللَّه، وإني لتائب إلى اللَّه، وإن اللَّه لغفور، قال: قلت: أي أخى، الذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك، فمغفرة الذنب أعظم من الرزق، فقال عبد اللَّه: جزاك اللَّه خيرا، صدقت\" (^٣).\n\n٢٤٨ - حدثني الحسين بن محمد السعدي الذارع، حدثنا عمر بن أبي خليفة العبدي، حدثني عبد اللَّه بن أبي صالح قال: \"دخل عليّ طاوس (^٤)\n_________\n(^١) لم أجد له ترجمة.\n(^٢) هو عبد اللَّه بن الفضل بن العباس الهاشمي المدني، ثقة مات بعد المائة، التقريب (٣٥٣٣)، إسعاف المبطأ (١٧).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه عبد العزيز بن عمران الزهري متروك، التقريب (٤١٤٢)، المحتضرين (١٩٢ - ١٩٣) رقم (٢٧١).\n(^٤) هو طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة فقيه فاضل، من فقهاء أهل اليمن وعبادهم وخيار التابعين وزهادهم، مات سنة (١٠٦ هـ) وقيل بعد ذلك، الكاشف (١/ ١٢٢)، التقريب (٣٠٠٩).","vol":"1","page":361},{"text":"وأنا مريض، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ادع لي، قال: ادع لنفسك؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه\" (^١).\n\n٢٤٩ - ذكر محمد بن الحسين، نا يحيى بن راشد عن مطر أبي سعيد، عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت لزياد النميري (^٢): \"ما منتهى الخوف؟ قال: إجلال اللَّه عن مقام السيئات، قال: قلت: فما منتهى الرجاء؟ قال: تأمل اللَّه على كل الحالات\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>خامسا: الآثار الواردة في الرجاء والعمل</span>.\n\n٢٥٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمرو بن مرزوق، حدثنا الربيع بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن: \"لقد صحبت أقواما يبيتون لربهم في سواد الليل سجدا وقياما، يقومون هذا الليل على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم فمرة ركعا ومرة سجدا يناجون ربهم في فكاك\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ مداره على عمر بن أبي خليفة وهو مقبول التقريب (٤٩٢٥)، وعبد اللَّه بن أبي صالح لم أقف له على ترجمة، المرض والكفارات (٧٢) رقم (٧١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩١٠)، والخطيب في تالي تلخيص المتشابه (١/ ٢٢٠)، والمزي في تهذيب الكمال (٣/ ٤٩٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٨٩)، وابن كثير في التفسير عن ابن أبي حاتم (٣/ ٣٧١)، وفي البداية والنهاية (٩/ ٢٣٩).\n(^٢) هو زياد بن عبد اللَّه النميري البصري، ضعيف توفي بعد المائة، التقريب (٢٠٨٧).\n(^٣) يحيى بن راشد ومطر لم أعرفهما، حسن الظن باللَّه (٩٣) رقم (١٢١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٦٠).","vol":"1","page":362},{"text":"رقابهم، لم يمَلُّوا كلال السهر، لما قد خالط قلوبهم من حسن الرجاء في يوم المرجع؛ فأصبح القوم بما أصابوا من النصب للَّه في أبدانهم فرحين، وبما يأملون من حسن ثوابه مستبشربن، فرحم اللَّه امرءا نافسهم في مثل هذه الأعمال، ولم يرض لنفسه بالتقصير في أمره، واليسير من فعله؛ فإن الدنيا عن أهلها منقطعة، والأعمال عل أهلها مردودة، قال: ثم يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع\" (^١).\n\n٢٥١ - نا أزهر بن مروان، نا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب قال: \"دخلنا على أبي عبد الرحمن (^٢) نعوده، فذهب بعض القوم يرجّيه فقال: إني لأرجو ربي -﷿- وقد صمت له ثمانين رمضان\" (^٣).\n\n٢٥٢ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا سيار قال: حدثنا\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق.\nالتهجد (٣٤٠) رقم (٢٧٩)، والمروزي في قيام الليل (المختصر ص ٣٣)، والإمام أحمد في الزهد (ص ٤٠١) رقم (١٦٤٨)، وذكره الإشبيلي في التهجد (٢٣٥) رقم (١١٩٥).\n(^٢) هو عبد اللَّه بن حبيب بن ربيعة الكوفي المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبت، مات بعد السبعين، التقريب (٣٢٧١).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، التقريب (٣١٤)، حسن الظن باللَّه (٧٩) رقم (١٢٦)، المحتضرين برقم (٢٩٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٤٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٢)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٤/ ١١٠)، والذهبي في السير (٤/ ٢٧١) وفي معرفة القراء الكبار (١/ ٥٧)، وابن الجوزي في الثبات عن الممات (٧٠)، وصفة الصفوة (٣/ ٥٨).","vol":"1","page":363},{"text":"جعفر، عن محمد بن ثابت البناني قال: \"ذهبت ألقِّن أبي عند الموت فقال: يا بني خلِّ عني؛ فإني في وردي السابع، كأنه يقرأ ونفسه تخرج\" (^١).\n\n٢٥٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا خلف بن الوليد قال: حدثني شيخ نهشلي كوفي قال: \"دخلنا على أبي بكر النهشلي (^٢) وهو في السّوق وهو يومئ، فقال له ابن السمّاك: على هذه الحال؟ فقال: أبادر طيّ الصحيفة\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن، إلى محمد بن ثابت وهو ضعيف كما سيأتي (٧٠٤)، المحتضرين (١٢٨) رقم (١٦١)، وابن الجعد في مسنده (٢١٢) رقم (١٣٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٢٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٦٣)، وهذا رجاء السلف يتبعه عمل حتى في وقت لا يقدر على العمل كثير من الناس واللَّه المستعان من حال المقصرين، وحال المرجئة المخدوعين.\n(^٢) هو أبو بكر النهشلي الكوفي، قيل: اسمه عبد اللَّه بن قطاف، أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوق رمي بالإرجاء، مات سنة (١٦٦ هـ)، التقريب (٨٠٠١).\n(^٣) إسناده ضعيف، والأثر حسن؛ فيه إبهام الشيخ الكوفي، وورد عند الخطيب أنه ابن عم لأبي بكر النهشلي، وعند البيهقي من طريق المصنف عن محمد بن الحسين عن بشر بن عبد اللَّه النهشلي، ولم أعرفه، وله طريق آخر عند ابن حبان في المجروحين بسند حسن، المحتضرين (١٢٨ - ١٢٩) رقم (١٦٢) ورقم (٢٨٢)، وقصر الأمل (ص ١١٣)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٤٦) بسنده عن أحمد بن يونس مثله، والبيهقي في شعب الايمان (٣/ ١٧٢) رقم (٣٢٥٥)، والخطيب في اقتضاء العلم العمل رقم (١٧٩) وفيه زيادة أن الإيماء كان بالصلاة، وذكره الذهبي في السير (٧/ ٣٣٣).","vol":"1","page":364},{"text":"٢٥٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: قال إبراهيم التيمي: \"مثلت نفسي في الجنة آكل ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي نفسي؛ أي شيء تريدين؟ قالا: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا، قال قلت: فأنت في الأمنية فاعملي\" (^١).\n\n٢٥٥ - حدثني أبو اللَّه محمد بن عبد اللَّه المديني الزاهد، عن عثمان بن مطر عن ثابت عن مطرّف أنه كان يقول: \"يا إخوتاه اجتهدوا في العمل؛ فإن يكن الأمر كما ترجون من رحمة اللَّه وعفوه، كانت لنا درجات، وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحاذر لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (^٢)، نقول: قد عملنا، ولم يكن ينفعنا ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، محاسبة النفس (٢٦ - ٢٧) رقم (١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١١)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (٣/ ٤٠٠)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٣٥)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٩١).\n(^٢) سورة فاطر، من الآية (٣٧).\n(^٣) إسناده ضعيف، مداره على ابن مطر وهو ضعيف التقريب (٤٥٥١)، الوجل والتوثّق بالعمل (٢٩) رقم (٤)، محاسبة النفس برقم (٧٢)، والخطيب في اقتضاء العلم العمل رقم (١٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٢٩٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٢٣).","vol":"1","page":365},{"text":"٢٥٦ - حدثني محمد بن عبد المجيد قال: سمعت سفيان قال: قال رجل لمحمد بن المنكدر ولرجل آخر من قريش: \"الجِدَّ الجِدَّ، والحذر الحذر، فإن يكن الأمر على ما ترجون، كان ما قدّمتم فضلا، وإن يكن الأمر على غير ذلك، لم تلوموا أنفسكم\" (^١).\n\n٢٥٧ - حدثنا محمد بن عبد المجيد التميمي، سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال زياد مولى ابن عياش (^٢) لمحمد بن المنكدر وصفوان بن سليم: \"الجد الجدّ، والحذر الحذَر؛ فإن يكن الأمر على ما نرجوه كان ما عملناه فضلا، وإلا لم تلوما أنفسكما، قال سفيان: وقال عامر بن عبد اللَّه (^٣): واللَّه لأجتهدنّ؛ فإن نجوت فبرحمة اللَّه، وإلا لم ألم نفسي\" (^٤).\n\n٢٥٨ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، عن ضمرة بن ربيعة،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٠٢)، الوجل والتوثّق بالعمل (٢٩) رقم (٥)، ومحاسبة النفس رقم (٧٣)، ومن طريقه الخطيب في اقتضاء العلم العمل برقم (١٦٠)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٢٤٠)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب (٩/ ٣٩٤١)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣٢).\n(^٢) هو زياد بن أبي زياد مولى عبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، كان رجلا عابدا معتزلا، وكان صديقا لعمر بن عبد العزيز، وقدم عليه وهو خليفة فوعظه وقربه، طبقات ابن سعد (٥/ ٣٠٥).\n(^٣) لم أعرفه.\n(^٤) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٠٢) أنه مضعف، محاسبة النفس (١٠٥) رقم (٧٣)، سبق (ص ٢٧٧) رقم (٢٥٦) تخريجه مختصرا.","vol":"1","page":366},{"text":"عن ابن شوذب قال: قال هرم بن حيان (^١): \"لو قيل لي إنك من أهل النار، ما تركت العمل؛ لئلا تلومني نفسي، تقول: ألا صنعت، ألا فعلت\" (^٢).\n\n٢٥٩ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو عبد اللَّه المروزي، قال: سمعت علي بن أبي بكر الأسفذني قال: \"اشتهى وهيب بن الورد لبنا فجاءته به خالته من شاة لآل عيسى بن موسى، فسألها عنه فأخبرته فأبى أن يأكله، فقالت له: كل، فأبى، فعاودته وقالت: إني أرجو إن أكلته أن يغفر اللَّه لك، أي باتباع شهوتي، فقال: ما أحب أني أكلته، وأن اللَّه غفر لي، قالت: لم؟ قال: إني أكره أن أنال مغفرته بمعصيته\" (^٣).\n_________\n(^١) هو هرم بن حيان الأزدي، عده بعضهم في صغار الصحابة، أدرك عمر وولي الولايات في خلافته، كان من العباد الخشنين المتجردين للعبادة، من أصدقاء أويس القرني، أحد الزهاد الثمانية الكبار، مات في غزوة لم يعلم وقته، الثقات لابن حبان (٥/ ٥١٣)، مشاهير علماء الأمصار (١٥٠)، الإصابة (٦/ ٥٣٣).\n(^٢) إسناده حسن، ضمرة صدوق يهم قليلا سيأتي (٣٨٧)، وشيخه صدوق التقريب (٣٤٠٨)، المتمنين (٧١) رقم (١١٥)، وأحمد في الزهد (٢٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٢٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢٩٣) رقم (٧٧٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢١٤).\n(^٣) إسناده حسن، الأسفذني صدوق ربما أخطأ وكان عابدا التقريب (٤٧٢٩)، وأبو عبد اللَّه المروزي هو أحمد بن نصر كما في الحلية وهو الخزاعي، وهو ثقة كما في التقريب (١٢٠) ونسبة المروزي ليس مشهورا بها لكن وجدتها كذلك في تهذيب الكمال (٨/ ١١٢) من طريق الدورقي فلعله كان ينسبه كذلك أحيانا، وهذا يزيل =","vol":"1","page":367},{"text":"٢٦٠ - حدثني القاسم بن هاشم، قال حدثني إسحاق بن عباد، قال حدثنا إسماعيل المؤدب، قال: جاء رجل إلى العمري (^١) فقال: عظني فأخذ حصاة من الأرض فقال: زنة هذه من الورع يدخل قلبك، خير لك من صلاة أهل الأرض، قال: زدني، قال: \"كما تحب أن يكون اللَّه لك غدا، فكن له اليوم\" (^٢).\n_________\n= اللبس الذي أوقع التردّد فلم يجزم به المحقق محمد الحمود بأنه الخزاعي رغم استظهاره لذلك؛ لأنه لم يقف على نسبته إلى مرو، وجزم ضياء الحسن السلفي محقق كتاب الرضا عن اللَّه رقم (٢٢)، بأنه محمد بن نصر المروزي، بينما توقف المحقق الثاني للكتاب محمد عبد القادر عطا، فالحمد للَّه على توفيقه، الورع (٨٧) رقم (١٢٢)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٥١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٢٦).\n(^١) انظر لترجمته التخريج الآتي.\n(^٢) إسناده حسن لغيره، كتاب الورع (٤٩) رقم (٢٣) وفيه إسحاق بن عباد يحتمل الختلي كما في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٠)، ويحتمل ابن ابنة الربيع بن صبيح كما في الجرح والتعديل (٢/ ٢٣٠)، وكلاهما لم يُذكر فيه جرح ولا تعديل، قلت: ولعله الختلي فإن المصنف روى عن أبيه كما تهذيب الكمال (٤/ ٢٧٣) وإسحاق قرينه في الرواية عن أبيه كما في ترجمة عباد من تهذيب الكمال فالظاهر أنه هو، لا سيما وأن عباد سكن بغداد، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٨٦) من طريق آخر وفيه شيخه وشيخ ابن أبي حاتم لم أعرفهما، وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٨٤)، والعمري يحتمل عبد اللَّه بن حفص العمري المكبر وهو ضعيف عابد، التقريب (٣٥١٣)، ويحتمل عبد اللَّه بن عبد العزيز العمري الزاهد وهو ثقة، التقريب (٣٤٦٨)، وقد ورد عند أبي نعيم أنه أبو عبد الرحمن، لكن كلاهما أبو عبد الرحمن، والذي يظهر لي أنه ابن عبد العزيز فإنه كان قليل الرواية، =","vol":"1","page":368},{"text":"٢٦١ - حدثني أبو محمد البزار، حدثنا المسيّب بن واضح، عن محمد ابن الوليد قال: \"مرَّ عمر بن عبد العزيز برجل في يده حصًى يلعب به وهو يقول: اللهم زوِّجني من الحور العين، فقام عليه عمر فقال: بئس الخاطب أنت، ألا ألقيت الحصى، وأخلصت للَّه الدعاء\" (^١).\n\n٢٦٢ - حدثني محمد قال: حدثني يونس بن يحيى الأموي أبو نباتة قال: حدثني محمد بن مطرّف قال: \"دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت فقلنا: يا أبا حازم كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، أجدني راجيا اللَّه، حسن الظن به، ثم قال: إنه واللَّه ما يستوي من غدا وراح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدّمها أمامه قبل أن ينزل به الموت حتى يقدم عليها فيقوم لها وتقوم له، ومن غدا وراح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظّ له فيها ولا نصيب\" (^٢).\n\n٢٦٣ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبدان بن عثمان، أنا عبد اللَّه،\n_________\n= مشتغلا بنفسه، يلزم المقبرة كثيرا، وهو المشهور بالوعظ، كما في السير (٨/ ٣٧٤) واللَّه أعلم.\n(^١) فيه المسيب بن واضح، متكلم فيه انظر لسان الميزان (٦/ ٤٠)، الإخلاص والنية (٣٨) رقم (٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٨٨)، وذكر نحوه المناوي في فيض القدير (١/ ٥١٤).\n(^٢) إسناده حسن، يونس صدوق القريب (٧٩٧٥)، قصر الأمل (١١٠ - ١١١) رقم (١٥٣)، المحتضرين رقم (١٥٢)، حسن الظن رقم (١٣٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٧١).","vol":"1","page":369},{"text":"أنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير (^١) قال: \"الغرور باللَّه أن يصرّ العبد في معصية اللَّه، ويتمنّى على اللَّه في ذلك المغفرة\" (^٢).\n\n٢٦٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: \"تسأله الجنة، وتأتي ما يكره، ما رأيت أحدا أقل نظرا منك لنفسك\" (^٣).\n\n٢٦٥ - حدثني محمد بن إدريس، ثنا عبد العزيز بن الخطاب، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن علي بن حسين، سمع منه قال: \"إنما التوبة بالعمل، والرجوع من الأمر، وليست التوبة بالكلام\" (^٤).\n\n٢٦٦ - حدثني محمد بن إدريس، ثنا حماد بن حميد، ثنا أيوب بن سويد، عن أبي رافع (^٥) قال: \"إن إقامة العبد على الذنب يطبع على قلبه،\n_________\n(^١) هو سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من عباد المكيين وفقهاء التابعين، قتل بين يدي الحجاج سنة (١٩٥ هـ) ولم يكمل الخمسين، الكاشف (١/ ٨٢)، التقريب (٢٢٧٨).\n(^٢) إسناده حسن؛ فيه ابن لهيعة لكن من رواية ابن المبارك عنه، ذم الدنيا (٩٦) رقم (٢٦٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٤٠).\n(^٣) إسناده صحيح، التوبة (٩١) رقم (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٨٢) عن أحمد بن عاصم الأنطاكي مطولا وفيه: \"وأنفع الحياء أن تستحي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره\".\n(^٤) إسناده ضعيف؛ فيه موسى بن أبي حبيب وهو ضعيف انظر لسان الميزان (٦/ ١١٥)، التوبة (٦٩ - ٧٠) رقم (٥٧).\n(^٥) لعله: عبد اللَّه بن رافع المخزومي، أبو رافع المدني، مولى أم سلمة، ثقة، التقريب (٣٣٠٥).","vol":"1","page":370},{"text":"ويكتب من الغافلين، ومن الأمن لمكر اللَّه إقامة العبد على الذنب يتمنى على اللَّه المغفرة\" (^١).\n\n٢٦٧ - حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: قال رجل من العبّاد لابنه: \"يا بنيّ، لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخِّر التوبة بطول الأمل\" (^٢).\n\n٢٦٨ - أنشدني محمود الوراق (^٣):\nيا ناظرا يرنو بعيني راقد ... ومشاهد الأمر غير مشاهد\nمننت نفسك ضلّة فأبحتها ... طرق الرجا وهنّ غير قواصد\nتصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العابد\nونسيت أن اللَّه أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد (^٤)\n_________\n(^١) إسناده لين؛ أيوب بن سويد صدوق يخطئ، التقريب (٦٢٠)، وحماد بن حميد هو العسقلاني مقبول التقريب (١٥٠٣)، التوبة (٦٤) رقم (٤٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٥٢٩)، ولم ينسبه لغيره السيوطي في الدر (٣/ ٥٠٧).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه شيخ المصنف وهو عبد المنعم بن إدريس وأبوه، كلاهما متروكان، انظر تاريخ بغداد (١١/ ١٣١)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ١٥٤)، ولسان الميزان (٧/ ١٧٣)، التوبة (٥٣) رقم (٢٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الايمان (٥/ ٤٣٩) رقم (٧١٩٨).\n(^٣) هو محمود بن الحسن الوراق الشاعر، أكثر القول في الزهد والأدب، يقال إنه كان نخاسا يبيع الرقيق، مات في خلافة المعتصم، تاريخ بغداد (١٣/ ٨٧).\n(^٤) إسناده صحيح، العقوبات (٧٦) رقم (١١٠)، ديوان محمود الوراق (١٠٦)، وابن =","vol":"1","page":371},{"text":"٢٦٩ - حدثني محمد عن محمد بن أشكاب الصغار قال: قال داود الطائي: \"اليأس سبيل أعمالنا هذه، ولكن القلوب تَحِنُّ إلى الرجاء\" (^١).\n\n٢٧٠ - ذكر محمد بن الحسين، نا حكيم بن جعفر، نا عبان بن كليب الليثي، عن رجل من أهل الكوفة: \"جلسنا إلى عون بن عبد اللَّه (^٢) في مسجد الكوفة فسمعته يقول: إن من أغر الغِرَّة (^٣) انتظار تمام الأماني وأنت مقيم على المعاصي، قال: وسمعته يقول: لقد خاب سعي المعرضين عن اللَّه، وسمعته يقول: \"ما يؤمل إلا عفوه وغلبه البكاء فقام\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة الموزعة على العناصر الخمس أمورا مهمة تتعلق بمسألة الرجاء، حيث اشتملت العناصر الأربع الأولى بيان أنواع الرجاء وهي: رجاء ثواب الطاعة، ورجاء مغفرة الذنب، ورجاء لقاء اللَّه،\n_________\n= عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٤٦٠) في قصة طويلة بين عبدوس راوية أبي ونواس وأبي نواس في مرض موته، حيث قال له كيف تجدك فذكر أبياتا منها هذه، وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٨٢)، وبعضها في البداية والنهاية (٩/ ٢٥٨).\n(^١) إسناده حسن، ابن أشكاب صدوق، التقريب (٥٨٥٨)، محاسبة النفس (٨٧) رقم (٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٥٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٤٢).\n(^٢) هو عون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة عابد، مات قبل سنة عشرين ومائة، التقريب (٥٢٢٣).\n(^٣) هي الغفلة، تاج العروس (١/ ٣٢٩٣).\n(^٤) إسناده فيه إبهام الرجل الكوفي، حسن الظن باللَّه (٨٢ - ٨٣) رقم (١٣٤).","vol":"1","page":372},{"text":"ورجاء اللَّه في جلب النفع ودفع الضر، وعلاقته بالعمل والأسباب.\nفأما ثواب الطاعة فقد تضمنت الآثار تمني بعض من حضره الموت كعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز أن يتقبل اللَّه منهم بعض أعمالهم، وأثر سعيد بن العاص فيه أن المكارم تحتاج إلى جهاد وصبر، وذلك لا يكون إلا لمن رجا ثوابها.\nوأما رجاء مغفرة الذنب فهي كثيرة متنوعة الدلالة على المطلوب فبعضها دعاء ومناجاة كأثر معاوية -﵁- عند الموت حيث سأل اللَّه أن يجعله ممن يشاء أن يغفر له، أو سؤال اللَّه بصفاته المتعلقة بالرجاء كصفة الرحمة في أثر معاوية كذلك وأبياته، أو إظهار العبودية للَّه والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه كأثرَي عمرو بن العاص وابن سماك، أو عدم اليأس من رحمة اللَّه كأثر الفضيل في عدم اليأس ولو كان في النار، أو فهمهم الصحيح لمعاني الأسماء والصفات ومعرفتهم بها كمن فهم من صفة الكرم تجاوز الكريم في المحاسبة عن حقه وتفضله كما في أثر الأعرابي مع النبي -ﷺ- وكلام العابد.\nوأما رجاء لقاء اللَّه فقد تضمنت الآثار بيان حب السلف لقاء اللَّه واستبشارهم به وفرحهم بذلك، وأنهم لا يكرهون ذلك، وأن السرور الذي يحصل لهم بلقاء اللَّه يسليهم عن كرب الموت وآلامه، وبعضهم ذكر تعليلا لذلك فمن ذلك: المقارنة بين الخوف والرجاء؛ فالخوف هي النفس والمَرْجُوُّ هو اللَّه فيحب المَرْجُوَّ لقاءَه ومفارقة الخوف كأثر الزبيدي","vol":"1","page":373},{"text":"والثوري، أو المقارنة بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق تخاف فتنته، والخالق لا يشك في رحمته، أو المقارنة بين صفات المخلوق وصفات الخالق، فالمخلوق الذي أودعت فيه الرحمة رحيم كالأم لو حاسبت ابنها أدخلته الجنة، فما بالك بمن هو أرحم منها بل أرحم الراحمين، أو المقارنة بين أفعال اللَّه وأفعال غيره، حيث استبشر الأعرابي بلقاء من لا يرى الخير إلا منه وهو اللَّه، وذلك أن أفعال اللَّه ليس فيها شر والشر ليس إليه، أو التسليم للَّه في اختياره والرضا بتصرفه في عباده، وأن ذلك كله خير للعبد، كما في أثر النضر بن عبد اللَّه.\nوهذه الأنواع إلى سبقت ذَكَرَهَا ابن القيم ﵀ في منزلة الرجاء فقال: \"الرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم، فالأولان: رجاء رجل عمل بطاعة اللَّه على نور من اللَّه فهو راج لثوابه، ورجل أذنب ذنوبا ثم تاب منها فهو راج لمغفرة اللَّه تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه، والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة اللَّه بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب\" (^١)، ثم في شرح تقسيم شيخ الإسلام الهروي لدرجات الرجاء قال: \"الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق. . . .\" قال ﵀: \"هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":374},{"text":"فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (^٢)، وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصار المشتاقين، ولذلك سلاهم اللَّه تعالى بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلا يسكن نفوسهم ويطمئنها\" (^٣).\nأما الرجاء في جلب النفع ودفع الضر، فقد تضمنت الآثار التنبيه إلى أن الرجاء ليس مقصورا عل أمر دون آخر، بل على السلم أن ينزل رجاءه في حصول مرغوب أو دفع مكروه على اللَّه في كل حالاته، ومن هنا كانت نصيحة جعفر أبي محرر لمن خاف على بناته بعد موته، بأن قال: الذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك، فمغفرة الذنب أعظم من الرزق، ونصيحة طاووس للمحتضر بأن يدعو اللَّه بنفسه لأن اللَّه يجيب المضطر، وكذا أثر زياد النميري بأن منتهى الرجاء تأمل اللَّه على كل الحالات، وذلك \"أن الدعاء مبني عليه -الطمع والرجاء-؛ فإن الداعى ما لم يطمع في سؤله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبة إذ طلب ما لا طمع فيه ممتنع\" (^٤)، ويتضح هذا أكثر ببيان أن الرجاء من أهم أسباب حصول المقصود كما سبق ذكره في التوكل قال ابن القيم: \"قد يجعل اللَّه سبحانه تطيُّر العبد وتشاؤمه سببا لحلول\n_________\n(^١) سورة الكهف، من الآية (١١٠).\n(^٢) سورة العنكبوت، الآية (٥).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٥٦).\n(^٤) بدائع الفوائد (٣/ ٥٢٣).","vol":"1","page":375},{"text":"المكروه به، كما يجعل الثقة والتوكل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به. . . ومن رجا مع اللَّه غيره خذل من جهته، وهذه أمور تجربتها تكفي عن أدلتها\" (^١) وقال: \"الرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه، بل هو من أقوى الأسباب\" (^٢)، ولذلك جعل الرجاء نظير التوكل (^٣).\nأما الرجاء والعمل فيقال فيه ما قيل في سابقيه: حسن الظن والتوكل وعلاقتهما بالأسباب والأعمال؛ لاسيما وأن حسن الظن هو الرجاء (^٤)، وهو نظير التوكل كما سبق، إلا أن الآثار التي وردت في هذا العنصر تضمنت معاني جليلة في بيان هذا الأمر، فالرجاء كما في أثر الحسن هو داعي العمل وحاديه، ولذلك لا يمل صاحبه كلال السهر ومجاهده القيام، وذلك أن قوة الرجاء تبعث على العمل: \"إذا تجلى -أي اللَّه -﷿- بصفات الرحمة والبر، واللطف والإحسان، انبعثت قوة الرجاء من العبد، وانبسط أمله وقوي طمعه، وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جد في العمل، كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر\" (^٥)، ومن هنا كان بعض السلف يرجو اللَّه وقد صام له ثمانين رمضان، أو يستمر في العمل حتى عند\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٤٠).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٤٥).\n(^٣) انظر الروح (٢/ ٧٤٨).\n(^٤) الجواب الكافي (٢٤).\n(^٥) الفوائد (٦٩).","vol":"1","page":376},{"text":"سكرات الموت بقراءة القرآن أو الصلاة بالإيماء، ويتفكر في الجنة والنار كأنه فيهما، ثم يطالب نفسه بالعمل لنيل الجنة أو البعد عن النار، كأنها طلبت الرجعة فأرجعت للعمل، قال ابن رجب: \"وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حذرا من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير\" (^١)، حيث أقبلوا على إحسان العمل؛ فإن كان لهم ما يرجون برحمة اللَّه كان عملهم فضلا ودرجات عند اللَّه، وإن كان غير ذلك لم يلوموا أنفسهم على التقصير، بل لم يجترؤوا على المعصية اتكالا على الرجاء، كما قال وهيب بن الورد أكره أن أنال مغفرته بمعصتيه، وقول العمري: كما تحب أن يكون اللَّه لك غدا، فكن له اليوم، وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى هذا المعنى عند كلامه على الأسباب التي تعين على الصبر عن المعصية فقال: \"الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وأفضل الترك ترك المحبين. . . الثالث: مشهد النعمة والإحسان؛ فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه\" (^٢)، ثم إن الآثار تضمنت أن الذي يرجو للَّه وهو غير آخذ بأسباب ذلك من العمل الصالح، بله مقيم على المعصية مصر عليها مغرورٌ، كما في أثر عمر بن عبد العزيز لمن سأل اللَّه الحور وهو يلعب بالحصى: \"بئس الخاطب أنت\"، ولا يستوي من هذا حاله مع من أفنى حياته في طاعة ربه، وأن التوبة ليست بالكلام، وَوَصَفَهُ الفضيل بأنه قليل النظر لنفسه، وأبو رافع بأن ذلك من الأمن لمكر اللَّه، وأوصى بعض العباد ابنه بأن لا يرجو الآخرة\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣٢).\n(^٢) عدة الصابرين (٤٤ - ٤٥).","vol":"1","page":377},{"text":"بغير عمل، وفي أبيات الوراق مقارنة بين الرجاء مع تواصل الذنوب، بما فعله ذنب واحد بأبينا آدم، فمن يمني نفسه طرق الرجاء يجب أن يقصدها ويأتيها، وأخيرا فإن الأعمال مهما حسنت وصلحت فإن المعَوَّل على عفو اللَّه ورحمته، خوفا من التقصير الذي يعتريها، وكثرة نعم اللَّه التي لا توافي بعضها جميع أعمالنا؛ كما في أثري داود الطائي وعون بن عبد اللَّه، وهذا يؤكد أن الأعمال ليست عوضا، وإنما هي أسباب لدخول الجنة، وأن الجزاء يوم القيامة هو بأن يتغمّد اللَّه العباد برحمته.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المطلب الثامن: الآثار الواردة في الخوف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>أولا: الآثار الواردة في تعريفه</span>.\n\n٢٧١ - حدثني أبو محمد، عن عثمان أبي سعيد البصري قال: \"سئل بعض العلماء عن الحزن: أي شيء هو؟ قال: هو الأسف، فقيل له: المحزون يهنأ بما هو فيه؟ قال: لا، قيل: ولم ذلك؟ قال: لأن المحزون خائف، ومن خاف اتقى، ومن اتقى حذر، ومن حذر حاسب نفسه، قال: أما موقعه في القلب فهو مخافة أن يعذّب، وأما ما هو: فهو التعظيم لرب العالمين، والحياء منه، ثم أرخى عينيه، ثم قال: لو أن محزونا بكى في أمة لرحم اللَّه تلك الأمة ببكائه، قال: وسئل عالم آخر عن المحزونين لأي شيء حزنوا؟ قال: حزنوا على أنفسهم، وتلهفّوا عليها أن لا تكون مطواعة لرب العالمين\" (^١).\n\n٢٧٢ - ذكر أحمد بن عمران الأخنس قال: سمعت أبا معاوية، نا الأعمش، عن شقيق قال: \"خرجنا في غزاة لنا في ليلة مخيفة في يوم مخيف، وإذا رجل نائم فأيقظناه وقلنا: تنام في مثل هذا المكان فرفع رأسه فقال: إني أستحي من رب العرش أن يعلم أني أخاف شيئًا دونه ثم ضرب رأسه فنام\" (^٢).\n_________\n(^١) فيه عثمان أبو سعيد البصري، لم أقف عليه، ولعله عمارة بن مهران المعولي أبو سعيد البصري العابد لا بأس به التقريب (٤٨٩٤)، الهم والحزن (٦٢ - ٦٣) رقم (٧٦).\n(^٢) إسناده ضعيف، شيخ المصنف متكلم فيه وقد سبق (٦٥)، لكن الأثر صحيح له =","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>ثانيا: الآثار الواردة في الخوف والعمل</span>.\n\n٢٧٣ - حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي (^١) قال: \"كان يقال: من استعمل التسويف والمنى لم ينبعث في العمل، وكان يقال: من أقلقه الخوف ترك: أرجو، وسوف، وعسى\" (^٢).\n\n٢٧٤ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرني المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: \"كانوا يقولون: منع البرُّ النوم، ومن يخف يدلج (^٣) \" (^٤).\n\n٢٧٥ - حدثني أبو بكر، ثنا أبو مسهر، حدثني شيخ من حَكَم قال: قال الجراح بن عبد اللَّه الحكمي (^٥) وكان فارس أهل الشام: \"تركت\n_________\n= متابعات، الأولياء (٣٥) رقم (٨٢)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٩٨٢)، وهناد في الزهد (١/ ٣٠٦) رقم (٥٣٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥٤٠) رقم (٧٩٠) عن الأعمش عن زيد بن وهب، ويروى هذا المعنى عن عامر بن عبد قيس انظر تاريخ دمشق (٢٦/ ٢٤).\n(^١) هو الحافظ الإمام الثقة شيخ خراسان، صاحب المسند والتاريخ، مات في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، تاريخ بغداد (١/ ٢٤٨)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٣١).\n(^٢) إسناده صحيح، شيخ المصنف هو السراج ثقة انظر تاريخ بغداد (١/ ٢٤٨ - ٢٥٠)، المتمنين (٤٧) رقم (٦١).\n(^٣) أي يسير من أول الليل، تاج العروس (١/ ١٤٠٥).\n(^٤) إسناده ضعيف، فيه مبارك بن فضالة وكان يدلس ويسوي كما سبق (٩٣)، قصر الأمل (١٤٦) رقم (٢٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٣٨) عن قتادة قوله، وفيه إبراهيم أبو إسماعيل وهو السكسكي صدوق ضعيف الحفظ، التقريب (٢٠٦).\n(^٥) هو الجراح بن عبد اللَّه الحكمي، أبو عقبة من اليمن، شامي الأصل حمصي، كان =","vol":"1","page":380},{"text":"الذنوب خشيةً أربعين سنة، ثم أدركني الورع\" (^١).\n\n٢٧٦ - حدثني حمزة، أنا عبيدان، أنا عبد اللَّه، أنا طلحة بن صبيح، عن الحسن قال: \"المؤمن من يعلم أن ما قال اللَّه -﷿- كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملا، وأشد خوفا، لو أنفق جبلا من مالٍ ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحا، وبِرًّا وعبادة، إلا ازداد فرقا، يقول: لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس عليّ، يسيء في العمل، ويتمنى على اللَّه -﷿-\" (^٢).\n\n٢٧٧ - حدثنا سعدوية، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: \"كان أبو عبيدة (^٣) أميرا على الشام، فخطب الناس فقال: يا أيها الناس،\n_________\n= واليا على خراسان والبصرة، ولاه يزيد بن المهلب، الجرح والتعديل (٢/ ٥٢٢).\n(^١) إسناده ضعيف؛ لإبهام الشيخ من حكم، التوبة (١١١) رقم (١٣٥)، وذكره ابن العماد في شذرات الذهب (١/ ١٤٥)، والذهبي في السير (٥/ ١٦٠) والعبر (١/ ١٣٨)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٠).\n(^٢) إسناده لين؛ مداره على طلحة بن صبيح، لم أجد له ترجمة سوى عند ابن معين في تاريخه (٤/ ٢٩١) ولم يذكره بجرح ولا تعديل وإنما ذكر أنه بصري فقط، ذم الدنيا (٤٧) رقم (١١١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٥٣٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٣)، والذهبي في السير (٤/ ٥٨٦).\n(^٣) هو أمين هذه الأمة عامر بن عبد اللَّه بن الجراح القرشي الفهري، أبو عبيدة بن الجراح، أحد العشرة، أسلم قديما، وشهد بدرا، مشهور، مات شهيدا بطاعون عمواس، سنة (١٨ هـ) وله ثمان وخمسون سنة، الإصابة (٣/ ٥٨٦)، التقريب (٣٠٩٨).","vol":"1","page":381},{"text":"إني امرؤ من قريش، واللَّه ما منكم أحمر ولا أسود يفضلني بتقًى إلا وددت أني في مسلاخه (^١) \" (^٢).\n\n٢٧٨ - حدثني أحمد بن إبراهيم، عن علي بن شقيق، عن ابن المبارك، عن سعيد بن زيد قال: سأل المغيرة بن مخادش الحسن فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يحدّثونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: \"أيها الشيخ إنك واللَّه إن تصحب أقواما يخوّفونك حتى تدرك أمنا، خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف\" (^٣).\n\n٢٧٩ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: \"أن عمر -﵁- لما حضرته الوفاة قال: لو أن لي ما على الأرض\n_________\n(^١) المسلاخ جلد الحية الذي تنسلخ منه، والمراد أن يكون مثل هيئته وطريقته، تاج العروس (١/ ١٨١٦).\n(^٢) إسناده صحيح إلى ثابت، وثابت تابعه قتادة عند أحمد وغيره، وكلاهما لا أعلم أنه يروي عن أبي عبيدة، المتمنين (٣٧) رقم (٣٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١١٦) رقم (٣٤٦٢٠)، وأحمد في الزهد (١٨٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٤١٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٠١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٤٨٢)، وذكره الذهبي في السير (١/ ١٨).\n(^٣) إسناده حسن، سعيد بن زيد صدوق له أوهام التقريب (٢٣٥٤)، وتابعه العلاء بن زياد -وهو ثقة التقريب (٥٢٧٣) - عند أحمد، الوجل والتوثّق بالعمل (٢٨) رقم (٣)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- (١٠٢) رقم (٣٠٣)، وعلقمة في زهد الثمانية (٦٨)، وأحمد في الزهد (٢٥٩) بنحوه، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٠)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١١٨)، وابن الجوزي في المقلق رقم (١).","vol":"1","page":382},{"text":"لافتديت به من هول المُطَّلَّع (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>ثالثا: الآثار الواردة في الخوف عند الموت</span>.\n\n٢٨٠ - حدثني عبيد اللَّه العتكي قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا محرر أبو سعيد، عن عبد الواحد بن زيد قال: \"دخلنا على صاحب لنا نهوِّن عليه سكرات الموت، فأفاق فقال: قد سمعت ما قلتم، واللَّه لوددت أنها بقيت هاهنا أبدا، لا أدري ما أُبَشَّر به\" (^٣).\n\n٢٨١ - حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي قال: حدثنا عاصم بن أبي بكر الزهري قال: أخبرني ابن أبي حازم قال: \"لما نُزل بعبد اللَّه بن عامر بن عبد اللَّه بن أوس (^٤) بكى، فاشتدّ بكاؤه، فأرسل أهله إلى أبي حازم أن أخاك قد جزع عند الموت، فأته فعزّه وصبّره، قال ابن أبي\n_________\n(^١) موضع الاطِّلاعِ من إشراف إلى انحدار، والمعنى أنه شبَّه ما أشرف عليه من أمر الآخرة بموضع الاطلاع، مختار الصحاح (٤٠٣).\n(^٢) إسناده ضعيف، هشام هو ابن حسان ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال لأنه قيل: كان يرسل عنهما، التقريب (٧٣٣٩)، المتمنين (٢٧) رقم (١٣)، المحتضرين رقم (٢١٥)، والقصة في صحيح البخاري (٧/ ٤١ فتح)، وانظر كذلك رقم (١٢، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ١٣٧).\n(^٣) فيه محمد بن أبي بكر وشيخه محرر لم أقف عليهما، المحتضرين (٢٤١) رقم (٣٦٧)، المتمنين برقم (١٥٣)، وبمعناه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٢٤)، والذهبي في الميزان (٣/ ٧٨)، وابن حجر في لسان الميزان (٤/ ١٧٣).\n(^٤) لم أعرفه.","vol":"1","page":383},{"text":"حازم: فأتيته جمع أبي، فقال له أبي: يا عامر، ما الذي يبكيك؟ فواللَّه ما بينك وبين أن ترى السرور إلا فراق هذه الدنيا، وإن الذي تبكي منه للَّذي كنت تدأب له وتنصب، فأخذ عامر بجلدة ذراعه ثم قال: يا أبا حازم، ما صبر هذه الجلدة على نار جهنم؟ فخرج أبي يبكي لكلامه، وأُذِّن لصلاة الظهر، فقام يريد المسجد فسقط، وتوفي وهو صائم، ما أُفطر\" (^١).\n\n٢٨٢ - حدثني الحسن قال: حدثنا الحارث بن مسكين، عن عبد اللَّه ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: \"أنه ذكر عمر (^٢) وأبا بكر (^٣) ابني المنكدر قال: لما حضر أحدهما الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ إن كنا لنغبطك بهذا اليوم، قال: أما واللَّه ما أبكى أن أكون ركبت شيئًا من معاصي اللَّه اجتراء على اللَّه، ولكني أخاف أن أكون\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ عاصم بن أبي بكر الزهري ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥٠٥)، والمزي ذكره في شيوخ الجروي، وابن ماكولا في الإكمال (٢/ ٣٣١) في شيوخ حبيش بن سليمان وكناه أبو ضمرة، ولعله أخو أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري وهو من تلاميذ مالك المشهورين الثقات كما في السير (١١/ ٤٣٦) لاشتراكهما في النسبة والطبقة؛ ولأن ابن الجوزي روى عن عاصم عن مالك بن أنس، انظر المنتظم (٨/ ١٦٥)، المحتضرين (١٦٨ - ١٦٩) رقم (٢٣٣).\n(^٢) هو عمر بن المنكدر التيمي المدني، العابد الخاشع، تاريخ الإسلام (١/ ٩٣٧).\n(^٣) هو أبو بكر بن المنكدر التيمي المدني، أسن الإخوة، ثقة مات بعد المائة التقريب (٧٩٨٩).","vol":"1","page":384},{"text":"أتيت شيئًا هيّنا وهو عند اللَّه عظيم، قال: وبكى الآخر عند الموت، فقيل له مثل ذلك فقال: إني سمعت اللَّه يقول لقوم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ (^١)، فأنا أنتظر ما ترون، واللَّه ما أدري ما يبدو لي\" (^٢).\n\n٢٨٣ - حدثنا علي بن شعيب قال: حدثني عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن نافع (^٣) قال: \"لما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت سعدا (^٤) وضغطة القبر\" (^٥).\n\n٢٨٤ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه الهروي قال: حدثنا إسماعيل بن\n_________\n(^١) سورة الزمر، من الآية (٤٧).\n(^٢) إسناده صحيح إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، التقريب (٣٨٩٠)، المحتضرين (١٧٠) رقم (٢٣٥)، وورد مثله برقم (٣١٩، ٣٦٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٧٠) رقم (٢٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٦٨)، كلاهما من طريق عن عبد الرحمن أزيد به.\n(^٣) هو نافع أبو عبد اللَّه المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور، مات سنة (١١٧ هـ) أو بعد ذلك، التقريب (٧٠٨٦).\n(^٤) يشير إلى قول رسول اللَّه -ﷺ-: \"لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها سعد بن معاذ، ولقد ضم ضمة ثم فرج اللَّه عنه\" مسند إسحاق رقم (١١٢٧)، وانظر صحيح الجامع رقم (٩).\n(^٥) إسناده لين، عبد المجيد بن عبد العزيز صدوق يخطئ، التقريب (٤١٨٨)، المحتضرين (١٧١) رقم (٢٣٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٤٤٠)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٩٩).","vol":"1","page":385},{"text":"إبراهيم، عن يونس بن عبيد قال: \"دخلنا على محمد بن واسع نعوده فقال: وما يغني عني ما يقول الناس إذا أُخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار\" (^١).\n\n٢٨٥ - حدثني محمد قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثني أبي قال: \"لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى، فقال له أصحابه: علام تبكي من الدنيا؟ فواللَّه لقد كنت منغّص العيش أيام حياتك، فقال: واللَّه ما أبكي على الدنيا، إنما أبكي خوفا أن أحرم خير الآخرة\" (^٢).\n\n٢٨٦ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا رستم بن أسامة قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: \"لما حضر أبو عمران الجوني، جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك رحمك اللَّه؟ قال: ذكرت واللَّه تفريطي فبكيت\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٩٧٨) أنه صدوق، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية، المحتضرين (١٤٢) رقم (١٨٣)، ومثله رقم (١٨٤)، وبمعناه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٤٧)، والربعي في وصايا العلماء (٩٣)، وكذا أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٨)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٧٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٧١).\n(^٢) إسناده صحيح، عمر بن حفص ثقة ربما وهم التقريب (٤٩١٤)، وأبوه ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر، التقريب (١٤٣٩)، المحتضرين (١٤٨ - ١٤٩) رقم (١٩٦)، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٥)، وكذا ابن الجوزي في المنتظم (٨/ ٩٩).\n(^٣) إسناده حسن، رستم بن أسامة صدوق كما في الجرح والتعديل (٣/ ٥١٦)، المحتضرين (١٤٩ - ١٥٠) رقم (١٩٨).","vol":"1","page":386},{"text":"٢٨٧ - حدثني محمد قال: حدثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا عبد اللَّه ابن المبارك قال: حدثني حماد بن سعيد بن أبي عطية المذبوح قال: \"لما حضر أبا عطية (^١) الموت جزع منه، فقيل له: أتجزع من الموت؟ فقال: وما لي لا أجزع وإنما هي ساعة ثم لا أدري أين يسلك بي\" (^٢).\n\n٢٨٨ - حدثني عمر (^٣) بن الحسين قال: حدثنا سعيد بن عامر قال: حدثنا همام بن يحيى قال: \"بكى عامر بن عبد اللَّه في مرضه الذي مات فيه بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد اللَّه؟ قال: آية في كتاب اللَّه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن قيس بن سواء، أبو عطية المذبوح، مشهور بكنيته، له إدراك وشهد اليرموك، وإنما قيل له المذبوح؛ لأنه أصابه سهم وهو مع أبي عبيدة باليرموك، فقطع جلده ولم يفر الأوداج، فكان إذا شرب الماء يرى مجراه، عاش بعد ذلك زمانا فسُمِّي المذبوح، الإصابة (٥/ ١٠٧).\n(^٢) إسناده لين، علي بن إسحاق هو المروزي ثقة التقريب (٤٧٢١)، وحماد بن سعيد لم يذكر فيه البخاري ولا أبو حاتم جرحا ولا تعديلا انظر التاريخ الكبير (٣/ ٢٠)، والجرح والتعديل (٣/ ١٤٠)، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٢١)، المحتضرين (١٥٠ - ١٥١) رقم (٢٠١)، ورقم (٣٣٤)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٣٨)، والربعي في وصايا العلماء (٨٥)، أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٥٤).\n(^٣) صوابه محمد بن الحسين، كما في تاريخ ابن عساكر، ولم أقف على شيخ لابن أبي الدنيا باسم عمر بن الحسين، والمشهور هو محمد بن الحسين، فلعله خطأ مطبعي أو تصحيف في المخطوط.\n(^٤) سورة المائدة، آية (٢٧).\n(^٥) إسناده صحيح، المحتضرين (١٤١) رقم (١٧٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ =","vol":"1","page":387},{"text":"٢٨٩ - حدثنا خالد بن خداش وسعدويه، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن عبد الوهاب بن ورد، عن سلم بن بشير بن حجل: \"أن أبا هريرة (^١) بكى في مرضه فقال: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكى على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري، وقلّة زادي، فإني أمسيت في صَعود مُهْبِطَةٍ على جنة ونار، ولا أدري أيتهما يؤخذ بي\" (^٢).\n\n٢٩٠ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا عمر بن شبيب المسلي قال: حدثنا ليث بن أبي سليم قال: \"لما نزل بحذيفة بن اليمان (^٣) الموت\n_________\n= دمشق (٢٦/ ٣٤)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٥٧) ونسبه للمصنف.\n(^١) هو أبو هريرة الدوسي، الصحابي الجليل، حافظ الصحابة، اختلف في اسمه واسم، أسلم سنة سبع عام خيبر، مات سنة (٥٧ هـ) أو اللتين بعدها، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، الإصابة (٧/ ٤٢٥)، التقريب (٨٤٢٦).\n(^٢) إسناده منقطع؛ فإن بين سلم وأبي هريرة عكرمة ورجل كما في الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٦)، والثقات لابن حبان (٦/ ٤٢٠)، لكن يحتمل التحسين فإني وقفت على أنه يروي عن عكرمة وعن عبد العزيز بن صهيب وهو مولى أنس وهو ثقة، التقريب (٤١٣٠) كذلك فلعله هو المراد بقول أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٦): \"روى عن عكرمة ورجل عن أبي هريرة\" المحتضرين (١٣٩) رقم (١٧٥)، ثم برقم (٢٧٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٥٤)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٣٣٩)، وأحمد في الزهد (١٥٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥٧)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢٢١) رقم (٥٧٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٣٨٣).\n(^٣) هو حذيفة بن اليمان -واسم اليمان حُسَيْل، ويقال: حِسْل- العبسي، حليف =","vol":"1","page":388},{"text":"جزع جزعا شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على الدنيا، بل الموت أحب إليّ، ولكني لا أدري على ما أقدم، على الرضا أم على سخط؟ \" (^١).\n\n٢٩١ - حدثني محمد الحسين قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي: \"أن أبا الدرداء لما نزل به الموت بكى، فقالت له أم الدرداء: وأنت تبكي يا صاحب رسول اللَّه؟ قال: نعم، ما لي لا أبكي ولا أدري ما أُهْجَمُ (^٢) من ذنوبي\" (^٣).\n\n٢٩٢ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه قال: \"لما اشتد وجع الحسن بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: نفيسة ضعيفة، وأمر هؤول\n_________\n= الأنصار، صحابي جليل، من السابقين، مات حذيفة في أول خلافة علي سنة (٣٦ هـ)، الإصابة (٢/ ٤٤)، التقريب (١١٥٦).\n(^١) إسناده ضعيف، فيه عمر بن شبيب المسلي وهو ضعيف التقريب (٤٩٥٣)، المحتضرين (١٣٤) رقم (١٦٧) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٩٦)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب (٥/ ٢١٧٢).\n(^٢) أي يريحني اللَّه من ذنوبي، انظر القاموس المحيط (١/ ١٥٠٨).\n(^٣) إسناده لين، فيه صالح المري وقد سبق (١٧٤)، المحتضرين (١٣٥) رقم (١٦٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٥/ ٥١٦).","vol":"1","page":389},{"text":"عظيم، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون\" (^١).\n\n٢٩٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد ابن سوقة، عن عمران الخيّاط قال: \"دخلت على إبراهيم أعوده وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أبا عمران؟ قال: أنتظر ملك الموت، لا أدري بالجنة يبشّرني أم بالنار\" (^٢).\n\n٢٩٤ - حدثني إبراهيم بن سعيد الأصبهاني قال: كتب محمد بن يوسف الأصبهاني العابد (^٣) إلى بعض إخوانه: \"أقرئ من أقرأتنا منه السلامَ السلامَ، وتزوّد لأُخراك، وتجاف عن دنياك، واستعدّ للموت، وبادر الفوت، واعلم أن أمامك أهوالا وأفزاعا قد أرعبت الأنبياء والرسل، والسلام\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده لين، ربيعة بن كلثوم وأبوه كلاهما صدوق يخطئ، المحتضرين (١٢٧) رقم (١٥٨).\n(^٢) إسناده لين؛ عمران الخياط، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٤١) وقال ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٣٥٢): \"شيخ لابن عون، لا يكاد يعرف\"، المحتضرين (١٢١ - ١٢٢) رقم (١٤٨)، ورقم (٢٠٢) نحوه، وابن المبارك في زهد رقم (٤٣٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٠٨) رقم (٣٥٣٩٢)، وأحمد في الزهد (٣٦٤)، والربعي في وصايا العلماء (١٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٤)، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٢٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٨٩).\n(^٣) هما اثنان بهذا الاسم متفقان في اسم الأب والجد، وكلاهما عابد صالح، أحدهما توفي سنة (١٨٤ هـ)، والآخر سنة (٢٨٦ هـ)، والمراد الأول لأن أبا نعيم أورد الأثر في ترجمته.\n(^٤) إسناده حسن، شيخ المصنف عروس الزهاد لا ينزل عن درجة الصدوق، انظر طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٢٢)، قصر الأمل (٥٢) رقم (٥١)، ومن طريقه أبو =","vol":"1","page":390},{"text":"٢٩٥ - حدثني سلمة بن شبيب، عن علي بن معبد قال: حدثنا خالد ابن حيان، عن عبيد بن سعيد قال: \"بكى عبد اللَّه عند الموت، فقيل له: أتبكي وقد صحبت رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال: وكيف لا أبكي وقد ركبت ما نهاني عنه، وتركت ما أمرني به، وذهبت الدنيا لحال بالها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني الرجال، إن خير فخير، وإن شر فشرّ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>رابعا: الآثار الواردة في الخوف وتمني الموت</span>.\n\n٢٩٦ - حدثنا محمد بن يزيل العجلي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: \"مرّ سليمان ابن صرد -﵁- (^٢) بأمي، فطلب ماء ليتوضّأ به، فأتته الجارية بماء، فمرّوا برجل مجلود يقول: أنا واللَّه مظلوم، فقال: يا هذه، لمثل هذا كان زوجك (^٣) يتمنى الموت\" (^٤).\n_________\n= نعيم في الحلية (٨/ ٢٣٦).\n(^١) إسناده لين، خالد بن حيان صدوق يخطئ التقريب (١٦٣٢)، المحتضرين (١٦٨) رقم (٢٣٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٨٤)، وبعض هذا الكلام روي عن الحسن في موعظة بليغة طويلة في الحلية (٢/ ١٤٣).\n(^٢) هو سليمان بن صُرَد بن الجون الخزاعي، أبو مطرف الكوفي، صحابي كان اسمه يسار فغيره النبي -ﷺ-، وكان خيرا فاضلا شهد مع علي صفين، قتل بعين الوردة سنة (٦٥ هـ)، الإصابة (٣/ ١٧٢)، التقريب (٢٥٧٤).\n(^٣) يقصد عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.\n(^٤) إسناده لين، شيخ المصنف ليس بالقوي، وذكره ابن عبدي في شيوخ البخاري وجزم =","vol":"1","page":391},{"text":"٢٩٧ - حدثني الحسن بن محبوب قال: سمعت الفيض بن إسحاق قال: قال حذيفة بن قتادة المرعشي: \"ينبغى لك لو أنك لم تعص اللَّه طرفة عين، أن تمنّى أنك لم تخلق\" (^١).\n\n٢٩٨ - حدثني محمد بن قدامة قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: \"دخلت على عبد اللَّه بن داود في مرضه الذي مات فيه، فجعل يقول أو يمر بيديه إلى الحائط: لو خيّرت بين دخول الجنة وبين أن أكون لَبِنَةً من هذا الحائط، لاخترت أن أكون لبنة منه، متى أدخل أنا الجنة\" (^٢).\n\n٢٩٩ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، حدثنا عبثر بن القاسم، عن برد بن سنان، عن حزام بن حكيم قال: قال أبو الدرداء: \"لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا تسكنون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة\n_________\n= الخطيب بأن البخاري روى عنه، لكن قد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه التقريب (٦٤٤٢)، قال الحافظ في ترجمة محمد بن يزيد الحزامي الكوفي التقريب (٦٤٤٥): \"يقال هو الذي روى عنه البخاري فظنه ابن عبدي أبا هشام. . . وقد فرق البخاري بينهما في التاريخ وأبو حاتم الرازي وزعم الباجي أنهما واحد فاللَّه أعلم\"، المتمنين (٨٣) رقم (١٤١).\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف لا بأس به كما سبق (١٨٨)، المتمنين (٨٣) رقم (١٤٢).\n(^٢) إسناده ضعيف، شيخ المصنف هو الجوهري فيه لين التقريب (٦٢٧٤)، المتمنين (٧٢ - ٧٣) رقم (١٢٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ٣٣).","vol":"1","page":392},{"text":"تعضد، ثم تؤكل\" (^١).\n\n٣٠٠ - حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا سهل بن عاصم، حدثنا محمد ابن المبارك، حدثني عبد اللَّه عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت عطاء: \"أن أبا بكر -﵁- ذكر ذات يوم أهوال يوم القيامة، وفكّر فيها، حتى ذكر الموازين إذا نصبت، والجنّة إذا أزلفت، والنار حين أبرزت، وصفوف الملائكة، وطيّ السماء، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خَضِرا من هذه الخُضر، تأتي عليّ بهيمة فتأكلني فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فنزلت: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n٣٠١ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد اللَّه ابن عبيدة، حدثنا\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، مداره على حزام بن حكيم وهو مقبول التقريب (١١٩٩)، المتمنين (٧٣ - ٧٤) رقم (١٢٣)، وأحمد في الزهد (١/ ١٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢١٦)، ونسبه السيوطي في الجامع الصغير لابن عساكر فقط، انظر فيض القدير (٥/ ٣١٨)، وهو فيه (٥٦/ ٢٦٨) طريق آخر موقوفا أيضًا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٤٨١٧).\n(^٢) سورة الرحمن، آية (٤٦).\n(^٣) إسناده حسن، سهل بن عاصم قال عنه أبو حاتم: \"شيخ\"، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٩٣)، وهو منقطع، انظر الجرح والتعديل (٤/ ٢٠٢)، وجامع التحصيل (٢٣٨)، المتمنين (٥٨ - ٥٩) رقم (٩١)، وأبو الشيخ في العظمة (١/ ٣٠٨) رقم (٥١)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧٠٦).","vol":"1","page":393},{"text":"يحيى بن راشد، حدثنا مرجَّى بن وداع الراسبي قال: \"دخلنا على عطاء السليمي (^١) وهو يوقد تحت قدر له، فقال له بعضنا: يا عطاء؛ أيسرّك أنك حرقت بهذه النار ولم تبعث؟ قال: وتصدّقوني؟ فواللَّه لوددت أني حرِّقت بها، ثم أخرجت ثم أحرقت، ثم أخرجت ثم أحرقت، وأني لم أبعث\" (^٢).\n\n٣٠٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني شعيب بن محرز، حدثنا صالح المري قال: \"قلت لعطاء السليمي: ما تشتهي؟ قال: فبكى ثم قال: أشتهي واللَّه يا أبا بشر أن أكون رمادا لا يجتمع منه سُفَّة (^٣) أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، قال: فأبكاني واللَّه، وعلمت أنه إنما أراد النجاة من عسر يوم الحساب\" (^٤).\n\n٣٠٣ - حدثني عون بن إبراهيم بن الصلت، حدثني موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: \"يا ليتني لم أخلق، فإذا خلقت متّ\n_________\n(^١) هو عطاء السليمي الزاهد، عابد أهل البصرة، يحكى عنه أمر يتجاوز الحد في الخوف والحزن، أدرك أنس بن مالك، وأخذ عن الحسن، تاريخ الإسلام (١/ ١٠١٣)، وله ترجمة في الحلية (٦/ ٢١٥).\n(^٢) إسناده لين، أبو عبد اللَّه ابن عبيدة لعله محمد بن عبد اللَّه بن عبيدة ترجم له في تاريخ جرجان (١/ ٤٠٢) ونقل عن الإسماعيلى قوله: \"ما رأيت المصيصي حدث من كتابه\"، المتمنين (٥٣) رقم (٧٧)، ويحيى بن راشد لم أجد له ترجمة، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢١٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٧/ ٢١٠).\n(^٣) أي حبة أو قبضة، مختار الصحاح (٣٢٦).\n(^٤) إسناده ضعيف، صالح المري ضعيف، التقريب (٢٨٦١)، المتمنين (٥٠) رقم (٦٧)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٢٤).","vol":"1","page":394},{"text":"صغيرا، ويا ليتني إذ لم أمت صغيرا عُمِّرت حتى أعمل في خلاص نفسي\" (^١).\n\n٣٠٤ - حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي، حدثنا المحاربي، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا ميسرة (^٢) يقول: \"ليت أمى لم تلدني، فتقول امرأته: يا أبا ميسرة، أليس قد أحسن اللَّه إليك؟ هداك للإسلام، وعلّمك القرآن؟ قال: بلى، ولكن أُخبرنا أنا واردون النار، ولم نخبر أنا صادرون عنها\" (^٣).\n\n٣٠٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، وخلف بن سالم قالا: حدثنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا عبد اللَّه بن مسلم، عن محمد بن عطاء بن خباب، عن\n_________\n(^١) إسناده لين، شيخ المصنف لم أجده إلا عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٥٥) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، أما موسى بن الحجاج فلم أجد له ترجمة سوى أن المزي ذكره في ترجمة مالك بن دينار ممن روى عنه، المتمنين (٥١) رقم (٧١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤١٢).\n(^٢) هو عمرو بن شرحبيل الهمداني أبو ميسرة، من عباد أهل الكوفة، ثقة عابد مخضرم، مات سنة (٦٣)، التقريب (٥٠٤٨).\n(^٣) فيه شيخ المصنف وقد سبق (٦٥)، لكن الأثر حسن من طريق ابن المبارك فقد رواه عن مالك بن مغول به، المتمنين (٤٣) رقم (٥٢) وكرره رقم (٥٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٥٢) رقم (٣٤٩٠٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣١٢)، ومن طريقه أحمد في الزهد (٣١٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٢٦٠)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ١١٠)، وعنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٤١).","vol":"1","page":395},{"text":"أبيه، عن جدّه خباب: \"أن أبا بكر الصديق -﵁- وهو في داره جاء طير وهو عنده، فوقع على شجرة حمامٌ أو عصفور، فنظر إليه أبو بكر الصديق -﵁- فقال: طوبى لك يا طير ما أنعمك على هذه الشجرة، تأكل من هذه الثمرة، ثم تموت ثم لا تكون شيئًا، -في لفظ: لا حساب عليك ولا عذاب- ليتني مكانك\"، وفي لفظ قال: وبلغني عن الحسن قال: \"تمنَّوا تمنَّوا، فلما فاتهم جدُّوا\" (^١).\n\n٣٠٦ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن سيّار قال: حدثنا أبو وائل قال: قال عبد اللَّه: \"وددت أن اللَّه غفر لي خطيئة من خطاياي وأنه لم يعرف نسبي\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، عبد اللَّه بن مسلم هو ابن هرمز المكي ضعيف، التقريب (٣٦٤١)، وروي هذا الأثر من عدة طرق لا تخلو من مقال لعله يرتقى بها إلى الحسن لغيره واللَّه أعلم، المتمنين (٢٥ - ٢٦) رقم (٩)، وانظر ما بعده برقم (١٠، ١١، ٤١، ٩٢، ١١٦، ١٢٥)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٩٦)، وبأطول منه هناد في الزهد (١/ ٢٥٨) رقم (٤٤٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩١) رقم (٣٤٤٣٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤٨٥) رقم (٧٨٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٣١).\n(^٢) إسناده حسن، سيار هو العنزي صدوق له أوهام كما سيأتي (٣٠٦) و(٨٩٦)، المتمنين (٢٩) رقم (١٩)، وانظر ما بعده (٢٠، ٢١)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٤٩٠)، وأحمد في الزهد (٢/ ١٠٥) وابن الجعد في مسنده (١/ ٢٦٠) رقم (١٧٢٩)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٣٣) رقم (٧١٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٤).","vol":"1","page":396},{"text":"٣٠٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام الدستوائي، عن قتادة قال: قال أبو عبيدة: \"يا ليتني كبشا فذبحني أهلي فأكلوا لحمى وحسوا مرقي، قال: وقال عمران بن حصين: يا ليتني رمادا تذريني الرياح، قال وقال سالم مولى أبي حذيفة: وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف\" (^١).\n\n٣٠٨ - حدثنا إسحاق، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ذر (^٢) قال: \"وددت أن اللَّه -﷿- خلقني يوم خلقني شجرة تعضد\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح وهو منقطع؛ مداره على قتادة عن أبي عبيدة، ولم يسمع منه انظر تحفة التحصيل (١/ ٢٦٢)، المتمنين (٣٠) رقم (٢٢)، ورقم (١٥٦)، ومعمر في جامعه (١١/ ٣٠٧) رقم (٢٠٦١٥) من مصنف عبد الرزاق، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤١)، وأحمد في الزهد (١٨٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٤١٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤٨٦) رقم (٧٩٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٤٨٢)، وذكره الذهبي في السير (١/ ١٨).\n(^٢) هو أبو ذر الغفاري، الصحابي المشهور، اسمه: جندب بن جنادة على الأصح، تقدم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرا، ومناقبه كثيرة جدا، مات سنة (٣٢ هـ) في خلافة عثمان، الإصابة (٧/ ١٢٥)، التقريب (٨٠٨٧).\n(^٣) إسناده صحيح، المتمنين (٣١) رقم (٢٣)، الترمذي (٤/ ٥٥٦) رقم (٣٢١٢)، شعب الايمان (١/ ٤٨٤) رقم (٧٨٣)، وأحمد في الزهد (٢/ ٧٧)، وهناد في الزهد =","vol":"1","page":397},{"text":"٣٠٩ - حدثنا عبيد اللَّه بن عمر الجشمي، حدثنا بضر بن المفضل، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن ابن أبي مليكة، حدثني ذكوان: \"أن ابن عباس دخل على عائشة (^١) ﵂ وهي في الموت، فجعل يرجّيها فقالت: \"دعني منك يا ابن عباس، فواللَّه لوددت أني كنت نسيا منسيا\" (^٢).\n\n٣١٠ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار قال: \"لو كان لأحد أن يتمنّى، لتمنّيت أنا أن يكون لي في الآخرة خصٌّ (^٣) من قصب، وأروى من الماء وأنجو من النار\" (^٤).\n_________\n= (١/ ٥٣٨) رقم (٤٥٨)، وابن أبي عاصم في الزهد رقم (٦٦)، ووكيع في زهد (١/ ٣٩٣) رقم (١٥٩).\n(^١) هي عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقا، وأفضل أزواج النبي -ﷺ- إلا خديجة ففيهما خلاف شهير، ماتت سنة (٥٧ هـ) على الصحيح، الإصابة (٨/ ١٦)، التقريب (٨٦٣٣).\n(^٢) إسناده حسن، عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم صدوق، التقريب (٣٤٨٩)، المتمنين (٣٤) رقم (٣٠)، المحتضرين (٢١٧) وهو أطول من هذا بكثير وفيه ذكر بعض محاسنها، وانظر رقم (٢٥، ٢٦، ٢٧، ١٢١) بألفاظ أخرى هذا أتمها: \"كنت شجرة، عصا رطبا\"، الزهد لأحمد (٢/ ١٤٥)، والقصة في صحيح البخاري (٨/ ٤٨٤ فتح) باب إذ تلقونه بألسنتكم، وهو أثر مشهور رواه غير واحد.\n(^٣) هو البيت من قصب، مختار الصحاح (١٩٦).\n(^٤) إسناده حسن، سيار هو ابن حاتم العنزي صدوق له أوهام، التقريب (٢٧٢٩)، =","vol":"1","page":398},{"text":"٣١١ - حدثنا هارون، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك ابن دينار يقول: \"وددت أن اللَّه إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لي: يا مالك، فأقول: لبيك، فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة، فأعرف أنه قد رضي عني، فيقول: يا مالك كن اليوم ترابا\" (^١).\n\n٣١٢ - حدثنا زكريا بن يحيى بن خلاد التميمي، حدثنا عون بن الحكم بن سيار، حدثنا حصين بن أبي بكر الباهلي قال: سمعت يزيد الرقاشي وقال له رجل: تمنَّ، نقال: \"يا ليتني لم أخلق، وليتني إذ خلقت لم أوقف، وليتني إذ وقفت لم أحاسب، وليتني إذ حوسبت لم أناقش\" (^٢).\n\n٣١٣ - حدثنا المفضل بن غسّان، حدثني شيخ من موالي قريش قال: كان يزيد الرقاشي (^٣) يقول: \"يا ليتنا لم نخلق، ويا ليتنا إن حوسبنا لم\n_________\n= المتمنين (٣٥) رقم (٣٢)، وأحمد في الزهد (٣٢٢)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤١٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٨٦).\n(^١) إسناده حسن، المتمنين (٣٥) رقم (٣٣)، وأحمد في الزهد (٣٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤١٢)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٣٦٤).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف أورده ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٥٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٤٥٩) ولم يذكر فيه شيئًا، وهو يرويه عن شيخين عون بن الحكم هنا، وعن الأصمعي عند ابن عساكر وكان من جلسائه كما في الثقات، المتمنين (٣٥ - ٣٦) رقم (٣٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٨/ ١١٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٩٠).\n(^٣) هو يزيد بن أبان الرقاشي، أبو عمرو البصري، قاصٌّ زاهد ضعيف، مات قبل =","vol":"1","page":399},{"text":"نعذب، ويا ليتنا إن عذّبنا لم نخلد\" (^١).\n\n٣١٤ - حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثني بكر بن مضر، حدثني محمد بن حكيم، أن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص (^٢) قال: \"يا ليتني كنت لبنة من هذا اللبن، لا عليّ ولا لي\" (^٣).\n\n٣١٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل والقاسم بن هشام قالا: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن قال: \"خرج هرم بن حيّان وعبد اللَّه بن عامر يريدان الحجاز، فبينما هما يسيران على راحلتيهما إذ مرّا على مكان فيه كلأٌ حليّ ونصيّ، فجعلت راحلتهما تخالجان ذلك الشجر، فقال هرم بن حيّان: يا ابن عامر أيسرّك أنك شجرة من هذه الشجر أكلتك هذه الراحلة، فقذفتك بعرا، فاتّخذتَ جلّةً، قال: لا واللَّه،\n_________\n= (١٢٠ هـ)، التقريب (٧٦٨٣).\n(^١) إسناده ضعيف، فيه شيخ مبهم، المتمنين (٣٦) رقم (٣٥)، وانظر الأثر السابق.\n(^٢) هو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص السهمي، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح، الإصابة (٤/ ١٩٢)، التقريب (٣٤٩٩).\n(^٣) فيه محمد بن حكيم لم أجد له ترجمة، ولعله والد بكر بن مضر، وباقي رجاله ثقات مصريون، المتمنين (٣٦) رقم (٣٦)، وفي المحتضرين برقم (١٠٣) قوله: \"ليتني كنت حيضا أعرتكني الإماء بدريب الإذخر\"، وفي طبقات ابن سعد (٤/ ٢٦٧)، وشعب الإيمان برقم (١٠٦٩٦)، وتاريخ دمشق (٣١/ ٢٦٥)، قوله: \"لوددت أني هذه السارية\".","vol":"1","page":400},{"text":"لما أرجو من رحمة اللَّه تعالى أحب إليّ من ذلك، فقال هرم بن حيان: لكني واللَّه وددت أني شجرة من هذه الشجر، أكلتني هذه الناقة فقذفتني بعرا فاتخذت جلّةً، ولم أكابد الحساب يوم القيامة: إما إلى جنة وإما إلى نار، ويحك يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى، قال الحسن: كان واللَّه أفقههما وأعلمهما باللَّه -﷿-\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان عدة مسائل متعلقة بالخوف من اللَّه -﷿-، من تعريفه، وعلاقته بالعلمل، واستحضاره عند الموت، وتمني الخائف للموت.\nفأما تعريفه فقد ورد في أثر أبي سعيد البصري أن بعض العلماء عرفه بأن: من خاف اتقى، وأنه التعظيم للرب والحياء منه، وفي أثر شقيق إفراد اللَّه بالخوف، والحياء منه أن يصرف لغيره، ولا شك أن الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلِّها، فيجب إخلاصه للَّه، ولا يجوز تعلقه بغير اللَّه أصلا، فلا أحد يُخاف في إيصال مكروه، من موت أو قتل أو فقر أو\n_________\n(^١) إسناده لين، هشام بن حسان متكلم في روايته عن الحسن كما سبق (٢٩٠)، لكن الأثر حسن رواه أحمد عن جرير بن حازم عن حميد بن هلال، المتمنين (٣٦ - ٣٧) رقم (٣٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٣٧)، وأحمد في الزهد (٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١١٩ - ١٢٠)، وابن الجوزي في المنتظم (٥/ ٢١٩)، وذكره الذهبي في السير مختصرا (٤/ ٤٩)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢١٤).","vol":"1","page":401},{"text":"مرض ونحو ذلك إلا اللَّه، وهذا الخوف لا يكون العبد مسلما حتى يخلصه للَّه ويفرده بذلك دون من سواه (^١)، ولذلك \"الخوف والرجاء وما أشبه ذلك؛ فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئا سواه. . . وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف، كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمة اللَّه تعالى\" (^٢).\nوإذا صرف الخوف للَّه وحده أورث ترك المخالفات، كما سبق أن من خاف اتقى قال ابن القيم: \"الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم اللَّه -﷿-؛ فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط\" (^٣).\nأما كونه تعظيما وحياءًا من اللَّه فالذي يظهر لي أن ذلك ليس مطلق الخوف، وإنما نوع خاص منه وهو الهَيْبَة، وهي: خوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة، والإجلال تعظيم مقرون بالحب\" (^٤).\nوأما الخوف والعمل، فبينهما علاقة وطيدة كما سبق في الرجاء\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (٤٨٥ - ٤٨٧) بتصرف.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٩٤).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٥٥١).\n(^٤) انظر مدارج السالكين (١/ ٥٥٠).","vol":"1","page":402},{"text":"والتوكل، ولذلك اشتملت الآثار السابقة على بيان أن الخوف داع للعمل وحاثٌّ عليه، فمن خاف ترك سوف وعسى، ومن يخف يدلج، وترك بعضهم الذنوب أربعين سنة خوفا من اللَّه، حتى أدركه الورع، بل إن كلام الحسن يعتبر قاعدة عامة في هذا الموضوع حيث قال: \"المؤمن أحسن الناس عملا، وأشد خوفا\"، وقد لخص ابن القيم ﵀ حال السلف مع الخوف والعمل الصالح فقال: \"اللَّه سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن، ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بل التقصير بل التفريط والأمن؛ فهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن. . . . \" ثم قال: \"وهذا باب يطول تتبعه\" (^١).\nوأما الخوف عند الموت: فقد اشتملت الآثار أن بعض السلف غلب جانب الخوف على جانب الرجاء حال الموت، وعلّلوا ذلك بعدة تعليلات: إما بعدم الجزم بما سيبشرون به، أو استحضار خوف جهنم وعدم الصبر على نارها، أو الخوف أن يبدو له ما لم يكن يحتسب، أو ضغطة القبر، أو استحضار بعض التقصير والتفريط حال الحياة والصحة، أو الخوف من عدم قبول الأعمال الصالحة، أو الخوف من أهوال القيامة، وليس في هذه الآثار أن الخوف هو الأفضل حال الاحتضار وقرب الموت،\n_________\n(^١) الجواب الكافي (٢٥).","vol":"1","page":403},{"text":"ولكن يؤخذ منها واللَّه أعلم أن ذلك بسبب التضرع والانكسار بين يدي اللَّه، والاعتراف بالتقصير المستلزم لطلب رجاء المغفرة والقبول والأمن، لأن الخوف مستلزم للرجاء والعكس، ولذلك كان خوف المقربين أعظم من خوف عامة المؤمنين واللَّه أعلم (^١).\nوأما الخوف وتمني الموت: فقد وردت عدة آثار تمني فيها بعض السلف الموت أو أنه لم يخلق لشدة الخوف، فهي تدل على تمكن منزلة الخوف وقيامها بقلوبهم، وذلك أنهم كانوا أعرف الناس بربهم، وأعلمهم بصفاته وأسمائه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وأعرفهم بضعف نفوسهم، وعدم توفيتها لحق مليكها وخالقها، فتمنّوا ما تمنوا خوفا من ذلك؛ لأنه كلما كان العبد باللَّه أعرف كان له أخوف، وكلما ازداد معرفة ازداد حياء وخوفا وحُبا، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم أليق، ولهم ألزم، ومن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزاءها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم توثقه بإتيانه بالتوبة النصوح هاج في قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو (^٢).\n_________\n(^١) انظر طريق الهجرتين (٢٨٧ - ٢٨٩).\n(^٢) انظر طريق الهجرتين (٢٨٤ - ٢٨٥) بتصرف.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المطلب التاسع: الآثار الواردة في الجمع بين الخوف والرجاء</span>.\n\n٣١٦ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني يزيد بن خليفة بياع الحرير قال: سمعت رجلا من العباد يقول: \"ما جُليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر، وإن أكبر أمر المؤمن في نفسه لهمّه بمعاده، والمؤمن من ربه على كل خير، ولبئس معوّل المؤمن رجاء لا يشوبه بخوف\" (^١).\n\n٣١٧ - نا سلمة بن شبيب، نا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: \"من حسن ظنه باللَّه -﷿- ثم لا يخاف اللَّه فهو مخدوع\" (^٢).\n\n٣١٨ - حدثنا أبي قال: أخبرنا روح بن عبادة، عن هشام بن أبي عبد اللَّه، عن جعفر بن ميمون، عن أبي العالية (^٣) قال: \"ليأتينَّ على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتبلى كما تبلى ثيابهم، وتهافت لا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصّروا عما أمروا به قالوا: إن اللَّه غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا أنا لا نشرك باللَّه شيئا،\n_________\n(^١) إسناده لين؛ فيه بياع الحرير لم أجده، الهم والحزن (٥١) رقم (٥٠).\n(^٢) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٣٧) رقم (٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٧٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٢٥٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٢٦).\n(^٣) هو رُفَيْع بن مهران، أبو العالية الرِّياحي، ثقة كثير الإرسال، مات سنة (٩٠) وقيل بعد ذلك، التقريب (١٩٥٣).","vol":"1","page":405},{"text":"أمرهم كله طمع، ليس معهم خوف، لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في أنفسهم المداهن\" (^١).\n\n٣١٩ - حدثنا العباس بن يزيد قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن موسى بن جميل، عن أبي روح، عن أبي الجلد (^٢) قال: \"أعوذ باللَّه من زمان يأمل فيه الكبير، ويمرد فيه الصغير، فلا يعتق فيه المحرّرون، في ذلك الزمان أقوام يرجون ولا يخافون، فلا يستجاب لهم، في ذلك الزمان أقوام قلوبهم قلوب الذئاب لا يتراحمون\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده لين، فيه جعفر بن ميمون صدوق يخطئ، التقريب (٩٦٩)، وقال ابن عدي: \"ليس بكثير الرواية، وقد حدث عنه الثقات مثل: سعيد بن أبي عروبة وجماعة من الثقات، ولم أر بأحاديثه نكرة، وأرجو أنه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء\"، العقوبات (٢١٦ - ٢١٧) رقم (٣٤١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/ ١٨١)، وابن أبي جرادة في بغية الطلب (٨/ ٣٦٨٨)، كلاهما من طريق الحارث بن أبي أسامة به، ولم أجده في بغية الباحث وإنما ورد فيه نفس الأثر مرفوعا بسند ضعيف عن معقل بن يسار عن النبي -ﷺ- وفيه زيادة أن المداهن: \"الذي يأمر ولا ينهى\".\n(^٢) هو جيلان بن أبي فروة الأسدي، كان ممن يقرأ كتب الأوائل، وكان من العباد، مشاهير علماء الأمصار (٩٣).\n(^٣) إسناده لين؛ شيخ المصنف صدوق يخطئ التقريب (٣٢١١)، العقوبات (١٧٠) رقم (٢٥٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٥٨)، وورد بعض هذا الكلام عن هرم ابن حيان عند ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢١٣) رقم (٣٥٤٣٥)، وكذا أحمد في الزهد (٢٣١)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٣١، ١٣٣)، وأبو نعيم في الحلية =","vol":"1","page":406},{"text":"٣٢٠ - حدثني أبو جعفر الأدمي، حدثنا أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس قال: \"مرض كعب (^١) فعاده رهط من أهل دمشق فقالوا: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ قال: بخير جسد، أخذ بذنبه، إن شاء ربه عذّبه، وإن شاء رحمه، وإن بعثَه بعثه خلقا جديدا لا ذنب له\" (^٢).\n\n٣٢١ - حدثني الفضل بن جعفر قال: حدثنا النضر بن شداد بن عطية قال: حدثني أبي شداد بن عطية قال: حدثنا أنس بن مالك قال: \"دخلنا على عبد اللَّه بن مسعود نعوده في مرضه فقلنا له: كيف أصبحت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أصبحنا بنعمة اللَّه إخوانا، قلنا: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجد قلبي مطمئنا بالإيمان، قلنا: ما تشتكي أبا عبد الرحمن؟ قال: أشتكي ذنوبي وخطاياي، قلنا: ما تشتهي شيئا؟ قال:\n_________\n= (٢/ ١٢٠)، وليس في جميعها محل الشاهد من كونهم يرجون ولا يخافون.\n(^١) هو كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، ثقة مخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، مات في آخر خلافة عثمان سنة (٣٤ هـ)، وقد زاد على المائة، مشاهير علماء الأمصار (١١٨)، التقريب (٥٦٤٨).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه أبو بكر بن أبي مريم وقد سبق (٦٢) أنه ضعيف، والأثر حسن من طريق أبي نعيم، المرض والكفارات (٥٢) رقم (٤٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٥٥) رقم (٩٨٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٦٦) (٦/ ٢٦) بسند حسن، بلفظ أوضح: \"جسد أخذ بذنبه؛ فإن قبض على هذه الحال فإلى رحيم، وإن يعافه ينشئ خلقا لا ذنب له\".","vol":"1","page":407},{"text":"أشتهي مغفرة اللَّه ورضوانه، قلنا له: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني\" (^١).\n\n٣٢٢ - حدثني محمد بن عمر المقدّمي وهارون بن عبد اللَّه وغيرهما قالوا: حدثنا سعيد بن عامر، عن حزم قال: قال محمد بن واسع وهو في الموت: \"يا إخوتاه تدرون أين يذهب بي؟ يذهب بي واللَّه الذي لا إله إلا هو إلى النار، أو يعفو عني\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده لين، النضر بن شداد وأبوه لم أقف لهما على ترجمة، سوى ما ذكره بحشل في تاريخ واسط (١/ ٤٦) من أن النضر سأل أباه من رأى من أصحاب النبي -ﷺ- فأجابه بأنه رأى معقل بن يسار وأنس بن مالك، المحتضرين (٢٣٨ - ٢٣٩) رقم (٣٦٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٤٩١) رقم (٢٤٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٨٤، ١٨٦)، وانظر تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤١١) فقد بين ضعف طرقه الأخرى التي فيها فضل سورة الواقعة وأنها تنفي الفقر.\n(^٢) إسناده حسن، وحزم هو القطعي سبق (١٠٣) أنه صدوق يهم، وتابعه عبد الواحد ابن زيد في الأثر الذي بعده، المحتضرين (١٤١ - ١٤٢) رقم (١٨١) والذي بعده مثله وهو ضعيف انظر الضعفاء والمتروكين (٢/ ١٥٥)، ورواه عن هارون بن رئاب برقم (٢٤١)، وفيه: \"وبلغني عن محمد بن واسع أنه قالها عند الموت، فأظن أنه تعلمها من هارون بن رئاب\"، ورواه أيضًا في محاسبة النفس عن محمد بن واسع برقم (٣٦)، بنفس السند عن شيخين آخرين، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٨)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢٠٤) رقم (٥١٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٧١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٧١).","vol":"1","page":408},{"text":"٣٢٣ - حدثني أحمد بن إبراهيم بن كثير قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثني مضر قال: حدثني عبد الواحد بن زيد قال: \"حضرت محمد بن واسع عند الموت، فجعل يقول لأصحابه: عليكم السلام، إلى النار أو يعفو اللَّه\" (^١).\n\n٣٢٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق المقرئ قال: حدثنا عبد المؤمن بن عبيد اللَّه السدوسي قال: سمعت زياد النميري يقول: \"بلغني أن عامر بن عبد اللَّه لما نزل به الموت بكى ثم قال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي، وأتوب إليك من ذنوبي، لا إله إلا أنت، ثم لم يزل يردّدها حتى مات\" (^٢).\n\n٣٢٥ - حدثنا كامل بن طلحة قال: حدثنا أبو هلال الراسبي، عن معاوية بن قرة: \"أن أبا الدرداء اشتكى، فدخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي، قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: هو أضجعني\" (^٣).\n_________\n(^١) المحتضرين (١٤٢) رقم (١٨٢)، ورقم (١٩٩)، انظر الذي قبله.\n(^٢) إسناده ضعيف منقطع، فيه زياد النميري ضعيف من الخامسة التقريب (٢٠٩٨)، المحتضرين (١٣٩ - ١٤٠) رقم (١٧٦)، ومن طريقه وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٤٠).\n(^٣) إسناده حسن، كامل بن طلحة صدوق، تكلم فيه بغير حجة، انظر السير (١١/ ١٠٧، ١٠٩)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٢١)، المحتضرين (١٣٧) رقم (١٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٢) و(٧/ ١١١) رقم (٢٣٤٣٠، ٣٤٥٩٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٥)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٧٠).","vol":"1","page":409},{"text":"٣٢٦ - حدثني محمد قال: حدثنا داود بن المحبَّر قال: حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن أبي عمران الجوني: \"أن أبا الدرداء لما نزل به الموت، دعا أم الدرداء، فضمّها إليه وبكى، وقال: يا أم الدرداء قد ترين ما قد نزل من الموت، إنه واللَّه قد نزل بي أمر لم ينزل بي قط أمر أشد منه، وإن كان لي عند اللَّه خير فهو أهون ما بعده، وإن تكن الأخرى فواللَّه ما هو فيما بعده إلا كحلاب ناقة، قال: ثم بكى، ثم قال: يا أم الدرداء اعملي لمثل مصرعي هذا، يا أم الدرداء اعملي لمثل ساعتي هذه، ثم دعا ابنه بلالا فقال: ويحك يا بلال اعمل لساعة الموت، اعمل لمثل مصرعي أبيك، واذكر به صرعتك وساعتك فكأن قد، ثم قُبض\" (^١).\n\n٣٢٧ - حدثنى محمد قال: حدثني عمار بن عثمان قال: سمعت بهيم العجلي (^٢) يقول: \"وعزّتك ما بكى الباكون إليك فخيّبتهم من فضلك، بل ظنّ أوليائك أحسن الظنون، ورجاؤهم لك أكثر الرجاء، قال: ثم يبكي حتى يبلّ لحيته بالدموع\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه داود بن المحبر وسيأتي (٨٠٨)، المحتضرين (١٣٦) رقم (١٧١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٦).\n(^٢) هو بهيم العجلي، أبو بكر العابد، تروى عنه الحكايات، الثقات لابن حبان (٨/ ١٥٣)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٦).\n(^٣) إسناده حسن، وعمار بن عثمان هو الحلبي سيأتي (٥٢٨)، الرقة والبكاء (٢٠١) رقم (٢٧٩)، وفيه أن البكاء الذي يذكر عن الصالحين في هذا الكتاب إنما هو من باب الرجاء وليس قنوطا ولذلك كان ممدوحا.","vol":"1","page":410},{"text":"٣٢٨ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني شعيب بن راشد، عن أبي روح الأنصاري قال: كان من دعاء الحسين (^١): \"اللهم ارزقني الرغبة في الآخرة حتى اعرف صدق ذلك في قلبي بالزهد مني في دنياي، اللهم ارزقني بصرا في أمر الآخرة حتى أطلب الحسنات شوقا، وأفر من السيئات خوفا من ربي\" (^٢).\n\n٣٢٩ - حدثنا محمد بن علي، نا إبراهيم قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كتب الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: \"أما بعد: يا أمير المؤمنين. . . أهل البصائر الفضائل فيها يا أمير المؤمنين: مشيهم بالتواضع، وملبسهم بالاقتصاد، ومنطقهم بالصواب، ومطعمهم الطيّب من الرزق، قد نفذت أبصارهم في الآجل، كما نفذت أبصارهم في العاجل، فخوفهم في البر كخوفهم البحر، ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضرّاء، ولولا الأجل الذي كتب عليهم لم تقرّ أرواحهم في أبدانهم إلا قليلا، خوفا من العقاب، وشوقا إلى الثواب، عظم الخالق في أعينهم، وصغر المخلوق عندهم. . . \" (^٣).\n_________\n(^١) لعله الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد اللَّه المدني، سبط رسول اللَّه -ﷺ- وريحانته، حفظ عنه، استشهد يوم عاشوراء سنة (٦١ هـ)، وله ست وخمسون سنة، الإصابة (٢/ ٧٦)، التقريب (١٣٣٤).\n(^٢) فيه أبو روح، وسيأتي (٦٥١) أني لم أعرفه، ذم الدنيا (١٣١) رقم (٣٩١).\n(^٣) إسناده منقطع؛ فإن الفضيل بن عياض لم يسمع من الحسن البصري، فالحسن من الطبقة الثالثة والفضيل من الثامنة، كما في ترجمتهما من التقريب، ذم الدنيا (١٠٥=","vol":"1","page":411},{"text":"٣٣٠ - ذكر شريح بن يونس، نا محمد بن حميد، عن سفيان عن صاحب له قال: قال مسلم بن يسار (^١): \"من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ما أدري ما حسبت رجاء امرئ عرض له بلاء لم يصبر عليه لما يرجو، ولا أدري ما حسبت خوف امرئ عرضت له شهوة فلم يدعها لما يخاف\" (^٢).\n\n٣٣١ - ثنا أبو يعقوب، ثنا العباس بن الوليد قثني أبي قثني الضحاك\n_________\n= - ١٠٦) رقم (٢٩٣)، وأخرج هذه الرسالة بلفظ مقارب أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٣) وفيه ابن أبي الأسود انظر اللسان (١/ ٧٠).\n(^١) هناك ثلاثة في هذه الطبقة ممن يسمى مسلم بن يسار إما البصري الفقيه، أو الأنصاري، أو الجهني، انظر تقريب التهذيب (٦٦٥٢) (٦٦٥٣) (٦٦٥٤) واللَّه أعلم بالمراد.\n(^٢) إسناده معلق، وفيه رجل مبهم، والأثر متصل حسن كما سيأتي، حسن الظن باللَّه (٦٤) رقم (٩١)، ورواه (١٣٢) عن حذيفة مرفوعا بسند ضعيف جدا، فيه شيخ المصنف لين الحديث التقريب (١٣٧٠)، وخازم وهو بن جبلة بن نضرة كما في مخطوط الظاهرية، ذكره ابن حجر ونقل عن الدوري قوله: \"لا يكتب حديثه\"، ووقع في طبعتي السيد وشاحونة: (حازم عن أبي سنان)، فأوقع في إشكال واللَّه أعلم، والوجل والتوثق بالعمل برقم (١)، وابن المبارك في الزهد برقم (٣٠٥)، وأحمد في الزهد وابنه في زوائده (٢٥٠، ٢٨٩)، والصنعاني في تفسيره (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٧/ ١٦٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ١٤٠) (٥٩/ ٢٧٢)، وذكر معناه العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٤١١) عن أنس ونسبه لتلخيص المتشابه للخطيب.","vol":"1","page":412},{"text":"ابن عبد الرحمن بن أبي حوشب قال: سمعت بلال بن سعد (^١) يقول: \"عبادَ الرحمن أمَّا ما وكلكم اللَّه به فتضيّعونه، وأما ما تكفل لكم به فتطلبونه، ما هكذا نعت اللَّه عباده الموقنين، أَذَوُوا عقول في طلب الدنيا، وبُلْهٌ عما خلقتم له، فكما ترجون رحمة اللَّه بما تؤدون من طاعة اللَّه -﷿- فكذلك اشفقوا من عذاب اللَّه بما تنتهكون من معاصي اللَّه -﷿-\" (^٢).\n\n٣٣٢ - حدثنا محمود بن خداش قال: حدثنا شجاع بن الوليد، عن عمرو بن قيس: \"أن معاذ بن جبل (^٣) لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ قال: فقيل: لم نصبح، حتى أُتي فقيل له: قد أصبحت، قال: أعوذ باللَّه من ليلة صباحها إلى النار، مرحبا بالموت مرحبا، زائر مغبّ حبيب جاء على فاقة، اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الشجر، ولكن لظمأ\n_________\n(^١) هو بلال بن سعد بن تميم الأشعري أو الكندي، أبو عمرو أو أبو زرعة الدمشقي، ثقة عابد فاضل، مات في خلافة هشام، التقريب (٧٨٠).\n(^٢) إسناده صحيح، وشيخ المصنف هو إسحاق بن إبراهيم المروزي الإمام المعروف، التقريب (٣٣٤)، اليقين (٦٤) رقم (٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٣١)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٦٣) رقم (٧)، ومن طريقه وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٩٤ - ٤٩٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢١٩).\n(^٣) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، مشهور من أعيان الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة (١٨ هـ)، الإصابة (٣/ ١٣٦)، التقريب (٦٧٢٥).","vol":"1","page":413},{"text":"الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر\" (^١).\n\n٣٣٣ - نا عبد اللَّه بن عمر بن محمد، نا الحسين بن علي الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن داود بن شابور قال: قال مطرف بن عبد اللَّه: \"لو جيء بميزان تَرِيصٍ (^٢) فَوُزِن خوف المؤمن ورجاؤه كانا سواءا، يذكر رحمة اللَّه فيرجوه، ويذكر عذاب اللَّه فيخاف\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان العلاقة بيان أهمية اجتماع الخوف والرجاء في المؤمن، وأنه لا غِنَى بأحدهما عن الآخر، وأن وجود أحدهما دون الآخر مذموم، ولذلك اشتملت بعضها على ذم الرجاء الذي لم يشبه\n_________\n(^١) إسناده منقطع؛ فإن عمرو بن قيس لم يدرك معاذا، وورد عند أحمد عمرو بن قيس عمن حدثه، المحتضرين (١١٠ - ١١١) رقم (١٢٧)، وأحمد في زهد (١٨٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٩)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٤٥٠).\n(^٢) هكذا في المخطوط مع التنبيه بالشكل على صحة الكلمة، ومعناها ميزان محكم شديد، انظر القاموس المحيط (٢/ ٤٣٥)، وذكر ابن قتيبة الأثر وشرح كلمة \"تريص\" في غريب الحديث (٣/ ٧٥٥)، وكذا ابن الجوزي (١/ ١٠٦)، والزمخشري في الفائق (١/ ١٥٠)، وقد صحفت في طبعتي شاحونة والسيد تصحيفا فاحشا.\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف هو مشدكانة صدوق فيه تشيع، التقريب (٣٥١٧)، حسن الظن باللَّه (٨٢) رقم (١٣٣)، وأحمد في الزهد (٢٣٨ - ٢٣٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٧٨) رقم (٣٥١٢٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٢) رقم (١٠٢٤)، جميعهم لم يذكروا الميزان ووصفه بالتريص.","vol":"1","page":414},{"text":"خوف في أول أثر، ثم بيان أن من حسن ظنه ولم يخف فهو مخدوع، ثم في أثر أبي العالية ذم قوم يأتون في الزمان القادم بأن أمرهم كله طمع ليس معهم خوف، واستعاذة أبي الجلد من ذلك الزمان ووصفه أصحابه بأنهم يرجون ولا يخافون، كما ورد بيان أن الخوف وإن كان مسيطرا على حال المذنب لا ينبغي أن يمنعه من الرجاء في سعة عفو اللَّه، وهذا في الآثار السابقة فيمن حضره الموت فخاف ذنوبه ورجا ربه، كأثر ابن مسعود وغيره فهم يشتكون ذنوبهم، ويشتهون مغفرة من ربهم وذلك أن \"الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك للكان أمنا، فأهل الخوف للَّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللَّه\" (^١)، قال ابن القيم في مقام تعداد بعض فوائد الرجاء: \"ومنها: أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فكل راج خائف، وكل خائف راج، ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف. . . والتحقيق أنه ملازم له فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط\" (^٢)، ثم بيان أن الخوف والرجاء المقصود منهما الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل السيِّء، كما في دعاء الحسين أنه يطلب الحسنات شوقا، ويفر من السيئات خوفا، ووصف الحسن لأهل البصائر في الدنيا بأنهم كذلك، وأثر مسلم بن يسار في أن من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢١).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٥٥).","vol":"1","page":415},{"text":"منه، وأثر سعي بن بلال في أمر من يرجو ثواب الطاعة، بأن يشفق من عذاب المعصية وهذه من فوائد الرجاء قال ابن القيم: \"الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيب له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرجاء لما سار أحد؛ فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء\" (^١).\nثم اشتملت الآثار بيان تغليب أحدهما على الآخر وأيهما أولى؛ وليست الآثار متفقة المعنى في ذلك، لكن الظاهر أنها امختلفة باختلاف الحالات التي قصدها كل واحد؛ فبينما نجد في أثر ابن مسعود تغليب جانب الخوف في الحياة، وتغليب جانب الرجاء حال الموت، نجد في أثر مطرف بأنهما سواء حتى لو وزن بأدق ميزان لوجداكذلك، وقد سبقت آثار تؤيد هذا أو ذاك في حسن الظن بالله، وفي الرجاء وفي الخوف، وقد شرح ابن حجر في الفتح قول البخاري ﵀: \"باب الرجاء مع الخوف: أي استحباب ذلك؛ فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف، ولا في الخوف عن الرجاء، لئلا يفضي في الأول إلى المكر، وفي الثاني إلى القنوط، وكل منهما مذموم، والمقصود من الرجاء أن من وقع منه تقصير فليحسن ظنه بالله، ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها، وأما من انهمك على المعصية راجيا عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا في غرور ... وهذا كله متفق على استحبابه في حالة الصحة،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٥٢)","vol":"1","page":416},{"text":"وقيل: الأولى أن يكون الخوف في الصحة أكثر، وفي المرض عكسه، وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء لما يتضمن من الافتقار إلى الله تعالى، ولأن المحذور من ترك الخوف قد تعذر فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته ... وقال آخرون: لا يهمل جانب الخوف أصلا، بحيث يجزم بأنه آمن\" (^١)، وللنووي كلام قريب من هذا حيث ذكر عن العلماء قولهم: \"فى حالة الصحة يكون خائفا راجيا ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلَّب الرجاء أو محَّضَه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له\" (^٢)، وقال ابن القيم: \"السلف استحبوا أن يقوي في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره ... وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب؛ فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله المُوصِل بمَنِّه وكرمه\" (^٣)\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٣٠١)\n(^٢) شرح مسلم (١٧/ ٢١٠)\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٥٥٤)","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المطلب العاشر: الآثار الواردة في الشكر</span>.\n\n٣٣٤ - حدثني محمد بن إدريس قال: سمعت عبدة بن سليمان، سمعت مخلد بن حسين (^١) يقول: كان يقال: \"الشكر ترك المعاصي\" (^٢).\n\n٣٣٥ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا مخلد بن حسين، عن محمد بن لوط (^٣): كان يقال: \"الشكر ترك المعصية\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان معنى الشكر، وهو ترك المعاصي، قال ابن القيم -﵀-: \"أصل الشكر في وضع اللسان: ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورا بينا، يقال: شكرت الدابة، تشكر شكرا، على وزن سمنت تسمن سمنا؛ إذا ظهر عليها أثر العلف، ودابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكل، وتعطى من العلف. . . وكذلك حقيقته في العبودية: وهو ظهور أثر نعمة اللَّه على لسان عبده: ثناء واعترافا، وعلى قلبه: شهودا ومحبة، وعلى جوارحه: انقيادا وطاعة\" (^٥).\n_________\n(^١) هو مخلد بن حسين، أبو محمد مولى الهالبة، بصري سكن المصيصة، ثقة، رجل صالح، وكان من عقلاء الرجال، مات سنة (١٩٦ هـ)، التاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٤٣٧)، الثقات للعجلي (٢/ ٢٦٧).\n(^٢) الشكر (٧٣) رقم (١٩)، وذكره ابن القيم في عدة الصابرين (١٠٤، ١٠٩)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٤٦)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٣٧١) للمصنف فقط.\n(^٣) هو محمد بن لوط بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، مات في زمن أبي جعفر، الجرح والتعديل (٨/ ٧٠)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ولم أجده عند غيره.\n(^٤) الشكر (٨٥) رقم (٤١)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٣٠) رقم (٤٥٤٧).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٢٥٤).","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المطلب الحادي عشر: الآثار الواردة في التوسل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>أولا: الآثار الواردة في التوسل بالطاعات</span>.\n\n٣٣٦ - زعم محمد بن الحسين، حدثني سعيد بن مسلم الحنفي، حدثني أبي مسلم بن سعيد (^١) قال: \"كنا جلوسا في مجلس من مجالس بني حنيفة، فمرّ بنا أعرابي كهيئة المهموم، فسلّم وانطلق، ثم أقبل علينا فقال: معشر العرب، قد سئمت لتكرار الليالي والأيام ودورها عليّ، فهل من شيء يدفع عني سآمة ذلك أو يسلّي عني بعض ما أجد من ذلك؟ ثم ولّى غير بعيد، ثم أقبل علينا فقال: واهًا لقلوب نقيّة من الآثام، واهًا لجوارح مسارعة إلى طاعة الرحمن، أولئك الذين لم يملّوا الدنيا لتوسّلهم منها بالطاعة إلى ربهم، ولما يكرهوا الموت إذا نزل بهم لما يرجون من البركة في لقاء سيدهم، وكلا الحالتين لهم حال حسنة: إن قدموا على الآخرة قدموا على ما قدَّموا من القربة، فإن تطاولت بهم المدَّة قدَّموا الزاد ليوم الرجعة، قال: فما سمعت موعظة أشدّ استكنانا في القلوب منها، فما ذكرتها إلا هانت عليّ الدنيا وما فيها\" (^٢).\n_________\n(^١) هو مسلم بن سعيد العبدي أبو سعيد سمع من ابن مسعود، انظر التخريج الآتي.\n(^٢) فيه سعيد بن مسلم لم أقف له على ترجمة؛ أما أبوه مسلم بن سعيد فذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٩٤)، وانظر تعجيل المنفعة (٤٠٢)، الليالي والأيام (٤١) رقم (٦٦)، الرقة والبكاء لابن قدامة (٣٩١).","vol":"1","page":419},{"text":"٣٣٧ - حدثني غير محمد بن المغيرة (^١): \"أن عمر بن عبد العزيز قال له -أي لسليمان بن عبد الملك-: يا أمير المؤمنين بل الصبر؛ -وهذا جوابا عن قوله لما مات ابنه-:\nفإن صبرتُ فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعتُ فعِلْقٌ (^٢) منفس ذهبا\nفإنه أقرب إلى اللَّه وسيلةً، وليس الجزع بمحيي من مات، ولا برادّ ما فات، فقال سليمان: صدقت، وباللَّه العصمة والتوفيق\" (^٣).\n\n٣٣٨ - حدثني محمد بن المثني النخعي قال: حدثنا عبد السلام بن حرب (^٤): \"أن خصيفا قال عند الموت: لِيَمُرَّ ملك الموت إذا أتانا، اللهم على ما فيَّ إنك لتعلم أني أحبّك وأحبّ رسولك\" (^٥).\n\n٣٣٩ - حدثني القاسم بن هاشم، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان\n_________\n(^١) هو الشيخ الذي روى الأثر بلفظ آخر قبل هذا، قال المحقق: لم أعرفه.\n(^٢) العِلْقُ: النفيس من كل شيء وجمعه أعْلاقُ، مختار الصحاح (٤٦٧).\n(^٣) إسناده لين؛ لإبهام شيخ المصنف، الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان (٤٢) رقم (١٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ١٠٨) (٥٧/ ٣١١) وقال: \"وهذه القصة محفوظة لسليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب\"، وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان (٢/ ٣٠٣).\n(^٤) هو عبد السلام بن حرب بن سلم النهدي المُلَائي، أبو بكر الكوفي، أصله بصري، ثقة حافظ له مناكير، مات سنة (١٨٧ هـ)، وله ست وتسعون سنة، التقريب (٤٠٦٧).\n(^٥) إسناده صحيح، عبد السلام بن حرب ثقة حافظ له مناكير، التقريب (٤٠٩٥)، المحتضرين (١٢٩) رقم (١٦٣)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٣٩٤).","vol":"1","page":420},{"text":"ابن عمرو، عن أبي خير إسحاق العراوي قال: \"زحف إلينا إزدمهر (^١) عند مدينة الكيرج (^٢) في ثمانين فيلا، فكادت تنقض الخيول والصفوف، فكرب لذلك محمد بن القاسم (^٣)، فنادى عمر: إن النعمان أمير حمص وأم الأجناد، فنهضوا بما استطاعوا، فلما أعيته الأمور نادى مرارا: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فكفّ اللَّه الفيلة بذلك، سلّط اللَّه عليها الحرّ، فأنضجها ففزعت إلى الماء، فما استطاع سوّاسها ولا أصحابها حبسها، وحملت الجند عند ذلك، فكان الفتح بإذن اللَّه\" (^٤).\n\n٣٤٠ - حدثني القاسم بن هاشم، ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: \"أن حبيب بن مسلمة كان يستحب إذا لقى عدوا\n_________\n(^١) كذا في المخطوط والمطبوع، وأغلب ظني أنها مصحفة، فإنني لم أجد لها ذكرا في الكتب، والظاهر أن المراد به داهر ملك السند الذي قاتل المسلمين في هذه الحادثة فقتلوه وفتحوا بلاده، والغريب أن المحقق ابن عالية ذكر أن معنى الكلمة أنه قائد الفرس، ولم يذكر توثيقا لكلامه، ولم تظهر مناسبة ذلك في هذه القصة واللَّه أعلم.\n(^٢) وردت في طبعة ابن عالية \"الكرخ\" وفسرها بأنها بلدة بالبصرة، ولا مناسبة لها هنا، وإنما الصحيح أنها الكيرج كما في المخطوط (ق/ ٨٦/ ب)، وهي من مدن السند إلى فتحها محمد بن القاسم، تاريخ خليفة بن خياط (٨٢)، وانظر تاريخ الطبري (٤/ ٢٦)، تاريخ الإسلام (١/ ٧٢٩)، تاريخ ابن خلدون (٣/ ٨٣).\n(^٣) هو محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، ابن عم الحجاج، كان عاملا له على السند وفتحها، معجم الشعراء (٣٤٣)، تاريخ ابن خلدون (٣/ ٧٦).\n(^٤) فيه من لم أقف على ترجمته، وانظر كلام السواس على الإسناد واحتمال السقط فيه، الفرج بعد الشدة (٥٩) رقم (١٧).","vol":"1","page":421},{"text":"أو ناهض حصنا قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وأنه ناهض يوما حصنا، فانهزم الروم، فقالها المسلمون فانصدع الحصن\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>ثانيا: الآثار الواردة في التوسل بأسماء اللَّه وصفاته</span>.\n\n٣٤١ - حدثني عبد اللَّه بن بسطام قال: \"احتضر بعض الملوك (^٢)، فجعل يقول: \"يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه\" (^٣).\n\n٣٤٢ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، ثنا كثير بن هشام، عن الحكم بن هشام الثقفي (^٤): \"أخبرت أن رجلا أخذ أسيرا فألقى في جبّ،\n_________\n(^١) فيه جهالة الأشياخ، الفرج بعد الشدة (٦٠) رقم (١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٧٧).\n(^٢) هو الواثق باللَّه كما في مصادر التخريج الآتية.\n(^٣) هذا الأثر مشهور عن زرقان بن أبي داود ولم أعرفه اللهم إلا أن يكون زرقان بن محمد الصوفي صاحب ذي النون المصري له ترجمة في تاريخ دمشق (١٩/ ١٥) والمستطرف (١/ ٣١٥) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وكل من أخرجه فمن طريقه وأخشى أن يكون في إسناد المؤلف شيء واللَّه أعلم، المحتضرين (١٠٠) رقم (١١٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ١٩)، وابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٣١٠)، والذهبي في السير (١٠/ ٣١٣)، وابن الجوزي في المنتظم (١١/ ١٨٥)، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (٢/ ٢٦٣)، وابن الأثير في الكامل (٦/ ٩١)، وفي جميعها أنه تمثل ببيتين، وابن العماد في شذرات الذهب (١/ ٧٥)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (٣١٣).\n(^٤) هو الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الثقفي مولاهم، أبو محمد الكوفي، نزيل دمشق، صدوق، مات بعد المائة، التقريب (١٤٦٥).","vol":"1","page":422},{"text":"ووضع على رأس الجب صخرة، فلقِّن فيها: سبحان الملك القدوس، سبحان اللَّه وبحمده، فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان\" (^١).\n\n٣٤٣ - حدثني إبراهيم بن سعيد، ثنا أبو سفيان الحميري قال: سمعت أبا بلج الفزاري: \"أتي الحجاج بن يوسف برجل كان جعل على نفسه إن ظفر به أن يقتله، فلما أدخل عليه تكلم بشيء فخلى سبيله، فقيل له أي شيء قلت؟ قال: قلت: يا عزيز يا حميد، يا ذا العرش المجيد، اصرف عني شرّ كل جبار عنيد\" (^٢).\n\n٣٤٤ - أخبرني أبي قال: أخبرني ابن عليّة، عن أيوب، عن حميد بن هلال، قال: قال رجل: \"رحم اللَّه رجلا أتى على هذه الآية ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^٣)، فسأل اللَّه بذاك الوجه الباقي الكريم\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٩٤٧)، الفرج بعد الشدة (٨٦) رقم (٥٧)، والتنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦٣).\n(^٢) إسناده حسن، الفرج بعد الشدة (٨٧) رقم (٦٣)، الإشراف في منازل الأشراف (٣٠٣ - ٣٠٤) رقم (٤٢٤)، والتنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦٤).\n(^٣) سورة الرحمن، الآية (٢٧).\n(^٤) إسناده حسن، والد المصنف \"روى عنه أبو بكر أحاديث مستقيمة\" تاريخ بغداد (٢/ ٣٧٠)، وأيوب هو السختياني، الإشراف (٢١٦) رقم (٢٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٥٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٩٩) إلى البيهقي وابن المنذر.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>ثالثا: الآثار الواردة في التوسل بدعاء الصالحين</span>.\n\n٣٤٥ - حدثني علي بن الحسن بن موسى، نا أبو عبد الرحمن القرشي، عن شيخ من أهل المدينة، عن ابن عباس -﵁- (^١): \"أن عمر قال للعباس: قم فاستسق وادع ربّك، فقام العباس فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: إن عندك سحابا، وإن عندك ماءًا، فانشر السحاب ثم أنزل فيه الماء، ثم أنزل علينا فيه الماء، ثم أنزل علينا فاشدد به الأصل، وأطل به الفرع، وأدر به الضرع، اللهم إنا شفعاء إليك عمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا، اللهم في أنفسنا وأهلينا، [اللهم اسقنا سقيا وادعةً بالغةً، طبقًا (^٢)، عامًا، محييًا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك لا شريك لك، اللهم إنا نشكو إليك سغب كل ساغب (^٣)، وغرم كل غارم، وجوع كل جائع، وعري كل عار، وخوف كل خائف، في دعاء له (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول اللَّه -ﷺ- بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه، مات سنة (٦٨ هـ) بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهائهم، الإصابة (١/ ١٤١)، التقريب (٣٤٠٩).\n(^٢) أي مغطية للأرض، مختار الصحاح (٤٠٣).\n(^٣) السغب الجوع، مختار الصحاح (٣٢٦).\n(^٤) ما بين المعقوفين ذكر المحقق أنه ساقط واستدركه من مصنف عبد الرزاق.\n(^٥) كتاب المطر (٧١) رقم (٢٨)، و(٩٤) رقم (٦٣)، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٩٢ - ٩٣) رقم (٤٩١٣)، ومن طريقه وكذا من طريق المصنف ابن =","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان أنواع التوسل إلى اللَّه -﷿- وأنه: يكون بطاعته، أو بأسمائه وصفاته، أو بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء ورجاء الاستجابة.\nفأما التوسل بالطاعات: فقد تنوعت الآثار في الدلالة على هذا النوع فهي إما عامة في اتخاذ الطاعات وسيلة إلى اللَّه كقول الأعرابي، وإما آثار وردت في توسل بعض السلف ببعض أنواع العبادة كالتوسل بحب اللَّه ورسوله، والتوسل ببعض الأذكار كقول لا حول ولا قوة إلا باللَّه.\nوأما التوسل بالأسماء والصفات: فقد وردت فيه آثار متنوعة أيضًا، اشتملت على سؤال اللَّه تعالى ببعض أسمائه وصفاته، قضاء بعض الحاجات، سواء الأخروية كطلب الرحمة، أو الدنيوية كالفكاك من الأسر أو جور السلطان، وليست هذه التوسلات من أولئك السلف أمرا عفويا حصل اتفاقا، بل كان هذا منهجا عاما لهم كما في قول حميد بن هلال: قال رجل: \"رحم اللَّه رجلا أتى على هذه الآية: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ\n_________\n= عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٥٧)، وانظر عمدة القاري (٧/ ٣٢)، وذكر ابن عبد البر أن ألفاظ هذا الأثر لم ترد في سياق واحد انظر الاستيعاب (٢/ ٨١٤) ثم قال: \"هذا واللَّه الوسيلة إلى اللَّه -﷿- والمكان منه\"، وانظر التلخيص الحبير (٢/ ١٠٧).","vol":"1","page":425},{"text":"وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^١)، فسأل اللَّه بذاك الوجه الباقي الكريم\"، فعلم أن هذا مبني على استدلال وعقيدة في هذه الأسماء والصفات واللَّه أعلم.\nوأما التوسل بدعاء بعض الصالحين: ففيه الأثر المشهور في استسقاء عمر بن الخطاب -﵁- بعم النبي -ﷺ- العباس -﵁-، وهو النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع، بطلب الدعاء ممن يتوسم فيه الصلاح والخير، ورجاء استجابة الدعوة، ولا شك أن الذي يقف على التوسل الذي كان شائعا بين هذه القرون المفضلة لا يجد توسلا بذوات الصالحين، والإقسام على اللَّه بهم، سواء كانوا أحياء أو أمواتا، وإنما هذا التوسل المعروف عنهم بأقسامه الثلاثة، وقد استقرأ ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: \"التوسل به بمعنى الإقسام على اللَّه بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه، في الاستسقاء ونحوه، ولا في حياته، ولا بعد مماته، ولا عند قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة الرحمن، آية: ٢٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٢)، وانظر: التوصل إلى حقيقة التوسل (٢٣ - ١٧٧)، والتوسل أنواعه وأحكامه (٣١ - ٥٤).","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المطلب الثاني عشر: الآثار الواردة في حقوق المصطفى -ﷺ</span>-.\n\n٣٤٦ - حدثني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني وأحمد بن عبيد العنبري: \"أن عبد اللَّه بن جعفر (^١) كان في سفر له، فمر بفتيان يوقدون تحت قدر لهم، فقام إليه أحدهم فقال:\nأقول له حين ألفيته ... عليك السلام أبا جعفر\nفوقف وقال: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، وقال:\nوهذي ثياب قد أُخلقت ... وقد عضّني زمن منكر\nقال: فهاذي ثيابي مكانها -وعليه جبّة خز وعمامة خزّ ومطرف خز- وتعينك على زمانك المنكر، قال:\nوأنت كريم بني هاشم ... وفي البيت منها الذي يذكر\nقال: ابن أخي، ذلك رسول اللَّه -ﷺ-، قال أبو بكر: قال مصعب: الذي أنشده هذا الشعر الحزين الكناني\" (^٢).\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، أحد الأجواد، ولد بأرض الحبشة، وله صحبة، مات سنة (٨٠ هـ)، وهو ابن ثمانين، الإصابة (٤/ ٤٠)، التقريب (٣٢٥١).\n(^٢) إسناده معضل؛ بين شيخي المصنف وابن جعفر الصحابي مفاوز، مكارم الأخلاق (١٠٨) رقم (٤٢٥)، الإخوان رقم (٢١٣)، والأصفهاني في الأغاني (١١/ ٦٤) من طريق الزبير ابن بكار، والخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/ ٥٨)، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٣٤٥)، ولكن الأخيرين في نسبا القصة إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي.","vol":"1","page":427},{"text":"٣٤٧ - حدثني يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أنها قالت وأبو بكر يقضي:\nوأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل\nفقال أبو بكر: ذاك رسول اللَّه -ﷺ-\" (^١).\n\n٣٤٨ - حدثني الحسن بن جهور بن زياد، عن شيخ من قريش قال: \"دخل رؤبة بن العجاج على سليمان بن عبد الملك، وقد جلس للصحابة وهيّأ الجوائز فقال:\nخرجتَ بين قمر وشمس ... بين ابن مروان وعبد شمس\nيا خير نفس خرجت من نفس\nفقال له عمر بن عبد العزيز -وهو جالس إلى جنب سليمان-: \"كذبت ذاك رسول اللَّه -ﷺ-\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، مداره على علي بن زيد وهو ابن جدعان وسيأتي (٦٤٤)، المحتضرين (٥١ - ٥٢) رقم (٣٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٩) رقم (٢٦٠٦٧)، وأحمد في المسند (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) رقم (٢٦)، والمروزي في مسند أبي بكر رقم (٣٩)، والبزار في مسنده (١/ ١٢٨) رقم (٥٨)، قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٧٢): \"رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات\"، وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ١٢٩) في ترجمة علي بن زيد بن جدعان.\n(^٢) إسناده ضعيف لجهالة الشيخ المبهم، الإشراف (١٢٤) رقم (٤٢).","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان بعض حقوق النبي -ﷺ- التي حرص السلف الصالح على حفظها، وذلك أن اللَّه -﷿- خصه بخصائص لم يشاركه فيها أحد (^١)، وأنزله منزلة لم ينزلها غيره من البشر، فهو سيّد البشر ولا فخر، وأما الصفات الفاضلة التي شاركه فيها غيره فله منها النصيب الأوفر، وقصب السبق، ولما ذكر العز بن عبد السلام بعض فضائله -ﷺ- قال: \"ومنها: أن اللَّه تعالى أثنى على خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^٢)، واستعظام العظماء للشيء دليل على إيغاله في العظمة، فما الظن باستعظام أعظم العظماء\" (^٣)، ولذلك أنكر الصحابي عبد اللَّه بن جعفر لمن وصفه بأنه كريم بني هاشم، وعمر بن عبد العزيز ﵀ أبيات المادح للخليفة عبد الملك بن مروان لما وصفه بأنه خير نفس خرجت من نفس؛ ومن جميل كلام القاضي عياض ﵀ في هذا قوله: \"وأما شرف نسبه، وكرم بلده ومنشئه فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مشكل ولا خفي منه؛ فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة\n_________\n(^١) انظر الشفا للقاضي عياض، وبداية السول للعز بن عبد السلام، والخصائص الكبرى للسيوطي.\n(^٢) سورة القلم، الآية (٤).\n(^٣) بداية السول في تفضيل الرسول (٥٨).","vol":"1","page":429},{"text":"من أكرم بلاد اللَّه على اللَّه وعلى عباده\" (^١)، بل إن الصديق -﵁- لما مدحته ابنته الصديقة عائشة ﵂ بما مدح أبو طالب ابن أخيه رسول اللَّه -ﷺ- استدرك عليها؛ وهذا من كمال صديقيته -﵁-، وهذا حال سلف عرفوا حقوق النبي -ﷺ- فحفظوها له (^٢).\n_________\n(^١) الشفا (١/ ٨١) ثم ذكر ﵀ أدلة ذلك.\n(^٢) وانظر كذلك حقوق النبي -ﷺ- على أمته للأستاذ الدكتور محمد خليفة التميمي.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المطلب الثالث عشر: الآثار الواردة في التبرك</span>.\n\n٣٤٩ - حدثني سويد بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن عليّ بن زيد قال: قال ثابت لأنس بن مالك: \"مَسَسْت يد رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: نعم، قال: فناولني يدك، فناوله يده فيقبّلها\" (^١).\n\n٣٥٠ - حدثني هارون بن سفيان، عن عبد اللَّه بن بكر السهمي قال: حدثني ثمامة بن كلثوم: \"أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس، إني من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم بعدي إلا من هو شرّ مني، كما كان قبلي خير مني، ويا يزيد إذا وفي أجلي فولِّ غسلى رجلا لبيبا، فإن اللبيب من اللَّه بمكان، فلينعم الغسل، وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب النبي -ﷺ-، وقُرَاضَة (^٢) من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعينى، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني، ويا يزيد احفظ وصية اللَّه\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه علي بن زيد وهو ابن جدعان وسيأتي (٦٤٤)، وهو حسن لغيره، الإخوان (١٩٩) رقم (١٤٦)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٩٧٤)، وأحمد في المسند (١٩/ ١٤٦) رقم (١٢٠٩٤)، وذكر المحققون له شاهدا عن سلمة ابن الأكوع وحسنوه، وفي العلل (٣/ ١٧٠)، والدارمي في سننه (١/ ٤٠) رقم (٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق آخر فيه لين (٢/ ٢٢٩) رقم (١٦٠٥) ولفظه: \"كان ثابت إذا جاء قال أنس: يا جميلة ناولينى طيبا أمسّ به يدي؛ فإن ابن أم ثابت لا يرضى بشيء حتى يقبل يدي، ويقول: قد مسست يد رسول اللَّه -ﷺ-.\n(^٢) القرض هو القطع، والقُراضة ما سقط بالقرض، مختار الصحاح (٥٦٠).","vol":"1","page":431},{"text":"في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي، فخلّوا معاوية وأرحمَ الراحمين\" (^١).\n\n٣٥١ - حدثنا خالد بن خداش بن عجلان، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: \"جاءت امرأة إلى رسول اللَّه -ﷺ- يوما ببردة، قال سهل: هل تدرون ما البردة؟ قالوا: هي الشملة منسوج فيها حاشيتاها، فقالت: يا رسول اللَّه، نسجت هذه بيدي جئت أكسوكها، فأخذها رسول اللَّه -ﷺ- محتاجا إليها فخرج علينا وإنها لإزاره، فجسّها رجل من القوم فقال: اكسنيها، قال: نعم، فجلس ما شاء اللَّه في المجلس، ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال القوم: ما أحسنت، سألته إياها وقد علمت أنه لا يردّ سائلا، فقال الرجل: إي واللَّه، ما سألتها رسول -ﷺ- إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٥٥)، المحتضرين (٦٨) رقم (٦٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢١٧)، وكذا ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٤١) وابن الأثير في الكامل (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وأخرج بعضه: ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٧٩) رقم (٥١٥)، والبيهقي في الزهد الكبير رقم (٦٥٦)، والذهبي في السير (٣/ ١٥٩)، وذكره أحمد زكي في جمهرة خطب العرب (٢/ ١٨٥).\n(^٢) الأثر صحيح، مكارم الأخلاق (٩١ - ٩٢) رقم (٣٧٧)، وأخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٣١٨ فتح) رقم (٢٠٩٣) وغيره، وذكر الحافظ في الفتح عند شرحه في الجنائز أن فيه التبرك بالصالحين، ولا وجه له، كما أنه مردود من عدة أوجه كما هو مبيّن في التحليل والتعليق.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة تبرك الصحابة بالنبي -ﷺ-، إما ببعض بقايا من جسده الشريف كالشعر والأظفار، أو بقايا من ملبوسه كالثوب والبردة، بل حتى من بعدهم من التابعين كما في أثر ثابت الذي كان يقبل يد أنس لأنها مسّت يد رسول اللَّه -ﷺ-، ولهذا بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بابا بعنوان: \"باب ما ذكر من درع النبي -ﷺ- وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم تذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته مما يتبرك به أصحابه وغيرهم بعد وفاته\" (^١).\nويحسن التنبيه في هذا المقام أن هذا التبرك بذات النبي -ﷺ- أو مقتنياته رجاء البركة ونحوها هو من خصائصه -ﷺ- التي لا يشاركه غيره، ولا يجوز قياس غيره من الصالحين عليه -ﷺ-، لاعتبارات كثيرة وأدلة متنوعة؛ لأن هذا القياس معارض بفعل الصحابة ﵃ وإجماعهم كما قال الشاطبي ﵀: \"الصحابة ﵃ بعد موته ﵇ لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي -ﷺ- بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق -﵁-، فهو كان خليفته، ولم يُفْعَل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵄، وهو كان في الأمة، ثم كذلك عثمان ثم علي ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ١١٣١).","vol":"1","page":433},{"text":"به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي -ﷺ-، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء\" (^١)، وهناك وجه آخر من منع هذا القياس وهو باب سد الذرائع كما قال الشيخ عبد اللَّه بن باز ﵀بعد نقله للوجه الأول الذي سبق وهو فعل الصحابة-: \"الوجه الثاني سد ذريعة الشرك؛ لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يفضي إلى الغلو فيهم، وعبادتهم من دون اللَّه، فوجب المنع من ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) الاعتصام (١٩٧ - ١٩٨).\n(^٢) فتح الباري (٣/ ١٣٠)، وانظر بقية المناقشات والنقولات في كتاب التبرك أنواعه وأحكامه للدكتور ناصر الجديع (٢٦٥ - ٢٦٨).","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المبحث الثاني: الآثار الواردة في نواقض وقوادح التوحيد</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: نواقض التوحيد.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في قوادح التوحيد.","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المطلب الأول: الآثار الواردة في نواقض التوحيد</span>.\nوفيه خمس مسائل:\nالمسألة الأولى: الآثار الواردة في النهي عن الشرك.\nالمسألة الثانية: الآثار الواردة في ذم الشرك.\nالمسألة الثالثة: الآثار الواردة في التحذير من الشرك.\nالمسألة الرابعة: الآثار الواردة في السحر.\nالمسألة الخامسة: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى الشرك.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المسألة الأولى: الآثار الواردة في النهي عن الشرك</span>.\n\n٣٥٢ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن حنبل قال: سمعت ابن سماك: \"كتبت إلى أخ لي، أو كتب إليّ أخٌ لي: أما بعد، فلا تكن لأحد غير اللَّه عبدا ما وجدت من العبودية بُدًّا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر ابن السماك النهى عن الشرك والتحذير منه، ووجوب إفراد اللَّه تعالى بالعبادة، وقد اشتمل هذا الأثر على جانبين مهمين من جوانب العبادة هما النفي والإثبات، فالعبادة الحقة لا تتم إلا بإفراد اللَّه بها، ونفيها عمن سواه؛ إذ لا يصح التوحيد إلا بنفي الشرك، ولا بد منهما مجتمعين، قال ابن القيم: \"طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى اللَّه، ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون نفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة لا إله إلا اللَّه\" (^٢)، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"لا بد في الإسلام من النفي والإثبات، فيثبت العبادة للَّه وحده، وينفي عبادة ما سواه وهو التوحيد\" (^٣)، وقال في شرح قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^٤): \"فائدة هذه الجملة بيان أن التجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيا بعبادة اللَّه بل مشرك\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناده حسن، القناعة والتعفف (٤٨) رقم (٨٨).\n(^٢) بدائع الفوائد (١/ ١٣٤).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (٥٠).\n(^٤) سورة النساء، من الآية (٣٦).\n(^٥) المصدر السابق (٦٦)، وانظر الدين الخالص (١/ ١٨٩).","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المسألة الثانية: الآثار الواردة في ذم الشرك</span>.\n\n٣٥٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن وبرة، عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: \"أكبر الكبائر الشرك باللَّه، والقنوط من رحمة اللَّه، والأمن من مكر اللَّه، واليأس من روح اللَّه\" (^١).\n\n٣٥٤ - ذكر الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، عن خزيمة أبي محمد العابد قال: كان عمر بن ذر يقول: \"اللهم ارحم قوما أطاعوك في أحب طاعتك إليك، الإيمان بك والتوكل عليك، وارحم قوما أطاعوك في ترك أبغض المعاصي إليك الشرك بك والافتراء عليك، قال: وكان بعضهم يقول: إن كان كل ما عصي اللَّه به عظيما؛ فإنه في سعة رحمته صغيرا\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، التوبة (٥٤) رقم (٣١)، وابن جرير في تفسيره (٥/ ٤٠)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٦) رقم (٨٧٨٤ - ٨٧٨٥)، قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٤): \"إسناده صحيح\"، وذكره السيوطي في الدر (٢/ ٥٠٣) ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن أبي الدنيا في التوبة، وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٨٥) بطرقه وقال: \"وهو صحيح إليه بلا شك\".\n(^٢) إسناده حسن، فيه خزيمة العابد ترجم له أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٢) وذكر صلاحه وزهده وليس له رواية سوى بعض الزهديات والقصص، حسن الظن باللَّه (٨١ - ٨٢) رقم (٩٣)، وقد سبق (٢٢٩) في رجاء مغفرة الذنب.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان ذم الشرك، وبيان أنه أكبر الكبائر، وأبغض المعاصي إلى اللَّه، وهذه من أهم الأشياء التي يذم بها الشرك، وقد بيّن وجه ذلك ابن القيم ﵀ فقال: \"من أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه، وأن الشرك ظلمٌ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (^١)؛ فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات، فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به تفاصيله، تعرف به أحكم الحاكمين، واعلم العالمين فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي، فلما كان الشرك باللَّه منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق. . . \" (^٢)، وهو كذلك أبغض المعاصي إلى اللَّه كما في أثر عمر بن ذر وذلك أنه \"لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات؛ كان أبغض الأشياء إلى اللَّه تعالى، وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرَّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين\n_________\n(^١) سورة لقمان، من الآية (١٣).\n(^٢) الجواب الكافي (٨٩).","vol":"1","page":439},{"text":"المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا\" (^١).\nولا ينافي هذا ما ورد من تسمية غير الشرك بأنه من أكبر الكبائر؛ كشتم الرجل والديه وسوء الظن باللَّه وغيرها، لأنه لا يلزم من كون الذي ذكر أنه أكبر الكبائر استواؤها؛ فإن الشرك باللَّه أعظم من جميع ما ذكر معه (^٢).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٦٠).\n(^٢) نقله الحافظ في فتح الباري (١٠/ ٤١١) عن ابن دقيق العيد.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المسألة الثالثة: الآثار الواردة في التحذير من الشرك</span>.\n\n٣٥٥ - حدثني إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثني جرير، عن ليث، عن أبي العالية: \"اجتمع إليّ أصحاب محمد -ﷺ- فقالوا: يا أبا العالية، لا تعمل عملا تريد به غير اللَّه فيجعل اللَّه ثوابك على من أردت، لا تتّكل على غير اللَّه فيكلك اللَّه إلى من توكّلت عليه\" (^١).\n\n٣٥٦ - حدثني عبد الرحيم بن بحر (^٢) قال: حدثنا عثمان بن عمارة، عن إسماعيل بن كثير السليمي قال: \"قيل لعطاء السليمي: ما الحذر؟ قال: الاتقاء بالعمل ألا يكون للَّه\" (^٣).\n\n٣٥٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي خالد، عن مولى لابن عباس، عن ابن عباس ﵄، أحسب هكذا قال: \"إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه، يقول: لولاه لسرقنا الليلة\" (^٤).\n_________\n(^١) سبق (١٥٦) الأثر مخرجا.\n(^٢) كذا وصوابه عبد الرحيم بن يحيى، فهو شيخ للمصنف وهو المعروف بالرواية عن عثمان بن عمارة واللَّه أعلم.\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، شيخ المصنف أو شيخه أحدهما متهم كما سيأتي (٤٧٢)، الإخلاص والنية (٥٠) رقم (٢١).\n(^٤) فيه إبهام مولى ابن عباس -﵁-، والمشهور أن ابن أبي خالد يروي عن شعيب بن يسار مولى ابن عباس، سئل عنه أبو زرعة فقال: \"له أربعة أحاديث، لا أعرفه إلا برواية إسماعيل بن أبي خالد ومساور عنه\" الجرح والتعديل (٤/ ٣٥٣) رقم =","vol":"1","page":441},{"text":"٣٥٨ - حدثنا يوسف بن موسى، نا أبو أسامة، عن النضر بن عربي، عن عكرمة ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ (^١) قال: الغيث يسقي هذه، وتُمنع هذه، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ يقولون: مطرنا بالأنواء (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار التحذير من الشرك، وكيفية ذلك، مع ذكر بعض أنواع\n_________\n= (١٥٤٥)، كما ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢١٧) رقم (٢٥٥٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٧) رقم (٣٥٧)، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥) للمصنف، كما عزاه للمصنف شارح كتاب التوحيد وظاهر صنيعه أنه لا يوجد عند غيره.\n(^١) سورة الفرقان، آية (٥٠).\n(^٢) النوء هو سُقوط نجم من المنازل في المَغْرِب مع الفجر، وطُلُوع رقيبه من المَشْرِق، يُقابِلُه من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما، ما خلا الجَبهة فإن لها أربعة عشر يوما، وكانت العرب تُضيف الأمطار والرياح والحَرَّ والبرد إلى الساقط منها، وقيل إلى الطالع منها؛ لأنه في سُلطانِه، مختار الصحاح (٦٨٨).\n(^٣) إسناده حسن، النضر بن عربي لا بأس به، التقريب (٧١٩٥)، أما ما يخشى من تدليس حماد فلا يؤثر لأن عكرمة أحد رواة الحديث المرفوع في الأنواء، كتاب المطر (١٠٠ - ١٠١) رقم (٧٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٧٠٧)، وذكره السيوطي في الدر (٥/ ١٣٥) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وانظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣٢٢) فقد أيد قول عكرمة بحديث النبي -ﷺ-، وكلام للشافعي نقله البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٥٨).","vol":"1","page":442},{"text":"الشرك التي قد تخفى على كثير من الناس، فيأتونها وهم لا يشعرون، وقد وقع التحذير من الشرك من جية خطورته والجزاء المترتب عليه حيث إن صاحبه يُتْرَك وشِرْكَه، ومن جهة خفائه وكثرة وقوعه كمن يشرك في كلبه وبسبب الأنواء، فينسب السلامة وحصول الخير لهما، ولهذا قال المقريزي: \"وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه\" (^١)، وقد عقد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بابا في الخوف من الشرك قال شارحه الشيخ عبد الرحمن: \"نبه المصنف بهذه الترجمة على أنه ينبغي للمؤمن من أن يخاف منه ويحذره، ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه. . . \"، فإخلاص العمل للَّه شرط في قبول العمل والإثابة عليه، كما سبق في مبحث الإخلاص وصلاح العمل، ولذلك كان هو الحذر كما في أثر السليمي، وهو وصية الصحابة لمن بعدهم من التابعين كما في أثر أبي العالية، ولذلك يقع فيه من قلَّ حذره منه وذلك بنسبة السلامة من السراق في البيت إلى الكلب، ونسبة نزول المطر إلى الأنواء في الشرك والكفر، والمراد بهذا الكفر والشرك هنا الأصغر بنسبة ذلك إلى غير اللَّه وكفران نعمته، وهو من باب الشرك الخفي في الألفاظ، وسمر ذلك أن العبد يتعلق قلبه بمن يظن حصول الخير له من جهته وإن كان صنع له في ذلك، وذلك نوع شرك خفي فمنع من\n_________\n(^١) تجريد التوحيد (٥٨).","vol":"1","page":443},{"text":"ذلك (^١)، وهذا يتضمن: \"قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا، وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب، أجرى اللَّه تعالى نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد، وجعله سببا هو من نعم اللَّه عليه، وهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من أنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسبيبته، وقد يجعل لها معارضا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر تيسير العزيز الحميد (٤٦٠ - ٤٦٤).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٦٨).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المسألة الرابعة: الآثار الواردة في السحر</span>.\n\n٣٥٩ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأرزي قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت زيدا قال: حدثني شرطي لسنان بن سلمة قال: \"أُتي بامرأة زعموا أنها ساحرة فأمر بها فألقيت في العين أو كلمة غيرها فَطَفَتْ، ثم أعيدت فَطَفَتْ، فأمر بنحت خشبها وتُصْلَب، فجاء زوجها كأنه سَفُّود (^١) فقال: أصلحك اللَّه مرها أن تحل عني، قال: حلي عنه، قالت: ائتوني بباب وكُبَّة غَزْل، فجلست على الباب وأخذت الكُبَّة من الغزل كأنها تعالجها، وقد أبرزت للناس وأحاطت بها الخيل، فارتفع الباب فصدتنا يمينا وشمالا فلم نقدر منها على شيء\" (^٢).\n\n٣٦٠ - حدثني عبد العزيز بن منيب قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: أخبرنا رجل، عن رجل، عن عروة بن رويم قال: \"لما قدم مسلمة بن عبد الملك هاهنا أميرا قيل له: إن هاهنا رجلا دخل على هاروت وماروت فأرسل إليه: فإذا شيخ جليل\n_________\n(^١) السَّفُّودُ بوزن التَّنُور: الحديدة التي يُشوى بها اللحم، مختار الصحاح (٣٢٦).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة شُرطي سنان بن مسلمة، لكن أصل القصة حسن واللَّه أعلم؛ الإشراف في منازل الأشراف (٣١٢) رقم (٤٤٣)، وابن أبي شيبة في المصنف مختصرا من طريق آخر (٥/ ٥٦١) رقم (٢٨٩٧٩)، وابن قتيبة في مختلف الحديث (١٨٤ - ١٨٥) من طريقين آخرين عن زيد، وذكرها ابن حزم في المحلى (١١/ ٣٩٥)، وكذا ابن قدامة في المغني (٩/ ٣٦)، وفيهما إنكار عمر بن عبد العزيز عليه رميها في الماء، وإنما الواجب إقامة البينة فإذا ثبتت قتلت.","vol":"1","page":445},{"text":"فثنيت له وسادة بين السماطين، فقال له مسلمة: أنت الذي دخلت على هاروت وماروت؟ ! فأرسل عينيه فبكى، ثم شف دموعه، فقال: إني كنت غلاما يافعا في حجر أمي، وكنت لا أدعو بشيء من الدنيا إلا أتيت به، فلما أدركت وعقلت قلت: يا أمه من أين لكم هذا المال؟ ! قالت: يا بني كل حلالا ولا تسأل، فأبيت عليها فأبت عليَّ، فقلت: إن لم تخبريني فجعتك بنفسي، فلما رأت الجد قالت: فإن أباك كان ساحرا، وإنه جمع هذا المال من السحر، قلت: فمن أين تعلمه؟ فأبت علي وأبيت عليها، فقالت: ما تريد إلى هذا؟ فأخبرتني أنه كان يختلف إلى نصراني ببابل (^١)، فارتحلت إليه حتى قدمت عليه، فلما نظر إليَّ قال: ما أَقْدَمَكَ؟ ما أظن أباك إلا قد ترك لك من المال ما لا يحتاج (^٢) إلى أحد، فقلت: إني أحب أن تدخلني على هاروت وماروت أنظر إليهما، فواعدني لشهر كذا في يوم كذا، فقال: إذا دخلت عليهما فلا تذكرنَّ للَّه اسما، قال: فذهب بي فرداني في الأرض ثلاثمائة وستين مرقاة ما أنكر من ضوء النهار شيئا، ثم قال: لا تذكرن للَّه اسما، فذهب فرقاني ثلاثمائة وستين مرقاة ما أنكر من ضوء النهار شيئا، فنظرت إليهما فإذا هما معلقين من السماء، منكوسين مُكَبَّلِين في الحديد، أعينهما مثل التِّرَسَة (^٣)، ولهما أجنحة، فلما رأيتهما قلت: لا\n_________\n(^١) بلدة معروفة مشهورة بالعراق ينسب إليها السحر، معجم ما استعجم (١/ ٢١٨)، معجم البلدان (١/ ٣٠٩).\n(^٢) كذا، ولعلها: \"ما لا تحتاج\".\n(^٣) جمع تُرْس، وهو ما يستتر به في الحرب، انظر لتفاصيل صنعتها وذكر أنواعها تاج =","vol":"1","page":446},{"text":"إله إلا اللَّه فانتفضا في أجنحتهما، وجالا جوالان الثور (^١)، فعدت ثلاثا ثم سكت فسكنا، فقالا: ممن الرجل؟ قلت: من أمة محمد -ﷺ-، قالا: وقد بعث محمد -ﷺ-، قلت: نعم، فساءهما ذلك، قالا: فتلبسون الحرير والديباج (^٢) في المغازي؟ قلت: نعم، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فَسُرَّا بذلك، قلت: إنكما قد سألتماني، فأنا سائلكما، قالا: سل، قلت: أرأيت جزعكما من قول: لا إله إلا اللَّه، ما هو؟ ! قالا: كلمة لم نسمعها منذ فارقنا العرش، قلت: أرأيت مساءتكما من قولي: اجتماع الأمة على رجل ما هو؟ ! قالا: إن الساعة لا تقوم ما اجتمعت الأمة على رجل واحد، قلت: أرأيت سروركما بلبس الحرير والديباج ما هو؟ ! قالا: من علامات الساعة، قلت: فما تأمراني؟ قالا: إن استطعت ألا تنام ولا تنيم فافعل؛ فإن الأمر جد، قال عبد اللَّه: طمس ذلك المكان فلا يعرف اليوم\" (^٣).\n_________\n= العروس (١/ ١٠٤٠).\n(^١) بمعني دارا من الدوران كما تجول الريح بالحصى، تاج العروس (١/ ٦٩٥٣).\n(^٢) كلمة فارسية معربة؛ بمعنى الثياب المتخذ من الإبريسم، تاج العروس (١/ ١٣٩٣).\n(^٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق التقريب (٤١٥٥)، وجهالة المبهمين لا تضر فقد ذكرهما المصنف بعد هذا الأثر مباشرة عن شيخه عن الحسن بن عيسى به، وهو ثقة أيضًا، التقريب (١٢٨٥)، الإشراف في منازل الأشراف (٣١٢ - ٣١٤) رقم (٤٤٤)، وقد رويت مثل هذه القصة عن مجاهد ﵀ أخرجها أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٨٨) والذهبي تذكرة الحفاظ (١/ ٩٣)، وذكرها في السير (٤/ ٤٥٥) فقال: \"ولمجاهد أقوال وغرائب في العلم والتفسير تستنكر وبلغنا أنه ذهب إلى بابل. . . \".","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان إثبات السحر، وشيء من أنواعه، وقصة تعليم هاروت وماروت للسحرة، ومنافاته للتوحيد، وعقوبة صاحبه.\nفأما إثباته: فإن قصة الساحرة التي طارت بالباب مع كبة الغزل، وقصة الرجل الذي رأى هاروت وماروت وكان أبوه تعلم السحر من النصراني البابلي، فيهما إثبات وجود السحر وأنه حقيقة يفعلها الساحر، وله طرق وأساليب، وأنه مما يتعلم ويؤخذ من أهله، وأن هذا أمر لم يكن منكرا في تلك الأوساط المتقدمة، بل معروف عندهم، مشهور أمره، وهذا من عقيدة أهل السنة فقد ذكروه في كتبهم المعروفة الجامعة كقول اللالكائي: \"سياق ما روي في أن السحر له حقيقة\" (^١)، ولم ينكر حقيقة السحر إلا طائفة من أهل الكلام كالمعتزلة قال ابن القيم: \"وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء، وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضا وثقلا، وحلا وعقدا، وحُبا وبُغضا، وتزيينا وغير ذلك من الآثار، موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به منه\" (^٢)، وذكره أبو الحسن في جملة عقائد أهل السنة والأثر أصحاب الحديث فقال: \"ويصدقون بأن في الدنيا سحرة،\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧/ ١٢٨٣).\n(^٢) بدائع الفوائد (٢/ ٤٥٢).","vol":"1","page":448},{"text":"وأن الساحر كافر. . . وأن السحر كائن موجود في الدنيا\" (^١).\nوأما بعض أنواعه: فتضمن الأثران استعمال كبة الغزل، والطيران على الباب، والطفو على الماء، وهي بعض أنواع السحر وله أنواع كثيرة جدا، منها ما يكون حقيقة ومنها ما هو خيال فقط، ومنها ما هو حيل وتمويهات (^٢).\nوأما تعليم هاروت وماروت للسحرة: فقد تضمن الأثر بعض تفاصيل ذلك، وقد ذكر ذلك ابن حجر في الفتح فقال: \"قصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضى بمجموعها على أن للقصة أصلا، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه، ومحصلها: أن اللَّه ركب الشهوة في ملكين من الملائكة اختبارا لهما، وأمرهما أن يحكما في الأرض، فنزلا على صورة البشر، وحكما بالعدل مدة، ثم افتتنا بامرأة جميلة فعوقبا بسبب ذلك بأن حبسا في بئر ببابل منكسين، وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك، فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصر تكلما بذلك، ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قص اللَّه عنهما واللَّه أعلم\" (^٣)، كما نص الإمام عبد اللَّه\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٩).\n(^٢) انظر كتاب الدكتورة حياة با أخضر موقف الإسلام من السحر (١/ ٢٤٣) فقد ذكرت أنواعه وحققت القول في بعضها أتدخل فيه أم لا؟، وقبلها رسالة الشرك ومظاهره للمبارك الميلي (١٥٦ - ١٥٩).\n(^٣) (١٠/ ٢٢٥).","vol":"1","page":449},{"text":"ابن المبارك -﵀- كما في نهاية القصة أن ذلك المكان طمس فلم يعد يعرف واللَّه أعلم.\nوأما منافاته للتوحيد: ففى انتفاض هارون وماروت من قول: لا إله إلا اللَّه، وتعليلهم ذلك بأنهما لم يسمعاها منذ فارقا العرش، وهذا حق قال ابن القيم: \"قَلَّمَا يتأتَّى المسحر بدون نوع عبادة للشيطان، وتقرب إليه: إما بذبح باسمه، أو بذبح يقصد به هو، فيكون ذبحا لغير اللَّه، وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق، والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان، فهو عبادة له وإن سماه بما سماه به؛ فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه\" (^١)، ومن هنا أورده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد مبوبا له بقوله: \"باب ما جاء في السحر\" قال شارحه عبد الرحمن بن حسن: \"لما كان السحر من أنواع الشرك؛ إذ لا يتأتى السحر بدونه. . . أدخله المصنف في كتاب التوحيد ليبين ذلك تحذيرا منه، كما ذكر غيره من أنواع الشرك\" (^٢).\nوأما عقوبة صاحبه: فهي القتل كما هو صريح في الأثرين، وهو مذهب الجمهور إلا الشافعي الذي علق القتل بالسحر الذي يكون كفرا لا مطلق السحر، ومذهب الجمهور أولى وأرجح لفعل الصحابة له من غير نكير فكان كالإجماع واللَّه أعلم (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ٤٦١).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (٣٨٢)، وانظر رسالة الشرك ومظاهره (١٦٢).\n(^٣) انظر المغني (٩/ ٣٦)، تيسير العزيز الحميد (٣٩٠ - ٣٩١)، وفتح المجيد (٣٩٤ - ٣٩٥)، والمسألة توسعت فيها الأستاذة حياة با أخضر في موقف الإسلام من السحر (٢/ ٥١٤ - ٥٥٣).","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>المسألة الخامسة: الآثار الواردة في سد ذرائع الشرك</span>.\n\n٣٦١ - حدثني محمد قال: حدثني عمر بن حفص قال: حدثني سكين ابن مكين هذا قال: \"لما مات ورّاد العجلي، فحملوه إلى حفرته، نزلوا ليدلوه في حفرته، فإذا القبر مفروش بالريحان، فأخذ بعض القوم الذين نزلوا القبر من ذلك الريحان شيئا، فمكث سبعين يوما طريا لا يتغيّر، يغدو الناس ويروحون ينظرون، إليه، قال: وكثر الناس في ذلك، حتى خاف الأمر أن يفتن الناس، فأرسل إلى الرجل، فأخذ ذلك الريحان، وفرّق الناس، ففقده الأمير من منزله، لا يدري كيف ذهب\" (^١).\n\n٣٦٢ - كتب إلي أبو عبد اللَّه محمد بن خلف بن صالح التيمي عن إسحاق بن أبي نباتة من بني عمرو بن سعد بن زيد مناه بن تميم: \"مكث ستين يؤذن لقومه في مسجد بني عمرو بن سعد وكان يعلم الغلمان الكتاب، ولا يأخذ الأجر، ومات قبل أن يحفر الخندق بثلاثين سنة، فلما حفر الخندق وكان بين المقابر ذهب بعض أصحابه يستخرجه ووقع قبره في الخندق، فاستخرجوه كما دفن لم يتغير منه شيء، إلا أن الكفن قد جفّ عليه ويبس، والحنوط محطوط عليه، وكان خضيبا فرأوا وجهه مكشوفا وقد فصل الحناء في أطراف لحيته، فمضى المسيب بن زهير إلى أبي جعفر وهو في قصر أم موسى بنت هشام بن عبد الملك على شاطئ\n_________\n(^١) فيه سكين لم أعرفه، الرقة والبكاء (١٩٣ - ١٩٤) رقم (٢٧١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٦٢).","vol":"1","page":451},{"text":"الفرات، فأخبره فركب أبو جعفر في الليل حتى رآه، فأمر به فدفن بالليل لأن لا يفتتن الناس\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان مشروعية سد الذرائع إلى الشرك، وقطع كل الوسائل الموصلة إليه، وحرص حكام المسلمين في ذلك العصر على ما يعكر عقائد الناس، أو يشوش على فطرتهم، فكلا الأميرين رحمهما اللَّه قطعا مادة الشرك التي قد يفتن بها الناس وأزالاها، ولهما في ذلك أسوة بالرسول الكريم -ﷺ- الذي حمي: \"جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع للَّه سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها، لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعُبَّاد الشمس، الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس\" (^٢)، وعلى ذلك سار الصحابة من بعده رضوان اللَّه عليهم قال شيخ الإسلام: \"ثبت عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان في سفر فرأى قوما ينتابون مكانا للصلاة\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما في الجرح والتعديل (٧/ ٢٤٥)، وإسحاق ابن أبي نباتة هو إسحاق بن شرقي وقد نبه الحافظ إلى الاختلاف في ضبط أبيه وكذلك في تسميته مما يصعب الوقوف على ترجمته، وهو ثقة كما في لسان الميزان (١/ ٣٦٤)، الأولياء (٢٩) رقم (٦٦).\n(^٢) الجواب الكافي (٩٣).","vol":"1","page":452},{"text":"فقال: ما هذا؟ ! فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم بهذا، أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد؛ من أدركته الصلاة فليصل، وإلا فليمض، وبلغه أن قوما يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي -ﷺ- أصحابه تحتها، فأمر بقطعها، وأرسل إليه أبو موسى يذكر له أنه ظهر بتستر قبر دانيال، وعنده مصحف فيه أخبار ما سيكون، قد ذكر فيه أخبار المسلمين، وأنهم إذا أجدبوا كشفوا عن القبر فمطروا، فأرسل إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا، ويدفنه بالليل، في واحد منها، لئلا يعرفه الناس، لئلا يفتنوا به\" (^١)، وقال ابن القيم: \"فإذا كان هذا فعل عمر -﵁- بالشجرة التي ذكرها اللَّه تعالى في القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول اللَّه، فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان التي قد عظمت الفتنة بها واشتدت البلية بها\" (^٢)، \"فهذا وأمثاله مما كانوا يحققون به التوحيد الذي أرسل اللَّه به الرسول إليهم ويتبعون في ذلك سنته -ﷺ-\" (^٣)، ولذلك عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بابا في كتاب التوحيد بعنوان: \"ما جاء في حماية النبي -ﷺ- جناب التوحيد وسد ذرائعه\" قال شارحه عبد الرحمن بن حسن: \"اعلم أن في الأبواب المتقدمة شيئا من حمايته -ﷺ- لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف هنا بيان حمايته الخاصة، ولقد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٣).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٢٠٩).\n(^٣) منهاج السنة (١/ ٤٨٠).","vol":"1","page":453},{"text":"بالغ -ﷺ-، وحذَّر وأنذر، وأبدأ وأعاد، وخصّ وعم في حماية الحنيفية السمحة التي بعثه اللَّه بها، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، كما قال بعض العلماء: هي أشد الشرائع في التوحيد والإبعاد عن الشرك، وأسمح الشرائع في العمل\" (^١).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (٣٤٧ - ٣٤٨)، وانظر تجريد التوحيد للمقريزي (٥٤).","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المطلب الثاني: الآثار الواردة في قوادح التوحيد</span>.\nوفيه ست مسائل:\nالمسألة الأولى: الآثار الواردة في الرياء.\nالمسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير اللَّه.\nالمسألة الثالثة: الآثار الواردة في قول الرجل: لولا اللَّه وأنت.\nالمسألة الرابعة: الآثار الواردة في التمائم.\nالمسألة الخامسة: الآثار الواردة في الطيرة.\nالمسألة السادسة: الآثار الواردة في النهي عن بناء القبور بالآجر.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسألة الأولى: الآثار الواردة في الرياء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>أولا: الآثار الواردة في تعريفه</span>.\n\n٣٦٣ - حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، أنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: \"من استوحش من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء\" (^١).\n\n٣٦٤ - ذكر عبد الرحيم بن يحيى، نا عثمان بن عمارة قال: \"خرجنا مرة عشرة من أصحاب عبد الواحد بن زيد من البصرة حتى ركبنا البحر فسرنا في خدافه (^٢) حتى انتهينا إلى سراب فدخلنا مسجدها فتذاكرنا الرياء فيما بيننا، فقلنا حدّث عبد الواحد عن الحسن: أن أصل الرياء حب المحمدة، فإذا شيخ يصلي طوال أبيض الرأس واللحية به جنا (^٣)، في جبهته سجادة قريب منه، فلما سمع قولنا: إن أصل الرياء حب المحمدة، صاح صيحة ظننا أن نفسه قد خرجت، ثم انحئ فأخذ من رمل المسجد فوضعه على رأسه ثم قال: يا ويلي ويا عولي إني لأعبد اللَّه في هذا المكان منذ أربعين سنة، ما أقوى على ذلك إلا بحب محمدة الناس إياي\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده حسن، فيه إبراهيم بن الأشعث وقد سبق (٢٣٣)، العزلة والانفراد (٦٦) رقم (٢٩)، والذي بعده كأنه شرح له فانظره، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٠٩)، وذكره الذهبي في السير (٨/ ٤٣٦).\n(^٢) الخدف يطلق على سكان السفينة، المعجم الوسيط (١/ ٢٢١).\n(^٣) انحناء في الظهر واحديداب، تاج العروس (١/ ٩٣).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا، فيه شيخ المصنف أو شيخه وسيأتي (٤٧٢) بيان ذلك، الأولياء =","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>ثانيا: الآثار الواردة في خطورته</span>.\n\n٣٦٥ - حدثني الحسن بن الصباح، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا عمرو بن عتبة قال: قال معاوية -﵁-: \"آفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء. . . \" (^١).\n\n٣٦٦ - حدثني يعقوب بن إسماعيل قال: حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير (^٢) قال: \"يصعد الملك بعمل العبد مبتهجا، فإذا انتهى إلى ربه قال: اجعلوه في سِجِّين؛ فإني لم أُرد بهذا\" (^٣).\n_________\n= (٢٥) رقم (٥١).\n(^١) إسناده لين، شيخ المصنف صدوق يهم، وكان عابدا فاضلا التقريب (١٢٦١)، وسلام بن سليمان صدوق يهم أيضًا، التقريب (٢٧٢٠)، إصلاح المال (٢١٨ - ٢١٩) رقم (١٥٧)، وابن المبارك في الزهد - زيادات نعيم - (٢٨٦) رقم (٨٢٩) من قول ابن أنعم، وفي وفيات الأعيان (١/ ٢٥٤) ذكر قصة طويلة بين الحجاج وابن القرية، لكن بلفظ: \"آفة العبادة الفترة\"، وبمعناه عن الفضيل بن عياض في تاريخ دمشق (٢٨/ ٤٤٣) بلفظ: \"آفة القراء العجب\".\n(^٢) هو يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، مات سنة (١٣٢ هـ) وقيل قبل ذلك، التقريب (٧٦٣٢).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد =","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>ثالثا: الآثار الواردة في خوف السلف وتحذيرهم منه</span>.\n\n٣٦٧ - حدثنا يعقوب بن إسماعيل قال: أخبرنا حبان قال: أخبرنا عبد اللَّه (^١) قال: أخبرنا المعتمر، عن كهمس بن الحسن: \"أن رجلا تنفّس عند عمر بن الخطاب، كأنه يتجاذب، فلكزه لكزة (^٢) - أو قال: لكمه (^٣).\n\n٣٦٨ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت أبا عصام الرملي، عن رجل، عن الحسن: \"أنه حدّث يوما، أو وعظ فتنفّس في مجلسه رجل، فقال الحسن: إن كان للَّه فقد شهّرت نفسك، وإن كان لغير اللَّه فقد هلكت\" (^٤).\n_________\n= (١٤/ ٢٧٥)، وانظر تعجيل المنفعة (٤٥٦)، الإخلاص والنية (٤٥) رقم (١٧)، وابن المبارك في الزهد برقم (٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٧٠).\n(^١) هو ابن المبارك؛ لأنه روى عن المعتمر ويروى عنه حبان بن موسى.\n(^٢) اللكز الضرب بجُمْع اليد على الصدر، أو على جميع البدن، تاج العروس (١/ ٣٨٠٢)، مختار الصحاح (٦١٢).\n(^٣) إسناده حسن إلى كهمس، وهو معضل فإن كهمس من الخامسة التقريب (٥٧٠٦)، الرقة والبكاء (١٣٢) رقم (١٥٤)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٢٦٨) عن الحسن عن عمر بن عبد العزيز، وأشار إلى رواية المصنف عن عمر ابن الخطاب -﵁-.\n(^٤) إسناده ضعيف، لجهالة الرجل المبهم، والأثر حسن من طريقه الأخرى، الإخلاص والنية (٦٤) رقم (٤٤)، والرقة البكاء رقم (١٥٦، ١٥٧) من طريقين، ولفظ الأخرى: \"ليسألنك اللَّه يوم القيامة ما أردت بهذا\" من طريق محمد بن عثمان عن أبي أسامة عن الربيع بن صبيح به، ومن طريقه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٣١٣).","vol":"1","page":458},{"text":"٣٦٩ - حدثني محمد بن عثمان العجلي، حدثنا أبو أسامة، عن الربيع قال: \"وعظ الحسن يوما، فانتحب رجل، فقال الحسن: ليسألنّك اللَّه يوم القيامة ما أردت بهذا\" (^١).\n\n٣٧٠ - حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عبد ربه بن عبد اللَّه الفلسطيني، عن مولى لابن محيريز قال: \"دخلت مع ابن محيريز (^٢) حانوت بزّاز (^٣) ليشتري منه متاعا فرفع السَّوم ولم يعرفه، فأشرت إليه أنه ابن محيريز فقال: اخرج؛ إنما نشتري بأموالنا لا بأدياننا\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الإخلاص والنية (٥٥) رقم (٢٩)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٩) رقم (٨٦٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٥)، وكذا أحمد في الزهد (٢٧٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦٥) رقم (٦٩٧٢).\n(^٢) هو عبد اللَّه بن مُحَيْرِز بن وهب الجُمحي المكي، كان يتيما في حجر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة عابد، كان يشبه بعبد اللَّه بن عمر في العبادة والفضل، مات سنة (٩٩) وقيل قبلها، مشاهير علماء الأمصار (١١٧)، التقريب (٣٦٠٤).\n(^٣) أي بائع البز وهو الثياب أو نوع منه، كالمخصص للبيت، أو أمتعة البزار خاصة، انظر تاج العروس (١/ ٣٦٧٢).\n(^٤) إسناده ضعيف لجهالة عبد ربه، انظر تقريب التهذيب رقم (٨١٩١) فإن كان هو وإلا فلم أجد له ترجمة، ولعله الذي يروى عن مكحول الشامي حديث: \"جنبوا صبيانكم مساجدكم\" وهو حديث ضعيف وصنيع ابن حجر يوحي بتضعيفه في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٢٨٨) حيث قال: \"فاختلف فيه على مكحول وأسانيده كلها ضعيفة\"، والأثر حسن من طريقه الأخرى عند الفسوي وغيره، الإخلاص والنية (٤٣) رقم (١٥)، والفسوي في المعرافة والتاريخ (٢/ ٢١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان =","vol":"1","page":459},{"text":"٣٧١ - حدثني أبو هاشم، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا المضّاء ابن عيسى الدمشقي قال: \"مرّ سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم قد أضافوه وأكرموه، فقال: نعم الشيء هذا يا إبراهيم إن لم يكن تكرمة دين\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>رابعا: الآثار الواردة في الفرق بينه وبين حب الذكر الحسن</span>.\n\n٣٧٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا يحيى بن معين، حدثني الهيثم بن عبيد الصيد، عن أبيه قال: قلت لزيد بن أسلم (^٢): \"الرجل يعمل بشيء من الخير فيسمع الذاكر له فيسرّه، هل يحبط ذلك شيئا من عمله؟ قال: ومن ذا الذي يحب أن يكون له لسان سوء؟ حتى إن إبراهيم خليل الرحمن -ﷺ- قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (^٣) \" (^٤).\n_________\n= (٤/ ٣٣٢) رقم (٥٣٠٣)، وابن الجوزي في المنتظم (٦/ ٢٩٠)، وذكره في صفة الصفوة (٤/ ٢٠٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٩).\n(^١) إسناده صحيح، شيخ المصنف هو إسحاق بن عيسى بن بنت داود وثقه الخطيب البغدادي في تاريخه (٦/ ٣١٨) واللَّه أعلم، الإخلاص والنية (٤٤) رقم (١٦)، الحلية (٨/ ٢٧٦)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٧٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٧٣).\n(^٢) هو زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد اللَّه وأبو أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، مات سنة (٣٦ هـ)، التقريب (٢١١٧).\n(^٣) سورة الشعراء، الآية (٨٤).\n(^٤) إسناده لين، ويتقوى بشواهده الكثيرة، والهيثم بن عبيد ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٣٦)، ولم يذكر فيه البخاري وابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ =","vol":"1","page":460},{"text":"خامسا: الآثار الواردة في الرياء وقبول الأعمال.\n\n٣٧٣ - حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا حسين الجعفي عن الضحاك بن الطيب الجعفي (^١)، عن أبي سهل الخراساني (^٢) قال: \"كان شاب يقرأ عند الحسن وكان يعجبه صوته فقال: يا أبا سعيد إني قد رزقت هذا الصوت، وإني أقوم الليل فيجيئني الشيطان فيقول: إنما تريد أن تسمع، فقال الحسن: نيّتك حين تقوم من فراشك\" (^٣).\n\n٣٧٤ - حدثنا عبد المتعال بن طالب، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثني حرملة بن عمران، عن حميد بن أفلح الخولاني (^٤)، عن عبد الرحمن\n_________\n= الكبير (٨/ ٢١٧)، والجرح والتعديل (٩/ ٨٥)، مكارم الأخلاق (٤) رقم (١٥)، وانظر الآثار بعده في قول اللَّه في نبيه إبراهيم ﵇ (١٦ - ١٨).\n(^١) لم أجد له ترجمة، وهناك غيره ورد في كتب ابن أبي الدنيا باسم الضحاك ولم يوقف له على ترجمة.\n(^٢) هناك اثنان من الرواة يكنيان بأبي سهل وهما خراسانيان، أوردهما الذهبي في المقتنى في سرد الكنى (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧) برقم (٢٩٤٤، ٢٩٢٩)، وكلاهما واهٍ كما قال ﵀.\n(^٣) الأثر ضعيف جدا، لوهاء أبي سهل الخراساني، التهجد (٣٣٦) رقم (٢٧٦)، ولم أجده عند غيره.\n(^٤) لم أجد له ترجمة، ولعله حميد بن هانئ الخولاني أبو هانئ المصري، لا بأس به، انظر: التهذيب (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠)، توفي سنة (١٤٢ هـ)، وروايته عن شريح لعلها من باب رواية المتقدم عن المتأخر؛ لأنه توفي سنة (١٦٧ هـ)، لاسيما وهو بلديه فهما مصريان، وعلى ذلك يكون الإسناد بعد شيخ المصنف كله مصريون واللَّه أعلم.","vol":"1","page":461},{"text":"ابن شريح (^١) قال: \"من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا اللَّه ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك، أعطاه اللَّه بالأصل ووضع عنه الفرع، ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة ثم فكر أو بدا له فجعل آخر ذلك للَّه أعطاه اللَّه الفرع ووضع عنه الأصل\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة أمورا مهمة تتعلق بالرياء، من تعريفه، وخطورته، وخوف السلف وتحذيرهم منه، والفرق بينه وبين حب الذكر الحسن، وعلاقة الرياء بقبول الأعمال.\nفأما تعريفه: فعرفه الحسن بأن أصله حب المحمدة، وإظهار العمل الصالح للناس ليحمدوه عليه، كما في أثر الحسن وقصة الشيخ العابد الذي لا يقوى على العبادة إلا بسبب حب المحمدة، ولذلك كان علامة ذلك أن المرائي يستوحش من الوحدة فضلا عن العبادة فيها، قال ابن حجر: \"الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد، وهو مشتق من الرؤية، والمراد به: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها؛ فيحمدوا صاحبها\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن عبيد اللَّه المعافري، أبو شريح الإسكندراني، ثقة فاضل لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من السابعة، مات سنة (١٦٧ هـ)، انظر: تهذيب الكمال (٤/ ٤١٥) رقم (٣٨٣٣) والتقريب (٣٩١٧).\n(^٢) إسناده حسن إن كان حميد هو الخولاني المصري.\nالتهجد (ص ٣٤١) رقم (٢٧٧).\n(^٣) فتح الباري (١١/ ٣٣٦)، وانظر تهذيب الآثار (٢/ ٨١١)، وتيسير العزيز الحميد (٥٢٤).","vol":"1","page":462},{"text":"وأما خطورته: فقد تضمنت الآثار بيان خطورته، فهو آفة العبادة كما قال معاوية -﵁-، ثم بيّن يحيى بن أبي كثير أن العمل الذي لا يراد به اللَّه يوضع في سجين، وخلاصة خطورته أنه من باب الشرك وهو مناف للتوحيد بحسبه، وقد سبق الكلام على أهمية الإخلاص في مبحث الإخلاص والعمل الصالح، وأنه شرط لقبول العمل.\nوأما خوف السلف وتحذيرهم منه: فإنك تقف على العجب في هذه الآثار حيث نهوا عن التنفس المبالغ فيه عند الموعظة، فلكز عمر بن الخطاب -﵁- فاعله، ونهى الحسن جليسه عنه وبيَّن له أنه دائر بين الهلاك في الرياء، أو الشهرة إن كان لخلصا، وأنه مسؤول عن فعله ماذا أراد به، ومن حذرهم من الرياء خوفهم من إكرام الناس لهم بسبب منزلتهم الدينية، فلا يرضون بتنزيل السعر عن المثل، ولا بالإكرام والإضافة التي يكون دافعها ما عرف عنهم من الصلاح والديانة، ومن أجمل ما نقل في هذا الصدد ابن رجب قوله: \"فما أحسن قول سهل بن عبد اللَّه: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر\" (^١).\nوأما الفرق بينه وبينه حب الذكر الحسن: فقد بيّن أثر زيد بن أسلم أنه لا تنافي بينهما، وذكر دعاء إبراهيم ﵇ بأن يجعل اللَّه له\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٧).","vol":"1","page":463},{"text":"لسان صدق في العالمين، ويؤيده من شريعتنا قول النبي -ﷺ-: \"تلك عاجل بشرى المؤمن\" (^١) وقد بوب له النووي ﵀ في رياض الصالحين بقوله: \"باب ما يتوهم أنه رياء وليس كذلك\" (^٢)، قال ابن رجب: \"إذا عمل العمل للَّه خالصا ثم ألقى اللَّه له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر بذلك لم يضره ذلك\" (^٣).\nأما علاقة الرياء بقبول العمل: فقد سبق أن شرط قبول العمل الإخلاص فيه، وأن من أشرك مع اللَّه أحدا تركه اللَّه وشركه، والمقصود هنا بيان بعض تفاصيل هذه المسألة، حيث تضمن أثرا الحسن وابن شريح، أن من قام بعمل ولم يقصد به غير اللَّه، ثم طرأ عليه الرياء لم يضره ذلك، بل يجازيه اللَّه على أصل نيته ويعفو له عما طرأ، وزاد أثر ابن شريح أنه من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة، ثم فكر أو بدا له فجعل آخر ذلك للَّه، أعطاه اللَّه الفرع، ووضع عنه الأصل، وهذان الأثران يفيدان أن المسألة فيها تفصيل، وقد جمع ابن رجب هذا التفصيل وحالاته فقال: \"اعلم أن العمل لغير اللَّه أقسام:\nفتارة يكون رياء محضا: بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين، لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم. . . وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣٤) رقم (٢٦٤٢).\n(^٢) رياض الصالحين (٤٨١).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٧).","vol":"1","page":464},{"text":"والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من اللَّه، والعقوبة.\nوتارة يكون العمل للَّه ويشاركه الرياء؛ فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه. . . ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين؛ فإن خالط نيته الجهاد مثلًا نية يخل الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية. . .\nوأما إن كان أصل العمل للَّه ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره؛ فإن كان خاطرا ودفعة فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى. . . وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم! فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. . . \" (^١).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٦ - ١٧)، وانظر فتح الباري (٦/ ٢٨ - ٢٩)، وأبجد العلوم فقد ذكر في علم آفات إلرياء أربعة أقسام وحكمها (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير اللَّه</span>.\n\n٣٧٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن كعب -﵁- قال: \"إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف باللَّه صادقا أو كاذبا، ولا تحلف بغيره\" (^١).\n\n٣٧٦ - حدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد اللَّه، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خناس بن سُحيم قال: \"أقبلت مع زياد بن حُدَير (^٢) من الكُناسة، فقلت في كلامي: لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي، فظننت أني أتيت أمرا عظيما، فقلت له: أكان يُكرَه ما قلت؟ قال: نعم، كان عمر -﵁-، ينهانا عن الحلف بالأمانة، أشدَّ النهي\" (^٣).\n_________\n(^١) رجاله ثقات إلا المحاربي وقد مر (١٧٩)، فإنه لا بأس به لكنه مدلس وقد عنعن.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٦ - ١٩٧) رقم (٣٥٦)، وأورده الغزالي في الإحياء (٣/ ١٤٠)، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٨) إلى المصنف.\n(^٢) في مصادر ترجمة خناس أنه يروي عن ابن حدير بالحاء وليس بالجيم، وقد نبه عليه المحققان الحويني ومحمد عاشور، وهو زياد بن حُدَير الأسدي، له ذكر في الصحيح، ثقة عابد، التقريب (٢٠٦٤).\n(^٣) فيه شريك وهو سيء الحفظ، إلا أن روايته هنا عن أبي إسحاق وقد ذكر أنه أثبت فيها من زهير وإسرائيل وزكريا، انظر المختلطين (٥٧)، وخناس ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٢/ ٣٩٥) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكذلك البخاري في التاريخ (٣/ ٢١٨) رقم (٧٤٢)، وابن ماكولا في الإكمال (٢/ ٣٤٧).=","vol":"1","page":466},{"text":"٣٧٧ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن القاسم بن مخيمرة (^١) ﵀ قال: \"لأن أحلف بالصليب، أحب إليّ من أن أحلف بحياة رجل\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة النهي عن الحلف بغير اللَّه، وتسمية ذلك شركا، كما في أثر كعب -﵁- وقد ذكر ابن حجر وجه هذا النهي فقال: \"السر في النهي عن الحلف بغير اللَّه أن الحلف بالشيء يقتضي\n_________\n= كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٨٢) رقم (٦٣١)، وابن المبارك في الزهد (٧١) رقم (٢١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٦)، كلهم من طريق ابن المبارك به، وقد ورد مرفوعا عند أبي داود (٣/ ٥٧١) رقم (٣٢٥٣) وغيره: \"من حلف بالأمانة فليس منا\"، وأخرج عبد الرزاق نحوه من حديث أبي تميمة الهجيمي عن النبي -ﷺ- (٨/ ٤٦٩) رقم (١٥٩٣٠)، وأورده الألباني في الصحيحة برقم (٩٤).\n(^١) هو قاسم بن مخيمرة أبو عروة الهمداني الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل، مات سنة (١٠٠ هـ)، التقريب (٥٤٩٥).\n(^٢) إسناده صحيح.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٦) رقم (٣٥٥)، لعله ذكره لأن الصليب واضح كفر من حلف به، بخلاف حياة الرجل، مما قد يتساهل فيه كتير من الناس، كما أشار إليه كعب ﵁ في الأثر الذي بعده، فقرب لهم صورة المسألة، وبيّن خطورتها بضرب هذا المثال واللَّه أعلم.","vol":"1","page":467},{"text":"تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي للَّه وحده\" (^١)، بل إن الحلف باللَّه كاذبا أهون من الحلف بغير اللَّه ولو كان صادقا؛ وقد علل شيخ الإسلام ذلك بقوله: \"لأن الحلف بغير اللَّه شرك، والحلف باللَّه توحيد، وتوحيد معه كذب خير من شرك معه صدق\" (^٢)، ومن خطورة هذا الشرك أن القاسم بن مخيمرة قرنه بالحلف بالصليب، وجعله أهون من الحلف بحياة الرجل، وذلك لأن الحلف بالصليب لا يشكل على أحد، فلذلك قرنه به حتى تعلم خطورته ولا يتساهل الناس به، هذا وجهه واللَّه أعلم، ومن جملة الحلف بغير اللَّه: الحلف بالأب، وبالكعبة، وبالأمانة، قال شيخ الإسلام: \"فصل وأما الحلف بغير اللَّه من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم، فإنه منهي عنه، وغير منعقد باتفاق الأئمة، ولم ينازعوا إلا في الحلف برسول اللَّه خاصة، والجمهور على أنه لا تنعقد اليمين لا به ولا بغيره. . . فمن حلف بشيخه، أو بتربته، أو بحياته، أو بحقه على اللَّه، أو بالملوك، أو بنعمة السلطان، أو بالسيف، أو بالكعبة، أو أبيه، أو تربة أبيه، أو نحو ذلك كان منهيا عن ذلك ولم تنعقد يمينه باتفاق المسلمين\" (^٣).\n_________\n(^١) نقل هذا عن العلماء، فتح الباري (١١/ ٥٣١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٨١)، وانظر الفتاوى الكبرى (٤/ ٦٢١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ٥٠٦).","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسألة الثالثة: الآثار الواردة في قول الرجل: لولا اللَّه وأنت</span>.\n\n٣٧٨ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيمي، حدثنا مغيرة قال: \"كان إبراهيم ﵀ يكره أن يقول الرجل: أعوذ باللَّه وبك، ويرخِّص أن يقول: أعوذ باللَّه ثم بك، ويكره أن يقول: لولا اللَّه وفلان، ويرخص أن يقول: لولا اللَّه ثم فلان\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر النخعي ﵀ كراهية عطف المخلوق على الخالق في الاستعاذة والاعتماد، كقول: أعوذ باللَّه وبك، وأن الصواب قول: أعوذ\n_________\n(^١) إسناده فيه إسماعيل بن إبراهيم وهو الأحول، أبو يحيى التيمي، ضعيف، قال ابن حبان فيه: \"يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وكان ابن نمير شديد الحمل عليه\"، وقال الذهبي: \"ضعفه غير واحد، وما علمت أحدا صلّحه إلا ابن عدي\"، وكلام ابن عدي فيه هو: \"ولأبي يحيى هذا أحاديث حسان، وليس فيما يرويه حديث منكر المتن، ويكتب حديثه\"، قلت: وهذا الأثر من جملة ما ليس منكر المتن، بل على العكس، لا سيما وله ما يشهد له في المرفوع كما سيأتي عن ابن حجر، انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٢١٣) رقم (٨٢٧)، تهذيب الكمال (١/ ٢٢) رقم (٤١٥)، التقريب (٤٢٥).\nالصمت (١٩٣ - ١٩٤) رقم (٣٤٤)، وأورده في فتح الباري (١١/ ٥٤١)، ونسبه لمصنف عبد الرزاق وهو فيه برقم (١٩٨١١) مختصرا، ثم قال: \"وهو مطابق لحديث ابن عباس\"، أي في النهى عن قول ما شاء اللَّه وشئت، وأورد الغزلي في الإحياء (٣/ ١٤٠)، والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥)، والنووي في الأذكار (٣٠٨).","vol":"1","page":469},{"text":"باللَّه ثم بك، وهذه المسألة والتي قبلها من الشرك الأصغر، وهو من شرك الألفاظ، قال ابن القيم: \"أما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير اللَّه كما ثبت عن النبي أنه قال: \"من حلف بغير اللَّه فقد أشرك\"، وقول الرجل للرجل: ما شاء اللَّه وشئت، وهذا من اللَّه ومنا، وأنا باللَّه وبك، ومالي إلا اللَّه وأنت، وأنا متوكل على اللَّه وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده\" (^١)، وقال الشيخ مبارك الميلي لما تكلم عن أقسام الحلف بغير اللَّه وأن منه المخرج من الملة ومنه غير المخرج، ومنه الأصغر والأكبر، وحالات كل منها، قال ﵀: \"خلاصة هذه النقول أن الاختلاف في حكم الحلف بغير اللَّه إنما هو مع سلامة الحالف من تعظيم المخلوق تعظيما من نوع تعظيم الخالق. . . فأما إن حل بالقلب تعظيم المخلوق كتعظيم الخالق فجرى اللسان لذلك بتلك اليمين وخشيت النفس في الحنث بها ما تخشاه في الحنث باللَّه، فهذه اليمين مظهر من مظاهر الشرك لا نزاع في ذلك ولا شك\" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٤٤).\n(^٢) رسالة الشرك ومظاهره (٢٧٧).","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المسألة الرابعة: الآثار الواردة في التمائم</span>.\n\n٣٧٩ - حدثنا أبو خيثمة، وإسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: \"كان رسول اللَّه -ﷺ- يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: \"بسم اللَّه، أعوذ بكلمات اللَّه التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، قال: وكان عبد اللَّه بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ أن يقولها، كتبه فعلقه عليه\" (^١).\n\n٣٨٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبان بن تغلب، عن يونس بن خباب قال: \"سألت أبا جعفر (^٢) عن التعويذ يعلق على الصبيان؟ قال: لا بأس به\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، مداره على محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، العيال (٢/ ٨٦١) رقم (٦٥٦)، والترمذي في السنن (٥/ ٥٤١) رقم (٣٥٢٨) وقال: \"حديث حسن غريب\"، وأبو داود كذلك (٤/ ٢١٨) رقم (٣٨٩٣)، وأحمد في المسند (١١/ ٢٩٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٨) وقال: \"صحيح الإسناد متصل في موضع الخلاف\" من طرق عن محمد بن إسحاق به، وفي تحقيق المسند أنه قابل للتحسين، قلت: الذي يقبل التحسين هو الدعاء الوارد لكثرة طرقه التي أوردها له، أما قصة عمرو وهي محل الشاهد فإنها لم ترد إلا من طريق ابن إسحاق ولذلك قال الألباني: \"لم يصح إسنادها إلى ابن عمرو\" الكلم الطيب (٤٤).\n(^٢) يعني الباقر.\n(^٣) إسناده لين؛ يونس بن خباب صدوق يخطئ ورمي بالرفض التقريب (٧٩٦٠)، العيال (٢/ ٨٦٢) رقم (٦٥٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٤) رقم =","vol":"1","page":471},{"text":"٣٨١ - حدثنا الحسين بن محمد السعدي، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يونس بن خباب قال: \"استشرت أبا جعفر محمد بن علي في تعليق العاذة، قال: نعم؛ إذا كان من كتاب اللَّه ﷿، أو عن كلامٍ عن نبي اللَّه -ﷺ-، وأمرني أن أستشفى به ما استطعت، فكتب لي كتابا من الحمى الربع: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾ (^١)، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب\" (^٢).\n\n٣٨٢ - حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة، عن رجلين من أهل خراسان يقال لأحدهما: أبو عصمة، عن رجل من أهل المدينة، أنه سأل سعيد بن المسيب عن التعويذ؟ فقال: \"لا بأس إذا كان في أديم، أو فضة\" (^٣).\n\n٣٨٣ - حدثني قاسم بن هاشم، حدثنا موسى بن داود، حدثنا هضيم، عن حجاج قال: \"أخبرني من رأى سعيد بن جبير يكتب التعاويذ للناس\" (^٤).\n_________\n= (٢٣٥٥١)، ورواه من طريق آخر فيه من لم أعرفه برقم (٢٣٥٤٦).\n(^١) سورة الأنبياء، الآيتين (٦٩ - ٧٠).\n(^٢) إسناده كسابقه، العيال (٢/ ٨٦٣) رقم (٦٥٨)، ولم أجده عند غيره.\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه جهالة المبهمِين، العيال (٢/ ٨٦٤) رقم (٥٦٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٣) رقم (٢٣٥٤٣) بدون إبهام لكن فيه أبو عصمة وهو الخراساني نوح بن أبي مريم، مشهور بكنيته، ويعرف بالجامع، لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: (كان يضع) التقريب (٧٢٥٩).\n(^٤) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، والأثر حسن من طريق البيهقي الآتية، العيال =","vol":"1","page":472},{"text":"٣٨٤ - وبه عن حجاج قال: \"سألت عطاء عن ذلك؟ فقال: إنما جاءنا كراهيته من قبلكم يا أهل العراق\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة جواز تعليق نوع من التمائم والتعاويذ، وهي التي تكون بما في كتاب اللَّه أو سنة نبيه -ﷺ-، حيث ورد تقييدها بذلك إما بحكاية الواقع الذي كانوا يفعلونه كما في أثر ابن عمرو أنه كتب ما علمه رسول اللَّه -ﷺ- لمن لم يعقل من أولاده أن يحفظه، أو باشتراط من أجاز التعليق أن لا يكون بغير ما ذكر كما في كلام أبي جعفر، وبعضها اشترط عدم امتهانها بأن توضع في جلد أو فضة ونحو ذلك، كما في كلام سعيد ابن جبير، كما تضمنت هذه الآثار الإشارة إلى وجود خلاف في المسألة من القرون الأولى، حيث ذكر عطاء أن الكراهة جاءت من قبل أهل العراق.\nوالمسألة بصرف النظر عما صح ولم يصح من الآثار فيها، هي مسألة خلافية بين السلف، ذكرها غير واحد من العلماء، وسأذكر أقوال العلماء في التمائم عموما، لكي تتضح هذه المسألة أكثر، ولا يلتبس نوع بنوع آخر، فيحمل ما فيه خلاف على الجواز على ما فيه اتفاق على المنع.\n_________\n= (٢/ ٨٦٨) رقم (٦٦٣)، والبيهقي الكبرى (٩/ ٣٥١) بسنده عن فضيل به وهو ابن عمرو الفقيمي ثقة التقريب (٥٤٦٥).\n(^١) هو تتمة للأثر السابق، العيال (٢/ ٨٦٩) رقم (٦٦٤).","vol":"1","page":473},{"text":"القسم الأول: ما كان بغير العربية وبكلام لا يعرف، وهذا القسم داخل في عموم النهي الوارد في التمائم، كحديث عقبة بن عامر مرفوعا: \"من تعلق تميمة فلا أتم اللَّه له\" (^١)، وفي بعض رواياته: \"من تعلق تميمة فقد أشرك\" (^٢)، وعن ابن مسعود -﵁- قال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\" (^٣).\nالقسم الثاني: ما كان بالقرآن الكريم، وسنة رسول اللَّه -ﷺ-، والكلام المشروع.\nوهو مذهب مالك -﵀- في إحدى الروايتين، اختارها الباجي وابن رشد ونقل عن مالك أنه سئل: \"أتعلق شيء من هذه الكتب أو يعلقها؟ قال: كذلك أيضًا إن ما لا بأس به فلا بأس بذلك\" (^٤)، وقال: \"و[هو أولى بالصواب من جهة النظر\" (^٥)، وقال الباجي: \"الصحيح من قول العلماء جواز ذلك في الوجهين [قبل نزول البلاء وبعده وهو قول مالك والفقهاء\" (^٦).\n_________\n(^١) أورده الألباني في الصحيحة (١/ ٨٨٨) وهو أحد طرق الحديث الذي بعده.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند (٢٨/ ٦٣٧)، وأورده الألباني في الصحيحة (١/ ٨٨٩) (ح ٤٩٢).\n(^٣) أورده الألباني في الصحيحة (١/ ٦٤٨) (ح ٣٣١)، وصححه بشواهده.\n(^٤) البيان والتحصيل (١/ ٤٢٦).\n(^٥) البيان والتحصيل (١/ ٤٤١ - ٤٤٢).\n(^٦) المنتقى (٢/ ٢٥٥).","vol":"1","page":474},{"text":"وذهب إليه من المتقدمين عطاء (^١) وسعيد بن المسيب (^٢) كما في الآثار السابقة، وأبو عبيدة بن الهروي (^٣)، والبيهقي (^٤)، وحملوا أحاديث النهي على ما كان بغير لغة العرب مما لا يدرى ما هو.\nوللسلف في هذه المسألة قولان آخران هما:\nالأول: قول من يرى جواز ذلك لكن يخصه بما كان بعد نزول البلاء، ولا يجيزه قبل ذلك، قال الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وهو قول عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الصادق وأحمد في رواية\" (^٥).\nوقد وجه ابن رشد -﵀- سبب تخصيص ما بعد نزول البلاء بالجواز فقال: \"لا وجه له من طريق النظر للتفرقة فيما كان منها [التمائم بذكر اللَّه، بين الصحة والمرض إلا اتباع قول عائشة في ذلك إذ لا تقوله رأيا واللَّه أعلم\" (^٦)، وهذا ما نص عليه الحاكم ﵀ فقال: \"لعل متوهما يتوهم أنها من الموقوفات على عائشة ﵂، وليس كذلك فإن رسول اللَّه -ﷺ- قد ذكر التمائم في أخبار كثيرة فإذا فسرت عائشة التميمة\n_________\n(^١) فضائل القرآن (٣٨٤ - ٣٨٥).\n(^٢) سنن البيهقي (٩/ ٣٥١).\n(^٣) فضائل القرآن (٣٨٢).\n(^٤) السنن (٩/ ٣٥١).\n(^٥) تيسير العزيز الحميد (١٦٧ - ١٦٨).\n(^٦) البيان والتحصيل (١/ ٤٢٦).","vol":"1","page":475},{"text":"فإنه حديث مسند\" (^١).\nوأثر عائشة المشار إليه هو قولها: \"ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تعلق به قبل البلاء\" (^٢).\nالثاني: تحريم تعليق التمائم مطلقا دون تفريق بين ما كان من القرآن أو غيره، أو ما كان قبل نزول البلاء أو بعده. وذلك للأمور التالية:\n\n١ - عموم الأدلة الواردة في تحريم التمائم ولم يأت مخصص يخص ما كان بالقرآن من غيره، قال الشيخ سليمان آل الشيخ -﵀-: \"يؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا الحديث فهموا العموم كما تقدم عن ابن مسعود، وروي عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد اللَّه بن عكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ باللَّه من ذلك قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من تعلق شيئا وكل إليه\"، وروى وكيع عن ابن عباس قال: دخلت على عبد اللَّه بن عكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ قال: اتفل بالمعوذتين ولا تعلق\"، وأما القياس على الرقية بذلك فهذا إلى الرقى\n_________\n(^١) المستدرك (٤/ ٢١٧).\n(^٢) روي من طرق عن بكير بن الأشج عن القاسم بن محمد عن عائشة، رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٥٠) والحاكم (٤/ ٢١٧) وابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٦٤) وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" وتعقبه الوادعي بقوله: \"طلحة بن سعيد لم يخرج له مسلم فهو على شرط البخاري فحسب\".","vol":"1","page":476},{"text":"المركبة من حق وباطل أقرب\" (^١).\n\n٢ - \"سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.\n\n٣ - أنه إذا علق فلا بدّ أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك\" (^٢).\nويجاب عن الأثرين الواردين عن عبد اللَّه بن عمرو وعائشة بأن الأول ضعيف لا يثبت سنده عنيه، أما أثر عائشة فإنه على سلامة سنده من مطعن فهو معارض بفهم غيرها من الصحابة الذين فهموا العموم من النصوص الواردة في التمائم وكذلك من بعدهم من كبار التابعين الذين أدركوا الصحابة، قال إبراهيم النخعي -﵀-: \"كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن\" (^٣)، قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ: \"مراده بذلك أصحاب عبد اللَّه بن مسعود كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع خيثم وسويد ابن غفلة وغيرهم، وهم من سادات التابعين، وهذه صيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم\" (^٤) واللَّه أعلم.\nوقد ختم الشيخ مبارك الميلي كلامه على التمائم وأقسامها بقوله:\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (١٦٨).\n(^٢) فتح المجيد (١٧٠).\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٥٨). وقال الألباني عنه: (سنده صحيح)، الكلم الطيب (٤٥).\n(^٤) فتح المجيد (١٧٧). وانظر منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة (٤٠٨ - ٤١٥).","vol":"1","page":477},{"text":"\"وقد علمت من الأحاديث السابقة استعظام من استعظم من الصحابة للتعليق، حتى قال: الموت أقرب من ذلك، هذا مع كمال توحيدهم ومعرفتهم بربهم، فلندع التمائم وما في معناها ولنُقَوِّ إيماننا بآية: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (^١) \" (^٢).\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية (٥١).\n(^٢) رسالة الشرك ومظاهره (١٧٦).","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المسألة الخامسة: الآثار الواردة في الطيرة</span>.\n\n٣٨٥ - حدثني محمد بن عمار الأسدي، نا مالك بن إسماعيل، نا مسلمة بن جعفر، عن عمرو بن عامر البجلي، عن وهب بن منبّه قال: \"ثلاث من مناقب الكفر: الغفلة عن اللَّه ﷿، وحب الدنيا، والطيرة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر وهب بن منبه أن الطيرة من مناقب الكفر، والظاهر أن مراده مناقب الكفر أي من طريقه فقد ورد تفسير المنقبة بأنها الطريق الضيق بين دارين (^٢)، فكأن ما ذكره كعب -﵁- من الطرق المؤدية إلى الكفر، وهي طريق بين الإيمان والكفر، من سلكها أو شك أن يقع في الكفر، ولا شك في كون الطيرة شركا وقد سبق قول النبي -ﷺ- \"الطيرة شرك، الطيرة شرك\" قال ابن القيم: \"الطيرة نوع من الشرك\" (^٣)، وقد بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن: \"التطير هو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره، وامتنع بها عما عزم\n_________\n(^١) إسناده فيه شيخ المصنف لم أعرفه، ولعله محمد بن عمر بن هياج وهو صدوق، ذم الدنيا (١٤٩ - ١٥٠) رقم (٤٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤٧) بسياق أطول، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ٣٨٩)، وذكره الذهبي في السير (١١/ ٥٤٥) من قول النخشبي.\n(^٢) لسان العرب (١٤/ ٢٥٠).\n(^٣) مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٨١).","vol":"1","page":479},{"text":"إليه، فقد قرع باب الشرك، بل ولجه وبرئ من التوكل على اللَّه، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير اللَّه، وذلك قاطع له عن مقام إياك نعبد وإياك نستعين، فيصير قلبه متعلقا بغير اللَّه، وذلك شرك، فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفا لسهام الطيرة، ويقيض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة\" (^١).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (٤٣٩).","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المسألة السادسة: الآثار الواردة في النهي عن بناء القبور بالآجر</span>.\n\n٣٨٦ - حدثني المثنى بن معاذ قال: حدثنا المؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ (^١) قال: بناه بالآجر، قال إبراهيم: \"كانوا يكرهون أن يبنوا بالآجر، ويجعلوه في قبر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر إبراهيم النخعي ﵀ النهي عن البناء على القبر، والأثر ليس في البناء وإنما أن يوضع الآجر مكان اللبن، وهي مسألة مطروقة في كتب الفقه، وقد كرهها جماعة من العلماء ونصوا على استحباب اللبن والقصب، بدل الآجر، والفرق بينهما أن اللبن هو الطين يعجن ويجفف، فإذا أُحرق صار آجرّ (^٣)، وقد ذكروا تعليلات عدة لهذا النهى والكراهة، منها: أنها من بناء المترفين كما هو ظاهر كلام إبراهيم في هذا الأثر، ولأنه مسته النار تفاؤلا بأن لا تمسه النار (^٤)، ومحل الشاهد أن السلف عظموا أمر البناء على القبور وتشددوا فيه، إلى درجة نهيهم عن اتخاذ الآجر في اللحد، وهو وإن كان سيردم بالتراب، لكن سدا لأي\n_________\n(^١) سورة غافر، من الآية (٣٦).\n(^٢) إسناده لين، فيه المؤمل بن إسماعيل وهو صدوق سيء الحفظ، لكن الأثر صحيح من طريقيه الآخرين، قصر الأمل (١٨٦) رقم (٢٩٢)، تفسير الثوري (٢٦٣)، وأبو مسهر في نسخته رقم (٦٢).\n(^٣) انظر مقدمة فتح الباري هدي الساري (١/ ١٨٢).\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٨٠)، الجامع الصغير للشيباني (١/ ١١٨)، والمبسوط (١/ ٤٢٢)، المغني لابن قدامة (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":481},{"text":"ذريعة أو باب من أبواب الشرك أن يفتح، وهو داخل واللَّه أعلم في عموم البناء على القبور، فإذا كان السلف تورعوا عن غلق اللحد بالآجر لما ذُكِر، ولأنه نوع من البناء، فما بال البناء عليها وإيقاد السرج والعكوف عليها وزيارتها للتبرك بأصحابها ودعائهم. . .، وقد عقد ابن القيم ﵀ مقارنة لطيفة بين هدي الرسول -ﷺ- وصحابته وسلف هذه الأمة وحال عباد القبور في زمانه فقال: \"من جمع بين سنة رسول اللَّه في القبور وما أمر به ونهي عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا، فنهى رسول اللَّه عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت اللَّه تعالى، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى أن تتخذ عيدا وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها. . . وهؤلاء. . . يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه. . . ونهى عن الكتابة عليها. . . وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها. . . وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص. . . والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذين لها أعيادا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب، مناقضون لما أمر به رسول اللَّه محادون لما جاء به\" (^١).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ١٩٥ - ١٩٧).","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الفصل الثالث: الآثار الواردة في توحيد الأسماء والصفات</span>.\nوفيه أربعة عشر مبحثا:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في أن أسماء اللَّه حسنى.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في فهم معاني الصفات.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في قطع الطمع عن إدراك الكيفية.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في العلو والفوقية.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في اليد.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في الساق.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في النظر إلى اللَّه ورؤيته.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في المكر.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في الاستهزاء.\nالمبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في الخداع.\nالمبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف.\nالمبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في السخط.\nالمبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في الغيرة.","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المبحث الأول: الآثار الواردة في أن أسماء اللَّه حسنى</span>.\n\n٣٨٧ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن رجاء ابن أبي سلمة (^١) قال: \"الحلم أرفع من العقل، لأن اللَّه تسمى به\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر رجاء بن أبي سلمة أن أسماء اللَّه تعالى حسنى وليست حسنة فقط، وذلك أن الحِلم بكسر الحاء في اللغة هو العقل والأناة، وهو ضد السفه (^٣)، فرغم أنهما يجتمعان في المعنى العام لكن اللَّه تسمى باسم الحليم ولم يتسم بالعاقل؛ لأن له الأسماء الحسنى، وهذه قاعدة مهمة من قواعد السلف في باب الأسماء والصفات، قال ابن القيم: \"له من كل صفة كمال أحسن اسم، وأكمله، وأتمه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص، فله من صفة الإدراكات العليم الخبير دون العاقل الفقيه، والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر، ومن صفات الإحسان البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العلي العظيم دون\n_________\n(^١) هو رجاء بن أبي سلمة -مهران-، أبو المقدام الفلسطيني، أصله من البصرة، ثقة فاضل، مات سنة (١٦١ هـ) وله سبعون سنة، التقريب (١٩٢٤).\n(^٢) إسناده حسن، ضمرة بن ربيعة صدوق يهم قليلا، التقريب (٣٠٠٥)، الحلم (٢٩) رقم (١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٢) و(٦/ ٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٥٦) رقم (٨٤٩٨)، وذكره السيوطي في الدر ونسبه (٢/ ٣٥٦) ونسبه لابن أبي حاتم والبيهقي، ثم (٤/ ٤٥٥) ونسبه لأبي الشيخ من قول أبي ضمرة -﵁-.\n(^٣) لسان العرب (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥).","vol":"1","page":484},{"text":"الرفيع الشريف، وكذلك الكريم دون السخي، والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل، والغفور العفو دون الصفوح الساتر، وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها، وأحسنها، وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون\" (^١).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المبحث الثاني: الآثار الواردة في فهم معاني الصفات</span>.\n\n٣٨٨ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير، عن أحمد بن مُعَذل (^١) قال: \"دخلت على أختي وهي مريضة، فقلت: يا خيَّة كيف تجدينك؟ قالت: أجدني ضعيفة ومولاي قويّ، وفي قوّته ما يقوِّي به ضعفي، وأجدني فقيرة ومولاي غنيّ، وفي غَنَائِه ما يسدّ به فقري\" (^٢).\n\n٣٨٩ - حدثنيا أبو المنهال المهبلي، حدثنا أبو غسان اليشكري، عن أبي عمر المديني قال: قال أبو الأسود الدؤلي (^٣) لابنه: \"يا بنيّ إذا وسّع اللَّه ﷿ عليك فوسِّع، وإذا قتَّر عليك فاقتر، ولا تجاود اللَّه؛ فإنه أكرم وأقدر وأجود\" (^٤).\n_________\n(^١) هو أحمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم، أبو العباس العبدي البصري، المالكي الفقيه المتكلم، كان من أصحاب عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة، وكان ورعا متبعا للسنة، مُفَوَّها له مصنفات، قال الذهبي: \"كان ابن المعذل من بحور العلم، لكنه لم يطلب الحديث، ودخل في الكلام، ولهذا توقف في مسألة القرآن ﵀\"، تاريخ الإسلام (١/ ١٧٦٨).\n(^٢) إسناده حسن، أحمد بن معذل هو شيخ المالكية البصري كما في الإكمال (٧/ ٢١١)، وانظر ترجمته في السير (١١/ ٥١٩)، المحتضرين (٢٣٩ - ٢٤٠) رقم (٣٦٣).\n(^٣) هو أبو الأسود الديلي، ويقال: الدُّؤَلي، البصري، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عثمان أو عثمان ابن عمرو، قاضي البصرة، ثقة فاضل مخضرم، ابتكر النحو، مات سنة (٦٩ هـ)، الكاشف (٢/ ٤٠٨)، التقريب (٧٩٤٠).\n(^٤) فيه شيخ المصنف لم أعرفه، ولعله خالد بن خداش فهو مهبلي ويكنى أبا الهيثم فلعله تصحف إلى المنهال واللَّه أعلم، إصلاح المال (٢٣٧) رقم (١٩٩).","vol":"1","page":486},{"text":"٣٩٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد اللَّه بن قبيصة، عن ليث، عن مجاهد ﵀ أنه كان يكره أن يقول: \"اللهم أدخلني في مستقر من رحمتك، فإن مستقر رحمته هو نفسه\" (^١).\n\n٣٩١ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا ابن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم ﵀ أنه كان يكره أن يقال: \"على قراءة ابن مسعود، ولكن: كما كان ابن مسعود يقرأ\" (^٢).\n\n٣٩٢ - حدثني محمد بن إدريس، نا عبد الصمد بن محمد، عن أبيه قال: قال عبد اللَّه بن ثعلبة (^٣): \"إلهي، مِن كرمك أنك (^٤) تطاع فلا\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه عبد اللَّه بن قبيصة وهو الفزاري، ذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٠) رقم (٨٦٣) وقال: \"كثير الوهم لا يتابع على كثير من حديثه\"، وقال ابن عدي: \"له مناكير\" كما في الميزان (٢/ ٤٧٢) (٤٥١٠)، وليث وهو ابن أبي سليم وقد سبق (٤٩).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٤ - ١٩٥) رقم (٣٤٧)، وله شاهد في الأدب المفرد (٧٦٨) للبخاري عن أبي رجاء، وأورده المزي في تهذيب الكمال (٨/ ٢٨١)، وهو أوضح عبارة من هذا من طريق أبي الحارث الكرماني، قال: قال سمعت رجلا قال لأبي رجاء: أقرأ عليك السلام وأسأل اللَّه أن يجمع بيني وبينك في مستقر رحمته، قال: وهل يستطع أحد ذلك؟، قال: فما مستقر رحمته؟ قال: الجنة، قال: لم تصب، قال: فما مستقر رحمته؟ قال: رب العالمين\"، ويراجع الأذكار للنووي، وأورده الغزالي في الإحياء (٣/ ١٤٠)، والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥) وعزاه للمصنف.\n(^٢) إسناده صحيح.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٦) رقم (٣٥٣).\n(^٣) لعله: عبد اللَّه بن ثعلبة الحضرمي المصري، مقبول، التقريب (٣٢٤٣).\n(^٤) ذكر ياسين السواس محقق الكتاب أنه ورد في الأصل: \"أنك كأنك تطاع\"، وأنه =","vol":"1","page":487},{"text":"تعصى، ومن حلمك أنك تُعصى وكأنك لا ترى، وأي زمن لم يعصك فيه سكّان أرضك؟، فكنت واللَّه بالخير عليهم عوَّادا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة فهم السلف لمعاني الصفات، وفقههم لها، حيث فهمت أخت ابن المعذل قوة الرب وغناه، وأن المتصف بهذه الصفات هو الذي يقويها ويغنيها، كما أن نصيحة أبي الأسود الدؤلي لابنه فيها أن صفات اللَّه هي صفات كمال لا نقص فيها بحال، ولذلك فإن إحسانه وبره لا ينقطع عن خلقه، بخلاف العبد فإن قدرته محدودة وغناه مقيد، وكراهية مجاهد لمن سأل اللَّه أن يدخله في مستقر رحمته، وفسّر ذلك بأن مستقر رحمته هو نفسه، وكذا كراهية إبراهيم النخعي نسبة القراءة لابن مسعود، واستحبابه نسبة فعل القراءة إليه، دليل واللَّه أعلم أنه فهم من صفة كلام اللَّه أنه هو المتكلم به ابتداء، وأن المتكلم به بعده إنما مؤدٍ لكلام رب العالمين، فيفرق واللَّه أعلم بين القراءة التي هي المقروء نفسه وهو كلام اللَّه، والفعل الذي يصدر من العبد، وفي مناجاة ابن ثعلبة للَّه فهم من صفة كرم اللَّه تعالى منتهى الكمال حيث يحسن لعباده رغم\n_________\n= أثبت ما في المطبوع.\n(^١) إسناده حسن إلى صاحب الأثر، شيخ المصنف هو ابن أبي حاتم الإمام المشهور، وعبد الصمد بن محمد هو ابن مقاتل العباداني قال عنه تلميذه ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل (٦/ ٥٢): \"صدوق\"، وأبوه محمد قال عنه في التقريب (٦٣٦٠): \"صدوق عابد\"، الشكر (٨٦ - ٨٧) رقم (٤٦)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٤٦).","vol":"1","page":488},{"text":"إساءتهم، ومن صفة الحلم وكمالها كأنه لا يرى ما يعصيه به عباده.\nوالمقصود بهذا المبحث الإشارة إلى فهم السلف لنصوص الصفات وتدبرهم لمعانيها، وأن مذهبهم ليس التفويض المطلق، كما ينسبه لهم المتأخرون زورا وبهتانا، \"ومن هنا قال من قال من النفاة: إن طريقة الخلف أعلم وأحكم، وطريقة السلف أسلم؛ لأنه ظن أن طريقة الخلف فيها معرفة النفي، الذي هو عنده الحق، وفيها طلب التأويل لمعاني نصوص الإثبات، فكان في هذه عندهم علم بمعقول، وتأويل لمنقول، ليس في الطريقة التي ظنها طريقة السلف. . . ومذهب السلف عنده عدم النظر في فهم النصوص، لتعارض الاحتمالات، وهذا عنده أسلم؛ لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معان فتفسيره ببعضها دون بعض فيه مخاطرة، وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة، فلو كان قد بُيِّن وتبَيَّن لهذا وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصفات، وفهم ما دلت عليه، وتدبره، وعقله، وإبطال طريقة النفاة، وبيان مخالفتها لصريح المعقول، وصحيح المنقول، علم أن طريقة السلف أعلم، وأحكم، وأسلم، وأهدى إلى الطريق الأقوم، وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به، وفهم ذلك، ومعرفته. . . وأن من جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الآيات، وعدم إثبات ما تضمنته من الصفات، فقد قال غير الحق، إما عمدا وإما خطأ\" (^١).\n_________\n(^١) درء التعارض (٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، وانظر كتاب مذهب التفويض في نصوص الصفات للدكتور أحمد القاضي وبحث الأستاذ الدكتور عبد الرزاق البدر في مجلة الجامعة الإسلامية في أثر الإمام مالك المشهور عن الاستواء العدد (١١ - ١١٢).","vol":"1","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>المبحث الثالث: الآثار الواردة في قطع الطمع عن إدراك الكيفية</span>\n\n٣٩٣ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير، ثنا عمرو بن كنيز أبو حفص، حدثني يحيى بن حماد الهباري، عن رجل، عن الرجل الذي أُخذ، وكان الحجاج بن يوسف قد طلبه، فأتي به الحجاج عشية، فأمر به فقُيِّد بقيود كثيرة، وأمر الحرس فأدخل في ثلاثة أبيات، وأقفلت عليه، وقال: إذا كان غدوة فآتوني به، قال: \"فبينا أنا مُكَبٌّ على وجهي إذ سمعت مناديا ينادي في الزاوية: يا فلان؟ قلت: من هذا؟ قال: ادع بهذا الدعاء، قلت: بأي شيء أدعو؟ قال: قل: يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، يا من لا يعلم قدرته إلا هو، فرِّج عني ما أنا فيه، قال: واللَّه ما فرغت منها حتى تساقطت القيود من رجلي، ونظرت إلى الأبواب مفتحة، فخرجت إلى صحن الدار، فإذا الباب الكبير مفتوح، وإذا الحرس نيام عن يميني وعن شمالي، فخرجت حتى كنت بأقصى واسط (^١)، فلبثت في مسجدها حتى أصبحت\" (^٢).\n_________\n(^١) واسط: اسم يقع على عدة مواضع؛ فواسط مدينة الحجاج التي بين بغداد والبصرة، سميت بذلك لأن بينها وبين الكوفة فرسخا، وبينها وبين البصرة مثل ذلك، وبينها وبين المدائن مثل ذلك، ولعلها المقصودة هنا، معجم البلدان (٤/ ١٣٦٣).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة المبهمين، الهواتف (٥١ - ٥٢) رقم (٦١)، والفرج بعد الشدة (٥٨) رقم (٥١)، وقد ورد في السير (٧/ ٣١٢)، وكذا في طبقات الشافعية =","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثر السابق قاعدة مهمة من قواعد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وهي قطع الطمع عن إدراك الكيفية، وذلك في دعاء السجين بقوله: \"يا من لا يعلم كيف هو إلا هو\"، وهو أثر مهم جدا، حيث تضمن إثبات كيفية للَّه ﷿، وأن هذه الكيفية لا يعلمها إلا هو من نفسه، وهذه العبارة وردت كما سبق في التخريج في رسالة عبد العزيز بن الماجشون في الرد على الجهمية، ولأهميتها ودقتها نوّه بها العلماء ونقلوها واستشهدوا بها على مذهب أهل السنة ومرادهم، قال شيخ الإسلام: \"بيَّن -أي الإمام مالك في أثره المشهور في الاستواء- أن كيفية استواءه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد اللَّه الماجشون، وغير واحد من السلف والأئمة، ينفون علم الخلق بقدره وكيفيته، وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف\" (^١)، ولهذا قال الشيخ خليل هراس في تعليقه على\n_________\n= للسبكي (٩/ ٧٤)، عن عبد العزيز ابن الماجشون ﵀ في رسالة قيّمة كتبها في الرد على الجهمية قوله: \". . . فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو\" رواه عنه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٦٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٥٦ - ٥٥٧) رقم (٨٧٣)، والذهبي في العلو (١٤١ - ١٤٢) وصححه، وكذا الألباني في مختصره (١٤٦) هامش (٢)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٢).\n(^١) درء التعارض (٢/ ٣٥).","vol":"1","page":491},{"text":"الواسطية: \"وليس المراد من قوله: (من غير تكييف) أنهم ينفون الكيف مطلقا؛ فإن كل شيء لا بد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف؛ إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه\" (^١)، وشرح ابن القيم قول شيخ الإسلام الهروي في منازل السائرين (^٢): \"الإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها\"، بقوله: \"العقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف اللَّه إلا اللَّه، وهذا معنى قول السلف: بلا كيف، أي بلا كيف يعقله البشر؛ فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية (٢٣).\n(^٢) (١٢٦).\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>المبحث الرابع: الآثار الواردة في العلو والفوقية</span>.\n\n٣٩٤ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي قال: حدثني صفوان بن هبيرة قال: \"قدم علينا عبد الملك بن أيوب النميري (^١) واليا من قبل أبي جعفر، فاستحفيناه، فخطبنا يوم الجمعة فقال: الحمد للَّه الذي علا في سمائه، وقهر في ملكه، وعدل في حكمه، وسمي الجبّار لجبروته، فله الأسماء والأمثال العلا، يعلم السرّ وأخفى، وهو بالمنظر الأعلى. . . \" (^٢).\n\n٣٩٥ - حدثني إسحاق بن بهلول التنوخي، قال: حدثني إسحاق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند، عن الحارث البصري عن أبي عمرو أبو السرايا قال: \"كنت أعبر في بلاد الروم وحدي، فبينما أنا ذات يوم نائم، إذ ورد عليّ عِلْجٌ (^٣) فحرّكني برجله فانتبهت، فقال: يا عربي اختر إن شئت مطاعنة، وإن شئت مسايفة، وإن شئت مصارعة، فقلت: أما المسايفة وأما المطاعنة، فلا بقيا لهما، ولكن المصارعة، فنزل فلم ينهنهني (^٤)\n_________\n(^١) هو عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، عينه الخليفة العباسي المهدي على البصرة، ثم عزله، تاريخ الطبري (٤/ ٥٥٠).\n(^٢) إسناده ضعيف، شيخ المصنف لم أجده إلا في الرواة عن صفوان بن هبيرة في ترجمته من تهذيب الكمال، وصفوان بن هبيرة لين الحديث التقريب (٢٩٥٩)، قصر الأمل (١١٥) رقم (١٦٢)، وهذا أثر عظيم فيه بيان أن العلو بالذات غير العلو بالقهر والقدر، وفيه بيان أن الاسم يشتق منه الصفة، وليس مجرد أعلام دون تضمنها لوصف.\n(^٣) العلج: من كفار العجم، والجمع علوج وأعلاج وعِلجة، مختار الصحاح (٤٦٧).\n(^٤) كأنه لم يمنعني شيء منه، لأن معنى النهنهة المنعة، انظر لسان العرب (١٣/ ٥٥٠).","vol":"1","page":493},{"text":"أن صرعني، وجلس على صدري فقال: أي قتلة أقتلك؟ فذكرت الدعاء (^١) فرفعت طرفي إلى السماء فقلت: أشهد أن كل معبود دون عرشك إلى قرار الأرضين باطل غير وجهك الكريم، قد ترى ما أنا فيه، ففرّج عني، فأغمي عليّ ثم أفقت فإذا الرومي قتيل إلى جنبي، قال إسحاق بن بنت داود: جربته وعلمته الناس فوجدوه نافعا، وهو الإخلاص بعينه\" (^٢).\n\n٣٩٦ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا محمد بن الحسن الأسدي، عن مفضل، عن رجل، عن إبراهيم التيمي قال: \"أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين سنة، فلم يتكلم بكلام لا يصعد\" (^٣).\n\n٣٩٧ - حدثني حمزة قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان، عن خيثمة، عن عبد اللَّه قال: \"إن الرجل ليشرف على الأمر من التجارة أو الإمارة، حتى يرى أنه قد قَدَر عليه، ذكره\n_________\n(^١) قال المحقق السواس: \"زيادة من الفرج بعد الشدة\".\n(^٢) إسناده صحيح، وعمرو السرايا هو عمرو بن قيس بن مازن أبو ثور الحمصي ثقة التقريب (٥١٣٤)، وانظر تاريخ دمشق (٤٦/ ٣١٥) فقد نص أنه تولى السرايا واللَّه أعلم، الفرج بعد الشدة (٦٤) رقم (٦٠)، ومجابو الدعوة رقم (٦٠)، والتنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦٦).\n(^٣) إسناده ضعيف، والأثر حسن؛ فيه إبهام الراوي عن إبراهيم، لكنه ورد عند ابن سعد والفسوي وأبي نعيم من طريق سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم، وله لفظ آخر هو: \"كلمة تعاب\"، بدل \"كلمة تصعد\".\nالصمت (٢١٧) رقم (٤١٣)، وانظر المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٦٣)، الزهد لابن المبارك رقم (٢٣)، الطبقات لابن سعد (٦/ ١٨٥)، الحلية لأبي نعيم (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، الثقات للعجلي (١/ ٣٥٤).","vol":"1","page":494},{"text":"اللَّه فوق سبع سموات، فيقول للمك: اذهب فاصرف عن عبدي هذا، فإني إن أيسّره له أدخله جهنّم، فيجيء الملك فيعوقه فيصرف عنه، فيظل يتطيّر بجيرانه إنه دهاني فلان، سبقني فلان، وما صرفه عنه إلا اللَّه\" (^١).\n\n٣٩٨ - حدثني سليمان بن أبي الشيخ، ثنا أبو سليمان الحميري، عن العوام بن حوشب فقال: \"صحبنا إبراهيم التيمي إلى سجن الحجاج، فقلنا له: أوصنا؟ قال: أوصيكم أن تذكروني عند الرب الذي فوق الرب الذي سأل يوسف أن يذكره عند ربه\" (^٢).\n\n٣٩٩ - حدثنا وليد بن شجاع قال: حدثني ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، أن نافعا حدّثه قال: \"كانت لابن رواحة (^٣) امرأة وكان يتّقيها، وكانت له جارية فوقع عليها، فقالت له، وفرقت أن يكون قد فعل، فقال: سبحان اللَّه!، قالت: اقرأ عليّ القرآن فإنك جنب، فقال:\nشهدت بإذن اللَّه أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من علُ\n_________\n(^١) إسناده منطقع؛ فإن خيثمة لم يسمع من ابن مسعود -﵁- انظر المراسيل لابن أبي حاتم (٥٤)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦١) رقم (٥٧)، وابن المبارك في الزهد برقم (١٢٩)، ويروى هذا الأثر مرفوعا ولا يصح، انظر: الحلية لأبي نعيم (٣/ ٣٠٥) (٧/ ٢٠٨)، العلو للذهبي رقم (٨٩)، إثبات صفة العلو للمقدسي (١٠١)، وأطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٣٢٤).\n(^٢) إسناده حسن، الحميري صدوق التقريب (٢٤٣٠)، الفرج بعد الشدة (٨٣) رقم (٥٦).\n(^٣) هو عبد اللَّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس، الخزرجي الأنصاري، الشاعر، أحد السابقين، شهد بدرا، واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها، استشهد بمؤتة في جمادى الأولى سنة (٨ هـ)، الإصابة (٤/ ٨٢)، التقريب (٣٣١٨).","vol":"1","page":495},{"text":"وأن أبا يحيى ويحيى كليهما ... له عمل في دينه متقبّل (^١)\n\n٤٠٠ - حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني قال: حدثني عبد اللَّه بن وهب، عن عبد الرحمن بن سلمان، عن ابن الهاد: \"أن امرأة ابن رواحة رأته على جارية له، فقالت له وهي تكلمه: وعلى فراشي أيضًا، فقام يجاحدها، فقالت له: فاقرأ القرآن؛ فإني أعلم أنك لا تقرأ القرآن وأنت جنب، فقال:\nشهدت بأن وعد اللَّه حق ... وأن النار مثوى الكافرينا\nوأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا\nوتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسوّمينا (^٢)\n_________\n(^١) إسناده لين، فيه أسامة بن زيد الليثي صدوق يهم التقريب (٣١٩)، وفيه كلام أشد من هذا انظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٨٤)، الإشراف (٢١٤) رقم (٢٤٠)، والعيال (٧٧٣) رقم (٥٧٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٣) رقم (٢٦٠٢٤)، والذهبي في السير (١/ ٢٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٣)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو (١٤٦) رقم (٥٣).\n(^٢) إسناده حسن إلى ابن الهاد لكنه منقطع، عبد الرحمن بن سلمان هو الحجري المصري لا بأس به، التقريب (٣٩٠٧)، الإشراف (٢١٣ - ٢١٤) رقم (٢٣٩)، والعيال (٧٧٢) رقم (٥٧٢)، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ٩٠١) وقال: \"وقصته مع زوجته في حين وقع على أمته مشهورة رويناها من وجوه صحاح\"، وابن عساكر في تاريخه (٢٨/ ١١٢ - ١١٥)، والذهبي في السير (١/ ٢٣٨) من طريق آخر مرفوعا، وفي العلو (٤٩) رقم (٨٣)، وذكره في العرش (١/ ١٠٧) وقال: \"روي من وجوه صحاح مرسلة\"، والدارمي في الرد على الجهمية (٥٦) رقم (٨٢)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو (١٠٦) رقم (٢٣)، واليزيدي في أماليه (١٠٢)، والقيرواني في جمع الجواهر (٣٨)، والسبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٢٦٤)، وذكره الحازمي في كتاب الصفات (٥٠)، وأشار ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٢) إلى =","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات علو اللَّه على خلقه، واستوائه على عرشه، حيث تضمن أثر الوالي النميري بأن علو اللَّه في سمائه، غير قهره في ملكه، وهذا مهم في أن العلو الذي كان يقصده السلف وفهموه من النصوص هو علو الذات، لا علو القهر والغلبة فقط كما يذهب إليه الأشاعرة، وأثر أبي السرايا حيث رفع رأسه إلى السماء وشهد أن كل معبود دون العرش باطل، فله أن اللَّه فوق عرشه في سمائه وعليائه، ومكوث الربيع بن خيثم عشرين سنة لا يتكلم بكلام لا يصعد، ثم الآثار التي تضمنت ذكر فوقية اللَّه كأثر ابن مسعود، كل ذلك يبيّن عقيدة السلف المشهورة عنهم من إثبات علو اللَّه على خلقه، علو ذات يليق بجلاله وكماله ﷾، قال ابن القيم: \"الآيات والأخبار الدالة على علو الرب تعالى على خلقه، وفوقيته، واستوائه على عرشه، قد قيل: إنها تقارب الألف، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم\" (^١)، بل إن ذلك أمر فطري مركوز في النفوس قال شيخ الإسلام: \"علو اللَّه على العرش معلوم بالفطرة الضرورية، وقد تواطأت عليه الآثار النبوية، واتفق\n_________\n= القصة وقال: \"ذكره ابن عبد البر وغير واحد من الأئمة\"، وصححه الألوسي في روح المعاني (٧/ ١١٤)، وضعفه الألباني في تحقيقه لشرح العقيدة الطحاوية (٢٨٢) رقم (٣٠٦) وتعقب قول ابن عبد البر بقوله: \"فيه نظر\".\n(^١) الصواعق المرسلة (١/ ٣٦٨).","vol":"1","page":497},{"text":"عليه خير البرية\" (^١)، ولكثرة نصوص علو اللَّه على خلقه اهتم العلماء بتنويعها وذكر كل دليل تحت نوعه، قال ابن أبي العز الحنفي: \"النصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو اللَّه على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعا\" (^٢)، وقد أثبت السلف من صفة العلو والفوقية كل أنواعها ولم يقتصروا على نوع دون غيره، وقد نقل الإمام سعد بن علي الزنجاني في هذا الإجماع فقال: \"أجمع المسلمون على أن اللَّه هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٣)، وأن للَّه علو الغلبة، والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن للَّه علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة\" (^٤).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١١٠)، وانظر درء التعارض (٧/ ١٣٣).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (٢٨٥)، وانظر شرح نونية ابن القيم توضيح المقاصد (١/ ٣٩٧) فما بعدها.\n(^٣) سورة الأعلى، الآية (١).\n(^٤) اجتماع الجيوش الإسلامية (١١٨)، وانظر مختصر الصواعق (٢٠٥).","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول</span>.\n\n٤٠١ - دثنا يوسف، دثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^١)، قال: جاء اللَّه ﷿ وأهل السماوات، كل سماء صفًّا\" (^٢).\n\n٤٠٢ - دثنا حمزة، أدنا عبيد اللَّه بن عثمان، دثنا ابن المبارك، نا عوف، عن أبي المنهال سيار بن سلامة الرياحي، دثنا شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال: \"إذا كان يوم القيامة مدّت الأرض مدَّ الأديم، وحمع الخلائق بصعيد واحد، جنّهم وإنسهم بالضعف، فإذا كان ذلك، قيّضت هذه السماء الدنيا عن أهلها، فنضروا على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء الدنيا وحدهم أكثر من جميع أهل الأرض جنهم وإنسهم بالضعف، فإذا رآهم أهل الأرض فزعوا إليهم، ويقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا، ليس فينا، وهو آت، ثم تقبض السماء الثانية، وأهل السماء الثانية أكثر وحدهم من أهل هذه السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض بالضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزع إليه أهل الأرض، فيقولون لهم: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون: سبحان ربنا ليس فينا، وهو آت، ثم تقبض السماوات\n_________\n(^١) سورة الفجر، الآية (٢٢).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه جويبر ضعيف جدا التقريب (٩٩٤)، الأهوال (١٧٣) رقم (١٥٩)، وذكره السيوطي في الدر (٨/ ٥١١) لكن دون ذكر نزول الرب ﷿.","vol":"1","page":499},{"text":"سماء سماء، كلما قبضت سماء كانت أكثر من السماوات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بالضعف جنّهم وإنسهم، كلما نثروا على وجه الأرض، فزع إليهم أهل الأرض، ويقولون مثل ذلك ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقبض السماء السابعة، فلأهلها وحدهم أكثر من أهل ست سموات، وجميع أهل الأرض بالضعف، ويجيء اللَّه فيهم، والأمم جثيّ صفوف. . . \" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام التقريب (٢٨٤٦)، الأهوال (١٨٢ - ١٨٣) رقم (١٧٣)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ١٨٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ٩٥٩) نحوه وفيه عن شهر بن حوشب أنه حدثه قال إنه كان يقال ولم يضفه إلى ابن عباس -﵁-، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢/ ١٠٠١) رقم (١١٢٢)، وقال في المطالب العالية (٥/ ١٠٩): \"هذا موقوف إسناده حسن\"، وابن المبارك في الزهد (١٠١) رقم (٣٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٢)، وحسنه أيضًا السيوطي في الدر (٥/ ٣٥٤) ونسبه إلى الحارث بن أبي أسامة وابن جرير، قلت: لعل تحسين الحافظين لشواهده والمتابعات أي فهو حسن لغيره، فقد أخرجه الحاكم أيضًا في المستدرك (٤/ ٥٦٩) وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٣١٦ - ٣١٧)، من طريق علي بن زيد بن جدعان -وهو ضعيف، التقريب (٤٧٦٨) - عن يوسف بن مهران عن ابن عباس -﵁-، وقال الحاكم: \"رواة هذا الحديث عن آخرهم محتج بهم، غير علي بن زيد بن جدعان القرشي وهو وإن كان موقوفا على ابن عباس فإنه عجيب بمرة\"، وقال الذهبي: \"إسناده قوي\"، وقال ابن كثير في نهاية البداية (٢/ ٣٩ - ٤١): \"مداره على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف سياقاته غالبا فيها نكارة شديدة\"، قلت: ولم يظهر لي =","vol":"1","page":500},{"text":"٤٠٣ - دثني المثنى بن معاذ بن معاذ العنبري، دثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي قال: دثنا أبو نضرة، عن ابن عباس قال: \"ينادي منادي بين يدي الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، قال: فسمعها الأحياء والأموات، قال: وينزل اللَّه ﷿ إلى السماء الدنيا، فينادي منادي: لمن الملك اليوم؟ للَّه الواحد القهّار\" (^١).\n\n٤٠٤ - دثني حمزة، أدنا عبدان بن عثمان، ادنا ابن المبارك، أدنا جويبر، عن الضحاك قال: \"إذا كان يوم القيامة أمر اللَّه السماء الدنيا فتشقّقت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها، حتى يأمرهم الرب ﷿، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يؤمر أهل السماء التي تليها فينزلون فيكونون صفا في جوف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فينزل (^٢) الملك الأعلى في\n_________\n= فيها نكارة، فقد ورد ما يشهد لها، إضافة إلى عدم تفرد علي به واللَّه أعلم.\n(^١) إسناده صحيح، الأهوال (٦٢) رقم (٢٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١/ ١٧٧) رقم (٢٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٢٤)، ونعيم بن حماد مختصرا في الفتن (٢/ ٦٣٣) رقم (١٧٦٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٧) وقال: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجها\" ووفقه الذهبي، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٢٤٨) رقم (٣٦٦)، وابن كثير في تفسيره (٤/ ٧٥) من طريق ابن أبي حاتم، وانظر الدر المنثور (١/ ٢٧٩).\n(^٢) في طبعة المباركفوري (٢١٤): \"فينزل\" وهو المناسب هنا، وفي طبعة مجدي السيد: \"فيقول\".","vol":"1","page":501},{"text":"بهائه وملكه، ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها فيندّون فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفا من الملائكة قياما، فذلك قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (^١)، والسلطان العذر، وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (^٢)، ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (^٣)، يعني بأرجائها ما تشقّق منها، فبينا هم كذلك إذ سمعوا الصوت فأقبلوا للحساب\" (^٤).\n\n٤٠٥ - قال عمار بن نصر، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا سعيد بن بشمير، دنا القاسم بن الوليد الهمداني، أن سعيد بن جبير حدثه، عن ابن عباس -﵁- قال: \"يحشر الجن والإنس إلى صُقْع (^٥) من الأرض، فيأخذون\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية (٣٢).\n(^٢) سورة الفجر، الآية (٢٢).\n(^٣) سورة الحاقة، الآية (١٦ - ١٧).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا، فيه جويبر وسيأتي (١٠٩١) لكن الأثر حسن من طريق أخرى ستأتي، الأهوال (١٧٣ - ١٧٤) رقم (١٦٠)، وابن المبارك في الزهد (١٠٣) رقم (٣٥٤)، والطبري في تفسيره (٢٤/ ٦١) و(٢٧/ ١٣٧) و(٢٩/ ٥٧) و(٣٠/ ١٧٦)، بإسناد حسن فيه الأجلح وهو صدوق، التقريب (٢٨٧)، وذكره مختصرا ابن رجب في التخويف من النار (٨٦).\n(^٥) الصُّقع من الأرض -بالضم- هو الناحية منها، مختار الصحاح (٣٧٥).","vol":"1","page":502},{"text":"مقامهم منها، ثم ينزل اللَّه سبطا (^١) من الملائكة، فيطيفون بالجن والإنس، أي يحدّقون بهم، ثم ينزل سبطا من الملائكة يطيفون بالملائكة، وبالجن والإنس، ثم ينزل سبطا ثالثا، ورابعا، وخامسا، وسادسا، وينزل اللَّه تعالى في السبط السابع مجنبتاه (^٢) جهنم، فإذا رأوه الخلائق، فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ (^٣)، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ (^٤) \" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثرا ابن عباس -﵁- والضحاك إثبات النزول والمجيء للَّه -﷿-، والآية التي فسرها الضحاك من أقوى الأدلة على إثبات هذه الصفة، قال الإمام القصاب ﵀: \"هي حجة خانقة لهم، شديدة عليهم\" (^٦)، وقد أوضح ابن القيم وجه ذلك في معرض بيان أوجه إثبات صفة النزول\n_________\n(^١) السبط يأتي بمعنى الأمة من الأمم، لسان العرب (٧/ ٣٠٨).\n(^٢) في الأصل: مجتنباه، وفي طبعة المباركفوري: \"مجنبتاه\" -كما أثبته- وهو الأليق.\n(^٣) سورة الصافات، الآيات (٢٤ - ٢٦).\n(^٤) سورة الرحمن، آية (٣٣).\n(^٥) إسناده ضعيف، فيه سعيد بن بشير وهو الشامى وسيأتي (١٠١٢)، الأهوال (١٧٩) رقم (١٧٠).\n(^٦) نكت البيان (٣/ ٥٠٤).","vol":"1","page":503},{"text":"فقال: \"الإتيان والمجيء من اللَّه نوعان: مطلق ومقيد، فإذا كان مجيء رحمته أو عذابه كان مقيدا. . .\nالنوع الثاني: المجيء والاتيان المطلق كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^١)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (^٢) وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه.\nهذا إذا كان مطلقا فكيف إذا قيّد بما يجعله صريحا في مجيئه نفسه كقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (^٣)، فعطف مجيئه على مجيء الملائكة ثم عطف مجيء آياته على مجيئه\" (^٤)، ولذلك فإن سياق الآثار الأخرى عن ابن عباس -﵁- لا يحتمل بأي وجه تأويل الصفة؛ فإن سؤال أهل الأرض لأهل كل سماء: أفيكم ربنا؟ وجوابهم بأنه ليس فينا، وهو آت، هكذا سماءً سماءً حتى السابعة: \"يجيء اللَّه فيهم\"، قال ابن القيم: \"دلّ القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى يماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها\n_________\n(^١) سورة الفجر، الآية (٢٢).\n(^٢) سورة البقرة، من الآية (٢١٠).\n(^٣) سورة الأنعام، من الآية (١٥٨).\n(^٤) مختصر الصواعق (٢٢٧).","vol":"1","page":504},{"text":"بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين؛ فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له\" (^١).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٣٨٩).","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المبحث السادس: الآثار الواردة في اليد</span>.\n\n٤٠٦ - دثنا عبيد بن عمر، دثنا معاذ بن هشام، دثنا أبي، عن قتادة، قال: دثنا النضر بن أنس، عن ربيعة الجرشي (^١) أنه قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^٢)، قال: ويده الأخرى خلو، ليس فيها شيء\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر ربيعة الجرشي إثبات صفة اليدين للَّه تعالى، وأن له يدين سبحانه إحداهما يقبض ويطوي بها، وأن إحديهما خلو ليس فيها شيء، وهذه الأفعال وغيرهما المضافة إلى اليد أو اليدين، تفيد أنهما صفتان للَّه -﷿- مضافتان إليه إضافة صفة إلى موصوف، قال ابن القيم: \"إن اقتران لفظ الطيّ والقبض والإمساك، باليد يصير المجموع حقيقة، هذا في الفعل، وهذا في الصفة، بخلاف اليد المجازية؛ فإنها إذا أفردت لم يقترن بها ما يدل على\n_________\n(^١) هو ربيعة بن عمرو، ويقال: ابن الحارث الدمشقي، وهو ربيعة بن الغاز، أبو الغاز الجُرشي، مختلف في صحبته، قتل يوم مرج راهط، وكان فقيها، وثقه الدارقطني وغيره، التقريب (١٩١٥).\n(^٢) سورة الزمر، من الآية (٦٧).\n(^٣) إسناده حسن؛ معاذ بن هشام صدوق ربما وهم التقريب (٦٧٨٩)، الأهوال (٢١٤) رقم (٢٠٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٢٥)، وعبد اللَّه في السنة (١/ ٥٠١) رقم (١١٥٧)، وصحح إسناده ابن حجر في الإصابة (١/ ٥١٠).","vol":"1","page":506},{"text":"اليد حقيقة، بل ما يدل على المجاز، كقولهم: له عندي يد وأنا تحت يدهم ونحو ذلك، وأما إذا قيل: قبض بيده، وأمسك بيده، أو قبض بإحدى يديه كذا، وبالأخرى كذا، وجلس عن يمينه، أو كتب كذا، وعمله بيمينه، أو بيديه، فهذا لا يكون إلا حقيقة \" (^١).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٣٢٣)، وانظر تأويل مختلف الحديث (٢٤٥ - ٢٤٧)، وراجع المجموع (١٧/ ٩٢) فما بعدها، في تفضيل اليمنى على الأخرى ووجه ذلك.","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>المبحث السابع: الآثار الواردة في الساق</span>.\n\n٤٠٧ - دثنا فضيل، دثنا سلام أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة (^١): \" ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^٢) قال: شدة يوم القيامة\" (^٣).\n\n٤٠٨ - دثنا يوسف بن موسى، دثنا وكيع، دثنا أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"عن شِدَّة، ألم تسمع قول الشاعر:\nوقامت الحرب بنا على ساق\" (^٤).\n_________\n(^١) هو عكرمة أبو عبد اللَّه مولى ابن عباس، أصله بربري، ثمة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة، مات سنة (١٠٤ هـ) وقيل بعد ذلك، التقريب (٤٦٧٣).\n(^٢) سورة القلم: من الآية (٤٢).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ لأنه من طريق سماك عن عكرمة وسيأتي الكلام فيها (٦٠٩)، الأهوال (١٣٧) رقم (١١٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٤٢) نحوه من طريق أسامة بن زيد وهو الليثي به وهو صدوق يهم، التقريب (٣١٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٢٥٥) لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات.\n(^٤) إسناده لين؛ أسامة بن زيد صدوق يهم كما سبق قبل هذا، الأهوال (١٣٨) رقم (١١٨)، وابن جرير (٢٩/ ٣٨ - ٣٩، ٤٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٠) وقال: \"صحيح الإسناد\"، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٧٩)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٥٤) للفريابي وسعيد بن منصور وابن منده والبيهقي في الأسماء والصفات، وحسنه الحافظ في الفتح (٣/ ٤٢٨).","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان عن ابن عباس وعكرمة تفسير الساق الواردة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، بالشدة، وهو قول مشهور عنهما وقال به بعض السلف، ولم أجد في كتب ابن أبي الدنيا التي وقفت عليها إشارة إلى القول الآخر في تفسير هذه الآية، وهو قول أبي سعيد الخدري -﵁- وغيره من السلف، حيث فسروا الساق هنا بأنها ساق اللَّه، لكن الاختلاف هنا ليس من باب الاختلاف في إثبات الصفة ونفيها؛ إذ لا يوجد نزاع بين السلف في باب الأسماء والصفات، وإنما النزاع في دلالة الآية على الصفة أو على غيرها، قال ابن القيم: \"الصحابة متنازعون في تفسير الآية هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه، ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة للَّه؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه: \"فيكشف الرب عن ساقه، فيخرون له سجدا\"، ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، مطابق لقوله: \"فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا\"، وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال:","vol":"1","page":509},{"text":"يكشف عن ساق عظيمة، جلت عظمتها، وتعالى شأنها، أن يكون لها نظير، أو مثيل، أو شبيه\" (^١)، وهناك وجه آخر لإثبات الصفة من الآية فقط وهو ما ذكره شيخ الإسلام: \"قد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا للَّه، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه. . . لكن هذا الظاهر ليس ظاهرا من مجرد لفظ: ساق، بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود\" (^٢).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٢) نقض التأسيس مخطوط (٣/ ق ٨/ أ - ب) بواسطة منهج الخطابي في العقيدة (١٧٦)، وانظر إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المبحث الثامن: الآثار الواردة في النظر إلى اللَّه ورؤيته</span>.\nإن عقيدة رؤية المؤمنين لربهم -﷾- في الآخرة، وإيمانهم بأن ذلك واقع لا محالة، هي من أصول عقائد أهل السنة والجماعة، وخالص مذهب أهل الحديث والأثر، الذي تميزوا به عن سائر أهل البدع، وهي من أشرف المسائل وأجل المعارف، فهي غاية كل عابد، ومرام كل مجتهد، وأعظم نعيم في دار الخلد، كل نعيم دونهما، ولا لذة فوقها، ولا غرو أن مثل هذه المسائل يكون لها شأن كبير، فقد تواردت الأدلة المتنوعة على إثباتها، وانتصر السلف الصالح لتقريرها، قال اللَّه -﷿-: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^١)، وفي السنة الصحيحة أن النبي -ﷺ-: قال: \"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا\" (^٢)، وأجمع علماء السلف على القول بها؛ فإن أدلتها كما قال ابن بطة: \"من كتاب اللَّه تعالى، وسنة نبيه محمد -ﷺ-، وإجماع العلماء، وأئمة المسلمين، ولغات العرب\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية (٢٦).\n(^٢) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه (١٣/ ٤١٩ فتح) رقم (٧٤٣٤)، ومسلم برقم (٦٣٣).\n(^٣) الإبانة (٣/ ٧٠)، وانظر الرد على الجهمية للدارمي (١٢٢ - ١٢٣)، الاقتصاد في الاعتقاد لابن قدامة (١٢٥).","vol":"1","page":511},{"text":"وللسلف أقوال كثيرة في تقرير هذه العقيدة والاستدلال لها من الكتاب والسنة، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما سأذكره في عناصر بارزة، لبيان تنوعها وأنها أقسام تحت كل قسم جملة من الأدلة كلها تدل على إثبات هذا المعتقد العظيم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>أولا: الآثار الواردة في تفسير الزيادة بالنظر إلى اللَّه -﷿</span>-.\n\n٤٠٩ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البلخي، عن أبي بكر الصدّيق -﵁- قال: \"الزيادة النظر إلى وجه اللَّه تعالى\" (^١).\n\n٤١٠ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا أبو بكر الهذلي، أنا أبو تميمة الهجيمي قال: سمعت أبا موسى\n_________\n(^١) إسناده لين؛ مداره على أبي إسحاق وقد اختلط ورواية إسرائيل عنه بعد الاختلاط كما في المختلطين للعلائي (٩٤)، وعامر بن سعد مقبول، التقريب (٣١٠٧)، صفة الجنة (١٠٢) رقم (٣٣٧)، وذكر سنده إلى حذيفة وابن سابط، وعقبه بقوله: \"مثله\"، والدارمي في نقضه على المريسي (٢/ ٧١٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٠٦) رقم (٤٧٣ - ٤٧٤) وصحح الألباني وقفه، وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٤ - ١٠٥)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢/ ٢٠) رقم (٢٦٤) فما بعده، وإسحاق بن راهوية في مسند (٣/ ٧٩٣) رقم (١٤٢٤)، والدارقطني في رؤية اللَّه رقم (٢١٥)، والآجري في التصديق بالنظر إلى اللَّه رقم (٢٠)، والبيهقي في الاعتقاد (١٢٥)، وانظر فتح الباري (٨/ ٣٤٧)، وحاشية ابن القيم (١٣/ ٣٨)، ومشكل الحديث لابن الفورك (٤٢٩).","vol":"1","page":512},{"text":"الأشعري (^١) يخطب على منبر البصرة يقول: \"إن اللَّه -﷿- يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل أنجزكم اللَّه ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحليّ والحلل والثمار والأنهار والأزواج المطهرّة فيقولون: نعم، قد أنجزنا اللَّه ما وعدنا، ثم يقول الملك: هل أنجزكم اللَّه ما وعدكم ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئًا مما وعدوا فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء؛ إن اللَّه -﷿- يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٢)، ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم\" (^٣).\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن قيس بن سليم بن حَضَّار، أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أمَّرَه عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين، مات سنة (٥٠ هـ) وقيل بعدها، الإصابة (٤/ ٢١١)، التقريب (٣٥٤٢).\n(^٢) سورة يونس، الآية (٢٦).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، مداره على أبي بكر الهذلي، وهو أخباري متروك الحديث التقريب (٨٠٥٩)، والأثر عموما ثابت مشهور بين الصحابة والتابعين بل قيل فيه: إنه متواتر، صفة الجنة (٤٣ - ٤٤) رقم (٩٤)، و(٣٤٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤١٩)، وهناد في الزهد (١/ ١٣١) رقم (١٦٩)، والدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٩٥)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٥) وقال ابن حجر في تغليق التعليق (٤/ ٢٢٣): \"رواه بسند لا بأس به\"، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٩٤٥)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٥٦) رقم (٢٦٧)، والمحاملي في أماليه رقم (٤١٤)، والدارقطني في الرؤية رقم (٥٤ - ٥٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٠٨) رقم (٧٨٦)، وانظر تخريج الأحاديث والآثار (٢/ ١٢٥)، وانظر نظم المتناثر (٣٥٣)، كما أن للمناوي تعليقا جيدا عن فعل البيضاوي انظر لزاما =","vol":"1","page":513},{"text":"٤١١ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا سليمان بن المغيرة، ثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (^١) في قوله -﷿-: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ قال: قيل له: أرأيت قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: \"إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فأعطوا فيه ما أعطوا من الكرامة والنعيم، نودوا يا أهل الجنة إن اللَّه وعدكم الزيادة فيتجلّى لهم -﷿-، قال ابن أبي ليلى: فما ظنّك بهم حين ثقلت موازينهم، وحين صارت الصحف في أيمانهم، وحين جاوزوا جسر جهنم، ودخلوا الجنة، وأعطوا ما أعطوا من الكرامة والنعيم، كأن ذا لم يكن شيئًا رأوه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>ثانيا: الآثار الواردة في أن رؤية اللَّه أعظم نعيم في الجنة</span>.\n\n٤١٢ - ثنا علي بن الحسن، عن ثابت بن محمد العابد قال: سمعت سلمة العابد (^٣) يقول: \"لولا الجماعة (^٤) ما خرجت من بابي أبدا حتى أموت، وسمعته يقول: ما وجد المطيعون للَّه -﷿- لذّة في الدنيا أحلى من\n_________\n= الفتح السماوي (٢/ ٧١٣).\n(^١) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم سنة (٨٣ هـ) قيل إنه غرق، التقريب (٣٩٩٣).\n(^٢) إسناده صحيح، صفة الجنة (٤٤) رقم (٩٥)، ورقم (٣٣٢ - ٣٣٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٨٢)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٦)، والدارقطني في الرؤية رقم (٢٣٣)، ومختصرا الدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٩٢) وغيره.\n(^٣) لم أعرفه.\n(^٤) يعني الصلاة في جماعة.","vol":"1","page":514},{"text":"الخلوة بمناجاة سيّدهم، ولا أحب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكثر في صدورهم وألذّ في قلوبهم من النظر إليه، قال: ثم غشي عليه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>ثالثا: الآثار الواردة في زيارة المؤمنين ربهم يوم الجمعة</span>.\n\n٤١٣ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة (^٢) قال: \"إن أهل الجنة لا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يُمْنون، إنما نعيمهم الذي هم فيه: مسك يتحدّر من جلودهم كالجُمَان (^٣)، وعلى ألوانهم كُثْبَان (^٤) من مسك، يزورون اللَّه -﷿- في الجمعة مرتين، فيجلسون على كراس من ذهب، مكللة باللؤلؤ والزبرجد، ينظرون إلى اللَّه -﷿- وينظر إليهم فإذا قاموا انقلب أحدهم إلى الغرفة من غرفة لها سبعون بابا مكللة باللؤلؤ والياقوت\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناده حسن، ثابت العابد صدوق زاهد يخطئ في أحاديث، التقريب (٨٣٧)، العزلة والانفراد (١٨٥ - ١٨٦) رقم (١٨٥)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨).\n(^٢) هو صُدَيّ بن عجلان، أبو أمامة الباهلي، صحابي مشهور، سكن الشام، ومات بها سنة (٨٦ هـ)، الإصابة (٣/ ٤٢٠)، التقريب (٢٩٢٣).\n(^٣) الجُمَانَةُ حبة تعمل من الفضة كالدُّرة وجمعه جُمَانٌ، مختار الصحاح (١١٩).\n(^٤) جمع الكثيب التل من الرمل، القاموس المحيط (١/ ١٦٥).\n(^٥) إسناده ضعيف؛ فيه علي بن يزيد وهو الألهاني ضعيف التقريب (٤٨٥١)، صفة الجنة (٤٥) رقم (٩٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٨) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا\".","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>رابعا: الآثار الواردة في تجلي اللَّه -﷿- لعباده</span>.\n\n٤١٤ - حدثني عمار بن نصر المروزي، ثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أنس بن مالك: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (^١) قال: \"يتجلى لهم كل جمعة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>خامسا: الآثار الواردة في بروز اللَّه -﷿- لعباده</span>.\n\n٤١٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا يحيى بن كثير، ثنا المسعودي،\n_________\n(^١) سورة ق، الآية (٣٥).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ مداره على أبي اليقظان وهو عثمان بن عمير ضعيف واختلط التقريب (٤٥٣٩)، ويحيى بن يمان صدوق كثير الخطأ كما سيأتي (١٠٥٧)، والأثر حسن بطرقه الكثيرة انظر في ذلك بحثا مفصلا في طرقه وشواهده مما قد لا يوجد في غيره في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠١ - ٤١٥)، صفة الجنة (٤٣) رقم (٩٣)، والدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٩٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٤٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٩) رقم (٨١٣) عن يحيى به، وابن أبي حاتم في تفسيره - جمع المحقق نقلا عن ابن كثير (١٠/ ٣٣١٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٦/ ١٧٣)، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١١٢): \"رواه البزار وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف\"، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٢٩) ونسبه لابن أبي حاتم والبزار والشافعي في مسنده مرفوعا مطولا ثم قال: \"وله طرق عن أنس بن مالك ﵁، وقد أورد بن جرير هذا الحديث من رواية عثمان بن عمير عن أنس ﵁ بأبسط من هذا، وذكر هاهنا أثرا مطولا عن أنس بن مالك ﵁ موقوفا وفيه غرائب كثيرة\"، وانظر العلل للرازي (٢/ ٨٦)، انظر تخريج الرد على الجهمية برقم (١٤٥) فقد حسن المرفوع بطرقه.","vol":"1","page":516},{"text":"عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه قال: \"سارعوا إلى الجمعة، فإن اللَّه -﷿- يبرز أهل الجنة في كل جمعة إلى كثيب من كافور أبيض، فيكونون في القرب منه على قدر تسارعهم إلى الجمعات في الدنيا، فيحدث لهم من الكرامة ما لم يكن قبل ذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>سادسا: الآثار الواردة في الفرق بين نظر المؤمنين لربهم ونضارة وجوههم</span>.\n\n٤١٦ - حدثني أزهر بن مروان، ثنا عبد اللَّه بن عرادة الشيباني، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن صيفي اليماني قال: سألت عبد العزيز ابن مروان (^٢) عن وفد أهل الجنة قال: \"إنهم يفدون إلى اللَّه -﷿- في كل يوم\n_________\n(^١) إسناده منقطع؛ لعدم سماع أبي عبيدة من أبيه عبد اللَّه بن مسعود -﵁- كما سيأتي (٥٥١)، صفة الجنة (٤٣) رقم (٩٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٣٦)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١/ ٢) رقم (٤٧٦)، والدراقطني في رؤية اللَّه رقم (١٨٠ - ١٨١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٨) رقم (٩١٦٩) وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٧٨): \"وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه\"، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٢٩٠) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، وأبو عبيدة اسمه عامر، ولم يسمع من أبيه عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وقيل سمع منه\"، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٣)، وانظر (٦/ ٤٠٥) لبيان أن له حكم الرفع وليس من الإسرائيليات.\n(^٢) هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو الأصبَغ أخو الخليفة عبد الملك، وهو والد عمر، أَمَّره أبوه على مصر، فأقام بها أكثر من عشرين سنة، وكان صدوقا، مات بعد الثمانين، التقريب (٤١٢١).","vol":"1","page":517},{"text":"خميس فيوضع لهم أسرّة، كل إنسان منهم أعرف بسريره منك بسريرك هذا الذي أنت عليه -قال: وأقسم صيفي على ذلك-، فإذا قعدوا عليه وأخذ القوم مجالسهم قال ﵎: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي أطعموهم، قال: فيؤتون بطير بيض أمثال البُخْت (^١)، فيأكلون منها ما شاءوا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا، اسقوهم، فيؤتون بآنية من ألوان شيء مختّمة فيسقون منها، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا فكِّهوهم، فتجيء ثمرات شجر مدلّى فيأكلون منها ما شاءوا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا اكسوهم، فتجيء ثمرات شجر أصفر وأخضر وأحمر وكل لون، لم تنبت إلا الحلل -وأقسم صيفي ما أنبتت غيرها- فتنشر عليهم حُلَلًا وقُمُصًا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا وكسوا وطيبوا، لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ، فإذا تجلى لهم -﷿- فنظروا إليه نضرت وجوههم، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فيقول أزواجهم: خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها، فيقولون: ذلك أن اللَّه -﷿- تجلى لنا فنظرنا إليه فنضرت وجوهنا\" (^٢).\n_________\n(^١) هي الإبل الخراسانية، تاج العروس (١/ ١٠٥٠).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه عبد اللَّه بن عرادة الشيباني وهو ضعيف التقريب (٣٧٩٨)، صفة الجنة (١٠٠) رقم (٣٣١)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٥ =","vol":"1","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>سابعا: الآثار الواردة في كون رؤية اللَّه جزاءا لأعمال معينة</span>.\n\n٤١٧ - حدثني محمد قال: حدثني شعيب بن محرز قال: حدثني صالح المرّي قال: بلغني عن كعب أنه كان يقول: \"من بكى خوفا من ذنب غُفر له، ومن بكى اشتياقا إلى اللَّه أباحه النظر إليه -﵎- يراه متى يشاء\" (^١).\n\n٤١٨ - حدثني محمد قال: حدثني مالك بن ضيغم قال: سمعت بكر ابن مصاد يقول: سمعت عبد الواحد بن زيد قال: \"يا إخوتاه ألا تبكون شوقا إلى اللَّه؟ ألا إنه من بكى شوقا إلى سيّده لم يحرمه النظر إليه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>ثامنا: الآثار الواردة في يقين السلف بهذه العقيدة</span>.\n\n٤١٩ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي، حدثني أم سعيد بن علقمة النخعي وكانت أمه طائية قالت: \"كانت بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، قالت: فكنت أحسه عامة الليل لا يهدأ، قالت: وربما سمعته يقول في جوف الليل: اللهم همّك عطل عليّ الهموم،\n_________\n= - ٣٠٦) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا\"، وابن القيم في حادي الأرواح من طريق المصنف (١٨٧).\n(^١) إسناده ضعيف، فيه صالح المري وقد سبق (١٧٤)، وفيه انقطاع لأنه بلاغ، الرقة والبكاء (٤٩) رقم (٢٠)، وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٢/ ٢٠٠).\n(^٢) إسناده لين، بكر بن مصاد لم أجده ولعله بكر بن مضر التقريب (٧٥١)، الرقة والبكاء (٥١) رقم (٢٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٣٢٢)، وابن رجب في التخويف من النار (١/ ٤٢).","vol":"1","page":519},{"text":"وخالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني الشهوات، ومنع مني اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطرّح، قالت: وربما ترنم (^١) في السحر بالشيء من القرآن، فارى أن جميع نعيم الدنيا في ترنّمه، وقالت: وكان يكون في الدار وحده، وكأنه لا يصبح فيها\" (^٢).\n\n٤٢٠ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه قال: \". . . كنت أرى ورّادا العجلي (^٣) يأتي المسجد مقنّع الرأس، يعتزل ناحية، فلا يزال مصليا وداعيا وباكيا كم شاء اللَّه من النهار، ثم يخرج، ثم يعود فيصلي الظهر، فهو كذلك بين صلاة ودعاء وبكاء حتى يصلي العشاء، ثم يخرج لا يكلم أحدا، ولا يجلس، فسألت عنه رجلا من حيّه، ووصفته له، قلت: شاب من صفته، من هيئته، قال: بخ يا أبا عمر، تدري عمن تسأل؟ ذاك ورّاد العجلي الذي عاهد اللَّه أن لا يضحك حتى ينظر إلى وجه رب العالمين، قال\n_________\n(^١) أي رجع بصوته، مختار الصحاح (٢٦٧).\n(^٢) إسناده لين؛ أم سعيد لم أجد لها ترجمة وقد كان ابنها من نساك النخع كما في الحلية الموضع الآتي، الهم والحزن (٩١) رقم (١٤٧)، التهجد رقم (١٧٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٥٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٣٥١)، وذكره ابن رجب في شرح حديث لبيك (٩٩)، وفي جامع العلوم والحكم (١/ ٣٦٦)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٤١).\n(^٣) لم أجد له ترجمة.","vol":"1","page":520},{"text":"أبي: فكنت إذا رأيته بعد هبته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>تاسعا: الآثار الواردة في الحجب، واحتجابه تعالى عن الكفار</span>.\n\n٤٢١ - حدثنا محمد بن الحسين، أخبرني شعيث بن محرز الأسدي أو الأودي (^٢)، حدثنا الهيثم بن جماز البكاء (^٣)، قال: قال حبيب أبو محمد ليزيد الرقاشي كلاما بالفارسية معناه: \"بأي شيء تقر عيون العابدين في الدنيا؟ وبأي شيء تقرُّ عيونهم في الآخرة؟ قال له يزيد: يا أبا محمد أما الذي تقر به عيونهم في الدنيا فما أعلم شيئًا لعيون العابدين في دار الدنيا من التهجد في ظلم الليل، وأما الذي تقر عيونهم به في الآخرة فما أعلم شيئًا من نعيم الجنة وخيرها وسرورها ألذ عند العابدين ولا أقر لعيونهم من النظر إلى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم، قال: فصاح عند ذلك صيحة خر مغشيا عليه\" (^٤).\n\n٤٢٢ - حدثنا يعقوب بن إسحاق قال: سمعت نعيم بن حماد قال:\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما سبق (١٧٤)، الرقة والبكاء (١٩٢) رقم (٢٦٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٦١)، وابن قدامة في الرقة والبكاء (٣٠٤).\n(^٢) أبو محمد البصري، قال فيه أبو حاتم: \"شيخ\"، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: \"مستقيم الحديث\" مات سنة (٢٣٠ هـ)، انظر الجرح والتعديل (٤/ ٣٨٦)، الثقات (٨/ ٣١٥).\n(^٣) الحنفي البصري، منكر الحديث، انظر الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ١٧٨).\n(^٤) إسناده ضعيف، فيه ابن جماز البكاء، التهجد (٣٩٧ - ٣٩٨) رقم (٣٥٠)، ورقم (٢٩) مختصرا دون محل الشاهد، والمروزي في قيام الليل (المختصر ص ٥٤)، والإشبيلي في كتاب التهجد (٢٣٥) رقم (١١٩٧).","vol":"1","page":521},{"text":"سمعت ابن المبارك (^١) قال: \"ما حجب اللَّه -﷿- أحدا عنه إلا عذّبه، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (^٢) قال: بالرؤية\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابق ذكرها إثبات عقيدة السلف في رؤية اللَّه تعالى يوم القيامة، فقد ورد عنهم تفسير الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ بأن الزيادة هي النظر إلى وجه اللَّه تعالى، وهذا التفسير أخذوه عن رسول اللَّه -ﷺ- كما قال البيهقي ﵀: \"فسر رسول اللَّه -ﷺ- المبين عن اللَّه -﷿-، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه، والتابعين\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن المبارك المروزي، مولى بني حنظة، ثقة ثبت، فقيه عالم، جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، مات سنة (١٨١ هـ) وله ثلاث وستون، التقريب (٣٥٧٠).\n(^٢) سورة المطففين، الآيات (١٥ - ١٧).\n(^٣) إسناده حسن؛ فإن نعيم بن حماد وإن كان صدوقا يخطئ كثيرا، فقد قال ابن حجر: \"وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال: باقي حديثه مستقيم\" التقريب (٧٢١٥)، قلت: لا سيما وأنه وصف بأنه كان شديدا على الجهمية كما في السير (١٠/ ٥٩٩)، فهذا يفيد اعتناؤه بمثل هذا الأثر عن مثل هذا الإمام واللَّه أعلم، صفة الجنة (١٠٢) رقم (٣٤٠)، ومن طريقه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥) رقم (٨٩٤)، وابن شاهين الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة رقم (٢٥)، وذكره قوام السنة في الحجة (٢/ ٢٤٩)، وابن القيم في حادي الأرواح (٢٣٥).","vol":"1","page":522},{"text":"الذين أخذوا عن الصحابة: أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه اللَّه ﵎، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية اللَّه ﷿ في الآخرة بالأبصار\" (^١).\nكما تضمنت الآثار بيان أن أعظم نعيم أهل الجنة هو رؤيتهم لربهم -﷿- وأن كل نعيم دونه، فقد بين ابن أبي ليلى أن كل نعيم بل وكل أهوال القيامة بعد تجلي اللَّه لهم كان كل ذلك لم يكن شيئًا، وكذلك سلمة العباد بين أن ألذ نعيم وأكثره هو النظر إلى اللَّه، وهي مسألة أنكرها بعض من أثبت رؤية الرب تعالى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤية ربه. . . وأكثر مثبتي الرؤية يقرون بتنعم المؤمنين برؤية ربهم، وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها ومشايخ الطريق كما جاء في الحديث: \"وأسألك لذة النظر إلى وجهك\" (^٢)، وذكر الإمام القصاب ﵀ في بيان الرد على من استدل بقوله تعالى: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بأنها منتظرة، بأن ذلك ليس بخلاف لما دلّ عليه القرآن من إثبات الرؤية وقال: \"إذ لا ثواب أجل من انتظاره رؤية\n_________\n(^١) الاعتقاد (١٢٣)، ثم توسع في ذكر طرق تلك الأحاديث والآثار ﵀، وانظر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٠٢ - ٥١٣)، والشريعة للآجري (٢/ ٩٨١) فقد ذكرا مثل قول البيهقي، وكذا ابن فورك في مشكل الحديث (٢٢٢).\n(^٢) الاستقامة (٢/ ٩٧ - ٩٩).","vol":"1","page":523},{"text":"الرب سبحانه؛ لأنه غاية الطالبين، وأمتع تمتع المتمتعين\" (^١).\nكما أن الآثار التي وردت في بروز اللَّه وتجليه لعباده وزيارتهم له وازدياد حسنهم هي من الآثار الدالة على الرؤية، وهذه الآثار هي فيما يحصل يوم الجمعة للمؤمنين من الكرامة والنعيم، فقد ورد ذكر الزيارة والتجلى والرؤية وسوق الجنة، وفي بعضها كلام، كما أنها وردت بصيغ مختلفة بعضها مختصر وبعضها اشتمل على زيادات مختلفة في بيان سبب ازدياد حسن وجوه أهل الجنة هل هو الرؤية أم الريح، وكل لا يقدح في الاستدلال بها على ما تضمنته من الرؤية والكرامة؛ لأن تلك الزيادات تكون بمنزلة أخبار مستقلة لكل خبر دلالة زائدة على ما في غيره؛ لأن هذا من باب الأخبار وليس من باب الأحكام (^٢)، قال شيخ الإسلام: \"وهذا الذي أخبر به ابن مسعود (^٣) أمر لا يعرفه إلا نبي أو من أخذ عن نبي\"، فما يحدث يوم الجمعة في الجنة أشياء كثير منها بروز اللَّه لعباده وتجليه لهم ورؤيتهم له وازدياد حسنهم بسبب ذلك أو بعضه (^٤).\nومن ذلك ما ورد عن بعض السلف من جعل رؤية اللَّه هي جزاء لبعض الأعمال كالبكاء من خشيته سبحانه، وما ورد عن بعضهم الآخر\n_________\n(^١) نكت القرآن (٢٠٦/ أ - ب).\n(^٢) انظر المجموع (٦/ ٤٠٧ - ٤٠٨).\n(^٣) أي بروز اللَّه يوم الجمعة كما سبق، ثم بيّن أنه مما لم يؤخذ عن أهل الكتاب من وجوه كثيرة فراجعها.\n(^٤) انظر المجموع (٦/ ٤٠٩).","vol":"1","page":524},{"text":"من كونه امتنع من الضحك أو من المعاصي لما يؤمله من رؤية اللَّه تعالى، يؤكد أن هذه العقيدة كانت راسخة في نفوسهم لا يداخلهم فيها أدنى شك.\nوبعد هذا كله فإن من عقيدتهم المتعلقة برؤية اللَّه ما ورد عنهم في ذكر الحجب التي احتجب اللَّه بها عن خلقه، واحتجابه عن الكفار يوم القيامة لأعظم دليل على رؤية المؤمنين له ﷾، قال الشافعي ﵀: \"لما حجبهم في السخط، كان هذا دليلا على أنهم يرونه في الرضا\"، وهذا من أدل الأدلة وأبينها على المسألة كما قال القصّاب وأبو المظفر السمعاني رحمهم اللَّه تعالى (^١)، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للشافعي (١/ ٤٠)، الاعتقاد للبيهقي (١٣١)، والنكت للقصاب مخطوط (٢١٠ أ)، وتفسير السمعاني (٦/ ١٨١).","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المبحث التاسع: الآثار الواردة في المكر</span>.\n\n٤٢٣ - حدثني الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد بن كناسة قال: سمعت ابن ذر يقول: \"أيها الناس أحلوا. . . اللَّه -﷿- بالتوبة عما لا يحل؛ فإن اللَّه -﷿- لا يؤمن إذا عصي\" (^١).\n\n٤٢٤ - أخبرنا الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد كناسة قال: سمعت عمر بن ذر يقول: \"آنسك جانب حلمه فتوثبت على معاصيه، أفأسفه تريد؟ أما سمعته يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان أن الاستمرار على المعصية، والاسترسال فيها، لا يؤمن على صاحبه من العقوبة، فإن المعاصي تورث غضب الرب، وإذا غضب ﷾ لم يؤمن انتقامه، وهذا من أنواع المكر الذي\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف سبق (٢٤٥)، وابن كناسة صدوق التقريب (٦٠٦٥)، العقوبات (٥٩) رقم (٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٤٨) رقم (٧٢٢٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٢٣)، جميعهم من طريق المصنف.\n(^٢) سورة الزخرف، آية (٥٥).\n(^٣) إسناده كسابقه، العقوبات (٥٩) رقم (٧٢)، وأعاده بسند آخر ولفظ آخر برقم (٩٨)، من خلال مصادر تخريج الأثر السابق تبين لي أنهما أثر واحد جاء مفرقا هنا واللَّه أعلم، حيث رواه أبو نعيم بسياق واحد مبتدئا بهذا الأثر ثم الذي قبله.","vol":"1","page":526},{"text":"يضاف إلى اللَّه ويخافه أولياؤه وعباده المتقون، قال ابن القيم: \"أما خوف أوليائه من مكره فحق؛ فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم، فيصيرون إلى الشقاء، فخوفهم من ذنوبهم، ورجاؤهم لرحمته، وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ (^١) إنما هو في حق الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يعصي ويأمن مقابلة اللَّه له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون، والذي يخافه العارفون باللَّه من مكره: أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال، فيحصل منهم نوع اغترار، فيأنسوا بالذنوب، فيجيئهم العذاب على غرة وفترة، وأمر آخر وهو: أن يغفلوا عنه، وينسوا ذكره، فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته، فيسرع إليهم البلاء والفتنة، فيكون مكره بهم تخليه عنهم، وأمر آخر: أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون، وأمر آخر: أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به وذلك مكر\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة الأعراف، من الآية (٩٩).\n(^٢) الفوائد (١٦٣).","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المبحث العاشر: الآثار الواردة في الاستهزاء</span>.\n\n٤٢٥ - حدثني حمزة بن العباس قال: حدثنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح (^١) في قول اللَّه جلّ وعزَّ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (^٢) قال: \"يقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، ويفتح لهم أبواب، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليه على الأرائك (^٣) فإذا انتهوا إلى أبوابها غلِّقت دوهم، فذلك قول اللَّه -﷿- ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ويضحك (^٤) منهم المؤمنون حين غلقت دونهم، فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) أبو صالح هو باذام مولى أم هانئ؛ إذ لم يذكر سواه في شيوخ الكلبي في ترجمته من تهذيب الكمال، وقد ذكر الكلبي في الرواة عن أبي صالح باذام في ترجمته من تذهيب الكمال، أما أبو صالح ذكوان السمان -الذي استظهر المحقق محمد خير أنه هو- فلم يرد في كلا الترجمتين وإن كانا في نفس الطبقة واللَّه أعلم.\n(^٢) سورة البقرة، بعض الآية (١٥).\n(^٣) كلمة مطموسة لعلها (الأرائك) كما قال المحقق، وهي كذلك في مصادر التخريج، وهو جمع أريكة وهي سرير منجد مزين في قبة أو بيت، مختار الصحاح (١٤).\n(^٤) كلمة مطموسة لعلها (ويضحك) كما قال المحقق، وهي كذلك في مصادر التخريج.\n(^٥) سورة المطففين، الآيات (٣٤ - ٣٦).\n(^٦) إسناده ضعيف جدًا؛ فيه الكلبي وهو محمد بن السائب وسيأتي (٧٥٩)، صفة النار (١٥٨ - ١٥٧) رقم (٢٥٤)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٧٩) لابن المنذر، وذكره =","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر أبي صالح تفسير استهزاء اللَّه بالكفار، وأنه يقع يوم القيامة لما يفتح للكفار باب فيهرعون إليه لكي يخرجوا من النار ثم يغلق عليهم، وهو مروي عن ابن عباس، وللآية تفسيرات أخرى لا تخرج عن مثل هذا معنى (^١)، كما سيأتي بعد هذا في الخداع، قال ابن جرير الطبري -﵀- بعدما نقل الأقوال في تفسير الاستهزاء: \"الصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزئ به من القول والفعل ما يرضيه، ويوافقه ظاهرا، وهو بذلك من قبله وفعله به مورثه مساءةً باطنا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر. . . إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل\" (^٢)، قال ابن كثير: \"المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن اللَّه -﷿- بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك\" (^٣).\n_________\n= القرطبي في تفسيره من طريق ابن المبارك (١٩/ ٢٦٨)، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير (٩/ ٦١)، والبغوي كذلك (١/ ٥٢).\n(^١) انظر التخريج السابق.\n(^٢) تفسير ابن جرير (١/ ١٣٣).\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ٥٣).","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في الخداع</span>.\n\n٤٢٦ - ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، دثنا أبي، أدنا ابن المبارك، أدنا صفوان بن عمرو قال: دثني سليم بن عامر قال: \"خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة فلما صلى على الجنازة، وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا (^١) منه إلى منزل آخر، وهو هذا يشير إلى القبر - بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق إلا ما وسع اللَّه، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فأيكم لفي بعض تلك المواطن إذا يغشى الناس أمر من أمر اللَّه، فتبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، ثم تنتقلون إلى منزل آخر، فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضربه اللَّه في كتابه فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (^٢)، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا\n_________\n(^١) تسيروا، مختار الصحاح (٤٠٧).\n(^٢) سورة النور، الآية (٤٠).","vol":"1","page":530},{"text":"نُورًا﴾ (^١)، وهي خدعة اللَّه التي خدع بها المنافقين، قال اللَّه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (^٢)، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم، وقد ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ (^٣) نصلى صلاتكم، ونغزو مغازيكم؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (^٤)، يقول سليم: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم الفور، ويميّز اللَّه بين المؤمن والمنافق\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر أبي أمامة إثبات صفة الخداع للَّه -﷿-، وتفسيرها بالنور\n_________\n(^١) سورة الحديد، من الآية (١٣).\n(^٢) سورة النساء، من الآية (١٤٢).\n(^٣) سورة الحديد، من الآية (١٤).\n(^٤) سورة الحديد، الآيتان (١٤ - ١٥).\n(^٥) إسناده صحيح، الأهوال (١٢٧ - ١٢٨) رقم (٩٩)، وابن المبارك في الزهد (١٠٨) رقم (٣٦٨)، وابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير في التفسير (٤/ ٣٠٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠٠) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٤١ - ٢٤٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٥٣) إلى جميعهم ما عدا المصنف.","vol":"1","page":531},{"text":"الذي يعطاه المؤمن يوم القيامة وطمع المنافق فيه، فيضرب بينهما بباب فينقطع النور عن المنافق ويبقى في الظلمة، جزاء وفاقا، قال ابن القيم: \"في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نارا ظاهرا، كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا، ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون إليه؛ إذ لم تكن له مادة باقية تحمله، ويبقون في الظلمة على الجسر، لا يستطيعون العبور؛ فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت، يصحبه حتى يقطع الجسر، فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ذهب اللَّه تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه، فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عندما يقسم\" (^١).\nوليس في إثبات هذه الصفة والتي قبلها على الوجه اللائق باللَّه أي محذور كما يتوهمه المعطلة، بسبب غلبة استعمالهما في المعاني المذمومة قال ابن القيم: \"لما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازا، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم، حسن من المجازي له أن يخدعه بحق وعدل، وكذلك إذا مكر واستهزأ\n_________\n(^١) اجتماع الجيوش الإسلامية (٣٣).","vol":"1","page":532},{"text":"ظالما متعديا كان المكر به والاستهزاء عدلا حسنا. . . والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم ولا من جهة القدرة؛ فإن العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم من جهة سوء القصد وفساد الإرادة، وهو أن الماكر المخادع يجور ويظلم بفعل ما ليس له فعله أو ترك ما يجب عليه فعله.\nإذا عرف ذلك فنقول: إن اللَّه تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسن. . . فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على اللَّه مطلقا، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد. . .\nوالمقصود أن اللَّه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق\" (^١).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة (٢٤٩ - ٢٥٠)، وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ١١١ - ١١٢) (٢٠/ ٤٦٩ - ٤٧١)، شرح العقيدة الواسطية للشيخ الفوزان (٦٥ - ٦٦).","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف</span>.\n\n٤٢٧ - حدثني محمد بن عمران الضبي قال: سمعت أبي يحكي قال فذكر قصة ثم ذكر قول سفيان: \"بلغني أن الأدب يطفئ غضب الرب\" (^١).\n\n٤٢٨ - حدثني محمد بن الحارث الخرّاز قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: \"إن اللَّه -﷿- إذا غضب على قوم سلّط عليهم صبياهم\" (^٢).\n\n٤٢٩ - حدثنا يعقوب بن هارون قال: حدثنا العوام بن حوشب قال: قال إبراهيم التيمي: \"إن اللَّه -﷿- عندما يريد أن يقيم الساعة أغضب ما يكون على خلقه، قال العوام: وقال الحسن: الزجرة من الغضب: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده حسن، عمران بن ذياد ذكر ابن ماكولا في الإكمال (٤/ ٢٠١) أنه إخباري، وتابعه ضمرة بن ربيعة عند أبي نعيم وهو صدوق وقد سبق (٣٨٧)، العيال (٤٨٦) رقم (٣١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٦٢).\n(^٢) إسناده لين، شيخ المصنف لم أقف له على ترجمة إلا عند الخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢٩٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، العقوبات (٦٠) رقم (٧٤).\n(^٣) سورة الصافات، آية (١٣).\n(^٤) إسناده صحيح، العقوبات (١٧٧) رقم (٢٦٦)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٤/ ٧٦٥) رقم (٣٧٨)، ووقع في سنده: \"يزيد بن هارون\" بدل: \"يعقوب ابن هارون\"، وهو الصواب والذي هنا خطأ أو تصحيف، كما أن يزيد بن هارون في طبقة شيوخ شيوخ ابن أبي الدنيا يروي عنه بواسطة كما مر في هذا البحث =","vol":"1","page":534},{"text":"٤٣٠ - أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت سفيان يقول في قول اللَّه -﷿- ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (^١) قال: أغضبونا\" (^٢).\n\n٤٣١ - أخبرنا الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد كناسة قال: سمعت عمر بن ذر يقول: \"آنسك جانب حلمه فتوثبت على معاصيه أفأسَفَه تريد؟ أما سمعته يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (^٣) \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات صفة الغضب اللَّه تعالى، وتفسير\n_________\n= مرارا، والظاهر أنه سقط من السند شيخ ابن أبي الدنيا وهو الحسين بن حسن المروزي وقد ورد عند أبي الشيخ.\n(^١) سورة الزخرف، من الآية (٥٥).\n(^٢) إسناده صحيح، فإن محمد بن يزيد بن خنيس مقبول كما في التقريب (٦٤٣٦)، لكن الصواب أنه ثقة؛ وثقه أبو حاتم والعجلي، انظر الجرح والتعديل (٨/ ١٢٧)، ومعرفة الثقات (٢/ ٢٥٧)، ولم ينقل توثيقهما الحافظ في التهذيب (٩/ ٤٦١)، وقال عنه ابن حبان في الثقات (٩/ ٦١): \"وكان من خيار الناس، ربما أخطا، يجب أن يعتبر حديثه إذا بين السماع في خبره، ولم يرو عنه إلا ثقة، فأما عبد اللَّه بن مسيب فعنده عنه عجائب كثيرة لا اعتبار بهما\" قلت: وقد بين سماعه وحدث عنه ثقة، العقوبات (٥٩ - ٦٠) رقم (٧٣)، والأثر في تفسير سفيان الثوري (٢٧٢).\n(^٣) سورة الزخرف، آية (٥٥).\n(^٤) سبق (٢٤٤) في مبحث المكر.","vol":"1","page":535},{"text":"الأسف الوارد في القرآن بالغضب، وهذا التفسير هو قول جمهور المفسرين (^١)، وهو قول أهل اللغة (^٢)، وذكر في تفسيرها أيضًا خالفونا وأسخطونا ومعانيها متقاربة كما قال العيني في عمدة القاري (^٣).\nوصفة الغضب من الصفات الفعلية كما يشير أثر التيمي في قيام الساعة وأنها تكون أغضب ما يكون اللَّه تعالى، وكما يشير أثر سفيان في كون الأدب يطفئ غضب الرب، وفي أثر سفيان بيان أثر هذه الصفة وهو العقوبة، وكما يشير تفسير الأسف بالغضب، وترتيب العقاب عليه بفاء التعقيب، كل هذا يفيد أن هذه الصفة تحصل في وقت دون آخر، وتكون في وقت أشد منها في غيره، وأنها ليست نفس العذاب، بل العذاب يترتب عليها، قال ابن القيم: \"عذابه مفعول منفصل، وهو ناشئ عن غضبه، ورحمته هاهنا هي الجنة، وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن، فههنا أربعة أمور: رحمة هي وصفه سبحانه، وثواب منفصل هو ناشئ عن رحمته، وغضب يقوم به سبحانه، وعقاب منفصل ينشأ عنه\" (^٤)، \"وقد فطر اللَّه عباده على قولهم: هذا الفعل يحبه اللَّه، وهذا يكرهه اللَّه ويبغضه، وفلان يفعل ما لا يحبه اللَّه، والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه، وذلك صفة قائمة به، ويترتب عليها العذاب واللعنة\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري (١١/ ١٩٨)، وابن كثير (٤/ ١١٧)، ومعاني القرآن للنحاس (٦/ ٣٧٢)، وتفسير السمعاني (٥/ ١١٠).\n(^٢) القاموس المحيط (٣/ ١٧٣)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٠٣)، ولسان العرب (١/ ١٤٢)، وغريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٦٢٦).\n(^٣) (١٩/ ١٥٨).\n(^٤) حادي الأرواح (٢٥٨).\n(^٥) مدارج السالكين (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في السخط</span>\n\n٤٣٢ - حدثني عبد العظيم بن عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم بن جشم -مولى عبد اللَّه بن عامر- قال: حدثني أبي قال: سمعت صالحا المري (^١) يقول: \"دخلت دار المورياني وهي خراب فقلت: يا دار ما فعل أهلك؟ فإذا أنا بمناد ينادي من أقصى الدار: قف يرحمك اللَّه يا صالح، هذا سخط مخلوق على مخلوق، فكيف سخط الخالق على المخلوق؟ لا إله إلا اللَّه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر صالح المري إثبات صفة السخط اللَّه تعالى، وهي الغضب نفسه (^٣)، لكن السخط هو أشد ما يكون من الغضب (^٤)، ونقل القرطبي عن الماوردي قوله: \"الفرق بينهما: أن السخط إظهار الكراهة، والغضب إرادة الانتقام\" (^٥)، وكما سبق في التعليق السابق أن الغضب والسخط صفة قائمة باللَّه تعالى، ويترتب عليها العذاب واللعنة.\n_________\n(^١) لعله: صالح بن بشير بن وادع المُرِّي، أبو بشر البصري، القاص الزاهد، ضعيف مات سنة (١٧٢ هـ) وقيل بعدها، التقريب (٢٨٤٥).\n(^٢) إسناده لين؛ فيه شيخ المصنف وأبوه لم أجد لهما ترجمة، الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان (٧٧) رقم (٦١)، والذي بعده، وفيه: \"فخرج عليّ أسود من ناحية الدار\"، وقصة المورياني مع المنصور انظرها في تاريخ الإسلام (١/ ١١٠٨).\n(^٣) انظر القاموس المحيط (٢/ ٥٣٦)، ومشكل الحديث (١/ ٤٨٥).\n(^٤) انظر التعاريف للمناوي (٤٠٠).\n(^٥) تفسير القرطبي (١٦/ ١٠١)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٥٠).","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في الغيرة</span>.\n\n٤٣٣ - حدثني محمد بن ناصح قال: حدثنا بقيّة بن الوليد، عن يزيد ابن عبد اللَّه الجهني قال: حدثني أبو العلاء، عن أنس بن مالك: \"أنّه دخل على عائشة ﵂ ورجل معه، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين، حدثينا عن الزلزلة، فقال: إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمر، وضربوا بالمغاني، وغار اللَّه -﷿- في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها عليهم، قال: قلت: يا أم المؤمنين، أعذاب لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين، ونكال وعذاب وسخط على الكافرين، قال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول اللَّه -ﷺ- أنا أشد فرحا مني بهذا الحديث\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر عائشة ﵂ إثبات صفة الغيرة للَّه تعالى، وأنه -﷿-\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه تدليس بقية بن الوليد وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء التقريب (٧٤١)، ويزيد الجهني يروي حديث شراء الثوب بعشرة دراهم من جرام، قال عنه ابن حجر في لسان الميزان (٦/ ٢٩٠): \"لا يصح خبره\"، العقوبات (٢٩) رقم (١٧)، ونعيم في الفتن (٢/ ٦٢٠)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥١٦) وقال: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\"، وتعقبه الذهبي بقوله: \"بل أحسبه موضوعا على أنس ونعيم منكر الحديث إلى الغاية مع أن البخاري روى عنه\"، وذكره ابن القيم عن المصنف في إغاثة اللهفان (١/ ٢٦٤)، والجواب الكافي (٢٩).","vol":"1","page":538},{"text":"يغير في سمائه، وأن غيرته بسبب ما يحدثه عباده من الفواحش من استباحة الزنا، وشرب الخمور، وضرب المغاني، وحينئذ ينزل عذابه وعقابه بالزلزلة تذكيرا لعباده ونكالا على أعدائه، وأصلها كراهة القبائح وبغضها (^١)، قال شيخ الإسلام: \"ثبت في الأحاديث الصحيحة (^٢) أن اللَّه يوصف بالغيرة وهي مشتقة من التغير\" (^٣) وقال ابن القيم: \"المغيرة من صفات الرب ﷻ\" (^٤) وقال: \"اللَّه ﷾ يغار على قلب عبده، أن يكون معطلا من حبة، وخوفه ورجائه، وأن يكون فيه غيره، فاللَّه ﷾ خلقه لنفسه، واختاره من بين خلقه. . . ويغار على لسانه أن يتعطل من ذكره، ويشتغل بذكر غيره، ويغار على جوارحه أن تتعطل من طاعته، وتشتغل بمعصيته. . . وإذا أراد اللَّه بعبده خيرا سلط على قلبه إذا أعرض عنه، واشتغل بحب غيره أنواع العذاب، حتى يرجع قلبه إليه، وإذا اشتغلت جوارحه بغير طاعته ابتلاها بأنواع البلاء، وهذا من غيرته ﷾ على عبده. . . ومن غيرته ﷾، غيرته على توحيده، ودينه وكلامه، أن يحظى به من ليس من أهله، بل حال بينهم وبينه غيرة عليه\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر الجواب الكافي (٤٤).\n(^٢) انظر مثلا صحيح البخاري رقم (٩٩٧)، ومسلم رقم (١٤٩٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٥٣).\n(^٤) روضة المحبين (٢٩٥).\n(^٥) روضة المحبين (٣٠٥).","vol":"1","page":539},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nعمادة البحث العلمي - رقم: (١٣٠)\n\nالآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة\nمن خلال كتب ابن أبي الدنيا «جمعًا ودراسة»\n\nتأليف\nالدكتور حميد بن أحمد نعيجات\n\n[الجزء الثاني]","vol":"2","page":null},{"text":"(ح) الجامعة الإسلامية ١٤٣١ هـ\nفهرس مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nنعيجات، حميد بن أحمد\nالآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا جمعًا ودراسة / حميد أحمد نعيجات. - المدينة المنورة، ١٤٣١ هـ.\n٣ مج.\nردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n\n٩ - ٦٢٩ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢)\n\n١ - ابن أبي الدنيا، عبد اللَّه بن محمد، ت ٢٨١\n\n٢ - العقيدة الإسلامية\nأ. العنوان\nديوي: ٢٤٠ ... ٤٠٢٠/ ١٤٣١\nرقم الإيداع: ٤٠٢٠/ ١٤٣١\nردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n\n٩ - ٦٢٩ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢)\n\nأصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.\n\nالآراء الواردة في هذا الكتاب تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجامعة\n\nجميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة","vol":"2","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"2","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الفصل الرابع: الآثار الواردة في القدر</span>.\nوفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن اللَّه (العدل الإلهي).\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر.","vol":"2","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>المبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه</span>.\n\n٤٣٤ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا مبشِّر بن إسماعيل الحلبي، حدثني فرات بن سلمان (^١) قال: كان يقال: إذا سُئلت فلا تَعِد، وقل: \"أَسْمَعُ ما تقول، فإن يُقَدَّر شيء يكن\" (^٢).\n\n٤٣٥ - حدثني المفضل بن غسان الغلابي، نا أبو مسهر، عن سعيد ابن عبد العزيز قال: قال شريح (^٣): \"ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان للَّه -﷿- فيها ثلاث نعم: ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وأنها لا بدّ كائنة فقد كانت\" (^٤).\n\n٤٣٦ - حدثني المفضل بن غسان قال: حدثنا أبي، عن أبي زيد\n_________\n(^١) هو فرات بن سلمان الحضرمي الجزري الرقي، وثقه ابن حبان وغيره، مات سنة (١٥٠ هـ)، الثقات لابن حبان (٧/ ٣٢٢)، تعجيل المنفعة (٣٣١).\n(^٢) إسناده حسن، مبشر بن إسماعيل صدوق التقريب (٦٥٠٧).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٣٢ - ٢٣٣) رقم (٤٦١)، ولعله يشهد لمعناه ما أخرجه الطبري (٢/ ٥٢٦) عن السدي في التعريض بخطبة المعتدة قوله: \"هو الرجل يدخل على المرأة وهي في عدتها فيقول: واللَّه إنكم لأكفاء كرام، وإنكم لرغبة، وإنكِ لتعجبيني، وإن يقدر شيء يكن\".\n(^٣) انظر التخريج الآتي.\n(^٤) إسناده صحيح إلى شريح، وشريح لم أعرفه ولعله شريح بن عبيد الحضرمي ثقة يرسل كثيرا، التقريب (٢٧٩٠)، الشكر (١٠٣) رقم (٧٩).","vol":"2","page":558},{"text":"العبدي (^١): \"نظر علي بن أبي طالب -﵁- إلى عدي بن حاتم كئيبا فقال: يا عديّ، ما لي أراك كئيبا حزينا؟ قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي، وفقئت عيني، فقال: يا عديّ، إنه من رضي بقضاء اللَّه جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء اللَّه جرى عليه وحبط عمله\" (^٢).\n\n٤٣٧ - حدثنا الهيثم بن خارجة، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم عن المحرر بن أبي هريرة عن أبية، عن عمر -﵁- أنه قال: \"ما من امرئ إلا وله أثر هو واطؤه، ورزق هو بالغه، وحتف هو قاتله، حتى لو أن رجلا هرب من رزقه لاتّبعه حتى يدركه، كما أن الموت مدرك من هرب منه\" (^٣).\n\n٤٣٨ - حدثني الحسين بن جهور، عن شيخ من قريش قال: قال الحسن البصري: \"الحريص الجاهل، والقانع الزاهد، كلٌّ مستوٍ في أكله،\n_________\n(^١) زاد مصطفى عطا: \"قال: عن سماك، عن الأغر\"، ولم أجدها في المخطوط ومصادر التخريج ولا في طبعة السلفي.\n(^٢) إسناده لين، أبو زيد العبدي هو قمامة ولم أقف له على ترجمة، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٨ - ٢٩) رقم (١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٤٣) رقم (١٠١٦٨)، من طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٣٤)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٤٦).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ المحرر بن أبي هريرة مقبول التقريب (٦٥٤٢)، وثعلبة بن مسلم مستور التقريب (٨٥٤)، القناعة والتعفف (٣٩) رقم (٥٩)، وذكره البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٧٢)، ويروى هذا الأثر مرفوعا انظر كشف الخفاء (١/ ٢٦٦).","vol":"2","page":559},{"text":"موفَّى رزقه، فعلام التهافت في النار\" (^١).\n\n٤٣٩ - حدثنا محمود بن خداش، حدثنا أشعث بن عبد الرحمن، حدثنا رجل يقال له: عبد الملك، عن الحسن قال: \"ابن آدم، لا تحمل همّ سنة على يوم، كفى يومك بما فيه، فإن تكن السنة من عمرك يأتك اللَّه فيها برزقك، وإلا تكن من عمرك فأراك تطلب ما ليس لك\" (^٢).\n\n٤٤٠ - حدثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر قال: ثنا معتمر ابن سليمان، عن عدي بن الفضل، عن عمر بن عبد العزيز قال: \"يا أيها الناس اتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب؛ فلو كان رزق أحدكم في قُلَّة (^٣) جبل، أو في حضيض (^٤) أرض، لأكل رزقه، فاتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب\" (^٥).\n_________\n(^١) فيه شيخ المصنف وقد سبق (٢٤٥)، وإبهام شيخ شيخه، القناعة والتعفف (٤١) رقم (٦٦).\n(^٢) إسناده لين؛ أشعث بن عبد الرحمن اليامي صدوق يخطئ التقريب (٥٣٣)، وشيخه عبد الملك ذكره المزي في شيوخ أشعث ووصفه بأنه رجل من أصحاب الحسن، الليالي والأيام (٤٠) رقم (٦٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٠٧) رقم (١٣٠٣).\n(^٣) قلة كل شيء أعلاه، مختار الصحاح (٥٦٠).\n(^٤) في المطبوع \"خفيض\".\n(^٥) إسناده حسن، شيخ المصنف لا بأس به تكلموا في سماعه من المعتمر، التقريب (١٢٤٩)، وذلك أن سماعه منه وهو ابن خمس سنين كما في تهذيب التهذيب (٢/ ٣٩٣) والظاهر من كلامه احتمال روايته، القناعة والتعفف (٤٠ - ٤١) رقم (٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٩٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ١٥٢ - =","vol":"2","page":560},{"text":"٤٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد اللَّه بن محمد بن سيرين، عن أبيه قال: \"أردت أن أخرج في وجه فبينا أنا في الطريق إذ قال رجل: هذا أبوك خلفك، فقمت حتى لحقني فقال: يا بنيّ اتّق اللَّه حيث كنت، واعلم أن لك رزقا لن تعدوه، فاطلبه من حلّه، فإنك إن طلبته من حلّه، رزقك اللَّه طيبا، واستعملك صالحا، وأستودعك اللَّه، والسلام عليك\" (^١).\n\n٤٤٢ - حدثني أبو جعفر محمد بن يزيد الأدمي، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز قال: \"قيل لأبي أسيد الفزاري (^٢): من أين تعيش؟ فكبر اللَّه وحمده وقال: يرزق اللَّه -﷿- القرد والخنزير، ولا يرزق أبا أسيد\" (^٣).\n\n٤٤٣ - حدثني أبي ﵀ قال: \"لما قدِّم هدبة بن الخشرم العذري (^٤)\n_________\n= ١٥٣)، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (٢٤١)، وابن منظور في لسان العرب (٩/ ١٢٧) بلفظ: \"عرعرة جبل\" وشرحها بأنها قمته.\n(^١) إسناده ضعيف، فإن عبد الملك بن عبد اللَّه مستور التقريب (٤٢١٧)، القناعة والتعفف (٤١) رقم (٦٥).\n(^٢) هو أبو أُسيد الفزاري، من زهاد أهل دمشق، كان مستجاب الدعوة، انظر تاريخ دمشق (٦٦/ ١٢).\n(^٣) إسناده صحيح، القناعة والتعفف (٥٤) رقم (١١٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٣٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٦/ ١٢).\n(^٤) هو هدبة بن الخشرم بن كرز بن أبي حية بن الكاهن العذري، أبو سليمان، شاعر مفلق، كثير الأمثال في شعره، وهو قاتل ابن عمة زيادة بن زيد العذري في أيام =","vol":"2","page":561},{"text":"ليقتل ومعه أبواه يبكيان، التفت إليهما فقال:\nأبلياني اليوم صبرا منكما ... إنَّ حزنا منكما بادٍ لشرّ\nلا أدرى ذا الموتَ إلا هيّنًا ... إن بعد الموت دار المستقرّ\nاصبرا اليوم فإني صابر ... كلّ حَيٍّ لفَنَاء وقَدَرْ (^١)\n\n٤٤٤ - أنشدني أبي ﵀:\nإذا المرء لم يطلب معاشا ولم ... يتحاش من طول الجلوس\nجفاه الأقربون وصار كلًّا ... على الإخوان كالثوب اللّبيس\nوما الأرزاق عن جلَدٍ ولكن ... بما قدر المقدِّر للنفوس (^٢)\n\n٤٤٥ - حدثني أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: \"كتب سليمان بن حبيب المهلبي إلى الخليل بن أحمد (^٣) وولي\n_________\n= معاوية، فحبسه سعيد بن العاص وهو على المدينة خمس سنين أو ستا، إلى أن بلغ المسور بن زيادة وكان صغيرا فقتله بأبيه، معجم الشعراء (٤٦٠).\n(^١) إسناده حسن، والد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، المحتضرين (١٩٠) رقم (٢٦٦)، والأصبهاني في الأغاني (١٠/ ٢٧٢) وعجز البيت الأخير عنده: \"كل حي لقضاء وقدر\"، وذكر ابن حجر في الإصابة أن قصة هدبة مشهورة مذكورة في كامل المبرد وغيره.\n(^٢) إسناده حسن، والد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، إصلاح المال (٢٥٧) رقم (٢٣٨)، الإشراف في منازل الأشراف رقم (٢٨٣) وفيه زيادة بيتين.\n(^٣) هو الخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي، أبو عبد الرحمن البصري اللغوي، صاحب العروض والنحو، صدوق عالم عابد، مات بعد الستين وقيل سنة سبعين أو بعده، التقريب (١٧٥٠).","vol":"2","page":562},{"text":"الأهواز (^١) يدعوه، فأبى أن يأتيه وكتب إليه:\nأبلغ سليمان أني عنه في سعة غنى وفي ... غير أني لست ذال مال\nشخّا بنفسي إني لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال\n\n٤٤٦ - قال أبو بكر: وزادني غيره:\nالرزق عن قدر، لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال (^٢)\n\n٤٤٧ - حدثني على بن الحسن بن موسى، قال: حدثني زكريا بن أبي خالد، قال: \"كان ابن عباس -﵁- يتمثل بهذين البيتين:\nإن المقادير لا تناولها الأوهام ... لطفا ولا تراها العيون\nوسيجري عليك ما قدر اللَّه ... ويأتيك رزقك المضمون (^٣)\n_________\n(^١) أصل الكلمة أحواز قلبت الماء هاء لكثرة استعمال الفرس لها كذلك، ثم أخذها العرب منهم واستقرت كذلك، وكان اسمها في أيام الفرس خوزستان، وهي مواضع يقال لكل واحد منها خوز كذا، معجم البلدان (١/ ٢٨٤).\n(^٢) إسناده صحيح، القناعة والتعفف (٥٤) رقم (١١٢)، والمزي في تهذيب الكمال (٢/ ٤٠٠) مختصرا وفيه أنه القى كسرا بين يدي رسوله ثم قال الأبيات، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٢٨٠) وفيه أن الأمير هو سليمان بن علي الهاشمي، وعلق بقوله: \"وقد روي لنا أن الذي بعث إليه سليمان بن حبيب المهلبي، بعث إليه من أرض السند الخليل بالبصرة، وهذا أليق بالصحة، وقيل من أرض الأهواز، ثم آل الأمر إلى أن صار وكيلا ليزيد بن حاتم المهلبي، وكان يجري عليه في كل شهر مائتي درهم\"، وابن خلكان في وفيات الأعيان (٢/ ٢٤٦) وهو أتم سياقا وفيه تتمة للقصة والأبيات، وورد نفس الخبر في التدوين في أخبار قزوين (٣/ ٣٩١) منسوبا إلى الأخفش.\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فإن زكريا بن أبي خالد لم أجد له ترجمة، وورد هذا الاسم يروي عن ابن المبارك في تاريخ دمشق (٣٢/ ٤٦٤)، ومحمد بن عيسى الطباع في أخبار المدينة لابن شبة (١/ ٢١٥، ٣٦٢)، وهذا ظاهر الانقطاع إن كان هو. =","vol":"2","page":563},{"text":"٤٤٨ - حدثني الحسن بن عبد الرحمن، عن عصمة بن سليمان الخزاز، قال: حدثنا جعفر بن أبي شعيب الكندي (^١) قال: \"كان لرجل من أهل البصرة له جِدَةٌ وعطايا ومعروف، فأصابه ريب الزمان فاجتاح ماله، فأراد أن يضرب في الأرض لتغي من فضل اللَّه -﷿-، فقالت بنيّة له في ذلك قولا حكاه عنها في شعر له فقال:\nتقول ابنتي والسير قد جدّ جدّه ... -وقد حصرتني بغتة- ورحيل\nلعل المنايا في ارتحالك تنذري ... بنفسك قوما أو تغولك غول\nفتتركني أدعى يتيمة بعد ما تبين ... وعزي يوم ذاك ذليل\nأفي طلب الدنيا وربك للَّذِي ... تحاول منها والشخوص كفيل\nأليس ضعيف القوم يأتيه رزقه ... يساق إليه والبلاء محول\nويحرم جمع المال من لم تزل له ... بكل بلاد رحلة وحلول\nفلو كنت في طود (^٢) على رأس هضبة ... لها لجف فيه الوعول تقيل\nمصدّعة لا يستطاع ارتقاؤها ... وليس إلى منها النزول سبيل\nإذًا لأتاك الرزق يحدوه سائق ... حثيث ويهديه إليك دليل (^٣)\n_________\n= في المطبوع جعل هذا الأثر تابعا للذي قبله من قول أبي أسيد، والتصحيح من المخطوط (ل ١١٦ أ).\n(^١) لم أجد له ترجمة.\n(^٢) الطود هو الجبل العظيم، مختار الصحاح (٤٠٣).\n(^٣) فيه راوي القصة الكندي لم أجده، القناعة والتعفف (٥٢) رقم (١٠٣)، ووقعت القصة في العزلة والانفراد للخطابي (١٢٤) بأسلوب آخر تماما.","vol":"2","page":564},{"text":"٤٤٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي، قال: ثنا الحسن بن علي زبان البصري مولى بني هاشم، قال ثنا سفيان بن عبدة الحميدي وعبيد بن يحيى الهجري، قالا: \"خرج إلى عبد اللَّه بن عامر بن كريز (^١) -وهو عامل العراق لعثمان بن عفان -﵁- رجلان من أهل المدينة، أحدهما: ابن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، والآخر من ثقيف، فكتب به إلى عبد اللَّه بن عامر فيما تكتب به من الأخبار، فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة، قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال: اعرضه، قال: رأيت أن ننيخ رواحلنا ونتناول مطاهرنا فنتوضّأ، ثم نصلي ركعتين، ونحمد اللَّه -﷿- على ما قضى من سفرنا، قال: هذا الذي لا يردّ، فتوضّينا ثم صليا ركعتين، فالتفت الأنصاري إلى الثقفي فقال: يا أخا ثقيف: ما رأيك؟ قال: وأي لموضع رأي هذا؟ قضيت سفري، وأنصبت بدني، وأنضيت (^٢) راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك رأي غير هذا؟ قال: نعم، قال: إني لما صلّيت هاتين الركعتين فكّرت فاستحييت من ربي ﵎ أن يراني طالبا رزقا من غيره، اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولّى راجعا إلى المدينة، ودخل الثقفي البصرة فمكث أياما فأذن له ابن عامر، فلما رآه رحّب به ثم قال: ألم أخبر أن\n_________\n(^١) القرشي، ابن خال عثمان بن عفان، ولد على عهد النبي -ﷺ- وجيء به إليه، فتح عدة بلدان من جهة سجستان، كان محبا للعمران، وهو أول من أدخل الحياض إلى عرفة، طبقات ابن سعد (٥/ ٤٤).\n(^٢) أنضى بعيره: هزله، مختار الصحاح (٦٨٨).","vol":"2","page":565},{"text":"ابن جابر خرج معك فخبَّره خبرَه، فبكى ابن عامر ثم قال: أما واللَّه ما قالها أشرًا، ولا بطرًا، ولكن رأى مجرى الرزق عليَّ ومخرج النعمة، فعلم أن اللَّه ﵎ الذي فعل ذلك، فسأله من فضله، [فأمر للثقفي بأربعة ألف درهم وكسوة وطرف وأضعف ذلك كله للأنصاري فخرج الثقفي (^١) وهو يقول:\nأمامة ما حرص الحريص فتيلا بزائدي ... ولا زهد الضعيف بضائر\nخرجنا جميعا من مساقط رؤوسنا ... على ثقة منا بخير ابن عامر\nفلما أنخنا الناعجات ببابه ... تأخّر عني اليثربي ابن جابر\nوقال: ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم بالخلق قاهر\nوإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لرب الذي أرجو لسدّ معاقر\nفلما رآني سال عنه صبابة إليه ... كما حنّت ظراب الأباعر\nفأضعف عبد اللَّه إذ غاب حظّه ... على حظّ لهفان من الحرص فاغر\nفأتيت وقد أيقنت أن ليس نافعي ... ولا صائر شيء خلاف المقادر (^٢)\n\n٤٥٠ - أخبرني أبو زيد النميري، حدثني عمر بن محمد بن أقيصر\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين ساقط من المطوع وهو يحيل المعنى تماما، ويصير القول من قول ابن عامر.\n(^٢) إسناده فيه لين، فيه الحسن بن علي بن زبان لم أجده إلا عند ابن ماكولا في الإكمال (٤/ ١١٩) ولم يذكر سوى بروايته عن شيخيه سفيان وعبيد، وعبيد ثقة خلاصة تذهيب التهذيب (١/ ٢٥٦)، القناعة والتعفف (٤٧ - ٤٨) رقم (٨٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨) ومن طريق آخر فيها لين كذلك، وكذا ابن الجوزي في المنتظم (٥/ ٣١٣).","vol":"2","page":566},{"text":"السلمي، حدثني يحيى بن عروة بن أذينة قال: \"أتى أبي وجماعة من الشعراء هشام بن عبد الملك (^١)، فأنشدوه فنسبهم فلما عرف أبي (^٢) قال: ألست القائل:\nلقد علمت وما الإشراف في طمعي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني\nأسعى له فيعنِّيني تطلّبه ... ولو قعدتُّ أتاني لا يعنّينِّي\nفهلَّ جلست حتى يأتيك؟ فلما خرجوا من عنده جلس أبي على راحلته حتى أتى المدينة، وتنبّه هشام عليهم فأمر بجوائزهم ففقد أبي فسأل عنه فأُخبر بانصرافه فقال: لا جرم، واللَّه ليعلمنَّ أن ذلك سيأتيه في بيته، ثم أضعف له ما أعطى واحدا من أصحابه وكتب له فريضتين كنت أنا آخذهما\" (^٣).\n\n٤٥١ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثني محمد بن عمر\n_________\n(^١) هو الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، أبو الوليد، بويع بعهد من أخيه يزيد، كان حازما عاقلا ورعا، فتحت عدة بلدان في عهده، تاريخ الخلفاء (٢١٨).\n(^٢) هو عروة بن أذينة، الليثي الحجازي، شاعر مشهور، وله وفادة على هشام بن عبد الملك، وكان من فحول الشعراء، تاريخ الإسلام (١/ ٩٣٦)، وانظر أخباره مفصلة في الأغاني (١/ ٣٣٠).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه شيخ النميري وشيخه لم أجد لهما ترجمة، مكارم الأخلاق (١١٣) رقم (٤٣٥)، واعتنى به الأصفهاني في الأغاني (٢١/ ١٠٦)، فأخرجه من ثلاثة طرق، كلها عن عمر بن شبة به، واعتنى برواية بقية الأبيات وهي أبيات قوية في العفة وترك السؤال إذا أدّى إلى منقصة في دين أو مروءة، وأورده في المستطرف في كل فن مستظرف (١٥٧) بلفظ مخالف قليلا وفي آخره قوله لرسول الأمير: \"أبلغ أمير المؤمنين مني السلام، وقل له: كيف رأيت قولي؟ سعيت فأكديت فرجعت، فأتاني رزقى في منزلي\".","vol":"2","page":567},{"text":"الأسلمي، نا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: \"أنا بالرصافة حين قدم ابن أذينة على هشام فلما دخل عليه قال له: ألست الذي يقول:\nولو قعدت أتاني لا يعنّيني\nفقال: قد خرجت وأنا أعلم أن ذلك كذاك (^١)، قال محمد بن عمر، قال بعضهم: أتبعه حين انصرف أربع مائة دينار وقالوا: أقلّ، واختلفوا في ذلك\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات حتمية وقوع القدر، وأنه لا مفرَّ منه، فمن قدر له شيء أتاه، مهما كانت العوائق، ومهما بدا حصوله مستبعدا، ومن قدّر عليه شيء من المصائب أو غيرها، جرى عليه القدر سواء رضى أم سخط، كما تضمنت الآثار التأكيد على ضمان الرزق حتى ضرب له مثل بمن يطلبه الموت؛ فالرزق لو لم تطلبه طلبك، سواء كان في قلة جبل، أو حضيض أرض، والذي رزق الحيوان كالقرد والخنزير كيف لا يرزق عباده، وقد ضمَّن شعراء السلف أشعارهم هذه المعاني، سواء قضاء الموت\n_________\n(^١) هذه فائدة رائعة ومهمة في هذا الباب، حيث إن عقيدة القدر لا تمنع اتخاذ الأسباب، والسعي في الأرض، والتكسب لتحصيل المعاش، كما سبق بيانه في التوكل (٣٢٧) والدعاء (٣٠٤)، وسيأتي في معارضة القدر بالأسباب (٦٣٨)، لكن النكتة هنا أن نفس الذين اعتقدوا هذه العقيدة ونظموها في أشعارهم، لا يرون تعارضا بينهما والحمد للَّه رب العالمين، فلذلك يجب التنبه فيما ينقل عن السلف في هذا الباب حتى لا ينسب إليهم ترك الأسباب والقعود عن الاكتساب بمجرد تلك العبارات واللَّه أعلم.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه محمد بن عمر وهو الواقدي الأخبارى متروك مع سعة علمه التقريب (٦٢١٥)، مكارم الأخلاق (٤٣٦) رقم (١١٣ - ١١٤).","vol":"2","page":568},{"text":"الذي لا مفر منه، أو قضاء الرزق الذي لا تبطؤه البلادة والغفلة، ولا يعجله الذكاء والفطنة، ولا ينقصه عجز الضعيف، ولا يزيده سعى القوي، وإنما كل ذلك بقضاء وقدر، وإذا قدر اللَّه شيئًا هيّأ له أسبابه، وسخر من يدلّه عليك ويدلُّك عليه، وفي هذا المعنى بوَّب البيهقي رحمه اللَّه تعالى بابا في كتابه القضاء والقدر فقال:\n\"باب ذكر البيان أن القلم لما جرى بما هو كائن كان فيما جرى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ (^١).\nوإذا كان قد قدر وقضي وكتب على آدم ﵇ قبل أن يخلق أنه يأكل من شجرة ينهى عن أكلها، لم يجد آدم ﵇ بدا من فعله، ولم يتهيأ له دفعه عن نفسه؛ لأن خلاف ما كتب عليه يوجب خلاف ما علم منه، وخلاف ما أخبر عن كونه، وخبر اللَّه تعالى صدق، وعلمه حق فما علم أنه كائن لا يجوز أن يكون غير كائن، وما أخبر عن كونه فهو كائن في حينه، لا خلف فيه\" (^٢)، وهذا معتقد أهل السنة خلفا عن سلف أن: \"ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا كلام أخذته الصحابة عن رسول اللَّه -ﷺ-، وأخذه التابعون عنهم، ولم يزل يأخذه الخلف عن السلف من غير نكير، وصار ذلك إجماعا منهم على ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة طه، الآية (١٢١).\n(^٢) القضاء والقدر للبيهقي (. . .).\n(^٣) الاعتقاد للبيهقي (١٦١ - ١٦٢)، وانظر تأويل مختلف الحديث (١٦)، والإبانة (٢/ ٢٨٦).","vol":"2","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار</span>.\n\n٤٥٢ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأرزي قال: حدثنا أسد بن راشد، عن البراء بن عبد اللَّه أو ابن يزيد، أراه عن الحسن: \"أن معاذ بن جبل لما احتضر دُخل عليه وهو يبكي، فقيل: ما يبكيك، فقد صحبت محمدا -ﷺ-؟ قال: ما أبكى جزعا من الموت إن حلّ بي، وعلى دنيا أتركها بعدي، ولكن بكائي أن اللَّه قبض قبضتين، فجعل واحدة في النار، وواحدة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أكون\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر معاذ -﵁- السابق أن أمر الجنة والنار مفروغ منه؛ حيث إن أمر الجنة والنار، وأمر أهل كل منهما مفروغ منه، حدَّد اللَّه هؤلاء وهؤلاء،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف منقطع، والأثر حسن لغيره، فيه البراء بن عبد اللَّه الغنوي وهو ضعيف، التقريب (٦٥٥)، وسيأتي عن الهيثمي إعلاله به، المحتضرين (١٣٣) رقم (١٦٥)، ثم برقم (٢٧٦) لكن عن معاوية -﵁-، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٧٢) رقم (٣٦٥)، وابن مندة في الإيمان (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨) رقم (١٠٢)، بسند حسن؛ يروي فيه روح عن أبي العوام عن معاذ وهذا سند متصل، فيه شيخه وهو سلم بن الفضل ترجمه الذهبي في السير (١٦/ ٢٧) وقال: \"محله الصدق\"؛ أما روح فهو ابن عابد فيه جهالة كما في تعجيل المنفعة (١٣٢)، وأبو العوام هو سادن بيت المقدس ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٦٤)، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم (٩/ ٤١٥) جرحا ولا تعديلا، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥٠٢) رقم (٤٨١) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٨٧): \"رواه الطبراني، وفيه البراء بن عبد اللَّه الغنوي، وهو ضعيف، والحسن لم يدرك معاذا\"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٤٥٠ - ٤٥١).","vol":"2","page":570},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"هذا المعنى مشهور عن النبي -ﷺ- من وجوه متعددة\" (^١) وقال ابن كثير ﵀بعد إيراده أحاديث القبضتين-: \"وأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدا\" (^٢).\nوذكر شيخ الإسلام أن من فوائد أحاديث القبضتين إثبات القدر السابق وهو علم اللَّه بالأشياء قبل كونها: \"القدر السابق وهو أن اللَّه سبحانه علم أهل الجنة من أهل النار، من قبل أن يعملوا الأعمال، وهذا حق يجب الإيمان به، بل قد نص الأئمة كذلك، والشافعي، وأحمد أن من جحد هذا فقد كفر، بل يجب الإيمان أن اللَّه علم ما سيكون كله قبل أن يكون\" (^٣).\nوتقدير القبضتين ذكره ابن القيم ﵀ في المرتبة الثانية من مراتب التقدير الذي قدره اللَّه على عباده فقال: \"الرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرا عاما، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وهنا كتب السعادة، والشقاوة، والأعمال، والأرزاق، والآجال، الثاني: تقدير بعد هذا، وهو أخص منه، وهو التقدير الواقع عند القبضتين، حين قبض ﵎ أهل السعادة بيمينه وقال: هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال: هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٦٥).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٩)، وانظر كلام ابن عبد البر وابن القيم في شهرة هذه الأحاديث في الاستذكار (٨/ ٢٦١)، وشفاء العليل (١٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٧٧)، وسيأتي ذكر هذه المسألة وبيانها في مراتب القضاء والقدر والإشارة إلى أنه لم يخالف في إثباتها إلا غلاة القدرية.\n(^٤) التبيان في أقسام القرآن (٢١٩)، وقد فصل هذا الكلام تفصيلا مطولا في أبواب مستقلة لكل تقدير في شفاء العليل (٧ - ٤٢).","vol":"2","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر</span>.\n\n٤٥٣ - حدثني الحارث بن محمد التميمي، ثنا سعيد بن عامر، ثنا جسر أبو جعفر قال: قلت ليونس: يا أبا عبد اللَّه مررت بقوم يختصمون في القدر؟ قال: \"لو كان أهمتهم ذنوبهم ما اختصموا في القدر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر يونس النهي والإنكار على المتخاصمين في القدر، والخصومة في الدين ليست من منهج أهل السنة عموما، سواء في القدر أو في الدين عموما، كما سبق في الباب الأول بيان النهي عن الخصومات في الدين، قال ابن عبد البر ﵀: \"قد تواترت الآثار عن السلف الصالح بالنهي عن الجدال فيه، والاستسلام له، والإيمان به\" (^٢) وقال شيخ الإسلام: \"الناس تنازعوا في معنى هذا الظلم تنازعا صاروا فيه بين طرفين متباعدين، ووسط بينهما، وخيار الأمور أوساطها، وذلك بسبب البحث\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، مداره على جسر أبي جعفر وهو ابن فرقد وسيأتي (٥١٥)، التوبة (٥٩ - ٦٠) رقم (٤٠)، لكن كونه صاحب القصة ولم يكن يتعمد الكذب وهو صالح في نفسه وصدوق كما في لسان الميزان (٢/ ١٠٤)، فلعله يرتقي إلى الحسن واللَّه أعلم، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١)، وفي تاريخ أصبهان (١/ ١٨٣)، والمزي في تهذيب الكمال (٨/ ٢١٥)، وذكره الذهبي في السير (٦/ ٢٩٣)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٤/ ٤٧١).\n(^٢) الاستذكار (٨/ ٢٦٦).","vol":"2","page":572},{"text":"في القدر ومجامعته للشرع؛ إذ الخوض في ذلك بغير علم تام، أوجب ضلال عامة الأمم، ولهذا نهى النبي أصحابه عن التنازع فيه\" (^١)، ونقل عن السلف قولهم: \"الكلام في القدر هو أبو جاد الزندقة\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٧).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٦٣).","vol":"2","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر</span>.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق.","vol":"2","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>المطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم</span>.\n\n٤٥٤ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني الحسن بن عبد الرحمن الفزاري قال: سمع الحسن رجلا يقول: واحزناه على الحزن، فقال له الحسن: \"يا هذا فهلا على ما سلف من علمه فيك\" (^١).\n\n٤٥٥ - بلغني عن حامد بن عمر البكراوي قال: سمعت عبد اللَّه بن ثعلبة يقول لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد، واحزناه على الحزن، فقال سفيان: \"يا عبد اللَّه، هل حزنت قط لعلم اللَّه فيك؟ \" قال عبد اللَّه: \"تركتني لا أفرح أبدا\" (^٢).\n\n٤٥٦ - حدثني أبو عياش القطان قال: حدثني قاسم الخواص قال: قال محمد بن واسع لرجل: \"أبكاك قط سابق علم اللَّه فيك\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن، سيأتي (٥٦٢) بيان حال شيخ المصنف، ولعل نسخة لاله لي التركية فيها تكرار، وإلا فقد ورد في النسخة الظاهرية الحسين بن عبد الرحمن الفزاري، الهم والحزن (٣٣) رقم (١١).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فهو منقطع، وفيه عبد اللَّه بن ثعلبة هو الحضرمي مقبول التقريب (٣٢٦٠)، الهم والحزن (٣٤) رقم (١٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٤٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٣٦).\n(^٣) إسناده لين؛ شيخ المصنف وشيخه، لم أجدهما، الهم والحزن (٣٤ - ٣٥) رقم (١٤)، ومن طريقه وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٦٣)، وذكره الذهبي في السير (٦/ ١٢١)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٧٠).","vol":"2","page":575},{"text":"٤٥٧ - حدثنا حجاج بن يوسف (^١) قال: حدثنا سهل بن حماد قال: حدثنا ثابت الأنصاري قال: حدثني الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف قال: \"مرض عبد الرحمن بن عوف (^٢)، فظننا أنه لِما به، فأُغمي عليه، فخرجت أم كلثوم، فصرخت عليه، فلما أفاق قال: أُغمي عليّ؟ قلنا: نعم، قال: أتاني رجلان فقالا لي: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فأخذا بيدي، فانطلقا بي، فلقيهما رجل فقال: أين تنطلقان بهذا؟ قالا: ننطلق به إلى العزيز الأمين، قال: لا تنطلقا به؛ إن هذا ممن سبقت له السعادة في بطن أمه\" (^٣).\n_________\n(^١) هو ابن الشاعر ثقة حافظ التقريب (١١٤٩)، الحافظ الأوحد المأمون، كما قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٩).\n(^٢) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أحد العشرة، أسلم قديما، ومناقبه شهيرة، مات سنة (٣٢ هـ) وقيل غير ذلك، الإصابة (٤/ ٣٤٦)، التقريب (٣٩٧٣).\n(^٣) إسناده حسن؛ سهل بن حماد هو أبو عتاب الدلّال صدوق التقريب (٢٦٦٩)، المحتضرين (٢٣٤ - ٢٣٥) رقم (٣٥٢)، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ١١٢) رقم (٢٠٠٦٥)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ٦٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٨٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٣٤)، والفريابي في القدر رقم (٤٣٥)، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٤٠) رقم (١٢٢٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٩)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ١٤٣) رقم (١٥٨٦/ ١٩٨٧)، والملطي في التنبيه والرد (١/ ١٦٧)، والآجري في الشريعة (٢/ ٨٦١) رقم (٤٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١١٥) رقم (٩٦٨٤)، وابن =","vol":"2","page":576},{"text":"٤٥٨ - حدثني القاسم بن هاشم، حدثنا أبو عبد اللَّه الصوفي (^١) قال: \"كتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى اللَّه -﷿- والرضى بالقدر، والتسليم لما علم الجبار من مكنون الأجل، ومقسوم الرزق، فإن اللَّه -﷿- جعل لكل نفس رزقا موصوفا، ليس لشيء منه إلى غيرها منصرف، فلا يشغلك الرزق المضمون لك عن العمل المفروض عليك، فقد شغلت رجالا أتعبت أبدانهم، وطالت أسفارهم ثم لم يزيدوا ولم يزدادوا على المقسوم لهم رزقا، رزقنا اللَّه وإياك القنوع والرضا، فإنه من رضي قنع، ومن قنع رضي بما قسم اللَّه -﷿- والسلام\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات علم اللَّه ﷾ بالأشياء قبل كونها، وهذا العلم أحزن السلف الذين فقهوا معناه، وأبكاهم كما في الآثار الثلاث الأولى، حيث خافوا على أنفسهم أن يكون علم من حالهم أنهم ليسوا أهلا السعادة في الآخرة، ولهذا تضمنت رؤيا عبد الرحمن بن\n_________\n= عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٢٩٦)، وذكره ابن حجر في الإصابة (٢/ ٤١٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ٤٥٢)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٢/ ٥٤١).\n(^١) هو الحسين بن علي بن بشر، أبو عبد اللَّه الصوفي، توفي ببغداد سنة (٢٨٦)، تاريخ بغداد (٨/ ٦٩٢٨٣).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق وقد سبق (١٦٥)، إصلاح المال (٣٦٦ - ٣٦٧) رقم (٤٧٧).","vol":"2","page":577},{"text":"عوف -﵁- علم اللَّه بحاله وهو في بطن أمه، كما تضمن أثر أبي عبد اللَّه علم اللَّه السابق بالأجل والرزق، وهذه المرتبة أول مراتب القضاء التي من لم يؤمن ها جميعا لم يؤمن بالقضاء والقدر (^١)، ومعناها: \"الإيمان بأن اللَّه تعالى عليم بما الخلق عاملون، بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال\" (^٢)، \"فكل ما يوجد في ما يوجد من أعيان وأوصاف، ويقع من أفعال وأحداث، فهو مطابق لما علمه اللَّه -﷿- أزلا\" (^٣)، وهي مما اتفقت عليه الرسل من أولها إلى آخرها، والصحابة ومن تبعهم من الأمة على إثباتها، وخالفهم مجوس هذه الأمة (^٤)، قال شيخ الإسلام: \"إثبات علمه، وتقديره للحوادث قبل كونها، ففي القرآن، والحديث، والآثار، ما لا يكاد يحصر، بل كل ما أخبر اللَّه به قبل كونه فقد علمه قبل كونه، وهو سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد أخبر بذلك، والنزاع في هذا مع غلاة القدرية ونحوهم\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر شفاء العليل (٥٥).\n(^٢) العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية انظر شرح الشيخ الفوزان (١٦٤).\n(^٣) شرح الشيخ خليل هراس على الواسطية (١٥٣).\n(^٤) انظر شفاء العليل (٥٥).\n(^٥) رسالة في تحقيق مسألة علم اللَّه (١١٧).","vol":"2","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>المطلب الثالث [*]: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة</span>.\n\n٤٥٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، على ابن يعمر قال: قال علي -﵁-: \"إن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر، لكل نفس بما كتب اللَّه لها من زيادة أو نقصان. . . (^١)، الحرث حرثان، فحرث الدنيا: المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما اللَّه تعالى لأقوام، قال سفيان: ومن ذا يتكلم بهذا الكلام إلا علي\" (^٢).\n\n٤٦٠ - حدثني سويد بن سعيد، قال: ثنا علي بن مسهر، عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: أخبرني عبد الملك بن مروان قال: \"كنت جالسا عند معاوية فأتي بطعامه فأخذ لقمة فرفعها إلى فيه، ثم حدث نفسه، ثم أخذها فرفعها إلى فيه، ثم حدث نفسه فوضعها فتناولتها فأكلتها، وطلبها فلم يجدها، فخطب الناس فيها عشية على المنبر فقال: أيها الناس اتقوا اللَّه؛ فإنه ما لامرئ منكم إلا ما كتب اللَّه -﷿- له، وواللَّه إن أحدكم ليرفع\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالكتاب المطبوع عن الجامعة، وأيضا بأصل رسالة الباحث [تقدم المطلب الثالث على الثاني]\n\n(^١) هناك عبارات غير واضحة في المخطوط، وغير مستقيمة في المطبوع وفي تاريخ دمشق، فاكتفيت بمحل الشاهد.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ فإن أبا حمزة هو ثابت بن أبي صفية ضعيف رافضي التقريب (٨٢٦)، القناعة والتعفف (٣٩) رقم (٦٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٠٢).","vol":"2","page":579},{"text":"اللقمة إلى فيه مرة ومرتين ثم تقضى لغيره\" (^١).\n\n٤٦١ - ذكر أبي، نا إسماعيل بن إبراهيم، ذكر أبو مخزوم (^٢)، ذكر عمر بن الوليد (^٣) قال: \"خرج عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة، وهو ناحل الجسم، فخطب كما كان يخطب ثم قال: يا أيها الناس من أحسن منكم فليحمد اللَّه، ومن أساء فليستغفر اللَّه، ثم إن عاد فليستغفر اللَّه؛ فإنه لا بدّ لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها اللَّه في رقابهم وكتبها عليهم\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٦٧)، القناعة والتعفف (٣٩ - ٤٠) رقم (٦١).\n(^٢) أبو مخزوم في النسخة الظاهرية كأنها أبو محروم، ولعله الصواب فقد ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٦٥) وقال: \"مولى سليمان بن هشام بن عبد الملك ابن مروان من أهل دمشق له ذكر في كتاب أبي الحسن أحمد بن حميد بن أبي العجائز\" واللَّه أعلم.\n(^٣) هو عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، روى عن عمر بن عبد العزيز وعنه أبو محروم، \"كان يقال له: فحل بني مروان وكان يركب معه من ولده ستون لصلبه، ولَّاه أبوه الوليد الموسم والغزو واستعمله على الأردن مدة ولايته\"، انظر تاريخ دمشق (٤٥/ ٣٥٤)، وليس هو الشني الذي ضعفه النسائي كما استظهره محققا الكتاب: شاحونة ومجدي السيد واللَّه أعلم.\n(^٤) إسناده حسن إن شاء اللَّه، فيه أبو مخزوم وعمر بن الوليد وقد سبقت ترجمتهما، ووالد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، حسن الظن باللَّه (٦٥) رقم (٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٧٣) رقم (٣٥٠٨٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٩٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٣٥٥) (٤٧/ ٣٢٨)، من =","vol":"2","page":580},{"text":"٤٦٢ - حدثنا علي بن الجعد قال: أنا أبو مغيرة، عن محمد بن سوقة، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (^١) قال: \"ليلة النصف من شعبان يُدَبِّر أمر السنة، وتُنسَخ الأموات من الأحياء، ويكتب الحاج فلا ينقص منهم ولا يزيد فيهم أحد\" (^٢).\n\n٤٦٣ - حدثنا عبد اللَّه بن خيران قال: ثنا المسعودي، عن مهاجر أبي الحسن، عن عطاء قال: \"لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- في شهر أكثر صياما منه في شعبان؛ وذلك لأنه تُنسخ فيه آجال من يموت إلى العام المقبل\" (^٣).\n_________\n= طرق عن ابن علية به، وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٦٥).\n(^١) سورة الدخان، الآية (٤).\n(^٢) إسناده لين، فيه أبو مغيرة وهو النضر بن إسماعيل القاضي ليس بالقوي التقريب (٧١٨٠)، فضائل رمضان (٣١) رقم (٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ١٠٩) من طريق الحسن بن إسماعيل البجلي، ولا أحسبه إلا تصحيفا من النضر وهو أبو المغيرة هذا؛ فإني لم أجد الحسن هذا رغم تدقيق البحث فيه واللَّه أعلم، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق بغير إسناد نقلا عن الدر- (١٠/ ٣٢٨٧)، وزاد السيوطي في الدر (٧/ ٤١) نسبته لابن المنذر.\n(^٣) إسناده لين؛ فإن المسعودي اختلط ولا أدري هل سماع ابن خيران بعد الاختلاط أم قبله، وتابعه يزيد بن هارون عند ابن أبي شيبة لكن سماعه بعد الاختلاط؛ لكن قال الخطيب (٩/ ٤٥٠) في ابن خيران: \"اعتبرت من روايته أحاديث كثيرة فوجدتها مستقيمة تدل على ثقته\"، وانظر اللسان (٣/ ٢٨٢)، فضائل رمضان (٣٢) رقم (٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٣٤٦) رقم (٩٧٦٤) عن يزيد وهو ابن هارون به، وانظر ما ورد عن عائشة ﵂ في مسند أبي يعلى رقم (٤٩١١).","vol":"2","page":581},{"text":"٤٦٤ - حدثني محمد بن يحيى المروزي: \"أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا، فلما بلغ أصابته آفة فذهبت به فاشتدّ ذلك عليهم، حتى رؤي فيهم، فخرجت أعرابية منهم فقالت: \"ما لي أراكم متغيّرة ألوانكم، ميّتة قلوبكم، هو ربنا فليفعل بنا ما يشاء، فرزقنا عليه، يأتي به من حيث يشاء ثم أنشأت تقول:\nلو كان في صخرة في البحر راسية ... صمّاء ملمومة ملس نواحيها\nرزقٌ لنفس براها اللَّه لانفَلَقَتْ ... حتى تؤدّي إليه كل ما فيها\nأو كان بين أطباق السبع مسلكها ... لسهل اللَّه في المرقى مراقيها\nحتى تنال الذي في اللوح المحفوظ خط لها ... فإن أتته وإلا سوف يأتيها (^١)\n\n٤٦٥ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن محمد بن مقاتل العباداني أنه أنشد هذه الأبيات لبعض السلف:\nإذا يقدر لك الرحمن رزقا ... يُعدّ لرزقه المقضيِّ بابا\nوإن يحرمك لم تستطع بحول ... ولا رأي الرجال له اكتسابا\nفاقصر في خطاك فليس تعدو ... بحيلتك القضاء ولا الكتابا (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر وهي الكتابة، وذلك أن اللَّه كتب ما علمه من أحوال الخلق جميعا، وقد\n_________\n(^١) شيخ المصنف ثقة التقريب (٦٤٢٩)، القناعة والتعفف (٥٢ - ٥٣) رقم (١٠٤).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٤٦٤)، القناعة والتعفف (٥٤) رقم (١١٥).","vol":"2","page":582},{"text":"تنوعت دلالة هذه الآثار على مرتبة الكتابة، بحيث اشتملت على عدة أنواع من الأدلة الدالة عليها؛ فمن جهة المكتوب فيه اشتملت أبيات الأعرابية الكتابة في اللوح المحفوظ، ومن جهة وقت الكتابة تضمن أثر علي الإشارة إلى التقدير اليومي لكل نفس بما كتب لها من زيادة أو نقصان، كما اشتمل أثر عكرمة الكتابة ليلة النصف من شعبان، من نسخ آجال الأحياء، وتقدير حجاج تلك السنة، كما اشتملت آثار كل من معاوية -﵁- وعمر بن عبد العزيز وابن مقاتل نفوذ الكتاب السابق ووجوب وقوعه، وأنها مهما حاول المرء جاهدا كسب شيء أو تركه مما لم يكن مكتوبا عليه، فإنه لن يعدو ما كتب، وقد سبق بيانه في حتمية وقوع القدر، قال شيخ الإسلام: \"التقدير التابع لعلمه سبحانه، يكون في مواضع جملة وتفصيلا\" (^١)، وقد استقصى ابن القيم ﵀ مواضع الجملة والتفصيل في ذلك، وهي:\nالتقدير العام: وهو التقدير الأول قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كتب اللَّه فيه كل شيء كائن إلى يوم القيامة، وكان ذلك حين خلق القلم، وأمره بكتابة ما هو كائن، وهذه الكتابة هي أول التقديرات التي قدرها اللَّه وكتبها على عباده.\nالتقدير الخاص: وهو تقدير أصحاب الجنة وأصحاب النار خاصة، عقيب خلق آدم ﵇، فقدّر اللَّه أعمال كل فريق منهما، وأخرج\n_________\n(^١) العقيدة الواسطة من مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٩).","vol":"2","page":583},{"text":"ذرية آدم من ظهره، وأخذ عليهم ميثاقه وأشهدهم على أنفسهم بأنه ربهم.\nالتقدير العمري: وهو حين يكون الجنين في بطن أمه، فيرسل المَلَك بكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، وقد ورد في هذا التقدير عدة أحاديث وآثار ظن بعض الناس التعارض بينها، أوردها ابن القيم -﵀- وجمع بينها فقال: \"اجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد، وأجله، وشقاوته، وسعادته وهو في بطن أمه، واختلفت في وقت هذا التقدير، وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السماوات والأرض، وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم، ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم، وحديث أنس غير مؤقت، وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما، وفي لفظ بأربعين ليلة، وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة، وهو حديث تفرد به مسلم، ولم يروه البخاري، وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد اللَّه، وأن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره اللَّه سبحانه على رأس الأربعين الأولى، حتى يأخذ في الطور الثاني، وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع","vol":"2","page":584},{"text":"كلمات، وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راتب معها، ينقلها بإذن اللَّه من حال إلى حال، فيقدر اللَّه سبحانه شأن النطفة، حتى تأخذ في مبدأ التخليق، وهو العلق، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما، فهو تقدير بعد تقدير، فاتفقت أحاديث رسول اللَّه -ﷺ-، وصدق بعضها بعضا، ودلَّت كلها على إثبات القدر السابق، ومراتب التقدير، وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم، أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية، وفهمت كما ينبغي، تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة، متضمنة لنفس الحق وباللَّه التوفيق\" (^١).\nالتقدير الحولي: وقد ورد في أثر عطاء أنه في شهر النصف من شعبان، وخصها عكرمة بليل النصف منه، وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر من رمضان، قال ابن العربي المالكي: \"ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعوَّل عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها\" (^٢) وقال ابن القيم: \"من زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط (^٣) \" (^٤).\nالتقدير اليومي: وقد واردت الإشارة إليه في أثر علي -﵁-، وهو ما\n_________\n(^١) شفاء العليل (٣٩).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٦/ ١٣٠) وهو ترجيح القرطبي كذلك.\n(^٣) وعبارة ابن كثير: \"فقد أبعد النجعة\"، انظر تفسيره (٤/ ١٣٨).\n(^٤) شفاء العليل (٤٠)، وانظر ابن جرير (٢٥/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"2","page":585},{"text":"يقدره اللَّه تعالى في كل من موت ومرض وفقر وغنى ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ (^١).\nقال ابن القيم ﵀: \"هذا تقدير يومي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمري، عند تعلق النفس به، والذي قبله كذلك عند أول تخليقة وكونه مضغة، والذي قبله تقدير سابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك دليل على كمال علم الرب، وقدرته، وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته، وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة الرحمن، من الآية (٢٩).\n(^٢) شفاء العليل (٤٣).","vol":"2","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة</span>.\n\n٤٦٦ - حدثني شيخ من بنى تميم قال: \"أوصى رجل ابنه فقال: يا بنيّ اغتنم مسالمة من لا يدين لك بمحاربته، وليكن هربك من السلطان إلى الوحش في الفيافي حتى تأمن من سعاية الساعي بك، وطمع الطامع فيك، ولا يغرّنّك بشاشة امرئ حتى تعلم ما وراءها، فإن دفائن الناس في صدورهم، وجزعهم في وجوههم، ولتكن شكايتك من الدهر إلى رب الدهر، واعلم أن اللَّه إذا أراد بك خيرا أو شرا أمضاه فيك على ما أحبّ العباد أو كرهوا\" (^١).\n\n٤٦٧ - حدثني عمر بن أبي الحارث الهمداني، نا محبوب بن عبد اللَّه النميري، نا عبيد اللَّه بن أبي المغيرة القرشي قال: كتب إليّ الفضل بن عيسى (^٢): \"أما بعد فإن الدار التي أصبحنا فيها دار بالبلاء محفوفة، والفناء موصوفة، كل ما فيها إلى زوال ونفاذ، بينما أهلها منها في رخاء وسرور، إذ صيّرتم في وعثاء ووعور، أحوالها مختلفة، وطبقاتها منصرفة، يضربون ببلائها، ويمتحنون برخائها، العيش فيها مذموم، والسرور فيها لا يدوم، وكيف يدوم عيش تغيّره الآفات، وتنوبه الفجيعات، وتفجع فيه الرزايا، وتسوق أهلها المنايا، إنمها هم بها أغراض مستهدفة، والحتوف لها\n_________\n(^١) فيه إبهام شيخ المصنف، الإشراف (٣٣٨) رقم (٥١٥).\n(^٢) هو الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، أبو عيسى البصري الواعظ، منكر الحديث، ورمي بالقدر، التقريب (٥٤١٣).","vol":"2","page":587},{"text":"مستشرفة، ترميهم بسهامها، وتغشاهم بحماها، لا بدّ من الورود بمشارعه، والمعاينة لفظائعه، أمر قد سبق من اللَّه في قضائه، وعزم عليه في إمضائه، فليس منه مذهب، ولا عنه مهرب. . .\" (^١).\n\n٤٦٨ - حدثني مفضل بن غسان حدثني، أبي نا ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: \"إن هذه الأخلاق منائح يمنحها اللَّه ﷿ من يشاء من عباده، فإذا أراد اللَّه بعبد خيرا منائح منها خلقا حسنا\" (^٢).\n\n٤٦٩ - أنشدني أبو بكر التيمي من ولد أبي بكر الصديق، أنشدني إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن عثمان من ولد أبي بكر الصديق -﵁-:\nفخل الجواد على جوده ... وخلّ البخيل على بخله\nولا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل اللَّه من فضله\nإذا أذن اللَّه في حاجة ... أتاك النجاح على رسله\nوليس القضا بأيد العباد ... على حزنه وعلى سهله\nوللعسر يسر فلا تجزعنّ ... سيعقب غيث على محله\nإذا قنع المرء نال الغنى ... تدعر المطيّة مرحله (^٣)\n_________\n(^١) فيه محبوب بن عبد اللَّه النميري لم أقف له على ترجمة، وكذا عبيد اللَّه بن أبي المغيرة، ذم الدنيا (٦٨ - ٦٩) رقم (١٦٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٦)، وروى ابن عساكر (٤٢/ ٥٠٠) بعضه عن علي -﵁-.\n(^٢) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٨) رقم (٣٢)، وورد مرفوعا وهو ضعيف جدا كما في ضعيف الجامع رقم (٢٠٢٦)، وانظر فيض القدير (٢/ ٥٤٧).\n(^٣) فيه شيخ المصنف، وشيخه لم أعرفهما، وأخشى أن يكون \"إبراهيم\" مصحفا؛ فإن البخاري وأبو حاتم لم يذكرا في الرواة عن محمد بن عبد اللَّه بن عثمان -وهو محمد ابن أبي بكر الصديق- سوى ابنه القاسم، انظر التاريخ الكبير (١/ ١٢٤)، بل ظاهر =","vol":"2","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات مشيئة اللَّه، وأنها نافذة على خلقه على ما أراد، وهذه هي الرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر وهي: \"الإيمان بأن ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات، وما في الأرض من حركة، ولا يكون، إلا بمشيئه اللَّه سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعلومات\" (^١)، وفي الآثار السابقة بيان أن المشيئة نافذة ففى وصية الرجل لابنه أن اللَّه إذا أراد به خيرا أو شرا أمضاه، أحبّ العباد أم كرهوا، وفي أثر الفضل بن عيسى أن الموت لا مفر منه؛ لأن اللَّه عزم على إمضائه (^٢)، وسبق به قدره (^٣)، وفي أثر طاووس أن اللَّه يخص بمنحه من يشاء ممن يريد به خيرا (^٤)، قال ابن القيم: \"هذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند اللَّه، والفطرة\n_________\n= كلام ابن حجر في الإصابة (٣/ ٤٧٢) أنه ليس له غيره واللَّه أعلم، والجرح والتعديل (٧/ ٣٠١)، إصلاح المال (٣٧٧) رقم (٥٠٥)، وذكره في المستظرف من كل فن مستطرف (١/ ٢٥٤) ونسبه لسلم الخاسر.\n(^١) العقيدة الواسطية من مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٩).\n(^٢) وصف إرادة اللَّه بالعزم ذكره شيخ الإسلام عند كلامه على إرادة الشيء لمعين، وذكر فيه قولين وقال: \"الثاني: الجواز وهو أصح\" مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٠٤).\n(^٣) وهذا قد سبق بيانه (٤١٥) في حتمية وقوع القدر.\n(^٤) سيأتي (٦٠٤) بيان وتوضيح لهذه المسألة في الهداية والضلال.","vol":"2","page":589},{"text":"التي فطر اللَّه عليها خلقه، وأدلة العقول، والعيان، وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة اللَّه وحده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به، والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن\" (^١).\nوفي الأبيات الواردة في آخر المطلب تعلق قضاء الحاجات بإذن اللَّه، فإذا أذن في حاجة قضيت وإن اختلفت أسباب وطرق قضائها، وهذا أمر مهم جدا فإن إذن اللَّه بالشيء على ما فهمه السلف ﵏ هو مشيئته وما في معناها، فعن ابن عباس -﵁- في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^٢) قال: \"إلا بما سبق في قضاء اللَّه وقدره\" (^٣) وقال عطاء: \"بمشيئة اللَّه\" (^٤) وقال الزجاج: \"وما كان لنفس الوصول إلى الإيمان إلا بتوفيق اللَّه وهو إذنه\" (^٥) وقال الشيخ عبد الرحمن\n_________\n(^١) شفاء العليل (٨٠).\n(^٢) سورة آل عمران، من الآية (١٤٥).\n(^٣) الوسيط للواحدي (٢/ ٥٦٠)، تفسير البغوي (٢/ ٣٧٠)، وروى ابن جرير مثله أيضًا عن سفيان الثوري (٦/ ٦١٦).\n(^٤) الوسيط للواحدي (٢/ ٥٦٠)، تفسير البغوي (٢/ ٣٧٠)، وذكر عنه السمعاني قوله: \"إلا بتوفيق اللَّه\".\n(^٥) معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٦)، ونقله عنه الواحدي في الوسيط (٢/ ٥٦٠).","vol":"2","page":590},{"text":"ابن سعدي ﵀ فقال: \"بإرادته ومشيئته، وإذنه القدري الشرعي\" (^١)، وليس مجرد علمه بالشيء كما زعم المعتزلة (^٢).\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان (٣/ ٣٩٣)، وعقد ابن القيم -﵀- بابا في شفاء العليل عنون له بقوله: \"في انقسام القضاء والحكم والإرادة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والإنشاء إلى كوني قدري متعلق بخلقه، وإلى ديني متعلق بأمره، وما يحقّق ذلك من إزالة اللبس والإشكال\".\nقلت: وبسبب عدم التفريق بين الأمرين خلّط عبد الجبار المعتزلي تخليطا عجيبا لما أراد أن يرد استدلال أهل السنة: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فقال في متشابه القرآن (٢/ ٣٧٢): \"لا يصح التعلق به في أن المؤمن لا يؤمن إلا بمشيئته؛ لأن عندنا أن الإيمان خاصة لابدّ أن يريده اللَّه، وإنما نمنع من أن يريد الكفر، ولو احتججنا نحن به كان أقرب، في أنه تعالى يريد الإيمان من الجميع دون الكفر، فلذلك خصّ الايمان بأنه علقه بإذنه دون غيره\"، فهذا واضح في أنه لا يفرّق بين الإذن الشرعي المحبوب للَّه، والإذن الكوني الذي لا يستلزم ذلك ولا يدلّ عليه وإنما يدلّ على كمال الربوبية ونفوذ المشيئة.\n(^٢) انظر متشابه القرآن لعبد الجبار (١/ ٣٧٢) وذلك هروبا من إثبات القدر وخلق أفعال العباد، وقد ذكرت مناقشة الإمام القصاب للمعتزلة في تفسيرهم الإذن في رسالة الماجستير وردوده المطولة عليهم، وقد رد عليهم ذلك لغة وعقلا وشرعا.","vol":"2","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>المطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق</span>.\n\n٤٧٠ - حدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى الحسّاني، حدثني عبد اللَّه بن بكر السهمي، حدثني ابن لمحمد بن حصين، أن الحسن بن أبي الحسن مرّ على مجلس لثقيف فقالوا له: يا أبا سعيد لو وعظتنا بكلمات لعل اللَّه أن ينفعنا بهن، فتكلم وهو قائم فقال: \"إن ربنا لا شريك له، جعل الدنيا دار مرحلة، وجعل الخير والشر فيها فتنة لأهلها، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فهم يتقلبون فيها لسعي مختلف في مدّة من آجال منقطعة، تجري عليهم فيها أرزاق، يأكلون منها ما صحبوها، ويتركونها عما قليل لمن بعدهم، كما ورثوها عمّن كان قبلهم، كذلك حتى تلفظ الدنيا أهلها، وتبلغ مداها، وتفنوا كما فنوا، وجعل الآخرة دار الحيوان في جنة ونار، نزل بكم الخير والشرّ من قضائه (^١)، الخير من الشرّ بعيد، والشر من الخير بعيد، فنسأل الذي خلقنا لماء أن يجعل متقلّبنا ومتقلّبكم إلى داره دار السلام\" (^٢).\n\n٤٧١ - حدثنا خالد بن مرداس، حدثنا أبو عقيل، عن القاسم بن عبيد اللَّه، عن أبيه، عن جدّه عبد اللَّه بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: \"ما خلق اللَّه -﷿- ميتة أموتها، بعد القتل في سبيل اللَّه -﷿- أحب إليّ من\n_________\n(^١) ورد في طبعة السواس وفي مخطوطة الظاهرية (ل ٢٧ ب): \"نزلتا بختم من فضاء (كذا) ربهما\".\n(^٢) إسناده لين؛ فيه جهالة المبهم ابن محمد بن حصين، ذم الدنيا (٦٦) رقم (١٦٠).","vol":"2","page":592},{"text":"أموت بين شعبتي رحل، أضرب في الأرض، أبتغي من فضل اللَّه\" (^١).\n\n٤٧٢ - حدثني عبد الرحيم بن يحيى الدبيلي، نا عثمان بن عمارة أبو سعيد عن المبارك بن فضالة، عن حميد بن هلال قال: \"دخلت الكوفة وجلست إلى الربيع بن خيثم فقال: يا أخا بني عديّ، عليك بمكارم الأخلاق، فكن بها عاملا، ولها صاحبا، واعلم أن الذي خلق مكارم الأخلاق لم يخلقها ولم يدلّ عليها حتى أحبها وحبّبها إلى أهلها\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن، أبو عقيل صدوق ربما وهم مشهور بكنيته التقريب (٧٥٧٥)، إصلاح المال (٢٤١) رقم (٢٠٥)، ومعمر في الجامع كما في المصنف (١١/ ٤٦٤) رقم (٢١٠١٨) وفيه استثناء الجهاد في سبيل اللَّه أي بعد الجهاد، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٩٤) رقم (١٢٥٦) وقال: \"ورواه غيره فقال: عن عمر بن الخطاب، لم يشك، وزاد: \"وتلا هذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ \"، قلت: لأنه يروى عن ابن عمر وعن عمر وأحيانا بالشك عن عمر أو ابنه، وذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٤/ ١١٢) ونسبه للثعلبي والبيهقي وعلي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه متهم بالكذب في حديث الأبدال؛ إما شيخ المصنف أو شيخه كما في ميزان الاعتدال (٢/ ٦٠٨) و(٣/ ٥٠) والظاهر أن الأدمي هو الدبيلي والنسبة الثانية للبلد وهي مدينة بأرمينية كما في معجم البلدان (٢/ ٤٣٩) وفيه ذكر نسبة الدبيلي إليها لكن وقع فيه: (عبد الرحمن) بدل: (عبد الرحيم)، وهنا فائدة أخرى هي أن عبد الرحيم كانت له عناية بالتصوف وأحواله وإشاراته مما دعا أبا زرعة إلى التحذير من طريقته كما في سؤالات البرذعي (٥٦١)، مكارم الأخلاق (١١ - ١٢) رقم (٥١).","vol":"2","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة التنصيص على إثبات خلق اللَّه لبعض أفعال العباد كمكارم الأخلاق، بل وخلق الخير والشر عموما، كما في موعظة الحسن حيث قال: \"نزل بكم الخير والشر من قضائه\"، وكذلك أثر عمر ابن الخطاب -﵁- فيه تمني الموت حال الجهاد أو طلب الرزق في الأرض، وهذه أعمال خير وبر وطاعة، وهي مخلوقة للَّه، ولهذا تمنى أن يدركه قضاء اللَّه على تلك الحال.\nقال ابن القيم -﵀-: \"هذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى اللَّه تعالى عليهم وسلم، وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر، والعقول، والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمة، فأخرجت طاعات ملائكته، وأنبيائه، ورسله، وعباده المؤمنين، وهي أشرف ما في العالم، عن ربوبيته، وتكوينه، ومشيئته، بل جعلوهم هم الخالقون لها، ولا تعلق لها بمشيئته، ولا تدخل تحت قدرته، وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية، فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا، ولا يضل مهتديا، ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما، والكافر كافرا، والمصلي مصليا، وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك، لا بجعله تعالى، وقد نادى القرآن، بل الكتب السماوية كلها، والسنة، وأدلة التوحيد، والعقول على بطلان قولهم، وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض، وصنف حزب الإسلام، وعصابة الرسول وعسكره، التصانيف في الرد عليهم، وهي","vol":"2","page":594},{"text":"أكثر من أن يحصيها إلا اللَّه، ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم، ونواصيهم تحت أرجلهم؛ إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض، وبدعتهم بالسنة، والسنة لا يقوم لها شيء\" (^١).\n_________\n(^١) شفاء العليل (٩١).","vol":"2","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال</span>.\n\n٤٧٣ - حدثني محمد قال: حدثنا شعيب بن محرز قال: حدثنا صالح المري قال: سمعت يزيد الرقاشي يقول: \"بلغنا أن عامر بن عبد اللَّه لما احتضر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: هذا الموت غاية الساعين، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه ما أبكي جزعا من الموت، ولكن أبكي على حرّ النهار وبرد الليل، وإني أستعين باللَّه على مصرعي هذا بين يديه\" (^١).\n\n٤٧٤ - أنبأنا إسحاق بن إبراهيم، أنا علي بن بزيع الهلالي، عن أبي حمزة الهجيمي قال: قال عامر بن عبد قيس: \"إلهي خلقتني ولم تؤمرني في خلقي، وتميتني ولا تلمني، وخلقت معي عدوًّا وجعلته يجري مني مجرى الدم، وجعلته يراني ولا أراه، ثم قلت لي: استمسك، إلهي، كيف أستمسك إن لم تمسكني؟ إلهى في الدنيا الغموم والأحزان، وفي الآخرة العقاب والحساب، فأين الراحة والفرح\" (^٢).\n\n٤٧٥ - نا محمد بن أبي عمر المكي، وأحمد بن إبراهيم، عن عبد اللَّه\n_________\n(^١) إسناده ضعيف منقطع، فيه صالح المري وقد سبق (١٧٤) ويزيد يرويه بلاغا، المحتضرين (١٤٠) رقم (١٧٧)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤١٤) رقم (٣٩٢٤)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٩).\n(^٢) إسناده لين؛ شيخ المصنف ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٦٤) وقال: \"يروي عن أبي حمزة الهجيمي عن عامر بن عبد قيس الحكايات\"، الهم والحزن (٧٠) رقم (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٧).","vol":"2","page":596},{"text":"ابن يزيد القرئ، نا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد اللَّه بن الوليد قال: سمعت عبد الرحمن بن حجيرة يحدث عن عبد اللَّه بن مسعود يقول: \"إنكم من الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، من زرع خيرا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثلما زرع، لا يسبق بطيء بحظّه، ولا يدرك حريص ما لم يقدَّر له، فمن أعطي خيرا فاللَّه أعطاه، ومن وقي شرا فاللَّه وقاه، المتقون سادة، والعلماء قادة، ومجالسهم ريادة\" (^١).\n\n٤٧٦ - حدثني يوسف بن موسى، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن خالد ابن وردان، عن محمد بن كثير أنه كان يقول: \"اللهم إنك سألتنا من أنفسنا ما لا نملك، فأعطنا من أنفسنا ما يرضيك عنّا، حتى تأخذ رضى نفسك من أنفسنا؛ إنك على كل شيء قدير\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده لين؛ مداره على عبد اللَّه بن الوليد وهو التجيبي لين الحديث التقريب (٣٧١٥)، الليالي والأيام (١٦ - ١٧) رقم (٦)، والأثر فيه طمس استدركه المحقق من نثر الدر كما قال (١/ ٤٢٢)، والباقي لم يهتد إليه ووقع الأثر عنده من قول ابن عباس -﵁-، ثم وقفت عليه عند ابن عساكر كاملا فلله الحمد والمنة فقد أخرجه من طريق المصنف في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٧٦) فنقلت السند منه، وأخرجه كذلك الطبراني في الكبير (٩/ ١٠٥) رقم (٨٥٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٢٥): \"رجاله موثقون\"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٤)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٢٩٥) عن أبي عبد الرحمن المقرئ به، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٩٧).\n(^٢) إسناده حسن، خالد بن وردان ليس به بأس كما في الجرح والتعديل (٣/ ٣٥٦)، =","vol":"2","page":597},{"text":"٤٧٧ - حدثنا سويد بن سعيد، ثنا الحكم بن سنان قال: كان مالك ابن دينار يقول: \"اللهم أنت أصلحت الصالحين فأصلحنا حتى نكون صالحين\" (^١).\n\n٤٧٨ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، حدثني محمد بن القاسم خراط العنبر (^٢) عن سفيان بن عيينة قال: \"بينما أنا أطوف بالبيت وإلى جانبي أعرابي، وهو ساكت، فلما أتمّ طوافه جاء إلى المقام فصلى ركعتين، ثم جاء فقام بحذاء البيت، فقال: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفا، ومن أولى بالعفو عني منك، وعلمك فِيَّ سابق، وقضاؤك بي محيط، أطعتك بإذنك، والمنة لك، وعصيتك بعلمك، والحجة لك، فأسألك بوجوب حجّتك عليّ وانقطاع حجتي، وفقري إليك وغناك عني، إلا ما غفرت لي، قال سفيان: ففرحت فرحا ما أعلم متى فرحت مثله حين سمعته يتكلم بهؤلاء الكلمات\" (^٣).\n_________\n= محاسبة النفس (١١١ - ١١٢) رقم (٩٣)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ١٤٥)، وفي طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٢٢٤) عن أبي هريرة.\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه الحكم بن سنان وهو ضعيف التقريب (١٤٥٢)، التوبة (٧٥) رقم (٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٨٠)، ومن طريق المصنف البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٦٨) رقم (٧٣١٥)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٢٥).\n(^٢) الصواب محمد بن القاسم العنبري كما في الحلية (٧/ ٣٠٤).\n(^٣) إسناده لين، فيه محمد بن القاسم لم أعرفه، والأثر حسن بطرقه، التوبة (٨٨) رقم (٩٠)، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٢٣) رقم (١١٨٦ - ١١٨٨) =","vol":"2","page":598},{"text":"٤٧٩ - حدثنا عبد اللَّه بن الهيثم الدوري، أخبرنا شعيب بن حرب، حدثنا الوليد بن نمير بن أوس الأشعري، عن أبيه (^١) قال: \"كانوا يقولون: الأدب من الآباء، والصلاح من اللَّه\" (^٢).\n\n٤٨٠ - حدثني محمد قال: حدثني عمر بن حفص قال: حدثني سكين ابن مكين -رجل من بني عج- قال: \"كانت بيننا وبينه قرابة - يعني ورّادا، فسألت أختا له أصغر منه، قال: قلت: كيف كان ليله؟ قالت: بكاء عامة الليل وتضرع، قلت: فما كان طُعمه؟ قالت: قرص في أول الليل، وقرص في آخره عند السحر، قلت: فتحفظين من دعائه شيئًا؟ قالت: نعم، كان إذا كان أو قريب من طلوع الفجر سجد، ثم بكى، ثم\n_________\n= من طرق عن سفيان بن عيينة والثوري، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٠٤) من طريق المصنف، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٥٠٠) رقم (٤١٩٧) عن ابن عيينة، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٤٠٩)، وابن قدامة في المغني (٥/ ٢٦٩) مطولا، ونسبه اليافعي في مرهم العلل المضلة (١٤٧) إلى البيهقي واستشهد به في القدر فليراجع.\n(^١) هو نمير بن أوس الأشعري، ويقال الأشجعي، قاضي دمشق، لا تصح له صحبة كما حققه ابن عبد البر، كان قليل الحديث، مات سنة (١٥ هـ) أو عشرين أو إحدى وعشرين، الإصابة (٦/ ٥١١).\n(^٢) إسناده لين، الوليد بن نمير مقبول التقريب (٧٥١٠)، العيال (٥٣٦) رقم (٣٥٧)، والمزي في تهذيب الكمال (٧/ ٤٩٠)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٣٢٩) من قول نمير نفسه.","vol":"2","page":599},{"text":"قال: مولاي عبدك يحب الاتّصال بطاعتك، فأعنه عليها بتوفيقك أيها المنّان، مولاي عبدك يحبّ اجتناب سخطك فأعنه على ذلك بمنّك عليه أيها المنان، مولاي عبدك عظيم الرجاء لخيرك، فلا تقطع رجاءه يوم يفرح بخيرك الفائزون، قالت: فلا يزال على هذا ونحوه حتى يصبح، قالت: وكان قد كلّ من الاجتهاد، وتغيّر لونه جدا\" (^١).\n\n٤٨١ - حدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن السكن قال: حدثنا أيوب (^٢) بن محمد العجلي، عن يحيى بن أبي كثير قال: \"لما حضر عمر بن عبد العزيز الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر؛ فإن اللَّه قد أحيا بك سننا، وأظهر بك عدلا، فبكى ثم قال: أليس أوقف فأُسأل عن أمر هذا الخلق؟ فواللَّه لو رأيت أني عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجّتها بين يدي اللَّه إلا أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما صنعنا؟ قال: ثم فاضت عيناه، فلم يلبث إلا يسيرا بعدها حتى مات ﵀\" (^٣).\n_________\n(^١) فيه سكين لم أجده، وذكر المحقق اختلافا في اسمه واسم أبيه في مصادر التخريج فلعله مصحف واللَّه أعلم، الرقة والبكاء (١٩٣) رقم (٢٧٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٦٢)، وابن قدامة في الرقة والبكاء (٣٠٥).\n(^٢) ذكر المحقق أن الاسم مطموس ولم يبق منه إلا الحرف الأول وهو الألف، قلت: واستدركته من تاريخ دمشق.\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه أيوب بن محمد العجلي اليمامي ضعفه ابن معين وغيره، انظر لسان الميزان (١/ ٤٨٧)، المحتضرين (٨٣) رقم (٨٩)، ومن طريقه ابن عساكر في =","vol":"2","page":600},{"text":"٤٨٢ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن القرشي، عن عبد اللَّه بن عكيم قال: \"خطبنا أبو بكر الصديق -﵁- فقال: اعلموا عباد اللَّه أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن ينقضي وأنتم في عمل اللَّه فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا باللَّه، فسارعوا في مهل أعماركم من قبل أن تقضى آجالكم، فيردّكم إلى أسوأ أعمالكم\" (^١).\n\n٤٨٣ - قال محمد بن الحسين: حدثني خلف بن إسماعيل قال: \"سمعت رجلا مبتلى من هؤلاء الزمنى يقول: وعزّتك لو أمرت هوام الأرض فقسمتني مضغا، ما ازددت لك بتوفيقك إلا صبرا، وعنك بمنِّك وحمدك إلا رضا، قال خلف: وكان الجذام قد قطع يديه ورجليه، وعامة بدنه\" (^٢).\n_________\n= تاريخ دمشق (٤٥/ ٢٥٤)، والغزالي في إحياء علوم الدين (٤/ ٦٩٧).\n(^١) إسناده ضعيف؛ مداره على عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف التقريب (٣٨٢٣)، قصر الأمل (١٣١) رقم (١٩٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩١) رقم (٣٤٤٣١)، هناد في الزهد (١/ ٢٨٣) رقم (٣٤٤٣١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤) وقال: \"حديث صحيح الإسناد\"، وتعقبه الذهبي بقوله: \"عبد الرحمن بن إسحاق كوفي ضعيف\"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٦٤) رقم (١٠/ ٥٩٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٣٠)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ١٢٠) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) فيه إسماعيل بن خلف، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٧٣) ولم يذكر =","vol":"2","page":601},{"text":"٤٨٤ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن قال: قال ابن السماك: \"تباركت يا عظيم، لو كانت المعاصي التي عصيتها طاعة أُطعت فيها، ما زاد على النعماء التي تبتليها (^١)، وإنك لتزيد في الإحسان إلينا كأن الذي أتيناه من الإساءة إحسان، فلا أنت بكثرة الإساءة منا تدع الإحسان، ولا نحن بكثرة الإحسان منك إلينا عن الاساءة نقلع، أبيت إلا إحسانا وأبينا إلا إساء واجتراء، فمن ذا الذي يحصي نعمك، ويقوم بإحسانك وبأداء شكرك، إلا بتوفيقك ونعمك، ولقد فكّرت في طاعة المطيعين، فوجدت رحمتك مقدمة لطاعتهم، ولولا ذلك لما وصلوا إليها، فنسألك بالرحمة المتقدّمة للمطيعين قبل طاعتهم لما مننت على العاصين بعد معصيتهم\" (^٢).\n\n٤٨٥ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه قال: حدثني محمد بن إسماعيل بن عياش قال: حدثني أبي قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد\n_________\n= فيه جرحا ولا تعديلا، ونسبه بقوله: \"الخزاعي\"، لكن وقع في الحلية (٧/ ٨) نسبته بقوله: \"البرزاني\" فاللَّه أعلم، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٧) رقم (٦٦).\n(^١) كذا في طبعتي السيد وشاحونة، واستغربها مجدي السيد، لكنها وردت في مخطوطة الظاهرية (ل ١٩٧ أ): \"النعماء التي تنيلنيها\"، وصححت في الهامش إلى: \"النعم التي تنيلها\"، ولعلها الأقرب.\n(^٢) إسناده ضعيف، شيخ المصنف مقبول التقريب (١٣٣٦)، وأظنه منقطعًا بينه وبين ابن السماك؛ لأنه لم يذكر في شيوخه، مع أنهما من طبقة واحدة تقريبا، وليس في السند تصريح بالسماع واللَّه أعلم، حسن الظن باللَّه (٨٠) رقم (٩١).","vol":"2","page":602},{"text":"وغيره قال: \"كان مروان بن الحكم (^١) إذا ذكر الإسلام قال: بنعمة ربي لا بما قدّمت يديّ ولا بإرادتي، إني كنت خاطئا\" (^٢).\n\n٤٨٦ - حدثني محمد بن إسحاق المسيّبي المخزومي قال: حدثنا أنس ابن عياض، عن يزيد بن أبي عبيد قال: قال سلمة بن الأكوع: \"كان رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه في سفر نحو حنين ذاهبين فقال رجل: يا عامر بن سنان (^٣) أسمعنا من هَنَاتِك (^٤) فنزل عامر فقال:\nواللَّه لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا\nفاغفر لذاك اليوم ما أتينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا\n_________\n(^١) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولد على عهد النبي، ولم يره، اسكتتبه عثمان ﵁، ولي الخلافة في آخر سنة (٦٤ هـ)، ومات سنة (٦٥ هـ) وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لا تثبت له صحبة، أسد الغابة (١/ ١٠٠٣)، التقريب (٦٥٦٧).\n(^٢) إسناده منقطع والأثر صحيح، محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه انظر التقريب (٥٧٧٢) والجرح والتعديل (٧/ ١٨٩)، وإن كان هنا صرح بالسماع فاللَّه أعلم، لكن تابعه عند ابن أبي عاصم أبو اليمان وهو الحكم بن نافع البهراي ثقة ثبت، التقريب (١٤٧٢)، الشكر (١٢٦) رقم (١١٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٩٤) رقم (٥٤٧).\n(^٣) هو عامر بن سنان بن عبد اللَّه بن قشير الأسلمي، المعروف بابن الأكوع، عم سلمة ابن عمرو بن الأكوع، ويقال أخوه، استشهد يوم خيبر، الإصابة (٣/ ٥٨٢)، الوافي بالوفيات (١/ ٢٣٢١).\n(^٤) أي من كلماتك أو أراجيزك، كما في لسان العرب (١٥/ ٣٦٥).","vol":"2","page":603},{"text":"إنا إذا صيح بنا أبينا ... وبالصياح عوَّلوا علينا\nفقال رسول اللَّه -ﷺ- من السائق؟، قالوا: عامر، قال: يرحمه اللَّه، فقال رجل من القوم: وجبت واللَّه يا رسول اللَّه، لو متّعتنا به، قال: فأصيب بحنين\" (^١).\n\n٤٨٧ - حدثني مفضل بن غسان حدثني، أبي نا ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: \"إن هذه الأخلاق منائح يمنحها اللَّه ﷿ من يشاء من عباده، فإذا أراد اللَّه بعبد خيرا منحه منها خلقا حسنا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان أمر مهم من أمور القدر وهو إثبات أن التوفيق للأعمال الصالحة، والهدى والطاعة متعلق بمشيئه اللَّه، وأنه إذا حصل توفيق اللَّه للعبد نال كل خير، ولذلك فإنك تجد في هذه الآثار فقه السلف لهذا الأمر، فعند سكرات الموت يستعين عامر بن عبد اللَّه باللَّه على مصرعه، ويناجي عامر بن عبد قيس ربه فيطلب منه أن يمسكه عن فعل المعاصي، وأنه إن لم يحصل هذا الإمساك فكيف سيستمسك؟، وهكذا ابن مسعود -﵁- ذكر أن اللَّه هو المعطي للخير، الواقي من الشر، ومحمد بن كثير ذكر أن رضا اللَّه لا نملكه بل هو سبحانه يعطينا ما نرضيه\n_________\n(^١) الإشراف (٢٥٨ - ٢٥٩) رقم (٣٣٠)، وأخرجاه: البخاري (٧/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، ومسلم كتاب الجهاد (١٨/ ١٦٥ - ١٦٧)، وكان -ﷺ- إذا ترحم على أحد رزق الشهادة.\n(^٢) سبق (٤٦٨) الأثر مخرجا.","vol":"2","page":604},{"text":"به، ومالك بن دينار يسأل اللَّه أن يصلحه لأنه هو الذي أصلح الصالحين، والأعرابي الذي طاف بالبيت ناجى ربه واعترف بأنه أطاعه بإذنه والمنة له، وفي أثر نمير الأشعري توضيح أدق حيث ذكر أن الأدب من الآباء وهو فعلهم وهم سببه، لكن نتيجة ذلك وأثره وهو الصلاح فمن اللَّه، وكذا وراد العجلي يناجي ربه بأن يعينه بتوفيقه لفعل طاعته واجتناب نواهيه، بل إن عمر بن عبد العزيز رغم عدله في الرعية، فإنه خاف أن لا تقوم نفسه بحجتها أمام اللَّه إلا أن يلقنه إياها اللَّه تعالى، وخطبة أبي بكر الصديق -﵁- بيّنت أن فعل العبل واستطاعته ليس ممكنا إلا باللَّه، وهكذا بقية الآثار في أن كل خير وفعل حسن فإنه بتوفيق اللَّه ومنه ونعمته على عبده.\nومسألة الهداية والضلال هي: \"قلب أبواب القدر ومسائله؛ فإن أفضل ما يقدر اللَّه لعبده، وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به، ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال، وقد اتفقت رسل اللَّه من أولهم إلى أخرهم، وكتبه المنزلة عليهم، على أنه سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده، لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه، ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن؛ فأما مراتب الهدى فأربعة؛ إحداها: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها، وما","vol":"2","page":605},{"text":"يقيمها، وهذا أعم مراتبه.\nالمرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة، والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين، وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى، وأعم من الثالثة.\nالمرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق، ومشيئة اللَّه لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى، وإرادته، والقدرة عليه للعبد، وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا اللَّه -﷿-.\nالمرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار\" (^١).\n_________\n(^١) شفاء العليل (١١٧).","vol":"2","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن اللَّه (العدل الإلهي)</span>.\n\n٤٨٨ - حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثني سهل بن عاصم (^١) قال: \"كان يقال: عقوبة الذنبِ الذنبُ\" (^٢).\n\n٤٨٩ - حدثني أبو عبد اللَّه التميمي، عن سليمان بن الحكم بن عوانة (^٣): \"أن رجلا دعا بعرفات فقال: لا تعذبنا بالنار بعد أن سكَّنت توحيدك قلوبنا، قال: ثم بكى وقال: ما أخالك تفعل بعفوك، ثم بكى، وقال: ولئن فعلت فبذنوبنا، لتجمعنّ (^٤) بيننا وبين قوم طال ما عاديناهم فيك\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر التخريج الآتي.\n(^٢) إسناده حسن، سهل بن عاصم سبق (٣٠٠) قول أبي حاتم فيه: \"شيخ\"، العقوبات (٥٨) رقم (٦٨)، والسلمي في طبقات الصوفية (١/ ٢٨٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٤٦) رقم (٧٢٢٢) عن أبي الحسين المزين، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٦٦)، وابن العماد في شذرات الذهب (١/ ٣١٦).\n(^٣) هو سليمان بن الحكم بن عوانة، ضعفوه، وقواه النفيلي وقال ابن عدي: \"لسليمان ابن الحكم بن عوانة أخبار مسندة ليس بكثير، إلا أنه يروي من الأخبار أخبارا حسانا عن العوام بن حوشب وغيره، ولم أر في مقدار ما يرويه حديثا منكرا فأذكره\"، الكامل (٣/ ٢٥٨)، لسان الميزان (٣/ ٨٢).\n(^٤) كذا في المخطوط والمطبوع بلام التوكيد، والظاهر أنها خطأ والمراد النفي واللَّه أعلم، وقد وردت بالنفي في التخويف من النار (١٩٠).\n(^٥) إسناده حسن، حسن الظن باللَّه (٢٥ - ٢٦) رقم (١٢)، وابن رجب في التخويف من =","vol":"2","page":607},{"text":"٤٩٠ - حدثنا خلف بن هشام قال: ثنا الحكم بن سنان، عن حوشب، عن الحسن قال: \"خلق اللَّه آدم حين خلقه، فأخرج أهل الجنة فدبّوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصمّ والمبتلى، فقال آدم: يا ربّ، ألا سوّيت بين ولدي، قال: يا آدم، إني أردت أن أُشكر\" (^١).\n\n٤٩١ - حدثنا أحمد بن عبيد التميمي قال: قال أعرابي: \"الحمد للَّه الذي لا يحمد على المكروه غيره\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة نفي الجور عن اللَّه -﷿-، وإثبات العدل له في أفعاله وأحكامه، فالذنب الذي يفعله العبد هو عقوبة على ذنب سبقه كما في أثر سهل بن عاصم، وفي دعاء الرجل بعرفات أن اللَّه لا يظلم\n_________\n= النار (١٩٠)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٣٣) من دعاء يزيد الرقاشي.\n(^١) إسناده ضعيف، فيه الحكم بن سنان وهو القربي ضعيف التقريب (١٤٥٢)، الشكر (٦٥) رقم (١٦٢)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٠٧) رقم (٤٤٤١)، وابن كثير أيضًا في البداية والنهاية (١/ ٨٨)، وزاد السيوطي في الدر (٣/ ٦٠٣) نسبته إلى أبي الشيخ.\n(^٢) فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة إلا ما ذكره المزي في تهذيب الكمال (٣/ ٢٤٢) من كونه يروي عن سلمة بن بشر وسماه أبو الحسن أحمد بن عبيد التميمي العنبري وبدأ به في الرواة عن سلمة، الشكر (٣٧) رقم (٨٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١١٨) رقم (٤٤٩٥)، وانظر فتح الباري (٣/ ٢٩٠) ففيه بحث حول أن اللَّه هو الذي يشكر على كل الأحوال واستشكال حديث المتصدق على الزانية. . . .","vol":"2","page":608},{"text":"الناس شيئًا؛ فلا يعذبهم بالنار بعد أن وحدوه، وهذا مقتضى عفوه، ولو عذبهم فبذنوبهم، وكذلك خلق اللَّه العباد مختلفي الحالات منهم المبتلى والأعمى والأصم ولم يسوِّ بينهم؛ لأنه سبحانه يحب أن يشكر، وهو الذي لا يحمد على المكروه سواه.\nوهذه المسألة من أهم مسائل القضاء والقدر قال شيخ الإسلام: \"اتفق المسلمون وسائر أهل الملل، على أن اللَّه تعالى عدل، قائم بالقسط، لا يظلم شيئًا، بل هو منزه عن الظلم، ثم لما خاضوا في القدر، تنازعوا في معنى كونه عدلا وفي الظلم لذي هو منزه عنه. . . وهذا الأصل وهو عدل الرب، يتعلق يحميع أنواع العلم والدين؛ فإن جميع أفعال الرب، ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله، وشرائعه، وكتبه المنزلة، وما يدخل في ذلك من مسائل المبدأ، والمعاد، ومسائل النبوات، وآياتهم، والثواب، والعقاب، ومسائل التعديل والتجوير وغير ذلك\" (^١).\nوقد بين ابن أبي العز ﵀ لما شرح قول الطحاوي: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا) أن توفية هذا المقام حقه يبلغ به المسلم أعلى مقامات العبودية فقال: \"روى أبو داود والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت عن النبي -ﷺ-: \"لو أن اللَّه عذب أهل سمواته، وأهل أرضهن لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم\n_________\n(^١) رسالة في معنى كون الرب عادلا (١٢١، ١٢٥).","vol":"2","page":609},{"text":"كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم\" (^١)، وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم الفاسدة، ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل، وأسعد الناس به أهل السنة الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة اللَّه وجلاله، قدر نعم اللَّه على خلقه وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا وإضاعة، وإما تقصيرا في المقدور من الشكر، ولو من بعض الوجوه. . . وغاية ما يقدر توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه، . . .وسأله -أي النبي -ﷺ- الصديق دعاء يدعو به في صلاته فقال: \"قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\" (^٢)، فإذا كان هذا حال الصديق الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فما الظن بمن سواه؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه، الذي يتضمن معرفة ربه، وحقه وعظمته، وما ينبغي له، وما يستحقه على عبده، ومعرفة تقصيره\" (^٣).\nوقد أورد على كون الذنب عقوبة على ذنب قبله، سؤالٌ قال ابن القيم: \"يبقى أن يقال في الكلام: فالذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ فيقال: هو عقوبة أيضًا على عدم ما خلق له وفطر عليه، فإن اللَّه\n_________\n(^١) قال الألباني في التعليق على الطحاوية (٤٥١): \"صحيح\".\n(^٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (٤٥٠ - ٤٥١).","vol":"2","page":610},{"text":"سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتألهه والإنابة إليه. . .فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة اللَّه وعبوديته والإنابة إليه، عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فلأنه صادف قلبا فارغا خاليا قابلا للخير وللشرّ ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن من الشر. . .وأما إذا صادفه فارغا من ذلك تمكن منه بحسب فراغه وخلوه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة على عدم هذا الإخلاص وهذا محض العدل.\nفإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه؟ قلت: هذا سؤال فاسد فإن العدم كاسمه يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض والشر ليس إلى الرب -﵎-\" (^١).\nومن هنا لم يسوِّ بين جميع عباده في الخِلْقَة، ولا في الهداية والضلال؛ لأن له في ذلك حكما كثيرة، وهو سبحانه لذلك يحمد على كل حال، قال ابن القيم ﵀: \"فصل في بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه، والمقصود بيان شمول حمده سبحانه وحكمته لكل ما يحدثه، من إحسان، ونعمة، وامتحان، وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، واللَّه تعالى محمود على ذلك مشكور، حمد المدح، وحمد الشكر، أما حمد المدح\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة (١٨٨)، وانظر بقية كلامه فإنه مهم، ومجموع الفتاوى (١٤/ ٣٣١)، شرح العقيدة الطحاوية (٤٤٠ - ٤٤٤).","vol":"2","page":611},{"text":"فاللَّه محمود على كل ما خلق؛ إذ هو رب العالمين، والحمد للَّه رب العالمين، وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن؛ إذا اقترن بواجبه من الإحسان والنعمة، إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة، والطاعة من أجل نعمه، وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة، والاستغفار، والإنابة، والذل، والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة، والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، وإن كان سببها مسخوطا مبغوضا للرب سبحانه، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة، والاستغفار. . .هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه، وأما بالإضافة إلى العبد؛ فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة، والإنابة. . .فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه. . . ومعلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها. . . والرب سبحانه محمود على ذلك أيضًا، كما هو محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان. . .فحمده وحكمته تقتضي أن لا يودع نعمه وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها، ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة في خلق هذه الأرواح، التي هي غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية، وأن خلق الأضداد، والمقابلات، وترتيب آثارها","vol":"2","page":612},{"text":"عليها، موجب ربوبيته، وحكمته، وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية، وأيضا فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن؛ فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بقلبه، ويده، ولسانه، أو بقلبه ولسانه فقط، أو بقلبه فقط، ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه، ونفسه، وبدنه، ومصالح دنياه وآخرته، ما لم يكن ينال بدون ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (١١٨ - ١١٩).","vol":"2","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر</span>\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالأسباب.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر. والصبر عليه، وبين العزم على ذلك.","vol":"2","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه</span>.\n\n٤٩٢ - حدثني محمد بن إسحاق الثقفي، عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان -يعني الداراني- يقول: \"ما أعرف للرضا حدًّا، ولا للزهد حدًّا، ولا للورع حدًّا، ما أعرف من كل شيء إلا طريقه، قال أحمد: فحدثت به سليمان ابنه فقال: لكني أعرفه: من رضي في كل شيء فقد بلغ حدّ الرضا، ومن زهد في كل شيء فقد بلغ حدّ الزهد، ومن تورّع في كل شيء فقد بلغ حدّ الورع، وسمعت أبا سليمان يقول: \"الورع من الزهد بمنزلة القناعة من الرضا\" (^١).\n\n٤٩٣ - حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: \"إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض\" (^٢).\n\n٤٩٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني قادم الديلمي العابد قال: قلت لفضيل بن عياض: \"من الراضي عن اللَّه؟ قال: الذي لا يحب\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٨) رقم (١٠١)، وابن بشر في الزهد برقم (٢٤) وفيه زيادة: \"قال فهذا أول الرضا يعني القناعة وهو أول الزهد يعني الورع\"، والقشيري في الرسالة (١/ ٤١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩٢٧٤)، وابن عساكر من طريق المصنف في تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٤٦).\n(^٢) إسناده صحيح، وحسنه شيخ الإسلام واستحسنه في الاستقامة (٢/ ٧١)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣١ - ٣٢) رقم (١٨)، وطبقات الصوفية أطول من هذه (٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٥ - ٦).","vol":"2","page":615},{"text":"أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها\" (^١).\n\n٤٩٥ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: \"الراضي لا يتمنّى فوق منزلته\" (^٢).\n\n٤٩٦ - حدثني أبو عبد اللَّه المروزي رجل من أهل مرو قال: قال حفص بن حميد: \"كنت عند عبد اللَّه بن المبارك بالكوفة (^٣) حين ماتت أمه، فسألته ما الرضا؟ قال: الرضا لا يتمنى (^٤) خلاف حاله، فجاء أبو بكر بن عياش (^٥) فعزّى عبد اللَّه، قال حفص: ولم أعرفه، فقال عبد اللَّه:\n_________\n(^١) إسناده حسن، قادم الديلمي من أصحاب الفضيل بن عياض وأقرانه وسلك مسلكه في الخضوع والخشوع، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٤) رقم (٢٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣١).\n(^٢) إسناده حسن، سبق الكلام في رواية ابن الأشعث (٢٣٣) عن التفصيل، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٠) رقم (١٦)، والبيهقي في الشعب الإيمان (١/ ٢٢٧) رقم (٢٣٠) بلفظ: \"الراضي لا شيء فوق منزلته\" وكأن فيه تحريفا واللَّه أعلم، ويروى هذا عن بشر الحافي عن الفضيل ذكره القشيري في الرسالة وقال شيخ الإسلام في الاستقامة (٢/ ٨١): \"أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل.\n(^٣) المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، معجم البلدان (٤/ ٤٩٠).\n(^٤) ووقع في طبعة السلفي: \"الإظهار خلاف حاله\" وهو خطأ في المعنى ظاهر، لا يصدر من مثل ابن المبارك ﵀، والكلمة واضحة في المخطوط كما هو مثبت.\n(^٥) هو أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي، المقرئ الحناط، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل في اسمه عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، مات سنة (١٩٤ هـ) وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين، وقد قارب =","vol":"2","page":616},{"text":"سله عما كنا فيه، فسألته فقال: من لم يتكلم بغير الرضا، فهو راض، قال حفص: وسألت الفضيل بن عياض فقال: ذلك للخواص\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان معنى الرضا وتعريفه، وهي عبارات مختلفة فسليمان الداراني عرفه بأنه الرضى في كل شيء، وأبو عرفه بأنه السلوة عن الشهوات، والفضيل عرفه بأنه عدم تمني منزلة فوق ما أنت عليه، وقريب منه تعريف ابن المبارك، وأبو بكر بن عياش عرفه بأنه عدم التكلم بغير الرضا، قال ابن رجب: \"الرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بألم، لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية\" (^٢)، وقد استحسن شيخ الإسلام بعض هذه التعاريف لا تكلم عما أورده القشيري من ذلك ووجهها بقوله: \"ذكر آثارا حسنة، بأسانيد حسنة، مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض. . . وذكر عن الشيخ أبي\n_________\n= المائة، وروايته في مقدمة مسلم، التقريب (٧٩٨٥).\n(^١) إسناده حسن، حفص بن حميد صدوق التقريب (١٤١٣)، وأبو عبد اللَّه المروزي هو أحمد ابن نصر الخزاعي كما سبق (٢٥٩) تحقيقه، وليس محمد بن نصر الفقيه كما حققه السلفي واللَّه أعلم، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٣ - ٣٤) رقم (٢٢).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٥).","vol":"2","page":617},{"text":"عبد الرحمن أنه قال سمعت النصرآباذي يقول: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل اللَّه رضاه فيه؛ فإن هذا الكلام في غاية الحسن؛ فإنه من لزم ما يرضي اللَّه من امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لا سيما إذ قام بواجبها، ومستحبها يرضي اللَّه عنه. . . وكذلك قول الشيخ أبي سليمان. . . وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل سخط، فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم اللَّه له من الرزق، وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي: الرضا أفضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته، كلام حسن، لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل، وكذلك ما ذكره معلقا قال: وقيل: قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء؛ فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ﵁، سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليما، وتأديبا، وتقويما، وذلك أن هذه الكلمة هي كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا، فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالا ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه\" (^١).\n_________\n(^١) الاستقامة (٢/ ٨٠) فما بعدها.","vol":"2","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله</span>.\n\n٤٩٧ - قال نصر بن علي: حدثنا أبي، عن شداد بن سعيد الراسبي، عن غيلان بن جرير (^١) قال: \"من أعطى الرضا، والتوكّل، والتفويض فقد كفي\" (^٢).\n\n٤٩٨ - حدثنا الحسن، عن سفيان قال: \"سمعت المفسرين من كل جانب يقولون في قوله: ﴿أَغْنَى﴾: أرضى، قال سفيان: لا يكون غنيا أبدا حتى يرضى بما قسم اللَّه له فذللك الغنى\" (^٣).\n\n٤٩٩ - حدثنا الفضل بن جعفر قال: حدثنا يحيى بن عمير العنزي قال: حدثنا الربيع بن صبيح قال: كان الحسن يقول: \"ارض عن اللَّه يرض اللَّه عنك، واعط اللَّه الحق من نفسك، أما سمعت ما قال ﵎: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) هو غيلان بن جرير المعولي الأزدي البصري، ثقة، مات سنة (١٢٩ هـ)، التقريب (٥٣٦٩).\n(^٢) إسناده حسن، شداد بن سعيد صدوق يخطئ التقريب (٢٧٧٠)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٦ - ٨٧) رقم (١٠٠).\n(^٣) إسناده حسن، الرضا عن اللَّه بقصائه والتسليم بأمره (٨٤) رقم (٩٥).\n(^٤) سورة البينة، من الآية (٨).\n(^٥) إسناده ضعيف، يحيى بن عمير لعله المدني البزاز مقبول التقريب (٧٦٦٧)، وشيخه الربيع صدوق سيء الحفظ، التقريب (١٩٠٥)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨١) رقم (٩٠).","vol":"2","page":619},{"text":"٥٠٠ - حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي هارون المديني قال: قال ابن مسعود: \"إن اللَّه ﵎ بقسطه وحلمه، جعل الروح والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط\" (^١).\n\n٥٠١ - حدثنا الحسن بن الصباح، عن سفيان، قال: قال الحسن: \"من رضي بما قسم اللَّه له وَسِعَه، وبارك اللَّه له فيه، ومن لم يرض لم يَسَعْه ولم يبَارَك له فيه\" (^٢).\n\n٥٠٢ - حدثنا علي بن الحسن، عن مصعب بن ماهان، عن سفيان في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ (^٣) قال: المطمئنين، الراضين بقضائه، المستسلمين له\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يهم التقريب (١٢٦١) وقد وثقه الإمام أحمد وغيره ورفع من قدره، وكان صاحب سنة وجلالة ببغداد، وتابعه هناد بن السري وغيره، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٣) رقم (٩٣)، اليقين برقم (٢٣) (٣٢)، وابن المبارك في الزهد - زيادت نعيم - برقم (١٠٠٤، ١٤٣٨)، وهناد في الزهد برقم (٥٣٥)، وابن عساكر من طريق المصنف في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٧٥).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يهم، كما في الأثر السابق، وتوثيق أحمد له ورفعه من قدره، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٤) رقم (٩٤).\n(^٣) سورة الحج، آية (٣٤).\n(^٤) إسناده ضعيف، مصعب بن ماهان صدوق كثير الخطأ التقريب (٦٧٣٩)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٤) رقم (٧٩)، وعلقه البخاري في صحيحه =","vol":"2","page":620},{"text":"٥٠٣ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثني عمرو بن أسلم العابد قال: سمعت أبا معاوية الأسود (^١) يقول في قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (^٢) قال: هي الرضا والقناعة\" (^٣).\n\n٥٠٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: سمعت عبد اللَّه البراثي يقول: \"من وهب له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات\" (^٤).\n\n٥٠٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثني مسكين بن عبد اللَّه\n_________\n= (٨/ ٤٣٨ فتح) وقال ابن حجر: \"هو كذلك في تفسير ابن عيينة، لكن أسنده عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وكذا هو عند ابن المنذر من هذا الوجه\" وقال في (١/ ١١٠): \"أي المطمئنين كذا في الأصل وهو تفسير باللازم\"، وذكره ابن كتير (٣/ ٢٢٢).\n(^١) هو أبو معاوية الأسود الزاهد مولى بني أمية صحب سفيان الثوري وغيره، لا يعرف اسمه وإنما يعرف بكنيته، له كرامات، له ترجمة في تاريخ دمشق (٦٧/ ٢٤٠ - ٢٤٥).\n(^٢) سورة النحل، الآية (٩٧).\n(^٣) إسناده حسن، عمرو بن أسلم صدوق كما في الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٦)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٨ - ٤٩) رقم (٤٢) ورقم (٧١)، وهذا التفسير مروي عن ابن عباس -﵁- هو ما رجحه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ١٧٢)، وانظر الدر المنثور كذلك (٥/ ١٦٤)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم عن بعض السلف (١/ ١٩٥).\n(^٤) إسناده حسن، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٢) رقم (٣١)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣٨) مطولا، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٣٨٩)، ورواه أيضًا أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٥٠) عن بشر الحافي مطولا.","vol":"2","page":621},{"text":"قال: سمعت هدابا يقول: قال لي بعض العباد: \"إن أنت رضيت مهما أعطيت، خفّ الحساب فيما أوتيت\" (^١).\n\n٥٠٦ - حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن شيخ من أهل البصرة، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال: \"من رضي من اللَّه بالرزق اليسير، رضي اللَّه منه بالعمل القليل\" (^٢).\n\n٥٠٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: سمعت أبا عبد اللَّه البراثي يقول: \"لن يرد الآخرة أرفع درجات من الراضين عن اللَّه -﷿- على كل حال\" (^٣).\n\n٥٠٨ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا أبو أسامة\n_________\n(^١) إسناده لين، فيه مسكين بن عبد اللَّه، أورده ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٤٩)، ولم يذكر فيه البخاري وأبو حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٨/ ٣)، والجرح والتعديل (٨/ ٣٢٩)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٣) رقم (٣٢).\n(^٢) إسناده ضعيف لإبهام الشيخ البصري، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٣ - ٤٤) رقم (٣٣)، وفي الإحياء (٤/ ٣٣٤)، مرفوعا من حديث علي بن أبي طالب وتعقبه العراقي في تخريجه، وانظر ضعيف الجامع للألباني برقم (٥٦٠١) والضعيفة برقم (٢٣٧٣).\n(^٣) إسناده حسن، فإن حكيم بن جعفر ذكره ابن أبي حاتم (٣/ ٢٠٢) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكان أحد العباد الزهاد ومشهور بالرواية عن البراثي انظر الإكمال (١/ ٥٣٥)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٥) رقم (٢٤)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣٨).","vol":"2","page":622},{"text":"قال: حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق (^١) قال: \"كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك، فالديك يوقظه للصلاة، والحمار ينقلون عليه الماء، والكلب يحرسهم، قال: فجاء الثعلب فأخذ الديك، فحزنوا لذهاب الديك، وكان الرجل صالحا، فقال: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا ما شاء اللَّه، ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله، فحزنوا لذهاب الحمار، فقال الرجل الصالح: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا ما شاء اللَّه بعد ذلك، ثم أصيب الكلب، فقال الرجل الصالح: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا بعد ذلك ما شاء اللَّه، فأصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من حولهم، وبقوا هم، قال: وإنما أخذوا أولئك بما كان عندهم من الصوت والجلبة، ولم يكن عند أولئك شيء يجدب، قد ذهب كلبهم وحمارهم وديكهم\" (^٢).\n\n٥٠٩ - حدثني الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب قال: \"اجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع، فتذاكرا العيش، فقال مالك: ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش فيها، وقال محمد: طوبى لمن وجد غداء ولم يجد عشاء، ووجد عشاء ولم يجد غداء،\n_________\n(^١) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه، عابد مخضرم، مات سنة (٦٢ هـ) ويقال التي بعدها، التقريب (٦٦٠١).\n(^٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٨ - ٣٩) رقم (٢٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٤٩) رقم (٣٤٨٧٧).","vol":"2","page":623},{"text":"وهو عن اللَّه -﷿- راض، أو فقال: واللَّه عنه راض\" (^١).\n\n٥١٠ - حدثني محمد بن إدريس، عن زهير بن عباد، عن السري بن حيان قال: قال عبد الواحد بن زيد: \"الرضا باب اللَّه الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين\" (^٢).\n\n٥١١ - حدثني علي بن الحسين العامري قال: حدثني أبو ذر قال: حدثنا عمر بن ذر قال: \"بلغنا أن أم الدرداء (^٣) كانت تقول: \"إن الراضين بقضاء اللَّه: الذين ما قضى اللَّه لهم رضوا به، لهم في الجنة منار (^٤) ليغبطهم\n_________\n(^١) إسناده حسن، ضمرة وابن شوذب صدوقان، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣١) رقم (١٧)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٤٨)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ١٨٠) رقم (٤٢٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٥٥)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٤١) والسير (١٩/ ٣٥٧) من طريق المصنف، والخليلي في الإرشاد (٣/ ٨٧٨)، الحلية (٢/ ٣٤٩).\n(^٢) فيه السري بن حيان ذكره البخاري وأبو حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٤/ ١٧٤)، والجرح والتعديل (٤/ ٢٨٤)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٧ - ٢٨) رقم (١٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٥٦).\n(^٣) هي أم الدرداء زوج أبي الدرداء، اسمها هجيمة وقيل جهيمة الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خيرة -وهي صحابية أيضًا- ولا رواية لها في هذه الكتب، والصغرى ثقة فقيهة، ماتت سنة (٨١ هـ)، الإصابة (٧/ ٦٢٩)، التقريب (٨٧٢٨).\n(^٤) في طبعة المباركفوري: \"منازلا\" وهو كذلك في مخطوطة الظاهرية \"ل ١٦٤ ب\".","vol":"2","page":624},{"text":"بها الشهداء يوم القيامة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة فضل الرضا بالقدر والتسليم له، وذكر أئمة السلف عدة فضائل للرضا بالقدر، فمنها: حصول الكفاية والغنى لصاحبه، وهو سبب رضا اللَّه، وسبب حصول البركة، وصاحبه له البشرى من اللَّه، وهو الحياة الطيبة، وصاحبه بلغ أفضل الدرجات، ويخف حسابه فيما أوتي، والراضي بيسير الرزق، يجازيه اللَّه بالرضا بيسير العمل، وعاقبة صاحبه إلى خير كصاحب الكلب والحمار والديك، الذي رضي فجوزي بالنجاة من السبي، وهو باب اللَّه الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، ويغبطهم الشهداء يوم القيامة، هذا ملخص الفضل الذي ورد في الآثار السابقة للرضا.\nقال ابن القيم -﵀-: \"أجمع العلماء على أنه مستحب، مؤكد استحبابه، واختلفوا في وجوبه على قولين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد، وكان يذهب إلى القول باستحبابه. . . ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده منقطع، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٤ - ٢٥) رقم (٨).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ١٥٢)، والكلام الأخير من قول شيخ الإسلام الهروي.","vol":"2","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالأسباب</span>.\n\n٥١٢ - حدثني أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم العبدي، حدثنا عامر ابن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه (^١): \"أنه خرج إلى الوليد بن عبد الملك حتى إذا كانوا بوادي القرى (^٢) وجد في رجله شيئًا، فظهرت به قرحة، وكانوا على رواحل فأرادوه أن يركب محملا فأبى عليهم، فرحلوا ناقة له بمحمل فركبها ولم يركب محملا قبل ذلك، فلما أصبح تلا هذه الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (^٣)، حتى فرغ منها، فقال: لقد أنعم اللَّه على هذه الأمة في هذه المحامل بنعمة لا يؤدّون شكرها، وترقّى في رجله الوجع، حتى قدم على الوليد، فلما رآه الوليد قال: يا أبا عبد اللَّه اقطعها؛ فإني أخاف أن يبالغ فوق ذلك، قال: فدونك، فدعا له الطبيب، فقال له: اشرب المُرقِد (^٤)، قال: لا أشرب\n_________\n(^١) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة فقيه مشهور، له أخبار في العبادة وتلاوة القرآن والتجلد، مات سنة (٩٤ هـ) على الصحيح ومولده في أوائل خلافة عثمان، مشاهير علماء الأمصار (٦٤)، التقريب (٥٤٦١).\n(^٢) هو واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى، فتحها النبي عنوة ثم صولحوا على الجزية، معجم البلدان (٥/ ٣٤٥).\n(^٣) سورة فاطر، الآية (٢).\n(^٤) دواء يُرْقِد من يشربه، مختار الصحاح (٢٦٧)، وهو المعروف اليوم بالبنج ونحوه.","vol":"2","page":626},{"text":"مُرقِدا أبدا (^١)، قال: فعذرها الطبيب واحتاط بشيء من اللحم مخافة أن يبقى منها شيء فيرقى، فأخذ منشارا فأمسّه بالنار واتّكأ له عروة، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على أن يقول: حسّ حسّ (^٢)، فقال الوليد: ما رأيت شيخا قط أصبر من هذا (^٣)، وأصيب عروة بابن له يقال له: محمد في ذلك السفر، ودخل اصطبل دواب من الليل ليبول، فركضته بغلة فقتلته، وكان من أحب ولده إليه (^٤)، ولم يُسمَع من عروة في ذلك كلمة، حتى رجع فلما كان بوادي القرى قال: ﴿لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (^٥)، اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستة، وكانت لي أطراف أربعة فأخذت مني طرفا وبقيت ثلاث، وأيمك لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت، فلما قدم المدينة جاء رجل من قومه\n_________\n(^١) وفي رقم (١٦٤): \"ما كنت لأشرب شيئًا يحول بيني وبين ذكر ربي -﷿-\"، وفي (١٦٤): \"واللَّه ما يسرني أن هذا الحائط وقاني ألمها\"، وفي رقم (١٧٢): \"إنما ابتلاني ليرى صبري فأعارض أمره بدفع\"، قلت: وهذا إذا كان ترك شيئًا محرما وصبر، أما شيئًا مباحا فلا يكون دفعا بل هو مقارعة الأقدار بالأقدار واللَّه أعلم.\n(^٢) \"أخذها بيده وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أنقلها إلى معصية لك قط\" رقم (١٣٧)، وانظر رقم (١٤٠)، وفي رقم (١٤٠) أنه: \"أمر بها فغسلت، وطيبت، ولفت في قبطية، ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين\".\n(^٣) \"وعاش بعد ذلك سنين، وكان من أصبر الناس\" رقم (١٣٦).\n(^٤) وفي رقم (١٦٥) أنه: \"كان حسن الوجه\".\n(^٥) سورة الكهف، من الآية (٦٢).","vol":"2","page":627},{"text":"يقال له عطاء بن ذويب فقال: يا أبا عبد اللَّه واللَّه ما كنا نحتاج أن نسابق بك، ولا أن نصارع بك، ولكنا كنا نحتاج إلى رأيك، والأنس بك، فأما ما أصبت به فهو أمر ذخره اللَّه لك، وأما ما كنا نحب أن يبقى لنا منك فقد بقى (^١) \" (^٢).\n\n٥١٣ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، قال: حدثنا: إبراهيم بن الأشعث، قال: قال فضيل بن عياض: \"ما اهتممت لرزق أبدا، أو قال: \"إني لأستحيي من ربي أن أحزن لرزقي بعد رضائه\" (^٣).\n_________\n(^١) وكانت هذه التعزية بعد رجوعه إلى المدينة وقوله: \"لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة، أو حاسد على نعمة، فمضى إلى قصره بالعقيق. . . \"، وفيها قوله: \"يا عيسى ما عزّاني أحد بمثل ما عزيتني\" انظر رقم (١٦٦).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ عامر بن صالح هو الزبيري متروك الحديث، وأفرط فيه ابن معين فكذبه، وكان عالما بالأخبار التقريب (٣١١٣)، والأثر صحيح بمجموع طرقه -غير طريق المصنف لضعفها الشديد- وبعضها حسن والآخر منها صحيح، المرض والكفارات (١١٥ - ١١٧) رقم (١٣٩)، والأثر أخرجه من طرق متعددة وكرره عدة مرات مختصرا ومطولا وفي كل طريق تقريبا لفظة زائدة أو عبارة جديدة أشرت إليها في موضعها من هذا الأثر -الذي جعلته أصلا- بحاشية مستقلة، الهم والحزن (٥٤) رقم (٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٩٧) رقم (٩٩٧٨)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٢٦٢)، وذكره الذهبي في السير (٤/ ٤٣٠).\n(^٣) إسناده حسن، فيه ابن الأشعث وقد سبق (٢٣٣)، القناعة والتعفف (٥٣) رقم (١٠٦).","vol":"2","page":628},{"text":"٥١٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم العبدي، ومحمد بن عباد العكلي، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الملك عن أبي غنية قال: ثنا زمعة قال: كتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه أن يرفع إليه حوائجه فكتب إليه: \"أما بعد: فقد جاءني كتابك تعزم عليّ إلا رفعت فيه إليك حوائجي، وهيهات رفعت حوائجي إلى من لا تقضى (^١) الحوائج دونه، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني منها رضيت\" (^٢).\n\n٥١٥ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا محمد بن الحسن المخزومي قال: حدثني القاسم بن نافع، عن جسر، عن عامر بن عبد قيس قال: \"ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات في كتاب اللَّه قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٤)،\n_________\n(^١) قراءتها في المخطوط هكذا بعد تأمل، ووردت في المطبوع \"تعتصر\"، ووردت في الحلية \"تختزل\"، وفي تاريخ دمشق \"يختزل\"، وعند البيهقي \"تحجب\"، ولعل الأقرب ما ذكرته وهو محتمل في المخطوط واللَّه أعلم.\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه زمعة وهو الجندي ضعيف التقريب (٢٠٤٦)، لكن الأثر حسن فقد تابعه ابن عيينة عند البيهقي، القناعة والتعفف (٤٧) رقم (٨٦)، وابن السني في القناعة رقم (١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣١٣) رقم (١٩١٥) وذكره برقم (١٣٠١) دون إسناد، وبرقم (٧٤٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٨، ٣٢).\n(^٣) سورة هود، الآية (٦).\n(^٤) سورة فاطر، من الآية (٢).","vol":"2","page":629},{"text":"قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ (^١) \" (^٢).\n\n٥١٦ - حدثنا الحسين قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرني زياد بن أبي حسان: أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك قال: \"فلما سوّي عليه قبره بالأرض، وجعلوا في قبره خشبتين من زيتون، إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم جعل بينه وبين القبلة، ثم استوى قائما، وأحاط به الناس فقال: رحمك اللَّه يا بني، فقد كنت برا بأبيك، وما زلت منذ وهبك اللَّه لي مسرورا بك، ولا واللَّه ما كنت قط أشد سرورا ولا أرجى لحظي من اللَّه فيك منذ وضعتك في الموضع الذي صيّرك اللَّه إليه،\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية (١٧).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه جسر بن فرقد ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢٨) وقال: \"ضعيف\"، انظر لسان الميزان (٢/ ١٠٤)، لكنه توبع عند البيهقي وغيره فالأثر حسن، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٠) رقم (٨٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١١٢) رقم (١٣٢٦) بلفظ مقارب، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٥)، وذكره السيوطي في الدر (٧/ ٥) ونسبه إلى ابن المنذر، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٠٧)، وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان (٤/ ٤٩) وعلق بقوله: \"وكان ولده المذكور شابا سريا، من كبار الصالحين، وهو معدود في جملة من قتلهم محبة الباري ﷾، وهم مذكورون في جزء سمعناه قديما، ولا أذكر الآن من مؤلفه\".","vol":"2","page":630},{"text":"فرحمك اللَّه، وغفر لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك وتجاوز عن سيّئه، ورحم كل شافع يشفع لك بخير من شاهد وغائب، رضينا بقضاء اللَّه وسلمنا لأمره، والحمد للَّه رب العالمين، ثم انصرف\" (^١).\n\n٥١٧ - حدثنا الحسين بن علي بن يزيد قال: قال رجل لفتح الموصلى (^٢): ادع اللَّه فقال: \"اللهم هَبْنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك، وارضنا بقضائك\" (^٣).\n\n٥١٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حيان التيمي قال: \"دخلوا على سويد بن مثعبة (^٤) -وكان من\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه زياد بن أبي حسان أورده ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢٩٩)، وانظر لسان الميزان (٢/ ٤٩٤)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٨) رقم (٨٤)، وأحمد في الزهد (٣٠٠ - ٣٠١)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية بسياق أطول (٥/ ٣٥٦)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (٣٩٤٩)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ١٣٨) (٣٧/ ٥٢)، جميعهم بطرق عن زياد به.\n(^٢) هو فتح بن سعيد الموصلي، شيخ الصوفية انظر ترجمته في الحلية (٨/ ٢٩٢)، وتاريخ الإسلام (١/ ١٦٥٢).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوف التقريب (١٣٤٥)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٨) رقم (٨٥)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٩٣).\n(^٤) هو سويد بن مثعبة اليربوعي من بني تميم، وكان من أصحاب الخطط الذين اختطوا بالكوفة أيام عمر بن الخطاب، وكان كبيرا، ولم يرو عن عمر شيئًا، وكان عابدا مجتهدا، طبقات ابن سعد (٦/ ١٦٠).","vol":"2","page":631},{"text":"أفاضل أصحاب عبد اللَّه- وأهله تقول له: نفسي فداؤك، أما نطعمك؟ أما نسقيك؟ قال: فأجابها بصوت له ضعيف: دبرت الحراقف (^١)، وطالت الضجعة، واللَّه ما يسرّني أن اللَّه نقصني منه قدر قلامة\" (^٢).\n\n٥١٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، عن محمد بن مسعر اليربوعي قال: حدثنا عطيّة بن سليمان قال: \"صليت الجمعة ثم انصرفت، فجلست إلى يونس بن عبيد حتى صلينا العصر، فقال: هل لكم في جنازة فلان؟ فمشينا ناحية بني سعد فصلينا على جنازة، ثم قال: هل لكم في فلان العابد نعوده؟ فأتينا رجلا قد وقعت فيه الخبيثة حتى أبدت عن أضراسه، فكان إذا أراد أن يتكلّم دعا بقعب (^٣) من ماء، وبقطنة فيبلّ لسانه حتى يبتلّ، ثم يتكلّم بكلمات يحسن فيهن، فلما دخلنا عليه دعا بالقَدَح ليفعل ما كان يفعل، فبينما هو بلّ لسانه إذ سقطت حدقتاه في القدح، فأخذ بهما، فمسهما بيده، ثم قال: إني لأجد فيهما دسما، وما\n_________\n(^١) قال ابن منظور في لسان العرب (٩/ ٤٦): \"الحرقفة عظم الحجبة، وهي رأس الورك، يقال للمريض إذا طالت ضجعته: دبرت حراقفه. . . والجمع الحراقف\".\n(^٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٣) رقم (٧٨)، والمرض والكفارات برقم (١٩٧)، ونعيم في زيادات الزهد لابن المبارك برقم (٤٦٣)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ١٦٠)، وأحمد في الزهد (٣٥٩)، وابن الجوزي في المنتظم (٥/ ٤٧)، وذكره في صفة الصفوة (٤/ ١٤)، وكذا في الثبات عند الممات (٤٩)، وابن منظور في شرح كلمة \"الحراقف\" انظر الهامش السابق.\n(^٣) القعب هو القدح الضخم الغليظ الجافي، انظر لسان العرب (١١/ ٢٣٥).","vol":"2","page":632},{"text":"كنت أظنه بقى فيهما، ثم استقبل القبلة فقال: الحمد للَّه الذي أعطانيهما فأمتعني بهما شبابي وصحّتي، حتى إذا فنيت أيامي وحضر أجلي، أخذهما مني ليبدلني بهما إن شاء اللَّه خيرا منهما، فقال له يونس: قد كنا تهيّأنا لنعزّيك، فنحن الآن نستهنئك، فقال خيرا ودعا\" (^١).\n\n٥٢٠ - حدثني علي بن الحسين قال: \"كان رجل بالمصيصة (^٢) ذاهب النصف الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده، ضرير على سرير مثقوب، فدخل عليه داخل فقال له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا، منقطع إلى اللَّه ما لي إليه من حاجة إلا أن يتوفّاني على الإسلام\" (^٣).\n\n٥٢١ - حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثنا سهل بن عاصم قال: حدثنا محمد بن عيينة، عن مخلد بن حسين قال: \"كان بالبصرة رجل يقال\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه عطية بن سليمان مجهول التقريب (٤٦٥١)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٧ - ٦٨) رقم (٦٨)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) مدينة على شاطئ جيحان، من ثغور الشام، بين أنطاكية وبلاد الروم، تقارب طرسوس، وكانت من مشهور ثغور الإسلام، قد رابط بها الصالحون قديما، وبها بساتين كثيرة، يسقيها جيحان، معجم البلدان (٥/ ١٤٥).\n(^٣) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٦) رقم (٦٥)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٨٢)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (١٠/ ٤٦١٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٨٧).","vol":"2","page":633},{"text":"له: شداد، أصابه الجذام فتقطّع، فدخل عليه عوّاده من أصحاب الحسن فقالوا له: كيف تجدك؟ قال: بخير، قال: أما إنه ما فاتني جزئي بالليل منذ سقطت، وما بي إلا أني لا أقدر على أن أحضر صلاة الجماعة\" (^١).\n\n٥٢٢ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، عن الحسن بن علي البصري (^٢) قال: \"أصبح أعرابي وقد مات له أباعر كثير فقال:\nلا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعاديه أظن (^٣)\nفما سرّني أن إبلى في مباركها ... وأن شيئًا قضاه اللَّه لم يكن (^٤)\n_________\n(^١) إسناده حسن، محمد بن عيينة هو الفزاري مقبول التقريب (٦٢٥٢)، لكن قال ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٩١): \"كان عالما\"، فلعل مثل هذه القصص مقبولة عنه واللَّه أعلم، لا سيما وأن الترمذي حسن حديثه في السنن برقم (٢٦٧٧)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٨) رقم (٤١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٦)، وذكره ابن الجوزي ﵀ في صفة الصفوة (٣/ ٣٦٤).\n(^٢) هو الحسن بن علي بن راشد الواسطي نزيل البصرة، صدوق رمي بشيء من التدليس التقريب (١٢٦٨)، وليس الهذلي المجهول كما استظهره المحقق السلفي، لأن هذا الأخير روى عن سقط وروى عنه سقط كما في الجرح والتعديل (٣/ ٢١)، لا سيما وأن الراوي عنه قيل فيه: \"وأصله كوفي، ويقال: واسطي، وكان صاحب أخبار وحفظ لأيام الناس\" كما في ترجمته من تهذيب الكمال.\n(^٣) كذا في طبعة مصطفى عطا، وفي طبعة السلفي \"لولا لسماره اعداد وبى أحن\" هكذا، وقرأتها من المخطوطة الظاهرية \"ل ١٦٤ ب\": \"لولا شماتة أعداء ذوي إحن\" وهو الأولى واللَّه أعلم.\n(^٤) إسناده حسن، فيه شيخُ شيخِ المصنف وقد سبق قريبا، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٦ - ٢٧) رقم (١١).","vol":"2","page":634},{"text":"٥٢٣ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة ﴿يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (^١) قال: \"هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند اللَّه فيسلّم لها ويرضى\" (^٢).\n\n٥٢٤ - حدثت عن إسحاق بن موسى الخطمي قال: حدثنا محمد بن زائدة أبو هشام الكوفي، عن رقبة قال: \"قيل لإبراهيم التيمي وهو في الديماس: لو دعوت اللَّه -﷿- أن يفرج عنك؟ قال: إني لأستحي أن أدعو اللَّه أن يفرج عني مما لي فيه أجر\" (^٣).\n\n٥٢٥ - حدثني علي بن الجعد وإسحاق بن إسماعيل قالا: ثنا سفيان ابن عيينة، عن أبي السوداء، عن أبي مجلز قال: قال عمر بن الخطاب: \"ما أبالي على أي حال أصبحت، على ما أحب، أو على ما أكره؛ لأني لا\n_________\n(^١) سورة التغابن، من الآية (١١).\n(^٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٣ - ٢٤) رقم (٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٨/ ١٢٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٦٦)، وشعب الإيمان (٧/ ١٩٦) رقم (٩٩٧٦)، وأشار إلى أنه يروى عن ابن مسعود قلت: وهو في البخاري عنه معلقا انظر فتح الباري (٨/ ٦٥٢) وتغليق التعليق (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، والسيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٨٤) ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، وذكره ابن كثير (٤/ ٣٧٦) ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم في التفسير.\n(^٣) إسناده منقطع ورجاله ثقات، الفرج بعد الشدة (٨٦) رقم (٦٠)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٠٠) رقم (٩٩٨٩).","vol":"2","page":635},{"text":"أرى الخير فيما أحب أو فيما أكره\" (^١).\n\n٥٢٦ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: \"إن لم يكن لنا خير فيما نكره، لم يكن لنا خير فيما نحب\" (^٢).\n\n٥٢٧ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني أبو روح قال: قال ابن عيينة: \"ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيّجه الدعاء، وما يحبّه يلهيه\" (^٣).\n\n٥٢٨ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان، حدثني بشر بن بشارة المجاشعي وكان من العابدين قال: \"قلت لعابد: أوصني، قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرغ قلبك، وأن\n_________\n(^١) إسناده منقطع؛ فإن أبا مجلز لم يدرك عمر بن الخطاب، انظر تحفة التحصيل (٣٤٠)، الفرج بعد الشدة (٥٧) رقم (١٣)، والرضا عن اللَّه بقضائه (٦٥ - ٦٦) رقم (٣٠)، وابن المبارك في الزهد (١٤٣) رقم (٤٢٥)، وأحمد في العلل (١/ ٤٤٧)، وذكره أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧١)، وكذا البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٦).\n(^٢) إسناده صحيح، الفرج بعد الشدة (٥٧) رقم (١٤)، الإشراف (١٤٢) رقم (٧١)، وأورده التنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ١٤٥).\n(^٣) فيه أبو روح وسيأتي (٦٥١)، الفرج بعد الشدة (٦١ - ٦٢) رقم (٢١)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢١١) رقم (١٠٠٣٣)، وأورده التنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ١٤٦) عن المصنف.","vol":"2","page":636},{"text":"يقل همّك، وإياك أن تسخطك ذلك، فيحل بك السخط، وأنت عنه في غفلة لا تشعر به\" (^١).\n\n٥٢٩ - حدثني علي بن أبي مريم، عن أبي خالد يزيد بن تميم قال: \"لما أدخل إبراهيم التيمي سجن الحجاج، رأى قوما مقرّنين في السلاسل، إذا قاموا قاموا معا، وإذا قعدوا قعدوا معا، فقال: يا أهل بلاء اللَّه في نعمته، ويا أهل نعمة اللَّه في بلائه، إن اللَّه -﷿- قد رآكم أهلا ليبليتكم، فأروه (^٢) أهلا للصبر، فقالوا: من أنت رحمك اللَّه؟ قال: أنا ممن يتوقع من البلاء مثل ما أنتم عليه، فقال أهل السجن: ما نحب أنَّا أُخرجنا\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن، عمار بن عثمان هو الحلبي أورده ابن حبان في الثقات (٨/ ٥١٨): \"يروى الرقائق، سمع جعفر بن سليمان الضبعي وأهل العراق، روى عنه محمد بن الحسين البرجلاني\"، قلت: كل من وقفت على تعليقه من المحققين اكتفى بذكر توثيق ابن حبان، بل بعض المحققين لم يعرفه أصلا، لكى وقفت على توثيق قوى له من الإمام أحمد، بل وتأسفه على عدم الرواية عنه، نقله المقدسي في المختارة (٥/ ١١ - ١٢)، فلله الحمد والمنة، الفرج بعد الشدة (٦٢ - ٦٣) رقم (٢٤)، والرضا عن اللَّه بقضائه مطولا برقم (٧٢)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٢٤) رقم (٢١٨)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٤٦).\n(^٢) كذا وفي طبعة أبو حذيفة \"فرآوه\"، ولعلها: فراؤوه، واللَّه أعلم.\n(^٣) إسناده حسن شيخ المصنف سبق (١٥٤)، ويزيد بن تميم لعله الذي ذكره الحافظ في الإصابة (٣/ ٦٥٢)، وانظر تاريخ دمشق (٦٥/ ١٣٤) واللَّه أعلم، الفرج بعد الشدة (٨٢) رقم (٥٥)، وانظر رقم (٥٧).","vol":"2","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>التحليل والتعليق</span>\nتضنمت الآثار السابقة بيان أهمية التسليم للقضاء والقدر، وخطورة تسخطه وعدم الرضا به، ولئن كان الرضا بالقضاء المكروه للعبد فيه مشقة على النفس، فقد ذكر السلف ما جعلهم يرضون بذلك، فعروة بن الزبير -﵁- خفّف على نفسه مصابه برجله وولده، بما بقي له من سائر جسده، وبقية أولاده، والفضيل رضي بالرزق الذي رضيه اللَّه له، وكذا أبو حازم قَبِلَ العطاء، ورضي بما لم يقسم له من السماء، وذكر عامر بن عبد قيس سبب ذلك أنه ما وجده في القرآن من تكفل اللَّه بالرزق، وأن الأمور كلها بيده فرضي بقسمة اللَّه له، ولشدة حرصهم على تحقيق هذا كان من دعائهم للَّه أن يرضيهم بقضائه، ولما حصلت لهم المصائب فإنهم قابلوها بالتسليم والرضا، ولم يتمنوا على اللَّه زوالها، لأمور هي أعظم من تلك المصائب التي أصيبوا بها، حيث رجوا ثوابها عند اللَّه، أو رأوا خيرا فيها لأنها كانت سبب تفرغهم للطاعة، أو أنهم لم يتيقنوا أين الخير في الصحة أم في العافية ففوَّضوا أمرهم للَّه يختار لهم ما فيه الخير، بل إن إبراهيم التيمي بيّن أن الخير إن لم يكن في القضاء الذي نكرهه، فلن يكون فيما نحب، وقد ذكر ابن عيينة توجيها لذلك بأن ما يكرهه يهيجه على الدعاء -وهو من أجَلِّ العبادات-، أما ما يحب فهو يلهيه، وفي الرضا بالقضاء تفريغ القلب، وقلة الهم وقد ذكر العلماء عدة أسباب تسهل الرضا والتسليم للقدر جمعها شيخ الإسلام الهروي عند كلامه على درجة","vol":"2","page":638},{"text":"الصبر على البلاء بقوله: \"الصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج، وتهوين البلية بِعَدِّ أيادي المنن، وبذكر سوالف النعم\" (^١)، قال شارحه ابن القيم: \"هذه ثلاثة أشياء تبعث المُتَلَبِّس بها على الصبر في البلاء، إحداها: ملاحظة حسن الجزاء، وعلى حسب ملاحظته، والوثوق به، ومطالعته، يخف حمل البلاء، لشهود العوض. . . والثاني: انتظار روح الفرج؛ يعني راحته، ونسيمه، ولذته؛ فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة، ولا سيما عند قوة الرجاء. . . الثالث: تهوين البلية بأمرين؛ أحدهما: أن يعد نعم اللَّه عليه وأياديه عنده، فإذا عجز عن عدها، وأيس من حصرها، هان عليه ما هو فيه من البلاء، ورآه بالنسبة إلى أيادي اللَّه ونعمه كقطرة من بحر، الثاني: تذكر سوالف النعم التي أنعم اللَّه بها عليه، فهذا يتعلق بالماضي، وتعداد أيادي المنن يتعلق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج يتعلق بالمستقبل، وأحدهما في الدنيا، والثاني يوم الجزاء\" (^٢).\nومسألة الاستسلام للقدر والرضا به فيها تفصيل ضل بسبب عدم إتقانه طوائف كثيرة من أهل البدع، بل وكثير من عوام وجهال أهل السنة، وأنصاف متعلميهم، تجد في كلام بعضهم خلطا أو عدم وضوح رؤية حتى إنك لتقف أمام بعض الآثار في هذا الباب مستغربا ومتحيرا،\n_________\n(^١) منازل السائرين (٥٠).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ١٧٤).","vol":"2","page":639},{"text":"وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-.\nقال القشيري: \"اعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بقضاء اللَّه الذي أمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز أو يجب على العبد الرضا به، كالمعاصي وفنون محن المسلمين\" (^١)، قال شيخ الإسلام معلقا على كلامه: \"وهذا الذي قاله، قاله قبله، وبعده، ومعه، غير واحد من العلماء\" (^٢).\nقال ابن القيم: \"غلط في هذا الأصل طائفتان أقبح الغلط، فقالت القدرية النفاة: الرضا بالقضاء طاعة وقربة، والرضا بالمعصية لا يجوز فليست بقضائه وقدره وقالت غلاة الجبرية الذين طَوَوا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء اللَّه وقدره، والرضا بالقضاء قربة وطاعة، فنحن نرضى بها ولا نسخطها\" (^٣)، ثم فصّل القول وميّز الحقّ من الباطل فقال: \"الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني؛\nفالديني: يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام.\nوالكوني: منه ما يجب الرضا به، كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمصائب والذنوب التي يسخطها اللَّه، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحبّ الرضا به\n_________\n(^١) الرسالة (.؟؟).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٩).\n(^٣) شفاء العليل (٤٦٠).","vol":"2","page":640},{"text":"كالمصائب، وفي وجوبه قولان، هذا كلّه في القضاء الذي هو المقضِيّ\" (^١).\nوذكر تفصيلا أطول في القضاء الكوني فقال: \"الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه، ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن، ولا يسالم ألبتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضًا، فينازع حكم الحق بالحق للحق، فيدافع به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي: (الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والعارف من يكون منازعا للقدر، لا واقفا مع القدر) اهـ، فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر اللَّه؟ ! فقال: نفر من قدر اللَّه إلى قدره.\nأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعلمه وكتابته وتقديره ومشيئته، فالرضا به من تمام الرضا باللَّه ربا وإلها ومالكا ومدبّرا، فبهذا التفصيل يتبيّن الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس\" (^٢).\n_________\n(^١) شفاء العليل (٤٦١)، وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ٧٦ - ٧٧).\n(^٢) شفاء العليل (٤٦١)، وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ٧٦ - ٧٧).","vol":"2","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>المطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة</span>.\n\n٥٣٠ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، عن أبي عبد اللَّه النباجي قال: \"إن أحببتم أن تكونوا أبدالا (^١)، فأحبوا ما شاء اللَّه، ومن أحب ما شاء لم ينزل به من مقادير اللَّه وأحكامه شيء إلا أحبّه\" (^٢).\n\n٥٣١ - حدثنا العباس بن يزيد قال: يعلى بن عبد الرحمن العنزي\n_________\n(^١) لفظ الأبدال من الألفاظ التي يستعملها الصوفية كثيرا، مع غيره من الألفاظ كالقطب والوتد والغوث والنجباء والنقباء، وكلها ألفاظ مبتدعة لم ترد بها سنة ولا كتاب، انظر الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف (٥٨)، إلا لفظ الأبدال فقد ورد فيه حديث مرفوع لكنه ضعيف منكر انظر الضعيفة برقم (٩٣٦)، وورد أيضًا عن بعض السلف وصح عن علي -﵁- أنه قال: \"لا تسبوا أهل الشام جما غفيرا فإن فيهم الأبدال\" أخرجه المقدسي في المختارة وقال: \"فكأن الموقوف أولى\"، وانظر الضعيفة رقم (٢٩٩٣)، لكن الصوفية حملوه على معاني غير صحيحة فيها من البدع والشرك وصرف حق اللَّه لغيره ما اللَّه به عليم، انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤١) والمرجع السابق للصنعاني، وقد أطلق هذا اللفظ على بعض السلف فانظر العلو للذهبي (١٨٩)، السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٥٩٦)، التاريخ الكبير (٧/ ١٢٧)، الثقات لابن حبان (٥/ ٥٤٩) وغيرها من كتب التراجم واللَّه أعلم.\n(^٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٥) رقم (٣٥)، الأولياء برقم (٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣١٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٢٠) من طريق المصنف، وابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (٩/ ٤٢٨٦).","vol":"2","page":642},{"text":"قال: حدثنا سيار بن سلامة قال: \"دخل رجل على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه فقال: إن أحبّه إليّ، أحبه إلى اللَّه -﷿-\" (^١).\n\n٥٣٢ - حدثنا العباس بن يزيد البصري، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن العنبري، حدثنا سيار بن سلامة قال: \"دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه، فقال: إن أحبه إليّ أحبّه إلى اللَّه -﷿-\" (^٢).\n\n٥٣٣ - حدثنا علي بن الحسن بن موسى قال: قال رجل: \"لأمتحننّ أهل البلاء، فقال: فدخلت على رجل بطَرَسوس (^٣) وقد أكلت الأكلة أطرافه، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت واللَّه، وكل عرق، وكل عضو يألم على حدته من الوجع، لو أن الروم في كفرها وشركها، اطّلعت عليّ لرحمتني مما أنا فيه، وإن ذلك لبعين اللَّه، أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، وما قدر ما أخذ ربي مني؟ وددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكرا، فقال له\n_________\n(^١) إسناده لين، يعلى بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٥٢)، ولم يذكر فيه البخاري وابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٦ - ٤٧) رقم (٣٩)، المحتضرين برقم (٣٠٨)، المرض والكفارات برقم (٢٠٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/ ١٨٩)، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٦١١) وغيره عن يحيى القطان.\n(^٢) إسناده لين، وهو نفس الذي قبله، المرض والكفارات (١٦٢) رقم (٢٠٦).\n(^٣) كلمة عجمية رومية، ولا يجوز سكون الراء إلا في ضرورة الشعر، مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم، معجم البلدان (٤/ ٢٨).","vol":"2","page":643},{"text":"رجل: متى بدأت بك هذه العلة؟ قال: أما كفاك؟ الخلق كلهم عبيد اللَّه وعياله، فإذا نزلت بالعباد علة فالشكوى إلى اللَّه، ليس يشتكى اللَّه إلى العباد\" (^١).\n\n٥٣٤ - حدثني حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: حدثنا عبد اللَّه قال: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت حميد بن هلال يحدث قال: حدثني مطرف قال: \"أتيت عمران بن حصين يوما فقلت له: إني لأدع إتيانك لما أراك فيه، ولما أراك تلقى، قال: فلا تفعل، فواللَّه إن أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، قال جرير: سقى بطنه، فبقي ثلاثين سنة على سرير مثقوب\" (^٢).\n\n٥٣٥ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن قال: \"اشتكى عمران بن حصين فدخل عليه جار له، فاستبطأه في العيادة، فقال له: يا أبا نجيد، إن بعض ما يمنعني عن عيادتك ما أرى بك من الجهد، قال: فلا تفعل؛ فإن أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، فلا\n_________\n(^١) إسناده صحيح، شيخ المصنف ثقة التقريب (٤٧٤١)، وانظر الحلية (١٠/ ١٤٣)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٦) رقم (٦٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٤٨٧).\n(^٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٣ - ٦٤) رقم (٦٠)، وابن المبارك في الزهد - زيادات نعيم - برقم (٤٦١، ٤٦٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٢٥) رقم (٣٤٦٩٣)، الطبقات لابن سعد (٤/ ٢٩٠) (٧/ ١١)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٠٤، ١٠٧) برقمي (١٩٣، ٢٠٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٩٦) رقم (٩٩٧٣).","vol":"2","page":644},{"text":"تبتئس لي بما ترى، أرأيت إذا كان ما ترى مجازاة بذنوب قد مضت، وأنا أرجو عفو اللَّه على ما بقي؛ فإنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (^١) \" (^٢).\n\n٥٣٦ - حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: حدثنا يعلى بن الحارث المحاربي قال: حدثنا أبي، عن سليمان بن حبيب قال: \"لما مات عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز دخل عليه هشام بن الغاز (^٣) فعزّاه، فقال عمر: وأنا أعوذ باللَّه أن يكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبّة اللَّه، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي وإحسانه إليّ\" (^٤).\n\n٥٣٧ - حدثني هاشم بن قاسم قال: حدثنا إسحاق بن عباد بن موسى، عن أبي على الرازي قال: \"صحبت فضيل بن عياض ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا، ولا متبسّما، إلا يوم مات عليّ ابنه، فقلت له في ذلك،\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية (٣٠).\n(^٢) إسناده صحيح، وانظر ما قبل، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٤) رقم (٦١) وانظر رقم (٦٢)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٢٧٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦) دون قوله: \"إن أحبه إلي أحبه إلى اللَّه\" وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(^٣) هو ابن ربيعة الجرشي، ثقة الدمشقي نزيل بغداد، ثقة من كبار السابعة، التقريب (٧٣٥٥).\n(^٤) فيه الحارث بن حرب لم أعرفه، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٦) رقم (٨٢)، وينظر الذي بعده وهم بسياق أتم منه.","vol":"2","page":645},{"text":"فقال: إن اللَّه -﷿- أحب أمرًا، فأحببت ما أحب اللَّه\" (^١).\n\n٥٣٨ - حدثني عبد الرحيم بن يحيى قال: حدثني عثمان بن عمارة، عن عبد الواحد بن زيد قال: \"خرجنا أنا وفرقد السبخي، ومحمد بن واسع، ومالك بن دينار، نزور أخا لنا من فارس، فلما جاوزنا رامهرمز (^٢) إذ نحن بصوت في سفح جبل فتراكضنا نحوه، فإذا نحن برجل مجذوم يتفطّر قيحا ودما، فقال له بعضنا: يا هذا لو دخلت هذه المدينة فتداويت وتعالجت من ذلك؟ فرفع طرفه إلى السماء ثم قال: إلهي أتيت بهؤلاء ليسخطوني عليك، لك الكرامة والعتبى بأن لا أخالفك أبدًا\" (^٣).\n\n٥٣٩ - حدثني زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني أحمد بن صاعد قال: سمعت عبد العزيز بن عمير (^٤) يقول: \"كان في\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، لجهالة حال شيخ المصنف، فقد ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٢٣٢)، ولم يذكرا شيئًا عن حاله، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٠ - ٨١) رقم (٨٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٠٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٣٨٣).\n(^٢) مدينة مشهورة، من نواحي خوزستان، معجم البلدان (٢/ ٣٠٣).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، فيه شيخ المصنف أو شيخ شيخه أحدهما متهم بحديث الأبدال كما سبق (٤٧٢) بيانه، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٥٥) رقم (٥٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٥٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٨٦).\n(^٤) هو عبد العزيز بن عمير، أبو الفقير، الخراساني الزاهد، تلميذ أم هارون الخراسانية الزاهدة، له ترجمة في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٣٢).","vol":"2","page":646},{"text":"خرابات القبائل بمصر رجل مجذوم، وكان شاب من أهل مصر يختلف إليه يتعاهده، ويغسل خرقه، ويخدمه، فتعرّى (^١) فتى من أهل مصر، فقال للذي كان يخدمه: إنه يعرف اسم اللَّه الأعظم، وأنا أحب أن أجيء معك إليه، فأتاه فسلم عليه وقال: يا عم إنه بلغني أنك تعرف اسم اللَّه الأعظم، فلو سألته أن يكشف ما بك، قال: يا ابن أخي هو الذي ابتلاني، فأنا أكره أن أردّه\" (^٢).\n\n٥٤٠ - حدثنا محمد بن زياد الآدمي قال: حدثنا ابن عيينة، عن رجل، عن محمد بن علي: \"أن بعض أهله اشتكى فوجد عليه، ثم أخبر بموته فسرّي عنه، فقيل له، فقال: ندعو اللَّه فيما نحب، فإذا وقع ما نكره لم نخالف اللَّه فيما أحبّ\" (^٣).\n_________\n(^١) كذا وفي طبعة السلفي: \"فتقرأ فتى\"، وفي المخطوط \"ل ٦٢ ب\": \"فتقرا فتى\" أي تتبعه، انظر لسان العرب (١١/ ١٤٦).\n(^٢) إسناده حسن، أحمد بن صاعد كان صاحب حكمة وزهد كما في الجرح والتعديل (٢/ ٣٧٦)، وشيخه له ترجمة إضافية في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٣٢)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٢ - ٣٣) رقم (٢٠)، والأولياء برقم (٥٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٣٦).\n(^٣) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، لكنه صحيح فقد سمى ابن عيينة المبهم في طريق الإمام أحمد وهو عمرو ابن دينار، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٩) رقم (٨٧)، وأحمد في الزهد (٤٣٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٤٤) رقم (١٠١٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق عن سفيان الثوري عن أبيه (٥٤/ ٢٩٤) ثم عن ابن عيينة مثله، وذكره الذهبي في السير ووقع فيه: \"قال سفيان الثوري: . . . \".","vol":"2","page":647},{"text":"٥٤١ - حدثني أسد بن عمار التميمي قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع قال: \"اشتكى ابن لعبد اللَّه بن عمر (^١) فاشتدّ وجده عليه، حتى قال بعض القوم: لقد خشينا على هذا الشيخ أن يحدث هذا الغلام حدث، فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته، وما رجل أشد سرورا منه، فقيل له في ذلك، فقال ابن عمر: إنما كانت رحمة له، فلما وقع أمر اللَّه رضينا به\" (^٢).\n\n٥٤٢ - حدثني سريج بن يونس، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن قيس بن حبتر قال: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول: \"ما هو إلا الغنى والفقر، وما أبالي بأيهما ابتدأت، إنهما سواء، إن كان الغنى إنَّ عليّ فيه لتعطّف (^٣)، وإن كان فقرا إنَّ عليَّ فيه لصبر\" (^٤).\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، واستُصْغر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعا للأثر، مات سنة (٧٣ هـ) في آخرها أو أول التي تليها، الإصابة (٤/ ١٨١)، التقريب (٣٤٩٠).\n(^٢) فيه شيخ المصنف لم أقف له على ترجمة إلا عند الخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ١٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٥) رقم (٩٧).\n(^٣) التعطف هو الإشفاق، مختار الصحاح (٤٦٧).\n(^٤) إسناده ضعيف، فيه المسعودي اختلط وسماع عاصم منه بعد الاختلاط انظر المختلطين (٧٣) هامش، إصلاح المال (١٣٠) رقم (٤٩٤)، وهناد في الزهد (١/ =","vol":"2","page":648},{"text":"٥٤٣ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير العتكي قال: حدثنا علي بن عثمان ابن عبد الحميد (^١) قال: حدثني أبي (^٢) قال: عن زياد بن زاذان قال: قال عمر بن عبد العزيز: \"ما كنت على حالة من حالات الدنيا فسرَّني أني على غيرها\" (^٣).\n\n٥٤٤ - حدثنا حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا هشام، عن الحسن قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: \"ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال أراهم أبسرّاء أم بضرّاء، وما أصبحت\n_________\n= ٣٣٠) رقم (٦٠٥)، وابن جرير في تهذيب الآثار (١/ ٢٩٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ٩٢) رقم (٨٥٠٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٩٦) رقم (٩٩٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٧٠ - ١٧١، ١٨٢)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٩٦)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٤٠٧).\n(^١) هو ابن لاحق الرقاشي البصري، ثقة كما في الجرح والتعديل (٦/ ١٩٦).\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١٥٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.\n(^٣) فيه عثمان بن عبد الحميد وقد سبق قريبا، وزياد بن زاذان ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٥٤)، وذكر البخاري (٣/ ٣٥٦) وابن أبي حاتم (٣/ ٣٥٢) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، أما شيخ المصنف فثقة ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٢٥) ووثقه، ونص على أنه من شيوخ المصنف، والغريب أن المحقق مصطفى عطا ذكر أنه البجلي مقبول من الثالثة، والغرابة في نقله أنه من الثالثة، مع أن المصنف من الثانية عشرة كما في التقريب (٣٦١٦)، وذكره السلفي على الصواب لكن قصر بالإحالة على ابن حبان فقط وذكر أنه لم يبين حاله، لأجل ذلك نبهت على هذه الفائدة واللَّه أعلم، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٦) رقم (٩٩).","vol":"2","page":649},{"text":"على حال فتمنّيت أني على سواها\" (^١).\n\n٥٤٥ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي السوداء، عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال: قال عمر بن الخطاب: \"ما أبالي على أي (^٢) حال أصبحت، على ما أحب، أو على ما أكره؛ إني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره\" (^٣).\n\n٥٤٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز: \"ما لي في الأمور هوى سوى مواقع قضاء اللَّه -﷿- فيها\" (^٤).\n\n٥٤٧ - حدثنا أبو سعيد المديني قال: حدثني إسحاق بن محمد\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٢) رقم (٥٩)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- برقم (١٢٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٤٠٨).\n(^٢) زيادة من المخطوط، ومن طبعة السلفي.\n(^٣) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤١ - ٤٢) رقم (٣٠)، ابن المبارك في الزهد (٤٢٥)، الفرج بعد الشدة (١٣ رقم)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧١)، وذكره ابن القيم في شفاء العليل (٣٤).\n(^٤) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٦) رقم (١٠)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٧٢)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣١٧)، البيهقي في الشعب (١/ ٢٢٧) رقم (٢٢٧ - ٢٢٨) ولفظ الأول منهما هو: \"لقد تركتني هؤلاء الدعوات وما لي في شيء من الأمور كلها أردت أني في موضع قدر اللَّه، قال: وكان كثيرا ما يدعو: اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء عجلته\"، وذكره الغزالي في الإحياء (٤/ ٣٣٦)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٥، ٤٤٢)، وشرح حديث لبيك (٥٥)، والمناوي في فيض القدر (٣/ ٩٢).","vol":"2","page":650},{"text":"الفروي قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: \"لقد تركتني هؤلاء الدعوات، وما لي في شيء من الأمور كلها أردت (^١) إلا في مواقع قدر اللَّه (^٢)، قال: وكان كثيرا مما يدعو بها: اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء عجلته\" (^٣).\n\n٥٤٨ - حدثني محمد قال: حدثنا أحمد، عن أبي عبد اللَّه النباجي قال: \"إن في خلق اللَّه خلقا يستحيون (^٤) من الصبر، لو يعلمون مواقع أقداره تلقفوها تلقفا\" (^٥).\n\n٥٤٩ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا أبي، عن منصور، عن إبراهيم: \"أن أم الأسود قعدت من رجليها فجزعت ابنة\n_________\n(^١) في المخطوط: \"ارت\".\n(^٢) في طبعة مصطفى عطا سقط استدركته من المخطوط ومن طبعة السلفي، والعبارة عند كليهما غير مستقيمة.\n(^٣) إسناده ضعيف، الفروي صدوق كفّ فساء حفظه التقريب (٣٨٥)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٥١ - ٥٢) رقم (٤٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٢٧) رقم (٢٢٧).\n(^٤) في طبعة مصطفى عطا: \"يستحقون\" وهو خطأ، والمثبت من المخطوط \"ل ٤٢ ب\" ومن طبعة السلفي.\n(^٥) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٥) رقم (٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣١٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٨٠).","vol":"2","page":651},{"text":"لها، فقالت: لا تجزعي، اللهم إن كان خيرا فزد\" (^١).\n\n٥٥٠ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا عمارة بن زادان، عن مكحول قال: سمعت ابن عمر يقول: \"إن الرجل ليستخير اللَّه فيختار له فيتسخّط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له\" (^٢).\n\n٥٥١ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي، عن سفيان قال: \"كنا نعود زبيد اليامي فنقول: استشف اللَّه؟ فيقول: اللهم خر لي، اللهم خر لي\" (^٣).\n_________\n(^١) فيه الجراح بن مليح أبو وكيع، صدوق يهم التقريب (٩١٧)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٥ - ٦٦) رقم (٦٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٨٨)، وخبر إقعاد أم الأسود عند الطبراني في الكبير برقم (٩٣٩٥) وورد فيه أنهم سألوا عبد اللَّه بن مسعود -﵁- عن كيفية صلاتها، وأعله الهيثمي في المجمع (٢/ ١٤٩) بأن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود.\n(^٢) إسناده ضعيف، والأثر حسن لغيره، عمارة بن زادان صدوق كثير الخطأ التقريب (٤٨٨١)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٠) رقم (٥٦)، ونعيم في زياداته على الزهد لابن المبارك رقم (١٢٨) وسنده من ابن المبارك صحيح، وذكره ابن القيم في شفاء العليل (٦٣).\n(^٣) حسن لغيره، فيه عنعنة المحاربي وهو مدلس من الطبقة الثالثة، ولم يذكر في شيوخه سفيان فاللَّه أعلم، انظر تعريف أهل التقديس (١٤٠)، وتهذيب الكمال (٤/ ٤٦٦)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٧) رقم (٤٠) وكرره برقم (٧٧)، المحتضرين رقم (١٩٤)، المرض والكفارات برقم (٢١٣)، وابن معين في تاريخه (٣/ ٤١٧) بسند حسن عن جرير بن عبد الحميد عن فضيل بن مرزوق قال: \"دخلت =","vol":"2","page":652},{"text":"٥٥٢ - حدثني زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني جعفر بن محمد من الأبناء (^١) قال: \"ذكروا عند رابعة العدوية (^٢) عابدا كان في بني إسرائيل، لا ينزل في كل سنة إلا مرة، ينزل من متعبّده فيأتي مزبلة على باب الملك فيتقمّم من فضول مائدته، فقال رجل عندها: وما على هذا إذ كان في هذه المنزلة أن يسأل اللَّه أن يجعل رزقه من غير هذا؟ فقالت رابعة: يا هذا، إن أولياء اللَّه إذا قضى لهم قضاء لم يتسخّطوه\" (^٣).\n\n٥٥٣ - حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد اللَّه، عن أبي مسلم: \"أنه دخل على أبي الدرداء في اليوم الذي قبض فيه، وكان عندهم في العزّ\n_________\n= على زبيد، فقلت: شفاك اللَّه، فقال: أستخير اللَّه\"، وفضيل صدوق يهم ورمي بالتشيع، التقريب (٥٤٧٢)، وأبو نعيم في الحلية من طريق الإمام أحمد (٥/ ٣٠).\n(^١) لم أقف له على ترجمة.\n(^٢) هي رابعة بنت إسماعيل مولاة آل عتيك العدوية البصرية العابدة المشهورة، ماتت بالقدس سنة (١٨٥ هـ)، وأخبارها كثيرة جدا الوافي بالوفيات (١/ ١٩٣٥).\n(^٣) فيه جعفر بن محمد لم أجد له ترجمة، والغريب أن المحقق السلفي ذكر أنه ابن بهلول وذكر أن ولادته سنة (٣٧٧ هـ) من تاريخ بغداد (٧/ ٢٣٢)، وهذا لم يدرك ابن أبي الدنيا نفسه فكيف يكون من طبقة شيوخ شيوخ شيوخه، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٣) رقم (٢١).","vol":"2","page":653},{"text":"كأنفسهم، فجعل أبو مسلم يكبّر، فقال أبو الدرداء: أجل، فهكذا فقولوا؛ فإن اللَّه ﵎ إذا قضى قضاء أحبّ أن يرضى\" (^١).\n\n٥٥٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني إبراهيم بن داود قال: قال بعض الحكماء: \"إن للَّه عبادا يستقبلون المصائب بالبِشْر، أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة حرص السلف على موافقة مشيئة اللَّه فيما قضاه وأحبه، وأن أحب شيء إليهم هو أحب شيء إلى اللَّه، وأن الذي\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، لعنعنة الوليد بن مسلم فهو ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية التقريب (٧٥٠٦)، والأثر حسن لغيره، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٢) رقم (٦)، ومن طريق آخر برقم (٤٧) عن مالك أنه بلغة. . .، المحتضرين برقم (١٢٥)، وابن المبارك في الزهد برقم (١٢٤) عن يحيى بن أبي عمرو عن سعيد بن جابر به دون القصة، وأبو مسهر في نسخته برقم (٢٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٦) وقال: \"هذه الحكاية محفوظة عن أبي مسلم الخولاني\"، وكذلك في (٦٥/ ٢٩٦)، وفي الموضع الأول تصريح الوليد بالسماع، وفي الثانية متابعة أبي مسهر له وهو ثقة فاضل، التقريب (٣٧٦٢)، وذكره ابن الجوزي في الثبات عند الممات (٧٥)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٤).\n(^٢) إسناده لين، إبراهيم بن داود لم أجد له ترجمة، ولعله القصار انظر طبقات الصوفية (٢٤٥) والحلية (١٠/ ٣٥٤)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٥) رقم (٣٧)، الورع رقم (٢١٨).","vol":"2","page":654},{"text":"هوّن عليهم البلاء رؤيتهم القدر وأن اللَّه أراد بهم ذلك، وهو أعلم بعباده فلم يعارضوا هذه الإرادة بإرادة غيرها، وأنهم لا يحبون أن يردوا قضاء اللَّه، وفي أثر محمد بن علي وابن عمر -﵁- بيان قاعدة مهمة في هذا الباب وهي أنهم يدعون اللَّه قبل وقوع البلاء فإذا وقع لم يخالفوا ما أحب اللَّه وقوعه بل رضوا به وسلموا له، ومن هنا نظروا إلى ما أوجب اللَّه عليهم في حالتي السراء والضراء، ولم يلتفتوا إلى تسخط القضاء ومعارضته، بل نظروا إلى واجب اللَّه عليهم فيه، فإن كان سراء شكروا، وإن كان ضراء صبروا أو رضوا، كما في أثر ابن مسعود -﵁-، ولذلك لم يبالوا على أي الحالين أصبحوا، وفي أيهما كانوا، وقد زاد عمر بن الخطاب -﵁- هذا المعنى شرحا بأنه لا يدري الخير في أي الحالين، ولذلك لم يتمنوا على اللَّه شيئًا سوى ما قدَّره، وقد عبر بعضهم عن هذا المعنى بأن سال اللَّه أن يختار له كما في أثر زبيد اليامي.\nولما شرح ابن رجب ﵀ منزلة الرضا، ومعنى أقوال السلف الواردة في موافقتهم ما أحبه اللَّه من القضاء قال: \"الرضا أن لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. . . فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور، قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (^١). . . وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي،\n_________\n(^١) سورة الأنعام، من الآية (٩٧).","vol":"2","page":655},{"text":"وخِيرَتَه لعبده في البلاء، وأنه غير مُتَّهَمٍ في قضائه، وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم ألم المقضي به، وتارة يلاحظون عظمة المبتلي، وجلاله، وكماله، فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى لا يشعروا بالألم، وهذا يصل إليه خواص أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما تلذذوا بما أصابهم؛ لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم\" (^١).\nوناقش ابن القيم ﵀ شيخ الإسلام الهروي في تعريفه الرضا عن اللَّه بقوله: \"الرضا عنه في كل ما قضى\" (^٢)، فقال: \"الرضا عنه وإن كان من أَجَلِّ الأمور، وأشرف أنواع العبودية، فلم يطالب به العموم، لعجزهم ومشقته عليهم، وأوجبته طائفة واحتجوا بحجج. . . أن الرب ﵎ يختار شيئًا ويرضاه، فلا يختاره العبد ولا يرضاه، وهذا مناف للعبودية\"، فأجابهم بقوله: \"هذا موضع تفصيل، لا يسحب عليه ذيل النفي والإثبات، فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان:\nأحدهما: اختيار ديني شرعي، فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده. . . فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه، وتسليمه ورضاه باللَّه ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا.\nالنوع الثاني: اختيار كوني قدري، لا يسخطه الرب، كالمصائب\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥) ثم أورد آثارا كثيرة أغلبها مما ذكرته هنا في الأصل.\n(^٢) منازل السائرين (٥٢).","vol":"2","page":656},{"text":"التي يبتلى اللَّه بها عبده، فهذا لا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه، ويدفعها، ويكشفها، وليس في ذلك منازعة للربوبية، وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر، فهذا يكون تارة واجبا، وتارة يكون مستحبا، وتارة يكون مباحا مستوى الطرفين، وتارة يكون مكروها، وتارة يكون حراما، وأما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه مثل قدر المعائب، والذنوب، فالعبد مأمور بسخطها، ومنهي عن الرضى بها، وهذا هو التفصيل الواجب في الرضى بالقضاء، وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا عظيما، ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل؛ فإن لفظ الرضى بالقضاء لفظ محمود مأمور به، وهو من مقامات الصديقين، فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل، وظنوا أن كل ما كان مخلوقا للرب تعالى فهو مقضي مرضي، مخلوقا له ينبغي له الرضى به\".\nوهناك تقسيم آخر للقدر الكوني باعتبار ملاءمته للنفس ومنافرته لها، والمراد رضا العبد \"بحسن اختيار اللَّه له، وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته، فإن هذا خلاف الطبع البشري، بل خلاف الطبع الحيواني\" (^١)، قال ابن القيم: \"الرضى بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد، وإرادته، ورضاه، من الصحة، والغنى، والعافية، واللذة، أمر لازم بمقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد محبوب له، فليس في الرضى به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشكر. . . والرضى بالقضاء الكوني القدري الجاري\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢١٣).","vol":"2","page":657},{"text":"على خلاف مراد العبد ومحبته، مما لا يلائمه، ولا يدخل تحت اختياره مستحب، وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان، وهذا كالمرض، والفقر، وأذى الخلق له، والحر والبرد، والآلام ونحو ذلك\" (^١).\nوعلى كل حال فإن العبد مأمور بعبودية اللَّه في كل حالاته \"فعبودية أمره الكوني القدري: أن لا يتقدم بين يديه إلا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك، فيكون التقدم أيضًا بأمره الكوني والديني، فإذا كان فرضه الصبر، أو ندبه، أو فرضه الرضى، حتى ترك ذلك فقد تقدم بين يدي شرعه وقدره\" (^٢)، وقد ذكر ﵀ أوجه استواء رضا العبد بالنعمة والبلية فبلغت اثنان وستون وجها (^٣).\nوهنا مسألة وردت في أثناء بعض الآثار وهي ترك بعض السلف الدعاء، وأن ذلك من تمام الرضا، أو من شرطه؛ كأثر إبراهيم التيمي الذي ترك الدعاء لأن في الابتلاء أجرا، أو أثر ابن عمير في الذي ترك الدعاء وكان يعرف اسم اللَّه الأعظم كي لا يرد قضاء اللَّه، أو أثر زبيد اليامي الذي ترك سؤال اللَّه وفضّل اختياره له عن اختياره لنفسه، فكان يقول: \"اللهم خر لي\" إذا طلب منه أن يستشفي اللَّه، وأثر رابعة العدوية عن قصة الإسرائيلي الذي كان يأكل من القمامة، وترك دعاء اللَّه أن يجعل\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١٩٧، ٢٠١).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٦).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٢١٤ - ٢٣٩).","vol":"2","page":658},{"text":"رزقه من غير ذلك، وتعليلها بأن أولياء اللَّه إذا قضي لهم قضاء كرهوا أن يتسخطوه، وهذه مسألة مهمة جدا، تحتاج إلى تفصيل وليست على إطلاقها، ولذلك قال ابن القيم: \"هذا يصح في وجه دون وجه؛ فيصح إذا كان الداعي يلح في الدعاء بأغراضه وحظوظه العاجلة، وأما إذا ألحّ على اللَّه في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه، فإن ذلك لا ينافي الرضا أصلا. . . بل الذي ينافي الرضا أن يلح عليه متحكما عليه، متخيرا عليه ما لم يعلم: هل يرضيه أم لا؟ كمن يلحّ علي ربه في ولاية شخص، أو إغنائه أو قضاء حاجته، فهذا ينافي الرضا؛ لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك\" (^١).\nوعلاقة الرضا بالدعاء علاقة وطيدة، وذلك أن المطلوب من العبد طاعة اللَّه ورضاه في كل حال؛ فإن كان الدعاء مأمورا به أمر إيجاب، أو استحاب، وجب فعله، أو استحب، والواجب والمستحب من جملة الرضا فكيف يعارضه، وإن كان الدعاء محرما، أو مكروها، حَرُم، أو كُرِه، ومن فعله كان متسخطا وغير راض، أما إن كان مباحا مستوي الطرفين، فهو مثله مستو الطرفين، ولا يكون ساخطا أو راضيا، إلا بأمر يضاف إليه، ليخرجه عن الإباحة، إلى الدرجتين السابقتين من الحرمة والكراهة، أو الوجوب والاستحباب، وهذا كالأكل والشرب واللباس، فإنه لا ينافي الرضا، وليس ترك ذلك من شرط الرضا، لكن قد يأخذ كل واحد من\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٤٨)، وانظر الاستقامة (٢/ ١٢٤ - ١٣٢).","vol":"2","page":659},{"text":"هذه الأمور حكما آخر غير الإباحة، لأمر خارجي اتصل به، ولذلك غلط من غلط في هذا الباب بأحد أمرين؛ إما أنه ظن بأن الرضا بكل مقدور أمر يحبه اللَّه ويرضاه، والثاني أنهم لم يفرقوا بين أنواع الدعاء وأحكامه الخمسة التكليفية، وهذا الذي أدخل كثيرا منهم في الرهبانية، والخروج عن شريعة اللَّه، حتى تركوا الأكل والشرب واللباس والنكاح وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به (^١).\nومن هنا يتبيّن أن من ادعى من الصوفية أن الدعاء يقدح في الرضا مطلقا فقد غلط غلطا بيّنا، ولذلك بوّب البخاري باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه، أو اشتد بي الوجع، قال ابن حجر: \"لعل البخاري أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يُمْنَع، ردا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم، فنَبَّه على أن الطلب من اللَّه ليس ممنوعا بل فيه زيادة عبادة\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٨ - ٧١٨).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ١٢٤).","vol":"2","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>المطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة</span>.\n\n٥٥٥ - حدثني محمد بن إسحاق قال: \"قيل لبعض العلماء: بم يبلغ أهل الرضى الرضا؟ قال: بالمعرفة، وإنما الرضا غصن من أغصان المعرفة\" (^١).\n\n٥٥٦ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا داود بن المحبر، قال: ثنا صالح المري، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد: \"كان لنا جار، وكان أثر الفاقة والسكينة عليه، فقلت له: لو عالجت شيئًا، لو طلبت شيئًا؟ قال: يا أبا الجلد، وأنت تقول هذا؟ من عرف ربّه فلم يستغن فلا أغناه اللَّه\" (^٢).\n\n٥٥٧ - حدثني أبو محمد القاسم بن هاشم البزاز، عن محمد بن عبد اللَّه الحذاء، قال سمعت أبا عبد الرحمن العمري: \"كنت جنينا في بطن أمي وكان يؤتى برزقي حتى يوضع في فمي، حتى إذا كبرت وعرفت ربي ساء ظني، فأي عبد أشر مني\" (^٣).\n\n٥٥٨ - حدثني إبراهيم بن الحسين، قال: قال لي رجل من أصحابنا: \"ضاعت نفقتي مرة وأنا في بعض الثغور، فأصابتني حاجة شديدة، فإني في\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٨) رقم (١٠٢).\n(^٢) إسناده ضعيف جدًّا، فيه داود بن المحبر وسيأتي (١٠٠٣)، القناعة والتعفف (٤٥) رقم (٨١).\n(^٣) إسناده صحيح، القناعة والتعفف (٥٥) رقم (١١٦)، وذكره في فيض القدير عن عيسى بن آدم بلفظ آخر بمعناه.","vol":"2","page":661},{"text":"بعض أيامى لَكَذَلِك أفكر في جهد ما أنا فيه إذ خرج رجل من المتعبّدين من أحسن من رأيت وجها وهو يقول:\nتبارك اللَّه وسبحانه ... من جهل اللَّه فذاك الفقر\nمن ذا الذي تلزمه فاقة ... وذخره اللَّه العليّ الكبير\nقال: فكأنما ملئت غنى، وذهب عني ما كنت أجده\" (^١).\n\n٥٥٩ - حدثني علي بن الحسن بن موسى، عن محمد بن سعيد قال: أخبرنا أشعث بن شعبة قال: قال ابن عون: \"ارض بقضاء اللَّه على ما كان من عسر ويسر؛ فإن ذلك أقلّ لهمّك، وأبلغ فيما تتطلب من آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والبلاء، كيف تستقضى اللَّه في أمرك ثم تسخط إن رأيت قضاء مخالفا لهواك، ولعل ما هويت من ذلك لو وفّق لك لكان فيه هلكتك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلّة علمك بالغيب، وكيف تستقضيه إن كنت كذلك، ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضا\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده صحيح إلى صاحب القصة، إن كان شيخ المصنف هو الحافظ ابن ديزل الرحالة المشهور انظر السير (١٣/ ١٨٤) فهو من طبقة شيوخ المصنف وقد روى عنه خلق كثير، القناعة والتعفف (٤٩) رقم (٩٢)، وأخرج أبو نعيم في الحلية البيت الأخير عن سفيان الثوري (٦/ ٣٧٣).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه أشعث بن شعبة وهو مقبول التقريب (٥٢٩)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٨ - ٦٩) رقم (٦٩)، صفة الصفوة (٣/ ٣١١).","vol":"2","page":662},{"text":"٥٦٠ - حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا أبو عمرو الكندي (^١) قال: \"أغارت الروم على جواميس (^٢) لبضير الطبري نحو من أربعمائة جاموس، قال: فاستركبني فركبت معه أنا وابن له، قال: فلقينا عبيدة الذين كانوا مع الجواميس معهم قالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس فقال: وأنتم أيضًا فاذهبوا معها، فأنتم أحرار لوجه اللَّه، فقال له ابنه: يا أباه أفقرتنا، فقال: اسكت يا بنيّ إن ربي -﷿- اختبرني، فأحببت أن أزيده\" (^٣).\n\n٥٦١ - حدثني أحمد بن العباس النمري قال: حدثني يونس بن محمد المكي (^٤) قال: \"زرع رجل من أهل الطائف زرعا، فلما بلغ أصابته آفة\n_________\n(^١) هو عيسى بن حنيفة أبو عمرو الكندي، قال الذهبي: \"وكان محله الصدق\"، وله ترجمة في الحلية، (٤/ ١٩٩)، ويعرف بهذه الكنية والنسبة أيضًا كلٌّ من: باذام، والهيثم بن خالد البراغي، أولهما متقدم جدا تاب على يد عبد اللَّه بن مسعود، والثاني متأخر لعله توفي بعد ابن أبي الدنيا بقليل، تاريخ بغداد (١٤/ ٦٢)، تاريخ الإسلام (١/ ١٣٩٩)، البداية، والنهاية (٩/ ٤٧).\n(^٢) نوع من البَقر دَخيلٌ، وجمعه جَوامِيسُ، فارسي معرّب، لسان العرب (٦/ ٤٢).\n(^٣) إسناده حسن، بشير الطبري له ترجمة في صفة الصفوة (٤/ ٢٣٥) وهو معروف بهذه القصة، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٢) رقم (١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٣١) رقم (١٠١٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣٠)، وذكره ابن الجوزى في صفة الصفوة (٤/ ٢٣٦).\n(^٤) لم أجد له ترجمة، ويحتمل أن يكون المؤدب البغدادي مات سنة (٢٠٧ هـ) كما في التقريب (٧٩١٤).","vol":"2","page":663},{"text":"فاحترق، فدخلنا عليه نواسيه عنه فبكى وقال: واللَّه ما عليه أبكي، ولكن سمعت اللَّه ﵎ يقول: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ (^١)، فأخاف أن أكون من هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني\" (^٢).\n\n٥٦٢ - حدثنا الحسين بن عبد الرحمن قال: \"كتب بكر بن المعتمر إلى أبي العتاهية (^٣) من السجن يشكو إليه طول الحبس، وشدة الغمّ، فكتب\nإليه: هي الأيام والغِيَرُ (^٤) ... وأمر اللَّه ينتظر\nأتيأس أن ترى فرجا ... فأين اللَّه والقدر (^٥)\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية (١١٧).\n(^٢) فيه شيخ المصنف لم أقف له على ترجمة، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٧) رقم (١٢) وهذا من الأشياء إلى تعين على الصبر على القدر.\n(^٣) هو الشاعر المشهور إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عنزة، المعروف بأبي العتاهية، كان يبيع الجرار، واشتهر بمحبة عتبة جارية المهدي، وقد نسك بآخره وقال في الزهد والمواعظ فاحسن وأبلغ، تاريخ الإسلام (١/ ١٦٧١)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٥).\n(^٤) الغِيَر على وزن عنب، من قولك غيَّرت الشيء فتغير، ومنه غِيَر الزمان، مختار الصحاح (٤٨٨).\n(^٥) إسناده حسن، شيخ المصنف ذكره السهمي في تاريخ جرجان (١/ ١٩٥) ولم يذكره فيه جرحا ولا تعديلا، ولعله هو الذي ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٨٨) =","vol":"2","page":664},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان علاقة المعرفة بالرضا بالقضاء والقدر؛ وأن الرضا غصن من أغصان المعرفة، كما في أثر ابن إسحاق، حيثما بيّن أن بلوغ الرضا يكون بالمعرفة، ثم الآثار التي بعده تؤكد هذا المعنى، حيثما تضمنت أن رضا السلف بحالهم التي كانوا عليها إنما حصل لهم بالمعرفة، فمن عرف ربه استغنى عن الناس، ولم يسُؤ ظنه به، والفقير هو الذي جهل اللَّه، وأن الذي يرضى بالقضاء الموافق لهواه، ويتسخط المخالف لهواه إنما أوتي لقلة علمه بالغيب، ولذلك عامل بشير الطبري ربه بمقتضى هذه المعرفة فأعتق عبيدة بعد سرقة جواميسه، رغبة فيما عند اللَّه من الأجر، وكذا المزارع الذي أصابت الآفة زرعه، فبكى خوفا من أيكون ذلك بسبب ذنب اقترفه، فيكون من الظالمين، وأجاب أبو العتاهية من شكى إليه طول السجن، بأن لا ييأس من الفرج، وهو يعرف أنه من اللَّه وبقضائه، وبهذا كله يتبيّن أهمية المعرفة وأثرها على الرضا بالقضاء والقدر، وأنه كلما قويت معرفة العبد كان أرضا لحكمه، وأتبع لدينه وأمره، وأبعد عن نهيه وسخطه، وقد سبق في الفصل الأول بيان فضل المعرفة واستلزامها للعبادة ومن أجل العبادات العباداتُ القلبية كالرضا والتسليم للقدر، قال ابن القيم: \"من عرف اللَّه صفا له\n_________\n= وقال عنه ابن حجر: مقبول، التقريب (١٣٣٦)، انظر تحقيقا لبشار عواد في هامش تهذيب الكمال (٢/ ١٨٢)، الفرج بعد الشدة (١١٨) رقم (١٠١)، والتنوخي في الفرج بعد الشدة (٣/ ٣٥٨ - ٣٦٣)، والبيتان في ديوان أبي العتاهية (٥٣٨).","vol":"2","page":665},{"text":"العيش، وطابت له الحياة. . . وأورثته المعرفة: الحياء من اللَّه، والتعظيم له والإجلال، والمراقبة والمحبة، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به، والتسليم لأمره\" (^١)، ووجه هذه المعرفة التي تثمر هذا الرضا هو: \"أن يعلم أن منع اللَّه ﷾ لعبده المؤمن المحب عطاء، وابتلاءه إياه عافية، قال سفيان الثوري: منعه عطاء، وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم، وإنما نظر في خير عبده المؤمن، فمنعه اختيار، وحسن نظر، وهذا كما قال. . . ولكن لجهل العبد وظلمه، لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل، وكان ملائما لطبعه، ولو رزق من المعرفة حظا وافرا لعد المنع نعمة، والبلاء رحمة. . . وهذه كانت حال السلف. . . فالراضي هو الذي يعد نعم اللَّه عليه فيما يكرهه أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه\" (^٢)، وقال: \"من صحت له معرفة ربه، والفقه في أسمائه وصفاته، علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به، فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب؛ فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها، فأنظر إلى غارس جنة من الجنات، خبير بالفلاحة، غرس جنة، وتعاهدها بالسقي والإصلاح، حتى أثمرت أشجارها، فأقبل عليها يفصل أوصالها، ويقطع أغصانها، لعلمه أنها لو\n_________\n(^١) روضة المحبين (١٠٦).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥).","vol":"2","page":666},{"text":"خليت على حالها، لم تطب ثمرتها، فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة، حتى إذا التحمت بها، واتحدت، وأعطت ثمرتها، أقبل يقلمها، ويقطع أغصانها الضعيفة، التي تذهب قوتها، ويذيقها ألم القطع، والحديد، لمصلحتها، وكمالها، لتصلح ثمرتها أن تكون بحضرة الملوك، ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت، بل يعطشها وقتا، ويسقيها وقتا، ولا يترك الماء عليها دائما، وإن كان ذلك أنضر لورقها، وأسرع لنباتها، ثم يعمد إلى تلك الزينة التي زينت بها من الأوراق، فيلقى عنها كثيرا منها؛ لأن تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها، كما في شجر العنب ونحوه، فهو يقطع أعضاءها بالحديد، ويلقى عنها كثيرا من زينتها، وذلك عين مصلحتها فلو أنها ذات تمييز وإدراك كالحيوان، لتوهمت أن ذلك إفساد لها، وإضرار بها، وإنما هو عين مصلحتها. . . فأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله. . ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم، علما وإرادة وعملا، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم، بموجب علمه، وحكمته، ورحمته، أحبوا أم كرهوا، فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفى ذلك على الجهال به، وبأسمائه، وصفاته. . . ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة، في جنة لا يشبه فيها إلا نعيم الآخرة. . . وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل","vol":"2","page":667},{"text":"اللَّه، وحكمته، ورحمته، وحسن اختياره، فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضى\" (^١).\n_________\n(^١) الفوائد (٩٢ - ٩٣)، وانظر مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٧)، وفيض القدير (٢/ ١٠٨).","vol":"2","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>المطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر والصبر عليه، وبين العزم على ذلك</span>.\n\n٥٦٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن كثير، عن سليمان الخواص قال: مات ابن لرجل فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان الرجل حسن العزاء، فقال رجل من القوم: هذا واللَّه الرضا، فقال عمر بن عبد العزيز: أو الصبر، قال سليمان: الصبر دون الرضا، الرضا أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضيا بأي ذلك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر\" (^١).\n\n٥٦٤ - حدثني زكريا بن عبد اللَّه التميمي، أن محمد بن عبد اللَّه القرشي حدثه، أن أباه حدثه: أن سليمان بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز عند موت ابنه: \"أيصبر المؤمن حتى لا يجد لمصيبته ألما؟ قال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر معوَّل المؤمن\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فإن محمد بن كثير هو ابن أبي عطاء المصيصي صدوق كثير الغلط التقريب (٦٢٩١)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٥٣) رقم (٤٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٧٧)، وابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز (١٥٠).\n(^٢) إسناده لين، شيخ المصنف لم يتبين لي من هو، الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان (٤٢ - ٤٣) رقم (١٩)، ومن طريقه وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ١٠٥)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٣٧٨) للمصنف في هذا الكتاب، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٤٢) بلفظ: \"الرضا قليل ولكن الصبر معول المؤمن\"، وفي البداية والنهاية (٩/ ٢٧٢) مثله عن الحسن البصري.","vol":"2","page":669},{"text":"٥٦٥ - حدثني محمد بن إدريس الرازي قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: \"أرجو أن أكون قد رزقت من الرضا طرفا، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر الفرق بين الصبر والرضا، وبين الرضا والعزم على الرضا، فورد في أثر سليمان الخواص أن الفرق بينهما أن الرضا يكون قبل وقوع المصيبة راضيا بأي ذلك كان، فإذا وقعت صبر، وإن كان في نفس الأثر ورد ذكر الفرق بينهما عن عمر بن عبد العزيز في إشارة إلى أن درجة الصبر دون درجة الرضا، من غير بيان لنوع الفرق، وهو مفسَّر في الأثر الثاني بأن الرضا هو أن يستوي عندك ما تحب وما تكره (^٢)، والصبر دون ذلك وهو معوّل المؤمن، فهو لا يستوي عنده ما يحب وما يكره، لكنه يصبر على ما يكره، كما أن أثر الداراني فيه الفرق بين الرضا والعزم على الرضا.\nولا شك أن الرضا درجة أعلى من الصبر كما قال ابن رجب:\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٨) رقم (١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٦٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٢٦)، وانظر كلام ابن تيمية على هذا الأثر في التعليق الآتي.\n(^٢) أي من جهة الرضا به، لا من جهة عدم التالم، أو موافقة الطبيعة البشرية، فهذا أمر لا يقدر عليه البشر وهو خلاف طبيعتهم، وانظر أيضا فتح الباري (١٠/ ١٢٤).","vol":"2","page":670},{"text":"\"الصبر كف النفس وحبسها عن السخط، مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بألم، لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب، من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية\" (^١).\nلكن ليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره، بل من شرطه ألا يعترض الحكم ولا يتسخطه، وقد ذكر ابن القيم ﵀ لذلك مثالا جيدا فقال: \"المريض الشارب للدواء الكريه، متألم بصومه، راض به، والصائم في شهر رمضان، في شدة الحر، متألم بصومه، راض به، والبخيل متالم بإخراج زكاة ماله، راض بها، فالتألم كما لا ينافي الصبر، لا ينافي الرضا به\" (^٢).\nأما الذي يكون قبل المصيبة فليس رضا وإنما هو عزم على الرضا قال شيخ الإسلام: \"ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا، لا حقيقة للرضا، ولهذا كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء، فإذا وقع انفسخت عزائمهم كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره\" (^٣).\nثم شرح هذا الكلام بقوله: \"ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا،\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٥).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(^٣) التحفة العراقية (٥١).","vol":"2","page":671},{"text":"وإنما هو عزم على الرضا، وإنما الرضا ما يكون بعد القضاء، وإن كان هذا عزما، فالعزم قد يدوم، وقد ينفسخ، وما أكثر انفساخ العزائم، خصوصا عزائم الصوفية. . . ومثل هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب، أنه كان يقول: وليس في سواك حظ، فكيفما شئت فاختبرني، فأخذه العسر من ساعته، أي حصر بوله، فكان يدور على المكاتب، ويفرق الجوز على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب\" (^١).\nوهنا لطيفة يجب التنبه لها وهي أن العزم على الرضا منوط بالشرع فلا يجوز العزم على الرضا بما لم يشرع للمرء الرضا به، وقد أوفى ابن القيم ﵀ هذا المقام حقه في مدارج السالكين فقال: \"وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه: فهذا هو الرعونة كل الرعونة؛ فإن مراده سبحانه نوعان: مراد يحبه ويرضاه؛ ويمدح فاعله ويواليه؛ فموافقته في هذا المراد هي عين محبته، وإرادة خلافه رعونةٌ ومعارضةٌ واعتراضٌ، ومراد يبغضه ويكرهه، ويمقت فاعله ويعاديه، فموافقته في هذا المراد عين مشاقته ومعاداته ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه، فهذا الموضع موضع فرقان، فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضه بالدفع والرد بالمراد الآخر، فالعبودية الحق: معارضة مراده بمراده، ومزاحمة أحكامه بأحكامه، فاستسلامه لهذا المراد المكروه المسخوط وما يوجبه ويقتضيه عين الرعونة، والخروج عن العبودية، وهو عين الدعوى الكاذبة؛ إذ لو كان مصدر ذلك\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦٩١ - ٦٩٣) بتصرف، وانظر تيسير العزيز الحميد (٥٢٤).","vol":"2","page":672},{"text":"الاستسلام والموافقة وترك الاعتراض والمعارضة لكان ذلك مخصوصا بمحابه ومراضيه وأوامره التي الاستسلام لها والموافقة فيها، وترك معارضتها والاعتراض عليها هو عين المحبة والموالاة. . . ومن العجب: دعواهم خروجهم عن نفوسهم، وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم، وليس الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبسا على مراد اللَّه الدينى الأمري النبوي، وبذلها للَّه في إقامة دينه، وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي، فانغمس فيهم يمزقون أديمه، ويرمونه بالعظائم، و. . .، قد تجرد عن الأوضاع والقيود والرسوم، وتعلق بمراضي الحي القيوم، مقامه ساعة في جهاد أعداء اللَّه، ورباطه ليلة على ثغر الإيمان، آثر عنده وأحب إليه من فناء ومشاهدات وأحوال، هي أعظم عيش النفس، وأعلى قوتها، وأوفر حظها، ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظها؟ !، ولعله قد خرج عن مراد ربه من عبوديته إلى عين مراده وهو حظه، ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عيانا، وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه، وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظا وإيثارا لمراد النفس، بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه فإنه لا حظ للنفس في ذلك، فواللَّه ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج، وماذا يلعب الشيطان بالنفوس، وإن نفسا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة، فزن أحوال الأنبياء والرسل والصديقين وسؤالهم ربهم على أحوال هؤلاء الغالطين الذين مرجت بهم نفوسهم ثم قايس بينهما وانظر","vol":"2","page":673},{"text":"التفاوت. . . -ثم ذكر آيات وأحاديث في تعوذهم من عذاب اللَّه وبلائه وسؤالهم العافية والسلام- فأين هذا من حال من قال: لا أحبك لثوابك؛ لأنه عين حظي، وإنما أحبك لعقابك؛ لأنه لاحظ لي فيه. . . فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيهم: إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان مغلوبا على عقله كالسكران ونحوه، ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده، ولكن الذي ينكر كون هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العلية التي يتعاطاها العبد، ويشمر إليها، فهذا الذي لا تلبس عليه الثياب، ولا تصبر عليه نفوس العلماء\" (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩).","vol":"2","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم</span>.\n\n٥٦٦ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي، حدثني عبد الوهاب بن يزيد الكندي قال: \"رأيت أبا عمر الضرير في النوم فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي ورحمني، قلت: فأي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أنتم عليه من السنة والعلم، قلت: فأي الأعمال وجدت شرًّا؟ قال: احذر الأسماء، قلت: وما الأسماء؟ قال: قدري، معتزلي، مرجئ، فجعل يعد أصحاب الأهواء\" (^١).\n\n٥٦٧ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألت مالك بن أنس عن القدري والمخنث؛ أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: \"إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان التحذير من أهل القدر وذمهم، وقد سبق هذان الأثران في الباب الأول من هذه الرسالة في المطلب الأول: التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد، ولا شك أن بدعة القدر من أوائل البدع ظهورا وكان السلف أشد إنكارا لها وتحذيرا من أهلها، قال شيخ الإسلام: \"لم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر، فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقى من الصحابة، كعبد اللَّه\n_________\n(^١) سبق (١١٣) في كتاب الاتباع والابتداع.\n(^٢) سبق (١١٧) في كتاب الاتباع والابتداع.","vol":"2","page":675},{"text":"ابن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وواثلة بن الأسقع، وكان أكثره بالبصرة والشام، وقليل منه بالحجاز، فأكثر كلام السلف في ذم هؤلاء القدرية، ولهذا قال وكيع بن الجراح القدرية: يقولون الأمر مستقبل، وإن اللَّه لم يقدر الكتابة والأعمال. . . وهو كله كفر. . . ولكن لما اشتهر الكلام في القدر، ودخل فيه كثير من أهل النظر، والعباد، صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. . . وقول أولئك كفرهم عليه مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم، وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك، وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء، والعباد كتب عنهم العلم، وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم، لكن من كان داعية إليه، لم يخرجوا له، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة، لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدا، وأقل عقوبته أن يهجر، فلا يكون له مرتبة في الدين، لا يؤخذ عنه العلم، ولا يستقضى، ولا تقبل شهادته، ونحو ذلك\" (^١)، وقال: \"قد رويت أحاديث في ذم القدرية والمرجئة، روى بعضها أهل السنن، كأبي داود، وابن ماجه، وبعض الناس يثبتها ويقويها، ومن العلماء من طعن فيها، وضعفها، ولكن الذي ثبت في ذم القدرية ونحوهم هو عن الصحابة كابن عمر وابن عباس\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥١).","vol":"2","page":676},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>المبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر</span>\n\n٥٦٨ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم العبدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور بن عبد الرحمن قال: \"كنت جالسا مع الحسن فقال لي رجل اسأله عن قول اللَّه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^١)، فسألته عنها فقال: سبحان اللَّه من يشكّ في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض، ففى كتاب من قبل أن تبرأ النسمة\" (^٢).\n\n٥٦٩ - حدثنا أبو جعفر الصفار قال: حدثنا حماد بن زيد، عن خالد الحذّاء (^٣) قال: \"خرجت إلى فارس (^٤)، فجئت وقد رمي الحسن بالقدر، فأتيته فقلت: يا أبا سعيد، آدم خُلق للأرض أم للجنة؟ قال: يا أبا منازل\n_________\n(^١) سورة الحديد، من الآية (٢٢).\n(^٢) إسناده حسن، منصور صدوق يهم التقريب (٦٩٥٣)، الفرج بعد الشدة (٥٨) رقم (١٥)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٤٠) رقم (٩٧٧٠)، وأورده مختصرا السيوطي في الدار (٨/ ٦٢).\n(^٣) هو خالد بن مهران، أبو المُنَازِل، البصري الحَذَّاء، قيل له ذلك لأنه كان يجلس عندهم، وقيل لأنه كان يقول أُخذ على هذا النحو، وهو ثقة يرسل، التقريب (١٦٨٠).\n(^٤) ولاية واسعة، أول حدودها من جهة العراق أرجان، ومن جهة كرمان السيرجان، ومن جهة ساحل بحر الهند سيراف، ومن جهة السند مكران، معجم البلدان (٤/ ٢٢٦).","vol":"2","page":677},{"text":"ليس هذا من مسائلك، قلت: أحببت أن أعلم ذلك، قال: للأرض خُلق، قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ فقال: لم يكن بدٌّ من أن يأتي على الخطيئة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان تبرئة الإمام الحسن البصري ﵀ من تهمة القول بالقدر، وهي مسألة مهمّة في مباحث العقيدة السلفية والرّد على المخالفين لها، ألا وهي تعلّق أصحاب الباطل بأئمة من أهل السنة وانتسابهم إليهم، ليروج باطلهم وتستساغ بدعتهم عند العوام، وضعاف العقول والنفوس، خصوصا من كان له لسان صدق وكلمة مسموعة، وصيت ذائع ومكانة في قلوب الأمة، وهذا ما حدث للحسن البصري -﵀- حيث نسبه المعتزلة إليهم وترجموا له في طبقاتهم (^٢)، كما نسبت إليه رسالة كتبها إلى عبد الملك بن مروان، جوابا على سؤاله له عن مذهبه في القدر فأجاب على طريقة القدرية (^٣)، وقد اعتنى علماء\n_________\n(^١) إسناده حسن، والأثر صحيح، وشيخ المصنف سبق (١٢١) وقد تابعه غير واحد، العقوبات (٧٤) رقم (١٠٨)، والفريابي في القدر رقم (٣٥٣)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٣٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٤ - ٢٥)، مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة لليافعي وصحح سنده (١٣٤).\n(^٢) عدّه عبد الجبار المعتزلي في الطبقة الثالثة في كتابه فرق وطبقات المعتزلة (٣٣)، وانظر المنية والأمل (٢٥).\n(^٣) طبعت هذه الرسالة ضمن رسائل العدل والتوحيد، جمع محمد عمارة الرسالة الأولى من (٨٣ - ٨٨).","vol":"2","page":678},{"text":"السلف والمحدثون نفي هذه التهم عن مثل هؤلاء الأئمة، خصوصا منهم من اهتم بالتأليف في العقيدة، حيث أوردوا ذلك في كتبهم، فنجد الآجري واللالكائي وابن بطة كلهم اعتنوا بالرد على هذه التُّهَم (^١)، خصوصا ما كان من ذلك في حقّ الحسن البصري لأنهم اتخذوه حجة على أهل السنة، فأثبتوا لهم من عدة طرق أنه يثبت القدر كسائر أهل السنة ويقول بقولهم فلا داعي للتعلق بما لا متعلق لهم فيه.\nوالذي يبدو من خلال التأمّل في ما روي عنه في هذا الباب نفيا وإثباتا، أن الحسن بريء من هذه التهمة، وأن سبب إلصاقها به عدّة أمور، أوجزها فيما يلي:\n_________\n(^١) انظر الشريعة (٢/ ٨٧٩ - ٨٨٦) فقد جعله في مقدمة من ذكر قوله من التابعين في القدر ورد على مزاعم القدرية عليه، وكذلك شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٧٥٣ - ٧٥٥) حيث أورد أقواله في القدر، والإبانة لابن بطة حيث أورد دعوى القدرية عليه وردها (٢/ ١٧٩ - ١٩٥)، والانتصار للعمراني (٤٠٦ - ٤١٢) كما نقل بعض أقواله في ذلك عبد الرزاق في مصنفه في باب القدر (١/ ١١١) مثل رقم (٢٠٠٧٩، ٢٠٠٨٥).","vol":"2","page":679},{"text":"أولا: استغلال المبتدعة لمكانته العلمية والعملية في قلوب الناس، لترويج مذهبهم، وقد نصّ على ذلك عصريه، وزميله الذي كان يناصحه أيوب السختياني، وكلّ من دافع عن الحسن بعده، قال أيوب: \"كذب -يعني على الحسن البصري- صنفان من الناس؛ قوم القدر رأيهم، فهم يريدون أن ينفقوا بذلك قولهم، وقوم في قلوبهم له شنآن وبغض، يقولون: من قوله كذا، وليس من قوله كذا\" (^١).\nثانيا: وجود خصوم له وأعداء وحسدة يريدون تشويه سمعته لأغراض دنيئة غير المعتقد، كما في الأثر السابق عن أيوب.\nثالثا: صدور بعض العبارات منه أوهمت بعض من كان في قلبه حاجة، أنه يقول بالقدر وهذا قد صرح به هو نفسه كما قال حمزة بن دينار: \"عوتب الحسن في شيء من القدر، فقال: كانت موعظة فجعلوها دينا\"، وقال أيوب: \"إن قوما جعلوا غضب الحسن دينا\" (^٢).\nرابعا: وضع رسالة زعموا أنه أجاب بها عن سؤال لعبد الملك بن مروان سأل فيها الحسن عن مذهبه في القدر فأجابه على مذهب المعتزلة مستدلا بآيات ودلائل عقلية، وقد استبعد الشهرستاني (^٣) صدورها عن الحسن، واحتمل أن تكون لواصل بن عطاء، بسبب أن كون القدر خيره\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٥٥) وغيره.\n(^٢) الإبانة (٢/ ١٨٧).\n(^٣) الملل والنحل (١/ ٤٢).","vol":"2","page":680},{"text":"وشرّه من اللَّه كالمجمع عليه بين السلف، قلت: ولو كان الكتاب صحيح النسبة للحسن، لما تردّد السلف في تخطئته، والتبري منه، خصوصا وأنه ثارت ضجّة كبيرة في عصره عليه، بسبب هذه التهمة، فلو كان الكتاب له لكان أولى ما يتهم به، بدلا من التعلق بالموعظة واستغلال حالة الغضب منه وجعلها دينا واللَّه أعلم.","vol":"2","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>الباب الثالث: الآثار الواردة في مباحث الإيمان</span>.\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في تعريف الإيمان.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في الزيادة والنقصان.\nالفصل الثالث: الآثار الواردة في الاستثناء.\nالفصل الرابع: الآثار الواردة في الإسلام والإيمان.\nالفصل الخامس: الآثار الواردة في الأسماء والأحكام.","vol":"2","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>الفصل الأول: الآثار الواردة في تعريف الإيمان</span>.\n\n٥٦٩ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا موسى بن أيوب، ثنا عطاء بن مسلم، عن جعفر بن برقان، عن وهب بن منبه قال: \"الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس بينهما حَرُون (^١)، فإذا قاد القائد ولم يسق السائق لم يغن ذلك شيئا، وإذا ساق السائق ولم يقد القائد لم يغن ذلك شيئا، وإذا قاد القائد وساق السائق اتّبعته النفس طوعا وكرها وطاب العمل\" (^٢).\n\n٥٧٠ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثني عبد الصمد بن النعمان، ثنا هارون البربري، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير (^٣) قال: \"الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فإذا وني قائدها لم تستقم لسائقها، وإذا وني سائقها لم تستقم لقائدها، فلا يصلح هذا إلا مع هذا، حتى يقوم\n_________\n(^١) فرس حَرُونٌ لا ينقاد وإذا اشتد به الجري وقف، مختار الصحاح (١٦٧).\n(^٢) إسناده ضعيف، عطاء بن مسلم هو الحلبي الخفاف سيأتي (٧٠٦) أنه صدوق يخطئ كثيرا، محاسبة النفس (١٠٨) رقم (٨٣)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٨٢) رقم (٦٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٩٥)، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٩٢٨ - ٩٢٩) رقم (١٥٧٩) عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير.\n(^٣) هو عبد اللَّه بن عُبَيد بن عمير الليثي المكي، ثقة، استشهد غازيا سنة (١١٣ هـ)، التقريب (٣٤٥٥).","vol":"2","page":685},{"text":"على الخير الإيمان باللَّه مع العمل للَّه، والعمل للَّه مع الإيمان باللَّه\" (^١).\n\n٥٧١ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا حفص بن بغيل، عن زهير، عن أبي إسحاق، وعن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: \"إن من الإيمان أن يحبّ الرجلُ الرجلَ ليس بينهما نسب قريب، ولا مال أعطاه إياه، ولا محبة إلا للَّه ﷿\" (^٢).\n\n٥٧٢ - حدثني محمد بن إدريس، حدثنا عبيدة أبو سعيد، حدثنا إبراهيم بن عيينة، حدثنا صالح بن حسان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس -﵁- قال: \"المؤمن ملجم، فلا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يذوق طعم الذل\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن، فيه عبد الصمد بن النعمان لا ينزل عن درجة الصدوق وكذا شيخه، انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٣٦٨)، واللسان (٤/ ٢٣)، محاسبة النفس (١٠٦) رقم (٨٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٩٢٨ - ٩٢٩) رقم (١٥٧٩) عن قبيصة عن هارون به.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ أبو إسحاق ثقة اختلط بأخرة وسماع زهير منه بعد الاختلاط انظر المختلطين للعلائي (٩٣)، لكن تابعه معمر في الجامع، الإخوان (١٠١) رقم (١٥)، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٢٠١) رقم (٢٠٣٢٣)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ١٧٣) رقم (٨٨٦٠)، وكذا البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٤٩٤) رقم (٩٠٣٠)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٩٠): \"رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده إسحق الديري وهو منقطع بين عبد الرزاق وأبى إسحاق\"، قلت: ولم يظهر لي وجه الانقطاع فهو من روايته عن معمر عن أبي إسحاق به، ويروى مرفوعا إلى النبي -ﷺ-.\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، فيه صالح بن حسان وهو النضري متروك، التقريب (٢٨٦٥)، =","vol":"2","page":686},{"text":"٥٧٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا شبابة بن سوَّار، حدثنا شعبة، عن الحكم ﵀ قال: قال ابن عمر ﵄: \"لا يبلغ رجل حقيقة الإيمان، حتى يدع المراء وهو محق، والكذب في المزاح\" (^١).\n\n٥٧٤ - حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن زرارة، نا عبد المجيد يعني ابن عبد العزيز، عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن وهب بن منبه قال: \"الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفّة\" (^٢).\n_________\n= مداراة الناس (٢٧) رقم (٨)، وذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٣٩٤) ونسبه لأنس -﵁-، وفي طبقات ابن سعد (٥/ ٣٧٤) من قول عمر بن عبد العزيز: \"المتقى ملجم\"، وأورده كذلك النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٠).\n(^١) الراوي عن ابن عمر يحتمل أن يكون الحكم بن عتيبة لأنه ذكر ضمن شيوخ شعبة ولم يذكر ضمن الرواة عن ابن عمر، إلا أنه أدركه فقد توفي ابن عمر -﵁- سنة (٧٤ أو ٧٣ هـ)، بينما ولد الحكم بن عتيبة سنة (٤٦ هـ) فالإدراك ممكن، كما يحتمل أن يكون الحكم بن ميناء لأنه ذكر ضمن الرواة عن ابن عمر إلا أنه لم يذكر ضمن شيوخ شعبة، وهما ثقتان، وقد تابعه ميمون بن أبي شبيب -وهو صدوق كثير الإرسال- عند ابن حبان في روضة العقلاء (٥٥)، فاللَّه أعلم.\nانظر: الجرح والتعديل (٣/ ١٣٥)، تهذيب الكمال (٣/ ٢٤٥) رقم (١٤٢٢) و(٣/ ٢٥١) رقم (١٤٣١)، السير (٣/ ٢٠٣)، التقريب (٧٠٩٥).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢١٠) رقم (٣٩٣) ورقم (٦٦٢)، وابن المبارك في الزهد (٣٥)، وابن حبان في روضة العقلاء (٥٥).\n(^٢) إسناده حسن، وعبد المجيد الظاهر أنه ابن أبي رواد؛ فإن الثوري في طبقة شيوخه، وإن لم يُنص على ذلك، انظر تهذيب مستمر الأوهام (١/ ٩٤)، ثم وقفت على سند =","vol":"2","page":687},{"text":"٥٧٥ - حدثنا أبو كريب الهمداني، نا محمد بن الصلت، نا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء قال: قال عبد اللَّه: \"الإيمان عريان، وزينته التقوى، ولباسه الحياء\" (^١).\n\n٥٧٦ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا بقية بن الوليد قال: حدثني بجير بن سعيد، عن خالد بن معدان قال: حدثنا يزيد بن مرشد الهمداني أن أبا الدرداء قال: \"ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم (^٢)، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكّل، والاستسلام للرب ﷿\" (^٣).\n_________\n= في علل الترمذي (٥/ ١٣٨) يؤكد أنه من شيوخه، مكارم الأخلاق (٢١) رقم (٩٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٩١) رقم (٣٥٢٣٥)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤١)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٩٢٦) رقم (١٥٧١)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٤٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ٣٨٩)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٥٠٠)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٩١)، والذهبي في السير (٤/ ٥٥٠)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٢/ ٢٠٧)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٥٣٣) لابن أبي الدنيا.\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ يحيى بن سلمة بن كهيل متروك وكان شيعيا، التقريب (٧٦١١)، مكارم الأخلاق (٢٢ - ٢٣) رقم (١٠٣)، ونسبه إلى ابن مسعود صاحب الفردوس (١/ ١١٢)، وقال العراقي في تخريج الإحياء (١/ ١٢): \"الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف\".\n(^٢) قال ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٣٧٤): \"كذا قال، والمحفوظ للرب\".\n(^٣) إسناده ضعيف فإن مداره على بقية بن الوليد وهو يدلس تدليس التسوية وقد عنعن =","vol":"2","page":688},{"text":"٥٧٧ - نا إسحاق بن إبراهيم، نا جرير، عن ضرار بن مرة، عن سعيد ابن جبير ﵀ قال: \"التوكل على اللَّه جماع الإيمان\" (^١).\n\n٥٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، نا أبو عوانة، عن المغيرة، عن عامر قال: \"الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله\" (^٢).\n_________\n= عمن فوق شيخه، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦١ - ٦٢) رقم (٥٨)، ونعيم في زوائد الزهد لابن المبارك رقم (١٢٣)، الحلية (١/ ٢١٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٤٨) رقم (١٢٣٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢١٩) رقم (٢٠٢)، وابن عساكر في تاريخ ابن عساكر (٤٧/ ١٧١ - ١٧٢) (٦٥/ ٣٧٤).\n(^١) إسناده صحيح.\nكتاب التوكل على اللَّه (٣٩) رقم (٥)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١/ ٣٦١) رقم (٧٧٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٣٥٣) رقم (٩٦٣٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١١١) رقم (١٣٢٣) ثم برقم (١٣٢٤) عن سعيد عن ابن عباس موقوفا عليه وضعفه، وهناد في الزهد (١/ ٣٠٤) رقم (٥٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٧٤) (١/ ٧٠)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٥٥).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف هو ابن أبي الشوارب صدوق، التقريب (٦١٣٨)، الشكر (٩٣) رقم (٥٧)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٢١/ ٨٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ والبيهقي في شعب الإيمان من طريق المصنف (٤/ ١٠٩) رقم (٤٤٤٨)، ونسبه السيوطي إليهما في الدر (١/ ٣٧١) وزاد في (٧/ ٣٥٧) نسبته إلى سعيد بن منصور ولم أجده في المطبوع منه، وذكره ابن القيم عنه في عدة الصابرين (١٠٠)، والأثر صحيح مشهور عن ابن مسعود -﵁- علقه =","vol":"2","page":689},{"text":"٥٧٩ - حدثني عبد الرحيم بن يحيىى، قال: حدثنا عثمان بن عمارة، عن شيخ قال: \"خرجت من البصرة أريد عسقلان (^١)، فصحبت قوما حتى وردنا بيت المقدس، فلما أردت أن أفارقهم، قالوا لي: نوصيك بتقوى اللَّه ولزوم درجة الورع، فإن الورع يبلغ بك إلى الزهد في الدنيا، وإن الزهد في الدنيا يبلغ بك حب اللَّه، قلت لهم: فما الورع؟ فبكوا حتى تقطّع قلبي رحمة لهم، ثم قالوا: يا هذا، الورع: محاسبة النفس، قلت: وكيف ذاك قال: تحاسب نفسك مع كل طرفة وكل صباح ومساء، فإذا كان الرجل حذرا كيِّسا، لم يخرج عليه الفضل، فإذا دخل في درجة الورع احتمل المشقّة وتجرّع الغيظ والمرار، أعقبه اللَّه روحا وصبرا، واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وملاك هذا الأمر الصبر، وأما الزهد فهو أن يقيم الرجل على راحة تستر إليها نفسه، وأما المحب للَّه فهو مستقل لعمله أبدا، وإن ضيق واحتبس عليه رزقه فهو في ضيق ذلك لا يزداد للَّه إلا حبا ومنه إلا دنوًّا\" وذكر الحديث بطوله (^٢).\n_________\n= البخاري في صحيحه انظر الفتح (١/ ٤٥)، وتغليق التعليق (٢/ ٢٢ - ٢٣)، ورُوي أيضًا عنه مرفوعا ولا يصح.\n(^١) مدينة بالشام من أعمال فلسطين، على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين، ويقال لها: عروس الشام، وكذلك يقال لدمشق أيضا، وقد نزلها جماعة من الصحابة والتابعين، وحدث بها خلق كثير، معجم البلدان (٤/ ١٢٢).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه المتهم بالكذب في حديث الأبدال؛ وهو إما شيخ المصنف أو شيخ شيخه كما في ميزان الاعتدال (٢/ ٦٠٨) و(٣/ ٥٠)، الورع (١١٥ - =","vol":"2","page":690},{"text":"٥٨٠ - أنشد بعضهم:\nليس الدنيا إلا بدين وليس ... الدين إلا مكارم الأخلاق (^١)\n\n٥٨١ - قال عبد الرحمن: \"فليتق الرجل دناءة الأخلاق كما يتقي الحرام، فإن الكرم من الدين\" (^٢).\n\n٥٨٢ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: \"مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا شيء سماه، وثمرها\n_________\n= ١١٦) رقم (١٩٤)، الأولياء رقم (١٠٨)، وأخرج ابن أبي شيبة (٧/ ١٠١) رقم (٣٤٥٠٤) موضع الشاهد من الأثر عن علي -﵁-: \". . . الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان\"، وإسناده حسن إن صح سماع أبي إسحاق من علي -﵁-؛ لأنه قد رآه يقينا، وقيل: لم يسمع منه، كما في تهذيب الكمال (٥/ ٤٣٢)، ولم يجزم العلائي في تحفة التحصيل (٢٤٤) بشيء.\n(^١) مكارم الأخلاق (١٢) رقم (٥٣)، واستحسن ابن رجب وابن عبد البر هذا البيت ونسباه إلى أبي العتاهية، التمهيد (٢٤ - ٣٣٤)، جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٨٢)، وزادا ثانيا:\nإنما المكر والخديعة في النار ... هما من فروع أهل النفاق\n(^٢) مكارم الأخلاق (١٢) رقم (٥٥)، ولعل القائل هو عبد الرحمن بن مهدي الوارد في الأثر الذي قبل هذا وفيه الحث على مكارم الأخلاق ولو مع من يكره المرء، وفيه عمارة بن يحيى لم أجده إلا عند البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٩٨) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.","vol":"2","page":691},{"text":"الورع، لا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له\" (^١).\n\n٥٨٣ - حدثني أبو عبد الرحمن الخزاعي، نا محمد بن أبي السري العسقلاني، نا بكر بن بشر السلمي، نا عبد الحميد بن السوّار، حدثني إياس بن معاوية بن قرّة قال: \"كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر عنده الحياء فقالوا: الحياء من الدين، فقال عمر: بل هو الدين كله. . \" (^٢).\n\n٥٨٤ - حدثني مفضل بن غسان، نا محمد بن كثير المصيصي، عن ابن أبي الرجال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: \"لقد جاء الإسلام وفي العرب بضع وستون خصلة كلها زادها الإسلام شِدَّة، منها قرى الضيف، وحسن الجوار، والوفاء بالعهد\" (^٣).\n\n٥٨٥ - حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثنا عبد اللَّه بن المسيب، عن الضحاك بن شرحبيل، عن أبي هريرة -﵁- أنه\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الورع (١٠٩) رقم (١٧٤)، معمر في الجامع (١/ ١٦١)، ومن طريقه عبد اللَّه بن أحمد في السنة (١/ ٣١٦) رقم (٦٣٥)، والخلال في السنة (٤/ ٦٠) رقم (١١٦٦)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٣١١) رقم (٨٢٨) ووقع عند عبد اللَّه والخلال بلفظ الإيمان بدل الإسلام.\n(^٢) إسناده ضعيف، مكارم الأخلاق (١٩) رقم (٨٧) وفيه تتمة الحديث، البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٩٤)، وفي شعب الإيمان (٦/ ١٣٥) رقم (٧٧١١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٢٥)، جميعهم عن عبد الحميد بن سوار به، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: \"فيه عبد الحميد بن سوار وهو ضعيف\".\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه ابن أبي الرجال ضعيف، التقريب (١٠٦٩)، مكارم الأخلاق (٨) رقم (٣٥).","vol":"2","page":692},{"text":"كان يقول: \"من لم ير أن كلامه من عمله، وأن خلقه من دينه، هلك وهو لا يشعر\" (^١).\n\n٥٨٦ - حدثني أحمد بن بحير، حدثنا قبيصة حدثنا سفيان الثوري، عن أبي حيان، عن إبراهيم التيمي ﵀ قال: \"ما عرضت قولي على عملي، إلا خشيت أن أكون مكذبا\" (^٢).\n\n٥٨٧ - حدثنا عصمة بن الفضل قال: حدثنا يحيى بن يحيى، عن داود ابن المغيرة قال: سمعت أبا حازم يقول: \"السرّ أملك بالعلانية من العلانية بالسرّ، والفعل أملك بالقول من القول بالفعل\" (^٣).\n_________\n(^١) رجاله ثقات، إلا عبد اللَّه بن المسيب، لم يوثقه إلا ابن حبان في الثقات (٤/ ١٣) رقم (٢٣٤٨)، ولم يذكر فيه البخاري في التاريخ الكبير جرحا ولا تعديلا (٥/ ٢٠٢) رقم (٦٣٨).\nالصمت (٢٦٢) رقم (٥٥٧)، وعبل اللَّه بن وهب في الجامع (١/ ٦١) ومن طريقه المصنف.\n(^٢) إسناده صحيح، أخرجه في كتاب الصمت وآداب اللسان (٩٠) رقم (١٠٤) و(٢٦٦) رقم (٥٧٦)، وأحمد في الزهد (٣٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١١) وهو فيها مقلوب: \"ما عرضت عملي على قولي\"، وعلقه البخاري في كتاب الإيمان باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر (١/ ١٠٩ فتح)، وفي التاريخ الكبير (١/ ٣٣٥) من طريق أبي نعيم، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٦٠) رقم (٣٤٩٧٠)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٩٢٩) رقم (١٥٨٠) وفيه نسبة أبي حيان بأنه التيمي، والفريابي في صفة المنافق (٧٥) رقم (٩٥)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٨٥)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٦١).\n(^٣) فيه داود بن المغيرة لم أجد له ترجمة، ولعله الذي ورد عند الحاكم في المستدرك =","vol":"2","page":693},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، حيث نصت الآثار على دخول الأعمال بنوعيها -الباطنة والظاهرة، وهي أعمال القلب وأعمال الجوارح- في مسمى الإيمان، فأثر عبد اللَّه بن عمير بيّن أنه لا يصح الإيمان إلا بالعمل، ولا العمل إلا بالإيمان، ثم الآثار التي بعده نصت على دخول بعض الأعمال في الإيمان، كالحب في اللَّه، وضرب طاوس ﵀ لذلك مثلا بالشجرة التي لها أصل وفروع، وأن له حقيقة لا يبلغها العبد إلا بفعل بعض الأعمال، كترك الانتصار للنفس، وترك المراء، والكذب في المزاح، وأنه بدون الأعمال فهو عريان، وإنما لباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفة، وأن له ذروة ذكر أبو الدرداء -﵁- أنها أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكّل، والاستسلام للرب ﷿، والتوكل هو جماع الإيمان، والشكر نصفه، والصبر نصف، واليقين الإيمان كله، ومنزلة الصبر منه كمنزلة الرأس من الجسد، والتنصيص على أن مكارم الأخلاق من الدين، أو على بعضها كالكرم، والحياء، وأن الإسلام زاد بعض الصفات التي كانت في العرب\n_________\n= (٢/ ٧٥) وصحح إسناد حديثه، الإخلاص والنية (٦٠) رقم (٣٤)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٤١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٥٥)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٣٤).","vol":"2","page":694},{"text":"شدة وقوة كقرى الضيف، وحسن الجوار، والوفاء بالعهد، ولهذا كله كان السلف يخافون على نفسهم النفاق، كما في آخر أثر لإبراهيم التيمي ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا؛ لأن الفعل أملك بالقول من القول بالفعل.\nوقد اشتملت هذه الآثار على ثلاث مسائل مهمة تحتاج إلى تحرير وهي: أن الإيمان حقيقة مركبة، لا يصح إلا بوجود أجزائه مجتمعة، والتنصيص على دخول بعض الأعمال في مسمى الإيمان، ثم الخوف من النفاق وعدم توافق الظاهر مع الباطن، أو القول مع الفعل.\nفكون الإيمان حقيقة مركبة هو معتقد أهل السنة والجماعة قال ابن القيم: \"حقيقة مركبة من: معرفة ما جاء به الرسول -ﷺ- علما، والتصديق به عقدا، والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا، والعمل به باطنا وظاهرا، وتنفيذه والدعوة إليه، بحسب الإمكان، وكماله في الحب في اللَّه، والبغض في اللَّه، والعطاء للَّه، والمنع للَّه، وأن يكون اللَّه وحده إلهه ومعبوده\" (^١)، قال ابن جرير الطبري: \"الإيمان كلمة جامعة للإقرار باللَّه، وكتبه، ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل\" (^٢)، وقد نقل كلامه ابن كثير ثم علّق عليه بقوله: \"الإيمان الشرعي المطلوب، لا يكون إلا اعتقادا، وقولا، وعملا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن\n_________\n(^١) الفوائد (١٠٧).\n(^٢) تفسير ابن جرير (١/ ١٠١).","vol":"2","page":695},{"text":"حنبل، وأبو عبيدة، وغير واحد إجماعا، أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص، وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث\" (^١)، وقال الآجري: \"الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقا بقلبه، وناطقا بلسانه، وعاملا بجوارحه\" (^٢).\nولئن كان هذا معتقدهم فلا غرو أن توجد نصوص كثيرة وآثار عديدة كما قال ابن كثير في بيان هذا المعنى، من جملتها ما نقلته سابقا، وأما النصوص الشرعية فهى كثيرة جدا كذلك، لعل أشهر ذلك في القرآن الكريم وأصرحه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٣)، قال أبو عبيد: \"أي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية\" (^٤)، وقال ابن عبد البر: \"لم يختلف المفسرون أنه أراد: صلاتكم إلى بيت المقدس\"، وقال النووي: \"إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أجمعوا على أن المراد: صلاتكم، وأما الأحاديث فستمر بك في هذا الكتاب منها جمل\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٤١ - ٤٢)، وانظر مجموع الفتاوى (٧٢٠٩، ٣٠٨)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٥٦)، كلاهما نسبا قول الشافعي لكتابه الأم ولم أجده في المطبوع منه واللَّه أعلم.\n(^٢) الشريعة (٢/ ٦١٨).\n(^٣) سورة البقرة، من الآية (١٤٣).\n(^٤) الإيمان (١٥).","vol":"2","page":696},{"text":"مستكثرات واللَّه أعلم\" (^١).\nوأما من السنة فمن أشهر وأصرح دليل في ذلك حديث وفد عبد القيس الذي رواه ابن عباس -﵁- عن النبي -ﷺ- لما قدم عليه وفد عبد القيس، فقالوا: إنا من هذا الحى من ربيعة، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بشيء نأخذه عنك، وندعو إليه من وراءنا، فقال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الإيمان باللَّه، هل تدرون ما الإيمان باللَّه؟ شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس\" (^٢)، قال ابن أبي العز: \"أي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسَّر الإيمان بالأعمال، ولم يذكر التصديق، مع العلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود\" (^٣).\nفانتظمت نصوص الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، فمن بعدهم على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ولهذا قال ابن رجب: \"أنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا شديدا\" (^٤)، ولم يستثنوا من ذلك حتى أخف الطوائف إرجاء، وهم مرجئة الفقهاء قال شيخ الإسلام: \"لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول اللَّه\n_________\n(^١) شرح مسلم (١/ ١٤٩).\n(^٢) متفق عليه؛ أخرجه البخاري رقم (٤١١٠)، ومسلم رقم (١٧).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (٣٤٦).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٧).","vol":"2","page":697},{"text":"ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام، من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ، سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم -يعني المرجئة- أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة\" (^١).\nوأما مسألة الخوف من النفاق، والتلازم بين الظاهر والباطن، والقول والفعل؛ لأن أهل السنة والجماعة لما أدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان، خافوا من عدم توفية هذا الركن حقه، فخشوا على نفسهم النفاق، أما المرجئة فلما لم يدخلوا الأعمال في مسماه قالوا بأن إيمانهم كإيمان جبريل، قال ابن رجب: \"الآثار عن السلف في هذا كثيرة جدا، قال سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول نفاق، وهم يقولون: لا نفاق (^٢)، وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاق على نفسه، قيل له: إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يبتلي بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قول أهل البدع، يشير إلى أن عمر كان يخاف على النفاق على نفسه في الحال، والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر\" (^٣).\n_________\n(^١) ثم نقل نقولا أخرى عن السلف في ذمهم مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٤).\n(^٢) أخرج كلامه هذا الفريابي في صفة النفاق (٧٨).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٤).","vol":"2","page":698},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>الفصل الثاني: الآثار الواردة في الزيادة والنقصان</span>.\n\n٥٨٨ - حدثنا محمد بن جعفر الوركاني (^١)، نا معمر بن سليمان، عن سعيد بن عوسجة، أن أبا الدرداء قال: \". . . ما لكم تناصحون في أمر الدنيا، لا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته، ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم، لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها، كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الأخرة، لأنها أملك بأموركم، فإن قلتم: حب العاجلة غالب؟ فإنا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للآجل منها، تكدّون أنفسكم بالمشقّة، والاحتراق في أمر لعلكم لا تدركونه، فبئس القوم أنتم، ما حقّقتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم، فإن كنتم في شك مما جاء محمد -ﷺ- فأتونا فلنبيّن لكم، ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم، واللَّه ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم، إنكم لتبيّنون صواب الرأي في دنياكم، وتأخذون بالحزم في أمركم. . . \" (^٢).\n\n٥٨٩ - كتب إليّ عليّ بين حرب، ثنا القاسم بن يزيد الجرمي، ثنا\n_________\n(^١) هو محمد بن جعفر بن زياد الوركاني ثقة، التقريب (٥٨٢٠).\n(^٢) فيه سعيد بن عوسجة، لم أعرفه ولعله صحف سويد إلى سعيد فقد ورد في ترجمته من تهذيب الكمال أنه يروي عن أبي الدرداء، وقد أدرك الجاهلية وقدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن النبي -ﷺ- بعد الفراغ من الدفن، ذم الدنيا (١٤٠ - ١٤١) رقم (٤٢٧)، وذكره الغزالي في الإحياء (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"2","page":699},{"text":"قيس بن مسلم الجدلي قال: \"كان عطاء الخراساني (^١) لا يقوم من مجلسه حتى يقول: اللهم هب لنا يقينا بك حتى تهون علينا مصيبات الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت لنا، ولا يأتينا من هذا الرزق إلا ما قسمت لنا\" (^٢).\n\n٥٩٠ - أخبرنا خالد بن خداش، ثنا جعفر بن سليمان، عن فطر (^٣)، عن أبي يزيد المديني قال: كان من دعاء أبي بكر الصديق -﵁-: \"اللهم هب لي إيمانا، ويقينا، ومعافاة، ونيّة\" (^٤).\n\n٥٩١ - حدثني سلم بن جنادة، نا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: \"ما نقصت أمانة عبد إلا نقص إيمانه\" (^٥).\n_________\n(^١) هو عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني، صدوق يهم كثيرا، ويرسل ويدلس، مات سنة (١٣٥ هـ)، لم يصح أن البخاري أخرج له، التقريب (٤٦٠٠).\n(^٢) إسناده حسن؛ انظر ترجمة شيخ المصنف في السير (١٢/ ٢٥١)، اليقين (٥٧) رقم (٢١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٤٣٢)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٩٠).\n(^٣) صوابه قطن، كما في المخطوط نسخة لاله لي (ل ١٤٣ ب)، وهو قطن بن قبيصة بن المخارق الهلالي، صدوق، التقريب (٥٥٨٩)، فهو الذي يروي عن أبي يزيد المديني ويروي عنه جعفر بن سليمان الضبعي.\n(^٤) إسناده ضعيف وهو معضل؛ فإن أبا يزيد المدني مقبول من الرابعة، التقريب (٨٥٢٠)، اليقين (٥١) رقم (٦)، وذكره ابن جرير في الرياض النضرة (٢/ ١٣٣).\n(^٥) إسناده حسن، ولا يضر تدليس هشام فإنه من الطبقة الأولى كما في تعريف أهل التقديس (٩٤)، وتدليسه فيما يرويه عن أبيه عن عائشة حيث حدث عنه ما لم =","vol":"2","page":700},{"text":"٥٩٢ - حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا محمد بن طلحة، عن سعيد ابن كعب المرادي، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: \"الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع\" (^١).\n\n٥٩٣ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة، أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت مرة الهمداني قال: كان عبد اللَّه -﵁- يقول: \"عليكم بالصدق، فإنه يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند اللَّه صديقا، ويثبت البر في قلبه، فلا يكون للفجور موضع إبرة يستقر فيها\"، وبه: \"إياكم والكذب، فإنه يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا، ويثبت الفجور في قلبه، فلا يكون للبر موضع إبرة يستقر فيها\" (^٢).\n_________\n= يسمعه منه، وهذا ليس منها، مكارم الأخلاق (٧٠) رقم (٢٧٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٢) رقم (١٠٣٧٢) الطبعة الهندية رقم (١٠٣٧٢) وفيها إثبات سفيان بين وكيع وهشام بن عروة، ولا يضر فإن وكيعا شارك السفيانين في السماع من هشام فلعله من النازل والعالي، انظر ترجمة هشام في تهذيب الكمال (٧/ ٤٠٩).\n(^١) إسناده منقطع؛ ابن يزيد لم يدرك ابن مسعود فهو من السادسة التقريب (٦٠٨٦)، ذم الملاهى (٤١) رقم (٣٠)، والأثر صحيح عن ابن مسعود -﵁-، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ٢٤٨): \"وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله، وقد روى عن ابن مسعود مرفوعا. . . وفي رفعه نظر والموقوف أصح\".\n(^٢) إسناده صحيح، كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٢٦) رقم (٤٤٣) ورقم (٤٦٨)، =","vol":"2","page":701},{"text":"٥٩٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان، سمعا قيس بن أبي حازم، سمع أبا بكر -﵁- يقول: \"أيها الناس، إياكم والكذب، فإنه مجانب للإيمان\" (^١).\n\n٥٩٥ - حدثني أسد بن عمار التميمي، حدثنا سعيد بن عون البصري، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار ﵀ يقول: \"الصدق والكذب يعتركان في القلب، حتى يخرج أحدهما صاحبه\" (^٢).\n_________\n= ومسند ابن الجعد (٢٨٧ - ٢٨٨) رقم (٩٠)، السنة للمروزي (٢٨) رقم (٧٦)، الزهد لوكيع (٢/ ٦٣٢) رقم (١٣٦٦)، وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥١٩) وعزاه للمصنف.\n(^١) إسناده صحيح موقوفا، فقد روي هذا الأثر مرفوعا وموقوفا، أخرجه في كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٣٧) رقم (٤٧٥)، ومكارم الأخلاق (٢٦) رقم (١٢١)، ووكيع في الزهد (٣٩٩)، وعنه هناد في الزهد (٢/ ٦٣٢) رقم (١٣٦٨)، والعدني في الإيمان (١٢٣) رقم (٥٥)، وأحمد في المسند (١/ ١٦)، وابن عدي في الكامل (١/ ٤٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٩٦ - ١٩٧) وقال: \"هذا موقوف وهو الصحيح وقد روي مرفوعا\"، كلهم أوقفوه على أبي بكر -﵁-، وصحح الدارقطنى وقفه في العلل (١/ ٢٥٨) رقم (٥٠)، لاتفاق أكثر الرواة عن قيس على وقفه، وانظر كشف الخفاء للعجلوني (٢/ ١٤١)، ونسبه لأبي الشيخ في التوبيخ والتنبيه، وليس في الجزء المطبوع منه ولعله في الباب الأخير منه لأن عنوانه: باب ما ذكر في الكذب، وما جاء فيه، كما في مقدمة الكتاب وهو مطبوع عن نسخة ناقصة الآخر، ونقل الحسيني في البيان والتعريف (١/ ٣١٧) عن العراقي تحسينه.\n(^٢) إسناده حسن؛ أسد بن عمار ذكره الخطيب في تاريخه (٧/ ١٩) ولم يذكر فيه جرحا =","vol":"2","page":702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات زيادة الإيمان ونقصانه، فقد علّل أبو الدرداء -﵁- في موعظته تناصح الناس في أمر الدنيا دون أمر الآخرة، بأنه من قلة الإيمان في قلوبهم، وكذا عروة بن الزبير بأن قلة الأمانة من نقصان الإيمان، وسؤال أبي بكر الصديق وعطاء الخراساني أن يهب اللَّه إيمانا يدل على طلب الزيادة فيه لأنهما كانا مؤمنين حال السؤال، وعن ابن مسعود -﵁- أن الذكر ينبت الإيمان في القلب أي يزيده، وكذا الصدق يثبت البر في القلب أي يزيده وهو من الإيمان، والكذب يجانب الإيمان كما في أثر أبي بكر الصديق، ووجه الدلالة منه يوضحه الأثر الذي بعده عن مالك بن دينار، بأن الكذب والصدق يعتركان في القلب، حتى يخرج أحدهما صاحبه، فإذا غلب الصدق فقد زادت نسبته في القلب وبالتالي زاد\n_________\n= ولا تعديلا، لكن الذهبي ﵀ قال في تاريخ الإسلام (١/ ١٩٨٣): \"محله الصدق\".\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٥٠) رقم (٥١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٦٠) من طريق وهب بن محمد ثنا جعفر قال سمعت مالكا. . . فذكره، وذكره الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٢١) وعزاه للمصنف، وقد ورد عن عثمان بن عفان في سنن النسائي (٨/ ٧١٨) رقم (٥٦٨٢) وما بعده هذا المعنى لكن في شارب الخمر قال: \"اجتنبوا الخمر فإنها واللَّه لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه\"، وانظر مجمع الزوائد (١/ ٩٣) فيه الإشارة إلى وروده مرفوعا، وهو كذلك في المسند (١٤/ ٢٥١) رقم (٨٥٩٣) بسند حسن.","vol":"2","page":703},{"text":"الإيمان؛ لأن الصدق من الإيمان.\nوهذه الآثار اشتملت على عدة أنواع من أدلة زيادة الإيمان ونقصانه، منها أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومنها سؤال اللَّه الإيمان، ومنها التعارك الحاصل بين المعصية والطاعة في القلب، أيهما غلب كان له الحكم.\nفكونه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فيزيد بالذكر وبالصدق، وينقص بالمعصية والكذب وحب الدنيا، أمر مجمع عليه عند أهل السنة، قال ابن عبد البر: \"أجمع أهل الفقه والحديث، على أن الإيمان: قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والايمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية\" (^١)، وقال الذهبي: \"أجمع سبعون رجلا من التابعين، وأئمة المسلمين، والسلف، وفقهاء الأمصار، على أن السنة التي توفي عليها رسول اللَّه -ﷺ-. . . الإيمان قول وعمل ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية\" (^٢)، ولفظ الزيادة والنقصان ثبت عن الصحابة كذلك كما مرّ في هذه الآثار، وليس الإجماع من بعدهم فقط، ولهذا قال البغوي: \"اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء المسلمين على. . . أن الإيمان قول عمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية\" (^٣)، وقال شيخ الإسلام: \"ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة، ولم يعرف فيه\n_________\n(^١) التمهيد (٩/ ٢٣٨).\n(^٢) الكبائر (١٥٦).\n(^٣) شرح السنة (١/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"2","page":704},{"text":"مخالف من الصحابة\" (^١)، والآثار في هذا الصدد والنصوص الشرعية لا تكاد تحصر ولهذا نقل ابن حجر قول \"البخاري: قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار: فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، وأطنب ابن أبي حاتم، واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد، عن جمع كتير من الصحابة، والتابعين، وكل من يدور عليه الاجماع، من الصحابة، والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض، ووكيع، عن أهل السنة والجماعة\" (^٢).\nوسؤال اللَّه الإيمان أو اليقين يدل على زيادة الإيمان، وهو نظير سؤال نبي اللَّه إبراهيم ﵇ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى وقوله: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^٣)، قال الحليمي: معلوم أن طمأنينة القلب بصدق وعد اللَّه، أو بقدرته على ما أخبر أنه فاعله إيمانٌ، فإنما يسأل اللَّه تعالى ما يزيده إيمانا على إيمان، فثبت بذلك أن الإيمان قابل للزيادة\" (^٤).\nأما التعارك بين المعصية والطاعة في القلب، وأن الحكم للغالب منهما، وهذا يعني أن القلب قد يكون فيه نفاق وإيمان، وشعبة من هذا وشعبة من هذا، وأن زيادة أحدهما نقصان للآخر حتى يقضي أحدهما على الثاني، وإلا بقيا يتعاركان والحرب دول، نسأل اللَّه حسن الختام، قال\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٤).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٤٧)، وقد أفردها الأستاذ الدكتور عبد الرزاق العباد في مصنف مستقل نال به درجة الدكتوراة، تناول فيه الموضوع من جوانبه المتعددة.\n(^٣) سورة البقرة، من الآية (٢٦٠).\n(^٤) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٧٦)، وانظر مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب قسم الفتاوى (٧٣).","vol":"2","page":705},{"text":"شيخ الإسلام: \"من نفى عنه الرسول اسم الإيمان أو الإسلام، فلا بد أن يكون قد ترك بعض الواجبات فيه، وإن بقي بعضها، ولهذا كان الصحابة والسلف يقولون: إنه يكون في العبد إيمان ونفاق. . . عن حذيفة قال: القلوب أربعة. . . وقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة، يمدها ماء طيب، ومثل النفاق مثل قرحة، يمدها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلب. . . وهذا الذي قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (^١)، فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب، فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم، فصاروا إلى الكفر أقرب. . . و. . . عن علي ابن أبي طالب قال: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد العبد إيمانا، ازداد القلب بياضا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيضَّ القلب كله، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد العبد نفاقا، ازداد القلب سوادا، حتى إذا استكمل العبد النفاق اسودَّ القلب. . . وقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل. . . وهذا كثير في كلام السلف، يبينون أن القلب قد يكون فيه إيمان ونفاق، والكتاب والسنة يدلان على ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، من الآية (١٦٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥).","vol":"2","page":706},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الفصل الثالث: الآثار الواردة في الاستثناء</span>.\n\n٥٩٦ - حدثني الفضل بن جعفر قال: حدثنا النضر بن شداد بن عطية قال: حدثني أبي شداد بن عطية قال: حدثنا أنس بن مالك قال: \"دخلنا على عبد اللَّه بن مسعود نعوده في مرضه فقلنا له: كيف أصبحت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أصبحنا بنعمة اللَّه إخوانا، قلنا: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجد قلبي مطمئنا بالإيمان، قلنا: ما تشتكي أبا عبد الرحمن؟ قال: أشتكى ذنوبي وخطاياي، قلنا: ما تشتهي شيئا؟ قال: أشتهي مغفرة اللَّه ورضوانه، قلنا له: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر ابن مسعود -﵁- جواز شهادة المرء على نفسه بالإيمان، واطمئنان قلبه بذلك، رغم شكواه من ذنوبه وخطاياه، ورجائه في مغفرة اللَّه ورضوانه، وفائدة هذا الأثر في هذه المسألة أن الشهادة على النفس بالإيمان في الحال، لا تنافي الخوف عليها من العاقبة، كما أنها لا تستلزم تزكية النفس مطلقا؛ لأن المراد به أصل الإيمان الذي في القلب، وهذا واضح كل الوضوح في أثر ابن مسعود -﵁- الذي معنا، فإنه شهد على نفسه بالإيمان، لكن إيمان القلب بصريح عبارته: \"أجد قلبي مطمئنا بالإيمان\"، وفي نفس الوقت اشتكى ذنوبه ورجا ربه، وهذا يعني الاستثناء\n_________\n(^١) سبق (٣٠٧) في الجمع بين الخوف والرجاء من الباب الثاني.","vol":"2","page":707},{"text":"في الإيمان باعتبار الأعمال، لأن المحظور من تزكية النفس هذا مربط فرسه، فإذا اعترف بالتقصير في العمل، ولم يجزم بدخول الجنة، وإنما علَّقها بالمشيئة والرجاء، فهو معنى قول السلف أنا مؤمن إن شاء اللَّه، بل ومعنى قوله هو -﵁- أن الذي قال: أنا مؤمن، لزمه أن يقول إنه في الجنة، وإذا استثنى في الأخيرة تعيّن عليه الاستثناء في الأولى، ولعل ابن مسعود -﵁- رأى أن هذا التفصيل يخرجه من كل إشكال، فجزم بالإيمان القلبي، ووكل علم حاله إلى اللَّه، وخاف ذنوبه، قال شيخ الإسلام: \"الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقا بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق؛ لأنك تجزم بأنك مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به\" (^١).\nوعلى هذا فلا يكون بين قولي ابن مسعود -﵁- تعارضا، بل يحمل قوله على التفصيل المعروف عن السلف، وهو جواز الاستثناء باعتبار، وعدمه باعتبار آخر، فهذه حقيقة قوله -﵁- وليس ذلك اختلافًا كما قد يتبادر للقارئ، وهذا ما رجحه أبو عبيد القاسم بن سلام: \"وهذا عندي وجه حديث عبد اللَّه حيث أتاه صاحب معاذ فقال: \"ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثة أصناف: مؤمن، ومنافق، وكافر، فمن أيهم كنت؟ قال: من المؤمنين\"، إنما نراه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين، فأما الشهادة بها عند اللَّه فإنه كان عندنا أعلم باللَّه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٤٩).","vol":"2","page":708},{"text":"وأتقى له من أن يريده\"، قلت: وهذا الظن الذي ظنه به أبو عبيد هو صريح الأثر الذي أورته عنه فالحمد للَّه رب العالمين.\nوقد أنكر جمع من أهل العلم ثبوت عدم الاستثناء عن ابن مسعود -﵁- منهم يحيى بن سعيد (^١) والإمام أحمد (^٢)، وعللوه بأن أصحاب عبد اللَّه بن مسعود يستثنون في الإيمان، والجمع أولى من الترجيح، لا سيما وأن الأثر المذكور في تراجعه ليس صريحا في أنه لا يرى الاستثناء، وإنما هو جار على مذهب السلف في أن الاستثناء في أمور الدنيا وأحكامها مشروع، ولهذا لما عدد شيخ الإسلام الأقوال في الاستثناء ذكر قول من قال: \"هو مستحب ويجوز القطع باعتبار آخر\" (^٣) واللَّه أعلم.\nوقد جمع شيخ الإسلام الأقوال في الاستثناء فقال: \"صار الناس في الاستثناء على ثلاثة أقوال:\nقول أنه يجب الاستثناء، ومن لم يستثن كان مبتدعا.\nوقول أن الاستثناء محظور؛ فإنه يقتضى الشك في الإيمان.\nوالقول الثالث: أوسطها وأعدلها، أنه يجوز الاستثناء باعتبار، وتركه باعتبار، فإذا كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب اللَّه عليَّ، وأنه يقبل أعمالي، ليس مقصوده الشك فيما في قلبه، فهذا استثناؤه\n_________\n(^١) انظر الإيمان لأبي عبيد (٢٢).\n(^٢) انظر السنة الخلال رقم (١٠٦٢)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٤١٧) (١٣/ ٤٠).\n(^٣) انظر المجموع (٧/ ٦٦٦).","vol":"2","page":709},{"text":"حسن، وقصده أن لا يزكى نفسه، وأن لا يقطع بأنه عمل عملا كما أُمر، فقُبل منه، والذنوب كثيرة والنفاق مخوف على عامة الناس. . . \" (^١)، لكن مع جوازه فالأفضل أن يقرنه. بما يدل على مراده، قال شيخ الإسلام: \"الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء؛ إذا أراد ذلك -أي الإيمان المقيد، إيمان القلب-، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٠)، وقد ذكرت توثيق الأقوال ونسبتها لأصاحبها من الفرق وأصحاب، وما حصل في ذلك من المبالغات في التكفير وغيره، في رسالة الماجستير جهود الإمام القصاب (٢/ ٧٧٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٤٩)، وانظر رسالة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق العباد زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه (٤٥٥ - ٤٩٠).","vol":"2","page":710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>الفصل الرابع: الآثار الواردة في الإسلام والإيمان</span>.\n\n٥٩٧ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا موسى بن أيوب، ثنا عطاء بن مسلم، عن جعفر بن برقان، عن وهب بن منبه قال: \"الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس بينهما حَرُون، فإذا قاد القائد ولم يسق السائق لم يغن ذلك شيئا، وإذا ساق السائق ولم يقد القائد لم يغن ذلك شيئا، وإذا قاد القائد وساق السائق اتّبعته النفس طوعا وكرها وطاب العمل\" (^١).\n\n٥٩٨ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثني عبد الصمد بن النعمان، ثنا هارون البربري، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير قال: \"الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فإذا وني قائدها لم تستقم لسائقها، وإذا وني سائقها لم تستقم لقائدها، فلا يصلح هذا إلا مع هذا، حتى يقوم على الخير الإيمان باللَّه مع العمل للَّه، والعمل للَّه مع الإيمان باللَّه\" (^٢).\n\n٥٩٩ - حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن زرارة، نا عبد المجيد يعني ابن عبد العزيز، عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن وهب بن منبه قال: \"الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفّة\" (^٣).\n\n٦٠٠ - حدثنا أبو كريب الهمداني، نا محمد بن الصلت، نا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء قال: قال عبد اللَّه: \"الإيمان\n_________\n(^١) سبق (٥٦٩) الأثر قريبا.\n(^٢) سبق (٥٧٠) الأثر قريبا.\n(^٣) سبق (٥٧٤) الأثر قريبا.","vol":"2","page":711},{"text":"عريان، وزينته التقوى، ولباسه الحياء\" (^١).\n\n٦٠١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: \"مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا شيء سماه، وثمرها الورع، لا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان الإشارة إلى العلاقة بين العمل والإيمان، وأنه لا غنى بأحدهما عن الآخر، فإذا وجد الإيمان الذي مثَّله السلف بالقائد، ولم يوجد السائق وهو العمل والذي يراد به الإسلام الذي مقابل الإيمان، ومَثَّل بعضهم الآخر الإيمان بدون الأعمال بأنه عريان ولباسه الأعمال الصالحة، بينما مثَّلَه بعضهم الآخر بالشجرة التي لها أصل وهو الشهادتان، وفروع وأوراق وثمر وهي باقي الأعمال الصالحة؛ فإنه وإن كان الإيمان هو القائد، فالقائد لا يسير بدون سائق يسوقه، والسائق لا يعرف كيف يسير بدون قائد يقوده ويوجهه، وهكذا الإيمان بدون تقوى ولا حياء كعريان لا حِلْية له ولا لباس، وكذا الشجرة لا تكون بدون أصلها وجذورها إلى مثَّلَها طاووس بالشهادتين، ولا شك أن قصده ليس مجرد النطق بهما، بل النطق مع ما يتضمنه من الإيمان الباطن من الإقرار\n_________\n(^١) سبق (٥٧٥) الأثر قريبا.\n(^٢) سبق الأثر قريبا (٥٨٢).","vol":"2","page":712},{"text":"والتصديق والعلم والانقياد، فالشجرة بأصلها دون باقي مكوناتها لا خير فيها، وهكذا لا يتصور وجود الثمار وباقي أجزاء الشجرة دون أصلها، فكذلك الإيمان وسائر أعمال الإسلام الظاهرة، هما شيئان بحقيقتين مختلفتين، لكنهما متلازمان في الوجود إذ لا يوجد أحدهما بدون الآخر، ولا بد من أحدهما لصحة الآخر، فهذه الآثار فيها الإشارة إلى التلازم بينهما في الوجود، والترابط في التأثير والإجزاء والصحة، والتغاير في الحقيقة، ولم تتعرض إلى إطلاق أحدهما على الآخر هل هو من باب الترادف أم لا؟، وللسلف في ذلك أقوال أجملها فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>القول الأول: من قال بالترادف بينهما</span>.\nذهب إلى هذا القول البخاري صاحب الصحيح (^١)، وأبو بكر الإسماعيلي (^٢)، ومحمد بن نصر المروزي -وانتصر له بقوة- (^٣)، وابن حبان البستي (^٤)، وابن منده (^٥)، وابن حزم (^٦)، والبيهقي (^٧)، والبغوي (^٨)، وابن\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٧٩).\n(^٢) اعتقاد أصحاب الحديث (٦٧).\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٥٢) فما بعدها.\n(^٤) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١/ ١٨٨ - ١٩١).\n(^٥) الإيمان (١/ ٣٣١).\n(^٦) الفصل (٣/ ٢٢٦)، الدرة (٣٥٩).\n(^٧) الاعتقاد (١٤٥).\n(^٨) شرح السنة (١/ ١٠).","vol":"2","page":713},{"text":"عبد البر وقال: \"وعلى هذا جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعية والمالكية، وهو قول داود وأصحابه، وأكثر أهل السنة والنظر، المتّبعين للسلف والأثر\" (^١).\nوهو أيضا مذهب الأشاعرة كما نص عليه الإيجي والتفتازاني (^٢)، وقول الخوارج والمعتزلة والرافضة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>القول الثاني: قول من قال بالتغاير</span>.\nذهب إلى هذا القول ابن عباس -﵁- والزهري والحسن البصري وابن سيرين (^٤)، وحماد بن زيد ومحمد بن عبد الرحمن أبي بن ذئب ومالك وشريك (^٥)، والخلال وأحمد بن حنبل (^٦)، وابن بطة (^٧) وأبو يعلى الفراء (^٨)، وأبو القاسم التيمي (^٩).\n_________\n(^١) التمهيد (٣/ ٢٢٦)، وانظر الإيمان لابن منده (١/ ٣٣١)، تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٥٥٢).\n(^٢) شرح المقاصد (٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(^٣) انظر كتاب الإيمان لابن تيمية (٢٩٠)، تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣).\n(^٤) نص على ذلك ابن منده في كتاب الإيمان (١/ ٣٢١).\n(^٥) انظر الإيمان لابن منده (١/ ٣٢١)، مجموع الفتاوى (٧/ ٣٦٩)، السنة للخلال (١٣/ ٦٠٥) رقم (١٠٧٧)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٨٩٢ - ٨٩٥).\n(^٦) السنة للخلال (٣/ ٦٠٢).\n(^٧) الإبانة الصغرى (١٨٢).\n(^٨) مسائل الإيمان (٤٢١).\n(^٩) الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧).","vol":"2","page":714},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>القول الثالث: قول من قال بالتلازم بينهما</span>.\nذهب بعض المحققين من أهل السنة إلى أن بين الإسلام والإيمان تلازما، وأنهما يجتمعان ويفترقان، فإذا اجتمعا افترقا ودلّ كل واحد منهما على معنى غير الذي دلّ عليه الآخر، فيختصّ الإيمان بالقلب ويختصّ الإسلام بالأعمال الظاهرة، وإذا افترقا اجتمعا فدلّ كلّ واحد منهما على ما يدلّ عليه الآخر.\nوقد اختلفت عبارات العلماء في التعبير عن هذا المعنى، وضربوا له الأمثال لتقريبه وتقريره، فمِمَّن نقل عنه ذلك أبو حنيفة النعمان -﵀- حيث قال: \"لا يكون إيمان بلا إسلام، ولا يوجد إسلام بلا إيمان، فهما كالظهر مع البطن\" (^١).\nوقال أبو طالب المكّي -﵀-: \"مثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين، إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد، كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر فهما كشيء وأحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له؛ إذ لا يخلو المسلم من إيمان يصحّ به إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام يحقّق به إيمانه\" (^٢).\n_________\n(^١) الفقه الأكبر (١٤٩ - ١٥٠).\n(^٢) نقله ابن تيمية في كتاب الإيمان (٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"2","page":715},{"text":"وقال أبو بكر الإسماعيلي -﵀-: \"إذا ذكر كلّ اسم على حدته مضموما إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعا مفردين، أريد من أحدهما معنى لم يرد به الآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكلَّ وعمَّهم\" (^١).\nوقال ابن تيمية -﵀-: \"مثل الإيمان والإسلام أيضا الفسطاط (^٢) قائم في الأرض، له ظاهر وباطن، وله عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهي الأطناب إلى تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في وسط الفسطاط، مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط إليها؛ إذ لا قوام له ولا قوة إلا بها، كذلك أعمال الجوارح لا قوام له إلا بالإيمان والإيمان من أعمال القلوب، لا نفع له إلا بالإسلام وهو صالح العمل\" (^٣)، وهذا القول هو الذي تشير إليه الآثار السابقة وتفيده عند التأمل واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) من جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩)، ونص على أن الخطابي قال مثله وتبعه على ذلك جماعة من العلماء.\n(^٢) الفسطاط هو البيت من الشعر، مختار الصحاح (٥٠٣) مادة فسط.\n(^٣) الإيمان (٣١٨)، وانظر شرح السنة (١/ ١٠ - ١١)، فتح الباري لابن رجب (١/ ١٤١)، جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩ - ٨١)، العواصم والقواصم (٢٨٩ - ٣١٤)، مختصر معارج القبول (١٨٧).","vol":"2","page":716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>الفصل الخامس: الآثار الواردة في الأسماء والأحكام</span>.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في الأسماء.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في الأحكام.","vol":"2","page":717},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>المبحث الأول: الآثار الواردة في الأسماء</span>.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في أنواع الكفر.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في الكلام على الحجاج بن يوسف.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في الولاء والبراء.","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>المطلب الأول: الآثار الواردة في أنواع الكفر</span>.\n\n٦٠٢ - حدثنا أبو كريب، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير قال: قلت لجابر (^١): \"أكنتم تعدون شيئا من الذنوب كفرا؟ قال: معاذ اللَّه\" (^٢).\n\n٦٠٣ - حدثنا يوسف بن حماد المعنيّ قال: حدثنا أبو عثمان صاحب الرقيق قال: \"سئل الحسن عن النفاق؟ فقال: لو رفعوا عنكم لاستوحشتم، نافق هؤلاء بالتكذيب، ونافق هؤلاء بالعمل\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان أن الكفر ليس نوعا واحدا، بل هو أنواع، وورد ذكر الكفر العملي، وكفر التكذيب، والكفر الأصغر؛ فإن\n_________\n(^١) هو جابر بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاري ثم السَّلَمي، صحابي بن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، أحد المكثرين من رواية الحديث، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين، الإصابة (١/ ٤٣٤)، التقريب (٨٧١).\n(^٢) إسناده حسن، أبو الزبير صدوق إلا أنه كان يدلس، التقريب (٦٣٣١) لكنه صرح بالاتصال هنا، التوبة (٩٨ - ٩٩) رقم (١١٣)، والسهمى في تاريخ جرجان (١/ ٤٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٦) وفيه تتمة قوله: \"ولكنا كنا نقول مؤمنين مذنبين\"، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٢١٢) رقم (٢١٠٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٨٥) رقم (٣٢٥)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٥١) وفي (١٧/ ٢١) وقال: \"روي ذلك عن جابر من وجوه، ومن حديث الأعمش عن أبي سفيان قال: قلت لجابر: أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة كافر؟ قال: لا، قلت: فمشرك، قال: معاذ اللَّه وفزع\".\n(^٣) إسناده ضعيف، لم أجد فيمن ينسب إلى صاحب الرقيق أبو عثمان، الإشراف (٢٠٣) رقم (٢١٧).","vol":"2","page":719},{"text":"أثر جابر بيّن أنهم كانوا لا يعدون شيئا من الذنوب كفرا، ولا يخفى ما ورد من النصوص الكثيرة في إطلاق الكفر على بعض الذنوب، فأفاد ذلك أنه ليس كل عمل وصف بالكفر يكون المراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة، وكذا أثر الحسن الذي فرَّق بين نفاق التكذيب، ونفاق العمل، أي النفاق الأكبر والأصغر، والمقصود أن الكفر أنواع وليس نوعا واحدا، قال شيخ الإسلام: \"إن الظلم يتناول الكفر، ولا يختص بالكفر، بل يتناول ما دونه أيضا، وكلٌّ بحسبه؛ كلفظ الذنب والخطيئة والمعصية، فإن هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان\" (^١)، وقال ابن القيم: \"أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند اللَّه، جحودا وعنادا، من أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وهذا الكفر يضادّ الإيمان من كلّ وجه.\nوأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضادّ الإيمان، وإلى ما لا يضادّه، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبّه. . . وهذا التفصيل هو قول الصحابة، الذين هم أعلم الأمة بكتاب اللَّه، وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقا أخرجوا من الملّة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا، وهدى اللَّه أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فهاهنا كفرٌ دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق وظلم دون\n_________\n(^١) الإيمان (٦٩).","vol":"2","page":720},{"text":"ظلم\" (^١)، قال ابن القيم: \"أما الكفر الأكبر فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق؛\nفأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل. . .\nوأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس؛ فإنه لم يجحد أمر اللَّه، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هنا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند اللَّه، ولم ينقد له إباء واستكبارا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، . . .\nوأما كفر الإعراض: فأنه يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول؛ لا يصدقه، ولا يكذبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة. . .\nوأما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه، إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول جملةً؛ فلا يسمعها، ولا يلتفت إليها، وأما مع التفاته إليها، ونطره فيها؛ فإنه لا يبقى معه شك؛ لأنها مستلزمة للصدق، ولا سيما بمجموعها؛ فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار.\nوأما كفر النفاق: فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر\" (^٢).\n_________\n(^١) كتاب الصلاة (٢٧).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وانظر مفتاح دار السعادة (١/ ٣٣١).","vol":"2","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>المطلب الثاني: الآثار الواردة في الحجاج بن يوسف</span>\n\n٦٠٤ - حدثني إسماعيل بن زكريا قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم والأعمش قالا: \"سمعنا الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: عبد هذيل -يعني ابن مسعود- يقرأ القرآن رجزا كرجز الأعراب، ويقول: هذا القرآن، أما لو أدركته لضربت عنقه\" (^١).\n\n٦٠٥ - حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا عمار بن أبي مالك الجنبي عن أبيه، عن الأجلح (^٢) قال: \"اختصمت أنا وعمرو بن قيس الملائي في الحجاج (^٣)، فقلت: إن الحجاج كافر، وقال: عمرو بن قيس: الحجاج\n_________\n(^١) إسناده لا بأس به، فيه إسماعيل بن زكريا رجح عبد الرحمن نجم خلف محقق الإشراف أنه ابن عم بشر بن موسى وأحال على تاريخ بغداد (٦/ ٢٧٧) ولم يظهر لي وجه ذلك، إذ ليس في شيوخه أبو بكر بن عياش ولا في تلاميذه ابن أبي الدنيا، والذي يظهر لي أنه الطلحي الكوفي وهو صدوق يهم، التقريب (٤٨١)، فقد ذكر في ترجمته أن أبا بكر بن عياش من شيوخه انظر تهذيب الكمال (١/ ٢٥٣)، وكانت وفاته سنة (٢٣٢ هـ)، الإشراف (٢٥٤) رقم (٣١٧)، والأثر صحيح أخرجه أبو داود بسند حسن في السنن (٥/ ٣٤) رقم (٤٦٤٣)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٥٦)، ويتأمل في أثرين بعده و(٣٢٦).\n(^٢) هو عبد اللَّه بن الأجلح الكندي، أبو محمد الكوفي، واسم الأجلح: يحيى بن عبد اللَّه، صدوق، توفي بعد المائتين، التقريب (٣٢٠٢).\n(^٣) هو الحجّاج بن يوسف بن الحكم الثقفي أمير العراق، وكان شجاعا مقداما مهيبا داهية فصيحا مفوها بليغا سفاكا للدماء، تولى الحجاز سنتين ثم العراق عشرين سنة، وله أخبار في الظلم والدماء مع الصالحين وغيرهم، وله أخبار مع الفتوحات =","vol":"2","page":722},{"text":"مؤمن ضال، فأتينا الشعبى فقلنا له: يا أبا عمرو إني قلت: إن الحجاج كافر، وإن هذا قال: الحجاج مؤمن ضال، فقال له الشعبي: يا عمرو شمّرت ثيابك وحللت إزارك، وقلت: الحجاج مؤمن ضال؟ كيف يجتمع في مؤمن إيمان وضلال؟ الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر باللَّه العظيم\" (^١).\n\n٦٠٦ - نا علي بن الجعد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر قال: \"كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي؛ فإنهم زعموا أنك لا تفعل، قال عبد اللَّه (أي: ابن أبي الدنيا) فحدثني غير علي بن الجعد أن ذلك بلغ الحسن البصري فقال: \"أقالها؟ قالوا: نعم، قال: عسى\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ما كان عليه الحجاج بن يوسف من الأعمال الفظيعة، والقبائح الكبيرة التي جعلت الناس يبغضونه،\n_________\n= والقرآن وأهله عجيبة أيضا، العبر (١/ ٢٠)، الوافي بالوفيات (١/ ١٥٨٨).\n(^١) إسناده ضعيف والأثر صحيح، فيه الجنبي ضعفه الأزدي انظر ميزان الاعتدال (١/ ١٦٧)، الإشراف (١٣٧) رقم (٦٦)، وابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (٣٩) رقم (٩٤) مختصرا دون القصة، وصححه محققه الشيخ الألباني.\n(^٢) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٩٠) رقم (١١٥)، المحتضرين مختصرا برقم (١١٩ - ١٢٠)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (١/ ١٨٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩٢/ ١٩٤)، وابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ١٣٨)، والذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ٧٤٣) ويراجع كذلك فقد ذكر ألفاظا أخرى.","vol":"2","page":723},{"text":"والعلماء يحكمون عليه بما يناسبه، كلٌّ حسب اجتهاده، وما بلغة عنه من أفعاله المنكرة، فمن ذلك همّه بقتل الصحابي الجليل عبد اللَّه بن مسعود، وإنكاره قراءته -﵁-، ووصفها بأنها رجز من رجز الأعراب، واختلاف الأجلح والشعبي مع عامر الملائي في تكفيره، وبغض الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز له، رغم أنهما كانا من حكام الدولة الأموية، وقبيلة واحدة، لكنه رجا له هو والحسن البصري بعدما بلغهما عنه من الاستغفار عند الموت.\nوالحجاج بن يوسف كما قال الذهبي: \"أهلكه اللَّه في رمضان سنة خمس وتسعين كهلا، وكان ظلوما، جبارا، ناصبيا، خبيثا، سافكا للدماء، وكان ذا شجاعة وإقدام، ومكر ودهاء، وفصاحة وبلاغة، وتعظيم للقرآن، قد سقت من سوء سيرته في تاريخى الكبير، وحصاره لابن الزبير بالكعبة، ورميه إياها بالمنجنيق، وإذلاله لأهل الحرمين، ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة، وحروب ابن الأشعث له، وتأخيره للصلوات، إلى أن استأصله اللَّه، فنسبه ولا نحبه، بل نبغضه في اللَّه؛ فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى اللَّه وله توحيدٌ في الجملة، ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء\" (^١)، بل إن فسقه أمر مسفيض معلوم لا يمتري فيه أحد، قال شيخ الإسلام: \"العدالة والفسق تثبت بالاستفاضة، ويُشهَد بها بذلك، كما يشهد المسلمون كلهم\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٣).","vol":"2","page":724},{"text":"أن: عمر بن عبد العزيز كان عادلا، وأن الحجاج كان ظالما\" (^١).\nومن أفعاله ما جعل بعض علماء عصره يكفره، قال ابن عبد البر: \"كان الحجاج عند جمهور العلماء أهلا أن لا يروى عنه، ولا يؤثر حديثه، ولا يذكر بخير؛ لسوء سره، وإفراطه في الظلم، ومن أهل العلم طائفة تكفره\" (^٢)، وقد عقد ابن كثير فصلا في كتابه البداية والنهاية في ما وقع منه مما يوجب كفره (^٣)، ووجه كلامه في ابن مسعود -﵁- بقوله: \"وإنما نقم على قراءة ابن مسعود -﵁-، لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام، الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه واللَّه أعلم\" (^٤).\nوخلاصة القول فيه كما حققه ابن كثير أنه: \"كان ناصبيا يبغض عليا وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جبارا، عنيدا، مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة، وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة، ظاهرها الكفر كما قدمنا؛ فإن كان قد تاب منها، وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه؛ فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدا لوجوه (^٥)، وربما حرفوا عليه بعض الكلم،\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٤٤).\n(^٢) التمهيد (١٠/ ٦).\n(^٣) البداية والنهاية (٩/ ١٢٨).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) وانظر كلاما لابن تيمية مؤيدا لهذا في منهاج السنة النبوية (٤/ ١١٣).","vol":"2","page":725},{"text":"وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات، وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعا في سفك الدماء، فاللَّه تعالى أعلم بالصواب، وحقائق الأمور وسرائرها، وخفيات الصدور وضمائرها، قلت -أي ابن كثير-: الحجاج أعظم ما نقم عليه، وصح من أفعاله، سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند اللَّه ﷿، وقد كان حريصا على الجهاد، وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيرا ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم واللَّه أعلم\" (^١).\nوهذا الذي حققه ابن كثير هو مذهب جماهير أهل السنة، وهو موافق لعقيدتهم في الفاسق الملي، ومرتكب الكبيرة، وعصاة الموحدين، من أنهم لا يسلبون إيمانه مطلقا، ولا يطلقونه عليه مطلقا، وإنما يطلق عليه مقيدا، فيقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان، ونحو ذلك، ولهذا لم يكفره من أدركه من الصحابة، كعبد اللَّه بن عمر، وأنس ابن مالك، بل صلوا وراءه رغم تأخيره الصلاة عن وقتها (^٢)، ولما ناقش شيخ الإسلام من كفّر معاوية -﵁- قال: \"ولو قال قائل هذا فيمن هو دون معاوية، من ملوك بني أمية، وبنى العباس، كعبد الملك بن مروان وأولاده،\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٩/ ١٣٣).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨١).","vol":"2","page":726},{"text":"وأبي جعفر المنصور وولديه الملقبين بالمهدي والهادي والرشيد وأمثالهم، من الذين تولوا الحلافة وأمر المؤمنين، فمن نسب واحدا من هؤلاء إلى الردة، وإلى أنه مات على دين النصارى، لعلم كل عاقل أنه من أعظم الناس فرية، فكيف يقال مثل هذا في معاوية وأمثاله من الصحابة، بل يزيد ابنه مع ما أحدث من الإحداث، من قال فيه: إنه كافر مرتد، فقد افترى عليه، بل كان ملكا من ملوك المسلمين، كسائر ملوك المسلمين، وأكثر الملوك لهم حسنات، ولهم سيئات، وحسناتهم عظيمة، وسيئاتهم عظيمة، فالطاعن في واحد منهم دون نظرائه إما جاهل وإما ظالم، وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين، منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته، ومنهم من قد تاب من سيئاته، ومنهم من كفَّر اللَّه عنه، ومنهم من قد يدخله الجنة، ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته، ومنهم من قد يتقبل اللَّه فيه شفاعة نبي أو غيره من الشفعاء، فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من أقوال أهل البدع والضلال، وكذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه، ليس هو من أعمال الصالحين والأبرار\" (^١)، بل \"في الجملة الملوك حسناتهم كبار، وسيئاتهم كبار، والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين، فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد المسلمين: من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وجهاد العدو،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧٣).","vol":"2","page":727},{"text":"وإيصال كثير من الحقوق إلى مستحقيها، ومنع كثير من الظلم وإقامة كثير من العدل\" (^١).\nوالذي يظهر لي واللَّه أعلم بالصواب، أن الحجاج كان عنده خلل فكري وعقدي، وافق طبعه الحادّ، فنتج عنه تلك العظائم في استباحة الدماء، وهو ما أشار إليه شيخ الإسلام من الخلل في مفهوم الطاعة لخليفة المسلمين في العهد الأموي، من بعض أنصارهم وشيعتهم، حيث قال: \"كثير من أتباع بني أمية، أو أكثرهم، كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه، ولا عذاب، وأن اللَّه لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء، واللَّه أمرهم بذلك\" (^٢)، ولهذا كان لا يتورع عن أي عقوبة لمن رأى منه ما يعكر صفو هذه الطاعة المطلقة، أو يقلل من قدرها وأهميتها، وهذا واضح في قصته مع أبيه حين قام ليسلم على قاضي مصر التجيي، وكان من كبار التابعين، وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة، وغيره فقال له: \"يا أبة أتقوم إلى رجل من تجيب وأنت ثقفي؟ ! فقال له: يا بني واللَّه إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله، فقال: واللَّه ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله، فقال: ولم يا بني؟ ! قال: لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم، فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير\n_________\n(^١) منهاج السنة (١/ ١١٣).\n(^٢) منهاج السنة (٦/ ٤٣٠)، وانظر (٣/ ٤٨٧) (٦/ ٢٠٠).","vol":"2","page":728},{"text":"المؤمنين، ولا يرونها شيئا عند سيرتها، فيخلعونه ويخرجون عليه، ويبغضونه، ولا يرون طاعته، واللَّه لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله، فقال له أبوه: يا بني واللَّه إني لأظن أن اللَّه ﷿ خلقك شقيا\" (^١)، بل إن وصيته عند موته كان فيها: \"أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك؛ عليها يحي، وعليها يموت، وعليها يبعث. . . فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي -وكان قائما على رأسه- فقال: هذه واللَّه الشيعة لا شيعتكم\" (^٢)، وهذا فساد نظري أوجب هذا الفساد الأخلاقي الخاص، ولهذا لم يعرف عنه فساد أخلاقي في الشرب والفروج ونحو ذلك كما سبق عن ابن كثير، بل روي عنه نوع عبادة واهتمام بالقرآن وأهله.\nوعلى كل حال هذا الكلام يقال في حياته، أما بعد موته وثبوت تراجعه، وندمه وسؤال اللَّه المغفرة والتوبة، ورجائه في عفو اللَّه، فينبغي أن لا يختلف في عدم تكفيره، بل يوكل أمره إلى اللَّه، وقد رويت في هذا المعنى آثار كثيرة، لخص محتواها الذهبي بقوله: \"له حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى اللَّه، وله توحيد في الجملة، ونظراء من الجبابرة والأمراء\" (^٣).\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٩/ ١١٧ - ١١٨).\n(^٢) البداية والنهاية (٩/ ١١٩).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٣) وانظر الآثار في: مسند ابن الجعد (١/ ٢٨٣)، تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ٧٤٢)، والبداية والنهاية (٩/ ١٣٧)، تاريخ دمشق =","vol":"2","page":729},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>المطلب الثالث: الآثار الواردة في الولاء والبراء</span>.\n\n٦٠٧ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو سلمة (^١)، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: \"من أحب للَّه وأبغض للَّه، وأعطى للَّه ومنع للَّه فقد استكمل الإيمان\" (^٢).\n\n٦٠٨ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا شريك، عن أبي سنان قال: قلت لسعيد بن جبير: \"المجوسي يولّيني من نفسه ويسلّم عليّ، أفأردّ عليه؟ فقال سعيد: سألت ابن عباس عن نحو من ذلك فقال: لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه\" (^٣).\n_________\n= (١٢/ ١٩٠)، والوافي بالوفيات (١/ ١٥٩٢).\n(^١) الصواب أنه أبو أسامة كما في مصادر التخريج.\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر شيخ حماد وقد أخطأ حماد في نسبه وصوابه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وهو ضعيف والأول ثقة، انظر الجرح والتعديل (٥/ ٣٠٠)، وتاريخ بغداد (١٠/ ٢١٢)، علل الدارقطني (١٠/ ٢٢٠)، الإخوان (١٠٢) رقم (١٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٣٠) رقم (٣٤٧٣٠)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠١٧) رقم (١٧١٤).\n(^٣) إسناده ضعيف، شريك بن عبد اللَّه صدوق يخطئ كثيرا، التقريب (٢٨٠٢)، لكن الأثر صحيح بلفظ: \"لو قال لي فرعون: بارك اللَّه فيك، لقلت: وفيك، وفرعون قد مات\"، قلت: ولعل تغيير اللفظ من السلام إلى الدعاء بالبركة من جملة أخطائه واللَّه أعلم، ومن اللطيف هنا أن أبا سنان الذي يروي عن سعيد بن جبير، ويروي عنه شرك بن عبد اللَّه القاضي اثنان أحدهما هو سعيد بن سنان البرمجى صدوق له أوهام، التقريب (٢٣٤٥)، والثافي هو ضرار بن مرة الشيباني الأكبر ثقة ثبت، =","vol":"2","page":730},{"text":"٦٠٩ - حدثنا يعقوب بين إبراهيم، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، حدثنا حسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"من سلم عليك من خلق اللَّه فاردد عليه وإن كان مجوسيا، ذلك بأن اللَّه ﷿ يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^١) \" (^٢).\n_________\n= التقريب (٣٠٠٠)، وكلاهما يروي عن سعيد بن جبير ويروي عنه شريك بن عبد اللَّه، ورجح الأول محقق كتاب الصمت الدكتور نجم خلف، ورجح الثاني محمد خير في تحقيق المداراة، والصواب معه حيث ورد عند البخاري في الأدب المفرد وأبي نعيم في الحلية والطبراني في الكبير باسمه صريحا كما سيأتي، مداراة الناس (٩٣ - ١٤) رقم (١٠٤)، والذي بعده، والصمت رقم (٣١١)، وأخرجه باللفظ الآخر ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٥٥) رقم (٢٥/ ٢٥٨٢٥)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (١١١٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٢٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٦٢) رقم (١٠٦٠٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٨٢): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\"، وذكره العيني في عمدة القاري (١٧/ ٩١) وفيه أن ابن عباس كتب إلى كتابي: \"السلام عليك، وقال: . . .\" فذكر لفظ المصنف، ومثله في التمهيد لابن عبد البر (١٧/ ٩١) وجعله من قول ابن مسعود -﵁- فلا أدري هل هو خطأ مطبعي أم لا؟، وذكره السيوطي في الدر (٢/ ٦٠٦) ونسبه للبخاري في الأدب وابن المنذر.\n(^١) سورة النساء، الآية (٨٦).\n(^٢) إسناده ضعيف، مداره على سماك بن حرب وهو صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة فصار يلقن، التقريب (٢٦٣٩)، مداراة الناس (٩٤) رقم (١٠٥)، الصمت رقم (٣٠٩)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (١١٠٧) نحوه، وابن جرير في تفسيره (٥/ ١٨٩)، وأبو يعلى في مسنده (٣/ ١٠٠) رقم (١٥٣٠)، وفي المفاريد رقم (٤٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٤١): \"رواه =","vol":"2","page":731},{"text":"٦١٠ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا خالد بن عبد اللَّه، عن عبد الملك، عن عطاء: \"قوله ﷿: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (^١): للناس كلهم، المشرك وغيره\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان مفاهيم هامة في عقيدة الولاء والبراء، فمن جهة بيَّن أثر أبي أمامة أن الإيمان يكمل بالبغض في اللَّه والحب في اللَّه، ثم الآثار التي بعده بيَّنت أن الإحسان إلى المشرك أو الكافر، ورد\n_________\n= أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق بن أبي إسرائيل وهو ثقة\"، وابن أبي حاتم كذلك في تفسيره (٣/ ١٠٢١)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٣٩٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٣٣٧)، وذكره العيني في عمدة القاري (١٤/ ٢٠٦) (٢٢/ ٢٣٣)، وذكره ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٢) مقويا له بقوله: \"وثبت عن ابن عباس\".\n(^١) سورة البقرة، الآية (٨٣).\n(^٢) إسناده حسن، عبد الملك هو ابن أبي سليمان صدوق له أوهام، التقريب (٤٢١٢)، مداراة الناس (٩٤) رقم (١٠٦)، الصمت رقم (٣٠٦، ٣١٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧) رقم (١٩٤)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٣٩٢) دون قوله: \"للمشرك وغيره\"، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٦١ - ١٦٢)، وذكره السيوطي في الدر (١/ ٢١٠) ونسبه لابن جرير وعبد بن حميد، وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ١٢١) ورده بقوله: \"وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدءون بالسلام واللَّه أعلم\".","vol":"2","page":732},{"text":"سلامه إذا سلّم لا ينافي هذا الحب وهذا البغض، ومعنى الولاء والبراء كما قال شيخ الإسلام: \"أصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وأصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة البغض؛ فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف، وقد قيل المولى من الولي وهو القرب، وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه، والعدو من العدواء. وهو البعد، ومنه العدوة، والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه وقرب إليه اتصل به، كما أنه إذا عدى عنه، ونأى عنه وبعد منه كان ماضيا عنه، فأولياء اللَّه ضد أعدائه يقربهم منه، ويدنيهم إليه، ويتولاهم ويتولونه، ويحبهم ويرحمهم، ويكون عليهم منه صلاة، وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم، وهو إبعاد منه ومن رحمته، ويبغضهم ويغضب عليهم، وهذا شأن المتوالين والمتعادين\" (^١)، ولذلك فإن: \"الواجب على كل مسلم أن يكون حبه وبغضه، وموالاته ومعاداته، تابعا لأمر اللَّه ورسوله، فيحب ما أحبه اللَّه ورسوله، ويبغض ما أبغضه اللَّه ورسوله، ويوالي من يوالي اللَّه ورسوله، ويعادي من يعادي اللَّه ورسوله\" (^٢)؛ لأن هذه العقيدة من أهم عقائد الإيمان، وهي من شروط تحقيق كلمة التوحيد فهي الشرط السابع قال الشيخ حافظ حكمي: \"السابع: المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته، ودلَّت\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة (١٩٨)، وانظر: الدرر السنية (٢/ ٣٢٥)، والموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية (١/ ٢٣).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٣/ ٤٦٨).","vol":"2","page":733},{"text":"عليه، ولأهلها العاملين بها، الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك. . . وعلامة حب العبد ربه تقديم محابِّه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربُّه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى اللَّه ورسوله، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله -ﷺ-، واقتفاء أثره، وقبول هداه، وكل هذه العلامات شروط في المحبة، لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها\" (^١).\nوإذا كان الولاء والبراء بهذه المرتبة؛ فإنه لا يعارضه الإحسان إلى الكافر، وردّ السلام عليه، فأما رد السلام فقد ورد التنصيص عليه في السنة قال ابن القيم: \"أما الرد عليهم فأمر أن يقتصر به على \"عليكم\"، واختلفت الرواية في إثبات الواو وحذفها، وصح هذا وهذا. . . هذا كله إذا تحقق أنه قال: السام عليكم، أو شك فيما قال، فلو تحقق السامع أن الذمي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك، فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية، وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام؟ فإن هذا من باب العدل، واللَّه يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^٢)، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٤٢٥)، انظر: الإيمان لابن منده (١/ ٤٣١)، والرسالة التبوذكية لابن القيم (٥١)، ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١/ ٣٢٢)، وفتح المجيد (٣٢٨).\n(^٢) سورة النساء، من الآية (٨٦).","vol":"2","page":734},{"text":"هذا شيئا من أحاديث الباب بوجه ما؛ فإنه إنما أمر بالاقتصار على قول الراد: \"وعليكم\"، بناء على السبب المذكور، الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم. . . فإذا زال هذا السبب، وقال الكتابي: سلام عليكم ورحمة اللَّه، فالعدل في التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه وباللَّه التوفيق\" (^١)، لكن هذه المسألة فيها اتفاق واختلاف، فمحل الاتفاق أن يرد عليه بقوله: \"وعليكم\" كما ورد النص بذلك على خلاف في إثبات الواو وحذفها، والخلاف أن يرد عليه بغيره، ويشتد الخلاف أكثر إذا رد عليه بالرحمة والبركة (^٢)، والذي يظهر أنه إذا سلم بصيغة السلام المعروفة عند المسلمين، ولم يشك السامع في ذلك فيقتصر على \"وعليكم السلام\"؛ لأنه لا يظهر فيه محذور شرعي، أما عطف الرحمة والبركة عليه فلا وجه له؛ إذ الكافر لا يدعى له بالرحمة والبركة واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (١/ ١٩٩ - ٢٠٠)، ورجحه الألباني كذلك في الصحيحة (٥/ ٢٨٨)، وانظر: أحكام القرآن للجصاص، والتمهيد لابن عبد البر (١٧/ ٨٩)، وتفسير القرطبي (٥/ ٢٨٣)، وفتح الباري (١١/ ٤٢ - ٤٦)، وعمدة القاري (١٤/ ٢٠٦).\n(^٢) انظر المصادر السابقة فكلها ذكرت الخلاف في ذلك.","vol":"2","page":735},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المبحث الثاني: الآثار الواردة في الأحكام</span>.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في حكم عصاة الموحدين.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في أطفال المشركين.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في توبة القاتل.","vol":"2","page":736},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>المطلب الأول: الآثار الواردة في حكم عصاة الموحدين</span>.\n\n٦١١ - ذكر أبي قال: ذكر إسماعيل بن علية، عن القاسم بن الفضل الحدائي، عن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه قال: \"لقيت أبا هريرة فقال: من أنت؟ فقلت: أنا الفرزدق، قال: أرى قدميك صغيرتين، وكم من محصنة قد قذفت، وإن لرسول اللَّه -ﷺ- حوضا ما بين أيلة إلى كذا وكذا؛ فإن استطعت فلا تحرمه، فلما قمت قال: مهما صنعت فلا تقنط\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده حسن بطرقه واللَّه أعلم، حسن الظن باللَّه (٦٨ - ٦٩) رقم (١٠٤)، التوبة (١٤٥ - ١٤٦) رقم (٢٠٤)، و(٣٨ - ٣٩) رقم (١٣)، وابن حبان في الثقات (٦/ ١٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٥٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٧٢) رقم (٧٧٦٠) وقبله برقم (٦٠٦) باللفظ الذي سيأتي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ص ٢١): \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه صالح المري وهو ضعيف في الحديث\" وقال الطبراني في الأوسط (٣/ ١٣٥): \"لا يروى هذا الحديث عن الفرزدق إلا بهذا الإسناد\"، جميعهم عن صالح المري به، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٦ - ٢٧) رقم (١٠٧٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٠/ ٢٨٤) عن لبطة به، وابن عدي في الكامل (٤/ ٨٧)، وفي نزهة الحفاظ (١/ ٧٦) بلفظ آخر: \"لقيت أبا هريرة ﵁ فقال: إنك ستلقى قوما يقولون: اللَّه لا يغفر لك، فلا تقبل منهم، وأحسن باللَّه ﷿ الظن؛ فإن اللَّه تعالى عند ظن عبده؛ إن خيرا فخير وإن شرا فشر\".\nواللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١١٦) رقم (١٩٣٧) وفيه قول أبي هريرة له سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إن بالمغرب بابا مفتوحا لا يغلق حتى تطل الشمس من مغربها\". =","vol":"2","page":737},{"text":"٦١٢ - حدثني محمد بن حاتم، ثنا الحسن بن موسى الأشيب قال: سمعت زهير بن معاوية الجعفي، حدثنا عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: \"إذا رأيتم الرجل منكم قارف ذنبا فلا تدعوا اللَّه عليه، ولا تسبّوه، ولكن ادعوا اللَّه أن يعافيه، وأن يتوب عليه، فإنا كنا إذا رأينا الرجل ختم له بخير رجونا له، وإذا ختم له بشر خفنا عليه\" (^١).\n\n٦١٣ - ذكر أحمد بن بجير، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، عن بعض رجاله قال: \"جاء حبيب أبو محمد إلى خشبة ابن برجان وهو مصلوب فجعل يدعو له ويترحم عليه، فقيل له: أتدعو لابن برجان (^٢)؟\n_________\n= أما حديث الحوض فهو في صحيح البخاري عن أنس (١١/ ٤٧١ فتح).\n(^١) إسناده ضعيف منقطع؛ زهير بن معاوية سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط كما في كتاب المختلطين للعلائي (٩٣)، وأبو عبيدة هو ابن عبد اللَّه بن مسعود، لم يسمع منه شيئا كما في جامع التحصيل (٢٠٤)، التوبة (٩٩ - ١٠٠) رقم (١١٤)، ومعمر في الجامع (١١/ ١٧٩) رقم (٢٠٢٦٦) عن أبي إسحاق به، ومن طريقه ابن المبارك في الزهد رقم (٨٩٦ - ٨٩٧)، وكذا الطبراني في الكبير (٩/ ١١٠) رقم (٨٥٧٤)، وكذا البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٩١) رقم (٦٦٩٢)، وكذا أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٥).\n(^٢) ورد في المطبوع بالياء \"يرجان\"، ولذلك لم يترجم له أحد من المحققين، والصواب المثبت، وهو كذلك في المخطوطة (١٣/ ب)، (٢٠١/ أ)، وهو مضرب المثل في السرقة، كان لصا من أهل الكوفة، من موالي ابن امرئ القيس، صلبه مالك بن المنذر، فسرق وهو مصلوب، ولهذا يقال في المثل: أسرق من برجان، انظر جمهرة أمثال العرب (١/ ٥٣٣)، ومجمع الأمثال (١/ ٣٥٣).","vol":"2","page":738},{"text":"قال: فلمن أدعو؟ أللحسن وابن سيرين؟ قال: فرئي لابن برجان أنه في الجنة قال: دخلتها بدعوة حبيب أبي محمد\" (^١).\n\n٦١٤ - ذكر محمد بن هارون، نا عمرو بن جعفر (^٢)، نا سهل بن هاشم، ذكر إبراهيم بن أدهم، عن أبي حازم المديني قال: \"من أعظم خصلة تُرجى للمؤمن، أن يكون أشد خوفا على نفسه، وأرجاه لكل مسلم\" (^٣).\n\n٦١٥ - ذكر أبي، نا إسماعيل بن إبراهيم، نا ابن عون قال: \"ما رأيت أحدا كان أعظم رجاء للموحّدين من محمد بن سيرين، وكان يتلو هذه الآيات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ (^٤)، ويتلو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)\n_________\n(^١) إسناده معلق وفيه إبهام، حسن الظن باللَّه (٧٨ - ٧٩) رقم (١٢٤).\n(^٢) كذا في طبعتي شاحونة ومجدي السيد، وفي المخطوط (ل ١٩٧ أ): \"عمرو بن حفص\"، وصححت بالهامش إلى \"عمر بن جعفر\"، ولست أدري لماذا؛ فإن عمرو ابن حفص ويقال له كذلك عمر بن حفص، هو المعروف بالرواية عن سهل بن هاشم ويروي عنه محمد بن هارون وهو صدوق انظر تاريخ دمشق (٤٥/ ٤٩٠)، وهذا ما أوقع المحققين في إشكال فلم يهتديا له، والذي ظهر لي أن ناسخ الظاهرية يشير فيها إلى خلافات المصرية واللَّه أعلم بالصواب، ولذلك تركها مخلص في طبعته على ما هي دون تغيير.\n(^٣) إسناده حسن، عمرو صدوق كما سبق قريبا، حسن الظن باللَّه (٧٩) رقم (٨٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٨٨) رقم (٦٦٨٣) يرويه أدهم عن عمران القصير، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٣٣) (٨/ ٥٤).\n(^٤) سورة الصافات، الآية (٣٥).","vol":"2","page":739},{"text":"وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ (^١)، ويتلو: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n٦١٦ - نا إسماعيل بن زكريا الكوفي، نا منصور بن عجاج (^٤) قال: قال عمر بن ذر: \"إن لي في ربي أملين: أملا أن لا يعذّبني بالنار، فإن عذّبني لم يخلدني فيها مع من أشرك به\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان عقيدة السلف في عصاة الموحدين،\n_________\n(^١) سورة المدثر، الآية (٤٣ - ٤٧).\n(^٢) سورة الليل، الآية (١٥ - ١٦).\n(^٣) إسناده حسن، والد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، حسن الظن باللَّه (٦٤) رقم (٦٧)، وزاد في رقم (٩٩) قوله: \"وأشد خوفا على نفسه منه\"، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٧٠) (٥/ ١٧٢)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٩٧) من قول أيوب وهشام في ابن سيرين، والطبراني في مسند الشاميين برقم (٢٠٩٣) أطول من هذا وزاد القاسم بن محمد ورجاء بن حيوة، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١١٤٥) رقم (٢٠٠٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٠٧)، وروي هذا الأمر عن ابن عون نفسه انظر: الحلية (٣/ ٤١) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٤٩).\n(^٤) الصواب أنه منصور بن الحجاج، كما في المخطوط \"ل ١٨٥ أ\"، وقد أورده كذلك مخلص محمد في تحقيقه، لكن عبد الحميد شاحونة ومجدي السيد أورداه كما في الأصل أعلاه، ولم يجدا له ترجمة، ولم أقف له كذلك على ترجمة اللهم إلا أن ابن إسحاق ذكره في ذم الثقلاء وذكر قول ابن أبي شيبة فيه: \"كان صدوقا فاضلا\".\n(^٥) إسناده حسن، حسن الظن باللَّه (٢٨) رقم (١٦).","vol":"2","page":740},{"text":"والمذنبين من أهل القبلة، فكانت عادة السلف من لدن عهد الصحابة، الرجاء لهم، وعدم إخراجهم من جملة المسلمين، فهذا أبو هريرة -﵁-، يوصى الشاعر المشهور بالمجون والهجاء الفرزدق بأنه مهما فعل فلا يقنط من رحمة اللَّه، وهذه القصة قد سبق إيرادها في فضائل التوحيد، وكان الفرزدق هناك التقى مع الحسن البصري، فنبهه إلى مثل ما قال أبو هريرة، وحذره مثل تحذيره من قذق المحصنات، ثم بيّن له أن الرجاء يجب أن يتبعه عمل، وإلا كان غرورا، فشهادة التوحيد كما قال الحسن: \"إن معها شروطا، فإياك وقذف المحصنة، قال: هل من توبة؟ قال: نعم\"، وهكذا حبيب أبو محمد دعا لابن برجان وهو لص يضرب به المثل في السرقة، وبيّن أن أحق الناس بالرجاء والدعاء هم العصاة وأصحاب الكبائر، قال شيخ الإسلام عند ذكره مكفرات الذنوب العشرة: \"السبب الرابع الدافع للعقاب: دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على جنازته. . . وهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر، وكفرت عنه الصغائر وحده؛ فإن ذلك مغفور له عند المتنازعين، فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت\" (^١).\nبل كانوا أشد رجاء للمؤمنين، وخوفا على أنفسهم، كما في أَثري أبي حازم وابن سيرين، واستدلال ابن سيرين بالآيات الثلاثة بان أصحاب النار كانوا يستكبرون عن قول لا إله إلا اللَّه، ويكذبون بها، وهذا منتف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٩٨).","vol":"2","page":741},{"text":"في حق الموحد وإن كان عاصيا؛ لأنه لم يكذب ولم يستكبر، بل مؤمن غلبته شهوته.\nولذلك جاء أثر عمر بن ذر الأخير، يبيّن مسألة مهمة في حكم عصاة الموحدين في الآخرة، خلاصتها أنهم تحت المشيئة إن شاء اللَّه عذبهم، وإن شاء عفا، لكن إن عذبهم فلن يخلدوا في جهنم، مع أهل الشرك، قال شيخ الإسلام عند تعليقه على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١): \"لما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك، وأن المغفرة هي لمن يشاء، دَلَّ ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك، لكنها لبعض الناس، وحينئذ فمن غفر له لم يُعَذَّب، ومن لم يُغْفَر له عُذِّب، وهذا مذهب الصحابة والسلف والأئمة، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار، وبعضهم يغفر له\" (^٢)، وقال ابن أبي العز الحنفي: \"وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء، من الآية (٤٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٩)، وانظر فتح الباري (١١/ ٢٦٩، ٣٤٠)، معارج القبول (٢/ ٤٢٨).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (٤٢٠)، وانظر حادي الأرواح (٢٥٤)، ويقظة أولي الاعتبار (٦٧، ٧١).","vol":"2","page":742},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>المطلب الثاني: الآثار الواردة في أطفال المشركين</span>.\n\n٦١٧ - حدثني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، حدثنا رزام أبو محمد التميمي -وكان من قرّاء القرآن- عن الحسن بن دينار، عن الحسن البصري قال: قيل له: \"أين أطفال المشركين؟ قال: في الجنة، فقيل له: عمن؟ قال: قلت: عن اللَّه ﷿؛ قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ (^١)، وهذا لم يكذّب ولم يتول\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر الحسن البصري ﵀ أن أطفال المشركين في الجنة، واستدل بأن النار يدخلها الذي كذّب وتولى، وهم لم يصدر منهم ذلك، وهذه المسألة كما قال ابن كثير: \"مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم اللَّه تعالى فيها، قديما وحديثا\" (^٣)، وسبب هذا الاختلاف اختلاف النصوص الواردة فيها، ووجود قائل من المتقدمين بمقتضى كل واحد منها، قال القرطبي: \"وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار\" (^٤).\nوقد استقصى ابن القيم ﵀ الأقوال فيها فأوصلها إلى عشرة\n_________\n(^١) سورة الليل، الآية (١٥ - ١٦).\n(^٢) إسناده حسن؛ رزام ثقة التقريب (١٩٤٣)، وشيخ المصنف سيأتي (ص ٦٥١) ذكر ابن حبان له في الثقات، العيال (٣٧١) رقم (٢٠٧).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٤١).\n(^٤) تفسير القرطبي (٧/ ٢٧٥).","vol":"2","page":743},{"text":"أقوال (^١)، متفاوتة الصحة والضعف، لخصتها فيما يلي:\nالمذهب الأول: الوقف في أمرهم، ولا نحكم لهم بجنة ولا نار، ونكل علمهم إلى اللَّه، وهذا قد يعبر عنه بمذهب الوقف، وقد يعبر عنه بمذهب المشيئة، وأنهم تحت مشيئة اللَّه، يحكم فيهم بما يشاء، ولا يدرى حكمه فيهم ما هو، وخلاصة أدلتهم جواب النبي -ﷺ- لما سئل عنهم بقوله: \"اللَّه أعلم بما كانوا عاملين\"، وخلاصة الجواب عن هذا الاستدلال أن النبي -ﷺ- لم يجب بالوقف في أمرهم، وإنما وَكَلَ علم ما كانوا عاملين إلى اللَّه.\nالمذهب الثاني: أنهم في النار، وهذا قول جماعة من المتكلمين، وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، وحكاه القاضي نصا عن أحمد، وغَلَّطَه شيخنا، وأدلة أصحاب هذا المذهب إما أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، أو أحاديث صحيحة أخص من الدعوى، ومعارضة بأحاديث أقوى منها نصَّت على أنهم في الجنة، أو محمولة على نوع خاص منهم قال ابن القيم: \"هذا خاص ببعض أطفال المشركين، الذين ماتوا ودخلوا النار، ولا يلزم منه أن يكون هذا حكما عاما لجميع الأطفال\" (^٢).\nالمذهب الثالث أنهم في الجنة، وهذا قول طائفة من المفسرين\n_________\n(^١) هذا في كتابه أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٧)، أما في طريق الهجرتين فنص على أنها ثمانية مذاهب (٥٧١).\n(^٢) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٩٤).","vol":"2","page":744},{"text":"والفقهاء والمتكلمين والصوفية وهو اختيار أبي محمد ابن حزم وغيره، قال النووي: \"الصحيح الذي ذهب إليه المحققون، أنهم من أهل الجنة، ويستدل لي بأشياء؛ منها: حديث إبراهيم الخليل -ﷺ- حين رآه النبي -ﷺ- في الجنة، وحوله أولاد الناس، قالوا: يا رسول اللَّه وأولاد المشركين؟ قال: \"وأولاد المشركين\"، رواه البخاري في صحيحه، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (^١)، ولا يتوجه على المولود التكليف، ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ، وهذا متفق عليه واللَّه أعلم\" (^٢).\nالرابع: أنهم في منزلة بين الجنة والنار، وهذا قول طائفة من المفسرين، قالوا: وهم أهل الأعراف، قال ابن القيم: \"وأرباب هذا القول، إن أرادوا أن هذا المنزل مستقرهم أبدا فباطل؛ فإنه لا مستقر إلا الجنة أو النار، وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة، ثم يصيرون إلى دار القرار، فهذا ليس بممتنع\" (^٣)، وقال ابن كثير: \"هذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة؛ لأن الأعراف ليست دار قرار، ومآل أهلها الجنة\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الإسراء، من الآية (١٥).\n(^٢) شرح مسلم للنووي (١٦/ ٢٠٨).\n(^٣) أحكام أهل الذمة (٢/ ١١٢٥)، ثم ذكر القول الصحيح في أهل الأعراف أنهم من تساوت سيئاتهم وحسناتهم.\n(^٤) تفسير ابن كثير (٣/ ٤١).","vol":"2","page":745},{"text":"المذهب الخامس: أنهم مردودون إلى محض مشيئة اللَّه بلا سبب ولا عمل، وهذا المذهب مبني على أصول الجبرية، المنكرين للأسباب، والحكم والتعليل، وهو مذهب مخالف للعقل، والفطرة، والقرآن، والسنة، وجميع ما جاءت به الرسل.\nالمذهب السادس: أنهم خدم أهل الجنة، ومماليكهم معهم، بمنزلة أرقائهم ومماليكهم في الدنيا، وهو قول سلمان الفارسي -﵁-، وورد فيه قول النبي -ﷺ- في أولاد المشركين: \"هم خدم أهل الجنة\" قال ابن القيم: \"هذا الحديث ضعيف\" (^١).\nالمذهب الرابع: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، فلا يفردون عنهم بحكم في الدارين، فكما أنهم منهم في الدنيا فهم منهم في الآخرة، والفرق بين هذا المذهب وبين مذهب من يقول هم في النار، أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعا لهم، حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما، لم يحكم لأفراطهما بالنار، وصاحب القول الآخر يقول هم في النار لكونهم ليسوا بمسلمين، ولم يدخلوا النار تبعا.\nالمذهب الثامن: أنهم يكونون يوم القيامة ترابا، حكاه أرباب المقالات عن ثمامة بن أشرس، وهذا قول لعله اخترعه من تلقاء نفسه، فلا يعرف عن أحد من السلف، وكأن قائله رأى أنهم لا ثواب لهم ولا عقاب، فألحقهم بالبهائم، والأحاديث الصحاح، والحسان، وآثار\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (٢/ ١١٢٧).","vol":"2","page":746},{"text":"الصحابة، تكذب هذا القول وترد عليه.\nالمذهب التاسع: مذهب الإمساك، وهو ترك الكلام في المسألة نفيا وإثباتا بالكلية، وجعلها مما استأثر اللَّه بعلمه، وطوى معرفته عن الخلق، ولعل سبب هذا المذهب ما قاله ابن كثير ﵀: \"لما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع، كره جماعة من العلماء الكلام فيها\" (^١).\nالمذهب العاشر: أنهم يمتحنون في الآخرة، ويرسل إليهم اللَّه ﵎ رسولا، وإلى كل من لم تبلغة الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة، وبعضهم في النار، وهذا قول جميع أهل السنة والحديث، نقله عنهم الأشعري، وحكى اتفاقهم عليله، وذكره ابن فورك، وابن عساكر.\nوبعد هذا العرض للأقوال في هذه المسألة الشائكة، يظهر واللَّه أعلم، أنها تنقسم إلى الأقسام التالية:\nأقوال ظاهرة الضعف: كإطلاق القول بأنهم في النار دون تفصيل، قال القاسمى: \"لم يصح في تعذيب الأطفال بغير ذنب منهم حديث قط، ولا صح ذلك عمن ينظر إليه من أئمة السنة\" (^٢)، وإطلاق القول بإرجاعهم إلى محض المشيئة بلا سبب ولا عمل؛ لأنه قول مبني على نفي\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٧).\n(^٢) إيثار الحق على الخلق (٣٣٩).","vol":"2","page":747},{"text":"الحكمة والتعليل في أفعال اللَّه، ونفي الأسباب، وكذا من جعلهم تبعا لآبائهم في النار؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وإلحاقهم بهم في الدنيا، لا يلزم منه إلحاقهم بالآخرة، ولهذا قال القاسمي: \"اللَّه تعالى لا يعذب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، ولا بغير ذنب، وهذه من فروع إثبات الحكمة\" (^١)، ناهيك عما شذّ به ابن أشرس بأنهم يصيرون ترابا، فهو قول مخترع لا دليل عليه ولا قائل به غيره.\nأقوال ضعيفة عند التأمل والتحقيق: وهي القول بالوقف، أو ترك الخوض في المسألة أصلا، لأن الوقف يعارضه نصوص صريحة صحيحة في مصيرهم (^٢)، أما ترك الخوض فيها رأسا فإنه أمر اعتباري ونسبي، لا يمكن أن يتخذ قاعدة عامة، ولا يمنع أن يكون في المسألة راجح ومرجوح، لا سيما إذا تكلم فيها أهل البدع وأبدوا فيها وأعادوا، فيتعيّن إبراز القول الحق والرد على المخالف واللَّه أعلم، قال شيخ الإسلام: \"ليس كل واحد قد بلغته النصوص كلها، ولا كل أحد يفهم ما دلت عليه النصوص؛ فإن اللَّه يختص من يشاء من عباده من العلم والفهم بما يشاء؛ فمن اشتبه عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم بلا علم، أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع، فقد أحسن، ومن علم الحق فبيَّنه لمن يحتاج إليه، وينتفع به فهو أحسن\n_________\n(^١) إيثار الحق على الخلق (٣٣٩).\n(^٢) انظر التمهيد (١٨/ ١١٦)، وانظر في المراد بالوقف في هذه المسألة كلام شيخ الإسلام (٤/ ٣٠٩) فقد ذكر له ثلاثة معاني.","vol":"2","page":748},{"text":"وأحسن\" (^١).\nأقوال ظاهرة القوة يمكن التوفيق بينها، وإلحاق غيرها بها: وهي قولان: أنهم في الجنة، أو أنهم يمتحنون يوم القيامة، والقول الأول يلحق به قولان هما: أنهم خدم لأهلها، أو أنهم في منزلة بين المنزلتين وهم أصحاب الأعراف.\nفكونهم في الجنة ثبت بالنص الصحيح الصريح ولهذا جعله بعضهم نصا في مورد النزاع كما قال القاسمي: \"وهذا نص في موضع النزاع، من أصح كتب الإسلام عند أئمة الحديث\" (^٢)، ثم كونهم خدما لأهلها لا يعارض هذا لأنهم في الجنة، وكونهم أصحاب الأعراف سبق نقل كلام ابن كثير أن مآل أصحاب الأعراف إلى الجنة.\nوكونهم يمتحنون يوم القيامة ورد فيه جملة من النصوص قال عنها ابن القيم \"أحاديث هذا الباب قد تضافرت، وكثرت بحيث يشد بعضها بعضا، وقد صحح الحفاظ بعضها. . . هذه الأحاديث يشد بعضها بعضا؛ فإنها قد تعددت طرقها، واختلفت مخارجها، فيبعد كل البعد أن تكون باطلة على رسول اللَّه، لم يتكلم بها، وقد رواها أئمة الإسلام، ودَوَّنوها، ولم يطعنوا فيها. . . القول بموجبها هو قول أهل السنة والحديث. . . قد صح بذلك القول بها عن جماعة من الصحابة، ولم يصح عنهم إلا هذا القول،\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٤٠٧).\n(^٢) إيثار الحق على الخلق (٣٣٩)، وانظر أحكام أهل الذمة (٢/ ١١١٠).","vol":"2","page":749},{"text":"والقول بأنهم خدم أهل الجنة صح عن سلمان، وفيه حديث مرفوع قد تقدم، وأحاديث الامتحان أكثر وأصح وأشهر. . . أحاديث هذا الباب. . . وإن أنكرها بعضهم، فقد قبلها الأكثرون، والذين قبلوها أكثر من الذين أنكروها، وأعلم بالسنة والحديث\" (^١)، وهذه الأحاديث لا تعارض القول الأول بأنهم في الجنة (^٢)، بل عليه تجتمع الأدلة قال شيخ الإسلام: \"هذا أجود ما قيل في أطفال المشركين، وعليه تتنزل جميع الأحاديث\" (^٣)، وقال: \"وأما أولاد المشركين فأصح الأجوبة فيهم جواب رسول اللَّه -ﷺ-. . .: \"اللَّه أعلم بما كانوا عاملين\"؛ فلا يحكم على معين منهم لا بجنة ولا بنار، ويروى أنهم يوم القيامة يمتحنون في عرصات القيامة، فمن أطاع اللَّه حينئذ دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة، وبعضهم في النار\" (^٤).\nولهذا قال شيخ الإسلام: \"وهذا التفصيل يذهب الخصومات، التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه؛ فإن من قطع لهم بالنار كلهم جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ثم إذا قيل: هم مع آبائهم، لزم تعذيب من لم يذنب، انفتح باب\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (٢/ ١١٤٩).\n(^٢) انظر إيثار الحق (٣٣٩).\n(^٣) مجوع الفتاوى (٤/ ٢٤٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٢)، وانظر (٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"2","page":750},{"text":"الخوض في الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والقدر والشرع، والمحبة والحكمة والرحمة، فلهذا كان أحمد يقول: هو أصل كل خصومة، فأما جواب النبي -ﷺ- الذي أجاب به أحمد آخرا، وهو قوله: \"اللَّه أعلم بما كانوا عاملين\"، فإنه فصل الخطاب في هذا الباب، وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة، واللَّه تعالى أعلم\" (^١)، وهذا القول لا يعارض القول بأنهم في الجنة، وإنما يبيّن طريقة دخولهم الجنة، وهي بعد حصول الامتحان في الآخرة، فيدخل من علم اللَّه منه الإيمان لو عاش، فيكون دخوله بعد ظهور علم اللَّه فيه، وليس بمجرد علم اللَّه فيه، غاية ما فيه أنهم لا يدخلونها جميعهم، وهذا حق فقد وردت نصوص تنص على دخول بعض أولاد المشركين النار.\n_________\n(^١) درء التعارض (٤/ ٢٩٥).","vol":"2","page":751},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>المطلب الثالث: الآثار الواردة في توبة القاتل</span>.\n\n٦١٨ - دثنا حميد بن زنجويه، دثني ابن أبي أويس، حدثني أبي (^١)، عن عبد اللَّه بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد اللَّه بن عباس -﵁- أنه سأله سائل فقال: \"يا ابن عباس، للقاتل توبة؟ فقال له ابن عباس كالمتعجّب من مسألته: ماذا تقول؟ فقال: ما تقول؟ مرتين أو ثلاثا، ثم قال ابن عباس -﵁-: ويحك، أنَّى له التوبة؟ سمعت نبيّكم -ﷺ- يقول: \"سيؤتى بالمقتول معلّقا رأسه بإحدى يديه، متلببا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دما حتى يدفعا إلى العرش، فيقول: رب هذا قتلني، فيقول اللَّه للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار\" (^٢).\n_________\n(^١) ساقطة من طبعة مجدي السيد وأثبتها من نسخة المباركفوري ومن مصادر التخريج.\n(^٢) إسناده حسن، ابن أبي أويس هو إسماعيل بن عبد اللَّه صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه، التقريب (٤٦٤)، وأبوه عبد اللَّه بن أبي أويس صدوق يهم، التقريب (٣٤٣٤)، الأهوال (١٩٧) رقم (١٨٨)، وابن أبي عاصم في الديات (٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٨٦) رقم (٤٢١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٩٧): \"رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح\"، قلت: وهو كذلك في الكبير (١٠/ ٣٠٦) رقم (١٠٧٤٢)، جميعهم عن ابن أبي أويس به، وللحديث طرق أخرى عن ابن عباس -﵁-، فقد أخرجه ابن ماجه في السنن (٢٨٧٤) رقم (٢٦٢١)، والنسائي كذلك (٧/ ٩٨) رقم (٤٠١٠)، (٨/ ٤٣٢) رقم (٤٨٨١)، وأحمد في المسند (٣/ ٤١٣) رقم (١٩٤١)، والحميدي (١/ ٢٢٨) رقم (٤٨٨)، وأصل قصة سؤال سعيد بن جبير لابن عباس -﵁- في الصحيحين انظر الفتح (٨/ ٤٩٦)، وشرح مسلم على النووي (١٨/ ١٥٨ - ١٥٩)، وقال ابن كثير في التفسير (١/ ٥٣٧) بعدما ساق عدة طرق له: \"قد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة\".","vol":"2","page":752},{"text":"٦١٩ - دثنا إسحاق بن إسماعيل، دثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء: \"يجيء المقتول يوم القيامة، فيجلس على الجَادَّة (^١)، فإذا مرّ به القاتل، قام إليه فأخذ بتلبيبه (^٢)، فقال: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: أمرني فلان، فيؤخذ الآمر والقاتل فيلقيان في النار\" (^٣).\n\n٦٢٠ - دثنا خلف بن هشام، دثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل قال: \"يؤتى بالقاتل والمقتول يوم القيامة، فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني، فيقال له: لم قتلته؟ فيقول: لتكون لك العزة، فيقول: لي العزة، بوء (^٤) بذنبه\" (^٥).\n_________\n(^١) هي الطريق الأعظم الذي تلتقى فيه الطرق، وقيل في بعض نواحي الطريق كوسطه، لسان العرب (٣/ ١٠٧)، مختار الصحاح (١١٩).\n(^٢) التلبيب من الإِنسان ما في موضع اللَّبَبِ من ثيابه، ولَبَّبَ الرجلَ: جعل ثيابه في عُنقِه وصدره في الخصومة، ثم قَبَضَه وجَرَّه وأَخَذَ بتَلْبيبِه، لسان العرب (١/ ٧٣٣).\n(^٣) إسناده ضعيف، مداره على شهر بن حوشب وسيأتي (٨٠٨)، الأهوال (١٩٩) رقم (١٩٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٣٤) رقم (٢٧٧٤١)، وابن أبي عاصم في الديات (٩)، والييهقى في شعب الإيمان (٤/ ٣٤١) رقم (٥٣٢٩) وقال: \"كذا وجدته موقوفا\"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٠٠): \"رواه الطبراني وفيه شهر بن حوشب وقد وثق وفيه ضعف\"، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٢) لكن مرفوعا وقال: \"رواه عبد الرزاق عن الثوري نحوه تفرد به عصام بلفظ الصوم والصلاة\".\n(^٤) ساقطة من طبعة فتحي السيد.\n(^٥) إسناده حسن، فيه أبو شهاب هو عبد ربه بن نافع الكناني صدوق يهم، التقريب =","vol":"2","page":753},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر ابن عباس -﵁- السابق أن القاتل ليس له توبة، وفي أثري أبي الدرداء وعمرو بن شرحبيل، بيان اقتصاص المقتول من القاتل لا محالة، وجلوسه على الجادة ينتظره، وكأن هذا يؤيّد قول ابن عباس في أنه ليس له توبة، بمعنى تعين القصاص، وأخذ المقتول حقه منه واللَّه أعلم.\nوقد ذهب الجمهور من سلف الأمة وخلفها، إلى أن القاتل له توبة فيما بينه وبين اللَّه ﷿، فإن تاب، وأناب، وخشع، وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل اللَّه سيئاته حسنات، وعوّض المقتول من ظلامته وأرضاه (^١)، قال النووي: \"قوله -ﷺ-: \"إن رجلا قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم قتل تمام المائة، ثم أفتاه العالم بأن له توبة\"، هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم، على صحة توبة القاتل عمدا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا\n_________\n= (٣٨١٤)، الأهوال (١٩٨) رقم (١٨٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٥٧) رقم (٢٧٩٤٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٤١) رقم (٥٣٢٧)، جميعهم رواه عن شرحبيل من قوله، وقد روي هذا الأثر عن شرحبيل عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- موقوفا، كما روي بنفس الطريق مرفوعا، انظر العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٢٢١)، قال الدارقطني في العلل (٥/ ٩١): \"حديث أبي وائل عن عبد اللَّه صحيح، ويشبه أن يكون الأعمش كان يرفعه مرة ويقفه أخرى واللَّه أعلم\".\n(^١) الفقه على المذاهب الأربعة (٥/ ٢٥٤).","vol":"2","page":754},{"text":"أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو وإن كان شرعا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، فليس موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعا لنا\" (^١).\nوقد أوضح ابن القيم وجه من قال ليس له توبة ومعناه فقال: \"التحقيق في المسألة: أن القتل يتعلق به ثلاث حقوق؛ حق للَّه، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا أسلم القاتل نفسه، طوعا واختيارا إلى الولي، ندما على ما فعل، وخوفا من اللَّه، وتوبة نصوحا، سقط حق اللَّه بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء، أو الصلح، أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه اللَّه تعالى عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يذهب حق هذا، ولا تبطل توبة هذا\" (^٢)، قال المرداوي: \"وهو الصواب\" (^٣)، وقد ختم ابن القيم بحث توبة القاتل بعبارة لطفة فقال ﵀: \"فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده، والحكم بعد ذلك للَّه، إن ربك يقضي بينهم بحكمه، وهو العزيز العليم\" (^٤).\nوهنا مسألة مهمة في توبة القاتل، وهي أنه لا علاقة بين قبول توبته\n_________\n(^١) شرح مسلم (١٧/ ٨٢).\n(^٢) الجواب الكافي (١٠٢).\n(^٣) الإنصاف (١٠/ ٣٣١)، ومثله ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ٣٩٢)، وانظر التحرير والتنوير (١/ ١٠٠٧).","vol":"2","page":755},{"text":"وخلوده في النار؛ فإنه حتى لو مات من غير توبة، أو تاب ولم تقبل توبته، واستوفى المقتول حقه منه، ودخل النار، فإنه لا يخلد فيها كما سبق في حكم عصاة الموحدين (^١).\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٣).","vol":"2","page":756},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>الباب الرابع: الآثار الواردة في الصحابة والإمامة</span>.\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة ﵃.\nالفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت ﵃.\nالفصل الرابع: الآثار الواردة في فضائل بقية الصحابة ﵃.\nالفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن.","vol":"2","page":757},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>الفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة</span>.\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق -﵁-.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب -﵁-.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عثمان بن عفان -﵁-.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب -﵁-.","vol":"2","page":759},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>أولا: الآثار الواردة في أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم</span>.\n\n٦٢١ - أنبأنا علي بن الجعد، أخبرني عمرو بن شمر، حدثني إسماعيل السُّدِّي قال: سمعت أبا أراكة قال: \"صلّيت مع علي بن أبي طالب صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال: واللَّه لقد رأيت أصحاب محمد -ﷺ- فما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا للَّه سجّدا وقياما، يتلون كتاب اللَّه، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا اللَّه مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح (^١)، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، واللَّه لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض، فما رئى بعد ذلك مُفْتَرًّا يضحك حتى ضربه ابن ملجم عدو اللَّه الفاسق\" (^٢).\n\n٦٢٢ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير، عن خلف بن\n_________\n(^١) أي تحرك بشدة، تاج العروس (١/ ٢٢٨٣).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ مداره على عمرو بن شمر وهو الجعفي رافضي متهم انظر لسان الميزان (٤/ ٣٦٦)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٢٥) رقم (٦) كسابقه، والتهجد وقيام الليل رقم (٢٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٦) ووقع عنده عن رجل من جعفى عن السدي به، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٣٣٠)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٦) وقال: \"ومن كلامه الحسن ﵁\"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩٢).","vol":"2","page":760},{"text":"حوشب، عن الحسن البصري قال: كان يقول: إني أدركت صدر هذه الأمة ثم طال بي عمر حتى أدركتكم، فوالذي لا إله غيره لَهُم كانوا أبصر في دينهم بقلوبهم منكم في دنياكم بابصاركم، ولَهُم كانوا فيما أحلَّ (^١) اللَّه لهم أزهد منكم فيما حرّم اللَّه عليكم، ولَهُم كانوا من حسناتهم ألا تقبل منهم أشدّ شفقة منكم من سيئاتكم أن تؤخذوا بها\" (^٢).\n\n٦٢٣ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ثابت بن الوليد بن جميع قال: حدثني أبي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: \"كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ليسوا بالمنخزقين (^٣) ولا متماوتين، يتناشدون الأشعار، ويجلسون في مجالسهم، ويذكرون جاهليتهم، فإن أريد إنسان منهم على شيء من أمر\n_________\n(^١) في المطبوع (أجلَّ).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (٧٣٠)، الإشراف (٢٦٠) رقم (٣٣٣)، وأورده الذهبي في السير من طريق آخر عن الحسن (٤/ ٢٨٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٢٧) مختصرا، وورد معناه عن ابن مسعود وهو مشهور عنه، وكأن سند المؤلف فيه سقط بعد الحسن واللَّه أعلم، انظر: مستدرك الحاكم (٤/ ٣١٥) وقال: \"صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه\"، شعب الإيمان (٧/ ٣٧٤)، الزهد لابن المبارك (١٧٣).\n(^٣) كذا في المطبوع، وهو مصحف والصواب: \"بالمنحزقين\"، والمتحزق هو المتقبض، والمتشدد على ما في يده ضنكا، والبخيل جدا، ويروى بالخاء والراء، كتاب العين (٣/ ٣٨)، الفائق (١/ ٣٠١)، تاج العروس (١/ ٦٢٤٩)، غريب الحديث للخطابي (٣/ ٤٩)، وغريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٢١١).","vol":"2","page":761},{"text":"دينه دارت عيناه فترى حماليقها (^١) غضبا\" (^٢).\n\n٦٢٤ - حدثنا محمد الحارث الخزاز، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا صاحب لنا كان يختلف معنا إلى مالك بن دينار قال: \"رأيت مالك ابن دينار في المنام فقلت: يا أبا يحيى ما صنع اللَّه بك؟ قال: خيرا، لم نر مثل العمل الصالح، لم نر مثل الصحابة الصالحين، لم نر مثل مجالس السلف الصالح، لم نر مثل مجالس الصالحين\" (^٣).\n\n٦٢٥ - حدثني أحمد بن المقدام قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث صاحب السقاية قال: حدثني إبراهيم بن خلف الوهبي: \"أن رجلا من بني عجل، ورجلا من بني حنيفة افتخرا فقاما إلى يحيى بن أبي كثير\n_________\n(^١) حماليق العين بياضها، وحملق إليه نظر شديدا، لسان العرب (١٠/ ٦٩).\n(^٢) إسناده لين والأثر حسن، الوليد بن جميع صدوق يهم رمي بالتشيع التقريب (٧٤٨٢)، الإشراف (١٩١) رقم (١٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٨) رقم (٢٦٠٥٨)، و(٧/ ١٥٨) رقم (٣٤٩٥٧)، ومن طريقه أحمد في الزهد (٢١٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١٩٥) رقم (٥٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٩٤)، والخطابي في غريب الحديث (٣/ ٤٩)، والذهبي في السير (١١/ ٢٣٨)، وأورده الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٤٠) من طريق ابن أبي شيبة وحسن سنده، وكذلك الألباني في الصحيحة (١/ ٧٩٦ - ٧٩٨).\n(^٣) إسناده لين فيه إبهام صاحب القصة، المنامات (١٠٤ - ١٠٥) رقم (٢٠٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٤٣) ولفظه: \"لم ير مثل العمل الصالح، لم ير مثل الصحابة الصالحين، لم ير مثل السلف الصالح، لم ير مثل مجالس الصالحين\".","vol":"2","page":762},{"text":"ليقضي بينهما، فقال: إن مثلي لا يقضي في مثل هذه، ولكن لو خيّرت قبائل العرب لاخترت أن أكون من قريش، فإن حيل دون ذلك لاخترت أن أكون رجلا من الأنصار، ولو حيل دون ذلك لاخترت أن أكون رجلا من بني عجل، فقال إبراهيم: ليتني سألته لم اختار أن يكون من بني عجل؟ فلقيت بعدُ يزيد بن سيدان فحدّثته هذا الحديث وقال (^١): ليتني علمت تفسيره، فقال: أنا أخبرك؟ إن يحيى قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال يوم ذي قار: \"هزمت الميمنة، هزمت الميسرة، هذه بنو عجل تقتل الأعاجم، أرى عجل قومٌ ميامين، اللهم اجبر عظمهم\" (^٢).\n\n٦٢٦ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد اللَّه: \"أنتم أكثر صلاة، وأكثر صياما، وأكثر جهادا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: فيم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة\" (^٣).\n_________\n(^١) لعلها: وقلت.\n(^٢) فيه صاحب السقاية وشيخه لم أقف عليهما، والحديث معضل، الإشراف (٢٨٤) رقم (٣٨٢)، أما بلاء بني عجل في يوم ذي قار فهو أمر مشهور، انظر الإصابة (١/ ٣٦٠)، الرحيق المختوم (٢٦ - ٢٧)، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (٦٠ - ٦١).\n(^٣) إسناده صحيح، ذم الدنيا (٣٢) رقم (٦٨)، ورقم (١٧٦) من طريق آخر، وابن المبارك في الزهد رقم (٥٠١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٠٦) رقم (٣٤٥٥٠)، وهناد في الزهد (١/ ٣٢٠) رقم (٥٧٥)، وابن بشر في الزهد وصفة =","vol":"2","page":763},{"text":"٦٢٧ - ثنا عبد الرحمن بن صالح، نا المحاربي، عن مبارك، عن الحسن قال: \"إن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كانوا أكياسا، عملوا صالحا، وأكلوا طيبا، وقدّموا فضلا، ولم ينافسوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم ينافسوهم في عزها، ولم يجزعوا لذُلِّها، أخذوا صفوها، وتركوا كدرها، واللَّه ما تعاظم في أنفسهم حسنة عملوا، ولا تصغر في أنفسهم سيئة\" (^١).\n\n٦٢٨ - حدثنا محمد بن عبيد اللَّه (^٢)، نا يونس بن محمد، نا المعتمر بن سليمان قال: كتب ليث: من ليث بن أبي سليم (^٣) إلى سليمان بن طرخان: \"سلام عليك، . . . حدثني من أدرك أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أنهم قالوا: كنا إذا أسلمنا أقبلنا على الآخرة، وتركنا الدنيا لأهل الشرك، وإن الناس اليوم أقبلوا على أمر دنياهم، وتركوا أمر آخرتهم\" (^٤).\n_________\n= الزاهدين رقم (٥٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٥) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٣) رقم (٨٧٦٨)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٢٥): \"رواه الطبراني وفيه عمارة بن يزيد صاحب ابن مسعود ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات\"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٦).\n(^١) إسناده لين، فيه عنعة المحاربي وقد سبق (١٧٩) أنه مدلس، ذم الدنيا (٧١) رقم (١٧٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٧٤) رقم (١٠٦٣٣).\n(^٢) هو المعروف بابن المنادى صدوق من صغار العاشرة، التقريب (٦١٥٣).\n(^٣) هو ليث بن أبي سليم بن زنيم، صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك، كان ذا صلاة وصيام وعلم كثير، مات سنة (١٤٨ هـ)، الكاشف (٢/ ١٥١)، التقريب (٥٦٨٥).\n(^٤) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق، ذم الدنيا (١٣٨ - ١٣٩) رقم (٤١٩).","vol":"2","page":764},{"text":"٦٢٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن سعد بن أبي وقاص قال: \"لقد رأيتنا مع رسول اللَّه -ﷺ- وما طعامنا إلا ورق الحُبْلة والسَّمُر (^١)، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع العنز، ما له خلط (^٢) \" (^٣).\n\n٦٣٠ - حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن سيرين قال: إن كان الرجل من أصحاب النبي -ﷺ- يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد شيئا، فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها، فإذا لم يجد شيئا أخذ حجرا فشدّ به صلبه\" (^٤).\n\n٦٣١ - حدثنا علي بن الجعد الجوهري قال: أخبرني المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: \"خطب عتبة بن غزوان (^٥) الناس بالبصرة فقال في\n_________\n(^١) هو ورق السمر يشبه اللوبياء، وقيل: هو ثمر العِضاه، والسمر شجر من العضاه وهو كل شجر له شوك، غريب الحديث للخطابي (٢/ ١٤٠).\n(^٢) أي لا يَخْتَلِط نَجْوُهُم بعضُه ببعض، لجفافه ويُبْسِه، النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٤١).\n(^٣) إسناده صحيح، الجوع (١٠٦) رقم (١٦٣)، والأثر في صحيح البخاري (٩/ ٥٩٤ فتح) رقم (٥٤١٢).\n(^٤) إسناد حسن؛ شيخ المصنف صدوق يخطئ كما سبق (١٢)، لكن تابعه الأسود بن عامر وهو ثقة، التقريب (٥٠٨)، الجوع (٦٢ - ٦٣) رقم (٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٢٦) رقم (٣٥٥٤٥) عن الأسود بن عامر به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٠٩): \"رواه ابن أبي الدنيا في الجوع بإسناد جيد\".\n(^٥) هو عتبة بن غَزْوان بن جابر المازني، حليف بني عبد شمس، صحابي جليل، مهاجري =","vol":"2","page":765},{"text":"خطبته: لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول اللَّه -ﷺ- قريبا من شهر رمضان، ما لنا طعام إلا ما نصيب من أوراق الشجر، حتى قرحت أشداقنا (^١) من أكل الشجر، ولقد رأيتني التقطت بُرْدَة (^٢) فشققتها بيني وبين سعد بن مالك (^٣) \" (^٤).\n\n٦٣٢ - حدثني أزهر بن مروان الرقاشي قال: أخبرنا غسّان بن بُرزين قال: حدثني راشد أبو محمد الحماني قال: قال ابن عمر: \"لقد أتى علينا زمان وما أحد أحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم\" (^٥).\n_________\n= بدري، وهو أول من اختط البصرة، مات سنة (١٧ هـ) ويقال بعدها الإصابة (٤/ ٤٣٨)، التقريب (٤٤٣٨).\n(^١) جمع شدق وهو جانب الفم، مختار الصحاح (٣٥٤).\n(^٢) البُرْدَةُ كساء أسود مربع، فيه صغر، تلبسه الأعراب، والجمع بُرَدٌ، مختار الصحاح (٧٣).\n(^٣) الظاهر أنه سعد بن أبي وقاص، وليس سعد بن مالك أبا سعيد الخدري؛ فإن سعد ابن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك، متقدم جدا، وهو سعد بن أبي وقاص -مالك- بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، ومناقبه كثيرة، مات بالعقيق سنة (٥٥ هـ) على المشهور وهو آخر العشرة وفاة، وأما أبو سعيد الخدري فهو أصغر منه فإنه استصغر يوم أحد، الإصابة (٣/ ٧٣)، التقريب (٢٢٥٩) (٢٢٥٣).\n(^٤) إسناده ضعيف فيه المبارك بن فضالة وقد سبق (٩٣) أنه يدلس ويسوي، الجوع (١٠٥) رقم (١٦٢)، والخطبة في صحيح مسلم (٤/ ٢٢٧٨) رقم (٢٩٦٧).\n(^٥) إسناده حسن؛ فيه راشد الحماني وهو صدوق ربما أخطأ التقريب (١٨٦٧)، العقوبات (٣٣) رقم (٢٤)، الإخوان (٢٠٤) رقم (١٥٧)، ولم يشر المحققان إلى المصدر الآخر، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٤١) رقم (٢٦٧٠٥)، وأحمد في =","vol":"2","page":766},{"text":"٦٣٣ - حدثنا علي بن الحسين العامري، نا علي بن حفص المدائني، أنا شيخ من البصريين يقال له: أبو الدرقاء قال: سمعت أنس بن مالك وسمع رجلا يقول: \"أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة؟ قال: أولئك أهل بدر (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>ثانيا: الآثار الواردة في جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وحبهم له</span>.\n\n٦٣٤ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه (^٣): \"أن رجلا مرّ على رجل من\n_________\n= المسند (٥/ ٣٩٥) رقم (٥٥٦٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٢) رقم (١١١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٣ - ٣١٤)، والروياني في مسنده (٢/ ٤١٤) رقم (١٤٢٢)، وأبو يعلى في المسند (١٠/ ٢٩) رقم (٥٦٥٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣٢) رقم (١٣٥٨٣)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٨٢): \"رواه الطبراني بأسانيد وبعضها حسن\"، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٣٣ - ٤٣٤) رقم (١٠٨٧٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٠٥)، وابن حجر في لسان الميزان (٢/ ٣٨)، وابن قدامة في المتحابين في اللَّه رقم (٥١)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٢)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (١/ ١٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ١٦٢)، وانظر تصحيح ابن القيم وذكر طرق الحديث في حاشيته على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٥)، وذكره الزرقاني في شرحه على الموطأ (٣/ ٣٦٧) ونقل تصحيح ابن القطان له، وراجع التلخيص الحبير (٣/ ١٩)، ونصب الراية (٤/ ١٦).\n(^١) بدر ماء مشهور بين مكة والمدينة، أسفل وادي الصفراء، وبها وقعت الوقعة المشهورة في السيرة بغزوة بدر، معجم البلدان (١/ ٣٥٧).\n(^٢) إسناده فيه أبو الدرقاء لم أجده، ذم الدنيا (١٤٩) رقم (٤٥٦).\n(^٣) هو عِرباض بن سارية السلمي، أبو نجيح، صحابي كان من أهل الصفة، ونزل حمص =","vol":"2","page":767},{"text":"الأنصار وهو يتشحّط (^١) في دمه، فقال: إني فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم\" (^٢).\n\n٦٣٥ - حدثنا عبيد بن جرير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن القاسم بن محمد (^٣) قال: \"ذهب بصر رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، فأتاه أصحابه يعزّونه، فقال لهم: إنما كنت أريدهما لأنظر بهما إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأما إذ قبض اللَّه ﷿ نبيّه -ﷺ- فما يسرّني أن ما بهما بظبي من ظباء تَبَالَة (^٤) \" (^٥).\n_________\n= مات بعد السبعين، الإصابة (٤/ ٤٨٢)، التقريب (٤٥٥٠)، وليس المراد عمرو بن عنبسة أبا نجيح فإنه هاجر بعد أحد، وظاهر سياق القصة أنه حدث في أحد لأن هذه الكلمة قيلت في غزوة أحد لما أشيع أن النبي -ﷺ- قد مات واللَّه أعلم.\n(^١) هو اضطراب في الدم، لسان العرب (٧/ ٣٢٧).\n(^٢) إسناده حسن، ورقاء صدوق في حديثه عن منصور لين التقريب (٧٤٥٣)، المحتضرين (٢٣٣) رقم (٣٤٩)، وابن المبارك في الجهاد (١/ ٧٧) رقم (٩٠)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ١١١ - ١١٢)، وانظر طرقه في تخريج الأحاديث والآثار (١/ ٢٣٢) للزيلعي.\n(^٣) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، مات سنة (١٠٦ هـ) ومائة على الصحيح، التقريب (٥٤٨٩).\n(^٤) بلدة مشهورة من أرض تهامة، وهي أول عمل وليه الحجاج بن يوسف، بينها وبين بيشة يوم واحد، معجم البلدان (٢/ ٩).\n(^٥) إسناده ضعيف؛ مداره علي بن زيد وهو ضعيف كما سيأتي (٧٨٧)، المتمنين =","vol":"2","page":768},{"text":"٦٣٦ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية (^١) قال: \"بعث رسول اللَّه -ﷺ- جيشا فيهم ابن رواحة وخالد، فلما صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسبّ رسول اللَّه -ﷺ- فقال رجل من المسلمين: أنا فلان بن فلان وأمي فلانة فسبّني وسبّ أمي وكفّ عن رسول اللَّه -ﷺ-، فلم يزده ذلك إلا إغراء فأعاد مثل ذلك وأعاد الرجل مثل ذلك فقال: لئن عدت الثالثة لأرحلنّ إليك بسيفي، فعاد فحمل عليه الرجل فولّى الرجل مدبرا فاتّبعه الرجل حتى خرق صف المشركين فضربه بسيفه فأحاط به المشركون فقتلوه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أعجبيم من رجل يضر (^٢) اللَّه ورسوله؟ \" ثم إن الرجل برأ من جراحته فأسلم وكان يسمّى الرُحيل\" (^٣).\n_________\n= (٨٧) رقم (١٤٩)، والبخاري في الأدب المفرد (١٨٨) رقم (٥٣٣)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣١٣).\n(^١) هو حسان بن عطية المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقي، ثقة فقيه عابد، مات بعد العشرين ومائة، التقريب (١٢٠٤).\n(^٢) كذا في طبعتي جيمز ومحمد عطا، وفي الصارم المسلول (٢/ ٢٩٠): \"نصر اللَّه ورسوله\" وهو المناسب.\n(^٣) إسناده حسن إلى حسان بن عطية، وهو مرسل فإن حسان لم يدرك القصة كما يتبين من ترجمته، وانظر جامع التحصيل للعلائي (١٦٢) رقم (١٣٢)، وشيخ المصنف أبو إسحاق هو إسماعيل بن أبي الحارث البغدادي صدوق، التقريب (٤٢٨)، وورد في بعض نسخ المخطوط كما في طبعة جيمز أنه (إسماعيل بن =","vol":"2","page":769},{"text":"٦٣٧ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: \"لما كان يوم جرح رسول اللَّه -ﷺ- قال رجل من القوم: وجهى أحقّ بالكُلُوم (^١) من وجهك، ثم تقدّم فقال: يا معشر الشباب من جشم (^٢)، من يريد معي الموت؟ \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>ثالثا: الآثار الواردة في الألفة والتحاب فيما بينهم</span>.\n\n٦٣٨ - حدثني أبو الحسن قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا سعيد ابن عبد العزيز قال: \"قال بلال (^٤) حين حضرته الوفاة: غدا نلقى الأحبة، محمدا وحزبه، قال: تقول امرأته: واويلاه، قال: يقول: وافرحاه\" (^٥).\n_________\n= الحرث)، وقد ذكر ابن أبي الحارث ضمن شيوخ ابن أبي الدنيا وتلاميذ معاوية بن عمرو كما في تراجمهم من تهذيب الكمال للمزي، مكارم الأخلاق (٤٠) رقم (١٧٨)، وأورده ابن تيمية في الصارم المسلول (٢/ ٢٩٠)، ونسبه إلى الأموي في مغازيه، وأبي إسحاق الفزاري.\n(^١) الكَلْمُ الجراحة والجمع كُلُومٌ، مختار الصحاح (٥٨٦).\n(^٢) جَشِمَ الأمر من باب فهم، وتَجَشَّمَهُ أي تكلفه على مشقة، مختار الصحاح (١١٩).\n(^٣) إسناده معضل، ويحيى بن أبي كثير ثقة ثبتت لكنه يدلس ويرسل التقريب (٧٦٨٢)، مكارم الأخلاق (٤١) رقم (١٧٩).\n(^٤) هو بلال بن رباح الحبشي المؤذن، وهو ابن حمامة، وهي أمه، أبو عبد اللَّه، مولى أبي بكر، من السابقين الأولين، وشهد بدرا والمشاهد، مات بالشام سنة (١٧ هـ) وقيل غير ذلك، وله بضع وستون سنة، الإصابة (١/ ٣٢٦)، التقريب (٧٧٩).\n(^٥) إسناده منقطع؛ فإن سعيد بن عبد العزيز ثقة إمام اختلط في آخر أمره، لكنه من الطبقة السابعة، التقريب (٢٣٧١)، المحتضرين (٢٠٧ - ٢٠٨) رقم (٢٩٤)، ومن =","vol":"2","page":770},{"text":"٦٣٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثني معن بن عيسى قال: حدثنا عثمان بن محمد الزبيري قال: قال أبو بكر الصدّيق في بعض خطبه: \"نحن واللَّه والأنصار كما قال:\nجزى اللَّه عنّا جعفرا حين أشرفت ... بنا نعلنا للواطئين فزّلت\nأبَوا أن يملّونا ولو أن أمَّنا ... تلاقي الذي لاقوا من الشرِّ ملَّتِ (^١)\n\n٦٤٠ - حدثنا خالد بن مرداس السرّاج قال: حدثنا حماد بن يحيى الأبحّ، عن أبيه، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان (^٢) قال: \"ثلاث أعجبتني ثم أضحكتني، مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض عنه، وثلاثة أحزنتني حتى أبكتني: فراق محمد -ﷺ-\n_________\n= طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٧٥)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٥٩).\n(^١) في إسناده الزبيري لم أقف له على ترجمة، الإشراف (٢٨٦) رقم (٣٨٦)، والبلاذري في فتوح البلدان (١/ ٣٣ - ٣٤) وفيه قصة وأن ذلك حصل عند إجلاء بني النضير، وفي تاريخ اليعقوبي (٢/ ١٢٧ - ١٢٨) أن ذلك كان بعد إنفاذ جيش أسامة وتولي أبي بكر الخلافة.\n(^٢) هو سلمان الفارسي، أبو عبد اللَّه، ويقال له سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٣٤ هـ)، يقال بلغ ثلاثمائة سنة، قال الذهبي: \"ظهر لي أنه من أبناء الثمانين، لم يبلغ المائة\"، الكاشف (١/ ٤٥١)، الإصابة (٣/ ١٤١)، التقريب (٢٤٧٧).","vol":"2","page":771},{"text":"وحزبه والأحبة، وهول المطلع، والوقوف بين يدي ربي، لا أدري إلى الجنة يؤمر بي أو إلى النار\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>رابعا: الآثار الواردة في كريم أفعالهم، ومحاسن أخلاقهم</span>.\n\n٦٤١ - حدثنا داود بن عمرو بن زهير الضبي، حدثنا محمد بن الحسن الأسدي، حدثنا سعيد بن مسلم، عن عبد الوارث، عن أنس -﵁- قال في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٢) قال: نزلت في رجل من الأنصار أرسل النبي -ﷺ- ضيفا من أضيافه، فأتى منزله، فقالت له امرأته: ما هذا؟ قال: هذا ضيف رسول اللَّه -ﷺ-، قالت: والذي بعث محمدا بالحق، ما أمسى عندنا إلا قُرْص (^٣)، فذلك القرص لي أو لك أو للضيف أو للخادم، قال: اثردي (^٤) هذا القرص، وآدميه بسمن ثم قرّبيه، وأمري الخادم يطفئ السراج، وجعلت تتلمّظ (^٥) هي وهو حتى رأى\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ حماد بن يحيى الأبح صدوق يخطئ التقريب (١٥١٧)، وأبوه لم أجد له ترجمة، والأثر حسن بطرقه، قصر الأمل (٤٠ - ٤١) رقم (٢٩)، وأحمد في الزهد (١٥٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٧٨) رقم (١٠٦٥٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٤٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٥٤٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٩) من قول أبي الدرداء -﵁-.\n(^٢) سورة الحشر، الآية (٩).\n(^٣) قرص الخبز هو الرغيف جمعه قِرَصَة، لسان العرب (٧/ ٧٠).\n(^٤) ثَرَد الخبز كسره، مختار الصحاح (٩٠).\n(^٥) تَلَمَّظَ إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه، وأخرج لسانه فمسح، مختار الصحاح (٦١٢).","vol":"2","page":772},{"text":"الضيف أنهما يأكلان، وأصبح فصلى مع رسول اللَّه -ﷺ-، فانصرف رسول اللَّه -ﷺ- فقال: \"أين صاحب الضيف؟ \" ثلاث مرات، والرجل ساكت، قال: أنا صاحب الضيف، قال: \"حدثني جبريل أن اللَّه تعالى ﷿ ضحك حين قلت لخادمك أطفئ السراج\" ونزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة فضل الصحابة ﵃ أجمعين، وبيان بعض محاسنهم، ومكارم أخلاقهم، وقد جعلتها في العناصر الأربعة، وهي: أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم، جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه -ﷺ- وحبّهم له، الألفة والتحاب فيما بينهم، كريم أفعالهم ومحاسن أخلاقهم.\nفأما أفضليتهم: فقد تضمنت الآثار بيان ذلك من عدة أوجه، حيث تضمن أثر علي بن أبي طالب -﵁- أسفه وحزنه على أنه لم يعد يرى في وقته شيئا يشبه ما كان عليه صحابة رسول اللَّه، ثم فسّر ذلك بطول قيامهم الليل، ثم إذا أصبحوا بكوا بكاء المقصِّر المذنب، وهذا ما أكده\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه عبد الوارث مولى أنس ضعفه الدارقطني، وانظر باقي الكلام فيه في لسان الميزان (٤/ ٨٥)، قرى الضيف (١٩ - ٢٠) رقم (١٠)، وانظر الذي بعده حيث سمى الصحابي ثابت بن قيس، لكن قصة الأنصاري صحيحة في البخاري ومسلم عن أبي هريرة -﵁-، على اختلاف في تحديد صاحبها انظر فتح الباري (٧/ ١١٩ - ١٢٠).","vol":"2","page":773},{"text":"الحسن البصري في الأثر بعده، وذكر أيضا بصرهم بدينهم أكثر من بصر من بعدهم بدنياهم، وزهدهم في الحلال أكثر من زهد من بعدهم في الحرام، ثم بيّن أثر أبي سلمة أنهم كانوا على سماحة الإسلام بلا رهبانية ولا تنطع، من تناشد الأشعار، والجلوس في المجالس العامة، وذكر جاهليتهم، لكن كل هذا في حدود المباح، ولذلك بيّن أنهم إذا أُريدوا على دينهم لم يقاوم غضبهم، وقد بيّن عبد اللَّه بن مسعود سبب هذه الأفضلية والخيرية ولو كان من بعدهم أكثر صلاة وصياما، بأنه زهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة، وسمى الحسن البصري هذا منهم كيسا، حيث بيّن أنهم في أمر الدنيا أخذوا صفوها، وتركوا كدرها، وفي أمر الآخرة فلا تتعاظم عندهم حسنة عملوها، ولا يتصاغر ذنب اقترفوه، ثم تضمنت الآثار بعد هذا بعض تفاصيل هذه الأفضلية، فقد كانوا إذا أسلموا أقبلوا على الآخرة، وتركوا الدنيا لأهل الشرك، ولم يكن لهم ما يأكلون إلا ورق الأشجار والحبلة والسمر، حتى كان أحدهم يضع كما تضع العترة، وتقرح أشداقهم من ذلك، ويطول بهم زمن الجوع إلى ثلاثة أيام، فيشوي أحدهم الجلدة فيأكلها، وقد لا يجدها فيحزم بطنه بالحجر، بل يلتقط بعضهم البردة ثم يقسمها مع أخ له اثنين، ولم يكن أحدهم أحق بديناره من أخيه المسلم، ولذلك كان بعض من تأخر به الموت فعاش إلى أن أدرك زمن التابعين، يتحسّر على تلك الأيام، وأولئك الأقوام، فأجاب أنس من سأل عن الزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة بأنهم أهل بدر.","vol":"2","page":774},{"text":"ومن أوجه تلك الأفضلية النصوص الثابتة في حقهم كما تضمن أثر يحيى بن أبي كثير فضل بني عجل لما قاله فيهم -ﷺ- يوم ذي قار، وبعض رؤى الصالحين كرؤية مالك بن دينار بأنه لم ير مثل الصحابة الصالحين.\nقال العلائي: \"لا خير إلا وقد سبقوا إليه من بعدهم، ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم\" (^١)، وقال ابن كثير: \"لهم الفضل، والسبق، والكمال، الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة ﵃، وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل\" (^٢)، وأما نصوص الشرع في فضلهم فقد ذكر غير واحد أنها أكثر من أن تحصر قال الإسفراييني: \"الأخبار في فضل الصحابة ﵃ أكثر من أن يحتمله هذا المختصر\" (^٣)، وقال الذهبي: \"مناقب الصحابة وفضائلهم فأكثر من أن تذكر\" (^٤)، وقال شيخ الإسلام -لما ذكر ما يروى عن بعضهم الصحابة من المساوئ-: \"قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم؛ من الإيمان باللَّه، ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من اللَّه به عليهم من الفضائل، علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة\n_________\n(^١) منيف الرتبة (٣١ - ٣٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٠).\n(^٣) التبصير في الدين (١٨٠)، وانظر الصواعق المحرقة (٢/ ٦٠٧).\n(^٤) الكبائر (٢٣٦).","vol":"2","page":775},{"text":"التي هي خير الأمم وأكرمها على اللَّه تعالى\" (^١)، ومن لطيف ما ذكره ابن كثير في أفضليتهم قوله: \"الصحابة ﵃ خلصت نياتهم، وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم، وقال مالك ﵁: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃، الذين فتحوا الشام، يقولون: واللَّه لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- وقد نوَّه اللَّه ﵎ بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة\" (^٢).\nوأما جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وحبهم له: فقد تضمنت الآثار من ذلك العجب؛ فالأنصاري الذي كان يتشحط في دمه لم يرعه خبر مقتل رسول اللَّه -ﷺ-، بل أمر مخبره بأن يستمر في جهاده الواجب عليه، وأن الرسول -ﷺ- ولو قتل فقد بلغ، وكيف هان ذهاب بصر أحدهم، وأجاب المُعَزِّين له بأنه لا حاجة له بالنظر إلى شيء بعد موت رسول اللَّه -ﷺ-، وفداهم رسول اللَّه -ﷺ- بأموالهم وأنفسهم وأعراضهم، وقد عرف أهل السنة قدر هذه المناقب التي امتازوا بها، وأنزلوهم المنزلة الرفيعة التي يستحقونها، فكان من جملة الاستدلال على تعديل الصحابة وتفضيلهم ما قاله الهيتمي: \"لو لم يرد من اللَّه ورسوله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٠)، وانظر الصواعق المحرقة (٢/ ٦٠٧).","vol":"2","page":776},{"text":"فيهم شيء مما ذكرناه -أي من النصوص الشرعية-، لأوجبت الحال التي كانوا عليها؛ من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، ببذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان، واليقين، القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم\" (^١).\nوأما الألفة والتحاب فيها بينهم: فقد كانوا ﵃ كقلب رجل واحد، يفضل أحدهم الموت على الحياة لأنه سيلقى الأحبة، وهم النبي -ﷺ- ومن سبقه من أصحابه، كما في قول بلال -﵁- عند موته، وتحمل الأنصار في سبيل نصرتهم للمهاجرين، ما لو تحملته أم من أولادها لملّت، كما قال سيد المهاجرين والأنصار أبو بكر الصديق -﵁-، ويبكي أحدهم لفراقهم وفراق رسول اللَّه ويحزنه ذلك كما في أثر سلمان الفارسي -﵁-.\nوأما كريم أفعالهم، ومحاسن أخلاقهم: ففى قصة الأنصاري الذي أقرى ضيف رسول اللَّه، وضحك اللَّه من فعله، هو وزوجته، أكبر دليل على ما كانوا عليه، وسيأتي تفصيل ذلك في المباحث التالية، في صفات ومناقب بعضهم مفردة.\nقال ابن تيمية: \"لم يتنازع أهل العلم والإيمان، فيما استفاض عن النبي -ﷺ- من قوله: \"خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم\"، وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن\n_________\n(^١) الصواعق المحرقة (٢/ ٦٠٨).","vol":"2","page":777},{"text":"خير هذه الأمة هم الصحابة. . . ولا تجد إماما في العلم والدين، كمالك والأوزاعي والثوري. . . وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب\" (^١).\nوقد عدد ابن القيم ﵀ أسباب أفضلية الصحابة فقال: \"درجات السبق أعني درجة العلم والعدل والجهاد وبها سبق الصحابة، وأدركوا من قبلهم، وفاتوا من بعدهم، واستولوا على الأمد البعيد، وحازوا قصبات العلى، وهم كانوا السبب في وصول الإسلام إلينا، وفي تعليم كل خير وهدى، وسبب تنال به السعادة والنجاة، وهم أعدل الأمة فيما ولوه، وأعظمها جهادا في سبيل اللَّه، فالأمة في آثار علمهم، وعدلهم، وجهادهم إلى يوم القيامة، فلا ينال أحد منهم مسألة علم نافع إلا على أيديهم، ومن طريقهم ينالها، ولا يسكن بقعة من الأرض آمنا، إلا بسبب جهادهم، وفتوحهم، ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدى، إلا كانوا هم السبب في وصولهم إليه، فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف، والقلوب بالإيمان، وعمروا البلاد بالعدل، والقلوب بالعلم والهدى، فلهم من الأجر بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة، مضافا إلى أجر أعمالهم التي اختصوا بها، فسبحان من يختص بفضله ورحمته من يشاء، وإنما نالوا هذا بالعلم،\n_________\n(^١) العقيدة الأصفهانية (١٦٥).","vol":"2","page":778},{"text":"والجهاد، والحكم بالعدل، وهذه مراتب السبق التي يهبها اللَّه لمن يشاء من عباده\" (^١).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (٥٣٧).","vol":"2","page":779},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>المبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم</span>.\n\n٦٤٢ - حدثنا علي بن الجعد، ثنا شعبة عن يحيى بن الحصين قال: سمعت طارقا -﵁- قال: \"كان بين سعد وخالد ﵄ كلام، فذهب رجل يقع في خالد -﵁- عند سعد -﵁-، فقال: \"مه، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا\" (^١).\n\n٦٤٣ - نا الحسن بن أبي الربيع، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عبد اللَّه بن صفوان قال: \"قال رجل يوم صفين (^٢): اللهم العن أهل الشام، فقال عليّ: لا تسبّ أهل الشام جما غفيرا؛ فإن فيها الأبدال فإن فيها الأبدال فإن فيها الأبدال\" (^٣).\n_________\n(^١) الأثر صحيح، الغيبة والنميمة (١٠٣) رقم (١١١)، وأخرجه: أحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٧٥١) رقم (١٣١١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٣٠) رقم (٢٥٥٣٥)، و(٦/ ١٩٩) رقم (٣٠٦٤٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٩٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٠٦) رقم (٣٨١٠)، وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٣): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\".\n(^٢) موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات، من الجانب الغربي، بين الرقة وبالس، وكانت وقعة صفين بين علي ومعاوية ﵄ في سنة (٣٧ هـ)، معجم البلدان (٣/ ٤١٤).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق التقريب (١٣٠٠)، الأولياء (٣٠) رقم (٧٠)، وابن المبارك في الجهاد رقم (١٩٢)، ومعمر في الجامع كما في المصنف (١١/ ٢٤٩) =","vol":"2","page":780},{"text":"٦٤٤ - حدثنا خالد بن خداش وغيره، عن حماد بن زيد، عن علي بن زيد بن جدعان قال: \"كنت جالسا إلى سعيد بن المسيّب (^١)، فقال: يا أبا الحسن مر قائدك يذهب بك فتنظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده، فانطلق، قال: فإذا وجهه وجه زنجيّ، وجسده أبيض، فقال سعيد: إني أتيت على هذا وهو يسبّ طلحة والزبير وعليا رحمة اللَّه عليهم، فنهيته فأبى، فقلت: إن كنت كاذبا فسوّد اللَّه وجهك، فخرجت في وجهه\n_________\n= رقم (٢٠٤٥٥)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٩٠٥) رقم (١٧٢٦)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٧٦)، والمقدسي في المختارة (٢/ ١١ - ١١٢) رقم (٤٨٥ - ٤٨٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٣٣٧ - ٣٤٠) واستقصى طرقه وبين بعض الفوائد الإسنادية فيها، وبلفظ مقارب الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٥٣) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني أيضا موقوفا في الضعيفة (٦/ ٥٦٥).\nوقد ورد هذا الأثر بطرق مرفوعا وموقوفا، استقصاها السيوطي في الحاوي للفتاوي في رسالة خاصة (٢/ ٤٥٥ - ٤٧٢)، وكذا العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٢٦)، ولا يصح رفعه كما في نص غير واحد من العلماء، انظر بحثا ضافيا للألباني في الضعيفة (٢/ ٣٣٩ - ٣٤١) مع الموضع السابق.\n(^١) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين، التقريب (٢٣٩٦).","vol":"2","page":781},{"text":"قرحة، فاسودّ وجهه\" (^١).\n\n٦٤٥ - حدثني ابن أبي ﵀ (^٢) قال: حدثنا وضاح بن حسان قال: عن أبي المحيّاة يحيى بن يعلى، عن عمر بن الحكم، عن عمه قال: \"خرجنا نريد مكة. . . ومعنا رجل يسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فنهيناه فلم ينته، فانطلق لبعض حاجته فاجتمع عليه الدَّبر، فاستغاث، فأغثناه، فحملت علينا، فرجعنا، فلم تقلع عنه حتى قطّعته\" (^٣).\n\n٦٤٦ - حدثني سويد بن سعيد، عن أبي المحيّاة التيمي، حدثني مؤذن عنك! (^٤) قال: \"قال خرجت أنا وعمي إلى مكران (^٥)، فكان معنا رجل\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، علي بن زيد بن جدعان ضعيف التقريب (٤٧٦٨)، مجابو الدعوة (٩٩ - ١٠٠) رقم (٦٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ١٢٥)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ١٣٧)، وذكره الذهبي في السير (٤/ ٢٤٢).\n(^٢) كذا والمراد أب المصنف، كما ذكر المحقق.\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه وضاح بن حسان انظر لسان الميزان (٦/ ٢٢٠)، لكن وقع السند عند ابن عساكر من طريق المصنف عن سويد بن سعيد به، وفيه إبهام عم عمر بن الحكم، العقوبات (٢٠٠) رقم (٣١٣)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٢٣٣) رقم (٢٨٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٠٢)، وذكره الطبري في الرياض النضرة (١/ ٣٦٩).\n(^٤) لعلها: \"مؤذن عكا\" كما في بعض مصادر التخريج.\n(^٥) مُكْران ولاية واسعة تشتمل على مدن وقرى، وهذه الولاية بين كرمان من غربيها وسجستان شماليها والبحر جنوبيها والهند في شرقيها، والغالب عليها المفاوز والضر والقحط، أما مَكْران فهى موضع ببلاد العرب، معجم البلدان (٥/ ١٧٩ - ١٨٠).","vol":"2","page":782},{"text":"يسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فنهيناه فلم ينته، فقلنا: اعتزلنا، فاعتزلنا، فلما دنا خروجنا ندَّ منا، فقلنا: لو صحبنا حتى نرجع إلى الكوفة، فلقينا غلام له، فقلنا له: قل لمولاك يعود إلينا، فقال: إن مولاي قد حدث به أمر عظيم، قد مسخت يداه يدي خنزير، قال: فأتيناه فقلنا: ارجع إلينا، قال: إنه قد حدث بي أمر عظيم، وأخرج ذراعيه، فإذا هما ذراعا خنزير، قال: فصحبنا حتى انتهينا إلى قرية من قرى السواد كثيرة الخنازير، فلما رآها صاح صيحة ووثب، فمُسخ خنزيرا، وخفي علينا، فجئنا بغلامه ومتاعه إلى الكوفة\" (^١).\n\n٦٤٧ - أخبرنا يحيى بن يوسف الزمي، أخبرنا شعيب بن صفوان، عن عبد الملك بن عمير (^٢) قال: \"كان بالكوفة رجل يعطي الأكفان، فمات رجل، فقيل له فأخذ كفنا وانطلق، حتى دخل على الميت وهو مسجى، فتنفّس وألقى الثوب عن وجهه وقال: غرّوني، أهلكوني، النار النار، فقلنا له: قل: لا إله إلا اللَّه، قال: لا أستطيع أن أقولها، قيل: ولم؟ قال: لشتمي\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٦٧)، وإبهام المؤذن، مجابو الدعوة (١٠٠) رقم (٦٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٠٢)، والطبري في الرياض النضرة (١/ ٣٦٩)، وذكره الحصني عن المصنف في دفع شبه من شبه وتمرد (٨٩).\n(^٢) هو عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، حليف بني عدي الكوفي، ثقة فصيح عالم، تغير حفظه، وربما دلس، مات سنة (١٣٦ هـ) وله مائة وثلاث سنين، التقريب (٤٢٠٠).","vol":"2","page":783},{"text":"أبا بكر وعمر\" (^١).\n\n٦٤٨ - ذكر الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، أخبرنا أبي قال: \"سمعت خلف بن حوشب (^٢) يقول: \"مات رجل بالمدائن (^٣) فلما غطوا عليه ثوبه قام بعض القوم، وبقي بعضهم، فحرك الثوب أو فتحرك الثوب، فقال به فكشفه عنه فقال: \"قوم مخضبة لحاهم في هذا المسجد يعني مسجد المدائن، يلعنون أبا بكر وعمر، ويتبرّؤون منهما، الذين جاؤوني يقبضون\n_________\n(^١) إسناده لين؛ شعيب بن صفوان هو الكاتب مقبول التقريب (٢٨١٩)، والأثر صحيح بطرقه، فقد كرره بسندين آخرين أحدهما صحيح إلى صاحب القصة وهو بشير أبو الخصيب وهو صاحب الأكفان حيث بلغ من اهتمام الراوي عنه وهو خلف بن تميم وهو صدوق، أنه سأل عنه وقال: \"قلت: يا أبا الخصيب هذا الحديث الذي حدثتني بمشهد منك؟ قال: نعم، بصر عيني، وسمع أذني، قال خلف: فسألت عنه فذكروا عنه خيرا\" قلت: لم أجد له ترجمة سوى أن ابن ماكولا ذكره في الإكمال (١/ ٢٨٧): وقال: \"روى عنه خلف بن خليفة خبرا حكاه ابن أبي الدنيا في من عاش بعد الموت\"، من عاش بعد الموت (٢٣ - ٢٤) رقم (١٦)، ورقم (١٨) وفيه: \"لعن اللَّه مشيخة الكوفة، غروني. . \"، (١٩) أطول، وابن جرير في الرياض النضرة رقم (٢٦٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٨٨).\n(^٢) هو خلف بن حوشب الكوفي، ثقة مات بعد (١٤٠ هـ)، التقريب (١٧٢٨).\n(^٣) المدائن اسم لموضع بالعراق، كان مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية وغيرهم، فكان كل واحد منهم إذا ملك بنى لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها، وسماها باسم، فأولها المدينة العتيقة التي لزاب، ثم مدينة الإسكندر، ثم طيسفون من مدائنها، ثم اسفانبر، ثم مدينة يقال لها رومية، فسميت المدائن بذلك، وهي الآن قرية صغيرة، بينها وبين بغداد ستة فراسخ، معجم البلدان (٥/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"2","page":784},{"text":"روحي يلعنونهم ويتبرؤون منهم، قلنا: يا فلان لعلك بليت من ذلك بشيء؟ فقال: أستغفر اللَّه، ثم كان كأنما كانت الحصاة فرمي بها\" (^١).\n\n٦٤٩ - حدثنا عيسى بن عبد اللَّه مولى بني تميم، عن شيخ من قريش من بني هاشم قال: \"رأيت رجلا بالشام قد اسودّ نصف وجهه، وهو يغطّيه، فسألته عن سبب ذلك، فقال: نعم، قد جعلت للَّه عليّ أن لا يسألني عن تلك أحد إلا أخبرته، كنت شديد الوقيعة في علي بن أبي طالب -﵁- كثير الذكر له بالمكروه، فبينا أنا ذات ليلة نائم، أتاني آت في منامي، فقال: أنت صاحب الوقيعة في علي، وضرب شقّ وجهي، فأصبحت وشقّ وجهي أسود هكذا\" (^٢).\n\n٦٥٠ - حدثني أحمد بن أبي أحمد، عن أبي بكر بن محمد بن المغير، حدثني محمد بن علي السمان قال: سمعت رضوان السمان (^٣) قال: \"كان لي جار في منزلي وسوقي، يشتم أبا بكر وعمر ﵄ قال: فكثر الكلام بيني وبينه، فلما كان ذات يوم شتمهما وأنا حاضر، فوقع بيني\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ شجاع صدوق ورع له أوهام التقريب (٢٧٦٥)، من عاش بعد الموت (٢٤) رقم (١٧)، وابن جرير في الرياض النضرة (٢٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٣٦٧).\n(^٢) إسناده ضعيف لإبهام الشيخ القرشي، المنامات (١٠٩) رقم (٢٢٠) ورقم (٢٩٢)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٢٦) رقم (٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٣٣)، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ١٨٩) عن المصنف.\n(^٣) سيأتي أنه من الأخيار وأهل السنة، ولم أجد له ترجمة.","vol":"2","page":785},{"text":"وبينه كلام، حتى تناولني وتناولته، فانصرفت إلى منزلي وأنا مغموم حزين، ألوم نفسي، قال: فنمت وتركت العشاء من الغم، فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- في منامي من ليلتي، فقلت: يا رسول اللَّه، فلان جاري في منزلي وسوقي، وهو يسبّ أصحابك؟ قال: مَن مِن أصحابي؟ قلت: أبا بكر وعمر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: خذ هذه المُدْيَة فاذبحه بها، قال: فأخذته فأضجعته فذبحته، فرأيت كأن يدي قد أصابت من دمه، قال: فألقيت المدية، وأهويت بيدي إلى الأرض أمسحها، فانتبهت وأنا أسمع الصراخ من نحو داره، فقلت: انظروا ما هذا الصراخ؟ قالوا: مات فلان فجاءة، فلما أصبحت نظرت إليه، فإذا خط موضع الذبح\" (^١).\n\n٦٥١ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي قال: حدثني أحمد بن عبد الأعلى قال: أخبرني أبو روح (^٢) -رجل من الشيعة- قال: \"كنا بمكة في المسجد\n_________\n(^١) إسناده فيه من لم أعرفه، أحمد بن أبي أحمد أظنه الخليفة المعتضد واللَّه أعلم فقد أدبه المصنف، وقد رجح المحققان عبد القادر ومجدي السيد أنه أحمد بن حرب ولم أجد من ذكره في شيوخ المصنف واللَّه أعلم، لكن تابعه الحسين بن الأسود عند أحمد، المنامات (١٠٨ - ١٠٩) رقم (٢١٩)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٢٩٩) رقم (٣٩٤)، ونسبه ابن القيم في الروح (٢/ ٤٩٩ العموش) للقيرواني في كتاب البستان من قول بعض السلف، وذكره الحصني في دفع شبه من تمرد (٨٧) وقال: \"ومن ذلك: ما أخبر به علي بن محمد قال: سمعت رضوان اليماني وكان من الأخيار وأهل السنة\" وفيه تزكية لرضوان ونسبته إلى اليمن.\n(^٢) لم أجد له ترجمة.","vol":"2","page":786},{"text":"الحرام قعودا، فقام رجل نصف وجهه أسود ونصف وجهه أبيض، فقال: أيها الناس اعتبروا بي؛ فإني كنت أتناول الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ بسبِّهما، فبينا أنا ذات ليلة في شأني، إذ أتاني آت، فرفع يده، فلطم حُرَّ وجهي فقال: يا عدوّ اللَّه، أي فاسق، أتسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فأصبحت وأنا على هذه الحالة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة النهي عن سب الصحابة ﵃، وبيان بعض ما نال من وقع فيهم من العذاب والعقوبة، ومن جميل ما وقع في هذه الآثار نهي الصحابة أنفسهم عن ذلك، رغم ما وقع بين بعضهم من الجفوة، بل رغم ما حصل بينهم من الاقتتال، الذي كانوا فيه متأولين ومجتهدين، ﵃ وأسكنهم فسيح جناته، فإذا كان هذا حالهم رغم ما كان بينهم، فما بال من وقع فيهم ممن ليس بينه وبينهم إلا كل خير، بل لهم المِنَّة عليه في إسلامه، ولولاهم ما أسلم، وبدون طريقهم لربما كان في دركات جهنم.\nفكانوا يقفون في وجه كل واش ومغتاب، وينهونه عن ذلك ويسدون عليه كل باب، كما فعل سعد بمن تكلم في خالد بن الوليد وبيّن\n_________\n(^١) فيه أبو روح لم أعرفه، وأحمد بن عبد الأعلى ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٨)، وقال عنه: \"وكان ممن تفقه على مذهب أهل المدينة ويذب عن أقاويلهم\"، العقوبات (١٩٩ - ٢٠٠) رقم (٣١٢).","vol":"2","page":787},{"text":"له بأن الذي بينهما لم يبلغ دينهما، بل إن علي بن أبي طالب -﵁- نهى عن ذلك في أحلك الأوقات، وأحوجه إلى الوقيعة في خصومه، وهو يوم صفين، فلم يمنعه ذلك من النهي عن سب عسكر الشام، بل ومدحهم بأن فيهم الأبدال، قال شيخ الإسلام: \"الصحابة رضوان اللَّه عليهم لم يقتتلوا قط لاختلافهم في قاعدة من قواعد الإسلام أصلا، ولم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام، لا في الصفات، ولا في القدر، ولا مسائل الأسماء والأحكام، ولا مسائل الإمامة، لم يختلفوا في ذلك بالاختصام بالأقوال، فضلا عن الاقتتال بالسيف\" (^١).\nوقد حصل لمن وقع فيهم بعض العقوبات في الدنيا، بسبب دعاة بعض دعاء الصالحين عليهم، كدعاء سعيد بن المسيب على من صار وجهه وجه زنجى وجسده أبيض، لسبه طلحة والزبير وعليا ﵃، ومن اجتمع عليه الدبر حتى قطعه، ومن صار نصف وجهه أسود والآخر أبيض، ومن مسخ قردا، بل ومن لم يستطع النطق بالشهادتين عند احتضاره، ومن ذبح في نومه، وإخبار المحتضر بأن من جاء لبقض روحه يلعنون ويتبرؤون ممن يسب أبا بكر وعمر.\nكل هذا يؤكد النهي عن سب الصحابة، والوقيعة فيهم، لا سيما أفاضلهم، كالشيخين، وباقى الخلفاء، أو السابقين الأولين، قال الهيتمي في معرض بيان النهي عن سب الصحابة: \"هذا يشمل سائر الصحابة، لكنهم\n_________\n(^١) منهاج السنة (٦/ ٣٣٦).","vol":"2","page":788},{"text":"درجات، فيتفاوت حكمهم في ذلك، بتفاوت درجاتهم، ومراتبهم، والحرمة تزيد بزيادة من تعلقت به. . . فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها، مما يقتضي الاحترام لنصرة الدين، وجماعة المسلمين. . . كان كل واحد من هذه الأمور، يقتضي مزيد حق\" (^١).\nوقد عده العلماء من جملة الكبائر قال الذهبي: \"الكبيرة السبعون: سب أحد من الصحابة رضوان اللَّه عليهم. . . من طعن فيهم، أو سبَّهم، فقد خرج من الدين، ومرق من ملة المسلمين؛ لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره اللَّه تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول اللَّه -ﷺ- من ثنائه عليهم، وفضائلهم، ومناقبهم، وحبهم، ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور، والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعنٌ في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره، وسَلِم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته، وحسبك ما جاء في الأخبار والآثار من ذلك\" (^٢)، وقال شيخ الإسلام: \"سب أصحاب رسول اللَّه حرام بالكتاب والسنة. . . -ثم ذكر نصوصا كثيرة جدا في هذا المعنى- وإذا كان شتمهم بهذه المثابة، فأَقَلُّ ما فيه التعزير؛ لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حدٌّ ولا كفارةٌ. . . وهذا مما لا نعلم فيه خلافا بين أهل الفقه والعلم، من أصحاب النبي، والتابعين\n_________\n(^١) الصواعق المحرقة (١/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٢) الكبائر (٢٣٦)، وانظر تفسير ابن كثير (١/ ٦٤٥)، الصواعق المحرقة (١/ ١٤٠).","vol":"2","page":789},{"text":"لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة؛ فإنهم مجمعون على أن الواجب: الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والترحم عليهم، والترضي عنهم، واعتقاد محبتهم، وموالاتهم، وعقوبة من أساء فيهم القول\" (^١)، وقال الإمام الطحاوي: \"ونحب أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، ولا نفرط في حبِّ أحد منهم، ولا نتبرَّأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\" (^٢).\nومما يلتحق بهذه المسألة ويتصل بها، أحكام ساب الصحابة، ففيها بحث من جهة التكفير والتفسيق، ومن جهة نوع التعزير الذي يستحقه، بناء على الحكم عليه، ومن جهة حكم قبول توبته، قال شيخ الإسلام: \"وبالجملة فمن أصناف السابَّة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من يرتدد فيه\" (^٣).\n_________\n(^١) الصارم المسلول (٣/ ١٠٥٤، ١٠٨٥).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (٤٩٠).\n(^٣) الصارم المسلول (١/ ٥٩٠).","vol":"2","page":790},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق -﵁</span>-\n\n٦٥٢ - حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا المسعودي عن القاسم قال: \"كان لأبي بكر ﵀ غلام يأتيه بكسبه كل ليلة، ويسأله من أين أصبت فيقول: أصبت من كذا، فأتاه ذات ليلة بكسبه وأبو بكر قد ظل صائما، فنسي أن يسأله فوضع يده فأكل، فقال الغلام: يا أبا بكر كنت تسألني كل ليلة عن كسبي إذا جئتك، فلم أرك سألتني عنه الليلة، قال: فأخبرني من أين هو؟ قال: تكَهَّنْت لقوم في الجاهلية فلم يعطوني أجري، حتى كان اليوم فأعطوني، وإنما كانت كذبة، فأدخل أبو بكر يده في حلقه فجعل يتقيّأ، فذهب الغلام فأتى النبي -ﷺ- فأخبره، فقال: إني كذبت أبا بكر، فضحك النبي -ﷺ- أحسبه قال: ضحكا شديدا، وقال: \"إن أبا بكر يكره أن يدخل بطنه إلا طيبا\" (^١).\n\n٦٥٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، ثنا يعقوب بن إسحاق\n_________\n(^١) إسناده ضعيف فيه المسعودي مختلط، ورواية ابن الجعد عنه بعد الاختلاط، انظر كتاب المختلطين للعلائي (٧٢ - ٧٣)، أما قصة تكهن غلام أبي بكر الصديق -﵁- فهى ثابتة في الصحيحين، الورع (٨٤ - ٨٥) رقم (١١٨)، البخاري في صحيحه (٧/ ١٤٩ فتح) رقم (٣٨٤٢)، وذكر القرطبي أن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ في أبي بكر الصديق وذكر هذه القصة، أما حديث النبي -ﷺ- فقد أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٧٣٤) رقم (٦٩٥) من طريق شيخ المصنف به، والحديث مرسل ضعيف فيه المسعودي.","vol":"2","page":791},{"text":"الحضرمي، ثنا حصين، أن نافع المزني قال: \"تلا الحسن هذه الآية: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (^١)، ثم قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"طير الجنة\" قال أبو بكر: يا رسول اللَّه إن تلك الطير لناعمة، قال: \"أكلها أنعم منها، والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تأكل منها يا أبا بكر\"، فقال الحسن: واللَّه ليأكلن منها ولا يخيّب اللَّه رجاء نبيّه -ﷺ-\" (^٢).\n\n٦٥٤ - حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر التيمي، نا الحسن ابن حبيب بن ندبة، نا روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: \"أتيت أبا بكر ﵁ أسأله فمنعني، ثم أتيته أسأله فمنعني فقلت: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عليّ، فقال: وأي داء شر من البخل؟ ما من مرّة تسألني إلا وأنا أريد أن أعطيك ألفا، فعدَّ لي ثلاثة آلاف\" (^٣).\n\n٦٥٥ - حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، نا إبراهيم بن سعد عن محمد ابن إسحاق، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: \"مرّ أبو بكر -﵁- ببلال وهو يعذّب، وكانت دار أبي بكر في بني جُمح فقال أبو بكر لأميّة\n_________\n(^١) سورة الواقعة، الآية (٢١).\n(^٢) فيه حصين لم أعرفه أخشى أن يكون مصحفا؛ فإني لم أجد حصينا لا في شيوخ يعقوب ولا في الرواة عن نافع واللَّه أعلم، يعقوب بن إسحاق الحضري صدوق التقريب (٧٨٦٧)، صفة الجنة (٩٧) رقم (٣٢٨)، والحديث في مسلم.\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف لا بأس به، تكلموا في سماعه من المعتمر التقريب (١٢٤٩)، مكارم الأخلاق (١٠٣) رقم (٤١٢)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٨٩)، وفي سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٧٤) وقال: \"إسناده قوي\".","vol":"2","page":792},{"text":"ابن خلف: ألا تتقي اللَّه في هذا المسكين حتى متى؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به، قال: قبلت، قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر -﵁- غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب بلال سابعهم: عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية من بني مؤمل حيّ من بني عدي بن كعب\" (^١).\n\n٦٥٦ - حدّثنا أحمد بن محمد، نا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد اللَّه بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن بعض أهله قال: \"قال أبو قحافة لابنه أبي بكر -﵁-: يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك، قال: فقال أبو بكر -﵁-: يا أبه، إنما أريد ما أريد، قال: فيتحدث ما نزلت هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال لأبيه:\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ فيه محمد بن إسحاق وهو صدوق يدلس ورمي بالتشيع التقريب (٥٧٦٢)، وهو منقطع لأن عروة تابعي لم يدرك القصة، وأخرج الحافظ قصة عتق أبي بكر لبلال في تغليق التعليق (٣/ ٢٦٨) من أربعة طرق ثم قال: \"الأحاديث الأربعة مراسيل يشدّ بعضها بعضا\"، مكارم الأخلاق (١٠٣ - ١٠٤) رقم (٤١٣)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٩٩) رقم (٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٨)، وابن هشام في السيرة (١/ ٣٤٠)، وانظر رسالة آثار الحلية (٣٣٣)، جميعهم من طرق عن محمد بن إسحاق به.","vol":"2","page":793},{"text":"﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ إلى آخر الآيات\" (^١).\n\n٦٥٧ - حدثنا أحمد بن جميل، نا عبد اللَّه بن المبارك، أنا يونس عن الزهري، أخبرني عروة، عن أبيه (^٢): \"أن أبا بكر -﵁- قال وهو يخطب الناس: يا معشر المسلمين، استحيوا من اللَّه، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنِّعا بثوبي استحياء من ربي ﷿\" (^٣).\n\n٦٥٨ - حدثنا أبو كريب، نا المحاربي، عن عاصم الأحول قال: بلغني أن ابن عمر سمع رجلا يقول: \"أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وقال: عن هؤلاء تسأل\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن عبد اللَّه بن أبي عتيق وهو مقبول التقريب (٦٠٨٥)، ومدار طرقه كلها تدور عليه، مكارم الأخلاق (١٠٤) رقم (٤١٤)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٩٥) رقم (٦٦) و(١/ ٢٣٧) رقم (٢٩١)، وابن هشام في السيرة (١/ ٣٤١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) وفيه تسمية بعض أهله وأنه أبوه، وقال: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\".\n(^٢) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب، أبو عبد اللَّه القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، حواري رسول اللَّه، قتل سنة (٣٦ هـ) بعد منصرفه من وقعة الجمل، الإصابة (٢/ ٥٥٣)، التقريب (٢٠٠٣).\n(^٣) الأثر صحيح، وفي علل الدراقطني (١/ ١٨٦) علل إسنادية لا تؤثر على صحته، مكارم الأخلاق (٢٠) رقم (٩٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ١٤٢) رقم (٧٧٣٢)، عن يونس به، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤) عن عقيل عن الزهري مرسلا.\n(^٤) إسناده منقطع، ذم الدنيا (٧٣) رقم (١٨١)، وهناد في الزهد (١/ ٣١٥) رقم =","vol":"2","page":794},{"text":"٦٥٩ - حدثنا أبو كريب الهمداني قال: حدثنا علي بن قادم، عن زافر ابن سليمان، عن الصلت بن بهرام، عن الشعبي قال: \"رأى أبو بكر عليا فقال: من سرَّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول اللَّه -ﷺ- وأقربه قرابة، وأفضله وآله وأعظمه غنى عن نبيّه فلينظر إلى هذا، فبلغ عليا قول أبي بكر، فقال: أما إنه إن قال ذاك إنه لأوّاه، وإنه لأرحم الأمة، إنه لصاحب رسول اللَّه -ﷺ- في الغار، وإنه لأعظم الناس غنى عن نبيّه ﵇ في ذات يده\" (^١).\n\n٦٦٠ - حدثنا مهدي بن حفص، حدثنا سفيان، عن مالك بن مغول قال: قال عمر -﵁-: \"وددت أني شعرة في صدر أبي بكر -﵁-\" (^٢).\n_________\n= (٤٦٣) عن عاصم عمن حدثه مثله، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (٥٤) من طريق المصنف، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٧) من طريق هناد، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٨٧) بسنده عن أبان بن تغلب عن رجل حدثه عن أبيه سمع ابن عمر سائلا فذكره.\n(^١) إسناده حسن إلى الشعبي، علي بن قادم صدوق يتشيع التقريب (٤٨١٩)، الإشراف (١٣١) رقم (٥٥)، ذكره السيوطي في جمع الجوامع (١/ ١٠٦٠ - ١٠٦١) ونسبه للمصنف.\n(^٢) إسناده حسن، وهو منقطع أو معضل؛ فإن مالك بن مغول من الطبقة السابعة التقريب (٦٤٩٢)، المتمنين (٥٧) رقم (٨٦)، ومن طريق آخر بعده رقم (٨٨) عن أبي عمران الجوني به وهو من كبار الطبقة الرابعة، التقريب (٤٢٠٠)، وهو منقطع أيضا، ولعله يرتقي إلى الحسن لغيره بهذين الطريقين المختلفي المخرج واللَّه أعلم، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٤٣)، وأورده السيوطي في تاريخ الخلفاء (٥٩) ونسبه إلى مسدد في مسنده، وكذا نسبه ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (٢٤١).","vol":"2","page":795},{"text":"٦٦١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن الحسن بن أبي الحسن، أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"لوددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر -﵁-\" (^١).\n\n٦٦٢ - أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، أخبرنا عبد اللَّه بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: \"جاءنا يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير (^٢): \"بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من النعمان بن بشير إلى أم عبد اللَّه بنت هاشم، سلام عليك، فإني أحمد اللَّه إليك، الذي لا إله إلا هو، فإنك كتبت إليّ لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة، وإنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه، وهو يومئذ من أصح أهل المدينة، فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعناه لظهره وغشيناه بردين وكساء، فأتاني آت في منامي، وأنا أسبح\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يخطئ كما سبق (١٢)، توبع عند أحمد وابن أبي شيبة، وهو منقطع، المتمنين (٥٧) رقم (٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٥١) رقم (٣١٩٥٦)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٣٤) رقم (١٠٤)، ومن طريق المصنف ابن الجوزي في المنتظم (٤/ ٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٣٩)، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (٥٩) ونسبه للمصنف وابن عساكر.\n(^٢) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة، هو أول مولود في الإسلام بعد الهجرة من الأنصار، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة (٦٥ هـ) وله أربع وستون سنة، الإصابة (٦/ ٤٤٠)، التقريب (٧١٥٢).","vol":"2","page":796},{"text":"بعد المغرب فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا، وقد حضره قوم من الأنصار، وهو يقول -أو يقال على لسانه-: الأوسط أجلد القوم، الذي كان لا يبالي في اللَّه لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويّهم ضعيفهم، عبد اللَّه أمير المؤمنين صدق صدق، كان ذلك في الكتاب الأول، قال: ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة، خلت ليلتان، وبقي أربع، ثم اختلف الناس، وأكل بعضهم بعضا، فلا نظام، وأبيحت الأحماء، ثم ارعوى المؤمنون، فقالوا: كتاب اللَّه وقدره أيها الناس أقبلوا على أميركم، واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدنّ دما، كان أمر اللَّه قدرا مقدورا، اللَّه أكبر هذه الجنة، وهذه النار، ويقول النبيون والصديقون سلام عليكم، يا عبد اللَّه بن رواحة: هل أحسست لي خارجة بن زيد لأبيه، وسعدا اللذين قتلا يوم أحد، كلا إنها لظى نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى، ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا فنظر بعضنا إلى بعض، فإذا الصوت من تحت الثياب، فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول اللَّه، سلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول اللَّه، كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، من عاش بعد الموت (١٤ - ١٦) رقم (٣)، ورقم (٤، ٥، ٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٧٤) رقم (١٤)، وابن كثير في البداية =","vol":"2","page":797},{"text":"٦٦٣ - أخبرنا زياد بن أيوب، أخبرنا شبابة، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن مبشر مولى آل سعيد بن العاصي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: \"حضرت الوفاة رجلا من الأنصار، فمات فسجّوه ثم تكلم فقال: أبو بكر القويّ في أمر اللَّه، الضعيف في ما ترى العين، وعمر الأمين، وعثمان على منهاجهم، انقطع العدل، أكل الشديد الضعيف\" (^١).\n\n٦٦٤ - أخبرنا خلف بن هشام البزار، أخبرنا خالد الطحان، عن حصين، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه الأنصاري: \"أن رجلا من قتلى مسيلمة تكلم فقال: محمد رسول اللَّه -ﷺ-، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم\" (^٢).\n_________\n= والنهاية (٦/ ١٥٧) ونقل تصحيح البيهقي له وشواهد أخرى، وقول البخاري في تاريخه (٣/ ٣٨٣): \"زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا توفي زمن عثمان، وهو الذي تكلم بعد الموت\" قلت: وهو أمر مشهور عنه ذكره كل من ترجم له تقريبا، ثم نقل قول البيهقي: \"وقد روي في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة واللَّه أعلم\"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٠٥) وذكر له طريقا أخرى في (٧٠/ ٢٥٦)، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٥٤٧): \"روى حديثه هذا ثقات الشاميين عن النعمان بن بشير، ورواه ثقات الكوفيين عن يزيد بن النعمان بن بشير عن أبيه، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب\".\n(^١) من عاش بعد الموت (١٦) رقم (٥)، هو نفس الأثر السابق وانظر الخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٨٥).\n(^٢) إسناده إلى صاحب الأثر صحيح، وقد قال فيه ابن حجر في التقريب (٣٤٧٩): \"مجهول من الثالثة، ورجح الخطيب أنه الذي قبله -وهو ثقة- وأن من قال =","vol":"2","page":798},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة، ذكر فضل أبي بكر الصديق -﵁-، وبيان منزلته، وشيء من أعماله ومناقبه، وخلاصة هذه الآثار تورعه عن أكل الحرام، وتقيؤه الطعام المشبوه، ورجاء النبي -ﷺ- له أن يأكل من طير الجنة، الذي فهم منه الحسن تعيّن وقوعه لأن اللَّه لا يخيّب رجاء نبيّه، وجوده في العطاء، حيث أعطى جابرا -﵁- ألفا بعدد ما ردّه، كما جُودُه في الإعتاق حيث أعتق بلالا وأنقذه من التعذيب، وأعتق سبعة أنفس قبل هجرته إلى المدينة، وكان لصدقه وإخلاصه في الإعتاق لا ينتقى القوي الجلد، الذي قد يرجى منه فائدة وعوض في الدنيا، لأنه لا يريد جزاء ولا شكورا، بل يريد ما عند اللَّه، ومن شدة حيائه أنه كان يتقنع بثوبه عند قضاء حاجته.\nوقد عرف له المسلمون هذا الفضل والمكانة، فكانوا يشيدون به وبأفعاله، فهذا ابن عمر يحيل من سأل عن الزهاد والراغبين في الآخرة على قبر رسول اللَّه -ﷺ- وصاحبيه، وعلي بن أبي طالب شهد له ببعض الفضائل التي اشتهر بها بأنه أوّاه! وأرحم الأمة، وأنه صاحب رسول اللَّه -ﷺ- في\n_________\n= الأنصاري فقد وهم\"، من عاش بعد الموت (١٩) رقم (٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٢٠)، وأورده من طريق المصنف ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ١٥٨) وقال: \"ولا أدري إيش قال في عمر، كذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه\" ثم نقله من طريق البيهقي وفيه أن: \"عمر الشهيد\"، ونقل قبل ذلك عن البيهقي قوله: \"وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة واللَّه أعلم\".","vol":"2","page":799},{"text":"الغار، وأنه أعظم الناس غنى عن نبيّه ﵇ في ذات يده، وتمنى رفيقه عمر بن الخطاب أن يكون شعرة في صدره، وأن يكون في الجنة بحيث يراه، ووصفه بعض من قيل فيه إنه تكلم بعد موته، أو تُكُلِّم على لسانه بأوصاف عديدة، بأنه الأمين، خليفة رسول اللَّه، كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول.\nقال القرطبي -﵀-: \"الذي يقطع به من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة، فضل الصديق على جميع الصحابة، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البدع؛ فإنهم بين مُكَفَّر تضرب رقبته، وبين مبتدع مُفَسَّق لا تقبل كلمته\" (^١)، ومن لطيف ما نقله الهيتمي عن: \"أبي جعفر الباقر قال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة، قال بعض أئمة أهل البيت: صدق واللَّه، إنما نشأ من الشيعة والرافضة وغيرهما ما نشأ من البدع والجهالات من جهلهم بالسنة\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٨/ ١٣١).\n(^٢) الصواعق المحرقة (١/ ١٦٥).","vol":"2","page":800},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب -﵁</span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>أولا: الآثار الواردة في زهده وورعه</span>.\n\n٦٦٥ - حدثنا القاسم بن محمد بن إبراهيم العبسي قال: حدثنا هشيم ابن ساسان، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وكان يحضر طعام عمر، قال: \"كانت له كل يوم إحدى عشرة لقمة، أنى شاءها من الغد\" (^١).\n\n٦٦٦ - حدثني عبيد بن محمد قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت (^٢) قال: \"اشتهى عمر بن الخطاب الشراب، فأتي بشربة من عسل، فجعل يدير الإناء في كفّه فيقول: أشربها فتذهب حلاوتها، وتبقى مرارتها، ثم دفعها إلى رجل من القوم فشربها\" (^٣).\n\n٦٦٧ - حدثني علي بن محمد، حدثنا أسد بن موسى، حدثني حكيم ابن حزام، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال:\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، شيخ المصنف لعله القاسم بن محمد بن أبي شيبة أخو عثمان وأبي بكر ضُعف واتُّهِم، انظر لسان الميزان (٤/ ٤٦٥)، الجوع (٤٧) رقم (٣١)، وذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢٦٧).\n(^٢) هو ثابت بن أسلم البُنَاني، أبو محمد البصري، ثقة عابد، مات سنة بضع وعشرين وله ست وثمانون، التقريب (٨١٠).\n(^٣) إسناده صحيح إلى ثابت، شيخ المصنف ثقة انظر تاريخ بغداد (١١/ ٩٧)، الجوع (٤٨) رقم (٣٢)، ورقم (٢٧٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٦١٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٩٥)، وهو في طبقات ابن سعد (٣/ ٣١٩).","vol":"2","page":801},{"text":"\"بينما نحن مع عمر بن الخطاب -﵁- وهو يجول في سكك المدينة، ومعنا الأشعث بن قيس، فأدرك عمر الأغنياء فقعد وقعد الأشعث إلى جنبه، وقد أتى عمر بمِرْجَل (^١) فيه لحم، فجعل يأخذ منها العَرْق (^٢)، وينهشه، فينضح على الأشعث، قال: يقول الأشعث: يا أمير المؤمنين، لو أمرت بشيء من سمن نصبّ على هذا اللحم، ثم طبخ حتى يبلغ أدمان كان ألين له، قال: فرفع عمر يده، فضربها في صدر الأشعث، ثم قال: أدمان في أدم؟ كلا إني رأيت صاحبيّ وصحبتهما، فأخاف أن أخالفهما فيخالف بي عنهما، فلا أنزل معهما حيث نزلا\" (^٣).\n\n٦٦٨ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير، حدثنا أبي، عن الحسن بن\n_________\n(^١) قدر من نحاس، مختار الصحاح (٢٦٧).\n(^٢) هو العظم عليه لحم أخذ أكثره وبقي عليها لحوم رقيقة، لسان العرب (١٠/ ٢٤٠).\n(^٣) إسناده حسن، أسد بن موسى صدوق يغرب وفيه نصب التقريب (٤٠٣)، شيخ المصنف هو المشهور بالمصري الواعظ البغدادي كان ثقة، صنف في الزهد كتبا كثيرة، وكان له مجلس وعظ، انظر سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٨١) وتاريخ بغداد (١٢/ ٧٥) والفهرست (٢٦٣) ولم يعرفه د/ مصلح الحارثي ولا المحقق القضاة، إصلاح المال (٣١٨) رقم (٣٦٨)، وورد في رقم (٣٧٠) يعظ يزيد بن أبي سفيان: \"واللَّه يا يزيد ابن أبي سفيان، أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتهم عن سنتهم ليخالفن بك عن طريقهم\"، ورقم (٣٧٢) يعظ زوجته حفصة: \"واللَّه لأشركنهما بمثل عيشهما الشديد، لعلي ألقى معهما عيشهما الرخي\"، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٣) مطولا في قصة مع ابنته حفصة، والجوع برقم (٣٢)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣١٩)، مختصرا من قوله لابنته حفصة، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٠١)، وأورده النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٢٦).","vol":"2","page":802},{"text":"دينار، عن الأحنف بن قيس قال: \"خرجنا مع أبي موسى وفودا على عمر، وكانت لعمر ثلاث خبزات يأدمهن يوما بلبن، ويوما بسمن، ويوما بلحم عريض (^١)، ويوما بزيت، فجعل القوم يأكلون ويعذّرون، فقال عمر: إني لأرى تعذّركم، وإني لأعلمكم بالعيش، ولو شئت لجعلت كراكر (^٢)، وأسمنة، وصِلاءً (^٣) وصِنَابا (^٤) وصَلَائق (^٥)، ولكن أستبقي حسناتي، إن اللَّه ﷿ ذكر قوما فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٦) \" (^٧).\n_________\n(^١) لعل مقصوده العريضُ من المَعَزِ وهو ما أتَى عليه سَنَةٌ، وتَناولَ النَّبْتَ بعُرْضِ شِدْقِه، أو إذا نَبَّ وأرادَ السّفادَ، القاموس المحيط (١/ ٨٣٤).\n(^٢) هي زَوْرُ البَعير الذي إذا برَكَ أصاب الأرض، وهي ناتِئة عن جِسْمه كالقُرْصَةِ وجَمْعُها: كَراكِرُ، وهي من أطايب ما يؤكل من الإبل، النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٩٨).\n(^٣) هو الشواء والوقود أو النار، القاموس المحيط (١/ ١٦٨١).\n(^٤) صِباغٌ يُتَّخذُ من الخَرْدَلِ والزبيب، لسان العرب (١/ ٥٣١).\n(^٥) هو الخبز الرقيق، لسان العرب (١٠/ ٢٥٠).\n(^٦) سورة الأحقاف، الآية (٢٠).\n(^٧) إسناده ضعيف، فيه الحسن بن دينار انظر لسان الميزان (٢/ ٢٠٣)، إصلاح المال (٣١٣) رقم (٣٥٥)، وانظر رقم (٣٥٦، ٣٦٩، ٣٧٣)، الجوع (٥٠) رقم (٣٦)، بل كانت هذه وصية صاحبه علي بن أبي طالب -﵁- فانظر رقم (٣٨٠): \"إن أردت اللحوق بصاحبيك، فاقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزار، واخصف النعل، تلحق بهما\"، وهو في التواضع والخمول رقم (١٤٢)، الجوع =","vol":"2","page":803},{"text":"٦٦٩ - حدثني سريج بن يونس قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عتبة بن فرقد السلمي قال: \"قدمت على عمر، وكان ينحر جزورا كل يوم، أطايبها للمسلمين وأمهات المؤمنين، يأمر بالعنق والعلباء (^١) فيأكله هو وأهله، فدعا بطعام فأتي به، فإذا هو خبز خشن، وكسور من لحم غليظ، فجعل يقول: كل، فجعلت آكل البضعة فألوكها فلا أستطيع أن أسيغها، فنظرت، فإذا بضعة بيضاء، ظننت أنها من السنام، فإذا هي من علباء العنق، فنظر إليّ عمر فقال: إنه ليس يدركنّك العراق الذي تأكل أنت وأصحابك\" (^٢).\n_________\n= (٤٤) رقم (٢٤)، وابن المبارك في الزهد (٢٠٤)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٦١) رقم (٦٨٨)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٩)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٣٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٤٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٩٨)، وذكر الزيلعي طرقه في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٢٨٣) كلها مرسلة، ورواه عبد الرزاق في تفسيره رقم (٣/ ٢١٧)، وابن جرير كذلك (٢٦/ ٢١) بلفظ: \"لو شئت لكنت أطيبكم طعاما. . .\" عن قتادة عن عمر.\n(^١) عصب في العنق، النهاية في غريب الحديث (٣/ ٥٥٠).\n(^٢) إسناده حسن؛ فإن هشيم بن بشير وإن كان كثير التدليس والإرسال الخفي كما سيأتي (١٠٠٦)، لكن تابعه مروان بن معاوية وهو ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، قلت: وقد صرح بالتحديث عن شيخه وسماه إسماعيل دون نسبة وقد عرف أنه ابن أبي خالد، الجوع (٧٠ - ٧١) رقم (٧٨)، وانظر الذي بعده حيث امتنع عن أكل الخبيص لأنه لا يستطيعه كل المسلمين، وجمع بينهما الدارقطني في سننه (٤/ ٢٦٠) رقم (٧٧) بسنده عن مروان بن معاوية به.","vol":"2","page":804},{"text":"٦٧٠ - حدثنا. . . بن المنكدر قال: \"حدثنا المغيرة بن عبد اللَّه، عن عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: \"كان عمر بن الخطاب يُقَرِّد (^١) أخفاف إبل الصدقة، فدخل وقد أصابه الشَّرَق (^٢)، فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت امرأته: تحت السرير، فتناول قناعا فيه تمر، فأكل، ثم شرب من الماء، ثم مسح بطنه وقال: ويح لمن أدخله بطنه النار\" (^٣).\n\n٦٧١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سليم بن أخضر، عن ابن عون، عن محمد قال: قال عمر: \"ما بقي فِيَّ شيء من أمر الجاهلية؛ غير أني لست أبالي إلى أي المسلمين نكحت، وأيّهن أنكحت\" (^٤).\n\n٦٧٢ - حدثنا أبو يعلى الثقفي، حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن الأعمش، عن الحسن: أن رجلا أثنى على عمر -﵁- فقال: \"تهلكني، وتهلك نفسك\" (^٥).\n_________\n(^١) أي ينزع القراد منها، الطَّبُّوعُ الذي يَلْصَقُ بجسمه، لسان العرب (٣/ ٣٤٨).\n(^٢) الشَّرَقُ بفتحتين الشجا والغُصة، مختار الصحاح (٣٥٤).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف وإن كان ساقطا اسمه لكن من المعروف أنه يروي عن الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي وقد سبق مرارا وباقي رجاله ثقات، الجوع (٤٥) رقم (٢٧)، وانظر الذي بعده، ورقم (١٨٦، ١٨٧، ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠، ٢٠٣)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٣).\n(^٤) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، وقد سبق (١٠٥)، العيال (٢٦٨) رقم (١٢٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٦، ٥٢) رقم (١٧٤٣٤، ١٧٦٩٩).\n(^٥) إسناده منقطع؛ شيخ المصنف لم أجده وإنما المشهور بهذه الكنية والنسبة هو عبد اللَّه ابن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب وليس في طبقة شيوخ ابن أبي الدنيا انظر التاريخ =","vol":"2","page":805},{"text":"٦٧٣ - حدثنا يحيى بن عمران، حدثنا محمد بن طلحة، عن الهجيع بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: \"إني لأكره نفسي على الجماع كي تخرج مني نسمة تسبح اللَّه تعالى\" (^١).\n\n٦٧٤ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار، عن عبد اللَّه بن عمر قال: \"رأيت عمر بن الخطاب البكّاء، وهو يصلّي، حتى سمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف\" (^٢).\n\n٦٧٥ - حدثني يحيى بن أيوب، حدثنا شعيب بن حرب، عن سليمان ابن حرب، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس -﵁-: \"رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع\" (^٣).\n_________\n= الكبير (٥/ ١٣٣)، والحسن لم يدرك عمر -﵁- كما في التهذيب (١/ ٣٨٨).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٧٥) رقم (٦٠٦)، ونسبه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٤) للمصنف.\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ١٦٢) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكر أن محمد بن يوسف ولاه قضاء فارس، لكن تابعه هاشم بن القاسم وهو ثقة ثبت التقريب (٧٣٠٥) عند البيهقي، العيال (٥٧٣) رقم (٣٩٢)، وانظر رقم (٣٩٠)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٧٩) رقم (١٣٢٣٨).\n(^٢) إسناده صحيح، الرقة والبكاء (٢٧٥) رقم (٤١٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٢).\n(^٣) إسناده صحيح، إصلاح المال (٣٢٤) رقم (٣٧٨)، وانظر (٣٨٢، ٣٨١، ٣٨٤) ففيه أنها أربع عشرة رقعة بعضها من أدم، والتواضع والخمول الأرقام (١٣٠، ١٣١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٥٨٨)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٢٧)، =","vol":"2","page":806},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>ثانيا: الآثار الواردة في عدله وخوفه في خلافته</span>.\n\n٦٧٦ - حدثني محمد بن عثمان بن علي العجلي، نا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قال: \"خرج عمر في يوم حار، واضعا رداءه على رأسه، قال: فمر به غلام على حمار فقال: \"يا غلام احملني معك، قال: فوثب الغلام عن الحمار فقال: اركب يا أمير المؤمنين، فقال: لا أركب، وأركب خلفك، تريد أن تحملني على المكان الخشن، وتركب على المكان الوطيء، ولكن اركب أنت وأكون أنا خلفك، قال: فدخل المدينة وهو خليفة، والناس ينظرون إليه\" (^١).\n\n٦٧٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا جعفر بن عون قال: أخبرنا أبو عميس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: \"جاء قوم إلى عمر يشكون الجهد، فأرسل عينيه بأربع (^٢)، ورفع يديه فقال: اللهم لا تجعل هلكتهم على يديّ، وأمر لهم بطعام\" (^٣).\n_________\n= وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩٤) رقم (٣٤٤٤٧)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٦٧) رقم (٧٠١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٠٣).\n(^١) إسناده لين، وهو مرسل؛ لأن في رواية هشام عن الحسن كلام كما سبق (٢٧٩)، ورواية الحسن عن عمر مرسلة، ذم الدنيا (١٠٤) رقم (٢٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣١٩).\n(^٢) أي بدمع غزير، جرى من نواحي عينيه الأربعة، لسان العرب (٨/ ٩٩).\n(^٣) إسناده حسن، جعفر بن عون صدوق التقريب (٩٥٦)، الرقة والبكاء (٢٧٧) رقم (٤٢٢).","vol":"2","page":807},{"text":"٦٧٨ - حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا أبو مسهر، عن عبد الجبار بن عبد الواحد التنّوخي قال: قال عمر -﵁-: \"أنشد باللَّه، لا يعلم رجل مني عيبا إلا عابه، فقال رجل: نعم يا أمير المؤمنين، فيك عيبان، قال: ما هما؟ قال: تذيل بين بردين، وتجمع بين الأدمين، ولا يسع ذاك الناس، قال: فما أدال بين بردين، ولا جمع بين أدمين حتى لقي اللَّه ﷿\" (^١).\n\n٦٧٩ - حدثنا إسحاق، حدثنا وكيع، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن ابن عمر قال: \"استأذنت عمر في الجهاد، فقال: إنك قد جاهدت مع رسول اللَّه -ﷺ-، قال: ثم استأذنته، فقال لي مثل ذلك، فاستأذنته الثالثة، فقال لي: إني أخاف واللَّه أن يصيب المسلمون غنيمة، فيقولون: هذا عبد اللَّه بن عمر أمير المؤمنين، ادفعوا إليه أمثل (^٢) جارية في المغنم، فيدفعوا إليك، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى وابن السبيل فيها حق، فتقع عليها فتكون زانيا\" (^٣).\n_________\n(^١) فيه عبد الجبار التنوخي لم أجده إلا عند ابن عساكر ولم يذكر فيه شيئا وذكره بهذا الأثر فقط، إصلاح المال (٣٣٧) رقم (٤٠٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ٣١)، وانظر (٤٤/ ٢٩٥) ففيه قصة طويلة في زهده.\n(^٢) في الأصل: مثل، والمثبت أولى.\n(^٣) إسناده ضعيف؛ عطية العوفي صدوق يخطئ كثيرا، وكان شيعيا مدلسا التقريب (٤٦٤٩)، وفضيل بن مرزوق صدوق يهم ورمي بالتشيع، التقريب (٥٤٧٢)، إصلاح المال (١٩) رقم (١٢)، والبزار في مسنده (١/ ٢٨٣١، ٤٦٦)، من طريقين عن ابن عمر الأولى أن السائل هو ابن الزبير، والثانية كرواية المصنف أن السائل هو =","vol":"2","page":808},{"text":"٦٨٠ - حدثنا عبد اللَّه بن يونس بن بكير، حدثني أبي، حدثنا هشام ابن سعد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: \"قدم على عمر بن الخطاب بمال في ولايته، فجعل يتصفّحه وينظر إليه، فهملت عيناه دموعا فبكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فواللَّه إن هذا لمن مواطن الشكر، فقال عمر: إن هذا المال واللَّه ما أعطيه قوم إلا أُلقي بينهم العداوة والبغضاء\" (^١).\n\n٦٨١ - حدثني سعيد بن سليمان، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد ابن هلال، عن زهير بن حيان -قال حميد: وكان زهير يغشى ابن عباس ويسمع منه- قال: قال ابن عباس -﵁-: \"دعاني عمر بن الخطاب، فأتيته وبين يديه نطع عليه الذهب مبثورا بثرا -قال سليمان: يعني النثر-، قال: اذهب فاقسم هذا بين قومك، فاللَّه أعلم حين حبس هذا عن نبيّه وعن أبي بكر بخير أعطاني أم بشر؟ قال: فقمت أريد أقسمه، قال: فسمعت البكاء، فإذا صوت عمر يبكي، ويقول في بكائه: كلا، والذي نفسي بيده ما حبس اللَّه ﷿ هذا عن نبيّه أعن أبي بكر لشرٍّ لهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له\" (^٢).\n_________\n= ابن عمر نفسه.\n(^١) فيه شيخ المصنف لم يوثقه غير ابن حبان وسيأتي (٦٨٣)، إصلاح المال (١٤٩) رقم (١٨)، ومعمر في جامعه كما في المصنف (١١/ ١٠٠) رقم (٢٠٠٣٦)، وأحمد في الزهد (١١٥).\n(^٢) إسناده حسن، زهير بن حيان ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٦٣)، ولم يذكر فيه =","vol":"2","page":809},{"text":"٦٨٢ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا يعلى بن عبيد، عن الحارث بن عمير، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: \"لما كان زمن عمر فكثر المال، وحدثت الأعطية، وكفّ الناس عن طلب المعيشة، قال عمر: أيها الناس أصلحوا معايشكم؛ فإن فيها صلاحا لكم وصلة لغيركم\" (^١).\n\n٦٨٣ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير الشيباني قال: حدثني أبي قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: \"رأيت\n_________\n= البخاري ولا أبو حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٣/ ٤٢٥)، وباقي رجاله ثقات أخرج لهم الجماعة، والجرح والتعديل (٣/ ٥٨٦)، إصلاح المال (١٤٩) رقم (١٩)، الرقة والبكاء (٢٧٦) رقم (٤٢٠)، ولم يشر المحقق إلى الموضع الأول، وأبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب الأموال (٣١٩) رقم (٦٢٣)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢/ ٩٨١) رقم (١٠٩٠٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٠٣)، وابن جرير في تهذيب الآثار (١/ ٢٩٧)، وإسحاق في مسنده كما في المطالب العالية، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية \"المسندة\" (٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، والمقدسي في المختارة (١/ ٢٨٣) رقم (١٧٢)، وابن الجوزي في المنتظم (٤/ ١٤٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٤٣).\n(^١) إسناده صحيح، الحارث بن عمير وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما، فلعله تغير في الآخر، التقريب (١٠٤٨)، إصلاح المال (١٧٤) رقم (٦٣)، وانظر رقم (٦١، ٦٥، ٦٦، ١٤٣، ١٤٤) حيث ذكر لهم -ﷺ-، أنه سيكون من يمنعهم حقهم، فعليهم إصلاحه بالحرث أو تعلم صنعة، وهذا من تمام نصحه لرعيته وحرصه على الخير لهم.","vol":"2","page":810},{"text":"عبد اللَّه بن الأرقم صاحب بيت مال المسلمين في زمن أبي بكر، أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن عندنا حلية من حلية جلولاء (^١) آنية من ذهب وورق، فانظر أن تفرغ لذلك يوما وترى فيه رأيك، فقال: إذا رأيتني فارغا فآذنّي، فجاءه يوما فقال: أراك اليوم فارغا، فقال: أجل، فابسط لي نطعا، ثم أتى بذلك المال فصُبّ عليه، فدنا عمر حتى وقف عليه، وقال: اللهم إنك ذكرت وقلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ (^٢)، وقلت: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (^٣)، وإنا لا نستطيع أن لا نفرح بما زيّنته لنا اللهم فاجعلني أنفقه في الحق وأعذني من شرّه، قال: وأتي عمر بابن له يحمل يقال له: عبد الرحمن، فقال: يا أبتاه هب لي خاتما، فقال له عمر: اذهب إلى أمّك تسقيك سويقا\" (^٤).\n\n٦٨٤ - وحدثني عبد اللَّه بن يونس، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق،\n_________\n(^١) في طريق خراسان بينها وبين خانقين سبعة فراسخ، وهو نهر عظيم يمتد إلى بعقوبا، ويجري بين منازل أهل بعقوبا، ويحمل السفن إلى باجسران وبها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة ١٦ هـ، معجم البلدان (٢/ ١٥٦).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية (١٣).\n(^٣) سورة الحديد، الآية (٢٣).\n(^٤) إسناده ضعيف، فيه عبد اللَّه بن يونس بن بكير أورده ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه غيره، ولا ترجم له غيره كذلك (٥/ ٢٤٨)، الإشراف (٢٠٦ - ٢٠٧) رقم (٢٢٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥٥٦) رقم (٣٣٧٨٢).","vol":"2","page":811},{"text":"عن عبد اللَّه بن واقد بن عبد اللَّه بن عمر قال: \"بعث أبو موسى من العراق إلى عمر بن الخطاب -رحمة اللَّه عليه- بحلية فوضعت بين يديه، وفي حجره أسماء بنت زيد بن الخطاب، وكانت أحبّ إليه من نفسه لمّا قتل أبوها باليمامة (^١) عطف عليهم، فأخذت من الحلية خاتما فوضعته في يدها، وأقبل عليها يقبّلها ويلتزمها، فلما غفلت أخذ الخاتم من يدها فرمى به في الحلية، وقال: خذوها عنّى\" (^٢).\n\n٦٨٥ - حدثنا داود بن عمر الضبي، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الثقة: \"أن عمر بن الخطاب -﵁- ردّ رجلا على أبيه في الغزو، وكان أبوه يبكي عليه ويذكره في الشعر، فكان فيما يقول:\nأتا مهاجران فزلّجاه ... عباد اللَّه، قد عقّا وحابا\nأَبرًّا بعد ضيعة والديه ... فلا، وأبي كلاب، ما أصابا\nفقال عمر -﵁-: أجل، لا وأبي كلاب، ما أصابا\nتركت أباك مرعشة يداه ... وأمك ما تسيغ لها شرابا\nإذا دعت الحمامة ساق حرِّ ... على بيضاتها دعوا كلابا\nتنغّص مهده شفقا عليه ... وتجنبه أباعرنا الصعابا (^٣)\n_________\n(^١) معدودة من نجد وقاعدتها حجر، معجم البلدان (٥/ ٤٤١).\n(^٢) إسناده كسابقه فيه عبد اللَّه بن يونس بن بكير، الإشراف (٢٠٧) رقم (٢٢٤).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو صدوق تغيّر حفظه لما قدم بغداد وكان فقيها التقريب (٣٨٨٦)، قلت: والراوي عنه وهو داود بن عمرو الضبي =","vol":"2","page":812},{"text":"٦٨٦ - حدثنا المثنى بن معاذ بن معاذ، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن أبي عروبة، عن قتادة قال: \"كان معيقيب (^١) على بيت مال عمر، فكنس بيت المال يوما فوجد فيه درهما، فدفعه إلى ابن لعمر، قال معيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاءني يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده، فقال لي: ويحك يا معيقيب أوجدت عليَّ في نفسك شيئا؟ قال: قلت: ما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: أردت أن تخاصمني أمة محمد -ﷺ- في هذا الدرهم\" (^٢).\n_________\n= بغدادي كما في التقريب (١٨١٣) وانظر حاشية محقق كتاب المختلطين للعلائي (٧٢)، وفيه المبهم الذي روى عنه أبو الزناد ووصفه بالثقة، والقصة ثابتة رويت من وجوه عديدة ذكر جملة منها ابن حجر في الإصابة، والمصنف في الآثار التالية لهذا الأثر، مكارم الأخلاق (٥٩) رقم (٢٣٩)، والذي بعده برقم (٢٤٠)، (٢٤١) (٢٤٢)، بلفظ آخر، ونسبه ابن حجر في الإصابة (١/ ٦٥) إلى أبي إسحاق الحربي في غريب الحديث عن ابن الجنيد به، قلت: ولعله في القسم المفقود فإني لم أجده في المطبوع منه، ومعمر في الجامع انظر مصنف عبد الرزاق (١١/ ١٣٤) رقم (٢٠١٢٥) بسند صحيح على اختلاف في بعض ألفاظ الأبيات، وقد اعتنت كتب الأدب بهذه الأبيات فانظر طبقات فحول الشعراء (١٩١)، والأغاني (١٨/ ١٥٧).\n(^١) هو مُعَيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، ومات في خلافة عثمان أو علي، الإصابة (٦/ ١٩٣)، التقريب (٦٨٢٥).\n(^٢) إسناده صحيح إلى قتادة وهو مدلس ولم يرو عن غير أنس من الصحابة، ولم يذكر الواسطة بينه وبين معيقيب -﵁-، انظر تقريب أهل التقديس (١٤٦)، جامع =","vol":"2","page":813},{"text":"٦٨٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن خالد العبسي: \"أن عمر بن الخطاب رأى قوما مجتمعين على أمر كرهه، فسعى عليهم بالدرة فتفرقوا، وقام رجل منهم فضربه، وقال: ما حملك على أن قمت لي حتى ضربتك؟ ألا ذهبت كما ذهب أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن اللَّه جعل حقّك عليّ -أو قال- على كل مسلم كحق الوالد على ولده، وإني لما رأيتك سعيت كرهت أن أتعبك فقمت حتى تقضي مني حاجتك، قال: آللَّه كذلك حملك على ما صنعت؟ فحلف فأخذ بيده فجلسا، فلم يزل له مكرما حتى فارق الدنيا\" (^١).\n\n٦٨٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر قال: \"إنه لا أجده يحلُّ لي أن آكل من مالكم هذا، إلا كما كنت آكل من صلب مالي: الخبز والزيت، والخبز والسمن، قال: فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت، ومما يليه منها سمن، فيتعذّر إلى القوم ويقول: إني رجل عربي، ولست استمرئ الزيت\" (^٢).\n_________\n= التحصيل للعلائي (٢٦٢)، الورع (١٢٦) رقم (٢٢٩).\n(^١) إسناده حسن، وعبد اللَّه بن خالد قال عنه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٤٤): \"شيخ مشهور\"، الورع (١٢١) رقم (٢١٣).\n(^٢) إسناده صحيح، الورع (١١٤) رقم (١٩٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٦)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٦٣) رقم (٦٩٠٤٩)، بإسناديهما عن هشام به.","vol":"2","page":814},{"text":"٦٨٩ - حدثنا أبو بلال الأشعري، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المذحجي، عن جرير بن حازم، عن الحسن قال: \"بينما عمر بن الخطاب يمشى ذات يوم في نفر من أصحابه، إذا صُبَيَّة في السوق يطرحها الريح لوجهها من ضعفها، فقال عمر: يا بؤس هذه، من يعرف هذه؟ قال له عبد اللَّه: أو ما تعرفها؟ هذه إحدى بناتك، قال: وأي بناتي؟ قال: بنت عبد اللَّه بن عمر، قال: فما بلغ بها ما أرى من الضيعة؟ قال: إمساكك ما عندك، قال: إمساكي ما عندي عنها يمنعك أن تطلب لبناتك ما تطلب الأقوام؟ أما واللَّه ما لك عندي إلا سهمك مع المسلمين، وسعك أو عجز عنك، بيني وبينكم كتاب اللَّه\" (^١).\n\n٦٩٠ - حدثني أبي ﵀، نا إسماعيل بن علية، نا أيوب، عن محمد ابن سيرين قال: \"نبئت أن رجلا بينه وبين عمر -﵁- قرابة سأله فزبره وأخرجه، فكُلّم فيه فقيل: يا أمير المؤمنين فلان سألك فزبرته وأخرجته، قال: إنه سألني من مال اللَّه ﷿، فما معذرتي إن لقيته مَلِكًا (كذا) خائنا، ولولا سألني من مالي؟ فأرسل إليه بعشرة آلاف\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده فيه المذحجي، ويستبعد أن يكون المذكور في الإصابة (٤/ ١٢٩)، والأثر صحيح إلى الحسن من طريق ابن أبي شيبة، إلا أن الحسن لم يسمع من عمر، الورع (١١٤) رقم (١٨٩)، إصلاح إلمال (٢٤٦) رقم (٢١٥) وفيه تحريف في النص؟ !، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩٥) رقم (٣٤٤٥٨).\n(^٢) إسناده حسن إلى ابن سيرين، والد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، مكارم الأخلاق (١٠٤) رقم (٤١٥)، والطبري في تاريخه (٢/ ٥٦٦).","vol":"2","page":815},{"text":"٦٩١ - حدثنا أبو خيثمة وإسحاق بن إسماعيل، قالا: حدثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر قال: \"بعث إليّ عمر عند الفجر، أو عند صلاة الصبح، فأتيته فوجدته جالسا في المسجد، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني لم أكن أرى شيئا من هذا المال يحل لي قبل أن آليه إلا بحقه، ثم ما كان أحرم عليّ منه يوم وليته، فعاد بأمانتي، وإني كنت أنفقت عليك من مال اللَّه شهرا، فلست بزايدك عليه، وإني كنت أعطيتك ثمرتي بالعالية العام، فبعه فخذ ثمنه، ثم ائت رجالا من تجار قومك فكن إلى جنبه، فإذا ابتاع شيئا استشركه، وأنفقه عليك وعلى أهلك، قال: فذهبت ففعلت\" (^١).\n\n٦٩٢ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني قال: حدثنا معتمر بن سليمان، سمع أباه يحدث عن نعيم بن أبي هند: \"أن عمر بن الخطاب كان يدفع إلى امرأته طيبا للمسلمين، كانت تبيعه فتزن فترجح وتنقص فتكسر بأسنانها، فتقوّم لهم الوزن، فعلق بأصبعها منه شيء فقالت بأصبعها في فيها فمسحت به خمارها، وإن عمر جاء فقال: ما هذه الريح؟ فأخبرته خبرها، فقال: تطيبين بطيب المسلمين؟ فانتزع خمارها، فجعل يقول بخمارها في التراب ثم يشمه ثم يصب عليه الماء ثم يقول به في التراب، حتى ظن أن\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الورع (١١٣ - ١١٤) رقم (١٨٨)، إصلاح المال (٢٤٧) رقم (٢١٦)، وأخرجه أحمد في الزهد (١١٦)، وابن الجوزي في مناقب عمر (١٠٥ - ١٠٦)، وذكر أصل القصة في تهذيب التهذيب (٢/ ٢٥٨).","vol":"2","page":816},{"text":"ريحه قد ذهبت، ثم جاءتها العطارة مرة أخرى فباعت منها فوزنت لها فعلق بأصبعها منها شيء فقالت بأصبعها في فيها ثم قالت بأصبعها في التراب، فقالت العطارة: ما هكذا صنعت أول مرة، فقالت: أَوَمَا علمت ما لقيت منه؟ لقيت منه كذا ولقيت وكذا وكذا\" (^١).\n\n٦٩٣ - حدثني سلم بن جنادة قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت القرشي قال: حدثنا أبي، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة قال: \"قال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، فقال عمر: اللَّه إنك تجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، قال: وعمر لا يحسّ أجلا ولا وجعا، فلما مضت ثلاثٌ طعنه أبو لؤلؤة، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر قال:\nفأوعدني كعبٌ ثلاثا يعدّها ... ولا شكّ أن القول ما قال كعب\nوما بي حذار الموت إني لميّت ... ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب (^٢)\n_________\n(^١) الأثر حسن لغيره، الورع (٧٤ - ٧٥) رقم (٩٠)، رجاله ثقات وشيخ المصنف الظاهر أنه محمد بن عبد اللَّه بن بزيع البصري فإنه من شيوخ ابن أبي الدنيا وكذلك هو من الرواة عن معتمر بن سليمان كما في تهذيب الكمال (٦/ ٣٦٤)، وأخرج أحمد في الزهد (٣٧) عن نعيم عن العطارة مثله، وبلفظ آخر بسند حسن (ص ٣٧).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه عبد العزيز بن أبي ثابت متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفا بالأنساب التقريب (٤١٤٢)، المحتضرين (٥٣ - ٥٤) رقم (٤١)، وابن شبة في اخبار المدينة (٢/ ٦٣)، وابن جرير في تاريخ الأمم والملوك (٢/ ٥٦٠) وفيه قصة طويلة في مقتله -﵁-، والآجري في كتاب الشريعة =","vol":"2","page":817},{"text":"٦٩٤ - حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: \"أن عمر بن الخطاب -﵁- لما نفر من منى، أناخ بالأبطَح (^١)، ثم كوّمه من بطحاء فألقى عليها طرف ردائه، ثم استلقى، ورفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع، ولا مفرّط، فما انسلخ ذو الحجّة حتى طعن فمات ﵀\" (^٢).\n\n٦٩٥ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عمر بن الخطاب أنه قال:\n_________\n= (٤/ ١٩٢٤) رقم (١٣٩٩)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٤٠٨)، وذكره المالقي في التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان (١٤٣)، وأصل القصة في البخاري (٧/ ٥٩) دون قول كعب لعمر ﵄.\n(^١) يضاف إلى مكة وإلى منى؛ لأن المسافة بينه وبينهما واحدة، وربما كان إلى منى أقرب، وهو المحصب، وهو خيف بني كنانة، وقد قيل إنه ذو طوى وليس به، معجم البلدان (١/ ٧٤).\n(^٢) إسناده صحيح، قال الزرقاني في شرح الموطأ (٤/ ١٧٧): \"رواية سعيد عن عمر تجري مجرى المتصل؛ لأنه رآه وقد صحح بعض العلماء سماعه منه قاله أبو عمر\"، وانظر التمهيد (٢٣/ ٩٢)، مجابو الدعوة (٦٤) رقم (٢٤)، الحلية (١/ ٥٤)، ومالك في الموطأ (٢/ ٨٢٤) رقم (١٥٠٦)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٣٤)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٥٣)، والفاكهي في أخبار مكة (٣/ ٨٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ١٠٧) رقم (٩٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٩٦)، وانظر فتح الباري (١٠/ ١٢٨) وفيه شرح طيب عليه.","vol":"2","page":818},{"text":"\"لوددت أني أنجو من الإمارة كفافا، لا لي، ولا عليّ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه</span>.\n\n٦٩٦ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو إسحاق المختار التيمي -تيم الرباب- عن أبي المطرانة (^٢) أخبره قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: \"دخلت على عمر بن الخطاب حين وجاه أبو لؤلؤة وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: أبكاني خبر السماء، أين يذهب بي، إلى الجنة أو إلى النار، فقلت: أبشر بالجنة، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- ما لا أحصيه يقول: \"سيدا أهل الجنة أبو بكر وعمر\"، فقال: أشاهد أنت يا عليّ لي بالجنة؟، قلت: نعم، وأنت يا حسن فاشهد على أبيك رسولِ اللَّه أن عمر من أهل الجنة\" (^٣).\n\n٦٩٧ - حدثنا مهدي بن حفص، حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه قال: \"دخل عليٌّ على عمر رضي اللَّه\n_________\n(^١) إسناده حسن، محمد بن مسلم هو الطائفي صدوق يخطئ من حفظه التقريب (٦٣٣٣)، المتمنين (٧١) رقم (١١٧) وانظر رقم (١٣٨) بنحوه، المحتضرين (١٥٨) رقم (٢١٦)، بأطول من هذا، الرقة والبكاء (٢٧٦) رقم (٤١٩)، والقصة في صحيح البخاري (١٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧ فتح) رقم (٧٢١٧).\n(^٢) في تاريخ دمشق: \"أبي المطر\".\n(^٣) إسناده لين؛ فيه شيخ المصنف وقد سبق (٦٨٣)، وأبو المطرانة وأبو إسحاق التيمي لم أجد لهما ترجمة، المحتضرين (١٦١) رقم (٢٣٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ١٦٨)، والحديث ثابت من طرق كثيرة، انظر المسند (٢/ ٤٠).","vol":"2","page":819},{"text":"عنهما وهو مسجّى بثوب فقال: ما أحب أن ألقى اللَّه بصحيفة أحد إلا بصحيفة هذا المسجّى\" (^١).\n\n٦٩٨ - حدثني محمد بن الحارث الخراز قال: ثنا سنان بن حاتم، قثنا جعفر بن سليمان، قثنا حباب القطيعي، عن أبي إسحاق الهمداني قال: \"خرج عليّ بن أبي طالب -﵁- في أول ليلة من شهر رمضان والقناديل تزهر، وكتاب اللَّه يُتلا في المساجد، فقال: نوّر اللَّه لك يا عمر بن الخطاب\n_________\n(^١) إسناده صحيح، شيخ المصنف مقبول التقريب (٦٩٧٨)، لكن وثقه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٨٤)، وابن حبان في الثقات (٩/ ٢٠١)، ومسلمة بن قاسم كما في تهذيب التهذيب (٤/ ١٦٥)، المتمنين (٥٧) رقم (٨٥)، وأبو يوسف في الآثار رقم (٩٥٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٥٩) رقم (٢٣٠١٨)، وأحمد في المسند (١/ ٢١٧) رقم (٨٦٦)، وفي فضائل الصحابة (١/ ٢٤٦ - ٢٤٥، ٣٣١، ٤١٨) مرسلا، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١) مرسلا أيضًا، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٩٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ٧٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٧٩) في ترجمة سدير الصيرفي وكان غاليا في الرفض حيث قال سفيان بن عيينة راوي الأثر: \"فسمعت سدير الصيرفي وكان معنا يقول: فواللَّه لما في صحيفته خير مما في صحيفته، قال سفيان: يعني جعفر، فرفعت يدي أريد أن أضرب بها وجهه، أو قال: فمه، قال: فأمسكني الحسن بن عمارة، وقال: دعه؛ فإنه ضال\"، والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٤)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (٢٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٤٢) (٤٤/ ٤٥١ - ٤٥٧)، وانظر علل الدارقطني (٣/ ٨٩) ففيه بحث إسنادي حول إرساله ووصله رجح فيه إرساله.","vol":"2","page":820},{"text":"في قبرك كما نوّرت مساجد اللَّه بالقرآن\" (^١).\n\n٦٩٩ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا أبو معاوية، عن أبي حيان التيمي قال: \"رؤي على عليّ بن أبي طالب ثوب كأنه كان يكثر لبسه، فقيل له فيه، فقال: هذا كسانيه خليلي وصفيِّي عمر بن الخطاب -﵁-؛ إن عمر ناصح اللَّه فنصحه اللَّه\" (^٢).\n\n٧٠٠ - حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا ابن شقيق، عن ابن. . . (^٣)، عن سفيان، بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: \"قيل لعثمان: ألا تكون مثل عمر؟ قال: لا أستطيع أن أكون مثل لقمان الحكيم\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده لين؛ فيه حباب القطعم قال عنه ابن حجر في تعجيل المنفعة (٨٢): \"لا يعرف\"، فضائل رمضان (٥٨) رقم (٣٠)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٩٢)، ومحمد بن نصر في قيام رمضان كما في مختصره للمقريزي (٣٧)، وذكره النووي في تهذيب الأسماء (٢/ ٣٣٢).\n(^٢) إسناده معضل؛ فان أبا حيان التيمي السادسة التقريب (٧٦٠٥)، الإخوان (٢٣٨ - ٢٣٧) رقم (٢٢١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٥٦) رقم (٣١٩٩٧)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٣٨، ١٧٦، ٤٠٦)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٧٠) مختصرا، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٦٣) وقبله (٣٠/ ٣٧٩)، والدارقطني في العلل (٤/ ٩٧) بإسناد مداره على ضعيفٍ، وهو: كثير النوا، التقريب (٥٦٤٠).\n(^٣) طمس استظهره المحقق المحمود أنه \"ابن المبارك\"، وذكر الجابي السند دون إشارة إلى السقط.\n(^٤) إسناده صحيح إن كان المطموس هو ابن المبارك، الورع (١٢٧) رقم (٢٣١)، =","vol":"2","page":821},{"text":"٧٠١ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا بشر، عن خالد، عن محمد بن سيرين قال: \"كتب عمر إلى أبي موسى: إذا جاءك كتابي هذا، فأعط الناس أعطياتهم، واحمل إليّ ما بقى مع زياد، ففعل، فلما كان عثمان، كتب إلى أبي موسى بمثل ذلك ففعل، فجاء زياد بما معه فوضعه بين يدي عثمان، فجاء ابن لعثمان فأخذ شيئا (لذاته) (^١) فمضى بها، فبكى زياد، فقال له عثمان: ما يبكيك؟ قال: أتيت أمير المؤمنين عمرا بمثل ما أتيتك به، فجاء ابن له فأخذ درهما، فأمر به فانتزع منه حتى بكى الغلام، وإن ابنك جاء فأخذ هذه، فلم أر أحدا قال له شيئا، قال عثمان: إن عمرا كان يمنع أهله وأقربائه ابتغاء وجه اللَّه، فإني (^٢) أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه اللَّه، ولن تلقى مثل عمر، ولن تلقى مثل عمر، ولن تلقى مثل عمر\" (^٣).\n\n٧٠٢ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ: \"أن معاوية بن أبي سفيان قال ليزيد ابنه: كيف تراك فاعلا إن وُلّيت؟ قال: يمتّع اللَّه بك، قال: لتخبرَنّي، قال: كنت\n_________\n= ونحوه أبو نعيم (٦/ ٧٥).\n(^١) من طبعة الجابي، ولم تتضح للمحمود.\n(^٢) من طبعة الجابي، ولم تتضح للمحمود.\n(^٣) إسناده صحيح إلى ابن سيرين، الورع (١٢٦ - ١٢٧) رقم (٢٣٠)، تاريخ الطبري (٢/ ٥٧٩) وفيه جهالة الواسطة بين ابن سيرين وعمر؛ لأنه لم يسمع منه كما يستفاد من كتب المراسيل، انظر جامع التحصيل (٢٦٤)، وتحفة التحصيل (٢٧٧).","vol":"2","page":822},{"text":"واللَّه يا أبه عاملا فيهم عمل عمر بن الخطّاب، قال: سبحان اللَّه! سبحان اللَّه!، واللَّه يا بنيّ لقد جهدت على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها\" (^١).\n\n٧٠٣ - حدثني محمد بن قدامة الجوهري، حدثني رجل من أهل البصرة، عن أبيه، نا مبارك بن فضالة، عن علي بن عبد اللَّه بن عباس قال: \"دخلت على عبد الملك بن مروان في يوم شديد البرد، وإذا هو في جبّة باطنها قوهي معصفر، وظاهرها خزّ أغبر، وحوله أربعة كوانين، قال: فرأى البرد في تقفقفي (^٢) فقال: ما أظن يومنا هذا إلا باردا، قلت: أصلح اللَّه أمير المؤمنين ما يظن أهل الشام أنه أتى عليهم يوم أبرد منه، قال: فذكر الدنيا فذمها، ونال منها، وقال: هذا معاوية عاش أربعين سنة، عشرين أميرا، وعشرين خليفة، هذه جثوته (^٣) عليها ثمامة (^٤) نابتة، للَّه درّ ابن ختمة -يعني عمر بن الخطاب- ما كان أعلمه بالدنيا\" (^٥).\n\n٧٠٤ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، ثنا عمي خليفة بن موسى،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه رشدين بن سعد ضعيف التقريب (١٩٥٣)، الإشراف (١٢٧) رقم (٤٨)، وأورده من طريقه ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٢٩).\n(^٢) قفقف الرجل ارتعد من البرد، مختار الصحاح (٥٦٠).\n(^٣) أي جسده، لسان العرب (١٤/ ١٣١).\n(^٤) الثُّمَامُ نبت ضعيف، له خوص أو شبيه بالخوص، وربما حُشي به وسُدَّ به خصاص البيوت، مختار الصحاح (٩٠).\n(^٥) إسناده ضعيف، لجهالة الرجلين المبهمين، وفيه مبارك بن فضالة سبق (٩٣) أنه يدلس ويسوي، ذم الدنيا (٨٦) رقم (٢٢٣)،)، الاعتبار رقم (٥٢) بنفس السند، وذكر الجملة الأخيرة منه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٣٢٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٣٢)، من قول عمرو بن العاص.","vol":"2","page":823},{"text":"ثنا محمد بن ثابت البناني، عن أبيه قال: قالت عائشة ﵂: \"إذا سرّكم أن يحسن المجلس فأكثروا ذكر عمر بن الخطاب -﵁-، ثم قالت: واللَّه إنا لوقوف بالمحصب، إذ أقبل راكب حتى إذا كان قدر ما يسمع صوته قال:\nأبعد قتيل بالمدينة أشرقت ... له الأرض واهتز الغضاة (^١) بأسوق\nجزى اللَّه خيرا من إمام وباركت ... يد اللَّه في ذاك الأديم الممزّق\nقضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... نوائح في أكمامها لم تفتَّق\nوكنت نشرت العدل بالبر والتقى ... وحكم صليب الدين غير مزوق\nفمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق\nأمين النبي حبة وصفيه ... كساه المليك جبة لم تمزّق\nمن الدين والإسلام والعدل والتقى ... وبابك عن كل الفواحش مغلق\nترى الفقراء حوله في مفازة ... شباعا رواء ليلهم لم يؤرّق\nقالت: ثم انصرف فلم نر شيئا، فقال الناس: هذا مزرد (^٢)، ثم أقبلنا\n_________\n(^١) نبات صحراوي، له هدب كهدب الأرطى، لسان العرب (١٥/ ١٢٨).\n(^٢) اسمه يزيد بن ضرار بن حرملة الغطفاني، وإنما سمي مزردا لقوله:\nفقلت تزردها يا عبيد فإنني ... لزرد القوافي في السنين مزرد\nكان شاعرا، أخو الشماخ، انظر الأغاني (٨/ ٩٨)، الإصابة (٢/ ١٥٥)، وفي كلام الحافظ ما يفيد أنه ليس له صحبة، وفي الاستيعاب لابن عبد البر (٤/ ١٤٧٠) ما يفيد إثبات الصحبة له، كل ذلك بناء على أبيات لم يذكرها غير الأصفهاني فاللَّه أعلم.","vol":"2","page":824},{"text":"حتى انتهينا إلى المدينة، فوثب إليه أبو لؤلؤة الخبيث فقتله، فواللَّه إنه لمسجّى بيننا إذ سمعنا صوتا من جانب البيت لا ندري من أين يجيء:\nليبك على الإسلام من كان باكيا ... فقد أوشكوا هلكى وما قدم العهد\nوأدبرت الدنيا وأدبر خيرها ... وقد ملّها من كان يوقن بالوعد\nفلما ولي عثمان لقي مزردا فقال: أنت صاحب الأبيات؟ قال: لا، واللَّه يا أمير المؤمنين ما قلتهن، قال: فيرون أن بعض الجن رثاه\" (^١).\n\n٧٠٥ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا شريك بن عبد اللَّه، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: \"ركض عمر فرسا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-\n_________\n(^١) إسناده ضعيف والأثر صحيح، كتاب الهواتف (٦٢ - ٦٣) رقم (٨١)، فيه محمد بن ثابت البناني وهو ضعيف، التقريب (٥٨٠٤)، وخليفة بن موسى مستور (١٧٥٨)، ومن طريق آخر (٩٧) رقم (١٤٩) مختصرا وفيه معروف بن أبي معروف انظر الميزان (٤/ ١٤٥ - ١٤٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٥٧) رقم (٣٢٠٠٦)، ومن طريقه الآحاد والمثاني (١/ ١٠٥) رقم (٨٧)، السنة للخلال (٢/ ٣١٥ - ٣١٦) رقم (٣٩٤)، الاستيعاب (٣/ ١١٥٨)، طبقات ابن سعد (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥) بسند صحيح، وقبله (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤) من طريق آخر، والفاكهي في تاريخ مكة (٤/ ٧٦ - ٧٧) رقم (٢٤٠٩) في ذكر المحصب وحدوده وما جاء فيه، وأبو الفرج الأصفهاني في الأغاني (٨/ ٩٨) من طريق عمر بن شبة، كلهم من طريق عبد اللَّه بن الصقر، وهو مجهول لا يعرف عنه إلا أنه كان عاملا لابن هبيرة على الكوفة كما في طبقات ابن سعد (٥/ ١٦٣) (٦/ ٢١١)، وطبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٣٣٨)، وصحح الأثر ابن حجر في الإصابة (٢/ ١٥٥).","vol":"2","page":825},{"text":"فانكشف فخذه من تحت القباء، وأبصر رجل من أهل نجران (^١) شامة في فخذه فقال: هذا الذي نجده في كتابنا يخرجنا ثمّ (كذا) ديارنا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>رابعا: الآثار الواردة في بعض كراماته</span>.\n\n٧٠٦ - حدثنا عبد اللَّه بن عفان، حدثني عطاء بن مسلم الحلبي، عن العمري قال: قال خوات بن جبير -وكانت له صحبة -﵁-: \"أصاب الناس قحطٌ شديد على عهد عمر بن الخطاب -﵁- فخرج عمر بالناس يصلى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه جعل اليمين على اليسار، واليسار على اليمين، ثم بسط يده فقال: \"اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك\"، قال: فما برح من مكانه حتى مطروا، فبينا هم كذلك إذا أعراب قدموا المدينة فأتوا عمر بن الخطاب -﵁- فقالوا: يا أمير المؤمنين بينا نحن بوادينا في يوم كذا وكذا، في ساعة كذا وكذا إذ أظلَّنا غمام، وسمعنا بها صوتا ينادي: \"أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص\" (^٣).\n_________\n(^١) نجران في عدة مواضع منها نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة، معجم البلدان (٥/ ٢٦٦).\n(^٢) فيه شريك بن عبد اللَّه وهو القاضي صدوق يخطئ كثيرا، لكن له عناية بأبي إسحاق، وعناية بمسألة المفاضلة بين الخلفاء الأربعة ولعل هذا منها، انظر ميزان الاعتدال (٢٧٠ - ٢٧٢)، الإشراف (٣٢٦) رقم (٤٨١)، وأحمد في الزهد (١٢٣) بنفس الإسناد، وفيه (من ديارنا).\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه عطاء بن مسلم الخفاف صدوق يخطئ كثيرا كما في التقريب (٤٦٣٢)، والعمري هو عبد اللَّه المكبر ضعيف عابد كما في التقريب (٣٥١٣)، الهواتف (٢٥ - ٢٦) رقم (١٦)، مجابو الدعوة (٧٩) رقم (٤٣) من طريق شيخ =","vol":"2","page":826},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>التحليل والتعليق</span>\nتضنمت الآثار السابقة بعض فضائل الفاروق عمر بن الخطاب -﵁-، من أوجه كثيرة قسمتها إلى العناصر الأربعة الماضية، وهي: زهده وورعه، وعدله وخوفه في خلافته، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته.\nفأما زهده وورعه: فقد تضمنت الآثار في ذلك عدة أوجه، فمن أهمها زهده في مأكله، حيث كان مقدار أكله حوالي إحدى عشرة لقمة يوميا، وكان يترك كثيرا من أطايب الطعام المباح، رجاء استيفاء أجر حسناته التي قدّمها أوفى ما يكون عند اللَّه، وألا يكون قُدِّم له منها شيء في هذه الحياة الدنيا، وحرصا على الحفاظ على المنزلة التي يرجوها من مرافقة صاحبيه كما رافقهما في الدنيا، فمن ذلك ترك شرب العسل، واقتصاره على أزهد شيء في الذبيحة، كالعرق والرقبة والعلباء، وإن طبخها طبخها بأبسط شكل، ولم يدخل عليها التحسينات من السمن والبهارات ونحو ذلك.\nوزهده في الجاه الدنيوي فكان لا يهمه التفاخر في الزواج فالمسلمون عنده سواء في التزويج والتزوج، ويأبى المدح ويخافه على نفسه وعلى\n_________\n=آخر حدثنا أبو بكر الشيباني به، ومن طريق المصنف اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٢٩ - ١٣٠) رقم (٦٩)، ولذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٤٦).","vol":"2","page":827},{"text":"المادح، ويخالف نفسه في هواها حتى إنه ليكرهها على الجماع ليس لحظ نفسه منه، وإنما حرصا على الولد الذي يسبح اللَّه.\nوكان بكَّاءً يسمع خنينه من وراء ثلاثة صفوف، وكان زاهدا في ملبسه يرى عليه آثار الترقيع حتى عُدَّت له تلك الرقاع فبلغت نيفا، كل راو يذكر ما رأى من ذلك.\nوأما عدله وخوفه في خلافته: فهو مضرب المثل فيه، فكان يركب مع سائر رعيته على الدابة، ولا يرضى حتى يكون هو في الخلف، ويخاف على رعيته أن تصيبهم هلكة على يديه، ويقبل منهم الانتقاد ويعمل به، ويخشى أي محاباة بسبب المنصب الذي تولاه، فلا يعطى أبناءه وأهله من الأموال إلا ما يستحقونه كعموم المسلمين، ولهذه العلة منع ابنه عبد اللَّه من الجهاد خشية أن يحابوه في المغنم، فإن رأى حاجة شديدة بأحدهم أعطاه من ماله الخاص وأمره بالاتجار والتكسب به، ويخشى من الأموال التي تجبى إليه أن يفتتن بها، فيسرع في قسمتها على المسلمين، ويتصفح أحوال المجاهدين فيرجع من كان أبواه في حاجته، ومع هذا العدل والتورع يخاف على نفسه من تبعات الخلافة ويتمنى قبل الموت أن يخرج منها كفافا لا له ولا عليه، ولما كبر سنة خاف من التفريط فسأل اللَّه أن يتوفاه.\nوأما ثناء الناس عليه: فكل مسلم يلهج لسانه بذكر محاسنه، والثناء على أعماله، شهد له علي بن أبي طالب بالجنة، ويأمر ذريته بذلك، ويتمنى أن يلقى اللَّه بمثل صحيفته، ويدعو له بتنوير قبره، كما نوّر مساجد","vol":"2","page":828},{"text":"اللَّه بالتراويح، ويشبهه عثمان بن عفان -﵁- بلقمان الحكيم، ويعبر عن عجزه عن إدراك مثل درجته، ويجزم أنه لن يوجد مثل عمر، ويؤكّد هذا المعنى معاوية -﵁- حيث لم يستطع أن يسير في الناس سيرة عثمان، فأما سيرة عمر فلا مطمع فيها، وهكذا بعدهم عبد الملك بن مروان ترحم عليه، وأثنى على بصره وعلمه بالدنيا، وأنه لم يغتر بها، بل إن أم المؤمنين عائشة ﵂ جعلت ذكره يحسن المجالس، ثم ذكرت رثاء الجن له، بل إن أخباره وصفاته عند أهل الكتاب عرفونه بها، كما عرفه النجراني يوم ركض على فرسه، وعلم أنه هو الذي سيخرجهم من جزيرة العرب.\nوأما كراماته: فقد ورد أثر استقائه بالعباس -﵁- وتبشيره بالغوث بصوت سمعه بعض الأعراب في بواديهم من الغمام في نفس وقت الاستقتاء (^١).\nولهذا كله وغيره فإنه لا يطعن في عمر -﵁- إلا بأحد سببين كما قال شيخ الإسلام: \"إما نقصم العلم، وإما نقص الدين\"، ثم قال: \"من المعلوم للخاص والعام أن عدل عمر -﵁- ملأ الآفاق، وصار يضرب به المثل، كما قيل: سيرة العمرين. . . ويكفي الإنسان أن الخوارج الذين هم أشد الناس تعنتا، راضون عن أبي بكر وعمر في سيرتهما، وكذلك الشيعة الأولى أصحاب علي، كانوا يقدمون عليه أبا بكر وعمر. . . وهؤلاء أهل\n_________\n(^١) وقد استقصى ابن حجر الهيتمي كل هذا، وذكر النصوص معزوة إلى مصادرها في كتابه الصواعق المحرقة (١/ ٢٤٩ فما بعدها).","vol":"2","page":829},{"text":"العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجحون قول هذا الصاحب تارة، وقول هذا الصاحب تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع. . . -ثم ذكر جملة منهم-، ومن لا يحصى عددهم إلا اللَّه، من أصناف علماء المسلمين، كلهم خاضعون لعدل عمر وعلمه، وقد أفرد العلماء مناقب عمر، فإنه لا يعرف في سير الناس كسيرته. . .وكل هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم، يعلمون أن عدل عمر كان أتم من عدل من ولي بعده، وعلمه كان أتم من علم من ولي بعده، وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده، فأمْرٌ قد عرفته العامة والخاصة؛ فإنها أعمال ظاهرة، وسيرة بيِّنَةٌ، يظهر لِعُمر فيها من حسن النية، وقصد العدل، وعدم الغرض، وقمع الهوى، ما لا يظهر من غيره -ثم ذكر آثارا في هذا المعنى-، وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب، ليس من أحاديث الكذابين، والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جدا. . .وهذا باب طويل قد صنف الناس فيه مجلدات، في مناقب عمر (^١) مثل: كتاب أبي الفرج ابن الجوزي، وعمر بن شبه وغيرهما، غير ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة العلم، مثل: ما صنفه خيثمة بن سليمان في فضائل\n_________\n(^١) ومنها ما ألفه المصنف حيث ذكر ابن القيم أن له كتاب مناقب عمر، الجواب الكافي (٣٠)، ولم أجد من ذكره لكن ذكر مقتل عمر فلعله هو واللَّه أعلم، انظر مقدمة الدكتور مصلح لكتاب التهجد.","vol":"2","page":830},{"text":"الصحابة، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم (^١) \" (^٢).\nومسألة تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على سائر الصحابة من أصول مسائل أهل السنة والجماعة، التي يبدع فيها المخالف، قال شيخ الإسلام: \"تفضيل أبي بكر، ثم عمر، على عثمان وعليٍّ، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين، المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم. . .وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك. . .وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول اللَّه، وإن كان غيرهم يشك فيها، أو ينفيها كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته، وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار، والأحاديث المتواترة عندهم في الصفات، والقدر، والعلو، والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته (^٣). . .ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول\" (^٤).\n_________\n(^١) كالأبواب المفردة من كتب السينة كالكتب الستة وغيرها؛ فإنها تفرد كتابا لفضائل الصحابة فتبدأ بأبي بكر ثم عمل، انظر على سبيل المثال لا الحصر صحيح البخاري (٣/ ١٣٤٥)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٦٥)، وغير ذلك كثير جدا.\n(^٢) منهاج السنة (٦/ ٥٠ - ٥٨)، وانظر كذلك للتوسع (١١/ ٥٦) (٨/ ٢٢٣)، والشذا الفياخ (٢/ ٥٠٧).\n(^٣) وفي منهاج السنة (٨/ ٢٢٣) جعل إجماعهم على تفضيل الشيخين أعظم من إجماعهم على بعض هذه المسائل المتواترة.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢١ - ٤٢٥) بتصرف.","vol":"2","page":831},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>المبحث الخامس: الآثار الواردة في في فضائل عثمان بن عفان -﵁</span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>أولا: الآثار الواردة في بعض مناقبه</span>.\n\n٧٠٧ - حدثني إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا الربيع بن نافع قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم (^١) قال: \"كان عثمان بن عفان يصنع للناس طعام الأمراء، ويدخل بيته فيأكل الخلّ والزيت\" (^٢).\n\n٧٠٨ - حدثني محمد بن يزيد الآدمي قال: ثنا أبو اليمان، عن أبي بكر ابن أبي مريم، عن راشد بن سعد (^٣) قال: \"دُعي عثمان -﵁- إلى قوم اجتمعوا على ريبة لهم، فانطلق ليأخذهم فتفرّقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق رقبة شكرا للَّه ألا يكون جرى على يديه خزي مسلم\" (^٤).\n\n٧٠٩ - حدثنا هارون بن معروف، نا ضمرة بن ربيعة، نا عبد اللَّه بن\n_________\n(^١) هو شرحبيل بن مسلم بن حامد الخولاني الشامي، أصله من اليمن، أدرك خمسة من الصحابة، صدوق فيه لين، مات بعد المائة، التقريب (٢٧٧١).\n(^٢) إسناده حسن إلى شرحبيل؛ إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم التقريب (٤٧٧)، وهو يروي هنا عن شرحبيل بن مسلم وكلاهما شامي، لكن هذا الأخير صدوق فيه لين من الثالثة التقريب (٢٧٨٦)، ولم يدرك عثمان، الجوع (١٦٠) رقم (٢٦٥)، ورقم (٢٨٦)، وأحمد في الزهد (١٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٦٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣٠٣).\n(^٣) هو راشد بن سعد المَقْرَئي الحمصي، ثقة كثير الإرسال، مات سنة (١٠٨ هـ) وقيل غير ذلك، التقريب (١٨٥٤).\n(^٤) إسناده ضعيف، فيه ابن أبي مريم وهو ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط التقريب (٨٠٣١)، الشكر (١٢٧ - ١٢٨) رقم (١٢١)، وذكره المناوي في فيض القدير (٦/ ١٤٩) ولم ينسبه لأحد.","vol":"2","page":832},{"text":"شوذب، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة (^١) قال: \"جاء عثمان بن عفان بألف دينار في ثوبه حين جهّز النبي -ﷺ- جيش العسرة (^٢) فصبّها في حجر النبي -ﷺ-، فجعل النبي -ﷺ- يقلّبها ويقول: \"ما ضر ابن عفان ما فعل بعد هذا -يردّد ذلك مرارا-\" (^٣).\n\n٧١٠ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير العتكي، نا عمرو بن مرزوق، نا\n_________\n(^١) هو كثير بن أبي كثير البصري، مقبول، ووهم من عده صحابيا، التقريب (٥٦٢٦).\n(^٢) أي جيش غزوة تبوك، أصابهم حر شديد فسميت العسرة لسببه، انظر كتاب محمد رسول اللَّه (٥٤٢).\n(^٣) إسناده حسن، فيه كثير مولى عبد الرحمن وهو: \"مقبول من الثالثة، ووهم من عده صحابيا\" كما سبق قريبا، ووثقه العجلي وابن حبان كما في تهذيب الكمال (٦/ ١٦٢)، ولم يذكر فيه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢١١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٥٦) جرحا ولا تعديلا، مكارم الأخلاق (١٠٤ - ١٠٥) رقم (٤١٦)، والترمذي في المسند (٥/ ٥٨٥) رقم (٣٧٠١) وقال: \"حديث حسن غريب من هذا الوجه\"، وأحمد في المسند (٥/ ٦٣) طبعة قرطبة، وفي فضائل الصحابة (١/ ٤٥٧) (٧٣٨) من طريق شيخ المصنف به، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٢٤١)، والخلال في السنة (٣١٩ - ٣٢٠) رقم (٤٠٢ - ٤٠٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٣) رقم (١٢٧٩)، وفي الجهاد (١/ ٢٧٢) رقم (٨٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٢٤٥) رقم (١٢٧٤)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٢) وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وأورده الألباني في صحيح الترمذي رقم (٢٩٢٠) وأحال على المشكاة وهو فيها برقم (٦٠٦٤)، مع أن مدار طرقه كلها على كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة.","vol":"2","page":833},{"text":"السكن بن المغيرة مولى لآل عثمان، عن الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خبّاب قال: \"شهدت رسول اللَّه -ﷺ- على جيش العسرة فقام عثمان بن عفان -﵁- فقال: يا رسول اللَّه، عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها (^١) في سبيل اللَّه، ثم حضَّ رسول اللَّه -ﷺ- على الجيش فقام عثمان فقال: عليّ يا رسول اللَّه مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل اللَّه، ثم حض رسول اللَّه ﷺ على الجيش فقام عثمان فقال: عليّ يا رسول اللَّه مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل اللَّه، قال عبد الرحمن: وأنا رأيت رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر وهو يقول: \"ما على عثمان ما عمل بعد هذه، أو: بعد اليوم\" (^٢).\n\n٧١١ - حدثني هارون بن سفيان، نا محمد بن عمر، عن أبي يحيى عبد اللَّه بن ميمون، سمع عبد اللَّه بن دينار، عن أبي عمرو ذكوان قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: \"رجلان من أصحاب النبي -ﷺ- كانا أبر من كان في هذه الأمة بأمهما، فيقال لها: من هما؟ فتقول: عثمان بن\n_________\n(^١) هي إكاف البعير وكساؤها، لسان العرب (١/ ٦٦٠).\n(^٢) فيه فرقد، وهو مجهول التقريب (٥٤٢٠)، مكارم الأخلاق (١٠٥) رقم (٤١٧)، والترمذي (٥/ ٥٨٤) رقم (٣٧٠٠) وقال: \"حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة\"، قلت: ومدار طرقه كلها على فرقد هذا، انظر تخريجه الموسع في المسند (٢٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وكذا في السبيل الهاد إلى تخريج أحاديث كتاب الجهاد (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، قلت: ولعل من حسّن الذي قبله لهذا الشاهد فالظاهر أن القصة لها أصل، وهي مشهورة في كتب السيرة.","vol":"2","page":834},{"text":"عفان وحارثة بن النعمان، فأما عثمان فإنه قال: ما قدرت أن أتأمّل أمي منذ أسلمت، وأما حارثة فإنه كان يفلي رأس أمه، ويُطْعِمُهَا بيده، ولم يستفهمها كلاما قط تأمر به، حتى يسأل من عندها بعد أن تخرج: ما قالت أمي؟ \" (^١).\n\n٧١٢ - حدثنا الحارث بن محمد التيمي وأبو جعفر المديني، عن علي ابن محمد القرشي، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى بن طلحة قال: \"كان لعثمان بن عفان -﵁- على طلحة بن عبيد اللَّه خمسون ألفا، فخرج عثمان إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيّأ مالك فاقبضه، قال: هو لك يا محمد، معونةً لك على مروَّتك\" (^٢).\n\n٧١٣ - حدثني إبراهيم بن سعيد، نا أبو نعيم، عن قيس، عن أبي حصين: \"أن عثمان -﵁- أجاز الزبير بن العوام -﵁- ستمائة ألف فمرّ على\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه محمد بن عمر وهو الواقدي وقد سبق مرارا، مكارم الأخلاق (٥٤٠) رقم (٢٢٣)، وأخرج ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٢١) عن جعفر الصادق أنه كان يفلي رأس أمه، و(٧/ ٢١٥)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن مورق كذلك (٦/ ٢٠٧) رقم (٧٩١٨)، وأخرجه ابن سعد أيضًا في الطبقات (٧/ ٢٢٧) عن طلق بن حبيب، أما بِرُّ ابن النعمان لأمه فهو مشهور عنه وثبت في حديث صحيح عند ابن شاهين في فضائل الأعمال (٢/ ٢٩٧) رقم (٢٩٧)، وانظر الإصابة (١/ ٦١٨).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة ضعيف التقريب (٣٩٤)، مكارم الأخلاق (١٠٦) رقم (٤١٩)، والطبري في تاريخه (٢/ ٦٨٣)، ولعله لذلك أورده ابن الأثير في الكامل (٣/ ٧٣) بصيغة التمريض (وقيل كان. . .).","vol":"2","page":835},{"text":"أخواله بني كاهل فقال: أي المال أجود؟ قالوا: مال أصبهان، قال: أعطَوني مال أصبهان\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>ثانيا: الآثار الواردة في صبره في محنته</span>.\n\n٧١٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، عن فرج ابن فضالة، عن مروان بن أبي أمية، عن عبد اللَّه بن سلام قال: \"أتيت أخي عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فقال: مرحبا يا أخي، رأيت رسول اللَّه -ﷺ- الليلة في هذه الخوخة، قال: وخوخة في البيت، فقال: يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم، قال: عطشوك؟ قلت: نعم، فأدلى دلوا فيه ماء، فشربت حتى رويت، حتى إني لأجد برده بين ثديي وبين كتفي، وقال لي: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عندهم، فقتل ذاك اليوم ﵀\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف فيه قيس بن الربيع صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به التقريب (٥٦٠٨)، وذكر ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢١٨) أن حديثه لم يتميّز فاستحق ترك الاحتجاج به، وأبو حصين ثقة ثبت سني وربما دلس التقريب (٤٥١٦)، مكارم الأخلاق (١٠٦) رقم (٤٢٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٠٧) من طريق أبي نعيم به.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه ابن فضالة وهو الشامي ضعيف التقريب (٥٤١٨)، لكن القصة صحيحة بطرقها المتعددة، المنامات (٦٦) رقم (١٠٩)، وانظر (١٢٣) رقم (٢٦١)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٨٩) رقم (٢٩٤٦)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٨٩) رقم (٧٩٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٧٩) رقم =","vol":"2","page":836},{"text":"٧١٥ - حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن (^١) محمد بن جبير قال: \"أرسل عثمان إلى عليّ -رحمة اللَّه عليهما- إن ابن عمّك مقتول، وإنك مسلوب\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه</span>.\n\n٧١٦ - حدثني أبي محمد بن عبيد بن سفيان، عن بعض أشياخه، وحُدِّثت بذلك أيضًا عن قران بن تمام الوالبي، عن مجالد عن الشعبي قال: \"كانت قريش تحب عثمان، حتى إن المرأة كانت ترقّص ابنها فتقول:\nأحبّك والرحمن ... حب قريش عثمان (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>رابعا: بعض كراماته</span>.\n\n٧١٧ - حدثنا أحمد بن المقداد قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن زيد بن\n_________\n= (١٣٠٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٣٨٦، ٣٩٠).\n(^١) كذا في الأصل والصواب: (عمرو عن محمد بن جبير) كذا هو في سنن سعيد بن منصور، وعمرو هو بن دينار فهو يروي عن محمد بن جبير بن مطعم ويروي عنه سفيان بن عيينة كما في تراجمهم من تهذيب الكمال.\n(^٢) إسناده صحيح، الإشراف (٢٤٤) رقم (٢٩٧)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٣٦) رقم (٢٩٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٣٦٦) من طريق المصنف.\n(^٣) إسناده فيه إبهام شيوخ والد المصنف، لكنه زال عند اللالكائي وابن عساكر، وفيه مجالد بن سعيد وهو ليس بالقوي، وقد تغير بآخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، العيال (٤٣٥) رقم (٢٦٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٨/ ١٤٣٣) رقم (٢٥٧٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٥١).","vol":"2","page":837},{"text":"حازم، عن سليمان بن يسار: \"أن رجلا من غفار يقال له جهجاه أو جهجا الغفاري، دخل على عثمان -﵁-، فانتزع عصا كانت في يده، فكسرها على ركبته، فوقعت الأكلة في ركبته\" (^١).\n\n٧١٨ - أخبرنا يحيى الحماني قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: \"بلغني أن عامة النفر الذين ساروا إلى عثمان -﵁- جُنُّوا، قال ابن المبارك: الجنون لهم قليل\" (^٢).\n\n٧١٩ - حدثنا خالد بن خداش بن العجلان، حدثني معلى بن عيسى الوراق، عن شداد الأعمى، عن بعض أشياخه من بني راسب قال: \"كنت أطوف بالبيت، فإذا رجل يطوف بالبيت ويقول: اللهم اغفر لي، وما أراك\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، صاحب حديث، طعن أبو داود في مروءته التقريب (١١١)، العقوبات (٢١٢) رقم (٣٣٥)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٨٨)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٣١) رقم (٧٠)، وابن حجر في الإصابة (١/ ٢٥٣) وذكر طرقه وألفاظه، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ٣٣٠) وتوسع في ذكر طرقه.\n(^٢) إسناده حسن، يحيى الحماني حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث التقريب (٧٦٤١)، ووثقه ابن معين توثيقا قويا وحلف على توثيقه مع علمه بالجرح ورده بأنه عن حسد، وهو أول من ألف المسند بالكوفة، وعلق ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٣٩) في ختام ترجمته بقوله: \"ولم أر في مسنده وأحاديثه أحاديث مناكير فأذكرها، وأرجو أنه لا بأس به\"، وهذا الأثر له ما يشهد له فيما سبق وما سيأتي، العقوبات (٢١٢) رقم (٣٣٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٤٤٦) بسنده عن الحماني به.","vol":"2","page":838},{"text":"تفعل، قال: فقلت: أما تتقي اللَّه! قال: إن لي شأنا، آليت أنا وصاحب لي لئن قتل عثمان لنلطمنّ حُرَّ وجهه، فدخلنا عليه، وإذا رأسه في حجر امرأته ابنة الفرافصة، فقال لها صاحبي: اكشفي عن وجهه، قالت: لم؟ قال: ألطم حرَّ وجهه، قالت: أما تذكر ما قال فيه رسول اللَّه -ﷺ-، قال فيه كذا وقال فيه كذا، قال: فاستحيى صاحبي فرجع، فقلت لها: اكشفي عن وجهه، قال: فذهبت تدعو عليّ، فلطمت وجهه، فقالت: مالك يَبَّس اللَّه يدك، وأعمى بصرك، ولا غفر لك ذنبك، قال: فواللَّه ما خرجت من الباب، حتى يبست يدي، وعمي بصري، وما أرى اللَّه يغفر لي ذنبي\" (^١).\n\n٧٢٠ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن طعمة بن عمرو، وكان رجلا قد يبس وشحب من العبادة، فقيل له: \"ما شأنك؟ قال: إني كنت حلفت أن ألطم عثمان، فلما قتل، جئت فلطمته، فقالت لي امرأته: أشلّ اللَّه يمينك، وصلى وجهك النار، فقد شُلّت يدي يميني، وأنا أخاف\" (^٢).\n\n٧٢١ - حدثني أبي، عن الأسود بن عامر، عن أبي هلال، عن حميد بن هلال قال: \"لما حُصر عثمان -﵁-، أتته أم المؤمنين (^٣)!، فجاء رجل فاطّلع\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، لإبهام الراسبيين، مجابو الدعوة (٦٧) رقم (٢٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧٠/ ١٤١).\n(^٢) إسناده صحيح، مجابو الدعوة (٦٧ - ٦٨) رقم (٣٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧٠/ ١٤٠).\n(^٣) هي أم حبيبة كما في رواية ابن شبة.","vol":"2","page":839},{"text":"في خدرها، فجعل ينعتها للناس فقالت: ما له قطع اللَّه يده، وأبدى عورته، قال: فدخل عليه داخل فضربه بالسيف، فاتقى بيمينه فقطعها، فانطلق هاربا آخذا إزاره بفيه أو بشماله باديا عورته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>خامسا: براءة الصحابة من دمه</span>.\n\n٧٢٢ - حدثني يعقوب بن عبيد، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سوادة بن أبي الأسود، حدثني أبي قال: \"كنت جالسا في المسجد، وأنا جالس إلى أبي بكرة، إذ مرّت به سحابة، فذكروا عثمان بن عفان، فقال أبو بكرة (^٢) -﵁-: لأن أكون في هذه السحابة، فأقع إلى الأرض فأنقطع، أحب إليّ من أن أكون شرعت في دم عثمان بكلمة\" (^٣).\n\n٧٢٣ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي -ﷺ- كانت تقول: \"يا ليتني كنت نسيا منسيا قبل الذي كان من شأن عثمان -﵁-، واللَّه ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قطّ إلا انتُهك\n_________\n(^١) إسناده حسن، أبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي صدوق فيه لين التقريب (٥٩٦٠)، مجابو الدعوة (٦٨) رقم (٣١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٩/ ١٥١)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٣٠٥).\n(^٢) هو نفيع بن الحارث بن كَلَدة بن عمرو الثقفي، أبو بكرة، صحابي مشهور بكنيته، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (٥١ هـ) أو التي بعدها، الإصابة (٦/ ٤٦٧)، التقريب (٧١٨٠).\n(^٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق كما سبق (١٧٦)، المتمنين (٧٧) رقم (١٢٩).","vol":"2","page":840},{"text":"مني مثله، حتى لو أحببت قتله لقتلت\" (^١).\n\n٧٢٤ - حدثني علي بن الجلد قال: أخبرني القاسم بن الفضل الحداني قال: حدثني يوسف بن سعد مولى عثمان بن مظعون قال: قال ابن حاطب: \"لو شهدت اليوم شهدتّ عجبا، اجتمع عليّ وعمّار ومالك الأشتر وصعصعة بن صوحان في هذه الدار دار نافع، فتكلّم عمار فذكر عثمان فجعل عليّ يتغيّر وجهه، ثم تكلّم مالك حذا عمار، قال: ثم إن صعصعة تكلّم فقال: أبا اليقظان، ما كلّ ما يزعم الناس أن عثمان أتى أتى، وقال قائل: كان أول من ولّي فاستأتر، وأول من تفرقت عنه الأمة، ثم إن عليّا تكلّم فقال: أنا واللَّه على الأتر الذي أتى عثمان، لقد سبقت له سوابق لا يعذّبه اللَّه بعدها أبدا\" (^٢).\n\n٧٢٥ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حزم القطعي قال: سمعت\n_________\n(^١) إسناده صحيح، يونس بن يزيد ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ التقريب (٧٩٧٦)، وقد تابعه غير واحد كما في التخريج، المتمنين (٦١) رقم (٩٦)، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٤٤٧) رقم (٢٠٩٦٧)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٦٢) رقم (٧٥٠)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٢٦٠)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٢٠١) رقم (٣١٠٢)، وفي شعب الإيمان مختصرا (١/ ٤٨٦) رقم (٧٩١)، وأبو نعيم كذلك مختصرا في الحلية (٢/ ٤٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٥٤) مختصرا و(٩/ ١٨٥).\n(^٢) إسناده صحيح، الإشراف (٢٤١) رقم (٢٩٣)، وهو في تاريخ دمشق (٣٩/ ٤٦٨) من طريق المصنف.","vol":"2","page":841},{"text":"مسلما يحدث عن طلق بن حبيب قال: \"لما قتل عثمان ﵀، وفدنا وفودا من البصرة نسأل فيم قُتل؟ فقدمنا المدينة، فتفرّقنا فمنا من أتى عليا، ومنا من أتى الحصن، ومنا من أتى أمهات المؤمنين، فأتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين ما تقولين في عثمان؟ قالت: قتل واللَّه مظلوما، لعن اللَّه قتلته، أقاد اللَّه به ابن أبي بكر، وأهرق به دماء بني بديل، وأبدى اللَّه عورة أعين، ورمي الأشتر بسهم من سهامه، فما منهم أحد، إلا أصابته دعوتها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان فضل عثمان بن عفان -﵁-، حيث ورد\n_________\n(^١) مداره على حزم القطعي وهو صدوق يهم التقريب (١٢٠٠)، مجابو الدعوة (٨٩) رقم (٥٤)، والبخاري في الأوسط (المطبوع باسم التاريخ الصغير) (١/ ١٢١) وفيه زيادة مهمة وهي قول طلق: \"لا واللَّه إن بقى من القوم رجل إلا أصابته دعوتها: أخذ ابن أبي بكر فأقيد، ودخل على أعين بني تميم رجل فقتله، وخرج ابنا بديل في بعض تلك الفتن فقتلا، وخرج الأشتر إلى الشام فأتي بشربة فقتلته\"، ومختصرا جدا في الكبير (٤/ ٣٥٨)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٢٦٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٨٨) رقم (١٣٣)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٩٧): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير طلق وهو ثقة\"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٣٨١) من طريق المصنف وغيره، وعلق بقوله: \"المحفوظ أن عائشة لم تكن وقت قتل عثمان بالمدينة وإنما كانت حاجة، وقوله في إسناده: \"زياد بن مخارق\" وهم وإنما هو: \"زياد ابن مخراق\"، وقد روى البخاري بعض هذه الحكاية في تاريخه فقال: \"حدثني يحيى بن موسى نا أبو داود نا حزم القطعي نا أبو الأسود سوادة أخبرني طلق بن خشاف فاللَّه أعلم بالصواب\".","vol":"2","page":842},{"text":"ذكر بعض مناقبه، وصبره في محنته، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته، وبراءة الصحابة من دمه.\nفأما مناقبه: فقد كان زاهدا في مأكله يصنع للناس طعام الأمراء، ثم هو يأكل طعام الفقراء، متورعا في أمر رعيته يحمد اللَّه أن لا يهتك ستر مسلم على يديه، يضرب به المثل في الجود بماله على الجهاد في سبيل اللَّه، حيث جهّز جيش العسرة، وكان بارا بامه كما أخبرت عائشة ﵂، يتنازل بدَيْنِه لأصحاب المروؤات، ويختار لعطاءاته أجود الأعطيات.\nوأما صبره في محنته: فقد علم أنه مقتول ولذلك أخبر بذلك ابن عمة علي بن أبي طالب، وفضّل الموت في سبيل اللَّه على مواجهة أولئك الأغمار، خوفا على المسلمين من الفتنة بسببه، فاختار الإفطار مع النبي -ﷺ- على الانتصار عليهم.\nوأما ثناء الناس عليه: فقد كان مضرب المثل في حب قريش له، حتى كانت المرأة منهم تشبه حبها لابنها بحب قريش له، وحسبك بحب أم لابنها.\nوأما كراماته: فقد وردت بعضها في هذه الآثار، حيث ظهرت آيات اللَّه في عامة الذين قتلوه، أو ظاهروا عليه، فمنهم من أصابته الأكلة، ومنهم من أصابه الجنون، ومنهم من يبست يده، وعمي بصره، ومنهم من كشفت عورته، وقطعت يده.\nوأما براءة الصحابة من دمه: فمن شدّة استنكارهم لذلك تورعوا حتى من الكلام الذي يكون حجة لمن فعل فعلته المنكرة هذه، كما قال","vol":"2","page":843},{"text":"أبو بكرة، وهكذا أم المؤمنين عائشة ﵂ تمنت أن تكون نسيا منسيا، وأنها ما أحبت أن ينتهك منه شيء إلا انتهك منها، حتى الموت لو أحبته له لقتلت، ودعت ﵂ على قتلته فأصابتهم جميعا دعوتها، وكان علي بن أبي طالب -﵁- يتغير وجهه إذا تكلم فيه، وذكر أنه على الأثر الذي كان عليه، قال شيخ الإسلام: \"خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان، لا قتل، ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض، من أوباش القبائل، وأهل الفتن، وكان علي -﵁- يحلف دائما، إني ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله، ويقول: اللهم العن قتلة عثمان، في البر، والبحر، والسهل، والجبل، وغاية ما يقال: إنهم لم ينصروه حق النصرة، وأنه حصل نوع من الفتور والخذلان، حتى تمكن أولئك المفسدون، ولهم في ذلك تأويلات، وما كانوا يظنون أن الأمر يبلع إلى ما بلغ، ولو علموا ذلك لسدوا الذريعة، وحسموا مادة الفتنة\" (^١).\nوفضائل عثمان -﵁- كثيرة جدا، ولهذا أجمع الصحابة على تقديمه في الخلافة بعد عمر بن الخطاب -﵁-، ولم يخالف في تفضيل عثمان إلا بعض علماء أهل الكوفة قديما، فضلوا عليا عليه، وتوقف بعض أهل المدينة في المسألة، ثم استقر مذهب أهل السنة على هذا الترتيب، في الفضل، وهذا الذي: \"كان عليه الصحابة على عهد النبي -ﷺ-، من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي -ﷺ- فلا ينكره، وحينئذ\n_________\n(^١) منهاج السنة (٤/ ٣٢٢).","vol":"2","page":844},{"text":"فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص، وإلا فيكون ثابتا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي -ﷺ- من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر؛ فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان، من غير رغبة، ولا رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم. . .فلولا علم القوم بأن عثمان أحقهم بالولاية لما ولوه، وهذا أمر كلما تدبره الخبير ازداد به خبرة وعلما. . .فإنه يقطع قطعا لا يتمارى فيه أن عثمان كان أحقهم بالخلافة، وأفضل من بقي بعده\" (^١)، وقال مبينا مواضع النزاع: \"إن سفيان الثوري، وطائفة من أهل الكوفة، رجحوا عليا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على عليٍّ، كما هو مذهب سائر الأئمة، كالشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام، حتى إن هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليا على عثمان، هل يُعَدُّ من أهل البدعة، على قولين، هما روايتان عن أحمد\" (^٢).\n_________\n(^١) منهاج السنة (٦/ ١٥٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦)، وانظر: منهاج السنة (٨/ ٢٢٣)، وتدريب الراوي (٢/ ٢٢٣)، وفتح المغيث (٣/ ١٢٧).","vol":"2","page":845},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب -﵁</span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>أولا: الآثار الواردة في تقدم إسلامه</span>.\n\n٧٢٦ - حدثنا حسين بن يزيد الأنصاري الطحّان قال: حدثنا سعيد ابن خثيم الهلالي، عن أسد بن عبد اللَّه البجلي، عن ابن يحيى بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه قال: \"قدمت مكة في الجاهلية أريد شراء بزّ وعطر لأهلي فنزلت على العبّاس، فأنا عنده وأنا انظر إلى الكعبة إذ جاء شاب فنظر إلى السماء فتوجّه إلى الكعبة فصلّى، فجاء غلام فقام عن يمينه، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما، فقال: يا عباس، ما هذا الذي حدث في بلادكم؟ إن هذا لأمر عظيم، قال: هذا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطّلب ابن أخي، وهذا الغلام علي بن أبي طالب، وهذه خديجة بنت خويلد، قال: فصَلَّوا، قال: إن ابن أخي هذا حدثنا أن ربّه ربّ السماوات والأرض، ولا واللَّه ما أعلم على ظهر الأرض على دين هؤلاء غير هؤلاء\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه يحيى بن عفيف وهو الكندي ضعيف التقريب (٧٦٥٩)، الإشراف (١٣٣ - ١٣٤) رقم (٦٠)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٠٦) رقم (١٧٨٧)، وأبو يعلى في المسند (٣/ ١١٧)، والنسائي في خصائص علي رقم (٦)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٨٣) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد معتبر من أولاد عفيف بن عمرو\" ووافقه الذهبي على تصحيحه، وأورده ابن حجر في لسان الميزان (١/ ٣٩٥) وقال: ولم يصححهما البخاري، قلت: وهما: طريق أحمد في المسند عن إسماعيل بن إياس بن عفيف عن أبيه عن جده، وطريق المصنف =","vol":"2","page":846},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>ثانيا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه</span>.\n\n٧٢٧ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن محمد بن أيوب التميمي، عن موسى بن المغيرة، عن الضحّاك بن مزاحم قال: \"ذُكر علي بن أبي طالب -﵁- عند ابن عباس -﵁- بعد وفاته فقال: \"واأسفا على أبي الحسن، ملك واللَّه فما بدَّلَ، ولا غَيَّرَ، ولا قَصَّر، ولا جمع ولا منع ولا آثَر، ولقد كانت الدنيا أهون عليه من شِسْع نعله، لَيْثٌ في الوَغَى، بَحْرٌ في المجالس، حكيمُ الحكماء، هيهات قد مضى في الدرجات العُلَى\" (^١).\n\n٧٢٨ - نا يوسف بن موسى، نا عمرو بن طلحة القنّاد، نا أسباط بن نصر، عن سماك، عن حجّار بن أبجر قال: \"جاء رجل إلى معاوية فقال: سُرق ثوبي هذا، فوجدته مع هذا، فقال: لو كان لهذا علي بن أبي طالب\" (^٢).\n_________\n= عن أسد بن عبد اللَّه البجلي عن ابن يحيى بن عفيف عن أبيه عن جده، ومدار الأثر عليهما فيما وقفت عليه من الكتب واللَّه أعلم، وانظر تخريجه موسعا في المسند الموضع السابق.\n(^١) إسناده لين وهو مرسل؛ فإن الضحاك لم يلق ابن عباس ولا سمع منه شيئا كما في تحفة التحصيل (١٥٥)؛ وموسى بن المغيرة لم أجده، ولعله موسى المغيرة الذي أورده ابن حجر في اللسان (٦/ ١٣٢) وغيره وهو مجهول، مقتل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب -﵁- (٨٩) رقم (١٠٤).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه أسباط نصر وهو صدوق كثير الخطأ يغرب التقريب (٣٢٣)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩١) رقم (١٠٧).","vol":"2","page":847},{"text":"٧٢٩ - حدثني محمد بن أبي يحيى، أن شيخا من ضبّة يكنى أبا الوليد حدّثهم قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عبد اللَّه الأسدي: \"أن معاوية قال لرجل من كنانة: صف لي عليا، قال: أعفني، قال: لا أعفيك، قال: أما إذ لا بدّ؛ فإنه كان واللَّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان واللَّه غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جَشِب (^١)، كان واللَّه كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويلبّينا إذا دعوناه، ونحن واللَّه مع تقريبه لنا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة، ولا نبتدئه تعظمة، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظِّم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد باللَّه لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سرباله، وقد غارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السَّليم (^٢)، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا، إيَّاي أردت، أم بي تشوَّقت، هيهات هيهات، غُرِّ غيري، لا حان حينُك، قد بَتَتُّكِ ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير،\n_________\n(^١) هو الطعام الغليظ الخشن البين الخشونة، لسان العرب (١/ ٢٦٥).\n(^٢) تململ على فراشه يَتَمَلْمَل ويَتَمَلَّلُ إذا لم يستقر من الوَجَع كأنه على مَلَّةٍ، مختار الصحاح (٦٤٢).","vol":"2","page":848},{"text":"وخطرك كبير، آهٍ من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، قال: فبكى معاوية، وبكى القوم، ثم قال: رحم اللَّه أبا حسن، كان واللَّه كذلك، وكيف حزنك عليه؟ قال: حزن واللَّه من ذبح واحدها في حجرها، فلا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها\" (^١).\n\n٧٣٠ - نا يوسف بن موسى، نا جرير، عن مغيرة قال: \"لما جيء معاوية بنعي عليّ بن أبي طالب -﵁-، وهو قائل مع امرأته ابنة قرظة، في يوم صائف، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم والخير، والفضل والفقه، قالت امرأته: بالأمس تطعن في عينيه، وتسترجع اليوم عليه، قال: ويلك، لا تدرين ما فقدنا من علمه وفضله وسوابقه\" (^٢).\n\n٧٣١ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، نا يونس بن بكير، عن عنبسة\n_________\n(^١) إسناده لين؛ لجهالة الشيخ من ضبة، وشيخ المصنف ورد في المخطوط كما قرأه المحقق، ولم أجده ولعله محمد بن يحيى بن أبي حاتم واللَّه أعلم، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٨٩ - ٩٠) رقم (١٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٨٤)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١١٠٨) كلاهما من طريق الكلبي، ومن طريق أبي نعيم ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/ ٤٠١) و(٢٤/ ٤٠٢) من طريق ابن شبة وفيه محمد بن غسان الكندي راوي القصة لم أعرفه، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣١٥).\n(^٢) إسناده حسن وهو مرسل؛ يوسف بن موسى هو القطان صدوق التقريب (٧٩٤٤)، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي ثقة متقن إلا أنه كان يدلس لا سيما عن إبراهيم، من السادسة التقريب (٦٨٩٩)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٠ - ٩١) رقم (١٠٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٨٣).","vol":"2","page":849},{"text":"ابن الأزهر، عن سماك بن حرب قال: \"كان عمر بن الخطاب -﵁- يقول لعليّ بن أبي طالب عندما يسأله من الأمر فيفرِّجه عنه: لا أبقاني اللَّه بعدك يا أبا حسن\" (^١).\n\n٧٣٢ - حدثني مهدي بن حفص، نا عبدة بن سليمان، عن عبد الملك ابن أبي سليمان قال: \"قلت لعطاء: أكان أحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أفقه من عليّ؟ قال: لا واللَّه، ما علمته\" (^٢).\n\n٧٣٣ - نا أحمد بن حاتم الطويل، نا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر قال: \"ما رأيت أزهد في النساء من علي بن أبي طالب -﵁-\" (^٣).\n\n٧٣٤ - نا علي بن الجعد قال: سمعت الحسن بن حيّ قال: \"تذاكروا\n_________\n(^١) إسناده حسن إلى سماك، وسماك تغير بأخرة وكان ربما يلقن التقريب (٢٦٣٩)، وانظر الكواكب النيرات (٤٥)، والمختلطين للعلائي (٤٩)، مقتل أمير المؤمنين على ابن أبي طالب -﵁- (٩١) رقم (١٠٨)، وذكر المناوي في فيض القدير (٤/ ٣٥٧) هذا الأثر ونسبه للدارقطني، ولم أجده.\n(^٢) إسناده حسن؛ مهدي بن حفص سبق (٦٩٧)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩١ - ٩٢) رقم (١٠٩)، وذكره المناوي في فيض القدير (٣/ ٤٧).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، فيه محمد بن الحجاج وهو اللخمي الواسطي متهم بحديث الهريسة انظر لسان الميزان (٥/ ١١٦)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٢) رقم (١١٠)، وورد عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة (٨/ ٢٢٩) مقارنة بين زهد عثمان بن عفان وزهد علي بن أبي طالب ﵄ فذكر أن عثمان كان أزهد في الرياسة وعليا كان أزهد في المال.","vol":"2","page":850},{"text":"زُهّاد أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- عند عمر بن عبد العزيز فقال بعضهم: عمر، وقال بعضهم: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: عليّ -﵁-\" (^١).\n\n٧٣٥ - نا إبراهيم بن بشّار، نا نعيم بن مورّع، نا هشام بن حسّان قال: \"بينا نحن عند الحسن البصري إذ أتاه رجل فقال: يا أبا سعيد، إن الناس يزعمون أنك تنقّص عليا -﵁-؟ فقال: رحم اللَّه عليًّا، إن عليا كان سهما للَّه ﷿ في أعدائه، وكان في محلَّة العِلْمِ (لعلها: العَلَم) أشرفها وأقربها من رسول اللَّه -ﷺ-، وكان رهباني هذه الأمة، لم يكن لمال اللَّه ﷿ بالسَّروقة، ولا في أمر اللَّه ﷿ بالنَّؤومة، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله، فكان منه في رياض مونقة وأعلام بيِّنة، ذلك على يا لُكَع (^٢) \" (^٣).\n\n٧٣٦ - حدثني زياد بن أيوب، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش،\n_________\n(^١) إسناده صحيح؛ فرواته ثقات، وإن كان في شيخ المصنف وشيخ شيخه تشيع واللَّه أعلم، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٢ - ٩٣) رقم (١١١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٨٩) عن شيخ المصنف به، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٥)، وابن الأثير في الكامل (٣/ ٢٦٥).\n(^٢) رجل لُكَعٌ بوزن عمر، أي: لئيم، وقيل: هو العبد الذليل النفس، مختار الصحاح (٦١٢).\n(^٣) إسناده حسن، هشام بن حسان متكلم في روايته عن الحسن كما تقدم (٢٧٩)، لكن أجاب الذهبي عن ذلك ثم قال: \"هشام قد قفز القنطرة، واستقر توثيقه، واحتج به أصحاب الصحاح، وله أوهام مغمورة في سعة ما روى\"، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٤ - ٩٥) رقم (١١٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢/ ٤٩٠)، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١١١٠)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٥).","vol":"2","page":851},{"text":"عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: أثنى رجل على علي -﵁- في وجهه وقد كان بلغة أنه يقع فيه فقال له علي: \"أنا دون ما قلت، وفوق ما في نفسك\" (^١).\n\n٧٣٧ - وحدثنا يوسف قال: حدثنا جرير، عن المغيرة بن شعبة قال: قال المغيرة بن شعبة (^٢) لعليّ حين قتل عثمان: \"اقعد في بيتك ولا تدع الناس إلى نفسك؛ فإنك لو كنت في جحر بمكّة لم يبايع الناس غيرك، قال: وقال المغيرة بن شعبة: لئن لم تطعتي في هذه الرابعة لأعتزلنّك ابعث إلى معاوية عهده، ثم اخلعه بعد ذلك، فلم يفعل فاعتزله المغيرة بن شعبة باليمن، فلما أشغل عليّ ومعاوية فلم يبعثوا إلى الموسم أحدا، جاء المغيرة ابن شعبة فصلّى بالناس ودعا لمعاوية\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده منقطع، أبو البختري لم يسمع من علي -﵁- شيئا، كما في تهذيب الكمال (٣/ ١٩١).\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٧٥) رقم (٦٠٧) وفيه خطأ مطبعي صححته من طبعة نجم خلف، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٤) للمصنف، وأخرجه أيضًا ابن قتيبة في عيون الأخبار (١/ ٢٧٦).\n(^٢) هو المغيرة بن شعبة بن مسعود بن معقب الثقفي، صحابي مشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة (٥٠ هـ) على الصحيح، الإصابة (٦/ ١٩٧)، التقريب (٦٨٤٠).\n(^٣) إسناده حسن إلى المغيرة، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (٨٨٧)، وأظن أن نسبة المغيرة بن شعبة خطأ مطبعي، وصوابه بن مقسم؛ لأنه هو الذي يروي عنه جرير ويدل عليه سياق السند، ولما أورده الذهبي في السير لم ينسب مغيرة الأول، =","vol":"2","page":852},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>ثالثا: الآثار الواردة في بعض كراماته</span>.\n\n٧٣٨ - حدثني. . . (^١) بن خليفة الخزاعي، نا أبو يحيى التيمي، عن عمر ابن عبد اللَّه، عن الزهري قال: \"بعث إليّ عبد الملك بن مروان فقال لي: ما كان آية قتل علي -﵁- صبيحة قتل؟ قلت: كان آية قتله صبيحة قتل، أنه لم يقلب حجر بالجابية إلا عن دم عبيط، فقال لي: صدقت، أما إنه لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك\" (^٢).\n_________\n= الإشراف (٢٥٢ - ٢٥١) رقم (٣١١)، والذهبي في السير (٣/ ٢٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ٤٣).\n(^١) قال المحقق: \"ذهب الاسم في حرف الصفحة\".\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه أبو يحيى التيمي وقد سبق (٣٧٨) أنه ضعيف، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٧) رقم (١١٩)، وانظر الذي بعده وهو ضعيف أيضًا فيه أبو معشر وسيأتي (١٢١٤) أنه ضعيف، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٩٩٣) رقم (١٨٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ٣٠٥)، جميعهم من طرق عن حفص بن عمران عن السري بن يحيى، قال الذهبي في التلخيص: \"حفص لا أعرفه والخبر مرسل\"، وأقره ابن حجر في اللسان (٢/ ٣٣٠)، وقد تعقب ابن كثير مثل هذه القصة وما ذكر من غراثب عند موت الحسين -﵁- فقال في تفسيره (٤/ ١٤٤): \"وفي كل من ذلك نظر، والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر، ولا شك أنه عظيم، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين ﵁، ولم يقع شيء مما ذكروه؛ فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب -﵁- وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء =","vol":"2","page":853},{"text":"٧٣٩ - حدثني علي بن الجعد وبشر بن معاذ العنبري وغيرهما، عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن سُرِّيَّة لعبد اللَّه بن جعفر قالت: \"دعاني علي وأنا حبلى، فمسح بطني وقال: اللهم اجعله ذكرا ميمونا، فولدت غلاما\" (^١).\n\n٧٤٠ - حدثني سريج بن يونس، حدثني هشيم، عن إسماعيل بن سالم،\n_________\n= من ذلك، وعثمان بن عفان ﵁ قتل محصورا مظلوما، ولم يكن شيء من ذلك، وعمر بن الخطاب ﵁ قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك، وهذا رسول اللَّه ﷺ وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه، ويوم مات إبراهيم بن النبي -ﷺ- خسفت الشمس، فقال الناس: خسفت لموت إبراهيم، فصلى بهم رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته\"، وبهذا تعرف أن ما ذكره ابن عساكر في تاريخه (٤٢/ ٥٦٨) بقوله: \"قال البيهقي وروي بإسناد أصح من هذا عن الزهري أن ذلك كان في قتل الحسين\" لا يعني صحة السند بله القصة.\n(^١) إسناده حسن، فيه إبهام سرية عبد اللَّه، لكن ستأتي القصة من إخبار غيرها عنها، مجابو الدعوة (٧٥) رقم (٣٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١١٠) رقم (٢٩٨٧٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ١١٧) رقم (٢١٧١)، وعنده عن مغيرة عن أم موسى أن سرية لعبد اللَّه، وأم موسى هي سرية على حديثها مستقيم يخرج حديثها اعتبارا، كما في سؤالات البرقاني رقم (٥٨٥).","vol":"2","page":854},{"text":"عن عمار الحضرمي، عن زادان أبي عمر (^١): \"أن رجلا حدث عليا -﵁- بحديث فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل، قال: أدعو اللَّه عليك إن كنت كذبت، قال: ادع، فدعا فما برح حتى عمي\" (^٢).\n\n٧٤١ - حدثنا خلف بن سالم، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي مكين (^٣) قال: \"مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في جَمل، دارٍ في محلِّ حيٍّ من مراد (^٤) فقال: ترى هذه الدار؟ قلت: نعم، قال: فإن عليا مر عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجّته، فدعا اللَّه أن لا يكمل بناؤها، قال:\n_________\n(^١) هو زاذان أبو عمر الكندي البزاز، ويكنى أبا عبد اللَّه أيضًا، صدوق يرسل، وفيه شيعية، مات سنة (٨٢ هـ)، التقريب (١٩٧٦).\n(^٢) مداره على عمار الحضرمي، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٨٥)، والبخاري في تاريخه (٧/ ٢٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٣٩١)، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، مجابو الدعوة (٦٥ - ٦٦) رقم (٢٧)، مقتل علي بن أبي طالب رقم (٣)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٥٣٩) رقم (٩٠٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في الزهد (١٣٢)، الطبراني في الأوسط (٢/ ٢١٩) رقم (١٧٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٦): \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمار الحضرمي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات\"، ولن طريق المصنف اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٣٤) رقم (٧٣)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩١)، وكذا ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٥)، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (١٧٩) ونسبه للطبراني في الأوسط وأبي نعيم في الدلائل.\n(^٣) هو نوح بن ربيعة كما سيأتي في التخريج.\n(^٤) في المطبوع: حيٍّ من مراد.","vol":"2","page":855},{"text":"فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت تمرّ عليها لا تشبه الدور\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>رابعا: الآثار الواردة في زهده وورعه وعبادته</span>.\n\n٧٤٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري (^٢) وميسرة (^٣) قالا: \"إن عليا قسم ما في بيت المال حتى لم يبق فيه إلا أربعة آلاف، فأمر بها فقسمت، قيل له في ذلك، فقال: لا واللَّه حتى تبعر فيه الغنم\" (^٤).\n\n٧٤٣ - حدثني محمد بن عمرو بن الحكم الهروي، حدثنا عمرو بن\n_________\n(^١) إسناده حسن، أبو مكين هو نوح بن ربيعة صدوق التقريب (٧٢٥٦)، مجابو الدعوة (٦٦) رقم (٢٧)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٢٤) رقم (٤)، بنفس السند والمتن، والنص فيه أضبط، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٣٤) رقم (٧٤)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩١)، وكذا ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٦).\n(^٢) سعيد بن فيروز كما سيأتي في التخريج.\n(^٣) انظر التخريج الآتي.\n(^٤) إسناده صحيح إلى أبي البختري وهو مرسل؛ فإن أبا البختري هو سعيد بن فيروز ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الارسال التقريب (٢٣٩٣)، وميسرة إما أن يكون ابن يعقوب أبو جميلة، أو أبو صالح الكندي، كما في ترجمة عطاء من تهذيب الكمال، وكلاهما مقبولان (٧٠٨٨، ٧٠٨٩)، والأثر حسن عموما، ذم الدنيا (٨٩) رقم (٢٣١)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٥٤٥) رقم (٩١٣) نحوه بسند حسن، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٠٠)، وابن عبد البر في الاستعياب (٣/ ١١١٣) نحوه أيضًا.","vol":"2","page":856},{"text":"عاصم الكلابي، حدثنا كثير بن مغفل الباهلي، حدثني محمد بن مروان، أن رجلا من بني عامر بن ذهل من أهل الكوفة قال: لقيت رجلا من أهل الكوفة بعرفات فأخبرني عن أبيه، أنه لقي علي بن أبي طالب -﵁- بعرفات قال: فقال علي بن أبي طالب -﵁-: \"لا أدع هذا الموقف ما وجدت إليه سبيلا؛ لأنه ليس في الأرض يوم إلا للَّه ﷿ فيه عتقاء من النار، وليس يوم أكثر عتقا للرقاب فيه من يوم عرفة، فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتني من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عني فسقة الجن والإنس، فإنه عامة ما أدعو به اليوم\" (^١).\n\n٧٤٤ - حدثنا أحمد بن حاتم الطويل، نا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر (^٢) قال: \"ما رأيت في الدنيا أزهد من علي ابن أبي طالب\" (^٣).\n\n٧٤٥ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن\n_________\n(^١) إسناده لين، كثير بن مغفل لم أجده، ومحمد بن مروان الظاهر أنه الذهلي فهو كوفي هذلي والقصة عن كوفي ذهلبي واللَّه أعلم، وهو مقبول التقريب (٦٣٢٣)، فضائل عشر ذي الحجة آخر أثر، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٤١١) إلى المصنف في الأضاحي، وكذا التقي الهندي في كنز العمال (٥/ ١٩٠).\n(^٢) هو قبيصة بن جابر بن وهب الأسدي، أبو العلاء الكوفي، ثقة مخضرم، مات سنة (٦٩ هـ)، التقريب (٥٥١٠).\n(^٣) إسناده لين؛ فيه مجالد بن سعيد، ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، ذم الدنيا (٨٩) رقم (٢٣٢).","vol":"2","page":857},{"text":"شريك، عن عاصم بن كليب، عن محمد بن كعب قال: سمعت عليا يقول: \"لقد رأيتني مع رسول اللَّه -ﷺ- وإني لأربط الحجر من الجوع على بطني\" (^١).\n\n٧٤٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عليّ قال: \"جعت مرة بالمدينة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مَدَرًا (^٢)، فظننت تريد بلَّه فأتيتها، فقاطعتها على كل ذنوب تمرة، فبدرت ستة عشر ذنوبا، حتى مَجِلَت (^٣) يداي، ثم أتيت الماء، فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفِّي هكذا بين يديها، فعدّت لي ست عشرة تمرة، فأتيت\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ مداره على شريك وهو ابن عبد اللَّه القاضي وقد سبق (٦٠٨)، كما أن محمد بن كعب القرظي لم يسمع من على انظر تحفة التحصيل (٢٨٦)، الجوع (١٤٧) رقم (٢٣٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٦٣) رقم (١٣٦٧)، وفضائل الصحابة (١/ ٥٣٩) رقم (٨٩٩)، والزهد (١/ ١٣٣)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٢٣): \"رواه كله أحمد، ورجال الروايتين رجال الصحيح غير شريك بن عبد اللَّه النخعي، وهو حسن الحديث، ولكن اختلف في سماع محمد بن كعب من علي واللَّه أعلم\"، ومن طريقه المقدسي في المختارة (٢/ ٣٥٧) رقم (٧٤٠)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٣٧٥)، والدولابي في الكنى والأسماء (٢/ ١٦٣).\n(^٢) هي قطع الطين اليابسة، القاموس المحيط (١/ ٦٠٩).\n(^٣) نفطت العمل، فمَرَنَتْ وصَلُبت وثَخُن جلدُها وتَعَجَّر، وظهر فيها ما يشبه البَثَر من العمل بالأَشياء الصُّلْبة الخشِنة، لسان العرب (١١/ ٦١٦).","vol":"2","page":858},{"text":"النبي -ﷺ- فأخبرته، فأكل معي منها\" (^١).\n\n٧٤٧ - حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي قال أنبأنا أبو أسامة عن سفيان عن أبي الجحَّاف عن رجل من خثعم قال: \"دخلت على حسن وحسين وهما يأكلان خبزا وخلا وبقلا، فقلت لهما: أنتما ابنا أمير المؤمنين وأنتما تأكلان ما أرى، وفي الرحبة ما فيها!، قالا: ما أقلّ علمك بأمير المؤمنين، إنما ذاك للمسلمين\" (^٢).\n\n٧٤٨ - حدثنا أبو عبد الرحمن قال حدثنا أبو أسامة عن الحسن بن\n_________\n(^١) إسناده ضعيف منقطع؛ مداره على مجاهد عن علي، ومجاهد لم يسمع من علي انظر جامع التحصيل (٢٧٣)، الجوع (٣٨) رقم (١٧)، وانظر رقم (١٨٢)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢) رقيم (١١٣٥) ومختصرا برقم (٦٨٧)، وفي فضائل الصحابة رقم (١٢٢٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٩٧): \"رواه ابن ماجه باختصار، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهدا لم يسمع من عليّ واللَّه أعلم\"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧١)، ومن طريق المصنف ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ٧٧٨)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣٢٠).\nوأصل عمل علي -﵁- بالدلو على التمر ثابت واللَّه أعلم، أخرجه ابن ماجة في السنن برقم (٢٤٤٧) بلفظ: \"كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترط أنها جلدة\"، والمقدسي في المختارة (٢/ ٤١٢) رقم (٧٩٨)، قال الهيثمي في مصباح الزجاجة (٣/ ٧٧): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات موقوفا\"، وانظر التحقيق في أحاديث الخلاف (٢/ ٢١٨).\n(^٢) إسناده ضعيف لإبهام الخثعمي، الورع (٩٠) رقم (١٢٩)، وذكره البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦).","vol":"2","page":859},{"text":"الحكم قال: حدثتني أمي عن أم عثمان أن أم ولد كانت لعلي قالت: \"جئت عليا يوما وبين يديه قرنفل مكثوب، فقلت: يا أمير المؤمنين هب لابنتي من هذا القرنفل قلادة، قال: ايتني درهما بيده هكذا فإنما هذا مال المسلمين، أو اصبري حتى يأتيني حظي فأهب لك منه، فأبى أن يهب لي منه شيئا\" (^١).\n\n٧٤٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي صالح الحنفي، قال: \"دخلت على أم كلثوم، فقالت: ائتوا أبا صالح بطعام، فأتوني بمرقة فيها جنوب (^٢)، فقلت: أتطعموني هذا وأنتم أمراء؟ قالت: كيف لو رأيت أمير المؤمنين عليا، وأُتي بأترج، فأخذ الحسن أو الحسين منها أترجا لصبي لهم، فانتزعها من يده وقسمها بين المسلمين\" (^٣).\n\n٧٥٠ - حدثنا خلف بن سالم قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت عبد الملك بن عمير قال حدثني رجل\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، لجهالة أم الحسن بن الحكم، الورع (٩٠) رقم (١٣٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٥٨) رقم (٣٢٩٠١)، وكرره (٧/ ١٠٢) عن أبي أسامة به.\n(^٢) وهي الجوانب، وهي غالبا ما تكون من الأضلاع، وقليل لحمها، كما هو معروف، انظر لسان العرب (٢/ ٣٧١).\n(^٣) إسناده لين، والأثر حسن؛ للكلام في سماع إسحاق وهو الطالقاني من جرير خاصة، الورع (٩١) رقم (١٣١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٠١) رقم (٣٤٥٠١)، عن أبي معاوية عن الأعمش به.","vol":"2","page":860},{"text":"من ثقيف قال: \"استعملني عليٌّ -﵁- على عُكْبُرَا (^١)، ولم يكن السواد. . . المصلون، فقال لي بين أيديهم: استوف منهم خراجهم ولا يجدوا فيك معفا ولا رخصة، ثم قال لي: رُح إليّ عند الظهر، فرُحت إليه فلم أجد عنده حاجبا يحجبني دونه، ووجدته جالسا، عنده قدح وكوز من ماء فدعا بطية فقلت في نفسي لقد أمنني حين يخرج إليّ جوهرا، فإذا عليها خاتم، فكسر الخاتم فإذا فيها سويق، فصبّ في القدح فشرب منه وسقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين تصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك، قال: إنما أشتري قدر ما يكفيني، وأكره أن يفنى فيُصنع فيه من غيره، وإني لم أختم عليه بخلا عليه، وإنما حفص لذلك، وأنا أكره أن أدخل بطني إلا طيبا، ولئن قلت لك بين أيديهم الذي قلت لك، لأنهم قوم خدع، وأنا آمرك بما آمرك، الآن، فإن أخذتهم به وإلا أخذك اللَّه به دوني، ولئن بلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك، لا تبيعن لهم رزقا يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضرب رجلا منهم سوطا في طلب درهم، ولا تقمه في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تبيعنّ لهم دابة يعملون عليها، إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، قال: إذا جئتك كما ذهبت؟ قال: فإن فعلت، قال: فذهبت فسعيت بما أمرني به، فرجعت إليه\n_________\n(^١) هي اسم بليدة من نواحي دجيل، قرب صريفين وأوانا، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ، والنسبة إليها عكبري، معجم البلدان (٤/ ١٤٢).","vol":"2","page":861},{"text":"وما بقى عليّ درهم واحد إلا وفّيته\" (^١).\n\n٧٥١ - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال حدثنا عبد اللَّه بن وهب عن ابن لهيعة عن عبد اللَّه بن هبيرة عن عبد اللَّه بن زرير الغافقي قال: \"دخلنا على علي بن أبي طالب -﵁- يوم أضحى، فقدَّم إلينا خزيرة، فقلنا: يا أمير المؤمنين لو قدّمت إلينا من هذا البط والوز، والخير كثير، قال يا ابن زرير، إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"لا يحل للخليفة إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يطعمها\" (^٢).\n\n٧٥٢ - حدثنا أبو زيد النميري قال: حدثنا أبو نعيم (^٣) قال: سمعت\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ مداره على إسماعيل بن إبراهيم وهو ضعيف التقريب (٤٢١)، الورع (٨٩) رقم (١٢٧)، ومختصرا في الجوع رقم (٢٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٨٢).\n(^٢) إسناده حسن، فيه ابن لهيعة لكنه من رواية عبد اللَّه بن وهب عنه، انظر المختلطين للعلائي (٦٥)، الورع (٨٩) رقم (١٢٨)، وأحمد في المسند (١/ ٧٨)، وفضائل الصحابة (٢/ ٧٢٤) رقم (١٢٤١)، عن ابن لهيعة به، وله متابع هو عبد الرحمن بن ثوبان كما في مسند الشاميين (١/ ١٤٩) رقم (٢٤٠)، قلت: وقد صححه أحمد شاكر في شرح المسند (٢/ ٥٧٧)، وهذا صحيح إذا كان المراد صحيح لغيره، وفي مجمع الزوائد (٥/ ٢٣١) إشارة إلى تضعيفه بسبب ابن لهيعة.\n(^٣) هو الفضل بن دكين، وقد تردد المحقق في الجزم به؛ لأن أبا نعيم عبيد بن هشام الحلبي يروي كذلك عن سفيان بن عيينة كما قال، لكن بالرجوع إلى شيوخ أبي زيد النميري وهو عمر بن شبة لم يذكر إلا الفضل بن دكين واللَّه أعلم.","vol":"2","page":862},{"text":"سفيان (^١) يقول: \"ما بنى عليّ -﵁- آجرّة على آجرّة، ولا قصبة على قصبة\" (^٢).\n\n٧٥٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن عبيد اللَّه بن الوليد، عن فضيل بن مسلم، على أبيه: \"دار فرات بالكوفة قال: فقام عليّ -﵁- فقال: أرني هذا القميص، قال: فلبسه، ثم قال: بكم هذا؟ قلنا: بثلاثة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فمدّ يده، فإذا القميص يفضل عن أصابعه، فقال: اقطعه بحد أصابعي، ثم قيال: حصه، قال: أَكُفُّه؟ قال: نعم إن كان الحوص كفًّا فكُفَّه، ثم رفع قميصه، فأخرج من حجرته ثلاثة دراهم، ثم أدبر وهو يقول: حسبك ما بلغك المحل، وكان كرابيس (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) هو ابن عيينة كما نص النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣١٧).\n(^٢) رجاله ثقات وهو منقطع، وقد كان سفيان بن عيينة لا يدلس إلا عن ثقة كما في جامع التحصيل (١٨٦)، قصر الأمل (١٧٧) رقم (٢٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٩٥) رقم (١٠٧٢٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٨٢)، وذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣١٧)، وقد وردت عدّة آثار في عدم بناء بعض الصحابة للبيوت، بل وتحذيرهم من ذلك فانظر (٢٤٣، ٢٤٨، ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٧٤، ٣٠٢) وفي بعضها النهي عن الآجر خاصة، وفي بعضها ما يدل على أنه مكروه وليس محرما.\n(^٣) ثياب فارسية من قطن، لسان العرب (٦/ ١٩٥).\n(^٤) إسناده ضعيف، لجهالة فضيل بن مسلم التقريب (٥٤٧٣)، وضعف عبيد اللَّه بن الوليد التقريب (٤٣٨١)، إصلاح المال (٣٢٨) رقم (٣٨٧) التواضع والخمول (١٩٣ - ١٩٤) رقم (١٥٤)، وانظر رقم: (٣٨٦، ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٨٩، =","vol":"2","page":863},{"text":"٧٥٤ - حدثني إبراهيم بن سعيد، نا الحسين بن محمد، نا قيس بن الربيع، عن عبد اللَّه بن عطاء، عن أبي جعفر قال: \"ما مات علي بن أبي طالب -﵁- حتى بلغت غلّته مائة ألف، ولقد مات يوم مات وعليه سبعون ألفا دينا، فقلت: من أين كان عليه هذا الدين؟ قال: كان تأتيه حامَّته (^١) من أصهاره ومعارفه ممن لا يرى لهم في الفيء نصيبا فيعطيهم، فلما قام الحسن بن علي باع وأخذ من حواشي ماله حتى قضى عنه، ثم كان يعتق عنه كل عام خمسين نسمة حتى هلك، ثم كان الحسين يعتق عنه خمسين نسمة حتى قتل، ثم لم يفعله أحد بعدهما\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>خامسا: الآثار الواردة في جهاده وشجاعته</span>.\n\n٧٥٥ - حدثنا أحمد، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي، نا كثير بن هشام، نا عيسى، عن معروف قال: قال سعيد بن المسيب: \"قتل عليّ بن أبي طالب -﵁- أربعة نفر من صناديد قريش أحدهم طلحة بن أبي\n_________\n= ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٣، ٣٩٤) وفي (٣٨٢): \"كان يشتري القميص بدرهمين، والدرع بألفين\"، وانظر التواضع والخمول رقم (١٣٢ - ١٣٤، ١٣٧ - ١٤١)، وعبد بن حميد في مسنده (٦٢) رقم (٩٦) بسند ضعيف فيه المختار بن نافع وهو ضعيف (٦٥٦٩)، وأحمد في الزهد (١٣٢) وفيه من لم أعرفه، وفي فضائل الصحابة (١/ ٥٤١) رقم (٩٠٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٠٧) رقم (٢٠٠٨٠) عن المختار به، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٨٥/ ٤٨٦) من طريق عبد بن حميد.\n(^١) أقرباؤه، لسان العرب (١٢/ ١٥٠).\n(^٢) إسناده ضعيف فيه قيس بن الربيع وقد تقدم (٧١٣)، مكارم الأخلاق (١٠٦) رقم (٤٢١).","vol":"2","page":864},{"text":"طلحة، ثم جاء بالسيف إلى فاطمة فقال:\nأَفاطم هاك السيف غير ذميم ... فلست برعديدٍ ولا بلئيم\nلعمري لقد جاهدت في نصر أحمد ... ومرضاة ربٍ بالعباد عليم\nأريد ثواب اللَّه -لا شيء غيره- ... ورضوانه في جنة ونعيم\nأَمَمتُ ابن عبد الدار كي أعرفنَّه ... بذي رونق يفري العظام صميم\nوكنت امرءًا أسمو إذا الحرب شمَّرت ... وقامت على ساقٍ لكل مليم\nفغادرتة بالجرِّ وارفضَّ جمعه ... عباديد من ذي فائظ وكليم\nقال: ولما كان يوم الأحزاب قطع عليه عمرو بن عبد ودّ الخندق فقيل له: انصرف، قال: لا أنصرف حتى أقتل محمدا فخرج إليه عليّ -﵁- فقال: يا عمرو إني سمعتك تقول عند الكعبة: لا ينصفني أحد إلا قتلتُ، وإني أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فأبى عليه، قال: فإني أدعوك أن تنزل فتبارزني، قال: أنصفت، قال: وقد قال عمرو قبل ذلك:\nولقد بححت من الندا ... ءِ بجمعكم هل من مبارز\nووقفت إذ جبُن الشِّجا ... ع لموقف البطل المناجز\nوكذاك إني لم أزل ... متسرِّعا نحو الهزاهز\nإن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز\nفأجابه علي -﵁-:\nلا تعجلنَّ فقد أتا ... ك مجيبُ صوتِك غير عاجز","vol":"2","page":865},{"text":"ذو نيّة وبصيرة ... والصِّدقُ منجى كل فائز\nإني لأرجو أن أقيـ ... ـم عليك نائحةَ الجنائز\nمن ضربة فوهاء يبـ ... ـقي أثرها عند الهزائز\nولقد دعوت إلى البِرا ... ز فما تجيب إلى المبارز\nفنزل فعقر فرسه وركّز عترته، وكان أعرج ومشى إليه عليّ -﵁-، وهاجت عجاجة فحالت بينهما وبين الناس، ورفع النبي -ﷺ- يديه يدعو، فانفرجت وعلي يمسح سيفه بثيابه ورجع علي -﵁- يقول:\nأعليّ، تقتحم الفوارس هكذا، ... عنِّي وعنهم أخِّروا، أصحابي\nاليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمِّمٌ في الرأس ليس بنابي\nأدى عمر حين أخلص صنعه ... صافي الحديدة يستنصّ ثوابي\nفغدوت ألتمس القراع بمرهفٍ ... عضب مع البتراء في الأقراب\nآلى ابن عبدٍ حين شدّ أليَّةً ... وحلفت فاستمعوا مِن الكذّاب\nألَّا يصدَّ ولا يهلِّل فالتقى ... فتيان يضطربان كل ضراب\nفصددت حين تركته متجدِّلا ... كالجذع بين دكادكٍ وروابي\nوعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطّرَ بزَّني أثوابي\nوزادني عبد الرحمن بن صالح عن يونس بن بكير:\nعبَدَ الحجارة من سفاهة رأيه ... وعبدتُّ ربَّ محمد بصواب\" (^١)\n_________\n(^١) إسناده حسن إن شاء اللَّه، ومعروف صدوق ربما وهم، وكان أخباريا علامة التقريب (٦٨٣٩)، وشيخ المصنف هنا وهو (أحمد) أظنه مقحم فإنه لم يرد في =","vol":"2","page":866},{"text":"٧٥٦ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: \"لما قتل عليّ -﵁- عمروا أقبل نحو رسول اللَّه -ﷺ- ووجهه يتهلل فقال له عمر -﵁-: هلّا سلبت درعه؛ فإنه ليس للعرب درع مثله؟ قال: ضربته فاتقاني بسوءته فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه\" (^١).\n\n٧٥٧ - حدثني المفضل بن غسّان، حدثني أبي قال: نا معاذ بن معاذ، عن عبيد اللَّه بن الحسن، عن عمرو بن دينار قال: \"كان يقال: أشجع الناس الزبير، وأبسلهم علي ﵄، والباسل فوق الشجاع\" (^٢).\n\n٧٥٨ - حدثني سريج بن يونس، نا وكيع، نا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن عبد اللَّه بن سنان الأسدي قال: \"رأيت عليا -﵁- بصفّين معه سيف رسول اللَّه -ﷺ- ذو الفقار يحمل عليهم فنضبطه فيفلت منا فيحمل\n_________\n= إحدى النسخ، كما أن العكلي من شيوخ ابن أبي الدنيا، والظاهر أن الأثر دخل بعضه في بعض حيث إن قول علي لفاطمة كان في أحد وباقي القصة في الخندق، ولم أجده عن سعيد بن المسيب، مكارم الأخلاق (٤٦ - ٤٨) رقم (١٩٥)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٢ - ٣٣)، ومبارزة علي -﵁- مشهورة في كتب السيرة، انظر السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (٤٥٢).\n(^١) إسناده كسابقه، مكارم الأخلاق (٤٨) رقم (١٩٦)، وهو تتمة الأثر كما في رواية الحاكم السابقة من طريق يونس بن بكير به.\n(^٢) إسناده حسن إلى ابن دينار، رجاله ثقات المفضل وأبوه وثقهما الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٢٥) (١٣/ ١٢٥)، وعبيد اللَّه بن الحسن ثقة تُكلم فيه بسبب البدعة كما في ميزان الاعتدال (٣/ ٥)، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٥٩).","vol":"2","page":867},{"text":"عليهم فيضرب بسيفه حتى يجيء به قد تثنى فيقول: \"إن هذا يعتذر إليكم\" (^١).\n\n٧٥٩ - حدثني أبي ﵀ ومحمد بن صالح، عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: \"لما كان يوم بدر قال علي -﵁- للمقداد: أعطني فرسك أركبه، فقال النبي -ﷺ-: أنت راجلا خير منك فارسا، قال: فركب ثم وتر قوسه فرمى فأصاب أذن الفرس فشبّ الفرس فصرعه، فضحك النبي -ﷺ- حتى أمسك على فيه فغضب على -﵁- فسلَّ سيفه ثم شدَّ على المشركين فقتل ثمانية قبل أن يرجع، ثم قال للنبي -ﷺ-: لو أصابني شرٌّ من هذا كنتُ أهلَه حين تقول: أنت راجلا خير منك فارسا، فعصيتك\" (^٢).\n\n٧٦٠ - حدثنا سويد بن سعيد، نا محمد بن مروان البصري، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال: قال علي -﵁-: \"لما كان يوم أحد نظرت رسول اللَّه -ﷺ- في القتلى فلم أجده فقلت: واللَّه ما كان رسول اللَّه -ﷺ- ليفرَّ، واللَّه إني لأرى اللَّه غضب علينا لما صنعنا فرفعه إليه، قال: فكسرت جفن سيفي فحملت على القوم فأفرجوا لي فإذا أنا برسول اللَّه\n_________\n(^١) إسناده حسن، شِمر بن عطية صدوق التقريب (٢٨٣٧)، وعبد اللَّه بن سنان الأسدي ثقة كما في تعجيل المنفعة (٢٢٤)، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٦٠).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأبوه، وكلاهما متهم بالرفض وكلاهما متهم في الحديث أيضًا، انظر التقريب (٥٩٣٨) ولسان الميزان (٤/ ٣٠٤)، مكارم الأخلاق (٣٥) رقم (١٥٨).","vol":"2","page":868},{"text":"-ﷺ-\" (^١).\n\n٧٦١ - حدثني أبي، أنا عمار أبو اليقظان، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر قال: \"نادى مناد يوم بدر يقال له: رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر بعض فضائل علي بن أبي طالب -﵁-، وبيان منزلته، وهي مناقب كثيرة، وفضائل عديدة قال الذهبي: \"مناقب علي -﵁- يضيق المكان عنها، وقد أفردت سيرته في كتاب سميته فتح المطالب في أخبار علي بن أبي طالب\" (^٣)، وما ورد منها هنا اشتمل على:\n_________\n(^١) إسناده إلى عكرمة حسن، لأجل الكلام في سويد شيخ المصنف وقد سبق (١٦٧)، لكنه منقطع؛ فإن روايته عن علي مرسلة كما في المراسيل لابن أبي حاتم (١٥٨)، مكارم الأخلاق (٣٥ - ٣٦) رقم (١٥٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢/ ٦٤٣) رقم (٢٧٠)، وأبو يعلى في المسند (١/ ٤١٥) رقم (٤٥٦)، وعنه الضياء في المختارة (٢/ ٢٩٤) رقم (٦٧٥).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه سعد بن طريف وهو الإسكافي الحنظلي أبو العلاء الكوفي، متروك، ورماه ابن حبان بالوضع، وكان رافضيا، انظر التقريب (٢٢٥٤)، وروي هذا الأثر مرفوعا وهو أضعف من هذا فيه عيسى بن مهران المستعطف رافضي كذاب، انظر الكشف الحثيث (٢٠٥)، الكامل في ضعفاء الرجال (٥/ ٢٦٠)، ميزان الاعتدال (٣/ ٣٢٤).\nكتاب الهواتف (٢٠) رقم (٥).\n(^٣) معرفة القراء الكبار (١/ ٢٧).","vol":"2","page":869},{"text":"تقدم إسلامه، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته، وزهده وورعه وعبادته، وجهاده وشجاعته.\nفأما إسلامه: فلا شك أنه من أوائل المتقدّمين إلى الإسلام، وقد حصل خلاف في مسألة أول من أسلم من الصحابة، فقيل: أبو بكر الصديق، وقيل: خديجة، وقيل: علي بن أبي طالب، وقيل: زيد بن حارثة، ونسب القرطبي إلى الثعلبي قوله بأن الخلاف واقع فيمن أسلم بعد خديجة (^١) وقال: \"وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي يجمع بين هذه الأخبار، فكان يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال واللَّه أعلم\" (^٢).\nوأما ثناء الناس عليه: فقد أثنى عليه الصحابة كابن عباس وتأسف على موته، وذكر جملة من مناقبه، ومعاوية -﵁- رغم ما كان بينهما، أثنى على فقهه وتفرده في عويص المسائل، وأبكاه الكناني الذي ذكر أوصافه ووافقه على ما ذكر، بل وبكى يوم جاءه نعيه، وكذا عمر بن الخطاب\n_________\n(^١) ووافقه البغوي في هذا انظر تفسير البغوي (١/ ٨٧).\n(^٢) تفسير القرطبي (٨/ ٢١٥)، وانظر الصواعق المحرقة (١/ ٢١٨)، وجامع الترمذي (٥/ ٦٤٢)، والأوائل لابن أبي عاصم (١/ ٧٨ - ٨٠)، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (٩٤)، وانظر تعقب العراقي له في التقييد والإيضاح (٣٠٨)، والبداية والنهاية (٣/ ٢٦)، الشذا الفياح (٢/ ٥٠٢)، وفتح المغيث (٣/ ١٣٨)، وصحيح السيرة النبوية للألباني (١/ ١١٩ - ١٢٠).","vol":"2","page":870},{"text":"يمتنى أن لا يبقى بعده لما يفرج عليه في المسائل، وكان عطاء يعدُّه أفقه الصحابة (^١)، وجابر لم ير أزهد في النساء منه، وكذا عمر بن عبد العزيز عدّه أزهد الصحابة، ووصفه الحسن البصري بأنه رهباني هذه الأمة، بل لم يشك المغيرة بن شعبة في أن الناس لن يبايعوا غيره، ولو كان في جحر في مكة، وكان مع ذلك يعرف قدر نفسه، وينزل نفسه منزلتها، حيث أجاب من مدحه في وجهه، وهما ممن يقع فيه، بأنه دون ما قال، وفوق ما يقع فيه.\nوأما كراماته: فقد تضمنت الآثار بعضها، أهم ما ورد هنا كونه كان مجاب الدعوة، دعا للحامل أن يكون حملها ذكرا ميمونا، وبالعمى على من كذب عليه، وأن لا يكمل بنيان قوم فما ارتفع، وأخيرا ورد في أثر الزهري الأخير، أن آية قتله أنه لم يقلب حجر بالجابية إلا كان تحته دم\n_________\n(^١) ليس في هذا الكلام ما يفيد أنه كان أفقه من الشيخين واعلم منهما، ولهذا أجاب شيخ الإسلام عن تهويل الرافضي في دعواه: \"قصورهم -أي الصحابة- في العلم، والتجاؤهم في أكثر الأحوال إلى علي، والجواب أن هذا من أعظم البهتان؛ أما أبو بكر فما عرف أنه استفاد من علي شيئًا أصلا، وعلى قد روى عنه، واحتذى حذوه، واقتدى بسيرته، وأما عمر فقد استفاد علي منه أكثر مما استفاد عمر منه، وأما عثمان فقد كان أقل علما من أبي بكر وعمر، ومع هذا فما كان يحتاج إلى علي، حتى إن بعض الناس شكا إلى عليٍّ بعض سعاة عُمَّال عثمان، فأرسل إليه بكتاب الصدقة، فقال عثمان: لا حاجة لنا به، وصدق عثمان\" منهاج السنة (٨/ ٢٧٩).","vol":"2","page":871},{"text":"عبيط، وقد سبق في التخريج أن هذا لم يصح، والمقصود من ذكر هذا الأثر عدم الاغترار بكل ما يروى في الفضائل، والتنبيه على ذلك، قال شيخ الإسلام: \"المصنفون في الفضائل. . . قد يتسامحون في رواية أحاديث ضعيفة كالنسائي؛ فإنه صنف خصائص علي، وذكر فيها عدة أحاديث ضعيفة. . .وكذلك أبو نعيم في الخصائص، وخيثمة بن سليمان، والترمذي في جامعه، روى أحاديث كثيرة في فضائل علي كثير منها ضعيف\" (^١)، بل إن الرافضة من أكثر الناس كذبا، ولذلك وجد من الموضوع في فضائل علي ما لم يوجد في غيره (^٢)، قال شيخ الإسلام: \"وضع كثير من هؤلاء أحاديث في فضائل الصحابة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، لا سيما ما وضعوه في فضائل علي من الأكاذيب؛ فإنه لا يكاد يحصى، مع أن في فضائلهم الصحيحة ما يغنى عن الباطل\" (^٣).\nوهنا لفتة أريد التنبيه عليها، وهي أن ما يذكر من قول الإمام أحمد: لم يرو في فضائل أحد من الصحابة مثل ما روي عن علي -﵁-، قد أسيء فهمه، وحُرّف لفظه، قال شيخ الإسلام: \"قول من قال: صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره، كذب لا يقول أحمد، ولا غيره من أئمة الحديث، لكن قد يقال: رُوي له ما لم يُرو لغيره، لكن أكثر ذلك من نقل\n_________\n(^١) منهاج السنة (٧/ ١٧٨)، وانظر (٧/ ٣١٢).\n(^٢) انظر المنار المنيف (١١٦).\n(^٣) درء التعارض (٣/ ٣٢٩).","vol":"2","page":872},{"text":"من علم كذبه، أو خطؤه، ودليل واحد صحيح المقدمات، سليم عن المعارضة، خير من عشرين دليلا مقدماتها ضعيفة، بل باطلة، وهي معارَضَة بأصح منها، يدل على نقيضها\" (^١)، قلت: ومصداق كلامه أن المروي بالسند عن الإمام أحمد قوله: \"ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- من الفضائل، ما جاء لعلى بن أبي طالب -﵁-\" (^٢)، فعبارة الإمام أحمد: \"جاء\"، ولعل الذي أوقع في هذا الوهم، أنه قد يروى قول الإمام أحمد بالمعنى، كما فعل الحافظ ابن حجر وتبعه المباركفوري، حيث قال: \"قال أحمد، وإسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري، لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي\" (^٣)، والعبارة الصحيحة، هي كما نقلها الحافظ الهيتمي: \"قال أحمد: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي، وقال إسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي\" (^٤)، فكلام الإمام أحمد غير كلام الثلاثة الذين من بعده، فلا يصح الجمع بينهم في سياق واحد، فالإمام أحمد لم يتعرض للصحة أصلا كما قال شيخ الإسلام، بخلاف إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي\n_________\n(^١) منهاج السنة (٨/ ٤٢١)، وانظر (٧/ ٣٧٤).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤١٨)، وذكره ابن حجر تهذيب التهذيب (٣/ ١٧١).\n(^٣) فتح الباري (٧/ ٧١)، وتحفة الأحوذي (١٠/ ١٤٤).\n(^٤) الصواعق المحرقة (٢/ ٣٥٣).","vol":"2","page":873},{"text":"النيسابوري فإنهم وصفوا تلك الأحاديث بالحسان، وإذا كان الأمر كذلك فإن ما ذكره الهيتمي من توجيه هذا الكلام بقوله: \"قال بعض المتأخرين من ذرية أهل البيت النبوي: وسبب ذلك واللَّه أعلم، أن اللَّه تعالى أطلع نبيه على ما يكون بعده مما ابْتُلِي به عليٌّ، وما وقع من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة، فاقتضى ذلك نصح الأمة بإشهاره بتلك الفضائل، لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته، ثم لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه، نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل، وبثها نصحا للأمة أيضًا، ثم لما اشتد الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه، وسبه على المنابر، ووافقهم الخوارج لعنهم اللَّه، بل قالوا بكفره، اشتغلت جهابذة الحفاظ من أهل السنة ببث فضائله، حتى كثرت نصحا للأمة ونصرة للحق\" (^١)، هذا الكلام وإن لم يَبْدُ عليه النفس البدعي الرافضي أو غيره؛ بل على العكس، فإنه رغم هذا ليس صحيحا، بل الجواب الصحيح في هذا الباب أن يقال: \"فضائل علي الثابتة عامتها مشتركة بينه وبين غيره، بخلاف فضائل أبي بكر وعمر؛ فإن عامتها خصائص لم يشارَكَا فيها\" (^٢)، \"لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص، لم يشركه فيها غيره\" (^٣)، فعند تمحيص المرويات يظهر أن: \"فضائل الصديق التي في\n_________\n(^١) الصواعق المحرقة (٢/ ٣٥٣)، وانظر فتح الباري (١/ ٧١).\n(^٢) منهاج السنة (٧/ ١٧٣).\n(^٣) منهاج السنة (٥/ ٧).","vol":"2","page":874},{"text":"الصحاح كثيرة وهي خصائص. . .فمجموع ما في الصحيح لعلي نحو عشرة أحاديث، ليس فيها ما يختص به، ولأبي بكر في الصحاح نحو عشرين حديثا أكثرها خصائص\" (^١)، ولهذا فإن هذه الحقيقة لا يمكن أن ينكرها من كان له خبرة بصحيح الأخبار من سقيمها، حتى بعض علماء الحديث الذين تأثروا بالتشيع \"قد عصمهم وقيدهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة، الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفض ممن له نوع اشتغال بالحديث، كابن عقيدة وأمثاله، فهذا غايته أن يجمع ما يروى في فضائله من المكذوبات والموضوعات، لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين؛ فإنها باتفاق أهل العلم بالحديث أكثر مما صح في فضائل علي، وأصح وأصرح في الدلالة\" (^٢).\n_________\n(^١) منهاج السنة (٨/ ٤٢٠).\n(^٢) منهاج السنة (٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤).","vol":"2","page":875},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>الفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة ﵃</span>.\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص -﵁-.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص -﵁-.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في عبد الرحمن بن عوف -﵁-.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة -﵁-.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح -﵁-.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير -﵁-.","vol":"2","page":876},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص -﵁</span>-.\n\n٧٦٢ - حدثني سليمان بن منصور الخزاعي، نا أبو سفيان الحميري، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري (^١) قال: \"قدم أعرابي في أربع ديات حملها فقيل له: عليك بالحسن بن علي، عليك بعبد اللَّه بن جعفر، عليك بسعيد ابن العاص، عليك بعبد اللَّه بن العباس، فدخل المسجد فرأى رجلا يخرج معه جماعة فقال: من هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص، قال: هذا أحد أصحابي الذين ذكروا لي، فمشى معه فأخبره بالذي قدم له، ومن ذكر له، وأنه أحدهم، وهو ساكت عنه لا يجيبه، فلما بلغ باب منزله قال لخازنه: قل لهذا الأعرابي فليأت بمن يحمل له، فقيل له: ايت بمن يحمل لك، قال: عافا اللَّه سعيدا، إنما سألناك ورقا، ولم نسألك تمرا، قال: ويحك، ايت بمن يحمل لك، فأخرج له أربعين ألفا، فاحتملها الأعرابي، فمضى إلى البادية، ولم يلق غيره\" (^٢).\n\n٧٦٣ - حدثني سليمان بن أبي شيخ (^٣) قال: \"قتل أبان بن سعيد بن العاص يوم أجنادين شهيدا، وقتل خالد بن سعيد بن العاص يوم مرج\n_________\n(^١) هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، مات سنة (١٥٣ هـ)، التقريب (٣٧٥٦).\n(^٢) إسناده حسن، وأبو سفيان الحميري هو سعيد بن يحيى صدوق وسط أيضًا التقريب (٢٤٣٠)، مكارم الأخلاق (١١٦ - ١١٧) رقم (٤٤٣)، والمزي في تهذيب الكمال (٣/ ١٧٤) من طريق شيخ المصنف به.\n(^٣) هو سليمان بن أبي شيخ، واسم أبي شيخ منصور بن سليمان، ويكنى أبا أيوب الواسطي، سكن ببغداد، وكان عالما بالنسب والتواريخ وأيام الناس وأخبارهم، وكان صدوقا، تاريخ بغداد (٩/ ٥٠).","vol":"2","page":877},{"text":"الصُّفَر شهيدا وكانت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، دخل بها بمرج الصفر فخرج وهو عروس فقاتل فقتل، وخرجت هي بعمود فقتلت سبعة من الروم، وكانت قبله تحت ابن عمها عكرمة بن أبي جهل فقتل عنها يوم فحل، فلما انقضت عدّتها خطبها يزيد بن أبي سفيان وخالد بن سعيد، فحطّت إلى خالد، ثم تزوّجها عمر بن الخطاب، فهي التي تسحّر عندها عبد الرحمن بن الحارث؛ لأن أم عبد الرحمن فاطمة بنت الوليد بن المغيرة ماتت قبل ذلك بدهر وهي أم أم حكيم، واستشهد قبل ذلك الحكم بن سعيد بن العاص يوم مؤتة مع جعفر بن أبي طالب، واستشهد مع رسول اللَّه -ﷺ- يوم حصن الطائف سعيد بن العاص\" (^١).\n\n٧٦٤ - حدثني محمد بن عبّاد العكلي قال: سمعت عبد العزيز الأمويّ يحدث عن أهل بيته قال: \"ولد سعيد بن العاص أبو أحيحة ثمانية رجال لم يمت أحد منهم على فراشه، فقتل ثلاثة مع المشركين، قتل أحيحة يوم الفجار، وقتل العاص بن سعيد بن العاص وعبيدة بن العاص يوم بدر، وقتل سعيد يوم الطائف، وقتل الحكم بن سعيد يوم اليمامة، وكان يعلّم الحكمة بالمدينة، قتل خالد يوم مرج الصفّر، وهو الذي يقول:\nمَن فارس كره الكماة يصرني ... رمحا إذا نزلوا بمرج الصُفَّر\nوقتل أبان وعمرو يوم أجنادين، قال ابن الكلبي: قتل عمرو يوم\n_________\n(^١) إسناده معضل، الإشراف (٢٤٦ - ٢٤٧) رقم (٣٠٢).","vol":"2","page":878},{"text":"فحل (^١) \" (^٢).\n\n٧٦٥ - أخبرني أبو زيد النميري، نا أبو سلمة الغفاري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه أحد بني عدي بن كعب قال: \"أقبل سعيد بن العاص يوما يمشى وحده في المسجد فقام إليه رجل من قريش فمشى عن يمينه، فلما بلغا دار سعيد التفت إليه سعيد فقال: ما حاجتك؟ قال: لا حاجة لي، رأيتك تمشى وحدك فوصلتك، فقال سعيد لقَهْرَمَانِه (^٣) أبي كعب: ماذا لنا عندك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: ادفعها إليه\" (^٤).\n\n٧٦٦ - أخبرني أبو زيد، حدثني محمد بن يحيى الكناني قال: \"اشترى سعيد بن العاص دارا من قوم من الأنصار يقال لهم آل أبي المعلى من بني زريق بمائة ألف، وهي الدار التي فيها اليوم السجن، قال: فندموا فاستقالوه فأقالهم، ثم ندموا فاستعادوه فقبل الدار وبعث إليهم بمائة ألف أخرى\" (^٥).\n_________\n(^١) سار المسلمون إليها بعد وقعة أجنادين، وهي من أرض الأردن قرب بيسان، انتصر فيها المسلمون بعد قتال شديد، تاريخ الطبري (٢/ ٣٥٥).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه إبهام أهل بيت عبد العزيز الأموي، الإشراف (٢٤٧ - ٢٤٨) رقم (٣٠٣).\n(^٣) هو كالخازِن والوكيل الحافظ لما تحت يده، والقائم بأُمور الرجل بلغة الفرس، لسان العرب (١٢/ ٤٩٦).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ فيه أبو سلمة وهو أيوب بن عمر وسيأتي (٨٦١) الكلام عليه وهو ضعيف، مكارم الأخلاق (٩٠ - ٩١) رقم (٣٧٣).\n(^٥) إسناده حسن وهو منقطع؛ فإن الكناني وهو ثقة لم يصب من ضعفه كما في التقريب (٦٤٣٠)، ولم يدرك سعيدا؛ فإن بين وفاتيهما حوالي (١٥٠ سنة)، مكارم الأخلاق (٨٦) رقم (٣٥٢).","vol":"2","page":879},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص -﵁</span>-.\n\n٧٦٧ - كتب إليّ علي بن حرب الطائي، حدثنا محمد بن عمر القرشي، عن عبيدة بنت نابل، عن عائشة بنت سعد قالت: سمعت أبي يقول: \"رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئًا، إذ أضاء لي قمر فاتبعته، فكأني انظر إلى من سبقني إلى ذلك القمر، فأنظر إلى زيد بن حارثة، وإلى علي بن أبي طالب، وإلى أبي بكر ﵃، وكأني أسألهم متى انتهينا إلى ها هنا؟ قالوا: الساعة، وبلغني أن رسول اللَّه -ﷺ- يدعو إلى الإسلام مستخفيا، فلقيته في شعب أجياد، وقد صلى العصر، فقلت: إلى ما تدعو؟ قال: \"تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه\"، قال: قلت: أشهد أن لا إله اللَّه وأنك رسول اللَّه، فما تقدّمني أحد إلا هم\" (^١).\n\n٧٦٨ - حدثنا الحسن بن حماد الصبي، أخبرني عثّام بن علي، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة (^٢) قال [. . . (^٣) فالتفت\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه محمد بن عمر القرشي وهو الواقدي لأنه من الرواة عن عبيدة وهو متروك وقد سبق (٤٥١)، المنامات (١٣٩ - ١٤٠) رقم (٣٠٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٢٩٩).\n(^٢) هو جابر بن سمرة بن جُنَادة السُّوائي، صحابي بن صحابي، نزل الكوفة ومات بها بعد سنة سبعين، الإصابة (١/ ٤٣١)، التقريب (٨٦٧).\n(^٣) طمس بالأصل.","vol":"2","page":880},{"text":"سعد فإذا رِجل رَجُلٍ خارجة من غرز الرحل، فرماه بسهم فكأني انظر إلى الدم، كأنه شراك، فقال: أخ أخ، وكان أول من رمى بسهم في الإسلام\" (^١).\n\n٧٦٩ - حدثنا أبو بكر سلمة بن حفص القرشي، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا فائد بن عبد الرحمن، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن الحسين بن خارجة الأشجعي (^٢) قال: \"لما كانت الفتنة، أشكل عليّ الأمر، فدعوت اللَّه -﷿- أن يريني شيئًا من الحق أتبعه، فرأيت في المنام كأني في القيامة، وكان بيني وبينهم حائطا فقلت: لو أني قسمت هذا الحائط فلقيتهم. . .، قال: فقسمت الحائط فإذا قوم عليهم ثياب بياض، فقلت لهم: أنتم الملائكة؟ قالوا: لا، نحن الشهداء، ولكن اصعد هذه الدرجة، فصعدت درجة لم أر أحسن منها، فإذا محمد وإبراهيم -صلى\n_________\n(^١) إسناده حسن رجاله ثقات ما عدا عثام فهو صدوق التقريب (٤٤٨٠)، مكارم الأخلاق (٤٢) رقم (١٨٢)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٧٥٣) رقم (١٣١٧)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٩٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٢٠٨) رقم (١٨٥٤)، كلهم عن الأعمش به، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٥): \"رجاله رجال الصحيح ما عدا أبي خالد الوالبي وهو ثقة\"، أما القصة فهي في البخاري كما في فتح الباري (٧/ ٨٣).\n(^٢) أورده عبدان في الصحابة كما نقل ابن عبد البر وابن حجر، بسبب هذه القصة، وأفاد ابن حجر أنها مشعرة بأن له إدراكا، الاستيعاب (١/ ٢٦٣)، الإصابة (٢/ ١٧٢).","vol":"2","page":881},{"text":"اللَّه عليهما وسلم- وإبراهيم يقول لمحمد: ألا ترى ما فعلت أمتك؟ قتلوا إمامهم، وأهرقوا دماءهم، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد، إن خليلي من هذا فلان سعد، قال: فقلت: لآتين سعدا فلأخبرنّه، قال: فأتيته فأخبرته، فما أكثر بها فرحا وقال: لقد خاب من لم يكن إبراهيم له خليلا\" (^١).\n\n٧٧٠ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: \"شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر -﵁- حتى قالوا: إنه لا يحسن يصلي، فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، لا أَخرِم عنها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين (^٢)، قال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، ثم بعث رجالا يسألون عنه في مجالس الكوفة فكانوا لا يأتون مجلسا إلا أثنوا خيرا وقالوا معروفا، حتى أتوا مسجدا من مساجدهم، فقال رجل يقال له أبو سعدة،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه فائد بن عبد الرحمن وهو أبو الورقاء العطار متروك اتهموه التقريب (٥٤٠٨)، والأثر حسن إن شاء اللَّه فقد جاء من طريق ابن جحادة به ورجاله ثقات، المنامات (٩١) رقم (١٧٢)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٠١) (٤/ ٤٥٢) وصححه ووافقه الذهبي رغم أنه من طريق فائد، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٢٦٩)، والذهبي في السير (١/ ١٢٠) من طريق أبي نعيم عن محمد بن جحادة به، وفيه زيادة مهمة في آخره حيث نصحه برعي الغنم إلى أن تنجلي الفتنة، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٧٣).\n(^٢) أي أسْكن وأُطِيل القِيام في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية، وأخَفّف في الأخْرَيَين، النهاية غريب الحديث (٢/ ٦٢٥).","vol":"2","page":882},{"text":"فقال: اللهم إذا سألتمونا؛ فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسويّة، ولا يسير بالسريّة، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره، وأطل فقره، وعرِّضه للفتن، قال عبد الملك: فأنا رأيته يتعرَّض للإماء في السّكك، فإذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة، قال: كبير فقير مفتون، أصابتني دعوة سعد\" (^١).\n\n٧٧١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن أمه، قالت: \"كان بعض أهل بيتنا عند آل سعد، قالت: فرأينا امرأة قامتها قامة صبيّة، فقلنا: من هذه؟ قالوا: هذه ابنة لسعد، وضع سعد ذات يوم طهوره، فغمست يدها فيه، فطرف لها وقال: قصع اللَّه قرنك (^٢)، فما شبَّت بعد\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، مجابو الدعوة (٧٠) رقم (٣٢)، والقصة في صحيح البخاري (٢/ ٢٣٦ فتح) رقم (٧٥٥).\n(^٢) أي أكداه وأتعبه، أو أنه من الضرب على الهامة ببسط الكف، ومن يفعل به ذلك لا يشب ولا يزداد، تاج العروس (١/ ٥٤٧٥).\n(^٣) إسناده حسن، فإن إسحاق بن إسماعيل هو الطالقاني ثقة تكلم في سماعه من جرير وحده التقريب (٣٤٣)، لكن تابعه عند ابن عساكر أبو معمر وهو إسماعيل بن إبراهيم بن معمر ثقة مأمون، التقريب (٤١٩)، مجابو الدعوة (٧٠) رقم (٣٣)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٤١) رقم (٨١)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٤٩)، ومن طريق آخر أيضًا عن أبي معمر به، وابن حجر في الإصابة (٢/ ٣٣)، وذكره الذهبي في السير (١/ ١١٧)، والظاهر أن مغيرة يروي هذا الأثر أحيانا عن أمه كما عند المصنف، وأحيانا عن أبيه كما عند =","vol":"2","page":883},{"text":"٧٧٢ - حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي، حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا (^١) مولى عبد الرحمن بن عوف: \"أن امرأة كانت تطلع على سعد، فينهاها، فلم تنته، فاطلعت يوما وهو يتوضّأ، فقال: شاه وجهك، فعاد وجهها في قفاها\" (^٢).\n\n٧٧٣ - حدثنا العباس بن غالب الوراق، حدثنا أبو إسحاق الطالقاني، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن داود بن قيس، قال: حدثتني أمي وكانت مولاة نافع بن عتبة بن أبي وقاص، قالت: \"رأيت سعدا زوّج ابنته رجلا من أهل الشام، وشرط عليه أن لا يخرجها، فأراد أن يخرج، فأرادت أن تخرج معه، فنهاها سعد، وكره خروجها، فأبت إلا أن تخرج، فقال سعد: اللهم لا تبلّغها ما تريد، فأدركها الموت في الطريق، فقالت:\nتذكّرت من يبكي عليّ فلم أجد ... من الناس إلا أعبدي وولائدي\n_________\n= اللالكائي، ولعل ما يؤيد هذا أن ابن حجر رواه من طريق المصنف فقال: \"عن أبيه\"، وابن عساكر رواه كذلك من طريقه فقال \"عن أمه\"، أما ما وقع هنا \"عن مغيرة عن إبراهيم عن أمه\" فأظنه خطأ من النساخ واللَّه أعلم.\n(^١) انظر التخريج الآتي.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، مداره على ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف متروك، ورمي بالرفض، وكذبه أبو حاتم، ووهل الحاكم فجعل له صحبة التقريب (٧١٠٨)، مجابو الدعوة (٧١) رقم (٣٤)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٤١) رقم (٨٢)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٤٩)، وذكره الذهبي في السير عن عبد الرزاق به (١/ ١١٧)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٧٧).","vol":"2","page":884},{"text":"فوجد سعد من نفسه\" (^١).\n\n٧٧٤ - حدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، عن أبي بلج، عن مصعب بن سعد: \"أن رجلا نال من عليّ، فنهاه سعد، فلم ينته، فقال سعد: أدعو اللَّه عليك، فدعا اللَّه عليه، فما برح حتى جاء بعير نادّ، أو ناقة نادّة، فخطبته حتى مات\" (^٢).\n\n٧٧٥ - حدثني أبي، عن أبي المنذر الكوفي، قال: \"كان عمر بن سعد ابن أبي وقاص قد اتّخذ جُعبة وجعل فيها سياطا نحو من خمسين سوطا، فكتب على السوط عشرة وعشرين وثلاثين إلى خمسمائة على هذا العمل،\n_________\n(^١) فيه أم داود مولاة نافع بن عتبة لم أجد لها ترجمة، ولعلها أم داود الوابشية ويقال لها أم خصيف كما في العلل لأحمد (٣/ ٦٩)، سئل عنها وكيع فقال: \"كانت ذكية الفؤاد\" ولها أخبار مع وكيع القاضي، انظر الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٣٣)، وشيخ المصنف في مرتبة الصدوق انظر تاريخ بغداد (١٢/ ١٣٦)، مجابو الدعوة (٧٢) رقم (٣٥)، المحتضرين (١٨٤ - ١٨٥) رقم (٢٥٦)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٦٩)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٥٠).\n(^٢) إسناده حسن، فإن هشيم بن بشير ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي التقريب (٧٣٦٢) لكن تابعه شعبة عند الحاكم، مجابو الدعوة (٧٢) رقم (٣٦)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٩٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق المصنف (٢٠/ ٣٤٦)، وذكره الذهبي في السير (١/ ١١٦)، والطبراني في الكبير (١/ ١٤٠) رقم (٣٠٧) بلفظ مقارب وفيه أن الشاتم كان يشتم عليا وطلحة والزبير، مجمع الزوائد (٩/ ١٥٤)، وفيه زيادة: \"فرأيت الناس يتبعون سعدا، يقول: استجاب اللَّه لك يا أبا إسحاق\".","vol":"2","page":885},{"text":"وكان لسعد بن أبي وقاص غلام ربيب مثل ولده، فأمره عمر بشيء فعصاه فضرب بيده إلى الجعبة، فوقع بيده سوط مائة، فجلده مائة جلدة، فأقبل الغلام إلى سعد ودمه يسيل على عقبيه، فقال: مالك؟ فأخبره، فقال: اللهم اقتل عمر، وأسل دمه على عقبيه، قال: فمات الغلام، وقتل المختارُ عمرَ بن سعد\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه أبو المنذر الكوفي وهو هشام الكلبي كما سبق (٢٢٨) تحقيقه، وليس الطفاوي الصدوق كما ذكر محقق الكتاب، مجابو الدعوة (٧٣) رقم (٣٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٤٨)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٥/ ٣٥١) بسند المصنف.","vol":"2","page":886},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل عبد الرحمن بن عوف -﵁</span>-.\n\n٧٧٦ - حدثني عبد الرحمن بن واقد، حدثنا ضمرة، عن سعد بن الحسن التميمي (^١) قال: \"كان عبد الرحمن بن عوف (^٢) لا يعرف من بين عبيدة؛ يعني من التواضع في الزيّ\" (^٣).\n\n٧٧٧ - حدثنا حجاج بن يوسف (^٤) قال: حدثنا سهل بن حماد قال: حدثنا ثابت الأنصاري قال: حدثني الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف قال: \"مرض عبد الرحمن بن عوف، فظننا أنه لِما به، فأُغمي\n_________\n(^١) هو أبو همام، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٥٤)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٨٢)، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٨٣).\n(^٢) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أحد العشرة أسلم قديما، وأحد الستة أصحاب الشورى، ومناقبه شهيرة، مات سنة (٣٢ هـ) وقيل غير ذلك، الإصابة (٤/ ٣٤٦)، التقريب (٣٩٧٣).\n(^٣) إسناده لين، والأثر صحيح لغيره؛ شيخ المصنف صدوق يغلط التقريب (٤٠٦٣)، لكن تابعه هارون بن معاوية عند أحمد وهو صدوق، التقريب (٧٢٩٠)، التواضع والخمول (١٦٩ - ١٧٠) رقم (١٤٤)، وعبد اللَّه في زياداته على الزهد (٣٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٣٩٥)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٨٩) وتاريخ الإسلام (١/ ٤٣٤)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣٥٥).\n(^٤) هو ابن الشاعر الحافظ الأوحد المأمون، سبق (٤٥٧).","vol":"2","page":887},{"text":"عليه، فخرجت أم كلثوم، فصرخت عليه، فلما أفاق قال: أُغمي عليّ؟ قلنا: نعم، قال: أتاني رجلان فقالا لي: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فأخذا بيدي، فانطلقا بي فلقيهما رجل فقال: أين تنطلقان بهذا؟ قالا: ننطلق به إلى العزيز الأمين، قال: لا تنطلقا به؛ إن هذا ممن سبقت له السعادة في بطن أمه\" (^١).\n_________\n(^١) سبق (٤٥٧) في القضاء والقدر.","vol":"2","page":888},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة -﵁</span>-.\n\n٧٧٨ - حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عمته سعدى بنت عوف قالت: \"دخل طلحة بن عبيد اللَّه (^١) على بعض أزواجه وهو حزين، فقالت له: ما الذي أحزنك؟ قال: اجتمع عندي مال، قالت: فأرسل إلى قومك فاقسمه بينهم، فسألت الخازن: كم قسم يومئذ؟ قال: أربعمائة ألف\" (^٢).\n\n٧٧٩ - قال الزبير بن أبي بكر -فيما أجاز لي-، حدثني أخي عبد الرحمن بن أبي بكر قال: حدثني عباس بن أبي بكر بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق قال: \"سابق عمر بن عبد العزيز بالخيل\n_________\n(^١) هو طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذي أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى، استشهد يوم الجمل، سنة (٣٦ هـ) وهو ابن ثلاث وستين، الإصابة (٣/ ٥٢٩)، التقريب (٣٠٢٧).\n(^٢) إسناده حسن، طلحة بن يحيى صدوق يخطئ التقريب (٣٠٥٣)، إصلاح المال (١٨٩) رقم (٩٥)، وانظر رقم (٩٥، ٩٤)، وأحمد في الزهد (١٤٥)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٤٤)، والطبراني في الكبير (١/ ١١٢) رقم (١٩٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٤٨): \"رجاله ثقات\"، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٢٨)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ١٠٠ - ١٠١).","vol":"2","page":889},{"text":"بالمدينة، وكان فيها فرس لمحمد بن طلحة بن عبيد اللَّه، وفرس لإنسان جعديّ، فنظروا الخيل حين جاءت، فإذا فرس الجعديّ متقدّم، فجعل الجعدي يرتجز بأبعد صوته:\nغاية المجد نُصِبَت يا من لها ... نحن حويناها وكنا أهلها\nلو تُرسَلُ الطيرُ لجئنا قبلها\nفلم ينشب أن لحقه فرس محمد بن طلحة وجاوزه، فجاء سابقا، فقال عمر بن عبد العزيز للجعدي: سبقك واللَّه ابن السبّاق إلى الخيرات\" (^١).\n\n٧٨٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا وكيع، عن موسى بن عبد اللَّه ابن إسحاق بن طلحة بن عبيد اللَّه قال: سمعت موسى بن طلحة (^٢) يقول لجدنا: \"جرح طلحة -﵁- مع النبي -ﷺ- بضعا وعشرين جراحة\" (^٣).\n_________\n(^١) عباس بن أبي بكر لم أعرفه وورد اختلاف في اسمه بين التمهيد وابن عساكر والمصنف، ذم البغي (٨٠) رقم (٢٧)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٣٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٨/ ١٩٨).\n(^٢) هو موسى بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي، أبو عيسى أو أبو محمد المدني، نزيل الكوفة، ثقة جليل، ويقال إنه ولد في عهد النبي، مات سنة (١٠٣ هـ) على الصحيح، التقريب (٦٩٧٨).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه موسى بن عبد اللَّه: مقبول التقريب (٧٠٣٠)، وقد روى له البخاري في الأدب المفرد وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم =","vol":"2","page":890},{"text":"٧٨١ - حدثني المفضل بن عبيد اللَّه، نا سليمان بن أيوب بن سليمان ابن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبد اللَّه حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة قال: سمعت أختي أم إسحاق تقول: سمعت أبي طلحة بن عبيد اللَّه وهو يقول لأمي: \"لقد جرحت يوم أحد في جميع جسدي حتى جرحت في ذكري\" (^١).\n_________\n= جرحا ولا تعديلا (٨/ ١٥٠)؛ وذكر المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٢٦٦) توثيق ابن حبان ورواية البخاري له في الأدب المفرد، مكارم الأخلاق (٣٧) رقم (١٦٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٢٤).\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه أيوب بن سليمان لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا (٢/ ٢٤٨) وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٤/ ١٥٢): \"أورد له ابن عدي أحاديث مناكير وقال: عامة أحاديثه لا يتابع عليها، ووثقه يعقوب بن شيبة، وذكره ابن حبان في الثقات\"، مكارم الأخلاق (٣٧) رقم (١٦٥)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧٩) وتعقبه الذهبي بقوله: \"سنده واه\"، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٩).","vol":"2","page":891},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح -﵁</span>-.\n\n٧٨٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح قال: \"قال عمر لجلسائه: تمنَّوا، فتمنّى كل واحد منهم شيئًا، فقال عمر: أتمنّى بيتا مملوءا رجالا مثل أبي عبيدة\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح منقطع، فإن ابن أبي نجيح لم يلق أحدا من الصحابة كما في جامع التحصيل (٢١٨)، لكن الأثر حسن رواه البخاري من طريق عبد اللَّه بن يزيد المقرئ عن حيوة عن أبي صخر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، المتمنين (٣٨ - ٣٧) رقم (٣٩)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٧٤٠) رقم (١٢٨٠)، والبخاري في الأوسط (المطبوع باسم الصغير) (١/ ٥٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٤١٣)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٢)، والذهبي في السير (١/ ١٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٢/ ٧٥ - ٧٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٨٥) (٢٥/ ٤٧٤).","vol":"2","page":892},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير -﵁</span>-.\n\n٧٨٣ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، نا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع: \"أن الزبير بن العوام -﵁- لقي العدو في جيش فقالوا: يا أبا عبد اللَّه، احمل ونحمل معك، قال: لكأني بكم قد حملت وحملتم، فأقدمت وكذبتم، فأُخذت سلما، قالوا: كلا واللَّه لا يكون ذاك أبدا، لئن حملت لنحملنّ، ولئن أقدمت لنُقدمن، قال: فحمل الزبير وحملوا، فأقدم وكذبوا، قال: قال الزبير: فهاجت غبرة فما شعرت إلا وأنا بين علجين قد اكتنفاني، قد أخذا بعنان دابتي، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، قال نافع: فكيف ترى أبا عبد اللَّه صنع؟ وجدوه واللَّه غير طائش الفؤاد، أدخل السيف في العنان والعِذَار (^١) فقطعهما ثم بطن الفرس برجليه، قال: فنجا أبو عبد اللَّه وبقي اللجام في يد العلجين\" (^٢).\n\n٧٨٤ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، نا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: \"قاتل الزبير بمكة وهو غلام رجلا فدقّ يده، وضربه ضربا شديدا، فمُرَّ بالرجل على صفيّة (^٣) وهو يحمل فقالت: ما شانه؟\n_________\n(^١) هو ما وقع على الخدين من اللجام، والعنان هو السير الذي يشد به، لسان العرب (٤/ ٥٤٥).\n(^٢) إسناده حسن، سعيد بن عامر ثقة صالح وقال أبو حاتم: ربما وهم، التقريب (٢٣٥١)، مكارم الأخلاق (٣٨) رقم (١٦٩).\n(^٣) هي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية، عمة رسول اللَّه -ﷺ-، ووالدة =","vol":"2","page":893},{"text":"قالوا: قاتل الزبير فقالت له:\nكيف رأيت زبرا ... أَأَقِطًا حسبته أم تمرا\nأم مُشْمَعِلًّا (^١) صقرا\" (^٢).\n\n٧٨٥ - حدثنا علي بن الجعد، نا ابن عيينة، عن أبي الزعراء، عن رجل أتى عليا -﵁- فقال: \"دخل علينا اللصوص فما تركوا لنا شيئًا حتى نزعوا حجلي امرأتي، قال علي -﵁- وأنت تنظر؟ قال: نعم، قال: لكن ابن صفيّة ما كان اللصوص لينزعوا حجلي امرأته وهو ينظر؛ يعني ابن الزبير\" (^٣).\n\n٧٨٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن قعنب (^٤) قال:\n_________\n= الزبير بن العوام، وشقيقة حمزة، هاجرت مع ولدها الزبير، عاشت إلى خلافة عمر، الإصابة (٧/ ٧٤٣).\n(^١) قال ابن منظور: \"الزَّبر بفتح الزاي وكسرها هو القوي الشديد، وهو مكبر الزُّبَيْر، تعني ابنها، أَي كيف وجدته كطعام يؤكل أَو كالصقر\"، والمشمعل السريع، (٤/ ٣١٥) (١١/ ٣٧٢).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يخطئ كما سيأتي (٩٤٧)، مكارم الأخلاق (٣٧) رقم (١٦٧)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٠١)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٥)، وابن حجر في الإصابة (١/ ٥٤٥) ونسبه لابن سعد.\n(^٣) إسناده صحيح إلى أبي الزعراء؛ وهو الأكبر عمرو بن عمرو وليس الأصغر عبد اللَّه ابن هانئ، كما حقق ذلك المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٣١٠) وهو ثقة التقريب (٥١١٧)، مكارم الأخلاق (٣٧) رقم (١٦٧)، وذكره ابن منظور في لسان العرب (٣/ ٦٥) عند شرح الحجل وهو الخلخال.\n(^٤) هو قعنب التميمي الكوفي، أريد على القضاء فأبى، صدوق، الكاشف (٢/ ١٣٨)، التقريب (٥٥٥٩).","vol":"2","page":894},{"text":"\"بارز الزبير -﵁- رجلا على أكمة فتدهديا فعلاه الزبير فقتله فاستقبله النبي -ﷺ- فقبّل ما بين عينيه وقال: \"فداك عم وخال\" (^١).\n\n٧٨٧ - حدثنا يوسف بن موسى، نا حجاج، أنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: \"أخبرني من رأَى الزبير وإن في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي\" (^٢).\n\n٧٨٨ - حدثنا يوسف بن موسى، نا عبد اللَّه بن داود وأبو أسامة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: \"كان الزبير أول من سلّ سيفه في اللَّه -﷿-، نفخت نفخة من الشيطان أخذ رسول اللَّه -ﷺ- وكان رسول اللَّه -ﷺ- بأعلى مكة والزبير بأسفل مكة، فخرج الزبير يسبق الناس بسيفه فلقي النبي -ﷺ- فقال: \"ما لك يا زبير؟ \" قال: أخبرت أنك أُخذت، فصلى عليه رسول اللَّه -ﷺ- ودعا له ولسيفه\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٦٢)، والذهبي في السير بسنده (١٤/ ٤٣٠ - ٤٣١) عن قعنب عن رجل وقال: \"غريب\"، وذكره في السيرة الحلبية (٢/ ٧٣٩) وأن ذلك حصل في خيبر واستغرب ممن قال في بني قريظة.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف التقريب (٤٧٦٨) وإبهام من حدثه، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٦٣)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٥٢) عن حماد به.\n(^٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف هو القطان صدوق التقريب (٧٩٤٤)، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٧٧) رقم (٣٢١٦٦)، وعبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٩٠) رقم (٩٦٤٧)، (١١/ ٢٤١) رقم (٢٠٤٢٩) بإسناد صحيح، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٨٩)، وابن بكار بسنده كما في الاستيعاب (٢/ ٥١٢)، =","vol":"2","page":895},{"text":"التحليل والتعليق\nتضمنت الآثار السابقة فضائل بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة الذين سبقوا في الفصل الأول، ثم هؤلاء الستة، وهم: سعيد ابن العاص، سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، طلحة بن عبيد اللَّه، والزبير بن العوام.\nفسعيد بن العاص: كان جوادا أنفق على أعرابي أربعين ألفا، وبيته بيت جهاد، له ثمانية من الأولاد لم يمت أحد على فراشه، بل كلهم في ميادين الوغى، وكان جوادا ينفق الكثير، أنفق ثلاثين ألفا دون تردد مكافأة لمن مشى معه.\nوسعد بن أبي وقاص: كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، واعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان -﵁- لما هاجت، وكان مجاب الدعوة، دعا على من طعن في ولايته على الكوفة، وعلى إحدى بناته، وعلى امرأة كانت تطلع عليه، وعلى من نال من علي -﵁-، وعلى ابنه لما ظلم غلامه، كل ذلك يجيب اللَّه دعوته وكان مشهورا بذلك، قال عنه شيخ الإسلام: \"اعتزل الفتنة، ولم يدخل في قتال أحد من المسلمين، وعاش بعدهم كلهم، وهو آخر العشرة موتا، واعتزل بالعقيق. . . كان مجاب الدعوة، وكان مسددا في زمنه، وهو الذي فتح\n_________\n= ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٣٥٠ - ٣٥١).","vol":"2","page":896},{"text":"العراق وكسر جنود كسرى\" (^١).\nوعبد الرحمن بن عوف: لم يكن يعرف من بين عبيدة، لتواضعه في زيه، وسبقت له من اللَّه الحسنى.\nوطلحة بن عبيد: كان يحزنه تجمع المال عنده، ويفرح بتقسيمه حتى إنه قسم في يوم أربعمائة ألف، وكان سباقا إلى الخيرات كما وصفه عمر بن عبد العزيز، له عدة جراحات في كل جسده من الجهاد في سبيل اللَّه، حتى إنه جرح في ذَكَرِه يوم أحد.\nوأبو عبيدة بن الجراح: تمنى عمر -﵁- بيتا مملوءا رجالا من أمثاله.\nوالزبير بن العوام: كان مقبولا غير مدبر، مبارزا غيورا ليس ينكر، حتى وهو غلام يصارع الرجال، مدحه على ذلك غير واحد من الصحابة، منهم: أمّه صفية، وكذا علي بن أبي طالب، فداه النبي -ﷺ- بعمه وخالة، في صدره أمثال العيون من الطعنات والرمي، أول من سل سيفه في سبيل اللَّه لما أخبر أن رسول اللَّه -ﷺ- أُخِذ وهم في مكة مستضعفين.\n_________\n(^١) منهاج السنة (٦/ ٣٣٦).","vol":"2","page":897},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>الفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت ﵃</span>.\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس -﵁-\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي -﵁-.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل الحسين بن علي -﵁-.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن جعفر -﵁-.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عباس -﵁-.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل عبيد اللَّه بن العباس -﵁-.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل عائشة ﵂.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل زينب بنت جحش ﵂.","vol":"2","page":898},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس -﵁</span>-.\n\n٧٨٩ - حدثنا محمد بن جعفر، نا أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن أبي شيبة، عن أبيه (^١) قال: \"التقى المسلمون يوم حنين فقتل من قتل، ثم أقبل عمر -﵁- آخذا باللِّجَام، والعباس آخذ باللِّبْدِ (^٢) فينادي العباس: أين المهاجرون؟ أين أصحاب البقرة؟ بصوت عالٍ، هذا رسول اللَّه، فأقبل الناس ورسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"قَدِّمَاهَا،\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\nفأقبل المسلمون فاصطكّوا بالسيوف فقال النبي -ﷺ-: \"الآن حمي الوطيس (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) لم أعرفه، ولعله ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير أبو مصعب واللَّه أعلم.\n(^٢) هو ما تحت السرج، القاموس المحيط (١/ ٤٠٤).\n(^٣) الوطيس هو التنور، مختار الصحاح (٧٤٠).\n(^٤) إسناده ضعيف والأثر صحيح، فيه أيوب بن جابر وهو السحيمي ضعيف التقريب (٦١٢)، وشيخه صدقة مقبول، التقريب (٢٩٢٨)، مكارم الأخلاق (٣٥) رقم (١٥٧)، وقوام السنة في دلائل النبوة (١/ ٤٩٥) رقم (٢٨)، ونحوه الروياني في المسند (١/ ٢١١) رقم (٢٨٨)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢٧٣) رقم (٣٥٦) بإسناد صحيح، هذا بالنسبة لتسميتهم بأصحاب سورة البقرة وإلا فخبر العباس ثابت من غير وجه في صحيح مسلم (١٢/ ١١٥ - ١١٨) وفي غيره.","vol":"2","page":899},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي -﵁</span>-.\n\n٧٩٠ - حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا كامل أبو العلى قال: سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة: \"أنه صلى مع النبي -ﷺ- العشاء، فأخذ الحسن والحسين يركبان على ظهره، فلما جلس وضع واحدا على فخذه، والآخر على فخذه الأخرى، قال: فقمت إليه فقلت: ألا أبلغهما أهلهما؟ فبرقت برقة، فلم يزالا في ضوئها حتى دخلا\" (^١).\n\n٧٩١ - حدثني يوسف بن موسى قال: حدثني سلمة بن حيان الرازي (^٢) قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: \"لما أن حضر الحسن ابن علي الموت، بكى بكاء شديدا، فقال له الحسين: ما يبكيك يا أخي وإنما تقدم على رسول اللَّه -ﷺ- وعلى عليّ وفاطمة وخديجة وهم ولدوك،\n_________\n(^١) إسناده حسن، كامل أبو العلى صدوق يخطئ التقريب (٥٦٣٩)، وتابعه الأعمش عند البزار برقم (٢٦٣٠) وقال: \"لا نعرف رواه عن الأعمش. . . إلا موسى، وإنما يعرف من حديث كامل عن أبي صالح\"، العيال (١/ ٣٨٥) رقم (٢٢٠)، وأحمد في المسند (١٦/ ٣٨٦) رقم (١٠٦٥٩)، وفضائل الصحابة (٢/ ٧٨٥) رقم (١٤٠١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٦٧) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٣/ ٥١) رقم (٢٦٥٩) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٨١): \"رواه أحمد والبزار باختصار وقال: (في ليلة مظلمة) ورجال أحمد ثقات\"، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٨١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٢١٣).\n(^٢) في تاريخ دمشق من طريق المصنف: \"مسلم بن أبي حية\".","vol":"2","page":900},{"text":"وقد أجرى اللَّه لك على لسان نبيّه أنك: \"سيّد شباب أهل الجنة\"، وقاسمت اللَّه مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت اللَّه على قدميك خمس عشرة مرة حاجا، وإنما أراد أن يطيّب نفسه، قال: فواللَّه ما زاده إلا بكاء وانتحابا وقال: يا أخي، إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله\" (^١).\n\n٧٩٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، أن مولاة لهم أخبرته: \"أنها رأت الحسن بن علي -﵁- أخذ المناديل بعدما توضأ، فتنشّف بها، قالت: فكأني مقتّه، فلما كان من الليل نمت، فرأيت كانونا (^٢) في كبدي، قال سفيان: بمقت ابن رسول اللَّه -ﷺ- لاقى كبدها\" (^٣).\n\n٧٩٣ - حدثني أبو عبد اللَّه العجلي، أنا يونس بن بكير، نا ابن إسحاق، حدثني والدي إسحاق بن يسار، أخبرني شيخ من بني سعد بن بكر قال: \"قدم عليّ ابن عم لي من أهل البادية فقال: إن ابن أخ لي أصاب دما عمدا، فطلبت إلى أهل الدم أن يقبلوا مني العقل ففعلوا،\n_________\n(^١) فيه سلمة بن حيان لم أجد له ترجمة، وفي شيوخ يوسف بن موسى حكام بن سلم الرازي فلا أدري هل هو تصحيف منه؟، المحتضرين (١٧٣ - ١٧٤) رقم (٢٤٢)، وابن معين في تاريخه (٣/ ٥٠٦)، وعنه المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٥١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(^٢) في المطبوع: \"كانوا\".\n(^٣) فيه إبهام صاحبة القصة، وباقي رجاله ثقات، العقوبات (٦٢ - ٦٣) رقم (٨٢).","vol":"2","page":901},{"text":"فاسلمتني عشيرتي وأبوا أن يحملوا معي وقالوا: نحمل الخطأ فأما العمد فلا، فقد قدمت التمس المعونة من هذا الحيّ من قريش، فأمرت لي بخزيرة (^١) فصنعت فغديناه منها، ثم قلت له: انطلق بنا إلى خير القوم وسيّدهم ابن بنت رسول اللَّه -ﷺ- الحسين بن علي -﵁-، فخرجنا نلتمسه في بيته فلم نجده، فخرجنا فلقيناه بالبلاط فقلت: عندك الرجل، فاستوقفناه فوقف واستند إلى الجدار فقلت: يا ابن بنت رسول اللَّه، إن ابن أخ لي أصاب دما -فقصّ قصّته- وقدمت أستعين هذا الحيّ من قريش على ديته فرأيت أن أبدأ بك، فقال: واللَّه الذي نفس حسين بيده، ما أصبح في بيتي دينار ولا درهم وما غدوت إلى السوق إلا لألتمس العينة في بعض نفقاتنا وما لا بدّ منه، ولكني أراك رجلا جلدا وقد حان وقت حصاد مالي بذي المروة (^٢) عَينِ يُحَنَّسَ (^٣) فاخرج إليها فقم عليها بعمّاله ثم احصده ودقَّ وبع فإنها مودّية عنك، ولا تسأل أحدا شيئًا، فقال: أفعل، بأمي أنت وأمي، وكتب إلى قيّمه: انظر فلان بن فلان فخلِّ بينه وبين حصاد أرضك فإني قد أعطيته إياه، فخرج فحصدها فباع منها بعشرين\n_________\n(^١) الخزيرة لحم يُقّطع صغارا على ماء كثير، فإذا نضج ذُر عليه الدقيق، مختار الصحاح (٢٦٧).\n(^٢) ذو المروة من أعمال المدينة، قرى واسعة، وهي لجهينة، بينها وبين المدينة ثمانية برد، معجم ما استعجم (١٢١٨).\n(^٣) هي عين يحنس كانت للحسين بن علي بن أبي طالب -﵁-، استنبطها له غلام يقال له يحنس، معجم البلدان (٤/ ١٨٠).","vol":"2","page":902},{"text":"ألف درهم فأدّى اثني عشر ألفا واستفضل ثمانية آلاف\"، فقال (^١) المقنّع مقنع الأنصار يبكي حسينا حين قتل:\nكان إذا شّبّ له ناره ... يرفعها بالسنَد الماثل\nكيما يراها قابسٌ مرملٌ ... أو فردُ قومٍ ليس بالآهل\nمفارغُ الشِّيزَى على بابه ... مثل حياض النَّعَمِ النَّاهِل\nلا تَستَرِي شَفرًا على مثله ... في الناس من حافٍ ولا ناعلٍ\nابن النبي المرسل المصطفى ... وابن ابن عمِّ المصطفى الفاضل (^٢)\n\n٧٩٤ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، نا يحيى بن يعلى، عن يونس بن خبّاب، عن مجاهد قال: \"جاء رجل إلى الحسن والحسين ﵄ فسألهما فقالا: إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: حاجة مجحفة، أو حمالة مثقلة، أو دين فادح، وأعطياه، ثم أتى ابن عمر -﵁- فأعطاه ولم يسأله عن شيء، فقال: أتيت ابني عمّك وهما أصغر سنّا منك، فسألاني وقالا لي، وأنت لم تسألني عن شيء، فقال: ابنا رسول اللَّه -ﷺ- إنهما كانا يُغَرَّانِ بالعلم غَرًّا\" (^٣).\n_________\n(^١) وضع له المحقق رقما كأنه أثر جديد؟ .\n(^٢) إسناده ضعيف لجهالة الشيخ المبهم، مكارم الأخلاق (١٢٠ - ١٢١) رقم (٤٥١).\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه يونس بن خباب الكوفي صدوق يخطئ ورمي بالرفض التقريب (٧٩٦٠)، كذا قال في التقريب والظاهر أن حاله أسوأ؛ إذ بالرجوع لترجمته نجد كلاما شديدا لأهل العلم فيه كالبخاري وابن معين وغيرهما، مكارم الأخلاق (١٢١ - ١٢٢) رقم (٤٥٣).","vol":"2","page":903},{"text":"٧٩٥ - وقال أبو حفص الصيرفي، حدثني ابن زائدة البندار، حدثني محمد بن علي، عن شيخ من قريش قال: \"بينا أبان بن عثمان وعبد اللَّه بن الزبير جالسان؛ إذ وقف عليهما أعرابي فسألهما فلم يعطياه شيئا، وقالا: اذهب إلى ذينك الفتيين، وأشارا إلى الحسن والحسين ﵄ وهما جالسان، فجاء الأعرابي حتى وقف عليهما فسألهما، فقالا: إن كنت تسأل في دم موجع، أو فقر مدقع، أو أمر مفظع، فقد وجب حقّك، فقال: أسأل وأخذني الثلاث، فأعطاه كل واحد منهما خمس مائة خمس مائة، فانصرف الأعرابي فمرّ على ابن الزبير وأبان وهما جالسان فقالا: ما أعطاك الفتيان؟ فأنشأ الأعرابي يقول:\nأعطياني وأقنياني جميعا ... إذ تواكلتما فلم تعطياني\nجعل اللَّه من وجوهكما نعلين ... سِبتا يطاهما الفتيان\nحسن والحسين خير بني حواء ... صيغا من الأغرِّ الهِجان\nفدعا سُنَّةَ المكارم والمجد ... فما منكما لها من مداني (^١)\n\n٧٩٦ - حدثني محمد بن الحسين، نا سليمان بن حرب، نا أبو هلال الراشي، عن حميد بن هلال (^٢) قال: \"تفاخر رجلان من قريش، رجل من\n_________\n(^١) إسناده ضعيف فيه جهالة المبهم، مكارم الأخلاق (١٢٢) رقم (٤٥٤).\n(^٢) هو حميد بن هلال العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، من صالحي أهل البصرة، ما كانوا يفضلون عليه أحدا في العلم، مات في أيام خالد بن عبد اللَّه، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان، الكاشف (١/ ٣٥٤)، مشاهير علماء الأمصار =","vol":"2","page":904},{"text":"بني هاشم ورجل من بني أمية، فقال هذا: قومي أسخى من قومك، وقال هذا: قومي أسخى من قومك، قال: سل في قومك حتى أسأل في قومي، فافترقا على ذلك، فسأل الأموي عشرة من قومه فأعطوه مائة ألف، عشرة آلاف عشرة آلاف، قال: وجاء الهاشمي إلى عبيد اللَّه بن العباس فسأله فأعطاه مائة ألف، ثم أتى الحسن بن علي رضوان اللَّه عليهما فسأله فقال له: هل أتيت أحدا من قومي؟ قال: نعم، عبيد اللَّه بن العباس فأعطاني مائة ألف، فأعطاه الحسن بن علي مائة ألف وثلاثين ألفا، ثم أتى الحسين بن علي رضوان اللَّه عليهما فسأله، فقال: هل سألت أحدا قبل أن تأتيني؟ قال: نعم، أخاك الحسن بن علي فأعطاني مائة ألف وثلاثين ألفا، قال: لو أتيتني قبل أن تأتيه أعطيتك أكثر، ولكن لم أكن لأزيد على سيّدي، فأعطاه مائة ألف وثلاثين ألفا، قال: فجاء الأموي بمائة ألف من عشرة، وجاء الهاشمي بثلاثمائة ألف وستين ألفا من ثلاثة، فقال الأموي: سألت عشرة من قومى فأعطوني مائة ألف وقال الهاشمي: سألت ثلاثة من قومي فأعطوني ثلاثمائة وستين ألفا، ففخر الهاشمي الأموي، قال: فرجع الأموي إلى قومه فأخبرهم الخبر وردّ عليهم المال فقبلوه، ورجع الهاشمي إلى قومه فأخبرهم الخبر وردّ عليهم المال فأبوا أن يقبلوه وقالوا: لم نكن لنأخذ شيئًا قد أعطيناه\" (^١).\n_________\n= (٩٣)، التقريب (١٥٦٣).\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف في درجة الصدوق كما سبق (١٥١)، مكارم الأخلاق =","vol":"2","page":905},{"text":"٧٩٧ - حدثني محمد، نا داود بن المحبر، نا سوادة بن أبي الأسود، عن أبيه (^١) قال: \"دخل على الحسن بن علي -﵁- نفر من أهل الكوفة، وهو يأكل طعاما، فسلّموا عليه وقعدوا، فقال لهم الحسن: الطعام أيسر من أن يقسم عليه الناس، فإذا دخلتم على رجل منزله، فقرّب طعامه، فكلوا من طعامه، ولا تنتظروا أن يقول لكم: هلمّوا؛ فإنما يوضع الطعام ليؤكل، قال: فتقدّم القوم فأكلوا ثم سألوه حاجتهم فقضاها لهم\" (^٢).\n_________\n= (١١٥ - ١١٦) رقم (٤٤٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم (٢/ ٢١٥).\n(^١) هو مسلم بن مخراق المبدي القُرِّي البصري، يكنى أبا الأسود، ويقال أبو الأسود آخر غيره، صدوق مات بعد المائة، التقريب (٦٦٤٣).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر وسيأتي (٨٠٨)، مكارم الأخلاق (١١٠) رقم (٤٣١).","vol":"2","page":906},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل الحسين بن علي -﵁</span>-.\n\n٧٩٨ - حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن هانئ أبو عبد الرحمن النحوي، حدثنا مطرف بن سليمان، حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: \"استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع، وقال: قتل الحسين واللَّه، فقال أصحابه حلًا (كذا) يا ابن عباس، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- ومعه زجاجة من دم فقال: لا يعلم ما صنعت أمتي من بعدي قتلوا ابني الحسين، وهذا دمه ودماء أصحابه، أرفعها إلى اللَّه -﷿-، قال: فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، فلما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوما، حتى جاءهم خبر بالمدينة إنه قتل ذلك اليوم، وتلك الساعة\" (^١).\n\n٧٩٩ - حدثنا علي بن الجعد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر قال: \"مَرَّ الحسين بن عليٍّ على مساكين وقد بسطوا كساء وبين أيديهم كسرا، فقالوا: هلم يا أبا عبد اللَّه، فحوَّل وركه وقرأ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (^٢)، فأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني، فقال للرَّباب -يعني امرأته- أخرجي ما كنت تدّخرين\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه ابن جدعان وقد سبق (٦٤٤)، والأثر صحيح بما بعده، المنامات (٧٥) رقم (١٢٩)، والذي بعده، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٢٣٧)، وانظر مستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٨)، ومسند الإمام أحمد (٤/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٢) سورة النحل، آية (٢٣).\n(^٣) إسناده معضل؛ فإن مسعر وهو ابن كدام ثقة فاضل من السابعة التقريب (٦٦٤٩)، =","vol":"2","page":907},{"text":"٨٠٠ - أخبرني العباس بن هشام بن محمد الكوفي، عن أبيه، عن جده قال: \"كان رجل من بني أبان بن دارم يقال له: زرعة، شهد قتل الحسين، فرمى الحسين بسهم، فأصاب حنكه، فجعل يتلقّى الدم، ثم يقول: هكذا إلى السماء، فترمى به، وذلك أن الحسين دعى بماء ليشرب، فلما رماه حال بينه وبين الماء، فقال: اللهم ظمِّئه، قال: فحدثني من شهده وهو يموت، وهو يصيح من الحرِّ في بطنه، وهو يقول: اسقوني أهلكني العطش، فيؤتى بعسٍّ (^١) عظيم فيه السويق أو الماء أو اللبن، لو شربه خمسة لكفاهم، قال: فيشربه ثم يعود، فيقول: اسقوني أهلكني العطش، قال: فانقدَّ (^٢) بطنه كانقداد البعير\" (^٣).\n\n٨٠١ - حدثني أبو عبد اللَّه التيمي قال: حدثنا علي بن عبد الحميد\n_________\n= التواضع والخمول (١٤٢) رقم (١١٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ١٨١) بسند ضعيف جدا، فيه يزيد بن عياض بن جعدبة كذبه مالك وغيره (٧٩١٣).\n(^١) هي الآنية الكبيرة، تاج العروس (١/ ٤٠٢٢).\n(^٢) انشق بطنه، انظر لسان العرب (١٤/ ٢٥٤).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، وعلق الذهبي بقوله: \"الكلبي رافضي متهم\" العباس وأبوه وجده جميعهم ضعفاء وبعضهم أشد من بعض، وانظر الكلام على العباس في لسان الميزان (٦/ ١٩٦)، مجابو الدعوة (٩٢) رقم (٥٨)، وانظر الذي بعده رقم (٥٩) وفيه جهالة جدة سفيان لأبيه، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٢٢٣)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب (٦/ ٢٦٢٠)، وذكره عن المصنف المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"2","page":908},{"text":"الشيباني، عن أبي يزيد الفقيمي (^١) قال: \"كان الجصاصون إذا خرجوا في السحر سمعوا نوح الجنّ على الحسين:\nمسح الرسول جبينه ... فله بريق في الخدود\nأبواه في عليا قريش ... جدّه خير الجدود\nقال: فأجبتهم:\nخرجوا وفدا إليه ... فهم شرّ الوفود\nقتلوا ابني نبيّ ... سكنوا نار الخلود (^٢)\n\n٨٠٢ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثني أبو اليقظان، حدثني\n_________\n(^١) لم أجد له ترجمة.\n(^٢) في إسناده علي بن عبد الحميد الشيباني وهو جار لقبيصة بالكوفة لا يكاد يعرف وقال ابن أبي حاتم: \"مجهول\"، الجرح وتعديل (٦/ ١٩٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٤٣)، واستدراك الحافظ عليه في لسان الميزان (٤/ ٢٤١)، الإشراف (٢٩٥) رقم (٤٠٩)، والهواتف من طريق آخر مختصرا رقم (١١٥)، والطبراني في الكبير من طريقين (٣/ ١٢١ - ١٢٢) رقم (٢٨٦٥ - ٢٨٦٦)، والذهبي في السير (٣/ ٣١٦ - ٣١٧)، والقزويني في التدوين في أخبار قزوين (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٢٤٢)، والحلبي في بغية الطلب في تاريخ حلب (٦/ ٢٦٥١ - ٢٦٥٢)، ونسبه السيوطي في تاريخ الخلفاء (٢٠٨) إلى ثعلب في أماليه وقال الهيثمي في المجمع: \"رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه، وأبو الجناب مدلس\"، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٠٠)، والبلخي في البدء والتاريخ (٢/ ٢٤٢) وعلق تعليقا جميلا فقال: \"واعلم أن للروافض في هذه القصة من الزيادات والتهاويل شيئًا غير قليل\"، وهو في آكام المرجان عن المصنف.","vol":"2","page":909},{"text":"جويرية بن أسماء، عن إسماعيل بن يسار قال: \"لقي الفرزدق حسينا -﵁- بالصِّفاح (^١) فأمر له الحسين بأربعة مائة دينار، فقيل: يا أبا عبد اللَّه، أعطيت شاعرا مبتهرا أربعمائة دينار؟ فقال: إن من خير مالك ما وقيت به عرضك\" (^٢).\n\n٨٠٣ - قال أبو عبد اللَّه العجلي، نا يونس بن بكير، نا محمد بن إسحاق، حدثني سلمة بن عبد اللَّه بن عمر بن أبي سلمة، حدثني ظئر كان لنا قال: \"قدمت بأباعر لي -عشرين أو ثلاثين بعيرا- ذا المروة أريد المِيرَة (^٣) من التمر، فقيل لي إن عمرو بن عثمان في ماله والحسين بن علي في ماله، قال: فجئت عمرو بن عثمان فأمر لي ببعيرين أن يحمل لي عليهما، فقال لي قائل: ويلك، ايت الحسين بن علي، فجئته ولم أكن أعرفه، فإذا رجل جالس بالأرض، حوله عبيده بين يديه جفنة عظيمة، فيها خبز غليظ ولحم، وهو يأكل وهم يأكلون معه، فسلمت فقلت:\n_________\n(^١) قال ياقوت في معجم البلدان (٣/ ٤١٢): \"الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مُشاش، وهناك لقى الفرزدق الحسين بن علي -﵁- لما عزم على قصد العراق\".\n(^٢) إسناده ضعيف فيه أبو اليقظان وقد تقدم (٢٥٧)، مكارم الأخلاق (١١٠) رقم (٤٣٢)، وانظر مداراة الناس (١١٣) رقم (١٣٩) ففيه أن المعاتب أخوه الحسن ﵄، وسنده منقطع.\n(^٣) الميرة الطعام يمتاره الإنسان بمعنى يجلبه، القاموس المحيط (١/ ٦١٥)، مختار الصحاح (٦٤٢).","vol":"2","page":910},{"text":"واللَّه، ما أرى أن يعطيني هذا شيئا، فقال: هلمّ فكل، فأكلت معه، ثم قام إلى ربيع الماء -مجراه- فجعل يشرب بيديه ثم غسلهما وقال: ما حاجتك؟ فقلت: أمتع اللَّه بك، قدمت بأباعر أريدة الميرة من هذه القرية فذُكرت لي فأتيتك لتعطيني مما أعطاك اللَّه، قال: اذهب فأتني بأباعرك، فجئت بها، فقال: دونك هذا المربد فأوقرها من هذا التمر، فأوقرتها واللَّه ما حملت ثم انطلقت فقلت: بأبي هو وأمي، هذا واللَّه الكرم\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف فيه جهالة المبهم ظئر سلمة، مكارم الأخلاق (١١٠ - ١١١) رقم (٤٣٣).","vol":"2","page":911},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن جعفر -﵁</span>-.\n\n٨٠٤ - حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي، حدثنا أبو مسهر، حدثني إسماعيل بن معاوية قال: سمعت يونس بن حلبس يقول: \"بلغ معاوية أن عبد اللَّه بن جعفر دخله حفف -والحفف: الشدة والجهد- من بذله وإعطائه، فكتب إليه يأمره بالقصد، ويرغبه فيه، وينهاه عن السرف ويعيبه عليه، وكتب إليه ببيتين من شعر:\nلمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع\nيسدّ به نوائب تعتريه ... من الأيام كالنهل الشروع\nقال: فكتب إليه عبد اللَّه بن جعفر رحمه اللَّه تعالى:\nسلي الطارق المعترَّ يا أم خالد ... إذا ما رأيني بين ناري ومجزري\nأبذل وجهي إنه أول القرى ... وأبذل معروفي لهم دون منكري\nوقد أشتري عرضى بمالي وما عسى ... أخوك إذا ما ضيّع العرض فيشتري\nيؤدي إليّ الليل فتيان ماجد كريم ... ومالي سارح مال مقتري\nقال: فأعجب معاوية بما كتب إليه وأمر له بأربعين ألف دينار عونا له على دينه\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فإن إسماعيل بن معاوية الظاهر أنه هو ابن أبي عبيد اللَّه الأشعري، قال عنه ابن معين: ليس بشيء كان يشرب الخمر، انظر لسان الميزان (١/ ٤٢٠)، قرى الضيف (٢٢) رقم (١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٩٣)، وذكر البيتين الأولين الخطابي في غريب الحديث (٢/ ٥١) غير منسوبة لأحد بألفاظ مختلفة =","vol":"2","page":912},{"text":"٨٠٥ - حدثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن قريب الباهلي، حدثني عمي، حدثنا خلف الأحمر قاله: قال الشماخ بن ضرار (^١) لعبد اللَّه بن جعفر:\nإنك يا ابن جعفر نعم الفتى ... ونعم مأوى طارق إذا أتى\nوربّ ضيف طرق الحيّ سُرى ... صادف زادا وحديثا ما اشتهى\nإن الحديث جانب من القرى\nقال خلف: ومن سنة الأعراب إذا حادثوا الغريب ونهموا إليه، وفاكهوه أيقن بالقرى، وإذا أعرضوا عنه أيقن بالحرمان، فمن ثمّ قيل: إن الحديث جانب من القرى\" (^٢).\n_________\n= قليلا، ونسبها لحاتم الطائي ابن عساكر في تاريخ ابن عساكر (١١/ ٣٧٤) وابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢١٥)، وانظر الحماسة لأبي تمام (٦٨٦)، وبهجة المجالس لابن عبد البر (١/ ٢٩٨).\n(^١) هو شماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان بن أمامة الغطفاني، يكنى أبا سعيد وأبا كثير، كان شاعرا مشهورا، أدرك الجاهلية والإسلام، الإصابة (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٨١) وهو يروي عن عمة الأصمعي، وخلف الأحمر شاعر مشهور انظر الفهرست (١/ ٧٤)، قرى الضيف (٢٢ - ٢٣) رقم (١٤)، وأبو عبد الرحمن السلمي في آداب الصحبة رقم (٢٠٢)، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ١٠٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٩٠ - ٢٩١)، وعن المصنف ابن حجر في الإصابة (٢/ ٢٩٠)، وانظر الحماسة لأبي تمام (٢/ ٣٣٥، ٣٥٢)، وبهجة المجالس (١/ ٢٩٨).","vol":"2","page":913},{"text":"٨٠٦ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثني أبو اليقظان، عن جويرية قال: \"جاء نصيب الشاعر أبو محجن إلى عبد اللَّه بن جعفر فحمله وأعطاه وكساه فقال قائل له: يا أبا جعفر، اعطيت هذا الحبشي هذه العطايا؟ قال: وما ذاك؟ إنما هي رواحل تنضى، وثياب تبلى، وثناء يبقى\" (^١).\n\n٨٠٧ - حدثني محمد بن الحسين، نا كثير بن هشام، نا عيسى بن إبراهيم القرشي، حدثني رجل من أهل البصرة قال: \"قدمت المدينة فنزلت على معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر فسألته عما كان يصنع أبوه من أخلاقه، فقال: كان قد جُبل على شيء لا يقدر عليه غيره، قال: فأتاه أعرابي يسأله فقال: تمنَّ عليَّ واجتهد في الأمانيّ، فقال: بَكرًا يحمل رحلى إلى أهلي، وحلّة ألبسها يوم قدومي على الحيّ، وبردة أمتهنها في سفري، ونفقة تبلِّغني إليهم، بهال: لقد قصَّرت بك نفسك فهلَّا سألتني ما أملك فأُخرج لك عينه، قال: فأمر له بمائة حلّة، ومائة ناقة، ومائة ألف درهم، فقال الأعرابي: أما الأحجار فلا حاجة لي بها، وأما الحلل فواحدة من ذلك تكفيني، وأما الإبل فأسوقها واللَّه إلى أهلي، قال: فساق الإبل، وترك\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه أبو اليقظان وقد تقدم (٢٠٩)، مكارم الأخلاق (١٢٨) رقم (٤٦٥)، والأصفهاني في الأغاني (١/ ١٣٢) من طريق شيخ المصنف به وفيه زيادة: \"واللَّه لئن كان أسود إن ثناءه لأبيض، وإن شعره لعربي، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال مني\"، وأورده الجاحظ في البيان والتبيين (١/ ٢٦١)، وفي صبح الأعشى (١٤/ ١٩٨).","vol":"2","page":914},{"text":"المال والحلل، فأمر به عبد اللَّه فقُسم على فقراء أهل المدينة\" (^١).\n\n٨٠٨ - حدثني محمد بن الحسين، نا داود بن محبر، عن سوادة بن أبي الأسود، عن شهر بن حوشب (^٢): \"أن رجلا عطبت راحلته فأتى أمير المدينة فسأله فلم يحمله، فقيل له: ايت أبا جعفر فأتاه فقال:\nأبا جعفر إن الحجيج ترحّلوا ... وليس لرحلي فاعلمنّ بعير\nأبا جعفر، من أهل بيت نبوّة ... صِلاتهم للمسلمين طهور\nأبا جعفر، ضنَّ الأمير بماله ... وأنت على ما في يديك أمير\nفأمر له براحلة ونفقة وكسوة سابغة\" (^٣).\n\n٨٠٩ - حدثني محمد بن الحسين، نا الحميدي قال: سمعت القداح (^٤) يذكر: \"أن رجلا عرض لعبد اللَّه وقد خرج من باب بني شيبة فقال: يا ابن الطيّار في الجنة، صلني بنفقة أتبلّغ بها إلى أهلي، كرّم اللَّه وجهك، قال: فرمى إليه برمّانة من ذهب كانت في يده فوزنها فإذا فيها ثلاثمائة مثقال\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، مكارم الأخلاق (١٢٢ - ١٢٣) رقم (٤٥٥).\n(^٢) هو شهر بن حوشب الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن صدوق كثير الإرسال والأوهام من الثالثة مات سنة اثنى عشرة، التقريب (٢٨٣٠).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر متروك وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات التقريب (١٨٢٠)، مكارم الأخلاق (١٠٧ - ١٠٨) رقم (٤٢٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٧٠) وفيه تتمة للأبيات، وأورده الذهبي في السير (٣/ ٤٥٩)، والأصفهاني في الأغاني (١١/ ٦٥).\n(^٤) انظر التخريج الآتي.\n(^٥) إسناده حسن إن كان القداح هو سعيد بن سالم المكي أبو عثمان وهو صدوق يهم =","vol":"2","page":915},{"text":"٨١٠ - حدثني محمد بن الحسين، نا الصلت بن حكيم، نا خالد بن نافع الأشعري، عن علي بن عبيد اللَّه الغطفاني قال: سمعت الشعبي قال: \"كان لعبد اللَّه بن جعفر على رجل من أهل المدينة خمسون ألفا فاستعان عليه بعبيد اللَّه بن عباس في ذلك فقال: قد حططت عنه شطرها، وأخّرته بالشطر الآخر إلى ميسورة، قال: فجزّاه عبيد اللَّه وانصرف، فأتبعه ابن جعفر رسولا: إني قد طيّبت له النصف الآخر\" (^١).\n\n٨١١ - حدثني محمد بن الحسين، نا داود بن المحبّر قال: سمعت أبي يذكر عن شهر بن حوشب: \"أن رجلا أتى عبد اللَّه بن جعفر فسأله وبين يديه جارية تعاطيه بعض حوائجه فقال عبد اللَّه للسائل: خذ بيدها فهى لك، فقالت له الجارية: أَمتَّني يا سيّدي، قال: ويحك وكيف ذاك؟ قالت: وهبتني لرجل بلغت به الحاجة إلى المسألة، فقال له عبد اللَّه بن جعفر: بعنيها إن شئت، فقال له الرجل: خذها -أصلحك اللَّه- بما أحببت، قال: إنما اشتريتها بمائة دينار فلك مائتا دينار، قال: فهي لك -أصلحك اللَّه-، قال فأعطاه عبد اللَّه مائتي دينار وقال: إذا نفدت فعدّ إليّ، قالت له\n_________\n= ورمي بالإرجاء وكان فقيها، التقريب (٢٣٢٨)، وهو منقطع، انظر حلية الأولياء (٩/ ٩٣) فيه إشارة إلى أنه من أقران الحميدي وكلاهما مكي، مكارم الأخلاق (١٠٨) رقم (٤٢٦).\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه خالد بن نافع الأشعري ضعيف انظر الجرح والتعديل (٣/ ٣٥٥)، ميزان الاعتدال (١/ ٦٤٤)، مكارم الأخلاق (١٠٩) رقم (٤٢٧)، ورقم (٤٥٦) وفيه أنه عبد اللَّه بن عباس، وهو أخصر من هذا.","vol":"2","page":916},{"text":"الجارية: يا سيّدي عظمت مؤنتي عليك، فقال: حرمتك أعظم من مؤنتك\" (^١).\n\n٨١٢ - حدثني محمد، نا عبيد اللَّه بن موسى، حدثني رجل من أهل المدينة: \"أن عبد اللَّه بن جعفر كان إذا أتاه الرجل يسأله أعطاه فإن لم يكن عنده قال: اذهب فخذ عليَّ إلى العطاء، أو إلى الجذاذ (^٢)، وأتني بهم أضمن لك\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه داود بن المحبر وقد سبق (٨٠٨)، مكارم الأخلاق (١٠٩) رقم (٤٢٨).\n(^٢) أي إلى حين قطع المحصول السنوي، أو أخذ عطاء بيت المال، القاموس المحيط (١/ ٤٢٣).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه جهالة المبهم، مكارم الأخلاق (١٠٩) رقم (٤٢٩).","vol":"2","page":917},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عباس -﵁</span>-.\n\n٨١٣ - حدثني محمد بن الحسين ومحمد بن عباد العكلي، قالا: نا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: سمعت أبا سنان يذكر عن حبيب بن أبي ثابت قال: \"قدم أبو أيوب الأنصاري البصرة، ونزل على ابن عباس -﵁- ففرّغ له بيته الذي كان فيه وقال: لأصنعنّ بك كما صنعت برسول اللَّه -ﷺ-، وقال: كم عليك من الدين؟ قال: عشرون ألفا، فأعطاه أربعين ألفا وعشرين مملوكا، وقال: لك ما في البيت كلّه\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده منقطع، مكارم الأخلاق (١١٥) رقم (٤٤١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٠، ٤٦٢) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٣٦) رقم (١٠٨٨٠) وفيه قصة، والذهبي في السير (٢/ ٤١٠) و(٣/ ٣٥٢)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٢٩٩)، والرافعى في التدوين في أخبار قزوين (٣/ ٤٢)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٣) وقال: \"حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أبي أيوب\".","vol":"2","page":918},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل عبيد اللَّه بن العباس -﵁</span>-.\n\n٨١٤ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثنا أبو اليقظان، حدثني جويرية بن أسماء: \"أن عبيد اللَّه بن العباس (^١) كان ينحر كل يوم جزورًا، فقال له عبد اللَّه: تنحر كل يوم جزورًا؟ ! قال: وكثير ذاك يا أخي؟ ! واللَّه لأنحرنَّ كل يوم جزورين\" (^٢).\n_________\n(^١) هو عبيد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي -ﷺ-، أبو محمد شقيق عبد اللَّه بن عباس، من صغار الصحابة، مات بالمدينة سنة (٨٧ هـ)، التقريب (٤٣٠٣).\n(^٢) إسناده ضعيف، أبو اليقظان ضعيف واختلط، وكان يدلس ويغلو في التشيع التقريب (٤٥٣٩)، قرى الضيف (٤٠) رقم (٤٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٧/ ٤٨١).","vol":"2","page":919},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل عائشة ﵂</span>.\n\n٨١٥ - حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: \"دخلت على عائشة، فدعت لي بطعام فقالت: كل، فَلَقَلَّ ما أشبع من الطعام، ولو شئت أن أبكي لبكيت، قال: قلت: ومم ذاك؟ قالت: أذكر الحال التي فارق عليها رسول اللَّه -ﷺ- الدنيا، ما شبع من يوم مرتين من خبز برٍّ حتى لحق باللَّه\" (^١).\n\n٨١٦ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب، عن أبي سعيد رضيع عائشة قال: \"دخلت على عائشة فرأيتها تخيط نقبة لها، فقلت: يا أم المؤمنين أليس قد أوسع اللَّه -﷿- عليك؟ قالت: لا جديد لمن لا يلبس الخلق\" (^٢).\n\n٨١٧ - حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى قال: حدثنا محمد بن عبد اللَّه،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، مداره على مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، وشيخ المصنف صدوق يخطئ وقد سبق (٦٦)، الجوع (٢٨) رقم (٥)، وانظر (٢٠٤)، والترمذي في السنن (٤/ ٥٧٩) رقم (٢٣٥٦) وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وفي الشمائل برقم (١٤٩)، أبو يعلى في مسنده (٨/ ٣٣) رقم (٤٥٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ١٠٣)، والحديث له شواهد كثيرة وهو مشهور.\n(^٢) إسناده حسن؛ أبو سعيد هو كثير بن عبيد رضيع عائشة مقبول التقريب (٥٦٥٤) وهو هنا صاحب القصة واللَّه أعلم، التواضع والخمول (١٦٥) رقم (١٣٥)، إصلاح المال رقم (٣٩٨)، والبخاري في الأدب المفرد (١٦٦) رقم (٤٧١)، والتاريخ الكبير (٧/ ٢٠٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ١٥٩) رقم (٦١٨٥).","vol":"2","page":920},{"text":"عن علقمة (^١) قال: \"سئلت جارية عائشة عنها، فقالت: واللَّه لعائشة أطيب من طيّب الذهب، وما لها عيب إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّكه اللَّه فعجب من فقه الحبشية\" (^٢).\n\n٨١٨ - نا إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس قال: نا جعفر بن عون قال: نا المعلي بن عرفان قال: حدثني محمد بن عبد اللَّه بن جحش قال: \"تفاخرت زينب (^٣) وعائشة ﵄، فقالت زينب: \"أنا الذي نزل تزويجي من السماء\"، وقالت عائشة: \"أنا الذي نزل عذري في كتاب اللَّه حين حملني ابن المعطل على الراحلة\" فقالت لها زينب: \"ما قلت حين ركبتها؟ \" قالت: \"قلت: حسبي اللَّه ونعم الوكيل، قالت لها زينب: \"قلتِ كلمة المؤمنين\" (^٤).\n_________\n(^١) هو علقمة بن وَقَّاص الليثي المدني، ثقة ثبت، أخطأ من زعم أن له صحبة، وقيل إنه ولد في عهد النبي -ﷺ-، مات في خلافة عبد الملك، التقريب (٤٦٨٥).\n(^٢) إسناده صحيح إلى علقمة وهو منقطع، الإشراف (٢٨٥) رقم (٣٨٣)، وأصل القصة في الصحيحين انظر الفتح (٧/ ٤٣٣)، وشرح مسلم للنووي (١٦/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) هي زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر الأسدية، أم المؤمنين، يقال: ماتت سنة (٢٠ هـ) في خلافة عمر، الإصابة (٧/ ٦٦٧)، التقريب (٨٥٩٤).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه المعلى بن عرفان، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء ميزان الاعتدال (٤/ ١٤٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٠): \"رواه الطبراني وفيه المعلى بن عرفان وهو متروك\".\nالتوكل (٨٥) رقم (٤٧)، روإه ابن جرير في تفسير (١٨/ ٨٩)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٤) رقم (١٢٢)، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٥/ ٢٠٤) للحكيم الترمذي، قلت: وهو في نوادر الأصول (٢/ ١٨٥) المجردة من الأسانيد.","vol":"2","page":921},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل زينب بنت جحش ﵂</span>.\n\n٨١٩ - قال محمد: فحدثني يزيد بن خصيفة، عن عبد اللَّه بن رافع، عن برزة ابنة رافع (^١) قالت: \"لما جاء العطاء بعث عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلما دخل عليها قالت: غفر اللَّه لعمر، لغيري من أخواتي كانوا أقوى مني على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان اللَّه، واستترت دونه بثوب، وقالت: صبوه واطرحوا عليه ثوبا، فصبوه وطرحوا عليه ثوبا، فقالت لي: أدخلى يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى آل فلان، وآل فلان من أيتامها وذوي رحمها، فقسمته حتى بقيت منه بقية، فقالت لها برزة: غفر اللَّه لك، واللَّه لقد كان لنا في هذا حظ، قالت: فلكم ما تحت الثوب؟ قالت: فرفعنا الثوب، فوجدنا خمسة وثمانين درهما، ثم رفعت يديها، فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، قالت: فماتت\" (^٢).\n_________\n(^١) أوردها ابن حجر في الإصابة (٧/ ٥٤١) في القسم الثالث من حرف الباء في النساء، بهذا الأثر.\n(^٢) إسناده حسن، محمد بن عمرو صدوق له أوهام، التقريب (٦٢٣٦)، مجابو الدعوة (٨٠ - ٨٢) رقم (٤٥)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٧٧) رقم (١١٧)، وكذا ابن الجوزي في المنتظم (٤/ ٣٠٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٠١) و(٨/ ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٥٤)، وابن حجر في الإصابة (٤/ ٢٥٤)، والبلاذري في فتوح البلدان (١/ ٤٤٠)، من طرق عن محمد بن عمرو =","vol":"2","page":922},{"text":"التحليل والتعليق\nتضمنت الآثار السابقة ذكر بعض فضائل آل بيت النبي -ﷺ-، منهم العباس، والحسن، والحسين، وعبد اللَّه بن جعفر، وعبد اللَّه بن عباس، وعبيد اللَّه بن عباس، وعائشة وزينب بنت جحش ﵃ أجمعين.\nفالعباس: عم النبي -ﷺ-، كان صادقا في الدفاع عنه، ثبت يوم حنين، واستجاب الصحابة لندائه بالثبات حتى حمي الوطيس.\nوالحسن والحسين: كانت لهما كرامات برقت لهما برقة سارا في ضوئها حتى دخلا بيتهما، ووصف الحسين أخاه بأنه قاسم اللَّه ماله ثلاث مرات، ومشى إلى بيت اللَّه على قدميه خمس عشرة مرة حاجا، وحصل لمن مقتته علة في كبدها، وتنازل عن حصاده لمن سأله في دين له، بما يعادل عشرين ألفا، وشهد لهما ابن عمر بأنهما يغران العلم غرا، ورأى ابن عباس في المنام أن النبي -ﷺ- يجمع دم الحسين في نفس اليوم الذي قتل فيه، كان يجلس مع المساكين ويؤاكلهم، وذُكر أنه دعا على من حال بينه وبين الماء، فمات عطشا، وكان يسمع نوح الجن عليه.\nوعبد اللَّه بن جعفر: كانت تصيبه الشدائد لكثرة إنفاقه في سبيل اللَّه، وكان مستعدا للخروج عن ماله للأعرابي فلما قصرت به مسألته أعطاه مائة حلّة، ومائة ناقة، ومائة ألف درهم، فلم يأخذ إلا الإبل وبعض\n_________\n= به، وكان عطاء عمر -﵁- لها إثنا عشر ألفا، كما في الأثر الذي قبله عند المصنف.","vol":"2","page":923},{"text":"الحلل، فأنفق الباقي على فقراء المدينة، وكان معروفا بهذا الجود، حتى إنه كان يحال عليه من لم يجد من يسعفه، وأعطى رمانة تزن ثلاثمائة مثقال، ويتنازل عن مبالغ كبيرة للمدين تبلغ خمسة وعشرين ألفا، وأعطى رجلا جارية ثم اشتراها منه بمائتي دينار وطلب منه إذا نفدت أن يعود، كل ذلك حرصا على حرمة الجارية، ومساعدة المحتاج، فإن لم يجد شيئا، طلب من السائل أن يأخذ من أحد ويحيل عليه إلى الجذاذ.\nوعبد اللَّه بن عباس: بلغ من حبة للنبي -ﷺ- أن أكرم أبا أيوب الأنصاري، ففرغ له بيته، وأعطاه ما فيها، ودفع له ضعف ما عليه من الدين، فبلغ أربعين ألفا، كل ذلك حرصا منه أن يفعل به كما فعل هو بنبيِّنا -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة.\nوأخوه عبيد اللَّه: كان ينحر كل يوم جزورا، وعزم أن يضاعف ذلك إلى جزورين.\nوأم المؤمنين عائشة ﵂: كانت قلّ ما تشبع من طعام، وتخيط القديم من لباسها، رغم ما وسع اللَّه عليها من الأعطيات، ووصفتها الجارية بأنها أطيب من طيّب الذهب، ونزلت براءتها من السماء في آيات تتلى.\nوكذا زينب بنت جحش: كانت تنفق من عطائها معظمه حتى إنها لم تبق من اثنتي عشر ألفا إلا بضعة وثمانين، واستجاب اللَّه دعاءها بأن لا يدركها عطاء من قابل، وكانت مشهورة بالصدقة، أخبر النبي -ﷺ- نساءه","vol":"2","page":924},{"text":"بأن أولهن لحاقا به أطولهن يدا، فكُنَّ يذرعن أيديهن ليعلمن ذلك، فماتت زينب قبلهن فعلمن أن مراده أطولهن يدا بالصدقة، وشهدن لها بذلك (^١).\nولئن كان بعض هذه الفضائل لم يثبت سنده، فلا شك أن من سبق لهم فضائل كثيرة غير ما ذكر، ومناقب جمة مبثوثة في كتب كثيرة (^٢).\n_________\n(^١) انظر فتح الباري ففيه بحث في الموضوع (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٨).\n(^٢) انظر الصواعق المحرقة (٢/ ٤١٦) حيث عقد الباب الحادي عشر في فضائل أهل البيت النبوي، وفيه فصول.","vol":"2","page":925},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>الفصل الرابع: الآثار الواردة في فضائل بقية الصحابة ﵃</span>.\nوفيه ثلاثة وثلاثون مبحثا:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن سعيد بن العاص.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل مصعب بن عمير -﵁-.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل ذي البجادين -﵁-.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عكرمة بن أبي جهل -﵁-.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل بلال بن رباح -﵁-.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل أبي بن كعب -﵁-.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل البراء -﵁-.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل خالد بن الوليد -﵁-.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في فضائل سعد بن عبادة -﵁-.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في فضائل أبي الدرداء -﵁-.\nالمبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في فضائل سلمان -﵁-.\nالمبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في فضائل الأشعث بن قيس -﵁-.\nالمبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في فضائل لبيد بن ربيعة -﵁-.\nالمبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي موسى -﵁-.\nالمبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في فضائل حجر بن عدي -﵁-.\nالمبحث السادس عشر: الآثار الواردة في فضائل أسامة بن زيد -﵁-.\nالمبحث السابع عشر: الآثار الواردة في فضائل حسان بن ثابت -﵁-.\nالمبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في فضائل حكيم بن حزام -﵁-.","vol":"2","page":926},{"text":"المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي هريرة -﵁-.\nالمبحث العشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عامر بن كريز -﵁-.\nالمبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في فضائل معاوية -﵁-.\nالمبحث الثاني والعشرون: الآثار الواردة في فضائل قيس بن سعد -﵁-.\nالمبحث الثالث والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عمرو -﵁-.\nالمبحث الرابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن الزبير -﵁-.\nالمبحث الخامس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عمر -﵁-.\nالمبحث السادس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل طلحة بن البراء -﵁-.\nالمبحث السابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل سهل بن سعد -﵁-.\nالمبحث الثامن والعشرون: الآثار الواردة في فضائل زيد بن عمر بن الخطاب -﵁-.\nالمبحث التاسع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل صعصعة جد الفرزدق -﵁-.\nالمبحث الثلاثون: الآثار الواردة في فضائل علبة بن زيد -﵁-.\nالمبحث الحادي والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل النعمان بن قوقل -﵁-.\nالمبحث الثاني والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أبي معلق -﵁-.\nالمبحث الثالث والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أسماء ﵂.","vol":"2","page":927},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن سعيد بن العاص -﵁</span>-.\n\n٨٢٠ - أخبرني العباس بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن عُليم، عن أبيه قال: \"قدم الأخطل الشام على بعض بني أمية فامتدحه فأُخبر بعبد اللَّه بن سعيد بن العاص، متبدِّيًا فيما بين المدينة والشام وكانت جدته -أم أمه- تغلبية وعبد اللَّه يومئذ غلام، فأتاه الأخطل فأنشده قصيدته التي يقول فيها:\nفمن يك سائلا ببني سعيدٍ ... فعبد اللَّه أكرمهم نصابا\nوأمر له بخمسة آلاف درهم وناقة برحلها، فقيل له: أعطيت أعرابيا نصرانيا ما أعطيته ولم تستمدحه، وإنما كان يرضيه اليسير، فقال عبد اللَّه: عليَّ بالأخطل، فجاء فقال: إني أعطيتك ولم آمرك بشيء، فهي لك في كل سنة، فإذا بدا لك فتعال\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه العباس بن هشام الكلبي وأبوه وقد سبقا مرارا، مكارم الأخلاق (١٤١) رقم (٤٨٦).","vol":"2","page":928},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل مصعب بن عمير -﵁</span>-.\n\n٨٢١ - حدثنا أبو علي المروذي قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: أخبرنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: \"أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن في برده، إن غطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطِّي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطنا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشيت أن تكون حسناتنا عجِّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام\" (^١).\n\n٨٢٢ - نا هارون بن إبراهيم الإمام، نا زيد بن الحباب، ذكر موسى ابن عبيدة ذكر أخي عبد اللَّه بن عبيدة، عن عروة بن الزبير: \"أن مصعب ابن عمير أقبل وعليه نمرة (^٢)، ما تكاد تواريه، والنبي -ﷺ- جالس ومعه نفر من أصحابه، فلما رأوه نكسوا ليس عندهم ما يعطونه يتوارى به، قال: فأثنى عليه النبي -ﷺ- خيرا، قال: فسلّم فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لقد رأيته عند أبويه وما فتى من فتيان قريش عند أبويه مثله، يكرمانه وينعمانه، فخرج من ذلك ابتغاء مرضاة اللَّه ونصرة رسوله\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، وشيخ المصنف هو حمزة بن العباس سبق مرارا، الجوع (١١٧) رقم (١٧٨)، والأثر في صحيح البخاري (٧/ ٣٥٣ فتح) رقم (٤٠٤٥).\n(^٢) شَمْلَةٌ فيها خُطوطٌ بيضٌ وسودٌ، أو بُرْدَةٌ من صُوفٍ تَلْبَسُها الأعرابُ، القاموس المحيط (١/ ٦٢٧).\n(^٣) إسناده ضعيف مرسل، فإن عروة تابعي لم يدرك القصة، وموسى بن عبيدة هو ابن =","vol":"2","page":929},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل ذي البجادين -﵁</span>-.\n\n٨٢٣ - نا شجاع بن مخلد، نا عباد بن العوام، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (^١) قال: \"كان رجل من مزينة ممن كان في نواحي المدينة في حجر عم له فكان ينفق عليه ويكفه، فأراد الإسلام فقال له عمة: لئن أسلمت لأنتزعنّ منك كل شيء صنعت إليك فأبى إلا أن يسلم فانتزع منه كل شيء صنعه به حتى إزار ورداء كانا عليه، فانطلق إلى أمه مجردا فقامت إلى يحاد لها من شعر أو صوف، فقطعته باثنين فاتزر باحدهما وارتدى الآخر، ثم أتى النبي -ﷺ- فصلى معه الصبح، قال: وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى الصبح تفقّد الناس ونظر في وجوههم فرآه فقال: \"من أنت؟ \" قال: أنا عبد العزى وكان اسمَه، قال: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"بل أنت عبد اللَّه ذو البجادين، الْزَمْنَا وكن معنا، فكان يكون مع رسول اللَّه -ﷺ- والاستغفار والتمجيد\"، قال: فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه -ﷺ- أَمُرَاءٍ هو؟ قال: \"دعه؛ فإنه أحد الأوابين\"، قال: فلما كان في غزاة تبوك خرج مع رسول اللَّه -ﷺ- فمات، قال: فقال\n_________\n= نشيط ضعيف التقريب (٧٠٣٨)، الأولياء (٣٣) رقم (٧٨)، وذم الدنيا رقم (٤٢٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٨٦) رقم (١٠٣٢٩)، والحاكم موصولا عن عروة عن أبيه في المستدرك (٣/ ٦٢٨) وسكت عليه هو والذهبي، وهو نفس سند المؤلف عن زيد بن الحباب به.\n(^١) انظر التخريج الآتي.","vol":"2","page":930},{"text":"ابن مسعود: إذا أنا بنار ليلا في ناحية العسكر فقلت: ما هذا فانطلقت فإذا رسول اللَّه وأبو بكر وعمر ما معهم رابع فإذا ذو البجادين قد مات، ورسول اللَّه في القبر وهو بقول دلِّيا إليّ أخاكما، قال: فأضجعه رسول اللَّه -ﷺ- لشقه الأيمن ثم قال: \"اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه\"، قال: فقال ابن مسعود: فيا ليتني كنت مكانه في حفرته\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده منقطع؛ فإن محمد بن إبراهيم لم يدرك القصة وقد قال عنه ابن حجر: ثقة له أفراد التقريب (٥٧٢٧)، الأولياء (٣٢ - ٣٣) رقم (٧٧)، وذكره أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٦٥)، وحكم عليه ابن حجر بالانقطاع في الإصابة (٢/ ٣٣٩).","vol":"2","page":931},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عكرمة بن أبي جهل -﵁</span>-.\n\n٨٢٤ - حدثني إسحاق بن إسماعيل، نا أبو أسامة قال: سمعت الأعمش يذكر عن أبي إسحاق قال: \"لما أسلم عكرمة بن أبي جهل (^١) جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه، لا أترك مقاما قمته لأصدَّ به عن سبيل اللَّه إلا قمت مثله في سبيل اللَّه، ولا نفقة أنفقتها لأصدّ بها عن سبيل اللَّه إلا أنفقت مثلها في سبيل اللَّه، فلما كان يوم اليرموك (^٢) -أو غيره- قاتل قتالا شديدا، فوجدوا به بضعا وسبعين ضربة من بين طعنة ورمية وضربة\" (^٣).\n_________\n(^١) هو عكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي، صحابي أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح، الإصابة (٤/ ٥٣٨)، التقريب (٤٦٦٧).\n(^٢) موضع بالشام، وكانت فيه وقعة في أول خلافة عمر، سنة (١٥ هـ) بقيادة أبي عبيدة بن الجراح -﵁-، وكان النصر للمسلمين على الروم، واستشهد من المسلمين جماعة، فتح الباري (٧/ ٨١).\n(^٣) إسناده صحيح ولا تضر عنعنة الأعمش فإنه من الطبقة الثانية كما في تعريف أهل التقديس (١١٨)، مكارم الأخلاق (٥٠) رقم (٢٠٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٢٧) و(٧/ ٨)، ومن طريقه ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٠٨٥).","vol":"2","page":932},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل بلال بن رباح -﵁</span>-.\n\n٨٢٥ - حدثني الفضل بن إسحاق بن حيان قال: حدثنا أبو أسامة عمر بن حمزة، عن سالم: \"أن شاعرا امتدح بلال بن عبد الرحمن بن عمر، فقال في شعره: وبلال بن عبد اللَّه خير بلال، فقال له ابن عمر: كذبت، بل بلال رسول اللَّه خير بلال\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه عمر بن حمزة وهو العمري المدني ضعيف التقريب (٤٩١٨)، الإشراف (٣٠٧) رقم (٤٣٨)، وابن ماجه في السنن (١/ ٥٤) رقم (١٥٢)، وقال الكناني في مصباح الزجاجة (١/ ٢٣): \"هذا إسناد فيه مقال؛ عمر بن حمزة ضعفه ابن معين والنسائي؛ وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن حبان في الثقات: كان ممن يخطئ، قلت: وأخرج الحاكم حديثه في المستدرك، وقال: أحاديثه كلها مستقيمة\".","vol":"2","page":933},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل أبي بن كعب -﵁</span>-.\n\n٨٢٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: \"اخرجوا بنا إلى أرض قومنا، قال: فخرجنا، فكنت أنا وأبي بن كعب في مؤخّر الناس، فهاجت سحابة، فقال أبيّ: اللهم اصرف عنا أذاها، فلحقناهم، وقد ابتلّت رحالهم فقال عمر: أما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا اللَّه أن يصرف عنا أذاها، فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده حسن، يحيى بن عيسى صدوق يخطئ ورمي بالتشيع التقريب (٧٦٦٩)، مجابو الدعوة (٧٤) رقم (٣٨)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٥٤) رقم (٩٨)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٣٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٢٣٥)، والمحاملي في أماليه رقم (٣٠٣)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٩٨)، من طرق عن الأعمش به.","vol":"2","page":934},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل البراء -﵁</span>-.\n\n٨٢٧ - حدثني محمد بن حسان بن فيروز، نا حجاج بن محمد، نا السري بن يحيى، عن ابن سيرين: \"أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أُغلق بابه، فيه رجال من المشركين، فجلس البراء بن مالك على ترس وقال: \"ارفعوني برماحكم فألقوني إليه، فرفعوه برماحهم من وراء الحائط، فأدركوه وقد قَتل منهم عشرة\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، حجاج بن محمد هو المصيصي ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته التقريب (١١٤٤)، قلت: لكن لم يحدث عنه أحد بعد اختلاطه فقد أمر ابن معين ابنه ألا يدخل عليه أحد كما في المختلطين للعلائي (١٩)، مكارم الأخلاق (٤٩) رقم (١٩٩)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٤٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٢٥)، وذكر ابن حجر في الإصابة (١/ ١٤٣) أن ذلك حصل يوم اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب، ونسبه لمسند بقي.","vol":"2","page":935},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل خالد بن الوليد -﵁</span>-.\n\n٨٢٨ - حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن إسحاق السهمي، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن خيثمة (^١) قال: \"أتي خالد بن الوليد برجل معه زقّ خمر، فقال: اللهم اجعله عسلا فصار\" (^٢).\n\n٨٢٩ - حدثنا أحمد بن عمران بن عبد الملك، حدثني محمد بن الفضيل، نا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: قال خالد ابن الوليد (^٣): \"واللَّه ما أدري من أي يوميّ أقر (^٤)، من يوم أراد اللَّه أن\n_________\n(^١) انظر التخريج الآتي.\n(^٢) الأثر صحيح على اختلاف في ألفاظه وله طرق كتيرة، وسنده صحيح إن كان خيثمة هو الجعفي ثقة وكان يرسل التقريب (١٧٨٣) وهذا ما يفيده صنيع ابن حجر بتصحيحه هذا الإسناد، مجابو الدعوة (٨٨) رقم (٥٣)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٥٢) رقم (٩٥)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٢٥٢)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطب في تاريخ حلب (٧/ ٣١٥٣) ومن طريق آخر عن سيف بن عمر عن أبي عثمان عن أبيه به نحوه، وذكره ابن حجر في الإصابة عن المصنف (١/ ٤١٤) وقال: \"إسناده صحيح\"، وابن كنير في البداية والنهاية (٧/ ١١٤) وقال: \"له طرق\"، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٧٦) وقال: \"رواه يحيى بن آدم عن أبي بكر وقال: \"خَلَّا\" بدل: \"العسل\"، وهذا أشبه ويرويه عطاء بن السائب عن محارب بن دثار مرسلا\".\n(^٣) هو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم المخزومي، سيف اللَّه، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة، وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرا على قتال أهل الردة وغيرها، من الفتوح إلى أن مات سنة (٢١ هـ) أو التي بعدها، الإصابة (٢/ ٢٥١)، التقريب (١٦٨٤).\n(^٤) في الأصل: أفر، بالفاء.","vol":"2","page":936},{"text":"يرزقني فيه شهادة، أم من يوم أراد أن يهدي لي فيه كرامة\" (^١).\n\n٨٣٠ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن قيس قال: قال خالد بن الوليد: \"لقد رأيتني يوم مؤتة (^٢) تقطعت في يدي تسعة أسياف وصبرت في يدي صحيفة لي يمانية\" (^٣).\n\n٨٣١ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن قيس قال: قال خالد بن الوليد: \"ما ليلة أُبشَّر فيها بغلام، أو تهدى إليّ فيها عروس، أحب إليّ من ليلة قَرَةٍّ باردة في سبيل اللَّه -﷿-\" (^٤).\n_________\n(^١) رجاله ثقات ما عدا الكلام في شيخ المصنف، وقد سبق (٦٥)، مكارم الأخلاق (٣٩) رقم (١٧٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٥٤)، وفي الوفا بأحوال المصطفى (١/ ١٠٦)، والذهبي في السير (١/ ٣٧٥).\n(^٢) هي قرية بأدنى بلقاء الشام، بينها وبين بيت المقدس مرحلتان، وقعت فيها معركة كبيرة بين المسلمين والروم، عقد فيها رسول اللَّه -ﷺ- لزيد بن حارثة، وكان الفتح على يد خالد ابن الوليد، بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وقابلهم الروم بجيش قوامه مائتي ألف مقاتل، بعد قتال شديد وابتلاء عظيم، انظر الرحيق المختوم (٣٨٧ - فما بعدها).\n(^٣) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٣٩) رقم (١٧٥)، والأثر في صحيح البخاري (٧/ ٥١٥) رقم (٤٢٦٤ - ٤٢٦٥) كتاب المغازي باب غزوة مؤتة من أرض الشام، وهو مشهور في كتب السير وتراجم الصحابة.\n(^٤) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٣٩ - ٤٠) رقم (١٧٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢١٤)، وابن المبارك في الجهاد (٩١) رقم (١٠٧)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٨١٤) رقم (١٤١٦)، وأبو يعلى في المسند (١٣/ ١٤١) رقم (٧١٨٥)، ومن طريقه ابن حبان في الثقات (١/ ٣٠١)، وذكره عنه أيضًا ابن حجر =","vol":"2","page":937},{"text":"٨٣٢ - حدثنا ابن جميل، نا عبد اللَّه، أنا حماد بن زيد، عن عبد اللَّه ابن المختار، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل -ثم شك حماد بعد في أبي وائل- قال: \"لما احتضر خالد بن الوليد قال: لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد (لا إله إلا اللَّه) من ليلة بتُّها وأنا مُتَتَرِّسٌ بترسي والسماء تهلبني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار، ثم قال: إذا أنا متّ فانظروا سلاحي وفرسي فاجعلوها عُدّة في سبيل اللَّه -﷿-\" (^١).\n_________\n= في الإصابة (١/ ٤١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠): \"رجاله رجال الصحيح\"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٢٥٠).\n(^١) إسناده حسن، وابن جميل شيخ المصنف هو أحمد بن جميل المروزي وثقه جماعة ولا ينزل عن الصدوق انظر لسان الميزان (١/ ١٤٧)، مكارم الأخلاق (٤٠) رقم (١٧٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٠٦) رقم (٣٨١٢)، كلاهما من طريق ابن المبارك في الجهاد (٥٥) رقم (٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠): \"إسناده حسن\".","vol":"2","page":938},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>المبحث التاسع: الآثار الواردة في فضائل سعد بن عبادة -﵁</span>-.\n\n٨٣٣ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو أسامة، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين قال: \"كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالرجل، والرجل بالرجلين، والرجل بالخمسة، فأما سعد بن عبادة فإنه كان ينطلق بثمانين كل ليلة\" (^١).\n\n٨٣٤ - حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: \"كانت لرسول اللَّه -ﷺ- من سعد بن عبادة (^٢) جفنة من ثريد في كل يوم، تدور معه أين ما دار من نسائه، وكان إذا انصرف من صلاة مكتوبة قال: اللهم ارزقني مالا أستعين به على فعالي؛ فإنه لا يصلح الفعال إلا المال\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سيأتي (٨٩٥)، والأثر مرسل انظر فتح الباري (١١/ ٢٨٦)، قرى الضيف (٢٨ - ٢٩) رقم (٢٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٣٣) رقم (٢٦٦٢٢)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٩٢) رقم (٧٦٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٢٦٢).\n(^٢) هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء، وسيد الخزرج، وأحد الأجواد، وقع في صحيح مسلم أنه شهد بدرا، والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فنهش فأقام، مات بأرض الشام سنة (١٥ هـ) وقيل غير ذلك، الإصابة (٣/ ٦٥)، التقريب (٢٢٤٣).\n(^٣) إسناده حسن، وهو مرسل فإن يحيى بن أبي كثير ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل =","vol":"2","page":939},{"text":"٨٣٥ - حدثني أبي، عن هشام بن محمد ثنا عبد المجيد بن أبي عبس بن محمد بن عيسى بن جبر، عن أبيه عن جده (^١) قال: \"سمعت قريش صائحا يصيح على أبي قبيس:\nفإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف\nفقال أبو سفيان وأشراف قريش: من السعود؟ سعد بن بكر، وسعد ابن زيد بن مناة، وسعد بن قضاعة، فلما كان في الليلة الثانية سمعوا صوته على أبي قبيس:\nأيا سعدُ سعدَ الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف\nأجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على اللَّه في الفردوس منية عارف\nفإن ثواب اللَّه لطالب الهدى ... جنان في الفردوس ذات رفارف\nقال: فقالوا: هذا سعد بن عبادة وسعد بن معاذ\" (^٢).\n_________\n= التقريب (٧٦٨٢)، قرى الضيف (٢٩) رقم (٢١)، إصلاح المال (٣٥) رقم (٥٣) ورقم (٥٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٣٢) رقم (٢٦٦١٨)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٢/ ٤٤٨) رقم (١٠٧٧)، والدارقطني في الأسخياء رقم (٤٤)، وأفرد ابن سعد ﵀ في الطبقات (٨/ ١٦٢) بابا خاصا بجفنة سعد فقال: \"ذكر جفنة سعد بن عبادة لمن خطب رسول اللَّه -ﷺ- من النساء\".\n(^١) هو أبو عبس بن جَبْر بن زيد بن جشم الأنصاري، اسمه عبد الرحمن، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: معبد، صحابي شهد بدرا وما بعدها، ومات سنة (٣٤ هـ) عن سبعين سنة، الإصابة (٧/ ٢٦٦)، التقريب (٨٢٢٦).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ مدار سنده على هشام بن محمد الكلبي وهو ضعيف متهم انظر ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٤)، الهواتف (٥٩) رقم (٧٥)، الحاكم في المستدرك =","vol":"2","page":940},{"text":"٨٣٦ - وحدثني العباس بن هشام، حدثني هشام بن محمد، عن عبد المجيد بن أبي عبس (^١) قال: \"سمع بالمدينة في بعض الليل هاتف يقول:\nخير كهلين في بني الخزرج الغُـ ... ـرِّ بين سعد بن عبادة\nالمجيبان إذ دعا أحمد الخير ... فنالتهما هناك السعادة\nثم عاشا مهديين جميعا ... ثم لقاهما المليك الشهادة (^٢)\n_________\n= (٣/ ٢٥٣)، والطبري في تاريخه (١/ ٥٧٠)، من طرق عن هشام به، وأورده الشبلي في آكام المرجان عن المصنف (١٣٦)، وانظر لقط المرجان (١٧٨)، والسير (١/ ٢٧٩)، الاستيعاب (٢/ ٥٩٦)، والثقات لابن حبان (١/ ٩٢)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٤/ ١٠٥)، وأخرجه البخاري في التاريخ الصغير (١/ ٥١) قال: \"سمعت أبا محمد الكوفي يقول -فذكر القصة-\"، وهذا مرسل، وأبو محمد هو عبيد اللَّه ابن موسى ثقة كان يتشيّع التقريب (٤٣٧٦).\n(^١) هو عبد المجيد بن أبي عبس الحارثي، يروي عن أبيه، ليَّنه أبو حاتم، لسان الميزان (٤/ ٥٥).\n(^٢) السند كسابقه فيه هشام، كتاب الهواتف (٦٠) رقم (٧٦) وانظر المصدرين السابقين.","vol":"2","page":941},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>المبحث العاشر: الآثار الواردة في فضائل أبي الدرداء -﵁</span>-.\n\n٨٣٧ - حدثني أبي ﵀ قال: أخبرنا موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة قال: \"دخل حُدير السلمي على أبي الدرداء يعوده، وعليه جبّة من صوف وقد عرق فيها وهو نائم على حصير، فقال: يا أبا الدرداء ما يمنعك أن تلبس من الثياب التي يكسوك معاوية، وتتخذ فرشا؟ قال: إن لنا دارا لها نعمل، وإليها نظعن، والمخفّ فيها خير من المثقِل\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، المحتضرين (١٣٨) رقم (١٧٣)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٤١) (٤٧/ ١٥٢)، والجزء الأخير منه أحمد في الزهد (١٣٨، ١٣٨) لكن بقصة أخرى، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٤٠) بقصة أخرى أيضًا.","vol":"2","page":942},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في فضائل سلمان -﵁</span>-.\n\n٨٣٨ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن شقيق قال: \"دخلت أنا وصاحب لي على سلمان، فقرّب إلينا خبزا وملحا وقال: لولا أن رسول اللَّه -ﷺ- نهانا عن التكلّف لتكلّفنا لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا سعتر؟ فبعث مطهرة إلى البقال فرهنها، فجاءه بسعتر\" (^١).\n\n٨٣٩ - حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثنا سعيد بن محمد، عن موسى الجهني، عن زيد بن وهب قال: \"أكره سلمان على طعام ليأكله فقال: حسبي حسبي، سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إن أكثر الناس شبعا في الدنيا، أطولهم جوعا في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ مداره على سليمان بن قرم وهو سيء الحفظ يتشيع التقريب (٢٦١٥)، الجوع (١٦٠) رقم (٢٦٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٣) وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد بمثل هذا الإسناد\" ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٣٥) رقم (٦٠٨٥)، قال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٧٩): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن منصور الطوسي وهو ثقة، وفي رواية عنده نهانا رسول اللَّه -ﷺ- أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا\"، وأبو يعلى في المسند كما في المطالب العالية (١/ ٣٨٧) رقم (١٠٠٨)، والسهمي في تاريخ جرجان (١/ ١٦١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٤٨)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٥٥١).","vol":"2","page":943},{"text":"وجنة الكافر\" (^١).\n\n٨٤٠ - حدثني عبد الرحمن بن صالح حدثنى منصور بن أبي نويرة، عن فضيل بن عياض قال: \"رئي على سلمان جبة من صوف، فقيل له: لو لبست ألين من هذا؟ قال: إنما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد، فإذا أعتقت لبست ثيابا لا تبلى حواشيها\" (^٢).\n\n٨٤١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور بن زاذان، عن الحسن قال: \"لما حضر سلمان بكى، فقالوا: ما يبكيك وأنت صاحب رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: ما أبكي أسفا على الدنيا، ولا رغبة فيها، ولكن رسول اللَّه -ﷺ- عهد إلينا عهدا فتركناه، قال: \"ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب\"، قال: فبلغ ما ترك بضعا\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه سعيد بن محمد وهو الوراق ضعيف التقريب (٢٤٠٠)، الجوع (٢٦) رقم (٣)، وابن ماجه في السنن (٢/ ١١١٢) رقم (٣٣٥١)، والبزار في مسنده (٦/ ٤٦١) رقم (٢٤٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٧) رقم (٥٦٤٥)، والمزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٨٥)، وأما الحديث بدون القصة فهو ثابت من طرق كثير عن سلمان وغيره وأصله في مسلم برقم (٢٩٥٦)، وانظر كشف الخفاء (١/ ٤٩٤).\n(^٢) إسناده معضل، التواضع والخمول (١٨٨ - ١٨٩) رقم (١٤٨)، وانظر رقم (١٤٧، ١٤٩، ١٥٠)، الهم والحزن رقم (٨٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٣٧).","vol":"2","page":944},{"text":"وعشرين أو بضعا وثلاثين درهما\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، المحتضرين (١٣٨ - ١٣٩) رقم (١٧٤)، ثم برقم (٢٧٥) مختصرا، برقم (٣٢٨) وفيه: \"ولكن قلة الزاد، وبعد المفاز\"، وابن ماجه في سننه (٢/ ١٣٧٤) رقم (٤١٠٤)، ومعمر في الجامع في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٣١٣) رقم (٢٠٦٣٢)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٩١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٧٦) رقم (٣٤٣١٢)، وهناد في الزهد (١/ ٣١٦) رقم (٥٦٦)، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٥ - ١٩٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٧) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٤٢٤) رقم (٧٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٠٥) رقم (١٠٣٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٥٤)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٧٩): \"رواه ابن ماجه ورواته ثقات احتج بهم الشيخان إلا جعفر بن سليمان فاحتج به مسلم وحده\"، وانظر مصباح الزجاجة (٤/ ٢١١) فقد ذكر متابعا لجعفر.","vol":"2","page":945},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>المبحث الثاني عشر: الواردة في فضائل الأشعث بن قيس -﵁</span>-.\n\n٨٤٢ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، عن أبي معاوية، عن أبي عمر الثمالي (^١) قال: \"قدم الأشعث بن قيس من مكة، فلما صلى الفجر أمرهم فاخذوا بأبواب المسجد، فأمر لكل من في المسجد بحلّة ونعلين\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر التخريج الآتي.\n(^٢) إسناده لين، أبو عمر الثمالي لم أعرفه، الاخوان (٢٣٨) رقم (٢٢٢)، الإشراف في منازل الأشراف رقم (٢٦٤) من طريق آخر، والطبراني في الكبير (١/ ٢٣٧) رقم (٦٥٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٤١٥): \"رواه الطبراني، وفيه أبو إسرائيل وقد اختلف فيه وبقية رجاله رجال الصحيح\"، قلت: قال فيه ابن حجر: \"صدوق سيء الحفظ نسب إلى الغلو في التشيع\"، التقريب (٤٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ١٤١) وفيه توسع في ذكر هذه القصة وسببها، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٤١).","vol":"2","page":946},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في فضائل لبيد بن ربيعة -﵁</span>-.\n\n٨٤٣ - حدثني الحسن بن عبد الرحمن، عن جعفر بن كلاب، عن مسغب (^١) قال: \"لم يقل لبيد في الإسلام إلا هذين البيتين:\nنجدد أحزانا لدى كل هالك ... ونسرع نسيانا ولم يأتنا أمن\nفإنا ولا كفران للَّه ربنا ... كالبدن لا تدري متى يؤمها البدن (^٢)\n\n٨٤٤ - حدثني أبي قال: حدثنا نصر بن باب قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: \"كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة أن استنشد من قبلك من الشعراء ما قالوا في الجاهلية والإسلام، فأرسل إلى الأغلب العجلي فقال: أنشدني، فقال:\nأَرَجزا تريد أم قصيدا ... فقد سألت هيِّنا موجودا\n_________\n(^١) صوابه مسعر كما في الحلية لأبي نعيم (٧/ ٢٢١)، ولم يتبين المقصود به.\n(^٢) فيه جعفر بن كلاب أظنه مصحفا؛ لأنه من تمام نسب لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن عامر كما في طبقات ابن سعد (٦/ ٣٣)، القبور (٧٥) رقم (٥٣)، وابن ماكولا في الإكمال (٤/ ٤٠) من قول عمرو بن دينار ينصح طلابه بحفظ هذه الأبيات للبيد بن ربيعة، قلت: ولعل ذلك لندرتها وعزتها، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٢١)، وذكره ابن بشكوال في التكملة (٤/ ٢١٣)، وذكر الجاحظ البيتين في البيان والتبيين (١/ ٤٧٧) ولم ينسبهما لأحد، وليس في كل مصادر التخريج أن هذين البيتين قالهما بعد إسلامه ومن المعروف عنه كما سبق أنه لم يقل في الإسلام شعرا، ولم يعلق المحقق على هذا الأثر أصلا، واللَّه أعلم.","vol":"2","page":947},{"text":"قال: ثم أرسل إلى لبيد بن ربيعة، فقال: أنشدني، فقال: إن شئت أنشدتك مما قد عفي عنه من شعر الجاهلية؟ قال: لا، أنشدني ما قلت في الإسلام، فانطلق إلى أديم فكتب فيه سورة البقرة، فقال: أبدلني اللَّه مكان الشعر هذا، قال: فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر: إنه لم يعرف أحد من الشعراء حقَّ الإسلام إلا لبيد بن ربيعة، فأنقص من عطاء الأغلب خمسمائة واجعلها في عطاء لبيد، قال: فركب إليه الأغلب، فقال: تنقص عطائي من أن أطعتك، قال: فردّ الخمسمائة\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه نصر بن باب متكلم فيه، انظر ميزان الاعتدال (٤/ ٢٥٠)، وأورده في ذكر من اختلف العلماء والنقاد فيه (٩٨) رقم (٥٣) ثم عقب بقوله: \"هذا الكلام مقبول في التوقف فيه، ولا يدخل في الصحيح\"، الإشراف (١١٠) رقم (١٤)، والأصبهاني في الأغاني (١٤/ ٩٤) وله تتمة فيه، و(١٨/ ١٦٤ - ١٦٥) من طريق ابن شبة عن محمد بن عباد المهلبي به.","vol":"2","page":948},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي موسى -﵁</span>-.\n\n٨٤٥ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا زيد بن الهيثم حدثنا صالح بن موسى الطلحي عن أبيه قال: \"اجتهد الأشعري قبل موته اجتهادا شديدا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ فقال: إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها، إخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلّ من ذلك، قال: فلم يزل على ذلك حتى مات\" (^١).\n\n٨٤٦ - حدثنا محمد بن إسماعيل البصري بن أبي سمينة قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا أبو المعلى البيروتي، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس قال: \"صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال، فقيل له: لو أجممت نفسك؟ فقال: هيهات إنما يسبق من الخيل المضمَّرة، وربما خرج من منزله\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ مداره عل صالح الطلحي وهو متروك التقريب (٢٩٠٧)، وقال فيه ابن عدي في الكامل (٤/ ٧٠): \"وعامة ما يرويه لا يتابعه أحد عليه؛ إما يكون غلطا في الإسناد، أو متن يرويه بإسناد لا يرويه غيره، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، ولكن يشبه عليه ويخطئ، وأكبر ما يلحقه في أحاديثه ما يرويه في جده طلحة من الفضائل فيما لا يتابعه أحد عليه\"، قصر الأمل (١٠٨) رقم (١٥٠)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٨٣) رقم (١٠٦٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٨٩)، وتبيين كذب المفتري (٨٥)، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٣٩٣).","vol":"2","page":949},{"text":"فيقول لامرأته: شدّي رحلك، فليس على جسر جهنم معبر\" (^١).\n\n٨٤٧ - حدثنا خالد بن خداش، ثنا مهدي بن ميمون، عن واصل مولى أبي عيينة، عن لقيط، عن أبي بردة، عن أبي موسى -﵁- قال: \"خرجنا غازين في البحر، فبينما نحن والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع، إذ سمعت مناديا ينادي: يا أهل السفينة قفوا أحدكم حتى والى بين سبع أصوات، قال: فقام أبو موسى على صدر السفينة فقال: من أنت؟ وإلى أين أنت؟ ألا ترى أين نحن؟ وهل تستطيع وقوفا؟ فأجابه الصوت فقال: ألا أخبركم بقضاء قضاه اللَّه -﷿- على نفسه؟ فقال: بلى، قال: إن اللَّه -﷿- قضى على نفسه أنه من عطش نفسه للَّه -﷿- في يوم حار، كان حقا على اللَّه -﷿- أن يرويه يوم القيامة، قال: فكان أبو موسى -﵁- يتوخى\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، مداره على محمد بن كثير وهو المصيصي صدوق كثير الغلط التقريب (٦٢٩١)، قصر الأمل (١٠٨ - ١٠٩) رقم (١٥١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٢٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٨٢) رقم (١٠٦٦٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٨٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٥٦٠).","vol":"2","page":950},{"text":"اليوم الشديد الحر، الذي يكاد الإنسان أن ينسلخ حرًّا فيصومه\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده لين، مداره على لقيط وقد قال فيه الذهبي: \"لقيط عن أبي بردة، في يوم الصيف، تكلم فيه ولم يترك\" الميزان (٣/ ٤١٩).\nكتاب الهواتف (٢٣ - ٢٤) رقم (١٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٣٠٩)، وعبد الرزاق في المصنف (٤/ ٣٠٨) رقم (٧٨٩٧)، والروياني في مسنده (١/ ٣٧٤) رقم (٥٧١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٦٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤١١) رقم (٣٩٢١ - ٣٩٢٢)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (٨٤)، وفي تاريخ دمشق (٣٢/ ٨٧ - ٨٨)، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٣٩٢)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٥٦٠)، والثعالبي في الجواهر الحسان (١/ ١٤٧) من طريق ابن المبارك، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٦١) من رواية ابن عباس، وقال: \"رواه البزار بإسناد حسن إن شاء اللَّه\"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٤٥)، وابن رجب في لطائف المعارف (٣٠١)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٤٣٧) لابن أبي شيبة.","vol":"2","page":951},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في فضائل حجر بن عدي -﵁</span>-.\n\n٨٤٨ - حدثنا أبو همام، حدثني إبراهيم بن أعين، عن السَّري بن يحيى، عن عبد الكريم بن رشيد قال: \"كان حُجْر بن عدي بن الأدبر الكندي (^١) يلمس فراش أمه بيده، فيتّهم غِلَظ يده، فيتقلّب عليه على ظهره، فإذا أمن أن يكون عليه شيء أضجعها\" (^٢).\n_________\n(^١) هو حُجْر بن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين، الكندي المعروف بحجر بن الأدبر حجر الخير، شهد القادسية، والجمل وصفين، وصحب عليا، فكان من شيعته، وقتل بمرج عذراء بأمر معاوية، وكان حجر هو الذي افتتحها فقدر أن قتل بها، الإصابة (٢/ ٣٧)، صحابي انظر السير (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه إبراهيم بن أعين وهو الشيباني نزيل مصر ضعيف التقريب (١٥٥)، مكارم الأخلاق (٥٥) رقم (٢٢٦)، بغية الطلب في تاريخ حلب (٥/ ٢١١٢).","vol":"2","page":952},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في فضائل أسامة بن زيد -﵁</span>-.\n\n٨٤٩ - حدثني أبو همام، نا حجاج بن نصير، عن قرة، عن محمد قال: \"كانت النخلة تبلغ بالمدينة ألفا، فعمد أسامة بن زيد إلى نخلة فقطعها من أجل جُمَّارها (^١)، فقيل له في ذلك فقال: إن أمي اشتهته عليّ، وليس شيء من الدنيا تطلبه أمي أقدر عليه، إلا فعلته\" (^٢).\n_________\n(^١) هو شحم النخلة، مختار الصحاح (١١٩).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه حجاج بن نصير وهو الفساطيطي ضعيف التقريب (١١٤٨)، والأثر صحيح لكنه مرسل كما قال الذهبي، لم ينفرد به حجاج بل تابعه مسلم بن إبراهيم وهو الفراهيدي ثقة مأمون مكثر، عمي بآخره، التقريب (٦٦٦٠)، مكارم الأخلاق (٥٥) رقم (٢٢٥)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٧١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٩٧) وقال الذهبي: \"أمه ماتت زمن الصديق، والحديث فيه إرسال\"، والطبراني في المعجم الكبير (١٥٨) رقم (٣٧٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٥٢٢)، من طرق عن مسلم بن إبراهيم عن قرة عن ابن سيرين.","vol":"2","page":953},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في فضائل حسان بن ثابت -﵁</span>-.\n\n٨٥٠ - حدثنا هناد بن السري التميمي قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق (^١) قال: \"دخل حسّان بن ثابت على عائشة فأنشدها:\nحصان رزان، ما تُزَنُّ بريية ... وتصبح غرثى (^٢) من لحوم الغوافل\nفقالت له عائشة: لكنّك أنت لست كذاك\" (^٣).\n\n٨٥١ - حدثنا أبي قال: أخبرنا عمر بن هارون البلخي عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن بركة، عن أمه، عن عائشة: \"أنها طافت بالبيت فقرنت بين ثلاثة أسابيع، ثم صلّت بعد ذلك ست ركعات، قال: وذُكر لها حسان بن ثابت في الطواف قال: فابتدرنا نسبّه، فقالت عائشة: مه، وبرّأته أن يكون ممن قال عليها، وقالت: إني لأرجو أن يدخله اللَّه الجنة بقوله:\n_________\n(^١) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، مات سنة (١٦٣ هـ) وقال التي بعدها، التقريب (٦٦٠١).\n(^٢) أي جائعة، مختار الصحاح (٤٨٨).\n(^٣) إسناده صحيح، الإشراف (١٣١ - ١٣٢) رقم (٥٧)، وأخرجه البخاري في كتاب المغازي باب حديث الإفك (٧/ ٤٣٦ فتح) رقم (٤١٤٦)، ومسلم في صحيحه (١٦/ ٤٦ - ٤٧) في فضائل حسان بن ثابت، كلاهما عن الأعمش به.","vol":"2","page":954},{"text":"هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند اللَّه في ذاك الجزاء\nفإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\nفأنشدت عائشة هذين البيتين وهي تطوف في البيت\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا، فيه عمر بن هارون البلخي متروك وكان حافظا التقريب (٥٠١٤)، الإشراف (١٣٢ - ١٣٣) رقم (٥٨).","vol":"2","page":955},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في فضائل حكيم بن حزام -﵁</span>-.\n\n٨٥٢ - حدثنا داود بن عمرو، عن حفص بن غياث، عن هشام بن عروة (^١) قال: \"قال حكيم بن حزام (^٢) لأهله: اسقوني ماءً، قالوا: قد شربت اليوم مرة، قال: فلا إذا\" (^٣).\n\n٨٥٣ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا خالد بن عمرو القرشي، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن مكحول قال: \"لقي حكيم بن حزام عبد اللَّه بن الزبير -بعدما قتل الزبير- فقال: كم ترك أخي عليه من الدين؟ قال: ألفي ألف، قال عليَّ منها ألف ألفٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) هنا سقط: \"عن أبيه\" كما في كل مصادر تخريج الأثر.\n(^٢) هو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي، أبو خالد المكي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وصحب وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة (٥٤ هـ) أو بعدها، وكان عالما بالنسب، الإصابة (٢/ ١١٢)، التقريب (١٤٧٠).\n(^٣) إسناده صحيح، الجوع (١٣٢) رقم (٢٠٨)، وأحمد في الزهد (٢٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٤٢٠) رقم (٥٩٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٥/ ١٢٧).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا، فيه خالد بن عمرو القرشي وهو ضعيف جدا، رماه ابن معين بالكذب، ونسبه صالح جزرة وغيره إلى الوضع التقريب (١٦٧٠)، والأثر صحيح؛ الإخوان (٢١٩ - ٢٢٠) رقم (١٨٧)، والبخاري في صحيحه (٦/ ٢٢٨ فتح) رقم (٣١٢٩).","vol":"2","page":956},{"text":"٨٥٤ - حدثني أبو محمد التميمي، عن علي بن محمد القرشي، عن يزيد بن يزيد، قال: قال حكيم بن حزام: \"ما أصبحت صباحا قطّ فرأيت بفنائى طالب حاجة قد ضاق بها ذرعا فقضيتها إلا كانت من النعم التي أحمد اللَّه عليه، ولا أصبحت صباحا لم أر بفنائي طالب حاجة إلا كان ذلك من المصائب التي أسأل اللَّه ﷿ الأجر عليها\" (^١).\n\n٨٥٥ - حدثني هارون بن عبد اللَّه، قال: نا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء قال: \"قطع برجل بالمدينة فقيل له: عليك بحكيم بن حزام: فأتاه وهو في المسجد فدكر له حاجته، فقام معه فانطلق معه إلى أهله فمرّ بقطعة كساء -أو قال: خرقة- مطروحة في كساحة فأخذها بيده ثم نفضها ثم علّقها بيده، قال فقال الرجل في نفسه: ما أرى عند هذا خيرا، فلما دخل داره رأى غلمانا له يعالجون أداة من أداة الإبل فرمى بها إليهم فقال: استعينوا بهذه على بعض ما تعالجون، ثم أمر براحلة مقتّبة محقّبة، وأحسبه ذكر زادا\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده لين؛ فإن يزيد بن يزيد لعله ابن جابر الأزدي ثقة فقيه من السادسة التقريب (٧٨٤٤) فالأثر معضل واللَّه أعلم، مكارم الأخلاق (١٠٧) رقم (٤٢٣)، ومن طريقه الحلبي في بغية الطلب (٦/ ٢٩٠٥)، والدينوري في المجالسة (١/ ٣٠٦) رقم (١٧٩٣).\n(^٢) إسناده حسن إلى جويرية وهو مرسل لأنه لم يدرك حكيم بن حزام، بل ذكر الذهبي في السير (٣/ ٤٤) ممن يروي عن ابن حزام ابن سيرين وغيره ثم قال: \"أظن رواية هؤلاء عنه مرسلة \"قلت: فجويرية من باب أولى فقد مات بعد ابن سيرين بخمس وستين سنة، مكارم الأخلاق (١٠٧) رقم (٤٢٢).","vol":"2","page":957},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي هريرة -﵁</span>-.\n\n٨٥٦ - قال يحيى بن معين: حدثنا معن قال: حدثنا مالك، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري قال: \"دخل مروان على أبي هريرة في شَكْوِهِ الذي مات فيه فقال: شفاك اللَّه يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي، فما بلغ مروان أصحاب القطن حتى مات\" (^١).\n\n٨٥٧ - حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثني عمرو بن عبيد الأنصاري قال: حدثني أبو الزعيزعة (^٢) كاتب مروان: \"أن مروان أرسل إلى أبي هريرة فجعل يسأله، وأجلسني وراء الستر أكتب عنه، حتّى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله وأمرني أن انظر فما غيّر حرفا عن حرف\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده منقطع فإن المصنف لم يصرح بصيغة التحديث ولعلها إجازة أو مذاكرة، والأثر صحيح من طريق ابن سعد، المحتضرين (٢١٠) رقم (٣٠٠)، وقبله برقم (٢٨٨) وفيه أن الذي دعا له أبو سلمة التابعي المشهور فقال: \"اللهم لا ترجعها، قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ليأتينّ على الناس زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهبة الحمراء، وليأتين على الناس زمان يمرّ الرجل على قبر أخيه المسلم فيتمنى أنه صاحبه\"، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٣٩)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٦٨٥)، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٦٢٥)، وابن حجر في الإصابة (٤/ ٢١٠).\n(^٢) هو سالم أبو الزعزعة مولى مروان بن الحكم، وكاتبه وكاتب ابنه عبد الملك بن مروان، وكان على الرسائل لعبد الملك، وولاه الحرس، تاريخ دمشق (٢٠/ ٨٩)، وانظر الوزراء والكتاب للجهشياري (٣٥).\n(^٣) فيه عمرو بن عبيد الأنصاري أورده البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، التاريخ الكبير (٦/ ٥٣٢)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٤٦)، وأورده ابن =","vol":"2","page":958},{"text":"٨٥٨ - حدثني ابن جميل، أنا عبد اللَّه، أنا داود بن قيس، حدثني رجل: \"أن أبا هريرة كان إذا غدا من منزله لبس ثيابه ثم وقف على باب أمه فيقول: السلام عليك يا أمتاه ورحمة اللَّه وبركاته، فترد عليه مثل ذلك فيقول: جزاك اللَّه عني خيرا كما ربيتي صغيرا، فتقول: وأنت يا بني، فجزاك اللَّه عني خيرا كما بررتني كبيرة، ثم يخرج فإذا رجع قال مثل ذلك\" (^١).\n\n٨٥٩ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني حماد بن سلمة، عن أبي حازم: \"أن أبا هريرة لم يحج حتى ماتت أمه\" (^٢).\n_________\n= حبان في الثقات (٥/ ٣٤٢)، وشيخه أبو الزعيزعة هو كاتب مروان الخليفة الأموي مجهول كما في الضعفاء لابن الجوزي (٣/ ٢٣١) وغيره، الإشراف (٣٤٠) رقم (٣٤٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥١٠) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وأورده الذهبي في السير (٢/ ٥٩٨)، والبخاري في الكنى (ص ٣٣) الجزء التاسع من التاريخ الكبير، جميعهم من طريق عمرو بن عبيد عن أبي الزعيزعة، وذكره الحافظ في الإصابة (٤/ ٢٠٥)، وانظر دفاع عن أبي هريرة (٩٣).\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه رجل مبهم، وباقي رجاله ثقات، مكارم الأخلاق (٥٥ - ٥٦) رقم (٢٢٨)، وابن المبارك في البر والصلة رقم (٣٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٣٦٩).\n(^٢) إسناده صحيح إلى أبي حازم، وأبو حازم هو سلمة بن دينار ثقة عابد التقريب (٢٥٠٢) وهو من شيوخ حماد بن سلمة كما في تهذيب الكمال (٣/ ٢٤٥)، مكارم الأخلاق (٥٣) رقم (٢١٩)، ومسلم في صحيحه (١١/ ١٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٨٤) رقم (٨٦٠٢)، من حديث ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: قال أبو هريرة - ثم ذكر حديث لولا الجهاد وبر أمي. . . - وأردفه بقوله: \"قال: وبلغنا أن أبا هريرة. . . \" ولا أدري من قائل هذا أهو الزهري كما قال ابن حجر في الفتح (٥/ ١٧٦)، أم أنه ابن المسيب كما قال ابن القيم في حاشية سنن أبي داود (٨/ ٤٧).","vol":"2","page":959},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>المبحث العشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عامر ابن كريز -﵁</span>-.\n\n٨٦٠ - حدثني أبو زيد النميري، حدثني بدر بن سعيد قال: سمعت عيسى بن يزيد بن بكر قال: \"سأل الوليد بن عقبة (^١) مروان وهو على المدينة فاعتلّ عليه، فقدم على المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة فأمر له بعشرين ألفا فأبى أن يقبلها، فأتى ابن عامر فشكا إليه دينه، فقال: كم هو؟ قال: مائة ألف، فقضاه عنه وأعطاه مائة ألف أخرى، فقال الوليد:\nألا جعل اللَّه المغيرةَ وابنه ... ومروان نعلَي بَذلَةٍ لابن عامر\nلكي تَقِياهُ الحَرَّ والقرَّ والأذى ... ولسع الأفاعي واحتدام الهواجر\nيفيض الفرات للذين يلونه ... وسَيبُكَ يأتي كل باد وحاضر\nإذا عبد شمس قدَّموا رِفدَ خيرهم ... سما فَعَلَا بالمجد فخرُ المفاخر\nإن دنست أحساب قوم وجدتَّهُ ... إذا ما بلوه طاهرا وابن طاهر\nقال أبو زيد: البيتان الأخيران ليس مما سمعت من بدر، وقد قيل: صاحب هذا الشعر عبد الرحمن بن الحكم\" (^٢).\n_________\n(^١) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية القرشي الأموي، أخو عثمان لأمه، له صحبة، وعاش إلى خلافة معاوية، الإصابة (٦/ ٦١٤)، التقريب (٧٤٤٢).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه عيسى بن يزيد بن بكر وهو ابن داب قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨): \"كان أخباريا علامة نسابة، لكن حديثه واه\"، بل اتهم أيضا بوضع الحديث انظر الكشف الحثيث (٢٠٥) تاريخ بغداد =","vol":"2","page":960},{"text":"٨٦١ - أخبرني أبو زيد النميري، أخبرني أيوب بن عمر بن أبي عمرو قال: أخبرني عبد اللَّه بن محمد الفروي قال: \"اشترى عبد اللَّه بن عامر بن كريز [بن (^١) خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق، ليشرع (^٢) بها بابه على السوق بثمانين أو تسعين ألفا فلما كان من الليل حمع بكاءً فقال لأهله: ما لهؤلاء يبكون؟ قالوا: على دارهم، قال: يا غلام، ايتهم وأعلمهم أن الدار والمال لهم\" (^٣).\n_________\n= (١١/ ١٥٠)، مكارم الأخلاق (١٢٣ - ١٢٤) رقم (٤٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٩/ ٢٤٨) البيتين الأولين فقط.\n(^١) كذا في الطبعتين وهو خطأ مطبعو واضح، والصواب: \"من\" كما في شعب الإيمان.\n(^٢) انظر لسان العرب (٧/ ٨٧).\n(^٣) رجال إسناده رجال الحسن لولا أيوب فإني لم أقف له على ترجمة وهو مشهور برواية عمر بن شبة أبو زيد النميري عنه، قلت: ثم وقفت على كلام للسخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٣٣٣) في ترجمة عمر بن أيوب بن عمرو ابن أبي عمر بن نعيم الغفاري المدني، ونقل عن ابن حبان أن الذهبي فرق بينه وبين أيوب بن عمر الغفاري والصواب أنهما واحد وهو ضعيف ضعفه الحاكم وأبو سعيد النقاش وأبو نعيم الأصبهاني، وسيأتي تسميته أبو سلمة الغفاري، وانظر لسان الميزان (٣/ ١٨٣)، مكارم الأخلاق (٨٦) رقم (٣٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٣٨) رقم (١٠٨٨٧).","vol":"2","page":961},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في فضائل معاوية -﵁</span>-.\n\n٨٦٢ - دثنا الحسن بن عيسى، دثنا ابن المبارك، أنا حيوة بن شريح، دثنا الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان. . . دثني العلاء بن حكيم أنه كان سيافا لمعاوية -﵁- فدخل عليه رجل فحدثه بهذا الحديث -وهو حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار أولا قبل غيرهم- فقال معاوية -﵁-: \"قد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى بكاء شديدا، حتى ظننا أنه هالك، فقلنا، قد جاءنا هذا الرجل بِشَرٍّ، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: صدق اللَّه ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ (^١) \" (^٢).\n\n٨٦٣ - حدثني سليمان، حدثني محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب (^٣) قال: \"بعث مروان وهو على المدينة ابنه عبد الملك إلى معاوية فدخل عليه فقال: إن لنا مالا إلى جنب مالك بموضع كذا وكذا من الحجاز، لا يصلح\n_________\n(^١) سورة هود، آية (١٥ - ١٦).\n(^٢) إسناده حسن، والحديث صحيح، الأهوال (٢٠٤) رقم (١٩٤)، والترمذي في سننه (٤/ ٥١٢) رقم (٢٣٨٢) وقال: \"حديث حسن غريب\"، وابن المبارك في الزهد (١٦٠) رقم (٤٦٩)، والطبري في تفسيره (١٢/ ١٣)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ١٣٨) رقم (٤٠٨)، وابن خزيمة (٤/ ١١٦) رقم (٢٤٨٢) جميعهم من طريق ابن المبارك به، وأصل الحديث في صحيح مسلم (٣/ ١٥١٣) رقم (١٩٠٥).\n(^٣) انظر التخريج الآتي.","vol":"2","page":962},{"text":"مالنا إلا بمالك ومالك إلا بمالنا، فإما تركت لنا مالك فأصلحنا به مالنا، وإما تركنا لك مالنا فأصلحت به مالك، فقال له: يا ابن مروان، إني لا أخدع عن القليل، ولا يتعاظمني ترك الكثير، وقد تركت لكم مالنا فأصلحوا به مالكم\" (^١).\n\n٨٦٤ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن مجالد، عن عامر قال: \"القضاة أربعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، والدهاة أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن، ومحمد بن عباد المهلبي ذكره الحافظ في لسان الميزان (٥/ ٢١٤) وقال: \"لم يكن بصيرا بالحديث، صحف ابن جابر فقال: ابن حدير\"، والظاهر أن هذا لا يمنع من تحسين سند القصة، فهو صاحب القصة ولا مجال للتصحيف بل هي قصة يرويها بأسلوبه وليست نصا يحفظ واللَّه تعالى أعلم، لا سيما وأنه كان جوادا سخيا شريفا له عناية بأخبار الكرم والجود، وأميرا يعرف أخبار الأمراء والملوك، مكارم الأخلاق (١١٨) رقم (٤١٦).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه مجالد وهو بن سعيد الهمداني ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، الإشراف (١٢٠ - ١٢١) رقم (٣٥)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٥) عن الشعبي بلفظ آخر، عن مسروق كلفظ المصنف، وسكت عليه هو والذهبي، وأورده المزي في تهذيب الكمال (٧/ ١٩٥ - ١٩٦) وفيه زيادة تفصيل لمعناه حيث قال: \"فأما معاوية فللأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير\" وعن الزهري قريبا منه وليس فيه ذكر الأشعري -﵁-، والذهبي في السير (٢/ ٤٣٤).","vol":"2","page":963},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>المبحث الثاني والعشرون: الآثار الواردة في فضائل قيس بن سعد -﵁</span>-.\n\n٨٦٥ - أخبرني أبو زيد، حدثنا أبو عاصم، حدثنا جويرية بن أسماء (^١) -﵁- قال: \"كان قيس بن سعد يستدين ويطعمهم، فقال أبو بكر وعمر رضي اللَّه تعالى عنهما: إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه، فمشينا في الناس، فصلى النبي -ﷺ- يوما بأصحابه، فقام سعد بن عبادة خلفه فقال: من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يُبَخِّلان عليّ ابني\" (^٢).\n\n٨٦٦ - حدثنى محمد بن صالح القرشي، أخبرني محمد بن عمر الأسلمي، حدثني محمد بن يحيى بن سهل، عن أبيه عن رافع بن خديج قال: \"أقبل أبو عبيدة ومعه عمر بن الخطاب -﵁- فقال لقيس بن سعد: عزمت عليك ألا تنحر، فلما نحر وبلغ النبي -ﷺ- قال: \"إنه في بيت جود\"، يعني في غزوة الخَبَط (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) هو جُويرية بن أسماء بن عبيد الضُّبَعي البصري، مات سنة (١٧٣ هـ)، التقريب (٩٨٨).\n(^٢) قرى الضيف (٢٨) رقم (١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤١٥)، والقصة أصلها في البخاري انظر فتح الباري (٨/ ٧٨ - ٧٩)، وانظر القصة بسياق أوضح وأتم في السير (٣/ ١٠٦).\n(^٣) هي سرية أرسل فيها رسول اللَّه -ﷺ- أبا عبيدة في ثلاثمائة راكب قبل الساحل ليرصدوا عير قريش، أصابهم فيها جهد شديد حتى أكلوا الخبط، ثم قذف الساحل بحوت كبير أكلوا منه فصحوا، انظر السيرة النبوية في المصادر التاريخية (٤٧٩ - ٤٨٠).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا؛ محمد بن عمر الأسلمي هو الواقدي وقد سبق (٤٥١)، قرى =","vol":"2","page":964},{"text":"٨٦٧ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، حدثنا أبو أسامة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه قال: \"أدركت سعد بن عبادة -﵁-، وهو على أكم وهو ينادي: من أحب شحما ولحما فليأت سعد بن عبادة، ثم أدركت ابنه بمثل ذلك يدعو به\" (^١).\n\n٨٦٨ - حدثني محمد بن صالح القرشي، أخبرني محمد بن عمر، حدثني عبد اللَّه بن نافع، عن أبيه قال: \"مرّ بي ابن عمر على هذه الأطم (^٢) يخبر بخبر ابن سعد، قال: يا نافع هذا دليم جدّه، وكان مناديه ينادي يوما في كل حول، من أردا الشحم واللحم فليأت دار دليم، فمات دليم فنادى منادي عبادة مثل ذلك، ثم مات عبادة فنادى سعد مثل ذلك، ثم قد رأيت قيس بن عبادة وكان من أجود الناس\" (^٣).\n_________\n= الضيف (٢٨) رقم (١٩)، وانظر ما قبله.\n(^١) إسناده صحيح، شيخ المصنف تابعه ابن أبي شيبة، قرى الضيف (٢٩) رقم (٢٢)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٦١٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٣٣) رقم (٢٦٦٢٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٩٤) رقم (١٢٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤١٧) بطرق وسياقات متعددة.\n(^٢) جمع أطمة، وهو حِصْنٌ مَبْنِيٌّ بحجارة، وقيل هو كل بيت مُرَبَّع مُسَطَّح، لسان العرب (١٢/ ١٩).\n(^٣) إسناده ضعيف، عبد اللَّه بن نافع مولى ابن عمر ضعيف التقريب (٣٦٨٥)، قرى الضيف (٢٩ - ٣٠) رقم (٢٣)، ومن طريقه ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٥٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤١٧).","vol":"2","page":965},{"text":"٨٦٩ - حدثني محمد بن صالح، حدثني عبد اللَّه بن محمد المظفري، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة: \"أن دليما كان يهدي مناة -يعني صنما- كل عام عشر بدنات، فلما كان قيس ابن سعد (^١) في الإسلام قال: لأهدينّها إلى الكعبة فكان يهديها\" (^٢).\n_________\n(^١) هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الأنصاري، صحابي جليل، كان سخيا كريما داهية، مات سنة (٦٠ هـ) تقريبا وقيل بعد ذلك، التقريب (٥٥٧٦).\n(^٢) فيه عبد اللَّه بن محمد المظفري أو الظفري كما في مصدري التخريج، لم أجد له ترجمة ولعله القرشي الذي سبق (١١٧)، وانظر تاريخ دمشق (٥٣/ ٤٠٦) فهو في طبقته، قرى الضيف (٣٠) رقم (٢٤)، ومن طريقه ابن عبد البر في الاستعياب (٢/ ٥٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤١٧).","vol":"2","page":966},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>المبحث الثالث والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن عمرو -﵁</span>-.\n\n٨٧٠ - حدثنا ابن جميل، أنا عبد اللَّه، أنا بشير بن سلمان عن مجاهد قال: \"كنا عند عبد اللَّه بن عمرو وغلام له يسلخ شاة فقال: يا غلام؛ إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي، حتى قالها ثلاث مرار، فقال له رجل من القوم: كم تذكر اليهودي، فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يوصي بالجار حتى حسبنا -أو رأينا- أنه سييورّثه\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٨٠) رقم (٣٢٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٨٤) رقم (٩٥٦٣) رقم (٩٥٦٤) وفي هذا الأخير \"بشير بن مهاجر\" بدل \"بشير بن سلمان\"، والبخاري في الأدب المفرد (٥٨) رقم (١٢٨) وفيه \"بشير بن سليمان\"، وقد نبّه محقق تقريب التهذيب أبو الأشبال أنه وقع فيه أيضًا (سليمان) وأن ذلك خطأ مطبعي والصواب (سلمان) وهو ثقة يغرب (٧٢٢)، وانظر الضعفاء للعقيلي (١/ ٨١)، وميزان الاعتدال (١/ ٢٢٤)، ولسان الميزان (١/ ٣٩٦).\nأما نص الحديث المرفوع فهو صحيح أخرجه مسلم (١٦/ ١٧٦) وغيره.","vol":"2","page":967},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>المبحث الرابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن الزبير -﵁</span>-.\n\n٨٧١ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه الهروي قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن قطن بن عبد اللَّه (^١) قال: \"رأيت ابن الزبير وهو يواصل من الجمعة إلى الجمعة، قال: فإذا كان عند إفطاره من الليلة المقبلة من ليلة الجمعة، يدعو بقدح يقال له العمري، ويدعو بقعب (^٢) من السمن، فيأمر بلبن، فيحلب عليه، ثم يدعو بشيء من الصَّبِر (^٣) فيدرّه عليه، ثم يشربه، قال: فأما اللبن فيعصمه، وأَما السمن فيقطع عنه العطش، وأما الصَّبِر فيفتق أمعاءه\" (^٤).\n\n٨٧٢ - حدثني سريج بن يونس، عن رباح بن خالد، عن عبد السلام\n_________\n(^١) انظر التخريج الآتي.\n(^٢) هو القَدَح الضَّخْمُ الغليظُ الجافي، وقيل: قَدَح من خَشَب مُقَعَّر، وقيل: هو قدح إِلى الصِّغَر، لسان العرب (١/ ٦٨٣).\n(^٣) هو الدواء المرّ، مختار الصحاح (٣٧٥).\n(^٤) إسناده لين، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (٩٧٨)، وهشيم صرح بالتحديث، أما قطن بن عبد اللَّه فذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٢٢)، ولم يذكر فيه البخاري وأبو حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٧/ ١٨٩)، والجرح والتعديل (٧/ ١٣٧)، الجوع (٩٤ - ٩٥) رقم (١٣٨)، وابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٧٢١ - ٧٢٢) رقم (١٠٤٤)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٢٠٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١٧٦)، وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٨٩) في ترجمة قطن، وابن الأثير في الكامل (٤/ ١٢٨).","vol":"2","page":968},{"text":"ابن حرب، عن ليث، عن مجاهد قال: \"ما كان باب من العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلّفه عبد اللَّه بن الزبير، ولقد جاءت سيل طبّق البيت، فجعل ابن الزبير يطوف سباحة\" (^١).\n\n٨٧٣ - حدثني محمد بن صالح، حدثني علي بن محمد، عن القاسم بن الفضل الحُدَّاني، عن جُلهُمة اليحمدي (^٢) قال: \"ذكر مهلب يوما أهل البأس فقال: أشد الناس أحمر قريش وابن الكلبية وصاحب البغلة، فقال شيخ منهم يقال له الحُتات: ما نعرف هؤلاء الذين ذكرت، فقال: أما ابن الكلبية فمصعب بن الزبير، أفردوه فبقي في سبعة فعرضوا عليه الأمان فأبى ومضى على أمره فقتل، وأما أحمر قريش فعمر بن عبيد اللَّه بن معمر لم تلقنا سَرَعان خيل قط إلا ردّها عنا، وأما صاحب البغلة فهذا الحمار من بني تميم عباد بن الحصين لم نكن في كربة قط إلا فرّجها عنا، قال: فقال له الفرزدق بن غالب: ما رأينا كاليوم شيخا أضلَّ، فأين ابن\n_________\n(^١) مداره على ليث بن أبي سليم وقد سبق (٤٩)، والراوي عنه عبد السلام بن حرب ثقة حافظ له مناكير، التقريب (٤٠٩٥)، والقصة مشهورة واللَّه أعلم، كتاب المطر (٧٤) رقم (٣١)، والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٢٥١)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١٧١)، وذكره الحافظ في الإصابة (٦/ ٨٧) وعزاه للمصنف، والذهبي في السير (٣/ ٣٧٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٧٦٥)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٣٣٥)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (٢١٣)، والسخاوي في التحفة اللطيفة (٢/ ٣٦).\n(^٢) انظر التخريج الآتي.","vol":"2","page":969},{"text":"خازم (^١) وعبد اللَّه بن الزبير؟ فقال: يا أبا فراس، إنما جرى الحديث بالإنس، فليس هذان من الإنس\" (^٢).\n\n٨٧٤ - أخبرنا العباس بن هشام، عن أبيه، عن زياد بن عبد اللَّه، عن محمد بن إسحاق قال: سأل الحجاج بن يوسف ابنا لعمرو بن أمية الضمري عن عبد اللَّه بن الزبير فقال: \"ما أدري كيف أصفه لك إلا أني لم أر جلدا على لحم، ولا لحما على عظم، ولا عظما على قلب مثل عبد اللَّه ابن الزبير ﵁\" (^٣).\n\n٨٧٥ - حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: حدثنا أبو سفيان الحميري قال: \"تكلّم عبد اللَّه بن الزبير، والزبير يسمع فقال له: أي بنيّ ما زلت تكلّم بكلام أبي بكر حتى ظننت أن أبا بكر قائم، فانظر من تزوّج؛ فإن المرأة من أخيها، من أبيها\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في الإصابة (٢/ ٣٠١)، وكأن الحافظ مال إلى ترجيح صحبته.\n(^٢) إسناده لين، والأثر صحيح، فيه جلهمة لم أعرفه، ولعله: جاهمة بن عباس بن مرداس له صحبة، وهو صاحب حديث الجهاد الذي استأذن النبي في الجهاد وله أم، انظر: الإصابة (١/ ٢١٨)، الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٤)، مكارم الأخلاق (٤٤) رقم (١٨٧)، والاشراف في منازل الأشراف رقم (١٨١) بسند صحيح، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٢٩٢)، والذهبي في تاريخ الإسلام (٦/ ١٦٢)، وأشار إليه الحافظ في تعجيل المنفعة (٣٠١).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه العباس بن هشام وأبوه وقد سبقا مرارا، مكارم الأخلاق (٤٤ - ٤٥) رقم (١٨٩).\n(^٤) إسناده حسن، وهو منقطع؛ فإن الحميري صدوق وسط كما سبق (٧٦٢)، ولم يدرك عبد اللَّه فضلا عن أبيه الزبير، الإشراف (٢٣١) رقم (٢٧٧)، وابن عساكر (٢٨/ ١٨٠).","vol":"2","page":970},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>المبحث الخامس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن عمر -﵁</span>-.\n\n٨٧٦ - حدثني محمد بن عباد بن موسى قال: أخبرنا زيد بن الحباب قال: أخبرني أبو كعب بيّاع الحرير قال: أخبرنا أنس بن سيرين: \"أن عبد اللَّه بن عمر اشتهى سمكا طريا، فأتي به على رأس أميال من المدينة قد شوي له، وجعل له خبز رقاق، فأتي به عند إفطاره على خوان، فجعل ينظر فيه فقال: اذهبوا به إلى يتامى بني فلان، فقالت له صاحبته: خذ منه شهوتك، ثم نذهب به إلى يتامى بني فلان، قال: اذهبوا به إلى يتامى بني فلان، فإنه إذا أخذوا منه شهوتهم فقد أخذت منه شهوتي، فرددت عليه، فكلّ ذلك يقولها مثل ذلك\" (^١).\n\n٨٧٧ - حدثنا يحيى بن يوسف الزمّي قال: أخبرنا أبو المليح، عن ميمون بن مهران، عن نافع قال: \"كان ابن عمر يجمع أهله على جفنة كل ليلة، فربما جاء سائل، فيأخذ ابن عمر نصيبه من الثريد فيدفعه إليه، ثم يرجع وقد أُكل ما في الجفنة، فإن كنت أكلتُ -أي نافع- منها شيئا فقد\n_________\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف صدوق يخطئ كما سيأتي (٩٧٤)، الجوع (١٧٣ - ١٧٤) رقم (٢٩٠)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦٥) بلفظ قريب وهو أعجب منه في الكرم حيث فاوضته زوجته ﵂ على أن يأكل وترضي هي الفقير بشيء بدل السمكة فماكسهم الفقر حتى أخذ دينارا على أن يترك السمكة، وبعدها أعطاه السمكة مع الدينار -﵁-، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١٤٢) من طريق حبيب بن أبي مرزوق -وهو ثقة فاضل من السابعة، التقريب (١١١٣) - أن ابن عمر فذكره بنحوه، وهو معضل.","vol":"2","page":971},{"text":"أكل منها ابن عمر، ثم يصبح -أي نافع- صائما\" (^١).\n\n٨٧٨ - حدثني أبو عبد الرحمن القرشي، حدثني خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: \"ما من أهل ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، إلا عبد اللَّه بن عمر؛ فإني أحب أن يبقى في الناس بعدي\" (^٢).\n\n٨٧٩ - حدثني سريج، حدثنا هشيم، عن منصور، عن ابن سيرين قال: \"جاء رجل إلى ابن عمر فقال: ألا نصنع لك جوارش؟ قال: لأي شيء الجورش؟ قال: شيء إذا كظك الطعام فأكلت منه سهّل عليك ما تجد، قال ابن عمر: ما شبعت منه أربعة أشهر، وما ذاك بأني لا أكون أجده، ولكن عهدت أقواما يجوعون مرة، ويشبعون مرة\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الجوع (٥٧) رقم (٥٠)، وفي هذا المعنى أي أن ابن عمر -﵁- كان لا يأكل حتى يأكل معه المساكين، ولا يردّ سائلا حتى عرف السائلون ذلك عنه فصاروا يترقبون خروجه ليتبعوه على أن يعطيهم، أورد ابن أبي الدنيا عدة آثار فانظر رقم: (٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٩).\n(^٢) إسناده حسن، خالد بن سعيد صدوق التقريب (١٦٤٩)، العيال (٣٠٢) رقم (١٤٦).\n(^٣) إسناده منقطع؛ فإن ابن سيرين لم يسمع من ابن عمر انظر جامع التحصيل (٢٦٤)، والأثر صحيح من طريق البيهقي رواه بإسناد رجاله ثقات، إصلاح المال (١٠٦) رقم (٣٦٥)، والجوع برقم (٥٩) وانظر فيه رقم: (٥٧، ٥٨، ٧٦، ٩١)، وأحمد في الزهد (١٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٨) رقم (٥٦٨٦)، وفي التدوين في أخبار قزوين (٢/ ٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١٥٠)، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٢٢).","vol":"2","page":972},{"text":"٨٨٠ - حدثني خالد بن خداش، حدثني مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه قال: \"كان لا يعرف البِرُّ في عمر ولا ابن عمر، حتى يقولا أو يفعلا\" (^١).\n\n٨٨١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير العبدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبدا اللَّه بن عمر، عن زيد بن أسلم قال: \"قال رجل لابن عمر: إن فلانا يسبّك، قال: إني وأخي عاصما لا نسابّ الناس\" (^٢).\n\n٨٨٢ - حدثني الحسن بن علي بن مالك، نا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني حُييّ بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: \"كنت جالسا مع عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب -﵁- ورجل من أهل اليمن يطوف بأمه يحملها بين كتفيه حتى إذا قضى طوافه بالبيت وضعها بالأرض فدعاه ابن عمر فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يخطئ التقريب (١٦٣٣)، وله متابع عند ابن عساكر، الإخلاص والنية (٦٢) رقم (٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١١٤) من طريق الزبير بن بكار عن محمد بن الضحاك به، وانظر في ترجمة هذا المتابع التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢/ ٤٨٨).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه عبد اللَّه بن عمر العمري المكبر ضعيف عابد التقريب (٣٥١٣)، الإشراف (٢٧٦) رقم (٣٦٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٤٠) دون القصة، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ١٦) مطولا، وقبله (٤/ ١٥) مختصرا، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٧٨٤)، جميعهم من طريق ابن المبارك بسنده وفيه عبد اللَّه بن سلمة الهذلي لم أقف له على ترجمة.","vol":"2","page":973},{"text":"والدتي، فقال عبد اللَّه: لوددت أني أدركت أمي فطفت بها كما طفت بأمك، وليس لي من الدنيا إلا هذه النعلان\" (^١).\n\n٨٨٣ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني شعبة، عن عبد اللَّه بن عمران قال: سمعت مجاهدا يقول: \"صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه، فكان هو الذي يخدمني\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن، رجاله ثقات ما عدا حيي بن عبد اللَّه وهو المعافري متكلم فيه، وقال الحافظ: \"صدوق يهم\" التقريب (١٦١٥)، لكن الأثر من رواية ابن وهب عنه وهو ثقة، وقد ذكر ابن عدي أنه لا بأس به إذا روى ثقة عنه، انظر ميزان الاعتدال (١/ ٦٢٤)، الكامل (٢/ ٤٥٠)، مكارم الأخلاق (٦٧) رقم (٢٦٤).\n(^٢) إسناده حسن، وهو أثر مشهور، رجاله ثقات ما عدا عبد اللَّه بن عمران وهو تصحيف ورد كذلك في كلا طبعتي الكتاب، وصوابه عبيد اللَّه بالتصغير وهو القريعي، ثم وجدته غير مصحف عند المصنف في كتابه الإشراف (٣١٧) رقم (٤٥٤)، ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٨٩) وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٣٢٩): \"شيخ\"، إلا أن الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٦٩) روى من طريق شعبة عنه حديثا وفيه قول شعبة عنه: \"حدثني شيخ كخير الشيوخ\"، مكارم الأخلاق (٧٩) رقم (٣١٧)، والإشراف كما سبق، وأحمد في الزهد (١٩٣)، والخلال في السنة (١/ ٢٢٢) رقم (٢٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٤١) رقم (١٧٢٨)، من طرق عن شعبة عن عبد اللَّه بن عمران عن مجاهد به، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢١٤)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٤٥٢)، وذكر الذهبي من أوجه خدمته -﵁- له أنه كان يأخذ له بركاب دابته.","vol":"2","page":974},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>المبحث السادس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل طلحة ابن البراء -﵁</span>-.\n\n٨٨٤ - ذكر أبو عبد الملك المدني بن أبي معشر، ذكر أبو معشر، ذكر محمد بن كعب قال: \"كان طلحة بن البراء (^١) رجلا من بني أنيف أتى رسول اللَّه -ﷺ- يبايعه، فقال: \"أبايعك على أن تقتل أباك\"، قال: فأمسك بيده، قال: ثم جاءه مرة أخرى فقال: \"أبايعك على أن تقتل أباك\"، فأمسك بيده، ثم جاءه مرة أخرى فقال: \"أبايعك على أن تقتل أباك\"، فبايعه فأمره ألا يقتله، قال: ثم إن طلحة اشتكى شكوى فأدنف، قال: فجاءه رسول اللَّه -ﷺ- يعوده فرأى به الموت، فقال لبعض من عنده: \"إذا نزل به الموت فأذنوني حتى أشهده وأصلي عليه\"، قال: فنزل به الموت من الليل فقال بعض من عنده: آذنوا رسول اللَّه، فقال: لا تفعلوا، قالوا: ولم يا طلحة والناس يستشفون برسول اللَّه -ﷺ- إذا حضرهم الموت، قال: أخشى أن تصيبه نكبة أو تلدغه عقرب أو تنهشه حية، قال: وألقى اللَّه بذلك، قال: فتركوه حتى أصبح، فلما مات آذنوا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: \"ألم أقل لكم إذا نزل به الموت فآذنوني؟ \"، فقالوا: أردنا يا رسول اللَّه أن نفعل فمنعنا وقال: أخشى أن تصيبه نكبة أو تلدغه عقرب أو تنهشه حية فألقى اللَّه بذاك فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"اللهم ألق طلحة بن البراء تضحك إليه ويضحك إليك\" (^٢).\n_________\n(^١) هو طلحة بن البراء بن عميرة بن وبرة بن ثعلبة بن غنم بن سري بن سلمة بن أنيف البلوي، حليف بني عمرو بن عوف الأنصاري، الإصابة (٣/ ٥٢٤).\n(^٢) إسناده ضعيف، أبو معشر ضعيف التقريب (٧١٥٠)، الأولياء (٣١ - ٣٢) رقم (٧٤)، والطبراني في الكبير برقم (٣٥٥٤) والأوسط برقم (٨١٦٨)، وأبو داود مختصرا جدا برقم (٣١٥٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وحسنه الهيثمي في المجمع (٣/ ٣٧) بناء على سكوت أبي داود عليه، وقد ضعف طرقه الألباني في كتاب السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٤٦).","vol":"2","page":975},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>المبحث السابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل سهل بن سعد -﵁</span>-.\n\n٨٨٥ - حدثنا علي بن إبراهيم اليشكري قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: حدثنا عبد المهيمن بن عباس قال: حدثنا أبو حازم قال: \"انصرفت من العصر إلى سهل بن سعد وكان صائما فلما أمسى قلت لغلامه: هات فطره، قال: . . . (^١)، قال: فتمر، قال: ولا تمر، قال: فجعلت أسبّه وأقول: شيخ من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ضيَّعته؟ قال: وما ذنبي؟ فتح اليوم خزانته فما ترك فيها بُرَّة ولا شعيرة إلا قسمه\" (^٢).\n_________\n(^١) طمس في الأصل.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه عبد المهيمن بن عباس وهو ضعيف التقريب (٤٢٦٣)، الجوع (١٦٥) رقم (٢٧٤).","vol":"2","page":976},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>المبحث الثامن والعشرون: الآثار الواردة في فضائل زيد بن عمر بن الخطاب -﵁</span>-.\n\n٨٨٦ - حدثني محمد بن أبي موسى مولى أكيل بن شماخ العكلي، عن عبيدة بن حميد، عن القاسم بن معن قال: قال عمر بن الخطاب: \"رحم اللَّه زيدا هاجر قبلي، واستشهد قبلي، ما هبَّت الرياح من تلقاء اليمامة إلا أتتني برثاه، ولا ذكرتُ قول متمِّم بن نويرة إلا ذكرته، وقال غير محمد: إلا هاج لي شجنا:\nوكنا كَنَدْمَانَيْ جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدّعا\nفلما تفرّقنا كأني ومالكًا ... لطول اجتماع لم نَبِتْ ليلةً معا (^١)\n_________\n(^١) رجاله ثقات وهو معضل؛ فإن القاسم بن معن لم يسمع من عمر فهو ثقة من السابعة كما في التقريب (٥٥٣٢)، الهم والحزن (٨٨) رقم (١٤٠)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٥٢) رقم (١٠٢٠٥)، وكذا ابن عساكر في تعزية المسلم رقم (٢١).","vol":"2","page":977},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>المبحث التاسع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل صعصعة -﵁</span>-.\n\n٨٨٧ - حدثني يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير، عن مغيرة قال: \"لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دينا من صعصعة جدّ الفرزدق، ولم يهاجر، وهو الذي أحيا الوئيد، وهو الذي افتخر به الفرزدق فقال:\nمنّا الذي منع الوئيدات ... فأحيا الوئيد فلم تؤد (^١)\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف هو القطان صدوق التقريب (٧٩٤٤)، وصعصعة -﵁- مشهور بما ذكر عنه في الأثر كما في الإصابة (٢/ ١٨٦)، الإشراف (٢٥٠) رقم (٣٠٩)، والأثر ورد بقصة مرفوعة إلى النبي -ﷺ- في إسلام صعصعة وإخبار النبي -ﷺ- أن له أجر أعماله الخيرية في الجاهلية من فداء وأد البنات إذا أسلم، أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤) رقم (١١٩٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٦١٠ - ٦١١)، والطبراني في الكبير (٨/ ٧٧ - ٧٨) رقم (٧٤١٢)، كلهم عن الطفيل بن عمرو التميمي وأعله به الهيثمي في المجمع (١/ ٩٥)، وهذا الحديث لا يعرف إلا به ولا يتابع عليه، كما تفيد عبارات أهل الجرح والتعديل، انظر الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٣٦٤) وغيرهما، لكن أخرج النسائي في الكبرى بسند حسن الحديث في تفسير سورة الزلزلة دون قصة وأد البنات (٦/ ٥٢٠) رقم (١١٦٩٤)، والضياء في المختارة (٨/ ١٣ - ١٤).","vol":"2","page":978},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>المبحث الثلاثون: الآثار الواردة في فضائل علبة بن زيد -﵁</span>-.\n\n٨٨٨ - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا محمد بن طلحة ابن الطويل قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي عبس الحارثي، عن أبيه، عن جدّه قال: \"حضّ رسول اللَّه -ﷺ- على الصدقة، فقال عُلبة بن زيد -رجل من الأنصار-: اللهم إنه ليس لي مال أتصدّق به، فأيما رجل من المسلمين نال من عرضي شيئا فهو عليه صدقة، فلما كان من الغد جاء الناس إلى رسول اللَّه ﷺ، فجاء كل رجل بما قدر عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"أين المتصدّق بعرضه البارحة؟ \" قال: فقام علبة فقال: أنا يا رسول اللَّه، قال: \"قد قبل اللَّه صدقتك\" (^١).\n_________\n(^١) حسن بشواهده، الإشراف (١٠٢) رقم (١)، مداراة الناس (٢٨) رقم (٩)، ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٢٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٢٦٢)، وفيهما: علية بالمثناة بدل علبة بالموحدة، والطبراني في الكبير، والبزار في مسنده (٨/ ٣١٦)، من طريقين ضعيفين كما في مجمع الزوائد (٣/ ١١٤)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٨٣٤)، وأورده ابن حجر في الإصابة (٢/ ٥٠٠)، وعزاه لابن شاهين والخطيب من طريق أبي قرة الزبيدي في سننه، كما أورده في لسان الميزان (٤/ ٥٥)، وقال العراقي: \"رواه أبو نعيم في الصحابة والبيهقي في الشعب، من رواية عبد المجيد بن أبي عبس عن أبيه عن جده بإسناد فيه لين\"، والزبيدي إتحاف السادة المتقين (٨/ ٢٩)، وله شاهد صحيح بعده لم يسم فيه الصحابي، وصححه الألباني في تخريج أحاديث فقه السيرة (٤٣٩).","vol":"2","page":979},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>المبحث الحادي والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل النعمان ابن قوقل -﵁</span>-.\n\n٨٨٩ - حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا جسر بن الحسن، عن أبي ثابت بن شداد بن أوس قال: قال النعمان بن قوقل (^١) يوم أحد: \"اللهم إني أقسم عليك أن أُقتل، فأدخل الجنة، فقُتل، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن النعمان أقسم على اللَّه فأبرّه، فلقد رأيته يطأ في خُضَرِها ما به من عرج\" (^٢).\n_________\n(^١) هو النعمان بن قوقل، وقيل: النعمان بن ثعلبة، وثعلبة يدعى قوقلا، شهد بدرا، أسد الغابة (١/ ١٠٦٩)، وانظر الاستيعاب (١/ ٤٧٤).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه جسر بن الحسن مقبول التقريب (٩٣٠)، مجابو الدعوة (٦٢) رقم (٢٢)، وأبو نعيم في معجم الصحابة (٥/ ٢٦٥٤) بسند ضعيف، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٤٦)، ونقله ابن حجر عن البغوي بسنده في الإصابة (٣/ ٥٦٤) في ترجمة النعمان، ثم نسبه لابن منده وابن قانع من طريق الفزاري به، وانظر فتح الباري (٦/ ٤١) وهذه القصة مروية أيضًا عن عمرو بن الجموح كما قال ابن منده.","vol":"2","page":980},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>المبحث الثاني والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أبي معلق -﵁</span>-.\n\n٨٩٠ - حدثنا عيسى بن عبد اللَّه التميمي، أخبرني فهير بن زياد الأسدي، عن موسى بن وردان، عن الكلبي -وليس بصاحب التفسير- عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: \"كان رجل من أصحاب النبي -ﷺ- من الأنصار يكنى أبا مِعلق (^١)، كان تاجرا يتجر بماله ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان يزن بسدد وورع، فخرج مرة فلقيه لصّ مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك، قال: ما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال، فقال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذ أبيت، فذرني أصلى أربع ركعات، قال: صل ما بدا لك، قال: فتوضأ، ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعّال لما يريد، أسألك بعزّك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شرّ هذا اللص، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات، قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة، واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه،، فطعنه، فقتله ثم أقبل إليه، فقال: قم، قال: من أنت بأمي أنت وأمي؟ فقد\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر وابن الأثير في الصحابة بناء على هذا الأثر، ولم يزيدا عليه شيئا، انظر الإصابة (٧/ ٣٧٩)، وأسد الغابة (١/ ١٢٨٤).","vol":"2","page":981},{"text":"أغاثني اللَّه بك اليوم، قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوتَ بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجّة، ثم دعوتَ بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت اللَّه تعالى أن يوليني قتله\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف لجهالة الكلبي، ولعله ابن صاحب التفسير وهو متروك كأبيه أيضًا واللَّه أعلم، وفيه شيخ المصنف، لم أجد له ترجمة وفي طبقته عيسى بن عبد اللَّه بن سنان بن دلويه، البغدادي الطيالسي، الملقب زغاث، وهو بغدادي صاحب حديث وإتقان، فلا يبعد أن يكون هو، فإن ابن أبي الدنيا كان مكثرا من الشيوخ، وهذا بلديّه وهو صاحب حديث وإتقان، فالظاهر روايته عنه، وقد روى عنه في المنامات برقم (٢٢٠، ١١٨، ٩٩) وذكر في هذا الأخير أنه تميمي ولاء، وروى عنه أيضا في الصمت (١٩٢) وذم الغيبة (٥٥)، والتهجد (٢٢٢)، وفهير ذكره الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. كتاب الهواتف (٢٤ - ٢٥) رقم (١٤)، مجابو الدعوة (٦٣) رقم (٢٢)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٦٦) رقم (١١١)، ورواه في الإصابة من طريق المصنف (٤/ ١٨٢)، وكذا المقدسي في الترغيب في الدعاء رقم (٦١)، أسد الغابة (٦/ ٢٩٥).","vol":"2","page":982},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>المبحث الثالث والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أسماء ﵂</span>.\n\n٨٩١ - حدثنا أبو جعفر التميمي، نا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن المهاجر، عن أبيه، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية (^١): \"شهدت اليرموك مع الناس، فقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاطاها\" (^٢).\n\nالتحليل والتعليق\nتضمنت الآثار السابقة، الموزعة على المباحث المختلفة، فضائل كثير من الصحابة، ممن لم يسبق ذكرهم في العشرة المبشرين بالجنة، ولا فيمن ذكر من أهل البيت، وهم كمن سبق من إخوانهم من الصحابة، أهل الفضل والمكارم، كما قال ابن حزم: \"لكل واحد من الصحابة ﵃، فضائل ومشاهد تعفو عن كل تقصير، وليس ذلك لغيرهم\" (^٣).\nفقد تضمنت الآثار بيان الصفات العظيمة التي امتازوا بها، كالجود والعطاء، والتضحية بالمال والنفس في سبيل نصرة اللَّه ورسوله، وضرب\n_________\n(^١) هي أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس الأنصارية الأوسية ثم الأشهلية، بنت عم معاذ بن جبل، الإصابة (٧/ ٤٩٨).\n(^٢) إسناده ضعيف، مداره على المهاجر مولى أسماء وهو مقبول التقريب (٦٩٧٤)، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٢٧)، مكارم الأخلاق (٣٩) رقم (١٧٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٢٨) رقم (٣٣٤٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٥٧) رقم (٤٠٣)، وذكرها ابن حجر في الإصابة (٤/ ٢٣٥).\n(^٣) المحلى (٨/ ١٧).","vol":"2","page":983},{"text":"أروع البطولات في الجهاد في سبيل اللَّه، وبعض الكرامات التي ثبتت لبعضهم، وإقراء الضيف، وما سمع لبعضهم من هواتف تثني عليهم، والتواضع في الزي، والاخشوشان فيه، يأكلون دون الشبع، وحبهم للقرآن، واكتفاء بعض شعرائهم به عن قرض الشعر، حيث لم يقل بعد إسلامه شعرا، يضاعف أحدهم اجتهاده وعبادته، إذا قرب أجله، يصومون من الأيام أحرها، ويختارون من البر لأمهاتهم ما تقر به عينها، ولو أنفقوا من أموالهم أطايبها، يقدمون ذلك على كثير من العبادات كالحج وغيره، يعرف بعضهم حق بعض، ولا ينكر منزلته، ولو كان بينهم ما يكون بين الآدميين، من الخلاف والوحشة، لم يمنعه من ذكر فضل أخيه والاعتراف به، يعدون عدم الإنفاق، وخلوّ فنائهم من طالب حاجة من المصائب، حفظوا سنة نبيهم فلم يبدلوا، ولم يغيّروا، بل أدّوا كما سمعوا، امتحنهم غير واحد في حفظهم فكانوا يؤدون الحرف بعد زمن طويل كما أدوه قبل، يؤدون عن الناس ديونهم، بل ويزيدونهم مثلها عطاء، يشترون الدار بالثمن الغالي، ثم ترق قلوبهم لبكاء أهلها وحاجتهم لها وللمال، فيتنازلون عن البيت والمال، ترق قلوبهم للموعظة فتدمع عيونهم، ولا تمنعهم هيبة الخلافة ورونق العرش والكرسي من إظهار التخشع والخوف من اللَّه، والانكسار بين يديه، لا يخدعون عن القليل، ولا يتعاظمهم الكثير، منهم القضاة، ومنهم الدهاة، اختص بعضهم بالأناة، والآخر بالمعضلات، والآخر بالمبادهة، في حين كان الآخر للصغير والكبير، وكانت بعض بيوتهم بيوت جود، به يعرفون وعنه ينافحون، لا يقبلون في ذلك العذل واللوم، يحسنون لأصحاب الذمة، ويوصون بهم خيرا، ولا ينسونهم من برهم، ويبدأون بهم في الأعطية، اشتهر بعضهم بالمنافسة في أبواب العبادات حتى نسبت إليه عبادات لم تعرف عن غيره كالطواف سباحة، وقد أحسن من عوتب في عدم ذكر","vol":"2","page":984},{"text":"بعضهم لما ذكرت الفضائل، فتعلل بأن السؤال كان عن الإنس، ومن ترك ذكرهم ليسوا من الإنس، لكثرة ما تميزوا به، يصومون طول النهار فإذا جاء الإفطار وجهز الطعام تبرعوا به ليتامى أهلهم وحيِّهم، ويشبعون لشبعهم، بل لا يجد أحدهم ما يأكله عند إفطاره لإنفاقه كل ما عنده، يحرصون من الطعام على أبسطه، عفيفة ألسنتهم عن السب والشتم، ويتصدق أحدهم بعرضه في سبيل اللَّه، تهيج أنفسهم لفعل الخير إذا رأوا من يفعله، فيتمنى أحدهم لو كانت أمه حية ليحملها كما رأى من يحمل أمه، يخافون على نبيهم من أي أذى يصيبه، فيدع دعوته والاستشفاء بدعائه خوفا عليه من لدغ عقرب أو نهش حية، أحيوا الوئيدة، ويقسم أحدهم على اللَّه بأن يقتل في سبيله فيدخل الجنة، فيبر اللَّه قسمه، بل إن نساءهم كن مجاهدات، حصر من قتلته أسماء يوم اليرموك بعمود فسطاطها فبلغ سبعة رجال، قال الغزالي -بعد إيرداه لجملة من أوصافهم-: \"فهذه أحوال السلف، ونعتهم، وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا\" (^١).\nوقد كانت هذه سنة السلف ذكر محاسن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ومن أقوالهم في ذلك: \"اذكروا محاسن أصحاب محمد ﵇ تأتلف عليه القلوب\" (^٢)، قال الإمام أحمد: \"ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كلهم أجمعين\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام: \"الأحاديث مستفيضة، بل متواترة في فضائل الصحابة، والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون،\n_________\n(^١) وقد جمع كثيرا من صفاتهم الغزالي في إحياء علوم الدين فراجعه (٣/ ٢٦٧).\n(^٢) السنة للخلال (٣/ ٥١٣).\n(^٣) السنة (٨٠) رواية مسدد.","vol":"2","page":985},{"text":"فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة\" (^١)، ومن جميل ما قاله الهيتمي ﵀ في ذلك -بعد نقله لجملة من الآيات والأحاديث في فضلهم-: \"على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها؛ من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، ببذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع بتعديلهم، والاعتقاد بتراهتهم\" (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ٤٨١).\n(^٢) الصواعق المحرقة (٢/ ٦٠٧).","vol":"2","page":986},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>الفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن</span>.\nوفي أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج.\nالمبحث الثالث: الآثار الوادردة في موقف المسلم من الفتنة.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة.","vol":"2","page":987},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>المبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة</span>.\nوفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عند العجز.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في النهي عن منازعة الملوك الأمر.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في تحريم الخروج على الحكام.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام.\nالمطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب.","vol":"2","page":988},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>المطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام</span>.\n\n٨٩٢ - حدثنا عمر بن بكير النحوي، أنبأنا أبو عبد الرحمن الطائي، أنبأنا أبو بردة بن عبد اللَّه بن أبي بردة قال: كان يقال: \"إن رِبعِيّ بن حِرَاش -﵁- لم يكذب كذبا قط، فأقبل ابناه من خراسان قد تأجلَّا (^١)، فجاء العريف إلى الحجاج، فقال: أيها الأمير، إن الناس يزعمون أن ربعي ابن حراش لم يكذب قط، وقل قدم ابناه من خراسان، وهما عاصيان، فقال الحجاج: عليّ به، فلما جاء قال: أيها الشيخ، قال: ما تشاء؟ قال: ما فعل ابناك؟ قال: المستعان اللَّه، خلفتهما في البيت، قال: لا جرم واللَّه، لا أسوءك فيهما، هما لك\" (^٢).\n_________\n(^١) أي لم يخرجا في بعث الحجاج الذي عيَّنَه تلك السنة.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه أبو عبد الرحمن الطائي وهو الهيثم بن عدي، مؤرخ أخباري من بابة الواقدي، انظر تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ١٥٨٣)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ١٧٩)، أما شيخ المصنف فهو أخباري أيضًا نسابة نحوي له ترجمة موجزة في الفهرست لابن النديم (١/ ١٥٦) وانظر (١/ ٥١، ٩٩، ١٠٧)، كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٢٩) رقم (٤٥٢)، مكارم الأخلاق (٢٩) رقم (١٣٥)، وابن حبان في روضة العقلاء (٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/ ٤٤)، وذكره العجلي في الثقات (١/ ٣٥٠) في ترجمة ربعي، وأورد القصة الذهبي في السير (٤/ ٣٦٠ - ٣٦١)، وسياق ابن حبان أوضح حيث بيّن سبب العقوبة فقال: \"فإنك ضربت على ابنيه البعث فعصيا، وهما في البيت، وكان عقوبة الحجاج للعاصي ضرب السيف\"، وفي السير بيان أنه أكرمه وأعجبه صدقه.","vol":"2","page":989},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>المطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عنه العجز</span>.\n\n٨٩٣ - حدثنا محمد بن حماد الرازي قال: سمعت عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: \"أتى رجل ابن عباس فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال أفرأيت إن أمرني بمعصية اللَّه -﷿-؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلا! \" (^١).\n\n٨٩٤ - حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن زرارة الرقي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الربيع بن عميلة، عن ابن مسعود -﵁-: \"إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من قِبَل أنفسهم فاستهوته قلوبهم، فاستحلته ألسنتهم، فقالوا: تعالوا حتى ندعو الناس إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا تركناه، ومن خالفنا قتلناه، فقالوا: انظروا فلانا فإن تابعكم فلن يتخلّف عنكم أحد، وإن خالفكم فاقتلوه، فبعثوا إليه فدخل منزله فأخذ كتابا من كتب اللَّه فجعله في قرن ثم تقلّده تحت ثيابه، فأتاهم فقرأوا عليه كتابهم، فقالوا:\n_________\n(^١) إسناده صحيح، شيخ المصنف هو الطِّهراني ثقة حافظ، لم يصب من ضعفه التقريب (٥٨٦٦)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٢٨) رقم (٩٧)، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٣٤٨) رقم (٢٠٧٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٩٦) رقم (٧٥٩٣)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٢).","vol":"2","page":990},{"text":"تؤمن بما هذا الكتاب؟ فقال: وما لي لا أؤمن بهذا الكتاب -وأشار إلى صدره- فرجع إلى منزله فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات، فجاء إخوان من إخوانه فنبشوه فوجدوا ذلك الكتاب في ذلك القرن، فقالوا: كان ايمانه في هذا الكتاب، قال ابن مسعود: فتفرّقت النصارى على سبعين فرقة، فأهداهم فرقة أصحاب ذي القرن، فقال ابن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع فيه غير أن يعلم اللَّه من قلبه أنه له كاره\" (^١).\n\n٨٩٥ - حدثنا عبد اللَّه بن عمر بن محمد القرشي، وعبد الرحمن بن صالح العتكي (^٢) قالا: حدثنا حسين الجعفي، عن الحسن بن الحر، عن ميمون بن أبي شبيب (^٣) قال: \"قعدت أكتب كتابا فمررت بحرف، إن أنا كتبته زيَّنت الكتاب، وكنت قد كذبت، فعزمت على تركه، فناداني مناد من جانب البيت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق التقريب (٤٦١)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١١١) رقم (٧٤)، وانظر رقم (١٠٥)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٣٣٩)، وعنه ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٩٦) رقم (٧٥٨٩).\n(^٢) الأزدي، أبو محمد العتكي الكوفي، نزيل بغداد، صدوق يتشيع، كما في التقريب (٣٩٢٣)، وانظر الجرح والتعديل (٥/ ٢٤٦)، الثقات لابن حبان (٨/ ٣٨٠)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢٦١)، التهذيب (٢/ ٥١٧).\n(^٣) هو ميمون بن أبي شبيب الربعي، أبو نصر الكوفي، صدوق كثير الإرسال، مات سنة (١٨٣ هـ) في وقعة الجماجم، التقريب (٧٠٤٦).","vol":"2","page":991},{"text":"الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^١)، فقال: وتهيأت للجمعة في زمن الحجاج، فجعلت أقول: أذهب، لا أذهب، فناداني منادٍ من جانب البيت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٢)، قال: فذهبت\" (^٣).\n\n٨٩٦ - حدثني علي بن مسلم قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا مالك بن دينار قال: \"كنا إذا صلّينا خلف الحجاج فإنما نلتفت ما بقى علينا من الشمس، فيقول: إِلَامَ تلتفتون، أعمى اللَّه أبصاركم؟ إنا لا نسجد لشمس ولا لقمر ولا لحجر ولا لوثن\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية (٢٧).\n(^٢) سورة الجمعة، الآية (٩).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف عبد الرحمن بن صالح صدوق كما سبق في التعليق السابق.\nكتاب الصمت وآداب اللسان (٢٥٦) رقم (٥٣٥)، وفي كتاب الهواتف من طريق شيخ آخر (٩٠) رقم (١٢٤ - ١٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤٦٧) رقم (٥٤٠٣)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ٢٢٠) رقم (١٩١)، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٢٠) إلى المصنف، وأبي نعيم في الحلية (٤/ ٣٧٥)، وأورده المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٢٩١) في ترجمة ميمون بلفظ أكمل وأوضح في بيان سبب الترددّ، فقال: \"وقال الحسن بن الحر، عن ميمون بن أبي شبيب: أردت الجمعة في زمان الحجاج فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أصلي خلف هذا؟ فقلت مرة أذهب ومرة لا أذهب، قال: فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني مناد من جانب البيت. . .\".\n(^٤) إسناده حسن، وسيار صدوق له أوهام التقريب (٢٧٢٩) إلا أنه راوية جعفر بن سليمان وقد أكثر عنه أحمد كما في ميزان الاعتدال (٢٥٣ - ٢٥٤)، الإشراف (٣٢٢) رقم (٤٦٨).","vol":"2","page":992},{"text":"٨٩٧ - حدثنا علي بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن كثير أبي الفضيل (^١) قال: \"شهدت الوليد بن عبد الملك بدمشق صلى الجمعة والشمس كالشرف (^٢) ثم صلى العصر\" (^٣).\n\n٨٩٨ - حدثنا القاسم بن هاشم قال حدثني عمر بن حفص العسقلاني قال حدثني إبراهيم بن أدهم قال حدثنا أبو عيسى المروزي قال: سمعت سعيد بن المسيب في خلافة عبد الملك بن مروان يقول: \"لا تملأوا أعينكم من أئمة الجور وأعوانهم إلا بالإنكار عليهم من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار الواردة في المطلبين السابقين، بيان وجوب طاعة الحكام، والنهي عن معصيتهم، وأن هذه القاعدة العامة، لا يخرمها إلا أن يؤمر العبد بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق حينئذ.\nفطاعة الحاكم المسلم واجبة متعينة ولو كان فيها ضرر على الطائع، كما فعل ربعي بن حراش حين بلّغ عن ابنيه لما سأله عنهما الحجاج وكانا فارَّين من العسكر.\n_________\n(^١) انظر التخريج الآتي.\n(^٢) كذا، ولعلها: تَشَّرَّف.\n(^٣) فيه كثير أبو الفضيل لم أجده، الإشراف (٣٢٣) رقم (٤٦٩).\n(^٤) إسناده لين، فيه أبو عيسى المروزي لم أعرفه، كتاب الورع (٦٦) رقم (٧٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٧٠) (٨/ ٥٧) من طريق أبي عيسى كذلك.","vol":"2","page":993},{"text":"لكن هذا لا يعني أنها طاعة مطلقة، بل هي مقيّدة بأن لا تكون طاعة في معصية اللَّه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا ما تضمنته الآثار الواردة في المطلب الثاني، حيث بيّن ابن عباس -﵁- لمن سأله عن طاعة الأمير إذا أمره بمعصية، فأجابه بأنه يتعين عليه أن يكون حينئذ رجلا ولا يطيعه، ونهاه قبل ذلك أن يقوم إليه فيأمره وينهاه لكى لا يكون له فتنة، وهكذا فعل الصحابة مع أمراء الجور والظلم، الذين كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، كالحجاج والوليد بن عبد الملك، فلم يتركوا الصلاة وراءهم بسبب هذه المعصية، وذكر بعضهم أنه يأتي زمان على الرجل لا يستطيع من الإنكار إلا أن يعلم اللَّه من قلبه أنه كاره.\nهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، نصوا عليها في مختلف كتبهم، بل جسّدوها في مواقف عملية في حياتهم، وأمروا بها غيرهم، وناظروا عليها مخالفيهم، قال أبو الحسن الأشعري: \"أجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين\" (^١)، وقال ابن قدامة: \"من السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمر بمعصية اللَّه؛ فإنه لا طاعة لأحد في معصية اللَّه\" (^٢)، وقال ابن تيمية: \"طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة. . . وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى اللَّه عنه من معصية ولاة\n_________\n(^١) رسالة إلى أهل الثغر (٢٩٦).\n(^٢) لمعة الاعتقاد (١٨١).","vol":"2","page":994},{"text":"الأمور، وغشِّهم، والخروج عليهم، بوجه من الوجوه، كما عرف من عادات أهل السنة والدين قديما وحديثا ومن غيرهم\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام مبينا مذهب أهل السنة في طاعة الحكام: \"لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في معصية اللَّه، وإن كان إماما عادلا. . . فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقا، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول -ﷺ-، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٢)، أمر بطاعة اللَّه مطلقا، وأمر بطاعة الرسول؛ لأنه لا يأمر إلا بطاعه اللَّه، ومن يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة؛ لأن ولي إلأمر لا يطاع طاعة مطلقة إنما يطاع في المعروف\" (^٣)، قال ابن عبد البر: \"أجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته\" (^٤)، وقال شيخ الإسلام: \"المؤمن من أمة محمد يختار الأذى في طاعة اللَّه على الإكرام مع معصيته، كأحمد بن حنبل اختار القَيْد والحبس\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٥)، وطبع باسم قاعدة مختصرة في وجوب طاعة اللَّه ورسوله -ﷺ- وولاة الأمور، بتحقيق الدكتور عبد الرزاق العباد.\n(^٢) سورة النساء، الآية (٥٩).\n(^٣) منهاج السنة (٣/ ٣٨٧)، وانظر (٣/ ٣٩١).\n(^٤) التمهيد (٢٣/ ٢٧١).","vol":"2","page":995},{"text":"والضرب على موافقة السلطان وجنده على أن يقول على اللَّه غير الحق في كلامه، وعلى أن يقول ما لا يعلم أيضًا؛ فإنهم كانوا يأتون بكلام يُعْرَف أنه مخالف للكتاب والسنة فهو باطل، وبكلام مجمل يحتاج إلى تفسير، فيقول لهم الإمام أحمد: ما أدري ما هذا، فلم يوافقهم على أن يقول على اللَّه غير الحق، ولا على أن يقول على اللَّه ما لا يعلم\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٣٧).","vol":"2","page":996},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء</span>.\n\n٨٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى العنبري، ثنا الهيثم بن عبيد الصيد قال: لا أعلمه إلا سهيل أخو حزم، حدثني قال: \"سمع ابن سيرين رجلا يسبّ الحجاج فقال: \"مه أيها الرجل؛ إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن اللَّه حكم عدل؛ إن أخذ من الحجاج لمن ظلم شيئا فسيأخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلنّ نفسك بسبِّه\" (^١).\n\n٩٠٠ - حدثنا الحسين بن جنيد، حدثنا شعيب بن حرب حدثنا علي بن مسعدة حدثنا رياح بن عبيدة قال: \"كنت عند عمر بن عبد العزيز ﵁، فذكر الحجاج، فشتمته ووقعت فيه، قال: فنهاني عمر وقال: \"مهلا يا رياح، فإنه بلغني: أن الرجل يُظلم بالمظلمة، فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه، حتى يستوفي حقَّه، ويكون للظالم الفضل عليه\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ سهيل هو بن مهران ضعيف التقريب (٢٦٨٧)، وتابعه أبو جعفر عند ابن أبي شيبة ولم أعرفه، التوبة (٦٠ - ٦١) رقم (٤١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٩١) رقم (٣٠٥٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ١٦١).\n(^٢) إسناده حسن، علي بن مسعدة صدوق له أوهام التقريب (٤٨٣٢)، كتاب الصمت وآداب اللسان (٣٠٢ - ٣٠٣) رقم (٧١١)، وسبق نحوه عند المصنف برقم (٥٨١) وليس فيه قصة الحجاج، =","vol":"2","page":997},{"text":"٩٠١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني قدامة بن محمد الخشرمي، حدثني الحجاج بن صفوان بن أبي زيد قال: \"وشى رجل ببسر بن سعيد (^١) إلى الوليد بن عبد الملك أنه يطعن على الأمراء، أو يعيب بي مروان، قال: فأرسل إليه الوليد، والرجل عنده، قال: فجيء به ترعد فرائصه، فأدخل عليه، فسأله عن ذلك فأنكره بسر، وقال: ما فعلت، قال: فالتفت الوليد إلى الرجل، فقال: يا بسر هذا يشهد عليك بذلك، فنظر إليه بسر وقال: أهكذا؟ قال: نعم، فنكّس رأسه وجعل ينكث في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: اللهم قد شهد بما قد علمت أني لم أقله، فإن كنت صادقا فأريني به آية على ما قال، قال: فانكبّ لوجهه، فلم يزل يضطرب حتى مات\" (^٢).\n_________\n= والجامع لابن وهب (١/ ٦٨)، والزهد لابن المبارك (٢٣٧ - ٢٣٨) رقم (٦٨١).\n(^١) هو بسر بن سعيد المدني العابد، مولى بن الحضرمي، ثقة جليل، مات سنة (١٠٠ هـ)، التقريب (٦٦٦).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه قدامة وهو صدوق يخطئ التقريب (٥٥٦٤)، والحجاج بن صفوان بن أبي زيد مقبول، التقريب (٢٩٦٠)، مجابو الدعوة (١١٨) رقم (٩٤)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٨٦) رقم (١٢٢)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (١/ ٣٤١).","vol":"2","page":998},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>المطلب الرابع: الآثار الواردة في النهي عن منازعة الملوك الأمر</span>.\n\n٩٠٢ - حدثنا الهيثم بن خارجة، نا عبد اللَّه بن عبد الرحمن قال: سمعت عمير بن هانئ العنسي قال: قلت لابن عمر: \"كيف تقول فينا وفي هؤلاء؟ قال: ما أنا لكم بحامد، ولا لهم بغادر، أنتم أصحاب دنيا تنافستموها بينكم، تهافتون في النار تهافت الذباب في المرق، قال: قلت: أرأيت (^١)؟ قال: إن شئت، قلت: أرأيت، أرأيت؟ ألك رحل؟ انطلق إلى رحلك\" (^٢).\n_________\n(^١) وقع في رواية البيهقي أنه سأله عن البيعة التي أخذها عليهم عبد الملك بن مروان، وعند تمام أنه صرح له بأن المقصود من تلك البيعة هي السمع له والطاعة وأنه بعث في هذا البعث وهو مكره، وكان السائل غير عمير واللَّه أعلم، وعند ابن عساكر أنه أتاه بمعراض من الكلام، كأنه يريد أن يأخذ منه فتوى على جواز قتال ابن الزبير -﵁-، كل ذلك يجيب ابن عمر أن السمع فيما يستطيع وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد ذكر في ترجمته أنه كان قدريا فلعله لذلك لم يفتح ابن عمر -﵁- مجال النقاش بالرأي، وهذا من أهم الأساليب التي يواجه بها أمثال هؤلاء بأن لا يمكنوا من نشر شبههم واللَّه أعلم.\n(^٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق التقريب (٧٤١٤)، ذم الدنيا (١٣٦) رقم (٤١١)، وتمام في فوائده رقم (١٥٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ١٢١) رقم (٥٠٨٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٣٦٤) (٤٦/ ٤٩٧).","vol":"2","page":999},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>المطلب الخامس: تحريم الخروج على الحكام</span>.\n\n٩٠٣ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه، حدثنا قبيصة بن ليث أبو معاوية الأسدي، حدثني مطرف، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: \"رأيت في المنام كأن السماء انفرجت، فاطلع منها رجل، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا ملك، قلت: أسألك عن شيء؟ قال: سل عما شئت، قلت: أخبرني عن أهل الجمل (^١)؟ قال: فئتان مؤمنتان اقتتلوا، قلت: أخبرني عن أهل صفين (^٢)؟ قال: فئتان مؤمنتان اقتتلوا، قلت: أخبرني عن أهل النهروان (^٣)؟ قال: خلعوا إمامهم، ونكثوا بيعتهم، فلقوا ترحا\" (^٤).\n_________\n(^١) هي الوقعة الشهيرة التي خرجت فيها عائشة ﵂ ومعها طلحة والزبير للمطالبة بدم عثمان، فساروا إلى البصرة، ووقعت وقعة عظيمة اقتتلت فيها طائفتان من المسلمين، قتل فيها طلحة والزبير وخلق عظيم، كانت سنة (٣٦ هـ)، البداية والنهاية (٧/ ٢٣٠)، تاريخ الخلفاء (١٥٥).\n(^٢) وقعت سنة (٣٧ هـ) بعد منصرف علي بن أبي طالب من وقعة الجمل، بينه وبين معاوية وعسكر أهل الشام، فاقتتلوا في صفين عدة أيام ثم تصالحوا وحكموا الحكمين على أن يلتقوا من قابل وينظروا أمر الأمة، تاريخ الخلفاء (١٥٥).\n(^٣) لما تصالح على مع معاوية وانصرف كل منهما إلى بلده، رجع على إلى الكوفة، فخرج عليه الخوارج وأنكروا عليه التحكيم، فعسكروا بحروراء، فأرسل إليهم ابن عباس فناظرهم فرجع منهم الكثير، وانحاز الباقون إلى النهروان، ثم عرضوا للسبيل فسار إليهم على وقتل منهم ذو الثدية، وذلك سنة (٣٨ هـ).\n(^٤) إسناده حسن؛ قبيصة بن الليث صدوق التقريب (٥٥٤٩)، المنامات (١١٧) رقم (٢٤٥).","vol":"2","page":1000},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار الواردة في المطالب السابقة، بيان تحريم الخروج على الحكام، وكل ما يؤدّي إلى ذلك من الأسباب، كالطعن فيهم ومنازعتهم الأمر.\nفالطعن في الحكام: هو كما يقال دق لطبول الخروج، ونذير بقرب وقوعه، ولذلك حرص السلف على غلق هذا الباب، وذكروا توجيهات كثيرة، وأبرزوا حِكَمًا متنوعة لذلك، فمن ذلك: أن اللَّه حكم عدل (^١)، وقد بيّن ابن سيرين لمن سمعه يسب الحجاج، فكما سيأخذ من الحجاج أو الحاكم الظالم عموما ممن ظلمه، فسيأخذ للحجاج أيضا ممن ظلمه، فالأولى أن يشغل المرء نفسه بما يصلحها، وذكر عمر بن عبد العزيز أمرا آخر، وهو أن المظلوم قد يستوفي حقَّه بكثرة نيله من الظالم، ويكون للظالم الفضل عليه، ولهذا تبرَّأ بسر بن سعيد من تهمة تنقص الخلفاء، فلما أصرَّ الواشي به، دعا عليه فوقع ميتا.\nومنازعتهم الأمر: مذموم غير محمود أبدا، وأنكر ابن عمر -﵁- القتال على الملك فلم يحمد الخارج، ولم يغدر بالمبايع، قال ابن عبد البر: \"وأما قوله: \"وأن لا ننازع الأمر أهله\" فاختلف الناس في ذلك؛ فقال\n_________\n(^١) وهذا من أعظم الفقه في باب الأسماء والصفات الذي فقهه سلف هذه الأمة، فأين هذا ممن نسب إليهم زورا مذهب التفويض، فانظر ماذا فهم من صفتي العدل والحكمة، وكيف عصمه ذلك، من الوقوع في الفتن.","vol":"2","page":1001},{"text":"قائلون: \"أهله\" أهل العدل والإحسان، والفضل والدين، فهؤلاء لا ينازَعُون؛ لأنهم أهله.\nوأما أهل الجور والفسق والظلم فليسوا له بأهل، ألا ترى إلى قول اللَّه -﷿- لإبراهيم ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (^١)، وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج.\nوأما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عدلا محسنا؛ فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحمل على هراق الدماء، وشن الغارات، والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والأصول تشهد والعقل والدين، أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك، وكل إمام يقيم الجمعة والعيد، ويجاهد العدو، ويقيم الحدود على أهل العداء، وينصف الناس من مظالمهم بعضهم لبعض، وتسكن له الدهماء، وتأمن به السبل، فواجب طاعته في كل ما يأمر به من الصلاح أو من المباح\" (^٢).\nفحرم الخروج عليهم: وهو أخطر من القتال في الفتنة، حيث إن أهل النهروان مذمومين مطلقا، بخلاف أهل الجمل وصفين، قال شيخ\n_________\n(^١) سورة البقرة، من الآية (١٢٤).\n(^٢) التمهيد (٢٣/ ٢٧٨).","vol":"2","page":1002},{"text":"الإسلام: \"الذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفِّين لم يكن من القتال المأمور به، وأن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدوه قتال فتنة، وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء. . . وكذلك مذهب أعيان فقهاء المدينة، والشام، والبصرة، وأعيان فقهاء الحديث. . . وغيرهم، أنه لم يكن مأمورا به، وأن تركه كان خيرا من فعله، وهو قول جمهور أئمة السنة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب، بخلاف قتال الحرورية والخوارج أهل النهروان، فإن قتال هؤلاء واجب بالسنة المستفيضة عن النبي -ﷺ- وباتفاق الصحابة وعلماء السنة\" (^١).\nونصوص السلف في هذا المعنى كثير جدا، مبثوثة في كتبهم ورسائلهم، بل إن كثيرا منهم نصوا على أنها من مسائل الأصول، قال الإمام أحمد ﵀: \"أصول السنة عندنا. . . السمع والطاعة للأئمة. . . والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك، وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، ومن دفعها إليهم أجزأ عنه برا كان أو فاجرا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزة تامة ركعتين، من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة. . . ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا\n_________\n(^١) منهاج السنة (٨/ ٥٢٣)، وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٤٨١).","vol":"2","page":1003},{"text":"المسلمين، وخالف الآثار عن رسول اللَّه -ﷺ-، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق\" (^١)، وقال شيخ\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦١)، وهو في باب سياق ما روي من المأثور عن السلف في جمل اعتقاد أهل السنة بدأها بسفيان الثوري ثم الأوزاعي ثم ابن عيينة ثم أحمد بن حنبل ثم علي ابن المديني ختمهم بابن جرير الطبري لا يكاد يخلو اعتقاد أحدهم من ذكر السمع والطاعة وتحريم الخروج على الحكام، وانظر قول الإمام أحمد خاصة في الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ٣ - ١٠)، وانظر المراجع الآتية: الإيمان للعدني (١١٥)، والإبانة لأبي الحسن الأشعري (٦١)، مع مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٨)، ورسالة إلى أهل الثغر (٢٩٦)، والسنة لابن أبي عاصم (٣/ ٤٧٨ - فما بعدها)، والشريعة للآجري (١/ ٣٧٣ - ٣٨٤)، والسنة للخلال (١/ ٧٣ - ٨٩)، أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٧٥ - ٢٩٢)، التبصير في الدين لابن جرير (١٥٤ - ١٥٨)، شعار أصحاب الحديث أبي أحمد الحاكم (٣١)، والتنبيه والرد للملطي (١٥، ١٧)، اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي (٧٥ - ٧٦)، الرسالة الوافية للداني (٩٧)، والسنن الواردة في الفتن (٢/ ٣٨١)، عقيدة أصحاب الحديث للصابوني (٩٢، ٩٣)، شرح السنة للبربهاري (٥١)، الشرح والإبانة لابن بطة (١٧٥، ٢٧٦ - ٢٨١)، والحجة في بيان المحجة للتيمي (١/ ٢٣٥ - ٢٤٢)،، وشرح العقيدة الطحاوية (٣٧٩)، وقطف الثمر لصديق حسن خان (١٣٣)، بل لأهمية هذه المسألة فقد ذكرت في كتب الفقه أيضًا بتفاصيل كثيرة، انظر: الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر (١٠٨)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٤٦)، المهذب (٣/ ٢٤٩)، مغني المحتاج (٤/ ١٢٣)، منار السبيل (٢/ ٣٩٨)، الدراري المضية للشوكاني (٥٠٥)، وشرحه الروضة الندية لصديق حسن خان (٢/ ٧٧٨)، السيل الجرار (١/ ٢٨١) (٤/ ٥١١، ٥٥٦)، المدخل لابن بدران (٧٨).","vol":"2","page":1004},{"text":"الإسلام: \"من الأصول التي دلت عليها النصوص، أن الإمام الجائر الظالم يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه، ولا يقاتلونه كما أمر النبي -ﷺ- بذلك في غير حديث\" (^١)، ولذلك فإن بعض السلف امتنع من التحديث بما ظاهره يؤيد الخروج قال ابن حجر: \"وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان. . . وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب واللَّه أعلم\" (^٢)، وهكذا تجد في كل فتنة حصلت في الأمة: \"كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج، والقتال في الفتنة، كما كان عبد اللَّه ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين وغيرهم، ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ-، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم\" (^٣).\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٣٢) وانظر (٢٨/ ١٢٨).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٢٥).\n(^٣) منهاج السنة (٤/ ٥٢٨).","vol":"2","page":1005},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>المطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام</span>.\n\n٩٠٤ - حدثني علي بن الحسن قال: قال فضيل بن عياض: \"لا تنظروا إلى مراكبهم، فإن النظر إليها يطفئ نور الإنكار عليهم\" (^١).\n\n٩٠٥ - حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا حفص بن عمر، عن معاوية ابن إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: \"آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، قال: ثم عدت فقال لي مثل ذلك، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بدّ فاعلا ففيما بينك وبينه\" (^٢).\n\n٩٠٦ - حدثنا محمد بن حماد الرازي قال: سمعت عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: \"أتى رجل ابن عباس فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال أفرأيت إن\n_________\n(^١) فيه علي بن الحسن سبق (١٥٤)، كتاب الورع (٦٧) رقم (٧٥).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، فيه حفص بن عمر هو قاضي حلب، ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ١٢٢)، وانظر لسان الميزان (٢/ ٣٢٦)، لكن تابعه غير واحد سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١١٣) رقم (٧٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٤/ ١٦٥٩) رقم (٨٤٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٧٠) رقم (٣٧٣٠٧)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٢)، انظر أثرا للزهري جميلا في الحلية (٦/ ٣٧٩).","vol":"2","page":1006},{"text":"أمرني بمعصية اللَّه -﷿-؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلا! \" (^١).\n\n٩٠٧ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: حدثنا الحسن قال: \"أتيت قدامة بن عنزة العنبري -قال جعفر: وهو جد سوار ابن عبد اللَّه بن عنزة- فوافقت عنده مرداسا أبا بلال (^٢)، ونافع بن الأزرق (^٣)، وعطيّة بن الأسود (^٤) قال: فتكلّم مرداس أبو بلال، فذكر الإسلام -قال الحسن: فما سمعت ناعتا للإسلام كان أبلغ منه- ثم ذكر السلطان فنال منهم، وذكر ما أحدث الناس ثم سكت، ثم تكلّم نافع بن الأزرق فذكر الإسلام فوصفه فأحسن، وذكر السلطان فنال منهم، ثم ذكر ما أحدث الناس، ثم تكلّم عطية بن الأسود فذكر الإسلام فوصفه فأحسن، ولم يبلغ ما بلغ نافع بن الأزرق، وذكر السلطان فنال منهم، ثم ذكر ما أحدث الناس، قال: فقال قدامة بن عنزة لبعض أهله: ساندني،\n_________\n(^١) سبق (٧٤٩).\n(^٢) هو مرداس بن ادية أبو بلال تابعي يعد من كبار الخوارج، لسان الميزان (٦/ ١٤)، وانظر أخباره الكثيرة في الكامل للمبرد (٢/ ٣١٥).\n(^٣) هو نافع بن الأزرق الحروري، من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، وكان قد خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، وكان يطلب العلم، وله أسئلة عن ابن عباس، لسان الميزان (٦/ ١٤٤).\n(^٤) لعله الذي ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٨١)، والبخاري في تاريخه (٧/ ٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٣٨١) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا.","vol":"2","page":1007},{"text":"فقال: إخواني كل الذي قلتم منذ اليوم أعرف منه مثل ما تعرفون، وأنكر منه مثل ما تنكرون، وأنا مثل (كذا) الذي أنتم عليه، ما لم تشهروا علينا السلاح، فإذا شهرتم علينا السلاح فأنا منكم بريء\" (^١).\n\n٩٠٨ - حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري قال: حدثنا بشر بن المفضّل قال: حدثنا المغيرة بن محمد قال: قال عمر بن عبد العزيز: \"لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال؛ أيتهن أخطاته كان فيه خللا: حتى يكون عالما قبل أن يستعمل، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرَّثَع (^٢)، منصفا من الخصم، محتملا للأئمة\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه ابن جدعان وهو ضعيف وقد سبق (٦٤٤)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٢٩) رقم (٩٨).\n(^٢) الطمع والحرص الشديد، ذكره في لسان العرب (٥/ ١٣٦)، وأشار إلى أثر عمر هذا.\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه المغيرة بن محمد لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا انظر الجرح والتعديل (٨/ ٢٣٠) ولم أجد له ترجمة عند غيره اللهم إلا كتب الكنى وليس فيها إلا التعريف به، الإشراف (١٤٦) رقم (٨٥)، وأخرجه أيضًا وكيع في أخبار القضاة (١/ ٧٨، ٧٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١١٧) من طريق سعيد بن منصور، وذكر ابن قدامة في المغني (٤/ ١٨) أن محل الشاهد وهو \"محتملا للأئمة\" ورد في رواية عند سعيد بن منصور، قلت: ولعله لذلك لم يورده الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق بهذا اللفظ (٥/ ٢٩٣) وإنما أورده عن سعيد بلفظ آخر واللَّه أعلم، وقد ورد الأثر بعدة ألفاظ.","vol":"2","page":1008},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان منهج السلف العام في التعامل مع حكام الجور والظلم، وطريقتهم في الإنكار عليهم، ويمكن إجمال ما تضمنته هذه الآثار في منهجهم في أنهم كانوا يحرصون على إبقاء الإنكار القلبي والحفاظ عليه، وقطع الأسباب التي تضعفه أو تميته، كالاسترسال في النظر إلى مراكبهم الفخمة، ثم الإنكار حسب الإمكان، فإن كان ولا بد ففيما بينك وبين الأمير، وألا يكون له فتنة بقيامه له أمام الناس، ومن صفاتهم التحمل للأئمة، ولا يعني هذا أنهم يداهنون الحكام أو يبررون لهم أفعالهم النكرة، وإنما هم يعرفونها ويقرون لمن ذكرها إنكاره، لكن ينكرون أسلوب معالجتها، ولذلك أجاب قدامة بن عترة الخوارج لما ذكروا ما ينقمونه على السلطان: \"أنا مثل الذي أنتم عليه، ما لم تشهروا علينا السلاح، فإذا شهرتم علينا السلاح فأنا منكم بريء\"، فهذه هي القاعدة العامة، معرفة المنكر، وإنكاره بالقلب، والتحمل وعدم التسرع بالقيام والتشهير، ثم محاولة الإصلاح بالنصيحة، وذلك سرا فيما بينه وبينه، قال ابن رجب: \"دلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه. . . وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة. . . الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم، في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان، فبحسب القدرة. . . - ثم تكلم على التغيير باليد","vol":"2","page":1009},{"text":"وما ورد في في جوازه وبيّن وجهه وهو أن- التغير باليد ليس بالسيف والسلاح، فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل: أن يريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان لي قدرة على ذلك، وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن، التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين\" (^١).\nقال ابن رجب مبينا طريقة نصيحة الولاة: \"النصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولين، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك\" (^٢)، وقال الشوكاني: \"ينبغى لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل، أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده، ويخلو به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان اللَّه، وقد قدمنا في أول كتاب السير هذا أنه لا يجوز الخروج على الأئمة، وإن بغوا في الظلم أي مبلغ، ما أقاموا الصلاة، ولم يظهر\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٢)، وانظر العلوم من واجب علاقة الحاكم والمحكوم (١٧).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٠).","vol":"2","page":1010},{"text":"منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة\" (^١).\nوقد قال الشيخ ابن باز ﵀ لما سئل عمن يعتبر هذه العقيدة انهزامية ومتخاذلة: \"يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية، فيقفون مع النصوص كما جاءت، وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة للسلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة بالكتابة والمشافهة، بالطرق الطيبة الحكيمة، بالجدال بالتي هي أحسن، حتى ينجحوا وحتى يقل الشر أو يزول، ويكثر الخير، . . . فالواجب على الغيورين للَّه وعلى دعاة الهدى أن يلتزموا بحدود الشرع، وأن يناصحوا من ولاهم اللَّه الأمور بالكلام الطيب، والحكمة والأسلوب الحسن، حتى يكثر الخير ويقل الشر، وحتى يكثر الدعاة إلى اللَّه وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدة، ويناصحوا من ولاهم اللَّه بشتى الطرق الطيبة السليمة مع الدعاء لهم في ظهر الغيب، أن اللَّه يهديهم ويوفقهم ويعينهم على الخير. . . ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير\" (^٢).\n_________\n(^١) السيل الجرار (٤/ ٥٥٦)، وانظر الروضة الندية (٢/ ٧٧٦).\n(^٢) المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم بالمحكوم (١٢ - ٢٢) بتصرف، وانظر العقيدة الطحاوية شرح وتعليق الألباني (٦٩).","vol":"2","page":1011},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>المطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب</span>.\n\n٩٠٩ - كتب إليّ أبو عبد اللَّه محمد بن خلف بن صالح الكوفي التيمي قال: نا شعيب بن إبراهيم التيمي، حدثني سيف بن عمر الأسيدي، عن بدر بن عثمان، عن عمة قال: \"آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة: \"إن اللَّه إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، لا تبطرنّكم الفانية، ولا تشغلنّكم عن الباقية، آثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى اللَّه -﷿-، واتقوا اللَّه، فإن تقواه جُنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا أمر اللَّه، والزموا جماعتكم، ولا تصيروا أحزابا، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ (^١) إلى آخر الآيتين\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآيتان (١٠٣ - ١٠٤).\n(^٢) إسناده حسن؛ والأثر صحيح، شيخ المصنف صدوق كما سبق (٣٦٢)، لكن تابعه السري بن يحيى عند ابن عساكر وابن جرير، وهو ثقة أخطأ الأزدي في تضعيفه التقريب (٢٢٣٦)، ذم الدنيا (٦١) رقم (١٤٦)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٦٩) رقم (١٠٦١٢)، وابن جرير في التاريخ (٢/ ٦٧٢، ٦٩٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٣٨)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٢١٦).","vol":"2","page":1012},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر عثمان -﵁- الحث على لزوم جماعة المسلمين، والنهي عن الفرقة والتحزب، وكأنه -﵁- تفرّس فيهم ما سيحدث بعد وفاته، ومن فقهه أنه جعل التحزب والتفرق، مقابلا للجماعة؛ فإن لزوم الجماعة عصمة من التفرق والتحزب، وظهور الجماعات والأحزاب في الأمة نذير فرقة وذهاب قوتهم، وتلاشي دولتهم، وهو من الاختلاف: \"الذي يوجب الفرقة، والاختلاف، وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين. . . ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري، لا بد منه لتفاوت إرادتهم، وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض، وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة اللَّه ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الانسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدا، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة، لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافا لا يضر -كما تقدم من اختلاف الصحابة- فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد، وهو كتاب اللَّه وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة اللَّه ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة، وتقديمها على كل قول، ورأي، وقياس، وذوق، وسياسة\" (^١)، وقد حصل ما تفرسه -﵁- وذلك: \"لما توفي عثمان لم يبق لها\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٢/ ٥١٤ - ٥٢٠) بتصرف، ذكره في معرض بيان الاختلاف المحمود =","vol":"2","page":1013},{"text":"معين -الخلافة- إلا علي -﵁-، وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان، وضعف أهل العلم والإيمان، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يطاع فيه مَنْ غَيْرُهُ أولى منه بالطاعة، ولهذا أمر اللَّه بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولهذا قيل: ما يكرهون في الجماعة، خير مما يجمعون من الفرقة\" (^١)، والمراد بالجماعة المأمور لزومها كما قال الطبري: \"الصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك، خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها\" (^٢)، قال الشاطبي معلقا على كلامه: \"هذا تمام كلامه، وهو منقول بالمعنى، وتحَرٍّ في أكثر اللفظ، وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام، الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة، خارجٌ عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم، فهذه خمسة أقوال\n_________\n= والمذموم.\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٤).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ٣٦).","vol":"2","page":1014},{"text":"دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث فلنأخذ ذلك أصلا\" (^١).\nقال القرطبي: \"من بدَّل، أو غَيَّر، أو ابتدع في دين اللَّه ما لا يرضاه اللَّه، ولم يأذن به اللَّه، فهو من المطرودين عن الحوض، المبتعدين منه، المسودِّي الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، ومبتدعون، وكذلك الظلمة، المسرفون في الجور والظلم، وطمس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية\" (^٢)، وقال الطحاوي: \"ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة\"، قال شارحه ابن أبي العز: \"السنة: طريقة الرسول -ﷺ-، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، إلى يوم الدين فاتباعهم هدًى، وخلافهم ضلالٌ\" (^٣)، وقال الغزنوي: \"لا نخالف جماعة المسلمين، ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا\" (^٤)، وقال\n_________\n(^١) الاعتصام (١/ ٤٧٦).\n(^٢) تفسير القرطبي (٤/ ١٦٢)، وانظر التمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ٢٦٢).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (٣٨٢).\n(^٤) أصول الدين (٣٠٠).","vol":"2","page":1015},{"text":"الشوكاني: \"وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالكون في الجماعة، والنهي عن الفرقة\" (^١)، ومن هنا كان الخروج عن جماعة المسلمين من سمات أهل البدع قال شيخ الإسلام: \"الخوارج دينهم المُعَظَّم مفارقة جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، والشيعة تختار هذا، لكنهم عاجزون، والزيدية تفعل هذا، والإمامية تارة تفعله، وتارة يقولون: لا نقتل إلا تحت راية إمام معصوم، والشيعة استتبعوا أعداء الملة من الملاحدة والباطنية وغيرهم\" (^٢).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٥٥٩)، وانظر: الشريعة للآجري (١/ ١٠)، الانتصار للسمعاني (٤)، تلبيس إبليس (١٣)، أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب (٣٢)، فقد عقدوا جميعا بابا مستقلا في ذلك، ومجلس مناظرة شيخ الإسلام على العقيدة الواسطية في المجموع (٣/ ١٨١)، تفسير القرطبي (٤/ ١٥٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٩).","vol":"2","page":1016},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج</span>.\nوفيه تسعة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف.\nالمطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج.\nالمطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج.\nالمطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج.\nالمطلب الثامن: الآثار الواردة في أن ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع.\nالمطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام.","vol":"2","page":1017},{"text":"المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج.\nتقدم في المبحث السابق بمختلف مطالبه بيان النهي عن الخروج على الحكام ومنازعتهم الأمر، ومنهج السلف العام في الإنكار عليهم، والصبر والتحمل رغبة في بقاء بيضة المسلمين منيعة قوية، وإقفال الأبواب الموصلة لهذا المحذور الشرعي كالطعن في الحكام والتفرق والتحزب، مع إنكار المنكر والتحذير منه، ولو بالقلب حتى لا يطمس الدين، وتتغير معالمه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nوتأكيدا لهذا الذي سبق، فإن للسلف عدَّة ملاحظ لاحظوها في هذه العقيدة، وذلك أن الخروج على الحاكم المسلم يترتب عليه كثير من المفاسد، ومن هنا كانت المقاصد الشرعية، والأمور المرعية في تحريمه كثيرة ومتنوعة، ذكرتها في المطالب التالية، لإبراز فقه السلف في هذه المسألة، وبعد نظرهم، وعمق إدراكهم لمآلات الأمور ومسبباتها ووسائلها.","vol":"2","page":1018},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها</span>.\n\n٩١٠ - حدثنا هارون بن أبي يحيى السلمي قال: أنبأنا أبو الجوّاب الضبي قال: \"كتب عمرو بما عبيد إلى ابن شبرمة (^١) يحضّه ويحثّه على الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكتب إليه ابن شبرمة:\nالأمر يا عمرو بالمعروف نافلة (^٢) ... والقائمون للَّه أنصار\nوالتاركون له عجزا لهم عذر ... واللائمون لهم يا عمرو أشرار (^٣)\nالأمر والنهي لا بالسيف يشهره ... على الخليفة، إن القتل ضرار (^٤)\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن شُبْرمة بن الطفيل بن حسان الضبي، أبو شبرمة الكوفي القاضي، ثقة فقيه، مات سنة (١٤٤ هـ)، التقريب (٣٣٨٠).\n(^٢) الذي يبدو لي من خلال تام الأثر، أن مراده أنه نافلة على الأفراد؛ لأنه واجب كفائي يقوم به رجال الهيئة والحسبة، فيبقى في حق سائر المسلمين نافلة لقيام بعضهم بالواجب، والواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقي.\n(^٣) إذا علمت هذه الصفة في الخوارج وهي أنهم أشرار، فلا تتعقَّد وتنهزم ببارق قولهم، وزخارف كلامهم؛ فإنهم يحرصون على بث الخور، والانهزامية في نفوس مخالفيهم، رجاء تهييجهم وإيغار صدورهم على المسلمين؛ وكم غرّروا بهذه الخدعة بعض حديثي الالتزام بالدين، بتصورهم لكل مخالفيهم بأنهم متخاذلون وخَوَرَة وجَبَنَة، وأنهم هم أصحاب البطولات والجهاد والناصرون لدين اللَّه، ولهذا كان ابن شبرمة رابط الجأش، على يقين من دينه، خبيرا بطرق الشر وأهله، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون.\n(^٤) فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة وإنما ذكره المزي فقط في شيوخه (١٦/ ٧٤)، =","vol":"2","page":1019},{"text":"٩١١ - كتب إليّ أبو سعيد، حدثنا محمد بن يحيى بن الحارث الجعفي، عن حفص بن غياث قال: \"قيل للأعمش أيام زيد: ألا تخرج؟ قال: ويلكم واللَّه ما أعرف أحدا أجعل عرضي دونه، فكيف أجعل دمي دونه\" (^١).\n\n٩١٢ - حدثنا هاشم بن الوليد قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا عاصم قال: \"قال مروان لعبد اللَّه بن عمر -﵀- هَلُمَّ نبايعك فإنك سيّد العرب، وابن سيّدها، فقال ابن عمر: فكيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: نقاتلهم، قال: واللَّه ما يسرّني أن العرب دانت لي سبعين عاما، وأنه قتل في سيي رجل واحد، فقال مروان:\n_________\n= الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٣٠) رقم (٩٩).\n(^١) فيه محمد بن يحيى بن الحارث الجعفي لم أعرفه، والأثر صحيح عن الأعمش من الطرق الأخرى، الإشراف (٢٧٨ - ٢٧٩) رقم (٣٧٤)، سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود (١٣٩) رقم (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٠)، والذهبي في السير (٦/ ٢٣٤) من طريق المصنف بلفظ: \"ديني\"، و(٦/ ٢٤٦) من طريق أبي داود بلفظ قيل للأعمش: \"لو أدركت عليا قاتلت معه؟ قال: لا، ولا أسأل عنه، لا أقاتل مع أحد أجعل عرضي دونه فكيف ديني دونه\"، واستظهر فضيلة الأستاذ أكرم ضياء العمري أن قائل هذا هو زبيد اليامي ولا داعي لذلك، فزبيد امتنع من الخروج والأعمش كذلك، ولكل جوابه في ذلك، والغريب أنه استشهد بأن الأعمش دعا زبيدا إلى الخروج مع زيد بن علي، لكنه لم يحل على مصدر لهذه المعلومة، وقد سبق عن الأعمش نهيه عن الخروج في هذه الفتنة بالذات، بل ورد عنه كما سبق في السير أنه ما كان ليقاتل مع علي -﵁- لو أدركه فاللَّه أعلم.","vol":"2","page":1020},{"text":"إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا\" (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان ملحظ من ملاحظ السلف في تحريم الخروج على الحاكم المسلم، وهو الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها، فقد كتب عمرو بن عبيد إلى ابن شبرمة (^٢)، يحثه على الجهاد\n_________\n(^١) إسناده حسن، عاصم هو بن أبي النجود المقرئ المشهور صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون التقريب (٣٠٧١)، الإشراف (١٠٥) رقم (٧)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦٩) ونسب الأبيات في (٥/ ٣٩) لأزنم الفزاري، وكذلك ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨) وعلق بقوله: \"فكان الأمر كما قال\"، والطبري في تاريخه (٥/ ٥٠٠)، والذهبي في السير (٣/ ٢١٦)، وابن قتيبة في المعارف (٣٥٢)، وابن عساكر في تاريخه، وقال ابن الأثير: \"يريد لما نزل معاوية بن يزيد عن الخلافة، واختصم عليها مروان بن الحكم، والضحاك بن قيس الفهري، وعبد اللَّه بن الزبير\".\n(^٢) وهذا أسلوب من أساليب الخوارج والمنحرفين وهو اكتساب الشرعية من علماء الأمة الذين لهم لسان صدق فيها، أن يحاولوا توريطهم، بأن يجروهم إليهم أو يأخذوا على أقل تقدير بفتوى تؤيدهم، فيطيرون بها لتكثير سوادهم، وهم أشد حرصا على مثل هذا التأييد إما بالفعل وإما بالقول، وقد يلاقون من بعض عوام علماء أهل السنة، أو ممن أصابتهم غفلة الصالحين، أو من غرروا به بقلب الحقائق وتقليب الواقع، شيئا من مرادهم، فيقع بذلك شر عظيم، والخبير بمجريات الفتن في العصر الحديث في عدة بلدان إسلامية يرى من ذلك العجب، لكن الأعجب هو مثل هذه الآثار التي يجب التفقه فيها والتأمل في معانيها كيف تعامل السلف مع =","vol":"2","page":1021},{"text":"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فقيه أهل الكوفة وقاضيها، فبيّن له أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بإشهار السيف على الخليفة، ثم علّل ذلك بأن القتل ضرار، وأن من عجز عن الأمر والنهي فهو معذور وعاذلوه أشرار، وهكذا بلدِيُّه وعصرِيُّه الأعمش طلب منه الخروج، فأجاب بقاعدة عامة هامة بأنه لا يعرف أحدا يجعل عرضه دونه، فكيف يجعل دمه دونه، وقبلهما ابن عمر -﵁- لما طلب منه يزيد المبايعة بعد معاوية -﵁- وكان قد حصل نزاع عليها، أبي خشية أن لا يجتمع عليه المسلمون، وقال قولة عظيمة: ما يسرّني أن العرب دانت لي سبعين عاما، وأنه قتل في سيي رجل واحد، وهكذا كان السلف حريصين على حقن الدماء، ويتخذون في ذلك كل الوسائل، ويسدون عنه كل المنافذ، وقد ذكر هذا الأمر غير واحد من العلماء عند كلامهم على الأحاديث التي تنهى عن الخروج ونكث البيعة، قال ابن بطال: \"في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة\n_________\n= هؤلاء الأغمار، ولكل قوم وارث فانظر من ترث، ولا يغرنّك أن بعضهم قد يكون على السنة في غير هذه المسألة؛ فإن الذين دخلوا على الإمام أحمد يستشيرونه في أمر الخروج كانوا من فقهاء بغداد، ولما خرجوا من عنده قال بعضهم لابنه: \"امض معنا إلى منزل فلان، رجل سمَّوْه، حتى نوعده لأمر نريده، فقال الإمام لابنه: \"لا تذهب، واعتل عليهم، فإني لا آمن أن يغمسوك معهم، فيكون لأبي عبد اللَّه في ذلك ذكر\" انظر ذكر محنة الإمام أحمد (٧٠ - ٧٢)، وقد سبق في الباب الأول مطلب في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة.","vol":"2","page":1022},{"text":"السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها\" (^١)، وقال ابن حجر: \"في الحديث وعيد شديد في نكث البيعة، والخروج على الإمام، لما في ذلك من تفرق الكلمة، ولما في الوفاء من تحصين الفروج، والأموال، وحقن الدماء\" (^٢)، ولهذا: \"مدح الحسن، وأثني عليه بما أصلح اللَّه به بين الطائفتين، حين ترك القتال، وقد بويع له، واختار الأصلح، وحقن الدماء، مع نزوله عن الأمر، فلو كان القتال مأمورا به لم يمدح الحسن، ويثنى عليه بترك ما أمر اللَّه به، وفعل ما نهى اللَّه عنه\" (^٣)، وقال القرطبي: \"كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلم الأمر إلى معاوية\" (^٤)، وقال ابن حجر: \"ترك الملك لا لقِلَّة، ولا لذِلَّة، ولا لعِلَّة، بل لرغبته فيما عند اللَّه، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة\" (^٥)، وقال شيخ الإسلام: \"الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور. . . ما أمر به النبي -ﷺ- من\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٧).\n(^٢) المصدر السابق (١٣/ ٢٠٣)، وانظر عمدة القاري (١٤/ ٢٢١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥١٣).\n(^٤) تفسير القرطبي (٤/ ٧٧).\n(^٥) فتح الباري (١٣/ ٦٦).","vol":"2","page":1023},{"text":"الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم، والخروج عليهم، هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدا، أو مخطئا، لم يحصل بفعله صلاح بل فساد، ولهذا أثنى النبي -ﷺ- على الحسن. . . ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نزع يد من طاعة، ولا مفارقة للجماعة، وأحاديث النبي -ﷺ- الثابتة في الصحيح كلها تدل على هذا. . . وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه، التي أثنى بها عليه النبي -ﷺ-، ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي -ﷺ- على أحد بترك واجب أو مستحب\" (^١).\nومن درر كلام الإمام أحمد في هذا جوابه لمن أراد الخروج على السلطان بقوله: \"سبحان اللَّه! الدماء الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة، يسفك فيها الدماء، ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه يعني أيام الفتنة؟ قلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد اللَّه؟ قال: وإن كان؛ فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك خير لك، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال: الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به\" (^٢).\n_________\n(^١) منهاج السنة (٤/ ٥٣٠).\n(^٢) السنة للخلال (١/ ١٣٢).","vol":"2","page":1024},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>المطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة</span>.\n\n٩١٣ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل قال: \"قيل لأسامية بن زيد (^١): ألا تركب إلى هذا الرجل فتأمره وتنهاه؟ -يعنون عثمان بن عفان -﵁-، فقال: لا أفتح بابا أكون أول من فتحه. . . \" (^٢).\n\n٩١٤ - حدثني علي بن الحسن، عن مطرف أبي مصعب قال: سمعت عبد العزيز بن الماجشون قال: قال أبو حازم لبعض أولئك الأمراء: \"واللَّه لولا تبعة لساني، لأشفيت منكم اليوم صدري\" (^٣).\n\n٩١٥ - أخبرني محمد بن أبي معشر قال: حدثنا أبو معشر، عن أبي كثير مولى لآل الزبير قال: \"جاء كتاب من معاوية إلى مروان وهو على المدينة: إن سيّد المسلمين وشبه أمير المؤمنين يزيد بن أمير المؤمنين، وإنا قد بايعنا له، قال: فمسح مروان إحدى يديه على الأخرى، فقال له عبد الرحمن\n_________\n(^١) هو أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الأمير، أبو محمد وأبو زيد، الحِبُّ ابن الحب، صحابي مشهور، مات سنة (٥٤ هـ) وهو ابن خمس وسبعين بالمدينة، الإصابة (١/ ٤٩)، التقريب (٣١٦).\n(^٢) إسناده حسن؛ عاصم صدوق له أوهام وقد سبق (٩١٢)، صفة النار (١٤٤) رقم (٢٣٠)، والأثر والحديث الذي معه في صحيح البخاري (١٣/ ٤٩ فتح) رقم (٧٠٩٨)، ومسلم (٤/ ٢٢٩٠) رقم (٢٩٨٩).\n(^٣) إسناده صحيح.","vol":"2","page":1025},{"text":"ابن أبي بكر الصدّيق: يا مروان إنما هي هرقلية؛ كلما مات هرقل كان هرقل مكانه، ما لأبي بكر لم يستخلفني، وما لعمر لم يستخلف عبد اللَّه؟ فقال له مروان: أنت الذي أنزل اللَّه فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ. . .﴾ (^١) الآية، قال: فقام عبد الرحمن حتى دخل على عائشة فأخبرها، فضربت بستر على الباب، فقالت: يا ابن الزرقاء أعلينا تأوّل القرآن؟ لولا أني أرى الناس كأنهم أيدٍ يرتعشون لقلت قولا يخرج من أقطارها، فقال مروان: ما يومنا منك بواحد\" (^٢).\n\n٩١٦ - حدثني سلمة بن شبيب قال حدثنا سهل بن عاصم قال: قال صالح المري: كان يقال: \"المتورع في الفتن كعبادة النبيّين في الرخاء\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان الخوف والحذر الشديدين من فتح باب الخروج على الحكام، والتسبب في ذلك ولو بأدنى سبب، كالطعن فيهم\n_________\n(^١) سورة الأحقاف، من الآية (١٧).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه أبو معشر ضعيف وهو نجيح المدني التقريب (٧١٥٠)، والأثر صحيح، الإشراف (٢١٨ - ٢١٩) رقم (٢٥٠)، وأصل القصة في صحيح البخاري (١٦٦ - ١٦٧) واعتنى الحافظ في الفتح (٥٧٧١٨) بطرقها وتخريجها وذكر ألفاظها، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٨٩)، وابن الأثير في الكامل (٣/ ٣٥١)، وابن الجوزي في المنتظم (٥/ ٢٩٩)، وذكره القرطبي في التفسير (١٦/ ١٩٧).\n(^٣) إسناده حسن إلى صالح؛ فيه سهل بن عاصم ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٩٣)، وقال فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٠٢): \"شيخ\"، كتاب الورع (٥١) رقم (٣١).","vol":"2","page":1026},{"text":"وذكر شيء من منكراتهم على العامة، حيث إن كل الآثار السابقة تفيد أن السلف رغم ما يحملون على بعض الحكام في نفوسهم من أشياء، أو ينكرون عليهم من أمور؛ فإنهم كهانوا لا يجاهرون بذلك أمام عامة الناس خوفا من فتح باب الفتنة والخروج، كما قال أسامة بن زيد وعائشة وأبو حازم، جميعهم خافوا من تبعة لسانهم وتأثيره على عامة الناس، فتورعوا من ذكر ما في نفوسهم خشية وقوع الفتن، ولهذا ورد في آخر أثر عن صالح المري انتشار مقولة: \"تورع في الفتن كعبادة النبيين في الرخاء\"، قال -ابن حجر معلقا- على أثر أسامة بن زيد: \"لا أفتح بابا أكون أول من فتحه\": \"يعني لا أكلمه إلا مع مراعاة المصلحة بكلام لا يهيج به\" (^١)، وقال النووي: \"يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، كما جرى لقتلة عثمان -﵁-، وفيه الأدب مع الأمراء، واللطف بهم، ووعظهم سرا، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا عنه، وهذا كله إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن الوعظ سرا والإنكار فليفعله علانية؛ لئلا يضيع أصل الحق\" (^٢)، بل إن نفس الكلمة التي قالها أسامة بن زيد قالها عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: \"لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالقدوم إلى المدينة، اجتمع الناس فقالوا: أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إن له عليَّ حقَّ الطاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٧٥)، وانظر (١٣/ ٥٢).\n(^٢) شرح مسلم (١٨/ ١١٨)، وكلامه الأخير فيه نظر وليس على إطلاقه.\n(^٣) الإصابة (٤/ ٢٣٥).","vol":"2","page":1027},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>المطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج</span>.\n\n٩١٧ - حدثني الحسن بن علي البزاز قال: حدثنا أبو عمر بن النحاس، عن ضمرة، عن ابن شوذب قال: \"كان الحسن إذا نظر إلى الغوغاء قال: هؤلاء قتلة الأنبياء\" (^١).\n\n٩١٨ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثنا الحجاج بن محمد الخولاني قال: حدثنا توبة بن النعمان اليزني، ومهدي بن الوليد بن عامر كلاهما عن الليد بن عامر اليزني، عن بريد بن حمير، عن عمير بن سعد (^٢) صاحب النبي -ﷺ- قال: كان يقول (^٣): \"ليذهبن خياركم، حتى لا يبقى في مجالسكم إلا الأغمار الأحداث، الذين لا عقول لهم ولا رأي، يغلبونكم على أموركم\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان الأثر الخطير للغوغاء من الناس على\n_________\n(^١) فيه شيخ المصنف لم أعرفه إلا أن يكون الهذلي الخلال كما استظهره محقق الإشراف وهو ثقة حافظ له تصانيف التقريب (١٢٧٢)، الإشراف (٣٢٤) رقم (٤٧٥)، وبحشل في تاريخ واسط (١/ ٨٩) رقم (٣٥٩)، وذكره الخطابي في العزلة (٧٩)، ويروى عن غيره انظر الحلية (٩/ ٢٤٠).\n(^٢) هو عمير بن سعد الأنصاري الأوسي، صحابي كان عمر يسميه نَسِيج وَحْدِه، الإصابة (٤/ ٧١٨)، التقريب (٥١٨١).\n(^٣) ذكر المحقق أنها كذلك في المخطوط.\n(^٤) العقوبات (٢٢٣ - ٢٢٤) رقم (٣٥٤).","vol":"2","page":1028},{"text":"مجريات أمور الحياة، واستقرار الدولة، فإنهم هم قتلة الأنبياء كما قال الحسن، وإذا كانوا هم أصحاب المجالس غلبوا خيار الأمة على أمورها، ولهذا حرص السلف على تسكين الدهماء وعدم إثارتهم، قال ابن عبد البر: \"أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، على حسب طاقته؛ من قول وعمل، على ما تقدم شرطنا، ما لم يكن انطلاق الدهماء وإراقة الدماء\" (^١)، وقال ابن القيم عند شرحه كلام علي بن أبي طالب -﵁- عند كلامه على أقسام الناس فذكر ثلاثة أقسام الثالث منها: \"همجٌ رعاعٌ، أتباع كل ناعق\": أي من صاحَ بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال؛ فإنهم لا علم لهم بالذي يُدْعَوْن إليه، أحقٌّ هو أم باطل، فهم مستجيبون لدعوته، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان؛ فإنهم الأكثرون عددا، الأقَلُّون عند اللَّه قدرا، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد، ويشب ضرامها، فإنها يهتز لها أولو الدين، ويتولاها الهمج الرعاع\" (^٢)، ومن هنا تعيّن الحذر من العوام وعدم الانسياق وراء حماساتهم، والانزلاق وراء معاناتهم، فضلا عن تهييجهم والمشاركة في توجيههم نحو الفتن، ومن الأمثلة الحكيمة في هذا قولهم: يجمعهم طبل، وتفرقهم عصى (^٣).\n_________\n(^١) الاستذكار (٥/ ١٧).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٤١٣).\n(^٣) هداية الحيارى (١/ ١٣٢).","vol":"2","page":1029},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف</span>.\n\n٩١٩ - كتب إليّ أبو سعيد، حدثنا القاسم بن محمد بن علي الكندي، عن حميد بن عبد الرحمن قال: \"جاء عيسى بن زيد بن علي (^١) إلى الحيّ إلى منزلهم فاجتمع إليه أبي، وحسن بن صالح، وجعفر الأحمر (^٢)، فذكروا الخروج، فقال عيسى: \"إن الخروج لا يستقيم إلا باجتماع، والاجتماع لا تضبطه، والسلطان قد ضبط أمر الناس، وإن نحن خرجنا شُغل بنا وشغلنا به، فقتل امرؤ ونحن سبب في قتله، وانتهب مال امرئ ونحن سبب انتهابه، لن نفرغ ولم يفرغ السلطان للنظر في أمره، هذا خلق ليس يجتمعون على كتاب ولا سنّة تفرّقوا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر حميد بن عبد الرحمن بيان مآل الخروج، وهو أنه لا يحقق شيئا سوى أنه لن يزيد الأمة إلا فرقة وتمزُّقا، فالسلطان قد اجتمع الناس عليه، وضبط أمورهم ودانوا له بالطاعة، ولو كان فيه تقصير وظلم\n_________\n(^١) لم أجد له ترجمة، وله ذكر في خروج حسن بن صالح على المهدي، واختفائهما معا بالكوفة، وهو زوج ابنته، الطبقات الكبرى (٦/ ٣٧٥).\n(^٢) هو جعفر بن زياد الأحمر الكوفي، صدوق يتشيع، مات سنة (١٦٧ هـ)، التقريب (٩٤٠).\n(^٣) فيه القاسم بن محمد بن علي الكندي لم أعرفه، الإشراف (٢٧٩ - ٢٨٠) رقم (٣٧٥)، انظر مقاتل الطالبيين (٤٠٥).","vol":"2","page":1030},{"text":"وجور، لكن الخارج عليه، لم يضبط الناس كضبط السلطان لهم ولو كان ظاهر أمره منضبطا في بداية الأمر، لكنه سرعان ما يتلاشى ذلك وتصير الأمور إلى الفوضى، لا سيما إذا كان أصحابها مشبوهين أصلا، ومن هنا قال الإمام أحمد ﵀: \"هذا عليٌّ ﵀ لم يضبط الناس، فكيف اليوم والناس على هذا الحال ونحوه، والسيف لا يعجبني أيضًا\" (^١)، وقد علق شيخ الإسلام ابن تيمية على قيام الحسين بن علي ﵄ بقوله: \"لم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط أسول اللَّه -ﷺ-، حتى قتلوه مظلوما شهيدا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده؛ فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سببا لشر عظيم، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن\" (^٢)، وبيّن القاعدة الاستقرائية العامة في مآل الخروج فقال: \"من استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين، تبيَّن له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله، لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه، ولهذا كانت من باب المنهي عنه، والإمساك عنها من المأمور به\" (^٣).\n_________\n(^١) السنة للخلال (١/ ١٤١).\n(^٢) منهاج السنة (٤/ ٥٢٩ - ٥٣٢).\n(^٣) منهاج السنة (٤/ ٤١٠).","vol":"2","page":1031},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج</span>.\n\n٩٢٠ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا المعلى بن زياد (^١) قال: \"لما ولي يزيد بن المهلّب خشيت أن أوخذ فأُجعل عريفا، فأتيت الحسن في أهله وخادم له يقال له برزة: يناوله ثيابه، فقلت: يا أبا سعيد: كيف بهذه الآية في كتاب اللَّه ﷿؟ قال: أية آية؟ قال: قلت: قول اللَّه ﷿: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ (^٢)، يا أبا سعيد فسخط اللَّه على هؤلاء بقولهم السحت وأكلهم السحت، وذمّ هؤلاء حيث لم ينهوا، فقال الحسن: يا عبد اللَّه إن القوم عرضوا على السيف، فحال السيف دون الكلام، قلت: يا أبا سعيد هل تعرف لمتكلّم فضلا؟ قال: ما أعرفه، ثم حدثنا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ألا لا يمنعنّ أحدكم هيبة الناس أن يقول بحقّ إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرّب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقال بحقّ أو يذكّر بعظيم\" (^٣)، ثم حدثنا حديثا آخر فقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ليس لمؤمن أن يذلّ نفسه\"، قيل:\n_________\n(^١) انظر التخريج الآتي.\n(^٢) سورة المائدة، آية (٦٢).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند، انظر مسند الإمام أحمد برقم (١١٠١٧) ثم (١١٤٧٤)، وقد صححه المحققون دون قوله: \"فإنه. . . . \".","vol":"2","page":1032},{"text":"يا رسول اللَّه وما إذلال نفسه؟ قال: \"يتعرّض من البلاء ما لا يطيق\" (^١)، قال: فقلت: يا أبا سعيد، فيزيد الضبّي حيث قام فتكلّم؟ فقال الحسن: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته؟، قال المعلى بن زياد: فأقوم من عند الحسن فإلى يزيد الضبّي من وجهي ذاك، فدخلت عليه فقلت: يا أبا مودود قد كنت عند الحسن آنفا فذكرتك له، فنصبتك له نصبا، قال: مه يا أبا الحسن، قال: قلت: قد فعلتُ، قال: فما قال الحسن؟ قلت: قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته تلك، قال يزيد: ما ندمت عليها وأيم اللَّه، لقد قمت مقاما أخطر على نفسي، ثم قال يزيد: أتيت الحسن ثلاث مرات فقلت: يا أبا سعيد غُلبنا على كل شيء، وعلى صلاتنا نغلب؟ قال جعفر: يعني فتنة الحجاج، قال: يقول الحسن: يا عبد اللَّه إنك لم تصنع شيئا، إنما تعرّض نفسك لهم، قال: فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب فقلت: الصلاة يرحمك اللَّه، قال: فجاءتني الزبانية فسعوا إليّ من كل جاليب فأخذوا تلبيي وأخذوا بلحيتي ويدي وكل شيء، وجعلوا يضربوني بنعال نفوسهم، قال: وسكت الحكم بن أيوب، وكدت أن أقتل دونه، قال: فمشوا بي إليه حتى إذا بلغوا باب المقصورة فتح، فأدخلت عليه، فقال: أمجنون أنت؟ فقلت: أصلحك اللَّه، ما بي من جنون، قال: أو ما كنا في صلاة؟ قلت: أصلحك اللَّه، هل كتاب أفضل من كتاب اللَّه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن رجلا نشر مصحفه\n_________\n(^١) انظر السلسلة الصحيحة رقم (٦١٣).","vol":"2","page":1033},{"text":"فقرأه غدوة حتى يمسي ولا يصلي فيما بين ذلك، كان ذلك قاضيا عنه صلاته؟ قال: فقال الحكم: واللَّه إني لأحسبنك مجنونا، قال: وأنس بن مالك جالس قريب من المنبر على وجهه خرقة خضراء، قال: قلت: يا أنس يا أبا حمزة أذكرك اللَّه؛ فإنك قد صحبت رسول اللَّه -ﷺ- وخدمته: الحقَّ قلت أم الباطل؟ قال: فلا واللَّه ما أجابني بكلمة، قال: يقول الحكم: يا أنس، قال: لبيك أصلحك اللَّه، قال: وقد كان فات ميقات الصلاة؟، قال: يقول أنس: قد كان بقي من الشمس بقيّة، قال: احبساه، قال: فحبست فذهب بي إلى الشمس، قال: فشهدوا أني مجنون، قال جعفر: إنما نجا من القتل بذلك، فكتب الحكم إلى الحجاج: أصلح الأمير، إن رجلا من بني ضبّة قام فتكلّم في الصلاة، قد قامت البيّنة العدول عندي أنه مجنون، قال: فكتب إليه الحجاج: إن كانت قامت البيّنة العدول عندك أنه مجنون فخلِّ سبيله، وإلا فاقطع يديه ورجليه ولسانه، قال جعفر: وأحسبه: واسمر عينيه. . . \" (^١).\n_________\n(^١) إسناده حسن، المعلى بن زياد هو القردوسي صدوق قليل الحديث زاهد التقريب (٦٨٥٢)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٧٩ - ٨١) رقم (٣٥)، وبقية القصة تفيد تعرضه للبلاء مرة أخرى وصدق فراسة الحسن فيه، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٥٣٦) رقم (١٤١١)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧٢): \"رجاله رجال الصحيح\"، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٧٦) رقم (١٠٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٥/ ٦).","vol":"2","page":1034},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر المعلى بن زياد بيان خطورة القيام على حكام الجور، وعدم جدواه، وأن غاية المرء منه أن يعرض نفسه للبلاء الذي قد لا يصبر عليه، وقد ذكر شيخ الإسلام أن ذلك من حكمة الشرع في النهي عن الخروج فقال: \"إذا قال القائل: إن عليا والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز؛ لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس، بلا حصول المصلحة المطلوبة، قيل له: وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع -ﷺ- في النهي عن الخروج على الأمراء\" (^١)، وذكر ابن القيم أن النهي عن الخروج: \"سدا لذريعة الفساد العظيم، والشر الكبير بقتالهم، كما هو الواقع؛ فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في تلك الشرور إلى الآن\" (^٢)، ولهذا ذكر حنبل أن الذين نهاهم الإمام أحمد عن الخروج: \"لم يُحْمَدوا، ولم ينالوا ما أرادوا، اختفوا من السلطان وهربوا، وأُخذ بعضهم فحبس، ومات في الحبس\" (^٣)، وقال شيخ الإسلام: \"الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته\" (^٤).\n_________\n(^١) منهاج السنة (٤/ ٥٣٦).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٣٦٩)، وانظر إعلام الموقعين (٣/ ١٥٩).\n(^٣) ذكر محنة الإمام أحمد (٧٠ - ٧٢).\n(^٤) منهاج السنة (٣/ ٣٩١).","vol":"2","page":1035},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>المطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج</span>.\n\n٩٢١ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن أبي يزيد الرقي قال: قلت للفضيل بن عياض: \"أرأيت إن رأيت شرطيا أو مسلحا أو سلطانا يظلم، أنهاه؟ قال: إن قدرت فافعل، قلت: أما الكلام. . . (^١)، ولكن أخاف العاقبة، قال: إن قدرت على أن تدفع عن نفسك فتكلّم، من غير أن تدخل على أحد من المسلمين ضررا، ولا آمرك أن تتكلّم وتدخل على أهلك وجيرانك ومن يعرفك الخوف، وعسى أن يكون من جيرانك من ليست له (كذا) إلا من عمل يديه، فتدخل عليه الخوف فتضيع عياله، ولعل كلامك لا يكون منفعة للمسلمين، تلقي كلمة ثم تلقى بيدك فتوضع في عنقك فيصنع بك ما تقدم عليه\" (^٢).\n\n٩٢٢ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن أبي زيد الرقي قال: قال الفضيل بن عياض: \"إنما تأمر من يقبل منك، أرأيت إن لقيت سلطانا أكنت تقول له اتق اللَّه؟ لو قلت هذا لهلكت أهل بيتك ونفسك وجيرانك، ولكن احفظ نفسك وأَخف مكانك\" (^٣).\n_________\n(^١) فراغ، وعلق المحقق بأنها كلمة غير واضحة بالأصل، قلت: ولعلها: فأقدر عليه.\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف والرقي وهو الفيض بن إسحاق سبقا (١٥٤) (٢٠٤)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٣٣) رقم (١٠١).\n(^٣) إسناده حسن، شيخ المصنف سبق (١٥٤)، الأمر بالمعروف والنهي عن =","vol":"2","page":1036},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان خوف السلف من العواقب السيئة المترتبة على إظهار الإنكار على السلطان ونحوه، قال ابن رجب: \"متى خاف على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى، سقط أمرهم وفيهم، وقد نص الأئمة على ذلك، منهم: مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم. . . فإن خاف السب، أو سماع الكلام السيِّء، لم يسقط عنه الإنكار بذلك\" (^١)، قال الطبري: \"اختلف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة: يجب مطلقا. . .، وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به، من قتل ونحوه، وقال آخرون: ينكر بقلبه. . . والصواب اعتبار الشرط المذكور\" (^٢)، هذا في خاصة نفسه، وفي اعتبار شرط عدم أذية غيره قال ابن رجب: \"إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله، أو جيرانه، لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره\" (^٣)، وقال شيخ الإسلام: \"يفرَّق بين\n_________\n= المنكر (٩٤) رقم (٥٠)، وذكر السيوطي في الدر (٢/ ٥٩٢) قولا لعبد اللَّه بن عبد العزيز العمري أنه يقول ذلك معذرة إلى اللَّه ولو لم يقبل منه.\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٣).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ٥٣).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٣)، وانظر تفسير القرطبي (٤/ ٤٩).","vol":"2","page":1037},{"text":"ما يفعل في الإنسان ويأمر به ويبيحه، وبين ما يسكت عن نهي غيره عنه وتحريمه عليه، فإذا كان من المحرمات ما لو في عنه حصل ما هو أشد تحريما لم ينه عنه، ولم يبحه أيضا، ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف؛ لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات، وترك واجب أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب\" (^١)، وقال: \"قتال اللصوص ليس قتال فتنة؛ إذ الناس كلهم أعوان على ذلك، فليس فيه ضرر عام على غير الظالم، بخلاف قتال ولاة الأمور؛ فإن فيه فتنة وشرا عاما أعظم من ظلمهم، فالمشروع فيه الصبر\" (^٢)، وبيّن وجه ذلك فقال: \"فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح، لم يكن مشروعا، وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يدفع أدنى الفسادين بأعلاهما بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٧٢).\n(^٢) الاستقامة (١/ ٣٦).\n(^٣) الاستقامة (١/ ٣٣٠).","vol":"2","page":1038},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج</span>.\n\n٩٢٣ - حدثنا علي بن الحسن، عن محمد بن إسحاق الموصلي قال: \"وعظ سيار أبو تراب أميرا كان بالمدينة فحُبِس، فلما كان وقت الحج بعث إلى خالصة فكلمت له الوالي فخرج، فبلغ الخبران كلاهما الفضيل بن عياض قبل أن يجيء سيار، فلما قدم من مكة جاء الفضيل فلما رآه من قريب قال: هيه، وما عليك لو فاتك الحج، أما بلغك ما لقي يوسف ﵇ حين استشفع بغيره، قال: فصاح سيّار ثم انقلب، قال: وأصحاب الحديث عند الفضيل، فجعلوا يلحظونه بأبصارهم، قال الفضيل: أي شيء تنظرون إليه؟ فواللَّه لو خرجت نفسه لما عجبت منه\" (^١).\n\n٩٢٤ - حدثني علي بن الحسن، عن الفيض بن إسحاق قال: سألت فضيل بن عياض عن الأمر والنهي قال: \"ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرّع واستكانة، ودعاء لجميع أمة محمد -ﷺ-، لو أوثقك في رجلك في هذه -وأشار إلى أسفل الركبة- جزعت ولم تصبر، ولو ابتليت لكفرت، قد ابتُلي قوم فكفروا من الشدّة\" (^٢).\n_________\n(^١) فيه محمد بن إسحاق مذكور بطلب الحديث، وحضور المجالس والرحلة، ولم أجد له ترجمة، انظر لسان الميزان (٢/ ٢٢٢)، وتاريخ بغداد (٧/ ٣٧١)، وتاريخ دمشق (٤٣/ ٢٠٦)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٣٥) رقم (١٠٤).\n(^٢) إسناده حسن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٣٤) رقم (١٠٢)، وينظر =","vol":"2","page":1039},{"text":"٩٢٥ - حدثني علي بن الحسن، عن أبي يزيد الرقي، عن فضيل بن عياض: \"أنه سئل عن الأمر والنهي فلم يأمر بذلك، ثم قال: إن صبرت كما صبر الإسرائيلي فنعم، قيل: فكيف كما صبر الإسرائيلي؟ قال: كان ثلاثة نفر اجتمعوا فقالوا: إن هذا الرجل يفعل ويفعل -يعنون ملكهم- فقالوا: فيأتيه واحد منا فيخلو به في السر فيأمره وينهاه، فذهب واحد منهم فدخل عليه فأمره وفاه، فقال: لا أراك هاهنا، فأمر به فحبس، فبلغ الخبر الآخرين، فقالا: الآن وجب، فجاءه واحد منهما فقال: يا هذا جاءك رجل يأمرك وينهاك فأمرت به فحبس، فقال: ألا أراك صاحبه، أما إني لا أفعل بك ما فعلت به، فأمر به فضرب حتى مات، فجاء الخبر إلى الثالث، فقال: الآن وجبت، فأتاه فقال: يا هذا جاءك رجل فأمرك ونهاك فحبسته، وجاءك الآخر فضربته حتى قتلته، فقال: ألا أراك صاحبه، أما إني لا أصنع بك ما صنعت به، فأمر به فضرب وتدا في أذنه في الشمس، فحرّ الشمس من فوقه ومن تحته، وأرادوه على أن يتكلّم بشيء -أي شبه الاعتذار- إلى الملك فأبى، قال أبو القاسم -رجل من أصحاب الفضيل-: وأحدكم لو انتهر قال: جعلني اللَّه فداك\" (^١).\n_________\n= (١٠٣) من نفس الكتاب، وابن حبان في الثقات (٨/ ٣٧٨)، وفيه: \"عليكم بالقرآن عليكم بالعبادة عليكم بالطواف. . . \".\n(^١) إسناده حسن، أبو يزيد الرقى هو الفيض بن إسحاق سبق (٢٠٤)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٩٢) رقم (٤٧).","vol":"2","page":1040},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان خوف السلف من الانتكاس لمن تعرض لعقوبة السلطان بسبب قيامه عليه، وذلك أن سيف السلطان مشهور كما قال الإمام أحمد لمن سأله عن أمره ونهيه (^١)، ولذلك تعيّن اتخاذ الوسائل التي يؤدّي فيها المسلم ما وجب عليه من الأمر والنهي دون تعريض نفسه إلى ما لا يطيق من البلاء، قال ابن عبد البر: \"لا يلزم التغيير إلا من القوة والعزة والمنعة، وأنه لا يستحق العقوبة إلا من هذه حاله، وأما من ضعف عن ذلك فالفرض عليه التغيير بقلبه والإنكار والكراهة\" (^٢)، وقال القاضي عياض: \"إن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه؛ من قتله، أو قتل غيره بسببه كفَّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غَيَّر بقلبه وكان في سعة. . . هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قُتِل، ونِيل منه كل أذى\" (^٣).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٣).\n(^٢) الاستذكار (٨/ ٥٨٤).\n(^٣) شرح مسلم للنووي (٢/ ٢٥).","vol":"2","page":1041},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>المطلب الثامن: الآثار الواردة في ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع</span>.\n\n٩٢٦ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا موسى بن أيوب البجلي قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: قال حذيفة بن اليمان: \"ما استخفّ قوم بحق اللَّه ﷿، إلا بعث اللَّه ﷿ عليهم من يستخفّ بحقّهم\" (^١).\n\n٩٢٧ - حدثني محمد بن الحارث الخرّاز قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: \"إن اللَّه ﷿ إذا غضب على قوم سلّط عليهم صبيانهم\" (^٢).\n\n٩٢٨ - أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: سمعت رجلا من أهل أصبهان يحدث عن عبد الرحمن بن مهدي قال: \"كتب أخو محمد بن يوسف إليه يشكو إليه جَوْر العمال، فكتب إليه (^٣): يا أخي بلغني كتابك تذكر ما أنتم فيه، وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة، وما أرى ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، العقوبات (١٧٦) رقم (٢٦٣).\n(^٢) سبق (٤٢٨) في صفة الغضب.\n(^٣) لعله محمد بن يوسف مولى عمرو بن عثمان، ثقة من أهل المدينة، سؤالات البرقاني فقرة (٤٦٦).\n(^٤) إسناده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مهدي، العقوبات (٥٨) رقم (٦٩)، وأبو =","vol":"2","page":1042},{"text":"٩٢٩ - حدثني أزهر بن مروان قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يقول: \"إن الفتنة واللَّه ما هي إلا عقوبة من اللَّه ﷿ تحل بالناس\" (^١).\n\n٩٣٠ - حدثني علي بن الحسن، عن الفيض بن إسحاق قال: سألت فضيل بن عياض عن الأمر والنهي قال: \"ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرّع واستكانة، ودعاء لجميع أمة محمد -ﷺ-، لو أوثقك في رجلك في هذه -وأشار إلى أسفل الركبة- جزعت ولم تصبر، ولو ابتليت لكفرت، قد ابتُلي قوم فكفروا من الشدّة\" (^٢).\n\n٩٣١ - أخبرني علي بن مسلم قال: أخبرنا سيار قال: أخبرنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: سمعت الحسن يقول: \"إن الحجاج عقوبةٌ من اللَّه ﷿ لم تكُ، فلا تستقبلوا عقوبة اللَّه بالسيف، ولكن استقبلوها بتوبة وتضرّع واستكانة، وتوبوا تكفوه\" (^٣).\n_________\n= نعيم في الحلية (٨/ ٢٣٦)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٢٤)، كلاهما جعل شيخ المصنف هو أحمد بن الحسين وهو الحذاء عن أحمد بن إبراهيم العبدي، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٨١).\n(^١) إسناده لين؛ لأن في رواية هشام عن الحسن مقال وهو ثقة التقريب (٧٣٣٩)، لكن يشهد له ما بعده وهذا كلام مشهور عن الحسن ﵀، العقوبات (٣٤) رقم (٢٥).\n(^٢) سبق (٧٩١) في المطلب الذي قبله.\n(^٣) إسناده حسن، سيار هو ابن حاتم العنزي صدوق له أوهام التقريب (٢٧٢٩)، وله طرق أخرى كثيرة، العقوبات (٥٠) رقم (٥٢)، واللطيف أن كون الحجاج =","vol":"2","page":1043},{"text":"٩٣٢ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن الحسن قال: \"دعونا اللَّه منذ سبعين سنة أن يولّي أمرنا خيارنا، فإن كان استجاب لنا فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإن كان لم يستجب لنا فإنا للَّه وإنا إليه راجعون\" (^١).\n\n٩٣٣ - حدثني أبو حاتم، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني محمد ابن كامل العبسي قال: \"أتيت عراك بن خالد (^٢) وهو جالس في مجلس ابن مرة في فتنة ابن محرز فقلت له: يا أبا الضحاك، طاب الموت، قال: يا ابن أخي لا تفعل، لساعة تعيش فيها تستغفر اللَّه خير لك من موت الدهر\" (^٣).\n_________\n= عقوبة يروى عنه نفسه أنه قاله فانظر رقمي (٥١، ٥٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٩ رقم (٣٠٧١٢)، وفي الهندية برقم (١٠٧٦١) بلفظ مخالف للمعنى الذي أراده الحسن: \"فليستقبل عقوبة بالسيف!؟ \" وهذا تحريف واضح لم ينبه عليه المحقق بل أحال على الطبقات لابن سعد وهو فيها على الصواب، وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٦٤) بسياق أطول وأتم فيه محاورة بين الحسن ومن رأى الخروج، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ١٧٧)، وذكره السيوطي في الدر (٤/ ٦١٨) ونسبه لأبي الشيخ، وذكره ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٦٠٨).\n(^١) إسناده حسن؛ ضمرة وابن شوذب سيأتي (١٠٢٧) أنهما صدوقان، الإشراف (٣٢٠) رقم (٤٦٢)، واسترجاعه في الأولى من جهة أنه إن كان أولئك خيارهم، فهو أمر عظيم، فلا خيار لهم، فما بال شرارهم.\n(^٢) هو عِرَاك بن خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح المُري، أبو الضحاك الدمشقي، ليِّن، التقريب (٤٥٤٨).\n(^٣) فيه محمد بن كامل العبسي لم أجد له ترجمة، العمر والشيب (٥٧) رقم (٢٧)، =","vol":"2","page":1044},{"text":"٩٣٤ - حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير قال: \"حبس الحجاج مورّقا، قال: فطلبنا فأعيانا، فلقيني مطرف فقال: ما فعلتم في صاحبكم؟ قلنا: ما صنعنا شيئا، طلبنا فأعيانا، قال: تعالى فلندع، فدعا مطرف وأمَّنَّا، فلما كان من العشيّ، أذن الحجاج للناس، فدخلوا ودخل أبو مورّق فيمن دخل، فلما رآه الحجاج قال لحرسه: اذهب مع هذا الشيخ إلى السجن، فادفع إليه ابنه\" (^١).\n\n٩٣٥ - حدثني إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن حصين، عن الشجي: \"أنه كان جالسا عند زباد فجيء برجل إلى زياد يُحمل ما يشكّ في قتله، فحرّك شفتيه بشيء ما ندري ما هو، فخلي سبيله، فقلت له: ما قلت؟ قال: قلت: اللهم رب إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ورب جبريل وميكائل وإسرافيل، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم، ادرأ عني شرّ زياد فدرئ عنه شرّه\" (^٢).\n_________\n= وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ١١٦).\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، مجابو الدعوة (١١٥) رقم (٩٠)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (١/ ٢٣٩) رقم (١٧٤)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٢١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٠٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٣٢٤).\n(^٢) إسناده صحيح، الفرج بعد الشدة (٩٧ - ٩٨) رقم (٧٢)، وابن فضيل في الدعاء (٢٣٥ - ٢٣٦) رقم (٦٤)، ومن طريقه كل من ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٢٣) رقم (٢٩١٧٨)، والطبراني في الدعاء (٣٢٥) رقم (١٠٦٥)، والتنوخي في الفرج =","vol":"2","page":1045},{"text":"٩٣٦ - حدثت عن الفضل بن يعقوب، ثنا الفريابي قال: \"لما أخذ أبو جعفر إسماعيلَ بن أمية (^١) أمر به إلى السجن، فمرّ على حائط مكتوب: يا ولِيَّ نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، وعدّتي في كربتي، فلم يزل يدعو بها حتى خلّي سبيله، فمرّ على ذلك المكان فنظر فلم يجد شيئا مكتوبا\" (^٢).\n\n٩٣٧ - حدثني عيسى بن أبي حرب الصفار والمغيرة بن محمد قالا: ثنا عبد الأعلى بن حماد، حدثني الحسن بن الفضل بن الربيع قال: حدثني عبد اللَّه بن الفضل بن الربيع قال: حدثني أبي قال: \"حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة، فقدم المدينة فقال: ابعث إلى جعفر بن محمد (^٣) من يأتيني به تعبا، قتلني اللَّه إن لم أقتله، فأمسكت عنه رجاء أن ينساه، فأغلظ بي في الثالثة، فقلت جعفر بن محمد بالباب يا أمير المؤمنين، قال: ائذن له، فقلت له، فدخل فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة اللَّه وبركاته، فقال: لا سلّم اللَّه عليك يا عدو اللَّه، تلحد في سلطاني، وتبغيني الغوائل في\n_________\n= بعد الشدة (١/ ٢٦٨) من طريق المصنف.\n(^١) هو إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ثقة ثبت، مات سنة (١٤٤ هـ) وقيل قبلها، التقريب (٤٢٥).\n(^٢) إسناده منقطع لجهالة شيخ المصنف، والأثر وصله البيهقي بسند حسن، الفرج بعد الشدة (٩٨) رقم (٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٢) رقم (١٠٨٩).\n(^٣) هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد اللَّه، المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، من سادات أهل البيت، وعباد أتباع التابعين، وعلماء أهل المدينة، مات سنة (١٤٨ هـ)، الكاشف (١/ ١٢٧)، التقريب (٩٥٠).","vol":"2","page":1046},{"text":"ملكي، قتلني اللَّه إن لم أقتلك، قال جعفر: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت أسمح من ذلك، فنكس طويلا ثم رفع رأسه وقال: إليَّ وعندي يا أبا عبد اللَّه البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك اللَّه من ذي رحم أفضل ما يجزي ذوي الأرحام عن أرحامهم، ثم تناول بيده فأجلس معه على مفرشه، ثم قال: يا غلام عليّ بالمتحفة، والمتحفة مدهن كبير فيه غاية، فأتي به فغلفه بيده حتى خلت لحيته قاطرة، ثم قال له: في حفظ اللَّه وكلاءته، يا ربيع الحَق أبا عبد اللَّه جائزته وكسوته، فانصرف فلحقته، فقلت: إني قد رأيت قبل ذلك ما لم ير، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت، وقد رأيت تحرك شفتيك فماذا قلت؟، قال: نعم إنك رجل منا أهل البيت، ولك محبّة وودّ، قلت: اللهم احرسني بعينيك التي لا تنام، وبرّك الذي لا يرام، واغفر لي بقدرتك عليّ لا أهلَكُ، وأنت رجائي، رب كم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري، وكم من بليّة ابتليتني بها قلّ عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قلّ عند بلائه صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا، ويا ذا النعم التي لا تحصى عددا، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد أبدا، وبك أدرأ في نحره وأعوذ بك من شره، اللهم أعني على ديني بالدنيا، وأعني على آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته، يا من لا","vol":"2","page":1047},{"text":"تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، ورزقا واسعا، والعافية من جميع البلاء، وشكر العافية\" (^١).\n\n٩٣٨ - نا إسحاق بن إسماعيل قال: نا أبو أسامة، عن مسعر، عن معن، عن عون بن عبد اللَّه قال: \"بينا رجل في بستان، بمصر في فتنة ابن الزبير مكتئبا، معه شيء ينكت به في الأرض، إذ رفع رأسه، فسنح له صاحب مسحاة، فقال له: يا هذا ما لي أراك مكتئبا حزينا؟ قال: فكأنه ازدراه، فقال: لا شيء، فقال صاحب المسحاة: ألِلدُّنيا؟ فإن الدنيا عَرَضٌ حاضر يأكل منها البَّرُّ والفاجر، والآخرة أَجَلٌ صادقٌ يحكم فيها ملك قادر يفصل بين الحق والباطل، حتى ذكر أن لها مفاصل كمفاصل اللحم (^٢)، من أخطأ شيئا أخطأ الحق، فلما سمع ذلك منه كأنه أعجبه، قال: فقال: لِمَا فيه المسلمون، قال: فإن اللَّه سينجِّيك بشفقتك على المسلمين، وسَل فمن ذا الذي سأل اللَّه فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه، وتوكَّلَ عليه فلم يكفه، أو وَثِقَ به فلم ينجه؟ قال: فَعَلِقتُ الدُّعَاءَ: \"اللهم سَلِّمنِي وسَلِّم مني، فَتَجَلَّت الفتنة ولم تصب منه أحد\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده فيه ابني الفضل بن الربيع لم أقف لهما على ترجمة، الفرج بعد الشدة (٩٩ - ١٠١) رقم (٧٤)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ٤١)، وكذا ابن الجوزي في المنتظم (٨/ ١٠٦)، وفي صفة الصفوة (٢/ ١٧١).\n(^٢) لعله من قولهم: أصاب المحك إذا قطعه من المفصل.\n(^٣) إسناده صحيح، ومعن هو ابن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الهذلي المسعودي =","vol":"2","page":1048},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان أسباب الفتن التي تنال الأمة، وبيان الوسيلة الشرعية لعلاجها، حيث ورد فيها أن أهم أسباب الفتن وتسلُّط حكام الجور على الأمة هو ذنوب العباد، فالاستخفاف بحق اللَّه يقابله استخفاف اللَّه بحق العباد، فيغضب عليهم ويسلط عليهم صبيانهم، وجور العمال بشؤم ذنوبهم، وحدوث الفتن، ولذلك تعين أن تقابل هذه العقوبات بالتوبة والتضرع والاستكانة، كما قاله غير واحد من السلف كالفضيل بن عياض والحسن البصري، ولأهمية موضوع الدعاء في دفع الفتن، فقد حمل همّه السلف وتوجهوا به إلى اللَّه في رفع الفتن، حتى إن الحسن ذكر أنهم دعوا للَّه منذ سبعين سنة أن يولي أمرهم خيارهم، ولما رأى الأمر لم يتغير كبير شيء تحسّر من ذلك، فإن كان استجيب لهم فهي مصيبة وأي مصيبة أن يكون أولئك الظلمة هم خيارهم، وإن لم يكن استجيب لهم فهى مصيبة أيضًا فإنهم ليسوا أهلا لذلك، وعدم استجابة الدعاء يوجب النظر في تحقق شروطه، ومن هنا كان هذا منهج السلف في الفتن فإنهم بين ناصح له وداع إليه كما نصح عراك بن خالد من قال له طاب الموت، بقوله: \"لساعة تعيش فيها تستغفر اللَّه خير لك من موت الدهر\"، وكذا مطرف لما حبس الحجاجُّ مورِّقا، وطلبوا له طرقا لإخراجه فلم يفلحوا، لم يكن منه إلا أن دعا وأمَّن أصحابه فخُلي سبيله، وهكذا من كان يظلم\n_________\n= الكوفي، ثقة، كما في التقريب (٦٨٦٧)، وانظر التهذيب (٤/ ١٢٩).","vol":"2","page":1049},{"text":"ويحبس منهم يلتجئ إلى الدعاء فيفرج اللَّه عنه، بل إنهم كانوا يعتزلون الفتن لما تموج بالناس ويتوجهوا إلى اللَّه بالتضرع والدعاء، فلا تصيبه بشيء ولا يصيب المسلمين منه شيء يكرهونه وللَّه الفضل والمنة.\nوقد نبّه العلماء على أهمية التوبة والتضرع والاستغفار في دفع العقوبات، وعلاقة ذلك بالذنوب والمعاصي قال شيخ الإسلام: \"الفتن سببها الذنوب والخطايا فعلى كل من الطائفتين أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه فإن ذلك يرفع العذاب وينزل الرحمة\" (^١)، وقال ابن القيم: \"ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد؛ في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن. . . فكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث اللَّه لكم من سلطانه عقوبة. . . ومن تأثير معاصي اللَّه في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها. . . وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطةً، الحبة بقدر نواة التمرة، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن من العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها اللَّه ﷾ بما أحدث العباد من الذنوب، فإذا أراد اللَّه أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة، ويخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث اللَّه به رسوله، وتخرج\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٤/ ٢٣٨).","vol":"2","page":1050},{"text":"الأرض بركاتها وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويكون العنقود من العنب وقر بعير، ولبن اللقحة الواحدة يكفى الفئام من الناس، وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من اللَّه تعالى التي محقتها الذنوب والكفر. . . والمقصود أن الذنوب إنما ترتب عليها العقوبات الشرعية والقدرية، أو يجمعها اللَّه لعبد، وقد يرفعها عمن تاب وأحسن. . . وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رَفَعت العقوبات القدرية أو خففتها. . . وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم والشرعية تخص؛ فإن الرب ﵎ لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية، أو تسبب إليها، وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة\" (^١).\nوقد ذكر ابن القيم بعض ورد في هذا المعنى فقال: \"ذكر عن مالك بن دينار قال: قرأت في الحكمة يقول اللَّه ﷿: أنا اللَّه مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي؛ فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم، وفي مراسيل الحسن: إذا أراد اللَّه بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم، وفيأهم عند سمحائهم، وإذا أراد بقوم شرا جعل أمرهم إلى سفهائهم، وفيئهم عند بخلائهم، وذكر الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال يونس: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من\n_________\n(^١) الجواب الكافي (١/ ٤٢ - ٤٣، ٧٧).","vol":"2","page":1051},{"text":"رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو من علامة رضائي عليكم، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو من علامة سخطي عليكم، وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: أوحى اللَّه إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني، وذكر أيضًا من حديث ابن عمر يرفعه: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث اللَّه أمراء كَذَبَة، ووزراء فجرة، وأعوانا خونة، وعرفاء ظلمة، وقرَّاء فسقة، سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيتيح اللَّه لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون فيها، والذي نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة حتى لا يقال: اللَّه اللَّه، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن اللَّه عليكم أشراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن اللَّه عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم\" (^١)، وكان من دعاء ابن حمش: \"اللهم بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفنا ولا يرحمنا\" (^٢)، وقال إسماعيل المزني في معتقد: \"الطاعة لأولي الأمر فيما كان عند اللَّه ﷿ مرضيا، واجتناب ما كان مسخطا، وترك الخروج عند تعديهم وجورهم، والتوبة إلى اللَّه ﷿ كيما يعطف بهم على رعيتهم\" (^٣).\n_________\n(^١) الجواب الكافي (٣١).\n(^٢) شعب الإيمان (٦/ ٢٣)، وانظر منهاج السنة (٤/ ٥٢٩).\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (٩٧).","vol":"2","page":1052},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>المطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام</span>.\n\n٩٣٩ - أخبرني عمر بن شبَّة قال: حدثني أيوب بن أبي محمد بن سلمة الغفاري قال: حدثني قطن بن معاوية الغلابي (^١) قال: \"كنت ممن سارع إلى إبراهيم واجتهد معه، فلما قُتل طلبني أبو جعفر فاختفيت، فقبض أموالي ودوري، ولحقت بالبادية، فجاورت في بني نضر بن معاوية، ثم في بني كلاب، ثم في بني فزارة، ثم في بني سلم، ثم انطلقت في بوادي قيس أجاور فيهم، ثم ضقت ذراعا بالاختفاء، فأزمعت على القدوم على أبي جعفر والاعتراف له، فقدمت البصرة فنزلت في طرف منها، ثم أرسلت إلى أبي عمرو بن العلاء وكان بي وادًّا، فشاورته في الذي أزمعت عليه فقَبَّل رأسي وقال: واللَّه إذًا ليقتلنّك، وإنك لتعين على نفسك، فلم ألتفت إليه، وشخصت حتى قدمت بغداد وقد بنى بها أبو جعفر مدينته ونزلها، فليس أحد من الناس يركب فيها ما خلا المهدي، فنزلت دارًا، ثم قلت لغلماني أنا ذاهب إلى أمير المؤمنين فأمهلوا ثلاثا؛ فإن جئتكم وإلا فانصرفوا، حتى دخلت المدينة فجئت دار الربيع والناس ينتظرونه، وهو حينئذ ينزل داخل المدينة في الدار الشارعة على قصر الذهب، فلم ألبث أن خرج يمشي فقام إليه الناس فقمت معهم، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام وقال: من أنت؟ قلت: قطر بن معاوية، قال: انظر ما تقول، قلت:\n_________\n(^١) لم أجد له ترجمة، ولا يعرف إلا بهذه القصة، ووقع في بعض المراجع: \"الكلابي\" بالكاف بدل الغين.","vol":"2","page":1053},{"text":"أنا هو، فأقبل على سودة معه فقال: احتفظوا هذا، قال: فلما حرست لحقتني الندامة، وذكرت رأي أبي عمرو بن العلاء، فتأسّفت عليه، ودخل الربيع فلم يطل حتى خرج خصيّ فأخذ بيدي فأدخلني قصر الذهب، ثم أتى بي بيتا حصيئا فأدخلنيه، ثم أغلق الباب عليّ وانطلق فاشتدّت ندامتي، وأيقنت بالهلاك وخلوت بنفسي ألومها، فلما كان الظهر أتاني الخصيّ بماء فتوضّأت وصلّيت، وأتاني الطعام فأخبرته أني صائم، فلما كان المغرب أتاني بماء فتوضّأت وصلّيت، وأرخى عليّ الليل سدوله يئست من الحياة، فسمعت أبواب المدينة تغلق وأقفالها تشدّد، فامتنع مني النوم فلما ذهب صدر من الليل أتاني الخصيّ، ففتح عني ومضى بي فأدخلني صحن الدار، ثم أدناني من ستر مسدول فخرج علينا خادم فأدخلنا فإذا أبو جعفر وحده وإذا الربيع قائم ناحية، فأكبّ أبو جعفر هنيهة مطرقا ثم رفع رأسه فقال: هيه؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا قطر بن معاوية، فقد واللَّه جهدت عليك جهدي، فعصيت أمرك، وواليت عدوّك، وحرصت على أن أسلبك ملكك، فإن عفوت فأهل ذلك أنت، وإن عاقبت فبأصغر ذنوبي تقتلني، قال: فسكت هنيهة ثم قال: هيه؟ فأعدت مقالتي، قال: فإن أمير المؤمنين قد عفا عنك، يا أمير المؤمنين إني امرؤ من وراء بابل لا أصل إليك، وضياعي ودوري مقبوضة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يردّها فعل، قال: فدعا بالدواة ثم أمر خادما له يكتب بإملائه: إلى عبد الملك بن أيوب النميري -وهو يومئذ بالبصرة- إن أمير المؤمنين قد رضي عن قطر بن","vol":"2","page":1054},{"text":"معاوية، ورد عليه ضياعه ودوره وجميع ما قبض له، فاعلم ذلك وأنفذه له إن شاء اللَّه، قال: ثم ختم الكتاب ودفعه إليّ، قال: فخرجت من ساعتي لا أدري أين أذهب، فإذا الحرس بالباب، فجلست جانب أحدهم أحدثه، فلم ألبث أن خرج الربيع فقال: أين الرجل الذي خرج آنفا؟ فقمت إليه فقال: انطلق أيها الرجل واللَّه سلمت، فانطلق بي إلى منزله فعشّاني وأقرشني، فلما أصبحت ودعله فأتيت غلماني وأرسلتهم يكترون لي فوجدوا صديقا لي من الدهاقين من أهل ميسان قد اكترى سفينة لنفسه، فحملني معه فقدمت على عبد الملك بن أيوب بكتاب أمير المؤمنين فأقعدني عنه فلم أقم حتى ردّ عليّ جميع ما استصفى لي\" (^١).\n\n٩٤٠ - حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين قال: \"أتيت سعيد بن جبير بمكة فقلت: إن هذا الرجل قادم -يعني خالد بن عبد اللَّه- ولم يقدم، ولا آمنه عليك فأطعني واخرج، فقال: واللَّه لقد فررت حتى استحييت من اللَّه، قال: قلت: واللَّه لأراك (^٢)\n_________\n(^١) إسناده فيه الغفاري مختلف في اسمه وهو غير واضح في المخطوط، والذي ترجح لي أنه أيوب بن عمرو الغفاري كما في مصادر التخريج، ولم أهتد إلى ترجمته اللهم إلا ما ذكره السخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢/ ٣٣٣) فإن كان هو ذاك فهو متهم، الفرج بعد الشدة (٨٦ - ٨٩) رقم (٩٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٥٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٣١٧).\n(^٢) وفي تاريخ الطبري كما سيأتي في التخريج \"أظنك واللَّه سعيدا كما سمتك أمك\" وليس فيه تصحيف -كما قد يظن- من (لا أراك سعيدا).","vol":"2","page":1055},{"text":"كما سمّتك أمك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان ندم من حمل السلاح على الحاكم المسلم، وتركه الخروج والقتال، ثم البقاء متخفيا لمدة طويلة، ثم عدم احتماله لهذا الهروب والاستمرار فيه، وبالتالي اتخاذ قرار وقف التخفي أو الاستسلام للخليفة المسلم، وفي ضمن ذلك من نصحه من العلماء بأن لا يلقي نفسه للتهلكة، ليقينه بأنه سيقتل، كما أن الخليفة المنصور كان له موقف رائع بالعفو والصفح وإرجاع الحقوق إلى أهلها، وتسليم ما صودر منه وتأمينه على ماله ونفسه، ولا شك أن هذا هو المتعيّن في أيام الفتن والخروج، أن تكف الفئة الباغية، والطائفة الخارجة، الحاملة للسلاح، والشاقة لعصا المسلمين، وترجع إلى رشدها بكف أذاها عن المسلمين، وجمع الكلمة، وتأمين الخائفين، وترك ترويع الآمنين، كما يجب على الحاكم والسلطان أن يقابل فعلهم بالترحيب، وعملهم بالقبول والتأييد، وتيسير سبل الصلح والألفة والتراحم بين العبيد، وأن لا يقابله بالحبس\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الإشراف (١٣٦) رقم (٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٧٤)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٣/ ١٤٣)، والأزدي في المتوارين (٥٧ - ٥٨)، والطبري في تاريخه (٤/ ٢٣) وفيه قصة خروجه وأماكن تخفيه مطولا، والذهبي في السير (٤/ ٣٣٧) وذكر أن اختفاءه طال حوالي ثلاث عشرة سنة، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٨٠)","vol":"2","page":1056},{"text":"والاعتقال وبالتعذيب، بله القتل والتشريد، قال شيخ الإسلام: \"الشارع أمر كل إنسان بما هو المصلحة ليه وللمسلمين، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم. . . وأمر الرعية بالطاعة والنصح. . . وأمر بالصبر على استئثارهم ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم؛ لأن الفساد الناشئ من القتال في الفتنة، أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر فلا يزال أخف الفسادين بأعظمهما\" (^١)، والمراد أن كل واحد عليه أن يقوم بما أمر اللَّه به ولا يدفعه حظ نفسه وهواها أن يجاوز حكم اللَّه، كما فعل قتلة الحسين -﵁- حين أبوا إلا أن يستأسر لهم، رغم مرضه عليهم أن يرجع إلى بيته أو يذهب إلى الثغر أو يذهبوا به إلى ابن عمة يزيد، فلم يمكنوه من كل ذلك وأبوا إلا أن يستأسر لهم، قال شيخ الإسلام: \"ومعلوم باتفاق المسلمين أن هذا لم يكن واجبا عليه، وأنه كان يجب تمكينه مما طلب، فقاتلوه ظالمين له، ولم يكن حينئذ مريدا لتفريق الجماعة، ولا طالبا للخلافة، ولا قاتل على طلب خلافة، بل قاتل دفعا عن نفسه لمن صال عليه وطلب أسره\" (^٢)، والمراد أن منهج أهل السنة والجماعة في هذا هو المنهج الوسط، وطريق العدل بجمع الكلمة وتأليف القلوب، وبهذا أفتى العلماء المعاصرون لما حدث من فتن وقلاقل في بعض البلدان الإسلامية، ومن ذلك النصيحة الذهبية لفضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ لمن حمل السلاح في الجزائر\n_________\n(^١) منهاج السنة (٤/ ٥٤١ - ٥٤٢)، وانظر (٤/ ٥٦٠).\n(^٢) منهاج السنة (٨/ ١٤٧).","vol":"2","page":1057},{"text":"بقوله: \"نصيحتي لإخواني الذين حملوا السلاح، ويحملونه الآن: أن يضعوا السِّلاح، وأن يدخلوا من هذا الباب الذي فتحته الحكومة.\nونصيحتي للحكومة ألَّا تؤذي هؤلاء الذين وضعوا السلاح، وألَّا تمسَّهم بعذاب، وألَّا تحرمهم من حقوقهم الوظيفية والاجتماعية ما داموا أهلًا لذلك، بمعنى أنَّها تعفو عن كلِّ ما سلف، وكأن شيئًا لم يكن، حتى تطيب النفوس، وتهدأ الأمور، فما من قلب من قلوب بني آدم إلَّا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُصرِّفه تعالى كيف يشاء، فلا ييأس هؤلاء المقاتِلون، والحكومة يجب أن ترحمهم، وأن تعفو عنهم ما سلف، حتى تهدأ الأمور وتستقرَّ إن شاء اللَّه\" (^١)، بل استمر ﵀ في النصح لعامة المسلمين والدعاة وتوجيههم لأمثل طريق يقضوا به على الفتن ويقطعوا دابرها، حتى لا تعاود الظهور، وتقصم الظهور، وكيف يتعاملوا مع الذي ألقوا السلاح فقال: \"بالنسبة للآخرين: أن يتلقَّوا هؤلاءِ بوجهٍ طلْقٍ وصدرٍ مُنشرِحٍ، وأن يفرحوا بهم، وأن يُكرموهم، وألَّا يروهم جفاءً أو كراهيةً أو عبوسًا في وجوههم؛ لأنَّ الحالَ بعد وضع السِّلاح ليس كالحال قبل وضع السِّلاح، وأن يتناسَوا كلَّ ما جرى.\nسادسًا: بالنسبة للدُّعاة أيضًا: يَحثُّون الناسَ على أن يتآلفوا ويتقاربوا، ويتعاونوا على البرِّ والتقوى، ويتناسَوا ما سبق، وتبدأ الحياة\n_________\n(^١) فتاوى العلماء الأكابر (١٦٢).","vol":"2","page":1058},{"text":"من جديد\"، \"ونحن نشكرُ الدولةَ على العفوِ العام، ونشكرُ مَن ألقى السِّلاحَ على استجابتِه\" (^١).\nكما أنه ﵀ أشار إلى أمر مهم تضمنه الأثران السابقان وهو ما يتعلق بتململ قطن بن معاوية وسعيد بن جبير من الاختفاء والهروب من الحاكم، وعدم رضاهم بالحالة التي يعيشونها، رغم تركهم القتال والخروج، فعلّل ذلك تعليل فقيه بصير بالمصالح والمفاسد ومدرك لعواقب الأمور وهذا نص سؤال المقاتلين وجواب الشيخ عليهم: \"السائل: شيخنا بعض الإخوة عندنا - بعد أن سلَّموا بأنَّ هذا ليس بجهاد على وفق ما ذكرتم؛ يعني لم يثقوا في الحكومة؛ يعني نسبيًّا، فيسألون هل يجوز لهم المكث في الجبال دون الرجوع إلى الحياة المدنية، بدون قتال يعني يبقون بأسلحتهم في الجبال ويتوقَّفون عن القتال، لكن لا يرجعون إلى الحياة المدنية؟\nالشيخ: أقول: إنَّهم لن يبقوا على هذه الحال، مهما كان الحال، ولا بدَّ أن تحرِّكهم نفوسُهم في يوم من الأيام حتى ينقضُّوا على أهل القرى والمدن؛ فالإنسانُ مدنيٌّ بالطبع، يبقى في رؤوس الجبال وفي تلالها وشعابها، ومعه السلاح؟ !، في يوم من الأيام لا بدَّ أن تُهيِّجهم النفوسُ حتى يكونوا قطَّاعَ طرق!\n_________\n(^١) فتاوى العلماء الأكابر (١٨٧).","vol":"2","page":1059},{"text":"السائل: إذًا لا يجوز لهم المكث على هذه الحال؟\nالشيخ: هذا ما أراه، أرى أن ينزلوا للمدن والقرى ولأهليهم وذويهم وأصحابهم\" (^١)، ومصداق كلامه ﵀ ما وقع لمرداس بن أدية الخارجي، وكان خارجيا لا يرى حمل السيف واستحلال الدماء، قال عنه المبرد: \"لما خرج من حبس ابن زياد ورأى جِدَّ ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج، فقال لأصحابه: إنه واللَّه ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفصل، واللَّه إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفًا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا\" (^٢)، فكان هذا شعاره لكنه ما لبث أن بدأ يقطع سبيل قوافل الخليفة فيأخذ بزعمه نصيبه ونصيب أصحابه من الفيء، وانتهى به الأمر إلى القتال فقتل وصُلب.\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٧٢).\n(^٢) الكامل لابن المبرد (٢/ ٢٨٤).","vol":"2","page":1060},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>المبحث الثالث: الآثار الواردة في موقف المسلم من الفتنة</span>.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة.\nالمطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها.","vol":"2","page":1061},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>المطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن</span>.\n\n٩٤١ - حدثنا أبو بكر بن عمرو الباهلي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: سمعت عبد اللَّه بن عامر (^١) يقول: \"قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين سعى الناس في الطعن علي عثمان -﵁- فصلى من الليل، ثم نام، فأري في منامه فقيل له: قم فاسأل اللَّه أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فصلى، ثم اشتكى فما خرج قط إلا جنازةً\" (^٢).\n\n٩٤٢ - ثنا محمد بن أبي حاتم، ثنا موسى بن داود، ثنا ابن لهيعة، عن سيَّار بن عبد الرحمن قال: قال لي بكير بن الأشج (^٣): \"ما فعل عمك؟ قال: قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال: إن رجالا من أهل بدر لزموا\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة العنزي، حليف بني عدي، أبو محمد المدني، ولد على عهد النبي -ﷺ- ولأبيه صحبة مشهورة، وثقه العجلي مات سنة بضع وثمانين، التقريب (٣٤٠٣).\n(^٢) إسناده صحيح، المنامات (١٠٥) رقم (٢١٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٨٧)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٩٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٣٢٨)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٢٥)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٢٧١)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٣)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٤٤٩).\n(^٣) هو بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه أو أبو يوسف، المدني نزيل مصر، ثقة مات سنة (١٢٠ هـ) وقيل بعدها، التقريب (٧٦٠).","vol":"2","page":1062},{"text":"بيوتهم بعد قتل عثمان نضّر اللَّه وجهه، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم\" (^١).\n\n٩٤٣ - حدثني داود بن عمرو الضبي، ثنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرني عاصم الأحول، عن رجل من بني سدوس، عن أبي موسى الأشعري قال: \". . . إن بعدكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا، قالوا: فما تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: كونوا أحلاس البيوت\" (^٢).\n\n٩٤٤ - ثنا محمد بن حماد قال: سمعت مسلم بن إبراهيم، ثنا بشير بن عقبة قال: قلت ليزيد بن عبد اللَّه بن العلاء: \"ما كان يصنع مطرّف إذا هاج في الناس هيج؟ قال: كان يلزم قعر بيته، ولا يأتي لهم صَفّا ولا جماعة، حتى تنجلي عما انجلت\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، مداره على عبد اللَّه بن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، العزلة والانفراد (٥٣) رقم (٩)، وانظر رقم (٥٧ - ٥٨) ففيه أن منهم سعد بن أبي وقاص وسعيد ابن زيد، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٢٦٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٤٢)، وذكره في الاستذكار (٨/ ٥٠١)، وابن تيمية في منهاج السنة (٦/ ٢٣٧)، وابن كثير في البداية النهاية (٧/ ٢٥٤).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل المبهم من بني سدوس، وسمي في طرق الأثر عند غيره وهو أبو كبشة السدوسي وهو مقبول التقريب (٨٣٨٤)، العزلة والانفراد (١٤٤ - ١٤٥) رقم (١٦٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٤٨) رقم (٣٧١٢٠)، وهناد في الزهد (٢/ ٥٨٣) رقم (١٢٣٧)، ونعيم بن حماد في الفتن (١/ ١٧١) رقم (٤٤٩)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٦٠).\n(^٣) إسناده صحيح، العزلة والانفراد (١٦٦) رقم (٢٠٠)، وابن سعد في الطبقات =","vol":"2","page":1063},{"text":"٩٤٥ - ثنا إبراهيم بن سعيد، حدثني يحيى بن صالح، ثنا مالك بن أنس، ثنا يحيى بن سعيد قال: \"كان أبو جهيم الأنصاري (^١) بدريّا، وكان لا يجالس الناس، وكان يعتزل في بيته، فقالوا له: لو جالست الناس وجالسوك، فقال: وجدت مقارفة الناس شرا، وكان عبد اللَّه بن عمرو أكثر الناس مجالسة له، وكان يحدثه عن الفتن، فلما كان من أمر عبد اللَّه ابن عمرو ما كان بالشام (^٢)، قال: تحدثني ما تحدثني -وكان هذا من أمره- للَّه عليّ ألا أكلمه أبدا\" (^٣).\n\n٩٤٦ - حدثني محمد بن هارون، حدثنا الفريابي، حدثنا سفيان قال:\n_________\n= (٧/ ١٤٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٣١٤)، وذكره الذهبي في السير (٤/ ١٩١).\n(^١) هو أبو جُهَيم بن الحارث بن الصِّمَّة بن عمرو الأنصاري، مختلف في اسمه، صحابي معروف، وهو ابن أخت أبيّ بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية، الإصابة (٧/ ٧٣)، التقريب (٨٠٢٥).\n(^٢) وذلك أنه -﵁- قاتل مع معاوية، وكان حامل رايته، في صفين، ثم ندم ندما شديدا، وكان يقول: \"ما لي ولقتال المسلمين، واللَّه لوددت أني مت قبل هذا بعشر سنين، ثم يقول: أما واللَّه ما ضربت فيها بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، ولوددت أني لم أحضر شيئا منها، وأستغفر اللَّه ﷿ عن ذلك وأتوب إليه\"، انظر الاستيعاب (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(^٣) إسناده حسن؛ يحيى بن صالح هو الوحاظي صدوق التقريب (٧٦١٨)، العزلة والانفراد (٥٤) رقم (١٠) ورقم (٢٨)، ونحوه رقم (٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٧٠٧).","vol":"2","page":1064},{"text":"\"كان طاووس يجلس في البيت، فقيل له: لِمَ تجلس في البيت؟ قال: حيف الأئمة، وفساد الناس\" (^١).\n\n٩٤٧ - حدثني محمد بن عباد بن موسى قال حدثنا كثير بن هشام قال: كان سفيان الثوري قاعدا بالبصرة فقيل له: هذا مساور بن سوار يمر -وكان على شرطة محمد بن سليمان- فوثب فدخل داره، وقال: \"أكره أن أرى من يعصي اللَّه ولا أستطيع أن أغيّر عليه\" (^٢).\n\n٩٤٨ - حدثنا روح بن حاتم، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن ليث، عن الحكم، عن أبي البختري، عن عليّ قال: \"طوبى لكل عبد نُوَمَة (^٣)، عرف الناس ولم يعرفه الناس، وعرفه اللَّه منه برضوان، أولئك مصابيح الدجى، تُجلى عنهم كل فتنة مظلمة، أولئك ليسوا بالمذاييع (^٤) البُذُر (^٥)، ولا الجفاة المرائين، قال سمعت ابن الأعرابي يقول: النومة: الذي\n_________\n(^١) إسناده صحيح، مداراة الناس (١٠٥) رقم (١٢٧)، العزلة والانفراد رقم (١٠٨) وانظر الذي بعده، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٣/ ٤٩٦)، وابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٢٤٢).\n(^٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يخطئ التقريب (٦٠٣٣)، كتاب الورع (٦٧) رقم (٧٤).\n(^٣) هو الخامِلُ الذِّكْر الذي لا يُؤْبَه له، وقيل: الغامض في الناس الذي لا يَعْرِف الشَّر وأهلَه، انظر النهاية في غريب الحديث (٥/ ٢٧٣).\n(^٤) جمع مِذْياع، مِن أَذاعَ الشيءَ إِذا أَفْشاه، وقيل: أَراد الذين يُشِيعون الفواحِش وهو بِناءُ مبالغة، لسان العرب (٨/ ٩٨).\n(^٥) رجل بَذورٌ وبَذِيرٌ يُذيعُ الأَسرارَ ولا يكتم سرًّا، والجمع بُذُرٌ، يبذرون الكلام =","vol":"2","page":1065},{"text":"لا يدخل مع الناس فيما هم فيه\" (^١).\n\n٩٤٩ - وبه حدثنا يحيى بن سليم قال: سمعت شب بن عبّاد قال: سمعت أبا الطفيل قال: سمعت علي بن أبي طالب -﵁- يقول: \"أظلّتكم فتنة عمياء متسكِّنة، لا ينجو منها إلا النومة، قيل: يا أبا الحسن، وما النومة؟ قال: الذي لا يعرف الناس ما في نفسه\" (^٢).\n\n٩٥٠ - حدثني محمد بن إسحاق الباهلي، حدثنا سفيان ﵀ قال: كنا عند الأعمش، فذكروا قتل زيد بن علي، فقال: \"أنا لكم النذير العريان، كَفَّ رجل يده، وأمسك لسانه، وعالج قلبه\" (^٣).\n_________\n= وينشرونه ويفشونه كما تبذر الحبوب، لسان العرب (٤/ ٥٠).\n(^١) إسناده لين، فيه ليث بن أبي سليم، والأثر حسن بطرقه، التواضع والخمول (١٠٥ - ١٠٦) رقم (١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٠٠) رقم (٣٤٤٩٧)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٧) رقم (٨٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١١٠) رقم (٩٦٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩٢)، وانظر سنن الدارمي في تفسير النومة أيضًا (١/ ٧٠).\n(^٢) إسناده لين؛ يحيى بن سليم صدوق سيء الحفظ التقريب (٧٦١٣)، وانظر الذي قبله، التواضع والخمول (١١٥) رقم (٢٧)، وذلك لشدة تحفظه في منطقه واعتزاله عن الناس، حتى لا يعرف ما في نفسه.\n(^٣) إسناه لين؛ شيخ المصنف لم أجده إلا ضمن الرواة عن محمد بن عبد اللَّه بن عثمان الخزاعي في تهذيب الكمال (٦/ ٣٧٧)، كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٧٩) رقم (٦٢٢)، وأخرجه الخلال في السنة (١/ ١٣٤) رقم (٩١) من طريق سفيان عن الأعمش لكن بلفظ مخالف، وهو أن ذلك كان لما قتل الوليد بن يزيد، حيث قال =","vol":"2","page":1066},{"text":"٩٥١ - حدثني علي، عن محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: حدثني عصام بن طليق، عن شيخ من أهل البصرة، عن أبي الجلد قال: \"لقيني رجل من أهل العجم، فشكا إلي سلطانه وما يلقى منه من الظلم، فقلت له: ألا أدلك على أمر إن أخذت به وتركت ما سواه كفيت أمر السلطان وغيره، قاله: بلى، قلت: ارجع إلى أهلك وتوكل على اللَّه في أمرك كله؛ فإنك إن تفعل تجد ما أقول لك، قال: فلقيني بعد ذلك فجعل يشكرني ويقول: إني واللَّه رجعت يومئذ إلى أهلي وتوكلت\n_________\n= لخلف بن حوشب: اجمع بقيَّةَ من بَقِي، واصنع طعاما، فجمعهم فقال لهم ذلك، وذكر بعده عن أحمد قوله: \"انظروا إلى الأعمش ما أحسن ما قال، مع سرعته وشدّة غضبه\"، والذي يظهر لي واللَّه أعلم أن رواية المصنف أولى فإن الوليد كان خليفة يوم قتل، وكان بالشام مقر ملك بني أمية، وقد تولى عزله والخروج عليه بعض أولاده، وهذا يجعل كونه المراد في القصة بعيدا، أما زيد بن علي فقد كانت الحادثة في الكوفة كما في السير (٥/ ٣٨٩)، وهي الأقرب إلى موطن الأعمش فهو كوفي، لا سيما وأنه ذكر عنه أنه فيه تشيع كما في تهذيب الكمال (٣/ ٣٠٣)، فلعله فعل ذلك حتى يقطع دابر الفتنة، ويخمد محاولة الثأر، ويحقن دماء المسلمين فلا يقول متقول أو يتمنى متمنٍّ أن يصدر من الأعمش شيئا، ولهذا كان تعليق الإمام أحمد -الذي عرف عنه نهيه الشديد عن السيف- تعليقا قوِّيا فيه إشادة بهذا الموقف الحاسم في مثل هذا الوقت العصيب، وأن شدة غضب الأعمش وسرعته لم تمنعه أن يلجمها بلجام الشرع، ويحكمها بحكم الدين، وهكذا العلماء الربّانيون يضبطون عاطفتهم ويحكِّمون فيها شرع اللَّه، ولا يجعلونها تسوقهم سوق ناقة هو جاء بلا زمام ولا خطم.","vol":"2","page":1067},{"text":"على اللَّه فلم ألبث أن جاءني ما أحب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة موقف المسلم عند هيجان الفتن، واضطراب أمور الناس، أو استشراء ظلم الحكام وبطشهم بالرعية، وانتشار المنكرات العلنية، ويتلخص هذا الموقف في:\nلزوم البيوت: وهو ما عبرت عنه الآثار عن كثير من البدريين الذين لم يخرجوا من بيوتهم بعد موت عثمان -﵁- إلا إلى المقابر والجنازات، ووصية بعضهم لمن سأله عن المخرج بأن يكونوا أحلاس بيوتهم، وإذا اشتدَّ الخطب لم يحضروا ترك الجمعة والجماعات، وهكذا الأمر عند حيف الأئمة وانتشار الظلم والمنكرات كانوا يلزمون بيوتهم خشية التأثم من رؤية المنكر وعدم إنكاره.\nعدم الخوض ففي شيء من الفتن: ومن هنا مدحوا النُّوَمَة، وفسروه بأنه الذي لا يدخل مع الناس فيما هم فيه، أو الذي لا يعرفون ما في نفسه، وكلاهما متلازمان، وأمروا بكفّ اليد، وإمساك اللسان، ومعالجة القلب، بل هذه نصيحتهم حتى لغير المسلمين.\nولا شك أن هذين المسلكين من أهم ما المسلم به نفسه من الفتن، فيَسلم ويُسلم منه، فلا يكون وقودا لنارها، ولو سلك الناس هذان\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه عصام بن طليق ضعيف كما في التقريب (٤٦١٤)، كتاب التوكل (٩١) رقم (٥٦).","vol":"2","page":1068},{"text":"المسلكان لماتت الفتن في مهدها، ولوُئدت قبل استهلالها، ولهذا عقد العلماء في كتبهم عدة أبواب في لزوم البيوت في الفتن وذكروا النصوص الواردة فيه، فقد عقد الآجري باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها، وتخويف العقلاء على قلوبهم أن يهووا ما يكرهه اللَّه ﷿، ولزوم البيوت والعبادة للَّه ﷿ وقال: \"ليكون المؤمن العاقل يحتاط لدينه؛ فإن الفتن على وجوه كثيرة؛ قد مضى منها فتن عظيمة، نجا منها أقوام، وهلك فيها أقوام باتباعهم الهوى، وإيثارهم للدنيا، فمن أراد اللَّه تعالى به خيرا فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحفظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة السواد الأعظم، ولم يتَلَوَّن في دينه، وعبد ربَّه ﷿ فترك الخوض في الفتنة؛ فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير\" (^١)، قال القرطبي -بعد ذكره من اعتزل الفتنة من الصحابة والتابعين-: \"هذا وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على الاجتهاد منهم، فكان المصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على الدنيا، فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى، طلبا للملك والاستكثار من الدنيا، فواجب على الإنسان أن يكف اليد واللسان عند ظهور الفتن، ونزول البلايا والمحن\" (^٢)، وكلما كان المسلم أعلم بهذه النصوص كان أقرب إلى العصمة من الوقوع في الفتن، وهذا ما حصل لمن\n_________\n(^١) الشريعة (١/ ٥٠)، وانظر السنن الواردة في الفتن (١/ ٣٦٣).\n(^٢) التذكرة (٦٢٩) تحت باب الأمر بلزوم البيوت.","vol":"2","page":1069},{"text":"اعتزل القتال من الصحابة فمن بعدهم كما قال شيخ الإسلام: \"الذين رووا هذه الأحاديث من الصحابة مثل: سعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة وغيرهم، جعلوا قتال الجمل وصفين من ذلك، بل جعلوا ذلك أول قتال فتنة كان في الإسلام، وقعدوا عن القتال، وأمروا غيرهم بالقعود عن القتال، كما استفاضت بذلك الآثار عنهم\" (^١).\n_________\n(^١) منهاج السنة (٨/ ٥٢٥ - ٥٢٦).","vol":"2","page":1070},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>المطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة</span>.\n\n٩٥٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا نجدة بن المبارك السلمي قال: سمعت مالك بن مغول قال: كان طلحة اليامي (^١) يقول: \"ليت أنها قطعت من ها هنا -يعني يديه من المرفقين- وأني لم أكن شهدت يوم الجماجم (^٢) \" (^٣).\n\n٩٥٣ - حدثني خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد بن سعيد: \"أن عليا -﵁- قال يوم الجمل: ليتني مت قبل هذا اليوم بكذا وكذا\" (^٤).\n_________\n(^١) هو طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، ثقة قارئ فاضل، مات سنة (١١٢ هـ) أو بعدها، التقريب (٣٠٣٤).\n(^٢) هي وقعة مشهورة وقعت بين عبد الرحمن بن الأشعث والحجاج بن يوسف، سنة (١٨٢ هـ) هزم فيها ابن الأشعث وقتل خلق عظيم من المسلمين، تاريخ الإسلام (١/ ٦٨٤).\n(^٣) إسناده لين، والأثر حسن بطرقه، فيه نجدة بن المبارك السلمي مقبول التقريب (٧١٤٨)، المتمنين (٥٨) رقم (٨٩)، وانظر رقم (١٣٢، ١٣٩) وفيه أبو جناب ضعفوه لكثرة تدليسه، التقريب (٧٥٨٧)، وهو عن طلحة بن مصرف وفيه: أنه لم يرم بسهم، ولا طعن برمح، ولا ضرب بسيف، ومع هذا يتمنى ذلك، وابن الجعد في مسنده (١/ ٣٩٩) رقم (٢٧٢٥)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٣٧)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧)، وفيه جابر بن نوح الحماني ضعيف، التقريب (٨٨٤).\n(^٤) إسناده ضعيف، شيخ المصنف صدوق يخطئ، ومجالد بن سعيد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، والأثر حسن بطرقه الكثيرة، المتمنين (٤٢) رقم (٥٠)، ثم برقم (٩٧) لما عاتب سليمان بن صرد، ورقم (٩٨) جعل يمسح التراب عن طلحة بن مصرف، ورقم (١٥٤)، والبخاري في التاريخ الكبير =","vol":"2","page":1071},{"text":"٩٥٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية، حدثنا إسماعيل، عن قيس، قال: قالت عائشة ﵂: \"لوددت أني كنت ثكلتُ عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأني لم أسر مسيري الذي سرت\" (^١).\n\n٩٥٥ - حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن أبي بكر بن عياش قال: قال المختار (^٢) لما أحيط به: \"ذهبت الدنيا والآخرة\" (^٣).\n_________\n= (٦/ ٣٨٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٤٥ - ٥٤٦) رقم (٣٧٨٣٢، ٣٧٨٣٥)، ونعيم في الفتن (١/ ٨٠ - ٨١)، والطبراني في الكبير (١/ ١١٣ - ١١٤) رقم (٢٠٢ - ٢٠٣)، وقال الهيثمي في المجمع: \"رواه الطبراني وإسناده حسن\"، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ١٠٥)، وابن ماكولا في تهذيب مستمر الأوهام (١/ ٧١ - ٧٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ١١٥).\n(^١) إسناده صحيح، المتمنين (٤٨) رقم (٦٤)، والذي بعده بلفظ مقارب جدا، والحاكم في المستدرك (٣/ ١١٩)، وانظر تحفة التحصيل (٢٨) حيث ذكر عن يحيى ابن معين أن أبا معاوية أخطأ في روايته عن إسماعيل عن قيس والصواب عن رجل آخر غير قيس، قلت: ولعله يشير إلى الطريق الثانية عن إسماعيل بن أبي خالد عن علي بن عمرو الثقفي وقد أخرجه بها ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٤٢) رقم (٣٧٨١١)، والحاكم جعله عن إسماعيل عن هشام وقيس.\n(^٢) هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، ذكره ابن عبد البر فقال: يكنى أبا إسحاق، ولم يكن بالمختار، كان أبوه من جلة الصحابة، وُلد المختار عام الهجرة، وليست له صحبة ولا رؤية، وأخباره غير مرضية، حكاها عنه ثقات مثل الشعبي وغيره، وكان قد طلب الإمارة وغلب على الكوفة حتى قتله صعب بن الزبير بالكوفة، سنة (٦٧ هـ)، وكان قبل ذلك معدودا في أهل الفضل والخير، إلى أن فارق ابن الزبير، وكان يتزين بطلب دم الحسين، ويسر طلب الدنيا، فيأتي بالكذب والجنون، وكانت إمارته ستة عشر شهرا، الإصابة (٦/ ٣٤٩).\n(^٣) إسناده صحيح إلى أبي بكر بن عياش، الإشراف (١٢٥) رقم (٤٥).","vol":"2","page":1072},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان ندم من حضر قتال فتنة، سواء من حضر الجماجم أو صفين والجمل، ولما ذكر شيخ الإسلام مكفرات الذنوب ذكر أولها التوبة ثم قال: \"عائشة ﵂ ندمت على مسيرها إلى البصرة، وكانت إذا ذكرته تبكي حتى تبل خمارها، وكذلك طلحة ندم على ما ظن من تفريطه في نصر عثمان، وعلى غير ذلك، والزبير ندم على مسيره يوم الجمل، وعلي بن أبي طالب -﵁- ندم على أمور فعلها من القتال وغيره. . . وقد روى هذا عن علي -﵁- من وجهين أو ثلاثة، وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر، ورؤيته اختلاف الناس وتفرقهم، وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل\" (^١)، وقد عقد المروزي في كتابه الفتن باب ما يذكر من ندامة القوم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم في الفتنة وبعد انقضائها، وما تقدم إليهم فيها (^٢)، ولما تكلم شيخ الإسلام عن الفرق بين قتال الخوارج وقتال الفتنة قال: \"أما قتال الجمل وصفين فكان قتال فتنة، كرهه فضلاء الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وسائر العلماء، كما دلت عليه النصوص، حتى الذين حضروه كانوا كارهين له، فكان كارهه في الأمة أكثر وأفضل من حامده\" (^٣)، ولما ذكر البيهقي ما حصل بين على\n_________\n(^١) منهاج السنة (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، وانظر (٨/ ١٤٥).\n(^٢) (٧٨ - ٩١).\n(^٣) منهاج السنة (٥/ ١٥٣).","vol":"2","page":1073},{"text":"-﵁- ومن قاتله قال: \"جرى الشيطان بين الفريقين حتى اقتتلوا، ثم ندموا على ما فعلوا، وتاب أكثرهم\" (^١)، وقال ﵀: \"إن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي ﵃ أجمعين، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم\" (^٢)، وهنا تنبيه مهم جدا يدل على خطورة القتال في الفتنة، وأن النية الحسنة لا تبرر فعل من فعله، فإن الذين ندموا عن قتالهم هم من أفاضل الصحابة وكبارهم، ومن هنا فإن من بعدهم \"ليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدرا عند اللَّه وأحسن نية من غيرهم\" (^٣).\n_________\n(^١) الاعتقاد (٣٧٣).\n(^٢) منهاج السنة (٤/ ٣١٦).\n(^٣) منهاج السنة (٤/ ٥٢٩).","vol":"2","page":1074},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>المطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة</span>.\n\n٩٥٦ - كتب إليّ أبو نصر قال: سمعت عبد اللَّه بن خبيق يقول: قال محمد بن يوسف (^١): \"استشرت سفيان الثوري في المقام بالشام فقال: لا أرى لك ذلك؛ لأنها بلاد فتنة، ولكن إن صح عزمك فعليك ببعض السواحل، ثم استفد مائة صديق، فإذا استقصيت أمرهم فاطرح تسعة وتسعين، وكن من الواحد في شك، واعلم أنه لم يكن في الأرض إلا وزيرين -ولدي آدم- غضب أحدهما على الآخر فقتله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر الزهري ﵀ مشروعية الانتقال من بلد الفتنة إلى البلاد الأكثر استقرارا، خوفا على الدين وعدم الثبات، قال ابن كثير -لما تكلم عن أصحاب الكهف-: \"المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفا على دينه\" (^٣)، وقال ابن عبد البر تعليقا على قول أبي هريرة -﵁-: \"والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون\n_________\n(^١) هو محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفِرْيابي، نزيل قيسارية من ساحل الشام، ثقة فاضل، مات سنة (٢١٢ هـ)، التقريب (٦٤١٥).\n(^٢) إسناده حسن، فيه عبد اللَّه بن خبيق وهو الأنطاكي، ذكره ابن أبي حاتم (٥/ ٤٦) ولم يذكر في جرحا ولا تعديلا، وله ترجمة ضافية في الحلية (١٠/ ١٦٨)، ومختصرة في صفة الصفوة (٤/ ٢٨٠)، مداراة الناس (١٠٧ - ١٠٨) رقم (١٣٢).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٧٥).","vol":"2","page":1075},{"text":"الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان\" قال: \"في هذا الخبر. . . دليل أيضًا على أن المدن تكثر فيها الفتن، والتقاتل على الدنيا، حتى تفسد وتهلك، ويكون الفرار منها إلى القفار والشعاب بقطائع الغنم\" (^١)، ولما تكلم ابن حجر ﵀ عن أحكام العزلة وأقوال السلف فيها، علق بقوله: \"وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة؛ فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها\" (^٢).\nوقد عقد البخاري ﵀ في مشروعية الانتقال عن بلد الفتنة بابين في صحيحه الأول في كتاب الإيمان وهو باب من الدين الفرار من الفتن، والآخر في كتاب الفتن وهو باب التعرب في الفتنة (^٣).\n_________\n(^١) الاستذكار (٨/ ٣٨٤).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ٤٣).\n(^٣) صحيح البخاري (١/ ١٥)، (٦/ ٢٥٩٦).","vol":"2","page":1076},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>المطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها</span>.\n\n٩٥٧ - ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان قال: \"كان عمار بن ياسر (^١) -﵁- رجلا طويل الحزن والكآبة، وكان عامة كلامه: عائذ بالرحمن من فتنة\" (^٢).\n\n٩٥٨ - حدثني يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام، عن الحسن قال: قال حذيفة في مرضه: \"حبيب جاء على فاقة، لا أفدح من ندم، السرُّ بعدي ما أعلمُ، الحمد للَّه الذي سبق بي الفتنة، قادتها وعلوجها\" (^٣).\n_________\n(^١) هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، أبو اليقظان مولى بني مخزوم، صحابي جليل، مشهور من السابقين الأولين، بدري قتل مع علي بصفين سنة (٣٧ هـ)، الإصابة (٤/ ٥٧٥)، التقريب (٤٨٣٦).\n(^٢) إسناده منقطع فإن الأسود لم يدرك عمارا، وبينهما راو ذكره غير المصنف، والأثر صحيح بطرقه، الهم والحزن (٤٤) رقم (٣٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٥٦) عن الأسود عن أبي نوفل، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢٠٨) رقم (٢٧٤) مثله، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٢) بإسناد حسن عن الأسود عن خالد ابن سمير، ورجاله ثقات كلهم غير خالد هذا، وهو صدوق يهم قليلا، التقريب (١٦٥٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧) وتعقب المصنف بقوله: \"كذا قال وقد أسقط منها أبو نوفل بن أبي عقرب\" ثم ذكر طريقه، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٢٤) وفيهما تتمة: \"ثم عرضت له فتنة عظيمة\"، وأصل استعاذة عمار من الفتن في صحيح البخاري رقم (٢٦٥٧).\n(^٣) إسناده لين؛ والأثر حسن، فيه هشام وهو ابن حسان، متكلم في روايته عن الحسن =","vol":"2","page":1077},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان تعوّذ السلف من الفتن، وتمنّي بعضهم الموت قبل حلولها، فقد كان عامة كلام عمار: عائذ باللَّه من فتنة، وحمد اللَّه حذيفة على موته قبل وقوع الفتن قادتها وعلوجها، وقد سبق التعليق على تمني الموت قبل وقوع البدع والفتن في الباب الأول (^١)، وقد عقد المروزي في كتاب الفتن بابا فيمن رخص في تمنى الموت لما يفشوا في\n_________\n= كما سبق (٢٧٩)، لكن تابعه السري بن يحيى عند أبي نعيم وهو ثقة التقريب (٢٢٣٦)، وتابع الحسن هارون المدني عند الربعي كذا ولعله أبو هارون المدني الحناط فهو الذي يروي عنه ابن عيينة وهو ثقة، التقريب (٧٠٧٩)، المحتضرين (١١٢) رقم (١٣٠)، وانظر كذلك رقم (٣٥٥)، والربعي في وصايا العلماء (٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٩٧)، و(٣٩/ ٤٧٩) وفيه أن هذا الكلام قاله حين قتل عثمان -﵁- ولفظه: \"أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته، ففتح عينيه فسألهما فقالا: خير، فقال: إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل يعني عثمان، قال: فرجع ثم قال: اللهم إن كنت من هذا الأمر بمعزل فإن كان خيرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، اليوم نفرت القلوب بأنفارها، الحمد للَّه الذي سبق بي الفتن قادتها وعلوجها، الحظي من تردى بعيره فشيع شحما وقل عمله\"، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٣٦٨).\n(^١) المطلب الثاني: تمني الموت قبل وقوع البدع.","vol":"2","page":1078},{"text":"الناس من البلاء والفتن (^١)، وعلق ابن حجر على استعاذة عمار -﵁- من الفتن بقوله: \"فيه دليل على استحباب الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرء أنه متمسك فيها بالحق؛ لأنها قد تفضي إلى وقوع من لا يرى وقوعه، قال ابن بطال: وفيه رد للحديث الشائع: لا تستعيذوا باللَّه من الفتن؛ فإن فيها حصاد المنافقين\" (^٢)، ولما شرح ابن حجر حديث استعاذة النبي -ﷺ- في آخر الصلاة من أربع ومنها فتنة المحيا والممات نقل عن ابن بطال قوله: \"هذه كلمة جامعة لمعان كثيرة، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان -ﷺ- يتعوذ من جميع ما ذُكر؛ دفعا عن أمته، وتشريعا لهم، ليبين لهم صفة المهم من الأدعية\" (^٣).\n_________\n(^١) (١/ ٧٠ - ٧٧).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٥٤٣)، وانظر (١٣/ ٤٤).\n(^٣) فتح الباري (١١/ ١٧٧).","vol":"2","page":1079},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>المبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة</span>.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين.\nالمطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى اللَّه -بزعمهم- بقتل المسلمين.\nالمطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة.","vol":"2","page":1080},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>المطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين</span>.\n\n٩٥٩ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد قال: حدثني رجل من النخع، عن صالح بن ميثم قال: \"بينا عليّ بن أبي طالب قبل تلك الليلة بليلة يوقظ الناس للفجر، إذ أتاه ابن ملجم (^١) بصحيفة ملفوفة، يدعوه فيها أو ينابذه، ففتحها عليّ فلم ينظر فيها، فأمسكها حتى صلى، ثم فتحها فإذا فيها: أدعوك إلى التوبة من الشرك وأنابذك (^٢) وإن اللَّه لا يهدي كيد الخائنين، فقال عليّ: من صاحب هذه الصحيفة؟ فلم يكلّمه أحد، فبصق عليها فمحاها، ثم رمى بها، وقال: عليه لعنة اللَّه\" (^٣).\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، كان عبادا قانتا للَّه لكنه ختم له بشر فقتل أمير المؤمنين عليا -﵁- متقربا إلى اللَّه بدمه بزعمه، فقطعت أربعته، ولسانه، وسملت عيناه، ثم أحرق، نسأل اللَّه العفو والعافية، لسان الميزان (٣/ ٤٣٩)، والإصابة (٥/ ١٠٩).\n(^٢) كذا ولعلها: أو أنابذك، كما سبق في السياق.\n(^٣) إسناده ضعيف جدا؛ لكن معناه صحيح كما سيأتي في الآثار المقبلة، فيه هشام بن محمد وقد سبق مرارا، وجهالة الرجل النخعي المبهم، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٣٥) رقم (٢١).","vol":"2","page":1081},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>المطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى اللَّه -بزعمهم- بقتل المسلمين</span>.\n\n٩٦٠ - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا عبد اللَّه بن سعيد، عن زياد بن عبد اللَّه، عن عوانة بن الحكم (^١): \"أن ثلاثة تبايعوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فخرج إلى عمرو بن العاص (^٢)، وآخر إلى معاوية يقال له: البُرَك، رجل من بني تميم من بني سعد ثم من بني صُرَيم، وآخر إلى علي وهو ابن ملجم، فجاء ابن ملجم إلى الكوفة، فخطب قطام، وكانت من بني التيم، وكانت ترى رأي المحكمة، فقالت: لا واللَّه لا أتزوّجك إلا على ثلاثة آلاف وقتلِ عليّ، فأعطاها ذلك، وبنى بها\" (^٣).\n_________\n(^١) هو عوانة بن الحكم بن عوانة بن عياض، الأخباري المشهور الكوفي، هو كثير الرواية عن التابعين، وقد روي أنه كان عثمانيا، فكان يضع الأخبار لبني أمية، مات سنة (١٥٨ هـ) لسان الميزان (٤/ ٣٨٦).\n(^٢) نقصٌ، تمامه: (رجل يقال له: عمرو بن بكير التميمي)، من المحقق.\n(^٣) إسناده حسن؛ عوانة بن الحكم أخباري وكان صدوقا في نقله كما في السير (٧/ ٢٠١)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٣٢ - ٣٣) رقم (١٨)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٦)، والحاكم في المستدرك مختصرا (٣/ ١٤٣) وفيه أبيات للفرزدق يصف فيها ما حدث من ابن ملجم، والطبراني في الكبير مطولا جدا (١/ ٩٨ - ١٠٣) رقم (١٦٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٤٤): \"رواه الطبراني وهو مرسل وإسناده حسن\"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٥٨)، وقال ابن =","vol":"2","page":1082},{"text":"٩٦١ - حدثنا سعيد بن يحيى قال: نا عبد اللَّه بن سعيد الأموي، عن زياد بن عبد اللَّه البكّائي، عن عوانة بن الحكم الكلبي قال: فحدثني مزاحم بن زفر التيمي، عن وجيه (^١): \"أن ابن ملجم كان يجلس في قومه من صلاة الغداة إلى ارتفاع النهار، والقوم يهضبون (^٢)، وهو لا يتكلّم بكلمة، وبلغني أنه كان يوما جالسا في السّوق متقلِّدا السيف، فمرّت به جنازة فيها المسلمون والقسِّيسون فقال: ويلكم ما هذا؟ قالوا: أبجر بن [جابر، أبو (^٣) حجار العجلي، وابنه سيد بكر بن وائل، فاتّبعه المسلمون لمكان ابنه، وتبعه النصارى لنصرانيته، فقال ابن ملجم: أما واللَّه لولا أني أستبقي نفسي لأمر هو أعظم من هذا أجرا عند اللَّه، لاستعرضته بالسيف\" (^٤).\n_________\n= حجر في التلخيص الحبير (٤/ ٤٧): \"قصة قتله لعلي وسببها؛ فقد رواها الحاكم في المستدرك في ترجمة علي بإسناد فيه انقطاع، وهي مشهورة بين أهل التاريخ وساقه ابن عبد البر في الاستيعاب مطولا\"، وانظر تاريخ الطبري (٣/ ١٥٥)، والبداية والنهاية (٧/ ٣٢٧).\n(^١) لم أستطع تحديد المراد به.\n(^٢) هضب في الحديث أفاض فيه كما في القاموس (١/ ١٨٤).\n(^٣) قال المحقق: الزيادة لازمة من مصادر الخبر، لأن الجنازة لأبجر بن جابر العجلي، وكان نصرانيا، وابنه حجار بن أبجر العجلي سيد بكر بن وائل يمشي مع الناس ومعه شقيق بن ثور وغير من المسلمين والنصارى.\n(^٤) إسناده حسن كسابقه كأنه تتمة له واللَّه أعلم، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٣٣ - ٣٤) رقم (١٩)، والطبراني في الكبير (١/ ١٠٢)، وانظر ما قاله من الشعر في تاريخ الطبري (٥/ ١٤٦).","vol":"2","page":1083},{"text":"٩٦٢ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد ابن عبد اللَّه بن أبي يعقوب، عن ابن أبي نعم قال: \"كنت جالسا عند ابن عمر، فسأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول اللَّه -ﷺ-، سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"ابناي هذان ريحانتي من الدنيا\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، ابن أبي نعم هو عبد الرحمن وهو صدوق التقريب (٤٠٥٥)، والظاهر أن درجته أعلا فانظر تهذيب التهذيب (٦/ ٢٥٦)، العيال (٣٨٧) رقم (٢٢٢)، والبخاري في صحيحه (٧/ ٩٨ فتح)، وانظر (١٠/ ٤٢٧).","vol":"2","page":1084},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>المطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة</span>.\n\n٩٦٣ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد قال: قال لي أبو بكر ابن عياش: سألت أبا حصين وعاصم بن بهدلة والأعمش وغيرهم، فقلت: \"أخبركم أحد أنه صلَّى على عليٍّ، أو شهد دفنه؟ قالوا: لا، فسألت أباك محمد بن السائب فقال: أُخرج به ليلا، خرج به الحسن والحسين وابن الحنفيّة وعبد اللَّه بن جعفر، وعددٌ من أهل بيتهم، فدُفن في ظهر الكوفة، قال: فقلت لأبيك: لِمَ فُعل به ذلك؟ قال: خافوا أن تنبشه الخوارج أو غيرهم\" (^١).\n\n٩٦٤ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني راشد أبو يحيى بن راشد، حدثني عصام بن زيد -رجل من مزينة- قال: \"كان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن فيؤذيهم، فقيل للحسن: يا أبا سعيد ألا تكلّم الأمير حتى يصرفه عنا؟ قال: فسكت عنهم، قال: فأقبل ذات يوم والحسن جالس مع أصحابه، فلما وافى قال: اللهم قد علمت أذاه لنا، فاكفناه بما شئت، قال: فخرّ واللَّه الرجل من قامته، فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سرير، فكان الحسن إذا ذكره بكى،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه الكلبي وقد سبق مرارا، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٧٢) رقم (٨١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٦٦)، وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (١/ ١٢٠).","vol":"2","page":1085},{"text":"وقال: ما كان أغرّه باللَّه\" (^١).\n\n٩٦٥ - أخبرني العباس بن هشام، عن أبيه، عن عوانة بن الحكم قال: قال عبد الملك بن مروان لجلسائه: \"من كان أشجع العرب؟ فقالوا: عمير -شبث- فعدوا فرسانا من فرسان العرب، فقال عبد الملك: أشجع العرب رجل جمع بين سكينة وعائشة، وأمه أحمد بنت سيّد كلب، ولي العراق فأصاب ألف ألفٍ وألف ألفٍ، فخذله أهل العراق، وعرضنا عليه الأمان فأبى أن يقبله ومضى حتى قتل، مصعب بن الزبير، لا من قطع الجسور هاهنا مرة، وهاهنا مرة (^٢)، ثم قال: متى تغدو حواضن قريش مثل مصعب\" (^٣).\n_________\n(^١) فيه راشد أبو يحيى لعله راشد بن يحيى المعافري انظر تعجيل المنفعة (١٢٣)، وأما عصام بن زيد المزيني فهو مقبول، التقريب (٤٦١٣) لكن ذكر البخاري في الأدب المفرد (٢٢٤) أن عبد الرحمن بن شيبة أثنى عليه خيرا، مجابو الدعوة (١١٧) رقم (٩٣)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ٢٣٢) رقم (١٦٦)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٦٨).\n(^٢) فيه إشارة إلى أن ما يقوم به بعض الجهلة من الخارجين على الحكام في زمننا هذا من قطع الطريق، والسطو على الضعفة، والعمل في الظلام ليس من شيم العرب، ولا من عمل الأبطال، ناهيك عن حكم الشرع فيه، فلا يغترن أحد من شقشقتهم بأن فلانا بطل ورجل! يغرّون به صغار العقول وحدثاء الأسنان والغوغاء من الناس، ولذلك تجدهم سرعان ما ينهارون ويضعفون بل ويتخلّون عن أبسط مبادئهم عند القبض عليهم وتعرضهم لأدنى محنة وابتلاء واللَّه المستعان على تقلبات الزمان.\n(^٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه العباس وأبوه الكلبي وقد سبقا مرارا، مكارم الأخلاق (٤٥ - ٤٦) =","vol":"2","page":1086},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة الموزعة على المطالب الثلاثة بيان بعض أهم صفات الخوارج، وهي:\nتكفيرهم للمسلمين، بل لخيارهم فقد كفّروا علي بن أبي طالب -﵁-، وقد كانوا معه وفي عسكره.\nوتقربهم إلى اللَّه بزعمهم بقتلهم، فتجدهم يتبايعون على ذلك كما تبايع الثلاثة على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃، بل شرطت قطام خطيبة أحدهم وهو ابن ملجم أن يكون من مهرها رأس علي -﵁-، فاستفرغ جهده كله، واستبقى نفسه للقيام بهذه الجريمة المنكرة لأنه عدها أعظم أجرا، وكان هذا الأمر عندهم من الوضوح بمكان بحيث لم يستشكلوه أبدا، ولذلك أنكر عليهم ابن عمر -﵁- سؤالهم عن دم البعوض، مع عدم تورعهم عن دماء خيار المسلمين وخاصتهم.\nوأقلُّ ذلك أذيتهم بأي نوع من الإيذاء، وذلك عندما تعجز سيوفهم عن النيل من أهم السنة والمسلمين عموما؛ يبسطون عليهم ألسنتهم بالسوء، وينالون منهم كلما استطاعوا من أنواع الأذية والنكال.\nوهذه الصفات هي من أهم صفات الخوارج تكفير المسلمين ثم قتالهم، وكل أذية أو مضايقة ونحوها فإنما ناشئة عما سبق، وهذا الأمر مما\n_________\n= رقم (١٩٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٩٧)، وابن الجوزي في المنتظم (٢/ ٢٤٥) وغيرهم.","vol":"2","page":1087},{"text":"باينوا به جميع الأمة الإسلامية، قال شيخ الإسلام: \"الخوارج أيضًا باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا به من التكفير بالذنوب، ومن تكفير على -﵁-. . . وأمثال ذلك\" (^١)، ثم نقل قول الأشعري: \"أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب -﵁- إذ حكم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟ قال: وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات؛ فإنها لا تقول بذلك، وأجمعوا على أن اللَّه يعذب أصحاب الكبائر عذابا دائما إلا النجدات أصحاب نجدة\" (^٢)، وقال: \"الخوارج هم أول من كفر المسلمين، يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها، وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون اللَّه ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق\" (^٣).\nوليس المقصود أن فرقة الخوارج فقط هم الموسومون بهذه الصفات، فضلا أن يكون المقصود الخوارج الذين قاتلهم عليٌّ -﵁-، بل كل من كفّر المسلمين وقاتلهم وخرج على إمامهم فله من هذا نصيب، قال شيخ الإسلام: \"هؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا، ثم يرتبون\n_________\n(^١) منهاج السنة (٣/ ٤٦٠).\n(^٢) مقالات الإسلاميين (١/ ٨٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧٩).","vol":"2","page":1088},{"text":"على الكفر أحكاما ابتدعوها، فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام\" (^١)، ولهذا فقد تكون بعض الفرق أسوأ من الخوارج وتشملها النصوص الواردة في الخوارج كما قال شيخ الإسلام لما تكلم عن الرافضة: \"إنهم خارجون عن الطاعة والجماعة، يقتلون المؤمن والمعاهد، لا يرون لأحد من ولاة المسلمين طاعة، سواء كان عدلا أو فاسقا، إلا لمن لا وجود له، وهم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوى الأنساب، وهي العصبية للدين الفاسد؛ فإن في قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين وصغارهم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس في قلب أحد، وأعظم عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء اللَّه، مستقدمهم ومستأخرهم، وأمثلهم عندهم (^٢) الذي لا يلعن ولا يستغفر. . . أعظم أصولهم عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور؛ كالخلفاء الراشدين، والعلماء المسلمين، ومشايخهم لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذي لا وجود له فما آمن. . . وإنما كان هؤلاء شرا من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل الأهواء لاشتمال مذاهبهم على شر مما اشتملت عليه مذاهب الخوارج\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤١٧)، وانظر فتح الباري (١٢/ ٣٠٠).\n(^٢) كذا في المطبوع ولعله سقط حرف (الذي) فيصير المعنى: \"وأمثل الذي عندهم\"، أو: \"أمثل من عندهم\" واللَّه أعلم.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٨٧ - ٤٨٩).","vol":"2","page":1089},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nعمادة البحث العلمي - رقم: (١٣٠)\n\nالآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة\nمن خلال كتب ابن أبي الدنيا «جمعًا ودراسة»\n\nتأليف\nالدكتور حميد بن أحمد نعيجات\n\n[الجزء الثالث]","vol":"3","page":null},{"text":"(ح) الجامعة الإسلامية ١٤٣١ هـ\nفهرس مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nنعيجات، حميد بن أحمد\nالآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا جمعًا ودراسة / حميد أحمد نعيجات. - المدينة المنورة، ١٤٣١ هـ.\n٣ مج.\nردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n\n٥ - ٦٣٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٣)\n\n١ - ابن أبي الدنيا، عبد اللَّه بن محمد، ت ٢٨١\n\n٢ - العقيدة الإسلامية\nأ. العنوان\nديوي: ٢٤٠ ... ٤٠٢٠/ ١٤٣١\nرقم الإيداع: ٤٠٢٠/ ١٤٣١\nردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n\n٥ - ٦٣٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٣)\n\nأصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.\n\nالآراء الواردة في هذا الكتاب تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجامعة\n\nجميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة","vol":"3","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"3","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>الباب الخامس: الآثار الواردة في اليوم الآخر وما يتعلق به</span>.\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: الآثار الواردة في أشراط الساعة.\nالفصل الثاني: الآثار الواردة في القبر.\nالفصل الثالث: الآثار الواردة في القيامة.\nالفصل الرابع: الآثار الواردة في الجنة.\nالفصل الخامس: الآثار الواردة في النار.","vol":"3","page":1105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>الفصل الأول: الآثار الواردة في أشراط الساعة</span>.\n\n٩٦٦ - دثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، دثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي جبيرة بن الضحّاك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"بعثت في نَسَمِ الساعة\"، سمعت أعرابيا يقول: في أول وقتها\" (^١).\n\n٩٦٧ - حدثني أبو إسحاق الأدمي، حدثنا زيد بن عوف، حدثنا حماد ابن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: \"إن اللَّه ﷿ جعل الدنيا كلها قليلا، فما بقي منها إلا قليل من قليل، ومثل ما بقى منها كَعَيْن الغَدِير، شُرب صفوه وبقي كدرده\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن، والأثر صحيح، شيخ المصنف صدوق كما سبق (١٢٥)، الأهوال (٣٣) رقم (٥)، قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٩ - ٢٨٩ - ٢٩٠) بعد إيراده من طريق المصنف: \"هذا إسناد جيد، وليس هو في شيء من الكتب، ولا رواه أحمد ابن حنبل، وإنما روى لأبي جبيرة حديثا آخر في النهي عن التنابز بالألقاب\"، وانظر تخريج الحديث المرفوع في الصحيحة (٢/ ٤٤٨) رقم (٨٠٨)، وحاشية الكتاب في طبعتي مجدي السيد والمباركفوري، وفات الجميع تخريج: الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٢٨)، والبزار كما في تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي (٢/ ٣٥٩)، وأبي نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٨٥٢)، والبغوي في معجم الصحابة (٥/ ١٥)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (١/ ٢١٣)، وانظر النهاية (٥/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه زيد بن عوف وهو القطيعي، لقبه فهد، ضعيف انظر لسان الميزان (٢/ ٥٠٩)، قصر الأمل (٩٦١) رقم (١٢٣)، وهناد في الزهد رقم (٥١٦)، =","vol":"3","page":1107},{"text":"٩٦٨ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير قال: كان النخعي يقول: \"يا أيها الناس إن الدنيا جعلت قليلا، ولم يبق من القليل إلا قليل\" (^١).\n\n٩٦٩ - حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا شعبة، عن أبي قيس قال: سمعت هزيل بن شرحبيل يحدّث عن عبد اللَّه بن مسعود قال: \"لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس: من لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، يتهارجون كما تتهارج البهائم في الطريق، تمرّ المرأة بالرجل في الطريق فيقضي حاجته منها، ثم يرجع إلى أصحابه، فيضحك إليهم ويضحكون إليه، كرجراجة (^٢) الماء الخبيث الذي لا يطعم\" (^٣).\n_________\n= وكذا أحمد في الزهد (٣٦٧)، كلاهما عن يزيد بن معاوية النخعي، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١٠٠٦) من قول ميمون بن مهران، والأثر ورد الجزء الأخير منه مرفوعا في صحيح البخاري (٦/ ١٩ أفتح).\n(^١) إسناده صحيح، قصر الأمل (١٢٤) رقم (١٨١).\n(^٢) قال ابن الأثير: \"الرِّجْرِجةُ -بكسر الرَّائين- بَقِية المْاء الكَدِرة في الحَوض، المُخْتَلِطةُ بالطّين، فلا يُنتَفعِ بها، قال أبو عبيد: الحديث يُروى كرِجْرَاجَة الماء، والمعرُوفُ في الكلام رِجْرِجَة، وقال الزمخشري: الرِّجْرَاجة: هي المرأةُ الَّتي يَتَرجْرَج كَفَلُها، وكَتِيبَة رَجْراجَة: تَموج من كَثْرتها، فكأنه -إن صَحَّت الرِّوَاية- قَصَد الرِّجْرجة، فجاء بوصفها؛ لأنها طينة رقيقَةٌ تَترَجْرَجُ\" النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٨٩).\n(^٣) إسناده حسن، أبو قيس هو عبد الرحمن بن ثروان صدوق ربما خالف التقريب (٣٨٤٧)، العقوبات (٢٠٣ - ٢٠٤) رقم (٣١٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ١١٣) رقم (٨٥٨٥ - ٨٥٨٦)، وأورده كل من أبي عبيدة (٤/ ٧٧)، وابن الأثير =","vol":"3","page":1108},{"text":"٩٧٠ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثنا علي بن عباس قال: حدثنا سعيد بن سنان قال: حدثني حدير بن كريب، عن أبي ثعلبة الخشني (^١) أنه كان يقول: \"أيها الناس، إن من أشراط الساعة أن تنتقص العقول، وتعزب الأحلام، ويكثر الهم، وتقع علامات الحق، ويظهر الظلم، وإن من أشراط الساعة أن ترفع الأمانة، وترفع الرحمة، ويقطع الرحم، وتقطع الصدقة، ويلجم الناس الشح. . . \" (^٢).\n\n٩٧١ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير، دثنا عبد اللَّه بن رجاء، أرنا همام، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري قال: \"يسمعون صوتا من السماء: اقتربت الساعة، فمن بين مصدّق ومكذّب، وعارف ومنكر، فبينما هم كذلك، إذ يسمعون مناديا ينادي من السماء: يا أيها الناس اقتربت الساعة، قال: فمن بين مصدّق ومكذّب، وعارف ومنكر، فلا يلبثون إلا\n_________\n= (٢/ ١٩٨)، وابن الجوزي (١/ ٣٨١)، في غريب الحديث، وأصله في صحيح مسلم مرفوعا رقم (٢٩٥٠).\n(^١) هو أبو ثعلبة الخُشَنِي، صحابي مشهور بكنيته، مختلف في اسمه واسم أبيه أيضا، مات سنة (٧٥ هـ) وقيل قبل ذلك بكثير في أول خلافة معاوية بعد الأربعين، الإصابة (٧/ ٥٨)، التقريب (٨٠٠٦).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه علي بن عباس وهو ضعيف انظر الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ١٩٥)، العقوبات (٢٢٣) رقم (٣٥٣) والباقي غير واضح العبارة، ونعيم في الفتن (١/ ٦٣) رقم (١١٢) مختصرا.","vol":"3","page":1109},{"text":"يسيرا حتى يسمعون الصيحة، فذاك حين تلهى كل والدة عن ولدها\" (^١).\n\n٩٧٢ - حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، دثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: دثني أبيّ بن كعب قال: \"ستّ آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك، إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحرّكت، واضطربت، واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، فاختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ (^٢) قال: انطلقت، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ قال: أهملها أهلها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، انطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجّج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف فيه رجل مبهم، الأهوال (٧٣) رقم (٤٢).\n(^٢) سورة التكوير، الآيات (٥ - ٧).\n(^٣) إسناده حسن، فإن الربيع بن أنس صدوق له أوهام التقريب (١٨٩٢)، لكن فضله أبو حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٤٥٤) في ترجمة أبي العالية على أبي خلدة وهو صدوق، التقريب (١٦٣٧)، الأهوال (٥٥) رقم (٢٣)، وينظر رقم (٢١) حيث فسّر هذه المفردات، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٦٣)، وزاد ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٧٦) أن ابن أبي حاتم روى بعضه، وإليهم جميعا نسبه السيوطي في الدر =","vol":"3","page":1110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة الإشارة إلى بعض أشراط الساعة، فمن ذلك قربها، وبعثة النبي -ﷺ- في نسمها، وهو أول وقتها، وأنه لم يبق لقيامها إلا قليل القليل، كعين الغدير، شرب صفوها وبقي كدرها، وأنها لا تقوم إلا على شرار الناس الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، يتهارجون تهارج البهائم في الطريق، يأتي أحدهم المرأة في الطريق، ويتضاحك مع جلسائه، تنتقص العقول، وتعزب الأحلام، ويكثر الهم، وتقع علامات الحق، ويظهر الظلم، وترفع الأمانة، وترفع الرحمة، ويقطع الرحم، وتقطع الصدقة، ويلجم الناس الشح، وتسمع أصوات من السماء تخبر بقربها، ثم الصيحة فتلهو كل والدة عن ولدها، ثم الآيات الست التي ذكرها حذيفة -﵁- قبل وقوعها.\nفأما قربها: فلقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (^١)، وغيرها من الآيات الصريحة، قال صديق حسن خان: \"والآيات في ذلك كثيرة. . . والأحاديث في الباب لا تكاد تحصى، ولا يقال: كيف يوصف بالاقتراب ما قد مضى قبل وقوعه ألف ومئتان وأربع وتسعون عاما؟ لأن الأجل إذا مضى أكثره وبقي أقله فهو قريب\"، (^٢)، إلا أن الصنعاني ﵀\n_________\n= (٨/ ٤٢٧).\n(^١) سورة القمر، الآية (١).\n(^٢) الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة (١٦).","vol":"3","page":1111},{"text":"رجح قرب أشراط الساعة من بعثة النبي -ﷺ- وليس قرب وقوعها، بدليل طول الزمان من وفاته إلى يومنا هذا، بخلاف الأشراط فقد وقع كثير منها بعد وفاته بقليل، بل كان موته من أشراطها (^١)، والذي يظهر لي واللَّه أعلم أن قرب أشراطها من قربها، ولا تضر هذه المدة الطويلة من بعثة النبي -ﷺ- لأنه بالنسبة إلى ما سبق كالمهمل.\nوكونها لا تقوم إلا على شرار الناس: فقد ثبت في السنة ما يدل على ذلك، لكن ثبت أيضا ما قد يوهم خلافه وهو أن لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة (^٢)، فكيف تقوم الساعة على شرار الخلق وهؤلاء من خيار الخلق، وقد وفّق العلماء بين هذه النصوص بعدة أوجه؛ فمنهم من حمل لفظ الساعة على ظاهره في كل الأحاديث، وفسّر المراد بقيام الساعة عليهم باختلاف الأماكن والبقاع فتقوم الساعة على شرار الناس في مكان غير المكان الذي تكون فيه الطائفة الظاهرة،\n_________\n(^١) انظر الإذاعة (١٥ - ١٦)، والسنن الواردة في الفتن (٤/ ٧٧٠ - ٧٧١)، قال المحقق المباركفوري: \"وهذا الوجه الأخير قد يكون له وجه؛ لأن الواقع يشهد له ويؤيده\"، قلت: أما من جهة الدليل الشرعي فلم يعلق على ما استدل به الصنعاني وهو حديث لا يصح لأنه مرسل -كما رجح ابن أبي حاتم- من رواية عبد اللَّه ابن زبيب الجندي ذكر في الصحابة ولم يصح، انظر الإصابة (٥/ ١٨٨)، وأسد الغابة (١/ ٦٠٩).\n(^٢) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم برقم (١٧٠) وغيره، وعقد له أبو عمرو الداني بابا في كتابه الفتن (٦/ ٧٣٩) أورد فيه طرقه.","vol":"3","page":1112},{"text":"حيث وردت نصوص تفيد أن الطائفة المنصورة تكون ببيت المقدس، أو بحمل النصوص على الخصوص وإن كان اللفظ لفظ عموم، فالمراد أنها تقوم في الأغلب على شرار الخلق وهذا لا يمنع أن يكون فيهم خيار وهم الطائفة الظاهرة المنصورة (^١)، وكلا القولين لا يزيلان الإشكال، ولذلك تعقبهما الحافظ ابن حجر بأن قيام الساعة على شرار الخلق فقط أيدته عمومات كثيرة، ولذلك لا يمكن حمل الساعة على معناها الحقيقي في حق الطائفة المنصورة، قال: \"الجمع بينه وبين حديث: \"لا تزال طائفة\" حمل الغاية في حديث: لا تزال طائفة، على وقت هبوب الريح الطيبة، التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم، فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة\" (^٢)، فتبقى هذه الطائفة ظاهرة منصورة إلى أن يأتي أمر اللَّه أو قيام الساعة، والمراد بذلك الريح التي تهب فتأخذ كل مؤمن وذلك بعد نزول عيسى ﵇ (^٣)، ومقاتلة الدجال وظهور الآيات الكبرى للساعة، فلا يبقى إلا شرار الناس تقوم عليهم، قال ابن حجر: \"وجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر ومحمد بن مسلمة فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة: أن عبد اللَّه بن عمرو قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر: عبد اللَّه أعلم\n_________\n(^١) نقل ابن بطال قول الطبري، وكلاهما نقله ابن حجر في الفتح (١٣/ ٢٩٤).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ١٩، ٧٧).\n(^٣) وقد جاء ذلك مصرحا به كما سيأتي في أثر السكسكي قريبا.","vol":"3","page":1113},{"text":"ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر اللَّه ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك\"، فقال عبد اللَّه: أجل، ويبعث اللَّه ريحا ريحها ريح المسك، ومسها مسُّ الحرير، فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة: \"حتى تأتيهم الساعة\" ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح واللَّه أعلم\" (^١)، ووجه إطلاق الساعة على هبوب الريح: \"لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فهذا الوقت لقربه من القيامة يطلق عليه القيامة\" (^٢).\nوليس المراد استقصاء أشراط الساعة وذكر تفاصيلها هنا فإن لذلك كتبا مستقلة، وهي كثيرة جدا سواء منها ما صُنِّف على أنه من الأشراط الصغرى أو الكبرى، قال صديق حسن خان بعدما انتهى من ذكر الأشراط الصغرى: \"هذه قطرة من بحار أشراط الساعة ذات الفتن والأهوال، وذرة من وادي علاماتها وأماراتها التي وردت بها الأخبار والآثار والأقوال\"، ثم عقد بابا في الفتن العظام والمحن التي تعقبها الساعة وقال: \"وهي كثيرة جدا أيضًا\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٧٧)، وانظر: التذكرة للقرطبي (٧٩٨)، وشرح مسلم للنووي (٢/ ١٣٢)، لوامع الأنوار (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) الإشاعة (١٨٠)، ومثله النووي في شرح مسلم (٢/ ١٣٢).\n(^٣) الإذاعة (٩٤).","vol":"3","page":1114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>الفصل الثاني: الآثار الواردة في القبر</span>.\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: إثبات عذاب القبر.\nالمبحث الثاني: استمرارية عذاب القبر.\nالمبحث الثالث: إثبات وجود الملكين في القبر.\nالمبحث الرابع: تلاقي الأرواح.","vol":"3","page":1115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>المبحث الأول: الآثار الواردة في إثبات عذاب القبر</span>.\n\n٩٧٣ - حدثني محمد، ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشام بن حسان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن عمرو، عن عبد الحميد بن محمود المعولي قال: \"كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه قوم فقالوا: إنا خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا حتى أتينا ذا الصفاح (^١) فمات، فهيّأناه ثم انطلقنا، فحفرنا له قبرا، ولحدنا له، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد، فتركناه وحفرنا له مكانا آخر، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد، فتركناه وأتيناك، فقال ابن عباس: ذلك الغل الذي تغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها، فانطلقنا فدفناه، فلما رجعنا أتينا أهله بمتيّع كان له معنا، فقلنا لامرأته: ما كان عمل زوجك؟ فقالت: كان يبيع الطعام، فيأخذ كل يوم منه قوت أهله، ثم يقرض القصب مثله فيلقيه فيه\" (^٢).\n\n٩٧٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن داود بن\n_________\n(^١) الصفاح موضع بين حُنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة، معجم البلدان (٣/ ٤١٢).\n(^٢) إسناده حسن؛ واصل مولى أبي عيينة صدوق التقريب (٧٤٣٦)، القبور (١١٩) رقم (١٢٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١٢١٥ - ١٢١٦) رقم (٢١٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٣٤) رقم (٥٣١١)، وذكره ابن القيم في الروح (٧٠)، والسيوطي في شرح الصدور (١١٣)، وابن رجب في الأهوال (١١٣).","vol":"3","page":1116},{"text":"شابور، وعن أبي قزعة رجل من أهل البصرة (^١) أو عن غيره، قال: \"مررنا ببعض المياه التي بيننا وبين البصرة، فسمعنا نهيق حمار، فقلنا لهم: ما هذا النهيق؟ قالوا: هذا رجل كان عندنا، فكانت أمه تكلّمه بالشيء، فيقول: انهقي نهيقك، قال غير إسحاق: فكانت أمه تقول: جعلك اللَّه حمارا، فلما مات، نسمع هذا النهيق عند قبره كل ليلة\" (^٢).\n\n٩٧٥ - حدثني سويد بن سعيد قال حدثنا الحكم بن سنان عن عمرو ابن دينار (^٣) قال: \"كان رجل من أهل المدينة له أخت في باحة المدينة، فهلكت وأتى السوق يجهزها ولقيه رجل معه كيس فيه دنانير، فجعلته في حجرته (^٤)، فلما دفنها ورجع إلى منزله ذكر الكيس في القبر فاستعان برجل من أصحابه فنبشا فوجدا الكيس، فقال الرجل لصاحبه: تنحى حتى. . . على الرجال (^٥) أختي فرفع ما على اللحد، وإذا القبر يشتعل نارا،\n_________\n(^١) هو سويد بن حُجَير الباهلي، أبو قزعة البصري، ثقة، قال أبو داود: لم يسمع من عمران بن حصين، التقريب (٢٦٨٨)، ثقة ثبت، انظر العلل لأحمد (٣/ ٤٧٥).\n(^٢) إسناده صحيح، مجابو الدعوة (٨٤) رقم (٤٨)، من عاش بعد الموت (٣٠ - ٣١) رقم (٢٥ - ٢٧)، والمروزي في البر والصلة رقم (١٠٧)، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ٣١٩) نقلا عن المصنف من كتاب القبور.\n(^٣) هو عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، مات سنة (١٢٦ هـ)، التقريب (٥٠٢٤).\n(^٤) في طبعة الجابي: \"فجعله في حجزته\".\n(^٥) في طبعة الجابي: \"تنحَّ حتى انظر على أي حال أختي\".","vol":"3","page":1117},{"text":"فرده ودعا الرجل فسوى معه القبر، ثم رجع إلى أمه فقال: أخبريني ما حال أختي؟ قالت: وما تسأل عنها؟ السر قد مات (^١)، قال: أخبريني، قالت: كانت أختك تؤخر الصلاة ولا تصلي فيما كتب (^٢) الوضوء، وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابهم فتُخرج حديثهم\" (^٣).\n\n٩٧٦ - أخبرنا أبو بكر المديني، أخبرنا ابن عفير، ذكر يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن الحويرث بن الرباب (^٤) قال: \"بينما أنا بالأثاية (^٥)، إذ خرج علينا إنسان من قبر، يلتهب وجهه ورأسه نارا، وهو في جامعة من حديد، فقال اسقني من الإداوة، وخرج إنسان في أثره فقال: لا تسق الكافر، لا تسق الكافر، فأدركه فأخذ بطرف السلسلة فجذبه فكبّه، ثم جرّه حتى دخلا القبر جميعا، فقال الحويرث: فضربت بي الناقة لا أقدر منها على كل شيء حتى التوت بعرق الظبية (^٦)، فبركت فنزلت، فصليت المغرب والعشاء الآخرة، ثم ركبت حتى أصبحت بالمدينة،\n_________\n(^١) في نسخة الجابي: \"وما ننقل عنها السر قد ماتت\".\n(^٢) في طبعة الجابي: \"فيما أظن\".\n(^٣) إسناده ضعيف فيه ابن سنان وهو الباهلي ضعيف التقريب (١٤٥٢)، الورع (٧٢) رقم (٨٤).\n(^٤) ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٩٠).\n(^٥) أَثَايَة: موضع في طريق الجحفة، بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخا، معجم البلدان (١/ ٩٠).\n(^٦) عِرْق الظُّبْيَة من الروحاء على ثلاثة أميال مما يلي المدينة، وبه مسجد للنبي -ﷺ-، معجم البلدان (٤/ ٥٨).","vol":"3","page":1118},{"text":"فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته الخبر فقال: يا حويرث واللَّه لا أتهمّك، ولقد أخبرتني خبرا شديدا، ثم أرسل عمر إلى مشيخة من كنفي الصفراء (^١) قد أدركوا الجاهلية، ثم دعا الحويرث فقال: إن هذا أخبرني حديثا ولست أتهمه، حدثهم يا حويرث ما حدثتني، فحدّثتهم فقالوا: قد عرفنا يا أمير المؤمنين، هذا رجل من بني غفار مات في الجاهلية، فحمد اللَّه عمر وسُرَّ بذلك حين أخبروه أنه مات في الجاهلية، وسألهم عمر عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين كان رجلا من رجال الجاهلية، ولم يكن يرى للضيف حقا\" (^٢).\n\n٩٧٧ - أخبرنا عبد الرحمن بن صالح العتكي، أخبرنا خالد بن حيان أبو يزيد الرقي، عن كلثوم بن جوشن القشيري، عن يحيى المدني، عن سالم ابن عبد اللَّه عن أبيه قال: \"خرجت مرة لسفر، فمررت بقبر من قبور\n_________\n(^١) الصفراء على لفظ تأنيث أصفر، قرية فوق ينبع، كثيرة المزارع والنخل، ماؤها عيون يجري فضلها إلى ينبع، معجم ما استعجم (٣/ ٨٣٦).\n(^٢) إسناده صحيح؛ وأبو بكر المديني ورد عند ابن حجر: \"أبو بكر المدائني أحمد بن منصور\" وهو يروي عن ابن عفير ويروي عنه المصنف، ولم أجده بهذه النسبة لكن أحمد بن منصور معروف بالرمادي ثقة حافظ، طعن فيه أبو داود لمذهبه في القرآن التقريب (١١٤)، من عاش بعد الموت (٥٦) رقم (٥٥)، القبور رقم (١١٤)، الصبر رقم (٥٦)، إكرام الضيف رقم (١٠١) لأبي إسحاق الحربي عن محمد بن عبد الملك به، وأورد القصة ابن حجر في الإصابة (١/ ٣٨٣) عن المصنف وبنى عليها أن الحويرث صحابي، وذكره أيضًا الهندي في كنز العمال (٦/ ١١٠٩).","vol":"3","page":1119},{"text":"الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجّج نارا، في عنقه سلسلة من نار، ومعي إداوة من ماء، فلما رآني قال: يا عبد اللَّه اسقني، قال: قلت: عرفني باسمي، أو كلمة تقولها العرب يا عبد اللَّه؟ إذا خرج على إثره رجل من القبر فقال: يا عبد اللَّه لا تسقه؛ فإنه كافر، ثم أخذ السلسلة واجتذبه فادخله القبر، قال: ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانب بيتها قبر، فسمعت من القبر صوتا يقول: بَوْلٌ وما بَوْلٌ، شَنٌّ وما شَنٌّ (^١)، فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان هذا زوجا لي، وكان إذا بال لم يتق البول، وكنت أقول له: ويحك إن الجمل إذا بال تفاج، فكان يأبى، فهو ينادي منذ يوم مات: بَوْلٌ وما بَوْلٌ، قلت: فما الشِنّ؟ قالت: جاءه رجل عطشان، فقال: أسقني، فقال: دونك الشِنّ، فإذا ليس فيه شيء، فخرّ الرجل ميتا، فهو ينادي منذ يوم مات شِنٌّ وما شِنٌّ، فلما قدمت على رسول اللَّه -ﷺ- أخبرته فنهى أن يسافر الرجل وحده\" (^٢).\n_________\n(^١) هو القربة الخلقة، مختار الصحاح (٣٥٤).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه كلثوم بن جوشن وهو ضعيف التقريب (٥٦٩١)، من عاش بعد الموت (٣٣ - ٣٤) رقم (٣٢، ٣٣)، والقبور قصة صاحب القبر الذي طلب الماء فقط برقم (٩٣) وفيه أن السفر كان بين مكة والمدينة، وبرقم (٩٥) أنه أصبح وقد ابيضّ شعره حتى صار كالنعامة، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١٢١٤ - ١٢١٥) رقم (٢١٤٨ - ٢١٥٠)، ومن طريق المصنف ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٩) وعلق عليه بقوله: \"قال أبو عمر: هذا الحديث ليس له إسناد، ورواته مجهولون، ولم نورده للاحتجاج به، ولكن للاعتبار، وما لم يكن فيه حكم =","vol":"3","page":1120},{"text":"٩٧٨ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه، عن سعيد بن محمد الجرمي، ثنا أبو تميلة، ثنا زيد بن عمر التيمي، ثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: \"كان صفوان بن أمية (^١) في بعض المقابر، فإذا أنوار قد أقبلت ومعها جنازة، فلما دنوا من المقبرة، قال: انظروا قبر كذا وكذا، قال: فسمع رجل صوتا من القبر حزينا موجعا يقول:\nأنعم بالضعينة عينا ... وبمسراك يا أمين إلينا\nجزعا ما جزعت من ظلمة القبر ... ومن مسك التراب أمينا\nقال: فأخبر القوم بما سمع فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، ثم قال: هل تدري من أمينة؟ قلت: لا، قالوا: صاحبة هذا السرير، وهذه أختها ماتت عام أول، فقال صفوان: قد علمنا أن الميت لا يتكلم فمن أين هذا الصوت؟ \" (^٢).\n_________\n= فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء واللَّه المستعان\"، ونقل كلامه هذا الزرقاني في شرح الموطأ (٤/ ٥٠١).\n(^١) هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن قدامة بن جح القرشي الجمحي المكي، صحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان، وقيل في أوائل خلافة معاوية، الإصابة (٣/ ٤٢٣)،، التقريب (٢٩٣٢).\n(^٢) فيه ضعف، شيخ المصنف هو أبو إسحاق الهروي صدوق حافظ تكلم فيه بسبب القرآن كما في التقريب (١٩٥)، وفي طبقته أبو إسحاق المخرمي إبراهيم بن عبد اللَّه ذكر في الرواة الجرمي، لكن لم يذكر في شيوخ ابن أبي الدنيا، ولا ابن أبي الدنيا في تلاميذه، ومجالد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره كما في التقريب (٦٥٢٠)، =","vol":"3","page":1121},{"text":"٩٧٩ - حدثني محمد بن المثنى العنزي، قال: وجدت في كتاب جدي علي بن طارق بن زيد الجعفي، ثنا الثمالي: \"أن رجلا خرج يتنزَّه، فإذا هو بصوت من قبر ينادي:\nهذا أبونا قد أتانا زائرا ... أحبب به زورا إلينا باكرا\nوخير ميت ضمن المقابرا ... جدّ إلينا عتبة سائرا\nقد وحَّد اللَّه زمانا صابرا ... عوض من توحيده أساورا\nفي جنة الفردوس نزلا فاخرا\nقال: فقلت: لا أبرح اليوم حتى أعلم ما هذا الصوت الذي سمعت، وعن الميت، فجيء بجنازة رجل، فسألتهم عنه فقيل: هذا رجل من الأنصار من بني سلمة، وهذا ابنه عتبة، وهذه ابنته عبيدة، فدفنوه بينهما، ثم انصرفوا\" (^١).\n\n٩٨٠ - حدثني إبراهيم بن عبد الملك، عن أبي جعفر الفراء قال: \"كان الحسن بن صالح إذا صعد الصومعة يشرف على أهل القبور فيقول: ما\n_________\n= إلا أن ابن عدي قوّى أمره في الشعبي خاصة كما في تهذيب الكمال (٧/ ٣٦)، أما زيد بن عمر فوقع في القبور رقم (٢٠) يزيد بن عمرو التيمي ولعله أبو عبد اللَّه التيمي ذكره ابن حبان في الثقات كما في تهذيب الكمال (٨/ ٣٥٤) وفي التقريب (٨٢٦٨): \"مجهول\"، كتاب الهواتف (٤٨ - ٤٩) رقم (٥٨)، والقبور برقم (٢٠)، وانظر شرح الصدور (٢١٦).\n(^١) سبق الأثر برقم (١١٩) في فضل التوحيد.","vol":"3","page":1122},{"text":"أحسن ظاهرك، إنما الدواهي بواطنك\" (^١).\n\n٩٨١ - حدثني الحسن بن سليمان، ثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ، حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه النميري، عن بقية الزهراني قال: سمعت ثابتا البناني قال: \"بينا أنا أمشي في المقابر إذ بهاتف يهتف من ورائي يقول: يا ثابت لا يغرّنَّك سكونها، فكم من مغموم فيها، قال: فالتفت فلم أر أحدا\" (^٢).\n\n٩٨٢ - حدثني سلمة بن شبيب، ثنا سهل بن عاصم، ثنا وداع بن مرجي بن وداع قال: سمعت بشر بن منصور يقول: قال لي عطاء الأزرق (^٣): \"إذا حضرت المقابر فليكن قلبك فيما أنت بين ظهرانيه، فإني بينا أنا نائم ذات ليلة في المقابر إذ تفكرت في شيء، فإذا بصوت يقول: إليك يا غافل، إنما أنت بين ناعم في نعيمه، أو معذّب في\n_________\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف سبق (٢)؛ وأبو جعفر الفراء لم أعرفه، القبور (٤٦) رقم (٣)، ورقم (١٠١) عن أبي الدرداء بسند لم يستطع المحقق قراءته كله، وذكره ابن القيم في الروح بصيغة التمريض (٦٩) وذكر عن سماك.\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه إبراهيم بن عبد اللَّه النميري قال عنه أبو زرعة في سؤالات البرذعي (٣٧٥): \"إبراهيم هذا لا أعرفه إلا أن روحا حدثنا عنه بهذا الحديث -يقصد نفس الأثر عن ثابت البناني-\"، وشيخه بقية الزهراني لم يذكر فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٦) جرحا ولا تعديلا، كتاب الهواتف (٤٢) رقم (٤٥)، وانظر شرح الصدور للسيوطي (٢١٨).\n(^٣) هو النساج العابد كما وصفه ابن أبي حاتم، ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، التاريخ الكبير (٦/ ٤٧٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٤٠).","vol":"3","page":1123},{"text":"سكراته يتقلّب\" (^١).\n\n٩٨٣ - حدثني أبو الحسن البصري، حدثني رباح شيخ كان ينزل بالعدوية، عن جار له قال: \"مررت بالمقابر فتركت عليهم فهتف هاتف: نعم فترحم عليهم، فإن فيه المهموم والمحزون\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات عذاب القبر، ووجه إثباته فيها هو ما ورد عن بعض السلف من رؤيتهم لأنواع منه، كرؤية الحية التي تملأ لحد الغاش في طعامه، أو نهيق الرجل الذي كان يعصي أمه فدعت عليه بأن يحول حمارا، أو اشتعال القبر نارا على التي كانت تؤخر الصلاة عن وقتها، وتتجسس على جيرانها، بل أكثر وضوحا منها ما رآه بعضهم من تعذيب أشخاص بأعيانهم بالنار كما في قصة الحويرث بن الرباب الذي رأى إنسانا يلتهب وجهه ورأسه نارا. . .، وقد استعظم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁- هذا الخبر فجمع له بعض أشياخ أدركوا الجاهلية فأخبروه أنهم يعرفونه وكان من أهل الجاهلية الذين لا يرون للضيف حقا، ثم\n_________\n(^١) إسناده إلى صاحب القصة حسن، كتاب الهواتف (٤٢ - ٤٣) رقم (٤٦)، وانظر: أهوال القبور لابن رجب (٤٦٤)، شرح الصدور للسيوطي (٢١٧) فقد عزياه للمصنف.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه جهالة رباح، وشيخ المصنف لعله البصري الأدمي وهو ثقة كما في التقريب (٥٢٠٩)، كتاب الهواتف (٤٤) رقم (٤٩)، وانظر أهوال القبور لابن رجب (٢١٥).","vol":"3","page":1124},{"text":"حدث هذا لابنه عبد اللَّه الذي رأى رجلا خرج من القبر يتأجّج نارا، أو سماع بعض الأصوات التي يظن أنها لأصحاب القبر، أو شهادتهم بأن تحت القبور دواهي وغموم، وأن أصحابها بين منعم في نعيمه، ومعذب في عذابه، مهموم ومحزون.\nوهذا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة كما قال الإمام أحمد: \"أصول السنة عندنا. . . الإيمان بعذاب القبرا\" (^١)، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر قال شيخ الإسلام: \"ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي -ﷺ- مما يكون بعد الموت؛ فيؤمن بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه\" (^٢)، ولما ذكر الإسفراييني إنكار المعتزلة لعذاب القبر قال: \"وفي عذاب القبر قد بلغت الأخبار حد التواتر في المعنى، وإن كان كل واحد منها لم يبلغ حد التواتر في اللفظ\" (^٣)، وكذا شيخ الإسلام لما ذكر إنكار الجهمية له قال: \"وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون\" (^٤).\n_________\n(^١) أصول السنة (٣٠)، وانظر: الإبانة للأشعري (٢٤٧)، واعتقاد أئمة الحديث (٦٩)، الإيمان لابن منده (٢/ ٩٦٢)، وشعار أصحاب الحديث (٣٢)، وشرح السنة للبربهاري (٢٥)، وشرح العقيدة الطحاوية (٥٠)، وألف البيهقي ﵀ كتاب إثبات عذاب القبر أورد عدة أحاديث وآثار في الموضوع، كما أفرد له بابا في كتابه الاعتقاد (٢١٩).\n(^٢) العقيدة الواسطية (٢٠).\n(^٣) التبصير في الدين (٦٧)، وانظر كذلك مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٥).\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢٠).","vol":"3","page":1125},{"text":"وأما الروايات التي وردت في هذه الآثار من رؤية بعض السلف لشيء من عذاب القبر، لا سيما ما صح السند إلى أصحابه وهم ثقات عدول، فإنه لا ينافي عقيدة أهل السنة، ولا يوجد شيء يستدعي استنكاره أو التشكيك فيه، وإن كان ذلك قد وقع لا سيما عند من لم يكن عنده خبرة بالآثار وأقوال السلف، وقد فصّل ابن القيم ﵀ ذلك فقال: \"النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا، ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا فلا يحس به أهل الدنيا. . . وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا اللَّه من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه اللَّه وعصمه. . . فإذا شاء اللَّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيدة أطلعه، وغَيَّبَه عن غيره؛ إذ لو طلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف، والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس. . . فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن تقع أحيانا لمن شاء اللَّه أن يريه ذلك -ثم ذكر آثارا كثيرة في هذا المعنى عن ابن أبي الدنيا وغيره- وهذه الأخبار وأضعافها وأضعاف أضعافها مما لا يتسع لها الكتاب مما أراه اللَّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا\" (^١).\n_________\n(^١) الروح (٦٧ - ٧١).","vol":"3","page":1126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>المبحث الثاني: الآثار الواردة في استمرارية عذاب القبر</span>.\n\n٩٨٤ - دثنا إسحاق بن إسماعيل، دثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (^١) قال: تكون للكافر والمؤمن، فلما أصابتهم النفخة قال الكافر: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ويقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قال سفيان: هذا موصول مفصول (^٢) \" (^٣).\n\n٩٨٥ - دثنا عمار بن نصر المروذي، دثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد ابن بشير قال: أرني قتادة: \"إنه لا يفتّر عن أهل القبور عذاب القبر إلا فيما بين نفخة الصعق ونفخة البعث، فلذلك يقول الكافر حين يبعث: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ يعني تلك الفترة، فيقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ\n_________\n(^١) سورة يس، الآية (٥٢).\n(^٢) في نسخة مجدي السيد: \"مفضول\" وهو لا يناسب المعنى، والتصويب من نسخة المباركفوري.\n(^٣) إسناده صحيح، والظاهر أن المراد بسفيان هو ابن حبيب البصري ثقة التقريب (٢٤٤٩) لأنه أعلم الناس بحديث سعيد كما في ترجمته من تهذيب الكمال (٣/ ٢١٣)، الأهوال (١١٥) رقم (٨٥)، وأخرجه بنحوه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٧)، وذكره السيوطي في الدر (٧/ ٦٣) ونسبه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وليس عند الجميع تعليق سفيان بقوله: \"هذا موصول مفصول\".","vol":"3","page":1127},{"text":"وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ \" (^١).\n\n٩٨٦ - أخبرنا حماد بن محمد الفزاري قال: بلغني عن الأوزاعي أنه سأله رجل بعسقلان على الساحل فقيل له: يا أبا عمرو، إنا نرى طيرا سودا يخرج من البحر، فإذ كان العشيّ عاد مثلها بيضا، قال: وفطنتم لذلك؟ قالوا: نعم، قال: تلك طير في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار فتلفحها، فيسود ريشها، ثم يلقى ذلك الريش، ثم تعود إلى أوكارها فتلفحها النار، فذلك دأبها حتى تقوم الساعة، فيقال: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان أن عذاب القبر مستمر غير منقطع، وأنه لا ينقطع إلا بقيام الساعة، كما صرح بذلك قتادة ﵀ بأن العذاب لا يفتر إلا ما بين النفختين أي نفخة الصعق ونفخة البعث، وبعدها يقول\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه عنعنة الوليد، الأهوال (١١٧) رقم (٨٧)، تقدم بنحوه عن قتادة وهو الذي قبله برقم (٩٨٤).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه حماد بن محمد الفزاري وقد ضعفه صالح جزرة انظر لسان الميزان (٢/ ٣٥٣)، من عاش بعد الموت (٤٧ - ٤٨) رقم (٤٨)، وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٧١) في صدد تعداد من قال بهذا القول من السلف وفيه سماع حماد من الأوزاعي، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٢٩١) للمصنف في هذا الكتاب وابن جرير.","vol":"3","page":1128},{"text":"الكافر: من بعثنا من مرقدنا، ويقول المؤمن: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، وأثر الأوزاعي المشهور في الطير التي كانوا يرونها وتفسيرها بأنها أرواح آل فرعون تعذب إلى قيام الساعة ويوم تقوم الساعة يدخلون أشد العذاب (^١)، والقول باستمرارية عذاب القبر ودوامه لا يلزم منه عدم انقطاعه مطلقا بل هو أنواع كما قال ابن القيم: \"قوله عذاب القبر دائم أم منقطع؟ جوابها أنه نوعان:\nنوع دائم: سوى ما ورد في بعض الأحاديث أنه يخفف عنهم ما بين النفختين، فإذا قاموا من قبورهم قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا.\nالنوع الثاني إلى مدة ثم ينقطع: وهو عذاب بعض العصاة، الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة ثم يزول عنه العذاب، وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء، أو صدقة، أو استغفار، أو ثواب حج، أو قراءة تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم، وهذا كما يشفع الشافع في المعذب في الدنيا فيخلص من العذاب بشفاعته\" (^٢).\n_________\n(^١) وهذا التفسير وإن كان يحتاج إلى توقيف من حيث هذه الكيفية، إلا أن المراد هو فهم السلف لهذه الآية على استمرارية عذاب القبر على آل فرعون، انظر إثبات عذاب القبر للبيهقي (١٢٩ - ١٣٠)، واعتقاد أئمة الحديث (٦٩).\n(^٢) الروح (٨٩ - ٩٠)، وشرح العقيدة الطحاوية (٣٩٦)، العاقبة في ذكر الموت (٢٤٦).","vol":"3","page":1129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>المبحث الثالث: الآثار الواردة في إثبات وجود الملكين في القبر</span>.\n\n٩٨٧ - أخبرني يحيى بن جعفر، ذكر عمرو بن عثمان بن أخي علي ابن عاصم (^١)، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد ابن طريف (^٢) قال: \"مات أخي، فلما ألحد وانصرف الناس وضعت رأسي على قبره، فسمعت صوتا ضعيفا، أعرف أنه صوت أخي وهو يقول: اللَّه، فقال له الآخر: فما دينك: قال: الإسلام\" (^٣).\n\n٩٨٨ - ذكر محمد بن الحسين، ذكر أبو زيد: شجاع بن الوليد السكوني، ذكر العلاء بن عبد الكريم (^٤) قال: \"مات رجل، وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفنّاه، فلما انصرف الناس وضعت رأسي على القبر، فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول: من ربك ومن نبيّك؟\n_________\n(^١) صوابه عمر بدون الواو بن عاصم وهو صدوق التقريب (٤٩٨٠)، وانظر الجرح والتعديل (٦/ ١٢٤) فقد ذكر أنه ابن أخي علي بن عاصم، وبسبب هذا التصحيف قال محقق الكتاب عبد اللَّه الدرويش لم أجد له ترجمة.\n(^٢) لم أجد له ترجمة، وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ٧٨٢) بهذا لأثر، وذكر ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٤١) يزيد بن طريف هكذا دون نسبة، يروي عن أبي هريرة فلا أدري هل هو هذا؟ .\n(^٣) إسناده حسن، من عاش بعد الموت (٤٢) رقم (٤١)، وابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٥١٣) رقم (٧٣٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٥٤)، ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم (٨/ ٨٩).\n(^٤) هو العلاء بن عبد الكريم اليامي، أبو عون الكوفي، ثقة عابد، توفي في حدود (١٥٠ هـ)، التقريب (٥٢٤٨).","vol":"3","page":1130},{"text":"فسمعت صوت أخي وهو يقول: اللَّه ربي، ومحمد -ﷺ- نبيِّي، قال له الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام\" (^١).\n\n٩٨٩ - حدثني محمد بن حميد بن عبد الرحمن بن يوسف الأصبهاني قال: وجدت كتابا عند جدي عبد الرحمن بن يوسف: من محمد بن يوسف إلى عبد الرحمن بن يوسف: \"سلام عليك، فإني أحمد اللَّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني محذّرك متحوَّلَك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها، فيأتيك منكر ونكير، فيقعدانك وينتهزانك، فإن يكن اللَّه معك فلا بأس ولا وحشة ولا فاقة، وإن يكن غير ذلك فأعاذني اللَّه وإياك من سوء مصرعٍ وضيق مضجعٍ، ثم تتبعك صيحة الحشر ونفخة الصور وبروز (^٢) الجبّار لفصل قضاء الخلائق، وخلاء الأرض من أهلها، والسموات من سكانها، فباحت الأسرار، وأُسعرت النار، ووضعت الموازين، وجيء بالنبيّين والشهداء: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ (^٣)، فيا ليت شعري ما حالي وحالك يومئذ؟ ففي هذا ما هدم اللذات، وسلا عن الشهوات،\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ شجاع بن الوليد صدوق ورع له أوهام كما سبق (٦٤٨)، من عاش بعد الموت (٤٢) رقم (١٢)، والقبور برقم (١٣٤) وفيه التصريح بالسماع في كل السند، وإضافة في الأخير: \"ثم ارتفع شبه سهم من داخل القبر إلى أذني، فاقشعر جلدي، فانصرفت\"، وانظر الذي قبله برقم (١٣٣).\n(^٢) أثبت المحقق (وقيام) بدل (وبروز) من الإحياء، ولم يظهر لي وجه ذلك، وأرى أنه لا مبرر لفعله، لاسيما وأنه لم يعتمد على مخطوط وإنما مطبوعة الإحياء، وهذا غريب في منهج التحقيق.\n(^٣) سورة الزمر، الآية (٧٥).","vol":"3","page":1131},{"text":"وقصر الأمل، فاستيقظ النائمون، وحذر الغافلون، أعاننا اللَّه وإياك على هذا الخطر العظيم، وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها من قلوب المتقين، فإنما نحن به وله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات السؤال في القبر، والتنصيص على الملكين الموكلين به وهما: منكر ونكير، وهي مسألة تابعة لما قبلها حيث أورد العلماء الكلام عليها عند الكلام على إثبات عذاب القبر؛ لأنها تفصيل لهذا وذكر لأنواعه وبداياته، ولذلك فهى مسألة إجماعية كسابقتها قال ابن القيم: \"أحاديث عذاب القبر، ومساءلة منكر ونكير، فكثيرة متواترة عن النبي -ﷺ-. . . وهذا كما أنه مقتضى السنة الصحيحة، فهو متفق عليه بين أهل السنة\" (^٢) وقال ابن أبي عاصم: \"في المساءلة أخبار ثابتة، والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى اللَّه أن يثبتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير والقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده لين، شيخ المصنف لم أجده إلا عند أبي نعيم في تاريخ أصبهان ولم يذكر فيه توثيقا ولا تجريحا، قصر الأمل (٦٢ - ٦٣) رقم (٦٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٣٦)، وفي تاريخ أصبهان (٢/ ١٦٣) في ترجمة شيخ المصنف.\n(^٢) الروح (٥٢، ٥٧)، وانظر في تصحيح ما ورد من تسمية الملكين بمنكر ونكير السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٨٠).\n(^٣) السنة لابن أبي عاصم (١/ ٤٠٦).","vol":"3","page":1132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>المبحث الرابع: الآثار الواردة في تلاقي الأرواح بعد الموت</span>.\n\n٩٩٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني يحيى بن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن المبارك، عن ثور بن يزيد، عن أبي رهم، عن أبي أيوب (^١) قال: \"تعرض أعمالكم على الموتى؛ فإن رأوا حسنا فرحوا واستبشروا وقالوا: اللهم هذه نعمتك على عبدك فأتمها عليه، وإن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع به\" (^٢).\n\n٩٩١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن أبا الدرداء كان يقول: \"إن أعمالكم تعرض على موتاكم؛ فيسرّون ويساؤون، وكان أبو الدرداء يقول عند ذلك: \"اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا يخزى به عبد اللَّه بن رواحة\" (^٣).\n_________\n(^١) هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، أبو أيوب، من كبار الصحابة، شهد بدرا، ونزل النبي -ﷺ- حين قدم المدينة عليه، مات غازيا الروم سنة (٥٠ هـ) وقيل بعدها، الإصابة (٢/ ٢٣٤)، التقريب (١٦٣٣).\n(^٢) إسناده حسن، ويحيى بن إسحاق هو السيلحيني صدوق التقريب (٧٥٤٩)، المنامات الناس (٨) رقم (٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٤٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٠١)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٦٠٧) لابن المبارك، ويروى مرفوعا ولا يصح رفعه انظر العلل المتناهية (٢/ ٩١١)، ويراجع لزاما الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع لابن حجر (١/ ٨٧).\n(^٣) إسناده لين؛ ولا أعرف لعبد الرحمن سماعًا من أبي الدرداء واللَّه أعلم، المنامات (٩) =","vol":"3","page":1133},{"text":"٩٩٢ - حدثني محمد بن عبد اللَّه بن بزيع، حدثنا فضيل بن سليمان النميري، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن جده (^١) قال: \"لما مات بشر بن البراء بن معرور، وجدت عليه أم بشر وجدا شديدا فقالت: يا رسول اللَّه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة، فهل يتعارف الموتى، فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"نعم والذي نفسي بيده يا أم بشر، إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رؤوس الشجر\"، وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر فقالت: يا فلان عليك السلام، فيقول: وعليك، فتقول: اقرأ على بشر السلام\" (^٢).\n\n٩٩٣ - حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا أشعث،\n_________\n= رقم (٤)، والذي بعده وفيه أن عبد اللَّه بن رواحة خال أبي الدرداء، وابن المبارك في الزهد رقم (١٦٥).\n(^١) هو أبو لبيبة الأنصاري الأشهلي، روى عن النبي -ﷺ-، لم يرو عنه غير ابنه عبد الرحمن، انظر الإصابة (٧/ ٣٥١)، الاستيعاب (١/ ٥٦٠).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فضيل بن سليمان صدوق له خطأ كثير التقريب (٥٤٦٢)، ويحيى ابن عبد الرحمن بن أبي لبيبة ليس بشيء انظر لسان الميزان (٦/ ٢٧٤)، المنامات (١٧ - ١٨) رقم (١٤)، وذكره ابن حجر في الإمتاع (٨٧) وضعفه وقال: \"وروى الطبراني من وجه آخر: أن أم بشر -وهي هذه- جاءت إلى كعب بن مالك عند موته فقالت: أقرئ بشر السلام، وهو شاهد قوي لحديث أبي لبيبة\"، وفي التاريخ الكبير (٥/ ٣٠٥) للبخاري نحوه، وذكره ابن القيم في كتاب الروح (١/ ٢١٠) مصدرا بقوله: \"وقد جاءت سنة صريحة بتلاقي الأرواح\".","vol":"3","page":1134},{"text":"عن جعفر، عن سعيد قال: \"إذا مات الميت استقبله ولده كما يستقبل الغائب\" (^١).\n\n٩٩٤ - حدثنا أبو هشام، حدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه: \"إنه ليبشر المؤمن بصلاح ولده من بعده لتقر عينه\" (^٢).\n\n٩٩٥ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: سمعت صالحا المري قال: \"بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت، فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم: كيف كان مأواك؟ وفي أي الجسدين كنت، في طيب أو خبيث؟ قال: ثم بكى صالح حتى غلبه البكاء\" (^٣).\n\n٩٩٦ - حدثني سريج بن يونس، حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني عمار، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال حذيفة: \"الروح بيد ملك، وإن الجسد ليغسل، وإن الملك ليمشي معه إلى القبر، فإذا سوي عليه سلك فيه، فذلك\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، يحيى بن يمان صدوق عابد يخطئ كثيرا وقد تغير التقريب (٧٧٢٩)، المنامات (١٨ - ١٩) رقم (١٥)،، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ١٩)، والسيوطي في شرح الصدور (٩٢).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك وقد كذبه الثوري التقريب (٤٢٩١)، المنامات (١٩) رقم (١٦)، وذكر ابن القيم في الروح (١/ ١٢) بقوله: \"وصح عن مجاهد\"، والسيوطي في الدر (٧/ ٣٢٣) ونسبه لأبي نعيم في الحلية، وابن الجوزي في الثبات عند الممات (٧٣).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه صالح المري وقد سبق (١٧٤)، المنامات (٤٨) رقم (٦٠).","vol":"3","page":1135},{"text":"حتى يخاطب\" (^١).\n\n٩٩٧ - حدثني الحسين بن محمد العنقزي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: \"الروح بيد ملك يمشي مع الجنازة يقول: اسمع ما يقال لك، فإذا بلغ حفرته دفنه معه\" (^٢).\n\n٩٩٨ - حدثني محمد بن يزيد الآدمي، حدثنا محمد بن عثمان بن صفوان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد: \"إذا مات الميت فملك قابض نفسه، فما من شيء إلا وهو يراه، عند غسله، وعند حمله، حتى يصير إلى قبره\" (^٣).\n\n٩٩٩ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمد ابن طلحة بن مصرف قال: سمعت بكر بن عبد اللَّه المزني (^٤) يقول: \"بلغني\n_________\n(^١) إسناده حسن إن كان سالم سمع من حذيفة فإنه ثقة وكان يرسل كثيرا التقريب (٢١٨٣)، المنامات (١١ - ١٣) رقم (٧)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٤٥) دون قوله: \"فذلك حتى يخاطب\"، وذكره ابن طاهر في البدء والتاريخ (٢/ ١٢٠).\n(^٢) إسناده لين، عبد الرحمن بن أبي زياد مقبول التقريب (٣٨٨٩)، المنامات (١٣ - ١٤) رقم (٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٥٨) رقم (٣٤٩٥٢).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن عثمان بن صفوان وهو الجمحي ضعيف التقريب (٦١٧٠)، المنامات (١٤ - ١٥) رقم (٩)، ذكره ابن رجب في أهوال القبور (٢٩٧)، والسيوطي في شرح الصدور (٩٤) ونسباه للمصنف فقط.\n(^٤) هو بكر بن عبد اللَّه المزني، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة ثبت جليل، مات سنة =","vol":"3","page":1136},{"text":"أنه ما من ميت إلا وروحه بيد ملك الموت، فهم يغسلونه ويكفنونه، وهو يرى ما يصنع أهله، فلو أنه يقدر على الكلام لنهاهم عن الرَّنَّة والعَوِيل (^١) \" (^٢).\n\n١٠٠٠ - حدثني محمد بن عثمان العقيلي قال: سمعت يحيى الحماني قال: دخل حماد بن مغيث على ابن السماك يعوده في مرضه، فقال: سمعت سفيان يقول: \"إنه ليعرف كل شيء -يعني الميت (^٣) - حتى إنه ليناشد غاسله باللَّه إلا خففت غسلي\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات تلاقي الأرواح بعد موت الإنسان، حيث تتلاقى وتتزاور فيما بينهما، كما تتلقى من يموت حديثا وتستخبره عن أحوال من تعرفه من أهل الدنيا، فتسر بحسناتهم، وتحزن لقبيح فعالهم، وقد اعتنى العلماء بهذه المسألة وعقدوا لها أبوابا مستقلة في كتبهم حتى\n_________\n= (١٠٦ هـ)، التقريب (٧٤٣).\n(^١) الرنة هي الصياح، والعويل رفع الصوت بالبكاء، مختار الصحاح (٤٦٧).\n(^٢) إسناده حسن إلى بكر، المنامات (١٥ - ١٦) رقم (١٠)، وذكره ابن رجب (٢٩٨)، والسيوطي (٩٥).\n(^٣) في الأصل الموت، والتصويب من طبعة عبد القادر عطا.\n(^٤) إسناده حسن؛ فيه يحيى الحماني وقد سبق (٧١٨)، المنامات (١٦) رقم (١١)، وذكره ابن رجب (٢٩٩)، والسيوطي (٩٥).","vol":"3","page":1137},{"text":"وصفها ابن القيم بأنها: \"مسألة شريفة كبيرة القدر\" (^١)، وقد غلب على هذه الآثار الضعف حتى ظن بعض العلماء أنه لم يصح منها شيء، قال ابن عبد البر: \"قد قالت العلماء بما وصفنا، واللَّه أعلم بالصحيح من ذلك، وما احتج به القوم فليس حجة واضحة، ولا هو مما يقطع بصحته؛ لأنه ليس فيه خبر صحيح يقطع العذر، ويوجب الحجة، ولا هو مما يدرك بقياس ولا استنباط، بل العقول تنحسر وتعجز عن علم ذلك\" (^٢)، ولما أجاب الآلوسي على هذه المسألة أحال على كتاب الروح لابن القيم فتعقبه الألباني ﵀ بقوله: \"وقد ساق لها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والتابعين، لكن الأحاديث التي أوردها ليس فيها ما يحتج به من قبل إسناده، وقد فاته حديث أبي هريرة وفيه: \". . . وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض. . \" الحديث. وسنده حسن وصححه السيوطي وقد خرجته في \"الصحيحة\" (^٣).\nوهذا التلاقي والتزاور يتضمن أن الأرواح لا تفنى بعد الموت، ولا تموت اللهم إلا إن سُمِّي مفارقتها للجسد موتا، فهو اصطلاحي، أما أنها\n_________\n(^١) الروح (١٧)، وممن أفردها بالبحث ابن رجب في أهوال القبور (١٢٨)، القرطبي في التذكرة (٦١)، والألوسي في الآيات البينات (٩١).\n(^٢) التمهيد (٥/ ٢٤٥).\n(^٣) الآيات البينات (١٠٢)، وانظر الصحيحة رقم (٢٦٢٨).","vol":"3","page":1138},{"text":"تعدم ولا تبقى بعد مفارقتها الجسد فذلك قول الفلاسفة الذين اعتبروها عرضا من أعراض الجسم، وهذا كذلك ما تضمنته بقية الآثار السابقة في أن الروح بعد مفارقة البدن تبقى في قبضة يد مَلَك من الملائكة، حتى إنها لتعلم كل ما يفعله الغاسل، ومن حولها من الناس، وورودها مع البدن حتى تدخل القبر، فتعاد ليسأل الميت في قبره، ولخطورة القول بفناء الروح وموتها لم يعده العلماء من أقوال أهل الإسلام بل عدوه قولا شاذا؛ لأنه يؤدي إلى إنكار عذاب القبر ونعيمه، بل إلى إنكار معادها، قال شيخ الإسلام: \"مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأيضا تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب\" (^١) وقال: \"الذي عليه الأنبياء وأتباعهم، وجمهور العقلاء أن الروح تفارق البدن، وتبقى بعد فراق البدن، ومن قال من متكلمة أهل الملل أنه لا يبقى بعد البدن روح تفارقه، وأن الروح جزء من البدن، أو عرض من أعراض البدن، فقوله مع أنه خطأ في العقل الصريح هو أيضًا مخالف لكتب اللَّه المنزلة ولرسله ولمن اتبعهم من جميع أهل الملل\" (^٢) وقال ابن رجب عند مناقشته استدلالتهم ومنها قوله تعالى: \" ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (^٣) إنما أراد كل مخلوق فيه\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٩)، وانظر الصفدية (٢/ ٢٦٧).\n(^٢) الجواب الصحيح (٣/ ٢٨٦).\n(^٣) سورة آل عمران، من الآية (١٨٥)، ووردت في الأنبياء (٣٥)، والعنكبوت (٥٧).","vol":"3","page":1139},{"text":"حياة؛ فإنه يذوق الموت وتفارق روحُه بدنَه، فإن أراد أنها تعدم وتتلاشى فليس بحق، وقد اشتد نكير العلماء لهذه المقالة، حتى قال سحنون بن سعيد وغيره: هذا قول أهل البدع، والنصوص الكثيرة الدالة على بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان ترد ذلك وتبطله\" (^١).\n_________\n(^١) أهوال القبور (١٨٧).","vol":"3","page":1140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>الفصل الثالث: الآثار الواردة في القيامة</span>.\nوفيه عشرة مباحث:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في الصور.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في النفخ في الصور.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في هول الموقف.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في هوان الموقف على المؤمن.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في أرض المحشر وصفتها.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في الشفاعة.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في المقام المحمود.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في البعث وصفته.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في الصراط.","vol":"3","page":1141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>المبحث الأول: الآثار الواردة في الصور</span>.\n\n١٠٠١ - دثني عبيد اللَّه بن جرير، دثنا موسى بن إسماعيل، دثنا عبد الواحد بن زياد، دثنا عبيد اللَّه بن الأصم، دثنا يزيد بن الأصم قال: قال ابن عباس: \"إن صاحب الصور لم يطرف مُذ وُكِلَ بِهِ، كأن عينيه كوكبان دُرِّيان (^١)، ينظر تجاه العرش، ما يطرف مخافة أن يؤمر أن ينفخ فيه قبل أن يرتدّ إليه طرفه\" (^٢).\n\n١٠٠٢ - دثنا عبيد اللَّه بن جرير، دثنا مسلم بن إبراهيم، دثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود قال: \"الصور كهيئة القرن الذي ينفخ فيه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات الصور، وذكر شيء من أوصافه، وأنه كهيئة القرن، وأنه ينفخ فيه النفختان الأولى والثانية.\n_________\n(^١) مضيئان، القاموس المحيط (١/ ٥٠٠).\n(^٢) إسناده ضعيف، مداره على عبيد اللَّه بن الأصم مقبول التقريب (٤٣٣٣)، الأهوال (٨٢) رقم (٥١)، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ٨٤٤) رقم (٣٩٢).\n(^٣) إسناده حسن، فيه أبو الزعراء وهو الأكبر الكوفي عبد اللَّه بن هانئ وثقه العجلي كما في التقريب (٣٧٠١)، وانظر أيضًا تهذيب التهذيب (٣/ ٤٤٨)، الأهوال (٨٠) رقم (٤٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٣٥٣) رقم (٩٧٥٥)، ومسدد في مسنده كما في المطالب العالية لابن حجر (٥/ ١٠١) رقم (٤٥٣٥) وقال ابن حجر: \"صحيح موقوف\"، ونسبه السيوطي في الدر (٣/ ٢٩٧) لغير هؤلاء أيضًا.","vol":"3","page":1142},{"text":"وللصور تسميات كثيرة هو الصور والناقور الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (^١)، وهو البوق، وهو القرن، والناقور والبوق والصور كلها بمعنى واحد كما أفاده ابن حجر على اختلاف لغات العرب، فيكون معناه أنه قرن على هيئة البوق، والبوق معروف يزمر به، وهو الذي يتخذه اليهود للأذان، قال ابن حجر: \"ذكره في القرآن: في الأنعام، والمؤمنين، والنمل، والزمر، وق وغيرها، وهو بضم المهملة وسكون الواو، وثبت كذلك في القراءات المشهورة والأحاديث\" (^٢)، وهو من جملة الإيمان باليوم الآخر قال الشيخ حافظ حكمي: \"كما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الموت وما بعده، من فتنة القبر ونعيمه أو عذابه، وباللقاء والبعث، والنشور والقيام من القبور، كذلك يدخل في ذلك الإيمان بالصور والنفخ فيه، الذي جعله اللَّه سبب الفزع والصعق والقيام من القبور\" (^٣)، وقد نص الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد أنه من عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذا ابن بطة (^٤).\n_________\n(^١) سورة المدثر، الآية (٨).\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٣٦٧)، وانظر بعض تفاصيله في البداية والنهاية (١/ ٤٥).\n(^٣) معارج القبول (٢/ ٧٩٩).\n(^٤) انظر الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ١٩٦)، والشرح والإبانة (٢٢٣).","vol":"3","page":1143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>المبحث الثاني: الآثار الواردة في النفخ في الصور</span>.\n\n١٠٠٣ - دثني محمد بن الحسين، دثنا داود بن المحبر، دثنا ميمون المرئي قال: سمعت الحسن في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (^١) قال: \"وثب القوم من قبورهم لما سمعوا الصرخة ينفضون التراب\" (^٢).\n\n١٠٠٤ - دثنا إسحاق بن إسماعيل، دثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (^٣) قال: تكون للكافر والمؤمن، فلما أصابتهم النفخة قال الكافر: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ويقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قال سفيان: هذا موصول مفصول (^٤) \" (^٥).\n\n١٠٠٥ - دثني محمد، دثنا يحيى، عن الهياج بن بسطام، عن سعيد بن عبد اللَّه، عن وهب بن منبه قال: \"يبلون في قبورهم، فإذا سمعوا الصرخة عادت الأرواح إلى الأبدان والمفاصل بعضها إلى بعض، فإذا سمعوا النفخة\n_________\n(^١) سورة يس، الآية (٥١).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر متروك التقريب (١٨٢٠)، الأهوال (١١٤) رقم (٨٤).\n(^٣) سورة يس، الآية (٥٢).\n(^٤) في نسخة مجدي السيد: \"مفضول\" وهو لا يناسب المعنى، والتصويب من نسخة المباركفوري.\n(^٥) سبق الأثر مخرجا (٩٨٤).","vol":"3","page":1144},{"text":"الثانية وثب القوم قياما على أرجلهم ينفضون التراب عن رؤوسهم\" (^١).\n\n١٠٠٦ - دثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، أرنا هشيم، أرنا سيار، عن أبي جعفر، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (^٢)، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ (^٣) قال: \"هي مواقف، فأما الصعقة الأولى إذا صعقوا ماتوا فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فإذا نفخ في الصور النفخة الأخرى، فإذا هم قيام ينظرون، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه هياج بن بسطام، وهو ضعيف روى عنه ابنه خالد منكرات شديدة التقريب (٧٤٠٥)، الأهوال (١١٤) رقم (٨٣)، ذكره ابن كثير في النهاية البداية (١/ ١٨٣) عن المؤلف.\n(^٢) سورة المؤمنون، الآية (١٠١).\n(^٣) سورة الصافات، الآية (٥٠).\n(^٤) إسناده صحيح، وهشيم هو ابن بشير ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي التقريب (٧٣٦٢) وقد صرح بالسماع، الأهوال (٩٧) رقم (٦٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٥٤)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٤٥) رقم (١٠٥٩٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٨/ ١٩٥)، والبيهقي في المبحث (٧٨)، وفي الأسماء والصفات (٢/ ١٢٠)، وذكره إسحاق بن راهوية في مسنده (٣/ ٦٧٣)، والأثر علقه البخاري انظر الفتح (٨/ ٥٥٨)، وتغليق التعليق (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٦/ ١١٦) إلى سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بمثل لفظ المصنف، قلت طريق المصنف: عن أبي جعفر -وهو الباقر- عن ابن عباس -﵁- لم أجدها عند غيره، وإنما الذين خرجوه =","vol":"3","page":1145},{"text":"١٠٠٧ - دثنا يوسف، دثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، دثنا سعيد بن أبي أيوب، دثني محمد بن عبيدة المكي، عن أبي فراس يزيد بن رباح، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: \"ينفخ في الصور النفخة الثانية من الباب الآخر\" (^١).\n\n١٠٠٨ - دثنا هارون بن عمر القرشي، ثنا الوليد بن مسلم، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء بن يزيد السكسكي (^٢) قال: \"يبعث اللَّه ريحا طيّبة بعد قبض عيسى بن مريم -ﷺ-، وعند دنوّ من الساعة فتقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى شرار الناس يتهارجون، تهارج الحمر، عليهم تقوم الساعة، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث اللَّه على أهل الأرض الخوف، فترجف أفئدتهم ومساكنهم، فتخرج الجن والإنس\n_________\n= رووه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وذكر الطبري طريقا آخر عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^١) إسناده ضعيف، فيه محمد بن عبيدة المكي، أورده البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٧٤)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١٠): \"لا أعرفه\"، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤١٠)، الأهوال (٩٤) رقم (٦٠)، وأبو عمرو الداني في السنن والواردة في الفتن (٦/ ١٢٨١ - ١٢٨٢) رقم (٧١٧)، وذكره السيوطي في الدر (٧/ ٢٥٥) ونسبه لعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البخاري في التاريخ الكبير، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وابن حبان في الثقات، عداده في أهل الشام، يروى عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، التاريخ الكبير (٥/ ٤٦١)، الثقات (٥/ ٢٠١).","vol":"3","page":1146},{"text":"والشياطين إلى سيف البحر، فيمكثون كذلك ما شاء اللَّه، ثم تقول الجن والشياطين: هلمّ نلتمس المخرج، فيأتون خافق المغرب، فيجدونه قد سُدّو (كذا) عليه الحفظة، ثم يرجعون إلى الناس، فبينما هم كذلك، إذ أشرقت عليهم الساعة ويسمعون مناديا ينادي: يا أيها الناس أتى أمر اللَّه فلا تستعجلوه قال: فما المرأة أشد استماعا من الوليد في حجرها، ثم ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه\" (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فإن الوليد بن مسلم مدلس ولا ينفعه التصريح بالتحديث فتدليسه تدليس التسوية كما في التقريب (٧٥٠٦)، وشيخ المصنف هارون بن عمر القرشي هو المخزومي الدمشقي ترجمة في الجرح والتعديل (٩/ ٩٣) وقال: \"شيخ دمشقي أدركته، كان يرى رأي أبي حنيفة وعلى العمد لم نكتب عنه، محله الصدق\"، وترجم له الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ١٣) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، قلت: ونسبة المصنف له إلى قريش نسبة عامة وإلا فهو مشهور بنسبته الخاصة المخزومي وبنو مخزوم من قريش انظر نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب (٣٧١)، الأهوال (٦١) رقم (٢٧)، وأورده ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٤٢١) قال: \"سألت أبي عن حديث رواه الوليد قال حدثنا ابن جابر عن عطاء بن يزيد السكسكي قال: يبعث اللَّه ريحا طيبة بعد قبض عيسى بن مريم وعند دنو من الساعة فذكر الحديث، فقال أبي: إنما هو يزيد بن عطاء بن وهب عن مكحول عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ- أنه قال: الناس اليوم شجرة ذات جنى ويوشك الناس أن يعودوا شجرة ذات شوك إن ناقدتهم ناقدوك وإن تركتهم لم يتركوك وإن هربت منهم طلبوك، قال: قلت: فكيف المخرج عن ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فاقتك، قال أبي: هذا حديث منكر\"، وهذا مشكل سببه سقط حصل في هذه =","vol":"3","page":1147},{"text":"١٠٠٩ - دثنا علي بن الجعد، أرنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^١) قال: \"الشهداء ثنيّة اللَّه حول العرش متقلّدي السيوف\" (^٢).\n_________\n= الطبعة فأوهم أن كلام أبي حاتم في النكارة يشمل أثر السكسكي، وبالرجوع إلى طبعة أبي يعقوب المصري (٤/ ١٠٥) رقم (٢٧٦٨ - ٢٧٦٨ م)، أورد النص الساقط وجعله بين معقوفتين وصار الكلام متصلا، وتبيّن أن كلام أبي حاتم وحكمه منفصل؛ مرة تحدث عن أثر السكسكي وبيّن أن صوابه يزيد بن عطاء وليس عطاء ابن يزيد، ثم تحدث عن حديث مرفوع غير هذا الأثر، وبيّن أنه منكر.\n(^١) سورة الزمر، الآية (٦٨).\n(^٢) إسناده ضعيف، مدار جميع طرقه على حجر وهو الهجري، قال عنه أبو زرعة: \"لا أعرفه\" الجرح والتعديل (٣/ ٢٦٨)، وأورده ابن حبان في الثقات (٣/ ٣١١)، الأهوال (٩٥) رقم (٦١)،، وابن المبارك في الجهاد (٥٠) رقم (٤٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠) رقم (٢٥٦٨)، وهناد في الزهد (١/ ١٢٦) رقم (١٦٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٠٦)، والطبري في تفسيره (٢٤/ ٣٠)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٤٢٢) وفي ترجمته ما يدل أن الراوي عنه لا يعرفه حيث ورد في السند: \". . . عن عمارة بن أبي عمارة، قال: سمعت رجلا يقال له: حجر، يحدّث بأصبهان يقول: سمعت سعيد بن جبير. . . \"، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧٣)، وذكره أيضًا البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣١٠)، والظاهر أن الأثر ليس له طريق من غير طريق حجر هذا انظر علل أحمد (٢/ ٤٥٤) رقم (٣٠٢٠) حيث وقعت =","vol":"3","page":1148},{"text":"١٠١٠ - دثنا محمد بن الحسين، دثنا يونس أبو نباتة، دثنا إسماعيل ابن رافع، عن محمد بن كعب القرظى (^١) قال: \"بلغني أن آخر من يموت ملك الموت، يقال له: يا ملك الموت مُت موتا لا تحيى بعده أبدا، قال: فيصرخ عند ذلك صرخة، لو سمعها أهل السماوات وأهل الأرض لماتوا فزعا، ثم يموت، ثم يقول اللَّه -﷿-: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٢) \" (^٣).\n_________\n= مراسلة بين الثوري وشعبة بخصوص هذا الأثر.\n(^١) هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد، أبو حمزة القرظي المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة، ثقة عالم، مات محمد سنة (٢٠ هـ) وقيل قبل ذلك، التقريب (٦٢٥٧).\n(^٢) سورة غافر، الآية (١٦).\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف الحفظ التقريب (٤٤٦)، الأهوال (٩٢) رقم (٥٨)، وانظر رقم (٥٩)، وذكره السيوطي في الحبائك (٤٨) رقم (١٥٤)، وابن كثير في النهاية مختصرا (١/ ١٨٦) وعزواه للمصنف، كما ذكره الحافظ في الفتح (١١/ ٤٢١) وضعفه بقوله: \"لكنه لم يثبت\"، وناقش قبل هذا الموضع طرق هذا الأثر وبين أنه روي مرفوعا وموقوفا، فهو مضطرب في سنده مع ضعفه، وأن مداره على إسماعيل بن رافع وله متابع أضعف منه هو إسماعيل بن زياد الشامي، ونقل تصحيح ابن العربي والقرطبي للحديث، واعترض عليه وقال: \"وقول عبد الحق -أي الإشبيلي- في تضعيفه أولى، وضعفه قبله البيهقي\"، قال ابن القيم في حادي الأرواح (١٥٩): \"قال شيخنا أبو الحجاج الحافظ: هذا الحديث مجموع من عدة أحاديث، ساقه إسماعيل وغيره، وشرحه الوليد بن مسلم في كتاب مفرد، =","vol":"3","page":1149},{"text":"١٠١١ - دثنا هارون بن عمر القرشي، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء بن يزيد السكسكي: \"إذا لم يبق إلا اللَّه مجّد نفسه، ثم قال: أين الذين كانوا يدّعون معي الملك، وأنا الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له لي كفوا أحد\" (^١).\n\n١٠١٢ - قال عمار بن نصر دثنا الوليد بن مسلم، دثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قرأ: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾ (^٢) قال: \"ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتطّقعة، إن اللَّه يأمركم أن تجتمعن لفصل القضاء\" (^٣). . . (^٤).\n_________\n= وما تضمنه معروف في الأحاديث\" قلت: هذا على العموم وإلا ففيه بعض الألفاظ إلى أنكرت، فقد نقل ابن كثير في النهاية (١/ ١٨٦) انتقاد ابن المديني للفظة وردت فيه وهي قوله لملك الموت (مت لا تحيى بعده أبدا) حيث قال: \"لم يتابع إسماعيل بن رافع على هذه اللفظة، ولم يقلها أكثر الرواة\".\n(^١) الأهوال (٩١) رقم (٥٦)، انظر الحكم على هذه الرواية وكلام أبي حاتم فيها (٨٦٤ - ٨٦٣).\n(^٢) سورة ق، الآية (٤١).\n(^٣) إسناده ضعيف، فيه سعيد بن بشير وهو الشامي ضعيف التقريب (٢٢٨٩)، الأهوال (١٠٨) رقم (٧٦)، والطبري في تفسيره (٢٦/ ١٨٣) عن قتادة عن كعب، ولم ينسبه في الدر (٧/ ٦١١) لغيره، وانظر فضائل الصحابة لأحمد (٢/ ٩٠١ - ٩٠٢) رقم (١٧١٨ - ١٧١٩)، والسنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني (٦/ ١٢٨٦) رقم (٧٢٢).\n(^٤) قال رضاء اللَّه المباركفوري: \"يلاحظ أن هذا الأثر ذكر في الهامش الجانبي من الأصل، ولم =","vol":"3","page":1150},{"text":"١٠١٣ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: \"يرسل ريح فيها صر بارد زمهرير، فلا تذر على الأرض مؤمنا إلا لفت بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على الناس، قال: ثم يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماء والأرض إلا مات، ثم يكون بين النفختين ما شاء اللَّه أن يكون. . .\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات النفخ في الصور، والتصريح أنهما نفختان، وإلى المكان الذي تحصل فيه النفختان، وأن الشهداء مستثون من\n_________\n= يظهر منه إلا ما أثبته، وقد روى ابن جرير الأثر السابق من طريق آخر عن سعيد عن قتادة أنه قال في تفسير الآية: \"كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة، وهي أوسط الأرض. . .\" ولا يستبعد أن يكون المطموس هو هذا الأثر واللَّه أعلم\".\n(^١) إسناده صحيح إلى أبي الزعراء وقد تقدم (١٠٠٢)، والأثر لا يصح عن ابن مسعود، الأهوال (١١١) رقم (٨٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٩٨ - ٦٠٠) مطولا عن أبي الزعراء عن ابن مسعود -﵁- وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" واستدرك عليه الذهبي بقوله: \"ما احتجا بأبي الزعراء\"، قال الشيخ الألباني ﵀ في تحقيقه لشرح العقيدة الطحاوية (٤١٠): \"وفاته أنه منقطع\"، وابن جرير في تفسيره (٢٢/ ١١٩)، ونعيم بن حماد في الفتن (٢/ ٥٩٥)، والطبراني في الكبير (٩/ ٣٥٤ - ٣٥٦) رقم (٩٧٦١)، جميعهم عن أبي الزعراء عن ابن مسعود -﵁- وقال ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٧٠): \"رواته ثقات إلا أنه موقوف\" وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني وهو موقوف مخالف للحديث الصحيح وقول النبي -ﷺ-: \"أنا شافع\" وهذه الفقرة لم تذكر هنا، وصح عند مسلم (٤/ ٢٢٧٠): \"كما ينبت البقل\".","vol":"3","page":1151},{"text":"الصعق عند النفخ في الصور، ثم آخر من يموت من المخلوقات.\nفأما النفخ في الصور فالآثار تنوعت فمنها ما تضمن الإشارة إلى النفخة الثانية وهي نفخة البعث، ومنها ما تضمن الإشارة إلى النفخة الأولى وهي نفخة الصعق، ومنها ما صرح بأنهما نفختان وبيّن أن مكانهما مختلف، وبعضها يوحي بأنها أكثر من نفختين كأثر وهب بن منبه الذي ذكر نفختين غير نفخة الفزع والصعق.\nوقد اختلف العلماء في عدد النفخات التي تقع، فعدها ابن حزم أربعا هي: نفخة الإماتة يموت كل من بقي حيا في الأرض، ثم نفخة الإحياء والنشر من القبور، ثم نفخة الفزع والصعق يفيقون جميعا كالمغشي عليه من الموت، ثم نفخة إقامة بعد ذلك الغشي (^١).\nوذهب ابن العربي (^٢)، وهو ظاهر كلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^٣)، وابن كثير (^٤)، والسفاريني (^٥) إلى أنها ثلاثة: نفخة الفزع، ثم الصعق، ثم البعث.\nوذهب القرطبي (^٦) وابن حجر (^٧) إلى أنها نفختان: نفخة الصعق يموت فيها من بقي حيا من أهل الأرض، ويغشى على من استثنى اللَّه، ثم\n_________\n(^١) نقله عنه ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٤٦).\n(^٢) ذكره عنه القرطبي في التذكرة (٢٠٠)، وكذا ابن حجر كما في الحاشية السابقة.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١) و(١٦/ ٣٥)، تحفة المولود (٣٠٦).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٢/ ١٩٦) (٤/ ٥٣٢)، والبداية والنهاية (١/ ٤٥).\n(^٥) لوامع الأنوار (١٦١ - ١٦٥).\n(^٦) التذكرة (٢٠٠، ٢١٩).\n(^٧) فتح الباري (٦/ ٤٤٤) (١١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":1152},{"text":"نفخة البعث يحيى بها من مات، ويفيق من غشي عليه.\nوخلاصة أدلة هذه الأقوال ما قاله ابن حجر ﵀، فأما عما ذهب إليه ابن حزم فقال: \"هذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعا ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحدة منهما باعتبار من يستمعها؛\nفالأولى: يموت بها كل من كان حيا، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى اللَّه.\nوالثانية: يعيش بها من مات، ويفيق بها من غشي عليه واللَّه أعلم\".\nوأما عن قول من جعلها ثلاث نفخات فقال ﵀: \"وجدت مستند ابن العربي في حديث الصور الطويل، فقال فيه: \"ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين\" أخرجه الطبري هكذا مختصرا، وقد ذكرت أن سنده ضعيف ومضطرب\" (^١).\nثم شرع ﵀ يذكر الأدلة الصحيحة الصريحة في أنها نفختان فقال: \"وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو أنهما نفختان، ولفظه في أثناء حديث مرفوع: \"ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا، ثم يرسل اللَّه مطرا كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. . . وفي كل\n_________\n(^١) المصدر السابق (١١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":1153},{"text":"ذلك دلالة على أنهما نفختان فقط\" (^١).\nوقد جمع ﵀ بين هذا القول والقول بأنها ثلاث نفخات، باعتبارهم أن الفزع نفخة مستلقة فقال: \"ويمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم، وهو الفزع كما وقع في سورة النمل: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢)، ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه، وللأحياء موتا، ثم ينفخ الثانية للبعث فيفيقون أجمعين\" (^٣).\nوأما مكان النفخ في الصور فتضمنت الآثار أنه يكون ببيت المقدس، أو الباب الآخر كما في أثر عمرو بن العاص -﵁-، وفي أثر أبي الزعراء أن الملك يقوم بين السماء والأرض، ولم أقف في هذه على شيء صحيح مسند إلى النبي -ﷺ-، أو موقوف على الصحابة، وما روي عن بعضهم فقد عرف عنه أنه يروي عن أهل الكتاب ككعب الأحبار الذي سبق أن أثر قتادة هو شيخه فيه، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وقصته مشهورة في الزاملتين اللتين وجدهما وفيهما كتب أهل الكتاب، قال ابن كثير ﵀: \"كان عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قد أصاب يوم اليرموك زاملتين\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٢) سورة النمل، من الآية (٨٧).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٤٤٤) (١١/ ٣٦٩)، وانظر التذكرة (٢١٩) وقد جعل القرطبي الفزع مقارنًا لأحد النفختين إما الصعق الأولى ولعله الذي مال إليه، أو نفخة البعث واللَّه أعلم.","vol":"3","page":1154},{"text":"من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، والأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.\nوالثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.\nوالثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني\" (^١).\nوأما المستثنون من الموت في عند النفخ في الصور، فقد ورد في أثر سعيد بن جبير التنصيص على الشهداء، ولا شك في دخولهم في الاستثناء لثبوت الدليل في حقهم، بل رجح هذا القول القرطبي وقال: \"قد ورد حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء وهو الصحيح\" (^٢) وقال ابن حجر:\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٥)، وقد ذكر كثير من العلماء مكان النفخ في الصور بأنه بيت المقدس بل وذكروا له جملة من التعليلات بأنه أوسط الأرض، وبعده عن السماء، انظر تفسير ابن جرير (١١/ ٤٣٨)، والعاقبة للإشبيلي (٢٦٦)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٩٤)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٢٧) والتذكرة (٢٢٩)، والدر المنثور (٧/ ٦١٢)، وقد عبروا بصيغ التضعيف كقولهم: قيل، أو: ويروى، أو: وذكر ونحو ذلك واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.\n(^٢) التذكرة (١٨٨).","vol":"3","page":1155},{"text":"\"ثبت ذلك للشهداء، ولا شك أن الأنبياء أرفع رتبة من الشهداء، وورد التصريح بأن الشهداء ممن استثنى اللَّه\" (^١)، هذا في حق الشهداء أما غيرهم فقال شيخ الإسلام: \"أما الاستثناء فهو متناوِلٌ لمن دخل في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناوِلٌ لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثناه اللَّه؛ فإن اللَّه أطلق في كتابه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي قال: \"إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى آخذا بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أم كان ممن استثناه اللَّه\". . . وبكل حال النَّبِيُّ قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه أم لا، فإذا كان النبي لم يخبر بكل من استثنى اللَّه لم يمكنا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة، وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر واللَّه أعلم وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم\" (^٢).\nونص ابن القيم ﵀ على الأقوال في المسألة فقال: \"قيل هم الشهداء هذا قول أبي هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير.\nوقيل هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وهذا قول مقاتل وغيره.\n_________\n(^١) فتح الباري (٦/ ٤٤٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٠)، ومثله القرطبي في تفسيره (١٥/ ٢٤٥).","vol":"3","page":1156},{"text":"وقيل هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في النار من أهل العذاب وخزنتها، قاله أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا\" (^١).\nوبعد هذا يموت كل من بقي ويكون آخرهم ملك الموت، وقد عقد في ذلك القرطبي بابا فقال: \"باب يفنى العباد ويبقى الملك للَّه وحده -أورد فيه بعض الأحاديث ثم قال- هذه الأحاديث تدل على أن اللَّه سبحانه يفني جميع خلقه أجمع. . . المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدعين، وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم\" (^٢)، ولما تكلم ابن كثير عن نفخة الصعق قال: \"نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلا من شاء اللَّه كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أوَّلًا، وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء\" (^٣).\n_________\n(^١) الروح (٣٥)، وانظر تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧)، وتفسير البغوي (١/ ١٨١)، والتذكرة للقرطبي (١٨٨).\n(^٢) التذكرة (١٩٤).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٨٢).","vol":"3","page":1157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>المبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان</span>.\n\n١٠١٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر ابن برقان، عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: \"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية\" (^١).\n\n١٠١٥ - حدثني محمد قال: حدثنا أبو عمر الضرير قال: حدثنا عتبة (^٢) بن عبد اللَّه الأصم قال: سمعت فرقد السبخي (^٣) يقول: \"بلغنا أن الأعمال كلها توزن إلا الدمعة تخرج من عين العبد من خشية اللَّه؛ فإنه ليس لها وزن ولا قدر، وإنه ليُطفأ بالدمعة البحور من النار\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ جعفر بن برقان صدوق يهم في حديث الزهري التقريب (٩٤٠)، محاسبة النفس (٢٢) رقم (٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٠٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩٦) رقم (٣٤٤٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣١٤، ٣٥٧)، وذكره الترمذي في السنن (٤/ ٦٣٨) دون إسناد.\n(^٢) صوابه: عقبة بن عبد اللَّه الأصم وهو الرفاعى البصري، ضعيف وربما دلس التقريب (٤٦٧٦)، فهو الذي روى عن فرقد السبخي ويروي عنه أبو عمر الضرير وهو حفص بن عمر، وهو صدوق عالم، التقريب (٤١٣٠).\n(^٣) هو فرقد بن يعقوب السَّبَخي، أبو يعقوب البصري، صدوق عابد، لكنه لين الحديث، كثير الخطأ، مات سنة (١٣١ هـ)، التقريب (٥٣٨٤).\n(^٤) إسناده ضعيف، فيه عقبة بن عبد اللَّه وقد سبق قريبا، الرقة والبكاء (٤٧) رقم =","vol":"3","page":1158},{"text":"١٠١٦ - حدثني محمد قال: حدثني أبو حفص الحبطي قال: حدثنا زرعة الأعشى، عن وهب بن منبه قال: \"البكاء من خشية اللَّه تعالى مثاقيل برّ، ليس ثوابه وزنا، إنما يعطى الباكي من خشية اللَّه والصابر على طاعة اللَّه أجرهم بغير حساب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات وزن الأعمال، وتأكيد ذلك بأن بعض تلك الأعمال لا توزن لعظم شأنها، بل يتولى اللَّه سبحانه مكافأة أصحابها بدون حساب، كالصبر والبكاء من خشية اللَّه، وفي أثر عمر -﵁- الأول بيان أن الموزون هم العباد أنفسهم.\nوالإيمان بالميزان من عقائد أهل السنة والجماعة، قال أبو إسحاق الزجاج: \"أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال\" (^٢) وقال السفاريني: \"الإيمان بالميزان كأخذ الصحف، ثابت بالكتاب والسنة\n_________\n= (١١)، ويروى مرفوعا عن حازم -﵁- أخرجه الإمام أحمد في الزهد (٢٧)، وذكره السيوطي منسوبا إليه في الدر (٥/ ٣٤٧)، وذكره القرطبي في تفسيره (١٧/ ١٠٨).\n(^١) فيه الحبطي والأعشى لم أجدهما، الرقة والبكاء (٤٦) رقم (١٢)، وورد برقم (١٤) مرفوعا، وانظر في معنى مثاقيل رقم (٢٨)، ورقم (٤٣) عن أبي عمران الجوني، وذكر نحوه الترمذي في نواد الأصول (٢/ ٢٠٢)، عن يزيد بن أبي هارون، وكذا ابن كثير نحوه عن الحسن البصري في البداية والنهاية (٩/ ٢٧٠).\n(^٢) ذكره عنه ابن حجر في الفتح (١٣/ ٥٣٨).","vol":"3","page":1159},{"text":"والإجماع. . . دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي، ذو كفّتين ولسان. . . وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه\" (^١)، وقال ابن أبي العز: \"الذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان. . . فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق -ﷺ- من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفَوَّال! !، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم اللَّه لهم يوم القيامة وزنا، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده؛ فإنه لا أحد أحب إليه العذر من اللَّه؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين فكيف وَوَرَاءَ ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه\" (^٢).\nأما أثر عمر -﵁- الذي يفيد أن العباد يوزنون ففيه بحث حيث إن العلماء ذكروا في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) لوامع الأنوار (١٨٤، ١٨٥)، وانظر أصول السنة للإمام أحمد (٢٥)، والرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ٢٠٣)، الشريعة للآجري (١/ ٣٩١)، الاعتقاد للبيهقي (٢١١)، التعرف لمذهب التصوف (٥٥)، شرح السنة للبربهاري (٢٥)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢)، شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤)، التذكرة للقرطبي (٣٦٠)، قطف الثمر (١٢٤)، العقائد الإسلامية لابن باديس (٩٩).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤)، وانظر تفسير ابن جرير فقد أطال النفس في مناقشة ذلك (٥/ ٤٣٢)، وتفسير القرطبي (٧/ ١٤٧).","vol":"3","page":1160},{"text":"القول الأول: أن الذي يوزن هو العامل مع عمله، كما هو أثر عمر -﵁-.\nالقول الثاني: أن الذي يوزن هو الصحائف تكتب فيها أعمال العباد.\nالقول الثالث: أن الذي يوازن هو العمل نفسه.\nوقد ذكر العلماء لكل واحد من هذه الأقوال أدلة صريحة وصحيحة وبعضها من القرآن، لكن بعضهم أورد شبهة وهي أن الأعمال أعراض، بمعنى أنها لا تقوم بأنفسها فكيف توزن، وقد أجاب غير واحد من العلماء على هذه الشبهة فقال ابن أبي العز الحنفي: \"وردت الأحاديث أيضًا بوزن الأعمال أنفسها. . . فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام! !، فإن اللَّه يقلب الأعراض أجساما\" (^١).\nوليس بين هذه الأقوال الثلاثة تعارض ما دام قد ثبت بها الدليل الشرعي وهي أمور غيبية، فيجيب إلإيمان بكل ثبت، ولذلك فقد جمع بينها ابن أبي العز فقال: \"فثبت وزن الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، واللَّه تعالى أعلم بما وراء ذلك من\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤)، وانظر التذكرة للقرطبي (٣٦٠)، وفتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، تفسير البغوي (١/ ٢١٤)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ١٧٠)، وصنيعه يشير إلى أن سبب هذا الترجيح فيه نوع مجاراة للمعتزلة وتسليم لهم في شبهة الأعراض، ويؤيده واللَّه أعلم أن المعتزلة يجيبون عن شبهة الأعراض بوزن الصحائف انظر الكشاف (١/ ٧٨٣).","vol":"3","page":1161},{"text":"الكيفيات\" (^١)، وكذا ابن كثير ﵀ فقال: \"يمكن الجمع بين هذه الآثار -بعد ذكره للأقوال الثلاثة وأدلتها- بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها (^٢)، وتارة يوزن فاعلها واللَّه أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤).\n(^٢) وهي الصحف؛ أي المحل الذي كتبت فيه.\n(^٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٧٠)، وهذا أولى من الترجيح الذي ذهب إليه السفاريني ونسبه لابن عبد البر والقرطبي ومرعي الحنبلي أن الموزون هو الصحائف فقط، فإن الجمع ما أمكن أولى من الترجيح وقد أمكن ولا يوجد ما يحيله، انظر لوامع الأنوار (٢/ ١٨٧)، تفسير القرطبي (٧/ ١٤٧).","vol":"3","page":1162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>المبحث الرابع: الآثار الواردة في هول الموقف</span>.\n\n١٠١٧ - دثنا حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سليمان، عن أبي صالح: \"إن الناس يحشرون هكذا -ونكس رأسه، ووضع يده اليمنى على كوعه- للقيامة\" (^١).\n\n١٠١٨ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، دثنا سليم بن عامر، دثني من سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"الشمس يوم القيامة تدنو من العباد في الموقف، حتى يكون منهم قدر ميل، أو اثنين\"، قال سليم بن عامر (^٢): \"واللَّه ما أدري ما عنى بقوله: الميل، مسافة الأرض، أو الذي يكحل به العين\" (^٣).\n\n١٠١٩ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا حنظلة بن أبي سفيان، أنه حمع طاووسا يقول: \"إن الكافر ليذهب عرقه تحته يوم القيامة كذا وكذا ذراعا، وفوقه حتى يلجمه\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، الأهوال (٢٢٥) رقم (٢١٩)، والصنعاني في تفسيره (٢/ ٣٨٧)، وأورده ابن كثير في النهاية (١/ ٢٢٥).\n(^٢) هو سليم بن عامر الكلاعي، ويقال الخبائري، أبو يحيى الحمصي، ثقة غلط من قال إنه أدرك النبي -ﷺ- مات سنة (١٣٠ هـ)، التقريب (٢٥٢٧).\n(^٣) إسناده صحيح، الأهوال (٢١٧) رقم (٢٠٦)، وانظر رقم (١٤٨)، والحديث في صحيح مسلم (٤/ ٢١٩٦) رقم (٢٨٦٤)، وفيه أن الذي حدث سليم هو المقداد ابن الأسود، وانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١٢٥٤).\n(^٤) إسناده صحيح، الأهوال (٢١٧) رقم (٢٠٥)، وأصله في الصحيحين من حديث =","vol":"3","page":1163},{"text":"١٠٢٠ - دثنا أبو خيثمة وعبد اللَّه بن رومي، قالا: دثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^١) قال: \"يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه\" (^٢).\n\n١٠٢١ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا مالك بن مغول، عن عبيد اللَّه بن العيزار (^٣) قال: \"إن الأقدام يوم القيامة مثل النبل في القرن، فالسعيد الذي يجد لقدميه موضعا يضعهما، وإن الشمس تدنو من رؤوسهم حتى لا يكون بينها وبين رؤوسهم، إما قال: ميلا أو ميلين، ويزاد في حرها بضعة وستّين ضعفا\" (^٤).\n\n١٠٢٢ - قال عمار بن نصر، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا أبو بكر بن\n_________\n= ابن عمر ﵄، انظر فتح الباري (١١/ ٣٩٣)، شرح مسلم للنووي (١٧/ ١٩٥).\n(^١) سورة المطففين، الآية (٦).\n(^٢) إسناده صحيح، الأهوال (٢١٤) رقم (١٩٩)، وأصله في البخاري برقم (٤٦٥٤)، ومسلم برقم (٢٨٦٢) مرفوعا.\n(^٣) هو عبيد اللَّه بن العيزار المازني، بصرى ثقة، الجرح والتعديل (٥/ ٣٣٠).\n(^٤) إسناده صحيح، الأهوال (١٦٠) رقم (١٤٩)، وابن المبارك في الزهد (١١٠) رقم (٣٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٠٩) رقم (٣٥٤٠٨).","vol":"3","page":1164},{"text":"سعيد أنه حمع مغيث بن سُميّ (^١) يقول: \"تركد الشمس على رؤوسهم على أذرع، وتفتح أبواب جهنم فتهب عليهم رياحها، وسمومها، وتخرج عليهم نفحاتها حتى تجري الأنهار من عرقهم، أنتن من الجيف، والصائمون في حياتهم في ظل العرش\" (^٢).\n\n١٠٢٣ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (^٣) قال: \"مستوفزين (^٤) على الركب\" (^٥).\n_________\n(^١) هو مُغِيث بن سُمَيّ الأوزاعي، أبو أيوب الشامي، ثقة، مات بعد المائة، التقريب (٦٨٢٧).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه أبو بكر بن سعيد وهو عمرو بن سعيد الأوزاعي ذكره البخاري وابن أبي حاتم والمزي والذهبي ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير كتاب الكنى (٨/ ١٤)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٣)، تهذيب الكمال (٧/ ١٩١)، الكاشف (٢/ ٢٨٤)، الأهوال (١٥٩) رقم (١٤٧)، ذكره ابن كثير في نهاية البداية (١/ ٢٢٣)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٤٤٢) إلى المصنف فقط في كتاب الأهوال، وكذا في شرح الصدور (١٠٢).\n(^٣) سورة الجاثية، الآية (٢٨).\n(^٤) غير مطمئنين، قد استقل على رجليه ولا يستوي بعد، وفسرت هذه الصفة الواردة في الأثر بهيئة الذي رفع إليتيه ووضع ركبتيه، لسان العرب (٥/ ٣٩١، ٤٣٠).\n(^٥) إسناده ضعيف، والأثر حسن، فيه عنعة ابن جريج وهو ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل التقريب (٤٢٢١)، تابعه ابن أبي نجيح وهو ثقة رمى بالقدر وربما دلس التقريب (٣٦٨٦) فالأثر حسن، الأهوال (١٢٣) رقم (٩٥) و(١٣٧)، وابن المبارك في الزهد (١٠٤) رقم (٣٥٩) عن ابن جريج به، وعلقه البخاري في =","vol":"3","page":1165},{"text":"١٠٢٤ - دثني حمزة، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، دثنا محمد بن يسار، عن قتادة قال: ذكر لنا أن كعبا كان يقول: \"يقومون ثلاثمائة سنة\" (^١).\n\n١٠٢٥ - دثنا هارون، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا ابن لهيعة، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: \"يقوم الناس لرب العالمين يوم القيامة، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة\" (^٢).\n\n١٠٢٦ - دثني حمزة بن العباس قال: أرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أرنا ابن المبارك، أرنا عنبسة بن سعيد، عن محارب، عن ابن عمر في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^٣) قال: \"يقومون مائة سنة\" (^٤).\n\n١٠٢٧ - دثني محمد بن إدريس، دثنا الحسن بن واقع، دثنا ضمرة،\n_________\n= صحيحه (٨/ ٥٧٤ فتح)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ١٥٤)، وانظر تغليق التعليق (٤/ ٣١١) جميعهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١) إسناده منقطع، الأهوال (١٢٢) رقم (٩٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٤٤٣) إلى ابن المنذر، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٩/ ٥٣)، والقرطبي بصيغة التمريض في التذكرة (٢٤٠)، وذكره أيضًا عن غير كعب -﵁-.\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة انظر التقريب (٣٥٨٧)، الأهوال (٢١٥) رقم (٢٠١)، وهو بعض حديث أخرجه أحمد في المسند (١٨/ ٢٤٦) رقم (١١٧١٧) بنفس الإسناد عن ابن لهيعة به، وفي الكامل (٣/ ١١٥) لابن عدي ما يفيد أن هذا الأثر لم يصح فقد نقل عن أحمد أن سلسلة دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وذكر من مناكير دراج هذا الحديث واللَّه أعلم.\n(^٣) سورة المطففين، الآية (٦).\n(^٤) إسناده صحيح، الأهوال (١٢١) رقم (٩١)، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٩٢).","vol":"3","page":1166},{"text":"عن ابن شوذب، عن يزيد الرِّشْك (^١) قال: \"يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين ألف سنة، ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة\" (^٢).\n\n١٠٢٨ - دثني محمد بن إدريس، دثنا ابن الأصبهاني، عن ابن السماك، عن شيخ من أهل البصرة، عن الحسن قال: \"للناس يوم القيامة خمسين موقفا، كل موقف ألف سنة\" (^٣).\n\n١٠٢٩ - دثنا علي بن الجعد، أرنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٤) قال: \"الشهداء ثنيّة اللَّه حول العرش متقلّدي السيوف\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بعض الأهوال التي تحدث يوم القيامة، فهو عصيب وفيه أهوال وعظائم، فمنها: أن الناس يحشرون على هيئة ذليلة\n_________\n(^١) هو يزيد بن أبي يزيد الضُبَعي مولاهم، أبو الأزهر البصري، يعرف بالرِّشْك، ثقة عابد وهم من لَيَّنَه، مات سنة (١٣٠ هـ) وهو ابن مائة سنة، التقريب (٧٧٩٣).\n(^٢) إسناده حسن، ضمرة وهو ابن ربيعة الفلسطيني صدوق يهم قليلا التقريب (٣٠٠٥)، وابن شوذب هو عبد اللَّه بن شوذب الخراساني صدوق عابد، التقريب (٣٤٠٨)، الأهوال (١٤٦) رقم (١٢٩)، وأورده ابن كثير في نهاية البداية (١/ ٢٢٠) عن المصنف.\n(^٣) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، الأهوال (١٤٧) رقم (١٣٠)، وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٢١٣) عن محمد بن النعمان مثله.\n(^٤) سورة الزمر، الآية (٦٨).\n(^٥) سبق الأثر مخرجا (١٠٠٩).","vol":"3","page":1167},{"text":"منكسي الرؤوس أيديهم على أكواعهم، مستوفزين على الركب؛ أي غير مطمئنين وإنما جالسين على ركبهم وأطراف أقدامهم (^١)، وتدنو الشمس من العباد مسافة ميل أو ميلين أو أذرع، ويزاد في حرها ستون ضعفا، فيعرقون وتتفاوت درجاتهم في ذلك شيئًا فشيئا حتى إن منهم من يغرقه عرقه، ويزدحم الموقف حتى إن السعيد من وجد لقدميه موطئا، وتكون الأقدام كالنبل في القرن، وتفتح أبواب جهنم، فتهبّ عليهم رياحها وسمومها، كما يطول مكث الواقفين في ذلك اليوم، على اختلاف فيما ذكره السلف في مدة ذلك الوقوف، من مائة سنة، أو ثلاثمائة، أو أربعين ألف سنة، أو خمسين ألف سنة، وقد اكتفى ابن جرير بقوله: \"بعض يقول: مقدار ثلاث مئة عام، وبعض يقول: مقدار أربعين عاما\" (^٢)، بينما جعل هو والقرطبي هذا مشكلا فقد قال القرطبي: \"قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ (^٣) فمشكل مع هذه الآية، وقد سأل عبد اللَّه بن فيروز الديلمي عبد اللَّه بن عباس عن هذه الآية وعن قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ فقال: أيام سماها سبحانه وما أدري ما هي؟ فأكره أن أقول فيها ما لا علم، ثم سئل عنها سعيد بن المسيب فقال: لا أدري، فأخبرته بقول ابن عباس، فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن\n_________\n(^١) انظر معاني القرآن للنحاس (٦/ ٤٣١)، تفسير القرطبي (١٠/ ٢٥٠)، فتح القدير (٥/ ١٥).\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٣٠/ ٩٢ - ٩٣)، وابن كثير (٤/ ٦٢٢).\n(^٣) سورة المعارج، من الآية (٤).","vol":"3","page":1168},{"text":"عباس اتقى أن يقول فيها، وهم أعلم مني، ثم تكلم العلماء في ذلك فقيل: إن آية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ هو إشارة إلى يوم القيامة، بخلاف هذه الآية، والمعنى: أن اللَّه تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس، والعرب تصف أيام المكروه بالطول، وأيام السرور بالقصر. . .\nوقيل: إن يوم القيامة فيه أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة.\nوقيل: أوقات القيامة مختلفة؛ فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة.\nوقيل: مواقف القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة، فمعنى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (^١) أي مقدار وقت، أو موقف من يوم القيامة وقال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت، فالمعنى: تعرج الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة، وفي وقت آخر كان مقداره خمسين ألف سنة\" (^٢).\nفالظاهر أن ما صح من هذه الأعداد يحمل على اختلاف حال الإنسان من مسلم وكافر، ودرجات كل منهما، أو يحمل على اختلاف مواقف يوم القيامة فيكون لكل موقف مدة تخصه، ومجموع وقت يوم القيامة من بدايته إلى نهايته هو خمسون ألف سنة واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) سورة السجدة، من الآية (٥).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٤/ ٨٩)، وانظر تفسير ابن جرير (٥/ ٣٠٠)، تفسير البغوي (١/ ٣٠٠).","vol":"3","page":1169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>المبحث الخامس: الآثار الواردة في هوان الموقف على المؤمن</span>.\n\n١٠٣٠ - دثنا عبيد اللَّه بن عمر الجشمي، دنا يزيد بن زريع، دثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي قال: \"تدنو الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من رؤوسهم قاب قوس أو قوسين، وتعطى حرّ عشر سنين، وما من أحد من الناس عليه طحرية (^١)، وما ترى في ذلك عورة مؤمن ولا مؤمنة، ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة، وأما الآخرون أو الكفار فإنها تطبخهم طبخا، فإنما أجوافهم غقّ غقّ\" (^٢).\n\n١٠٣١ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا خليد بن دعلج، عن قتادة\n_________\n(^١) أي ليس عليه أي ثوب، لسان العرب (٨/ ١٢٩).\n(^٢) إسناده صحيح، الأهوال (١٣٠) رقم (١٠٢)، وابن المبارك في الزهد (١٠٠) رقم (٨١٣) وهناد في الزهد أيضًا (١/ ٢٠٢) رقم (٣٣٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٨٣) رقم (٨١٣) وقال الألباني ﵀: \"إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولكنه موقوف على سلمان وهو الفارسي، إلا أنه في حكم الرفع؛ لأنه أمر غيبي، لا يمكن أن يقال بالرأي، ولا هو من الإسرائيليات\"، وعبد الرزاق في المصنف (١١/ ٤٠٣)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٤٧) رقم (٦١١٧)، وفي علل أحمد (٢/ ٣٣٩) نكتة لطفة حيث قال: \"بلغني أن شعبة كان يقول عن التميمي \"عو عو\"، وإنما هو: \"غق غق\"، قال أبي: وكان شعبة ألثغ فلا أدري صحف في هذا الحرف أم من قبل لثغته\"، وانظر إسناد قصة شعبة في تصحيفات المحدثين للعسكري (١/ ١١٥)، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٩٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧١ - ٣٧٢) وقال: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح\" وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢١٥): \"رواه الطبراني بإسناد صحيح\".","vol":"3","page":1170},{"text":"قال: \"يهون موقف يوم القيامة على المؤمن، ويطول على الكافر حتى يلجمه العرق من شدّة كربه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان هوان الموقف -بكل أهواله السابقة في المبحث المنصرم- على المؤمن، قال عبد الحق الإشبيلي -لما ذكر بعض أهوال يوم القيامة-: \"فمن الناس من يخفف عليه اليوم حتى لا يجد فيه مشقة طول، ولا يرد له فيه رغبة ولا سؤل. . . فمن الناس من يطول مقامه وحبسه إلى آخر اليوم، ومنه من يكون انفصاله في ذلك اليوم في مقدار يوم من أيام الدنيا، وفي ساعة من ساعاته، أو فيما شاء اللَّه من ذلك، أو يكون رائحا في ظل كسبه وعرش ربه. . . فتفكر أيها الإنسان في طول ذلك اليوم، وفي طول ذلك القيام فيه مع ذلك الحال الأخطر، والفزع الأكبر، والهول الذي لا يكَيَّف ولا يقَدَّر، فاختر لنفسك كم تريد أن تقف فيه، وكيف تريد أن تكون فيه، ما دام النظر إليك، والاختيار بيديك، مع توفيق ربك -﷿- ومعونته إياك\" (^٢).\nوهذا التخفيف الذي يحصل للمؤمن إنما يكون بقدر أعماله الصالحة، وليس على درجة واحدة للجميع، فالكامل للكُمَّل، ودونه لمن\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه خليد بن دعلج ضعيف التقريب (١٧٥٠)، الأهوال (١٣١) رقم (١٠٤).\n(^٢) العاقبة (٢٨٣).","vol":"3","page":1171},{"text":"دونهم، وكلٌّ بحسبه، ولا يظلم ربك أحدا، قال القرطبي: \"ظاهر ما رواه ابن المبارك عن سلمان أن الشمس لا يضر حرها مؤمنا ولا مؤمنة العموم في المؤمنين، وليس كذلك لحديث المقداد المذكور بعده (^١)، وإنما المراد لا يضر حرها مؤمنا كامل الإيمان، أو من استظل بظل عرش الرحمن. . . وكذلك ما جاء أن المرء في ظل صدقته، وكذلك الأعمال الصالحة أصحابها في ظلها إن شاء اللَّه، وكل ذلك من ظل العرش واللَّه أعلم، وأما غير هؤلاء فمتفاوتون في العرق\" (^٢)، وقد نُقل عن ابن أبي حمرة كلاما حسنا في هذا حيث قال: \"ظاهر الحديث تعميم الناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء اللَّه، فأشدهم في العرق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار كما تقدم تقريره في حديث بعث النار، قال: والظاهر أن المراد بالذراع في الحديث المتعارف، وقيل: هو الذراع الملكي، ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدنى الشمس من الرءوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض؟ وماذا يرويها من العرق؟ حتى يبلغ منها سبعين ذراعا، مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم؟ مع تنوعهم\n_________\n(^١) وفيه: \"فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق\"، أخرجه مسلم برقم (٢٨٦٤).\n(^٢) التذكرة (٢٦٩).","vol":"3","page":1172},{"text":"فيه؟ إن هذا لمما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة، أن ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه، وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبه السامع، فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمنه وكرمه\" (^١).\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٣٩٤).","vol":"3","page":1173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>المبحث السادس: الآثار الواردة في أرض المحشر وصفتها</span>.\n\n١٠٣٢ - دثني حمزة، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه -﵁- قال: \"يجتمع الناس في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص اللَّه فيها، يكون أول كلام يتكلم به أن ينادي منادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ (^١)، ثم يكون أول ما يبدأ به من الخصومات في الدنيا، فيؤتى بالقاتل والمقتول، فيقال: لم قتلت هذا؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة للَّه، قال: فإنها له، وإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، ويبوء بإثمه فيقتله، ومن (^٢) كان قتل بالغين ما بلغوا، ويذوق الموت عدد ما ماتوا\" (^٣).\n\n١٠٣٣ - دثنا يوسف، دثنا عبد اللَّه بن الجهم الرازي، دثنا عمرو بن قيس، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود -﵁- قال: \"يجتمع الناس\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية (١٧).\n(^٢) كذا، ولعلها: (وإن).\n(^٣) إسناده حسن، فيه عاصم وهو ابن أبي النجود المقرئ سبق (٩١٢)، الأهوال (٢٦٦) رقم (٢٦١)، وابن المبارك في الزهد -زوائد نعيم- (١١٥) رقم (٣٨٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٩٤)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥٠)، والطبراني في الكبر (٩/ ٢٠٥) رقم (٩٠٠١)، وانظر فتح الباري (١١/ ٣٧٥).","vol":"3","page":1174},{"text":"في صعيد واحد، في أرض بيضاء كأنها سبيكة فضّة، يكون أول كلام يتكلم به أن ينادي مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ إلى قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر ابن مسعود -﵁- بيان صفة أرض المحشر وهي أنها تكون أرضا بيضاء كأنها سبيكة فضة (^٣)، وقد نص القرآن على تبديل الأرض غير\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية (١٧).\n(^٢) إسناده حسن، عاصم هو ابن أبي النجود صدوق له أوهام كما سبق (٩١٢)، الأهوال (١٥٨) رقم (١٤٦)، وسيكرره بإسناد آخر من طريق ابن المبارك برقم (٢٦١)، وذكره السيوطي في الدر (٧/ ٢٨٠) وهو بلفظ المصنف، وأخرجه بنحوه ابن المبارك في الزهد (١١٥) رقم (٣٨٨)، والطبري نحوه كذلك في تفسيره (١٣/ ٢٥٠)، والطبراني نحوه أيضًا في الكبير (٩/ ٢٠٥) رقم (٩٠٠١) وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٣٧٥): \"وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري في تفاسيرهم والبيهقي في الشعب. . . ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف، وأخرجه البيهقي من وجه آخر مرفوعا وقال: الموقوف أصح، وأخرجه الطبري والحاكم من طريق عاصم عن زر بن حبيش عن بن مسعود بلفظ: \"أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة\"، ورجاله موثقون أيضًا\"، وأورده السيوطي في الدر (٥/ ٥٧) ونسبه إلى: \"عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث\".\n(^٣) وقد ورد هذا المعنى بألفاظ مختلفة انظر على سبيل المثال فتح الباري (١١/ ٣٧٥).","vol":"3","page":1175},{"text":"الأرض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (^١)، وفي المراد بتغيّر الأرض خلاف بين السلف: هل المراد تبديل ذاتها وعينها والإتيان بأخرى مكانها، أم تبديل صفتها مع بقاء ذاتها؟ والأثر الذي في المبحث يؤيد تبديل الذات؛ لأنها تصير أرضا أخرى من فضة، لم يعص فيها اللَّه طرفة عين، ولم يسفك فيها دم حرام، ولكل قول أدلة معتبرة وأحاديث صالحة، ولذلك جنح ابن حجر ﵀ إلى الجمع بينها، فحمل أحاديث التبديل في الذات على أرض المحشر الذي يعقب الصعقة الأولى، وأحاديث تبديل الصفات فقط على أرض الدنيا وما يحدث في الحشر الأول الذي يصعق الناس بعده، فقال: \"يمكن الجمع بأن ذلك كله -يقصد الأحاديث الواردة في تبديل الصفات فقط- يقع لأرض الدنيا، لكن أرض الموقف غيرها\" (^٢)، وذهب شيخ الإسلام إلى أن استحالة الأرض عن صورتها وكيفياتها لا يلزم منه عدمها وفسادها، بل أصلها باق، وإن حصل لها ما حصل (^٣)، وشبه الشيخ حافظ حكمي هذا التبديل مع بقاء الأصل بجلود أهل النار، فإنها كلما نضجت جلودهم بدلهم اللَّه جلودا غيرها وهي هي التي فعلت المعاصي واستوجبت العذاب (^٤)، ومن\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، من الآية (٤٨).\n(^٢) المصدر السابق، وانظر التذكرة للقرطبي (٢١٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ١١٠).\n(^٤) معارج القبول (٢/ ٧٨٧٢).","vol":"3","page":1176},{"text":"العلماء من لم يجزم فيها بشيء لأنها أمور غيبية ولا نص فيها قاطع للنزاع فنؤمن بالتبديل وما صح من كيفياته الثابتة، قال ابن جرير: \"أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها، وكذلك السماوات اليوم تبدل غيرها كما قال جل ثناؤه، وجائز أن تكون المبدلة: أرضا أخرى من فضة، وجائز أن تكون نارا، وجائز أن تكون خبزا، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أَيُّ ذلك يكون، فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل\" (^١)، قال الشيخ ابن عيسى: \"التبديل قد يكون في الذات، كما في بدلت الدراهم بالدنانير، وقد يكون في الصفات، كما بدلت الحلقة خاتما، والآية تحتمل الأمرين، وبالثاني قال الأكثر\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير (٧/ ٤٧٩).\n(^٢) شرح الشافية الكافية (١/ ٨٨)، وانظر معارج القبول (٢/ ٧٨١).","vol":"3","page":1177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>المبحث السابع: الآثار الواردة في الشفاعة</span>.\n\n١٠٣٤ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن، نا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: \"أبطأ عن علي بن الحسين أخ له كان يأنس به، فسأله عن إبطائه، فأخبر أنه مشغول بموت ابن له كان من المسرفين على نفسه، فقال له علي بن الحسين: إن من وراء ابنك ثلاث خلال: أما أولها: فشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأما الثانية: فشفاعة رسول اللَّه -ﷺ-، وأما الثالثة: فرحمة اللَّه -﷿- التي وسعت كل شئ\" (^١).\n\n١٠٣٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن أبي مالك الأشجعي، عنِ ربعِيّ، عن حذيفة -﵁- قال: قال رجل: اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد -ﷺ-، فقال حذيفة: \"إن اللَّه يغني المؤمنين عن شفاعة محمد -ﷺ-، وتكون شفاعته للمذنبين من المسلمين\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف مقبول وقد سبق (٤٨٤)، وكذلك سبق الأثر مخرجا في الباب الثاني (١٠٩).\n(^٢) فيه المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، شيخ عبد الرحمن، وهو لا بأس به، وكان يدلس كما نقل الحافظ عن أحمد، وقد عنعن هنا، انظر: تهذيب الكمال (٤/ ٤٤٦) رقم (٣٩٣٧)، التقريب (٤٠٢٥).\nوحسنه الحويني لشواهده فانظر تخريجه لكتاب البعث لابن أبي داود رقم (٤٤)، إلا أنه قال لم أجده عند غير المصنف، قلت: بل هو في الاعتقاد للبيهقي (١٦٢) وفيه متابعة الفضيل بن سليمان للمحاربي وهو صدوق له خطأ كثير التقريب (٥٤٦٢). كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٤) رقم (٣٤٦)، وأورده الغزالي في الإحياء =","vol":"3","page":1178},{"text":"١٠٣٦ - حدثنا حمدون بن سعد، حدثنا النضر بن إسماعيل، عن أبي طالب، عن عمار الدهني، عن أبي جعفر قال: سمع علي -﵁- امرأة تقول: اللهم أدخلني في شفاعة محمد، قال: \"إذًا تمسّكِ النار\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات الشفاعة لنبينا محمد -ﷺ-، وكما تضمن أثرا علي وحذيفة ﵄ أن اللَّه يغني المؤمنين عن شفاعة النبي -ﷺ-، ولذلك كرهوا سؤال اللَّه الشفاعة، معللين ذلك باستلزامها أن يكونوا مذنبين، أو دخولهم النار، فكأنهم حملو الشفاعة على نوع واحد فقط وهو الشفاعة فيمن دخل النار من عصاة الموحدين.\nفأما ثبوت شفاعة النبي -ﷺ- لأهل الكبائر من أمته فهو أمر مجمع\n_________\n= (٣/ ١٤٠)، والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥)، والنووي في الأذكار (٣٣٠ - ٣٣١)، وانظر كشف الخفاء للعجلوني (٢/ ١٥) ففيه ذكر عدة آثار وأحاديث تشهد لهذا المعنى، وانظر تصحيح أو تحسين ذلك في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨)، الترغيب والترهيب (٤/ ٢٤٢)، المشكاة رقم (٥٦٠٠).\n(^١) إسناده لين؛ فيه أبو طالب، ذكر في الكنى، برواية النضر بن إسماعيل عنه، ولم يُذكر فيه جرح ولا تعديل، انظر: الجرح والتعديل (٤/ ٢/ ٣٩٧)، التاريخ الكبير قسم الكنى (٩/ ٤٦) رقم (٣٩٤)، المقتنى (١/ ٣٢٦) رقم (٣٢٧٥). كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٧٧ - ٢٧٨) رقم (٦١٦)، وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥) وعزاه للمصنف.","vol":"3","page":1179},{"text":"عليه، وأحاديثه متواترة (^١)، قال شيخ الإسلام: \"مذهب سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان\" (^٢)، وقال: \"إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة، وتابعيهم بإحسان، وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم\" (^٣)، بل قال ابن عبد البر: \". . . إثبات الشفاعة وهو ركن من أركان اعتقاد أهل السنة\" (^٤).\nبل إن شفاعة نبينا -ﷺ- ليست مختصة بهذه الشفاعة، وإنما أنواع كثيرة ذكره العلماء، عدها ابن القيم فقال: \"أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء نبيا بعد نبي حتى ريحهم اللَّه من مقامهم.\nالنوع الثاني: الشفاعة في فتح الجنة لأهلها.\nالنوع الثالث: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة.\nالنوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار.\nالنوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار.\nويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس:\n_________\n(^١) انظر نظم المتناثر (٣٤٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١١٦) وانظر (١/ ١٥٣)، الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ٢١١)، فصول من كتاب الانتصار لأهل الحديث للصنعاني (٣٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٩).\n(^٤) الاستذكار (٢/ ٥٢٠).","vol":"3","page":1180},{"text":"أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه (^١)، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر، إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون، فلم أظفر فيه بنص.\nوالنوع الثاني: شفاعته -ﷺ- لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات، وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي -ﷺ- لأبي سلمة، وقوله: \"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين\" (^٢).\nوأما أثرا حذيفة وعلي ﵄ في سؤال اللَّه الشفاعة وأنه يستلزم أن يكون العبد مذنبا، أو أنه يدخل النار، وترتيبهما على ذلك عدم سؤال اللَّه ذلك، فعلى ما فيهما من لين، فقد تعقبهم القاضي عياض فيما نقله عنه النووي في الأذكار بكلام متين فقال: \"هذا خطأ، ولولا خوف الاغترار بهذا الغلط، وكونه قد ذكر في كتب مصنفة، لما تجاسرت على حكايته، فكم من حديث صحيح جاء في ترغيب المؤمنين الكاملين بوعدهم شفاعة النبي -ﷺ- لقوله -ﷺ-: \"من قال مثل ما يقول المؤذن حلت له شفاعتي\" وغير ذلك، وقد أحسن الإمام الحافظ الفقيه أبو الفضل\n_________\n(^١) أورد الشيخ مقبل ﵀ في كتابه الشفاعة فصل في شفاعته -ﷺ- لأناس قد أمر بهم إلى النار، ذكر فيه حديثين صريحين وتعقبهما بالتضعيف.\n(^٢) حاشية ابن القيم على أبي داود (١٣/ ٥٥)، وانظر شرح العقيدة الطحاوية (٢٢٩)، فتح المجيد (٢٠٠)، ولمزيد من الوقوف على الأحاديث والآيات في ذلك انظر: الشفاعة للوادعي.","vol":"3","page":1181},{"text":"عياض ﵀ في قوله: قد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح ﵃ شفاعة نبينا -ﷺ- ورغبتهم فيها، قال: وعلى هذا لا يلتفت إلى كراهة من كره ذلك لكونها لا تكون إلا للمذنبين؛ لأنه ثبت في الأحاديث في صحيح مسلم وغيره إثبات الشفاعة لأقوام في دخولهم في الجنة بغير حساب، ولقوم في زيادة درجاتهم في الجنة، قال: ثم كل عاقل معترف بالتقصير، محتاج إلى العفو، مشفق من كونه من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنهما لأصحاب الذنوب، وكل هذا ما عرف من دعاء السلف والخلف\" (^١)، ولم أجد لغيره تنبيها على هذا وعدّه خطأً، قلت: ويؤيد كون هذا خطأ ما نقله ابن الجوزي في العلل المتناهية بعد إيراد حديث: \"خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم، أترونها للمؤمنين المتقين، لا ولكنها للمذنبين الخطائين\" قال: \"قال الدارقطني: ليس في الأحاديث شيء صحيح\" (^٢)، وكذا في العلل للدارقطني (^٣) قوله بعد سرده طرق الحديث: \"ليس فيها شيء صحيح\"، فهذا يدل على أنه لا أصل لهذا القول في السنة المرفوعة؛ أي نفيها عن المؤمنين المتقين أما ثبوتها لأصحاب الكبائر فهو ثابت صحيح، وليس فيه الحصر وعدم دخول غيرهم فيها، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) الأذكار (٨٨٧)، وانظر تفسير القرطبي (١٠/ ٢٦٧).\n(^٢) (٢/ ٩٢٠).\n(^٣) (٧/ ٢٢٦).","vol":"3","page":1182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>المبحث الثامن: الآثار الواردة في المقام المحمود</span>.\n\n١٠٣٧ - دثنا سريج بن يونس، دثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: \"يجمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، كما خلقوا أول مرة، ثم يقوم النبي -ﷺ- فيقول: \"لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، عبادك بين يديك، أنا منك وإليك، سبحانك رب البيت، تباركت وتعاليت\" قال: وهو المقام المحمود\" (^١).\n_________\n(^١) إسناد حسن، رجاله ثقات غير أبي إسحاق وهو السبيعي عمرو بن عبد اللَّه ثقة مكثر عابد اختلط بآخره، التقريب (٥١٠٠)، ورواية معمر عنه لا يدرى هل هي قبل الاختلاط أم بعده، إلا أنه تابعه شعبة والثوري وهما ممن سمع منه قبل الاختلاط كما في المختلطين للعلائي (٩٤)، وإن كان هناك عبارات في ترجمته من تهذيب الكمال (٧/ ١٨٢) يستشف منها سماعه قبل الاختلاط منها قول أحمد: \"لا تضم أحدا إلى معمر إلا وجدته يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم\"، وكذا قول أبي حاتم بأن الإسناد انتهى إلى ستة نفر أدركهم معمر وكتب عنهم لا أعلم لأحد اجتمعوا غير معمرا وذكر منهم أبا إسحاق، الأهوال (١٦٢) رقم (١٥١)، والطبري في تفسيره (١٥/ ١٤٤) من طريق سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق به، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣١٩) رقم (٣١٧٤٤) عن إسرائيل به وكرره برقم (٣٤٨٠٠)، وعبد الرزاق في التفسير (٢/ ٣٨٧)، وابن مندة في الإيمان (٣/ ١١٨ - ١١٩) رقم (٩٢٩ - ٩٣١) وقال: \"هذا إسناد مجمع على صحته وقبول رواته\"، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٣) وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هذه السياقة\"، والطيالسي في مسنده (١/ ٣٣٠) رقم (٤١٤)، =","vol":"3","page":1183},{"text":"١٠٣٨ - دثنا خلف ومحمد بن سليمان، دثنا أبو الأحوص، عن آدم ابن علي قال: سمعت ابن عمر يقول: \"إن الناس يصيرون جثا يوم القيامة، كل أمة تتبع نبيّها يقولون: يا فلان، اشفع لنا حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي، فذلك اليوم الذي يبعثه اللَّه المقام المحمود\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثرا حذيفة وابن عمر ﵄ تفسير المقام المحمود بأنه الشفاعة العظمى التي يشفعها النبي -ﷺ- لأهل الموقف لكي يأتي اللَّه لفصل القضاء بينهم، قال ابن عبد البر: \"على هذا أهل العلم في تأويل قول اللَّه -﷿-: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ (^٢) أنه الشفاعة،\n_________\n= وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٨)، والبزار في مسنده (٧/ ٣٢٩) رقم (٢٩٢٦)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢/ ١٠٠٧) رقم (١١٢)، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٨١) رقم (١١٢٩٤) عن شعبة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٧٧): \"رواه البزار موقوفا ورجاله رجال الصحيح\"، وانظر الدر المنثور (٥/ ٣٢٥)، وقد روي هذا الحديث مرفوعا ولا يصح كما قال أبو حاتم الرازي في العلل (٢/ ٢١٧)، وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم (٣٥٣) بأنه: \"في حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي\"، وانظر المطالب العالية (٥/ ١١٩ - ١٢٠).\n(^١) إسناده صحيح، الأهوال (١٦٤) رقم (١٥٢)، أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ٣٩٩ فتح) رقم (٤٧١٨).\n(^٢) سورة الإسراء، من الآية (٧٩).","vol":"3","page":1184},{"text":"وقد روي عن مجاهد أن المقام المحمود أن يقعده معه يوم القيامة على العرش، وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، أن المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته، وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك، فصار إجماعا في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة\" (^١).\nوقال ابن جرير: \"اختلف أهل التأويل في معني ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هيو المقام الذي هو يقومه -ﷺ- يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. . . وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ لما ذكرنا من الرواية عن رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن اللَّه يقعد محمدا -ﷺ- على عرشه قول غير مدفوع صحته؛ لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول اللَّه -ﷺ-، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك\" (^٢).\nوكذلك ابن حجر والشوكاني -رحمهما اللَّه- ذكرا أن قول مجاهد لا يعارض القول بأن المقام المحمود هو الشفاعة، بل يمكن أن يكون الأمران معا الإقعاد والشفاعة، ويكون الإقعاد من صفات المقام المحمود الذي\n_________\n(^١) التمهيد (١٩/ ٦٣ - ٦٤)، وانظر فتح الباري (١١/ ٤٢٦).\n(^٢) تفسير ابن جرير (٨/ ١٢٩).","vol":"3","page":1185},{"text":"يشفع فيه -ﷺ- (^١)، وهذا الذي ذهب إليه الإمام القصاب -﵀- فجوّز أن تكون الشفاعة من موضع الإقعاد، فالأمر ممكن غير مستحيل كما يدعي بعض المؤولة للنصوص (^٢)، لكن الشأن في الجزم به.\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (١١/ ٤٢٧)، فتح القدير.\n(^٢) انظر: مقدمة تبيين كذب المفتري (١٤) للكوثري، ولا غرابة في قولهم إذا علم أصلهم: أنه ليس على العرش شيء، كما نسبه لهم غير واحد من علماء أهل السنة، انظر: السنة للخلال (١/ ٢٥١)، العلو للذهبي (١٢٩).","vol":"3","page":1186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>المبحث التاسع: الآثار الواردة في البعث وصفته</span>.\n\n١٠٣٩ - دثنا يوسف، دثنا عبيد اللَّه بن موسى وخلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (^١): \"إعادته أهون عليه من ابتدائه، وكل عليه يسير\" (^٢).\n\n١٠٤٠ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: \"يرسل ريح فيها صِرٌّ بارد زمهرير، فلا تذر على الأرض مؤمنا إلا لفت بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على الناس، قال: ثم يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماء والأرض إلا مات، ثم يكون بين النفختين ما شاء اللَّه أن يكون، فيرسل اللَّه ماء من تحت العرش، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ ابن مسعود \" ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ (^٣)، ثم يقوم ملك بين\n_________\n(^١) سورة لقمان، الآية (٢٨).\n(^٢) إسناده حسن، أبو جعفر الرازي صدوق سيء الحفظ خصوصا عن مغيرة التقريب (٨٠٧٧)، والأثر مروي عن عدة تابعين وعن بعض الصحابة، انظر تفسير ابن جرير (٢١/ ٣٦)، الأهوال (٢٢٠) رقم (٢١٢).\n(^٣) سورة فاطر، الآية (٩).","vol":"3","page":1187},{"text":"السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها فتدخل فيه، فيجيئون قياما لرب العالمين\" (^١).\n\n١٠٤١ - دثنا إسحاق بن إبراهيم، دثنا معاذ بن هشام، دثني أبي، عن بديل (^٢) قال: \"حُدِّثت أن أهل الضلالة إذا خرجوا من قبورهم يتسكّعون في الظلمات مثل الدنيا، أو مثلي الدنيا، ما يكلَّمون، وإن الأرض تأجّج نارا، أو ما ظلٌ إلا من كان في ظل العرش\" (^٣).\n\n١٠٤٢ - دثنا يوسف، دثنا عمرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة عن الحسن: \" ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ (^٤) قال: \"فزعوا يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم\" (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (٨٦٧).\n(^٢) هو بُدَيْل بن ميسرة العُقَيلى البصري، ثقة، مات سنة (١٢٥ هـ) أو (١٣٠ هـ)، التقريب (٦٤٦).\n(^٣) إسناده حسن إلى بديل، معاذ بن هشام صدوق ربما وهم التقريب (٦٧٨٩)، الأهوال (١٥٧) رقم (١٤٥)، ورقم (٢٢٩) عن أبي واعظ الزاهد قريبا منه، وانظر الدر المنثور (٨/ ٥٥) فقد أورد عن أبي فاختة أن المنافقين يتسكعون في الظمة يوم القيامة.\n(^٤) سورة سبأ، الآية (٥١).\n(^٥) إسناده حسن؛ فيه عمرو بن حمران وهو صالح الحديث كما في الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٧)، وسعيد هو ابن أبي عروبة لأن الراوي عنه عمرو بن حمران لا يروي عن سعيد بن بشير الشامي، الأهوال (١١٠) رقم (٧٩)، والطبري في تفسيره (٢٢/ ١٠٨).","vol":"3","page":1188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان أمر البعث، وقدرة اللَّه -﷿- عليه، وأنه لا يعجزه شيء، وكل شيء أمام قدرته تعالى هين، مهما تعاظمه الخلق، وأنه يحصل بأمر حسي وهو نزول ماء من تحت العرش، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم يحصل فزع الناس عند هذا القيام، ويشتد على بعضهم حتى إن أهل الضلالة يتسكعون في الظلمات.\nقال ابن أبي العز: \"الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة السليمة؛ فأخبر اللَّه سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، وردَّ على منكريه في غالب سور القرآن، وذلك: أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان باللَّه؛ فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري كلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر؛ فإن منكريه كثيرون ومحمد -ﷺ- لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي، بَيَّن تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء لمن كتب الأنبياء\" (^١)، قال ابن كثير: \"قد علمتم أن اللَّه أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا؛ فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤).","vol":"3","page":1189},{"text":"بطريق الأولى والأحرى\" (^١)، وهذا أسلوب من أساليب القرآن في إثبات المعاد قال شيخ الإسلام: \"من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك، وكذلك استدلاله على ذلك بالنشاة الأولى في مثل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢) \" (^٣)، وتفصيل هذا أن: \"الإنسان يعلم الإمكان الخارجي، تارة بعلمه بوجود الشيء، وتارة بعلمه بوجود نظيره، وتارة بعلمه بوجود ما هو أبلغ منه؛ فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه، ثم إنه إذا بُيِّن كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه، وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك فبين سبحانه هذا كله\" (^٤).\nومن ذلك ذكره للطريقة التي يحصل بها البعث بإنزال ماء من تحت العرش، قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: \"كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٧٨).\n(^٢) سورة الروم، الآية (٢٧).\n(^٣) درء التعارض (١/ ٢١).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٩٩).","vol":"3","page":1190},{"text":"القيامة ينزل اللَّه ﷾ ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب اللَّه مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٣).","vol":"3","page":1191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>المبحث العاشر: الآثار الواردة في الصراط</span>.\n\n١٠٤٣ - ذكر حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال (^١) قال: \"بلغنا أن الصراط يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع\" (^٢).\n\n١٠٤٤ - ذكر علي بن أبي مريم، عن المقدمي، نا جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يسأل علي بن زيد وهو يبكي فقال: \"يا أبا الحسن كم بلغك أن ولي اللَّه يجلس على الصراط؟ قال: كقدر رجل في\n_________\n(^١) هو سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، صدوق، مات بعد (١٣٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل قبل الخمسين بسنة، التقريب (٢٤١٠).\n(^٢) إسناده ضعيف فيه رشدين بن سعد ضعيف التقريب (١٩٥٣)، والأثر صحيح بطرقه، الأولياء (١٧) رقم (٢٣)، ونعيم في زيادات الزهد لابن المبارك (١٢٢) رقم (٤٠٦)، وذكره البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٣٣) ووجهه بقوله: \"فيحتمل أن يكون لشدة مروره عليه وسقوطه عنه يشبه بذلك واللَّه أعلم\"، وورد بلفظ في صحيح مسلم (١/ ١٧٠) من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن أبي سعيد الخدري وفيه قول أبي سعيد: \"بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف\"، فجعله من قول أبي سعيد لا من قول سعيد بن أبي هلال فاللَّه أعلم هل هو تصحيف؟، وفي صحيح ابن حبان (١٦/ ٣٨٠) رقم (٧٣٧٧)، والليث في فوائده (٥٠)، وابن منده في الإيمان (٣/ ٤٨) والدراقطني في رؤية اللَّه (٣٢)، وجعلوه من قول سعيد بن أبي هلال.","vol":"3","page":1192},{"text":"صلاة مكتوبة أتم ركوعها وسجودها، قال: وهل بلغك أن الصراط يتسع لأولياء اللَّه؟ قال: نعم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان إثبات الصراط، وذكر بعض أوصافه مثل اختلاف سعته ضيقا واتساعا بحسب المارِّ عليه، فيتسع إلى أن يصير كالوادي الواسع، ويضيق حتى يصير أدق من الشعر، ومدة المرور عليه التي تختلف أيضًا، والصراط هو: \"جسر على جهنم أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم: كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، فيه المقدمي وهو عبد اللَّه بن أبي بكر ضعيف، انظر لسان الميزان (٣/ ٢٦٣)، الأولياء (١٧) رقم (٢٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (١٧٦) ولم ينسبه لغير المصنف.\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٤١)، وانظر شرح السنة للبربهاري (٢٦)، وشرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤)، التخويف من النار لابن رجب (٢٣٣)، التذكرة للقرطبي (٣٨١)، وتسلية أهل المصائب (٢٩٩)، فتح الباري (١١/ ٤٥٤).","vol":"3","page":1193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>الفصل الرابع: الآثار الواردة في الجنة</span>.\nوفيه واحد وعشرون مبحثا:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في العرش سقف الجنة.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في أدنى أهل الجنة نعيما.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في معنى الظل الممدود.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في نخل الجنة وأشجارها.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في أرض الجنة.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في شراب أهل الجنة وأكلهم.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في لباسهم.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في فراشهم.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في حُلِيُّهم.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في صفة أهلها وخدمهم.\nالمبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في لسانهم.\nالمبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في تزاور أهلها.\nالمبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في سوقها.\nالمبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في غنائهم.\nالمبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في الحور العين.\nالمبحث السادس عشر: الآثار الواردة في الجماع وما يتعلق","vol":"3","page":1194},{"text":"به من الولد وغيره.\nالمبحث السابع عشر: الآثار الواردة في قصور الجنة وخيامها.\nالمبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في أبواب الجنة.\nالمبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في موضع الجنة.\nالمبحث العشرون: الآثار الواردة في وجود الجنة الآن.\nالمبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في ذكر بعض عيونها وأنهارها.","vol":"3","page":1195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>المبحث الأول: الآثار الواردة في أن العرش سقف الجنة</span>.\n\n١٠٤٥ - حدثني المشرف بن أبان، سمعت صالح بن عبد الكريم قال: قال لنا الفضيل بن عياض: \"تدرون لم حسنت الجنة؟ لأن عرش رب العالمين سقفها\" (^١).\n\n١٠٤٦ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه، ثنا جعفر بن عمر (^٢)، ثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس -﵁- قال: \"إذا سكن أهل الجنةِ الجنةَ، نوَّرَ سقفَ مساكنهم نورُ عرشه\" (^٣).\n\n١٠٤٧ - حدثنا يحيى بن كثير العنبري، ثنا مروان بن بكير (^٤)، عن\n_________\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٠٣)، ولم يذكر فيه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٢٤) جرحا ولا تعديلا، وشيخه صالح بن عبد الكريم ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٤٠٨) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وتبعه الخطيب في تاريخه (٩/ ٣١٢)، وكان عابدا له شأن في ذلك وكان ممن يصحب انظر (١٤/ ٤١١) من تاريخ بغداد، صفة الجنة (١٨) رقم (١٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٣١٢)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (٥٧).\n(^٢) صوابه حفص بن عمر وهو العدني، وورد على الصواب في طبعة عمرو عبد المنعم.\n(^٣) إسناده ضعيف، شيخ المصنف هو الترقفي ثقة عابد التقريب (٣١٨٩)؛ وفيه حفص ابن عمر وهو العدني ضعيف، التقريب (١٤٢٩)، صفة الجنة (١٨ - ١٩) رقم (٢٢)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (٥٧)، وابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٤٩٩).\n(^٤) لم أقف على أحد بهذا الاسم في كتب التراجم، ويظهر لي أنه تصحيف من بكر بن خنيس؛ فإنه هو الذي يروي عن أشعث بن سوار، وقد ورد عند ابن القيم في =","vol":"3","page":1196},{"text":"أشعث، عن الحسن قال: \"إنما سميت عدن لأن فوقها (^١) العرش، ومنها تتفجر أنهار الجنة، وللحور العدنية الفضل على سائر الحور\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات أن سقف الجنة هو عرش الرحمن، وأن نوره يُنَوِّر مساكنهم، وأن ذلك هو سبب حسن الجنة، قال شيخ الإسلام: \"العرش فوق جميع المخلوقات، وهو سقف جنة عدن، التي هي أعلا الجنة\" (^٣).\n_________\n= حادي الأرواح (٥٧) قوله: \"وروى بكر عن أشعث عن الحسن\".\n(^١) حدث هنا في طبعة عمرو عبد المنعم وهي طبعة اعتمد فيها على نسختين خطيتين، خطأ فاحش فكتب: \"لأنها العرش\"، والتصويب من مصدري التخريج.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه أشعث وهم ابن سوار ضعيف التقريب (٥٢٨)، صفة الجنة (١٩) رقم (٢٣)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (٥٧)، وابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٤٩٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٩٥)، شرح السنة للبربهاري (٢٧)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٤١)، تفسير ابن كثير (٢/ ٥٣٤)، شرح العقيدة الطحاوية (٢٧٧)، كتاب العرش للذهبي القسم الدراسي (١/ ٢٨٢).","vol":"3","page":1197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>المبحث الثاني: الآثار الواردة في أدنى أهل الجنة نعيما</span>.\n\n١٠٤٨ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، أنا يزيد بن الحباب، عن أبي هلال الراسبي، أنا الحجاج بن عتاب العبدي، عن عبد اللَّه بن معبد الزياني، عن أبي هريرة قال: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دنيّ، لمن يغدو عليه كل يوم ويروح خمسة عشر ألف خادم، ليس منهم خادم إلا معه طرفة ليست مع صاحبه\" (^١).\n\n١٠٤٩ - حدثنا حمزة بن العباس، أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا ابن عون، عن ابن سيرين قال: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن يقال له: تَمَنَّ، ويذكره أصحابه فيقال له: هو لك ومثله معه، قال محمد: وقال ابن عمر: \"هو لك وعشرة أمثاله وعند اللَّه المزيد\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، فيه شيخ المصنف وقد سبق (٩٧٤)، صفة الجنة (٦٩) رقم (٢٠٧)، ورقم (٢٠٩) بإسناد آخر عن أبي هريرة أيضا، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٣٧٧) عن موسى بن إسماعيل وهو التبوذكي به، وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٤٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٠) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا\".\n(^٢) إسناده صحيح، صفة الجنة (٢٦) رقم (٣٦)، وورد ذكر عشرة أمثال عن أبي سعيد الخدري برقم (٢٣٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٦/ ١٧٥)، وأصل الحديث في البخاري (١١/ ٤١٩ فتح) رقم (٦٥٧١)، ومسلم برقم (١٨٦، ١٨٨، ١٨٩).","vol":"3","page":1198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أبي هريرة -﵁- بيان منزلة أدنى أهل الجنة، وليس فيهم دنيّ، وقد أفرد العلماء لأدنى أهل الجنة منزلة، وما ورد فيه من الأحاديث والآثار أبوابا في كتبهم، فإن فيه مباحث عقدية كثيرة منها إثبات النظر إلى اللَّه، ودخول بعض عصاة الموحدين النار، ثم خروجهم منها، وغير ذلك، ففيه مباحث تتعلق بالصفات والرد على الجهمية، ومباحث تتعلق بالإيمان والرد على المرجئة والخوارج (^١).\n_________\n(^١) انظر التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٧٥١، ٧٥٧، ٧٧٠)، التذكرة للقرطبي (٤٩٩)، وفتح الباري (١١/ ٤٦٠)، وحادي الأرواح (٢٧٦)، يقظة أولي الاعتبار (١٨١).","vol":"3","page":1199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>المبحث الثالث: الآثار الواردة في معنى الظل الممدود</span>.\n\n١٠٥٠ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان (^١)، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون (^٢): ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^٣) قال: \"مسيرة ألف سنة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثر السابق عن عمرو بن ميمون تفسير الظل الممدود، بأنه مسيرة ألف سنة، وقد وردت عدة نصوص في تفسير هذا الظل، وأنه ظل شجرة طوبى في الجنة، قال ابن كثير: \"هذا حديث ثابت عن رسول اللَّه -ﷺ-، بل متواتر، مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد؛ لتعدد طرقه، وقوة أسانيده، وثقة رجاله\" (^٥).\n_________\n(^١) كلا السفيانين الثوري وابن عيينة يروي عن أبي إسحاق السبيعي ويروي عنهما عبد الرحمن بن مهدي، كما في تراجمهم من تذهيب الكمال، لكن ورد من طريق أبي نعيم في الحلية (٤/ ١٥٠) أنه سفيان الثوري ولم يذكر في شيوخ يحيى بن يمان في تهذيب الكمال إلا الثوري، والثوري ممن روى عن السبيعي قبل الاختلاط كما في كتاب المختلطين (٩٤)، فالحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.\n(^٢) الأودي مخضرم مشهور ثقة عابد، التقريب (٥١٥٧).\n(^٣) سورة الواقعة، الآية (٣٠).\n(^٤) إسناده صحيح؛ صفة الجنة (٣٥) رقم (٦٤)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٢٩١)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٥٠) جمعيهم يذكر أن المدة: \"سبعين ألف سنة\"، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ١٤) إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(^٥) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٦٩).","vol":"3","page":1200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>المبحث الرابع: الآثار الواردة في نخل الجنة وأشجارها</span>.\n\n١٠٥١ - حدثني يعقوب بن عبيد، ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد بن سلمة، عن أبي المهزّم قال: قال أبو هريرة: \"دار المؤمن في الجنة لؤلؤ، فيها أربعون ألف دار، فيها شجر تنبت الحلل، فيأخذ الرجل بأصبعيه وأشار بالسبابة والإبهام سبعين حلة منتظمة باللؤلؤ والمرجان\" (^١).\n\n١٠٥٢ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء (^٢) في قوله -﷿-: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ (^٣) قال: \"أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة كيف شاؤوا؛ جلوسا ومضطجعين وكيف شاؤوا\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ مداره أبي المهزم وهو متروك، التقريب (٨٤٦٣)، صفة الجنة (٥٦) رقم (١٤٨)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٢٦٢)، وهناد في الزهد (١/ ١٠٤) رقم (١٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٠) رقم (٣٤٠٤٠)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧٢١) لابن أبي شيبة.\n(^٢) هو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، صحابي بن صحابي، نزل الكوفة، استُصْغِر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةٌ -أي أتراب- (ت ٧٢ هـ)، التقريب (٦٤٨).\n(^٣) سورة الإنسان، الآية (١٤).\n(^٤) إسناده حسن، وقد سبق (٣٧٦) الكلام في رواية شريك عن أبي إسحاق، صفة الجنة (٤٩) رقم (١١٥)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٣٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في زياداته على الزهد (٢١١).","vol":"3","page":1201},{"text":"١٠٥٣ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا محمد بن يزيد، عن جرير، عن الضحاك: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾ (^١)، قال: دانٍ ثمارها \" (^٢)\n\n١٠٥٤ - حدثنا العباس، ثنا ابن المغيرة (^٣)، ثنا عبدة قالت: سمعت خالد بن معدان (^٤) يقول: \"إن الرجل يريد أن يأكل من فاكهة الجنة فيأتي الشجرة فتسترخي له حتى يأخذ منها ما أراد ثم ترتفع\" (^٥).\n\n١٠٥٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن منصور، عن حسان بن أبي الأشرس، عن مغيث بن سميّ قال: \"طوبى شجرة في الجنة، لو أن رجلا ركب قلوصا (^٦) أو جَذَعًا (^٧) ثم دارها لم يبلغ المكان الذي\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية (٥٤).\n(^٢) فيه محمد بن يزيد وهو ابن خنيس وقد سبق (١٠١) أنه مقبول، صفة الجنة (٤٩ - ٥٠) رقم (١١٦).\n(^٣) صوابه أبو العباس، وهو عبد القدوس بن الحجاج الشامي، فهو الذي يروي عن عبدة وهي بنت معدان كما في ترجمته من تهذيب الكمال، ويروي عنه العباس بن عبد اللَّه كما في ترجمة العباس من تذهيب الكمال.\n(^٤) هو خالد بن معدان الكلاعي الحمصي، أبو عبد اللَّه، ثقة عابد، يرسل كثيرا، مات سنة (١٠٣ هـ) وقيل بعد ذلك، التقريب (١٦٧٨).\n(^٥) إسناده حسن؛ وعبدة وهي بنت خالد بن معدان ذكرها ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٠٧)، صفة الجنة (٥١) رقم (١٢٢).\n(^٦) القَلُوصُ من النوف الشابة، وهي بمنزلة الجارية من الناس، مختار الصحاح (٥٦٠).\n(^٧) الجذع قبل الثني، يقال لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقرة والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة، المختار الصحاح (١١٩).","vol":"3","page":1202},{"text":"ارتحل منه حتى يموت هرما، وما من الجنة منزل إلا غصن من أغصان تلك الشجرة متدلٍّ عليه، فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلي عليهم فأكلوا منه ما شاءوا، قال: وتجيء الطير فيأكلون منه قديدا وشواء ما شاءوا ثم تطير\" (^١).\n\n١٠٥٦ - حدثنا هارون بك معروف، ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن ابن أبي جرة (^٢)، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿طُوبَى﴾ قال: \"شجرة في الجنة فيها حمل أمثال ثدي النساء فيها حلل أهل الجنة\" (^٣).\n\n١٠٥٧ - حدثني ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس قال: \"طوبى اسم الجنة بالحبشية\" (^٤).\n\n١٠٥٨ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني المسعودي، عن عمرو بن\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ حسان بن أبي الأشرس صدوق التقريب (١٢٠٥)، صفة الجنة (٣٣ - ٣٤) رقم (٥٥)، ومختصرا رقم (١٠٤)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٣) رقم (٣٤٠٨١)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٨).\n(^٢) أظنه مصحفا؛ فإني لم أجده، والصواب ابن أبي بزة، وهو القاسم بن أبي بزة الكوفي القارئ، الراوي عن مجاهد، ثقة التقريب (٥٤٨٧).\n(^٣) إسناده حسن، صفة الجنة (٣٤) رقم (٥٦)، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٦٤٥) لأبي الشيخ وابن أبي حاتم.\n(^٤) إسناده ضعيف؛ مداره على يحيى بن يمان صدوق عابد يخطئ كثيرا، وقد تغير التقريب (٧٧٢٩)، صفة الجنة (٣٤) رقم (٥٩)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٤٦)، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٦٤٣) لابن أبي حاتم وابن جرير.","vol":"3","page":1203},{"text":"مرة قال: قال أبو عبيدة: \"نخل الجنة نضيد ما بين أصلها إلى فرعها ثمرها كالقلال، كلما نزعت منها ثمرة عادت مكانها أخرى، أنهارها تجري في غير (^١) أخدود، العنقود منها اثنا عشر ذراعا، قال عمرو: فعجلت على الشيخ فقلت: من حدثك بهذا؟ قال لي: أما إني لا أكذبك حدثنيه مسروق\" (^٢).\n\n١٠٥٩ - حدثنا هارون بن سفيان، ثنا محمد بن عمرو، أنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار (^٣) قال: \"في الجنة نخل من ذهب، وسعفها كأحسن حلل رأى الناس، وشماريخها وعراجينها ونقادها من ذهب، وثمرها مثل القلال أشد بياضا من اللبن والفضة، وأطيب من المسك، وأحلى من السكر، وألين من الزبد والسمن\" (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل \"عين\"، والصواب المثبت، كما في مصادر التخريج.\n(^٢) إسناده ضعيف، والأثر حسن؛ فإن سماع علي بن الجعد من المسعودي بعد الاختلاط انظر كتاب المختلطين للعلائي (٧٢ - ٧٣) أصلا وحاشية، لكن تابعه سفيان الثوري كما في مصادر التخريج، صفة الجنة (٢٩) رقم (٤٨)، وابن المبارك في الزهد (١٤٩٠)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٦٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٤٥) مختصرا، وهناد في الزهد (١/ ٩٤) رقم (١٠٣)، وابن جرير في تفسيره (١/ ١٧٠)، وانظر الدر المنثور (١/ ٩٥).\n(^٣) هو عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة (١٩٤ هـ) وقيل بعد ذلك، التقريب (٤٦٠٥).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ فيه أسامة بن زيد وهو ضعيف من قبل حفظه التقريب (٣١٧)، صفة الجنة (٢٩) رقم (٤٩)، ولم أجده عن عطاء.","vol":"3","page":1204},{"text":"١٠٦٠ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: \"نخل الجنة جذوعها من زمرّد أخضر، وكربها من ذهب أحمر، وثمرها مثل القِلال والدِّلاء أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس فيه عجم\" (^١).\n\n١٠٦١ - حدثنا الحسن بن محبوب الأنطاكي، ثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن أبي سنان، عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل قال: \"كنا مع عبد اللَّه بالشام أو بعَمَّان، فتذاكروا الجنة، فقال: إن العنقود من عناقيدها من هاهنا إلى صنعاء\" (^٢).\n\n١٠٦٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير ووكيع، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن زياد مولى بن مخزوم، عن أبي هريرة قال: \"إن في الجنة\n_________\n(^١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٢٩ - ٣٠) رقم (٥٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٤٨٨)، والصنعاني في تفسيره (٣/ ٢٦٨)، وهناد في الزهد (١/ ٩١) رقم (٩٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٥) وقال: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٠) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا بإسناد جيد، والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم\".\n(^٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف لا بأس به وقد سبق (١٨٨)، صفة الجنة (٢٨ - ٢٩) رقم (٤٦)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٦٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٩) رقم (٣٣٩٦٠)، وهنا في الزهد (١/ ٩٤) رقم (١٠٥)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٩) ونسبه لابن أبي الدنيا فقط موقوفا، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧٠٩) لابن أبي شيبة.","vol":"3","page":1205},{"text":"شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (^١)، قال: فبلغ ذلك كعب، فقال: صدق والذي أنزل التوراة على لسان موسى -﵇-، والفرقان على لسان محمد -ﷺ- لو أن رجلا ركب جذعة أو جذعا، ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما، إن اللَّه -﷿- غرسها بيده، ونفخ فيها، وإن أفنانها من وراء سور الجنة، ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة، وقال وكيع: لو أن رجلا ركب جذعا أو حقة\" (^٢).\n\n١٠٦٣ - حدثني دهثم بن الفضل القرشي قال: أنبأنا رواد بن الجراح قال: حدثنا الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة (^٣) قال: \"في الجنة شجر أثمارها الياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فيهب اللَّه ريحا فتضطرب فما\n_________\n(^١) سورة الواقعة، الآية (٣٠).\n(^٢) إسناده حسن؛ مداره على زياد مولى بني مخزوم قال فيه ابن معين: \"لا شيء\" ولم يذكره البخاري بجرح ولا تعديل انظر لسان الميزان (٢/ ٤٩٩)، لكني وقفت على توثيق الشافعي له فانظر الأم (٢/ ٢٠٧)، صفة الجنة (٢٨) رقم (٤٤)، وأصل الأثر في البخاري (٨/ ٦٢٧ فتح) دون قول كعب، ومسلم (٤/ ٢١٧٥) رقم (٢٨٢٦)، أما قول كعب فأخرجه نعيم في زياداته على الزهد لابن المبارك رقم (٢٢٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٢) رقم (٣٣٩٨٣)، وهناد في الزهد (١/ ٩٨) رقم (١١٤)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٨٢).\n(^٣) هو عبدة بن أبي لبابة الأسدي مولاهم، ويقال مولى قريش، أبو القاسم البزاز، الكوفي نزيل دمشق، ثقة، التقريب (٤٢٧٤).","vol":"3","page":1206},{"text":"سمع صوت قط ألذّ منه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات أشجار الجنة، وبعض أنواعها كالنخيل، وبعض صفاتها، وصفات ثمارها، وسهولة الأكل منها وكيفيته، وتسمية بعضها كطوبى، وقد عقد العلماء في كتبهم أبوابا في أشجار الجنة وأوصافها (^٢)، قال الشيخ أحمد بن عيسى عند شرحه لأبيات ابن القيم في وصف شجر الجنة: \"ذكر الناظم في هذا الفصل أن أشجار الجنة نوعان: منها ماله نظير في هذه الدنيا، والنوع الثاني ما لا نظير له في الدنيا\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن لغيره، شيخ المصنف دهثم هو ابن خلف بن الفضل القرشي الرملي، أورده الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٣٨٢) وذكر قصة عن يعقوب كأنه يشير إلى تكذيبه؟، وشيخه رواد صدوق اختلط بآخره فترك، التقريب (١٩٦٩)، لكن لهما متابعان عند أبي نعيم بسند حسن، الورع (٧١) رقم (٨١)، الحلية (٦/ ١١٤).\n(^٢) سنن الدارمي (٢/ ٤٣٥)، التذكر للقرطبي (٥٢٧)، حادي الأرواح (١١١).\n(^٣) شرح الشافية الكافية (٢/ ٥١١).","vol":"3","page":1207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>المبحث الخامس: الآثار الواردة في أرض الجنة</span>.\n\n١٠٦٤ - حدثنا أبو الأحوص، أنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: \"أرض الجنة فضّة\" (^١).\n\n١٠٦٥ - حدثنا سويد بن سعيد، ثنا عبد ربه بن بارق الحنفي، حدثني خالي زميل بن سماك، أن سماكا سمع أباه يحدث أنه لقى ابن عباس بالمدينة بعدما كف بصره فقال: \"يا ابن عباس ما أرض الجنة؟ قال: مرمرة (^٢) بيضاء من فضة كأنها مرآة، قلت: ما نورها؟ قال: أما رأيت الساعة التي تكون قبل طلوع الشمس فذلك نورها، إلا أنه ليس فيها شمس ولا زمهرير، قال: قلت: فما أنهارها؟ أفي أخدود؟ قال: لا، ولكنها تجري على أرض الجنة مستكنة لا تفيض هاهنا ولا هاهنا، قال اللَّه -﷿- لها: كوني، فكانت، قلت: فما حلل الجنة؟ قال: شجرة فيها ثمر كأنه الرمان، فإذا أراد ولي اللَّه -﷿- منها كسوة انحدرت إليه من غصنها، فانفلقت له عن سبعين حلة ألوانا بعد ألوان، ثم تنطبق فترجع كما كانت\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه يحيى بن يمان وقد سبق (١٠٥٧)، صفة الجنة (١٠٣) رقم (٣٤٢)، وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (١٥٥)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٩٢) لأبي نعيم.\n(^٢) قال ابن حجر: \"هو جنس من الرخام رفيع معروف\" فتح الباري (٨/ ١٠٦).\n(^٣) إسناده لين؛ فيه عبد ربه بن بارق صدوق يخطئ التقريب (٣٨٠٧)، صفة الجنة (٥٥) رقم (١٤٤)، ثم كرره مختصرا برقم (١٦٦)، وأبو الشيخ في العظمة =","vol":"3","page":1208},{"text":"١٠٦٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: \"أرض الجنة من وَرِق، ترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وياقوت، والورق والثمر تحت ذلك، ومن أكل جالسا لم يؤذه، ومن أكل قائما لم يؤذه، ومن أكل مضطجعا لم يؤذه، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ \" (^١).\n\n١٠٦٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا وكيع، ثنا شعبة، عن المغيرة بن مالك، عن رجل يقال له عبد الكريم، أو يكنى أبا عبد الكريم قال: أقامني على رجل بخراسان فقال: حدثني هذا أنه سمع علي بن أبي\n_________\n= (٣/ ٨٩٣) رقم (٤٣٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٦) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا بإسناد حسن\"، ونسبه في السيوطي في الدر (١/ ٩٣) إلى ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبي الشيخ في العظمة.\n(^١) إسناده صحيح، ابن أبي نجيح ثقة وربما دلس، وأخرج له الستة وله في البخاري عن مجاهد، وانظر مقدمة فتح الباري (٤١٦)، أما ما ذكره عمرو عبد المنعم من كونه يروي التفسير عن مجاهد من كتاب ابن أبي بزة ولم يسمعه منه، فلا يضر لأنه ثقة، التقريب (٥٤٨٧)، وتعقب الذهبي قول من قال إنه لم يسمع كل التفسير من مجاهد في السير (٦/ ١٢٦) بقوله: \"هو أخص الناس بمجاهد\"، صفة الجنة (٣٤) رقم (٦٠)، وانظر رقم (١١٤) نحوه، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٢٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٨) رقم (٣٣٩٥٤)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٥٧)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٧٤) إلى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي.","vol":"3","page":1209},{"text":"طالب -﵁- يقول: \" ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ (^١)، الأرض من فضة، والجنة من ذهب\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار بيان أن أرض الجنة من فضة، وقد اعتنى ابن القيم ﵀ بجمع ما ورد في صفة أرض الجنة، والتوفيق بينها فقال: \"جاء في هذه الأحاديث أن ترابها الزعفران. . . ترابها المسك. . .مسك خالص. . . فهذه ثلاث صفات في تربتها ولا تعارض بينها فذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين المسك والزعفران. . .ويحتمل معنيين آخرين؛ أحدهما: أن يكون التراب من زعفران، فإذا عجن بالماء صار مسكا والطين ترابا. . .المعنى الثاني: أن يكون زعفرانا باعتبار اللون، مسكا باعتبار الرائحة، وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق؛ لون الزعفران والرائحة رائحة المسك. . .وكذلك تشبهها بالدرمك وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومته. . .فاللون في البياض لون الفضة، والرائحة رائحة المسك. . .وقال أبو الشيخ حدثنا\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية (٤٨).\n(^٢) إسناده ضعيف للإبهام والجهالة في بعض الرواة، صفة الجنة (٣٥) رقم (٦١)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥١)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٥٧) للمصنف في هذا الكتاب لكن قال: \"والسماء من ذهب\" بدل: \"والجنة من ذهب\"، وزاد على ما سبق ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":1210},{"text":"عمرو بن الحسين، حدثنا أبو علانة، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن أبي كعب قال: قال رسول اللَّه: قلت ليلة أسري بي: يا جبريل إنهم سيسألوني عن الجنة، فأخبرهم أنها من درة بيضاء، وأن أرضها عقيان، والعقيان الذهب، فإن كان أبو علانة حفظه، فهي أرض الجنتين الذهبيتين، فيكون جبريل أخبره بأعلى الجنتين وأفضلهما واللَّه أعلم\" (^١).\nوقد عقد ﵀ في عدد الجنات وأنها نوعان جنتان من ذهب وجنتان من فضة، قال ﵀: \"الجنة اسم شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات كثيرة جدا. . .وفي الصحيحين (^٢) من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول اللَّه أنه قال جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما\".\n_________\n(^١) حادي الأرواح (٥٠٤ - ٥٠٦)، وانظر فيض القدير (٣/ ٣٦٣)، وشرح ابن عيسى على الشافية الكافية (٢/ ٥٠٦).\n(^٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٧)، صحيح مسلم (٢٩٤).","vol":"3","page":1211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>المبحث السادس: الآثار الواردة في شراب أهل الجنة وأكلهم</span>.\n\n١٠٦٨ - حدثنا محمد بن عباد بن موسى، ثنا زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عام، عن أبي أمامة قال: \"إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي من شراب أهل الجنة فيجيء الإبريق فيقع في يده فيشرب ثم يعود إلى مكانه\" (^١).\n\n١٠٦٩ - حدثني هارون بن سفيان، ثنا محمد بن عمر، ثنا ابن أبي ميسرة (^٢)، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عوف بن الحارث بن الطفيل، عن أخي عائشة، عن كعب في قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ (^٣)، قال: \"نهر يستنم (^٤) على الغرف\" (^٥).\n\n١٠٧٠ - حدثنا داود بن عمرو، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن\n_________\n(^١) إسناده لين؛ فيه شيخ المصنف وقد سبق (٩٤٧) أنه صدوق يخطئ، صفة الجنة (٥٣) رقم (١٣٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (١٤/ ٢٩٠) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا بإسناد جيد\".\n(^٢) كذا وأظنه تصحيف من ابن أبي سبرة فهو الذي يروي عن عبد المجيد بن سهيل، ويروي عنه الواقدي كما في ترجمته من تهذيب الكمال.\n(^٣) سورة المطففين، الآية (٢٨).\n(^٤) يعنى يجري فوقها، مختار الصحاح (٣٢٦).\n(^٥) إسناده ضعيف جدا؛ فيه محمد بن عمر وهو الواقدي وقد سبق (٤٥١)، وابن أبي سبرة رموه بالوضوع، وقال مصعب بن الزبير: كان عالما، التقريب (٨٠٣٠)؛ صفة الجنة (٥٣) رقم (١٣٣).","vol":"3","page":1212},{"text":"عبد اللَّه بن مرة عن مسروق، عن عبد اللَّه -﵁- في قول اللَّه -﷿- ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ قال: \"الرحيق هي الخمر، والمختوم يجدون عاقبتها ريح المسك\" (^١).\n\n١٠٧١ - حدثنا داود بن عمرو، ثنا إسماعيل بن علية، ثنا حميد الطويل، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة -﵁-: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ (^٢) قال: \"دمادم\" (^٣).\n\n١٠٧٢ - حدثنا داود بن عمرو، ثنا الزنجي بن خالد، عن أبي نجيح: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ قال: تباعا\" (^٤).\n\n١٠٧٣ - حدثنا أبو خيثمة، ثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن المنهال، عن قيس بن السكين، عن عبد اللَّه قال: \"إن الرجل من أهل الجنة ليؤتى بالكأس فيشربها ثم يلتفت إلى زوجته فتقول: لقد زدت في عيني\n_________\n(^١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٥٣) رقم (١٣٤)، وهناد في الزهد (١/ ٧٥) رقم (٦٤).\n(^٢) سورة النبأ، الآية (٣٤).\n(^٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (٥٣) رقم (١٣٦)، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ١٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٩٩) لابن جرير وعبد بن حميد، وفسر الكلمة بأنها متتابعة بالفارسية، كلاهما بلفظ: \"دمادم\" ومعناه شيء يشبه القطران يسيل من السَّلَم والسَّمُر أحمر، الواحد دمدم، انظر لكلمة دمادم لسان العرب (٤/ ٤١٠)، وفي غريب الحديث لابراهيم الحربي (٣/ ١١٤٨) أنه جيد.\n(^٤) إسناده ضعيف؛ فيه الزنجي بن خالد وهو فقيه صدوق كثير الأوهام التقريب (٦٦٦٩)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٣٧).","vol":"3","page":1213},{"text":"سبعين ضعفا حسنا\" (^١).\n\n١٠٧٤ - حدثنا أبو خيثمة، ثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن المنهال، عن قيس بن السكين، عن عبد اللَّه قال: \"إن الرجل من أهل الجنة ليؤتى بالكأس فيشربها ثم يلتفت إلى زوجته فتقول: لقد زدت في عيني سبعين ضعفا حسنا\" (^٢).\n\n١٠٧٥ - حدثنا أبو مسلم، ثنا سفيان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"لو أخذت فضة من فضة أهل الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة في بياض الفضة وصفاء القارورة\" (^٣).\n\n١٠٧٦ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا الزنجي بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: \"قوارير: قوارير من فضة في بياض الفضة وصفاء\n_________\n(^١) إسناده حسن، المنهال وهو ابن عمرو صدوق ربما وهم التقريب (٦٩٦٦)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٣٨)، ورقم (١٤٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٣) رقم (٣٣٩٩٣)، ونسبه في الدر (٨/ ٩) لابن أبي شيبة.\n(^٢) إسناده حسن، المنهال وهو ابن عمرو صدوق ربما وهم التقريب (٦٩٦٦)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٣٨)، ورقم (١٤٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٣) رقم (٣٣٩٩٣)، ونسبه في الدر (٨/ ٩) لابن أبي شيبة.\n(^٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق طعنوا فيه للرأي كما سبق (١٢٥)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٣٩)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٨)، ونسبه في روح المعاني (١٥٩/ ٢٩) لعبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي.","vol":"3","page":1214},{"text":"القوارير\" (^١).\n\n١٠٧٧ - حدثنا محمد بن عباد بن موسى، ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ (^٢) قال: \"كان ترابها فضة بصفاء الزجاج في بياض الفضة\" (^٣).\n\n١٠٧٨ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا رجل، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال أبو الدرداء: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (^٤) قال: \"هو شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به أشربتهم، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحها\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه الزنجي وقد سبق (١٠٧٢)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٤٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٢١٥) بسند ضعيف فيه مهران وهو ابن أبي عمر العطار وهو صدوق له أوهام سيء الحفظ، التقريب (٦٩٨٢).\n(^٢) سورة الإنسان، الآيتان (١٤ - ١٥).\n(^٣) إسناده حسن؛ فيه شيخ المصنف لكن تابعه يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي عند ابن جرير، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٤١)، والطبري في تفسيره (٢٩/ ٢١٦).\n(^٤) سورة المطففين، الآية (٢٦).\n(^٥) إسناده ضعيف؛ فيه جابر وهو الجعفي ضعيف رافضي التقريب (٨٨٦)، وجهالة شيخ ابن المبارك المبهم، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٢٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٧٦)، وذكره ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٣٢٢)، ومجاهد في تفسيره (٧٣٩/ ٢)، وذكره ابن كثير من طريق ابن جرير عن جابر به، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٤٥٢) لابن جرير وابن المنذر والبيهقي.","vol":"3","page":1215},{"text":"١٠٧٩ - حدثني حمزة، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنبا ابن المبارك، عن سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (^١) قال: \"خلطا، وليس بخاتم يختم به\" (^٢).\n\n١٠٨٠ - حدثني حمزة، أنا عبد بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا معمر، عن رجل، عن أبي قلابة (^٣) قال: \"يؤتون بالطعام والشراب، فإذا في آخر ذلك أتوا بشراب الطهور فيشربون، فتضمر بطونهم ويفيض عرق من جلودهم، مثل ريح المسك، ثم قرأ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) سورة المطففين، الآية (٢٦).\n(^٢) إسناده حسن؛ زيد بن معاوية قال عنه الذهبي انظر اللسان (٢/ ٥١١): \"ذكره أبو حاتم بن حبان في الذيل ومشاه غيره\"، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٢٩)، ونعيم في زياداته في على الزهد رقم (٢٧٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٦٢) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، والطبراني في الكبير (٩/ ٢١٩) رقم (٩٠٦٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٣٢): \"رواه الطبراني عن عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف\".\n(^٣) هو عبد اللَّه بن زيد بن عمرو أو عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل، كثير الإرسال، مات بالشام هاربا من القضاء سنة (١٠٤ هـ) وقيل بعدها، التقريب (٣٣٣٣).\n(^٤) سورة الإنسان، الآية (٢١).\n(^٥) إسناده ضعيف؛ لجهالة الراوي المبهم، وورد عند عبد الرزاق والطبري أنه أبان وهو ابن أبي عياش متروك التقريب (١٤٣)، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٣٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٣٢)، والصنعاني في تفسيره (٣/ ٣٣٨)، وابن جرير في =","vol":"3","page":1216},{"text":"١٠٨١ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: \"المعين: الخمر\"، وبإسناده قال: \"لا فيها غول، ولا فيها أذى\" (^١).\n\n١٠٨٢ - حدثنا عبيد اللَّه بن عمر، ثنا عمران بن عيينة، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ (^٢): \"صرفا ويمزج لسائر أهل الجنة\" (^٣).\n\n١٠٨٣ - حدثنا بشر بن الوليد، أخبرتنا أم الضحاك مولاة خالد بن معدان، عن خالد بن معدان قال: \"إن الرمانة والأترجّة من فاكهة الجنة، تأتي العبد فيأكل منها رمانا أو أترجا ما اشتهى، ثم ينقلب أي لون\n_________\n= تفسيره (٢٩/ ٢٢٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٧٧) إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر.\n(^١) إسناده لين، فيه شريك وهو القاضي وقد سبق (٣٧٦) أنه اختلط؛ صفة الجنة (٥١) رقم (١٢٤ - ١٢٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٨٨) لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.\n(^٢) سورة المطففين، الآيتان (٢٧ - ٢٨).\n(^٣) إسناده حسن؛ عمران بن عيينة صدوق له أوهام التقريب (٥١٩٩)، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٢٦)، والذي بعده ورقم (١٣٥) نفسه عن مالك بن الحويرث، وذكره ابن كثير (٤/ ٤٨٨)، وروح المعاني (٣٠/ ٧٦)، ولم أجده مسندا من قول أبي صالح.","vol":"3","page":1217},{"text":"اشتهى\" (^١).\n\n١٠٨٤ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه، ثنا حفص بن عمر العدني، ثنا الحكم -يعني بن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"الرمانة من رمان الجنة يجتمع حولها بشر كثير، يأكلون منها، فإن جرى على ذكر أحدهم شيء يريده وجده في موضع يده حيث يأكل\" (^٢).\n\n١٠٨٥ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن حميد بن أبي سويد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال: \"الطلح المنضود: الموز (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده حسن، شيخ المصنف هو بشر بن الوليد القاضي صاحب أبي يوسف، لم أجده في شيوخه نصا وإنما نسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (١/ ٥٦) إلى القضاء وهو في درجة الصدوق انظر السير (١٠/ ٦٧٣)، ومولاته أوردها ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٧٠) ولم أجدها عنده غيره، صفة الجنة (٤٩) رقم (١١٣).\n(^٢) إسناده ضعيف، وقد سبق مثله، صفة الجنة (٥١) رقم (١٢١)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٣٩١) للمصنف في صفة الجنة، وقبله المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٣).\n(^٣) في الأصل: \"اللوز\" وهو خطأ واضح لم أجد من ذكره.\n(^٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه حميد بن أبي سويد مجهول التقريب (١٥٥٩)، قلت: بل هو منكر الحديث كما في تذهيب التهذيب (١/ ٤٩٥)، صفة الجنة (٣٥) رقم (٦٣)، وذكر ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠) أنه روي عن: \"ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك\".","vol":"3","page":1218},{"text":"١٠٨٦ - حدثني أحمد بن حميد (^١)، ثنا معتمر بن سليمان، عن شبيب بن عبد الملك قال: حدثني مقاتل بن حيان قال: \"إن أهل الجنة إذا دعوا بالطعام قالوا: سبحانك اللهم، قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم مع كل خادم منهم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى، فيأكل منهن كلهن\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان شراب أهل الجنة وأكلهم، وهو غاية في النعيم واللذة والسرور، فيشرب المسلم كل ما يشتهيه من شراب أهل الجنة، بمجرد اشتهائه، ويأتيه الشراب كما أراده وقدّره، وهو شراب مختوم بمسك، فيجدون عاقبتها رائحة المسك (^٣)، وهي كؤوس متتابعة لا تنقطع، يزيد بشربها المؤمن حسنا وبهاء حتى إن زوجته لتلحظ عليه ذاك،\n_________\n(^١) الظاهر أنه مصحف، ومعتمر بن سليمان يروي عنه أحمد بن حنبل وأحمد بن عبدة الضبى، وأحمد بن المقدام العجلي ثلاثتهم، والضبي ثقة التقريب (٧٤)، والعجلي صدوق التقريب (١١١)، وفي شيوخ ابن أبي الدنيا أبو حفص الصفار أحمد بن محمد وهو لا بأس به كما في تاريخ بغداد (٥/ ١٢٧).\n(^٢) إسناده حسن، شبيب بن عبد المللك صدوق التقريب (٢٧٥٧)، صفة الجنة (٥٠) رقم (١١٨)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٠٩)، ونسبه السيوطي في الدر لابن أبي حاتم (٤/ ٣٤٥)، وانظر الترغيب والترهيب فقد نقل عن الحافظ توجيه اختلاف عدد الخدم في الروايات (٤/ ٢٨٠)، وفيض القدير (٥/ ٤٦٨).\n(^٣) انظر تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٩٧).","vol":"3","page":1219},{"text":"وتخبره بأنه ازداد حسنه أضعافا بعد شربه، كل ذلك في كؤوس ببياض الفضة، وصفاء الزجاج، شرابا طهورا معينا لا أذى فيه ولا غول، يشربه بعضهم صرفا خالصا، وبعضهم يمزج له بالتسنيم، قال ابن القيم: \"أخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا، أن شراب الأبرار يمزج منها؛ لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها للَّه، فأخلص شرابهم، وهؤلاء مزجوا (^١) فمزج شرابهم\" (^٢)، وقد ذكر نصوصا كثيرة تتعلق بشراب وأكل أهل الجنة، في باب مفرد من كتابه حادي الأرواح هو باب طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه، ثم قال: \"تضمنت هذه النصوص أن لهم فيها الخبز، واللحم، والفاكهة، والحلوى، وأنواع الأشربة، من الماء، واللبن، والخمر، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر\" (^٣).\nوكذا أكلهم وطعامهم منه الفاكهة كالرمان حبتها يأكل منها النفر الكثير، ومنها الأترجّة، يأكل منها منها ما اشتهى ثم ينقلب أي لون آخر اشتهاه، ومنه الموز وهو الطلح المنضود، ومنه الطعام الذي يوضع في آنية الذهب يقوم الخدم بتقديمه في يد كل واحد صنف ليس في يد الآخر، في نعيم وبهجة وسرور ورضا ربٍّ رحيم غفور.\n_________\n(^١) قصده مزجوها بالمباح، كما نص عليه في طريق الهجرتين (٣٠١).\n(^٢) حادي الأرواح (١٢٦)، وانظر التذكرة للقرطبي (٥٧٨).\n(^٣) حادي الأرواح (١٣١)، بل إنه ﵀ ردّ بعض الشبهات المتعلقة بهذا المبحث كإيراد شبهة عن الشوي كيف يكون مع أن الجنة ليس فيها نار، وغير ذلك.","vol":"3","page":1220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>المبحث السابع: الآثار الواردة في لباسهم</span>.\n\n١٠٨٧ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا عبد اللَّه بن المبارك، أنا صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد قال: قال كعب -﵁-: \"لو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم\" (^١).\n\n١٠٨٨ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا معمر، عن الأشعث بن عبد اللَّه، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة -﵁- قال: \"في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول اللَّه لها: تفتَّقي لعبدي عمَّا شاء، فتفتَّق له عن فرس بلجامه وسرجه وهيئته كما شاء، وتتفتَّق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما شاء، وعن الثياب\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده صحيح مرسلا؛ فإن شريح بن عبيد ثقة وكان يرسل كثيرا التقريب (٢٧٩٠)، ولم يدرك كعبا كما في تحفة التحصيل (١٤٧)، صفة الجنة (٥٦) رقم (١٤٩)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤١٧)، وأبو نعيم في الحلية مطولا (٥/ ٣٦٨)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (١٤٠)، ونسبه في الدر (٥/ ٣٨٨) لابن أبي حاتم.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه شهر بن حوشب وهو كثير الإرسال والأوهام التقريب (٢٨٤٦)، صفة الجنة (٣٣) رقم (٥٤)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٣٦)، وزاد السيوطي نسبته في الدر (٤/ ٦٤٣) لابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه نعيم في زيادات الزهد لابن المبارك رقم (١٥٢٩)، وابن جرير كذلك (١٣/ ١٤٧)، وأبو =","vol":"3","page":1221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان لباس أهل الجنة، وبعض أوصافه، وأن الثوب من ثياب أهلها لو نشر في الدنيا لصعق من ينظر إليه ولم يحتمله بصره، وثيابهم تصدر من شجرة طوبى، فهى تتفتّق لأهلها بكل ما شاؤوا من ثياب وغيرها، وقد اعتني ابن القيم أيضا بذكر تفاصيل هذه الثياب وأنواعها في كتابه حادي الأرواح في باب ذكر لباسهم وحليهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم.\n_________\n= نعيم في الحلية (٦/ ٦١)، ثلاثتهم من قول شهر نفسه، وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥١٣) بعد أن أورده من طريق ابن جرير: \"وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سمي وأبي إسحاق السبيعي وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غصن منها، وذكر بعضهم أن الرحمن ﵎ غرسها بيده، من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد فامتدت إلى حيث يشاء اللَّه ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة، من عسل وخمر وماء ولبن\".","vol":"3","page":1222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>المبحث الثامن: الآثار الواردة في فراشهم</span>.\n\n١٠٨٩ - حدثنا الفضل بن يعقوب، ثنا الفريابي، ثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن مريم، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (^١) قال: \"هذه البطائن قد خبرتم بها، فكيف بالظهائر\" (^٢).\n\n١٠٩٠ - حدثنا محمد بن عبد الرحمن الخزاعي، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال: \"ظواهرها من نور جامد\" (^٣).\n\n١٠٩١ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال: الديباج\" (^٤).\n\n١٠٩٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنى معاذ بن هشام الدستوائى قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده، عن القاسم، عن أبي أمامة في قول اللَّه -﷿-: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ (^٥) قال: \"لو أن أعلاها سقط\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية (٥٤).\n(^٢) إسناده حسن؛ هبيرة بن يريم -بتحتانية- لا بأس به، وقد عيب للتشيع التقريب التقريب (٧٣١٨)، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٤٩)، وابن مردوية في أماليه رقم (٣٦).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ مداره على شريك وقد سبق (٣٧٦)، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، وذكره ابن كثير في التفسير (٤/ ٢٧٨)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٠) لأبي نعيم في الحلية.\n(^٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه جويبر وهو ابن سعيد ضعيف جدا التقريب (٩٩٤)، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٧)، ونسبه السيوطى في الدر (٧/ ٧٠٩) لعبد بن حميد.\n(^٥) سورة الواقعة، الآية (٣٤).","vol":"3","page":1223},{"text":"ما بلغ أسفلها أربعين خريفا\" (^١).\n\n١٠٩٣ - حدثنا هارون بن يحيى، أنأني محمد بن زياد، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن زيد بن أسلم: \"أنه أنشده أبياتا قالها أعشى طرود -وهم حي من جديلة قيس بن عبدوان- يذكر الجنة يقول:\nلباسهم فيها حرير وتحته ... أرائك لم يوجد لهم شبه خضرُ\nوحور حسان كلهن عقيلة ... عَروب إذا أفضت إلى بعلها بكر\n_________\n(^١) إسناده صحيح؛ والقاسم هو ابن عبد الرحمن الشامي وهو صدوق يغرب كثيرا التقريب (٥٥٠٥)، لكن ذكر أن سماعه من أبي أمامة صحيحا، انظر جامع التحصيل (٢٥٢)، وتحفة التحصيل (٢٥٩)، وليس ابن عوف -كما احتمله المحقق عمرو عبد المنعم-؛ فإن الأثر عند ابن أبي شيبة وهناد من رواية جعفر بن الزبير ولم يذكر في من شيوخه إلا القاسم بن عبد الرحمن الشامي واللَّه أعلم، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٣) رقم (٣٤٠٨٢) بلفظ: \"كذا وكذا خريفا\"، وهناد في الزهد (١/ ٨٠) رقم (٧٩)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٥) بلفظ: \"مائة خريف\" وقال: \"رواه الطبراني ورواه غيره موقوفا على أبي أمامة وهو أشبه بالصواب\"، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ١٥) لابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة.","vol":"3","page":1224},{"text":"وماء فرات طعمه غير آسن ... مع الماء شرب النحل والمخض والخمر (^١)\n\n١٠٩٤ - حدثني حمزة بن عباس، أنا عبد اللَّه بن المبارك، أنا جويبر، عن الضحاك قال: \"العبقري: الزرابي\" (^٢).\n\n١٠٩٥ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: \"الرفرف: رياض الجنة، والعبقري: عتاق الزرابي\" (^٣).\n\n١٠٩٦ - حدثنا أبي، ثنا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾: \"هي البُسط،\n_________\n(^١) إسناده حسن، محمد بن زياد هو ابن زبار الكلبي قال ابن معين: \"لا شيء في الحديث\"، وقال أبو علي: \"يروي الشعر وأيام الناس، ليس بذاك\"، وقال أبو حاتم: \"كان شيخا شاعرا\"، وأورد قصة زيارتهم له وضجره منهم وقال: \"فلما نظرنا إلى قده علمنا أنه ليس من البابة فذهبنا ولم نرجع إليه\"، قلت: هذا في الحديث لكنه كان أخباريا صاحب نسب، انظر تاريخ بغداد (٥/ ٢٨١) وتاريخ دمشق (٥٣/ ٥٠)، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦٥).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا، فيه جويبر سبق (٤٠١)، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦٤)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٦٩)، ونسبه إليه ابن كثير في التفسير (٤/ ٢٨١)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١٢٨).\n(^٣) إسناده لين؛ فيه هشيم وهو ابن بشير ثقة ثبت كنير التدليس والإرسال الخفي، التقريب (٧٣٦٢)، والأثر صحيح فقد تابعه أبو عوانة الوضاح بن عبد اللَّه -وهو ثقة ثبت، التقريب (٧٤٥٧) - عند ابن حجر في تغليق التعليق، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٩)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٢٧٠)، وأخرجه البخاري تعليقا في صحيحه (٧/ ٤٦)، وانظر تغليق التعليق (٤/ ٦٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٢) رقم (٣٤٠٦٩)، وهناد في الزهد (١/ ٨١) رقم (٨١)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦٤).","vol":"3","page":1225},{"text":"قال: أهل المدينة يقولون هي البسط\" (^١).\n\n١٠٩٧ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك قال: \"الرفرف: المجالس\" (^٢).\n\n١٠٩٨ - حدثنا هارون بن سفيان، ثنا محمد بن عمر، أنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه قال: سمعت كعبا يقول: \"نحن معشر حِمْيَر نقول السرير عليه حجلة: أريكة\" (^٣).\n\n١٠٩٩ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا هشيم، أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ (^٤) قال: \"مرمولة بالذهب\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان فرش أهل الجنة، يكون باطنها من\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ والد المصنف سبق (٣٤٤)، صفة الجنة (٥٨ - ٥٩) رقم (١٦٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٣) رقم (٣٤٠٧٣)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦٣).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ مداره على جويبر وقد سبق (٤٠١)، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٢) رقم (٣٤٠٧٠)، وهناد في الزهد (١/ ٨١) رقم (٨٢).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه محمد بن عمر وهو الواقدي وقد سبق (٤٥١)، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦٢).\n(^٤) سورة الواقعة، من الآية (١٥).\n(^٥) إسناده صحيح، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦٣)، وهناد في الزهد (١/ ٨٠) رقم (٧٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٧٢)، وورد في تفسير ابن أبي حاتم -مما استدركه المحقق من المصادر البديلة لإتمام نقص المخطوط- (١٠/ ٣٣٣٠) غير مسند، وانظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨٧).","vol":"3","page":1226},{"text":"الديباج، عالية رفيعة، لو أن أعلاها سقط لما بلغ أسفلها كذا خريفا، قال ابن القيم: \"هذا يدل على أمرين؛ أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها؛ لأن بطائنها للأرض وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة. . . الثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة، وقد روي في سمكها وارتفاعها آثار، إن كانت محفوظة فالمراد ارتفاع محلها\" (^١)، وفيها زرابي عتاق وصفت بالعبقري، \"وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن، أو شبهته بهم. . . وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفا بسكناهم، نسبوا كل شيء يبالغ فيه إليها، يريدون بذلك أنه من عملهم، وصنعهم\" (^٢)، ومجالس وأسِرَّة مرمولة بالذهب.\nوفي ختام هذا الباب السابق الذي عقده ابن القيم قال ﵀: \"تأمل كيف وصف اللَّه ﷾ الفرش بأنها مرفوعة، والزرابي بأنها مبثوثة، والنمارق بأنها مصفوفة، فرفع الفرش دالٌّ على سمكها ولينها، وبث الزرابي دال على كثرتها، وأنها في كل موضع، لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه، وصفُّ المساند يدل على أنها مهيأة للاستناد إليها دائما، ليست مخبأة تصف في وقت دون وقت واللَّه أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) حادي الأرواح (١٣٥).\n(^٢) انظر حادي الأرواح نقل هذا الكلام عن الواحدي (١٤٤)، ولم أجده في مظانه من التفسير.\n(^٣) حادي الأرواح (١٣٥).","vol":"3","page":1227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>المبحث التاسع: الآثار الواردة في حليِّهم</span>.\n\n١١٠٠ - حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: \"إن الرجل من أهل الجنة يرى وجهه في وجه صاحبته وترى وجهها في ساعده، ويرى وجهه في نحرها وترى وجهها في نحره، ويرى وجهه في معصمها وترى وجهها في ساعده، ويرى وجهه في ساقها وترى وجهها في ساقه، وتلبس حلة تلوّن في ساعة سبعين لونا\" (^١).\n\n١١٠١ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه أبو محمد، أنا أبو المغيرة، ثنا عبدة، عن أبيها، عن خالد بن معدان قال: \"إن المرأة من نساء أهل الجنة تلبس ثنتين وسبعين حلة، لها اثنان وسبعون لونا، إن أدنى لونها لون شقائق النعمان، تجمعها بين أصبعيك، تقرأ في صدر زوجها أنت حبي، ويقرأ في صدرها أنت حبي وأنا صاحبك\" (^٢).\n\n١١٠٢ - حدثني عمار بن نصر المروزي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الحكم بن أبان، أنه سمع عكرمة يقول: \"إن الرجل من أهل الجنة\n_________\n(^١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٨٨ - ٨٩) رقم (٢٨٣ - ٢٨٤)، وسيأتي برقم (١١٠٢) مختصرا من طريق عبد الرزاق به.\n(^٢) إسناده حسن؛ عبدة سبقت (١٠٥٤)، صفة الجنة (٦١) رقم (١٧٠)، وانظر معناه عن غيره في تاريخ واسط (١/ ٢١١)، وعمدة القاري (١٤/ ٩٥).","vol":"3","page":1228},{"text":"ليلبس الحلة فتتلوّن في ساعة سبعين لونا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر حليّ أهل الجنة، وبعض صفاتها، فهي تتلون في الساعة أكثر سبعين لونا، وأن الحلي في الجنة للرجال والنساء، وقد أعطاهم اللَّه من كل شيء أحسنه وأكمله، بل وركَّب لهم من الأجناس أروعه، قال ابن القيم: \"تأمل كيف جمع لهم بين نوعي الزينة الظاهرة من اللباس والحلي، كما جمع لهم بين الظاهرة والباطنة كما تقدم قريبا، فجمَّل البواطن بالشراب الطهور، والسواعد بالأساور، والأبدان بثياب الحرير\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ الحكم بن أبان صدوق عابد وله أوهام التقريب (١٤٤٧)، صفة الجنة (٥٧) رقم (١٥٠)، ومعمر في الجامع كما في المصنف (١١/ ٤١٤) رقم (٢٠٨٦٨)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٢٥٩)، والصنعاني في تفسيره (٢/ ٣٣٦).\n(^٢) حادي الأرواح (١٣٥)، وانظر شرح الشافية الكافية (٢/ ٥٤٠) لابن عيسى ففيه فصل في حليِّ أهل الجنة.","vol":"3","page":1229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>المبحث العاشر: الآثار الواردة في صفة أهلها وخدمهم</span>.\n\n١١٠٣ - حدثني حمزة، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، نا ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ (^١) قال: \"مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والمخاط والبزاق والولد\" (^٢).\n\n١١٠٤ - حدثني محمد بن جعفر، ثنا منصور، ثنا ابن لهيعة، عن زهرة بن معبد القرشي أبي عبد الرحمن الحبلي (^٣) قال: \"إن المؤمن إذا دخل الجنة تلقّاه ثمانون ألف خادم وإنه ليدخل الغرف من غرفة في الجنة من زبرجدة خضراء فيأتيه أزواجه فيتراءين له من وراء الزبرجد فيتشوّق إليهن فرحا، قال: فيقولون له: يا حبيبنا إنا لم نجاوز حائط الزبرجد إليك بعد، وذلك من صفاء الزبرجدة وضوئها\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية (٢٥).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، فيه ابن جريج وقد عنعن، وهو من الطبقة الثالثة كما في تعريف أهل التقديس (١٤١)، لكن تابعه ابن أبي نجيح وسيأتي (١٠٢٣)، صفة الجنة (٨٩) رقم (٢٨٥)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٣)، وابن جرير في تفسيره (١/ ١٧٥)، وابن أبي حاتم كذلك (١/ ٦٧)، وعلقه البخاري عن أبي العالية انظر فتح الباري (٦/ ٣٢٠)، وتغليق التعليق (٣/ ٤٩٨).\n(^٣) هو عبد اللَّه بن يزيد المعافري الحُبُلّي، ثقة مات سنة (١٠٠ هـ) بإفريقية، التقريب (٣٧١٢).\n(^٤) إسناده لين؛ فيه ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، وتابعه رشدين بن سعد، صفة الجنة (٦٦) رقم (١٩٣)، ورقم (٢٠٨) من طريق الواقدي عن الفضل بن فضالة به، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٢٧) -زيادات نعيم- مختصرا من طريق رشدين بن =","vol":"3","page":1230},{"text":"١١٠٥ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب قال: سمعت النضر بن إسماعيل في قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ (^١): لا يموتون\" (^٢).\n\n١١٠٦ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: \"إن أهل الجنة لا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يُمْنون، إنما نعيمهم الذي هم فيه: مسك يتحدّر من جلودهم كالجُمان (^٣)، وعلى ألوانهم كثبان من مسك، يزورون اللَّه -﷿- في الجمعة مرتين، فيجلسون على كراس من ذهب، مُكَلَّلَة باللؤلؤ والزبرجد، ينظرون إلى اللَّه -﷿- وينظر إليهم فإذا قاموا انقلب أحدهم إلى الغرفة من غرفه لها سبعون بابا مكللة باللؤلؤ والياقوت\" (^٤).\n\n١١٠٧ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن\n_________\n= سعد -وهو ضعيف أضعف من ابن لهيعة، التقريب (١٩٥٣) - عن زهرة وبه.\n(^١) الآيات من: سورة الطور (١٩)، والحاقة (٢٤)، والمرسلات (٤٣).\n(^٢) إسناده صحيح، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٣٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ٩٣٠) رقم (٤٦٥).\n(^٣) الجُمَانَةُ حبة تعمل من الفضة كالدرة، مختار الصحاح (١١٩).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ فيه علي بن يزيد وهو الألهاني ضعيف التقريب (٤٨٥١)، صفة الجنة (٤٥) رقم (٩٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٨) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا\".","vol":"3","page":1231},{"text":"المبارك، أنا رشدين بن سعد، أخبرني زهرة بن معبد القرشي (^١) قال: \"إن العبد أول ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم كأنهم اللؤلؤ\" (^٢).\n\n١١٠٨ - حدثنا حمزة، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد اللَّه بن زحر، عن محمد بن أبي أيوب المخزومي، عن أبي عبد الرحمن المعافري قال: \"إنه ليصف للرجل من أهل الجنة سِمَاطَان (^٣) لا يرى طرفاهما من غلمانه حتى إذا مرّ مشَوْا وراءه، \" (^٤).\n\n١١٠٩ - حدثنا حجاج بن يوسف، أنا أبو نعيم، ثنا أبو سلمة، عن الضحاك قال: \"إذا دخل الرجل المؤمن الجنة دخل أمامه ملك فأخذ به في سككها، فيقول له: انظر ما ترى؟ قال: أرى أكثر قصور رأيتها من ذهب\n_________\n(^١) هو زُهْرَة بن معبد بن عبد اللَّه بن هشام القرشي التيمي، أبو عقيل المدني، نزيل، مصر ثقة عابد، مات سنة (١٢٧ هـ) ويقال (١٣٥ هـ)، التقريب (٢٠٤٠).\n(^٢) إسناده ضعيف، فيه رشدين بن سعد ضعيف التقريب (١٩٥٣)، صفة الجنة (١٩) رقم (٢٥)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٨٤)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (١٠٢، ١٨٩).\n(^٣) السماطان من الناس والنخل الجانبان، يقال مشى بين سماطين أي بين جانبين، مختار الصحاح (٣٢٦).\n(^٤) إسناده حسن؛ فيه عبيد اللَّه بن زحر صدوق يخطئ التقريب (٤٣١٩)، لكن وثق عبيد اللَّه غير واحد منهم البخاري والنسائي وغيرهما، وكان رواية يحيى بن أيوب عنه لها مزية فقد ذكر ابن عدي أن غالب روايته من طريقه واللَّه أعلم، صفة الجنة (١٩) رقم (٢٦)، وكرره سندا ومتنا رقم (٢١٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤١٥)، وذكره عنه ابن القيم في حادي الأرواح (١٠٢).","vol":"3","page":1232},{"text":"وفضة، وأكثر أنيس، فيقول له الملك: فإن هذا أجمع كله لك، حتى إذا دفع إليهم استقبلوه من كل باب ومن كل مكان نحن لك نحن لك، ثم يقول: امش، فيقول: ماذا ترى؟ فيقول: أرى أكثر عساكر رأيتها من خيام رأيتها وأكثر أنيس، قال: فإن هذا أجمع كله لك، فإذا دفع إليه استقبلوه يقولون: نحن لك نحن لك\" (^١).\n\n١١١٠ - حدثنا أحمد بن إبراهيم بن سيار ثنا جعفر قال: سمعت ثابت البناني يقول: \"لقد أعطي أهل الجنة خصالا لو لم يعطوها لم ينتفعوا بها: يشبون فلا يهرمون أبدا، ويشبعون فلا يجوعون أبدا، ويكسون فلا يعرون أبدا، ويصحون فلا يسقمون أبدا، رضي عنهم، لا خلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، ويسبحون اللَّه بكرة وعشيا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر بعض صفات أهل الجنة، من الرجال\n_________\n(^١) إسناده صحيح، شيخ المصنف ثقة حافظ وهو المعروف بابن الشاعر التقريب (١١٤٩) كما سبق (٤٥٧)، صفة الجنة (٢٠) رقم (٢٧).\n(^٢) إسناده حسن، والسند فيه تصحيف وصوابه، أحمد بن إبراهيم وهو الدورقي، عن سيار وهو ابن حاتم وهو صدوق كما في الكاشف (١/ ٤٧٥)، عن جعفر وهو ابن سليمان الضبعى، ويؤيده طريق ابن الجعد حيث رواه عن سيار به، ثم وقفت على السند كما استظهرت في طبعة عمرو عبد المنعم وقد اعتمد على نسختين خطيتين، صفة الجنة (١٦ - ١٧) رقم (١٤)، وابن الجعد في مسنده (٢١٠) رقم (١٣٨٧) عن سيار به.","vol":"3","page":1233},{"text":"ونسائهم وخدمهم وعبيدهم، فالمرأة مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والمخاط والبزاق والولد، والخدم بالكثرة التي تبلغ الآلاف، وقد يبلغون مد البصر من الطرفين، يستقبلون المؤمن ويدلونه على أماكنه من الجنة وما أعده اللَّه له من النعيم، في جمال اللؤلؤ قال ابن القيم: \"شبَّههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة، وفي كونه منثورا فائدتان؛ إحداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين، بل مبثوثون في خدمتهم وحوائجهم، والثاني: أن اللؤلؤ إذا كان منثورا ولا سيما على بساط من ذهب أو حرير، كان أحسن لمنظره، وأبهى من كونه مجموعا في مكان واحد\" (^١)، والجميع في حياة دائمة، ونعيم مقيم لا تنقطع أبدا، لا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يمنون، يشبون فلا يهرمون أبدا، ويشبعون فلا يجوعون أبدا، ويكسون فلا يعرون أبدا، ويصحون فلا يسقمون أبدا، لا خلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، ويسبحون اللَّه بكرة وعشيا، قال ابن القيم: \"جمع لهم بين حسن المنزل، وحصول الأمن فيه من كل مكروه، واشتماله على الثمار، والأنهار، وحسن اللباس، وكمال العشرة، لمقابلة بعضهم بعضا، وتمام اللذة بالحور العين، ودعائهم بجميع أنواع الفاكهة، مع أمنهم من انقطاعها، ومضرتها، وغائلتها، وختام ذلك أعلمهم بأنهم لا يذوقون فيها هناك موتا\" (^٢).\n_________\n(^١) حادي الأرواح (١٤٧).\n(^٢) حادي الأرواح (١٥٠).","vol":"3","page":1234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في لسانهم</span>.\n\n١١١١ - حدثنا هارون بن سفيان، أنا محمد بن عمر، أنا عبد الرحمن بن عبد العزيز قال: \"سألت الزهري عن لسان أهل الجنة فقال: \"بلغني أنه عربي\" (^١).\n\n١١١٢ - حدثني هارون، ثنا محمد بن عمر، أنا سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"لسان أهل الجنة عربي\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان بيان أن لسان أهل الجنة عربي، ولم يصح واحد منهما، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"بماذا يخاطب الناس يوم البعث، وهل يخاطبهم اللَّه تعالى بلسان العرب، وهل صح أن لسان أهل النار الفارسية، وأن لسان أهل الجنة العربية، فأجبته بعد الحمد للَّه رب العالمين، لا يعلم بأي لغة يتكلم الناس يومئذ، ولا بأي لغة\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه الواقدي وقد سبق (٤٥١)، صفة الجنة (٧٠) رقم (٢١٢)، وبرقم (٢١٤، ٢١٦) لكنه من قوله وليس بلاغا، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٥)، وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٠) حيث رجح أنه لم يثبت فيه شيء ولم يكن فيه خلاف بين الصحابة.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه الواقدي محمد بن عمر، صفة الجنة (٧٠) رقم (٢١٣)، لم أجده موقوفا إلا عند المصنف بهذه الطريق عن عكرمة عن ابن عباس.","vol":"3","page":1235},{"text":"يسمعون خطاب الرب جل وعلا؛ لأن اللَّه تعالى لم يخبرنا بشيء من ذلك، ولا رسوله ﵊، ولم يصح أن الفارسية لغة الجهنميين، ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدي، ولا نعلم نزاعا في ذلك بين الصحابة ﵃، بل كلهم يكُفُّون عن ذلك؛ لأن الكلام في مثل هذا من فضول القول، ولا قال اللَّه تعالى لأصحاب الثرى، ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين؛ فقال ناس: يتخاطبون بالعربية، وقال آخرون: إلا أهل النار فإنهم يجيبون بالفارسية، وهي لغتهم في النار، وقال آخرون: يتخاطبون بالسريانية؛ لأنها لغة آدم، وعنها تفرعت اللغات، وقال آخرون: إلا أهل الجنة؛ فإنهم يتكلمون بالعربية، وكل هذه الأقوال لا حجة لأربابها؛ لا من طريق عقل، ولا نقل، بل هي دعاوى عارية عن الأدلة، واللَّه ﷾ أعلم وأحكم\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١)، وانظر حادي الأرواح (٢٧٧)، والتذكرة للقرطبي (٥٤٨)، كلاهما لم يرجح شيئا، وأورد ابن القيم حديثا لا يصح فيه عدة علل واللَّه أعلم.","vol":"3","page":1236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في تزاور أهلها</span>.\n\n١١١٣ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا رشدين بن سعد قال: حدثني ابن أنعم، أن أبا هريرة قال: \"إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس الجون عليها رحال الميس (^١)، تثير مناسمها غبار المسك، خطام أو زمام أحدهما خير من الدنيا وما فيها\" (^٢).\n\n١١١٤ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، ثنا ابن المبارك، أنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال (^٣) قال: \"بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل ولا يزور الأسفل الأعلى\" (^٤).\n\n١١١٥ - حدثني محمد، إدريس الحنظلي، أنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدثني الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: \"لا يؤذن للأسفل بزيارة الأعلى إلا من يزور في اللَّه -﷿-، فإنه يؤذن\n_________\n(^١) الميس شجر تتخذ منه الرحال، مختار الصحاح (٦٤٢).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه ضعيفان رشدين سبق (٧٠٢)، وابن أنعم وهو عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ضعيف في حفظه التقريب (٣٨٨٧)، صفة الجنة (٧٧) رقم (٢٤١)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٤) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا\".\n(^٣) هو حميد بن هلال العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان، التقريب (١٥٦٣).\n(^٤) إسناده صحيح، صفة الجنة (٦٥) رقم (١٩٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٣٥)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٤٢٢).","vol":"3","page":1237},{"text":"له يزور من الجنة حيث شاء\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات تزاور أهل الجنة، وأفادت أن الأعلى يسمح له بزيارة الأسفل، دون العكس، قال الآلوسي: \"ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون\" (^٢)، وقال ابن القيم: \"أهل الجنة يتزاورون فيها، ويستزير بعضهم بعضا، وبذلك تتم لذَّتُهم وسرورهم\" (^٣)، ولم أجد ما يشهد لكون الأسفل لا يزور الأعلى درجة؛ فإن ما في الآثار هنا ضعيف السند، أو صحيح مقطوع، كبلاغ حميد بن هلال، ويروى في هذا حديث مرفوع عن أبي أمامة -﵁- لكنه ضعيف؛ فيه متروك، قال الهيثمي: \"فيه بشر بن نمير وهو متروك\" (^٤)، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه أبو صالح كاتب الليث وهو صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة التقريب (٣٤٠٩)، صفة الجنة (٦٥) رقم (١٩١).\n(^٢) روح المعاني (٥/ ٧٨).\n(^٣) حادي الأرواح (١٨٠).\n(^٤) مجمع الزوائد (١٠/ ٤٩٦)، وانظر (١٠/ ٧٩٢).","vol":"3","page":1238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في سوقها</span>.\n\n١١١٦ - حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: \"إن في الجنة سوق كثبان مسك، يخرجون إليها ويجتمعون إليها، فيبعث اللَّه -﷿- ريحا فيدخلها بيوتهم، فيقول لهم أهلوهم إذا رجعوا إليهم: قد ازددتم حسنا بعدنا، فيقولون لأهليهم: قد ازددتم أيضا حسنا عندنا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر أنس بن مالك -﵁- ذكر سوق الجنة، وبعض أوصافه وما يحدث فيه، حيث ذكر أنه كثبان من مسك، وأن أهله يرجعون إلى بيوتهم أكثر جمالا وبهاء، وقد عقد كثير من أصحاب الصحاح والسنن بابا في سوق الجنة في مقدمتهم الإمام مسلم ﵀ فقال: \"باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٨١) رقم (٢٥٢)، والذي قبله نحوه وفيه ازدياد طيب الرائحة، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (١٤٩١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣١) رقم (٣٢٩٧٥)، وأوردهما المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٣) ونسبهما للمصنف، وأصله من حديث أنس مرفوعا في صحيح مسلم (٤/ ٢١٧٨) رقم (٢٨٣٣).\n(^٢) صحيح مسلم (٤/ ٢١٧٨)، وسنن الترمذي (٤/ ٦٨٤)، وسنن الدارمي (٢/ ٤٣٦)، الترغيب والترهيب للمنذري (٤/ ٣٠١)، حادي الأرواح (١٨٢)، التذكرة للقرطبي (٥٤٦).","vol":"3","page":1239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في غنائهم</span>.\n\n١١١٧ - حدثنا خالد بن خداش، ثنا عبد اللَّه بن وهب، ثنا الليث ابن سعد، عن خالد بن يزيد (^١): \"أن الحور العين يغنّين أزواجهن يقلن: نحن الخيرات الحسان، أزواج شباب كرام، ونحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، في صدر إحداهن مكتوب، أنت حِبِّي وأنا حِبُّك، انتهت نفسي عندك، فلا ترى (عيناي) مثلك\" (^٢).\n\n١١١٨ - حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير: \"أن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة فيقلن: طالما انتظرناكم، فنحن الراضيات فلا نسخط، والمقيمات فلا نظعن، والخالدات فلا نموت، بأحسن أصوات سمعت، وتقول: أنت حبي وأنا حبك، ليس دونك قصد ولا وراء معدل\" (^٣).\n\n١١١٩ - حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا عبد اللَّه بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: \"إذا كان يوم القيامة نادى\n_________\n(^١) هو خالد بن يزيد الجمحي، ويقال السكسكي، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة فقيه، مات سنة (١٣٩ هـ)، التقريب (١٦٩١).\n(^٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سبق (١٢)، صفة الجنة (٨٢) رقم (٢٥٦).\n(^٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (٨٤) رقم (٢٦٢)، وابن المبارك في الزهد - زيادات نعيم - رقم (٤٣٥).","vol":"3","page":1240},{"text":"منادي: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان، اسكنوهم بياض المسك، ثم تقول الملائكة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي\" (^١).\n\n١١٢٠ - حدثني إبراهيم بن سعيد قال حدثنا علي بن عاصم قال حدثني سعيد بن أبي سعيد الحارثي قال: \"حُدّثت أن في الجنة أجاما (^٢) من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ، فإذا اشتهى أهل الجنة أن يسمعوا صوتا حسنا، بعث اللَّه على تلك الأجام ريحا فتأتيهم بكل صوت يشتهونه\" (^٣).\n\n١١٢١ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام في كل نواحيها، قال: فيخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف\n_________\n(^١) إسناده صحيح، كتاب الورع (٧١) رقم (٨٠)، وذم الملاهي (٦٦) رقم (٧٢) بزيادة: \"وأعلموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون\"، ومسند ابن الجعد (٢/ ٧١٤) رقم (١٧٥٨)، والملية (٣/ ١٥١)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- (١٥) رقم (٤٣)، والدينوري في المجالسة (٨/ ٢٨٤ - ٢٨٥) عن مجاهد، وذكره القرطبي في تفسيره (١٤/ ٥٣) بلفظ: \"بلغنا. . . \"، واستشهد به ابن تيمية في الاستقامة (١/ ٢٣٣) ولم ينسبه لأحد.\n(^٢) الشجر الكثير الملتف، انظر القاموس المحيط (١/ ١٣٨٨).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه سعيد الحارثي ذكره الخطيب في المتفق (٥٧٥) برواية علي بن عاصم عنه، ولم أجده عند غيره، كتاب الورع (٧١) رقم (٨٢)، وذكره ابن القيم عن المصنف في حادي الأرواح (١١٧).","vol":"3","page":1241},{"text":"وغيرهم فيتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل اللَّه ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا\" (^١).\n\n١١٢٢ - حدثنا خالد بن خداش، ثنا عبد اللَّه بن وهب قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب قال: قال رجل من قريش لابن شهاب: \"هل في الجنة سماع؛ فإنه حبّب إليّ السماع؟ قال: \"إي والذي نفسي بيده إن في الجنة لشجرا حمله اللؤلؤ والزبرجد، تحته جوار ناهدات يتغنّين بالقرآن، يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الخالدات فلا نموت، فإذا سمع ذلك الشجر صفّق بعضه بعضا، فأجبن الجواري؛ فلا يدرى أصوات الجواري أحسن أم صوت الشجر\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه زمعة بن صالح وهو ضعيف، التقريب (٢٠٤٦)، لكن ابن عدي قال في الكامل (٣/ ٢٣١): \"وحديثه كله كأنه فوائد، وربما يهم في بعض ما يرويه وأرجو أن حديثه صالح لا بأس به\"، صفة الجنة (٢٨) رقم (٤٥)، ورقم (٢٦٠) وانظر رقم (٢٦١)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٣٣١)، ونسبه ابن حجر في الفتح له وللمصنف، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ١٤) له ولابن مردويه (٨/ ١٤)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٩١) عن ابن أبي حاتم وقال: \"هذا أثر غريب، وإسناده جيد قوي حسن\"، وابن القيم في حادي الأرواح عن المصنف (١١٤)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٨) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وقد صححها ابن خزيمة والحاكم وحسنها الترمذي\"، وابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٥١٦).\n(^٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سبق (١٢)، صفة الجنة (٨٢) رقم (٢٥٥)، وذكره =","vol":"3","page":1242},{"text":"١١٢٣ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، وداود بن عمرو قالا: ثنا عامر بن يساف قال: سمعت ابن أبي كثير في قوله تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ (^١)، قال: \"الحبر: السماع واللذة\" (^٢).\n\n١١٢٤ - حدثني أبو مسلم الحراني (^٣)، ثنا مسكين بن بكير، عن\n_________\n= ابن القيم في حادي الأرواح (١٧٥)، وابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٥١٩).\n(^١) سورة الروم، الآية (١٥).\n(^٢) إسناده لين؛ والأثر صحيح، فيه عامر بن يساف وهو شيخ لين الحديث، تابعه الأوزاعي عند الترمذي وغيره، صفة الجنة (٨٢) رقم (٢٥٧)، والترمذي في السنن (٤/ ٦٠٠) رقم (٢٥٦٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٨) رقم (٣٤٠٢١)، وهناد في الزهد (١/ ٥٠) رقم (٤)، والدارقطني في فوائد أبي علي الصواف رقم (١٧)، وابن جرير في تفسيره (٢١/ ٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٩).\n(^٣) أبو مسلم الحراني هو: الحسن بن أحمد بن أبي شعيب؛ ثقة يغرب التقريب (١٢٢٠)، وليس المغيرة بن عبد الرحمن الأسدي، كما عرفه الدكتور نجم خلف في تحقيقه لكتاب الصمت؛ فإن ابن أبي شعيب ورد أنه يروي عن الحارث بن مسكين ويروي عنه ابن أبي الدنيا كما في ترجمته من تهذيب الكمال، أما الأسدي فقد ورد في ترجمته أنه يروي عن الحارث كذلك، لكن لم يذكر المصنف من تلاميذه، هذا من جهة أضف إلى ذلك أنه ورد نفس السند عند أبي نعيم في الحلية مصرحا باسمه كاملا فأزال كل شك، على أن الأسدي ليس بأبي مسلم بل هو أبو أحمد وهذا ما أوقع الخلف في حرج جعله يستظهر أن له كنيتين والأمر كما ترى، ومع كل هذا لم يستدرك عليه المحقق الثاني أبو إسحاق الحويني رغم كثرة العتاب ودقة المتابعات لعمل الخلف واللَّه أعلم.","vol":"3","page":1243},{"text":"الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة: \"إن في الجنة شجرة ثمرها زبرجد وياقوت ولؤلؤ، فيبعث اللَّه -﷿- ريحا فتصفق، فيسمع لها أصوات لم يسمع ألذّ منها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة إثبات أن لأهل الجنة غناء وسماعا في جملة نعيمهم، وأن الذي يغني لهم إما الحور العين، أو تسمعهم الملائكة تمجيد اللَّه وتسبيحه، أو أصوات تصدر من أجام وأشجار الجنة، تصدر عندما يرسل اللَّه عليها ريحا تحركها، وقد يهتز الشجر لصوت الجواري، فيتناغم مع صوتها فلا يدرى أيهما أحسن، ويسمعون من كل لهو كان في الدنيا، وقد عقد ابن القيم بابا في ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين وما فيه من الطرب واللذة، ذكر فيه أنواعا من السماع ورد في النصوص الشرعية، ثم قال: \"ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع، وذلك حين يسمعون كلام الرب ﷻ، وخطابه، وسلامه عليهم، ومحاضرته\n_________\n(^١) إسناده حسن، فيه مسكين بن بكير وهو صدوق يخطئ وكان صاحب حديث التقريب (٦٦٥٩)، لكن أخرج له الشيخان، وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٦): \"ليس له -شيخ البخاري محمد- ولا لشيخه مسكين بن بكير إلا هذا الحديث الواحد\"، وفي المقدمة (٤٦٣): \"خطّأ أحمد بعض حديثه\"، والذي يظهر أنه إنما يخطئ عن شعبة خاصة كما في شرح علل الترمذي (٢/ ٧٠٥)، وترجمته من تهذيب الكمال، أما باقي أخطائه فمحتملة واللَّه أعلم، صفة الجنة (٨٣) رقم (٢٥٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١١٤).","vol":"3","page":1244},{"text":"لهم، ويقرأ عليهم كلامه، فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك، وسيمر بك أيها السني من الأحاديث الصحاح والحسان في ذلك ما هو من أحب سماع لك في الدنيا، وألذّ لأذنك، وأقرّ لعينك؛ إذ ليس في الجنة لذّة أعظم من النظر إلى وجه الرب تعالى، وسماع كلامه منه، ولا يعطى أهل الجنة شيئا، أحب إليهم من ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) حادي الأرواح (١٧٧).","vol":"3","page":1245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في الحور العين</span>.\n\n١١٢٥ - حدثنا أبو عبد اللَّه التميمي، عن روح بن عبد المؤمن، ثنا رياح القيسي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: \"جنات النعيم بين جنات الفردوس وجنات عدن، وفيها جوارٍ خلقن من ورد الجنة، قيل: ومن يسكنها؟ قال: الذين هَمُّوا بالمعاصى فلما ذكروا عظمتي راقبوني، والذين انثنت أصلابهم من خشيتي\" (^١).\n\n١١٢٦ - حدثنا عمار بن نصر المروزي، ثنا عطاء بن جبلة، عن ليث، عن مجاهد قال: \"الحور العين خلقن من الزعفران\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ فيه رياح وهو ابن عمرو القيسي، من زهاد المبتدعة وعبادهم، وقال عنه أبو زرعة صدوق لسان الميزان (٢/ ٤٦٩)، صفة الجنة (١٠٥) رقم (٣٤٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٠) (٨/ ٢٧٨٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٣/ ١١٥) لابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه ليث وقد سبق (٤٩)، وعطاء بن جبلة أورده ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٢/ ١٧٦)، انظر لسان الميزان (٤/ ١٧٢) وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٥)، صفة الجنة (٩١) رقم (٢٩٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٧٨)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٥٢٨)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٤١١)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٤٢٠) لابن جرير، ورواه الخطيب في تاريخه مرفوعا (٧/ ٩٨)، ولا يصح قال ابن القيم في حادي الأرواح (١٦١): \"وحسبه أن يصل إلى ابن عباس\"، وقال عن وقفه على مجاهد: \"وهو أشبه بالصواب\"، وانظر الضعيفة للألباني رقم (٣٥٣٩) وضعيف الجامع رقم (٢٨٠٣).","vol":"3","page":1246},{"text":"١١٢٧ - حدثنا محمد بن جعفر، ثنا منصور بن عمار، ثنا محمد بن زياد (^١)، عن عبد اللَّه بن حدير (^٢)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (^٣) قال: \"ما من غدوة من غدوات الجنة، قيل: وللجنة غدوات؟ قال: نعم، إلا يُزفّ إلى وليّ اللَّه فيها عروس لم يلدها آدم ولا حوّاء، إنما هي إنشاء خلقت من زعفران\" (^٤).\n\n١١٢٨ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا يزيد بن زريع، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله -﷿-: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ (^٥) قال:\n_________\n(^١) في كلا الطبعتين محمد بن زيد والتصويب من التخريج فقد ورد التعريف به بأنه قاضي شمشاط، وهو هقل بن زياد السكسكي ثقة من التاسعة التقريب (٧٣٦٤)، والجرح والتعديل (٩/ ١٢٢) فقد نص على أن هقل هو محمد بن زياد، وإن كان صنيع ابن عساكر في ترجمة منصور بن عمار من تاريخ دمشق (٦٠/ ٣٢٥) وذكر شيوخه يوحي أنهما اثنان فاللَّه أعلم.\n(^٢) في كلا الطبعتين عبد اللَّه بن عمر وعرفه عمرو عبد المنعم بأنه العمري المكبر الضعيف، والتصويب من ابن أبي حاتم، وورد أنه ابن جرير عند ابن عدي ولم أعرفه.\n(^٣) هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة (٩٤ هـ) أو (١٠٤ هـ)، التقريب (٨١٤٢).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه منصور بن عمار، أورده العقيلي في الضعفاء (٤/ ١٩٣)، وانظر لسان الميزان (٦/ ٩٨)، صفة الجنة (٩١) رقم (٢٩٦، ٢٩٧)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١)، وأبو نعيم في الصفة الجنة رقم (٢١٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٩٤)، جميعهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا.\n(^٥) سورة الرحمن، الآية (٥٨).","vol":"3","page":1247},{"text":"\"صفاء الياقوت في بياض الرجان\" (^١).\n\n١١٢٩ - حدثنا فضيل، ثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن قال: \"اللؤلؤ الكبار، والمرجان الصغار\" (^٢).\n\n١١٣٠ - حدثنا الحسن بن حماد الضبي، ثنا ابن فضيل، عن محمد بن سعد الأنصاري، عن أبي طيبة الكلاعي (^٣) قال: \"إن السحابة لتظل السرب من أهل الجنة فتقول: ماذا أمطركم؟ فما أحد يريد شيئا إلا أمالته عليهم حتى إن بعضهم ليقول: أمطرينا كواعب أترابا\" (^٤).\n\n١١٣١ - حدثنا عباس بن عبد اللَّه، ثنا حفص بن عمر العدني، ثنا الحكم -يعني بن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"لو أن امرأة من أهل الجنة بصقت في سبعة أبحر لكانت تلك الأبحر أحلى من العسل\" (^٥).\n_________\n(^١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٥) رقم (٣١٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٥٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٢) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(^٢) إسناده لين؛ فيه هشيم وقد سبق (٧٧٤) أنه كثير التدليس والإرسال الخفي، صفة الجنة (٩٥) رقم (٣١٦)، ولم أجده عن الحسن عند غير المصنف، وهو مروي عن قتادة والضحاك وابن عباس انظر تفسير ابن جرير (٢٧/ ١٣١).\n(^٣) ورد عند ابن جرير أبو ظبية السلفي، وهو كذلك فله كنيتان ونسبتان كما في ترجمته من تهذيب الكمال: \"أبو ظبية، ويقال: أبو طيبة السلفي ثم الكلاعي الشامي الحمصي\"، مقبول، التقريب (٨١٩٢).\n(^٤) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٠) رقم (٢٩٢)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ٩٧)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ١١٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٣٤٥، ٣٩٣) لابن جرير.\n(^٥) إسناده ضعيف؛ فيه حفص بن عمر وهو العدني وقد سبق (١٠٤٦)، وفي طبقته =","vol":"3","page":1248},{"text":"١١٣٢ - حدثنا أبو كريب، ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان، ثنا أصحابنا، عن مجاهد: \"الحور: يحار فيها الطرف من رقة الحلل وصفاء اللون\" (^١).\n\n١١٣٣ - حدثنا إسحاق، حدثنا سفيان، عن رجل، عن الحسن قال: \"الحور: الشديدة بياض العين والشديدة السواد سواد العين\" (^٢).\n_________\n= حفص بن عمر قاضي حلب وقد سبق (٩٠٥)؛ والفرق بينهما أن العدني هذا يروي عنه المصنف من طريق العباس بن عبد اللَّه وهو الترقفي وهو ثقة عابد التقريب (٣٧٨٩) وقد نص المزي في ترجمته أن من شيوخه العدني، أما الحبلي فإنه يروي عنه من طريق محمد بن بكار الرصافي وهو ثقة كذلك التقريب (٥٧٩٥)، وقد نص ابن حجر في ترجمته في اللسان أنه يروي عنه محمد بن بكار كما سبق، وكلاهما في طبقة شيوخ شيوخه ومتكلم فيهما، صفة الجنة (٩٠) رقم (٢٩٣)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ١٩) للمصنف في هذا الكتاب، وكذا المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٩).\n(^١) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، لجهالة أصحاب سفيان المبهمين، فقد ورد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، صفة الجنة (٩١) رقم (٢٩٨)، وانظر الذي قبله، والبخاري معلقا (٨/ ٥٧٠ فتح) ثم ذكر وصله من طريق الفريابي في تغليق التعليق (٤/ ٣١٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ١٣٦)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٤٢٠) للفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة شيخ سفيان المبهم، لكنه ورد تسميته عند ابن جرير بعمرو وهو ابن عبيد المعتزلي المشهور كان داعية إلى بدعته اتهمه جماعة مع أنه كان عابدا التقريب (٥١٠٦)، فهو الذي اتفق على الرواية عن الحسن وروى عنه سفيان بن عيينة واللَّه أعلم، صفة الجنة (٩٢) رقم (٢٩٩)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٧٧)، وانظر فتح الباري (٦/ ١٥) حيث ورد هذا الوصف في أحد أبواب =","vol":"3","page":1249},{"text":"١١٣٤ - حدثني إسحاق بن إبراهيم، أنا محمد بن يزيد الواسطي، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: \"لشَفر الحور العين أطول من جناح النِّسْر\" (^١).\n\n١١٣٥ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، انا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن أبي غياث قال: كنا مع كعب يوما فقال: \"لو أن يدا من الحور (دُلِّيت) من السماء ببياضها وخواتيمها لأضاءت لها الأرض كما تضئ الشمس لأهل الدنيا، قال: قلت: يدها فكيف بالوجه بياضه وحسنه وجماله وتاجه بيقوته ولؤلؤه وزبرجده\" (^٢).\n\n١١٣٦ - حدثني عمار بن نصر، ثنا بقيّة بن الوليد، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن كثير الحضرمي قال: \"إن من المزيد أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تشاؤون أن أمطركم؟ فلا يسألون شيئا إلا مطرتهم، فقال كثير بن مرة: لئن شهدنا اللَّه ذلك المشهد لأقولنّ أمطرينا\n_________\n= البخاري ولم يعلق عليه الحافظ بشيء من الآثار.\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن زياد وهو ابن أنعم الإفريقي وقد سبق (١١١٣)، صفة الجنة (٩٢) رقم (٣٠٠)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٤٢١) للمصنف.\n(^٢) إسناده لا بأس به، فيه عبيد اللَّه بن زحر وقد سبق (١١٠٨)، صفة الجنة (٩٢) رقم (٣٠١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٥٦)، ونسبه المنذري الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٩) للمصنف.","vol":"3","page":1250},{"text":"جواري مزيّنات\" (^١).\n\n١١٣٧ - حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنزي، ثنا العلاء بن عبيد اللَّه، عن موسى بن حصين، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن ابن مسعود -﵁- قال: \"إن في الجنة حوراء يقال لها: اللعبة، كل حور الجنان يعجبن بها، يضربن بأيديهن على كتفها ويقلن: طوبى لك يا لعبة، لو يعلم الطالبون لك لجدّوا، بين عينيها مكتوب: من كان يبتغي أن يكون له مثلي فليعمل برضاء ربي -﷿-\" (^٢).\n\n١١٣٨ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثني محمد بن صالح الضبي (^٣) قال: قال عطاء السلمي لمالك ابن دينار: يا أبا يحيى شوّقنا، فقال له مالك: \"في الجنة حوراء يتباهى بها\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، والأثر حسن؛ فإن بقية مدلس لكن رواه ابن المبارك عن بقية قال: حدثنا، صفة الجنة (٩٢) رقم (٣٠٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٠)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٢٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢١٤).\n(^٢) إسناده ضعيف، العلاء بن عبيد اللَّه لم أجده إلا في ترجمة الحسن بن يحيى بن كثير في تهذيب الكمال ضمن شيوخه، وشيخه لم أعرفه، صفة الجنة (٩٣) رقم (٣٠٥)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (١٦٣) عن الأوزاعي به دون سند.\n(^٣) صوابه أبو محمد بن صالح الضبي، وهو الوليد بن صالح الضبي أبو محمد وثقه ابن أبي حاتم، يروي عن عطاء بن مسلم السليمي، كما في الجرح والتعديل (٩/ ٧)، ويروي عنه إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، كما في ترجمة إبراهيم بن عبد الرحمن من تهذيب الكمال، وبسبب هذا التصحيف قال المحقق عمرو عبد المنعم: \"رجاله ثقات، إلا محمد بن صالح الضبي، لم أقف له على ترجمة\"، فالحمد للَّه على توفيقه.","vol":"3","page":1251},{"text":"أهل الجنة من حسنها لولا أن اللَّه -﷿- كتب على أهل الجنة ألا يموتوا لماتوا عن آخرهم من حسنها فلم يزل عطاء يذكر (^١) قول مالك أربعين عاما\" (^٢).\n\n١١٣٩ - حدثنا إسماعيل بن يزيد، ثنا فضيل بن عياض، عن هشام ابن حسان، عن يزيد الرقاشي قال: حدثني من سمع كعبا قال: \"لو أن امرأة من الحور بدا معصمها لذهب ضوء الشمس\" (^٣).\n\n١١٤٠ - حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، ثنا جعفر بن سليمان، عن شيخ من أهل البصرة، عن شهر بن حوشب قال: \"إن الرجل من أهل الجنة ليتّكئ اتكاءة واحدة قدر سبعين سنة يحدّث بعض نسائه، ثم يلتفت الالتفاتة فتناديه الأخرى فدانا لك أما لنا فيك نصيب؟ فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من الذين قال اللَّه -﷿- ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ (^٤) قال: فيتحدّث معها، ثم يلتفت الالتفاتة فتناديه الأخرى: أما إِنَّا لك، أما لنا فيك نصيب؟\n_________\n(^١) وفي طبعة عبد المنعم: \"عطاء كمدا أن قول مالك\".\n(^٢) إسناده حسن؛ إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي صدوق له مناكير، قيل: إنها من قبل الراوي عنه التقريب (٢٠٩)، صفة الجنة (٩٣) رقم (٣٠٦)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٢١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٢٢) عن عبد اللَّه ابن السري عن عطاء به.\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه يزيد الرقاشي زاهد ضعيف، التقريب (٧٧٣٣) وجهالة شيخه المبهم، صفة الجنة (٨٩) رقم (٢٨٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٢) رقم (٣٣٩٨٥) عن يزيد به، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ١٠٦٢) عن وهب بن منبه بسياق طويل جدا.\n(^٤) سورة ق، الآية (٣٥).","vol":"3","page":1252},{"text":"فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من الذين قال اللَّه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^١).\n\n١١٤١ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا ثابت قال: \"صاحب الجنة يتكئ سبعين سنة اتكاءة لذّة، وعند أزواجه وخدمه، فإذا أزواج له لم يكن يراهُنَّ فيقلن له: يا فلان لك أن يكون لنا منك نصيب\" (^٢).\n\n١١٤٢ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا راشد بن سعد، عن ابن أنعم، عن حبان بن أبي جَبَلَة (^٣) قال: \"إن نساء أهل الدنيا من دخل منهن الجنة فضُلن على الحور بما عملن في الدنيا\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ لإبهام شيخ جعفر، صفة الجنة (٩٠) رقم (٢٨٩)، ويروى مرفوعا عن أنس وهو موضوع انظر بغية الباحث رقم (٦٣٢) أصلا وحاشية.\n(^٢) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٠) رقم (٢٩١)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٣٨٨) لابن أبي حاتم.\n(^٣) هو حبان بن أبي جَبَلة المصري، مولى قريش، ثقة، مات سنة (١٢٢ هـ) وقيل (١٢٥ هـ)، التقريب (١٠٧١).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ فيه رشدين وابن أنعم وقد سبقا (١٠٤٣) (١١١٣)، صفة الجنة (٨٧ - ٨٨) رقم (٢٧٩)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٥٥)، وهناد في الزهد (١/ ٥٨) رقم (٢٣).","vol":"3","page":1253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة الكلام على الحور من عدة جوانب، حيث تضمنت أنها خلقت من ورد الجنة (^١)، أو من زعفران، وتضمنت في ذكر جمالها الشيء العجيب فهي في صفاء الياقوت وبياض المرجان، وأن السحابة من الجنة تمطر على أهلها كل شيء حتى إنها لتمطر عليهم كواعب أترابا إذا طلبوها، وأن امرأة من أهل الجنة لو بصقت في سبعة أبحر لكانت تلك الأبحر أحلى من العسل، وأنها يحار فيها الطرف من رقة الحلل وصفاء اللون، وهي الشديدة بياض العين والشديدة السواد سواد العين، لشفر الحور العين أطول من جناح النسر، وأن يدها لو دليت على أهل الأرض لأضاءت كما تضي الشمس لأهل الدنيا، بل لذهب ضوء الشمس، وورد أن بعضها أجمل وأحسن من بعض حتى ذكر أن منها اللعبة تعجب بها الحور الأخريات، بل إن من حسن بعضهن أنه لو لم يكتب على أهل الجنة أن لا يموتوا لماتوا جميعا من حسنها، وهن كثيرات حتى إن الرجل لتدعوه إحداهن فتقول: أليس لنا فيك نصيب، فيقول: من أنت، فتجيب بأنها مما أخفي له من قرة أعين، ومع كل هذا الحسن والجمال فإن نساء أهل الدنيا يفضلن عليهن بما قدمن من عمل صالح.\nفأما مادة خلقهن: فلم يصح فيها شيء مرفوعا إلى النبي -ﷺ-، قال\n_________\n(^١) الظاهر أن هذا لا يشمل الحور العين، بل هو في الجواري عموما كما هو نص الأثر واللَّه أعلم.","vol":"3","page":1254},{"text":"ابن القيم: \"هذا مروي عن صاحبين، وهما ابن عباس وأنس، وعن تابعيين، وهما أبو سلمى ومجاهد، وبكل حال فهي من المنشآت في الجنة، ليست مولودات بين الآباء والأمهات واللَّه أعلم. . . وإذا كانت هذه الخلقة الآدمية التي هي من أحسن الصور وأجملها، مادّتُها من تراب، وجاءت الصور من أحسن الصور، فما الظن بصورة مخلوقة من مادة الزعفران الذي هناك فاللَّه المستعان. . . وقد روى في مادة خلقهن صفة أخرى\" (^١).\nوباقي الأوصاف منها ما صح ومنها ما لم يصح، وهي أمور غيبية اللَّه أعلم بحقيقتها.\n_________\n(^١) حادي الأرواح (١٦١ - ١٦٢)، وانظر روح المعاني (٤/ ١٨١).","vol":"3","page":1255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في الجماع وما يتعلق به من الولد وغيره</span>.\n\n١١٤٣ - حدثنا محمد بن يزيد العجلي، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، عن عامر الأحول، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللَّه بن عمر قال: \"المؤمن كلما أراد زوجته وجدها عذراء\" (^١).\n\n١١٤٤ - حدثنا محمد بن حميد الرازي، ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد اللَّه بن مسعود في قوله -﷿-: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ (^٢) قال: \"في افتضاض العذاري\" (^٣).\n\n١١٤٥ - حدثنا عبيد اللَّه بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن\n_________\n(^١) إسناده لين؛ فيه شيخ المصنف وقد سبق (٢٩٦)، صفة الجنة (٨٧) رقم (٢٨٧)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٦٤ - ٦٥) لعبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد، وزاد في (١/ ١٠١) لعبد بن حميد وابن المنذر، وقد ورد هذا في حديث الصور الطويل انظر حادي الأرواح (١٥٩) وقد سبق (٨٦٥) نقل قوله: \"شرحه الوليد بن مسلم في كتاب مفرد، وما تضمنه معروف في الأحاديث واللَّه أعلم\".\n(^٢) سورة يس، الآية (٥٥).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن حميد وهو الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه التقريب (٥٨٧١)، صفة الجنة (٨٥ - ٨٦) رقم (٢٧٠)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٢٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٦٤) لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر.","vol":"3","page":1256},{"text":"سفيان، عن أبي بلج قال: سمعت إبراهيم النخعي قال: \"أهل الجنة نكاحهم ما شاؤوا، ولا ولد، ينظر إليها فينشأ نشأة، ثم ينظر إليها نظرة أخرى فينشأ نشأة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر ما يحصل لأهل النعيم في الجنة من الجماع ولذته، بل ومن حصول ما يترتب على الجماع من الولد، فالجماع رغم كمال لذته، واشتغال المؤمن وتفكهه بافتضاض العذاري من نسائه؛ فإنه لا ولد من ذلك الجماع، وإنما الولد ينشأ نشأة بالنظر إليهن.\nوقد عقد ابن القيم ﵀ بابا في ذكر نكاح أهل الجنة ووطئهم والتذاذهم بذلك أكمل لذة، ونزاهة ذلك عن المذي والمني والضعف وأنه لا يوجب غسلا، ثم قال: \"لا يلحقهم بذلك جنابة فيحتاجون إلى التطهير، ولا ضعف ولا انحلال قوة، بل وطئهم وطء التذاذ ونعيم، لا آفة فيه بوجه من الوجوه، وأكمل الناس فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام\" (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ أبو بلج صدوق ربما أخطأ التقريب (٨٠٦٠)، وانظر الكامل لابن عدي (٧/ ٢٢٩)، صفة الجنة (١٦) رقم (٢٧٥)، وهناد في الزهد (١/ ٨٨) رقم (٩٢ - ٩١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٤) عن أبي بلج عن الشعبي نحوه.\n(^٢) حادي الأرواح (١٦٦)، وانظر التذكرة للقرطبي (٥٥٩ - ٥٦١).","vol":"3","page":1257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في قصور الجنة وخيامها</span>.\n\n١١٤٦ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي جعفر عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: \"الخيمة في الجنة لؤلؤة واحدة في كل ناحية منها أهل للمؤمن يطوف عليهم\" (^١).\n\n١١٤٧ - حدثنا علي بن الجعد، أنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت أبا الأحوص، يحدث عن عبد اللَّه مسعود في قوله -﷿- ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ (^٢) قال: \"درٌّ مجوّف\" (^٣).\n\n١١٤٨ - حدثنا الحسن بن عيسى، أنا ابن المبارك، أنا سليمان التيمي، عن قتادة، عن خليد العصري، عن أبي الدرداء -ولا يجاوز خليدا- (^٤)\n_________\n(^١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٥) رقم (٣١٨)، ورواه مسلم بنفس الطريق مرفوعا (٤/ ٢١٨٢) رقم (٢٨/ ٣٨).\n(^٢) سورة الرحمن، الآية (٧٢).\n(^٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٥) رقم (٣١٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٢) رقم (٣٤٠٦١)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦١)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٩) إلى مسدد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وأخرجه ابن المبارك في الزهد برقم (٢٤٧) من قول أبي الأحوص.\n(^٤) كأن هذه العبارة فيها إشارة إلى أن المشهور في هذا الأثر أنه من قول خليد نفسه، وأنه لم يتجاوز إلى من فوقه، لا سيما وقد رواه غير واحد من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه فلم يجاوز به خليدا واللَّه أعلم.","vol":"3","page":1258},{"text":"قال: \"الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابا كلها من درّ\" (^١).\n\n١١٤٩ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"الخيمة درة مجوّفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب\" (^٢).\n\n١١٥٠ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ قال: \"مقصورات الأعين والأنفس إلا على أزواجهن، لا يردن بهم بدلا، هي؟ خيام اللؤلؤ، قال مجاهد: الخيمة لؤلؤة واحدة\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن إلى خليد؛ فيه خليد العصري وهو صدوق يرسل التقريب (١٧٥١)، صفة الجنة (٩٦) رقم (٣٢٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٥٠)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨١)، وذكره العيني في عمدة القاري (١٥/ ١٥٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ١١٩) لعبد الرزاق وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائده على الزهد (٢٣٣)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦١) من طريق المعتمر بن سليمان عن أبي عن قتادة عن خليد من قوله.\n(^٢) إسناده صحيح، صفة الجنة (١٦) رقم (٣٢١)، ورقم (٣٢٥) بسياق أطول، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٤١٨) رقم (٢٠٨٨٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤١) رقم (٣٤٠٥٨)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٦٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦٢).\n(^٣) إسناده لين؛ والأثر صحيح، فيه شريك وهو القاضي، لكن تابعه غير واحد، صفة الجنة (٩٦) رقم (٣٢٢)، وأخرجه البخاري معلقا (٤/ ١٨٤٩)، وابن أبي شيبة في =","vol":"3","page":1259},{"text":"١١٥١ - حدثنا إسحاق، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن جابر، عن القاسم بن أبي بزّة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: \"لكل مسلم خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، تدخل عليها كل يوم من كل باب تحفة وهدية وكرامة لم تكن من قبل ذلك، لا مراحات، ولا ذفرات، ولا سخرات، ولا طماحات، حور عين كأنهن بيض مكنون\" (^١).\n\n١١٥٢ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا الزنجي بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾: \"عظيما فلا تدخل الملائكة إلا بإذن\" (^٢).\n_________\n= المصنف (٧/ ٢١٥) رقم (٣٥٤٥٦) من طريق فضيل عن منصور به، وهناد في الزهد (١/ ٥٦) رقم (١٦) من طريق عبيدة عن منصور به، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٥٩) من طريق جرير عن منصور به، وانظر تغليق التعليق (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه جابر وهو الجعفي وقد سبق (١٠٧٨)، صفة الجنة (٩٤) رقم (٣١٣)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٤) ونسبه للمصنف موقوفا وأشار إلى تضعيفه.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه الزنجي وقد سبق (١٠٧٢)، مع كلام في سماع ابن أبي نجيح من مجاهد التفسير وقد سبق (١٠٦٦) بيانه، صفة الجنة (٦٧) رقم (١٩٨)، ورقم (٢٠٠) بسند حسن، ثم رواه كذلك عن كعب رقم (٢٠٢)، وانظر تفصيل الاستئذان كيف يتم في رقم (١٩٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٧٦) لعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي.","vol":"3","page":1260},{"text":"١١٥٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن مغيث (^١) بن سمي قال: \"إن في الجنة قصورا من ذهب وقصورا من زبرجد، جبالها المسك، وترابها الوَرْس (^٢) والزعفران\" (^٣).\n\n١١٥٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة، ثنا عباد بن ميسرة المنقري قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن قال: قال عمر لكعب: \"يا كعب أخبرني عن جنة عدن؟ قال: يا أمير المؤمنين، مبنيّة من ذهب شُرُفُها درٌّ وياقوت، لا يدخلها إلا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد، أو حَكَم عدل\" (^٤).\n_________\n(^١) في المطبوع: \"مصعب\" وهو خطأ.\n(^٢) الوَرْس بوزن الفلس، نبت أصفر يكون باليمن، تتخذ منه الغُمرة للوجه، مختار الصحاح (٧٤٠).\n(^٣) إسناده حسن؛ فإن إسحاق بن إسماعيل متكلم في سماعه من جرير خاصة، إلا أنه تابعه محمد بن أبي عبيدة فرواه عن أبيه عن الأعمش به وهما ثقتان التقريب: (٦١٦٥) (٤٢٤٦)، صفة الجنة (٦٢) رقم (١٧٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٨) رقم (٣٤٠٢٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٨)، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٢٣٨) لابن أبي شيبة.\n(^٤) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن إلى الحسن، عباد بن ميسرة المنقري لين الحديث عابد التقريب (٣١٦٦)؛ لكن تابعه أبو هلال الراسبي وهو صدوق فيه لين التقريب (٥٩٦٠)، صفة الجنة (٦٢) رقم (١٧٩)، وبمعناه ابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (١٥٢٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٤٠٣)، من طريقيهما =","vol":"3","page":1261},{"text":"١١٥٥ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا خالد الطحان، عن سفيان بن حسين، عن الحكم أو عن رجل، عن مجاهد قال: تلا عمر بن الخطاب ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: \"قصر في الجنة له أربعة آلاف مصراع، على كل باب خمسة وعشرون ألفا من الحور العين، لا يدخله إلا نبي، ثم قال: هنيئا لك يا رسول اللَّه، أو صدِّيق ثم هنيئا لك يا أبا بكر، أو شهيد فأنى لعمر بالشهادة؟ ثم قال: إن الذي أخرجه من دار حشمة (^١) قادر على أن يرزقه الشهادة\" (^٢).\n_________\n= عن أبي هلال الراسبي عن الحسن به، وسيأتي نحوه برقم (١١٥٥).\n(^١) كذا في طبعة عبد المنعم، وفي طبعة الطنطاوي \"من ضرى\" وكذا وقع في مصنف ابن أبي شيبة، وفِي باقي المصادر \"بالحثمة\"، وهي الصواب فقد أورد الفاكهى في تاريخ مكة (٤/ ٢٠٨) هذا الأثر وأورد أنها مكان مولد عمر -﵁-، وأورد أبياتا لمهاجر بن خالد يقول فيها:\nلنساء بين الحجون إلى الحثـ ... ـمة في ليال مقمرات وشرق\nساكنات البطاح أشهى إلى القلـ ... ـب من الساكنات دور دمشق\n(^٢) إسناده صحيح؛ واختلاف النسخ في قول سفيان بن حسين: \"وعن رجل\" أو \"أو عن رجل\" الذي جعل المحقق عمرو عبد المنعم يتردد في الحكم على السند، صوابه: \"وعن رجل\"؛ لأن الحارث رواه بسنده عن سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم -وهو ثمة- دون تردد، ولعله هنا يشير بقوله: \"وعن رجل\" إلى يعلى هذا واللَّه أعلم، وعون بن موسى لا ينزل عن درجة الصدوق انظر الجرح والتعديل (٦/ ٣٨٦)، صفة الجنة (٦١ - ٦٢) رقم (١٧٤)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث =","vol":"3","page":1262},{"text":"١١٥٦ - حدثنا عبد اللَّه بن عبد الوهاب، ثنا عون بن موسى، عن الحسن قال: \"قصر من ذهب لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق أو حكم عدل يرفع بها صوته\" (^١).\n\n١١٥٧ - حدثنا أبي ﵀، أنا محمد بن يزيد، عن العوام بن حوشب، عن أبي روح الشامي قال: \"مرّ معاوية على كعب وهو يحدّث، قال: ما هذه الأحاديث يا كعب بن أم كعب؟ قال كعب: نعم واللَّه يا معاوية إن للَّه -﷿- لدارا فيها سبعون ألف دار على عمد واحد من ياقوت، ما فيها صدع ولا فصل، لا يسكنها إلا خمسة: نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد،\n_________\n= (٢/ ٨٩١) رقم (٩٦٣)، وكما في المطالب العالية (٤/ ٢٧٣) رقم (٣٩٩٦)، والفاكهي في أخبار مكة (٤/ ٢٠٨)، وروي عن قيس بن أبي حازم مثله، أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٦٤) رقم (٩٤٣٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٤٠٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٥٥): \"رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير شريك النخعي وهو ثقة وفيه خلاف\".\n(^١) إسناده حسن؛ والظاهر أن شيخ المصنف هو الحجبي ثقة التقريب (٣٤٧٢) فهو في طبقة متقدميهم من العاشرة؛ ولم أقف على نص -من خلال بحثي في الشيوخ والرواة عنه وعن عون والمصنف- يبين علاقة بين شيخه والراوي عنه واللَّه أعلم، صفة الجنة (٧٢) رقم (١٧٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٥/ ٤٣٤) رقم (١١٦٨)، وابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٨١ - ١٨٢) وفيه زيادة في أوله: \"جنات عدن وما أدراك ما جنات عدن؟ \"، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٨) لسعيد بن منصور وابن المنذر، ويروى عن غيره انظر ابن أبي شيبة (٤/ ٢١٠ - ٢١١) (٤/ ٤٤٠) (٦/ ٤٢١).","vol":"3","page":1263},{"text":"أو محكم في نفسه؟؟، أو إمام مقسط، فانطق من أيهم أنت يا معاوية؟ فأدبر معاوية وهو يبكي وهو يقول: أنى لك يا معاوية بالعدل؟؟ \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر قصور الجنة وخيامها، وشيء من أوصافها، فالخيمة لؤلؤة مجوفة في كل ناحية منها أهلون للمؤمن، فرسخ في فرسخ، لها سبعون بابا، وقيل: أربعة، وأربعة آلاف مصراع من ذهب، وهي درٌّ مجوّف، لا تدخل الملائكة على المؤمن إلا بإذن، وهي أنواع، فمنها قصور من ذهب، وقصور من زبرجد، جبالها المسك، وترابها الورس والزعفران، شُرُفُها درٌّ وياقوت، قال ابن القيم: \"أخبر أنها غرف فوق غرف، وأنها مبنية بناء حقيقة؛ لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل، وأنه ليس هناك بناء، بل تتصور النفوس غرفا مبنية كالعلالي، بعضها فوق بعض، حتى كأنها يُنظر إليها عيانا، ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية، أي لهم منازل مرتفعة، وفوقها منازل أرفع منها، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ والد المصنف قد سبق (٣٤٤)، وأبو روح هو شبيب بن نعيم ثمة أخطأ من عده من الصحابة التقريب (٢٧٥٩)، وانظر الكلام عليه كذلك في حاشية المسند (٢٥/ ٢٠٨)، صفة الجنة (٦٠) رقم (١٦٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٩) رقم (٣٤٠٣٤) وفيه تفسير المحكم في نفسه: \"قال: قلنا: يا كعب، وما المحكم في نفسه؟ قال: الرجل يأخذ العدو فيحكمونه بين أن يكفر أو يلزم الإسلام فيقتل فيختار أن يلزم الإسلام\"، وليس فيه كلام معاوية -﵁-، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١٢١)، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٢٣٨) لابن أبي شيبة.","vol":"3","page":1264},{"text":"الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (^١) والغرفة جنس كالجنة، وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة للَّه، الغرفة والتحتية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم، فبُدِّلوا بذلك سلام اللَّه وملائكته عليهم\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة الفرقان، من الآية (٧٥).\n(^٢) حادي الأرواح (٩٦)، وانظر التذكرة للقرطبي (٥٤٣).","vol":"3","page":1265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في أبواب الجنة</span>.\n\n١١٥٨ - حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير: \"أن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر يحيى بن أبي كثير ذكر أن للجنة أبوابا، وأن الحور يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة، وقد ورد ذكر أبواب الجنة في القرآن كثيرا والسنة، اعتنى بذكرها العلماء كالقرطبي وابن القيم وغيرهما (^٢)، وهي أبواب كثيرة عدّها بعضهم ثمانية، وزاد بعضهم على هذا العدد، والمنصوص تفيد أنها أكثر من ثمانية مقسمة على بعض أعمال بني آدم فمنها باب للصيام ومنها باب للصلاة وهكذا (^٣).\n_________\n(^١) سبق (٩٤٠) مطولا ومخرجا.\n(^٢) انظر: التذكرة للقرطبي (٥١٥)، وحادي الأرواح (٧٥)، وشرح قصيدة ابن القيم لابن عيسى (٢/ ٤٧٠).\n(^٣) انظر التذكرة للقرطبي (٥٣٣)، عون المعبود (١/ ١٩٩).","vol":"3","page":1266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في موضع الجنة</span>.\n\n١١٥٩ - حدثني المشرف بن أبان، حسنت صالح بن عبد الكريم قال: قال لنا الفضيل بن عياض: \"تدرون لم حسنت الجنة؟ لأن عرش رب العالمين سقفها\" (^١).\n\n١١٦٠ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه، ثنا جعفر بن عمر، ثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس -﵁- قال: \"إذا سكن أهل الجنةِ الجنةَ، نوَّرَ سقفَ مساكنهم نورُ عرشه\" (^٢).\n\n١١٦١ - حدثنا يحيى بن كثير العنبري، ثنا مروان بن بكير (^٣)، عن أشعث، عن الحسن قال: \"إنما سميت عدن لأن فوقها العرش، ومنها تتفجر أنهار الجنة، وللحور العدنية الفضل على سائر الحور\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة بيان موضع الجنة، وأن سقفها هو عرش الرحمن، وهذا يعني أنها فوق السماء السابعة؛ لأن عرش الرحمن هو سقف المخلوقات، وكذلك ستأتي آثار أخرى مصرحة بأنها في السماء السابعة، وأنه كان معروفا بين القرون الأولى، عند الكلام على موضع النار من\n_________\n(^١) سبق (١٠٤٥).\n(^٢) سبق (١٠٤٦).\n(^٣) سبق (١٠٤٧).\n(^٤) سبق (١٠٤٧).","vol":"3","page":1267},{"text":"الفصل الآتي، قال البربهاري: \"والإيمان بأن الجنة حق، والنار حق، وأنهما مخلوقتان؛ الجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش\" (^١)، وقال صديق حسن خان: \"اعلم أن الجنة فوق السماء السابعة، وسقفها عرش الرحمن، كما قال تعالى في محكم القرآن: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (^٢)، وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (^٣)، قال مجاهد: هو الجنة، وتلقاه الناس عنه\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح السنة (٢٧).\n(^٢) سورة النجم، الآيتان (١٣ - ١٥).\n(^٣) سورة الذاريات، الآية (٢٢).\n(^٤) يقظة أولي الاعتبار (٤٥)، وانظر حادي الأرواح (٤٦)، مفتاح دار السعادة (٢٠)، والتخويف من النار (٦٧)، فيض القدير (٣٦٠).","vol":"3","page":1268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>المبحث العشرون: الآثار الواردة في وجود الجنة الآن</span>.\n\n١١٦٢ - حدثنا خلف بن هشام، ثنا خالد بن عبد اللَّه، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن كعب قال: \"لما نظر اللَّه -﷿- إلى الجنة قال لها: طوبى لأهلك، فتزداد ضعفا حتى يدخلها أهلها\" (^١).\n\n١١٦٣ - حدثنا داود بن سليمان القرشي، ثنا الحسين بن علي الجعفي، عن فضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد قال: \"خلق اللَّه -﷿- جنة عدن بيده، فاطلع فيها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (^٢)، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء، وهي تفتح كل سحر فكانوا يرون أن البرد الذي يجيء سحرا منها\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ مداره على يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف التقريب (٧٧٦٨)، صفة الجنة (٢٦) رقم (٣٧)، وأشيب في جزئه رقم (٤٥)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١/ ٢٧٧) رقم (٥٢٣)، والدارمي الرد على الجهمية رقم (٢٠١)، والآجري في التصديق بالنظر رقم (٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٧٩) من طريق الأشيب، وذكره ابن فورك في مشكل الحديث (٤٢٦).\n(^٢) سورة المؤمنون، الآية (١).\n(^٣) إسناده لين؛ والأثر حسن، فيه ليث وهو ابن أبي سليم وقد سبق (٤٩)، لكن تابعه عبيد المكتب وهو ثقة التقريب (٤٤٢٤) فرواه عن مجاهد عن ابن عمر موقوفا، صفة الجنة (٢٠) رقم (٢٩)، وانظر رقم (٢٤)، وأشيب في جزئه رقم (٤٦)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ١٨)، ويروى عن مجاهد عن ابن عمر -﵁- مختصرا الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٩) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وكذا =","vol":"3","page":1269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>التحليل والتعليق</span>\nتضمن الأثران السابقان أن الجنة مخلوقة، وأنها موجودة الآن، وهو قول أجمع عليه أهل السنة (^١)، قال ابن أبي العز: \"اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن\" (^٢)، وقال صديق حسن خان: \"صار السلف الصالح ومن نحا نحوهم يذكرون في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن موجودتان في الحال، وذكر من صنّف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث كافّة لا يختلفون في ذلك\" (^٣).\n_________\n= اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧) رقم (٧٣٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٧٩) رقم (٢٤).\n(^١) مراتب الإجماع لابن حزم (١٧٣)، وانظر قول أهل السنة في مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٩)، الشريعة للآجري (٣/ ١٣٤٣)، الغنية للجيلاني (١/ ١٩٤)، فتح الباري (٢/ ٥٤٣) (٣/ ٨٣)، شرح مسلم على النووي (٦/ ٢٠٧).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (٤٢٠).\n(^٣) يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار (٣٥).","vol":"3","page":1270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في ذكر بعض عيون الجنة وأنهارها</span>.\n\n١١٦٤ - حدثنا محمد بن سليمان الأسدي، ثنا إسماعيل بن زكريا، عن محمد ابن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله -﷿-: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ (^١) وقال: \"هو نهر في الجنة عمقه في الأرض سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، شاطئاه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، خص اللَّه -﷿- به نبيّه -ﷺ- دون الأنبياء ﵈\" (^٢).\n\n١١٦٥ - حدثنا الحكم بن موسى، حدثني محمد بن ربيعة، عن أبي جعفر الرازي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ قالت: \"الكوثر نهر في الجنة، فمن أحب أن يسمع خريره فليضع أصبعيه في أذنيه\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة الكوثر، الآية (١).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ محمد بن عون متروك التقريب (٦٢٤٣)، صفة الجنة (٥٥) رقم (١٤٥)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٦) وقال: \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا\"، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٦٤٩) لابن مردوية، والمشهور عن ابن عباس أنه كان يفسر الكوثر بالخير الكثير، أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٩٠٠) عنه: \"أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه اللَّه إياه، قال أبو بشر: قلت: لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه اللَّه إياه\".\n(^٣) إسناده لين؛ فيه الكلام في سماع مجاهد من عائشة انظر تحفة التحصيل (٢٩٤)، صفة =","vol":"3","page":1271},{"text":"١١٦٦ - حدثني يعقوب بن عبيد، ثنا يزيد بن هارون، أنا الجريري، عن معاوية بن قرّة، عن أنس بن مالك قال: \"لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض، لا واللَّه إنها لسائحة على وجه الأرض، أحد حافّتيها اللؤلؤ والأخرى ياقوت، وطينه المسك الأَذْفَر (^١)، قلت: ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط له\" (^٢).\n_________\n= الجنة (٣٦) رقم (٦٧)، وهناد في الزهد (١/ ١١٣) رقم (١٤١)، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٣٢١)، وذكره ابن كثير (٤/ ٥٥٨) من طريق ابن جرير ثم قال: \"وهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات عن رجل عنها، ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك لا أنه يسمعه نفسه واللَّه أعلم\"، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (١٢٤) وذكر نفس توجيه ابن كثير، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٦٥٠) إلى هناد وابن جرير، وانظر كشف الخفاء (١/ ١١٠)، وفيض القدير للمناوي (١/ ٣٢٧)، وذكر الألباني في ضعيف الجامع رقم (٤٥٤) أنه موضوع وأحال على تذكرة الفتني وهو فيها (١/ ١٢٨٢).\n(^١) الذَّفَرُ بفتحتين كل ريح ذكية من طيب أو نتن، يقال مسك أذْفَرُ بيّن الذفر، ذَكِيُّ الريح، وهو أَجوده وأَقْرَتُهُ، لسان العرب (٤/ ٣٠٦).\n(^٢) إسناده لين؛ فيه الجريري وقد اختلط انظر المختلطين للعلائي (٣٧)، وسماع يزيد عنه قبل الاختلاط كما يفيده كلامه الذي أورده الذهبي في السير (٦/ ١٥٤ - ١٥٥)، لكن نقل الترمذي في علله (٢/ ٧٤٢) عن ابن معين أنه سمع منه بعد الاختلاط، وكذا في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق (٣/ ٤٦٢)، صفة الجنة (٣٦) رقم (٦٨)، وابن كثير عن المصنف (٤/ ١٧٧) وقال: \"وقد رواه أبو بكر بن مردويه من حديث مهدي بن حكيم عن يزيد بن هارون به مرفوعا\"، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٦): \"رواه ابن أبي الدنيا موقوفا ورواه غيره مرفوعا =","vol":"3","page":1272},{"text":"١١٦٧ - حدثنا خالد بن خداش، ثنا عبد اللَّه بن وهب، ثنا سعيد ابن أبي أيوب، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، أن ابن عباس قال: \"إن في الجنة نهرا يقال له: البيدخ، عليه قباب الياقوت تحته جوار نابتات، يقول أهل الجنة: انطلقوا بنا إلى البيدخ، فيجيئون فيتصفّحون تلك الجواري، فإذا أعجبت رجلا منهم جارية مسّ معصمها فتبعته ونبت مكانها أخرى\" (^١).\n\n١١٦٨ - حدثنا ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمان، عن أبي إسحاق، عن أبان، عن أنس: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ (^٢)، قال: \"بالمسك والعنبر ينضخان، على دور أهل الجنة، كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا\" (^٣).\n_________\n= والموقوف أشبه بالصواب\"، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٩٥) إلى ابن مردويه وأبي نعيم والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة مرفوعا، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٥) مرفوعا.\n(^١) إسناده لين؛ شيخ المصنف صدوق يخطئ وقد سبق (١٢)، مع كلام في تدليس الزهري وسماعه من الصحابة انظر جامع التحصيل (٢٦٩)، صفة الجنة (٣٦ - ٣٧) رقم (٦٩)، ونقله ابن القيم عن المصنف في حادي الأرواح (١٦٢)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٩٤) إلى المصنف فقط في هذا الكتاب، ويشهد لما ورد فيه من ذكر نهر البيدخ ما أخرجه أحمد في المسند (٢١/ ٢٦٠ - ٢٦٢) رقم (١٣٦٩٨) عن أنس في ذكره وسماه البيدخ أو البيذخ بالذال، وهو صحيح على شرط مسلم، وانظر تفسير ابن كثير (٤/ ٣٦٣)، والمختارة للمقدسي (٥/ ٩٤ - ٩٧)، والدر المنثور (١/ ٩٥)، وفيض القدير (٥/ ١٢٨).\n(^٢) سورة الرحمن، الآية (٦٦).\n(^٣) إسناده لين؛ فيه يحيى بن يمان وقد سبق (١٠٥٧)، صفة الجنة (٣٧) رقم (٧٠)، =","vol":"3","page":1273},{"text":"١١٦٩ - حدثنا ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث عن جعفر، عن سعيد: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ قال: \"بالماء والفواكه\" (^١).\n\n١١٧٠ - حدثنا ابن أبي شيبة، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: \"اللتان تجريان أفضل من النضّاختين\" (^٢).\n_________\n= وورد في تفسير ابن أبي حاتم -جمع المحقق دون إسناد- (١٠/ ٣٣٢٨)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٧) وقال: \"رواه ابن أبي شيبة موقوفا\"، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٦) لابن أبي حاتم وابن أبي شيبة، وذكره ابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٥٢٧)، ونقله ابن القيم في حادي الأرواح (١٢١) من طريق ابن أبي شيبة، ولم أجده في المصنف.\n(^١) إسناده لين؛ فيه يحيى بن يمان؛ لكن تابعه الهيثم بن جميل -عند أبي نعيم- وهو ثقة، من أصحاب الحديث، وكأنه ترك فتغير التقريب (٧٤٠٩)، وتابعه أيضا محمد بن حميد -عند ابن جرير- وهو الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه التقريب (٥٨٧١)، صفة الجنة (٣٧) رقم (٧١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤١) رقم (٣٤٠٥٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٧)، وذكره العيني في عمدة القاري (١٩/ ٢١٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٦) إلى ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية.\n(^٢) إسناده صحيح، رجاله ثقات غير أبي إسحاق وهو السبيعي وقد سبق (١٠٣٧) أنه اختلط، لكن الذي يظهر لي أن إدريس وهو ابن يزيد الأودي وهو ثقة وكان من متقني أهل الكوفة متيقظا كما ذكر الذهبي في مشاهير علماء الأمصار (١٦٨)، من =","vol":"3","page":1274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر عيون الجنة وبعض أنهارها، فنصَّت على الكوثر والبيدخ، وبعض أوصافهما وخصائصهما، فهي أنهار جارية في غير أخاديد، ونصت على العينين النضاختين والعينين الجاريتين، وأن الأخيرتين أفضل، وقد عقد لكل ذلك ابن القيم ﵀ بابا في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها ومجراها الذي تجري عليه، وقال: \"قد تكرر في القرآن في عدة مواضع قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^١)، وفي موضع: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٢) وفي موضع: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ\n_________\n= الرواة عنه قبل الاختلاط فإن سماعه منه قدم، وذلك أن السفيانين كلاهما يروي عن أبي إسحاق والثوري سماعه منه قديم صحيح، وابن عيينه سماعه منه بأخرة؛ والثوري متقدم الطبقة فهو من السابعة، التقريب (٢٤٥٨)، وابن عيينة من الثامنة، التقريب (٢٤٦٤)، ونجد في ترجمة إدريس -وهو من السابعة التقريب (٢٩٨) - من تهذيب الكمال أن الثوري يروي عنه، وهو -أي الثوري- يروي كذلك عن أبي إسحاق، فالظاهر تقدم سماع إدريس كالثوري من أبي إسحاق واللَّه أعلم! صفة الجنة (٣٧) رقم (٧٢)، وورد في تفسير ابن أبي حاتم -جمع المحقق- (١٠/ ٣٣٢٧) دون إسناد، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأورده ابن القيم من طريق ابن أبي شيبة في حادي الأرواح (١٢٢)، وذكره ابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٥٢٧).\n(^١) أولها في سورة البقرة، الآية (٢٥).\n(^٢) سورة التوبة، الآية (١٠٠).","vol":"3","page":1275},{"text":"الْأَنْهَارَ﴾ (^١)، وهذا يدل على أمور:\nأحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية.\nالثاني: أنهار جارية لا واقفة.\nالثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم، كما هو المعهود في أنهار الدنيا. . . -ثم ذكر ﵀ أنواع الأنهار من خمر ولبن وماء وعسل وعقبها بقوله- ذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة، ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة، وأن يصير قارصا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي في اللذة وشربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب تعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويجريها في غير أخدود، وينفى عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها. . . وتأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس؛ فهذا لشربهم وطهورهم، وهذا لقوتهم وغذائهم، وهذا لِلَذَّتِهم وسرورهم، وهذا لشفاعتهم ومنفعتهم واللَّه أعلم\" (^٢).\nوأما الكوثر فقال ابن أبي العز: \"الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيا، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير تغمده اللَّه برحمته في آخر تاريخه\n_________\n(^١) أولها سورة الأعراف، الآية (٤٣)، ثم يونس (٩)، والكهف (٣١).\n(^٢) حادي الأرواح (١٢١ فما بعدها).","vol":"3","page":1276},{"text":"الكبير المسمى بـ البداية والنهاية\" (^١)، وهو شيء اختص به -ﷺ- قال السيوطي: \"باب اختصاصه -ﷺ- بالكوثر\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (٢٢٧)، ومما ألف فيه مستقلا الحوض والكوثر لبقي بن مخلد، والذيل عليه لابن بشكوال.\n(^٢) الخصائص الكبرى (٢/ ٢٢٥)، وانظر الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"3","page":1277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>الفصل الخامس: الآثار الواردة في النار</span>.\nوفيه إحدى عشر مبحثا:\nالمبحث الأول: الآثار الواردة في أبواب جهنم.\nالمبحث الثاني: الآثار الواردة في عمقها.\nالمبحث الثالث: الآثار الواردة في جبالها وأوديتها وحجارتها وبيوتها وسجونها.\nالمبحث الرابع: الآثار الواردة في مقامعها وسلاسلها وأغلالها وأزمَّتُها.\nالمبحث الخامس: الآثار الواردة في شراب أهلها وطعامهم.\nالمبحث السادس: الآثار الواردة في حَيَّاتها وعقاربها.\nالمبحث السابع: الآثار الواردة في ذكر بعض أنواع العذاب.\nالمبحث الثامن: الآثار الواردة في بكاء أهلها.\nالمبحث التاسع: الآثار الواردة في موضع النار.\nالمبحث العاشر: الآثار الواردة في نارها ودركاتها.\nالمبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في أَبَدِيَّتها.","vol":"3","page":1278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>المبحث الأول: الآثار الواردة في أبواب جهنم</span>.\n\n١١٧١ - حدثنا خلف بن هشام قال: حدثنا أبو شهاب الحناط، عن عمرو بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: \"إن أبواب جهنم هكذا بعضها فوق بعض، وأومأ أبو شهاب بأصابعه. . . هذا عن هذا\" (^١).\n\n١١٧٢ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا حجاج قال قال ابن جريج (^٢): قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: \"أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم -وفيه أبو جهل-، ثم الهاوية\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ أبو شهاب الحناط صدوق يهم التقريب (٣٨١٤)، وأبو إسحاق هو السبيعي اختلط كما سبق (١٠٣٧) ورواية عمرو عنه لا يدرى متى كانت واللَّه أعلم، لكن الأثر حسن، من طرق ابن جرير الأخرى، صفة النار (١٩) رقم (٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٩) رقم (٣٤١٢٦) وما بعده، وابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨٠) لابن المبارك وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، وانظر التخويف من النار (٥٧)، وشعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٤٨).\n(^٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، مات سنة (١٥٠ هـ) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل جاز المائة ولم يثبت، التقريب (٤١٩٣).\n(^٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (١٩) رقم (٨)، وابن جرير في تفسيره (٧/ ٥١٨)، وذكره البغوي في تفسيره (١/ ٣٨٢)، وابن رجب في التخويف من النار (٨٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨١) لابن جرير وابن المنذر، وذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥٣) ثم قال: \"وروى الضحاك عن ابن عباس نحوه وكدا روي عن الأعمش بنحوه أيضًا\"، نسبه ابن رجب في التخويف من النار (٥٨) للمصنف وغيره.","vol":"3","page":1279},{"text":"١١٧٣ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا عمرو بن حمران قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ قال: \"هي واللَّه منازل بأعمالهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر أبواب جهنم، وأن بعضها فوق بعض، وأنها سبعة أبواب مع تسمية كل باب، وأنها منازل بحسب أعمال العباد.\nوقد وقع اختلاف في تسمية هذه الأبواب، كما وقع اختلاف في تخصيص بعضها ببعض الأعمال، قال الآلوسي: \"ذكر السهيلي في كتاب الأعلام أول وقع في كتب الرقائق أسماء هذه الأبواب، ولم ترد في أثر صحيح، وظاهر القرآن والحديث يدل على أن منها ما هو من أوصاف النار، نحو: السعير والجحيم والحطمة والهاوية، ومنها ما هو علم للنار كلها، نحو: جهنم وسقر ولظى. . . \"، ثم قال: \"وبالجملة في تعيين أهلها كترتيبها اختلاف في الروايات\" (^٢)، وقبله قال القرطبي: \"وقع في كتب الزهد والرقائق أسماء هذه الطبقات وأسماء أهلها من أهل الأديان على ترتيب لم يرد في أثر صحيح\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن، عمرو بن عمران صالح الحديث كما في الجرح والتعديل (٢/ ٢٢٧)، صفة الجنة (٢١) رقم (١١)، وابن جرير (٧/ ٥١٨)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٧٢٧)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨١) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) روح المعاني (١٤/ ٥٣).\n(^٣) التذكرة (٤٤٤)، وانظر التخويف من النار (٨٢ - ٩٣)، ويقظة أولي الاعتبار (١٢٧).","vol":"3","page":1280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>المبحث الثاني: الآثار الواردة في عمقها</span>.\n\n١١٧٤ - حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه الهروي قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة يقول: \"إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي، أو قال: صخرة تهوي، عظمُها كعشر عُشَرَاوَات (^١) عظام سمان\"، فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذاك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، غَيٌّ وأثام\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر أبي أمامة ذكر بعد قعر جهنم، حتى إن الصخرة العظيمة لا تصله إلا بعد سبعين خريفا، وقد عقد العلماء أبوابا خاصة في ذكر قعر\n_________\n(^١) النوق التي مضى على حملها عشرة أشهر، مختار الصحاح (٤٦٧).\n(^٢) إسناده لين؛ مداره على زكريا بن أبي مريم، ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢٩٥)، وانظر لسان الميزان (٢/ ٤٨٢)، صفة النار (٣١) رقم (٢٥)، وانظر رقم (١٧) فقد رواه عن أبي أمامة مرفوعا ولا يصح رفعه كما قال ابن كثير (٣/ ١٢٩): \"حديث غريب ورفعه منكر\"، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٠٢)، وابن جرير في تفسير (١٩/ ٤٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٨٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ١٢١) رقم (٣٧)، والبغوي في تفسيره (٣/ ٢٠١)، والذهبي في الميزان (٣/ ١١٠)، وابن حجر في الميزان (٢/ ٤٨٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٥٤) وقال: \"الموقوف أصح\".","vol":"3","page":1281},{"text":"جهنم وبعده، فابن رجب عقد بابا: \"في ذكر قعر جهنم وعمقها\" (^١)، وكذا القرطبي بابا: \"في ما جاء في شكوى النار، وكلامها، وبعد قعرها، وأهوالها، وفي قدر الحجر الذي يرمى به فيها\" (^٢)، وصديق حسن خان: \"باب ما جاء في شكوى النار، وكلامها، وبعد قعرها، وأهوالها، وفي قدر الحجر الذي يرمى به فيها، أجارنا اللَّه منها ومن أهوالها\" (^٣).\n_________\n(^١) التخويف من النار (٧٨).\n(^٢) التذكرة (٤٦٢).\n(^٣) يقظة أولي الاعتبار (١٣٧).","vol":"3","page":1282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>المبحث الثالث: الآثار الواردة في جبالها وأوديتها وحجارتها وبيوتها وسجونها</span>.\n\n١١٧٥ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن زحر، عن أبي يسار (^١) قال: \"الظُلّة من جهنم فيها سبعون زاوية، في كل زاوية صنف من العذاب ليس في الأخرى\" (^٢).\n\n١١٧٦ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثني إبراهيم بن أبي سويد قال: حدثنا النعمان بن عبد السلام قال: حدثنا مغلّس أبو علي، عن أيوب بن يزيد (^٣)، عن عمرو بن عبسة (^٤) قال: \" ﴿الفَلَقِ﴾ بيت في جهنم، إذا سعِّرت جهنم فمنه تُسعَّر، وإن جهنم لتأذّى منها كما يتأذّى\n_________\n(^١) هو عبد اللَّه بن أبي نجيح -يسار- المكي، أبو يسار الثقفي مولاهم، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، مات سنة (١٣١ هـ) أو بعدها، التقريب (٣٦٦٢).\n(^٢) إسناده لا بأس به؛ فيه عبيد اللَّه بن زحر وقد سبق (١١٠٨) أنه صدوق يخطئ، صفة النار (٤٧) رقم (٥٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٣٧)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٥١) عن ابن المبارك.\n(^٣) الظاهر أن في السند سقطا فإن الأثر أورده ابن رجب بزيادة: \"يحيى بن أبي كثير عن رجل عن ابن عبسة\" من طريق المصنف، وهناك خرجة في المخطوط لعل اللَّحَق غُطي تحت أصبع المصور، وقد بقي ما يمكن أن يشير إلى اسم يحيى تحت الأصبع.\n(^٤) هو عمرو بن عَبَسَة بن عامر بن خالد السلمي، أبو نجيح صحابي مشهور، أسلم قديما، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام، الإصابة (٤/ ٦٥٨)، التقريب (٥٠٧٠).","vol":"3","page":1283},{"text":"بنو آدم من جهنم\" (^١).\n\n١١٧٧ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السَّكوني قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن عطاء بن يسار قال: \"إن في النار سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف جحر، في كل جحر حيّة تأكل وجوه أهل النار\" (^٢).\n\n١١٧٨ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا عوف، عن أبي المنهال الرياحي (^٣) أنه بلغة: \"أن في النار أودية في ضحضاح من النار، في تلك الأودية حيّات\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ أيوب بن يزيد مجهول انظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٦٢)، والراوي عنه مغلس لم أعرفه، صفة النار (٤٤) رقم (٤٤)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (١/ ٨٧) وقال: \"خرجه ابن أبي الدنيا، وخرجه ابن أبي حاتم، وعنده عن ابن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن رجل عن عمرو بن عبسة\".\n(^٢) إسناده ضعيف؛ إسماعيل بن عياش سبق (٧٠٧) أنه صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، وشيخه هنا محمد بن عمرو بن حلحلة ديلي مدني ملازم للمسجد النبوي كما في الثقات لابن حبان (٧/ ٣٧٧) وغيره، صفة النار (٤٤) رقم (٤٥)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٤)، وابن رجب في التخويف من النار (٩١) ونسبه للمصنف، وذكرا أنه أخرجه البخاري أي في التاريخ -كما سيأتي- عن غيره وأنه خبر منكر.\n(^٣) هو سيار بن سلامة الرياحي، أبو المنهال البصري، ثقة، مات سنة (١٢٩ هـ)، التقريب (٢٧١٥).","vol":"3","page":1284},{"text":"أمثال أجوان الإبل (^١)، وعقارب كالبغال الخُنس (^٢)، فإذا سقط إليهن شيء من أهل النار أنشأن به لسعا ونشطا (^٣) حتى يستغيثوا بالنار فرارا منهن، وهربا منهن\" (^٤).\n\n١١٧٩ - حدثني أبي ﵀ قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن أبي قَبيل، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: \"إن في جهنم سجنا أرضه نار، وسقفه نار، وجدرانه نار، فإذا أدخلوا قيل بالنيران على أفواههم، لا يدخله إلا شرُّ الأشرار\" (^٥).\n\n١١٨٠ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد اللَّه بن يزيد قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن\n_________\n(^١) الجون من الإبل هو الأدهم، القاموس المحيط (١/ ١٥٣٣).\n(^٢) التي انخفض قصبة أنفها مع ارتفاع قليل في طرف الأنف، النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٦٤).\n(^٣) أي عضا بأنيابها، القاموس المحيط (١/ ٨٩١).\n(^٤) إسناده صحيح إلى أبي المنهال الرياحي، صفة النار (٤٦) رقم (٤٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣١٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩١) من طريق ابن المبارك ونسبه للمصنف، وقد روي هذا الأثر عن يزيد بن شجرة وهو مختلف في صحبته كما في ترجمته من الإصابة ولم يصح، انظر الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٨)، وتاريخ دمشق (٦٥/ ٢٣١)، كما روي عن أنس انظر ضعيف الجامع رقم (٤٨٠٦)، ومجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٧).\n(^٥) إسناده ضعيف؛ فيه ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، صفة النار (٤٣) رقم (٤٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩٠) وزاد نسبته لعبد اللَّه بن أحمد ولم أجده في المطبوع، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨٣) لابن أبي حاتم.","vol":"3","page":1285},{"text":"عطاء بن يسار قال: \"الويل وادي في جهنم، لو سيّرت الجبال لماعت من حرِّها\" (^١).\n\n١١٨١ - حدثنا حمزة بن العباس قال: حدثنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض (^٢) قال: \"ويلٌ: مسيل (^٣) في أصل جهنم\" (^٤).\n\n١١٨٢ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثني ثعلبة ابن مسلم، عن أيوب بن بشير، عن شفي بن ماتع الأصبحي (^٥) قال: \"في\n_________\n(^١) إسناده صحيح، صفة النار (٣٧) رقم (٣٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٣١)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٣٧٩)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ١٥٣)، وزاد السيوطي في الدر (١/ ٢٠٢) نسبته للبيهقي في البعث.\n(^٢) هو عمرو بن الأسود العنسي، يكنى أبا عياض، حمصي سكن داريا، مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين مات في خلافة معاوية، التقريب (٤٩٨٩).\n(^٣) ورد في الأصل \"فسيل\" ولا معنى لها هنا، وقد أشار المحقق إلى اختلاف الكلمة في بعض مصادر التخريج، قلت: وبالرجوع إلى باقي المصادر التي لم يذكرها يتحقق أنها خطأ من خلال سياقات النص المختلفة، فقد ورد في الزهد لابن المبارك (مسيل)، وفي التخويف من النار (٨٥) (صهريج. . . يسيل فيه).\n(^٤) إسناده صحيح، صفة النار (٣٧ - ٣٨) رقم (٣٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٣٣)، وهناد في الزهد (١/ ١٨٣) رقم (٢٧٧)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٣٧٨).\n(^٥) هو شُفي بن ماتع الأصبحي، ثقة أرسل حديثا فذكره بعضهم في الصحابة خطأً، مات في خلافة هشام، التقريب (٢٨١٣).","vol":"3","page":1286},{"text":"جهنم جبل يدعى صعودا، يطلع في الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه، قال اللَّه -﷿-: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ (^١)، وإن في جهنم قصرا يقال له: الهوى، يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله، قال اللَّه -﷿-: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ (^٢)، وإن في جهنم واديا يدعى غيا، يسيل قيحا ودما، فهو لمن خُلق له، قال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ (^٣)، وإن في جهنم واديا يدعى أثاما، فيه حيّات وعقارب، في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة سمٍّ، والعقرب منهن مثل البغلة المؤكفة (^٤)، تلدغ الرجل فلا يلهيه ما يجد من حرِّ جهنم حُمُوَّةَ لدغتها، فهو لمن خلق له، وإن في جهنم سبعين داءً، كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة المدثر، الآية (١٧).\n(^٢) سورة طه، الآية (٨١).\n(^٣) سورة مريم، الآية (٥٩).\n(^٤) المشدود عليها الإكاف وهو البرذعة، استدركه صاحب تاج العروس (١/ ٥٧١٩).\n(^٥) إسناده لين؛ ثعلبة بن مسلم هو الشامي الخثعمي مستور التقريب (٨٥٤)، صفة النار (٤٠ - ٤١) رقم (٣٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٨٧)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٤) وقال: \"روه ابن أبي الدنيا موقوفا عليه وفي صحبته خلاف تقدم\"، وقد ورد فيما نقله المحقق أنه مختلف في صحته فأوهم أن الكلام على الأثر بينما كلام المنذري في شفي بن ماتع وقد تقدم في كتابه (٣/ ٣٢٩)، وقد ترجم له ابن حجر في الإصابة وذكر الخلاف فيه وترجيح أنه تابعي، كما نسبه ابن =","vol":"3","page":1287},{"text":"١١٨٣ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ (^١) قال: \"واد في جهنم، يقذف فيه الذين اتبعوا الشهوات\" (^٢).\n\n١١٨٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان، عن عمّار الدُّهني، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: \"إن صعودا صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، وإذا رفعوها عادت، اقتحامها: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ (^٣) \" (^٤).\n_________\n= رجب في التخويف من النار للمصنف (٨٦)، ونسبه السيوطي في الدر (٦/ ٢٧٦، ٢٧٨) لابن المبارك.\n(^١) سورة مريم، الآية (٥٩).\n(^٢) إسناده حسن؛ فإن أبا الأحوص أخرج له الشيخان عن أبي إسحاق؛ وأخشى أن يكون في الإسناد سقطا لأنه روي من نفس الطريق بذكر أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود وهو لم يسمع منه، صفة النار (٤١ - ٤٢) رقم (٣٨)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ١٠٠)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٧) رقم (٩١٠٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٥): \"رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه\"، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٣) وقال: \"رواه الطبراني والبيهقي من رواية أبي عبيدة عن أبيه عبد اللَّه بن مسعود ولم يسمع منه ورواة بعض طرقه ثقات\"، وكذا ورد في التخويف من النار (٨٦).\n(^٣) سورة البلد، آيتان (١٣، ١٤).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ فيه عطية العوفي وهو صدوق يخطئ كثيرا، وكان شيعيا مدلسا، التقريب (٤٦٩٤)، صفة النار (٣٦) رقم (٣٠)، وابن المبارك في الزهد رقم =","vol":"3","page":1288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>التحليل والتعليق</span>\nتضنمت الآثار السابقة ذكر جبال جهنم وأوديتها وحجارتها وبيوتها وسجونها، وأن بيوتها لها زوايا في كل زاوية صنف من العذاب، وأوديتها كثيرة مليئة بالحجارة في كل حجارة حيّات وعقارب عظام تأكل وجوه أهلها، وسجن كله نار لا يدخله إلا شر الأشرار، وسميت بعض أوديتها بأنها الويل والغي والأثام، وبعض صخورها بالصعود، ولابن رجب باب مستقل: \"في ذكر أوديتها وجبالها وآبارها وجبابها وعيونها وأنهارها\" (^١)، أورد فيه جملة من النصوص والآثار في ذلك، منها ما يصح ومنها ما لا يصح، ومنها ما هو محتمل وهذه أمور غيبية نؤمن بما صح منها، وما لم يصح فعلمه عند اللَّه تعالى.\n_________\n= (٣٣٥)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣١)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٣٨٣)، ونسبه إليه فقط السيوطي في الدر (٨/ ٣٣١)، وانظر الكلام على هذا الأثر في التخويف من النار لابن رجب (٨٥).\n(^١) التخويف من النار (١١٧).","vol":"3","page":1289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>المبحث الرابع: الآثار الواردة في مقامعها وسلاسلها وأغلالها وأزمتها</span>.\n\n١١٨٥ - حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي قال: حدثنا طلحة بن سنان قال: حدثنا عبد الملك بن أبجر، عن الشعبي، عن أبي هريرة قال: \"يؤتى بجهنم يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، آخذ كل زمام سبعون ألف ملك، وهي تمايل عليهم حتى توقف عن يمين العرش، ويلقي اللَّه عليها الذل يومئذ، فيوحي إليها: ما هذا الذل؟ فتقول: يا رب أخاف أن يكون لك فيّ نقمة، فيوحي اللَّه إليها: إنما خلقتك نقمة وليس لي فيك نقمة، فتزفر زفرة لا تبقى دمعة في عين إلا جرت، قال: ثم تزفر أخرى فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا صعق، إلا نبيّكم نبي الرحمة -ﷺ- يقول: يا رب، أمتي أمتي\" (^١).\n\n١١٨٦ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا علي بن شقيق قال: حدثنا الحسين بن واقد قال: أخبرنا عاصم، عن شقيق: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ (^٢) قال: \"جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ طلحة بن سنان شيخ محله الصدق كما في الجرح والتعديل (٤/ ٤٨٤)، صفة النار (١١٨ - ١١٩) رقم (١٨٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٤) رقم (٣٤١٦٥) من طريق آخر.\n(^٢) سورة الفجر، بعض الآية (٢٣).\n(^٣) إسناده حسن؛ فيه عاصم سبق (٩١٢)، صفة النار (٩٦) رقم (١٤٣)، ثم أورد عن =","vol":"3","page":1290},{"text":"١١٨٧ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا بكار بن عبد اللَّه، أنه سمع ابن أبي مليكة يحدّث، أن كعبا قال: \"إن حلقة السلسلة التي قال اللَّه: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ (^١) إن حلقة منها مثل جميع حديد الدنيا\" (^٢).\n\n١١٨٨ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: \"لو انقلب رجلٌ من أهل النار بسلسلة لزالت الجبال\" (^٣).\n_________\n= شقيق عن عبد اللَّه بن مسعود موقوفا عليه برقم (١٧٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٨) رقم (٣٤١١٧)، والأثر رواه مسلم مرفوعا رقم (٢٨٤٢)، وتناقض قول الدارقطني فيه فبينما استدركه عليه في الإلزامات والتتبع (٣٢٨ - ٣٢٩)، وعلل الحديث للدارقطني (٥/ ٨٦)، صححه في الأفراد والغرائب كما في الأطراف (٤/ ١٦٦)، ورجح أنه موقوف، وابن حجر في النكت الظراف (٧/ ٥٢)، وصححه في شرح مسلم (١٧/ ١٧٨) بناء على أن زيادة الرفع من الثقة مقبولة.\n(^١) سورة الحاقة، بعض الآية (٣٢).\n(^٢) إسناده صحيح، ولا أدري هل سمع ابن أبي مليكة من كعب فإنه لم يرد في شيوخه وهو يروى عنه بواسطة عبد اللَّه بن حنظلة كما في المصنف لابن أبي شيبة (٨/ ٣١٥)، وذكر أنه يروي عن بعض الصحابة مرسلا انظر جامع التحصيل (٢١٤)، صفة النار (٩٣ - ٩٤) رقم (١٣٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٨٩)، وعبد الرزاق في التفسير (٣/ ٣١٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٧٥).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه أشعث بن سوار وقد سبق (١٠٤٧) أنه ضعيف، وكذا يحيى بن يمان يخطئ كثيرا كما سبق (١٠٥٧)، صفة النار (٥٦) رقم (٦٩)، وذكره ابن =","vol":"3","page":1291},{"text":"١١٨٩ - حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني الطيّب أبو الحسن الخشني (^١) قال: \"ما في جهنم دارٌ، ولا مغار، ولا غلٌّ، ولا قيد، ولا سلسلة، إلا اسم صاحبه مكتوب عليه، قال أحمد: فحدّثت به أبا سليمان، فبكى ثم قال لي: ويحك فكيف به لو قد جُمع هذا كله عليه؟ فجعل الغل في عنقه، والقيد في رجله، والسلسلة في رقبته، ثم أدخل النار، وأدخل المغار\" (^٢).\n_________\n= رجب في التخويف من النار (٩٥).\n(^١) هكذا ورد في المخطوط والمطبوع، وورد في مصادر التخريج، الطيب أبو الحسن عن يحيى بن الحسن الخشني، أو طيب يحدث عن الحسني كذا وصوابه الخشني، ووقع في الإبانة الطيب أبو الحميز عن الخشني، وكل هذا يؤكد أن الطيب راو مستقل يروي عن الخشني، ولذلك أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق، وترجم له بسبب هذا الأثر، وبهذا يتبين خطأ المحقق محمد خير حيث استدرك على ما ورد في الحلية: \"حدثني طيب يحدث عن الحسني\" حيث قال: \"وفيه تصحيف وتحريف، فهو نفسه الحسن بن يحيى الخشني الدمشقي البلاطي، أبو عبد الملك أو أبو خالد\"، قلت: وهذا الاستدراك إضافة إلى ما سبق تقريره فإنه يشوش عليه الكنية؛ فإن الطيب هذا كنيته أبو الحسن، وشيخه الخشني هو الذي يكنى بهذين الكنيتين واللَّه أعلم.\n(^٢) إسناده لين؛ فيه طيب أبو الحسن لم أجد له ترجمة وذكره ابن عساكر بهذا الأثر ولم يذكر فيه شيئا، صفة النار (٥٦ - ٥٧) رقم (٧٠)، وابن أبي حاتم في التفسير (٩/ ٣٠٨٤)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٢٨٤) رقم (١٩٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ١٧٥)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩١)، ونسبه إليه السيوطي في الدر (٦/ ٧٠٤).","vol":"3","page":1292},{"text":"١١٩٠ - حدثنا داود بن عمرو الضبي قال: حدثنا علي بن هاشم بن يزيد (^١) قال: قال صالح بن حيّ: \"الغل: اليد الواحدة المشدودة إلى العنق، والصَّفَد: اليدين جميعا إلى العنق\" (^٢).\n\n١١٩١ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا علي بن هاشم قال: قال الأعمش: \"الصفد: القيد، في قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ (^٣) القيود\" (^٤).\n\n١١٩٢ - حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن نعيم بن ميسرة، عن عيينة بن الغصن قال: قال الحسن: \"إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب، ولكنهم إذا طفا بهم اللهب أرسبهم (^٥)، ثم أَجْفَلَ الحسن مغشيا عليه\" (^٦).\n_________\n(^١) صوابه بن بريد كما في المخطوط، وهو الذي يروي عنه داود بن عمرو الضبي كما في ترجمته من تهذيب الكمال.\n(^٢) إسناده حسن؛ علي بن هاشم صدوق يتشيع التقريب (٤٨٤٤)، صفة النار (٤٧) رقم (٥١)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩٢) ونسبه للمصنف، وانظر فتح الباري (١٢/ ٤٠٩).\n(^٣) سورة إبراهيم، الآية (٤٩).\n(^٤) إسناده حسن؛ فيه علي بن هاشم وقد سبق قريبا، صفة النار (٤٧) رقم (٥٢)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥٥).\n(^٥) قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط (١/ ٤١٧): \"رسب. . . الشئُ في الماءِ يَرْسُب رُسُوبًا، ورَسُبَ ذهَبَ سُفلًا، ورَسَبَتْ عَيْناه غارَتَا، وفي حديث الحسن يَصِفُ أَهلَ النار: إِذا طَفَتْ بهم النارُ أَرْسَبَتْهُم الأَغْلالُ، أَي إِذا رفَعَتْهم وأَظْهَرَتْهُم حَطتهم الأَغْلالُ بثِقَلِها إِلى أَسْفَلِها\".\n(^٦) الأثر لين؛ مداره على عيينة بن الغصن؛ ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٨٤) =","vol":"3","page":1293},{"text":"١١٩٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا يحيى بن معين، عن يحيى بن ضريس، عن أبي سنان قال: \"تلا الحسن ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ (^١) قال: قيودا، ثم قال: \"أما وعزّته ما قيّدهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيّدهم لترسا بهم النار\" (^٢).\n\n١١٩٤ - حدثني أبي قال: أخبرنا عبد العزيز القرشي، عن سفيان، عن نسير، عن نوف الشامي (^٣) في قوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ (^٤) قال: \"الذراع سبعون باعا، والباع من هاهنا إلى مكة -وهو\n_________\n= (٧/ ٣٠١)، ولم يذكر فيه البخاري (٧/ ٧٣)، وابن أبي حاتم (٧/ ٣١) جرحا ولا تعديلا، صفة النار (٥٠) رقم (٥٧)، وعن بداية السند قال المحقق: \"تابع لآخر الورقة الثالثة. . . أحد الذين يروي عنهم المؤلف\" أي وهو مطموس، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (٧/ ٢٢٢٢)، وعبد اللَّه في زياداته على الزهد (٢٧٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢٦١).\n(^١) سورة المزمل، الآية (١٢).\n(^٢) إسناده حسن؛ أبو سنان هو يحيى بن سنان صدوق له أوهام التقريب (٢٣٤٥)، صفة النار (٥٠ - ٥١) رقم (٥٨)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩٣).\n(^٣) هو نَوْف بن فَضَالة البِكَالي، ابن امرأة كعب، شامي مستور، من صالحي أهل مصر، وإنما كذب ابن عباس ما رواه عن أهل الكتاب، مات بعد التسعين، الكاشف (١/ ١٢١)، التقريب (٧٢١٣).\n(^٤) سورة الحاقة، الآية (٣٢).","vol":"3","page":1294},{"text":"يومئذ في دار البريد بالكوفة-\" (^١).\n\n١١٩٥ - حدثنا ابن أبي شيبة قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ (^٢) قال: \"القيود الطوال\" (^٣).\n\n١١٩٦ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تميم قال: \"كنا عند أبي العوام (^٤)، فتلا هذه الآية ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ (^٥) فقال: \"ما تسعة عشر؟ تسعة عشر ألف ملك، أو تسعة عشر ملكا؟ قال: فقلت:\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ فيه عبد العزيز القرشي وقد سبق (٢٠٣) أنه ضعيف، والأثر صحيح فقد تابعه غير واحد من الثقات كما في مصادر التخريج، صفة النار (٥١) رقم (٥٩) ورقم (١٣٨) من طريق ابن المبارك بسند حسن، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٨٨)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣١٥)، وهناد في الزهد (١٨٠ - ١٨١) رقم (٢٦٩)، وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٤٩).\n(^٢) سورة الهمزة، الآية (٩).\n(^٣) إسناده صحيح، صفة النار (٥١ - ٥٢) رقم (٦٠)، ورقم (١٠٨)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق بدون إسناد- (١٠/ ٣٤٦٤)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٦٢٥) لابن أبي حاتم وابن المنذر، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٦١)، وذكره عن أبي صالح ابن كثير (٤/ ٥٤٩)، وابن الجوزي في زاد المسير (٩/ ٢٣٠).\n(^٤) هناك أكثر من واحد في هذه الطبقة يكنى أبو العوام، انظر الأسامي والكنى لأحمد (١/ ٩١ - ٩٢).\n(^٥) سورة المدثر، الآيات (٢٧ - ٣٠).","vol":"3","page":1295},{"text":"لا، بل تسعة عشر ملكا، قال: وأنى لك ذلك؟ قلت: لقول اللَّه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^١)، قال: صدقت، قال: فهم تسعة عشر ملكا، بيد كلّ ملَك مرزبّة من حديد لها شعبتان قال: فيضربهم الضربة فيهوي بها سبعين ألفا\" (^٢).\n\n١١٩٧ - حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا منصور بن عمار، عن بشير بن طلحة، عن خالد بن دُريك، عن يعلى بن مُنْيَة (^٣) قال: \"ينشئ اللَّه سحابة لأهل النار سوداء مظلمة فيقال: يا أهل النار، أيّ شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا، فيقولون: نسأل بارد الشراب، فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرا تلتهب النار عليهم\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة المدثر، الآية (٣١).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ مداره على الرجل من بني تميم، صفة النار (٥٢) رقم (٦١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٤٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٧) رقم (٣٤١٨٣)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (١/ ١٥٩) وانظر تعليقه عليه، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٣٣) لابن المبارك وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث.\n(^٣) هو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي، حليف قريش، وهو يعلى بن منية -وهي أمه-، صحابي مشهور مات سنة بضع وأربعين، الإصابة (٦/ ٦٨٥)، التقريب (٧٨٣٩).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه منصور بن عمار وقد سبق (١١٢٧)، صفة النار (٥٢ - ٥٣) رقم =","vol":"3","page":1296},{"text":"١١٩٨ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم (^١) في قول اللَّه -﷿-: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ (^٢) قال: \"يجعل لهم أوتاد في جهنم فيها سلاسل، فتقلى في أعناقهم، قال: فتزفرهم جهنم زفرة، فتذهب بهم مسيرة خمسمائة سنة، ثم تجيء بهم في يوم، فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ \" (^٣).\n_________\n= (٦٢)، وابن أبي حاتم -جمع المحقق- (١٠/ ٣٢٦٩)، وعنه ابن كثير (٤/ ٨٩)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٤٨) رقم (٤١٠٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٣٠٥) لابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه مرفوعا، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٠): \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من فيه ضعف قليل ومن لم أعرفه\"، وقال ابن رجب في التخويف من النار (٩٦): \"وخرجه ابن أبي الدنيا موقوفا لم رفعه\"، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٦) وقال: \"رواه الطبراني، وقد روي موقوفا عليه وهو أصح، ويعلى بن منية صحابي مشهور ومنية أمه، ويقال: جدته، وهي بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان وكثيرا ما ينسب إلى أبيه أمية\".\n(^١) هو أبو هاشم الرُّمَّانِي الواسطي، اسمه: يحيى بن دينار، وقيل: ابن الأسود، وقيل: ابن نافع، ثقة، مات سنة (١٢٢ هـ) وقيل غير ذلك، التقريب (٨٤٢٥).\n(^٢) سورة الحج، الآية (٤٧).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فإن الظاهر أن داود الضبي يروي عن خلف بن خليفة بعد اختلاطه فإن بين وفاتيهما قرابة خمسين سنة واللَّه أعلم، وخلف صدوق اختلط في الآخر التقريب (١٧٤١)، صفة النار (٥٤) رقم (٦٥)، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار (٩٥) للمصنف.","vol":"3","page":1297},{"text":"١١٩٩ - حدثنا [عبيد اللَّه بن عمر الجشمي (^١) قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ (^٢) قال: \"قيودا لا تُحلّ واللَّه أبدا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر مقامع النار، وسلاسلها، وأغلالها وأزمتها، فإنه يؤتى بها يوم القيامة ولها سبعون ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، حلقة السلسلة من سلاسل النار بمقدار حديد الدنيا، لو انقلب رجل من أهل النار بسلسلته لزالت الجبال، لكل واحد من أهلها ما يخصه من العذاب حتى إنه لمكتوب اسمه عليها، منهم المغلول في عنقه، والمقيد في رجله، والمسلسل في رقبته، ومنهم المصفد بيديه إلى عنقيه، فما بالك بمن يجمع له كل ذلك، ليس عجزا منه سبحانه فعل ذلك، ولكن ليزيدهم عذابا فوق العذاب الأليم، فإذا طفا بهم اللهب أرسبتهم القيود\n_________\n(^١) قال المحقق محمد خير: \"آخر الوجه الأول من الورقة الرابعة. . . طمست فيه كلمات من الفقرة السابقة، وراويان من سند هذه الفقرة\" ثم ذكر سند أبي نعيم في الحلية، قلت: المطموس ليس راويان وإنما هو راو واحد، وليس مطموسا، بل كلمة: (بن عمر الجشمي) واضحة جدا، وإنما (عبيد اللَّه) تحتاج إلى تأمل.\n(^٢) سورة المزمل، الآية (١٢).\n(^٣) إسناده حسن؛ جعفر بن سليمان صدوق زاهد لكنه كان يتشيع، التقريب (٩٥٠)، صفة النار (٥٤ - ٥٥) رقم (٦٦)، وعبد الرزاق في التفسير (٣/ ٣٢٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣١٠)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣١٩) لعبد بن حميد.","vol":"3","page":1298},{"text":"والأغلال وغيرها، وقد عقد ابن رجب بابا في ذكر سلالها وأغلالها وأنكالها، وقال: \"هذه ثلاثة أنواع:\nأحدها: الأغلال وهي في الأعناق. . .\nالنوع الثاني: الأنكال وهي القيود. . . وسميت القيود أنكالا لأنه ينكل بها أي يمنع. . .\nالنوع الثالث: السلاسل\" (^١).\n_________\n(^١) التخويف من النار (١٢٧) وذكر ﵀ في كل نوع ما جاء فيه من النصوص والآثار، وانظر التذكرة للقرطبي (٤٦٥)، والترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٦).","vol":"3","page":1299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>المبحث الخامس: الآثار الواردة في شراب أهلها وطعامهم</span>.\n\n١٢٠٠ - حدثنا عبد اللَّه بن عون الخرّاز قال: حدثنا عمار بن محمد، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ قال: \"ما يقطع من جلودهم\" (^١).\n\n١٢٠١ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا الحسن بن علي بن مسلم، عن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن أبي يحيى عطية الكلاعي، أن كعبا كان يقول: \"هل تدرون ما ﴿وَغَسَّاقٌ﴾؟ قالوا: لا، قال: عين في جهنم يسيل إليها حُمَة كل ذات حمة من حيّة أو عقرب أو غير ذلك، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي فيغمس فيه غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده عن العظام، وتعلّق جلده ولحمه في كعبيه، فيجرّ لحمه كما يجرّ الرجل ثوبه\" (^٢).\n\n١٢٠٢ - حدثني إبراهيم بن راشد قال: حدثني جعفر بن جسر قال: حدثني أبي، عن الحسن: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ قال\n_________\n(^١) إسناده لين؛ عمار بن محمد صدوق يخطئ وكان عابدا التقريب (٤٨٦٦)، صفة النار (٦٩) رقم (٩٠)، والمشهور عنه في تفسير هذه الآية أن الغساق هو البارد الذي لا يستطاع من برده، انظر تفسير ابن جرير (٢٣/ ١٧٧).\n(^٢) إسناده حسن؛ فإن إسماعيل بن عياش يروي عن صفوان بن عمرو وهو بلديه، صفة النار (٦٩) رقم (٩١)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٧٧)، ونسبه إليه السيوطي في الدر (٧/ ٢٠٠) لابن جرير، ونسبه ابن كثير في التفسير (٤/ ٤٣) لابن أبي حاتم.","vol":"3","page":1300},{"text":"الحسن: البرد النوم، ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ (^١)، قال الحسن: شرابان في النار، يقال لأحدهما: حميم، والآخر: غساق، قال: والحقب الواحد ثمانون ألف سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، وكل يوم ﴿عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n١٢٠٣ - حدثنا الحسين بن علي العجلي قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي قال: حدثنا أسباط الهمداني، عن السُّدِّي (^٤) ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾ (^٥) قال: \"إذا سال من جلودهم سال حتى يسيل منه القيح\n_________\n(^١) سورة النبأ، الآية (٢٤ - ٢٥).\n(^٢) سورة الحج، الآية (٤٧).\n(^٣) إسناده ضعيف، جعفر بن جسر وأبوه متكلم فيهما، جعفر ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ١٧٠)، وأبوه سبق (٥١٥) أنه ضعيف، صفة النار (١٢٢) رقم (١٨٧)، وسيأتي (١٢٥٦) تخريج الشطر الأخير منه في تفسير الحقب، وفيه أن الحقب سبعون ألف سنة، أما ما يتعلق بتفسير البرد بالنوم فلم أجده عند أحد، وقد قال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٦٥) بعد نقله هذا القول من ابن جرير: \"ولم يعزه إلى أحد، وقد رواه بن أبي حاتم من طريق السدي عن مرة الطيب، ونقله عن مجاهد أيضًا، وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضًا\".\n(^٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدِّي، أبو محمد الكوفي، صدوق يهم، ورمي بالتشيع، مات سنة (١٢٧ هـ)، التقريب (٤٦٣).\n(^٥) سورة إبراهيم، من الآية (١٦).","vol":"3","page":1301},{"text":"والدم، ثم يكلّف شربه، فلا يكاد يسيغه\" (^١).\n\n١٢٠٤ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا عمرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة: \" ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾ (^٢) قال: \"ماء يسيل من لحمه وجلده\" (^٣).\n\n١٢٠٥ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب قال: حدثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿غِسْلِينٍ﴾ (^٤) قال: هو الضريع، شجرة يأكل منها أهل النار\" (^٥).\n\n١٢٠٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا أبو عاصم، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ (^٦) قال: \"الشوك،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ أسباط هو ابن نصر الهمداني صدوق كثير الخطأ يغرب، التقريب (٣٢٣)، صفة النار (١١٥) رقم (١٧١).\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية (١٦).\n(^٣) إسناده حسن؛ عمرو بن حمران صالح الحديث كما في الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٧)، صفة النار (٦٧) رقم (٨٧)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٤١)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٩٥).\n(^٤) سورة الحاقة، بعض الآية (٣٦).\n(^٥) إسناده ضعيف جدا؛ فيه جويبر وقد سبق (٤٠١)، صفة النار (٦٣ - ٦٤) رقم (٨١)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٢٧٥) لابن المنذر مختصرا دون ذكر الضريع، وذكر ابن رجب في التخويف من النار (١٠٩) أنه روي مثله عن الضحاك، والبغوي في تفسيره (٤/ ٣٩٠)، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ٣٥٤).\n(^٦) سورة المزمل، بعض الآية (١٣).","vol":"3","page":1302},{"text":"يأخذ بالحلق، لا يدخل ولا يخرج\" (^١).\n\n١٢٠٧ - حدثنا فضيل قال: حدثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ قال: \"شجرة في أسفل سقر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر شراب أهل النار، فشرابهم الغساق تقطع به جلودهم، والآخر الحميم، والصديد الذي يسيل من جلودهم فيه الدم والقيح فلا يستسيغونه، قال صديق حسن خان: \"باب ما جاء في طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم، تقدم في باب الآيات من ذلك ما يشفي ويكفى، وفيها أن. . . طعامهم الزقوم والحميم والغسّاق والضّريع والغِسلين، قال الهروي: معناه صديد أهل النار، وما يتغسل ويسيل من أبدانهم، والغساق ما\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ لإبهام شيخ أبي عاصم، وقد صرح به ابن جرير والحاكم وبه استدرك الذهبي عليه وهو شبيب بن شيبة، صفة النار (٦٤ - ٦٥) رقم (٨٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٦) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وتعقبه الذهبي بقوله: \"شبيب ضعفوه\"، وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ١٣٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣١٩) لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وعبد اللَّه في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي في البعث.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه جويبر وقد سبق (٤٠١)، صفة النار (٦٤) رقم (٨٢)، وقد روي من طريق الضحاك عن ابن عباس -﵁- نسبه السيوطي في الدر لابن المنذر (٨/ ٣٣٢)، وانظر تفسير ابن جرير (١/ ٣٨١)، والتخويف من النار (٥٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ١٥٦).","vol":"3","page":1303},{"text":"يسيل من صديدهم، وقيل القيح الغليظ\" (^١)، وقال ابن رجب: \"هذه أربعة أنواع ذكرناها من شرابهم وقد ذكرها اللَّه في كتابه:\nالنوع الأول: الحميم. . .، النوع الثاني: الغساق، . . . النوع الثالث: الصديد. . . النوع الرابع: الماء الذي كالمهل\"، وذكر تفسيرا مطولا عن السلف لكل نوع، ثم أعقبه ﵀ بفصل في تنغص السلف على طعامهم عند ذكر طعام أهل النار، وقال: \"وكان كثير من الخائفين من السلف ينغص عليهم ذكر طعام أهل النار وشرابهم طعام الدنيا وشرابها، حتى يمتنعوا من تناوله أحيانا لذلك\" (^٢).\nأما طعامهم فهو الضريع والزقوم والغسلين، طعاما ذا غصة، يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج بسبب الشوك الذي فيه، قال صديق حسن خان: \"واختلف في الضريع؛ فقيل: هو نبت ينبت في الربيع، وقيل: هو الشوك، وقيل: الحجارة، وقيل: الزقوم، وقيل: واد في جهنم، قال القرطبي: قال المفسرون: الزقوم أصلها في الباب السادس، وأنها تحيى بلهب النار، كما تحيى الشجرة ببرد الماء، فلا بد لأهل النار من أن ينحدر إليه من كان فوقه فيأكلون منه\" (^٣).\n_________\n(^١) يقظة أولي الاعتبار (١٦٧)، وانظر التخويف من النار لابن رجب (١٤٥).\n(^٢) التخويف من النار (١٤٥).\n(^٣) يقظة أولي الاعتبار (١٦٧)، وانظر التذكرة للقرطبي (٤٨٦).","vol":"3","page":1304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>المبحث السادس: الآثار الواردة في حيّاتها وعقاربها</span>.\n\n١٢٠٨ - حدثنا خلف بن هشام قال: حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرَّة، عن مسروق، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (^١) قال: \"عقارب أنيابها كالنخل الطوال\" (^٢).\n\n١٢٠٩ - حدثنا أبو خيثمة قال: دثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان قال: حدثني غير واحد عن السدي، عن مرة، عن عبد اللَّه: ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (^٣) قال: \"أفاعي\" (^٤).\n\n١٢١٠ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي قال: حدثنا محمد بن\n_________\n(^١) سورة النحل، بعض الآية (٨٨).\n(^٢) إسناده لين؛ أبو شهاب سبق (١٢٢) أنه صدوق يهم، والأثر صحيح فقد تابعه سفيان وشعبة وغيرهما، صفة النار (٧١) رقم (٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٩٣ - ٤٩٤) وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٩) رقم (٩١٠٣)، وأبو يعلى في مسنده (٥/ ٦٥) رقم (٢٦٥٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٤٨): \"رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح\"، وانظر التخويف من النار (١٠٣).\n(^٣) سورة الأعراف، بعض الآية (٣٨).\n(^٤) إسناده ضعيف؛ لإبهام شيوخ سفيان، لكنه رواه عن السدي نفسه كما في طريق الطبراني وابن جرير، صفة النار (٧١) رقم (٩٤)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ١٧٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٦) رقم (٩١٠٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠٠): \"رجاله رجال الصحيح\".","vol":"3","page":1305},{"text":"عثمان أبو الجماهر، عن إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام قال: حدثني الحجاج بن عبد اللَّه الثمالي -وكان قد رأى النبي -ﷺ- وحج معه حجة الوداع- أن سفيان بن مجيب (^١) حدّثه -وكان من أصحاب النبي -ﷺ- وقدمائهم-: \"أن في جهنم سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف شِق، في كل شِق سبعون ألف ثعبان، في شِدق كل ثعبان سبعون ألف عقرب، لا ينتهى الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله\" (^٢).\n\n١٢١١ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا محمد بن عثمان، عن إسماعيل بن عياش، عن فلان بن حيان قال: سمعت شهر بن حوشب\n_________\n(^١) وقيل اسمه: نفير، انظر الإصابة (٣/ ١٢٨)، والإكمال (٧/ ١٦٥).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه سعيد بن يوسف وهو الرحبي ضعيف التقريب (٢٤٣٨)، صفة النار (٧٣ - ٧٤) رقم (٩٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٢٤)، وعنه الذهبي في الميزان (٢/ ١٦٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٤٥٤) وقال: \"قال الحافظ: سعيد بن يوسف وهو اليمامي الحمصي الرحبي ضعفه يحيى بن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن أبي حاتم: ليس بالمشهور، ولا أرى حديثه منكرا، كذا قال فأورد عليه هذا الحديث لظهور نكارته واللَّه أعلم\"، وابن رجب في التخويف من النار (٩١) ونقل عن ابن عبد البر قوله: \"قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث منكر لا يصح\" وانظر في الاستيعاب (٤/ ١٥١٠) فيه أنه حديث مرفوع ولم أقف عليه كذلك.","vol":"3","page":1306},{"text":"يقول: \"إن في جهنم لواديا يقال له غسّاق، فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا، في كل شعب ثلاثون وثلاثمائة قصر، في كل قصر ثلاثون وثلاثمائة بيت، في كل بيت أربع زوايا، في كل زاوية شجاع، في رأس كل شجاع ثلاثون وثلاثمائة عقرب، في رأس كل عقرب ثلاثون وثلاثمائة قلّة سم، لو أن عقربا منها نضحت أهل الدنيا لأوسعتهم\" (^١).\n\n١٢١٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: \"إن لجهنم جِباب (^٢) حيّاتٍ كأمثال أعناق البخت (^٣)، وعقارب كأمثال البغال الدَّلَم (^٤)، قال: فيهرب أهل جهنم من تلك الحيات، فتأخذ تلك الحيات والعقارب بشفاهم، فتكشط ما بين الشعر إلى الظفر، قال: فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر حيات وعقارب أهل النار، فهى حيَّات\n_________\n(^١) إسناده لين، فيه شيخ إسماعيل بن عياش لم أعرفه، وفي الحلية أنه سليمان أو سليم ولم أجده، وفيه شهر بن حوشب وقد سبق (٤٠٢)، صفة النار (٧٤ - ٧٥) رقم (٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٤)، وذكره العيني في عمدة القاري (١٩/ ٢٧٦).\n(^٢) أبيار، جمع جب، مختار الصحاح (١١٩).\n(^٣) الإبل الخراسانية، القاموس المحيط (١/ ١٨٨).\n(^٤) شديد السواد في ملوسة، القاموس المحيط (١/ ١٤٣١).\n(^٥) إسناده صحيح، صفة النار (٧٥) رقم (٩٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥١) رقم (٣٤١٤٢)، وهناد في الزهد (١/ ١٧٨) رقم (٢٥٩).","vol":"3","page":1307},{"text":"عظيمة، منها العقارب طول أنيابها كالنخل، ومنها الأفاعي، منتشرة في وديانها وشعابها وديارها وبيوتها وجوانبها، وقد عقد ابن رجب في كتابه التخويف من النار بابا في ذكر حياتها وعقاربها (^١)، وذكر القرطبي أن هذه الحيات والعقارب موجودة في الباب السادس من أبواب جهنم واللَّه أعلم (^٢).\n_________\n(^١) انظر (١٤١)، وكذا المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٨).\n(^٢) انظر التذكرة (٤٤٨).","vol":"3","page":1308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>المبحث السابع: الآثار الواردة في ذكر بعض أنواع العذاب</span>.\n\n١٢١٣ - حدثني علي بن الحسن، عن الصلت بن حكيم قال: حدثت عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: \"بلغني أن اللَّه إذا قال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١) عادت وجوههم قطع لحم ليس فيها أفواه ولا مناخير، يتردّد النفس في أجوافهم، لا تجد إلى الخروج مساغا\" (^٢).\n\n١٢١٤ - حدثني محمد بن أبي معشر، عن أبيه، عن أبي جعفر القارئ قال: حدثني زيد بن أسلم: \"إن أهل النار لا يتنفّسون، ثم بكى\" (^٣).\n\n١٢١٥ - حدثني إبراهيم بن سعيد، عن عبيد اللَّه بن موسى قال:\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، من الآية (١٠٨).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه الصلت بن حكيم مجهول، انظر لسان الميزان (٣/ ١٩٤)، وفيه إبهام شيخه، وقد سبق -عند المصنف- بإسناد ضعيف جدا رقم (٩٦) عن عبد العزيز يبلغ به حذيفة وفيه منصور بن عمار وقد سبق (١١٢٧)، صفة النار (١٥٧) رقم (٢٥٢)، وسبق أن الذي بلغة عنه ذلك هو حذيفة -﵁- مرفوعا في فقرة رقم (٩٦).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه أبو معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف، أسن واختلط، التقريب (٧١٥٠)، صفة النار (١٠٥ - ١٠٦) رقم (١٥٨)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٣٥٩) وفيهما قصة بكاء أبي جعفر في جنازة، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار للجوزجاني (٦٥٤)، وانظر لزاما عمدة القاري (١٥/ ١٨٣) فقل ذكر هذا القول عن أبي هاشم حيث جوز الحياة بدون تنفس.","vol":"3","page":1309},{"text":"أخبرنا أبو ليلى، عن مقاتل بن حيّان قال: \"إن أهل النار لا يخرج لهم نفس، إنما تردّد أنفاسهم في أجوافهم\" (^١).\n\n١٢١٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: \"يستعيذ أهل النار من الحر، فيغاثون بريح بارد يصدع العظم بردها، فيسألون الحر\" (^٢).\n\n١٢١٧ - حدثنا علي بن مسلم قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي: سمعت الأعمش يحدث عن مجاهد: \"إن في النار لزمهريرا يعذّبون به، فيهربون منها إلى ذاك الزمهرير، فإذا وقعوا حطّم عظامهم حتى تسمع لها نقيضا\" (^٣).\n\n١٢١٨ - حدثني إبراهيم بن موسى المؤدب قال: أخبرنا معمر بن سليمان الرقي، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن\n_________\n(^١) إسناده فيه أبو ليلى لم أعرفه، صفة النار (١٠٦) رقم (١٥٩)، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٤٠) قولا لسعيد بن جبير ولم يذكره عن غيره، وذكره ابن رجب قولا لبعض السلف في التخويف من النار (٦٢)، وسبق عند المصنف من حديث حذيفة مرفوعا برقم (٩٦) وهو ضعيف.\n(^٢) إسناده لين؛ قابوس فيه لين التقريب (٥٤٨٠)، وله ما يشهد له، فيكون حسنا لغيره، صفة النار (١٠٠ - ١٠١) رقم (١٥٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٧١).\n(^٣) إسناده صحيح، صفة النار (٧٦) رقم (١٠٢)، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار (٧١) للمصنف.","vol":"3","page":1310},{"text":"المنهال بن عمرو، عن سويد بن غَفَلَة (^١) قال: \"إذا أراد اللَّه أن ينسى أهل النار، تبرّأ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا، ثم جُعل كل رجل في تابوت من نار قدر قامته، فما ينبض منه عرق إلا فيه مسمار من نار، ثم يقفل عليه بأقفال من نار، ثم يجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، وتقفل عليه بأقفال من نار، ويضرب ما بينهما بالنار، ثم يجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ويقفل عليه بأقفال من نار، ويضرب ما بينهما بالنار، ثم يرمى به في جهنم، فما منهم أحد إلا يرى أنه ليس في جهنم أحد غيره، ثم قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) هو سويد بن غَفَلَة، أبو أمية الجعفي، مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن النبي -ﷺ-، وكان مسلما في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة (٨٠ هـ)، وله مائة وثلاثون سنة، التقريب (٢٦٩٥).\n(^٢) سورة الزمر، بعض الآية (١٦).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فيه يزيد بن عبد الرحمن وهو أبو خالد الدالاني صدوق يخطئ كثيرا التقريب (٨١٣٢)، صفة النار (١٠٦ - ١٠٧) رقم (١٦١)، قلت: وإسناده مضطرب فعند المصنف عن المنهال عن سويد، وعند ابن أبي شيبة المنهال عن خيثمة عن سويد، وعند البيهقي كما نبه ابن رجب المنهال عن نعيم عن سويد، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢١٠) رقم (٣٥٤١٤)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٧٦)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٦٩) وقال: \"رواه البيهقي بإسناد حسن موقوفا، ورواه أيضا بنحوه من حديث ابن مسعود بإسناد منقطع\"، وانظر التخويف من النار (١٣٩).","vol":"3","page":1311},{"text":"١٢١٩ - حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن يونس بن خبّاب قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: \"إذا بقى في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، فما يرى أحدهم أنه يعذّب في النار غيره، ثم قرأَ عبد اللَّه لهم: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ (^١) \" (^٢).\n\n١٢٢٠ - حدثني علي بن الحسن، عن محمد بن جعفر المدائني قال: حدثنا بكر بن خنيس، عن أبي سلمة الثقفي، عن وهب بن منبه قال: \"إن أهل النار الذين هم أهلها، فهم في النار لا يهدؤون ولا ينامون ولا يموتون، يمشون على النار، ويجلسون على النار، ويشربون صديد أهل\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية (١٠٠).\n(^٢) إسناده لين؛ فيه يونس بن حيان وهو صدوق يخطئ ورمي بالرفض التقريب (٧٩٦٠)، والمسعودي اختلط كما سبق (١٠٥٨)، وسماع يزيد بن هارون منه بعد الاختلاط انظر المختلطين للعلائي (٧٣) أصلا وهامشا، صفة النار (٧٧) رقم (١٠٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٠٠)، وهناد في الزهد (١/ ١٦١) رقم (٢٢٣)، وابن جرير في تفسيره (٥/ ٣٣٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ١٠٩٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٨) رقم (٩٠١٥)، من طرق عن سلمة بن كهيل عن خيثمة عن ابن مسعود -﵁-، وخيثمة لم يسمع من ابن مسعود شيئًا كما في تحفة التحصيل (٩٨).","vol":"3","page":1312},{"text":"النار، ويأكلون من زقّوم النار، لحفهم نار، وفرشهم نار، وقمصهم نار وقطران، ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ (^١)، قال: وجُمع أهل النار في سلاسل بأيدي الخزنة أطرافها، يجذبونهم مقبلين ومدبرين، فيسيل صديدهم إلى حفر في النار، فذلك شرابهم، قال: ثم بكى وهب بن منبّه حتى سقط مغشيا عليه، قال: وغلب بكر بن خنيس البكاء حتى قام، ولم يقدر أن يتكلم، وبكى محمد بكاء شديدا\" (^٢).\n\n١٢٢١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: \"يلقى على أهل النار الجرب، فيحتكّون حتى تبدو العظام، فيقولون: ربنا بم أصابنا هذا؟ قال: بأذاكم المؤمنين\" (^٣).\n\n١٢٢٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل (^٤) أو غيره: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (^٥) قال: \"لفحتهم لفحة ما أبقت لحما علي عظم إلا ألقته على أعقابهم\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، بعض الآية (٥٠).\n(^٢) إسناده لين؛ أبو سلمة الثقفي لم أعرفه، صفة النار (٨٧ - ٨٨) رقم (١٢٣)، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار (١٢٠) إلى المصنف.\n(^٣) إسناده صحيح، صفة النار (٨٨) رقم (١٢٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٢) رقم (٣٤١٤٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٦/ ٦٥٧) لابن أبي حاتم.\n(^٤) هو عبد اللَّه بن أبي الهذيل، ثقة، مات في ولاية خالد القسري على العراق، التقريب (٣٦٧٩).\n(^٥) سورة المؤمنون، من الآية (١٠٤).\n(^٦) إسناده صحيح، وسفيان هو ابن عيينة كما صرح ابن أبي شيبة، وأبو سنان هو =","vol":"3","page":1313},{"text":"١٢٢٣ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن ثابت بن يزيد، عن عاصم، عن أبي منصور مولى سليم، أن ابن عباس قال: \" ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾ (^١) قال: \"فيسلخ كل شيء عليهم، من جلد ولحم عِرق، حتى يصير في عقبه، حتى إن لحمه قدر طوله، وطوله ستون ذراعا، ثم يكسى جلدا آخر، ثم يسجر في الحميم\" (^٢).\n\n١٢٢٤ - حدثنا محمد بن عباد المكي قال: سمعت فضيل بن عياض سئل عن قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (^٣) فقال: هشام عن الحسن: \"تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا، فيعودون كما كانوا\" (^٤).\n_________\n= ضرار بن مرة ثقة ثبت، التقريب (٣٠٠٠)، صفة النار (٨٠ - ٨١) رقم (١١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٨) رقم (٣٤١٢١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦٠).\n(^١) سورة غافر، بعض من الآيتين (٧١ - ٧٢).\n(^٢) إسناده لين، أبو منصور مولى سليم لم أجده إلا عند ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٤٤٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، صفة النار (٨١) رقم (١١١)، وكذا الذهبي في المقتنى (٢/ ٩٩)، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار (١٣٧) إلى ابن أبي حاتم عن ثابت به، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٣٠٦) للمصنف في هذا الكتاب.\n(^٣) سورة النساء، بعض الآية (٥٦).\n(^٤) إسناده لين؛ فيه هشام وهو ابن حسان وقد سبق (٢٧٩)، صفة النار (٨٣) رقم =","vol":"3","page":1314},{"text":"١٢٢٥ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن هشام، عن الحسن: في قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ قال: \"بلغنا أنه ينضج لأهل النار كل يوم سبعون ألف جلد\" (^١).\n\n١٢٢٦ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ قال: \"مثل الرأس النضيج\" (^٢).\n\n١٢٢٧ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: \"ككلوح الرأس المشيط، قد بدت أسنانهم، وتقلّصت شفاههم\" (^٣).\n_________\n= (١١٦)، ورقم (٢٦٢)، وعبد اللَّه في زوائد الزهد (٢٦٩)، والبيهقي في البعث كما في شعب الإيمان (١/ ٣٥٢)، والذهبي في السير (٨/ ٤٤٧).\n(^١) إسناده لين؛ هشام وهو ابن حسان متكلم في روايته عن الحسن كما سبق (٢٧٩)، صفة النار (٨٣) رقم (١١٧) ورقم (٢٤٥) مختصرا، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٢٩) عن رجل عن الحسن، وابن جرير في تفسيره (٥/ ١٤٢) عن هشام به.\n(^٢) إسناده لين؛ والأثر حسن، مداره على رواية إسرائيل عن أبي إسحاق وهي بعد اختلاطه كما سبق (٤٠٩)، لكن تابعه سفيان كما سيأتي في الأثر الذي بعده، صفة النار (٨٢) رقم (١١٣)، وهناد في الزهد (١/ ١٩٠) رقم (٣٠٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٥) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(^٣) الأثر حسن كما سبق في الذي قبله، صفة النار (٨٢) رقم (١١٤)، مثل سابقه فيه زيادة توضيح للسياق فقط، وفيه متابعة سفيان لإسرائيل في الرواية عن أبي إسحاق.","vol":"3","page":1315},{"text":"١٢٢٨ - حدثنا أبو خيثمة قال: دثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان قال: حدثني غير واحد عن السدي، عن مرة، عن عبد اللَّه: ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (^١) قال: \"أفاعى\" (^٢).\n\n١٢٢٩ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي قال: حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر، عن إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام قال: حدثني الحجاج بن عبد اللَّه الثمالي -وكان قد رأى النبي -ﷺ- وحج معه حجة الوداع- أن سفيان بن مجيب حدّثه -وكان من أصحاب النبي -ﷺ- وقدمائهم-: \"أن في جهنم سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف شِق، في كل شِق سبعون ألف ثعبان، في شِدق كل ثعبان سبعون ألف عقرب، لا ينتهى الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله\" (^٣).\n\n١٢٣٠ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا محمد بن عثمان، عن إسماعيل بن عياش، عن فلان بن حيان قال: سمعت شهر بن حوشب\n_________\n(^١) سورة الأعراف، بعض الآية (٣٨).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة شيوخ سفيان، لكنه رواه عن السدي نفسه كما في طريق الطبراني وابن جرير، صفة النار (٧١) رقم (٩٤)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ١٧٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٦) رقم (٩١٠٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠٠): \"رجاله رجال الصحيح\".\n(^٣) سبق (١٢١٠) الأثر مخرجا.","vol":"3","page":1316},{"text":"يقول: \"إن في جهنم لواديا يقال له غسّاق، فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا، في كل شعب ثلاثون وثلاثمائة قصر، في كل قصر ثلاثون وثلاثمائة بيت، في كل بيت أربع زوايا، في كل زاوية شجاع، في رأس كل شجاع ثلاثون وثلاثمائة عقرب، في رأس كل عقرب ثلاثون وثلاثمائة قلّة سم، لو أن عقربا منها نضحت أهل الدنيا لأوسعتهم\" (^١).\n\n١٢٣١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: \"إن لجهنم جِباب حيّاتٍ كأمثال أعناق البخت، وعقارب كأمثال البغال الدَّلَم، قال: فيهرب أهل جهنم من تلك الحيات، فتأخذ تلك الحيات والعقارب بشفاهم، فتكشط ما بين الشعر إلى الظفر، قال: فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار\" (^٢).\n\n١٢٣٢ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان: في قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: \"بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه\" (^٣).\n\n١٢٣٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: \"لو أن دلوًا من\n_________\n(^١) سبق (١٢١١) الأثر مخرجا.\n(^٢) سبق (١٢١٢) الأثر مخرجا.\n(^٣) إسناده صحيح، صفة النار (٥٨) رقم (٧٢)، وابن المبارك في الزهد (٨٤)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣١٥).","vol":"3","page":1317},{"text":"غسّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا\" (^١).\n\n١٢٣٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: \"لو أن قطرة من زقّوم جهنم أنزلت إلى الدنيا لأفسدت على الناس معايشهم\" (^٢).\n\n١٢٣٥ - حدثنا ابن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن قال: \"لو أن دلوا من صديد جهنم صُبّ في الأرض ما بقى أحدٌ على وجه الأرض إلا مات\" (^٣).\n\n١٢٣٦ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا محمد بن حميد، عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير قال: \"إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقّوم، فأكلوا منها، فاختُلست جلود وجوههم، فلو أن مارًّا يمرّ بهم لعرف جلود وجوههم\n_________\n(^١) إسناده لين؛ فيه أبو يحيى وهو القتات، لين الحديث التقريب (٨٥١٢)، صفة النار (٦٢ - ٦٣) رقم (٧٨)، ولم أجده عن ابن عباس إلا عند المصنف.\n(^٢) إسناده لين؛ فيه القتات وقد سبق قريبا، صفة النار (٦٣) رقم (٧٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٢) رقم (٣٤١٤٤)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١١) (٢٥/ ١٣١)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٤٦٠)، ويروى عن ابن عباس مرفوعا.\n(^٣) إسناده ضعيف؛ فالذي يروي عن الحسن ويروي عنه حماد ممن اسمه هشام اثنان هما: هشام بن حسان القردوسي، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال لأنه قيل: كان يرسل عنهما، التقريب (٧٣٣٩)، وهشام بن زياد وهو متروك، التقريب (٧٣٤٢)، صفة النار (٦٣) رقم (٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٢) رقم (٣٤١٤٥)، ونسبه إليه السيوطي في الدر (٥/ ١٥).","vol":"3","page":1318},{"text":"فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حرُّه، فإذا أدنى من أفواههم انشوى من حرِّه لحمُ وجوههم التي سقطت عنها الجلود، و﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (^١)، فيمشون تسيل أمعاؤهم، وتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، ويسقط كل عضو على حياله، يدعون بالثُّبور\" (^٢).\n\n١٢٣٧ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا الحسن بن علي بن مسلم، عن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن أبي المثنى الأملوكي (^٣) قال: \"إن في النار أقواما يُربطون بنواعير من نار، تدور بهم تلك النواعير، ما لهم فيها راحة ولا فترة\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية (٢٠).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، ابن حميد سبق (١١٤٤) أنه ضعيف، لكن تابعه عمرو ابن رافع عند ابن أبي حاتم وهو ثقة ثبت التقريب (٥٠٦٣)، أما يعقوب القمي فإنه صدوق يهم، التقريب (٧٨٧٦)، لكن ذكر ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٤٥) أنه كان راويا لجعفر بن أبي المغيرة، ووثقه الطبراني كما في لسان الميزان (٧/ ٤٤٥)، صفة النار (٥٦) رقم (٦٨)، وابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤١) (١٧/ ١٣٥)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٢١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٦/ ٢١) لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبي نعيم.\n(^٣) هو ضمضم أبو المثنى الأملوكي الحمصي، وثقه العجلي، التقريب (٢٤٤٨).\n(^٤) إسناده حسن؛ فإن صفوان بن عمرو حمصي، ولذلك فإن رواية إسماعيل بن عياش عنه مستقيمة لأنه بلديه، صفة النار (٤٦) رقم (٤٨)، وذكره ابن رجب في =","vol":"3","page":1319},{"text":"١٢٣٨ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه (^١) قال: \"إن في جهنم لآبارا من ألقي فيها تردّى سبعين عاما قبل أن يبلغ القرار، ثم نزع بهذه الآية: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n١٢٣٩ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن السدّي قال: \" ﴿الْفَلَقِ﴾: جُبُّ جهنم\" (^٤).\n_________\n= التخويف من النار (١٣٨)، والقرطبي في التذكرة (٤٦٨) وكان قد أورد قبله أثرا عن أبي هريرة في علماء السوء الذين تدور بهم أرجاء في جهنم ثم قال: \"وهذا مرفوع معناه في صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد -﵁-\"، وصديق حسن خان في يقظة أولي الاعتبار (١٥٢)، قلت: الحديث المشار إليه هو في الذي تدور أقتابه في النار، البخاري رقم (٣٠٩٤)، ومسلم (٢٩٨٩).\n(^١) هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني، الدمشقي القاضي، صدوق ربما وهم، مات سنة (١٣٠ هـ) أو بعدها، وله أكثر من سبعين سنة، التقريب (٧٧٤٨).\n(^٢) سورة الجاثية، الآية (٣٤).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ خالد بن يزيد بن أبي مالك ضعيف مع كونه كان فقيها، وقد اتهمه ابن معين التقريب (١٦٩٨)، صفة النار (٤٦) رقم (٤٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٣/ ٤٧٠) لابن أبي حاتم، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٨٨) ونسبه للمصنف.\n(^٤) إسناده صحيح، صفة النار (٤٣) رقم (٤١)، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٤) وفيه جهالة الراوي عن السدي لأنه لم يسمه، وكذا ذكره ابن رجب عن ابن أبي حاتم في التخويف من النار (٨٧) من طريق السدي =","vol":"3","page":1320},{"text":"١٢٤٠ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه ابن الزبير الأسدي قال: حدثنا مالك بن مغول، عن أبي يحيى بيّاع القتِّ، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: \"ضرس الكافر مثل جَبَلَة، ثم قال: تدري ما جبلة؟ قلت: لا، قال: جبلٌ باليمن، هل رأيت أُحُدا، قلت: نعم، قال: هو مثله، إنه ليسيل منه القيح والدم ما يجري به الأودية، يده مغلولة إلى حلقه إلى آخر يوم من الأبد\" (^١).\n\n١٢٤١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عجلان، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن كعب قال: \" ﴿الْفَلَقِ﴾ (^٢): بيت في النار، إذا فتح صاح منه جميع أهل النار (من شدّة حره) \" (^٣).\n_________\n= عن زيد بن علي عن آبائه أنهم، ونسبه إليه السيوطي في الدر (٨/ ٦٨٨)، وقال ابن كثير: \"وكذا روي عن عمرو بن عنبسة وابن عباس والسدي وغيرهم وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر\".\n(^١) إسناده لين؛ فيه أبو يحيى القتات لين الحديث التقريب (٨٥١٢)، صفة النار (٣٠) رقم (٢٣)، والأثر مروي من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن ابن عمر مرفوعا عند ابن أبي شيبة (٧/ ٥٣).\n(^٢) سورة الفلق، بعض الآية الأولى.\n(^٣) إسناده ضعيف؛ مداره على ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، صفة النار (٤٢ - ٤٣) رقم (٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١، ٤٣) وفيه قصة، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٧٤)، وابن رجب في التخويف من النار (٨٧)، ورجح ابن كثير أنه =","vol":"3","page":1321},{"text":"١٢٤٢ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش عن مجاهد قال: \"إن أهون أهل النار عذابا رجل له نعلان وشراكان من نار، أضراسه جمر، ومسامعه جمر، وأشفار عينيه من لهب النار، تخرج أحشاؤه من قدميه، وسائرهم كالحَبِّ القليل في الماء الكثير وهي تفور\" (^١).\n_________\n= فلق الصبح وقال في تفسيره (٤/ ٥٧٤): \"قال ابن جرير: والصواب القول الأول: إنه فلق الصبح، وهذا هو الصحيح وهو اختيار البخاري في صحيحه رحمه اللَّه تعالى\"، قلت: لعل ابن كثير ﵀ نقل كلام ابن جرير بمعناه وإلا فإني لم أجده بهذا السياق ولا بهذا المعنى بل الذي وقفت عليه أنه يقول (٣٠/ ٣٥٠): \"والصواب من القول في ذلك، أن يقال: إن اللَّه جل ثناؤه أمر نبيه محمدا أن يقول: أعوذ برب الفلق، والفلق في كلام العرب فلق الصبح، تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح، وجائز أن يكون في جهنم سجن اسمه فلق، وإذا كان ذلك كذلك ولم يكن جل ثناؤه وضع دلالة على أنه عنى بقوله برب الفلق بعض ما يدعى الفلق دون بعض، وكان اللَّه تعالى ذكره رب كل ما خلق من شيء وجب أن يكون معنيا به كل ما اسمه الفلق إذ كان رب جميع ذلك\"، وقد تبع المحقق محمد خير ابن كثير في هذا الفهم، فنبهت عليه حتى لا يقع اللبس، واللَّه أعلم.\n(^١) إسناده صحيح، صفة النار (٨٩) رقم (١٢٧)، ثم برقم (١٨١)، ولعله الذي أشار إليه ابن جرير في تفسيره (٢٠/ ٩٣) مختصرا واللَّه أعلم، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٠) رقم (٣٤١٣٣)، من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير مرفوعا، وقال ابن رجب في التخويف من النار (١٣١): \"خرجه هناد بن السري في كتاب الزهد بإسناد صحيح إلى عبيد وهو مرسل\".","vol":"3","page":1322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر بعض أنواع عذاب أهل النار، فمن ذلك أنهم لا يتنفسون، بل يتردد الهواء دخل أجوافهم، يعذبون بالبرد كما يعذبون بالحر، يستغيثون من الحر، فيغاثون بريح بارد يكسر العظام، يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضا، ثم ينساهم اللَّه -﷿- فلا يذكرهم أبدا، لا يهدؤون ولا ينامون ولا يموتون، يصيبهم الجرب بأذاهم المؤمنين، فيحتكون حتى تبدو عظامهم، تبدل جلودهم كلما نضجت، في اليوم مرات عديدة، تلفحهم النار، فلا تبقي عظما على لحم، وهم فيها كالحون، تبدو أسنانهم، وتقلص شفاههم، لو أنزل شيء من طعامهم أو شرابهم على أهل الدنيا لأفسد عليهم معاشهم، منهم من يربط بنواعير من نار، ضرس الكافر فيها كجبل أحد، وإن أخفهم عذابا من له نعلان وشراكان من نار، أضراسه جمر، ومسامعه جمر، وأشفار عينيه من لهب النار، تخرج أحشاؤه من قدميه، وسائرهم كالحَبِّ القليل في الماء الكثير وهي تفور (^١).\n_________\n(^١) وانظر التخويف من النار (١٨٩ - ٢٠٢)، والعاقبة للإشبيلي (٣٦٠ فما بعدها)، والترغيب والترهيب للمنذري (٤/ ٢٥٦ فما بعدها)، ويقظة أولي الاعتبار (١٤٢ فما بعدها).","vol":"3","page":1323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>المبحث الثامن: الآثار الواردة في بكاء أهلها</span>.\n\n١٢٤٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن رجل، عن الحسن: \" ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (^١) قال: يقطع به ما في بطونهم، ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾: بأيدي الزبانية، وذلك أن النار تصهر بهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضُربوا بمقامع، فهووا سبعين خريفا، ولذلك سمّيت الهاوية، لأنهم لا يستقرّون ساعة، وإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها، والزفير زفير اللهب، والشهيق بكاؤهم ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>التحليل والتعليق</span>\nتضمن أثر الحسن ذكر بكاء أهل النار، وقد عقد القرطبي بابا في ما جاء في بكاء أهل النار، وكذا ابن رجب بابا في ذكر بكاء أهل النار، وزفيرهم، وشهيقهم، وصراخهم، ودعائهم الذي لا يستجاب لهم، وكذا صديق حسن خان بابا في ما جاء في بكاء أهل النار (^٤).\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية (٢٠).\n(^٢) سورة الحج، الآية (٢٢).\n(^٣) إسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل المبهم، صفة النار (٥٧) رقم (٧١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٣٩).\n(^٤) التخويف من النار (٢٠٥)، التذكرة للقرطبي (٥٠١)، يقظة أولي الاعتبار (١٧٣).","vol":"3","page":1324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>المبحث التاسع: الآثار الواردة في موضع النار</span>.\n\n١٢٤٤ - حدثني عمر بن إسماعيل الهمداني قال: حدثني أبي، عن جدي، عن الشعبي، أنه سمع ابن عباس يقول في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ (^١) قال: \"هذا هو البحر الأخضر، تنتثر الكواكب فيه، وتكوّر الشمس والقمر فيه، (ثم يوقد)، فيكون هو جهنم\" (^٢).\n\n١٢٤٥ - حدثنا على بن الجعد قال: أخبرنا أبو هلال، عن قتادة قال: \"كانوا يقولون: إن الجنة في السماوات السبع، وإن جهنم في الأرضين السبع\" (^٣).\n\n١٢٤٦ - حدثني الفضل بن جعفر قال: حدثنا عمرو بن حكّام قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن عبد اللَّه ابن سلام قال: \"الجنة في السماء والنار في الأرض\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة العنكبوت، الآية (٥٤).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ مداره على عمر بن إسماعيل وهو ابن مجالد متروك التقريب (٤٩٠٠)، وأبوه وجده فيهما مقال، صفة النار (١١٩) رقم (١٨٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٩/ ٣٠٧٥)، وعنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٢٠)، ولم ينسبه لغيرهما ابن رجب في التخويف من النار (٤٧)، واستنكر المناوي هذا الأثر في فيض القدير (٤/ ٢٠٩)؛ لأنه يناف وجود جهنم الآن.\n(^٣) إسناده حسن؛ أبو هلال الراسبي صدوق فيه لين التقريب (٥٩٦٠)، صفة النار (١١٩) رقم (١٨٤)، وذكره بن رجب عن المصنف في التخويف من النار (٤٥).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا، والأثر صحيح؛ فيه عمرو بن حكام أورده ابن الجوزي في =","vol":"3","page":1325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر مكان النار، وأنه في الأرض، وقد وردت آثار كثيرة في هذا المعنى، واستدل بعضهم لهذا بأن اللَّه تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدوا وعشيا، -يعني في مدة البرزخ-، وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل أن النار في الأرض (^١)، قال البربهاري: \"الجنة حق والنار حق، وأنهما مخلوقتان. . . والنار تحت الأرض السابعة السفلى\" (^٢)، وقال صديق حسن خان: \"الجنة والنار مخلوقتان اليوم، باقيتان. . . والأصح أن الجنة في السماء، وجهنم في الأرض، ولم يصرح بتعيين مكانهما بل حيث شاء اللَّه تعالى\" (^٣).\n_________\n= الضعفاء والمتروكين وأفاد أنه متروك الحديث (٢/ ٢٢٥)، وانظر لسان الميزان (٤/ ٣٦٠)، لكن تابعه محمد بن كثير وعفان، وغيرهما عند غيره، صفة النار (١١٧) رقم (١٧٨، ١٧٩)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢/ ٨٧٢) رقم (٩٣٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٦٨) عن مهدي بن ميمون به، بقصة طويلة وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وليس بموقوف؛ فإن عبد اللَّه بن سلام على تقدمه في معرفة قديمة من جملة الصحابة، وقد أسنده بذكر رسول اللَّه -ﷺ- في غير موضع واللَّه أعلم\"، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٣١) رقم (٣٦٦)، فتح القدير (٣/ ٣٦٠ فما بعدها)، وابن حزم في الفصل (٢/ ٨٢)، وانظر ما ذكره ابن الأثير في النهاية (١/ ٨٠).\n(^١) انظر التخويف من النار (٦٧).\n(^٢) شرح السنة (٢٧).\n(^٣) قطف الثمر (١٢٧).","vol":"3","page":1326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>المبحث العاشر: الآثار الواردة في نارها ودركاتها</span>.\n\n١٢٤٧ - حدثنا أحمد بن إبراهيم العلائي (^١) قال: خلف بن عثمان، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، أنه سمع عبد الملك بن عمير يذكِّر قال: \"لو أن أهل النار كانوا في نار الدنيا لقالوا فيها، ولقد بلغني أن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جبّانها، قال: فأخرجوا إليه، فقتلهم البرد والزمهرير حتى رجعوا إليها، فدخلوها مما وجدوا من البرد\" (^٢).\n\n١٢٤٨ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد اللَّه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ (^٣) قال: \"سُعِّرت ألف سنة حتى ابيضّت ثم ألف سنة حتى احمرّت، ثم ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة\" (^٤).\n_________\n(^١) هكذا في المطبوع، ووقع في المخطوط العبدي وهو واضح، وهو أحمد بن إبراهيم الدورقي ثقة حافظ، التقريب (٣)، وانظر الثقات لابن حبان (٨/ ٢١) فقد وردت عنده نسبته العبدي وكذلك عند غيره.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف، انظر تاريخ ابن معين (١/ ٧٠)، والمعرفة والتاريخ (٣/ ٢٧٢)، صفة النار (١٠٠) رقم (١٥١)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٧١).\n(^٣) سورة التكوير، الآية (١٢).\n(^٤) إسناده ضعيف جدا؛ الحكم متروك رمي بالرفض، واتهمه ابن معين التقريب (١٤٥٤)، صفة النار (٣١) رقم (٢٤)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٦٧) وضعفه بالحكم بن ظهير.","vol":"3","page":1327},{"text":"١٢٤٩ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا محمد بن يزيد، عن جهضم قال: سمعت عكرمة في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: \"لها سبعة أطباق\" (^١).\n\n١٢٥٠ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد أبو عبد اللَّه، عن الوليد بن مسلم، عن يزيد بن سعيد العنبسي، عن يزيد بن أبي مالك الهمداني قال: \"لجهنّم سبعة نيران تأتلق، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى التي تحتها مخافة أن تأكلها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>التحليل والتعليق</span>\nتضمنت الآثار السابقة ذكر نار جهنم ودركاتها، فهي نار شديدة الحرارة لا تقارن بنار الدنيا، سُعِّرت ألف سنة حتى ابيضّت، ثم ألف سنة حتى احمرّت، ثم ألف سنة حتى اسودّت، فهى سوداء مظلمة، لها سبعة أطباق، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى التي تحتها مخافة أن تأكلها، وقد ذكر ابن رجب بابا في ذكر طبقاتها ودركاتها وصفتها (^٣)، قال القرطبي:\n_________\n(^١) إسناده صحيح، صفة النار (٢٠) رقم (١٠)، وابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٥)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥٣)، وابن رجب في التخويف من النار (٥٠) ونسبه للمصنف، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨١) لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه الوليد بن مسلم وهو يدلس تدليس التسوية كما سبق (٢١)، صفة النار (٢٠) رقم (٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨٣) لابن أبي حاتم، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٥٠).\n(^٣) التخويف من النار (٧٤)، وكذا القرطبي في التذكرة (٤٤٤).","vol":"3","page":1328},{"text":"\"النار دركات سبعة؛ أي طبقات ومنازل، وإنما قال: أدراك ولم يقل درجات، لاستعمال العرب لكل ما تسافل درك، ولما تعالى درج، فيقول للجنة درج، وللنار درك، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وهي الهاوية لغلظ كفرهم، وكثرة غوائلهم، وتمكنهم من أذى المؤمنين\" (^١)، وقال صديق حسن خان: \"النار دركات سبع، بعضها فوق بعض، وسميت طبقاتها دركات؛ لأنها متداركة متتابعة، فالمنافق في الدرك الأسفل منها، وهي الهاوية لغلظ كفره وكثرة غوائله\" (^٢).\n_________\n(^١) التذكرة (٤٤٤).\n(^٢) يقظة أولي الاعتبار (٥٤)، وانظر ما سبقت (ص ١٢٨١) الإشارة إليه من الاختلاف في تسمية أبواب جهنم وتسمية من يكون في كل باب، فهو نفسه يكون هنا واللَّه أعلم.","vol":"3","page":1329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في أبديَّتها</span>.\n\n١٢٥١ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا الحكم، عن عمر بن أبي ليلى -أحد بني عامر- قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: \"بلغني، أو ذكر لي، أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، قال اللَّه -﷿-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ (^١) سألوا يوما واحدا يخفّف عنهم فيه العذاب، فردّ عليهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ فردّت عليهم الخزنة: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾، ولما يئسوا مما عند الخزنة ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ وهو عليهم، وله مجلس في وسطها، وجسور تمرّ عليه ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (^٢) سألوا الموت، قال: فمكث عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوما، واليوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ (^٣) لَحَظَ إليهم بعد الثمانين ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ (^٤)،\n_________\n(^١) سورة غافر، بعض الآية (١٨).\n(^٢) سورة الزخرف، من الآية (٧٧).\n(^٣) سورة الحج، بعض الآية (٤٧).\n(^٤) سورة الزخرف، بعض الآية (٧).","vol":"3","page":1330},{"text":"فلما سمعوا ما سمعوا يئسوا مما قبله، قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء، قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون، فهلمّوا فلنصبر، فلعل الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الدنيا على طاعة اللَّه فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر، قال: فتصبّروا، فطال صبرهم، ثم جزعوا، فنادوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ أي ملجأ، فقام إبليس عند ذلك فخاطبهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ يقول: بمغن عنكم شيئًا، ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ (^١)، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، فنودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾، ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ فردّ عليهم: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ (^٢)، قال: هذه واحدة، قال: فنادوا الثانية: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾، فردّ عليهم:\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآيتان (٢١ - ٢٢).\n(^٢) سورة غافر، الآيات (١٠ - ١٢).","vol":"3","page":1331},{"text":"﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ يقول: لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يقول: بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ إنا تركناكم، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ (^١)، فهذه ثنتان، قال: فنادوا والثالثة: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾، فرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ (^٢)، قال: هذه الثالثة، قال: ثم نادوا الرابعة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ (^٣)، فمكث عنهم ما شاء اللَّه، ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ فلما سمعوا ذلك\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآيات (١٢ - ١٤).\n(^٢) سورة إبراهيم، الآيات (٤٤ - ٤٦).\n(^٣) سورة فاطر، الآية (٣٧).","vol":"3","page":1332},{"text":"قالوا: الآن يرحمنا ربنا وقالوا عند ذلك: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ فقال عند ذلك: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١)، فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم على بعض، ينبح بعضهم في وجه بعض، وأطبقت عليهم، فحدّثني الأزهر بن الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n١٢٥٢ - حدثني إبراهيم بن راشد أبو إسحاق قال: حدثني جعفر ابن جسر بن فرقد قال: حدثني أبي، عن الحسن، عن أبي برزة (^٤) قال: \"أشد آية نزلت في أهل النار هذه الآية: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (^٥)، فهو مقدار ساعة بساعة، ويوم بيوم، وشهر بشهر، وسنة بسنة، أشد\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآيات (١٠٥ - ١٠٨).\n(^٢) سورة المرسلات، الآيات (٣٥ - ٦٦).\n(^٣) إسناده ضعيف جدا، الحكم وهو ابن عبد اللَّه بن سعد الأيلي المكي، تركوه انظر الجرح والتعديل (٣/ ١٢٠)، صفة النار (١٥٣ - ١٥٦) رقم (٢٥١)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٥٧)، من طريقين ضعيفين إحداهما كطريق المصنف والثانية عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وأبو معشر نجيح بن عبد الرحمن ضعيف. . . أسن واختلط، التقريب (٧١٥٠).\n(^٤) هو نضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمي، صحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها بعد سنة (٦٥ هـ) على الصحيح، الإصابة (٦/ ٤٣٣)، التقريب (٧١٥١).\n(^٥) سورة النبأ، الآية (٣٠).","vol":"3","page":1333},{"text":"عذابا، حتى لو أن رجلا من أهل النار أخرج بالمشرق لمات أهل المغرب من شدة حرِّه، ولو أخرج بالمغرب لمات أهل المشرق من نتن ريحه، قال أبو برزة: شهدت رسول اللَّه -ﷺ- حين تلاها فقال: \"هلك قوم بمعاصيهم ربهم\" [غضب عليهم، فأنى إذا غضب عليهم إلا أن ينتفع منهم (^١) قيل: يا أبا برزة، ألا تخبرنا بأشد ساعات أهل النار عليهم؟ قال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ (^٢) وينادون مالكا وخزنتها، فإذا يئسوا من الإجابة يجأرون إلى ربهم: ربنا ربنا، مقدار الدنيا سبع مرات، قال: فيسكت عنهم، حتى يظنوا أنما سكت عنهم ليخرجهم، فيقول لما يريد أن يقطع رجاءهم\n_________\n(^١) هكذا وردت العبارة في الكتاب المطبوع بتحقيق محمد خير وقال: \"وهكذا وردت العبارة الأخيرة، وفيها \"إلا\" التي يبدو أنها مقحمة، وبحذفها تفهم العبارة، وقد أبقيتها حفاظا على الأصل، وخشية أن يكون الكلام متصلا بالحديث ويكون منه ولم يبد لي وجه تصويب ألفاظه، ويبدو أن ابن كثير نفسه أورد جزءا من الحديث لشكه أن يكون ما يليه منه وهو غير مفهوم\"، قلت: لقد أحسن المحقق بعدم الحذف، وقد وردت الجملة عند السيوطي على الصواب وهو: \"فأبى إذ غضب عليهم إلا أن ينتقم منهم\"، وبالرجوع إلى المخطوط وجدت العبارة واضحة كما قالها السيوطي إلا أن \"فأبا\" كتبت بألف ممدودة، والعبارة ليست واضحة كما قال المحقق بحذف \"إلا\"، فإنه لا معنى لها كذلك بالحذف؛ إذ ما معنى قوله: \"فأنى إذا غضب عليهم أن ينتفع منهم\"؟، وهو ﷾ لا ينتفع منهم حال الغضب والرضا على حد سواء وإنما الشأن في انتفاعهم منه بالمغفرة ونحوها، فقراءة الكلمة \"فأبى\" أولى من قراءتها \"فأنى\" واللَّه أعلم.\n(^٢) سورة فاطر، من الآية (٣٧).","vol":"3","page":1334},{"text":"ويحقق سوء ظنهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١)، قال: فيكلحون فيها عميا وبكما وصما، لا يتكلمون ولا يستغيثون بأحد\" (^٢).\n\n١٢٥٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حماد بن أسامة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: \"إن أهل النار نادوا ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال: فخلى عنهم أربعين عاما ثم أجابهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ قال: فخلى عنهم مثل الدنيا ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، من الآية (١٠٨).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه جسر بن فرقد وقد سبق (٥١٥) أنه ضعيف، وكذا ابنه انظر اللسان (٢/ ١١٢)، والأثر حسن من طريق ابن قانع فقد تابعه أيوب السختياني به، صفة النار (١٢١ - ١٢٢) رقم (١٨٦)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦٥) بسنده عن جسر به، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٤١١) مقتصرا على الشطر الأول منه فقط، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٣٠، ١٥٩) من طريقين الأولى كالمصنف، والثانية بسند حسن -إن شاء اللَّه- عن ابن وهب عن الحارث بن عمير عن أيوب السختياني عن الحسن عن أبي برزة به، وهذا سند حسن فإن الحارث بن عمير وثقه الجمهور وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما فلعله تغير حفظه في الآخر، التقريب (١٠٤٨)، والثعلبي كما في تخريج الأحاديث والآثار (٤/ ١٤٥) عن الحسن بن دينار عن الحسن عن أبي برزة، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٩٧) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.","vol":"3","page":1335},{"text":"تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ \" (^١).\n\n١٢٥٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء قال: \"يُرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، قال: فيستغيثون، فيغاثون بالضريع الذي ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ (^٢)، قال: فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، قال: فيذكرون أنهم يجيزون الغُصص في الدنيا بالشراب، قال: فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنا من وجوههم شوى وجوههم، وإذا دخل بطونهم قطع ما في بطونهم، فيقولون: كلِّموا خزنة النار، فيقولون: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ فيجيبونهم: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾\n_________\n(^١) إسناده صحيح؛ سعيد بن أبي عروبة ثقة حافظ له تصانيف، كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة التقريب (٢٣٧٨)، وقد رواه عنه ثلاثة حماد هنا وابن أبي عدي عند ابن جرير، ويحيى بن أبي طالب عند الحاكم، ولم أجد متى رووا عنه، انظر المختلطين للعلائي (٤١ - ٤٣)، صفة النار (١١٢) رقم (١٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٨) رقم (٣٤١٢٢)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ٩٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٥) وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار إلى ابن أبي حاتم (١٥٠ - ١٥١).\n(^٢) سورة الغاشية، الآية (٧).","vol":"3","page":1336},{"text":"فيقولون: كلموا مالكا، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ (^١)، فيقولن: ادعوا ربكم؛ فإنه ليس أحد خيرا لكم من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ قال: فيجيبهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^٢)، قال: فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الشهيق والويل والثبور\" (^٣).\n\n١٢٥٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا يحيى بن يمان قال: حدثنا سفيان، عن عطاء، عن أبي الحسن (^٤)، عن ابن عباس: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ قال: \"يمكث ألف سنة ثم يجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ \" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الزخرف، الآية (٦٥).\n(^٢) سورة المؤمنون، الآيتان (١٠٧ - ١٠٨).\n(^٣) إسناده ضعيف، شهر بن حوشب سبق (٣٨٣) أنه صدوق كثير الإرسال والأوهام، صفة النار (٦٥ - ٦٦) رقم (٨٤)، والترمذي مرفوعا (٤/ ٧٠٧) رقم (٢٥٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٩) رقم (٣٤١٢٩)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٥٩) وقال ابن رجب في التخويف من النار (١/ ١٠٨): \"وقد روي الحديث موقوفا على أبي الدرداء وقيل وقفه أشبه\"، وانظر العلل للدراقطني (٦/ ٢٢٠)، والعلل لابن أبي حاتم (٢/ ٢١٨).\n(^٤) هكذا وقع في المطبوع والمخطوط، وورد كذلك عند عبد الرزاق في التفسير، ووقع عند الحاكم في المستدرك كما سيأتي، والبيهقي في البعث كما في التخويف من النار (١٥١) عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس، ولم يظهر لي فيه شيء واللَّه أعلم.\n(^٥) إسناده ضعيف؛ فيه يحيى بن يمان وقد سبق (٩٩٤)، والأثر حسن فقد تابعه قبيصة =","vol":"3","page":1337},{"text":"١٢٥٦ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو همام الأهوازي، عن هشام بن حسان، عن الحسن في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ (^١) قال: \"أما الأحقاب فلا يدرى كم هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف عام، واليوم: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n١٢٥٧ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا زهير بن معاوية، عن طارق بن عبد الرحمن قال: \"كنت بمكة، فناداني رجل أو صاحب لي: يا طارق، أتكتب أو تقرأ؟ قلت: نعم، قال: فصعدت إلى عرفة (^٤)، فإذا كتاب في الحائط مثل الأصبع: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ الحقب: أربعون سنة، والسنة اثنا عشر شهرا، والشهر ثلاثون يوما، ويوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ\n_________\n= ابن عقبة وهو صدوق ربما خالف، التقريب (٥٥٤٨)، وعبد الرزاق الصنعاني، صفة النار (٦٦) رقم (٨٥)، والثوري في تفسيره (٢٧٤)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٠٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٨) من طريق قبيصة بن عقبة به لكنه قال عن عكرمة بدل أبي الحسن وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(^١) سورة النبأ، الآية (٢٣).\n(^٢) سورة الحج، بعض الآية (٤٧).\n(^٣) إسناده لين؛ والأثر حسن لغيره، فيه هشام بن حسان وقد سبق (٢٧٩)، صفة النار (٨٤) رقم (١١٨)، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ١١ - ١٢) من طريق آخر عن سالم عن الحسن، وهو سالم الخياط وهو صدوق سيء الحفظ التقريب (٢١٩١)، وأحمد في الزهد (٢٨٨)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٩٤) لعبد بن حميد وابن جرير.\n(^٤) كذا ولعلها غرفة بالغين المعجمة.","vol":"3","page":1338},{"text":"مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ قال: وفي البيت شيخ، فقلت: من كتب هذا الكتاب؟ فقال الشيخ: أو ما دخلت هذا البيت على علم؟ قال: قلت: لا، قال: بيت كان ينزله عبد اللَّه بن عمرو، قلت: هو كتب هذا؟ قال: نعم، قلت لطارق: تُرى هذا الشيخ أدركه؟ قال: نعم\" (^١).\n\n١٢٥٨ - حدثنا أبو عمرو القرشي قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج، عن قتادة قال: \"ما زال أهل النار يأملون الخروج لقول اللَّه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ حتى نزلت ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ فهم في مزيد أبدا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>التحليل والتعليق</span>\nتضنمت الآثار السابقة ذكر أبدية النار، وأنها لا تفنى، وذلك واضح في الاستغاثات التي يستيغثها أهل النار بالخزنة في جهنم ثم بمالك ثم برب\n_________\n(^١) إسناده حسن؛ طارق بن عبد الرحمن هو الأحمسي البجلي صدوق له أوهام التقريب (٣٠٢٠)، صفة النار (٨٤ - ٨٥) رقم (١١٩)، وذكر هذا القول عن عبد اللَّه بن عمرو ابن كثير (٤/ ٤٦٤) ونسبه لابن أبي حاتم.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ وأصله ثابت عن قتادة، فيه الوليد بن مسلم وتدليسه تدليس التسوية كما سبق (٢١)، صفة النار (٨٥) رقم (١٢٠)، وابن جرير عنه بمعناه (٣٠/ ١١) بسند صحيح كله يمانيون إلى قتادة فقال: \"أحقابا: وهو ما لا انقطاع له كلما مضى حقب جاء حقب بعده\".","vol":"3","page":1339},{"text":"العزة، وآخر جواب رب العالمين لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١)، فينقطع الدعاء والرجاء منهم، وييأسون من كل خير، وهي أشد ساعات أهل النار عليهم، ولذلك لما فسّر السلف الأحقاب التي يمكثها الكفار في النار قالوا بأنه لا يدرى كم هي، وإنما فسروا الحقب الواحد، على اختلاف بينهم في تقديره، بل فسره بعضهم بأنه الذي لا ينقطع، فهو لا ينقطع أبدا كلما مضى حقب أعقبه آخر.\nقال ابن حزم الأندلسي -﵀- في مراتب الإجماع: \"وأن النار حق، وأنها دار عذاب أبدا لا تفنى، ولا يفنى أهلها بلا نهاية\" (^٢)، ولم يتعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية بل نص في موضع على ما يؤديه صراحة فقال: \"اتفق سلف الأمة، وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية؛ كالجنة، والنار، والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين؛ كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب اللَّه، وسنة رسوله، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، كما في ذلك من الدلالة على بقاء الجنة وأهلها، وبقاء غير ذلك مما لا يتسع هذه الورقة لذكره\" (^٣) وقال ابن القيم: \"لما كان الناس على ثلاث طبقات:\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، من الآية (١٠٧).\n(^٢) (ص ١٧٣)، وانظر الفصل (٤/ ٦٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).","vol":"3","page":1340},{"text":"طيب لا يشينه خبيث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة\" (^١) وقال صديق حسن خان: \"ثبت بما ذكر من الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودا مؤبدا، كلٌّ بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع، ودليل ذلك الكتاب والسنة\" (^٢).\nوقد فصّل ابن القيم ﵀ استدلالات هذه المسألة فقال: \"الذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق:\nأحدها: اعتقاد الإجماع؛ فكثير من الناس يعتقدون أن هذا مجمع عليه بين الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه، وأن الاختلاف فيه حادث، وهو من أقوال أهل البدع.\n_________\n(^١) الوابل الصيب (٢٤)، وانظر ما نظمه في الكافية الشافية (١/ ٩٧)، والورع للإمام أحمد (٢٠٣)، وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٣١٢)، والرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ٢٢٥)، وعقيدة السلف (٢٦٤)، وشعار أصحاب الحديث (٣٤)، والشريعة (١/ ٣٩٧)، وشرح السنة للبربهاري (٢٧)، لمعة الاعتقاد (١٣٤)، والتعرف لمذهب التصوف (٥٦)، والتمهيد لابن عبد البر (٥/ ١٠ - ١١)، وشرح العقيدة الطحاوية (٤٢٠)، والشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر (٦٣)، والعين والأثر في عقائد أهل الأثر (٤٦).\n(^٢) يقظة أولي الاعتبار (٤١).","vol":"3","page":1341},{"text":"الطريق الثاني: أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية؛ فإنه ﷾ أخبر أنه عذاب مقيم، وأنه لا يفتر عنهم، وأنه لن يزيدهم إلا عذابا، وأنهم خالدون فيها أبدا، وما هم بخارجين منها أي من النار، وما هم منها بمخرجين، وأن اللَّه حرم الجنة على الكافرين، وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط، وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، وأن عذابها كان غراما أي مقيما لازما، قالوا: وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره.\nالطريق الثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار، وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان.\nالطريق الرابع: أن الرسول وقفنا على ذلك، وعلمناه من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقل معين، كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها.\nالطريق الخامس: أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما لا يفنيان، بل هما دائمتان، وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع.\nالطريق السادس: أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار\" (^١).\n_________\n(^١) حادي الأرواح (٢٤٩).","vol":"3","page":1342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>الخاتمة</span>\nوأختم هذه الرسالة العلمية بما توصلت إليه خلال سنوات بحثي من النتائج والتوصيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>أولًا: نتائج البحث:</span>\n\n١ - أن الإمام ابن أبي الدنيا ﵀ من أئمة السنة الكبار، مشهود له بالتميز والتقدم في ذلك.\n\n٢ - أن كتبه من أهم مصادر العقيدة السلفية بكل فصولها وأبوابها، وهي لا تقل منزلة عن مصادر هذه العقيدة المشهورة كالشريعة للآجري وشرح أصول اعتقاد أهل والجماعة للالكائي ونحوهما.\n\n٣ - أنها كذلك من أهم مصادر من جاء بعده في عدة علوم وللعقيدة من ذلك النصيب المعتبر.\n\n٤ - أن كتب ابن أبي الدنيا من أهم المصادر المعتبرة عند أهل السنة في المسائل التاريخية لا سيما الشائكة منها كالفتن والحروب في القرون الأولى، ومسائل الصحابة في الإمامة.\n\n٥ - أن أسانيد كتبه فيها العالي جدا والنازل جدا، وفيها من الصحيح الشيء الكثير ومن الحسن لغيره أكثر، ثم ما دونهما من الحسن وخفيف الضعف، أما الضعيف جدا والمتروك فهو وإن كان موجودا فليس هو الغالب عليها، لا أغلبه في الرويات التاريخية عن ناس اشتهروا بذلك كالإخباريين والقصاصين وأصحاب الأدب فيما يتناقلونه في","vol":"3","page":1343},{"text":"أحاديثهم، وكثير منهم متهم أو شديد الضعف في الحديث.\n\n٦ - أن الموجود من كتب هذا الإمام لم يلق العناية العلمية المناسبة لمنزلته، سواء المخطوط منها أم المطبوع، فإنك تجد نسخا لبعض كتبه سقيمة فيها تحريف وتصحيف كثير، أما المطبوع فالغالب عليه هذه السمة، بل منه ما لا قيمة له ويحتاج إلى إعادة تحقيق وطباعة، إلا النزر اليسير مما حقق في رسائل علمية، أو بجهود متميزة فردية.\n\n٧ - أن ما ذكر من كونه يروي عن شيوخ مجاهيل وأناس لا يعرفون، لا ينبغي أن لا يتخذ مطية في سرعة الحكم على من لا يوجد منهم في كتب الرجال المشهورة بالجهالة؛ لأنني وقفت على كثير منهم بهذه المثابة، ولم يجده محققو كتبه، ومع ذلك وقفت له على ترجمة أو ذكر يبين حاله أو يقربه للباحث، فيجب إعمال الفكر والنظر واحتمال التصحيف والتدليس وتنويع البحث في غير المظان وهكذا.\n\n٨ - من خلال مروري على آلاف الآثار التي رواها ابن أبي الدنيا عن القرون الأولى المفضلة تبيَّن لي صفاء توحيد العبادة وسلامته من الشوائب في تلك العصور؛ إذ كان هو السائد الغالب على الناس، فلا تكاد تجد مظهرا من مظاهر شركِ العبادة في الأقوال ولا الأعمال، فإن أعمالهم وأدعيتهم وأشعارهم وسائر حديثهم، لا تجد فيه إلا التوحيد الخالص وإفراد اللَّه بكل أنواع العبادة سواء ما روي في ذلك عن خاصتهم أم عامتهم، أو عن أهل حاضرتهم أو باديتهم.","vol":"3","page":1344},{"text":"٩ - أن الجانب التربوي للعقيدة -وهو شقها التطبيقي العملي- وأثرها على النفس البشرية كان له اهتمام كبير وعناية واسعة من أئمة السلف، وقد توصلت من خلال هذا البحث إلى أن كتب الزهد من أهم مصادر العقيدة، وألفها أبرز علماء العقيدة الصحيحة كالإمام ابن المبارك وأحمد وهناد ووكيع وغيرهم.\n\n١٠ - اتفاق السلف على كلمة سواء في باب المعتقد لا سيما أئمتهم، رغم تباعد الأوطان واختلاف الأمصار، وتعدد الشيوخ وتنوع العبارة، ولا يأتي الخلل في هذا الجانب إِلا ممن لم يسبر مذهبهم، ولم تكن له خبرة بأقوالهم وأدلتها وطرق استدلالهم.\n\n١١ - أن خلفاء المسلمين وحكامهم وأمراءهم في تلك العصور كان لهم دور بارز في نشر الدين والانتصار للسنة، ودحض البدع وقمع أهلها ولهم في ذلك مواقف مشهودة.\n\n١٢ - أن أئمة السلف الصالح كان لهم حضور في مسائل عصرهم، ونصرة لدين اللَّه في كل صغيرة وكبيرة تمس الدين، وتذهب بهاءه وتكدر صفوه، فتجد كلامهم مبثوثا في كل مسألة حدثت في الإسلام، سواء تعلق الأمر بالحفاظ على التراث الصافي، أو تعلق برد زحف البدع وجحافل الإحداث في الدين، فاحتضنوا الدين علما وعملا، وبلغوه بكل أمانة مهما كبر أو صغر، وألقموا المبتدعة جميعا في أفواههم الحجر.","vol":"3","page":1345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>ثانيًا: التوصيات والاقتراحات:</span>\n\n١ - من أهم التوصيات التي أرى ضرورة إثباتها زيادة العناية بكتب هذا الإمام العظيم، ضبطا وتحقيقا وخدمة لنصوصها، وصونها من عبث التحقيق التجاري، ولعل أبرز ذلك الاجتهاد في إخراج جميع كتبه في موسوعة متكاملة سندا ومتنا.\n\n٢ - العناية بالدراسات العلمية المختلفة المتعلقة بتراث هذا الإمام كالعناية يحمع شيوخه، وأقواله في الجرح والتعديل ونحو ذلك.\n\n٣ - الجد في البحث والتتبع لمخطوطاته المعدودة في المفقودات؛ فإن كثيرا من كتبه يعتبر مفقودا بل لعل جميع المطبوع لم يبلغ ربع كتبه.\n\n٤ - العناية بتحقيق بعض كتبه تحقيقا متخصصا في أقسام العقيدة لتعلقها المباشر بها، وحاجتها للتعليق وإبراز الفوائد العلمية منها، نظرا لطبيعة تأليفه السردية النصية الخالية من التحليل والتعليق.\n\n٥ - التنبه إلى بعض الكتب المنسوبة إليه وليست من تأليفه، بل من جمع بعض الباحثين وإخراجهم لها تحت عنوان من عناوين كتب ابن أبي الدنيا المفقودة مثل: مكائد الشيطان الذي أخرجه مجدي السيد، وذكر الموت الذي أخرجه مشهور حسن.\n\n٦ - التنبه إلى ما قد يحدث من تغيير لعنوان بعض كتبه كما فعل ياسين السواس لما غيّر عنوان كتابه ذم الدنيا، إلى عنوان: الزهد، وهو عنوان لكتاب آخر لابن أبي الدنيا يعتبر مفقودا.","vol":"3","page":1346},{"text":"٧ - كما ألفت انتباه الإخوة الباحثين إلى العناية بكتب الزهد المسندة واستخراج الكنوز العقدية المبثوثة فيها، فهي جديرة بذلك، وقد كانت من أهم مصادري في تخريج آثار في هذه الرسالة.\nوبعد هذا العمل المتواصل لما يزيد عن أربع سنوات أسأل اللَّه حسن الختام، وأن لا يبعد عن الكمال والتمام، فهو عمل البشر، بذلت فيه الجهد وأمعنت النظر، وجلت في ميادين كتبٍ جليلة القدر، متنوعة المناهل والفكر، فتارة مع أهل الحديث والأثر، وأخرى بين أهل الفقه والنظر، فوصلت الرواية والخبر، بلطيف ما فيها من أحكام وعبر، ونظمت علم هذا الإمام وما بثّه في كتبه وسطّر، في قلادة من الياقوت والدر المحبّر، فما كان فيه من صواب وتوفيق فمن اللَّه العلي الأكبر، وما كان فيه من تقصير وزلل فيا فوز من أناب واستغفر، وحسبي أني سرت وراء ركب أئمة الإسلام واقتفيت الأثر، لعلي أحشر في زمرتهم يوم المعاد والمحشر.","vol":"3","page":1347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>فهرس المصادر</span>\n\n١ - القرآن الكريم\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>أولًا: المخطوطات:</span>\n\n٢ - الإشراف في منازل الأشراف، مصورة من الجامعة الإسلامية (٢٤٨٣) عن الظاهرية.\n\n٣ - اصطناع المعروف، انظر مجموع لاله لي (٢١٣ ب - ٢٣٣).\n\n٤ - الأهوال، مصورة من الجامعة الإسلامية (٢٤٨٣) عن الظاهرية.\n\n٥ - الأولياء، انظر مجموع لاله لي (١٩٥ ب - ٢١٣ أ).\n\n٦ - التهجد وقيام الليل، انظر مجموع لاله لي (١٥٥ ب-١٩٤٥ ب).\n\n٧ - التهجد وقيام الليل، مصورة من الجامعة الإسلامية (٢٤٨٣) عن الظاهرية.\n\n٨ - التوكل على الله، مصورة من الجامعة الإسلامية (٢٤٦٠) (٩٨٠) عن الظاهرية.\n\n٩ - جزء فيه الرضا عن الله والصبر على قضائه والتسليم لأمره، انظر مجموع لاله لي (ق ٣ ب - ق ٤ أ) ثم تتداخل المخطوطة مع مخطوطة ذم الملاهي الآتية، ويعاود كتاب الرضا من (١٨ أ - ٢٦ ب).\n\n١٠ - الجوع، مصورة من الجامعة الإسلامية (٥٣٢) (١٥٠٥) عن الظاهرية.\n\n١١ - حسن الظن بالله، مصورة من الجامعة الإسلامية (١٧٤٢ / ف ٢) عن","vol":"3","page":1470},{"text":"الهندية، (٤٩٣) عن المحمودية.\n\n١٢ - ذم الدنيا، مصورة من الجامعة الإسلامية (٩٨٨) عن الظاهرية.\n\n١٣ - ذم المسكر، مصورة من الجامعة الإسلامية (٥٤٤) عن الظاهرية.\n\n١٤ - ذم الملاهي، انظر مجموع لاله لي، (ق ٤ ب - ق ١٧ ب)، ثم تبدأ سماعات كثيرة لهذا الجزء من (١٧ ب -).\n\n١٥ - ذم الملاهي، مصورة من الجامعة الإسلامية (٥٤٤) (٧٨٩) عن الظاهرية.\n\n١٦ - الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم لأمره، مصورة من الجامعة الإسلامية (٤٨٤) عن الظاهرية.\n\n١٧ - الرقة والبكاء، مصورة من الجامعة الإسلامية (٢٤٨٣) عن الظاهرية.\n\n١٨ - الصبر والثواب عليه، انظر مجموع لاله لي (٢٧ ب - ٤٠ ب).\n\n١٩ - صفة النار، مصورة من الحرم المكي الشريف رقم (١٢٨٦).\n\n٢٠ - صفة النار، مصورة من الجامعة الإسلامية (٥٦٢) عن الظاهرية.\n\n٢١ - الصمت وآداب اللسان، مصورة من الجامعة الإسلامية (٩٧٥) عن الظاهرية.\n\n٢٢ - العزلة والانفراد، انظر مجموع لاله لي (٤٥ ب - ٦٤ أ).\n\n٢٣ - العظمة، مصور من مكتبة الملك فهد الوطنية برقم (٢/ ٨٣) عن مكتبة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية.\n\n٢٤ - العقل وفضله، انظر مجموع لاله لي (٦٥ ب - ٦٩ ب).","vol":"3","page":1471},{"text":"٢٥ - العقل وفضله، مصورة من الجامعة الإسلامية (٨٢) عن الظاهرية.\n\n٢٦ - العقوبات، مصورة من الجامعة الإسلامية (١٠٠٥) عن الظاهرية.\n\n٢٧ - الفرج بعد الشدة، مصورة من الجامعة الإسلامية (١٢٥٣/ ف) عن المغربية.\n\n٢٨ - الفرج بعد الشدة، مصورة من الجامعة الإسلامية (٩٦٤) عن الظاهرية.\n\n٢٩ - فضائل رمضان، انظر مجموع لاله لي (١٤٨ ب - ١٥٥ أ).\n\n٣٠ - فضائل عشر ذي الحجة، عن مكتبة ليدن بهولندا.\n\n٣١ - القناعة والتعفف، مصورة من الجامعة الإسلامية (٧٨١) (٧٧٧) (١٥٠٣) (١٥٢٧) عن الظاهرية.\n\n٣٢ - كلام الليالي والأيام، انظر مجموع لاله لي (٢٣٣ ب -٢٣٩ ب).\n\n٣٣ - المتمنين، انظر مجموع لاله لي (١٢٢ ب - ١٣٣ أ).\n\n٣٤ - مجموع يحتوي على أربعة عشر مخطوطا لابن أبي الدنيا، موجود في مكتبة لاله لي بأستنبول بتركيا تحت رقم (٣٦٦٤)، وسوف أحيل على كل مخطوطاته إلى: مجموع لا له لي.\n\n٣٥ - مداراة الناس، انظر مجموع لاله لي (١١٥ ب - ١٢٢ أ).\n\n٣٦ - المرض والكفارات، انظر مجموع لاله لي (٨٧ ب - ١٥٩ أ).\n\n٣٧ - المرض والكفارات، مصورة من الجامعة الإسلامية (٥٦٣) (١٥٤٠) عن الظاهرية.","vol":"3","page":1472},{"text":"٣٨ - مقتل علي بن أبي طالب ﵁، مصورة من الجامعة الإسلامية (١٤٩٩) عن الظاهرية.\n\n٣٩ - نكت البيان للقصاب، مخطوطة تركية، منها صورة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n\n٤٠ - الهم والحزن، انظر مجموع لاله لي (٧٠ ب -٨٦ ب).\n\n٤١ - الهم والحزن، مصورة من الجامعة الإسلامية (٥٦٣) عن الظاهرية.\n\n٤٢ - الوجل والتوثق بالعمل، المظر مجموع لاله لي (١٣٤ ب - ١٤١ ب).\n\n٤٣ - الورع، مصورة من الجامعة الإسلامية (٥٦٢) (٢٤٨٣) عن الظاهرية.\n\n٤٤ - اليقين، انظر مجموع لاله لي (١٤٢ ب - ١٤٧ ب).\n\n٤٥ - اليقين، حققه في بحث التخرج في كلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطالب محمد عبد الحميد العدوي.\n\n٤٦ - اليقين، مصورة من الجامعة الإسلامية (١٠٤) (٩٧٥) (١٠٠٧) (١٥٠٥) عن الظاهرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>ثانيًا: المطبوعات:</span>\n\n٤٧ - الإبانة الصغرى أو الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة ومجانبة المخالفين ومباينة أهل الأهواء والمارقين، لابن بطة العكبري، تحقيق رضا ابن نعسان معطي، المكتبة الفيصلية، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n\n٤٨ - الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري، تقديم الشيخ حماد","vol":"3","page":1473},{"text":"الأنصاري، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، مركز شؤون الدعوة رقم (٥٨)، ط ٥.\n\n٤٩ - الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، دار الأنصار، ط ١، ١٣٩٧ هـ، تحقيق: د. فوقية حسين محمود.\n\n٥٠ - الإبانة لابن بطة، تحقيق: رضا نعسان، دار الراية، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.\n\n٥١ - الإبانة لابن بطة، تحقيق: عثمان الأثيوبي، دار الراية، ١٤١٥ هـ.\n\n٥٢ - الإبانة لابن بطة، تحقيق: محمد النصر، دار الراية، ١٤١٨ هـ.\n\n٥٣ - الإبانة لابن بطة، تحقيق: يوسف الوابل، بهار الراية، ١٤١٥ هـ.\n\n٥٤ - أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، لصديق بن حسن القنوجى، دار الكتب العلمية، ١٩٧٨، تحقيق: عبد الجبار زكار.\n\n٥٥ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات للقاضي أبي يعلى، تحقيق أبي عبد اللَّه محمد بن حمد الحمود النجدي، ط ١: ١٤١٦ هـ، ١٩٩٥ م.\n\n٥٦ - إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين للزبيدي، دار إحياء التراث العربي.\n\n٥٧ - إثبات صفة العلو لابن قدامة المقدسي، تحقيق شيخنا د/ أحمد عطية الغامدي، ط ١: ١٤٠٩ هـ، ١٩٨٨ م، مكتبة العلوم والحكم.\n\n٥٨ - إثبات عذاب القبر للبيهقي، دار الفرقان - عمان الأردن، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ، تحقيق: د. شرف محمود القضاة","vol":"3","page":1474},{"text":"٥٩ - الأثر المشهور عن الإمام مالك في صفة الاستواء دراسة تحليلية، انظر مجلة الجامعة الإسلامية العدد (١١١ - ١١٢) ١٤٢١ هـ.\n\n٦٠ - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n\n٦١ - الأجوبة المرضية للسخاوي، دار الراية، ط ١: ١٤١٨ هـ، تحقيق: محمد إسحاق.\n\n٦٢ - الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، دار الراية - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م، تحقيق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة.\n\n٦٣ - الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما، تحقيق د/ عبد الملك بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة، ١٤١٦ هـ، ١٩٩٥ م.\n\n٦٤ - أحاديث في ذم الكلام وأهله، لأبي الفضل المقرئ، دار أطلس للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة الأولى: ١٩٩٦ م، تحقيق: د. ناصر بن عبد الرحمن ابن محمد الجديع.\n\n٦٥ - الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، ترتيب علاء الدين علي بن بلبان، قدم له وضبط نصه كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n\n٦٦ - أحكام القرآن للجصاص، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ١٤٠٥ هـ، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي.","vol":"3","page":1475},{"text":"٦٧ - أحكام القرآن للشافعي، دار الكتب العلمية، ١٤٠٠ هـ، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق.\n\n٦٨ - أحكام أهل الذمة لابن القيم، تحقيق صبحي الصالح.\n\n٦٩ - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم الأندلسي، دار الحديث - القاهرة، الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ.\n\n٧٠ - إحياء علوم الدين للغزالي، دار المعرفة - بيروت.\n\n٧١ - أخبار القضاة لوكيع، عالم الكتب.\n\n٧٢ - أخبار المدينة لابن شبة، دار الكتب العلمية، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٦ م، تحقيق: علي دندل، ياسين بيان.\n\n٧٣ - أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه للفاكهي، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، ط ١: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، تحقيق عبد الملك بن دهيش.\n\n٧٤ - اختيار في شرح حديث اختيار الملأ الأعلى الأولى لابن رجب، ت: حكم الدوسري، مكتبة الأوس، ط ١: ١٤٠٦ هـ.\n\n٧٥ - الإخلاص والنية، لابن أبي الدنيا، حققه وعلق عليه: إياد خالد الطباع، دار البشائر، ط ١.\n\n٧٦ - الإخوان لابن أبي الدنيا، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا.\n\n٧٧ - الإخوان لابن أبي الدنيا، دار الاعتصام بالقاهرة، تحقيق: محمد طوالبة، مراجعة نجم خلف.\n\n٧٨ - الآداب الشرعية لابن مفلح، مؤسسة قرطبة.","vol":"3","page":1476},{"text":"٧٩ - أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني عبد الكريم بن محمد بن منصور أبي سعد التميمي السمعاني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠١ - ١٩٨١، تحقيق: ماكس فايسفايلر.\n\n٨٠ - الأدب المفرد للبخاري، دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة الثالثة: ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مع أحكام الألباني.\n\n٨١ - الأذكار للنووي، دار الكتاب العربي، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n\n٨٢ - الأربعون الصغرى للبيهقي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ، تحقيق: أبي إسحاق الحويني الأثري.\n\n٨٣ - إرواء الغليل للألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n\n٨٤ - الأسامي والكنى لأحمد بن حنبل أبي عبد اللَّه الشيباني، مكتبة دار الأقصى - الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ - ١٩٨٥، تحقيق: عبد اللَّه ابن يوسف الجديع.\n\n٨٥ - الاستذكار لابن عبد البر، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض.\n\n٨٦ - الاستقامة لابن تيمية، جامعة الإمام محمد بن سعود، الطبعة الأولى، ١٤٠٣، تحقيق: د. محمد رشاد سالم.","vol":"3","page":1477},{"text":"٨٧ - الاستيعاب لابن عبد البر، دار الجيل، ط ١: ١٤١٢ هـ، تحقيق: علي البجاوي.\n\n٨٨ - الأسخياء للدارقطني؟\n\n٨٩ - أسد الغابة لابن الأثير، دار الشعب، تحقيق: محمد إبراهيم البنا وغيره.\n\n٩٠ - إسعاف المبطأ برجال الموطأ، للسيوطي، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م.\n\n٩١ - الأسماء المفردة، دار المأمون، ط ١: ١٤١٠ هـ، تحقيق: عبده كوشك.\n\n٩٢ - الأسماء والصفات، للبيهقي، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر، دار الكتاب العربي، ط ١: ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n\n٩٣ - الإشراف في منازل الأشراف، لابن أبي الدنيا، قدم له وحققه وعلق عليه: الدكتور نجم عبد الرحمن خلف، مكتبة الرشد، ط ١: ١٤١١ هـ، ١٩٩٠ م.\n\n٩٤ - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، مؤسسة التاريخ العربي، دار إحياء التراث العربي.\n\n٩٥ - إصلاح المال لابن أبي الدنيا، تحقيق مصطفى مفلح القضاة، دار الوفاء، ١٤١٠ هـ.\n\n٩٦ - إصلاح المال، لابن أبي الدنيا، تحقيق ودراسة: مصطفى مفلح","vol":"3","page":1478},{"text":"القضاة، دار الوفاء، ط ١: ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n\n٩٧ - إصلاح المال، لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٤ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٩٨ - أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب، تحقيق: الشيخ إسماعيل الأنصاري، وتقديم: عبد اللَّه بن عبد اللطيف آل الشيخ.\n\n٩٩ - أصول الدين للغزنوي، دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٩٩٨ هـ، تحقيق: عمر وفيق الداعوق.\n\n١٠٠ - أصول السنة للإمام أحمد، دار المنار - الخرج - السعودية، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ.\n\n١٠١ - أصول السنة للإمام أحمد، مكتبة ابن تيمية، توزيع مكتبة العلم بجدة، تحقيق الوليد سيف النصر، تقديم: محمد عيد عباسي، ط ١: ١٤١٦ هـ.\n\n١٠٢ - أضواء على التصوف دراسة موضوعية تحليل ونقد من وجهة النظر الإسلامية والفكرية، د. طلعت غنام، عالم الكتب.\n\n١٠٣ - أطراف الغرائب والأفراد للمقدسي، دار الكتب العلمية، ط ١، تحقيق: محمود نصار، السيد يوسف.\n\n١٠٤ - الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان لابن أبي الدنيا، تحقيق: د. نجم خلف، دار البشائر بعمان.\n\n١٠٥ - الاعتصام للشاطبي، مكتبة التوحيد - البحرين، ط ١:","vol":"3","page":1479},{"text":"١٤٢١ هـ، تحقيق: مشهور حسن.\n\n١٠٦ - اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن الخميس.\n\n١٠٧ - إعلام الموقعين، دار الجيل - بيروت، ١٩٧٣ م، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد.\n\n١٠٨ - الإعلان بالتوبيخ لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: أبي الأشبال حسن المندوه، مكتبة التوعية الإسلامية، ط ١: ١٤٠٨ هـ.\n\n١٠٩ - إغاثة اللهفان لابن القيم، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م، تحقيق: محمد حامد الفقي.\n\n١١٠ - الأغاني للأصبهاني، دار الفكر.\n\n١١١ - الاقتصاد في الاعتقاد لعبد الغني المقدسي، تحقيق شيخنا د/ أحمد عطية الغامدي، ط ١: ١٤١٤ هـ، ١٩٩٣ م، مكتبة العلوم والحكم.\n\n١١٢ - اقتضاء الصراط المستقيم، مطبعة السنة المحمدية - القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٦٩ هـ، تحقيق: محمد حامد الفقي.\n\n١١٣ - اقتضاء العلم العمل للخطيب، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الرابعة: ١٣٩٧ هـ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني.\n\n١١٤ - الأقوال المروية عن أئمة السلف في مسائل الاعتقاد من كتاب حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم الأصبهاني، جمعا وتحقيقا ودراسة، محمد بن أبي بكر بن عمر بن علي، رسالة دكتوراة، ١٤١٨ هـ.","vol":"3","page":1480},{"text":"١١٥ - آكام المرجان للإشبيلي، دار المعرفة - بيروت.\n\n١١٦ - إكرام الضيف لأبي إسحاق الحربي، مكتبة الصحابة - طنطا، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ، تحقيق: عبد اللَّه عائض الغرازي.\n\n١١٧ - الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى، لابن ماكولا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ.\n\n١١٨ - الإلزامات والتتبع للدارقطني، تحقيق مقبل الوادعى، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، ط ٣.\n\n١١٩ - أمالي المحاملي، المكتبة الإسلامية، دار ابن القيم، ط ١: ١٤١٢ هـ، تدقيق: د. إبراهيم القيسي.\n\n١٢٠ - الأمالي المطلقة لابن حجر، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.\n\n١٢١ - أمالي اليزيدي، عالم الكتب.\n\n١٢٢ - الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة، لأبي عبد الرحمن الحسن بن عبد الرحمن العلوي، دار الوطن، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n\n١٢٣ - الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع لابن حجر، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٩٩٧ م، تحقيق: أبي عبد اللَّه محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي.\n\n١٢٤ - الأمثال في القرآن، مكتبة الصحابة - طنطا، الطبعة الأولى:","vol":"3","page":1481},{"text":"١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: إبراهيم بن محمد.\n\n١٢٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابن أبي الدنيا، تحقيق: صلاح ابن عايض الشلاحي، مكتبة الغرباء الأثرية، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n\n١٢٦ - الأموال لأبي عبيد، دار الفكر، تحقيق محمد خليل هراس، ط ٢: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n\n١٢٧ - الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار للعمراني، تحقيق الدكتور سعود الخلف، أضواء السلف، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n\n١٢٨ - الأنساب للسمعاني، دار الفكر، ط ١: ١٩٩٨، تحقيق: عبد اللَّه البارودي.\n\n١٢٩ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل للمرداوي، دار إحياء التراث العربي، تحقيق: حامد الفقي.\n\n١٣٠ - أهوال القبور لابن رجب، المكتبة القيمة، ط ٢، تحقيق: أحمد الطيب الخراشي.\n\n١٣١ - الأهوال، لابن أبي الدنيا، تحقيق: د. رضاء اللَّه محمد إدريس المباركفوري، الدار السلفية، ط ١: ١٤١٤ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n١٣٢ - الأهوال، لابن أبي الدنيا، دراسة وتحقيق وتعليق: مجدي فتحي السيد، مكتبة آل ياسر، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n١٣٣ - الأوائل لابن أبي عاصم، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي.","vol":"3","page":1482},{"text":"١٣٤ - الأولياء لابن أبي الدنيا، تحقيق مجدي السيد، مكتبة القرآن القاهرة، ١٣٥٤ هـ.\n\n١٣٥ - الأولياء، لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n١٣٦ - الآيات البينات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفية السادات، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الرابعة، تحقيق: تحقيق الألباني.\n\n١٣٧ - إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد للقاسمي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية: ١٩٨٧ م.\n\n١٣٨ - الإيمان لابن أبي شيبة، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ٢: ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n\n١٣٩ - الإيمان لابن منده، تحقيق الشيخ علي ناصر فقيهي، المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n\n١٤٠ - الإيمان للعدني، الدار السلفية - الكويت، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ، تحقيق: حمد بن حمدي الجابري الحربي.\n\n١٤١ - الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق الألباني، ط ٢: ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م، المكتب الإسلامي.\n\n١٤٢ - الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة، تحقيق: مشهور","vol":"3","page":1483},{"text":"حسن، دار الراية، ط ١: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n\n١٤٣ - بدائع الفوائد لابن القيم، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، مصطفى الباز.\n\n١٤٤ - بداية السول للعز بن عبد السلام، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الرابعة ١٤٠٦ هـ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني.\n\n١٤٥ - البداية والنهاية لابن كثير، الناشر: مكتبة العارف - بيروت.\n\n١٤٦ - البدع والنهي عنها لابن وضاح، دار الرائد العربي، ط ١: ١٣٤٩ هـ - ١٩٢٩ م.\n\n١٤٧ - البر والصلة المروزي، دار الوطن - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٩ هـ، تحقيق: د. محمد سعيد بخاري.\n\n١٤٨ - براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة، انظر الردود للشيخ بكر.\n\n١٤٩ - البرهان المؤيد للحسيني، دار الكتاب النفيس - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ، تحقيق: عبد الغني نكه مي.\n\n١٥٠ - البعث للبيهقي، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، ط ١: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: عامر حيدر.\n\n١٥١ - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، للحافظ نور الدين علي بن سليمان بن أبي بكر الهيثني، تحقيق: د/ حسين أحمد صلح الباكري، مركز خدمة السنة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.","vol":"3","page":1484},{"text":"١٥٢ - بغية الطلب في تاريخ حلب لابن أبي جرادة، دار الفكر، تحقيق: سهيل زكار.\n\n١٥٣ - بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذاهن والهاجس لابن عبد البر، دار الكتب العلمية، ط ٢، تحقيق: محمد الخولي.\n\n١٥٤ - بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية، مطبعة الحكومة - مكة المكرمة، الطبعة الأولى: ١٣٩٢ هـ، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم.\n\n١٥٥ - البيان والتبيين للجاحظ، دار صعب - بيروت، الطبعة الأولى: ١٩٦٨ م، تحقيق: المحامي فوزي عطوي.\n\n١٥٦ - البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة، لأبي الوليد ابن رشد القرطبي، ط ٢: ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م، دار الغرب الإسلامي.\n\n١٥٧ - البيان والتعريف للحسيني، دار الكتاب العربي، ١٤٠١ هـ، تحقيق: سيف الدين الكاتب.\n\n١٥٨ - تاج العروس للزبيدي، دار الهداية.\n\n١٥٩ - تاريخ ابن خلدون، دار القلم، ط ٥: ١٩٨٤.\n\n١٦٠ - تاريخ ابن معين رواية الدوري، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - مكة المكرمة، الطبعة الأولى: ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف.\n\n١٦١ - تاريخ ابن معين، رواية عثمان الدارمي، دار المأمون للتراث -","vol":"3","page":1485},{"text":"دمشق، ١٤٠٠ هـ، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف.\n\n١٦٢ - تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين، الدار السلفية - الكويت، الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، تحقيق: صبحي السامرائي.\n\n١٦٣ - تاريخ أصبهان (ذكر أخبار أصبهان) لأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتب العلمية، تحقيق سيّد كسروي حسن، ط ١: ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n\n١٦٤ - تاريخ الإسلام للذهبي، دار الكتاب العربي، تحقيق: د. عمر تدمري، ط ١: ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n\n١٦٥ - تاريخ الأمم والملوك، لابن جرير الطبري، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ.\n\n١٦٦ - تاريخ الخلفاء للسيوطي، مطبعة السعادة - مصر، الطبعة الأولى: ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد.\n\n١٦٧ - تاريخ الخميس للديار بكري، دار صادر، بيروت.\n\n١٦٨ - التاريخ الصغير للبخاري محمد بن إسماعيل، تحقيق محمود إبراهيم زايد، فهرسة د/ يوسف المرعشلي، مكتبة المعارف، ط ١: ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م.\n\n١٦٩ - تاريخ الطبري = تاريخ الأمم والملوك.\n\n١٧٠ - التاريخ الكبير للبخاري، دار الكتب العلمية مصورة عن الهندية بتحقيق الشيخ المعلمي.\n\n١٧١ - تاريخ اليعقوبي، دار صادر.","vol":"3","page":1486},{"text":"١٧٢ - تاريخ جرجان للسهمي، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الثالثة: ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان.\n\n١٧٣ - تاريخ خليفة بن خياط، دار القلم، مؤسسة الرسالة - دمشق، بيروت، الطبعة الثانية: ١٣٩٧ هـ، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري.\n\n١٧٤ - تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، دار الفكر، ط ١، تحقيق: محب الدين العمروي.\n\n١٧٥ - تاريخ واسط لبحشل، عالم الكتب، ط ١: ١٤٠٦ هـ، تحقيق: كوركيس عواد.\n\n١٧٦ - تالي تلخيص المتشابه للخطيب البغدادي، ط ١: ١٤١٧ هـ، تحقيق: مشهور حسن، أحمد الشقيرات.\n\n١٧٧ - التبرك أنواعه وأحكامه للدكتور ناصر الجديع، مكتبة الرشد، ط ٣: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n\n١٧٨ - التبصير في الدين للإسفراييني، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى: ١٩٨٣ م، تحقيق: كمال يوسف الحوت.\n\n١٧٩ - تبيين كذب المفتري لابن عساكر، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة: ١٤٠٤ هـ.\n\n١٨٠ - تجريد التوحيد للمقريزي، عناية: علي العمران، دار عالم الفوائد، ط ٢: ١٤٢٤ هـ.\n\n١٨١ - التحرير والتنوير لابن عاشور، الدار التونسية، ١٩٨٤ م.","vol":"3","page":1487},{"text":"١٨٢ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري، دار الكتب العلمية - بيروت.\n\n١٨٣ - تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل للعراقي، مكتبة الرد، ١٩٩٩ م، تحقيق: عبد اللَّه نوارة.\n\n١٨٤ - تحفة الذاكرين للشوكاني، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n\n١٨٥ - التحفة العراقية لابن تيمية، المطبعة السلفية القاهرة، ط ٢: ١٣٩٩ هـ.\n\n١٨٦ - التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للسخاوي، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٦ هـ.\n\n١٨٧ - تحفة المولود لابن القيم، مكتبة دار البيان - دمشق، الطبعة الأولى: ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط.\n\n١٨٨ - التحقيق في أحاديث الخلاف، لابن الجوزي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٥ هـ، تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني.\n\n١٨٩ - تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي، دار ابن خزيمة، ط ١: ١٤١٤ هـ، تحقيق: عبد اللَّه السعد.\n\n١٩٠ - التخويف من النار لابن رجب الحنبلي، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.","vol":"3","page":1488},{"text":"التخويف من النار لابن رجب الحنبلي، مكتبة دار البيان - دمشق، الطبعة الأول: ١٣٩٩ هـ.\n\n١٩١ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لجلال الدين السيوطي، مكتبة دار التراث، ط ٢: ١٢٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.\n\n١٩٢ - التدوين في أخبار قزوين للرافعي، دار الكتب العلمية، ١٩٨٧ م، تحقيق: عزيز اللَّه العطار.\n\n١٩٣ - تذكرة الحفاظ للذهبي، دار الكتب العلمية.\n\n١٩٤ - التذكرة للقرطبي، دار الكتب العلمية، ١٤٠٥ هـ، تحقيق: د. أحمد السقا.\n\n١٩٥ - التذكرة للقرطبي، مكتبة دار المنهاج، ط ١: ١٤٢٥ هـ، تحقيق: الصادق محمد إبراهيم.\n\n١٩٦ - تذهيب تهذيب الكمال للذهبي، دار الفاروق الحديثة، ط ١: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م، تحقيق: غنيم عباس، مجدي السيد أمين.\n\n١٩٧ - الترغيب في الدعاء للمقدسي، دار ابن حزم، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م، تحقيق: فواز مرلي.\n\n١٩٨ - الترغيب والترهيب للأصفهاني دار الحديث القاهرة، ط ١: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، تحقيق: أيمن شعبان.\n\n١٩٩ - الترغيب والترهيب للمنذري، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٧ هـ، تحقيق: إبراهيم شمس الدين.","vol":"3","page":1489},{"text":"٢٠٠ - تسلية أهل المصائب للمنبجي، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٩٨٦ م.\n\n٢٠١ - تصحيفات المحدثين للعسكري، المطبعة العربية، ط ١: ١٤٠٢، تحقيق: أحمد محمود ميرة.\n\n٢٠٢ - التصديق بالنظر إلى اللَّه للآجري، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ، تحقيق: سمير بن أمين الزهيري.\n\n٢٠٣ - التعاريف للمناوي، دار الفكر المعاصر، دار الفكر - بيروت، دمشق، الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ، تحقيق: د. محمد رضوان الداية.\n\n٢٠٤ - تعجيل المنفعة لابن حجر، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق: د. إكرام اللَّه إمداد الحق.\n\n٢٠٥ - التعرف لمذهب التصوف للكلاباذي، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n\n٢٠٦ - تعزية المسلم لابن عساكر، مكتبة الصحابة - جدة، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ، تحقيق: مجدي فتحي السيد.\n\n٢٠٧ - تعظيم قدر الصلاة للمروزي، مكتبة الدار - المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ، تحقيق: د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي.\n\n٢٠٨ - تغليق التعليق لابن حجر، المكتب الإسلامي، دار عمار، ط ١: ١٤٠٥ هـ، تحقيق: سعيد القزقي.\n\n٢٠٩ - تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم)، دار المعيد، ط ١.","vol":"3","page":1490},{"text":"٢١٠ - تفسير البغوي المسمى \"معالم التنزيل\"، تحقيق محمد عبد اللَّه النمر، عثمان جمعة، سليمان مسلم الحرش، ط ٢: ١٤١٤ هـ، ١٩٩٣ م دار طيبة.\n\n٢١١ - تفسير الثوري، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٣ هـ.\n\n٢١٢ - تفسير الصنعاني، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ، تحقيق: د. مصطفى مسلم محمد.\n\n٢١٣ - تفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني، تحقيق أبي تميم ياسر بن إبراهيم، أبي بلال غنيم بن عباس بن غنيم، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٦٧ م، دار الوطن.\n\n٢١٤ - تفسير القرطبي - الجامع لأحكام القرآن.\n\n٢١٥ - تقريب التهذيب لابن حجر، تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد - سوريا، ط ١: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨١ م.\n\n٢١٦ - تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، تحقيق أبي الأشبال الباكستاني، دار العاصمة، ط ١: ١٤١٦ م.\n\n٢١٧ - التقييد والإيضاح للعراقي، دار الفكر للنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الأولى: ١٣٨٩ هـ - ١٩٧٠ م، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان.\n\n٢١٨ - تكملة إكمال الإكمال لابن عبد الغني البغدادي، جامعة أم القرى، ط ١: ١٤١٠ هـ، تحقيق: عبد القيوم عبد رب النبي.","vol":"3","page":1491},{"text":"٢١٩ - تلبيس إبليس لابن الجوزي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، تحقيق: د. السيد الجميلي.\n\n٢٢٠ - التلخيص الحبير لابن حجر، المدينة المنورة، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م، تحقيق: السيد عبد اللَّه هاشم اليماني المدني.\n\n٢٢١ - التمهيد لابن عبد البر، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، ١٣٨٧ هـ، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري.\n\n٢٢٢ - التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان بن عفان -﵁- لأبي بكر الأندلسي، ت: د. كرم جاعي، دار الآفاق العربية، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n\n٢٢٣ - التمييز والفصل بين المتفق في الخط والنقط والشكل، لابن باطيش، تحقيق: عبد الحفيظ منصور، دار الكتاب العربي - بيروت ١٩٨٣ م.\n\n٢٢٤ - تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار، د. صالح السحيمي، تقديم الشيخ صالح الفوزان، والشيخ حمود التويجري، ط ١: ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م.\n\n٢٢٥ - التنبيه والرد للملطي، المكتبة الأزهرية للتراث - القاهرة، الطبعة الثانية: ١٩٧٧ هـ، تحقيق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري.\n\n٢٢٦ - التهجد وقيام الليل، لابن أبي الدنيا، تحقيق ودراسة: مصلح بن جزاء الحارثي، مكتبة الرشد، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٨ م.\n\n٢٢٧ - التهجد وما ورد في ذلك من الكتب الصحاح وعن العماء","vol":"3","page":1492},{"text":"والصلحاء والزهاد ﵃ لعبد الحق الإشبيلي، تحقيق مسعد عبد الحميد السعدني، أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن.\n\n٢٢٨ - تهذيب الآثار لابن جرير، مسند علي، مطبعة المدني، تحقيق: محمود شاكر.\n\n٢٢٩ - تهذيب الأسماء واللغات للنووي، دار الفكر، ط ١: ١٩٩٦ م.\n\n٢٣٠ - تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، باعتناء إبراهيم الزيبق وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط ١: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n\n٢٣١ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال لأبي الحجاج المزي، تحقيق بشار عوادن ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٨، مؤسسة الرسالة.\n\n٢٣٢ - تهذيب مستمر الأوهام لابن ماكولا، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤١٠ هـ، تحقيق: سيد كسروي.\n\n٢٣٣ - التواضع والخمول لابن أبي الدنيا، دار الاعتصام القاهرة، تحقيق: لطفي محمد الصغير، ١٩٨٨ م.\nالتواضع والخمول لابن أبي الدنيا، دار الكتب العلمية، تحقيق: محمد عطا، ط ١: ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n\n٢٣٤ - التوبة لابن أبي الدنيا، مكتبة دار القرآن القاهرة، تحقيق: مجدي السيد، ١٩٩١ م.\n\n٢٣٥ - التوسل أنواعه وأحكامه، الألباني ألف بينها ونسقها محمد العباسي، المكتب الإسلامي، ط ٥.","vol":"3","page":1493},{"text":"٢٣٦ - التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع، لمحمد نسيب الرفاعي، دار لبنان، ط ٤.\n\n٢٣٧ - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار للصنعاني، المكتبة السلفية - المدينة المنورة، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد.\n\n٢٣٨ - توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم لأحمد بن إبراهيم بن عيسى، المكتب الإسلامي، ط ٣: ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م.\n\n٢٣٩ - التوكل على اللَّه، لابن أبي الدنيا، تحقيق وتعليق: جاسم الفهيد الدوسري، دار البشائر الإسلامية، ط ١: ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n\n٢٤٠ - التوكل على اللَّه، لابن أبي الدنيا، تحقيق: عبد اللَّه بدران، زاهر أبو داود، مكتبة المنار، ط ١.\n\n٢٤١ - التوكل على اللَّه، لابن أبي الدنيا، شرح وتحقيق: سالم بن أحمد بن عبد الهادي، مكتبة التراث الإسلامي.\n\n٢٤٢ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد اللَّه ابن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، ط ٣: ١٣٩٧ هـ.\n\n٢٤٣ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان = المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمان بن ناصر السعدي.\n\n٢٤٤ - الثبات عند الممات لابن الجوزي، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ، تحقيق: عبد اللَّه الليثي الأنصاري.","vol":"3","page":1494},{"text":"٢٤٥ - الثقات لابن حبان، دار الفكر، الطبعة الأولى: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد.\n\n٢٤٦ - الثقات للعجلي، مكتبة الدار - المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، تحقيق: عبد العليم عبد العظيم البستوي.\n\n٢٤٧ - جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الثانية: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.\n\n٢٤٨ - جامع الرسائل والمسائل لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد رفيق سالم.\n\n٢٤٩ - الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي لأبي عيسى الترمذي، تحقيق: كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية.\n\n٢٥٠ - الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني، عالم الكتب، ط ١: ١٤٠٦ هـ.\n\n٢٥١ - جامع العلوم والحكم لابن رجب، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ.\n\n٢٥٢ - الجامع في الحديث لابن وهب، دار ابن الجوزي، تحقيق: مصطفى أبو الخير.\n\n٢٥٣ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، مكتبة المعارف - الرياض، ١٤٠٣ هـ، تحقيق: د. محمود الطحان.","vol":"3","page":1495},{"text":"٢٥٤ - الجامع لمعمر = مصنف عبد الرزاق.\n\n٢٥٥ - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، دار الكتب العلمية، ط ١، عن الهندية.\n\n٢٥٦ - الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى: ١٢٧١ هـ - ١٩٥٢ م.\n\n٢٥٧ - جريدة المسلمون.\n\n٢٥٨ - الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي للمعافى النهرواني، عالم الكتب، ط ١: ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م، تحقيق: محمد الخولي.\n\n٢٥٩ - جمع الجوامع للسيوطي، الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n\n٢٦٠ - جمع الجواهر للقيرواني، دار المناهل، ١٩٩٣ م.\n\n٢٦١ - جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، دار الفكر، الطبعة الثانية: ١٩٨٨ م، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش.\n\n٢٦٢ - جمهرة خطب العرب لأحمد زكي، المكتبة العلمية - بيروت.\n\n٢٦٣ - الجهاد لابن أبي عاصم، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ، تحقيق: مساعد بن سليمان الراشد الحميد.\n\n٢٦٤ - الجهاد لابن المبارك، التونسية للنشر - تونس: ١٩٧٢ م، تحقيق: نزيه حماد.\n\n٢٦٥ - جهود العلماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة للدكتور التهامي، دار الرسالة الجزائر، ط ١: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.","vol":"3","page":1496},{"text":"٢٦٦ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ، تحقيق: د. علي حسن ناصر، د. عبد العزيز إبراهيم العسكر، د. حمدان محمد.\n\n٢٦٧ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء)، دار الكتب العلمية - بيروت.\n\n٢٦٨ - الجواهر الحسان الثعالبي، دار إحياء التراث العربي، تحقيق: علي عوض - عادل الموجود، ط ١: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n\n٢٦٩ - الجوع لابن أبي الدنيا، دار ابن حزم، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، ١٤١٧ هـ.\n\n٢٧٠ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم، دار الكتب العلمية - بيروت.\n\n٢٧١ - حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية: ١٤١٥ هـ.\n\n٢٧٢ - حاشية ابن عابدين، دار الفكر، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n\n٢٧٣ - الحاوي للفتاوي للسيوطي، دار الكتاب العربي.\n\n٢٧٤ - الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، تحقيق: سعيد بسيوني زغلول.\n\n٢٧٥ - الحث على التجارة والصناعة والعمل، لأبي بكر الخلال، دار العاصمة، ت: أبي عبد اللَّه محمود الحداد، ط ١: ١٤٠٧ هـ.","vol":"3","page":1497},{"text":"٢٧٦ - الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لأبي القاسم التميمي، تحقيق: د/ محمد بن ربيع بن الهادي المدخلي ود/ محمد أبو رحيم، دار الراية ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n\n٢٧٧ - حسن الظن باللَّه، لابن أبي الدنيا، تحقيق وتعليق: مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن.\n\n٢٧٨ - حسن الظن باللَّه، لابن أبي الدنيا، دراسة وتحقيق: عبد الحميد شاحونة، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٢٧٩ - الحطة في ذكر الصحاح الستة، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n\n٢٨٠ - حقوق النبي -ﷺ- على أمته للدكتور محمد بن خليفة التميمي، دار أضواء السلف، ط ١: ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n\n٢٨١ - حلم معاوية ﵁، تحقيق: إبراهيم صالح، نوادر الرسائل رقم (١٩).\n\n٢٨٢ - الحلم، لابن أبي الدنيا، دراسة وتحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٢٨٣ - حلية الأولياء لأبي نعيم، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الرابعة: ١٤٠٥ هـ.\n\n٢٨٤ - حماسة البحتري لأبي تمام البحتري، بعناية لويس شيخو اليسوعي، بيروت: ١٩٦٧ م.","vol":"3","page":1498},{"text":"٢٨٥ - الحوادث والبدع للطرطوشي، دار المغرب الإسلامي، ط ١: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م، تحقيق: عبد المجيد تركي.\n\n٢٨٦ - الحوض والكوثر لبقي بن مخلد، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ، تحقيق: عبد القادر محمد عطا صوفي.\n\n٢٨٧ - حياة الحيوان للدميري، شركة مصطفى الحلبي، ط ٤: ١٣٨٩ هـ - ١٩٧١ م.\n\n٢٨٨ - الخصائص الكبرى للسيوطي، توزيع دار الباز مكة.\n\n٢٨٩ - الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها ليوسف العش، المكتبة العربية بدمشق، ١٩٤٥ م.\n\n٢٩٠ - الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها، للدكتور غالب العواجي، مكتبة لينة، ط ١: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n\n٢٩١ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين السيوطي، دار المعرفة.\n\n٢٩٢ - درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ط ١: ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، تحقيق: محمد رشاد سالم.\nدرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، دار الكنوز الأدبية - الرياض، ١٣٩١ هـ، تحقيق: محمد رشاد سالم.\n\n٢٩٣ - الدراري المضية للشوكاني، دار الجيل - بيروت، ١٤٠٧ هـ -","vol":"3","page":1499},{"text":"١٩٨٧ م.\n\n٢٩٤ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: السيد عبد اللَّه هاشم اليماني.\n\n٢٩٥ - الدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم، مطبعة المدني، ط ١: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨، تحقيق: أحمد حيدر، سعيد القزقي.\n\n٢٩٦ - الدرر السنية الأجوبة النجدية جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط ٥: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٢ م.\n\n٢٩٧ - الدعاء للطبراني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.\n\n٢٩٨ - دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد لأبي بكر الحصني، المكتبة الأزهرية للتراث - القاهرة، تحقيق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري.\n\n٢٩٩ - دلائل النبوة للأصفهاني، دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ، تحقيق: محمد محمد الحداد.\n\n٣٠٠ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، للبيهقي، تحقيق د/ عبد المعطى القلعجي، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n\n٣٠١ - دول الإسلام للذهبي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n\n٣٠٢ - الديات لابن أبي عاصم، دار القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي،","vol":"3","page":1500},{"text":"١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n\n٣٠٣ - الديباج المذهب في معرفة أعيان فقهاء المذهب لابن فرحون، دار الكتب العلمية.\n\n٣٠٤ - الدين الخالص للسيد محمد صديق حسن خان القنوجي البخاري، مكتبة دار التراث.\n\n٣٠٥ - ديوان أبي العتاهية، دار بيروت، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n\n٣٠٦ - ديوان الشافعي، دار الكتاب العربي، تحقيق: إيميل بديع، ط ١: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n\n٣٠٧ - ديوان محمود الوراق، جمع: أ. د وليد قصاب، ط: ١: ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م، مؤسسة الفنون.\n\n٣٠٨ - ذكر الموت، جمع مشهور حسن.\n\n٣٠٩ - ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق، تحقيق: د. محمد نغش.\n\n٣١٠ - ذم البغي، لابن أبي الدنيا، قدم له وحققه وعلق عليه: د. نجم عبد الرحمن خلف، دار الراية، ط ١: ١٤٠٩ هـ، ١٩٨٨ م.\n\n٣١١ - ذم الدنيا لابن أبي الدنيا، مكتبة القرآن القاهرة، تحقيق: مجدي السيد، ١٤٠٨ هـ.\n\n٣١٢ - ذم المسكر، لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد يونس شعيب، دار البيارق، ط ١: ١٤١٩ هـ، ١٩٩٩ م.\n\n٣١٣ - ذم المسكر، لابن أبي الدنيا، حققه وعلق عليه: ياسين محمد","vol":"3","page":1501},{"text":"السواس، دار البشائر، ط ١: ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n\n٣١٤ - ذم الملاهي، لابن أبي الدنيا، تحقيق ودراسة: عمرو عبد المنعم سليم، مكتبة ابن تيمية، ط ١: ١٤١٦ هـ.\n\n٣١٥ - الذيل على جزء بقي بن مخلد في الحوض والكوثر لابن بشكوال، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ، تحقيق: عبد القادر محمد عطا صوفي.\n\n٣١٦ - رؤية اللَّه للدارقطني، مكتبة القرآن - القاهرة، تحقيق: مبروك إسماعيل مبروك.\n\n٣١٧ - الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري، مكتبة دار السلام، ط ٩: ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n\n٣١٨ - الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى: ١٣٩٣ هـ، تحقيق: زهير الشاويش.\n\n٣١٩ - الرد على البكري، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٤١٧ هـ، تحقيق: محمد علي عجال.\n\n٣٢٠ - الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي، تحقيق بدر البدر ط ٢: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م، دار ابن كثير الكويت.\n\n٣٢١ - الرد على المنطقيين لابن تيمية، دار المعرفة بيروت، تقديم السيد سليمان الندوي.\n\n٣٢٢ - الردود للشيخ بكر أبو زيد، دار العاصمة، ط ١، ١٤١٤ هـ.","vol":"3","page":1502},{"text":"٣٢٣ - رسائل العدل والتوحيد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، ط ٢: ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n\n٣٢٤ - الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة، جمع وتحقيق ودراسة: د/ عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمدي. دار طيبة، ط ١: ١٩٩١ م -١٤١٢ هـ.\n\n٣٢٥ - رسالة أبي داود لأهل مكة في وصف سننه لأبي داود السجستاني، دار العربية، بيروت، تحقيق: محمد الصباغ.\n\n٣٢٦ - رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن باز، انظر مجموع فتاوى الشيخ.\n\n٣٢٧ - الرسالة التبوذكية لابن القيم، مكتبة التوعية الإسلامية، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n\n٣٢٨ - رسالة الشرك ومظاهره، مبارك بن محمد الميلي، أمين مال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، مركز شؤون الدعوة ط ١.\n\n٣٢٩ - الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات، لأبي عمرو الداني، تحقيق: محمد بن سعيد القحطاني، دار ابن الجوزي، ط ١: ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n\n٣٣٠ - رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري، مكتبة العلوم والحكم - الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م، تحقيق: عبد اللَّه شاكر محمد","vol":"3","page":1503},{"text":"الجنيدي.\n\n٣٣١ - رسالة في تحقيق مسألة علم اللَّه لابن تيمية، انظر: جامع الرسائل والمسائل.\n\n٣٣٢ - رسالة في معنى كون الرب عادلا لابن تيمية = جامع الرسائل والمسائل.\n\n٣٣٣ - الرسالة للقشيري، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٩١٨ هـ - ١٩٩٨ م، تحقيق: خليل منصور.\n\n٣٣٤ - رسالة منسوبة للحسن البصري في القدر، انظر: رسائل العدل والتوحيد.\n\n٣٣٥ - الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٣٣٦ - الرضا عن اللَّه بقضائه، لابن أبي الدنيا، تحقيق: ضياء الحسن السلفي، الدار السلفية، ط ١: ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n\n٣٣٧ - الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا، مكتبة العبيكان الرياض، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، ١٤١٥ هـ.\n\n٣٣٨ - الرقة والبكاء لابن قدامة، ت: عبد الرحيم السلواني، دار زهرالا.\n\n٣٣٩ - الرقة والبكاء لابن قدامة، دار الباز، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، تحقيق: مسعد السعدني.\n\n٣٤٠ - الرقة والبكاء لابن قدامة، دار القلم، ط ١: ١٤١٥ هـ -","vol":"3","page":1504},{"text":"١٩٩٤ م، تحقيق: محمد رمضان خير.\n\n٣٤١ - روح المعاني للألوسي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n\n٣٤٢ - الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء لابن القيم، تحقيق د/ بسام على سلامة العموش، دار ابن تيمية، ط ٢: ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n\n٣٤٣ - الروح لابن القيم، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n\n٣٤٤ - روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد.\n\n٣٤٥ - روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن القيم، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n\n٣٤٦ - الروضة الندية شرح الدرر البهية لصديق حسن خان، مكتبة الكوثر، ط ٤: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م، تحقيق: محمد صبحي الحلاق.\n\n٣٤٧ - رياض الصالحين للنووي، إدارة بناء المساجد والمشاريع الخيرية بالرياض، ط ١٣: ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م، تحقيق: عبد العزيز رباح أحمد الدقاق، مراجعة: شعيب الأرنؤوط.\n\n٣٤٨ - الرياض النضرة في مناقب العشرة لابن جرير، دار المغرب الإسلامي، ط ١: ١٩٩٦ م، تحقيق: عيسى الحميري.\n\n٣٤٩ - زاد المسير لابن الجوزي، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة: ١٤٠٤ هـ.","vol":"3","page":1505},{"text":"٣٥٠ - زاد المعاد لابن القيم، مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية، الطبعة الرابعة عشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط.\n\n٣٥١ - زاد المعاد لابن القيم، مؤسسة الرسالة ط ١: ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط.\n\n٣٥٢ - زهد الثمانية لعلقمة بن مرثد، دار التراث - ١٩٩٩ م، تحقيق الفريوائي.\n\n٣٥٣ - الزهد الكبير للبيهقي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ٣: ١٩٩٦ م، تحقيق: عامر أحمد حيدر.\n\n٣٥٤ - الزهد لابن أبي الدنيا، تحقيق ياسين السواس، وسماه: الزهد؟، وهو ذم الدنيا.\n\n٣٥٥ - الزهد لابن المبارك، دار الكتب العلمية - بيروت، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\n\n٣٥٦ - الزهد لأبي داود، دار المشكاة، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، وأبي بلال غنيم بن عباس، تقديم، محمد عمرو عبد اللطيف، ط ١: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n\n٣٥٧ - الزهد لأحمد، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م، تحقيق: محمد شاهين.\n\n٣٥٨ - الزهد لهناد، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، الطبعة","vol":"3","page":1506},{"text":"الأولى: ١٤٠٦ هـ، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي.\n\n٣٥٩ - الزهد لوكيع، تحقيق: عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ط ١: ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n\n٣٦٠ - الزهد والورع والعبادة، لابن تيمية، مكتبة المنار - الأردن، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ، تحقيق: حماد سلامة، محمد عويضة.\n\n٣٦١ - الزهد وصفة الزاهدين لابن بشر، دار الصحابة للتراث - طنطا، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ، تحقيق: مجدي فتحي السيد.\n\n٣٦٢ - الزواجر عن اقتراف الكبائر، لابن حجر الهيثمي، دار المعرفة، ١٤٠٧ هـ.\n\n٣٦٣ - زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، للدكتور عبد الرزاق البدر، دار القلم والكتاب، ط ١: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n\n٣٦٤ - سؤالات أبي داود للإمام أحمد، مكتبة العلوم والحكم، ط ١: ١٤١ هـ، تحقيق: د. زياد منصور.\n\n٣٦٥ - سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود في الجرح والتعديل، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، مطبوعات المجلس العلمي -٧ -، ط ١: ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، تحقيق: محمد علي العمري.\n\n٣٦٦ - سؤالات البرذعي، دار الوفاء، ط ٢: ١٤٠٩ هـ - تحقيق: د. سعدي الهاشمي.\n\n٣٦٧ - سؤالات البرقاني، كتب خانه جميلي - باكستان، الطبعة الأولى:","vol":"3","page":1507},{"text":"١٤٠٤ هـ، تحقيق: د. عبد الرحيم محمد أحمد القشقري.\n\n٣٦٨ - سبل السلام للأمير الصنعاني، دار إحياء التراث العربي، ط ٤: ١٣٧٩ هـ، تحقيق: محمد الخولي.\n\n٣٦٩ - السبيل الهاد إلى تخريج أحاديث كتاب الجهاد، انظر كتاب الجهاد لابن أبي عاصم.\n\n٣٧٠ - سلاح المؤمن في الدعاء والذكر، لابن الإمام، ت: محي الدين مستو، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، ط ١: ١٤١٤ هـ.\n\n٣٧١ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n\n٣٧٢ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف الرياض، ط هـ: ١٤٠٤ هـ - ١٩٤٨ م.\n\n٣٧٣ - السنة لابن أبي عاصم، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة، للألباني، ط ١: ١٤١٣ هـ، المكتب الإسلامي.\n\n٣٧٤ - السنة للخلال، تحقيق د/ عطية الزهراني، دار الراية، ط ١: ١٤١٠ هـ، ١٩٨٩ م.\n\n٣٧٥ - سنن ابن ماجة حقق نصوصه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه وعلق عليه، محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية.","vol":"3","page":1508},{"text":"٣٧٦ - سنن أبي داود، إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، دار الحديث (طباعة - نشر - وتوزيع) حمص سورية.\n\n٣٧٧ - سنن الدارقطني، دار المعرفة - بيروت، ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م، تحقيق: السيد عبد اللَّه هاشم يماني المدني.\n\n٣٧٨ - سنن الدارمي، تحقيق السيد عبد اللَّه هاشم يماني المدني، نشر حديث أكادمي، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n\n٣٧٩ - سنن الدارمي، دال الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، خالد السبع العلمي.\n\n٣٨٠ - السنن الكبرى للبيهقي، مكتبة دار الباز - مكة المكرمة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، تحقيق: محمد عبد القادر عطا.\n\n٣٨١ - السنن الكبرى للنسائي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، سيد كسروي حسن.\n\n٣٨٢ - سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي، تحقيق مكتب إحياء التراث الإسلامي، مكتبة المؤيد، ط ٢: ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n\n٣٨٣ - سنن النسائي، مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n\n٣٨٤ - السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ، تحقيق: د. ضاء اللَّه بن محمد إدريس","vol":"3","page":1509},{"text":"المباركفوري.\n\n٣٨٥ - سنن سعيد بن منصور، دار الصميعي، ط ١: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، تحقيق: د. سعد الحميد.\n\n٣٨٦ - سير أعلام النبلاء، لشمس الدين الذهبي، إشراف شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط ١٠: ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م.\n\n٣٨٧ - السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، مؤسسة علوم القرآن.\n\n٣٨٨ - السيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي، دار المعرفة، ١٤٠٠ هـ.\n\n٣٨٩ - السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية دراسة تحليلية، للدكتور مهدي رزق اللَّه، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط ١: ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n\n٣٩٠ - سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي، دار عالم الكتب، ط ٦: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، تحقيق: أحمد عبيد.\n\n٣٩١ - سيرة عمر بن عبد العزيز، دار الكتب العلمية، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م، تحقيق: نعيم زرزور.\n\n٣٩٢ - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، إبراهيم بن موسى بن أيوب البرهان الأبناسي، مكتبة الرشد - الرياض - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م، تحقيق: صلاح فتحي.\n\n٣٩٣ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي، دار","vol":"3","page":1510},{"text":"إحياء التراث العربي.\n\n٣٩٤ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، للآلكائي، تحقيق أحمد الغامدي، دار طيبة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n\n٣٩٥ - شرح الزرقاني على الموطأ، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤١١ هـ.\n\n٣٩٦ - شرح السنة للإمام البغوي تحقيق، زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي.\n\n٣٩٧ - شرح السنة للبربهاري، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ، تحقيق: د. محمد سعيد سالم القحطاني.\n\n٣٩٨ - شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، دار المعرفة، ط ١: ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م، تحقيق: عبد المجيد حلبي.\n\n٣٩٩ - شرح العقيدة الأصفهاني، ابن تيمية أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق: إبراهيم سعيداي، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض -، ط ١: ١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م.\n\n٤٠٠ - شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تخريج الألباني، المكتب الإسلامي، ط ٨، ١٤٠٤ هـ.\n\n٤٠١ - شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، دار ابن الجوزي مكتبة شمس، ط ٢: ١٤١٥ هـ، اعتناء سعد بن فواز.\n\n٤٠٢ - شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان، مكتبة المعارف، ط","vol":"3","page":1511},{"text":"٤: ١٤١٠ هـ، ١٩٩٥ م.\n\n٤٠٣ - شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، بالمملكة العربية السعودية، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٢ م.\n\n٤٠٤ - شرح الفقه الأكبر للملا علي القاري، تحقيق على محمد دندل، ط ١٤١٦: ١ هـ، ١٩٩٥ م، دار الكتب العلمية.\n\n٤٠٥ - شرح المقاصد للسعد التفتازاني، تحقيق د/ عبد الرحمن عميرة، طبعة عالم الكتب.\n\n٤٠٦ - الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر، مكتبة الفرقان - عجمان، الطبعة الأولى: ١٩٩٩ م، تحقيق: د. محمد بن عبد الرحمن الخميس.\n\n٤٠٧ - شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي، تحقيق د/ همام عبد الرحيم سعيد، مكتبة المنار، ط ١: ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n\n٤٠٨ - شرح مشكل الآثار للطحاوي، مؤسسة الرسالة، ط ١: ١٤١٥ هـ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط.\n\n٤٠٩ - شرف أصحاب الحديث للخطيب، تحقيق: عمرو عبد المنعم، مكتبة ابن تيمية، ط ١: ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n\n٤١٠ - الشريعة للآجري، تحقيق الدكتور عبد اللَّه الدميجي، دار الوطن، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n\n٤١١ - شعار أصحاب الحديث لأبي أحمد الحاكم، دار الخلفاء -","vol":"3","page":1512},{"text":"الكويت، تحقيق: صبحي السامرائي.\n\n٤١٢ - شعب الإيمان للبيهقي، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، توزيع مكتبة عباس أحمد الباز، ط ١: ١٤١٠ هـ.\n\n٤١٣ - الشفا للقاضي عياض، دار الفكر، مع حاشية: مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للشمني.\n\n٤١٤ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، دار الفكر - بيروت، ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م، تحقيق: محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي.\n\n٤١٥ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n\n٤١٦ - الشفاعة لمقبل الوادعي، دار الآثار، ط ٣، ١٤٢٠ هـ.\n\n٤١٧ - الشكر للَّه -﷿-، لابن أبي الدنيا، تحقيق وتعليق: ياسين محمد السواس، راجعه وخرج أحاديثه: عبد القادر الأرنؤوط، دار ابن كثير، ط ٢: ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n\n٤١٨ - الشكر للَّه -﷿-، لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٤١٩ - الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية للترمذي، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ، تحقيق: سيد عباس","vol":"3","page":1513},{"text":"الجليمي.\n\n٤٢٠ - الصارم المسلول لابن تيمية، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٧ هـ، تحقيق: محمد عبد اللَّه عمر الحلواني، محمد كبير أحمد شودري.\n\n٤٢١ - صبح الأعشى في صناعة الإنشا، للقلقشندي، دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى: ١٩٨٧ م، تحقيق: د. يوسف علي طويلص.\n\n٤٢٢ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان لابن حبان، مؤسسة الرسالة - بيروت، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثانية: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n\n٤٢٣ - صحيح البخاري - الجامع الصحيح المختصر - للبخاري، دار ابن كثير، الطبعة الثالثة: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا.\n\n٤٢٤ - صحيح الترمذي للألباني، انظر سنن الترمذي بتحقيق مشهور حسن، مكتبة المعارف ط ١.\n\n٤٢٥ - صحيح السيرة النبوية للألباني، المكتبة الإسلامية، الطبعة الأولى.\n\n٤٢٦ - صحيح الكلم الطيب للألباني، مكتبة المعارف ط ٨.\n\n٤٢٧ - صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.\n\n٤٢٨ - صحيح مسلم، طبعة دار الريان.","vol":"3","page":1514},{"text":"٤٢٩ - صريح السنة للطبري، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ، تحقيق: بدر يوسف المعتوق.\n\n٤٣٠ - الصفات للحازمي، تحقيق: عبد الحميد نشاطي، تقديم صفي الرحمن المباركفوري، دار الطحاوي الرياض، ط ١: ١٤١٥ هـ.\n\n٤٣١ - صفة الجنة لابن أبي الدنيا، مكتبة القرآن القاهرة، تحقيق: طارق طنطاوي، ١٩٩٤ م.\n\n٤٣٢ - صفة الجنة لأبي نعيم، دار المأمون للتراث، ط ٢: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، تحقيق: علي رضا.\n\n٤٣٣ - صفة الصفوة لابن الجوزي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية: ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، تحقيق: محمود فاخوري - د. محمد رواس قلعه جي.\n\n٤٣٤ - صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لابن حمدان، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الرابعة: ١٤٠٤ هـ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني.\n\n٤٣٥ - صفة النفاق وذم المنافقين، للفريابي، ت: عبد الرقيب بن علي، دار الحلفاء، ط ١: ١٤٠٥ هـ.\n\n٤٣٦ - الصفدية لشيخ الإسلام ابن تيمية، مكتبة ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، ط ٢: ١٤٠٦ هـ.\n\n٤٣٧ - الصلاة وحكم تاركها وسياق صلاة النبي -ﷺ- من حين كان يكبر إلى أن يفرغ منها لابن القيم، دار ابن حزم، الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ -","vol":"3","page":1515},{"text":"١٩٩٦ م، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي.\n\n٤٣٨ - الصمت وآداب اللسان، لابن أبي الدنيا، حققه وخرج أحاديثه: أبو إسحاق الحويني، دار الكتاب العربي، ط ١: ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n\n٤٣٩ - الصمت وآداب اللسان، لابن أبي الدنيا، مع ترجمة ضافية لابن أبي الدنيا، دراسة وتحقيق: نجم عبد الرحمن خلف، دار المغرب الإسلامي، ط ١: ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م.\n\n٤٤٠ - الصمت وحفظ اللسان، لابن أبي الدنيا، تحقيق وتعليق: د. محمد أحمد عاشور، دار الاعتصام.\n\n٤٤١ - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة للهيتمي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى: ١٩٩٧ م، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد اللَّه التركي وكامل محمد الخراط.\n\n٤٤٢ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، - تحقيق د/ على بن محمد الدخيل اللَّه، دار العاصمة، النشرة الثانية: ١٤١٢ هـ.\n\n٤٤٣ - صيد الخاطر لابن الجوزي، ت: أسامة محمد العيد، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ٥: ١٤١٧ هـ.\n\n٤٤٤ - الضعفاء الكبير للعقيلي، دار المكتبة العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي.\n\n٤٤٥ - الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي، دار الوعي - حلب، الطبعة الأولى: ١٣٦٩ هـ، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.","vol":"3","page":1516},{"text":"٤٤٦ - ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير)، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ٣: ١٤١٠ هـ.\n\n٤٤٧ - ضوابط في الجرح والتعديل، لعبد العزيز العبد اللطيف، مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n\n٤٤٨ - طبقات الحفاظ للسيوطي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n\n٤٤٩ - طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى، دار المعرفة.\n\n٤٥٠ - طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، ت: محمد الطناحي، عبد الفتاح الحلو، دار إحياء الكتب العربية، ط ٢.\n\n٤٥١ - طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي، ط ٣: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n\n٤٥٢ - الطبقات الكبرى لابن سعد، دار صادر - بيروت.\n\n٤٥٣ - طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق عبد الغفور البلوشي، مؤسسة الرسالة، ط ١: ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n\n٤٥٤ - طبقات فحول العشراء للجمحي، دار المدني - جدة، تحقيق: محمود محمد شاكر.\n\n٤٥٥ - طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الثانية: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، تحقيق: عمر بن محمود أبو","vol":"3","page":1517},{"text":"عمر.\n\n٤٥٦ - ظلال الجنة تخريج السنة للألباني، انظر السنة لابن أبي عاصم.\n\n٤٥٧ - العاقبة في ذكر الموت لابن الجوزي، مكتبة دار الأقصى - الكويت، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: خضر محمد خضر.\n\n٤٥٨ - العاقبة للإشبيلي، مكتبة دار الباز، ط ١: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n\n٤٥٩ - العبر في خبر من غبر، للذهبي، ت: بسيوني زغلول، دار الكتب العربية، ط ١: ١٤٠٥ هـ.\n\n٤٦٠ - عدة الصابرين لابن القيم، دار الكتب العلمية - بيروت، تحقيق: زكريا علي يوسف.\n\n٤٦١ - العرش للذهبي، تحقيق: أ. د. محمد خليفة التميمي، دار أضواء السلف، ط ١: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م مطبوعات عمادة البحث العلمي رقم (٢٨).\n\n٤٦٢ - العزلة والانفراد لابن أبي الدنيا، تحقيق: مشهور حسن سلمان، دار الوطن، ١٤١٧ هـ.\n\n٤٦٣ - العزلة للخطابي، ت: ياسين السواسي، دار ابن كثير، ط ٢: ١٤١٠ هـ.\n\n٤٦٤ - عصمة الأنبياء والرد على الشبه الوجهة إليهم للدكتور محمد الحديدي، مطبعة الأمانة، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.","vol":"3","page":1518},{"text":"٤٦٥ - العظمة لأبي الشيخ، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ، تحقيق: رضاء اللَّه بن محمد إدريس المباركفوري.\n\n٤٦٦ - العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية رواية محمد الصالح رمضان، للشيخ عبد الحميد بن باديس الجزائري، دار الفتح - الشارقة، الطبعة الأولى: ١٩٩٥ م، تحقيق: محمد الصالح رمضان.\n\n٤٦٧ - العقل وفضله، لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، يسري عبد الغني عبد اللَّه، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٤٦٨ - العقوبات لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، ١٤١٦ هـ.\n\n٤٦٩ - عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني، تحقيق ناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع، طبعة دار العاصمة للنشر والتوزيع.\n\n٤٧٠ - علل الأحاديث في كتاب صحيح مسلم، للشهيد عمار، ت: خالد القيسي، ط ١١، ١٤٣٠ هـ.\n\n٤٧١ - علل الحديث لابن أبي حاتم الرازي، دار المعرفة، ١٤٠٥ هـ، تحقيق: محب الدين الخطيب.\n\n٤٧٢ - علل الحديث لابن أبي حاتم، تحقيق: نشأت بن كمال المصري، مكتبة الضياء، ط ١: ١٤٢٣ هـ.\n\n٤٧٣ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي، إدارة العلوم","vol":"3","page":1519},{"text":"الأثرية، تحقيق إرشاد الحق الأثري، ط ٢: ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م.\n\n٤٧٤ - العلل المتناهية لابن الجوزي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٣ هـ، تحقيق: خليل الميس.\n\n٤٧٥ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية للدارقطني، تحقيق محفوظ الرحمن زين اللَّه السلفي، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م، دار طيبة.\n\n٤٧٦ - العلل ومعرفة الرجال لأحمد، المكتب الإسلامي، دار الخاني، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، تحقيق: وصي اللَّه بن محمد عباس.\n\n٤٧٧ - العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها للذهبي، اعتنى به: أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف، ط ١: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n\n٤٧٨ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري المسمى بالعيني على البخاري، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.\n\n٤٧٩ - العمر والشيب، لابن أبي الدنيا، قدم له وحققه وعلق عليه: د. نجم عبد الرحمن خلف، مكتبة الرشد، ط ١: ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n\n٤٨٠ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ط ١: ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م، مؤسسة الرسالة.\n\n٤٨١ - العيال لابن أبي الدنيا، تحقق: د. نجم خلف، دار ابن اليم، ١٤١٠ هـ.","vol":"3","page":1520},{"text":"٤٨٢ - العيال لابن أبي الدنيا، تحقيق: مسعد السعدني، مكتبة القرآن القاهرة، ١٩٩٤ م.\n\n٤٨٣ - العين والأثر في عقائد أهل الأثر للمواهبي، دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الأولى: ١٩٨٧ م، تحقيق: عصام رواس قلعجي.\n\n٤٨٤ - غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٥ هـ.\n\n٤٨٥ - غريب الحديث لابن الجوزي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: ١٩٨٥ م، تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي.\n\n٤٨٦ - غريب الحديث لابن قتيبة، مطبعة العاني - بغداد، الطبعة الأولى: ١٣٩٧ هـ، تحقيق: د. عبد اللَّه الجبوري.\n\n٤٨٧ - غريب الحديث لأبي عبيد، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى: ١٣٩٦ هـ، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان.\n\n٤٨٨ - غريب الحديث للحربي، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ، تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد.\n\n٤٨٩ - غريب الحديث للخطابي، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، ١٤٠٢ هـ، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم العزباوي.\n\n٤٩٠ - الغنية لطالبي طريق الحق للشيخ عبد القادر الجيلاني، ت: عصام الحرستاني، دار الجيل، ط ١: ١٤٢٠ هـ.\n\n٤٩١ - غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال، عالم الكتب، ط ١:","vol":"3","page":1521},{"text":"١٤٠٧ هـ، تحقيق: عز الدين السيد، محمد كمال الدين.\n\n٤٩٢ - الغيبة والنميمة، لابن أبي الدنيا، حققه وعلق عليه: عمرو علي عمر، دار الثقافية العربية، ط ٢: ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م.\n\n٤٩٣ - الغيبة والنميمة، لابن أبي الدنيا، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٤٩٤ - الفائق للزمخشري، دار المعرفة - لبنان، الطبعة الثانية، تحقيق: على محمد البجاوي - محمد أبو الفضل إبراهيم.\n\n٤٩٥ - الفتاوى الكبرى لابن تيمية، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى: ١٣٨٦ هـ، تحقيق: حسنين محمد مخلوف.\n\n٤٩٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن حجر العسقلاني، ترقيم فؤاد عبد الباقي وإشراف محمد الدين الخطيب، دار المعرفة.\n\n٤٩٧ - فتح الباري لابن رجب، مكتبة الغرباء الأثرية.\n\n٤٩٨ - الفتح السماوي للمناوي، ت: أحمد المجتبى، دار العاصمة.\n\n٤٩٩ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن الشوكاني، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.\n\n٥٠٠ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، تحقيق أشرف بن عبد المقصود، مؤسسة قرطبة.\n\n٥٠١ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: ١٤٠٣ هـ.","vol":"3","page":1522},{"text":"٥٠٢ - الفتن لنعيم، مكتبة التوحيد - القاهرة، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ، تحقيق: سمير أمين الزهيري.\n\n٥٠٣ - فتوح البلدان للبلاذري، دار الكتب العلمية، ١٤٥٣ هـ، تحقيق: رضوان رضوان.\n\n٥٠٤ - فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف لابن العطار، دار العاصمة الرياض، ط ١: ١٤٠٩ هـ، تحقيق: عبد اللَّه يوسف الجديع.\n\n٥٠٥ - الفرج بعد الشدة للتنوخي، ت: د. عبود الشالجي، دار ١٣٩٨ هـ.\n\n٥٠٦ - الفرج بعد الشدّة، لابن أبي الدنيا، حققه وعلق عليه: ياسين محمد السواس، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرنؤوط، ط ١: ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n\n٥٠٧ - الفرج بعد الشدّة، لابن أبي الدنيا، خرجه وعلق عليه: أبو حذيفة عبيد اللَّه بن عالية، دار الشرق العربي، ط ١: ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n\n٥٠٨ - فرق وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار، تحقيق: علي سامي النشار وعصام الدين محمد علي، دار المطبوعات الجامعية ١٩٧٢ م.\n\n٥٠٩ - الفصل لابن حزم، مكتبة الخانجي - القاهرة.\n\n٥١٠ - فصول من كتاب الانتصار لأصحاب الحديث للسمعاني، مكتبة أضواء المنار - المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٩٩٦ م، تحقيق: محمد بن حسين بن حسن الجيزاني.\n\n٥١١ - فضائل الأعمال لابن شاهين، تحقيق: صالح الوعيل، إشراف:","vol":"3","page":1523},{"text":"د. أكرم العمري، دار ابن الجوزي، ط ١: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n\n٥١٢ - فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق وصي اللَّه بن محمد عباس، مؤسسة الرسالة، ط ١: ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n\n٥١٣ - فضائل القرآن لابن كثير، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، مكتبة ابن تيمية، ط ١: ١٤١٦ هـ.\n\n٥١٤ - فضائل القرآن لأبي عبيد، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، تحقيق: أحمد الخياطي.\n\n٥١٥ - فضائل رمضان لابن أبي الدنيا، تحقيق: عبد اللَّه المنصور، دار السلف الرياض، ١٤١٥ هـ.\n\n٥١٦ - فضيلة الشكر لخرائطى، دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى: ١٤٠٢ هـ، تحقيق: محمد مطيع الحافظ، د. عبد الكريم اليافي.\n\n٥١٧ - فقه السيرة للغزالي، تخريج الألباني، دار القلم - دمشق، الطبعة السابعة ١٩٩٨ م.\n\n٥١٨ - الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري، دار الباز للنشر والتوزيع، ط ٢.\n\n٥١٩ - الفقه في الدين، ناصر بن عبد الكريم العقل، دار إمام الدعوة، د ١، ١٤١٣ هـ.\n\n٥٢٠ - الفقيه والمتفقه للخطيب، دار ابن الجوزي، ط ١: ١٤١٧ هـ، تحقيق: عادل العزازي.","vol":"3","page":1524},{"text":"٥٢١ - الفلاس منهجه وأقواله في الرواة، لمحمد معلوم، ط ١: ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م، مطبعة المحمودية.\n\n٥٢٢ - فنون العجائب لأبي سعيد النقاش، ت: مصطفى عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٠ هـ.\n\n٥٢٣ - الفهرست لابن النديم، دار المعرفة - بيروت، ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨ م.\n\n٥٢٤ - فوائد أبي على الصواف البرتي، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ، تحقيق: محمود بن محمد الحداد.\n\n٥٢٥ - فوائد الليث بن سعد، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، تحقيق: محمد بن رزق الطرهوني.\n\n٥٢٦ - الفوائد المنتخبة العوالي عن الشيوخ الثقات وهو الغيلانيات لأبي بكر الشافعي، دار المأمون للتراث، ط ١: ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م، تحقيق: د. مرزوق الزهراني.\n\n٥٢٧ - الفوائد لابن القيم، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية: ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.\n\n٥٢٨ - فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت.\n\n٥٢٩ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة.","vol":"3","page":1525},{"text":"٥٣٠ - القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان دراسة وتحقيقا للدكتور سعود الخلف، ط ١: ١٤١٠ هـ، دار العاصمة.\n\n٥٣١ - قاعدة في المحبة لابن تيمية، لابن تيمية، مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة، تحقيق: د. محمد رشاد سالم.\n\n٥٣٢ - قاعدة مختصرة في وجوب طاعة اللَّه ورسوله -ﷺ- وولاة الأمور، بتحقيق الدكتور عبد الرزاق العباد، مطبوعات مركز شؤون الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة رقم (١٢٤)، مستلة من مجموع الفتاوى (٣٤/ ٥ - ١٧).\n\n٥٣٣ - القاموس المحيط للفيروزآبادي، دار إحياء التراث العربي، ط ١: ١٤١٢ هـ، ١٩٩١ م.\n\n٥٣٤ - القبور لابن أبي الدنيا، تحقيق: طارق العمودي، مكتبة الغرباء الأثرية، ط ١: ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n\n٥٣٥ - القدر للفريابي، أضواء السلف - الرياض، الطبعة الأولى: ١٩٩٧ م، تحقيق: عبد اللَّه بن حمد المنصور.\n\n٥٣٦ - قرى الضيف، لابن أبي الدنيا، حققه وخرج أحاديثه: عبد اللَّه بن حمد المنصور، أضواء السلف، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n\n٥٣٧ - قصر الأمل لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، ط ١: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n\n٥٣٨ - قصص الأنبياء لابن كثير، ت: مصطفى عبد الواحد، دار الكتب","vol":"3","page":1526},{"text":"الحديثة، ط ١، ١٣٨٨ هـ.\n\n٥٣٩ - قضاء الحوائج، لأبن أبي الدنيا، تحقيق وتعليق: مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن.\n\n٥٤٠ - قضاء الحوائج، لابن أبي الدنيا، تحقيق ودراسة: عمرو عبد المنعم، مكتبة ابن تيمية، ط ١: ١٤١٤ هـ.\n\n٥٤١ - قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، لصديق حسن خان، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى: ١٩٨٤ م، تحقيق: د. عاصم القريوتي.\n\n٥٤٢ - القناعة والتعفف، لابن أبي الدنيا، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٥٤٣ - قواعد في التعامل مع العلماء، عبد الرحمن بن معلا اللويحق، دار الوراق، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n\n٥٤٤ - القول السديد في مقاصد التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ضمن المجموعة الكاملة، ط ١: ١٤١١ هـ، ١٩٩٢ م.\n\n٥٤٥ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للذهبي، دار القبلة للثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م، تحقيق: محمد عوامة.\n\n٥٤٦ - الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثالثة: ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م، تحقيق: يحيى مختار غزاوي.\n\n٥٤٧ - الكامل لابن الأثير، دار الفكر.","vol":"3","page":1527},{"text":"٥٤٨ - الكبائر للذهبي، الناشر: دار الندوة الجديدة - بيروت.\n\n٥٤٩ - الكبائر لمحمد بن عبد الوهاب، تحقيق: أ. د: باسم الجوابرة، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، ط ٢: ١٤٢٠ هـ.\n\n٥٥٠ - كتاب الإيمان لابن تيمية، تحقيق: الألباني، ط ٣: ١٤١١ هـ، ١٩٨٨ م، المكتب الإسلامي.\n\n٥٥١ - كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب -﷿- لابن خزيمة، تحقيق: د. عبد العزيز الشهوان، طبعة مكتبة الرشد، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n\n٥٥٢ - كتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي، دار ومكتبة الهلال، تحقيق: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي.\n\n٥٥٣ - الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسّك بالسنن لأبي حفص ابن شاهين، تحقيق عبد البصيري، ط ١: ١٤٠٤ هـ، مكتبة الغرباء الأثرية.\n\n٥٥٤ - كرامات الأولياء للالكائي، انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة.\n\n٥٥٥ - الكشاف للزمخشري، دار إحياء التراث العربي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي.\n\n٥٥٦ - كشف الأستار بزوائد البزار على الكتب الستة للهيثمي، ط ٢: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\n\n٥٥٧ - الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، لسبط ابن العجمي،","vol":"3","page":1528},{"text":"عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، تحقيق: صبحي السامرائي.\n\n٥٥٨ - كشف الخفاء للعجلوني، ت: أحمد القلاثي، مؤسسة الرسالة، ط ٤، ١٤٠٥ هـ.\n\n٥٥٩ - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، المكتبة العلمية.\n\n٥٦٠ - الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، المكتبة العلمية - المدينة المنورة، تحقيق: أبو عبد اللَّه السورقي، إبراهيم حمدي المدني.\n\n٥٦١ - كلام الليالي والأيام لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير يوسف رمضان، دار ابن حزم، ط ١: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n\n٥٦٢ - الكلم الطيب لابن تيمية، مكتبة المعارف، ط ١: ١٤٢٢ هـ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني.\n\n٥٦٣ - كلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة: ١٣٩٧ هـ، تحقيق: زهير الشاويش.\n\n٥٦٤ - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، للمتقي الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٩٨٩ م.\n\n٥٦٥ - الكنى والأسماء للدولابي، دار ابن حزم، ط ١: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م، تحقيق: أبو قتيبة الفاريابي.\n\n٥٦٦ - الكنى والأسماء لمسلم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط ١: ١٤٠٤ هـ، تحقيق: د. عبد الرحيم القشقري.","vol":"3","page":1529},{"text":"٥٦٧ - الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، دار العلم - الكويت، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.\n\n٥٦٨ - لحوم العلماء مسمومة لناصر بن سليمان العمر.\n\n٥٦٩ - لسان العرب لابن منظور، دار صادر، الطبعة الأولى.\n\n٥٧٠ - لسان الميزان لابن حجر، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثالثة: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: دائرة المعارف النظامية - الهند.\n\n٥٧١ - لطائف المعارف لابن رجب فيما لمواسم العام من الظائف لابن رجب، مكتبة المدائة بالرياض، تعليق: د. محمد الإسكندراني.\n\n٥٧٢ - لقط المرجان للسيوطي، دار الباز، ط ١: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.\n\n٥٧٣ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n\n٥٧٤ - لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة، الدار السلفية، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ، تحقيق: بدر بن عبد اللَّه البدر.\n\n٥٧٥ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية لمحمد السفاريني، ط ١٤١١ هـ، ١٩٩١ م، المكتب الإسلامي.\n\n٥٧٦ - مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، إعداد عبد العزيز الرومي، د/ محمد البلتاجي، د/ سيد حجاب، جامعة الإمام محمد بن سعود","vol":"3","page":1530},{"text":"الإسلامية.\n\n٥٧٧ - المبسوط لشمس الدين السرخسي، تصنيف الشيخ خليل الميس مدير أزهر لبنان، دار المعرفة.\n\n٥٧٨ - المتحابين في اللَّه لابن قدامة المقدسي دار الطباع - دمشق الطبعة الأول ١٤١١ - ١٩٩١.\n\n٥٧٩ - متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار المعتزلي، تحقيق: عدنان زرزور، مكتبة دار التراث.\n\n٥٨٠ - المتمنين، لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n\n٥٨١ - المتوارين لعبد الغني الأزدي، دار القلم، ط ١: ١٤١٠ هـ، تحقيق: مشهور حسن.\n\n٥٨٢ - مجابو الدعوة، لابن أبي الدنيا، تحقيق وتعليق: مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن.\n\n٥٨٣ - المجالسة للدينوري، دار ابن حزم، ط ١: ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م، تحقيق: مشهور حسن.\n\n٥٨٤ - المجروحين لابن حبان، دار الوعي - حلب، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.\n\n٥٨٥ - مجمع الأمثال للميداني، دار المعرفة - بيروت، تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد.","vol":"3","page":1531},{"text":"٥٨٦ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لأبي بكر الهيثمي، ط ٣: ١٤٠٢ هـ، ١٩٨٢ م، دار الكتاب العربي.\nمجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، دار الفكر، ١٤١٢ هـ.\n\n٥٨٧ - مجموع الفتاوى، لابن تيمية حمع عبد الرحمان بن قاسم وابنه دار عالم الكتب.\n\n٥٨٨ - مجموعة أجزاء حديثية لأبي موسى المديني بتحقيق مشهور حسن.\n\n٥٨٩ - المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمان بن ناصر السعدي، مركز الصالح بن صالح الثقافي بعنيزة، ط ٢.\n\n٥٩٠ - محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، تحقيق مجدي السيد، مكتبة الساعي، ١٩٨٧ م.\nمحاسبة النفس لابن أبي الدنيا، تحقيق: مصطفى عوض، دار الكتب العلمية، ١٤٠٦ هـ.\n\n٥٩١ - المحتضرين لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، ١٤١٧ هـ.\n\n٥٩٢ - المحجة البيضاء في الذب عن أئمة السنة الغراء، عبد الرحمن الرحمة، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n\n٥٩٣ - المحلى بالآثار لابن حزم، دار الكتب العلمية، ١٤٠٨ هـ.\n\n٥٩٤ - مختار الصحاح، لعبد القادر الرازي، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، تحقيق: محمود خاطر.","vol":"3","page":1532},{"text":"٥٩٥ - مختصر العلو للعلي الغفار. تأليف الذهبي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، أشرف عليه زهر الشاويش. المكتب الإسلامي، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.\n\n٥٩٦ - مختصر قيام الليل لمقريزي، أحاديث أكادمي فيصل أباد، باكستان، ط ١: ١٤٠٢ هـ.\n\n٥٩٧ - المختلطين للعلائي، تحقيق: د. رفعت عبد اللطيف، علي مزيد، مكتبة الخانجي، ط ١: ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n\n٥٩٨ - مختلف الحديث لابن قتيبة، دار الجيل، ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٢ م، تحقيق: محمد زهري النجار.\n\n٥٩٩ - مداراة الناس لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، ط ١: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n\n٦٠٠ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية: ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م، تحقيق: محمد حامد الفقي.\n\n٦٠١ - المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، ١٤٠٤ هـ، تحقيق: محمد ضياء الأعظمي.\n\n٦٠٢ - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لابن بدران، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية: ١٤٠١ هـ، تحقيق: د. عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي.","vol":"3","page":1533},{"text":"٦٠٣ - مذهب التفويض في نصوص الصفات للدكتور أحمد القاضي، دار العاصمة، ط ١: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n\n٦٠٤ - المراسيل لابن أبي حاتم الرازي، تحقيق: شكر اللَّه نعمة اللَّه قوجاني، مؤسسة الرسالة، ط ٢: ١٤٠٢ هـ.\n\n٦٠٥ - المراسيل لأبي داود، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط ١: ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n\n٦٠٦ - المرض والكفارات لابن أبي الدنيا، تحقيق: عبد الوكيل الندوي، الدار السلفية بالهند، ١٤١١ هـ.\n\n٦٠٧ - مرهم العلل المضلة في الرد على أئمة المعتزلة لليافعي، دار الجيل، الطبعة الأولى: ١٩٩٢ م، تحقيق: محمود محمد محمود حسن نصار.\n\n٦٠٨ - مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي، طبع في باريس عام ١٩٣٠ م.\n\n٦٠٩ - المستدرك على الصحيحين للحاكم، دار المعرفة.\nالمستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.\n\n٦١٠ - المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية: ١٩٨٦ م، تحقيق: د. مفيد محمد قميحة.\n\n٦١١ - مسند ابن الجعد، مؤسسة نادر، الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م، تحقيق: عامر أحمد حيدر.","vol":"3","page":1534},{"text":"٦١٢ - مسند أبي بكر الصديق -﵁- للمروزي، المكتب الإسلامي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط.\n\n٦١٣ - مسند أبي يعلي، دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، تحقيق: حسين سليم أسد.\n\n٦١٤ - مسند إسحاق ابن راهوية، مكتبة الإيمان - المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م، تحقيق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي.\n\n٦١٥ - مسند الإمام أحمد، مؤسسة الرسالة، ط ١: ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م، إشراف الشيخ: شعيب الأرنؤوط.\n\n٦١٦ - مسند البزار، مؤسسة علوم القرآن، ط ١: ١٤٠٩ هـ، محفوظ الرحمن زين اللَّه.\n\n٦١٧ - مسند الحميدي، دار الكتب العلمية، مكتبة المتنبي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\n\n٦١٨ - مسند الربيع للربيع بن حبيب، دار الحكمة، ط ١: ١٤١٥ هـ، تحقيق: محمد غدريس - عاشور يوسف.\n\n٦١٩ - مسند الروياني، مؤسسة قرطبة، ط ١: ١٤١٦ هـ، تحقيق: أيمن أبو يماني.\n\n٦٢٠ - مسند الشاميين للطبراني، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٤ م، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.","vol":"3","page":1535},{"text":"٦٢١ - مسند الفردوس للديلمي - الفردوس بأثور الخطاب - لأبي شجاع ألكيا، دار الكتب العلمية، ط ١: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، تحقيق: السعيد بسيوني زغلول.\n\n٦٢٢ - مشاهير علماء الأمصار للذهبي، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٩٥٩ م، تحقيق: م. فلايشمهمر.\n\n٦٢٣ - مشكاة المصابيح للتبريزي، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٣: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني.\nمشكاة المصابيح للتبريزي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، تحقيق: تحقيق محمد ناصر الدين الألباني.\n\n٦٢٤ - مشكل الحديث لابن الفورك، عالم الكتب، ط ٢: ١٩٨٥ م، تحقيق: موسى محمد علي.\n\n٦٢٥ - مشيخة ابن الحطاب للسلفي، دار الهجرة - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م، تحقيق: حاتم بن عارف العوني.\n\n٦٢٦ - مصباح الزجاجة للكنانني، دار العربية، ط ٢: ١٤٠٣ هـ، تحقيق: محمد الكشناوي.\n\n٦٢٧ - مصنف عبد الرزاق، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية: ١٤٠٣ هـ، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\n\n٦٢٨ - المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ، تحقيق: كمال يوسف الحوت.","vol":"3","page":1536},{"text":"٦٢٩ - المصنفات المطبوعة للإمام ابن أبي الدنيا، عرض ونقد، للدكتور عبد اللَّه محمد حسن دمفو، مجلة جامعة الملك عبد العزيز العلوم التربوية (١٤١٧ هـ، ١٩٩٧ م).\n\n٦٣٠ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر العسقلاني، تحقيق غنيم بن عباس بن غنيم، ياسر بن إبراهيم بن محمد، دار الوطن، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n\n٦٣١ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر العسقلاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار المعرفة.\n\n٦٣٢ - المطر والرعد والبرق والريح، لابن أبي الدنيا، تحقيق وتخريج: طارق محمد سكلوع العمودي، دار ابن الجوزي، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n\n٦٣٣ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ حكمي، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر.\n\n٦٣٤ - المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع لحامد بن محمد المصلح، ط ٢: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n\n٦٣٥ - معاني القرآن للزجاج، تحقيق: د. عبد الجليل شلبي، عالم الكتب، ط ١: ١٤٠٨ هـ.\n\n٦٣٦ - معاني القرآن للنحاس، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، الطبعة","vol":"3","page":1537},{"text":"الأولى: ١٤٠٩ هـ، تحقيق: محمد علي الصابوني.\n\n٦٣٧ - المعجم الأوسط، للطبراني تحقيق، طارق بن عوض اللَّه بن محمد - عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين للطباعة والنشر.\n\n٦٣٨ - معجم البلدان لياقوت الحموي، الناشر: دار الفكر - بيروت.\nمعجم البلدان لياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n\n٦٣٩ - معجم الشعراء، للمرزباني، ت: عبد البشار فراج، ١٣٧٩ هـ، دار إحياء الكتب العربية.\n\n٦٤٠ - معجم الشيوخ للصيداوي، مؤسسة الرسالة، ط ١: ١٤٠٥ هـ، تحقيق: عمر تدمري.\n\n٦٤١ - معجم الصحابة لابن قانع، مكتبة الغرباء الأثرية، ط ١: ١٤١٨ هـ، تحقيق: صلاح المصراتي.\n\n٦٤٢ - المعجم الكبير للطبراني، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية: ١٤١٨ هـ - ١٩٨٣ م، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.\n\n٦٤٣ - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، للبكري، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الثالثة: ١٤٠٣ هـ، تحقيق: مصطفى السقا.\n\n٦٤٤ - معجم مصنفات ابن أبي الدنيا لمؤلف مجهول، تحقيق: صلاح الدين المنجد، انظر مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مجلد ٤٩، سنة ١٩٧٤ م.\n\n٦٤٥ - معجم مقاييس اللغة لابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون،","vol":"3","page":1538},{"text":"دار الجيل.\n\n٦٤٦ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ، تحقيق: بشار عواد معروف، شعيب الأرناؤوط، صالح مهدي عباس.\n\n٦٤٧ - معرفة علوم الحديث للحاكم، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية: ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، تحقيق: السيد معظم حسين.\n\n٦٤٨ - المعرفة والتاريخ للفسوي، دار الكتب العلمية، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م، تحقيق: خليل منصور.\n\n٦٤٩ - المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، إعداد أبي عبد اللَّه ابن إبراهيم آل بليطيح الوايلي.\n\n٦٥٠ - المغرب في ترتيب المعرب، لابن المطرز، مكتبة أسامة بن زيد - حلب، الطبعة الأولى: ١٩٧٩ م، تحقيق: محمود فاخوري وعبد الحميد مختار.\n\n٦٥١ - مغني المحتاج للشربيني، دار الفكر.\n\n٦٥٢ - المغني في الضعفاء للذهبي، تحقيق: نور الدين عتر.\n\n٦٥٣ - المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني لابن قدامة، دار الفكر، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ.\n\n٦٥٤ - المفاريد عن رسول اللَّه ﷺ لأبي يعلى، مكتبة دار الأقصى - الكويت، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ، تحقيق: عبد اللَّه بن","vol":"3","page":1539},{"text":"يوسف الجديع.\n\n٦٥٥ - مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي، الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة، الطبعة الثالثة: ١٣٩٩ هـ.\n\n٦٥٦ - مفتاح دار السعادة، لابن القيم تحقيق علي حسن عبد الحميد دار ابن عفان.\n\n٦٥٧ - مفتاح دار السعادة لابن القيم، دار الكتب العلمية - بيروت.\n\n٦٥٨ - مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني، ت: السيد أحمد صقر، دار المعرفة.\n\n٦٥٩ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، تحقيق: هلموت ريتر.\n\n٦٦٠ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: محي الدين عبد الحميد. المكتبة العصرية، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n\n٦٦١ - مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- لابن أبي الدنيا، تحقيق: إبراهيم صالح، دار البشائر، ط ١: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n\n٦٦٢ - مقتل علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد باقر المحمودي، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزراة الثقافة بطهران.\n\n٦٦٣ - المقتني في سرد الكنى للذهبي، تحقيق محمد صالح المراد، مطبوعات المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة رقم (١٦)، ١٤٠٨ هـ.\n\n٦٦٤ - مقدمة ابن الصلاح، مكتبة الفارابي، الطبعة: الأولى ١٩٨٤ م.","vol":"3","page":1540},{"text":"٦٦٥ - المقصد الأرشد لابن مفلح، مكتبة الرشد، ط ١: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م، تحقيق: عبد الرحمن العثيمين.\n\n٦٦٦ - المقلق لابن الجوزي، ت: مجدي السيد، دار الصحابة للتراث، ط ١، ١٤١١ هـ.\n\n٦٦٧ - مكائد الشيطان، جمع مجدي السيد، مكتبة القرآن بالقاهرة.\n\n٦٦٨ - مكارم الأخلاق في معاليها للخرائطي، مطبعة المدني، ط ١: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م، تحقيق: موسى لاشين، محمد رشاد خليفة.\n\n٦٦٩ - مكارم الأخلاق، لابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠ م.\nمكارم الأخلاق، لابن أبي الدنيا، حققه وشرحه وقدم له: جيمز أ. بلمي، مكتبة ابن تيمية، ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n\n٦٧٠ - الملل والنحل للشهرستاني، دار المعرفة - بيروت، ١٤٠٤ هـ، تحقيق: محمد سيد كيلاني.\n\n٦٧١ - من عاش بعد الموت لأبن أبي الدنيا، تحقيق: أحمد علي جاب اللَّه، دار الكتب العلمية، ١٤٠٧ هـ.\n\n٦٧٢ - من عاش بعد الموت لابن أبي الدنيا، تحقيق: عبد اللَّه محمد الدرويش، عالم الكتب، ١٤٠٦ هـ.\n\n٦٧٣ - منار السبيل في شرح الدليل، لابن ضويان، ت: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ط ٥: ١٤٠٢ هـ.","vol":"3","page":1541},{"text":"٦٧٤ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن القيم، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطعة الثانية: ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n\n٦٧٥ - منازل السائرين لشيخ الإسلام الهروي، دار الكتب العلمية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n\n٦٧٦ - مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي، تحقيق: د. عبد اللَّه التركى، دار هجر، ط ٢: ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.\n\n٦٧٧ - مناقب الإمام الأعظم سفيان الثوري للذهبي، دار الصحابة للتراث بطنطا، ط ١: ١٤١٣ هـ.\n\n٦٧٨ - مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي، دار الكتب العلمية، ط ٣: ١٤٠٧ هـ، تحقيق: د. زينب القاروط.\n\n٦٧٩ - المنامات لابن أبي الدنيا، تحقيق: مجدي السيد، مكتبة القرآن بالقاهرة، ١٩٨٩ م.\n\n٦٨٠ - المنتخب من السياق للصيرفيني، دار الفكر، ١٤١٤ هـ، تحقيق: أحمد حيدر.\n\n٦٨١ - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي، دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى: ١٣٥٨ هـ.\n\n٦٨٢ - المنتقى للباجي، ت: محمد تتامر، مكتبة الثقافة الدينية.\n\n٦٨٣ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، طبعة ١: بجامعة الإمام محمد","vol":"3","page":1542},{"text":"بن سعود الإسلامية ١٤٥٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n\n٦٨٤ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ.\n\n٦٨٥ - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية: ١٣٩٢ هـ.\n\n٦٨٦ - المنهاج في شعب الإيمان لأبي عبد اللَّه الحسين بن الحسن الحليمي، تحقيق محمد فودة، دار الفكر، ط ١: ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.\n\n٦٨٧ - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد للعليمي، دار صادر، ط ١: ١٩٩٧ م، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، محمود الأرنؤوط.\n\n٦٨٨ - منهج الإمام مالك -﵀- في إثبات العقيدة للدكتور سعود الدعجان، ط ١: ١٤١٦ هـ، مكتبة العم بجدة.\n\n٦٨٩ - منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال للشيخ ربيع، الإنترنت.\n\n٦٩٠ - المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي، لابن جماعة، دار الفكر - دمشق، الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ، تحقيق: د. محيي الدين عبد الرحمن رمضان.\n\n٦٩١ - المنية والأمل، للقاضي عبد الجبار، جمع أحمد المرتضى، ت: عصام الدين محمد علي، دار المعرفة الجامعية.\n\n٦٩٢ - منيف الرتبة لمن ثبت له شرف الصحبة للعلائي، مؤسسة الرسالة، ط ١: ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م، تحقيق: محمد سليمان الأشقر.","vol":"3","page":1543},{"text":"٦٩٣ - المهذب للشيرازي، دار الفكر.\n\n٦٩٤ - الموافقات في أصول الفقه للشاطبي، دار المعرفة - بيروت، تحقيق: عبد اللَّه دراز.\n\n٦٩٥ - الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية لمحماس الجلعود، مكتبة ابن الجوزي، ط ٢، ١٤١٠ هـ، ١٩٨٩ م.\n\n٦٩٦ - موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، الطبعة الهندية.\n\n٦٩٧ - موقف الإسلام من السحر دراسة نقدية على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة للدكتورة حياة با أخضر، دار المجتمع، ط ١: ١٤٠٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n\n٦٩٨ - مولد العلماء ووفياتهم للربعي، دار العاصمة، ط ١: ١٤١٠ هـ، تحقيق: عبد اللَّه الحمد.\n\n٦٩٩ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، الذهبي تحقيق على محمد البجاوي، دار المعرفة.\n\n٧٠٠ - النبوات لابن تيمية، المطبعة السلفية - القاهرة، ١٣٨٦ هـ.\n\n٧٠١ - النجوم الزاهرة لابن تغري بردي، دار الكتب العلمية، تحقيق: محمد حسين.\n\n٧٠٢ - نزهة الحفاظ لأبي موسى المديني، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤٠٦ هـ، تحقيق: عبد الرضا محمد عبد المحسن.","vol":"3","page":1544},{"text":"٧٠٣ - النزول للدارقطني، تحقيق د/ علي ناصر فقيهي، ط ١: ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n\n٧٠٤ - نسخة أبي مسهر، دار الصحابة للتراث - طنطا، الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ، تحقيق: مجدي فتحي السيد.\n\n٧٠٥ - نصب الراية للزيلعي، دار الحديث - مصر، ١٣٥٧ هـ، تحقيق: محمد يوسف البنوري.\n\n٧٠٦ - نظم المتناثر للكتاني، دار الكتب السلفية، تحقيق: شرف حجازي.\n\n٧٠٧ - نقض الإمام محمد بن سعيد الدارمي على بشر، مكتبة الرشيد، الطبعة الأولى: ١٩٩٨ م، تحقيق: د. رشيد بن حسن الألمعي.\n\n٧٠٨ - نقض تأسيس الجهمية لابن تيمية، تحقيق: محمد بن قاسم النجدي، طبع بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n\n٧٠٩ - النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر، ت: د/ ربيع المدخلي، عمادة البحث العلملى بالجامعة الإسلامية، ط ١: ١٤٠٤ هـ.\n\n٧١٠ - نهاية البداية لابن كثير، وهو النهاية في الفتن والملاحم، مطابع مؤسسة النور، تحقيق: إسماعيل الأنصاري، ١٣٨٨ هـ.\n\n٧١١ - النهاية في غريب الأحاديث لابن الأثير، المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي.\n\n٧١٢ - نوادر الأصول في أحاديث الرسول للحكيم الترمذي، دار الجيل،","vol":"3","page":1545},{"text":"ط ١: ١٩٩٢ م، تحقيق: عبد الرحمن عميرة.\n\n٧١٣ - هجر المبتدع للشيخ بكر أبي زيد، دار ابن الجوزي، ١٤٠٩ هـ.\n\n٧١٤ - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم، الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة.\n\n٧١٥ - هدي الساري، انظر فتح الباري.\n\n٧١٦ - هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين لإسماعيل باشا، مكتبة الإسلامية والجعفري تبريزي بطهران، ١٣٨٧ هـ، ١٩٤٧ م.\n\n٧١٧ - هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث لمحمد حبيب اللَّه الشنقيطي، تحقيق: رمزي دمشقية، دار البشائر الإسلامية، ط ١: ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م.\n\n٧١٨ - الهم والحزن لابن أبي الدنيا، تحقيق: مجدي السيد، دار السلام القاهرة، ١٤١٢ هـ.\n\n٧١٩ - الهواتف، لابن أبي الدنيا، تحقيق وتعليق: مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن.\nالهواتف، لابن أبي الدنيا، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١: ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n\n٧٢٠ - الوافي بالوفيات للصفدي، دار إحياء التراث، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م، تحقيق: أحمد الأرنؤوط وزكي مصطفى.\n\n٧٢١ - الوجل والتوثق بالعمل، لابن أبي الدنيا، ضبط نصه وقدم له وعلق","vol":"3","page":1546},{"text":"عليه وخرج أحاديثه: أبو عبيد مشهور بن حسن آل سلمان، دار الوطن، ط ١: ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n\n٧٢٢ - وجوب التثبت في الأخبار واحترام العلماء وبيان مكانتهم في الأمة، للشيخ صالح الفوزان، دار إمام الدعوة للنشر، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n\n٧٢٣ - الورع لابن أبي الدنيا، بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، دار ابن حزم، ط ١: ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.\n\n٧٢٤ - الورع لابن أبي الدنيا، تحقيق وتعليق: أبي عبد اللَّه محمد بن حمد الحمود، الدار السلفية، ط ١: ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n\n٧٢٥ - الورع لأحمد، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، تحقيق: د. زينب إبراهيم القاروط.\n\n٧٢٦ - الوزراء والكتاب للجهشياري، تحقيق: مصطفى السقا وغيره، ك ٢، ١٤٠١ هـ - ١٩٨٠ م، مصطفى البابي الحلبي.\n\n٧٢٧ - الوسيط في تفسير القرآن المجيد لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي بن محمد معوض، د. أحمد محمد صيرة، د. أحمد عبد الغني الحمل، د. عبد الرحمان عويس، دار الكتب العلمية، توزيع: مكتبة دار الباز، عباس أحمد الباز، ط ١: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n\n٧٢٨ - وصايا العلماء للربعي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة المعارف، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.","vol":"3","page":1547},{"text":"٧٢٩ - وصايا العلماء للربعي، دار ابن كثير - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، صلاح محمد الخيمي.\n\n٧٣٠ - الوضع في الحديث للدكتور عمر حسن فلاتة، مكتبة الغزالي دمشق، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n\n٧٣١ - الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي، المؤسسة السعيدية بالرياض، تحقيق: محمد النجار.\n\n٧٣٢ - وفيات الأعيان لابن خلكان، ت: إحسان عباس، دار صادر.\n\n٧٣٣ - يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان، مكتبة عاطف - دار الأنصار - القاهرة، الطبعة الأولى: ١٣٩٨ هـ - ١٩٨٧ م، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>ثالثًا: المجلات والدوريات:</span>\n\n٧٣٤ - مجلة الآباء الدومينيكان.\nمجلة الآباء الدومينيكان: المنتقى من كتاب الرهبان لابن أبي الدنيا، انتقاه مؤلف مجهول، بتحقيق محمد صلاح الدين المنجد.\n\n٧٣٥ - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n\n٧٣٦ - مجلة مجمع اللغة العربية الأردني ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n\n٧٣٧ - مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق.","vol":"3","page":1548}]}